######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000871 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الجصاص #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي الرازي الجصاص أبو بكر #META# 011.AuthorBORN :: 305 #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أحكام القرآن :: أحكام القرآن وغريبه :: التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 5 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أحكام القرآن للجصاص #META# 030.LibURI :: JK_000871 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد الصادق قمحاوي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار إحياء التراث العربي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1405 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # أحكام القرآن للجصاص PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي رضي الله عنه قد قدمنا في صدر هذا الكتاب ~~مقدمة تشتمل على ذكر جمل مما لا يسع جهله من أصول التوحيد وتوطئة لما يحتاج ~~إليه من معرفة طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وإحكام ألفاظه وما ~~تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء اللغوية والعبارات الشرعية إذ كان ~~أولى العلوم بالتقديم معرفة توحيد الله وتنزيهه عن شبه خلقه وعما نحله ~~المفترون من ظلم عبيده والآن حتى انتهى بنا القول إلى ذكر أحكام القرآن ~~ودلائله والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه ويزلفنا لديه إنه ولي ذلك ~~والقادر عليه # | باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر الكلام فيها من وجوه أحدها معنى الضمير الذي فيها والثاني هل ~~هي من القرآن في افتتاحه والثالث هل هي من الفاتحة أم لا والرابع هل هي من ~~أوائل السور والخامس هل هي آية تامة أم ليست بآية تامة والسادس قراءتها في ~~الصلاة والسابع تكرارها في أوائل السور في الصلاة والثامن الجهر بها ~~والتاسع ذكر ما في مضمرها من الفوائد وكثرة المعاني فنقول إن فيها ضمير فعل ~~لا يستغنى الكلام عنه لأن الباء مع سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعل إما ~~مظهر مذكور وإما مضمر محذوف والضمير في هذا الموضع ينقسم إلى معنيين خبر ~~وأمر فإذا كان الضمير خبرا كان معناه ابدأ بسم الله فحذف هذا الخبر وأضمر ~~لأن القارئ مبتدئ فالحال المشاهدة منبئة عنه ومغنية عن ذكره وإذا كان أمرا ~~كان معناه ابدأ وبسم الله واحتماله لكل واحد من المعنيين على وجه واحد وفي ~~نسق تلاوة السورة دلالة على أنه أمر وهو قوله تعالى @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~ومعناه قولوا إياك كذلك ابتداء الخطاب في معنى قوله بسم الله وقد ورد الأمر ~~بذلك في مواضع PageV01P005 من القرآن مصرحا وهو قوله تعالى @QB@ اقرأ باسم ~~ربك @QE@ فأمر في افتتاح القراءة بالتسمية كما أمر إمام القراءة بتقديم ~~الاستعاذة وهو إذا كان خبرا فإنه ms0001 يتضمن معنى الأمر لأنه لما كان معلوما أنه ~~خبر من الله بأنه يبدأ باسم الله ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرك ~~بافتتاحه لأنه إنما أخبرنا به لنفعل مثله ولا يبعد أن يكون الضمير لهما ~~جميعا فيكون الخبر والأمر جميعا مرادين لاحتمال اللفظ لهما فإن قال قائل لو ~~صرح بذكر الخبر لم يجز أن يريد به المعنيين جميعا من الأمر والخبر كذلك يجب ~~أن يكون حكم الضمير في انتفاء إرادة الأمرين # قيل له إذا أظهر صيغة الخبر امتنع أن يريدهما لاستحالة كون لفظ واحد أمرا ~~وخبرا في حال واحد لأنه متى أراد بالخبر الأمر كان اللفظ مجازا وإذا أراد ~~به حقيقة الخبر كان حقيقة وغير جائز أن يكون اللفظ الواحد مجازا حقيقة لأن ~~الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه والمجاز ما عدل به عن موضعه إلى غيره ~~ويستحيل كونه مستعملا في موضعه ومعدولا به عنه في حال واحد فلذلك امتنع ~~إرادة الخبر والأمر بلفظ واحد وأما الضمير فغير مذكور وإنما هو متعلق ~~بالإرادة ولا يستحيل إرادتهما معا عند احتمال اللفظ لإضمار كل واحد منهما ~~فيكون معناه حينئذ ابدأ بسم الله على معنى الخبر وابدأ واأنتم أيضا به ~~اقتداء بفعلى وتبركا به غير أن جواز إرادتهما لا يوجب عند الإطلاق ~~إثبابتهما إلا بدلالة إذ ليس هو عموم لفظ مستعمل على مقتضاه وموجبه وإنما ~~الذي يلزم حكم اللفظ إثبات ضمير محتمل لكل واحد من الوجهين وتعيينه في ~~أحدهما موقوف على الدلالة كذلك قولنا في نظائره نحو قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) لأن الحكم لما ~~تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا ويحتمل المأثم لم يمتنع إرادة الأمرين بأن ~~لا يلزمه شيء ولا مأثم عليه عند الله لاحتمال اللفظ لهما وجواز إرادتهما ~~إلا أنه مع ذلك ليس بعموم لفظ فينتظمهما فاحتجنا في إثبات المراد إلى دلالة ~~من غيره وليس يمتنع قيام الدلالة على إرادة أحدهما بعينه أو إرادتهما جميعا ~~وقد يجيء من الضمير المحتمل لأمرين ما ms0002 لا يصح إرادتهما معا نحو ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنما الأعمال بالنيات ) معلوم أن حكمه ~~متعلق بضمير يحتمل جواز العمل ويحتمل أفضليته فمتى أراد الجواز امتنعت ~~PageV01P006 إرادة الأفضلية لأن إرادة الجواز تنفي ثبوت حكمه مع عدم النية ~~وإرادة الأفضلية تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة مع إثبات النقصان فيه ~~ونفي الأفضلية ويستحيل أن يريد نفي الأصل ونفي الكمال الموجب للنقصان في ~~حال واحد وهذا مما لا يصح فيه إرادة المعنيين من نفي الأصل وإثبات النقص ~~ولا يصح قيام الدلالة على إرادتهما قال أبو بكر وإذا ثبت اقتضاؤه لمعنى ~~الأمر انقسم ذلك إلى فرض ونفل فالفرض هو ذكر الله عند افتتاح الصلاة في ~~قوله تعالى @QB@ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى @QE@ فجعله مصليا عقيب ~~الذكر فدل على أنه أراد ذكر التحريمة وقال تعالى @QB@ واذكر اسم ربك وتبتل ~~إليه تبتيلا @QE@ قيل إن المراد به ذكر الافتتاح روي عن الزهري في قوله ~~تعالى وألزمهم كلمة التقوى قال هي بسم الله الرحمن الرحيم وكذلك هو في ~~الذبيحة فرض وقد أكده بقوله واذكروا اسم الله عليها صواف وقوله ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وهو في الطهارة والأكل والشرب وابتداء ~~الأمور نفل فإن قال قائل هل لا أوجبتم التسمية على الوضوء بمقتضى الظاهر ~~لعدم الدلالة على خصوصه مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) قيل له الضمير ليس بظاهر فيعتبر عمومه ~~وإنما ثبت منه ما قامت الدلالة عليه وقوله ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه ) على جهة نفي الفضيلة لدلائل قامت عليه # | باب القول في أن البسملة من القرآن # قال أبو بكر لا خلاف بين المسلمين في أن بسم الله الرحمن الرحيم من ~~القرآن في قوله تعالى @QB@ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ ~~وروي أن جبريل عليه السلام أول ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ms0003 بالقرآن ~~قال له اقرأ قال ما أنا بقارئ قال له اقرأ باسم ربك الذي خلق وروى أبو قطن ~~عن المسعودي عن الحرث العكلي أن النبي عليه السلام كتب في أوائل الكتب ~~باسمك اللهم حتى نزل بسم الله مجريها ومرسيها فكتب بسم الله ثم نزل قوله ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن @QE@ فكتب فوقه الرحمن فنزلت قصة ~~سليمان فكتبها حينئذ ومما سمعنا في سنن أبي داود قال قال الشعبي ومالك ~~وقتادة وثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ~~حتى PageV01P007 نزلت سورة النمل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~أراد أن يكتب بينه وبين سهيل بن عمرو كتاب الهدنة بالحديبية قال لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال له سهيل باسمك ~~اللهم فإنا لا نعرف الرحمن إلى أن سمح بها بعد فهذا يدل على أن بسم الله ~~الرحمن الرحيم لم تكن من القرآن ثم أنزلها الله تعالى في سورة النمل # | القول في أن البسملة من فاتحة الكتاب # قال أبو بكر ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا فعدها قراء الكوفيين ~~آية منها ولم يعدها قراء البصريين وليس عن أصحابنا رواية منصوصة في أنها ~~آية منها إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر بها وهذا ~~يدل على أنها ليست منها عندهم لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر بها كما ~~جهر بسائر آي السور وقال الشافعي هي آية منها وإن تركها أعاد الصلاة وتصحيح ~~أحد هذين القولين موقوف على الجهل والإخفاء على ما سنذكره فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى # | القول في البسملة هل هي من أوائل السور # قال أبو بكر ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها على ~~ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ~~ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها إذ ليس من ms0004 قول أحد ~~أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها أية من ~~كل سورة وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها ~~آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها ولم يعدها أحد آية من سائر السور ~~ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديث سفيان بن عيينة عن العلاء ~~بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( قال ~~الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ~~ولعبدي ما سأل فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا ~~قال الرحمن الرحيم قال مجدني عبدي أو أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم ~~الدين قال فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذه بيني وبين ~~عبدي ولعبدي ما سأل فيقول عبدي إهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها قال لعبدي ~~ما سأل ) فلو كانت من فاتحة PageV01P008 الكتاب لذكرها فيما ذكر من آي ~~السورة فدل ذلك على أنها ليست منها ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب وجعلها نصفين فانتفى بذلك أن ~~تكون بسم الله الرحمن الرحيم آية منها من وجهين أحدهما إنه لم يذكرها في ~~القسمة الثاني أنها لو صارت في القسمة لما كانت نصفين بل كان يكون ما لله ~~فيها أكثر مما للعبد لأن بسم الله الرحمن الرحيم ثناء على الله تعالى لا ~~شيء للعبد فيه فإن قال قائل إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في ~~أضعاف السورة قيل له هذا خطأ من وجهين أحدهما أنه إذا كانت آية غيرها فلا ~~بد من ذكرها ولو جاز ما ذكرت لجاز الاقتصار بالقرآن على ما في السورة منها ~~دونها ووجه آخر وهو أن قوله بسم الله فيه ثناء على الله وهو مع ذلك اسم ~~مختص بالله تعالى لا يسمى به غيره فالواجب لا محالة أن يكون مذكورا ms0005 في ~~القسمة إذ لم يتقدم له ذكر فيما قسم من آي السورة وقد روي هذا الخبر على ~~غير هذا الوجه وهو ما حدثنا به محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبدالرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن ~~زهرة يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال ~~الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ~~سأل يقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي فيقول الرحمن ~~الرحيم يقول الله أثنى علي عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني ~~عبدي وهذه الآية بيني وبين عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين فهذه ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ) فذكر في هذا الحديث في مالك يوم الدين إنه ~~بيني وبين عبدي نصفين هذا غلط من راويه لأن قوله تعالى مالك يوم الدين ثناء ~~خالص لله تعالى لا شيء للعبد فيه كقوله الحمد لله رب العالمين وإنما جعل ~~قوله إياك نعبد وإياك نستعين بينه وبين العبد لما انتظم من الثناء على الله ~~تعالى ومن مسألة العبد ألا ترى أن سائر الآي بعدها من قوله تعالى إهدنا ~~الصراط المستقيم جعلها للعبد خاصة إذ ليس فيه ثناء على الله وإنما هو مسألة ~~من العبد لما ذكر ومن جهة أخرى أن قوله مالك يوم الدين لو كان بينه وبين ~~العبد وكذلك قوله إياك نعبد وإياك نستعين لما كان نصفين على قول من يعد بسم ~~الله الرحمن الرحيم آية بل كان يكون لله تعالى أربع وللعبد ثلاث ومما يدل ~~على أن البسملة ليست من أوائل السور وإنما هي للفصل بينها ما حدثنا ~~PageV01P009 محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال ~~أخبرنا هشيم عن عوف الأعرابي عن يزيد القاري قال سمعت ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه ما حملكم على أن عمدتم إلى ms0006 ~~براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ~~ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما ينزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له فيقول ضع ~~هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وينزل عليه الآية والآيتان ~~فيقول مثل ذلك وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من ~~آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فمن هناك ~~وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فأخبر ~~عثمان أن بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من السورة وأنه إنما كان يكتبها في ~~فصل السورة بينها وبين غيرها لا غير وأيضا فلو كانت من السور ومن فاتحة ~~الكتاب لعرفته الكافة بتوقيف من النبي عليه السلام إنها منها كما عرفت ~~مواضع سائر الآي من سورها ولم يختلف فيها وذلك أن سبيل العلم بمواضع الآي ~~كهو بالآي نفسها فلما كان طريق إثبات القرآن نقل الكافة دون نقل الآحاد وجب ~~أن يكون كذلك حكم مواضعه وترتيبه ألا ترى أنه غير جائز لأحد إزالة ترتيب آي ~~القرآن ولا نقل شيء منه عن مواضعه إلى غيره فإن فاعل ذلك بمنزلة من رام ~~إزالته ورفعه فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم من أوائل السور لعرفت الكافة ~~موضعها منها كسائر الآي وكموضعها من سورة النمل فلما لم نرهم نقلوا ذلك ~~إلينا من طريق التواتر الموجب للعلم لم يجز لنا إثباتها في أوائل السور فإن ~~قال قائل قد نقلوا إلينا جميع ما في المصحف على أنه القرآن وذلك كاف في ~~إثباتها من السور في مواضعها المذكورة في المصحف قيل له إنما نقلوا إلينا ~~كتبها في أوائلها ولم ينقلوا إلينا أنها منها وإنما الكلام بيننا وبينكم في ~~أنها من هذه السورة التي هي مكتوبة في أوائلها ونحن نقول بأنها من القرآن ~~أثبتت في هذه المواضع لا على أنها من السور وليس إيصالها بالسورة ms0007 في المصحف ~~وقراءتها معها موجبين أن يكون منها لأن القرآن كله بعضه متصل ببعض وما قيل ~~بسم الله الرحمن الرحيم متصل بها ولا يجب من أجل ذلك أن يكون الجميع سورة ~~واحدة فإن قال قائل لما نقل إلينا المصحف وذكروا أن ما فيه هو القرآن على ~~نظامه وترتيبه فلو لم تكن من أوائل السور مع النقل المستفيض لبينوا ذلك ~~PageV01P010 وذكروا أنها ليست من أوائلها لئلا تشتبه قيل له هذا يلزم من ~~يقول أنها ليست من القرآن فأما من أعطى القول بأنها منه فهذا السؤال ساقط ~~عنه فإن قيل ولو لم تكن منها لعرفته الكافة حسب ما ألزمت من يقول أنها منها ~~قيل له لا يجب ذلك لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من السورة أنه ليس منها ~~كما ليس عليهم نقل ما ليس من القرآن أنه ليس منه وإنما عليهم نقل ما هو من ~~السورة أنه منها كما عليهم نقل ما هو من القرآن أنه منه فإذا لم يرد النقل ~~المستفيض بكونها من السور واختلف فيه لم يجز لنا إثباتها كإثبات القرآن ~~نفسه ويدل أيضا على أنها ليست من أوائل السور ما حدثنا محمد بن جعفر بن ~~أبان قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا مسدد قال حدثني يحيى بن سعيد عن ~~شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ( سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده ~~الملك ) واتفق القراء وغيرهم أنها ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم ~~فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين آية وذلك خلاف قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويدل عليه أيضا اتفاق جميع قراء الأمصار وفقهائهم على أن سورة الكوثر ~~ثلاث آيات وسورة الإخلاص أربع آيات فلو كانت منها لكانت أكثر مما عدوا فإن ~~قال قائل إنما عدوا سواها لأنه لا إشكال فيها عندهم قيل له فكان لا يجوز ~~لهم أن يقول سورة الإخلاص أربع آيات وسورة الكوثر ثلاث ms0008 آيات والثلاث ~~والأربع إنما هي بعض السورة ولو كان كذلك لوجب أن يقولوا في الفاتحة أنها ~~ست آيات قال أبو بكر رحمه الله وقد روى عبدالحميد ابن جعفر عن نوح بن أبي ~~جلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول ( الحمد لله رب العالمين سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم ) ~~وشك بعضهم في ذكر أبي هريرة في الإسناد وذكر أبو بكر الحنفي عن عبدالحميد ~~بن جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ~~عليه السلام قال ( إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله ~~الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها ) قال أبو بكر ثم لقيت نوحا فحدثني به عن ~~سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله ولم يرفعه ومثل هذا الاختلاف في السند ~~والرفع يدل على أنه غير مضبوط في الأصل فلم يثبت به توقيف عن النبي عليه ~~السلام ومع ذلك فجائز أن يكون قوله فإنها إحدى آياتها من قول أبي هريرة لأن ~~الراوي قد يدرج كلامه في PageV01P011 الحديث من غير فصل بينهما لعلم السامع ~~الذي حضره بمعناه وقد وجد مثل ذلك كثيرا في الأخبار فغير جائز فيما كان هذا ~~وصفه أن يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتمال وجائز أن يكون أبو ~~هريرة قال ذلك من جهة أنه سمع النبي عليه السلام يجهر بها وظنها من السورة ~~لأن أبا هريرة قد روى الجهر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا لو ثبت هذا ~~الحديث عاريا من الاضطراب في السند والاختلاف في الرفع وزوال الاحتمال في ~~كونه من قول أبي هريرة لما جاز لنا إثباتها من السورة إذ كان طريق إثباتها ~~نقل الأمة على ما بين آنفا # فصل وأما القول في أنها آية أو ليست بآية فإنه لا خلاف أنها ليست بآية ~~تامة في سورة النمل وأنها هناك بعض آية وإن ابتداء الآية من قوله تعالى ~~@QB@ إنه من سليمان @QE@ ومع ذلك فكونها ليست ms0009 آية تامة في سورة النمل لا ~~يمنع أن تكون آية في غيرها لوجودها مثلها في القرآن ألا ترى أن قوله @QB@ ~~الرحمن الرحيم @QE@ في أضعاف الفاتحة هو آية تامة وليست بآية تامة من قوله ~~بسم الله الرحمن الرحيم عند الجميع وكذلك قوله @QB@ الحمد لله رب العالمين ~~@QE@ هو آية تامة في الفاتحة وهي بعض آية في قوله تعالى وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين وإذا كان كذلك احتمل أن تكون بعض آية في فصول السور ~~واحتمل أن تكون آية على حسب ما ذكرنا وقد دللنا على أنها ليست من الفاتحة ~~فالأولى أن تكون آية تامة من القرآن من غير سورة النمل لأن التي في سورة ~~النمل ليست بآية تامة والدليل على أنها آية تامة حديث ابن أبي مليكة عن أم ~~سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة ~~فعدها آية وفي لفظ آخر أن النبي عليه السلام كان يعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية فاصلة رواه الهيثم بن خالد عن أبي عكرمة عن عمرو بن هرون عن أبي ~~مليكة عن أم سلمة عن النبي عليه السلام وروى أيضا أسباط عن السدي عن عبد ~~خير عن علي أنه كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية وعن ابن عباس مثله وروى ~~عبدالكريم عن أبي أمية البصري عن ابن أبي بردة عن أبيه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية أو سورة لم تنزل ~~على نبي بعد سليمان عليه السلام غيري فمشى واتبعته حتى انتهى إلى باب ~~المسجد وأخرج إحدى رجليه من أسكفة الباب وبقيت الرجل الأخرى ثم اقبل علي ~~بوجهه فقال بأي شيء تفتح القرآن PageV01P012 إذا افتتحت الصلاة فقلت ببسم ~~الله الرحمن الرحيم قال ثم خرج ) قال أبو بكر فثبت بما ذكرنا أنها آية إذ ~~لم تعارض هذه الأخبار أخبار غيرها في نفي كونها آية فإن قال قائل يلزمك على ~~ما أصلت أن لا تثبتها آية بأخبار الآحاد ms0010 حسب ما قلته في نفي كونها آية من ~~أوائل السور قيل له لا يجب ذلك من قبل أنه ليس على النبي صلى الله عليه ~~وسلم توقيف الأمة على مقاطع الآي ومقاديرها ولم يتعبد بمعرفتها فجائز ~~إثباتها آية بخبر الواحد وأما موضعها من السور فهو كإثباتها من القرآن ~~سبيله النقل المتواتر ولا يجوز إثباتها بأخبار الآحاد ولا بالنظر والمقاييس ~~كسائر السور وكموضعها من سورة النمل ألا ترى أنه قد كانه يكون من النبي صلى ~~الله عليه وسلم توقيف على موضع الآي على ما روى ابن عباس عن عثمان وقد ~~قدمنا ذكره ولم يوجد عن النبي عليه السلام توقيف في سائر الآي على مباديها ~~ومقاطعها فثبت أنه غير مفروض علينا مقادير الآي فإذ قد ثبت أنها آية فليست ~~تخلو من أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه من القرآن وإن لم تكن من ~~أوائل السور أو أن تكون آية منفردة كررت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في ~~أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى فالأولى أن تكون آية في كل ~~موضع هي مكتوبة فيه لنقل الأمة أن جميع ما في المصحف من القرآن ولم يخصوا ~~شيئا منه من غيره وليس وجودها مكررة في هذه المواضع مخرجها من أن تكون من ~~القرآن لوجودنا كثيرا منه مذكورا على وجه التكرار ولا يخرجه ذلك من أن تكون ~~كل آية منها وكل لفظة من القرآن في الموضع المذكور فيه نحو قوله @QB@ الحي ~~القيوم @QE@ في سورة البقرة مثله في سورة آل عمران ونحو قوله @QB@ فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان @QE@ كل آية منها مفردة في موضعها من القرآن لا على معنى ~~تكرار آية واحدة وكذلك بسم الله الرحمن الرحيم وقول النبي عليه السلام أنها ~~آية يقتضى أن تكون آية في كل موضع ذكرت فيه # فصل وأما قراءتها في الصلاة فإن أبا حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والحسن ~~بن صالح وأبا يوسف ومحمد وزفر والشافعي كانوا يقولون بقراءتها في الصلاة ~~بعد الاستعاذة قبل فاتحة الكتاب ms0011 واختلفوا في تكرارها في كل ركعة وعند ~~افتتاح السورة فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة مرة واحدة ~~عند ابتداء قراءة فاتحة الكتاب ولا يعيدها مع السورة عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف وقال محمد والحسن بن زياد PageV01P013 عن أبي حنيفة إذا قرأها في أول ~~ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يسلم وإن ~~قرأها مع كل سورة فحسن قال الحسن وإن كان مسبوقا فليس عليه أن يقرأها فيما ~~يقضي لأن الإمام قد قرأها في أول صلاته وقراءة الإمام له قراءة # قال أبو بكر وهذا يدل من قوله على أنه كان يرى بسم الله الرحمن الرحيم من ~~القرآن في ابتداء القراءة وأنها ليست مفردة على وجه التبرك فقط حسب إثباتها ~~في ابتداء الأمور والكتب ولا منقولة عن مواضعها من القرآن وروى هشام عن أبي ~~يوسف قال سألت أبا حنيفة عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب ~~وتجديدها قبل السورة التي بعد فاتحة الكتاب فقال أبو حنيفة يجزيه قراءتها ~~قبل الحمد وقال أبو يوسف يقرأها في كل ركعة قبل القراءة مرة واحدة ويعيدها ~~في الأخرى أيضا قبل فاتحة الكتاب وبعدها إذا أراد أن يقرأ سورة قال محمد ~~فإن قرأ سورا كثيرة وكانت قراءته يخفيها قرأها عند افتتاح كل سورة وإن كان ~~يجهر بها لم يقرأها لأنه في الجهر يفصل بين السورتين بسكتة # قال أبو بكر وهذا من قول محمد يدل على أن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ~~إنما هي للفصل بين السورتين أو لابتداء القراءة وأنها ليست من السورة ولا ~~دلالة فيه على أنه كان لا يراها آية وأنها ليست من القرآن وقال الشافعي هي ~~من أول كل سورة فيقرأها عند ابتداء كل سورة قال أبو بكر وقد روي عن ابن ~~عباس ومجاهد أنها تقرأ في كل ركعة وعن إبراهيم قال إذا قرأتها في أول كل ~~ركعة أجزأك فيما بقي وقال مالك بن أنس لا يقرأها في المكتوبة سرا ولا ms0012 جهرا ~~وفي النافلة إن شاء قرأ وإن شاء ترك والدليل على أنها تقرأ في سائر الصلوات ~~حديث أم سلمة وأبي هريرة أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الصلاة بسم الله ~~الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وروى أنس بن مالك قال صليت خلف النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يسرون بسم الله الرحمن ~~الرحيم وقال في بعضها يخفون وفي بعضها كانوا لا يجهرون ومعلوم أن ذلك كان ~~في الفرض لأنهم إنما كانوا يصلون خلفه في الفرائض لا في التطوع إذ ليس من ~~سنة التطوع فعلها في جماعة وقد روي عن عائشة وعبدالله بن المغفل وأنس بن ~~مالك أن النبي عليه السلام كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين وهذا ~~إنما يدل على ترك الجهر بها ولا دلالة فيه على تركها رأسا فإن قال قائل روى ~~أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال PageV01P014 كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت قيل ~~له ليس لمالك فيه دليل من قبل أنه إن ثبت أنه لم يقرأها في الثانية فإنما ~~ذلك حجة لمن يقتصر عليها في أول ركعة فأما أن يكون دليلا على تركها رأسا ~~فلا وقد روى قراءتها في أول الصلاة عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر من غير ~~معارض لهم من الصحابة فثبت بذلك قراءتها في الفرض والنفل لما ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من غير معارض لهم وعلى أنه لا فرق بين ~~الفرض والنفل لا في الإثبات ولا في النفي كما لا يختلفان في سائر سنن ~~الصلاة وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة في اقتصاره على قراءتها في أول ركعة ~~دون سائر الركعات وسورها فهو لما ثبت إنها ليست من أوائل السور وإن كانت ~~آية في موضعها على وجه الفصل بين السورتين أمرنا بالابتداء بها تبركا ثم ~~ثبت إنها مقروءة في أول الصلاة بما قدمناه وكانت حرمة ms0013 الصلاة حرمة واحدة ~~وجميع أفعالها مبنية على التحريمة صار جميع الصلاة كالفعل الواحد الذي ~~يكتفى بذكر اسم الله تعالى في ابتدائه ولا يحتاج إلى إعادته وإن طال ~~كالابتداء بها في أوائل الكتب وكما لم تعد عند ابتداء الركوع والسجود ~~والتشهد وسائر أركان الصلاة كذلك حكمها مع ابتداء السورة والركعات ويدل على ~~أنها موضوعة للفصل ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا ~~سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم وهذا ~~يدل على أن موضوعها للفصل بين السورتين وأنها ليست من السور ولا يحتاج إلى ~~تكرارها عند كل سورة فإن قال قائل إذا كانت موضوعة للفصل بين السورتين ~~فينبغي أن يفصل بينهما بقراءتها على حسب موضوعها قيل له لا يجب ذلك لأن ~~الفصل قد عرف بنزولها وإنما يحتاج في الابتداء بها تبركا وقد وجد ذلك في ~~ابتداء الصلاة ولا صلاة هناك مبتدأة فيقرأ من أجلها فلذلك جاز الاقتصار بها ~~على أولها وأما من قرأها في كل ركعة فوجه قوله إن كل ركعة لها قراءة مبتدأة ~~لا ينوب عنها القراءة في التي قبلها فمن حيث احتيج إلى استئناف القراءة ~~فيها صارت كالركعة الأولى فلما كان المسنون فيها قراءتها في الركعة الأولى ~~كان كذلك حكم الثانية إذ كان فيها ابتداء قراءة ولا يحتاج إلى إعادتها عند ~~كل سورة لأنها فرض واحد وكان حكم السورة في الركعة الواحدة حكم PageV01P015 ~~ما قبلها لأنها دوام على فعل قد ابتدأه وحكم الدوام حكم الابتداء كالركوع ~~إذا أطاله وكذلك السجود وسائر أفعال الصلاة الدوام على الفعل الواحد منها ~~حكمه حكم الابتداء حتى إذا كان الابتداء فرضا كان ما بعده في حكمه وأما من ~~رأى إعادتها عند كل سورة فإنهم فريقان أحدهما من لم يجعلها من السورة ~~والآخر من جعلها من أوائلها فأما من جعلها من أوائلها فإنه رأى إعادتها كما ~~يقرأ سائر آي ms0014 السورة وأما من لم يرها من السورة فإنه يجعل كل سورة كالصلاة ~~المبتدأة فيبتدئ فيها بقراءتها كما فعلها في أول الصلاة لأنها كذلك في ~~المصحف كما لو ابتدأ قراءة السورة في غير الصلاة بدأ بها فلذلك إذا قرأ ~~قبلها سورة غيرها وقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ~~أنزلت علي سورة آنفا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ إنا أعطيناك ~~الكوثر ) إلى آخرها حتى ختمها وروى أبو بردة عن أبيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين فهذا ~~يدل على أنه عليه السلام قد كان يبتدئ قراءة السورة في غير الصلاة بها وكان ~~سبيلها أن يكون كذلك حكمها في الصلاة وقد روى عبدالله بن دينار عن ابن عمر ~~أنه كان يفتتح أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح السورة ببسم الله ~~الرحمن الرحيم وروى جرير عن المغيرة قال أمنا إبراهيم فقرأ في صلاة المغرب ~~@QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل @QE@ حتى إذا ختمها وصل بخاتمتها ~~@QB@ لإيلاف قريش @QE@ ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم $ # فصل وأما الجهر بها فإن أصحابنا والثوري قالوا يخفيها وقال ابن أبي ليلى ~~إن شاء جهر وإن شاء أخفى وقال الشافعي يجهر بها وهذا الإختلاف إنما هو في ~~الإمام إذا صلى صلاة يجهر فيها بالقراءة وقد روي عن الصحابة فيها اختلاف ~~كثير فروى عمر بن ذر عن أبيه قال صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم وروى حماد عن إبراهيم قال كان عمر يخفيها ثم يجهر بفاتحة الكتاب ~~وروى عنه أنس مثل ذلك قال إبراهيم كان عبدالله بن مسعود وأصحابه يسرون ~~قراءة بسم الله الرحمن الرحيم لا يجهرون بها وروى أنس أن أبا بكر وعمر كانا ~~يسران ببسم الله الرحمن الرحيم وكذلك روى عنه عبدالله بن المغفل وروى ~~المغيرة عن إبراهيم قال جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة بدعة ~~وروى جرير عن عاصم الأحول ms0015 قال ذكر لعكرمة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في ~~PageV01P016 الصلاة فقال أنا إذا أعرابي وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة قال ~~بلغني عن ابن مسعود قال الجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم أعرابية ~~وروى حماد بن زيد عن كثير قال سئل الحسن عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ~~في الصلاة فقال إنما يفعل ذلك الأعرابي واختلفت الرواية عن ابن عباس فروى ~~شريك عن عاصم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه جهر بها وهذا يحتمل أن يكون ~~في غير الصلاة وروى عبدالملك بن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس في الجهر ~~ببسم الله الرحمن الرحيم قال ذلك فعل الأعراب وروي عن علي أنه عدها آية ~~وأنه قال هي تمام السبع المثاني ولم يثبت عنه الجهر بها في الصلاة وقد روي ~~أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد عن أبي وائل قال كان عمر وعلي لا يجهران ببسم ~~الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بآمين وروى عن ابن عمر أنه جهر بها في ~~الصلاة فهؤلاء الصحابة مختلفون فيها على ما بينا وروى أنس وعبدالله بن ~~المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسرون وفي ~~بعضها كانوا يخفون وجعله عبدالله بن المغفل حدثا في الإسلام وروى أبو ~~الجوزاء عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة ~~بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ويختمها بالتسليم حدثنا أبو ~~الحسن عبيدالله بن الحسين الكرخي رحمه الله قال حدثنا الحاضرمي قال حدثنا ~~محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام عن محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم ~~عن عبدالله قال ما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة مكتوبة ببسم ~~الله الرحمن الرحيم ولا أبو بكر ولا عمر فإن قال قائل إذا كان عندك أنها ~~آية من القرآن في موضعها فالواجب الجهر بها كالجهر بالقراءة في الصلوات ~~التي يجهر فيها بالقرآن إذ ليس في الأصول الجهر ببعض القراءة دون بعض في ~~ركعة ms0016 واحدة قيل له إذا لم تكن من فاتحة الكتاب على ما بينا وإنما هي على ~~وجه الابتداء بها تبركا جاز أن لا يجهر بها ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض @QE@ الآية هو من القرآن ومن استفتح به ~~الصلاة لا يجهر به مع الجهر بسائر القراءة كذلك ما وصفنا قال أبو بكر وما ~~ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخفائها يدل على أنها ليست من ~~الفاتحة إذ لو كانت منها لجهر بها كجهره بسائرها فإن احتج محتج بما روى ~~نعيم المجمر أنه صلى وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم لما ~~سلم قال إني لأشبهكم صلاة برسول PageV01P017 الله صلى الله عليه وسلم وبما ~~روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~كان يصلي في بيتها فيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ) ~~وبما روى جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي وعمار أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) قيل له وأما حديث نعيم المجمر ~~عن أبي هريرة فلا دلالة فيه على الجهر بها لأنه إنما ذكر بها أنه قرأها ولم ~~يقل أنه جهر بها وجائز أن لا يكون جهر بها وإن قرأها وكان علم الراوي ~~بقراءتها أما من جهة أبي هريرة بإخباره إياه بذلك أو من جهة أنه سمعها ~~لقربه منه وإن لم يجهر بها كما روي أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الظهر ~~والعصر ويسمعنا الآية أحيانا ولا خلاف أنه لم يكن يجهر بها وقد روى ~~عبدالواحد بن زياد قال حدثنا عمارة بن القعقاع قال حدثنا أبو زرعة بن عمرو ~~بن جرير قال حدثنا أبو هريرة قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت ) وهذا يدل على أنه ~~لم يكن عنده أنها من فاتحة الكتاب وإذا لم يكن منها لم يجهر ms0017 بها لأن كل من ~~لا يعدها آية منها لا يجهر بها وأما حديث أم سلمة فروى الليث عن عبدالله بن ~~عبيد بن أبي مليكة عن معلى أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا ففي هذا الخبر أنها نعتت قراءة ~~النبي عليه السلام وليس فيه ذكر قراءتها في الصلاة ولا دلالة فيه على جهر ~~ولا إخفاء لأن أكثر ما فيه أنه قرأها ونحن كذلك نقول أيضا ولكنه لا يجهر ~~بها وجائز أن يكون النبي عليه السلام أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك ~~ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ غير جاهر بها فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ~~ذكرت أنه كان يصلي في بيتها وهذه لم تكن صلاة فرض لأنه عليه السلام كان لا ~~يصلي الفرض منفردا بل كان يصليها في جماعة وجائز عندنا للمنفرد والمتنفل أن ~~يقرأ كيف شاء من جهر أو إخفاء وأما حديث جابر عن أبي الطفيل فإن جابرا ممن ~~لا تثبت به حجة لأمور حكيت عنه تسقط روايته منها أنه كان يقول بالرجعة على ~~ما حكي وكان يكذب في كثير مما يرويه وقد كذبه قوم من أئمة السلف وقد روى ~~أبو وائل عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يجهر بها ولو كان الجهر ثابتا ~~عنده لما خالفه إلى غيره وعلى أنه لو تساوت الأخبار في الجهر والإخفاء عن ~~النبي عليه السلام كان الإخفاء أولى من وجهين أحدهما ظهور عمل السلف ~~بالإخفاء دون PageV01P018 الجهر منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن ~~المغفل وأنس بن مالك وقول إبراهيم الجهر بها بدعة إذ كان متى روي عن النبي ~~عليه السلام خبران متضادان وظهر عمل السلف بأحدهما كان الذي ظهر عمل السلف ~~به أولى بالإثبات والوجه الآخر أن الجهر بها لو كان ثابتا ورد النقل به ~~مستفيضا متواترا كوروده في سائر القراءة فلما لم يرد النقل به من جهة ~~التواتر علمنا أنه غير ثابت إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها ms0018 كهي إلى ~~معرفة مسنون الجهر في سائر فاتحة الكتاب فإن احتج بما حدثنا أبو العباس ~~محمد بن يعقوب الأصم قال حدثنا ربيع بن سليمان قال حدثنا الشافعي قال حدثنا ~~إبراهيم بن محمد قال حدثني عبدالله بن عثمان بن حنتم عن إسماعيل بن عبيد بن ~~رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار أي ~~معاوية سرقت الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت وإذا ~~رفعت فصلى بهم صلاة أخرى فقال فيها ذلك الذي عابوا عليه قال فقد عرف ~~المهاجرون والأنصار الجهر بها قيل له لو كان ذلك كما ذكرت لعرفه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن المغفل وابن عباس ومن روينا عنهم الإخفاء ~~دون الجهر ولكان هؤلاء أولى بعلمه لقوله عليه السلام ( ليليني منكم أولوا ~~الأحلام والنهى ) وكان هؤلاء أقرب إليه في حال الصلاة من غيرهم من القول ~~المجهولين الذين ذكرت وعلى أن ذلك ليس باستفاضة لأن الذي ذكرت من قول ~~المهاجرين والأنصار إنما رويته من طريق الآحاد ومع ذلك فليس فيه ذكر الجهر ~~وإنما فيه أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ونحن أيضا ننكر ترك قراءتها ~~وإنما كلامنا في الجهر والإخفاء أيهما أولى والله أعلم $ # فصل والأحكام التي يتضمنها قوله بسم الله الرحمن الرحيم الأمر باستفتاح ~~الأمور للتبرك بذلك والتعظيم لله عز وجل به وذكرها على الذبيحة وشعار وعلم ~~من أعلام الدين وطرد الشيطان لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~( إذا سمى الله العبد على طعامه لم ينل منه الشيطان وإذا لم يسمه نال منه ~~معه ) وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو ~~غيرها من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم وهو مفزع للخائف ودلالة من قائله ~~على انقطاعه إلى الله تعالى ولجأه إليه وأنس للسامع PageV01P019 وإقرار ~~بالألوهية واعتراف بالنعمة واستعانة بالله تعالى وعياذة به وفيه اسمان من ~~أسماء الله تعالى ms0019 المخصوصة به لا يسمى بهما غيره وهما الله والرحمن # | باب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة # قال أصحابنا جميعا رحمهم الله يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من ~~الأوليين فإن ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها فقد أساء وتجزيه صلاته ~~وقال مالك بن أنس إذا لم يقرأ أم القرآن في الركعتين أعاد وقال الشافعي أقل ~~ما يجزي فاتحة الكتاب فإن ترك منها حرفا وخرج من الصلاة أعاد قال أبو بكر ~~روى الأعمش عن خيثمة عن عباد بن ربعي قال قال عمر لا تجزي صلاة لا يقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا وروى ابن علية عن الجريري عن ابن بريدة ~~عن عمران بن حصين قال لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين ~~فصاعدا وروى معمر عن أيوب عن أبي العالية قال سألت ابن عباس عن القراءة في ~~كل ركعة قال اقرأ منه ما قل أو أكثر وليس من القرآن شيء قليل وروى عن الحسن ~~وإبراهيم والشعبي أن من نسي قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها لم يضره وتجزيه ~~وروى وكيع عن جرير بن حازم عن الوليد بن يحيى أن جابر بن زيد قام يصلي ذات ~~يوم فقرأ @QB@ مدهامتان @QE@ ثم ركع قال أبو بكر وما روي عن عمر وعمران بن ~~حصين في أنها لا تجزي إلا بفاتحة الكتاب وآيتين محمول على جواز التمام لا ~~على نفي الأصل إذ لا خلاف بين الفقهاء في جوازها بقراءة فاتحة الكتاب وحدها ~~والدليل على جوازها مع ترك الفاتحة وإن كان مسيئا قوله تعالى @QB@ أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر @QE@ ومعناه قراءة الفجر في ~~صلاة الفجر اتفاق المسلمين على أنه لا فرض عليه في القراءة وقت صلاة الفجر ~~إلا في الصلاة والأمر على الإيجاب حتى تقوم دلالة الندب فاقتضى الظاهر ~~جوازها بما قرأ فيها من شيء إذ ليس فيه تخصيص لشيء منه دون غيره ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ والمراد به القراءة ~~في الصلاة بدلالة قوله تعالى @QB@ إن ms0020 ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~@QE@ إلى قوله فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ولم تختلف الأمة إن ذلك في شأن ~~الصلاة في الليل وقوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر من القرآن عموم عندنا في صلاة ~~الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ ويدل على أن المراد به جميع ~~الصلاة من فرض ونفل حديث PageV01P020 أبي هريرة ورفاعة بن رافع في تعليم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الصلاة حين لم يحسنها فقال له ثم اقرأ ~~ما تيسر من القرآن وأمره بذلك عندنا إنما صدر عن القرآن لأنا متى وجدنا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أمرا يواطئ حكما مذكورا في القرآن وجب أن يحكم ~~بأنه إنما حكم بذلك عن القرآن كقطعه السارق وجلده الزاني ونحوها ثم لم يخصص ~~نفلا من فرض فثبت أن مراد الآية عام في الجميع فهذا الخبر يدل على جوازها ~~بغير فاتحة الكتاب من وجهين أحدهما دلالته على أن مراد الآية عام في جميع ~~الصلوات والثاني أنه مستقل بنفسه في جوازها بغيرها وعلى أن نزول الآية في ~~شأن صلاة الليل لو لم يعاضده الخبر لم يمنع لزوم حكمها في غيرها من الفرائض ~~والنوافل من وجهين أحدهما أنه إذا ثبت ذلك في صلاة الليل فسائر الصلوات ~~مثلها بدلالة أن الفرض والنفل لا يختلفان في حكم ا لقراءة وإن ما جاز في ~~النفل جاز في الفرض مثله كما لا يختلفان في الركوع والسجود وسائر أركان ~~الصلاة فإن قال قائل هما مختلفان عندك لأن القراءة في الأخريين غير واجبة ~~عندك في الفرض وهي واجبة في النفل إذا صلاها قيل له هذا يدل على أن النفل ~~آكد في حكم القراءة من الفرض إذا جاز النفل مع ترك فاتحة الكتاب فالفرض ~~أحرى أن يجوز والوجه الآخر أن أحدا لم يفرق بينهما ومن أوجب فرض قراءة ~~فاتحة الكتاب في أحدهما أوجبها في الآخر ومن أسقط فرضها في أحدهما أسقطه في ~~الآخر فلما ثبت عندنا بظاهر الآية جواز النفل بغيرها وجب أن يكون كذلك حكم ms0021 ~~الفرض فإن قال قائل فما الدلالة على جواز تركها بالآية قيل له لأن قوله ~~@QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ يقتضي التخيير وهو بمنزلة قوله اقرأ ~~ما شئت ألا ترى أن من قال لرجل بع عبدي هذا بما تيسر أنه مخير له في بيعه ~~له بما رأى وإذا ثبت أن الآية تقتضي التخيير لم يجز لنا إسقاطه والاقتصار ~~على شيء معين وهو فاتحة الكتاب لأن فيه نسخ ما اقتضته الآية من التخيير فإن ~~قال قائل هو بمنزلة قوله @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ ووجوب الاقتصار به ~~على الإبل والبقر والغنم مع وقوع الإسم على غيرها من سائر ما يهدى ويتصدق ~~به فلم يكن فيه نسخ الآية قيل له إن خياره باق في ذبحه أيها شاء من الأصناف ~~الثلاثة فلم يكن فيه رفع حكمها من التخيير ولا نسخه وإنما فيه التخصيص ~~ونظير ذلك ما لو ورد أثر في قراءة آية دون ما هو أقل منها لم يلزم منه نسخ ~~الآية لأن خياره باق في أن يقرأ أيما شاء من آي PageV01P021 القرآن قال ~~قائل قوله @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ يستعمل فيما عدا فاتحة ~~الكتاب فلا يكون فيه نسخ لها قيل له لا يجوز ذلك من وجوه أحدها أنه جعل ~~الأمر بالقراءة عبارة عن الصلاة فيها فلا يجوز أن تكون عبادة إلا وهي من ~~أركانها التي لا تصح إلا بها الثاني أن ظاهره يقتضي التخيير في جميع ما ~~يقرأ في الصلاة فلا يجوز تخصيصه في بعض ما يقرأ فيها دون غيرها الثالث أن ~~قوله @QB@ فاقرؤوا ما تيسر @QE@ أمر وحقيقته ومقتضاه الواجب فلا يجوز صرفه ~~إلى الندب من القراءة دون الواجب منها ومما يدل على ما ذكرنا من جهة الأثر ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا ~~حماد عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى ابن خلاد عن عمر أن ~~رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي عليه السلام فرد رسول ms0022 الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال له ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي ~~ثم جاء إلى النبي عليه السلام فسلم فرد عليه ثم قال له ارجع فصل فإنك لم ~~تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال عليه السلام إنه لا تتم صلاة واحد من الناس ~~حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويقرأ ~~بما شاء من القرآن ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن مفاصله وذكر الحديث ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن ~~سعيد عن عبدالله قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رجلا ~~دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم وذكر نحوه ثم قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم ~~اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع وذكر الحديث قال أبو بكر قال في الحديث ~~الأول ثم اقرأ ما شئت وفي الثاني ما تيسر فخيره في القراءة بما شاء ولو ~~كانت قراءة فاتحة الكتاب فرضا لعلمه إياها مع علمه بجهل الرجل بأحكام ~~الصلاة إذ غير جائز الاقتصار في تعليم الجاهل على بعض فروض الصلاة دون بعض ~~فثبت بذلك أن قراءتها ليست بفرض وحدثنا عبدالباقي بن قانع حدثنا أحمد بن ~~علي الجزار قال حدثنا عامر ابن سيار قال حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان ~~حدثنا سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( لا صلاة إلا بقراءة يقرأ فيها فاتحة الكتاب أو غيرها من القرآن ) وقد ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا وهب بن بقية عن خلد عن ~~محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خلاد عن رفاعة بن رافع بهذه القصة ~~PageV01P022 قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قمت فتوجهت إلى القبلة ~~فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ وذكر تمام الحديث فذكر فيه ~~قراءة أم القرآن وغيرها ms0023 وهذا غير مخالف للأخبار الأخر لأنه محمول على أنه ~~يقرأ بها إن تيسر إذ غير جائز حمله على تعيين الفرض فيها لما فيه من نسخ ~~التخيير المذكور في غيره ومعلوم أن أحد الخبرين غير منسوخ بالآخر إذ كانا ~~في قصة واحدة فإن قال قائل لما ذكر في أحد الخبرين التخيير فيما يقرأ وذكر ~~في الآخر الأمر بقراءة فاتحة الكتاب من غير تخيير وأثبت التخيير فيما عداها ~~بقوله وبما شاء الله أن تقرأ بعد فاتحة الكتاب ثبت بذلك أن التخيير المذكور ~~في الأخبار الأخر إنما هو فيما عدا فاتحة الكتاب وإن ترك ذكر فاتحة الكتاب ~~إنما هو إغفال من بعض الرواة ولأن في خبرنا زيادة وهو الأمر بقراءة فاتحة ~~الكتاب بلا تخيير قيل له غير جائز حمل الخبر الذي فيه التخيير مطلقا على ~~الخبر المذكور فيه فاتحة الكتاب على ما ادعيت لإمكان استعمالهما من غير ~~تخصيص بل الواجب أن نقول التخيير المذكور في الخبر المطلق حكمه ثابت في ~~الخبر المقيد بذكر فاتحة الكتاب فيكون التخيير عاما في فاتحة الكتاب وغيرها ~~كأنه قال اقرأ بأم القرآن إن شئت وبما سوها فيكون في ذلك استعمال زيادة ~~التخيير في فاتحة الكتاب دون تخصيصه في بعض القراءة دون بعض ويدل عليه أيضا ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا إبراهيم بن موسى قال ~~حدثنا عيسى عن جعفر بن ميمون البصري قال حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي ~~هريرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اخرج فناد في المدينة أنه ~~لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد ) وقوله لا صلاة إلا بالقرآن ~~يقتضي جوازها بما قرأ به من شيء وقوله ولو بفاتحة الكتاب فما زاد يدل أيضا ~~على جوازها بغيرها لأنه لو كان فرض القراءة متعينا بها لما قال ولو بفاتحة ~~الكتاب فما زاد ولقال بفاتحة الكتاب ومما يدل على ما ذكرنا حديث ابن عيينة ~~عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول ms0024 الله صلى الله ~~عليه وسلم ( أيما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ) ورواه مالك ~~وابن جريج عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واختلافهما في السند على هذا الوجه لا يوهنه لأنه ~~قد روي أنه قد سمع من أبيه ومن أبي السائب جميعا فلما قال فهي PageV01P023 ~~خداج والخداج الناقصة دل ذلك على جوازها مع النقصان لأنها لو لم تكن جائزة ~~لما أطلق عليها اسم النقصان لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها إذ لا يجوز ~~الوصف بالنقصان لما لم يثبت منه شيء ألا ترى أنه لا يقال للناقة إذا حالت ~~فلم تحمل أنها قد أخدجت وإنما يقال أخدجت وخدجت إذا ألقت ولدها ناقص الخلقة ~~أو وضعته لغير تمام في مدة الحمل فأما مالم تحمل فلا توصف بالخداج فثبت ~~بذلك جواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب إذ النقصان غير ناف للأصل بل يقتضي ~~ثبوت الأصل حتى يصح وصفها بالنقصان وقد روى أيضا عباد بن عبدالله بن الزبير ~~عن عائشة عن النبي عليه السلام قال ( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ~~فهي خداج ) فأثبتها ناقصة وإثبات النقصان يوجب ثبوت الأصل على ما وصفنا وقد ~~روي أيضا عن النبي عليه السلام ( أن الرجل ليصلي الصلاة يكتب له نصفها ~~خمسها عشرها ) فلم يبطل جزء بنقصانها فإن قال قائل قد روى هذا الحديث محمد ~~بن عجلان عن أبيه عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صلى صلاة ولم يقرأ فيها شيئا من القرآن ~~فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام ) وهذا الحديث يعارض حديث مالك وابن ~~عيينة في ذكرهما فاتحة الكتاب دون غيرها وإذا تعارضا سقطا فلم يثبت كونها ~~ناقصة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب قيل له لا يجوز أن يعارض مالك وابن ~~عيينة بمحمد بن عجلان بل السهو والإغفال أجوز عليه منهما فلا يعترض على ~~روايتهما به وعلى أنه ms0025 ليس فيه تعارض إذ جائز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد قالهما جميعا قال مرة وذكر فاتحة الكتاب وذكر مرة أخرى القراءة ~~مطلقة وأيضا فجائز أن يكون المراد بذكر الإطلاق ما قيد في خبر هذين فإن قال ~~قائل إذا جوزت أن يكون النبي عليه السلام قد قال الأمرين فحديث محمد بن ~~عجلان يدل على جواز الصلاة بغير قراءة رأسا لإثباته إياها ناقصة مع عدم ~~القراءة رأسا قيل له نحن نقبل هذا السؤال ونقول كذلك يقتضي ظاهر الخبرين ~~إلا أن الدلالة قامت على أن ترك القراءة يفسدها فحملناه على معنى الخبر ~~الآخر قال أبو بكر وقد رويت أخبار أخر في قراءة فاتحة الكتاب يحتج بها من ~~يراها فرضا فمنها حديث العلاء بن عبدالرحمن عن عائشة وعن أبي السائب مولى ~~هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال ( يقول الله تعالى ~~قسمت الصلاة بيني PageV01P024 وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا ~~قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي ) وذكر الحديث ~~قالوا فلما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب دل على أنها من فروضها كما ~~أنه لما عبر عن الصلاة بالقرآن في قوله @QB@ وقرآن الفجر @QE@ وأراد قراءة ~~صلاة الفجر دل على أنها من فروضها وكما عبر عنها بالركوع فقال @QB@ واركعوا ~~مع الراكعين @QE@ دل على أنه من فروضها قيل له لم تكن العبارة عنهما لما ~~ذكرت موجبا لفرض القراءة والركوع فيها دون ما تناوله من لفظ الأمر المقتضي ~~للإيجاب وليس في قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي أمر وإنما أكثر ما فيه ~~الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب وذلك غير مقتض للإيجاب لأن الصلاة تشتمل على ~~النوافل والفروض وقد أفاد النبي عليه السلام بهذا الحديث نفي إيجابها لأنه ~~قال في آخره فمن لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فأثبتها ناقصة مع عدم ~~قراءتها ومعلوم أنه لم يرد نسخ أول كلامه بآخره فدل ذلك على أن قول الله ~~تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وذكر ms0026 فاتحة الكتاب لا يوجب أن يكون ~~قراءتها فرضا فيها وهذا كما روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس ~~عن عبدالله بن نافع بن العميان عن عبدالله بن الحارث عن المطلب ابن أبي ~~وداعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الصلاة مثنى مثنى وتشهد في ~~كل ركعتين وتباس وتمكن وتقنع لربك وتقول اللهم فمن لم يفعل فهي خداج ) ولم ~~يوجب ذلك أن يكون ما سماه صلاة من هذه الأفعال فرضا فيها ومما يحتج به ~~المخالفون أيضا حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) وبما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو دواد قال حدثنا ابن بشار قال حدثنا جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة قال ~~أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ~~فما زاد قال أبو بكر قوله عليه السلام ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) يحتمل ~~لنفي الأصل ونفي الكمال وإن كان ظاهره عندنا على نفي الأصل حتى تقوم ~~الدلالة على أن المراد نفي الكمال ومعلوم أنه غير جائز إرادة الأمرين جميعا ~~لأنه متى أراد نفي الأصل لم يثبت منه شيء وإذا أراد نفي الكمال وإثبات ~~النقصان فلا محالة بعضه ثابت وإرادتهما معا منتفية مستحيلة والدليل على أنه ~~لم يرد نفي الأصل أن إثبات ذلك إسقاط التخيير في قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ~~ما تيسر من القرآن @QE@ وذلك نسخ وغير جائز نسخ القرآن PageV01P025 بأخبار ~~الآحاد ويدل عليه أيضا ما رواه أبو حنيفة وأبو معاوية وابن فضيل وأبو سفيان ~~عن أبي نضرة عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تجزي صلاة لمن ~~لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة ) في الفريضة وغيرها إلا أن أبا حنيفة ~~قال معها غيرها وقال معاوية لا صلاة ومعلوم أنه لم يرد نفي الأصل وإنما ~~مراده نفي الكمال لاتفاق الجميع على أنها مجزية بقراءة فاتحة الكتاب وإن ms0027 لم ~~يقرأ معها غيرها فثبت أنه أراد نفي الكمال وإيجاب النقصان وغير جائز أن ~~يريد به نفي الأصل ونفي الكمال لتضادهما واستحالة إرادتهما جميعا بلفظ واحد ~~فإن قال قائل هذا حديث غير حديث عبادة وأبي هريرة وجائز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال مرة لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فأوجب بذلك قراءتها ~~وجعلها فرضا فيها وقال مرة أخرى ما ذكره سعيد من قراءة فاتحة الكتاب وشيء ~~معها وأراد به نفي الكمال إذا لم يقرأ مع فاتحة الكتاب غيرها قيل له ليس ~~معك تاريخ الحديثين ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حالين ~~ويحتاج إلى دلالة في إثبات كل واحد من الخبرين في الحالين ولمخالفك أن يقول ~~لما لم يثبت أن النبي عليه السلام قال ذلك في وقتين وقد ثبت اللفظان جميعا ~~جعلتهما حديثا واحدا ساق بعض الرواة لفظه على وجهه وأغفل بعضهم بعض ألفاظه ~~وهو ذكر السورة فهما متساويان حينئذ ويثبت الخبر بزيادة في حالة واحدة ~~ويكون لقول خصمك مزية على قولك وهو أن كل مالم يعرف تاريخه فسبيله أن يحكم ~~بوجودهما معا وإذا ثبت أنه قالهما في وقت واحد بزيادة السورة فمعلوم أنه مع ~~ذكر السورة لم يرد نفي الأصل وإنما أراد إثبات النقص حملناه على ذلك ويكون ~~ذلك كقوله عليه السلام ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ومن سمع النداء ~~فلم يجب فلا صلاة له ولا إيمان لمن لا أمانه له ) وكقوله تعالى @QB@ إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم @QE@ فنفاها بدأ ~~وأثبتها ثانيا لأنه أراد نفي الكمال لا نفي الأصل أي لا أيمان لهم وافية ~~فيفون بها فإن قال قائل فهلا استعملت الأخبار على ظواهرها واستعملت التخيير ~~المذكور في الآية فيما عدا فاتحة الكتاب قيل له لو انفردت الأخبار عن الآية ~~لما كان فيها ما يوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب لما بينا من أن فيها مالا ~~يحتمل إلا إثبات الأصل مع تركها واحتمال سائر الأخبار الأخر لنفي ms0028 الأصل ~~ونفي الكمال وعلى أن هذه الأخبار لو كانت موجبة PageV01P026 لتعيين فرض ~~القراءة فيها لما جاز الاعتراض بها على الآية وصرفها عن الواجب إلى النفل ~~فيما عدا فاتحة الكتاب لما ذكرناه في أول المسئلة فارجع إليه فإنك تجده ~~كافيا إن شاء الله تعالى $ # فصل قال أبو بكر وقراءة فاتحة الكتاب مع ما ذكرنا من حكمها تقتضي أمر ~~الله تعالى إيانا بفعل الحمد وتعليم لنا كيف نحمده وكيف الثناء عليه وكيف ~~الدعاء له ودلالة على أن تقديم الحمد والثناء على الله تعالى على الدعاء ~~أولى وأحرى بالإجابة لأن السورة مفتتحة بذكر الحمد ثم بالثناء على الله وهو ~~قوله @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ إلى @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ثم ~~الاعتراف بالعبادة له وإفرادها له دون غيره بقوله إياك نعبد ثم الاستعانة ~~به في القيام بعبادته في سائر ما بنا الحاجة إليه من أمور الدنيا والدين ~~وهو قوله @QB@ وإياك نستعين @QE@ ثم الدعاء بالتثبيت على الهداية التي ~~هدانا لها من وجوب الحمد له واستحقاق الثناء والعبادة لأن قوله إهدنا ~~الصراط المستقيم هو دعاء للهداية والتثبيت عليها في المستقبل إذ غير جائز ~~ذلك في الماضي وهو التوفيق عما ضل عنه الكفار من معرفة الله وحمده والثناء ~~عليه فاستحقوا لذلك غضبه وعقابه والدليل على أن قوله تعالى الحمد لله رب ~~العالمين مع أنه تعليم لنا الحمد هو أمر لنا به قوله إياك نعبد وإياك ~~نستعين فاعلم أن الأمر بقول الحمد مضمر في ابتداء السورة وهو مع ما ذكرنا ~~رقية وعوذة وشفاء لما حدثنا به عبدالباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال ~~حدثنا سعيد بن المعلى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جعفر بن أياس عن ~~أبي نضرة عن أبي سعيد قال كنا في سرية فمررنا بحي من العرب فقالوا سيد لنا ~~لدغته العقرب فهل فيكم راق قال قلت أنا ولم أفعله حتى جعلوا لنا جعلا جعلوا ~~لنا شاة قال فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ فأخذت الشاة ثم قلت حتى ~~نأتي النبي عليه السلام فأتيناه ms0029 فأخبرناه فقال علمت أنها رقية حق اضربوا لي ~~معكم بسهم ولهذه السورة أسماء منها أم الكتاب لأنها ابتدؤه قال الشاعر % ~~الأرض معقلنا وكانت أمنا % # | فسمى الأرض أما لنا لأنه منها ابتدأنا الله تعالى وهي أم القرآن وإحدى ~~العبارتين تغني عن الأخرى لأنه إذا قيل أم الكتاب فقد علم أن المراد كتاب ~~الله تعالى الذي هو القرآن فقيل تارة أم القرآن وتارة أم الكتاب وقد رويت ~~العبارة باللفظين جميعا عن النبي عليه السلام وكذلك فاتحة الكتاب وهي السبع ~~PageV01P027 المثاني قال سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن السبع المثاني فقال ~~السبع المثاني هي أم القرآن وإنما أراد بالسبع أنها سبع آيات ومعنى المثاني ~~أنها تثني في كل ركعة وذلك من سنتها وليس من سنة سائر القرآن إعادته في كل ~~ركعة # أحكام سورة البقرة $ # قوله تعالى @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~@QE@ يتضمن الأمر بالصلاة والزكاة لأنه جعلهما من صفات المتقين ومن شرائط ~~التقوى كما جعل الإيمان بالغيب وهو الإيمان بالله وبالبعث والنشور وسائر ما ~~لزمنا اعتقاده من طريق الاستدلال من شرائط التقوى فاقتضى ذلك إيجاب الصلاة ~~والزكاة المذكورتين في الآية وقد قيل في إقامة الصلاة وجوه منها إتمامها من ~~تقويم الشيء وتحقيقه ومنه قوله @QB@ وأقيموا الوزن بالقسط @QE@ وقيل ~~يؤدونها على ما فيها من قيام وغيره فعبر عنها بالقيام لأن القيام من فروضها ~~وإن كانت تشتمل على فروض غيره كقوله @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ ~~والمراد الصلاة التي فيها القراءة وقوله تعالى @QB@ وقرآن الفجر @QE@ ~~المراد القراءة في صلاة الفجر وكقوله وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون وقوله ~~واركعوا واسجدوا وقوله @QB@ واركعوا مع الراكعين @QE@ فذكر ركنا من أركانها ~~الذي هو من فروضها ودل به على أن ذلك فرض فيها وعلى إيجاب ما هو من فروضها ~~فصار قوله يقيمون الصلاة موجبا للقيام فيها ومخبرا به عن فرض للصلاة ويحتمل ~~@QB@ يقيمون الصلاة @QE@ يديمون فروضها في أوقاتها كقوله تعالى @QB@ إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ أي فرضا في أوقات معلومة لها ~~ونحوه قوله ms0030 تعالى قائما بالقسط يعني يقيم القسط ولا يفعل غيره والعرب تقول ~~في الشيء الراتب الدائم قائم وفي فاعله مقيم يقال فلان يقيم أرزاق الجند ~~وقيل هو من قول القائل قامت السوق إذا حضر أهلها فيكون معناه الاشتغال بها ~~عن غيرها ومنه قد قامت الصلاة وهذه الوجوه على اختلافها تجوز أن تكون مرادة ~~بالآية وقوله @QB@ ومما رزقناهم ينفقون @QE@ في فحوى الخطاب دلالة على أن ~~المراد المفروض من النفقة وهي الحقوق الواجبة لله تعالى من الزكاة وغيرها ~~كقوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت وقوله @QB@ ~~وأنفقوا في سبيل الله @QE@ وقوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله @QE@ والذي يدل على أن المراد المفروض منها أنه ~~قرنها PageV01P028 إلى الصلاة المفروضة وإلى الإيمان بالله وكتابه وجعل هذا ~~الإنفاق من شرائط التقوى ومن أوصافها ويدل على أن المراد المفروض من الصلاة ~~والزكاة أن لفظ الصلاة إذا أطلق غير مقيد بوصف أو شرط يقتضي الصلوات ~~المعهودة المفروضة كقوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ و @QB@ حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ ونحو ذلك فلما أراد بإطلاق اللفظ الصلاة ~~المفروضة كان فيه دلالة على أن المراد بالإنفاق ما فرض عليه منه ولما مدح ~~هؤلاء بالإنفاق مما رزقهم الله دل ذلك على أن إطلاق اسم الرزق إنما يتناول ~~المباح منه دون المحظور وإن ما اغتصبه وظلم فيه غيره لم يجعله الله له رزقا ~~لأنه لو كان رزقا له لجاز أنفاقه وإخراجه إلى غيره على وجه الصدقة والتقرب ~~به إلى الله تعالى ولا خلاف بين المسلمين إن الغاصب محظور عليه الصدقة بما ~~اغتصبه وكذلك قال النبي عليه السلام ( لا تقبل صدقة من غلول ) والرزق الحظ ~~في اللغة قال الله تعالى @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون @QE@ أي حظكم من ~~هذا الأمر التكذيب به وحظ الرجل هو نصيبه وما هو خالص له دون غيره ولكنه في ~~هذا الموضع هو ما منحه الله تعالى عباده وهو المباح الطيب وللرزق وجه آخر ~~وهو ما خلقه الله تعالى من أقوات الحيوان فجائز ms0031 إضافة ذلك إليه لأنه جعله ~~قوتا وغذاء وقوله تعالى في شأن المنافقين وإخباره عنهم بإظهار الإيمان ~~للمسلمين من غير عقيدة وإظهار الكفر لإخوانهم من الشياطين في قوله @QB@ ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون @QE@ إلى قوله @QB@ وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون ~~@QE@ يحتج به في استتابة الزنديق الذي اطلع منه على إسرار الكفر متى أظهر ~~الإيمان لأن الله تعالى أخبر عنهم بذلك ولم يؤمر بقتلهم وأمر النبي عليه ~~السلام بقبول ظاهرهم دون ما علمه هو تعالى من حالهم وفساد اعتقادهم ~~وضمائرهم ومعلوم أن نزول هذه الآيات بعد فرض القتال لأنها نزلت بالمدينة ~~وقد كان الله تعالى فرض قتال المشركين بعد الهجرة ولهذه الآية نظائر في ~~سورة براءة وسورة محمد عليه السلام وغيرهما في ذكر المنافقين وقبول ظاهرهم ~~دون حملهم على أحكام سائر المشركين الذين أمرنا بقتالهم وإذا انتهينا إلى ~~مواضعها ذكرنا أحكامها واختلاف الناس في الزنديق واحتجاج من يحتج بها في ~~ذلك وهو يظهر من قوله عليه السلام ( أمرت أن PageV01P029 أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله ) وأنكر عن أسامة بن زيد حين قتل في بعض السرايا رجلا قال ~~لا إله إلا الله حين حمل عليه ليطعنه فقال ( هلا شققت عن قلبه ) يعني أنه ~~محمول على حكم الظاهر دون عقد الضمير ولا سبيل لنا إلى العلم به قال أبو ~~بكر وقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين يدل على أن الإيمان ليس هو الإقرار دون الإعتقاد لأن الله تعالى قد ~~أخبر عن إقرارهم بالإيمان ونفى عنهم سمته بقوله وما هم بمؤمنين ويروى عن ~~مجاهد أنه قال في أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت ~~الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين والنفاق اسم شرعي جعله سمة لمن ~~يظهر ms0032 الإيمان ويسر الكفر خصوا بهذا الإسم للدلالة على معناه وحكمه وإن ~~كانوا مشركين إذ كانوا مخالفين لسائر المبادين بالشرك في أحكامهم وأصله في ~~اللغة من نافقاء اليربوع وهو الجحر الذي يخرج منه إذا طلب لأن له أجحرة ~~يدخل بعضها عند الطلب ثم يراوغ الذي يريد صيده فيخرج من جحر آخر قد أعده ~~وقوله تعالى @QB@ يخادعون الله والذين آمنوا @QE@ هو مجاز في اللغة لأن ~~الخديعة في الأصل هي الإخفاء وكأن المنافق أخفى الإشراك وأظهر الإيمان على ~~وجه الخداع والتمويه والغرور لمن يخادعه والله تعالى لا يخفى عليه شيء ولا ~~يصح أن يخادع في الحقيقة وليس يخلو هؤلاء القوم الذين وصفهم الله تعالى ~~بذلك من أحد وجهين إما أن يكونوا عارفين بالله تعالى قد علموا أنه لا يخدع ~~بتساتر بشيء أو غير عارفين فذلك أبعد إذ لا يصح أن يقصده لذلك ولكنه أطلق ~~ذلك عليهم لأنهم عملوا عمل المخادع ووبال الخداع راجع عليهم فكأنهم إنما ~~يخادعون أنفسهم وقيل إن المراد يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذف ~~ذكر النبي عليه السلام كما قال @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ ~~والمراد يؤذون أولياء الله وأي الوجهين كان فهو مجاز وليس بحقيقة ولا يجوز ~~استعماله إلا في موضع يقوم الدليل عليه وإنما خادعوا رسول الله تقية لتزول ~~عنهم أحكام سائر المشركين الذين أمر النبي عليه السلام والمؤمنون بقتلهم ~~وجائز أن يكونوا أظهروا الإيمان للمؤمنين ليوالوهم كما يوالي المؤمنون ~~بعضهم بعضا ويتواصلون فيما بينهم وجائز أن يكونوا يظهرون لهم الإيمان ~~ليفشوا إليهم أسرارهم PageV01P030 فينقلوا ذلك إلى أعدائهم وكذلك قول الله ~~تعالى @QB@ الله يستهزئ بهم @QE@ مجاز وقد قيل فيه وجوه أحدها على جهة ~~مقابلة الكلام بمثله وإن لم يكن في معناه كقوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها @QE@ والثانية ليست بسيئة بل حسنة ولكنه لما قابل بها السيئة أجرى ~~عليها اسمها وقوله تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم @QE@ والثاني ليس باعتداء وقوله تعالى @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به @QE@ والأول ليس بعقاب ms0033 وإنما هو على مقابلة اللفظ بمثله ~~ومزاوجته له وتقول العرب الجزاء بالجزاء والأول ليس بجزاء ومنه قول الشاعر ~~% ألا لا يجهلن أحد علينا % فنجهل فوق جهل الجاهلينا % # | ومعلوم أنه لم يمتدح بالجهل ولكنه جرى على عادتهم في ازدواج الكلام ~~ومقابلته وقيل إن ذلك أطلقه الله تعالى على التشبيه وهو أنه لما كان وبال ~~الإستهزاء راجعا عليهم ولاحقا لهم كان كأنه استهزأ بهم وقيل لما كانوا قد ~~أمهلوا في الدنيا ولم يعاجلوا بالعقوبة والقتل كسائر المشركين وأخر عقابهم ~~فاغتروا بالإمهال كانوا كالمستهزئ بهم ولما كانت أجرام المنافقين أعظم من ~~أجرام سائر الكفار المبادين بالكفر لأنه جمعوا الإستهزاء والمخادعة بقوله ~~@QB@ يخادعون الله @QE@ وقولهم إنما نحن مستهزؤن وذلك زيادة في الكفر وكذلك ~~أخبر الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار ومع ما أخبر بذلك من عقابهم ~~وما يستحقونه في الآخرة خالف بين أحكامهم في الدنيا وأحكام سائر المظهرين ~~للشرك في رفع القتل عنهم بإظهارهم الإيمان وأجراهم مجرى المسلمين في ~~التوارث وغيره ثبت أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الإجرام وإنما ~~هي على ما يعلم الله من المصالح فيها وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه ~~فأوجب رجم الزاني المحصن ولم يزل عنه الرجم بالتوبة ألا ترى إلى قوله عليه ~~السلام في ماعز بعد رجمه وفي الغامدية بعد رجمها لقد تاب توبة لو تابها ~~صاحب مكس لغفر له والكفر أعظم من الزنا ولو كفر رجل ثم تاب قبلت توبته وقال ~~تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ وحكم القاذف ~~بالزنا بجلد ثمانين ولم يوجب على القاذف بالكفر الحد وهو أعظم من الزنا ~~وأوجب على شارب الخمر الحد ولم يوجب على شارب الدم وآكل الميتة فثبت بذلك ~~أن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام ولأنه لما كان جائزا ~~PageV01P031 في العقل أن لا يوجب في الزنا والقذف والسرقة حدا رأسا ويكل ~~أمرهم إلى عقوبات جاز أن يخالف بينها فيوجب في بعضها أغلظ ما يوجب في بعض ~~ولذلك قال أصحابنا لا ms0034 يجوز إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريق ~~إثباتها التوقيف أو الإتفاق وما ذكر الله تعالى من أمر المنافقين في هذه ~~الآية وإقرارهم من غير أمر لنا بقتالهم أصل فيما ذكرنا ولأن الحدود ~~والعقوبات التي أوجبها من فعل الإمام ومن قام بأمور الشريعة جارية مجرى ما ~~يفعله هو تعالى من الآلام على وجه العقوبة فلما جاز أن لا يعاقب المافق في ~~الدنيا بالآلام من جهة الأمراض والأسقام والفقر والفاقة بل يفعل به أضداد ~~ذلك ويكون عقابه المستحق بكفره ونفاقه مؤجلا إلى الآخرة جاز أن لا يتعبدنا ~~بقتله في الدنيا وتعجيل عقوبة كفره ونفاقه وقد غير النبي عليه السلام بمكة ~~بعد ما بعثه الله تعالى ثلاث عشر سنة يدعو المشركين إلى الله وتصديق رسله ~~غير متعبد بقتالهم بل كان مأمورا بدعائهم في ذلك بلين القول وألطفه فقال ~~تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن @QE@ وقال @QB@ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ وقال @QB@ ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم @QE@ في نظائر ذلك من الآيات التي ~~فيها الأمر بالدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه ثم فرض القتال بعد الهجرة لعلمه ~~تعالى بالمصلحة من كلا الحالين بما تعبد به فجاز من أصل ما وصفنا أن يكون ~~الأمر بالقتل والقتال خاصا في بعض الكفار وهم المجاهرون بالكفر دون ما يظهر ~~الإيمان ويسر الكفر وإن كان المنافق أعظم جرما من غيره وقوله تعالى @QB@ ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا @QE@ يعني والله أعلم قرارا والإطلاق لا يتناولها ~~وإنما يسمى به مقيدا كقوله تعالى والجبال أوتادا وإطلاق اسم الأوتاد لا ~~يفيد الجبال وقوله والشمس سراجا ولذلك قال الفقهاء أن من حلف لا ينام على ~~فراش فنام على الأرض لا يحنث وكذلك لو حلف لا يقعد في سراج فقعد في الشمس ~~لأن الأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء وليس في العادة إطلاق ~~هذا الإسم للأرض والشمس هذا كما سمى ms0035 الله تعالى الجاحد له كافرا وسمى ~~الزراع كافرا والشاك السلاح كافرا ولا يتناولهما هذا الإسم في الإطلاق ~~وإنما يتناول الكافر بالله تعالى ونظائر ذلك من الأسماء المطلقة والمقيدة ~~كثيرة ويجب اعتبارها في كثير من الأحكام فما PageV01P032 كان في العادة ~~مطلقا فهم على إطلاقه والمقيد فيها على تقييده ولا يتجاوز به موضعه وفي هذه ~~الآية دلالة على توحيد الله تعالى وإثبات الصانع الذي لا يشبهه شيء القادر ~~الذي لا يعجزه شيء وهو ارتفاع السماء ووقوفها بغير عمد ثم دوامها على طول ~~الدهر غير متزايلة ولا متغير كما قال تعالى @QB@ وجعلنا السماء سقفا محفوظا ~~@QE@ وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير سند فيه أعظم الدلالة على التوحيد ~~وعلى قدرة خالقها وأنه لا يعجزه شيء وفيها تنبيه وحث على الاستدلال بها على ~~الله وتذكير بالنعمة وقوله تعالى @QB@ فأخرج به من الثمرات رزقا لكم @QE@ ~~نظير قوله @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ وقوله @QB@ وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ وقوله @QB@ قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ يحتج بجميع ذلك في أن الأشياء على ~~الإباحة مما لا يحظره العقل فلا يحرم منه شيء إلا ما قام دليله وقوله تعالى ~~@QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين @QE@ فيه أكبر دلالة على صحة نبوة ~~نبينا عليه السلام من وجوه أحدها أنه تحداهم بالإتيان بمثله وقرعهم بالعجز ~~عنه مع ما هم عليه من الأنفة والحمية وأنه كلام موصوف بلغتهم وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم تعلم اللغة العربية وعنهم أخذ فلم يعارضه منهم ~~خطيب ولا تكلفه شاعر مع بذلهم الأموال والأنفس في توهين أمره وإبطال حججه ~~وكانت معارضته لو قدروا عليها ابلغ الأشياء في إبطال دعواه وتفريق أصحابه ~~عنه فلما ظهر عجزهم عن معارضته دل ذلك على أنه من عند الله الذي لا يعجز ~~شيء وأنه ليس في مقدور العباد مثله وإنما أكبر ما اعتذروا ms0036 به أنه من أساطير ~~الأولين وأنه سحر فقال تعالى @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ ~~وقال @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ فتحداهم بانلظم دون المعنى في ~~هذه الصورة وأظهر عجزهم عنه فكانت هذه معجزة باقية لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم إلى قيام الساعة أبان الله تعالى بها نبوة نبيه وفضله بها لأن سائر ~~معجزات الأنبياء على سائر الأنبياء انقضت بانقضائهم وإنما يعلم كونها معجزة ~~من طريق الأخبار وهذه معجزة باقية بعده كل من اعترض عليها بعده قرعناه ~~بالعجز عنه فتبين له حينئذ موضع الدلالة على تثبيت النبوة كما كان حكم من ~~كان في عصره من لزوم الحجة به وقيام الدلالة عليه والوجه الآخر من الدلالة ~~أنه معلوم عند المؤمنين بالنبي عليه السلام وعند الجاحدين لنبوته أنه من ~~كان من أتم الناس عقلا PageV01P033 وأكملهم خلقا وأفضلهم رأيا فما طعن عليه ~~أحد في كمال عقله ووفور حلمه وصحة فهمه وجودة رأيه وغير جائز على من كان ~~هذا وصفه أن يدعي أنه نبي الله قد أرسله إلى خلقه كافة ثم جعل علامة نبوته ~~ودلالة صدقه كلاما يظهره ويقرعهم به مع علمه بأن كل واحد منهم يقدر على ~~مثله فيظهر حينئذ كذبه وبطلان دعواه فدل ذلك على أنه لم يتحداهم بذلك ولم ~~يقرعهم بالعجز عنه إلا هو من عند الله لا يقدر العباد على مثله الثالث قوله ~~تعالى في نسق التلاوة @QB@ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا @QE@ فأخبر أنهم لا ~~يعارضونه ولا يقع ذلك منهم وذلك إخبار بالغيب ووجد مخبره على ما هو به ولا ~~تتعلق هذه بإعجاز النظم بل هي قائمة بنفسها في تصحيح نبوته لأنه إخبار ~~بالغيب كما لو قال لهم الدلالة على صحة قولي إنكم مع صحة أعضائكم وسلامة ~~جوارحكم لا يقع من أحد منكم أن يمس رأسه وأن يقوم من موضعه فلم يقع ذلك ~~منهم مع سلامة أعضائهم وجوارحهم وتقريعهم به مع حرصهم على تكذيبه كان ذلك ~~دليلا على صحة نبوته إذ كان مثل ذلك لا يصح إلا كونه من قبل ms0037 القادر الحكيم ~~الذي صرفهم عن ذلك في تلك الحال قال أبو بكر وقد تحدى الله الخلق كلهم من ~~الجن والإنس بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن بقوله تعالى قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا فلما ظهر عجزهم قال @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ فلما ~~عجزوا @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ فتحداهم بالإتيان بمثل ~~أقصر سورة منه فلما ظهر عجزهم عن ذلك وقامت عليهم الحجة وأعرضوا عن طريق ~~المحاجة وصمموا على القتال والمغالبة أمر الله نبيه بقتالهم وقيل في قوله ~~تعالى @QB@ وادعوا شهداءكم من دون الله @QE@ أ 4 نه أراد به أصنامهم وما ~~كانوا يعبدونهم من دون الله لأنهم كانوا يزعمون أنها تشفع لهم عند الله ~~وقيل أنه أراد جميع من يصدقكم ويوافقكم على قولكم وأفاد بذلك عجز الجميع ~~عنه في حال الاجتماع والإنفراد كقوله @QB@ لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ فقد ~~انتظمت فاتحة الكتاب من ابتدائها إلى حيث انتهينا إليه من سورة البقرة ~~الأمر والتبدئة باسم الله تعالى وتعليمنا حمده والثناء عليه والدعاء له ~~والرغبة إليه في الهداية إلى الطريق المؤدي إلى معرفته وإلى جنته ورضوانه ~~دون طريق المستحقين لغضبه والضالين عن معرفته وشكره على نعمته ثم ابتدأ في ~~سورة PageV01P034 البقرة بذكر المؤمنين ووصفهم ثم ذكر الكافرين وصفتهم ثم ~~ذكر المنافقين ونعتهم وتقريب أمرهم إلى قلوبنا بالمثل الذي ضربه بالذي ~~استوقد نارا وبالبرق الذي يضيء في الظلمات من غير بقاء ولا ثبات وجعل ذلك ~~مثلا لإظهارهم الإيمان وإن الأصل الذي يرجعون إليه وهم ثابتون عليه هو ~~الكفر كظلمة الليل والمطر اللذين يعرض في خلالهما برق يضيء لهم ثم يذهب ~~فيبقون في ظلمات لا يبصرون ثم ابتدأ بعد انقضاء ذكر هؤلاء بإقامة الدلالة ~~على التوحيد بما لا يمكن أحد دفعه من بسطه الأرض وجعلها قرارا ينتفعون بها ~~وجعل معايشهم وسائر منافعهم وأقواتهم منها وإقامتها على غير ms0038 سند إذ لا بد ~~أن يكون لها نهاية لما ثبت من حدوثها وأن ممسكها ومقيمها كذلك هو الله ~~خالقها وخالقكم المنعم عليكم بما جعل لكم فيها من أقواتكم وسائر ما أخرج من ~~ثمارها لكم إذ لا يجوز أن يقدر على مثل ذلك إلا القادر الذي لا يعجزه ولا ~~يشبهه شيء فحثهم على الاستدلال بدلائله ونبههم على نعمه ثم عقب ذلك ~~بالدلالة على نبوة النبي عليه السلام بما أظهر من عجزهم عن الإتيان بمثل ~~سورة من القرآن ودعاهم في ذلك كله إلى عبادة الله تعالى وحده المنعم علينا ~~بهذه النعم فقال @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ يعني والله ~~أعلم تعلمون أن ما تدعونه آلهة لا تقدر على شيء من ذلك وأن الله هو المنعم ~~عليكم به دونها وهو الخالق لها وقيل في معنى قوله وأنتم تعلمون أنكم تعلمون ~~الفصل بين الواجب وغير الواجب ويكون معناه أن الله تعالى قد جعل لكم من ~~العقل ما يمكنكم به الوصول إلى معرفة ذلك فوجب تكليفكم ذلك إذ غير جائز في ~~العقل إباحة الجهل بالله تعالى مع إزاحة العلة والتمكن من المعرفة فلما قرر ~~جميع ذلك عندهم بدلائله الدالة عليه عقد عليه بذكر الوعيد بقوله @QB@ فإن ~~لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين @QE@ ثم عقب بذكر ما وعد المؤمنين في الآخرة بقوله وبشر الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار إلى آخر ما ذكر ~~قال أبو بكر رحمه الله وقد تضمنت هذه الآيات مع ما ذكرنا من التنبيه على ~~دلائل التوحيد وإثبات النبوة الأمر باستعمال حجج العقول والاستدلال ~~بدلائلها وذلك مبطل لمذهب من نفى الإستدلال بدلائل الله تعالى واقتصر على ~~الخبر بزعمه في معرفة الله والعلم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~الله تعالى لم يقتصر فيما دعا الناس إليه من معرفة توحيده وصدق رسوله ~~PageV01P035 على الخبر دون إقامة الدلالة على صحته من جهة عقولنا وقوله ~~تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن ms0039 لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يدل على أن البشارة هي الخبر السار والإظهار والأغلب أن إطلاقه يتناول من ~~الأخبار ما يحدث عنده الاستبشار والسرور وإن كان قد يجري على غيره مقيدا ~~كقوله فبشرهم بعذاب أليم وكذلك قال أصحابنا فيمن قال أي عبد بشرني بولادة ~~فلانة فهو حر فبشروه جماعة واحدا بعد واحد أن الأول يعتق دون غيره لأن ~~البشارة حصلت بخبره دون غيره ولم يكن هذا عندهم بمنزلة ما لو قال أي عبد ~~أخبرني بولادتها فأخبروه واحدا بعد واحد أنهم يعتقون جميعا لأنه عقد اليمين ~~على خبر مطلق فيتناول سائر المخبرين وفي البشارة عقدها على خبر مخصوص بصفة ~~وهو ما يحدث عنده السرور والاستبشار ويدل على أن موضوع هذا الخبر ما وصفنا ~~قولهم رأيت البشر في وجهه يعني الفرح والسرور قال الله في صفة وجوه أهل ~~الجنة @QB@ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة @QE@ فأخبر عما ظهر في وجوههم ~~من آثار السرور والفرح بذكر الاستبشار ومنه سموا الرجل بشيرا تفاؤلا منهم ~~إلى الأخبار بالخير دون الشر وسموا ما يعطى البشير على هذا الخبر بشرى وهذا ~~يدل على أن الإطلاق يتناول الخبر المفيد سرورا فلا ينصرف إلى غيره إلا ~~بدلالة وأنه متى أطلق في الشر فإنما يراد به الخبر فحسب وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ فبشرهم بعذاب أليم @QE@ معناه أخبرهم ويدل على ما وصفنا من أن البشير ~~هو المخبر الأول فيما ذكرنا من حكم اليمين قولهم ظهرت لنا تباشير هذا الأمر ~~يعنون أوله ولا يقولون ذلك في الشر وفيما يغم وإنما يقولونه فيما يسر ويفرح ~~ومن الناس من يقول أن اصله فيما يسر ويغم لأن معناه ما يظهر أولا في بشرة ~~الوجه من سرور أو غم إلا أنه كثر فيما يسر فصار الإطلاق أخص به منه بالشر ~~وقوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين @QE@ يدل على أنه علم الأسماء كلها ~~لآدم أعني الأجناس بمعانيها لعموم اللفظ في ذكر الأسماء وقوله ثم عرضهم على ~~الملائكة ms0040 فيه دلالة على أنه أراد أسماء ذريته على ما روي عن الربيع بن أنس ~~إلا أنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد أنه علمه أسماء جميع الأشياء وظاهر ~~اللفظ يوجب ذلك فإن قيل لما قال عرضهم دل على أنه أسماء من يعقل لأن هم ~~إنما يطلق فيما يعقل دون مالا يعقل قيل له لما أراد ما يعقل ومالا يعقل قيل ~~له لما أراد ما يعقل ومالا يعقل جاز تغليب ما يعقل كقوله تعالى PageV01P036 ~~@QB@ خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ~~ومنهم من يمشي على أربع @QE@ لما دخل في الجملة من يعقل أجرى الجميع مجرى ~~واحدا وهذه الآية تدل على أن أصول اللغات كلها توقيف من الله تعالى لآدم ~~عليه السلام عليها على اختلافها وأنه علمه إياها بمعانيها إذ لا فضيلة في ~~معرفة الأسماء دون المعاني وهي دلالة على شرف العلم وفضيلته لأنه تعالى لما ~~أراد إعلام الملائكة فضيلة آدم علمه الأسماء بمعانيها حتى أخبر الملائكة ~~بها ولم تكن الملائكة علمت منها ما علمه آدم فاعترفت له بالفضل في ذلك ومن ~~الناس من يقول إن لغة آدم وولده كانت واحدة إلى زمان الطوفان فلما أغرق ~~الله تعالى أهل الأرض وبقي من نسل نوح من بقي وتوفي نوح عليه السلام ~~وتوالدوا وكثروا أرادوا بناء صرح ببابل يمتنعون به من طوفان أن كان بلبل ~~الله ألسنتهم فنسي كل فرقة منهم اللسان الذي كان عليه وعلمها الله الألسنة ~~التي توارثها بعد ذلك ذريتهم عنهم وتفرقوا في البلدان وانتشروا في الأرض ~~ومن الناس من يأبى ذلك ويقول لا يجوز أن ينسى إنسان كامل العقل جميع لغته ~~التي كان يتكلم بها بالأمس وأنهم قد كانوا عارفين بجميع اللغات إلى أن ~~تفرقوا فاقتصر كل أمة منهم على اللسان الذي هم عليه اليوم وتركوا سائر ~~الألسنة التي كانوا عرفوها ولم تأخذها عنهم أولادهم ونسلهم فلذلك لم يعرف ~~من نشأ بعدهم سائر اللغات # باب السجود لغير الله تعالى # | قال الله تعالى ms0041 @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا @QE@ روى ~~شعبة عن قتادة أن الطاعة كانت لله تعالى في السجود لآدم أكرمه الله بذلك ~~وروى معمر عن قتادة في قوله وخروا له سجدا قال كانت تحيتهم السجود وليس ~~يمتنع أن يكون ذلك السجود عبادة لله تعالى وتكرمة وتحية لآدم عليه السلام ~~وكذلك سجود أخوة يوسف عليهم السلام وأهله له وذلك لأن العبادة لا تجوز لغير ~~الله تعالى والتحية والتكرمة جائزان لمن يستحق ضربا من التعظيم ومن الناس ~~من يقول إن السجود كان لله وآدم كان بمنزلة القبلة لهم وليس هذا بشيء لأنه ~~يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة وظاهر ذلك يقتضي أن ~~يكون آدم مفضلا مكرما فذلك كظاهر الحمد إذا وقع لمن يستحق ذلك يحمل على ~~الحقيقة ولا يحمل على ما يطلق من ذلك مجازا كما يقال أخلاق فلان محمودة ~~PageV01P037 ومذمومة لأن حكم اللفظ أن يكون محمولا على بابه وحقيقته ويدل ~~على أن الأمر بالسجود قد كان أراد به تكرمة آدم عليه السلام وتفضيله قول ~~إبليس فيما حكى الله عنه @QB@ أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي ~~كرمت علي @QE@ فأخبر إبليس أن امتناعه كان من السجود لأجل ما كان من تفضيل ~~الله وتكرمته بأمره إياه بالسجود له ولو كان الأمر بالسجود له على أنه نصب ~~قبلة للساجدين من غير تكرمة ولا فضيلة له لما كان لآدم في ذلك حظ ولا فضيلة ~~تحسد كالكعبة المنصوبة للقبلة وقد كان السجود جائزا في شريعة آدم عليه ~~السلام للمخلوقين ويشبه أن يكون قد كان باقيا إلى زمان يوسف عليه السلام ~~فكان فيما بينهم لمن يستحق ضربا من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله بمنزلة ~~المصافحة والمعانقة فيما بيننا وبمنزلة تقبيل اليد وقد روي عن النبي عليه ~~السلام في إباحة تقبيل اليد أخبار وقد روي الكراهة إلا أن السجود لغير الله ~~تعالى على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت عائشة وجابر بن عبدالله وأنس ~~أن النبي عليه السلام قال ( ما ينبغي لبشر أن يسجد ms0042 لبشر ولو صلح لبشر أن ~~يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) من عظم حقه عليها لفظ حديث أنس بن ~~مالك قوله تعالى @QB@ وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به @QE@ قيل أن فائدة قوله @QB@ ولا تكونوا أول كافر به @QE@ وإن كان الكفر ~~قبيحا من الأول والآخر منهيا عنه الجميع إن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره ~~فيكون أعظم لمأثمه وجرمه كقوله تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وقوله من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد ~~في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا وروي عن النبي عليه السلام أن على ابن آدم ~~القاتل كفلا من الإثم في كل قتيل ظلما لأنه أول من سن القتل وقال عليه ~~السلام ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) قوله ~~تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين لا يخلو من أن يكون ~~راجعا إلى صلاة معهودة وزكاة معلومة وقد عرفها أو أن يكون متناولا صلاة ~~مجملة وزكاة مجملة موقوفة على البيان إلا أنا قد علمنا الآن أنه قد أريد ~~بهما فيما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكاة الواجبة إما لأنه كان ~~معلوما عند المخاطبين في حال ورود الخطاب أو أن يكون كان ذلك مجملا ورد ~~بعده بيان المراد فحصل ذلك معلوما وأما قوله واركعوا مع الراكعين ~~PageV01P038 فإنه يفيد إثبات فرض الركوع في الصلاة وقيل إنه إنما خص الركوع ~~لأن أهل الكتاب لم يكن لهم ركوع في صلاتهم فنص على الركوع فيها ويحتمل أن ~~يكون قوله واركعوا عبارة عن الصلاة نفسها كما عبر عنها بالقراءة في قوله ~~فاقرؤوا ما تيسر من القرآن وقوله وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~والمعنى صلاة الفجر فينتظم وجهين من الفائدة أحدهما إيجاب الركوع لأنه لم ~~يعبر عنها بالركوع إلا وهو من فرضها والثاني الأمر بالصلاة مع المصلين فإن ~~قيل قد تقدم لم ذكر الصلاة في قوله وأقيموا الصلاة فغير جائز ms0043 أن يريد بعطف ~~الركوع عليها الصلاة بعينها قيل له هذا جائز إذا أريد بالصلاة المبدوء ~~بذكرها الإجمال دون صلاة معهودة فيكون حينئذ قوله @QB@ واركعوا مع الراكعين ~~@QE@ إحالة لهم على الصلاة التي بينها بركوعها وسائر فروضها وأيضا لما كانت ~~صلاة أهل الكتاب بغير ركوع وكان في اللفظ احتمال رجوعه إلى تلك الصلاة بين ~~أنه لم يرد الصلاة التي تعبد بها أهل الكتاب بل التي فيها الركوع وقوله ~~تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ ينصرف الأمر بالصبر على أداء ~~الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة وقد روى سعيد ~~عن قتادة أنهما معونتان على طاعة الله تعالى وفعل الصلاة لطف في اجتناب ~~معاصيه وأداء فرائضه كقوله @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ ~~ويحتمل أن يريد به الصبر والصلاة المندوب إليهما لا المفروضين وذلك نحو صوم ~~التطوع وصلاة النفل إلا أن الأظهر أن المراد المفروض منها لأن ظاهر الأمر ~~للإيجاب ولا يصرف إلى غيره إلا بدلالة وقوله تعالى وإنها لكبيرة فيه رد ~~الضمير على واحد مع تقدم ذكر اثنين كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه وقال ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وقول الشاعر % فمن يك أمسى بالمدينة ~~رحله % فإني وقيار بها لغريب % قوله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي ~~قيل لهم يحتج بها فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال بأنه غير جائز ~~تغييرها ولا تبديلها إلى غيرها وربما احتج به علينا المخالف في تجويزنا ~~تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح وفي تجويز القراءة بالفارسية على مذهب ~~أبي حنيفة وفي تجويز النجاح بلفظ الهبة والبيع بلفظ التمليك وما جرى مجرى ~~ذلك وهذا لا يلزمنا فيما ذكرنا لأن قوله تعالى @QB@ فبدل الذين ظلموا @QE@ ~~إنما هو في القوم PageV01P039 الذين قيل لهم @QB@ وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة @QE@ يعني حط عنا ذنوبنا قال الحسن وقتادة قال ابن عباس أمروا ~~أن يستغفروا روى عنه أيضا أنهم أمروا أن يقولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم ~~وقال عكرمة أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله فقالوا بدل ms0044 هذا حطنة حمراء ~~تجاهلا واستهزاء وروى عن ابن عباس وغيره من الصحابة وعن الحسن إنما استحقوا ~~الذم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى الذي أمروا به إذ كانوا مأمورين ~~بالاستغفار والتوبة فصاروا إلى الإصرار والاستهزاء فأما من غير اللفظ مع ~~اتفاق المعنى فلم تتناوله الآية إذ كانت الآية إنما تضمنت الحكاية عن فعل ~~قوم غيروا اللفظ والمعنى جميعا فألحق بهم الذم بهذا الفعل وإنما يشاركهم في ~~الذم من يشاركهم في الفعل مثلا بمثل فأما من غير اللفظ وأتى بالمعنى فلم ~~تتضمنه الآية وإنما نظير فعل القوم إجازة من يجيز المتعة مع قوله تعالى ~~@QB@ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ فقصر استباحة البضع على هذين ~~الوجهين فمن استباحه بلفظ المتعة مع مخالفة النكاح وملك اليمين من جهة ~~اللفظ والمعنى فهذا الذي يجوز أن يلحقه الذم بحكم الآية وقوله تعالى @QB@ ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا @QE@ إلى قوله @QB@ وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها ~~@QE@ إلى آخر الآية قال أبو بكر في هذه الآيات وما اشتملت عليه من قصة ~~المقتول وذبح البقرة ضروب من الأحكام والدلائل على المعاني الشريفة فأولها ~~أن قوله تعالى @QB@ وإذ قتلتم نفسا @QE@ وإن كان مؤخرا في التلاوة فهو مقدم ~~في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة لأن الأمر بذبح البقرة إنما ~~كان سببه قتل النفس وقد قيل فيه وجهان أحدهما أن ذكر القتل وإن كان مؤخرا ~~في التلاوة فهو مقدم في النزول والآخران ترتيب نزولها على حسب ترتيب ~~تلاوتها ونظامها وإن كان مقدما في المعنى لأن الواو لا توجب الترتيب كقول ~~القائل اذكر إذ أعطيت ألف درهم زيدا إذ بنى داري والبناء مقدم على العطية ~~والدليل على أن ذكر البقرة مقدم في النزول قوله تعالى @QB@ فقلنا اضربوه ~~ببعضها @QE@ فدل على أن البقرة قد ذكرت قبل ذلك ولذلك أضمرت ونظير ذلك قوله ~~تعالى في قصة نوح عليه السلام بعد ذكر الطوفان وانقضائه فقلنا احمل فيها ms0045 من ~~كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ~~ومعلوم أن ذلك قبل هلاكهم لأن تقديم الكلام وتأخيره إذا PageV01P040 كان ~~بعضه معطوفا على بعض بالواو غير موجب ترتيب المعنى على ترتيب اللفظ وقوله ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قد دل على جواز ورود الأمر بذبح البقرة بقرة ~~مجهولة غير معروفة ولا موصوفة ويكون المأمور مخيرا في ذبح أدنى ما يقع ~~الاسم عليه وقد تنازع معناه الفريقان من نفاة العموم ومن مثبتيه واحتج به ~~كل واحد من الفريقين لمذهبه فأما القائلون بالعموم فاحتجوا به من جهة وروده ~~مطلقا فكان ذلك أمرا لازما في كل واحد من آحاد ما تناوله العموم وأنهم لما ~~تعنتوا رسول الله عليه السلام في المراجعة مرة بعد أخرى شدد الله عليهم ~~التكليف وذمهم على مراجعته بقوله فذبحوها وما كادوا يفعلون وروى الحسن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( والذي نفس محمد بيده لو اعترضوا أدنى بقرة ~~فذبحوها لأجزت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم ) وروي نحو ذلك عن ابن ~~عباس وعبيدة وأبي العالية والحسن ومجاهد واحتج من أبي القول بالعموم بأن ~~الله تعالى لم يعنفهم على المراجعة بدأ ولو كان قد لزمهم تنفيذ ذلك على ما ~~ادعيتموه من اقتضاء عموم اللفظ لورد النكير في بدء المراجعة وهذا ليس بشيء ~~لأن النكير ظاهر عليهم في اللفظ من وجهين أحدهما تغليظ المحنة عليهم وهذا ~~ضرب من النكير كما قال الله تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم @QE@ والثاني قوله @QB@ وما كادوا يفعلون @QE@ وهذا يدل على ~~أنهم كانوا تاركين للأمر بدا وأنه كان عليهم المسارعة إلى فعله فقد حصلت ~~الآية على معان أحدها وجوب اعتبار عموم اللفظ فيما يمكن استعماله والثاني ~~أن الأمر على الفور وأن على المأمور المسارعة إلى فعله على حسب الإمكان حتى ~~تقوم الدلالة على جواز التأخير والثالث جواز ورود الأمر بشيء مجهول الصفة ~~مع تخيير المأمور في فعل ما يقع الإسم عليه منه ms0046 والرابع وجوب الأمر وأنه لا ~~يصار إلى الندب إلا بدلالة إذ لم يلحقهم الذم إلا بترك الأمر المطلق من غير ~~ذكر وعيد والخامس جواز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه وذلك أن زيادة ~~هذه الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها لأن قوله تعالى @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ اقتضى ذبح بقرة أيها كانت وعلى أي وجه شاؤا وقد ~~كانوا متمكنين من ذلك فلما قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي فقال إنها ~~بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون نسخ التخيير الذي ~~أوجبه الأمر الأول في ذبح البقرة الموصوفة بهذه الصفة وذبح غيرها وقصروا ~~على ما كان منها بهذه الصفة وقبل PageV01P041 لهم افعلوا ما تؤمرون فأبان ~~أنه كان عليهم أن يذبحوا من غير تأخير على هذه الصفة أي لون كانت وعلى أي ~~حال كانت من ذلول أو غيرها فلما قالوا @QB@ ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ~~@QE@ نسخ التخيير الذي كان في ذبح أي لون شاؤا منها وبقي التخيير في الصفة ~~الأخرى من أمرها فلما راجعوا نسخ ذلك أيضا وأمروا بذبحها على الصفة التي ~~ذكر واستقر الفرض عليها بعد تغليظ المحنة وتشديد التكليف وهذا الذي ذكرنا ~~في أمر النسخ دل على أن الزيادة في النص بعد استقرار حكمه يوجب نسخه لأن ~~جميع ما ذكرنا من الأوامر الواردة بعد مراجعة القوم إنما كان زيادة في نص ~~كان قد استقر حكمه فأوجب نسخه ومن الناس من يحتج بهذه القصة في جواز نسخ ~~الفرض قبل مجيء وقته لأنه قد كان معلوما أن الفرض عليهم بدأ قد كان بقرة ~~معينة فنسخ ذلك عنهم قبل مجيء وقت الفعل وهذا غلط لأن كل فرض من ذلك قد كان ~~وقت فعله عقيب ورود الأمر في أول أحوال الإمكان واستقر الفرض عليهم وثبت ثم ~~نسخ قبل الفعل فلا دلالة فيه إذا على جواز النسخ قبل مجيء وقت الفعل وقد ~~بينا ذلك في أصول الفقه والسادس دلالة قوله @QB@ لا ms0047 فارض ولا بكر عوان بين ~~ذلك @QE@ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذا لا يعلم ~~أنها بين البكر والفارض إلا من طريق الاجتهاد والسابع استعمال الظاهر مع ~~تجويز أن يكون في الباطن خلافه بقوله مسلمة لا شية فيها يعني والله أعلم ~~مسلمة من العيوب بريئة منها وذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة وإنما نعلمه من ~~طريق الظاهر مع تجويز أن يكون بها عيب باطن والثامن ما حكى الله عنهم في ~~المراجعة الأخيرة @QB@ وإنا إن شاء الله لمهتدون @QE@ لما قرنوا الخبر ~~بمشيئة الله وفقوا لترك المراجعة بعدها ولوجود ما أمروا به وقد روى أنهم لو ~~لم يقولوا إن شاء الله لما اهتدوا لها أبدا ولدام الشر بينهم وكذلك قوله ~~وما كادوا يفعلون فأعلمنا الله ذلك لنطلب نجح الأمور عند الأخبار عنها في ~~المستقبل بذكر الاستثناء الذي هو مشيئة الله وقد نص الله تعالى لنا في غير ~~هذا الموضع على الأمر به في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشاء الله ففيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه والاعتراف بقدرته ونفاذ ~~مشيئته وأنه مالكه والمدبر له والتاسع دلالة قوله @QB@ أتتخذنا هزوا قال ~~أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين @QE@ على أن المستهزىء يستحق سمة الجهل ~~لانتفاء موسى عليه السلام أن يكون من أهل الجهل بنفيه الاستهزاء عن نفسه ~~PageV01P042 ويدل أيضا على أن الاستهزاء بأمر الدين من كبائر الذنوب ~~وعظائمها لولا ذلك لم يبلغ مأثمة النسبة إلى الجهل وذكر محمد بن مسعر أنه ~~تقدم إلى عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي قال وعلى جبة صوف وكان عبيد ~~الله كثير المزح قال فقال له أصوف نعجة جبتك أم صوف كبش فقلت له لا تجهل ~~أبقاك الله قال وإني وجدت المزاح جهلا فتلوت عليه أتتخذنا هزوا قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين قال فأعرض واشتغل بكلام آخر وفيه دلالة على أن ~~موسى عليه السلام لم يكن متعبدا بقتل من ظهر منه الكفر وإنما كان مأمورا ~~بالنظر بالقول لأن قولهم لنبي ms0048 الله أتتخذنا هزوا كفر وهو كقولهم لموسى اجعل ~~لنا إلها كم لهم آلهة ويدل على أن كفرهم هذا لم يوجب فرقة بين نسائهم ~~وبينهم لأنه لم يأمرهم بفراقهن ولا تقرير نكاح بينهم وبينهن وقوله تعالى ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون يدل على أن ما يسره العبد من خير وشر ودام ذلك ~~منه إن الله سيظهره وهو كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن عبدا لو ~~أطاع الله من وراء سبعين حجابا لأظهر الله له ذلك على ألسنة الناس وكذلك ~~المعصية ) وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام قل لبني إسرائيل ~~يخفوا لي أعمالهم وعلى أن أظهرها وقوله تعالى @QB@ والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون @QE@ عام والمراد خاص لأن كلهم ما علموا بالقاتل بعينه ولذلك ~~اختلفوا وجائز أن يكون قوله @QB@ والله مخرج ما كنتم تكتمون @QE@ عاما في ~~سائر الناس لأنه كلام مستقل بنفسه وهو عاما فيهم وفي غيرهم وفي هذه القصة ~~سوى ما ذكرنا حرمان ميراث المقتول روى أبو أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة ~~السلماني أن رجلا من بني إسرائيل كان له ذو قرابة وهو وارثه فقتله ليرثه ثم ~~ذهب فألقاه على باب قوم آخرين وذكر قصة البقرة وذكر بعدها فلم يورث بعدها ~~قاتل وقد اختلف في ميراث القاتل وروى عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن ~~المسيب أنه لا ميراث له سواء كان القتل عمدا أو خطأ وأنه لا يرث من دينه ~~ولا من سائر ماله وهو قول أبي حنيفة والثوري وأبي يوسف ومحمد وزفر إلا أن ~~أصحابنا قالوا إن كان القاتل صبيا أو مجنونا ورث وقال عثمان البتي قاتل ~~الخطأ يرث دون قاتل العمد وقال ابن شبرمة لا يرث قاتل الخطأ وقال ابن وهب ~~عن مالك لا يرث القاتل عمدا من دية من قتل شيئا ولا من ماله وإن قتله خطأ ~~ورث من ماله ولم يرث من دينه وروي مثله عن الحسن ومجاهد والزهري وهو قول ~~الأوزاعي وقال المزني عن الشافعي إذا قتل الباغي العادل ms0049 PageV01P043 أو ~~العادل الباغي لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال أبو بكر لم يختلف الفقهاء في ~~أن قاتل العمد لا يرث المقتول إذا كان بالغا غافلا بغير حق واختلف في قاتل ~~الخطأ على الوجوه التي ذكرنا وقد حدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن محمد ~~بن عنبسة بن لقيط الضبي قال حدثنا علي بن حجر قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن ~~ابن جريج والمثنى ويحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس للقاتل من الميراث شيء ) وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا موسى بن زكريا التستري قال حدثنا سليمان بن داود قال ~~حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر بن ~~الخطاب عن النبي عليه السلام قال ( ليس للقاتل شيء ) وروي الليث عن إسحاق ~~بن عبدالله بن أبي فروة عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القاتل لا يرث ) وروي يزيد بن هارون ~~قال حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~القاتل عمدا لا يرث من أخيه ولا من ذي قرابته شيئا ويرث أقرب الناس إليه ~~نسبا بعد القاتل ) وروى حصن بن ميسرة قال حدثني عبدالرحمن بن حرملة عن عدي ~~الجذامي قال قلت يا رسول الله كانت لي امرأتان فاقتتلنا فرميت أحديهما فقال ~~أعقلها ولا ترثها فثبت بهذه الأخبار حرمان القاتل ميراثه من سائر مال ~~المقتول وأنه لا فرق في ذلك بين العامد والمخطىء لعموم لفظ النبي عليه ~~السلام فيه وقد استعمل الفقهاء هذا الخبر وتلقوه بالقبول فجرى مجرى التواتر ~~كقوله عليه السلام ( لا وصية لوارث ) وقوله [ لاتنكح المرأة على عمتها ولا ~~على خالتها ] وإذا اختلف البيعان فالقول ما قاله البائع أو يترادان وما جرى ~~مجرى ذلك من الأخبار التي مخرجها من جهة الأفراد وصارت في حيز التواتر ~~لتلقى الفقهاء لها بالقبول من استعمالهم إياها فجاز تخصيص آية ms0050 المواريث بها ~~ويدل على تسوية حكم العامد والمخطىء في ذلك ما روي عن علي وعمر وابن عباس ~~من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم وغير جائز فيما كان هذا وصفه من قول ~~الصحابة في شيوعه واستفاضته أن يعترض عليه بقول التابعين ولما واقق مالك ~~على أنه لا يرث من دينه وجب أن يكون ذلك حكم سائر ماله من وجوه أحدها أن ~~ديته ماله وميراث عنه بدليل أنه تقتضي منها ديونه وتنفذ منها وصاياه ويرثها ~~سائر ورثته على فرائض الله تعالى كما يرثون سائر أمواله فلما اتفقوا على ~~أنه لا يرث من ديته كان ذلك PageV01P044 حكم سائر ماله في الحرمان كما أنه ~~إذا ورث من سائر ماله ورث من ديته فمن حيث كان حكم سائر ماله حكم ديته في ~~الاستحقاق وجب أن يكون حكم سائر ماله حكم ديته في الحرمان إذ كان الجميع ~~مستحقا على سهام ورثته وأنه مبدوء به في الدين على الميراث ومن جهة أخرى ~~أنه لما ثبت أنه لا يرث من ديته لما اقتضاه الأثر وجب أن يكون حكم سائر ~~ماله كذلك لأن الأثر لم يفصل في وروده بين شيء من ذلك وقال مالك إنما ورث ~~قاتل الخطأ من سائر ماله سوى الدية لأنه لا يتهم أن يكون قتله ليرثه وهذه ~~العلة موجودة في ديته لأنها من التهمة أبعد فواجب على مقتضى علته أن يرث من ~~ديته ومن جهة أخرى أنهم لا يختلفون في قاتل العمد وشبه العمد أنه لا يرث ~~سائر ماله كما لا يرث من ديته إذا وجبت فوجب أن يكون ذلك حكم قاتل الخطأ ~~لاتفاقهما في حرمان الميراث من ديته وأيضا إذا كان قتل العمد وشبه العمد ~~إنما حرما الميراث للتهمة في إحراز الميراث بقتله فهذا المعنى موجود في قتل ~~الخطأ لأنه يجوز أن يكون إنما أظهر رمى غيره وهو قاصد به قتله لئلا يقاد ~~منه ولا يحرم الميراث فلما كانت التهمة موجودة من هذا الوجه وجب أن يكون في ~~معنى العمد وشبهه وأيضا ms0051 توريثه بعض الميراث دون بعض خارج من الأصول لأن ~~فيها أن من ورث بعض تركة ورث جميعها ومن حرم بعضها حرم جميعها وإنما قال ~~أصحابنا أن الصبي والمجنون لا يحرمان الميراث بالقتل من قبل أنهما غير ~~مكلفين وحرمان الميراث على وجه العقوبة في الأصول فأجرى قاتل الخطأ مجراه ~~وإن لم يستحق العقاب بقتل الخطأ تغليظا لأمر الدم ويجوز أن يكون قد قصد ~~القتل برميه أو بضربه وأنه أوهم أنه قاصد لغيره فأجرى في ذلك مجرى من علم ~~منه ذلك والصبي والمجنون على أي وجه كان منهما ذلك لا يستحقان الدم قال ~~النبي عليه السلام ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى ينتبه وعن المجنون ~~حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم ) قال أبو بكر رحمه الله فظاهر هذا الخبر ~~يقتضي سقوط حكم قتله رأسا من سائر الوجوه ولولا قيام الدلالة لما وجبت ~~الدية أيضا فإن قيل فإنه يحرم النائم الميراث إذا انقلب على صبي فقتله قيل ~~له هو مثل قاتل الخطأ يجوز أن يكون أظهر أنه نائم ولم يكن نائما في الحقيقة ~~أما قول الشافعي في العادل إذا قتل الباغي حرم الميراث فلا وجه له لأنه ~~قتله بحق وقد كان الباغي مستحقا للقتل فغير جائز أن يحرم الميراث ولا نعلم ~~خلافا أن من وجب له القود على PageV01P045 إنسان فقتله قودا إنه لا يحرم ~~الميراث وأيضا فلو كان قتل العادل الباغي يحرمه الميراث لوجب أنه إذا كان ~~محاربا فاستحق القتل حدا أن لا يكون ميراثه لجماعة المسلمين لأن الإمام قام ~~مقام الجماعة في إجراء الحكم عليه فكأنه قتلوه فلما كان المسلمون هم ~~المستحقين لميراث من ذكرنا أمره وإن كان الإمام قام مقامهم في قتله ثبت ~~بذلك أن من قتل بحق لا يحرم قاتله ميراثه وقال أصحابنا في حافر البئر وواضع ~~الحجر في الطريق إذا عطب به إنسان أنه لا يحرم الميراث لأنه غير قاتل في ~~الحقيقة إذ لم يكن فاعلا للقتل ولا بسبب اتصل بالمقتول والدليل على ذلك أن ~~القتل على ثلاثة ms0052 أوجه عمدا وخطأ وشبه العمد وحافر البئر وواضع الحجر خارج ~~عن ذلك فإن قيل حفر البئر ووضع الحجر سبب للقتل كالرامي والجارح أنهما ~~قاتلان لفعلهما السبب قيل له الرمي وما تولد منه من مرور السهم هو فعله وبه ~~حصل القتل وكذلك الجرح فعله فصار قاتلا به لاتصال فعله للمقتول وعثار الرجل ~~بالحجر ووقوعه في البئر ليس من فعله فلا يجوز أن يكون به قاتلا وقوله تعالى ~~@QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون @QE@ يدل على أن العالم بالحق المعاند ~~فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الصلاح من الجاهل لأن قوله تعالى ~~@QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم @QE@ يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق ~~بعد العلم به وقوله تعالى وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قيل في ~~معنى معدودة أنها قليلة كقوله وشروه بثمن بخس دراهم معدودة أي قليلة وقال ~~ابن عباس وقتادة في قوله أياما معدودة أنها أربعون يوما مقدار ما عبدوا ~~العجل وقال الحسن ومجاهد سبعة أيام وقال تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلك لعلكم تتقون أياما معدودات فسمى أيام الصوم في هذه الآية ~~معدودات وأيام الشهر كله وقد احتج شيوخنا لأقل مدة الحيض وأكثره أنها ثلاثة ~~وعشرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها ~~) وفي بعض الألفاظ ( دعي ا لصلاة أيام حيضك ) واستدلوا بذلك على أن مدة ~~الحيض تسمى أياما وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة لأن ما دون الثلاثة يقال يوم ~~أو يومان وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما وإنما يتناول هذا الاسم ~~ما بين الثلاثة إلى العشرة فدل ذلك على مقدار أقله وأكثره فمن الناس من ~~يعترض على هذا الاستدلال بقوله @QB@ أياما معدودات @QE@ وهي أيا م الشهر ~~وقوله إلا أياما معدودة وقد قيل PageV01P046 فيه أربعون يوما وهذا عندنا لا ~~يقدح في استدلالهم لأن قوله تعالى @QB@ أياما معدودات @QE@ جائز أن يريد به ~~أياما قليلة ms0053 كقوله @QB@ دراهم معدودة @QE@ يعني قليلة ولم يرد به تحديد ~~العدد وتوقيت مقداره وإنما المراد به أنه لم يفرض عليهم من الصوم ما يشتد ~~ويصعب ويحتمل أن يريد به وقتا مبهما كقولهم أيام بني أمية وأيام الحجاج ولا ~~يراد به تحديد الأيام وإنما المراد به زمان ملكهم وقوله عليه السلام ( دعي ~~الصلاة أيام إقرائك ) قد أريد به لا محالة تحديد الأيام إذ لا بد من أن ~~يكون للحيض وقت معين مخصوص لا يتجاوزه ولا يقصر عنه فمتى أضيف ذكر الأيام ~~إلى عدد مخصوص يتناول إما بين الثلاثة إلى العشرة وقوله تعالى بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون قد عقل منه ~~استحقاق النار بما يكسب من ا لسيئة وإحاطتها به فكان الجزاء مستحقا بوجود ~~الشرطين غير مستحق بوجود أحدهما وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين ~~في عتاق أو طلاق أو غيرهما أنه لا يحنث بوجود أحدهما دون وجود الآخر قوله ~~تعالى @QB@ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا @QE@ يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا ~~أو مؤمنين لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى وقوله وذي القربى يدل على ~~وجوب صلة الرحم والإحسان إلى اليتامى والمساكين [ @QB@ وقولوا للناس حسنا ~~@QE@ روي عن أبي جعفر محمد بن علي وقولوا للنا س حسنا كلهم قال أبو بكر ~~وهذا يدل على انهم كانوا متعبدين بذلك في المسلم والكافر وقد قيل أن ذلك ~~على معنى قوله تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ والإحسان المذكور في الآية إنما هو الدعاء إليه ~~والنصح فيه لكل أحد وروي عن ابن عباس وقتادة أنها منسوخة بالأمر بالقتال ~~وقد قال تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وقد أمر الله ~~تعالى بلعن الكفار والبراءة منهم والإنكار على أهل المعاصي وهذا مما لا ~~يختلف فيه شرائع الأنبياء عليهم السلام فدلذلك على أن المأمور به من القول ~~الحسن ms0054 أحد وجهين إما أن يكون ذلك خاصا في المسلمين ومن لا يستحق اللعن ~~والنكير وإن كان عاما فهو الدعاء إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وذلك كله حسن وأخبرنا الله تعالى أنه كان أخذ الميثاق على بني ~~إسرائيل بما ذكر والميثاق وهو العقد المؤكد إما بوعيد أو بيمين وهو نحو أمر ~~الله الصحابة بمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على PageV01P047 شرائطها ~~المذكورة وقوله تعالى @QB@ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم @QE@ يحتمل وجهين أحدهما لا يقتل بعضكم بعضا كقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ وكذلك أخراجهم من ديارهم وكقوله وقاتلوا ~~وقتلوا والآخر أن لا يقتل كل واحد نفسه إما بأن يباشر ذلك كما يفعله الهند ~~وكثير ممن يغلب عليه اليأس من الخلاص عند شدة هو فيها أو بأن يقتل غيره ~~فيقتل به فيكون في معنى قتل نفسه واحتمال اللفظ المعنيين يوجب ان يكون ~~عليهما جميعا وهذا الذي أخبر الله به من حكم شريعة التوراة مما كان يكتمه ~~اليهود لما عليهم في ذلك الوكس ويلزمهم في ذلك من الذم فأطلع الله نبيه ~~عليه وجعله دلالة وحجة عليهم في جحدهم نبوته إذ لم يكن عليه السلام ممن قرأ ~~الكتب ولا عرف ما فيها إلا بإعلام الله تعالى إياه وكذلك جميع ما حكى الله ~~بعد هذه الآية عنهم من قوله @QB@ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~@QE@ وسائر ما ذمهم هو توقيف منه له على ما كانوا يكتمون وتقريع لهم على ~~ظلمهم وكفرهم وإظهار قبائحهم وجميعه دلالة على نبوته عليه السلام وقوله ~~تعالى وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض دال على أن فداء أساراهم كان واجبا عليهم وكان إخراج ~~فريق منهم من ديارهم محرما عليهم فإذا أسر بعضهم عدوهم كان عليهم أن ~~يفادوهم فكانوا في إخراجهم كافرين ببعض الكتاب لفعلهم ما حظره الله عليهم ~~وفي مفاداتهم مؤمنين ببعض الكتاب بقيامهم بما أوجبه الله عليهم وهذا الحكم ~~من وجوب مفاداة الأسارى ثابت ms0055 علينا روى الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن جده أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا ~~معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين ورى منصور عن شقيق ~~بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أطعموا الطعام وأفشوا السلام وعودواالمريض وفكوا العاني ) فهذان الخبران ~~يدلان على فكاك الأسير لأن العاني هو الأسير وقد روى عمران بن حصين وسلمة ~~بن الأكوع أن النبي عليه السلام فدى أسارى من المسلمين بالمشركين وروى ~~الثوري عن عبدالله بن شريك عن بشر بن غالب قال سئل الحسين بن علي عليهما ~~السلام على من فدى الأسير قال على الأرض التي يقاتل عنها قوله تعالى @QB@ ~~قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين @QE@ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم = PageV01P048 قال لو أن ~~اليهود تمنوا الموت لماتوا أو لرأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين ~~يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولامالا وقال ~~ابن عباس لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا وقيل في تمني الموت وجهان ~~أحدهما قول ابن عباس أنهم تحدوا بأن يدعوا بالموت على أن الفريقين كانا ~~كاذبين وقال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس لما قالوا @QB@ لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى @QE@ وقالوا @QB@ نحن أبناء الله وأحباؤه ~~@QE@ قيل لهم فتمنوا الموت فمن كان بهذه الصفة فالموت خير له من الحياة في ~~الدنيا فتضمنت الآية معنيين أحدهما إظهار كذبهم وتبكيتهم به والثاني ~~الدلالة على نبوة النبي عليه السلام وذلك أنه تحداهم بذلك كما أمر الله ~~تعالى بتحدي النصارى بالمباهلة فلولا علمهم بصدقه صلى الله عليه وسلم ~~وكذبهم لسارعوا إلى تمني الموت ولسارعت النصارى إلى المباهلة لا سيما وقد ~~أخبر الفريقين أنهم لو فعلوا ذلك لنزل الموت والعذاب بهم وكان يكون في ~~إظهارهم التمني والمباهلة تكذيب له ودحض لحجته إذا لم ينزل بهم ما أوعدهم ~~فلما ms0056 أحجموا عن ذلك مع التحدي والوعيد مع سهولة هذا القول دل ذلك على علمهم ~~بصحة نبوته بما عرفوه من كتبهم من نعته وصفته كما قال تعالى ولن يتمنوه ~~أبدا بما قدمت أيديهم فيه دلالة أخرى على صحة نبوته وهو إخبارهم أنهم لا ~~يتمنون الموت مع خفة التمني وسهولته على المتلفظ وسلامة ألسنتهم فكان ذلك ~~بمنزلة لو قال لهم الدلالة على صحة نبوتي أن أحدا منكم لا يمس رأسه مع صحة ~~جوارحه وأنه إن مس أحد منكم رأسه فأنا مبطل فلا يمس أحدا منهم رأسه مع شدة ~~عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه ومع سلامة أعضائهم وصحة جوارحهم فيعلم بذلك ~~أنه من عند الله تعالى من وجهين أحدهما أن عاقلا لا يتحدى أعداء بمثله مع ~~علمه بجواز وقوع ذلك منهم والثاني أنه إخبار بالغيب إذ لم يتمن واحد منهم ~~الموت وكون مخبره على ما أخبر به وهذا كقوله حين تحداهم بالقرآن وقرعهم ~~بالإتيان بسورة مثله وإخباره أنهم لا يفعلون بقوله @QB@ فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا @QE@ فإن قال قائل انهم لم يتمنوا لأنهم لو تمنوا لكان ذلك ضميرا ~~مغيبا علمه عن الناس وكان يمكنه أن يقول إنكم قد تمنيتم بقلوبكم قيل له هذا ~~يبطل من وجهين أحدهما أن للمتمني صيغة معروفة عند العرب وهو قول القائل ليت ~~الله غفر لي وليت زيدا قدم وما جرى هذا المجرى وهو أحد أقسام الكلام ومتى ~~قال ذلك قائل كان ذلك عندهم متمنيا من غير اعتبار لضميره واعتقاده كقولهم ~~في الخبر والاستخبار والنداء PageV01P049 ونحو ذلك من أقسام الكلام والتحدي ~~بتمني الموت إنما توجه إلى العبارة التي في لغتهم إنها تمن والوجه الآخر ~~أنه يستحيل أن يتحداهم عند الحاجة والتكذيب والتوقيف على علمهم بصحة نبوته ~~وبهتهم ومكابرتهم في أمره فيتحداهم بأن يتمنوا ذلك بقلوبهم مع علم الجميع ~~بأن التحدي بالضمير لا يعجز عنه أحد فلا يدل على صحة مقالة ولا فسادها وأن ~~المتحدي بذلك يمكنه أن يقول قد تمنيت بقلبي ذلك ولا يمكن خصمه إقامة الدليل ~~على كذبه ms0057 وأيضا فلو انصرف ذلك إلى التمني بالقلب دون العبارة باللسان ~~لقالوا قد تمنينا ذلك بقلوبنا فكانوا مساوين له فيه ويسقط بذلك دلالته على ~~كذبهم وعلى صحة نبوته فلما لم يقولوا ذلك لأنهم لو قالوه لنقل كما لو ~~عارضوا القرآن بأي كلام كان لقل فعلم أن التحدي وقع بالتمني باللفظ ~~والعبارة دون الضمير والاعتقاد # باب السجود وحكم الساحر $ # قال الله تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان @QE@ إلى آخر القصة قال أبو بكر الواجب أن نقدم القول في السحر ~~لخفائه على كثير من أهل العلم فضلا عن العامة ثم نعقبه بالكلام في حكمه في ~~مقتضى الآية في المعاني والأحكام فنقول إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في ~~اللغة لما لطف وخفى سببه والسحر عندهم بالفتح هو الغذاء ولطف مجاريه قال ~~لبيد % أرنا موضعين لأمر غيب % ونسحر بالطعام وبالشراب % # | قيل فيه وجهان نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع والآخر نغذى وأي الوجهين ~~كان فمعناه الخفاء وقال آخر % فإن تسألينا فيم نحن فإننا % عصافير من هذا ~~الأنام المسحر % # وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول أيضا أنه أراد بالمسحر أنه ~~ذو سحر والسحر الرئة وما يتعلق بالحلقوم وهذا يرجع إلى معنى الخفاء ومنه ~~قول عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وقوله تعالى ~~@QB@ إنما أنت من المسحرين @QE@ يعني من المخلوق الذي يطعم ويسقى ويدل عليه ~~قوله تعالى @QB@ وما أنت إلا بشر مثلنا @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ما لهذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق @QE@ ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا وإنما ~~يذكر السحر في مثل هذه المواضع لضعف هذه الأجساد ولطافتها ورقتها وبها مع ~~ذلك قوام PageV01P050 الإنسان فمن كان بهذه الصفة فهو ضعيف محتاج وهذا هو ~~معنى السحر في اللغة ثم نقل هذا الإسم إلى كل أمر خفي سببه وتخيل على غير ~~حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله وقد ~~أجري مقيدا فيما يمتدح ويحمد روي ( أن من البيان لسحرا ) حدثنا عبدالباقي ~~قال حدثنا ms0058 إبراهيم الحراني قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد ~~عن محمد بن الزبير قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن ~~بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم فقال لعمرو خبرني عن الزبرقان فقال مطاع ~~في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره فقال الزبرقان هو والله يعلم أني ~~أفضل منه فقال عمرو إنه زمر المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا ~~رسول اله صدقت فيهما أرضاني فقلت أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ~~فقال عليه السلام ( إن من البيان لسحرا ) وحدثنا إبراهيم الحراني قال حدثنا ~~مصعب بن عبدالله قال حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال قدم ~~رجلان فخطب أحدهما فعجب الناس لذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن ~~من البيان لسحرا ) قال وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~محمد بن يحيى بن فارس قال حدثنا سعيد بن محمد قال حدثنا أبو تميلة قال ~~حدثنا أبو جعفر النحوي عبدالله بن ثابت قال حدثني صخر بن عبدالله بن بريدة ~~عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن من البيان ~~لسحرا وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكما وإن من القول عيالا ) قال صعصعة ~~بن صوحان صدق نبي الله أما قوله إن من البيان لسحرا فالرجل يكون عليه الحق ~~وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وأما قوله من ~~العلم جهلا فيتكلف العالم إلى علمه مالا يعلمه فيجهله ذلك وأما قوله إن من ~~الشعر حكما فهي هذه الأمثال والمواعظ التي يتعظ بها الناس وأما قوله إن من ~~القول عيالا فعرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده فسمى النبي ~~عليه السلام بعض البيان سحرا لأن صاحبه بين أن ينبئ عن حق فيوضحه ويجليه ~~بحسن بيانه بعد أن كان خفيا فهذا من السحر الحلال الذي أقر النبي عليه ~~السلام ms0059 عمر بن الأهتم عليه ولم يسخطه منه وروى أن رجلا تكلم بكلام بليغ عند ~~عمر بن عبدالعزيز فقال عمر هذا والله السحر الحلال وبين أن يصور الباطل في ~~صورة الحق ببيانه ويخدع السامعين بتمويهه ومتى أطلق فهو اسم لكل أمر مموه ~~باطل لا حقيقة له ولا ثبات PageV01P051 قال الله تعالى @QB@ سحروا أعين ~~الناس @QE@ يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال @QB@ ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى @QE@ فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا ~~وإنما كان تخييلا وقد قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال ~~كانت معمولة من أدم محشوة زئبقا وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ~~وجعلوا آزاجا وملؤها نارا فلما طرحت عليه وحمى الزئبق حركها لأن من شأن ~~الزئبق إذا أصابته النار أن يطير فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير ~~حقيقة والعرب تقول لضرب من الحلى مسحور أي مموه على من رآه مسحور به عينه ~~فما كان من البيان على حق ويوضحه فهو من السحر الحلال وما كان منه مقصودا ~~به إلى تمويه وخديعة وتصوير باطل في صورة الحق فهو من السحر المذموم فإن ~~قيل إذا كان موضوع السحر التمويه والإخفاء فكيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق ~~وينبئ عنه سحرا وهو إنما أظهر بذلك ما خفي ولم يقصد به إلى إخفاء ما ظهر ~~وإظهاره غير حقيقة قيل له سمي ذلك سحرا من حيث كان الأغلب في ظن السامع أنه ~~لو ورد عليه المعنى بلفظ مستنكر غير مبين لما صادف منه قبولا ولا أصغى إليه ~~ومتى سمع المعنى بعبارة مقبولة عذبة لا فساد فيها ولا استنكار وقد تأتى لها ~~بلفظه وحسن بيانه بما لا يتأتى له الغبي الذي لا بيان له أصغى إليه وسمعه ~~وقبله فسمى استمالته للقلوب بهذا الضرب من البيان سحرا كما يستميل الساحر ~~قلوب الحاضرين إلى ما موه به ولبسه فمن هذا الوجه سمى البيان سحرا لا من ~~الوجه الذي ظننت ويجوز أن يكون إنما ms0060 سمي البيان سحرا لأن المقتدر على ~~البيان ربما قبح ببيانه بعض ما هو حسن وحسن عنده بعض ما هو قبيح فسماه لذلك ~~سحرا كما سمي ما موه به صاحبه وأظهر على غير حقيقته سحرا قال أبو بكر رحمه ~~الله واسم السحر إنما أطلق على البيان مجازا لا حقيقة والحقيقة ما وصفنا ~~ولذلك صار عند الإطلاق إما يتناول كل أمر مموه قد قصد به الخديعة والتلبيس ~~وإظهار ما لا حقيقة له ولا ثبات وإذ قد بينا أصل السحر في اللغة وحكمه عند ~~الإطلاق والتقييد فلنقل في معناه في التعارف والضروب الذي يشتمل عليها هذا ~~الاسم وما يقصد به كل فريق من منتحليه والغرض الذي يجري إليه مدعوه فنقول ~~وبالله التوفيق إن ذلك ينقسم إلى أنحاء مختلفة فمنها سحر أهل بابل الذين ~~ذكرهم الله تعالى في قوله @QB@ يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت @QE@ وكانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب PageV01P052 ~~السبعة ويسمونها آلهة ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها وهم معطلة ~~لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم وهم الذين ~~بعث الله تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه فدعاهم إلى الله تعالى ~~وحاجهم بالحجاج الذي بهرهم به وأقام عليهم به الحجة من حيث لم يمكنهم دفعه ~~ثم ألقوه في النار فجعلها الله تعالى بردا وسلاما ثم أمره الله تعالى ~~بالهجرة إلى الشام وكان أهل بابل وإقليم العراق والشام ومصر والروم على هذه ~~المقالة إلى أيام بيوراسب الذي تسميه العرب الضحاك وأن أفريدون وكان من أهل ~~دنباوند استجاش عليه بلاده وكاتب سائر من يطيعه وله قصص طويلة حتى أزال ~~ملكه وأسره وجهال العامة والنساء عندنا يزعمون أن أفريدون حبس بيوراسب في ~~جبل دنباوند العالي على الجبال وأنه حي هناك مقيد وأن السحرة يأتونه هناك ~~فيأخذون عنه السحر وأنه سيخرج فيغلب على الأرض وأنه هو الدجال الذي أخبر به ~~النبي عليه السلام وحذرنا به وأحسبهم أخذوا ذلك عن المجوس وصارت مملكة ~~إقليم بابل للفرس فانتقل بعض ملوكهم إليها ms0061 في بعض الأزمان فاستوطنوها ولم ~~يكونوا عبدة أوثان بل كانوا موحدين مقرين بالله وحده إلا أنهم مع ذلك ~~يعظمون العناصر الأربعة الماء والنار والأرض والهواء لما فيها من منافع ~~الخلق وأن بها قوام الحيوان وإنما حدثت المجوسية فيهم بعد ذلك في زمان ~~كشتاسب حين دعاه زرادشت فاستجاب له على شرائط وأمور يطول شرحها وإنما غرضنا ~~في هذا الموضع الإبانة عما كانت عليه سحرة بابل ولما ظهرت الفرس على هذا ~~الإقليم كانت تتدين بقتل السحرة وإبادتها ولم يزل ذلك فيهم ومن دينهم بعد ~~حدوث المجوسية فيهم وقبله إلى أن زال عنهم الملك وكانت علوم أهل بابل قبل ~~ظهور الفرس عليهم الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم وكانوا يعبدون أوثانا قد ~~عملوها على أسماء الكواكب السبعة وجعلوا لكل واحد منها هيكلا فيه صنمه ~~ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقة ذلك للكوكب ~~الذي يطلبون منه بزعمهم فعل خير أو شر فمن أراد شيئا من الخير والصلاح ~~بزعمه يتقرب إليه بما يوافق المشتري من الدخن الرقى والعقد والنفث عليها ~~ومن طلب شيئا من الشر والحرب والموت والبوار لغيره تقرب بزعمه إلى زحل بما ~~يوافقه من ذلك ومن أراد البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمه إلى المريخ بما ~~يوافقه من ذلك من ذبح PageV01P053 بعض الحيوانات وجميع تلك الرقى بالنبطية ~~تشتمل على تعظيم تلك الكواكب إلى ما يريدون من خير أو شر ومحبة وبغض ~~فيعطيهم ما شاؤا من ذلك فيزعمون أنهم عند ذلك يفعلون ما شاؤا في غيرهم من ~~غير مماسة ولا ملامسة سوى ما قدموه من القربات للكوكب الذي طلبوا ذلك منه ~~فمن العامة من يزعم أنه يقلب الإنسان حمارا أو كلبا ثم إذا شاء أعاده ويركب ~~البيضة والمكنسة والخابية ويطير في الهواء فيمضي من العراق إلى الهند وإلى ~~ما شاء من البلدان ثم يرجع من ليلته وكانت عوامهم تعتقد ذلك لأنهم كانوا ~~يعبدون الكواكب وكل ما دعا إلى تعظيمها اعتقدوه وكانت الساحرة تحتال في ~~خلال ذلك بحيل تموه بها على العامة إلى اعتقاد ms0062 صحته بأن يزعم أن ذلك لا ~~ينفذ ولا ينتفع به أحد ولا يبلغ ما يريد إلا من اعتقد صحة قولهم وتصديقهم ~~فيما يقولون ولم تكن ملوكهم تعترض عليهم في ذلك بل كانت السحرة عندها ~~بالمحل الأجل لما كان لها في نفوس العامة من محل التعظيم والإجلال ولأن ~~الملوك في ذلك الوقت كانت تعتقد ما تدعيه السحرة للكواكب إلى أن زالت تلك ~~الممالك ألا ترى أن الناس في زمن فرعون كانوا يتبارون بالعلم والسحر والحبل ~~والمحاريق ولذلك بعث إليهم موسى عليه السلام بالعصا والآيات التي علمت ~~السحرة أنها ليست من السحر في شيء وأنها لا يقدر عليها غير الله تعالى فلما ~~زالت تلك الممالك وكان من ملكهم بعد ذلك من الموحدين يطلبونهم ويتقربون إلى ~~الله تعالى بقتلهم وكانوا يدعون عوام الناس وجهالهم سرا كما يفعله الساعة ~~كثير ممن يدعي ذلك مع النساء والأحداث الأعمار والجهال الحشو وكانوا يدعون ~~من يعملون له ذلك إلى تصديق قولهم والإعتراف بصحته والمصدق لهم بذلك يكفر ~~من وجوه أحدها التصديق بوجوب تعظيم الكواكب وتسميتها آلهة والثاني اعترافه ~~بأن الكواكب تقدر على ضره ونفعه والثالث أن السحرة تقدر على مثل معجزات ~~الأنبياء عليهم السلام فبعث الله إليهم ملكين يبينان للناس حقيقة ما يدعون ~~وبطلان ما يذكرون ويكشفان لهم ما به يموهون ويخبرانهم بمعاني تلك الرقى ~~وأنها شرك وكفر وبحيلهم التي كانوا يتوصلون بها إلى التمويه على العامة ~~ويظهرون لهم حقائقها وينهونهم عن قبولها والعمل بها بقوله @QB@ إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر @QE@ فهذا أصل سحر بابل ومع ذلك فقد كانوا يستعملون سائر ~~وجوه السحر والحيل التي نذكرها ويموهون بها على العامة ويعزونها إلى فعل ~~الكواكب لئلا يبحث PageV01P054 عنها ويسلمها لهم فمن ضروب السحر كثير من ~~التخييلات التي مظهرها على خلاف حقائقها فمنها ما يعرفه الناس بجريان ~~العادة بها وظهورها ومنها ما يخفى ويلطف ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا ~~من تعاطى معرفة ذلك لأن كل علم لا بد أن يشتمل على جلي وخفي وظاهر وغامض ~~فالجلي منه يعرفه ms0063 كل من رآه وسمعه من العقلاء والغامض الخفي لا يعرفه إلا ~~أهله ومن تعاطى معرفته وتكلف فعله البحث عنه وذلك نحو ما يتخيل راكب ~~السفينة إذا سارت في النهر فيرى أن الشط بما عليه من النخل والبنيان سائر ~~معه وكما يرى القمر في مهب الشمال يسير للغيم في مهب الجنوب وكدوران ~~الدوامة فيها الشامة فيراها كالطوق المستدير في أرجائها وكذلك يرى هذا في ~~الرحى إذا كانت سريعة الدوران وكالعود في طرفه الجمرة إذا أداره مديره رأى ~~إذا تلك النار التي في طرفه كالطوق المستدير وكالعنبة التي يراها في قدح ~~فيه ماء كالخوخة والإجاصة عظما وكالشخص الصغير يراه في الضباب عظيما جسيما ~~وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته وارتفعت ~~صغرت وكما يرى المردى في الماء منكسرا أو معوجا وكما يرى الخاتم إذا قربته ~~من عينك في سعة حلقة السوار ونظائر ذلك كثيرة من الأشياء التي تتخيل على ~~غير حقائقها فيعرفها عامة الناس ومنها ما يلطف فلا يعرفه إلا من تعاطاه ~~وتأمله كخيط السحارة الذي يخرج مرة أحمر ومرة أصفر ومرة أسود ومن لطيف ذلك ~~ودقيقه ما يفعله المشعوذون من جهة الحركات وإظهار التخيلات التي تخرج على ~~غير حقائقها حتى يريك عصفورا معه أنه قد ذبحه ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه ~~وإبانة رأسه وذلك لخفة حركته والمذبوح غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان قد ~~خبأ أحدهما وأظهر الآخر ويخبأ لخفة الحركة المذبوح ويظهر الذي نظيره ويظهر ~~أنه قد ذبح إنسانا وأنه قد بلع سيفا معه وأدخله في جوفه وليس لشيء منه ~~حقيقة ومن نحو ذلك ما يفعله أصحاب الحركات للصور المعمولة من صفر أو غيره ~~فيرى فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر وينصرف بحيل قد أعدت لذلك وكفارس ~~من صفر على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن ~~يمسه أحد ولا يتقدم إليه وقد ذكر الكلبي أن رجلا من الجند خرج ببعض نواحي ~~الشام متصيدا ومعه كلب له وغلام ms0064 فرأى ثعلبا فأغرى به الكلب فدخل الثعلب ~~ثقبا في تل هناك ودخل الكلب خلفه فلم يخرج فأمر الغلام أن يدخل فدخل ~~وانتظره PageV01P055 صاحبه فلم يخرج فوقف متهيئا للدخول فمر به رجل فأخبره ~~بشأن الثعلب والكلب والغلام وأن واحدا منهم لم يخرج وأنه متأهب للدخول فأخذ ~~الرجل بيده فأدخله إلى هناك فمضيا إلى سرب طويل حتى أفضى بهما إلى بيت قد ~~فتح له ضوء من موضع ينزل إليه بمرقاتين فوقف به على المرقاة الأولى حتى ~~أضاء البيت حينا ثم قال له أنظر فنظر فإذا الكلب والرجل والثعلب قتلى وإذا ~~في صدر البيت رجل واقف مقنع في الحديد وفي يده سيف فقال له الرجل أترى هذا ~~لو دخل إليه هذا المدخل ألف رجل لقتلهم كلهم فقال وكيف قال لأنه قد رتب ~~وهندم على هيئة متى وضع الإنسان رجله على المرقاة الثانية للنزول تقدم ~~الرجل المعمول في الصدر فضربه بالسيف الذي في يده فإياك أن تنزل إليه فقال ~~فكيف الحيلة في هذا قال ينبغي أن تحفر من خلفه سربا يفضي بك إليه فإن وصلت ~~إليه من تلك الناحية لم يتحرك فاستأجر الجندي أجراء وصناعا حتى حفروا سربا ~~من خلف التل فأفضوا إليه فلم يتحرك وإذا رجل معمول من صفر أو غيره قد ألبس ~~السلاح وأعطي السيف فقلعه ورأى بابا آخر في ذلك البيت ففتحه فإذا هو قبر ~~لبعض الملوك ميت على سرير هناك وأمثال ذلك كثيرة جدا ومنها الصور التي ~~يصورها مصورو الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بين الإنسان وبينها ومن لم ~~يتقدم له علم أنها صورة لا يشك في أنها إنسان وحتى تصورها ضاحكة أو باكية ~~وحتى يفرق فيها بين الضحك من الخجل والسرور وضحك الشامت فهذه الوجوه من ~~لطيف أمور التخايل وخفيها وما ذكرناه قبل من جليها وكان سحر سحرة فرعون من ~~هذا الضرب على النحو الذي بينا من حيلهم في العصي والحبال والذي ذكرناه من ~~مذاهب أهل بابل في القديم وسحرهم ووجوه حيلهم بعضه سمعناه من أهل المعرفة ~~بذلك ms0065 وبعضه وجدناه في الكتب قد نقلت حديثا من النبطية إلى العربية منها ~~كتاب في ذكر سحرهم وأصنافه ووجوهه وكلها مبنية على الأصل الذي ذكرناه من ~~قربانات الكواكب وتعظيمها وخرافات معها لا تساوي ذكرها ولا فائدة فيها وضرب ~~آخر من السحر وهو ما يدعونه من حديث الجن والشياطين وطاعتهم لهم بالرقى ~~والعزائم ويتوصلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمه أمور ومواطأة قوم قد أعدوهم ~~لذلك وعلى ذلك كان يجري أمر الكهان من العرب في الجاهلية وكانت أكثر مخارق ~~الحلاج من باب الموطآت ولولا أن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاء ذلك لذكرت ~~منها PageV01P056 ما يوقف على كثير من مخاريقه ومخاريق أمثاله وضرر أصحاب ~~العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن ~~الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء الله تعالى فإنهم يجيبون بذلك من ~~شاؤا ويخرجون الجن لمن شاؤا فتصدقهم العامة على اغترار بما يظهرون من ~~انقياد الجن لهم بأسماء الله تعالى التي كانت تطيع بها سليمان بن داود عليه ~~السلام وأنهم يخبرونهم بالخبايا وبالسرق وقد كان المعتضد بالله مع جلالته ~~وشهامته ووفور عقله اغتر بقول هؤلاء وقد ذكره أصحاب التواريخ وذلك أنه كان ~~يظهر في داره التي كان يخلو فيها بنسائه وأهله شخص في يده سيف في أوقات ~~مختلفة وأكثره وقت الظهر فإذا طلب لم يوجد ولم يقدر عليه ولم يوقف له على ~~أثر مع كثرة التفتيش وقد رآه هو بعينه مرارا فأهمته نفسه ودعا بالمعزمين ~~فحضروا وأحضروا معهم رجالا ونساء وزعموا أن فيهم مجانين وأصحاء فأمر بعض ~~رؤسائهم بالعزيمة فعزم على رجل منهم زعم أنه كان صحيحا فجن وتخبط وهو ينظر ~~إليه وذكروا له أن هذا غاية الحذق بهذه الصناعة إذ أطاعته الجن في تخبيط ~~الصحيح وإنما كان ذلك من العزم بمواطأة منه لذلك الصحيح على أنه متى عزم ~~عليه جنن نفسه وخبط فجاز ذلك على المتعضد فقامت نفسه منه وكرهه إلا أنه ~~سألهم عن أمر الشخص الذي يظهر في داره فمخرقوا عليه بأشياء ms0066 علقوا قلبه بها ~~من غير تحصيل لشيء من أمر ما سألهم عنه فأمرهم بالانصراف وأمر لكل واحد ~~منهم ممن حضر بخمسة دراهم ثم تحرز المعتضد بغاية ما أمكنه وأمر بالاستيثاق ~~من سور الدار حيث لا يمكن فيه حيلة من تسلق ونحوه وبطحت في أعلى السور خواب ~~لئلا يحتال بإلقاء المعاليق التي يحتال بها اللصوص ثم لم يوقف لذلك الشخص ~~على خبر إلا ظهوره له الوقت بعد الوقت إلى أن توفي المعتضد وهذه الخوابي ~~المبطوحة على السور وقد رأيتها على سور الثريا التي بناها المعتضد فسألت ~~صديقا لي كان قد حجب للمقتدر بالله عن أمر هذا الشخص وهل تبين أمره فذكر لي ~~أنه لم يوقف على حقيقة هذا الأمر إلا في أيام المقتدر وأن ذلك الشخص كان ~~خادما أبيض يسمى يقق وكان يميل إلى بعض الجواري اللاتي في داخل دور الحرم ~~وكان قد اتخذ لحى على ألوان مختلفة وكان إذا لبس بعض تلك اللحى لا يشك من ~~رآه أنها لحيته وكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها ويظهر في ذلك ~~الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح حيث يقع نظر المعتضد فإذا طلب دخل ~~بين PageV01P057 الشجر الذي في البستان أو في بعض تلك الممرات أو العطفات ~~فإذا غاب عن أبصار طالبيه نزع اللحية وجعلها في كمه أو حزته ويبقى السلاح ~~معه كأنه بعض الخدم الطالبين للشخص ولا يرتابون به ويسألونه هل رأيت في هذه ~~الناحية أحدا فإنا قد رأيناه صار إليها فيقول ما رأيت أحدا وكان إذا وقع ~~مثل هذا الفزع في الدار خرجت الجواري من داخل الدور إلى هذا الموضع فيرى هو ~~تلك الجارية ويخاطبها بما يريد وإنما كان غرضه مشاهدة الجارية وكلامها فلم ~~يزل دأبه إلى أيام المقتدر ثم خرج إلى البلدان وصار إلى طرسوس وأقام بها ~~إلى أن مات وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ووقف على احتياله فهذا خادم قد ~~احتال بمثل هذه الحيلة الخفية التي لم يهتد لها أحد مع شدة عناية المعتضد ~~به وأعياه ms0067 معرفتها والوقوف عليها ولم تكن صناعته الحيل والمخاريق فما ظنك ~~بمن قد جعل هذا صناعة ومعاشا وضرب آخر من السحر وهو السعي بالنميمة ~~والوشاية بها والبلاغات والإفساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك عام ~~شائع في كثير من الناس وقد حكي أن امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين فصارت ~~إلى الزوجة فقالت لها إن زوجك معرض وقد سحر وهو مأخوذ عنك وسأسحره لك حتى ~~لا يريد غيرك ولا ينظر إلى سواك ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ~~ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها فإن بها يتم الأمر فاغترت المرأة بقولها ~~وصدقتها ثم ذهبت إلى الرجل وقالت له إن امرأتك قد علقت رجلا وقد عزمت على ~~قتلك وقد وقفت على ذلك من أمرها فأشفقت عليك ولزمني نصحك فتيقظ ولا تغتر ~~فإنها عزت على ذلك بالموسى وستعرف ذلك منها فما في أمرها شك فتناوم الرجل ~~في بيته فلما ظنت امرأته أنه قد نام عمدت إلى موسى حاد وهوت به لتحلق من ~~حلقه ثلاث شعرات ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه فلم يشك ~~في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها وقتل وهذا كثير لا يحصى وضرب آخر من ~~السحر وهو الاحتيال في إطعامه بعض الأدوية المبلدة المؤثرة في العقل والدخن ~~المسدرة المسكرة نحو دماغ الحمار إذا طعه إنسان تبلد عقله وقلت فطنته مع ~~أدوية كثيرة هي مذكورة في كتب الطب ويتوصلون إلى أن يجعلوه في طعام حتى ~~يأكله فتذهب فطنته ويجوز عليه أشياء مما لو كان تام الفطنة لأنكرها فيقول ~~الناس إنه مسحور وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله مخاريق وحيل لا حقيقة لما ~~يدعون لها أن PageV01P058 الساحر والمعزم لو قدرا على ما أدعيانه من النفع ~~والضرر من الوجوه التي يدعون وأمكنهما الطيران والعلم بالغيوب وأخبار ~~البلدان النائية والخبيئات والسرق والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ~~ذكرنا لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز والغلبة على البلدان بقتل ~~الملوك بحيث لا يبدأهم مكروه ولما مسهم السوء ولا امتنعوا ms0068 عمن قصدهم بمكروه ~~ولاستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس فإذا لم يكن كذلك وكان المدعون لذلك ~~أسوأ الناس حالا وأكثرهم طمعا واحتيالا وتوصلا لأخذ دراهم الناس وأظهرهم ~~فقرا وإملاقا علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك ورؤساء الحشو والجهال من ~~العامة من أسرع الناس إلى التصديق بدعاوى السحرة والمعزمين وأشدهم نكيرا ~~على من جحدها ويروون في ذلك أخبارا مفتعلة متخرصة يعتقدون صحتها كالحديث ~~الذي يروون أن امرأة أتت عائشة فقالت إني ساحرة فهل لي توبة فقالت وما سحرك ~~قالت سرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا لي ~~يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت فقالا لي اذهبي فبولي ~~على ذلك الرماد فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا فعلت وجئت إليهما ~~فقلت قد فعلت فقالا ما رأيت فقلت ما رأيت شيئا فقالا ما فعلت اذهبي فبولي ~~عليه فذهبت وفعلت فرأيت كأن فارسا قد خرج من فرجي مقنعا بالحديد حتى صعد ~~إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا ذلك إيمانك خرج عنك وقد أحسنت السحر ~~فقلت وما هو فقالا لا تريدين شيئا فتصورينه وهمك إلا كان فصورت في نفسي حبا ~~من حنطة فإذا أنا بالحب فقلت له أنزرع فانزرع وخرج من ساعته سنبلا فقلت له ~~انطحن وانخبز إلى آخر الأمر حتى صار خبزا وإني كنت لا أصور في نفسي شيئا ~~إلا كان فقالت لها عائشة ليست لك توبة فيروي القصاص والمحدثون الجهال مثل ~~هذا للعامة فتصدقه وتستعيده وتسأله أن يحدثها بحديث ساحرة ابن هبيرة فيقول ~~لها إن ابن هبيرة أخذ ساحرة فأقرت له بالسحر فدعا الفقهاء فسألهم عن حكمها ~~فقالوا القتل فقال ابن هبيرة لست أقتلها إلا تغريقا قال فأخذ رحى البزر ~~فشدها في رجلها وقذفها في الفرات فقامت فوق الماء مع الحجر فجعلت تنحدر مع ~~الماء فخافوا أن تفوتهم فقال ابن هبيرة من يمسكها وله كذا وكذا فرغب رجل من ~~السحرة كان حاضرا فيما بذله فقال أعطوني قدح زجاج فيه ماء ms0069 فجاؤه به فقعد ~~على القدح ومضى إلى الحجر فشق الحجر PageV01P059 بالقدح فتقطع الحجر قطعة ~~قطعة فغرقت الساحرة فيصدقونه ومن صدق هذا فليس يعرف النبوة ولا يأمن أن ~~تكون معجزات الأنبياء عليهم السلام من هذا النوع وأنهم كانوا سحرة وقال ~~الله تعالى @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ وقد أجازوا من فعل الساحر ما ~~هو أطم من هذا وأفظع وذلك أنهم زعموا أن النبي عليه السلام سحر وأن السحر ~~عمل فيه حتى قال فيه أنه يتخيل لي أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم ~~أفعله وأن امرأة يهودية سحرته في جف طلعة ومشط ومشاقة حتى أتاه جبريل عليه ~~السلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة البئر فاستخرج وزال عن ~~النبي عليه السلام ذلك العارض وقد قال الله تعالى مكذبا للكفار فيما ادعوه ~~من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال جل من قائل @QB@ وقال الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا @QE@ ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تعلبا ~~بالحشو الطغام وإستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم ~~السلام والقدح فيها وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وأن جميعه ~~من نوع واحد والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات ~~معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى @QB@ ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى @QE@ فصدق هؤلاء من كذبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله ~~وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا منها بأن ذلك يعمل في ~~الأجساد وقصدت به النبي عليه السلام فأطلع الله نبيه على موضع سرها وأظهر ~~جهلها فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته لا أن ذلك ضره وخلط عليه ~~أمره ولم يقل كل الرواة أنه اختلط عليه أمره وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ~~ولا أصل له والفرق بين معجزات الأنبياء وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات أن ~~معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها وبواطنها كظواهرها وكلما ~~تأملتها ازددت بصيرة في صحتها ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ms0070 ومقابلتها ~~بأمثالها ظهر عجزهم عنها ومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة ~~والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها وما يظهر منها على غير حقيقتها يعرف ذلك ~~بالتأمل والبحث ومتى شاء شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ويأتي بمثل ما ~~أظهره سواه قال أبو بكر قد ذكرنا في معنى السحر وحقيقته ما يقف الناظر على ~~جملته وطريقته ولو استقصينا ذلك من وجوه الحيل لطال واحتجنا إلى استئناف ~~كتاب لذلك وإنما الغرض PageV01P060 في هذا الموضع بيان معنى السحر وحكمه ~~والآن حيث انتهى بنا القول إلى ذكر قول الفقهاء فيه وما تضمنته الآية من ~~حكمه وما يجري على مدعي ذلك من العقوبات على حسب منازلهم في عظم المأثم ~~وكثرة الفساد والله أعلم بالصواب # | باب اختلاف الفقهاء في حكم الساحر وقول السلف فيه # حدثنا عبدالباقي حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال حدثنا عبدالرحمن بن رجاء ~~قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبدالله قال من أتى كاهنا أو ~~عرافا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد عليه السلام ~~وروى عبدالله عن نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها فوجدوا سحرها ~~واعترفت بذلك فأمرت عبدالرحمن بن زيد فقتلها فبلغ ذلك عثمان فأنكره فأتاه ~~ابن عمر فأخبره أمرها وكان عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه وذكر ~~ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول كنت كاتبا لجزي بن معاوية ~~فأتى كتاب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر وروى أبو عاصم ~~عن الأشعث عن الحسن قال يقتل الساحر ولا يستتاب وروى المثنى بن الصباح عن ~~عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب أخذ ساحرا فدفنه إلى صدره ثم تركه حتى مات ~~وروى سفيان عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد قال كان قيس ابن سعد أميرا على ~~مصر فجعل يفشو سره فقال من هذا الذي يفشي سري فقالوا ساحر ههنا فدعاه فقال ~~له إذا نشرت الكتاب علمنا ما فيه ms0071 فأما ما دام مختوما فليس نعلمه فأمر به ~~فقتل وروى أبو إسحق الشيباني عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال قال ~~علي بن أبي طالب عليه السلام إن هؤلاء العرافين كهان العجم فمن أتى كاهنا ~~يؤمن له بما يقول فهو بريء مما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام وروى ~~مبارك عن الحسن أن جندبا قتل ساحرا وروى يونس عن الزهري قال يقتل ساحر ~~المسلمين ولا يقتل ساحر أهل الكتاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سحره رجل ~~من اليهود يقال له ابن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال لها زينب فلم يقتلهما ~~وعن عمر بن عبدالعزيز قال يقتل الساحر قال أبو بكر اتفق هؤلاء السلف على ~~وجوب قتل الساحر ونص بعضهم على كفره واختلف فقهاء الأمصار في حكمه على ما ~~نذكره فروى ابن شجاع عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال في الساحر يقتل ~~إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله إني أترك السحر وأتوب منه ~~PageV01P061 فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر ~~فوصفوا ذلك بصفة يعلم أنه سحر قتل ولا يستتاب وإن أقر فقال كنت أسحر وقد ~~تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل وكذلك لو شهد عليه أنه كان مرة ساحرا وأنه ~~ترك منذ زمان لم يقتل إلا أن يشهدوا أنه الساعة ساحر وأقر بذلك فيقتل وكذلك ~~العبد المسلم والذمي والحر الذمي من أقر منهم أنه ساحر فقد حل دمه فيقتل ~~ولا يقبل توبته وكذلك لو شهد على عبد أو ذمي أنه ساحر ووصفوا ذلك بصفة يعلم ~~أنه سحر لم يقبل توبته ويقتل وإن أقر العبد أو الذمي أنه كان ساحرا وترك ~~ذلك منذ زمان قبل ذلك منه وكذلك لو شهدوا عليه أنه كان مرة ساحرا ولم ~~يشهدوا أنه الساعة ساحر لم يقتل وأما المرأة فإذا شهدوا عليها أنها ساحرة ~~أو أقرت بذلك لم تقتل وحبست وضربت حتى يستيقن لهم تركها للسحر وكذلك الأمة ~~والذمية إذا ms0072 شهدوا أنها ساحرة أو أقرت بذلك لم تقتل وحبست حتى يعلم منها ~~ترك ذلك كله وهذا كله قول أبي حنيفة قال ابن شجاع فحكم في الساحر والساحرة ~~حكم المرتد والمرتدة إلا أن يجيء فيقر بالسحر أو يشهد عليه بذلك أنه عمله ~~فإنه جعل ذلك بمنزلة الثبات على الردة وحكى محمد بن شجاع عن أبي علي الرازي ~~قال سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك ~~بمنزلة المرتد فقال الساحر قد جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد والساعي ~~بالفساد إذا قتل قتل قال فقلت لأبي يوسف ما الساحر قال الذي يقتص له من ~~العمل مثل ما فعلت اليهود بالنبي عليه الصلاة والسلام وبما جاءت به الأخبار ~~إذا أصاب به قتلا فإذا لم يصب به قتلا لم يقتل لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يقتله إذ كان لم يصب به قتلا قال أبو بكر ليس ~~فيما ذكر بيان معنى السحر الذي يستحق فاعله القتل ولا يجوز أن يظن بأبي ~~يوسف أنه اعتقد في السحر ما يعتقده الحشو من إيصالهم الضرر إلى المسحور من ~~غير مماسة ولا سقي دواء وجائز أن يكون سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم ~~على جهة إرادتهم التوصل إلى قتله بإطعامه وأطلعه الله على ما أرادوا كما ~~سمته زينب اليهودية في الشاة المسمومة فأخبرته الشاة بذلك فقال إن هذه ~~الشاة لتخبرني أنها مسمومة قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل ~~السحر قتل ولا يستتاب لأن المسلم إذا ارتد باطنا لم تعرف توبته بإظهاره ~~الإسلام قال إسماعيل بن إسحاق فأما ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك ~~إلا أن يضر المسلمين فيقتل PageV01P062 لنقض العهد وقال الشافعي إذا قال ~~الساحر أنا أعمل عملا لأقتل فأخطئ وأصيب وقد مات هذا الرجل من عملي ففيه ~~الدية وإن قال عملي يقتل المعمول به وقد تعمدت قتله قتل به قودا وإن قال ~~مرض منه ولم يمت ms0073 أقسم أوليائه لمات منه ثم تكون الدية قال أبو بكر فلم يجعل ~~الشافعي الساحر كافرا بسحره وإنما جعله جانيا كسائر الجناة وما قدمنا من ~~قول السلف يوجب أن يكون مستحقا للقتل باستحقاق سمة السحر فدل ذلك على أنهم ~~رأوه كافرا وقول الشافعي في ذلك خارج عن قول جميعهم يعتبر أحد منهم قتله ~~لغيره بعمله السحر في إيجاب قتله قال أبو بكر وقد بينا فيما سلف معاني ~~السحر وضروبه وأما الضرب الأول الذي ذكرنا من سحر أهل بابل في القديم ~~ومذاهب الصابئين فيه وهو الذي ذكرالله تعالى في قوله @QB@ وما أنزل على ~~الملكين @QE@ فيما يرى والله أعلم فإن القائل به والمصدق به والعامل به ~~كافر وهو الذي قال أصحابنا فيه عندي أنه لا يستتاب والدليل على أن المراد ~~بالآية هذا الضرب من السحر ما حدثنا عبدالباقي بن قانع حدثنا نظير قال ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبدالله بن ~~الأخنس قال حدثنا الوليد بن عبدالله عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر ~~وهذا يدل على معنيين أحدهما أن المراد بالآية هو السحر الذي نسبه عاملوه ~~إلى النجوم وهو الذي ذكرناه من سحر أهل بابل والصابئين لأن سائر ضروب السحر ~~الذي ذكرنا ليس لها تعلق بالنجوم عند أصحابها والثاني أن إطلاق لفظ السحر ~~المذموم يتناول هذا الضرب منه وهذا يدل على أن التعارف عند السلف من السحر ~~هو هذا الضرب منه ومما يدعي فيه أصحابها المعجزات وإن لم يعلقوا ذلك بفعل ~~النجوم دون غيرها من الوجوه التي ذكرنا وأنه هو المقصود بقتل فاعله إذ لم ~~يفرقوا فيه بين عامل السحر بالأدوية والنميمة والسعاية والشعوذة وبين غيره ~~ومعلوم عند الجميع أن هذه الضروب من السحر لا توجب قتل فاعلها إذا لم يدع ~~فيه معجزة لا يمكن العباد فعلها فدل ذلك على أن إيجابهم قتل الساحر إنما ~~كان لمن ادعى ms0074 بسحره معجزات لا يجوز وجود مثلها إلا من الأنبياء عليهم ~~السلام دلالة على صدقهم وذلك ينقسم إلى معنيين أحدهما ما بدأنا بذكره من ~~سحر أهل بابل والآخر ما يدعيه المعزمون وأصحاب النيرنجيات من خدمة الشياطين ~~لهم والفريقان جميعا كافران أما الفريق الأول فلأن في PageV01P063 سحره ~~تعظيم الكواكب واعتقادها آلهة وأما الفريق الثاني فلأنها وإن كانت معترفة ~~بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنها حيث أجازت أن تخبرها الجن بالغيوب ~~وتقدر على تغيير فنون الحيوان والطيران في الهواء والمشي على الماء وما جرى ~~مجرى ذلك فقد جوزت وجود مثل أعلام الأنبياء عليهم السلام مع الكذابين ~~المتخرصين ومن كان كذلك فإنه لا يعلم صدق الأنبياء عليهم السلام لتجويزه ~~كون مثل هذه الأعلام مع غيرهم فلا يأمن من أن يكون جميع من ظهرت على يده ~~متخرصا كذابا فإنما كفر هذه الطائفة من هذا الوجه وهو جهله بصدق الأنبياء ~~عليهم السلام والأظهر من أمر الساحر الذي رأت الصحابة قتله من غير بحث منهم ~~عن حاله ولا بيان لمعاني سحره أنه الساحر المذكور في قوله تعالى @QB@ ~~يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين @QE@ وهو الساحر الذي بدأنا بذكره ~~عند ذكرنا ضروب السحر وهو سحر أهل بابل في القديم وعسى أن يكون هو الأغلب ~~الأعم في ذلك الوقت ولا يبعد أن يكون في ذلك الوقت من يتعاطى سائر ضروب ~~السحر الذي ذكرنا وكانوا يجرون في دعواهم الأخبار بالغيوب وتغيير صور ~~الحيوان على منهاج سحرة بابل وكذلك كهان العرب يشمل الجميع اسم الكفر لظهور ~~هذه الدعاوى منهم وتجويزهم مضاهاة الأنبياء في معجزاتهم وعلى أي وجه كان ~~معنى السحر عند السلف فإنه لم يحك عن أحد إيجاب قتل الساحر من طريق الجناية ~~على النفوس بل إيجاب قتله باعتقاده عمل السحر من غير اعتبار منهم لجنايته ~~على غيره فأما ما يفعله المشعوذون وأصحاب الحركات والخفة بالأيدي وما يفعله ~~من يتعاطى ذلك بسقي الأدوية المبلدة للعقل أو السموم القاتلة ومن يتعاطى ~~ذلك بطريق السعي بالنمائم والوشاية والتضريب والإفساد فإنهم إذا ms0075 اعترفوا ~~بأن ذلك حيل ومخاريق حكم من يتعاطى مثلها من الناس لم يكن كافرا وينبغي أن ~~يؤدب ويزجر عن ذلك والدليل على أن الساحر المذكور في الآية مستحق لاسم ~~الكفر قوله تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان @QE@ أي على عهد سليمان روي ذلك عن المفسرين وقوله @QB@ تتلوا @QE@ ~~معناه تخبر وتقرأ ثم قوله تعالى @QB@ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~@QE@ يدل على أن ما أخبرت به الشياطين وادعته من السحر على سليمان كان كفرا ~~فنفاه الله عن سليمان وحكم بكفر الشياطين الذين تعاطوه وعملوه ثم عطف على ~~ذلك قوله تعالى @QB@ وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان ~~من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر @QE@ PageV01P064 فأخبر عن ~~الملكين أنهما يقولان لمن يعلمانه ذلك لا تكفر بعمل هذا السحر واعتقاده ~~فثبت أن ذلك كفر إذا عمل به واعتقده ثم قال ولقد علموا لمن اشتراه ماله في ~~الآخرة من خلاق يعني والله أعلم من استبدل السحر بدين الله ماله في الآخرة ~~من خلاق يعني من نصيب ثم قال @QB@ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ~~ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون @QE@ فجعل ~~ضد هذا الإيمان فعل السحر لأنه جعل الإيمان في مقابلة فعل السحر وهذا يدل ~~على أن الساحر كافر وإذا ثبت كفره فإن كان مسلما قبل ذلك أو قد ظهر منه ~~الإسلام في وقت كفره بفعل السحر فاستحق القتل بقوله عليه السلام ( من بدل ~~دينه فاقتلوه ) وإنما قال أبو حنيفة ولا نعلم أحدا من أصحابنا خالفه فيما ~~ذكره الحسن عنه أنه يقتل ولا يستتاب فأما ما روي عن أبي يوسف في فرق أبي ~~حنيفة بين الساحر وبين المرتدين فإن الساحر قد جمع إلى كفره السعي بالفساد ~~في الأرض فإن قال قائل فأنت لا تقتل الخناق والمحاربين إلا إذا قتلوا فهلا ~~قلت مثله في الساحر قيل له يفترقان من جهة أن الخناق والمحارب لم يكفرا قبل ~~القتل ولا ms0076 بعده فلم يستحقا القتل إذ لم يتقدم منهما سبب يستحقان به القتل ~~وأما الساحر فقد كفر بسحره قتل به أو لم يقتل فاستحق القتل بكفره ثم لما ~~كان مع كفره ساعيا في الأرض بالفساد كان وجوب قتله حدا فلم يسقط بالتوبة ~~كالمحارب إذا استحق القتل لم يسقط ذلك عنه بالتوبة فهو مشبه للمحارب الذي ~~قتل في ان قتله حد لا تزيله عنه التوبة ويفارق المرتد من جهة أن المرتد ~~يستحق القتل بإقامته على الكفر فحسب فمتى انتقل عنه زال عنه الكفر والقتل ~~ولما وصفنا من ذلك لم يفرقوا بين الساحر من أهل الذمة ومن المسلمين كما لا ~~يختلف حكم المحارب من أهل الذمة والإسلام فيما يستحقونه بالمحاربة ولذلك لم ~~تقتل المرأة الساحرة لأن المرأة من المحاربين عندهم لا تقتل حدا وإنما تقتل ~~قودا ووجه آخر لقول أبي حنيفة في ترك استتابة الساحر وهو ما ذكره الطحاوي ~~قال حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه أدخلها ~~في أماليه عليهم قال قال أبو حنيفة اقتلوا الزنديق سرا فإن توبته لا تعرف ~~ولم يحك أبو يوسف خلافه ويصح بناء مسئلة الساحر عليه لأن الساحر يكفر سرا ~~فهو بمنزلة الزنديق فالواجب أن لا تقبل توبته فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن لا ~~يقتل PageV01P065 الساحر من أهل الذمة لأن كفره ظاهر وهو غير مستحق للقتل ~~لأجل الكفر قيل له الكفر الذي أقررناه عليه هو ما أظهره لنا وأما الكفر ~~الذي صار إليه بسحره فإنه غير مقر عليه ولم نعطه الذمة على إقراره عليه ألا ~~ترى أنه لو سألنا إقراره على السحر بالجزية لم نجبه إليه ولم نجز إقراره ~~عليه ولا فرق بينه وبين الساحر من أهل الملة وأيضا فلو أن الذمي الساحر لم ~~يستحق القتل بكفره لاستحقه بسعيه في الأرض بالفساد كالمحاربين على النحو ~~الذي ذكرنا وقولهم في ترك قبول توبة الزنديق يوجب أن لا يستتاب الإسماعيلية ~~وسائر الملحدين الذين قد علم منهم اعتقاد الكفر كسائر الزنادقة وأن يقتلوا ms0077 ~~مع إظهارهم التوبة ويدل على وجوب قتل الساحر ما حدثنا به ابن قانع حدثنا ~~بشر بن موسى قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن ~~مسلم عن الحسن ابن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( حد الساحر ضربه ~~بالسيف ) وقصة جندب في قتله الساحر بالكوفة عند الوليد بن عقبة مشهورة ~~وقوله عليه السلام ( حد الساحر ضربه بالسيف ) قد دل على معنيين أحدهما وجوب ~~قتله والثاني أنه حد لا يزيله التوبة كسائر الحدود إذا وجبت ولما ذكرنا من ~~قتله على وجه قتل المحارب قالوا فيما حدثنا الحسن بن زياد أنه إذا قال كنت ~~ساحرا وقد ثبت أنه لا يقتل كمن أقر أنه كان محاربا وجاء تائبا أنه لا يقتل ~~لقوله تعالى في شأن المحاربين @QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم @QE@ فاستثنى التائب قبل القدرة عليه من جملة من ~~أوجب عليه الحد المذكور في الآية ويستدل بظاهر قوله تعالى @QB@ إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا @QE@ إلى آخر الآية على ~~وجوب قتل الساحر حدا لأنه من أهل السعي في الأرض بالفساد لعمله السحر ~~واستدعائه الناس إليه وإفساده إياهم مع ما صار إليه من الكفر وأما مالك بن ~~أنس فإنه أجرى الساحر مجرى الزنديق فلم يقبل توبته كما لا يقبل توبة ~~الزنديق ولم يقتل ساحر أهل الذمة لأنه غير مستحق للقتل بكفره وقد أقررناه ~~عليه فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين فيكون ذلك عنده نقضا للعهد فيقتل كما ~~يقتل الحربي وقد بينا موافقة الساحر الذمي للزنديق من قبل أنه استحدث كفرا ~~سرا لا يجوز إقراره عليه بجزية ولا غيرها فلا فرق بينه وبين الساحر ممن ~~ينتحل ملة الإسلام ومن جهة أخرى أنه في معنى المحارب فلا يختلف حكم أهل ~~الذمة ومنتحلي الذمة وأما مذهب الشافعي فقد PageV01P066 بينا خروجه عن ~~أقاويل السلف لأن أحدا منهم لم يعتبر قتله بسحره وأوجبوا قتله على الإطلاق ~~بحصول الإسم له وهو مع ذلك ms0078 لا يخلو من أحد وجهين في ذكره قتل الساحر بغيره ~~إما أن يجيز على الساحر قتل غيره من غير مباشرة ولا اتصال سبب إليه على حسب ~~ما يدعيه السحرة وذلك فظيع شنيع ولا يجيزه أحد من أهل العلم بالله ورسوله ~~من فعل السحرة لما وصفنا من مضاهاته أعلام الأنبياء عليهم السلام أو أن ~~يكون إنما أجاز ذلك من جهة سقي الأدوية ونحوها فإن كان هذا أراد فإن من ~~احتال في إيصال دواء إلى إنسان حتى شربه فإنه لا يلزمه دية إذ كان هو ~~الشارب له والجاني على نفسه كمن دفع إلى إنسان سيفا فقتل به نفسه وإن كان ~~إنما أوجره إياه من غير اختيار لشربه فإن هذا لا يكاد يقع إلا في حال ~~الإكراه والنوم ونحوه فإن كان أراد ذلك فإن هذا يستوي فيه الساحر وغيره ثم ~~قوله إذا قال الساحر قد أخطئ وأصيب وقد مات هذا الرجل من عملي ففيه الدية ~~فإنه لا معنى له لأن رجلا لو جرح رجلا بحديدة قد يموت المجروح من مثله وقد ~~لا يموت لكان عليه فيه القصاص فكان الواجب على قوله إيجاب القصاص كما يجب ~~في الحديدة وقوله قد يموت وقد لا يموت ليس بعلة في زوال القصاص لوجودها في ~~الجارح بحديدة بعد أن يقر الساحر أنه قد مات من عمله فإن قيل فقد جعله ~~بمنزلة شبه العمد والضرب بالعصا واللطمة التي قد تقتل وقد لا تقتل قيل له ~~ولم صار بالقتل بالعصا واللطمة أشبه منه بالحديدة فإن فرق بينهما من جهة أن ~~هذا سلاح وذاك ليس بسلاح لزمه في كل ما ليس بسلاح أن لا يقتص منه ويلزمه ~~حينئذ اعتبار السلاح دون غيره في إيجاب القود وقول الشافعي وإن قال مرض منه ~~ولم يمت أقسم أولياؤه لمات منه مخالف في النظر لأحكام الجنايات لأن من جرح ~~رجلا فلم يزل صاحب فراش حتى مات لزمه حكم جنايته وكان محكوما بحدوث الموت ~~عند الجراحة ولا يحتاج إلى أيمان الأولياء في موته منها فكذلك يلزمه ms0079 مثله ~~في الساحر إذا أقر أن المسحور مرض من سحره فإن قيل كذلك نقول في المريض من ~~الجراحة إذا لم يزل صاحب فراش حتى مات أنهم إذا اختلفوا لم يحكم بالقتل حتى ~~يقسم أولياء المجروح قيل له فينبغي أن تقول مثله لو ضربه بالسيف ووالى بين ~~الضرب حتى قتله من ساعته فقال الجارح مات من علة كانت به قبل الضربة ~~الثانية أو قال اخترمه الله تعالى ولم يمت من ضربتي أن تقسم الأولياء وهذا ~~لا يقوله أحد وكذلك ما وصفنا قال PageV01P067 أبو بكر قد تكلمنا في معنى ~~السحر واختلاف الفقهاء بما فيه كفاية في حكم الساحر ونتكلم الآن في معاني ~~الآية ومقتضاها فنقول إن قوله تعالى @QB@ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ~~ملك سليمان @QE@ فقد روي فيه عن ابن عباس أن المراد به اليهود الذين كانوا ~~في زمن سليمان بن داود عليهما السلام وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وروي مثله عن ابن جريج وابن إسحاق وقال الربيع بن أنس والسدي المراد به ~~اليهود الذين كانوا في زمن سليمان وقال بعضهم أراد الجميع من كان منهم في ~~زمن سليمان ومن كان منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن متبعي السحر ~~من اليهود لم يزالوا منذ عهد سليمان إلى أن بعث الله نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم فوصف الله هؤلاء اليهود الذين لم يقبلوا القرآن ونبذوه وراء ~~ظهورهم مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان وهو يريد شياطين الجن والإنس ومعنى تتلو تخبر ~~وتقرأ وقيل تتبع لأن التالي تابع وقوله @QB@ على ملك سليمان @QE@ قيل فيه ~~على عهده وقيل فيه على ملكه وقيل فيه تكذب عليه لأنه إذا كان الخبر كذبا ~~قيل تلا عليه وإذا كان صدقا قيل تلا عنه وإذا أبهم جاز فيه الأمران جميعا ~~قال الله تعالى @QB@ أم تقولون على الله ما لا تعلمون @QE@ وكانت اليهود ~~تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أن ملكه كان به فبرأه الله تعالى ms0080 من ذلك ذكر ~~ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وقال محمد بن إسحاق قال بعض أحبار ~~اليهود ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا ~~فأنزل الله تعالى @QB@ وما كفر سليمان @QE@ وقيل إن اليهود إنما أضافت ~~السحر إلى سليمان توصلا منهم إلى قبول الناس ذلك منهم ولتجوزه عليهم وكذبوا ~~عليه في ذلك وقيل إن سليمان جمع كتب السحر ودفنها تحت كرسيه أو في خزانته ~~لئلا يعمل به الناس فلما مات ظهر عليه فقالت الشياطين بهذا كان يتم ملكه ~~وشاع ذلك في اليهود وقبلته وأضافته إليه وجائز أن يكون المراد شياطين الإنس ~~وجائز أن يكون الشياطين دفنوا السحر تحت كرسي سليمان في حياته من غير علمه ~~فلما مات وظهر نسبوه إلى سليمان وجائز أن يكون الفاعلون لذلك شياطين الإنس ~~استخرجوه بعد موته وأوهموا الناس أن سليمان كان فعل ذلك ليوهموهم ويخدعوهم ~~به قوله تعالى @QB@ وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت @QE@ قد قرئ ~~بنصب اللام وخفضها فمن قرأها بنصبها جعلهما من الملائكة ومن قرأها بخفضها ~~جلعهما من غير الملائكة وقد روي عن الضحاك أنهما كان علجين من أهل بابل ~~والقراءتان PageV01P068 صحيحتان غير متنافيتين لأنه جائز أن يكون الله أنزل ~~ملكين في زمن هذين الملكين لاستيلاء السحر عليهما واغترارهما وسائر الناس ~~بقولهما وقبولهم منهما فإذا كان الملكان مأمورين بإبلاغهما وتعريفهما وسائر ~~الناس معنى السحر ومخاريق السحرة وكفرها جاز أن نقول في إحدى القراءتين وما ~~أنزل على الملكين اللذين هما من الملائكة بأن أنزل عليهما ذلك ونقول في ~~القراءة الأخرى وما أنزل على الملكين من الناس لأن الملكين كانا مأمورين ~~بإبلاغهما وتعريفهما كما قال الله تعالى في خطاب رسوله @QB@ ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ وقال في موضع آخر @QB@ قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا @QE@ فأضاف الإنزال تارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتارة ~~إلى المرسل إليهم وإنما خص الملكين بالذكر وإن كانا مأمورين بتعريف الكافة ~~لأن العامة كانت تبعا للملكين فكان أبلغ الأشياء ms0081 في تقرير معاني السحر ~~والدلالة على بطلانه تخصيص الملكين به ليتبعهما الناس كما قال لموسى وهرون ~~إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وقد كانا ~~عليهما السلام رسولين إلى رعاياه كما أرسلا إليه ولكنه خصه بالمخاطبة لأن ~~ذلك أنفع في استدعائه واستدعاء رعيته إلى الإسلام وكذلك كتب النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وخصهما بالذكر دون رعاياهما وإن كان رسولا إلى ~~كافة الناس لما وصفناه من أن الرعية تبع للراعي وكذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم في كتابه لكسرى ( أما بعد فأسلم تسلم وإلا فعليك إثم المجوس ) وقال ~~لقيصر ( أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسين ) يعني أنك إذا آمنت تبعتك ~~الرعية وإن أبيت لم تستجب الرعية إلى الإسلام خوفا منك فهم تبع لك في ~~الإسلام والكفر فلذلك والله أعلم خص الملكين من أهل بابل بإرسال الملكين ~~إليهما كما قال الله تعالى @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ~~@QE@ فإن قيل فكيف يكون الملائكة مرسلا إليهم ومنزلا عليهم قيل له هذا جائز ~~شائع لأن الله تعالى قد يرسل الملائكة بعضهم إلى بعض كما يرسلهم إلى ~~الأنبياء كثف أجسامهم وجعلهم كهيئة بني آدم لئلا ينفروا منهم قال الله ~~تعالى @QB@ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا @QE@ يعني هيئة الرجل وقوله تعالى ~~@QB@ يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين @QE@ معناه والله أعلم أن ~~الله أرسل الملكين ليبينا للناس معاني السحر ويعلموهم أنه كفر وكذب وتمويه ~~لا حقيقة له حتى يجتنبوه كما بين الله على ألسنة رسله سائر المحظورات ~~والمحرمات ليجتنبوه ولا يأتوه فلما كان السحر كفرا أو تمويها وخداعا وكان ~~أهل ذلك PageV01P069 الزمان قد اغتروا به وصدقوا السحرة فيما ادعوه لأنفسه ~~به بين ذلك للناس على لسان هذين الملكين ليكشفا عنهم غمة الجهل ويزجراهم عن ~~الإغترار به كما قال تعالى @QB@ وهديناه النجدين @QE@ يعني والله أعلم بينا ~~سبيل الخير والشر ليجتبى الخير ويجتنب الشر وكما قيل لعمر ابن الخطاب فلان ~~لا يعرف الشر قال أجدر أن يقع فيه ms0082 ولا فرق بين بيان معاني السحر والزجر عنه ~~وبين بيان سائر ضروب الكفر وتحريم الأمهات والأخوات وتحريم الزنا والربا ~~وشرب الخمر ونحوه لأن الغرض لما بينا في اجتناب المحظورات والمقبحات كهو في ~~بيان الخير إذ لا يصل إلى فعله إلا بعد العلم به كذلك اجتباء الطاعات ~~والواجبات فمن حيث وجبت وجب بيان الشر ليجتنبه إذ لا يصل إلى تركه واجتنابه ~~إلا بعد العلم به ومن الناس من يزعم أن قوله @QB@ وما أنزل على الملكين ~~@QE@ معناه أن الشياطين كذبوا على ما أنزل على الملكين كما كذبوا على ~~سليمان وأن السحر الذي يتلوه هؤلاء لم ينزل عليهما وزعم أن قوله تعالى @QB@ ~~فيتعلمون منهما @QE@ معناه من السحر والكفر لأن قوله @QB@ ولكن الشياطين ~~كفروا @QE@ يتضمن الكفر فرجع الضمير إليهما كقوله تعالى @QB@ سيذكر من يخشى ~~ويتجنبها الأشقى @QE@ أي يتجنب الأشقى الذكرى قال وقوله وما يعلمان من أحد ~~معناه أن الملكين لا يعلمان ذلك أحدا ومع ذلك لا يقتصران على أن لا يعلماه ~~حتى يبالغا في نهيه فيقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر والذي حمله على هذا ~~التأويل استنكاره أن ينزل الله على الملكين السحر مع ذمه السحر والساحر ~~وهذا الذي ذهب إليه لا يوجب لأن المذموم من يعمل بالسحر لا من بينه للناس ~~ويزجرهم عنه كما أن على كل من علم من الناس معنى السحر أن يبينه لمن لا ~~يعلم وينهاه عنه ليجتنبه وهذا من الفروض التي ألزمنا إياها الله تعالى إذا ~~رأينا من اختدع به وتموه عليه أمره قوله تعالى @QB@ إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~@QE@ فإن الفتنة ما يظهر به حال الشيء في الخير والشر تقول العرب فتنت ~~الذهب إذا عرضته على النار لتعرف سلامته أو غشه والإختبار كذلك أيضا لأن ~~الحال تظهر فتصير كالمخبرة عن نفسها والفتنة العذاب في غير هذا الموضع ومنه ~~قوله تعالى @QB@ ذوقوا فتنتكم @QE@ فلما كان الملكان يظهران حقيقة السحر ~~ومعناه قالا إنما نحن فتنة وقال قتادة إنما نحن فتنة بلاء وهذا سائغ أيضا ~~لأن أنبياء الله تعالى ورسله فتنته ms0083 لمن أرسلوا إليهم ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا ويجوز أن يريد أنا فتنة وبلاء لأن من يعلم ذلك منهما يمكنه استعمال ~~ذلك في الشر ولا يؤمن PageV01P070 وقوعه فيه فيكون ذلك محنة كسائر العبادات ~~وقولهما فلا تكفر يدل على أن عمل السحر كفر لأنهما يعلمانه إياه لئلا يعمل ~~به لأنهما علماهما ما السحر وكيف الإحتيال ليجتنبه ولئلا يتموه على الناس ~~أنه من جنس آيات الأنبياء صلوات الله عليهم فيبطل الإستدلال بها وقوله ~~تعالى @QB@ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه @QE@ يحتمل ~~التفريق من وجهين أحدهما أن يعمل به السامع فيكفر فيقع به الفرقة بينه وبين ~~زوجته إذا كانت مسلمة بالردة والوجه الآخر أن يسعى بينهما بالنميمة ~~والوشاية والبلاغات الكاذبة والإغراء والإفساد وتمويه الباطل حتى يظن أنه ~~حق فيفارقها قوله تعالى @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله @QE@ ~~الإذن هنا العلم فيكون اسما إذا كان مخففا وإذا كان محركا كان مصدرا كما ~~يقول حذر الرجل حذرا فهو حذر فالحذر الاسم والحذر المصدر ويجوز أن يكون مما ~~يقال على وجهين كشبه وشبه ومثل ومثل وقيل فيه إلا بإذن الله أي تخليته أيضا ~~وقال الحسن من شاء الله منعه فلم يضره السحر ومن شاء خلى بينه وبينه فضره ~~قوله تعالى @QB@ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق @QE@ قيل ~~معناه من استبدل السحر بدين الله ماله في الآخرة من خلاق وهو النصيب من ~~الخير وقال الحسن ماله من دين وهذا يدل على أن العمل بالسحر وقبوله كفر ~~وقوله @QB@ ولبئس ما شروا به أنفسهم @QE@ قيل باعوا به أنفسهم كقول الشاعر ~~% وشريت بردا ليتني % من بعد برد كنت هامه % # | يعني بعته وهذا أيضا يؤكد أن قبوله والعمل به كفر وكذلك قوله @QB@ ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا @QE@ يقتضي ذلك أيضا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا قال قطرب هي كلمة أهل الحجاز على وجه الهزء وقيل أن اليهود ~~كانت تقولها كما قال الله في موضع آخر ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ms0084 مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين وكانوا يقولون ذلك عن مواطأة بينهم ~~يريدون الهزء كما قال الله تعالى وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله لأنهم ~~كانوا يقولون السام عليك يوهمون بذلك أنهم يسلمون عليه فأطلع الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على ذلك من أمرهم ونهى المسلمون أن يقولوا مثله وقوله راعنا ~~وإن كان يحتمل المراعاة والإنتظار فإنه لما احتمل الهزء على النحو الذي ~~كانت اليهود تطلقه نهوا عن إطلاقه لما فيه من احتمال المعنى المحظور إطلاقه ~~وجائز أن يكون الإطلاق مقتضيا PageV01P071 لمعنى الهزء وإن احتمل الإنتظار ~~ومثله موجود في اللغة ألا ترى أن اسم الوعد يطلق على الخير والشر قال الله ~~تعالى @QB@ النار وعدها الله الذين كفروا @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك وعد غير ~~مكذوب @QE@ ومتى أطلق عقل به الخير دون الشر فكذلك قوله @QB@ راعنا @QE@ ~~فيه احتمال الأمرين وعند الإطلاق يكون بالهزء أخص منه بالإنتظار وهذا يدل ~~على أن كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى يقيد بما يفيد الخير ~~ويدل على أن الهزء محظور في الدين وكذلك اللفظ المحتمل له ولغيره هو محظور ~~والله أعلم بمعاني كتابه # باب في نسخ القرآن بالسنة وذكر وجوه النسخ $ # قال الله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ قال قائلون النسخ هو الإزالة وقال آخرون هو الإبدال قال الله تعالى ~~@QB@ فينسخ الله ما يلقي الشيطان @QE@ أي يزيله ويبطله ويبدل مكانه آيات ~~محكمات وقيل هو النقل من قوله @QB@ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ ~~وهذا الإختلاف إنما هو في موضوعه في أصل اللغة ومهما كان في أصل اللغة ~~معناه فإنه في إطلاق الشرع إنما هو بيان مدة الحكم والتلاوة والنسخ قد يكون ~~في التلاوة مع بقاء الحكم ويكون في الحكم مع بقاء التلاوة دون غيره قال أبو ~~بكر زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه إنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد ms0085 به نسخ ~~شرائع الأنبياء المتقدمين كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب قال لأن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وشريعته ثابتة باقية إلى أن تقوم الساعة ~~وقد كان هذا الرجل ذا حظ من البلاغة وكثير من علم اللغة غير محظوظ من علم ~~الفقه وأصوله وكان سليم الإعتقاد غير مظنون به غير ظاهر أمره ولكنه بعد من ~~التوفيق بإظهار هذه المقالة إذ لم يسبقه إليها أحد بل قد عقلت الأمة سلفها ~~وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه ونقل ذلك إلينا نقلا لا ~~يرتابون به ولا يجيزون فيه التأويل كما عقلت أن في القرآن عاما وخاصا ~~ومحكما ومتشابها فكان دافع وجود النسخ في القرآن والسنة كدافع خاصه وعامه ~~ومحكمه ومتشابهه إذ كان ورود الجميع ونقله على وجه واحد فارتكب هذا الرجل ~~في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل الأمة مع ~~تعسف المعاني واستكراهها وما أدري ما الذي ألجأه إلى ذلك وأكثر ظني فيه أنه ~~إنما أتى به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك واستعمال رأيه فيه من غير ~~معرفة منه بما قد قال السلف PageV01P072 فيه نقلته الأمة وكان ممن روى فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ والله ~~يغفر لنا وله وقد تكلمنا في أصول الفقه في وجوه النسخ وما يجوز فيه وما لا ~~يجوز بما يغني ويكفي وأما أو ننسها قيل إنه من النسيان وننسأها من التأخير ~~يقال نسأت الشيء أخرته والنسيئة الدين المتأخر ومنه قوله تعالى @QB@ إنما ~~النسيء زيادة في الكفر @QE@ يعني تأخير الشهور فإذا أريد به النسيان فإنما ~~هو أن ينسيهم الله تعالى التلاوة حتى لا يقرؤوا ذلك ويكون على أحد وجهين ~~إما أن يؤمروا بترك تلاوته فينسوه على الأيام وجائز أن ينسوه دفعة ويرفع من ~~أوهامهم ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وأما معنى قراءة أو ~~ننسأها فإنما هو بأن يؤخرها فلا ينزلها وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في ~~المصلحة ms0086 أو يكون أصلح للعباد منها ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي ~~فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتقدم فيقوم مقامها في المصلحة وأما ~~قوله @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فإنه روي عن ابن عباس وقتادة بخير ~~منها لكم في التسهيل والتيسير كالأمر بأن لا يولي واحد من عشرة في القتال ~~ثم قال @QB@ الآن خفف الله عنكم @QE@ أو مثلها كالأمر بالتوجه إلى الكعبة ~~بعد ما كان إلى البيت المقدس وروي عن الحسن بخير منها في الوقت في كثرة ~~الصلاح أو مثلها فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو ~~في المصلحة ولم يقل أحد منهم خير منها في التلاوة إذ غير جائز أن يقال أن ~~بعض القرآن خير من بعض في معنى التلاوة والنظم إذ جميعه معجز كلام الله قال ~~أبو بكر وقد احتج بعض الناس في امتناع جواز نسخ القرآن بالسنة لأن السنة ~~على أي حال كانت لا تكون خيرا من القرآن وهذا إغفال من قائله من وجوه أحدها ~~أنه غير جائز أن يكون المراد بخير منها في التلاوة والنظم لاستواء الناسخ ~~والمنسوخ في إعجاز النظم والآخر اتفاق السلف على أنه لم يرد النظم لأن ~~قولهم فيه على أحد المعنيين إما التخفيف أو المصلحة وذلك قد يكون بالسنة ~~كما يكون بالقرآن ولم يقل أحد منهم أنه أراد التلاوة فدلالة هذه الآية على ~~جواز نسخ القرآن بالسنة أظهر من دلالتها على امتناع جوازه بها وأيضا فإن ~~حقيقة ذلك إنما تقتضي نسخ التلاوة وليس للحكم في الآية لأنه ذكر قال تعالى ~~@QB@ ما ننسخ من آية @QE@ والآية إنما هي اسم للتلاوة وليس في نسخ التلاوة ~~ما يوجب نسخ الحكم وإذا كان كذلك جاز أن يكون معناه ما ننسخ من تلاوة آية ~~أو ننسها نأت بخير منها لكم من محكم من طريق السنة أو غيرها وقد ~~PageV01P073 استقصينا القول في هذه المسئلة في أصول الفقه بما فيه كفاية ~~فمن أرادها فليطلبها هناك إن شاء الله تعالى قوله تعالى @QB@ فاعفوا ms0087 ~~واصفحوا حتى يأتي الله بأمره @QE@ روى معمر عن قتادة في هذه الآية قال ~~نسختها اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد الواسطي ~~قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال قرئ على أبي عبيد وأنا ~~أسمع قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله تعالى @QB@ لست عليهم بمصيطر @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما ~~أنت عليهم بجبار @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاعف عنهم واصفح @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله @QE@ قال نسخ هذا كله ~~قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~الآية ومثله قوله تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ~~وقوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم وقوله تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما يعني والله أعلم متاركة ~~فهذه الآيات كلها أنزلت قبل لزوم فرض القتال وذلك قبل الهجرة وإنما كان ~~الغرض الدعاء إلى الدين حينئذ بالحجاج والنظر في معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما أظهره الله على يده وأن مثله لا يوجد مع غير الأنبياء ونحوه ~~قوله تعالى قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة وقوله تعالى @QB@ قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آباءكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى @QE@ ~~@QB@ فأنى تؤفكون @QE@ أفلا تعقلون فأنى تصرفون ونحوها من الآي التي فيها ~~الأمر بالنظر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما أظهره الله تعالى له من ~~أعلام النبوة والدلائل الدالة على صدقه ثم لما هاجر إلى المدينة أمره الله ~~تعالى بالقتال بعد قطع العذر في الحجاج وتقريره عندهم حين استقرت آياته ~~ومعجزاته عند الحاضر والبادي والداني والقاصي بالمشاهدة والأخبار المستفيضة ~~التي لا يكذب مثلها وسنذكر فرض القتال عند مصيرنا إلى ms0088 الآيات الموجبة له إن ~~شاء الله تعالى وقوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين روى معمر عن قتادة ~~رضي الله تعالى عنهم قال هو بخت نصر خرب بيت المقدس وأعان على ذلك النصارى ~~وقوله تعالى @QB@ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين @QE@ PageV01P074 ~~قال هم النصارى لا يدخلونها إلا مسارقة فإن قدر عليهم عوقبوا لهم في الدنيا ~~خزي قال يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه ~~الآية قال هم النصارى خربوا بيت المقدس قال أبو بكر ما روي في خبر قتادة ~~يشبه أن يكون غلطا من راويه لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين أن ~~عهد بخت نصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى إنما ~~كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون فكيف يكونون مع بخت نصر في تخريب بيت المقدس ~~والنصارى إنما استقاض دينهم في الشام والروم في أيام قسطنطين الملك وكان ~~قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان وكان ~~من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم ومع ذلك فإن ~~النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود فكيف أعانوا على ~~تخريبه مع اعتقادهم فيه ومن الناس من يقول إن الآية إنما هي في شأن ~~المشركين حيث منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام وأن سعيهم في ~~خرابه إنما هو منعهم من عمارته بذكر الله وطاعته قال أبو بكر في هذه الآية ~~دلالة على منع أهل الذمة دخول المساجد من وجهين أحدهما قوله @QB@ ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه @QE@ والمنع يكون من وجهين أحدهما ~~بالقهر والغلبة والآخر الإعتقاد والديانة والحكم لأن من اعتقد من جهة ~~الديانة المنع من ذكر الله في المساجد فجائز أن يقال فيه قد منع مسجدا أن ~~يذكر فيه اسمه فيكون المنع ههنا معناه الحظر كما جائز أن ms0089 يقال منع الله ~~الكافرين من الكفر والعصاة من المعاصي بأن حظرها عليهم وأوعدهم على فعلها ~~فلما كان اللفظ منتظما للأمرين وجب استعماله على الاحتمالين وقوله @QB@ ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين @QE@ يدل على أن على المسلمين ~~إخراجهم منها إذا دخلوها لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها والوجه الثاني ~~قوله وسعى في خرابها وذلك يكون أيضا من وجهين أحدهما أن يخربها بيده ~~والثاني اعتقاده وجوب تخريبها لأن دياناتهم تقتضي ذلك وتوجبه ثم عطف عليه ~~قوله أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين وذلك يدل على منعهم منها على ~~ما بينا ويدل على مثل دلالة هذه الآية قوله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله @QE@ وعمارتها تكون من وجهين أحدهما بناؤها وإصلاحها ~~والثاني حضورها ولزومها كما تقول فلان يعمر مجلس PageV01P075 فلان يعني ~~يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا رايتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) وذلك لقوله عز وجل إنما يعمر مساجد الله من ~~آمن بالله فجعل حضوره المساجد عمارة لها وأصحابنا يجيزون لهم دخول المساجد ~~وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ومما يدل على أنه عام في سائر ~~المساجد وأنه غير مقصور على بيت المقدس خاصة أو المسجد الحرام خاصة إطلاقه ~~ذلك في المساجد فلا يخص شيء منه إلا بدلالة فإن قيل جائز أن يقال لكل موضع ~~من المسجد مسجد كما يقال لكل موضع من المجلس مجلس فيكون الاسم واقعا على ~~جملته تارة وعلى كل موضع سجود فيه أخرى قيل له لا تنازع بين أهل اللسان أنه ~~لا يقال للمسجد الواحد مساجد كما لا يقال أنه مسجدان وكما لا يقال للدار ~~الواحدة أنها دور فثبت أن الإطلاق لا يتناوله وإن سمي موضع السجود مسجدا ~~وإنما يقال ذلك مقيدا غير مطلق وحكم الإطلاق فيما يقتضيه ما وصفنا وعلى أنك ~~لا تمتنع من إطلاق ذلك في جميع المساجد وإنما تريد تخصيصه ببعضها دون بعض ~~وذلك غير مسلم لك بغير دلالة قوله تعالى @QB@ ولله المشرق ms0090 والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله @QE@ روى أبو أشعث السمان عن عاصم بن عبيدالله عن ~~عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله ثم أصبحنا ~~فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى @QB@ فأينما تولوا ~~فثم وجه الله @QE@ وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه أن قوما خرجوا ~~في سفر فصلوا فتاهوا عن القبلة فلما فرغوا تبين لهم أنهم كانوا على غير ~~القبلة فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تمت صلاتكم وروى ابن ~~لهيعة عن بكر بن سوادة عن رجل سأل ابن عمر عمن يخطئ القبلة في السفر ويصلي ~~قال @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ وحدثنا أبو علي الحسين بن علي ~~الحافظ قال حدثنا محمد بن سليمان الواسطي قال حدثني أحمد بن عبدالله بن ~~الحسن العنبري قال وجدت في كتاب أبي عبيدالله بن الحسن قال عبدالملك بن أبي ~~سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله قال بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت ~~طائفة منا قد عرفنا القبلة ههنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطا وقالت طائفة ~~القبلة ههنا قبل الجنوب وخطوا خطوطا فلما أصبحنا وطلعت الشمس وأصبحت تلك ~~الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فسكت فأنزل الله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ PageV01P076 أي ~~حيث كنتم قال أبو بكر ففي هذه الأخبار أن سبب نزول الآية كان صلاة هؤلاء ~~الذين صلوا لغير القبلة اجتهادا وروي عن ابن عمر في خبر آخر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة نحو المدينة حيث توجهت ~~وفيه أنزلت @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ وروى معمر عن قتادة في ~~قوله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ قال هي القبلة ms0091 الأولى ثم نسختها ~~الصلاة إلى المسجد الحرام وقيل فيه أن اليهود أنكروا تحويل القبلة إلى ~~الكعبة بعدما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس فأنزل الله ~~ذلك ومن الناس من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أن يصلي ~~إلى حيث شاء وإنما كان توجه إلى بيت المقدس على وجه الاختيار لا على وجه ~~الإيجاب حتى أمر بالتوجه إلى الكعبة وكان قوله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه ~~الله @QE@ في وقت التخيير قبل الأمر بالتوجه إلى الكعبة قال أبو بكر اختلف ~~أهل العلم فيمن صلى في سفر مجتهدا إلى جهة ثم تبين أنه صلى لغير القبلة ~~وقال أصحابنا جميعا والثوري إن وجد من يسأله فعرفه جهة القبلة فلم يفعل لم ~~تجز صلاته وإن لم يجد من يعرفه جهتها فصلاها باجتهاده أجزأته صلاته سواء ~~صلاها مستدبر القبلة أو مشرقا أو مغربا عنها وروي نحو قولنا عن مجاهد وسعيد ~~بن المسيب وإبراهيم وعطاء والشعبي وقال الحسن والزهري وربيعة وابن أبي سلمة ~~يعيد في الوقت فإذا فات الوقت لم يعد وهو قول مالك رواه ابن وهب عنه وروى ~~أبو مصعب عنه إنما يعيد في الوقت إذا صلاها مستدبر القبلة أو شرق أو غرب ~~وإن تيامن قليلا أو تياسر قليلا فلا إعادة عليه وقال الشافعي من اجتهد فصلى ~~إلى المشرق ثم رأى القبلة في المغرب استأنف فإن كانت شرقا ثم رأى أنه منحرف ~~فتلك جهة واحدة وعليه أن ينحرف ويعتد بما مضى قال أبو بكر ظاهر الآية يدل ~~على جوازها إلى أي جهة صلاها وذلك أن قوله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله ~~@QE@ معناه فثم رضوان الله وهو الوجه الذي أمرتم بالتوجه إليه كقوله تعالى ~~@QB@ إنما نطعمكم لوجه الله @QE@ يعني لرضوانه ولما أراده منا وقوله @QB@ ~~كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ يعني ما كان لرضاه وإرادته وقد روي في حديث عامر ~~بن ربيعة وجابر اللذين قدمنا أن الآية في هذا أنزلت فإن قيل روي أنها نزلت ~~في التطوع على الراحلة وروي أنها ms0092 نزلت في بيان القبلة قيل له لا يمتنع أن ~~يتفق هذه الأحوال كلها في وقت واحد ويسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها ~~فينزل الله تعالى الآية ويريد بها بيان حكم جميعها ألا ترى أنه لو نص على ~~كل واحدة PageV01P077 منها بأن يقول إذا كنتم عالمين بجهة القبلة ممكنين من ~~التوجه إليها فذلك وجه الله فصلوا إليها وإذا كنتم خائفين أو في سفر فالوجه ~~الذي يمكنكم التوجه إليه فهو وجه الله وإذا اشتبهت عليكم الجهات فصليتم إلى ~~أي جهة كانت فهي وجه الله وإذا لم تتناف إرادة جميع ذلك وجب حمل الآية عليه ~~فيكون مراد الله تعالى بها جميع هذه المعاني على الوجه الذي ذكرنا لا سيما ~~وقد نص حديث جابر وعامر بن ربيعة أن الآية نزلت في المجتهد إذا أخطأ وأخبر ~~فيه أن المستدبر للقبلة والمتياسر والمتيامن عنها سواء لأن فيه بعضهم صلى ~~إلى ناحية الشمال والآخر إلى ناحية الجنوب وهاتان جهتان متضادتان ويدل على ~~جوازها أيضا حديث رواه جماعة عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا عبدالله ~~بن جعفر عن عثمان بن محمد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ما بين المشرق والمغرب قبله وهذا يقتضي إثبات جمع ~~الجهات قبلة إذ كان قوله ما بين المشرق والمغرب كقوله جميع الآفاق ألا ترى ~~أن قوله @QB@ رب المشرق والمغرب @QE@ أنه أراد به جميع الدنيا وكذلك هو في ~~معقول خطاب الناس متى أريد الإخبار عن جميع الدنيا ذكر المشرق والمغرب ~~فيشمل اللفظ جميعها وأيضا ما ذكرنا من قول السلف يوجب أن يكون إجماعا ~~لظهوره واستفاضته من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم ويدل عليه أيضا أن ~~من غاب عن مكة فإنما صلاته إلى الكعبة لا تكون إلا عن اجتهاد لأن أحدا لا ~~يوقن بالجهة التي يصلي إليها في محاذاة الكعبة غير منحرف عنها وصلاة الجميع ~~جائزة إذ لم يكلف غيرها فكذلك المجتهد في السفر قد أدى فرضه إذ لم يكلف ~~غيرها ms0093 ومن أوجب الإعادة فإنما يلزم فرضا آخر وغير جائز إلزامه فرضا بغير ~~دلالة فإن ألزمونا عليه بالثوب يصلى فيه ثم تعلم نجاسته أو الماء يتطهر به ~~ثم يعلم أنه نجس قيل لهم لا فرق بينهم في أن كلا منهم قد أدى فرضه وإنما ~~ألزمناه بعد العلم فرضا آخر بدلالة قامت عليه ولم تقم دلالة على إلزام ~~المجتهد في جهة القبلة فرضا آخر لأن الصلاة تجوز إلى غير جهة القبلة من غير ~~ضرورة وهي صلاة النفل على الراحلة ومعلوم أنه لا ضررة به لأنه ليس عليه ~~فعلها فلما جازت إلى غير القبلة من غير ضرورة فإذا صلى الفرض إلى غير جهتها ~~على ما كلف لم يكن عليه عند التبين غيرها ولما لم تجز الصلاة في الثوب ~~النجس إلا لضرورة ولم تجز الطهارة بماء نجس بحال لزمته الإعادة ومن جهة ~~أخرى وهي أن المجتهد بمنزلة صلاة المتيمم إذا عدم الماء فلا يلزمه ~~PageV01P078 الإعادة لأن الجهة التي توجه إليها قد قامت له مقام القبلة ~~كالتيمم قائم مقام الوضوء ولم يوجد للمصلي في الثوب النجس والمتطهر بماء ~~نجس ما يقوم مقام الطهارة فهو بمنزلة المصلي بغير تيمم ولا ماء ويدل على ~~ذلك وهو أصل يرد إليه مسئلتنا صلاة الخائف لغير القبلة ويبني عليها من ~~وجهين أحدهما أنها جهة لم يكلف غيرها في الحال والثاني قيام هذه الجهة مقام ~~القبلة فلا إعادة عليه كالمتيمم ويدل على أن المراد من قوله تعالى @QB@ فثم ~~وجه الله @QE@ الصلاة لغير القبلة أنه معلوم أن مقدار مساحة الكعبة لا يتسع ~~لصلاة الناس الغائبين عنها حتى يكون كل واحد منهم مصليا لمحاذاتها ألا ترى ~~أن الجامع مساحته أضعاف مساحة الكعبة وليس جميع من يصلي فيه محاذيا لسمتها ~~وقد أجيزت صلاة الجميع فثبت أنهم إنما كلفوا التوجه إلى الجهة التي هي في ~~ظنهم أنها محاذية الكعبة لا محاذاتها بعينها هذا يدل على أن كل جهة قد ~~أقيمت مقام جهة الكعبة في حال العذر فإن قيل إنما جازت صلاة الجميع في ~~الأصل الذي ms0094 ذكرت لأن كل واحد منهم يجوز أن يكون هو المحاذي للكعبة دون من ~~بعد منه ولم يظهر في الثاني توجه إلى غير جهة الكعبة فأجزأته صلاته من أجل ~~ذلك وليست هذه نظير مسئلتنا من قبل أن المجتهد في مسئلتنا قد تبين أنه صلى ~~إلى غيرها قيل له لو كان هذا الإعتبار سائغا في الفرق بينهما لوجب أن لا ~~تجيز صلاة الجميع لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار عشرين ذراعا إذا كان ~~مسامتها ثم قد رأينا أهل الشرق والغرب قد أجزأتهم صلاتهم مع العلم بأن الذي ~~حاذوها هم القليل الذين يقصر عددهم عن النسبة إلى الجميع لقلتهم وجائز مع ~~ذلك أن يكون ليس فيهم من يحاذي الكعبة حين لم يغادروها ثم أجزأت صلاة ~~الجميع ولم يعتبر حكم الأعم الأكثر مع تعلق الأحكام في الأصول بالأعم ~~الأكثر ألا ترى أن الحكم في كل من في دار الإسلام ودار الحرب يتعلق بالأعم ~~الأكثر دون الأخص الأقل حتى صار من في دار الإسلام محظورا قتله مع العلم ~~بأن فيها من يستحتق القتل من مرتد وملحد وحربي ومن في دار الحرب يستباح ~~قتله مع ما فيها من مسلم تاجر أو أسير وكذلك سائر الأصول على هذا المنهاج ~~يجري حكمها ولم يكن للأكثر الأعم حكم في بطلان الصلاة مع العلم بأنهم على ~~غير محاذاة الكعبة ثبت أن الذي كلف كل واحد منهم في وقته هو ما عنده أنه ~~جهة الكعبة وفي اجتهاده في الحال التي يسوغ الاجتهاد فيها وأن لا إعادة على ~~واحد منهم في الثاني فإن قيل فأنت PageV01P079 توجب الإعادة على من صلى ~~باجتهاده مع إمكان المسئلة عنها إذا تبين له خلافها قيل له ليس هذا موضع ~~الاجتهاد مع وجود من يسئله عنها وإنما أجزنا فيما وصفنا صلاة من اجتهد في ~~الحال التي يسوغ الاجتهاد فيها وإذا وجد من يسئله عن جهة الكعبة لم يكلف ~~فعل الصلاة باجتهاده وإنما كلف المسئلة عنها ويدل على ما ذكرنا أنه معلوم ~~من غاب عن حضرة النبي صلى الله ms0095 عليه وسلم فإنما يؤدي فرضه باجتهاده مع ~~تجويزه أن يكون ذلك الفرض فيه نسخ وقد ثبت أن أهل قبا كانوا يصلون إلى بيت ~~المقدس فأتاهم آت فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا في صلاتهم إلى ~~الكعبة وقد كانوا قبل ذلك مستدبرين لها لأن من استقبل بيت المقدس وهو ~~بالمدينة فهو مستدبر للكعبة ثم لم يؤمروا بالإعادة حين فعلوا بعض الصلاة ~~إلى بيت المقدس مع ورود النسخ إذ الأغلب أنهم ابتدءوا الصلاة بعد النسخ لأن ~~النسخ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة ثم سار المخبر إلى ~~قبا بعد النسخ وبينهما نحو فرسخ فهذا يدل على أن ابتداء صلاتهم كان بعد ~~النسخ لامتناع أن يطول مكثهم في الصلاة هذه المدة ولو كان ابتداؤها قبل ~~النسخ كانت دلالته قائمة لأنهم فعلوا بعض الصلاة إلى بيت المقدس بعد النسخ ~~فإن قيل إنما جاز ذلك لأنهم ابتدءوها قبل النسخ وكان ذلك فرضهم ولم يكن ~~عليهم فرض غيره قيل له وكذلك المجتهد فرضه ما أداه إليه اجتهاده ليس عليه ~~فرض غيره فإن قيل إذا تبين أنه صلى إلى غير الكعبة كان بمنزلة من اجتهد في ~~حكم حادثة ثم وجد النص فيه فيبطل اجتهاده مع النص قيل له ليس هذا كما ظننت ~~لأن النص في جهة الكعبة إنما هو في حال معاينتها أو العلم بها وليست للصلاة ~~جهة واحدة يتوجه إليها المصلي بل سائر الجهات للمصلين على حسب اختلاف ~~أحوالهم فمن شاهد الكعبة أو علم بها وهو غائب عنها ففرضه الجهة التي يمكنه ~~التوجه إليها وليست الكعبة جهة فرضه ومن اشتبهت عليه الجهة ففرضه ما أداه ~~إليه اجتهاده فقولك أنه صار من الإجتهاد إلى النص خطأ لأن جهة الكعبة لم ~~تكن فرضه في حال الإجتهاد وإنما النص في حال إمكان التوجه إليها والعلم بها ~~وأيضا فقد كان له الإجتهاد مع العلم بالكعبة والجهل بجهتها فلو كان بمنزلة ~~النص لما ساغ الإجتهاد مع العلم بأن الله تعالى نصا على الحكم كما لا يسوغ ~~الإجتهاد مع ms0096 العلم بأن الله تعالى نصا على الحكم في حادثة وقوله تعالى @QB@ ~~وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض @QE@ قال أبو ~~بكر فيه دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه PageV01P080 نفى ~~الولد بإثبات الملك بقوله تعالى @QB@ بل له ما في السماوات والأرض @QE@ ~~يعني ملكه وليس بولده وهو نظير قوله @QB@ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن ~~كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ فاقتضى ذلك عتق ولده ~~عليه إذا ملكه وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذ ~~ملكه ولده فقال صلى الله عليه وسلم ( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه ) فدلت الآية على عتق الولد إذا ملكه أبوه واقتضى خبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عتق الوالد إذا ملكه ولده وقال بعض الجهال إذا ملك أباه ~~لم يعتق عليه حتى يعتقه لقوله فيشتريه فيعتقه وهذا يقتضي عتقا مستأنفا بعد ~~الملك فجهل حكم اللفظ في اللغة والعرف جميعا لأن المعقول منه فيشتريه ~~فيعتقه بالشرى إذ قد أفاد أن شراه موجب لعتقه وهذا كقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها ) يريد ~~أنه معتقها بالشرى لا باستئناف عتق بعده قوله تعالى @QB@ وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمهن @QE@ اختلف المفسرون فقال ابن عباس ابتلاه بالمناسك وقال ~~الحسن ابتلاه بقتل ولده والكواكب وروى طاووس عن ابن عباس قال ابتلاه ~~بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد فالخمسة في الرأس قص الشارب والمضمضة ~~والإستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة ~~والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال عشرة من الفطرة وذكر هذه الأشياء إلا أنه قال مكان الفرق ~~إعفاء اللحية ولم يذكر فيه تأويل الآية ورواه عمار وعائشة وأبو هريرة على ~~اختلاف منهم في الزيادة والنقصان كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ~~ألفاظها إذ هي المشهورة وقد نقلها الناس قولا ms0097 وعملا وعرفوها من سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر فيه من تأويل الآية مع ما قدمنا من اختلاف ~~السلف فيه فجائز أن يكون الله تعالى ابتلى إبراهيم بذلك كله ويكون مراد ~~الآية جميعه وأن إبراهيم عليه السلام أتم ذلك كله ووفى به وقام به على حسب ~~ما أمره الله تعالى به من غير نقصان لأن ضد الإتمام النقص وقد أخبر الله ~~بإتمامهن وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العشر الخصال في الرأس ~~والجسد من الفطرة فجائز أن يكون فيها مقتديا بإبراهيم عليه السلام بقوله ~~تعالى @QB@ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا @QE@ وبقوله @QB@ ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ وهذه الخصال قد ثبتت من سنة ~~إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم وهي تقتضي أن يكون التنظيف ~~ونفي الأقذار PageV01P081 والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمورا بها ألا ترى ~~أن الله تعالى لما حظر إزالة التفث والشعر في الإحرام أمر به عند الإحلال ~~بقوله @QB@ ثم ليقضوا تفثهم @QE@ ومن نحو ذلك ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غسل يوم الجمعة ان يستاك وأن يمس من طيب أهله فهذه كلها خصال ~~مستحسنة في العقول محمودة مستحبة في الأخلاق والعادات وقد أكدها التوقيف من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن عمر بن ~~حيان التمار قال حدثنا أبو الوليد وعبدالرحمن بن المبارك قال حدثنا قريش بن ~~حيان العجلي قال حدثنا سليمان فروخ أبو واصل قال أتيت أبا أيوب فصافحته ~~فرأى في أظفاري طولا فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسئله عن ~~خبر السماء فقال ( يجيء أحدكم يسئل عن خبر السماء وأظفاره كأنها أظفار ~~الطير يجتمع فيها الخباثة والتفث ) وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن سهل ~~بن أيوب قال حدثنا عبدالملك بن مروان الحذاء قال حدثنا الضحاك بن زيد ~~الأهوازي عن إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبدالله بن مسعود قال ~~قلنا يا رسول ms0098 الله إنك تهم قال ( ومالي لا أهم ورفع أحدكم بين أظفاره ~~وأنامله ) وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقلم ~~أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يروح إلى الجمعة وحدثنا محمد بن بكر ~~البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن ~~الأوزاعي عن حسان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال أتانا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال ( أما كان يجد ~~هذا ما يسكن به شعره ورأى رجلا آخر عليه ثياب وسخة فقال أما كان يجد هذا ما ~~يغسل به ثوبه ) حدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا محمد بن ~~عقبة السدوسي قال حدثنا أبو أمية بن يعلى قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه ~~عن عائشة قالت خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر ~~المرآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك وقد روي أنه وقت في ذلك أربعين ~~يوما حدثنا عبدالباقي قال حدثنا الحسين بن المثنى عن معاذ قال حدثنا مسلم ~~بن إبراهيم قال حدثنا صدقة الدقيقي قال حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس بن ~~مالك قال وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلق العانة وقص الشارب ~~ونتف الإبط وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنور حدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا إدريس الحداد قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا كامل بن ~~العلاء قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أم سلمة قالت كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا أطلى ولى مغابنه بيده حدثنا PageV01P082 عبدالباقي حدثنا ~~مطير حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن بن عيسى عمن حدثه عن ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد عن ابن عباس قال أطلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلاه رجل ~~فستر عورته بثوب وطلى الرجل سائر جسده فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخرج عني ثم ms0099 طلى النبي صلى الله عليه وسلم عورته بيده وقد روى حبيب بن ~~أبي ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتنور فإذا كثر شعره ~~حلقه وهذا يحتمل ان يريد به أن عادته كانت الحلق وأن ذلك كان الأكثر الأعم ~~ليصح الحديثان وأما ما ذكر من توقيت الأربعين في الحديث المتقدم فجائز أن ~~تكون الرخصة في التأخير مقدرة بذلك وأن تأخيرها إلى ما بعد الأربعين محظور ~~يستحق فاعله اللوم لمخالفة السنة لا سيما في قص الشارب وقص الأظفار قال أبو ~~بكر ذكر أبو جعفر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد في شعر ~~الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير عنه وإن كان معه حلق بعض الشعر ~~قال وقال ابن الهيثم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة قال مالك وتفسير حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء الشارب الإطار وكان يكره أن يؤخذ من ~~أعلاه وإنما كان يوسع في الإطار منه فقط وذكر عنه أشهب قال وسألت مالكا عمن ~~أحفى شاربه قال رأى أن يوجع ضربا ليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإحفاء كان يقول ليس يبدي حرف الشفتين الإطار ثم قال يحلق شاربه هذه بدع ~~تظهر في الناس كان عمر إذا حزبه أمر نفخ فجعل يفتل شاربه وسئل الأوزاعي عن ~~الرجل يحلق رأسه فقال أما في الحضر لا يعرف إلا في يوم النحر وهو في العرف ~~وكان عبدة ابن أبي لبابة يذكر فيه فضلا عظيما وقال الليث لا أحب أن يحلق ~~أحد شاربه حتى يبدوا الجلد وأكرهه ولكن يقص الذي على طرف الشارب وأكره أن ~~يكون طويل الشارب وقال إسحق أبو إسرائيل سألت عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن ~~أبي داود عن حلق الرأس فقال أما بمكة فلا بأس به لأنه بلد الحلق وأما في ~~غيره من البلدان فلا قال أبو جعفر ولم نجد في ذلك عن الشافعي شيئا منصوصا ~~وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما فدل على أنهما ~~أخذا ذلك ms0100 عن الشافعي وقد روت عائشة وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الفطرة عشرة منها قص الشارب وروى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ من شواربه على سواك وهذا جائز مباح وإن كان غيره أفضل وجائز أن ~~يكون فعله لعدم آلة الإحفاء في الوقت وروى عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجز شاربه وهذا يحتمل PageV01P083 الإحفاء وروى ~~عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ~~أحفوا الشارب واعفوا اللحى ) وروى العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( جزوا الشارب وارخوا اللحى ) وهذا ~~يحتمل الإحفاء أيضا وروى عمر بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ( أحفوا الشارب واعفوا اللحى ) وهذا يدل على أن مراده ~~بالخبر الأول الإحفاء والإحفاء يقتضي ظهور الجلد بإزالة الشعر كما يقال رجل ~~حاف إذا لم يكن في رجله شيء ويقال حفيت رجله وحفيت الداية إذا أصاب أسفل ~~رجلها وهن من الحفا قال وروي عن أبي سعيد الخدري وأبي أسيد ورافع بن خديج ~~وسهل بن سعد وعبدالله بن عمر وجابر بن عبدالله وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون ~~شواربهم وقال إبراهيم ابن محمد بن خطاب رأيت ابن عمر يحلق شاربه كأنه ينتفه ~~وقال بعضهم حتى يرى بياض الجلد قال أبو بكر ولما كان التقصير مسنونا في ~~الشارب عند الجميع كان الحلق أفضل قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله ~~المحلقين ثلاثا ودعا للمقصرين مرة فجعل حلق الرأس أفضل من التقصير وما احتج ~~به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن ~~فتله ثم يحلقه كما ترى كثيرا من الناس يفعله وقوله تعالى @QB@ إني جاعلك ~~للناس إماما @QE@ فإن الإمام من يؤتم به في أمور الدين من طريق النبوة ~~وكذلك سائر الأنبياء أئمة عليهم السلام لما ألزم الله تعالى الناس ms0101 من ~~اتباعهم والائتمام بهم في أمور دينهم فالخلفاء أئمة لأنهم رتبوأ في المحل ~~الذي يلزم الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أئمة أيضا ~~ولهذا المعنى الذي يصلي بالناس يسمى إماما لأن من دخل في صلاته لزمه ~~الإتباع له والإئتمام به وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الإمام ~~إماما ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ) وقال ( لا تختلفوا على ~~إمامكم ) فثبت بذلك أن اسم الإمامة مستحق لمن يلزم اتباعه والإقتداء به في ~~أمور الدين أو في شيء منها وقد يسمى بذلك من يؤتم به في الباطل إلا أن ~~الإطلاق لا يتناوله قال الله تعالى @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ~~@QE@ فسموا أئمة لأنهم أنزلوهم بمنزلة من يقتدى بهم في أمور الدين وإن لم ~~يكونوا أئمة يجب الإقتداء بهم كما قال الله تعالى @QB@ فما أغنت عنهم ~~آلهتهم التي يدعون @QE@ وقال وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا يعني في ~~زعمك واعتقادك وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أخوف ما أخاف على أمتي أئمة ~~مضلون ) والإطلاق إنما يتناول من يجب الإئتمام به في دين الله تعالى وفي ~~الحق PageV01P084 والهدى ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ إني جاعلك للناس إماما ~~@QE@ قد أفاد ذلك من غير تقييد وأنا لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله يدعون ~~إلى النار وإذا ثبت أن اسم الإمامة يتناول ما ذكرناه فالأنبياء عليهم ~~السلام في أعلى رتبة الإمامة ثم الخلفاء الراشدون بعد ذلك ثم العلماء ~~والقضاة العدول ومن ألزم الله تعالى الإقتداء بهم ثم الإمامة في الصلاة ~~ونحوها فأخبر الله تعالى في هذه الآية عن إبراهيم عليه السلام أنه جاعله ~~للناس إماما وأن إبراهيم سأله أن يجعل من وله أئمة بقوله @QB@ ومن ذريتي ~~@QE@ لأنه عطف على الأول فكان بمنزلة واجعل من ذريتي أئمة ويحتمل أن يريد ~~بقوله ومن ذريتي مسئلته تعريفه هل يكون من ذريتي أئمة فقال تعالى في جوابه ~~@QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ فحوى ذلك معنيين أنه سيجعل من ذريته أئمة ~~إما على وجه تعريفه ما سأله ms0102 أن يعرفه إياه وإما على وجه إجابته إلى ما سأل ~~لذريته إذا كان قوله ومن ذريتي مسألته أن يجعل من ذريته أئمة وجائز أن يكون ~~أراد الأمرين جميعا وهو مسئلته أن يجعل من ذريته أئمة وأن يعرفه ذلك وأنه ~~إجابة إلى مسئلته لأنه لو لم يكن منه إجابة إلى مسئلته لقال ليس في ذريتك ~~أئمة أو قال لا ينال عهدي من ذريتك أحد فلما قال لا @QB@ ينال عهدي ~~الظالمين @QE@ دل على أن الإجابة قد وقعت له في أن ذريته أئمة ثم قال @QB@ ~~لا ينال عهدي الظالمين @QE@ فأخبر أن الالمين من ذريته لا يكونون أئمة ولا ~~يجعلهم موضع الإقتداء بهم وقد روي عن السدي في قوله تعالى @QB@ لا ينال ~~عهدي الظالمين @QE@ أنه النبوة وعن مجاهد أنه أراد أن الظالم لا يكون إماما ~~وعن ابن عباس أنه قال لا يلزم الوفاء بعهد الظالم فإذا عقد عليك في ظلم ~~فانقضه وقال الحسن ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة قال ~~أبو بكر جميع ما روي من هذه المعاني يحتمله اللفظ وجائز أن يكون جميعه مراد ~~الله تعالى وهو محمول على ذلك عندنا فلا يجوز أن يكون الظالم نبيا ولا ~~خليفة لنبي ولا قاضيا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفت أو ~~شاهد أو مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا فقد أفادت الآية أن شرط ~~جميع من كان في محل الإئتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح وهذا يدل ~~أيضا على أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين لدلالة ~~الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الإئتمام به في أمورالدين لأن عهد الله ~~هو أوامره فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم وهو ما أودعهم من أمور دينه ~~وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقوله منهم والإقتداء بهم فيه ألا ترى إلى قوله ~~تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين @QE@ PageV01P085 يعني أقدم إليكم الأمر به وقال ms0103 تعالى @QB@ الذين ~~قالوا إن الله عهد إلينا @QE@ ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما ~~هو ما يتقدم به إليهم ليحملوا الناس عليه ويحكموا به فيهم وذلك لأن عهد ~~الله إذا كان إنما هو أوامره لم يخل قوله @QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ ~~من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل ~~من يقبل منهم أوامر الله تعالى وأحكامه ولا يؤمنون عليها فلما بطل الوجه ~~الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها ~~لغيرهم وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم أوامر الله ثبت الوجه الآخر ~~وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون ~~أئمة في الدين فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون ~~خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا ~~طاعته وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق ) ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي ~~الحكم وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا فتياه إذا كان مفتيا وأنه لا يقدم للصلاة وإن كان لو قدم واقتدى به ~~مقتد كانت صلاته ماضية فقد حوى قوله @QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ هذه ~~المعاني كلها ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق ~~وخلافته وأنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه وذكر ذلك عن بعض ~~المتكلمين وهو المسمى زرقان وقد كذب في ذلك وقال بالباطل وليس هو أيضا ممن ~~تقبل حكايته ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل ~~واحد منهما العدالة وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما كما لا تقبل ~~شهادته ولا خبره لو روى خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يكون خليفة ~~وروايته غير مقبولة وأحكامه غير نافذة وكيف يجوز أن يدعي ذلك على ms0104 أبي حنيفة ~~وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع من ذلك وحبس ~~فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطا فلما خيف عليه قال له الفقهاء فتول ~~شيئا من أعماله أي شيء كان حتى يزول عنك هذا الضرب فتولى له عد أحمال التبن ~~الذي يدخل فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عد له اللبن ~~الذي كان يضرب لسور مدينة بغداد وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة ~~الجور ولذلك قال الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف ~~يعني قتال الظلمة فلم نحتمله وكان من PageV01P086 قوله وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فرض بالقول فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسأله إبراهيم الصائغ وكان من فقهاء أهل خراسان ورواه ~~الأخبار ونساكهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال هو فرض وحدثه ~~بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أفضل ~~الشهداة حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن ~~المنكر فقتل ) فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ~~ونهاه وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق فاحتمله مرارا ثم قتله وقضيته ~~في أمر زيد بن علي مشهورة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب ~~نصرته والقتال معه وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسن وقال ~~لأبي إسحق الفزاري حين قال له لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل ~~قال مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك وكان أبو إسحق قد خرج إلى البصرة وهذا إنما ~~أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام فمن كان هذا مذهبه في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق فإنما جاء غلط من غلط في ~~ذلك إن لم يكن تعمد الكذب من جهة قوله ms0105 وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين ~~أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر أن أحكامه ~~نافذة وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم فساقا وظلمة وهذا ~~مذهب صحيح ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة الفاسق وذلك لأن ~~القاضي إذا كان عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام وكانت له يد ~~وقدرة على من امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها ولا اعتبار في ذلك بمن ~~ولاه لأن الذي ولاه إنما هو بمنزلة سائر أعوانه وليس شرط أعوان القاضي أن ~~يكونوا عدولا ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا ~~بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول ~~أحكامه لكان قضاؤه نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان وعلى ~~هذا تولى شريح وقضاة التابعين القضاء من قبل بني امية وقد كان شريح قاضيا ~~بالكوفة إلى ايام الحجاج ولم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا ~~أفجر من عبدالملك ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج وكان ~~عبدالملك أول من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف PageV01P087 والنهي عن ~~المنكر صعد المنبر فقال إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا ~~بالخليفة المصانع يعني معاوية وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في أنفسكم ~~والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه وكانوا يأخذون ~~الأرزاق من بيوت أموالهم وقد كان المختار الكذاب يبعث إلى ابن عباس ومحمد ~~ابن الحنفية وابن عمر بأموال فيقبلونها وذكر محمد بن عجلان عن القعقاع قال ~~كتب عبدالعزيز بن مروان إلى ابن عمر ارفع إلي حوائجك فكتب إليه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن اليد العليا خير من اليد السفلى ) وأحسب ~~أن اليد العليا يد المعطي وأن اليد السفلى يد الآخذ وإني لست سائلك شيئا ~~ولا راد عليك رزقا رزقنيه الله ms0106 منك والسلام وقد كان الحسن وسعيد بن جبير ~~والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة لا على أنهم ~~كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم ~~في أيدي قوم فجرة وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجه الحجاج ~~بالسيف وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم ~~فقاتلوه مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير ~~الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم خالعون لعبدالملك بن مروان لاعنون ~~لهم متبرئون منهم وكذلك كان سبيل من قبلهم مع معاوية حين تغلب على الأمر ~~بعد قتل علي عليه السلام وقد كان الحسن والحسين يأخذان العطاء وكذلك من كان ~~في ذلك العصر من الصحابة وهم غير متولين له بل متبرئون منه على السبيل التي ~~كان عليها علي عليه السلام إلى أن توفاه الله تعالى إلى جنته ورضوانه فليس ~~إذا في ولاية القضاء من قبلهم ولا أخذ العطاء منهم دلالة على توليتهم ~~واعتقاد إمامتهم وربما احتج بعض أغبياء الرفضة بقوله تعالى @QB@ لا ينال ~~عهدي الظالمين @QE@ في رد إمامة أبي بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ~~لأنهما كانا ظالمين حين كانا مشركين في الجاهلية وهذا جهل مفرط لأن هذه ~~السمة إنما تلحق من كان مقيما على الظلم فأما التائب منه فهذه السمة زائلة ~~عنه فلا جائز أن يتعلق به حكم لأن الحكم إذا كان معلقا بصفة فزالت الصفة ~~زال الحكم وصفة الظلم صفة ذم فإنما يلحقه ما دام مقيما عليه فإذا زال عنه ~~زالت الصفة عنه كذلك يزول عنه الحكم الذي علق به من نفي نيل العهد في قوله ~~تعالى @QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا @QE@ إنما هو نهي عن الركون إليهم ما أقاموا على ~~الظلم PageV01P088 وكذلك قوله تعالى @QB@ ما على المحسنين من سبيل @QE@ ~~إنما هو ما أقاموا على الإحسان فقوله @QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ لم ~~ينف به العهد عمن تاب ms0107 عن ظلمه لأنه في هذه الحالة لا يسمى ظالما كما لا ~~يسمى من تاب من الكفر كافرا ومن تاب من الفسق فاسقا وإنما يقال كان كافرا ~~وكان فاسقا وكان ظالما والله تعالى لم يقل لا ينال عهدي من كان ظالما وإنما ~~نفى ذلك عمن كان موسوما بسمة الظالم والاسم لازم له باق عليه وقوله تعالى ~~@QB@ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا @QE@ البيت إما فإنه يريد بيت الله ~~الحرام واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه إذ كانا يدخلان ~~لتعريف المعهود أو الجنس وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس فانصرف إلى ~~المعهود عندهم وهو الكعبة وقوله مثابة للناس روي عن الحسن أن معناه أنهم ~~يثوبون إليه في كل عام وعن ابن عباس ومجاهد أنه لا ينصرف عنه أحد وهو يرى ~~أنه قد قضى وطرا منه فهم يعودون إليه وقيل فيه أنهم يحجون إليه فيثابون ~~عليه قال أبو بكر قال أهل اللغة أصله من ثاب يثوب مثابة وثوابا إذا رجع قال ~~بعضهم إنما أدخل الهاء عليه للمبالغة لما كثر من يثوب إليه كما يقال نسابة ~~وعلامة وسيارة وقال الفراء هو كما قيل المقامة والمقام وإذا كان اللفظ ~~محتملا لما تأوله السلف من رجوع الناس إليه في كل عام ومن قول من قال أنه ~~لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يحب العود إليه ومن أنهم يحجون إليه فيثابون ~~فجائز أن يكون المراد ذلك كله ويشهد لقول من قال أنهم يحبون العود إليه بعد ~~الانصراف قوله تعالى @QB@ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم @QE@ وقد نص هذا ~~اللفظ على فعل الطواف إذ كان البيت مقصودا ومثابة للطواف ولا دلالة فيه على ~~وجوبه وإنما يدل على أنه يستحق الثواب بفعله وربما احتج موجبو العمرة بهذه ~~الاية فقالوا إذا كان الله تعالى قد جعله مثابة للناس يعودون إليه مرة بعد ~~أخرى فقد اقتضى العود إليه للعمرة بعد الحج وليس هذا بشيء لأنه ليس في ~~اللفظ دليل الإيجاب وإنما فيه أنه جعل لهم العود إليه ووعدهم ms0108 الثواب عليه ~~وهذا بما يقتضي الندب لا الإيجاب ألا ترى أن القائل لك أن تعتمر ولك أن ~~تصلي لا دلالة فيه على الوجوب وعلى أنه لم يخصص العود إليه بالعمرة دون ~~الحج ومع ذلك فإن الحج فيه طواف القدوم وطواف الزيارة وطواف الصدر ويحصل ~~بذلك كله العود إليه مرة بعد أخرى فإذا فعل ذلك فقد قضى عهدة اللفظ فلا ~~دلالة فيه إذا على وجوب العمرة وأما قوله تعالى وأمنا فإنه وصف البيت ~~بالأمن والمراد PageV01P089 جميع الحرم كما قال الله تعالى @QB@ هديا بالغ ~~الكعبة @QE@ والمراد الحرم لا الكعبة نفسها لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في ~~المسجد وكقوله @QB@ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والباد @QE@ قال ابن عباس وذلك أن الحرم كله مسجد وكقوله تعالى @QB@ إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا @QE@ والمراد والله ~~أعلم منعهم من الحج وحضورهم مواضع النسك ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه ~~وسلم حين بعث بالبراءة مع علي رضي الله عنه وأن لا يحج بعد العام مشرك ~~منبئا عن مراد الآية وقوله تعالى في آية أخرى أو لم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا وقال حاكيا عن إبراهيم عليه السلام @QB@ رب اجعل هذا بلدا آمنا @QE@ ~~يدل ذلك على أن وصفه البيت بالأمن اقتضى جميع الحرم ولأن حرمة الحرم لما ~~كانت متعلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت لوقوع الأمن به وحظر القتال ~~والقتل فيه وكذلك حرمة الأشهر الحرم متعلقة بالبيت فكان أمنهم فيها لأجل ~~الحج وهو معقود بالبيت وقوله @QB@ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا @QE@ ~~إنما هو حكم منه بذلك لا خبر وكذلك قوله تعالى @QB@ رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~@QE@ ومن دخله كان آمنا كل هذا من طريق الحكم لا على وجه الأخبار بأن من ~~دخله لم يلحقه سوء لأنه لو كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به لأن أخبار ~~الله تعالى لا بد من وجودها على ما أخبر به وقد قال في موضع آخر @QB@ ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد ms0109 الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم @QE@ ~~فأخبر بوقوع القتل فيه فدل أن الأمر المذكور إنما هو من قبل حكم الله تعالى ~~بالأمن فيه وأن لا يقتل العائذ به واللاجئ إليه وكذلك كان حكم الحرم منذ ~~عهد إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا وقد كانت العرب في الجاهلية تعتقد ~~ذلك الحرم وتستعظم القتل فيه على ما كان بقي في أيديهم من شريعة إبراهيم ~~عليه السلام حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل ~~قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى عن أبي سلمة ~~عن أبي هريرة قال لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة ~~الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام ~~إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفذ صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها ~~فقال العباس يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا فقال صلى الله ~~عليه وسلم إلا الأذخر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~عثمان بن أبي PageV01P090 شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد وطاوس عن ~~ابن عباس في هذه القصة ولا يختلى خلاها وقال إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار وروى ابن أبي ~~ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يسفكن فيها دم وإن الله ~~أحلها لي ساعة من نهار ولم يحلها للناس وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الله حرمها يوم خلق السموات والأرض وحظر فيها سفك الدماء وإن حرمتها باقية ~~إلى يوم القيامة وأخبر أن من تحريمها تحريم صيدها وقطع الشجر والخلا فإن ~~قال قائل ما وجه استثنائه الأذخر ms0110 من الحظر عند مسئلة العباس وقد أطلق قبل ~~ذلك حظر الجميع ومعلوم أن النسخ قبل التمكين من الفعل لا يجوز قيل له يجوز ~~أن يكون الله تعالى خير نبيه صلى الله عليه وسلم في إباحة الأذخر وحظره عند ~~سؤال من يسئله إباحته كما قال تعالى @QB@ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن ~~لمن شئت منهم @QE@ فخيره في الإذن عند المسئلة ومع ما حرم الله تعالى من ~~حرمتها بالنص والتوقيف فإن من آياتها ودلالاتها على توحيدها الله تعالى ~~واختصاصه لها ما يوجب تعظيمها ما يشاهد فيها من أمن الصيد فيها وذلك أن ~~سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض ويجتمع فيها الظبي والكلب فلا يهيج ~~الكلب الصيد ولا ينفر منه حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد هو ~~إلى النفور والهرب وذلك دلالة على توحيد الله سبحانه وتعالى وعلى تفضيل ~~إسماعيل عليه السلام وتعظيم شأنه وقد روي عن جماعة من الصحابة حظر صيد ~~الحرم وشجره ووجوب الجزاء على قتله أو قطعه قوله تعالى @QB@ واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى @QE@ يدل على لزوم ركعتي الطواف وذلك لأن قوله تعالى ~~@QB@ مثابة للناس @QE@ لما اقتضى فعل الطواف ثم عطف عليه قوله @QB@ واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى @QE@ وهو أمر ظاهره الإيجاب دل ذلك على أن الطواف ~~موجب للصلاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه أراد به ~~صلاة الطواف وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~عبدالله بن محمد النفيلي قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن محمد ~~عن أبيه عن جابر وذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله استلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ~~فقرأ @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ فجعل المقام بينه وبين البيت ~~وصلى ركعتين فلما تلا صلى الله عليه وسلم عند إرادته الصلاة خلف المقام ~~@QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ دل ذلك على أن PageV01P091 المراد ~~بالآية فعل الصلاة بعد ms0111 الطواف وظاهره أمر فهو على الوجوب وقد روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد صلاهما عند البيت وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن عمر القواريري قال حدثني يحيى بن سعيد ~~قال حدثنا السائب عن محمد المخزومي قال حدثني محمد بن عبدالله بن السائب عن ~~أبيه أنه كان يقود ابن عباس فيقيمه عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي ~~يلي الحجر مما يلي الباب فيقول ابن عباس أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي ههنا فيقوم فيصلي فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف ودل فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم لها تارة عند المقام وتارة عند غيره على أن فعلها ~~عنده ليس بواجب وروى عبدالرحمن القاري عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصبح ثم ~~ركب وأناخ بذي طوى فصلى ركعتي طوافه وعن ابن عباس أنه صلاها في الحطيم وعن ~~الحسن وعطاء أنه إن لم يصل خلف المقام أجزأ وقد اختلف السلف في المراد ~~بقوله تعالى @QB@ مقام إبراهيم @QE@ فقال ابن عباس الحج كله مقام إبراهيم ~~وقال عطاء مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار وقال مجاهد الحرم كله مقام ~~إبراهيم وقال السدى مقام إبراهيم هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته ~~تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ~~ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته ~~فغابت رجله أيضا فيه فجعلها الله من شعائره فقال @QB@ واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى @QE@ وروي نحوه عن الحسن وقتادة والربيع بن أنس والأظهر أن ~~يكون هو المراد لأن الحرم لا يسمى على الإطلاق مقام إبراهيم وكذلك سائر ~~المواضع التي تأوله غيرهم عليها مما ذكرنا ويدل على أنه هو المراد ما روى ~~حميد عن أنس قال قال عمر قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ~~فأنزل الله تعالى @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى @QE@ ثم صلى فدل على ~~أن مراد الله تعالى ms0112 بذكر المقام هو الحجر ويدل عليه أمره تعالى إيانا بفعل ~~الصلاة وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا سائر المواضع الذي تأويله عليها من ~~ذكرنا قوله وهذا المقام دلالة على توحيد الله ونبوة إبراهيم لأنه جعل للحجر ~~رطوبة الطين حتى دخلت قدمه فيه وذلك لا يقدر عليه إلا الله وهو مع ذلك ~~معجزة لإبراهيم عليه السلام فدل على نبوته وقد اختلف في المعنى المراد ~~بقوله مصلى فقال فيه مجاهد مدعى وجعله من الصلاة إذ هي الدعاء لقوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه @QE@ وقال الحسن أراد به قبله وقال ~~قتادة PageV01P092 والسدي أمروا أن يصلوا عنده وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر ~~اللفظ لأن لفظ الصلاة إذا أطلق تعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ~~ترى أن مصلى المصر هو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة وقد دل ~~عليه أيضا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد تلاوته الآية وأما قول من قال ~~قبلة فذلك يرجع إلى معنى الصلاة لأنه إنما يجعله المصلى بينه وبين البيت ~~فيكون قبلة له وعلى أن الصلاة فيها الدعاء فحمله على الصلاة أولى لأنها ~~تنتظم سائر المعاني التي تأولوا عليها الآية قوله تعالى @QB@ وعهدنا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود @QE@ قال ~~قتادة وعبيد بن عمير ومجاهد وسعيد بن جبير طهرا من الشرك وعبادة الأوثان ~~التي كانت عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم عليه السلام وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما كان فتح مكة دخل المسجد فوجدهم قد ~~نصبوا على البيت الأوثان فأمر بكسرها وجعل يطعن فيها بعود في يده ويقول ( ~~جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) وقيل فيه طهراه من فرث ودم كان ~~المشركون يطرحونه عنده وقال السدي طهرا بيتي ابنياه على الطهارة كما قال ~~الله تعالى @QB@ أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير @QE@ الآية ~~قال أبو بكر ms0113 وجميع ما ذكر يحتمله اللفظ غير منافيه فيكون معناه ابنياه على ~~تقوى الله وطهراه مع ذلك من الفرث والدم ومن الأوثان أن تجعل فيه أو تقربه ~~وأما للطائفين فقد اختلف في مراد الآية منه فروى جويبر عن الضحاك قال ~~للطائفين من جاء من الحجاج والعاكفين أهل مكة وهم القائمون وروى عبدالملك ~~عن عطاء قال العاكفون من انتابه من أهل الأمصار والمجاورين وروى أبو بكر ~~الهذلي قال إذا كان طائفا فهو من الطائفين وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ~~وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود وروى ابن فضيل عن ابن عطاء عن سعيد عن ~~ابن عباس في قوله @QB@ طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود @QE@ ~~قال الطواف قبل الصلاة قال أبو بكر قول الضحاك من جاء من الحجاج فهو من ~~الطائفين راجع أيضا إلى معنى الطواف بالبيت لأن من يقصد البيت فإنما يقصده ~~للطواف به إلا أنه قد خص به الغرباء وليس في الآية دلالة التخصيص لأن أهل ~~مكة والغرباء في فعل الطواف سواء فإن قيل فإنما تأوله الضحاك على الطائف ~~الذي هو طارئ كقوله تعالى فطاف عليها PageV01P093 طائف من ربك وقوله إذا ~~مسهم طائف من الشيطان قيل له أنه وإن أراد ذلك فالطواف مراد لا محالة لأن ~~الطارئ إنما يقصده للطواف فجعله هو خاصا في بعضهم دون بعض وهذا لا دلالة له ~~فيه فالواحب إذا حمله على فعل الطواف فيكون قوله والعاكفين من يعتكف فيه ~~وهذا يحتمل وجهين أحدهما الإعتكاف المذكور في قوله @QB@ وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ فخص البيت في هذا الموضع الآخر المقيمون بمكة اللائذون به إذا ~~كان الإعتكاف هو اللبث وقيل في العاكفين المجاورون وقيل أهل مكة وذلك كله ~~يرجع إلى معنى اللبث والإقامة في الموضع قال أبو بكر هو على قول من تأول ~~قوله الطائفين على الغرباء يدل على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة وذلك ~~لأن وقوله ذلك قد أفاد لا محالة الطواف للغرباء إذا كانوا إنما يقصدونه ~~للطواف وأفاد جواز الإعتكاف فيه بقوله والعاكفين وأفاد ms0114 فعل الصلاة فيه أيضا ~~وبحضرته فخص الغرباء بالطواف فدل على أن فعل الطواف للغرباء أفضل من فعل ~~الصلاة والإعتكاف الذي هو اللبث من غير طواف وقد روي عن ابن عباس ومجاهد ~~وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل فتضمنت الآية ~~معاني منها فعل الطواف في البيت وهو قربة إلى الله تعالى يستحق فاعله ~~الثواب وأنه للغرباء أفضل من الصلاة وفعل الإعتكاف في البيت وبحضرته بقوله ~~والعاكفين وقد دل أيضا على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا إذ لم ~~تفرق الآية بين شيء منها وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة ~~المفروضة في البيت وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في البيت ~~يوم فتح مكة فتلك الصلاة لا محالة كانت تطوعا لأنه صلاها حين دخل ضحى ولم ~~يكن وقت صلاة وقد دل أيضا على جواز الجوار بمكة لأن قوله والعاكفين يحتمله ~~إذا كان إسما للبث وقد يكون ذلك من المجاز على أن عطاء وغيره قد تأوله على ~~المجاورين ودل أيضا على أن الطواف قبل الصلاة لما تأوله عليه ابن عباس على ~~ما قدمناه فإن قيل ليس في تقديم الطواف على الصلاة في اللفظ دلالة على ~~الترتيب لأن الواو لا توجبه قيل له قد اقتضى اللفظ فعل الطواف والصلاة ~~جميعا وإذا ثبت طواف مع صلاة فالطواف لا محالة مقدم عليها من وجهين أحدهما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم والثاني اتفاق أهل العلم على تقديمه عليها ~~فإن اعترض معترض على ما ذكرنا من دلالة الآية على جواز فعل الصلاة في البيت ~~وزعم أنه لا دلالة PageV01P094 في اللفظ عليه لأنه لم يقل والركع السجود في ~~البيت وكما لم يدل على جواز فعل الطواف في جوف البيت وإنما دل على فعله ~~خارج البيت كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه ~~قيل له ظاهر قوله تعالى @QB@ طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ~~@QE@ قد اقتضى فعل ذلك في البيت كما ms0115 دل على جواز فعل الإعتكاف في البيت ~~وإنما خرج منه الطواف في كونه مفعولا خارج البيت بدليل الإتفاق ولأن الطواف ~~بالبيت إنما هو بأن يطوف حواليه خارجا منه ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في ~~جوفه والله سبحانه إنما أمرنا بالطواف فيه به لا بالطواف بقوله تعالى @QB@ ~~وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ ومن صلى داخل البيت يتناوله الإطلاق بفعل ~~الصلاة فيه وأيضا لو كان المراد التوجه إليه لما كان لذكر تطهير البيت ~~للركع والسجود وجه إذ كان حاضرو البيت والناؤون عنه سواء في الأمر بالتوجه ~~إليه ومعلوم أن تطهيره إنما هو لحاضريه فدل على أنه لم يرد به التوجه إليه ~~دون فعل الصلاة فيه ألا ترى أنه أمر بتطهير نفس البيت للركع السجود وأنت ~~متى حملته على الصلاة خارجا كان التطهير لما حول البيت وأيضا إذا كان اللفظ ~~محتملا للأمرين فالواجب حمله عليهما فيكونان جميعا مرادين فيجوز في البيت ~~وخارجه فإن قيل كما قال الله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ كذلك ~~قال @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره @QE@ ~~وذلك يقتضي فعلها خارج البيت فيكون متوجها إلى شطره قيل له لو حملت اللفظ ~~على حقيقته فعلى قضيتك أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الحرام لأنه قال فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام ومتى كان فيه فعلى قولك لا يكون متوجها إليه قال ~~فإن أراد بالمسجد الحرام البيت نفسه لاتفاق الجميع على أن التوجه إلى ~~المسجد الحرام لا يوجب جواز الصلاة إذا لم يكن متوجها إلى البيت قيل له فمن ~~كان في جوف البيت هو متوجه شطر البيت لأن شطره ناحية ولا محالة أن من كان ~~فيه فهو متوجه إلى ناحيته ألا ترى أن من كان خارج البيت فتوجه إليه فإنما ~~يتوجه إلى ناحية منه دون جميعه وكذلك من كان في البيت فهو متوجه شطره ففعله ~~مطابق لظاهر الآيتين جميعا من قوله تعالى @QB@ طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود @QE@ وقوله تعالى @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~@QE@ إذ من كان في البيت ms0116 فهو متوجه إلى ناحية من البيت ومن المسجد جميعا ~~قال أبو بكر والذي تضمنته الآية من PageV01P095 الطواف عام في سائر ما يطاف ~~من الفرض والواجب والندب لأن الطواف عندنا على هذه الأنحاء الثلاثة فالفرض ~~هو طواف الزيارة بقوله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ والواجب هو ~~طواف الصدر ووجوبه مأخوذ من السنة بقوله صلى الله عليه وسلم ( من حج البيت ~~فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ) والمسنون والمندوب إليه وليس بواجب طواف ~~القدوم للحج فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا فأما طواف ~~الزيارة فإنه لا ينوب عنه شيء يبقى الحاج محرما من النساء حتى يطوفه وأما ~~طواف الصدر فإن تركه يوجب دما إذا رجع الحاج إلى أهله ولم يطفه وأما طواف ~~القدوم فإن تركه لا يوجب شيئا والله تعالى أعلم بالصواب # | باب ذكر صفة الطواف # قال أبو بكر رحمه الله تعالى كل طواف بعده سعي ففيه رمل في الثلاثة أشواط ~~الأول وكل طواف ليس بعده سعي بين الصفا والمروة فلا رمل فيه فالأول مثل ~~طواف القدوم إذا أراد السعي بعده وطواف الزيارة إذا لم يسع بين الصفا ~~والمروة حين قدم فإن كان قد سعى حين قدم عقيب طواف القدوم فلا رمل فيه ~~وطواف العمرة فيه رمل لأن بعده سعيا بين الصفا والمروة وقد رمل النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا رواه جابر بن عبدالله وابن عباس في رواية ~~عطاء عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك روى ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رمل في الثلاثة الأشواط من الحجر إلى الحجر وروي نحو ذلك عن عمر ~~وابن مسعود وابن عمر من قولهم مثل ذلك وروى أبو الطفيل عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الركن اليماني ثم مشى إلى الركن الأسود ~~وكذلك رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم والنظر يدل على ما ~~رواه الأولون من قبل اتفاق الأولين جميعا على تساوي الأربع الأواخر في ~~المشي ms0117 فيهن كذلك يجب أن يستوي الثلاث الأول في الرمل فيهن في جميع الجوانب ~~إذ ليس في الأصول اختلاف حكم جوانبه في المشي ولا الرمل في سائر أحكام ~~الطواف وقد اختلف السلف في بقاء سنة الرمل فقال قائلون إنما كان ذلك سنة ~~حين فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرائيا به للمشركين إظهارا للتجلد ~~والقوة في عمرة القضاء لأنهم قالوا قد أوهنتهم حمى يثرب فأمرهم بإظهار ~~الجلد لئلا يطمع فيهم وقال زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر ابن الخطاب ~~يقول فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ~~PageV01P096 ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال أبو الطفيل قلت لابن عباس إن قومك يزعمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رمل بالبيت وأنه سنة قال صدقوا وكذبوا قد رمل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وليس بسنة قال أبو بكر ومذهب أصحابنا أنه سنة ~~ثابتة لا ينبغي تركها وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر به بديا لإظهار ~~الجلد والقوة مراءاة للمشركين لأنه قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ~~في حجة الوداع ولم يكن هناك مشركون وقد فعله أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن ~~عمر وغيرهم فثبت بقاء حكمه وليس تعلقه بديا بالسبب المذكور مما يوجب زوال ~~حكمه حيث زال السبب ألا ترى أنه قد روي أن سبب رمي الجمار أن إبليس لعنه ~~الله عرض لإبراهيم عليه السلام بموضع الجمار فرماه ثم صار الرمي سنة باقية ~~مع عدم ذلك السبب وروي أن سبب السعي بين الصفا والمروة أن أم إسماعيل عليه ~~السلام صعدت الصفا تطلب الماء ثم نزلت فأسرعت المشي في بطن الوادي لغيبة ~~الصبي عن عينها ثم لما صعدت من الوادي رأت الصبي فمشت على هينتها وصعدت ~~المروة تطلب الماء فعلت ذلك سبع مرات فصار السعي بينهما سنة وإسراع المشي ~~في الوادي سنة مع زوال السبب الذي فعل من أجله فكذلك ms0118 الرمل في الطواف وقال ~~أصحابنا يستلم الركن الأسود واليماني دون غيرهما وقد روي ذلك عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروي أيضا عن ابن عباس عنه وقال ابن عمر حين أخبر ~~بقول عائشة إن الحجر بعضه من البيت أني لا أظن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من وراء ~~الحجر إلا لذلك وقال يعلى بن أمية طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن ~~الذي يلي الحجر أخذت أستلمه فقال ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قلت بلى قال فرأيته يستلمه قلت لا قال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~قوله تعالى @QB@ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا @QE@ الآية يحتمل ~~وجهين أحدهما معنى مأمون فيه كقوله تعالى @QB@ في عيشة راضية @QE@ يعني ~~مرضية والثاني أن يكون المراد أهل البلد كقوله تعالى @QB@ واسأل القرية ~~@QE@ معناه أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد وإنما يلحقان ~~من فيه وقد اختلف في الأمن المسؤل في هذه الآية فقال قائلون سأل الأمن من ~~القحط والجدب لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع ولم يسئله الأمن من ~~الخسف والقذف لأنه كان آمنا من ذلك قبل وقد قيل أنه سأل الأمرين جميعا قال ~~أبو بكر هو كقوله PageV01P097 تعالى @QB@ مثابة للناس وأمنا @QE@ وقوله ~~@QB@ ومن دخله كان آمنا @QE@ وقوله @QB@ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا @QE@ والمراد والله أعلم بذلك الأمن من القتل وذلك أنه قد سأله مع ~~رزقهم من الثمرات رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات وقال عقيب ~~مسئلة الأمن في قوله تعالى @QB@ رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام @QE@ ثم قال في سياق القصة ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع عند بيتك المحرم إلى قوله @QB@ وارزقهم من الثمرات @QE@ فذكر مع ~~مسألته الأمن وأن يرزقهم من الثمارت فالأولى حمل معنى مسئلة الأمن على ms0119 ~~فائدة جديدة غير ما ذكره في سياق القصة ونص عليه من الرزق فإن قال قائل إن ~~حكم الله تعالى بأمنها من القتل قد كان متقدما لعهد إبراهيم عليه السلام ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ~~لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ) يعني ~~القتال فيها قيل له هذا لا ينفي صحة مسئلته لأنه قد يجوز نسخ تحريم القتل ~~والقتال فيها فسأله إدامة هذا الحكم فيها وتبقيته على ألسنة رسله وأنبيائه ~~بعده ومن الناس من يقول إنها لم تكن حرما ولا أمنا قبل مسئلة إبراهيم عليه ~~السلام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن إبراهيم عليه ~~السلام حرم مكة وإني حرمت المدينة ) والأخبار المروية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ( أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وأنها لم تحل ~~لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ) أقوى وأصح من هذا الخبر ومع ذلك فلا دلالة ~~فيه أنه لم تكن حرما قبل ذلك لأن إبراهيم عليه السلام حرمها بتحريم الله ~~تعالى إياها قبل ذلك فاتبع أمر الله تعالى فيها ولا دلالة فيه على نفي ~~تحريمها قبل عهد إبراهيم من غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة ~~والوجه الأول بمنع من اصطلام أهلها ومن الخسف بهم والقذف الذي لحق غيرها ~~وبما جعل في النفوس من تعظيمها والهيبة لها والوجه الثاني بالحكم بأمنها ~~على ألسنة رسله فأجابه الله تعالى إلى ذلك قوله تعالى @QB@ ومن كفر @QE@ قد ~~تضمن استجابته لدعوته وإخباره أنه يفعل ذلك أيضا بمن كفر منهم في الدنيا ~~وقد كانت دعوة إبراهيم خاصة لمن آمن منهم بالله واليوم الآخر فدلت الواو ~~التي في قوله ومن كفر على إجابة دعوة إبراهيم وعلى استقبال الأخبار بمتعه ~~من كفر قليلا ولولا الواو لكان كلاما منقطعا من الأول غير دال على استجابة ~~دعوته فيما سأله وقيل في معنى أمتعه أنه إنما يمتعه بالرزق الذي ms0120 يرزقه ~~PageV01P098 إلى وقت مماته وقيل أمتعه بالبقاء في الدنيا وقال الحسن أمتعه ~~بالرزق والأمن إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله إن أقام على كفره ~~أو يجليه عنها فتضمنت الآية حظر قتل من لجأ إليه من وجهين أحدهما قوله @QB@ ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا @QE@ مع وقوع الإستجابة له والثاني @QB@ قال ومن كفر ~~فأمتعه قليلا @QE@ لأنه قد نفى قتله بذكر المتعة إلى وقت الوفاة وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل الآية قواعد البيت أساسه وقد اختلف في ~~بناء إبراهيم عليه السلام هل بناه على قواعد قديمة أو أنشأها هو ابتداء ~~فروى معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله القواعد من البيت ~~قال القواعد التي كانت قبل ذلك قواعد البيت وروى نحوه عن عطاء وروى منصور ~~عن مجاهد عن عبدالله بن عمر قال خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام ثم ~~دحيت الأرض من تحته وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~الملائكة كانت تحج البيت قبل آدم ثم حجه آدم عليه السلام وروي عن مجاهد ~~وعمرو بن دينار أن إبراهيم عليه السلام أنشأه بأمر الله إياه وقال الحسن ~~أول من حج البيت إبراهيم واختلف في الباني منهما للبيت فقال ابن عباس كان ~~إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهذا يدل على جواز إضافة فعل البناء ~~إليهما وإن كان أحدهما معينا فيه ومن أجل ذلك قلنا في قوله صلى الله عليه ~~وسلم لعائشة لو قدمت قبلي لغسلتك ودفنتك يعني أعنت في غسلك وقال السدي ~~وعبيد بن عمير هما بنياه جميعا وقيل في رواية شاذة أن إبراهيم عليه السلام ~~وحده رفعها وكان إسماعيل صغيرا في وقت رفعها وهو غلط لأن الله تعالى قد ~~أضاف الفعل إليهما وكذلك أطلق عليهما إذ رفعاه جميعا أو رفع أحدهما وناوله ~~الآخر الحجارة والوجهان الأولان جائزان والوجه الثالث لا يجوز ولما قال ~~تعالى @QB@ طهرا بيتي للطائفين @QE@ وقال في آية أخرى @QB@ وليطوفوا بالبيت ~~العتيق @QE@ اقتضى ذلك الطواف بجميع ms0121 البيت وروى هشام عن عروة عن أبيه عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الجاهلية اقتصروا في ~~بناء الكعبة فادخلي الحجر وصلي عنده ولذلك طاف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه حول الحجر ليحصل اليقين بالطواف بجميع البيت ولذلك أدخله ابن ~~الزبير في البيت لما بناه حين احترق ثم لما جاء الحجاج أخرجه منه قوله ~~تعالى @QB@ ربنا تقبل منا @QE@ معناه يقولان ربنا تقبل فحذف لدلالة الكلام ~~عليه كقوله تعالى @QB@ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم @QE@ يعني ~~يقولون أخرجوا أنفسكم والتقبل هو إيجاب PageV01P099 الثواب على العمل وقد ~~تضمن ذلك كون بناء المساجد قربة لأنهما بنياه لله تعالى فأخبرا باستحقاق ~~الثواب به وهو كقوله صلى الله عليه وسلم ( من بنى مسجدا ولو مثل مفحص قطاة ~~بنى الله له بيتا في الجنة ) قوله تعالى @QB@ وأرنا مناسكنا @QE@ يقال إن ~~أصل النسك في اللغة الغسل يقال منه نسك ثوبه إذا غسله وقد أنشد فيه بيت شعر ~~% ولا ينبت المرعى سباخ عراعر % ولو نسكت بالماء ستة أشهر % # | وفي الشرع اسم للعبادة يقال رجل ناسك أي عابد وقال البراء بن عازب خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى فقال ( إن أول نسكنا في هذا اليوم ~~الصلاة ثم الذبح فسمى الصلاة نسكا والذبيحة على وجه القربة تسمى نسكا ) قال ~~الله تعالى @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ يعني ذبح شاة ومناسك ~~الحج ما يقتضيه من الذبح وسائر أفعاله قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~دخل مكة ( خذوا عني مناسككم ) والأظهر من معنى قوله @QB@ وأرنا مناسكنا ~~@QE@ سائر أعمال الحج لأن الله تعالى أمرهما ببناء البيت للحج وقد روى ابن ~~أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ( أتى جبريل إبراهيم عليهما السلام فراح به إلى مكة ثم منى ) وذكر ~~أفعال الحج على نحو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته قال ثم أوحى ~~الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ أن ms0122 اتبع ملة إبراهيم حنيفا @QE@ ~~وكذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم بعرفات وقوف خلفه وهو واقف ~~بها فقال كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه السلام قوله ~~تعالى @QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه @QE@ يدل على لزوم ~~اتباع إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه وأفاد بذلك أن من رغب عن ملة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فهو راغب عن ملة إبراهيم إذ كانت ملة النبي صلى ~~الله عليه وسلم منتظمة لملة إبراهيم وزائدة عليها # باب ميراث الجد $ # قال الله تعالى @QB@ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا @QE@ فسمى الجد والعم كل واحد منهما أبا وقال تعالى حاكيا عن يوسف ~~عليه السلام @QB@ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب @QE@ وقد احتج ~~ابن عباس بذلك في توريث الجد دون الأخوة وروى الحجاج عن عطاء عن ابن عباس ~~قال من شاء لاعنته عند الحجر الأسود أن الجد أب والله ما ذكر الله جدا ولا ~~جدة إلا أنهم الآباء @QB@ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب @QE@ ~~PageV01P100 واحتجاج ابن عباس في توريث الجد دون الأخوة وإنزاله منزلة الأب ~~في الميراث عند فقده يقتضي جواز الاحتجاج بظاهر قوله تعالى وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث في استحقاقه الثلثين دون الأخوة كما يستحق الأب دونهم إذا كان ~~باقيا ودل ذلك على أن إطلاق اسم الأب يتناول الجد فاقتضى ذلك أن لا يختلف ~~حكمه وحكم الأب في الميراث إذا لم يكن أب وهو مذهب أبي بكر الصديق في آخرين ~~من الصحابة قال عثمان قضى أبو بكر أن الجد أب وأطلق اسم الأبوة عليه وهو ~~قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي بقول زيد بن ثابت في ~~الجد أنه بمنزلة الأخوة مالم تنقصه المقاسمة من الثلث فيعطى الثلث ولم ينقص ~~منه شيئا وقال ابن أبي ليلى بقول علي بن أبي طالب عليه السلام في الجد ms0123 أنه ~~بمنزلة أحد الأخوة مالم تنقصه المقاسمة من السدس فيعطى السدس ولم ينقص منه ~~شيئا وقد ذكرنا اختلاف الصحابة فيه في شرح مختصر الطحاوي والحجاج للفرق ~~المختلفين فيه إلا أن الحجاج بالآية فيه من وجهين أحدهما ظاهر تسمية الله ~~تعالى إياه أبا والثاني احتجاج ابن عباس بذلك وإطلاقه أن الجد أب وكذلك أبو ~~بكر الصديق لأنهما من أهل اللسان لا يخفى عليهما حكم الأسماء من طريق اللغة ~~وإن كانا أطلقاه من جهة الشرع فحجته ثابتة إذ كانت أسماء الشرع طريقها ~~التوقيف ومن يدفع الاحتجاج بهذا الظاهر يقول إن الله تعالى قد سمى العم أبا ~~في الآية لذكره إسماعيل فيها وهو عمه ولا يقوم مقام الأب وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ردوا على أبي يعني العباس وهو عمه قال أبو بكر ويعترض عليه ~~من جهة أن الجد إنما سمي أبا على وجه المجاز لجواز انتفاء اسم الأب عنه ~~لأنك لو قلت للجد إنه ليس بأب لكان ذلك نفيا صحيحا وأسماء الحقائق لا تنتفي ~~عن مسمياتها بحال ومن جهة أخرى أن الجد إنما سمي أبا بتقييد والإطلاق لا ~~يتناوله فلا يصح الاحتجاج فيه بعموم لفظ الأبوين في الآية ومن جهة أخرى أن ~~الأب الأدنى في قوله تعالى @QB@ وورثه أبواه @QE@ مراد بالآية فلا جائز أن ~~يراد به الجد لأنه مجاز ولا يتناول الإطلاق للحقيقة والمجاز في لفظ واحد ~~قال أبو بكر فأما دفع الاحتجاج بعموم لفظ الأب في إثبات الجد أبا من حيث ~~سمي العم أبا في الآية مع اتفاق الجميع على أنه لا يقوم مقام الأب بحال ~~فإنه مما لا يعتمد لأن إطلاق اسم الأب إن كان يتناول الجد والعم في اللغة ~~والشرع فجائز اعتبار عمومه في سائر ما أطلق فيه فإن خص العم بحكم ~~PageV01P101 دون الجد لا يمنع ذلك بقاء حكم العموم في الجد ويختلفان أيضا ~~في المعنى من قبل أن الأب إنما سمي بهذا الاسم لأن الإبن منسوب إليه ~~بالولاد وهذا المعنى موجود في الجد وإن كانا يختلفان ms0124 من جهة أخرى أن بينه ~~وبين الجد واسطة وهو الأب ولا واسطة بينه وبين الأب والعم ليست له هذه ~~المنزلة إذ لا نسبة بينه وبينه من طريق الولاد ألا ترى أن الجد وإن بعد في ~~المعنى بمعنى من قرب في إطلاق الإسم وفي الحكم جميعا إذا لم يكن من هو أقرب ~~منه فكان للجد هذا الضرب من الإختصاص فجائز أن يتناوله إطلاق اسم الأب ولما ~~لم يكن للعم هذه المزية لم يسم به مطلقا ولا يعقل منه أيضا إلا بتقيد والجد ~~مساو للأب في معنى الولاد فجائز أن يتناوله اسم الأب وأن يكون حكمه عند ~~فقده حكمه وأما من دفع ذلك من جهة أن تسمية الجد باسم الأب مجاز وأن الأب ~~الأدنى مراد بالآية فغير جائز إرادة الجد به لانتفاء أن يكون اسم واحد ~~مجازا حقيقة فغير واجب من قبل أنه جائز أن يقال إن المعنى الذي من أجله سمي ~~الأب بهذا الاسم وهو النسبة إليه من طريق الولاد موجود في الجد ولم يختلف ~~المعنى الذي من أجله قد سمي كل واحد منهما فجاز إطلاق الإسم عليهما وإن كان ~~أحدهما أخص به من الآخر كالأخوة يتناول جميعهم هذا الاسم لأب كانوا أو لأب ~~وأم ويكون الذي للأب والأم أولى بالميراث وسائر أحكام الأخوة من الذين للأب ~~والاسم فيهما جميعا حقيقة وليس يمتنع أن يكون الاسم حقيقة في معنيين وإن ~~كان الإطلاق إنما يتناول أحدهما دون الآخر ألا ترى أن اسم النجم يقع على كل ~~واحد من نجوم السماء حقيقة والإطلاق عند العرب يتناول النجم الذي هو الثريا ~~يقول القائل منهم فعلت كذا وكذا والنجم على قمة الرأس يعني الثريا ولا تعقل ~~العرب بقولها طلع النجم عند الإطلاق غير الثريا وقد سموا هذا الإسم لسائر ~~نجوم السماء على الحقيقة فكذلك اسم الأب لا يمتنع عند المحتج بما وصفنا أن ~~يتناول الأب والجد على الحقيقة وإن اختص الأب به في بعض الأحوال ولا يكون ~~في استعمال اسم الأب في الأب الأدنى والجد ms0125 إيجاب كون لفظة واحدة حقيقة ~~مجازا فإن قيل لو ان اسم الأب مختصا بالنسبة من طريق الولاد للحق الأم هذا ~~الإسم لوجود الولاد فيها فكان الواجب أن تسمى الأم أبا وكانت الأم أولى ~~بذلك من الأب والجد لوجود الولادة حقيقة منها قيل له لا يجب ذلك لأنهم قد ~~خصوا الأم بإسم دونه ليفرقوا بينها وبينه وإن كان PageV01P102 الولد منسوبا ~~إلى كل واحد منهما بالولاد وقد سمى الله تعالى الأم أبا حين جمعها مع الأب ~~فقال تعالى @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس @QE@ ومما يحتج لأبي بكر ~~الصديق وللقائلين بقوله إن الجد يجتمع له الاستحقاق بالنسبة والتعصيب معا ~~ألا ترى أنه لو تركا بنتا وجدا كان للنبت النصف وللجد السدس وما بقي ~~بالنسبة والتعصيب كما لو ترك بنتا وأبا يستحق بالنسبة والتعصيب معا في حال ~~واحدة فوجب أن يكون بمنزلته في استحقاق الميراث دون الأخوة والأخوات ووجه ~~آخر وهو أن الجد يستحق بالتعصيب من طريق الولاد فوجب أن يكون بمنزلة الأب ~~في نفي مشاركة الأخوة إذ كانت الأخوة إنما تستحقه بالتعصيب منفردا عن ~~الولاد ووجه آخر في نفي الشركة بينه وبين الأخوة على وجه المقاسمة وهو أن ~~الجد يستحق السدس مع الابن كما يستحقه الأب معه فلما لم يستحق الأخوة مع ~~الأب بهذه العلة وجب أن لا يجب لهم ذلك مع الجد فإن قيل الأم تستحق السدس ~~مع الإبن ولم ينتف بذلك توريث الأخوة معها قيل له إنما نصف بهذه العلة لنفي ~~الشركة بينه وبين الأخوة على وجه المقاسمة وإذا انتفت الشركة بينهم وبينه ~~في المقاسمة إذا انفردوا معه سقط الميراث لأن كل من ورثهم معه يوجب القسمة ~~بينه وبينهم إذا لم يكن غيره على اعتبار منهم في الثلث أوالسدس وأما الأم ~~فلا تقع بينها وبين الأخوة مقاسمة بحال ونفي القسمة لا ينفي ميراثهم ونفي ~~مقاسمة الأخوة للجد إذا انفردوا يوجب إسقاط ميراثهم معه إذ كان من يورثهم ~~معه إنما يورثهم بالمقاسمة وإيجاب الشركة بينهم وبينه فلما سقطت المقاسمة ~~بما وصفنا سقط ms0126 ميراثهم معه إذ ليس فيه إلا قولان قول من يسقط معه ميراثهم ~~رأسا وقل من يوجب المقاسمة فلما بطلت المقاسمة بما وصفنا ثبت سقوط ميراثهم ~~معه فإن قال قائل إن الجد يدلي بابنه وهو أبو الميت والأخ يدلي بأبيه فوجبت ~~الشركة بينهما كمن ترك أباه وابنه قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أنه لو ~~صح هذا الإعتبار لما وجبت المقاسمة بين الجد والأخ بل كان الواجب أن يكون ~~للجد السدس وللأخ ما بقي كمن ترك أبا وابنا للأب السدس والباقي للإبن ~~والوجه الآخر أنه يوجب أن يكون الميت إذا ترك جد أب وعما أن يقاسمه العم ~~لأن جد لأب يدلي بالجد الأدنى والعم أيضا يدلى به لأنه ابنه فلما اتفق ~~الجميع على سقوط ميراث العم مع جد الأب مع وجود العلة التي وصفت دل ذلك على ~~انتفاضها وفسادها ويلزمه أيضا على هذا الإعتلال أن ابن PageV01P103 الأخ ~~يشارك الجد في الميراث لأنه يقول أن ابن ابن الأب والجد أب الأب ولو ترك ~~أبا وابن ابن كان للأب السدس وما بقي لإبن الإبن قوله تعالى @QB@ تلك أمة ~~قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون @QE@ يدل ~~على ثلاثة معان أحدها أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء ولا يعذبون على ~~ذنوبهم وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين بذنوب الآباء ويبطل ~~مذهب من يزعم من اليهود أن الله تعالى يغفر لهم ذنوبهم بصلاح آبائهم وقد ~~ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك من الآيات نحو قوله تعالى @QB@ ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها @QE@ ولا تزر وازرة وزر أخرى وقال فإن تولوا فإنما ~~عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ~~لأبي رمثة ورآه مع ابنه أهو ابنك فقال نعم قال أما أنه لا يجني عليك ولا ~~تجني عليه وقال صلى الله عليه وسلم يا بني هاشم لا تأتيني الناس بأعمالهم ~~وتأتوني بأنسابكم فأقول لا أغني عنكم ms0127 من الله شيأ وقال صلى الله عليه وسلم ~~( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) قوله تعالى @QB@ فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم @QE@ إخبار بكفاية الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أمر ~~أعدائه فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم فوجد مخبره على ما أخبر به وهو نحو قوله ~~تعالى والله يعصمك من الناس فعصمه منهم وحرسه من غوائلهم وكيدهم وهو دلالة ~~على صحة نبوته إذ غير جائز اتفاق وجود مخبره على ما أخبر به في جميع أحواله ~~إلا وهو من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة إذ غير جائز وجود مخبر ~~أخبار المتخرصين والكاذبين على حسب ما يخبرون بل أكثر أخبارهم كذب وزور ~~يظهر بطلانه لسامعيه وإنما يتفق لهم ذلك في الشاذ النادر إن اتفق قوله ~~تعالى @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~@QE@ قال أبو بكر لم يختلف المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~بمكة إلى بيت المقدس وبعد الهجرة مدة من الزمان فقال ابن عباس والبراء بن ~~عازب كان التحويل إلى الكعبة بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم لسبعة عشر ~~شهرا وقال قتادة لستة عشر وروي عن أنس بن مالك أنه تسعة أشهر وعشرة أشهر ثم ~~أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة وقد نص الله في هذه الآيات على أن ~~الصلاة كانت إلى غير الكعبة ثم حولها إليها بقوله تعالى @QB@ سيقول السفهاء ~~من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ ~~وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه @QE@ وقوله تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ~~ترضاها @QE@ فهذه الآيات كلها PageV01P104 دالة على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد كان يصلي إلى غير الكعبة وبعد ذلك حوله إليها وهذا يبطل قول من ~~يقول ليس في شريعة النبي ناسخ ولا منسوخ ثم اختلف في توجه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز ms0128 غيره أو كان مخيرا في توجهه ~~إليها وإلى غيرها فقال الربيع ابن أنس كان مخيرا في ذلك وقال ابن عباس كان ~~الفرض التوجه إليه بلا تخيير وأي الوجهين كان فقد كان التوجه فرضا لمن ~~يفعله لأن التخيير لا يخرجه من أن يكون فرضا ككفارة اليمين أيها كفر به فهو ~~الفرض وكفعل الصلاة في أول الوقت وأوسطه وآخره وحدثنا جعفر بن محمد اليمان ~~قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس ففرحت ~~اليهود بذلك فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ويدعو ~~الله تعالى وينظر إلى السماء فأنزل الله @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء ~~@QE@ الآية وذكر القصة فأخبر ابن عباس أن الفرض كان التوجه إلى بيت المقدس ~~وأنه نسخ بهذه الآية وهذا لا دلالة فيه على قول من يقول إن الفرض كان ~~التوجه إليه بلا تخيير ولأنه جائز أن يكون كان الفرض على وجه التخيير وورد ~~النسخ على التخيير وقصروا على التوجه إلى الكعبة بلا تخيير وقد روي أن ~~النفر الذين قصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة للبيعة ~~قبل الهجرة كان فيهم البراء بن معرور فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه ~~وأبى الآخرون وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى بيت المقدس ~~فلما قدموا مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا له فقال ~~قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثبت عليها أجزك ولم يأمره باستئناف ~~الصلاة فدل على أنهم كانوا مخيرين وإن كان اختار التوجه إلى بيت المقدس فإن ~~قيل قال ابن عباس أن ذلك أول ما نسخ من القرآن الأمر بالتوجه إلى بيت ~~المقدس ms0129 قيل له جائز أن يكون المراد من القرآن المنسوخ التلاوة وجائز أن ~~يكون قوله @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها @QE@ وكان نزول ذلك قبل النسخ وفيه إخبار بأنهم على قبلة غيرها وجائز ~~أن يريد أول مانسخ من القرآن فيكون مراده الناسخ من القرآن دون المنسوخ ~~وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ~~قال الله تعالى @QB@ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ ~~PageV01P105 ثم أنزل الله تعالى @QB@ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها @QE@ إلى قوله فول وجهك شطر المسجد الحرام وهذا ~~الخبر يدل على معنيين أحدهما أنهم كانوا مخيرين في التوجه إلى حيث شاؤوا ~~والثاني أن المنسوخ من القرآن هذا التخيير المذكور في هذه الآية بقوله @QB@ ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ وقوله تعالى سيقول السفهاء من الناس قيل ~~فيه أنه أراد بذكر السفهاء ههنا اليهود وأنهم الذين عابوا تحويل القبلة ~~وروي ذلك عن ابن عباس والبراء بن عازب وأرادوا به إنكار النسخ لأن قوما ~~منهم لا يرون النسخ وقيل أنهم قالوا يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت ~~عليها ارجع إليها نتبعك ونؤمن بك وإنما أرادوا فتنته فكان إنكار اليهود ~~لتحويله عن القبلة الأولى إلى الثانية على أحد هذين الوجهين وقال الحسن لما ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة من بيت المقدس قال مشركو ~~العرب يا محمد رغبت من ملة آبائك ثم رجعت إليها آنفا والله لترجعن إلى ~~دينهم وقد بين الله تعالى المعنى الذي من أجله نقلهم الله تعالى عن القبلة ~~الأولى إلى الثانية بقوله تعالى @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه @QE@ وقيل أنهم كانوا أمروا بمكة ~~أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم ~~يتوجهون إلى الكعبة فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانت ~~اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت ms0130 المقدس فنقلوا إلى الكعبة ~~ليتميزوا من هؤلاء كما تميزوا من المشركين بمكة باختلاف القبلتين فاحتج ~~الله تعالى على اليهود في إنكارها النسخ بقوله تعالى @QB@ قل لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ وجه الاحتجاج به أنه إذا كان ~~المشرق والمغرب لله فالتوجه إليهما سواء لا فرق بينهما في العقول والله ~~تعالى يخص بذلك أي الجهات شاء على وجه المصلحة في الدين والهداية إلى ~~الطريق المستقيم ومن جهة أخرى أن اليهود زعمت أن الأرض المقدسة أولى ~~بالتوجه إليها لأنها من مواطن الأنبياء عليهم السلام وقد شرفها تعالى ~~وعظمها فلا وجه للتولي عنها فأبطل الله قولهم ذلك بأن المواطن من المشرق ~~والمغرب لله تعالى يخص منها ما يشاء في كل زمان على حسب ما يعلم من المصلحة ~~فيه للعباد إذ كانت المواطن بأنفسها لا تستحق التفضيل وإنما توصف بذلك على ~~حسب ما يوجب الله تعالى تعظيمها لتفضيل الأعمال فيها قال أبو بكر هذه الآية ~~يحتج بها من يجوز نسخ السنة بالقرآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~إلى بيت المقدس PageV01P106 وليس في القرآن ذكر ذلك ثم نسخ بهذه الآية ومن ~~يأبى ذلك يقول ذكر ابن عباس أنه نسخ قوله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه ~~الله @QE@ فكان التوجه إلى حيث كان من الجهات في مضمون الآية ثم نسخ ~~بالتوجه إلى الكعبة قال أبو بكر وقوله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ ~~ليس بمنسوخ عندنا بل هو مستعمل الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير جهة ~~الكعبة وفي الخائف وفي الصلاة على الراحلة وقد روى ابن عمر وعامر بن ربيعة ~~أنها نزلت في المجتهد إذا تبين أنه صلى إلى غير جهة الكعبة وعن ابن عمر ~~أيضا أنه فيمن صلى على راحلته ومتى أمكننا استعمال الآية من غير إيجاب نسخ ~~لها لم يجز لنا الحكم بنسخها وقد تكلمنا في هذه المسئلة في الأصول بما يغني ~~ويكفي وفي هذه الآية حكم آخر وهو ما روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن ms0131 ~~مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو البيت المقدس فنزلت @QB@ ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قد أمرتم أن توجهوا وجوهكم شطر المسجد الحرام فحولت بنو سلمة وجوهها نحو ~~البيت وهم ركوع وقد روى عبدالعزيز بن مسلم عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر ~~قال بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم رجل فقال إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها ~~فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة وكان وجه الناس إلى الشام وروى إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن البراء قال لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بعد ~~نزول قوله تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء @QE@ مر رجل صلى مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على نفر من الأنصار وهم يصلون نحو بيت المقدس فقال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى إلى الكعبة فانحرفوا قبل أن يركعوا ~~وهم في صلاتهم قال أبو بكر وهذا خبر صحيح مستفيض في ايدي أهل العلم قد ~~تلقوه بالقبول فصار في حيز التواتر الموجب للعلم وهو أصل في المجتهد إذا ~~تبين له جهة القبلة في الصلاة أنه يتوجه إليها ولا يستقبلها وكذلك الأمة ~~إذا أعتقت في الصلاة أنها تأخذ قناعها وتبني وهو أصل في قبول خبر الواحد في ~~أمر الدين لأن الأنصار قبلت خبر الواحد المخبر لهم بذلك فاستداروا إلى ~~الكعبة بالنداء في تحويل القبلة ومن جهة أخرى أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~المنادي بالنداء وجه ولا فائدة فإن قال قائل من أصلكم أن ما يثبت من طريق ~~يوجب العلم لا يجوز قبول خبر الواحد في رفعه وقد كان القوم متوجهين إلى بيت ~~المقدس بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عليه ثم تركوه إلى غيره ~~بخبر الواحد قيل له لأنهم لم يكونوا على يقين PageV01P107 من بقاء الحكم ~~الأول بعد غيبتهم عن حضرته لتجويزهم ورود النسخ فكانوا في ms0132 بقاء الحكم الأول ~~على غالب الظن دون اليقين فلذلك قبلوا خبر الواحد في رفعه فإن قال قائل هلا ~~أجزتم للمتيمم البناء على صلاته إذا وجد الماء كما بنى هؤلاء عليها بعد ~~تحويل القبلة قيل له هو مفارق لما ذكرت من قبل أن تجويز البناء للمتيمم لا ~~يوجب عليه الوضوء ويجيز له البناء بالتييم مع وجود الماء والقوم حين بلغهم ~~تحويل القبلة استداروا إليها ولم يبقوا على الجهة التي كانوا متوجهين إليها ~~فنظير القبلة أن يؤمر المتيمم بالوضوء والبناء ولا خلاف ان المتيمم إذا ~~لزمه الوضوء لم يجز البناء عليه ومن جهة أخرى أن أصل الفرض للمتيمم إنما هو ~~الطهارة بالماء والتراب بدل منه فإذا وجد الماء عاد إلى أصل فرضه كالماسح ~~على الخفين إذا خرج وقت مسحه فلا يبني فكذلك المتيمم ولم يكن أصل فرض ~~المصلين إلى بيت المقدس حين دخلوا فيها الصلاة إلى الكعبة وإنما ذلك فرض ~~لزمهم في الحال وكذلك الأمة إذا أعتقت في الصلاة لم يكن عليها قبل ذلك فرض ~~الستر وإنما هو فرض لزمها في الحال فأشبهت الأنصار حين علمت بتحويل القبلة ~~وكذلك المجتهد فرضه التوجه إلى الجهة التي أداه إليها اجتهاده لا فرض عليه ~~غير ذلك بقوله @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ فإنما انتقل من فرض إلى ~~فرض ولم ينتقل من بدل إلى أصل الفرض وفي الآية حكم آخر وهو أن فعل الأنصار ~~في ذلك على ما وصفنا أصل في أن الأوامر والزواجر إنما يتعلق أحكامها بالعلم ~~ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن عليه صلاة ثم ~~خرج إلى دار الإسلام أنه لا قضاء عليه فيما ترك لأن ذلك يلزم من طريق السمع ~~ومالم يعلمه لا يتعلق عليه حكمه كما لم يتعلق حكم التحويل على الأنصار قبل ~~بلوغهم الخبر وهو أصل في أن الوكالات والمضاربات ونحوهما من أوامر العباد ~~لا ينسخ شيء منها إذا فسخها من له الفسخ إلا من بعد علم الآخر بها وذلك لا ~~يتعلق حكم الأمر ms0133 بها على من لم يبلغه ولذلك قالوا لا يجوز تصرف الوكيل قبل ~~العلم بالقبلة بالوكالة والله أعلم بالصواب # | باب القول في صحة الإجماع # قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ~~قال أهل اللغة الوسط العدل وهو الذي بين المقصر والغالي وقيل هو الخيار ~~والمعنى واحد لأن العدل هو الخيار قال زهير PageV01P108 % هم وسط يرضى ~~الأنام بحكمهم % إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم % # | وقوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ معناه كي تكونوا ولأن ~~تكونوا كذلك وقيل في الشهداء أنهم يشهدون على الناس بأعمالهم التي خالفوا ~~الحق فيها في الدنيا والآخرة كقوله تعالى @QB@ وجيء بالنبيين والشهداء @QE@ ~~وقيل فيه أنهم يشهدون للأنبياء عليهم السلام على أممهم المكذبين بأنهم قد ~~بلغوهم لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وقيل لتكونوا حجة فيما ~~تشهدون كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد بمعنى حجة دون كل واحد منها ~~قال أبو بكر وكل هذه المعاني يحتملها اللفظ وجائز أن يكون بأجمعها مراد ~~الله تعالى فيشهدون على الناس بأعمالهم في الدنيا والآخرة ويشهدون للأنبياء ~~عليهم السلام على أممهم بالتكذيب لإخبار الله تعالى إياهم بذلك وهم مع ذلك ~~حجة على من جاء بعدهم في نقل الشريعة وفيما حكموا به واعتقدوه من أحكام ~~الله تعالى وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجهين أحدهما وصفه ~~إياها بالعدالة وأنها خيار وذلك يقتضي تصديقها والحكم بصحة قولها وناف ~~لإجماعها على الضلال والوجه الآخر قوله @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ~~بمعنى الحجة عليهم كما أن الرسول لما كان حجة عليهم وصفه بأنه شهيد عليهم ~~ولما جعلهم الله تعالى شهداء على غيرهم فقد حكم لهم بالعدالة وقبول القول ~~لأن شهداء الله تعالى لا يكونون كفارا ولا ضلالا فاقتضت الآية أن يكونوا ~~شهداء في الآخرة على من شاهدوا في كل عصر بأعمالهم دون من مات قبل زمنهم ~~كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهيدا على من كان في عصره هذا إذا أريد ~~بالشهادة عليهم بأعمالهم في الآخرة فأما إذا أريد ms0134 بالشهادة الحجة فذلك حجة ~~على من شاهدوهم من أهل العصر الثاني وعلى من جاء بعدهم إلى يوم القيامة كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم حجة على جميع الأمة أولها وآخرها ولأن حجة ~~الله إذا ثبتت في وقت فهي ثابتة أبدا ويدلك على فرق ما بين الشهادة على ~~الأعمال في الآخرة والشهادة التي هي الحجة قوله تعالى @QB@ فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ لما أراد الشهادة على ~~أعمالهم خص أهل عصره ومن شاهده بها وكما قال تعالى حاكيا عن عيسى صلوات ~~الله عليه وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ~~فتبين أن الشهادة بالأعمال إنما هي مخصوصة بحال الشهادة وأما الشهادة التي ~~هي الحجة فلا تختص بها أول الأمة وآخرها في كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~حجة عليهم كذلك أهل كل عصر لما كانوا شهداء الله من PageV01P109 طريق الحجة ~~وجب أن يكونوا حجة على أهل عصرهم الداخلين معهم في إجماعهم وعلى من بعدهم ~~من سائر أهل الأعصار فهو يدل على أن أهل عصر إذا أجمعوا على شيء ثم خرج ~~بعضهم عن إجماعهم أنه محجوج بالإجماع المتقدم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد شهد لهذه الجماعة بصحة قولها وجعلها حجة ودليلا فالخارج عنها بعد ذلك ~~تارك لحكم دليله وحجته إذ غير جائز وجود دليل الله تعالى عاريا عن مدلوله ~~ويستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيترك حكمه من طريق النسخ ~~فدل ذلك على أن الإجماع في أي حال حصل من الأمة فهو حجة الله عز وجل غير ~~سائغ لأحد تركه ولا الخروج عنه ومن حيث دلت الآية على صحة إجماع الصدر ~~الأول فهي دالة على صحة إجماع أهل الأعصار إذا لم يخصص بذلك أهل عصر دون ~~عصر ولو جاز الإقتصار بحكم الآية على إجماع الصدر الأول دون أهل سائر ~~الأعصار لجاز الإقتصار به على إجماع أهل سائر الأعصار دون الصدر الأول فإن ~~قال قائل لما ms0135 قال @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ فوجه الخطاب إلى ~~الموجودين في حال نزوله دل ذلك على أنهم هم المخصوصون به دون غيرهم فلا ~~يدخلون في حكمهم إلا بدلالة قيل له هذا غلط لأن قوله تعالى @QB@ وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا @QE@ هو خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها من كان منهم ~~موجودا في وقت نزول الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة كما أن قوله تعالى ~~@QB@ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ وقوله @QB@ كتب ~~عليكم القصاص @QE@ ونحو ذلك من الآي خطاب لجميع الأمة كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا إلى جميعها من كان منهم موجودا في عصره ومن جاء بعده ~~قال الله تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا وقال تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ وما أحسب ~~مسلما يستجيز إطلاق القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مبعوثا إلى ~~جميع الأمة أولها وآخرها وأنه لم يكن حجة عليها وشاهدا وأنه لم يكن رحمة ~~لكافتها فإن قال قائل لما قال الله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ ~~واسم الأمة يتناول الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء ~~بعدهم إلى قيام الساعة فإنما حكم لجماعتها بالعدالة وقبول الشهادة وليس فيه ~~حكم لأهل عصر واحد بالعدالة وقبول الشهادة فمن أين حكمت لأهل كل عصر ~~بالعدالة حتى جعلتهم حجة على من بعدهم قيل له لما جعل من حكم له بالعدالة ~~حجة على غيره فيما يخبر به أو يعتقده من أحكام الله تعالى وكان معلوما أن ~~ذلك صفة قد حصلت له في الدنيا وأخبر PageV01P110 تعالى بأنهم شهداء على ~~الناس فلو اعتبر أول الأمة وآخرها في كونها حجة له عليهم لعلمنا أن المراد ~~أهل كل عصر لأن أهل كل عصر يجوز أن يسموا أمة إذ كانت الأمة اسما للجماعة ~~التي تؤم جهة واحدة وأهل كل عصر على حيالهم يتناولهم هذا الإسم وليس يمنع ~~إطلاق لفظ الأمة والمراد أهل عصر ألا ترى أنك تقول أجمعت الأمة ms0136 على تحريم ~~الله تعالى الأمهات والأخوات ونقلت الأمة والقرآن ويكون ذلك إطلاقا صحيحا ~~قيل إن يوجد آخر القوم فثبت بذلك أن مراد الله تعالى بذلك أهل كل عصر وأيضا ~~فإنما قال الله تعالى @QB@ جعلناكم أمة وسطا @QE@ فعبر عنهم بلفظ منكر حين ~~وصفهم بهذه الصفة وجعلهم حجة وهذا يقتضي أهل كل عصر إذ كان قوله جعلناكم ~~خطابا للجميع والصفة لاحقة بكل أمة من المخاطبين ألا ترى إلى قوله @QB@ ومن ~~قوم موسى أمة يهدون بالحق @QE@ وجميع قوم موسى أمة له وسمى بعضهم على ~~الإنفراد امة لما وصفهم بما وصفهم به فثبت بذلك أن أهل كل عصر جائز أن ~~يسموا أمة وإن كان الإسم قد يلحق أول الأمة وآخرها وفي الآية دلالة على أن ~~من ظهر كفره نحو المشبهة ومن صرح بالجبر وعرف ذلك منه لا يعتد به في ~~الإجماع وكذلك من ظهر فسقه لا يعتد به في الإجماع من نحو الخوارج والروافض ~~وسواء من فسق من طريق الفعل أو من طريق الإعتقاد لأن الله تعالى إنما جعل ~~الشهداء من وصفهم بالعدالة والخير وهذه الصفة لا تلحق الكفار ولا الفساق ~~ولا يختلف في ذلك حكم من فسق أو كفر بالتأويل أو برد النص إذ الجميع شملهم ~~صفة الذم ولا يلحقهم صفة العدالة بحال والله أعلم # باب استقبال القبلة $ # قال الله تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ~~@QE@ قيل أن التقلب هو التحول وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقلب ~~وجهه في السماء لأنه كان وعد بالتحويل إلى الكعبة فكان منتظرا لنزول الوحي ~~به وكان يسأل الله ذلك فأذن الله تعالى له فيه لأن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم لا يسئلون الله بعد الإذن لأنهم لا يأمنون أن لا يكون فيه صلاح ولا ~~يجيبهم الله فيكون فتنة على قومه فهذا هو معنى تقلب وجهه في السماء وقد قيل ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يحوله الله تعالى إلى الكعبة ~~مخالفة لليهود وتميزا منهم ويروى ذلك عن ms0137 مجاهد وقال ابن عباس أحب ذلك لأنها ~~قبلة إبراهيم عليه السلام PageV01P111 وقيل أنه أحب ذلك استدعاء للعرب إلى ~~الإيمان وهو معنى قوله @QB@ فلنولينك قبلة ترضاها @QE@ وقوله @QB@ فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام @QE@ فإن أهل اللغة قد قالوا إن الشطر اسم مشترك يقع على ~~معنيين أحدهما النصف يقال شطرت الشيء أي جعلته نصفين ويقولون في مثل لهم ~~أحلب حلبا لك شطره أي نصفه والثاني نحوه وتلقاؤه ولا خلاف أن مراد الآية هو ~~المعنى الثاني قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس ولا يجوز ~~أن يكون المراد المعنى الأول إذ ليس من قول أحد أن عليه استقبال نصف المسجد ~~الحرام واتفق المسلمون لو أنه صلى إلى جانب منه أجزأه وفيه دلالة على أنه ~~لو أتى ناحية من البيت فتوجه إليها في صلاته أجزأه لأنه متوجه شطره ونحوه ~~وإنما ذكر الله تعالى التوجه إلى ناحية المسجد الحرام ومراده البيت نفسه ~~لأنه لا خلاف أنه من كان بمكة فتوجه في صلاته نحو المسجد أنه لا يجزيه إذا ~~لم يكن محاذيا للبيت وقوله تعالى @QB@ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره @QE@ ~~خطاب لمن كان معاينا للكعبة ولمن كان غائبا عنها والمراد لمن كان حاضرها ~~إصابة عينها ولمن كان غائبا عنها النحو الذي هو عنده أنه نحو الكعبة وجهتها ~~في غالب ظنه لأنه معلوم أنه لم يكلف إصابة العين إذ لا سبيل له إليها وقال ~~تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ فمن لم يجد سبيلا إلى إصابة ~~عين الكعبة لم يكلفها فعلمنا أنه إنما هو مكلف ما هو في غالب ظنه أنه جهتها ~~ونحوها دون المغيب عند الله تعالى وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث وأن كل واحد من المجتهدين فإنما كلف ما يؤديه ~~إليه اجتهاده ويستولي على ظنه ويدل أيضا على أن للمشتبه من الحوادث حقيقة ~~مطلوبة كما أن القبلة حقيقة مطلوبة بالاجتهاد والتحري ولذلك صح تكليف ~~الاجتهاد في طلبها كما صح تكليف طلب القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة لو ms0138 لم ~~يكن هناك قبلة رأسا لما صح تكليفنا طلبها قوله تعالى @QB@ ولكل وجهة هو ~~موليها @QE@ الوجهة قيل فيها قبلة روي ذلك عن مجاهد وقال الحسن طريقة وهو ~~ما شرع الله تعالى من الإسلام وروي عن ابن عباس ومجاهد والسدي لأهل كل ملة ~~من اليهود والنصارى وجهة وقال الحسن لكل نبي فالوجهة واحدة وهي الإسلام وإن ~~اختلفت الأحكام كقوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ قال ~~قتادة هو صلاتهم إلى البيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة وقيل فيه لكل قوم من ~~المسلمين من أهل سائر الآفاق التي جهات الكعبة وراءها أو قدامها أو عن ~~PageV01P112 يمينها أو عن شمالها كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها بأولى أن ~~تكون قبلة من غيرها وقد روي أن عبدالله بن عمر كان جالسا بإزاء الميزاب ~~فتلا قوله تعالى @QB@ فلنولينك قبلة ترضاها @QE@ قال هذه القبلة فمن الناس ~~من يظن عنى الميزاب وليس كذلك لأنه إنما أشار إلى الكعبة ولم يرد به تخصيص ~~جهة الميزاب دون غيرها وكيف يكون ذلك مع قوله تعالى @QB@ واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى @QE@ وقوله تعالى @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ مع ~~اتفاق المسلمين على أن سائر جهات الكعبة قبلة لموليها وقوله تعالى ولكل ~~وجهة هو موليها يدل على أن الذي كلف به من غاب عن حضرة الكعبة إنما هو ~~التوجه إلى جهتها في غالب ظنه لا إصابة محاذاتها غير زائل عنها إذ لا سبيل ~~له إلى ذلك وإذ غير جائز أن يكون جميع من غاب عن حضرتها محاذيا لها وقوله ~~تعالى فاستبقوا الخيرات يعني والله أعلم المبادرة والمسارعة إلى الطعات ~~وهذا يحتج به في أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها مالم تقم الدلالة على ~~فضيلة التأخير نحو تعجيل الصلوات في أول أوقاتها وتعجيل الزكاة والحج وسائر ~~الفروض بعد حضور وقتها ووجود سببها ويحتج به بأن الأمر على الفور وأن جواز ~~التأخير يحتاج إلى دلالة وذلك أن الأمر إذا كان غير موقت فلا محالة عند ~~الجميع أن فعله على الفور من الخيرات فوجب بمضمون ms0139 قوله تعالى فاستبقوا ~~الخيرات إيجاب تعجيله لأنه أمر يقتضي الوجوب قوله تعالى لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم من الناس من يحتج به في الاستثناء من غير ~~جنسه وقد اختلف أهل اللغة في معناه فقال بعضهم هو استثناء منقطع ومعناه لكن ~~الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعون موضع الحجة وهو كقوله تعالى @QB@ ~~ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ معناه لكن اتباع الظن قال النابغة % ~~ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % بهن فلول من قراع الكتائب % # | معناه لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب وقيل فيه أنه أراد بالحجة المحاجة ~~والمجادلة فقال لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجونكم ~~بالباطل وقال أبو عبيدة إلا ههنا بمعنى الواو وكأنه قال لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة ولا الذين ظلموا وأنكر ذلك الفراء وأكثر أهل اللغة قال الفراء لا ~~تجيء إلا بمعنى الواو إلا إذا تقدم استثناء كقول الشاعر PageV01P113 % ما ~~بالمدينة دار غير واحدة % دار الخليفة إلا دار مروان % # كأنه قال بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان وقال قطرب معناه لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا وأنكر هذا بعض النحاة # | باب وجوب ذكر الله تعالى # قوله تعالى @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ قد تضمن الأمر بذكر الله تعالى ~~وذكرنا إياه على وجوه وقد روي فيه أقاويل عن السلف قيل فيه اذكروني بطاعتي ~~أذكركم برحمتي وقيل فيه اذكروني بالثناء بالنعمة أذكركم بالثناء بالطاعة ~~وقيل اذكروني بالشكر أذكركم بالثواب وقيل فيه اذكروني بالدعاء أذكركم ~~بالإجابة واللفظ محتمل لهذه المعاني وجميعها مراد الله تعالى لشمول اللفظ ~~واحتماله إياه فإن قيل لا يجوز أن يكون الجميع مراد الله تعالى بلفظ واحد ~~لأنه لفظ مشترك لمعان مختلفة قيل له ليس كذلك لأن جميع وجوه الذكر على ~~اختلافها راجعة إلى معنى واحد فهو كاسم الإنسان يتناول الأنثى والذكر ~~والأخوة تتناول الأخوة المتفرقين وكذلك الشركة ونحوها وإن وقع على معان ~~مختلفة فإن الوجه الذي سمى به الجميع معنى واحد وكذلك ذكر الله تعالى لما ms0140 ~~كان المعنى فيه طاعته والطاعة تارة بالذكر باللسان وتارة بالعمل بالجوارح ~~وتارة باعتقاد القلب وتارة بالفكر في دلائله وحججه وتارة في عظمته وتارة ~~بدعائه ومسئلته جاز إرادة الجميع بلفظ واحد كلفظ الطاعة نفسها جاز أن يراد ~~بها جميع الطاعات على اختلافها إذا ورد الأمر بها مطلقا نحو قوله تعالى ~~@QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ وكالمعصية يجوز أن يتناول جميعها لفظ ~~النهي فقوله @QB@ فاذكروني @QE@ قد تضمن الأمر بسائر وجوه الذكر منها سائر ~~وجوه طاعته وهو أعم الذكر ومنها ذكره باللسان على وجه التعظيم والثناء عليه ~~والذكر على وجه الشكر والاعتراف بنعمه ومنها ذكره بدعاء الناس إليه ~~والتنبيه على دلائله وحججه ووحدانيته وحكمته وذكره بالفكر في دلائله وآياته ~~وقدرته وعظمته وهذا أفضل الذكر وسائر وجوه الذكر مبنية عليه وتابعة له وبه ~~يصح معناها لأن اليقين والطمأنينة به تكون قال الله تعالى @QB@ ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب @QE@ يعني والله أعلم ذكر القلب الذي هو الفكر في دلائل ~~الله تعالى وحججه وآياته وبيناته وكلما ازددت فيها فكرا ازددت طمأنينة ~~وسكونا وهذا هو أفضل الذكر لأن سائر الأذكار إنما يصح ويثبت حكمها بثبوته ~~وقد PageV01P114 روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( خير الذكر ~~الخفي ) حدثنا ابن قانع قال حدثنا عبدالملك بن محمد قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا يحيى عن أسامة بن زيد عن محمد عن عبدالرحمن عن سعد بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة @QE@ عقيب قوله ~~فاذكروني أذكركم يدل على أن الصبر وفعل الصلاة لطف في التمسك بما في العقول ~~من لزوم ذكر الله تعالى الذي هو الفكر في دلائله وحججه وقدرته وعظمته وهو ~~مثل قوله تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ ثم عقبه بقوله ~~ولذكر الله أكبر والله أعلم أن ذكر الله تعالى بقلوبكم وهو التفكفر في ~~دلائله أكبر من فعل الصلاة وإنما هو معونة ولطف في التسمك بهذا الذكر ~~وإدامته قوله ms0141 تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ~~لا تشعرون فيه إخبار بإحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم ولا يجوز أن يكون ~~المراد أنهم سيحيون يوم القيامة لأنه لو كان هذا مراده لما قال ولكن لا ~~تشعرون لأن قوله ولكن لا تشعرون إخبار بفقد علمنا بحياتهم بعد الموت ولو ~~كان المراد الحياة يوم القيامة لكان المؤمنون قد شعروا به وعرفوه قبل ذلك ~~فثبت أن المراد الحياة الحادثة بعد موتهم قبل يوم القيامة وإذا جاز أن يكون ~~المؤمنون قد أحيوا في قبورهم قبل يوم القيامة وهم منعمون فيها جاز أن يحيا ~~الكفار في قبورهم فليعذبوا وهذا يبطل قول من ينكر عذاب القبر فإن قيل لما ~~كان المؤمنون كلهم منعمين بعد الموت فكيف خص المقتولين في سبيل الله قيل له ~~جائز أن يكون اختصهم بالذكر تشريفا لهم على جهة تقديم البشارة بذكر حالهم ~~ثم بين بعد ذلك ما يختصون به في آية أخرى وهو قوله تعالى @QB@ أحياء عند ~~ربهم يرزقون @QE@ فإن قيل كيف يجوز أن يكونوا أحياء ونحن نراهم رميما في ~~القبور بعد مرور الأزمان عليهم قيل له الناس في هذا على قولين منهم من يجعل ~~الإنسان هو الروح وهو جسم لطيف والنعيم والبؤس إنما هما له دون الجثة ومنهم ~~من يقول إن الإنسان هذا الجسم الكثيف المشاهد فهو يقول إن الله تعالى يلطف ~~أجزاء منه بمقدار ما تقوم به البنية الحيوانية ويوصل النعيم إليه وتكون تلك ~~الأجزاء اللطيفة بحيث يشاء الله تعالى أن تكون تعذب أو تنعم على حسب ما ~~يستحقه ثم يفنيه الله تعالى كما يفني سائر الخلق قبل يوم القيامة ثم يحييه ~~يوم القيامة للحشر وقد حدثنا أبو القاسم عبدالله بن محمد PageV01P115 ابن ~~إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن يحيى بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( نسمة المسلم طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها إلى جسده ) ~~قوله ms0142 تعالى @QB@ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وأولئك هم المهتدون @QE@ روي عن عطاء ~~والربيع وأنس بن مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد الهجرة قال أبو بكر جائز والله أعلم أن يكون قدم إليهم ذكر ما علم ~~أنه يصيبهم في الله من هذه البلايا والشدائد المعنيين أحدهما ليوطنوا ~~أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد من الجزع وأسهل عليهم بعد ~~الورود والثاني ما يتعجلون به من ثواب توطن النفس قوله تعالى @QB@ وبشر ~~الصابرين @QE@ يعني والله أعلم على ما قدم ذكره من الشدائد وقوله تعالى ~~@QB@ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون @QE@ يعني ~~إقرارهم في تلك الحال بالعبودية والملك له وأن له أن يبتليهم بما يشاء ~~تعريضا منه لثواب الصبر واستصلاحا لهم لما هو أعلم به إذ هو تعالى غير متهم ~~في فعل الخير والصلاح إذ كانت أفعاله كلها حكمة ففي إقرارهم بالعبودية ~~تفويض الأمر إليه ورضى بقضائه فيما يبتليهم به إذ لا يقضي إلا بالحق كما ~~قال تعالى @QB@ والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء @QE@ ~~وقال عبدالله بن مسعود لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه ~~الله تعالى ليته لم يكن وقوله تعالى إنا لله وإنا إليه راجعون إقرار بالبعث ~~والنشور واعتراف بأن الله تعالى سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم فلا ~~يضيع عنده أجر المحسنين ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه ~~الشدائد في طاعة الله تعالى فقال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة يعني ~~الثناء الجميل والبركات والرحمة وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله ~~تعالى كقوله في آية أخرى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ومن المصائب ~~والشدائد المذكورة في الآية ما هو من فعل المشركين بهم ومنها ما هو من فعل ~~الله تعالى فأما ما كان ms0143 من فعل المشركين فهو أن العرب كلها كانت قد اجتمعت ~~على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم غير ما كان بالمدينة من المهاجرين ~~والأنصار وكان خوفهم من قبل هؤلاء لقلة المسلمين وكثرتهم وأما الجوع فلقلة ~~ذات اليد والفقر الذي نالهم وجائز أن يكون الفقر تارة من الله تعالى ~~PageV01P116 بأن يفقرهم بتلف أموالهم وجائز أن يكون من قبل العدو بأن ~~يغلبوا عليه فيتلف @QB@ ونقص من الأموال والأنفس والثمرات @QE@ يحتمل ~~الوجهين جميعا لأن النقص من الأموال جائز أن يكون سببه العدو وكذلك الثمرات ~~لشغلهم إياهم بقتالهم عن عمارة أراضيهم وجائز أن يكون من فعل الله تعالى ~~بالجوائح التي تصيب الأموال والثمار ونقص الأنفس جائز أن يكون المراد به من ~~يقتل منهم في الحرب وأن يريد به من يميته الله منهم من غير قتل فأما الصبر ~~على ما كان من فعل الله فهو التسليم والرضا بما فعله والعلم بأنه لا يفعل ~~إلا الصلاح والحسن وما هو خير لهم وأنه ما منعهم إلا ليعطيهم وأن منعه ~~إياهم إعطاء منه لهم وأما ما كان من فعل العدو فإن المراد به الصبر على ~~جهادهم وعلى الثبات على دين الله تعالى ولا ينكلون عن الحرب ولا يزولون عن ~~طاعة الله بما يصيبهم من ذلك ولا يجوز أن يريد بالابتلاء ما كان منهم من ~~فعل المشركين لأن الله تعالى لا يبتلي أحدا بالظلم والكفر ولا يريده ولا ~~يوجب الرضا به ولو كان الله تعالى يبتلي بالظلم والكفر لوجب الرضا به كما ~~رضيه بزعمهم حين فعله والله يتعالى عن ذلك وقد تضمنت الآية مدح الصابرين ~~على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على الوجوه التي ذكر والوعد بالثواب والثناء ~~الجميل والنفع العظيم لهم في الدنيا والدين فأما في الدنيا فما يحصل له به ~~من الثناء الجميل والمحل الجليل في نفوس المؤمنين لائتماره لأمر الله تعالى ~~ولأن في الفكر في ذلك تسلية عن الهم ونفي الجزع الذي ربما أدى إلى ضرر في ~~النفس وإلى إتلافها في حال ما يعقبه ذلك في الدنيا ms0144 من محمود العاقبة وأما ~~في الآخرة فهو الثواب الجزيل الذي لا يعلم مقداره إلا الله قال أبو بكر وقد ~~اشتملت هذه الآية على حكمين فرض ونفل فأما الفرض فهو التسليم لأمر الله ~~والرضا بقضاء الله والصبر على أداء فرائضه لا يثنيه عنها مصائب الدنيا ولا ~~شدائدها وأما النفل فإظهار القول بإنا لله وإنا إليه راجعون فإن في إظهاره ~~فوائد جزيلة منها فعل ما ندب الله إليه ووعده الثواب عليه ومنها أن غيره ~~يقتدي به إذا سمعه ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله ~~تعالى والثبات على طاعته ومجاهدة أعدائه ويحكى عن داود الطائي قال الزاهد ~~في الدنيا لا يحب البقاء فيها وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي ~~للمسلم أن يحزن للمصيبة لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثوابا والله تعالى أعلم ~~بالصواب PageV01P117 # | باب السعي بين الصفا والمروة # قال الله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما @QE@ روي عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة ~~قال قرأت عند عائشة رضي الله تعالى عنها إن الصفا والمروة من شعائر الله ~~فقلت لا أبالي أن لا أفعل قالت بئسما قلت يا ابن أختي قد طاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة إنما كان من أهل لمناة الطاغية لا ~~يطوف بهما فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بهما حتى نزلت هذه الآية فطاف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت سنة قال فذكرت ذلك لأبي بكر بن ~~عبدالرحمن فقال إن هذا العلم ولقد كان رجال من أهل العلم يقولون إنما سأل ~~عن هذا الرجال الذين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة فأحسبها نزلت في ~~الفريقين وروي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله @QE@ قال كان على الصفا تماثيل وأصنام وكان المسلمون لا ~~يطوفون عليها لأجل الأصنام والتماثيل فأنزل الله تعالى @QB@ فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما @QE@ قال أبو بكر كان السبب ms0145 في نزول هذه الآية عند عائشة سؤال ~~من كان لا يطوف بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة وعلى ما ذكر ابن عباس ~~وأبو بكر بن عبدالرحمن أن ذلك كان لسؤال من كان يطوف بين الصفا والمروة وقد ~~كان عليهما الأصنام فتجنب الناس الطواف بهما بعد الإسلام وجائز أن يكون سبب ~~نزول هذه الآية سؤال الفريقين وقد اختلف في السعي بينهما فروى هشام بن عروة ~~عن أبيه وأيوب عن ابن أبي مليكة جميعا عن عائشة قالت ما أتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لامرئ حجة ولا عمرة مالم يطف بين الصفا والمروة وذكر أبو ~~الطفيل عن ابن عباس أن السعي بينهما سنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ~~وروى عاصم الأحول عن أنس قال كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت ~~هذه الآية والطواف بينهما تطوع وروي عن عطاء عن ابن الزبير قال من شاء لم ~~يطف بين الصفا والمروة وروي عن عطاء ومجاهد أن من تركه فلا شيء عليه وقد ~~اختلف فقهاء الأمصار في ذلك فقال أصحابنا والثوري ومالك أنه واجب في الحج ~~والعمرة وتركه يجزي عنه الدم وقال الشافعي لا يجزي عنه الدم إذا تركه وعليه ~~أن يرجع فيطوف قال أبو بكر هو عند أصحابنا من توابع الحج يجزي عنه الدم لمن ~~رجع إلى أهله مثل الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار وطواف الصدر والدليل على ~~أنه ليس من فروضه قوله عليه السلام PageV01P118 في حديث الشعبي عن عروة بن ~~مضرس الطائي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت يا رسول ~~الله جئت من جبل طي ما تركت جبلا إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال صلى الله ~~عليه وسلم من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ~~ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه فهذا القول منه صلى الله عليه وسلم ~~ينفي كون السعي بين الصفا والمروة فرضا في الحج من وجهين أحدهما إخباره ~~بتمام حجته وليس فيه ms0146 السعي بينهما والثاني أن ذلك لو كان من فروضه لبينه ~~للسائل لعلمه بجهله بالحكم فإن قيل لم يذكر طواف الزيارة مع كونه من فروضه ~~قيل له ظاهر اللفظ يقتضي ذلك وإنما أثبتناه فرضا بدلالة فإن قيل فهذا يوجب ~~أن لا يكون مسنونا ويكون تطوعا كما روي عن أنس وابن الزبير قيل له كذلك ~~يقتضي ظاهر اللفظ وإنما أثبتناه مسنونا في توابع الحج بدلالة ومما يحتج به ~~لوجوبه أن فرض الحج مجمل في كتاب الله لأن الحج في اللغة القصد قال الشاعر ~~يحج مأمومة في قعرها لجف يعني أنه يقصد ثم نقل في الشرع إلى معان أخر لم ~~يكن اسما موضوعا لها في اللغة وهو مجمل مفتقر إلى البيان فمهما ورد من فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان للمراد بالجملة وفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب فلما سعى بينهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ذلك دلالة الوجوب حتى تقوم دلالة الندب ومن جهة أخرى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خذوا عني مناسككم ) وذلك أمر يقتضي إيجاب ~~الاقتداء به في سائر أفعال المناسك فوجب الاقتداء به في السعي بينهما وقد ~~روى طارق بن شهاب عن أبي موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو بالبطحاء فقال بم أهللت فقلت أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال أحسنت طف بالبيت والصفا والمروة ثم أحل فأمره بالسعي بينهما وهذا أمر ~~يقتضي الإيجاب وقد روي فيه حديث مضطرب السند والمتن جميعا مجهول الراوي وهو ~~ما رواه معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن أبي عبيد عن صفية بنت شيبة ~~عن امرأة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة ( يقول كتب ~~عليكم السعي فاسعوا ) فذكرت في هذا الحديث أنها سمعته يقول ذلك بين الصفا ~~والمروة ولم تذكر اسم الرواية وقد روى محمد بن عبدالرحمن بن محيصن عن عطاء ~~بن أبي رباح قال حدثتني صفية بنت شيبة ms0147 عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبي ~~تجزءة قالت دخلت دار أبي حسين ومعي نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يطوف بالبيت حتى أن ثوبه ليدور به وهو يقول لأصحابه ( اسعوا فإن الله تعالى ~~قد كتب عليكم السعي ) PageV01P119 فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك وهو في الطواف فظاهر ذلك يقتضي أن يكون مراده السعي في ~~الطواف وهو الرمل والطواف نفسه لأن المشي يسمى سعيا قال الله تعالى @QB@ ~~فاسعوا إلى ذكر الله @QE@ وليس المراد إسراع المشي وإنما هو المصير إليه ~~والخبر الأول الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو يسعى ~~بين الصفا والمروة لا دلالة فيه على أنه أراد السعي بينهما إذ جائز أن يكون ~~مراد الطواف بالبيت والرمل فيه وهو سعي لأنه إسراع المشي وأيضا فإن ظاهره ~~يقتضي جواز أي سعي كان وهو إذا رمل فقد سعى ووجوب التكرار لا دلالة عليه ~~فالإخبار الأول التي ذكرناها دالة على وجوب السعي لأنه سنة لا ينبغي تركها ~~ولا دلالة فيها على أن من تركها لا ينوب عنه دم والدليل على أن الدم ينوب ~~عنه لمن تركه حتى يرجع إلى أهله اتفاق السلف على جواز السعي بعد الإحلال من ~~جميع الإحرام كما يصح الرمي وطواف الصدر فوجب أن ينوب عنه الدم كما ناب عن ~~الرمي وطواف الصدر فإن قيل طواف الزيارة يفعل بعد الإحلال ولا ينوب عنه ~~الدم قيل له ليس كذلك لأن بقاء طواف الزيارة يوجب كونه محرما عن النساء ~~وإذا طاف فقد حل له كل شيء بلا خلاف بين الفقهاء وليس لبقاء السعي تأثير في ~~بقاء شيء من الإحرام كالرمي وطواف الصدر فإن قال قائل فإن الشافعي يقول إذا ~~طاف للزيارة لم يحل من النساء وكان حراما حتى يسعى بالصفا والمروة قيل له ~~قد اتفق الصدر الأول من التابعين والسلف بعدهم أنه يحل بالطواف بالبيت ~~لأنهم على ثلاثة أقاويل بعد الحلق فقال قائلون هو محرم من اللباس والصيد ms0148 ~~والطيب حتى يطوف بالبيت وقال عمر بن الخطاب هو محرم من النساء والطيب وقال ~~ابن عمر وغيره هو محرم من النساء حتى يطوف فقد اتفق السلف على أنه يحل من ~~النساء بالطواف بالبيت دون السعي بين الصفا والمروة وأيضا فإن السعي بينهما ~~لا يفعل إلا تبعا للطواف ألا ترى أن من لا طواف عليه لا سعي عليه وأنه لا ~~يتطوع بالسعي بينهما كما لا يتطوع بالرمي فدل على أنه من توابع الحج ~~والعمرة فإن قيل الوقوف بعرفة لا يفعل إلا بعد الإحرام وطواف الزيارة لا ~~يفعل إلا بعد الوقوف وهما من فروض الحج قيل له لم نقل أن من لا يفعل إلا ~~بعد غيره فهو تبع فيلزمنا ما ذكرت وإنما قلنا مالا يفعل إلا على وجه التبع ~~لأفعال الحج أو العمرة فهو تابع ليس بفرض فأما الوقوف بعرفة فإنه غير مفعول ~~على وجه التبع لغيره بل يفعل منفردا PageV01P120 بنفسه ولكن من شروطه شيئان ~~الإحرام والوقت وما كان شرطه الإحرام أو الوقت فلا دلالة على أنه مفعول على ~~وجه التبع وكذلك ما تعلق جوازه بوقت دون غيره فلا دلالة فيه على أنه تبع ~~فرض غيره وطواف الزيارة إنما يتعلق جوازه بالوقت والوقوف بعرفة إنما يتعلق ~~جوازه بالإحرام والوقت ليس صحته موقوفة على وقوع فعل آخر غير الإحرام فليس ~~هو إذا تبعا لغيره وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه مع حضور وقته هو ~~موقوف على فعل آخر غيره وهو الطواف فدل على أنه من توابع الحج والعمرة وأنه ~~ليس بفرض فأشبه طواف الصدر لما كانت صحته موقوفة على طواف الزيارة كان تبعا ~~في الحج ينوب عن تركه دم وقوله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله ~~@QE@ قد دل على أنه قربة لأن الشعائر هي معالم للطاعات والقرب وهو مأخوذ من ~~الإشعار الذي هو الإعلام ومن ذلك قولك شعرت بكذا وكذا أي علمته ومنه إشعار ~~البدنة أي إعلامها للقربة وشعارالحرب علاماتها ا لتي يتعارفون بها فالشعائر ~~هي المعالم للقرب قال الله تعالى @QB@ ذلك ms0149 ومن يعظم شعائر الله فإنها من ~~تقوى القلوب @QE@ وشعائر الحج معالم نسكه ومنه المشعر الحرام فقد دلت الآية ~~بفحواها على أن السعي بينهما قربة إلى الله تعالى في قوله @QB@ من شعائر ~~الله @QE@ ثم قوله @QB@ فلا جناح عليه أن يطوف بهما @QE@ فقد أخبرت عائشة ~~وغيرها أنه خرج مخرج الجواب لمن سأل عنهما وأن ظاهر هذا اللفظ لم ينف إرادة ~~الوجوب وإن لم يدل عليه وقد قامت الدلالة من غير الآية على وجوبه وهو ما ~~قدمنا ذكره وقد اختلف أهل العلم في السعي في بطن الوادي وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيه أخبار مختلفة ومذهب أصحابنا أن السعي فيه مسنون لا ~~ينبغي تركه كالرمل في الطواف وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما تصوبت قدماه في الوادي سعى حتى خرج منه وروى سفيان ~~بن عيينة عن صدقة قال سئل ابن عمر أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمل بين ~~الصفا والمروة قال كان في الناس فرملوا ولا أراهم فعلوا إلا برمله وقال ~~نافع كان ابن عمر يسعى في بطن الوادي وروى مسروق أن عبدالله بن مسعود سعى ~~في بطن الوادي وروى عطاء عن ابن عباس قال من شاء يسعى بمسيل مكة ومن شاء لم ~~يسع وإنما يعني الرمل في بطن الوادي وروى سعيد بن جبير قال رأيت ابن عمر ~~يمشي بين الصفا والمروة وقال إن مشيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمشي وإن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى وروى عمرو ~~عن عطاء عن PageV01P121 ابن عباس قال إنما سعى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين الصفا والمروة ليري المشركين قوته فأتيت ابن عباس فقال سعى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي وذكر السبب الذي من أجله فعل ذلك وهو ~~إظهار الجلد والقوة للمشركين وتعلق فعله بهذا السبب لا يمنع كونه سنة مع ~~زواله على نحو ما ذكرنا في الرمل في الطواف فيما ms0150 تقدم وقد ذكرنا أن السبب ~~في رمي الجمار كان رمي إبراهيم عليه السلام إبليس لما عرض له بمنى وصار سنة ~~بعد ذلك وكذلك كان سبب الرمل في الوادي ان هاجر لما طلبت الماء لابنها ~~إسماعيل وجعلت تتردد بين الصفا والمروة فكانت إذا نزلت الوادي غاب الصبي عن ~~عينها فأسرعت المشي وروى أبو الطفيل عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام ~~لما علم المناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسبقه إبراهيم فكان ذلك سبب ~~سرعة المشي هناك وهو سنة كنظائره مما وصفنا والرمل في بطن الوادي في الطواف ~~بين الصفا والمروة مما قد نقلته الأمة قولا وفعلا ولم يختلف في أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعله وإنما اختلف في كونه مسنونا بعده وظهور نقله فعلا ~~إلى هذه الغاية دلالة على بقاء حكمه على ما قدمنا من الدلالة والله تعالى ~~أعلم # | باب طواف الراكب # قال أبو بكر قد اختلف في طواف الراكب بينهما فكره أصحابنا ذلك إلا من عذر ~~وذكر أبو الطفيل أنه قال لابن عباس إن قومك يزعمون أن الطواف بين الصفا ~~والمروة على الدابة سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فقال ~~صدقوا وكذبوا إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا يدفع ~~عنه أحد وليست بسنة وروى عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة ~~أنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشتكي فقال طوفي من وراء ~~الناس وأنت راكبة وكان عروة إذا رآهم يطوفون على الدواب نهاهم فيتعللون ~~بالمرض فيقول خاب هؤلاء وخسروا وروى ابن أبي مليكة عن عائشة قالت ما منعني ~~من الحج والعمرة إلا السعي بين الصفا والمرة وإني لأكره الركوب وروى عن ~~يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ~~وقد اشتكى فطاف على بعير ومعه محجن كلما مر على الحجر استلمه فلما فرغ من ~~طوافه أناخ فصلى ركعتين ولما ثبت من سنة ms0151 الطواف بهما السعي في بطن الوادي ~~على ما وصفنا وكان الراكب تاركا للسعي كان فعله خلاف السنة إلا أن يكون ~~معذورا على نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيجوز ~~PageV01P122 # فصل روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وذكر حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطوافه بالبيت إلى قوله فاستلم الحجر بعد الركعتين ثم خرج إلى الصفا حتى ~~بدا له البيت فقال نبدأ بما بدأ الله به يدل على أن لفظ الآية لا يقتضي ~~الترتيب إذ لو كان ذلك معقولا من الآية لم يحتج أن يقول نبدأ بما بدأ الله ~~به فإنما بدئ بالصفا قبل المروة لقوله صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ ~~الله به ونفعله كذلك مع قوله ( خذوا عني مناسككم ) ولا خلاف بين أهل العلم ~~أن المسنون على الترتيب أن يبدأ بالصفا قبل المروة فإن بدأ بالمروة قبل ~~الصفا لم يعتد بذلك في الرواية المشهورة عن أصحابنا وروي عن أبي حنيفة أنه ~~ينبغي له أن يعيد ذلك الشوط فإن لم يفعل فلا شيء عليه وجعله بمنزلة ترك ~~الترتيب في أعضاء الطهارة قوله تعالى @QB@ ومن تطوع خيرا @QE@ عقيب ذكر ~~الطواف بهما يحتج به من يراه تطوعا وذلك لأنه معلوم رجوع الكلام إلى ما ~~تقدم ذكره من الطواف بهما ومعلوم مع ذلك أن الطواف لا يتطوع به عند من يراه ~~واجبا في الحج والعمرة وعند من لا يراه في غيرهما فوجب أن يكون قوله @QB@ ~~ومن تطوع خيرا @QE@ إخبار بأن من فعله في الحج والعمرة فإنما يفعله تطوعا ~~إذ لم يبق موضع لفعله في غيرهما لا تطوعا ولا غيره وهذا لا دلالة فيه على ~~ما ذكروا لأنه جائز أن يكون المراد من تطوع بالحج والعمرة لتقدم ذكرهما في ~~الخطاب في قوله تعالى @QB@ فمن حج البيت أو اعتمر @QE@ # | باب في النهي عن كتمان العلم # قال الله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى @QE@ ~~الآية وقال في موضع آخر إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ms0152 الكتاب ويشترون به ~~ثمنا قليلا الآية وقال وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه هذه الآي كلها موجبة لإظهار علوم الدين وتبيينه للناس ~~زاجرة عن كتمانها ومن حيث دلت على لزوم بيان المنصوص عليه فهي موجبة أيضا ~~لبيان المدلول عليه منه وترك كتمانه لقوله تعالى @QB@ يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى @QE@ وذلك يشتمل على سائر أحكام الله في الم 8 نصوص عليه ~~والمستبط لشمول اسم الهدى للجميع وقوله تعالى @QB@ يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتاب @QE@ يدل على أنه لا فرق في ذلك بين ما علم من جهة النص أو الدليل ~~لأن في الكتاب الدلالة على أحكام الله تعالى كما فيه النص عليها وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ PageV01P123 عام في الجميع ~~وكذلك ما علم من طرق أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم قد انطوت تحت الآية ~~لأن في الكتاب الدلالة على قبول أخبار الآحاد عنه صلى الله عليه وسلم فكل ~~ما اقتضى الكتاب إيجاب حكمه من جهة النص أو الدلالة فقد تناولته الآية ~~ولذلك قال أبو هريرة لولا آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم ثم تلا @QB@ ~~إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى @QE@ فأخبر أن الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى وقال ~~شعبة عن قتادة في قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية ~~فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه وإياكم وكتمان ~~العلم فإن كتمانه هلكة ونظيره في بيان العلم وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد ~~لكاتمه قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقد روى حجاج عن عطاء عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من كتم علما يعلمه جاء يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار ) فإن قيل روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في ~~شأن اليهود حين كتموا ms0153 ما في كتبهم من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل ~~له نزول الآية على سبب غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته لأن ~~الحكم عندنا للفظ لا للسبب إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الاقتصار به ~~على سببه ويحتج بهذه الآيات في قبول الأخبار المقصرة عن مرتبة إيجاب العلم ~~لمخبرها في أمور الدين وذلك لأن قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزل الله ~~من الكتاب وقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب قد اقتضى ~~النهي عن الكتمان ووقوع البيان بالإظهار فلو لم يلزم السامعين قبوله لما ~~كان المخبر عنه مبينا لحكم الله تعالى إذ مالا يوجب حكما فغير محكوم له ~~بالبيان فثبت بذلك أن المنهيين عن الكتمان متى أظهروا ما كتموا وأخبروا به ~~لزم العمل بمقتضى خبرهم وموجبه ويدل عليه قوله في سياق الخطاب @QB@ إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا @QE@ فحكم بوقوع العلم بخبرهم فإن قال قائل لا ~~دلالة فيه على لزوم العمل به وجائز أن يكون كل واحد منهم كان منهيا عن ~~الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر الخبر قيل له هذا غلط ~~لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه ومن جاز ~~منهم التوطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على التقول فلا يكون خبرهم موجبا ~~للعلم فقد دلت الآثار على قبول الخبر المقصر عن المنزلة الموجبة للعلم ~~بمخبره وعلى أن PageV01P124 ما ادعيته لا برهان عليه فظواهر الآي مقتضية ~~لقبول ما أمروا به لوقوع بيان حكم الله تعالى به وفي الآية حكم آخر وهو ~~أنها من حيث دلت على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه فهي دالة على امتناع ~~جواز أخذ الأجرة عليه إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما عليه فعله ألا ترى ~~أنه لا يصح استحقاق الأجر على الإسلام وقد روي أن رجلا قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إني أعطيت قومي مائة شاة على أن يسلموا فقال صلى الله عليه وسلم ~~المائة شاة رد عليك وإن تركوا ms0154 الإسلام قاتلناهم ويدل على ذلك من جهة أخرى ~~قوله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا @QE@ وظاهر ذلك يمنع أخذ الأجر على الإظهار والكتمان جميعا لأن قوله ~~تعالى ويشترون به ثمنا قليلا مانع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان ~~الثمن في اللغة هو البدل قال عمر بن أبي ربيعة % إن كنت حاولت دنيا أو رضيت ~~بها % فما أصبت بترك الحج من ثمن % # | فثبت بذلك بطلان الإجارة على تعليم القرآن وسائر علوم الدين قوله تعالى ~~@QB@ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا @QE@ يدل على أن التوبة من الكتمان ~~إنما يكون بإظهار البيان وأنه لا يكتفى في صحة التوبة بالندم على الكتمان ~~فيما سلف دون البيان فيما استقبل # باب لعن الكفار $ # قال الله تعالى @QB@ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين @QE@ فيه دلالة على أن على المسلمين لعن من ~~مات كافرا وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه لعنه والبراءة منه لأن ~~قوله @QB@ والناس أجمعين @QE@ قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على ~~أن الكافر لو جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه ~~وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح أن موت من كان كذلك ~~أو جنونه لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث هذه الحادثة فإن قيل روي عن ~~أبي العالية أن مراد الآية أن الناس يلعنونه يوم القيامة كقوله تعالى ثم ~~يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا قيل له هذا تخصيص بلا دلالة ~~ولا خلاف أنه يستحق اللعن من الله تعالى والملائكة في الدنيا بالآية فكذلك ~~من الناس وإنما يشتبه ذلك على من يظن أن ذلك إخبار من الله تعالى أن الناس ~~يلعنونه وليس كذلك بل هو إخبار باستحقاقه اللعن من الناس لعنوه أو لم ~~يلعنوه قوله تعالى وإلهكم PageV01P125 إله واحد وصفه تعالى لنفسه بأنه واحد ~~انتظم معاني كلها مرادة بهذا اللفظ منها إنه واحد لا نظير ms0155 له ولا شبيه ولا ~~مثل ولا مساوي في شيء من الأشياء فاستحق من أجل ذلك أن يوصف بأنه واحد دون ~~غيره ومنها أنه واحد في استحقاق العبادة والوصف له بالألوهية لا يشاركه ~~فيها سواه ومنها أنه واحد ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه التجزي والتقسيم لأن ~~من كان ذا أبعاض وجاز عليه التجزيء والتقسيم فليس بواحد على الحقيقة ومنها ~~أنه واحد في الوجود قديما لم يزل منفردا بالقدم لم يكن معه وجود سواه ~~فانتظم وصفه لنفسه بأنه واحد هذه المعاني كلها قوله تعالى @QB@ إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار @QE@ الآية قد انتظمت هذه الآية ~~ضروبا من الدلالات على توحيد الله تعالى وأنه لا شبيه له ولا نظير وفيها ~~أمر لنا بالاستدلال بها وهو قوله لآيات لقوم يعقلون يعني والله تعالى أعلم ~~أنه نصبها ليستدل بها ويتوصل بها إلى معرفة الله تعالى وتوحيده ونفي ~~الأشباه عنه والأمثال وفيه إبطال لقول من زعم أنه إنما يعرف الله تعالى ~~بالخبر وأنه لا حظ للعقول في الوصول إلى معرفة الله تعالى فأما دلالة ~~السموات والأرض على الله فهو قيام السماء فوقنا على غير عمد مع عظمها ساكنة ~~غير زائلة وكذلك الأرض تحتنا مع عظمها فقد علمنا أن لكل واحد منهما منتهى ~~من حيث كان حيث كان موجودا في وقت واحد محتملا للزيادة والنقصان وعلمنا أنه ~~لو اجتمع الخلق على إقامة حجر في الهواء من غير علاقة ولا عمد لما قدروا ~~عليه فعلمنا أن مقيما أقام السماء على غير عمد والأرض على غير قرار فدل ذلك ~~على وجود الباري تعالى الخالق لهما ودل أيضا على أنه لا يشبه الأجسام وأنه ~~قادر لا يعجزه شيء إذ كانت الأجسام لا تقدر على مثل ذلك وإذا صح ذلك ثبت ~~أنه قادر على اختراع الأجسام إذ ليس اختراع الأجسام واختراع الأجرام بأبعد ~~في العقول والأوهام من إقامتها مع عظمها وكثافتها على غير قرار وعمد ومن ~~جهة أخرى تدل على حدوث هذه الأجسام وهي امتناع جواز تعريها من ms0156 الأعراض ~~المتضادة ومعلوم أن هذه الأعراض محدثة لوجود كل واحد منها بعد أن لم يكن ~~ومالم يوجد قبل المحدث فهو محدث فصح بذلك حدوث هذه الأجسام والمحدث يقتضي ~~محدثا كاقتضاء البناء للباني والكتابة للكاتب والتأثر للمؤثر فثبت بذلك أن ~~السموات والأرض وما بينهما من آيات الله دالة عليه وأما دلالة اختلاف الليل ~~والنهار على الله تعالى فمن جهة أن كل واحد منهما حادث بعد PageV01P126 ~~الآخر والمحدث يقتضي محدثا فدل ذلك على محدثهما وأنه لا يشبههما إذ كل فاعل ~~فغير مشبه لفعله ألا ترى أن الباني لا يشبه بنائه والكاتب لا يشبه كتابته ~~ومن جهة أخرى أنه لو أشبهه لجرى عليه ما يجري عليه من دلالة الحدوث فكان لا ~~يكون هو أولى بالحدوث من محدثه ولما صح أن محدث الأجسام والليل والنهار ~~قديم صح أنه لا يشبهها وهي تدل على أن محدثها قادر لاستحالة وجود الفعل إلا ~~من القادر ويدل أن محدثها حي لاستحالة وجود الفعل إلا من قادر حي ويدل أيضا ~~على أنه عالم لاستحالة الفعل المحكم المتقن المتسق إلا من عالم به قبل ~~إحداثه ولما كان اختلاف الليل والنهار جاريا على منهاج واحد لا يختلف في كل ~~صقع في الطول والقصر أزمان السنة على المقدار الذي عرف منهما الزيادة ~~والنقصان دل على أن مخترعهما قادر على ذلك عالم إذ لو لم يكن قادرا لم يوجد ~~منه الفعل ولو لم يكن عالما لم يكن فعله متقنا منتظما وأما دلالة الفلك ~~التي تجري في البحر على توحيد الله فمن جهة أنه معلوم أن الأجسام لو اجتمعت ~~على أن تحدث مثل هذا الجسم الرقيق السيال الحامل للفلك وعلى أن تجري الرياح ~~المجرية للفلك لما قدرت على ذلك ولو سكنت الرياح بقيت راكدة على ظهر الماء ~~لا سبيل لأحد من المخلوقين إلى إجرائها وإزالتها كما قال تعالى في موضع آخر ~~@QB@ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره @QE@ ففي تسخير الله تعالى ~~الماء لحمل السفن وتسخيره الرياح لإجرائها أعظم الدلائل على إثبات توحيد ms0157 ~~الله تعالى القديم القادر العالم الحي الذي لا شبه له ولا نظير إذ كانت ~~الأجسام لا تقدر عليه فسخر الله الماء لحمل السفن على ظهره وسخر الرياح ~~لإجرائها ونقلها لمنافع خلقه ونبههم على توحيده وعظم نعمته واستدعى منهم ~~النظر فيها ليعلموا أن خالقهم قد أنعم بها فيشكروه على نعمه ويستحقوا به ~~الثواب الدائم في دار السلام قال أبو بكر وأما دلالة إنزاله الماء على ~~توحيده فمن قبل أنه قد علم كل عاقل أن من شأن الماء النزول والسيلان وأنه ~~غير جائز ارتفاع الماء من سفل إلى علو إلا بجاعل يجعله كذلك فلا يخلو الماء ~~الموجود في السحاب من أحد معنيين إما أن يكون محدث أحدثه هناك في السحاب أو ~~رفعه من معادنه من الأرض والبحار إلى هناك وأيهما كان فدل ذلك على إثبات ~~الواحد القديم الذي لا يعجزه شيء ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ~~ينقله إلى المواضع التي يريدها بالرياح المسخرة لنقله فيه أدل دليل على ~~توحيده وقدرته فجعل السحاب مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب PageV01P127 ~~حتى تسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه لسائر خلقه كما قال تعالى @QB@ أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم @QE@ ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحدة مع صاحبتها في ~~الجو مع تحريك الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض ~~ولولا أن مدبرا حكيما عالما قادرا دبره على هذا النحو وقدره بهذا الضرب من ~~التقدير كيف كان يجوز أن يوجد نزول الماء في السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل ~~منه السيول العظام على هذا النظام والترتيب ولو اجتمع القطر في الجو وأتلف ~~لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها بعد نزولها إلى الأرض فيؤدي ~~إلى هلاك الحرث والنسل وإبادة جميع ما على الأرض من شجر وحيوان ونبات وكان ~~يكون كما وصف الله تعالى من حال الطوفان في نزول الماء من السماء في قوله ~~تعالى @QB@ ففتحنا أبواب ms0158 السماء بماء منهمر @QE@ فيقال إنه كان صبا كنحر ~~السيول الجارية في الأرض ففي إنشاء الله تعالى السحاب في الجو وخلق الماء ~~فيه وتصريفه من موضع إلى موضع أدل دليل على توحديه وقدرته وأنه ليس بجسم ~~ولا مشبه الأجسام إذ الأجسام لا يمكنها فعل ذلك ولا ترومه ولا تطمع فيه ~~وأما دلالة إحياء الله الأرض بعد موتها على توحديه فهي من جهة أن الخلق ~~كلهم لو اجتمعوا على إحياء شيء منها لما قدروا عليه ولما أمكنهم إنبات شيء ~~من النبات فيها فإحياء الله تعالى الأرض بالماء وإنباته أنواع النبات فيها ~~التي قد علمنا يقينا ومشاهدة أنه لم يكن فيها شيء منه ثم كل شيء من النبات ~~لو فكرت فيه على حياله لوجدته دالا على أنه من صنع صانع حكيم قادر عالم بما ~~قدره عليه من ترتيب أجزائه ونظمها على غاية الإحكام من أدل الدليل على أن ~~خالق الجميع واحد وأنه قادر عالم وأنه ليس من فعل الطبيعة على ما يدعيه ~~الملحدون في آيات الله تعالى إذ الماء النازل من السماء على طبيعة واحدة ~~وكذلك أجزاء الأرض والهواء ويخرج منه أنواع النبات والأزهار والأشجار ~~المثمرة والفواكه المختلفة الطعوم والألوان والأشكال فلو كان ذلك من فعل ~~الطبيعة لوجب أن يتفق موجبها إذ المتفق لا يوجب المختلف فدل ذلك على أنه من ~~صنع صانع حكيم قد خلقه وقدره على اختلاف أنواعه وطعومه وألوانه رزقا للعباد ~~ودلالة لهم على صنعه ونعمه وأما دلالة ما بث فيها من دابة على توحيده فهي ~~كذلك في الدلالة أيضا في اختلاف أنواعه إذ غير جائز أن تكون الحيوانات هي ~~PageV01P128 المحدثة لأنفسها لأنها لا تخلو من أن تكون أحدثتها وهي موجودة ~~أو معدومة فإن كانت موجودة فوجودها قد أغنى عن إحداثها وإن كانت معدومة ~~فإنه يستحيل إيجاد الفعل من المعدوم ومع ذلك فقد علمنا أنها بعد وجودها غير ~~قادرة على اختراع الأجسام وإنشاء الأجرام فهي في حال عدمها أحرى أن لا تكون ~~قادرة عليها وأيضا فإنه لا يقدر أحد من ms0159 الحيوان على الزيادة في أجزائه فهو ~~ينفي القدرة على إحداث جميعه أولى فثبت أن المحدث لها هو القادر الحكيم ~~الذي لا يشبهه شيء ولو كان محدث هذه الحيوانات مشبها لها من وجه لكان حكمها ~~في امتناع جواز وقوع إحداث الأجسام وأما دلالة تصريف الرياح على توحيده فهي ~~أن الخلق لو اجتمعوا على تصريفها لما قدروا عليه ومعلوم أن تصريفها تارة ~~جنوبا وتارة شمالا وتارة صبا وتارة دبورا محدث فعلمنا أن المحدث لتصريفها ~~هو القادر الذي لا شبه له إذ كان معلوما استحالة إحداث ذلك من المخلوقين ~~فهذه دلائل قد نبه الله تعالى العقلاء عليها وأمرهم بالإستدلال بها وقد كان ~~الله تعالى قادرا على إحداث النبات من غير ماء ولا زراعة وإحداث الحيوانات ~~بلا نتاج ولا زواج ولكنه تعالى أجرى عادته في إنشاء خلقه على هذا تنبيها ~~لهم عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته وليشعرهم في كل وقت ما ~~أغفلوه ويزعج خواطرهم للفكر فيما أهملوه فخلق تعالى الأرض والسماء ثابتتين ~~دائمتين لا تزولان ولا تتغيران عن الحال التي جعلهما وخلقهما عليها بديا ~~إلى وقت فنائها ثم أنشأ الحيوان من الناس وغيرهم من الأرض ثم أنشأ للجميع ~~رزقا منها وأقواتا بها تبقي حياتهم ولم يعطهم ذلك الرزق جملة فيظنون أنهم ~~مستغنون بما أعطوا بل جعل لهم قوتا معلوما في كل سنة بمقدار الكفاية لئلا ~~يبطروا ويكونوا مستشعرين للإفتقار إليه في كل حال ووكل إليهم في بعض ~~الأسباب التي يتوصلون بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ليشعرهم أن للأعمال ~~ثمرات من الخير والشر فيكون ذلك داعيا لهم إلى فعل الخير فيجتنون ثمتره ~~واجتناب الشر ليسلموا من شر مغبته ثم تولى هو لهم من إنزال الماء مالم يكن ~~في وسعهم وطاقتهم أن ينزلوه لأنفهسم فأنشأ سحابا في الجو وخلق فيه ماء ثم ~~أنزله على الأرض بمقدار الحاجة ثم أنبت لهم به سائر أقواتهم وما يحتاجون ~~إليه لملابسهم ثم لم يقتصر فيما أنزله من السماء على منافعه في وقت منافعه ~~حتى ms0160 جعل لذلك الماء مخازن وينابيع في الأرض يجتمع فيه ذلك الماء فيجري أولا ~~فأولا PageV01P129 على مقدار الحاجة كما قال تعالى @QB@ ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض @QE@ ولو كان على ما نزل من ~~السماء من غير حبس له في الأرض لوقت الحاجة لسال كله وكان في ذلك تلف سائر ~~الحيوان الذي على ظهرها لعدمه الماء فتبارك الله رب العالمين الذي جعل ~~الأرض بمنزلة البيت الذي يأوي إليه الإنسان وجعل السماء بمنزلة السقف وجعل ~~سائر ما يحدثه من المطر والنبات والحيوان بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته ~~لمصالحه ثم سخر هذه الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك طرقها ومكننا من ~~الإنتفاع بها في بناء البيوت والدور ليسكن من المطر والحر والبرد وتحصنا من ~~الأعداء لم تخرجنا إلى غيرها فأي موضع منها أردنا الإنتفاع به في إنشاء ~~الأبنية مما هو موجود فيها من الحجارة والجص والطين ومما يخرج منها من ~~الخشب والحطب أمكننا ذلك وسهل علينا سوى ما أودعهما من الجواهر التي عقد ~~بها منافعنا من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك كما قال ~~تعالى @QB@ وقدر فيها أقواتها @QE@ فهذه كلها وما يكثر تعداده ولا يحيط ~~علمنا به من بركات الأرض ومنافعها ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان ~~لا بد من أن تكون متناهية جعلها كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة ~~فقال تعالى @QB@ ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا @QE@ ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ ~~دون المألم ولا على الغذاء دون السم ولا على الحلو دون المر بل مزج ذلك كله ~~ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه اللذات ولئلا تطمئن نفوسنا إليها ~~فنشتغل بها عن دار الآخرة التي خلقنا لها فكان النفع والصلاح في الدين في ~~الذوات المؤلمة المؤذية كهو في الملذة السارة وليشعرنا في هذه الدنيا كيفية ~~الآلام ms0161 ليصح الوعيد بآلام الآخرة ولنزجر عن القبائح فنستحق النعيم الذي لا ~~يشوبه كدر ولا تنغيص فلو اقتصر العاقل من دلائل التوحيد على ما ذكره الله ~~تعالى في هذه الآية الواحدة لكان كافيا شافيا في إثباته وإبطال قول سائر ~~أصناف الملحدين من أصحاب الطبائع ومن الثنوية ومن يقول بالتشبيه ولو بسطت ~~معنى الآية وما تضمنته من ضروب الدلائل لطال وكثر وفيما ذكرنا كفاية في هذا ~~الموضع إذ كان الغرض فيه التنبيه على مقتضى دلالة الآية بوجيز من القول دون ~~الاستقصاء والله نسأل حسن التوفيق للاستدلال بدلائله والاهتداء بهداه ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P130 # | باب إباحة ركوب البحر # وفي قوله تعالى @QB@ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس @QE@ ~~دلالة على إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع إذ لم يخص ~~ضربا من المنافع دون غيره وقال تعالى @QB@ هو الذي يسيركم في البر والبحر ~~@QE@ وقال ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله وقوله @QB@ ~~لتبتغوا من فضله @QE@ قد انتظم التجارة وغيرها كقوله تعالى فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وقال تعالى @QB@ ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ وقد روي عن جماعة من الصحابة إباحة ~~التجارة في البحر وقد كان عمر بن الخطاب منع الغزو في البحر إشفاقا على ~~المسلمين وروي عن ابن عباس أنه قال لا يركب أحد البحر إلا غازيا أو حاجا أو ~~معتمرا وجائز أن يكون ذلك منه على وجه المشورة والإشفاق على راكبه وقد روي ~~ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر البصري قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن ~~مطرف عن بشر أبي عبيدالله عن بشير بن مسلم عن عبدالله بن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل ~~الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا وجائز أن يكون ذلك على وجه ~~الاستحباب ms0162 لئلا يغرر بنفسه في طلب الدنيا وأجاز ذلك في الغزو والحج والعمرة ~~إذ لا غرر فيه لأنه إن مات في هذا الوجه غرقا كان شهيدا وحدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود حدثنا سليمان ابن داود العتكي حدثنا حماد بن زيد عن ~~يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس ابن مالك قال حدثتني أم حرام ~~بنت ملحان أخت أم سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عندهم فاستيقظ ~~وهو يضحك قالت فقلت يا رسول الله وما أضحكك قال رأيت قوما ممن يركب ظهر هذا ~~البحر كالملوك على الأسرة قالت قلت يا رسول الله أدع الله يجعلني منهم قال ~~فإنك منهم قالت ثم نام فاستيقظ وهو يضحك قالت فقلت يا رسول الله ما أضحكك ~~فقال مثل مقالته قلت يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم قال أنت من ~~الأولين قال فتزوجها عبادة بن الصامت فغزا في البحر فحملها معه فلما رجع ~~قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها فماتت وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود وحدثنا عبدالوهاب بن عبدالرحيم الجوبري الدمشقي قال حدثنا ~~مروان قال أخبرنا هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد PageV01P131 عن أم ~~حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المائد في البحر الذي يصيبه ~~القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين ) والله تعالى أعلم # | باب تحريم الميتة # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~به لغير الله @QE@ قال أبو بكر الميتة في الشرع اسم حيوان الميت غير المذكى ~~وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه وقد يكون ميتة لسبب ~~فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له وسنبين شرائط ~~الذكاة في موضعها إن شاء الله تعالى والميتة وإن كانت فعلا لله تعالى وقد ~~علق التحريم بها مع علمنا بأن التحريم والتحليل والحظر والإباحة إنما ~~يتناولان أفعالنا ولا يجوز أن يتناولا ms0163 فعل غيرنا إذ غير جائز أن ينهى ~~الإنسان عن فعل غيره ولا أن يؤمر به فإن معنى ذلك لما كان معقولا عند ~~المخاطبين جاز إطلاق لفظ التحريم والتحليل فيه وإن لم يكن حقيقة وكان ذلك ~~دليلا على تأكيد حكم التحريم فإنه يتناول سائر وجوه المنافع ولذلك قال ~~أصحابنا لا يجوز الإنتفاع بالميتة على وجه ولا بطعمها الكلاب والجوارح لأن ~~ذلك ضرب من الإنتفاع بها وقد حرم الله الميتة تحريما مطلقا معلقا بعينها ~~مؤكدا له حكم الحظر فلا يجوز الإنتفاع بشيء منها إلا أن يخص شيء منها بدليل ~~يجب التسليم له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص ميتة السمك ~~والجراد من هذه الجملة بالإباحة فروى عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ~~ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أحلت لنا ميتتان ودمان ~~فأما الميتتان فالجراد والسمك وأما الدمان فالطحال والكبد ) وروى عمرو بن ~~دينار عن جابر في قصة جيش الخبط ( أن البحر ألقى إليهم حوتا فأكلوا منه نصف ~~شهر ثم لما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل عندكم منه شيء ~~تطعموني ) ولا خلاف بين المسلمين في إباحة السمك غير الطافي وفي الجراد ومن ~~الناس من استدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى @QB@ أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه متاعا لكم @QE@ وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~صفوان بن سليم الزرقي عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ~~) وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالثبت وقد خالفه في سنده يحيى بن سعيد ~~الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبدالله بن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الإختلاف PageV01P132 في السند يوجب اضطراب ~~الحديث وغير جائز تخصيص آية محكمة به وقد روى ابن زياد بن عبدالله البكائي ~~قال حدثنا سليمان الأعمش قال حدثنا أصحابنا ms0164 عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( في البحر ذكي صيده طهور ماؤه ) وهذا أضعف عند أهل ~~النقل من الأول وقد روي فيه حديث آخر وهو ما رواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ~~ربيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة عن أبي معاوية العلوي عن مسلم بن ~~مخشي المدلجي عن الفراسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( في البحر ~~هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وهذا أيضا مما لا يحتج به لجهالة رواية ولا ~~يخص به ظاهر القرآن وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ~~قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال حدثنا ~~إسحاق بن حازم عن عبدالله بن مقسم عن عطاء عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل عن البحر فقال ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) قال ~~أبو بكر وقد اختلف في السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه فكرهه ~~أصحابنا والحسن بن حي وقال مالك والشافعي لا بأس به وقد اختلف السلف فيه ~~أيضا فروى عطاء بن السائب عن ميسرة عن علي عليه السلام قال ( ما طفا من ~~ميتة البحر فلا تأكله ) وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله وعبدالله بن ~~أبي الهذيل عن ابن عباس أنهما كرها الطافي فهؤلاء الثلاثة من الصحابة قد ~~روي عنهم كراهته وروي عن جابر بن زيد وعطاء وسعيد ابن المسيب والحسن وابن ~~سيرين وإبراهيم كراهيته وروي عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب إباحة أكل الطافي ~~من السمك والذي يدل على حظر أكله ظاهر قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة ~~@QE@ واتفق المسلمون على تخصيص غير الطافي من الجملة فخصصناه واختلفوا في ~~الطافي فوجب استعمال حكم العموم فيه وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا أحمد ابن عبدة حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال حدثنا ~~إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال قال رسول ms0165 الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا ~~تأكلوه ) وروى إسماعيل بن عياش قال حدثني عبدالعزيز بن عبدالله عن وهب بن ~~كيسان ونعيم بن عبدالله المجمر عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ( ما جزر عنه البحر فلا تأكل وما ألقى فكل وما وجدته ميتا ~~طافيا فلا تأكله ) وقد روى ابن أبي ذيب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا موسى PageV01P133 ~~ابن زكريا قال حدثنا سهل بن عثمان قال حدثنا حفص عن يحيى بن أبي أنيسة عن ~~أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا ~~وجدتموه حيا فكلوه وما ألقى البحر حيا فمات فكلوه وما وجدتموه ميتا طافيا ~~فلا تأكلوه ) وحدثنا ابن قانع قال حدثنا عبدالله بن موسى بن أبي عثمان ~~الدهقان قال حدثنا الحسين بن يزيد الطحان حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ذيب ~~عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه ) فإن ~~قيل قد روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير موقوفا على ~~جابر قيل له هذا لا يفسده عندنا لأنه جائز أن يرويه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تارة ثم يرسل عنه فيفتي به وفتياه بما رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم غير مفسد له بل يؤكده على إن إسماعيل بن أمية فيما يرويه عن أبي ~~الزبير ليس بدون من ذكرت وكذلك ابن أبي ذيب فزيادتهما في الرفع مقبولة على ~~هؤلاء فإن قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أحلت لنا ميتتان ودمان ~~السمك والجراد ) وذلك عموم في جميعه قيل له يخصه ما ذكرنا وروينا في النهي ~~عن الطافي ويلزم مخالفنا على أصله في ترتيب الأخبار أن ms0166 يبنى العام على ~~الخاص فيستعملهما وأن لا يسقط الخاص بالعام وعلى أن هذا خبر في رفعه اختلاف ~~فرواه مرحوم العطار عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر موقوفا ~~عليه ورواه يحيى الحماني عن عبدالرحمن بن زيد مرفوعا فيلزمك فيه مثل ما رمت ~~إلزامنا إياه في خبر الطافي فإن احتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال الطهور ماؤه الحل ميتته ولم يخصص الطافي من غيره قيل له نستعملهما ~~جميعا ونجعلهما كأنهما وردا معا نستعمل خبر الطافي في النهي ونستعمل خبر ~~الإباحة فيما عدا الطافي فإن قيل فإن من أصل أبي حنيفة في الخاص والعام أنه ~~متى اتفق الفقهاء على استعمال أحد الخبرين واختلفوا في استعمال الآخر كان ~~ما اتفق في الاستعمال قاضيا على ما اختلف فيه وقوله صلى الله عليه وسلم هو ~~الحل ميتته وأحلت لنا ميتتان متفق على استعمالهما وخبر الطافي مختلف فيه ~~فينبغي أن يقضى عليه بالخبرين الآخرين قيل له إنما يعرف ذلك من مذهبه وقوله ~~فيما لم يعضده نص الكتاب فأما إذا كان عموم الكتاب معاضدا للخبر المختلف في ~~استعماله فإنا لا نعرف قوله فيه وجائز أن يقال إنه لا يعتبر وقوع الخلاف في ~~استعماله بعد أن يعضده عموم الكتاب فيستعمل حينئذ مع العام المتفق على ~~استعماله ويكون ذلك مخصوصا منه فإن PageV01P134 احتجوا بحديث جابر في قصة ~~جيش الخبط وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم أكل الحوت الذي ألقاه البحر ~~فليس عندنا بطاف وإنما الطافي ما مات حتف أنفه في الماء من غير سبب حادث ~~ومن الناس من يظن أن كراهة الطافي من أجل بقائه في الماء حتى طفا عليه ~~فيلزموننا عليه الحيوان المذكى إذا ألقي في الماء حتى طفا عليه وهذا جهل ~~منهم بمعنى المقالة وموضع الخلاف لأن السمك لو مات ثم طفا على الماء لأكل ~~ولو مات حتف أنفه ولم يطف على الماء لم يؤكل والمعنى فيه عندنا هو موته في ~~الماء حتف انفه لا غير وقد روى ms0167 لنا عبدالباقي حديثا وقال لنا إنه حديث منكر ~~فذكر أنه حدثه به عبيد بن شريك البزاز قال حدثنا أبو الجماهر قال حدثنا ~~سعيد بن بشير عن إبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( كل ما طفا على البحر ) وإبان بن عياش ليس هو ممن يثبت ذلك ~~بروايته قال شعبة لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروي عن إبان بن عياش ~~فإن احتج محتج بقوله تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر وطعامه @QE@ وأنه عموم ~~في الطافي وغيره قيل له الجواب عنه من وجهين أحدهما أنه مخصوص بما ذكرنا من ~~تحريم الميتة والأخبار الواردة في النهي عن أكل الطافي والثاني أنه روي في ~~التفسير في قوله تعالى @QB@ وطعامه @QE@ أنه ما ألقاه البحر فمات وصيده ما ~~اصطادوا وهو حي والطافي خارج منهما لأنه ليس مما ألقاه البحر ولا مما صيد ~~إذ غير جائز أن يقال اصطاد سمكا ميتا كما لا يقال اصطاد ميتا فالآية لم ~~تنتظم الطافي ولم تتناوله والله أعلم # | باب أكل الجراد # قال أصحابنا والشافعي رضي الله عنهم لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما ~~وجدته ميتا وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا أخذه حيا ثم قطع رأسه وشواه أكل ~~وما أخذ حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل وإنما هو بمنزلة ما لو وجده ميتا قبل ~~أن يصطاده فلا يؤكل وهو قول الزهري وربيعة وقال مالك وما قتله مجوسي لم ~~يؤكل وقال الليث بن سعد أكره أكل الجراد ميتا فأما الذي أخذته حيا فلا بأس ~~به قال أبو بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر ( أحلت لنا ~~ميتتان ودمان السمك والجراد ) يوجب إباحته جميعه مما وجد ميتا ومما قتله ~~آخذه وقد استعمل الناس جميعهم هذا الخبر في إباحة أكل الجراد فوجب استعماله ~~على عمومه من غير شرط لقتل آخذه إذ لم يشترطه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حدثنا عبدالباقي قال حدثنا PageV01P135 الحسن بن المثنى قال ms0168 حدثنا مسلم بن ~~إبراهيم قال حدثنا زكريا بن يحيى بن عمارة الأنصاري قال حدثنا فائد أبو ~~العوام عن أبي عثمان الهندي عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الجراد قال أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه وما لم يحرمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو مباح وتركه أكله لا يوجب حظره إذ جائز ترك أكل المباح وغير ~~جائز نفي التحريم عما هو محرم ولم يفرق بين ما مات وبين ما قتله آخذه وقال ~~عطاء عن جابر غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا جرادا فأكلناه ~~وقال عبدالله بن أبي أوفى غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ~~نأكل الجراد ولا نأكل غيره قال أبو بكر ولم يفرق بين ميته وبين مقتوله ~~حدثنا عبدالباقي قال حدثنا موسى بن زكريا التستري قال حدثنا أبو الخطاب قال ~~حدثنا أبو عتاب حدثنا النعمان عن عبيدة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها ~~كانت تأكل الجراد وتقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله قال أبو ~~بكر فهذه الآثار الواردة في الجراد لم يفرق في شيء منها بين ميته وبين ~~مقتوله فإن قيل ظاهر قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ يقتضي حظر ~~جميعها فلا يخص منها إلا ما أجمعوا عليه وهو ما يقتله آخذه وما عداه فهو ~~محمول على ظاهر الآية في إيجاب تحريمه قيل له تخصه الأخبار الواردة في ~~إباحته وهي مستعملة عند الجميع في تخصيص الآية ولم تفرق هذه الأخبار بين ~~شيء منها فلم يجز تخصيص شيء منها ولا الإعتراض عليها بالآية لاتفاق الجميع ~~على أنها قاضية على الآية مخصصة لها وليس الجراد عندنا مثل السمك في حظرنا ~~للطافي منه دون غيره لأن الأخبار الواردة في تخصيص السمك بالإباحة من جملة ~~الميتة بإزائها أخبار أخر في حظر الطافي منه فاستعملناها جميعا وقضينا ~~بالخاص منها على العام مع معاضدة الآية لأخبار الحظر وأيضا فإنه لما وافقنا ~~مالك ومن تابعه على إباحة المقتول منه دل ذلك ms0169 على أنه لا فرق بينه وبين ~~الميت من غير قتل وذلك لأن القتل ليس بذكاة في حقه لأن الذكاة في الأصل على ~~وجهين وهي فيما له دم سائل أحدهما قطع الحلقوم والأوداج في حال إمكانه ~~والآخر إسالة دمه عند تعذر الذبح ألا ترى أن الصيد لا يكون مذكى بإصابته ~~إلا أن يجرحه ويسفح دمه فلما لم يكن للجراد دم سائل كان قتله وموته حتف ~~أنفه سواء كما كان قتل ما له دم سائل من غير سفح دمه وموته حتف أنفه سواء ~~في كونه غير مذكى فكذلك واجب أن يستوي حكم قتل الجراد وموته حتف أنفه إذ ~~ليس هو مما يسفح دمه فإن قيل قد فرقت بين السمك PageV01P136 الطافي وما ~~قتله آخذه أو مات بسبب حادث فما أنكرت من فرقنا بين ما مات من الجراد وما ~~قتل منه قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن هذا هو القياس في السمك ~~لما لم يحتج في صحة ذكاته إلى سفح الدم إلا أنا تركنا القياس للآثار التي ~~ذكرنا ومن أصلنا تخصيص القياس بالآثار وليس معك الأثر في تخصيص بعض الجراد ~~بالإباحة دون بعض فوجب استعمال أخبار الإباحة في الكل والوجه الآخر أن ~~السمك له دم سائل فكان له ذكاة من جهة القتل ولم يحتج إلى سفح دمه في شرط ~~الذكاة لأن دمه ظاهر وهو يؤكل بدمه فلذلك شرط فيه موته بسبب حادث يقوم له ~~مقام الذكاة في سائر ما له دم سائل وهذا المعنى غير موجود في الجراد فلذلك ~~اختلفا وقد روي عن ابن عمر أنه قال الجراد كله ذكي وعن عمر وصهيب والمقداد ~~إباحة أكل الجراد ولم يفرقوا بين شيء منه والله أعلم # | باب ذكاة الجنين # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في جنين الناقة والبقرة وغيرهما إذا خرج ~~ميتا بعد ذبح الأم فقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يؤكل إلا أن يخرج حيا ~~فيذبح وهو قول حماد وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمة الله عليهم يؤكل ~~أشعر أو ms0170 لم يشعر وهو قول الثوري وقد روي عن علي وابن عمر قالا ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه وقال مالك إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا وهو قول سعيد بن ~~المسيب وقال الأوزاعي إذا تم خلقه فذكاة أمه ذكاته قال الله تعالى @QB@ ~~حرمت عليكم الميتة والدم @QE@ وقال في آخرها @QB@ إلا ما ذكيتم @QE@ وقال ~~@QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ فحرم الله الميتة مطلقا واستثنى المذكى منها ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم الذكاة في المقدور على ذكاته في النحر ~~واللبة وفي غير مقدور على ذكاته بسفح دمه بقوله صلى الله عليه وسلم انهر ~~الدم بما شئت وقوله في المعراض إذا خزق فكل وإذا لم يخزق فلا تأكل فلما ~~كانت الذكاة منقسمة إلى هذين الوجهين وحكم الله بتحريم الميتة حكما عاما ~~واستثنى منه المذكى بالصفة التي ذكرنا على لسان نبيه ولم تكن هذه الصفة ~~موجودة في الجنين كان محرما بظاهر الآية واحتج من أباح ذلك بأخبار رويت من ~~طرق منها عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي أمامة وكعب بن مالك وابن ~~عمر وأبي أيوب وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه وهذه الأخبار كلها واهية السند عند أهل النقل كرهت الإطالة بذكر ~~أسانيدها وبيان ضعفها واضطرابها إذ ليس في شيء منها دلالة على موضع الخلاف ~~PageV01P137 وذلك لأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه يحتمل أن يريد به أن ذكاة ~~أمه ذكاة له ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكى أمه وأنه لا يؤكل ~~بغير ذكاة كقوله تعالى @QB@ وجنة عرضها السماوات والأرض @QE@ معناه كعرض ~~السموات والأرض وكقول القائل قولي قولك ومذهبي مذهبك والمعنى قولي كقولك ~~ومذهبي كمذهبك قال الشاعر % فعيناك عيناها وجيدك جيدها % سوى أن عظم الساق ~~منك دقيق % # | ومعناه فعيناك كعينيها وجيدك كجيدها وإذا احتمل اللفظ لما وصفنا ولم ~~يجز أن يكون المعنيان جميعا مرادين بالخبر لتنافيهما إذ كان في أحد ~~المعنيين إيجاب تذكيته فإنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه والآخر يبيح أكله ~~بذكاة أمه إذ ms0171 غير معتبر ذكاته في نفسه لم يجز لنا أن نخصص الآية به ووجب أن ~~يقول محمولا على موافقة الآية إذ غير جائز تخصيص الآية بخبر الواحد واهي ~~السند محتمل لموافقتها ويدل على أن مراده إيجاب تذكيته كما تذكى الأم اتفاق ~~الجميع على أنه إذا خرج حيا وجب تذكيته ولم يجز الاقتصار على تذكية الأم ~~فكان ذلك مرادا بالخبر فلم يجز أن يريد به مع ذلك أن ذكاة أمه ذكاة له ~~لتنافيهما وتضادهما إذ كان في أحد المعنيين أيجاب تذكيته وفي الآخر نفيه ~~فإن قال قائل ما أنكرت أن نريد المعنيين في حالين بأن يجب ذكاته إذا خرج ~~حيا ويقتصر على ذكاة أمه إذا خرج ميتا قيل له ليس ذكر الحالين موجودا في ~~الخبر وهو لفظ واحد ولا يجوز أن يريد به الأمرين جميعا لأن في إرادة أحد ~~المعنيين إثبات زيادة حرف وليس في الآخر إثبات زيادة حرف وليس في الجائز أن ~~يكون لفظ واحد فيه حرف وغير حرف فلذلك بطل قول من يقول بإرادتهما فإن قيل ~~إذا كان إرادة أحد المعنيين توجب زيادة حرف وهو الكاف وليس في الآخر زيادة ~~فحمله على المعنى الذي لا يفتقر إلى زيادة أولى لأن حذف الحرف يوجب أن يكون ~~اللفظ مجازا وإذا لم يكن فيه حذف شيء فهو حقيقة وحمل اللفظ على الحقيقة ~~أولى من حمله على المجاز قيل له كون الحرف محذوفا أو غير محذوف لا يزيل عنه ~~الاحتمال لأنه وإن كان مجازا فهو مفهوم اللفظ محتمل له ولا فرق بين الحقيقة ~~والمجاز فيما هو من مقتضى اللفظ فلم يجز من أجل ذلك تخصيص الآية فإن قال ~~قائل ليس في اللفظ احتمال كونه غير مذكى بذكاة الأم لأنه لا يسمى جنينا إلا ~~في حال كونه في بطن أمه ومتى باينها لا يسمى جنينا والنبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما أثبت له الذكاة في حال اتصاله بالأم وذلك يوجب أن يكون مذكى ~~PageV01P138 بتلك الحال في ذكاتها قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما ms0172 ~~أنه جائز أن يسمى بعد الانفصال جنينا لقرب عهده من الاجتنان في بطن أمه ولا ~~يمتنع أحد من إطلاق القول بأن الجنين لو خرج حيا ذكي كما تذكى الأم فيطلق ~~عليه اسم الجنين بعد الذكاة والانفصال وقال حمل بن مالك كنت بين جاريتين لي ~~فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط فألقت جنينا ميتا فقضى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغرة عبد أو أمة فسماه جنينا بعد الإلقاء وإذا كان ذلك كذلك جاز ~~أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه أنه يذكى كما ~~تذكى أمه إذا ألقته حيا والوجه الآخر أنه لو كان مراده كونه مذكى وهو جنين ~~لوجب أن يكون مذكى بذكاة الأم وإن خرج حيا وإن موته بعد خروجه لا يكسبه حكم ~~الميتات كموته في بطن أمه فلما اتفق الجميع على أن خروجه حيا يمنع أن يكون ~~ذكاة الأم ذكاته ثبت أنه لم يرد إثبات ذكاة الأم له في حال اتصاله بالأم ~~فإن قال قائل إنما أراد إثبات الحكم بحال خروجه ميتا قيل له هذه دعواك لم ~~يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاز أن تشترط فيه موته في حال كونه ~~جنينا وإن لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم جاز لنا أن نشترط إيجاب ذكاته ~~خرج حيا أو ميتا فمتى لم يوجد له ذكاة في نفسه لم يجز أكله وعلى أنا متى ~~شرطنا إيجاب ذكاته في نفسه غير معتبر بأمه استعملنا الخبر على عمومه فجعلنا ~~إباحة الأكل معلقة بوجود الذكاة فيه في حال كونه جنينا وبعد خروجه وحمل ~~الخبر على ذلك أولى من الاقتصار به على ما ذكرت وإثبات ضمير فيه لا ذكر له ~~في الخبر ولا دلالة عليه فإن قال قائل حمل الخبر على ما ذكرت في إيجاب ~~ذكاته إذا خرج يسقط فائدته لأن ذلك معلوم قبل وروده قيل له ليس كذلك من قبل ~~أنه أفاد أنه إن خرج حيا فقد وجبت ذكاته سواء مات في حال لم يقدر على ذكاته ~~أو ms0173 بقي وبطل بذلك قول من يقول أنه إن مات في وقت لا يقدر على ذكاته كان ~~مذكى بذكاة الأم ومن جهة أخرى أنه حكم بإيجاب ذكاته وأنه إن خرج ميتا لم ~~يؤكل إذ هو غير مذكى فإن خرج حيا ذكي فأفاد أنه ميتة لا تؤكل وبطل به قول ~~من يقول أنه لا يحتاج إلى ذكاة إذا خرج ميتا فإن احتج محتج بما ذكره زكريا ~~بن يحيى الساحي عن بندار وإبراهيم بن محمد التيمي قالا حدثنا يحيى بن سعيد ~~قالا حدثنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الجنين يخرج ميتا فقال إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه قيل له قد ~~روى هذا الحديث جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد ولم يذكروا فيه أنه خرج ~~ميتا ورواه جماعة عن مجالد منهم هشيم وأبو PageV01P139 أسامة وعيسى بن يونس ~~ولم يذكروا فيه أنه خرج ميتا وإنما قالوا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الجنين يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة فقال كلوه فإن ذكاته ذكاة ~~أمه ورواه أيضا ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك قال كل من يروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن قدمنا ذكره ~~لم يذكر واحد منهم أنه خرج ميتا ولم تجئ هذه اللفظة إلا في رواية الساجي ~~ويشبه أن تكون هذه الزيادة من عنده فإنه غير مأمون فإن احتج بما روي عن ابن ~~عباس في قوله تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام @QE@ أنها الأجنة قيل له ~~أنه قد روي عن ابن عباس أنها جميع الأنعام وأن قوله تعالى @QB@ إلا ما يتلى ~~عليكم @QE@ الخنزير وروي عن الحسن أن بهيمة الأنعام الشاة والبعير والبقر ~~والأولى أن تكون على جميع الأنعام ولا تكون مقصورة على الجنين دون غيره ~~لأنه تخصيص بلا دلالة وأيضا فإن كان المراد الأجنة فهي على إباحتها بالذكاة ~~كسائر الأنعام هي مباحة بشرط ذكاتها وكالجنين إذا ms0174 خرج حيا هو مباح بشرط ~~الذكاة وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم @QE@ إذا كان المراد ما سيتلى عليكم في المستقبل مما هو محرم في ~~الحال فهو مجمل لا يصح الاحتجاج به لأنه يكون بمنزلة ما لو قال بعض الأنعام ~~مباح وبعضه محظور ولم يبينه فلا يصح اعتبار عموم شيء منه فإن قال قائل لما ~~كان حكم الجنين حكم أمه فيمن ضرب بطن امرأة فماتت وألقت جنينا ميتا ولم ~~ينفرد بحكم نفسه كان كذلك حكمه في الذكاة إذا مات في بطن أمه بموتها ولو ~~خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة فيه فكذلك ~~جنين الحيوان إذا مات بموت أمه وخرج ميتا أكل وإذا خرج حيا لم يؤكل حتى ~~يذكى قيل له هذا قياس فاسد لأنه قياس حكم على حكم غيره وإنما القياس الصحيح ~~الجمع بين المسئلتين في حكم واحد بعلة توجب رد إحداهما إلى الأخرى فأما في ~~قياس مسئلة على مسئلة في حكمين مختلفين فإن ذلك ليس بقياس وقد علمنا أن ~~المسئلة التي استشهدت بها إنما حكمها ضمان الجنين في حال انفصاله منها حيا ~~بعد موتها ومسئلتنا إنما هي في إثبات ذكاة الأم له في حال ومنعه في حال ~~أخرى فكيف يصح رد هذه إلى تلك ومع ذلك فلو ضرب بطن شاة أو غيرها فألقت ~~جنينا ميتا لم يجب للجنين أرش ولا قيمة على الضارب وإنما يجب فيه نقصان ~~الأم إن حدث بها نقصان وإذا لم يكن لجنين البهائم بعد الإنفصال حكم في حياة ~~الأم وثبت ذلك لجنين PageV01P140 المرأة فكيف يجوز قياس البهيمة على ~~الإنسان وقد اختلف حكمهما في نفس ما ذكرت فإن قيل لما كان الجنين في حال ~~اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها كان بمنزلة العضو منها إذا ذكيت الأم ~~فيحل بذكاتها قيل له غير جائز أن يكون بمنزلة عضو منها لجواز خروجه حيا ~~تارة في حياة الأم وتارة بعد موتها والعضو لا يجوز أن يثبت ms0175 له حكم الحياة ~~بعد انفصاله منها فثبت أنه غير تابع لها في حال حياتها ولا بعد موتها فإن ~~قيل الواجب أن يتبع الجنين الأم في الذكاة كما يتبع الولد الأم في العتاق ~~والإستيلاد والكتابة ونحوها قيل له هذا غلط من الوجه الذي قدمنا في امتناع ~~قياس حكم على حكم آخر ومن جهة أخرى أنه غير جائز إذا أعتقت الأمة أن ينفصل ~~الولد منها غير حر وهو تابع للأم في الأحكام التي ذكرت وجائز أن يذكي الأم ~~ويخرج الولد حيا فلا يكون ذكاة الأم ذكاة له فعلمنا أنه لا يتبع الأم في ~~الذكاة إذ لو تبعها في ذلك لما جاز أن ينفرد بعد ذكاة الأم بذكاة نفسه وأما ~~مالك فإنه ذهب فيه إلى ما روي في حديث سليمان أبي عمران عن ابن البراء عن ~~أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في أجنة الأنعام أن ذكاتها ذكاة ~~أمها إذا أشعرت وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه وروي عن علي ~~وابن عمر من قولهما مثل ذلك فيقال له إذا ذكر الإشعار في هذا الخبر وأبهم ~~في غيره من الأخبار التي هي أصح منه وهو خبر جابر وأبي سعيد وأبي الدرداء ~~وأبي أمامة ولم يشترط فيها الإشعار فهلا سويت بينهما إذ لم تنف هذه الأخبار ~~ما أوجبه خبر الإشعار إذ هما جميعا يوجبان حكما واحدا وإنما في أحدهما ~~تخصيص ذلك الحكم من غير نفي لغيره وفي الآخر إبهامه وعمومه ولما اتفقنا ~~جميعا على أنه إذا لم يشعر لم تعتبر فيه ذكاة الأم واعتبرت ذكاة نفسه وهو ~~في هذه الحالة أقرب أن يكون بمنزلة أعضائها منه بعد مباينته لها وجب أن ~~يكون ذلك حكمه إذا أشعر ويكون معنى قوله ذكاته ذكاة أمه على أنه يذكى كما ~~تذكى أمه ويقال لأصحاب الشافعي إذا كان قوله ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر ينفي ~~ذكاته بأمه إذا لم ms0176 يشعر فهلا خصصت به الأخبار المبهمة أكان عندكم أن هذا ~~الضرب من الدليل يخص به العموم بل هو أولى منه ومما يحتج به على الشافعي ~~أيضا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( أحلت لنا ميتتان ودمان ) ودلالة هذا ~~الخبر يقتضي عنده تحريم سائر الميتات سواهما فيلزمه أن يحمل معنى قوله ذكاة ~~الجنين PageV01P141 ذكاة أمه على موافقة دلالة هذا الخبر # باب جلود الميتة إذا دبغت $ # قوله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل ~~لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما @QE@ ~~يقتضي تحريم الميتة بجميع أجزائها وجلدها من أجزائها لأنه قد حله الموت ~~بدلا من الحياة التي كانت فيه إلا أن قوله @QB@ على طاعم يطعمه @QE@ قد دل ~~على الاقتصار بالتحريم على ما يتأتى فيه الأكل وقد بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا المعنى في جلد الميتة بعد الدباغ بقوله إنما حرم أكلها وإنما حرم ~~لحمها وقد اختلف الفقهاء في حكم جلد الميتة بعد الدباغ فقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبدالله بن الحسن العنبري والأوزاعي ~~والشافعي يجوز بيعه بعد الدباغ والانتفاع به قال الشافعي إلا جلد الكلب ~~والخنزير وأصحابنا لم يفرقوا بين جلد الكلب وغيره وجعلوه طاهرا بالدباغ إلا ~~جلد الخنزير خاصة وقال مالك ينتفع بجلود الميتة في الجلوس عليها ويغربل ~~عليها ولا تباع ولا يصلى عليها وقال الليث بن سعد لا بأس ببيع جلود الميتة ~~قبل الدباغ إذا بينت أنها ميتة والحجة لمن طهرها وجعلها مذكاة ما ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المتواترة من الوجوه المختلفة بألفاظ ~~مختلفة كلها يوجب طهارتها والحكم بذكاتها فمنها حديث ابن عباس قال ( أيما ~~إهاب دبغ فقد طهر ) وحديث الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى في غزوة تبوك على بيت بفنائه قربة معلقة ~~فاستسقى فقيل أنها ميتة فقال ( ذكاة الأديم دباغته ) وروى سعيد بن المسيب ~~عن زيد ms0177 بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( دباغ جلود الميتة ~~طهورها ) وسماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت كانت لنا شاة فماتت ~~فطرحناها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعلت شاتكم فقلنا رميناها ~~فتلا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية أفلا ~~استمتعتم بإهابها فبعثنا إليها فسلخناها ودبغنا جلدها وجعلناه سقاء وشربنا ~~فيه حتى صار شنا وقالت أم سلمة مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة ~~فقال ( ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها ) والزهري عن عبيدالله بن ~~عبدالله عن ابن عباس عن ميمونة قالت مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة لهم ~~ميتة فقال ( ألا دبغوا إهابها فانتفعوا به ) فقالوا يا رسول الله إنها ميتة ~~فقال ( إنما حرم من الميتة أكلها ) في غير ذلك من الأخبار كلها يوجب طهارة ~~جلد الميتة PageV01P142 بعد الدباغ كرهت الإطالة بذكرها وهذه الأخبار كلها ~~متواترة موجبة للعلم والعمل قاضية على الآية من وجهين أحدهما ورودها من ~~الجهات المختلفة التي يمنع من مثلها التواطؤ والاتفاق على الوهم والغلط ~~والثاني جهة تلقي الفقهاء إياها بالقبول واستعمالهم لها فثبت بذلك أنها ~~مستعملة مع آية تحريم الميتة وأن المراد بالآية تحريمها قبل الدباغ وما ~~قدمنا من دلالة قوله @QB@ على طاعم يطعمه @QE@ أن المراد بالآية فيما يتأتى ~~فيه الأكل والجلد بعد الدباغ خارج عن حد الأكل فلم يتناوله التحريم ومع ذلك ~~فإن هذه الأخبار لا محالة بعد تحريم الميتة لولا ذلك لما رموا بالشاة ~~الميتة ولما قالوا أنها ميتة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليقول ( ~~إنما حرم أكلها ) فدل ذلك على أن تحريم الميتة مقدم على هذه الأخبار وأن ~~هذه الأخبار مبينة أن الجلد بعد الدباغ غير مراد بالآية ولما وافقنا مالك ~~على جواز الانتفاع به بعد الدباغ فقد استعمل الأخبار الواردة في طهارتها ~~ولا فرق في شيء منها بين افتراشها والصلاة عليها وبين أن تباع أو يصلى ~~عليها بل في سائر الأخبار أن ms0178 دبغها ذكاتها ودباغها طهورها وإذا كانت مذكاة ~~لم يختلف حكم الصلاة عليها وبيعها وحكم افتراشها والجلوس عليها كسائر جلود ~~الحيوان المذكاة ألا ترى أنها قبل الدباغ باقية على حكم التحريم في امتناع ~~جواز الانتفاع بها من سائر الوجوه كالانتفاع بلحومها فلما اتفقنا على ~~خروجها عن حكم الميتة بعد الدباغ فيما وصفنا ثبت أنها مذكاة طاهرة بمنزلة ~~ذكاة الأصل ويدل على ذلك أيضا أن التحريم متعلق بكونها مأكولة وإذا خرج عن ~~حد الأكل صار بمنزلة الثوب والخشب ونحو ذلك ويدل على ذلك أيضا موافقة مالك ~~إيانا على جواز الانتفاع بشعر الميتة وصوفها لامتناع أكله وذلك موجود في ~~الجلد بعد الدباغ فوجب أن يكون حكمه حكمها فإن قيل إنما جاز ذلك في الشعر ~~والصوف لأنه يؤخذ منه في حال الحياة قيل له ليس يمتنع أن يكون ما ذكرنا علة ~~الإباحة وكذلك ما ذكرت فيكون للإباحة علتان إحداهما أنه لا يتأتى فيه الأكل ~~والأخرى أنه يؤخذ منه في حال الحياة فيجوز الانتفاع به لأن موجبهما حكم ~~واحد ومتى عللناه بما وصفناه وجب قياس الجلد عليه وإذا عللته بما وصفت كان ~~مقصور الحكم على المعلول وقد روى الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن ~~عبدالله بن عكيم قال قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فاحتج بذلك من حظر جلد الميتة بعد الدباغ ~~وغير جائز معارضة الأخبار الواردة في الإباحة PageV01P143 بهذا الخبر من ~~وجوه أحدها أن الأخبار التي قدمناها في حيز التواتر الموجب للعلم وحديث ~~عبدالله بن عكيم ورد من طريق الآحاد وقد روى عاصم بن علي عن قيس بن الربيع ~~عن حبيب بن أبي ثابت عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عبدالله بن عكيم قال كتب ~~إلينا عمر بن الخطاب أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فذكر في هذا ~~الحديث أن عمر كتب إليهم بذلك فلا يجوز معارضة الأخبار التي قدمنا بمثله ~~ومن جهة أخرى أنهما لو تساويا في النقل لكان ms0179 خبر الإباحة أولى لاستعمال ~~الناس له وتلقيهم إياه بالقبول ووجه آخر وهو أن خبر عبدالله بن عكيم لو ~~انفرد عن معارضة الأخبار التي قدمنا لم يكن فيه ما يوجب تحريم الجلد بعد ~~الدباغ لأنه قال لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهو إنما يسمى إهابا ~~قبل الدباغ والمدبوغ لا يسمى إهابا وإنما يسمى أديما فليس إذا في هذا الخبر ~~ما يوجب تحريمه بعد الدباغ وأما قول الليث بن سعد في إباحة بيع جلد الميتة ~~قبل الدباغ فقول خارج عن اتفاق الفقهاء لم يتابعه عليه أحد ومع ذلك هو ~~مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) ~~لأنه قبل الدباغ يسمى إهابا والبيع من وجوه الانتفاع فوجب أن يكون محظورا ~~بقوله ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) قال أبو بكر فإن قال قائل ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما حرم من الميتة أكلها ) يدل على أن التحريم ~~مقصور على الأكل دون البيع قيل له فينبغي أن تجيز بيع لحمها بقوله إنما حرم ~~أكلها فإذا لم يجز بيع اللحم مع قوله إنما حرم أكلها كذلك حكم الجلد قبل ~~الدباغ فإن قال قائل منعت بيع اللحم بقوله إنما حرم أكلها قيل له وأمنع بيع ~~الجلد بقوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ لأنه لم يفرق بين الجلد واللحم ~~وإنما خص من جملته المدبوغ منه دون غيره وأيضا فروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ~~) وإذا كان الجلد محرم الأكل قبل الدباغ كتحريم اللحم وجب أن لا يجوز بيعه ~~كبيع اللحم نفسه وكبيع سائر المحرمات لأعيانها كالخمر والدم ونحوهما وأما ~~جلد الكلب فيلحقه الدباغ ويطهر إذا كان ميتة لقوله صلى الله عليه وسلم ( ~~أيما إهاب دبغ فقد طهر ) وقال ( دباغ الأديم ذكاته ) ولم يفرق بين الكلب ~~وغيره ولأنه تلحقه الذكاة عندنا لو ذبح لكان طاهرا فإن قيل إذا كان نجسا في ~~حال الحياة كيف يطهر بالدباغ قيل له كما ms0180 يكون جلد الميتة نجسا ويطهره ~~الدباغ لأن الدباغ ذكاته كالذبح وأما الخنزير فلا تلحقه الذكاة لأنه محرم ~~العين بمنزلة الخمر والدم PageV01P144 فلا تعمل فيه الذكاة ألا ترى أنه لا ~~يجوز الانتفاع به في حال الحياة والكلب يجوز الانتفاع به في حال الحياة ~~فليس هو محرم العين والله أعلم # | باب تحريم ا لانتفاع بدهن الميتة # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ وقال ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة وهذان ~~الظاهران يحظران دهن الميتة كما أوجبا حظر لحمها وسائر أجزائها وقد روى ~~محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك فقالوا يا رسول الله إنا نجمع ~~هذه الأوداك وهي من الميتة وعكرها وإنما هي للأدم والسفن فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ~~أثمانها ) فنهاهم عن ذلك فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تحريم الله ~~تعالى إياها على الإطلاق قد أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها وقد ذكر ~~عن ابن جريج عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن وهو قول شاذ وقد ورد ~~الأثر بتحريمه واقتضى ظاهر الآية حظره # | باب الفأرة تموت في السمن # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة @QE@ وقوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة @QE@ لم يقتض تحريم ما ماتت فيه من المائعات وإنما اقتضى ~~تحريم عين الميتة وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة فلم ينتظمه لفظ التحريم ~~ولكنه محرم الأكل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى الزهري عن سعيد ~~بن المسيب عن أبي هريرة قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في ~~السمن فقال صلى الله عليه وسلم إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان ~~مائعا فلا تقربوه وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ~~وروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله ms0181 عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في ~~سمن فماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم القوها وما حولها ثم كلوه وروى ~~عبدالجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله بن عمر عن ابن عمر أنه ~~أخبره أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله رجل عن فأرة وقعت ~~في ودك لهم فقال أجامد هو قال نعم قال اطرحوها واطرحوا ما حولها وكلوا ~~ودككم قالوا يا رسول الله إنه مائع قال فانتفعوا به ولا تأكلوه فأطلق النبي ~~صلى الله عليه وسلم جواز ا لانتفاع به من غير جهة الأكل وهذا يقتضي جواز ~~PageV01P145 بيعه لأنه ضرب من ضروب الانتفاع ولم يخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا منه وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري والحسن ~~في آخرين من السلف جواز الانتفاع به من غير جهة الأكل قال أبوموسى بيعوه ~~ولا تطعموه ولا نعلم أحدا من الفقهاء منع الإنتفاع به من جهة الاستصباح ~~ودبغ الجلود ونحوه ويجوز بيعه عند أصحابنا أيضا ويبين عيبه وحكى عن الشافعي ~~أن بيعه لا يجوز ويجوز الإستصباح به وقد روي في حديث ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إطلاق الإنتفاع من غير تخصيص منه لوجه دون يجوز بيع سائر ~~الأشياء التي يجوز الإنتفاع بها من نحو الحمار والبغل إذ ليس لهذه الأشياء ~~حق في منع البيع وهو مما يجوز الإنتفاع به وهو غير محرم العين فإن قيل يجوز ~~الإنتفاع بأم الولد والمدبر ولا يجوز بيعهما قيل له هذا لا يلزم على ما ~~ذكرنا لأنا قيدنا المعنى بأنه لا حق لما جاز الإنتفاع به من ذلك في منع ~~بيعه فلم يمنع تحريم أكله جواز بيعه من حيث جاز الإنتفاع به من غير جهة ~~الأكل ولا حق له في منع البيع وأما المدبر وأم الولد فإنه قد ثبت لهما حق ~~العتاق وفي جواز بيعهما إبطال لحقهما فلذلك منع بيعهما مع إطلاق سائر وجوه ~~الإنتفاع فيهما وليس هذا ms0182 عندهم بمنزلة ودك الميتة لأنه محرم العين كلحمها ~~ممنوع الإنتفاع به من سائر الوجوه وليس ما مات فيه الفأرة من المائعات ~~بمحرم العين وإنما هو محرم الأكل لمجاورته الميتة وسائر وجوه المنافع مطلقة ~~فيه سوى الأكل فكان بيعه بمنزلة بيع الحمار والبغل والكلب ونحوه مما يجوز ~~الإنتفاع به ولا يجوز أكله وكذلك الرقيق يجوز بيعهم كسائر منافعهم وقد دل ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بإلقاء الفأرة وما حولها في الجامد ~~منه على معنيين أحدهما أن ما كان نجسا في نفسه فإنه ينجس بالمجاورة لحكمه ~~فيما جاور الفأرة منه بالنجاسة وإن ما ينجس بالمجاورة لا ينجس ما جاوره إذ ~~لم يحكم بنجاسة السمن المجاور للسمن النجس لأنه لو وجب الحكم بذلك لوجب ~~الحكم بتنجيس سائر سمن الإناء بمجاورة كل جزء منه لغيره فهذا أصل قد ثبت ~~بالسنة وكل ذلك يدل على اختلاف مراتب النجاسة في التغليظ والتخفيف وأنها ~~ليست متساوية المنازل فجاز من أجل ذلك أن يعتبر في بعضها أكثر من قدر ~~الدرهم وفي بعضها الكثير الفاحش على حسب قيام دلالة التخفيف والتغليظ والله ~~أعلم بالصواب PageV01P146 # | باب القدر يقع فيها ا لطير فيموت # ذكر أبو جعفر الطحاوي قال سمعت أبا حازم القاضي يحدث عن سويد بن سعيد عن ~~علي بن مسهر قال كنت عند أبي حنيفة رضي الله عنه فأتاه ابن المبارك بهيئة ~~خراساني فسأله عن رجل نصب له قدرا فيها لحم على النار فمر طير فوقع فيها ~~فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه ماذا ترون فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم ~~يؤكل بعد ما يغسل ويهراق المرق فقال أبو حنيفة بهذا نقول ولكن هو عندنا على ~~شريطة فإن كان وقع فيها في حال سكونها فكما في هذه الرواية وإن وقع فيها في ~~حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق فقال له ابن المبارك ولم ذلك فقال ~~لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم وإذا وقع في ~~حال سكونها فمات فإن الميتة وسخت ms0183 اللحم فقال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين ~~هذا زرين بالفارسية يعني المذهب وروى ابن المبارك عن عباد بن راشد عن الحسن ~~مثل جواب أبي حنيفة رضي الله عنه وقد ذكر أبو حنيفة رضي الله عنه علة فرقه ~~بين وقوعه في حال الغليان وحال السكون وهو فرق ظاهر وقال ابن وهب عن مالك ~~في الدجاجة تقع في قدر اللحم وهي تطبخ فتموت فيها قال لا أرى أن آكل تلك ~~القدر لأن الميتة قد اختلطت بما كان في القدر وقال الأوزاعي يغسل اللحم ~~ويؤكل وقال الليث بن سعد لا يؤكل ذلك اللحم حتى يغسل مرارا ويغلي على النار ~~حتى يذهب كل ما كان فيه وقد روى ابن المبارك عن عثمان بن عبدالله الباهلي ~~قال حدثني عكرمة عن ابن عباس في طير وقع في قدر فمات فقال يهراق المرق ~~ويؤكل اللحم ولم يذكر فيه حال الغليان وروى محمد بن ثوبان عن السائب بن ~~خباب أنه كان له قدر على النار فسقطت فيها دجاجة فماتت ونضجت مع اللحم ~~فسألت ابن عباس فقال اطرح الميتة واهرق المرق وكل اللحم فإن كرهته فأرسل ~~إلي منه عضوا أو عضوين وهذا أيضا لا دلالة فيه على حال الغليان لأنه جائز ~~أن يكون وقعت فيه بعد سكون الغليان والمرق حار فنضجت والله سبحانه أعلم # | باب النفحة الميتة ولبنها # قال أبو حنيفة لبن الميتة وأنفحتها طاهران لا يلحقهما حكم النجاسة وقال ~~أبو يوسف ومحمد والثوري يكره اللبن لأنه في وعاء نجس وكذلك الأنفحة إذا ~~كانت مائعة فإن كانت جامدة فلا بأس وقالوا جميعا في البيضة إذا كانت من ~~دجاجة ميتة فلا بأس بها وقال مالك PageV01P147 وعبدالله بن الحسن والشافعي ~~لا يحل اللبن في ضروع الميتة وقال الليث بن سعد لا تؤكل البيضة التي تخرج ~~من دجاجة ميتة وقال عبدالله بن الحسن أكره أن أرخص فيها قال أبو بكر اللبن ~~لا يجوز أن يلحقه حكم الموت لأنه لا حياة فيه ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي ~~حية فيؤكل فلو كان مما ms0184 يلحقه حكم الموت لم يحل إلا بذكاة الأصل كسائر أعضاء ~~الشاة وأيضا فإن قوله نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين عام في سائر الألبان فاقتضى ذلك شيئين أحدهما أن اللبن لا يموت ~~ولا يحرمه موت الشاة والثاني أنه لا ينجس بموت الشاة ولا يكون بمنزلة لبن ~~جعل في وعاء ميت فإن قيل ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل ~~في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع الميتة قيل الفرق بينهما أن موضع ~~الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة والدليل على ذلك اتفاق المسلمين ~~على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير ~~تطهير ولا غسل لذلك فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق ~~فيه ودليل آخر وهو قوله @QB@ من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ~~@QE@ وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما ما قدمناه آنفا في صدر المسئلة ~~في اقتضائه لبن الحية ولبن الميتة والثاني إخباره بخروجه من بين فرث ودم ~~هما نجسان مع الحكم بطهارته ولم تكن مجاورته لهم موجبة لتنجيسه لأنه موضع ~~الخلقة كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه ويدل على ذلك أيضا ما رواه ~~شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة الطائف بجبنة فجعلوا يقرعونها بالعصا فقال أين يصنع هذا فقالوا بأرض ~~فارس فقال اذكروا اسم الله عليه وكلوا ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة وقد ~~أباح صلى الله عليه وسلم أكلها مع العلم بأنها من صنعة أهل فارس وأنهم ~~كانوا إذ ذاك مجوسا ولا ينعقد الجبن إلا بأنفحة فثبت بذلك أن أنفحة الميتة ~~طاهرة وقد روى القاسم بن الحكم عن غالب بن عبدالله عن عطاء بن أبي رباح عن ~~ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الجبن فقال ضعي السكين ms0185 واذكري اسم الله تعالى وكلي فأباح النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث أكل الجميع منه ولم يفصل بين ما صنع منه بأنفحة ~~ميتة أو غيرها وقد روي عن علي وعمر وسلمان وعائشة وابن عمر وطلحة بن ~~عبيدالله وأم سلمة والحسن بن علي إباحة أكل الجبن الذي فيه أنفحة الميتة ~~فدل ذلك على أن الأنفحة طاهرة وإن كانت PageV01P148 من ميتة وإذا ثبت بما ~~وصفنا طهارة الأنفحة وإن كانت من ميتة ثبت طهارة لبن الميتة وأنفحتها ووجب ~~أن يكون ذلك حكم البيضة الخارجة من الدجاجة الميتة لأنها تبين منها في ~~حياتها وهي طاهرة يجوز أكلها فكذلك بعد موتها لأنها لو كانت مما يحتاج إلى ~~ذكاة لما أباحها إلا ذكاة الأصل كسائر أعضائها لما كان شرط إباحتها الذكاة ~~لم تحل إلا بذكاة الأصل # | باب شعر الميتة وصوفها والفراء وجلود السباع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومحمد بن صالح وعبيدالله بن الحسن ~~يجوز الانتفاع بعظام الميتة ولا بأس بشعر الميتة وصوفها ولا يكون ميتة لأنه ~~يؤخذ منها في حال الحياة وقال الليث لا ينتفع بعصب الميتة ولا بعقبها ولا ~~أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به ولا بأس بعظام الميتة ولا الشعر ولا ~~الصوف حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا ~~سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي قال حدثنا يوسف بن الشقر قال حدثنا الأوزاعي ~~عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال سمعت أم سلمة قالت سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول ( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها ~~وقرنها إذا اغتسل بالماء ) حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال حدثنا الحسن ابن عمر قال حدثنا عبدالله بن سلمة عن ابن أبي ليلى ~~عن ثابت البناني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال حدثني أبي أنه كان عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسأله رجل عن الصلاة في الفراء والمساتق قال وفي الدباغ ~~عنكم وروى يحيى الحماني قال حدثنا سيف ms0186 بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي ~~عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الفراء والجبن والسمن فقال إن الحلال الذي أحل الله تعالى في القرآن ~~والحرام الذي حرم الله تعالى في القرآن وما سكت عنه فهو عفو منه قال أبو ~~بكر هذه الأخبار فيها إباحة الشعر والصوف والفراء والجبن من وجهين أحدهما ~~ما ذكرناه في حديث أم سلمة من النص على إباحة الشعر والصوف من الميتة وحديث ~~ابن أبي ليلى في إباحة الفراء والمساتق والآخر ما ذكر في حديث سلمان وفيه ~~دلالة على الإباحة من وجهين أحدهما أنه لو كان محرما لأجابه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالتحريم والثاني أن مالم يذكر بتحريم ولا تحليل فهو مباح بقوله ~~وما سكت عنه فهو عفو وليس في القرآن تحريم الشعر والصوف ونحوهما بل فيه ما ~~يوجب الإباحة وهو قوله @QB@ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع @QE@ ~~والدفء ما يتدفأ به من شعرها ووبرها PageV01P149 وصوفها وذلك يقتضي إباحة ~~الجميع من الميتة والحي وقال تعالى @QB@ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين @QE@ فعم الجميع بالإباحة من غير فصل بين المذكى منه ~~وبين الميتة ومن حظر هذه الأشياء من الميتة احتج فيه بقوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة @QE@ وذلك يتناولها بجميع أجزائها فإذا كان الصوف والشعر ~~والعظام ونحوها من أجزائها اقتضت الآية تحريم جميعها فيقال له إنما المراد ~~بالآية ما يتأتى فيه الأكل والدليل عليه قوله تعالى في الآية الأخرى @QB@ ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ فأخبر أن التحريم مقصور ~~على ما يتأتى فيه الأكل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما حرم من ~~الميتة لحمها ) وفي خبر آخر ( إنما حرم أكلها ) فأبان النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن مراد الله تعالى بتحريم الميتة فلما لم يكن الشعر والصوف والعظم ~~ونحوها مما ذكرنا من المأكول لم يتناولها التحريم ومن حيث خصصنا جلد الميتة ~~والمدبوغ بالإباحة للآثار الواردة فيه وجب تخصيص الشعر والصوف وما لا ms0187 يتأتى ~~فيه الأكل من جملة المحرم بالآثار المروية فيها مما قدمنا ذكره ويدل عليه ~~أيضا من جهة أخرى وهي أن جلد الميتة لما كان خروجه عن حد الأكل بالدباغ ~~مبيحا له وجب أن يكون ذلك حكم سائر ما لا يتأتى فيه الأكل منها من الشعر ~~والصوف ونحوهما ويدل عليه أيضا أن الأخبار الواردة في إباحة الانتفاع بجلود ~~الميتة لم يذكر فيها حلق الشعر والصوف عنها بل فيها الإباحة على الإطلاق ~~فاقتضى ذلك إباحة الإنتفاع بها بما عليها من الشعر والصوف ولو كان التحريم ~~ثابتا في الصوف والشعر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أن الجلود لا ~~تخلو من أجزاء الحيوان مما ليس فيه حياة وما لا حياة فيه لا يلحقه حكم ~~الموت ووجود النماء فيها لا يوجب لها حياة لأن الشجر والنبات ينميان ولا ~~حياة فيهما ولا يلحقهما حكم الموت فكذلك الشعر والصوف ويدل عليه أيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميت ) ويبين ~~منها الشعر والصوف ولا يلحقهما حكم الموت فلو كان مما يلحقهما حكم الموت ~~لوجب أن لا يحل إلا بذكاة الأصل كسائر أعضاء الحيوان فدل ذلك على أنه لا ~~يلحقه حكم الموت ولا يحتاج إلى ذكاة وقد روي عن الحسن ومحمد بن سيرين وسعيد ~~بن المسيب PageV01P150 وإبراهيم إباحة شعر الميتة وصوفها وروي عن عطاء ~~كراهية الميتة وعظام الفيل وعن طاوس كراهة عظام الفيل وروي عن ابن عمر أنه ~~رأى على رجل فروا فقال لو أعلمه ذكيا لسرني أن يكون لي منه ثوب وذكر أنس أن ~~عمر رأى على رجل قلنسوة ثعلب فنزعها وقال ما يدريك لعله مما لم يذك وقد ~~اختلف في جلود السباع فكرهها قوم وأباحها أصحابنا ومن قدمنا ذكره من ~~الصحابة والتابعين وقد روى عطاء عن ابن عباس وأبو الزبير عن جابر ومطرف عن ~~عمار إباحة الانتفاع بجلود السباع وعن علي بن حسين والحسن وإبراهيم والضحاك ~~وابن سيرين لا بأس بلبس جلود السباع وعن عطاء عن عائشة ms0188 في الفراء دباغها ~~ذكاتها فإن قال قائل روى قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن جلود السباع وقتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال ~~لنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تعلمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن سروج النمور أن يركب عليها قالوا نعم وقد تنازع أهل العلم معنى ~~هذين الحديثين فقال قائلون هذا نهي تحريم يقتضي تحريم لبسها على كل حال ~~وقال آخرون هو على وجه الكراهية والتشبه بزي العجم كما روى أبو إسحاق عن ~~هبيرة بن مريم عن علي قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب وعن ~~لبس القسي وعن الثياب الحمر وما روي عن الصحابة في إباحة لبس جلود السباع ~~والانتفاع بها يدل على أن النهي على وجه الكراهية والتشبه بالعجم وقد تقدم ~~ذكر حديث سلمان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة لبس الفراء ~~والانتفاع بها وقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر وقوله دباغ ~~الأديم ذكاته عام في جلود السباع وغيرها وهذا يدل على أن النهي عن جلود ~~السباع ليس من جهة النجاسة بل على وجه الكراهة والتشبه بالعجم # | باب تحريم الدم # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم @QE@ وقال @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة والدم @QE@ فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ~~ذلك تحريم سائر الدماء قليلها وكثيرها فلما قال في آية أخرى @QB@ قل لا أجد ~~فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا @QE@ ~~دل ذلك على أن المحرم من الدم هو المسفوح دون غيره فإن قال قائل قوله @QB@ ~~أو دما مسفوحا @QE@ خاص فيما كان منه على هذه الصفة وقوله في الآيتين ~~الأخريين عام في سائر الدماء فوجب إجراؤه على عمومه إذ ليس في الآية ما ~~يخصه قيل PageV01P151 له قوله أو دما مسفوحا جاء فيه نفي لتحريم سائر ~~الدماء إلا ما كان منه بهذا الوصف لأنه ms0189 قال @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم @QE@ إلى قوله @QB@ أو دما مسفوحا @QE@ وإذا كان ذلك عل ما ~~وصفنا لم يخل من أن يكون قوله @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم @QE@ ~~متأخرا عن قوله @QB@ أو دما مسفوحا @QE@ أو أن يكونا نزلا معا فلما عدمنا ~~تاريخ نزول الآيتين وجب الحكم بنزولهما معا فلا يثبت حينئذ تحريم الدم إلا ~~معقودا بهذه الصفة وهو أن يكون مسفوحا وحدثنا أبو القاسم عبدالله بن محمد ~~بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني أخبرنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال لولا هذه ~~الآية @QB@ أو دما مسفوحا @QE@ لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود ~~وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا ~~معمر عن قتادة في قوله أو دما مسفوحا قال حرم من الدم ما كان مسفوحا وأما ~~اللحم يخالطه الدم فلا بأس به وروى القاسم بن محمد عن عائشة أنها سئلت عن ~~الدم يكون في اللحم والمذبح قالت إنما نهى الله عن الدم المسفوح ولا خلاف ~~بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء الدم في العروق لأنه غير ~~مسفوح ألا ترى أنه متى صب عليه الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه وليس هو بمحرم ~~إذ ليس هو مسفوحا ولما وصفنا قال أصحابنا إن دم البراغيث والبق والذباب ليس ~~بنجس وقالوا أيضا إن دم السمك ليس بنجس لأنه يؤكل بدمه وقال مالك في دم ~~البراغيث إذا تفاحش غسله ويغسل دم الذباب ودم السمك وقال الشافعي لا يفسد ~~الوضوء غلا أن تقع منه نجاسة مندم أو بول أو غيره فعم الدماء كلها فإن قال ~~قائل قوله حرمت عليكم الميتة والدم وقوله أو دما مسفوحا يوجب تحريم دم ~~السمك لأنه مسفوح قيل له هذا مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم ( أحلت لي ~~ميتتان ودمان السمك والجراد ) فلما أباح السمك بما فيه من الدم من غير ~~إراقة دمه وقد تلقى المسلمون هذا الخبر بالقبول في ms0190 إباحة السمك من غير ~~إراقة دمه وجب تخصيص الآية في إباحة دم السمك إذ لو كان محظورا لما حل دون ~~إراقة دمه كالشاة وسائر الحيوان ذوات الدماء والله أعلم # | باب تحريم الخنزير # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ PageV01P152 وقال ~~تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير @QE@ فنص في هذه الآيات على تحريم لحم الخنزير ~~والأمة عقلت من تأويله ومعناه مثل ما عقلت من تنزيله واللحم وإن كان مخصوصا ~~بالذكر فإن المراد جميع أجزائه وإنما خص اللحم بالذكر لأنه أعظم منفعته وما ~~يبتغى منه كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله ~~في الصيد وخص القتل بالذكر لأنه أعظم ما يقصد به الصيد وكقوله تعالى @QB@ ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ فخص ~~البيع بالنهي لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم والمعنى جميع الأمور ~~الشاغلة عن الصلاة وإنما نص على البيع تأكيدا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة ~~كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدا لحكم تحريمه وحظرا لسائر أجزائه فدل على ~~أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصا في لحمه وقد اختلف الفقهاء ~~في جواز الإنتفاع بشعر الخنزير فقال أبو حنيفة ومحمد يجوز الإنتفاع به ~~للخرز وقال أبو يوسف أكره الخرز به وروي عنه الإباحة وقال الأوزاعي لا بأس ~~أن يخاط بشعر الخنزير ويجوز للخراز أن يشتريه ولا يبيعه وقال الشافعي لا ~~يجوز الإنتفاع بشعر الخنزير قال أبو بكر لما كان المنصوص عليه في الكتاب من ~~الخنزير لحمه وكان ذلك تأكيدا لحكم تحريمه على ما بينا جاز أن يقال أن ~~التحريم قد يتناول الشعر وغيره وجائز أن يقال أن التحريم منصرف إلى ما كان ~~فيه الحياة منه مما لم يألم بأخذه منه فأما الشعر فإنه لما لم يكن فيه حياة ~~لم يكن من أجزاء ms0191 الحي فلم يلحقه حكم التحريم كما بينا في شعر الميتة وأن ~~حكم المذكى والميتة في الشعر سواء إلا أن من أباح الإنتفاع به من أصحابنا ~~فذكر أنه إنما أجازه استحسانا وهذا يدل على أن التحريم قد تناول الجميع ~~عندهم بما عليه من الشعر وإنما استحسنوا إجازة الإنتفاع به للخرز دون جواز ~~بيعه وشرائه لما شاهدوا المسلمين وأهل العلم يقرون الأساكفة على استعماله ~~من غير نكير ظهر منهم عليهم فصار هذا عندهم إجماعا من السلف على جواز ~~الإنتفاع به وظهور العمل من العامة في شيء مع إقرار السلف إياهم عليه ~~وتركهم النكير عليهم يوجب إباحته عندهم وهذا مثل ما قالوا في إباحة دخول ~~الحمام من غير شرط أجرة معلومة ولا مقدار معلوم لما يستعمله من الماء ولا ~~مقدار مدة لبثه فيه لأن هذا كان ظاهرا مستفيضا في عهد السلف PageV01P153 من ~~غير منكر به على فاعليه فصار ذلك إجماعا منهم وكذلك قالوا في الاستصناع ~~أنهم أجازوه لعمل الناس ومرادهم فيه إقرار السلف الكافة على ذلك وتركهم ~~النكير عليهم في استعماله فصار ذلك أصلا في جوازه ونظائر ذلك كثيرة واختلف ~~أهل العلم في خنزير الماء فقال أصحابنا لا يؤكل وقال مالك وابن أبي ليلى ~~والشافعي والأوزاعي لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر وقال الشافعي لا بأس ~~بخنزير الماء ومنهم من يسميه حمار الماء وقال اللبث بن سعد لا يؤكل إنسان ~~الماء ولا خنزير الماء قال أبو بكر ظاهر قوله ولحم الخنزير موجب لحظر جميع ~~ما يكون منه في البر وفي الماء لشمول الإسم له فإن قيل إنما ينصرف هذا إلى ~~خنزير البر لأنه الذي يسمى بهذا الاسم على الإطلاق وخنزير الماء لا يطلق ~~عليه الاسم وإنما يسمى به مقيدا واسمه الذي يطلق عليه في العادة حمار الماء ~~قيل له لا يخلو خنزير الماء من أن يكون على خلقة خنزير البر وصفته أو على ~~غير ذلك فإن كان على هذه الخلقة فلا فرق بينهما في إطلاق الاسم عليه من قبل ~~أن كونه ms0192 في الماء لا يغير حكمه إذا كان في معناه وعلى خلقته إلا أن تقوم ~~الدلالة على خصوصه وإن كان على خلقة أخرى غيرها ومن أجلها يسمى حمار الماء ~~فكأنهم إنما أجروا اسم الخنزير على ما ليس بخنزير ومعلوم أن أحدا لم يخطئهم ~~في التسمية فدل ذلك على أنه خنزير على الحقيقة وأن الاسم يتناوله على ~~الإطلاق وتسميتهم إياه حمار الماء لا يسلبه اسم الخنزير إذ جائز أن يكونوا ~~سموه بذلك ليفرقوا بينه وبين خنزير البر وكذلك كلب الماء وكلب البر سواء لا ~~فرق بينهما إذ كان الاسم يتناول الجميع وإن خالفه في بعض أوصافه والله أعلم # | باب تحريم ما أهل به لغير الله # قال الله تعالى @QB@ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~به لغير الله @QE@ ولا خلاف بين المسلمين أن المراد به الذبيحة إذا اهل بها ~~لغير الله عند الذبح فمن الناس من يزعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان ~~الذين كانوا يذبحون لأوثانهم كقوله تعالى @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ ~~وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول ~~والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وقالوا إن الله تعالى قد أباح أكل ذبائحهم ~~مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح على ذبائحهم وهو مذهب الأوزاعي والليث بن ~~سعد أيضا وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي لا تؤكل ~~PageV01P154 ذبائحهم إذا سموا عليها باسم المسيح وظاهر قوله تعالى @QB@ وما ~~أهل به لغير الله @QE@ يوجب تحريمها إذا سمي عليها باسم غير الله لأن ~~الإهلال به لغير الله هو إظهار غير اسم الله ولم يفرق في الآية بين تسمية ~~المسيح وبين تسمية غيره بعد أن يكون الإهلال به لغير الله وقوله في آية ~~أخرى @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ وعادة العرب في الذبائح للأوثان غير مانع ~~اعتبار عموم الآية فيما اقتضاه من تحريم ما سمي عليه غير الله تعالى وقد ~~روى عطاء بن السائب عن زادان وميسرة أن عليا عليه السلام قال إذا سمعتم ~~اليهود والنصارى يهلون لغير ms0193 الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن ~~الله قد أحال ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وأما ما احتج به القائلون بإباحة ~~ذلك لإباحة الله طعام أهل الكتاب مع علمه بما يقولون فليس فيه دلالة على ما ~~ذكر ولأن إباحة طعام أهل الكتاب معقودة بشريطة أن لا يهلوا لغير الله إذ ~~كان الواجب علينا استعمال الآيتين بمجموعهما فكأنه قال @QB@ وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ مالم يهلوا به لغير الله فإن قال قائل إن ~~النصرانيإذا سمى الله فإنما يريد به المسيح عليه السلام فإذا كان إرادته ~~كذلك ولم تمنع صحة ذبيحته وهو مع ذلك مهل به لغير الله كذلك ينبغي أن يكون ~~حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله تعالى في إرادته المسيح قيل له لا يجب ~~ذلك لأن الله تعالى إنما كلفنا حكم الظاهر لأن الإهلال هو إظهار القول فإذا ~~أظهر اسم غير الله لم تحل ذبيحته لقوله @QB@ وما أهل به لغير الله @QE@ ~~وإذا أظهر اسم الله فغير جائز لنا حمله على اسم المسيح عنده لأن حكم ~~الأسماء أن تكون محمولة على حقائقها ولا تحمل على مالا يقع الاسم عليه ~~عندنا ولا يستحقه ومع ذلك فليس يمتنع أن تكون العبادة علينا في اعتبار ~~إظهار الاسم دون الضمير ألا ترى أن من أظهر القول بالتوحيد وتصديق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كان حكمه حكم المسلمين مع جواز اعتقاده للتشبيه المضاد ~~للتوحيد وكذلك قال صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله ) وقد أعلمه الله أن في القوم منافقين يعتقدون غير ما يظهرون ولم ~~يجرهم مع ذلك مجرى سائر المشركين بل حكم لهم فيما يعاملون به من أحكام ~~الدنيا بحكم سائر المسلمين على ما ظهر من أمورهم دون ما بطن من ضمائرهم ~~وكذلك جائز أن تكون صحة ذكاة النصراني متعلقة بإظهار اسم الله تعالى وأنه ~~متى أظهر اسم المسيح لم تصح ذكاته كسائر ms0194 المشركين إذا أظهروا على ذبائحهم ~~PageV01P155 أسماء أوثانهم والله أعلم # | باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة # قال الله تعالى @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه @QE@ وقال في ~~آية أخرى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه @QE@ وقال ~~@QB@ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم @QE@ فقد ذكر ~~الله تعالى الضرورة في هذه الآيات وأطلق الإباحة في بعضا بوجود الضرورة من ~~غير شرط ولا صفة وهو قوله @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه @QE@ فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة ~~فيها واختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~@QE@ فقال ابن عباس والحسن ومسروق غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل وهو ~~قول أصحابنا ومالك بن أنس وأباحوا للبغاة الخارجين على المسلمين أكل الميتة ~~عند الضرورة كما أباحوه لأهل العدل وقال مجاهد وسعيد بن جبير إذا لم يخرج ~~باغيا على إمام المسلمين ولم يكن سفره في معصية فله أن يأكل الميتة إذا ~~اضطر إليها وإن كان سفره في معصية أو كان باغيا على الإمام لم يجز له أن ~~يأكل وهو قول الشافعي وقوله إلا ما اضطررتم إليه يوجب الإباحة للجميع من ~~المطيعين والعصاة وقوله في الآية الأخرى @QB@ غير باغ ولا عاد @QE@ وقوله ~~@QB@ غير متجانف لإثم @QE@ لما كان محتملا أن يريد به البغي والعدوان في ~~الأكل واحتمل البغي على الإمام أو غيره لم يجز لنا تخصيص عموم الآية الأخرى ~~بالاحتمال بل الواجب حمله على ما يواطئ معنى العموم من غير تخصيص وأيضا فقد ~~اتفقوا على أنه لو لم يكن سفره في معصية بل كان سفره لحج أو غزو أو تجارة ~~وكان مع ذلك باغيا على رجل في أخذ ماله أو عاديا في ترك صلاة أو ذكاة لم ~~يكن ما هو عليه من البغي والعدوان مانعا من استباحة الميتة للضرورة فثبت ~~بذلك أن قوله غير باغ ولا عاد لم يرد به ms0195 إنفاء البغي والعدوان في سائر ~~الوجوه وليس في الآية ذكر شيء منه مخصوص فيوجب ذلك كون اللفظ مجملا مفتقرا ~~إلى البيان فلا يجوز تخصيص الآية الأولى به لتعذر استعماله على حقيقته ~~وظاهره ومتى حملنا ذلك على البغي والتعدي في الأكل استعملنا اللفظ على ~~عمومه وحقيقته فيما أريد به وورد فيه فكان حمله على ذلك أولى من وجهين ~~أحدهما أنه يكون مستعملا على عمومه والآخر أنا لا نوجب به تخصيص قوله @QB@ ~~إلا ما اضطررتم إليه @QE@ PageV01P156 وكذلك @QB@ غير متجانف لإثم @QE@ لا ~~يخلو من أن يريد به مجانبة سائر الآثام حتى يكون شرط ا لإباحة للمضطر أن ~~يكون غير متجانف لإثم أصلا في الأكل وغيره حتى إن كان مقيما على ترك رد ~~مظلمة درهم أو ترك صلاة أو صوم لم يتب منه لا يحل له الأكل أو أن يكون جائز ~~له الأكل مع كونه مقيما على ضرب من المعاصي بعد أن لا يكون سفره في معصية ~~ولا خارجا على إمام وقد ثبت عند الجميع أن إقامته على بعض المعاصي لا تمنع ~~استباحته للميتة عند الضرورة فثبت أن ذلك ليس بمراد ثم بعد ذلك يحتاج في ~~إثبات المأثم الذي يمنع الإستباحة إلى دلالة من غير الآية وهذا يوجب إجمال ~~اللفظ وافتقاره إلى البيان فيؤدي ذلك إلى وقوف حكم الآية على بيان من غيرها ~~ومتى أمكننا استعمال حكم الآية وجب علينا استعمالها وجهة إمكان استعمالها ~~ما وصفنا من إثبات المراد بغيا وتعديا في الأكل بأن لا يتناول منها إلا ~~بمقدار ما يمسك الرمق ويزيل خوف التلف وأيضا قال الله تعالى @QB@ ولا ~~تقتلوا أنفسكم @QE@ ومن امتنع من المباح حتى مات كان قاتلا نفسه متلفا لها ~~عند جميع أهل العلم ولا يختلف في ذلك عندهم حكم العاصي والمطيع بل يكون ~~امتناعه عند ذلك من الأكل زيادة على عصيانه فوجب أن يكون حكمه وحكم المطيع ~~سواء في استباحة الأكل عند الضرورة ألا ترى أنه لو امتنع من أكل المباح من ~~الطعام معه حتى مات كان عاصيا لله تعالى ms0196 وإن كان باغيا على الإمام خارجا في ~~سفر معصية والميتة عند الضرورة بمنزلة المذكى في حال الإمكان والسعة فإن ~~قيل قد يمكنه الوصول إلى استباحة أكل الميتة بالتوبة فإذا لم يتب فهو ~~الجاني على نفسه قيل له أجل هو كما قلت إلا أنه غير مباح له الجناية على ~~نفسه بترك الأكل وإن لم يتب لأن ترك التوبة لا يبيح له قتل نفسه وهذا ~~العاصي متى ترك الأكل في حال الضرورة حتى مات كان مرتكبا لضربين من المعصية ~~أحدهما خروجه في معصية والثاني جنايته على نفسه بترك الأكل وأيضا فالمطيع ~~والعاصي لا يختلفان فيما يحل لهما من المأكولات أويحرم ألا ترى أن سائر ~~المأكولات التي هي مباحة للمطيعين هي مباحة للعصاة كسائر الأطعمة والأشربة ~~المباحة وكذلك ما حرم من الأطعمة والأشربة لا يختلف في تحريمه حكم المطيعين ~~والعصاة فلما كانت الميتة مباحة للمطيعين عند الضرورة وجب أن يكون كذلك حكم ~~العصاة فيها كسائر الأطعمة المباحة في غير حال الضرورة فإن قال قائل إباحة ~~الميتة رخصة للمضطر ولا رخصة للعاصي PageV01P157 قيل له قد انتظمت هذه ~~المعارضة الخطأ من وجهين أحدهما قولك إباحة الميتة رخصة للمضطر وذلك لأن ~~أكل الميتة فرض على المضطر والإضطرار يزيل الحذر ومتى امتنع المضطر من ~~أكلها حتى مات صار قاتلا لنفسه بمنزلة من ترك أكل الخبز وشرب الماء في حال ~~الإمكان حتى مات كان عاصيا لله جانيا على نفسه ولا خلاف في أن هذا حكم ~~المضطر إلى الميتة غير الباغي فقول القائل إباحة الميتة رخصة للمضطر بمنزلة ~~قوله لو قال إن إباحة أكل الخبز وشرب الماء رخصة لغير المضطر ولا يطلق هذا ~~أحد يعقل لأن الناس كلهم يقولون فرض على المضطر إلى الميتة أكلها فلا فرق ~~بينهما ولما لم يختلف العاصي والمطيع في أكل الخبز وشرب الماء كذلك في أكل ~~الميتة عند الضرورة وأما الوجه الثاني من الخطأ فهو قولك أنه لا رخصة ~~للعاصي وهذه قضية فاسدة بإجماع المسلمين لأنهم رخصوا للمقيم العاصي الإفطار ~~في رمضان إذا كان ms0197 مريضا وكذلك يرخصون له في السفر التيمم عند عدم الماء ~~ويرخصون للمقيم العاصي أن يمسح يوما وليلة وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه رخص للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه ~~بين العاصي والمطيع فبان بما وصفنا فساد هذه المقالة وقوله فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه وقوله فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم كل واحد من هذين فيه ضمير لا يستغني عنه الكلام وذلك لأن ~~وقوع الضرورة ليس من فعل المضطر فيكون قوله @QB@ فلا إثم عليه @QE@ وقوله ~~@QB@ فإن الله غفور رحيم @QE@ خبر له وقوله @QB@ فمن اضطر @QE@ لا بد له من ~~خبر به تم الكلام إذ لم يكن الحكم متعلقا بنفس الضرورة وخبره الذي يتم به ~~الكلام ضميره وهو الأكل فكان تقديره فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه ثم قوله ~~@QB@ غير باغ ولا عاد @QE@ على قول من يقول غير باغ في الميتة ولا عاد في ~~الأكل فيكون البغي والعدوان حالا للأكل وتقديره على قول من يقول غير باغ ~~ولا عاد على المسلمين فمن اضطر غير باغ ولا عاد على المسلمين فأكل فلا إثم ~~عليه فيكون البغي والعدوان حالا له عند الضرورة قبل أن يأكل فلا يكون ذلك ~~صفة للأكل وعند الأولين يكون صفة للأكل والحذف في هذا الموضع كالحذف في ~~قوله @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ والمعنى ~~فأفطر فعدة من أيام أخر فحذف فأفطر وقوله @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام @QE@ ومعناه فحلق ففدية وإنما جاز الحذف لعلم ~~المخاطبين بالمحذوف PageV01P158 ودلالة الخطاب عليه وهذا يوجب أن يكون حمله ~~على البغي والعدوان في الأكل أولى منه على المسلمين وذلك لأنه لم يتقدم ~~للمسلمين في الآية ذكر لا محذوفا ولا مذكورا كحذف الأكل فحمله على ما في ~~مقتضى الآية بأن يكون حالا له فيه وصفة أولى من حمله على معنى لم يتضمنه ~~اللفظ لا محذوفا ولا ms0198 مذكورا وأما قوله @QB@ إلا ما اضطررتم إليه @QE@ فلا ~~ضمير فيه ولا حذف لأنه لفظ مستغن بنفسه إذ هو استثناء من جملة مفهومة ~~المعنى وهو التحريم بقوله @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه @QE@ فإنه مباح لكم وهذا اللفظ مستغن عن الضمير ومعنى الضرورة ههنا هو ~~خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل وقد انطوى تحته معنيان ~~أحدهما أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة والثاني أن يكون غيرها موجودا ~~ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه وكلا ~~المعنيين مراد بالآية عندنا لاحتمالهما وقد روي عن مجاهد أنه تأولها على ~~ضرورة الإكراه ولأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من ~~الضرر في ترك تناوله وذلك موجود في ضرورة الإكراه وجب أن يكون حكمه حكمه ~~ولذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أكل المينة فلم يأكلها حتى قتل كان عاصيا ~~لله كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات فلم يأكل حتى مات كان ~~عاصيا كمن ترك الطعام والشراب وهو واجدهما حتى مات فيموت عاصيا لله بتركه ~~الأكل لأن أكل الميتة مباح في حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال ~~الضرورة والله أعلم # | باب المضطر إلى شرب الخمر # قال أبو بكر وقد اختلف في المضطر إلى شرب الخمر فقال سعيد بن جبير المطيع ~~المضطر إلى شرب الخمر يشربها وهو قول أصحابنا جميعا وإنما يشرب منها مقدار ~~ما يمسك به رمقه إذ كان يرد عطشه وقال الحارث العكلي ومكحول لا يشرب لأنها ~~لا تزيده إلا عطشا وقال مالك والشافعي لا يشرب لأنها لا تزيده إلا عطشا ~~وجوعا وقال الشافعي ولأنها تذهب بالعقل وقال مالك إنما ذكرت الضرورة في ~~الميتة ولم تذكر في الخمر قال أبو بكر في قول من قال إنها لا تزيل ضرورة ~~العطش والجوع لا معنى له من وجهين أحدهما أنه معلوم من حالها أنها تمسك ~~الرمق عند الضرورة وتزيل العطش ومن أهل الذمة فيما ms0199 بلغنا من لا يشرب الماء ~~دهرا إكتفاء بشرب الخمر عنه فقولهم في ذلك غير المعقول PageV01P159 المعلوم ~~من حال شاربها والوجه الآخر أنه إن كان كذلك كان الواجب أن نحيل مسئلة ~~السائل عنها ونقول إن الضرورة لا تقع إلى شرب الخمر وأما قول الشافعي في ~~ذهاب العقل فليس من مسئلتنا في شيء لأنه سئل عن القليل الذي لا يذهب العقل ~~إذا اضطر إليه وأما قول مالك أن الضرورة إنما ذكرت في الميتة ولم تذكر في ~~الخمر فإنها في بعضها مذكورة في الميتة وما ذكر معها وفي بعضها مذكورة في ~~سائر المحرمات وهو قوله تعالى @QB@ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه @QE@ وقد فصل لنا تحريم الخمر في مواضع من كتاب الله في قوله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم @QE@ وقال @QB@ ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه @QE@ ~~وذلك يقتضي التحريم والضرورة المذكورة في الآية منتظمة لسائر المحرمات ~~وذكره لها في الميتة وما عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى ~~في سائر المحرمات ومن جهة أخرى أنه إذا كان المعنى في إباحة الميتة إحياء ~~نفسه بأكلها وخوف التلف في تركها وذلك موجود في سائر المحرمات وجب أن يكون ~~حكمها حكمها لوجود الضرورة والله أعلم # | باب في مقدار ما يأكل المضطر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي فيما رواه عنه المزني لا ~~يأكل المضطر من الميتة إلا مقدار ما يمسك به رمقه وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها فإن وجد عنها غنى طرحها وقال عبدالله ~~بن الحسن العنبري يأكل منها ما يسد به جوعه قال أبو بكر قال الله تعالى ~~@QB@ إلا ما اضطررتم إليه @QE@ وقال @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد @QE@ ~~فعلق الإباحة بوجود الضرورة والضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل إما على نفسه ~~أو على عضو من أعضائه فمتى ms0200 أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال ~~فقد زالت الضرورة ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة لأن الجوع في الإبتداء لا ~~يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه وأيضا في قوله تعالى @QB@ فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد @QE@ فقد بينا أن المراد منه غير باغ ولا عاد في الأكل ~~ومعلوم أنه لم يرد الأكل منها فوق الشبع لأن ذلك محظورا في الميتة وغيرها ~~من المباحات فوجب أن يكون المراد غير باغ في الأكل منها مقدار الشبع فيكون ~~البغي والتعدي واقعين في أكله منها مقدار PageV01P160 الشبع حتى يكون ~~لاختصاصه الميتة بهذا الوصف وعقده الإباحة بهذه الشريطة فائدة وهو أن لا ~~يتناول منها إلا مقدار زوال خوف الضرورة ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان معه ~~من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة ثم إذا ~~أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة وكذلك إذا أكل من ~~الميتة ما زال معه خوف الضرر حرم عليه أكلها إذ ليس أكل الميتة بأولى ~~بإباحة الأكل بعد زوال الضرورة من الطعام الذي هو مباح في الأصل وقد روى ~~الأوزاعي عن حسان بن عطية الميثي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال ( إنا نكون بالأرض تصيبنا المخمصة ) فمتى تحل لنا الميتة قال ( متى ~~مالم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تجدوا بها بقلا فشأنكم بها ) فلم يبح لهم ~~الميتة إلا إذا لم يجدوا صبوحا وهو شرب الغداء أو عبوقا وهو شرب العشاء أو ~~يجدوا بقلا يأكلونه لأن من وجد غداء أو عشاء أو بقلا فليس بمضطر وهذا يدل ~~على معنيين أحدهما أن الضرورة هي المبيحة للميتة دون حال المضطر في كونه ~~مطيعا أو عاصيا إذ لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم للسائل بين حائل ~~المطيع والعاصي في إباحته بل سوى بينهما والثاني أن إباحة الميتة مقصورة ~~على حال خوف الضرر والله أعلم # | باب هل في المال حق واجب سوى الزكاة ms0201 # قال الله تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ ~~الآية قيل في قوله تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق @QE@ ~~أنه يريد به اليهود والنصارى حين أنكرت نسخ القبلة فأعلم الله تعالى أن ~~البر إنما هو طاعة الله تعالى واتباع أمره لا في التوجه إلى المشرق والمغرب ~~إذا لم يكن فيه اتباع أمره وأن طاعة الله الآن في التوجه إلى الكعبة إذ كان ~~التوجه إلى غيرها منسوخا وقوله تعالى @QB@ ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر @QE@ قيل أن فيه حذفا ومعناه أن البر بر من آمن بالله وقيل إنه أراد ~~به أن البار من آمن بالله كقول الخنساء % ترتع ما رتعت حتى إذا أدركت % ~~فإنما هي إقبال وإدبار % # | يعني مقبلة ومدبرة وقوله تعالى @QB@ وآتى المال على حبه @QE@ يعني أن ~~البار من آتى المال على حبه قيل فيه أنه يعني حب المال كقوله تعالى @QB@ لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون @QE@ وقيل إنه يعني حب الإيتاء وأن لا ~~يكون متسخطا عند الإعطاء ويحتمل أن يكون أراد على حب PageV01P161 الله ~~تعالى كقوله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني @QE@ وجائز أن يكون ~~مراده جميع هذه الوجوه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يدل ~~على أنه أراد حب المال وهو ما رواه جرير بن عبدالحميد عن عمارة بن القعقاع ~~عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله أي الصدقة أفضل فقال ( أن تصدق وأنت صحيح تخشى الفقر وتأمل ~~الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان ~~لفلان ) وحدثنا أبو القاسم عبدالله بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع الجرجاني قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا الثوري عن زبيد عن مرة ~~عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى @QB@ وآتى المال على حبه @QE@ قال أن ~~تؤتيه وأنت صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر وقوله تعالى @QB@ وآتى المال على ~~حبه ذوي ms0202 القربى @QE@ يحتمل به أن يريد به الصدقة الواجبة وأن يريد به ~~التطوع وليس في الآية دلالة على أنها ا لواجبة وإنما فيها حث على الصدقة ~~ووعد بالثواب عليها وذلك لأن أكثر ما فيها أنها من البر وهذا لفظ ينطوي على ~~الفرض والنفل إلا أن في سياق الآية ونسق التلاوة ما يدل على أنه لم يرد به ~~الزكاة لقوله تعالى @QB@ وأقام الصلاة وآتى الزكاة @QE@ فلما عطف الزكاة ~~عليها دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها ومن الناس من يقول ~~أراد به حقوقا واجبة في المال سوى الزكاة نحو وجوب صلة الرحم إذا وجده ذا ~~ضر شديد ويجوز أن يريد من قد أجهده الجوع حتى يخاف عليه التلف فيلزمه أن ~~يعطيه ما يسد جوعته وقد روى شريك عن أبي حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( في المال حق سوى الزكاة ) وتلا قوله ~~تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر @QE@ الآية وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق ~~فحلها وإعارة ذلولها ومنحة سمينها فذكر في هذين الحديثين أن في المال حقا ~~سوى الزكاة وبين في الحديث الأول أنه تأويل قوله تعالى @QB@ ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم @QE@ الآية وجائز أن يريد بقوله في المال حق سوى الزكاة ما ~~يلزم من صلة الرحم بالإنفاق على ذوي المحارم الفقراء ويحكم به الحاكم عليه ~~لوالديه وذوي محارمه إذا كانوا فقراء عاجزين عن الكسب وجائز أن يريد به ما ~~يلزمه من طعام الجائع المضطر وجائز أن يريد به حقا مندوبا إليه لا واجبا إذ ~~ليس قوله في المال حق يقتضي PageV01P162 الوجوب إذ من الحقوق ما هو ندب ~~ومنها ما هو فرض وحدثنا عبدالباقي حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال حدثنا ~~كثير بن عبيد حدثنا بقية عن رجل من بني ms0203 تميم يكنى أبا عبدالله عن الضبي ~~الشعبي عن مسروق عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نسخت ~~الزكاة كل صدقة ) وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال ~~حدثنا علي بن سعيد قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن ~~مسروق عن علي قال نسخت الزكاة كل صدقة فإن صح هذا الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسائر الصدقات الواجبة منسوخة بالزكاة وإن لم يصح ذلك مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لجهالة راويه فإن حديث علي عليه السلام حسن السند ~~وهو يوجب أيضا إثبات نسخ الصدقات التي كانت واجبة بالزكاة وذلك لا يعلم إلا ~~من طريق التوقيف فيعلم بذلك أن ما قاله علي هو بتوقيف من النبي صلى الله ~~عليه وسلم إياه عليه وحينئذ يكون المنسوخ من الصدقات صدقات قد كانت واجبة ~~ابتداء بأسباب من قبل من يجب عليه تقتضي لزوم إخراجها ثم نسخت بالزكاة نحو ~~قوله تعالى @QB@ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه @QE@ ونحو ما روي في قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ إنه ~~منسوخ عند بعضهم بالعشر ونصف العشر فيكون المنسوخ بالزكاة مثل هذه الحقوق ~~الواجبة في المال من غير ضرورة وأما ما ذكرنا من الحقوق التي تلزم من نحو ~~الإنفاق على ذوي الأرحام عند العجز عن التكسب وما يلزم من إطعام المضطر فإن ~~هذه فروض لازمة ثابتة غير منسوخة بالزكاة وصدقة الفطر واجبة عند سائر ~~الفقهاء ولم تنسخ بالزكاة مع أن وجوبها ابتداء من قبل الله تعالى غير متعلق ~~بسبب من قبل العبد فهذا يدل على أن الزكاة لم تنسخ صدقة الفطر وقد روى ~~الواقدي عن عبدالله بن عبدالرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل أن تفرض الزكاة فلما فرضت الزكاة ~~لم يأمرهم ولم ينههم وكانوا يخرجونها فهذا الخبر لو صح لم يدل على نسخها ~~لأن وجوب الزكاة لا ينفي بقاء وجوب صدقة ms0204 الفطر وعلى أن الأولى أن فرض ~~الزكاة متقدم على صدقة الفطر لأنه لا خلاف بين السلف في أن حم السجدة مكية ~~وأنها من أوائل ما نزل من القرآن وفيها وعيد تارك الزكاة عند قوله @QB@ ~~وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون @QE@ والأمر ~~بصدقة الفطر إنما كان بالمدينة فدل ذلك على أن فرض الزكاة متقدم لصدقة ~~الفطر وقد روي عن ابن عمر PageV01P163 ومجاهد في قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه ~~يوم حصاده @QE@ أنها محكمة وأنه حق واجب عند القوم غير الزكاة وأما الحقوق ~~التي تجب بأسباب من قبل العبد نحو الكفارات والنذور فلا خلاف أن الزكاة لم ~~تنسخها واليتامى المرادون بالآية هم الصغار الفقراء الذين مات آباؤهم ~~والمساكين مختلف فيه وسنذكر ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى وابن ~~السبيل روي عن مجاهد أنه المسافر وعن قتادة أنه الضيف القول الأول أشبه ~~لأنه إنما سمي ابن السبيل لأنه على الطريق كما قيل للطير الأوز ابن ماء ~~لملازمته له قال ذو الرمة % وردت اعتسافا والثريا كأنها % على قمة الرأس ~~ابن ماء محلق % # والسائلين يعني به الطالبين للصدقة قال الله تعالى @QB@ في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم @QE@ حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثنا مصعب بن محمد قال ~~حدثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين بن علي رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( للسائل حق وإن جاء على فرس ~~) حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن شريك حدثنا أبو الجماهر قال ~~حدثنا عبدالله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ( أعطوا السائل وإن أتى على فرس ) والله تعالى أعلم # | باب القصاص # قال الله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ هذا كلام مكتف ~~بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما ~~من لفظه ms0205 واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى والقصاص هو ~~أن يفعل به مثل ما فعل به من قولك اقتص أثر فلان إذا فعل مثل فعله قال الله ~~تعالى @QB@ فارتدا على آثارهما قصصا @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالت لأخته قصيه ~~@QE@ أي ابتغي أثره وقوله @QB@ كتب عليكم @QE@ معناه فرض عليكم كقوله تعالى ~~@QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ و @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين @QE@ وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات ~~يعني بها المفروضات فانتظمت الآية إيجاب القصاص على المؤمنين إذا قتلوا لمن ~~قتلوا من سائر المقتولين لعموم لفظ المقتولين والخصوص إنما هو في القاتلين ~~لأنه لا يكون PageV01P164 القصاص مكتوبا عليهم إلا وهم قاتلون فاقتضى وجوب ~~القصاص على كل قاتل عمدا بحديدة إلا ما خصه الدليل سواء كان المقتول عبدا ~~أو ذميا ذكرا أو أنثى لشمول لفظ القتلى للجميع وليس توجيه الخطاب إلى ~~المؤمنين بإيجاب القصاص عليهم في القتلى بموجب أن يكون القتلى مؤمنين لأن ~~علينا اتباع عموم اللفظ مالم تقم دلالة الخصوص وليس في الآية ما يوجب خصوص ~~الحكم في بعض القتلى دون بعض فإن قال قائل يدل على خصوص الحكم في القتلى ~~وجهان أحدهما في نسق الآية @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~@QE@ والكافر لا يكون أخا للمسلم فدل على أن الآية خاصة في قتلى المؤمنين ~~والثاني قوله @QB@ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى @QE@ قيل له ~~هذا غلط من وجهين أحدهما أنه إذا كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف ~~عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم اللفظ وذلك نحو قوله تعالى @QB@ ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ وهو عموم في المطلقة ثلاثا وما ~~دونها ثم عطف قوله تعالى @QB@ فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف @QE@ وقوله تعالى @QB@ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك @QE@ وهذا الحكم ~~خاص في المطلق لما دون الثلاث ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ في إيجاب ~~ثلاثة قروء من العدة على جميعهن ونظائر هذا كثير في القرآن والوجه الآخر أن ~~يريد الأخوة ms0206 من طريق النسب لا من جهة الدين كقوله تعالى @QB@ وإلى عاد ~~أخاهم هودا @QE@ وأما قوله @QB@ الحر بالحر والعبد بالعبد @QE@ فلا يوجب ~~تخصيص عموم اللفظ في القتلى لأنه إذا كان أول الخطاب مكتفيا بنفسه غير ~~مفتقر إلى ما بعده لم يجز لنا أن نقصره عليه وقوله @QB@ الحر بالحر @QE@ ~~إنما هو بيان لما تقدم ذكره على وجه التأكيد وذكر الحال التي خرج عليها ~~الكلام وهو ما ذكره الشعبي وقتادة أنه كان بين حيين من العرب قتال وكان ~~لأحدهما طول على الآخر فقالوا لا نرضى إلا أن نقتل بالعبد منا الحر منكم ~~وبالأنثى منا الذكر منكم فأنزل الله @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر والعبد بالعبد @QE@ مبطلا بذلك ما أرادوه مؤكدا عليهم فرض القصاص على ~~القاتل دون غيره لأنهم كانوا يقتلون غير القاتل فنهاهم الله عن ذلك وهو ما ~~روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أعتى الناس على الله يوم القيامة ~~ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية ) ~~وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ الحر بالحر والعبد بالعبد @QE@ تفسير لبعض ما ~~انتظمه عموم اللفظ ولا يوجب ذلك تخصيص PageV01P165 اللفظ ألا ترى أن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثلا بمثل وذكره الأصناف الستة لم ~~يوجب أن يكون حكم الربا مقصورا عليها ولا نفي الربا عما عداها كذلك قوله ~~@QB@ الحر بالحر @QE@ لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في قوله @QB@ كتب عليكم ~~القصاص في القتلى @QE@ ويدل على أن قوله @QB@ الحر بالحر @QE@ غير موجب ~~لتخصيص عموم القصاص ولم ينف القصاص عن غير المذكور اتفاق الجميع على قتل ~~العبد بالحر والأنثى بالذكر فثبت بذلك أن تخصيص الحر بالحر لم ينف موجب حكم ~~اللفظ في جميع القتلى فإن قال قائل كيف يكون القصاص مفروضا والولي مخير بين ~~العفو وبين القصاص قيل له لم يجعله مفروضا على الولي وإنما جعله مفروضا على ~~القاتل للولي بقوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ وليس ~~القصاص على الولي وإنما هو حق له وهذا ms0207 لا ينفي وجوبه على القاتل وإن كان ~~الذي له القصاص مخيرا فيه وهذه الآية تدل على قتل الحر بالعبد والمسلم ~~بالذمي والرجل بالمرأة لما بينا من اقتضاء أول الخطاب إيجاب عموم القصاص في ~~سائر القتلى وأن تخصصه الحر بالحر ومن ذكر معه لا يوجب الإقتصار بحكم ~~القصاص عليه دون اعتبار عموم ابتداء الخطاب في إيجاب القصاص ونظيرها من ~~الآي في إيجاب القصاص عاما قوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا @QE@ فانتظم ذلك جميع المقتولين ظلما وجعل لأوليائهم سلطانا وهو ~~القود لاتفاق الجميع على أن القود مراد بذلك في الحر المسلم إذا قتل حرا ~~مسلما فكان بمنزلة قوله تعالى @QB@ فقد جعلنا لوليه @QE@ قودا لأن ما حصل ~~الاتفاق عليه من معنى الآية مراد فكأنه منصوص عليه فيها بلفظ السلطان وإن ~~كان مجملا فقد عرف معنى مراده من طريق الاتفاق وقوله ومن قتل مظلوما هو ~~عموم يصح اعتباره على حسب ظاهره ومقتضى لفظه ونظيرها أيضا من الآي قوله ~~تعالى @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ فأخبر أن ذلك كان ~~مكتوبا على بني إسرائيل وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين وقد ~~احتج أبو يوسف بذلك في قتل الحر بالعبد وهذا يدل على أن مذهبه أن شريعة من ~~كان قبلنا من الأنبياء ثابتة علينا مالم يثبت نسخها على لسان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولا نجد في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخ ذلك فوجب أن ~~يكون حكمه ثابتا علينا على حسب ما اقتضاه ظاهر لفظه من إيحاب القصاص في ~~سائر الأنفس ونظيره أيضا قوله تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ PageV01P166 لأن من قتل وليه يكون معتدي وذلك ~~عموم في سائر القتلى وكذلك قوله @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~@QE@ يقتضي عمومه وجوب القصاص في الحر والعبد والذكر والأنثى والمسلم ~~والذمي مسئلة في قتل الحر بالعبد قال أبو بكر وقد اختلف الفقهاء في القصاص ~~بين الأحرار والعبيد فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر رضي ms0208 الله عنهم لا ~~قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس ويقتل الحر بالعبد والعبد بالحر ~~وقال ابن أبي ليلى القصاص واجب بينهم في جميع الجراحات التي نستطيع فيها ~~القصاص وقال ابن وهب عن مالك ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح ~~والعبد يقتل بالحر ولا يقتل الحر بالعبد وقال الليث بن سعد إذا كان العبد ~~هو الجاني اقتص منه ولا يقتص من الحر للعبد وقال إذا قتل العبد الحر فلولي ~~المقتول أن يأخذ بها نفس العبد القاتل فيكون له وإذا جنى على الحر فيما دون ~~النفس فللمجروح القصاص إن شاء وقال الشافعي من جرى عليه القصاص في النفس ~~جرى عليه في الجراح ولا يقتل الحر بالعبد ولا يقتص له منه فيما دون النفس ~~وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس أن الآية ~~مقصورة الحكم على ذكر القتلى وليس فيها ذكر لما دون النفس من الجراح وسائر ~~ما ذكرنا من عموم آي القرآن في بيان القتلى والعقوبة والاعتداء يقتضي قتل ~~الحر بالعبد ومن حيث اتفق الجميع على قتل العبد بالحر وجب قتل الحر بالعبد ~~لأن العبد قد ثبت أنه مراد الآية والآية لم يفرق مقتضاها بين العبد المقتول ~~والقاتل فهي عموم فيها جميعا ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى @QB@ ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب @QE@ فأخبر أنه أوجب القصاص لأن فيه حياة لنا ~~وذلك خطاب شامل للحر والعبد لأن صفة أولي الألباب تشملهم جميعا فإذا كانت ~~العلة موجودة في الجميع لم يجز الاقتصار بحكمها على بعض من هي موجودة فيه ~~دون غيره ويدل عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم ( المسلمون ~~تتكافأ دماؤهم ) وهو عام في العبيد والأحرار فلا يخص منه شيء إلا بدلالة ~~ويدل عليه من وجه آخر وهو اتفاق الجميع على أن العبد إذا كان هو القاتل فهو ~~مراد به كذلك إذا كان مقتولا لأنه لم يفرق بينه إذا كان قاتلا أو مقتولا ~~فإن قيل لما قال في سياق ms0209 الحديث ويسعى بذمتهم أدناهم وهو العبد يدل على أنه ~~لم يرده بأول الخطاب قيل له هذا غلط من قبل أنه لا خلاف أن العبد إذا كان ~~قاتلا فهو مراد ولم يمنع قوله ويسعى بذمتهم أدناهم PageV01P167 أن يكون ~~مرادا إذا كان قاتلا كذلك لايمنع إرادته إذا كان مقتولا على أن قوله ويسعى ~~بذمتهم أدناهم ليس فيه تخصيص العبد من غيره وإنما المراد أدناهم عددا هو ~~كقوله واحد منهم فلا تعلق لذلك في إيجاب اقتصار حكم أول اللفظ على الحر دون ~~العبد وعلى أنه لو قال ويسعى بذمتهم عبدهم لم يوجب تخصيص حكمه في مكافأة ~~دمه لدم الحر لأن ذلك حكم آخر استأنف له ذكرا وخص به العبد ليدل على أن غير ~~العبد أولى بالسعي بذمتهم فإذا كان تخصيص العبد بالذكر في هذا الحكم لم ~~يوجب أن يكون مخصوصا به دون الآخر فلأن لا يوجب تخصيص حكم القصاص أولى فإن ~~قيل قوله المسلمون تتكافأ دماؤهم يقتضي التماثل في الدماء وليس العبد مثلا ~~للحر قيل له فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم مثلا له في الدم إذ علق حكم ~~التكافؤ منهم بالإسلام ومن قال ليس بمكاف له فهو خارج على حكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم مخالف بغير دلالة ويدل عليه أيضا ما حدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان عن ~~الأعمش عن عبدالله بن مرة عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ~~إلا في إحدى ثلاث التارك للإسلام المفارق للجماعة والثيب الزاني والنفس ~~بالنفس ) فلم يفرق بين الحر والعبد وأوجب القصاص في النفس بالنفس وذلك ~~موافق لما حكى الله مما كتبه على بني إسرائيل فحوى هذا الخبر معنيين أحدهما ~~أن ما كان على بني إسرائيل من ذلك فحكمه باق علينا والثاني أنه مكتف بنفسه ~~في إيجاب القصاص عاما في سائر النفوس ويدل ms0210 عليه أيضا من جهة السنة ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن زكريا التستري قال حدثنا سهل بن عثمان ~~العسكري أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمد قود إلا أن يعفو ولي ~~المقتول فقد دل هذا الخبر على معنيين أحدهما إيجاب القود في كل عمد وأوجب ~~ذلك القود على قتل العبد والثاني نفى به وجوب المال لأنه لو وجب المال مع ~~القود على وجه التخيير لما اقتصر على ذكر القود دونه ويدل أيضا عليه من جهة ~~النظر أن العبد محقون الدم حقنا لا يرفعه مضي الوقت وليس بولد للقاتل ولا ~~ملك له فأشبه الحر الأجنبي فوجب القصاص بينهما كما يجب على العبد إذا قتل ~~حرا بهذه العلة كذلك إذا قتله الحر لوجود العلة فيه وأيضا فمن منع أن يقاد ~~الحر بالعبد فإنما منعه لنقصان الرق الذي PageV01P168 فيه ولا اعتبار ~~بالمساواة في الأنفس وإنما يعتبر ذلك فيما دونها والدليل على ذلك أن عشرة ~~لو قتلوا واحدا قتلوا به ولم تعتبر المساواة وكذلك لو أن رجلا صحيح الجسم ~~سليم الأعضاء قتل رجلا مفلوجا مريضا مدنفا مقطوع الأعضاء قتل به وكذلك ~~الرجل يقتل بالمرأة مع نقصان عقلها ودينها وديتها ناقصة عن دية الرجل فثبت ~~بذلك أن لا اعتبار بالمساواة في إيجاب القصاص في الأنفس وأن الكامل يقاد ~~منه للناقص وليس ذلك حكم ما دون النفس لأنهم لا يختلفون في أنه لا تؤخذ ~~اليد الصحيحة بالشلاء وتؤخذ النفس الصحيحة بالسقيمة وروى الليث عن الحكم أن ~~عليا وابن مسعود قالا من قتل عبدا عمدا فهو قود # | باب قتل المولى لعبده # وقد اختلف في قتل المولى لعبده فقال قائلون وهم شواذ يقتل به وقال عامة ~~الفقهاء لا يقتل به فمن قتله احتج بظاهر قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر @QE@ على نحو ما احتججنا به في قتل الحر بالحر وقوله ~~@QB@ النفس بالنفس @QE@ وقوله @QB@ فمن اعتدى ms0211 عليكم فاعتدوا عليه @QE@ ~~وقوله ص ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) وقد روي حديث عن سمرة بن جندب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه ) ~~أما ظاهر الآي فلا حجة لهم فيها لأن الله تعالى إنما جعل القصاص فيها ~~للمولى بقوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ وولي ~~العبد هو مولاه في حياته وبعد وفاته لأن العبد لا يملك شيئا وما يملكه فهو ~~لمولاه لا من جهة الميراث لكن من جهة الملك فإذا كان هو الولي لم يثبت له ~~القصاص على نفسه وليس هو بمنزلة من قتل وارثه فيجب عليه القصاص ولا يرثه ~~لأن ما يحصل للوارث إنما ينتقل عن ملك المورث إليه والقاتل لا يرث فوجب ~~عليه القصاص لغيره والعبد لا يملك شيئا فينتقل إلى مولاه ألا ترى أنه لو ~~قتل ابن العبد لم يثبت له القصاص على قاتله لأنه لا يملك فكذلك لا يثبت له ~~القصاص على غيره ومتى وجب له القود على قاتله فإنما يستحقه مولاه دونه فلم ~~يجز من أجل ذلك إيجاب القصاص على مولاه بقتله إياه ويدل على أن العبد لا ~~يثبت له ذلك قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ~~@QE@ فنفى بذلك ملك العبد نفيا عاما عن كل شيء فلم يجز أن يثبت له بذلك على ~~أحد شيء وإذا لم يجز أن يثبت له ذلك لأجل أنه ملك لغيره والمولى ~~PageV01P169 إذا استحق ما يجب له فلا يجب له القود على نفسه وليس العبد في ~~هذا كالحر لأن الحر يثبت له القصاص ثم من جهته ينتقل إلى وارثه ولذلك ~~يستحقونه بينهم على قدر مواريثهم فمن حرم ميراثه بالقتل لم يرثه القود فكان ~~القود لمن يرثه فإن قيل ليس دم العبد في هذا الوجه كماله لأن المولى لا ~~يملك قتله ولا الإقرار عليه بالقتل فهو بمنزلة الأجنبي فيه قيل له إن كان ~~المولى لا يملك قتله ولا الإقرار عليه به ولكنه وليه وهو المستحق ms0212 للقصاص ~~على قاتله إذا كان أجنبيا من حيث كان مالكا لرقبته لا من جهة الميراث ألا ~~ترى أنه المستحق للقود على قاتله دون أقربائه فدل ذلك على أنه يملك القود ~~به كما يملك رقبته فإذا كان هو القاتل لم يجز أن يستحق القود غيره عليه ~~فاستحال من أجل ذلك وجوب القود له على نفسه وأيضا فقوله @QB@ فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه @QE@ لا يجوز أن يكون خطابا للمولى إذا كان هو المعتدي ~~بقتل عبده لأنه وإن كان معتديا على نفسه بقتل عبده وإتلاف ملكه فغير جائز ~~خطابه باستيفاء القود من نفسه وغير جائز أن يكون غيره مخاطبا باستيفاء ~~القود منه لأنه غير معتد عليه والله تعالى إنما أوجب الحق لمن اعتدي عليه ~~دون غيره فإن قال قائل يقيد الإمام منه كما يقيد ممن قتل رجلا لا وارث له ~~قيل له إنما يقوم الإمام بما ثبت من القود لكافة المسلمين إذا كانوا ~~مستحقين لميراثه والعبد لا يورث فيثبت الحق في الاقتصاص من قاتله لكافة ~~المسلمين ولا جائز أن يثبت ذلك للإمام ألا ترى أنه لو قتل العبد خطأ كان ~~المولى هو المستحق لقيمته على قاتله دون سائر المسلمين ودون الإمام وأن ~~الحر الذي لا وارث له لو قتل خطأ كانت ديته لبيت المال فكذلك القود لو ثبت ~~على المولى لما استحقه الإمام ولكان المولى هو الذي يستحقه ويستحيل ثبوت ~~ذلك له على نفسه فبطل وأما الحديث الذي روي فيه فهو معارض بضده وهو ما ~~حدثنا ابن قانع قال حدثنا المقبري قال حدثنا خالد بن يزيد بن صفوان النوفلي ~~قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن عباس وعن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ~~ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به فنفى هذا الخبر ظاهر ما أثبته خبر سمرة ~~بن جندب الذي احتجوا به مع موافقته لما ذكرنا من ظاهر الآي ومعانيها من ~~إيجاب الله تعالى القود ms0213 للمولى ومن نفيه لملك العبد بقوله @QB@ لا يقدر على ~~شيء @QE@ ولو انفرد خبر سمرة عن معارضة الخبر الذي قدمناه لما جاز القطع به ~~لاحتماله لغير ظاهره وهو PageV01P170 أنه جائز أن يكون رجل أعتق عبده ثم ~~قتله أو جدعه أو لم يقدم على ذلك ولكنه هدده به فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال من قتل عبده قتلناه يعني عبده المعتق الذي كان عبده وهذا ~~الإطلاق شائع في اللغة والعادة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال حين ~~أذن قبل طلوع الفجر إلا أن العبد نام وقد كان حرا في ذلك الوقت وقال علي ~~عليه السلام ادعو إلى هذا العبد الأبظر يعني شريحا حين قضى في ابني عم ~~أحدهما أخ لأم بأن الميراث للأخ من الأم لأنه كان قد جرى عليه رق في ~~الجاهلية فسماه بذلك وقال تعالى @QB@ وآتوا اليتامى أموالهم @QE@ والمراد ~~الذين كانوا يتامى وقال صلى الله عليه وسلم ( تستأمر اليتيمة في نفسها ) ~~يعني التي كانت يتيمة ولا يمتنع أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله من قتل عبده قتلناه ما وصفناه فيمن كان عبدا فأعتق وزال بهذا توهم ~~متوهم لو ظن أن مولى النعمة لا يقاد بمولاه الأسفل كما لا يقاد والد بولده ~~وقد كان جائزا أن يسبق إلى ظن بعض الناس أن لا يقاد به صلى الله عليه وسلم ~~قد جعل حق مولى النعمة كحق الوالد والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) فجعل عتقه لأبيه ~~كفاء لحقه ومساويا ليده عنده ونعمته لديه والله أعلم # | باب القصاص بين الرجال والنساء # قال الله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ وقال @QB@ ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ فظاهر ما ذكر من ظواهر الآي الموجبة ~~للقصاص في الأنفس بين العبيد والأحرار موجب للقصاص بين الرجال والنساء فيها ~~وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة ~~لا قصاص بين الرجال والنساء ms0214 إلا في الأنفس وروى عن ابن شبرمة رواية أخرى أن ~~بينهم قصاصا فيما دون النفس وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والليث ~~والأوزاعي والشافعي القصاص واقع فيما بين الرجال والنساء في الأنفس وما ~~دونها إلا أن الليث قال إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولم يقتص منه وقال ~~عثمان البتي إذا قتلت امرأة رجلا قتلت به وأخذ من مالها نصف الدية وكذلك إن ~~أصابته بجراحة قال وإن كان هو الذي قتلها أو جرحها فعليه القود ولا يرد ~~عليه شيء وقد روي عن السلف اختلاف في ذلك فروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن ~~عمر قتل نفرا من أهل صنعاء بامرأة أقادهم بها وروي عن عطاء والشعبي ومحمد ~~بن سيرين أنه يقتل بها واختلف عن علي عليه السلام فيها فروى ليث عن الحكم ~~عن علي وعبدالله PageV01P171 قالا إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ~~وروي عن عطاء والشعبي والحسن البصري أن عليا قال إن شاؤا قتلوه وأدوا نصف ~~الدية وإن شاؤا أخذوا نصف دية الرجل وروى أشعث عن الحسن في امرأة قتلت رجلا ~~عمدا قال تقتل وترد نصف الدية قال أبو بكر ما روي عن علي من القولين في ذلك ~~مرسل لأن أحدا من رواته لم يسمع من علي شيئا ولو ثبتت الروايتان كان ~~سبيلهما أن تتعارضا وتسقطا فكأنه لم يرو عنه في ذلك شيء وعلى أن رواية ~~الحكم في إيجاب القود دون المال أولى لموافقتها لظاهر الكتاب وهو قوله ~~تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ وسائر الآي الموجبة للقود ليس ~~في شيء منها ذكر الدية وهو غير جائز أن يزيد في النص إلا بنص مثله لأن ~~الزيادة في النص توجب النسخ حدثنا ابن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله ~~قال حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري قال حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن ~~الربيع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ثنيتها فعرض عليهم الأرش فأبوا فأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا ms0215 ~~رسول الله تكسر سن الربيع لا والذي بعثك بالحق فقال يا أنس كتاب الله ~~القصاص فعفا القوم فقال صلى الله عليه وسلم ( إن من عباد الله من لو أقسم ~~على الله لأبره ) فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذي في كتاب الله القصاص ~~دون المال فلا جائز إثبات المال مع القصاص ومن جهة أخرى أنه إذا لم يجب ~~القصاص بنفس المقتل فغير جائز إيجابه مع إعطاء المال لأن المال حينئذ يصير ~~بدلا من النفس وغير جائز قتل النفس بالمال ألا ترى أن من رضي أن يقتل ويعطى ~~مالا يكون لوارثه لم يصح ذلك ولم يجز أن يستحق النفس بالمال فبطل أن يكون ~~القصاص موقوفا على إعطاء المال وأما مذهب الحسن وقول عثمان البتي في أن ~~المرأة إذا كانت القاتلة قتلت وأخذ من مالها نصف الدية فقول يرده ظاهر الآي ~~الموجبة للقصاص ويوجب زيادة حكم غير مذكور فيها وقد روى قتادة عن أنس أن ~~يهوديا قتل جارية وعليها أوضاح لها فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله ~~بها وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل يقتل بالمرأة وأيضا قد ثبت عن عمر بن ~~الخطاب قتل جماعة رجال بالمرأة الواحدة من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائه ~~مع استفاضة ذلك وشهرته عنه ومثله يكون إجماعا ومما يدل على قتل الرجل بها ~~من غير بدل مال ما قدمنا من سقوط اعتبار PageV01P172 المساواة بين الصحيحة ~~والسقيمة وقتل العاقل بالمجنون والرجل بالصبي وهذا يدل على سقوط اعتبار ~~المساواة في النفوس وأما ما دون النفس فإن اعتبار المساواة واجب فيه ~~والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع أخذ اليد الصحيحة بالشلاء وكذلك لم ~~يوجب أصحابنا القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس وكذلك بين العبيد ~~والأحرار لأن ما دون النفس من أعضائها غير متساوية فإن قال قائل هلا قطعت ~~يد العبد ويد المرأة بيد الرجل كما قطعت ms0216 اليد الشلاء بالصحيحة قيل له إنما ~~سقط القصاص في هذا الموضع لاختلاف أحكامها لا من جهة النقص فصار كاليسرى لا ~~تؤخذ باليمنى وأوجب أصحابنا القصاص بين النساء فيما دون النفس لتساوي ~~أعضائهما من غير اختلاف في أحكامهما ولم يوجبوا القصاص فيما بين العبيد ~~فيما دون النفس لأن تساويهما إنما يعلم من طريق التقويم وغالب الظن كما لا ~~تقطع اليد من نصف الساعد لأن الوصول إلى علمه من طريق الاجتهاد وعندهم أن ~~أعضاء العبد حكمها حكم الأموال في جميع الوجوه فلا يلزم العاقلة منها شيء ~~وإنما يلزم الجاني في ماله وليس كذلك النفس لأنها تلزم العاقلة في الخطأ ~~وتجب فيها الكفارة ففارق الجنايات على الأموال والله أعلم # | باب قتل المؤمن بالكافر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى وعثمان البتي يقتل ~~المسلم بالذمي وقال ابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي لا يقتل وقال ~~مالك والليث بن سعد إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل قال أبو بكر سائر ما ~~قدمنا من ظواهر الآي يوجب قتل السلم بالذمي على ما بينا إذ لم يفرق شيء ~~منها بين المسلم والذمي وقوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ ~~عام في الكل وكذلك قوله تعالى @QB@ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى @QE@ وقوله في سياق الآية @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء @QE@ لا ~~دلالة فيه على خصوص أول الآية في المسلمين دون الكفار لاحتمال الأخوة من ~~جهة النسب ولأن عطف بعض ما انتظمه لفظ العموم عليه بحكم مخصوص لا يدل على ~~تخصيص حكم الجملة على ما بيناه فيما سلف عند ذكرنا حكم الآية وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ يقتضي عمومه قتل المؤمن ~~بالكافر لأن شريعة من قبلنا من الأنبياء ثابتة في حقنا مالم ينسخها الله ~~تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وتصير حينئذ شريعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم = PageV01P173 قال الله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده @QE@ ويدل عن أن ما في هذه الآية وهو قوله ms0217 النفس بالنفس إلى آخرها هو ~~شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم في إيجابه القصاص ~~في السن في حديث أنس الذي قدمنا حين قال أنس بن النضر لا تكثر ثنية الربيع ~~كتاب الله القصاص وليس في كتاب الله السن بالسن إلا في هذه الآية فأبان ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن موجب حكم الآية علينا ولو لم تلزمنا شريعة من ~~قبلنا من الأنبياء بنفس ورودها لكان قوله كافيا في بيان موجب حكم هذه الآية ~~وأنها قد اقتضت من حكمها علينا مثل ما كان على بني إسرائيل فقد دل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا على معنيين أحدهما لزوم حكم الآية لنا وثبوته ~~علينا والثاني إخباره أن ظاهر الكتاب قد ألزمنا هذا الحكم قبل إخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك فدل ذلك على ما حكاه الله في كتابه مما شرعه لغيره ~~من الأنبياء فحكمه ثابت مالم ينسخ وإذا ثبت ما وصفنا وليس في الآية فرق بين ~~المسلم والكافر وجب إجراء حكمها عليهما ويدل عليه قوله عز وجل @QB@ ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ وقد ثبت بالاتفاق أن السلطان المذكور ~~في هذا الموضع قد انتظم القود وليس فيها تخصيص مسلم من كافر فهو عليهما ومن ~~جهة السنة ما روي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال ( ألا ومن قتل قتيلا ~~فوليه بخير النظرين بين أن يقتص أو يأخذ الدية ) وروى أبو سعيد المقبري عن ~~أبي شريح الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وحديث عثمان وابن مسعود ~~وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ~~زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس ) وحديث ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ( العمد قود ) وهذه الأخبار يقتضي عمومها قتل ~~المسلم بالذمي وروى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن ms0218 عن عبد الرحمن بن السلماني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي وقال أنا أحق من وفى بذمته وقد ~~ورى الطحاوي عن سليمان بن شعيب قال حدثنا يحيى بن سلام عن محمد بن أبي حميد ~~المدني عن محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقد روي عن ~~عمر وعلي وعبدالله قتل المسلم بالذمي حدثنا ابن قانع قال حدثنا علي بن ~~الهيثم عن عثمان الفزاري قال حدثنا مسعود بن جويرية قال حدثنا عبدالله بن ~~خراش عن واسط عن الحسن بن ميمون عن أبي الجنوب الأسدي قال جاء رجل من أهل ~~الحيرة إلى علي كرم الله وجهه فقال يا أمير المؤمنين رجل من المسلمين قتل ~~ابني ولي بينة فجاء الشهود فشهدوا وسأل عنهم PageV01P174 فزكوا فأمر ~~بالمسلم فأقعد وأعطي الحيري سيفا وقال أخرجوه معه إلى الجبانة فليقتله ~~وأمكناه من السيف فتباطأ الحيري فقال له بعض أهله هل لك في الدية تعيش فيها ~~وتصنع عندنا يدا قال نعم وغمد السيف وأقبل إلى علي فقال لعلهم سبوك ~~وتواعدوك قال لا والله ولكني اخترت الدية فقال علي أنت أعلم قال ثم أقبل ~~علي على القوم فقال أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤنا كدمائهم ودياتنا ~~كدياتهم وحدثنا ابن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عمرو بن مرزوق ~~قال حدثنا شعبة عن عبدالملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن رجلا من ~~المسلمين قتل رجلا من العباديين فقدم أخوه على عمر بن الخطاب فكتب عمر أن ~~يقتل فجعلوا يقولون يا جبير اقتل فجعل يقول حتى يأتي الغيظ فكتب عمر أن لا ~~يقتل ويودي وروي في غير هذا الحديث أن الكتاب ورد بعد أن قتل وأنه إنما كتب ~~أن يسأل الصلح على الدية حين كتب إليه أنه من فرسان المسلمين وروى أبو بكر ~~بن أبي شيبة قال حدثنا ابن إدريس عن ليث عن الحكم عن علي وعبدالله بن مسعود ~~قالا إذا قتل يهوديا أو نصرانيا قتل به وروى حميد الطويل عن ميمون عن ms0219 مهران ~~أن عمر بن عبدالعزيز أمر أن يقتل مسلم بيهودي فقتل فهؤلاء الثلاثة أعلام ~~الصحابة وقد روي عنهم ذلك وتابعهم عمر بن عبدالعزيز عليه ولا نعلم أحدا من ~~نظرائهم خلافه واحتج مانعو قتل المسلم بالذمي بما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده رواه قيس بن عباد وحارثة ~~بن قدامة وأبو جحيفة وقيل لعلي هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عهد سوى القرآن فقال ما عهدي إلا كتاب في قراب سيفي وفيه المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وحديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة ~~( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) وقد روى ابن عمر أيضا ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إدريس بن عبدالكريم الحدار قال حدثنا محمد بن ~~الصباح حدثنا سليمان بن الحكم حدثنا القاسم بن الوليد عن سنان بن الحارث عن ~~طلحة بن مطرف عن مجاهد عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) ولهذا الخبر ضروب من ~~التأويل كلها توافق ما قدمنا ذكره من الآي والسنن أحدها أنه قد ذكر أن ذلك ~~كان في خطبته يوم فتح مكة وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل ~~الجاهلية PageV01P175 فقال صلى الله عليه وسلم إلا أن كل دم كان في ~~الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ~~يعني والله أعلم بالكافر الذي قتله في الجاهلية وكان ذلك تفسيرا لقوله كل ~~دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث ~~وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة وأنه إنما كان قبل ذلك ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم ms0220 وبين المشركين عهود إلى مدد لا على أنهم ~~داخلون في ذمة الإسلام وحكمه وكان قوله يوم فتح مكة لا يقتل مؤمن بكافر ~~منصرفا إلى الكفار المعاهدين إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه ويدل ~~عليه قوله ولا ذو عهد في عهده كما قال تعالى @QB@ فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم @QE@ وقال @QB@ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر @QE@ وكان المشركون حينئذ ~~ضربين أحدهما أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~والآخر أهل عهد إلى مدة ولم يكن هناك أهل ذمة فانصرف الكلام إلى الضربين من ~~المشركين ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين الوصفين وفي فحوى هذا الخبر ~~ومضمونه ما يدل على أن الحكم المذكور في نفي القصاص مقصور على الحربي ~~المعاهد دون الذمي وذلك أنه عطف عليه قوله ولا ذو عهد في عهده ومعلوم أن ~~قوله ولا ذو عهد في عهده غير مستقل بنفسه في إيجاب الفائدة لو انفرد عما ~~قبله فهو إذا مفتقر إلى ضمير وضميره ما تقدم ذكره ومعلوم أن الكافر الذي لا ~~يقتل به ذو العهد المستأمن هو الحربي فثبت أن مراده مقصور على الحربي وغير ~~جائز أن يجعل الضمير ولا يقتل ذو عهد في عهده من وجهين أحدهما أنه لما كان ~~القتل المبدو بذكره قتلا على وجه القصاص وكان ذلك القتل بعينه سبيله أن ~~يكون مضمرا في الثاني لم يجز لنا إثبات الضمير قتلا مطلقا إذ لم يتقدم في ~~الخطاب ذكر قتل مطلق غير مقيد بصفة وهو القتل على وجه القود فوجب أن يكون ~~هو المنفي بقوله ولا ذو عهد في عهده فصار تقديره ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ~~يقتل ذو عهد في عهده بالكافر المذكور بديا ولو أضمرنا قتلا مطلقا كنا ~~مثبتين لضمير لم يجز له ذكر في الخطاب وهذا لا يجوز وإذا ثبت ذلك وكان ~~الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي كان قوله لا يقتل مؤمن ~~بكافر بمنزلة قوله لا يقتل مؤمن بكافر حربي ms0221 فلم يثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفي قتل المؤمن بالذمي والوجه الآخر أنه معلوم أن ذكر العهد يحظر ~~قتله ما دام في عهده فلو حملنا قوله ولا ذو عهد في عهده على أنه لا يقتل ذو ~~عهد في عهده لأخلينا اللفظ من الفائدة PageV01P176 وحكم كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم حمله على مقتضاه في الفائدة وغير جائز إلغاؤه ولا إسقاط ~~حكمه فإن قال قائل قد روي في حديث أبي جحيفة عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقتل مؤمن بكافر ولم يذكر العهد وهذا اللفظ ينفي قتل المؤمن بسائر ~~الكفار قيل هو حديث واحد قد عزاه أبو جحيفة أيضا إلى الصحيفة وكذلك قيس بن ~~عباد وإنما حذف بعض الرواة ذكر العهد فأما أصل الحديث فواحد ومع ذلك فلو لم ~~يكن في الخبر دليل على أنه حديث واحد لكان الواجب حملهما على أنهما وردا ~~معا وذلك لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في وقتين مرة ~~مطلقا من غير ذكر ذي العهد وتارة مع ذكر ذي العهد وأيضا فقد وافقنا الشافعي ~~على أن ذميا لو قتل ذميا ثم أسلم لم يسقط عنه القود فلو كان الإسلام مانعا ~~من القصاص ابتداء لمنعه إذا طرئ بعد وجوبه قبل استيفائه ألا ترى أنه لما لم ~~يجب القصاص للإبن على الأب إذا قتله كان ذلك حكمه إذا ورث ابنه القود من ~~غيره فمنع ما عرض من ذلك من استيفائه كما منع ابتداء وجوبه وكذلك لو قتل ~~مرتدا لم يجب القود ولو جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم مات من الجراحة سقط القود ~~فاستوى فيه حكم الابتداء والبقاء فلو لم يجب القتل بديا لما وجب إذا أسلم ~~بعد القتل وأيضا لما كان المعنى في إيجاب القصاص ما أراد الله تعالى من ~~بقاء حياة الناس بقوله @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ وكان هذا المعنى ~~موجودا في الذمي لأن الله تعالى قد أراد بقاءه حين حقن دمه بالذمة وجب أن ~~يكون ms0222 ذلك موجبا للقصاص بينه وبين المسلم كما يوجبه في قتل بعضهم بعضا فإن ~~قيل يلزمك على هذا قتل المسلم بالحربي المستأمن لأنه محظور الدم قيل له ليس ~~كذلك بل هو مباح الدم إباحة مؤجلة ألا ترى أنا لا نتركه في دار الإسلام ~~ونلحقه بمأمنه والتأجيل لا يزيل عنه حكم ا لإباحة كالثمن المؤجل لا يخرجه ~~التأجيل عن وجوبه واحتج أيضا من منع القصاص بقوله صلى الله عليه وسلم ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم قالوا وهذا يمنع كون دم الكافر مكافيا لدم المسلم ~~وهذا لا دلالة فيه على ما قالوا لأن قوله المسلمون تتكافأ دماؤهم لا ينفي ~~مكافأة دماء غير المسلمين وفائدته ظاهرة وهي إيجاب التكافؤ بين الحر والعبد ~~والشريف والوضيع والصحيح والسقيم فهذه كلها فوائد هذا الخبر وأحكامه ومن ~~فوائده أيضا إيجاب القود بين الرجل والمرأة وتكافؤ دمائهما ونفي لأخذ شيء ~~من أولياء المرأة إذا قتلوا القاتل أو إعطاء نصف الدية من مال المرأة مع ~~قتلها إذا كانت هي القاتلة فإذا كان قوله ص = PageV01P177 المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم قد أفاد هذه المعاني فهو حكم مقصور على المذكور ولا دلالة فيه على ~~نفي التكافؤ بينهم وبين غيرهم من أهل الذمة ويدل على ذلك أنه لم يمنع تكافؤ ~~دماء الكفار حتى يقاد من بعضه لبعض إذا كانوا ذمة لنا فكذلك لا يمنع تكافؤ ~~دماء المسلمين وأهل الذمة ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على ~~أنه يقطع إذا سرقه فوجب أن يقاد منه لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله ألا ~~ترى أن العبد لا يقطع في مال مولاه ويقتل به واحتج الشافعي بأنه لا خلاف ~~أنه لا يقتل بالحربي المستأمن كذلك لا يقتل بالذمي وهما في تحريم القتل ~~سواء وقد بينا وجوه الفرق بينهما والذي ذكره الشافعي من الإجماع ليس كما ظن ~~لأن بشر بن الوليد قد روى عن أبي يوسف أن المسلم يقتل بالحربي المستأمن ~~وأما قول مالك والليث في قتل الغيلة فإنهما يريان ذلك حدا لا قودا والآيات ~~التي فيها ذكر ms0223 القتل لم تفرق بين قتل الغيلة وغيره وكذلك السنن التي ذكرنا ~~وعمومها يوجب القتل على وجه القصاص على على وجه الحد فمن خرج عنها بغير ~~دلالة كان محجوجا والله أعلم # | باب قتل الوالد بولده # اختلف الفقهاء في قتل الوالد بولده فقال عامتهم لا يقتل وعليه الدية في ~~ماله قال بذلك أصحابنا والأوزاعي والشافعي وسووا بين الأب والجد وقال الحسن ~~بن صالح بن حي يقاد الجد بابن الإبن وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه ولا ~~يجيز شهادة لأب لابنه وقال عثمان البتي إذا قتل ابنه عمدا قتل به وقال مالك ~~يقتل به وقد حكي عنه أنه إذا ذبحه قتل به وإن حذفه بالسيف لم يقتل به ~~والحجة لمن أبى قتله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يقتل والد بولده ) وهذا خبر مستفيض ~~مشهور وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم ~~عليه فكان بمنزلة قوله لا وصية لوارث ونحوه في لزوم الحكم به وكان في حيز ~~المستفيض المتواتر وقد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم ~~بن الحسين قال حدثنا عبدالله بن سنان المروزي قال حدثنا إبراهيم بن رستم عن ~~حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يقاد الأب بابنه ) وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خلاد بن يحيى قال PageV01P178 ~~حدثنا قيس عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يقاد الوالد بولده ) وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل ( أنت ومالك لأبيك ) فأضاف نفسه إليه ~~كإضافة ماله وإطلاق هذه الإضافة ينفي القود كما ينفي أن يقاد المولى بعبده ~~لإطلاق إضافته إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر والأب وإن كان غير ms0224 مالك ~~لابنه في الحقيقة فإن ذلك لا يسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة لأن القود ~~يسقطه الشبهة وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه ويدل عليه أيضا ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن ولده ~~من كسبه ) وقال صلى الله عليه وسلم ( إن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسب ~~أولادكم ) فسمى ولده كسبا له كما أن عبده كسبه فصار ذلك شبهة في سقوط القود ~~به وأيضا فلو قتل عبد ابنه لم يقتل به لأنه صلى الله عليه وسلم سماه كسبا ~~له كذلك إذا قتل نفسه وأيضا قال الله تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه ~~حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ~~وإن جاهداك على أن تشرك @QE@ الآية فأمر بمصاحبة الوالدين الكافرين ~~بالمعروف وأمره بالشكر لقوله تعالى @QB@ أن اشكر لي ولوالديك @QE@ وقرن ~~شكرهما بشكره وذلك ينفي جواز قتله إذا قتل وليا لابنه فكذلك إذا قتل ابنه ~~لأن من يستحق القود بقتل الإبن إنما يثبت له ذلك من جهة الإبن المقتول فإذا ~~لم يستحق ذلك المقتول لم يستحق ذلك عنه وكذلك قوله تعالى @QB@ إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ~~@QE@ ولم يخصص حالا دون حال بل أمره بذلك أمرا مطلقا عاما فغير جائز ثبوت ~~حق القود له عليه لأن قتله له يضاده هذه الأمور التي أمر الله تعالى لها في ~~معاملة والده وأيضا نهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر الراهب ~~عن قتل أبيه وكان مشركا محاربا لله ولرسوله وكان مع قريش يقاتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم أحد فلو جاز للإبن قتل أبيه في حال لكان أولى الأحوال ~~بذلك حال من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرك إذ ليس يجوز أن يكون ~~أحد أولى باستحقاق العقوبة والذم والقتل ممن هذه ms0225 حاله فلما نهاه صلى الله ~~عليه وسلم عن قتله في هذه الحال علمنا أنه لا يستحق قتله بحال وكذلك قال ~~أصحابنا أنه لو قذفه لم يحد له ولو قطع يده لم يقتص منه ولو كان عليه دين ~~له لم يحبس به لأن ذلك كله يضاد موجب الآي التي ذكرنا ومن الفقهاء ~~PageV01P179 من يجعل مال الإبن لأبيه في الحقيقة كما يجعل مال العبد ومتى ~~أخذ منه لم يحكم برده عليه فلو لم يكن في سقوط القود به إلا اختلاف الفقهاء ~~في حكم ماله على ما وصفنا لكان كافيا في كونه شبهة في سقوط القود به وجميع ~~ما ذكرنا من هذه الدلائل يخص آي القصاص ويدل على أن الوالد غير مراد بها ~~والله أعلم # | باب الرجلين يشتركان في قتل الرجل # قال الله تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ ولا خلاف أن هذا ~~الوعيد لاحق بمن شارك غيره في القتل وإن عشرة لو قتلوا رجلا عمدا لكان كل ~~واحد منهم داخلا في الوعيد قاتلا للنفس المؤمنة وكذلك لو قتل عشرة رجلا خطأ ~~كان كل واحد منهم قاتلا في الحكم للنفس يلزمه من الكفارة مايلزم المنفرد ~~بالقتل ولا خلاف أن ما دون النفس لا يجب فيه كفارة فيثبت أن كل واحد في حكم ~~من أتلف جميع النفس وقال تعالى @QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه ~~من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ ~~فالجماعة إذا اجتمعت على قتل رجل فكل واحد في حكم القاتل للنفس ولذلك قتلوا ~~به جميعا وإذا كان كذلك فلو قتل اثنان رجل أحدهما عمدا والآخر خطأ أو ~~أحدهما مجنون والآخر عاقل فملعوم أن المخطئ في حكم آخذ جميع النفس فيثبت ~~لجميعها حكم الخطأ فانتفى منهما حكم العمد إذ غير جائز ثبوت حكم الخطأ ~~للجميع وحكم العمد للجميع وكذلك المجنون والعاقل والصبي والبالغ ألا ترى ~~أنه إذا ثبت حكم الخطأ للجميع وجبت ms0226 الدية كاملة وإذا ثبت حكم العمد للجميع ~~وجب القود فيه ولا خلاف بين الفقهاء في امتناع وجوب دية كاملة في النفس ~~ووجوب القود مع ذلك على جهة استيفائهما جميعا فوجب بذلك أنه متى وجب للنفس ~~المتلفة على وجه الشركة شيء من الدية أن لا يثبت معه قود على أحد لأن وجوب ~~يوجب ثبوت حكم العمد في الجميع وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب الأرش ~~لشيء منها وقد اختلف الفقهاء في الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والعمد ~~والمخطئ يقتلان رجلا فقال أبو حنيفة وصاحباه لا قصاص على واحد منهما وكذلك ~~لو كان أحدهما أبا المقتول فعلى الأب والعاقل نصف الدية في ماله والمخطئ ~~والمجنون والصبي على عاقلته وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك إذا اشترك ~~الصبي PageV01P180 والبالغ في قتل رجل قتل الرجل وعلى عاقلة الصبي نصف ~~الدية وقال الأوزاعي على عاقلتهما الدية وقال الشافعي إذا قتل رجلا مع صبي ~~رجلا فعلى الصبي العامد نصف الدية في ماله وكذلك الحر والعبد إذا قتلا عبدا ~~والمسلم والنصراني إذا قتلا نصرانيا قال وإن شركة قاتل خطأ فعلى العامد نصف ~~الدية في ماله وجناية المخطئ على عاقلته قال أبو بكر أصل أصحابنا في ذلك ~~أنه متى اشترك اثنان في قتل رجل وأحدهما لا يجب عليه القود فلا قود على ~~الآخر وما قدمناه من دلائل الآي التي ذكرنا يمنع وجوب القود على أحدهما ~~عمدا ويجب المال على الآخر لحصول حكم الخطأ للنفس المتلفة ولا جائز أن يكون ~~خطأ وعمدا موجبا للمال والقود في حال واحدة وهي نفس واحدة لا تتبعض ألا ترى ~~أنه غير جائز أن يكون بعضها متلفا وبعضها حيا لأن ذلك يوجب أن يكون الإنسان ~~حيا ميتا في حال واحدة فلما امتنع ذلك ثبت أن كل واحد من القاتلين في حكم ~~المتلف لجميعها فوجب بذلك قسطها من اليدة على من لا يجب عليه القود فيصير ~~حينئذ محكوما للجميع بحكم الخطأ فلا جائز مع ذلك أن يحكم لها بحكم العمد ~~لأنه لو جاز ذلك ms0227 لوجب أن يكون فيهما جميع الدية ويشبه من هذا الوجه أيضا ~~الواطئ لجارية بينه وبين غيره في سقوط الحد عنه لأن فعله لم يتبعض في نصيبه ~~دون نصيب شريكه فلما لم يجب عليه الحد في نصيبه منع ذلك من وجوبه في نصيب ~~شريكه لعدم التبعيض فيه وعلى هذا قال أصحابنا في رجلين سرقا من ابن أحدهما ~~أنه لا قطع على واحد منهما لمشاركته في انتهاك الحرز من لا يستحق القطع فإن ~~قال قائل إن تعلق حكم العامد على العامد والصحيح والبالغ موجب عليه القود ~~بقضية استدلالك بالآي التي تلوت إذا كان قاتلا لجميع النفس متلفا لجميع ~~الحياة ولذلك استحق الوعيد في حال الاشتراك والانفراد وكذلك الجماعة ~~العامدون لقتل رجل أوجب على كل واحد منهم القود إذ كان في حكم من أتلف ~~الجميع منفردا به وهذا يوجب قتل العاقل منهما وكذلك الصبي والبالغ وأن لا ~~يسقط بمشاركة من لا قود عليه قيل له هذا غير واجب من قبل أنه لا خلاف أن ~~المشارك الذي لا قود عليه يلزمه قسطه من الدية ولما وجب فيه الأرش انتفى ~~عنه حكم العمد في الجميع لما ذكرنا من امتناع تبعيضها في حال الإتلاف فصار ~~الجميع في حكم الخطأ وما لا قود فيه ولما كان الواجب على الشريك الذي لم ~~يستحق عليه القود قسطه من الدية دون جميعها ثبت أن الجميع قد صار في حكم ~~الخطأ لولا ذلك PageV01P181 لوجب جميع الدية ألا ترى أنهم لو كانوا جميعا ~~ممن يجب عليهم القود لأقدنا منهم جميعا وكان كل واحد منهم في حكم القاتل ~~منفردا به فلما وجب على المشارك الذي لا قود عليه قسطه من الدية دل ذلك على ~~سقوط القود وأن النفس قد صارت في حكم الخطأ فلذلك انقسمت الدية على عددهم ~~ومن حيث وافقنا الشافعي في قاتلي العمد والخطأ أن لا قود على العامد منهما ~~لزمه مثل ذلك في العاقل والمجنون والصبي والبالغ لمشاركته في القتل من لا ~~قود عليه فيه وأيضا فوجدنا في الأصول امتناع ms0228 وجوب المال والقود في شخص واحد ~~ألا ترى أنه لو كان القاتل واحدا فوجب المال انتفى وجوب القصاص وكذلك الوطء ~~إذا وجب به المهر سقط الحد وكذلك السرقة إذا وجب بها الضمان سقط القطع ~~عندنا لأن المال لا يجب في هذه المواضع إلا مع وجود الشبهة المسقطة للقود ~~والحد فلما وجب المال في مسئلتنا بالإتفاق انتفى به وجوب القصاص ومما يدل ~~على أن سقوط القود فيما وصفنا أولى من إيجابه أن القود قد يتحول مالا بعد ~~ثبوته والمال لا يتحول قودا بوجه فكان مالا ينفسخ إلى غيره أولى بالإثبات ~~مما ينفسخ بعد ثبوته إلى الآخر وكان سقوط القود عن أحدهما مسقطا له عن ~~الآخر فإن قيل فأنتم تقولون في العامدين إذا قتلا رجلا ثم عفا الولي عن ~~أحدهما أن الآخر يقتل فكذلك يجب أن تقولوا في هذه المسئلة قيل له هذا سؤال ~~ساقط على أصل الشافعي لأنه يلزمه أن يقيد من العامد إذا شاركه المخطئ إذا ~~كانت الشركة لا حظ لها في نفي القود عمن يجب عليه ذلك لو انفرد وإن كان ~~سقوط القود عن أحد قاتلي العمد بالعفو لا يسقط عن الآخر فلما لم يلزمه ذلك ~~في المخطئ والعامد لم يلزمنا في الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والسؤال ~~ساقط للآخرين أيضا من قبل أن هذا كلام في الإستيفاء والإستيفاء لا يجب على ~~وجه الشركة إذ له أن يقتل أحدهما قبل الآخر وله أن يقتل من وجده منهما دون ~~من لم يجد وأيضا مسئلتنا في الوجوب ابتداء إذا وقع القتل على وجه الشركة ~~فيستحيل حينئذ أن يكون كل واحد منهما قد صار في الحكم كمتلف دون الآخر ~~واستحال انفراد أحدهما بالحكم دون شريكه وأيضا فالوجوب حكم غير الإستيفاء ~~فغير جائز إلزام الإستيفاء عليه إذ غير جائز اعتبار حال الإستيفاء بحال ~~الوجوب ألا ترى أنه يجوز أن يكون في حال الإستيفاء تائبا وليا لله عز وجل ~~وغير جائز أن يكون في حال القتل الموجب للقود وليا لله تعالى وجائز أن يتوب ~~الزاني ms0229 فيكون PageV01P182 حق استيفاء الحد باقيا عليه وغير جائز وجوب الحد ~~وهو على هذه الصفة فمن اعتبر حال الوجوب بحال الإستيفاء فهو مغفل للواجب ~~عليه وأيضا فإنه متى عفا عن أحدهما سقط حكم قتله فصار الباقي في حكم ا ~~لمنفرد بقتله فلزمه القود ولم يسقط عنه بسقوطه عن الآخر وأما المجنون ومن ~~لم يجب عليه القود فحكم فعله ثابت على وجه الخطأ وذلك موجب لحظر دم من ~~شاركه إذ كان حكمه حكمه لاشتراكهما فيه وإذا ثبت بما قدمنا من دلائل الكتاب ~~والنظر سقوط القود عمن شاركه من لا يجب عليه القود جاز أن يخص بهما موجب ~~حكم الآي المذكور فيها القصاص من قوله @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى ~~@QE@ وقوله @QB@ الحر بالحر @QE@ وقوله @QB@ ومن قتل مظلوما @QE@ و @QB@ ~~النفس بالنفس @QE@ وما جرى مجرى ذلك من عموم السنن الموجبة للقصاص ولأن ~~جميع ذلك عام قد أريد به الخصوص بالإتفاق وما كان هذا سبيله فجائز تخصيصه ~~بدلائل النظر والله الموفق وذكر المزني أن الشافعي احتج على محمد في منعه ~~إيجاب القود على العامد إذا شاركه صبي أو مجنون فقال إن كنت رفعت عنه القتل ~~لأن القلم مرفوع عنهما وأن عمدهما خطأ فهلا أقدت من الأجنبي إذا قتل عمدا ~~مع الأب لأن القلم عن الأب ليس بمرفوع وهذا ترك لأصله قال المزني قد شرك ~~الشافعي محمدا فيما أنكر عليه في هذه المسئلة لأن رفع القصاص عن المخطئ ~~والمجنون واحد وكذلك حكم من شركهم في العمد واحد قال أبو بكر ما ذكره ~~المزني عن الشافعي إلزام في غير موضعه لأنه ألزمه عكس المعنى وإنما الذي ~~يلزم على هذا الأصل أن كل من كان عمده خطأ أن لا يقيد المشارك له في القتل ~~وإن كان عامدا فأما من ليس عمده خطأ فليس يلزمه أن يخالف بينهما في الحكم ~~بل حكمه موقوف على دليله لأنه عكس العلة وليس يلزم من اعتل بعلة في الشرع ~~أن يعكسها ويوجب من الحكم عند عدمها ضد موجبها عند وجودها ألا ترى أنا إذا ms0230 ~~قلنا وجود الغرر يمنع جواز البيع لم يلزمنا على ذلك الحكم بجوازه عند عدم ~~الغرر بل جائز أن يمنع الجواز عند عدم الغرر لوجود معنى آخر وهو أن يكون ~~مما لم يقبضه بائعه أو شرط فيه شرطا لا يوجبه العقد أو يكون مجهول الثمن ~~وما جرى مجرى ذلك من المعاني المفسدة لعقود البياعات وجائز أن يجوز البيع ~~عند زوال الغرر على حسب قيام دلالة الجواز والفساد ونظائر ذلك كثيرة في ~~مسائل العقد لا يخفى على من له أدنى ارتياض بنظر الفقه ومما يحتج به في ذلك ~~حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل ~~PageV01P183 السوط والعصا فيه الدية مغلظة وقتيل الصبي والبالغ والمجنون ~~والعاقل والمخطئ والعامد هو خطأ العمد من وجهين أحدهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسر قتيل خطأ العمد بأنه قتيل السوط والعصا فإذا اشترك مجنون معه ~~عصا وعاقل معه السيف فهو قتي خطأ العمد لقضية النبي صلى الله عليه وسلم ~~فالواجب أن لا قصاص فيه والوجه الآخر أن عمد الصبي والمجنون خطأ لأن القتل ~~لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه إما خطأ أو عمد أو شبه عمد فلما لم يكن قتل ~~الصبي والمجنون عمدا وجب أن يكون في أحد الحيزين الآخرين من الخطأ أو شبه ~~العمد وأيهما كان فقد اقتضى ظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم إسقاط القود ~~عن مشاركه في القتل لأنه قتيل خطأ أو قتيل خطأ العمد وايضا فإنه أوجب فيمن ~~استحق هذه التسمية دية مغلظة ومتى وجبت الدية كاملة انتفى القود بالإتفاق ~~فإن قيل إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله قتيل خطأ العمد إذا ~~انفرد بقتله بالسوط والعصا قيل له مشاركة غيره فيه بالسيف لا تخرجه من أن ~~يكون قتيل السوط والعصا وقتيل خطأ لأن كل واحد منهما من حيث كان قاتلا وجب ~~أن يكون هو قتيلا لكل واحد منهما فاشتمل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المعنيين وانتفى به القصاص في ms0231 الحالين ويدل على صحة ما ذكرنا وأنه غير جائز ~~اختلاف حكم مشاركة المجنون للعاقل والمخطئ للعامد أن رجلا لو جرح رجلا وهو ~~مجنون ثم أفاق وجرحه أخرى بعد الإفاقة ثم مات المجروح ممنهما أنه لا قود ~~على القاتل كما لو جرحه خطأ ثم جرحه عمدا ومات منهما لم يجب عليه القود ~~وكذلك لو جرحه مرتدا ثم أسلم ثم جرحه ومات من الجراحتين لم يكن على الجارح ~~القود وذلك يدل على معنيين أحدهما أن موته من جراحتين إحداهما غير موجبة ~~للقود والأخرى موجبة يوجب إسقاط القود ولم يكن لانفراد الجراحة التي لا ~~شبهة فيها عن الأخرى حكم في إيجاب القود بل كان الحكم للتي لم توجب قودا ~~فوجب على هذا أنه إذا مات من جراحة رجلين أحدهما لو انفرد أوجبت جراحته ~~القود والأخرى لا توجبه أن يكون حكم سقوطه أولى من حكم إيجابه لحدوث الموت ~~منهما فكان حكم ما يوجب سقوط القود أولى من حكم ما يوجبه والعلة فيهما موته ~~من جراحتين إحداهما مما توجب القود والأخرى مما لا توجبه والمعنى الآخر ما ~~قسمنا الكلام عليه بديا هو أنه لا فرق بين المخطئ والعامد وبين المجنون ~~والعاقل عند الاشتراك كما لم تختلف جناية المجنون في حال جنونه ثم في حال ~~إفاقته إذا حدث الموت منهما وجناية الخطأ والعمد إذا حدث الموت PageV01P184 ~~منهما في سقوط القود في الحالين كذلك ينبغي أن لا يختلف حكم جناية الصحيح ~~لمشاركة المجنون وحكم جناية العامد لمشاركة المخطئ والله أعلم # | باب ما يجب لولي قتيل العمد # قال الله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ وقد اتفقوا أن القود مراد به وقال تعالى @QB@ ~~وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به @QE@ وقال @QB@ فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ فاقتضت هذه الآيات إيجاب القصاص لا ~~غير وقد اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك ~~بن أنس ms0232 والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح ليس للولي إلا القصاص ولا يأخذ ~~الدية إلا برضى القاتل وقال الأوزاعي والليث والشافعي الولي بالخيار بين ~~أخذ القصاص والدية وإن لم يرض القاتل وقال الشافعي فإن عفا المفلس عن ~~القصاص جاز ولم يكن لأهل الوصايا والدين منعه لأن المال لا يملك بالعمد إلا ~~بمشيئة المجني عليه إذا كان حيا أو بمشيئة الورثة إذا كان ميتا قال أبو بكر ~~ما تقدم ذكره من ظواهر آي القرآن بما تضمنه من بيان المراد من غير اشتراك ~~في اللفظ يوجب القصاص دون المال وغير جائز إيجاب المال على وجه التخيير إلا ~~بمثل ما يجوز به نسخه لأن الزيادة في نص القرآن توجب نسخه ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ فحظر أخذ مال كل واحد من أهل الإسلام إلا ~~برضاه على وجه التجارة وبمثله قد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ) فمتى لم يرض القاتل ~~بإعطاء المال ولم تطب به نفسه فماله محظور على كل أحد وروي عن ابن عباس وقد ~~ذكرنا سنده فيما تقدم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( العمد قود ~~إلا أن يعفو ولي المقتول ) وروى سليمان بن كثير قال حدثنا عمرو بن دينار عن ~~طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قتل في عميا ~~أو في زحمة لم يعرف قاتله أو رميا تكون بينهم بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل ~~خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين ) فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين أن الواجب ~~بالعمد هو القود ولو كان له خيار في أخذ الدية لما اقتصر على ذكر القود ~~دونها لأنه PageV01P185 غير جائز أن يكون له أحد شيئين على وجه التخيير ~~ويقتصر صلى الله عليه ms0233 وسلم بالبيان على أحدهما دون الآخر لأن ذلك يوجب نفي ~~التخيير ومتى ثبت فيه تخيير بعده كان نسخا له فإن قيل قد روى ابن عيينة هذا ~~الحديث الآخر عن عمرو بن دينار عن طاوس موقوفا عليه ولم يذكر فيه ابن عباس ~~ولا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيل له كان ابن عيينة حدث به مرة ~~هكذا غير مرفوع وحدث به مرة أخرى كما حدث سليمان بن كثير وقد كان ابن عيينة ~~سيء الحفظ كثير الخطأ ومع ذلك فجائز أن يكون طاوس رواه مرة عن ابن عباس عن ~~ا لنبي صلى الله عليه وسلم ومرة أفتى به وأخبر عن اعتقاده فليس إذا في ذلك ~~ما يوهن الحديث وقد تنازع أهل العلم معنى قوله تعالى @QB@ فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان @QE@ فقال قائلون العفو ما سهل ~~وما تيسر قال الله تعالى @QB@ خذ العفو @QE@ يعني والله أعلم ما سهل من ~~الأخلاق وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو ~~الله ) يعني تيسير الله وتسهيله على عباده فقوله تعالى @QB@ فمن عفي له من ~~أخيه شيء @QE@ يعني الولي إذا أعطى شيئا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف ~~وليؤد القاتل إليه بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة ~~القاتل وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة كما قال عقيب ذكر القصاص من سورة المائدة ~~@QB@ فمن تصدق به فهو كفارة له @QE@ فندبه إلى العفو والصدقة وكذلك ندبه ~~بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني لأنه بدأ بذكر عفو ~~الجاني بإعطاء الدية ثم أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان ~~وقال بعضهم المعنى فيه ما روي عن ابن عباس وهو ما حدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان الثوري قال حدثنا عمرو بن دينار قال ~~سمعت مجاهدا يقول سمعت ابن عباس يقول كان القصاص في بني إسرائيل ولم يكن ~~فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة @QB@ يا أيها الذين آمنوا ms0234 كتب عليكم ~~القصاص في القتلى @QE@ إلى قوله @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء @QE@ قال ابن ~~عباس العفو أن يقبل الدية في العمد @QB@ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم @QE@ قال بعد ~~قبول الدية فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من ~~حظر قبول الدية وأباحت للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل تخفيفا من الله ~~علينا ورحمة بنا فلو كان الأمر على ما ادعاه مخالفنا من إيجاب التخيير لما ~~قال فالعفو أن يقبل الدية لأن PageV01P186 القبول لا يطلق إلا فيما بذله ~~غيره لو لم يكن أراد ذلك لقال إذا اختار الولي فثبت بذلك أن المعنى كان عند ~~جواز تراضيهما على أخذ الدية وقد روي عن قتادة ما يدل على أن الحكم الذي ~~كان في بني إسرائيل من امتناع قبول الدية ثابت على من قتل بعد أخذ الدية ~~وهو ما حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسين بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى @QB@ فمن اعتدى بعد ذلك @QE@ قال يقول من قتل بعد أخذ الدية فعليه ~~القتل لا يقبل منه الدية وقد روي فيه معنى آخر وهو ما روى سفيان بن حسين عن ~~ابن أشوع عن الشعبي قال كان بين حيين من العرب قتال فقتل من هؤلاء ومن ~~هؤلاء فقال أحد الحيين لا نرضى حتى نقتل الرجل بالمرأة وبالرجل الرجلين ~~وارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القتل بواء أي سواء فاصطلحوا على الديات ففضل لأحد الحيين على الآخر فهو ~~قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص @QE@ إلى قوله @QB@ فمن عفي له من أخيه ~~شيء @QE@ قال سفيان فمن عفي له من أخيه شيء يعني فمن فضل له على أخيه شيء ~~فليؤده بالمعروف فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية وذكر سفيان أن معنى ~~العفو ههنا الفضل وهو معنى يحتمله اللفظ قال ms0235 الله تعالى @QB@ حتى عفوا @QE@ ~~يعني كثروا وقال صلى الله عليه وسلم ( أعفوا اللحى ) فتقدير الآية على ذلك ~~فمن فضل له على أخيه شيء من الديات التي وقع الاصطلاح عليها فليتبعه مستحقه ~~بالمعروف وليؤد إليه بإحسان وقد ذكر فيه معنى آخر وهو أنهم قالوا هو في ~~الدم بين جماعة إذا عفا بعضهم تحول نصيب الآخرين مالا وقد روي عن عمر وعلي ~~وعبدالله ذلك ولم يذكروا أنه تأويل الآية وهذا تأويل لفظ الآية يوافقه لأنه ~~قال @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء @QE@ وهذا يقتضي وقوع العفو عن شيء من ~~الدم لا عن جميعه فيتحول نصيب الشركاء مالا وعليهم اتباع القتل بالمعروف ~~عليه أداؤه إليهم بإحسان وتأوله بعضهم على أن لولي الدم أخذ المال بغير رضى ~~القاتل وهذا تأويل يدفعه ظاهر الآية لأن العفو لا يكون مع أخذ الدية ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( العمد قود إلا أن يعفو الأولياء ) ~~فأثبت له أحد الشيئين قتل أو عفو ولم يثبت له مالا بحال فإن قال قائل إذا ~~عفا عن الدم ليأخذ المال كان عافيا ويتناوله لفظ الآية قيل له إن كان ~~الواجب أحد الشيئين فجائز أيضا أن يكون عافيا بترك المال وأخذ القود فعلى ~~هذا لا يخلو الولي من عفو قتل أو أخذ مال وهذا فاسد PageV01P187 لا يطلقه ~~أحد ومن جهة أخرى ينفيه ظاهر الآية وهو أنه إذا ان الولي هو العافي بترك ~~القود وأخذ المال فإنه لا يقال له عفا له وإنما يقال له عفا عنه فيتعسف ~~فيقيم اللام مقام عن أو يحمله على أنه عفا له عن الدم فيضمر حرفا غير مذكور ~~ونحن متى استغنينا بالمذكور عن المحذوف لم يجز لنا إثبات الحذف وعلى أن ~~تأويلنا هو سائغ مستعمل على ظاهره من غير إثبات ضمير فيه وهو أن يحمل على ~~معنى التسهيل من جهة القاتل بإعطائه المال ومن جهة أخرى يخالف ظاهرها هو أن ~~قوله @QB@ من أخيه شيء @QE@ فقوله @QB@ من @QE@ تقتضي التبعيض لأن ذلك ~~حقيقتها وبابها إلا أن ms0236 تقوم الدلالة على غيره فيوجب هذا أن يكون العفو عن ~~بعض دم أخيه وعند المخالف هو عفو عن جميع الدم وتركه إلى الدية وفيه إسقاط ~~حكم من ومن وجه آخر وهو قوله @QB@ شيء @QE@ وهذا أيضا يوجب العفو عن شيء من ~~الم لا عن جميعه فمن حمله على الجميع لم يوف الكلام حظه من مقتضاه وموجبه ~~لأنه يجعله بمنزلة ما لو قال فمن عفي له عن الدم وطولب بالدية فأسقط حكم ~~قوله من وقوله شيء وغير جائز لأحد تأويل الآية على وجه يؤدي إلى إلغاء شيء ~~من لفظها ما أمكن استعماله على حقيقته ومتى استعمل على ما ذكرنا كان موافقا ~~لظاهر الآية من غير إسقاط منه لأنه إن كان التأويل ما ذكره الشعبي من ~~نزولها على السبب وما فضل من بعضهم على بعض من الديات فهو موافق للفظ الآية ~~لأنه عفي له من أخيه بمعنى أنه فضل له شيء من المال فيه التقاضي وذلك بعض ~~من جملة وشيء منها فتناوله اللفظ على حقيقته وإن كان التأويل أنه إن سهل له ~~بإعطاء شيء من المال فالولي مندوب إلى قبوله موعود بالثواب عليه فذلك قد ~~يتناول أيضا للبعض بأن يبذل بعض الدية وذلك جزء من كل مما أتلفه وإن كان ~~التأويل الإخبار بنسخ ما كان على بني إسرائيل من إيجاب حكم القود ومنع أخذ ~~البدل فتأويلنا أيضا على هذا الوجه أشد ملاءمة لمعنى الآية لأنا نقول إن ~~الآية اقتضت جواز الصلح منهما على ما يقع الإصطلاح عليه من قليل أو كثير ~~فذكر البعض وأفاد به حكم الكل أيضا كقوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما @QE@ نص على هذا القول بعينه وأراد به ما فوقه في نظائر لذلك في ~~القرآن وإن كان التأويل عفو بعض الأولياء عن نصيبه فهو أيضا يواطئ ظاهر ~~الآية لوقوع العفو عن البعض دون الجميع فعلى أي وجه يصرف تأويل المتأولين ~~ممن قدمنا قوله فتأويله موافق لظاهر الآية غير تأويل من تأوله على أن للولى ~~العفو عن PageV01P188 الجميع وأخذ ms0237 المال وليس يمتنع أن يكون جميع المعاني ~~التي قدمنا ذكرها عن متأوليها مرادة بالآية فيكون نزولها على سبب نسخ بها ~~ما كان على بني إسرائيل وأبيح لنا أخذ قليل المال وكثيره ويكون الولي ~~مندوبا إلى القبول إذا تسهل له القاتل بإعطاء المال وموعودا عليه بالثواب ~~ويكون السبب الذي نزلت عليه الآية حصول الفضل من بعض على بعض في الديات ~~فأمروا به بالاتباع بالمعروف وأمر القاتل بالأداء إليهم بإحسان ويكون على ~~اختلاف فيه بيان حكم الدم إذا عفا عنه بعض الأولياء فهذه الوجوه كلها على ~~اختلاف معانيها تحتملها الآية وهي مرادة من غير إسقاط شيء من لفظها فإن قال ~~قائل وما تأوله المخالفون في إيجاب الدية للولي باختياره من غير رضى القاتل ~~تحتمله الآية فوجب أن يكون مرادا إذ ليس فيه نفي لتأويلات الآخرين ويكون ~~قوله @QB@ فمن عفي له @QE@ معناه أنه ترك له من قولهم عفت المنازل إذا تركت ~~حتى درست والعفو عن الذنوب ترك العقوبة عليها فيفيد ذلك ترك القود إلى ~~الدية قيل له إن كان كذلك فينبغي أن يكون لو ترك الدية وأخذ القود أن يكون ~~عافيا لأنه تارك لأخذ الدية وقد يسمى ترك المال وإسقاطه عفوا قال الله @QB@ ~~فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح @QE@ فأطلق اسم ~~العفو على الإبراء من المال ومعلوم عند الجميع امتناع إطلاق العفو على من ~~آثر أخذ القود وترك أخذ الدية فكذلك العادل عن القود إلى أخذ الدية لا ~~يستحق اسم العافي إذ كان إنما اختار أحد الشيئين كان مخيرا في اختيار أيهما ~~شاء لأن من كان مخيرا بين أحد شيئين فاختار أحدهما كان الذي اختاره هو حقه ~~الواجب له قد تعين عليه حكمه عند فعله كأنه لم يكن غيره ألا ترى أن من ~~اختار التكفير بالعتق في كفارة اليمين كان العتق هو كفارته كأنه لم يكن ~~غيره وسقط عنه حكم ما عداه أن يكون من فرضه كذلك هذا الولي لو كان مخيرا في ~~أحد شيئين من قود ms0238 أو مال ثم اختار أحدهما لم يستحق اسم العافي لتركه أحدهما ~~إلى الآخر فلما كان اسم العفو منتفيا عمن ذكرنا حاله لم يجز تأويل الآية ~~عليه وكانت المعاني التي قدمنا ذكرها أولى بتأويلها ثم ليس يخلو الواجب ~~للولي بنفس القتل أن يكون القود والدية جميعا أو القود دون الدية أو أحدهما ~~على وجه التخيير لا جائز أن يكون حقه الأمرين جميعا بالاتفاق ولا يجوز أيضا ~~أن يكون الواجب أحدهما على حسب ما يختاره الولي كما في كفارة اليمين ونحوها ~~لما بينا من أن الذي أوجبه الله تعالى في الكتاب PageV01P189 هو القصاص وفي ~~إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص ونفي لإيجاب القصاص ومثله ~~عندنا يوجب النسخ فإذا الواجب هو القود لا غيره فلا جائز له أخذ المال إلا ~~برضى القاتل لأن كل من له قبل غيره حق يمكن استيفاءه منه لم يجز له نقله ~~إلى بدل غيره إلا برضى من عليه الحق وعلى أن قائل هذا القول مخطئ في ~~العبارة حين قال الواجب هو القود وله أن يأخذ المال لأنه لم يخرجه من أن ~~يكون مخيرا فيه إذ قد جعل له أن يستوفي الوقد إن شاء وإن شاء المال فلو قال ~~قائل الواجب هو المال وله نقله إلى القود بدلا منه كان مساويا له فلما فسد ~~قول هذا القائل من أن الواجب هو المال وله نقله إلى القود لإيجابه التخيير ~~كذلك قول من قال الواجب هو القود وله نقله إلى المال إذ لم ينفك في الحالين ~~من إيجاب التخيير بنفس القتل والله سبحانه إنما كتب على القاتل القصاص ~~بقوله @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ ولم يقل كتب عليكم المال في ~~القتلى ولا كتب عليكم القصاص أو المال في القتلى والقائل بأن الواجب هو ~~القود وله نقله إلى المال إنما عبر عن التخيير الذي أوجبه له بغير اسمه ~~وأخطأ في العبارة عنه فإن قال قائل هذا كما تقول إن الواجب هو القصاص ولهما ~~جميعا نقله إلى المال بتراضيهما ولم يكن ms0239 في جواز تراضيهما على نقله إلى ~~المال إسقاط لموجب حكم الآية من القصاص قيل له من قبل أنا قد بينا بديا أن ~~القصاص حق للولي على القتل من غير إثبات تخيير له بين القود وغيره ~~وتراضهيما على نقله إلى البدل لا يخرجه من أن يكون هو الحق الواجب دون غيره ~~لأن ما تعلق حكمه بتراضيهما لا يؤثر في الأصل الذي كان واجبا من غير خيار ~~ألا ترى أن الرجل قد يملك العبد والدار ولغيره أن يشتريه منه برضاه وليس في ~~جواز ذلك نفي الملك الأصل لمالكه الأول ولا موجبا لأن يكون ملكه موقوفا على ~~الخيار وكذلك الرجل يملك طلاق امرأته ويملك الخلع وأخذ البدل عن الطلاق ~~وليس في ذلك إثبات ملك الطلاق له بديا على أنه مخير في نقله إلى المال من ~~غير رضى المرأة وأنه لو كان له أن يطلق أو يأخذ المال بديا من غير رضاها ~~لكان ذلك موجبا لكونه مالكا لأحد شيئين من طلاق أو مال ويدل على أن الواجب ~~بالقتل هو القود لا غير حديث أنس الذي قدمنا إسناده في قصة الربيع حين كسرت ~~ثنية جارية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص فأخبر أن ~~موجب الكتاب هو القصاص فغير جائز لأحد إثبات شيء معه ولا نقله إلى غيره إلا ~~بمثل ما يجوز PageV01P190 به نسخ الكتاب ولو سلمنا احتمال الآية لما ادعوه ~~من تأويلها في جواز أخذ المال من غير رضى القاتل في قوله @QB@ فمن عفي له ~~من أخيه شيء @QE@ مع احتماله للوجوه التي ذكرنا كان أكبر أحواله أن يكون ~~اللفظ مشتركا محتملا للمعاني فيوجب ذلك أن يكون متشابها ومعلوم أن قوله ~~تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص @QE@ محكم ظاهر المعنى بين المراد لا اشتراك ~~في لفظه ولا احتمال في تأويله وحكم المتشابه أن يحمل على معنى المحكم ويرد ~~إليه بقوله تعالى @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وابتغاء تأويله @QE@ فأمر الله تعالى برد المتشابه إلى ~~المحكم لأن وصفه للمحكم بأنه ms0240 أم الكتاب يقتضي أن يكون غيره محمولا عليه ~~ومعناه معطوفا عليه إذ كان أم الشيء ما منه ابتداؤه وإليه مرجعه ثم ذم من ~~اتبع المتشابه واكتفى بما احتمله اللفظ من تأويله من غير رد له إلى المحكم ~~وحمله على موافقته في معناه وحكم عليهم بالزيغ في قلوبهم بقوله @QB@ فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~@QE@ وإذا ثبت أن قوله @QB@ كتب عليكم القصاص @QE@ محكم وقوله @QB@ فمن عفي ~~له من أخيه شيء @QE@ متشابه وجب حمل معناه على معنى المحكم من غير مخالفة ~~له ولا إزالة لشيء من حكمه وهو أن يكون على أحد الوجوه التي ذكرنا مما لا ~~ينفي موجب لفظ الآية من القصاص من غير معنى آخر يضم إليه ولا عدول عنه إلى ~~غيره وكذلك قوله تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم @QE@ إذ كانت النفس مثلا فيما يستحقه الولي وهو القود فإذا كان المثل ~~هو القود وإتلاف نفسه كما أتلف كان بمنزلة متلف المال الذي له مثل ولا يعدل ~~عنه إلى غيره إلا بالتراضي لقوله تعالى @QB@ بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ ~~وبدلالة الأصول عليه واحتج من أوجب للولي الخيار بين القود وأخذ المال من ~~غير رضى القاتل بأخبار منها حديث يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ( من قتل له قتيل فهو ~~بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يودى ) وحديث يحيى بن سعيد عن أبي ذيب ~~قال حدثني سعيد المقبري قال سمعت أبا شريح الكعبي يقول قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة ( ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من ~~هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن ~~يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا ) ورواه محمد بن إسحاق عن الحرث بن فضيل عن ~~سفيان عن أبي العرجاء عن أبي شريح الخزاعي قال قال رسول الله PageV01P191 ص ~~= من ms0241 أصيب بدم أو بخبل يعني بالخبل الجراح فوليه بالخيار بين أحد ثلاث بين ~~العفو أو يقتص أويأخذ الدية وهذه الأخبار غير موجبة لما ذكروا لاحتمالها أن ~~يكون المراد أخذ الدية برضى القاتل كما قال تعالى @QB@ فإما منا بعد وإما ~~فداء @QE@ المعنى فداء برضى الأسير فاكتفى بالمحذوف عن ذكره لعلم المخاطبين ~~عند ذكر المال بأنه لا يجوز إلزامه إياه بغير رضاه كذلك قوله أو يأخذ الدية ~~وقوله أو يودى وكما يقول القائل لمن له دين على غيره إن شئت فخذ دينك دراهم ~~وإن شئت دنانير وكما قال صلى الله عليه وسلم لبلال حين أتاه بتمر أكل تمر ~~خيبر هكذا فقال لا ولكنا نأخذ الصاع منه بالصاعين والصاعين بثلاثة فقال صلى ~~الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن بع تمرك بعرض ثم خذ بالعرض هذا ومعلوم أنه ~~لم يرد أن يأخذ التمر بالعرض بغير رضى الآخر ويكون ذكره الدية إبانة عما ~~نسخه الله عما كان على بني إسرائيل من امتناع أخذ الدية برضى القاتل وبغير ~~رضاه تخفيفا عن هذه الأمة على ما روي عن ابن عباس أن القصاص كان في بني ~~إسرائيل ولم يكن فيهم أخذ الدية فخفف الله عن هذه الأمة ويدل على ما وصفنا ~~من أن المراد أخذ الدية برضى القاتل أن الأوزاعي قد روى حديث أبي هريرة عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه ( ~~من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يفادى ) والمفاداة ~~إنما تكون بين اثنين كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة ونحو ذلك فدل على أن ~~مراده في سائر الأخبار أخذ الدية برضى القاتل وهذه الأخبار تبطل قول من ~~يقول إن الواجب على القاتل هو القود وللولي نقله إلى الدية لأن في جميعها ~~إثبات التخيير للولي بنفس القتل بين القود وأخذ الدية ولو كان الواجب هو ~~القود لا غير وإنما للولي نقله إلى الدية بعد ثبوته كما ينقل الدين إلى ~~العرض والعرض إلى الدين على وجه ms0242 العوض عنه وليس هناك خيار موجب بنفس القتل ~~بل الواجب شيء واحد وهو القود والقائل بإيجاب القود بالقتل دون غيره إلا أن ~~ينقله الولي إلى الدية مخالف لهذه الآثار وقد روى الأنصاري عن حميد الطويل ~~عن أنس بن مالك في قصة الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( كتاب ~~الله القصاص ) وذلك ينفي كون المراد بالكتاب المال أو القصاص وقد روى علقمة ~~بن وائل عن أبيه وثابت البناني عن أنس أن رجلا قتل رجلا فدفعه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى ولي المقتول ثم قال أتعفو قال لا قال أفتأخذ الدية ~~قال لا قال أما إنك إن قتلته كنت مثله فمضى الرجل فلحقه الناس فقالوا إن ~~رسول الله PageV01P192 ص = قال أما إنك إن قتلته كنت مثله فعفا عنه فاحتج ~~الموجبون للخيار بين القود والمال بهذا الحديث وهذا لا دلالة فيه على ما ~~ذكروا وذلك لأنه يحتمل أن يريد أن يأخذ الدية برضى القاتل كما قال صلى الله ~~عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس حين جاءت تشكوه أتردين عليه حديقته قالت نعم ~~ومعلوم أن رضى ثابت قد كان مشروطا فيه وإن لم يكن مذكورا في الخبر لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلزم ثابتا الطلاق ولا يملكه الحديقة إلا ~~برضاه وجائز أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد إلى أن يعقد عقدا على مال ~~فيكون موقوفا على رضى القاتل أو فسخه وجائز أن يكون أراد أن يؤدي الدية من ~~عنده كما فعل في قتيل الخزاعي بمكة وكما تحمل عن اليهود دية عبدالله بن سهل ~~الذي وجد قتيلا بخيبر وقوله صلى الله عليه وسلم إن قتلته كنت مثله يحتمل ~~معنيين أحدهما إنك قاتل كما أنه قاتل لا إنك مثله في المأثم لأنه استوفى ~~حقا له فلا يستحق اللوم عليه والأول فعل مالم يكن له فكان آثما فعلمنا أنه ~~لم يرد كنت مثله في المأثم والآخر إنك إذا قتلته فقد استوفيت حقك منه ولا ~~فضل لك عليه وقد ms0243 ندب الله تعالى إلى الأفضال بالعفو بقوله تعالى @QB@ فمن ~~تصدق به فهو كفارة له @QE@ فإن قال قائل لما كان عليه إحياء نفسه وجب أن ~~يحكم عليه بذلك إذا اختار الولي أخذ المال قيل له وعلى كل أحد أن يحيي غيره ~~إذا خاف عليه التلف مثل أن يرى إنسانا قد قصد غيره بالقتل أو خاف عليه ~~الغرق وهو يمكنه تخليصه أو كان معه طعام وخاف عليه أن يموت من الجوع فعليه ~~إحياؤه بإطعامه وإن كثرت قيمته وإن كان على القاتل إعطاء المال لإحياء نفسه ~~فعلى الولي أيضا إحياؤه إذا أمكنه ذلك فوجب على هذه القضية أجبار الولي على ~~أخذ المال إذا بذله القاتل وهذا يؤدي إلى بطلان القصاص أصلا لأنه إذا كان ~~على كل واحد منهما إحياء نفس القاتل فعليهما التراضي على أخذ المال وإسقاط ~~القود وأيضا فينبغي إذا طلب الولي داره أو عبده أو ديات كثيرة أن يعطيه ~~لأنه لا يختلف فيما يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير فلما لم يلزمه ~~إعطاء أكثر من الدية عند القائلين بهذه المقالة كان بذلك انتقاض هذا ~~الاعتلال وفساده واحتج المزني للشافعي في هذه المسئلة بأنه لو صالح من حد ~~القذف على مال أو من كفالة بنفس لبطل الحد والكفالة ولم يستحق شيئا ولو ~~صالح من دم عمد على مال باتفاق الجميع قبل ذلك فدل ذلك على أن دم العمد مال ~~في الأصل لولا ذلك لما صح الصلح كما لم يصح عن حد القذف والكفالة قال أبو ~~بكر قد انتظم هذا الاحتجاج الخطأ والمناقضة PageV01P193 فأما الخطأ فهو أن ~~من أصلنا أن الحد لا يبطل بالصلح ويبطل المال والكفالة بالنفس فيها روايتان ~~إحداهما لا تبطل أيضا والأخرى أنها تبطل وأما المناقضة فهي اتفاق الجميع ~~على جواز أخذ المال على الطلاق ولا خلاف أن الطلاق في الأصل ليس بمال وأنه ~~ليس للزوج أن يلزمها مالا عن طلاق بغير رضاها وعلى أن الشافعي قد قال فيما ~~حكاه المزني عنه أن عفو المحجور عليه عن الدم جائز وليس ms0244 لأصحاب الوصايا ~~والدين منعه من ذلك لأن المال لا يملك في العمد إلا باختيار المجني عليه ~~فلو كان الدم مالا في الأصل لثبت فيه حق الغرماء وأصحاب الوصايا وهذا يدل ~~على أن موجب العمد عنده هو القود لا غير وأنه لم يوجب له خيارا بين القتل ~~وبين الدية فإن قال قائل قوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا @QE@ يوجب لوليه الخيار بين أخذ القود والمال إذا كان اسم السلطان ~~يقع عليهما والدليل عليه أن بعض المقتولين ظلما تجب فيه الدية نحو قتيل شبه ~~العمد والأب إذا قتل ابنه وبعضهم يجب فيه الوقد وذلك يقتضي أن يكون جميع ~~ذلك مرادا بالآية لاحتمال اللفظ لهما اوقد تأوله الضحاك بن مزاحم على ذلك ~~فقال في معنى قوله @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ أنه إن شاء قتل وإن ~~شاء عفا وإن شاء أخذ الدية فلما احتمل السلطان ما وصفنا وجب إثبات سلطانه ~~في أخذ المال كهو في أخذ القود لوقوع الاسم عليهما ولأنه قد ثبت باتفاق ~~الجميع أن كل واحد منهما مراد الله تعالى في حال وحينئذ يكون تقدير الآية ~~@QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ في القود والدية ولما حصل ~~الاتفاق على أنهما لا يجبان مجتمعين وجب أن يكون وجوبهما على وجه التخيير ~~وكما احتججتم في إيجاب القود بقوله @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ ~~لاتفاق الجميع على أن القود مراد وصار كالمنصوص عليه فيه وجعلتموه كعموم ~~لفظ القود فيلزمكم مثله في إثبات المال لوجودنا مقتولين ظلما يكون سلطان ~~الولي هو المال قيل له حمله على القود أولى من حمله على الدية وذلك لأنه ~~لما كان السلطان لفظا مشتركا محتملا للمعاني كان متشابها يجب رده إلى ~~المحكم وحمله على معناه وهي آية محكمة في إيجاب القصاص وهو قوله @QB@ كتب ~~عليكم القصاص في القتلى @QE@ فوجب أن يكون من حيث ثبت أن القود مراد ~~بالسلطان المذكور في هذه الآية أن يكون معطوفا على ما في الآية المحكمة من ~~ذكر إيجاب القصاص وليس معك آية محكمة ms0245 في إيجاب المال على قاتل العمد فيكون ~~معنى المتشابه محمولا عليه فلذلك وجب الاقتصار PageV01P194 بمعنى الاسم على ~~القود دون المال وغيره لموافقته لمعنى المحكم الذي لا اشتراك فيه ومن حمله ~~على تخييره في أخذ الدية أو القود فلم يلجأ إلى أصل له من المحكم يحمله ~~عليه فلذلك لم يصح إثبات التخيير مع احتمال اللفظ له وفي فحوى الآية ما يدل ~~على أن المراد القود دون ما سواه لأنه قال @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا @QE@ يعني والله أعلم السرف ~~في القصاص بأن يقتل غير قاتله أو أن يمثل بالقاتل فيقتله على غير الوجه ~~المستحق من القتل وفي ذلك دليل على أن المراد بقوله سلطانا القود وأيضا لما ~~ثبت أن القود مراد بالآية انتفت إرادة المال لأنه لو كان مرادا مع القود ~~لكان الواجب هما جميعا في حالة واحدة لا على وجه التخيير إذ ليس في الآية ~~ذكر التخيير فلما امتنع إرادتهما جميعا وكان القود لا محالة مرادا علمنا ~~أنه لم يرد المال وأن إيجابنا للدية في بعض المقتولين ظلما ليس عن هذه ~~الآية والله تعالى أعلم # | باب العاقلة هل تعقل العمد # قال الله تعالى @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان @QE@ وقد قدمنا تأويل من تأوله على عفو بعض الأولياء عن نصيبه من ~~الدم ووجوب الأرش للباقين واحتمال اللفظ لذلك وفيه دلالة على أن الواجب على ~~القاتل الذي لم يعف في ماله وكذلك كل عمد فيه القود فهو على الجاني في ماله ~~كالأب إذا قتل ابنه وكالجراحة فيما دون النفس ولا يستطاع فيها القصاص نحو ~~قطع اليد من نصف الساعد والمنقلة والجائفة فالعامد والمخطئ إذا قتلا أن على ~~العامد نصف الدية في ماله والمخطئ على عاقلته وهو قول أصحابنا وعثمان البتي ~~والثوري والشافعي وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك هي على العاقلة وهو آخر ~~قول مالك قال ابن القاسم ولو قطع يمين رجل ولا يمين له كانت ms0246 دية اليد في ~~ماله ولا تحملها العاقلة وقال الأوزاعي هو في مال الجاني فإن لم يبلغ ذلك ~~ماله حمل على عاقلته وكذلك إذا قتلت المرأة زوجها متعمدة ولها منه أولاد ~~فديته في مالها خاصة فإن لم يبلغ ذلك مالها حمل على عاقلتها قال أبو بكر ~~دلالة الآية ظاهرة على أن الصلح عن دم العمد وسقوط القود بعفو بعض الأولياء ~~يوجب الدية في مال الجاني لأنه تعالى قال @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء @QE@ ~~وهو يعني القاتل إذا كان المعنى عفو بعض الأولياء ثم قال @QB@ فاتباع ~~بالمعروف @QE@ يعني اتباع الولي للقاتل ثم قال @QB@ وأداء إليه بإحسان @QE@ ~~يعني أداء القاتل PageV01P195 فاقتضى ذلك وجوبه في مال القاتل وكذلك تأويل ~~من تأوله على التراضي عن الصلح على مال ففيه وجوب الأداء على القاتل دون ~~غيره إذ ليس للعاقلة ذكر في الآية وإنما فيها ذكر الولي والقاتل وروى ابن ~~أبي الزناد عن أبيه عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس قال لا ~~تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا أحمد بن الفضل الخطيب قال حدثنا إسماعيل بن موسى قال حدثنا شريك عن ~~جابر بن عامر قال اصطلح المسلمون على أن لا يعقلوا عبدا ولا عمدا ولا صلحا ~~ولا اعترافا وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة قتادة بن عبدالله ~~المدلجي الذي قتل ابنه أن عمر جعل عليه مائة من الإبل وأعطاها أخوته ولم ~~يورثه منها شيئا فجعل ذلك في ماله لما كان عمدا ولما ثبت ذلك في النفس ولم ~~يخالف عمر فيه غيره من الصحابة كان كذلك حكم ما دونها إذا سقط القصاص وروى ~~هشام بن عروة عن أبيه قال ليس على العاقلة عقل في عمد وإنما عليهم الخطأ ~~وقال عروة أيضا ما كان من صلح فلا تعقله العشيرة إلا أن تشاء وقال قتادة كل ~~شيء لا يقاد منه فهو في مال الجاني وقال أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم لا ~~تعقل العاقلة صلحا ms0247 ولا عمدا ولا اعترافا وقوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب @QE@ فيه إخبار من الله تعالى في إيجاب القصاص حياة ~~للناس وسببا لبقائهم لآن من قصد قتل إنسان رده عن ذلك علمه بأنه يقتل به ~~ودل على وجوب القصاص عموما بين الحر والعبد والرجل والمرأة والمسلم والذمي ~~إذ كان الله تعالى مريدا لتبقية الجميع فالعلة الموجبة للقصاص بين الحرين ~~المسلمين موجودة في هؤلاء فوجب استواء الحكم في جميعهم وتخصيصه لأولي ~~الألباب بالمخاطبة غير ناف مساواة غيرهم لهم في الحكم إذ كان المعنى الذي ~~حكم من أجله في ذوي الألباب موجودا في غيرهم وإنما وجه تخصيصه لهم أن ذوي ~~الألباب هم الذين ينتفعون بما يخاطبون به وينتهون إلى ما يؤمرون به ~~ويزدجرون عما يزجرون عنه وهكذا كقوله تعالى @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها ~~@QE@ وهو منذر لجميع المكلفين ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ إن هو إلا نذير ~~لكم بين يدي عذاب شديد @QE@ ونحو قوله @QB@ هدى للمتقين @QE@ وهو هدى ~~للجميع وخص المتقين لانتفاعهم به ألا ترى إلى قوله في آية أخرى @QB@ شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس @QE@ فعم الجميع به وكقوله @QB@ قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا @QE@ لأن التقى هو الذي يعيذ من استعاذ ~~بالله وقد ذكر عن PageV01P196 بعض الحكماء أنه قال قتل البعض إحياء الجميع ~~وعن غيره القتل أقل للقتل وأكثروا القتل ليقل القتل وهو كلام سائر على ~~ألسنة العقلاء وأهل المعرفة وإنما قصدوا المعنى الذي في قوله تعالى @QB@ ~~ولكم في القصاص حياة @QE@ ثم إذا مثلت بينه وبينه وجدت بينهما تفاوتا بعيدا ~~من جهة البلاغة وصحة المعنى وذلك يظهر عند التأمل من وجوه أحدها أن قوله ~~تعالى @QB@ في القصاص حياة @QE@ هو نظير قولهم قتل البعض إحياء للجميع ~~والقتل أقل للقتل وهو مع قلة عدد حروفه ونقصانها عما حكي عن الحكماء قد ~~أفاد من المعنى الذي يحتاج إليه ولا يستغني عنه الكلام ما ليس في قولهم ~~لأنه ذكر القتل على وجه العدل لذكره القصاص وانتظم مع ذلك ms0248 الغرض الذي إليه ~~أجرى بإيجابه القصاص وهو الحياة وقولهم القتل أقل للقتل وقتل البعض إحياء ~~الجميع والقتل أنفى للقتل إن حمل على حقيقته لم يصح معناه لأنه ليس كل قتل ~~هذه صفته بل ما كان منه على وجه الظلم والفساد فليست هذه منزلته ولا حكمه ~~فحقيقة هذا الكلام غير مستعملة ومجازه يحتاج إلى قرينة وبيان في أن أي قتل ~~هو إحياء للجميع فهذا كلام ناقص البيان مختل المعنى غير مكتف بنفسه في ~~إفادة حكمه وما ذكره الله تعالى من قوله @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ~~مكتف بنفسه مفيد لحكمه على حقيقته من مقتضى لفظه مع قلة حروفه ألا ترى أن ~~قوله تعالى @QB@ في القصاص حياة @QE@ أقل حروفا من قولهم قتل البعض إحياء ~~للجميع والقتل أقل للقتل وأنفى للقتل ومن جهة أخرى يظهر فضل بيان قوله @QB@ ~~في القصاص حياة @QE@ على قولهم القتل أقل للقتل وأنفى للقتل أن في قولهم ~~تكرار اللفظ وتكرار المعنى بلفظ غيره أحسن في حد البلاغة أنه يصح تكرار ~~المعنى الواحد بلفظين مختلفين في خطاب واحد ولا يصلح مثله بلفظ واحد نحو ~~قوله تعالى @QB@ وغرابيب سود @QE@ ونحو قول الشاعر % وألفى قولها كذبا ~~ومينا % # | كرر المعنى الواحد بلفظين وكان ذلك سائغا ولا يصح مثله في تكرار اللفظ ~~وكذلك قوله @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ لا تكرار فيه مع إفادته للقاتل ~~إذ كان ذكر القصاص يفيد ذلك ألا ترى أنه لا يكون قصاصا إلا وقد تقدمه قتل ~~من المقتص منه وفي قولهم ذكر للقتل وتكرار له في اللفظ وذلك نقصان في ~~البلاغة فهذا وأشباهه مما يظهر به للمتأمل إبانة القرآن في جهة البلاغة ~~والإعجاز من كلام البشر إذ ليس يوجد في كلام الفصحاء من جمع المعاني ~~الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مثل ما يوجد في كلام الله تعالى PageV01P197 # باب كيفية القصاص $ # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ~~@QE@ وقال في آية أخرى والجروح قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم وقال وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ms0249 ما عوقبتم به فأوجب بهذه الآي ~~استيفاء المثل ولم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو على وليه أن يفعل بالجاني ~~أكثر مما فعل واختلف الفقهاء في كيفية القصاص فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر على أي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف وقال ابن القاسم عن مالك إن ~~قتله بعصا أو بحجر أو بالنار أو بالتغريق قتله بمثله فإن لم يمت بمثله فلا ~~يزال يكرر عليه من جنس ما قتله به حتى يموت وإن زاد على فعل القاتل الأول ~~وقال ابن شبرمة نضربه مثل ضربه ولا نضربه أكثر من ذلك وقد كانوا يكرهون ~~المثلة ويقولون السيف يجزي عن ذلك كله فإن غمسه في الماء فإني لا أزال ~~أغمسه فيه حتى يموت وقال الشافعي إن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات فعل به ~~مثل ذلك وإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس فإن لم يمت في مثل تلك ~~المدة قتل بالسيف قال أبو بكر لما كان في مفهوم قوله @QB@ كتب عليكم القصاص ~~في القتلى @QE@ وقوله @QB@ والجروح قصاص @QE@ استيفاء المثل من غير زيادة ~~عليه كان محظورا على الولي استيفاء زيادة على فعل الجاني ومتى استوفى على ~~مذهب من ذكرنا في التحريق والتغريق والرضخ بالحجارة والحبس أدى ذلك إلى أن ~~يفعل به أكثر مما فعل لأنه إذا لم يمت بمثل ذلك الفعل قتله بالسيف أو زاد ~~على جنس فعله وذلك هو الاعتداء الذي زجر الله عنه بقوله @QB@ فمن اعتدى بعد ~~ذلك فله عذاب أليم @QE@ لأن الاعتداء مجاوزة القصاص والقصاص أن يفعل به مثل ~~فعله سواء إن أمكن وإن تعذر فإن يقتله بأوحى وجوه القتل فيكون مقتصا من جهة ~~إتلاف نفسه غير متعد ما جعل له وقول مالك بتكرار مثل ذلك الفعل عليه حتى ~~يموت زائد على فعل القاتل خارج عن معنى القصاص وقول الشافعي أنه يفعل به ~~مثل ما فعل ثم يقتله مخالف لحكم الآية لأن القصاص إن كان من جهة أن يفعل به ~~مثل ما فعل فقد استوفى ms0250 فقتله بعد ذلك تعد ومجاوزة لحد القصاص وقال تعالى ~~@QB@ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ وإن كان معنى القصاص هو إتلاف ~~نفس بنفس من غير مجاوزة لمقدار الفعل فهو الذي نقوله فلا ينفك موجب القصاص ~~على الوجه الذي ذهب إليه مخالفونا من مخالفة الآية لمجاوزة PageV01P198 حد ~~القصاص لأن فاعل ذلك داخل في حد الإعتداء الذي أوعد الله عليه وكذلك قوله ~~@QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ وقوله @QB@ ~~وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به @QE@ يمنع أن يجرح أكثر من جراحته أو ~~يفعل به أكثر مما فعل ويدل على أن الراد به مثل ما فعل لا زائدا عليه اتفاق ~~الجميع على أن من قطع يد رجل من نصف الساعد أنه لا يقتص منه لعدم التيقن ~~بالاقتصار على مقدار حقه وإن كان قد يغلب في الظن إذا اجتهد إنه قد وضع ~~السكين في موضعه من المجني عليه ولم يكن للاجتهاد في ذلك حظ فكيف يجوز ~~القصاص على وجه نعلم يقينا أنه مستوف لأكثر من حقه وجان عليه بأكثر من ~~جنايته وأيضا لا خلاف أنه يجوز للولي أن يقتله ولا يحرقه ولا يغرقه وهذا ~~يدل على أن ذلك مراد بالآية وإذا كان القتل بالسيف مرادا ثبت أن القصاص هو ~~إتلاف نفسه بأيسر وجوه القتل وإذا ثبت أن ذلك مراد انتفت إرادة التحريق ~~والتغريق والرضخ وما جرى مجرى ذلك لأن وجوب الاقتصار على قتله بالسيف ينفي ~~وقوع غيره فإن قيل اسم المثل في القصاص يقع على قتله بالسيف وعلى أن يفعل ~~به مثل فعله وله إن لم يمت أن يقتله بالسيف وله أن يقتصر بديا على قتله ~~بالسيف فيكون تاركا لبعض حقه وله ذلك قيل له غير جائز أن يكون الرضخ ~~والتحريق مستحقا مع قتله بالسيف لأن ذلك ينافي القصاص وفعل المثل ومن حيث ~~أوجب الله تعالى القصاص لا غير فغير جائز حمله على معنى ينافي مضمون اللفظ ~~وحكمه وعلى أن الرضخ بالحجارة والتحريق والتغريق والرمي لا يمكن استيفاء ~~القصاص ms0251 به لأن القصاص إذا كان هو استيفاء المثل فليس للرضخ حد معلوم حتى ~~يعلم إنه في مقادير أجزاء رضخ القاتل للمقتول وكذلك الرمي والتحريق لم يجز ~~أن يكون ذلك مرادا بذكر القصاص فوجب أن يكون المراد إتلاف نفسه بأوحى ~~الوجوه ويدل على هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي القصاص في ~~المنقلة والجائفة لتعذر استيفائه على مقادير أجزاء الجناية فكذلك القصاص ~~بالرمي والرضخ غير ممكن استيفاؤه في معنى الإيلام وإتلاف الأجزاء التي ~~أتلفها فإن قيل لما كان المثل ينتظم معنيين وكذلك القصاص أحدهما إتلاف نفسه ~~كما أتلف فيكون القصاص والمثل في هذا الوجه إتلاف نفس بنفس والآخر أن يفعل ~~به مثل ما فعل استعملنا حكم اللفظ في الأمرين لأن عمومه يقتضيهما فقلنا ~~نفعل به مثل ما فعل فإن مات وإلا استوفى المثل من جهة PageV01P199 إتلاف ~~النفس قيل له لا يجوز أن يكون المراد بالمثل والقصاص جميع الأمرين بأن يفعل ~~به مثل ما فعل بالمقتول ثم يقتل وإن كان يجوز أن يكون المراد كل واحد من ~~المعنيين على الانفراد غير مجموع إلى الآخر لأن الاسم يتناوله وهو غير مناف ~~لحكم ا لآية وأما إذا جمعهما فغير جائز أن يكون مرادا على وجه الجمع لأنه ~~يخرج عن حد القصاص والمثل بل يكون زائدا عليه وغير جائز تأويل الآية على ~~معنى يضادها وينفي حكمها فلذلك امتنع إرادة القتل بالسيف بعد الرضخ ~~والتغريق والحبس والإجاعة وقد روى سفيان الثوري عن جابر عن أبي عازب عن ~~النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قود إلا بالسيف ~~وهذا الخبر قد حوى معنيين أحدهما بيان مراد الآية في ذكر القصاص والمثل ~~والآخر أنه ابتداء عموم يحتج به في نفي القود بغيره ويدل عليه أيضا ما روى ~~يحيى بن أبي أنيسة عن الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يستقاد من الجراح حتى تبرأ وهذا ينفي قول المخالف لنا وذلك لأنه لو كان ~~الواجب أن ms0252 يفعل بالجاني كما فعل لم يكن لاستثنائه وجه فلما ثبت الإستثناء ~~دل على أن حكم الجراحة معتبر بما يؤل إليه حالها فإن قيل يحيى بن أبي أنيسة ~~لا يحتج بحديثه قيل له هذا قول جهال لا يلتفت إلى جرحهم ولا تعديلهم وليس ~~ذلك طريقة الفقهاء في قبول الأخبار وعلى أن علي بن المديني قد ذكر عن يحبى ~~بن سعيد أنه قال يحيى بن أبي أنيسة أحب إلي في حديث الزهري من حديث محمد بن ~~إسحاق ويدل عليه أيضا ما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن ~~شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على ~~كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح فأوجب عموم ~~لفظه أن من له قتل غيره أن يقتله بأحسن وجوه القتل وأوحاها وأيسرها وذلك ~~ينفي تعذيبه والمثلة به ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى أن يتخذ شيء من الحيوان غرضا فمنع بذلك أن يقتل القاتل رميا بالسهام ~~وحكي أن القسم بن معن حضر مع شريك بن عبدالله عند بعض السلاطين فقال ما ~~تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله فقال يرمى فيقتل قال فإن لم يمت بالرمية ~~الأولى قال يرمى ثانيا قال أفتتخذه غرضا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتخذ شيء من الحيوان غرضا قال شريك لم يموق فقال القسم يا أبا ~~عبدالله هذا ميدان إن سابقناك فيه سبقتنا يعني البذاء وقام ويدل عليه أيضا ~~ما روى عمران بن حصين وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ~~وقال سمرة بن جندب PageV01P200 ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ~~إلا أمرنا فيها بالصدقة ونهانا عن المثلة وهذا خبر ثابت قد تلقاه الفقهاء ~~بالقبول واستعملوه وذلك يمنع المثلة بالقاتل وقول مخالفينا فيه المثلة به ~~وهو يثني عن مراد الآية في إيجاب القصاص واستيفاء المثل فوجب أن يكون ~~القصاص مقصورا على وجه ms0253 لا يوجب المثلة ويستعمل الآية على وجه لا يخالف معنى ~~الخبر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثل بالعرنيين فقطع أيديهم وأرجلهم ~~وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا ثم نسخ سمل الأعين بنهيه عن المثلة ~~فوجب على هذا أن يكون معنى أية القصاص محمولا على ما لا مثلة فيه واحتج ~~مخالفونا في ذلك بحديث همام عن قتادة عن أنس أن يهوديا رضخ رأس صبي بين ~~حجرين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضخ رأسه بين حجرين وهذا الحديث ~~لو ثبت كان منسوخا بنسخ المثلة وذلك لن النهي عن المثلة مستعمل عند الجميع ~~والقود على هذا الوجه مختلف فيه ومتى ورد عنه صلى الله عليه وسلم خبران ~~واتفق الناس على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر كان المتفق عليه ~~منهما قاضيا على المختلف فيه خاصا كان أو عاما ومع ذلك فجائز أن يكون قتل ~~اليهودي على وجه الحد كما روى شعبة عن هشام بن زيد عن أنس قال عدا يهودي ~~على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها فأتى بها أهلها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهي في آخر رمق فقال صلى الله عليه وسلم من قتلك فلان ~~فأشارت برأسها أي لا ثم قال فلان يعني اليهودي قالت نعم فأمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين فجائز أن يكون قتله حدا لما أخذ ~~المال وقتل وقد كان ذلك جائزا على وجه المثلة كما سمل العرنيين ثم نسخ ~~بالنهي عن المثلة وقد روى ابن جريج عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس أن ~~رجلا من اليهود رضخ رأس جارية على حلي لها فأمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يرجم حتى قتل فذكر في هذا الحديث الرجم وليس ذلك بقصاص عند الجميع ~~وجائز أن يكون اليهودي نقض العهد ولحق بدار الحرب لقرب محال اليهود كانت ~~حينئذ من المدينة فأخذ بعد ذلك فقتله على أنه حربي ناقض للعهد متهم بقتل ~~صبي ms0254 لأنه غير جائز أن يكون قتله بإيماء الصبية وإشارتها أنه قتلها لأن ذلك ~~لا يوجب قتل المدعى عليه القتل عند الجميع فلا محالة قد كان هناك سبب آخر ~~استحق به القتل لم ينقله الراوي على جهته ويدل على صحة ما ذكرنا من أن ~~المراد بالقصاص إتلاف نفسه بأيسر الوجوه وهو السيف اتفاق الجميع على أنه لو ~~أوجره خمرا حتى مات لم يجز أن يوجره خمرا وقتل بالسيف فإن قيل لأن شرب ~~PageV01P201 الخمر معصية قيل له كذلك المثلة معصية والله أعلم # | باب القول في وجوب الوصية # قال الله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين @QE@ قال أبو بكر لم يختلف ~~السلف ممن روي عنه أن قوله خيرا أراد به مالا واختلفوا في المقدار المراد ~~بالمال الذي أوجب الله الوصية فيه حين كانت الوصية فرضا لأن قوله @QB@ كتب ~~عليكم @QE@ معناه فرض عليكم كقوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ وقوله ~~@QB@ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ يعني فرضا موقتا وروي ~~عن علي كرم الله وجهه أنه دخل على مولى له في مرضه وله سبعمائة درهم أو ~~ستمائة رهم فقال ألا أوصي قال لا إنما قال الله تعالى @QB@ إن ترك خيرا ~~@QE@ وليس لك كثير مال وروي عن علي أنه قال أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة ~~وقال ابن عباس لا وصية في ثمان مائة درهم وقالت عائشة رضي الله عنها في ~~امرأة أرادت الوصية فمنعها أهلها وقالوا لها ولد ومالها يسير فقالت كم ~~ولدها قالوا أربعة قالت فكم مالها قالوا ثلاثة آلاف فكأنها عذرتهم وقالت ما ~~في هذا المال فضل وقال إبراهيم ألف درهم إلى خمس مائة درهم وروى همام عن ~~قتادة @QB@ إن ترك خيرا @QE@ قال كان يقال خير المال ألف درهم فصاعدا وقال ~~الزهري هي في كل ما وقع عليه اسم المال من قليل أو كثير وكل هؤلاء القائلين ~~فإنما تأولوا تقدير المال على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب للمقادير ~~المذكورة وكان ms0255 ذلك منهم على طريق الاجتهاد فيما تلحقه هذه الصفة من المال ~~ومعلوم في ا لعادة إن من ترك درهما لا يقال ترك خيرا فلما كانت هذه التسمية ~~موقوفة على العادة وكان طريق التقدير فيها على الاجتهاد وغالب الرأي مع ~~العلم بأن القدر اليسير لا تلحقه هذه التسمية وأن الكثير تلحقه فكان طريق ~~الفصل فيها الاجتهاد وغالب الرأي مع ما كانوا عرفوا من سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقوله الثلث والثلث كثير وأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس واختلف الناس في الوصية المذكورة في هذه الآية هل كانت ~~واجبة أم لا فقال قائلون أنها لم تكن واجبة وإنما كانت ندبا وإرشادا وقال ~~آخرون قد كانت فرضا ثم نسخت على الاختلاف منهم في المنسوخ منها واحتج من ~~قال أنها لم تكن واجبة بأن في سياق الآية وفحواها دلالة على نفي وجوبها وهو ~~قوله الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف فلما PageV01P202 قيل فيها ~~بالمعروف وأنها على المتقين دل على أنها غير واجبة من ثلاثة أوجه أحدها ~~قوله @QB@ بالمعروف @QE@ لا يقتضي الإيجاب والآخر قوله على المتقين وليس ~~يحكم على كل أحد أن يكون من المتقين الثالث تخصيصه للمتقين بها والواجبات ~~لا يختلف فيها المتقون وغيرهم قال أبو بكر ولا دلالة فيما ذكره هذا القائل ~~على نفي وجوبها لأن إيجابها بالمعروف لا ينفي وجوبها لأن المعروف معناه ~~العدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير كقوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف @QE@ ولا خلاف في وجوب هذا الرزق والكسوة وقوله تعالى ~~@QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ بل المعروف هو الواجب قال الله تعالى @QB@ ~~وأمر بالمعروف وانه عن المنكر @QE@ وقال @QB@ يأمرون بالمعروف @QE@ فذكر ~~المعروف فيما أوجب الله تعالى من الوصية لا ينفي وجوبها بل هو يؤكد وجوبها ~~إذ كان جميع أوامر الله معروفا غير منكر ومعلوم أيضا أن ضد المعروف هو ~~المنكر وأن ما ليس بالمعروف هو منكر والمنكر مذموم مزجور عنه فإذا المعروف ~~واجب وأما قوله @QB@ حقا على المتقين @QE@ ففيه تأكيد لإيحابها لأن على ms0256 ~~الناس أن يكونوا متقين قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~@QE@ ولا خلاف بين المسلمين أن تقوى الله فرض فلما جعل تنفيذ هذه الوصية من ~~شرائط التقوى فقد أبان عن إيجابها وأماتخصيصه المتقين بالذكر فلا دلالة فيه ~~على نفي وجوبها وذلك لأن أقل ما فيه اقتضاء الآية وجوبها على المتقين وليس ~~فيه نفيها عن غير المتقين كما أنه ليس في قوله @QB@ هدى للمتقين @QE@ نفي ~~أن يكون هدى لغيرهم وإذا وجبت على المتقين بمقتضى الآية وجبت على غيرهم ~~وفائدة تخصيصه المتقين بالذكر أن فعل ذلك من تقوى الله وعلى الناس أن ~~يكونوا كلهم متقين فإذا عليهم فعل ذلك ودلالة الآية ظاهرة في إيجابها ~~وتأكيد فرضها لأن قوله @QB@ كتب عليكم @QE@ معناه فرض عليكم على ما بينا ~~فيما سلف ثم أكده بقوله بالمعروف حقا على المتقين ولا شيء في ألفاظ الوجوب ~~آكد من قول القائل هذا حق عليك وتخصيصه المتقين بالذكر على وجه التأكيد كما ~~بيناه آنفا مع اتفاق أهل التفسير من السلف أنها كانت واجبة بهذه الآية وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنها كانت واجبة وهو ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا سليمان بن الفضل بن جبريل قال حدثنا عبدالله ~~بن أيوب قال حدثنا عبدالوهاب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يحل لمؤمن يبيت ثلاثا إلا ووصيته عنده ) وحدثنا عبد ~~PageV01P203 الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا ~~سفيان قال حدثنا أيوب قال سمعت نافعا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ما حق مرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه ليلتان إلا ~~ووصيته عنده مكتوبة ) وقد رواه هشام بن الغازي عن نافع عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ( ما ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده ~~مكتوبة ) وهذا يدل على أن الوصية قد كانت واجبة ثم اختلف القائلون بوجوبها ~~بديا فقالت ms0257 منهم طائفة جميع ما في هذه الآية من إيجاب الوصية منسوخ منهم ~~ابن عباس حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل ~~جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية ~~@QB@ إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ قال نسختها هذه الآية ~~@QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا @QE@ وروى ابن جريج عن ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إن ترك خيرا @QE@ قال نسخ من ذلك من ~~يرث ولم ينسخ من لا يرث فاختلفت الرواية عن ابن عباس في ذلك في إحديهما أن ~~الجميع منسوخ وفي الأخرى أنه منسوخ ممن يرث من الأقربين دون من لا يرث ~~وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد قال حدثنا أبو الفضل المؤدب قال حدثنا أبو ~~عبيد قال حدثنا أبو مهدي عن عبدالله بن المبارك عن عمارة أبي عبدالرحمن قال ~~سمعت عكرمة يقول في هذه الآية @QB@ إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~@QE@ نسختها الفرائض وقال ابن جريج عن مجاهد كان الميراث للولد والوصية ~~للوالدين والأقربين فهي منسوخة وقالت طائفة أخرى قد كانت الوصية واجبة ~~للوالدين والأقربين فنسخت عمن يرث وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون ~~رواه يونس وأشعث عن الحسن وروي عن الحسن وجابر بن زيد وعبدالملك بن يعلى في ~~الرجل يوصي لغير ذي القرابة وله ذو قرابة ممن لا يرثه أن ثلثي الثلث لذي ~~القرابة وثلث الثلث لمن أوصى له وقال طاوس يرد كله إلى ذوي القرابة وقال ~~الضحاك لا وصية إلا لذي قرابة إلا أن لا يكون له ذو قرابة وقالت طائفة أخرى ~~قد كانت الوصية في الجملة واجبة لذي القرابة ولم يكن على الموصي أن يوصى ~~بها لجميعهم بل كان له الاقتصار على الأقربين منهم فلم تكن واجبة للأبعدين ~~ثم نسخت الوصية للأقربين فبقي الأبعدون ms0258 PageV01P204 على ما كانوا عليه من ~~جواز الوصية لهم أو تركها ثم اختلف القائلون بنسخها فيما نسخت به وقد روينا ~~عن ابن عباس وعكرمة أن آية المواريث نسختها وذكر ابن عباس قوله تعالى @QB@ ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ وقال آخرون نسخها ما ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا وصية لوارث ) رواه شهر بن حوشب عن ~~عبدالرحمن بن عثمان عن عمرو بن خارجة عنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا وصية ~~لوارث ) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~( لا يجوز لوارث وصية ) وإسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا ~~أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة ~~الوداع ( ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) وحجاج بن جريج ~~عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ~~يجوز لوارث وصية إلا أن يجيزها الورثة ) وروي ذلك عن جماعة من الصحابة رواه ~~حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال لا وصية لوارث وعبدالله بن بدر عن ~~ابن عمر قال لا يجوز لوارث وصية وهذا الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك ووروده من الجهات التي وصفنا هو عندنا في حيز التواتر ~~لاستفاضته وشهرته في الأمة وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له وجائز ~~عندنا نسخ القرآن بمثله إذ كان في حيز ما يوجب العلم والعمل من الآيات فأما ~~إيجاب الله تعالى الميراث للورثة فغير موجب نسخ الوصية لجواز اجتماع ~~الميراث والوصية معا ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد أجازها للوارث إذا ~~أجازتها الورثة فلم يكن يستحيل اجتماع الميراث والوصية لواحد لو لم يكن إلا ~~آية الميراث على أن الله إنما جعل الميراث بعد الوصية فما الذي كان يمنع أن ~~يعطي قسطه من الوصية ثم يعطي الميراث بعدها وقال الشافعي في كتاب الرسالة ~~يحتمل أن ms0259 تكون المواريث ناسخة للوصية ويحتمل أن تكون ثابتة معها فلما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مجاهد وهو منقطع أنه قال لا وصية ~~لوارث استدللنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك على أن ~~المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين مع الخبر المنقطع قال أبو بكر قد ~~أعطي القول باحتمال اجتماع الوصية والميراث فإذا ليس في نزول آية الميراث ~~ما يوجب نسخ الوصية للوارث فلم تكن الوصية منسوخة بالميراث لجواز اجتماعهما ~~والخبر لم يثبت عنده لأنه ورد من طريق منقطع وهو لا يقبل المرسل ولو ورد من ~~جهة الاتصال والتواتر لما قضي به على حكم الآية إذ غير جائز عنده نسخ ~~PageV01P205 القرآن بالسنة فواجب أن تكون الوصية للوالدين والأقربين ثابتة ~~الحكم غير منسوخة إذا لم يرد ما يوجب نسخها قال الشافعي وحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ستة مملوكين أعتقهم رجل لا مال له غيرهم فجزأهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة والذي أعقتهم رجل ~~من العرب والعرب إنما تملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم فأجاز لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الوصية فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير ~~قرابة بطلت للعبيد المعتقين لأنهم ليسوا بقرابة للميت وبطلت وصية الوالدين ~~قال أبو بكر هذا كلام ظاهر الاختلال منتقض على أصله فأما اختلاله فقوله أن ~~العرب إنما تملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم وهذا خطأ من قبل أنه جائز ~~أن تكون أمه أعجمية فيكون أقرباؤه من قبل أمه عجما فيكون العتق الذي أوقعه ~~المريض وصية لأقربائه ومن جهة أخرى أنه لو ثبت أن آية المواريث نسخت الوصية ~~للوالدين والأقربين فإنما نسختها لمن كان منهم وارثا فأما من لا يرث منهم ~~فليس في إثبات الميراث لغيره ما يوجب نسخ وصتيه وأما انتقاضه على أصله ~~فإيجابه نسخ الوصية للأقربين بخبر عمران بن حصين في عتق المريض لعبيده ومن ~~أصله أن السنة لا تنسخ القرآن وقد ms0260 روي عن جماعة من الصدر الأول والتابعين ~~تجويز الوصية للأجانب وأنها تنفذ على ما أوصى بها وروي أن عمر أوصى لأمهات ~~أولاده لكل امرأة منهن بأربعة آلاف درهم وعن عائشة وإبراهيم وسعيد بن ~~المسيب وسالم بن عبدالله وعمرو بن دينار والزهري قالوا تنفذ وصيته حيث ~~جعلها وقد حصل الاتفاق من الفقهاء بعد عصر التابعين على جواز الوصايا ~~للأجانب والأقارب والذي أوجب نسخ الوصية عندنا للوالدين والأقربين قوله ~~تعالى في سياق آية المواريث @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ فأجازها ~~مطلقة ولم يقصرها على الأقربين دون غيرهم وفي ذلك إيجاب نسخها للوالدين ~~والأقربين لأن الوصية لهم قد كانت فرضا وفي هذه إجازة تركها لهم والوصية ~~لغيرهم وجعل ما بقي ميراثا للورثة على سهام مواريثهم وليس يجوز ذلك إلا وقد ~~نسخ تلك الوصية فإن قيل يحتمل أن يريد بهذه الوصية المذكورة في آية ~~المواريث وإيجاب المواريث بعدها الوصية الواجبة للوالدين والأقربين فيكون ~~حكمها ثابتا لمن لا يرث منهم قيل له هذا غلط من قبل أنه أطلق الوصية في هذا ~~الموضع بلفظ منكور يقتضي شيوعها في الجنس إذ كان ذلك حكم النكرات والوصية ~~المذكورة PageV01P206 للوالدين والأقربين لفظها لفظ المعرفة فغير جائز ~~صرفها إليها إذ لو أرادها لقال من بعد الوصية حتى يرجع الكلام إلى المعرف ~~المعهود من الوصية التي قد علمت كما قال تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم @QE@ وقال في آية أخرى لما أراد الشهداء ~~المذكورين @QB@ فإذ لم يأتوا بالشهداء @QE@ فعرفهم بالألف واللام إذ كان ~~المراد أولئك الشهداء فلما أطلق الوصية في آية المواريث بلفظ منكور ثبت أنه ~~لم يرد بها الوصية المذكورة للوالدين والأقربين وأنها مطلقة جائزة لسائر ~~الناس إلا ما خصته السنة أو الإجماع من الوصية للوارث أو للقاتل ونحوهما ~~وفي ثبوت ذلك نسخ الوصية للوالدين والأقربين قال أبو بكر استدل محمد بن ~~الحسن رحمه الله على أن الوالدين ليسوا من الأقرباء بقوله تعالى @QB@ ~~الوصية للوالدين والأقربين @QE@ ولأنهم لا يدلون بغيرهم ورحمه بأنفسهم ~~وسائر الأرحام ms0261 سواهما إنما يدلون بغيرهم فالأقربون من يقرب إليه بغيره وقال ~~إن ولد الصلب ليسوا من الأقربين أيضا لأنه بنفسه يدلي برحمه لا بواسطة بينه ~~وبين والده ولأنه إذا لم يكن الوالدان من الأقربين والولد أقرب إلى والده ~~من الوالد إلى ولده فهو أحرى أن لا يكون من الأقربين ولذلك قال فيمن أوصى ~~لأقرباء بني فلان أنه لا يدخل فيها ولده ولا والده ويدخل فيها ولد الولد ~~والجد والأخوة ومن جرى مجراهم لأن كلا منهم يدلي إليه بواسطة غير مدل بنفسه ~~وفي معنى الأقرباء خلاف والله أعلم # | باب الوصية للوارث إذا أجازتها الورثة # قال أبو بكر قد بينا نسخ الوصية للورثة بما قدنا وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة ) وفيه بيان ~~أن الأخبار الواردة بأن لا وصية لوارث من غير ذكر إجازة الورثة هي محمولة ~~على أن الورثة لم يجيزوها ويدل أيضا على أن إجازة الورثة هي محمولة على أن ~~إجازتهم معتبرة بعد الموت لأنهم في حال حياته ليسوا بورثة وإنما تحصل لهم ~~هذه السمة بعد موت المورث فمتى أجاز وليس بوارث فإجازته باطلة لعموم قوله ~~لا وصية لوارث ودل على أن الورثة متى أجازت الوصية لم يكن ذلك هبة مستأنفة ~~من جهتهم فتحمل على أحكام الهبات في شرط القبض والتسليم ونفي الشيوع فيما ~~يقسم والرجوع فيها بل تكون محمولة على أحكام الوصايا الجائزة دون الهبات من ~~قبل مجيزيها من الورثة ودل أيضا على جواز العقود الموقوفة التي لها مجيز ~~لأن الميت عقد PageV01P207 الوصية على مال هو للوارث في حال وقوع الوصية ~~وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم موقوفة على إجازة الوارث فصار ذلك أصلا ~~فيمن عقد عقد بيع أو عتق أو هبة أو رهن أو إجارة على مال الغير أنه يقف على ~~إجازة مالكه إذ كان عقدا له مالك يملك ابتداءه وإيقاعه وقد دل أيضا على أنه ~~إذا أوصى بأكثر من الثلث كانت موقوفة على إجازة الورثة كما وقفها ms0262 النبي صلى ~~الله عليه وسلم على إجازتهم إذا أوصى بها لوارث فهذه المعاني كلها في ضمن ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة ) وقد اختلف ~~الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة قبل الموت فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وعبيدالله بن الحسن إذ أجازوه في ~~حياته لم يجز ذلك حتى يجيزوه بعد الموت وروي نحو ذلك عن عبدالله بن مسعود ~~وشريح وإبراهيم وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد ~~الموت وهي جائزة عليهم وقال ابن القاسم عن مالك إذا استأذنهم فكل وارث بائن ~~عن الميت مثل الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في ~~عياله فإنهم ليس لهم أن يرجعوا وأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن منه وكل ~~من في عياله وإن كان قد احتلم فلهم أن يرجعوا وكذلك العم وابن العم ومن خاف ~~منهم إن لم يجز لحقه ضرر منه في قطع النفقة إن صح فلهم أن يرجعوا وروى ابن ~~وهب عن مالك في المريض يستأذن ورثته في الوصية لبعض ورثته فأذنوا له فليس ~~لهم أن يرجعوا في شيء من ذلك ولو كان استأذنهم في الصحة فلهم أن يرجعوا إن ~~شاؤا وإنما يجوز إذنهم في حال المرض لأنه يحجب عن ماله بحقهم فيجوز ذلك ~~عليهم وقول الليث في ذلك كقول مالك ولا خلاف بين الفقهاء أنهم إذا أجازوه ~~بعد الموت فليس لهم أن يرجعوا فيه وروي عن طاوس وعطاء أنهم إذا أجازوه في ~~الحياة جاز عليهم قال أبو بكر عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا وصية ~~لوارث إلا أن يجيزها الورثة ) ينفي جواز الوصية في كل حال فلما خص ذلك ~~بقوله إلا أن يجيزها الورثة وهم إنما يكونون ورثة على الحقيقة بعد الموت لا ~~قبله فالمخصوص من الجملة إجازتهم بعد الموت وما عدا ذلك فهو محمول على عموم ~~بقية الوصية والنظر يدل على ذلك إذ ليسوا مالكين للمال ms0263 في حال الحياة فلا ~~تعمل إجازتهم فيه كما لا تجوز هبتهم ولا بيعهم وإن حدث الموت بعده فالإجازة ~~أبعد من ذلك ولما كان الموصى له إنما تقع الوصية له بعد الموت فكذلك ~~الإجازة حكمها أن يكون في حال وقوع الوصية وأن PageV01P208 لا تعمل الإجازة ~~قبل وقوعها وأيضا لما كان للميت إبطال الوصية في حال الحياة مع كونه مالكا ~~فالورثة أحرى بجواز الرجوع عما أجازوه وإذ جاز لهم الرجوع فقد علمت أن ~~الإجازة لا تصح فإن قيل لما كان حق الورثة ثابتا في ماله بالمرض ومن أجله ~~منع ذلك في المرض عن التصرف فيه بأكثر من الثلث كما منع بعد الموت وجب أن ~~يكون حال المرض حال الموت في باب لزومهم حكم الإجازة إذا أجازوا قيل له ~~تصرف المريض جائز عندنا في جميع ماله بالهبة والصدقة والعتق وسائر معاني ~~التصرف ووجوهه وإنما نسخ منها بعد الموت ما زاد على الثلث لثبوت حق الورثة ~~بالموت وأما قبل ذلك فلا اعتبار بقول الوارث فيه ألا ترى أن الوارث ليس له ~~أن يفسخ عقوده قبل الموت وإنما ثبت له ذلك بعد الموت عند ثبوت حقه في ماله ~~فكذلك إجازته قبل موته كلا إجازة كما لا يعمل فسخه في عقوده وأما ما فرق به ~~مالك بين من يخشى ضررا من جهته في ترك ا لإجازة وبين من لا يخشى ذلك منه ~~فلا معنى له من قبل أن خشية الضرر من جهته لا تمنع صحة عقوده وقوله إذ ليس ~~يكسبه ذلك حكم المكره الا ترى أنه لو باع منه شيئا طلبه منه وقال خشيت أن ~~تقطع عني نفقته وجرايته بترك إجابته لم يكن ذلك عذرا في إبطال البيع وكذلك ~~لو استوهبه المريض شيئا فوهبه له لم يكن ما يخافه بترك إجابته مؤثرا في ~~هبته فكان ذلك بمنزلة من يخشى من قبله ضررا فإذا لا اعتبار لخوف الضرر في ~~قطع النفقة والجراية في إيجاب العتق بين من هو في عياله أو ليس في عياله ~~والله الموفق بمنه ms0264 وكرمه # | باب تبديل الوصية # قال الله سبحانه وتعالى @QB@ فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه @QE@ قيل إن الهاء التي في قوله فمن بدله عائدة على الوصية وجائز ~~فيها التذكير لأن الوصية والإيصاء واحد وأما الهاء في قوله @QB@ إثمه @QE@ ~~فإنما هي عائدة على التبديل المدلول عليه بقوله فمن بدله وقوله @QB@ فمن ~~بدله بعد ما سمعه @QE@ يحتمل أن يريد به الشاهد على الوصية فيكون معناه ~~زجره عن التبديل على نحو قوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ~~ويحتمل أن يريد الوصي لأنه هو المتولي لإمضائها والمالك لتنفيذها فمن أجل ~~ذلك قد أمكنه تغييرها ويبعد أن يكون ذلك عموما في سائر الناس إذ لا مدخل ~~لهم في ذلك ولا تصرف لهم فيه PageV01P209 وهو عندنا على المعنيين الأولين ~~من الشاهد والوصي لاحتمال اللفظ لهما والشاهد إذا احتيج إليه مأمور بأداء ~~ما سمع على وجهه من غير تغيير ولا تبديل والوصي مأمور بتنفيذها على حسب ما ~~سمعه مما تجوز الوصية به ووري عن عطاء ومجاهد قالا هي الوصية تصيب الولي ~~الشاهد وقال الحسن هي الوصية من سمع الوصية ثم بدلها بعد ما سمعها فإنما ~~إثمها على من بدلها قال أبو بكر وجائز أن يكون الحاكم مرادا بذلك لأن له ~~فيه ولاية وتصرفا إذا رفع إليه فيكون مأمورا بإمضائها إذا جازت في الحكم ~~منهيا عن تبديلها وفيها الأمر بإمضائها وتنفيذها على الحق والصدق وقوله ~~@QB@ فمن بدله بعد ما سمعه @QE@ قد اقتضى جواز تنفيد الوصي ما سمعه من وصية ~~الموصي كان عليها شهودا ولم تكن وهو أصل في كل من سمع شيئا فجائز له إمضاؤه ~~عند الإمكان على مقتضاه وموجبه من غير حكم حاكم ولا شهادة شهود فقد دل على ~~أن الميت متى أقر بدين لرجل بعينه عند الوصي فجائز له أن يقضيه من غير علم ~~وارث ولا حاكم ولا غيره لأن في تركه ذلك بعد السماع تبديلا لوصية الموصي ~~وقوله @QB@ فإنما إثمه على الذين يبدلونه @QE@ قد حوى معاني أحدها أنه ~~معلوم ms0265 أن ذلك عطف على الوصية المفروضة كانت للوالدين والأقربين وهي لا ~~محالة مضمرة فيه لولا ذلك لم يستقم الكلام لأن قوله @QB@ فمن بدله بعد ما ~~سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه @QE@ غير مستقل بنفسه في إيجاب الفائدة ~~لما انتظم من الكناية والضمير اللذين لا بد لهما من مظهر مذكور وليس في ~~الآية مظهر غير ما تقدم ذكره في أولها وإذا كان كذلك فقد أفادت الآية سقوط ~~الفرض عن الموصي بنفس الوصية وأنه لا يلحقه بعد ذلك من مأثم التبديل شيء ~~بعد موته وفيه دلالة على بطلان قول من أجاز تعذيب الأطفال بذنوب آبائهم وهو ~~نظير قوله ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وقد دلت الآية ~~أيضا على أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه أنه قد برئ من تبعته في الآخرة ~~وإن ترك الورثة قضاءه بعد موته لا يلحقه تبعة ولا إثم وإن إثمه على من بدله ~~دون من أوصى به وفيه الدلالة على أن من كان عليه زكاة ماله فمات ولم يوص به ~~أنه قد صار مفرطا مانعا مستحقا لحكم مانعي الزكاة لأنها لو كانت قد تحولت ~~في المال حسب تحول الديون لكان بمنزلة من أوصى بها عند الموت فينجو من ~~مأثمها ويكون حينئذ المبدل لها مستحقا لمأثمها وكذلك حكى الله تعالى عن ~~مانع الزكاة عند الموت سؤال الرجعة في قوله PageV01P210 @QB@ وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين @QE@ فأخبر بحصول التفريط وفوات الأداء إذ لو كان ~~الأداء باقيا على الوارث أو الوصي من ميراث الميت لكانوا هم المستحقين للوم ~~والتعنيف في تركه وكان الميت خارجا عن حكم التفريط فدل ذلك على صحة ما ~~وصفنا من امتناع وجوب أداء زكاته من ميراثه من غير وصية منه به فإن قيل هل ~~يفترق حكم الموصي عند الله في حال تنفيذ وصيته أو تبديلها وهل يكون ما ~~يستحقه من الثواب في الحالين سواء قيل ms0266 له أن وصية الموصي قد تضمنت شيئين ~~أحدهما استحقاقه الثواب على الله بوصيته والآخر أن وصول ذلك إلى الموصى له ~~يستوجب منه الشكر لله والدعاء للموصي وذلك لا يكون ثوابا للموصي ولكن ~~الموصي يصل عليه من دعاء الموصى له وشكره لله تعالى جزاء له لا للموصي ~~فينتفع الموصي بذلك من وجهين إذا أنفذت الوصية ومتى لم تنفذ كان نفعه ~~مقصورا على الثواب الذي استحقه بوصية دون غيرها فإن قيل فمن كان عليه دين ~~فلم يوص بقضائه وقضاه الورثة هل يبرا الميت من تبعته قيل له امتناعه من ~~قضاء الدين قد تضمن شيئين أحدهما حق الله تعالى والآخر حق الآدمي فإذا ~~استوفى الآدمي حقه فقد برئ من تبعته وبقي من حق الآدمي ما أدخل عليه من ~~الظلم والضرر بتأخيره فإذا لم يتب منه كان مؤاخذا به في الآخرة وبقي حق ~~الله وهو الظلم الواقع منه في حياته لم تكن توبة منه فيه فهو مؤاخذ به فيما ~~بينه وبين الله تعالى ألا ترى أن من غصب من رجل مالا وأصر على منعه كان ~~مكتسبا بذلك المأثم من وجهين أحدهما حق الله بارتكاب نهيه والآخر حق الآدمي ~~بظلمه له وإضراره به فلو أن الآدمي أخذ حقه منه من غير إرادة الغاصب لذلك ~~لكان قد برئ من حقه وبقي حق الله يحتاج إلى التوبة منه فإذا مات غير تائب ~~كانت تبعته باقية عليه لاحقة به وقوله تعالى @QB@ فمن بدله بعد ما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه @QE@ إنما هو فيمن بدل ذلك إذا وقع على وجه ~~الصحة والجواز والعدل فأما إذا كانت الوصية جورا فالواجب تبديلها وردها إلى ~~العدل قال الله تعالى @QB@ غير مضار وصية من الله @QE@ فإنما تنفذ الوصية ~~إذا وقعت عادلة غير جائرة وقد بين الله تعالى ذلك في الآية التي تليها # | باب الشاهد والوصي إذا علما الجور في الوصية # قال الله تعالى @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه @QE@ قال أبو PageV01P211 بكر حدثنا عبدالله بن محمد ms0267 بن إسحاق قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة ~~في قوله تعالى @QB@ فمن خاف من موص جنفا أو إثما @QE@ قال هو الرجل يوصي ~~فيجنف في وصيته فيردها الولي إلى العدل والحق وروى أبو جعفر الرازي عن ~~الربيع بن أنس قال الجنف الخطأ والإثم العمد وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~وابن طاوس عن أبيه فمن خاف من موص جنفا أو إثما قال هو الموصى لابن ابنه ~~يريد لبنيه وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن في الرجل يوصي للأباعد ~~ويترك الأقارب قال يجعل وصيته ثلاثة أثلاث للأقارب الثلثين وللأباعد الثلث ~~وروى عن طاوس في الرجل يوصي للأباعد قال ينزع منهم فيدفع للأقارب إلا أن ~~يكون فيهم فقير قال أبو بكر الجنف الميل عن الحق وقد حكينا عن الربيع بن ~~أنس أنه قال الجنف الخطأ ويجوز أن يكون مراده الميل عن الحق على وجه الخطأ ~~والإثم ميله عنه على جه العمد وهو تأويل مستقيم وتأوله الحسن على الوصية ~~للأجنبي وله أقرباء أن ذلك حنف وميل عن الحق لأن الوصية كانت عنده للأقارب ~~الذين لا يرثون وتأوله طاوس على معنيين أحدهما الوصية للأباعد فترد إلى ~~الأقارب والآخر أن يوصي لابن ابنته يريد ابنته وقد نسخ وجوب الوصية ~~للوالدين والأقربين فمن خاف من موص جنفا أو إثما غير موجب أن يكون هذا ~~الحكم مقصورا على الوصية المذكورة قبلها لأنه كلام مستقل بنفسه يصح ابتداء ~~الخطاب به غير مضمن بما قبله فهو عام في سائر الوصايا إذا عدل بها عن جهة ~~العدل إلى الجور منتظمة للوصية التي كانت واجبة للوالدين والأقربين في حال ~~بقاء وجوبها وشاملة لسائر الوصايا غيرها فمن خاف من سائر الناس من موص ميلا ~~عن الحق وعدولا إلى الجور فالواجب عليه إرشاده إلى العدل والصلاح ولا يختص ~~بذلك الشاهد والوصي والحاكم دون سائر الناس لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QB@ فمن خاف من موص ms0268 جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم @QE@ والخوف إنما يختص بما يمكن وقوعه في المستقبل وأما ~~الماضي فلا يكون فيه خوف قيل له يجوز أن يكون قد ظهر له من أحوال الموصي ما ~~يغلب معه على ظنه أنه يريد الجور وصرف الميراث عن الوارث فعلى من خاف ذلك ~~منه رده إلى العدل ويخوفه ذميم عاقبة الجور أو يدخل بين الموصى له وبين ~~الورثة على وجه الصلاح وقد قيل إن معنى قوله @QB@ فمن خاف @QE@ أنه علم أن ~~PageV01P212 فيها جورا فيردها إلى ا لعدل وإنما قال تعالى فلا إثم عليه ولم ~~يقل فعليه ردها إلى العدل والصلاح ولا ذكر له فيه استحقاق الثواب لأن أكثر ~~أحوال الداخلين بين الخصوم على وجه الإصلاح أن يسألوا كل واحد منهما ترك ~~بعض حقه فيسبق مع هذه الحال إلى ظن المصلح أن ذلك غير سائغ له ولأنه إنما ~~يعمل في كثير منه على غالب ظنه دون الحقيقة فرخص الله تعالى في الإصلاح ~~بينهم وأزال ظن الظان لامتناع جواز ذلك فلذلك قال فلا إثم عليه في هذا ~~الموضع وقد وعد بالثواب على مثله في غيره فقال تعالى @QB@ لا خير في كثير ~~من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما @QE@ وروي في تغليظ الجنف في ~~الوصية ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن قال حدثنا ~~عبدالصمد بن حسان قال حدثنا سفيان الثوري عن عكرمة عن ابن عباس قال الإضرار ~~في الوصية من الكبائر ثم قرأ تلك حدود الله فلا تعتدوها وحدثنا عبدالباقي ~~قال حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قالا حدثنا عبدالله بن يوسف قال ~~حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الإضرار في الوصية من الكبائر ) وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا طاهر بن عبدالرحمن بن إسحاق القاضي حدثنا يحيى بن معين ~~قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر ms0269 عن أشعث عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ~~سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل ~~الجنة ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدة بن عبدالله ~~قال حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث قال حدثنا نصر بن علي الحداني قال حدثني ~~الأشعث بن جابر قال حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة ثم ~~يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ) ثم قرأ علي أبو هريرة ~~من ههنا @QB@ من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار @QE@ حتى بلغ ذلك الفوز ~~العظيم فهذه الأخبار مع ما قدمنا توجب على من علم جنفا في الوصية من موص أن ~~يرده إلى العدل إذا أمكنه ذلك فإن قيل على ماذا يعود الضمير الذي في قوله ~~بينهم قيل PageV01P213 له لما ذكر الله الموصي أفاد بفحوى الخطاب أن هناك ~~موصى له ووارثا تنازعوا فعاد الضمير إليهم بفحوى الخطاب في الإصلاح بينهم ~~وأنشد الفراء % وما أدري إذا يممت أرضا % أريد الخير أيهما يليني % % ~~أألخير الذي أنا أبتغيه % أم الشر الذي هو يبتغيني % # | فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكر الخير وحده لما في فحوى اللفظ من ~~الدلالة عليه عند ذكر الخير وغيره وقد قيل إن الضمير عائدا على المذكورين ~~في ابتداء الخطاب وهم الوالدان والأقربون وقد أفادت هذه الآية على أن على ~~الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية من جهة الخطأ أو العمد ~~ردها إلى العدل ودل على أن قوله تعالى @QB@ فمن بدله بعد ما سمعه @QE@ خاص ~~في الوصية العادلة دون الجائرة وفيها الدلالة على جواز اجتهاد الرأي والعمل ~~على غالب الظن لأن الخوف من الميل ms0270 يكون في غالب ظن الخائف وفيها رخصة في ~~الدخول بينهم على وجه الإصلاح مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعد أن ~~يكون ذلك بتراضيهم والله الموفق # باب فرض الصيام $ # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ فالله تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه ~~الآية لأن قوله كتب عليكم معناه فرض عليكم كقوله كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم وقوله إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا يعني فرضا موقتا ~~والصيام في اللغة هوالإمساك قال الله تعالى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا يعني صمتا فسمى الإمساك عن الكلام صوما ويقال خيل صيام إذا ~~كانت ممسكة عن العلف وصامت الشمس نصف النهار لأنها ممسكة عن السير والحركة ~~فهذا حكم هذا اللفظ في اللغة وهو في الشرع اسم للكف عن الأكل والشرب وما في ~~معناه وعن الجماع في نهار الصوم مع نية القرابة أو الفرض وهو لفظ مجمل ~~مفتقر إلى البيان عند وروده لأنه اسم شرعي موضوع لمعان لم تكن معقولة في ~~اللغة إلا أنه بعد ثبوت الفرض واستقرار أمر الشريعة قد عقل معناه الموضوع ~~له فيها بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها وقوله تعالى @QB@ كما ~~كتب على الذين من قبلكم @QE@ يعتوره معان ثلاثة كل واحد منها مروي عن السلف ~~قال الحسن والشعبي وقتادة أنه كتب على PageV01P214 الذين من قبلنا وهم ~~النصارى شهر رمضان أو مقدار من عدد الأيام وإنما حولوه وزادوا فيه وقال ابن ~~عباس والربيع بن أنس والسدي كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا يحل بعد ~~النوم مأكل ولا مشرب ولا منكح ثم نسخ وقال آخرون معناه أنه كتب علينا صيام ~~أيام كما كتب عليهم صيام أيام ولا دلالة فيه على مساواته في المقدار بل ~~جائز فيه الزيادة والنقصان وروي عن مجاهد وقتادة الذين من قبلكم أهل الكتاب ~~وروى عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال أحيل الصيام ثلاثة ms0271 أحوال ~~فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصوم كل شهر ثلاثة أيام ~~ويوم عاشوراء ثم أن الله تعالى فرض الصيام بقوله @QB@ كتب عليكم الصيام ~~@QE@ وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا قال أبو بكر لما لم يكن في قوله ~~@QB@ كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ دلالة على المراد في العدد أو في صفة ~~الصيام أو في الوقت كان اللفظ مجملا ولو علمنا وقت صيام من قبلنا وعدده كان ~~جائزا أن يكون مراده صفة الصيام وما حظر على الصائم فيه بعد النوم فلم يكن ~~لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في احتداء صوم من قبلنا وقد عقبه تعالى ~~بقوله @QB@ أياما معدودات @QE@ وذلك جائز وقوعه على قليل الأيام وكثيرها ~~فلما قال تعالى في نسق التلاوة شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه بين بذلك عدد الأيام ~~المعدودات ووقتها وأمر بصومها وقد روي هذا المعنى عن ابن أبي ليلى وروي عن ~~ابن عباس وعطاء أن المراد بقوله تعالى أياما معدودات صوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر قبل أن ينزل رمضان ثم نسخ برمضان قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر قال أبو بكر ظاهره يقتضي جواز الإفطار لمن لحقه الاسم ~~سواء كان الصوم يضره أو لا إلا أنا لا نعلم خلافا أن المريض الذي لا يضره ~~الصوم غير مرخص له في الإفطار فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا خاف أن ~~تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر وقال مالك في الموطأ من أجهده الصوم أفطر ~~وقضى ولا كفارة عليه والذي سمعته أن المريض إذا اصابه المرض شق عليه فيه ~~الصيام فيبلغ منه ذلك فله أن يفطر ويقضي قال مالك وأهل العلم يرون على ~~الحامل إذا اشتد عليها الصيام الفطر والقضاء ويرون ذلك مرضا من الأمراض ~~وقال الأوزاعي أي مرض إذا مرض الرجل حل له الفطر فإن لم يطق أفطر فأما إذا ~~أطاق وإن ms0272 شق عليه فلا يفطر وقال الشافعي إذا PageV01P215 ازداد مرض المريض ~~شدة زيادة بينة أفطر وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر فثبت باتفاق الفقهاء أن ~~الرخصة في الإفطار للمريض موقوفة على زيادة المرض بالصوم وأنه ما لم يخش ~~الضرر فعليه أن يصوم ويدل على أن الرخصة في الإفطار للمريض متعلقة بخوف ~~الضرر ما روى انس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الله ~~وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع ) ومعلوم أن رخصتهما ~~موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما فدل ذلك على أن جواز ~~الإفطار في مثله متعلق بخوف الضرر إذ الحامل والمرضع صحيحتان لا مرض بهما ~~وأبيح لهما الإفطار لأجل الضرر وأباح الله تعالى للمسافر الإفطار وليس ~~للسفر حد معلوم في اللغة يفصل به بين أقله وبين ما هو دونه فإذا كان ذلك ~~كذلك وقد اتفقوا على أن للسفر المبيح للإفطار مقدارا معلوما في الشرع ~~واختلفوا فيه فقال أصحابنا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها وقال آخرون مسيرة ~~يومين وقال آخرون مسيرة يوم ولم يكن للغة في ذلك حظ إذ ليس فيها حصر أقله ~~بوقت لا يجوز النقصان منه لأنه اسم مأخوذ من العادة وكل ما كان حكمه مأخوذا ~~من العادة فغير ممكن تحديده بأقل القليل وقد قيل إن السفر مشتق من السفر ~~الذي هو الكشف من قولهم سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح إذا أضاء وسفرت ~~الريح السحاب إذا قشعته والمسفرة المكنسة لأنها تسفر عن الأرض بكنس التراب ~~وأسفر وجهه إذا أضاء وأشرق ومنه قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ مسفرة @QE@ ~~يعني مشرقة مضيئة فسمى الخروج إلى الموضع البعيد سفرا لأنه يكشف عن أخلاق ~~المسافرة وأحواله ومعلوم أنه إذا كان معنى السفر ما وصفنا أن ذلك لا يتبين ~~في الوقت اليسير واليوم واليومين لأنه قد يتصنع في الأغلب لمثل هذه المسافة ~~فلا يظهر فيه ما يكشفه البعيد من أخلاقه فإن اعتبر بالعادة علمنا أن ~~المسافة القريبة لا تسمى سفرا والبعيدة تسمى إلا أنهم اتفقوا على ms0273 أن ~~الثلاثة سفر صحيح فيما يتعلق به من أحكام الشرع فثبت أن الثلاث سفر وما ~~دونها لم يثبت لعدم معنى الاسم فيه وفقد التوقيف والاتفاق بتحديده وأيضا قد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تقتضي اعتبار الثلاث في كونها سفرا ~~في أحكام الشرع فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ~~تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم واختلف الرواة عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم ثلاثة أيام وقال بعضهم يومين فهذه ~~الألفاظ PageV01P216 المختلفة قد رويت في حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم واختلف أيضا عن أبي هريرة فروى سفيان عن عجلان عن سعيد بن أبي ~~سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تسافر امرأة فوق ~~ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم ) وروى كثير بن زيد عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا نساء ~~المؤمنات لا تخرج امرأة من مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم ) وكل واحد من أخبار ~~أبي سعيد وأبي هريرة إنما هو خبر واحد اختلفت الرواية في لفظه ولم يثبت أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أحوال فالواجب أن يكون خبر الزائد أولى وهو ~~الثلاث لأنه متفق على استعماله وما دونها مختلف فيه فلا يثبت لاختلاف ~~الرواة فيه وأخبار ابن عمر لاختلاف فيها فهي ثابتة وفيها ذكر الثلاث ولو ~~أثبتنا ذكر أخبار أبي سعيد وأبي هريرة على اختلافها لكان أكثر أحوالها أن ~~تتضاد وتسقط كأنها لم ترد وتبقى لنا أخبار ابن عمر في اعتبار الثلاث من غير ~~معارض فإن قيل أخبار أبي سعيد وأبي هريرة غير متعارضة لأنا نثبت جميع ما ~~روي فيها من التوقيف فنقول لا تسافر يوما ولا يومين ولا ثلاثة قيل له متى ~~استعملت ما دون الثلاث فقد ألغيت الثلاث وجعلت ورودها وعدمها بمنزلة فأنت ~~غير مستعمل لخبر الثلاث ms0274 مع استعمالك خبر ما دونها وإذا لم يكن إلا استعمال ~~بعضنا وإلغاء البعض فاستعمال خبر الثلاث أولى لما فيه من ذكر الزيادة وأيضا ~~قد يمكن استعمال الثلاث مع إثبات فائدة الخبر في اليوم واليومين وهو أنها ~~متى أرادت سفر الثلاث لم تخرج اليوم ولا اليومين من الثلاث إلا مع ذي محرم ~~وقد يجوز أن يظن ظان أنه لما حد الثلاث فمباح لها الخروج يوم أو يومين مع ~~غير ذي محرم وإن أرادت سفر الثلاث فأبان صلى الله عليه وسلم حظر ما دونها ~~متى أرادتها وإذا ثبت تقدير الثلاث في حظر الخروج إلا مع ذي محرم ثبت ذلك ~~تقديرا في إباحة الإفطار في رمضان من وجهين أحدهما أن كل من اعتبر في خروج ~~المرأة الثلاث اعتبرها في إباحة الإفطار وكل من قدره بيوم أو يومين كذلك ~~قدره في الإفطار والوجه الآخر أن الثلاث قد تعلق بها حكم وما دونها لم ~~يتعلق به حكم في الشرع فوجب تقديرها في إباحة الإفطار لأنه حكم متعلق ~~بالوقت المقدر وليس فيما دون الثلاث حكم يتعلق به فصار بمنزلة خروج ساعة من ~~النهار وأيضا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في المسح للمقيم ~~يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ومعلوم أن ذلك ورد مورد بيان ~~الحكم لجميع المسافرين لأن ما ورد PageV01P217 مورد البيان فحكمه أن يكون ~~شاملا لجميع ما اقتضى البيان من التقدير فما من مسافر إلا وهو الذي يكون ~~سفره ثلاثا ولو كان ما دون الثلاث سفرا في الشرع لكان قد بقي مسافرا لم ~~يتبين حكمه ولم يكن اللفظ مستوعبا لجميع ما اقتضى البيان وذلك يخرجه عن حكم ~~البيان ومن جهة أخرى أن المسافر اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه فما من ~~مسافر إلا وقد انتظمه هذا الحكم فثبت أن من خرج عنه فليس بمسافر يتعلق ~~بسفره حكم وفي ذلك أوضح الدلالة على أن السفر الذي يتعلق به الحكم هو سفر ~~ثلاث وأن ما دونه لا حكم له في إفطار ولا قصر ms0275 ومن جهة أخرى أن هذا الضرب من ~~المقادير لا يؤخذ من طريق المقاييس وإنما طريق إثباته الاتفاق أو التوقيف ~~فلما عدمنا فيما دون الثلاث الاتفاق والتوقيف وجب الوقوف عند الثلاث لوجود ~~الاتفاق فيه أنه سفر يبيح الإفطار وأيضا لما كان لزوم فرض الصوم هو الأصل ~~واختلفوا في مدة رخصة الإفطار لم يجز لنا عند الاختلاف ترك الفرض إلا ~~بالإجماع وهو الثلاث لأن الفروض يحتاط لها ولا يحتاط عليها وقد روي عن ~~عبدالله بن مسعود وعمار وابن عمر أنه لا يفطر في أقل من الثلاث قوله تعالى ~~@QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ اختلف الفقهاء من السلف في ~~تأويله فروى المسعودي عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن ~~جبل قال أحيل الصيام على ثلاثة أحوال ثم أنزل الله كتب عليكم الصيام إلى ~~قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكان من شاء صام ومن شاء أفطر ~~وأطعم مسكينا وأجزى عنه ثم أنزل الله الآية الأخرى شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن إلى قوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ فأثبت الله تعالى ~~صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير ~~الذي لا يستطيع الصيام وعن عبدالله بن مسعود وابن عمر وابن عباس وسلمة بن ~~الأكوع وعلقمة والزهري وعكرمة في قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~قال كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى وأطعم كل يوم مسكينا حتى نزل فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه وروي فيه وجه آخر وهو ما روى عبدالله بن موسى عن ~~إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي كرم الله وجهه قال من أتى عليه رمضان ~~وهو مريض أو مسافر فليفطر وليطعم كل يوم مسكينا صاعا فذلك قوله @QB@ وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ ووجه آخر وهو ما روى منصور عن مجاهد عن ~~ابن عباس أنه كان يقرأها وعلى الذين PageV01P218 يطوقونه فدية طعام مسكين ~~قال الشيخ الكبير الذي كان يطيق الصوم وهو شاب فأدركه الكبر وهو لا ms0276 يستطيع ~~أن يصوم من ضعف ولا يقدر أن يترك الطعام فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف ~~صاع وعن سعيد بن المسيب مثله وكانت عائشة تقرأ وعلى الذين يطوقونه وروى ~~خالد الحذاء عن عكرمة أنه كان يقرأ وعلى الذين يطيقونه قال أنها ليست ~~بمنسوخة وروى الحجاج عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي وعلى الذين يطيقونه قال ~~الشيخ والشيخة قال أبو بكر فقالت الفرقة الأولى من الصحابة والتابعين وهم ~~الأكثرون عددا أن فرض الصوم بديا نزل على وجه التخيير لمن يطيقه بين الصيام ~~وبين الفدية وأنه نسخ عن المطيق بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقالت ~~الفرقة الثانية هي غير منسوخة بل هي ثابتة على المريض والمسافر يفطر ان ~~ويقضيان وعليهما الفدية مع القضاء وكان ابن عباس وعائشة وعكرمة وسعيد بن ~~المسيب يقرؤنها وعلى الذين يطوقونه فاحتمل هذا اللفظ معاني منها ما بينه ~~ابن عباس أنه أراد الذين كانوا يطيقونه ثم كبروا فعجزوا عن الصوم فعليهم ~~الإطعام والمعنى الآخر أنهم يكلفونه على مشقة فيه وهم لا يطيقونه لصعوبته ~~فعليهم الإطعام ومعنى آخر وهو أن حكم ا لتكليف يتعلق عليهم وإن لم يكونوا ~~مطيقين للصوم فيقوم لهم الفدية مقام ما لحقهم من حكم تكليف الصوم ألا ترى ~~أن حكم تكليف الطهارة بالماء قائم على التيمم وإن لم يقدر عليه حتى أقيم ~~التراب مقامه ولولا ذلك لما كان التيمم بدلا منه وكذلك حكم تكليف الصلاة ~~قائم على النائم والناسي في باب وجوب القضاء لا على وجه لزمه بالترك فلما ~~أوجب تعالى عليه الفدية في حال العجز والإياس عن القضاء أطلق فيه اسم ~~التكليف بقوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه @QE@ إذ كانت الفدية هي ما قام مقام ~~غيره فالقراء تانعلى هذا الوجه مستعملتان إلا أن الأولى وهي قوله وعلى ~~الذين يطيقونه لا محالة منسوخة لما ذكره من روينا عنه من الصحابة وأخبارهم ~~عن كيفية الفرض وصفته بديا وأن المطيق للصوم منهم كان مخيرا بين الصيام ~~والإفطار والفدية وليس هذا من طريق الرأي لأنه حكاية حال ms0277 شاهدوها وعلموا ~~أنها بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عليها وفي مضمون الخطاب من ~~أوضح الدلالة على ذلك ما لو لم يكن معنا رواية عن السلف في معناه لكان ~~كافيا في الإبانة عن مراده وهو قوله تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام @QE@ أخر فابتدأ تعالى بيان حكم المريض والمسافر وأوجب عليهما ~~PageV01P219 القضاء إذا أفطرا ثم عقبه بقوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين @QE@ فغير جائز أن يكون هؤلاء هم المرضى والمسافرين إذ قد تقدم ~~ذكر حكمهما وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما فغير جائز أن يعطف عليهما ~~بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصا معينا ومعلوم أن ما عطف عليه فهو ~~غيره لأن ا لشىء لا يعطف على نفسه ويدل على أن المراد المقيمون المطيقون ~~للصوم أن المريض المذكور في الآية هو الذي يخاف ضرر الصوم فكيف يعبر عنه ~~بإطاقة الصوم وهو إنما رخص له لفقد الإطاقة وللضرر المخوف منه ويدل على ذلك ~~ما ذكره في نسق التلاوة من قوله تعالى @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ وليس ~~الصوم خيرا للمريض الخائف على نفسه بل هو في هذه الحال منهي عن الصوم ويدل ~~على أن المريض والمسافر لم يرادا بالفدية وأنه لا فدية عليهما أن الفدية ما ~~قام مقام الشيء وقد نص الله تعالى على إيجاب القضاء على المريض والمسافر ~~والقضاء قائم مقام الفرض فلا يكون الإطعام حينئذ فدية وفي ذلك دلالة على ~~أنه لم يرد بالفدية المريض والمسافر بقوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين منسوخ بما قدمنا وهذه الآية تدل على أن أصل الفرض كان ا لصوم ~~وأنه جعل له العدول عنه إلى الفدية على وجه البدل عن الصوم لأن الفدية ما ~~يقوم مقام الشيء ولو كان الإطعام مفروضا في نفسه كالصوم على وجه التخيير ~~لما كان بدلا كما أن المكفر عن يمينه بما شاء من الثلاثة الأشياء لا يكون ~~ما كفر به منها بدلا ولا فدية عن غيرها وإن حمل معناه على قول من ms0278 قال ~~المراد به الشيخ الكبير لم يكن منسوخا ولكن يحتاج إلى ضمير وهو وعلى الذين ~~كانوا يطيقونه ثم عجزوا بالكبر مع اليأس عن القضاء وغير جائز إثبات ذلك إلا ~~باتفاق أو توقيف ومع ذلك فيه إزالة اللفظ عن حقيقته وظاهره من غير دلالة ~~تدل عليه وعلى أن في حمله على ذلك إسقاط فائدة قوله وعلى الذي من يطيقونه ~~بالكبر سواء في حكمه ويحمل معناه على أن الشيخ الكبير العاجز عن الصائم ~~المأيوس من القضاء عليه الفدية فسقط فائدة قوله وعلى الذين يطيقونه إذ لم ~~يتعلق فيه بذكر الإطاقة حكم ولا معنى وقراءة من قرأ ( يطوقونه ) يحتمل ~~الشيخ المأيوس منه القضاء من إيجاب الفدية عليه لأن قوله يطوقونه قد اقتضى ~~تكليفهم حكم الصوم مع مشقة شديدة عليهم في فعله وجعل لهم الفدية قائمة مقام ~~الصوم فهذه القراءة إذا كان معناها ما وصفنا فهي غير PageV01P220 منسوخة بل ~~هي ثابتة الحكم إذ كان المراد بها الشيخ المأيوس منه القضاء العاجز عن ~~الصوم والله الموفق بمنه وكرمه # | ذكر اختلاف الفقهاء في الشيخ الفاني # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام ~~يفطر ويطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة ولا شيء عليه غير ذلك وقال الثوري ~~يطعم ولم يذكر مقداره وقال المزني عن الشافعي يطعم مدا من حنطة كل يوم وقال ~~ربيعة ومالك لا أرى عليه الإطعام وإن فعل فحسن قال أبو بكر قد ذكرنا في ~~تأويل الآية ما روي عن ابن عباس في قراءته وعلى الذين يطوقونه وإنه الشيخ ~~الكبير فلولا أن الآية محتملة لذلك لما تأولها ابن عباس ومن ذكر ذلك عنه ~~عليه فوجب استعمال حكمها من إيجاب الفدية في الشيخ الكبير وقد روى عن علي ~~أيضا أنه تأول قوله وعلى الذين يطيقونه على الشيخ الكبير وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( من مات وعليه صوم فاليطعم عنه وليه مكان كل يوم ~~مسكينا ) وإذا ثبت ذلك في الميت الذي عليه الصيام فالشيخ أولى بذلك ms0279 من ~~الميت لعجز الجميع عن الصوم فإن قيل هلا كان الشيخ كالمريض الذي يفطر في ~~رمضان ثم لا يبرأ حتى يموت ولا يلزمه القضاء قيل له لأن المريض مخاطب ~~بقضائه في أيام أخر فإنما تعلق الفرض عليه في أيام القضاء لقوله @QB@ فعدة ~~من أيام أخر @QE@ فمتى لم يلحق العدة لم يلزمه شيء كمن لم يلحق رمضان وأما ~~الشيخ فلا يرجى له القضاء في أيام أخر فإنما تعلق عليه حكم الفرض في إيجاب ~~الفدية في الحال فاختلفا من أجل ذلك وقد ذكرنا قول السلف في الشيخ الكبير ~~وإيجاب الفدية عليه في الحال من غير خلاف أحد من نظرائهم فصار ذلك إجماعا ~~لا يسمع خلافه وأما الوجه في إيجاب الفدية نصف صاع من بر فهو ما حدثنا عبد ~~الباقي ابن قانع قال حدثنا أخو خطاف قال حدثنا محمد بن عبدالله بن سعيد ~~المستملي قال حدثنا إسحاق الأزرق عن شريك عن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من مات وعليه رمضان فلم يقضه ~~فليطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع لمسكين ) وإذا ثبت ذلك في المفطر في رمضان ~~إذا مات ثبت في الشيخ الكبير من وجوه أحدها إنه عموم في الشيخ الكبير وغيره ~~لأن الشيخ الكبير قد تعلق عليه حكم التكليف على ما وصفنا فجائز بعد موته أن ~~يقال أنه قد مات وعليه صيام رمضان فقد تناوله عموم اللفظ ومن جهة ~~PageV01P221 أخرى أنه قد ثبت أن المراد بالفدية المذكورة في الآية هذا ~~المقدار وقد أريد بها الشيخ الكبير فوجب أن يكون ذلك هو المقدار الواجب ~~عليه ومن جهة أخرى أنه إذا ثبت ذلك فيمن مات وعليه قضاء رمضان وجب أن يكون ~~ذلك مقدار فدية الشيخ الكبير لأن أحدا من موجبي الفدية على الشيخ الكبير لم ~~يفرق بينهما وقد روي عن ابن عباس وقيس ابن السائب الذي كان شريك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وعائشة وأبي هريرة وسعيد ابن المسيب في ~~الشيخ ms0280 الكبير أنه يطعم عن كل يوم نصف صاع بر وأوجب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على كعب بن عجرة إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع بر وهذا يدل على ~~أن تقدير فدية الصوم بنصف صاع أولى منه بالمد لأن التخيير في الأصل قد تعلق ~~بين الصوم والفدية في كل واحد منهما وقد روي عن ابن عمر وجماعة من التابعين ~~عن كل يوم مد والأول أولى لما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولما ~~عضده قول الأكثرين عدادا من الصحابة والتابعين وما دل عليه من النظر وقوله ~~تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه @QE@ قد اختلف في ضمير كنايته فقال قائلون ~~هو عائد على الصوم وقال آخرون إلى الفدية والأول أصح لأن مظهره قد تقدم ~~والفدية لم يجر لها ذكر والضمير إنما يكون لمظهر متقدم ومن جهة أخرى أن ~~الفدية مؤنثة والضمير في الآية للمذكر في قوله ( يطيقونه ) وقد دل ذلك على ~~بطلان قول المجبرة القائلين بأن الله يكلف عباده مالا يطيقون وأنهم غير ~~قادرين على الفعل قبل وقوعه ولا مطيقين له لأن الله قد نص على أنه مطيق له ~~قبل أن يفعله بقوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية @QE@ فوصفه بالإطاقة مع ~~تركه للصوم والعدول عنه إلى الفدية ودلالة اللفظ قائمة على ذلك أيضا إذا ~~كان الضمير هو الفدية لأنه جعله مطيقا لها وإن لم يفعلها وعدل إلى الصوم ~~وقوله عز وجل شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان يدل على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله لم يهد الكفار لأنه ~~قد أخبر في هذه الآية إن القرآن هدى لجميع المكلفين كما قال في آية أخرى ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقوله تعالى فمن تطوع خيرا ~~فهو خير له يجوز أن يكون ابتداء كلام غير متعلق بما قبله لأنه قائم بنفسه ~~في إيجاب الفائدة يصح ابتداء الخطاب به فيكون حثا على التطوع بالطاعات ~~وجائز أن يريد به التطوع بزيادة طعام الفدية لأن المقدار المفروض منه ms0281 نصف ~~صاع فإن تطوع بصاع أو صاعين فهو خير له PageV01P222 وقد روي هذا المعنى عن ~~قيس بن السائب أنه كبر فلم يقدر على الصوم فقال يطعم عن كل إنسان لكل يوم ~~مدين فأطعموا عني ثلاثا وغير جائز أن يكون المراد أحد ما وقع عليه التخيير ~~فيه من الصيام أو الإطعام لأن كل واحد منهما إذا فعله منفردا فهو فرض لا ~~تطوع فيه فلم يجز أن يكون واحد منهما مراد الآية وجائز أن يكون المراد ~~الجمع بين الصيام والطعام فيكون الفرد أحدهما والآخر التطوع وأما قوله ~~تعالى وأن تصوموا خير لكم فإنه يدل على أن أول الآية فيمن يطيق الصوم من ~~الأصحاء المقيمين غير المرضى ولا المسافرين ولا الحامل والمرضع وذلك لأن ~~المريض الذي يباح له الإفطار هو الذي يخاف ضرر الصوم وليس الصوم بخير لمن ~~كان هذا حاله لأنه منهي عن تعريض نفسه للتلف بالصوم والحامل والمرضع لا ~~تخلوان من أن يضر بهما الصوم أو بولديهما وأيهما كان فالإفطار خير لهما ~~والصوم محظور عليهما وإن كان لا يضر بهما ولا بولديهما فعليهما الصوم وغير ~~جائز لهما الفطر فعلمنا أنهما غير داخلتين في قوله تعالى وعلى الذين ~~يطيقونه وقوله وأن تصوموا خير لكم عائدا إلى من تقدم ذكره في أول الخطاب ~~وجائز أن يكون قوله وأن تصوموا خير لكم عائدا إلى المسافرين أيضا مع عودة ~~على المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام فيكون الصوم خيرا للجميع إذا كان ~~أكثر المسافرين يمكنهم الصوم في العادة من غير ضرر وإن كان الأغلب فيه ~~المشقة ودلالته واضحة على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار وفيه الدلالة ~~على أن صوم يوم تطوعا أفضل من صدقة نصف صاع لأنه في الفرض كذلك ألا ترى أنه ~~لما خيره في الفرض بين صوم يوم وصدقة نصف صاع جعل الصوم أفضل منها فكذلك ~~يجب أن يكون حكمهما في التطوع والله الموفق # | باب الحامل والمرضع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن حي وإذا خافتا على ~~ولديهما ms0282 أو على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا كفارة عليهما وقال مالك ~~في المرضع إذا خافت على ولدها ولا يقبل الصبي من غيرها فإنها تفطر وتقضي ~~وتطعم عن كل يوم مدا مسكينا والحامل إذا أفطرت لا إطعام عليها وهو قول ~~الليث بن سعد وقال مالك وإن خافتا على أنفسهما فهما مثل المريض وقال ~~الشافعي إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما PageV01P223 القضاء والكفارة ~~وإن لم تقدرا على الصوم فهما مثل المريض عليهما القضاء بلا كفارة وروي عنه ~~في البويطي أن الحامل لا إطعام عليها واختلف السلف في ذلك على ثلاثة أوجه ~~فقال على كرم الله وجهه عليهما القضاء إذا أفطرتا ولا فدية عليهما وهو قول ~~إبراهيم والحسن وعطاء وقال ابن عباس عليهما الفدية بلا قضاء وقال ابن عمر ~~ومجاهد عليهما الفدية والقضاء والحجة لأصحابنا ما حدثنا جعفر بن محمد بن ~~أحمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو ~~عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال حدثني أبو ~~قلابة هذا الحديث ثم قال هل لك في صاحب الحديث الذي حدثني قال فدلني عليه ~~فلقيته فقال حدثني قريب لي يقال له أنس بن مالك قال أتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في إبل لجار لي أخذت فوافقته وهو يأكل فدعاني إلى طعامه ~~فقلت إني صائم فقال إذا أخبرك عن ذلك إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ~~والصوم وعن الحامل والمرضع قال فكان يتلهف بعد ذلك يقول الا أكون أكلت من ~~طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاني قال أبو بكر شطر الصلاة مخصوص ~~به المسافر إذ لا خلاف أن الحمل والرضاع لا يبيحان قصر الصلاة ووجه دلالته ~~على ما ذكرنا أخباره عليه السلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه ~~عن المسافر ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله ~~من حكم المرضع والحامل لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره ms0283 فثبت ~~بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق ~~بينهما ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافرإنما هو على جهة إيجاب قضائه ~~بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع وفيه دلالة على ~~أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما إذ لم ~~يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وأيضا لما كانت الحامل والمرضع يرجى ~~لهما القضاء وإنما أبيح لهم الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان ~~القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر فإن احتج القائلون بإيجاب القضاء ~~والفدية بظاهر قوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ لم يصح ~~لهم وجه الدلالة منه على ما ادعوه وذلك لما روينا عن جماعة من الصحابة ~~الذين قدمنا ذكرهم إن ذلك كان فرض المقيم الصحيح وأنه كان مخيرا بين الصيام ~~والفدية وبينا أن ما جرى مجرى ذلك فليس القول فيه من طريق الرأي وإنما يكون ~~PageV01P224 توقيفا فالحامل والمرضع لم يجر لهما ذكر فيما حكوا فوجب أن ~~يكون تأويلهما محمولا على ما ذكرنا وقد ثبت نسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ ومن جهة أخرى لا يصح الاحتجاج لهم به وهو قوله ~~تعالى في سياق الخطاب وأن تصوموا خير لكم ومعلوم أن ذلك خطاب لمن تضمنه أول ~~الآية وليس ذلك حكم الحامل والمرضع لأنهما إذا خافتا الضرر لم يكن الصوم ~~خيرا لهما بل محظور عليها فعله وإن لم تخشيا ضررا على أنفسهما أو ولديهما ~~فغير جائز لهما الإفطار وفي ذلك دليل واضح على أنهما لم ترادا بالآية ويدل ~~على بطلان قول من تأول الآية على الحامل والمرضع من القائلين بإيجاب الفدية ~~والقضاء أن الله تعالى سمى هذا الطعام فدية والفدية ما قام مقام الشيء ~~وأجزأ عنه فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية لأن القضاء إذا ~~وجب فقد قام مقام المتروك فلا يكون الإطعام فدية وإن كان فدية صحيحة فلا ~~قضاء لأن الفدية قد أجزأت ms0284 عنه وقامت مقامه فإن قيل ما الذي يمنع أن يكون ~~القضاء والإطعام قائمين مقام المتروك قيل له لو كان مجموعهما قائمين مقام ~~المتروك من الصوم لكان الإطعام بعض الفدية ولم يكن جميعها والله تعالى قد ~~سمى ذلك فدية وتأويلك يؤدي إلى خلاف مقتضى الآية وأيضا إذا كان الأصل ~~المبيح للحامل والمرضع الإفطار والموجب عليهما الفدية هو قوله تعالى @QB@ ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ وقد ذكر السلف الذين قدمنا قولهم ~~أن الواجب كان أحد شيئين من فدية أو صيام لا على وجه الجمع فكيف يجوز ~~الاستدلال به على ايجاب الجمع بينهما على الحامل والمرضع ومن جهة أخرى أنه ~~معلوم أن في قوله تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ حذف ~~الافطار كأنه قال وعلى الذين يطيقونه إذا أفطروا فدية طعام مسكين فإذا كان ~~الله تعالى إنما اقتصر بالإيجاب على ذكر الفدية فغير جائز إيجاب غيرها معها ~~لما فيه من الزيادة في النص وغير جائز الزيادة في المنصوص إلا بنص مثله ~~وليستا كالشيخ الكبير الذي لا يرجى له الصوم لأنه مأيوس من صومه فلا قضاء ~~عليه وإلاطعام الذي يلزمه فدية له إذ هو بنفسه قائم مقام المتروك من صومه ~~والحامل والمرضع يرجى لهما القضاء فهما كالمريض والمسافر وإنما يسوغ ~~الاحتجاج بظاهر الآية لابن عباس لاقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء ومع ~~ذلك فإن الحامل والمرضع إذا كانتا إنما تخافان على ولديهما دون أنفسهما ~~فهما تطيقان الصوم فيتناولهما ظاهر قوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين @QE@ PageV01P225 وكذلك قال ابن عباس حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا إبان قال حدثنا قتادة أن ~~عكرمة حدثه أن ابن عباس حدثه في قوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين @QE@ قال أثبتت للحامل والمرضع وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن عزرة ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية ms0285 طعام مسكين @QE@ ~~قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما ~~مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا ~~فاحتج ابن عباس بظاهر الآية وأوجب الفدية دون القضاء عند خوفهما على ~~ولديهما إذ هما تطيقان الصوم فشملهما حكم الآية قال أبو بكر ومن أبى ذلك من ~~الفقهاء ذهب إلى أن ابن عباس وغيره ذكروا أن ذلك كان حكم سائر المطيقين ~~للصوم في إيجاب التخيير بين الصوم والفدية وهو لا محالة قد يتناول الرجل ~~الصحيح المطيق للصوم فغير جائز أن يتناول الحامل والمرضع لأنهما غير ~~مخيرتين لأنهما إما أن تخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير ولا تخافا فعليهما ~~الصيام بلا تخيير وغير جائز أن تتناول الآية فريقين بحكم يقتضي ظاهرها ~~إيجاب الفدية ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام ~~وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا ~~تخيير وقد تناولهما لفظ الآية على وجه واحد فثبت بذلك أن الآية لم تتناول ~~الحامل والمرضع ويدل عليه أيضا في نسق التلاوة وأن تصوموا خير لكم وليس ذلك ~~بحكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لأن الصيام لا يكون خيرا لهما ~~ويدل عليه أيضا ما قدمنا من حديث أنس بن مالك القشيري في تسوية النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين المريض والمسافر وبين الحامل والمرضع في حكم الصوم ~~وقوله تعالى @QB@ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن @QE@ الآية قال أبو بكر ~~قد بينا فيما سلف قول من قال إن الفرض الأول كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر ~~بقوله @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ وقوله تعالى @QB@ أياما معدودات @QE@ ~~وأنه نسخ بقوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقوله من قال إن شهر رمضان ~~بيان للموجب بقوله كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وقوله @QB@ ~~أياما معدودات @QE@ فيصير تقديره أياما معدودات هي شهر رمضان فإن كان صوم ~~الأيام المعدودات منسوخا بقوله شهر رمضان إلى قوله PageV01P226 فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه فقد انتظم قوله ms0286 شهر رمضان نسخ حكمين من الآية الأولى ~~أحدهما الأيام المعدودات التي هي غير شهر رمضان والآخر التخيير بين الصيام ~~والإطعام في قوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ على نحو ما ~~قدمنا ذكره عن السلف وإن كان قوله @QB@ شهر رمضان @QE@ بيانا لقوله @QB@ ~~أياما معدودات @QE@ فقد كان لا محالة بعد نزول فرض رمضان التخيير ثابتا بين ~~الصوم والفدية في أول أحوال إيجابه فكان هذا الحكم مستقرا ثابتا ثم ورد ~~عليه النسخ بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه إذ غير جائز ورود النسخ قبل ~~وقت الفعل والتمكن منه والصحيح هو القول الثاني لاستفاضة الرواية عن السلف ~~بأن التخيير بين الصوم والفدية كان في شهر رمضان وأنه نسخ بقوله فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه فإن قيل في فحوى الآية دلالة على أن المراد بقوله أياما ~~معدودات غير شهر رمضان لأنه لم يرد إلا مقرونا بذكر التخيير بينه وبين ~~الفدية ولو كان قوله @QB@ أياما معدودات @QE@ فرضا مجملا موقوف الحكم على ~~البيان لما كان لذكر التخيير قبل ثبوت الفرض معنى قيل له لا يمتنع ورود فرض ~~مجملا مضمنا بحكم مفهوم المعنى موقوف على البيان فمتى ورد البيان بما أريد ~~منه كان الحكم المضمن به ثابتا معه فيكون تقديره أياما معدودات حكمها إذا ~~بين وقتها ومقدارها أن يكون المخاطبون به مخيرين بين الصوم والفدية كما قال ~~تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم @QE@ فاسم الأموال عموم يصح اعتباره ~~فيما علق به من الحكم والصدقة مجملة مفتقرة إلى البيان فإذا ورد بيان ~~الصدقة كان اعتبار عموم اسم الأموال سائغا فيها ولذلك نظائر كثيرة ويحتمل ~~أن يكون قوله وعلى الذين يطيقونه متأخرا في التنزيل وإن كان مقدما في ~~التلاوة فيكون تقدير الآيات وترتيب معانيها أياما معدودات هي شهر رمضان ومن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين فيكون هذا حكما ثابتا مستقرا مدة من الزمان ثم نزل قوله فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه فنسخ به التخيير بين الفدية والصوم على ms0287 نحو ما ذكرنا في قوله ~~عز وجل وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة مؤخرا في اللفظ ~~وكان ذلك يعتوره معنيان أحدهما أنه وإن كان مؤخرا في التلاوة فهو مقدم في ~~التنزيل والثاني أنه معطوف عليه بالواو وهي لا توجب الترتيب فكأن الكل ~~مذكور معا فكذلك قوله أياما معدودات إلى قوله شهر رمضان PageV01P227 يحتمل ~~ما احتملته قصة البقرة وأما قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ففيه عدة أحكام ~~منها إيجاب الصيام على من شهد الشهر دون من لم يشهد فلو كان اقتصر قوله كتب ~~عليكم إلى قوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى ذلك لزوم الصوم سائر ~~الناس المكلفين فلما عقب ذلك بقوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ ~~بين أن لزوم صوم الشهر مقصور على بعضهم دون بعض وهو من شهد الشهر دون من لم ~~يشهده وقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر @QE@ يعتوره معان منها من كان ~~شاهدا يعني مقيما غير مسافر كما يقال للشاهد والغائب المقيم والمسافر فكان ~~لزوم الصوم مخصوصا به المقيمون دون المسافرين ثم لو اقتصر على هذا لكان ~~المفهوم منه الاقتصار بوجوب الصوم عليهم دون المسافرين إذ لم يذكروا فلا ~~شيء عليهم من صوم ولا قضاء فلما قال تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر @QE@ بين حكم المريض والمسافر في إيجاب القضاء عليهم إذا ~~أفطروا هذا إذا كان التأويل في قوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر @QE@ الإقامة ~~في الحضر ويحتمل قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه أن يكون بمعنى شاهد الشهر ~~أي علمه ويحتمل قوله فمن شهد منكم الشهر فمن شهده بالتكليف لأن المجنون ومن ~~ليس بأهل التكليف في حكم من ليس بموجود في انتفاء لزوم الفرض عنه فأطلق اسم ~~شهود الشهر عليهم وأراد به التكليف كما قال تعالى صم بكم عمي لما كانوا في ~~عدم الانتفاع بما سمعوا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع سماهم بكما عميا وكذلك ~~قوله @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ يعني عقلا ms0288 لأن من لم يتنفع ~~بعقله فكأنه لا قلب له إذ كان العقل بالقلب فكذلك جائز أن يكون جعل شهود ~~الشهر عبارة عن كونه من أهل التكليف إذ كان من ليس من أهل التكليف بمنزلة ~~من ليس بموجود في باب سقوط حكمه عنه ومن الأحكام المستفادة بقوله فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه غير ما قدمنا ذكره تعيين فرض رمضان فإن المراد بشهود ~~الشهر كونه فيه من أهل التكليف وأن المجنون ومن ليس من أهل التكليف غير ~~لازم له صوم الشهر والله أعلم بالصواب # | باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن جن رمضان كله أو بعضه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري إذا كان مجنونا في رمضان كله ~~فلا قضاء عليه وإن أفاق في شيء منه قضاه كله وقال مالك بن أنس فيمن بلغ وهو ~~مجنون مطيق PageV01P228 فمكث سنين ثم أفاق فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا ~~يقضي الصلاة وقال عبيدالله بن الحسن في المعتوه يفيق وقد ترك الصلاة والصوم ~~فليس عليه قضاء ذلك وقال في المجنون الذي يجن ثم يفيق أو الذي يصيبه المرة ~~ثم يفيق أرى على هذا أن يقضي وقال الشافعي في البويطي ومن جن في رمضان فلا ~~قضاء عليه وإن صح في يوم من رمضان قبل أن تغيب الشمس كذلك لا قضاء عليه قال ~~أبو بكر قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ يمنع وجوب القضاء ~~على المجنون الذي لم يفق في شيء من الشهر إذ لم يكن شاهد الشهر وشهوده ~~الشهر كونه مكلفا فيه وليس المجنون من أهل التكليف لقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يحتلم وعن ~~المجنون حتى يفيق ) فإن قيل إذا احتمل قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~شهوده بالإقامة وترك السفر دون ما ذكرته من شهوده بالتكليف فما الذي أوجب ~~حمله على ما ادعيت دون ما ذكرنا من حال الإقامة قيل له لما كان اللفظ ~~محتملا للمعنيين وهما غير متنافيين بل جائز إرادتهما معا ms0289 وكونهما شرطا في ~~لزوم الصوم وجب حمله عليهما وهو كذلك عندنا لأنه لا يكون مكلفا للصوم غير ~~مرخص له في تركه إلا أن يكون مقيما من أهل التكليف ولا خلاف أن كونه من أهل ~~التكليف شرط في صحة الخطاب به وإذا ثبت ذلك ولم يكن المجنون من أهل التكليف ~~في الشهر لم يتوجه إليه الخطاب بالصوم ولم يلزمه القضاء ويدل عليه ظاهر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن ~~المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم ) ورفع القلم هو إسقاط التكليف عنه ~~ويدل عليه أيضا أن الجنون معنى يستحق به الولاية عليه إذا دام به فكان ~~بمنزلة الصغير إذا دام به الشهر كله في سقوط فرض الصوم ويفارق الإغماء هذا ~~المعنى بعينه لأنه لا يستحق عليه الولاية بالإغماء وإن طال وفارق المغمى ~~عليه المجنون والصغير وأشبه الإغماء النوم في باب نفي ولاية غيره عليه من ~~أجله فإن قيل لا يصح خطاب المغمى عليه كما لا يصح خطاب المجنون والتكليف ~~زائل عنهما جميعا فوجب أن لا يلزمه القضاء بالإغماء قيل له الإغماء وإن منع ~~الخطاب بالصوم في حال وجوده فإن له أصلا آخر في إيجاب القضاء وهو قوله @QB@ ~~ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ وإطلاق اسم المريض على ~~المغمى عليه جائز سائغ فوجب اعتبار عمومه في إيجاب القضاء عليه وإن لم يكن ~~مخاطبا به حال الإغماء وأما المجنون فلا يتناوله اسم المريض PageV01P229 ~~على الإطلاق فلم يدخل فيمن أوجب الله عليه القضاء وأما من أفاق من جنونه في ~~شيء من الشهر فإنما ألزموه القضاء بقوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~@QE@ وهذا قد شهد الشهر إذ كان من أهل التكليف في جزء منه إذ لا يخلو قوله ~~@QB@ فمن شهد منكم الشهر @QE@ أن يكون المراد به شهود جميع الشهر أو شهود ~~جزء منه وغير جائز أن يكون شرط لزوم الصوم شهود الشهر جميعه من وجهين ( ~~أحدهما ) تناقض اللفظ به وذلك لأنه لا ms0290 يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه ~~كله ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله لأن الماضي من الوقت يستحيل ~~فعل الصوم فيه فعلمنا أنه لم يرد شهود الشهر جميعه والوجه الآخر أنه لا ~~خلاف أن من طرئ عليه شهر رمضان وهو من أهل التكليف أن عليه الصوم في أول ~~يوم منه لشهوده جزأ من الشهر فثبت بذلك أن شرط تكليف صوم الشهر كونه من أهل ~~التكليف في شيء منه فإن قيل فواجب إذا كان ذلك على ما وصفت من أن المراد ~~إدراك جزء من الشهر أن لا يلزمه إلا صوم الجزء الذي أدركه دون غيره إذ قد ~~ثبت أن المراد شهود بعض الشهر شرطا للزوم الصوم فيكون تقديره فمن شهد بعض ~~الشهر فليصم ذلك البعض قيل له ليس ذلك على ما ظننت من قبل أنه لولا قيام ~~الدلالة على أن شرط لزوم الصوم شهود بعض الشهر لكان الذي يقتضيه ظاهر اللفظ ~~استغراق الشهر كله في شرط اللزوم فلما قامت الدلالة على أن المراد البعض ~~دون الجميع في شرط اللزوم حملناه عليه وبقي حكم اللفظ في إيجاب الجميع إذ ~~كان الشهر اسما لجميعه فكان تقديره فمن شهد منكم شيئا من الشهر فليصم جميعه ~~فإن قيل فإذا أفاق وقد بقيت أيام من الشهر يلزمك أن لا توجب عليه قضاء ما ~~مضى لاستحالة تكليفه صوم الماضي من الأيام وينبغي أن يكون الوجوب منصرفا ~~إلى ما بقي من الشهر قيل له إنما يلزمه قضاء الأيام الماضية لا صومها ~~بعينها وجائز لزوم القضاء مع امتناع خطابه بالصوم فيما أمر به من القضاء ~~ألا ترى أن الناسي والمغمى عليه والنائم كل واحد من هؤلاء يستحيل خطابه ~~بفعل الصوم في هذه الأحوال ولم تكن استحالة تكليفهم فيها مانعة من لزوم ~~القضاء وكذلك ناسي الصلاة والنائم عنها فإن الخطاب بفعل الصوم يتوجه إليه ~~على معنيين أحدهما فعله في وقت التكليف والآخر قضاؤه في وقت غيره وإن لم ~~يتوجه إليه الخطاب بفعله في حال الإغماء والنسيان والله ms0291 أعلم PageV01P230 # | باب الغلام يبلغ والكافر يسلم ببعض رمضان # قال الله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وقد بينا أن المراد ~~شهود بعضه واختلف الفقهاء في الصبي يبلغ في بعض رمضان أو الكافر يسلم فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس في الموطأ وعبيدالله بن الحسن ~~والليث والشافعي يصومان ما بقي وليس عليهما قضاء ما مضى ولا قضاء اليوم ~~الذي كان فيه البلوغ أو الإسلام وقال ابن وهب عن مالك أحب إلي أن يقضيه ~~وقال الأوزاعي في الغلام إذا احتلم في النصف من رمضان أنه يقضي منه فإنه ~~كان يطيق الصوم وقال في الكافر إذا أسلم لا قضاء عليه فيما مضى وقال ~~أصحابنا يستحب لهما الإمساك عما يمسك عنه الصائم في اليوم الذي كان فيه ~~الإحتلام أو الإسلام قال أبو بكر رحمه الله قال الله تعالى @QB@ فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه @QE@ وقد بينا معناه وأن كونه من أهل التكليف شرط في ~~لزومه والصبي لم يكن من أهل التكليف قبل البلوغ فغير جائز إلزامه حكمه ~~وأيضا الصغر ينافي صحة الصوم لأن الصغير لا يصح صومه وإنما يؤمر به على وجه ~~التعليم وليعتاده ويمرن عليه ألا ترى أنه متى بلغ لم يلزمه قضاء الصلاة ~~المتروكة ولا قضاء الصيام المتروك في حال الصغر فدل ذلك على أنه غير جائز ~~إلزامه القضاء فيما تركه في حال الصغر ولو جاز إلزامه قضاء ما مضى من الشهر ~~لجاز إلزامه قضاء الصوم للعام الماضي إذا كان يطيقه فلما اتفق المسلمون على ~~سقوط القضاء للسنة الماضية مع إطاقته للصوم وجب أن يكون ذلك حكمه في الشهر ~~الذي أدرك في بعضه وأما الكافر فهو في حكم الصبي من هذا الوجه لاستحالة ~~تكليفه للصوم إلا على شرط تقديم الإيمان ومنافاة الكفر لصحة الصوم فأشبه ~~الصبي وليسا كالمجنون الذي يفيق في بعض الشهر في إلزامه القضاء لما مضى من ~~الشهر لأن الجنون لا ينافي صحة الصوم بدلالة أن من جن في صيامه لم يبطل ~~صومه وفي هذا دليل على ms0292 أن الجنون لا ينافي صحة صومه وإن الكفر ينافيها ~~فأشبه الصغير من هذا الوجه وإن اختلفا في باب استحقاق الكافر العقاب على ~~تركه والصغير لا يستحقه ويدل على سقوط القضاء لما مضى عمن أسلم في بعض ~~رمضان قوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ ~~وقوله صلى الله عليه وسلم ( الإسلام يجب ما قبله والإسلام يهدم ما قبله ) ~~وإنما قال أصحابنا يمسك المسلم في بعض رمضان والصبي بقية يومهما عن الأكل ~~والشرب من قبل أنه قد طرئ عليهما وهما مفطران PageV01P231 حال لو كانت ~~موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام فواجب أن يكونا مأمورين ~~بالإمساك في مثله إذا كانا مفطرين والأصل فيها ماروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال من أهل فليمسك بقية ~~يومه ومن لم يأكل فليصم وروي أنه أمر الآكلين بالقضاء وأمرهم بالإمساك مع ~~كونهم مفطرين لأنهم لو لم يكونوا قد أكلوا لأمروا بالصيام فاعتبرنا بذلك كل ~~حال تطرأ عليه في بعض النهار وهو مفطر بما لو كانت موجودة في أوله كيف كان ~~يكون حكمه فإن كان مما يلزمه بها الصوم أمر بالإمساك وإن كان مما لا يلزمه ~~لم يؤمر به ومن أجل ذلك قالوا في الحائض إذا طهرت في بعض النهار والمسافر ~~إذا قدم وقد أفطر في سفره أنهما مأموران بالإمساك إذ لو كانت حال الطهر ~~والإقامة موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام وقالوا لو حاضت في بعض ~~النهار لم تؤمر بالإمساك إذ الحيض لو كان موجودا في أول النهار لم تؤمر ~~بالصيام فإن قيل فهلا أبحت لمن كان مقيما في أول النهار ثم سافر أن يفطر ~~لأن حال السفر لو كانت موجودة في أول النهار ثم سافر كان مبيحا للإفطار قيل ~~له لم نجعل ما قدمنا علة للإفطار ولا للصوم وإنما جعلناه علة لإمساك المفطر ~~فأما إباحة الإفطار وحظره فله شرط آخر غير ما ذكرنا وقد حوى قوله تعالى ~~@QB@ فمن شهد منكم الشهر ms0293 فليصمه @QE@ أحكاما أخر غير ما ذكرنا منها دلالته ~~على أن من استبان له بعد ما أصبح أنه من رمضان فعليه أن يبتدئ صومه لأن ~~الاية لم تفرق بين من علمه من الليل أو في بعض النهار وهي عامة في الحالين ~~جميعا فاقتضى ذلك جواز ترك نية صوم رمضان من الليل وكذلك المغمى عليه ~~والمجنون إذا أفاقا في بعض النهار ولم يتقدم لهما نية الصوم من الليل فواجب ~~عليهما أن يبتدئا الصيام في ذلك الوقت لأنهما قد شهدا الشهر وقد جعل الله ~~شهود الشهر شرطا للزوم الصوم وفي الآية حكم آخر تدل أيضا على من نوى بصيامه ~~في شهر رمضان تطوعا أو عن فرض آخر أنه مجزئ عن رمضان لأن الأمر بفعل الصوم ~~فيه ورد مطلقا غير مقيد بوصف ولا مخصوص بشرط نية الفرض فعلى أي وجه صام فقد ~~قضى عهدة الآية وليس عليه غيره وفيها حكم آخر تدل أيضا على لزوم صوم أول ~~يوم من رمضان لمن رأى الهلال وحده دون غيره وأنه غير جائز له الإفطار مع ~~كون اليوم محكوما عند سائر الناس أنه من شعبان وقد روى روح بن عبادة عن ~~هشام وأشعث عن الحسن فيمن رأى الهلال PageV01P232 وحده أنه لا يصوم إلا مع ~~الإمام وروى ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح في رجل رأى هلال ~~شهر رمضان قبل الناس بليلة لا يصوم قبل الناس ولا يفطر قبلهم أخشى أن يكون ~~شبه له فأما الحسن فإنه أطلق الجواب في أنه لا يصوم وهذا يدل على أنه وإن ~~تيقن الرؤية من غير شك ولا شبهة أنه لا يصوم وأما عطاء فإنه يشبه أن يكون ~~أباح له الإفطار إذا جوز على نفسه الشبهة في الرؤية وأنه لم يكن رأى حقيقة ~~وإنما تخيل له ما ظنه هلالا وظاهر الآية يوجب الصوم على من رآه إذ لم يفرق ~~بين من رآه وحده ومن رآه مع الناس وفيها حكم آخر ومن الناس من يقول أنه إذا ~~لم يكن عالما ms0294 بدخول الشهر لم يجزه صومه ويحتج بقوله تعالى @QB@ فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه @QE@ قال فإنما ألزم الفرض على من علم به لأن قوله من ~~شهد بمعنى شاهد وعلم فمن لم يعلم فهو غير مؤد لفرضه وذلك كنحو من يصوم ~~رمضان على شك ثم يصير إلى اليقين ولا اشتباه كالأسير في دار الحرب إذا صام ~~شهرا فإذا هو شهر رمضان فقالوا لا يجزي من كان هذا وصفه ويحكى هذا القول عن ~~جماعة من السلف وعن مالك والشافعي فيه قولان أحدهما أنه يجزي والآخر أنه لا ~~يجزي وقال الأوزاعي في الأسير إذا اصاب عين رمضان أجزأه وكذلك إذا أصاب ~~شهرا بعده وأصحابنا يجيزون صومه بعد أن يصادف عين الشهر أو بعده ولا نعلم ~~خلافا بين الفقهاء أنه إذا تحرى شهر أو غلب على ظنه أنه رمضان ثم صار إلى ~~اليقين ولا اشتباه أنه رمضان أنه يجزيه وكذلك إذا تحرى وقت صلاة في يوم غيم ~~وصلى على غالب الظن ثم تيقن أنه الوقت يجزيه وقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه @QE@ إن احتمل العلم به فغير مانع من جوازه وإن لم يعلم به من ~~قبل أن ذلك إنما هو شرط في لزومه ومنع تأخيره وأما نفي الجواز فلا دلالة ~~فيه عليه ولو كان الأمر على ما قال من منع جوازه لوجب أن لا يجب على من ~~اشتبهت عليه الشهور وهو في دار الحرب ولم يعلم برمضان القضاء لأنه لم يشاهد ~~الشهر ولم يعلم به فلما اتفق المسلمون على لزوم القضاء على من لم يعلم بشهر ~~رمضان دل ذلك على أنه ليس شرط جواز صومه العلم به كما لم يكن شرط وجوب ~~قضائه العلم به ولما كان من وصفنا حاله من فقد علمه بالشهر شاهدا له في باب ~~لزومه قضاءه إذا لم يصم وجب أن يكون شاهدا له في باب جواز صومه متى صادف ~~عينه وأيضا إذا احتمل قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر @QE@ أن يعني به ~~كونه من أهل التكليف في الشهر على ms0295 ما تقدم PageV01P233 بيانه فواجب أن ~~يجزيه على أي حال شهد الشهر وهذا شاهد للشهر من حيث كان من أهل التكليف ~~فاقتضى ظاهر الآية جوازه وإن لم يكن عالما بدخوله واحتج أيضا من أبى جوازه ~~عند فقد العلم بقوله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن ~~غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) قالوا فإذا كان مأمورا بفعل الصوم ~~لرؤيته متقدمة فإنه متى لم يره أن يحكم به أنه من شعبان فغير جائز له صومه ~~مع الحكم به من شعبان إذ كان صوم شعبان غير مجزئ عن رمضان وهذا أيضا غير ~~مانع جوازه كما لا يمنع وجوب القضاء إذا علم بعد ذلك أنه من رمضان وإنما ~~كان محكوما بأنه من شعبان على شرط فقد العلم فإذا علم بعد ذلك أنه من رمضان ~~فمتى علم أنه من رمضان فهو محكوم له به من الشهر وينتقض ما كنا حكمنا به ~~بديا من أنه من شعبان فكان حكمنا بذلك منتظرا مراعى وكذلك يكون صوم يومه ~~ذلك مراعى فإن استبان أنه من رمضان أجزأه وإن لم يستبن له فهو تطوع فإن قيل ~~وجوب قضائه إذا أفطر فيه غير دال على جوازه إذا صامه لأن الحائض يلزمها ~~القضاء ولم يدل وجوب القضاء على الجواز قيل له إذا كان المانع من جواز صومه ~~فقد العلم به فواجب أن يكون هذا المعنى بعينه مانعا من لزوم قضائه إذا أفطر ~~فيه كالمجنون والصبي لأنك زعمت أن المانع من جوازه كونه غير شاهد للشهر ~~وغيره عالم به ومن لم يشهد الشهر فلا قضاء عليه إن كان حكم الوجوب مقصورا ~~على من شهده دون من لم يشهد ولا يختلف على هذا الحد حكم الجواز إذا صام ~~وحكم القضاء إذا أفطر وأما الحائض فلا يتعلق عليها حكم تكليف الصوم من جهة ~~شهودها للشهر وعلمها به لأنها مع علمها به لا يجزيها صومه ولم يتعلق مع ذلك ~~وجوب القضاء بإفطارها إذ ليس لها فعل في الإفطار فلذلك لم يجب سقوط القضاء ~~عنها ms0296 من حيث لم يجزها صومها وفيها وجه آخر من الحكم وهو أن من الناس من ~~يقول إذا طرئ عليه شهر رمضان وهو مقيم ثم سافر فغير جائز له الإفطار ويروى ~~ذلك عن علي كرم الله وجهه وعن عبيدة وأبي مجلز وقال ابن عباس والحسن وسعيد ~~بن المسيب وإبراهيم والشعبي إن شاء أفطر إذا سافر وهو قول فقهاء الأمصار ~~واحتج الفريق الأول بقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وهذا ~~قد شهد الشهر فعليه إكمال صومه بمقتضى ظاهر اللفظ وهذا معناه عند الآخرين ~~إلزام فرض الصوم في حال كونه مقيما لأنه قد بين حكم المسافر عقيب ذلك بقوله ~~@QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ PageV01P234 ولم يفرق ~~بين من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر وبين من كان مسافرا في ابتدائه فدل ~~ذلك على أن قوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ مقصور الحكم على حال ~~الإقامة دون حال السفر بعدها وأيضا لو كان المعنى فيه ما ذكروا لوجب أن ~~يجوز لمن كان مسافرا في أول الشهر ثم أقام أن يفطر لقوله تعالى ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وقد كان هذا مسافرا وكذلك من كان مريضا ~~في أوله ثم برئ وجب أن يجوز له الإفطار بقضية ظاهرة إذ قد حصل له اسم ~~المسافر والمريض فلما لم يكن قوله @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر @QE@ مانعا من لزوم صومه إذا اقام أو برئ في بعض الشهر وكان هذا ~~الحكم مقصورا على حال بقاء السفر والمرض كذلك قوله فمن شهد منكم الشهر ~~مقصور على حال بقاء الإقامة وقد نقل أهل السير وغيرهم إنشاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم السفر في رمضان في عام الفتح وصومه في ذلك السفر وإفطاره بعد ~~صومه وأمره الناس بالإفطار مع آثار مستفيضة وهي مشهورة غير محتاجة إلى ذكر ~~الأسانيد وهذا يدل على أن مراد الله في قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه @QE@ مقصور على حال ms0297 بقاء الإقامة في إلزام الصوم وترك الإفطار قوله ~~تعالى فليصمه قال أبو بكر رحمه الله قد تكلمنا في معنى قوله جل وعلا @QB@ ~~فمن شهد منكم الشهر @QE@ وما تضمنه من الأحكام وحواه من المعاني بما حضر ~~ونتكلم الآن بمشيئة الله وعونه في معنى قوله فليصمه وما حواه من الأحكام ~~وانتظمه من المعاني فنقول أن الصوم على ضربين صوم لغوي وصوم شرعي فأما ~~الصوم اللغوي فأصله الإمساك ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما ~~بل كل إمساك فهو مسمى في اللغة صوما قال الله تعالى @QB@ إني نذرت للرحمن ~~صوما @QE@ والمراد الإمساك عن الكلام يدل عليه قوله عقيبه فلن أكلم اليوم ~~إنسيا وقال الشاعر % % وخيل صيام يلكن اللجم % # | وقال النابغة % خيل صيام وخيل غير صائمة % تحت العجاج وخيل تعلك اللجما ~~% # وتقول العرب صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن ~~الحركة وقال امرؤ القيس PageV01P235 % فدعها وسل الهم عنك بجسرة % ذمول إذا ~~صام النهار وهجرا % # | فهذا معنى اللفظ في اللغة وهو في الشرع يتناول ضربا من الإمساك على ~~شرائط معلومة لم يكن الاسم يتناوله في اللغة ومعلوم أنه غير جائز أن يكون ~~الصوم الشرعي هو الإمساك عن كل شيء لاستحالة كون ذلك من الإنسان لأن ذلك ~~يوجب خلو الإنسان من المتضادات حتى لا يكون ساكنا ولا متحركا ولا آكلا ولا ~~تاركا ولا قائما ولا قاعدا ولا مضطجعا وهذا محال لا يجوز ورود العبادة به ~~فعلمنا أن الصوم الشرعي ينبغي أن يكون مخصوصا بضرب من الإمساك دون جميع ~~ضروبه فالضرب الذي حصل عليه اتفاق المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب ~~والجماع وشرط فيه عامة فقهاء الأمصار مع ذلك الإمساك عن الحقنة والسعوط ~~والإستقاء عمدا إذا ملأ الفم ومن الناس من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء ~~وهو قول شاذ والجمهور على خلافه وكذلك الإستقاء وروي عن ابن عباس أنه قال ~~الفطر مما دخل وليس مما خرج وهو قول طاوس وعكرمة وفقهاء الأمصار على خلافه ~~لأنهم يوجبون على من استقاء عمدا القضاء واختلفوا ms0298 فيما وصل إلى الجوف من ~~جراحة جائمة وآمة فقال أبو حنيفة والشافعي عليه القضاء وقال أبو يوسف ومحمد ~~لا قضاء عليه وهو قول الحسن بن صالح وقد اختلف في ترك الحجامة هل هو من ~~الصوم فقال عامة الفقهاء الحجامة لا تفطره وقال الأوزاعي تفطره واختلف أيضا ~~في بلع الحصاة فقال أصحابنا ومالك والشافعي تفطره وقال الحسن بن صالح لا ~~تفطره واختلفوا في الصائم يكون بين أسنانه شيء فيأكله متعمدا فقال أصحابنا ~~ومالك والشافعي لا قضاء عليه وروى الحسن بن زياد عن زفر أنه قال إذا كان ~~بين أسنانه شيء من لحم أو سويق وخبز فجاء على لسانه منه شيء فابتلعه وهو ~~ذاكر فعليه القضاء والكفارة قال وقال أبو يوسف عليه القضاء ولا كفارة عليه ~~وقال الثوري استحب له أن يقضي وقال الحسن بن صالح إذا دخل الذباب جوفه ~~فعليه القضاء وقال أصحابنا ومالك لا قضاء عليه ولا خلاف بين المسلمين أن ~~الحيض يمنع صحة الصوم واختلفوا في الجنب فقال عامة فقهاء الأمصار لا قضاء ~~عليه وصومه تام مع الجنابة وقال الحسن بن حي مستحب له أن يقضي ذلك اليوم ~~وكان يقول يصوم تطوعا وإن أصبح جنبا وقال في الحائض إذا طهرت من الليل ولم ~~تغتسل حتى أصبحت فعليها قضاء ذلك اليوم فهذه أمور منها متفق PageV01P236 ~~عليه في أن الإمساك عنه صوم ومنها مختلف فيه على ما بينا فالمتفق عليه هو ~~الإمساك عن الجماع والأكل والشرب في المأكول والمشروب والأصل فيه قوله ~~تعالى @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ إلى قوله @QB@ فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ فأباح الجماع ~~والأكل والشرب في ليالي الصوم من أولها إلى طلوع الفجر ثم أمر بإتمام ~~الصيام إلى الليل وفي فحوى هذا الكلام ومضمونه حظر ما أباحه بالليل مما قدم ~~ذكره من الجماع والأكل والشرب فثبت بحكم الآية أن الإمساك عن هذه الأشياء ~~الثلاثة هو من ms0299 الصوم الشرعي ولا دلالة فيه على أن الإمساك عن غيرها ليس من ~~الصوم بل هو موقوف على دلالته وقد ثبت السنة واتفاق علماء الأمة أن الإمساك ~~عن غير هذه الأشياء من الصوم الشرعي على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ومما ~~هو من شرائط لزوم الصوم الشرعي وإن لم يكن هو إمساكا ولا صوما الإسلام ~~والبلوغ إذ لا خلاف أن الصغير غير مخاطب بالصوم في أحكام الدنيا فإن الكافر ~~وإن كان مخاطبا به معاقبا على تركه فهو في حكم من لم يخاطب به في أحكام ~~الدنيا فإنه لا يجب عليه قضاء المتروك منه في حال الكفر وطهر المرأة عن ~~الحيض من شرائط تكليف صوم الشهر وكذلك العقل والإقامة والصحة وإن وجب ~~القضاء في الثاني والعقل مختلف فيه على ما بينا من أقاويل أهل العلم في ~~المجنون في رمضان والنية من شرائط صحة سائر ضروب الصوم وهو على ثلاثة أنحاء ~~صوم مستحق العين وهو صوم رمضان ونذر يوم بعينه وصوم التطوع وصوم في الذمة ~~فالصوم المستحق العين وصوم التطوع يجوز فيهما ترك النية من الليل إذا نواه ~~قبل الزوال وما كان في الذمة فغير جائز إلا بتقدمة النية من الليل وقال زفر ~~يجوز صوم رمضان بغير نية وقال مالك يكفي للشهر كله نية واحدة وإنما قلنا إن ~~بلع الحصاة ونحوها يوجب الإفطار وإن لم يكن مأكولا في العادة وأنه ليس ~~بغذاء ولا دواء من قبل أن قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ قد ~~انطوى تحته الأكل فهو عموم في جميع ما أكل ولا خلاف أنه لا يجوز له بلع ~~الحصاة مع اختلافهم في إيجاب الإفطار واتفاقهم على أن النهي عن بلع الحصاة ~~صدر عن الآية فيوجب ذلك أن يكون مرادا بها فاقتضى إطلاق الأمر بالصيام عن ~~الأكل والشرب دخول الحصاة فيه كسائر المأكولات فمن حيث دلت الآية على وجوب ~~القضاء PageV01P237 في سائر المأكولات فهي دالة أضا على وجوبه في أكل ~~الحصاة ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم من ms0300 أكل أو شرب ناسيا ~~فلا قضاء عليه وهذا يدل على أن حكم سائر ما يأكله لا يختلف في وجوب القضاء ~~إذا أكله عمدا وأما السعوط والدواء الواصل بالجائفة أو الآمة فالأصل فيه ~~حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الإستنشاق إلا أن ~~تكون صائما فأمره بالمبالغة في الإستنشاق ونهاه عنها لأجل الصوم فدل ذلك ~~على أن ما وصل بالإستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه يفطر لولا ذلك لما ~~كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها في غير الصوم وصار ذلك أصلا ~~عند أبي حنيفة في إيجاب القضاء في كل ما وصل إلى الجوف واستقر فيه مما ~~يستطاع الإمتناع منه سواء كان وصوله من مجرى الطعام والشراب أو من مخارق ~~البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان أو من غيرها لأن المعنى في الجميع ~~وصوله إلى الجوف واستقراره فيه مع إمكان الإمتناع منه في العادة ولا يلزم ~~على ذلك الذباب والدخان والغبار يدخل حلقه لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع ~~منه في العادة ولا يمكن التحفظ منه بإطباق الفم فإن قيل فإن أبا حنيفة لا ~~يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء قيل له إنما لم يوجبه لأنه كان عنده أنه ~~لا يصل إلى المثانة وقد روي ذلك عنه منصوصا وهذا يدل على أن عنده إن وصل ~~إلى المثانة أفطر وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى الجوف من ~~مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان وأما وجه إيجاب القضاء على من ~~استقاء عمدا دون من ذرعه القيء فإن القياس أن لا يفطره الاستقاء عمدا لأن ~~الفطر في الأصل هو من الأكل وما جرى مجراه من الجماع كما قال ابن عباس أنه ~~لا يفطره الإستقاء عمدا لأن الإفطار مما يدخل وليس مما يخرج والوضوء مما ~~يخرج وليس مما يدخل وكسائر الأشياء الخارجة من البدن لا يوجب الإفطار ~~بالاتفاق فكان خروج القيء بمثابتها وإن كان من فعله إلا أنهم تركوا القياس ~~للأثر الثابت عن ms0301 رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا حظ للنظر مع ~~الأثر والأثر الثابت هو حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن ~~سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذرعه القيء لم يفطر ~~ولا قضاء عليه ومن استقاء عمدا فعليه القضاء فإن قيل خبر هشام بن حسان عن ~~ابن سيرين في ذلك غير محفوظ وإنما الصيحح من هذا الطريق في الأكل ناسيا قيل ~~له قد روى عيسى بن يونس لخبرين معا عن هشام بن حسان وعيسى بن يونس هو ~~PageV01P238 الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه قد حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال روى أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله وروى الأوزاعي عن ~~يعيش بن الوليد أن معدان بن أبي طلحة حدثه أن أبا الدرداء حدثه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال فلقيت ثوبان فذكرت له ذلك فقال صدق وأنا ~~صببت له وضوءه وروى وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث ~~عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حبيش عن فضالة بن عبيد قال كنت عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ماء فقلت يا رسول الله ألم تك صائما ~~فقال بلى ولكني قئت وإنما تركوا القياس في الاستقاء لهذه الآثار فإن قيل قد ~~روي أن القيء لا يفطر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد ~~بن كثير قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من ~~الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يفطر من قاء ولا من احتلم ~~ولا من احتجم ) قيل له وروى هذا الحديث محمد بن أبان عن زيد بن أسلم عن أبي ~~عبيدالله الصنابحي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أصبح صائما ~~فذرعه القيء فلم يفطر ومن احتلم فلم يفطر ومن احتجم فلم يفطر ) فبين في هذا ms0302 ~~الحديث القيء الذي لا يوجب الإفطار ولو لم يذكره على هذا البيان لكان ~~الواجب حمله على معناه وأن لا يسقط أحد الحديثين بالآخر وذلك لأنه متى روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران متضادان وأمكن استعمالهما على غير وجه ~~التضاد استعملناهما جميعا ولم يبلغ أحدهما وإنما قالوا أنه إذا استقاء أقل ~~من ملء فيه لم يفطره من قبل انه لا يتناوله اسم القيء ألا ترى أن من ظهر ~~على لسانه شيء بالجشاء لا يقال أنه قد تقيأ وإنما يتناوله هذا الاسم عند ~~كثرته وخروجه وقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول في تقدير ملء ~~الفم هو الذي لا يمكنه إمساكه في الفم لكثرته فيسمى حينئذ قيئا وأما ~~الحجامة فإنما قالوا إنها لا تفرط الصائم لأن الأصل أن الخارج من البدن لا ~~يوجب الإفطار كالبول والغائط والعرق واللبن ولذلك لو جرح إنسان أو افتصد لم ~~يفطره فكانت الحجامة قياس ذلك ولأنه لما ثبت أن الإمساك عن كل شيء ليس من ~~الصوم الشرعي لم يجز لنا أن نلحق به إلا ما ورد به التوقيف أو اتفقت الأمة ~~عليه وقد ورد بإباحة الحجامة للصائم آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمن ذلك ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن شريك البزاز قال ~~حدثنا أبو الجماهر قال حدثنا عبدالله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن ~~يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول PageV01P239 الله صلى الله عليه وسلم قال ~~( ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والاحتلام والحجامة ) وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زيادة ~~عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائما محرم ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن ~~سهم قال حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليماني عن المثنى بن عبدالله ~~عن أنس بن مالك قال ms0303 مر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة ثماني عشرة من ~~رمضان برجل وهو يحتجم فقال صلى الله عليه وسلم ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ثم ~~أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال ( إذا تبيغ أحدكم ~~بالدم فليحتجم ) وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن الحسن بن حبيب أبو حصن ~~الكوفي قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال حدثنا أبو مالك عن الحجاج ~~عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهوصائم فغشي عليه فلذلك كرهه وحدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا القعنبي قال حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت قال قال أنس ~~ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد فإن قال قائل قد روى مكحول عن ~~ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم والمحجوم وروى أبو ~~قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان فقال ~~أفطر الحاجم والمحجوم قيل له قد اختلف في صحة هذا الخبر وهو غير صحيح على ~~مذهب أهل النقل لأن بعضهم رواه عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وبعضهم ~~رواه عن أبي قلابة عن شداد بن أوس ومثل هذا الاضطراب في السند يوهنه فأما ~~حديث مكحول فإن أصله عن شيخ من الحي مجهول عن ثوبان وعلى أنه ليس في قوله ~~أفطر الحاجم والمحجوم إذا أشار به إلى عين دلالة على وقوع الإفطار بالحجامة ~~لأن ذكر الحجامة في مثله تعريف لهما كقولك أفطر القائم والقاعد وأفطر زيد ~~إذا أشرت به إلى عين فلا دلالة فيه على أن القيام يفطر وعلى أن كونه زيدا ~~يفطره كذلك قوله أفطر الحاجم والمحجوم لما أشار به إلى رجلين بأعينهما فلا ~~دلالة فيه على وقوع الفطر بالحجامة وجائز أن يكون شاهدهما على حال توجب ~~الإفطار من أكل أو غيره ms0304 فأخبر بالإفطار من غير ذكر علته وجائز أن يكون ~~شاهدهما على غيبة منهما للناس فقال إنهما أفطرا كما روى يزيد بن أبان عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الغيبة تفطر PageV01P240 الصائم ~~) وليس المعنى فيه عند الفقهاء الخروج منه وإنما المراد منه إبطال ثوابه ~~فاحتمل أن يكون ذكر إفطار الحاجم والمحجوم لهذا المعنى وعلى أن الأخبار ~~التي روينا فيها ذكر تاريخ الرخصة بعد النهي وجائز أيضا أن يكون النهي عن ~~الحجامة كان لما يخاف من الضعف كما نهى عن الصوم في السفر حين رأى رجلا قد ~~ظلل عليه وأما وجه قولهم فيمن بلع شيئا بين أسنانه لم يفطره فهو أن ذلك ~~بمنزلة أجزاء الماء الباقية في فمه بعد غسل فمه للمضمضة ومعلوم وصولها إلى ~~جوفه ولا حكم لها كذلك الأجزاء الباقية في فيه هي بمنزلة ما وصفنا ألا ترى ~~أن من أكل بالليل سويقا أنه لا يخلو إذا أصبح من بقاء شيء من أجزائه بين ~~أسنانه ولم يأمره أحد بتقصي إخراجها بالأخلة والمضمضة فدل ذلك على أن تلك ~~الأجزاء لا حكم لها وأما الذباب الواصل إلى جوفه من غير إرادته فإنما لم ~~يفطره من قبل أن ذلك في العادة غير متحفظ منه ألا ترى أنه لا يؤمر بإطباق ~~الفم وترك الكلام خوفا من وصوله إلى جوفه فأشبه الغبار والدخان يدخل إلى ~~حلقه فلا يفطره وليس هو بمنزلة من أوجر ماء وهو صائم مكرها فيفطر من قبل ~~أنه ليس للعادة في هذا تأثير وإنما بينا حكم وصول الذباب إلى جوفه معلوما ~~على العادة في فتح الفم بالكلام وما كان مبنيا على العادة مما يشق الامتناع ~~عنه فقد خفف الله عن العباد فيه قال الله @QB@ وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج @QE@ وأما الجنابة فإنها غير مانعة من صحة الصوم لقوله @QB@ فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ فأطلق الجماع من ~~أول ms0305 الليل إلى آخره ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع ~~طلوع الفجر أنه يصبح جنبا وقد حكم الله بصحة صيامه بقوله @QB@ ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل @QE@ وروت عائشة وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك وروى أبو سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال 0 ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة ~~والاحتلام ) وهو يوجب الجنابة وحكم النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك بصحة ~~صومه فدل على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم وقد روى أبو هريرة خبرا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أصبح جنبا فلا يصومن يومه ذلك ) إلا ~~أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~علم لي بهذا أخبرني به الفضل بن العباس وهذا مما يوهن خبره لأنه قال بديا ~~ما أنا قلت ورب الكعبة من أصبح جنبا فقد أفطر محمد قال PageV01P241 ذلك ورب ~~الكعبة وأفتى السائل عن ذلك بالإفطار فلما أخبر برواية عائشة وأم سلمة تبرأ ~~من عهدته وقال لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل وقد روي عن أبي هريرة ~~الرجوع عن فتياه بذلك حدثنا عبدالباقي قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال ~~حدثنا ابن شبابة قال حدثنا عمرو بن الهيثم قال حدثنا هشام عن قتادة عن سعيد ~~بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن الذي كان يفتي من أصبح جنبا فلا يصوم وعلى ~~أنه لو ثبت خبر أبي هريرة احتمل أن لا يكون معارضا لرواية عائشة وأم سلمة ~~بأن يريد من أصبح على موجب الجنابة أن يصبح مخالطا لامرأته ومتى أمكننا ~~تصحيح الخبرين واستعمالهما معا استعملناهما على ما أمكن من غير تعارض فإن ~~قيل جائز أن يكون رواية عائشة وأم سلمة مستعملة فيما وردت بأن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دون أمته لأنهما أضافتا ذلك إلى فعله وخبر ~~أبي هريرة مستعمل في ms0306 سائر الناس قيل له قد عقل أبو هريرة من روايته مساواة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لغيره في هذا الحكم لأنه قال حين سمع رواية عائشة ~~وأم سلمة لا علم لي بهذا وإنما أخبرني به الفضل بن العباس ولم يقل إن رواية ~~هاتين المرأتين غير معارضة لروايتي إذ كانت روايتهما مقصورة على حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وروايتي إنما هي في غيره من الناس فهذا يبطل تأويلك ~~وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ما خصه الله ~~تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه بقوله تعالى @QB@ فاتبعوه ~~@QE@ وقوله @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ فهذه الأمور التي ~~ذكرنا مما تعبدنا فيه بالإمساك عنه في نهار رمضان هي من الصوم المراد به في ~~قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل وقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه @QE@ فهي إذا من الصوم اللغوي والشرعي جميعا وأما ما ليس بإمساك مما ~~وصفنا فإنما هو من شرائطه ولا يكون الإمساك على الوجوه التي ذكرنا صوما ~~شرعيا إلا بوجود هذه الشرائط وذلك الإسلام والبلوغ والنية وأن تكون المرأة ~~غير حائض فمتى عدم شيء من هذه الشرائط خرج عن أن يكون صوما شرعيا وأما ~~الإقامة والصحة فهما شرط صحة لزومه ووجود المرض والسفر لا ينافي صحة الصوم ~~وإنما ينافي لزوم الصوم على جهة الوجوب ولو صاما لصح صومهما وإنما قلنا ~~البلوغ شرط في صحة لزومه لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ~~ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم ) ولا ~~خلاف أنه لا يلزمه سائر العبادات فكذلك الصوم وقد يؤمر به المراهق على ~~PageV01P242 وجه التعليم ليعتاده وليمرن عليه لقول تعالى @QB@ قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا @QE@ قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ) وليس ~~ذلك على وجه التكليف وإنما هو على وجه التعليم والتأديب وأما الإسلام فإنما ms0307 ~~كان شرطا في صحة فعله لقوله @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ فلا تصح له ~~قربة إلا على شرط كونه مؤمنا وأما العقل فإن فقدت معه النية والإرادة فإنما ~~ينفي عنه صحة الصوم لعدم النية فإن وجدت منه النية من الليل ثم عزب عقله لم ~~ينف ذلك صحة صومه وإنما قلنا إن النية شرط في صحة الصوم من قبل أنه لا يكون ~~صوما شرعيا إلا بأن يكون فاعله متقربا به إلى الله عز وجل ولا تصح القربة ~~إلا بالنية والقصد لها قال الله تعالى @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم @QE@ فأخبر عز وجل أن شرط التقوى تحري موافقة أمره ~~ولما كان الشرط كونه متقيا فعل الصوم من المفروض لم يحصل له ذلك إلا بالنية ~~لأن التقوى لا تحصل له إلا بتحري موافقة أمر الله والقصد إليه وقال تعالى ~~@QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ ولا يكون إخلاص ~~الدين له إلا بقصده به إليه راغبا عن أن يريد به غيره فهذه أصول في تعلق ~~صحة الفروض بالنيات ولا خلاف بين المسلمين في أن من شرط الصلاة والزكاة ~~والحج والكفارات إيجاد النية لها لأنها فروض مقصودة لأعينها فكان حكم الصوم ~~حكمها لهذه العلة بعينها فإن قيل جميع ما استدللت به على كون النية شرطا في ~~الصوم وفي سائر الفروض يلزمك شرط النية في الطهارة إذ كانت فرضا من الفروض ~~قيل له ليس ذلك على ما ظننت لأن الطهارة ليست فرضا مقصودا لعينها وإنما ~~المقصود غيرها وهي شرط فيه فقيل لنا لا تصلوا إلا بطهارة كما قيل لا تصلوا ~~إلا بطهارة من نجاسة ولا تصلوا إلا بستر العورة فليست هذه الأشياء مفروضة ~~لأنفسها فلم يلزم إيجاد النية لها ألا ترى أن النية نفسها لما كانت شرطا ~~لغيرها ولم تكن مفروضة لنفسها صحة بغير نية توجد لها فانفصل بما ذكرنا حكم ~~الفروض المقصودة لأعيانها وحكم ما جعل منها شرطا لغيره وليس هو بمفروض ~~لنفسه فلما كانت الطهارة بالماء شرطا لغيرها ms0308 وليست أيضا ببدل عن سواها لم ~~يلزم فيها النية ولا يلزم على هذا إيجابنا النية في التيمم لأنه بدل عن ~~غيره فلا يكون طهورا إلا بإنضمام النية إليه إذ ليس هو طهورا في نفسه بل هو ~~بدل عن غيره ولم يختلف الأمة في أن كل صوم واجب في الذمة فشرط صحته ~~PageV01P243 إيجاد النية له فوجب أن يكون كذلك حكم صوم رمضان في كون النية ~~شرطا لصحته وشبه زفر صوم رمضان بالطهارة في إسقاط النية لهما من قبل أن ~~الطهارة مفروضة في أعضاء بعينها فكان الصوم مشبها لها في كونه مفروضا في ~~وقت مستحق العين له وهذا عند سائر الفقهاء ليس كذلك لأن العلة التي ذكرها ~~للطهارة غير موجودة في الصوم إذ جعل علة الطهارة أنها مفروضة في موضع بعينه ~~وهذا المعنى غير موجود في الصوم لأنه غير موضوع في موضع بعينه وإنما هو ~~موضوع في وقت معين لا في موضع معين وعلى أن هذه العلة منتقضة بالطواف لأنه ~~مفروض في موضع معين ولو عدا رجل خلف غريم له يوم النحر حوالي البيت لم يكن ~~طائفا طواف الزيارة وكذلك لو كان يسقي الناس هناك وبين الصفا والمروة لم ~~يجزه ذلك من الواجب فإذا كانت هذه العلة غير موجبة للحكم في معلولها من ~~الطواف والسعي فبأن لا يوجب حكمها فيما ليست فيه موجودة أولى وعلى أن ~~الطهارة مخالفة للصوم لما بينا من أنها غير مفروضة لنفسها وإنما هي شرط ~~لغيرها لا على وجه البدل فلم تجب أن تكون النية شرطا فيها كأنه قيل لا تصل ~~إلا وأنت طاهر من الحدث ومن النجاسة ولا تصل إلا مستور العورة وليس شرط غسل ~~النجاسة وستر العورة النية كذلك الطهارة بالماء وأما الصوم فإنه مفروض ~~مقصود لعينه كسائر الفروض التي ذكرنا فوجب أن يكون شرط صحته إيجاد النية له ~~ومعنى آخر وهو أنا قد علمنا أن الصوم على ضربين منه الصوم اللغوي ومنه ~~الصوم الشرعي وأن أحدهما إنما ينفصل من الآخر بالنية مع ما قدمنا من ms0309 شرائطه ~~ومتى لم توجد له النية كان صوما لغويا لا حظ فيه للشرع فلذلك وجب اعتبار ~~النية في صوم رمضان الا ترى أن من أمسك في يوم من غير رمضان عما يمسك عنه ~~الصائم ولم يكن له نية الصوم أن صومه ذلك لا يكون صوم شرع وصوم التطوع مشبه ~~لصوم رمضان في جواز ترك النية له من الليل فلما لم يكن صائما متطوعا ~~بالإمساك دون النية وجب أن يكون صوم رمضان كذلك ويلزم زفر أن يجعل المغمى ~~عليه أياما في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب صائما لوجود الإمساك وهذا إن ~~التزمه قائل كان قائلا قولا مستشنعا وإنما قلنا أنه يحتاج إلى إيجاد النية ~~كل يوم إما من الليل أو قبل الزوال من قبل أنا قد بينا أن صوم رمضان لا يصح ~~إلا بينة ومن حيث افتقر إلى نية في أول الشهر وجب أن يكون اليوم الثاني ~~مثله لأنه يخرج بالليل من الصوم ومتى خرج منه PageV01P244 احتاج في دخوله ~~فيه إلى نية وقال مالك مالم يكن وجوبه معينا من الصيام لم يصح إلا بنية من ~~الليل وما كان وجوبه في وقت بعينه كان يعلمه ذلك الوقت صائما واستغنى عن ~~نية الصيام بذلك فإذا قال لله علي أن أصوم شهرا متتابعا فصام أول يوم أنه ~~يجزيه باقي الأيام بغير نية وهو قول الليث بن سعد وقال الثوري في صوم ~~التطوع إذا نواه في آخر النهار أجزأه قال وقال إبراهيم النخعي له أجر ما ~~يستقبل وهو مذهب الحسن بن صالح وقال الثوري يحتاج في صوم رمضان أن ينويه من ~~الليل وقال الأوزاعي يجزيه نية صوم رمضان بعد نصف النهار وقال الشافعي لا ~~يجزي كل صوم واجب رمضان وغيره إلا بنية من الليل ويجزي صوم التطوع بنية قبل ~~الزوال فأما الدلالة على بطلان قول من اكتفى بنية واحدة للشهر كله فهو ما ~~قدمنا من افتقار صوم اليوم الثاني إلى الدخول فيه والدخول في الصوم لا يصح ~~إلا بنية فوجب أن يكون شرط اليوم ms0310 الثاني إيجاد النية كاليوم الأول فإن قيل ~~يكتفى بالنية الأولى وهي نية لجميع الشهر كما يجتزئ في الصلاة بنية واحدة ~~في أولها ولا يحتاج إلى تجديد النية لكل ركعة والمعنى الجامع بينهما أن ~~الصلاة الواحدة لا تتخلل ركعاتها صلاة أخرى غيرها كما لا يتخلل صيام شهر ~~رمضان صيام من غيره قيل له لو جاز أن يكتفى بنية واحدة للشهر لجاز أن يكتفى ~~بها لعمره كله فلما بطل هذا واحتاج إلى نية لأول يوم لم يجز أن تكون تلك ~~النية لسائر أيام الشهر كما لا يجوز أن تكون لسائر عمره وأما تشبيهه ~~بالصلاة فلا معنى له لأن الصلاة إنما اكتفي فيها بنية واحدة لأن الجميع ~~مفعول بتحريمة واحدة ألا ترى أنه لا يصح بعضها دون بعض فكانت الركعات كلها ~~مبنية على تلك التحريمة ألا ترى أنه متى ترك ركعة حتى خرج منها بطلت صلاته ~~كلها وأنه لو ترك صوم يوم من رمضان بأن أفطر فيه لم يبطل عليه صوم سائر ~~الشهر ومن جهة أخرى أنه لا يخرج من الصلاة بفعل الركعة الأولى فلم يحتج إلى ~~نية أخرى إذ النية إنما يحتاج إليها للدخول فيها فأما الصوم فإنه إذا دخل ~~الليل خرج من الصوم ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أقبل الليل ~~من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم ) فاحتاج بعد الخروج من صوم اليوم ~~الأول إلى الدخول في اليوم الثاني فلم يصح له ذلك إلا بالنية المتجددة ~~وإنما أجاز أصحابنا ترك النية من الليل في كل صوم مستحق العين إذا نواه قبل ~~الزوال لقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وهذا قد شهد الشهر ~~فواجب أن يكون مأمورا بصومه PageV01P245 وواجب أن يجزيه إذا فعل ما أمر به ~~ومن جهة السنة وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل ~~العوالي يوم عاشوراء فقال من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم بقية يومه وقد ~~روي أنه أمر الآكلين بالقضاء حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد ms0311 بن ~~علي بن مسلم قال حدثنا محمد بن منهال قال حدثنا يزيد بن ربيع قال حدثنا ~~شعبة عن قتادة عن عبدالرحمن بن سلمة عن عمه قال أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم عاشوراء فقال ( أصمتم يومكم هذا قالوا لا قال فأتموا يومكم هذا ~~واقضوا ) فدل ذلك على معنيين أحدهما أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا ولذلك أمر ~~بالقضاء من أكل والثاني أنه فرق بين الآكلين ومن لم يأكل فأمر الآكلين ~~بالإمساك والقضاء والذين لم يأكلوا بالصوم فدل ذلك على أن من الصوم ما كان ~~مفروضا في وقت بعينه فجائز ترك النية من الليل لأنه لو كان شرط صحته إيجاد ~~النية له من الليل لما أمرهم بالصيام ولكانوا حينئذ بمنزلة الآكلين في باب ~~امتناع صحة صومهم ووجوب القضاء عليهم فثبت بما وصفنا أنه ليس شرط صحة الصوم ~~المستحق العين وجود النية له من الليل وأنه جائز له أن يبتدئ النية له في ~~بعض النهار فإن قيل إنما جاز ترك النية له من الليل لأن الفرض لم يكن تقدم ~~قبل ذلك الوقت وإنما هو فرض مبتدأ لزمهم في بعض النهار فلذلك أجزى له مع ~~ترك النية من الليل وأما بعد ثبوت فرض الصوم فغير جائز إلا أن يوجد له نية ~~من الليل قيل له لو كان إيجاد النية من الليل من شرائط صحته لوجب أن يكون ~~عدمها مانعا صحته كما أنه لما كان ترك الأكل من شرائط صحة الصوم كان وجوده ~~مانعا منه وأن لا يختلف في ذلك حكم الفرض المبتدأ في بعض النهار وحكم ما ~~تقدم فرضه فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين بالإمساك وأمرهم مع ~~ذلك بالقضاء لأن ترك الأكل من شرط صحته ولم يأمر تاركي النية من الليل ~~بالقضاء وحكم لهم بصحة صومهم إذا ابتدأوه في بعض النهار ثبت بذلك أن إيجاد ~~النية من الليل ليس بشرط في الصوم المستحق العين وصار ذلك أصلا في نظائره ~~مما يوجبه الإنسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه ms0312 أنه يصح بنية يحدثها ~~بالنهار قبل الزوال فإن قيل فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان فكيف يستدل ~~بالمنسوخ على صوم ثابت الحكم مفروض قيل له أنه وإن نسخ فرضه فلم ينسخ ~~دلالته فيما دلت عليه من نظائره ألا ترى إن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد ~~نسخ ولم ينسخ بذلك سائر أحكام الصلاة وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل ولم ينسخ ~~سائر أحكام PageV01P246 الصلاة ولم يمنع نسخها من الإستدلال بقوله تعالى ~~@QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ في إثبات التخيير في إيجاب القراءة ~~بما شاء منه وإن كان ذلك نزل في شأن صلاة الليل وإنما قالوا إنه يجزي أن ~~ينويه قبل الزوال ولا يجوز بعده لما روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي فقال ( من تغدى منكم فيمسك ومن لم يتغد ~~فليصم ) والغداء على ما قبل الزوال ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن ~~يكون قال ذلك بالغداء قبل الزوال أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها ~~قبل الزوال في وقت يسمى غداء وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداء ~~لو كان حكم ما قبل الزوال وبعده سواء فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته ~~لئلا يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة وجب أن يختلف حكم نيته ~~قبل الزوال وبعده وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال حدثنا مسلم بن ~~عبدالرحمن السلمي البلخي قال حدثنا عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء عن أبيه ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم فيبدو له ~~فيصوم قالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول ( هل عندكم من ~~طعام فإن كان وإلا قال فإني إذا صائم ) فإن قيل إذا لم يعزم النية من الليل ~~حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض النهار فكان بمنزلة الآكل ms0313 فلا يصح له صوم ~~يومه قيل له قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء صوم التطوع في بعض ~~النهار واتفق الفقهاء عليه ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا من نية ~~متقدمة مانعا من صحة صومه ولم يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع ~~صحة صوم التطوع فكذلك عدم نية الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ~~ابتداء صومه ولا يكون عدم النية في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ~~ذلك حكمه في التطوع وأيضا فلو نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب ~~نيته مانعا من صحة صومه ولم يكن شرط بقائه استصحاب النية له فلذلك جاز ترك ~~النية في أول النهار لبعض من الصوم على حسب قيام الدلالة عليه ولا يمنع ذلك ~~صحة صومه ولو ترك الأكل في أول النهار ثم أكل في آخره كان ذلك مبطلا لصومه ~~ولم يكن وجود الأكل بمنزلة عزوب النية فاستوى حكم الأكل في الإبتداء ~~والبقاء واختلف ذلك في حكم النية فلذلك اختلفا ولم يمتنع أن يكون غير ناو ~~للصوم في أوله ثم ينويه في بعض النهار فيكون ما مضى من اليوم محكوما له ~~بحكم الصوم كما يحكم PageV01P247 له بحكم الصوم مع عزوب النية فإن قيل لما ~~لم يصح له الدخول في الصلاة إلا بينة مقارنة لها كان كذلك حكم الصوم قيل له ~~هذا غلط لأنه لا خلاف بين المسلمين في جواز صوم من نواه من الليل ثم نام ~~فأصبح نائما وإن صومه تام صحيح من غير مقارنة نية الصوم بحال الدخول ولو ~~نوى الصلاة ثم اشتغل عنها ثم تحرم بالصلاة لم تصح إلا بنية يحدثها عند ~~إرادته الدخول فلما لم يكن شرط الدخول في الصوم مقارنة النية له عند الجميع ~~وكان شرط الدخول في الصلاة مقارنة النية لم يجز أن يحكم له بحكم الصلاة إلا ~~بعد وجود نية الدخول في ابتدائها ولم يجز اعتبار الصوم بالصلاة في حكم ~~النية وأيضا قد ثبت عن ms0314 النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ صوم التطوع ~~في بعض النهار واتفق الفقهاء على تلقي هذا الخبر بالقبول واستعمالهم له ~~واتفقوا أيضا أنه لا يصح له الدخول في صلاة التطوع إلا بنية تقارنها فعلمنا ~~أن نية الصوم غير معتبرة بنية الصلاة من الوجه الذي ذكرت وأما ما كان من ~~الصوم الواجب في الذمة غير مفروض في وقت معين فإنه لا يجوز ترك النية فيه ~~من الليل والأصل فيه حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا ~~صيام لمن يعزم عليه من الليل ) وكان عموم ذلك يقتضي إيجاب النية من الليل ~~لسائر ضروب الصوم إلا أنه لما قامت الدلالة في الصوم المستحق العين وصوم ~~التطوع سلمناه للدلالة وخصصناه من الجملة وبقي حكم اللفظ فيما عداه ولا ~~يختلف على ذلك صوم شهرين متتابعين وقضاء رمضان لأن صوم الشهرين المتتابعين ~~غير مستحق العين وأي وقت ابتدأ فيه فهو وقت فرضه فكان كسائر الصوم الواجب ~~في الذمة والأحكام المستفادة من قوله @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ ~~إلزام صوم الشهر من كان منهم شاهدا له وشهود الشهر ينقسم إلى أنحاء ثلاثة ~~العلم به من قولهم شاهدت كذا وكذا والإقامة في الحضر من قولك مقيم ومسافر ~~وشاهد وغائب وأن يكون من أهل التكليف على ما بينا ثم أفاد من نسخ فرض أيام ~~معدودات على قول من قال أن صوم الأيام المعدودات كان فرضا غير رمضان ثم نسخ ~~به ونسخ به أيضا التخيير بين الفدية والصوم للصحيح المقيم وأفاد أن من رأى ~~الهلال وحده فعليه صومه وحكم آخر وهو أن من علم بالشهر بعدما أصبح أو كان ~~مريضا فبرأ ولم يأكل ولم يشرب أو مسافر قدم فعليهم صومه إذ هم شاهدون للشهر ~~وأفاد أن فرض الصيام مخصوص بمن شهد الشهر دون غيره وأن من ليس من أهل ~~التكليف أو ليس بمقيم PageV01P248 أو لم يعلم به فغير لازم له وأفاد تعيين ~~الشهر لهذا الفرض حتى لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه لمن ms0315 شهده وأفاد ~~أن مراده بعض الشهر لا جميعه في شرط لزوم الصوم وإن الكافر إذا أسلم في ~~بعضه والصبي إذا بلغ فعليهما صوم بقية الشهر وأفاد أن من نوى بصيامه تطوعا ~~أجزأه لورود الأمر مطلقا بفعل الصوم غير مخصوص بصفة ولا مقيد بشرط فاقتصر ~~جوازه على أي وجه صامه ويحتج به من يقول أنه إذا صام وهو غير عالم بالشهر ~~لم يجزه ويحتج به أيضا من يقول إذا طرأ عليه شهر رمضان وهو مقيم ثم سافر لم ~~يفطر لقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ فهذا الذي حضرنا من ~~ذكر فوائد قوله فمن شهد منكم الشهر ولا ندفع أن يكون فيه عدة فوائد غيرها ~~لم يحط علمنا بها وعسى أن نقف عليها في وقت غيره أو يستنبطها غيرنا وأما ما ~~تضمنه قوله فليصمه فهو ما قدمنا ذكره من الأمور التي أمرنا بالإمساك عنها ~~في حال الصوم منها متفق عليه ومنها مختلف فيه وما قدمناه من ذكر شرائطه وإن ~~لم يكن صوما في نفسه وقد تقدم بيان حكم المريض والمسافر بعون الله وكرمه # باب كيفية شهود الشهر $ # قال الله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا حماد عن أيوب عن نافع ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الشهر تسع وعشرون ولا ~~تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له ) قال وكان ~~ابن عمر إذا كان شعبان تسع وعشرين نظر له فإن رأى فذلك وإن لم ير ولم يحل ~~دون منظره سحاب أو قتره أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح ~~صائما قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب قال أبو بكر ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته ) موافق لقوله تعالى @QB@ ~~يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ms0316 @QE@ واتفق المسلمون على معنى ~~الآية والخبر في اعتبار رؤية الهلال في إيجاب صوم رمضان فدل ذلك على أن ~~رؤية الهلال هي شهود الشهر وقد دل قوله @QB@ يسألونك عن الأهلة @QE@ على أن ~~الليلة التي يرى فيها الهلال من الشهر المستقبل دون الماضي وقد اختلف في ~~معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( فإن غم عليكم فأقدروا له ) فقال ~~قائلون أراد به اعتبار منازل PageV01P249 القمر فإن كان في موضع القمر لو ~~لم يحل دونه سحاب وقترة ورؤي يحكم له بحكم الرؤية في الصوم والإفطار وإن ~~كان على غير ذلك لم يحكم له بحكم الرؤية وقال آخرون فعدوا شعبان ثلاثين ~~يوما أما التأويل الأول فساقط الاعتبار لا محالة لإيجابه الرجوع إلى قول ~~المنجمين ومن تعاطي معرفة منازل القمر ومواضعه وهو خلاف قول الله تعالى ~~@QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس @QE@ فعلق الحكم فيه برؤية ~~الأهلة ولما كانت هذه عبادة تلزم الكافة لم يجز أن يكون الحكم فيه متعلقا ~~بما لا يعرفه إلا خواص من الناس ممن عسى لا يسكن إلى قولهم والتأويل الثاني ~~هو الصحيح وهو قول عامة الفقهاء وابن عمر راوي الخبر وقد ذكر عنه في الحديث ~~أنه لم يكن يأخذ بهذا الحساب وقد بين في حديث آخر معنى قوله فأقدروا له بنص ~~لا تأويل فيه وهو ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن العباس ~~المؤدب قال حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده شهر رمضان فقال ( لا تصوموا ~~حتى تروا الهلال فإن غم عليكم فأقدروا ثلاثين ) فأوضح هذا الخبر معنى قوله ~~فأقدروا بما سقط به تأول المتأولين ويدل على بطلان تأويلهم أيضا ما رواه ~~حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبين منظره ~~سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين ) فأمر صلى الله عليه ms0317 وسلم بعد ثلاثين مع جواز ~~الرؤية لو لم يحل بيننا وبينه سحاب أو قترة ولم يوجب الرجوع إلى قول من ~~يقول لو لم يحل بيننا وبينه حائل من سحاب أو غيره لرأيناه وقد روي في ذلك ~~أيضا ما هو أوضح من هذا وهو ما حدثنا عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال ~~حدثنا يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة عن ~~سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صوموا ~~رمضان لرؤيته فإن حال بينكم غمامة أو ضبابة فأكملوا عدة شهر شعبان ثلاثين ~~ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان فأوجب عد شعبان ثلاثين عند حدوث ~~الحائل بيننا وبين رؤيته من سحاب أو نحوه فالقائل باعتبار منازل القمر ~~وحساب المنجمين خارج عن حكم الشريعة وليس هذا القول مما يسوغ الاجتهاد فيه ~~لدلالة الكتاب ونص السنة وإجماع الفقهاء بخلافه وقوله صلى الله عليه وسلم ( ~~صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) هو أصل في اعتبار ~~الشهر ثلاثين PageV01P250 ثلاثين إلا أن يرى قبل ذلك الهلال فإن كل شهر غم ~~علينا هلاله فعلينا أن نعده ثلاثين هذا في سائر الشهور التي يتعلق بها ~~الأحكام وإنما يصير إلى أقل من ثلاثين برؤية الهلال ولذلك قال أصحابنا من ~~أجر داره عشرة أشهر وهو في بعض الشهر أنه يكون تسعة أشهر بالأهلة وشهر ~~ثلاثين يوما يكمل الشهر الأول من آخر شهر بمقدار نقصانه لأن الشهر الأول ~~ابتداؤه بغير هلال فاستوفى له ثلاثين يوما وسائر الشهور بالأهلة فلم يعتبر ~~غيرها وقالوا لو أجره في أول الشهر لكانت كلها بالأهلة وقد اختلف في ~~الشهادة على رؤية الهلال فقال أصحابنا جميعا تقبل في رؤية هلال رمضان شهادة ~~رجل عدل إذا كان في السماء علة وإن لم تكن في السماء علة لم يقبل إلا شهادة ~~الجماعة الكثيرة التي يوجب خبرها العلم وقد حكي عن أبي يوسف أنه حد في ذلك ~~خمسين رجلا وكذلك هلال شوال وذي ms0318 الحجة إذا لم يكن بالسماء علة فإن كان ~~بالسماء علة لم يقبل فيها إلا شهاد عدلين يقبل مثلهما في الحقوق وقال مالك ~~والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيدالله لا يقبل في هلال رمضان ~~وشوال إلا شهادة عدلين وقال المزني عن الشافعي إن شهد على رؤية هلال رمضان ~~عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه والاحتياط والقياس في ذلك أن لا يقبل إلا ~~شاهدان ولا أقبل على رؤية هلال الفطر إلا عدلين قال أبو بكر إنما اعتبر ~~أصحابنا إذا لم يكن بالسماء علة شهادة الجمع الكثير الذين يقع العلم بخبرهم ~~لأن ذلك فرض قد عمت الحاجة إليه والناس مأمورون بطلب الهلال فغير جائز أن ~~يطلبه الجمع الكثير ولا علة بالسماء مع توافي هممهم وحرصهم على رؤيته ثم ~~يراه النفر اليسير منهم ولا يراه الباقون مع صحة أبصارهم وارتفاع الموانع ~~عنهم فإذا أخبر بذلك النفر اليسير منهم دون كافتهم علمنا أنهم غالطون غير ~~مصيبين فإما أن يكونوا رأوا خيالا فظنوه هلالا أو تعمدوا الكذب إذ جواز ذلك ~~عليهم غير ممتنع وهذا أصل صحيح تقتضي العقول بصحته وعليه مبني أمر الشريعة ~~والخطأ فيه يعظم ضرره ويتوصل به الملحدون إلى إدخال الشبهة على الأغمار ~~والشحو وعلى من لم يتيقن ما ذكرنا من الأصل ولذلك قال أصحابنا ما كان من ~~أحكام الشريعة بالناس حاجة إلى معرفته فسبيل ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب ~~للعلم وغير جائز إثبات مثله بأخبار الآحاد نحو إيجاب الوضوء من مس الذكر ~~ومس المرأة والوضوء مما مست النار والوضوء مع عدم تسمية الله عليه فقالوا ~~لما كانت البلوى PageV01P251 عامة من كافة الناس بهذه الأمور ونظائها فغير ~~جائز أن يكون فيه حكم الله تعالى من طريق التوقيف إلا وقد بلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك ووقف الكافة عليه وإذا عرفته الكافة فغير جائز عليها ~~ترك النقل والاقتصار على ما ينقله الواحد منهم بعد الواحد لأنهم مأمورون ~~بنقله وهم الحجة على ذلك المنقول إليهم وغير جائز لها تضييع موضع الحجة ~~فعلمنا بذلك أنه ms0319 لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في هذه الأمور ~~ونظائرها وجائز أن يكون كان منه قول يحتمل المعاني فحمله الناقلون الأفراد ~~على الوجه الذي ظنوه دون الوجه الآخر نحو الوضوء من مس الذكر يحتمل غسل ~~اليد على نحو قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل ~~يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده ) وقد بينا ~~أصل ذلك في أصول الفقه وبتضييع هذا الأصل دخلت الشبهة على قوم في انتحالهم ~~القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على رجل بعينه واستخلفه على الأمة ~~وإن الأمة كتمت ذلك وأخفته فضلوا وأضلوا وردوا معظم شرائع الإسلام وادعوا ~~فيه أشياء ليست لها حقيقة ولا ثبات لا من جهة نقل الجماعات ولا من جهة نقل ~~الآحاد وطرقوا للملحدين أن يدعوا في الشريعة ما ليس منها وسهلوا ~~للإسماعيلية والزنادقة السبيل إلى استدعاء الضعفة والأغمار إلى أمر مكتوم ~~زعموا حين أجابوهم إلى تجويز كتمان الإمامة مع عظمها في النفوس وموقعها من ~~القلوب فحين سمحت نفوسهم بالإجابة إلى ذلك وضعوا لهم شرائع زعموا أنها من ~~المكتوم وتأولوها تأويلات زعموا أن ذلك تأويل الإمام فسلخوهم من الإسلام ~~وأدخلوهم في مذهب الخزمية في حال والصابئين في أخرى على حسب ما صادفوا من ~~قبول المستجيبين لهم وسماحة أنفسهم بالتسليم لهم ما ادعوه وقد علمنا أن ~~مجوز كتمان ذلك لا يمكنه إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تصحيح ~~معجزاته وكذلك سائر الأنبياء لأن مثله مع كثرة عددهم واختلاف هممهم وتباعد ~~أوطانهم إذا جاز عليهم كتمان أمر الإمامة فجائز عليهم أيضا التواطؤ على ~~الكذب إذ كان ما يجوز فيه التواطؤ على الكتمان فجائز فيه التواطؤ على وضع ~~خبر لا أصل له فيوجب ذلك أن لا نأمن أن يكون المخبرون بمعجزات النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانوا متواطئين على ذلك كاذبين فيه كما تواطؤ على كتمان ~~النص على الإمام ومن جهة أخرى أن الناقلين لمعجزات النبي صلى الله عليه ms0320 ~~وسلم هم الذين زعمت هذه الفرقة الضالة أنها كفرت وارتدت بعد موت النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكتمانها أمر الإمام وأن الذين لم يرتدوا منهم كانوا خمسة ~~أو ستة PageV01P252 وخبر هذا القدر من العدد لا يوجب العلم ولا تثبت به ~~معجزة وخبر الجم الغفير والجمهور الكثير منهم غير مقبول عندم لجواز ~~اجتماعهم عندهم على الكذب فصار صحة النقل مقصورة على العدد اليسير فلزمهم ~~دفع معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإبطال نبوته فإن قيل أمر الأذان ~~والإقامة ورفع اليدين في تكبير الركوع وتكبيرات العيدين وأيام التشريق مما ~~عمت البلوى به وقد اختلفوا فيه فكل من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه شيئا فإنما يرويه من طريق الآحاد فلا يخلو حينئذ ذلك من أحد وجهين إما ~~أن يكون لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة مع عموم الحاجة ~~إليه وفي هذا ما يبطل أصلك الذي بنيت عليه من أن كل ما بالناس إليه حاجة ~~عامة فلا بد أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الأمة عليه أو أن ~~يكون قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة على شيء بعينه فلم ~~تنقله حين ورد إلينا من طريق الآحاد وفي ذلك هدم قاعدتك أيضا في اعتبار نقل ~~الكافة فيما عمت به البلوى قيل له هذا سؤال من لم يضبط الأصل الذي بنينا ~~عليه الكلام في المسئلة وذلك أنا قلنا ذلك فيما يلزم الكافة ويكونون ~~متعبدين فيه بفرض لا يجوز لهم تركه ولا مخالفته وذلك مثل الإمامة والفروض ~~التي تلزم العامة وأما ما ليس بفرض فهم مخيرون في أن يفعلوا ما شاؤا منه ~~وإنما الخلاف بين الفقهاء فيه في الأفضل منه وليس على النبي صلى الله عليه ~~وسلم توقيفهم على الأفضل مما خيرهم فيه وهذا سبيل ما ذكرت من أمر الأذان ~~والإقامة وتكبير العيدين والتشريق ونحوها من الأمور التي نحن مخيرون فيها ~~وإنما الخلاف بين الفقهاء في الأفضل منها فلذلك جاز ورود بعض الأخبار ms0321 فيه ~~من طريق الآحاد ويحمل الأمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان منه ~~جميع ذلك تعليما منه على وجه التخيير وليس ذلك مثل ما قد وقفوا عليه وحظر ~~عليهم مجاوزته وتركه إلى غيره مع بلواهم به فالذي ذكرناه من الخبر عن رؤية ~~الهلال إذا لم تكن بالسماء علة من الأصل الذي قدمنا أن ما عمت به البلوى ~~فسبيل وروده أخبار التواتر الموجبة للعلم وأما إذا كان بالسماء علة فإن ~~مثله يجوز خفاؤه على الجماعة حتى لا يراه منهم إلا الواحد والإثنان من خلل ~~السحاب إذا انجاب عنه لم يستره قبل أن يتبينه الآخرون فلذلك قبل فيه خبر ~~الواحد والاثنين ولم يشترط فيه ما يوجب العلم وإنما قبل أصحابنا خبر الواحد ~~في هلال رمضان لما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن ~~إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن PageV01P253 عكرمة عن ~~ابن عباس أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا ~~فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال فأتي به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال نعم وشهد أنه رأى ~~الهلال فأمر بلالا أن ينادي في الناس فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا ~~) قال أبو داود وأن يقوموا كلمة لم يقلها إلا حماد بن سلمة وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد وعبدالله بن عبدالرحمن ~~السمرقندي وأنا بحديثه أتقن قالا حدثنا مروان بن محمد عن عبدالله بن وهب عن ~~يحيى بن عبدالله بن سالم عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال تراءى ~~الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر ~~الناس بصيامه وأيضا فإن صوم رمضان فرض يلزم من طريق الدين فإذا تعذر وجود ~~الاستفاضة فيه وجب قبول أخبار الآحاد كأخبار الآحاد المروية عن النبي صلى ~~الله عليه ms0322 وسلم في أحكام الشرع الذي ليس من شرطه الاستفاضة ولذلك قبلوا خبر ~~المرأة والعبد والمحدود في القذف إذا كان عدلا كما يقبل في الرواية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع ما عاضد القياس من الآثار المروية فيه وأما ~~هلال شوال وذي الحجة فإنهم لم يقبلوا فيه إلا شهادة رجلين عدلين ممن تقبل ~~شهادتهم في الأحكام لما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~محمد بن عبدالرحيم أبو يحيى البزاز قال أخبرنا سعيد بن سليمان قال حدثنا ~~عباد عن أبي مالك الأشجعي قال حدثنا حسين بن الحرث الجدلي من جديلة قيس أن ~~أمير مكة خطب ثم قال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤية ~~الهلال فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما فسألت الحسين بن الحرث ~~من أمير مكة فقال لا أدري ثم لقيني بعد ذلك فقال هو الحرث بن حاطب أخو محمد ~~بن حاطب ثم قال الأمير إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني وشهد هذا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومأ بيده إلى رجل قال الحسين فقلت لشيخ إلى ~~جنبي من هذا الذي أومأ إليه الأمير قال عبدالله بن عمر وصدق كان أعلم بالله ~~منه فقال بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله أمرنا أن ننسك ~~لرؤية الهلال إنما هو على صلاة العيد والذبح يوم النحر لوقوع اسم النسك ~~عليهما دون صوم رمضان لأن الصوم لا يتناوله هذا الاسم مطلقا وقد يتناول ~~الصلاة والذبح ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~@QE@ فجعل النسك غير الصيام والدليل على أن النسك يقع على صلاة العيد حديث ~~البراء بن عازب أن PageV01P254 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر ~~( إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح ) فسمى الصلاة نسكا وقد سمى ~~الله الذبح في قوله @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله @QE@ وفي قوله ~~@QB@ أو صدقة أو نسك @QE@ فثبت بذلك ms0323 أن قوله عهد إلينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن ننسك بشهادة شاهدي عدل قد انتظم صلاة العيد للفطر والذبح يوم ~~النحر فوجب أن لا يقبل فيه أقل من شاهدين ومن جهة أخرى أن الاستظهار بفعل ~~الفرض أولى من الاستظهار بتركه فاستظهروا للفطر بشهادة رجلين لأن الإمساك ~~فيما لا صوم فيه خير من الأكل في يوم الصوم فإن قيل في هذا ترك الاستظهار ~~لأنه جائز أن يكون يوم الفطر وقد شهد به شاهد فإذا لم تقبل شهادته واعتبرت ~~الاستظهار برجلين فلست تأمن أن تكون صائما يوم الفطر وفيه مواقعة المحظور ~~وضد الاحتياط قيل له إنما حظر علينا الصوم فيه إذا علمنا أنه يوم الفطر ~~فأما إذا لم يثبت عندنا أنه يوم الفطر فالصيام فيه غير محظور فإذا لم يثبت ~~يوم الفطر ووقفنا بين فعل الصوم وتركه كان فعله أحوط من تركه لما بينا حتى ~~يثبت أنه يوم الفطر بشهادة من يقطع الحقوق بشهادته وقوله عز وجل @QB@ فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ يدل على النهي عن صيام يوم الشك من رمضان لأن ~~الشاك غير شاهد للشهر إذ هو غير عالم به فغير جائز له أن يصومه عن رمضان ~~ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن ~~غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ) فحكم لليوم الذي غم علينا هلاله بأنه من ~~شعبان وغير جائز أن يصام شعبان عن رمضان مستقبل ويدل عليه ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا الفضل بن مخلد المؤدب قال حدثنا محمد بن ناصح ~~قال حدثنا بقية عن علي القرشي قال أخبرني محمد بن عجلان عن صالح مولى ~~التوأمة عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم ~~الدأدأة وهو اليوم الذي يشك فيه لا يدري من شعبان هو أم من رمضان حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير قال ~~حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي ms0324 إسحاق عن صلة قال كنا عند ~~عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار من صام ~~هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا علي بن محمد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن محمد بن ~~عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولا تقدموا بين يديه بصيام يوم PageV01P255 ~~ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم ومعاني هذه الآثار موافقة ~~لدلالة قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ ولا يرى أصحابنا ~~بأسا بأن يصومه تطوعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم بأنه من شعبان ~~فقد أباح صومه تطوعا وقد اختلف في الهلال يرى نهارا فقال أبو حنيفة ومحمد ~~ومالك والشافعي إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم ~~بين رؤيته قبل الزوال وبعده وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر ~~وعبدالله بن مسعود وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد بن المسيب ~~وعطاء وجابر بن زيد وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان إحداهما أنه إذا رأى ~~الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة ~~المستقبلة وبه أخذ أبو يوسف والثوري وروى سفيان الثوري عن الركين بن الربيع ~~عن أبيه قال كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت الهلال ضحى فأخبرته فجاء ~~فقام تحت شجرة فنظر إليه فلما رآه أمر الناس أن يفطروا قال أبو بكر قال ~~الله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ وقد كان هذا الرجل مخاطبا بفعل ~~الصوم في آخر رمضان مرادا بقوله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ فواجب أن يكون داخلا في خطاب ~~قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ لأن الله تعالى لم يخص حالا من ms0325 ~~حال فهو على سائر الأحوال سواء رأى الهلال بعد ذلك أو لم يره ويدل عليه ~~أيضا اتفاق الجميع على أن رؤيته بعد الزوال لم يزل عنه الخطاب بإتمام الصوم ~~بل كان داخلا في حكم اللفظ فكذلك رؤيته قبل الزوال لدخوله في عموم اللفظ ~~ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيه وأفطروا لرؤيته ~~ومعلوم أن مراده صوم يستقبله بعد الرؤية والدلالة على ذلك من وجهين أحدهما ~~استحالة الأمر بصوم يوم ماض والآخر اتفاق المسلمين على أنه إذا رأى الهلال ~~في أخر ليلة من شعبان كان عليه صيام ما يستقبل من الأيام فثبت أن قوله صلى ~~الله عليه وسلم صوموا لرؤيته إنما هو صوم بعد الرؤية فمن رأى الهلال نهارا ~~قبل الزوال في أخر يوم من شعبان لزمه صوم ما يستقبل دون ما مضى لقصور مراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم على صوم يفعله بعد الرؤية وأيضا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) ~~فأوجب بذلك اعتبار الثلاثين لكل شهر يخفى علينا رؤية الهلال فيه فلو احتمل ~~PageV01P256 الهلال الذي رأى نهارا الليلة الماضية واحتمل الليلة المستقبلة ~~لكان الاحتمال لذلك جاعله في حكم ما خفي علينا رؤيته فواجب أن يعد الشهر ~~ثلاثين يوما بقضية قوله صلى الله عليه وسلم فإن قيل لما قال صلى الله عليه ~~وسلم وأفطروا لرؤيته اقتضى ظاهر الأمر بالإفطار أي وقت رأى الهلال فيه فلما ~~اتفق الجميع على أنه مزجور عن الإفطار لرؤيته بعد الزوال خصصناه منه وبقي ~~حكم العموم في رؤيته قبل الزوال قيل له مراده صلى الله عليه وسلم رؤيته ~~ليلا بدلالة أن رؤيته بعد الزوال لا توجب له الإفطار لأنه رآه نهارا وكذلك ~~حكمه قبل الزوال لوجود هذا المعنى وأيضا لو كان ذلك محمولا على حقيقته ~~لاقتضى أن يكون ما بعد الرؤية من ذلك اليوم من شوال وما قبله من رمضان ~~لحصول اليقين بأن مراده الإفطار لرؤية متقدمة لا لرؤية متأخرة عنه لاستحالة ~~أمره ms0326 بالإفطار في وقت قد تقدم الرؤية فيوجب ذلك أن يكون ما بعد الرؤية من ~~هذا اليوم من شوال وما قبلها من رمضان فيكون الشهر تسعة وعشرين يوما وبعض ~~يوم وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم للشهر بأحد عددين من ثلاثين أو تسعة ~~وعشرين لقوله صلى الله عليه وسلم الشهر تسعة وعشرون وقوله الشهر ثلاثون ~~واتفقت الأمة على وجوب اعتقاد معنى هذا الخبر في أن الشهر لا ينفك من أن ~~يكون على أحد العددين اللذين ذكرنا وأن الشهور التي تتعلق بها الأحكام لا ~~تكون إلا على أحد وجهين دون أن يكون تسعا وعشرين وبعض يوم وإنما النقصان ~~والزيادة بالكسور إنما يكون في غير الشهور الإسلامية نحو شهور الروم التي ~~منها ما هو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم وهو شباط إلا في السنة الكبيسة ~~فإنه يكون تسعة وعشرين يوما ومنها ما هو واحد وثلاثون ومنها ما هو ثلاثون ~~وليس ذلك في الشهور الإسلامية كذلك فلما امتنع أن يكون الشهر إلا ثلاثين ~~يوما أو تسعة وعشرين يوما علمنا أنه لم يرد بقوله صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته إلا أن يرى ليلا وأنه لا اعتبار برؤيته نهارا لإيجابه كون بعض يوم ~~من هذا الشهر وبعضه من شهر غيره وأيضا فإن الذي قال صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته هو الذي قال فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ورؤيته نهارا في معنى ما قد ~~غمي علينا لاشتباه الأمر في كونه لليلة الماضية أو المستقبلة وذلك يوجب عده ~~ثلاثين وأيضا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين رواه ابن ~~عباس وقد تقدم ذكر سنده فحكم النبي صلى الله عليه وسلم للهلال الذي قد حال ~~بيننا وبينه حائل PageV01P257 من سحاب بحكم ما لم ير لو لم يكن سحاب مع ~~العلم بأنه لو لم يكن بيننا وبينه حائل من سحاب لرؤي لولا ذلك لم يكن لقوله ~~فإن حال بينكم وبينه سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين ms0327 معنى لأنه لو كان يستحيل ~~وقوع العلم لنا بأن بيننا وبينه حائلا من سحاب لما قال صلى الله عليه وسلم ~~فإن حال بينكم وبينه سحاب فعدوا ثلاثين فيجعل ذلك شرطا لعد ثلاثين مع علمه ~~باليأس من وقوع علمنا بذلك وإذا كان ذلك كذلك فقد اقتضى هذا القول من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنا متى علمنا أن بيننا وبين الهلال حائلا من سحاب لو ~~لم يكن لرأيناه أن نحكم لهذا اليوم بغير حكم الرؤية فاعتبار عدم الرؤية من ~~الليل فيما رأيناه نهارا أولى فأوجب ذلك أن يكون حكم هذا اليوم حكم ما قبله ~~ويكون من الشهر الماضي دون المستقبل لعدم الرؤية من الليل بل هو أضعف أمرا ~~مما حال بيننا وبين رؤيته سحاب لأن ذلك قد يحيط العلم به وهذا لا يحيط ~~علمنا بأنه من الليلة الماضية بل أحاط العلم بأنا لم نره الليلة الماضية مع ~~عدم الحائل بيننا وبينه من سحاب أو غيره والله الموفق للصواب # | باب قضاء رمضان # قال الله تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا @QE@ العدة قال الشيخ أبو بكر ~~قد دل ما تلونا من الآية على جواز قضاء رمضان متفرقا من ثلاثة أوجه أحدها ~~أن قوله فعدة من أيام أخره قد أوجب القضاء في أيام منكورة غير معينة وذلك ~~يقتضي جواز قضائه متفرقا إن شاء أو متتابعا ومن شرط فيه التتابع فقد خالف ~~ظاهر الآية من وجهين أحدهما إيجاب صفة زائدة غير مذكورة في اللفظ وغير جائز ~~الزيادة في النص إلا بنص مثله ألا ترى أنه لما أطلق الصوم في ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع لم يلزمه التتابع إذ هو غير مذكور فيه والآخر تخصيصه ~~القضاء في أيام غير معينة وغير جائز تخصيص العموم إلا بدلالة والوجه الثاني ~~قوله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ فكل ما كان ~~أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله وفي أيجاب ms0328 التتابع نفي اليسر وإثبات ~~العسر وذلك منتف بظاهر الآية والوجه الثالث قوله تعالى @QB@ ولتكملوا العدة ~~@QE@ يعني والله أعلم قضاء عدد الأيام التي أفطر فيها وكذلك روي عن الضحاك ~~وعبدالله بن زيد بن أسلم فأخبر الله أن الذي يريده منا إكمال عدد ما أفطر ~~فغير سائغ لأحد أن يشترط فيه غير هذا المعنى لما فيه من PageV01P258 ~~الزيادة في حكم الآية وقد بينا بطلان ذلك في مواضع وقد اختلف السلف في ذلك ~~فروي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وأنس بن مالك وأبي ~~هريرة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء قالوا إن شئت قضيته متفرقا وإن شئت ~~متتابعا وروى شريك عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال اقض رمضان متتابعا فإن ~~فرقته أجزأك وروى الحجاج عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي في قضاء رمضان قال ~~لا يفرق وجائز أن يكون ذلك على وجه الاستحباب وإنه إن فرق أجزأه كما رواه ~~شريك وروي عن ابن عمر في قضاء رمضان صمه كما أفطرته وروى الأعمش عن إبراهيم ~~قال كانوا يقولون قضاء رمضان متتابع وروى مالك عن حميد بن قيس المكي قال ~~كنت أطوف مع مجاهد فسأله رجل عن صيام من أفطر في رمضان أيتابع قلت لا فضرب ~~مجاهد في صدري وقال إنها في قراءة أبي متتابعات وقال عروة بن الزبير يتابع ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والأوزاعي والشافعي إن شاء تابع وإن ~~شاء فرق وقال مالك والثوري والحسن بن صالح يقضيه متتابعا أحب إلينا وإن فرق ~~أجزأه فحصل من إجماع فقهاء الأمصار جواز قضائه متفرقا وقد قدمنا ذكر دلالة ~~الآية عليه وقد روى حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن هارون بن أم هانئ أو ~~ابن بنت هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها فضل شرابه فشربت ثم قلت ~~يا رسول الله إني كنت صائمة وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال إن كان من قضاء ~~رمضان فصومي يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت ms0329 فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء يوم مكانه ولم يأمرها باستئناف ~~الصوم إن كان ذلك منه فدل ذلك على معنيين أحدهما أن التتابع غير واجب ~~والثاني أنه ليس بأفضل من التفريق لأنه لو كان أفضل منه لأرشدها النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليه وبينه لها ومما يدل على ذلك من طريق النظر أن صوم ~~رمضان نفسه غير متتابع وإنما هو في أيام متجاورة وليس التتابع من شرط صحته ~~بدلالة أنه لو أفطر منه يوما لم يلزمه استقبال الصوم وجاز ما صام منه غير ~~متتابع فإذا لم يكن أصله متتابعا فقضاؤه أحرى بأن لا يكون متتابعا ولو كان ~~صوم رمضان متتابعا لكان إذا أفطر منه يوما لزمه التتابع ألا ترى أنه إذا ~~أفطر يوما من الشهرين المتتابعين لزمه استئنافهما فإن قيل قد أطلق الله ~~تعالى صيام كفارة اليمين غير معقود بشرط التتابع وقد شرطتم ذاك فيه وزدتم ~~في نص الكتاب قيل له لأنه قد ثبت أنه PageV01P259 كان في حرف عبدالله ~~متتابعات وروى يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن عون قال سألت إبراهيم عن ~~الصيام في كفارة اليمين فقال كما في قرائتنا فصيام ثلاثة أيام متتابعات ~~وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان أبي يقرأها ~~فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقد بينا ذلك مستقصى في أصول الفقه فإن قيل لما ~~قال الله @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ وكان الأمر عندنا جميعا على الفور وجب ~~أن يلزمه القضاء في اول أحوال الإمكان من غير تأخير وذلك يقتضي تعجيل قضائه ~~يوما بعد يوم وفي وجوب ذلك إلزام التتابع قيل له ليس كون الأمر على الفور ~~من لزوم التتابع في شيء ألا ترى أن ذلك إنما يلزم على الفور على حسب ~~الإمكان وأنه لو أمكنه صوم أول يوم فصامه ثم مرض فأفطر لم يلزمه من كون ~~الأمر على الفور التتابع ولا استئناف اليوم الذي أفطر فيه فدل ذلك على أن ~~لزوم التتابع غير متعلق ms0330 بكون الأمر بالقضاء على الفور دون المهلة وأن ~~التتابع له صفة أخرى غيره والله أعلم # | باب في جواز تأخير قضاء رمضان # قال الله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~@QE@ فأوجب العدة في أيام غير معينة في الآية فقال أصحابنا جائز له أن يصوم ~~أي وقت شاء ولا يحفظ عنهم رواية في جواز تأخيره إلى انقضاء السنة والذي ~~عندي أنه لا يجوز تأخيره إلى أن يدخل رمضان آخر وهو عندي على مذهبهم وذلك ~~لأن الأمر عندهم إذا كان غير موقت فهو على الفور وقد بينا ذلك في أصول ~~الفقه وإذا كان كذلك فلو لم يكن قضاء رمضان موقتا بالسنة لما جاز له ~~التأخير عن ثاني يوم الفطر إذ غير جائز أن يلحقه التفريط بالتأخير من غير ~~علم منه بآخر وقت وجوب الفرض الذي لا يجوز له تأخيره عنه كما لا يجوز ورود ~~العبادة بفرض مجهول عند المأمور ثم يلحقه التعنيف واللوم بتركه قبل البيان ~~لا فرق بينهما وإذا كان كذلك وقد علمنا أن مذهبهم جواز تأخير قضاء رمضان عن ~~أول أوقات إمكان قضائه ثبت أن تأخيره موقت بمضي السنة فكان ذلك بمنزلة وقت ~~الظهر لما كان أوله وآخره معلومين جاز ورود العبادة بفعلها من أوله إلى ~~آخره وجاز تأخيرها إلى الوقت الذي يخاف فوتها بتركها لأن آخر وقتها الذي ~~يكون مفرطا بتأخيرها معلوم وقد روي جواز تأخيره في السنة عن جماعة من السلف ~~وروى يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال PageV01P260 قالت عائشة إن ~~كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان وروي ~~عن عمر وأبي هريرة قالا لا بأس بقضاء رمضان في العشر وكذلك عن سعيد بن جبير ~~وقال عطاء وطاوس ومجاهد اقض رمضان متى شئت فهؤلاء السلف قد اتفقوا على جواز ~~تأخيره عن أول أوقات إمكان قضائه وقد اختلف الفقهاء فيمن أخر القضاء حتى ~~حضر رمضان آخر فقال أصحابنا جميعا يصوم الثاني عن نفسه ثم ms0331 يقضي الأول ولا ~~فدية عليه وقال مالك والثوري والشافعي والحسن بن صالح إن فرط في قضاء الأول ~~أطعم مع القضاء كل يوم مسكينا وقال الثوري والحسن بن حي لكل يوم نصف صاع بر ~~وقال مالك والشافعي كل يوم مدا وإن لم يفرط بمرض أو سفر فلا إطعام عليه ~~وقال الأوزاعي إذا فرط في قضاء الأول ومرض في الآخر حتى انقضى ثم مات فإنه ~~يطعم عن الأول لكل يوم مدين مدا لتضييعه ومدا للصيام ويطعم عن الآخر مدا ~~مدا لكل يوم واتفق من تقدم ذكر قوله قبل الأوزاعي أنه إذا مرض في رمضان ثم ~~مات قبل أن يصح أنه لا يجب أن يطعم عنه وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~محمد بن عبدالله الحضرمي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق الضبي قال حدثنا قيس ~~عن الأسود بن قيس عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لايرى بأسا بقضاء رمضان في ذي الحجة وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا ~~بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال حدثنا ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد ~~عن أبي تميم الجيشاني قال جمعنا المجلس بطرابلس ومعنا هبيب بن معقل الغفاري ~~وعمرو بن العاص صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو أفصل رمضان ~~وقال الغفاري لا نفرق بين رمضان فقال عمرو نفرق بين قضاء رمضان إنما قال ~~الله تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ وحدثنا عبدالله بن عبد ربه البغلاني ~~قال حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني قال حدثنا بقية عن سليمان بن أرقم عن ~~الحسن عن أبي هريرة قال قال رجل يا رسول الله علي أيام من رمضان أفأفرق ~~بينه قال نعم أرأيت لو كان عليك دين فقضيته متفرقا أكان يجزيك قال نعم قال ~~فإن الله أحق بالتجاوز والعفو فهذه الأخبار كلها تنبئ عن جواز تأخير قضاء ~~رمضان عن أول وقت إمكان قضائه وقد روي عن جماعة من الصحابة إيجاب الفدية ~~على من أخر قضاء رمضان إلى العام القابل منهم ms0332 ابن عباس روى عن يزيد بن ~~هارون عن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال ~~مرضت رمضانين فقال PageV01P261 ابن عباس استمر بك مرضك أو صححت فيما بينهما ~~قال بل صححت فيما بينهما قال أكان هذا قال لا قال فدعه حتى يكون فقام إلى ~~أصحابه فأخبرهم فقالوا ارجع فأخبره أنه قد كان فرجع هو أو غيره وسأله فقال ~~أكان هذا قال نعم قال صم رمضانين وأطعم ثلاثين مسكينا وقد روى روح بن عبادة ~~عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في رجل فرط في قضاء رمضان حتى أدركه ~~رمضان آخر قال يصوم الذي أدركه ويطعم عن الأول كل يوم مدا من بر ولا قضاء ~~عليه وهذا يشبه مذهبه في الحامل أنها تطعم ولا قضاء عليها مع ذلك وقد روي ~~عن أبي هريرة مثل قول ابن عباس وقد روي عن ابن عمر في ذلك قول آخر روى حماد ~~بن سلمة عن أيوب وحميد عن أبي يزيد المدني أن رجلا احتضر فقال لأخيه إن لله ~~علي دينا وللناس علي دين فابدأ بدين الله فاقضه ثم اقض دين الناس إن علي ~~رمضانين لم أصمهما فسأل ابن عمر فقال بدنتان مقلدتان فسأل ابن عباس وأخبره ~~بقول ابن عمر فقال يرحم الله أبا عبدالرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم أطعم ~~عن أخيك ستين مسكينا قال أيوب وكانوا يرون أنه قد كان صح بينهما وذكر ~~الطحاوي عن ابن أبي عمران قال سمعت يحيى بن أكثم أنه يقول وجدته يعني وجوب ~~الإطعام عن ستة من الصحابة ولم أجد لهم من الصحابة مخالفا وهذا جائز أن ~~يريد به من مات قبل القضاء وقوله تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ قد دل ~~على جواز التفريق وعلى جواز التأخير وعلى أن لا فدية عليه لأن في إيجاب ~~الفدية مع القضاء زيادة في النص ولا تجوز الزيادة في النص إلا بنص مثله وقد ~~اتفقوا على أن تأخيره إلى آخر السنة لا يوجب الفدية وأن ms0333 الآية إنما أوجبت ~~قضاء العدة دون غيرها من الفدية ومعلوم أن قضاء العدة في السنة الثانية ~~واجب بالآية فغير جائز أن يكون المراد في بعض ما انتظمته الآية القضاء دون ~~الفدية وفي بعضه القضاء والفدية مع دخولهما فيها على وجه واحد ألا ترى أنه ~~غير جائز أن يكون على بعض السراق المراد بالآية القطع وزيادة غرم وكذلك لا ~~يجوز أن يكون بعضهم لا يقطع إلا في عشرة وبعضهم يقطع فيما دونها كذلك لا ~~يجوز أن يكون بعض المرادين بقوله @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ مخصوصا بإيجاب ~~القضاء دون الفدية وبعضهم مراد بالقضاء والفدية ومن جهة أخرى أنه غير جائز ~~إثبات الكفارات إلا من طريق التوقيف أو الإتفاق وذلك معدوم فيما وصفنا فلم ~~يجز إثبات الفدية قياسا وأيضا فإن الفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه ~~PageV01P262 فإنما يختص وجوبها بمن لا يجب عليه القضاء كالشيخ الكبير ومن ~~مات مفرطا قبل أن يقضي فأما اجتماع الفدية والقضاء فممتنع على ما بينا في ~~باب الحامل والمرضع فمذهب ابن عمر في هذا أظهر في إيجابه الفدية دون القضاء ~~من مذهب من جمعهما ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~قدمنا ذكره على أن تأخيره لا يوجب الفدية من وجهين أحدهما أنه لم يذكر ~~الفدية عند ذكر التفريق ولو كان تأخيره يوجب الفدية لبينه صلى الله عليه ~~وسلم والثاني تشبيهه إياه بالدين ومعلوم أن تأخير الدين لا يلزمه شيئا غير ~~قضائه فكذلك ما شبهه به من قضاء رمضان فإن قيل لما اتفقنا على أنه منهي عن ~~تأخيره إلى العام القابل وجب أن يجعل مفرطا بذلك فيلزمه الفدية كما لو مات ~~قبل أن يقضيه لزمته الفدية بالتفريط قيل له إن التفريط لا يلزمه الفدية ~~وإنما الذي يلزمه الفدية فوات القضاء بعد الإمكان بالموت والدليل على ذلك ~~أنه لو أكل في رمضان متعمدا كان مفرطا وإذا قضاه في تلك السنة لم تلزمه ~~الفدية عند الجميع فدل ذلك على أن حصول التفريط منه ليس بعلة ms0334 لإيجاب الفدية ~~وحكى علي بن موسى القمي أن داود الأصفهاني قال يجب على من أفطر يوما من ~~رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط فخرج بذلك ~~عن اتفاق السلف والخلف معا وعن ظاهر قوله تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ ~~وقوله @QB@ ولتكملوا العدة @QE@ وخالف السنن التي روينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك قال علي بن موسى سألته يوما فقلت له لم قلت ذلك قال لأنه ~~إن لم يصم اليوم الثاني من شوال فمات فكل أهل العلم يقولون إنه آثم مفرط ~~فدل ذلك على أن عليه أن يصوم ذلك اليوم لأنه لو كان موسعا له أن يصومه بعد ~~ذلك ما لزمه التفريط إن مات من ليلته قال فقلت له ما تقول في رجل وجب عليه ~~عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن موافق هل له أن يتعداها ويشتري غيرها فقال لا ~~فقلت لم قال لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فإذا وجد رقبة لزمه ~~الفرض فيها وإذا لزمه الفرض في أول رقبة لم يجزه غيرها إذا كان واجدا لها ~~فقلت فإن اشترى رقبة غيرها فأعتقها وهو واجد للأولى فقال لا يجزيه ذلك قلت ~~فإن كان عنده رقبة فوجب عليه عتق رقبة هل يجزيه أن يشتري غيرها قال لا فقلت ~~لأن العتق صار عليه فيها دون غيرها فقال نعم فقلت فما تقول إن ماتت هل يبطل ~~عنه العتق كما أن من نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره فقال لا بل ~~عليه أن يعتق PageV01P263 غيرها لأن هذا إجماع فقلت وكذلك من وجب عليه رقبة ~~بالإجماع أن له أن يعتق غيرها فقال عمن تحكي هذا الإجماع فقلت له وعمن تحكي ~~أنت الإجماع الأول فقال الإجماع لا يحكى فقلت والإجماع الثاني أيضا لا يحكى ~~وانقطع قال أبو بكر وجميع ما قاله داود من تعيين فرض القضاء باليوم الثاني ~~من شوال وأن من وجب عليه رقبة فوجدها أنه لا يتعداها إلى غيرها خلاف إجماع ~~المسلمين ms0335 كلهم وما ادعاه على أهل العلم بأنهم يجعلونه مفرطا إذا مات وقد ~~أخره عن اليوم الثاني فليس كما ادعى فإن من جعل له التأخير إلى آخر السنة ~~لا يجعله مفرطا بالموت لأن السنة كلها إلى أن يجيء رمضان ثان وقت القضاء ~~موسع له في التأخير كوقت الصلاة أنه لما كان موسعا عليه في التأخير من أوله ~~إلى آخره لم يكن مفرطا بتأخيره إن مات قبل مضي الوقت فكذلك يقولون في قضاء ~~رمضان فإن قيل لو لم يكن مفرطا لما لزمته الفدية إذا مات قبل مضي السنة ولم ~~يقضه قيل له ليس لزوم الفدية علما للتفريط لأن الشيخ الكبير يلزمه الفدية ~~مع عدم التفريط وقول داود الإجماع لا يحكى خطأ فإن الإجماع يحكى كما تحكى ~~النصوص وكما يحكي الإختلاف فإن أراد بذلك أن كل واحد من المجمعين لا يحتاج ~~إلى حكاية أقاويلهم بعد أن ينشر القول عن جماعة منهم وهم حضور يسمعون ولا ~~يخالفون فإن ذلك على ما قال ومع ذلك لا يجوز إطلاق القول بأن الإجماع لا ~~يحكى لأن من الإجماع ما يحكى فيه أقاويل جماعتهم فيكون ما يحكيه من إجماعهم ~~حكاية صحيحة ومنه ما يحكي أقاويل جماعة منهم منتشرة مستفيضة مع سماع ~~الآخرين لها وترك إظهار المخالفة فهذا أيضا إجماع يحكى إذ كان ترك الآخرين ~~إظهار النكير والمخالفة قائما مقام الموافقة فهذان الضربان من أجماع الخاصة ~~والفقهاء يحكيان جميعا وإجماع آخر وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة ~~كإجماعهم على تحريم الزنا والربا ووجوب الإغتسال من الجنابة والصلوات الخمس ~~ونحوها فهذه أمور قد علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم ~~بعينه اعتقاده والتدين به فإن عنى هذا الضرب من الإجماع فقد يسوغ أن يقال ~~أن مثله لا يحكى وقد يسوغ أن يقال إن هذا الضرب أيضا يحكى لعلمنا بإجماع ~~أهل الصلاة على اعتقاده والتدين به فجائز أن يحكى عنهم اعتقادهم لذلك ~~والتدين به وأنهم مجمعون عليه كما إذا ظهر لنا إسلام رجل وإظهار اعتقاده ~~الإيمان أن ms0336 يحكى عنه أنه مسلم وقال الله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ وبالله التوفيق PageV01P264 # | باب الصيام في السفر # قال الله تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ في هذه الآية دلالة واضحة على أن ~~الإفطار في السفر رخصة يسر الله بها علينا ولو كان الإفطار فرضا لازما ~~لزالت فائدة قوله @QB@ يريد الله بكم اليسر @QE@ فدل على أن المسافر مخير ~~بين الإفطار وبين الصوم كقوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ ~~وقوله @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ فكل موضع ذكر فيه اليسر ففيه الدلالة ~~على التخيير وروى عبدالرحيم الجزري عن طاوس عن ابن عباس قال لا نعيب على من ~~صام ولا على من أفطر لأن الله قال @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر @QE@ فأخبر ابن عباس أن اليسر المذكور فيه أريد به التخيير فلولا ~~احتمال الآية لما تأولها عليه وأيضا فقال الله @QB@ فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه @QE@ ثم عطف عليه قوله ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~فلم يوجب عليه الإفطار ولا الصوم والمسافر شاهد للشهر من وجهين أحدهما ~~العلم به وحضوره والآخر أنه من أهل التكليف فهذا يدل على أنه من أهل الخطاب ~~بصوم الشهر وأنه مع ذلك مرخص له في الإفطار وقوله @QB@ ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ معناه فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله تعالى ~~@QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام @QE@ المعنى فحلق ~~ففدية من صيام ويدل على أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى ~~صام أجزأه ولا قضاء عليه إلا أن يفطر فدل على أن الإفطار مضمر فيه وإذا كان ~~كذلك فذلك الضمير بعينه هو مشروط للمسافر كهو للمريض لذكرهما جميعا في ~~الآية على وجه العطف وإذا كان الإفطار مشروطا في إيجاب العدة فمن أوجب على ~~المسافر القضاء إذا صام فقد خالف حكم الآية واتفقت ms0337 الصحابة ومن بعدهم من ~~التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم المسافر غير شيء يروى عن أبي هريرة ~~أنه قال من صام في السفر فعليه القضاء وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون ~~خلافا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المستفيض الموجب للعلم ~~بأنه صام في السفر وثبت عنه أيضا إباحة الصوم في السفر منه حديث هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصوم في السفر فقال صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ~~وروى ابن عباس وأبو سعيدالخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبدالله وأبو الدرداء ~~وسلمة بن PageV01P265 المحبق صيام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر واحتج ~~من أبى جواز صوم المسافر وأوجب عليه القضاء بظاهر قوله @QB@ ومن كان مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ قالوا فالعدة واجبة في الحالين إذ ليس في ~~الآية فرق بين الصائم والمفطر وبما روى كعب بن عاصم الأشعري وجابر بن ~~عبدالله وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس من البر الصيام ~~في السفر ) ومما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبدالله ~~الحضرمي قال حدثنا إبراهيم بن منذر الحزامي قال حدثنا عبدالله بن موسى ~~التيمي عن أسامة بن زيد عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ) ~~ومما روى أنس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ~~وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع فأما الآية فلا دلالة ~~لهم فيها بل هي دالة على جواز صوم المسافر لما بينا وأما ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ليس من البر الصيام في السفر ) فإنه كلام خرج ~~على حال مخصوصة فهو مقصور الحكم عليها وهي ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود ms0338 قال أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا شعبة عن محمد بن عبدالرحمن بن ~~سعد بن زرارة عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر بن عبدالله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل عليه والزحام عليه فقال ( ليس من البر ~~الصيام في السفر ) فجائز أن يكون كل من روى ذلك فإنما حكى ما ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم في تلك الحال وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم واقتصر ~~على حكاية قوله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم ~~صاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان ثم أنه قال لهم إنكم ~~قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزيمة من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال أبو سعيد ثم لقد رأيتني أصوم مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل ذلك وبعد ذلك حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال حدثني معاوية عن ربيعة بن يزيد أنه ~~حدثه عن قزعة قال سألت أبا سعيد الخدري عن صيام رمضان في السفر وذكر الحديث ~~فذكر أيضا في هذا الحديث علة أمره بالإفطار وأنها كانت لأنه أقوى لهم على ~~قتال عدوهم وذلك لأن الجهاد كان فرضا عليهم ولم يكن فعل الصوم في السفر ~~فرضا فلم يكن جائزا لهم ترك الفرض لأجل الفضل وأما حديث أبي سلمة بن ~~عبدالرحمن عن أبيه فإن أبا سلمة ليس له سماع من أبيه فكيف يجوز ترك الأخبار ~~المتواترة في جواز الصوم بحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من PageV01P266 ~~الناس ومع ذلك فجائز أن يكون كلاما خرج على سبب وهو حال لزوم القتال مع ~~العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم فكان حكمه مقصورا على تلك الحال لمخالفة أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولما يؤدي إليه من ترك الجهاد وأما قوله إن الله ~~وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع فإنما يدل على ms0339 أن ~~الفرض لم يتعين عليه لحضور الشهر وأن له أن يفطر فيه ولا دلالة فيه على نفي ~~الجواز إذا صامه كما لم ينف جواز صوم الحامل والمرضع وقال أصحابنا الصوم في ~~السفر أفضل من الإفطار وقال مالك والثوري الصوم في السفر أحب إلينا لمن قوي ~~عليه وقال الشافعي إن صام في السفر أجزأه ومما يدل على أن الصوم فيه أفضل ~~قوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ وذلك عائد إلى جميع المذكور في الآية إذ ~~كان الكلام معطوفا بعضه على بعض فلا يخص شيء منه إلا بدلالة فاقتضى ذلك أن ~~يكون صوم المسافر خيرا له من الإفطار فإن قيل هو عائد على ما يليه دون ما ~~تقدمه وهو قوله @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ قيل له لما ~~كان قوله @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ خطابا للجميع من المسافرين والمقيمين ~~فواجب أن يكون قوله @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ خطابا لجميع من شمله ~~الخطاب في ابتداء الآية وغير جائز الاقتصار به على البعض وأيضا فقد ثبت ~~جوازه عن الفرض بما قدمناه وما كان كذلك فهو من الخيرات وقال الله @QB@ ~~فاستبقوا الخيرات @QE@ مدح قوما فقال @QB@ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~@QE@ فالمسارعة إلى فعل الخيرات وتقديمها أفضل من تأخيرها وأيضا فعل الفروض ~~في أوقاتها أفضل من تأخيرها إلى غيرها وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( من أراد أن يحج فليعجل ) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعجيل الحج ~~فكذلك ينبغي أن يكون سائر الفرائض المفعولة في وقتها أفضل من تأخيرها عن ~~وقتها وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عقبة بن مكرم قال ~~حدثنا أبو قتيبة قال حدثنا عبدالصمد بن حبيب بن عبدالله الأزدي قال حدثني ~~حبيب بن عبدالله قال سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله ms0340 عليه وسلم ( من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم ~~رمضان حيث أدركه ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن ~~المهاجر قال حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث قال حدثنا عبدالصمد بن حبيب ~~PageV01P267 قال حدثني أبي عن سنان بن سلمة عن سلمة بن المحبق قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( من أدركه رمضان في السفر ) فذكر معناه فأمره ~~بالصوم في السفر وهذا على وجه الدلالة على الأفضلية لا على جهة الإيجاب ~~لأنه لا خلاف أن الصوم في السفر غير واجب عليه وقد روى عثمان بن أبي العاص ~~الثقفي وأنس بن مالك أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار والله أعلم # | باب من صام في السفر ثم أفطر # وقد اختلف فيمن صام في السفر ثم أفطر من غير عذر فقال أصحابنا عليه ~~القضاء ولا كفارة وكذلك لو أصبح صائما ثم سافر فأفطر أو كان مسافرا فصام ~~وقدم فأفطر فعليه القضاء في هذه الوجوه ولا كفارة عليه وذكر ابن وهب عن ~~مالك في الصائم في السفر إذا أفطر عليه القضاء والكفارة وقال مرة لا كفارة ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن عليه الكفارة وقال لو أصبح صائما في حضره ثم ~~سافر فأفطر فليس عليه إلا القضاء وقال الأوزاعي لا كفارة على المسافر في ~~الإفطار وقال الليث عليه الكفارة قال أبو بكر الأصل في ذلك أن كفارة رمضان ~~تسقطها الشبهة فهي بمنزلة الحد والدليل على ذلك أنها لا تستحق إلا بمأثم ~~مخصوص كالحدود فلما كانت الحدود تسقطها الشبهة كانت كفارة رمضان بمثابتها ~~فإذا ثبت ذلك قلنا أنه متى أفطر في حال السفر فإن وجود هذه الحال مانع من ~~وجوب الكفارة لأن السفر يبيح الإفطار فأشبه عقد النكاح وملك اليمين في ~~إباحتهما الوطئ وإن كانا غير مبيحين لوطئ الحائض إلا أنهم متفقون على أن ~~وجود السبب المبيح للوطئ في الأصل مانع من وجوب الحد وإن لم يبح هذا الوطئ ~~بعينه كذلك السفر وإن لم يبح الإفطار بعد الدخول في ms0341 الصوم فإنه يمنع وجوب ~~الكفارة إذ كان في الأصل قد جعل سببا لإباحة الإفطار فلذلك قلنا إذا أفطر ~~وهو مسافر فلا كفارة عليه وقد روى ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفطر في السفر بعد ما دخل في الصوم وذلك لتعليم الناس ~~جواز الإفطار فيه فغير جائز فيما كان هذا وصفه إيجاب الكفارة على المفطر ~~فيه ووجه آخر وهو أنه لما لم يكن فعل الصوم مستحقا عليه في السفر أشبه ~~الصائم في قضاء رمضان أو في صوم نذر أو كفارة فلا تجب عليه الكفارة بإفطاره ~~فيه إذ كان له بديا أن لا يصومه ولم يكن لزوم إتمامه بالدخول فيه موجبا ~~عليه PageV01P268 الكفارة عند الإفطار فكذلك المسافر إذا صام ثم أفطر وأما ~~إذا أصبح مقيما ثم سافر فأفطر فهو كما وصفنا من وجود الحال المبيحة للإفطار ~~وهي حال السفر كوجود النكاح وملك اليمين في إباحة الوطئ وإن لم يبح وطىء ~~الحائض فإن قيل فهذا لم يكن له في ابتداء النهار ترك الصوم لكونه مقيما ~~فينبغي أن يوجب عليه الكفارة إذ كان فعل الصوم مستحقا عليه في ابتداء ~~النهار قيل له لا يجب ذلك لأنه قد طرئ من الحال ما يمنع وجوب الكفارة وهو ~~ما وصفنا وأما إذا كان مسافرا فقدم ثم أفطر فلا كفارة عليه لأنه قد كان له ~~أن لا يصوم بديا فأشبه الصائم في قضاء رمضان وكفارة اليمين ونحوها واختلف ~~في المسافر يفطر ثم يقدم من يومه والحائض تطهر في بعض النهار فقال أصحابنا ~~والحسن بن صالح والأوزاعي عليهما القضاء ويمسكان بقية يومهما عما يمسك عنه ~~الصائم وهو قول عبيدالله بن الحسن وقال ابن شبرمة في المسافر إذا قدم ولم ~~يأكل شيء أنه يصوم بقية يومه ويقضي ولو طهرت المرأة من حيضها فإنها تأكل ~~ولا تصوم وقال ابن القاسم عن مالك في المرأة تطهر والمسافر يقدم وقد أفطر ~~في السفر أنه يأكل ولا يمسك وهو قول الشافعي وروى عن جابر بن زيد مثله ms0342 وروى ~~الثوري عن عبدالله أنه قال من أكل أول النهار فليأكل آخره ولم يذكر سفيان ~~عن نفسه خلاف ذلك وقال ابن القاسم عن مالك لو أصبح ينوي الإفطار وهو لا ~~يعلم أنه من رمضان فإنه يكف عن الأكل والشرب ويقضي فإن أكل أو شرب بعد أن ~~علم في يومه ذلك فلا كفارة عليه إلا أن يكون أكل جرأة على ما ذكرت لك فتجب ~~عليه الكفارة قال أبو بكر لما اتفقوا على أن من غم عليه هلال رمضان فأكل ثم ~~علم به يمسك عما يمسك عنه الصائم كذلك الحائض والمسافر والمعنى جامع بينهما ~~أن الحال الطارئة عليهم بعد الإفطار لو كانت موجودة في أول النهار كانوا ~~مأمورين بالصيام فكذلك إذا طرئت عليهم وهم مفطرون أمروا بالإمساك ويدل على ~~صحة ذلك أيضا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين يوم عاشوراء بالإمساك ~~مع إيجاب القضاء عليهم فصار ذلك أصلا في نظائره مما وصفناه وأما قول مالك ~~في إيجابه الكفارة عليه إذا أكل جرأة على ذلك فلا معنى له لأن هذه كفارة ~~يختص وجوبها بإفساد الصوم على وصف وهذا الآكل لم يفسد صوما بأكله فلا تجب ~~عليه فيه كفارة والله تعالى أعلم بالصواب PageV01P269 # | باب في المسافر يصوم رمضان عن غيره # واختلف في المسافر يصوم رمضان عن واجب غيره فقال أبو حنيفة هو عما نوى ~~فإن صامه تطوعا فعنه روايتان إحداهما أنه عن رمضان والأخرى أنه تطوع وقال ~~أبو يوسف ومحمد هو عن رمضان في الوجهين جميعا وقال أصحابنا جميعا في المقيم ~~إذا نوى بصيامه واجبا غيره أو تطوعا أنه عن رمضان ويجزيه وقال الثوري ~~والأوزاعي في امرأة صامت رمضان تطوعا فإذا هو من شهر رمضان أجزأها وقالا من ~~صام في أرض العدو تطوعا وهو لا يعلم أنه رمضان أجزى عنه وقال مالك والليث ~~من صام في أول يوم من رمضان وهو لا يعلم أنه رمضان لم يجزه وقال الشافعي ~~ليس لأحد أن يصوم دينا ولا قضاء لغيره في رمضان فإن فعل لم يجزه ms0343 في رمضان ~~ولا لغيره قال أبو بكر نبتدئ بعون الله تعالى بالكلام في المقيم يصوم رمضان ~~تطوعا فنقول الدلالة على صحة قول أصحابنا من طريق الظاهر وجوه أحدها قوله ~~عز وجل @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ إلى قوله @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ ~~ولم يخصص صوما فهو على سائر ما يصومه من تطوع أو فرض في كونه مجزيا عن ~~الفرض لأنه لا يخلو الصائم تطوعا أو واجبا غيره أن يكون صوما عما نوى دون ~~رمضان أو يكون ملغى لا حكم له بمنزلة من لم يصم أو مجزيا عن رمضان فلما كان ~~وقوعه عما نوى وكونه ملغى مانعين من أن يكون هذا الصيام خيرا له بل يكون ~~وقوعه عن رمضان خيرا له وجب أن لا يكون ملغى ولا عما نوى من غير رمضان ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ ثم قال في نسق ~~التلاوة @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ ومعلوم عند ~~جميع فقهاء الأمصار إضمار الإفطار فيه وإن تقديره فأفطر فعدة من أيام أخر ~~فإنما أوجب القضاء على المسافر والمريض إذا أفطرا فيه فثبت بذلك أن من صام ~~من المقيمين ولم يفطر فلا قضاء عليه إذا قد تضمنت الآية وأن صيام الجميع من ~~المخاطبين إلا من أفطر من المرضى والمسافرين ويدل عليه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فاقتضى ~~ظاهر ذلك جوازه على أي وجه أوقع صومه من تطوع أو غيره ومن جهة النظر أن صوم ~~رمضان لما كان مستحق العين في هذا الوقت أشبه طواف الزيارة في يوم النحر ~~فعلى أي وجه أوقعه أجزأ عن الفرض على أنه لو نواه عن غيره لم يكن عما نواه ~~فلولا أنه قد أجرى PageV01P270 عن الفرض لوجب أن يجزيه عما نوى كصيام سائر ~~الأيام عما نوى فإن قيل إن صلاة الظهر مستحقة العين لهذا الوقت إذا بقي من ~~الوقت مقدار ما يصلى فيه الظهر ولم يوجب ذلك جوازها بينة ms0344 النفل قيل له وقت ~~الظهر غير مستحق العين لفعلها لأنه يتسع لفعلها ولغيرها ولا فرق بين أول ~~الوقت وآخره فإذا كان فعل التطوع في أوله لا يجزي عن الفرض كذلك في آخره ~~وأيضا فإنه إذا نوى بصلاته في آخر الوقت تطوعا أو فرضا غيره كان كما نوى ~~وقد اتفقنا على أن صوم عين رمضان لا يجزي عن غيره فدل أنه مستحق العين ~~لامتناع جواز صوم آخر فيه لأنه وقت يستغرق الفرض لا يجوز تقديمه عليه ولا ~~تأخيره عنه والظهر لها وقت غير أنه إذا أخره كان جائزا له فعلها فيه فإن ~~قيل قوله صلى الله عليه وسلم ( الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ~~يمنع جواز صوم رمضان بنية التطوع قيل له أما قوله صلى الله عليه وسلم ~~الأعمال بالنيات فلا يصح الاحتجاج به لأن فيه ضميرا محتملا لمعان من جواز ~~وفضيلة وهو غير مذكور في اللفظ ومتى تنازعنا فيه احتيج إلى دلالة في إثباته ~~فسقط الاحتجاج به وأما قوله ولكل امرئ ما نوى فإن خصمنا يوافقنا في هذه ~~المسألة أنه ليس له ما نوى من تطوع ولا فرض غيره لأنا نقول لا يكون تطوعا ~~ولا فرضا غير رمضان وهو يقول لا يكون عن رمضان ولا عما نوى فحصل باتفاق ~~الجميع أن قوله ولكل امرئ ما نوى غير مستعمل على ظاهره في هذه المسألة ~~وأيضا قوله ولكل امرئ ما نوى غير مستعمل عند الجميع على حقيقته لأنه يقتضي ~~أن من نوى الصوم كان صائما ومن نوى الصلاة كان مصليا وإن لم يفعل شيئا من ~~ذلك وقد علم أنه لا يحصل له الصلاة بمجرد النية دون فعلها وكذلك الصوم ~~وسائر الفروض والطاعات فثبت بذلك أن هذا اللفظ غير مكتف بنفسه في إثبات ~~حكمه إلا بقرينة فسقط احتجاج المخالف به من وجهين أحدهما أن الحكم متعلق ~~بمعنى محذوف ويحتاج إلى دلالة في إثباته وما كان هذا وصفه فالإحتجاج بظاهره ~~ساقط والوجه الآخر أن قوله صلى الله عليه وسلم ولكل امرئ ما نوى ms0345 يقتضي جواز ~~صومه إذا نواه تطوعا فإذا جاز صومه وقع عن الفرض لاتفاقنا أنه إذا لم يجز ~~عن الفرض لم يحصل له ما نوى فوجب بقضية قوله ولكل امرئ ما نوى أن يحصل له ~~ما نوى وإلا فقد ألغينا حكم اللفظ رأسا وأيضا معلوم من فحوى قوله ولكل امرئ ~~ما نوى ما يقتضيه نيته من ثواب فرض أو فضيلة أو نحوها فيستحق ذلك ولأنه غير ~~جائز أن PageV01P271 يكون مراده وقوع الفعل لأن الفعل حاصل موجود مع وجود ~~النية وعدمها والنية هي التي تصرف أحكامه على حسب مقتضاها وموجبها من ~~استحقاق ثواب الفرض أو الفضيلة أو الحمد أو الذم إن كانت النية تقتضي حمده ~~أو ذمه وإذا كان ذلك كذلك فليس يخلو القول فيها من أحد معنيين إما أن يسقط ~~اعتبار حكم اللفظ في دلالته على جواز الصوم أو بطلانه ووجب طلب الدلالة ~~عليه من غيره أو أن يستعمل حكمه فيما يقتضيه مضمونه من إفادة ما يتعلق به ~~من ثواب أو حمد أو ذم فإذا وجب استعماله على ذلك وقد توجهت نيته إلى ضرب من ~~القرب فواجب أن يحصل له ذلك ثم أقل أحواله في ذلك إن لم يكن ثوابه مثل ثواب ~~ناوي الفرض أن يكون أنقص منه ونقصان الثواب لا يمنع جوازه عن الفرض والدليل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليصلي الصلاة فيكتب له نصفها ~~ربعها خمسها عشرها ) فأخبر بنقصان الثواب مع الجواز ويدل على صحة ما ذكرنا ~~من تعلق حكم اللفظ بالثواب والعقاب أو الحمد والذم قوله صلى الله عليه وسلم ~~( ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ~~) وزعم الشافعي أن من عليه حجة الإسلام فأحرم ينوي تطوعا أنه يجزيه من حجة ~~الإسلام فأسقط نية التطوع وجعلها للفرض مع قوله إن فرض الحج على المهلة ~~وأنه غير مستحق الفعل في وقت معين وذلك أبعد في ms0346 الجواز من صوم رمضان لأن ~~صوم رمضان مستحق العين في وقت لا يجوز له تقديمه عليه ولا تأخيره عنه فترك ~~ظاهر قوله على أصله الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ولم يلجأ فيه إلى نظر ~~صحيح يعضد مقالته وكان الواجب على أصلهم اعتبار ما يدعونه ظاهرا من هذا ~~الخبر وأما على أصلنا فقد بينا أن الاحتجاج به ساقط وأوضحنا عن معناه ~~ومقتضاه وأنه يوجب جوازه عن الفرض فسلم لنا ما استدللنا به من الظواهر ~~والنظر ولم يعترض عليه هذا الأثر وأما المسافر إذا صام رمضان عن واجب عليه ~~فإنما أجاز ذلك أبو حنيفة عما نوى لأن فعل الصوم غير مستحق عليه في هذه ~~الحال وهو مخير مع الإمكان من غير ضرر بين فعله وتركه فأشبه سائر أيام غير ~~رمضان فلما كان سائر الأيام جائزا لمن صامه عما نواه فكذلك حكم رمضان ~~للمسافر وعلى هذا ينبغي أنه متى نواه تطوعا أن يكون تطوعا على الرواية التي ~~رويت وهي أقيس PageV01P272 الروايتين فإن قيل على هذا يلزمه أن يجزي صوم ~~المريض الذي يجوز له الإفطار عن غير رمضان بأن نواه تطوعا أو عن واجب عليه ~~للعلة التي ذكرتها في المسافر قيل له لا يلزم ذلك لعدم العلة التي ذكرتها ~~في المسافر وذلك لأن المعنى الذي وجب القول في المسافر بما وصفناه وأنه ~~مخير بين الصوم وتركه من غير ضرر يلحقه وأشبه ذلك حاله في غير رمضان وأما ~~المريض فليس كذلك لأنه لا يجوز له الفطر إلا مع خشية زيادة العلة والضرر ~~اللاحق بالصوم فهو لا يخلو من أن لا يضر به الصوم فعليه فعله أو أن يضره ~~فغير جائز له الصوم فلما كان كذلك كان فعل الصوم مستحقا عليه أو تركه من ~~غير تخيير فمتى صامه وقع عن الفرض إذ كانت إباحة الإفطار متعلقة بخشية ~~الضرر فمتى فعل الصوم فقد زال المعنى وصار بمنزلة الصحيح فأجزى عن صوم ~~الشهر على أي وجه صام والله أعلم # | باب في عدد قضاء رمضان # قال الله تعالى ms0347 @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~@QE@ فذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف وهشام عن محمد من غير خلاف من أحد من ~~أصحابنا قالوا إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية وفي البلد رجل مريض ~~لم يصم فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما فإن صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية ~~وصام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية فعلم بذلك من صام تسعة وعشرين يوما ~~فإن عليهم أن يقضوا يوما وعلى المريض المفطر قضاء ثلاثين يوما وحكى بعض ~~أصحاب مالك بن أنس عنه أنه يقضي رمضان بالأهلة وذكر عنه أشهب أنه سئل عمن ~~مرض سنتين ثم مات عن غير قضاء أنه يطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مدا وقال ~~الثوري فيمن مرض رمضان وكان تسعة وعشرين يوما أنه يصوم الذي كان عليه وقال ~~الحسن بن صالح إن مرض رجل شهر رمضان فأفطره من أوله إلى آخره ثم ابتدأ شهرا ~~يقضيه فكان هذا الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يوما أجزأه عن شهر رمضان ~~الذي أفطر وإن كان ثلاثين يوما لأنه جزاء شهر بشهر وإن كان ابتداء القضاء ~~على غير استقبال شهر أتم ثلاثين يوما وإن كان شهر رمضان تسعة وعشرين يوما ~~لأن الشهر لا يكون تسعة وعشرين يوما إلا شهرا من أوله إلى آخره قال أبو بكر ~~أما إذا كان الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما ثم أراد المريض القضاء فإنه ~~يقضيه بعدد أيام شهر الصوم الذي أفطر فيه سواء ابتدأ بالهلال أو من بعض ~~PageV01P273 الشهر وذلك لقوله عز وجل @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر @QE@ ومعناه فعدد من أيام أخر يدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) يعني العدد وإذا كان الله ~~سبحانه قد أوجب عليه قضاء العدد من أيام أخر لم يجز الزيادة عليه ولا ~~النقصان منه سواء كان الشهر الذي يقضيه ناقصا أو تاما فإن قيل إن كان الذي ~~أفطر فيه شهرا ms0348 وقد قال صلى الله عليه وسلم ( الشهر تسعة وعشرون الشهر ~~ثلاثون ) فأي شهر أتى به فقد قضى ما عليه لأنه شهر بشهر قيل له لم يقل الله ~~تعالى فشهر من أيام أخر وإنما قال فعدة من أيام أخر فأوجب استيفاء عدد ما ~~أفطر فوجب اتباع ظاهر الآية ولم يجز العدول عنها إلى معنى غير مذكور ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى @QB@ ولتكملوا العدة @QE@ يعني العدد فإذا كان الشهر ~~الذي أفطر فيه ثلاثين فعليه إكمال عدده من غيره ولو اقتصر على شهر هو تسعة ~~وعشرون لما كان مكملا للعدة فثبت بذلك بطلان قول من اعتبر شهرا بشهر وأسقط ~~اعتبار العدد ويدل على ذلك اتفاق الجميع على أن إفطاره بعض رمضان يوجب قضاء ~~ما أفطر بعدده كذلك يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في اعتبار عدده وأما إذا ~~صام أهل مصر للرؤية تسعة وعشرين يوما وأهل مصر آخر للرؤية ثلاثين يوما ~~فإنما أوجب أصحابنا على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم لقوله تعالى ~~@QB@ ولتكملوا العدة @QE@ فأوجب إكمال عدة الشهر وقد ثبت برؤية أهل بلد أن ~~العدة ثلاثون يوما فوجب على هؤلاء إكمالها لأن الله لم يخصص بإكمال العدة ~~قوما دون قوم فهو عام في جميع المخاطبين ويحتج له بقوله تعالى @QB@ فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه @QE@ وقد أريد بشهود الشهر العلم به لأن من لا يعلم به ~~فليس عليه صومه فلما صح له العلم بأن الشهر ثلاثون يوما برؤية أهل البلد ~~الذين رأوه وجب عليه صومه فإن قيل إنما هو على من علم به في أوله قيل له هو ~~على من علم به في أوله وبعد انقضائه ألا ترى أن من كان في دار الحرب فلم ~~يعلم بشهر رمضان ثم علم بمضيه أن عليه أن يقضيه فدل ذلك على أن الأمر قد ~~تناول الجميع ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) والذين صاموا تسعة وعشرين قد ~~غم عليهم رؤية أولئك فكان ذلك بمنزلة ms0349 الحائل بينهم وبين الرؤية فوجب عليهم ~~أن يعدوا ثلاثين فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته يوجب اعتبار رؤية كل قوم في بلدهم دون اعتبار رؤية غيرهم في سائر ~~البلدان PageV01P274 وكل قوم رأوا الهلال فالفرض عليهم العمل على رؤيتهم في ~~الصيام والإفطار بقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ~~ويدل عليه اتفاق الجميع على أن على أهل كل بلد أن يصوموا لرؤيتهم وأن ~~يفطروا لرؤيتهم وليس عليهم انتظار رؤية غيرهم من أهل سائر الآفاق فثبت بذلك ~~أن كلا منهم مخاطب برؤية أهل بلده دون غيرهم قيل له معلوم أن قوله صلى الله ~~عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته عام في أهل سائر الآفاق وأنه غير ~~مخصوص بأهل بلد دون غيرهم وإذا كان كذلك فمن حيث وجب اعتبار رؤية أهل بلد ~~في الصوم والإفطار وجب اعتبار رؤية غيرهم أيضا فإذا صاموا للرؤية تسعة ~~وعشرين يوما وقد صام غيرهم أيضا للرؤية ثلاثين فعلى هؤلاء قضاء يوم لوجود ~~الرؤية منهم بما يوجب صوم ثلاثين يوما وأما المحتج باتفاق الجميع على أن ~~على كل أهل بلد من الآفاق اعتبار رؤيتهم دون انتظار رؤية غيرهم فإنما يوجب ~~ذلك عندنا على شريطة أن لا تكون رؤية غيرهم مخالفة لرؤيتهم في حكم العدد ~~فكلفوا في الحال ما أمكنهم اعتباره ولم يكلفوا مالا سبيل لهم إليه في ~~معرفته في ذلك الوقت فمتى يتبين لهم غيره عملوا عليه كما لو حال بينهم وبين ~~منظره سحاب أو ضباب وشهد قوم من غيرهم أنهم قد رأوه قبل ذلك لزمهم العمل ~~على ما أخبرهم به دون ما كان عندهم من الحكم بعدم الرؤية وقد روي في ذلك ~~حديث يحتج به المخالف في هذه المقالة وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا إسماعيل بن جعفر قال حدثني ~~محمد بن أبي حرملة قال أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحرث بعثته إلى معاوية ~~بالشام قال فقدمت الشأم فقضيت ms0350 حاجتها فاستهل رمضان وأنا بالشأم فرأينا ~~الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر ~~الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال أنت رأيته قلت نعم ~~ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصومه ~~حتى نكمل الثلاثين أو نراه فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا ~~هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لا يدل على ما ذكر لأنه لم ~~يحك جواب النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن هذه بعينها فأجاب به وإنما ~~قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشبه أن يكون تأول فيه قوله ~~صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته على ما قالوا بل وجه ~~دلالته على ما قلنا ظاهر على ما قدمنا فلم يصح الاحتجاج به فيما اختلفنا ~~وقد ذكر عن الحسن البصري ما حدثنا PageV01P275 محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا عبدالله بن معاذ قال حدثني أبي قال حدثني الأشعث عن الحسن ~~في رجل كان بمصر من الأمصار فصام يوم الإثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ~~ليلة الأحد قال لا يقضي ذلك اليوم ذلك الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن ~~أهل مصر من الأمصار قد صاموا يوم الأحد فيقضوه وليس في هذا الخبر أنهم ~~صاموا لرؤية أو لغيرها ومسئلتنا إنما هي في أهل بلدين صام كل واحد منهم ~~لرؤية غير رؤية الآخرين وقد يحتج المخالف في ذلك بما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا حماد في حديث أيوب عن ~~محمد بن المنكدر عن أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه قال ( ~~وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج ~~مكة منحر وكل جمع موقف ) وروى أبو خيثمة قال حدثنا محمد بن الحسن المدني ~~قال حدثني عبدالله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري ms0351 عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون ~~والأضحى يوم تضحون ) قالوا وهذا يوجب أن يكون صوم كل قوم يوم صاموا وفطرهم ~~يوم أفطروا وهذا قد يجوز أن يريد به ما لم يتبين غيره ومع ذلك فلم يخصص به ~~أهل بلد دون غيرهم فإن وجب أن يعتبر صوم من صام الأقل فيما لزمهم فهو موجب ~~صوم من صام الأكثر فيكون ذلك صوما للجميع ويلزم من صام الأقل قضاء يوم وقد ~~اختلف مع ذلك في صحة هذا الخبر من طريق النقل فثبته بعضهم ولم يثبته ~~الآخرون وقد تكلم أيضا في معناه فقال قائلون معناه أن الجميع إذا اتفقوا ~~على صوم يوم فهو صومهم وإذا اختلفوا احتاجوا إلى دلالة من غيره لأنه لم يقل ~~صومكم يوم يصوم بعضكم وإنما قال يوم تصومون وذلك يقتضي صوم الجميع وقال ~~آخرون هذا خطاب لكل واحد في نفسه وإخبار بأنه متعبد بما عنده دون ما هو عند ~~غيره فمن صام يوما على أنه من رمضان فقد أدى ما كلف وليس عليه مما عند غيره ~~شيء لأن الله تعالى إنما كلفه بما عنده لا بما عند غيره ولم يكلفه المغيب ~~عند الله أيضا قوله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~@QE@ قال أبو بكر روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أن اليسر الإفطار ~~في السفر والعسر الصوم فيه وفي المرض ويحتمل ما ذكر من الإفطار في السفر ~~لمن يجهده الصوم ويضره كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~الرجل الذي ظلل عليه في PageV01P276 السفر وهو صائم ليس من البر الصيام في ~~السفر فأفادت الآية إن الله يريد منكم من الصوم ما تيسر لا ما تعسر وشق ~~لأنه صلى الله عليه وسلم قد صام في السفر وأباح الصوم فيه لمن لا يضره ~~ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متبعا لأمر الله عاملا بما يريده ~~الله منه فدل ذلك على أن ms0352 قوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~@QE@ غير ناف لجواز الصوم في السفر بل هو دال على أنه إن كان يضره فالله ~~سبحانه غير مريد منه ذلك وأنه مكروه له ويدل على أن من صام في السفر أجزأه ~~ولا قضاء عليه لأن في إيجاب القضاء إثبات العسر ولأن لفظ اليسر يقتضي ~~التخيير كما روي عن ابن عباس وإذا كان مخيرا في فعل الصوم وتركه فلا قضاء ~~عليه ويدل أيضا على أن المريض والحامل والمرضع وكل من خشي ضرر الصوم على ~~نفسه أو على الصبي فعليه أن يفطر لأن في احتمال ضرر الصوم ومشقته ضربا من ~~العسر وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة العسر بنا وهو نظير ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وهذه الآية ~~أصل في أن كل ما يضر بالإنسان ويجهده ويجلب له مرضا أو يزيد في مرضه أنه ~~غير مكلف به لأن ذلك خلاف اليسر نحو من يقدر على المشي إلى الحج ولا يجد ~~زادا وراحلة فقد دلت الآية أنه غير مكلف به على هذا الوجه لمخالفته اليسر ~~وهو دال ايضا على أن من فرط في قضاء رمضان إلى القابل فلا فدية عليه لما ~~فيه من إثبات العسر ونفي اليسر ويدل على أن سائر الفروض والنوافل إنما أمر ~~بفعلها أو أبيحت له على شريطة نفي العسر والمشقة الشديدة ويدل أيضا على أن ~~له أن يقضي رمضان متفرقا لأنه ذكر ذلك عقيب قوله @QB@ فعدة من أيام أخر ~~@QE@ ودلالة ذلك عليه من وجهين أحدهما أن قوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر @QE@ قد اقتضى تخيير العبد في القضاء والثاني أن قضاءه ~~متفرقا أولى بمعنى اليسر وأبعد من العسر وهو ينفي أيضا إيجاب التتابع لما ~~فيه من العسر ويدل على بطلان قول من أوجب القضاء على الفور ومنعه التأخير ~~لأنه ينفي معنى اليسر ويثبت العسر وقد دلت الآية على بطلان قول أهل الجبر ~~والقائلين بأن الله يكلف ms0353 عباده مالا يطيقون لأن تكليف العبد مالا يطيق وما ~~ليس معه القدرة عليه من أعسر العسر وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة العسر ~~لعباده ويدل على بطلان قولهم من وجه آخر وهو أنه من حمل نفسه على المشقة ~~الشديدة التي يلحقه ضرر عظيم في الصوم فاعل لما لم يرده الله منه بقضية ~~الآية وأهل الجبر يزعمون أن كل ما فعله العبد من PageV01P277 معصية أو كفر ~~فإن الله مريده منه وقد نفى الله بهذا ما نسبوه إليه من إرادة المعاصي ويدل ~~أيضا من وجه آخر على بطلان قولهم وهو أن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية ~~أنه يريد بهم اليسر ليحمدوه ويشكروه وأنه لم يرد منهم أن يكفروا ليستحقوا ~~عقابه لأن مريد ذلك غير مريد لليسر بل هو مريد للعسر ولما لا يستحق الشكر ~~والحمد عليه فهذه الآية دالة من هذه الوجوه على بطلان قول أهل الجبر وأنهم ~~وصفوا الله تعالى بما نفاه عن نفسه ولا يليق به قوله عز وجل @QB@ ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ قال أبو بكر قد دل قوله @QB@ ~~ولتكملوا العدة @QE@ على معان منها أنه متى غم علينا هلال شهر رمضان فعلينا ~~إكمال العدة ثلاثين يوما أي شهر كان لبيان النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~على الوجه الذي بيننا فقال ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فأكملوا العدة ثلاثين ) فجعل إكمال العدة اعتبار الثلاثين عند خفاء الهلال ~~ويدل أيضا على جواز قضاء رمضان متتابعا أو متفرقا لإخباره أن الفرض فيه ~~إكمال العدة وذلك يحصل به متفرقا كان أو متتابعا ويدل على أن وجوب قضائه ~~ليس على الفور لأنه إذا كان المقصد إكمال العدة وذلك قد يحصل على أي وجه ~~صام فلا فرق بين فعله على الفور أو على المهلة مع حصول إكمال العدة ويدل ~~على أنه لا فدية على من أخر قضاء رمضان وأنه ليس عليه غير القضاء شيء لأنه ~~أخبر أن مراده منا إكمال العدة وقد وجد في إيجاب الفدية زيادة ms0354 في النص ~~وإثبات ما ليس هو من المقصد ويدل على أن من أفطر في شهر رمضان وهو ثلاثون ~~يوما أنه غير جائز له أن يصوم شهرا بالهلال تسعة وعشرين يوما لقوله تعالى ~~@QB@ ولتكملوا العدة @QE@ وذلك يقتضي استيفاء العدد فالقائل بجواز الاقتصار ~~على نقصان العدد مخالف لحكم الآية ويدل على أن أهل بلد إذا صاموا تسعة ~~وعشرين يوما أن يقضوا يوما لقوله تعالى @QB@ ولتكملوا العدة @QE@ وقد حصل ~~عدة رمضان ثلاثين لأهل ذلك البلد فعلى الآخرين أن يكملوها كما كان على ~~أولئك إكمالها إذ كان الله لم يخصص بعضا من كل وأما قوله @QB@ ولتكبروا ~~الله على ما هداكم @QE@ فإنه روي عن ابن عباس أنه كان يقول حقا على ~~المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم وذلك ~~لقوله @QB@ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ وروي عن الزهري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر يوم الفطر PageV01P278 إذا خرج ~~إلى المصلى وإذا قضى الصلاة قطع التكبير وقد روي عن علي وأبي قتادة وابن ~~عمر وسعيد بن المسيب وعروة والقاسم وخارجة بن زيد ونافع بن جبير بن مطعم ~~وغيرهم أنهم كانوا يكبرون يوم العيد إذا خرجوا إلى المصلى وروى جيش بن ~~المعتمر عن علي أنه ركب بغلته يوم الأضحى فلم يزل يكبر حتى أتى الجبانة ~~وروى ابن أبي ذيب عن شعبة مولى ابن عباس قال كنت أقود ابن عباس إلى المصلى ~~فيسمع الناس يكبرون فيقول ما شأن الناس أكبر الإمام فأقول لا فيقول أمجانين ~~الناس فأنكر ابن عباس في هذا الخبر التكبير في طريق المصلى وهذا يدل على أن ~~المراد عند التكبير المذكور في الآية وهو التكبير الذي يكبره الإمام في ~~الخطبة مما يصلح أن يكبر الناس معه وما روي عنه أنه حق على المسلمين إذا ~~نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا حتى يفرغوا من عيدهم فليس فيه دلالة على ~~الجهر به وجائز أن يريد به تكبيرهم في أنفسهم وقد روي عن ابن عمر أنه كان ms0355 ~~إذا خرج يوم الفطر ويوم الأضحى يكبر ويرفع صوته حتى يجيء المصلى وروي عن ~~زيد بن أسلم أنه تأول على تكبير يوم الفطر واختلف فقهاء الأمصار في ذلك ~~فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال يكبر الذي يذهب إلى العيد يوم ~~الأضحى ويجهر بالتكبير ولا يكبر يوم الفطر وقال أبو يوسف يكبر يوم الأضحى ~~والفطر وليس فيه شيء موقت لقوله تعالى @QB@ ولتكبروا الله على ما هداكم ~~@QE@ وقال عمرو سألت محمدا عن التكبير في العيدين فقالوا نعم يكبر وهو ~~قولنا وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن التكبير في العيدين ليس بواجب في ~~الطريق ولا في المصلى وإنما التكبير الواجب في صلاة العيد وذكر الطحاوي أن ~~ابن أبي عمران كان يحكي عن أصحابنا جميعا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن ~~يكبروا في الطريق إلى المصلى حتى يأتوه ولم نكن نعرف ما حكاه المعلى عنهم ~~وقال الأوزاعي ومالك يكبر في خروجه إلى المصلى في العيدين جميعا قال مالك ~~ويكبر في المصلى إلى أن يخرج الإمام فإذا خرج الإمام قطع التكبير ولا يكبر ~~إذا رجع وقال الشافعي أحب إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر وإذا غدوا ~~إلى المصلى حتى يخرج الإمام وقال في موضع آخر حتى يفتح الإمام الصلاة قال ~~أبو بكر تكبير الله هو تعظيمه وذلك يكون بثلاثة معان عقد الضمير والقول ~~والعمل فعقد الضمير هو اعتقاد توحيد الله تعالى وعدله وصحة المعرفة به ~~وزوال الشكوك وأما القول فالإقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وسائر ~~PageV01P279 ما مدح به نفسه وأما العمل فعبادته بما يعد به من الأعمال ~~بالجوارح كالصلاة وسائر المفروضات وكل ذلك غير مقبول إلا بعد تقدمة ~~الإعتقاد له بالقلب على الحد الذي وصفنا وأن يتحرى بجميع ذلك موافقة أمر ~~الله كما قال عز وجل @QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا @QE@ فشرط بديا تحرى موافقة أمر الله بذكره إرادة الآخرة ~~ولم يقتصر عليه حتى ذكر العمل لله وهو السعي وعقد ذلك كله ms0356 بشريطة الإيمان ~~بقوله @QB@ وهو مؤمن @QE@ ثم عقبه بذكر الوعد لمن حصلت له هذه الأعمال نسأل ~~الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية وأن يوفقنا إلى ما يؤدينا إلى ~~مرضاته وإذا كان تكبير الله تعالى ينقسم إلى هذه المعاني التي ذكرنا وقد ~~علمنا لا محالة أن اعتقاد التوحيد والإيمان بالله ورسله شرط في سائر القرب ~~وذلك غير مختص بشيء من الطاعات دون غيرها ومعلوم أيضا أن سائر المفروضات ~~التي يتعلق وجوبها بأسباب أخر غير مبنية على صيام رمضان ثبت أن التعظيم ~~المذكور في هذه الآية ينبغي أن يكون متعلقا بإكمال عدة رمضان وأولى الأشياء ~~به إظهار لفظ التكبير ثم جائز أن يكون تكبيرا يفعله الإنسان في نفسه عند ~~رؤية هلال شوال وجائز أن يكون المراد ما تأوله كثير من السلف على أنه تكبير ~~المفعول في الخروج إلى المصلى وجائز أن يريد به تكبيرات صلاة العيد كل ذلك ~~يحتمله اللفظ ولا دلالة فيه على بعض دون بعض فأيها فعل فقد قضى عهدة الآية ~~وفعل مقتضاها ولا دلالة في اللفظ على وجوبه لأن قوله تعالى @QB@ ولتكبروا ~~الله @QE@ لا يقتضي الوجوب إذ جائز أن يتناول ذلك النفل ألا ترى أنا نكبر ~~لله أو نعظمه بما نظهره من التكبير نفلا ولا خلاف بين الفقهاء أن إظهار ~~التكبير ليس بواجب ومن كبر فإنما فعله استحبابا ومع ذلك فإنه متى فعل أدنى ~~ما يسمى تكبيرا فقد وافق مقتضى الآية إلا أن ما روي من ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن السلف من الصدر الأول والتابعين في تكبيرهم يوم الفطر ~~في طريق المصلى يدل على أنه مراد الآية فالأظهر من ذلك أن فعله مندوب إليه ~~ومستحب لا حتما واجبا والذي ذكره ابن أبي عمران هو أولى بمذهب أبي حنيفة ~~وسائر أصحابنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الزهري وإن كان ~~مرسلا وعن السلف فلأن ذلك موافق لظاهر الآية إذ كانت تقتضي تحديد تكبير عند ~~إكمال العدة والفطر أولى بذلك من الأضحى ms0357 وإذا كان ذلك عنده مسنونا في ~~الأضحى فالفطر كذلك لأن PageV01P280 صلاتي العيد لا تختلفان في حكم التكبير ~~فيهما والخطبة بعدهما وسائر سننهما فكذلك ينبغي أن تكون سنة التكبير في ~~الخروج إليهما وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر لأن فيها أن ~~الله قد أراد من المكلفين إكمال العدة واليسر وليكبروه ويحمدوه ويشكروه على ~~نعمته وهدايته لهم إلى هذه الطاعات التي يستحقون بها الثواب الجزيل فقد ~~أراد من الجميع هذه الطاعات وفعل الشكر وإن كان فيهم من يعصيه ولا يشكره ~~فثبت بدلالة هذه الآية أن الله لم يرد من أحد أن يعصيه ولا أن يترك فروضه ~~وأوامره بل أراد من الجميع أن يطيعوه ويشكروه مع ما دلت العقول عليه بأن ~~فاعل ما أريد منه مطيع للمريد متبع لأمره فلو كان الله تعالى مريدا للمعاصي ~~لكان العصاة مطيعين له فدلالة العقول موافقة لدلالة الآية والله سبحانه ~~وتعالى الموافق للصواب # | باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام # قال الله تعالى @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ روي عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض ~~الأول من الصيام بقوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم @QE@ وأنه كان صومه ثلاثة أيام من كل شهر وأنه كان من حين يصلى ~~العتمة يحرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى القابلة رواه عطية عن ابن ~~عباس وروى عكرمة عن ابن عباس مثله ولم يذكر أنه كان في الصوم الأول وروى ~~عطاء عن ابن عباس أنه كان إذا صلى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب ~~والجماع وروى الضحاك أنه كان يحرم ذلك عليهم من حين يصلون العتمة وعن معاذ ~~أنه كان يحرم ذلك عليهم بعد النوم وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم قالوا ثم إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام ~~فاصبح صائما فأجهده الصوم وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعدما نام فذكر ذلك ~~لرسول الله صلى الله ms0358 عليه وسلم فأنزل الله تعالى @QB@ أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم @QE@ ونسخ به تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم ~~والرفث المذكور هو الجماع لا خلاف بين أهل العلم فيه واسم الرفث يقع على ~~الجماع وعلى الكلام الفاحش ويكنى به عن الجماع قال ابن عباس في قوله @QB@ ~~فلا رفث ولا فسوق @QE@ إنه مراجعة النساء بذكر الجماع قال العجاج % % عن ~~اللغا ورفث التكلم % $ PageV01P281 # فأولى الأشياء بمعنى الآية هو الجماع نفسه لأن رفث الكلام غير مباح ~~ومراجعة النساء بذكر الجماع ليس لها حكم يتعلق بالصوم لا فيما سلف ولا في ~~المستأنف فعلم أن المراد هو ما كان محرما عليهم من الجماع فأبيح لهم بهذه ~~الآية ونسخ به ما تقدم من الحظر وقوله تعالى @QB@ هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن @QE@ بمعنى هن كاللباس ولكم في إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما ~~لصاحبه قال النابغة الجعدي % إذا ما الضجيع ثنى عطفه % تثنت عليه فكانت ~~لباسا % # | ويحتمل أن يريد باللباس الستر لأن اللباس هو ما يستر وقد سمى الله ~~تعالى الليل لباسا لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه فإن كان المعنى ذلك ~~فالمراد كل واحد منهما ستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه من الفواحش ويكون ~~كل واحد منهما متعففا بالآخر مستترا به وقوله تعالى @QB@ علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم @QE@ ذكر للحال التي خرج عليها الخطاب واعتداد بالنعمة ~~علينا بالتخفيف بإباحة الجماع والأكل والشرب في ليالي الصوم واستدعاء لشكره ~~عليها ومعنى قوله @QB@ تختانون أنفسكم @QE@ أي يستأثر بعضكم بعضا في مواقعة ~~المحظور من الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم كقوله @QB@ ~~تقتلون أنفسكم @QE@ يعني يقتل بعضكم بعضا ويحتمل أن يريد به كل واحد في ~~نفسه بأنه يخونها وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه ويحتمل أن ~~يريد به أنه يعمل عمل المستأثر له فهو يعامل نفسه بعمل الخائن لها والخيانة ~~هي انتقاص الحق على جهة المساترة قوله تعالى @QB@ فتاب عليكم @QE@ يحتمل ~~معنيين أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم والآخر التخفيف عنكم ms0359 بالرخصة ~~والإباحة كقوله تعالى @QB@ علم أن لن تحصوه فتاب عليكم @QE@ يعني والله ~~أعلم خفف عنكم وكما قال عقيب ذكر حكم قتل الخطأ @QB@ فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين توبة من الله @QE@ يعني تخفيفه لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئا ~~تلزمه التوبة منه وقوله تعالى @QB@ وعفا عنكم @QE@ 2 يحتمل أيضا العفو عن ~~الذنب الذي اقترفوه بخيانتهم لأنفسهم ثم لما أحدثوا التوبة منه عفا عنهم في ~~الخيانة ويحتمل أيضا التوسعة والتسهيل بإباحة ما أباح من ذلك لأن العفو ~~يعبر به في اللغة عن التسهيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أول الوقت ~~رضوان الله وآخره عفو الله ) يعني تسهيله وتوسعته وقوله تعالى @QB@ فالآن ~~باشروهن @QE@ إباحة للجماع المحظور كان قبل ذلك في ليالي الصوم والمباشرة ~~هي إلصاق البشر بالبشرة وهي في هذا الموضع PageV01P282 كناية عن الجماع قال ~~زيد بن أسلم هي المواقعة والجماع وقال في المباشرة مرة هي إلصاق الجلد ~~بالجلد وقال الحسن المباشرة النكاح وقال مجاهد الجماع وهو مثل قوله عز وجل ~~@QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ وقوله @QB@ وابتغوا ما كتب ~~الله لكم @QE@ قال عبدالوهاب عن أبيه عن ابن عباس قال الولد وعن مجاهد ~~والحسن والضحاك والحكم مثله وروى معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن عمرو بن ~~مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وابتغوا ما كتب الله لكم قال ليلة القدر ~~وقال قتادة في قوله @QB@ وابتغوا ما كتب الله لكم @QE@ قال الرخصة التي كتب ~~الله لكم قال أبو بكر إذا كان المراد بقوله @QB@ فالآن باشروهن @QE@ الجماع ~~فقوله @QB@ وابتغوا ما كتب الله لكم @QE@ لا ينبغي أن يكون محمولا على ~~الجماع لما فيه من تكرار المعنى في خطاب واحد ونحن متى أمكننا استعمال كل ~~لفظ على فائدة مجددة فغير جائز الاقتصار بها على فائدة واحدة وقد أفاد قوله ~~@QB@ فالآن باشروهن @QE@ إباحة الجماع فالواجب أن يكون قوله @QB@ وابتغوا ~~ما كتب الله لكم @QE@ على غير الجماع ثم لا يخلو من أن يكون المراد به ليلة ~~القدر على ما رواه أبو الجوزاء عن ابن ms0360 عباس أو الولد على ما روي عنه وعن ~~غيره ممن قدمنا ذكره أو الرخصة على ما روي عن قتادة فلما كان اللفظ محتملا ~~لهذه المعاني ولولا احتماله لها لما تأوله السلف عليها وجب أن يكون محمولا ~~على الجميع وعلى أن الكل مراد الله تعالى فيكون اللفظ منتظما لطلب ليلة ~~القدر في رمضان ولاتباع رخصة الله تعالى ولطلب الولد فيكون العبد مأجورا ~~على ما يقصده من ذلك ويكون الأمر بطلب الولد على معنى ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة ) وكما سأل زكريا ربه أن يرزقه ولدا بقوله @QB@ فهب لي من لدنك ~~وليا يرثني ويرث من آل يعقوب @QE@ وقوله @QB@ وكلوا واشربوا @QE@ إطلاق من ~~حظر كقوله @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~@QE@ وقوله @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ ونظائر ذلك من الإباحة الواردة ~~بعد الحظر فيكون حكم اللفظ مقصورا على الإباحة لا على الإيجاب ولا الندب ~~وأما قوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ ~~قال أبو بكر قد اقتضت الآية إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يتبين الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر روي أن رجالا منهم حملوا ذلك على حقيقة ~~الخيط الأبيض والأسود وتبين أحدهما من الآخر منهم عدي بن حاتم حدثنا ~~PageV01P283 محمد بن بكر قال أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حصين بن ~~نمير قال وحدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ابن إدريس ~~المعنى عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية @QB@ حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود @QE@ قال أخذت عقالا أبيض وعقالا ~~أسود فوضعتهما تحت وسادتي فنظرت فلم أتبين فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فضحك فقال إن وسادك إذا لعريض طويل إنما هو الليل والنهار ) قال ~~عثمان إنما هو سواد الليل وبياض النهار قال وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا أبو ms0361 الفضل جعفر بن محمد اليماني قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا ابن أبي مريم عن أبي غسان محمد بن مطرف قال أخبرنا أبو حازم عن سهل ~~بن سعد قال لما نزل قوله @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود @QE@ ولم ينزل @QB@ من الفجر @QE@ قال فكان رجال إذا أرادوا ~~الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب ~~حتى يتبينا له فأنزل الله بعد ذلك @QB@ من الفجر @QE@ فعلموا أنه إنما يعني ~~بذلك الليل والنهار قال أبو بكر إذا كان قوله @QB@ من الفجر @QE@ مبينا فيه ~~فلا إلباس على أحد في أنه لم يرد به حقيقة الخيط لقوله @QB@ من الفجر @QE@ ~~ويشبه أن يكون إنما اشتبه على عدي وغيره ممن حمل اللفظ على حقيقته قبل نزول ~~قوله @QB@ من الفجر @QE@ وذلك لأن الخيط اسم للخيط المعروف حقيقة وهو مجاز ~~واستعارة في سواد الليل وبياض النهار وجائز أن يكون ذلك قد كان شائعا في ~~لغة قريش ومن خوطبوا به ممن كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول ~~الآية وإن عدي بن حاتم ومن أشكل عليه ذلك لم يكونوا عرفوا هذه اللغة لأنه ~~ليس كل العرب تعرف سائر لغاتها وجائز مع ذلك أن يكونوا عرفوا ذلك اسما ~~للخيط حقيقة ولبياض النهار وسواد الليل مجازا ولكنهم حملوا اللفظ على ~~الحقيقة فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بمراد الله تعالى منه ~~وأنزل الله تعالى بعد ذلك @QB@ من الفجر @QE@ فزال الاحتمال وصار المفهوم ~~من اللفظ سواد الليل وبياض النهار وقد كان ذلك اسما لسواد الليل وبياض ~~النهار في الجاهلية قبل الإسلام مشهورا ذلك عندهم قال أبو داود الأيادي % ~~ولما أضاءت لنا ظلمة % ولاح من الصبح خيط أنارا % # وقال آخر في الخيط الأسود % قد كاد يبدو أو بدت تباشره % وسدف الخيط ~~البهيم ساتره % # | PageV01P284 فقد كان ذلك مشهورا في اللسان قبل نزول القرآن به وقال أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى الخيط الأبيض هو الصبح والخيط الأسود الليل قال ~~والخيط هو اللون ms0362 فإن قيل كيف شبه الليل بالخيط الأسود وهو مشتمل على جميع ~~العالم وقد علمنا أن الصبح إنما شبه بالخيط لأنه مستطيل أو مستعرض في الأفق ~~فأما الليل فليس بينه وبين الخيط تشابه ولا مشاكلة قيل له إن الخيط الأسود ~~هو السواد الذي في الموضع قبل ظهور الخيط الأبيض فيه وهو في ذلك الموضع ~~مساو للخيط الأبيض الذي يظهر بعده فمن أجل ذلك سمي الخيط الأسود وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد الوقت الذي يحرم به الأكل والشرب على ~~الصائم ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~حماد بن زيد عن عبدالله بن سوادة القشيري عن أبيه قال سمعت سمرة بن جندب ~~يخطب وهو يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنعكم من سحوركم ~~أذان بلال ولا بياض الأفق الذي هكذا حتى يستطير ) وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا ملازم بن عمرو عن عبدالله ~~بن النعمان قال حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( كلوا واشربوا ولا يهدينكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض ~~لكم الأحمر ) فذكر في هذا الخبر الأحمر ولا خلاف بين المسلمين أن الفجر ~~الأبيض المعترض في الأفق قبل ظهور الحمرة يحرم به الطعام والشراب على ~~الصائم وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ( إنما هو بياض النهار وسواد ~~الليل ) ولم يذكر الحمرة فإن قيل قد روي عن حذيفة قال تسحرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان نهارا إلا أن الشمس لم تطلع قيل له لا يثبت ذلك عن ~~حذيفة وهو مع ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز الاعتراض به على القرآن قال ~~الله تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ ~~فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب بظهور الخيط الذي هو بياض الفجر ~~وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحا لما ms0363 حظرته الآية وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم هو بياض النهار وسواد الليل فكيف يجوز ~~الأكل نهارا في الصوم مع تحريم الله تعالى إياه بالقرآن والسنة ولو ثبت ~~حديث حذيفة من طريق النقل لم يوجب جواز الأكل في ذلك الوقت لأنه لم يعز ~~الأكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك ~~الوقت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم فكونه مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في وقت الأكل لا دلالة فيه على علم PageV01P285 النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك منه وإقراره عليه ولو ثبت أنه صلى الله عليه وسلم علم بذلك وأقره عليه ~~احتمل أن يكون ذلك كان في آخر الليل قرب طلوع الفجر فسماه نهارا لقربه منه ~~كما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد ~~قال حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عن ~~الحرث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال هلم إلى الغداء المبارك فسمى ~~السحور غداء لقربه من الغداء كذلك لا يمتنع أن يكون حذيفة سمى الوقت الذي ~~تسحر فيه نهارا لقربه من النهار قال أبو بكر فقد وضح بما تلونا من كتاب ~~الله وتوقيف نبيه صلى الله عليه وسلم أن أول وقت الصوم هو طلوع الفجر ~~الثاني المعترض في الأفق وأن الفجر المستطيل إلى وسط السماء هو من الليل ~~والعرب تسميه ذنب السرحان وقد اختلف أهل العلم في حكم الشاك في الفجر فذكر ~~أبو يوسف في الإملاء أن أبا حنيفة قال يدع الرجل السحور إذا شك في الفجر ~~أحب إلي فإن تسحر فصومه تام وهو قولهم جميعا في الأصل وقال إن أكل فلا قضاء ~~عليه وحكى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه إن أكل وهو شاك قضى يوما ~~وقال أبو ms0364 يوسف ليس عليه في الشك قضاء وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه ~~إن كان في موضع يستبين الفجر ويرى مطلعه من حيث يطلع وليس هناك علة فليأكل ~~ما لم يستبن له الفجر وهو قول الله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ قال وقال أبو حنيفة إن كان في ~~موضع لا يرى فيه الفجر أو كانت مقمرة وهو يشك في الفجر فلا يأكل وإن أكل ~~فقد أساء وإن كان أكبر رأيه إن أكل والفجر طالع قضى وإلا لم يقض وسواء كان ~~في سفر أو حضر وهذا قول زفر وأبي يوسف وبه نأخذ وكذلك روي عنهم في الشك في ~~غيبوبة الشمس على هذا الاعتبار قال أبو بكر وينبغي أن يكون رواية الأصل ~~ورواية الإملاء في كراهيتهم الأكل عند الشك في الفجر محمولين على ما رواه ~~الحسن بن زياد لأنه فسر ما أجملوه في الروايتين الأخريين ولأنها موافقة ~~لظاهر الكتاب وقد روي عن ابن عباس أنه بعث رجلين لينظرا له طلوع الفجر في ~~الصوم فقال أحدهما قد طلع وقال الآخر لم يطلع فقال اختلفتما فأكل وكذلك روي ~~عن ابن عمر وذلك في حال أمكن فيها الوصول إلى معرفة طلوع الفجر من طريق ~~المشاهدة وقال تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر @QE@ PageV01P286 فأباح الأكل إلى أن يتبين والتبين إنما هو حصول ~~العلم الحقيقي ومعلوم أن ذلك إنما أمروا به في حال يمكنهم فيها الوصول إلى ~~العلم الحقيقي بطلوعه وأما إذا كانت ليلة مقمرة أو ليلة غيم أو في موضع لا ~~يشاهد مطلع الفجر فإنه مأمور بالاحتياط للصوم إذ لا سبيل له إلى العلم بحال ~~الطلوع فالواجب عليه الإمساك استبراء لدينه لما حدثنا شعبة قال حدثنا يزيد ~~بن أبي مريم السلولي قال سمعت أبا الجوزاء السعدي قال قلت للحسن بن علي ما ~~تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان يقول ( دع ما يريبك إلى مالا ~~يريبك فإن الصدق طمأنينة ms0365 والكذب ريبة ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا أبو شهاب حدثنا ابن عون عن الشعبي ~~قال سمعت النعمان بن بشير ولا أسمع أحدا بعده يقول سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول ( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات ~~وسأضرب في ذلك مثلا إن الله حمى حمى وإن حمى الله ما حرم وأنه من يرع حول ~~الحمى يوشك أن يخالطه وأنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر ) وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال أخبرنا عيسى ~~قال حدثنا زكريا عن عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بهذا الحديث قال ( وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من ~~الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام ) فهذه الأخبار تمنع من الإقدام على المشكوك فيه أنه من المباح أو ~~المحظور فوجب استعمالهما فمن شك فلا سبيل له إلى تبين طلوع الفجر في أول ما ~~يطلع حتى يكون مستبرئا لدينه وعرضه مجتنبا للريبة غير مواقع لحمى الله ~~تعالى فاستعملنا قوله @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر @QE@ فيمن يمكنه معرفة طلوعه في أول أحواله فهذا مذهب أصحابنا وحجاجه ~~فيما ذكرنا وقال مالك بن أنس أكره أن يأكل إذا شك في الفجر وإن أكل فعليه ~~القضاء وقال الثوري يتسحر الرجل ما شك حتى يرى الفجر وقال عبيدالله بن ~~الحسن والشافعي إن أكل شاكا في الفجر فلا شيء عليه وأما قول من قال أنه ~~يأكل شاكا من غير اعتبار منه بحال إمكان التبين في حال طلوعه أو تعذر ذلك ~~عليه فذلك إغفال منه لأن ضريرا لو كان في موضع ليس بحضرته من يعرفه طلوع ~~الفجر لم يجز له الإقدام على الأكل بالشك وهو لا يأمن أن يكون قد أصبح ~~وكذلك من كان PageV01P287 في بيت مظلم لا يأمن من طلوع ms0366 الفجر لم يجز له ~~الإقدام على الأكل بالشك فإن أجاز هذا وألغى الشك لزمه إلغاء الشك في كل ~~موضع والإقدام على كل ما لا يأمن أن يكون محظورا من وطئ أو غيره وفي ~~استعمال ذلك مخالفة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب الشبهات ~~وترك الريب إلى اليقين ومخالفة إجماع المسلمين لأنهم لا يختلفون أنه غير ~~جائز له الإقدام على وطئ امرأة لا يعرفها وهو شاك في أنها زوجته وكذلك من ~~طلق إحدى نسائه بعينها ثلاثا ونسيها فغير جائز له الإقدام على وطئ واحدة ~~منهن باتفاق الفقهاء إلا بعد العلم بأنها ليست المطلقة وأما القول بإيجاب ~~القضاء على من أكل شاكا في الفجر فإنه لا يبيح له الإقدام على المشكوك فيه ~~فكذلك لا يوجب عليه القضاء بالشك لأنه إذا كان الأصل براءة الذمة من الفرض ~~فلا جائز إلزامه بالشك والذي تضمنته هذه الآية من الحكم من عند قوله @QB@ ~~أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ إلى قوله @QB@ من الخيط الأسود ~~من الفجر @QE@ نسخ تحريم الجماع والأكل والشرب في ليالي الصوم بعد العتمة ~~أو بعد النوم وفيها الدلالة على نسخ السنة بالقرآن لأن الحظر المتقدم إنما ~~كان ثبوته بالسنة لا بالقرآن ثم نسخ بالإباحة المذكورة في القرآن وفيها ~~الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم لما فيه من إباحة الجماع من أول ~~الليل إلى آخره مع العلم بأن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من ~~الجماع طلوع الفجر يصبح جنبا ثم حكم مع ذلك بصحة صومه بقوله @QB@ ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل @QE@ وفيها حث على طلب الولد بقوله @QB@ وابتغوا ما كتب ~~الله لكم @QE@ مع تأويل من تأوله واحتمال الآية له وفيها الدلالة على أن ~~ليلة القدر في رمضان لأن ابن عباس قد تأوله على ذلك فلولا أنه محتمل له لما ~~جاز أن يتأوله عليه وفيها الندب إلى الترخص برخصة الله لتأويل من تأوله على ~~ما بينا فيما سلف وفيها الدلالة على أن آخر الليل إلى طلوع ms0367 الفجر الثاني ~~بقوله @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ إلى قوله @QB@ حتى ~~يتبين لكم @QE@ فثبت أن الليل إلى طلوع الفجر وأن ما بعد طلوعه فهو من ~~النهار وفيها الدلالة على إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يحصل له ~~الإستبانة واليقين بطلوع الفجر وأن الشك لا يحظر عليه ذلك إذ غير جائز وجود ~~الإستبانة مع الشك وهذا فيمن يصل إلى الإستبانة وقت طلوعه وأما من لا يصل ~~إلى ذلك لساتر أو ضعف بصره أو نحو ذلك فغير داخل في هذا الخطاب لما بينا ~~آنفا قبل PageV01P288 هذا الفصل وورود لفظ الإباحة بعد الحظر دليل على أنه ~~لم يرد به الإيجاب لأن ذلك حكم لفظ الإطلاق إذا كان وروده بعد الحظر على ~~نحو ما ذكرنا من نظائره في قوله @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ وقوله @QB@ ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ ومع ذلك فليس يمتنع أن يكون بعض ~~الأكل والشرب مندوبا وهو ما يكون في آخر الليل على جهة السحور وقد حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم الحربي قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو ~~عوانة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( تسحروا فإن في ~~السحور بركة ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا عبدالله بن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى ~~عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن فصلا بين صيامكم ~~وصيام أهل الكتاب أكلة السحور ) وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن عمرو ~~الزئبقي قال حدثنا عبدالله بن شبيب قال حدثنا عبدالله بن سعيد عن عبدالرحمن ~~بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~نعم غداء المؤمن السحور وإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين ) فندب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور وليس يمتنع أن يكون مراد الله بقوله ~~@QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ms0368 الفجر ~~@QE@ في بعض ما انتظمه أكلة السحور فيكون مندوبا إليها بالآية فإن قيل قد ~~تضمنت الآية لا محالة الرخصة في إباحة الأكل وهو ما كان منه في أول الليل ~~لا على وجه السحور فكيف يجوز أن ينتظم لفظ واحد ندبا وإباحة قيل له لم يثبت ~~ذلك بظاهر الآية وإنما استدللنا عليه بظاهر السنة فأما ظاهر اللفظ فهو ~~إطلاق إباحة عل ما بينا وفيها الدلالة على أن الغاية قد لا تدخل في الحكم ~~المقدر بها بقوله عز وجل @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض @QE@ وحال التبين ~~غير داخلة في إباحة الأكل فيها ولا مرادة بها ثم قال الله تعالى @QB@ ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل @QE@ فجعل الليل غاية الصيام ولم تدخل فيه وقد دخلت ~~في بعض المواضع وهو قوله @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ ~~والغاية مرادة في إباحة الصلاة بعدها وكذلك قوله تعالى @QB@ وأيديكم إلى ~~المرافق @QE@ @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ قد دخلت الغاية في المراد وذلك ~~أصل في أن الغاية قد تدخل في حال ولا تدخل في أخرى وأنها تحتاج إلى دلالة ~~في إسقاط حكمها أو إثباته وأما قوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~@QE@ فإن عطفه على ما تقدم ذكره من إباحة الجماع PageV01P289 والأكل والشرب ~~يدل على أن الصوم المأمور به هو الإمساك عن هذه الأمور التي ذكر إباحتها ~~ليلا وقد تقدم بيان ذلك مع ما يقتضيه الصوم الشرعي من المعاني التي بعضها ~~إمساك وبعضها شرط لكون الإمساك صوما شرعيا وفي قوله @QB@ ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل @QE@ دلالة على أن من حصل مفطرا بغير عذر أنه غير جائز له الأكل ~~بعد ذلك وأن عليه أن يمسك عما يمسك عنه الصائم لأن هذا الإمساك ضرب من ~~الصيام وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء ~~فقال ( من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يأكل فليتم صومه ) فسمى الإمساك بعد ~~الأكل صوما فإن قيل إذا لم يكن صوما شرعيا لم يتناوله اللفظ لأن قوله تعالى ~~@QB@ ثم أتموا الصيام ms0369 إلى الليل @QE@ المراد به الصوم الشرعي لا الصوم ~~اللغوي قيل له هذا عندنا صوم شرعي قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~إيجابه القضاء ووجوب القضاء لا يخرجه من أن يكون صوما مندوبا إليه مستحقا ~~للثواب عليه وفيه الدلالة على أن من أصبح في رمضان غير ناو للصوم أن عليه ~~أن يتم صومه ويجزيه من فرضه ما لم يفعل ما ينافي صحة الصوم من أكل أو شرب ~~أو جماع فإن قيل الذي يقتضيه الظاهر الأمر بإتمام الصوم والإتمام يطلق فيما ~~قد صح الدخول فيه وهو فلم يدخل فيه حتى يلحقه الخطاب بالإتمام قيل له لما ~~أصبح ممسكا عما يجب على الصائم الإمساك عنه فقد حصل له الدخول في الصوم لما ~~بينا من أن الإمساك قد يكون صوما شرعيا وإن لم يحصل به قضاء فرض ولا تطوع ~~ويدل على أن ذلك صوم مع عدم النية اتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن من أصبح ~~في غير رمضان ممسكا عما يمسك عنه الصائم غير ناو للصوم أنه جائز له أن ~~يبتدئ نية التطوع ويجزيه ولو لم يكن ما مضى صوما يتعلق به حكم الصوم الشرعي ~~لما جاز أن يثبت له حكم الصوم بإيجاد النية بعده ألا ترى أنه لو أكل أو شرب ~~ثم أراد أن ينوي صياما تطوعا لم يصح له ذلك فثبت بما وصفنا صحة دلالة قوله ~~@QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ على جواز نية صيام رمضان في بعض ~~النهار والله تعالى أعلم بالصواب # باب لزوم صوم التطوع بالدخول فيه $ # قوله عز وجل @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ يدل على أن من دخل في ~~صوم التطوع لزمه إتمامه وذلك لأن قوله @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم @QE@ عام في سائر الليالي التي يريد الناس الصوم في صبيحتها وغير ~~جائز الإقتصار به على ليالي صيام رمضان دون PageV01P290 غيره لما فيه من ~~تخصيص العموم بلا دلالة ولما كان حكم اللفظ مستعملا في إباحة الأكل والشرب ~~في ليالي صوم التطوع ثبت أنها ms0370 مراده باللفظ فإذا كان كذلك ثم عطف عليه قوله ~~@QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ اقتضى ذلك لزوم إتمام الصوم الذي صح ~~له الدخول فيه تطوعا كان ذلك الصوم أو فرضا وأمر الله تعالى على الوجوب ~~فغير جائز لأحد دخل في صوم التطوع أو الفرض الخروج منه بغير عذر وإذا لزم ~~المضي فيه وإتمامه بظاهر الآية فقد صح عليه وجوبه ومتى أفسده لزمه قضاؤه ~~كسائر الواجبات فإن قيل قد روي أن الآية نزلت في صوم الفرض فوجب أن يكون ~~مقصور الحكم عليه قيل له نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا اعتبار عموم ~~اللفظ لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ولو كان الحكم في ذلك مقصورا على ~~السبب لوجب أن يكون خاصا في الذين اختانوا أنفسهم منهم فلما اتفق الجميع ~~على عموم الحكم فيهم وفي غيرهم ممن ليس في مثل حالهم دل ذلك على أن الحكم ~~غير مقصور على السبب وأنه عام في سائر الصيام كهو في سائر الناس في صوم ~~رمضان فصح بما وصفنا وجه الإستدلال بقوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل @QE@ على لزوم الصوم بالدخول فيه وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر من دخل في صيام التطوع أو صلاة التطوع فأفسده ~~أو عرض له فيه ما يفسده فعليه القضاء وهو قول الأوزاعي إذا أفسده وقال ~~الحسن بن صالح إذا دخل في صلاة التطوع فأقل ما يلزمه ركعتان وقال مالك إن ~~أفسده هو فعليه القضاء ولو طرئ عليه ما أخرجه منه فلا قضاء عليه وقال ~~الشافعي رحمه الله إن أفسد ما دخل فيه تطوعا فلا قضاء عليه وروي عن ابن ~~عباس وابن عمر مثل قولنا حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى ~~قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا هشيم قال حدثنا عثمان البتي عن أنس بن ~~سيرين قال صمت يوما فأجهدت فأفطرت فسألت ابن عباس وابن عمر فأمراني أن أصوم ~~يوما مكانه وروى طلحة بن يحيى عن مجاهد قال هو ms0371 بمنزلة الصدقة يخرجها الرجل ~~من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها ولم يختلفوا في الحج والعمرة إذا ~~أحرم بهما تطوعا ثم أفسدهما أن عليه قضاؤهما وإن أحصر فيهما فقد اختلف ~~الناس فيه أيضا فقال أصحابنا ومن تابعهم عليه القضاء وقال مالك والشافعي لا ~~قضاء عليه وما قدمنا من دلالة قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ ~~يوجب القضاء سواء خرج منه بعذر أو بغير PageV01P291 عذر لأن الآية قد اقتضت ~~الإيجاب بالدخول وإذا وجب لم يختلف حكمه في إيجاب القضاء إذا كان خروجه ~~بعذر أو بغير عذر كسائر ما أوجبه الله عليه من صيام أو صلاة أو غيرهما ~~كالنذور ونظير هذه الآية في إيجاب القرب فالدخول فيها قوله @QB@ وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها @QE@ والإبتداع قد يكون بالفعل وقد ~~يكون بالقول ثم ذم تاركي رعايتها بعد الإبتداع فدل ذلك على أن من يبتدع ~~قربة بالدخول فيها أو بإيجابها بالقول أن عليه إتمامها لأنه متى قطعها قبل ~~إتمامها فلم يرعها حق رعايتها والذم لا يستحق إلا بترك الواجبات فدل ذلك ~~على أن لزومها بالدخول كهو بالنذر والإيجاب بالقول ويحتج في مثله أيضا ~~بقوله @QB@ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا @QE@ جعله الله ~~مثلا لمن عهد لله عهدا أو حلف بالله ثم لم يف به ويقضه هو عموم في كل من ~~دخل في قربة فيكون منهيا عن نقضها قبل إتمامها لأنه متى نقضها فقد أفسد ما ~~مضى منها بعد تضمن تصحيحها بالدخول فيها ويصير بمنزلة ناقضة غزلها بعد ~~فتلها بقواها وهذا يوجب أن كل من ابتدأ في حق الله وإن كان متطوعا بديا ~~فعليه إتمامه والوفاء به لئلا يكون بمنزلة ناقضة غزلها فإن قيل إنما نزلت ~~هذه الآية فيمن نقض العهد والأيمان بعد توكيدها لأنه قال تعالى @QB@ وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم @QE@ ثم عطف عليه قوله @QB@ ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة @QE@ قيل له نزولها ms0372 على سبب لا يمنع اعتبار عموم لفظها ~~وقد بينا ذلك في مواضع ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ ولا تبطلوا أعمالكم ~~@QE@ وقد علمنا أن أقل ما يصح في الفرض من الصوم يوم كامل وفي الصلاة ~~ركعتان ولا تصح النوافل وتكون قربة إلا حسب موضوعها في الفروض بدلالة أنه ~~يحتاج إلى استيفاء شروطها ألا ترى أن صوم النفل مثل صوم الفرض في لزوم ~~الإمساك عن الجماع والأكل والشرب وكذلك صلاة التطوع تحتاج من القراءة ~~والطهارة والستر إلى مثل ما شرط في الفروض ولما لم يكن في أصل الفرض ركعة ~~واحدة ولا صوم بعض يوم وجب أن يكون كذلك حكم النفل فمتى دخل في شيء منه ثم ~~أفسده قبل إتمامه فقد أبطله وأبطل ثواب ما فعله منه وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تبطلوا أعمالكم @QE@ يمنع الخروج منه قبل إتمامه لنهي الله تعالى إياه عن ~~إبطاله وإذا لزمه إتمامه فقد وجب عليه قضاؤه إذا خرج منه قبل إتمامها ~~معذورا كان في خروجه أو غير معذور PageV01P292 ويدل عليه من جهة السنة ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البتيراء وهو أن يوتر الرجل ~~بركعة فاقتضى هذا اللفظ إيجاب إتمامه وإذا وجب إتمامها فقد لزمته فمتى ~~أفسدها أو فسدت عليه بغير اختياره لزمه قضاؤها كسائر الواجبات ويدل عليه ~~حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من ~~كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ) قال عكرمة فذكرت ذلك لابن عباس ~~وأبي هريرة فقالا صدق فصارت رواته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وذلك ~~يدل على معنيين أحدهما إلزامه بالدخول فيه لأنه لم يفرق بين الفرض والنفل ~~والثاني أنه وإن خرج منه بغير اختيار منه فإن القضاء واجب عليه ويدل عليه ~~أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال ~~حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى ~~عروة عن عروة بن الزبير ms0373 عن عائشة قالت أهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين ~~فأفطرنا ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أهديت لنا ~~هدية فاشتهيناها فأفطرنا فقال ( لا عليكما صوما مكانه يوما آخر ) وهذا يدل ~~على وجوب القضاء في التطوع لأنه لم يسألهما عن جهة صومهما وحدثنا عبدالباقي ~~بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عبدالله ~~بن عمر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين ~~متطوعين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فسألت حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ( إقضيا يوما مكانه ) قال عبدالباقي وحدثنا عبدالله بن أسيد الأصبهاني ~~الأكبر قال حدثنا أزهر بن جميل قال حدثنا أبو همام محمد بن الزبرقان عن ~~عبدالله بن عمر عن الزهري عن عروة عن عائشة نحوه قال عبدالباقي وحدثنا إسحق ~~قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن الزهري أن حفصة وعائشة وذكر نحوه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إقضيا مكانه يوما ) وأصحاب حديث ~~يتكلمون في إسناد هذا الحديث بأشياء يطعنون بها فيه أحدها ما حدثنا به ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال سمعت سفيان ~~يحدثه عن الزهري فقيل للزهري هو من حديث عروة فقال الزهري ليس هو من حديث ~~عروة قال الحميدي وأخبرني غير واحد عن معمر أنه قال لو كان من حديث الزهري ~~ما نسيته وهذا الذي ذكروه لا يبطله عندنا لأنه جائز أن يريد الزهري بذلك ~~أنه لم يسمعه من عروة وسمعه من غير عروة وأكثر أحواله أن يكون مرسلا عن ~~PageV01P293 عروة وإرساله لا يفسده عندنا وأما قول معمر لو كان من حديث ~~الزهري ما نسيته فليس بشيء لأن النسيان جائز عليه في حديث الزهري كجوازه في ~~حديث غيره وأكثر أحواله أن لا يكون معمر قد سمعه من الزهري وغير معمر قد ~~سمعه من الزهري ورواه عنه فلا يفسده أن لا يكون معمر قد رواه عنه وقد رواه ~~زميل ms0374 مولى عروة عن عروة ويطعنون فيه أيضا بما ذكره ابن جريج أنه قال للزهري ~~في هذا الحديث أسمعته من عروة قال إنما أخبرني به رجل بباب عبدالملك وروي ~~في غير هذا الحديث أن الرجل سليمان بن أرقم وكيفما تصرفت به الحال فليس فيه ~~ما يفسده على مذهب الفقهاء وما يعترض به أصحاب الحديث من مثل هذا لا يفسد ~~الحديث ولا يقدح فيه عندهم وقد روى أيضا خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أن حفصة ~~وعائشة أصبحتا صائمتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا فأمرهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تقضيا يوما مكانه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد ~~بن حنبل قال حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أبي حمزة عن ~~الحسن عن أبي سعيد الخدري أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين فأهدي لهما طعام ~~فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهما تأكلان فقال ( ألم تصبحا صائمتين قالتا ~~بلى قال اقضيا يوما مكانه ولا تعودا ) وقد روي من طريق آخر وهو ما حدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال حدثنا حرملة قال حدثنا ~~ابن وهب قال حدثنا جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عروة عن عائشة قالت ~~أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي إلينا طعام فأعجبنا فأفطرنا فلما ~~جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدرتني حفصة فسألته وهي ابنة أبيها فقال صلى ~~الله عليه وسلم ( صوما يوما مكانه ) وروى الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة مثل ذلك وقد روى عبيدالله بن عمر عن نافع عن عبدالله بن عمر ~~هذه القصة وذكر نحوها إلا أنه لم يذكر تطوعا فهذه آثار مستفيضة قد رويت من ~~طرق في بعضها أنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين وفي بعضها لم يذكر التطوع وفي ~~كلها الأمر بالقضاء ويدل على وجوب القضاء ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا هشام بن حسان عن ~~محمد بن سيرين عن ms0375 أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ~~ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض ) وفي هذا الحديث ما ~~يوجب القضاء على الصائم المتطوع إذا استقاء عمدا لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يفرق بين المتنفل وبين من يصوم فرضا PageV01P294 ويدل عليه من جهة النظر ~~اتفاق الجميع على أن المتصدق بصدقة تطوعا إذا قبضها من تصدق بها عليه لا ~~يرجع فيها لما فيه من أبطال القربة التي حصلت له بها فكذلك الداخل في صلاة ~~أو صوم تطوعا غير جائز له الخروج منها قبل إتمامها لما فيه من إبطال ما ~~تقدم منه فهو بمنزلة الصدقة المقبوضة فإن قيل هو بمنزلة الصدقة التي لم ~~تقبض لأنه إنما امتنع من فعل باقي أجزاء الصلاة والصوم بمنزلة الممتنع من ~~تسليم الصدقة قيل له لو لم يكن إلا كذلك لكان كما ذكرت لكنه لما كان في ~~الخروج منه قبل إتمامه إبطال ما تقدم لم يكن له سبيل إلى ذلك ومتى فعله ~~لزمه القضاء ألا ترى أنه لا يصح صوم بعض النهار دون بعض وأن من أكل في أول ~~النهار لا يصح له صوم بقيته وكذلك من صام أوله ثم أفطر في باقيه فقد أخرج ~~نفسه من حكم صوم ذلك اليوم رأسا وأبطل به حكم ما فعله كالراجع في الصدقة ~~المقبوضة فصار كما إذا رجع في صدقة مقبوضة لزمه ردها إلى المتصدق بها عليه ~~ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المحرم بحج أو عمرة تطوعا متى أفسده ~~لزمه القضاء وكان الدخول فيه بمنزلة الإيجاب بالقول فإن قيل إنما لزمه ~~القضاء لأن فساده لا يخرجه منه وليس ذلك كسائر القرب من الصلاة والصوم إذ ~~هو يخرج منهما بالإفساد قيل له هذا الفرق لا يمنع تساويهما في جهة الإيجاب ~~بالدخول ولا يخلو هذا المحرم من أن يكون قد لزمه الإحرام بالدخول ووجب عليه ~~إتمامه أو لم يلزمه فإن كان قد لزمه إتمامه فالواجب عليه القضاء سواء أحصر ~~أو أفسده بفعله لأن ms0376 ما قد وجب لا يختلف حكمه في وقوع الفساد فيه بفعله أو ~~غير فعله مثل النذر وحجة الإسلام فمتى اتفقنا على أنه متى أفسده لزمه قضاؤه ~~وجب أن يكون ذلك حكمه إذا أحصر وتعذر فعله من غير جهته كسائر الواجبات وعلى ~~أن السنة قد قضت ببطلان قول الخصم وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم من كسر ~~أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل فأوجب عليه القضاء مع وقوع المنع من قبل ~~غيره وإذا ثبت ذلك في الحج والعمرة وجب مثله في سائر القرب التي شرط صحتها ~~إتمامها وكان بعضها منوطا ببعض وذلك مثل الصلاة والصيام ويجب أن لا يختلف ~~في وجوب قضائه حكم خروجه منها بفعله أو غير فعله كما في سائر الواجبات ~~واحتج من خالف في ذلك بحديث أم هانئ حين ناولها النبي صلى الله عليه وسلم ~~سؤره فشربته ثم قالت إني كنت صائمة وكرهت أن أرد سؤرك فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت ~~PageV01P295 فاقضي وإن شئت فلا تقضي ) وهذا حديث مضطرب السند والمتن جميعا ~~فأما اضطراب سنده فإن سماك بن حرب يرويه مرة عمن سمع أم هانئ ومرة يقول ~~هارون بن أم هانئ أو ابن ابنة أم هانئ ومرة يرويه عن ابني أم هانئ ومرة عن ~~ابن أم هانئ قال أخبرني أهلنا ومثل هذا الإضطراب في الإسناد يدل على قلة ~~ضبط رواته وأما اضطراب المتن فمن قبل ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير بن عبدالحميد عن يزيد بن ~~أبي زياد عن عبدالله بن الحرث عن أم هانئ قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة ~~جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه ~~قال فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت ~~منه ثم قالت يا رسول الله أفطرت وكنت ms0377 صائمة فقال ( لها أكنت تقضين شيئا ~~قالت لا قال فلا يضرك إن كان تطوعا ) فذكر في هذا الحديث أنه قال لا يضرك ~~وليس في ذلك نفي لوجوب القضاء لأنا كذلك نقول أنه لم يضرها لأنها لم تعلم ~~أنه لا يجوز لها الإفطار أو علمت ذلك ورأت اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالشرب والإفطار أولى من المضي فيه وحدثنا عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس ~~قال حدثنا يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة قال ~~أخبرني جعدة رجل من قريش وهو ابن أم هانئ وكان سماك بن حرب يحدثه يقول ~~أخبرني ابنا أم هانئ قال شعبة فلقيت أنا أفضلهما جعدة فحدثني عن أم هانئ أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فناولته شرابا فشرب ثم ناولها ~~فشربت فقالت يا رسول الله إني كنت صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( الصائم المتطوع أمين نفسه أو أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ) فقلت ~~لجعدة سمعته أنت من أم هانئ فقال أخبرني أهلنا وأبو صالح مولى أم هانئ عن ~~أم هانئ ورواه سماك عمن سمع أم هانئ وذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ( المتطوع بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر ) وروى سماك عن هارون ~~بن أم هانئ عن أم هانئ وقال فيه ( إن كان من قضاء رمضان فصومي يوما مكانه ~~وإن كان تطوعا فإن شئت فصومي وإن شئت فأفطري ) ولم يذكر في شيء من هذه ~~الأخبار نفي القضاء وإنما ذكر فيه أن الصائم بالخيار وأنه أمين نفسه وأن له ~~أن يفطر في التطوع ولم يقل لا قضاء عليك وهذا الإختلاف في متنه يدل على أنه ~~غير مضبوط ولو ثبتت هذه الألفاظ لم يكن فيها ما ينفي وجوب القضاء لأن أكثر ~~ما فيها إباحة الإفطار وإباحة الإفطار PageV01P296 لا تدل على سقوط القضاء ~~وقوله الصائم أمين نفسه والصائم بالخيار جائز أن يريد به من أصبح ممسكا عما ~~يمسك عنه ms0378 الصائم من غير نية للصوم أنه بالخيار في أن ينوي صوم التطوع أو ~~يفطر والمسك عما يمسك عنه الصائم يسمى صائما كما قال صلى الله عليه وسلم ~~يوم عاشوراء ( من أكل فليصم بقية يومه ) ومراده الإمساك عما يمسك عنه ~~الصائم كذلك قوله ( الصائم بالخيار والصائم أمين نفسه ) هو على هذا المعنى ~~فإن وجد في بعض ألفاظ هذا الحديث فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي فإنما هو ~~تأويل من الراوي لقوله لا يضرك وإن شئت فأفطري والصائم بالخيار وإذا كان ~~كذلك لم يثبت نفي القضاء بما ذكرت على أنه لو ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نفي إيجاب القضاء من غير احتمال التأويل مع صحة السند واتساق المتن ~~لكانت الأخبار الموجبة للقضاء أولى من وجوه أحدها أنه متى ورد خبران أحدهما ~~مبيح والآخر حاظر كان خبر الحظر أولى بالإستعمال وخبرنا حاظر لترك 4 القضاء ~~وخبرهم مبيح فكن خبرنا أولى من هذا الوجه ومن جهة أخرى أن الخبر النافي ~~للقضاء وارد على الأصل والخبر الموجب له ناقل عنه والخبر الناقل أولى لأنه ~~في المعنى وارد بعده كأنه قد علم تاريخه ومن جهة أخرى وهو أن ترك الواجب ~~يستحق به العقاب وفعل المباح لا يستحق به العقاب فكان استعمال خبر الوجوب ~~أولى من خبر النفي ومما يعارض خبر أم هانئ في إباحة الإفطار ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن سعيد قال حدثنا أبو خالد ~~عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل ) قال أبو ~~داود رواه حفص بن غياث أيضا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني ~~صائم ) فهذان خبران يحظران على ms0379 الصائم الإفطار من غير عذر ولم يفرق النبي ~~صلى الله عليه وسلم بين الصائم تطوعا أو من فرض ألا ترى أنه قال في الخبر ~~الأول وإن كان صائما فليصل والصلاة تنافي الإفطار وفرق أيضا بين المفطر ~~والصائم فلو جاز للصائم الإفطار لقال فليأكل فإن قيل إنما أراد بالصلاة ~~الدعاء والدعاء لا ينافي الأكل قيل له بل هو على الصلاة المعهودة عند ~~الإطلاق وهي التي بركوع وسجود وصرفه إلى الدعاء غير جائز إلا بدلالة فلو ~~كان المراد الدعاء PageV01P297 لكانت دلالته قائمة على أنه لا يفطر حين فرق ~~بين المفطر والصائم بما ذكرنا وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث فليقل ~~إني صائم يدل على أن الصوم يمنعه من الأكل وقد علمنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد جعل إجابة الدعوة من حق المسلم كالسلام وعيادة المريض وشهود ~~الجنازة فلما منعه الإجابة وقال فليقل إني صائم دل ذلك على حظر الإفطار في ~~سائر الصيام من غير عذر فإن قيل قد روي عن أبي الدرداء وجابر أنهما كانا لا ~~يريان بالإفطار في صيام التطوع بأسا وأن عمر بن الخطاب دخل المسجد فصلى ~~ركعة ثم انصرف فتبعه رجل فقال يا أمير المؤمنين صليت ركعة واحدة فقال هو ~~التطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص قيل له قد روينا عن ابن عباس وابن عمر ~~إيجاب القضاء على من أفطر في صيام التطوع وأما ما روي عن أبي الدرداء وجابر ~~فليس فيه نفي القضاء وإنما فيه إباحة الإفطار وحديث عمر يحتمل أن يريد به ~~من دخل في صلاة يظن أنها عليه ثم ذكر أنها ليست عليه أنها تكون تطوعا وجائز ~~أن يقطعها ولم يجب عليه القضاء وقد روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال ما ~~أجزأت ركعة قط فإن قيل قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ يدل ~~على جواز الاقتصار على ركعة قيل له إنما ذلك تخيير في القراءة لا في ركعات ~~الصلاة والتخيير فيها لا يوجب تخييرا في سائر أركانها فلا دلالة في ms0380 ذلك حكم ~~الركعات وقال الشافعي عليه في الأضحية البدل إذا استهلكها فيلزمه مثله في ~~سائر القرب ومن دلالات قوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ على ~~الأحكام أن من أصبح مقيما صائما ثم سافر أنه لا يجوز له الإفطار في يومه ~~ذلك بدلالة ظاهر قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ ولم يفرق بين من ~~سافر بعد الدخول في الصوم وبين من أقام وفيه الدلالة على أن من أكل بعد ~~طلوع الفجر وهو يظن أن عليه ليلا أو أكل قبل غروب الشمس وهو يرى أن الشمس ~~قد غابت ثم تبين أن عليه القضاء لقوله ثم أتموا الصيام إلى الليل وهذا لم ~~يتم الصيام لأن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وهو لم يمسك ~~فليس هو إذا صائم وقد اختلف السلف في ذلك فقال مجاهد وجابر بن زيد والحكم ~~أن صومه تام ولا قضاء عليه هذا في المتسحر الذي يظن أن عليه ليلا وقال ~~مجاهد لو ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم علم أنها لم تغب كان عليه القضاء ~~فرق بين المتسحر وبين من أكل قبل غروب الشمس على ظن منه ثم علم قال لأن ~~الله تعالى قال @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ~~@QE@ فما لم يتبين فالأكل PageV01P298 له مباح فلا قضاء عليه فيما أكل قبل ~~أن يتبين له طلوع الفجر وأما الذي أفطر على ظن منه بغيوبة الشمس فقد كان ~~صومه يقينا فلم يكن جائزا له الإفطار حتى يتبين له غروب الشمس وقال محمد بن ~~سيرين وسعيد بن جبير وأصحابنا جميعا ومالك والثوري والشافعي يقضي في ~~الحالين إلا أن مالكا قال في صوم التطوع يمضي فيه وفي الفرض يقضى وروى ~~الأعمش عن زيد بن وهب أن عمر أفطر هو والناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقال ~~لا تجانفنا لإثم والله لا نقضيه وروي عنه أنه قال الخطب يسير نقضي يوما ~~وظاهر قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ يقضي ببطلان صيامه إذ لم ~~يتممه ولم ms0381 تفصل الآية بين من أكل جاهلا بالوقت أو عالما به فإن قيل قال ~~الله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر @QE@ فما لم يتبين له ذلك فالأكل له مباح قيل له لا يخلو هذ 1 ~~الأكل من أحد حالين إما أن يكون ممن أمكنه استبانة طلوع الفجر والوصول إلى ~~علمه من جهة اليقين بأن يكون عارفا به وليس بينه وبينه حائل فإن كان كذلك ~~ثم لم يستبن فإن هذا لا يكون إلا من تفريطه في تأمله وترك مراعاته ومن كانت ~~هذه حاله فغير جائز له الإقدام على الأكل فإذا أكل فقد فعل ما لم يكن له أن ~~يفعله إذ قد كان في وسعه وإمكانه الوصول إلى اليقين والإستبانة ففرط فيه ~~ولم يفعله وتفريطه غير مسقط عنه فرض الصوم وإن كان هذا الأكل ممن لا يعرف ~~الفجر بصفته أو بينه وبينه حائل أو قمر أو ضعف بصر أو نحو ذلك فهذا أيضا ~~ممن لا يجوز له العمل على الظن بل عليه أن يصير إلى اليقين ولا يأكل وهو ~~شاك وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يسقط عنه القضاء بتركه الإحتياط للصوم ~~وكذلك من أكل على ظن منه بغبوبة الشمس في يوم غيم فهو بهذه المنزلة بمقتضى ~~ظاهر قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ فإن قيل لم يكلف تبين الفجر ~~عند الله تعالى وإنما كلف ما عنده قيل له إذا أمكنه الوصول إلى معرفة طلوع ~~الفجر الذي هو عند الله فعليه مراعاته فمتى لم يكن هناك حائل استحال أن لا ~~يعلمه ومع ذلك فإنه إن غفل أبيح له الأكل في حال غفلته فإن إباحة الأكل غير ~~مسقطة للقضاء كالمريض والمسافر وهما أصل في ذلك لأنهما معذوران والذي اشتبه ~~عليه طلوع الفجر أو ظنه قد طلع معذور في الأكل والعذر لا يسقط القضاء ~~بدلالة ما وصفنا ويدل عليه اتفاق الجميع أنه لو غم عليهم الهلال في أول ~~ليلة من رمضان فأفطروا ثم علموا بعد ذلك أنه ms0382 كان PageV01P299 من رمضان كان ~~عليهم القضاء فكذلك من وصفنا أمره وكذلك الأسير في دار الحرب إذا لم يعلم ~~بشهر رمضان حتى مضى ثم علم به كان عليه القضاء ولم يكن مكلفا في حال ~~الإفطار إلا علمه ثم لم يكن جهله بالوقت مسقطا للقضاء فكذلك من خفي عليه ~~طلوع الفجر وغروب الشمس فإن قيل هلا كان بمنزلة الناسي في سقوط القضاء لأنه ~~لم يعلم في حال الأكل بوجوب الصوم عليه قيل له هذا اعتلال فاسد لوجوده فيمن ~~غم عليه هلال رمضان مع إيجاب الجميع عليه القضاء متى علم أنه من رمضان ~~وكذلك الأسير في دار الحرب إذا لم يعلم بالشهر حتى مضى عليه القضاء عند ~~الجميع من جهله بوجوب الصوم عليه وقال أصحابنا في الآكل ناسيا القياس أن ~~يجب القضاء عليه وإنما تركوا القياس للأثر ولو كان ظاهر الآية ينفي صحة صوم ~~الناسي لأنه لم يتم صومه والله سبحانه قال @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~@QE@ والصوم هو الإمساك ولم يوجد منه ذلك ألا ترى أنه لو نسي الصوم رأسا ~~أنه لا خلاف أن عليه القضاء ولم يكن نسيانه مسقطا القضاء عنه وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبدالله ومحمد بن العلاء ~~المعنى قالا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر ~~عن أسماء بنت أبي بكر قالت أفطرنا يوما في رمضان في غيم في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة قلت لهشام أمروا بالقضاء ~~قال وبد من ذلك وقوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ يوجب أيضا إبطال ~~صوم المكره على الأكل لأنه لم يتمه على ما قدمنا وكذلك إبطال صوم من جن ~~فأكل في حال جنونه لأن الله تعالى حكم بصحة الصوم لمن أتمه إلى الليل فمن ~~وجد منه فعل يحظره الصوم فهو غير متم لصومه إلى الليل فيلزمه القضاء وأما ~~الوقت الذي هو نهاية الصوم ويجب به الإفطار هو ما حدثنا محمد بن ms0383 بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالله بن داود عن هشام بن عروة ~~عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم ) ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالواحد ~~قال حدثنا سليمان الشيباني قال سمعت عبدالله بن أبي أوفى قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم ~~وأشار بأصبعه قبل المشرق ) وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( إذا سقط القرص PageV01P300 أفطر ) ولا خلاف في أنه إذا غابت ~~الشمس فقد انقضى وقت الصوم وجاز للصائم الأكل والشرب والجماع وسائر ما حظره ~~عليه الصوم وقوله صلى الله عليه وسلم ( إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم ) ~~يوجب أن يكون مفطرا بغروب الشمس أكل أو لم يأكل لأن الصوم لا يكون بالليل ~~ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال لأنه يترك الطعام ~~والشراب وهو مفطر والوصال أن يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل شيئا ولا يشرب ~~فإن أكل أو شرب في أي وقت كان شيئا قليلا فقد خرج من الوصال وقد روى ابن ~~الهاد عن عبدالله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى عن الوصال قالوا يا رسول الله إنك تواصل فقال ( إنكم لستم ~~كهيئتي إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني فأيكم واصل فمن السحر إلى ~~السحر ) فأخبر أنه إذا أكل أو شرب سحرا فهو غير مواصل وأخبر صلى الله عليه ~~وسلم أنه لا يواصل لأن الله يطعمه ويسقيه وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين قيل له إنك تواصل فقال ( إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) ~~ومن الناس من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بإباحة الوصال ~~دون ms0384 أمته وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يطعمه ويسقيه ومن كان كذلك ~~فلم يواصل والله أعلم بالصواب # | باب الاعتكاف # قال الله تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ ومعنى ~~الاعتكاف في أصل اللغة هو اللبث قال الله @QB@ ما هذه التماثيل التي أنتم ~~لها عاكفون @QE@ وقال تعالى @QB@ فنظل لها عاكفين @QE@ وقال الطرماح % ~~فباتت بنات الليل حولي عكفا % عكوف البواكي بينهن صريع % # | ثم نقل في الشرع إلى معان أخر مع اللبث لم يكن الاسم يتناولها في اللغة ~~منها الكون في المسجد ومنها الصوم ومنها ترك الجماع رأسا ونية التقرب إلى ~~الله عز وجل ولا يكون معتكفا إلا بوجود هذه المعاني وهو نظير ما قلنا في ~~الصوم أنه اسم للإمساك في اللغة ثم زيد فيه معان أر لا يكون الإمساك صوما ~~شرعيا إلا بوجودها وأما شرط اللبث في المسجد فإنه للرجال خاصة دون النساء ~~وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف فالأصل فيه قوله عز وجل @QB@ ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ فجعل من شرط الاعتكاف الكون في ~~المسجد وقد اختلف السلف في المسجد الذي يجوز الاعتكاف فيه PageV01P301 على ~~أنحاء وروي عن أبي وائل عن حذيفة أنه قال لعبدالله رأيت ناسا عكوفا بين ~~دارك ودار الأشعري لا تعير وقد علمت أن لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ~~أو في المسجد الحرام فقال عبدالله لعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت وروى ~~إبراهيم النخعي أن حذيفة قال لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد المسجد الحرام ~~والمسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن قتادة عن سعيد بن ~~المسيب لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وهذا موافق لمذهب حذيفة لأن المساجد ~~الثلاثة هي مساجد الأنبياء عليهم السلام وقول آخر وهو ما روى إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال لا إعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عبدالله بن مسعود وعائشة وإبراهيم وسعيد ~~بن جبير وأبي جعفر وعروة بن الزبير لا اعتكاف إلا في ms0385 مسجد جماعة فحصل من ~~اتفاق جميع السلف أن من شرط الإعتكاف الكون في المسجد على اختلاف منها في ~~عموم المساجد وخصوصها على الوجه الذي بينا ولم يختلف فقهاء الأمصار في جواز ~~الاعتكاف في سائر المساجد التي تقام فيها الجماعات إلا شيء يحكى عن مالك ~~ذكره عنه ابن عبدالحكم قال لا يعتكف أحد إلا في المسجد الجامع أو في رحاب ~~المساجد التي تجوز فيها الصلاة وظاهر قوله @QB@ وأنتم عاكفون في المساجد ~~@QE@ يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ ومن اقتصر به على بعضها ~~فعليه بإقامة الدلالة وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه كما أن تخصيص ~~من خصه بمساجد الأنبياء لما لم يكن عليه دليل سقط اعتباره فإن قيل قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد بيت ~~المقدس ومسجدي هذا ) يدل على اعتبار تخصيص هذه المساجد وكذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام ~~) يدل على اختصاص هذين المسجدين بالفضيلة دون غيرهما قيل له لعمري أن هذا ~~القول من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيصه المساجد الثلاثة في حال ~~والمسجدين في حال دليل على تفضيلهما على سائر المساجد وكذلك نقول كما قال ~~صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا دلالة فيه على نفي جواز الاعتكاف في غيرهما ~~كما لا دلالة على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرهما فغير جائز لنا ~~تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصهما وقول مالك في الرواية التي ~~رويت عنه في تخصيص مساجد الجماعات دون مساجد الجماعات لا معنى له وكما لا ~~تمنع صلاة الجمعة في سائر المساجد كذلك PageV01P302 لا يمتنع الاعتكاف فيها ~~فكيف صار الاعتكاف مخصوصا بمساجد الجمعات دون مساجد الجماعات وقد اختلف ~~الفقهاء في موضع اعتكاف النساء فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا ~~تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد جماعة وقال مالك تعتكف ~~المرأة في مسجد الجماعة ولا ms0386 يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها وقال الشافعي ~~العبد والمرأة والمسافر يعتكفون حيث شاؤا لأنه لا جمعة عليهم قال أبو بكر ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ~~وبيوتهن خير لهن فأخبر أن بيتها خير لها ولم يفرق بين حالها في الاعتكاف ~~وفي الصلاة ولما أجاز للمرأة الاعتكاف باتفاق الفقهاء وجب أن يكون ذلك في ~~بيتها لقوله صلى الله عليه وسلم ( وبيوتهن خير لهن ) فلو كانت ممن يباح لها ~~الاعتكاف في المسجد لكان اعتكافها في المسجد أفضل ولم يكن بيوتهن خير لهن ~~لأن الاعتكاف شرطه الكون في المساجد لمن يباح له الاعتكاف فيه ويدل عليه ~~أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في ~~مسجدها وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها وصلاتها في مخدعها أفضل ~~من صلاتها في بيتها ) فلما كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ~~كان اعتكافها كذلك ويدل على كراهة الاعتكاف في المساجد للنساء ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو ~~معاوية ويعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه قالت وأنه ~~أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان قالت فأمر ببنائه فضرب فلما ~~رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب قالت وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ببنائه فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال ما هذه آلبر تردن ~~قالت ثم أمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى ~~العشر الأول يعني من شوال وهذا الخبر يدل على كراهية الاعتكاف للنساء في ~~المسجد بقوله آلبر تردن يعني أن هذا ليس من البر ويدل على كراهية ذلك منهن ~~أنه لم يعتكف في ذلك الشهر ونقض بناءه حتى نقضن أبنيتهن ولو ساغ لهن ms0387 ~~الاعتكاف عنده لما ترك الاعتكاف بعد العزيمة ولما جوز لهن تركه وهو قربة ~~إلى الله تعالى وفي هذا دلالة على أنه قد كره اعتكاف النساء في المساجد فإن ~~قيل قد روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ~~وقالت فيه فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف فأذن لي ~~PageV01P303 ثم استأذنته زينب فأذن لها فلما صلى الفجر رأى في المسجد أربعة ~~أبنية فقال ما هذا فقالوا لزينب وحفصة وعائشة فقال آلبر تردن فلم يعتكف ~~فأخبرت في هذا الحديث بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له ليس فيه ~~أنه أذن لهن في الاعتكاف في المسجد ويحتمل أن يكون الإذن انصرف إلى ~~اعتكافهن في بيوتهن ويدل عليه أنه لما رأى أبنيتهن في المسجد ترك الاعتكاف ~~حتى تركن أيضا وهذا يدل على أن الإذن بديا لم يكن إذنا لهن في الاعتكاف في ~~المسجد وأيضا فلو صح أن الإذن بديا انصرف إلى فعله في المسجد لكانت الكراهة ~~دالة على نسخه وكان الآخر من أمره أولى مما تقدم فإن قيل لا يجوز أن يكون ~~ذلك نسخا للإذن لأن النسخ عندكم لا يجوز قبل التمكن من الفعل قيل له قد كن ~~مكن من الفعل لأدنى الاعتكاف لأنه من حين طلوع الفجر من ذلك اليوم أن صلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر فعلهن ذلك فقد حصل التمكين من الاعتكاف ~~فلذلك جاز ورود النسخ بعده وأما قول الشافعي فيمن لا جمعة عليه أن له أن ~~يعتكف حيث شاء فلا معنى له لأنه ليس للاعتكاف تعلق بالجمعة وقد وافقنا ~~الشافعي على جواز الاعتكاف في سائر المساجد فيمن عليه جمعة ومن ليست عليه ~~لا يختلفان في موضع الاعتكاف وإنما كره ذلك للمرأة في المسجد لأنها تصير ~~لابثة مع الرجال في المسجد وذلك مكروه لها سواء كانت معتكفة أو غير معتكفة ~~فأما من سواها فلا يختلف الحكم فيه لقوله تعالى @QB@ وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ فلم يخصص من عليه جمعة من غيرهم ms0388 فلا يختلف في الاعتكاف من ~~عليه جمعة ومن ليست عليه لأنه نافلة ليس بفرض على أحد وقد اختلف الفقهاء في ~~مدة الاعتكاف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي له أن يعتكف ~~يوما وما شاء وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا في من دخل في الاعتكاف من غير ~~إيجاب بالقول في إحدى الروايتين هو معتكف ما دام في المسجد وله أن يخرج متى ~~شاء بعد أن يكون صائما في مقدرا لبثه فيه والرواية الأخرى وهي في غير ~~الأصول أن عليه أن يتمه يوما وروى ابن وهب عن مالك قال ما سمعت أن أحدا ~~اعتكف دون عشر ومن صنع ذلك لم أر عليه شيئا وذكر ابن القاسم عن مالك أنه ~~كان يقول الاعتكاف يوم وليلة ثم رجع وقال لا اعتكاف أقل من عشرة أيام وقال ~~عبيدالله بن الحسن لا أستحب أن يعتكف أقل من عشرة أيام قال أبو بكر تحديد ~~مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق وهما معدومان فالموجب لتحديده ~~متحكم قائل بغير دلالة PageV01P304 فإن قيل تحديد العشرة لما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان وروي أنه اعتكف العشر ~~الأواخر من شوال في بعض السنين ولم يرو أنه اعتكف أقل من ذلك قيل له لم ~~يختلف الفقهاء إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف ليس على الوجوب ~~وأنه غير موجب على أحد اعتكافا فإذا لم يكن فعله للاعتكاف على الوجوب ~~فتحديد العشرة أولى أن لا يثبت بفعله ومع ذلك فإنه لم ينف عن غيره فنحن ~~نقول أن اعتكاف العشرة جائز ونفي ما دونها يحتاج إلى دليل وقد أطلق الله ~~تعالى ذكر الاعتكاف فقال @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ ~~ولم يحده بوقت ولم يقدره بمدة فهو على إطلاقه وغير جائز تخصيصه بغير دلالة ~~والله أعلم # باب الاعتكاف هل يجوز بغير صوم $ # قال الله تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ وقد بينا ~~أن الاعتكاف اسم شرعي وما كان هذا حكمه من ms0389 الأسماء فهو بمنزلة المجمل الذي ~~يفتقر إلى البيان وقد اختلف السلف في ذلك فروى عطاء عن ابن عمر عن ابن عباس ~~وعائشة قالوا المعتكف عليه الصوم وقال سعيد بن المسيب عن عائشة من سنة ~~المعتكف أن يصوم وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال ~~لا اعتكاف إلا بصوم وهو قول الشعبي وإبراهيم ومجاهد وقال آخرون يصح بغير ~~صوم روى الحكم عن علي وعبدالله وقتادة عن الحسن وسعيد وأبو معشر عن إبراهيم ~~قالوا إن شاء صام وإن شاء لم يصم وروى طاوس عن ابن عباس مثله واختلف فيه ~~أيضا فقهاء الأمصار فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري ~~والحسن بن صالح لا اعتكاف إلا بصوم وقال الليث بن سعد الاعتكاف في رمضان ~~والجوار في غير رمضان ومن جاور فعليه ما على المعتكف من الصيام وغيره وقال ~~الشافعي يجوز الاعتكاف بغير صوم قال أبو بكر لما كان الاعتكاف اسما مجملا ~~لما بينا كان مفتقرا إلى البيان فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في ~~اعتكافه فهو وارد مورد البيان فيجب أن يكون على الوجوب لأن فعله إذا ورد ~~مورد البيان فهو على الوجوب إلا ما قام دليله فلما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا اعتكاف إلا بصوم وجب أن يكون الصوم من شروطه التي لا يصح إلا ~~به كفعله في الصلاة لإعداد الركعات PageV01P305 والقيام والركوع والسجود ~~لما كان على وجه البيان كان على الوجوب ومن جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا عبدالله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن عمر ~~جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة فسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال اعتكف وصم وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا عبدالله بن عمر بن محمد بن إبان بن صالح ms0390 القرشي قال حدثنا عمرو بن ~~محمد عن عبدالله بن بديل بإسناده نحوه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الوجوب فثبت بذلك أنه من شروط الاعتكاف ويدل عليه أيضا قول عائشة رضي الله ~~تعالى عنها من سنة المعتكف أن يصوم ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع ~~على لزومه بالنذر فلولا ما يتضمنه من الصوم لما لزم بالنذر لأن ما ليس له ~~أصل في الوجوب لا يلزم بالنذر ولا يصير واجبا كما أن ما ليس له أصل في ~~القرب لا يصير قربة وإن تقرب به ويدل عليه أن الاعتكاف لبث في مكان فأشبه ~~الوقوف بعرفة والكون بمنى لما كان لبثا في مكان لم يصر قربة إلا بإنضام ~~معنى آخر إليه هو في نفسه قربة فالوقوف بعرفة الإحرام والكون بمنى الرمي ~~فإن قيل لو كان من شرطه الصوم لما صح بالليل لعدم الصوم فيه قيل له قد ~~اتفقوا على أن من شرطه اللبث في المسجد ثم لا يخرجه من الاعتكاف خروجه ~~لحاجة الإنسان وللجمعة ولم ينف ذلك كون اللبث في المسجد شرطا فيه كذلك من ~~شرطه الصوم وصحته بالليل مع عدم الصوم غير مانع أن يكون من شرطه وكذلك ~~اللبث بمنى قربة لأجل الرمي ثم يكون اللبث بالليل بها قربة لرمي يفعله في ~~غد كذلك الاعتكاف بالليل صحيح بصوم يستقبله في غد والله أعلم # | باب ما يجوز للمعتكف أن يفعله # قال الله تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ يحتمل ~~اللفظ حقيقة المباشرة التي هي إلصاق البشرة بالبشرة من أي موضع كان من ~~البدن ويحتمل أن تكون كناية عن الجماع كما كان المسيس كناية عن الجماع ~~وحقيقته المس باليد وبسائر الأعضاء وكما قال @QB@ فالآن باشروهن وابتغوا ما ~~كتب الله لكم @QE@ والمراد الجماع فلما اتفق الجميع أن هذه الآية قد حظرت ~~الجماع على المعتكف وأنه مراد بها وجب أن تنتفي إرادة المباشرة التي هي ~~حقيقة لامتناع كون لفظ واحد حقيقة مجازا وقد اختلف الفقهاء في مباشرة ~~PageV01P306 المعتكف فقال أصحابنا لا بأس بها ms0391 إذا لم تكن بشهوة وأمن على ~~نفسه ولا ينبغي أن يباشرها بشهوة ليلا ولا نهارا فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه ~~فإن لم ينزل لم يفسد وقد أساء وقال ابن القاسم عن مالك إذا قبل امرأته فسد ~~اعتكافه وقال المزني عن الشافعي إن باشر فسد اعتكافه وقال في موضع آخر لا ~~يفسد الإعتكاف من الوطىء إلا ما يوجب الحد قال أبو بكر قد بينا أن مراد ~~الآية في المباشرة هو الوطئ دون المباشرة باليد والقبلة وكذلك قال أبو يوسف ~~أن قوله @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ إنما هو على ~~الجماع وروي عن الحسن البصري قال المباشرة النكاح وقال ابن عباس إذا جامع ~~المعتكف فسد اعتكافه وقال الضحاك كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزل @QB@ ~~ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ وقال قتادة كان الناس إذا ~~اعتكفوا خرج الرجل منهم فباشر أهله ثم رجع إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك ~~بقوله @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ وهذا من قولهم يدل ~~على أنهم عقلوا من مراد الآية الجماع دون اللمس والمباشرة باليد ويدل على ~~أن المباشرة لغير شهوة مباحة للمعتكف حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها ~~كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف فكانت لا محالة تمس ~~بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فدل على أن المباشرة لغير شهوة غير ~~محظورة على المعتكف وأيضا لما ثبت أن الاعتكاف بمعنى الصوم في باب حظر ~~الجماع ولم يكن الصوم مانعا من المباشرة أو القبلة لغير شهوة إذا أمن على ~~نفسه وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار مستفيضة وجب أن لا يمنع ~~الاعتكاف القبلة لغير شهوة ولما كانت المباشرة والقبلة لشهوة محظورتين في ~~الصوم وجب أن يكون ذلك حكمهما في الاعتكاف ولما كانت المباشرة في الصوم إذا ~~حدث عنها إنزال فسد الصوم وجب أن يفسد الاعتكاف لأن الإعتكاف والصوم قد ~~جريا مجرى واحدا في اختصاصهما بحظر الجماع دون دواعيه من الطيب ودون اللباس ~~فإن ms0392 قيل المحرم إذا قبل بشهوة لزمه دم وإن لم ينزل فهلا أفسدت اعتكاف بمثله ~~قيل له ليس الإحرام بأصل للاعتكاف ألا ترى أنه ممنوع في الإحرام من الجماع ~~ودواعيه من الطيب ومحظور عليه اللبس والصيد وإزالة التفث عن نفسه وليس يحظر ~~ذلك عليه الاعتكاف فثبت بذلك ان الإحرام ليس بأصل للاعتكاف وأن الإحرام أكر ~~حرمة فيما يتعلق به من الأحكام فلما كان المحرم ممنوعا من الاستمتاع ~~PageV01P307 وقد حصل له ذلك بالمباشرة وإن لم ينزل وجب عليه دم لحصول ~~الاستمتاع بما هو محظور عليه فأشبه الاستمتاع بالطيب واللباس فلزمه من أجل ~~ذلك دم فإن قيل فلا يفسد اعتكافه وإن حدث عنها إنزال كما لا يفسد إحرامه ~~قيل له لم نجعل ما وصفنا علة في فساد الإعتكاف حتى يلزمنا علتها وإنما ~~أفسدنا اعتكافه بالإنزال عن المباشرة كما أفسدنا صومه وأما الإحرام فهو ~~مخصوص في إفساده بالجماع في الفرج وسائر الأمور المحظورة في الإحرام لا ~~يفسده ألا ترى أن اللبس والطيب والصيد كل ذلك محظور في الإحرم ولا يفسده ~~إذا وقع فيه فالإحرام في باب البقاء مع وجود ما يحظره أكبر من الاعتكاف ~~والصوم ألا ترى أن بعض الأشياء التي يحظرها الصوم يفسده مثل الأكل والشرب ~~وكذلك يفسد الاعتكاف فلذلك قلنا إن المباشرة في الاعتكاف إذا حدث عنها ~~إنزال أفسدته كما تفسد الصوم ومتى لم يحدث عنها لم يكن لها تأثير في إفساد ~~الاعتكاف كما لم تؤثر في إفساد الصوم واختلف فقهاء الأمصار في أشياء من أمر ~~المعتكف فقال أصحابنا لا يخرج المعتكف من المسجد في اعتكاف واجب ليلا ولا ~~نهارا إلا لما لا بد منه من الغائط والبول وحضور الجمعة ولا يخرج لعيادة ~~مريض ولا لشهود جنازة قالوا ولا بأس بأن يبيع ويشتري ويتحدث في المسجد ~~ويتشاغل بما لا مأثم فيه ويتزوج وليس فيه صمت وبه قال الشافعي وقال ابن وهب ~~عن مالك لا يعرض المعتكف لتجارة ولا غيرها بل يشتغل باعتكافه ولا بأس أن ~~يأمر بصنعته ومصلحة أهله وبيع ماله أو ms0393 شيئا لا يشغله في نفسه ولا بأس به ~~إذا كان خفيفا قال مالك ولا يكون معتكفا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف ولا ~~بأس بنكاح المعتكف ما لم يكن الوقاع وقال ابن القاسم عن مالك لا يقوم ~~المعتكف إلى رجل يعزيه بمصيبة ولا يشهد نكاحا يعقد في المسجد يقوم إليه في ~~المسجد ولكن لو غشيه ذلك في مجلسه لم أر به بأسا ولا يقوم إلى الناكح ~~فيهنيه ولا يتشاغل في مجلس العلم ولا يكتب العلم في المجلس وكرهه ويشتري ~~ويبيع إذا كان خفيفا وقال سفيان الثوري المعتكف يعود المريض ويشهد الجمعة ~~وما لا يحسن به أن يصنعه في المسجد أتى أهله فصنعه ولا يدخل سقفا إلا أن ~~يكون ممره فيه ولا يجلس عند أهله وليوصيهم بحاجته وهو قائم أو يمشي ولا ~~يبيع ولا يبتاع وإن دخل سقفا بطل اعتكافه وقال الحسن بن صالح إذا دخل ~~المعتكف بيتا ليس فيه طريقه أو جامع بطل PageV01P308 اعتكافه ويحضر الجنازة ~~ويعود المريض ويأتي الجمعة ويخرج للوضوء ويدخل بيت المريض ويكره أن يبيع ~~ويشتري قال أبو بكر روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن عائشة ~~قالت إن من السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يتبع ~~الجنازة ولا يعود مريضا ولا يمس امرأة ولا يباشرها وعن سعيد بن المسيب ~~ومجاهد قالا لا يعود المعتكف مريضا ولا يجيب دعوة ولا يشهد جنازة وروى ~~مجاهد عن ابن عباس قال ليس على المعتكف أن يعود مريضا ولا يتبع جنازة ~~فهؤلاء السلف من الصحابة والتابعين قد روي عنهم في المعتكف ما وصفنا وروي ~~عن غيرهم خلاف ذلك وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال المعتكف يشهد ~~الجمعة ويعود المريض ويتبع الجنازة وروي مثله عن الحسن وعامر وسعيد بن جبير ~~وروى سفيان بن عيينة عن عمار بن عبدالله بن يسار عن أبيه عن علي أنه لم ير ~~بأسا أن يخرج المعتكف ويبتاع وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا ms0394 القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت ~~عبدالرحمن عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني ~~إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان فهذا الحديث يقتضي ~~حظر الخروج إلا لحاجة الإنسان مما وصفنا من أن فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم للاعتكاف وارد مورد البيان وفعله إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب ~~فأوجب ما ذكرنا من فعله حظر الخروج على المعتكف إلا لحاجة الأنسان وإنما ~~يعني به البول والغائط ولما كان من شرط الاعتكاف اللبث في المسجد وبذلك ~~قرنه الله تعالى عند ذكره في قوله @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ وجب أن لا يخرج إلا لما لا بد منه من حاجة الإنسان وقضاء فرض ~~الجمعة ولأنه معلوم أنه لم يعقد على نفسه اعتكافا هو منتفل بإيجابه وهو ~~يريد ترك شهود الجمعة وهي فرض عليه فصار حضورها مستثنى من اعتكافه فإن قيل ~~أليس في قوله @QB@ وأنتم عاكفون في المساجد @QE@ دلالة على أن من شرطه دوام ~~اللبث فيه لأنه إنما ذكر الحال التي يكونون عليها وعلق به حظر الجماع إذا ~~كانوا من بهذه الصفة ولا دلالة على حظر الخروج من المسجد في حال الاعتكاف ~~قيل له هذا خطأ من وجهين أحدهما أنه معلوم أن حظر الجماع على المعتكف غير ~~متعلق بكونه في المسجد لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس له أن يجامع ~~امرأته في بيته في PageV01P309 حال الاعتكاف وقد حكينا عن بعض السلف أن ~~الآية نزلت فيمن كان يخرج من المسجد في حال اعتكافه إلى بيته ويجامع فلما ~~كان ذلك كذلك ثبت أن ذكر المسجد في هذا الموضع إذا لم يعلق به حظر الجماع ~~إنما هو لأن ذلك شرط الاعتكاف ومن أوصافه التي لا يصح إلا به والوجه الآخر ~~أن الاعتكاف لما كان أصله في اللغة اللبث في الموضع ثم ذكر الله تعالى ~~الاعتكاف فاللبث لا محالة مراد به وإن أضيف إليه معان أخر ms0395 لم يكن الاسم لها ~~في اللغة كما أن الصوم لما كان في اللغة هو الإمساك ثم نقل في الشرع إلى ~~معان أخر لم يخرجه ذلك من أن يكون من شرطه وأوصافه التي لا يصح إلا به فثبت ~~أن الاعتكاف هو اللبث في المسجد فواجب على هذا أن لا يخرج إلا لما لا بد ~~منه أو لشهود الجمعة إذ كانت فرضا مع ما عاضد هذه المقالة ما قدمنا من ~~السنة ولما لم يتعين فرض شهود الجنازة وعيادة المريض لم يجز له الخروج لهما ~~وروى عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فما يعرج عليه يسئل عنه ويمضي وروى الزهري ~~عن عمرة عن عائشة مثله من فعلها ولما اتفق الجميع ممن ذكرنا قوله أنه غير ~~جائز للمعتكف أن يخرج فينصرف في سائر أعمال البر من قضاء حوائج الناس ~~والسعي على عياله وهو من البر وجب أن يكون كذلك حكم عيادة المريض وكما لا ~~يجيبه إلى دعوته كذلك عيادته لأنهما سواء في حقوق بعضهم على بعض فالكتاب ~~والأثر والنظر يدل على صحة ما وصفنا فإن احتج محتج بما روى الهياج ~~الخراساني قال حدثنا عنبسة بن عبدالرحمن عن عبدالخالق عن أنس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض وإذا خرج من ~~المسجد قنع رأسه حتى يعود إليه ) قيل له هذا حديث مجهول السند لا يعارض به ~~حديث الزهري عن عمرة عن عائشة وأما قول من قال أنه إن دخل سقفا بطل اعتكافه ~~فتخصيصه السقف دون غيره لا دلالة عليه ولا فرق بين السقف وغيره من الفضاء ~~فإن كونه في الفضاء والصحراء لا يفسد اعتكافه فكذلك السقف مثله وأما البيع ~~والشراء من غير إحضار السلعة والميزان فلا بأس عندهم به وإنما أرادوا البيع ~~بالقول فحسب لا إحضار السلع والأثمان وإنما جاز ذلك لأنه مباح فهو كسائر ~~كلامه في الأمور المباحة وقد روي عن النبي صلى الله عليه ms0396 وسلم أنه نهى عن ~~الصمت يوم إلى الليل فإذا كان الصمت محظورا فهو لا محالة مأمور بالكلام ~~فسائر ما ينافي الصمت PageV01P310 من مباح الكلام قد انتظمه اللفظ وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن صفية قالت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت ~~فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من ~~الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال صلى الله عليه وسلم ~~( على رسلكما إنها صفية بنت حيي قالا سبحان الله يا رسول الله قال إن ~~الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال ~~شرا ) فتشاغل في اعتكافه بمحادثة صفية ومشى معها إلى باب المسجد وهذا يبطل ~~قول من قال لا يتشاغل بالحديث ولا يقوم فيمشي إلى أملاك في المسجد وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا حدثنا ~~حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلال الحجرة فأغسل رأسه ~~وأرجله وأنا حائض وقد حوى هذا الخبر أحكاما منها إباحة غسل الرأس وهو في ~~المسجد ومنها جواز المباشرة واللمس بغير شهوة للمعتكف ومنها جواز غسل الرأس ~~في حال الاعتكاف وغسل الرأس إنما هو لإصلاح البدن فدل ذلك على أن للمعتكف ~~أن يفعل ما فيه صلاح بدنه ودل أيضا على أنه له أن يشتغل بما فيه صلاح ماله ~~كما أبيح له الاشتغال بإصلاح بدنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( قتال ~~المؤمن كفر وسبابه فسق وحرمة ماله كحرمة دمه ) ودل أيضا على أن للمعتكف أن ~~يتزين لأن ترجيل الرأس من الزينة ويدل على أن من كان في المسجد فأخرج رأسه ~~فغسله كان ms0397 غاسلا له في المسجد وهو يدل على قولهم فيمن حلف لا يغسل رأس فلان ~~في المسجد أنه يحنث إن أخرج رأسه من المسجد فغسله والحالف خارج المسجد وأنه ~~إنما يعتبر موضع المغسول لا الغاسل لأن الغسل لا يكون إلا وهو متصل به ~~يقتضي وجود المغسول ولذلك قالوا فيمن حلف لا يضرب فلانا في المسجد أنه ~~يعتبر وجود المضروب في المسجد لا الضارب ويدل أيضا على طهارة يد الحائض ~~وسؤرها وأن حيضها لا يمنع طهارة بدنها وهو كقوله صلى الله عليه وسلم ليس ~~حيضك في يدك والله أعلم # | باب ما يحله حكم الحاكم وما لا يحله # قال الله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم @QE@ PageV01P311 والمراد ~~والله أعلم لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل كما قال تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أنفسكم @QE@ وقوله @QB@ ولا تلمزوا أنفسكم @QE@ يعني بعضكم بعضا وكما قال ~~صلى الله عليه وسلم ( أموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) يعني أموال بعضكم على ~~بعض وأكل المال بالباطل على وجهين أحدهما أخذه على وجه الظلم والسرقة ~~والخيانة والغصب وما جرى مجراه والآخر أخذه من جهة محظورة نحو القمار وأجرة ~~الغناء والقيان والملاهي والنائحة وثمن الخمر والخنزير والحر وما لا يجوز ~~أن يتملكه وإن كان بطيبة نفس من مالكه وقد انتظمت الآية حظر أكلها من هذه ~~الوجوه كلها ثم قوله @QB@ وتدلوا بها إلى الحكام @QE@ فيما يرفع إلى الحاكم ~~فيحكم به في الظاهر ليحلها مع علم المحكوم له أنه غير مستحق له في الظاهر ~~فأبان تعالى أن حكم الحاكم به لا يبيح أخذه فزجر عن أكل بعضنا لمال بعض ~~بالباطل ثم أخبر أن ما كان منه بحكم الحاكم فهو في حيز الباطل الذي هو ~~محظور عليه أخذه وقال في آية أخرى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ فاستثنى من ~~الجملة ما وقع من التجارة بتراض منهم به ولم يجعله من الباطل وهذا هو في ~~التجارة الجائزة دون ms0398 المحظورة وما تلونا من الآي أصل في أن حكم له الحاكم ~~بالمال لا يبيح له أخذ المال الذي لا يستحقه وبمثله وردت الأخبار والسنة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى ~~قال حدثنا الحميدي قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أسامة بن زيد عن ~~عبدالله بن رافع عن أم سلمة قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل على فيه فمن قضيت له بحجة أراها ~~فاقتطع بها قطعة ظلما فإنما يقطع قطعة من النار يأتي بها أسطاما يوم ~~القيامة في عنقه ) فبكى الرجلان فقال كل واحد منهما يا رسول الله حقي له ~~فقال صلى الله عليه وسلم ( لا ولكن اذهبا فتوخيا للحق ثم استهما وليحلل كل ~~واحد منكما صاحبه ) ومعنى هذا الخبر مواطئ لما ورد به نص التنزيل في أن حكم ~~الحاكم له بالمال لا يبيح له أخذه وقد حوى هذا الخبر معاني أخر منها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يقضي برأيه واجتهاده فيما لم ينزل به وحي ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه ) وقد ~~دل ذلك أيضا على أن الذي كلف الحاكم من ذلك الأمر الظاهر وأنه لم يكلف ~~المغيب عند الله تعالى وفيه الدلالة على أن كل مجتهد فيما يسوغ فيه ~~الاجتهاد PageV01P312 مصيب إذ لم يكلف غير ما أداه إليه اجتهاده ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه مصيب في حكمه بالظاهر وإن كان الأمر ~~في المغيب خلافه ولم يبح مع ذلك للمقتضى له أخذ ما قضى له به ودل أيضا على ~~أن الحاكم جائز له أن يعطي إنسانا مالا ويأمر له به وإن لم يسع المحكوم له ~~أخذه إذا علم أنه غير مستحق ودل أيضا على جواز الصلح عن غير إقرار ms0399 لأن ~~واحدا منهما لم يقر بالحق وإنما بذل ماله لصاحبه فأمرهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالصلح وأن يستهما عليه والإستهام هو الاقتسام ويدل على أن ~~القسمة في العقار وغيره واجبة إذا طلبها أحدهما ويدل أيضا على أن الحاكم ~~يأمر بالقسمة ويدل على جواز البراءة من المجاهيل أيضا لأنه أخبر بجهالة ~~المواريث التي قد درست ثم أمرهما مع ذلك بالتحليل وعلى أنه لو لم يذكر فيه ~~أنها مواريث قد درست لكان يقتضي قوله وليحلل كل واحد منكما صاحبه جواز ~~البراءة من المجاهيل لعموم اللفظ إذ لم يفرق بين المجهول من ذلك والمعلوم ~~ودل أيضا على جواز تراضي الشريكين على القسمة من غير حكم الحاكم ودل أيضا ~~على أن من له قبل رجل حق فوهبه له فلم يقبله أنه لا يصح ويعود الملك إلى ~~الوهاب لأن كل واحد منهما رد ما وهبه الآخر وجعل حق نفسه لصاحبه ولما لم ~~يفرق في ذلك بين الأعيان والديون وجب أن يستوي حكم الجميع إذا رد البراءة ~~والهبة في وجوب بطلانهما ويدل أيضا على أن قول القائل لفلان من مالي ألف ~~درهم أنه هبة منه وليس بإقرار لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل قول كل واحد ~~منهما الذي لي له إقرارا لأنه لو جعل إقرارا لجاز عليه ولم يحتاجا بعد ذلك ~~إلى الصلح والتحليل والقسمة وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لفلان من مالي ألف ~~درهم ويدل أيضا على جواز التحري والاجتهاد في موافقة الحق وإن لم يكن يقينا ~~لقوله صلى الله عليه وسلم وتوخيا للحق أي تحريا واجتهادا ويدل أيضا على أن ~~الحاكم جائز له أن يرد الخصوم للصلح إذا رأى ذلك وأن لا يحملها على مر ~~الحكم ولهذا قال عمر ردوا الخصوم كي يصطلحوا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه ~~عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~إنما ms0400 أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه ~~فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه ~~شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار ) وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~PageV01P313 أبو داود قال حدثنا الربيع بن نافع قال حدثنا ابن المبارك عن ~~أسامة بن زيد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة ~~إلا دعواهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه فبكى الرجلان وقال كل ~~واحد منهما حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم ( أما إذ فعلتما ما ~~فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا ) وهذان الحديثان في معنى ~~الحديث الذي قدمناه في حظر أخذ ما يحكم له به الحاكم إذا علم أنه غير مستحق ~~له وفيهما فوائد أخر منها أن قوله في حديث زينب بنت أم سلمة أقضي له على ~~نحو مما أسمع يدل على جواز إقرار المقر بما أقر به على نفسه لإخباره أنه ~~يقضي بما يسمع وكذلك قد اقتضى الحكم بمقتضى ما يسمعه من شهادة الشهود ~~واعتبار لفظهما فيما يقتضيه ويوجبه وقال في حديث عبدالله بن رافع هذا ~~اقتسما وتوخيا الحق ثم استهما وهذا الاستهام هو القرعة التي يقرع بها عند ~~القسمة وفيه دلالة على جواز القرعة في القسمة والذي ورد التنزيل من حظر ما ~~حكم له به الحاكم إذا علم المحكوم له أنه غير محكوم له بحق قد اتفقت الأمة ~~عليه فيمن ادعى حقا في يدي رجل وأقام بينة فقضى له أنه غير جائز له أخذه ~~وإن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل ذلك محظورا عليه واختلفوا في حكم ~~الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور فقال ~~أبو حنيفة إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن ms0401 يبتدأ فهو نافذ ~~ويكون كعقد نافذ عقداه بينهما وإن كان الشهود شهود زور أبو يوسف ومحمد ~~والشافعي حكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن وقال أبو يوسف فإن حكم بفرقة ~~لم تحل للمرأة أن تتزوج ولا يقربها زوجها أيضا قال أبو بكر روي نحو قول أبي ~~حنيفة عن علي وابن عمر والشعبي ذكر أبو يوسف عن عمرو بن المقدام عن أبيه أن ~~رجلا من الحي خطب امرأة وهو دونها في الحسب فأبت أن تزوجه فادعى أنه تزوجها ~~وأقام شاهدين عند علي فقالت إني لم أتزوجه قال قد زوجك الشاهدان فأمضى ~~عليهما النكاح قال أبو يوسف وكتب إلى شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد أن رجلين ~~شهدا على رجل أنه طلق امرأته بزور ففرق القاضي بينهما ثم تزوجها أحد ~~الشاهدين قال الشعبي ذلك جائز وأما ابن عمر فإنه باع عبدا بالبراءة فرفعه ~~المشتري إلى عثمان فقال عثمان أتحلف بالله ما بعته وبه داء كتمته فأبى أن ~~يحلف فرده عليه عثمان فباعه من غيره بفضل كثير فاستجاز ابن عمر بيع العبد ~~مع علمه بأن باطن ذلك الحكم خلاف PageV01P314 ظاهره وإن عثمان لو علم منه ~~مثل علم ابن عمر لما رده فثبت بذلك أنه كان من مذهبه إن فسخ الحاكم العقد ~~يوجب عوده إلى ملكه وإن كان في الباطن خلافه ومما يدل على صحة قول أبي ~~حنيفة في ذلك حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية ولعان النبي صلى الله عليه ~~وسلم بينهما ثم قال إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لهلال بن أمية وإن ~~جاءت به على صفة أخرى فهو لشريك بن سحماء الذي رميت به فجاءت به على الصفة ~~المكروهة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ~~ولها شأن ولم تبطل الفرقة الواقعة بلعانهما مع علمه بكذب المرأة وصدق الزوج ~~فصار ذلك أصلا في أن العقود وفسخها متى حكم بها الحاكم مما لو ابتدأ أيضا ~~بحكم الحاكم وقع ويدل على ذلك أيضا ms0402 أن الحاكم مأمور بإمضاء الحكم عند شهادة ~~الشهود الذين ظاهرهم العدالة ولو توقف عن إمضاء الحكم بما شهد به الشهود من ~~عقد أو فسخ عقد لكان آثما تاركا لحكم الله تعالى لأنه إنما كلف الظاهر ولم ~~يكلف علم الباطن المغيب عند الله تعالى وإذا مضى الحكم بالعقد صار ذلك كعقد ~~مبتدأ بينهما وكذلك إذا حكم بالفسخ صار كفسخ فيما بينهما وإنما نفذ العقد ~~والفسخ إذا تراضى المتعاقدان بحكم الله عز وجل بذلك وكذلك حكم الحاكم فإن ~~قيل فلو حكم بشهادة عبيد لم ينفذ حكمه إذا تبين مع كونه مأمورا بإمضاء ~~الحكم به قيل له إنما لم ينفذ حكمه من قبل أن الرق معنى يصح ثبوته من طريق ~~الحكم وكذلك الشرك والحد في القذف فجاز فسخ حكم الحاكم به بعد وقوعه ألا ~~ترى أنه يصح قيام البينة به والخصومة فيه عند الحاكم فلذلك جاز أن لا ينفذ ~~حكم الحاكم بشهادة هؤلاء لوجود ما ذكرنا من المعاني التي يصح إثباتها من ~~طريق الحكم وأما الفسق وجرح الشهادة من قبل أنهم شهود زور فليس هو معنى يصح ~~إثباته من طريق الحكم ولا يتقبل فيه الخصومة فلم ينفسخ ما أمضاه الحاكم فإن ~~ألزمنا على العقد وفسخه الحكم بملك مطلق ولم نبح له أخذه لم يلزمنا ذلك لأن ~~الحاكم عندنا إنما يحكم له بالتسليم لا بالملك لأنه لو حكم له بالملك ~~لاحتيج إلى ذكر جهة الملك في شهادة الشهود فلما اتفق الجميع على أنه تقبل ~~شهادة الشهود من غير ذكر جهة الملك دل ذلك على أن المحكوم به هو التسليم ~~والحكم بالتسليم ليس بسبب لنقل الملك فلذلك كان الشيء باقيا على ملك مالكه ~~وقوله @QB@ لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون @QE@ يدل على ~~أن ذلك فيمن علم أنه أخذ ما ليس له فأما من لم يعلم فجائز له أن يأخذه بحكم ~~الحاكم PageV01P315 له بالمال إذا قامت بينة وهذا يدل على أن البينة إذا ~~قامت بأن لأبيه الميت على هذا ألف درهم أو أن هذه ms0403 الدار تركها الميت ميراثا ~~أنه جائز للوارث أن يدعي ذلك ويأخذه بحكم الحاكم له به وإن لم يعلم صحة ذلك ~~إذ هو غير عالم بأنه مبطل فيما يأخذه والله تعالى إنما ذم العالم به إذا ~~أخذه بقوله @QB@ لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون @QE@ ~~ومما يدل عى نفاذ حكم الحاكم بما وصفنا من العقود وفسخها اتفاق الجميع على ~~أن ما اختلف فيه الفقهاء إذا حكم الحاكم بأحد وجوه الاختلاف نفذ حكمه وقطع ~~ما أمضاه تسويغ الاجتهاد في رده ووسع المحكوم له أخذه ولم يسع المحكوم عليه ~~منعه وإن كان اعتقادهما خلافه كنحو الشفعة بالجوار والنكاح بغير ولي ~~ونحوهما من اختلاف الفقهاء # | باب الإهلال # قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ وإنما ~~يسمى هلالا في أول ما يرى وما قرب منه لظهوره في ذلك الوقت بعد خفائه ومنه ~~الإهلال بالحج وهو إظهار التلبية واستهلال الصبي ظهور حياته بصوت أو حركة ~~ومن الناس من يقول أن الإهلال هو رفع الصوت وأن إهلال الهلال من ذلك لرفع ~~الصوت بذكره عند رؤيته والأول أبين وأظهر ألا ترى أنهم يقولون تهلل وجهه ~~إذا ظهر منه البشر والسرور وليس هناك صوت مرفوع وقال تأبط شرا % وإذا نظرت ~~إلى أسرة وجهه % برقت كبرق العارض المتهلل % # | يعني الظاهر وقد اختلف أهل اللغة في الوقت الذي يسمى هلالا فمنهم من ~~قال يسمى هلالا لليلتين من الشهر ومنهم من قال يسمى لثلاث ليال ثم يسمى ~~قمرا وقال الأصمعي يسمى هلالا حتى يحجر وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة ومنهم ~~من يقول يسمى هلالا حتى يبهر ضوءه سواد الليل فإذا غلب ضوءه سمي قمرا قالوا ~~وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة وقال الزجاج الأكثر يسمونه هلالا لابن ~~ليلتين وقيل أن سؤالهم وقع عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها فأجابهم ~~أنها مقادير لما يحتاج إليه الناس في صومهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل الديون ~~وغير ذلك من الأمور فكانت هذه منافع عامة لجميعهم وبها عرفوا الشهور ~~والسنين ومالا ms0404 يحصيه من المنافع والمصالح غير الله تعالى وفي هذه الآية ~~دلالة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة لعموم اللفظ في سائر ~~PageV01P316 الأهلة أنها مواقيت للحج ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج فوجب ~~أن يكون المراد الإحرام وقوله تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ لا ينفى ~~ما قلنا لأن قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ فيه ضمير لا يستغنى عنه ~~الكلام وذلك لاستحالة كون الحج أشهرا لأن الحج هو فعل الحاج وفعل الحاج لا ~~يكون أشهرا لأن الأشهر إنما هي مرور الأوقات ومرور الأوقات هو فعل الله ليس ~~بفعل للحاج والحج فعل الحاج فثبت أن في الكلام ضميرا لا يستغنى عنه ثم لا ~~يخلو ذلك الضمير من أن يكون فعل الحج أو الإحرام بالحج وليس لأحد صرفه إلى ~~أحد المعنيين دون الآخر إلا بدلالة فلما كان في اللفظ هذا الاحتمال لم يجز ~~تخصيص قوله تعالى @QB@ قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ به إذ غير جائز لنا ~~تخصيص بالاحتمال والوجه الآخر أنه إن كان المراد إحرام الحج فليس فيه نفي ~~لصحة الإحرام في غيرها وإنما فيها إثبات الإحرام فيها وكذلك نقول أن ~~الإحرام جائز فيها بهذه الآية وجائز في غيرها بالآية الأخرى إذ ليس في ~~إحداهما ما يوجب تخصيص الأخرى به والذي يقتضيه ظاهر اللفظ أن يكون المراد ~~أفعال الحج لا إحرامه إلا أن فيه ضمير حرف الظرف وهو في فمعناه حينئذ الحج ~~في أشهر معلومات وفيه تخصيص أفعال الحج في هذه الأشهر دون غيرها وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج فطاف له وسعى بين الصفا والمروة قبل ~~أشهر الحج أن سعيه ذلك لا يجزيه وعليه أن يعيده لأن أفعال الحج لا تجزي قبل ~~أشهر الحج فعلى هذا يكون معنى قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ أن أفعاله ~~في أشهر الحج معلومات وقوله تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج @QE@ عموم في إحرام الحج لا في أفعال الحج الموجبة وغير جائز ~~أن يكون مراده في قوله @QB@ قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ أهلة ms0405 مخصوصة ~~بأشهر الحج كما لا يجوز أن تكون هذه الأهلة في مواقيت الناس وآجال ديونهم ~~وصومهم وفطرهم مخصوصة بأشهر الحج دون غيرها فلما ثبت عموم المراد في سائر ~~الأهلة فيما تضمنه اللفظ من مواقيت الناس وجب أن يكون ذلك حكمه في الحج لأن ~~الأهلة المذكورة لمواقيت الناس هي بعينها الأهلة المذكورة للحج وعلى أنا لو ~~حملناه على أفعال الحج وجعلناها مقصورة المعنى على المذكور في الآية في ~~قوله تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ لأدى ذلك إلى إسقاط فائدته وإزالة ~~حكمه وتخصيص لفظه بغير دلالة توجب الاقتصار به على معنى قوله @QB@ الحج ~~أشهر معلومات @QE@ PageV01P317 فلما وجب أن يوفى كل لفظ حقه مما اقتضاه من ~~الحكم والفائدة وجب أن يكون محمولا على سائر الأهلة وأنها مواقيت لإحرام ~~الحج وسنتكلم في المسألة عند بلوغنا إليها إن شاء الله وقوله @QB@ قل هي ~~مواقيت للناس @QE@ قد دل على أن العدتين إذا وجبتا من رجل واحد يكتفى فيهما ~~بمضيها لهما جميعا ولا تستأنف لكل واحد منهما حيضا ولا شهورا غير مدة ~~الأخرى لأن الله تعالى لم يخصص إحداهما حين جعلها وقتا لجميع الناس ببعضه ~~دون بعض ومضى مدة العدة هو وقت لكل واحدة منهما لقوله @QB@ فما لكم عليهن ~~من عدة تعتدونها @QE@ فجعل العدة حقا للزوج ثم لما كانت العدة مرور الأوقات ~~وقد جعل الله الأهلة وقتا للناس كلهم وجب أن يكتفى بمضي واحدة للعدتين ألا ~~ترى أن قوله تعالى @QB@ قل هي مواقيت للناس @QE@ قد عقل من مفهوم خطابه ~~أنها تكون مدة لإجارة جميع الناس ومحلا لجميع ديونهم وإن كان واحد منهم لا ~~يحتاج إلى أن يختص لنفسه ببعض الأهلة دون بعض كذلك مفهوم الآية في العدة قد ~~اقتضى مضي مدة واحدة لرجلين وقد قوله تعالى @QB@ قل هي مواقيت للناس @QE@ ~~على أن العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال وكانت بالشهور أنه إنما يجب ~~استيفاؤها بالأهلة ثلاثة أشهر إن كانت ثلاثة وإن كانت عدة الوفاة فأربعة ~~أشهر بالأهلة وأن لا تعتبر عدد الأيام وكذلك يدل على أن شهر الصوم معتبر ms0406 ~~بالهلال في ابتدائه وانتهائه وأنه إنما يرجع إلى العدد عند فقد رؤية الهلال ~~ويدل أيضا على أن من آلى من امرأته في أول الشهر أن مضي الأربعة الأشهر ~~معتبر بالأهلة في إيقاع الطلاق دون اعتبار الثلاثين وكذلك هذا في الإجارات ~~والأيمان وآجال الديون متى كان ابتداؤها بالهلال كان جميعها كذلك وسقط ~~اعتبار عدد الثلاثين وبذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ) بالرجوع إلى اعتبار العدد عند ~~فقد الرؤية وأما قوله @QB@ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ فإنه ~~قد قيل فيه ما حدثنا عبدالله بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري قال كان ~~ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ويتحرجون ~~من ذلك وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فيبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته ~~فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء ~~فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم على حجرته فيأمر PageV01P318 بحاجته فيخرج ~~من بيته وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل من الحديبية بالعمرة ~~فدخل حجرته فدخل في أثره رجل من الأنصار من بني سلمة فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن أحمس قال الزهري وكانت الحمس لا يبالون ذلك فقال ~~الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى @QB@ وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ وروى ابن عباس والبراء وقتادة وعطاء أنه ~~كان قوم من الجاهلية إذا أحرموا نقبوا في ظهور بيوتهم نقبا يدخلون منه ~~ويخرجون فنهوا عن التدين بذلك وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوابها وقيل فيه ~~أنه مثل ضربه الله لهم بأن يأتوا البر من وجهه وهو الوجه الذي أمر الله ~~تعالى به وليس يمتنع أن يكون مراد الله تعالى به جميع ذلك فيكون فيه بيان ~~أن إتيان البيوت من ظهورها ليس بقربة إلى الله تعالى ms0407 ولا هو مما شرعه ولا ~~ندب إليه ويكون مع ذلك مثلا أرشد بابه إلى أن يأتي الأمور من مأتاها الذي ~~أمر الله تعالى به وندب إليه وفيه بيان أن ما لم يشرعه قربة ولا ندب إليه ~~لا يصير قربة ولا دينا بأن يتقرب به متقرب ويعتقده دينا ونظيره من السنة ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن صمت يوم إلى الليل وأنه رأى ~~رجلا في الشمس فقال ما شأنه فقيل إنه نذر أن يقوم في الشمس فأمره بأن يتحول ~~إلى الفيء وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال لأن الليل لا صوم فيه ~~فنهى أن يعتقد صومه وترك الأكل فيه قربة وهذا كله أصل في أن من نذر ما ليس ~~بقربة لم يلزمه بالنذر ولا يصير قربة بالإيجاب ويدل أيضا على أن ما ليس له ~~أصل في الوجوب وإن كان قربة لا يصير واجبا بالنذر نحو عيادة المريض وإجابة ~~الدعوة والمشي إلى المسجد والقعود فيه والله تعالى أعلم # باب فرض الجهاد $ # قال الله تعالى @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين @QE@ قال أبو بكر لم تختلف الأمة أن القتال كان ~~محظورا قبل الهجرة بقوله @QB@ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ~~@QE@ وقوله @QB@ فاعف عنهم واصفح @QE@ وقوله @QB@ وجادلهم بالتي هي أحسن ~~@QE@ وقوله @QB@ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب @QE@ وقوله @QB@ وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ~~أن عبدالرحمن ابن عوف وأصحابا له كانت أموالهم بمكة فقالوا يا رسول الله ~~كنا في عزة ونحن مشركون PageV01P319 فلما آمنا صرنا أذلاء فقال صلى الله ~~عليه وسلم ( إن أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ) فلما حوله إلى المدينة ~~أمروا بالقتال فكفوا فأنزل الله @QB@ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ms0408 ~~الناس @QE@ وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل @QB@ لست عليهم بمصيطر @QE@ وقوله @QB@ ~~وما أنت عليهم بجبار @QE@ وقوله @QB@ فاعف عنهم واصفح @QE@ وقوله @QB@ قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله @QE@ قال نسخ هذا كله قوله ~~تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ صاغرون @QE@ ~~وقد اختلف السلف في أول آية نزلت في القتال فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن ~~قوله @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ أول آية نزلت وروي عن ~~جماعة آخرين منهم أبو بكر الصديق والزهري وسعيد بن جبير أن أول آية نزلت في ~~القتال @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا @QE@ الآية وجائز أن يكون @QB@ ~~وقاتلوا في سبيل الله @QE@ أول آية نزلت في إباحة قتال من قاتلهم والثانية ~~في الإذن في القتال عامة لمن قاتلهم ومن لم يقاتلهم من المشركين وقد اختلف ~~في معنى قوله @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ فقال الربيع ~~بن أنس هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف عنه إلى أن أمر بقتال ~~الجميع قال أبو بكر وهو عنده بمنزلة قوله @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ وقال محمد بن جعفر بن الزبير أمر أبو بكر ~~بقتال الشمامسة لأنهم يشهدون القتال وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا ~~فأمر أبو بكر رضي الله عنه بأن لا يقاتلوا وقد قال الله تعالى @QB@ وقاتلوا ~~في سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ فكانت الآية على تأويله ثابتة الحكم ليس ~~فيها نسخ وعلى قول الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~كانوا مأمورين بعد نزول الآية بقتال من قاتل دون من كف سواء كان ممن يتدين ~~بالقتال أو لا يتدين وروي ms0409 عن عمر بن عبدالعزيز في قوله @QB@ وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ أنه في النساء والذرية ومن لم ينصب لك ~~الحرب منهم كأنه ذهب إلى أن المراد به من لم يكن من أهل القتال في الأغلب ~~لضعفه وعجزه لأن ذلك حال النساء والذرية وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم = PageV01P320 في آثار شائعة النهي عن قتل النساء والولدان وروي عنه ~~أيضا النهي عن قتل أصحاب الصوامع رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان معنى الآية على ما قال الربيع بن أنس ~~أنه أمر فيها بقتال من قاتل والكف عمن لا يقاتل فإن قوله @QB@ وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ ناسخ لمن يلي وحكم الآية كان باقيا فيمن لا ~~يلينا منهم ثم لما نزل قوله @QB@ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم @QE@ إلى قوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام @QE@ فكان ذلك ~~أعم من الأول الذي فيه الأمر بقتال من يلينا دون من لا يلينا إلا أن فيه ~~ضربا من التخصيص بحظره القتال عند المسجد الحرام إلا على شرط أن يقاتلونا ~~فيه بقوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم @QE@ ثم نزل الله فرض قتال المشركين كافة بقوله @QB@ ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة @QE@ وقوله @QB@ كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ فمن الناس من يقول إن قوله @QB@ ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام @QE@ منسوخ بقوله @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~@QE@ ومنهم من يقول هذا الحكم ثابت لا يقاتل في الحرم إلا من قاتل ويؤيد ~~ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة ( إن مكة حرام ~~حرمها الله يوم خلق السموات والأرض فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها فإنما أحلت له ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم ~~القيامة ) فدل ذلك على أن حكم الآية باق غير منسوخ ms0410 وأنه لا يحل أن نبتدىء ~~فيها بالقتال لمن لم يقاتل وقد كان القتال محظورا في الشهر الحرام بقوله ~~@QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد @QE@ ثم نسخ ~~بقوله @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ ~~ومن الناس من يقول هو غير منسوخ والحظر باق وأما قوله @QB@ واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم @QE@ فإنه أمر بقتل المشركين إذا ظفرنا ~~بهم وهي عامة في قتال سائر المشركين من قاتلنا منهم ومن لم يقاتلنا بعد أن ~~يكونوا من أهل القتال لأنه لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور وقد نهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعن قتل أهل الصوامع فإن كان المراد بقوله ~~@QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ الأمر بقتال من قاتلنا ممن ~~هو أهل القتال دون من كف عنا منهم وكان قوله @QB@ ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين @QE@ نهي عن قتال من لم يقاتلنا فهي لا محالة PageV01P321 ~~منسوخة بقوله @QB@ واقتلوهم حيث ثقفتموهم @QE@ لإيجابه قتل من حظر قتله في ~~الآية الأولى بقوله @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ~~@QE@ إذ كان الاعتداء في هذا الموضع هو قتال من لم يقاتل وقوله @QB@ ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم @QE@ يعني والله أعلم من مكة إن أمكنكم ذلك لأنهم ~~قد كانوا آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج فكانوا مخرجين لهم وقد ~~قال الله تعالى @QB@ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~@QE@ فأمرهم الله تعالى عند فرضه القتال بإخراجهم إذا تمكنوا من ذلك إذ ~~كانوا منهيين عن القتال فيها إلا أن يقاتلوهم فيكون قوله @QB@ واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم @QE@ عاما في سائر المشركين إلا فيمن كان بمكة فإنهم أمروا ~~بإخراجهم منها إلا لمن قاتلهم فإنه أمر بقتالهم حينئذ والدليل على ذلك قوله ~~في نسق التلاوة @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه @QE@ ~~فثبت أن قوله @QB@ واقتلوهم حيث ثقفتموهم @QE@ فيمن كان بغير مكة وقوله ~~@QB@ والفتنة أشد من القتل @QE@ روي عن جماعة من السلف أن المراد بالفتنة ~~ههنا ms0411 الكفر وقيل إنهم كانوا يفتنون المؤمنين بالتعذيب ويكرهونهم على الكفر ~~ثم عيروا المؤمنين بأن قتل واقد بن عبدالله وهو من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمرو بن الحضرمي وكان مشركا في الشهر الحرام وقالوا قد استحل ~~محمد القتال في الشهر الحرام فأنزل الله @QB@ والفتنة أشد من القتل @QE@ ~~يعني كفرهم وتعذيبهم المؤمنين في البلد الحرام والشهر الحرام أشد وأعظم ~~مأثما من القتل في الشهر الحرام وأما قوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه @QE@ فإن المراد بقوله @QB@ حتى يقاتلوكم فيه @QE@ ~~حتى يقتلوا بعضكم كقوله @QB@ ولا تلمزوا أنفسكم @QE@ يعني بعضكم بعضا إذ ~~غير جائز أن يأمر بقتلهم بعد أن يقتلوهم كلهم وقد أفادت الآية حظر القتل ~~بمكة لمن لم يقتل فيها فيحتج بها في حظر قتل المشرك الحربي إذا لجأ إليها ~~ولم يقاتل ويحتج أيضا بعمومها فيمن قتل ولجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل لأن ~~الآية لم تفرق بين من قتل وبين من لم يقتل في حظر قتل الجميع فلزم بمضمون ~~الآية أن لا نقتل من وجدنا في الحرم سواء كان قاتلا أو غير قاتل إلا أن ~~يكون قد قتل في الحرم فحينئذ يقتل بقوله فإن قاتلوكم فاقتلوهم فإن قيل هو ~~منسوخ بقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله قيل له إذا أمكن ~~استعمالهما لم يثبت النسخ لا سيما مع اختلاف الناس في نسخه فيكون قوله ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة في غير الحرم ونظيره في حظر PageV01P322 قتل من ~~لجأ إلى الحرم وإن كان جانيا قوله ومن دخله كان آمنا وقد تضمن ذلك أمنا من ~~خوف القتل فدل على أن المراد من دخله وقد استحق القتل أنه يأمن بدخوله ~~وكذلك قوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا كل ذلك دل على أن اللاجىء ~~إلى الحرم المستحق للقتل يأمن به ويزول عنه القتل بمصيره إليه ومع ذلك فإن ~~قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله إذا كان نازلا مع أول ~~الخطاب عند قوله ولا تقاتلوهم عند ms0412 المسجد الحرام فغير جائز أن يكون ناسخا ~~له لأن النسخ لا يصح إلا بعد التمكن من الفعل وغير جائز وجود الناسخ ~~والمنسوخ في خطاب واحد وإذا كان الجميع مذكورا في خطاب واحد على ما يقتضيه ~~نسق التلاوة ونظام التنزيل فغير جائز لأحد إثبات تاريخ الآيتين وتراخي نزول ~~إحداهما عن الأخرى إلا بالنقل الصحيح ولا يمكن أحد دعوى نقل صحيح في ذلك ~~وإنما روي ذلك عن الربيع بن أنس فقال هو منسوخ بقوله @QB@ وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة @QE@ وقال قتادة هو منسوخ بقوله @QB@ فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وجائز أن يكون ذلك تأويلا منه ورأيا لأن قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ لا محالة نزل بعد سورة البقرة لا يختلف أهل ~~النقل في ذلك وليس فيه مع ذلك دلالة على النسخ لإمكان استعمالهما بأن يكون ~~قوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ مرتبا على قوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد @QE@ فيصير قوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا عند المسجد ~~الحرام إلا أن يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ويدل عليه أيضا حديث ابن ~~عباس وأبي شريح الخزاعي وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم ~~فتح مكة فقال ( يا أيها الناس إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات ~~والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم ~~عادت حراما إلى يوم القيامة ) وفي بعض الأخبار فإن ترخص مترخص بقتال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنما أحلت لي ساعة من نهار فثبت بذلك حظر القتال ~~في الحرم إلا أن يقاتلوا وقد روى عبدالله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال ~~حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي هذا الحديث وقال فيه ~~وإنما أحل لي القتال بها ساعة من نهار ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خطب يومئذ حين قتل رجل من خزاعة رجلا من هذيل ثم قال ( ~~إن أعتى الناس على الله ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في ms0413 الحرم ورجل ~~قتل بذحل الجاهلية ) وهذا يدل على PageV01P323 تحريم القتل في الحرم لمن لم ~~يجن فيه من وجهين أحدهما عموم الذم للقاتل في الحرم والثاني قد ذكر معه قتل ~~من لم يستحق القتل فثبت أن المراد قتل من استحق القتل فلجأ وأن ذلك إخبار ~~منه بأن الحرم يحظر قتل من لجأ إليه وهذه الآي التي تلوناها في حظر قتل من ~~لجأ إلى الحرم فإن دلالتها مقصورة على حظر القتل فحسب ولا دلالة فيها على ~~حكم ما دون النفس لأن قوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام @QE@ مقصور ~~على حكم القتل وكذلك قوله @QB@ ومن دخله كان آمنا @QE@ وقوله @QB@ مثابة ~~للناس وأمنا @QE@ ظاهره الأمن من القتل وإنما يدخل ما سواه بدلالة لأن قوله ~~@QB@ ومن دخله @QE@ إسم للإنسان وقوله @QB@ كان آمنا @QE@ راجع إليه فالذي ~~اقتضت الآية أمانه هو الإنسان لا أعضاؤه ومع ذلك فإن كان اللفظ مقتضيا ~~للنفس فما دونها فأما ما خصصنا دونها بدلالة وحكم اللفظ باق في النفس ولا ~~خلاف أيضا أن من لجأ إلى الحرم وعليه دين أنه يحبس به وإن دخوله الحرم لا ~~يعصمه من الحبس كذلك كل ما لم يكن نفسا من الحقوق فإن الحرم لا يعصمه منه ~~قياسا على الديون وأما قوله عز وجل @QB@ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ~~@QE@ يعني فإن انتهوا عن الكفر فإن الله يغفر لهم لأن قوله @QB@ فإن انتهوا ~~@QE@ شرط يقتضي جوابا وهذا يدل على أن قاتل العمد له توبة إذ كان الكفر ~~أعظم مأثما من القتل وقد أخبر الله أنه يقبل التوبة منه ويغفر له وقوله ~~تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله @QE@ يوجب فرض قتال ~~الكفار حتى يتركوا الكفر قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس الفتنة ~~ههنا الشرك وقيل إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه ~~الفتنة وقيل إن الفتنة هي الاختبار والكفر عند الاختبار إظهار الفساد وأما ~~الدين فهو الانقياد لله بالطاعة وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين أحدهما ~~الانقياد كقول الأعشى % هو ms0414 دان الرباب اذكر هو الدين % دراكا بغزوة وصيال % ~~% ثم دانت بعد الرباب وكانت % كعذاب عقوبة الأقوال % # | والآخر العادة من قول الشاعر % تقول وقد درأت لها وضيني % أهذا دينه ~~أبدا وديني % # والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة ~~والعادة وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب لأن ابتداء الخطاب جرى ~~بذكرهم PageV01P324 في قوله عز وجل @QB@ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من ~~حيث أخرجوكم @QE@ وذلك صفة مشركي أهل مكة الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فلم يدخل أهل الكتاب في هذا الحكم وهذا يدل على أن مشركي ~~العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة @QE@ يعني كفرا ويكون الدين لله ودين الله هو الإسلام لقوله إن الدين ~~عند الله الإسلام وقوله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين المعنى فلا ~~قتل إلا على الظالمين يعني والله أعلم القتل المبدوء بذكره في قوله ~~وقاتلوهم وسمي القتل الذي يستحقونه بكفرهم عدوانا لأنه جزاء الظلم فسمي ~~باسمه كقوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ وقوله @QB@ فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ وإن لم يكن الجزاء اعتداء ولا ~~سيئة قوله تعالى الشهر @QB@ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص @QE@ روى ~~عن الحسن أن مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنهيت عن قتالنا ~~في الشهر الحرام قال نعم وأراد المشركون أن يغيروه في الشهر الحرام ~~فيقاتلوه فأنزل الله تعالى @QB@ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ~~@QE@ يعني إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثله وروى ~~ابن عباس والربيع بن أنس وقتادة والضحاك أن قريشا لما ردت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام في الشهر ~~الحرام فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة فقضى عمرته وأقصه بما ~~حيل بينه وبينه في يوم الحديبية ويمتنع أن يكون المراد الأمرين فيكون ~~إخبارا بما أقصه الله من الشهر الحرام الذي صده المشركون عن ms0415 البيت بشهر ~~مثله في العام القابل وقد تضمن مع ذلك إباحة القتال في الشهر الحرام إذا ~~قاتلهم المشركون لأن لفظا واحدا لا يكون خبرا وأمرا ومتى حصل على أحد ~~المعنيين انتفى الآخر إلا أنه جائز أن يكون إخبارا بما عوض الله نبيه من ~~فوات العمرة في الشهر الحرام الذي صده المشركون عن البيت شهرا مثله في ~~العام القابل وكانت حرمة الشهر الذي أبدل كحرمة الشهر الذي فات فلذلك قال ~~@QB@ والحرمات قصاص @QE@ ثم عقب تعالى ذلك بقوله @QB@ فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ فأفاد أنهم إذا قاتلوهم في الشهر ~~الحرام فعليهم أن يقاتلوهم فيه وإن لم يجز لهم أن يبتدؤهم بالقتال وسمى ~~الجزاء اعتداء لأنه مثله في الجنس وقدر الاستحقاق على ما يوجبه فسمي باسمه ~~على وجه المجاز لأن المعتدي في الحقيقة هو الظالم وقوله تعالى PageV01P325 ~~@QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ عموم في أن من ~~استهلك لغيره مالا كان عليه مثله وذلك المثل ينقسم إلى وجهين أحدهما مثله ~~في جنسه وذلك في المكيل والموزون والمعدود والآخر مثله في قيمته لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو موسر أن عليه ~~ضمان نصف قيمته فجعل المثل اللازم بالاعتداء هو القيمة فصار أصلا في هذا ~~الباب وفي أن المثل قد يقع على القيمة ويكون اسما لها ويدل على أن المثل قد ~~يكون اسما لما ليس هو من جنسه إذا كان في وزانه وعروضه في المقدار المستحق ~~من الجزاء أن من اعتدى على غيره بقذف لم يكن المثل المستحق عليه أن يقذف ~~بمثل قذفه بل يكون المثل المستحق عليه هو جلد ثمانين وكذلك لو شتمه بما دون ~~القذف كان عليه التعزير وذلك مثل لما نال منه فثبت بذلك ان اسم المثل قد ~~يقع على ما ليس من جنسه بعد أن يكون في وزانه وعروضه في المقدار المستحق من ~~طريق الجزاء ويحتج بذلك في أن من غصب ساجة فأدخلها في بنائه أن ms0416 عليه قيمتها ~~لأن القيمة قد تناولها اسم المثل فمن حيث كان الغاصب معتديا بأخذها كان ~~عليه مثلها لحق العموم فإن قيل إذا نقضنا بناءه وأخذناها بعينها فقد ~~اعتدينا عليه بمثل ما اعتدى قيل له أخذ ملكه بعينه لا يكون اعتداء على ~~الغاصب كما أن من له عند رجل وديعة فأخذها لم يكن معتديا عليه وإنما ~~الاعتداء عليه أن يزيل من ملكه مثل ما أزال أو يزيل يده عن مثل ما أزال عنه ~~يد المغصوب منه فأما أخذ ملكه بعينه فليس فيه اعتداء على أحد ولا فيه أخذ ~~المثل ويحتج به في إيجاب القصاص فيما يمكن استيفاء المماثلة والمساواة فيه ~~دون ما لم يعلم فيه استيفاء المماثلة وذلك نحو قطع اليد من نصف الساعد ~~والجائفة والآمة في سقوط القصاص فيها لتعذر استيفاء المثل إذ كان الله ~~تعالى إنما أمرنا باستيفاء المثل ويحتج به أبو حنيفة فيمن قطع يد رجل وقتله ~~أن لوليه أن يقطع يده ثم يقتله لقوله @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ فله أن يفعل به مثل ما فعل بمقتضى الآية وقوله ~~تعالى @QB@ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ قال ~~أبو بكر قد قيل فيه وجوه أحدها ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن حيوة بن شريح وابن ~~لهيعة عن زيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال غزونا بالقسطنطينية وعلى ~~الجماعة عبدالرحمن بن الوليد والروم ملصوق PageV01P326 ظهورهم بحائط ~~المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه ~~إلى التهلكة فقال أبو أيوب إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر ~~الله نبيه وأظهر دينه الإسلام قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله ~~تعالى @QB@ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ ~~فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد قال ~~أبو عمران فلم يزل أبو ms0417 أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فأخبر ~~أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله وأن ~~الآية في ذلك نزلت وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد ~~والضحاك وروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني الإلقاء بالأيدي إلى ~~التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي وقيل هو الإسراف في الإنفاق ~~حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف وقيل هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في ~~العدو وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم أبو أيوب وأخبر فيه بالسبب ~~وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز ~~اجتماعها من غير تضاد ولا تناف فأما حمله على الرجل الواحد يحمل على حلبة ~~العدو فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير أن رجلا لو حمل على ألف رجل ~~وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية فإن كان لا يطمع ~~في نجاة ولا نكاية فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة ~~للمسلمين وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة ~~للمسلمين فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرىء المسلمين بذلك حتى ~~يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون في العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله لأنه ~~لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل ~~عليهم فكذلك إذا طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك وأرجو أن ~~يكون فيه مأجورا وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه ~~وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك لأن ~~هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح ~~لا يجوز غيره وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأول في حديث أبي أيوب أنه ~~ألقى بيده ms0418 إلى التهلكة بحمله على العدو إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة وإذا ~~كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة عائدة على الدين ولا على ~~PageV01P327 المسلمين فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا ~~مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله @QB@ إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون @QE@ وقال @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ وقال @QB@ ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله @QE@ في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل ~~نفسه لله وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه ~~متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء ~~قال الله تعالى @QB@ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور @QE@ وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق ~~عند سلطان جائر فقتله ) وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن الجراح عن عبدالله بن يزيد عن موسى بن ~~علي بن رباح عن أبيه عن عبدالعزيز بن مروان قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع ) ~~وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين وإن أيقن ~~فيه بالتلف والله تعالى أعلم بالصواب # | باب العمرة هل هي فرض أم تطوع # قال الله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ واختلف السلف في تأويل ~~هذه الآية فروي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا إتمامهما أن تحرم ~~بهما من دويرة ms0419 أهلك وقال مجاهد إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما وقال ~~سعيد بن جبير وعطاء هو إقامتهما إلى آخر ما فيهما لله تعالى لأنهما واجبان ~~كأنهما تأولا ذلك على الأمر بفعلهما كقوله لو قال حجوا واعتمروا وروي عن ~~ابن عمر وطاوس قالا إتمامهما إفرادهما وقال قتادة إتمام العمرة الاعتمار في ~~غير أشهر الحج وروي عن علقمة في قوله تعالى @QB@ والعمرة لله @QE@ قال ~~لاتجاوز بها البيت وقد اختلف السلف في وجوب العمرة فروي عن عبدالله بن ~~مسعود وإبراهيم النخعي والشعبي أنها تطوع وقال مجاهد في قوله @QB@ وأتموا ~~الحج والعمرة لله @QE@ قال ما أمرنا به فيهما وقالت عائشة وابن عباس وابن ~~عمر PageV01P328 والحسن وابن سيرين هي واجبة وروي نحوه عن مجاهد وروي عن ~~طاوس عن أبيه قال العمرة واجبة واحتج من أوجبها بظاهر قوله @QB@ وأتموا ~~الحج والعمرة لله @QE@ قالوا واللفظ يحتمل إتمامهما بعد الدخول فيهما ~~ويحتمل الأمر بابتداء فعلهما فالواجب حمله على الأمرين بمنزلة عموم يشتمل ~~على مشتمل فلا يخرج منه شيء إلا بدلالة قال أبو بكر ولا دلالة في الآية على ~~وجوبها وذلك لأن أكثر ما فيها الأمر بإتمامها وذلك إنما يقتضي نفي النقصان ~~عنهما إذا فعلت لأن ضد التمام هو النقصان لا البطلان ألا ترى أنك تقول ~~للناقص أنه غير تام ولا تقول مثله لما لم يوجد منه شيء فعلمنا أن الأمر ~~بالإتمام إنما اقتضى نفي النقصان ولذلك قال علي وعمر إتمامهما أن تحرم بهما ~~من دويرة أهلك يعني الأبلغ في نفي النقصان الإحرام بهما من دويرة أهلك وإذا ~~كان ذلك على ما وصفنا كان تقديره أن لا يفعلهما ناقصين وقوله لا يفعلهما ~~ناقصين لا يدل على الوجوب لجواز إطلاق ذلك على النوافل ألا ترى أنك تقول لا ~~تفعل الحج التطوع ولا العمرة التطوع ناقصين ولا صلاة النفل ناقصة فإذا كان ~~الأمر بالإتمام يقتضي نفي النقصان فلا دلالة فيه إذا على وجوبها ويدل على ~~صحة ذلك أن العمرة التطوع والحج النفل مرادان بهذه الآية في النهي عن ~~فعلهما ناقصين ولم يدل ms0420 ذلك على وجوبهما في الأصل وأيضا فإن الأظهر من لفظ ~~الإتمام إنما يطلق بعد الدخول فيه قال الله عز وجل @QB@ وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل @QE@ فأطلق عليه لفظ الإتمام بعد الدخول قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فأطلق لفظ الإتمام عليها بعد الدخول ~~فيها ويدل على أن المراد إيجاب إتمامهما بعد الدخول فيهما أن الحج والعمرة ~~نافلتين يلزمه إتمامهما بعد الدخول فيهما بالآية فكان بمنزلة قوله أتموهما ~~بعد الدخول فيهما فغير جائز إذا ثبت أن المراد لزوم الإتمام بعد الدخول ~~حمله على الابتداء لتضاد المعنيين ألا ترى أنه إذا أراد به الإلزام بالدخول ~~انتفى إن يريد به الإلزام قبل الدخول ناف لكونه واجبا بالدخول ألا ترى أنه ~~لا يجوز أن يقال أن حجة الإسلام إنما تلزم بالدخول وإن صلاة الظهر متعلق ~~لزومها بالدخول فيها وهذا يدل على أنه غير جائز إرادة إيجابهما بالدخول ~~وإيجابهما ابتداء قبل الدخول فيهما فثبت بما وصفنا أنه لا دلالة في هذه ~~الآية على وجوب العمرة قبل الدخول فيها ومما يدل على PageV01P329 أنها ليست ~~بواجبة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( العمرة هي الحج ~~الأصغر ) وروي عن عبدالله بن شداد ومجاهد قالا العمرة هي الحج الأصغر وإذا ~~ثبت أن اسم الحج يتناول العمرة ثم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي ~~شيبة قالا حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان ~~الدؤلي عن ابن عباس ان الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال ( بل مرة واحدة فمن زاد ~~فتطوع ) فلما سمى النبي صلى الله عليه وسلم العمرة في الخبر الأول حجا وقال ~~للأقرع الحج مرة واحدة فمن زاد ms0421 فتطوع انتفى بذلك وجوب العمرة إذ كانت قد ~~تسمى حجا ويدل عليه ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن يوسف ~~المطوعي قال حدثنا أبو عبدالرحمن عن عبدالله بن عمر قال حدثنا عبد الرحمن ~~بن سليمان عن حجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال سأل ~~رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والحج أواجب قال نعم وسأله عن ~~العمرة أهي واجبة قال لا ولأن تعتمر خير لك ورواه أيضا عباد بن كثير عن ~~محمد ابن المنكدر مثل حديث الحجاج وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر ~~بن موسى قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا شريك وجرير وأبو الأحوص عن ~~معاوية بن إسحاق عن أبي صالح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحج ~~جهاد والعمرة تطوع ) ويدل عليه أيضا حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) ~~ومعناه أنه ناب عنها لأن أفعال العمرة موجودة في أفعال الحج وزيادة ولا ~~يجوز أن يكون المراد أن وجوبها كوجوب الحج لأنه حينئذ لا تكون العمرة بأولى ~~أن تدخل في الحج من الحج بأن يدخل في العمرة إذ هما جميعا واجبان كما لا ~~يقال دخلت الصلاة في الحج لأنها واجبة كوجوب الحج ويدل عليه حديث جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين أحرموا بالحج أن يحلوا منه بعمرة ~~وأن سراقة بن مالك قال أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال بل للأبد ~~ومعلوم أن هذه كانت عمل عمرة يحلل بها من إحرام الحج كما يتحلل الذي يفوته ~~الحج بعمل عمرة وهي غير مجزية عن فرض العمرة عند من يراها فرضا فدل ذلك على ~~أن العمرة غير مفروضة لأنها لو كانت مفروضة لما قال عمرتكم هذه للأبد وفيه ~~أخبار بأنه لا عمرة عليهم غيرها ويدل على أن ما يتحلل به من إحرام ~~PageV01P330 الحج ليس بعمرة أنه لو بقي الذي ms0422 يفوته الحج على إحرامه حتى ~~تحلل منه بعمرة في أشهر الحرم وحج من عامه أنه لا يكون متمتعا ومما يحتج به ~~لذلك من طريق النظر بأن الفروض مخصوصة بأوقات يتعلق وجوبها بوجودها كالصلاة ~~والصيام والزكاة والحج فلو كانت العمرة فرضا لوجب أن تكون مخصوصة بوقت فلما ~~لم تكن مخصوصة بوقت كانت مطلقة له أن يفعلها متى شاء فأشبهت الصلاة التطوع ~~والصوم النفل فإن قيل إن الحج النفل مخصوص بوقت ولم يدل ذلك على وجوبه قيل ~~له هذا لا يلزم لأنا قلنا إن من شرط الفروض التي تلزم كل أحد في نفسه كونها ~~مخصوصة بأوقات وما ليس مخصوصا بوقت فليس بفرض وليس يمتنع على ذلك أن يكون ~~بعض النوافل مخصوصا بوقت وبعضها مطلق غير مخصوص بوقت فكل ما كان غير مخصوص ~~بوقت فهو نافلة وما هو مخصوص بوقت فعلى ضربين منه فرض ومنه نفل ومما يحتج ~~به أيضا من طريق الأثر ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا الحسن ابن يحيى الحسني قال حدثنا ~~عمر بن قيس قال حدثني طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن ~~عبدالله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول الحج جهاد والعمرة تطوع ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن يحتر العطار قال حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا محمد بن الفضل ابن عطية عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج جهاد والعمرة تطوع واحتج من ~~رآها واجبة بما روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( الحج والعمرة فريضتان واجبتان ) وبما روى الحسن عن سمرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا ~~واستقيموا يستقم لكم ) وأمره على الوجوب وبما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سئل عن الإسلام فذكر الصلاة وغيرها ثم قال ms0423 وأن تحج وتعتمر وبقول ~~صبي بن معبد وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي قال ذلك لعمر فلم ينكر عليه ~~وقال له اجمعهما وبحديث أبي رزين رجل من بني عامر أنه قال يا رسول الله إن ~~أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن قال ( احجج عن أبيك واعتمر ~~) فأما حديث جابر في وجوب العمرة من طريق ابن لهيعة فهو ضعيف كثير الخطأ ~~يقال احترقت كتبه فعول على حفظه وكان سيء الحفظ وإسناد حديث جابر الذي ~~رويناه في عدم وجوبها أحسن من إسناد حديث ابن لهيعة ولو تساويا لكان أكبر ~~PageV01P331 أحوالهما أن يتعارضا فيسقطا جميعا ويبقى لنا حديث طلحة وابن ~~عباس من غير معارض فإن قال قائل ليس حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن ~~جابر الذي رويته في نفي الإيجاب بمعارض لحديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر في ~~إيجابها لأن حديث الحجاج وارد على الأصل وحديث ابن لهيعة ناقل عنه ومتى ورد ~~خبران أحدهما ناف والآخر مثبت فالمثبت منهما أولى وكذلك إذا كان أحدهما ~~موجبا والآخر غير موجب لأن الأيجاب يقتضي حظر تركه ونفيه لا حظر فيه وخبر ~~الحاظر أولى من المبيح قيل له هذا لا يجب من قبل أن حديث ابن لهيعة في ~~إيجابها لو كان ثابتا لورد النقل به مستفيضا لعموم الحاجة إليه ولوجب أن ~~يعرفه كل من عرف وجوب الحج إذ كان وجوبها كوجوب الحج ومن خوطب به فهو مخاطب ~~بها فغير جائز فيما كان هذا وصفه أن يكون وروده من طريق الآحاد مع ما في ~~سنده من الضعف ومعارضة غيره إياه وأيضا فمعلوم أن الروايتين وردتا عن رجل ~~واحد فلو كان خبر الوجوب متأخرا في التاريخ عن خبر نفيه لبينه جابر في ~~حديثه ولقال قال النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة أنها تطوع ثم قال بعد ~~ذلك أنها واجبة إذ غير جائز أن يكون عنده الخبران جميعا مع علمه بتاريخهما ~~فيطلق رواية تارة بإيجاب وتارة بضده من غير ذكر تاريخ فدل ذلك على أن ms0424 هذين ~~الخبرين وردا متعارضين وإنما يعتبر خبر المثبت والنافي على ما ذكرنا من ~~الاعتبار إذا وردت الروايتان من جهتين وأما حديث سمرة وقوله فاعتمروا فإنه ~~على الندب بالدلائل التي قدمنا فأما قوله حين سئل عن الإسلام فذكر الصلاة ~~وغيرها ثم قال وأن تحج وتعتمر فإن النوافل من الإسلام وكذلك كل ما يتقرب به ~~إلى الله تعالى لأنه من شرائعه وقد روي أن الإسلام بضع وسبعون خصلة منها ~~إماطة الأذى عن الطريق وأما قول صبي بن معبد لعمر وجدت الحج والعمرة ~~مكتوبين علي وسكوت عمر عنه وتركه النكير عليه فإنه إنما قال هما مكتوبان ~~علي ولم يقل مكتوبتان على الناس فظاهره يقتضى أن يكون نذرهما فصارا مكتوبين ~~عليه بالنذر وأيضا فإنه إنما قاله تأويل منه للآية وفيه مساغ للتأويل فلم ~~ينكره عمر لاحتمالها له وهو بمنزلة قول القائل بوجوب العمرة فلا يستحقون ~~النكير إذ كان الاجتهاد سائغا فيه وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل ~~الذي سأله عن الحج عن أبيه وقوله حج عن أبيك واعتمر فلا دلالة فيه على ~~وجوبها لأنه لا خلاف أن هذا القول لم يخرج مخرج الإيجاب إذ ليس عليه أن ~~PageV01P332 يحج عن أبيه ولا أن يعتمر ومن الناس من يحتج لإيجاب العمرة ~~بقوله تعالى @QB@ وافعلوا الخير @QE@ لأنها خير فظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ~~جميع الخير وهذا يسقط من وجوه أحدها أنه يحتاج أن يثبت أن فعل العمرة مع ~~اعتقاد وجوبها خيرا لأن من لا يراها واجبة فغير جائز أن يفعلها على أنها ~~واجبة ولو فعلها على هذا الإعتقاد لم يكن ذلك خيرا كمن صلى تطوعا واعتقد ~~فيه الفرض وآخر وهو أن قوله @QB@ وافعلوا الخير @QE@ لفظ مجمل لاشتماله على ~~المجمل الذي لا يلزم استعماله بورود اللفظ ألا ترى أنه يدخل فيه الصلاة ~~والزكاة والصوم وهذه كلها فروض مجملة ومتى انتظم اللفظ ما هو مجمل فهو مجمل ~~يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل من غيره ووجه آخر وهو أن الخير بالألف واللام ~~لفظ جنس لا يمكن استغراقه فيتناول ms0425 أدنى ما يقع عليه الاسم كقولك إن شربت ~~الماء وتزوجت النساء فإذا فعل أدنى ما يسمى به فقد قضى عهدة اللفظ وأيضا ~~فقد علمنا مع ورود اللفظ أن المراد البعض لتعذر استيعاب الكل فصار كقوله ~~افعلوا بعض الخير فيحتاج إلى بيان في لزوم الأمر واحتج من أوجبها بأنا لم ~~نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض فلو كانت العمرة تطوعا لكان لها ~~أصل في الفرض فيقال له العمرة إنما هي الطواف والسعي ولذلك أصل في الفرض ~~فإن قيل لا يوجد طواف وسعي مفردا فرضا غير العمرة وإنما يوجد ذلك في الفرض ~~تابعا قيل له قد يتطوع بالطواف بالبيت وإن لم يكن له أصل في الفرض مفردا ~~فكذلك العمرة يتطوع بها إذ كانت طوافا وسعيا وإن لم يكن لها أصل في الفرض ~~واحتج الشافعي بأنه لما جاز الجمع بينها وبين الحج دل على أنها فرض لأنها ~~لو كانت تطوعا ما جاز أن يعمل مع عمل الحج كما لا يجمع بين صلاتين إحداهما ~~فرض والأخرى تطوع ويجمع بين أربع ركعات فرض قال أبو بكر وهذه قضية فاسدة ~~يبطل عليه القول بوجوب العمرة لأنه يقال له لما جاز الجمع بينهما ولم يجز ~~بين صلاتي فرض دل على أنها ليست بفرض وأما قوله ويجمع بين عمل أربع ركعات ~~فإن الأربع كلها صلاة واحدة كالحج الواحد المشتمل على سائر أركانه وكالطواف ~~الواحد المشتمل على سبعة أشواط وهو مع ذلك منتقض على أصله لأنه لو اعتمر ثم ~~حج حجة الفريضة وقرن معها عمرة كانت العمرة تطوعا والحج فرضا فقد صح الجمع ~~بين الفرض والنفل في الحج والعمرة فانتقض بذلك استدلال من استدل بجواز ~~جمعها إلى الحج على وجوبها واحتج الشافعي أيضا بأنه لما جعل لها ميقات ~~كميقات PageV01P333 الحج دل على أنها فرض فيقال له إذا اعتمر عمرة الفريضة ~~ورجع إلى أهله ثم أراد أن يرجع للعمرة كان لها ميقات كميقات الحج وهي تطوع ~~فشرط الميقات ليس بدلالة على الوجوب وكذلك الحج التطوع له ميقات ms0426 كميقات ~~الواجب واحتج أيضا بوجوب الدم على القارن ولم يبين منه وجه الدلالة على ~~الوجوب ولكن ادعى دعوى عارية من البرهان ومع ذلك فإنه منتقض لأنه لو قرن ~~حجة فريضة مع عمرة تطوع لكان عليه دم فكذلك لو جمع بينهما وهما نافلتان ~~لوجب الدم قوله تعالى @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي @QE@ قال ~~الكسائي وأبو عبيدة وأكثر أهل اللغة الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة ~~والحصر حصر العدو ويقال أحصره المرض وحصره العدو وحكى عن الفراء أنه أجاز ~~كل واحد منهما مكان الآخر وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج وقال هما ~~مختلفان في المعنى ولا يقال في المرض حصره ولا في العدو أحصره قالا وإنما ~~هذا كقولهم حبسه إذا جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس وقتله أوقع به ~~القتل وأقتله أي عرضه للقتل وقبره دفنه في القبر وأقبره عرضه للدفن في ~~القبر وكذلك حصره حبسه وأوقع به الحصر وأحصره عرضه للحصر وروى ابن أبي نجيح ~~عن عطاء عن ابن عباس قال لا حصر إلا حصر عدو فأما من حبسه الله بكسر أو مرض ~~فليس بحصر فأخبر ابن عباس أن الحصر يختص بالعدو وأن المرض لا يسمى حصرا ~~وهذا موافق لقول من ذكرنا قولهم من أهل اللغة في معنى الاسم ومن الناس من ~~يظن أن هذا يدل من قوله على أن المريض لا يجوز له أن يحل ولا يكون محصرا ~~وليس في ذلك دلالة على ما ظن لأنه إنما أخبر عن معنى الاسم ولم يخبر عن ~~معنى الحكم فاعلم أن اسم الإحصار يختص بالمرض والحصر يختص بالعدو وقد اختلف ~~السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء روي عن ابن مسعود وابن عباس العدو ~~والمرض سواء يبعث بدم ويحل به إذا نحر في الحرم وهو قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف ومحمد وزفر والثوري والثاني قول ابن عمر أن المريض لا يحل ولا يكون ~~محصرا إلا بالعدو وهو قول مالك والليث والشافعي والثالث قول ابن الزبير ~~وعروة بن الزبير أن المرض والعدو سواء ms0427 لا يحل إلا بالطواف ولا نعلم لهما ~~موافقا من فقهاء الأمصار قال أبو بكر ولما ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة ~~أن اسم الإحصار يختص بالمرض وقال الله @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~@QE@ وجب أن يكون اللفظ مستعملا فيما هو حقيقة PageV01P334 فيه وهو المرض ~~ويكون العدو داخلا فيه بالمعنى فإن قيل فقد حكي عن الفراء أنه أجاز فيهما ~~لفظ الإحصار قيل له لو صح ذلك كانت دلالة الآية قائمة في إثباته في المرض ~~لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض وإنما أجازه في العدو فلو وقع الاسم على ~~الأمرين لكان عموما فيهما موجبا للحكم في المريض والمحصور بالعدو جميعا فإن ~~قيل لم تختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن الحديبية وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ممنوعين بالعدو فأمرهم الله بهذه الآية بالإحلال من ~~الإحرام فدل على أن المراد بالآية هو العدو قيل له لما كان سبب نزول الآية ~~هو العدو ثم عدل عن ذكر الحصر وهو يختص بالعدو إلى الإحصار الذي يختص ~~بالمرض دل ذلك على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره ~~ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال وحل هو دل على أنه أراد ~~حصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ فكان نزول الآية مفيدا للحكم في ~~الأمرين ولو كان مراد الله تعالى تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظا ~~يختص به دون غيره ومع ذلك لو كان اسما للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبا ~~للاقتصار بحكمه عليه بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون السبب يدل عليه ~~من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا يحيى عن حجاج الصواف قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال سمعت ~~الحجاج بن عمرو الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسر أو ~~عرج فقد حل وعليه الحج من قابل قال عكرمة فسألت ابن ms0428 عباس وأبا هريرة فقالا ~~صدق ومعنى قوله فقد حل فقد جاز له أن يحل كما يقال حلت المرأة للزوج يعني ~~جاز لها أن تتزوج فإن قيل روى حماد وابن زيد عن أيوب عن عكرمة أنه قال في ~~المحصر يبعث بالهدى فإذا بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل وقال لقد ~~رضي الله سبحانه بالقصاص من عباده ويأخذ منهم العدو أن عليه حج مكان حج ~~وإحرام مكان إحرام فزعم هذا القائل أنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما ~~كان قال يبعث بالهدي ولقال يحل كما روي في الخبر وهذا القائل إنما غلط حين ~~ظن أن المعنى في قوله حل وقوع الإحلال بنفس الإحصار وليس هو كما ظن وإنما ~~معناه أنه جاز له أن يحل كما ذكرنا مثله فيما يطلقه الناس من قولهم حلت ~~المرأة للأزواج يريدون به قد جاز له أن تحل بالتزويج ويدل عليه من جهة ~~النظر أن المحصر بالعدو لما جاز له الإحلال لتعذر وصوله إلى البيت وكان ذلك ~~PageV01P335 موجودا في المرض وجب أن يكون بمنزلته وفي حكمه ألا ترى أنه متى ~~لم يتعذر وصوله إلى البيت بمنع العدو لم يجز له أن يحل فدل ذلك على أن ~~المعنى فيه تعذر وصوله إلى البيت ويدل على ذلك موافقة مخالفينا إيانا على ~~أن المرأة إذا منعها زوجها من حجة التطوع بعد الإحرام جاز لها الإحلال ~~وكانت بمنزلة المحصر مع عدم العدو وكذلك من حبس في دين أو غيره فتعذر عليه ~~الوصول إلى البيت كان في حكم المحصر فكذلك المريض ويدل عليه أن سائر الفروض ~~لا يختلف حكمها في كون المنع منها بالعدو أو المرض ألا ترى أن الخائف جائز ~~له فعل الصلاة بالإيماء أو قاعدا إذا تعذر عليه فعلها قائما كما يجوز ذلك ~~للمريض فكذلك المضي في الإحرام واجب أن لا يختلف حكمه عند تعذر الوصول إلى ~~البيت لمرض كان ذلك أو لخوف عدو وكذلك هذا في استقبال القبلة إذا كان خائفا ~~أو مريضا وكذلك من عدم الماء ms0429 أو كان مريضا ومن لا يجد ما يحتمل به للجهاد ~~ومن كان مريضا لم يختلف حكم الأعذار في سقوط الفرض كذلك ينبغي أن لا يختلف ~~حكمها في باب سقوط فرض المضي على الإحرام وجواز الإحلال منه والمعنى في ~~الجميع تعذر الفعل فإن قيل لما قال تعالى @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدي @QE@ ثم عقب ذلك بقوله @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام @QE@ أو صدقة دل ذلك من وجهين على أن المريض غير مراد بذكر ~~الإحصار لأنه لو كان كذلك لما استأنف له ذكرا مع كونه في أول الخطاب والوجه ~~الآخر أنه لو كان مرادا به لكان يحل بذلك الدم ولم يكن يحتاج إلى فدية قيل ~~له لما قال الله تعالى @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ ~~منعه الإحلال مع وجود الإحصار إلى وقت بلوغ الهدي محله وهو ذبحه في الحرم ~~فأبان عن حكم المريض قبل بلوغ الهدي محله وأباح له حلق الرأس مع إيجاب ~~الفدية ووجه آخر وهو أنه ليس كل مرض يمنع الوصول إلى البيت ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة ( أتؤذيك هوام رأسك ) قال نعم ~~فأنزل الله الآية ولم تكن هوام رأسه مانعته من الوصول إلى البيت فرخص الله ~~له في الحلق وأمره بالفدية وكذلك المرض المذكور في الآية جائز أن يكون ~~المرض الذي ليس معه إحصار والله سبحانه إنما جعل المرض إحصارا إذا منع ~~الوصول إلى البيت فليس في ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض ~~إحصارا ووجه آخر وهو قوله @QB@ فمن كان منكم مريضا @QE@ يجوز أن يكون عائدا ~~PageV01P336 إلى أول الخطاب كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله @QB@ وأتموا ~~الحج والعمرة لله @QE@ ثم عطف عليه قوله @QB@ فإن أحصرتم @QE@ فبين حكمهم ~~إذا أحصروا ثم عقبه بقوله @QB@ فمن كان منكم مريضا @QE@ يعني أيها المحرمون ~~بالحج والعمرة فبين حكمهم إذا مرضوا قبل الإحصار كما بين حكمهم عند الإحصار ~~فليس إذا في قوله @QB@ فمن كان ms0430 منكم مريضا @QE@ دلالة على أن المرض لا يكون ~~إحصارا فإن قيل لما قال في سياق الآية @QB@ فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج @QE@ دل على أن مراده العدو المخوف لأن الأمن يقتضي الخوف قيل له ~~ما الذي يمنع أن يكون المراد الأمن ضرر المرض المخوف ولم جعلته مخصوصا ~~بالعدو دون المرض والأمن والخوف موجودان فيهما وقد روي عن عروة بن الزبير ~~في قوله فإذا أمنتم يعني إذا أمنت من كسرك ووجعك فعليك أن تأتي البيت فإن ~~قيل الفرق بين العدو والمرض أن المحصر بعد وإن لم يمكنه أن يتقدم أمكنه ~~الرجوع والمريض لا يختلف حاله في التقدم والرجوع قيل له فهذا أحرى أن يكون ~~محصرا لتعذر الأمرين عليه فهو أعذر ممن يمكنه الرجوع وإن تعذر عليه المضي ~~للخوف ويقال أيضا ما تقول في المحصر بالعدو إذا كان محيطا به ولم يمكنه ~~الرجوع ولا التقدم أليس جائزا له الإحلال بلا خلاف بين الفقهاء فقد انتقضت ~~علتك في الفرق بينهما ومع ذلك فقد قال الشافعي في المحرمة إذا منعها زوجها ~~والمحبوس أنهما محصران وجائز لهما الإحلال وحال التقدم والرجوع لهما سواء ~~لأنهما ممنوعان من الأمرين وزعم الشافعي أن الفرق بين المريض والخائف أن ~~الله تعالى قد أباح للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة فينتقل بذلك من ~~الخوف إلى الأمن فيقال له وكذلك قد أباح للمريض ترك القتال رأسا بقوله @QB@ ~~ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج @QE@ ~~فكانت رخصة المريض أوسع من رخصة الخائف لأن الخائف غير معذور في ترك حضور ~~القتال والمريض معذور فيه وإنما عذر الخائف أن يتحيز إلى فئة ولم يعذر في ~~ترك القتال رأسا فالمريض أولى بالعذر في الإحلال من إحرامه قال الشافعي ~~فلما قال الله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ ثم قال في شأن ~~المحصر الخائف ما قال وجب أن لا يزول فرض تمام الحج والعمرة إلا عن الخائف ~~فيقال له الذي قال @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ هو الذي قال ms0431 @QB@ فإن ~~أحصرتم @QE@ وهو عموم في الخائف وغيره فلا يخرج شيء منه إلا بدلالة فما ~~الدلالة على تخصيصه بالخائف دون غيره وقد PageV01P337 نقضت ذلك بإطلاقك ~~للمرأة الإحلال إذا منعها زوجها وليست بخائفة وكذلك المحبوس لا يخاف القتل ~~وقال المزني جعل الإحلال رخصة للخائف من العدو ولا يشبه به غير غيره كما ~~جعل المسح على الخفين خاصا لا يشبه به القفازين فيقال له إن كان المعنى فيه ~~أنه رخصة فينبغي أن لا يقاس على شيء من الرخص فإذا رخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم الاستنجاء بالأحجار وجب أن لا يشبه به غيره في جواز الإستنجاء بالخرق ~~والخشب ولما كان حلق الرأس من أذى رخصة وجب أن لا يشبه به الأذى في البدن ~~في إباحة الحلق والفدية ويلزمه أن لا يشبه بالخائف المحبوس والمرأة إذا ~~منعها زوجها وجميع ما ذكرنا ينقض اعتلاله # ( فصل ) قال أبو بكر رضي الله عنه والإحصار من الحج والعمرة سواء وحكى عن ~~محمد بن سيرين أن الإحصار يكون من الحج دون العمرة وذهب إلى أن العمرة غير ~~موقته وإنه لا يخشى الفوات وقد تواترت الأخبار بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان محرما بالعمرة عام الحديبية وأنه أحل من عمرته بغير طواف ثم قضاها ~~في العام القابل في ذي القعدة وسميت عمرة القضاء وقال الله تعالى @QB@ ~~وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ ثم قال @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~@QE@ وذلك حكم عائد إليهما جميعا وغير جائز الإقتصار على أحدهما دون الآخر ~~لما فيه من تخصيص حكم اللفظ بغير دلالة وقوله تعالى @QB@ فما استيسر من ~~الهدي @QE@ قال أبو بكر قد اختلف السلف في ذلك فروى عن عائشة وابن عمر ~~أنهما قالا لا يكون الهدي إلا من الإبل والبقر وقال ابن عباس شاة واختلف ~~فقهاء الأمصار فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي ~~الهدي من الأصناف الثلاثة الإبل والبقر والغنم وهو قول ابن شبرمة قال ابن ~~شبرمة والبدن من الإبل خاصة وقال أصحابنا والشافعي من الإبل والبقر ~~واختلفوا في ms0432 السن فقال أصحابنا والشافعي لا يجز في الهدي من الإبل والبقر ~~والغنم إلا الثنى فصاعدا إلا الجذع من الضأن فإنه يجزى و قال مالك لا يجزي ~~من الهدي إلا الثني فصاعدا وقال الأوزاعي يهدى الذكور من الإبل ويجوز الجذع ~~من الإبل والبقر ويجزي كل واحد منهما عن سبعة قال أبو بكر الهدي اسم لما ~~يهدى إلى البيت على وجه التقرب به إلى الله تعالى وجائز أن يسمى به ما يقصد ~~به الصدقة وإن لم يهد إلى البيت قال النبي صلى الله عليه وسلم ( المبكر إلى ~~الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ~~ثم الذي يليه كالمهدى دجاجة ثم الذي يليه كالمهدى بيضة ) فسمى الدجاجة ~~PageV01P338 والبيضة هديا وإن لم يرد به إهداءه إلى البيت وإنما أراد به ~~الصدقة وإخراجها مخرج القربة ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لله على أن أهدى ~~ثوبي هذا أو داري هذه أن عليه أن يتصدق به واتفق الفقهاء على أن ما عدا هذه ~~الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ليس من الهدي المراد بقوله @QB@ ~~فما استيسر من الهدي @QE@ واختلفوا فيما أريد به منها على ما ذكرنا وظاهر ~~الآية يقتضي دخول الشاة فيه لوقوع الاسم عليها ولم يختلفوا في معنى قوله ~~@QB@ هديا بالغ الكعبة @QE@ أن الشاة منه وأنه يكون هديا في جزاء الصيد ~~وروى إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى غنما ~~مرة وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال كان فيما أهدى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غنم مقلدة فإن قيل الرواية عن عائشة في هدي الغنم لا يصح ~~لأن القاسم قد روى عنها أنها كانت لا ترى الغنم مما يستيسر من الهدي قيل له ~~إنما معناه أنه لا يصير محرما بها وأن هدي الإبل والبقر يوجب الإحرام إذا ~~أراده وقلدهما وأما اعتبار الثنى فلما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قصة أبي بردة بن نيار حين ضحى قبل الصلاة فأمر النبي ms0433 صلى الله عليه وسلم ~~بإعادتها فقال عندي جذعة من المعز خير من شاتي لحم فقال تجزى عنك ولا تجزى ~~عن أحد بعدك فمنع الجذع في الأضحية والهدي مثلها لأن أحدا لم يفرق بينهما ~~وإنما أجازوا الجذع من الضأن لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~بأن يضحى بالجذع من الضأن إذا فرض له ستة أشهر وقد بينا ذلك في شرح المختصر ~~وقد اختلفوا في جواز الشركة في دم الهدايا الواجبة فقال أصحابنا والشافعي ~~تجوز البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وقال مالك يجوز ذلك في التطوع ولا ~~يجزى في الواجب وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل يوم ~~الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وتلك كانت واجبة لأنها كانت عن ~~إحصار ولما اتفقوا على جوازها عن سبعة في التطوع كان الواجب مثله لأنهما لا ~~يختلفان في الجواز في سائر الوجوه ويدل عليه قوله @QB@ فما استيسر من الهدي ~~@QE@ ظاهره يقتضي التبعيض فوجب أن يجزى بعض الهدي بحق الظاهر والله أعلم # | باب المحصر أين يذبح الهدي # قال الله تعالى @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ واختلف ~~السلف في المحل ما هو فقال عبدالله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد ~~والحسن وابن سيرين هو الحرم وهو قول أصحابنا والثوري وقال مالك والشافعي ~~محله الموضع الذي أحصر PageV01P339 فيه فيذبحه ويحل والدليل على صحة القول ~~الأول أن المحل اسم لشيئين يحتمل أن يراد به الوقت ويحتمل أن يراد به ~~المكان ألا ترى أن محل الدين هو وقته الذي تجب المطالبة به وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لضبعة بنت الزبير ( اشترطي في الحج وقولي محلي حيث حبستني ) ~~فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان فلما كان محتملا للأمرين ولم يكن هدي ~~الإحصار في العمرة موقنا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية وجب أن يكون ~~مراده المكان فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار لأنه ~~لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان ms0434 بالغا محله بوقوع الإحصار ولأدى ذلك ~~إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية فدل ذلك على أن المراد بالمحل هو الحرم ~~لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلا للهدى فإنما يجعل المحل الحرم ومن جعل ~~محل الهدى موضع الاحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناها ومن جهة أخرى وهو أن ~~قوله @QB@ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم @QE@ إلى قوله @QB@ لكم ~~فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق @QE@ ودلالته على صحة ~~قولنا في المحل من وجهين أحدهما عمومه في سائر الهدايا والآخر ما فيه من ~~بيان معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله @QB@ حتى يبلغ الهدي محله @QE@ ~~فإذا كان الله قد جعل المحل البيت العتيق فغير جائز لأحد أن لا يجعل المحل ~~غيره ويدل عليه قوله في جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة فجعل بلوغ الكعبة من ~~صفات الهدي فلا يجوز شيء منه دون وجوده فيه كما أنه لما قال في الظهار وفي ~~القتل @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ فقيدهما بفعل التتابع لم يجز فعلهما ~~إلا على هذا الوجه وكذلك قوله فتحرير رقبة مؤمنة لا يجوز إلا على الصفة ~~المشروطة وكذلك قال أصحابنا في سائر الهدايا التي تذبح أنها لا تجوز إلا في ~~الحرم ويدل عليه أيضا قوله في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فأوجب على المحصر ~~دما ونهاه عن الحلق حتى يذبح هديه فلو كان ذبحه في الحل جائز الذبح صاحب ~~الأذى هديه عن الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى فدل ذلك على أن الحل ~~ليس بمحل الهدي فإن قيل هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار قيل له لا يجوز أن ~~يكون ذلك خطابا فيمن لا يجد الدم لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك ولا ~~يكون مخيرا بين الأشاء الثلاثة إلا وهو واجد لها لأنه لا يجوز التخيير بين ~~ما يجد وبين مالا يجد فثبت بذلك أن محل الهدي هو PageV01P340 الحرم دون محل ms0435 ~~الإحصار ومن جهة النظر لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله الحرم وأنه لا ~~يجزي في غيره وجب أن يكون كذلك حكم كل دم تعلق وجوبه بالإحرام والمعنى ~~الجامع بينهما تعلق وجوبهما بالإحرام فإن قيل قال الله تعالى @QB@ هم الذين ~~كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله @QE@ وذلك في ~~شأن الحديبية وفيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا ~~هديهم في غير الحرم لولا ذلك لكان بالغا محله قيل له هذا من أدل شيء على أن ~~محله الحرم لأنه لو كان موضع الإحصار هو الحل محلا للهدي لما قال والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ محله دل ذلك على أن ~~الحل ليس بمحل له وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة فإن قيل فإن لم ~~يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذبحوا الهدي في الحل فما معنى قوله ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله قيل له لما حصل أدنى منع جاز أن يقال أنهم ~~منعوا وليس يقتضى ذلك أن يكون أبدا ممنوعا ألا ترى أن رجلا لو منع رجلا حقه ~~جاز أن يقال منعه حقه كما يقال حبسه ولا يقتضى ذلك أن يكون أبدا محبوسا ~~فلما كان المشركون منعوا الهدي بديا من الوصول إلى الحرم جاز إطلاق الاسم ~~عليهم بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ محله وإن أطلقوا ألا ترى أنه قد وصف ~~المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام وإن كانوا قد أطلقوا لهم بعد ذلك ~~الوصول إليه في العام المقبل وقال الله عز وجل @QB@ قالوا يا أبانا منع منا ~~الكيل @QE@ وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر فكذلك منعوا الهدي بديا ~~لما وقع الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم أطلقوه حتى ذبحه في ~~الحرم وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق البدن ليذبحها بعد الطواف ~~بالبيت فلما منعوه من ذلك قال الله تعالى @QB@ والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~@QE@ لقصوره عن الوقت المقصود فيه ms0436 ذبحه ويحتمل أن يريد به المحل المستحب ~~فيه الذبح وهو عند المروة أو بمنى فلما منع ذلك أطلق ما فيه ما وصفت وقد ~~ذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في ~~الحرم وأن مضرب النبي صلى الله عليه وسلم كان في الحل ومصلاه كان في الحرم ~~فإذا أمكنه أن يصلي في الحرم فلا محالة قد كان الذبح ممكنا فيه وقد روي أن ~~ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ابعث معي الهدي حتى ~~آخذ به في الشعاب والأودية فأذبحها بمكة ففعل وجائز أن يكون بعث معه بعضه ~~ونحر هو بعضه في الحرم والله أعلم PageV01P341 # | باب وقت ذبح هدي الإحصار # قال الله تعالى @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ ولم يختلف أهل العلم ممن ~~أباح الإحلال بالهدي أن ذبح هدي العمرة غير موقت وأن له أن يذبحه متى شاء ~~ويحل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصرين بالحديبية وكانوا ~~محرمين بالعمرة فحلوا منها بعد الذبح وكان ذلك في ذي القعدة واختلفوا في ~~هدي الإحصار في الحج فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له أن يذبحه متى شاء ~~ويحل قبل يوم النحر وقال أبو يوسف والثوري ومحمد لا يذبح قبل يوم النحر ~~وظاهر قوله فما استيسر من الهدي يقتضى جوازه غير موقت وفي إثبات التوقيت ~~تخصيص اللفظ وذلك غير جائز إلا بدليل فإن قيل لما قال تعالى ولا تحلقوا ~~رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله والمحل اسم يقع على التوقيت وجب أن يكون موقتا ~~قيل له قد بينا أن المحل اسم للموضع وإن كان قد يقع على الوقت فقد اتفق ~~الجميع على ان المكان مراد بذكر المحل فإذا بلغ الحرم وذبح جاز بظاهر الآية ~~وحينئذ يصير شرط الوقت زيادة فيه لأن أكثر أحواله أن يكون الاسم لما ~~تناولهما جميعا فواجب أن يجزى بأيهما وجد لأنه جعل بلوغ المحل غاية الإحرام ~~وقد وجد بذبحه في الحرم ولما قال تعالى * والهدي معكوفا أن يبلغ محله وكان ~~هذا ms0437 المحل هو الحرم ثم قال في هذه القصة بعينها حتى يبلغ الهدي محله وجب أن ~~يكون هو المحل المذكور في الآية الآخرى وهو الحرم ومما يدل على أنه غير ~~موقت أن قوله عز وجل فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي عائد إلى الحج والعمرة ~~والمبدوء بذكرهما في قوله وأتموا الحج والعمرة لله والهدي المذكور للحج هو ~~المذكور للعمرة واتفق الجميع على أنه لم يرد به التوقيت للعمرة فكذلك الحج ~~إذ قد أريد باللفظ الإطلاق ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ حتى يبلغ الهدي ~~محله @QE@ والمراد بمحله للعمرة هو الحرم دون الوقت فصار كالمنطوق به فيه ~~فاقتضى ذلك جواز ذبحه في الحرم أي وقت شاء في العمرة فكذلك هو للحج وأيضا ~~لما كان الإطلاق قد تناول العمرة لم يجز أن يكون مقيدا للحج لأنه دخل فيهما ~~على وجه واحد بلفظ واحد فغير جائز أن يراد في بعض ما انتظمه اللفظ الوقت ~~وفي بعضه المكان كما لا يجوز أن يريد بقوله @QB@ والسارق والسارقة @QE@ في ~~بعضهم سارق العشرة وفي بعضهم سارق ربع دينار ويدل على ذلك من جهة السنة ~~حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو ~~PageV01P342 عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ومعناه فقد جاز له أن يحل إذ لا ~~خلاف أنه لا يحل بالكسر والعرج ويدل عليه حديث ضباعة بنت الزبير أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لها اشترطي وقولي إن محلي حيث حبستني ومعنى ذلك ~~إعلامها أن ذلك محلها بدلالة الأصول أن موجب الإحرام لا ينتفي بالشرط ثم لم ~~يوقت المحل ويحتج له من جهة النظر باتفاق الجميع على أن العمرة التي تحلل ~~بها عند الفوات لا وقت لها إذا وجبت كذلك هذا الدم لما وجب عند الإحصار وجب ~~أن يكون غير موقت لأنه يقع به إحلال على وجه الفسخ كعمرة الفوات قوله تعالى ~~@QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم @QE@ هو نهي عن حلق الرأس في الإحرام للحاج ~~والمعتمر جميعا لأنه معطوف على قوله @QB@ وأتموا الحج ms0438 والعمرة لله @QE@ وقد ~~اقتضى حظر حلق بعضنا رأس بعض وحلق كل واحد رأس نفسه لاحتمال اللفظ للأمرين ~~كقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ اقتضى النهي عن قتل كل واحد منا ~~لنفسه ولغيره فيدل ذلك على أن المحرم محظور عليه حلق رأس غيره ومتى فعله ~~لزمه الجزاء ويدل على أن الذبح مقدم على الحلق في القران والتمتع لأنه عموم ~~في كل من عليه حلق وهدي في وقت واحد فيحتج فيمن حلق قبل أن يذبح أن عليه ~~دما لمواقيته المحظور في تقديم الحلق على الهدي وقد اختلفوا في المحصر هل ~~عليه حلق أم لا فقال أبو حنيفة ومحمد لا حلق عليه وقال أبو يوسف في إحدى ~~الروايتين يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه وروي عنه أنه لا بد من الحلق ولم ~~يختلفوا في المرأة تحرم تطوعا بغير إذن زوجها والعبد يحرم بغير إذن مولاه ~~أن للزوج والمولى أن يحللاهما بغير حلق ولا تقصير وذلك بأن يفعل بهما أدنى ~~ما يحظره الإحرام من طيب أو لبس وهذا يدل على أن الحلق غير واجب على المحصر ~~لأن هذين بمنزلة المحصر وقد جاز لمن يملك إحلالهما أن يحللهما بغير حلق ولو ~~كان الحلق واجبا وهو ممكن لكان عليه أن يحلل العبد بالحلق والمرأة بالتقصير ~~وأيضا فالحلق إنما ثبت نسكا مرتبا على قضاء المناسك ولم يثبت على غير هذا ~~الوجه فغير جائز إثباته نسكا إلا عند قيام الدلالة إذ قد ثبت أن الحلق في ~~الأصل ليس بنسك ويقاس بهذه العلة على العبد والمرأة أن المولى والزوج لما ~~جاز لهما إحلال العبد والمرأة بغير حلق ولا تقصير إذا لم يفعلا سائر ~~المناسك التي رتب عليها الحلق وجب أن يجوز لسائر المحصرين الإحلال بغير حلق ~~لهذه العلة ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين ~~أمرها برفض العمرة قبل استيعاب أفعالها انقضى PageV01P343 رأسك وامتشطي ~~ودعي العمرة واغتسلي وأهلي بالحج فلم يأمرها بالحلق ولا بالتقصير حين لم ~~تستوعب أفعال العمرة فدل على أن من جاز ms0439 له الإحلال من إحرامه قبل قضاء ~~المناسك فليس عليه الإحلال بالحلق وفيه دليل على أن الحلق مرتب على قضاء ~~المناسك كترتيب سائر أفعال المناسك بعضها على بعض وقد احتج محمد لذلك بأنه ~~لما سقط عنه سائر المناسك سقط الحلق ويحتمل ذلك من قوله وجهين احدهما أن ~~يكون مراده المعنى الذي ذكرنا أن الحلق مرتب على قضاء المناسك فلما سقط عنه ~~سائر المناسك سقط الحلق ويحتمل أنه لما كان الحلق إذا وجب في الإحرام كان ~~نسكا وقد سقط عن المحصر سائر المناسك وجب أن يسقط عنه الحلق فإن قيل إنما ~~سقط عنه سائر المناسك لتعذر فعلها والحلق غير متعذر فعليه فعله قيل له هذا ~~غلط لأن المحصر لو أمكنه الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار ولم يمكنه الوصول ~~إلى البيت ولا الوقوف بعرفة لا يلزمه الوقوف بالمزدلفة ولا رمي الجمار مع ~~إمكانهما لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما كذلك لما كان الحلق مرتبا على ~~أفعال أخر لم يكن فعله قبلهما نسكا فقد سقط بما ذكرنا اعتراض السائل ~~لوجودنا مناسك يمكنه فعلها ولم تلزمه مع ذلك عند كونه محصرا فإن احتج محتج ~~لأبي يوسف بقوله @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ فجعل ~~بلوغه محله غاية لزوال الحظر وواجب أن يكون حكم الغاية بضد ما قبلها فيكون ~~تقديره ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فإذا بلغ فاحلقوا وذلك يقتضي ~~وجوب الحلق قيل له هذا غلط لأن الإباحة هي ضد الحظر كما أن الإيجاب ضده ~~فليست في صرفه إلى أحد الضدين وهو الإيجاب بأولى من الآخر وهو الإباحة ~~وأيضا فإن ارتفاع الحظر غير موجب لفعل ضده على جهة الإيجاب وإنما الذي ~~يقتضيه زوال الحظر بقاء الشيء على ما كان عليه قبله فيكون بمنزلته قبل ~~الإحرام فإن شاء حلق وإن شاء ترك ألا ترى أن زوال حظر البيع بفعل الجمعة ~~وزوال حظر الصيد بالإحلال لم يقتض إيجاب البيع ولا الاصطياد وإنما اقتضى ~~إباحتهما ويحتج لأبي يوسف بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( رحم الله ~~المحلقين ثلاثا ms0440 ودعا للمقصرين مرة ) وذلك في عمرة الحديبية عند الإحصار فدل ~~ذلك على أنه نسك وإذا كان نسكا وجب فعله كما يجب عند قضاء المناسك لغير ~~المحصر والجواب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليهم الحلق ~~والإحلال قبل الطواف بالبيت فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال ~~PageV01P344 توقفوا رجاء أن يمكنهم الوصول وعاد عليهم القول ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه وحلق رأسه فلما رأوه كذلك حلق بعض وقصر ~~بعض فدعا للمحلقين لمبالغتهم في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ومسارعتهم ~~إلى أمره ولما قيل له يا رسول الله دعوت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة فقال ~~إنهم لم يشكوا ومعنى ذلك أنهم لم يشكوا أن الحلق أفضل من التقصير فاستحقوا ~~من الثواب بعلمهم لذلك ما لم يستحقه الآخرون فإن قيل فكيفما جزى الأمر فقد ~~أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق وأمره على الوجوب ودعاؤه للفريقين ~~من المحلقين والمقصرين دليل على أنه نسك وما ذكرته من أن القوم كرهوا الحلق ~~قبل الوصول إلى البيت وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم به ليس بناف وجه ~~الدلالة منه على كونه نسكا فإنه يقال قد روى المسور بن مخرمة ومروان بن ~~الحكم قصة الحديبية فقالا فيه فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( أحلوا ~~وانحروا ) وذكر في بعض الأخبار الحلق فنستعمل اللفظين فنقول ما حل به من ~~شيء فهو حلال لقوله صلى الله عليه وسلم أحلوا وقوله احلقوا المقصد به ~~الإحلال لا تعيينه بالحلق دون غيره وإنما استحقوا الثواب لإحلالهم ~~وائتمارهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحلق أفضل من التقصير ~~لجدهم واجتهادهم في متابعة أمره صلى الله عليه وسلم والله أعلم بالصواب # | باب ما يجب على المحصر بعد إحلاله من الحج بالهدي # قال الله تعالى بعد ما ذكر في شأن المحصر @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي @QE@ واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المحصر بالحج إذا ~~حل بالهدي فروى سعيد بن جبير ms0441 عن ابن عباس ومجاهد عن عبدالله بن مسعود قالا ~~عليه عمرة وحجة فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع وإن لم ~~يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم ~~والقاسم ومحمد بن سيرين وهو قول أصحابنا وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال أمر الله بالقصاص أو يأخذ منكم العدوان حجة بحجة وعمرة بعمرة وروي عن ~~الشعبي قال عليه حجة وإنما يوجب أبو حنيفة عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم ثم ~~لم يحج من عامه ذلك فلو أنه أحل إحرامه قبل يوم النحر ثم زال الإحصار فأحرم ~~بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة وذلك لأن هذه العمرة إنما هي التي تلزم ~~بالفوات لأن من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة فلما حصل حجه فائتا كان ~~عليه عمرة للفوات والدم الذي عليه في الإحصار إنما هو للإحلال ولا يقوم ~~PageV01P345 مقام العمرة التي تلزم بالفوات وذلك لأنه ليس في الأصول عمرة ~~يقوم مقامها دم ألا ترى أن من نذر عمرة لم ينب عنها دم لا في حال العذر ولا ~~في حال الإمكان وكذلك من يجعل العمرة فريضة لا يجعل الدم نائبا عنها بحال ~~فلما كان الفوات قد ألزمه عمل عمرة لم يجز أن ينوب عنها دم فثبت بذلك أن ~~الدم إنما هو للإحلال فحسب ويدل على ذلك أن العمرة التي تلزم بالفوات غير ~~جائز فعلها قبل الفوات لعدم وقتها وسببها ودم الإحصار يجوز ذبحه والإحلال ~~به قبل الفوات باتفاق منا ومن مخالفينا فدل ذلك على أن الدم هو للإحلال لا ~~على أنه قائم مقام العمرة ولا يسوغ لمالك والشافعي أن يجعلا دم الإحصار ~~قائما مقام العمرة الواجبة بالفوات لأنهما يقولان الذي يفوته الحج عليه مع ~~عمرة الفوات هدي فهدي الإحصار عندهما هو الذي يلزم بالفوات فلا يقوم مقام ~~العمرة كما لا يقوم مقامه بعد الفوات فإن قيل فأنت تجيز صوم ثلاثة أيام ~~المتعة بعد إحرام العمرة قبل يوم النحر وهو ms0442 بدل من الهدي والهدي نفسه لا ~~يجوز ذبحه قبل يوم النحر قيل له إنما جاز ذلك لوجود سبب المتعة وهو العمرة ~~فجاز تقديم بعض الصوم على وقت ذبح الهدي ولم يوجد للمحصر سبب للزوم العمرة ~~لأن سببه إنما هو طلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة فلذلك لم يقم الدم ~~مقام العمرة التي تلزم بالفوات ويدل على أن الدم غير قائم مقام العمرة التي ~~تلزم بالفوات أنه يلزم المعتمر وهو لا يخشى الفوات لأنها غير موقتة فدل ذلك ~~على أن هذا الدم لا يتعلق بالفوات وإنه موضوع لتعجيل الإحلال بدلالة أنه لم ~~يختلف فيه حكم ما يخشى فوته وحكم ما لا يخشى فوته في لزوم الدم فإن قيل في ~~حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كسر ~~أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ولم يذكر فيه عمرة ولو كانت واجبة معه ~~لذكرها كما ذكر وجوب قضاء الحج قيل له ولم يذكر دما ومع ذلك فلا يجوز له أن ~~يحل إلا بدم وإنما أراد صلى الله عليه وسلم الإخبار عن الإحصار بالمرض ~~ووجوب قضاء ما يحل فيه وقد ذهب عبدالله بن مسعود وابن عباس في رواية سعيد ~~بن جبير إلى أن قوله عقيب ذكر حكم المحصر @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~@QE@ أراد به العمرة التي تجب بالإحلال من الحج إذا جمعها إلى الحج الذي ~~أحل منه في أشهر الحج فعليه الفداء وروي عن ابن عباس قول آخر في المحصر وهو ~~ما رواه عبدالرزاق قال حدثنا الثوري عن ابن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن ~~عباس قال PageV01P346 الحبس حبس العدو فإن حبس وليس معه هدي حل مكانه وإن ~~كان معه هدي حل به ولم يحل حتى ينحر الهدي وليس عليه حجة ولا عمرة وقد روي ~~عن عطاء إنكار ذلك على رواية رواها محمد بن بكر قال أخبرنا ابن جريج عن ~~عمرو بن دينار قال قال ابن عباس ليس على من حصره العدو ms0443 هدي حسب أنه قال ولا ~~حج ولا عمرة قال ابن جريج فذكرت ذلك لعطاء قلت هل سمعت ابن عباس يقول ليس ~~على المحصر هدي ولا قضاء إحصاره قال لا وأنكره وهذه رواية لعمري منكرة خلاف ~~نص التنزيل وما ورد بالنقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله @QE@ وقوله @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ على أحد وجهين أحدهما ~~فعليه ما استيسر من الهدي والآخر فليهد ما استيسر من الهدي فاقتضى ذلك ~~إيجاب الهدي على المحصر متى أراد الإحلال ثم عقبه بقوله ولا تحلقوا رؤسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله فكيف يسوغ لقائل أن يقول جائز له الإحلال بغير هدي مع ~~ورود النص بإيجابه ومع نقل إحصار النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأمره ~~إياهم بالذبح والإحلال واختلف الفقهاء في المحصر إذا لم يحل حتى فاته الحج ~~ووصل إلى البيت فقال أصحابنا والشافعي عليه أن يتحلل بالعمرة ولا يصح له ~~فعل الحج بالإحرام الأول وقال مالك يجوز له أن يبقى حراما حتى يحج في السنة ~~الثانية وإن شاء تحلل بعمل عمرة والدليل على أنه غير جائز له أن يفعل بذلك ~~الإحرام الأول حجا بعد الفوات اتفاق الجميع على أنه له أن يتحلل بعمل عمرة ~~فلولا أن إحرامه قد صار بحيث لا يفعل به حجا لما جاز له التحلل منه ألا ترى ~~أنه غير جائز له أن يتحلل منه في السنة الأولى حين أمكنه فعل الحج به وفي ~~ذلك دليل على أن إحرامه قد صار بحيث لا يفعل به حجا وأيضا فإن فسخ الحج ~~منسوخ بقوله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ فعلمنا حين جاز له ~~الإحلال أن موجبه في هذه الحال هو عمل العمرة لا عمل الحج لأنه لو أمكنه ~~عمل الحج فجعله عمرة بالإحلال لكان فاسخا لحجه مع إمكان فعله وهذا لم يكن ~~قط إلا في السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ ms0444 وهو ~~معنى قول عمر متعتان كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى ~~عنهما وأضرب عليهما متعة النساء ومتعة الحج فأراد بمتعة الحج فسخه على نحو ~~ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به أصحابه في حجة الوداع واختلفوا أيضا ~~فيمن أحصر وهو محرم بحج تطوع أو بعمرة تطوع فقال أصحابنا عليه القضاء سواء ~~كان PageV01P347 الإحصار بمرض أو عدو إذا حل منهما بالهدي واما مالك ~~والشافعي فلا يريان الإحصار بالمرض ويقولان إن أحصر بعدو فحل فلا قضاء عليه ~~في الحج ولا في العمرة والدليل على وجوب القضاء قوله تعالى @QB@ وأتموا ~~الحج والعمرة لله @QE@ وذلك يقتضي الإيجاب بالدخول ولما وجب بالدخول صار ~~بمنزلة حجة الإسلام والنذر فيلزمه القضاء بالخروج منه قبل إتمامه سواء كان ~~معذورا فيه أو غير معذور لأن ما قد وجب لا يسقطه العذر فلما اتفقوا على ~~وجوب القضاء بالإفساد وجب عليه مثله بالإحصار ويدل عليه من جهة السنة حديث ~~الحجاج بن عمرو الأنصاري من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ولم يفرق ~~بين حجة الإسلام والتطوع وأيضا فإن من ترك موجبات الإحرام لا يختلف فيه ~~المعذور وغيره في ترك لزوم حكمه والدليل عليه أن الله قد عذر حالق رأسه من ~~أذى ولم يخله من إيجاب فدية سواء كان ذلك في إحرام فريضة أو تطوع فكذلك ~~ينبغي أن يكون حكم المحصر بحجة فرض أو نفل في وجوب القضاء وواجب أيضا أن ~~يستوي حكم إفساده إياه بالجماع وخروجه منه بإحصار كما لم يخل من إيجاب ~~كفارة في الجنايات الواقعة في الإحرام المعذور وغيره ويدل على وجوب القضاء ~~على المحصر وإن كان معذورا اتفاق الجميع أن على المريض القضاء إذا فاته ~~الحج وإن كان معذورا في الفوات كما يلزمه لو قصد إلى الفوات من غير عذر ~~والمعنى في استواء حكم المعذور وغير المعذور ما لزمه من الإحرام بالدخول ~~وهو موجود في المحصر فوجب أن لا يسقط عنه القضاء ويدل عليه أيضا قصة عائشة ~~حين حاضت ms0445 وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكانت محرمة بعمرة ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي ~~العمرة ) ثم لما فرغت من الحج أمر عبدالرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم ~~وقال هذه مكان عمرتك فأمرها بقضاء ما رفضته من العمرة للعذر فدل ذلك على أن ~~المعذور في خروجه من الإحرام لا يسقط عنه القضاء ويدل عليه أيضا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية وكانوا محرمين بالعمرة ~~وقضوها في العام المقبل سميت عمرة القضاء ولو لم تكن لزمت بالدخول ووجب ~~القضاء لما سميت عمرة القضاء ولكانت تكون حينئذ عمرة مبتدأة وفي ذلك دليل ~~على لزوم القضاء بالإحلال والله الموفق PageV01P348 # | باب المحصر لا يجد هديا # قال الله تعالى @QB@ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي @QE@ واختلف أهل ~~العلم في المحصر لا يجد هديا فقال أصحابنا لا يحل حتى يجد هديا فيذبح عنه ~~وقال عطاء يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هديا وللشافعي فيه ~~قولان أحدهما أنه لا يحل أبدا إلا بهدي والآخر إذا لم يقدر على شيء حل ~~وأهراق دما إذا قدر عليه وقيل إذا لم يقدر أجزأه وعليه الطعام أو صيام إن ~~لم يجد ولم يقدر قال أبو بكر واحتج محمد لذلك بأن هدي المتعة منصوص عليه ~~وكذلك حكم المتمتع منصوص عليه فيما يلزم من هدي أو صيام إن لم يجد هديا ~~والمنصوصات لا يقاس بعضها على بعض ووجه آخر وهو أنه غير جائز إثبات ~~الكفارات بالقياس فلما كان الدم مذكورا للمحصر لم يجز لنا إثبات شيء غيره ~~قياسا لأن ذلك دم جناية على وجه الكفارة لامتناع جواز إثبات الكفارة قياسا ~~وأيضا فإن فيه ترك المنصوص عليه بعينه لأنه قال @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله @QE@ فمن أباح له الحلق قبل بلوغ الهدي محله فقد خالف النص ~~ولا يجوز ترك النص بالقياس والله أعلم # | باب إحصار أهل مكة # قال أبو بكر روي عن عروة ms0446 بن الزبير والزهري أنهما قالا ليس على أهل مكة ~~إحصار إنما إحصارهم أن يطوفوا بالبيت وكذلك قال أصحابنا إذا أمكنهم الوصول ~~إلى البيت وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون محرما بحج أو عمرة فإن كان معتمرا ~~فلعمرة إنما هي الطواف والسعي وليس بمحصر عن ذلك وإن كان حاجا فله أن يؤخر ~~الخروج إلى عرفات إلى آخر وقته لو لم يكن محصرا فإذا فاته الوقوف فقد فاته ~~الحج وعليه أن يتحلل بعمرة فيكون مثل المعتمر فلا يكون محصرا والله أعلم # | باب المحرم يصيبه أذى من رأسه أو مرض # قال الله تعالى @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه @QE@ إلى آخر الآية يعني والله أعلم فمن كان منكم ~~مريضا من المحرمين محصرين أو غير محصرين فأصابه مرض أو أذى في رأسه ففدية ~~من صيام فدل ذلك على أن المحصر PageV01P349 لا يجوز له الحلق قبل بلوغ ~~الهدي محله وأنه إذا كان مريضا أو به أذى من رأسه فحلق فعليه الفدية وإن ~~كان غير محصر فهو في حكم المحصر الذي لم يبلغ هديه محله فدل ذلك على ~~التسوية بين المحصرين وغير المحصرين في أن كل واحد منهم لا يجوز له الحلق ~~في الإحرام إلا على الشرط المذكور وقوله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا ~~@QE@ عنى المرض الذي يحتاج فيه إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام فيفعل ذلك ~~لدفع الأذى ويفتدي وكذلك قوله @QB@ أو به أذى من رأسه @QE@ إنما هو على أذى ~~يحتاج فيه إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام من حلق أو تغطية فأما إن كان ~~مريضا أو به أذى في رأسه لا يحتاج فيه إلى حلق ولا إلى استعمال بعض ما ~~يحظره الإحرام فهو في هذه الحال بمنزلة الصحيح في حظر ما يحظره الإحرام وقد ~~روي في أخبار متظاهرة عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في ~~عام الحديبية والقمل تتناثر على وجهه فقال أتؤذيك هوام رأسك فقلت نعم ms0447 فأمره ~~بالفدية فكان كثرة القمل من الأذى المراد بالآية ولو كان به قروح في رأسه ~~أو خراج فاحتاج إلى شده أو تغطيته كان ذلك حكمه في جواز الفدية وكذلك سائر ~~الأمراض التي تصيبه ويحتاج إلى لبس الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدي لأن ~~الله لم يخصص شيئا من ذلك فهو عام في الكل فإن قيل قوله @QB@ فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه @QE@ معناه فحلق ففدية من صيام قيل له الحلق غير ~~مذكور وإن كان مرادا وكذلك اللبس وتغطية الرأس كل ذلك غير مذكور وهو مراد ~~لأن المعنى فيه إستباحة ما يحظره الإحرام للعذر وكذلك لو لم يكن مريضا وكان ~~به أذى في بدنه يحتاج فيه إلى حلق الشعر كان في حكم الرأس في باب الفدية إذ ~~كان المعنى معقولا في الجميع وهو استباحة ما يحظره الإحرام في حال العذر ~~وأما قوله تعالى ففدية من صيام فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه صام ثلاثة أيام في حديث كعب بن عجرة وهو قول جماعة السلف وفقهاء ~~الأمصار إلا شيء روي عن الحسن وعكرمة أن الصيام عشرة أيام كصيام المتعة ~~وأما الصدقة فإنه روي في مقدارها عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم روايات مختلفة الظاهر فمنها ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~أحمد بن سهل بن أيوب قال حدثنا سهل بن محمد قال حدثنا ابن أبي زائدة عن ~~أبيه قال حدثني عبدالرحمن بن الأصبهاني عن عبدالله بن مغفل أن كعب بن عجرة ~~حدثه أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم محرما فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدعا PageV01P350 بحلاق فحلق رأسه وقال هل تجد ~~نسكا قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل ~~مسكين صاعا وأنزل الله @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ للمسلمين ~~عامة ورواه صالح بن أبي مريم عن مجاهد عن كعب بن عجرة بمثل ذلك ms0448 وروى داود ~~بن أبي هند عن عامر عن 2 كعب بن عجرة وقال فيه صدق بثلاثة آصع من تمر بين ~~كل مسكينين صاع وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن الحسن بن أحمد قال ~~حدثنا عبدالعزيز بن داود قال حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن ~~الشعبي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له ( أنسك نسيكة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع من طعام لستة ~~مساكين ) فذكر في الخبر الأول ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين وفي خبر ستة ~~آصع وهذا أولى لأن فيه زيادة ثم قوله ثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين ~~ينبغي أن يكون المراد به الحنطة لأن هذا ظاهره والمعتاد المتعارف منه فيحصل ~~من ذلك أن يكوم من التمر ستة آصع ومن الحنطة ثلاثة آصع وعدد المساكين الذين ~~يتصدق عليهم ستة بلا خلاف وأما النسك فإن في أخبار كعب بن عجرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمره أن ينسك نسيكة وفي بعضها شاة ولا خلاف بين الفقهاء ~~أن أدناه شاة وإن شاء جعله بعيرا أو بقرة ولا خلاف أنه مخير بين هذه ~~الأشياء الثلاثة يبتدئ بأيها شاء وذلك مقتضى الآية وهو قوله @QB@ فمن كان ~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ وأو ~~للتخير هذا حقيقتها وبابها إلا أن تقوم الدلالة على غير هذا في الإثبات وقد ~~بيناه في مواضع واختلف الفقهاء في موضع الفدية من الدم والصدقة مع اتفاقهم ~~على أن الصوم غير مخصوص بموضع فإن له أن يصوم في أي موضع شاء فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الدم بمكة والصيام والصدقة حيث شاء وقال مالك ~~بن أنس الدم والصدقة والصيام حيث شاء وقال الشافعي الصدقة والدم بمكة ~~والصيام حيث شاء فظاهر قوله @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ يقتضي ~~إطلاقها حيث شاء المفتدي غير مخصوم بموضع لو لم يكن ms0449 في غيرها من الآي دلالة ~~على تخصيصه بالحرم وهو قوله @QB@ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى @QE@ يعني ~~الأنعام التي قدم ذكرها ثم قال @QB@ ثم محلها إلى البيت العتيق @QE@ وذلك ~~عام في سائر الأنعام التي تهدي إلى البيت فوجب بعموم هذه الآية أن كل هدي ~~متقرب به مخصوص بالحرم لا يجزي في غيره ويدل عليه قوله تعالى @QB@ هديا ~~بالغ الكعبة @QE@ PageV01P351 وذلك جزاء الصيد فصار بلوغ الكعبة صفة للهدي ~~ولا يجزي دونها وأيضا لما كان ذلك ذبحا تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون ~~مخصوصا بالحرم كجزاء الصيد وهدي المتعة فإن قيل لما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكعب بن عجرة أو اذبح شاة ولم يشترط له مكانا وجب أن لا يكون ~~مخصوصا بموضع قيل له إن كعب بن عجرة أصابه ذلك وهو بالحديبية وبعضها من ~~الحل وبعضها من الحرم فجائز أن يكون ترك ذكر المكان اكتفاء بعلم كعب بن ~~عجرة بأن ما تعلق من ذلك بالإحرام فهو مخصوص بالحرم وقد كان أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل ذلك عالمين بحكم تعلق الهدايا بالحرم لما كان يرون ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسوق البدن إلى الحرم لينحرها هناك وأما الصدقة ~~والصوم فحيث شاء لأن الله تعالى أطلق ذلك غير مقيد بذكر المكان فغير جائز ~~لنا تقييده بالحرم لأن المطلق على إطلاقه كما أن المقيد على تقييده ويدل ~~عليه أنه ليس في الأصول صدقة مخصوصة بموضع لا يجوز أداؤها في غيره فلما ~~كانت هذه صدقة لم تجز أن تكون مخصوصة بموضع لا يجوز أداؤها في غيره لأن ذلك ~~مخالف للأصول خارج عنها فإن قيل ينبغي أن تكون الصدقة في الحرم لأن ~~للمساكين بالحرم فيها حقا كالذبائح قيل له الذبح لم يتعلق جوازه بالحرم ~~لأجل حق المساكين لأنه لو ذبحه في الحرم ثم أخرجه منه وتصدق به في غير ~~الحرم أجزأه ومع ذلك فإنه لا يختص ذلك بمساكين الحرم دون غيرهم لأنه لو كان ~~حقا لهم لكان لهم المطالبة به ولما لم تكن ms0450 لهم المطالبة به دل على أنه ليس ~~بحق لهم وإنما هو حق الله قد لزمه إخراجه إلى المساكين على وجه القربة ~~كالزكاة وسائر الصدقات التي لا تختص بموضع دون غيره وأيضا لما لم تكن ~~القربة فيها إراقة الدم وجب أن لا يختص بالحرم كالصيام وقد اختلف السلف في ~~ذلك فروي عن الحسن وعطاء وإبراهيم قالوا ما كان دم فبمكة وما كان من صيام ~~أو صدقة فحيث شاء وعن مجاهد قال اجعل الفدية حيث شئت وقال طاوس النسك ~~والصدقة بمكة والصيام حيث شئت وروي أن عليا نحر عن الحسين بعيرا وكان قد ~~مرض وهو محرم وأمر بحلقه ونحر البعير عنه بالسقيا وقسمه على أهل الماء وليس ~~في ذلك دلالة على أنه رأى جواز الذبح في غير الحرم لأنه جائز أن يكون جعل ~~اللحم صدقة وذلك جائز عندنا والله أعلم PageV01P352 # | باب التمتع بالعمرة إلى الحج # قال الله تعالى @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي @QE@ ~~قال أبو بكر هذا الضرب من التمتع ينتظم معنيين أحدهما الإحلال والتمتع إلى ~~النساء والآخر جمع العمرة إلى الحج في أشهر الحج ومعناه الارتفاق بهما وترك ~~إنشاء سفرين لهما وذلك لأن العرب في الجاهلية كانت لا تعرف العمرة في أشهر ~~الحج وتنكرها أشد الإنكار ويروى عن ابن عباس وعن طاوس أن ذلك عندهم كان من ~~أفجر الفجور ولذلك رجع النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا بعمرة ~~على عادتهم كانت في ذلك حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن المثنى ~~قال حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا عبدالله بن طاوس عن أبيه عن ابن ~~عباس قال كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون ~~المحرم صفرا ويقولون إذا برئ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن ~~اعتمر فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة رابعه مهلين بالحج أمرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا فتعاظم ذلك عندهم قالوا يا رسول ~~الله أي الحل ms0451 قال الحل كله فمتعة الحج تنتظم هذين المعنيين إما استباحة ~~التمتع بالنساء بالإحلال وإما الإرتفاق بالجمع بين العمرة والحج في أشهر ~~الحج والإقتصار بهما على سفر واحد بعد أن كانوا لا يستحلون ذلك في الجاهلية ~~ويفردون لكل واحد سفرا ويحتمل التمتع بالعمرة إلى الحج الانتفاع بهما ~~بجمعهما في أشهر الحج واستحقاق الثواب بهما إذا فعلا على هذا الوجه فدل ذلك ~~على زيادة نفع وفضيلة تحصل لفاعلهما والمتعة على أربعة أوجه أحدها القارن ~~والمحرم بعمرة في أشهر الحج إذا حج من عامه في سفر واحد لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام والمحصر على قول من لا يرى له الإحلال ولكنه يمكث على ~~إحرامه حتى يصل إلى البيت فيتحلل من حجه بعمل العمرة بعد فوت الحج وفسخ ~~الحج بالعمرة وقد اختلف في تأويل قوله تعالى @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي @QE@ فقال ابن مسعود وعلقمة هو عطف على قوله @QB@ ~~فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي @QE@ يعني الحاج إذا أحصر فحل من إحرامه ~~بهدي أن عليه قضاء عمرة وحجة فإن هو تمتع بهما وجمع بينهما في أشهر الحج في ~~سفر واحد فعليه دم آخر للتمتع وإن اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى أهله ثم ~~حج من عامه فلا دم عليه قال عبدالله بن مسعود سفران وهدي أو هديان وسفر ~~يعني بقوله سفران PageV01P353 وهدي أن هذا المحصر إن اعتمر بعد إحلاله من ~~الحج في أشهر الحج ورجع إلى أهله ثم عاد فحج من عامه فعليه هدي واحد وهو ~~هدي الإحصار وذلك لأنه فعلهما في سفرين أو هديان وسفر يعني إذا لم يرجع بعد ~~العمرة في أشهر الحج إلى أهله فعليه هدي التمتع والهدي الأول للإحصار فلذلك ~~هديان وسفر وقال ابن عباس فيما رواه ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كان يقول ~~بجمع الآية المحصر والمخلى سبيله يعني قوله @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~@QE@ قال عطاء وإنما سميت متعة من أجل أنه اعتمر في أشهر الحج ولم تسم متعة ms0452 ~~من أجل أنه يحل أن يتمتع إلى النساء فكان مذهب ابن عباس أن الآية قد انتظمت ~~الأمرين من المحصرين إذا أرادوا قضاء الحج مع العمرة التي لزمت بالفوات ومن ~~غير المحصرين ممن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج فكان عند عبدالله بن مسعود ~~أن ذلك لما كان معطوفا على المحصرين فحكمه أن يكونوا هم المرادين به فيفيد ~~إيجاب عمرة بالفوات ويفيد الحكم بأنه إذا جمعهما مع قضاء الحج الفائت في ~~سفر واحد في أشهر الحج فعليه دم وإن فعلهما في سفرين فلا دم عليه وليس مذهب ~~ابن مسعود في ذلك مخالفا لقول ابن عباس إلا أن ابن عباس قال الآية عامة في ~~المحصرين وغيرهم وهي مقيدة في المحصرين بما ذكره ابن مسعود ومقيدة في غير ~~المحصرين في جواز التمتع لهم وبيان حكمهم إذا تمتعوا وقال ابن مسعود الآية ~~في فحواها خاصة في المحصرين وإن كان غير المحصرين إذا تمتعوا كانوا ~~بمنزلتهم والقارن والذي يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه في سفر واحد ~~متمتعان من وجهين أحدهما الإرتفاق بالجمع بينهما في سفر واحد والآخر حصول ~~فضيلة الجمع فيدل ذلك على أن ذلك أفضل من الإفراد بكل واحد منهما في سفر أو ~~تفريقهما بأن يفعل العمرة في غير أشهر الحج وقد روي عن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه المتعة روايات ظاهرها يقتضي الإختلاف في إباحتها ~~وإذا حصلت كان الإختلاف في الأفضل لا في الحظر والإباحة فممن روي عنه النهي ~~عن ذلك عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو ذر والضحاك بن قيس حدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا ابن أبي مريم عن مالك بن أنس عن ابن شهاب أن محمد بن عبدالله بن ~~الحارث بن نوفل حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية ~~وهما يتذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك لا يصنع PageV01P354 ذلك ~~إلا من جهل أمر الله تعالى ms0453 قال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي فقال الضحاك فإن ~~عمر بن الخطاب قد نهى عنه قال سعد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصنعناها معه وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة قال سمعت جري ~~بن كليب يقول رأيت عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها فأتيت عليا فقلت إن ~~بينكما لشرا أنت تأمر بها وعثمان ينهى عنها فقال ما بيننا إلا خير ولكن ~~خيرنا أتبعنا لهذا الدين وقد روي عن عثمان أنه لم يكن ذلك منه على وجه ~~النهي ولكن على وجه الإختيار وذلك لمعان أحدها الفضيلة ليكون الحج في أشهره ~~المعلومة له ويكون العمرة في غيرها من الشهور والثاني أنه أحب عمارة البيت ~~وأن يكثر زواره في غيرها من الشهور والثالث أنه رأى إدخال الرفق على أهل ~~الحرم بدخول الناس إليهم فقد جاءت بهذه الوجوه أخبار مفسرة عنه حدثنا جعفر ~~بن محمد المؤدب قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثني يحيى بن سعيد عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال ~~قال عمر بن الخطاب إن تفرقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر ~~الحج أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته قال أبو عبيد وحدثنا عبدالله بن صالح عن ~~الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن عبدالله عن أبيه قال كان عمر يقول إن ~~الله قال @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ وقال @QB@ الحج أشهر معلومات ~~@QE@ فأخلصوا أشهر الحج للحج واعتمروا فيما سواها من الشهور وذلك لأن من ~~اعتمر في أشهر الحج لم تتم عمرته إلا بهدي ومن اعتمر في غير أشهر الحج تمت ~~عمرته إلا أن يتطوع بهدي غير واجب فأخبر في هذا الخبر بجهة اختياره للتفريق ~~بينهما قال أبو عبيد وحدثنا أبو معاوية هشام عن عروة عن أبيه قال إنما كره ~~عمر العمرة في أشهر الحج إرادة أن ms0454 لا يتعطل البيت في غير أشهر الحج فذكر في ~~هذا الخبر وجها آخر لاختياره التفريق بينهما قال أبو عبيد وحدثنا هشيم قال ~~حدثنا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال إنما نهى عمر عن المتعة لمكان أهل البلد ~~ليكون موسمان في عام فيصيبهم من منفعتهما فذكر في هذا الخبر أنه اختاره ~~لمنفعة أهل البلد وقد روي عن عمر اختيار المتعة على غيرها حدثنا جعفر بن ~~محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس قال سمعت ~~عمر يقول لو اعتمرت PageV01P355 ثم اعتمرت ثم اعتمرت ثم حججت لتمتعت ففي ~~هذا الخبر اختياره للمتعة فثبت بذلك أنه لم يكن ما كان منه في أمر المتعة ~~على وجه اختيار المصلحة لأهل البلد تارة ولعمارة البيت أخرى وبين الفقهاء ~~خلاف في الأفضل من إفراد كل واحد منهما أو القران أو التمتع فقال أصحابنا ~~القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد وقال الشافعي الإفراد أفضل والقران ~~والتمتع حسنان وقد روى عبيدالله عن نافع عن ابن عمر لأن اعتمر في شوال أو ~~في ذي القعدة أو في ذي الحجة في شهر يجب علي فيه الهدي أحب إلي من أن أعتمر ~~في شهر لا يجب علي فيه الهدي وقد روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سألت ~~ابن مسعود عن امرأة أرادت أن تجمع مع حجها عمرة فقال أسمع الله يقول @QB@ ~~الحج أشهر معلومات @QE@ ما أراها إلا أشهر الحج ولا دلالة في هذا الخبر على ~~أنه كان يرى الإفراد أفضل من التمتع والقران وجائز أن يكون مراده البيان عن ~~الأشهر التي يصح فيها التمتع بالجمع بين الحج والعمرة وقال علي كرم الله ~~وجهه تمام العمرة أن تحرم من حيث ابتدأت من دويرة أهل فهذا يدل على أنه ~~أراد التمتع والقران بأن يبدأ بالعمرة من دويرة أهله إلى الحج لا يلم بأهله ~~وتأوله أبو عبيد القاسم بن سلام ms0455 على أنه يخرج من منزله ناويا العمرة خالصة ~~لا يخلطها بالحج قال لأنه إذا أحرم بها من دويرة أهله كان خلاف السنة لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت المواقيت وهذا تأويل ساقط لأنه قد روي عن ~~علي تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك فنص الإحرم بهما من دويرة أهله ~~والذي ذكره من السنة على خلاف ما ظن لأن السنة إنما قضت بحظر مجاورتها إلا ~~محرما لمن أراد دخول مكة فأما الإحرام بها قبل الميقات فلا خلاف بين ~~الفقهاء فيه وروي عن الأسود بن يزيد قال خرجنا عمارا فلما انصرفنا مررنا ~~بأبي ذر فقال أحلقتم الشعث وقضيتم التفث أما إن العمرة من مدركم وتأوله أبو ~~عبيد على ما تأول عليه حديث علي وإنما أراد أبو ذر أن الأفضل إنشاء العمرة ~~من أهلك كما روي عن علي تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة أنه قرن بين الحج والعمرة حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن صبي بن معبد أنه كان ~~نصرانيا فأسلم فأراد الجهاد فقيل له إبدأ بالحج فأتى أبا موسى الأشعري ~~فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل PageV01P356 فبينما هو يلبي بهما إذ ~~مر زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال أحدهما هذا أضل من بعيره فسمعهما صبي ~~فكبر عليه فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك فقال عمر إنهما لا يقولان ~~شيئا هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد وحدثنا ابن أبي زائدة ~~عن الحجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعيد عن ابن عباس قال أنبأني أبو طلحة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة قال وحدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا الحجاج عن شعبة قال حدثني حميد بن هلال قال سمعت مطرف بن عبدالله بن ~~الشخير يقول قال ms0456 عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين ~~حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن بتحريمه قال وحدثنا أبو ~~عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا حميد عن بكر بن عبدالله قال سمعت أنس بن ~~مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة قال بكر ~~فحدثت ابن عمر بذلك قال لبى بالحج وحده قال بكر فلقيت أنس بن مالك فحدثته ~~بقول ابن عمر فقال ما يعدونا إلا صبياننا سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لبيك عمرة وحجا قال أبو بكر وجائز أن يكون ابن عمر سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لبيك بحجة وسمعه أنس في وقت آخر يقول لبيك بعمرة وحجة ~~وكان قارنا وجائز للقارن أن يقول مرة لبيك بعمرة وحجة وتارة لبيك بحجة ~~وأخرى لبيك بعمرة فليس في حديث ابن عمر نفي لما رواه أنس وقالت عائشة اعتمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر أحدها مع حجة الوداع وروى يحيى بن ~~أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول وهو بوادي العقيق ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في ~~هذا الوادي المبارك وقل حجة وعمرة ) وروي عمرة في حجة وفي حديث جابر وغيره ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوا حجهم عمرة وقال لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وقال لعلي بماذا ~~أهللت قال بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني سقت الهدي ولا ~~أحل إلى يوم النحر فلو لم يكن هديه هدي تمتع وقران لما منعه الإحلال لأن ~~هدي التطوع لا وقت له يجوز ذبحه متى شاء فدل ذلك على أن هديه كان هدي قران ~~ولذلك منعه الإحلال لأنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر فهذه الأخبار توجب كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم قارنا ورواية من روى ms0457 أنه كان مفردا غير معارض لها ~~من وجوه أحدها أنها ليست في وزن الأخبار التي فيها ذكر القران في الإستفاضة ~~والشيوع والثاني أن الراوي للإفراد أكثر ما أخبر PageV01P357 أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول لبيك بحجة وذلك لا ينفي كونه قارنا لأنه جائز ~~للقارن أن يذكر الحج وحده تارة وتارة العمرة وحدها وأخرى ويذكرهما والثالث ~~أنهما لو تساويا في النقل والاحتمال لكان خبر الزائد أولى وإذا ثبت بما ~~ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~خذوا عني مناسككم فأولى الأمور وأفضلها الاقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما فعله لا سيما وقد قال لهم خذوا عني مناسككم فأولى الأمور وأفضلها ~~الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما فعله وقال الله تعالى @QB@ ~~فاتبعوه @QE@ وقال @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يختار من الأعمال إلا أفضلها وفي ذلك دليل على أن القران ~~أفضل من التمتع ومن الإفراد ويدل عليه أن فيه زيادة نسك وهو الدم لأن دم ~~القران عندنا دم نسك وقربة يؤكل منه كالأضحية بدلالة قوله @QB@ فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق @QE@ وليس شيء من الدماء ترتب عليه هذه الإفعال إلا دم القران ~~والتمتع ويدل عليه قوله @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج @QE@ وقد بينا أن ~~التمتع يجوز أن يكون اسما للحج للنفع الذي يحصل له بجمعه بينهما والفضيلة ~~التي يستحقها به ويجوز أن يكون اسما للإرتفاق بالجمع من غير إحداث سفر آخر ~~وهو عليهما جميعا فجائز أن يكون المعنيان جميعا مرادين بالآية فينتظم ~~القارن والمتمتع من وجهين أحدهما الفضيلة الحاصلة بالجمع والثاني الإرتفاق ~~بالجمع من غير إحداث سفر ثان وهذه المتعة مخصوص بها من لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام لقوله @QB@ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام @QE@ ~~ومن كان وطنه المواقيت فما دونها إلى مكة فليس له متعة ولا قران وهو قول ~~أصحابنا ms0458 فإن قرن أو تمتع فهو مخطئ وعليه دم ولا يأكل منه لأنه ليس بدم متعة ~~وإنما هو دم جناية إذ لا متعة لمن كان من أهل هذه المواضع لقوله @QB@ ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام @QE@ وقد روي عن ابن عمر أنه قال إنما ~~التمتع رخصة لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وقال بعضهم إنما معنى ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لا دم عليهم إذا تمتعوا ومع ذلك فلهم ~~أن يتمتعوا بلا هدي فظاهر الآية يوجب خلاف ما قالوه لأنه تعالى قال ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والمراد المتعة ولو كان المراد الهدي لقال ~~ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فإن قيل يجوز أن يكون معنى ذلك ~~على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لأن اللام قد تقام مقام ~~PageV01P358 على كما قال تعالى ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ومعناه وعليهم ~~اللعنة قيل لا يجوز إزالة اللفظ عن حقيقته وصرفه إلى المجاز إلا بدلالة ~~ولكل واحدة من هذه الأدوات معنى هي موضوعة له حقيقة فعلى حقيقتها خلاف ~~حقيقة اللام فغير جائز حملها عليها إلا بدلالة وأيضا فإن التمتع لأهل سائر ~~الآفاق إنما هو تخفيف من الله تعالى وإزالة المشقة عنهم في إنشاء سفر لكل ~~واحد منهما وأباح لهم الاقتصار على سفر واحد في جميعها جميعا إذ لو منعوا ~~عنذ ذلك لأدى ذلك إلى مشقة وضرر وأهل مكة لا مشقة عليهم ولا ضرر في فعل ~~العمرة في غير أشهر الحج ويدل عليه أن اسم التمتع يقتضي الإرتفاق بالجمع ~~بينهما وإسقاط تجديد سفر العمرة على ما روي من تأويله عمن قدمنا قوله وهو ~~مشبه لمن أوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فإذا ركب لزمه دم ~~لإرتفاقه بالركوب غير أن هذا الدم لا يؤكل منه ودم المتعة يؤكل منه ~~فاختلافهما من هذا الوجه لا يمنع اتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا وقد حكي عن ~~طاوس أنه قال ليس على أهل مكة ms0459 متعة فإن فعلوا وحجوا فعليهم ما على الناس ~~وجائز أن يريد به أن عليهم الهدي ويكون هدي جناية لا نسكا واتفق أهل العلم ~~السلف منهم والخلف أنه إنما يكون متمتعا بأن يعتمر في أشهر الحج ويحج من ~~عامه ذلك ولو أنه اعتمر في هذه السنة ولم يحج فيها وحج في عام قابل أنه غير ~~متمتع ولا هدي عليه واختلف أهل العلم فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى ~~أهله وعاد فحج من عامه فقال أكثرهم أنه ليس بمتمتع منهم سعيد بن المسيب ~~وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم والحسن في إحدى الروايتين وهو قول أصحابنا ~~وعامة الفقهاء وروى أشعث عن الحسن أنه قال من اعتمر في أشهر الحج ثم حج من ~~عامه فهو متمتع رجع أو لم يرجع ويدل على صحة القول الأول أن الله تعالى خص ~~أهل مكة بأن لم يجعل لهم متعة وجعلها لسائر أهل الآفاق وكان المعنى فيه ~~إلمامهم بأهاليهم بعد العمرة مع جواز الإحلال منها وذلك موجود فيمن رجع إلى ~~أهله لأنه قد حصل له إلمام بعد العمرة فكان بمنزلة أهل مكة وأيضا فإن الله ~~جعل على المتمتع الدم بدلا من أحد السفرين الذين اقتصر على أحدهما فإذا ~~فعلهما جميعا لم يكن الدم قائما مقام شيء فلا يجب واختلفوا أيضا فيمن لم ~~يرجع إلى أهله وخرج من مكة حتى جاوز الميقات فقال أبو حنيفة هو متمتع إن حج ~~من عامه ذلك لأنه إذا لم يحصل له إلمام بأهله بعد العمرة فهو بمنزلة كونه ~~بمكة وروي عن أبي يوسف أنه ليس PageV01P359 بمتمتع لأن ميقاته الآن في الحج ~~ميقات أهل بلده لأن الميقات قد صار بينه وبين أهل مكة فصار بمنزلة عوده إلى ~~أهله والصحيح هو الأول لما بينا واختلف أهل العلم فيمن ينشئ العمرة في ~~رمضان ويدخل مكة في شوال أو قبله فروى قتادة عن ابن عياض قال عمرته في ~~الشهر الذي يهل فيه وقال الحسن والحكم عمرته في الشهر الذي يحل فيه وروي عن ~~إبراهيم مثله وقال ms0460 عطاء وطاوس عمرته في الشهر الذي دخل فيه الحرم وروي عن ~~الحسن وإبراهيم رواية أخرى قالا عمرته في الشهر الذي يطوف فيه وهو قول ~~مجاهد وكذلك قال أصحابنا أنه يعتبر الطواف فإن فعل أكثر الطواف في رمضان ~~فهو غير متمتع وإن فعل أكثره في شوال فهو متمتع وذلك لأن من أصلهم أن فعل ~~الأكثر بمنزلة الكل في باب امتناع ورود الفساد عليها فإذا تمت عمرته في ~~رمضان فهو غير جامع بينهما في أشهر الحج وبقاء الإحرام لا حكم له ألا ترى ~~أنه لو أحرم بعمرة فأفسدها ثم حل منها ثم حج من عامه لم يكن متمتعا لأن ~~العمرة لم تتم في أشهر الحج مع اجتماع إحراميهما في أشهر الحج وكذلك لو قرن ~~ثم وقف بعرفات قبل أن يطوف لعمرته لم يكن متمتعا فلا اعتبار إذا باجتماع ~~الإحرامين في أشهر الحج وإنما الواجب اعتبار فعل العمرة مع الحج في أشهر ~~الحج وكذلك قول من قال عمرته في الشهر الذي يهل فيه لا معنى له لما بينا من ~~سقوط اعتبار الإحرام دون أفعالها والله أعلم بالصواب # | باب ذكر اختلاف أهل العلم في حاضري المسجد الحرام # قال أبو بكر اختلف الناس في ذلك على أربعة أوجه فقال عطاء ومكحول من دون ~~المواقيت إلى مكة وهو قول أصحابنا إلا أن أصحابنا يقولون أهل المواقيت ~~بمنزلة دونها وقال ابن عباس ومجاهد هم أهل الحرم وقال الحسن وطاوس ونافع ~~وعبدالرحمن الأعرج هم أهل مكة وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي هم من كان ~~أهله دون ليلتين وهو حينئذ أقرب المواقيت وما كان وراء فعليهم المتعة قال ~~أبو بكر لما كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغير إحرام ~~وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة ألا ترى أن من خرج من مكة فما لم يجاوز ~~الميقات فله الرجوع ودخولها بغير إحرام وكان تصرفهم في الميقات فما دونه ~~بمنزلة تصرفهم في مكة فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة ويدل ~~على أن ms0461 الحرم وما قرب منه أهل من حاضري المسجد الحرام قوله تعالى ~~PageV01P360 @QB@ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام @QE@ وليس أهل مكة ~~منهم لأنهم كانوا قد أسلموا حين فتحت فإنما نزلت الآية بعد الفتح في حجة ~~أبي بكر وهم بنو مدلج وبنو الدئل وكانت منازلهم خارج مكة في الحرم وما قرب ~~منه فإن قيل كيف يكون أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام وبينهم وبينها ~~مسيرة عشر ليال قيل له أنهم وإن لم يكونوا من حاضري المسجد الحرام فهم في ~~حكمهم في باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام وفي باب أنهم متى أرادوا الإحرام ~~أحرموا من منازلهم كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم ~~فيدل ذلك على أن المعنى حاضروا المسجد الحرام ومن في حكمهم وقال الله عز ~~وجل في شأن البدن @QB@ ثم محلها إلى البيت العتيق @QE@ وقال صلى الله عليه ~~وسلم ( منى منحر وفجاج مكة منحر ) فكان مراد الله بذكر البيت ما قرب من مكة ~~وإن كان خارجا منها وقال تعالى @QB@ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ~~العاكف فيه والباد @QE@ وهي مكة وما قرب منها فهاتان المتعتان قد بينا ~~حكمهما وهما القران والتمتع وأما المتعة الثالثة فإنها على قول عبدالله بن ~~الزبير وعروة بن الزبير أن يحصر الحاج المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم ~~فيجعلها عمرة ويتمتع بحجة إلى العام المقبل ويحج فهذا المتمتع بالعمرة إلى ~~الحج فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه ~~الهدي يوم النحر يوم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجة ~~بعمل عمرة وهذا خلاف قول الله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي @QE@ ثم قال @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله @QE@ ولم يفرق بين الحج والعمرة فيما أباح من الإحلال بالحلق ~~ولا خلاف أن هذا الحلق للإحلال من العمرة فكذلك الحج والنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلق هو وحل وأمرهم بالإحلال ومع ذلك فإن ms0462 ~~عمل العمرة الذي يلزم بالفوات ليس بعمرة وإنما هو عمل عمرة مفعول بإحرام ~~الحج والله سبحانه إنما قال @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج @QE@ وليس الذي ~~يفوته الحج بالمعتمر وأيضا فإنه قال @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي @QE@ وهو إنما أوجب عليه الهدي ليصل به إلى الحلق يوم ~~النحر سواء حج بعد ذلك أو لم يحج ألا ترى أنه لو لم يحج إلا بعد عشر سنين ~~لكان الهدي قائما فدل ذلك على أن المتمتع المذكور في الآية ليس هو ما ذهب ~~إليه ابن الزبير لأن ما في الآية من ذلك إنما يتعلق الهدي فيه بفعل العمرة ~~والحج والدم الذي يلزمه PageV01P361 بالإحصار غير متعلق بوجود الحج بعد ~~العمرة وهذه المتعة هي الإحلال إلى النساء إلا على الوجه الذي ذكرناه من ~~الجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج وأما المتعة الرابعة فهي فسح الحاج ~~إذا طاف له قبل يوم النحر وما نعلم أحدا من الصحابة قال بذلك غير ابن عباس ~~فإنه حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن ~~عباس قال لا يطوف بالبيت أحد إلا أحل قال قلت إنما هذا بعد المعروف قال كان ~~ابن عباس يراه قبل وبعد قال قلت من أين كان يأخذ هذا فقال من أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أمرهم أن يحلوا ومن قول الله @QB@ ثم ~~محلها إلى البيت العتيق @QE@ قال أبو عبيد وحدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة ~~قال سمعت أبا حسان الأعرج يقول قال رجل لابن عباس ما هذه الفتيا التي قد ~~شعبت الناس يعني فرقت بينهم في الفتيا أنه من طاف فقد حل فقال سنة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم قال أبو بكر وقد وردت آثار متواترة في أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة الوداع بفسخ الحج ولم يكن معه منهم ms0463 ~~هدي ولم يحل هو صلى الله عليه وسلم وقال إني سقت الهدي ولا أحل إلى يوم ~~النحر ثم أمرهم فأحرموا بالحج يوم التروية حين أرادوا الخروج إلى منى وهي ~~إحدى المتعتين اللتين قال عمر بن الخطاب متعتان كانتا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما متعة الحج ومتعة النساء ~~وقال طارق بن شهاب عن أبي موسى في قصة نهي عمر بن الخطاب عن هذه المتعة قال ~~فقلت يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النساء فقال أن نأخذ بكتاب ~~الله فإن الله يقول @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ وأن نأخذ بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم ما حل حتى نحر الهدي ~~فأخبر عمر أن هذه المتعة منسوخة بقوله @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ ~~وهذا من قوله يدل على جواز نسخ السنة بالقرآن وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ذلك كان خاصا لأولئك حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم عن عبدالعزيز بن ~~محمد عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن الحرث بن بلال بن الحرث عن أبيه بلال بن ~~الحرث المزني قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لمن بعدنا قال لا بل ~~لنا خاصة وقال أبو ذر لم يكن فسخ الحج بعمرة إلا لأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وروي عن علي وعثمان وجماعة من الصحابة إنكار فسخ الحج بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي قول عمر متعتان كانتا على عهد PageV01P362 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلم الصحابة بها ما يوجب أن يكونوا قد علموا من ~~نسخها مثل علمه لولا ذلك ما أقروه على النهي عن سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلم الصحابة من غير ثبوت النسخ وقد روي عن جابر من طرق صحيحة أن ~~سراقة بن مالك قال يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد ms0464 فقال هي لأبد ~~الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة فأخبر في هذا الحديث أن العمرة ~~التي فسخوا بها الحج كانت خاصة في تلك الحال وأن مثلها لا يكون وأما قوله ~~دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة فإنه مما حدثنا به جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أبو عبيد وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة يفسر تفسيرين ~~أحدهما أن يكون دخول العمرة في الحج هو الفسخ بعينه وذلك أنه يهل الرجل ~~بالحج ثم يحل منه بعمرة إذا طاف بالبيت والآخر أن يكون دخول العمرة في الحج ~~هو المتعة نفسه وذلك أن يفرد الرجل العمرة في أشهر الحج ثم يحل منها بحج من ~~عامه قال أبو بكر وكلا الوجهين ملبس غير لائق باللفظ والذي يقتضيه ظاهره أن ~~الحج نائب عن العمرة والعمرة داخلة فيه فمن فعل الحج فقد كفاه عن العمرة ~~كما تقول الواحد داخل في العشرة يعني أن العشرة مغنية عنه وموفية عليه فلا ~~يحتاج إلى استنئاف حكمه ولا ذكره وقد قيل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه بالإحلال معنى آخر وهو ما رواه عمر بن ذر عن مجاهد في قصة أحلال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره قلت لمجاهد أكانوا فرضوا الحج ~~وأمرهم أن يهلوا أو ينتظرون ما يؤمرون به وقال أهلوا بإهلال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وانتظروا ما يؤمرون به وكذلك قال كل واحد من علي وأبي موسى أهللت ~~بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كان إحرام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بديا ويدل عليه قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به وبه أمر أصحابه ويدل عليه قوله ~~أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وهو ms0465 وادي العقيق فقال صل في هذا ~~الوادي المبارك وقل حجة في عمرة فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج ينتظر ما يؤمر به فلما بلغ الوادي أمر بحجة في عمرة ثم أهل أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالحج وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بذلك ~~فجاز لهم مثله فلما أحرم منهم من أحرم بالحج لم يكن إحرامه صحيحا وكان ~~موقوفا كما كان إحرام علي وأبي موسى موقوفا ونزل الوحي وأمروا بالمتعة بأن ~~يطوفوا بالبيت ويحلوا ويعملوا عمل PageV01P363 العمرة ويحرموا بالحج كما ~~يؤمر من يحرم بشيء لا يسميه لأنه يجعله عمرة إن شاء وإن لم تكن تسميتهم ~~الحج تسمية صحيحة إذ كانوا مأمورين بإنتظار أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان وجه الخصوص لأولئك الصحابة أنهم أحرموا بالحج ولم يصح تعيينهم له ~~فكانوا بمنزلة من أحرم بشيء لا ينويه بعينه إذ كانوا مأمورين بانتظار أمره ~~صلى الله عليه وسلم وغيرهم من سائر الناس من أحرم بشيء بعينه لزمه حكمه ~~وليس له صرفه إلى غيره وقد أنكر قوم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بفسخ الحج على حال واحتجوا بما روى زيد بن هارون قال حدثنا محمد بن عمر عن ~~يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب أن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنواعا فمنا من أهل بحج مفردا ومنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ~~وعمرة فمن أهل بالحج مفردا لم يحل مما أحرم عليه حتى يقضي مناسك الحج ومن ~~أهل بعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحل من حرمه حتى يستقبل حجا ~~وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثني ~~أبو عبيد قال حدثني عبدالرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن أبي الأسود عن ~~عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل ~~بالحج ومنا من أهل بالحج والعمرة ومنا من أهل بالعمرة قالت ms0466 وأهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحج فأما من أهل بالعمرة فطاف بالبيت وسعى وحل وأما ~~من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحل إلى يوم النحر وقال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثني عبدالرحمن عن مالك عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار مثل ذلك إلا ~~أنه لم يذكر إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي عن عائشة خلاف ذلك ~~حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد أن عمرة بنت عبدالرحمن أخبرته أنها سمعت ~~عائشة تقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ~~ونحن لا نرى إلا الحج فلما قربنا أو دنونا أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة قالت فأحل الناس كلهم إلا من كان ~~معه هدي قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد ~~عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وزاد فيه قال يحيى ~~فذكرت ذلك للقاسم بن محمد فقال جاءتك بالحديث على وجهه وهذا هو الصحيح لما ~~ورد فيه من الآثار المتواترة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ ~~الحج وقول عمر بحضرة الصحابة متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما PageV01P364 متعة النساء ومتعة الحج وهو ~~يعني هذه المتعة فلم يظهر من أحد منهم إنكاره ولا الخلاف عليه ولو تعارضت ~~أخبار عائشة لكان سبيلها أن تسقط كأنه لم يرو عنها شيء وتبقى الأخبار الأخر ~~في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج من غير معارض ويكون ~~منسوخا بقوله @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ على ما روي عن عمر رضي ~~الله عنه وقوله @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ قال أبو بكر الهدي المذكور ~~ههنا مثل الهدي المذكور للإحصار وقد بينا أن أدناه شاة وأن من ms0467 شاء جعله ~~بقرة أو بعيرا فيكون أفضل وهذا الهدي لا يجزي إلا يوم النحر لقوله تعالى ~~@QB@ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها @QE@ @QB@ وأطعموا البائس الفقير ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ وقضاء التفث ~~وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هذه ~~البدن دل على أنها بدن القران والتمتع لاتفاق الجميع على أن سائر الهدايا ~~لا تترتب عليها هذه الأفعال وأن له أن ينحرها متى شاء فثبت بذلك أن هدي ~~المتعة غير مجزي قبل يوم النحر ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وقد كان عليه ~~السلام قارنا وقد ساق الهدي وأخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما ساق ~~الهدي ولو جاز ذبح هدي المتعة قبل يوم النحر لذبحه وحل كما أمر أصحابه وكان ~~لا يكون مستدركا في المستدبر شيئا قد فاته وقال لعلي حين قال أهللت بإهلال ~~كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم أني سقت الهدي وإني لا أحل إلى يوم النحر ~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم وهو صلى الله عليه ~~وسلم نحر بدنه يوم النحر فلزم اتباعه ولم يجز تقديمه على وقته والله سبحانه ~~والله أعلم # | باب صوم التمتع # قال الله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم @QE@ قال أبو بكر قد اختلف في معنى قوله فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~فروي عن علي أنه قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة وقالت عائشة ~~وابن عمر من حين أهل الحج إلى يوم عرفة قال ابن عمر ولا يصومهن حتى يحرم ~~قال عطاء يصومهن في العشر حلالا إن شاء وهو قول طاوس وقالا لا يصومهن قبل ~~أن يعتمر قال عطاء وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا يدري عسى يتيسر له الهدي ~~قال أبو بكر هذا يدل على أن ذلك عندهما على جهة الاستحباب لا على جهة ~~الإيجاب فيكون ms0468 بمنزلة استحبابنا لمن لا يجد الماء تأخير التيمم PageV01P365 ~~إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء وقول علي وعطاء وطاوس يدل على جواز صومهن ~~في العشر حلالا أو حراما لأنم لم يفرقوا بين ذلك وأصحابنا يجيزون صومهن بعد ~~إحرامه بالعمرة ولا يجيزونه قبل ذلك وذلك لأن الإحرام بالعمرة هو سبب ~~التمتع قال الله @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج @QE@ فمتى وجد السبب جاز ~~تقديمه على وقت الوجوب كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل ~~لوجود الجراحة ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه إنا قد علمنا ~~أن وجوب الهدي متعلق بوجوب تمام الحج وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة لأن قبل ~~ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه وإذا كان كذلك وقد ~~جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به ~~موجبا له إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا ثبت جوازه بعد وجود ~~سببه وهو العمرة ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذا فعله بعد إحرام ~~الحج إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة فإن قيل لو كان ~~ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود السبب قيل له لو لزمنا ~~ذلك على قولنا في جوازه بعد إحرام العمرة للزمك مثله في إجازتك له بعد ~~إحرام الحج لأنك تجيز صوم الثلاثة الأيام بعد إحرام الحج ولا تجيز السبعة ~~فإن قيل فإذا كان الصيام بدلا من الهدي والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ~~فكيف جاز الصوم قيل له لا خلاف في جواز الصوم قبل يوم النحر وقد ثبت بالسنة ~~امتناع جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر وأحدهما ثابت بالاتفاق وبدليل قوله ~~@QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ والآخر ثابت بالسنة فالإعتراض عليهما ~~بالنظر ساقط وأيضا فإن الصوم يقع مراعى منتظر به شيئان أحدهما إتمام العمرة ~~والحج في أشهر الحج والثاني أن لا يجد الهدي حتى يحل فإذا وجد المعنيان صح ~~الصوم عن المتعة وإذا عدم أحدهما ms0469 بطل أن يكون صوم المتعة وصار تطوعا وأما ~~الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة فلذلك اختص ~~بيوم النحر فإن قيل قال الله @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~@QE@ فلا يجوز تقديمه على الحج قيل له لا يخلو قوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج @QE@ من أحد معان إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة للحج وما ~~سماه النبي صلى الله عليه وسلم حجا وهو الوقوف بعرفة لأنه قال الحج عرفة أو ~~أن يريد في إحرام الحج أو في أشهر الحج لأن الله تعالى قال @QB@ الحج أشهر ~~معلومات @QE@ PageV01P366 وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح ~~إلا به لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال ويستحيل صوم الثلاثة الأيام ~~فيه ومع ذلك فلا خلاف في جوازه قبل يوم عرفة فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه ~~الاحتمال في إحرام الحج أو في أشهر الحج وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود ~~أيهما كان لمطابقته اللفظ في الآية وأيضا قوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج @QE@ معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه فإذا ان هذا المعنى ~~موجودا عند إحرامه بالعمرة وجب أن يجزي ولا يكون ذلك خلاف الآية كما أن ~~قوله @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ لا يمنع جواز تقديمها ~~على القتل لوجود الجراحة وكذلك قوله لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول لم ~~يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب فكذلك قوله @QB@ فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج @QE@ غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي به جاز فعله ~~في الحج فإن قيل لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه ولما كان ~~الصوم بدلا من الهدي لم يجز تقديمكه عليه قيل له هذا اعتراض على الآية لأن ~~نص التنزيل قد أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر وأيضا فإنا لم نجد ذلك فيما ~~تقدم البدل كله على وقت المبدل عنه وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على ms0470 ~~وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليه ~~لأنه تعالى قال @QB@ وسبعة إذا رجعتم @QE@ فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما ~~يحل به يوم النحر إذا لم يجد الهدي وأيضا فإن الصوم لما كان بدلا من الهدي ~~وهدي العمرة يصح إيجابه بعد إحرام العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب ~~المنع من الإحلال إلى أن يذبحه فكذلك يجوز الصيام بدلا منه من حيث صح هديا ~~للمتعة ويدل أيضا على صحة كونه عن المتعة أنه متى بعث بهدي المتعة ثم خرج ~~يريد الإحرام أنه يصير محرما قبل أن يلحقه فدل ذلك على صحة هدي المتعة ~~بالسوق فكذلك يصح الصوم بدلا منه إذا لم يجد فإن قيل فقد يصح هديا قبل أن ~~يحرم بالعمرة ولا يجوز الصوم في تلك الحال قيل له قبل إحرام المتعة لم ~~يتعلق به حكم المتعة والدليل على ذلك أنه لا تأثير له في هذه الحال في حكم ~~الإحرام ووجوده وعدمه سواء فلم يصح الصوم معه قبل إحرام العمرة فإذا أحرم ~~بعمرة ثبت لها حكم الهدي في منعه الإحلال فلذلك جاز الصوم في تلك الحال كما ~~صح هديا للمتعة ويدل على جواز تقديم الصوم على إحرام الحج أن سنة المتمتع ~~أن يحرم بالحج يوم التروية وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~PageV01P367 حين أحلوا من إحرامهم بعمرة ولا يكون إلا وقد تقدم الصوم قبل ~~ذلك # | باب المتمتع إذ لم يصم قبل يوم النحر # قال الله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ واختلف ~~السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر فقال عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس لا يجزيه إلا الهدي وهو قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقال ابن عمر وعائشة يصوم أيام منى وهو قول مالك ~~وقال علي بن أبي طالب يصوم بعد أيام التشريق وهو قول الشافعي قال أبو بكر ~~قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0471 النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر ~~وأيام التشريق في أخبار متواترة مستفيضة واتفق الفقهاء على استعمالهما وأنه ~~غير جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من فرض ولا من نفل ~~فلم يجز صومها عن المتعة لعموم النهي عن الجميع ولما اتفقوا على أنه لا ~~يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج للنهي الوارد فيه كذلك لا يجوز ~~الصوم أيام منى ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان لقوله @QB@ فعدة من ~~أيام أخر @QE@ وكان الحظر المذكور في هذه الأخبار قاضيا على إطلاق الآية ~~موجبا لتخصيص القضاء في غيرها وجب أن يكون ذلك حكم صوم التمتع وأن يكون ~~قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ في غير هذه الأيام قال أبو ~~بكر وأيضا لما قال @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ ولم يكن صوم هذه ~~الأيام في الحج لأن الحج فائت في هذا الوقت لم يجز أن يصومها فإن قيل لما ~~قال @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ وهذه من أيام الحج وجب أن يجوز ~~صومهن فيها قيل له لا يجب ذلك من وجوه أحدها أن نهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له كما خص قوله تعالى @QB@ فعدة من ~~أيام أخر @QE@ نهيه عن صيام هذه الأيام والثاني أنه لو كان جائز إلا أنه من ~~أيام الحاج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز لأنه أخص بأفعال الحج من هذه ~~الأيام والثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم خص يوم عرفة بالحج بقوله الحج ~~عرفة فقوله @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ يقتضي أن يكون آخرها يوم ~~عرفة والرابع أنه روي أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة وروي أنه يوم النحر وقد ~~اتفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج فما لم يسم يوم الحج من ~~الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها وأيضا فإن الذي يبقى بعد يوم ~~النحر إنما هو من توابع الحج PageV01P368 وهو رمي ms0472 الجمار فلا اعتبار به في ~~ذلك فليس هو إذا من أيام الحج فلا يكون صومها صوما في الحج وأما القول في ~~صومها بعد أيام منى فإن أصحابنا لم يجيزوه لقوله تعالى @QB@ فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ فجعل أصل الفرض هو الهدي ~~ونقله إلى صوم مقيد بصفة وقد فات فوجب أن يكون الواجب هو الهدي كقوله @QB@ ~~فصيام شهرين متتابعين @QE@ وقوله @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فغير جائز ~~وقوعها عن الكفارة إلا على الصفة المشروطة فإن قيل أكثر ما فيه إيجاب فعله ~~في وقت فلا يسقطه فواته كقوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ و ~~@QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ وقوله @QB@ وقرآن الفجر @QE@ ~~وما جرى مجرى ذلك من الفروض المخصوصة بأوقاتها ثم لم يكن فواتها مسقطا لها ~~فالجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن كل فرض مخصوص بوقت فإن فوات الوقت يسقطه ~~وإنما يحتاج إلى دلالة أخرى في إيجاب فرض آخر لأن المفروض في هذا الوقت ~~الثاني هو غير المفروض في الوقت الأول ولولا قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) لما وجب قضاء الصلاة إذا ~~فاتت عن أوقاتها وكذلك لولا قوله @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ لما وجب قضاء ~~صوم رمضان بعد فواته عن وقته ولما كان صوم الثلاثة الأيام مخصوصا بوقت ~~ومعقودا بصفة وهو فعله في الحج ثم لم يفعله على الصفة المشروطة وفي الوقت ~~المخصوص به لم يجز إيجاب قضائه وإقامة غيره مقامه إلا بتوقيف والثاني أن ~~صوم الثلاثة الأيام جعل بدلا من الهدي عند عدمه بهذه الشريطة فغير جائز ~~إثباته بدلا إلا على هذا الوصف ألا ترى أن التيمم لما كان بدلا عن الماء لم ~~يجز لنا أن نقيم غير التراب مقام التراب عند عدمه مثل الدقيق والأشنان ~~ونحوهما كذلك لما جعل الصوم بدلا عن الهدي على أن يفعله على صفة لا يجوز أن ~~نقيم مقامه صوما غيره على غير تلك الصفة وليس كذلك حكم الصلوات الفوائت ms0473 ~~لأنا لم نقم القضاء بدلا منها عند عدمها وإنما هي فروض ألزمها عند الفوات ~~فإن قيل شرط الله تعالى صوم الظهار قبل المسيس فإن مسها لم ينتقل إلى العتق ~~كذلك صوم هذه الأيام وإن كان مشروطا في الحج فإن فواته فيه لا يسقط ولا ~~يوجب الرجوع إلى الهدي قيل له من قبل أن صوم الظهار مشروط قبل المسيس ~~والنهي عن المسيس قائم قبله وبعده فالصفة التي علق بها فعل البدل موجودة ~~فلذلك جاز والحج الذي علق به جواز البدل الذي هو الصوم غير موجود ~~PageV01P369 لأن الحج قد فات ففات فعل الصوم بفواته وأيضا فإن ظاهره يقتضي ~~سقوطه بوجوده قبل المسيس ولولا قيام الدلالة من غير الآية على جوازه لما ~~أجزناه ومن الناس من لا يوجب كفارة الظهار بعد المسيس وأظنه مذهب طاوس ~~ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي المظاهر عن الجماع بعد ~~المسيس حتى يكفر والله أعلم # | باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن دخل في صوم المتعة ثم وجد الهدي # قال أصحابنا إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصوم أو بعد ما صام قبل أن يحل ~~فعليه الهدي ولا يجزيه غيره وهو قول إبراهيم النخعي وقال مالك والشافعي إذا ~~دخل في الصوم ثم وجد الهدي أجزأه الصوم وليس عليه هدي وروي مثله عن الحسن ~~والشعبي وقال عطاء إذا صام يوما ثم أيسر فعليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام ثم ~~أيسر فليس عليه هدي وليصم السبعة والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى ~~@QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج @QE@ ففرض الهدي قائم عليه ما لم يحل أو يمضي أيام ~~النحر التي هي مسنونة للحلق فمتى وجده فعليه أن يهدي وبطل صومه ومعلوم أن ~~الهدي مشروط للإحلال لأنه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي لقوله تعالى @QB@ ~~ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ فمتى لم يحل حتى وجد الهدي ~~فعليه الهدي لأن الله تعالى لم يفرق في ms0474 إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في ~~الصوم وبعده ويدل على أن الهدي مشروط للإحلال قوله تعالى @QB@ فإذا وجبت ~~جنوبها فكلوا منها @QE@ @QB@ وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم ~~وليوفوا نذورهم @QE@ فأمرهم بقضاء التفث بعد ذبح الهدي فإذا كان كذلك وجب ~~أن يراعى وقوع الإحلال فإن صام رجل ثم وجد الهدي لم ينتقض صومه ولم يلزمه ~~الهدي لوجود المعنى الذي من أجله شرط الهدي ثم نقل عند عدمه إلى البدل وهو ~~بمنزلة المتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة والعاري إذا وجد ثوبا ~~والمظاهر إذا فرغ من الصوم ثم وجد الرقبة لأن الفرض قد سقط عنه فلا ينتقض ~~حكم المفعول منه وأما قبل الفراغ من هذه الأشياء التي ذكرنا فإن حكم البدل ~~مراعى فإن تم وفرغ منه فقد وقع موقع البدل وأجزى عن أصل الفرض وإن وجد ~~الأصل قبل الفراغ مما شرط له انتقض حكمه وعاد إلى أصل فرضه ألا ترى أن ~~دخوله في الصلاة مراعى ومنتظر بها آخرها لأن ما يفسد آخرها يفسد أولها فوجب ~~أن يكون حكم التيمم بعد دخوله في الصلاة PageV01P370 منتظرا مراعى وكذلك ~~صوم الظهار إذا دخل فيه فهو مراعى منتظر ألا ترى أنه لو أفطر فيه يوما ~~انتقض كله وعاد إلى أصل فرضه كذلك إذا وجد الرقبة وهو في الصوم وجب أن ~~ينتقض صومه عن الظهار ويعود إلى أصل فرضه كما لو تيمم ولم يدخل في الصلاة ~~حتى وجد الماء انتقض تيممه لأنه وقع مراعى على شريطة أن لا يجد الماء حتى ~~يقضي به الفرض وزعم بعض المخالفين أنه إذا ابتدأ بصوم الظهار فقد سقط عنه ~~فرض الرقبة لصحة الجزء المفعول وكذلك الداخل في الصلاة بالتيمم فقد سقط عنه ~~فرض الطهارة بالماء لهذه الصلاة وكذلك إذا دخل في صوم التمتع فقد سقط عنه ~~فرض الهدي لأن الجزء المفعول منه قد صح وفي الحكم بصحة ذلك إسقاط فرض الأصل ~~قال وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة لأن التيمم غير ~~مفروض في نفسه ms0475 وإنما هو مفروض لأجل الصلاة وهو مراعى فمتى وجد الماء قبل ~~دخوله في الصلاة بطل تيممه والذي في عروض التيمم بعد الدخول دخوله في الصوم ~~وهذا الذي قاله شديد الإختلاف ظاهر الفساد لأن الفرض لم يسقط بدخوله في صوم ~~المتعة ولا في صوم الظهار ولا في الصلاة بل دخوله مراعى موقوف الحكم على ~~آخره والدليل عليه أنه متى أفسد باقي الصلاة فسد ما قبله وكذلك إذا فسد ~~باقي صوم الظهار فسد ما تقدم منه وكذلك لو دخل في صوم المتعة ثم أفسده في ~~أول يوم منه فسد فإن كان واجدا للهدي لم يجزه الصوم بالإتفاق فقوله لما ~~حكمنا بصحة الجزء المفعول من البدل سقط عنه فرض الأصل خطأ لأن الحكم لم يقع ~~بصحته وإنما حكمه أن يكون منتظرا به آخره فإن تم مع عدل فرض الأصل ثبت حكمه ~~وإن وجد الأصل قبل تمامه بطل حكمه وعاد إلى أصل فرضه ومن حيث حكم للمتيمم ~~بحكم الانتظار إلى أن يدخل في الصلاة وجب أن يكون حكمه بعد الدخول في ~~الصلاة لأن الصلاة المفعولة به منتظر بها الفراغ منها فوجب أن لا يختلف ~~حكمه في وجود الماء قبل دخوله في الصلاة وبعده وكذلك سائر ما ذكرنا من صوم ~~التمتع وصوم الظهار ونحوه وقالوا جميعا في الصغيرة المدخول بها إذا فارقها ~~زوجها أن عدتها الشهور وأنه لا يختلف حكمها عند عدم الحيض في وجوده قبل ~~الطلاق أو بعده بعد وجوب الشهور في انتقالها إلى الحيض وكذلك قالوا في ~~الماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه وهو في الصلاة أو قبلها وتساوى حكم ~~الحالين من الإبتداء والبقاء في منع الصلاة ولزوم غسل الرجلين PageV01P371 ~~وكذلك قال الشافعي في المستحاضة إذا زالت استحاضتها وهي في الصلاة أو قبل ~~دخولها فيها في استواء حكم الحالين في باب المنع منها إلا بعد تجديد ~~الطهارة لها وذكر بعض أصحاب مالك أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقا رجعيا ثم ~~مات عنها كانت عليها عدة الوفاة لأنها كانت في حكم الزوجات عند ms0476 الموت قال ~~فلو أن رجلا كانت تحته أمة وطلقها كانت عليها عدة الأمة فإن عتقت وهي في ~~العدة لم تنتقل عدتها إلى عدة الحرة وإن كان زوجها يملك رجعتها قال لأنه لم ~~يحدث هناك شيء يجب به عدة كما حدث الموت في المسألة التي قبلها وهو موجب ~~للعدة ويلزمه على هذا أن لا تنتقل عدة الصغيرة إذا حاضت لأنه لم يحدث ما ~~يوجب العدة وهو وجود الحيض كما لا يجب بالعتق كما اقتضاه اعتلاله قوله ~~تعالى @QB@ وسبعة إذا رجعتم @QE@ روي عن عطاء قال إن شاء صامهن بمكة وإن ~~شاء إذا رجع إلى أهله وروى الحسن قال إن شاء صام في الطريق وإن شاء إذا رجع ~~إلى أهله وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقال ابن عمر والشعبي يصومهن إذا ~~رجع إلى أهله وقوله تعالى @QB@ إذا رجعتم @QE@ محتمل للرجوع من منى وللرجوع ~~إلى أهله فهو على أول الرجوعين وهو الرجوع من منى ويدل عليه أن الله حظر ~~صيام أيام التشريق وأباح السبعة بعد الرجوع فالأولى أن يكون المراد الوقت ~~الذي أباح فيه الصوم بعد حظره وهو انقضاء أيام التشريق قوله تعالى @QB@ تلك ~~عشرة كاملة @QE@ قال أبو بكر قد قيل فيه وجوه منها أنها كاملة في قيامها ~~مقام الهدي فيما يستحق من الثواب وذلك لأن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في ~~باب جواز الإحلال بها يوم النحر قبل صيام السبعة فكان جائزا أن يظن ظان أن ~~الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب فأعلمنا الله أن العشرة ~~بكمالها هي القائمة مقامه في استحقاق ثوابه وأن الحكم قد تعلق بالثلاثة في ~~جواز الإحلال بها وفي ذلك أعظم الفوائد في الحث على فعل السبعة والأمر ~~بتعجيلها بعد الرجوع لاستكمال ثواب الهدي وقيل فيه أنه أزال احتمال التخيير ~~وأن تكون الواو فيه بمعنى أو إذ كانت الواو قد تكون في معنى أو في بعض ~~المواضع فأزال هذا الاحتمال بقوله تلك عشرة كاملة وقيل المعنى تأكيده في ~~نفس المخاطب والدلالة على انقطاع التفصيل في ms0477 العدد كما قال الشاعر % ثلاث ~~واثنتين فهن خمس % وسادسة تميل إلى شمام % # | PageV01P372 وجعل الشافعي هذا أحد أقسام البيان وذكر أنه من البيان ~~الأول ولم يجعل أحد من أهل العلم ذلك من أقسام البيان لأن قوله ثلاثة وسبعة ~~غير مفتقر إلى البيان ولا إشكال على أحد فيه فجاعله من أقسام البيان مغفل ~~في قوله قوله تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ قال أبو بكر قد اختلف ~~السلف في أشهر الحج ما هي فروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد ~~أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وروي عن عبدالله بن مسعود أنها شوال ~~وذو القعدة وذو الحجة وروي عن ابن عباس وابن عمر في رواية أخرى مثله وكذلك ~~روي عن عطاء ومجاهد وقال قائلون وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة ~~وأن يكون مراد من قال وذو الحجة أنه بعضه لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض ~~الأشهر لا في جميعها لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك ~~الحج وقالوا ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله مراده أنها لما كانت ~~هذه أشهر الحج كان الإختيار عنده فعل العمرة في غيرها كما روي عن عمر وغيره ~~من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج على ما قدمنا وحكى ~~الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ~~لأن من لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فحجه فائت ولا ~~تنازع بين أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث بقوله @QB@ أشهر ~~معلومات @QE@ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى ثلاثة وإنما هي ~~يومان وبعض الثالث ويقولون حججت عام كذا وإنما الحج في بعضه ولقيت فلانا ~~سنة كذا وإنما كان لقاؤه في بعضها وكلمته يوم الجمعة والمراد البعض وذلك من ~~مفهوم الخطاب إذا تعذر استغراق الفعل للوقت كان المعقول منه البعض قال أبو ~~بكر ولقول من قال أنها شوال ms0478 وذو العقدة وذو الحجة وجه آخر وهو شائع مستقيم ~~وهو ينتظم القولين من المختلفين في معنى الأشهر المعلومات وهو أن أهل ~~الجاهلية قد كانوا ينسؤن الشهور فيجعلون صفر المحرم ويستحلون المحرم على ~~حسب ما يتفق لهم من الأمور التي يريدون فيها القتال فأبطل الله تعالى ~~النسيء وأقر وقت الحج على ما كان ابتداؤه عليه يوم خلق السموات كما قال صلى ~~الله عليه وسلم يوم حجة الوداع ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ~~الله السموات والأرض السنة إثنا عشر شهرا منها أربعة حرم شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان قال الله تعالى @QB@ الحج أشهر ~~معلومات @QE@ PageV01P373 يعني بها هذه الأشهر التي ثبت وقت الحج فيها دون ~~ما كان أهل الجاهلية عليه من تبديل الشهور وتأخير الحج وتقديمه وقد كان وقت ~~الحج معلقا عندهم وهذه الثلاثة التي يأمنون فيها واردين وصادرين فذكر الله ~~هذه الأشهر وأخبرنا باستقرار أمر الحج وحظر بذلك تغييرها وتبديلها إلى ~~غيرها وفيه وجه آخر وهو أن الله لما قدم ذكر التمتع بالعمرة إلى الحج ورخص ~~فيه وأبطل به ما كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في الأشهر قال @QB@ الحج ~~أشهر معلومات @QE@ فأفاد بذلك أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى ~~الحج وثبت حكمه فيها هذه الأشهر وإن من اعتمر في غيرها ثم حج لم يكن له حكم ~~التمتع والله أعلم # باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج $ # قال أبو بكر قد اختلف السلف في جواز الإحرام قبل أشهر الحج فروى مقسم عن ~~ابن عباس قال من سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج وأبو الزبير عن ~~جابر قال لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج وروي مثله عن طاوس وعطاء ~~ومجاهد وعمرو بن ميمون وعكرمة وقال عطاء من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ~~فليجعلها عمرة وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى @QB@ وأتموا الحج ~~والعمرة لله @QE@ أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولم يفرق بين من ~~كان ms0479 بين دويرة أهله وبين مكة مسافة بعيدة أو قريبة فدل ذلك على أنه كان من ~~مذهبه جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وما رواه مقسم عن ابن عباس أن من ~~سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج يدل ظاهره على أنه لم يرد بذلك ~~حتما واجبا وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر ~~الحج وهو قول أصحابنا جميعا ومالك والثوري والليث بن سعد وقال الحسن بن ~~صالح بن حيي إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج جعله عمرة فإذا أدركته أشهر الحج ~~قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه وقال الأوزاعي يجعلها عمرة وقال ~~الشافعي يكون عمرة قال أبو بكر قد قدمنا فيما سلف ذكر وجه الدلالة على جواز ~~ذلك من قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ ~~وأن ذلك عموم في كون الأهلة كلها وقتا للحج ولما كان معلوما أنها ليست ~~ميقاتا لأفعال الحج وجب أن يكون حكم اللفظ مستعملا في إحرام الحج فاقتضى ~~ذلك جوازه عند سائر الأهلة وغير جائز الاقتصار على بعضها PageV01P374 دون ~~بعض لاتفاق الجميع على أن إرادة الله تعالى عموم جميع الأهلة فيما جعله ~~مواقيت للناس وأنه لم يرد به بعض الأهلة دون بعض فمن حيث انتظم فيما جعله ~~مواقيت للناس جميعا وجب أن يكون ذلك حكمها فيما جعله للحج منها إذ هما ~~جميعا قد انطويا تحت لفظ واحد فإن قيل لما جعلها مواقيت للحج والحج في ~~الحقيقة هو الأفعال الموجبة بالإحرام ولم يكن الإحرام هو الحج وجب أن يحمل ~~على حقيقته فتكون الأهلة التي هي مواقيت للحج شوالا وذا القعدة وذا الحجة ~~لأن هذه الأشهر هي التي تصح فيها أفعال الحج لأنه لو طاف وسعى للحج قبل ~~أشهر الحج لم يصح عند الجميع فيكون لفظ الحج مستعملا على حقيقته قيل له هذا ~~غلط لما فيه من إسقاط حكم اللفظ رأسا وذلك لأن قوله @QB@ يسألونك عن الأهلة ~~قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ يقتضي أن تكون الأهلة ms0480 نفسها ميقاتا للحج ~~وفروض الحج ثلاثة الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة ومعلوم أن الأهلة ~~ليست ميقاتا للوقوف ولا لطواف الزيارة إذ هما غير مفعولين في وقت الهلال ~~فلم تبق الأهلة ميقاتا إلا للإحرام دون غيره من فروضه ولو حملناه على ما ~~ذكرت لم يكن شيء من ذهنه الفروض متعلقا بالأهلة ولا كانت الأهلة ميقاتا لها ~~فيؤدي ذلك إلى إسقاط ذكر الأهلة وزوال فائدته فإن قيل إذا كانت معرفة وقت ~~الوقوف متعلقة بالهلال جاز أن يقال أن الهلال ميقات له قيل له ليس ذلك كما ~~ظننت لأن الهلال له وقت معلوم على ما قدمنا فيما سلف ولا يسمى بعد مضي ذلك ~~الوقت هلالا ألا ترى أنه لا يقال للقمر ليلة الوقوف هلالا والله تعالى إنما ~~جعل الهلال نفسه ميقاتا للحج وأنت إنما تجعل غير الهلال ميقاتا وفي ذلك ~~إسقاط حكم اللفظ ودلالته ألا ترى أنه إذا جعل محل الدين هلالا شهر كذا كان ~~الهلال نفسه وقتا لثبوت حق المطالبة ووجوب أدائه إليه لا ما بعده من الأيام ~~وكذلك الإجارات إذا عقدت على الأهلة فإنما يعتبر فيها وقت رؤية الهلال ذلك ~~مفهوم من اللفظ لا يشكل مثله على ذي فهم وأما قوله أن الحج هو اسم للافعال ~~الموجبة بالإحرام وأن الإحرام لا يسمى حجا فإن الإحرام إذا كان سببا لتلك ~~الأفعال ولا يصح حكمها إلا به فجائز أن يسمى باسمه على ما بينا في أول ~~الكتاب من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان سببا أو مجاورا فسمى الإحرام حجا ~~على هذا الوجه وأيضا فإنه إذا كان جائزا إضمار الإحرام حتى يكون في معنى قل ~~هي مواقيت للناس PageV01P375 ولإحرام الحج على نحو قوله @QB@ واسأل القرية ~~@QE@ ومعناه أهل القرية وقوله @QB@ ولكن البر من اتقى @QE@ ومعناه ولكن ~~البر من اتقى وجب استعماله على هذا المعنى ليصح إثبات حكم اللفظ في جعله ~~الأهلة مواقيت الحج وأيضا لما كان الحج في اللغة اسما للقصد وإن كان في ~~الشرع قد علق به أفعال أخر يصح إطلاق الاسم عليه ms0481 لم يمتنع أن يسمى الإحرام ~~حجا لأن أول قصد يتعلق به حكم هو الإحرام وقبل الإحرام لا يتعلق بذلك القصد ~~حكم فجائز من أجل ذلك أن يسمى الإحرام حجا إذ هو أوله فيكون قوله يسئلونك ~~عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج منتظما للإحرام وغيره من أفعال الحج ~~ومناسكه لو خلينا وظاهره فلما خصت الأفعال بأوقات محصورة خصصناها من الجملة ~~وبقي حكم اللفظ في الإحرام ويدل على أن الحج في اللغة هو القصد قول الشاعر ~~% يحج مأمومة % في قعرها لجف % # | يعني يقصدها ليعرف مقدارها وليس يجب من حيث علق بالقصد أفعال أخر لا ~~يستحق القصد اسم الحج في الشرع إلا بها إسقاط اعتبار القصد فيه ألا ترى أن ~~الصوم في أصل اللغة اسم للإمساك وهو في الشرع اسم لمعان أخر معه ولم يسقط ~~مع ذلك اعتبار الإمساك في صحته وكذلك الإعتكاف اسم اللبث وهو في الشرع اسم ~~لمعان أخر مع اللبث فكان معنى الاسم الموضوع له معتبرا وإن ألحقت به في ~~الشرع معان أخر لا يثبت حكم الاسم في الشرع إلا بوجودها وكذلك الحج لما كان ~~اسما في اللغة للقصد ثم كان حكم ذلك القصد متعلقا بالإحرام وما قبله لا حكم ~~له جاز أن يكون الإحرام مسمى بهذا الاسم كما سمي به الطواف والوقوف بعرفة ~~وأفعال المناسك فوجب بحق العموم كون الأهلة كلها ميقاتا للإحرام وقد اقتضى ~~العموم ذلك لسائر أفعال الحج لولا قيام الدلالة على تخصيصها بأوقات محصورة ~~دليل آخر وهو قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ وقد قدمنا ذكر أقاويل السلف ~~في الأشهر وأن منهم من قال شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقال آخرون ~~شوال وذو القعدة وذو الحجة فحصل من اتفاقهم أن يوم النحر من أشهر الحج فوجب ~~بعموم قوله @QB@ أشهر معلومات @QE@ جواز الإحرام بالحج يوم النحر وإذا صح ~~يوم النحر جاز في سائر السنة لأن أحدا لم يفرق في جوازه بين يوم النحر وبين ~~سائر أيام السنة فإن قيل أن من قال عشر من ذي الحجة ms0482 إنما أراد به عشر ليال ~~ولم يجعل يوم النحر منها لأنه يكون الحج فائتا بطلوع PageV01P376 الفجر من ~~يوم النحر قيل له قول من قال عشرا إن كان مراده عشر ليال فإن ذكر الليالي ~~يقتضي دخول ما بإزائها من الأيام كقوله في موضع @QB@ ثلاث ليال سويا @QE@ ~~وقد أراد الأيام الا ترى إلى قوله في موضع آخر عند ذكر هذه القصة بعينها ~~@QB@ ثلاثة أيام إلا رمزا @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ وهي أربعة أشهر وعشرة أيام ~~وقد روي عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن شداد وعبدالله بن أبي أوفى في ~~آخرين أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر ويستحيل أن يكون يوم النحر يوم الحج ~~الأكبر ولا يكون من أشهر الحج ومع ذلك فإن قوله @QB@ الحج أشهر معلومات ~~@QE@ يقتضي ظاهره استيعاب الشهور الثلاثة ولا ينقص شيء منه إلا بدلالة فثبت ~~بذلك أن يوم النحر من أشهر الحج وقد أباح الله الإحرام فيه بقوله @QB@ الحج ~~أشهر معلومات @QE@ فوجب أن يصح ابتداء الإحرام فيه وإذا صح فيه صح في سائر ~~أيام السنة بالاتفاق وفي هذه الآية دلالة من وجه آخر على جواز الإحرام قبل ~~دخول أشهر الحج وهو قوله في سياق الخطاب @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ معنى ~~فرض الحج فيهن إيجابه فيها لأن سائر الأفعال موجبة به ولم يوقت للفرض وقتا ~~وإنما وقته للفعل لأن الفرض المذكور في هذا الموضع هو لا محالة غير الحج ~~الذي علقه به وإذا كان كذلك كان الوقت وقتا لأفعال المناسك وألزمه إياها ~~بفرض غير موقت وجب أن يصح فعل إحرام الحج قبل أشهر الحج يوجب أفعال المناسك ~~ويدلك على ما ذكرنا أنه يصح أن يبتدئ حجا بنذر قبل أشهر الحج فيكون موجبا ~~للحج في وقته المشروط وإن كان إيجابه قبله ومن قال لله علي أن أصوم غدا كان ~~في هذا الوقت موجبا لصوم غد قبل وجوده فكذلك جائز أن يقال لمن أحرم بالحج ~~قبل أشهر الحج أنه موجب للحج في ms0483 أشهر الحج وإن كان فرضه وابتداء إحرامه في ~~غيره فاقتضى ظاهر قوله تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ إيجاب فعل الحج ~~بفرض قبلهن أو فيهن إذ كان ظاهر اللفظ يتناول الفروض في الوقتين ويدل عليه ~~من جهة السنة حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من أراد ~~الحج فليتعجل ) وذلك على الإحرام وأفعاله إلا ما قال دليله مما لا يجوز ~~تقديمه على وقته ويدل عليه أيضا قوله في ذكر المواقيت هن لأهلهن ولمن مر ~~عليهم من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة وذلك عموم في جواز الإحرام بالحج ~~في أي وقت مر عليهن من السنة ويدل عليه من جهة PageV01P377 النظر اتفاق ~~الجميع على بقاء إحرام الحج بكماله بعد طلوع الفجر يوم النحر قبل رمي ~~الجمار ولو كان الإحرام بالحج لا يجوز قبل أشهر الحج لوجب أن لا يبقى ~~بكماله في الوقت الذي لا يصح فيه ابتداء الإحرام وفي بقاء إحرامه يوم النحر ~~قبل رمي الجمار دليل على جواز ابتدائه وذلك لأن مناسك الحج محصورة بأوقات ~~غير جائز تقديمها عليها فلو لم يكن يوم النحر وقتا للإحرام لما جاز بقاؤه ~~فيه ألا ترى أن الجمعة لما كانت محصورة بوقت لا يجوز تقديمها عليه لم يجز ~~أن تبقى الجمعة بعد الدخول فيها في وقت لا يصح ابتداؤها فيه نحو أن يدخل في ~~الجمعة ثم يدخل وقت العصر قبل الفراغ منها فتبطل ولا يبقى حكمها بعد خروج ~~الوقت كما لا يصح ابتداؤها فيه فكذلك إحرام الحج لو كان محصورا بأشهر الحج ~~لما صح بقاؤه بكماله بعد انقضائه كما لا يصح عند مخالفينا ابتداؤه فلما صح ~~بقاؤه في يوم النحر صح ابتداؤه ويدل على ذلك اتفاق الجميع على جواز الإحرام ~~بالحج في وقت يتراخى عنه أفعاله ولا يصح إيقاعها فيه ووجب أن يجوز تقديمه ~~على أشهر الحج كما صح فعله فيها لأن موجبه من الإفعال متراخ عنه وأيضا لو ~~كان الإحرام موقتا لوجب أن يتصل به موجب أفعاله كما أن إحرام الصلاة ms0484 لما ~~كان موقتا كان موجبه من فرضه متصلا به ولم يجز تراخيه عنه ويحتج لذلك أيضا ~~باتفاق الجميع على أن المتمتع هو الجامع بين أفعال العمرة والحج في سفر ~~واحد ممن ليس من حاضري المسجد الحرام ولا يختلف حكم إحرام العمرة بأن يكون ~~في أشهر الحج أو قبله فيما يقتضيه حكم المتمتع كذلك يجب أن لا يختلف حكم ~~إحرام الحج في كونه في أشهر الحج أو قبله والمعنى الجامع بينهما أن حكم كل ~~واحد من موجب الإحرامين من الأفعال متعلق بوقوعه في أشهر الحج فوجب استواء ~~حكم الإحرامين في الوجه الذي ذكرنا كما استوى حكم أفعالهما في صحة وقوعهما ~~في أشهر الحج واحتج من أبى تجويز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج بظاهر قوله ~~تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ وقد ذكرنا وجه الدلالة منه على جوازه ~~قبل أشهر الحج ومع ذلك فإن قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ حكمه متعلق ~~بضمير لا يستغني عنه الكلام وذلك أنه معلوم أن الحج لا يكون أشهرا لأن الحج ~~هو فعل الحاج والأشهر هي فعل الله تعالى وغير جائز أن يكون فعل الله هو فعل ~~العبد فثبت أن فيه ضميرا ويحتمل أن يكون الضمير فعل الحج في أشهر معلومات ~~وليس في شيء منه نفي لجواز إحرامه قبل أشهر الحج وإنما يفيد أن PageV01P378 ~~فعل الحج في هذه الأشهر وأن الإحرام جائز فيها وليس في تجويز الإحرام فيها ~~نفي لجوازه في غيرها فإن قيل قد تضمن ذلك الأمر بإحرام الحج أو أفعاله فيها ~~فغير جائز فعلها في غيرها قيل له هذا غلط لأنه ليس في اللفظ دلالة على ~~الأمر وإنما فيه الدلالة على جوازه فيها فأما الإيجاب فلا دلالة عليه من ~~اللفظ وإذا كان كذلك فأكثر ما فيه تجويز إحرام الحج وأفعاله في هذه الأشهر ~~وليس فيه نفي لجوازه في غيرها فإن قيل فإذا كان الإحرام جائزا في سائر ~~السنة فلا معنى لتوقيت الأشهر له وهذا المذهب يؤدي إلى إسقاط فائدة التوقيت ~~قيل له ليس كذلك بل فيه عدة فوائد ms0485 منها أنه أفاد أن أفعال الحج مخصوصة بهذه ~~الأشهر ألا ترى أنا نقول أنه لو كان طاف وسعى قبل أشهر الحج أنه لا يعتد به ~~ويعيده ومنها أن التمتع إنما يتعلق حكمه بفعل العمرة مع الحج في هذه الأشهر ~~حتى لو قدم طواف العمرة على أشهر الحج وحج من عامه لم يكن متمتعا ولذلك قال ~~أصحابنا فيمن قرن ودخل مكة قبل أشهر الحج وطاف للعمرة وسعى ومضى على قرانه ~~أنه ليس بمتمتع وليس عليه دم القران فأفادت الآية أن هذه الأشهر هي التي ~~يتعلق به حكم التمتع إذا جمع بين العمرة والحج فيها ومع ذلك فلو كان قوله ~~تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ يوجب الاقتصار به عليها دون غيرها من ~~الشهور لوجب أن نصرفه إلى أفعال الحج دون إحرامه ليسلم لنا عموم قوله @QB@ ~~يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ في جواز الإحرام في سائر ~~الأهلة ولو حملناه على الإحرام لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة قوله @QB@ قل هي ~~مواقيت للناس والحج @QE@ والاقتصار به على معنى قوله @QB@ الحج أشهر ~~معلومات @QE@ ومع ذلك فلا نكون مستعملين له لأن الله قد أخبر أنه جعل ~~الأهلة وقتا للحج ومتى قصرناه على أشهر الحج لم يتعلق حكمه بالأهلة وكان ~~متعلقا بأوقات أخر غيرها مثل يوم عرفة للوقوف ويوم النحر للطواف والرمي ~~ونحوه وأيضا فغير جائز أن يريد الإحرام وأفعاله ومتى أراد الأفعال انتفى ~~الإحرام لامتناع إرادتهما بلفظ واحد لأن أحدهما هو المقصود بعينه وهو أفعال ~~المناسك والآخر سبب له سمي باسمه على طريق المجاز فغير جائز أن يرادا جميعا ~~بلفظ واحد ألا ترى أن من حج ولم يقف فجائز أن يقال أنه لم يحج ومتى وقف ~~أطلق عليه اسم الحاج وأيضا لما قال تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وجب أن يكون ذلك تعريفا للحج المذكور ~~في قوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ فتكون PageV01P379 الألف واللام ~~لتعريف المعهود فيصير حينئذ تقدير الآية مع الخبر الحج الذي هو الوقوف ~~بعرفة في أشهر ms0486 معلومات ويكون فائدة ذكر الأشهر ما قدمنا وأيضا لو صح إرادة ~~الوقت للإحرام وجب استعماله في الأشهر على الندب وقوله @QB@ مواقيت للناس ~~والحج @QE@ على الجواز حتى يوفى كل واحد من اللفظين حظه من الفائدة وقسطه ~~من الحكم فإن قيل إذا أراد به الإحرام لم يجز تقديمه على وقته ويصير بمنزلة ~~قوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وقوله @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار ~~@QE@ ونحو ذلك من الآي التي فيها توقيت العبادات قيل له قد بينا أن قوله ~~@QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ لا دلالة فيه على الوجوب لأنه ليس بأمر وفيه ~~ضمير يحتاج في إثباته إلى دلالة من غيره لاحتماله أن يكون المراد جواز الحج ~~ويحتمل أن يريد به فضيلة الحج فليس في ظاهر اللفظ دليل على أن المراد ~~بالتوقيت المذكور فيه لماذا هو فلذلك لم يصح الاستدلال على توقيت الإحرام ~~بالأشهر على جهة الإيجاب وأما الصلاة فإن الله تعالى نص فيها على الأوقات ~~المذكورة بلفظ يقتضي الإيجاب فيها من غير احتمال لغيرها بقوله @QB@ أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وما جرى مجراه من الأوامر الموقتة ووجه آخر وهو ~~أنا سلمنا لهم أن ذلك وقت الإحرام لم تلزم الصلاة عليه من قبل أن تقديم ~~إحرام الصلاة على وقتها إنما لم يجز من حيث اتصلت فروضها وأركانها بالإحرام ~~وسائر فروضها غير جائزة متراخية عن تحريمتها فلذلك كان حكم تحريمتها حكم ~~سائر أفعالها ولا خلاف في جواز إحرام الحج في وقت يتراخى عنه سائر أفعاله ~~وغير جائز شيء من فروضه عقيب إحرامه فلذلك اختلفا ومن جهة أخرى وهو أن كونه ~~منهيا عن فعل الإحرام لا يمنع صحة لزومه وكون الصلاة منهيا عنها يمنع صحة ~~الدخول فيها والدليل على ذلك أن من تحرم بالصلاة محدثا أو غير مستقبل ~~القبلة عامدا أو عاريا وهو يجد ثوبا لم يصح دخوله فيها ولو أحرم بالحج وهو ~~مخالط لامرأته أو لابس ثيابا كان إحرامه واقعا ولزمه حكمه مع مقارنة ما ~~يفسده فلم يجز اعتبار أحكام إحرام الحج بالصلاة ووجه آخر وهو أن ترك بعض ms0487 ~~فروض الصلاة يفسدها مثل الحدث والكلام والمشي وما جرى مجرى ذلك وترك بعض ~~فروض الإحرام لا يفسده لأنه لو تطيب أو لبس أو اصطاد لم يفسده مع كون ترك ~~هذه الأمور فرضا فيه وأيضا وجدنا من فروض الحج ما يفعل بعد أشهر الحج ويكون ~~مفعولا في وقته وهو طواف الزيارة ولم نجد شيئا من PageV01P380 فروض الصلاة ~~يفعل بعد خروج وقتها إلا على وجه القضاء فلم يجز أن تكون الصلاة أصلا ~~للإحرام ويمكن أن يجعل ذلك دليلا في أصل المسألة بأن يقال لما كان بعض فروض ~~الحج مفعولا بعد أشهر الحج ويكون ذلك وقتا له كذلك جائز أن يكون إحرامه قبل ~~أشهر الحج ويكون ذلك وقتا لأنه لو لم يجز تقديمه على أشهر الحج لما جاز ~~تأخير شيء من فروضه عنه كالصلاة فإن قيل لما اتفق الجميع على أن من فاته ~~الحج لا يجوز أن يفعل بإحرامه ذلك حجا في القابل وكان عليه أن يتحلل بعمل ~~عمرة دل ذلك على أن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج يوجب عمرة وأنه غير ~~جائز أن يفعل به حجا قيل له فقد جاز أن يبقى إحرامه كاملا بعد أشهر الحج ~~وهو يوم النحر قبل رمي الجمار حتى زعم الشافعي أنه إن جامع يوم النحر قبل ~~رمي الجمار فسد حجه وقد ذكرنا فيما سلف وجه الاستدلال من ذلك على جواز ~~الإحرام بالحج قبل أشهر الحج إذ لم يكن يوم النحر عنده من أشهر الحج وقد ~~جاز بقاء إحرامه بكماله فيه فدل على معنيين أحدهما سقوط سؤال السائل لنا ~~واعتراضه بما ذكره إذ قد جاز وجود إحرام صحيح بالحج قبل أشهر الحج والمعنى ~~الثاني أنه دل على جواز ابتداء إحرام الحج قبل أشهر الحج إذ قد جاز بقاؤه ~~فيه على ما بيناه فيما سلف وأما قول الشافعي في أن المحرم بالحج قبل أشهر ~~الحج يكون محرما بعمرة فإنه قول ظاهر الإختلال والفساد لأنه لا يخلو من أن ~~يلزمه إحرام الحج على ما عقده على نفسه أو ms0488 لا يلزمه فإن لم يلزمه كان كمن ~~لم يحرم وبمنزلة من أحرم بالظهر قبل دخول وقتها فلا يلزمه شيء ولا يكون ~~داخلا فيها ولا في غيرها وأن يلزمه الحج فقد جاز أداء الإحرام بالحج قبل ~~أشهر الحج وإذا صح إحرامه وأمكنه المضي فيه لم يجز له أن يتحلل منه بعمرة ~~فإن قيل هو بمنزلة من فاته الحج فيلزمه أن يتحلل بعمرة قيل له ليس ذلك ~~بعمرة وإنما هو عمل عمرة يتحلل به من إحرام الحج ألا ترى أن من فاته الحج ~~وهو بمكة أنه غير مأمور بالخروج منها إلى الحل لأجل ما لزمه من عمل العمرة ~~إذ كان وقت العمرة لمن كان بمكة الحل ولو أراد أن يبتدئ عمرة لأمر بالخروج ~~إلى الحل فدل ذلك على أن ما يفعله بعد الفوت ليس بعمرة وإنما هو عمل عمرة ~~يتحلل به من إحرام الحج وإحرام الحج باق مع الفوات وأيضا فالذي فاته قد ~~لزمه إحرام الحج وإنما احتاج إلى الإحلال منه بعمل عمرة فهل يقول الشافعي ~~أن المحرم بالحج قبل أشهر الحج قد لزمه الحج ويتحلل منه بعمل عمرة ~~PageV01P381 ويوجب عليه قضاء الحج فإذا لم يكن عنده محرما بالحج فقد لزمه ~~في ذلك شيئان أحدهما أنه لزمه عمرة لم يعقدها على نفسه ولم ينوها والثاني ~~أنه جعله بمنزلة الذي يفوته الحج بعد الإحرام وهذا لم يحرم قط به فألزمه ~~عمرة لا سبب لها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل امرئ ما نوى فإذا أحرم ونوى الحج فواجب أن يلزمه ما نوى بقضية قوله صلى ~~الله عليه وسلم وإنما لكل امرئ ما نوى قوله تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج ~~@QE@ قال أبو بكر قد اختلف السلف في تأويله فقال ابن عباس رواية والحسن ~~وقتادة فمن أحرم وروى شريح عن أبي إسحاق عن ابن عباس @QB@ فمن فرض فيهن ~~الحج @QE@ قال التلبية وكذلك روي عن عبدالله بن مسعود وابن عمر وإبراهيم ~~النخعي وطاوس ومجاهد وعطاء وقالت عمرة عن عائشة لا إحرام ms0489 إلا لمن أهل ولبى ~~قال أبو بكر قول من تأول قوله تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ على من ~~أحرم لا يدل على أنه رأى الإحرام جائزا بغير تلبية لأنه جائز أن يقول فمن ~~أحرم وشرط الإحرام أن يلبي فلم يثبت عن أحد من السلف جواز الدخول في ~~الإحرام بغير تلبية أو ما يقوم مقامها من تقليد الهدي وسوقه وأصحابنا لا ~~يجيزون الدخول في الإحرام إلا بالتلبية وتقليد الهدي وسوقه والدليل على ذلك ~~حديث فراد بن أبي نوح قال حدثنا نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي كأنها حزينة فقال مالك فقالت لا ~~أنا قضيت عمرتي وألفاني الحج عاركا قال ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ~~فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم وذلك يدل على وجوب التلبية لأنها الذي ~~يقوله المسلمون عند الإحرام وأمره صلى الله عليه وسلم على الوجوب ويدل قوله ~~صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم والتلبية من المناسك وقد فعلها عند ~~الإحرام ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام فقال ~~مر أمتك يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج فيضمن ذلك معنيين فعل ~~التلبية ورفع الصوت بها وقد اتفقوا على أن رفع الصوت غير واجب فبقي حكمه في ~~فعل التلبية ويدل عليه أن الحج والعمرة ينتظمان أفعالا متغايرة مختلفة ~~مفعولة بتحريمة واحدة فأشبهت الصلاة لما تضمنت أفعالا متغايرة مختلفة ~~مفعولة بتحريمة واحدة كان شرط الدخول فيها الذكر كذلك الحج والعمرة واجب أن ~~يكون الدخول فيهما بالذكر أو ما يقوم مقامه وقال أصحابنا إذا قلد بدنة ~~وساقها وهو يريد الإحرام فقد أحرم وقد روى ابنا جابر عن أبيهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن من قلد بدنة فقد أحرم واختلف PageV01P382 السلف في ~~ذلك فقال ابن عمر إذا قلد بدنته فقد أحرم وكذلك روي عن علي وقيس بن سعد ~~وابن مسعود وابن عباس وطاوس وعطاء ومجاهد والشعبي ومحمد بن سيرين ms0490 وجابر بن ~~زيد وسعيد بن جبير وإبراهيم وهذا على أنه قلدها وساقها وهو يريد الإحرام ~~لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون محرما وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إني قلدت الهدي فلا أحل إلى يوم النحر فأخبر أن ~~تقليد الهدي وسوقه كان المانع له من الإحرام فدل على أن لذلك تأثيرا في ~~الإحرام وأنه قائم مقام التلبية في باب الدخول فيه كما كان له تأثير في منع ~~الإحلال والدليل على أن التقليد بانفراده لا يوجب الإحرام ما روت عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث بهديه ويقيم فلا يحرم عليه شيء ~~وكذلك قالت عائشة لا يحرم إلا من أهل ولبى تعني ممن لم يسق هديه ولم يخرج ~~معه قوله تعالى @QB@ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج @QE@ اختلف السلف ~~في تأويل الرفث فقال ابن عمر هو الجماع وروي عن ابن عباس مثله وروي عنه أنه ~~التعريض بالنساء وكذلك عن ابن الزبير وروي عن ابن عباس أنه أنشد في حرامه % ~~وهن يمشين بنا هميسا % أن يصدق الطير ننك لميسا % # فقيل له في ذلك فقال إنما الرفث مراجعة النساء بذكر الجماع وقال عطاء ~~الرفث الجماع فما دونه من قول الفحش وقال عمرو بن دينار هو الجماع فما دونه ~~من شأن النساء قال أبو بكر قد قيل إن أصل الرفث في اللغة هو الإفحاش في ~~القول وبالفرج الجماع وباليد الغمز للجماع وإذا كان كذلك قد تضمن نهيه عن ~~الرفث في الحج هذه الوجوه كلها وحصل من اتفاق جميع من روي عنه تأويله أن ~~الجماع مراد به في هذه الآية ويدل على أن الرفث الفحش في المنطق قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن جهل عليه ~~فليقل إني صائم ) والمراد فحش القول وإن كان المراد بالرفث هو التعريض بذكر ~~النساء في الإحرام فاللمس والجماع أولى أن يكون محظورا كما قال تعالى @QB@ ~~فلا تقل لهما ms0491 أف ولا تنهرهما @QE@ عقل منه النهي عن السب والضرب وقد ذكر ~~الله تعالى الرفث في شأن الصوم فقال @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم @QE@ ولا خلاف أنه يريد به الجماع وعقل منه إباحة ما دونه كما أن ~~حظره الرفث في الحج وهو التعريض واللمس قد عقل به حظر ما فوقه من الجماع ~~لأن حظر القليل يدل على الكثير من جنسه وإباحة الكثير تدل على إباحة القليل ~~من جنسه PageV01P383 وقد روي عن محمد بن راشد قال خرجنا حجاجا فمررنا ~~بالرويثة فإذا بها شيخ يقال له أبو هرم قال سمعت أبا هريرة يقوم للمحرم من ~~امرأته كل شيء إلا الجماع قال فأهوى رجل منا إلى امرأته فقبلها فقدمنا مكة ~~فذكرنا ذلك لعطاء فقال قاتله الله قعد على طريق من طرق المسلمين يفتنهم ~~بالضلالة ثم قال للذي قبل امرأته أهرق دما وهذا شيخ مجهول وما ذكره قد ~~اتفقت الأمة على خلافه وعلى أن من قبل امرأته في إحرامه بشهوة فعليه دم ~~وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء وعكرمة وإبراهيم وسعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير ذلك وهو قول فقهاء الأمصار ولما ثبت بما ذكرنا حظر ~~مراجعة النساء بذكر الجماع في حال الإحرام والتعريض به واللمس وذلك كله من ~~دواعي الجماع دل ذلك على أن الجماع ودواعيه محظورة على المحرم وذلك دليل ~~على حظر التطيب لهذا المعنى بعينه ولما ورد فيه من السنة وأما الفسوق فروي ~~عن ابن عمر قال الفسوق السباب والجدال المراء وقال ابن عباس الجدال أن ~~تجادل صاحبك حتى تغيظه والفسوق المعاصي وروي عن مجاهد لا جدال في الحج قال ~~قد أعلم الله تعالى أشهر الحج فليس فيها شك ولا خلاف قال أبو بكر جميع ما ~~ذكر من هذه المعاني عن المتقدمين جائز أن يكون مراد الله تعالى فيكون ~~المحرم منهيا عن السباب والمماراة في أشهر الحج وفي غير ذلك وعن الفسوق ~~وسائر المعاصي فتضمنت الآية الأمر بحفظ اللسان والفرج عن كل ما هو محظور من ms0492 ~~الفسوق والمعاصي والمعاصي والفسوق وإن كانت محظورة قبل الإحرام فإن الله نص ~~على حظرها في الإحرام تعظيما لحرمة الإحرام ولأن المعاصي في حال الإحرام ~~أعظم وأكبر عقابا منها في غيرها كما قال صلى الله عليه وسلم ( إذا كان يوم ~~صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن جهل عليه فليقل إني امرؤ صائم ) وقد روي ~~أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزدلفة إلى ~~منى فكان يلاحظ النساء وينظر إليهن فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف ~~وجهه بيده من خلفه وقال ( إن هذا يوم من ملك سمعه وبصره غفر له ) ومعلوم ~~حظر ذلك في غير ذلك اليوم ولكنه خص اليوم تعظيما لحرمته فكذلك المعاصي ~~والفسوق والجدال والرفث كل ذلك محظور ومراد بالآية سواء كان مما حظره ~~الإحرام أو كان محظورا فيه وفي غيره بعموم اللفظ ويكون تخصيصه إياها بحال ~~الإحرام تعظيما للإحرام وإن كانت محظورة في غيره وقد روى مسعود عن منصور عن ~~أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي PageV01P384 ص = قال ( من حج فلم يرفث ولم ~~يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) وهذا موافق لدلالة الآية وذلك لأن الله تعالى ~~لما نهى عن المعاصي والفسوق في الحج فقد تضمن ذلك الأمر بالتوبة منها لأن ~~الإصرار على ذلك هو من الفسوق والمعاصي فأراد الله تعالى أن يحدث الحاج ~~توبة من الفسوق والمعاصي حتى يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه على ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى @QB@ ولا جدال في الحج @QE@ قد تضمن ~~النهي عن مماراة صاحبه ورفيقه وإغضابه وحظر الجدال في وقت الحج على ما كان ~~عليه أمر الجاهلية لأنه قد استقر على وقت واحد وأبطل به النسيء الذي كان ~~أهل الجاهلية عليه وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض يعني عود الحج إلى الوقت الذي جعله ~~الله له واتفق ذلك في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله @QB@ فلا رفث ms0493 ولا ~~فسوق ولا جدال في الحج @QE@ وإن كان ظاهره الخبر فهو نهي عن هذه الأفعال ~~وعبر بلفظ النفي عنها لأن المنهي عنه سبيله أن يكون منفيا غير مفعول وهو ~~كقوله في الأمر @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن @QE@ و @QB@ يتربصن بأنفسهن ~~@QE@ وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر ومعناه الأمر قوله تعالى @QB@ وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى @QE@ روي عن مجاهد والشعبي أن أناسا من أهل اليمن ~~كانوا لا يتزودون في حجهم حتى نزلت @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ ~~وقال سعيد بن جبير الزاد الكعك والزيت وقيل فيه إن قوما كانوا يرمون ~~بأزوادهم يتسمون بالمتوكلة فقيل لهم تزودوا من الطعام ولا تطرحوا كلكم على ~~الناس وقيل فيه أن معناه أن تزودوا من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد ~~التقوى قال أبو بكر لما احتملت الآية الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى ~~وجب أن يكون عليهما إذ لم تقم دلالة على تخصيص زاد من زاد وذكر التزود من ~~الأعمال الصالحة في الحج لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البر فيه ~~لمضاعفة الثواب عليه كما نص على حظر الفسوق والمعاصي فيه وإن كانت محظورة ~~في غيره تعظيما لحرمة الإحرام وإخبارا أنها فيه أعظم مأثما فجمع الزادين في ~~مجموع اللفظ من الطعام ومن زاد التقوى ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء ~~نفعه ودوام ثوابه وهذا يدل على بطلان مذهب المتوصفة الذين يتسمون بالمتوكلة ~~في تركهم التزود والسعي في المعاش وهو يدل على أن من شرط استطاعة الحج ~~الزاد والراحلة لأنه خاطب بذلك من خاطبه بالحج وعلى هذا المعنى قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإستطاعة فقال هي الزاد والراحلة والله ~~الموفق PageV01P385 # | باب التجارة في الحج # قال الله عقيب ذكر الحج والتزود له @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم @QE@ يعني المخاطبين بأول الآية وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح ~~لهم التجارة فيه وروى أبو يوسف عن العلاء بن السائب عن أبي أمامة قال قلت ~~لابن عمر إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزي من حجتي ms0494 قال ألست تلبي فتقف ~~وترمي الجمار قلت بلى قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ما ~~سألتني فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الآية @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم @QE@ فقال صلى الله عليه وسلم أنتم حاج وقال عمرو بن دينار ~~قال ابن عباس كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية فلما كان ~~الإسلام تركوا حتى نزلت @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ ~~في مواسم الحج وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أتاني رجل فقال إني آجرت ~~نفسي من قوم على أن أخدمهم ويحجون بي فهل لي من حج فقال ابن عباس هذا من ~~الذين قال الله تعالى @QB@ لهم نصيب مما كسبوا @QE@ وروي نحو ذلك عن جماعة ~~من التابعين منهم الحسن وعطاء ومجاهد وقتادة ولا نعلم أحدا روي عنه خلاف ~~ذلك إلا شيئا رواه سفيان الثوري عن عبدالكريم عن سعيد بن جبير قال سأله رجل ~~أعرابي فقال إني أكري إبلي وأنا أريد الحج أفيجزيني قال لا ولا كرامة وهذا ~~قول شاذ خلاف ما عليه الجمهور وخلاف ظاهر الكتاب في قوله @QB@ ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ فهذا في شأن الحاج لأن أول الخطاب فيهم ~~وسائر ظواهر الآي المبيحة لذلك دالة على مثل ما دلت عليه هذه الآية نحو ~~قوله @QB@ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله @QE@ وقوله @QB@ وأذن ~~في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر @QE@ إلى قوله @QB@ ليشهدوا منافع ~~لهم @QE@ ولم يخصص شيئا من المنافع دون غيرها فهو عام في جميعها من منافع ~~الدنيا والآخرة وقال تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ ولم يخصص ~~منه حال الحج وجميع ذلك على أن الحج لا يمنع التجارة وعلى هذا أمر الناس من ~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا في مواسم منى ومكة في أيام ~~الحج والله أعلم # | باب الوقوف بعرفة # قال الله تعالى @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~@QE@ قال أبو ms0495 بكر PageV01P386 قد دل ذلك على أن مناسك الحج الوقوف بعرفة ~~وليس في ظاهره دلالة على أنه من فروضه فلما قال في سياق الخطاب @QB@ ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس @QE@ أبان بذلك عن فرض الوقوف ولزومه وذلك لأن ~~أمره بالإضافة مقتض للوجوب ولا تكون الإفاضة فرضا إلا والكون بها فرضا حتى ~~يفيض منها إذ لا يتوصل إلى الإفاضة إلا بكونه قبلها هناك وقد اختلف في ~~تأويل قوله @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس @QE@ فروي عن عائشة وابن عباس ~~وعطاء والحسن ومجاهد وقتادة والسدي أنه أراد الإفاضة من عرفة قالوا وذلك ~~لأن قريشا ومن دان دينها يقال لهم الحمس كانوا يقفون بالمزدلفة ويقف سائر ~~العرب بعرفات فلما جاء الإسلام أنزل الله تعالى على نبيه @QB@ ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس @QE@ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ومن دان ~~دينها أن يأتوا عرفات فيقفوا بها مع الناس ويفيضوا من حيث أفاض الناس وحكي ~~عن الضحاك أنه أراد به الوقوف بالمزدلفة وأن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ~~عليه السلام وقيل أنه إنما قال الناس وأراد إبراهيم وحده كما قال تعالى ~~@QB@ الذين قال لهم الناس @QE@ وكان رجلا واحدا ولأن إبراهيم عليه السلام ~~لما كان الإمام المقتدى به سماه الله تعالى أمة كان بمنزلة الأمة التي تتبع ~~سنته جاز إطلاق اسم الناس والمراد به هو وحده والتأويل الأول هو الصحيح ~~لاتفاق السلف عليه والضحاك لا يزاحم به هؤلاء فهو قول شاذ وإنما ذكر الناس ~~هاهنا وأمر قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس لأنهم كانوا أعظم الناس وكانت ~~قريش ومن دان دينها قليلة بالإضافة إليهم فلذلك قال @QB@ من حيث أفاض الناس ~~@QE@ فإن قيل لما قال فإذا أفضتم من عرفات ثم عقب ذلك بقوله ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس وثم يقتضي الترتيب لا محالة علمنا أن هذه الإفاضة هي بعد ~~الإفاضة من عرفات وليس بعدها إفاضة إلا من المزدلفة وهي المشعر الحرام فكان ~~حمله على ذلك اولى منه على الإفاضة من عرفة ولأن الإفاضة من ms0496 عرفة قد تقدم ~~ذكرها فلا وجه لإعادتها قيل له إن قوله تعالى @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس @QE@ عائد إلى أول الكلام وهو الخطاب بذكر الحج وتعليم مناسكه ~~وأفعاله فكأنه قال يا أيها المأمورون بالحج من قريش بعد ما تقدم ذكرنا له ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس فيكون ذلك راجعا إلى صلة خطاب المأمورين وهو ~~كقوله تعالى @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن @QE@ والمعنى ~~بعد ما ذكرنا لكم أخبرناكم أنا آتينا موسى PageV01P387 الكتاب تماما على ~~الذي أحسن ويجوز أن يكون ثم بمعنى الواو فيكون تقديره وأفيضوا من حيث أفاض ~~الناس كما قال تعالى @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ معناه وكان من الذين ~~آمنوا وقوله @QB@ ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ معناه والله شهيد فإذا ~~كان ذلك سائغا في اللغة ثم روي عن السلف ما ذكرنا لم يجز العدول عنه إلى ~~غيره وأما قولك أن ذكر عرفات قد تقدم في قوله فإذا @QB@ أفضتم من عرفات ~~@QE@ فلا يكون لقوله ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وجه فليس كذلك لأن قوله ~~@QB@ فإذا أفضتم من عرفات @QE@ لا دلالة فيه على إيجاب الوقوف وقوله ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس هو أمر لمن لم يكن يقف بعرفة من قريش فقد أفاد به ~~من إيجاب الوقوف مالم يتضمنه قوله فإذا أفضتم من عرفات إذ لا دلالة في قوله ~~فإذا أفضتم من عرفات على فرض الوقوف ومع ذلك فلو اقتصر على قوله فإذا أفضتم ~~من عرفات لكان جائزا أن يظن ظان أنه خطاب لمن كان يقف بها دون من لم يكن ~~يرى الوقوف بها فيكون التاركون للوقوف على جملة أمرهم في الوقوف بالمزدلفة ~~دون عرفات فأبطل ظن الظان لذلك بقوله ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واتفقت ~~الأمة مع ذلك على أن تارك الوقوف بعرفة لا حج له ونقلته عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قولا وعملا وروى بكير بن عطاء عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ms0497 الحج قال ( الحج يوم عرفة من جاء ~~عرفة ليلة جمع قبل الصبح أو يوم جمع فقد تم حجه ) وروى الشعبي عن عروة بن ~~مضرس الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بالمزدلفة ( من صلى معنا ~~هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد ~~تم حجه وقضى تفثه ) وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر إذا ~~وقف قبل طلوع الفجر فقد تم حجه والفقهاء مجمعون على ذلك وقد اختلف الفقهاء ~~فيمن لم يقف بعرفة ليلا فقال سائرهم إذا وقف نهارا فقد تم حجه وإن دفع منها ~~قبل غروب الشمس فعليه دم عند أصحابنا إن لم يرجع قبل الإمام وقال مالك بن ~~أنس إن لم يرجع حتى طلع الفجر بطل حجه وأصحابه يزعمون أنه قال ذلك لأن ~~مذهبه أن فرض الوقوف بالليل دون النهار وأن الوقوف نهارا غير مفروض إنما هو ~~مسنون وروي عن ابن الزبير أن من دفع من عرفات قبل غروب الشمس فسد حجه ~~والدليل على صحة القول الأول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة بن مضرس ~~وأفاض من عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه فحكم بصحة ~~PageV01P388 حجه وإتمامه بوقوفه في أحد الوقتين من ليل أو نهار ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس @QE@ وحيث اسم للموضع ~~وهو عرفات فكان بمنزلة قوله أفيضوا من عرفات ولم يخصصه بليل ولا نهار وليس ~~فيه ذكر للوقت فاقتضى ذلك جوازه في أي وقت وقف فيه ويدل عليه من جهة النظر ~~أنا وجدنا سائر المناسك ابتداؤها بالنهار وإنما يدخل فيه الليل تبعا ولم ~~نجد شيئا منها يختص بالليل حتى لا يصح فعله في غيره فقول من جعل فرض الوقوف ~~بالليل خارج عن الأصول ألا ترى أن طواف الزيارة والوقوف بالمزدلفة والرمي ~~والذبح والحلق كل ذلك مفعول بالنهار وإنما يفعل بالليل على أنه يؤخر عن ~~وقته على وجه التبع للنهار فوجب أن ms0498 يكون ذلك حكم الوقوف بعرفة وأيضا قد ~~نقلت الأمة وقوف النبي صلى الله عليه وسلم نهارا إلى يومنا هذا وأنه دفع ~~منها عند سقوط الفرض وهذا يدل على أن وقت الوقوف هو النهار ووقت الغروب هو ~~الدفع فاستحال أن يكون الدفع هو وقت الفرض ووقت الوقوف لا يكون وقتا للفرض ~~وأيضا لما قيل يوم عرفة ونقلت هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أخبار كثيرة منها أن الله تعالى يباهي ملائكته يوم عرفة ومنها أن صيام يوم ~~عرفة يعدل صيام سنة ولذلك أطلقت الأمة ذلك عليه دل على أن النهار وقت الفرض ~~فيه وأن الوقوف ليلا إنما يفعله من وقف فائتا ألا ترى أنه لما قيل يوم ~~الجمعة ويوم الأضحى ويوم الفطر كانت هذه الأفعال واقعة في هذه الأيام نهارا ~~ولذلك أضيفت إليها فدل ذلك على أن فرض الوقوف يوم عرفة وأنه يفعل ليلا على ~~وجه القضاء لما فاته كما يرمي الجمار ليلا على وجه القضاء لما فاته نهارا ~~وكذلك الطواف والذبح والحلق واختلف في موضع الوقوف فروى جبير بن مطعم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال كل عرفات موقف وارفعوا عن عرنة وكل مزدلفة ~~موقف وارفعوا عن محسر وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ~~عرفة موقف وقال ابن عباس ارتفعوا عن وادي عرنة والمنبر عن مسيله فما فوق ~~ذلك موقف ولم يختلف رواة الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من عرفة ~~بعد غروب الشمس وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون منها إذا صارت الشمس ~~على رؤس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وإنهم كانوا يدفعون من ~~المزدلفة بعد طلوع الشمس فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع من عرفات ~~بعد الغروب ومن المزدلفة قبل الطلوع وروى سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ~~ابن عباس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس PageV01P389 يوم عرفة ~~فقال ( يا أيها الناس ليس البر في إيجاب الخيل ولا في إيضاع ms0499 الإبل ولكن ~~سيرا حسنا جميلا ولا تواطئوا ضعيفا ولا تؤذوا مسلما ) وروى هشام بن عروة عن ~~أبيه عن أسامة بن زيد قال كان سيرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~يدفع من عرفات العنق غير أنه كان إذا وجد فجوة نص والله أعلم # | باب الوقوف بجمع # قال الله تعالى @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~@QE@ ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة وتسمى جمعا فمن ~~الناس من يقول أن هذا الذكر هو صلاة المغرب والعشاء اللتين يجمع بينهما ~~بالمزدلفة والذكر الثاني في قوله @QB@ واذكروه كما هداكم @QE@ هو الذكر ~~المفعول عند الوقوف بالمزدلفة غداة جمع فيكون الذكر الأول غير الثاني ~~والصلاة تسمى ذكرا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها ) وتلا عند ذلك قوله تعالى @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ ~~فسمى الصلاة ذكرا فعلى هذا قد اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن تجمع ~~مع العشاء بالمزدلفة وروى أسامة بن زيد وكان رديف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من عرفات إلى المزدلفة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق ~~المزدلفة الصلاة فقال الصلاة أمامك فلما أتى المزدلفة صلاها مع العشاء ~~الآخرة والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في جمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وقد اختلف فيمن صلى المغرب ~~قبل أن يأتي المزدلفة فقال أبو حنيفة ومحمد لا تجزيه وقال أبو يوسف تجزيه ~~وظاهر قوله تعالى @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~@QE@ إذا كان المراد به الصلاة يمنع جوازها قبله وكذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصلاة أمامك وحمله على ذلك أولى من حمله على الذكر المفعول في ~~حال الوقوف بجمع لأن قوله تعالى @QB@ واذكروه كما هداكم @QE@ هو الذكر في ~~موقف جمع فواجب أن نحمل الذكر الأول على الصلاة حتى نكون قد وفينا كل واحد ~~من الذكرين حظه من الفائدة ولا يكون تكرارا وأيضا فإن ms0500 قوله @QB@ فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام @QE@ هو أمر يقتضي الإيجاب والذكر المفعول بجمع ليس ~~بواجب عند الجميع ومتى حمل على فعل صلاة المغرب بجمع كان محمولا على مقتضاه ~~من الوجوب فوجب حمله عليه وقد اختلف أهل العلم في الوقوف بالمزدلفة هل هو ~~من فروض الحج أم لا فقال قائلون هو من فروض الحج ومن فاته فلا حج له كمن ~~فاته الوقوف بعرفة PageV01P390 وقال جمهور أهل العلم حجه تام ولا يفسده ترك ~~الوقوف بالمزدلفة واحتج من لم يجعله من فروضه بما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( الحج عرفة فمن وقف قبل أن يطلع الفجر فقد تم حجه ) وقال في بعض ~~الأخبار من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج فحكم بصحة ~~حجه بإدراك عرفة ولم يشترط معه الوقوف بجمع ويدل عليه ما روى ابن عباس وابن ~~عمر ونقله الناس قائلين له أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله بليل ~~وفي بعض الأخبار ضعفة الناس من المزدلفة ليلا وقال لهم لا ترموا جمرة ~~العقبة حتى تطلع الشمس فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخص لهم في تركه للضعف ~~كما لا يرخص في الوقوف بعرفة لأجل الضعف فإن قيل لأنهم كانوا وقفوا ليلا ~~وهو وقت الوقوف بها وروى سالم بن عمر وهو أحد من روى حديث تقديم ضعفة الناس ~~من المزدلفة فكان يقدم ضعفة أهله من المزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام ~~بليل فيذكرون ما بدا لهم ثم يدفعون قيل له وقت الوقوف بها بعد طلوع الفجر ~~وقد نقل الناس وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعد طلوع الفجر ولم يأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله بالوقوف حين عجلهم منها ليلا ولو كان ~~ذلك وقت الوقوف لأمرهم به ولم يرخص لهم في تركه مع إمكانه من غير عذر وما ~~روي عن ابن عمر فإنما هو من فعله ليس عن ms0501 النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل ~~ابن عمر أيضا أن هذا وقت الوقوف وإنما كان ذلك على وجه الاستحباب للذكر قبل ~~الرجوع إلى منى ويدل على أن وقت الوقوف بعد طلوع الفجر إنا وجدنا سائر ~~أفعال المناسك إنما وقتها بالنهار والليل يدخل فيه على وجه التبع على ما ~~بينا واحتج من جعل الوقوف بها فرضا بظاهر قوله تعالى @QB@ فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام @QE@ فظاهره يقتضي الوجوب ويحتجون ~~أيضا بحديث مطرف بن طريف عن الشعبي عن عروة بن مضرس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( من أدرك جمعا والإمام واقف فوقف مع الإمام ثم أفاض مع الناس فقد ~~أدرك الحج ومن لم يدرك فلا حج له ) وبما روى يعلى بن عبيد قال حدثنا سفيان ~~عن بكير بن عطاء عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واقفا بعرفات فأقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال ( الحج ~~يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل الصبح فقد أدرك الحج ) فأما قوله @QB@ فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام @QE@ فلا دلالة فيه على ما ذكروا وذلك لأنه أمر ~~بالذكر وقد اتفق الجميع على أن الذكر هناك PageV01P391 غير مفروض فإن تركه ~~لا يوجب نقصا في الحج وليس للوقوف ذكر في الآية فسقط الاحتجاج به ومع ذلك ~~فقد بينا أن المراد بهذا الذكر هو فعل صلاة المغرب هناك وأما حديث مطرف بن ~~طريف عن الشعبي فإنه قد رواه خمسة من الرواة غير مطرف منهم زكريا بن أبي ~~زائدة وعبدالله بن أبي السفر وسيار وغيرهم عن الشعبي عن عروة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكروا فيه أنه قال ( من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا ~~الموقف وأفاض قبل ذلك من عرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه ) ولم ~~يذكر منهم أحد أنه قال فلا حج له ومع ذلك فقد اتفقوا أن ترك الصلاة هناك لا ~~يفسد الحج وقد ذكرها النبي صلى الله عليه ms0502 وسلم فكذلك الوقوف وقوله فلا حج ~~له يحتمل أن يريد به نفي الفضل لا نفي الأصل كما قال صلى الله عليه وسلم ( ~~لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) وكما روى عمر من قدم نفله فلا حج له ~~وأما حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ~~روى هذا الحديث محمد بن كثير عن سفيان عن بكير بن عطاء عن عبدالرحمن بن ~~يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه ( من وقف قبل أن يطلع ~~الفجر فقد تم حجه ) فعلمنا أن المراد بذلك الوقوف بعرفة في شرط إدراك الحج ~~وإن رواية من روى من أدرك جمعا قبل الصبح وهم وكيف لا يكون وهما وقد نقلت ~~الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوفه بها بعد طلوع الفجر ولم يرو عنه ~~أنه أمر أحدا بالوقوف بها ليلا ومع ذلك فقد عارضته الأخبار الصحيحة التي ~~رويت من قوله من صلى معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا هذا الموقف وسائر أخبار ~~عبدالرحمن بن يعمر أنه قال من أدرك عرفة فقد أدرك الحج وقد تم حجه ومن فاته ~~عرفة فقد فاته الحج وذلك ينفي رواية من شرط معه الوقوف بالمزدلفة وأظن ~~الأصم وابن علية القائلين بهذه المقالة واحتجوا فيه من طريق النظر بأنه لما ~~كان في الحج وقوفان واتفقنا على فرضية أحدهما وهو الوقوف بعرفة وجب أن يكون ~~الآخر فرضا لأن الله عز وجل ذكرهما في القرآن كما أنه لما ذكر الركوع ~~والسجود كانا فرضين في الصلاة فقال له أما قولك أنهما لما كانا مذكورين في ~~القرآن كانا فرضين فإنه غلط فاحش لأنه يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن ~~فرضا وهذا خلف من القول وعلى أن الله تعالى لم يذكر الوقوف وإنما قال @QB@ ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام @QE@ والذكر ليس بمفروض عند الجميع فكيف ~~يكون الوقوف فرضا فالاحتجاج به من هذا الوجه ساقط فإن كان أوجبه قياسا على ~~الوقوف بعرفة فإنه يطالب PageV01P392 بالدلالة على صحة ms0503 العلة الموجبة لهذا ~~القياس وذلك معدوم ويقال له أليس قد طاف النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~مكة وسعى ثم طاف أيضا يوم النحر وطاف للصدر وأمر به فهل وجب أن يكون لهذا ~~الطواف كله حكم واحد في باب الإيجاب فإذا جاز أن يكون بعض الطواف ندبا ~~وبعضه واجبا فما ينكر أن يكون حكم الوقوف كذلك فيكون بعضه ندبا وبعضه واجبا ~~قوله تعالى @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم @QE@ قضاء ~~المناسك هو فعلها على تمام ومثله قوله @QB@ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا @QE@ وقوله @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ( فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) يعني ~~افعلوا على التمام وقوله @QB@ فاذكروا الله كذكركم آباءكم @QE@ قد قيل فيه ~~وجهان أحدهما الأذكار المفعولة في سائر أحوال المناسك كقوله @QB@ إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة @QE@ وهو مأمور به قبل الطلاق على مجرى ~~قولهم إذا حججت فطف بالبيت وإذا أحرمت فاغتسل وإذا صليت فتوضأ وقوله تعالى ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وإنما هو قبل الصلاة وكذلك ~~@QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله @QE@ جائز أن يريد الأذكار المسنونة ~~بعرفات والمزدلفة وعند الرمي والطواف وقيل فيه أن أهل الجاهلية كانوا يقفون ~~عند قضاء المناسك فيذكرون مآثرهم ومفاخر آبائهم فأبدلهم الله به ذكره وشكره ~~على نعمه والثناء عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ( إن الله قد ~~أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب لا فضل ~~لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) ثم تلا @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ ~~فكان خروج الكلام على حال لأهل الجاهلية في ذكرهم آباءهم والله أعلم # | باب أيام منى والنفر فيها # قال الله عز وجل @QB@ واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه @QE@ قال أبو بكر روى سفيان وشعبة عن بكير بن عطاء عن ~~عبدالرحمن بن يعمر الديلي قال قال ms0504 رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام منى ~~ثلاثة أيام التشريق فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~واتفق أهل العلم على أن قوله بيان المراد الآية في قوله @QB@ أيام معدودات ~~@QE@ ولا خلاف بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق وقد روي ذلك عن علي ~~وعمر PageV01P393 وابن عباس وابن عمر وغيرهم إلا شيء رواه ابن أبي ليلى عن ~~المنهال عن زر عن علي قال المعدودات يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيها ~~شئت وقد قيل إن هذا وهم والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات وظاهر ~~الآية ينفي ذلك أيضا لأنه قال @QB@ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه @QE@ ~~وذلك لا يتعلق بالنحر وإنما يتعلق برمي الجمار والمفعول في أيام التشريق ~~وأما المعلومات فقد روي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان ~~بعده واذبح في أيها شئت قال ابن عمر المعدودات أيام التشريق وقال سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وقد روى ابن أبي ~~ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده ~~أيام التشريق والمعدودات يوم النحر وثلاثة أيام بعده التشريق وروى عبدالله ~~بن موسى أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس قال المعدودات أيام ~~العشر والمعلومات أيام النحر فقوله المعدودات أنها أيام العشر لا شك في أنه ~~خطأ ولم يقل به أحد وهو خلاف الكتاب قال الله تعالى @QB@ فمن تعجل في يومين ~~فلا إثم عليه @QE@ وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث وقد روي عن ~~ابن عباس بإسناد صحيح أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول ~~الجمهور من التابعين منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين ~~منهم وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن المعلومات العشر والمعدودات ~~أيام التشريق وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد قال ~~كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام المعلومات ms0505 فأملى على ~~أبي يوسف جواب كتابه اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي عن علي ~~وابن عمر أنها أيام النحر وإلى ذلك أذهب لأنه قال على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام وذكر شيخنا أبو الحسن الكرخي عن أحمد القاري عن محمد عن أبي حنيفة ~~أن المعلومات العشر وعن محمد أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان ~~بعده قال أبو بكر فحصل من رواية أحمد القاري عن محمد ورواية بشر بن الوليد ~~عن أبي يوسف أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده ولم تختلف عن أبي حنيفة أن ~~المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول ابن عباس المشهور ~~وقوله تعالى @QB@ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ لا دلالة فيه على أن ~~المراد أيام النحر لاحتماله أن يريد لما رزقهم من بهيمة الأنعام كقوله @QB@ ~~ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ والمعنى لما PageV01P394 هداكم وأيضا ~~يحتمل أن يريد بها أيام العشر لأن فيها يوم النحر وفيه الذبح ويكون بتكرار ~~السنين عليه أياما وذكر أهل اللغة أن المعدودات منفصلة عن المعلومات بدلالة ~~اللفظ على افتراقهما في باب العدد وذلك لأن وصفها بالمعدودات دلالة التقليل ~~كقوله تعالى @QB@ بخس دراهم معدودة @QE@ وإنما يوصف بالعدد إذا أريد به ~~التقليل لأنه يكون نقيض كثرة فهو كقولك قليل وكثير فعرفت المعدودات ~~بالتقليل وقيل للأخرى معلومات فعرفت بالشهرة لأنها عشرة ولم يختلف أهل ~~العلم أن أيام منى ثلاثة يوم النحر وبعد أن للحاج أن يتعجل في اليوم الثاني ~~منها إذا رمى الجمار وينفر وأن له أن يتأخر إلى اليوم الثالث حتى يرمي ~~الجمار فيه ثم ينفر واختلف فيمن لم ينفر حتى غابت الشمس من اليوم الثاني ~~فروي عن عمر وابن عمر وجابر بن زيد والحسن وإبراهيم أنه إذا غابت الشمس من ~~اليوم الثاني قبل أن ينفر فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد وروي عن الحسن ~~البصري أن له أن ينفر في اليوم الثاني إذا رمى وقت الظهر كله فإن أدركته ~~صلاة العصر بمنى فليس له أن ينفر إلى ms0506 اليوم الثالث وقال أصحابنا إنه إذا لم ~~ينفر حتى غابت الشمس فلا ينبغي له أن ينفر حتى يرمي جمرة اليوم الثالث ولا ~~يلزمه ذلك إلا أن يصبح بمنى فحينئذ يلزمه رمي اليوم الثالث ولا يجوز تركه ~~ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن من أقام بمنى إلى اليوم الثالث أنه لا يجوز ~~له النفر حتى يرمي وإنما قالوا إنه لا يلزمه رمي اليوم الثالث بإقامته بمنى ~~إلى أن يمسي من قبل أن الليلة التي تلي اليوم الثاني هي تابعة له حكمها ~~حكمه وليس حكمها حكم الذي بعدها ألا ترى أنه لو ترك الرمي في اليوم الأول ~~رماه في ليلته ولم يكن مؤخرا له عن وقته لأنه صلى الله عليه وسلم رخص ~~للرعاة أن يرموا ليلا فكان حكم الليلة حكم اليوم الذي قبلها ولم يكن حكمها ~~حكم الذي بعدها فلذلك قالوا إن إقامته في اليوم الثاني بمنى إلى أن يمسي ~~بمنزلة إقامته بها نهارا وإذا أقام حتى يصبح من اليوم الثالث لزمه الرمي ~~بلا خلاف وهذا مما يستدل به على صحة قول أبي حنيفة في تجويزه رمي اليوم ~~الثالث قبل الزوال إذ قد صار وقتا للزوم الرمي ويستحيل أن يكون وقتا لوجوبه ~~ثم لا يصح فعله فيه وأما قوله تعالى @QB@ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ~~ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى @QE@ فإنه قد قيل فيه وجهان أحدهما فلا إثم ~~عليه لتكفير سيئاته وذنوبه بالحج المبرور وروي نحوه عن عبدالله بن مسعود ~~ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج فلم يرفث ولم يفسق ~~رجع PageV01P395 كيوم ولدته أمه والوجه الثاني أنه لا مأثم عليه في التعجيل ~~وروي نحوه عن الحسن وغيره @QB@ ومن تأخر فلا إثم عليه @QE@ لأنه مباح له ~~التأخير وقوله @QB@ لمن اتقى @QE@ يحتمل لمن اتقى ما نهى الله عنه في ~~الإحرام بقوله @QB@ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج @QE@ وإن لم يتق ~~فغير موعود بالثواب # قوله تعالى @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في ms0507 الحياة الدنيا @QE@ الآية ~~قال أبو بكر فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه من حلاوة المنطق ~~والاجتهاد في تأكيد ما يظهره فأخبر الله تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ~~ما يعجبك ظاهره @QB@ ويشهد الله على ما في قلبه @QE@ وهذه صفة المنافقين ~~مثل قوله تعالى @QB@ قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة @QE@ وقوله @QB@ وإذا ~~رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم @QE@ فأعلم الله تعالى نبيه ~~ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر أقوالهم وجعله عبرة لنا في أمثالهم لئلا نتكل على ~~ظاهر أمور الناس وما يبدونه من أنفسهم وفيه الأمر بالإحتياط فيما يتعلق ~~بأمثالهم من أمور الدين والدنيا فلا نقتصر فيما أمرنا بائتمان الناس عليه ~~من أمر الدين والدنيا على ظاهر حال الإنسان دون البحث عنه وفيه دليل على أن ~~عليه استبراء حال من يراد للقضاء والشهادة والفتية والإمامة وما جرى مجرى ~~ذلك في أن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسئل ويبحث عنهم إذ قد حذرنا الله تعالى ~~أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين ألا ترى أنه عقبه بقوله @QB@ وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل @QE@ فكان ذكر التولي في ~~هذا الموضع إعلاما لنا أنه غير جائز الاقتصار على ظاهر ما يظهره دون ~~الإستبراء لحاله من غير جهته قوله تعالى @QB@ وهو ألد الخصام @QE@ هو وصف ~~له بالمبالغة في شدة الخصومة والقتل للخصم بها عن حقه وإحالته إلى جانبه ~~ويقال لده عن كذا إذا حبسه وعلى هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بما أسمع ~~فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار فكان معنى قوله ~~@QB@ وهو ألد الخصام @QE@ أنه أشد المخاصمين خصومة وقوله @QB@ والله لا يحب ~~الفساد @QE@ نص على بطلان مذهب أهل الإجبار لأن مالا يحبه الله فهو لا ~~يريده وما يريده فهو لا يحبه فأخبر الله تعالى في هذه الآية ms0508 أنه لا يحب ~~الفساد وهذا يوجب أن لا يفعل الفساد لأنه لو فعله لكان مريدا له ومحبا له ~~وهو PageV01P396 مثل قوله @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ فنفى عن ~~نفسه فعل الظلم لأنه لو فعله لكان مريدا له لاستحالة أن يفعل مالا يريد ~~ويدل على أن محبته لكون الفعل هي إرادته له أنه غير جائز أن يجب كونه ولا ~~يريد أن يكون بل يكره أن يكون وهذا هو التناقض كما لو قال يريد الفعل ~~ويكرهه لكان مناقضا مختلا في كلامه ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم @QE@ والمعنى إن الذين ~~يريدون فدل على أن المحبة هي الإرادة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( إن الله أحب لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا أحب لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم وكره لكم القيل والقال ~~وكثرة السؤال وإضاعة المال ) فجعل الكراهة في مقابلة المحبة فدل أن ما ~~أراده فقد أحبه كما أن ما كرهه فلم يرده إذ كانت الكراهة في مقابلة الإرادة ~~كما هي في مقابلة المحبة فلما كانت الكراهة نقيضا لكل واحدة من الإرادة ~~والمحبة دل على أنهما سواء قوله تعالى @QB@ فاعلموا أن الله عزيز حكيم @QE@ ~~فإن العزيز هو المنيع القادر على أن يمنع ولا يمنع لأن أصل العزة الامتناع ~~ومنه يقال أرض عزاز إذا كانت ممتنعة بالشدة والصعوبة وأما الحكيم فإنه يطلق ~~في صفة الله تعالى على معنيين أحدهما العالم إذا أريد به ذلك جاز أن يقال ~~لم يزل حكيما والمعنى الآخر من الفعل المتقن المحكم وإذا أريد به ذلك لم ~~يجز أن يقال لم يزل حكيما كما لا يجوز أن يقال لم يزل فاعلا فوصفه لنفسه ~~بأنه حكيم يدل على أنه لا يفعل الظلم والسفه والقبائح ولا يريدها لأن من ~~كان كذلك فليس بحكيم عند جميع أهل العقل وفيه دليل على بطلان قول أهل الجبر ~~وقوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن ms0509 يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~@QE@ هذا من المتشابه الذي أمرنا الله برده إلى المحكم في قوله @QB@ هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه @QE@ وإنما كان متشابها لاحتماله ~~حقيقة اللفظ وإتيان الله واحتماله أن يريد أمر الله ودليل آياته كقوله في ~~موضع آخر @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك @QE@ فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ما بينه في قوله @QB@ ~~أو يأتي ربك @QE@ لأن الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان ولا المجيء ولا ~~الانتقال ولا الزوال لأن ذلك من صفات الأجسام ودلالات الحدث وقال تعالى في ~~آية محكمة @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وجعل إبراهيم عليه السلام ما شهده من ~~حركات النجوم وانتقالها PageV01P397 دليلا على حدثها واحتج به على قومه ~~فقال الله عز وجل @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه @QE@ يعني في ~~حدث الكواكب والأجسام تعالى الله عن قول المشبهة علوا كبيرا فإن قيل فهل ~~يجوز أن يقال جاء ربك بمعنى جاء كتابه أو جاء رسوله أو ما جرى مجرى ذلك قيل ~~له هذا مجاز والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه وقد قال تعالى ~~@QB@ واسأل القرية التي كنا فيها @QE@ وهو يريد أهل القرية وقال @QB@ إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ وهو يعني أولياء الله والمجاز إنما يستعمل في ~~الموضع الذي يقوم الدليل على ا ستعماله فيه أو فيما لا يشتبه معناه على ~~السامع وقوله عز وجل @QB@ وإلى الله ترجع الأمور @QE@ فيه وجهان أحدهما أنه ~~لما كانت الأمور كلها قبل أن يملك العباد شيئا منها له خاصة ثم ملكهم كثيرا ~~من الأمور ثم تكون الأمور كلها في الآخرة إليه دون خلقه جاز أن يقول ترجع ~~إليه الأمور والمعنى الآخر أن يكون بمعنى قوله @QB@ ألا إلى الله تصير ~~الأمور @QE@ يعني أنه لا يملكها غيره لا على أنها لم تكن إليه ثم صارت إليه ~~لكن على أنه لا يملكها أحد ms0510 سواه كما قال لبيد % وما المرء إلا كالشهاب ~~وضوئه % يحور رمادا بعد إذ هو ساطع % # | وإنما عنى على أنه يصير رمادا لا على أنه كان رمادا مرة ثم رجع إلى ما ~~كان قوله تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين @QE@ الآية قيل ~~فيه أنهم كانوا أمة واحدة على الكفر وإن كانوا مختلفين في مذاهبهم وجائز أن ~~يكون فيهم مسلمون إلا أنهم قليلون في نفسهم وجائز إذا كان كذلك إطلاق اسم ~~الأمة على الجماعة لانصرافه إلى الأعم الأكثر وقال قتادة والضحاك كانوا أمة ~~واحدة على الحق فاختلفوا وقوله @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه @QE@ فإن عبدالله بن طاوس يروي عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أن ~~كل أمة أوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه ~~فهدانا الله له ولليهود غد وللنصارى بعد غد ) وروى الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه إلا أنه قال هدانا الله له يوم ~~الجمعة لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ففي هذا الحديث أن المراد بقوله ~~@QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه @QE@ هو يوم الجمعة وعموم ~~اللفظ يقتضي سائر الحق الذي هدي له المؤمنون ويكون يوم الجمعة أحدها والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب PageV01P398 # باب من يبدأ به في النفقة عليه $ # قال الله تعالى @QB@ يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين @QE@ الآية فالسؤال واقع عن مقدار ما ينفق والجواب صدر عن القليل ~~والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة فقال تعالى @QB@ قل ما أنفقتم من خير ~~@QE@ فذاك يتناول القليل والكثير لشمول اسم الخير لجميع الإنفاق الذي يطلب ~~به وجه الله وبين فيمن تصرف إليه بقوله @QB@ فللوالدين والأقربين @QE@ ومن ~~ذكر في الآية وأن هؤلاء أولى من غيرهم ممن ليس هو في منزلتهم بالقرب والفقر ~~وقد بين في آية أخرى ما يجب عليه فيه النفقة وهو ms0511 قوله @QB@ ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو @QE@ فروي عن ابن عباس قال ما يفضل عن أهلك وقال قتادة ~~العفو الفضل فأخبر في هذه الآية أن النفقة فيما يفضل عن نفسه وأهله وعياله ~~وعلى هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ~~وفي خبر آخر خير الصدقة ما أبقت غنى وابدأ بمن تعول ) فهذا موافق لقوله ~~@QB@ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو @QE@ وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبار في التبدئة بالأقرب فالأقرب في النفقة فمنها حديث ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ~~أمك وأبوك وأختك وأخوك وأدناك فأدناك وروى مثله ثعلبة بن زهدم وطارق عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد دل ذلك على معنى الآية في قوله @QB@ قل ما ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين @QE@ وإنما المراد بها تقديم الأقرب ~~فالأقرب في الإنفاق وروي عن الحسن البصري أن الآية في الزكاة والتطوع جميعا ~~وأنها ثابتة الحكم غير منسوخة عليه وقال السدي هي منسوخة بفرض الزكاة قال ~~أبو بكر هي ثابتة الحكم عامة في الفرض والتطوع أما الفرض فلم يرد به ~~الوالدين ولا الولد وإن سلفوا لقيام الدلالة عليه وأما التطوع فهي عامة في ~~الجميع ومتى أمكننا استعمالها مع فرض الزكاة فغير جائز الحكم بنسخها وكذلك ~~حكم سائر الآيات متى أمكن الجمع بين جميعها في أحكامها من غير إثبات نسخ ~~لها لم يجز لنا الحكم بنسخ شيء منها وليس يمتنع أن يكون المراد به النفقة ~~على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين وذلك إذا كان الرجل غنيا لأن ~~قوله تعالى @QB@ قل العفو @QE@ قد دل على أن النفقة إنما تجب عليه فيما ~~يفضل فإذا كان هو وعياله محتاجين لا يفضل عنهم شيء فليس عليه نفقة وقد دلت ~~الآية على معان منها أن القليل والكثير من النفقة يستحق به الثواب على الله ~~تعالى إذا أراد بها وجه الله وينتظم PageV01P399 ذلك الصدقات من النوافل ~~والفروض ومنها أن الأقرب ms0512 فالأقرب أولى بذلك بقوله @QB@ فللوالدين والأقربين ~~@QE@ مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم لمراد الله بقوله ابدأ بمن تعول أمك ~~وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك وفيه الدلالة على وجوب نفقة الوالدين ~~والأقربين عليه فإن قيل فينغبي أن يلزمه نفقة المساكين وابن السبيل وجميع ~~من ذكر في الآية قيل له قد اقتضى ظاهرها ذلك وخصصنا بعضها من النفقة التي ~~تستحقها الأقارب بدلالة وهم داخلون في الزكاة والتطوع وحدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سفيان عن ~~مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة قال دينار أعطيته في سبيل الله ودينار ~~أعطيته مسكينا ودينار أعطيته في رقبة ودينار أنفقته على أهلك فإن الدينار ~~الذي أنفقته على أهلك أعظمها أجرا وقد روي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم حدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا عاصم ~~بن علي قال حدثنا المسعودي عن مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحوه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال ~~حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبدالله بن زيد عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المسلم إذا أنفق نفقة على ~~أهله كانت له صدقة فهذه الآثار موافقة لمعنى قوله @QB@ ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو @QE@ وقد اختلف في المراد به فقال ابن عباس وقتادة الفضل ~~عن الغنى قال الحسن وعطاء الوسط من غير إسراف وقال مجاهد أراد به الصدقة ~~المفروضة قال أبو بكر إذا كان العفو ما فضل فجائز أن يريد به الزكاة ~~المفروضة في أنها لا تجب إلا فيما فضل عن مقدار الحاجة وحصل به الغنى وكذلك ~~سائر الصدقات الواجبة ويجوز أن يريد به صدقة التطوع فيتضمن ذلك الأمر ~~بالإنفاق على نفسه وعياله والأقرب فالأقرب منه ثم بعد ذلك ما يفضل يصرفه ~~إلى الأجانب ويحتج به في أن صدقة الفطر وسائر الصدقات ms0513 لا تجب على الفقير إذ ~~كان الله تعالى إنما أمرنا بالإنفاق من العفو والفاضل عن الغنى # قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم @QE@ هذا يدل على فرض ~~القتال لأن قوله @QB@ كتب عليكم @QE@ بمعنى فرض عليكم كقوله @QB@ كتب عليكم ~~الصيام @QE@ ثم لا يخلو القتال المذكور في الآية من أن يرجع إلى معهود قد ~~عرفه المخاطبون أو لم يرجع إلى معهود لأن الألف واللام تدخلان للجنس أو ~~للمعهود فإن كان المراد قتالا قد عرفوه رجع الكلام PageV01P400 إليه نحو ~~قوله تعالى @QB@ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة @QE@ وقوله @QB@ ~~ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~@QE@ فإن كان كذلك فإنما هو أمر بقتال على وصف وهو أن نقاتل المشركين إذا ~~قاتلونا فيكون حينئذ كلاما مبنيا على معهود قد علم حكمه مكرر ذكره تأكيدا ~~وإن لم يكن راجعا إلى معهود فهو لا محالة مجمل مفتقر إلى البيان وذلك أنه ~~معلوم عند وروده أنه لم يأمرنا بقتال الناس كلهم فلا يصح اعتقاد العموم فيه ~~ومالا يصح اعتقاد العموم فيه فهو مجمل مفتقر إلى البيان وسنبين اختلاف أهل ~~العلم في فرض الجهاد وكيفيته عند مصيرنا إلى قوله @QB@ فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم @QE@ إن شاء الله تعالى وقوله @QB@ وهو كره لكم @QE@ معناه ~~مكروه لكم أقيم فيه المصدر مقام المفعول كقولك فلان رضي أي مرضي وقوله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام @QE@ قد تضمنت هذه الآية تحريم القتال في ~~الشهر الحرام ونظيره في الدلالة عل مثله قوله @QB@ الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص @QE@ وقوله @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ~~بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن الليث بن سعد قال ~~حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبدالله قال لم ms0514 يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ وقد ~~اختلف في نسخ ذلك فقالت طائفة حكمه باق لم ينسخ وممن قال ذلك عطاء بن أبي ~~رباح حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~قال قلت لعطاء مالهم أن ذلك لم يكن يحل لهم أن يغزوا في الشهر الحرام ثم ~~غزوهم بعد فيه قال فحلف لي ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر ~~الحرام إلا أن يقاتلوا قال وما نسخت وروى سليمان بن يسار وسعيد بن المسيب ~~أن القتال جائز في الشهر الحرام وهو قول فقهاء الأمصار والأول منسوخ بقوله ~~@QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ وقوله @QB@ قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ الآية لأنها نزلت بعد حظر القتال في ~~الشهر الحرام وقد اختلف في السائلين عن ذلك من هم فقال الحسن وغيره إن ~~الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك على جهة العيب للمسلمين ~~باستحلالهم القتال في الشهر الحرام وقال آخرون المسلمون سألوا PageV01P401 ~~عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه وقيل أنها نزلت على سبب وهو قتل واقد بن ~~عبدالله بن عمرو بن الحضرمي مشركا فقال المشركون قد استحل محمد القتال في ~~الشهر الحرام وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر ~~فأعلمهم الله تعالى بقاء حظر القتال في الشهر الحرام وأرى المشركين مناقضة ~~بإقامتهم على الكفر مع استعظامهم القتل في الشهر الحرام مع أن الكفر أعظم ~~الإجرام ومع إخراج أهل المسجد الحرام منه وهم المؤمنون لأنهم أولى بالمسجد ~~الحرام من الكفار لقوله @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر @QE@ فأعلمهم الله أن الكفر بالله وبالمسجد الحرام وهو أن الله جعل ~~المسجد للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه فجعلوه لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه ~~فكان ذلك كفرا بالمسجد الحرام وأخرجوا أهله منه وهم المؤمنون لأنهم أولى به ~~من الكفار فأعلمهم الله أن الكفار مع هذه ms0515 الإجرام أولى بالعيب من قتل رجل ~~من المشركين في الشهر الحرام والله سبحانه وتعالى أعلم ( تم الجزء الأول ~~ويليه الجزء الثاني وأوله باب تحريم الخمر ) PageV01P402 بسم الله الرحمن ~~الرحيم # | باب تحريم الخمر # قال الله تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم ~~يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله قل فيهما إثم كبير ~~والإثم كله محرم بقوله تعالى قال إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم فأخبر أن الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها أثما حتى وصفه ~~بأنه كبير تأكيدا لحظرها وقوله ومنافع للناس لا دلالة فيه على إباحتها لأن ~~المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن ~~تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير ~~دال على إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية ~~وإثمهما أكبر من نفعهما يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع ~~العاجل الذي ينبغي منهما وبما نزل في شأن الخمر قوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وليس في هذه ~~الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر ~~منها لأنه إذا كانت الصلاة فرضا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها فكل ما أدى ~~إلى المنع منها فهو محظور فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها ~~مؤديا إلى ترك الصلاة كان محظورا لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور ومما نزل ~~في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه إلى قوله فهل أنتم منتهون ~~فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من وجوه أحدها قوله رجس من عمل الشيطان وذلك ~~لا يصح إطلاقه إلا فيما كان محظورا محرما ثم أكده بقوله ms0516 فاجتنبوه وذلك أمر ~~يقتضي لزوم اجتنابه ثم قال تعالى فهل أنتم منتهون ومعناه فانتهوا فإن قيل ~~ليس في قوله تعالى فيهما إثم كبير دلالة على تحريم القليل منها لأن مراد ~~الآية ما يلحق من المأثم بالسكر وترك الصلاة والمواثبة PageV02P003 والقتال ~~فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من التحريم ولا ~~دلالة على تحريم القليل منها قيل له معلوم أن في مضمون قوله فيهما إثم كبير ~~ضمير شربها لأن جسم الخمر هو فعل الله تعالى ولا مأثم فيها وإنما المأثم ~~مستحق بأفعالنا فيها فإذا كان الشرب مضمرا كان تقديره في شربها وفعل الميسر ~~إثم كبير فيتناول ذلك شرب القليل منها والكثير كما لو حرمت الخمر لكان ~~معقولا أن المراد به شربها والانتفاع بها فيقتضي ذلك تحريم قليلها وكثيرها ~~وقد روى في ذلك حديث حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير قال الميسر هو القمار كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله ~~وقال وقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قال ~~كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها ثم أن ناسا من ~~المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا وتكلموا بما لا يرضي الله عز وجل فأنزل ~~الله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~قال فالميسر القمار والأنصاب الأوثان والأزلام القداح كانوا يستقسمون بها ~~قال وحدثناأبو عبيد قال حدثنا عبدالرحمن ابن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ~~أبي ميسرة قال قال عمر اللهم بين لنا في الخمر فنزلت لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فقال اللهم بين لنا في الخمر فنزلت قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فقال اللهم بين لنا في ~~الخمر فنزلت إنما الخمر ms0517 والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه إلى قوله فهل أنتم منتهون فقال عمر انتهينا إنها تذهب المال وتذهب ~~العقل قال وحدثنا لأبو عبيدالله هشيم قال أخبرنا المغيرة عن أبي رزين قال ~~شربت الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد الآية التي في النساء ~~فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ثم حرمت في المائدة في ~~قوله فهل أنتم منتهون فانتهى القوم عنها فلم يعودوا فيها فمن الناس من يظن ~~أن قوله قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس لم يدل على التحريم لأنه لو كان ~~دالا لما شربوه ولما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم ولما سئل عمر البيان ~~بعده وليس هذا كذلك عندنا وذلك لأنه جائز أن يكونوا تأولوا في قوله ~~PageV02P004 ومنافع للناس جواز استباحة منافعها فإن الإثم مقصور على بعض ~~الأحوال دون بعض فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل وأما قوله إنها لو كانت ~~حراما لما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على شربها فإنه ليس في شيء من ~~الأخبار علم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه ~~وأما سؤال عمر رضي الله عنه بيانا بعد نزول هذه الآية فلأنه كان للتأويل ~~فيه مساغ وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم ولكنه سأل بيانايزول معه ~~احتمال التأويل فأنزل الله تعالى إنما الخمر والميسر الآية ولم يختلف أهل ~~النقل في أن الخمر قد كانت مباحة في أول الإسلام وأن المسلمين قد كانوا ~~يشربونها بالمدينة ويتبايعون بها مع علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~وإقرارهم عليه إلى أن حرمها الله تعالى فمن الناس من يقول إن تحريمها على ~~الإطلاق إنما ورد في قوله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه إلى قوله فهل أنتم منتهون وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض ~~الأحوال وهي أوقات الصلاة بقوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وأن بعض ~~منافعها قد كان مباحا وبعضها محظورا بقوله قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~إلى أن ms0518 أتم تحريمها بقوله فاجتنبوه وقوله فهل أنتم منتهون وقد بينا ما ~~يقتضيه ظاهر كل واحد من حكم الآيات من حكم التحريم وقد اختلف فيما يتناوله ~~اسم الخمر من الأشربه فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء اسم الخمر في الحقيقة ~~يتناول الني المشتد من ماء العنب وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعي ~~أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر والدليل على أن اسم الخمر مخصوص ~~بالني المشتد من ماء العنب دون غيره وأن غيره إن سمي بهذا الاسم فإنما هو ~~محمول عليه ومشبه به على وجه المجاز حديث أبي سعيد الخدري قال أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال له أشربت خمرا فقال ما شربتها منذ حرمها ~~الله ورسوله قال فماذا شربت قال الخليطين قال فحرم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخليطين فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم ينكره عليه ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما ~~أقره عليه إذ كان في نفي التسمية التي علق بها حكم نفي الحكم ومعلوم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر أحدا على حظر مباح ولا على استباحة محظور ~~وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر منتف على سائر الأشربة إلا من الني المشتد ~~من ماء العنب لأنه إذا كان الخليطان لا يسميان خمرا مع وجود قوة الإسكار ~~منهما علمنا أن الاسم مقصور على ما وصفنا ويدل عليه PageV02P005 ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا العباس بن ~~بكار قال حدثنا عبدالرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ~~رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة ~~الوداع فقال حرام الخمر بعينها والسكر من كل شراب قال عبدالباقي وحدثنا ~~محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا شعيب بن واقد قال حدثنا قيس عن قطن عن ~~منذر عن محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا شعيب ms0519 بن واقد قال حدثنا قيس عن ~~قطن عن منذر عن محمد بن الحنفية عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا عياش بن الوليد قال ~~حدثنا علي بن عباس قال حدثنا سعيد بن عمارة قال حدثنا الحارث بن النعمان ~~قال سمعت أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخمر ~~بعينها حرام والسكر من كل شراب وقد روى عبدالله بن شداد عن ابن عباس من ~~قوله مثل ذلك وروى عنه أيضا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حوى ~~هذا الخبر معاني منها أن اسم الخمر مخصوص بشراب بعينه دون غيره وهو الذي لم ~~يختلف في تسميته بها دون غيرها من ماء العنب وأن غيرها من الأشربة غير مسمى ~~بهذا الاسم لقوله والسكر من كل شراب وقد دل أيضا على أن المحرم من سائر ~~الأشربة هو ما يحدث عنده السكر لولا ذلك لما اقتصر منها على السكر دون غيره ~~ولما فصل بينها وبين الخمر في جهة التحريم ودل أيضا على أن تحريم الخمر حكم ~~مقصور عليها غير متعد إلى غيرها قياسا ولا استدلالا إذ علق حكم التحريم ~~بعين الخمر دون معنى فيها سواها وذلك ينفي جواز القياس عليها لأن كل أصل ~~ساغ القياس عليه فليس الحكم المنصوص عليه مقصورا عليه ولا متعلقا به بعينه ~~بل يكون الحكم منصوبا على بعض أوصافه مما هو موجود في فروعه فييكون الحكم ~~تابعا للوصف جاريا معه في معلولاته ومما يدل على أن سائر الأشربة المسكرة ~~لا يتناولها اسم الخمر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عنه ~~الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة فقوله الخمر اسم للجنس لدخول الألف ~~واللام عليه فاستوعب به جميع ما يسمى بهذا الاسم فلم يبق شيء من الأشربة ~~يسمى به إلا وقد استغرقه ذلك فانتفى بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين ~~الشجرتين يسمى خمرا ثم نظرنا فيما يخرج منهما هل ms0520 جميع الخارج منهما مسمى ~~باسم الخمر أم لا فلما اتفق الجميع على أن كال ما يخرج منهما من الأشربة ~~غير مسمى باسم الخمر لأن العصير والدبس والخل ونحوه من هاتين الشجرتين ولا ~~يسمى شيء معه خمرا علمنا أن مراده بعض الخارج من هاتين الشجرتين ~~PageV02P006 وذلك البعض غير مذكور في الخبر فاحتجنا إلى الاستدلال على ~~مراده من غيره في إثبات اسم الخمر للخارج منهما فسقط الاحتجاج به في تحريم ~~جميع الخارج منهما وتسميته باسم الخمر ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن ~~الخمر أحدهما كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان و يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم والمراد أحدهما فكذلك جائز أن يكون المراد في ~~قوله الخمر من هاتين الشجرتين أحدهما فإن كان المراد هما جميعا فإن ظاهر ~~اللفظ يدل على أن المسمى بهذا الاسم هو أول شراب يصنع منهما لأنه لما كان ~~معلوما أنه لم يرد بقوله من هاتين الشجرتين بعض كل واحدة منهما لاستحالة ~~كون بعضها خمرا دل على أن المراد أول خارج منهما من الأشربة لأن من يعتورها ~~معان في اللغة منها التبعيض ومنها الابتداء كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب ~~من فلان وما جرى مجرى ذلك فيكون معنى من في هذا الموضع على ابتداء ما يخرج ~~منهما وذلك إنما يتناول العصير المشتد والدبس السائل من النخل إذا اشتد ~~ولذلك قال أصحابنا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا أنه على رطبها ~~وتمرها ودبسها لأنهم حملوا من ما ذكرنا من الابتداء قال أبو بكر ويدل على ~~ما ذكرنا اسم الخمر عن سائر الأشربة إلا ما وصفنا ما روي عن ابن عمر أنه ~~قال لقد حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة يومئذ منها شيء وابن عمر رجل من ~~أهل اللغة ومعلوم أنه قد كان بالمدينة السكر وسائر الأنبذة المتخذة من ~~التمر لأن تلك كانت أشربتهم ولذلك قال جابر بن عبدالله نزل تحريم الخمر وما ~~يشرب الناس يومئذ إا البسر والتمر وقال أنس بن مالك كنت ساقي ms0521 عمومتي من ~~الأنصار حين نزل تحريم الخمر فكان شرابهم يومئذ الفضيح فلما سمعوا أراقوها ~~فلما نفى ابن عمر اسم الخمر عن سائر الأشربة التي كانت بالمدينة دل ذلك على ~~أن الخمر عنده كانت شراب العنب الني المشتد وأن ما سواها غير مسمى بهذا ~~الاسم ويدل عليه أن العرب كانت تسمى الخمر سبيئة ولم تكن تسمى بذلك سائر ~~الأشربة المتخذة من تمر النخل لأنها كانت تجلب إليها من غير بلادها ولذلك ~~قال الأعشى % وسبيئة مما يعتق بابل % كدم الذبيح سلبتها جريالها % $ # وتقول سبأت الخمر إذا شريتها فنقلوا الاسم إلى المشترى بعد أن كان الأصل ~~إنما هو يجلبها من موضع إلى موضع على عادتها في الاتساع في الكلام ويدل ~~عليه أيضا قول PageV02P007 أبي الأسود الدؤلي وهو رجل من أهل اللغة حجة ~~فيما قال منها فقال % دع الخمر تشربها الغواة فإنني % رأيت أخاها مغنيا ~~لمكانها % % فإن لا تكنه أو يكنها فإنه % أخوها غذته أمه بلبانها % # فجعل غيرها من الأشربة أخالها بقوله رأيت أخاها مغنيا لمكانها ومعلوم أنه ~~لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها ثم أكده بقوله فإن لا تكنه أو يكنها ~~فإنه أخوها فأخبر أنها ليست هو فثبت بما ذكرنا من الأخبار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن الصحابة وأهل اللغة أن اسم الخمر مخصوص بما وصفنا ~~ومقصور عليه دون غيره ويدل على ذلك أنا وجدنا بلوى أهل المدينة بشرب ~~الأشربة المتخذة من التمر والبسر كانت أعم منها بالخمر وإنما كانت بلواهم ~~بالخمر خاصة قليلة لقلتها عندهم فلما عرف الكل من الصحابة تحريم الني ~~المشتد واختلفوا فيما سواها وروي عن عظماء الصحابة مثل عمر وعبدالله وأبي ~~ذر وغيرهم شرب النبيذ الشديد وكذلك سائر التابعين ومن بعدهم من أخلافهم من ~~الفقهاء من أهل العراق لا يعرفون تحريم هذه الأشربة ولا يسمونها باسم الخمر ~~بل ينفونه عنها دل ذلك على معنيين أحدهما أن اسم الخمر لا يقع عليها ولا ~~يتناولها لأن الجميع متفقون على ذم شارب الخمر وأن جميعها محرم محظور ms0522 ~~والثاني أن النبيذ غير محرم لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمها كمعرفتهم ~~بتحريم الخمر إذ كانت الحاجة إلى معرفة تحريميها أمس منها إلى معرفة تحريم ~~الخمر لعموم بلواهم بها دونها وما عمت البلوى من الأحكام فسبيل وروده نقل ~~التواتر الموجب للعلم والعمل وفي ذلك دليل على أن تحريم الخمر لم يعقل به ~~تحريم هذه الأشربة ولا عقل الخمر اسما لها واحتج من زعم أن سائر الأشربة ~~التي يسكر كثير ها خمر بما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( كل مسكر خمر ) وبما روي عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال الخمر من خمسة أشياء ( التمر والعنب والحنطة ~~والشعير والعسل ) وروي عن عمر من قوله نحوه وبما روي عن عمر الخمر ما خامر ~~العقل وبما روي عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كل ~~مخمر خمر وكل مسكر حرام ) وبما روي عن أنس قال كنت ساقي القوم حيث حرمت ~~الخمر في منزل أبي طلحة وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيح فحين سمعوا تحريم ~~الخمر أهراقوا الأواني وكسروها وقالوا فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه الأشربة خمرا وكذلك عمر وأنس وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم ~~الفضيح وهو نقيع البسر ولذلك PageV02P008 أراقوها وكسروا الأواني ولا تخلو ~~هذه التسمية من أن تكون واقعة على هذه الأشربة من جهة اللغة أو الشرع ~~وأيهما كان فحجته ثابتة والتسمية صحيحة فثبت بذلك أن ما أسكر من الأشربة ~~كثيره فهو خمر وهو محرم بتحريم الله إياها من طريق اللفظ والجواب عن ذلك ~~وبالله التوفيق أن الأسماء على ضربين ضرب سمي به الشيء حقيقة لنفسه وعبارة ~~عن معناه والضرب الآخر ما سمي به الشيء مجازا فأما الضرب ألأول فواجب ~~استعماله حيث ما وجد وأما الضرب الآخر فإنما يجب استعماله عند قيام الدلالة ~~عليه نظير الضرب الأول قوله تعالى يريد الله ليبين لكم والله يريد أن يتوب ~~عليكم ويريد ms0523 الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما فأطلق لفظ الإرادة ~~في هذا الموضع مجاز لا حقيقة ونحو قوله إنما الخمر والميسر فاسم الخمر في ~~هذا الموضع حقيقة فيما أطلق فيه وقال في موضع آخر إني أراني أعصر خمرا ~~فأطلق اسم الخمر في هذا الموضع مجازا لأنه إنما يعصر العنب لا الخمر ونحو ~~قوله ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها فاسم القرية فيها حقيقة وإنما ~~أراد البنيان ثم قوله واسئل القرية التي كنا فيها مجاز لأنه لم يرد بها ما ~~وضع اللفظ له حقيقة وإنما أراد أهلها وتنفصل الحقيقة من المجاز بأن ما لزم ~~مسمياته فلم ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه وما جاز انتفاؤه عن مسمياته فهو ~~مجاز ألا ترى أنك إذا قلت أنه ليس للحائط إرادة كنت صادقا ولو قال قائل إن ~~الله لا يريد شيئا أو الإنسان العاقل ليست له إرادة كان مبطلا في قوله ~~وكذلك جائز أن تقول إن العصير ليس بخمر وغير جائز أن يقال أن الني المشتد ~~من ماء العنب ليس بخمر ونظائر ذلك كثيرة في اللغة والشرع والأسماء الشرعية ~~في معنى أسماء المجاز لا تتعدى بها مواضعها التي سميت بها فلما وجدنا اسم ~~الخمر قد ينتفي عن سائر الأشربة سوى الني المشتد من ماء العنب علمنا أنها ~~ليست بخمر في الحقيقة والدليل على جواز انتفاء اسم الخمر عما وصفنا حديث ~~أبي سعيد الخدري قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال أشربت ~~خمرا فقال والله ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فماذا شربت قال شربت ~~الخليطين فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين يومئذ فنفى اسم الخمر ~~عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عليه ولم ينكره فدل ذلك ~~على أنه ليس بخمر وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة يومئذ منها شيء ~~فنفى اسم الخمر عن أشربة تمر PageV02P009 النخل مع وجودها عندهم يومئذ ويدل ~~عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين وهو ms0524 أصح إسنادا ~~من الأخبار التي ذكر فيما أن الخمر من خمسة أشياء فنفى بذلك أن يكون ما خرج ~~من غيرهما خمرا إذ كان قوله الخمر من هاتين الشجرتين اسما للجنس مستوعبا ~~لجميع ما يسمى بهذا الاسم فهذا الخبر معارض ما روي من أن الخمر من خمسة ~~أشياء وهو أصح إسنادا منه ويدل عليه انه لا خلاف أن مستحل الخمر كافر وأن ~~مستحل هذه الأشربة لا تلحقه سمة الفسق فكيف بأن يكون كافرا فدل ذلك على ~~أنها ليست بخمر في الحقيقة ويدل عليه أن خل هذه الأشربة لا يسمى خل خمر وأن ~~خل الخمر هو الخل المستحيل من ماء العنب الني المشتد فإذا ثبت بما ذكرنا ~~انتفاء اسم الخمر عن هذه الأشربة ثبت أنه ليس باسم لها في الحقيقة وأنه إن ~~ثبت تسميتها باسم الخمر في حال فهو على جهة التشبيه بها عند وجود السكر ~~منها فلم يجز أن يتناولها إطلاق تحريم الخمر لما وصفنا من أن أسماء المجاز ~~لا يجوز دخولها تحت إطلاق أسماء الحقائق فينبغي أن يكون قوله الخمر من خمسة ~~أشياء محمولا على الحال التي يتولد منها السكر فسماها باسم الخمر في تلك ~~الحال لأنها قد عملت عمل الخمر في توليد السكر واستحقاق الحد ويدل عليه أن ~~هذه التسمية إنما تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر الخمر ما خامر ~~العقل وقليل النبيذ لا يخامر العقل لأن ما خامر العقل هو ما غطاه وليس ذلك ~~بموجود في قليل ما أسكر كثيره من هذه الأشربة وإذا ثبت بما وصفنا أن اسم ~~الخمر مجاز في هذه الأشربة فلا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه فلا ~~يجوز أن ينطوي تحت إطلاق تحريم الخمر ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد ~~سمى فرسا لأبي طلحة ركبة لفزع كان بالمدينة فقال وجدناه بحرا فسمى الفرس ~~بحرا إذ كان جوادا واسع الخطو ولا يعقل بإطلاق اسم البحر الفرس الجواد وقال ~~النابغة للنعمان بن المنذر % فإنك شمس والملوك كواكب % إذا طلعت لم يبد ms0525 ~~منهن كوكب # | % ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك فصح بما وصفنا ان اسم ~~الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا وأنه مخصوص بماء العنب الني ~~المشتد حقيقة وإنما يسمى به غيرها مجازا والله أعلم # باب تحريم الميسر $ # قال الله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير قال أبو بكر ~~دلالته PageV02P010 على تحريم الميسر كهى على ما تقدم من بيانه ويقال أن ~~اسم الميسر في أصل اللغة إنما هو للتجزئة وكل ما جزأته فقد يسرته يقال ~~للجاز الياسر لأنه يجزىء الجزور والميسر الجزور نفسه إذا تجزى وكانوا ~~ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم على ذلك ~~فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء ~~القداح فسمي على هذا سائر ضروب القمار ميسرا وقال ابن عباس وقتادة ومعاوية ~~بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد الميسر القمار وقال عطاء ة طاوس ومجاهد حتى لعب ~~الصبيان بالكعاب والجوز وروي عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي ~~يزجر بها زجر ا فإنها من الميسر ) وروى سعيد بن أبي هند عن أبي موسى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) وروى ~~حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل إن أكلت كذا وكذا بيضة فلك ~~كذا وكذا فارتفعا إلى علي فقال هذا قمار ولم يجزه ولا خلاف بين أهل العلم ~~في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار قال ابن عباس إن المخاطرة فمار وإن ~~أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة وقد كان ذلك مباحا إلى أن ~~ورد تحريمه وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت ألم غلبت الروم وقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم زد في الخطر وابعد في الأجل ثم حظر ذلك ونسخ ~~بتحريم القمارولا خلاف في حظره إلا ms0526 ما رخص فيه من الرهان في السبق في ~~الدواب والإبل والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق ولا يستحق الآخر إن ~~سبق وإن شرط أن من سبق منهما أخذ ومن سبق أعطى فهذا باطل فإن أدخلا بينهما ~~رجلا إن سبق استحق وإن سبق لم يعط فهذا جائز وهذا الدخيل الذي سماه النبي ~~صلى الله عليه وسلم محللا وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سابق بين الخيل وإنما خص ذلك لأن فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على ~~الركض وفيه استظهار وقوة على العدو قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة روى أنها الرمي ومن رباط الخيل فظاهر قوله ومن رباط الخيل يقتضي ~~جواز السبق بها لما فيه من القوة على العدو وذلك الرمي وما ذكره الله تعالى ~~من تحريم الميسر وهو القمار يوجب تحريم القرعة في العبيد يعتقهم المريض ثم ~~يموت لما فيه من القمار وإحقاق بعض وإنجاح بعض وهذا هو معنى PageV02P011 ~~القمار بعينه وليست القرعة في القسمة كذلك لأن كل واحد يستوفى في نصيبه لا ~~يحقق واحد منهم والله أعلم # | باب التصرف في مال اليتيم # قال الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم قال أبو بكر اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من الأم ~~مع بقاء الأب وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم إلا أن الأظهر عند ~~الإطلاق هو اليتيم من الأب وإن كانت الأم باقية ولا يكاد يوجد إلإطلاق في ~~اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا وكذلك سائر ما ذكر الله من أحكام ~~الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار ولا يطلق ذلك عليهم بعد ~~البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتيم والدليل على أن اليتيم اسم ~~للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة ~~قال الشاعر % إن القبور تنكح الأيامى % النسوة الأرامل اليتامى % # وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها قال الشاعر يصف ناقته % قوداء ms0527 ~~تملك رحلها % مثل اليتيم من الأرانب % # يعني الرابية ويقال درة يتيمة لأنها مفردة لا نظير لها وكتاب لابن المقفع ~~في مدح أبي العباس السفاح واختلاف مذاهب الخوارج وغيرهم يسمى اليتيمة قال ~~أبو تمام % وكثير عزة يوم بين ينسب % وابن المقفع في اليتيمة يسهب % # وإذا كان اليتيم اسما للانفراد كان كاملا لمن فقد أحد أبويه صغيرا أو ~~كبيرا إلا أن الانطلاق إنما يتناول ما ذكرنا من فقد الأب في حال الصغر ~~حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس في قوله عز وجل ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير قال الله تعالى ~~لما أنزل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم وتحرجوا أن يخالطوهم ~~وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فأنزل الله يسألونك عن اليتامى إلى ~~قوله ولو شاء الله لأعنتكم قال لو شاء الله لأخرجكم وضيق عليكم ولكنه وسع ~~ويسر فقال ومن PageV02P012 كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتغوا بأموال اليتامى لا ~~تأكلها الصدقة ويروى ذلك موقوفاعلى عمر وعن عمر وعائشة وابن عمر وشريح ~~وجماعة من التابعين دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به وقد حوت هذه الآية ~~ضرويا من الأحكام أحدها قوله قل إصلاح لهم خير فيه الدلالة على جواز خلط ~~ماله بماله وجواز التصرف فيه بالبيع والشرى إذا كان ذلك صلاحا وجواز دفعه ~~مضاربة إلى غيره وجواز أن يعمل ولي اليتيم مضاربة أيضا وفيه الدلالة على ~~جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم ~~من طريق الاجتهاد وغالب الظن ويدل على أن لولي اليتيم أن يشتري من ماله ~~لنفسه إذا كان خير لليتيم وذلك بأن ما يأخذه اليتيم أكثر قيمة مما يخرج عن ~~ملكه وهو قول أبي ms0528 حنيفة ويبيع أيضا من مال نفسه لليتيم لأن ذلك من الإصلاح ~~له ويدل أيضا على أن له تزويج اليتيم إذا كان ذلك من الإصلاح وذلك عندنا ~~فيمن كان ذا نسب منه دون الوصي الذي لا نسب بينه وبينه لأن الوصية نفسها لا ~~يستحق بها الولاية في التزويج ولكنه قد اقتضى ظاهره أن للقاضي أن يزوجه ~~ويتصرف في ماله على وجه الإصلاح ويدل على أن له أن يعلمه ما له فيه صلاح من ~~أمر الدين والأدب ويستأجر له على ذلك وأن يؤاجره ممن يعلمه الصناعات ~~والتجارات ونحوها لأن جميع ذلك قد يقع على وجه الإصلاح ولذلك قال أصحابنا ~~إن كل من كان اليتيم في حجره من ذوي الرحم المحرم فله أن يؤاجره ليعلم ~~الصناعات وقال محمد له أن ينفق عليه من ماله وقالوا أنه إذا وهب لليتيم مال ~~فلمن هو في حجره ان يقبضه له لما له فيه من الإصلاح فظاهر الآية قد اقتضى ~~جميع ذلك كله وقوله ويسألونك عن اليتامة قل إصلاح لهم خير إنما عنى ~~بالمضمرين في قوله ويسألونك القوام على الأيتام الكافلين لهم وذلك ينتظم كل ~~ذي رحم محرم لأن له إمساك اليتيم وحفظه وحياضته وحضانته وقد انتظم قوله قل ~~إصلاح لهم خير سائر الوجوه التي ذكرنا من التصرف في ماله على وجه الإصلاح ~~والتزويج والتقويم والتأديب وقوله خير قد دل على معان منها إباحة التصرف ~~على اليتامى من الوجوه التي ذكرنا ومنها أن ذلك مما يستحق به الثواب لأنه ~~سماه خيرا وما كان خيرا فإنه يستحق به الثواب ومنها أنه لم يوجبه وإنما وعد ~~به الثواب فدل على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة ولا هو مجبر ~~على تزويجه PageV02P013 لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد ~~وقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم فيه إباحة خلط ماله بماله والتجارة والتصرف ~~فيه ويدل على أنه له أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة وأن يزوجه ~~أو يزوج اليتيمة بعض ولده فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله واختلط ms0529 هو بهم ~~فقد انتظم قوله وإن تخالطوهم إباحة خلط ماله بماله والتصرف فيه وجواز ~~تزويجه بعض ولده ومن يلي عليه فيكون قد خلطه بنفسه والدليل على أن اسم ~~المخالطة يتناول جميع ذلك قولهم فلان خليط فلان إذا كان شريكا وإذا كان ~~يعامله ويبايعه ويشاريه ويداينه وإن لم يكن شريكا وكذلك يقال قد اختلط فلان ~~بفلان إذا صاهره وذلك كله مأخوذ من الخلطة التي هي الاشتراك في الحقوق من ~~غير تمييز بعضهم من بعض فيها وهذه المخالطة معقودة بشريطة الإصلاح من وجهين ~~أحدهما تقديمه ذكر الإصلاح فيما أجاب به من أمر اليتامى والثاني قوله عقيب ~~ذكر المخالطة والله يعلم المفسد من المصلح وإذا كانت الآية قد انتظمت جواز ~~خلطه مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله على ما روي ~~عن ابن عباس فقد دل على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار فيخرج ~~كل واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه وقد يختلف أكل الناس فإذا ~~كان الله قد أباح في أموال الأيتام فهو في مال العقلاء البالغين بطيبة ~~أنفسهم أجوز ونظيره في تجويزه المناهدة قوله تعالى في قصة أهل الكهف ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فكان الورق ~~لهم جميعا لقوله بورقكم فأضافه إلى الجماعة وأمره بالشراء ليأكلوا جميعا ~~منه وقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم قد دل على ما ذكرنا من جواز المشاركة ~~والخلطة على أنه يستحق الثواب بما يتحرى فيه الإصلاح من ذلك لأن قوله ~~فإخوانكم قد دل على ذلك إذ هو مندوب إلى معونة أخيه وتحرى مصالحه لقوله ~~تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ) فقد انتظم قوله ~~فإخوانكم الدلالة على الندب والإرشاد واستحقاق الثواب بما يليه منه وقوله ~~ولو شاء الله لأعنتكم يعني به لضيق عليكم في التكليف فيمنعكم من مخالطة ~~الأيتام والتصرف لهم في أموالهم ولأمركم بإفراد أموالكم عن أمولهم أو ~~لأمركم ms0530 على جهة الإيجاب بالتصرف لهم وطلب الأرباح بالتجارات لهم ولكنه وسع ~~ويسر وأباح لكم التصرف لهم على وجه الإصلاح ووعدكم PageV02P014 الثواب عليه ~~ولم يلزمكم ذلك على جهة الإيجاب فيضيق عليكم تذكيرا بنعمه وإعلاما منه ~~اليسر والصلاح لعباده وقوله فإخوانكم يدل على أن أطفال المؤمنين هم مؤمنون ~~في الأحكام لأن الله تعالى سماهم إخوانا لنا والله تعالى قد قال إنما ~~المؤمنون إخوة والله تعالى أعلم # | باب نكاح المشركات # قال الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن حدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن ~~صالح عن معاوية ابن صالح عن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن قال ثم استثنى أهل الكتاب فقال والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ~~قال عفائف غير زوان فأخبر ابن عباس أن قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~مرتب على قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وأن الكتابيات ~~مستثنيات منهن وروي عن ابن عمر أنها عامة في الكتابيات و غيرهن حدثنا جعفر ~~بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بطعام ~~أهل الكتاب وكره نكاح نسائهم قال أبو عبيد وحدثنا عبدالله بن صالح عن الليث ~~قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية ~~قال إن الله حرم المشركات على المسلمين قال فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو ~~قال أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله فكرهه في الحديث الأول ~~ولم يذكر التحريم وتلا في الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء وأخبر أن ~~مذهب النصارى شرك قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا علي بن سعد عن أبي المليح ~~عن ميمون ابن مهران قال ms0531 قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب ~~فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ علي أية التحليل وآية التحريم قال قلت ~~أني أقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فأعاد على آية التحليل ~~وآية التحريم قال أبو بكر عدوله بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية ~~دليل على أنه كان واقفا في الحكم غير قاطع فيه بشيء وما ذكر عنه من الكراهة ~~يدل على أنه ليس على وجه التحريم كما يكره تزوج نساء أهل PageV02P015 الحرب ~~من الكتابيات لا على وجه التحريم وقد روي عن جماعة من ال الصحابة والتابعين ~~إباحة نكاح الكتابيات حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثني سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ~~ونافع بن يزيد عن عمر مولى عفرة قال سمعت عبدالله بن علي بن السائب يقول إن ~~عثمان تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه وبهذا ~~الإسناد من غير ذكر نافع أن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام ~~وروي عن حذيفة أيضا أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه ~~حذيفة أحرام هي فكتب إليه عمر لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن وروي ~~عن جماعة من التابعين إباحة تزويج الكتابيات منهم الحسن وإبراهيم والشعبي ~~ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن وما روي عن ابن عمر فيه ~~فلا دلالة فيه على أنه رآه محرما وإنما فيه عنه الكراهة كما روي كراهة عمر ~~لحذيفة تزويج الكتابية من غير تحريم وقد تزوج صعثمان وطلحة وحذيفة ~~الكتابيات ولو كان ذلك محرما عند الصحابة لظهر منهم نكير أو خلاف وفي ذلك ~~دليل على اتفاقهم على جوازه وقوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن غير موجب ~~لتحريم الكتابيات من وجهين أحدهما أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عبدة ~~الأوثان منهم عند الإطلاق ولا يدخل فيه الكتابيات إلا بدلالة ألا ترى إلى ~~قوله ما يود الذين كفروا من ms0532 أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير ~~من ربكم وقال لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ففرق ~~بينهم في اللفظ وظاهره يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم ~~الدلالة على شمول الاسم للجميع وأنه أفرد بالذكر لضرب من التعظيم أو ~~التأكيد كقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فأفردهما بالذكر تعظيما لشأنهما مع كونهما من جملة الملائكة إلا أن الأظهر ~~أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على أنه من جنسه فاقتضى ~~عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم وأن يكون التحريم مقصورا على ~~عبدة الأوثان من المشركين والوجه الآخر أنه لو كان عموما في الجميع لوجب أن ~~يكون مرتبا على قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وأن لا تنسخ ~~إحداهما بالأخرى ما أمكن استعمالهما فإن قيل قوله والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من PageV02P016 قبلكم إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب ~~كقوله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وقوله من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون قيل له هذا خلف من ~~القول دال على غباوة قائله والمحتج به وذلك من وجهين أحدهما أن هذا الاسم ~~إذا أطلق فإنما يتناول الكفار منهم كقوله من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وقوله ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك وما جرى ~~مجرى ذلك من الألفاظ المطلقة فإنما يتناول اليهود والنصارى ولا يعقل به من ~~كان من أهل الكتاب فأسلم إلا بتقييد ذكر الإيمان ألا ترى أن الله تعالى لما ~~أراد به من أسلم منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال ليسوا ~~سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر والوجه الآخر أنه ذكر في الآية المؤمنات وقد انتظم ذكر المؤمنات ~~اللاتي كن من أهل الكتاب فأسلمن ومن كن مؤمنات في الأصل ms0533 لأنه قال والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فكيف يجوز أن يكون ~~مراده بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن وربما ~~احتج بعض القائلين بهذه المقالة بما روي عن علي بن أبي طلحة قال أراد كعب ~~بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنهاه وقال إنها لا تحصنك قال فظاهر النهي يقتضي الفساد فيقال إن هذا حديث ~~مقطوع من هذا الطريق ولا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن في إيجاب ~~نسخه ولا تخصيصه وإن ثبت فجائز أن يكون على وجه الكراهية كما روي عن عمر من ~~كراهته لحذيفة تزويج اليهودية لا على وجه التحريم ويدل عليه قوله إنها لا ~~تحصنك ونفي التحصين غير موجب لفساد النكاح لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك ~~الأمة ويجوز نكاحهما وقد اختلف في تزوج الكتابية الحربية فحدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال ~~لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا قال وتلا هذه الآية قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون قال الحكم فحدثت به ~~إبراهيم فأعجبه قال أبو بكر يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على وجه ~~الكراهية وأصحابنا يكرهونه من غير تحريم وقد روي عن علي أنه كره نساء اهل ~~PageV02P017 الحرب من أهل الكتاب وقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير ~~دلالة وقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لا تعلق ~~له بجواز النكاح ولا فساده ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن ~~لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي لقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فبان بما وصفنا أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد ms0534 ~~النكاح وإن ما كرهه أصحابنا لقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى وجعل بينكم مودة ورحمة فلما ~~أخبر أن النكاح سبب المودة والرحمة ونهانا عن موادة أهل الحرب كرهوا ذلك ~~وقوله @QB@ يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ إنما هو في أهل الحرب دون أهل ~~الذمة لأنه لفظ مشتق من كونهم في حد ونحن في حد وكذلك المشاقة وهو أن ~~يكونوا في شق ونحن في شق وهذه صفة أهل الحرب دون أهل الذمة فلذلك كرهوه ~~كرهوا ذلك وقوله يوادون من حاد الله ورسوله إنما هو في أهل الذمة لأنه لفظ ~~مشتق من كونهم في حد ونحن في حد وكذلك المة وشاقة وهو أن يكونوا في شق وهذه ~~صفة أهل الحرب ومن جهة أخرى وهو أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها ~~وذلك منهي عنه قال ص أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين وقال صلى ~~الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم مع مشرك فإن قيل ما أنكرت أن يكون قوله ~~تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~مخصصا لقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قاصرا لحكمه على ~~الذميات منهن دون الحربيات قيل له الآية إنما اقتضت النهي عن الوداد ~~والتحاب فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية وإن كان قد يصير سببا ~~للموادة والتحاب فنفس العقد ليس هو الموادة والتحاب إلا أنه يؤدي إلى ذلك ~~فاستحسنوا له غيرهن فإن قيل لما قال عقيب تحريم نكاح المشركات أولئك يدعون ~~إلى النار دل على أنه لهذه العلة حرم نكاحهن وذلك موجود في نكاح الكتابيات ~~الذميات والحربيات منهن فوجب تحريم نكاحهن لهذه العلة كتحريم نكاح المشركات ~~قيل له معلوم أن هذه ليست علة موجبة لتحريم النكاح لأنها لو كانت كذلك لكان ~~غير جائز إباحتهن بحال فلما وجدنا نكاح المشركات قد كان ms0535 مباحا في أول ~~الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى ~~النار دل على أن هذا المعنى ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وقد كانت امرأة ~~نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من أنبياء الله تعالى PageV02P018 قال ~~الله تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهم افثبت بذلك أن ~~الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وإن كان الله تعالى قد قال في سياق ~~تحريم المشركات أولئك يدعون إلى النار فجعله علما لبطلان نكاحهن وما كان ~~كذلك من المعاني التي تجري مجرى العلل الشرعية فليس فيه تأكيد فيما يتعلق ~~به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصخ كتخصيص الاسم وإذا كان قوله والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب يجوز به تخصيص التحريم الذي علق بالاسم جاز أيضا تخصيص ~~الحكم المنصوب على المعنى الذي أجري مجرى العلل الشرعية ونظير ذلك قوله ~~إنما يريد ا لشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله فذكر ما يحدث عن شرب الخمر من هذه الأمور المحظورة ~~وأجراها مجرى العلة وليس بواجب إجراؤها في معلولاتها لأنه لو كان كذلك لوجب ~~أن يحرم سائر البياعات والمناكحات وعقود المداينات لإرادة الشيطان إيقاع ~~العداوة والبغضاء بيننا في سائرها وأن يصدنا بها عن ذكر الله فلما لم يجب ~~اعتبار المعنى في سائر ما وجد فيه بل كان مقصور الحكم على المذكور دون غيره ~~كان كذلك حكم سائر العلل الشرعية المنصوص عليها منها والمقتضية والمستدل ~~عليها وهذا مما يستدل به على تخصيص العلل الشرعية فوجب بما وصفنا أن يكون ~~حكم التحريم مقصورا فيما وصفنا على المشركات منهن دون غيرهن ويكون ذكر ~~دعائهم إيانا إلى النار تأكيدا للحظر في المشركات غير متعد به إلى سواهن ~~لأن الشرك والدعاء إلى النار هما علما تحريم النكاح وذلك غير موجود في ~~الكتابيات ms0536 وقد قيل إن ذلك في مشركي العرب المحاربين كانوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن لئلا يمكن بهم إلى مودة أهاليهن ~~من المشركين فيؤدي ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة الموادين ~~الذين أمرنا بترك قتالهم إلا أنه إن كان كذلك فهو يوجب تحريم نكاح ~~الكتابيات الحربيات لوجود هذا المعنى ولا نجد بدا من الرجوع إلى حكم معلول ~~هذه العلة بما قدمنا وقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة يدل على جواز ~~نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج ~~الأمة المؤمنة بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها وواجد ~~الطول إلى الحرة PageV02P019 المشركة هو واجدة إلى الحرة المسلمة إذ لا فرق ~~بينهما في العادة في المهور فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى ولأمة مؤمنة ~~خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك ~~الحرة المشركة إلا وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة فتضمنت الآية جواز ~~نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهي ~~عن نكاح المشركات عام في واجد الطول وغير واجده للغني والفقير منهم ثم عقب ~~ذلك بقوله ولأمة مؤمنة خير من مشركة فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح ~~المشركة فكان عموما في الغني والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين # | باب الحيض # قوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقبل ~~والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة ولكن في فحوى اللفظ ما يدل على أن ~~المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض لأن الجواب ورد بقوله هو أذى وذلك ~~صفة لنفس الحيض لا الموضع الذي فيه وكانت مسألة القوم عن حكمه وما يجب ~~عليهم فيه وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا ~~يجتنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالسهن في حال الحيض فأرادوا أن يعلموا ms0537 ~~حكمه في الإسلام فأجابهم الله بقوله هذا هو أذى يعني أنه نجس وقذر ووصفه له ~~بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه لأنهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب ~~النجاسات فأطلق فيه لفظا علقوا منه الأمر بتجنبه ويدل على أن الأذى اسم يقع ~~على النجاسات قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أصاب نعل أحدكم أذى ~~فليمسحها بالأرض وليصل فيها فإنه لها طهور ) فسمى النجاسة أذى وأيضا لما ~~كان معلوما أنه لم يرد بقوله قل هو أذى الأخبار عن حاله في تأذى الإنسان به ~~لأن ذلك لا فائدة فيه علمنا أنه أراد الأخبار بنجاسته ولزوم اجتنابه وليس ~~كل أذى نجاسة قال الله تعالى ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر والمطر ~~ليس بنجس وقال ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإنما كان الأذى المذكور في الآية عبارة عن النجاسة ومفيدا لكونه ~~قذرا يجب اجتنابه لدلالة الخطاب عليه ومقتضى سؤال السائلين عنه وقد اختلف ~~الفقهاء فيما يلزم اجتنابه من الحائض بعد اتفاقهم على أن له أن يستمتع منها ~~بما PageV02P020 فوق المئزر وورد به التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~روته عائشة وميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر نساءه وهن حيض ~~فوق الإزار واتفقوا أيضا أن عليه اجتناب الفرج منها واختلفوا في الإستمتاع ~~منها بما تحت الإزار بعد أن يجتنب شعائر الدم فروى عن عائشة وأم سلمة أن له ~~أن يطأها فيما دون الفرج وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن وقالا يجتنب موضع ~~الدم وروي مثله عن الحسن والشعبي وسعيد بن المسيب والضحاك وروي عن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس أن له منها ما فوق الإزار وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ~~والأوزاعي ومالك والشافعي قال أبو بكر قوله فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن قد انتظم الدلالة من وجهين على حظر ما تحت الإزار أحدهما ~~قوله فاعتزلوا النساء في المحيض ظاهره يقتضي لزوم اجتنابها فيما تحت المئزز ~~وفوقه فلما ms0538 اتفقوا على إباحة الاستمتاع منها بما فوقه سلمناه للدلاة وحكم ~~الحظر قائم فيما دونه إذ لم تقم الدلالة على إباحة الاستمتاع منها بما فوقه ~~سلمناه للدلاة وحكم الحظر قائم فيما دونه إذ لم تقم الدلالة عليه والوجه ~~الآخر قوله ولا تقربوهن وذلك في حكم اللفظ الأول في الدلالة على مثل ما دل ~~عليه فلا يخص منه عند الاختلاف إلا ما قامت الدلالة عليه ويدل عليه أيضا من ~~جهة السنة حديث يزيد ابن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمير مولى عمر بن ~~الخطاب أن نفرا من أهل العراق سألوا عم عما يحل لزوج الحائض منها وغير ذلك ~~فقال سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لك منها ما فوق الإزار ~~وليس لك منها ما تحته ويدل عليه أيضا حديث الشيباني عن عبدالرحمن بن الأسود ~~عن أبيه عن عائشة قالت كانت إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تتزر في فور حيضها ثم يباشرها فأيكم يملك إربه كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وروى الشيباني أيضا عن عبدالله بن شداد ~~عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن مثله ومن أباح له ما دون المئزر ~~احتج بحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من ~~البيت ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى ويسألونك عن المحيض الآية فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح ) وبما روى عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ناوليني الخمرة فقالت إني حائض فقال ~~ليست حيضتك في يدك قالوا وهذا يدل على أن كل عضو منها ليس فيه الحيض حكمه ~~حكم ما كان فيه قبل الحيض في الطهارة وفي جواز الاستمتاع والجواب عن ذلك ~~لمن رأى حظر ما دون مئزرها أن قوله في حديث أنس PageV02P021 إنما فيه ذكر ~~سبب نزول الآية ms0539 وما كانت اليهود تفعله فأخبر عن مخالفتهم في ذلك وأنه ليس ~~علينا إخراجها من البيت وترك مجالستها وقوله اصنعوا كل شيء إلا النكاح جائز ~~أن يكون المراد به الجماع فيما دون الفرج لأنه ضرب من النكاح والمجامعة ~~وحديث عمر الذي ذكرناه قاض عليه متأخر عنه والدليل على ذلك أن في حديث أنس ~~إخبارا عن حال نزول الآية وحديث عمر بعد ذلك لأنه لم يخبر عن حال نزول ~~الآية وقد أخبر فيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل من الحائض ~~وذلك لا محالة بعد حديث أنس من وجهين أحدهما أنه لم يسئل عما يحل منها إلا ~~وقد تقدم تحريم إتيان الحائض والثاني أنه لو كان السؤال في حال نزول الآية ~~عقيبها لاكتفى بما ذكره أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اصنعوا كل ~~شيء إلا النكاح وفي ذلك دليل على أن سؤال عمر كان بعد ذلك ومن جهة أخرى أنه ~~لو تعارض حديث عمر وحديث أنس لكان حديث عمر أولى بالاستعمال لما فيه من حظر ~~الجماع فيما دون الفرج وفي ظاهر حديث أنس الإباحة والحظر والإباحة إذا ~~اجتمعا فالحظر أولى ومن جهة أخرى وهو أن خبر عمر يعضده ظاهر القرآن وهو ~~قوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وخبر أنس يوجب ~~تخصيصه وما يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصه ومن جهة أخرى وهو أن ~~خبر أنس مجمل عام ليس فيه بيان إباحة موضع بعينه وخبر عمر مفسر فيه بيان ~~الحكم في الموضعين مما تحت الإزار وما فوقه والله أعلم # | باب بيان معنى الحيض ومقداره # قال أبو بكر الحيض اسم لمقدار من الدم يتعلق به أحكام منها تحريم الصلاة ~~والصوم وحطر الجماع وانقضاء العدة واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة ~~القرآن وتصير المرأة به بالغة فإذا تعلق بوجود الدم هذه الأحكام كان له ~~مقدار ما سمي حيضا وإذا لم يتعلق به هذه الأحكام لم يسم حيضا ألا ترى أن ~~الحائض ترى الدم ms0540 في أيامها وبعد أيامها على هيئة واحدة فيكون ما في أيامها ~~منه حيضا لتعلق هذه الآحكام به مع وجوده وما بعد أيامها فليس بحيض لفقد هذه ~~الأحكام مع وجوده وكذلك نقول في الحامل أنها لا تحيض وهي قد ترى الدم ولكن ~~ذلك الدم لما لم يتعلق به ما ذكرنا من الأحكام لم يسم حيضا فالمستحاضة قد ~~ترى الدم السائل دهرا ولا يكون حيضا وإن كان كهيئة الدم الذي PageV02P022 ~~يكون مثله حيضا إذا رأته في أيامها فالحيض اسم لدم يفيد في الشرع تعلق هذه ~~الأحكام به إذا كان له مقدار ما والنفاس والحيض فيما يتعلق بهما من تحريم ~~الصلاة والصوم وجماع الزوج واجتناب ما يجتنبه الحائض سواء وإنما يختلفان من ~~وجهين أحدهما أن مقدار مدة الحيض ليس هو مقدار مدة النفاس والثاني أن ~~النفاس لا تأثير له في انقضاء العدة ولا في البلوغ وكان أبو الحسن يحد ~~الحيض بأنه الدم الخارج من الرحم الذي تكون به المرأة بالغة في ابتدائه بها ~~وما تعتاده النساء في الوقت بعد الوقت وإنما أراد بذلك عندنا أن تكون بالغة ~~في ابتدائه بها إذا لم يكن قد تقدم بلوغها قبل ذلك من جهة السن أو الاحتلام ~~أو الإنزال عند الجماع فأما إذا تقدم بلوغها قبل ذلك بما وصفنا ثم رات دما ~~فهو حيض إذا رأته مقدار مدة الحيض وإن لم تصر بالغة في ابتدائه بها وقد ~~اختلف الفقهاء في مقدار مدة الحيض فقال أصحابنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام ~~وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري وهو المشهور عن أصحابنا جميعا وقد روي ~~عني أبي يوسف ومحمد إذا كان يومين وأكثر اليوم الثالث فهو حيض والمشهور عن ~~محمد مثل قول أبي حنيفة وقال مالك لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره وحكى ~~عبدالرحمن بن مهدي عن مالك أنه كان يرى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما حدثنا ~~عبدالله بن جعفر بن فارس قال حدثنا هارون بن سليمان الجزار قال حدثنا ~~عبدالرحمن بن مهدي بذلك وقال الشافعي أقل الحيض ms0541 يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ~~يوما وروى عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن علي بن ثابت عن محمد بن ~~زيد عن سعيد بن جبير قال الحيض إلى ثلاثة عشر فإذا زادت فهي استحاضة وقال ~~عطاء إذا زادت على خمسة عشر فهي استحاضة وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء ~~إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ثم رجع عنه إلى ما ذكرنا ومما يحتج ~~به للقائلين بأن أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة حديث القاسم عن أبي أمامة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة فإن صح هذا ~~الحديث فلا معدل عنه لأحد ويدل عليه أيضا حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ~~وأنس بن مالك أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام أربعة أيام إلى عشرة أيام وما ~~زاد فهو استحاضة ويدل ذلك على ما وصفنا من وجهين أحدهما أن القول إذا ظهر ~~عن جماعة من الصحابة واستفاض ولم يوجد له منهم مخالف فهو إجماع وحجة على من ~~بعدهم وقد روى ما وصفنا عن هذين الصحابيين من غير خلاف PageV02P023 ظهر من ~~نظرائهم عليهم فثبت حجته والثاني أن هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق ~~الله تعالى وعبادات محضة طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق مثل إعداد ركعات ~~الصلوات المفروضات وصيام رمضان ومقادير الحدود وفرائض الإبل في الصدقات ~~ومثله مقدار مدة الحيض والطهر ومنه مقدار المهر الذي هو مشروط في عقد ~~النكاح والقعود قدر التشهد في آخر الصلاة فمتى روي عن صحابي فيما كان هذا ~~وصفه قول في تحديد شيء من ذلك وإثبات مقدراه فهو عندنا توقيف إذ لا سبيل ~~إلى إثباته من طريق المقاييس فإن قيل ليس يمتنع أن يكون مقدار الحيض معتبرا ~~بعادات النساء فيجب الرجوع إليها فيه ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ~~لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر ~~فردها إلى العادة وأثبتها ستا أو سبعا فجائز على هذا أن يكون قول ms0542 من قال ~~بالعشرة في أكثره وبالثلاث في أقله إنما صدر عن العادة عنده قيل له إنما ~~الكلام بيننا وبين مخالفينا في الأقل الذي لا نقص عنه وفي الأكثر الذي لا ~~يزاد عليه وقد اتفق الجميع على المذكور من العدد وفي قصة حمنة وهو ست أو ~~سبع ليس بحد في ذلك وأنه لا اعتبار به في إثبات التحديد فسقط الاحتجاج به ~~في موضع الخلاف وقوله لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ~~في كل شهر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ لصحة قولنا من قبل أن قوله كما تحيض ~~النساء في كل شهر لما كان مستوعبا لجنس النساء اقتضى أن يكون ذلك حكم جميع ~~النساء وذلك ينفي أن يكون حيض امرأة أقل من ذلك فلو لا قيام دلالة الإجماع ~~على أن الحيض قد يكون ثلاثا لما جاز لأحد أن يجعل الحيض أقل من ست أو سبع ~~فلما حصل الاتفاق على كون الثلاث حيضا خصصناه من عموم الخبر وبقي حكم ما ~~دون الثلاث منفيا بمقتضى الخبر ويحتج بمثله في أكثر الحيض ويدل على ذلك ~~أيضا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رأيت ناقصا عقل ودين أغلب ~~لعقول ذوي الألباب منهن فقيل ما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن الأيام ~~والليالي لا تصلي فدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليالي ~~وأقلها ثلاثة أيام وأكثرها عشرة أيام ويدل عليه حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ~~ثابت عن عروة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش ~~اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضأي لكل صلاة وروى الحكم عن أبي ~~جعفر أن سودة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فأمرها أن تقعد ~~أيام حيضها فإذا مضت توضأت PageV02P024 لكل صلاة وصلت وفي بعض ألفاظ حديث ~~فاطمة بنت أبي حبيس دعي الصلاة بعدد الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي ~~وفي حديث أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم في المرأة ms0543 التي سألته أنها تهراق ~~الدم فقال لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فلتترك ~~الصلاة قدر ذلك من الشهر ثم لتغتسل ولتصل وروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي ~~بن ثابت عن أبيه عن جده عنه صلى الله عليه وسلم قال المستحاضة تدع الصلاة ~~أيام حيضها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وفي بعض ألفاظ هذا الحديث تدع الصلاة ~~أيام إقرائها وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت أبي حبيش والمرأة ~~التي روت قصتها أم سلمة أن تدع الصلاة أيام حيضها من غير مسألة منه لها عن ~~مقدار حيضها قبل ذلك وجب بذلك أن تكون مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام ~~وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ولو كان الحيض يكون أقل من ثلاث لما أجابها ~~بذكر الأيام والليالي وقال في حديث عدي بن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام ~~حيضها وذلك لفظ عام في سائر النساء واسم الأيام إذا أطلقت في عدد محصور يقع ~~أقله على ثلاثة وأكثره على عشرة ولا بد من أن يكون له عدد محصور يضاف إليه ~~الأيام فوجب أن يكون عدده ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ووجه آخر وهو ~~أنه متى تقدمت معرفة الوقت الذي أضيفت إليه الأيام فإن اسم الأيام لا ~~يتناول عددا محصورا نظيره قول القائل أيام السنة فلا تختص بالثلاثة ولا ~~بالعشرة وقوله أياما معدودات لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه قال ~~كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فلما أضافها إلى الوقت الذي ~~قد تقررت معرفته عند المخاطبين لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة وقوله ~~تدع الصلاة أيام حيضها وأيام إقرائها لم يتقدم عند السامعين عدد أيامها ~~فيكون ذكر الأيام راجعا إليها دون ما تختص به من العدد فوجب أن يكون محمولا ~~على ما يختص به من هذا العدد وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة وإنما كان ذلك ~~كذلك لأن اسم الأيام قد تطلق ويراد بها وقت مبهم كما يطلق اسم الليالي ms0544 على ~~وقت مبهم ولا يراد بها سواد الليل فإذا تقدمت معرفة الوقت المضاف إليه ~~الأيام فذكر الأيام فيه بمعنى الوقت المبهم الذي لا يراد به عدد قال الشاعر ~~% ليالي تصطاد الرجال بفاحم % ولم يرد به سواد الليل دون بياض النهار وقال ~~آخر PageV02P025 % واذكر أيام الحمى ثم انثنى % على كبدي من خشية أن تصدعا ~~% % وليست عشيات الحمى برواجع % إليك ولكن خل عينيك تدمعا % ولم يرد بذكر ~~الأيام يياض النهار ولا بذكر العشيات أواخره وإنما أراد وقتا قد تقررت ~~معرفته عند المخاطب وكقوله تعالى فأصبح من النادمين ولم يرد به أول النهار ~~دون آخره وقال الشاعر % أصبحت عاذلتي معتلة % ولم يرد به الصباح دون المساء ~~وقال لبيد % وأمسى كأحلام النيام نعيمهم % وأي نعيم خلته لا يزايل % ولم ~~يرد به المساء دون الصباح وإنما أراد وقتا مبهما وهذا أشهر في اللغة من أن ~~يحتاج فيه إلى الإكثار من الشواهد فلما انقسم اسم الأيام إلى هذين المعنيين ~~قلنا فيما تقررت معرفته إذا أضيف إليه الأيام فمعناه الوقت وما كان منه ~~حكما مبتدأ فهو محمول على ما تصح إضافة الأيام إليه فمعناها إذا عين وهو ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة ووجه آخر وهو أنه لما كان في مفهوم لسان العرب أن ~~اسم الأيام إذا أضيف إلى عدد لم يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا ~~يفارق هذا العدد اسم الأيام بحال لأنك إذا قلت أحد عشر لم تقل أياما وإنما ~~تقول أحد عشر يوما وكذلك إذا أطلقت أيام الشهر فقلت ثلاثين لم يحسن عليه ~~اسم الأيام وقلت ثلاثين يوما فلما كان اسم الأيام مع ذكر العدد المضاف لا ~~يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى العشرة علمنا أنها حقيقة فيه محمولة على ~~حقيقته ولا تصرف عنه إلى غيره إلا بدلالة لأنه مجاز من حيث جاز أن ينفى عنه ~~اسم الأيام بحال وهو إذا عين عدده أضيفت الأيام إليه فإن قيل لما قال دعي ~~الصلاة أيام إقرائك فجعل الأيام وأقلها ثلاثة للإقراء وهي جمع ms0545 أقله ثلاثة ~~حصل لكل يوم قرء قيل له المراد بقوله أيام إقرائك حيضة واحدة بدلالة أن من ~~كانت عادتها في الحيض ما بين الثلاثة إلى العشرة مراده ذلك لا محالة ومعلوم ~~أن المراد في مثلهما بقوله إقرائك حيضة واحدة فكذلك من لا عادة لها ويدل ~~على ذلك قوله ثم اغتسلي وتوضأي لكل صلاة ومعلوم أن مراده عند مضي كل حيضة ~~فعلمنا أن المراد بقوله ايام إقرائك أيام حيضة وأيضا قال في حديث الأعمش ~~الذي ذكرنا أيام محيضك وفي غيره أيام حيضك وقال فلتدع الصلاة الأيام ~~والليالي التي كانت PageV02P026 تقعد وقال نقصان دينهن تمكث إحداهن الأيام ~~والليالي لا تصلي ولم يذكر الإقراء في هذه الأخبار وإنما ذكر الحيض فوجب ~~بمقتضاها أن يكون الحيض اياما وأن مالا يقع عليه اسم الأيام فليس بحيض لأنه ~~صلى الله عليه وسلم قصد إلى بيان حكم جميع النساء في الحيض وقد حدث محمد بن ~~شجاع قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا إسرائيل عن عثمان بن سعيد عن ~~عبدالله بن أبي مليكة عن فاطمة بنت أبي حبيش ذكرت قصتها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة ( مري فاطمة فلتمسك كل شهر عدد أيام إقرائها ثم ~~تغتسل ) فأبان في هذا الحديث عن مراده بذكر الإقراء وإنها حيضة في كل شهر ~~لأنه قال تمسك كل شهر عدد أيام إقرائها وقد أخبر في حديث آخر أن عادة ~~النساء في كل شهر حيضة واحدة بقوله لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ~~كما تحيض النساء في كل شهر فإن قيل كيف يجوز أن تسمى الحيضة الواحدة إقراء ~~والحيضة الواحدة إنما هي قرء واحد فينبغي أن تكون الإقراء اسما لجماعة حيض ~~قيل له ما كان القراء اسما لدم الحيض جاز أن تسمى الحيضة الواحدة إقراء على ~~أنها عبارة عن أجزاء الدم كما يقال ثوب أخلاق يراد به العبارة عن كل قطعة ~~منه وقال الشاعر % جاء الشتاء وقميصي أخلاق % شراذم يضحك منه التواق % فسمى ~~القميص الواحد أخلاقا لأنه أراد ms0546 العبارة عن كل قطعة منه كذلك جاز أن تسمى ~~الحيضة الواحدة إقراء عبارة بها عن أجزاء الدم فإن قيل أن اسم الأيام قد ~~يقع على يومين فيجب أن يجعل أقل الحيض يومين لوقوع الاسم عليها قيل له إنما ~~يطلق اسم الأيام عليهما مجازا وحقيقتها ثلاثة فما فوقها وحكم اللفظ أن يحمل ~~على حقيقته حتى تقوم الدلالة على جواز صرفه إلى المجاز ودليل آخر وهو أن ~~مدة أقل الحيض وأكثره لما لم يكن لنا سبيل إلى إثبات مقدارها من طريق ~~المقاييس وكان طريقها التوقيف أو الاتفاق على ما تقدم من بيانه في هذا ~~الباب ثم اتفق الجميع على أن الثلاث حيض وكذلك العشر واختلفوا فيما دون ~~الثلاث وفوق العشر أثبتنا ما اتفقوا عليه ولم نثبت ما اختلفوا فيه لعدم ما ~~يوجبه من توقيف أو اتفاق فإن قيل فقد اتفق الجميع على أن المبتدأة تترك ~~الصلاة في أول ما ترى الدم وإن كانت رؤيته يوما وليلة فدل على أن اليوم ~~والليلة حيض ومن ادعى أن ذلك الدم لم يكن حيضا احتاج إلى دلالة لأنه قد حكم ~~له بحكم الحيض بديا فلا PageV02P027 ينقض هذا الحكم إلا بدلالة توجب نقضه ~~وهذا يوجب أن يكون الحيض يوما وليلة قيل له وقد اتفقوا على أنها تترك ~~الصلاة إذا رأته وقت صلاة فينبغي أن يكون ذلك دليلا على أن مدة الحيض وقت ~~صلاة فلما لم يدل أمرنا إياها بترك الصلاة إذا رأت الدم وقت صلاة على أن ~~أقل الحيض وقت صلاة بل كان حكم ذلك الدم مراعى منتظرا به استكمال مدة الحيض ~~على اختلافهم فيها كذلك اليوم والليلة فإن قيل لما قال الله تعالى ولا يحل ~~لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فقد أوجب علينا الرجوع إلى قولها حين ~~وعظها بترك الكتمان قيل له ليس هذا من مسئلتنا في شيء وإنما هو كلام في ~~قبول خبرها إذا أخبرت عما خلق الله في رحمها ونحن نجعل القول قولها في ذلك ~~وأما الحكم بأن ذلك الدم حيض ms0547 أو ليس بحيض فليس ذلك إليها لأن ذلك حكم وليس ~~الحكم مخلوقا في رحمها فنرجع إلى قولها قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من ذلك ~~منتظم دلالة على بطلان قول من حد مقدار أقل الحيض بيوم وليلة وعلى بطلان ~~قول من لم يجعل لقليل الحيض ولا لكثيره مقدارا معلوما وعلى فساد قول من ~~اعتبر عادة نسائها ويدل على بطلان قول من أسقط اعتبار المقدار في قليله ~~وكثيره أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود منها فيجب على ~~هذه القضية أن لا تكون في الدنيا مستحاضة لوجود الدم وكون جميعه حيضا وقد ~~علمنا بطلان ذلك بالسنة واتفاق الأمة فإن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فلا أطهر فأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ ~~واستحيضت حمنة سبع سنين فلم يقل الشارع لهما أن جميع ذلك حيض بل أخبرهما أن ~~منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة فلا بد من أن يكون لما كان منه حيضا ~~مقدار موقت وهو ما أخبر عن مقداره بذكر الأيام ويلزم أيضا من لا يجعل لأقل ~~الحيض ولا لأكثره مقدارا معلوما أن يجعل دم المبتدأة إذا استمر بها كله ~~حيضا وإن رأته سنة لفقد عادة الحيض منها ووجود الدم في رحمها وهذا خلف من ~~القول متفق على بطلانه فإن قيل لما كان النفاس مثل الحيض فيما يتعلق به من ~~الحكم ولم يكن لأقله حد معلوم فكذلك الحيض قيل له إنما أثبتنا ذلك نفاسا ~~بالاتفاق ولم نقس عليه الحيض إذ ليس طريق إثباته المقاييس وقد احتج ~~الفريقان من مثبتي القليل والكثير من الدم حيضا وممن قدره بيوم وليلة بقوله ~~تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا ~~أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) إذ كان PageV02P028 ظاهره يقتضي القليل والكثير ~~لأنه ليس في اللفظ توقيت فإذا رأت الدم يوما وليلة فقد تناوله الظاهر فيقال ~~لهم إنما يجب أن يثبت ذلك حيضا حتى يعتزلها فيه إذ ms0548 ليس في اللفظ دلالة على ~~كيفية الحيض ولا على معناه وصفته فإذا ثبت أنه حيض حينئذ أجري فيه حكم ~~الآية والخبر ومتى اختلفوا فيه لم يكن في هذه الآية دليل على معناه ودعوى ~~الخصم تكون دليلا في المسئلة فإن قيل قد بين الشارع علامة دم الحيض وصفته ~~بما يغني عن اعتبار المقدار معه بقوله دم الحيض هو الأسود المحتدم فمتى وجد ~~الدم بهذه الصفة كان حيضا قيل له لا خلاف أن الدم الذي ليست هذه صفته قد ~~يكون حيضا إذا رأته في أيامها أو رأته وهي مبتدأة وقد يوجد على هذه الصفة ~~بعد أيامها أو في أيامها فيكون ما في أيامها منه حيضا وما بعد أيامها ~~استحاضة فغير جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جعل وجود هذه الصفة ~~علما للحيض ودليلا عليه وهي توجد مع عدمه وتعدم مع وجوده وإنما وجه ذلك ~~عندنا أنه علم ذلك من حال امرأة بعينها وإن حيضها أبدا يكون بهذه الصفة ~~فأخبر عن حكمها خاصة دون غيرها فلم يجز اعتباره في غيرها وقد احتج الفريقان ~~أيضا من مثبتي مقدار أقل الحيض يوما وليلة ومن نافى تقديره بقوله تعالى ~~ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فزعم من أسقط اعتبار المقدار أنه لما وصف ~~الحيض بكونه أذى فحيثما وجد الأذى فهو حيض بغير اعتبار التوقيف إذ ليس في ~~الآية ذكر المقدار ومن قال باليوم والليلة يقول إن ظاهره يقتضي وجود الأذى ~~في اليوم والليلة حيضا وفيما دونه وخصصنا ما دونه بدلالة فبقي حكم اللفظ في ~~اليوم والليلة فيقال لهم ينبغي أن يثبت الحيض أولا حتى تثبت هذه الصفة وهي ~~كونه أذى لأنه تعالى إنما جعل الحيض أذى ولم يجعل الأذى حيضا وقد علمنا أنه ~~ليس كل أذى حيضا وأن كل حيض أذى كما أنه ليس كل نجاسة حيضا وإن كان كل حيض ~~نجاسة فوجب أن يثبت الحيض حتى يكون أذى وأيضا معلوم أنه لو كان مراده أن ~~يجعل الأذى اسم المحيض أنه لم يرد به ms0549 أن كل أذى حيض لأن سائر ضروب الأذى ~~ليست بحيض فيحصل حينئذ المراد أذى منكرا إذ يحتاج في معرفته إلى دلالة من ~~غيره حتى إذا حصلت لنا معرفته حكمنا فيه بحكم الحيض وأيضا فإن الأذى اسم ~~مشترك يقع على أشياء مختلفة المعاني وما كان هذا وصفه من الأسماء فليس يجوز ~~أن يكون عموما واحتج بعض من جعل أكثر الحيض خمسة عشر يوما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ما رأيت ناقصات PageV02P029 عقل ودين أغلب لعقول ذوي ~~الألباب منهن فقيل وما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن نصف عمرها لا تصلي قال ~~وهذا يدل على أن الحيض خمسة عشر يوما ويكون الطهر خمسة عشر يوما لأنه أقل ~~الطهر فيكون الحيض نصف عمرها ولو كان أكثر الحيض أقل من ذلك لم توجد امرأة ~~لا تصلي نصف عمرها فيقال له لم يرو أحد نصف عمرها وإنما روي على وجهين ~~أحدهما شطر عمرها والآخر تمكث إحداهن الأيام والليالي تصلي فأما ذكر نصف ~~عمرها فلم يوجد في شيء من الأخبار وقوله شطر عمرها لا دلالة فيه على أنه ~~أراد النصف لأن الشطر هوبمنزلة قوله طائفة وبعض ونحو ذلك قال الله تعالى ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنما أراد ناحيته وجهته ولم يرد نصفه وقد بين ~~مقدار ذلك الشطر في قوله صلى الله عليه وسلم تمكث إحداهن الأيام والليالي ~~لا تصلي فوجب أن لا يكون هو المراد دون غيره ومع ذلك فإنه لا يوجد في ~~الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ من ~~عمرها وهو طهر بلا حيض فلو جاز أن يكون الحيض بعد البلوغ خمسة عشر يوما إلى ~~انقضاء عمرها وكان طهرها مع ذلك خمسة عشر لما حصل الحيض نصف عمرها فعلمنا ~~بطلان قول من زعم أن حيضها قد يكون نصف عمرها # | ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعي أقل ~~الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء وأما ms0550 مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه شيئا ~~في إحدى الروايات وفي رواية عبدالملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون أقل من ~~خمسة عشر وقال الأوزاعي قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر ويرجع فيه إلى مقدار ~~طهر المرأة قبل ذلك وقد حكي عن الشافعي أنه علم أن طهر المرأة أقل من خمسة ~~عشر جعل القول قولها وذكر الطحاوي عن أبي عمران عن يحيى بن أكثم أنه قال ~~أقل الطهر تسعة عشر يوما واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل كل حيضة وطهر ~~شهرا والحيض في العادة أقل من الطهر فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر فوجب ~~أن يكون عشرة وأن يكون باقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر لأن الشهر قد يكون ~~تسعة وعشرين يوما وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ثلاثة عشر يوما ~~والدليل على أن أقله خمسة عشر يوما أنه لما كان أكثر الحيض PageV02P030 ~~عشرة أيام وقد جعل الله تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر وجب أن يكون ~~الطهر أكثر منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة تحيضي في علم الله ~~ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فأثبت الست أو السبع حيضا وجعل في ~~الشهر طهرا اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم جميع النساء مالم تقم الدلالة على ~~خمسة عشر يوما ولم تقم على عشرة ولا على ثلاثة عشر فلا يكون ذلك طهرا صحيحا ~~وأيضا لما كان الطهر من الحيض يلزم به الصلوات أشبه الإقامة فلما كان أقل ~~الإقامة عندنا خمسة عشر يوما ولم يكن لأكثرها غاية وجب أن يكون الطهر من ~~الحيض كذلك وأيضا فإن طريق إثبات مقدار الطهر التوقيف أو الإتفاق وقد ثبت ~~باتفاق فقهاء السلف أن خمسة عشر يكون طهرا صحيحا واختلفوا فيما دونها وقفنا ~~عند الإتفاق ولم نثبت ما دونها طهرا لعدم التوقيف والإتفاق فيه وأما ما حكي ~~عن يحيى بن أكثم من تقديره الطهر تسعة عشر يوما فإنه يفسد من وجوه أحدها ms0551 أن ~~اتفاق السلف قد سبقه في كون الطهر خمسة عشر فلا يكون خلافا عليهم ولأن من ~~تقدمه اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه قال عطاء خمسة عشر يوما وقال سعيد بن ~~جبير ثلاثة عشر يوما وقال مالك في بعض الروايات خمسة عشر وفي بعضها عشرة ~~ولم يقل أحد منهم تسعة عشر ويفسد من جهة أنه أثبت له مقدارا من غير توقيف ~~ولا اتفاق وذلك غير جائز فيما هذا وصفه وأما احتجاجه بما قدمنا ذكره فلا ~~معنى له ولا يوجب ما ذكرنا وذلك لأنه معلوم أن ما أقامه الله من الشهر ~~الواحد مقام حيضة وطهر غير مانع وجود حيضة وطهر في أقل من شهر لأنه لو كان ~~حيضها ثلاثة أيام حصل لها حيضة وطهر في أقل من شهر وإذا لم يدل إيجاب الله ~~تعالى شهرا عن حيضة وطهر على وجود حيضة وطهر في أقل منه وجاز نقصان الحيض ~~عن عشرة حتى تستوفي لها حيضة وطهر في أقل من شهر وتنقضي عدتها بالحيض في ~~أقل من ثلاثة أشهر وإن لم ميجز أن تنقضي عدتها إذا كانت بالشهور في أقل من ~~ثلاثة أشهر لم يمتنع أن ينقص الطهر بعد استيفاء الحيضة عشرا فيكون أقل من ~~تسعة عشر يوما فبان بما وصفنا أن ما ذكره ليس بدليل على وجوب الاقتصار في ~~أقل الطهر على تسعة عشر يوما وإنما يدل ذلك على أن الطهر قد يكون هذا القدر ~~ولا دلالة فيه على أنه لا يكون أقل منه والله أعلم # | ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض # قال أصحابنا جميعا فيمن ترى يوما دما ويوما طهرا أن ذلك كدم متصل وكذلك ~~قال PageV02P031 أبو يوسف إذا كان الطهر بين الدمين أقل من خمسة عشر فهو ~~كدم متصل وقال محمد إذا كان الطهر الذي بين الدمين أقل من ثلاثة أيام فهو ~~كدم متصل وإذا كان ثلاثة أيام أو أكثر من العشرة فإنه ينظر إلى الدمين ~~والطهر الذي بينهما فإن كان الطهر أكثر منهما فصل بين الدمين وإن كانا ms0552 سواء ~~أو أقل فهو كدم متصل ومتى كان الطهر أكثر من الدمين ففصل بينهما اعتبر كل ~~واحد من الدمين بنفسه فإن كان الأول منهما ثلاثة أيام فإنه يكون حيضا وكذلك ~~إن لم يكن الأول ثلاثا وكان الآخر منهما ثلاثا فالآخر حيض وإن لم يكن واحد ~~منهما ثلاثا فليس واحد منهما بحيض وقال مالك إذا رأت يوما دما ويوما طهرا ~~أو يومين ثم رأت دما كذلك فإنه تلغى أيام الطهر وتضم أيام الدم بعضها إلى ~~بعض فإن دام بها ذلك استظهرت بثلاثة أيام على أيام حيضها فإن رأت في خلال ~~أيام الاستظهار أيضا طهر ألغاه حتى يحصل ثلاثة أيام دم الاستظهار وأيام ~~الطهر تصلي وتصوم ويأتيها زوجها ويكون ما جمع من أيام الدم بعضه إلى بعض ~~حيضة واحدة ولا يعتد بأيام الطهر في عدة من طلاق فإذا استظهرت بثلاثة أيام ~~بعد أيام حيضها تتوضأ لكل صلاة وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها من أيام الطهر ~~وإنما أمرت بالغسل لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع إليها وحكى الربيع عن ~~الشافعي نحو ذلك قال أبو بكر معلوم أن الحائض لا ترى الدم أبدا سائلا وكذلك ~~المستحاضة إنما تراه في وقت وينقطع في وقت ولا خلاف أن انقطاع دمها ساعة ~~ونحوها لا يخرجها من حكم الحيض في وقت رؤية الطهر وانقطاع الدم في مثل هذا ~~الوقت إن ذلك كله كدم متصل كما قالوا جميعا في انقطاعه ساعة ونحوها ولأن ~~الطهر الذي بينهما ليس بطهر صحيح عند الجميع لأن أحدا لا يجعل الطهر الصحيح ~~يوما ولا يومين ولم يقل أحد أن الطهر الذي بين الحيضتين يكون أقل من عشرة ~~أيام على ما بيناه فيما سلف وأيضا لو كان طهر اليوم واليومين الذي بين ~~الدمين طهرا يوجب الصلاة والصوم لوجب أن يكون كل واحد من الدمين حيضة تامة ~~فلما اتفق الجميع على أن هذا القدر من الطهر غير معتد به في الفصل بين ~~الدمين وجعل كل واحد منهما حيضة تامة وجب أن يسقط حكمه ويصير ms0553 مع ما قبله ~~وبعده من الدم كدم متصل وقد اختلف في الصفرة والكدرة في أيام الحيض فروي عن ~~أم عطية الأنصارية قالت كنا لا نعتد بالصفرة ولا بالكدرة بعد الغسل شيئا ~~واتفق فقهاء الأمصار على أن الصفرة في ايام الحيض حيض PageV02P032 منهم أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والليث وعبدالله بن الحسن والشافعي ~~واختلفوا في الكدرة فقال جميع من قدمنا ذكرهم أنها حيض في أيام الحيض وإن ~~لم يتقدمها دم وقال أبو يوسف لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم وقد روي عن ~~عائشة وأسماء بنت أبي بكر قالتا لا تصلي الحائض حتى ترى القصة البيضاء ولم ~~يختلفوا في أن الكدرة حيض بعد الدم فلما كان وجودها عقيب الدم دليلا على أن ~~الكدرة من اختلاط أجزاء الدم وجب أن يكون ذلك حكمها إذا وجدت في أيام الحيض ~~وإن لم يتقدمها دم وأن يكون الوقت المعتاد فيه الدم دلالة على أن الكدرة من ~~اختلاط أجزاء الدم بالبياض والدليل على أن للوقت تأثيرا في ذلك أن المرأة ~~ترى الدم في أيام حيضها وبعدها فيكون ما رأته في أيامها حيضا وما بعد ~~أيامها غير حيض وكان الوقت علما لكونه حيضا ودلالة عليه فكذلك يجب أن يكون ~~الوقت دليلا على أن الكدرة من أجزاء دم الحيض وأن يكون حيضا وقد اختلف في ~~حيض المبتدأة إذا رأت الدم واستمر بها فقال أصحابنا وجميعا عشرة منها حيض ~~وما زاد فهو استحاضة إلى آخر الشهر فيكون حيضها عشرة وطهرها عشرين ولم يذكر ~~عنهم خلاف في الأصول وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف تأخذ في الصلاة ~~بالثلاث أقل الحيض وفي الزوج بالعشرة ولا تقضي صوما عليها إلا بعد العشرة ~~وتصوم العشر من رمضان وتقضي سبعا منها وقال إبراهيم النخعي تقعد مثل أيام ~~نسائها وقال مالك تقعد ما تقعد نحوها من النساء ثم هي مستحاضة بعد ذلك وقال ~~الشافعي حيضها أقل ما يكون يوما وليلة والدليل على صحة القول الأول اتفاق ~~الجميع على أنها مأمورة بترك الصلاة ms0554 إلى أكثر الحيض على اختلافهم فيه فصارت ~~محكوما لها بحكم الحيض في هذه الأيام ومثلها يجوز أن يكون حيضا فوجب أن ~~تكون العشرة كلها حيضا لوقوع الحكم لها بذلك وعدم عادتها لخلافه ألا ترى أن ~~الكل يقولون إن الدم لو انقطع عن العشرة لكان كله حيضا فثبت أن العشرة ~~محكوم لها فيها لحكم الحيض وغير جائز نقض ذلك إلا بدلالة وأيضا فلو كان ما ~~زاد على الأقل مشكوكا فيه بعد وجود الزيادة على الأكثر لكان الأولى أن لا ~~ينقض ما حكمنا به حيضا بالشك ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم حكم للشهر ~~الذي يغم الهلال في آخره بثلاثين بقوله فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين لما كان ~~ابتداء الشهر يقينا لم يحكم بانقضائه بالشك فإن قيل فمن كانت لها عادة دون ~~العشر فزاد الدم ردت إلى أيام PageV02P033 عادتها ولم يكن حكمنا لها بديا ~~في الزيادة بحكم الحيض مانعا من اعتبار أيامها وكذلك من رأت الدم في أول ~~ايامها كانت مأمورة بترك الصلاة ولو دون الثلاث فإن انقطع ما دون الثلاث ~~حكمنا بأن ما رأته لم يكن حيضا وإن تم ثلاثا كان حيضا قيل له أما التي كان ~~لها أيام معروفة فإن حكم الزيادة لم يقع إلا مراعى معتبرا بانقطاعه في ~~العشرة لقوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها فاقتضى ~~ذلك كون الزيادة مراعاة لعلمنا بان لها أياما معروفة وأما المبتدأة فلم يكن ~~لها قبل ذلك أيام يجب اعتبارها فلذلك كانت رؤيتها الدم في العشرة غير ~~مراعاة بل عندنا أن ما رأته المبتدأة في العشرة فهو كالعادة يصير ذلك أياما ~~لها في العدد والوقت وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الدم الذي رأته المبتدأة ~~في العشر مراعى بل واجب أن يحكم لها فيه بحكم الحيض إذ كان مثله يكون حيضا ~~وأما من رأت الدم في أول أيامها وحكمنا له فيه بحكم الحيض في باب الأمر ~~بترك الصلاة والصيام ثم انقطاعه دون الثلاث يخرجه عن كونه حيضا فلأن ms0555 ذلك ~~وقع مراعى في الابتداء لعلمنا بأن لأقل الحيض مقدارا متى قصر عنه لم يكن ~~الدم الذي رأته حيضا فمن أجل ذلك وقع مراعى وليس للمبتدأة بعد رؤيتها للدم ~~ثلاثا حال يجب مراعاتها فوجب أن تكون العشرة كلها حيضا لعدم الدلالة ~~الموجبة للاقتصار به على ما دونها وأما أبو يوسف فإنه جعلها بمنزلة من كان ~~حيضها خمسا أو ستا فكانت شاكة في الستة وقالوا جميعا أنها تأخذ بالأقل في ~~لصلاة وكذلك الميراث والرجعة وتأخذ في الأزواج بالأكثر احتياطا وكذلك ~~المبتدأة قال أبو بكر وليس هذا نظيرا لمسألتنا من قبل أن هذه قد كانت لها ~~أيام معلومة وقد تيقنا الخمسة وشككنا في الستة فاحتطنا لها في الصلاة ~~والصوم واحتطنا أيضا في الأزواج فلم نبحها لهم بالشك والمبتدأة ليس لها ~~أيام يجب اعتبارها فما رأته من الدم الذي يكون مثله حيضا فهو حيض ولا معنا ~~لردها إلى أقل الحيض إذ ليس معنا دلالة توجب ذلك ويفسد هذا القول أيضا من ~~جهة أن أقل الحيض ليس بعادة لها فلا فرق بينه وبين ما زاد عليه في امتناع ~~وجوب الرد إليه فوجب حينئذ اعتبار الأكثر لوقوع الحكم بكونه حيضا وعدم ~~الدلالة على نقض هذا الحكم ويدل أيضا على صحة قول أبي حنيفة أن الله تعالى ~~جعل عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدلا من الحيض فجعل مكان كل حيضة وطهر ~~شهرا فدل ذلك على أنه إذا استمر بها الدم ولم تكن لها عادة فواجب أن تستوفي ~~لها حيضة وطهر PageV02P034 ومعلوم أنه ليس لأكثر الطهر حد معلوم ولأكثر ~~الحيض مقدار معلوم فوجب أن يستوفى لها أكثر الحيض ويكون بقية الشهر طهرا ~~لأنه ليس مقدار من الطهر في بقية الشهر بالاعتبار أولى من غيره فوجب أن ~~يكون المعتبر من الطهر لبقية الشهر هو الذي يبقى بعد أكثر الحيض ألا ترى ~~أنك إذا نقصت الحيض من العشرة احتجت أن تزيد ما نقصته منها في الطهر وليس ~~زيادة الطهر بأن يكون خمسة أو ستة فوجب أن يعتبر أكثر الحيض ms0556 ويجعل الباقي ~~من الشهر طهرا ويدل على وجوب استيفاء حيضة وطهر في الشهر لهذه المبتدأة ~~قوله صلى الله عليه وسلم لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض ~~النساء في كل شهر فأخبر أن عادة النساء في كل شهر حيضة وطهر فإن قيل فهلا ~~اعتبرت لها ستا أو سبعا كما قال صلى الله عليه وسلم قيل له لم نقل ذلك ~~لوجوه أحدها أنا لا نعلم أحدا من أهل العلم قال ذلك في المبتدأة والثاني أن ~~هذه كانت عادة المرأة المخاطبة بذلك أعني ستا أو سبعا فلا يعتبر بها غيرها ~~فاستدلالنا من الخبر بما وصفنا صحيح لأنا أردنا إثبات الحيضة والطهر في ~~الشهر في المتعارف المعتاد وأما قول من قال أنها تقعد مثل حيض نسائها فلا ~~معنى له لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد المستحاضة إلى وقت نسائها ~~وإنما رد واحدة إلى عادتها فقال تقعد أيام إقرائها وأمر أخرى أن تقعد في ~~علم الله ستا أو سبعا وأمر أخرى أن تغتسل لكل صلاة ولم يقل لواحدة منهن ~~أقعدي أيام نسائك وأيضا فإن ايام نسائها والأجنبيات ومن كان دون سنها ~~وفوقها سواء وقد يتفقن في السن مع اختلاف عاداتهن في الحيض فليس لنسائها في ~~ذلك خصوصية دون غيرهن وقد تنازع أهل العلم في قوله تعالى ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن فمن الناس من يقول أن انقطاع الدم يوجب إباحة ~~وطئها ولم يفرقوا في ذلك بين أقل الحيض وأكثره ومنهم من لا يجوز وطأها إلا ~~بعد الاغتسال في أقل الحيض وأكثره وهو مذهب الشافعي وقال أصحابنا إذا انقطع ~~دمها وأيامها دون العشرة فهي في حكم الحائض حتى تغتسل إذا كانت واجدة للماء ~~أويمضي عليها وقت الصلاة فإذا كان أحد هذين خرجت من الحيض وحل لزوجها وطؤها ~~وانقضت عدتها إن كانت آخر حيضة وإذا كانت أيامها عشرة ارتفع حكم الحيض بمضي ~~العشرة وتكون حينئذ بمنزلة امرأة جنب في إباحة وطء الزوج وانقضاء العدة ~~وغير ذلك # واحتج من أباح ms0557 وطأها في سائر الأحوال عند مضي أيام حيضها وانقطاع دمها ~~قبل PageV02P035 الاغتسال بقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن وحتى غاية تقتضي أن ~~يكون حكم ما بعدها بخلافها فذلك عموم في إباحة وطئها بانقطاع الدم كقوله ~~تعالى حتى مطلع الفجر وقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ولا جنبا ~~إلا عابري سبل حتى تغتسلوا فكانت هذه نهايات لما قدر بها وكان حكم ما بعدها ~~بخلافها فكذلك قوله حتى يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فمعناها انقطاع الدم وقالوا ~~وقد قرىء حتى يطهرن بالتشديد وهو يحتمل ما يحتمله قوله حتى يطهرن بالتخفيف ~~فيراد به انقطاع الدم إذ جائز أن يقال طهرت المرأة وتطهرت إذا انقطع دمها ~~كما يقال تقطع الحبل وتكسر الكوز والمعنى انقطع وانكسر ولا يقتضي ذلك فعلا ~~من الموصوف بذلك # واحتج من حظر وطأها في كل حال حتى تغتسل بقوله فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله فشرط في إباحته شيئين أحدهما انقطاع الدم والآخر الاغتسال لأن ~~قوله فإذا تطهرن لا يحتمل غير الغسل وهو كقول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى ~~يدخل الدار فإذا دخلها وقعد فيها فأعطه دينارا فيعقل به أن استحقاق الدينار ~~موقوف على الدخول والقعود جميعا وكقوله تعالى ولا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا فشرط الأمرين في إحلالها ~~للأول فلا تحل له فأحدهما كذلك قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن مشروط في ~~إباحة الوطء المعنيان وهو الطهر الذي يكون بانقطاع الدم والاغتسال قال أبو ~~بكر قوله تعالى حتى يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فإنما هو انقطاع الدم لا ~~الإغتسال لأنها لو اغتسلت وهي حائض لم تطهر فلا يحتمل قوله حتى يطهرن إلا ~~معنى واحدا وهو انقطاع الدم الذي به يكون الخروج من الحيض وإذا قرئ ~~بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل لما وصفنا آنفا فصارت ~~قراءة التخفيف محكمة وقراءة التشديد متشابهة وحكم المتشابه أن يحمل على ~~المحكم ويرد إليه فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد وظاهرهما يقتضي إباحة ms0558 ~~الوطء بانقطاع الدم الذي هو خرج من الحيض وأما قوله فإذا تطهرن فإنه يحتمل ~~ما احتملته قراءة التشديد في قوله حتى يطهرن من المعنيين فيكون بمنزلة قوله ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ويكون كلاما سائغا مستقيما كما ~~تقول لا تطعه حتى يدخل الدار فإذا دخلها فأعطه ويكون تأكيدا لحكم الغاية ~~وإن كان حكمنا بخلاف ما قبلها وإذا PageV02P036 كان للاحتمال فيه مساغ على ~~الوجه الذي ذكرنا وكان واجبا حمل الغاية على حقيقتها فالذي يقتضيه ظاهر ~~التلاوة إباحة وطئها بانقطاع الدم الذي يخرج به من الحيض ومن جهة أخرى فيها ~~احتمال وهو أن يكون معنى قوله فإذا تطهرن فإذا حل لهن أن يتطهرن بالماء أو ~~التيمم كقوله إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم معناه قد حل له الإفطار وقوله ~~من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل معناه فقد جاز له أن يحل وكما ~~يقال للمطلقة إذا انقضت عدتها أنها قد حلت للأزواج ومعناه قد حل لها أن ~~تتزوج وعلى هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إذا ~~حللت فآذنيني وإذا احتمل ذلك لم تزل الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها ~~وأما قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن الغاية في هذا ~~الموضع مستعملة على حقيقتها ونكاح الزوج وهو وطؤه إياها هو الذي يرفع ~~التحريم الواقع بالثلاث ووطء الزوج الثاني مشروط لذلك وقد ارتفع ذلك بالوطء ~~قبل طلاقه إياها وطلاق الزوج الثاني غير مشروط في رفع التحريم الواقع ~~بالثلاث فإذا لا دليل للشافعي في الآية على الحد الذي ذكرنا على صحة مذهبه ~~ولا على نفي قول مخالفيه وأما على مذهبنا فإن الآية مستعملة على ما احتملت ~~من التأويل على حقيقتها في الحالتين اللتين يمكن استعمالهما فنقول إن قوله ~~يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فهو مستعمل على حقيقته فيمن كانت أيامها عشرا فيجوز ~~للزوج استباحة وطئها بمضي العشر وقوله يطهرن بالتشديد فإذا تطهرن مستعملان ~~في الغسل إذا كانت أيامها دون العشر ms0559 ولم يمض وقت الصلاة لقيام الدلالة على ~~أن مضي وقت الصلاة يبيح وطئها على ما سنبينه فيما بعد ولا يكون فيه استعمال ~~واحد من الفعلين على المجاز بل مستعملان على الحقيقة في الحالين فإن قيل ~~هلا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حال واحدة قيل له لو جعلناهما ~~كالآيتين كان ما ذكرنا أولى من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي إحداهما انقطاع ~~غاية الدم لإباحة الوطء والأخرى تقتضي الغسل غاية لها لكان الواجب ~~استعمالهما على حالين على أن تكون كل واحدة منهما مقرة على حقيقتها فيما ~~اقتضته من حكم الغاية ولا يمكن ذلك إلا باستعمالهما في حالين على الوجه ~~الذي بينا ولو استعملناهما على ما يقول المخالف كان فيه إسقاط إحدى ~~الغايتين لأنه يقول إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى ~~تغتسل فلو جعلنا ذلك دليلا مبتدأ كان سائغا مقنعا وإنما اعتبر أصحابنا فيمن ~~PageV02P037 كان أيامها دون العشر فانقطع دمها بما وصفنا من قبل أنه جائز ~~أن يعاودها الدم فيكون حيضا إذ ليس كل طهر تراه المرأة يكون طهرا صحيحا لأن ~~الحائض ترى الدم سائلا مرة ومنقطعا مرة فليس في انقطاعه في وقت يجوز أن ~~يكون حائضا فيه وقوع الحكم بزوال الحيض فقالوا إن انقطاع الدم فيمن وصفنا ~~حالها معتبر بأحد شيئين إما بالإغتسال فيزول عنها حكم الحيض بالاتفاق ~~وباستباحتها الصلاة وذلك ينافي حكم الحيض أو بمضي وقت صلاة فيلزمها فرض ~~الصلاة ولزوم فرضها مناف لبقاء حكم الحيض إذ غير جائز أن يلزم الحائض فرض ~~الصلاة فإذا انتفى حكم الحيض وثبت حكم الطهر ولم يبق إلا الإغتسال لم يمنع ~~الوطء بمنزلة امرأة جنب جائز لزوجها وطؤها وعلى هذا المعنى عندنا ما روي عن ~~الصحابة في اعتبار الاغتسال في انقضاء العدة وقد روى عيسى الخياط عن الشعبي ~~عن ثلاثة عشر رجلا من الصحابة الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود ~~وابن عباس قالوا الرجل أحق بامرأته مالم تغتسل من حيضتها الثالثة وروي مثله ~~عن علي وعبادة ms0560 بن الصامت وأبي الدرداء وأما إذا كانت أيامها عشرة فإنه غير ~~جائز عندنا وجود الحيض بعد العشرة فوجب الحكم بانقضائه لامتناع جواز بقاء ~~حكمه والله تعالى إنما منع من وطء الحائض أو ممن يجوز أن يكون حائضا فأما ~~مع ارتفاع حكم الحيض وزواله فهو غير ممنوع من وطء زوجته لأنه تعالى قال ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وقد طهرت لا محالة ألا ~~ترى أنها منقضية العدة إن كانت معتدة وأن حكمها حكم سائر الطاهرات ولا ~~تأثير لوجوب الاغتسال عليها في منع وطئها على ما بيناه فإن قيل إذا انقطع ~~دمها فيما دون العشرة فقد وجب عليها الغسل ولزوم الغسل ينافي بقاء حكم ~~الحيض إذ غير جائز لزوم الغسل على الحائض كما قلت في لزوم فرض الصلاة قيل ~~له إذا كان الغسل من موجبات الحيض فلزومه غير مناف لحكمه وبقائه ألا ترى أن ~~السلام لما كان من موجبات تحريمة الصلاة لم يكن لزومه بانتهائه إلى آخرها ~~نافيا لبقاء حكمها وكذلك الحلق لما كان من موجبات الإحرام لم يكن لزومه ~~نافيا لبقاء إحرامه مالم يحلق كذلك الغسل لما كان من موجبات الحيض لم يكن ~~وجوبه عليها مانعا من بقاء حكم الحيض وأما الصلاة فليست من موجبات الحيض ~~وإنما هو حكم آخر يختص لزومه بالطاهر من النساء دون الحائض ففي لزومها نفي ~~لحكم الحيض وقوله حتى يطهرن فإذا تطهرن لما احتمل PageV02P038 الغسل صار ~~كقوله وإن كنتم جنبا فاطهروا ويدل على أن على الحائض الغسل بعد انقضاء ~~حيضها وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفقت الآمة عليه قوله ~~تعالى فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله قال أبو بكر هو إطلاق من حظر ~~وإباحة وليس هو على الوجوب كقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وإذا حللتم فاصطادوا وهو إباحة وردت بعد حظر وقوله من حيث أمركم الله قال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس يعني في الفرج وهو الذي أمر بتجنبه ~~في الحيض في اول ms0561 الخطاب في قوله فاتعزلوا النساء في المحيض وقال السدي ~~والضحاك من قبل لطهر دون الحيض وقال ابن الحنفية من قبل النكاح دون الفجور ~~قال أبو بكر هذا كله مراد الله تعالى لأنه مما أمر الله به فانتظمت الآية ~~جميع ذلك قوله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين روي عن عطاء المتطهرين ~~بالماء للصلاة وقال مجاهد المتطهرين من الذنوب قال أبو بكر المتطهرين ~~بالماء أشبه لأنه قد تقدم في الآية ذكر الطهارة فالمراد بها الطهارة بالماء ~~للصلاة في قوله فإذا تطهرن فأتوهن فالأظهر أن يكون قوله ويحب المتطهرين ~~مدحا لمن تطهر بالماء للصلاة وقال تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المتطهرين وروي أنه مدحهم لأنهم كانوا يستنجون بالماء وقوله تعالى ~~نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الحرث المزدرع وجعل في هذا الموضع ~~كناية عن الجماع وسمى النساء حرثا لأنهن مزدرع الأولاد وقوله فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم يدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع في الفرج لأنه موضع ~~الحرث واختلف في إتيان النساء في أدبارهن فكان أصحابنا يحرمون ذلك وينهون ~~عنه أشد النهي وهو قول الثوري والشافعي فيما حكاه المزني قال الطحاوي وحكى ~~لنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم أنه سمع الشافعي يقول ما صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال وروى أصبغ ~~بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك ~~فيه أنه حلال يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم قال فأي شيء أبين من هذا وما أشك فيه قال ابن القاسم فقلت لمالك ~~بن أنس عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب عن أبي الحباب ~~سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أنحمض لهن فقال وما ~~التحميض فذكرت الدبر قال ويفعل ذلك أحد من PageV02P039 المسلمين فقال مالك ~~فأشهد على ربيعة بن أبي عبدالرحمن يحدثني عن ms0562 أبي الحباب سعيد بن يسار أنه ~~سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به قال ابن القاسم فقال رجل في المجلس يا أبا ~~عبدالله فإنك تذكر عن سالم أنه قال كذب العبد أو كذب العلج على أبي يعني ~~نافعا كما كذب عكرمة على ابن عباس فقال مالك وأشهد على يزيد بن رومان ~~يحدثني عن سالم عن أبيه انه كان يفعله قال أبو بكر قد روى سليمان بن بلال ~~عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ~~ذلك فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم إلا أن زيد بن أسلم لا ~~يعلم له سماع من ابن عمر وروى الفضل بن فضالة عن عبدالله بن عباس عن كعب بن ~~علقمة عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر أنه قد أكثر عليك القول إنك ~~تقول عن ابن عمر أنه أفتى ان تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع كذبوا علي أن ~~ابن عمر عرض المصحف يوما حتى بلغ نساؤكم حرث لكم فقال يا نافع هل تعلم من ~~أمر هذه الآية قلت لا قال إنا كنا معشر قريش نجبي النساء وكانت نساء ~~الأنصار قد أخذن عن اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله هذه فهذا يدل ~~على أن السبب غير ما ذكره زيد بن أسلم عن ابن عمر لأن نافعا قد حكى عنه غير ~~ذلك السبب وقال ميمون بن مهران أيضا قال ذلك نافع يعني تحليل وطء النساء في ~~أدبارهن بعدما كبر وذهب عقله قال أبو بكر المشهور عن مالك إباحة ذلك ~~وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها وهي عنه أشهر من أن يندفع ~~بنفيهم عنه وقد حكى محمد بن سعيد عن أبي سليمان الجوزجاني قال كنت عند مالك ~~بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر فضرب بيده إلى رأسه وقال الساعة اغتسلت منه ~~وقد رواه عنه ابن القاسم على ما ذكرنا وهو مذكور في الكتب الشرعية ويروى عن ~~محمد بن كعب ms0563 القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قوله تعالى أتأتون ~~الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مثل ذلك إن كنتم ~~تشتهون وروي عن ابن مسعود أنه قال محاش النساء حرام وقال عبدالله بن عمر ~~وهي اللوطية الصغرى وقد اختلف عن ابن عمر فيه فكأنه لم يرو عنه فيه شيء ~~لتعارض ما روي عنه فيه وظاهر الكتاب يدل على أن الإباحة مقصورة على الوطء ~~في الفرج الذي هو موضع الحرث وهو الذي يكون منه الولد وقد رويت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في تحريمه رواه خزيمة بن ثابت وأبو هريرة ~~وعلي بن طلق كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تأتوا النساء ~~PageV02P040 في أدبارهن ) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال هي اللوطية الصغرى يعني إتيان النساء في أدبارهن وروى ~~حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( من أتى حائضا أوامرأته في دبرها فقد كفر بما أنزل على ~~محمد ) وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين ~~من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مقبلة ومدبرة ما ~~كان في الفرج ) وروت حفصة بنت عبدالرحمن عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في صمام واحد وروى مجاهد عن ابن عباس مثله في تأويل الآية ~~قال يعني كيف شئت في موضع الولد وروى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( لا ينظر الله إلى الرجل أتى امرأته في دبرها ) وذكر ~~ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها فقال هذا ~~يسألني عن الكفر وقد روي عن ابن عمر في قوله نساؤكم حرث ms0564 لكم قال كيف شئت إن ~~شئت عزلا أو غير عزل رواه أبو حنيفة عن كثير الرياح الأصم عن ابن عمر وروي ~~نحوه عن ابن عباس وهذا عندنا في ملك اليمين وفي الحرة إذا أذنت فيه وقد روي ~~ذلك على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابن ~~عباس وآخرين غيرهم فإن قيل قوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم يقتضي إباحة وطئهن في الدبر لورود الإباحة ~~مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة قيل له لما قال الله تعالى فأتوهن من حيث أمركم ~~الله ثم قال في نسق التلاوة فأتوا حرثكم أنى شئتم أبان بذلك موضع المأمور ~~به وهو موضع الحرث ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد فهو ~~مقصور عليه دون غيره وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله إلا على أزواجهم فكانت ~~هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم الحائض ومن يحظر ذلك يحتج بقوله قل هو ~~أذى فحظر وطء الحائض للأذى الموجود في الحيض وهو القذر والنجاسة وذلك موجود ~~في غير موضع الولد في جميع الأحوال فاقتضى هذا التحليل حظر وطئهن إلا في ~~موضع الولد ومن يبيحه يجيب عن ذلك بأن المستحاضة يجوز وطؤها باتفاق من ~~الفقهاء مع وجود الأذى هناك وهو دم الاستحاضة وهو نجس PageV02P041 كنجاسة ~~دم الحيض وسائر الأنجاس ويجيبون أيضا على تخصيصه إباحة موضع الحرث باتفاق ~~الجميع على إباحة الجماع فيما دون الفرج وإن لم يكن موضعا للولد فدل على أن ~~الإباحة غير مقصورة على موضع الولد ويجابون عن ذلك بأن ظاهر الآية يقتضي ~~كون الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج وأنه هو الذي عناه الله تعالى بقوله ~~من حيث أمركم الله إذ كان معطوفا عليه ولولا قيام دلالة الإجماع لما جاز ~~الجماع فيما دون الفرج ولكنا سلمناه للدلالة وبقي حكم الحظر فيما لم تقم ms0565 ~~الدلالة عليه # قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية قد قيل فيه وجهان أحدهما ~~أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس فإذا طلب منه ذلك ~~قال قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمور ~~به من البر والتقوى والإصلاح فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل وليدع ~~يمينه ويروى ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وطاوس وهو نظير ~~قوله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله @QE@ وروى أشعث عن ابن سيرين قال حلف ~~أبو بكر في يتيمين كانا في حجره كانا فيمن خاض في أمر عائشة أحدهما مسطح ~~وقد شهد بدرا أن لا يصلهما وأن لا يصيبا منه خيرا فنزلت هذه الآية ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم فكسا أحدهما وحمل الآخر وقد ورد معناه في السنة أيضا وقد ~~روى أنس بن مالك وعدي بن حاتم وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ~~) وهذا هومعنى قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم على التأويل الذي ~~ذكرنا لأن معناه على هذا التأويل أن لا يمنع بيمينه من فعل ما هو خير بل ~~يفعل الذي هو خير ويدع يمينه والوجه الثاني أن يكون قوله عرضة لأيمانكم ~~يريد به كثرة الحلف وهو ضرب من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كل ~~حق وباطل لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها وروي نحوه عن عائشة من ~~أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة يقول القائل قد جعلتني عرضة للوم وقال الشاعر ~~لا تجعليني عرضة اللوائم وقد ذم الله تعالى مكثري الحلف بقوله ولا تطع كل ~~حلاف مهين فالمعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء لأن تبروا إذا ~~حلفتم وتتقوا المآثم فيها إذا قلت أيمانكم لأن كثرتها تبعد من البر والتقوى ~~PageV02P042 وتقرب من المآثم ms0566 والجرأة على الله تعالى فكان المعنى أن الله ~~ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى لما في توقي ذلك من البر ~~والتقوى والإصلاح فتكونون بررة أتقياء لقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس وإذا ~~كانت الآية محتملة للمعنيين وليسا متضادين فالواجب حملها عليهما جميعا ~~فتكون مفيدة لحظر ابتذاله اسما لله تعالى واعتراضه باليمين في كل شيء حقا ~~كان أو باطلا ويكون مع ذلك محظورا عليه أن يجعل يمينه عرضة مانعة من البر ~~والتقوى والإصلاح وإن لم يكثر بل الواجب عليه أن لا يكثر اليمين ومتى حلف ~~لم يحتجر بيمينه عن فعل ما حلف عليه إذا كان طاعة وبرا وتقوى وإصلاحا كما ~~قال صلى الله عليه وسلم ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي ~~هو خير وليكفر عن يمينه ) # قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية قال أبو بكر رحمه ~~الله قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع فكان المراد به معاني مختلفة على ~~حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى لا تسمع فيها لاغية يعني ~~كلمة فاحشة قبيحة ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما على هذا المعنى وقال ~~وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه يعني الكفر والكلام القبيح وقال والغوا فيه ~~يعني الكلام الذي لا يفيد شيئا ليشغلوا السامعين عنه وقال وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما يعني الباطل ويقال لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة ~~فيه وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف فروي عن ابن عباس أنه قال هو ~~الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك فلا يكون وكذلك روي عن مجاهد وإبراهيم قال ~~مجاهد ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أن تحلف على الشيء وأنت تعلم وهذا في ~~معنى قوله بما كسبت قلوبكم وقالت عائشة هو قول الرجل لا والله وبلى والله ~~وروي عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عندنا في النهي عن ~~اليمين على الماضي رواه عنها عطاء أنها قالت قول الرجل فعلنا والله كذا ~~وصنعنا والله ms0567 كذا وروي مثله عن الحسن والشعبي وقال سعيد بن جبير هو الرجل ~~يحلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه وهذا التأويل موافق لتأويل من تأول ~~قوله عرضة لأيمانكم أن يمتنع باليمين من فعل مباح أو يقدم بها على فعل ~~محظور وإذا كان اللغو محتملا لهذه المعاني ومعلوم أنه لما عطف قوله ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور وجب أن تكون ~~هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة وأن لا تكون الكفارة المستحقة بالحنث لأن تلك ~~الكفارة غير متعلقة بكسب القلب لاستواء حال PageV02P043 القاصد بها للخير ~~والشر وتساوي حكم العمد والسهو فعلم أ ن مراده ما يستحق من العقاب بقصده ~~إلى اليمين الغموس وهي اليمين على الماضي قال القاصد بها خلافها إلى الكذب ~~فينبغي أن يكون اللغو هي التي لا يقصد بها إلى الكذب وهي على الماضي ويظن ~~أنه كما حلف عليه فسماها لغوا من حيث لم يتعلق بها حكم في إيجاب كفارة ولا ~~في استحقاق عقوبة وهي التي روي معناها عن ابن عباس وعائشة أنها قول الرجل ~~لا والله وبلى والله في عرض كلامه وهو يظن أنه صادق فكان بمنزلة اللغو من ~~الكلام الذي لا فائدة فيه ولا حكم له ويحتمل أن يريد به ما قال سعيد بن ~~جبير فيمن حلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه يعني به عقاب الآخرة وإن ~~كانت الكفارة واجبة إذا حنث وقال مسروق كل يمين ليس له الوفاء بها فهي لغو ~~لا تجب فيها كفارة وهذا موافق لقول سعيد بن جبير والأولى الذي قدمنا إلا أن ~~سعيدا يوجب الكفارة ومسروقا لا يوجبها وإن حنث وقد روي عن ابن عباس رواية ~~أخرى وهي أن لغو اليمين ما تجب فيه الكفارة منها وروي مثله عن الضحاك وروي ~~عن ابن عباس أن لغو اليمين حنث النسيان # | باب الإيلاء # قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر قال أبو بكر ~~الإيلاء في اللغة هو الحلف يقولون آلى يؤلي إيلاء وإليه قال ms0568 كثير % قليل ~~الألا يا حافظ ليمينه % وإن بدرت منه الآلية برت % فهذا أصله في اللغة وقد ~~اختص في الشرع بالحلف على ترك الجماع الذي يكسب الطلاق بمضي المدة حتى إذا ~~قيل آلى فلان من امرأته عقل به ذلك وقد اختلف فيما يكون به موليا على وجوه ~~أحدها ما روي عن علي وابن عباس رواية الحسن وعطاء أنه إذا حلف أن لا يقربها ~~لأجل الرضاع لم يكن موليا وإنما يكون موليا إذا حلف أن لا يجامعها على وجه ~~الضرار والغضب والثاني ما روي عن ابن عباس أن كل يمين حالت دون الجماع ~~إيلاء ولم يفرق بين الرضا والغضب وهو قول إبراهيم وابن سيرين والشعبي ~~والثالث ما روي عن سعيد بن المسيب أنه في الجماع وغيره من الصفات نحو أن ~~يحلف أن لا يكلمها فيكون موليا وقد روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال ~~تزوجت امرأة فلقيت ابن عباس فقال بلغني أن في حلقها شيئا قال تالله لقد ~~خرجت وما أكلمها قال عليك بها قبل أن PageV02P044 تمضي أربعة أشهر فهذا يدل ~~على موافقة قول سعيد بن المسيب ويدل على موافقة ابن عمر في أن الهجران من ~~غير يمين هو الإيلاء والرابع قول ابن عمر أنه إن هجرها فهو إيلاء ولم يذكر ~~الحلف فأما من فرق بين حلفه على ترك جماعها ضرارا وبينه على غير وجه الضرار ~~فإنه ذهب إلى أن الجماع حق لها ولها المطالبة به وليس له منعها حقها من ذلك ~~فإذا حلف على ترك حقها من الجماع كان موليا حتى تصل إلى حقها من الفرقة إذ ~~ليس له إلا إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان وأما إذا قصد الصلاح في ذلك بأن ~~تكون مرضعة فحلف أن لا يجامعها لئلا يضر ذلك بالصبي فهذا لم يقصد منع حقها ~~ولا هو غير ممسك لها بمعروف فلا يلزم التسريح بالإحسان ولا يتعلق بيمينه ~~حكم الفرقة وقوله فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم يستدل من اعتبر الضرار لأن ~~ذلك يقتضي أن يكون مذنبا ms0569 يقتضي الفيء غفرانه وهذا عندنا لا يدل على تخصيصه ~~من كان هذا وصفه لأن الآية قد شملت الجميع وقاصد الضرر أحد من شمله العموم ~~فرجع هذا الحكم إليه دون غيره ويدل على استواء حال المطيع والعاصي في ذلك ~~أنهما يستويان في وجوب الكفارة بالحنث كذلك يجب أن يستويا في إيجاب الطلاق ~~بمضي المدة وأيضا سائر الأيمان المعقودة لا يختلف فيها حكم المطيع والعاصي ~~فيما يتعلق بها من إيجاب الكفارة وجب أن يكون كذلك حكم الطلاق لأنهما جميعا ~~يتعلقان باليمين وأيضا لا يختلف حكم الرجعة على وجه الضرار وغيره كذلك ~~الإيلاء وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك لأن الآية لم تفرق بين المطيع والعاصي ~~فهي عامة في الجميع وأما قول من قال إنه إذا قصد ضرارها بيمين على الكلام ~~ونحوه فلا معنى له لأن قوله للذين يؤلون من نسائهم لا خلاف أنه قد أضمر فيه ~~اليمين على ترك الجماع لاتفاق الجميع على أن الحالف على ترك جماعها مول ~~فترك الجماع مضمر في الآية عند الجميع فأثبتناه وما عدا ذلك من ترك الكلام ~~ونحوه لم تقم الدلالة على إضماره في الآية فلم يضمره ويدل على ما بيناه ~~قوله فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ومعلوم عند الجميع أن المراد بالفيء هو ~~الجماع ولا خلاف بين السلف فيه فدل ذلك على أن المضمر في قوله للذين يؤلون ~~من نسائهم هو الجماع دون غيره وأما ما روي عن ابن عمر من أن الهجران يوجب ~~الطلاق فإنه قول شاذ وجائز أن يكون مراده إذا حلف ثم هجرها مدة الإيلاء وهو ~~مع ذلك خلاف الكتاب قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم والآلية اليمين ~~على ما بينا وهجرانها ليس PageV02P045 بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة ~~وروى أشعث عن الحسن أن أنس بن مالك كانت عنده امرأة في خلقها سوء فكان ~~يهجرها خمسة أشهر وستة أشهر ثم يرجع إليها ولا يرى ذلك إيلاء وقد اختلف ~~السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في المدة التي إذا حلف عليها يكون موليا فقال ms0570 ~~ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ثم تركها ~~أربعة أشهر لم يجامعها لم يكن موليا وهو قول أصحابنا ومالك والشافعي ~~والأوزاعي وروي عن عبدالله بن مسعود وإبراهيم والحكم وقتادة وحماد أنه يكون ~~موليا إن تركها أربعة أشهر بانت وهو قول ابن شبرمة والحسن بن صالح قال ~~الحسن بن صالح وكذلك إن حلف أن لا يقربها في هذا البيت فهو مول فإن تركها ~~أربعة أشهر بانت بالإيلاء وإن قربها في غيره قبل المدة سقط الإيلاء ولو حلف ~~أن لا يدخل هذه الدار وفيها امرأته ومن أجلها حلف فهو مول قال أبو بكر قال ~~الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر والإيلاء هو اليمين وقد ~~ثبت بما قدمنا إن ترك جماعها بغير يمين لا يكسبه حكم الإيلاء وإذا حلف على ~~أقل من أربعة أشهر فمضت مدة اليمين كان تاركا لجماعها فيما بقي من مدة ~~الأربعة الأشهر التى هي التربص بغير يمين وترك جماعها بغير يمين لا تأثير ~~له في إيجاب البينونة وما دون الأربعة أشهر لا يكسبه حكم البينونة لأن الله ~~تعالى قد جعل له تربص أربعة أشهر فل يبق هناك معنى يتعلق به إيجاب الفرقة ~~فكان بمنزلة تارك جماعها بغير يمين فلا يلحقه حكم الإيلاء وأما قول الحسن ~~بن صالح أنه إذا حلف أن لا يقربها في هذا البيت أنه يكون موليا فلا معنى له ~~لأن الإيلاء كل يمين في زوجة يمنع جماعها أربعة أشهر لا يحنث على ما بينا ~~وهذه اليمين لم تمنعه جماعها هذه المدة لأنه يمكنه الوصول إلى جماعها بغير ~~حنث بأن يقربها في غير ذلك البيت وقد اختلف أيضا فيمن حلف على أربعة أشهر ~~سواء فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري هو مول فإن لم يقربها في ~~المدة حتى مضت بانت بالإيلاء وروى عطاء عن ابن عباس قال كان إيلاء أهل ~~الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله تعالى لهم أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه ~~دون ذلك فليس ms0571 بمول وقال مالك والشافعي إذا حلف على أربعة أشهر فليس بمول ~~حتى يحلف على أكثر من ذلك قال أبو بكر هذا قول يدفعه ظاهر الكتاب وهو قوله ~~تعالى @QB@ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر @QE@ فجعل هذه المدة ~~تربصا للفيء فيها ولم يجعل له التربص أكثر منها فمن PageV02P046 امتنع من ~~جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم الإيلاء الطلاق ولا فرق بين الحلف ~~على الأربعة الأشهر وبينه على أكثر منها إذ ليس له تربص أكثر من هذه المدة ~~ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يقتضي كونه موليا في حلفه على أربعة أشهر وأقل ~~منها وأكثر منها لأن مدة الحلف غير مذكورة في الآية وإنما خصصنا ما دونها ~~بدلالة وبقي حكم اللفظ في الأربعة الأشهر وما فوقها فإن قيل إذا حلف على ~~أربعة أشهر سواء لم يصح تعلق الطلاق بها لأنك توقع الطلاق بمضيها ولا إيلاء ~~هناك قيل له لا يمتنع لأن مضي المدة إذا كان سببا للإيقاع لم يجب اعتبار ~~بقاء اليمين في حال وقوعه ألا ترى أن مضي الحول لما كان سببا لوجوب الزكاة ~~فليس بواجب أن يكون الحول موجودا في حال الوجوب بل يكون معدوما منقضيا وإن ~~من قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق كانت هذه يمينا معقودة فإن كلمته ~~طلقت في الحال وقد انحلت فيها اليمين وبطلت كذلك مضي مدة الإيلاء لما كان ~~سببا لوقوع الطلاق لم يمتنع وقوعه واليمين غير موجودة وقوله تعالى فإن فاؤا ~~فإن الله غفور رحيم قال أبو بكر الفيء في اللغة هو الرجوع إلى الشيء ومنه ~~قوله تعالى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل يعني حتى ~~ترجع من البغي إلى العدل الذي هو أمر الله وإذا كان الفيء الرجوع إلى الشيء ~~اقتضى ظاهر اللفظ أنه إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار ثم قال لها قد ~~فئت إليك وقد أعرضت عما عزت عليه من هجران فراشك باليمين أن يكون قد فاء ~~إليها سواء كان قادرا على الجماع ms0572 أو عاجزا هذا هو مقتضى ظاهر اللفظ إلا أن ~~أهل العلم متفقون على أنه إذا أمكنه الوصول إليها لم يكن فيئه إلا الجماع ~~واختلفوا فيمن آلى وهو مريض أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر أو هي رتقاء ~~أو صغيرة أو هو مجبوب فقال أصحابنا إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة والعذر ~~قائم فذلك فيء صحيح ولا تطلق بمضي المدة ولو كان محرما بالحج وبينه وبين ~~الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا الجماع وقال زفر فيئه بالقول وقال ابن ~~القاسم إذا آلى وهي صغيرة لا تجامع مثلها لم يكن موليا حتى تبلغ الوطء ثم ~~يوقف بعد مضي أربعة أشهر مذ بلغت الوطء وهو رأي ابن القاسم بن عمرو ولم ~~يروه عن مالك وقال ابن وهب عن مالك في المولي إذا وقف عند انقضاء الأربعة ~~الأشهر ثم راجع امرأته أنه إن لم يصبها حتى تنقضي عدتها فلا سبيل له إليها ~~ولا رجعة إلا أن يكون له عذر من مرض أو سجن أو ما أشبه PageV02P047 ذلك فإن ~~ارتجاعه إياها ثابت عليها وإن مضت عدتها ثم تزوجها بعد ذلك فإن لم يصبها ~~حتى ينقضي أربعة أشهر وقف أيضا وقال إسماعيل بن إسحاق قال مالك إن مضي ~~الأربعة الأشهر وهو مريض أو محبوس لم يوقف حتى يبرأ لأنه لا يكلف مالا يطيق ~~وقال مالك لو مضت أربعة أشهر وهو غائب إن شاء كفر عن يمينه وسقط عنه ا ~~لإيلاء قال إسماعيل وإنما قال ذلك في هذا الموضع لأن الكفارة قبل الحنث ~~جائزة عنده وإن كان لا يستحب أن يكون إلا بعد الحنث وقال الأشجعي عن الثوري ~~في المولي إذا كان له عذر من مرض أو كبر أو حبس أو كانت حائضا أو نفساء ~~فليفئ بلسانه يقول قد فئت إليك يجزيه ذلك وهو قول الحسن بن صالح وقال ~~الأوزاعي إذا آلى من امرأته ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع ~~وهو مريض أو مسافر ولا يقدر على الجماع فقد فاء فليكفر عن ms0573 يمينه وهي امرأته ~~وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر أو حاضت أو طرده السلطان فإنه يشهد على ~~الفيء ولا إيلاء عليه وقال الليث بن سعد إذا مرض بعد الإيلاء ثم مضت أربعة ~~أشهر فإنه يوقف كما يوقف الصحيح فإما فاء وإما طلق ولا يؤخر إلى أن يصح ~~وقال المزني عن الشافعي إذا آلى المجبوب ففيئه بلسانه وقال في الإيلاء لا ~~إيلاء على المجبوب قال ولو كانت صبية فآلى منها استؤنفت به أربعة أشهر بعد ~~ما تصير إلى حال يمكن جماعها والمحبوس يفيء باللسان ولو أحرم لم يكن فيئه ~~إلا الجماع ولو آلى وهي بكر فقال لا أقدر على اقتضاضها أجل أجل العنين قال ~~أبو بكر الدليل على أنه إذا لم يقدر على جماعها في المدة كان فيئه باللسان ~~قوله فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم وهذا قد فاء لأن الفيء الرجوع إلى الشيء ~~وهو قد كان ممتنعا من وطئها بالقول وهو اليمين فإذا فاء بالقول فقال قد فئت ~~إليك فقد رجع عما منع نفسه منه بالقول إلى ضده فتناوله العموم وأيضا لما ~~تعذر جماعها قام القول فيه مقام الوطء في المنع من البينونة وأما تحريم ~~الوطء بالإحرام والحيض فليس بعذر أما الإحرام فلأنه كان يفعله ولا يسقط ~~حقها من الوطء وأما الحيض والنفاس فإن الله جعل للمولى تربص أربعة أشهر مع ~~علمه بوجود الحيض فيها واتفق السلف على أن المراد الفيء بالجماع في حال ~~إمكان الجماع فلم يجز أن ينقله عنه إلى غيره مع إمكان وطئها وتحريم الوطء ~~لا يخرجه من إمكانه فصار بمنزلة الإحرام والظهار ونحو ذلك لأنه منع من ~~الوطء بتحريمه لا بالعجز وتعذره ولأن حقها باق في الجماع ويدل على ذلك على ~~أنه لو أبانها PageV02P048 يخلع وهو مول منها لم يكن التحريم الواقع موجبا ~~لجواز فيئه بالقول وهومع ذلك لو وطئها في هذه الحال بطل الإيلاء فإن قيل ~~إذا كان الفيء بالقول لا يسقط اليمين فواجب بقاؤها إذ لا تأثير للفيء ~~بالقول في إسقاطها قيل له هذا ms0574 غير واجب من قبل أنه جائز بقاء المين وبطلان ~~الإيلاء من جهة ما تعلق به من الطلاق ألا ترى أنه إذا طلقها ثلاثا ثم عادت ~~إليه بعد زوج كانت اليمين باقية لو وطئها حنث ولم يلحقها بها طلاق وإن ترك ~~وطئها وكذلك لو أن رجلا قال لامرأة أجنبية والله لا أقربك لم يكن إيلاء فإن ~~تزوجها كانت اليمين باقية لو وطئها لزمته الكفارة ولا يكون موليا في حكم ~~الطلاق فليس بقاء اليمين إذا علة في حكم الطلاق فجاز من أجل ذلك أن يفيء ~~إليها بلسانه فيسقط حكم الطلاق في هذه اليمين ويبقى حكم الحنث بالوطء وإنما ~~شرط أصحابنا في صحة الفيء بالقول وجود الضرر في المدة كلها ومتى كان الوطء ~~مقدورا عليه في شيء من المدة لم يكن فيئه عندهم إلا الجماع من قبل أن الفيء ~~بالقول قائم مقام الوطء عند عدمه لئلا يقع الطلاق بمضي المدة فمتى قدر على ~~الوطء في المدة بطل الفيء بالقول كالمتيمم إذا أقيم تيممه مقام الطهارة ~~بالماء في إباحة الصلاة كان متى وجد الماء قبل الفراغ منها بطل تيممه وعاد ~~إلى أصل فرضه سواء كان وجوده للماء في أول الصلاة أو في آخرها كذلك القدرة ~~على الوطء في المدة تبطل حكم الفيء بالقول وقال محمد إذا فاء بالقول لوجود ~~العذر في المدة ثم انقضت المدة والعذر قائم فقد بطل حكم الإيلاء منها فكان ~~بمنزلة من حلف على أجنبية أن لا يقربها ثم تزوجها فيكون يمينه باقية إن ~~قربها حنث وإن ترك جماعها أربعة أشهر لم تطلق # قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم قال أبو بكر اختلف السلف ~~في عزيمة الطلاق إذا لم يفئ على ثلاثة أوجه فقال ابن عباس عزيمة الطلاق ~~انقضاء الأربعة الأشهر وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان ~~وقالوا إنها تبين بتطليقة واختلف عن علي وابن عمر وأبي الدرداء فروي عنهم ~~مثل قول الأولين وروي عنهم أنه يوقف بعد مضي المدة فإما أن يفيء إليها ms0575 وإما ~~أن يطلقها وهو قول عائشة وأبي الدرداء والقول الثالث قول سعيد بن المسيب ~~وسالم بن عبدالله وأبي بكر بن عبدالرحمن والزهري وعطاء وطاوس قالوا إذا مضت ~~أربعة أشهر فهي تطليقة رجعية وذهب أصحابنا إلى قول ابن عباس ومن تابعه ~~فقالوا إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفيء بانت بتطليقة وهو قول PageV02P049 ~~الثوري والحسن بن صالح وقال مالك والليث والشافعي بما روي عن أبي الدرداء ~~وعائشة أنه يوقف بعد مضي المدة فإما إن يفيء وإما أن يطلق ويكون تطليقة ~~رجعية إذا طلق قال مالك ولا تصح رجعته حتى يطأها في العدة وقال الشافعي ولو ~~عفت عن ذلك بعد المدة كان لها بعد ذلك أن تطلب ولا يؤجل في الجماع أكثر من ~~يوم وقال الأوزاعي بقول سعيد بن المسيب وسالم ومن تابعهما أنها تطلق واحدة ~~رجعية بمضي المدة قال أبو بكر قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم يحتمل الوجوه التي حصل عليها اختلاف السلف ولولا احتماله لها لما ~~تأولوه عليها لأنه غير جائز تأويل اللفظ المأول على مالا احتمال فيه وقد ~~كان السلف من أهل اللغة والعالمين بما يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة ~~ومالا يحتملها فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه دل ذلك على احتمال اللفظ ~~لها ومن جهة أخرى وهي أن هذا الاختلاف قد كان شائعا مستفيضا فيما بينهم من ~~غير نكير ظهر من واحد منهم على غيره فصار ذلك إجماعا منهم على توسع ~~الاجتهاد في حمله على أحد هذه الوجوه وإذا ثبت ذلك احتجنا أن ننظر في ~~الأولى من هذه الأقاويل وأشبهها بالحق فوجدنا ابن عباس قد قال عزيمة الطلاق ~~انقضاء الأربعة الأشهر قبل الفيء إليها فسمى ترك الفيء حتى تمضي المدة ~~عزيمة الطلاق فوجب أن يصير ذلك اسما له لأنه لم يخل من أن يكون قاله شرعا ~~أولغة وأي الوجهين كان فحجته ثابته واعتبار عمومه واجب إذا كانت أسماء ~~الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا كان هكذا وقد علمنا أن حكم الله في المولي ~~أحد ms0576 شيئين إما الفيء وإما عزيمة الطلاق وجب أن يكون الفيء مقصورا على ~~الأربعة الأشهر وأنه فائت بمضيها فتطلق لأنه لو كان الفيء باقيا لما كان ~~مضي المدة عزيمة للطلاق ومن جهة أخرى وهو أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في ~~الحقيقة عقد القلب على الشيء تقول عزمت علي كذا أي عقدت قلبي على فعله وإذا ~~كان كذلك وجب أن يكون مضي المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف لأن ~~الوقف يقتضي إيقاع طلاق بالقول إما أن يوقعه الزوج وإما أن يطلقها القاضي ~~عليه على قول من يقول بالوقف وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضي المدة ~~لتركه الفيء فيها أولى بمعنى الآية لأن الله لم يذكر إيقاعا مستأنفا وإنما ~~ذكر عزيمة فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها ووجه آخر وهو أنه لما ~~قال للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم PageV02P050 اقتضى ذلك أحد أمرين من ~~فيء أو عزيمة طلاق لا ثالث لهما والفىء إنما هو مراد في المدة مقصور الحكم ~~عليها والدليل عليه قوله تعالى فإن فاؤا والفاء للتعقيب يقتضي أن يكون ~~الفيء عقيب اليمين لأنه جعل الفيء عقيب اليمين لأنه جعل الفيء لمن له تربص ~~أربعة أشهر وإذا كان حكم الفيء مقصورا على المدة ثم فات بمضيها وجب حصول ~~الطلاق إذ غير جائز له أن يمنع الفيء والطلاق جميعا ويدل على أن المراد ~~الفيء في المدة اتفاق الجميع على صحة الفيء فيها فدل على أنه مراد فيها ~~فصار تقديره فإن فاؤا فيها وكذلك قرئ في حرف عبدالله بن مسعود فحصل الفيء ~~مقصورا عليها دون غيرها وتمضي المدة بفوت الفيء وإذا فات الفيء حصل الطلاق ~~فإن قيل لما قال تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا ~~فعطف بالفاء على التربص في المدة دل على أن الفيء مشروط بعد التربص وبعد ~~مضي المدة وأنه متى ما فاء فإنما عجل حقا لم يكن ms0577 عليه تعجيله كمن عجل دينا ~~مؤجلا قيل له لولا أن الفيء مراد الله تعالى لما صح وجوده فيها وكان يحتاج ~~بعد هذا الفيء إلى فيء بعد مضيها فلما صح الفيء في هذه المدة دل على أنه ~~مراد الله بالآية ولذلك بطل معه عزيمة الطلاق ثم قولك إن المراد بالفيء ~~إنما هو بعد المدة مع قولك إن الفيء في المدة صحيح كهو بعدها تبطل معه ~~عزيمة الطلاق مناقضة منك في اللفظ كقولك إنه مراد في المدة غير مراد فيها ~~وقولك إنه كالدين المؤجل إذا عجله لا يزيد عنك ما وصفنا من المناقضة لأن ~~الدين المؤجل لا يخرجه التأجيل من حكم اللزوم ولولا ذلك لما صح البيع بثمن ~~مؤجل لأن ما تعلق ملكه من الأثمان على وقت مستقبل لا يصح عقد البيع عليه ~~ألا ترى أنه لو قال بعتكه بألف درهم لا يلزمك إلا بعد أربعة أشهر كان البيع ~~باطلا والتأجيل الذي ذكرت لا يخرجه من أن يكون الثمن واجبا ملكا للبائع ~~ومتى عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد إلا أنه مخالف للفيء في ~~الإيلاء من قبل إن فوات الفيء يوجب الطلاق وإذا كان الفيء مرادا في المدة ~~فواجب أن يكون فواته فيها موجبا للطلاق على ما بينا وأيضا فإن قوله تعالى ~~فإن فاؤا فيه ضمير المولي المبدوء بذكره في الآية وهو الذي له تربص أربعة ~~أشهر والذي يقتضيه الظاهر إيقاع الفيء عقيب اليمين ودليل آخر وهو قوله تربص ~~أربعة أشهر كقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فلما كانت ~~البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الإقراء وجب أن يكون كذلك PageV02P051 ~~حكم تربص الإيلاء من وجوه أحدها أنا لو وقفنا المولي لحصل التربص أكثر من ~~أربعة أشهر وذلك خلاف الكتاب ولو غاب المولي عن امرأته سنة أو سنتين ولم ~~ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير مقدر بوقت وذلك خلاف الكتاب ~~والوجه الثاني أنه لما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الإقراء وجب ~~مثله في الإيلاء والمعنى الجامع ms0578 بينهما ذكر التربص في كل واحدة من المدتين ~~والوجه الثالث أن كل واحدة من المدتين واجبة عن قوله وتعلق بها حكم ~~البينونة فلما تعلقت في إحداهما بمضيها كانت الأخرى مثلها للمعنى الذي ~~ذكرناه فإن قيل تأجيل العنين حولا بالاتفاق تخيير امرأته بعد مضي الحول إذا ~~لم يصل إليها في الحول ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل كذلك ما ذكرت من حكم ~~الإيلاء إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها قيل له ليس في الكتاب ~~ولا في السنة تقدير أجل العنين وإنما أخذ حكمه من قول السلف والذين قالوا ~~إنه يؤجل حولاهم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق ~~قبل مضي المدة ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها فالزائد ~~فيها مخالف لحكمه وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه وأجل ~~المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء فإن قال أفئ لم يفرق بينهما ولو قال ~~العنين أنا أجامعها بعد ذلك لم يلتفت إلى قوله وفرق بينهما باختيارها فإن ~~قيل لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه فالواجب أن لا يقع ~~الطلاق قيل له وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه فيجب على قول ~~المخالف أن لا توقع الفرقة حتى يفرق الحاكم ولا يلزمنا على أصلنا لأن ~~الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة إذ ان قوله لا أقربك يشبه كناية ~~الطلاق ولما كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر ~~إليه وهو مضي المدة على النحو الذي يقوله إذ قد وجدنا من الكنايات مالا يقع ~~فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قول الزوج لامرأته قد ~~خيرتك وقوله أمرك بيدك فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها فكذلك لا يمتنع أن ~~يقال في الإيلاء أنه كناية إلا أنه أضعف حالا من سائر الكنايات فلا يقع فيه ~~الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه فأما اللعان فلا دلالة فيه على ~~معنى الكنايات لأن قذفه إياها بالزنا ms0579 وتلا عنهما لا يصلح أن يكون عبارة عن ~~البينونة بحال وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء من جهة أن حكمه لا يثبت إلا ~~عند الحاكم PageV02P052 والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم فكذلك ما يتعلق به ~~من الفرقة وبهذا المعنى فارق العنين أيضا لأن تأجيل متعلق بالحاكم والإيلاء ~~يثبت حكمه من غير حاكم فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة واحتج من قال ~~بالوقف بقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم إنه لما قال سميع ~~عليم دل على أن هناك قولا مسموعا وهو الطلاق قال أبو بكر وهذا جهل من قائله ~~من قبل أن السميع لا يقتضي مسموعا لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموعا ~~وأيضا قال الله تعالى وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم وليس ~~هناك قول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تتمنوا لقاء العدو فإذا ~~لقيتموهم فاثبتوا وعليكم بالصمت ) وأيضا جائز أن يكون ذلك راجعا إلى أول ~~الكلام وهو قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم فأخبر أنه سامع لما تكلم به ~~عليم بما أضمره وعزم عليه ومما يدل على وقوع الفرقة بمضي المدة أن القائلين ~~بالوقف يثبتون هناك معاني أخر غير مذكورة في الاية إذ كانت الآية إنما ~~اقتضت أحد شيئين من فيء أو طلاق وليس فيها ذكر مطالبة المرأة ولا وقف ~~القاضي الزوج على الفيء أو الطلاق فلم يجز لنا أن نلحق بالآية ما ليس فيها ~~ولا أن نزيد فيها ما ليس منها وقول مخالفينا يؤدي إلى ذلك ولا يوجب ~~الاقتصار على موجب حكم الآية وقولنا يوجب الاقتصار على حكم الآية من غير ~~زيادة فيها فكان أولى ومعلوم أيضا أن الله تعالى إنما حكم في الإيلاء بهذا ~~الحكم لإيصال المرأة إلى حقها من الجماع أو الفرقة وهو على معنى قوله تعالى ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقول من قال بالوقف يقول إن لم يفئ أمره ~~بالطلاق فإذا طلق لم يخل من أن يجعله طلاقا بائنا أو رجعيا فإن جعله بائنا ~~فإن ms0580 صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فما دون الثلاث جعله رجعيا فلا حظ ~~للمرأة في ذلك لأنه متى شاء راجعها فتكون امرأته كما كانت فلا معنى لإلزامه ~~طلاقا لا تملك به المرأة بضعها وتصل به إلى حقها وأما قول مالك إنه لا يصح ~~رجعته حتى يطأها في العدة فقول شديد الاختلال من وجوه أحدها أنه قال إذا ~~طلقها طلاقا رجعيا والطلاق الرجعي لا تكون الرجعة فيه موقوفة على معنى ~~غيرها والثاني أنه إذا منعه الرجعة إلا بعد الوطء فقد نفى أن يكون رجعيا ~~وهو لو راجعها لم تكن رجعة والثالث أنه محظور عليه الوطء بعد الطلاق عنده ~~ولا تقع الرجعة فيه بنفس الوطء فكيف يباح له وطؤها وأما قول من قال أنه تقع ~~تطليقة رجعية بمضي المدة فإنه قول ظاهر الفساد من وجوه PageV02P053 أحدها ~~ما قدمنا ذكره في الفصل الذي قبل هذا والثاني أن سائر الفرق الحادثة في ~~الأصول بغير تصريح فإنها توجب البينونة من ذلك فرقة العنين واختيار الأمة ~~وردة الزوج واختيار الصغيرين فلما لم يكن معه تصريح بإيقاع الطلاق وجب أن ~~يكون بائنا وقد اختلف في إيلاء الذمي فقال أصحابنا جميعا إذا حلف بعتق أو ~~طلاق أن لا يقربها فهو مول وإن حلف بصدقة أو حج لم يكن موليا وإن حلف بالله ~~كان موليا في قول أبي حنيفة ولم يكن موليا في قول صاحبيه وقال مالك لا يكون ~~موليا في شيء من ذلك وقال الأوزاعي إيلاء الذمي صحيح ولم يفصل بين شيء من ~~ذلك وقال الشافعي الذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء قال أبو بكر لما كان ~~معلوما أن الإيلاء إنما يثبت حكمه لما يتعلق بالحنث من الحق الذي يلزمه ~~فواجب على هذا أن يصح إيلاء الذمي إذا كان بالعتق والطلاق لأن ذلك يلزمه ~~كما يلزم المسلم وأما الصدقة والصوم والحج فلا يلزمه إذا حنث لأنه لو أوجبه ~~على نفسه لم يلزمه بإيجابه ولأنه لا يصح منه فعل هذه القرب لأنه لا قربة له ~~ولذلك لم يلزمه ms0581 الزكوات والصدقات الواجبة على المسلمين في أموالهم في أحكام ~~الدنيا فوجب على هذا أن لا يكون موليا بحلفه الحج والعمرة والصدقة والصيام ~~إذ لا يلزمه بالجماع شيء فكان بمنزلة من لم يحلف وقوله تعالى للذين يؤلون ~~من نسائهم يقتضي عموم المسلم والكافر ولكنا خصصناه بما وصفنا وأما إذا حلف ~~بالله تعالى فإن أبا حنيفة جعله موليا وإن لم تلزمه كفارة في أحكام الدنيا ~~من قبل أن حكم تسمية الله تعالى قد تعلق على الكافر كهى على المسلم بدلالة ~~أن إظهار الكافر تسمية الله تعالى على الذبيحة يبيح أكلها كالمسلم ولو سمى ~~الكافر باسم المسيح لم تؤكل فثبت حكم تسميته وصار كالمسلم في حكمها فكذلك ~~الإيلاء لأنه يتعلق به حكمان أحدهما الكفارة والآخر الطلاق فثبت حكم ~~التسمية عليه في باب الطلاق ومن الناس من يزعم أن الإيلاء لا يكون إلا ~~بالحلف بالله عز وجل وأنه لا يكون بحلفه بالعتاق والطلاق والصدقة ونحوها ~~وهذا غلط من قائله لأن الإيلاء إذا كان هو الحلف وهو حالف بهذه الأمور ولا ~~يصل إلى جماعها إلا بعتق أو طلاق أو صدقة يلزمه وجب أن يكون موليا كحلفه ~~بالله لأن عموم اللفظ ينتظم الجميع إذ كان من حلف بشيء منه فهو مول # ) فصل ) ومما تفيد هذه الآية من الأحكام ما استدل به منها محمد بن الحسن ~~على PageV02P054 امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال لما حكم الله للمولى ~~بأحد حكمين من فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لسقط ~~الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم ~~يلزم الحالف بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم ~~الإيلاء بغير ما ذكر الله وذلك خلاف الكتاب والله الموفق للصواب # | باب الإقراء # قال الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء واختلف السلف في ~~المراد بالقرء المذكور في هذه الآية فقال علي وعمر وعبدالله بن مسعود وابن ~~عباس وأبو موسى هو الحيض وقالوا هو أحق بها ما لم ms0582 تغتسل من الحيضة الثالثة ~~وروى وكيع عن عيسى الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس قالوا ~~الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وهو قول سعيد بن جبير ~~وسعيد بن المسيب وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة إذا دخلت في الحيضة ~~الثالثة فلا سبيل له عليها قالت عائشة الإقراء الإطهار وروي عن ابن عباس ~~رواية أخرى أنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ولا تحل ~~للأزواج حتى تغتسل وقال أصحابنا جميعا الإقراء الحيض وهو قول الثوري ~~والأوزاعي والحسن بن صالح إلا أن أصحابنا قد قالوا لا تنقضي عدتها إذا كانت ~~أيامها دون العشرة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة وهو قول ~~الحسن بن صالح إلا أنه قال اليهودية والنصرانية في ذلك مثل المسلمة وهذا لم ~~يقله أحد ممن جعل الإقراء الحيض غير الحسن ابن صالح وقال أصحابنا الذمية ~~تنقضي عدتها بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة لا غسل عليها فهي في معنى من ~~اغتسلت فلا تنتظر بعد انقطاع الدم شيئا آخر وقال ابن شبرمة إذا انقطع من ~~الحيضة الثالثة بطلت الرجعة ولم يعتبر الغسل وقال مالك والشافعي الإقراء ~~الإطهار فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بانت وانقطعت الرجعة قال أبو بكر ~~قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الإقراء على المعنيين من الحيض ومن الإطهار ~~من وجهين أحدهما أن اللفظ لو لم يكن محتملا لهما لما تأوله السلف عليهما ~~لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من ~~العبارات فلما تأولها فريق على الحيض وآخرون على الإطهار PageV02P055 علمنا ~~وقوع الاسم عليهما ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعا بينهم ~~مستفيضا ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته بل سوغ له القول فيه فدل ~~ذلك على احتمال اللفظ المعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه ثم لا يخلو من أن يكون ~~الاسم حقيقة فيهما ms0583 أو مجازا فيهما أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ~~فوجدنا أهل اللغة مختلفين في معنى القرء في أصل اللغة فقال قائلون منهم هو ~~اسم للوقت حدثنا بذلك أو عمر وغلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا سئل عن معنى ~~القرء لم يزدهم على الوقت وقد استشهد لذلك بقول الشاعر % يا رب مولى حاسد ~~مباغض % على ذي ضغن وضب فارض % % له قروء كقروء الحائض % # يعني وقتا تهيج فيه عداوته وعلى هذا تألوا قول الأعشى % وفي كان عام أنت ~~جاشم غزوة % تشد لأقصاها عزيم عزائكا % % مورثة ما لا وفي الحي رفعة % لما ~~ضاع فيها من قروء نسائكا % # يعني وقت وطئهن ومن ا لناس من يتأوله على الطهر نفسه كأنه قال لما ضاع ~~فيها من طهر نسائك وقال الشاعر % كرهت العقر عقر بني شليل % إذا هبت ~~لقارئها الرياح % # يعني لوقتها في الشتاء وقال آخرون هم الضم والتأليف ومنه قوله % تريك إذا ~~دخلت على خلاء % وقد أمنت عيون الكاشحينا % % ذراعي عطيل أدماء بكر % هجان ~~اللون لم تقرأ جنينا % # يعني لم تضم في بطنها جنينا ومنه قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته ~~وقروت الأرض إذا جمعت شيئا إلى شيء وسيرا إلى سير ويقولون ما قرأت الناقة ~~سلى قط أي ما اجتمع رحمها على ولد قط ومنه أقرأت النجوم إذا اجتمعت في ~~الأفق ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرىء ذكره الأصمعي والكسائي ~~والفراء وحكى عن بعضهم أنه قال هو الخروج من شيء إلى شيء وهذا قول ليس عليه ~~شاهد من الل غة ولا هو ثابت عمن يوثق به من أهلها وليس فيما ذكرنا من ~~الشواهد ما يليق بهذا المعنى فهو ساقط مردود ثم يقول وإن كانت حقيقته الوقت ~~فالحيض أولى به لأن الوقت إنما يكون وقتا لما يحدث فيه والحيض هو الحادث ~~وليس الطهر شيئا أكثر من عدم الحيض وليس هو شيء حادث PageV02P056 فوجب أن ~~يكون الحيض أولى بمعنى الاسم وإن كان هو الضم والتأليف فالحيض أولى به لأن ~~دم الحيض إنما يتألف ms0584 ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال الحيض فمعناه أولى ~~بالاسم أيضا فإن قيل إنما يتألف الدم ويجتمع في أيام الطهر ثم يسيل في أيام ~~الحيض قيل له أحسبت أن الأمر كذلك ودلالته قائمة على ما ذكرنا لأنه قد صار ~~القرء اسما للدم إلا أنك زعمت أنه يكون اسما له في حال الطهر وقلنا يكون ~~اسما له في حال الحيض فلا مدخل إذا للطهر في تسميته بالقرء لأن الطهر ليس ~~هو الدم ألا ترى أن الطهر قد يكون موجودا مع عدم الدم تارة ومع وجوده أخرى ~~على أصلك فإذا القرء اسم للدم وليس باسم للطهر ولكنه لا يسمى بهذا الاسم ~~إلا بعد ظهوره لأنه لا يتعلق به حكم إلا في هذه الحال ومع ذلك فلا يتيقن ~~كونه في الرحم في حال الطهر فلم يحركونه في حال الطهر أن نسميه باسم القرء ~~لأن القرء اسم يتعلق به حكم ولا حكم له قبل سيلانه وقبل العلم بوجوده وأيضا ~~فمن اين لك العلم باجتماع الدم في الرحم في حال الطهر واحتباسه فيه ثم ~~سيلانه في وقت الحيض فإن هذا قول عار من دليل يقوم عليه ويرده ظاهر الكتاب ~~قال الله تعالى ويعلم ما في الأرحام فاستأثر تعالى بعلم ما في الأرحام ولم ~~يطلع عباده عليه فمن أين لك القضاء باجتماع الدم في حال الطهر ثم سيلانه في ~~وقت الحيض وما أنكرت ممن قال إنما يجتمع من سائر البدن ويسيل في وقت الحيض ~~لا قبل ذلك ويكون أولى بالحق منك لأنا قد علمنا يقينا وجوده في هذا الوقت ~~ولم نعلم وجوده في وقت قبله فلا يحكم به لوقت متقدم وإذ قد بينا وقوع الاسم ~~عليهما وبينا حقيقة ما يتناوله هذا الاسم في اللغة فليدل على أنه اسم للحيض ~~دون الطهر في الحقيقة وأن إطلاقه على الطهر إنما هو مجاز واستعارة وإن كان ~~ما قدمنا من شواهد اللغة وما يحتمله اللفظ من حقيقتها كافية في الدلالة على ~~أن حقيقته تختص بالحيض دون الطهر فنقول لما ms0585 وجدنا أسماء الحقائق التي لا ~~تنتفي عن مسمياتها بحال ووجدنا أسماء المجاز قد يجوز أن تنتفي عنها في حال ~~وتلزمها في اخرى ثم وجدنا اسم القرء غير منتف عن الحيض بحال ووجدناه قد ~~ينتفي عن الطهر لأن الطهر موجود في الآيسة والصغيرة وليستا من ذوات الإقراء ~~علمنا أن اسم القرء للطهر الذي بين الحيضتين مجاز وليس بحقيقة سمي بذلك ~~لمجاورته للحيض كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب ~~لا ترى أنه حين جاور الحيض سمي به وحين لم PageV02P057 يجاوره لم يسم به ~~فدل ذلك على أنه مجاز في الطهر حقيقة في الحيض ومما يدل على أن المراد ~~الحيض دون الطهر أنه لما كان اللفظ محتملا للمعنيين واتفقت الأمة على أن ~~المراد أحدهما فلو أنهما تساويا في الاحتمال لكان الحيض أولاها وذلك لأن ~~لغة النبي صلى الله عليه وسلم وردت بالحيض دون الطهر بقوله المستحاضة تدع ~~الصلاة أيام إقرائها وقال لفاطمة بنت أبي حبيش فإذا أقبل قرؤك فدعي الصلاة ~~وإذا أدبر فاغتسلي وصلي ما بين القرء إلى القرء فكان لغة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن القرء الحيض فوجب أن لا يكون معنى الآية إلا محمولا عليه لأن ~~القرآن لا محالة نزل بلغته صلى الله عليه وسلم وهو المبين عن الله عز وجل ~~مراد الألفاظ المحتملة للمعاني ولم يرد لغته بالطهر فكان حمله على الحيض ~~أولى منه على الطهر ويدل عليه ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن ~~أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( طلاق ~~الأمة ثنتان وقرؤها حيضتان ) قال أبو عاصم فحدثني مظاهر قال حدثني به ~~القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال وعدتها ~~حيضتان وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد ابن شاذان قال حدثنا معلى ~~قال حدثنا عمر بن شبيب عن ms0586 عبدالله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال تطليق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان فنص على الحيضتين ~~في عدة الأمة وذلك خلاف قول مخالفينا لأنهم يزعمون أن عدتها طهران ولا ~~يستوعبون لها حيضتين وإذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض ~~وهذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق الآحاد فقد اتفق أهل العلم على ~~استعمالها في أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة فأوجب ذلك صحته ويدل ~~عليه أيضا حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرىء بحيضة ومعلوم أن ~~أصل العدة موضوع للاستبراء فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم استبراء ~~الأمة بالحيضة دون الطهر وجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر إذ كل واحد ~~منهما موضوع في الأصل للاستبراء أو لمعرفة براءة الرحم من الحبل وإن كان قد ~~تجب العدة على الصغيرة والآيسة لأن الأصل للاستبراء ثم حمل عليه غيره من ~~الآيسة والصغيرة لئلا يترخص في التي قاربت البلوغ وفي الكبيرة التي قد يجوز ~~أن تحيض وترى الدم بترك العدة فأوجب على الجميع العدة احتياطا للاستبراء ~~الذي ذكرنا ويدل عليه PageV02P058 أيضا قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فأوجب الشهور عند عدم الحيض فأقامها ~~مقامها فدل ذلك على أن الأصل هو الحيض كما أنه لما قال فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا علمنا أن الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء ويدل عليه أن ~~الله حصر الإقراء بعدد يقتضي استيفاءه للعدة وهو قوله تعالى ثلاثة قروء ~~واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاءها بكما لها فيمن طلقها للسنة لأن طلاق ~~السنة أن يوقعه في طهر لم يجامعها فيه فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف ~~طلاقه طهرا قد مضى بعضه ثم تعتد بعده بطهرين آخرين فهذان طهران وبعض الثالث ~~فلما تعذر استيفاء الثلاث إذا أراد طلاق السنة علمنا ms0587 أن المراد الحيض الذي ~~يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله وليس هذا كقوله تعالى الحج ~~أشهر معلومات فالمراد شهران وبعض الثالث لأنه لم يحصرها بعدد وإنما ذكرها ~~بلفظ الجمع والإقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل منه ألا ترى أنه لا يجوز ~~أن تقول رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان وجائز أن تقول رأيت رجالا والمراد ~~رجلان وأيضا فإن قوله تعالى الحج أشهر معلومات معناه عمل الحج في أشهر ~~معلومات ومراده في بعضها لأن عمل الحج لا يستغرق الأشهر وإنما يقع في بعض ~~الأوقات منها فلم يحتج فيه إلى استيفاء العدد وأما الإقراء فواجب استيفاؤها ~~للعدة فإن كانت الإفراد الإطهار فواجب أن يستوفى العدد المذكور كما يستغرق ~~الوقت كله فيكون جميع أوقات الطهر عدة إلى انقضاء عددها فلم يجز الاقتصار ~~به على ما دون العدد المذكور فوجب أن يكون المراد الحيض إذا أمكن استيفاء ~~العدد عند إيقاع طلاق السنة وكما لم يجز الاقتصار في هذه الآيسة والصغيرة ~~على شهرين وبعض الثالث بقوله تعالى فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك لما ذكر ثلاثة ~~قروء على شهرين وبعض الثالث فإن قيل إذا طلقها في الطهر فبقيته قرء تام قيل ~~له فينبغي أن تنقضي عدتها بوجود جزء من الطهر الثالث إذا كان الجزء منه ~~قرءا تاما فإن قيل القرء هو الخروج من حيض أو من طهر إلى حيض إلا أنهم قد ~~اتفقوا أنه لو طلقها وهي حائض لم يكن خروجها من حيض إلى طهر معتدا به قرء ~~فإذا ثبت أن خروجها من حيض إلى طهر غير مراد بقي الوجه الآخر وهو خروجها من ~~طهر إلى حيض ويمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا طلقها في الحيض قيل له ~~قول القائل القرء هو خروج من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر قول يفسد من ~~وجوه أحدها أن السلف اختلفوا PageV02P059 في معنى قوله تعالى يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء فقال منهم قائلون هي الحيض وقال آخرون هي الأطهار ولم ~~يقل أحد منهم إنه خروج من حيض إلى طهر ms0588 أو من طهر إلى حيض فقول القائل بما ~~وصفت خارج عن إجماع السلف وقد انعقد الإجماع منهم بخلافه فهو ساقط ومن جهة ~~أخرى أن أهل اللغة اختلفوا في معناه في أصل اللغة على ما قدمنا من أقوالهم ~~فيه ولم يقل منهم أحد فيما ذكر من حقيقته ما يوجب احتمال خروجها من حيض ~~فيفسد من هذا الوجه أيضا ويفسد أيضا من جهة أن كل من ادعى معنى لاسم من ~~طريق اللغة فعليه أن يأتي بشاهد منها عليه أو رواية عن أهلها فيه فلما عرى ~~هذا القول من دلالة اللغة ورواية فيها سقط ومن أخرى ومن جهة وهي أنه لو كان ~~القرء اسما للانتقال على الوجه الذي ذكرت لوجب أن يكون قد سمي به في الأصل ~~غيره على وجه الحقيقة ثم ينتقل من الانتقال من طهر إلى حيض إذ معلوم أنه ~~ليس باسم موضوع له في أصل اللغة وإنما هو منقول من غيره فإذا لم يسم شيء من ~~ضروب الانتقال بهذا الاسم علمنا أنه ليس باسم له وأيضا لوكان كذلك لوجب أن ~~يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ثم انتقالها من الحيض إلى الطهر ~~قرءا ثانيا ثم انتقالها من الطهر الثاني إلى الحيض قرءا ثالثا فتنقضي عدتها ~~بدخولها في الحيضة الثانية إذ ليس بحيض على أصلك اسم القرء بالانتقال من ~~الحيض إلى الطهر دون الانتقال من الطهر إلى الحيض فإن قيل الظاهر يقتضيه ~~إلا أن دلالة الإجماع منعت منه قيل له ما أنكرت ممن قال لك إن المراد ~~الانتقال من الحيض إلى الطهر إلا أنه إذا طلقها في الحيض لم يعتد بانتقالها ~~من الحيض إلى الطهر فيه بدلالة الإجماع وحكم اللفظ باق بعد ذلك في سائر ~~الانتقالات من الحيض إلى الطهر فإذا لم يمكنه الانفصال مما ذكرنا وتعارضا ~~سقطا وزال الاحتجاج به فإن قيل اعتبار خروجها من طهر إلى حيض أولى من ~~اعتبار خروجها من حيض إلى طهر لأن في انتقالها من طهر إلى حيض دلالة على ~~براءة رحمها من الحبل ms0589 وخروجها من حيض إلى طهر غير دال على ذلك لأنه قد يجوز ~~أن تحبل المرأة في آخر حيضها ويدل عليه قول تأبط شرا % ومبرأ من كل غبر ~~حيضة % وفساد مرضعة وداء مغيل % يعني إن أمه لم تحبل به في بقية حيضها ~~فيقال له قولك أنه يجوز أن تحبل به في بقية حيضها قول خطأ لأن الحبل لا ~~يجامعه الحيض قال النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل ~~PageV02P060 حتى تستبرىء بحيضة فجعل وجود الحيض علما لبراءة رحمها من الحبل ~~فثبت أن الحمل والحيض لا يجتمعا ومتى حملت المرأة وهى حائض ارتفع الحيض ولا ~~يكون الدم الموجود من الحبل حيضا وإنما يكون دم استحاضة وإذا كان كذلك ~~فقولك إن خروجها من الحيض إلى الطهر لا دلالة فيه على براءة رحمها قول خطأ ~~وأما استشهاده بقول تأبط شرا فإنه من العجائب وما علم هذا الشاعر الجاهل ~~بذلك وقد قال الله تعالى ويعلم ما في الأرحام وقال تعالى عالم الغيب يعني ~~أنه استأثر بعلم ذلك دون خلقه وأن الخلق لا يعلمون منه إلا ما علمهم مع ~~دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم على انتفاء اجتماع الحيض والحبل ومع ~~ذلك فإن ما ذكره هذا القائل دلالة على صحة قولنا لأنه إذا كانت العدة ~~بالإقراء إنما هي لاستبراء الرحم من الحبل والطهر لا استبراء فيه لأن الحمل ~~طهر وجب أن يكون الاعتبار بالحيض التي هي علم البراءة الرحم من الحبل إذ ~~ليس في الطهر دلالة عليه ويدل على أن العدة بالإقراء استبراء أنها لو رأت ~~الدم ثم ظهر بها حبل كانت العدة هي هي الحبل فدل ذلك على أن العدة لذوات ~~الإقراء إنما هي استبراء من الحبل والإستبراء من الحبل إنما يكون بالحيض لا ~~بالطهر من وجهين أحدهما أن عدة الشهور للصغيرة والآيسة طهر صحيح وليس ~~باستبراء والمعنى الآخر أن الطهر مقارن للحبل فدل على أن الاستبراء لا يقع ~~بما يقارنه وإنما يقع بما ينافيه وهو الحيض فيكون دلالة على ms0590 براءة رحمها من ~~الحبل فوجب أن تكون العدة بالحيض دون الإطهار واحتج من اعتبر الإطهار بقوله ~~تعالى فطلقوهن لعدتهن وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين طلق ابنه ~~امرأته حائضا مرة فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك ~~العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء قال فهذا يدل من وجهين على أنها ~~بالإطهار أحدهما قوله بعد ذكره الطلاق في الطهر فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق لها النساء وذلك إشارة إلى الطهر دون الحيض فدل على أن العدة ~~بالإطهار دون الحيض والثاني قوله تعالى وأحصوا العدة وذلك عقيب الطلاق في ~~الطهر فوجب أن يكون المحصى هو بقية الطهر وهو الذي يلي الطلاق فيقال له أما ~~قولك فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فإن اللام قد تدخل في ~~ذلك لحال ماضية ومستقبلة ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته ~~يعني لرؤية ماضية وقال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها يعني الآخرة ~~فاللام ههنا للاستقبال والتراخي ويقولون تأهب للشتاء يعني وقتا مستقبلا ~~PageV02P061 متراخيا عن حال التأهب وإذا كان اللفظ محتملا للماضي والمستقبل ~~ومتى تناول المستقبل فليس في مقتضاه وجوده عقيب المذكور بلا فصل وإذا كان ~~كذلك ووجدنا قوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر فيه ذكر حيضة ماضية والحيضة ~~المستقبلة معلومة وإن لم تكن مذكورة وذلك في قوله مره فليراجعها ثم ليدعها ~~حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن ~~يطلق لها النساء فاحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الحيضة الماضية فيدل ذلك على ~~أن العدة إنما هي الحيض وجائز أن يريد حيضة مستقبلة إذ هي معلوم كونها على ~~مجرى العادة فليس الطهر حينئذ بأولى بالاعتبار من الحيض لأن الحيض في ~~المستقبل وإن لم يكن مذكورا فجائز أن يراد به إذا كان معلوما كما أنه لم ~~يذكر طهرا بعد الطلاق وإنما ذكر طهرا قبله ولكن الطهر لما كان معلوما وجوده ~~بعد ms0591 الطلاق إذا طلقها فيه على مجرى العادة جاز عندك رجوع الكلام إليه ~~وإرادته باللفظ ومع ذلك فجائز أن تحيض عقيب الطلاق بلا فصل فليس إذا في ~~اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض ومع ذلك فقد ~~دل على أنه لو طلقها في آخر الطهر فحاضت عقيب الطلاق بلا فصل إن عدتها ~~ينبغي أن تكون الحيض دون الطهر بمقتضى لفظه صلى الله عليه وسلم إذ ليس في ~~اللفظ ذكر حيض بعد الطلاق ولا طهر فإذا حاضت عقيب الطلاق كان ذلك عدتها ثم ~~لم يفرق أحد في اعتبار الحيض بين وجوده عقيب الطلاق ومتراخيا عنه فأوجب ذلك ~~أن يكون الحيض هو المعتد به من الإقراء دون الطهر فإن قيل الحيضة الماضية ~~غير جائز أن تكون مرادة بالخبر لأن ما قبل الطلاق من الحيض لا يكون عدة قيل ~~له إذا كانت تعتد به بعد الطلاق جاز أن يسميها عدة كما قال تعالى حتى تنكح ~~زوجا غيره فسماه زوجا قبل النكاح ويلزم مخالفنا من ذلك ما لزمنا لأنه صلى ~~الله عليه وسلم ذكر الطهر وأمره أن يطلقها فيه ولم يذكر الطهر الذي بعد ~~الطلاق فقد سمى الطهر الذي قبله عدة لأنه به تعتد عندك فما أنكرت أن تسمي ~~التى قبل الطلاق عدة إذ كانت بها تعتد وأما قوله تعالى وأحصوا العدة فإن ~~الأحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض لأن كل ذي عدد فالأحصاء يلحقه فإن قيل ~~إذا كان الذي يلي الطلاق هو الطهر وقد أمرنا بالإحصاء فإوجب أن ينصرف الأمر ~~بالإحصاءإليه لأن الأمر على الفور قيل له هذا غلط لأن الإحصاء إنما ينصرف ~~إلى أشياء ذوي عدد فأما شيء واحد قبل انضمام غيره إليه فلا عبرة بإحصائه ~~فإذا لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في PageV02P062 المستقبل من الإقراء ~~متراخيا عن وقت الطلاق ثم حينئذ الطهر لا يكون أولى به من الحيض إذ كانت ~~سمة الإحصاء تناولهما جميعا وتلحقهما على وجه واحد وأيضا فيلزمك على هذا أن ~~تقول إنها لو حاضت ms0592 عقيب الطلاق أن تكون عدتها بالحيض للزوم الإحصاء عقيبه ~~والذي يليه في هذه المحال الحيض فينبغي أن يكون هو العدة وقال بعض ~~المخالفين ممن صنف في أحكام القرآن قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن معناه في ~~عدتهن كما يقول الرجل كتب لغرة الشهر معناه في هذا الوقت وهذا غلط لأن في ~~هي طرف واللام وإن كانت متصرفة على معان فليس في أقسامها التي تتصرف عليها ~~وتحتملها كونها ظرفا والمعاني التي تنقسم إلها لام الإضافة خمسة منها لام ~~الملك كقولك له مال ولام الفعل كقولك له كلام وله حركة ولام العلة كقولك ~~قام لأن زيدا جاءه وأعطاه لأنه سأله ولام النسبة كقولك له أب وله أخ ولام ~~الاختصاص كقولك له علم وله إرادة ولام الاستغاثة كقولك يا لبكر ويا لدارم ~~ولام كي وهو قوله تعالى وليرضوه وليقترفوا ولام العاقبة كقوله تعالى ليكون ~~لهم عدوا وحزنا فهذه المعاني التي تنقسم إليها هذه اللام ليس في شيء منها ~~ما ذكره هذا القائل وهو مع ذلك ظاهر الفساد لأنه إذا كان قوله تعالى ~~فطلقوهن لعدتهن معناه في عدتهن فينبغي أن تكون العدة موجودة حتى يطلقها ~~فيها كما لو قال قائل طلقها في شهر رجب لم يجز له أن يطلقها قبل أن يوجد ~~منه شيء فبان بذلك فساد قول هذا القول وتناقضه ومما يدل على أن قوله تعالى ~~وأحصوا العدة لا دلالة فيه على أنه الطهر الذي مسنون فيه طلاق السنة أنه لو ~~طلقها بعد الجماع في الطهر لكان مخالفا للسنة ولم يختلف حكم ما تعتد به عند ~~الفريقين بكونه جميعا من حيض أو طهر فدل ذلك على أنه لا تعلق لإيقاع طلاق ~~السنة في وقت الطهر بكونه عدة محضاة منها ويدل عليه أنه لو طلقها وهي حائض ~~لكانت معتدة عقيب الطلاق ونحن مخاطبون بإحصاء عدتها فدل على أنه لا تعلق ~~للزوم الإحصاء ولا لوقت طلاق السنة لكونه هو المعتد به دون غيره وقال ~~القائل الذي قدمنا ذكر اعتراضه في هذا الفصل وقد اعتبرتم يعني أهل العراق ms0593 ~~معاني أخر غير الإقراء من الاغتسال أو مضي وقت الصلاة والله تعالى إنما ~~أوجب العدة بالإقراء وليس الاغتسال ولا مضي وقت الصلاة في شيء فيقال له لم ~~نعتبر غير الإقراء التي هي عندنا ولكنا لم نتيقن انقضاء الحيض والحكم بمضيه ~~إلا بأحد معنيين لمن كانت أيامها دون العشرة وهو PageV02P063 الاغتسال ~~واستباحة الصلاة به فتكون طاهرا بالاتفاق على ما روي عن عمر وعلي وعبدالله ~~وعظماء السلف من بقاء الرجعة إلى أن تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة ~~فيلزمها فرضها فيكون لزوم فرض الصلاة منافيا لبقاء حكم الحيض وهذا إنما هو ~~كلام في مضي الحيضة الثالثة ووقوع الطهر منها وليس ذلك من الكلام في ~~المسألة في شيء ألا ترى أنا نقول أن أيامها إذا كانت عشرة انقضت عدتها بمضي ~~العشرة اغتسلت أو لم تغتسل لحصول اليقين بانقضاء الحيضة إذ لا يكون الحيض ~~عندنا أكثر من عشرة فالملزم لنا ذلك على اعتبار الحيض مغفل في إلزامه واضع ~~للإقراء في غير موضعها قال أبو بكر رحمه الله وقد أفردنا لهذه المسألة ~~كتابا واستقصينا القول فيها أكثر من هذا وفيما ذكرناه ههنا كفاية وهذا الذي ~~ذكره الله تعالى من العدة ثلاثة قروء ومراده مقصور على الحرة دون الأمة ~~وذلك لأنه لا خلاف بين السلف أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة وقد ~~روينا عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين منهم أن عدة الأمة ~~على النصف من عدة الحرة وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلاق ~~الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان والسنة والإجماع قد دلا على أن مراد الله ~~تعالى في قوله ثلاثة قروء هو الحرائر دون الإماء قوله تعالى ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن روى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن أبي بن ~~كعب قال كان من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها وروى نافع عن ابن عمر ~~في قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قال ms0594 الحيض ~~والحبل وقال عكرمة الحيض والحكم عن مجاهد وإبراهيم أحدهما الحمل وقال الآخر ~~الحيض وعن علي أنه استحلف امرأة أنها لم تستكمل الحيض وقضى بذلك عثمان وقال ~~أبو بكر لما وعظها بترك الكتمان دل على أن القول قولها في وجود الحيض أو ~~عدمه وكذلك في الحبل لأنهما جميعا مما خلق الله في رحمها ولولا أن قولها ~~فيه مقبول لما وعظت بترك الكتمان ولا كتمان لها فثبت بذلك أن المرأة إذا ~~قالت أنا حائض لم يحل لزوجها وطؤها وأنها إذا قالت قد طهرت حل له وطؤها ~~وكذلك قال أصحابنا أنه إذا قال لها أنت طالق إن حضت فقالت قد حضت طلقت وكان ~~قولها كالبينة وفرقوا بين ذلك وبين سائر الشروط إذا علق بها الطلاق نحو ~~قوله إن دخلت الدار وكلمت زيدا فقالوا لا يقبل قولها إذا لم يصدقها الزوج ~~إلا ببينة وتصدق في الحيض والطهر لأن الله تعالى قد أوجب علينا PageV02P064 ~~قبول قولها في الحيض والحبل وفي انقضاء العدة وذلك معنى يخصها ولا يطلع ~~عليه غيرها فجعل قولها كالبينة فكذلك سائر ما تعلق من الأحكام بالحيض ~~فقولها مقبول فيه وقالوا لو قال لها عبدي حر إن حضت فقالت قد حضت لم تصدق ~~لأن ذلك حكم في غيرها أعني عتق العبد والله تعالى إنما جعل قولها كالبينة ~~في الحيض فيما يخصها من انقضاء عدتها ومن إباحة وطئها أو حظره فأما فيما لا ~~يخصها ولا يتعلق بها فهو كغيره من الشروط فلا تصدق عليه ونظير هذه الآية في ~~تصديق المؤتمن فيما اؤتمن عليه قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق ~~الله ربه ولا يبخس منه شيئا لما وعظه بترك البخس دل ذلك على أن القول قوله ~~فيه ولولا أنه مقبول القول فيه لما كان موعوظا بترك البخس وهو لو بخس لم ~~يصدق عليه ومنه أيضا قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه دل ذلك على أن الشاهد إذا كتم أو أظهر كان المرجع إلى قوله فيما كتم ~~وفيما أظهر لدلالة ms0595 وعظه إياه بترك الكتمان على قبول قوله فيها وذلك كله أصل ~~في أن كل من اؤتمن على شيء فالقول قوله فيه كالمودع إذا قال قد ضاعت ~~الوديعة أو قد رددتها وكالمضارب والمستأجر وسائر المأمونين على الحقوق ~~ولذلك قلنا إن قوله تعالى فرهان مقبوضة ثم قوله تعالى عطفا عليه فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه فيه دلالة على أن الرهن ~~ليس بأمانة لأنه لو كان أمانة لما عطف الأمانة عليه إذ كان الشيء لا يعطف ~~على نفسه وإنما يعطف على غيره ومن الناس من يقول إن قوله تعالى ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إنما هو مقصور الحكم على الحبل دون الحيض ~~لأن الدم إنما يكون حيضا إذا سال ولا يكون حيضا وهو في الرحم لأن الحيض هو ~~حكم يتعلق بالدم الخارج فما دام في الرحم فلا حكم له ولا معنى لاعتباره ولا ~~اؤتمان المرأة عليه قال أبو بكر هذا صحيح إذ الدم لا يكون حيضا إلا بعد ~~خروجه من الرحم ولكن دلالة الآية قائمة على ما ذكرنا وذلك لأن وقت الحيض ~~إنما يرجع فيه إلى قولها إذ ليس كل دم سائل حيضا وإنما يكون حيضا بأسباب ~~أخر نحو الوقت والعادة وبراءة الرحم عن الحبل وإذا كان كذلك وكانت هذه ~~الأمور إنما تعلم من جهتها فهي إذا قالت قد حضت ثلاث حيض فالقول قولها ~~بمقتضى الآية وكذلك إذا قالت لم أر دما ولم تنقض عدتي فالقول قولها وكذلك ~~إذا قالت قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه وانقضت عدتي فالقول قولها وإنما ~~التصديق متعلق بحيض قد وجد ودم قد PageV02P065 سال وفي هذه الآية دلالة على ~~أن الحيض لا يتعلق حكمه بلون الدم لأنه لو كان كذلك لما اختصت هي بالرجوع ~~إلى قولها دوننا لأنها وإيانا متساوون في التفرقة بين الألوان فدل ذلك على ~~أن دم الحيض غير متميز بلونه من لون دم الاستحاضة وأنهما على صفة واحدة ~~ففيه دلالة على بطلان قول من ms0596 اعتبر الحيض بلون الدم وإنما لم يعلم ذلك إلا ~~من جهتها عند سقوط اعتبار لون الدم لما وصفنا من أن وقت الحيض والعادة فيه ~~ومقداره وأوقات الطهر إنما يعلم من جهتها إذ ليس كل دم حيضا وكذلك وجود ~~الحمل النافي لكون الدم حيضا وإسقاط سقط كل ذلك المرجع فيه إلى قولها لأنا ~~لا نعلمه نحن ولا نقف عليه إلا من جهتها فلذلك جعل القول فيه قولها وذكر ~~هشام عن محمد أن قول المرأة مقبول في وجود الحيض ويحكم ببلوغها إذا كانت قد ~~بلغت سنا تحيض مثلها وذلك لما ذكرنا من قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن قال محمد ولو قال صبي مراهق قد احتلمت لم يصدق فيه حتى ~~يعلم الاحتلام أو بلوغ سن يكون مثله بالغا فيها ففرق بين الحيض والاحتلام ~~والفرق بينهما أن الحيض إنما يعلم من جهتها لتعلقه بالأوقات والعادة ~~والمعاني التي لا تعلم من جهة غيرها ودلالة الآية على قبول قبولها فيه وليس ~~كذلك الاحتلام لأنه لا يتعلق خروج المنى على وجه الدفق والشهوة بأسباب أخر ~~غير خروجه ولا اعتبار فيه بوقت ولا عادة فلما كان كذلك لم يعتبر قوله فيه ~~حتى نعلم يقينا صحة ما قال ومن جهة أخرى أن دم الحيض والاستحاضة لما كانا ~~على صفة واحدة لم يجز لمن شاهد الدم أن يقضى له بحكم الحيض فوجب الرجوع إلى ~~قولها إذ كان إنما هو شيء تعلمه هي دوننا وأما الاحتلام فلا يشتبه فيه خروج ~~المنى على أحد شاهده وهو يدرك ويعلم من غير التباس منه بغيره فلذلك لم نحتج ~~فيه إلى الرجوع إلى قوله وقوله تعالى إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ليس ~~بشرط في النهي عن الكتمان وإنما هو على وجه التأكيد وأنه من شرائط الأيمان ~~فعليها أن لا تكتم ومن يؤمن ومن لا يؤمن في هذا النهي سواء وهو كقوله تعالى ~~ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وقول ~~مريم ms0597 إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا قد تضمن ضروبا من الأحكام أحدها أن ما دون الثلاث ~~لايرفع الزوجية ولا يبطلها وإخبار ببقاء الزوجية معه لأنه سماه بعلا بعد ~~الطلاق فدل ذلك على بقاء التوارث وسائر أحكام الزوجية ما دامت معتدة ودل ~~على أن له الرجعة PageV02P066 ما دامت معتدة لأنه قال في ذلك يعني فيما ~~تقدم ذكره من الثلاثة قروء ودل على أن إباحة هذه الرجعة مقصورة على حال ~~إرادة الإصلاح ولم يرد بها الإضرار بها وهو كقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا فإن قيل فما معنى قوله تعالى أحق بردهن في ذلك مع بقاء الزوجية ~~وإنما يقال ذلك فيما قد زال عنه ملكه فأما فيما هو في ملكه فلا يصح أن يقال ~~بردها إلى ملكه مع بقاء ملكه فيها قيل له لما كان هناك سبب قد تعلق به زوال ~~النكاح عند انقضاء العدة طاز إطلاق اسم الرد عليه ويكون ذلك بمعنى المانع ~~من زوال الزوجية بانقضاء العدة فسماه ردا إذ كان رافعا لحكم السبب الذي ~~تعلق به زوال الملك وهو كقوله تعالى فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف وهو ممسك لها في هذه الحال لأنها زوجته وإنما المراد الرجعة الموجبة ~~لبقاء النكاح بعد انقضاء الحيض التي لو لم تكن الرجعة لكانت مزيلة للنكاح ~~وهذه الرجعة وإن كانت إباحتها معقودة بشريطة إرادة الإصلاح فإنه لا خلاف ~~لين أهل العلم أنه إذا راجعها مضارا في الرجعة مريدا لتطويل العدة عليها إن ~~رجعته صحيحة وقد دل على ذلك قوله تعالى فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ثم عقبه بقوله تعالى ومن يفعل ذلك ~~فقد ظلم نفسه فلو لم تكن الرجعة صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ~~ظالما لنفسه بفعلها وقد دلت الآية أيضا على جواز إطلاق لفظ العموم في ~~مسميات ثم يعطف عليه بحكم يختص به بعض ما انتظمه العموم فلا يمنع ذلك ~~اعتبار ms0598 عموم اللفظ فيما يشمله في غير ما خص به المعطوف لأن قوله تعالى ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء عام في المطلقة ثلاثا وفيما دونها لا ~~خلاف في ذلك ثم قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن حكم خاص فيمن كان طلاقها دون ~~الثلاث ولم يوجب ذلك الاقتصار بحكم قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء على ما دون الثلاث ولذلك نظائره كثيرة في القرآن والسنة نحو ~~قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وذلك عموم في الوالدين الكافرين ~~والمسلمين ثم عطف عليه قوله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به ~~علم وذلك خاص في الوالدين المشركين فلم يمنع ذلك عموم أول الخطاب في ~~الفريقين من المسلمين والكفار والله أعلم بالصواب PageV02P067 # | باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج # قال الله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة قال أبو ~~بكر رحمه الله أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين على ~~صاحبه حقا وإن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله بقوله تعالى ~~وللرجال عليهن درجة ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على صاحبه من ~~الحق مفسرا وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فمما ~~بينه الله تعالى من حق المرأة عليه قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف وقوله ~~تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال تعالى وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف وقال تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم @QE@ وكانت هذه النفقة من حقوقها ~~عليه وقال تعالى @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة @QE@ فجعل من حقها عليه أن ~~يوفيها صداقها وقال تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ فجعل من حقها عليه أن لا يأخذ مما ~~أعطاها شيئا إذا أراد فراقها وكان النشوز من قبله لأن ذكر الاستبدال يدل ~~على ذلك وقال تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ms0599 فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فجعل من حقها عليه ترك إظهار الميل إلى ~~غيرها وقد دل ذلك على أن من حقها القسم بينها وبين سائر نسائه لأن فيه ترك ~~إظهار الميل إلى غيرها ويدل عليه أن عليه وطأها بقوله تعالى فتذروها ~~كالمعلقة يعني لا فارغة فتتزوج ولا ذات زوج إذ لم يوفها حقها من الوطء ومن ~~حقها أن لا يمسكها ضرارا على ما تقدم من بيانه وقوله تعالى ولا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف إذا كان خطابا للزوج فهو يدل على ~~أن من حقها إذا لم يمل إليها أن لا يعضلها عن غيره بترك طلاقها فهذه كلها ~~من حقوق المرأة على الزوج وقد انتظمت هذه الآيات إثباتها لها ومما بين الله ~~من حق الزوج على المرأة قوله تعالى @QB@ فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما ~~حفظ الله @QE@ فقيل فيه حفظ مائة في رحمها ولا تحتال في إسقاطه ويحتمل حفظ ~~فراشها عليه ويحتمل حافظات لما في بيوتهن من مال أزواجهن ولأنفسهن وجائز أن ~~يكون المراد جميع ذلك لاحتمال اللفظ له وقال تعالى @QB@ الرجال قوامون على ~~النساء @QE@ قد أفاد ذلك لزومها طاعته لأن وصفه بالقيام عليها يقتضي ذلك ~~وقال تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن PageV02P068 واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ويدل على أن عليها طاعته في ~~نفسها وترك النشوز عليه وقد روي في حق الزوج على المرأة وحق المرأة عليه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبار بعضها مواطىء لما دل عليه الكتاب وبعضها ~~زائد عليه من ذلك ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي وغيره قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعرفات فقال ( اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ~~فاضربوهن ضربا غير ms0600 مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) وروى ليث عن ~~عبدالملك عن عطاء عن ابن عمر قال جاءت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على الزوجة فذكر فيها أشياء لا تصدق بشيء ~~من بيته إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر فقالت يا رسول الله ~~ما حق الزوج على زوجته قال لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تصوم يوما إلا ~~بإذنه وروى مسعر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خير النساء ( امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا ~~غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ الرجال قوامون على النساء الآية ) ~~قال أبو بكر ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب التفريق إذا أعسر الزوج ~~بنفقتها لأن الله تعالى جعل لهن من الحق عليها مثل الذي عليهن فسوى بينها ~~فغير جائز أن يستبيح بضعها من غير نفقة ينفقها عليها وهذا غلط من وجوه ~~أحدها أن النفقة ليست بدلا عن ا لبضع فيفرق بينهما ويستحق البضع عليها من ~~أجلها لأنه قد ملك البضع بعقد النكاح وبدله هو المهر والوجه الثاني أنها لو ~~كانت بدلا لما استحقت التفريق بالآية لأنه عقب ذلك قوله تعالى وللرجال ~~عليهن درجة فاقتضى ذلك تفضيله عليها فيما يتعلق بينهما من حقوق النكاح وأن ~~يستبيح بعضها وإن لم يقدر على نفقتها وأيضا فإن كانت النفقة مستحقة عليها ~~بتسليمها نفسها في بيته فقد أوجبنا لها عليه مثل ما أبحنا منها له وهو فرض ~~النفقة وإثباتها في ذمته لها فلم تخل في هذه الحال من إيجاب الحق لها كما ~~أوجبناه له عليها ومما تضمنه قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف من ~~الدلالة على الأحكام إيجاب مهر المثل إذا لم يسم لها مهرا لأنه قد ملك ~~عليها بضعها بالعقد واستحق عليها تسليم نفسها إليه فعليه PageV02P069 لها ~~مثل ملكه عليها ومثل البضع هو قيمته وهي مهر المثل كقوله تعالى فمن اعتدى ms0601 ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فقد عقل به وجوب قيمة ما يستملكه ~~عليه بما لا يمثل له من جنسه وكذلك مثل البضع هو مهر المثل وقوله تعالى ~~بالمعروف يدل على أن الواجب من ذلك مالا شطط فيه ولا تقصير كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها مهرا ولم يدخل بها لها ~~مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط وقوله أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط فهذا هو ~~المعنى المعروف المذكور في الآية وقد دلت الآية أيضا على أنه لو تزوجها على ~~أنه لا مهر لها إن المهر واجب لها إذ لم تفرق بين من شرط نفي المهر في ~~النكاح وبين من لم يشرط في إيجابه لها مثل الذي عليها وقوله وللرجال عليهن ~~درجة قال أبو بكر مما فضل به الرجل على المرأة ما ذكره الله من قوله تعالى ~~الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض فأخبر بأنه مفضل ~~عليها بأن جعل قيما عليها وقال تعالى وبما أنفقوا من أموالهم فهذا أيضا مما ~~يستحق به التفضيل عليها ومما فضل به عليها ما ألزمها الله من طاعته بقوله ~~تعالى فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ومن درجات التفضيل ما أباحه للزوج ~~من ضربها عند النشوز وهجران فراشها من وجوه التفضيل عليها ما ملك الرجل من ~~فراقها بالطلاق ولم تملكه ومنها أنه جعل له أن يتزوج عليها ثلاثا سواها ولم ~~يجعل لها أن تتزوج غيره ما دامت في حباله أو في عدة منه ومنها زيادة ~~الميراث على قسمها ومنها أن عليها أن تنتقل إلى حيث يريد الزوج وليس على ~~الزوج اتباعها في النقلة والسكنى وأنه ليس لها أن تصوم تطوعا إلا بإذن ~~زوجها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ضروب أخر من التفضيل سوى ما ~~ذكرنا منها حديث إسماعيل بن عبدالملك عن أبي الزبير عن جابر عن ms0602 النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء ~~لأزواجهن وحديث خلف بن خليفة عن حفص بن أخي أنس عن أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ( لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر ~~لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من ~~قدمه إلى مفرق رأسه قرحة بالقيح والصديد ثم لحسته لما أدت حقه ) وروى ~~الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة ~~PageV02P070 حتى تصبح ) وفي حديث حصين بن محصن عن عمة له أنها أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أذات زوج أنت فقالت نعم قال فأين أنت منه قالت ما ~~ألوه إلا ما عجزت عنه قال فانظري أين أنت منه فإنما هو جنتك أو نارك وروى ~~سفيان عن أبي زياد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا تصوم المرأة يوما وزوجها شاهد من غير رمضان إلا بإذنه وحديث الأعمش عن ~~أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ~~أن يصمن إلا بإذن أزواجهن فهذه الأخبار مع ما تضمنته دلالة الكتاب توجب ~~تفضيل الزوج على المرأة في الحقوق التي يقتضيها عقد النكاح وقد ذكر في قوله ~~تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء نسخ في مواضع أحدها ما رواه ~~مطرف عن أبي عثمان النهدي عن أبي بن كعب قال لما نزلت عدة النساء في الطلاق ~~والمتوفى عنها زوجها قلنا يا رسول الله قد بقي نساء لم تنزل عدتهن بعد ~~الصغار والكبار والحبلى فنزلت واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إلى قوله ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وروى عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة قال ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض ثم نسخ ms0603 ~~منها التي لم يدخل بها في العدة ونسخ من الثلاثة القروء امرأتان واللائي ~~يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فهذه العجوز التي لاتحيض والائي والئي ~~لم يحضن فهذه البكر عدتها ثلاثة أشهر وليس الحيض من أمرها في شيء ونسخ من ~~الثلاثة القروء الحامل فقال وأولات الأحمال أجلهن أن يضعه حملهن فهذه أيضا ~~ليست من القروء في شيء إنما أجلها أن تضع حملها قال أبو بكر أما حديث أبي ~~بن كعب فلا دلالة فيه على نسخ شيء وإنما أكثر ما فيه أنهم سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن عدة الصغيرة والآيسة والحبلى فهذا يدل على أنهم علموا ~~خصوص الآية وأن الحبلى لم تدخل فيها مع جواز أن تكون مرادة بها وكذلك ~~الصغيرة لأنه كان جائزا أن يشترط ثلاثة قروء بعد بلوغها وإن طلقت وهي صغيرة ~~وأما الآيسة فقد عقل من الآية أنها لم ترد بها لأن الآيسة هي التي لا ترجى ~~لها حيض فلا جائر أن يتناولها مراد الآية بحال وأما حديث قتادة فإنه ذكر أن ~~الآية كانت عامة في اقتضائها إيجاب العدة بالإقراء في المدخول بها وغير ~~المدخول بها وأنه نسخ منها غير المدخول بها وهذا ممكن أن يكون كما قال وأما ~~قوله ونسخ عن الثلاثة قروء امرأتان وهي الايسة والصغيرة فإنه أطلق لفظ ~~النسخ في الآية وأراد به التخصيص وكثيرا ما يوجد PageV02P071 عن ابن عباس ~~وعن غيره من أهل التفسير إطلاق لفظ النسخ ومرادهم التخصيص فإنما أراد قتادة ~~بذكر النسخ في الآيسة التخصيص لا حقيقة النسخ لأنه غير جائز ورود النسخ إلا ~~فيما قداستقر حكمه وثبت وغير جائز أن تكون الآيسة مرادة بعدة الإقراء مع ~~استحالة وجودها منها فدل على أنه أراد التخصيص وقد يحتمل وجها على بعد ~~عندنا وهو أن يكون مذهب قتادة أن التي ارتفع حيضها وإن كانت شابة تسمى آيسة ~~وأن عدتها مع ذلك الإقراء وإن طالت المدة فيها وقد روي عن عمر أن التي ~~ارتفع حيضها من الآيسات وتكون عدتها عدة الآيسة وإن ms0604 كانت شابة وهو مذهب ~~مالك فإن كان إلى هذا ذهب في معنى الآيسة فهذه جائز أن تكون مرادة بالإقراء ~~لأنها يرجى وجودها منها وأما قوله ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فإن هذا ~~أيضا جائز سائغ لأيه لا يمتنع ورود العبارة بأن عدة الحامل ثلاث حيض بعد ~~وضع الحمل وإن كانت ممن لا تحيض وهي حامل فجائز أن يكون عدتها ثلاثة قروء ~~بعد وضع الحمل فنسخ بالحمل إلا أن أبي بن كعب قد أخبر أن الحامل لم تكن ~~مرادة بعدة الإقراء وأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأخبر ~~بأنه لم تنزل في الحامل والآيسة والصغيرة فأنزل الله تعالى ذلك وليس يجوز ~~إطلاق النسخ على الحقيقة إلا فيما قد علم ثبوت حكمه وورود الحكم الناسخ له ~~متأخرا عنه إلا أن يطلق لفظ النسخ والمراد التخصيص على وجه المجاز فلا يضيق ~~وأولى الأشياء بنا حمله على وجه التخصيص فيكون قوله تعالى والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن لم يرد إلا خاصا في المطلقات ذوات الحيض المدخول بهن وأن الآيسة ~~والصغيرة والحامل لم يردن قط بالآية إذ ليس معنا تاريخ لورود هذه الأحكام ~~ولا علم باستقرار حكمها ثم نسخه بعده فكأن هذه الآيات وردت معا وترتبت ~~أحكامها على ما اقتضاها من استعمالها وبني العام على الخاص منها وقد روي عن ~~ابن عباس وجه آخر من النسخ في هذه الآية وهو ما روى الحسين بن الحسن بن ~~عطية عن أبيه عطية عن ابن عباس قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~إلى قوله وبعولتهن أحق بردهن في ذلك وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته كان ~~أحق بردها وإن طلقها ثلاثا فنسختها هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن إلى قوله جميلا وعن الضحاك بن ~~مزاحم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقال فعدتهن ثلاثة أشهر فنسخ ~~واستثنى منها فقال إذا نكحتم المؤمنات ثم PageV02P072 طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وروي فيها وجه آخر ms0605 وهو ما روى مالك ~~عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن ~~تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى ~~إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك إلي ولا ~~تحلين مني أبدا فأنزل الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق ~~وروى شيبان عن قتادة في قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك قال في ~~القروء الثلاثة ثم قال الطلاق مرتان لكل مرة قرء فنسخت هذه الآية ما كان ~~قبلها فجعل الله حد الطلاق ثلاثا فجعله أحق برجعتها مالم تطلق ثلاثا # | باب عدد الطلاق # قال الله عز وجل الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال أبو بكر ~~قد ذكرت في معناه وجوه أحدها أنه بيان للطلاق الذي نثبت معه الرجعة يروى ~~ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة والثاني أنه بيان لطلاق السنة المندوب إليه ~~ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد والثالث أنه أمر بأنه إذا أراد أن يطلقها ~~ثلاثا فعليه تفريق الطلاق فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر بعدهما ~~الثالثة قال أبو بكر فأما قول من قال إنه بيان لما يبقى معه الرجعة من ~~الطلاق وإن ذكر معه الرجعة عقيبه فإن ظاهره يدل على أنه قصد به بيان المباح ~~منه وأما ما عداه فمحظور وبين مع ذلك حكمه إذا أوقعه على الوجه المأمور به ~~بذكر الرجعة عقيبه والدليل على أن المقصد فيه الأمر بتفريق الطلاق وبيان ~~حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة أنه قال الطلاق مرتان وذلك ~~يقتضي التفريق لا محالة لأنه لو طلق اثنتين معا لما جاز أن يقال طلقها ~~مرتين وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى ~~يفرق الدفع فحينئذ يطلق عليه وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود ~~باللفظ هو ما ms0606 تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ~~ذكر المرتين إذا كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين فثبت ~~بذلك أن ذكره للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهي عن الجمع بينهما في ~~مرة واحدة ومن جهة أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا للأمرين لكان الواجب حمله ~~PageV02P073 على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين وهو الأمر بتفريق الطلاق ~~متى أراد يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك فيكون اللفظ مستوعبا ~~للمعنيين وقوله تعالى الطلاق مرتان وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر ~~كقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء والوالدات يرضعن أولادهن ~~وما جرى هذا المجرى مما هو في صيغة الخبر ومعناه الأمر والدليل على أنه أمر ~~وليس بخبر أنه لو كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به لأن أخبار الله لا ~~تنفك من وجود مخبراتها فلما وجدنا الناس قد يطلقون الواحدة والثلاث معا ولو ~~كان قوله تعالى الطلاق مرتان اسما للخبر لاستوعب جميع ما تحته ثم وجدنا في ~~الناس من يطلق لا على الوجه المذكور في الآية علمنا أنه لم يرد الخبر وأنه ~~تضمن أحد معنيين إما الأمر بتفريق الطلاق متى أردنا الإيقاع أو الإخبار عن ~~المسنون المندوب إليه منه وأولى الأشياء حمله على الأمر إذ قد ثبت أنه لم ~~يرد به حقيقة الخبر لأنه حينئذ يصير بمعنى قوله طلقوا مرتين متى أردتم ~~الطلاق وذلك يقتضي الإيجاب وإنما ينصرف إلى الندب بدلالة ويكون كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى والتشهد في كل ركعتين وتمكن ~~وخشوع فهذه صيغة الخبر والمراد الأمر بالصلاة على هذه الصفة وعلى أنه إن ~~حمل على أن المراد بيان المسنون من الطلاق كانت دلالته قائمة على حظر جمع ~~الإثنين والثلاث لأن قوله الطلاق مرتان منتظم لجميع الطلاق المسنون فلا ~~يبقى شيء من مسنون الطلاق إلا وقد انطوى تحت هذا اللفظ فإذا ما خرج عنه فهو ~~على خلاف السنة فثبت بذلك أن من جمع اثنتين أو ثلاثا ms0607 في كلمة فهو مطلق لغير ~~السنة فانتظمت هذه الآية الدلالة على معان منها أن مسنون الطلاق التفريق ~~بين إعداد الثلاث إذا أراد أن يطلق ثلاثا ومنها أن له أن يطلق اثنتين في ~~مرتين ومنها أن ما دون الثلاث تثبت معه الرجعة ومنها أنه إذا طلق اثنتين في ~~الحيض وقعتا لأن الله قد حكم بوقوعهما ومنها أنه نسخ هذه الآية الزيادة على ~~الثلاث على ما روي عن ابن عباس وغيره إنهم كانوا يطلقون ما شاؤا من العدد ~~ثم يراجعون فقصروا على الثلاث ونسخ به ما زاد ففي هذه الآية دلالة على حكم ~~العدد المسنون من الطلاق وليس فيها ذكر الوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق وقد ~~بين الله ذلك في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وبين لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلاق العدة فقال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ما هكذا أمرك الله ~~إنما طلاق العدة أن تطلقها طاهرا من غير جماع PageV02P074 أو حاملا وقد ~~استبان حملها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء فكان طلاق السنة ~~معقودا بوصفين أحدهما العدد والآخر الوقت فأما العدد فأن لا يزيد في طهر ~~واحد على واحدة وأما الوقت فأن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد ~~استبان حملها وقد اختلف أهل العلم في طلاق السنة لذوات الإقراء فقال ~~أصحابنا أحسن الطلاق أن يطلقها إذا طهرت قبل الجماع ثم يتركها حتى تنقضي ~~عدتها وإن أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة قبل الجماع وهو قول ~~الثوري وقال أبو حنيفة وبلغنا عن إبراهيم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة ~~وأن هذا عندهم أفضل من أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر واحدة وقال مالك ~~وعبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون والليث بن سعد والحسن بن صالح والأوزاعي ~~طلاق السنة أن يطلقها في طهر قبل الجماع تطليقة واحدة ويكرهون أن يطلقها ~~ثلاثا في ثلاثة أطهار لكنه إن لم ms0608 يرد رجعتها تركها حتى تنقضي عدتها من ~~الواحدة وقال الشافعي فيما رواه عنه المزني لا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثا ~~ولو قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة وهي طاهر من غير جماع طلقت ثلاثا معا قال ~~أبو بكر فنبدأ بالكلام على الشافعي في ذلك فنقول إن دلالة الآية التي ~~تلوتها ظاهرة في بطلان هذه المقالة لأنها تضمنت الأمر بإيقاع الإثنتين في ~~مرتين فمن أوقع الإثنتين في مرة فهو مخالف لحكمها ومما يدل على ذلك قوله ~~تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم وظاهره يقتضي تحريم الثلاث لما فيها ~~من تحريم ما أحل لنا من الطيبات والدليل على أن الزوجات قد تناولهن هذا ~~العموم قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فوجب بحق العموم حظر ~~الطلاق الموجب لتحريمها ولولا قيام الدلالة في إباحة إيقاع الثلاث في وقت ~~السنة وإيقاع الواحدة لغير المدخول بها لاقتضت الآية حظره ومن جهة أخرى من ~~دلائل الكتاب أن الله تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب عليها العدة لا ~~مقرونا بذكر الرجعة منها قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف وقوله ~~تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقوله تعالى وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف فلم يبح ~~الطلاق المبتدأ لذوات العدد إلا مقرونا بذكر الرجعة وحكم الطلاق مأخوذ من ~~هذه الآيات لولاها لم يكن الطلاق من أحكام الشرع فلم يجز لنا إثباته مسنونا ~~إلا على هذه PageV02P075 الشريطة وبهذا الوصف وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد وأقل أحوال هذا اللفظ حظر خلاف ما ~~تضمنته الآيات التي تلونا من إيقاع الطلاق المبدأ مقرونا بما يوجب الرجعة ~~ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~القعنبي عن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0609 عن ذلك ~~فقال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك ~~بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة أمر الله أن يطلق لها النساء ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عنبسة قال حدثنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبدالله عن أبيه أنه ~~طلق امرأته وهي حئض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ~~ثم تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله ~~فذكر سالم في رواية الزهري عنه ونافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو ~~أمسك وروي عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر مثله وروى يونس وأنس بن ~~سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أره أن يراجعها حتى تطهر ثم قال إن شاء طلق وإن شاء أمسك والأخبار الأول ~~لما فيها من الزيادة ومعلوم أن جميع ذلك إنما ورد في قصة واحدة وإنما ساوى ~~بعضهم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه وحذف بعضهم ذكر الزيادة ~~إغفالا أو نسيانا فوجب استعماله بما فيه من زيادة ذكر الحيضة إذ لم يثبت أن ~~الشارع صلى الله عليه وسلم قال ذلك عاريا من ذكر الزيادة وذكره مرة مقرونا ~~بها إذ كان فيه إثبات القول منه في حالين وهذا مما لا نعلمه فغير جائز ~~إثباته وعلى أنه لو كان الشارع صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك في حالين لم ~~يخل من أن يكون المتقدم منهما هو الخبر الذي فيه الزيادة والآخر متأخرا عنه ~~فيكون ناسخا له وأن يكون الذي لا زيادة فيه هو المتقدم ms0610 ثم ورد بعده ذكر ~~الزيادة فيكون ناسخا للأول بإثبات الزيادة ولا سبيل لنا إلى العلم بتاريخ ~~الخبرين لا سيما وقد أشار الجميع من الرواة إلى قصة واحدة فإذا لم يعلم ~~التاريخ وجب إثبات الزيادة من وجهين أحدهما أن كل شيئين لا يعلم تاريخهما ~~فالواجب الحكم بهما معا ولا يحكم بتقدم أحدهما على الآخر كالغرقى والقوم ~~يقع عليهم البيت وكما نقول في البيعين PageV02P076 من قبل رجل واحد إذا ~~قامت عليهما البينة ولم يعلم تاريخهما فيحكم بوقوعهما معا فكذلك هذان ~~الخبران وجب الحكم بهما معا إذ لم يثبت لهما تاريخ فلم يثبت الحكم إلا ~~مقرونا بالزيادة المذكورة فيه والوجه الآخر أنه قد ثبت أن الشارع قد ذكر ~~الزيادة وأثبتها وأمر باعتبارها بقوله مره فليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر ثم يطلقها إن شاء لورودها من طرق صحيحة فإذا كانت ثابتة في وقت واحتمل ~~أن تكون منسوخة بالخبر الذي فيه حذف الزيادة واحتمل أن تكون غير منسوخة لم ~~يجز لنا إثبات النسخ بالاحتمال ووجب بقاء حكم الزيادة ولما ثبت ذلك وأمر ~~الشارع صلى الله عليه وسلم بالفصل بين التطليقة الموقعة في الحيض وبين ~~الأخرى التي أمره بإيقاعها بحيضة ولم يبح له إيقاعها في الطهر الذي يلي ~~الحيضة ثبت إيجاب الفصل بين كل تطليقتين بحيضة وأنه غير جائز له الجمع ~~بينهما في طهر واحد لأنه صلى الله عليه وسلم كما أمره بإيقاعها في الطهر ~~ونهاه عنها في الحيض فقد أمره أيضا بأن لا يواقعها في الطهر الذي يلي ~~الحيضة التي طلقها فيه ولا فرق بينهما فإن قيل قد روي عن أبي حنيفة أنه إذا ~~طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر جاز له إيقاع تطليقة أخرى في ذلك الطهر فقد ~~خالف بذلك ما أردت تأكيده من الزيادة المذكورة في الخبر قيل له ذكرنا هذه ~~المسألة في الأصول ومنعه من إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن ~~راجعها حتى يفصل بينهما بحيضة وهذا هو الصحيح والرواية الأخرى غير معمول ~~عليها وقد روي عن النبي صلى ms0611 الله عليه وسلم في النهي عن إيقاع الثلاث ~~مجموعة بما لا مساغ للتأويل فيه وهو ما حدثنا ابن قانع قال حدثنا محمد بن ~~شاذان الجوهري قال حدثنا معلى بن منصور قال حدثنا سعيد بن زريق أن عطاء ~~الخراساني حدثهم عن الحسن قال حدثنا عبدالله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة ~~وهي حائض ثم راد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرئين الباقيين فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد ~~أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء فأمرني رسول الله ~~فراجعتها وقال إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك فقلت يا رسول الله ارأيت ~~لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها قال لا كانت تبين وتكون معصية ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم نصا في هذا الحديث بكون الثلاث معصية فإن قيل لما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في سائر أخبار ابن عمر حين ذكر الطهر الذي هو ~~وقت لإيقاع طلاق السنة ثم ليطلقها إن شاء ولم يخصص ثلاثا مما دونها كان ذلك ~~إطلاقا للإثنتين والثلاث معا قيل PageV02P077 له لما ثبت بما قدمنا من ~~إيحابه الفصل بين التطليقتين بحيضة ثم عطف عليه بقوله ثم ليطلقها إن شاء ~~علمنا أنه إنما أراد واحدة لا أكثر منها لاستحالة إرادته نسخ ما أوجبه بديا ~~من إيجابه الفصل بينهما وما اقتضاه ذلك من حظر الجمع بين تطليقتين إذ غير ~~جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد لأن النسخ لا يصح إلا بعد استقرار ~~الحكم والتمكن من الفعل ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول في خطاب واحد قد أبحت ~~لكم ذا الناب من السباع وقد حظرته عليكم لأن ذلك عبث والله تعالى منزه عن ~~فعل العبث وإذا ثبت ذلك علمنا أن قوله ثم ليطلقها إن شاء مبني على ما تقدم ~~من حكمه في ابتداء الخطاب وهو أن لا يجمع بين اثنتين في طهر واحد وأيضا فلو ~~خلا هذا اللفظ من دلالة ms0612 حظر الجمع بين التطليقتين في طهر واحد لما دل على ~~إباحته لوروده مطلقا عاريا من ذكر ما تقدم لأن قوله ثم ليطلقها إن شاء لم ~~يقتض اللفظ أكثر من واحد وكذلك نقول في نظائر ذلك من الأوامر أنه إنما ~~يقتضي أدنى ما يتناوله الاسم وإنما يصرف إلى الأكثر بدلالة كقول الرجل لآخر ~~طلق امرأتي إن الذي يجوز له إيقاعه بالأمر إنما هو تطليقة واحدة لا أكثر ~~منها وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لعبده تزوج أنه يقع على امرأته واحدة فإن ~~تزوج اثنتين لم يجز نكاح واحدة منهما إلا أن يقول المولى أردت اثنتين وكذلك ~~قوله فليطلقها إن شاء لم يقتض إلا تطليقة واحدة وما زاد عليها فإنما يثبت ~~بدلالة فهذا الذي قدمناه من دلالة الكتاب والسنة على حظر جمع الثلاث ~~والإثنتين في كلمة واحدة قد ورد بمثله اتفاق السلف من ذلك ما روى الأعمش عن ~~أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله أنه قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة ~~واحدة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وقال إبراهيم مثل ~~ذلك وروى زهير عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله قال من أراد الطلاق ~~الذي هو الطلاق فليطلق عند كل طهر من غير جماع فإن بدا له أن يراجعها وأشهد ~~رجلين وإذا كانت الثانية في مرة أخرى فكذلك فإن الله تعالى يقول الطلاق ~~مرتان وروى ابن سيرين عن علي قال لو أن الناس أصابوا أحد الطلاق ما ندم أحد ~~على امرأة يطلقها وهي طاهر من غير جماع أو حاملا قد تبين حملها فإذا بدا له ~~أن يراجعها راجعها وإن بدا له أن يخلي سبيلها وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن ~~عبدالله بن كثير عن مجاهد PageV02P078 قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال ~~له إنه طلق امرأته ثلاثا قال فسكت ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال ~~يطلق أحدكم فيركب ms0613 الحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى ~~قال ومن يتق الله يجعل له مخرجا وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ~~ربك وبانت منك امرأتك وإن الله تعالى قال يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن أي قبل عدتهن وعن عمران بن حصين أن رجلا قال له إني طلقت ~~امرأتي ثلاثا فقال أثمت بربك وحرمت عليك امرأتك وأبو قلابة قال سئل ابن عمر ~~عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فقال لا أرى من فعل ذلك إلا قد ~~حرج وروى ابن عون عن الحسن قال كانوا ينكلون من طلق امرأته ثلاثا في مقعد ~~واحد وروي عن ابن عمران أنه كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس ~~واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما فقد ثبت عن هؤلاء الصحابة حظر جمع الثلاث ولا ~~يروى عن أحد من الصحابة خلافه فصار إجماعا فإن قيل قد روي أن عبدالرحمن بن ~~عوف طلق امرأته ثلاثا في مرضه وإن ذلك لم يعب عليه ولو كان جمع الثلاث ~~محظورا لما فعله وتركهم النكير عليه دليل على أنهم رأوه سائغا له قيل له ~~ليس في الحديث الذي ذكرت ولا في غيره أنه طلق ثلاثا في كلمة واحدة وإنما ~~أراد أنه طلقها ثلاثا على الوجه الذي جوز عليه الطلاق وقد بين ذلك في ~~أحاديث رواها جماعة عن الزهري عن طلحة بن عبدالله بن عوف أن عبدالرحمن بن ~~عوف طلق امرأته تماضر تطليقتين ثم قال لها في مرضه إن أخبرتني بطهرك ~~لأطلقنك فبين في هذا الحديث أنه لم يطلقها ثلاثا مجتمعة وقد روي في حديث ~~فاطمة بنت قيس شبيها بهذا وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان بن يزيد العطار قال حدثنا يحيى بن ~~أبي كثير قال حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن فاطمة بنت قيس حدثته أن أبا ~~حفص بن المغيرة طلقها وأن خالد بن الوليد ونفر ms0614 من بني مخزوم أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله إن أبا حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا ~~وإنه ترك لها نفقة يسيرة فقال لا نفقة لها وساق الحديث فيقول المحتج لإباحة ~~إيقاع الثلاث معا بأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنه طلقها ثلاثا ~~فلم ينكره وهذا خبر قد أجمل فيه ما فسر في غيره وهو ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد الرملي قال حدثنا الليث عن عقيل ~~عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها أخبرته أنها كانت عند ~~PageV02P079 أبي حفص بن المغيرة وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث ~~تطليقات فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث قال أبو ~~داود وكذلك رواه صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري ~~فبين في هذا الحديث ما أجمل في الحديث الذي قبله أنه إنما طلقها آخر ثلاث ~~تطليقات وهو أولى لما فيه من الإخبار عن حقيقة الأمر والأول فيه ذكر الثلاث ~~ولم يذكر إيقاعهن معا فهو محمول على أنه فرقهن على ما ذكر في هذا الحديث ~~الذي قبله فثبت بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة واتفاق السلف أن جمع ~~الثلاث محظور فإن قيل فيما قدمناه من دلالة قوله تعالى الطلاق مرتان على ~~حظر جمع الإثنتين في كلمة واحدة أنه من حيث دل على ما ذكرت فهو دليل على أن ~~له أن يطلقها في طهر واحد مرتين إذ ليس في الآية كفريقهما في طهرين وفيه ~~إباحة تطليقتين في مرتين وذلك يقتضي إباحة تفريق الإثنتين في طهر واحد وإذا ~~جاز ذلك في طهر واحد جاز جمعهما بلفظ واحد إذ لم يفرق أحد بينهما قيل له ~~هذا غلط من قبل أن ذلك اعتبار يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ ورفعه رأسا وإزالة ~~فائدته وكل قول يؤدي إلى رفع حكم اللفظ فهو ساقط وإنما صار مسقطا لفائدة ~~اللفظ وإزالة حكمه من ms0615 قبل أن قوله تعالى الطلاق مرتان قد اقتضى تفريق ~~الإثنتين وحظر جمعهما في لفظ واحد على ما قدمنا من بيانه وإباحتك لتفريقهما ~~في طهر واحد يؤدي إلى إباحة جمعهما في كلمة واحدة وفي ذلك رفع حكم اللفظ ~~ومتى حظرنا تفريقهما وجمعهما في طهر واحد وأبحناه في طهرين فليس فيه وقع ~~حكم اللفظ بل فيه استعماله على الخصوص في بعض المواضع دون بعض فلم يؤد ~~قولنا بالتفريق في طهرين إلى رفع حكمه وإنما أوجب تخصيصه إذ كان اللفظ ~~موجبا للتفريق واتفق الجميع على أنه إذا أوجب التفريق فرقهما في طهرين ~~فخصصنا تفريقهما في طهر واحد بدلالة الاتفاق مع استعمال حكم اللفظ ومتى ~~أبحنا التفريق في طهر واحد أدى ذلك إلى رفع حكم اللفظ رأسا حتى يكون ذكره ~~للطلاق مرتين وتركه سواء وهذا قول ساقط مردود واحتج من أباح ذلك أيضا بحديث ~~عويمر العجلاني حين لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته فلما ~~فرغا من لعانهما قال كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا ففارقها قبل أن ~~يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما قال فلما لم ينكر الشارع صلى الله ~~عليه وسلم إيقاع الثلاث معا دل على إباحته وهذا الخبر لا يصح للشافعي ~~الاحتجاج به لأن من مذهبه PageV02P080 أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج ~~قبل لعان المرأة فبانت منه ولم يلحقها طلاق فكيف كان ينكر عليها طلاقا لم ~~يقع ولم يثبت حكمه فإن قيل فما وجهه على مذهبك قيل له جائز أن يكون ذلك قبل ~~أن يسن الطلاق للعدة ومنع الجمع بين التطليقات في طهر واحد فلذلك لم ينكر ~~عليه الشارع صلى الله عليه وسلم وجائز أيضا أن تكون الفرقة لما كانت مستحقة ~~من غير جهة الطلاق لم ينكر عليه إيقاعها بالطلاق وأما من قال سنة الطلاق أن ~~لا يطلق إلا واحدة وهو ما حكيناه عن مالك بن أنس والليث والحسن بن حي ~~والأوزاعي فإن الذي يدل على إباحة الثلاث في الأطهار المتفرقة قوله تعالى ~~الطلاق مرتان فإمساك ms0616 بمعروف أو تسريح بإحسان وفي ذلك إباحة لإيقاع الإثنتين ~~ولما اتفقنا على أنه لا يجمعهما في طهر واحد وجب استعمال حكمهما في الطهرين ~~وقد روي في قوله تعالى أو تسريح بإحسان أنه للثالثة وفي تخيير له في إيقاع ~~الثلاث قبل الرجعة ويدل عليه قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن قد انتظم إيقاع الثلاث للعدة وذلك لأنه معلوم أن المراد ~~لأوقات العدة كما بينه الشارع صلى الله عليه وسلم في قوله يطلقها طاهرا من ~~غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها ~~النساء وإذا كان المراد به أوقات الأطهار تناول الثلاث كقوله تعالى أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس قد عقل منه تكرار فعل الصلاة لدلوكها في سائر الأيام ~~كذلك قوله فطلقوهن لعدتهن لما كان عبارة عن أوقات الأطهار اقتضى تكرار ~~الطلاق في سائر الأوقات وأيضا لما جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الأول ~~لأنها طاهر من غير جماع طهرا لم يوقع فيه طلاقا جاز إيقاعه في الطهر الثاني ~~لهذه العلة وأيضا لما اتفقوا على أنه لو راجعها جاز له إيقاع الطلاق في ~~الطهر الثاني وجب أن يجوز ذلك له إذا لم يراجعها لوجود المعنى الذي من أجله ~~جاز إيقاعه في الطهر الأول إذ لا حظ للرجعة في إباحة الطلاق ولا في حظره ~~ألا ترى أنه لو راجعها ثم جامعها في ذلك الطهر لم يجز له إيقاع الطلاق فيه ~~ولم يكن للرجعة تأثير في إباحته فوجب أن يجوز له أن يطلقها في الطهر الثاني ~~قبل الرجعة كما جاز له ذلك لو لم يراجع فإن قيل لا فائدة في الثانية ~~والثالثة لأنه إن أراد أن يبينها أمكنه ذلك بالواحدة بأن يدعها حتى تنقضي ~~عدتها وقال تعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا وهذا هو ا لفرق بينه إذا ~~راجعها أو لم يراجعها في إباحة الثانية والثالثة إذا راجع وحظرهما إذا لم ~~يراجع قيل له في إيقاع الثانية PageV02P081 والثالثة فوائد بتعجلها لو لم ~~يوقع الثانية ms0617 والثالثة لم تحصل له وهو أن تبين منه بإيقاع الثالثة قبل ~~انقضاء عدتها فيسقط ميراثها منه لو مات ويتزوج أختها وأربعا سواها على قول ~~من يجيز ذلك في العدة فلم يخل في إيقاع الثانية والثالثة من فوائد وحقوق ~~تحصل له فلم تكن لغوا مطرحا وجاز من أجلها إيقاع ما بقي من طلاقها في أوقات ~~السنة كما يجوز ذلك لو راجعها وبالله التوفيق # | ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال # قال أبو بكر رحمه الله اتفق السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار على أن ~~الزوجين المملوكين خارجان من قوله تعالى @QB@ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان @QE@ واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق فقال علي ~~وعبدالله الطلاق بالنساء يعني أن المرأة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث حرا كان ~~زوجها أو عبدا وأنها إن كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح وقال عثمان ~~وزيد بن ثابت وابن عباس الطلاق بالرجال يعنون أن الزوج إن كان عبدا فطلاقه ~~اثنتان سواء كانت الزوجة حرة أو أمة وإن كان حرا فطلاقه ثلاث حرة كانت ~~الزوجة أو أمة وهو قول مالك والشافعي وقال ابن عمر أيهما رق نقص الطلاق ~~برقه وهو قول عثمان البتي وقد روى هشيم عن منصور بن زادان عن عطاء عن ابن ~~عباس قال الأمر إلى المولى في الطلاق أذن له العبد أو لم يأذن ويتلو هذه ~~الآية ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء روى هشام عن أبي الزبير ~~عن أبي معبد مولى ابن عباس أن غلاما كان لابن عباس طلق امرأته تطليقتين ~~فقال له ابن عباس ارجعها لا أم لك فإنه ليس لك من الأمر شيء فأبى فقال هي ~~لك فاتخذها فهذا يدل على أنه رأى طلاقه واقعا لولاه لم يقل له ارجعها وقوله ~~هي لك يدل على أنها كانت أمة وجائز أن يكون الغلام حرا لأنهما إذا كان ~~امملوكين فلا خلاف أن رقهما ينقص الطلاق ms0618 وقد روي في ذلك حديث يدل على أنه ~~كان لا يرى طلاق العبد شيئا ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد قال حدثنا علي بن المبارك قال حدثنا يحيى بن أبي كثير أن عمر ~~بن معتب أخبره أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في ~~مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم أعتقا بعد PageV02P082 ذلك هل يصلح ~~له أن يخطبها بعد ذلك قال نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~أبو داود وقد سمعت أحمد بن حنبل قال قال عبدالرزاق قال ابن المبارك لعمر من ~~أبو حسن هذا لقد تحمل صخرة عظيمة قال أبو داود وأبو حسن هذا روى عنه الزهري ~~وكان من الفقهاء قال أبو بكر وهذا الحديث يرده الإجماع لأنه لا خلاف بين ~~الصدر الأول ومن بعدهم من الفقهاء أنهما إذا كانا مملوكين أنها تحرم ~~بالإثنتين ولا تحل له إلا بعد زوج والذي يدل على أن الطلاق بالنساء حديث ~~ابن عمر وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة تطليقتان وعدتها ~~حيضتان وقد تقدم ذكر سنده وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة ~~وإن كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر لأن ما تلقاه الناس ~~بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع ~~ولم يفرق الشارع في قله وعدتها حيضتان بين من كان زوجها حرا أو عبدا فثبت ~~بذلك اعتبار الطلاق بها دون الزوج ودليل آخر هو أنه لما اتفق الجميع على أن ~~الرق يوجب نقص الطلاق كما يوجب نقص الحد ثم كان الاعتبار في نقصان الحد برق ~~من يقع به دون من يوقعه وجب أن يعتبر نقصان الطلاق برق من يقع به دون من ~~يوقعه وهو المرأة ويدل عليه أنه لا يملك تفريق الثلاث عليها على الوجه ~~المسنون وإن كان حرا إذا ms0619 كانت الزوجة أمة ألا ترى أنه إذا أراد تفريق ~~الثلاث عليها في أطهار متفرقة لم يمكنه إيقاع الثالثة بحال فلو كان مالكا ~~للجميع لملك التفريق على الوجه المسنون كما لو كانت حرة وفي ذلك دليل على ~~أنه غير مالك للثلاث إذا كانت الزوجة أمة والله أعلم # | ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا # قال أبو بكر قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~الآية يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها وذلك لأن قوله الطلاق ~~مرتان قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنين بأن يقول أنت طالق أنت طالق في طهر ~~واحد وقد بينا أن ذلك خلاف السنة فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع ~~الإثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا لأن أحدا لم ~~يفرق بينهما وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله تعالى @QB@ فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الإثنتين ~~ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار PageV02P083 فوجب الحكم ~~بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور فإن ~~قيل قدمت بديا في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه والمأمور به ~~من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك فكيف نحتج بها في ~~إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا الوجه قيل له قد ~~دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الإثنتين والثلاث لغير السنة وأن ~~المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار وليس يمتنع أن يكون مراد الآية ~~جميع ذلك ألا ترى أنه لوقال طلقوا ثلاثا في الأطهار وإن طلقتم جميعا معا ~~وقعن كان جائزا وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما ~~فإن قيل معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله فطلقوهن لعدتهن وقد بين ~~الشارع الطلاق للعدة وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث ~~ومتى خالف ذلك لم ms0620 يقع طلاقه قيل له نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من ~~أحكامهما فنقول إن المندوب إليه المأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في ~~هذه ا لآية وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضه الآية الأخرى ~~وهي قوله تعالى الطلاق مرتان وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد إذ ~~ليس في قوله فطلقوهن نفي لما اقتضته هذه الآية الأخرى على أن في فحوى الآية ~~التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة وهو قوله ~~تعالى فطلقوهن لعدتهن إلى قوله تعالى وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه ~~ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير ~~العدة ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب ومن يتق الله يجعل له مخرجا يعني ~~والله أعلم أنه إذا أوقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن ~~لحقه ندم وهو الرجعة وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي ~~سأله وقد طلق ثلاثا إن الله يقول ومن يتق الله يجعل له مخرجا وإنك لم تتق ~~الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك ولذلك قال علي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته ~~فإن قيل لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع إذ ليس هو الطلاق ~~المأمور به كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم ~~يقع إذا جمعهن في طهر واحد قيل له أما كونه عاصيا في الطلاق PageV02P084 ~~فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف ومع ذلك فإن الله جعل الظهار ~~منكرا من القول وزورا وحكم مع ذلك بصحة وقوعه فكونه عاصيا لا يمنع لزوم ~~حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام ولم يمنع عصيانه من لزوم ms0621 حكمه ~~وفراق امرأته وقد نهاه الله عن مراجعتها ضرارا بقوله تعالى ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته وأما ~~الفرق بينه وبين الوكيل فهو أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر وليس يطلق ~~لنفسه ولا يملك ما يوقعه ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق ~~وأحكامه فلما لم يكن مالكا لما يوقعه وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر ~~إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر وأما الزوج فهو ~~مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان ~~مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار ~~والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا ألا ترى أنه لو وطئ أم امرأته بشبهة ~~حرمت عليه امرأته وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من ~~الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك ويدل ~~عليه من جهة السنة حديث ابن عمر الذي ذكرنا سنده حين قال أرأيت لو طلقتها ~~ثلاثا أكان لي أن أراجعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا كانت تبين ~~ويكون معصية وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا جرير بن حازم ~~عن الزبير بن سعيد عن عبدالله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه ~~طلق امرأته البتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أردت بالبتة ~~قال واحدة قال آلله قال آلله قال هو على ما أردت فلو لم تقع الثلاث إذا ~~أراها لما استحلفه بالله ما أراد إلا واحدة وقد تقدم ذكر أقاويل السلف فيه ~~وأنه يقع وهو معصية فالكتاب والسنة وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معا وإن ~~كانت معصية وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه قال كان الحجاج بن أرطاة ~~خشنا وكان يقول طلاق الثلاث ليس بشيء وقال محمد بن إسحاق الطلاق الثلاث ms0622 ترد ~~إلى الواحدة واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال ~~طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس فحزن عليها حزنا شديدا فسأله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها فقال طلقتها ثلاثا قال في مجلس ~~واحد قال نعم قال فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال فرجعتها وبما روى أبو ~~عاصم عن ابن جريج عن PageV02P085 ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن ~~عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة قال نعم وقد قيل أن هذين الخبرين ~~منكران وقد روى سعيد بن جبير ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس والنعمان بن ~~أبي عياش كلهم عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه ~~امرأته وقد روى حديث أبي الصهباء على غير هذا الوجه وهو أن ابن عباس قال ~~كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من ~~خلافة عمر واحدة فقال عمر لو أجزناه عليهم وهذا معناه عندنا أنهم إنما ~~كانوا يطلقون ثلاثا فأجازها عليهم وقد روى ابن وهب قال أخبرني عياش بن ~~عبدالله الفهري عن ابن شهاب عن سهل بن سعد أن عويمر العجلاني لما لاعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته قال عويمر كذبت عليها يا رسول ~~الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليه وما قدمنا من ~~دلالة الآية والسنة والاتفاق يوجب إيقاع الطلاق في الحيض وإن كان معصية ~~وزعم بعض الجهال ممن لا يعد خلافه أنه لا يقع إذا طلق في الحيض واحتج بما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه ms0623 سمع عبدالرحمن بن ~~أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال كيف ترى في رجل طلق ~~امرأته حائضا فقال طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبدالله طلق وهي ~~حائض فقال فردها علي ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قيل له ~~هذا غلط فقد رواه جماعة عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة من ذلك ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا يزيد بن ~~إبراهيم عن محمد بن سيرين قال حدثنا يونس بن جبير قال سألت عبدالله بن عمر ~~قال قلت رجل طلق امرأته وهي حائض قال تعرف عبدالله بن عمر قلت نعم قال فإنه ~~طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال مره ~~فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها قال قلت فيعتد بها قال فمه أرأيت إن ~~عجزوا ستحمق فهذا خبر ابن عمر في هذا الحديث أنه اعتد بتلك التطليقة ومع ~~ذلك فقد روي في سائر أخبار ابن عمر أن الشارع أمره بأن يراجعها ولو لم يكن ~~الطلاق واقعا لما احتاج إلى الرجعة وكانت لا تصح PageV02P086 رجعته لأنه لا ~~يجوز أن يقال راجع امرأته ولم يطلقها إذ كانت الرجعة لا تكون إلا بعد ~~الطلاق ولو صح ما روي أنه لم يره شيئا كان معناه أنه لم يبنها منه بذلك ~~الطلاق ولم تقع الزوجية قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال أبو ~~بكر لما كانت الفاء للتعقيب وقال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان اقتضى ذلك كون الإمساك المذكور بعد الطلاق وهذا الإمساك إنما هو ~~الرجعة لأنه ضد الطلاق وقد كان وقوع الطلاق موجبه التفرقة عند انقضاء العدة ~~فسمى الله الرجعة إمساكا لبقاء النكاح بها بعد مضي ثلاث حيض ورفع حكم ~~البينونة المتعلقة بانقضاء العدة وإنما أباح له إمساكها على وصف وهو أن ~~يكون بمعروف ms0624 وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل فلا يقصد به ضرارها على ما ذكره ~~في قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وإنما أباح له الرجعة على هذه ~~الشريطة ومتى أرجع بغير معروف كان عاصيا فالرجعة صحيحة بدلالة قوله تعالى ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه فلولا صحة الرجعة لما ~~كان لنفسه ظالما بها وفي قوله تعالى فإمساك بمعروف دلالة على وقوع الرجعة ~~بالجماع لأن الإمساك على النكاح إنما هو الجماع وتوابعه من اللمس والقبلة ~~ونحوها والدليل عليه أن من يحرم عليه جماعها تحريما مؤبدا لا يصح له عقد ~~النكاح عليها فدل ذلك على أن الإمساك على النكاح مختص بالجماع فيكون ~~بالجماع ممسكا لها وكذلك اللمس والقبلة للشهوة والنظر إلى الفرج شهموه إذ ~~كانت صحة عقد النكاح مختصة باستباحة هذه الأشياء فمتى فعل شيئا من ذلك كان ~~ممسكا لها بعموم قوله تعالى فإمساك بمعروف وأما قوله أو تسريح بإحسان فقد ~~قيل فيه وجهان أحدهما أن المراد به الثالثة وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث غير ثابت من طريق النقل ويرده الظاهر أيضا وهو ما حدثنا اعبدالله ~~بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا ~~عبدالرازق قال أخبرنا الثوري عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال قال رجل ~~يا رسول الله أسمع الله يقول الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~فأين الثالثة قال التسريح بإحسان وقد روي عن جماعة من السلف منهم السدي ~~والضحاك أنه تركها حتى تنقضي عدتها وهذا التأويل أصح إذ لم يكن الخبر ~~المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ثابتا وذلك من وجوه أحدها أن ~~سائر المواضع الذي ذكره الله فيها عقيب الطلاق الإمساك والفراق فإنما أراد ~~به ترك الرجعة PageV02P087 حتى تنقضي عدتها منه قوله تعالى وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف والمراد بالتسريح ترك ~~ا لرجعة إذ معلوم أنه لم يرد فأمسكوهن بمعروف أو طلقوهن واحدة أخرى ومنه ~~قوله تعالى ms0625 فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ولم يرد به ~~إيقاعا مستقبلا وإنما أراد به تكرها حتى تنقضي عدتها والجهة الأخرى أن ~~الثالثة مذكورة في نسق الخطاب في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فإذا كانت الثالثة مذكورة في صدر هذا الخطاب مفيدة ~~للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج وجب حمل قوله تعالى أو تسريح بإحسان ~~على فائدة مجددة وهي وقوع البينونة بالإثنتين بعد انقضاء العدة وأيضا لما ~~كان معلوما أن المقصد فيه عدد الطلاق الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من ~~إيقاع الطلاق وبلا عدد محصور فلو كان قوله تعالى أو تسريح بإحسان هو ~~الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه لما ~~دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج وإنما علم التحريم بقوله ~~تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فوجب أن لا يكون ~~قوله تعالى أو تسريح بإحسان هو الثالثة وأيضا لو كان التسريح بإحسان هو ~~الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى فإن طلقها عقيب ذلك هي الرابعة لأن الفاء ~~للتعقيب قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى ~~أو تسريح بإحسان هو تركها حتى تنقضي عدتها قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره منتظم لمعان منها تحريمها على المطلق ثلاثا حتى ~~تنكح زوجا غيره مفيد في شرط ارتفاع التحريم الواقع بالطلاق الثلاث العقد ~~والوطء جميعا لأن النكاح هو الوطء في الحقيقة وذكر الزوج يفيد العقد وهذا ~~من الإيجاز والاقتصار على الكناية المفهمة المغنية عن التصريح وقد وردت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبار مستفيضة في أنها لا تحل للأول حتى يطأها ~~الثاني منها حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته ~~ثلاثا فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت يا نبي الله إنها كانت تحت رفاعة ms0626 فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت ~~بعده عبدالرحمن بن الزبير وإنه يا رسول الله ما معه إلا مثل هدبة الثوب ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ~~لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك PageV02P088 وروى ابن عمر وأنس بن مالك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولم يذكرا قصة امرأة رفاعة وهذه أخبار ~~وقد تلقاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء على استعمالها فهي عندنا في حيز ~~التواتر ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلا شيء يروى عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال إنها تحل للأول بنفس عقد النكاح دون الوطء ولم نعلم أحدا تابعه عليه ~~فهو شاذ وقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره غاية التحريم الموقع بالثلاث فإذا ~~وطئها الزوج الثاني ارتفع ذلك التحريم الموقع وبقي التحريم من جهة إنها تحت ~~زوج كسائر النساء الأجنبيات فمتى فارقها الثاني وانقضت عدتها حلت للأول ~~وقوله تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا مرتب على ما أوجب من ~~العدة على المدخول بها في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~وقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ونحوها من الآي ~~الحاظرة للنكاح في العدة وقوله تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ~~نص على ذكر الطلاق ولا خلاف أن الحكم في إباحتها للزوج الأول غير مقصور على ~~الطلاق وأن سائر الفرق الحادثة بينهما من نحو موت أو ردة أو تحريم بمنزلة ~~الطلاق وإن كان المذكور نفسه هو الطلاق وفيه الدلالة أيضا على جواز النكاح ~~بغير ولي لأنه أضاف التراجع إليها من غير ذكر الولي وفيه أحكام أخر نذكرها ~~عند ذكرنا لأحكام الخلع بعد ذلك ولكنا قدمنا ذكر الثالثة لأنه يتصل به في ~~المعنى بذكر الإثنتين وإن تخللهما ذكر الخلع وبالله التوفيق # | باب الخلع # قال الله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما ~~أعطاها إلا ms0627 على الشريطة كما أن قوله تعالى ولا تقل لهما أف قد دل على حظر ~~ما فوقه من ضرب أو شتم وقوله تعالى إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله قال ~~طاوس يعني فيما افترض على كل واحد منهما في العشرة والصحبة وقال القاسم بن ~~محمد مثل ذلك وقال الحسن هو أن تقول المراة والله لا أغتسل لك من جنابة ~~وقال أهل اللغة إلا أن يخافا معناه إلا أن يظنا وقال أبو محجن الثقفي أنشده ~~الفراء رحمه الله تعالى % إذا مت فادفني إلى جب كرمة % تروي عظامي بعد موتي ~~عروقها % PageV02P089 % ولا تدفنني بالعراء فإنني % أخاف إذا مت أن لا ~~أذوقها % وقال آخر % أتاني كلام عن نصيب يقوله % وما خفت يا سلام أنك عائبي ~~% يعني ما ظننت وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين إما أن يكون ~~أحدهما سيء الخلق أو جميعا فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ~~ألزم كل واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وإما أن يكون أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة ~~فيؤدبه ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه وفيما ألزم ~~الزوج من إظهار الميل إلى غيرها في قوله تعالى فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة فإذا وقع أحد هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها لهما ~~حل الخلع وروى جابر الجعفي عن عبدالله بن يحيى عن علي كرم الله وجهه أنه ~~قال كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية إذا قالت له لا أطيع لك ~~أمرا ولا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة وقال المغيرة عن إبراهيم قال ~~لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا أن تعصيه ولا تبر له قسما وإذا ~~فعلت ذلك وكان من قبلها حلت له الفدية وإن أبى أن يقبل منها الفدية وأبت أن ~~تعطيه بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها وذكر علي بن أبي ms0628 طلحة عن ابن ~~عباس قال تركها إقامة حدود الله استخفافا بحق الزوج وسوء خلقها فتقول والله ~~لا أبر لك قسما ولا أطأ لك مضجعا ولا أطيع لك أمرا فإذا فعلت ذلك فقد حل له ~~منها الفدية ولا يأخذ أكثر مما أعطاها شيئا ويخلي سبيلها وإن كانت الإساءة ~~من قبلها ثم قال فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا يقول إن ~~كان عن غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى وقد اختلف في ~~نسخ هذه الآية فروى حجاج عن عقبة بن أبي الصهباء قال سألت بكر بن عبدالله ~~عن رجل تريد منه امرأته الخلع قال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت له يقول ~~الله في كتابه فلا جناح عليهما فيما افتدت به قال هذه نسخت بقوله وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهم قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا وروى أبو ~~عاصم عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت إذا كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى ~~الخلع أيحل له قال لا إما أن يرضى فيمسك وإما أن يسرح قال أبو بكر وهو قول ~~شاذ يرده ظاهر الكتاب والسنة واتفاق PageV02P090 السلف ومع ذلك فليس في ~~قوله وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج الآية ما يوجب نسخ قوله تعالى فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لأن كل واحدة ~~منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها فإنما حظر الخلع إذا كان النشوز من ~~قبله وأراد استبدال زوج مكان زوج غيرها وأباحه إذا خافا أن لا يقيما حدود ~~الله بأن تكون مبغضة له أو سيئة الخلق أو كان هو سيء الخلق ولا يقصد مع ذلك ~~الإضرار بها لكنهما يخافان أن لا يقيما حدود الله في حسن العشرة وتوفية ما ~~لزمهما الله من حقوق النكاح وهذه الحال غير تلك فليس في إحداهما ما يعترض ~~به على الأخرى ولا يوجب نسخها ولا تخصيصها أيضا إذ كل واحدة مستعملة فيما ~~وردت فيه وكذلك ms0629 قوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إذا كان ~~خطابا للأزواج فإنما حظر عليهم أخذ شيء من مالها إذا كان النسوز من قبله ~~قاصدا للإضرار بها إلا أن يأتي بفاحشة مبينة فقال ابن سيرين وأبو قلابة ~~يعني أن يظهر منها على زنا وروي عن عطاء والزهري وعمرو بن شعيب إن الخلع لا ~~يحل إلا من الناشز فليس في شيء من هذه الآيات نسخ وجميعها مستعمل والله ~~أعلم # | ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع # روي عن علي رضي الله عنه أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول ~~سعيد بن المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير وروي عن عمر وعثمان وابن عمر ~~وابن عباس ومجاهد وإبرايهم والحسن رواية أخرى أنه جائز له أن يخلعها على ~~أكثر مما أعطاها ولو بعقاصها وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد إذا كان ~~النسوز من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد وإن كان النشوز من ~~قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا فإن فعل جاز في القضاء وقال ابن شبرمة ~~تجوز المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه وإن كانت على إضرار منه لم تجز ~~وقال ابن وهب عن مالك إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق عليها وأنه ظالم لها ~~قضى عليها الطلاق ورد عليها مالها وذكر ابن القاسم عن مالك أنه جائز للرجل ~~أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له وإن كان النشوز من قبل ~~الزوج حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك ولم يكن في ذلك ضرر ~~منه لها وعن الليث نحو ذلك وقال الثوري إذا كان الخلع من قبلها فلا بأس أن ~~يأخذ منها شيئا وإذا PageV02P091 كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ~~وقال الأوزاعي في رجل خالع امرأته وهي مريضة إن كانت ناشزة كان في ثلثها ~~وإن لم تكن ناشزة رد عليها وكانت له عليها الرجعة وإن خالعها ms0630 قبل أن يدخل ~~بها على جميع ما أصدقها ولم يتبين منها نشوز أنهما إذا اجتمعا على فسخ ~~النكاح قبل أن يدخل بها فلا أرى بذلك بأسا وقال الحسن بن حي إذا كانت ~~الإساءة من قبله فليس له أن يخلعها بقليل ولا كثير وإذا كانت الإساءة من ~~قبلها والتعطيل لحقه كان له أن يخالعها على ما تراضيا عليه وكذلك قول عثمان ~~البتي وقال الشافعي إذا كانت المرأة مانعة ما يجب عليها لزوجها حلت الفدية ~~للزوج وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا على غير فراق حل له أن يأكل ما ~~طابت به نفسا وتأخذ الفراق به قال أبو بكر قد أنزل الله تعالى في الخلع ~~آيات منها قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا فهذا يمنع أخذ شيء منها ~~إذا كان النشوز من قبله فلذلك قال أصحابنا لا يحل له أن يأخذ منها في هذه ~~الحال شيئا وقال تعالى في آية أخرى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فاباح في هذه الآية الأخذ عند ~~خوفهما ترك إقامة حدود الله وذلك على ما قدمنا من بغض المرأة لزوجها وسوء ~~خلقها أو كان ذلك منهما فيباح له أخذ ما أعطاها ولا يزداد والظاهر يقتضي ~~جواز أخذ الجميع ولكن ما زاد مخصوص بالسنة وقال تعالى في آية أخرى لا يحل ~~لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة قيل فيه إنه خطاب للزوج وحظر به أخذ شيء مما أعطاها إلا ~~أن تأتي بفاحشة مبينة قيل فيها إنها هي الزنا وقيل فيها إنها النشوز من ~~قبلها وهذه نظير قوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به وقال تعالى في آية أخرى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها وسنذكر حكمها في مواضعها إن شاء ms0631 الله تعالى وذكر ~~الله تعالى إباحة أخذ المهر في غير هذه الآية إلا أنه لم يذكر حال الخلع في ~~قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا وقال وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهذه الآيات كلها ~~مستعملة على مقتضى أحكامها فقلنا إذا كان النشوز من قبله لم يحل له ~~PageV02P092 أخذ شيء منها بقوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا وقوله تعالى ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن وإذا كان النشوز من قبلها أو خافا لسوء ~~خلقها أو بعض كل واحد منهما لصاحبه أن لا يقيما جاز له أن يأخذ ما أعطاها ~~لا يزداد وكذلك ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وقد قيل فيه إلا أن تنشز فيجوز له عند ذلك أخذ ما أعطاها # وأما قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فهذا في ~~غير حال الخلع بل في حال الرضا بترك المهر بطيبة من نفسها به وقول من قال ~~إنه لما أجاز أخذ مالها بغير خلع فهو جائز والخلع خطأ لأن الله تعالى قد نص ~~على الموضعين في أحدهما بالحظر وهو قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج وقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا إلا ~~يقيما حدود الله وفي الآخر بالإباحة وهو قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا فقول القائل لما جاز أن يأخذ مالها بطيبة نفسها من ~~غير الخلع جاز في الخلع قول مخالف لنص الكتاب وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الملع ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة عن ~~حبيبة بنت سهل الأنصارية أنها كانت تحت ثابت بن ms0632 قيس بن الشماس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه قالت أنا حبيبة بنت سهل قال ما ~~شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما جاءه ثابت بن قيس قال له هذه ~~حبيبة بنت سهل فذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة كل ما أعطاني عندي ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت خذ منها فأخذ منها وجلست في أهلها ~~وروي فيه ألفاظ مختلفة في بعضها خلي سبيلها وفي بعضها فارقها وإنما قالوا ~~إنه لا يسعه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها لما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ~~حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن يحيى بن أبي سمينة قال ~~حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رجلا خاصم امرأته ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم تردين إليه ما ~~أخذت منه قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الزيادة فلا ~~وقال أصحابنا لا يأخذ منه الزيادة لهذا الخبر وخصوا به ظاهر الآية وإنما ~~جاز تخصيص هذا الظاهر PageV02P093 بخبر الواحد من قبل أن قوله تعالى فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لفظ محتمل لمعان ~~والاجتهاد سائغ فيه وقد روي عن السلف فيه وجوه مختلفة وكذلك قوله تعالى ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة محتمل لمعان ~~على ما وصفنا فجاز تخصيصه بخبر الواحد وهو كقوله تعالى أ و لامستم النساء ~~وقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن لما كان محتملا للوجوه واختلف ~~السلف في المراد به جاز قبول خبر الواحد في معناه المراد به وإنما قال ~~أصحابنا إذا خلعها على أكثر مما أعطاها أو خلعها على مال والنشوز من قبله ~~أن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه ms0633 فيما بينه وبين الله تعالى من قبل أنه ~~أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وأيضا فإن النهي لم يتعلق بمعنى في ~~نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها ولو ~~كان قد أعطاها مثل ذلك لما كان ذلك مكروها فلما تعلق النهي بمعنى في غير ~~العقد لم يمنع ذلك جواز العقد كالبيع عند أذان الجمعة وبيع حاضر لباد وتلقي ~~الركبان ونحو ذلك وأيضا لما جاز العتق على قليل المال وكثيره وكذلك الصلح ~~عن دم العمد كان كذلك الطلاق وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر المثل ~~وهو بدل البضع كذلك جاز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها لأنه بدل من ~~البضع في الحالين فإن قيل لما كان الخلع فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما ~~وقع عليه العقد كما لا يجوز الإقالة بأكثر من الثمن قيل له قولك إن الخلع ~~فسخ للعقد خطأ وإنما هو طلاق مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل ومع ذلك فلا ~~خلاف أنه ليس بمنزلة الإقالة لأنه لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز ~~بالاتفاق والإقالة غير جائزة بأقل من الثمن ولا خلاف أيضا في جواز الخلع ~~بغير شيء وقد اختلف السلف في الخلع دون السلطان فروي عن الحسن وابن سيرين ~~إن الخلع لا يجوز إلا عند السلطان وقال سعيد بن جبير لا يكون الخلع حتى ~~يعظها فإن اتعظت وإلا هجرها فإن اتعظت وإلا ضربها فإن اتعظت وإلا ارتفعا ~~إلى السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيردان ما يسمعان إلى ~~السلطان فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق وإن رأى أن يجمع جمع وروي عن علي وعمر ~~وعثمان وابن عمر وشريح وطاوس والزهري في آخرين أن الخلع جائز دون السلطان ~~وروى سعيد عن قتادة قال كان زياد أول من PageV02P094 رد الخلع دون السلطان ~~ولا خلاف بين فقهاء ms0634 الأمصاء في جوازه دون السلطان وكتاب الله يوجب جوازه ~~وهو قوله تعالى ولا جناح عليهما فيما افتدت به وقال تعالى ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فأباح الأخذ منها ~~بتراضيهما من غير سلطان وقول النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس ~~أتردين عليه حديقته فقالت نعم فقال للزوج خذها وفارقها يدل على ذلك أيضا ~~لأنه لو كان الخلع إلى السلطان شاء الزوجان أو أبيا إذا علم أنهما لا ~~يقيمان حدود الله لم يسئلهما النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا خاطب ~~الزوج بقوله اخلعها بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته وإن أبيا أو واحد ~~منهما كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم لم يقل للملاعن خل سبيلها ~~بل فرق بينهما كما روى سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين ~~المتلاعنين كما قال في حديث آخر لا سبيل لك عليها ولم يرجع ذلك إلى الزوج ~~فثبت بذلك جواز الخلع دون السلطان ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا يحل مال امرئ إلا بطيبة من نفسه وقد اختلف في الخلع هل هو طلاق أم ليس ~~بطلاق فروي عن عمر وعبدالله وعثمان والحسن وأبي سلمة وشريح وإبراهيم ~~والشعبي ومكحول إن الخلع تطليقة بائنة وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم ~~فيه وروي عن ابن عباس أنه ليس بطلاق حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي ~~بن محمد قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة قال أخبرني عبدالملك بن ميسرة ~~قال سأل رجل طاوسا عن الخلع فقال ليس بشيء فقلت لا تزال تحدثنا بشيء لا ~~نعرفه فقال والله لقد جمع ابن عباس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع ~~ويقال هذا مما أخطأ فيه طاوس وكان كثير الخطأ مع طلالته وفضله وصلاحه يروي ~~أشياء منكرة منها أنه روي عن ابن عباس أنه قال من طلق ثلاثا كانت واحدة ~~وروي من غير وجه عن ابن عباس أن من طلق امرأته عدد ms0635 النجوم بانت منه بثلاث ~~قالوا وكان أيوب يتعجب من كثرة خطأ طاوس وذكر ابن أبي نجيح عن طاوس أنه قال ~~الخلع ليس بطلاق قال فأنكره عليه أهل مكة فجمع ناسا منهم واعتذر إليهم وقال ~~إنما سمعت ابن عباس يقول ذلك وقد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد ~~بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا أبو همام قال حدثنا الوليد عن أبي سعيد ~~روح بن جناح قال سمعت زمعة بن أبي عبدالرحمن قال سمعت سعيد بن المسيب يقول ~~جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلع تطليقة ويدل على أنه طلاق قوله صلى ~~الله عليه وسلم لثابت بن قيس حين PageV02P095 نشزت عليه امرأته خل سبيلها ~~وفي بعض الألفاظ فارقها بعد ما قال للمرأة ردي عليه حديقته فقالت قد فعلت ~~ومعلوم أن من قال لامرأته قد فارقتك أو قد خليت سبيلك ونيته الفرقة أنه ~~يكون طلاقا فدل ذلك على أن خلعه إياها بأمر الشارع كان طلاقا وأيضا لا خلاف ~~أنه لو قال لها قد طلقتك على مال أو قد جعلت أمرك إليك بمال كان طلاقا ~~وكذلك لو قال قد خلعتك بغير مال يريد به الفرقة كان طلاقا كذلك إذا خلعها ~~بمال فإن قيل إذا قال بلفظ الخلع كان بمنزلة الإقالة في البيع فتكون فسخا ~~لا بيعا مبتدأ قيل له لا خلاف في جواز الخلع بغير مال وعلى أقل من المهر ~~والإقالة لا تجوز إلا بالثمن الذي كان في العقد ولو كان الخلع فسخا ~~كالإقالة لما جاز إلا بالمهر الذي تزوجها عليه وفي اتفاق الجميع على جوازه ~~بغير مال وبأقل من المهر دلالة على أنه طلاق بمال وأنه ليس بفسخ وأنه لا ~~فرق بينه وبين قوله قد طلقتك على هذا المال ومما يحتج به من يقول أنه ليس ~~بطلاق إن الله تعالى لما قال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~ثم عقب ذلك بقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلى أن ~~قال في نسق التلاوة فإن طلقها ms0636 فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فأثبت ~~الثالثة بعد الخلع دل ذلك على أن الخلع ليس بطلاق إذ لو كان طلاقا لكانت ~~هذه رابعة لأنه ذكر الخلع بعد التطليقتين ثم ذكر الثالثة بعد الخلع وهذا ~~ليس عندنا على هذا التقدير وذلك لأن قوله تعالى الطلاق مرتان أفاد حكم ~~الإثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله تعالى ~~فإمساك بمعروف ثم ذكر حكمهما إذا كانتا على وجه الخلع وأبان عن موضع الحظر ~~والإباحة فيهما والحال التي يجوز فيها أخذ المال أو لا يجوز ثم عطف على ذلك ~~قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فعاد ذلك إلى ~~الإثنتين المقدم ذكرهما على وجه الخلع تارة وعلى غير وجه الخلع أخرى فإذا ~~ليس فيه دلالة على أن الخلع بعد اثنتين ثم الرابعة بعد الخلع وهذا مما ~~يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق لأنه لما اتفق فقهاء الأمصار على ~~أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفنا وحصلت الثالثة بعد الخلع وحكم ~~الله بصحة وقوعها وحرمتها عليه أبدا إلا بعد زوج فدل ذلك على أن المختلفعة ~~يلحقها الطلاق ما دامت في العدة ويدل على أن الثالثة بعد الخلع قوله تعالى ~~في نسق التلاوة فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود ~~الله عطف PageV02P096 على ما تقدم ذكره وقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فأباح لهما التراجع ~~بعد التطليقة الثالثة بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف لترك إقامة حدود ~~الله لأنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة ~~فدل ذلك على أن الثالثة مذكورة بعد الخلع وقوله تعالى إن ظنا أن يقيما حدود ~~الله يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأنه علق الإباحة بالظن فإن ~~قيل قوله تعالى فلا تحل له من بعد عائد على قوله الطلاق مرتان دون ms0637 الفدية ~~المذكورة بعدها قيل له هذا يفسد من وجوه أحدها أن قوله ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا خطاب مبتدأ بعد ذكر الإثنتين غير مرتب عليهما ~~لأنه معطوف عليه بالواو وإذا كان كذلك ثم قال عقيب ذكر الفدية فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وجب أن يكون مرتبا على الفدية لأن ~~الفاء للتعقيب وغير جائز ترتيبه على الإثنتين المبدوء بذكرهما وترك عطفه ~~على ما يليه إلا بدلالة تقتضي ذلك وتوجبه كما تقول في الإستنثناء بلفظ ~~التخصيص أنه عائد عل ما يليه ولا يرد ما تقدمه إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله ~~تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم إن شرط الدخول عائد على الربائب دون أمهات النساء ~~إذ كان العطف بالفاء يليهن دون أمهات النساء مع أن هذا أقرب ما ذكرت من عطف ~~قوله تعالى فإن طلقها على قوله تعالى الطلاق مرتان دون ما يليه في الفدية ~~لأنك لا تجعله عطفا على ما يليه من الفدية وتجعله عطفا على ما تقدم دون ما ~~توسط بينهما من ذكر الفدية فأيضا وأيضا فإنا نجعله عطفا على جميع ما تقدم ~~من الفدي ومما تقدمها من التطليقتين على غير وجه الفدية فيكون منتظما ~~لفائدتين إحداهما جواز طلاقها بعد الخلع بتطليقتين والأخرى بعد التطليقتين ~~إذا أوقعهما على غير وجه الفدية والله أعلم # | باب المضارة في الرجعة # قال الله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف قال أبو بكر المراد بقوله فبلغن أجلهن مقاربة البلوغ والإشراف عليه ~~لا حقيقته لأن الأجل المذكور هو العدة وبلوغه هو انقضاؤها ولا رجعة بعد ~~انقضاء العدة وقد عبر عن العدة بالأجل في مواضع منها قوله تعالى فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن PageV02P097 بمعروف أو فارقوهن بمعروف ومعناه معنى ما ذكر ~~في هذه الآية وقال تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقال وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن وقال ms0638 ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله فكان المراد بالآجال المذكورة في هذه الآي العدد ولما ~~ذكره الله تعالى في قوله فإذا بلغن أجلهن والمراد مقاربته دون انقضائه ~~ونظائره كثيرة في القرآن واللغة قال الله تعالى إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن ومعناه إذا أردتم الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة وقال تعالى ~~فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله معناه إذا أردت قراءته وقال وإذا قلتم ~~فاعدلوا وليس المراد العدل بعد القول ولكن قبله يعزم على أن لا يقول إلا ~~عدلا فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل وأراد به مقاربته دون وجود نهايته وإنما ذكر ~~مقاربته البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف وإن كان عليه ذلك في سائر ~~أحوال بقاء النكاح لأنه قرن إليه التسريح وهو انقضاء العدة وجمعهما في ~~الأمر والتسريح إنما له حال واحد ليس يدوم فخص حال بلوغ الأجل بذلك لينتظم ~~المعروف الأمرين جميعا وقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف المراد به الرجعة قبل ~~انقضاء العدة وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وقوله تعالى أو ~~سرحوهن بمعروف معناه تركها حتى تنقضي عدتها وأباح الإمساك بالمعروف وهو ~~القيام بما يجب لها من حق على ما تقدم من بيانه وأباح التسريح أيضا على وجه ~~يكون معروفا بأن لا يقصد مضارتها بتطويل العدة عليها بالمراجعة وقد بينه ~~عقيب ذلك بقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف ~~أن يمتعها عند الفرقة ومن الناس من يحتج بهذه الآية وبقوله فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته ~~لأن الله تعالى إنما خيره بين أحد شيئين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~وترك الإنفاق ليس بمعروف فمتى عجز عنه تعين عليه التسريح فيفرق الحاكم ~~بينهما قال أبو بكر رحمه الله وهذا جهل من قائله والمحتج به لأن العاجز عن ~~نفقة امرأته يمسكها بمعروف إذ لم يكلف الإنفاق في هذا الحال قال الله تعالى ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا ms0639 إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا فغير جائز أن يقال إن المعسر غير ممسك بالمعروف إذ ~~كان ترك الإمساك بمعروف ذما والعاجز غير مذموم بترك الإنفاق ولو كان العاجز ~~عن النفقة غير ممسك PageV02P098 بمعروف لوجب أن يكون أصحاب الصفة وفقراء ~~الصحابة الذين عجزوا عن النفقة على أنفسهم فضلا عن نسائهم غير ممسكين ~~بمعروف وأيضا فقد علمنا أن القادر على الإنفاق الممتنع منه غير ممسك بمعروف ~~ولا خلاف أنه لا يستحق التفريق فكيف يجوز أن يستدل بالآية على وجوب التفريق ~~على العاجز دون القادر والعاجز ممسك بمعروف والقادر غير ممسك وهذا خلف من ~~القول قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا روي عن مسروق والحسن ومجاهد ~~وقتادة وإبراهيم هو تطويل العدة عليها بالمراجعة إذا قاربت انقضاء عدتها ثم ~~يطلقها حتى تستأنف العدة فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها فأمر الله ~~بإمساكها بمعروف ونهاه عن مضارتها بتطويل العدة عليها وقوله تعالى ومن يفعل ~~ذلك فقد ظلم نفسه دل على وقوع الرجعة وإن قصد بها مضارتها لولا ذلك ما كان ~~ظالما لنفسه إذ لم يثبت حكمها وصارت رجعته لغوا لا حكم لها وقوله تعالى ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا روي عن عمر وعن الحسن عن أبي الدرداء قال كان الرجل ~~يطلق امرأته ثم يرجع فيقول كنت لاعبا فأنزل الله تعالى ولا تتخذوا آيات ~~الله هزوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلق أو حرر أو نكح فقال ~~كنت لاعبا فهو جاد فأخبر أبو الدرداء إن ذلك تأويل الآية وأنها نزلت فيه ~~فدل ذلك على أن لعب الطلاق وجده سواء وكذلك الرجعة لأنه ذكر عقيب الإمساك ~~أو التسريح فهو عائد عليهما وقد أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~بينه وروى عبدالرحمن بن حبيب عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة ~~وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال أربع واجبات على كل من تكلم بهن ms0640 العتاق ~~والطلاق والنكاح والنذر وروى جابر عن عبدلله بن لحي عن علي أنه قال ثلاث لا ~~يلعب بهن الطلاق والنكاح والصدقة وروى القاسم بن عبدالرحمن عن عبدالله قال ~~إذا تكلمت بالنكاح فإن النكاح جده ولعبه سواء كما أن جد الطلاق ولعبه سواء ~~وروي ذلك عن جماعة من التابعين ولا نعلم فيه خلافا بين فقهاء الأمصار وهذا ~~أصل في إيقاع طلاق المكره لأنه لما استوى حكم الجاد والهازل فيه وكانا إنما ~~يفترقان مع قصدهما إلى القول من جهة وجود إرادة أحدهما لإيقاع حكم ما لفظ ~~به والآخر غير مريد الإيقاع حكمه لم يكن للنية تأثير في دفعه وكان المكره ~~قاصدا إلى القول غير مريد لحكمه لم يكن لفقد نية الإيقاع تأثير في دفعه فدل ~~ذلك على أن شرط PageV02P099 وقوعه وجود لفظ الإيقاع من مكلف والله أعلم # | باب النكاح بغير ولي # قال الله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن الآية وقوله تعالى فبلغن أجلهن المراد حقيقة البلوغ بانقضاء العدة ~~والعضل يعتوره معنيان أحدهما المنع والآخر الضيق يقال عضل الفضاء بالجيش ~~إذا ضاق بهم والأمر المعضل هو الممتنع وداء عضال ممتنع وفي التضييق يقال ~~عضلت عليهم الأمراء أضيقت وعضلت المرأة بولدها إذا عسر ولادها وأعضلت ~~والمعنيان متقاربان لأن الأمر الممتنع يضيق فعله وزواله والضيق ممتنع أيضا ~~وروى الشعبي سئل عن مسألة صعبة فقال زباء ذات وبر لا تنساب ولا تنقاد ولو ~~نزلت بأصحاب محمد لأعضلت بهم وقوله تعالى ولا تعضلوهن معناه لا تمنعوهن أو ~~لا تضيقوا عليهن في التزويج وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا ~~عقدت على نفسها بغير ولي ولا إذن وليها أحدها إضافة العقد إليها من غير شرط ~~إذن الولي والثاني نهيه عن العضل إذا تراضى الزوجان فإن قيل لولا أن الولي ~~يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبي الذي لا ولاية له ~~عنه قيل له هذا غلط لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما نهى عنه ms0641 فكيف يستدل ~~به على إثبات الحق وأيضا فإن الولي يمكنه أن يمنعها من الخروج والمراسلة في ~~عقد النكاح فجائز أن يكون النهي عن العضل منصرفا إلى هذا الضرب من المنع ~~لأنها في الأغلب تكون في يد الولي بحيث يمكنه منعها من ذلك ووجه آخر من ~~دلالة الآية على ما ذكرنا وهو أنه لما كان الولي منهيا عن العضل إذا زوجت ~~هي نفسها من كفؤ فلا حق له في ذلك كما لو نهى عن الربا والعقود الفاسدة لم ~~يكن له حق فيما قد نهى عنه فلم يكن له فسخه وإذا اختصموا إلى الحاكم فلو ~~منع الحاكم من مثل هذا العقد كان ظالما مانعا مما هو محظور عليه منعه فيبطل ~~حقه أيضا في الفسخ فيبقى العقد لا حق لأحد في فسخه فينفذ ويجوز فإن قيل ~~إنما نهى الله سبحانه الولي عن العضل إذا تراضوا بينهم بالمعروف فدل ذلك ~~على أنه ليس بمعروف إذا عقده غير الولي قيل له قد علمنا أن المعروف مهما ~~كان من شيء فغير جائز أن يكون عقد الولي وذلك لأن في نص الآية جواز عقدها ~~ونهي الولي عن منعها فغير جائز أن يكون معنى المعروف أن لا يجوز عقدها لما ~~فيه من نفي موجب PageV02P100 الآية وذلك لا يكون إلا على وجه النسخ ومعلوم ~~امتناع جواز الناسخ والمنسوخ في خطاب لأن النسخ لا يجوز إلا بعد استقرار ~~الحكم والتمكن من الفعل فثبت بذلك أن المعروف المشروط في تراضيهما ليس هو ~~الولي وأيضا فإن الباء تصحب الإبدال فإنما انصرف ذلك إلى مقدار المهر وهو ~~أن يكون مهر مثلها لا نقص فيه ولذلك قال أبو حنيفة إنها إذا نقضت من مهر ~~المثل فللأولياء أن يفرقوا بينهما ونظير هذه الآية في جواز النكاح بغير ولي ~~قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا قد حوى الدلالة من وجهين على ما ذكرنا أحدهما ~~إضافته عقد النكاح إليها في قوله حتى تنكح ms0642 زوجا غيره والثاني فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا فنسب التراجع إليهما من غير ذكر الولي ومن دلائل القرآن ~~على ذلك قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف فجاز فعلها في نفسها من غير شرط الولي وفي إثبات شرط الولي في صحة ~~العقد نفي الموجب الآية فإن قيل إنما أراد بذلك اختيار الأزواج وأن لا يجوز ~~العقد عليها إلا بإذنها قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما عموم اللفظ في ~~اختيار الأزواج وفي غيره والثاني أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في ~~نفسها وإنما يحصل ذلك بالعقد الذي يتعلق به أحكام النكاح وأيضا فقد ذكر ~~الاختيار مع العقد بقوله إذا تراضوا بينهم بالمعروف # | ذكر الاختلاف في ذلك # اختلف الفقهاء في عقد المرأة على نفسها بغير ولي فقال أبو حنيفة لها أن ~~تزوج نفسها كفوا وتستوفي المهر ولا اعتراض للولي عليها وهو قول زفر وإن ~~زوجت نفسها غير كفو فالنكاح جائز أيضا وللأولياء أن يفرقوا بينهما وروي عن ~~عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر من المنذر بن الزبير ~~وعبدالرحمن غائب فهذا يدل على أن من مذهبهما جواز النكاح بغير ولي وهو قول ~~محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة وقال أبو يوسف لا يجوز النكاح بغير ~~ولي فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفو أجازه القاضي وإنما يتم ~~النكاح عنده حين يجيزه القاضي وهو قول محمد وقد روي عن أبي يوسف غير ذلك ~~والمشهور عنه ما ذكرناه قال الأوزاعي إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفوا ~~فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما وقال ابن أبي ليلى والثوري والحسن ~~بن PageV02P101 صالح والشافعي لا نكاح إلا بولي وقال ابن شبرمة لا يجوز ~~النكاح وليس الوالدة بولي ولا أن تجعل المرأة وليها رجلا إلا قاض من قضاة ~~المسلمين وقال ابن القاسم عن مالك إذا كانت امرأة معتقة أو مسكينة أو دنية ~~لا حظ لها فلا بأس أن تستخلف رجلا ويزوجها ويجوز وقال ms0643 مالك وكل امرأة لها ~~مال وغنى وقدر فإن تلك ينبغي أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان قال وأجاز ~~مالك للرجل أن يزوج المرأة وهو من فخذها وإن كان غيره أقرب منه إليها وقال ~~الليث في المرأة تزوج بغير ولي أن غيره أحسن منه يرفع أمرها إلى السلطان ~~فإن كان كفوا أجازه ولم يفسخه وذلك في الثيب وقال في السوداء تزوج بغير ولي ~~أنه جائز قال والبكر إذا زوجها غير ولي والولي قريب حاضر فهذا الذي أمره ~~إلى الولي يفسخه له السلطان إن رأى لذلك وجها والولي من قبل هذا أولى من ~~الذي أنكحها قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من دلائل الآي الموجبة لجواز عقدها ~~تقضي بصحة قول أبي حنيفة في هذه المسألة ومن جهة السنة حديث ابن عباس حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ~~عبدالرزاق قال حدثنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس للولي مع الثيب أمر قال أبو ~~داود وحدثنا أحمد بن يونس وعبدالله بن مسلمة قالا حدثنا مالك عن عبدالله بن ~~الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأيم أحق بنفسها من وليها فقوله ليس للولي مع الثيب أمر يسقط اعتبار الولي ~~في العقد وقوله الأيم أحق بنفسها من وليها يمنع أن يكون له حق في منعها ~~العقد على نفسها كقوله صلى الله عليه وسلم الجار بصقبه وقوله لأم الصغير ~~أنت أحق به مالم تنكحي فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق ويدل عليه حديث ~~الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال صلى الله عليه وسلم مالي في النساء من أرب فقام رجل فسأله أن يزوجها ~~فزوجها ولم يسألها هل لها ولي أم لا ولم يشترط الولي في جواز عقدها وخطب ~~النبي ms0644 صلى الله عليه وسلم أم سلمة فقالت ما أحد من أوليائي شاهد فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني فقالت ~~لابنها وهو غلام صغير قم فزوج أمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها ~~صلى الله عليه وسلم بغير ولي فإن قيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~وليها وولي المرأة التي وهبت نفسها له لقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم قيل له هو أولى بهم فيما يلزمه من اتباعه وطاعته فيما يأمرهم به ~~فإما أن يتصرف عليهم في PageV02P102 أنفسهم وأموالهم فلا ألا ترى أنه لم ~~يقل لها حين قالت له ليس أحد من أليائي شاهد وما عليك من أوليائك وأنا أولى ~~بك منهم بل قال ما أحد منهم يكرهني وفي هذا دلالة على أنه لم يكن وليا لهن ~~في النكاح ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز نكاح الرجل إذا ~~كان جائز التصرف في ماله كذلك المرأة لما كانت جائزة التصرف في مالها وجب ~~جواز عقد نكاحها والدليل على أن العلة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا أن ~~الرجل إذا كان مجنونا غير جائز التصرف في ماله لم يجز نكاحه فدل على صحة ما ~~وصفنا واحتج من خالف في ذلك بحديث شريك عن سماك عن أبي أخي معقل بن يسار عن ~~معقل أن أخت معقل كانت تحت رجل فطلقها ثم أراد أن يراجعها فأبى عليها معقل ~~فنزلت هذه الآية فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وقد روي عن الحسن أيضا هذه ~~القصة وأن الآية نزلت فيها وأنه صلى الله عليه وسلم دعا معقلا وأمره ~~بتزويجها وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل لما في سنده من الرجل ~~المجهول الذي روى عنه سماك وحديث الحسن مرسل ولو ثبت لم ينف دلالة الآية ~~على جواز عقدها من قبل أن معقلا فعل ذلك فنهاه الله عنه فبطل حقه في العضل ~~فظاهر الآية يقتضي أن يكون ذلك خطابا للأزواج لأنه قال ms0645 وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن فقوله تعالى فلا تعضلوهن إنما هو خطاب لمن طلق ~~وإذا كان كذلك كان معناه عضلها عن الأزواج بتطويل العدة عليها كما قال ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وجائز أن يكون قوله تعالى ولا تعضلوهن خطابا ~~للأولياء وللأزواج ولسائر الناس والعموم يقتضي ذلك واحتجوا أيضا بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل ~~وبما روي من قوله لا نكاح إلا بولي وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي ~~التي تزوج نفسها فأما الحديث الأول فغير ثابت وقد بينا علله في شرح الطحاوي ~~وقد روي في بعض الألفاظ أيما امرأة تزوجت بغير إذن مواليها وهذا عندنا على ~~الأمة تزوج نفسها بغير إذن مولاها وقوله لا نكاح إلا بولي لا يعترض على ~~موضع الخلاف لأن هذا عندنا نكاح بولي لأن المرأة ولي نفسها كما أن الرجل ~~ولي نفسه لأن الولي هو الذي يستحق الولاية على من يلي عليه والمرأة تستحق ~~الولاية والتصرف على نفسها في مالها فكذلك في بعضها وأما حديث أبي هريرة ~~فمحمول على وجه الكراهة لحضور المرأة مجلس الإملاك لأنه PageV02P103 مأمور ~~بإعلان النكاح ولذلك يجمع له الناس فكره للمرأة حضور ذلك المجمع وقد ذكر أن ~~قوله الزانية هي التي تنكح نفسها من قول أبي هريرة وقد روي في حديث آخر عن ~~أبي هريرة هذا الحديث وذكر فيه أن أبا هريرة قال كان يقال الزانية هي التي ~~تنكح نفسها وعلى أن هذا اللفظ خطأ بإجماع المسلمين لأن تزويجها نفسها ليس ~~بزنا عند أحد من المسلمين والوطء غير مذكور فيه فإن حملته على أنها زوجت ~~نفسها ووطئها الزوج فهذا أيضا لا خلاف فيه أنه ليس بزنا لأن من لا يجيزه ~~إنما يجعله نكاحا فاسدا يوجب المهر والعدة ويثبت به النسب إذا وطئ وقد ~~استقصينا الكلام في هذه المسألة في شرح الطحاوي وقوله عز وجل ذلكم ms0646 أزكى لكم ~~وأطهر يعني إذا لم تعضلوهن لأن العضل ربما أدى إلى ارتكاب المحظور منهما ~~على غير وجه العقد وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ~~ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال حدثنا حاتم ~~بن إسماعيل قال سمعت عبدالله بن هرمز قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد ~~عريض # | باب الرضاع # قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين الآية قال أبو بكر ~~ظاهره الخبر ولكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر لأنه لو كان ~~خبرا لوجد مخبره فلما كان في الوالدات من لا يرضع علم أنه لم يرد به الخبر ~~ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر وإذا لم يكن المراد حقيقة اللفظ الذي ~~هو الخبر لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم وأمرها به إذ قد ~~يرد الأمر في صيغة الخبر كقوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وأن ~~يريد به إثبات حق الرضاع للأم وإن أبى الأب أو تقدير ما يلزم الأب من نفقة ~~الرضاع فلما قال في آية أخرى فإ ن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقال تعالى وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى دل ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت ~~وأنها مخيرة في أن ترضع أو لا ترضع فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو أن ~~الأب إذا أبى استرضاع الأم أجبر عليه وإن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع ~~للحولين فإن أبى أن ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه PageV02P104 ~~ثم لا يخلو بعد ذلك قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن من أن يكون عموما ~~في سائر الأمهات مطلقات كن أو غير مطلقات أو أن يكون معطوفا على ما تقدم ~~ذكره من المطلقات مقصور الحكم عليهن فإن كان ms0647 المراد سائر الأمهات المطلقات ~~منهن والمزوجات فإن النفقة الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية وكسوتها ~~لا للرضاع لأنها لا تستحق نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية فتجتمع لها نفقتان ~~إحداهما للزوجية والأخرى للرضاع وإن كانت مطلقة فنققة الرضاع أيضا مستحقة ~~بظاهر الآية لأنه أوجبها بالرضاع وليست في هذه الحال زوجة ولا معتدة منه ~~لأنه يكون معطوفا على قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن فتكون منقضية العدة بوضع الحمل وتكون النفقة ~~المستحقة أجرة الرضاع وجائز أن يكون طلقها بعد الولادة فتكون عليها العدة ~~بالحيض وقد اختلفت الرواية من أصحابنا في وجوب نفقة الرضاع ونفقة العدة معا ~~ففي إحدى الروايتين أنهما تستحقهما معا وفي الأخرى أنها لا تستحق للرضاع ~~شيئا مع نفقة العدة فقد حوت الآية الدلالة على معنيين أحدهما أن الأم أحق ~~برضاع ولدها في الحولين وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ~~ترضعه والثاني أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان وفي الآية ~~دلالة على أن الأب لا يشارك في نفقة الرضاع لأن الله تعالى أوجب هذه النفقة ~~على الأب للأم وهما جميعا وارثان ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع ~~اشتراكهما في الميراث فصار ذلك أصلا في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره ~~كذلك حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار والكبار الزمنى يختص هو ~~بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه لدلالة الآية عليه وقوله تعالى رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف يقتضي وجوب النفقة والكسوة لها في حال الزوجية لشمول ~~الآية لسائر الوالدات من الزوجات والمطلقات وقوله تعالى بالمعروف يدل على ~~أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره إذ ليس ~~من المعروف إلزام المعسر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه ولا إلزام الموسر الشيء ~~الطفيف ويدل أيضا على أنها على مقدار الكفاية مع اعتبار حال الزوج وقد بين ~~ذلك بقوله عقيب ذلك لا تكلف نفس إلا وسعها فإذا اشتطت المرأة وجلبت ms0648 من ~~النفقة أكثر من المعتاد PageV02P105 المتعارف لمثلها لم تعط وكذلك إذا قصر ~~الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة لم يحل ذلك وأجبر على نفقة ~~مثلها وفي هذه الآية دلالة على جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها لأن ما ~~أوجبه الله تعالى في هذه الآية للمطلقة هما أجرة الرضاع وقد بين ذلك بقوله ~~تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وفي هذه الآية دلالة على تسويغ اجتهاد ~~الرأي في أحكام الحوادث إذ توصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب ~~الظن وأكثر الرأي إذ كان ذلك معتبرا بالعادة وكل ما كان مبنيا على العادة ~~فسبيله الاجتهاد وغالب الظن إذ ليست العادة مقصورة على مقدار واحد لا زيادة ~~عليه ولا نقصان ومن جهة أخرى هو مبني على الاجتهاد وهو اعتبار حاله في ~~إعساره ويساره ومقدار الكفاية والإمكان بقوله لا تكلف نفس إلا وسعها ~~واعتبار الوسع مبني على العادة وقوله تعالى لا تكلف نفس إلا وسعها يوجب ~~بطلان قول أهل الإجبار في اعتقادهم أن الله يكلف عباده مالا يطيقون وإكذاب ~~لهم في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى الله عما يقولون وينسبون إليه من السفه ~~والعبث علوا كبيرا قوله تعالى لا تضار والدة بوالدها ولا مولود له بولده ~~روي عن الحسن ومجاهد وقتادة قالوا هو المضارة في الرضاع وعن سعيد بن جبير ~~وإبراهيم قالا إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم قال أبو بكر فمعناه لا ~~تضار والدة بولدها بأن لا تعطى إذا رضيت بأن ترضعه بمثل ما ترضعه به ~~الأجنبية بل تكون هي أولى على ما تقدم في أول الآية من قوله والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف فجعل الأم أحق برضاع الولد هذه المدة ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى لا تضار والدة بولدها يعني والله أعلم أنها إذا رضيت بأن ترضع بمثل ~~ما ترضع به غيرها لم يكن للأب أن يضارها فيدفعه إلى غيرها وهو كما قال في ~~آية أخرى فإن ms0649 أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فجعلها أولى بالرضاع ثم قال وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى فلم يسقط حقها من الرضاع إلا عند التعاسر ويحتمل أن ~~يريد به أنها لا تضار بولدها إذا لم تختر أن ترضعه بأن ينتزع منها ولكنه ~~يؤمر الزوج بأن يحضر الظئر إلى عندها حتى ترضعه في بيتها وكذلك قول أصحابنا ~~ولما كانت الآية محتملة للمضارة في نزع الولد منها واسترضاع غيرها وجب حمله ~~على المعنيين فيكون الزوج ممنوعا من استرضاع غيرها إذا رضيت هي بأن ترضعه ~~بأجرة PageV02P106 مثلها وهي الرزق والكسوة بالمعروف وإن لم ترضع أجبر ~~الزوج على إحضار المرضعة حتى ترضعه في بيتها حتى لا يكون مضارا لها بولدها ~~وفي هذا دلالة على أن الأم أحق بإمساك الولد ما دام صغيرا وإن استغنى عن ~~الرضاع بعد ما يكون ممن يحتاج إلى الحضانة لأن حاجته إلى الأم بعد الرضاع ~~كهي قبله فإذا كانت في حال الرضاع أحق به وإن كانت المرضعة غيرها علمنا في ~~كونه عند الأم حقا لها وفيه حق للولد أيضا وهو أن الأم أرفق به وأحنى عليه ~~وذلك في الغلام عندنا إلا أن يأكل وحده ويشرب وحده ويتوضأ وحده وفي الجارية ~~حتى تحيض لأن الغلام إذا بلغ الحد الذي يحتاج فيه إلى التأديب ويعقله ففي ~~كونه عند الأم دون الأب ضرر عليه والأب مع ذلك أقوم بتأديبه وهي الحال التي ~~قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا بينهم في المضاجع فمن كان سنه سبعا فهو مأمور بالصلاة على وجه ~~التعليم والتأديب لأنه يعقلها فكذلك سائر الأدب الذي يحتاج إلى تعلمه وفي ~~كونه عندها في هذه الحال ضرر عليه ولا ولاية لأحد على الصغير فيما يكون فيه ~~ضرر عليه وأما الجارية فلا ضرر عليها في كونها عند الأم إلى أن تحيض بل ~~كونها عندها أنفع لها لأنها تحتاج إلى آداب النساء ولا تزول هذه الولدية ~~عنها إلا بالبلوغ لأنها تستحقها عليها بالولادة ولا ضرر عليها في كونها ~~عندها ms0650 فلذلك كانت أولى إلى وقت البلوغ فإذا بلغت احتاجت إلى التحصين والأب ~~أقوم بتحصينها فلذلك كان أولى بها وبمثل دلالة القرآن على ما وصفنا ورد ~~الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه وابن ~~عباس أن عليا اختصم هو وزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب في بنت حمزة وكانت ~~خالتها تحت جعفر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ادفعوها إلى خالتها فإن ~~الخالة والدة فكان هذا الخبر أنه جعل الخالة أحق من العصبة كما حكمت الآية ~~بأن الأم أحق بإمساك الولد من الأب وهذا أصل في أن ذوات الرحم المحرم أولى ~~بإمساك الصبي وحضانته من حضانة العصبة من الرجال الأقرب فالأقرب منهم وقد ~~حوى هذا الخبر معاني منها أن الخالة لها حق الحضانة وأنها أحق به من العصبة ~~وسماها والدة ودل ذلك على أن كل ذات رحم محرم من الصبي فلها هذا الحق ~~الأقرب فالأقرب إذ لم يكن هذا الحق مقصورا على الولادة وقد روى عمر بن شعيب ~~عن أبيه عن عبدالله بن عمر أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت يا رسول الله حين كان بطني له وعاء وثديي له PageV02P107 سقاء ~~وحجري له حواء أراد أبوه أن ينتزعه مني فقال أنت أحق به مالم تتزوجي وروى ~~مثل ذلك عن جماعة من الصحابة منهم علي وأبو بكر وعبدالله بن مسعود والمغيرة ~~بن شعبة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال الشافعي يخير الغلام إذا أكل ~~أو شرب وحده فإن اختار الأب كان أولى به وكذلك إن اختار الأم كان عندها ~~وروي فيه حديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين ~~أبويه فقال له اختر أيهما شئت وروى عبدالرحمن بن غنم قال شهدت عمر بن ~~الخطاب خير صبيا بين أبويه فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فجائز ~~أن يكون بالغا لأنه قد يجوز أن يسمى غلاما بعد البلوغ وقد روي ms0651 عن علي أنه ~~خير غلاما وقال لو قد بلغ هذا يعني أخا له صغيرا لخيرته فهذا يدل على أن ~~الأول كان كبيرا وقد روي في حديث أبي هريرة أن امرأة خاصمت زوجها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالت إنه طلقني وأنه يريد أن ينزع مني ابني وقد نفعني ~~وسقاني من بئر أبي عنبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهما عليه ~~فقال من يحاجني في ابني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام هذه أمك ~~وهذا أبوك فاختر أيهما شئت فأخذ الغلام بيد أمه وقول الأم قد سقاني من بئر ~~أبي عنبة يدل على أنه كان كبيرا وقد اتفق الجميع أنه لا اختيار للصغير في ~~سائر حقوقه وكذلك في الأبوين قال محمد بن الحسن لا يخير الغلام لأنه لا ~~يختار إلا شر الأمرين قال أبو بكر هو كذلك لأنه يختار اللعب والإعراض عن ~~تعلم الأدب والخير وقال الله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا ومعلوم أن الأب ~~أقوم بتأديبه وتعليمه وأن في كونه عند الأم ضررا عليه لأنه ينشأ على أخلاق ~~النساء وأما قوله تعالى ولا مولود له بولده فإنه عائد على المضارة نهى ~~الرجل أن يضارها بولدها ونهى المرأة أيضا أن تضار بولده والمضارة من جهتها ~~قد تكون في النفقة وغيرها فأما في النفقة فأن تشتط عليه وتطلب فوق حقها وفي ~~غير النفقة أن تمنعه من رؤيته والإلمام به ويحتمل أن تغترب به وتخرجه عن ~~بلده فتكون مضارة له بولده ويحتمل أن تريد أن لا يطيعه وتمتنع من تركه عنده ~~فهذه الوجوه كلها محتملة ينطوي عليها قوله تعالى ولا مولود له بولده فوجب ~~حمل الآية عليها قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك هو عطف على جميع المذكور ~~قبله من عند قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لأن الكلام كله ~~معطوف بعضه على بعض بالواو وهي الحرف الجمع فكان الجميع مذكورا في حال ~~واحدة النفقة والكسوة والنهي لكل واحد منهما عن مضارة الآخر PageV02P108 ~~على ما اعتورها ms0652 من المعاني التي قدمنا ذكرها ثم قال الله وعلى الوارث مثل ~~ذلك يعني النفقة والكسوة وأن لا يضارها ولا تضاره إذ كانت المضارة قد تكون ~~في غيرها فلما قال عطفا على ذلك وعلى الوارث مثل ذلك كان ذلك موجبا على ~~الوارث جميع المذكور وقد روي عن عمر وزيد بن ثابت والحسن وقبيصة بن ذؤيب ~~وعطاء وقتادة في قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك قالوا النفقة وعن ابن عباس ~~والشعبي عليه أن لا يضار قال أبو بكر قولهما عليه أن لا يضار لا دلالة فيه ~~على أنهما لم يريا النفقة واجبة على الوارث لأن المضارة قد تكون في النفقة ~~كما تكون في غيرها فعوده على المضارة لا ينفي إلزامه النفقة ولولا أن عليه ~~النفقة ما كان لتخصيصه بالنهي عن المضارة فائدة إذ هو في ذلك كالأجنبي ويدل ~~على أن المراد المضارة في النفقة وفي غيرها قوله تعالى عقيب ذلك وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم فدل ذلك على أن المضارة قد انتظمت ~~الرضاع والنفقة وقد اختلف السلف فيمن تلزمه نفقة الصغير فقال عمر بن الخطاب ~~إذا لم يكن له أب فنفقته على العصبات وذهب في ذلك إلى أن الله تعالى أوجب ~~النفقة على الأب دون الأم لأنه عصبة فوجب أن تختص بها العصبات بمنزلة العقل ~~وقال زيد بن ثابت النفقة على الرجال والنساء على قدر مواريثهم وهو قول ~~أصحابنا وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من أن على الوارث أن لا يضارها وقد بينا ~~أن هذا يدل على أنه رأى على الوارث النفقة لأن المضارة تكون فيها وقال مالك ~~لا نفقة على أحد إلا الأب خاصة ولا تجب على الجد وعلى ابن الإبن للجد وتجب ~~على الإبن للأب وقال الشافعي لا تجب نفقة الصغير على أحد من قرابته إلا ~~الوالد والولد والجد وولد الولد قال أبو بكر وظاهر قوله وعلى الوارث مثل ~~ذلك واتفاق السلف على ما وصفنا من إيجاب النفقة يقضيان بفساد هذين القولين ~~لأن قوله وعلى الوارث ms0653 مثل ذلك عائد على جميع المذكورين في النفقة والمضارة ~~وغير جائز لأحد تخصيصه بغير دلالة وقد ذكرنا اختلاف السلف فيمن تجب عليه من ~~الورثة ولم يقل أحد منهم أن الأخ والعم لا تجب عليهما النفقة وقول مالك ~~والشافعي خارج عن قول الجميع ومن حيث وجب على الأب وهو ذو رحم محرم وجب على ~~من هو بهذه الصفة الأقرب فالأقرب لهذه العلة ويدل عليه قوله تعالى ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إلى قوله تعالى أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ~~فذكر ذوي الرحم المحرم وجعل لهم أن PageV02P109 يأكلوا من بيوتهم فدل على ~~أنهم مستحقون لذلك لولاه لما أباحه لهم فإن قيل قد ذكرنا فيه أو ما ملكتم ~~مفاتحه أو صديقكم ولا يستحاقن النفقة قيل له هو منسوخ عنهم بالإتفاق ولم ~~يثبت نسخ ذوي الرحم المحرم فإن قيل فأوجبوا النفقة على ابن العم إذا ان ~~وارثا قيل له الظاهر يقتضيه وخصصناه بدلالة فإن قيل فإن كان قوله وعلى ~~الوارث مثل ذلك موجبا للنفقة على كل وارث فالواجب إيجاب النفقة على الأب ~~والأم على قدر مواريثهما منه قيل له إنما المراد وعلى الوارث غير الأب وذلك ~~لأنه قد تقدم ذكر الأب في أول الخطاب بإيجاب جميع النفقة عليه دون الأم ثم ~~عطف عليه قوله وعلى الوارث مثل ذلك وغير جائز أن يكون مراده الأب مع ~~سائرالورثة لأنه نسخ ما قد تقدم وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في شيء ~~واحد في خطاب إذ كان النسخ غير جائز إلا بعد استقرار الحكم والتمكين من ~~الفعل وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه إذا ولد مولود وأبوه ميت أو معدوم فعلى ~~أمه أن ترضعه لقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن فلا يسقط عنها بسقوط ما ~~كان يجب على الأب فإن انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شيء عليها وإن كان ~~يمكنها أن تسترضع فلم تفعل وخافت عليه الموت وجب عليها أن تسترضع لا من جهة ~~ما على الأب لكن من جهة أن على كل واحد إعانة من ms0654 يخاف عليه إذا أمكنه وهذا ~~الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من الإختلال أحدها أنه أوجب الرضاع على الأم ~~لقوله والوالدات يرضعن أولادهن وأعرض عن ذكر ما يتصل به من قوله وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فإنما جعل عليها الرضاع بحذاء ما أوجب ~~لها من النفقة والكسوة فكيف يجوز إلزامها ذلك بغير بدل ومعلوم أن لزوم ~~النفقة للأب بدلا من الرضاع يوجب أن تكون تلك المنافع في الحكم حاصلة للأب ~~ملكا باستحقاق البدل عليه فاستحال إيجابها على الأم وقد أوجبها الله تعالى ~~على الأب بإلزامها بدل من النفقة والكسوة والثاني قوله يرضعن أولادهن ليس ~~فيه إيجاب الرضاع عليها وإنما جعل به الرضاع حقا لها لأنه لا خلاف أنها لا ~~تجبر على الرضاع إذا أبت وكان الأب حيا وقد نص الله على ذلك في قوله وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى فلا يصح الاستدلال بالآية على إيحاب الرضاع عليها ~~في حال فقد الأب وهو لم يقتض إيجابه عليها في حال حياته وهو المنصوص عليه ~~في الآية ثم زعم أنه إن انقطع لبنها PageV02P110 بمرض أو غيره فلا شيء ~~عليها وإن أمكنها أن تسترضع وهذا أيضا متنقض لأنها إن كانت منافع الرضاع ~~مستحقة عليها للولد في حال فقد الأب فواجب أن يكون ذلك عليها في مالها إذا ~~تعذر عليها الرضاع كما وجب على الأب استرضاعه وإن لم تكن منافع الرضاع ~~مستحقة عليها في مالها فغير جائز إلزامها الرضاع وما الفرق بين لزومها ~~منافع الرضاع وبين لزوم ذلك في مالها إذا تعذر عليها ثم ناقض فيه من وجه ~~آخر وهو أنه لم يلزمها نفقته بعد انقضاء الرضاع ويفرق بين الرضاع وبين ~~النفقة بعدالرضاع وهما جميعا من نفقة الصغير فمن أين أوجب الفرق بينهما ولو ~~جازت الفرقة من هذا الوجه لجاز مثله في الأب حتى يقال إن الذي يلزمه إنما ~~هو نفقة الرضاع فإذا انقضت مدة الرضاع فلا نفقة عليه للصغير لأن الله تعالى ~~إنما أوجب عليه نفقتها وكسوتها للرضاع ثم زعم أنه إذا أمكنها ms0655 أن تسترضع ~~وخافت عليه الموت فعليها أن تسترضع على الوجه الذي يلزمها ذلك لو خافت عليه ~~الموت فإن كان ذلك على هذا المعنى فكيف خصها بإلزامها ذلك دون جيرانها ودون ~~سائر الناس وهذا كله تخليط وتشبه غير مقرون بدلالة ولا مستند إلى شبهة وقد ~~حكي مثل ذلك عن مالك أنه لا يوجب النفقة إلا على الأب للإبن وعلى الإبن ~~للأب ولا يوجبها للجد على ابن الإبن وهو قول خارج عن أقاويل السلف والخلف ~~جميعا لا نعلم عليه موافقا ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يرده وهو قوله تعالى ~~ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن إلى قوله تعالى وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~والجد داخل في هذه الجملة لأنه أب قال الله تعالى ملة أبيكم إبراهيم وهو ~~مأمور بمصاحبته بالمعروف لا خلاف في ذلك وليس من الصحبة بالمعروف تركه ~~جائعا مع القدرة على سد جوعته ويدل عليه أيضا قوله ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم فذكر بيوت هؤلاء الأقرباء ولم يذكر بيت ~~الإبن ولا ابن الإبن لأن قوله من بيوتكم قد اقتضى ذلك كقوله أنت ومالك ~~لأبيك فأضاف إليه ملك الإبن كما أضاف إليه بيت الإبن واقتصر على إضافة ~~البيوت إليه والدليل على أنه أراد بيوت الإبن وابن الإبن أنه قد كان معلوما ~~قبل ذلك أن الإنسان غير محظور عليه مال نفسه فإنه لا وجه لقول القائل لا ~~جناح عليك في أكل مال نفسك فدل ذلك على أن المراد بقوله أن تأكلوا من ~~بيوتكم هي بيوت الأبناء وأبناء الأبناء إذ لم يذكرهما جميعا كما ذكر سائر ~~الأقرباء وقد اختلف PageV02P111 موجبو النفقة على الورثة على قدر مواريثهم ~~فقال أصحابنا هي على كل من كان من أهل الميراث على قدر ميراثه من الصبي إذا ~~كان ذا رحم محرم منه ولا نفقة على من لم يكن ذا رحم محرم من الصبي وإن كان ~~وارثا ولذلك أوجبوا النفقة ms0656 على الخال والميراث لإبن العم لأن ابن العم ليس ~~رحم محرم والخال وإن لم يكن وارثا في هذه الحال فهو من أهل الميراث ذو رحم ~~محرم وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به وارثا في حال الحياة لأن الميراث لا ~~يكون في حال الحياة وبعد الموت لا يدرى من يرثه وعسى أن يكون هذا الصبي يرث ~~هذا الذي عليه النفقة بموته قبله وجائز أن يحدث له من الورثة من يحجب من ~~أوجبنا عليه ولما كان ذلك كذلك علمنا أنه ليس المراد حصول الميراث وإنما ~~المعنى أنه ذو رحم محرم من أهل الميراث وقال ابن أبي ليلى النفقة واجبة على ~~كل وارث ذا رحم محرم كان أو غير ذي رحم محرم فيوجبها على ابن العم دون ~~الخال والدليل على صحة ما ذكرنا اتفاق الجميع على أن مولى العتاقة لا تجب ~~عليه النفقة وإن كان وارثا وكذلك المرأة لا تجب عليها نفقة زوجها الصغير ~~وهي ممن يرثه فدل ذلك على أن كونه ذا رحم محرم شرط في إيجاب النفقة وأما ~~قوله عز وجل حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة فإنه لا يخلو توقيت ~~الحولين من أحد المعنيين إما أن يكون تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم أو ~~لما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما قال في نسق التلاوة بعد ذكر الحولين فإن ~~أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما دل ذلك على أن الحولين ~~ليسا تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم لأن الفاء للتعقيب فواجب أن يكون ~~الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد الحولين وإذا كان الفصال معلقا بتراضيهما ~~وتشاورهما بعد الحولين فقد دل ذلك على أن ذكر الحولين ليس هو من جهة توقيت ~~نهاية الرضاع الموجب للتحريم وإنه جائز أن يكون بعدهما رضاع وقد روى معاوية ~~بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ثم قال فإن أرادا فصالا عن ~~تراض منهما وتشاور فلا جناح إن ms0657 أراد أن يفطماه قبل الحولين أو بعده فأخبر ~~ابن عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى فإن أرادا فصالا على ما قبل الحولين ~~وبعده ويدل عليه قوله تعالى وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ~~وظاهره الاسترضاع بعد الحولين لأنه معطوف على ذكر الفصال الذي علقه ~~بتراضيهما PageV02P112 فأباحه لهما وأباح للأب الاسترضاع بعد ذلك كما أباح ~~لهما الفصال إذا كان فيه صلاح الصبي ودل ما وصفنا على أن ذكر الحولين إنما ~~هو توقيت لما يلزم الأب في الحكم من نفقة الرضاع ويجبره الحاكم عليه والله ~~أعلم # | ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع # قال أبو بكر قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير فروي عن عائشة أنها ~~كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير وكانت تروي في ذلك حديث ~~سالم مولى أبي حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل وهي ~~امرأة أبي حذيفة أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك وكانت عائشة إذا ارادت أن ~~يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس رضعات ثم يدخل عليها بعد ~~ذلك وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقلن لعل هذه كانت رخصة ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم وحده وقد روي أن سهلة بنت سهيل قالت ~~يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة فيحتمل أن يكون ذلك خاصا ~~لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما خص أبا زياد ابن ~~دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن أحد بعده وقد روت عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن رضاع الكبير لا يحرم وهو ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان ~~عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة أن رسول ms0658 الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها وعندها رجل فقالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة فقال صلى ~~الله عليه وسلم انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة فهذا يوجب أن ~~يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغير وهي الحال التي يسد اللبن فيها ~~جوعته ويكتفي في غذائه وقد روي عن أبي موسى أنه كان يرى رضاع الكبير وروي ~~عنه ما يدل على رجوعه وهو ما روى أبو حصين عن أبي عطية قال قدم رجل بامرأته ~~من المدينة فوضعت فتورم ثديها فجعل يمجه ويصبه فدخل في بطنه جرعة منه فسأل ~~أبا موسى فقال بانت منك فأتى ابن مسعود فأخبره ففصل فأقبل بالأعرابي إلى ~~الأشعري فقال أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم ~~والعظم فقال الأشعري لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم وهذا يدل على ~~أنه رجع عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود PageV02P113 إذ لولا ذلك لم يقل ~~لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بن أظهركم وكان باقيا على مخالفته وإن ما ~~أفتى به حق وقد روي عن علي وابن عباس وعبدالله وأم سلمة وجابر بن عبدالله ~~وابن عمر أن رضاع الكبير لا يحرم ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع ~~الكبير إلا شيء يروى عن الليث بن سعد يرويه عنه أبو صالح أن رضاع الكبير ~~يحرم وهو قول شاذ لأنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه لا يحرم وهو ما روى ~~الحجاج عن الحكم عن أبي الشعثاء عن عائشة قالت يحرم من الرضاع ما أنبت ~~اللحم والدم وقد روى حرام بن عثمان عن ابن جابر عن أبيهما قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قدمنا إنما الرضاعة من المجاعة وفي ~~حديث آخر ما أنبت اللحم وأنشز العظم وهذا ينفي كون الرضاع في الكبير وقد ~~روي حديث عائشة الذي قدمناه في ms0659 رضاع الكبير على وجه آخر وهو ما روى ~~عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كانت تأمر بنت عبدالرحمن بن أبي بكر ~~أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا فإذا ثبت شذوذ قول من ~~أوجب رضاع الكبير فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق ~~وقد اختلف فقهاء الأمصار في مدة ذلك فقال أبو حنيفة ما كان من رضاع في ~~الحولين وبعدهما بستة أشهر وقد فطم أو لم يفطم فهو يحرم وبعد ذلك لا يحرم ~~فطم أو لم يفطم وقال زفر بن الهذيل ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع ~~وإن أتى عليه ثلاث سنين وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن صالح ~~والشافعي يحرم في الحولين ولا يحرم بعدهما ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر ~~الوقت وقال ابن وهب عن مالك قليل الرضاع وكثيره محرم في الحولين وما كان ~~بعد الحولين فإنه لا يحرم قليله ولا كثيره وقال ابن القاسم عن مالك الرضاع ~~حولان وشهر أو شهران بعد ذلك ولا ينظر إلى إرضاع أمه إياه إنما ينظر إلى ~~الحولين وشهر أو شهرين قال وإن فصلته قبل الحولين وأرضعته قبل تمام الحولين ~~فهو فطيم فإن ذلك لا يكون رضاعا إذا كان قد استغنى قبل ذلك عن الرضاع فلا ~~يكون ما أرضع بعده رضاعا وقال الأوزاعي إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس ~~بعده رضاع ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم يكن رضاعا بعد الحولين وقد روي عن ~~السلف في ذلك أقاويل فروي عن علي لا رضاع بعد فصال وعن عمر وابن عمر لا ~~رضاع إلا ما كان في الصغر وهذا يدل من قولهم على PageV02P114 ترك اعتبار ~~الحولين لأن عليا علق الحكم بالفصال وعمر وابنه بالصغر من غير توقيت وعن أم ~~سلمة أنها قالت إنما يحرم من الرضاع ما كان في الثدي قبل الفطام وعن أبي ~~هريرة لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان في الثدي قبل الفطام فعلق ~~الحكم بما كان قبل الفطام وبما ms0660 فتق الأمعاء وهو نحو ما روي عن عائشة أنها ~~قالت إنما يحرم من الرضاعة ما أنبت اللحم والدم فهذا كله يدل على أنه لم ~~يكن من مذهبهم اعتبار الحولين وقد روي عن عبدالله بن مسعود وعبدالله بن ~~عباس أنهما قالا لا رضاع بعد الحولين وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال الرضاعة من المجاعة يدل على أنه غير متعلق بالحولين لأنه لو كان ~~الحولان توقيتا له لما قال الرضاعة من المجاعة ولقال الرضاعة في الحولين ~~فلما لم يذكر الحولين وذكر المجاعة زمعناها أن اللبن إذا كان يسد جوعته ~~ويقوي عليه بدنه فالرضاعة في تلك الحال وذلك قد يكون بعد الحولين فاقتضى ~~ظاهر ذلك صحة الرضاع الموجب للتحريم بعد الحولين وفي حديث جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا رضاع بعد فصال وذلك يوجب أنه إذا فصل بعد ~~الحولين أن ينقطع حكمه بعد ذلك وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز العظم دلالته على نفي توقيت الحولين ~~بمدة الرضاع لدلالة الأخبار المتقدمة وقد حكي عن ابن عباس قول لست أثق بصحة ~~النقل فيه هو أنه يعتبر ذلك بقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فإن ولدت ~~المرأة لستة أشهر فرضاعه حولان كاملان وإن ولدت لتسعة أشهر فأحد وعشرون ~~شهرا وإن ولدت لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون شهرا يعتبر فيه تكملة ثلاثين شهرا ~~بالحمل والفصال جميعا ولا نعلم أحدا من السلف والفقهاء بعدهم اعتبر ذلك ~~ولما كانت احوال الصبيان تختلف في الحاجة إلى الرضاع فمنهم من يستغني عنه ~~قبل الحولين ومنهم من لا يستغني عنه بعد كمال الحولين واتفق الجميع على نفي ~~الرضاع للكبير وثبوت الرضاع للصغير على ما قدمنا من الرواية فيه عن السلف ~~ولم يكن الحولان حدا للصغير إذ لا يمتنع أحد أن يسميه صغيرا وإن أتى عليه ~~حولان علمنا أن الحولين ليس بتوقيف لمدة الرضاع ألا ترى أنه صلى الله عليه ~~وسلم لما قال الرضاعة من المجاعة ms0661 وقال الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز العظم ~~فقد اعتبر معنى تختلف فيه أحوال الصغار وإن كان الأغلب أنهم قد يستغنون عنه ~~بمضي الحولين فسقط اعتبار الحولين في ذلك ثم مقدار الزيادة عليهما طريقة ~~الإجتهاد لأنه تحديد بين الحال التي يكتفى فيها باللبن في غذائه وينبت عليه ~~PageV02P115 لحمه وبين الانتقال إلى الحال التي يكتفى فيها بالطعام ويستغنى ~~عن اللبن وكان عند أبي حنيفة أنه ستة أشهر بعد الحولين وذلك اجتهاد في ~~التقدير والمقادير التي طريقها الاجتهاد لا يتوجه على القائل بها سؤال نحو ~~تقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف وتقدير متعة ~~النساء بعد الطلاق وما جرى مجرى ذلك ليس لأحد مطالبة من غلب على ظنه شيء من ~~هذه المقادير بإقامة الدلالة عليه فهذا أصل صحيح في هذا الباب يجري مسائله ~~فيه على منهاج واحد ونظيره ما قال أبو حنيفة في حد البلوغ أنه ثماني عشرة ~~سنة وأن المال لا يدفع إلى البالغ الذي لم يؤنس رشده إلا بعد خمس وعشرين ~~سنة في نظائر لذلك من المسائل التي طريق إثبات المقادير فيها الإجتهاد فإن ~~قال قائل وإن كان طريقة الإجتهاد فلا بد من جهة يغلب معها في النفس اعتبار ~~هذا المقدار بعينه دون غيره فما المعنى الذي أوجب من طريق الإجتهاد اعتبار ~~ستة أشهر بعد الحولين دون سنة تامة على ما قال زفر قيل له أحد ما يقال في ~~ذلك أن الله تعالى لما قال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ثم قال وفصاله في ~~عامين فعقل من مفهوم الخطابين كون الحمل ستة أشهر ثم جارت الزيادة عليه إلى ~~تمام الحولين إذ لا خلاف أن الحمل قد يكون حولين ولا يكون عندنا الحمل أكثر ~~منهما فلا يخرج الحمل المذكور في هذه الجملة من جملة الحولين كذلك الفصال ~~لا يخرج من جملة ثلاثين شهرا لأنهما جميعا قد انتظمتهما الجملة المذكورة في ~~قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وكان أبو الحسن يقول في ذلك لما كان ~~الحولان هما الوقت المعتاد للفطام وقد جازت ms0662 الزيادة عليه بما ذكرنا وجب أن ~~تكون مدة الإنتقال من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام ستة أشهر كما ~~كانت مدة انتقال الولد في بطن الأم إلى غذاء الطعام بالولادة ستة أشهر وذلك ~~أقل مدة الحمل فإن قال قائل قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة نص على أن الحولين تمام الرضاع فغير جائز ~~أن يكون بعده رضاع قيل له إطلاق لفظ الإتمام غير مانع من الزيادة عليه ألا ~~ترى أن الله تعالى قد جعل مدة الحمل ستة أشهر في قوله وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا وقوله تعالى وفصاله في عامين فجعل مجموع الآيتين الحمل ستة أشهر ثم لم ~~تمتنع الزيادة عليها فكذلك ذكر الحولين للرضاع غير مانع جواز الزيادة ~~عليهما وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفة فقد تم حجه ولم تمتنع ~~زيادة الفرض عليها تقدير لما يلزم الأب من PageV02P116 أجرة الرضاع وأنه ~~غير مجبر على أكثر منهما لإثباته الرضاع بتراضيهما بقوله تعالى فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وبقوله تعالى وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم فلما ثبت الرضاع بعد الحولين دل ذلك على ~~أن حكم التحريم به غير مقصور عليهما فإن قيل هلا اعتبرت الفطام على ما ~~اعتبره مالك في الحولين في حال استغناء الصبي عن اللبن بالطعام بدلالة ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فصال وبما روي عن الصحابة فيه ~~على نحو ما قدمنا ذكره مما يدل كله على اعتبار الفطام قيل له لو وجب ذلك ~~لوجب اعتبار حال الصبي بعد الحولين في حاجته إلى اللبن واستغنائه عنه لأن ~~من الصبيان من يحتاج إلى الرضاع بعد الحولين فلما اتفق الجميع على سقوط ~~اعتبار ذلك بعد الحولين دل على سقوط اعتباره في الحولين ووجب أن يكون حكم ~~التحريم معلقا بالوقت دون غيره فإن قال قائل قد روي في حديث جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا رضاع ms0663 بعد الحولين قيل له المشهور عنه لا رضاع ~~بعد فصال فجائز أن يكون هذا هو أصل الحديث وإن من ذكر الحولين حمله على ~~المعنى وحده وأيضا لو ثبت هذا اللفظ احتمل أن يريد أيضا لا رضاع على الأب ~~بعد الحولين على نحو تأويل قوله تعالى حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وقد تقدم ذكره وأيضا لو كان الحولان هما مدة الرضاع وبهما يقع ~~الفصال لما قال تعالى فإن ارادا فصالا وهذا القول يدل من وجهين على أن ~~الحولين ليسا توقيتا للفصال أحدهما ذكره للفصال منكورا في قوله تعالى فصالا ~~ولو كان الحولان فصالا لقال الفصال حتى يرجع ذكر الفصال إليهما لأنه معهود ~~مشار إليه فلما أطلق فيه لفظ النكرة دل على أنه لم يرد به الحولين والوجه ~~الآخر تعليقه الفصال بإرادتهما وما كان مقصورا على وقت محدود لا يعلق ~~بالإرادة والتراضي والتشاور وفي ذلك دليل على ما ذكرنا وقوله تعالى فإن ~~أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ~~لإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح أمر الصغير وذلك ~~موقوف على غالب ظنهما لا من جهة اليقين والحقيقة وفيه أيضا دلالة على أن ~~الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما وأنه ليس لأحدهما أن يفطمه دون ~~الآخر لقوله تعالى فإن ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فأجاز ذلك ~~بتراضيهما وتشاورهما وقد روي نحو ذلك عن مجاهد وقد روي عن بعض السلف نسخ في ~~هذه الآية روى شيبان عن قتادة في قوله تعالى PageV02P117 والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين ثم أنزل التخفيف بعد ذلك فقال تعالى لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة قال أبو بكر كأنه عنده كان رضاع الحولين واجبا ثم خفف وأبيح الرضاع ~~أقل من مدة الرضاع بقوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة وروى أبو جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس مثل قتادة وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ~~قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن اراد أن ms0664 يتم الرضاعة ~~ثم قال فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا حرج إن أرادا أن يفطما ~~قبل الحولين أو بعدهما والله أعلم # | باب ذكر عدة المتوفى عنها زوجها # قال الله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا والتربص بالشيء الانتظار به قال الله تعالى فتربصوا به حتى حين ~~وقال تعالى ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر يعني ~~ينتظر وقال تعالى أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون فأمرها الله تعالى ~~بأن يتربصن بأنفسهن هذه المدة عن الأزواج ألا ترى أنه عقبه بقوله تعالى ~~فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن وقد كانت عدة المتوفى ~~عنها زوجها سنة بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فتضمنت هذه الآية أحكاما منها توقيت ~~العدة سنة ومنها أن نفقتها وسكناها كانت في تركة زوجها ما دامت معتدة بقوله ~~تعالى وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ومنها أنها كانت ممنوعة من الخروج في ~~هذه السنة فنسخ منها من المدة ما زاد على أربعة أشهر وعشرا ونسخ أيضا وجوب ~~نفقتها وسكناها في التركة بالميراث لقوله تعالى أربعة أشهر وعشا من غير ~~إيجاب نفقة ولا سكنى ولم يثبت نسخ الإخراج فالمنع من الخروج في العدة ~~الثانية قائم إذ لم يثبت نسخه وقد حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~وعثمان بن عطاء عن عطاء الخرساني عن ابن عباس في هذه الآية يعني قوله تعالى ~~وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج قال كان للمتوفى عنها زوجها ~~نفقتها وسكناها سنة فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك ~~الزوج قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا وصية لوارث إلا أن يرضى ~~الورثة ) PageV02P118 قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد ~~عن حميد عن نافع أنه سمع زينب بنت ms0665 أبي سلمة عن أم سلمة وأم حبيبة أن امرأة ~~أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن بنتا لها توفي عنها زوجها واشتكت ~~عينها وهي تريد أن تكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قد كانت ~~إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول وإنما هي أربعة أشهر وعشرا ) قال حميد ~~فسألت زينب وما رميها بالبعرة فقالت كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها ~~زوجها عمدت إلى شرى بيت لها فجلست فيه سنة فإذا مرت سنة خرجت فرمت ببعرة من ~~ورائها رواه مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن عمرو عن حميد عن نافع عن زينب ~~بنت أبي سلمة وذكرت الحديث وقالت فيه كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي ~~عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر سنة ~~ثم تؤتى بدابة حمار وشاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج ~~فتعطي بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن عدة الحول منسوخة بأربعة أشهر وأخبر ببقاء حظر الطيب ~~عليها في العدة وعدة الحول وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في ~~التنزيل وعدة الشهور متأخرة عنها ناسخة لها لأن نظام التلاوة ليس هو على ~~نظام التنزيل وترتيبه واتفق أهل العلم على أن عدة الحول منسوخة بعدة الشهور ~~على ما وصفنا وأن وصية النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها منسوخة إذا لم ~~تكن حاملا واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها أيضا وسنذكر ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى ولا خلاف بين أهل العلم أيضا في أن هذه الاية خاصة ~~في غير الحامل واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على ثلاثة أنحاء ~~فقال علي وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس عدتها أبعد الأجلين وقال عمر ~~وعبدالله وزيد بن ثابت وابن عمر وأبو هريرة في آخرين عدتها أن تضع حملها ~~وروي عن الحسن أن عدتها أن تضع حملها وتطهر من نفاسها ms0666 ولا يجوز لها أن ~~تتزوج وهي ترى الدم وأما علي فإنه ذهب إلى أن قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا ~~يوجب الشهور وقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن يوجب انقضاء ~~العدة بوضع الحمل فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما للمتوفى عنها زوجها ~~وجعل انقضاء عدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أومضي الشهور وقال عبدالله بن ~~مسعود من شاء باهلته أن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن نزل ~~بعد قوله أربعة أشهر وعشرا PageV02P119 فحصل بما ذكرنا اتفاق الجميع على أن ~~قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن عام في المطلقة والمتوفى عنها زوجها وإن ~~كان مذكورا عقيب ذكر الطلاق لاعتبار الجميع بالحمل في انقضاء العدة لأنهم ~~قالوا جميعا أن مضي الشهور لا تنقضي به عدتها إذا كانت حاملا حتى تضع حملها ~~فوجب أن يكون قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن مستعملا على ~~مقتضاه وموجبه وغير جائز اعتبار الشهور معه ويدل على ذلك أيضا عدة الشهور ~~خاصة في غير المتوفى عنها زوجها ويدل عليه أيضا أن قوله تعالى والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء مستعمل في المطلقات غير الحوامل وأن الإقراء غير ~~مشروطة مع الحمل في الحامل بل كانت عدة الحامل المطلقة وضع الحمل من غير ضم ~~الإقراء إليها وقد كان جائزا أن يكون الحمل والإقراء مجموعين عدة لها بأن ~~لا تنقضي عدتها بوضع الحمل حتى تحيض ثلاث حيض فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل ~~المتوفى عنها زوجها هي الحمل غير مضموم إليه الشهور وروي عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله في هذه الآية حين نزلت وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن في المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال فيهما جميعا وقد ~~روت أم سلمة أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة فأمرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج وروى منصور عن إبراهيم عن الأسود ~~عن أبو السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها ببضع ms0667 ~~وعشرين ليلة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج وهذا حديث قد ~~ورد من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنه مع ما عضده من ظاهر الكتاب ~~وهذه الآية خاصة في الحرائر دون الإماء لأنه لا خلاف بين السلف فيما نعلمه ~~وبين فقهاء الأمصار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام ~~نصف عدة الحرة وقد حكي عن الأصم أنها عامة في الأمة والحرة وكذلك يقول في ~~عدة الأمة في الطلاق أنها ثلاث حيض وهو قول شاذ خارج عن أقاويل السلف ~~والخلف مخالف للسنة لأن السلف لم يختلفوا في أن عدة الأمة من الحيض والشهور ~~على النصف من عدة الحرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( طلاق الأمة ~~تطليقتان وعدتها حيضتان ) وهذا خبر قد تلقاه الفقهاء بالقبول واستعملوه في ~~تنصيف عدة الأمة فهو في حيز التواتر الموجب للعلم عندنا واختلف السلف في ~~المتوفى عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر فقال ابن مسعود وابن ~~عباس وابن عمر PageV02P120 وعطاء وجابر بن زيد عدتها منذ يوم يموت وكذلك في ~~الطلاق من يوم طلق وهو قول الأسود بن زيد في آخرين وهو قول فقهاء الأمصار ~~وقال علي والحسن البصري وخلاس بن عمرو من يوم يأتيها الخبر في الموت وفي ~~الطلاق من يوم طلق وهو قول ربيعة وقال الشعبي وسعيد بن المسيب إذا قامت ~~البينة فالعدة من يوم يموت وإذا لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر وجائز أن ~~يكون مذهب علي على هذا المعنى بأن يكون قد خفي عليها وقت الموت فأمرها ~~بالاحتياط من يوم يأتيها الخبر وذلك لأن الله تعالى نص على وجوب العدة ~~بالموت والطلاق بقوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن كما ~~قال تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فأوجب العدة فيهما بالموت ~~وبالطلاق فواجب أن تكون العدة فيهما من يوم الموت والطلاق ولما اتفقوا على ~~أن عدة المطلقة من يوم طلق ولم يعتبروا وقت بلوغ الخبر كذلك عدة الوفاء ~~لأنهما جميعا سببا ms0668 وجوب العدة وأيضا فإن العدة ليست هي فعلها فيعتبر فيها ~~علمها وإنما هي مضي الأوقات ولا فرق بين علمها بذلك وبين جهلها به وأيضا ~~لما كانت العدة موجبة عن الموت كالميراث وإنا يعتبر في الميراث وقت الوفاة ~~لا وقت بلوغ خبرها وجب أن تكون كذلك العدة وأن لا يختلف فيها حكم العلم ~~والجهل كما لا يختلف في الميراث وأيضا فإن أكثر ما في العلم أن تجتنب ما ~~تجتنبه المعتدة من الخروج والزينة إذا علمت فإذا لم تعلم فترك اجتناب ما ~~يلزم اجتنابه في العدة لم يكن مانعا من انقضاء العدة لأنها لو كانت عالمة ~~بالموت فلم تجتنب الخروج والزينة لم يؤثر ذلك في انقضاء العدة فكذلك إذا لم ~~تعلم به قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا ذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي ~~يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في المتوفى عنها زوجها والمعتدة من الطلاق ~~بالشهور أنه إن وجبت مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة كان الشهر ناقصا أو تاما ~~وإن كانت العدة وجبت في بعض شهر لم تعمل على الأهلة واعتدت تسعين يوما في ~~الطلاق وفي الوفاة مائة وثلاثين يوما وذكر أيضا سليمان بن شعيب عن أبيه عن ~~محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة بخلاف ذلك قال إن كانت العدة وجبت في بعض ~~شهر فإنها تعتد بما بقي من ذلك الشهر أياما ثم تعتد لما يمر عليها من ~~الأهلة شهورا ثم تكمل الأيام الأول ثلاثين يوما وإذا وجبت العدة مع رؤية ~~الهلال اعتدت بالأهلة وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وروي عن مالك في ~~الإجارة مثله وقال ابن PageV02P121 القاسم وكذلك قوله في الأيمان والطلاق ~~وكذلك قال أصحابنا في الإجارة وروى عمرو بن خالد عن زفر في الإيلاء في بعض ~~الشهر أنها تعتد بكل شهر يمر عليها ناقصا أو تاما قال وقال أبو يوسف تعتد ~~بالأيام حتى تستكمل مائة وعشرين يوما ولا تنظر إلى نقصان الشهر ولا إلى ~~تمامه قال أبو بكر وهذا على ما حكاه سليمان بن شعيب ms0669 عن أبيه عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة في عدة الشهور ولا خلاف بين الفقهاء في مدة العدد وأجل الإيلاء ~~والأيمان والإجارات إذا عقدت على الشهور مع رؤية الهلال أنه تعتبر الأهلة ~~في سائر شهوره سواء كانت ناقصة أو تامة وإذا كان ابتداء المدة في بعض الشهر ~~فهو على الخلاف الذي ذكرنا وأما وجه من اعتبر في ذلك بقية الشهر الأول ~~بالعدد ثلاثين يوما وسائر الشهود بالأهلة ثم يكمله الشهر الأخر بالأيام مع ~~بقية الشهر الأول فإنه ذهب إلى معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين فدل ذلك على ~~معنيين أحدهما أن كل شهر ابتداؤه وانتهاؤه بالهلال واحتجنا إلى اعتباره ~~فواجب اعتباره بالهلال ناقصا كان أو تاما كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~باعتباره في صوم رمضان وشعبان وكل شهر لم يكن ابتداؤه وانتهاؤه بالأهلة فهو ~~ثلاثون وإنما ينقص بالهلال فلما لم يكن ابتداء الشهر الأول بالهلال وجب فيه ~~استيفاء ثلاثين يوما من آخر المدة وسائر الشهور لما أمكن استيفاؤها بالأهلة ~~وجب اعتبارها بها وعلى قول من اعتبر سائر الشهور بالأيام يقول لما لم يكن ~~ابتداء المدة بالهلال وجب استيفاء هذا الشهر بالأيام ثلاثون يوما فيكون ~~انقضاؤه في بعض الشهر الذي يليه ثم يكون كذلك حكم سائر الشهور قالوا ولا ~~يجوز أن يجبر هذا الشهر من أحد الشهور ويجعل ما بينهما شهورا بالأهلة لأن ~~الشهور سبيلها أن تكون أيامها متصلة متوالية فوجب استيفاء شهر كامل ثلاثين ~~يوما منذ أول المدة أياما متوالية فيقع ابتداءالشهر الثاني في بعض الشهر ~~الثاني فتكون الشهور وأيامها متوالية متصلة ومن يعتبر الأهلة فيما يستقبل ~~من الشهور بعد بقية الشهر الأول فإنه يحتج بما قد قدمنا ذكره من أنه قد ~~استقبل الشهر الذي يليه بالهلال فوجب أن يكون انتهاؤه بالهلال قال الله ~~تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واتفق أهل العلم بالنقل أنها كانت عشرين ~~من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرا من ms0670 ربيع الآخر فاعتبر الهلال ~~فيما يأتي من الشهور دون عدد الأيام فوجب مثله في نظائره من المدة وقوله ~~تعالى وعشرا PageV02P122 ظاهرها أنها الليالي والأيام مرادة معها ولكن غلبت ~~الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ وغيره لأن ابتداء شهور الأهلة ~~بالليالي منذ طلوع الأهلة فلما كان ابتداؤها الليل غلبت الليالي وخصت ~~بالذكر دون الأيام وإن كانت تفيد ما بإزائها من الأيام ولو ذكر جمعا من ~~الأيام أفادت ما بإزائها من الليالي والدليل عليه قوله تعالى ثلاثة ايام ~~إلا رمزا وقال تعالى في موضع آخر ثلاث ليال سويا والقصة واحدة فاكتفى تارة ~~بذكر الأيام عن الليالي وتارة بذكر الليالي عن الأيام وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الشهر تسع وعشرون وفي لفظ آخر تسعة وعشرون فدل على أن كل واحد من ~~العددين إذا أطلق أفاد بإزائه من الآخر ألا ترى أنه لما اختلف العددان من ~~الليالي والأيام فصل بينهما في اللفظ في قوله تعالى سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما وذكر الفراء أنهم يقولون صمنا عشرا من شهر رمضان فيعبرون بذكر ~~الليالي عن الأيام لأن عشرا لا تكون إلا الليالي ألا ترى أنه لو قال عشرة ~~أيام لم يجز فيها إلا التذكير وأنشد الفراء % اقامت ثلاثا بين يوم وليلة % ~~وكان النكير أن تضيف وتجارا % فقال ثلاثا وهي الليالي وذكر اليوم والليلة ~~في المراد وإذا ثبت ما وصفنا كان قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا مفيدا لكون ~~المدة أربعة أشهر على ما قدمنا من الاعتبار وعشرة أيام زائدة عليها وإن كان ~~لفظ العدد واردا بلفظ التأنيث # | ذكر الإختلاف في خروج المعتدة من بيتها # قال أصحابنا لا تنتقل المبتوتة ولا المتوفى عنها زجها عن بيتها الذي كانت ~~تسكنه وتخرج المتوفى عنها زوجها بالنهار ولا تبيت في غير منزلها ولا تخرج ~~المطلقة ليلا ولا نهارا إلا من عذر وهو قول الحسن وقال مالك لا تنتقل ~~المطلقة المبتوتة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها ولا يخرجن بالنهار ولا يبتن ~~عن بيوتهن وقال الشافعي ولم يكن الإحداد في سكنى ms0671 البيوت فتسكن المتوفى عنها ~~زوجها أي بيت كانت فيه جيدا أو رديا وإنما الإحداد في الزينة قال أبو بكر ~~أما المطلقة فلقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة فحظر خروجها وإخراجها في العدة إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~وذلك ضرب من العذر فأباح خروجها لعذر وقد اختلف في الفاحشة المذكورة في هذه ~~الآية وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى وأما المتوفى عنها زوجها فإن ~~الله تعالى قال في العدة الأولى PageV02P123 متاعا إلى الحول غير إخراج ثم ~~نسخ منها ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر فبقي حكم هذه العدة الثانية على ~~ما كان عليه من ترك الخروج إذ لم يرد لها نسخ وإنما النسخ فيما زاد وقد ~~وردت السنة بمثل ما دل عليه الكتاب حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا عبدالله بن سلمة القعنبي عن مالك عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ~~عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي ~~سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع ~~إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها قتله عبد له فسألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة ~~أو في المسجد دعاني فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي ~~قالت فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر ~~وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي وسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به ~~وقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا موسى بن مسعود قال حدثنا شبل عن ابن ~~أبي نجيح قال قال عطاء قال ابن ms0672 عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهله فتعتد ~~حيث شاءت وهو قول الله عز وجل غير إخراج قال عطاء إن شاءت اعتدت عند أهلها ~~وسكنت في منزلها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى فإن خرجن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت قال أبو بكر ~~ليس في إيجاب الميراث ما يوجب نسخ الكون في المنزل وقد يجوز اجتماعهما فليس ~~في ثبوت أحدهما نفي الآخر وقد ثبت ذلك ايضا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بعد نسخ الحول وإيجاب الميراث لأن عدة الفريعة كانت أربعة أشهر وعشرا وقد ~~نهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن النقلة وما روينا من قصة الفريعة قد دل ~~على معنيين أحدهما لزوم السكون في المنزل الذي كانت تسكنه يوم الوفاة ~~والنهي عن النقلة والثاني جواز الخروج إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~الخروج ولو كان الخروج محظورا لنهاها عنه وقد روي مثل ذلك عن جماعة من ~~السلف منهم عبدالله بن مسعود وعمر وزيد بن ثابت وأم سلمة وعثمان أنهم قالوا ~~المتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار ولا تبيت عن بيتها وروى عبدالرزاق عن ابن ~~كثير عن مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فآمنت نساؤهم وكن متجاورات في دار ~~PageV02P124 فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نبيت عند إحدانا فقال ~~تزاورن بالنهار فإذا كان الليل فلتأو كل واحدة منكن إلى بيتها وروي عن ~~جماعة من السلف أن المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت منهم علي وابن عباس ~~وجابر بن عبدالله وعائشة وما قدمنا من دليل الكتاب والسنة يوجب صحة القول ~~الأول فإن قيل قال الله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف فهذا يدل على أن لها أن تنتقل قيل له ~~المعنى فإذا خرجن بعد انقضاء العدة كما قال في الآية الأخرى فإذا بلغن ~~أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ويدل على أن المراد ما ms0673 ذكرنا ~~أنها لو خرجت قبل انقضاء العدة لم يكن لها أن تتزوج بالاتفاق فدل ذلك على ~~أن المراد فإذا خرجن بعد انقضاء العدة وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حظر ~~الانتقال باقيا على المتوفى عنها زوجها وإنما قالوا إن المطلقة لا تخرج ~~ليلا ولا نهارا لقوله تعالى ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وذلك عموم في ~~جميعهن وحظر عن خروجهن في سائر الأوقات وخالفت المتوفى عنها زوجها فهي ~~مستغنية عن الخروج والله أعلم # | باب ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها # روي عن جماعة من الصحابة أن عليها اجتناب الزينة والطيب منهم عائشة وأم ~~سلمة وابن عمر وغيرهم ومن التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وحكاه ~~عن فقهاء المدينة وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن عبدالله بن أبي بكر عن حميد بن نافع عن ~~زينب بنت بن أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث قالت زينب دخلت على أم ~~حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه ~~جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالي إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ~~ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت والله ~~مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ~~على المنبر ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ~~ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول ~~PageV02P125 جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول ~~الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد ms0674 اشتكت عينها أفنكحلها فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لامرأتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما هي أربعة أشهر وعشرا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي ~~بالبعرة على رأس الحول قال حميد فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ~~فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم ~~تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض ~~به فقلما تفتضي بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما ~~شاءت من طيب أو غيره فحظر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الاكتحال في ~~العدة وأخبر بالعدة التي كانت تعتد إحداهن وما تجتنبه من الزينة والطيب ثم ~~قال إنما هي أربعة أشهر وعشرا فدل بذلك على أن هذه العدة محتدا بها العدة ~~التي كانت سنة في اجتناب الطيب والزينة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا زهير قال حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا إبراهيم بن ~~طهمان قال حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المتوفى ~~عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلية ولا تختضب ~~ولا تكتحل ) وروى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتوفى ~~عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا ~~تكتحل وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها وهي معتدة من ~~زوجها ( لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب ) قوله عز وجل والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم الآية قد تضمنت هذه الآية أربعة ~~أحكام أحدها الحول وقد نسخ منه ما زاد على أربعة أشهر وعشرا والثاني نفقتها ~~وسكناها في مال الزوج فقد نسخ بالميراث على ms0675 ما روي عن ابن عباس وغيره لأن ~~الله تعالى أوجبها لها على وجه الوصية لأزواجهم كما كانت الوصية واجبة ~~للوالدين والأقربين فنسخت بالميراث وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية ~~لوارث ومنها الإحداد الذي دلت عليه الدلالة من الآية فحكمه باق بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومنها انتقالها عن بيت زوجها فحكمه باق في حظره ~~فنسخ من الآية حكمان وبقي حكمان ولا نعلم آية اشتملت على أربعة أحكام فنسخ ~~منها اثنان وبقي اثنان غيرها ويحتمل أن يكون قوله تعالى غير إخراج منسوخا ~~لأن المراد به السكنى الواجبة في مال الزوج فقد نسخ كونها في مال الزوج ~~فصار حظر PageV02P126 الإخراج منسوخا إلا أن قوله تعالى غير إخراج قد تضمن ~~معنيين أحدهما وجوب السكنى في مال الزوج والثاني حظر الخروج والإخراج لأنهم ~~إذا كانوا ممنوعين من إخراجها فهي لا محالة مأمورة باللبس فإذا نسخ وجوب ~~السكنى في مال الزوج بقي حكم لزوم اللبث في البيت وقد اختلف أهل العلم في ~~نفقة المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس وجابر بن عبدالله نفقتها على نفسها ~~حاملا كانت أو غير حامل وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء وقبيصة بن ~~ذؤيب وروى الشعبي عن علي وعبدالله قالا إذا مات عنها زوجها فنفقتها من جميع ~~المال وروى الحكم عن إبراهيم قال كان أصحاب عبدالله يقضون في الحامل ~~المتوفى عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصيب ولدها وإن كان ~~قليلا فمن جميع المال وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال ينفق عليها من ~~جميع المال وقال أصحابنا جميعا لا نفقة لها ولا سكنى في مال الميت حاملا ~~كانت أو غير حامل وقال ابن أبي ليلى هي في مال الزوج بمنزلة الدين على ~~الميت إذا كانت حاملا وقال مالك بن أنس نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ~~ولها السكنى إن كانت الدار للزوج وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى ~~تنقضي عدتها وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها ms0676 سكنى في مال الزوج ~~هذا رواية ابن وهب عنه وقال ابن القاسم عنه لا نفقة لها في مال الميت ولها ~~السكنى إن كانت الدار للميت وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء ~~وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشتري وقال الثوري إن كانت حاملا أنفق ~~عليها من جميع المال حتى تضع فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه هذه رواية ~~الأشجعي عنه وروى عنه المعافى أن نفقتها من حصتها وقال الأوزاعي في المرأة ~~يموت زوجها وهي حامل فلا نفقة لها وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع ~~المال حتى تضع وقال الليث بن سعد في أم الولد إذا كانت حاملا منه فإنه ينفق ~~عليها من المال فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع ~~به وقال الحسن بن صالح للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال وقال ~~الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين أحدهما لها النفقة والسكنى والآخر لا ~~نفقة لها ولا سكنى قال أبو بكر لا تخلو نفقة الحامل من أحد ثلاثة أوجه إما ~~أن تكون واجبة على حسب وجوبها بديا حين كانت عدتها حولا في قوله تعالى وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج أو أن تكون واجبة على حسب وجوبها ~~للمطلقة المبتوتة أو تجب للحامل PageV02P127 دون غيرها لأجل الحمل والوجه ~~الأول باطل لأنها كانت واجبة على وجه الوصية والوصية للوارث منسوخة والوجه ~~الثاني لا يصح أيضا من قبل أن النفقة لم تكن واجبة في حال الحياة وإنما تجب ~~حالا فحالا على حسب مضي الأوقات وتسليم نفسها في بيت الزوج ولا يجوز ~~إيجابها بعد الموت من وجهين أحدهما أن سبيلها أن يحكم بها الحاكم على الزوج ~~ويثبتها في ذمته وتؤخذ من ماله وليس للزوج ذمة فتثبت فيها فلم يجز أخذها من ~~ماله إذا لم تثبت عليه والثاني أن ذلك الميراث قد انتقل إلى الورثة بالموت ~~إذا لم يكن هناك دين عند الموت فغير جائز إثباتها في مال الورثة ولا في ms0677 مال ~~الزوج فتؤخذ منه وإن كانت حاملا لم يخل إيجاب النفقة لها في مال الزوج من ~~أحد وجهين إما أن يكون وجوبها متعلقا بكونها في العدة أو لأجل الحمل وقد ~~بينا أن إيجابها لأجل العدة غير جائز ولا يجوز إيجابها لأجل الحمل لأن ~~الحمل نفسه لا يستحق نفقة على الورثة إذ هو موسر مثلهم بميراثه ولو ولدته ~~لم تجب نفقته على الورثة فكيف تجب له في حال الحمل فلم يبق وجه يستحق به ~~النفقة والله أعلم # | باب التعريض بالخطبة في العدة # قال الله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في أنفسكم الآية وقد قيل في الخطبة أنها الذكر الذي يستدعي به إلى عقدة ~~النكاح والخطبة بالضم الموعظة المتسقة على ضروب من التأليف وقد قيل أيضا إن ~~الخطبة ماله أول وآخر كالرسالة والخطبة للحال نحو الجلسة والقعدة وقيل في ~~التعريض أنه ما تضمن الكلام من الدلالة على شيء من غير ذكر له كقول القائل ~~ما أنا بزان يعرض بغيره أنه زان ولذلك رأى عمر فيه الحد وجعله كالتصريح ~~والكناية العدول عن صريح اسمه إلى ذكر يدل عليه كقوله تعالى إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر يعني القرآن فالهاء كناية عنه وقال ابن عباس التعريض بالخطبة أن ~~يقول لها إني أريد أن أتزوج امرأة من أمرها وأمرها يعرض لها بالقول وقال ~~الحسن هو أن يقول لها إني بك لمعجب وإني فيك لراغب ولا تفوتينا نفسك وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس وهي في العدة لا تفوتينا نفسك ثم ~~خطبها بعد انقضاء العدة على أسامة بن زيد وقال عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه ~~قال هو أن يقول لها وهي في العدة إنك لكريمة وإني فيك لراغب وإن الله لسائق ~~إليك خيرا أو نحو هذا من القول PageV02P128 وقال عطاء هو أن يقول إنك ~~لجميلة وإني فيك لراغب وإن قضى الله شيئا كان فكان التعريض أن يتكلم بكلام ~~يدل فحواه على رغبته فيها ولا يخطبها بصريح القول ms0678 قال سعيد بن جبير في قوله ~~تعالى إلا أن تقولوا قولا معروفا أن يقول إني فيك لراغب وإني لأرجو أن ~~نجتمع وقوله تعالى أو أكننتم في أنفسكم يعني أضمرتموه من التزويج بعد ~~انقضاء عدتها فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها من غير إفصاح به وذكر ~~إسماعيل بن إسحاق عن بعض الناس أنه احتج في نفي الحد في التعريض بالقذف بأن ~~الله تعالى لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح كذلك لا يجعل ~~التعريض بالقذف كالتصريح قال إسماعيل فاحتج بما هو حجة عليه إذ التعريض ~~بالنكاح قد فهم به مراد القائل فإذا فهم به مراده وهو القذف حكم عليه بحكم ~~القاذف قال وإنما يزيل الحد عن المعرض بالقذف من يزيله لأنه لم يعلم ~~بتعريضه أنه أراد القذف إذ كان محتملا لغيره قال وينبغي على قوله هذا أن ~~يزعم أن التعريض بالقذف جائز مباح كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح قال ~~وإنما اختير التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون إلا منهما ~~ويقتضي خطبته جوابا منها ولا يقتضي التعريض جوابا في الأغلب فلذلك افترقا ~~قال أبو بكر الكلام الأول الذي حكاه عن خصمه في الدلالة على نفي الحد ~~بالتعريض صحيح ونقضه ظاهر الاختلال واضح الفساد ووجه الإستدلال به على نفي ~~الحد بالتعريض أنه لما حظر عليه المخاطبة بعقد النكاح صريحا وأبيح له ~~التعريض به اختلف حكم التعريض والتصريح في ذلك على أن التعريض بالقذف مخالف ~~لحكم التصريح وغير جائز التسوية بينهما كما خالف الله بين حكمهما في خطبة ~~النكاح وذلك لأنه معلوم أن الحدود مما يسقط بالشبهة فهي في حكم السقوط ~~والنفي آكد من النكاح فإذا لم يكن التعريض في النكاح كالتصريح وهو آكد في ~~باب الثبوت من الحد كان الحد أولى أن لا يثبت بالتعريض من حيث دل على أنه ~~لو خطبها بعد انقضاء العدة بالتعريض لم يقع بينهما عقد النكاح فكان تعريضه ~~بالعقد مخالفا للتصريح فالحد أولى أن لا يثبت بالتعريض وكذلك لم يختلفوا أن ~~الإقرار في العقود كلها لا ms0679 يثبت بالتعريض ويثبت بالتصريح لأن الله فرق ~~بينهما في النكاح فكان الحد أولى أن لا يثبت به وهذه الدلالة واضحة على ~~الفرق بينهما في سائر ما يتعلق حكمه بالقول وهي كافية مغنية في جهة الدلالة ~~على ما وصفنا وإن أرادنا رده إليه من جهة القياس PageV02P129 لعلة تجمعهما ~~كان سائغا وذلك أن النكاح حكمه متعلق بالقول كالقذف فلما اختلف حكم التصريح ~~والتعريض بالخطبة بهذا المعنى ثبت حكمه بالتعريض وإن كان حكمه ثابتا ~~بالإفصاح والتصريح كما حكم الله به في النكاح وأما قوله إن التعريض بالقذف ~~ينبغي أن يكون بمنزلة التصريح لأنه قد عرف مراده كما عرف بالتصريح فإني ~~أظنه نسي عند هذا القول حكم الله تعالى في الفصل بين التعريض والتصريح ~~بالخطبة إذ كان المراد مفهوما مع الفرق بينهما لأنه إن كان الحكم متعلقا ~~بمفهوم المراد فلذلك بعينه موجود في الخطبة فينبغي أن يستوي حكمهما فيها ~~فإذا كان نص التنزيل قد فرق بينهما فقد انتقض هذا الإلزام وصح الإستدلال به ~~على ما وصفنا وأما قوله إن من أزال الحد عن المعرض بالقذف فإنما أزاله لأنه ~~لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف لاحتمال كلامه لغيره فإنها وكالة لم تثبت ~~عن الخصم وقضاء على غائب بغير بينة وذلك لأن أحدا لا يقول بأن حد القذف ~~متعلق بإرادته وإنما يتعلق عند خصومه بالإفصاح به دون غيره فالذي يحيل به ~~خصمه من أنه أزال الحد لأنه لم يعلم مراده لا يقبلونه ولا يعتمدونه وأما ~~إلزامه خصمه أن يبيح التعريض بالقذف كما يبيح التعريض بالنكاح فإنه كلام ~~رجل غير مثبت فيما يقوله ولا ناظر في عاقبة ما يؤل إليه حكم إلزامه له ~~فنقول إن خصمه الذي احتج به لم يجعل ما ذكره علة للإباحة حتى يلزم عليه ~~إباحة التعريض بالقذف وإنما استدل بالآية على إيجاب الفرق بين التعريض ~~والتصريح فأما الحظر موقوفان على دلالتهما من غير هذا الوجه وأما قوله إنما ~~حيز التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون إلا منهما ويقتضي ~~خطبته جوابا منها ms0680 ولا يقتضي التعريض جوابا في الأغلب فإنه كلام فارغ لا ~~معنى تحته وهو مع ذلك منتقض وذلك التعريض بالنكاح والتصريح به لا يقتضي ~~واحد منهما جوابا لأن النهي إنما انصرف إلى خطبتها لوقت مستقبل بعد انقضاء ~~العدة بقوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا وذلك لا ~~يقتضي الجواب كما لا يقتضي التعريض ولم يجز الخطاب عن النهي عن العقد ~~المقتضي للجواب حتى يفرق بينهما بما ذكر فقد بان بذلك أنه لا فرق بين ~~التعريض والتصريح في نفي اقتضاء الجواب وهذا الموضع هو الذي فرقت الآية فيه ~~بين الأمرين فأما العقد المقتضي للجواب فإنما هو منهي عنه بقوله تعالى ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وإن كان نهيه عن العقد نفسه فقد ~~PageV02P130 اقتضاه نهيه عن الإفصاح بالخطبة من جهة الدلالة كدلالة قوله ~~تعالى ولا تقل لهما أف على حظر الشتم والضرب وأما وجه انتقاضه فإنه لا خلاف ~~أن العقود المقتضية للجواب لا تصح بالتعريض وكذلك الإقرارات لا تصح ~~بالتعريض وإن لم تقتض جوابا من المقر له فلم يختلف حكم ما يقتضي من ذلك ~~جوابا ومالا يقتضيه فعلمت أن اختلافهما من هذا الوجه لا يوجب الفرق بينهما ~~وأما قوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا فإنه مختلف في المراد به فقال ابن ~~عباس وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد مواعدة السر أن يأخذ عليها عهدا أو ~~ميثاقا أن تحبس نفسها عليه ولا تنكح زوجا غيره وقال الحسن وإبراهيم وأبو ~~مجلز ومحمد وجابر بن زيد لا تواعدوهن سرا الزنا وقال زيد بن أسلم لا ~~تواعدهن سرا لا تنكح المرأة في عدتها ثم تقول سأسره ولا يعلم به أو يدخل ~~عليها فيقول لا يعلم بدخولي حتى تنقضي العدة قال أبو بكر اللفظ محتمل لهذه ~~المعاني كلها لأن الزنا قد يسمى سرا قال الحطيئة % ويحرم سر جارتهم عليهم % ~~ويأكل جارهم أنف القصاع % وأراد بالسر الزنا وصفهم بالعفة عن نساء جيرانهم ~~وقال رؤبة يصف حمار الوحش وأتانه لما كف عنها حين حملت ms0681 % قد أحضنت مثل ~~دعاميص الرنق % أجنة في مستكنات الحلق % % فعف عن أسرارها بعد العسق % يعني ~~بعد اللزوق يقال عسق به إذا لزق به وأراد بالسر ههنا الغشيان وعقدالنكاح ~~نفسه يسمى سرا كما يسمى به الوطء ألا ترى أن الوطء والعقد كل واحد منهما ~~يسمى نكاحا ولذلك ساغ تأويل الآية على الوطء وعلى العقد وعلى التصريح ~~بالخطبة لما بعد انقضاء العدة وأظهر الوجوه وأولاها بمراد الآية مع ~~احتمالها لسائر ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس ومن تابعه وهو التصريح بالخطبة ~~وأخذ العهد عليها أن تحبس نفسه عليه ليتزوجها بعد انقضاء العدة لأن التعريض ~~المباح إنما هو في عقد يكون بعد انقضاء العدة وكذلك التصريح واجب أن يكون ~~حظره من هذا الوجه بعينه ومن جهة أخرى أن ذلك معنى لم نستفده إلا بالآية ~~فهو لا محالة مراد بها وأما حظر إيقاع العقد في العدة فمذكور باسمه في نسق ~~التلاوة بقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله فإذا كان ~~ذلك PageV02P131 مذكورا في نسق الخطاب بصريح اللفظ دون التعريض وبالإفصاح ~~دون الكناية فإنه يبعد أن يكون مراده بالكناية المذكورة بقوله سرا هو والذي ~~قد أفصح به في المخاطبة وكذلك تأويل من تأوله على الزنا فيه بعد لأن ~~المواعدة بالزنا محظورة في العدة وغيرها إذ كان تحريم الله الزنا تحريما ~~مبهما مطلقا غير مقيد بشرط ولا مخصوص بوقت فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة ~~تخصيصه حظر المواعدة بالزنا بكونها في العدة وليس يمتنع أن يكون الجميع ~~مرادا لاحتمال اللفظ له بعد أن لا يخرج منه تأويل ابن عباس الذي ذكرناه ~~وقوله تعالى علم الله أنكم ستذكرونهن يعني إن الله علم أنكم ستذكرونهن ~~بالتزويج لرغبتكم فيهن ولخوفكم أن يسبقكم إليهن غيركم وأباح لهم التوصل إلى ~~المراد من ذلك بالتعريض دون الإفصاح وهذا يدل على ما اعتبره أصحابنا في ~~جواز التوصل إلى استباحة الأشياء من الوجوه المباحة وإن كانت محظورة من ~~وجوه أخر ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه ms0682 بلال بتمر جيد ~~فقال أكل تمر خيبر هكذا فقال لا إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين ~~بالثلاثة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن بيعوا تمركم بعرض ~~ثم اشتروا به هذا التمر فأرشدهم إلى التوصل إلى أخذ التمر الجيد ولهذا ~~الباب موضع غير هذا سنذكره إن شاء الله وقوله تعالى علم الله أنكم ~~ستذكرونهن كقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم وأباح لهم الأكل ~~والجماع في ليالي رمضان علمنا أنه لو لم يبح لهم لكان فيهم من يواقع ~~المحظور عنه فخفف عنهم رحمة منه بهم وكذلك قوله تعالى علم الله أنكم ~~ستذكرونهن هو على هذا المعنى قوله عز وجل ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله قيل فيه أن أصل العقدة في اللغة هو الشد تقول عقدت الحبل وعقدت ~~العقد تشبيها له بعقد الحبل في التوثق وقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح ~~معناه ولا تعقدوه ولا تعزموا عليه أن تعقدوه في العدة وليس المعنى أن لا ~~تعزموا بالضمير على إيقاع العقد بعد انقضاء العدة لأنه قد أباح إضمار عقد ~~بعد انقضاء العدة بقوله ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم والإكنان في النفس هو الإضمار فيها فعلمنا أن المراد ~~بقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح إنما تضمن النهي عن إيقاع العقد في ~~العدة وعن العزيمة عليه فيها وقوله تعالى حتى يبلغ الكتاب أجله يعني به ~~انقضاء العدة وذلك في مفهوم الخطاب غير محتاج إلى بيان ألا ترى أن فريعة ~~بنت مالك حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم أجابها PageV02P132 بأن قال لا ~~حتى يبلغ الكتاب أجله فعقلت من مفهوم خطابه انقضاء العدة ولم يحتج إلى بيان ~~من غيره ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحا وهي في عدة من ~~غيره أن النكاح فاسد وقد اختلف السلف ومن بعدهم في حكم من تزوج امرأة في ~~عدتها من غيره فروى ابن المبارك قال حدثنا أشعث عن الشعبي عن مسروق قال ms0683 بلغ ~~عمر أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق ~~بينهما وعاقبهما وقال لا ينكحها أبدا وجعل الصداق في بيت المال وفشا ذلك ~~بين الناس فبلغ عليا كرم الله وجهه فقال رحم الله أمير المؤمنين ما بال ~~الصداق وبيت المال إنهما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل فما ~~تقول أنت فيها قال لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد ~~عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تكمل العدة من الآخر ثم يكون خاطبا فبلغ ~~ذلك عمر فقال يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة وروى ابن أبي زائدة عن ~~أشعث مثله وقال فيه فرجع عمر إلى قول علي قال أبو بكر قد اتفق علي وعمر على ~~قول واحد لما روي أن عمر رجع إلى قول علي واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر يفرق بينهما ولها مهر مثلها فإذا ~~انقضت عدتها من الأول تزوجها الآخر إن شاء وهو قول الثوري والشافعي وقال ~~مالك والأوزاعي والليث بن سعد لا تحل له أبدا قال مالك والليث ولا بملك ~~اليمين قال أبو بكر لا خلاف بين من ذكرنا قوله من الفقهاء أن رجلا لو زنى ~~بامرأة جاز له أن يتزوجها والزنا أعظم من النكاح في العدة فإذا كان الزنا ~~لا يحرمها عليه تحريما مؤبدا فالوطء بشبهة أحرى أن لا يرحمها عليه وكذلك من ~~تزوج أمة على حرة أو جمع بين أختين ودخل بهما لم تحرم عليه تحريما مؤبدا ~~فكذلك الوطء عن عقد كان في العدة لا يخلو من أن يكون وطأ بشبهة أو زنا ~~وأيهما كان فالتحريم غير واقع به فإن قيل قد يوجب الزنا والوطء بالشبهة ~~تحريما مؤبدا عندكم كالذي يطأ أم امرأته أو ابنتها فتحرم عليه تحريما مؤبدا ~~قيل له ليس هذا مما نحن فيه بسبيل لأن كلامنا إنما هو في وطء يوجب تحريم ~~الموطوءة نفسها فأما وطء يوجب تحريم غيرها فإن ذلك حكم كل وطء ms0684 عندنا زنا ~~كان أو وطء بشبهة أو مباحا وأنت لم تجد في الأصول وطأ يوجب تحريم الموطوءة ~~فكان قولك خارجا عن الأصول وعن أقاويل السلف أيضا لأن عمر قد رجع إلى قول ~~علي في هذه المسألة وأما ما روي عن عمر أنه جعل المهر في بيت المال ~~PageV02P133 فإنه ذهب إلى أنه مهر حصل لها من وجه محظور فسبيله أن يتصدق به ~~فلذلك جعله في بيت المال ثم رجع فيه إلى قول علي رضي الله عنه ومذهب عمر في ~~جعل مهرها لبيت المال إذ قد حصل لها ذلك من وجه محظور يشبه ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الشاة المأخوذة بغير إذن مالكها قدمت إليه مشوية فلم ~~يكد يسيغها حين أراد الأكل منها فقال إن هذه تخبرني أنها أخذت بغير حق ~~فأخبروه بذلك فقال أطعموها الأسارى ووجه ذلك عندنا إنما صارت لهم بضمان ~~القيمة فأمرهم بالصدقة بها لأنها حصلت لهم من وجه محظور ولم يكونوا قد أدوا ~~القيمة إلى أصحابها وقد روي عن سليمان بن يسار أن مهرها لبيت المال وقال ~~سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري الصداق لها على ما روي عن علي وفي اتفاق ~~عمر وعلي على أن لا حد عليهما دلالة على أن النكاح في العدة لا يوجب الحد ~~مع العلم بالتحريم لأن المرأة كانت عالمة بكونها في العدة ولذلك جلدها عمر ~~وجعل مهرها في بيت المال وما خالفهما في ذلك أحد من الصحابة فصار ذلك أصلا ~~في أن كل وطء عن عقد فاسد أنه لا يوجب الحد سواء كانا عالمين بالتحري أو ~~غير عالمين به وهذا يشهد لأبي حنيفة فيمن وطئ ذات محرم منه بنكاح أنه لا حد ~~عليه وقد اختلف الفقهاء في العدة إذا وجبت من رجلين فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر ومالك في رواية ابن القاسم عنه والثوري والأوزاعي إذا وجبت ~~عليها العدة من رجلين فإن عدة واحدة تكون لهما جميعا سواء كانت العدة ~~بالحمل أو بالحيض أو بالشهور وهو قول ms0685 إبراهيم النخعي وقال الحسن بن صالح ~~والليث والشافعي تعتد لكل واحد عدة مستقبلة والذي يدل على صحة القول الأول ~~قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يقتضي كون عدتها ثلاثة ~~قروء إذا طلقها زوجها ووطئها رجل بشبهة لأنها مطلقة قد وجبت عليها عدة ولو ~~أوجبنا عليها أكثر من ثلاثة قروء كنا زائدين في الآية ما ليس فيها إذ لم ~~تفرق بين من وطئت بشبهة من المطلقات وبين غيرها ويدل عليه أيضا قوله تعالى ~~واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن ولم يفرق بين مطلقة قد وطئها أجنبي بشبهة وبين من لم توطأ فاقتضى ذلك ~~أن تكون عدتها ثلاثة أشهر في الوجهين جميعا ويدل عليه أيضا قوله تعالى ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ولم يفرق بين من عليها عدة من رجل أو ~~رجلين ويدل عليه أيضا قوله تعالى يسئلونك عن الأهلة قل هي PageV02P134 ~~مواقيت للناس والحج لأن العدة إنما هي بمضي الأوقات والأهلة والشهور وقد ~~جعلها الله وقتا لجميع الناس فوجب أن تكون الشهور والأهلة وقتا لكل واحد ~~منهما لعموم الآية ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الأول لا يجوز له عقد ~~النكاح عليها قبل انقضاء عدتها منه فعلمنا أنها في عدة من الثاني لأن العدة ~~منه لا تمنع من تزويجها فإن قيل منع من ذلك لأن العدة منه نتلوها عدة من ~~غيرها قيل له فقد يجوز أن يتزوجها ثم يموت هو قبل بلوغها مواضع الاعتداد من ~~الثاني فلا تلزمها عدة من الثاني فلو لم تكن في هذه الحال معتدة منه لما ~~منع العقد عليها لأن عدة تجب في المستقبل لا ترفع عقدا ماضيا ويدل عليه أن ~~الحيض إنما هو استبراء للرحم من الحبل فإذا طلقها الأول ووطئها الثاني ~~بشبهة قبل أن تحيض ثم حاضت ثلاث حيض فقد حصل الإستبراء ويستحيل أن يكون ~~استبراء من حمل الأول غير استبراء من حمل الثاني فوجب أن تنقضي به العدة ~~منهما جميعا ويدل عليه أن من ms0686 طلق امرأته وأبانها ثم وطئها في العدة بشبهة ~~أن عليها عدتين عدة من الوطء وتعتد بما بقي من العدة الأولى من العدتين ولا ~~فرق بين أن تكون العدة من رجلين أو رجل واحد فإن قيل إن هذا حق واجب لرجل ~~واحد والأول واجب لرجلين قيل له لا فرق بين الرجل الواحد والرجلين لأن ~~الحقين إذا وجبا لرجل واحد فواجب إيفاؤهما إياه جميعا كوجوبهما لرجلين في ~~لزوم توفيتهما إياهما ألا ترى أنه لا فرق بين الرجلين والرجل الواحد في ~~آجال الديون ومواقيت الحج والإجارات ومدد الإيلاء في أن مضي الوقت الواحد ~~يصير كل واحد منهما مستوفيا لحقه فتكون ا لشهور التي لهذا هي بعينها للآخر ~~وقد روى أبو الزناد عن سليمان بن يسار عن عمر في التي تزوجت في العدة أنه ~~أمرها أن تعتد منهما وظاهر ذلك يقتضي أن تكون عدة واحدة منهما فإن قيل روى ~~الزهري عن سليمان بن يسار عن عمر أنه قال تعتد بقية عدتها من الأول ثم تعتد ~~من الآخر قيل له ليس فيه أنها تعتد من الآخر عدة مستقبلة فوجب أن يحمل ~~معناه على بقية العدة ليوافق أبي الزناد والله أعلم # | باب متعة المطلقة # قال الله عز وجل لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن تقديره مالم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ألا ترى أنه ~~عطف PageV02P135 عليه قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم فلو كان الأول بمعنى مالم تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة أو لم تفرضوا لما عطف عليها المفروض لها فدل ذلك على أن معناه مالم ~~تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة وقد تكون أو بمعنى الواو قال الله تعالى ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا معناه ولا كفورا وقال تعالى وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط والمعنى وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى ~~ومسافرون وقال تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ms0687 معناه ويزيدون فهذا ~~موجود في اللغة وهي النفي أظهر في دخولها عليه أنها بمعنى الواو منه ما ~~قدمنا من قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا معناه ولا كفورا لدخولها ~~على النفي وقال تعالى حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا ~~أو ما اختلط بعظم أو في هذه المواضع بمعنى الواو فوجب على هذا أن يكون قوله ~~تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة لما ~~دخلت على النفي أن تكون بمعنى الواو فيكون شرط وجوب المتعة المعنيين جميعا ~~من عدم المسيس والتسمية جميعا بعد الطلاق وهذه الآية تدل على أن للرجل أن ~~يطلق امرأته قبل الدخول بها في الحيض وأنها ليست كالمدخول بها لإطلاقه ~~إباحة الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض وقد اختلف السلف ~~وفقهاء الأمصار في وجوب المتعة فروي عن علي أنه قال لكل مطلقة متعة وعن ~~الزهري مثله وقال ابن عمر لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق ~~ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها وروي عن القاسم بن محمد مثله وقال شريح ~~وإبراهيم والحسن تخير التي تطلق قبل الدخول ولم يفرض على المتعة وقال شريح ~~وقد سألوه في متاع فقال لا نأبى أن نكون من المتقين فقال إني محتاج فقال لا ~~نأبى أن نكون من المحسنين وقد روي عن الحسن وأبي العالية لكل مطلقة متاع ~~وسئل سعيد بن جبير عن المتعة على الناس كلهم فقال لا على المتقين وروى ابن ~~أبي الزناد عن أبيه في كتاب البغية وكانوا لا يرون المتاع للمطلقة واجبا ~~ولكأنها تخصيص من الله وفضل وروى عطاء عن ابن عباس قال إذا فرض الرجل وطلق ~~قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع وقال محمد بن علي المتعة التي لم يفرض لها ~~والتي قد فرض لها ليس لها متعة وذكر محمد بن إسحاق عن نافع قال كان ابن عمر ~~لا يرى للمطلقة متعة واجبة إلا للتي أنكحت بالعوض ثم يطلقها ms0688 قبل أن ~~PageV02P136 يدخل بها وروى معمر عن الزهري قال متعتان إحداهما يقضي بها ~~السلطان والأخرى حق على المتقين من طلق قبل أن يفرض ولم يدخل أخذ المتعة ~~لأنه لا صداق عليه ومن طلق بعد ما يدخل أو يفرض فالمتعة حق عليه وعن مجاهد ~~نحو ذلك فهذا قول السلف فيها وأما فقهاء الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ~~ومحمدا وزفر قالوا المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا ~~وإن دخل بها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها وهو قول الثوري والحسن بن صالح ~~والأوزاعي إلا أن الأوزاعي زعم أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب ~~المتعة وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا وقال بن أبي ليلى وأبو ~~الزناد المتعة ليست واجبة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها ولم ~~يفرقا بين المدخول بها وبين غير المدخول بها وبين من سمي لها وبين من لم ~~يسم لها وقال مالك والليث لا يجبر أحد على المتعة سمي لها أو لم يسم لها ~~دخل بها أو لم يدخل وإنما هي مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها قال مالك ~~وليس للملاعنة متعة على حال من الحالات وقال الشافعي المتعة واجبة لكل ~~مطلقة ولكل زوجة إذا كان الفراق من قبله أو يتم به إلا التي سمي لها وطلق ~~قبل الدخول قال أبو بكر نبدأ بالكلام في إيجاب المتعة ثم نعقبه بالكلام على ~~من أوجبها لكل مطلقة والدليل على وجوبها قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وقال تعالى في آية أخرى يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا وقال في آية أخرى ~~وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين فقد حوت هذه الآيات الدلالة على ~~وجوب المتعة من وجوه أحدها قوله تعالى فمتعوهن ms0689 لأنه أمر والأمر يقتضي ~~الوجوب حتى تقوم الدلالة على الندب والثاني قوله تعالى متاعا بالمعروف حقا ~~على المحسنين تأكيد لإيجابه إذ جعلها من شرط الإحسان وعلى كل أحد أن يكون ~~من المحسنين وكذلك قوله تعالى حقا على المتقين قد دل قوله حقا عليه على ~~الوجوب وقوله تعالى حقا على المتقين تأكيدا لإيجابها وكذلك قوله تعالى ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا قد دل على الوجوب من حيث هو أمر وقوله تعالى ~~وللمطلقات متاع PageV02P137 بالمعروف يقتضي الوجوب أيضا لأنه جعلها لهم وما ~~كان للإنسان فهو ملكه له المطالبة به كقولك هذه الدار لزيد فإن قيل لما خص ~~المتقين والمحسنين بالذكر في إيجاب المتعة عليهم دل على أنها غير واجبة ~~وأنها ندب لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم قيل له ~~إنما ذكر المتقين والمحسنين تأكيدا لوجوبها وليس تخصيصهم بالذكر نفيا على ~~غيرهم كما قال تعالى هدى للمتقين وهو هدى للناس كافة وقوله تعالى شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس فلم يكن قوله تعالى هدى للمتقين موجبا لأن ~~لا يكون هدى لغيرهم كذلك قوله تعالى حقا على المتقين وحقا على المحسنين غير ~~ناف أن يكون حقا على غيرهم وأيضا فإنا نوجبها على المتقين والمحسنين بالآية ~~ونوجبها على غيرهم بقوله تعالى فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا وذلك عام في ~~الجميع بالإتفاق لأن كل من أوجبها من فقهاء الأمصار على المحسنين والمتقين ~~أوجبها على غيرهم ويلزم هذا السائل أن لا يجعلها ندبا ايضا لأن ما كان ندبا ~~لا يختلف فيه المتقون وغيرهم فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في ~~المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم فيه سواء فكذلك جائز تخصيص المحسنين ~~والمتقين بالذكر في الإيجاب ويكونون هم وغيرهم فيه سواء فإن قيل لما لم ~~يخصص المتقين والمحسنين في سائر الديون من الصداق وسائر عقود المداينات عند ~~إيجابهم عليهم وخصهم بذلك عند ذكر المتعة دل على أنها ليست بواجبة قيل له ~~إذا كان لفظ الإيجاب موجودا في الجميع فالواجب علينا الحكم بمقتضى اللفظ ثم ~~تخصيصه ms0690 بعض من أوجب عليه الحق بذكر التقوى والإحسان إنما هو على وجه ~~التأكيد ووجوه التأكيد مختلفة فمنها ما يكون ذكر بتقييد التقوى والإحسان ~~ومنها ما يكون بتخصيص لفظ الأداء نحو قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ~~وقوله تعالى فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ومنها ما يكون بالأمر ~~بالإشهاد عليه والرهن به فكيف يستدل بلفظ التأكيد على نفي الإيجاب وأيضا ~~فإنا وجدنا عقد النكاح لا يخلو من إيجاب البدل إن كان مسمى فالمسمى وإن لم ~~يكن فيه تسمية فمهر المثل ثم كانت حاله إذا كان فيه تسمية أن البضع لا يخلو ~~من استحقاق البدل له مع ورود الطلاق قبل الدخول وفارق النكاح بهذا المعنى ~~سائر العقود لأن عود المبيع إلى ملك البائع يوجب سقوط الثمن كله وسقوط حق ~~الزوج عن بضعها بالطلاق قبل الدخول لا يخرجه من استحقاق بدل ما هو نصف ~~المسمى فوجب PageV02P138 أن يكون ذلك حكمه إذا لم تكن فيه تسمية والمعنى ~~الجامع بينها ورود الطلاق قبل الدخول وأيضا فإن مهر المثل مستحق بالعقد ~~والمتعة هي بعض مهر المثل فتجب كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول فإن ~~قيل مهر المثل دراهم ودنانير والمتعة إنما هي أثواب قيل له المتعة أيضا ~~عندنا دراهم ودنانير لو أعطاها لم يجبر على غيرها وهذا الذي ذكرناه من أنها ~~بعض مهر المثل يسوغ على مذهب محمد لأنه يقول إذا رهنها بمهر المثل رهنا ثم ~~طلقها قبل الدخول كان رهنا بالمتعة محبوسا بها إن هلك هلك بها وأبو يوسف ~~فإنه لا يجعله رهنا بالمتعة فإن هلك هلك بغير شيء والمتعة واجبة باقية عليه ~~فهذا يدل على أنه لم يرها بعض مهر المثل ولكنه أوجبها بمقتضى ظاهر ا لقرآن ~~وبالإستدلال وبالأصول على أن البضع لا يخلو من بدل مع ورود الطلاق قبل ~~الدخول وأنه لا فرق بين وجود التسمية في العقد وبين عدمها إذ غير جائز حصول ~~ملك البضع له بغير بدل فوجوب مهر المثل بالعقد عند عدم التسمية كوجوب ~~المسمى فيه ms0691 فوجب أن يستوي فيه حكمهما في وجوب بدل البضع عند ورود الطلاق ~~قبل الدخول وأن تكون المتعة قائمة مقام بعض مهر المثل وإن لم تكن بعضه كما ~~تقوم القيم مقام المستهلكات وقد قال إبراهيم في المطلقة قبل الدخول وقد سمي ~~لها أن لها نصف الصداق هو متعتها فكانت المتعة اسما لما يستحق بعد الطلاق ~~قبل الدخول ويكون بدلا من البضع فإن قيل إذا قامت مقام بعض مهر المثل فهو ~~عوض من المهر والمهر لا يجب له عوض قبل الطلاق فكذلك بعده قيل له لم نقل ~~إنه لم بدل منه وإن قام مقامه كما لا نقول أن قيم المستهلكات أبدال لها بل ~~كأنها هي حين قامت مقامها ألا ترى أن المشتري لا يجوز له أخذ بدل المبيع ~~قبل القبض ببيع ولا غيره ولو كان استهلكه مستهلك كان له أخذ القيمة منه ~~لأنها تقوم مقامه كأنها هو لا على معنى العوض فكذلك المتعة تقوم مقام بعض ~~مهر المثل بدلا من البضع كما يجب نصف المسمى بدلا من البضع مع الطلاق فإن ~~قيل لو كانت المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع لوجب اعتبارها ~~بالمرأة كما يعتبر مهر المثل بحالها دون حال الزوج فلما أوجب الله تعالى ~~اعتبار المتعة بحال الرجل في قوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره دل على أنها ليست بدلا من البضع وإذا لم تكن بدلا من البضع لم ~~يجز أن تكن بدلا من الطلاق لأن البضع يحصل لها بالطلاق فلا يجوز أن تستحق ~~بدل ما يحصل لها وهذا يدل على أنها PageV02P139 ليست بدلا عن شيء وإذا كان ~~كذلك علمنا أنها ليست بواجبة قيل له أما قولك في اعتبار حاله دون حالها ~~فليس كذلك عندنا وأصحابنا المتأخرون مختلفون فيه فكان شيخنا أبو الحسن رحمه ~~الله يقول يعتبر فيها حال المرأة أيضا وليس فيه خلاف الآية لأنا نستعمل حكم ~~الآية مع ذلك في اعتبار حال الزوج ومنهم من يقول يعتبر حاله دون حالها ومن ~~قال بهذا ms0692 يلزمه سؤال هذا السائل أيضا لأنه يقول إن مهر المثل إنما وجب ~~اعتباره بها في الحال التي يحصل البضع للزوج إما بالدخول وإما بالموت ~~القائم مقام الدخول في استحقاق كمال المهر فكان بمنزلة قيم المتلفات في ~~اعتبارها بأنفسها وأما المتعة فإنها لا تجب عندنا إلا في حال سقوط حقه من ~~بضعها لسبب من قبله قبل الدخول أو ما يقوم مقامه فلم يجب اعتبار حال المرأة ~~إذ البضع غير حاصل للزوج بل حصل لها بسبب من قبله من غير ثبوت حكم الدخول ~~فلذلك اعتبر حاله دونها وأيضا لو سلمنا لك أنها ليست بدلا عن شيء لم يمنع ~~ذلك وجوبها لأن النفقة ليست بدلا عن شيء بدلالة أن بدل البضع هو المهر وقد ~~ملكه بعقد النكاح والدخول والاستمتاع إنما هو تصرف في ملكه وتصرف ا لإنسان ~~في ملكه لا يوجب عليه بدلا ولم يمنع ذلك وجوبها ولذلك تلزمه نفقة أبيه ~~وابنه الصغير بنص الكتاب والإنفاق ليس بدلا عن شيء ولم يمنع ذلك وجوبها ~~والزكوات والكفارات ليست بدلا عن شيء وهن واجبات فالمستدل بكونها غير بدل ~~عن شيء على نفي إيجابها مغفل وأيضا فاعتبارها بالرجل وبالمرأة إنما هو كلام ~~في تقديرها والكلام في التقدير ليس يتعلق بالإيجاب ولا بنفيه وأيضا لو لم ~~تكن واجبة لم تكن مقدرة بحال الرجل فلم اقال تعالى على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره دل على ا لوجوب إذ ما ليس بواجب غير معتبر بحال الرجل إذ له أن ~~يفعل ما شاء منه في حال اليسار والإعسار فلما قدرها بحال الرجل ولم يطلقها ~~فيخير الرجل فيها دل على وجوبها وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة ~~وقال هذا القائل أيضا لما قال تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~اقتضى ذلك أن لا تلزم المقتر الذي لا يملك شيئا وإذا لم تلزمه لم تلزم ~~الموسر ومن ألزمها المقتر فقد خرج من ظاهر الكتاب لأن من لا مال له لم تقتض ~~الآية إيجابها عليه إذ لا مال له فيعتبر ms0693 قدره فغير جائز أن نجعلها دينا ~~عليه وأن لا يكون مخاطبا بها قال أبو بكر هذا الذي ذكره هذا القائل إغفال ~~منه لمعنى الآية لأن الله تعالى لم يقل على الموسع على قد ماله PageV02P140 ~~وعلى المقتر على قدر ماله وإنما قال تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره وللمقتر قدر يعتبر به وهو ثبوته في ذمته حتى يجد فيسلمه كما قال الله ~~تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فأوجبها عليه بالمعروف ولو ~~كان معسرا لا يقدر على شيء لم يخرج عن حكم الآية لأن له ذمة تثبت فيها ~~النفقة بالمعروف حتى إذا وجدها أعطاها كذلك المقتر في حكم المتعة وكسائر ~~الحقوق التي تثبت في الذمة وتكون الذمة كالأعيان ألا ترى أن شراء المعسر ~~بمال في ذمته جائز وقامت الذمة مقام العين في باب ثبوت البدل فيها فكذلك ~~ذمة الزوج المقتر ذمة صحيحة يصح إثبات المتعة فيها كما تثبت فيها النفقات ~~وسائر الديون قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على جواز النكاح بغير تسمية ~~مهر لأن الله تعالى حكم بصحة الطلاق فيه مع عدم التسمية والطلاق لا يقع إلا ~~في نكاح صحيح وقد تضمنت الدلالة على أن شرطه أن لا صداق لها لا يفسد النكاح ~~لأنها لما لم يفرق بين من سكت عن التسمية وبين من شرط أن لا صداق فهي على ا ~~لأمرين جميعا وزعم مالك أنه إذا شرط أن لا مهر لها فالنكاح فاسد فإن دخل ~~بها صح النكاح ولها مهر مثلها وقد قضت الآية بجواز النكاح وشرطه أن لا مهر ~~لها ليس بأكثر من ترك التسمية فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في العقد فكذلك ~~شرطه أن لا مهر لها وإنما قال أصحابنا أنها غير واجبة للمدخول بها لأنا قد ~~بينا أن المتعة بدل من البضع وغير جائز أن تستحق بدلين فلما كانت مستحقة ~~بعد الدخول المسمى أو مهر المثل لم يجز أن تستحق معه المتعة ولا خلاف أيضا ~~بين فقهاء الأمصار أن المطلقة قبل الدخول ms0694 لا تستحقها على وجه الوجوب إذا ~~وجب لها نصف المهر فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا أحدهما أنها لم تستحقه مع ~~وجوب بعض المهر فأن لا تستحقه مع وجوب جميعه أولى والثاني أن المعنى فيه ~~أنها قد استحقت شيئا من المهر وذلك موجود في المدخول بها فإن قيل لما وجبت ~~المتعة حين لم يجب شيء من المهر وجب أن يكون وجوبها عند استحقاق المهر أولى ~~قيل فينبغي أن تستحقها إذا وجب نصف المهر لوجوبها عند عدم شيء منه وأيضا ~~فإنما استحقها عند فقد شيء من المهر لعلة أن البضع لا يخلو من بدل قيل ~~الطلاق وبعده فلما لم يجب المهر وجبت المتعة ولما استحقت بدلا آخر لم يجز ~~أن تستحقها فإن قيل قال الله تعالى وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل قيل له هو كذلك إلا أن ~~المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى PageV02P141 وفاكهة وأبا ~~متاعا لكم ولأنعامكم وقال تعالى متاع قليل ثم مأواهم جهنم وقال تعالى إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع وقال الأفوه الأودي % إنما نعمة قوم متعة % وحياة ~~المرء ثوب مستعار % فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به ونحن ~~فمتى أوجبنا للمطلقات شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة ~~الآية فمتعة التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى والتي لم يسم لها على قدر ~~حال الرجل والمرأة وللمدخول بها تارة المسمى وتارة المثل إذا لم يكن مسمى ~~وذلك كله متعة وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ~~ضروبها لأن قوله تعالى وللمطلقات متاع إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم ~~فإن قيل قوله تعالى وللمطلقات متاع يقتضي إيجابه بالطلاق ولا يقع على ما ~~استحقته قبله من المهر قيل له ليس كذلك لأنه جائز أن تقول وللمطلقات المهور ~~التي كانت واجبة لهن قبل الطلاق فليس في ذكر وجوبه بعد الطلاق ما ينفي ~~وجوبه قبله إذ لو ms0695 كان كذلك لما جاز ذكر وجوبه في الحالين مع ذكر الطلاق ~~فيكون فائدة وجوبه بعد الطلاق إعلامنا أن مع الطلاق يجب المتاع إذ كان ~~جائزا أن يظن ظان أن الطلاق يسقط ما وجب فأبان عن إيجابه بعده كهو قبله ~~وأيضا إن كان المراد متاعا وجب بالطلاق فهو على ثلاثة أنحاء إما نفقة العدة ~~للمدخول بها أو المتعة أو نصف المسمى لغير المدخول بها وذلك متعلق بالطلاق ~~لأن النفقة تسمى متاعا على ما بينا كما قال تعالى والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فسمى النفقة ~~والسكنى الواجبتين لها متاعا ومما يدل على أن المتعة غير واجبة مع المهر ~~اتفاق الجميع على أنه ليس لها المطالبة بها قبل الطلاق فلو كانت المتعة تجب ~~مع المهر بعد الطلاق لوجبت قبل الطلاق إذ كانت بدلا من البضع وليست بدلا من ~~الطلاق فكان يكون حكمها حكم المهر وفي ذلك دليل على امتناع وجوب المتعة ~~والمهر فإن قيل فأنتم توجبونها بعد الطلاق لمن لم يسم لها ولم يدخل بها ولا ~~توجبونها قبله ولم يكن انتفاء وجوبها قبل الطلاق دليلا على انتفاء وجوبها ~~بعده وكذلك قلنا في المدخول بها قيل له إن المتعة بعض مهر المثل إذ قام ~~مقام بعضه وقد كانت المطالبة لها واجبة بالمهر قبل الطلاق فلذلك صحت ببعضه ~~بعده وأنت فلست تجعل المتعة بعض المهر فلم يخل إيجابها من أن تكون بدلا من ~~البضع أو من الطلاق فإن كانت بدلا من البضع مع PageV02P142 مهر المثل فواجب ~~أن تستحقها قبل الطلاق وإن لم تكن بدلا من البضع استحال وجوبها عن الطلاق ~~في حال حصول البضع لها والله تعالى أعلم # | ذكر تقدير المتعة الواجبة # قال الله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ~~وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب ~~الظن ويختلف ذلك في الأزمان أيضا لأن الله تعالى شرط في مقدارها شيئين ~~أحدهما اعتبارها بيسار الرجل وإعساره والثاني أن يكون بالمعروف مع ms0696 ذلك فوجب ~~اعتبار المعنيين في ذلك وإذا كان كذلك وكان المعروف منهما موقوفا على عادات ~~الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير وجب بذلك مراعاة العادات في الأزمان ~~وذلك أصل في جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث إذ كان ذلك حكما مؤديا إلى ~~اجتهاد رأينا وقد ذكرنا أن شيخنا أبا الحسن رحمه الله يقول يجب مع ذلك ~~اعتبار حال المرأة وذكر ذلك أيضا علي بن موسى القمي في كتابه واحتج بأن ~~الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة بشيئين حال الرجل بيساره وإعساره وأن ~~يكون مع ذلك بالمعروف قال فلو اعتبرنا حال الرجل وحده عاريا من اعتبار حال ~~المرأة لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين أحدهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم ~~طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن تكونا متساويتين في المتعة فتجب لهذه ~~الدنية كما تجب لهذه الشريفة وهذا منكر في عادات الناس وأخلاقهم غير معروف ~~قال ويفسد من وجه آخر قول من اعتبر حال الرجل وحده دونها وهو أنه لو كان ~~رجلا موسرا عظيم الشأن فيتزوج امرأة دنية مهر مثلها دينار أنه لو دخل بها ~~وجب لها مهر مثلها إذ لم يسم لها شيئا دينار واحد ولو طلقها قبل الدخول ~~لزمته المتعة على قدر حاله وقد يكون ذلك أضعاف مهر مثلها فتستحق قبل الدخول ~~بعد الطلاق أكثر مما تستحقه بعد الدخول وهذا خلف من القول لأن الله تعالى ~~قد أوجب للمطلقة قبل الدخول نصف ما أوجبه لها بعد الدخول فإذا كان القول ~~باعتبار حال دونها يؤدي إلى مخالفة معنى الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف ~~في العادات سقط ووجب اعتبار حالها معه ويفسد أيضا من وجه آخر وهو أنه لو ~~تزوج رجلان موسران أختين فدخل أحدهما بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم ~~إذ لم يسم لها مهرا وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون ~~المتعة لها على قدر PageV02P143 حال الرجل وجائز أن يكون ذلك ضعاف مهر ~~أختها فيكون ما تأخذه المدخول بها أقل مما تأخذه المطلقة وقيمة ms0697 البضعين ~~واحدة وهما متساويتان في المهر فيكون الدخول مدخلا عليها ضررا ونقصانا في ~~البدن وهذا منكر غير معروف فهذه الوجوه كلها تدل على اعتبار حال المرأة معه ~~وقال أصحابنا أنه إذا طلقها قبل الدخول ولم يسم لها وكانت متعتها أكثر من ~~نصف مهر مثلها أنها لا تجاوز بها نصف مهر مثلها فيكون لها الأقل من نصف مهر ~~مثلها ومن المتعة لأن الله تعالى لم يجعل المسمى لها أكثر من نصف التسمية ~~مع الطلاق قبل الدخول فغير جائز أن يعطيها عند عدم التسمية أكثر من النصف ~~مهر المثل ولما كان المسمى مع ذلك أكثر من مهر المثل فلم تستحق بعد الطلاق ~~أكثر من النصف ففي مهر المثل أولى ولم يقدر أصحابنا لها مقدارا معلوما لا ~~يتجاوز به ولا يقصر عنه وقالوا هي على قدر المعتاد المتعارف في كل وقت وقد ~~ذكر عنهم ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار والإزار هو الذي تستتر به بين الناس ~~عند الخروج وقد ذكر عن السلف في مقدارها أقاويل مختلفة على حسب ما غلب في ~~رأي كل واحد منهم فروى إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس قال أعلى ~~المتعة الخادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة وروى أياس بن معاوية عن ~~أبي مجلز قال قلت لابن عمر أخبرني على قدري فأني موسر أكسو كذا أكسو كذا ~~فحسبت ذلك فوجدته قيمته ثلاثين درهما وروى عمرو عن الحسن قال ليس في المتعة ~~شيء بوقت على قدر الميسرة وكان حماد يقول يمتعها بنصف مهر مثلها وقال عطاء ~~أوسع المتعة درع وخمار وملحفة وقال الشعبي كسوتها في بيتها درع وخمار ~~وملحفة وجلبابة وروى يونس عن الحسن قال كان منهم من يمتع بالخادم والنفقة ~~ومنهم من يمتع بالكسوة والنفقة ومن كان دون ذلك فثلاثة أثواب درع وخمار ~~وملحفة ومن كان دون ذلك متع بثوب واحد وروى عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب ~~قال أفضل المتعة خمارا وأوضعها ثوب وروى الحجاج عن أبي إسحاق أنه سأل ~~عبدالله بن ms0698 مغفل عنها فقال لها المتعة على قدر ماله وهذه المقادير كلها ~~صدرت عن اجتهاد آرائهم ولم ينكر بعضهم على بعض ما صار إليه من مخالفته فيه ~~فدل على أنها عندهم موضوعة على ما يؤديه إليه اجتهاده وهي بمنزلة تقويم ~~المتلفات وأروش الجنايات التي ليس لها مقادير معلومة في النصوص قوله عز وجل ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف PageV02P144 ما ~~فرضتم قيل إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها تميز بينها والفرضة ~~العلامة في قسم الماء على خشب أو جص أو حجارة يعرف بها كل ذي حق نصيبه من ~~الشرب وقد سمي الشط الذي ترفأ فيه السفن فرضة لحصول الأثر فيه بالنزول إلى ~~السفن والصعود منها ثم صار اسم الفرض في الشرع واقعا على المقدار وعلى ما ~~كان في أعلى مراتب الإيجاب من الواجبات وقوله تعالى إن الذي فرض عليك ~~القرآن معناه أنزل وأوجب عليك أحكامه وتبليغه وقوله تعالى عند ذكر المواريث ~~فريضة من الله ينتظم الأمرين من معنى الإيجاب لمقادير الأنصباء التي بينها ~~لذوي الميراث وقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة المراد بالفرض ههنا تقدير المهر وتسميته في العقد ومنه فرائض الإبل ~~وهي المقادير الواجبة فيها على اعتبار أعدادها وأسنانها فسمى التقدير فرضا ~~تشبيها له بالحز الواقع في القداح التي تتميز به من غيرها وكذلك سبيل ما ~~كان مقدارا من الأشياء فقد حصل التمييز به بينه وبين غيره والدليل على أن ~~المراد بقوله تعالى وقد فرضتم لهن فريضة تسمية المقدار في العقد أنه قدم ~~ذكر المطلقة التي لم يسم لها بقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ~~مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ثم عقبه بذكر من فرض لها وطلقت بعد الدخول ~~فلما كان الأول على نفي التسمية كان الثاني على إثباتها فأوجب الله لها نصف ~~المفروض بنص التنزيل وقد اختلف فيمن سمي لها بعد العقد ثم طلقت قبل الدخول ~~فقال أبو حنيفة لها مهر مثلها وهو ms0699 قول محمد وكان أبو يوسف يقول لها نصف ~~الفرض ثم رجع إلى قولهما وقال مالك والشافعي لها نصف الفرض والدليل على أن ~~لها مهر مثلها أن موجب هذا العقد مهر المثل وقد اقتضى وجوب مهر المثل ~~بالعقد وجوب المتعة بالطلاق قبل الدخول فلما تراضيا على تسمية لم ينتف موجب ~~العقد من المتعة والدليل على ذلك أن هذا الفرض لم يكن مسمى في العقد كما لم ~~يكن مهر المثل مسمى فيه وإن كان واجبا به فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول ~~مسقطا لمهر المثل بعد وجوبه إذ لم يكن مسمى في العقد وجب أن يكون كذلك حكم ~~المفروض بعده إذ لم يكن مسمى فيه فإن قيل مهر المثل لم يوجبه العقد وإنما ~~وجب بالدخول قيل له هذا غلط لأنه غير جائز استباحة البضع بغير بدل والدليل ~~على ذلك أنه لو شرط في العقد أنه لا مهر لها لوجب لها المهر فلما كان المهر ~~بدلا من استباحة البضع ولم يجز نفيه بالشرط وجب أن يكون PageV02P145 من حيث ~~استباح البضع أن يلزمه المهر ويدل على ذلك أن الدخول بعد صحة العقد إنما هو ~~تصرف فيما قد ملكه وتصرف الإنسان في ملكه لا يلزمه بدلا ألا ترى أن تصرف ~~المشتري في السلعة لا يوجب عليه بدلا بالتصرف فدل ذلك على استحقاقهما لمهر ~~المثل بالعقد ويدل على ذلك أيضا اتفاق الجميع على أن لها أن تمنع نفسها ~~بمهر المثل ولو لم تكن قد استحقته بالعقد كيف كان يجوز لها أن تمنع نفسها ~~بما لم يجب بعد ويدل على ذلك أيضا أن لها المطالبة به ولو خاصمته إلى ~~القاضي لقضى به لها والقاضي لا يبتدئ إيجاب مهر لم تستحقه كما يبتدئ إيجاب ~~سائر الديون إذا لم تكن مستحقة وذلك كله دليل على أن التي لم يفرض لها مهر ~~قد استحقت مهر المثل بالعقد وملكته على الزوج حسب ملكها للمسمى لو كانت في ~~العقد تسمية فإن قيل لو كان مهر المثل واجبا بالعقد لما سقط كله بالطلاق ms0700 ~~قبل الدخول كما لا يسقط جميع المسمى قيل له لم يسقط كله لأن المتعة بعضه ~~على ما قدمنا وهي بإزاء نصف المسمى لمن طلقت قبل الدخول وزعم إسماعيل بن ~~إسحاق أن المهر لا يجب بالعقد وإن استباح الزوج البضع قال لأن الزوج بإزاء ~~الزوجة كالثمن بإزاء المبيع فإن كان كما قال فواجب أن لا يلزمه المهر ~~بالدخول لأن الوطء كان مستحقا لها على الزوج كما استحق هو التسليم عليها إذ ~~ما استباحه كل واحد منهما بإزاء ما استباحه الآخر فمن أين صار الزوج مخصوصا ~~بإيجاب المهر إذا دخل بها وينبغي أن لا يكون لها أن تحبس نفسها بالمهر إذا ~~لم تستحق ذلك بالعقد وواجب أيضا أن لا تصح تسمية المهر لأنه قد صح من جهته ~~بما عقد عليه كما صح من جهتها فلا يلزمه المهر كما لا يلزمها له شيء وواجب ~~على هذا أن لا يقوم البضع عليها بالدخول وبالوطء بالشبهة وأن لا يصح أخذ ~~البدل منها لسقوط حقه عن بعضها وهذا كله مع ما عقلت الأمة من أن الزوج يجب ~~عليه المهر بدلا من استباحة البضع يدل على سقوط قول هذا القائل وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث سهل بن سعد الساعدي حين قال للرجل الذي خطب ~~إليه المرأة التي وهبت نفسها منه قد ملكتها بما معك من القرآن يدل على أن ~~الزوج في معنى الملك لبضعها ومن الدليل على أن الفرض الواقع بعد العقد ~~يسقطه الطلاق قبل الدخول أن الفرض إنما أقيم مقام مهر المثل لأنه غير جائز ~~إيجابه مع مهر المثل ولما كان كذلك وجب أن يسقطه الطلاق قبل الدخول كما ~~يسقط مهر المثل ومن جهة أخرى أن الفرض إنما ألحق بالعقد ولم يكن موجودا فيه ~~فمن حيث بطل العقد بطل PageV02P146 ما ألحق به فإن قيل فالمسمى في العقد ~~ثبوته كان بالعقد ولا يبطل ببطلانه قيل له قد كان أبو الحسن رحمه الله يقول ~~إن المسمى قد بطل وإنما يجب نصف المهر حسب وجوب المتعة ms0701 وكذلك قال إبراهيم ~~النخعي هذا متعتها ومن الناس من يحتج بهذه الآية في أن المهر قد يكون أقل ~~من عشرة دراهم لأن الله تعالى قال وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم فإذا سمى درهمين في العقد وجب بقضية الآية أن لا ~~تستحق بعد الطلاق أكثر من درهم وهذا لا يدل عندنا على ما قالوا وذلك لأن ~~تسمية الدرهمين عندنا تسمية العشرة لأن العشرة لا تتبعض في العقد وتسمية ~~لبعضها تسمية لجميعها كما أن الطلاق لما لم يتبعض كان إيقاعه لنصف تطليقة ~~إيقاعا لجميعها والذي قد فرض أقل من عشرة قد فرض العشرة عندنا فيجب نصفها ~~بعد الطلاق وأيضا فإن الذي اقتضته الاية وجوب نصف المفروض ونحن نوجب نصف ~~المفروض ثم نوجب الزيادة إلى تمام خمسة دراهم بدلالة أخرى والله أعلم # | ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة # قال أبو بكر تنازع أهل العلم في معنى قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم واختلفوا في المسيس المراد ~~بالآية فروي عن علي وابن عمر وزيد بن ثابت إذا أغلق بابا وأرخى سترا ثم ~~طلقها فلها جميع المهر وروى سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال ~~لها الصداق كاملا وهو قول علي بن الحسين وإبراهيم في آخرين من التابعين ~~وروى فراس عن الشعبي عن ابن مسعود قال لها نصف الصداق وإن قعد بين رجليها ~~والشعبي عن ابن مسعود مرسل وروي عن شريح مثل قول ابن مسعود وروى سفيان ~~الثوري عن عمر عن عطاء عن ابن عباس إذا فرض الرجل قبل أن يمس فليس لها إلا ~~المتاع فمن الناس من ظن أن قوله في هذا كقول عبدالله بن مسعود وليس كذلك ~~لأن قوله فرض يعني أنه لم يسم لها مهرا وقوله قبل أن يمس يريد قبل الخلوة ~~لأنه قد تأوله على الخلوة في حديث طاوس عنه فأوجب لها المتعة قبل الخلوة ~~واختلف فقهاء الأمصار في ms0702 ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~الخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بعد الطلاق وطئ أو لم يطأ وهي أن لا ~~يكون أحدهما محرما أو مريضا أو لم تكن حائضا أو صائمة في رمضان أو رتقاء ~~فإنه إن كان PageV02P147 كذلك ثم طلقها وجب لها نصف المهر إذا لم يطأها ~~والعدة واجبة في هذه الوجوه كلها إن طلقها فعليها العدة وقال سفيان الثوري ~~لها المهر كاملا إذا خلا بها ولم يدخل بها إذا جاء ذلك من قبله وإن كانت ~~رتقاء فلها نصف المهر وقال مالك إذا خلا بها وقبلها وكشفها إن كان ذلك ~~قريبا فلا أرى لها إلا نصف المهر وإن تطاول ذلك فلها المهر إلا أن تضع له ~~ما شاءت وقال الأوزاعي إذا تزوج امرأة فدخل بها عند أهلها قبلها ولمسها ثم ~~طلقها ولم يجامعها أو أرخى عليها سترا أو أغلق بابا فقد تم الصداق وقال ~~الحسن بن صالح إذا خلا بها فلها نصف المهر إذ لم يدخل بها وإن ادعت الدخول ~~بعد الخلوة فالقول قولها بعد الخلوة وقال الليث إذا أرخى عليا سترا فقد وجب ~~الصداق وقال الشافعي إذا خلا بها ولم يجامعها حتى طلق فلها نصف المهر ولا ~~عدة عليها قال أبو بكر مما يحتج به في ذلك من طريق الكتاب قوله تعالى وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة فأوجب إيفاء الجميع فلا يجوز إسقاط شيء منه إلا بدليل ~~ويدل عليه قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض فيه وجهان من الدلالة على ما ذكرنا أحدهما قوله تعالى فلا ~~تأخذوا منه شيئا والثاني وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وقال الفراء ~~الإفضاء الخلوة دخل بها أو لم يدخل هو حجة في اللغة وقد أخبر أن الإفضاء ~~اسم للخلوة فمنع الله تعالى أن يأخذ منه شيئا بعد الخلوة وقد دل على أن ~~المراد هو الخلوة الصحيحة التي ms0703 لا تكون ممنوعا فيها من الإستمتاع لأن ~~الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا بناء فيه ولا حاجز ~~يمنع من إدراك ما فيه فأفاد بذلك استحقاق المهر بالخلوة على وصف وهي التي ~~لا حائل بينها ولا مانع من التسليم والاستمتاع إذ كان لفظ الإفضاء يقتضيه ~~ويدل عليه أيضا قوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف ~~وقوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة يعني مهورهن وظاهره ~~يقتضي وجوب الإيتاء في جميع الأحوال إلا ما قام دليله قال أبو بكر ويدل ~~عليه من جهة السنة ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال ~~أخبرنا معلى بن منصور قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا أبو الأسود عن محمد بن ~~عبدالرحمن بن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كشف خمار ~~امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم PageV02P148 يدخل وهو عندنا ~~اتفاق الصدر الأول لأن حديث فراس عن الشعبي عن عبدالله بن مسعود لا يثبته ~~كثير من الناس من طريق فراس وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن ~~موسى قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى قال قضى ~~الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب الهر ووجبت ~~العدة فأخبر أنه قضاء الخلفاء الراشدين وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها ~~بالنواجذ ومن طريق النظر أن المعقود عليه من جهتها لا يخلو إما أن يكون ~~الوطء أو التسليم فلما اتفق الجميع على جواز نكاح المجبوب مع عدم الوطء دل ~~ذلك على أن صحة العقد غير متعلقة بالوطء إذ لو كان كذلك لوجب أن لا يصح ~~العقد عند عدم الوطء ألا ترى أنه لما تعلقت صحته بصحة التسليم كان من لا ~~يصح منها التسليم من ذوات المحارم لم يصح عليها العقد وإذا كانت صحة العقد ~~متعلقة بصحة التسليم من جهتها ms0704 فواجب أن تستحق كمال المهر بعد صحة التسليم ~~بحصول ما تعلقت به صحة العقد له وأيضا فإن المستحق من قبلها هو التسليم ~~ووقوع الوطء إنما هو من قبل الزوج فعجزه وامتناعه لا يمنع من صحة استحقاق ~~المهر ولذلك قال عمر رضي الله عنه في المخلو بها لها المهر كاملا ما ذنبهن ~~إن جاء العجز من قبلكم وأيضا لو استأجر دار أو خلى بينها وبينه استحق الأجر ~~لوجود التسليم كذلك الخلوة في النكاح وإنما قالوا إنها إذا كانت محرمة أو ~~حائضا أو مريضة إن ذلك لا تستحق به كمال المهر من قبل أن هناك تسليما آخر ~~صحيحا تستحق به كمال المهر إذ ليس ذلك تسليما صحيحا ولما لم يوجد التسليم ~~المستحق بعقد النكاح لم تستحق كمال المهر واحتج من أبى ذلك بظاهر قوله ~~تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ~~وقال تعالى في آية أخرى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فعلق استحقاق كمال المهر ووجوب العدة بوجود ~~المسيس وهو الوطء إذ كان معلوما أنه لم يرد به وجود المس باليد والجواب عن ~~ذلك أن قوله تعالى من قبل أن تمسوهن قد اختلف الصحابة فيه على ما وصفنا ~~فتأوله علي وعمر وابن عباس وزيد وابن عمر على الخلوة فليس يخلو هؤلاء من أن ~~يكونوا تأولوها من طريق اللغة أو من جهة أنه اسم له في الشرع إذ غير جائز ~~تأويل اللفظ على ما ليس باسم له في الشرع ولا في اللغة فإن كان ذلك عندهم ~~PageV02P149 اسما له من طريق اللغة فهم حجة فيها لأنهم أعلم باللغة ممن جاء ~~بعدهم وإن كان من طريق الشرع فأسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا صار ذلك ~~اسما لها صار تقدير الآية وإن طلقتموهن من قبل الخلوة فنصف ما فرضتم وأيضا ~~لما اتفقوا على أنه لم يرد به حقيقة المس باليد وتأوله بعضهم على الجماع ~~وبعضهم على الخلوة ومتى ms0705 كان اسما للجماع كان كناية عنه وجائز أن يكون حكمه ~~كذلك وإذا أريد به الخلوة سقط اعتبار ظاهر اللفظ لاتفاق الجميع على أنه لم ~~يرد حقيقة معناه وهو المس باليد ووجب طلب الدليل على الحكم من غيره وما ~~ذكرناه من الدلالة يقتضي أن مراد الآية هو الخلوة دون الجماع فأقل أحواله ~~أن لا يخص به ما ذكرنا من ظاهر الآي والسنة وأيضا لو اعتبرنا حقيقة اللفظ ~~اقتضى ذلك أن يكون لو خلا بها ومسها بيده أن تستحق كمال المهر لوجود حقيقة ~~المس وإذا لم يخل بها ومسها بيده خصصناه بالإجماع وأيضا لو كان المراد ~~الجماع فليس يمتنع أن يقوم مقامه ما هو مثله وفي حكمه من صحة التسليم كما ~~قال تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا وما قام مقامه من الفرقة ~~فحكمه حكمه في إباحتها للزوج الأول وقد حكي عن الشافعي في المجبوب إذاجامع ~~امرأته أن عليه كمال المهر إن طلق من غير وطء فعلمنا أن الحكم غير متعلق ~~بوجود الوطء وإنما هو متعلق بصحة التسليم فإن قيل لو كان التسليم قائما ~~مقام الوطء لوجب أن يحلها للزوج الأول كما يحلها الوطء قيل له هذا غلط لأن ~~التسليم إنما هو علة لاستحقاق كمال المهر وليس بعلة لإحلالها للزوج الأول ~~ألا ترى أن الزوج لو مات عنها قبل الدخول استحقت كمال المهر وكان الموت ~~بمنزلة الدخول ولا يحلها ذلك للزوج الأول قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو ~~الذي بيده عقدة النكاح قوله تعالى إلا أن يعفون المراد به الزوجات لأنه لو ~~أراد الأزواج لقال إلا أن يعفوا ولا خلاف في ذلك وقد روي أيضا عن ابن عباس ~~ومجاهد وجماعة من السلف ويكون عفوها أن تترك بقية الصداق وهو النصف الذي ~~جعله الله لها بعد الطلاق بقوله تعالى فنصف ما فرضتم فإن قيل قد يكون ~~الصداق عرضا بعينه وعقارا لا يصح فيه العفو قيل له ليس معنى العفو في هذا ~~الموضع أن تقول قد عفوت وإنما العفو هو التسهيل ms0706 أو الترك والمعنى فيه أن ~~تتركه له على الوجه الجائز في عقود التمليكات فكان تقدير الآية أن تملكه ~~إياه وتتركه له تمليكا بغير عوض تأخذه منه فإن قال قائل في هذا دلالة على ~~جواز PageV02P150 هبة المشاع فيما يقسم لإباحة الله تعالى لها تمليك نصف ~~الفريضة إياه بعدالطلاق ولم يفرق بين ماكان منها عينا أو دينا ولا بين ما ~~يحتمل القسمة أو لا يحتملها فوجب بقضية الآية جواز هبة المشاع فيقال له ليس ~~الأمر كما ظننت لأنه ليس المعنى في العفو أن تقول قد عفوت إذ لا خلاف أن ~~رجلا لو قال لرجل قد عفوت لك عن داري هذه أو قد أبرأتك من داري هذه أن ذلك ~~لا يوجب تمليكا ولا يصح به عقد هبة وإذا كان كذلك وما نص عليه في الآية من ~~العفو غير موجب لجواز عقود التمليكات به علم أن المراد به تمليكها على ~~الوجه الذي تجوز عليه عقود الهبات والتمليكات إذ كان اللفظ الذي به يصح ~~التمليك غير مذكور فصار حكمه موقوفا على الدلالة فما جاز في الأصول جاز في ~~ذلك ومالم يجز في الأصول من عقود الهبات لم يجز في هذا ومع هذا فإن كان هذا ~~السائل عن ذلك من أصحاب الشافعي فإنه يلزمه أن يجيز الهبة غير مقبوضة لأن ~~الله سبحانه لم يفرق بين المهر المقبوض وغير المقبوض فإذا عفت وقد قبضت ~~فواجب أن يجوز من غير تسليمه إلى الزوج وإذا لم يجز ذلك وكان محمولا على ~~شروط الهبات كذلك في المشاع وإن كان من أصحاب مالك واحتج به في جوازها في ~~المشاع وقبل القبض كان الكلام على ما قدمناه وأما قوله تعالى أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح فإن السلف قد اختلفوا فيه فقال علي وجبير بن مطعم ونافع ~~بن جبير وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب وقتادة ونافع هو الزوج ~~وكذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري وابن شبرمة والأوزاعي ~~والشافعي قالوا عفوه أن يتم لها كمال المهر ms0707 بعد الطلاق قبل الدخول قالوا ~~وقوله تعالى إلا أن يعفون البكر والثيب وقد روي عن ابن عباس في ذلك روايتان ~~إحداهما ما رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن ~~عباس قال هو الزوج وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال رضي الله بالعفو وأمر به وإن عفت فكما عفت وإن ضنت وعفى وليها جاز وإن ~~أبت وقال علقمة والحسن وإبراهيم وعطاء وعكرمة وأبو الزناد هو الولي وقال ~~مالك بن أنس إذا طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها عن نصف الصداق ~~وقوله تعالى إلا أن يعفون اللاتي قد دخل بهن قال ولا يجوز لأحد أن يعفو عن ~~شيء من الصداق إلا الأب وحده لا وصي ولا غيره وقال الليث لأبي البكر أن يضع ~~من صداقها عند عقدة PageV02P151 النكاح ويجوز ذلك عليها وبعد عقدة النكاح ~~ليس له أن يضع شيئا من صداقها ولا يجوز أيضا عفوه عن شيء من صداقها بعد ~~الطلاق قبل الدخول ويجوز له مبارأة زوجها وهي كارهة إذا كان ذلك نظرا من ~~أبيها لها فكما لم يجز للأب أن يضع شيئا من صداقها بعد النكاح كذلك لا يعفو ~~عن نصف صداقها بعد ذلك وذكر ابن وهب عن مالك أن مبارأته عليها جائزة قال ~~أبو بكر قوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح متشابه لاحتماله الوجهين ~~اللذين تأولهما السلف عليهما فوجب رده إلى المحكم وهو قوله تعالى وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقال ~~تعالى في آية أخرى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا وقال تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله فهذه الآيات محكمة لا احتمال فيها لغير ~~المعنى الذي اقتضته فوجب رد الآية المتشابهة وهي قوله تعالى أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح إليها لأمر الله تعالى ms0708 الناس برد المتشابه إلى المحكم وذم ~~متبعي المتشابه من غير حمله على معنى المحكم بقوله تعالى فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وأيضا لما كان اللفظ محتملا ~~للمعاني وجب حمله على موافقة الأصول ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من ~~مالها للزوج ولا لغيره فكذلك المهر لأنه مالها وقوله من حمله على الولي ~~خارج عن الأصول لأن أحدا لا يستحق الولاية على غيره في هبة مالها فلما كان ~~قول القائلين بذلك مخالفا للأصول خارجا عنها وجب حمل معنى الآية على ~~موافقتها إذ ليس ذلك أصلا بنفسه لاحتماله للمعاني وما ليس بأصل في نفسه ~~فالواجب رده إلى غيره من الأصول واعتباره بها وأيضا فلو كان المعنيان جميعا ~~في حيز الاحتمال ووجد نظائرهما في الأصول لكان في مقتضى اللفظ ما يوجب أن ~~يكون الزوج أولى بظاهر اللفظ من الولي وذلك لأن قوله تعالى أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح لا يجوز أن يتناول الولي بحال لا حقيقة ولا مجازا لأن ~~قوله تعالى الذي بيده عقدة النكاح يقتضي أن تكون العقدة موجودة وهي في يد ~~من هي في يده فأما عقدة غير موجودة فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في ~~يد أحد فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده وقد ~~كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق فقد تناوله اللفظ بحال فوجب أن يكون ~~حمله على الزوج أولى منه على الولي فإن قيل إنما حكم PageV02P152 الله بذلك ~~بعد الطلاق وليست عقدة النكاح بيد الزوج بعد الطلاق قيل له يحتمل اللفظ بأن ~~يريد الذي كان بيده عقدة النكاح والولي لم يكن بيده عقدة النكاح ولا هي في ~~يده في الحال فكان الزوج أولى بمعنى الآية من الولي ويدل على ذلك قوله ~~تعالى في نسق التلاوة ولا تنسوا الفضل بينكم فندبه إلى الفضل وقال تعالى ~~وأن تعفوا أقرب للتقوى وليس في هبة مال الغيرأفضال منه على غيره والمرأة لم ~~يكن منها أفضال ms0709 وفي تجويز عفو الولي إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية ~~وجعله تعالى بعد العفو أقرب للتقوى ولا تقوى له في هبة مال غيره وذلك الغير ~~لم يقصد إلى العفو فلا يستحق به سمة التقوى وأيضا فلا خلاف أن الزوج مندوب ~~إلى ذلك وعفوه وتكميل المهر لها جائز منه فوجب أن يكون مرادا بها وإذا كان ~~الزوج مرادا انتفى أن يكون الولي مرادا بها لأن السلف تأولوه على أحد ~~معنيين إما الزوج وإما الولي وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد وجب أن تمتنع ~~إرادة الولي فإن قال قائل على ما قدمنا فيما تضمنته الآية من الندب إلى ~~الفضل وإلى ما يقرب من التقوى وإن كان ذلك خطابا مخصوصا به المالك دون من ~~يهب مال الغير ليس يمتنع في الأصول أن تلحق هذه التسمية للولي وإن فعل ذلك ~~في مال من يلي عليه والدليل على ذلك أنه يستحق الثواب بإخراج صدقة الفطر عن ~~الصغير من مال الصغير وكذلك الأضحية والختان قيل أغفلت موضع الحجاج مما ~~قدمناه وذلك أنا قلنا هو غير مستحق للثواب والفضل بالتبرع بمال الغير ~~فعارضتنا بمن وجب عليه حق في ماله فأخرجه عنه وليه وهو الأب ونحن نجيز ~~للوصي ولغير الوصي أن يخرج عنه هذه الحقوق ولا نجيز عفوهم عنه فكيف تكون ~~الأضحية وصدقة الفطر والحقوق الواجبة بمنزلة التبرع وإخراج مالا يلزم من ~~ملكها وزعم بعض من احتج لمالك أنه لو أراد الزوج لقال إلا أن يعفون أو يعفو ~~الزوج لما قد تقدم من ذكر الزوجين فيكون الكلام راجعا إليهما جميعا فلما ~~عدل عن ذلك إلى ذكر من لا يعرف إلا بالصفة علم أنه لم يرد الزوج قال أبو ~~بكر وهذا الكلام فارغ لا معنى تحته لأن الله تعالى يذكر إيجاب الأحكام تارة ~~بالنصوص وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه وتارة بلفظ يحتمل ~~للمعاني وهو في بعضها أظهر وبه أولى وتارة بلفظ مشترك يتناول معاني مختلفة ~~يحتاج في الوصول إلى المراد بالاستدلال عليه من غيره ms0710 وقد وجد ذلك كله في ~~القرآن وقوله لو أراد الزوج PageV02P153 لقال أو يعفو حتى يرجع الكلام إلى ~~الزوج دون غيره ولما عدل عنه إلى لفظ محتمل خلف من القول لا معنى له ويقال ~~له لو أراد الولي لقال الولي ولم يورد لفظا يشترك فيه الولي وغيره وقال هذا ~~القائل أن العافي هو التارك لحقه وهي إذا تركت النصف الواجب لها فهي عافية ~~وكذلك الولي فإن الزوج إذا أعطاها شيئا غير واجب لها لا يقال له عاف وإنما ~~هو واهب وهذا أيضا كلام ضعيف لأن الذي تأولوه على الزوج قالوا إن عفوه هو ~~إتمام الصداق لها وهم الصحابة والتابعون وهم أعلم بمعاني اللغة وما تحتمله ~~من هذا القائل وايضا فإن العفو في هذا الموضع ليس هو قوله قد عفوت وإنما ~~المعنى فيه تكميل المهر من قبل الزوج أو تمليك المرأة النصف الباقي بعد ~~الطلاق إياه ألا ترى أن المهر لو كان عبدا بعينه لكان حكم الآية مستعملا ~~فيه والندب المذكور فيها قائما فيه ويكون عفو المرأة أن تملكه النصف الباقي ~~لها بعد الطلاق لا بأن تقول قد عفوت ولكن على الوجه الذي يجوز فيه عقود ~~التمليكات فكذلك العفو من قبل الزوج ليس هو أن يقول قد عفوت لكن بتمليك ~~مبتدأ على حسب ما تجوز التمليكات وكذلك لو كانت المرأة قد قبضت المهر ~~واستهلكته كان عفو الزوج في هذه الحالة إبراءاها من الواجب عليها ولو كان ~~المهر دينا في ذمة الزوج كان عفوها إبراءه من الباقي فكل عفو أضيف إلى ~~المرأة فمثله يضاف إلى الزوج ويقال فما تقول في عفو الولي على أي صفة هو ~~فإنا نجعل عفو الزوج على مثلها فالاشتغال بمثل ذلك لا يجدي نفعا لأن ذلك ~~كلام في لفظ العفو والعدول عنه وهو مع ذلك منتقض على قائله إلا أني ذكرته ~~إبانة عن اختلال قول المخالفين ولجأهم إلى تزويق الكلام بما لا دلالة فيه ~~وقوله تعالى إلا أن يعفون يدل على بطلان قول من يقول إن البكر إذا عفت ms0711 عن ~~نصف الصداق بعد الطلاق إنه لا يجوز وهو قول مالك لأن الله تعالى لم يفرق ~~بين البكر والثيب في قوله تعالى إلا أن يعفون ولما كان قوله وابتداء خطابه ~~حين قال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم عاما في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف عليه من قوله تعالى إلا ~~أن يعفون عاما في الفريقين منهما وتخصيص الثيب بجواز العفو دون البكر لا ~~دلالة عليه وقوله تعالى فنصف ما فرضتم يوجب أن يكون إذا تزوجها على ألف ~~درهم ودفعها إليها ثم طلقها قبل الدخول وقد اشترت بها متاعا أن يكون لها ~~نصف الألف وتضمن PageV02P154 للزوج النصف وقال مالك يأخذ الزوج نصف المتاع ~~الذي اشترته والله تعالى إنما جعل له نصف المفروض وكذلك المرأة فكيف يجوز ~~أن يؤخذ منها مالم يكن مفروضا ولا هو قيمة له وهو أيضا خلاف الأصول لأن ~~رجلا لو اشترى عبدا بألف درهم وقبض البائع ألف واشترى بها متاعا ثم وجد ~~المشتري بالعبد عيبا فرد لم يكن له على المتاع الذي اشتراه البائع سبيل ~~وكان المتاع كله للبائع وعليه أن يرد على المشتري ألفا مثلها فالنكاح مثله ~~لا فرق بينهما إذ لم يقع عقد النكاح على المتاع كما لم يقع عقد البيع عليه ~~وإنما وقع على الألف والله تعالى أعلم # | باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة # قال الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فيه أمر بفعل الصلاة ~~وتأكيد وجوبها بذكر المحافظة وهي الصلوات الخمس المكتوبات المعهودات في ~~اليوم والليلة وذلك لدخول الألف واللام عليها إشارة بها إلى معهود وقد ~~انتظم ذلك القيام بها واستيفاء فروضها وحفظ حدودها وفعلها في مواقيتها وترك ~~التقصير فيها إذ كان الأمر بالمحافظة يقتضي ذلك كله وأكد الصلاة الوسطى ~~بإفرادها بالذكر مع ذكره سائر الصلوات وذلك يدل على معنيين إما أن تكون ~~أفضل الصلوات وأولاها بالمحافظة عليها فلذلك أفردها بالذكر عن الجملة وإما ~~أن تكون المحافظة عليها أشد من المحافظة على ms0712 غيرها وقد روي في ذلك روايات ~~مختلفة يدل بعضها على الوجه الأول وبعضها على الوجه الثاني فمنها ما روي عن ~~زيد بن ثابت أنه قال هي الظهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم ~~فأنزل الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وفي بعض ألفاظ الحديث ~~فكانت أثقل الصلوات على الصحابة فأنزل الله تعالى ذلك قال زيد بن ثابت ~~وإنما سماها وسطى لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين وروي عن ابن عمر وابن ~~عباس أن الصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها صلاة ~~الفجر وقد روي عن عائشة وحفصة وأم كلثوم أن في مصحفهن حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن البراء بن عازب قال نزلت حافظوا على ~~الصلوات وصلاة العصر وقرأتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~نسخها الله تعالى فأنزل حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فأخبر البراء أن ~~ما في مصحف PageV02P155 هؤلاء من ذكر صلاة العصر منسوخ وقد روى عاصم عن زر ~~عن علي قال قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغيب ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى نارا ) قال علي كنا نرى أنها صلاة الفجر وروى عكرمة وسعيد بن جبير ~~ومقسم عن ابن عباس مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنها صلاة العصر وكذلك روى سمرة بن جندب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وروي عن علي من قوله أنها صلاة العصر وكذلك عن أبي ~~بن كعب وعن قبيصة بن ذؤيب المغرب وقيل إنما سميت صلاة العصر الوسطى لأنها ~~بين صلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل وقيل إن أول الصلوات ~~وجوبا كانت الفجر وآخرها العشاء الآخرة فكانت العصر هي الوسطى في الوجوب ~~ومن قال إن الوسطى الظهر يقول لأنها ms0713 وسطى صلاة النهار بين الفجر والعصر ومن ~~قال الصبح فقد قال ابن عباس لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار ~~فجعلها وسطى في الوقت ومن الناس من يستدل بقوله تعالى والصلاة الوسطى على ~~نفي وجوب الوتر لأنها لو كانت واجبة لما كان لها وسطى لأنها تكون حينئذ ستا ~~فيقال له إن كانت الوسطى العصر فوجهه ما قيل أنها وسطى في الإيجاب وإن كانت ~~الظهر فلأنها بين صلاتي النهار الفجر والعصر فلا دلالة على نفي وجوب الوتر ~~التي هي من صلاة الليل وأيضا فإنها وسطى الصلوات المكتوبات وليس الوتر من ~~المكتوبات وإن كانت واجبة لأنه ليس كل واجب فرضا إذا كان الفرض هو أعلى في ~~مراتب الوجوب وأيضا فإن فرض الوتر زيادة وردت بعد فرض المكتوبات لقوله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله زادكم إلى صلاتكم صلاة وهي الوتر وإنما سميت وسطى ~~قبل وجوب الوتر وأما قوله عز وجل وقوموا لله قانتين فإنه قد قيل في معنى ~~القنوت في أصل اللغة أنه الدوام على الشيء وروي عن السلف فيه أقاويل روي عن ~~ابن عباس والحسن وعطاء والشعبي وقوموا لله قانتين مطيعين وقال نافع عن ابن ~~عمر قال القنوت طول القيام وقرأ أمن هو قانت آناء الليل وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت يعني القيام وقال مجاهد ~~القنوت السكوت والقنوت الطاعة ولما كان أصل القنوت الدوام على الشيء جاز أن ~~يسمى مديم الطاعة قانتا وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة ~~أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلو القنوت وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قنت شهرا يدعو فيه PageV02P156 على حي من أحياء العرب والمراد به أطال ~~قيام الدعاء وقد روى الحارث عن شبل عن أبي عمرو الشيباني قال كنا نتكلم في ~~الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقوموا لله قانتين ~~فأمرنا بالسكوت فاقتضى ذلك النهي عن الكلام في الصلاة وقال عبدالله بن ~~مسعود كنا نسلم على ms0714 النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا قبل ~~أن نأتي أرض الحبشة فلمارجعت سلمت عليه فلم يرد علي فذكرت ذلك له فقال إن ~~الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قضى أن لا تتكلموا في الصلاة وروى عطاء بن ~~يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد ~~عليه بالإشارة فلما سلم قال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك وروى ~~إبراهيم الهجري عن ابن عياض عن أبي هريرة قال كانوا يتكلمون في الصلاة فنزل ~~فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ففي هذه الأخبار حظر الكلام ~~في الصلاة ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحا في الصلاة إلى أن حظره ~~واتفق الفقهاء على حظره إلا أن مالكا قال يجوز فيها لإصلاح الصلاة وقال ~~الشافعي كلام السهو لا يفسدها ولم يفرق أصحابنا بين شيء منه وأفسدوا الصلاة ~~بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة والدليل عليه أن الآية ~~التي تلونا من قوله تعالى وقوموا لله قانتين ورواية من روى أنها نزلت في ~~حظر الكلام في الصلاة مع احتماله له لو لم ترد الرواية بسبب نزولها ليس ~~فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد وبينه إذا قصد به إصلاح ~~الصلاة أو لم يقصد وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد به إصلاح الصلاة وبين غيره ولا ~~بين السهو والعمد منه فهي عامة في الجميع فإن قيل النهي عن الكلام في ~~الصلاة مقصور مقصور على العامد دون الناسي لاستحالة نهي الناسي قيل له حكم ~~النهي قد يجوز أن يتعلق على الناسي كهو على العامد وإنما يختلفان في المأثم ~~واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة ms0715 وإيجاب قضائها فلا ~~يختلفان ألا ترى أن الناسي بالأكل والحدث والجماع في الصلاة في حكم العامد ~~فيما يتعلق عليه من أحكام هذه الأفعال من إيجاب القضاء وإفساد الصلاة وإن ~~كانا مختلفين في حكم المأثم واستحقاق الوعيد وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان ~~حكم النهي فيما يقتضيه من إيجاب القضاء معلقا بالناسي كهو بالعامد لا فرق ~~PageV02P157 بينهما فيه وإن اختلفا في حكم المأثم والوعيد فقد دلت هذه ~~الأخبار على فساد قول من فرق بين ما قصد به الإصلاح للصلاة وبين مالم يقصد ~~به إصلاحها وعلى فساد قول من فرق بين الناسي والعامد ويدل على ذلك أيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن الحكم إن صلاتنا هذه لا يصلح ~~فيه شيء من كلام الناس وحقيقته الخبر فهو محمول على حقيقته فاقتضى ذلك ~~إخبارا من النبي صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس ~~فلو بقي مصليا بعد الكلام لكان قد صلح الكلام فيها من وجه فثبت بذلك أن ما ~~وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة ليكون مخبره خبرا موجودا في سائر ما أخبر به ~~من وجه آخر أن ضد الصلاح هو الفساد وهو يقتضيه في مقابلته فإذا لم يصلح ~~فيها ذلك فهي فاسدة إذا وقع الكلام فيها ولو لم يكن كذلك لكان قد صلح ~~الكلام فيها من غير إفساد وذلك خلاف مقتضى الخبر واحتج الفريقان جميعا من ~~مخالفينا الذين حكينا من قولهما بحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وروي من ~~طرق قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي الظهر أو ~~العصر ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها إحداهما على الآخر ~~يعرف في وجهه الغضب قال وخرج سرعان الناس فقالوا أقصرت الصلاة وفي الناس ~~أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ~~فقال له لم ms0716 أنس ولم تقصر الصلاة فقال بل نسيت فأقبل على القوم فقال أصدق ذو ~~اليدين قالوا نعم فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين وسلم وسجد سجدتي السهو ~~قالوا فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام ولم يمتنع من البناء ~~وقد كان أبو هريرة متأخر الإسلام وروى يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا ~~إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال أتينا أبا هريرة فقلنا حدثنا ~~فقال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وقد روي عنه أنه قدم ~~المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج خلفه وقد فتح النبي صلى الله ~~عليه وسلم خيبر قالوا فإذا كانت هذه القصة بعد إسلام أبي هريرة ومعلوم أن ~~نسخ الكلام كان بمكة لأن عبدالله بن مسعود لما قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أرض الحبشة كان الكلام في الصلاة محظورا لأنه سلم عليه فلم ~~يرد عليه وأخبره بنسخ الكلام في الصلاة فثبت بذلك أن ما في حديث ذي اليدين ~~كان بعد حظر الكلام في الصلاة وقال أصحاب مالك إنما لم تفسد به الصلاة لأنه ~~كان لإصلاحها وقال الشافعي لأنه وقع ناسيا PageV02P158 فيقال لهم لو كان ~~حديث ذي اليدين بعد نسخ الكلام لكان مبيحا للكلام فيها ناسخا لحظره المتقدم ~~له لأنه لم يخبرهم أن جواز ذلك مخصوص بحال دون حال وقد روى سفيان بن عيينة ~~عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نابه في ~~صلاته شيء فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال وروى ~~سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن ~~نابه شيء في صلاته من الكلام وأمر بالتسبيح فلما لم يكن من القول تسبيح في ~~قصة ذي اليدين ولا أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم تركه دل ذلك على أن ~~قصة ذي اليدين كانت ms0717 قبل أن يعلمهم التسبيح إذ غير جائز أن يكون قد علمهم ~~التسبيح ثم يخالفونه إلى غيره ولو كانوا خالفوا ما أمروا به من التسبيح في ~~مثل هذه الحال لظهر فيه النكير عليهم في تركهم التسبيح المأمور به إلى ~~الكلام المحظور وفي هذا دليل على أن قصة ذي اليدين كانت على على أحد وجهين ~~إما قبل حظر الكلام ثم حظر الكلام في الصلاة وإما أن تكون بعد حظر الكللام ~~بديا منه ثم أبيح الكلام ثم حظر بقوله التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وقد ~~كان نسخ الكلام بالمدينة بعد الهجرة ويدل عليه ما روى معمر عن الزهري عن ~~أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الظهر أو العصر وذكر الحديث قال الزهري فكان هذا قبل بدر ثم استحكمت الأمور ~~بعده وقال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين ~~فأمرنا بالسكوت وقال أبو سعيد الخدري سلم رجل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرد عليه إشارة وقال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك وأبو سعيد ~~الخدري من أصاغر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على صغر سنه ما روى ~~هشام عن أبيه عن عائشة قالت وما علم أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك بحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كانا غلامين صغيرين وكان قدوم عبدالله ~~بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة إنما كان بالمدينة وروى ~~الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبدالرحمن وعروة بن الزبير أن ~~عبدالله بن مسعود ومن كان معه بالحبشة قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة وقد روى أهل السير أن عبدالله بن مسعود لما قتل أبا جهل يوم ~~بدر بعد ما أثخنه ابنا عفراء وإذا كان كذلك فقد أخبر عبدالله بن مسعود بحظر ~~الكلام في الصلاة عند قدومه من الحبشة وكان ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يريد الخروج إلى بدر وروى عبدالله ms0718 بن وهب PageV02P159 عن عبدالله بن العمري ~~عن نافع عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين فقال كان إسلام أبي هريرة ~~بعد ما قتل ذو اليدين ثبت بذلك أن ما رواه أبو هريرة كان قبل إسلامه لأن ~~إسلامه كان عام خيبر فثبت أن أبا هريرة لم يشهد تلك القصة وإن حدث بها كما ~~قال البراء ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه ولكن ~~سمعنا وحدثنا أصحابنا وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال والله ما كل ما ~~نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان يحدث بعضنا ~~بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا وقد روى ابن جريج قال أخبرني عمرو عن يحيى بن ~~جعدة أنه أخبره عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنه سمع أبا هريرة يقول لا ورب ~~هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فليفطر ولكن محمد قاله ورب هذا ~~البيت ثم لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك قال لا علم لي بهذا إنما أخبرني ~~به الفضل بن العباس فليس في روايته بحديث ذي اليدين ما يدل على مشاهدته فإن ~~قيل فقد روي في بعض أخباره أنه قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قيل له يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو منهم كما روى مسعر بن ~~كدام عن عبدالملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال قال لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف فأنتم اليوم بنو عبدالله ~~ونحن بنو عبدالله إنما يعني أنه قال ذلك لقومه فإن قيل لو كان حظر الكلام ~~في الصلاة متقدما لبدر لما شهده زيد بن أرقم لأنه كان صغير السن وكان يتيما ~~في حجر عبدالله بن رواحة حين خرج إلى مؤتة ومثله لا يدرك قصة كانت قبل بدر ~~قيل له إن كان ms0719 زيد بن أرقم قد شهد إباحة الكلام في الصلاة فإنه جائز أن ~~يكون قد أبيح بعد الحظر وجائز أن يكون أبو هريرة أيضا قد شهد إباحة الكلام ~~في الصلاة بعد حظره ثم حظر بعد ذلك إلا أن أخباره عن قصة ذي اليدين لا ~~محالة لم يكن عن مشاهدة لأنه أسلم بعدها وجائز أن يكون زيد بن أرقم أخبرعن ~~حال المسلمين في كلامهم في الصلاة إلى نزول قوله تعالى وقوموا لله قانتين ~~ويكون معنى قوله كنا نتكلم في الصلاة أخبارا عن المسلمين وهو منهم كما قال ~~النزال بن سبرة قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما قال الحسن خطبنا ~~ابن عباس بالبصرة وهو لم يكن بها يومئذ إنما طرئ عليها بعده ومما يدل على ~~أن قصة ذي اليدين كانت في حال إباحة الكلام أن فيها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم استند إلى جذع في المسجد وأن سرعان الناس خرجوا فقالوا أقصرت الصلاة ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم = PageV02P160 أقبل على القوم فسألهم فقالوا ~~صدق وبعض هذا الكلام كان عمدا وبعضه كان لغير إصلاح الصلاة فدل على أنها ~~كانت في حال إباحة الكلام وجملة الأمر في ذلك إن كان في حال إباحة الكلام ~~بديا قبل حظره فلا حجة للمخالف فيه وإن كان بعد حظر الكلام فليس يمتنع أن ~~يكون أبيح بعد الحظر ثم حظر فكان آخر أمره الحظر ونسخ به ما في حديث أبي ~~هريرة وقد بينا أن قوله التسبيح للرجال والتصفيق للنساء كان بعد حديث أبي ~~هريرة إذ لو كان متقدما لأنكر عليه ترك المأمور به من التسبيح ولكان القوم ~~لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح وفي ذلك دليل ~~على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لحظر الكلام متأخر عنه فوجب أن يكون ما في حديث ~~أبي هريرة مختلفا في استعماله فوجب أن تقضي عليه الأخبار الواردة في الحظر ~~لأن من أصلنا أنه متى ورد خبران أحدهما خاص والآخر عام واتفقوا على استعمال ~~العام واختلفوا في ms0720 استعمال الخاص كان الخبر المتفق على استعماله قاضيا على ~~المختلف فيه فإن قيل قد فرقتم بين حدث الساهي والعامد فهلا فرقتم بين سهو ~~الكلام وعمده قيل له هذا سؤال فارغ لا يستحق الجواب إلا أن يتبين وجه ~~الدلالة في إحدى المسألتين على الأخرى ومع ذلك فإنه لا فرق عندنا بين حدث ~~الساهي والعامد في إفساد الصلاة بعد أن يكون من فعله وإنما الفرق بين ما ~~كان من فعله أو سبقه من غير فعله فأما لو سهى فحك قرحة وخرج منها دم أو ~~تقيأ فسدت صلاته وإن كان ساهيا فإن قيل فقد فرقتم بين سلام الساهي والعامد ~~وهو كلام في الصلاة فكذلك سائر الكلام فيها قيل له إنما السلام ضرب من ~~الذكر مسنون به الخروج من الصلاة فإذا قصد إليه عامدا فسدت به الصلاة كما ~~يخرج به منها في آخر وإذا كان ساهيا فهو ذكر من الأذكار لا يخرج به من ~~الصلاة وإنما كان ذكر لأنه سلام على الملائكة وعلى حضرة من المصلين وهو لو ~~قال السلام على ملائكة الله وجبريل وميكال أو على نبي الله لا تفسد صلاته ~~فلما كان ضربا من الأذكار لم يخرج به من الصلاة إلا أن يكون عامدا له ويدل ~~على هذا أنه موجود مثله في الصلاة لا يفسدها وهو قوله السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا كان ~~مثله قد يوجد في الصلاة ذكرا مسنونا لم يكن مفسدا لها إذا وقع منه ناسيا ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الناس وما أبيح في الصلاة من الكلام فليس بداخل فيه PageV02P161 فلا تفسد ~~به الصلاة ولم يتناوله الخبر وإنما أفسدنا به الصلاة إذا تعمد لا من حيث ~~كان من كلام الناس المحظور في الصلاة ولكن من جهة أنه مسنون للخروج من ~~الصلاة فإذا عمد له فقد قصد الوجه المسنون له فقطع صلاته وأيضا لما كان من ~~شرط الصلاة الشرعية ترك ms0721 الكلام فيها ومتى تعمد الكلام لم تكن صلاة عند ~~الجميع إذا لم يقصد به إلى إصلاحها وجب أن يكون وجود الكلام فيها مخرجا لها ~~من أن تكون صلاة شرعية كالطهارة لما كانت من شرطها لم يختلف حكمها في ترك ~~الطهارة سهوا أو عمدا وكذلك ترك القراءة والركوع والسجود وسائر فروضها لا ~~يختلف حكم السهو والعمد فيها لأن الصلاة لما كانت اسما شرعيا وكان صحة هذا ~~الاسم لها متعلقة بشرائطه متى عدمت زال الاسم وكان من شروطها ترك الكلام ~~وجب أن يكون وجوده فيها يسلبها اسم الصلاة الشرعية ولم يكن فاعلا للصلاة ~~فلم نجزه فإن ألزمونا على ذلك الصيام وما شرط فيه من ترك الأكل وتعلق الاسم ~~الشرعي به ثم اختلف فيه حكم السهو والعمد فإنا نقول إن القياس فيهما سواء ~~ولذلك قال أصحابنا لولا الأثر لوجب أن لا يختلف فيه حكم الأكل سهوا أو عمدا ~~وإذا سلموا القياس فقد استمرت العلة وصحت قوله عز وجل فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا الآية ذكر الله تعالى في أول الخطاب الأمر بالصلاة والمحافظة عليها ~~وذلك يدل على لزوم استيفاء فروضها والقيام بحدودها لاقتضاء ذكر المحافظة ~~لها وأكد الصلاة الوسطى بإفرادها بالذكر لما بينا فيما سلف من فائدة ذكر ~~التأكيد لها ثم عطف عليه قوله تعالى وقوموا لله قانتين فاشتمل ذلك على لزوم ~~السكوت والخشوع فيها وترك المشي والعمل فيها وذلك في حال الأمن والطمأنينة ~~ثم عطف عليه حال الخوف وأمر بفعلها على الأحوال كلها ولم يرخص في تركها ~~لأجل الخوف فقال تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا قوله فرجالا جمع راجل ~~لأنك تقول راجل ورجال كتاجر وتجار وصاحب وصحاب وقائم وقيام وأمر بفعلها في ~~حال الخوف راجلا ولم يعذب في تركها كما أمر المريض بفعلها على الحال التي ~~يمكنه فعلها من قيام وقعود وعلى جنب وأمره بفعل الصلاة راكبا في حال الخوف ~~إباحة لفعلها بالإيماء لأن الراكب إنما يصلي بالإيماء لا يفعل فيها قياما ~~ولا ركوعا ولا سجودا وقد روي عن ابن عمر ms0722 في صلاة الخوف قال فإن كان خوفا ~~أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها قال نافع PageV02P162 لا أرى ابن عمر وقال ذلك إلا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمذكور في هذه الآية إنما هو الخوف دون القتال فإذا ~~خاف وقد حصره العدو جازله فعلها كذلك ولما أباح له فعلها راكبا لأجل الخوف ~~لم يفرق بين مستقبل القبلة من الركبان وبين من ترك استقبالها تضمنت الدلالة ~~على جواز فعلها من غير استقبالها لأن الله تعالى أمر بفعلها على كل حال ولم ~~يفرق بين من أمكنه استقبالها وبين من لم يمكنه فدل على أن من لا يمكنه ~~استقبالها فجائز له فعلها على الحال التي يقدر عليها ويدل من جهة أخرى على ~~ذلك وهو أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة وقد أباح تركها حين أمره ~~بفعلها راكبا فترك القبلة أحرى بالجواز إذا كان فعل الركوع والسجود آكد من ~~القبلة فإذا جاز الركوع والسجود فترك القبلة أحرى بالجواز فإن قيل على ما ~~ذكرناه من أن الله لم يبح ترك الصلاة في حال الخوف وأمر بها على الحال التي ~~يمكن فعلها قد كان النبي صلى الله عليه وسلم ترك أربع صلوات يوم الخندق حتى ~~كان هوى الليل ثم قضاهن على الترتيب وفي ذلك دليل على جواز ترك الصلاة في ~~حال الخوف قيل له إن الذي اقتضته هذه الآية الأمر بالصلاة في حال الخوف بعد ~~تقديم تأكيد فروضها لأنه عطف على قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى ثم زادها تأكيدا بقوله تعالى وقوموا لله قانتين فأمر فيها بالدوام ~~على الخشوع والسكون والقيام وحظر فيها التنقل من حال إلا إلى حال هي الصلاة ~~من الركوع والسجود ولو اقتصر على ذلك لكان جائزا أن يظن ظان أن شرط جواز ~~الصلاة فعلها على هذه الأوصاف فبين حكم هذه الصلوات المكتوبات في حال الخوف ~~فقال تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فأمر بفعلها في هذه الحال ولم يعذر ~~أحدا من ms0723 المكلفين في تركها ولم يذكر حال القتال إذ ليس جميع أحوال الخوف هي ~~أحوال القتال لأن حضور العدو يوجب الخوف وإن لم يكن قتال قائم فإنما أمر ~~بفعلها في هذه الحال ولم يذكر حال القتال والنبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~لم يصل يوم الخندق لأنه كان مشغولا بالقتال والاشتغال بالقتال يمنع الصلاة ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى وكذلك يقول أصحابنا أن الاشتغال بالقتال يفسدها فإن قيل ما ~~أنكرت من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل يوم الخندق لأنه لم ~~يكن نزلت صلاة الخوف قيل له قد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعا أن غزوة ~~ذات الرقاع كانت قبل الخندق وقد صلى النبي PageV02P163 ص = فيها صلاة الخوف ~~فدل ذلك على أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف إنما كان للقتال ~~لأنه يمنع صحتها وينافيها ويستدل بهذه الآية من يقول إن الخائف تجوز له ~~الصلاة وهو ماش وإن كان طالبا لقوله تعالى فإن خفتم فرجالا أوركبانا وليس ~~هذا كذلك لأنه ليس في الآية ذكر المشي ومع ذلك فالطالب غير خائف لأنه إن ~~انصرف لم يخف والله سبحانه إنما أباح ذلك للخائف وإذا كان مطلوبا فجائز له ~~أن يصلي راكبا وماشيا إذا خاف وأما قوله فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ~~مالم تكونوا تعلمون لما ذكر الله تعالى حال الخوف وأمر بالصلاة على الوجه ~~الممكن من راجل وراكب ثم عطف عليه حال الأمن بقوله تعالى فإذا أمنتم ~~فاذكروا الله دل ذلك على أن المراد ما تقدم بيانه في حال الخوف وهو الصلاة ~~فاقتضى ذلك إيجاب الذكر في الصلاة وهو نظير قوله تعالى فاذكروا الله قياما ~~وقعودا ونظيره أيضا قوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى وقوله تعالى وقرآن الفجر ~~إن قرآن الفجر كان مشهودا فتضمنت هذه المخاطبة من عند قوله تعالى حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى الأمر بفعل الصلاة واستيفاء فروضها وشروطها ~~وحفظ حدودها وقوله تعالى ms0724 وقوموا لله قانتين تضمن إيجاب القيام فيها ولما ~~كان القنوت اسما يقع على الطاعة اقتضى أن يكون جميع أفعال الصلاة طاعة وأن ~~لا يتخللها غيرها لأن القنوت هو الدوام على الشيء فأفاد ذلك النهي عن ~~الكلام فيها وعن المشي وعن الإضطجاع وعن الأكل والشرب وكل فعل ليس بطاعة ~~لما تضمنوا اللفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي هي من أفعال الصلاة ~~والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها لما فيه من ترك القنوت الذي هو الدوام ~~عليها واقتضى أيضا الدوام على الخشوع والسكون لأن اللفظ ينطوي عليه ويقتضيه ~~فانتظم هذا اللفظ مع قلة حروفه جميع أفعال الصلاة وأذكارها ومفروضها ~~ومسنونها واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها والله الموفق والمعين # | باب الفرار من الطاعون # قال الله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم قال ابن عباس كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا ~~من الطاعون فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم ~~الله وروي عن الحسن أيضا أنهم PageV02P164 فروا من الطاعون وقال عكرمة فروا ~~من القتال وهذا يدل على أن الله تعالى كره فرارهم من الطاعون وهو نظير قوله ~~تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وقوله تعالى قل إن ~~الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم وقوله تعالى قل لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل وقوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون وإذا كانت الآجال موقتة محصورة لا يقع فيها تقديم ولا تأخير عما ~~قدرها الله عليه فالفرار من الطاعون عدول عن مقتضى ذلك وكذلك الطيرة والزجر ~~والإيمان بالنجوم كل ذلك فرارا من قدر الله عز وجل الذي لا محيص لأحد عنه ~~وقد روي عن عمرو بن جاب رالحضرمي عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف والصابر فيه كالصابر في ~~الزحف روى يحيى بن أبي كثير عن سعيد ms0725 بن المسيب عن سعد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيئ فهي في الفرس ~~والمرأة والدار وإذا سمعتم بالطاعون بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليه وإذا ~~كان وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا عنه وروي عن أسامة بن زيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله في الطاعون وروى الزهري عن عبدالحميد بن عبدالرحمن عن ~~عبدالله بن الحارث بن عبدالله بن نوفل عن ابن عباس أن عمر خرج إلى الشام ~~حتى إذا بسرغ لقيه التجار فقالوا الأرض سقيمة فاستشار المهاجرين والأنصار ~~فاختلفوا عليه فعزم على الرجوع فقال له أبو عبيدة أفرارا من قدر الله فقال ~~له عمر لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو ~~كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان أحدهما خصيبة والأخرى جديبة ألست إن ~~رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله فجاء ~~عبدالرحمن بن عوف فقال عندي من هذا علم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا ~~تخرجوا فرارا منه فحمد الله عمر وانصرف ففي هذه الأخبار النهي عن الخروج عن ~~الطاعون فرارا منه والنهي عن الهبوط عليه أيضا فإن قال قائل إذا كانت ~~الآجال مقدرة محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها فما وجه نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن دخول أرض بها الطاعون وهو قد منع الخروج منها بديا لأجله ~~ولا فرق بين دخولها وبين البقاء فيها قيل له إنما وجه النهي أنه إذا دخلها ~~وبها الطاعون فجائز أن تدركه منيته وأجله بها فيقول قائل لو لم يدخلها ما ~~مات فإنما نهاه PageV02P165 عن دخولها لئلا يقال هذا وهو كقوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ms0726 حسرة ~~في قلوبهم فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلها فعسى يموت فيها بأجله ~~فيقول قوم من الجهال لو لم يدخلها لم يمت وقد أصاب بعض الشعراء في هذا ~~المعنى حين قال % يقولون لي لو كان بالرمل لم تمت % بثينة والأنباء يكذب ~~قيلها % % ولو أنني استودعتها الشمس لاهتدت % إليها بالمنايا عينها ودليلها ~~% وعلى هذا المعنى الذي قدمنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوردن ~~ذو عاهة على مصح مع قوله لا عدوى ولا طيرة لئلا يقال إذا أصاب الصحيح عاهة ~~بعد إيراد ذي عاهة عليه إنما أعداه ما ورد عليه وقيل له يا رسول الله إن ~~النقبة تكون بمشفر البعير فتجرب لها الإبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فما أعدى الأول وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير استفتح مصرا فقيل ~~له إن هنا طاعونا فدخلها وقال ما جئنا إلا للطعن والطاعون وقد روي أن أبا ~~بكر لما جهز الجيوش إلى الشام شيعهم ودعا لهم وقال اللهم أفهم بالطعن ~~والطاعون فاختلف أهل العلم في معنى ذلك فقال قائلون لما رآهم على حال ~~الاستقامة والبصائر الصحيحة والحرص على جهاد الكفار خشي عليهم الفتنة وكانت ~~بلاد الشام بلاد الطاعون مشهور ذلك بها أحب أن يكون موتهم على الحال التي ~~خرجوا عليها قبل أن يفتتنوا بالدنيا وزهرتها وقال آخرون قد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال فناء أمتي بالطعن والطاعون يعني عظم الصحابة وأخبر أن ~~الله سيفتح البلاد بمن هذه صفته فرجا أبو بكر أن يكون هؤلاء الذين ذكرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عن حالهم ولذلك لم يجب أبو عبيدة الخروج من ~~الشام وقال معاذ لما وقع الطاعون بالشام وهو بها قال اللهم اقسم لنا حظا ~~منه ولما طعن في كفه أخذ يقبلها ويقول ما يسرني بها كذا وكذا وقال لئن كنت ~~صغيرا فرب صغير يبارك الله فيه أو كلمة نحوها يتمنى الطاعون ليكون من أهل ~~الصفة التي وصف النبي صلى الله عليه ms0727 وسلم بها أمته الذين يفتح الله بهم ~~البلاد ويظهر بهم الإسلام وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول من أنكر عذاب ~~القبر وزعم أنه من القول بالتناسخ لأن الله أخبر أنه أمات هؤلاء القوم ثم ~~أحياهم فكذلك يحييهم في القبر ويعذبهم إذا استحقوا ذلك وقوله تعالى وقاتلوا ~~في سبيل الله واعلموا أن PageV02P166 الله سميع عليم هو أمر بالقتال في ~~سبيل الله وهو مجمل إذ ليس فيه بيان السبيل المأمور بالقتال فيه وقد بينه ~~في مواضع غيره وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى وقوله تعالى من ~~ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة إنما هو تأكيد ~~لاستحقاق الثواب به إذ لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق به وجهلت اليهود ذلك ~~أو تجاهلت لما نزلت هذه الآية فقالوا إن الله يستقرض منا فنحن أغنياء وهو ~~فقير إلينا فأنزل الله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء وعرف المسلمون معناه ووثقوا بثواب الله ووعده وبادروا إلى ~~الصدقات فروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله ألا ترى ربنا يستقرض منا مما أعطانا لأنفسنا ~~وإن لي أرضين إحداهما بالعالية والأخرى بالسافلة وإني قد جعلت خيرهما صدقة # وقوله تعالى إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا الآية يدل على أن الإمامة ليست وارثة لإنكار الله تعالى عليهم ما ~~أنكروه من التمليك عليهم من ليس من أهل النبوة ولا الملك وبين أن ذلك مستحق ~~بالعلم والقوة لا بالنسب ودل ذلك أيضا على أنه لا حظ للنسب مع العلم وفضائل ~~النفس وأنها مقدمة عليه لأن الله أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن ~~كانوا أشرف منه نسبا وذكره للجسم ههنا عبارة عن فضل قوته لأن في العادة من ~~كان أعظم جسما فهو أكثر قوة ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة لأن ذلك لا حظ ~~له في القتال بل هو ms0728 وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة قوله عز وجل ~~فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف يدل على أن الشرب ~~من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه لأنه قد كان حظر الشرب وحظر ~~الطعم منه إلا لمن اغترف غرفة بيده وهذا يدل على صحة قول أبي حنيفة فيمن ~~قال إن شربت من الفرات فعبدي حر أنه على أن يكرع فيه وإن اغترف منه أو شرب ~~بإناء لم يحنث لأن الله قد كان حظر عليهم الشرب من النهر وحظر مع ذلك أن ~~يطعم منه واستثنى من الطعم الاغتراف فحظر الشرب باق على ما كان عليه فدل ~~على أن الاغتراف ليس بشرب منه قوله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد ~~من الغي روي عن الضحاك والسدي وسليمان بن موسى إنه منسوخ بقوله تعالى يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وقوله تعالى فاقتلوا المشركين وروي عن ~~الحسن وقتادة أنها خاصة في أهل PageV02P167 الكتاب الذين يقرون على الجزية ~~دون مشركي العرب لأنهم لا يقرون على الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف وقيل إنها نزلت في بعض أبناء الأنصار كانوا يهودا فأراد آباؤهم ~~إكراههم على الإسلام وروى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقيل فيه أي لا ~~تقولوا لمن أسلم بعد حرب أنه أسلم مكرها لأنه إذا رضي وصح إسلامه فليس ~~بمكره قال أبو بكر لا إكراه في الدين أمر في صورة الخبر وجائز نزول ذلك قبل ~~الأمر بقتال المشركين فكان في سائر الكفار كقوله تعالى إدفع بالتي هي أحسن ~~فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وكقوله تعالى إدفع بالتي هي أحسن ~~السيئة وقوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن وقوله تعالى وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما فكان القتال محظورا في أول الإسلام إلى أن قامت عليهم ~~الحجة بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فلما عاندوه بعد البيان أمر ~~المسلمون بقتالهم فنسخ ذلك عن مشركي العرب بقوله ms0729 تعالى اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وسائر الآي الموجبة لقتال أهل الشرك وبقي حكمه على أهل الكتاب إذا ~~أذعنوا بأداء الجزية ودخلوا في حكم أهل الإسلام وفي ذمتهم ويدل على ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل من المشركي العرب إلا الإسلام أو السيف ~~وجائز أن يكون حكم هذه الآية ثابتا في الحال على أهل الكفر لأنه ما من مشرك ~~إلا وهو لو تهود أو تنصر لم يجبر على الإسلام وأقررناه على دينه بالجزية ~~وإذا كان ذلك حكما ثابتا في سائر من انتحل دين أهل الكتاب ففيه دلالة على ~~بطلان قول الشافعي حين قال من تهود من المجوس أو النصارى أجبرته على الرجوع ~~إلى دينه أو إلى الإسلام والآية دالة على بطلان هذا القول لأن فيها الأمر ~~بأن لا نكره أحدا على الدين وذلك عموم يمكن استعماله في جميع الكفار على ~~الوجه الذي ذكرنا فإن قال قائل فمشركو العرب الذين أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتالهم وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف قد كانوا مكرهين على ~~الدين ومعلوم أن من دخل في الدين مكرها فليس بمسلم فما وجه إكراههم عليه ~~قيل له إنما أ كرهوا على إظهار الإسلام لا على المتقاده لأن الإعتقاد لا ~~يصح منا الإكراه عليه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم اموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله فأخبر صلى الله عليه وسلم أن القتال إنما كان ~~على إظهار الإسلام وأما الاعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى ولم يقتصر ~~بهم النبي صلى الله عليه وسلم على القتال PageV02P168 دون أن أقام عليهم ~~الحجة والبرهان في صحة نبوته فكانت الدلائل منصوبة للإعتقاد وإظهار الإسلام ~~معا لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه الإظهاره ~~والقتال لإظهار الإسلام وكان في ذلك أعظم المصالح منها أنه إذا أظهر ~~الإسلام وإن كان غير معتقد له فإن مجالسته للمسلمين وسماعه القرآن ms0730 ومشاهدته ~~لدلائل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام وتوضح ~~عنده فساد اعتقاده ومنها أن يعلم الله أن في نسلهم من يوقن ويعتقد التوحيد ~~فلم يجز أن يقتلوا مع العلم بأنه سيكون في أولادهم من يعتقد الإيمان وقال ~~أصحابنا فيمن أكره من أهل الذمة على الإيمان أنه يكون مسلما في الظاهر ولا ~~يترك والرجوع إلى دينه إلا أنه لا يقتل إن رجع إلى دينه ويجبر على الإسلام ~~من غير قتل لأن الإكراه لا يزيل عنه حكم الإسلام وإذا أسلم وإن كان دخوله ~~فيه مكرها دالا على أنه غير معتقد له لما وصفنا من أسلام من أسلم من ~~المشركين بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إظهار الإسلام عند القتال إسلاما في الحكم ~~فكذلك المكره على الإسلام من أهل الذمة واجب أن يكون مسلما في الحكم ولكنهم ~~لم يقتلوا المشبهة ولا نعلم خلافا أن أسيرا من أهل الحرب لو قدم ليقتل ~~فأسلم أنه يكون مسلما ولم يكن إسلامه خوفا من القتل مزيلا عنه حكم الإسلام ~~فكذلك الذمي فإن قال قائل قوله تعالى لا إكراه في الدين يحظر إكراه الذمي ~~على الإسلام وإذا كان الإكراه على هذا الوجه محظورا وجب أن لا يكون مسلما ~~في الحكم وأن لا يتعلق عليه حكمه ولا يكون حكم الذمي في هذا حكم الحربي لأن ~~الحربي يجوز أن يكره على الإسلام لإبائه الدخول في الذمة ومن دخل في الذمة ~~لم يجز إكراهه على الإسلام قيل له إذا ثبت أن الإسلام لا يختلف حكمه في ~~الإكراه والطوع لمن يجوز إجباره عليه أشبه في هذا الوجه العتق والطلاق ~~وسائر ما لا يختلف فيه حكم جده وهزله ثم لا يختلف بعد ذلك أن يكون الإكراه ~~مأمورا به أو مباحا كما لا يختلف حكم العتق والطلاق في ذلك لأن رجلا لو ~~أكره رجلا ms0731 على طلاق أو عتاق ثبت حكمهما عليه وإن كان المكره ظالما في ~~إكراهه منهيا عنه وكونه منهيا عنه لا يبطل حكم العتق والطلاق عندنا كذلك ما ~~وصفنا من أمر الإكراه على الإسلام # قوله عز وجل ألم تر الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك الآية ~~قال أبو بكر PageV02P169 إن إيتاء الله الملك للكافر إنما هو من جهة كثرة ~~المال واتساع الحال وهذا جائز أن ينعم الله على الكافرين به في الدنيا ولا ~~يختلف حكم الكافر والمؤمن في ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما ~~مدحورا فهذا الضرب من الملك جائز أن يؤتيه الله الكافر وأما الملك الذي هو ~~تمليك الأمر والنهي وتدبير أمور الناس فإن هذا لا يجوز أن يعطيه الله أهل ~~الكفر والضلال لأن أوامر الله تعالى وزواجره إنما هي استصلاح للخلق فغير ~~جائز استصلاحهم بمن هو على الفساد مجانب للصلاح ولأنه لا يجوز أن يأتمن أهل ~~الكفر والضلال على أوامره ونواهيه وأمور دينه كما قال تعالى في آية أخرى لا ~~ينال عهدي الظالمين وكانت محاجة الملك الكافر لإبراهيم عليه السلام وهو ~~النمروذ بن كنعان أنه دعاه إلى اتباعه وحاجه بأنه ملك يقدر على الضرر ~~والنفع فقال إبراهيم عليه السلام فإن ربي الذي يحيي ويميت وأنت لا تقدر على ~~ذلك فعدل عن موضع احتجاج إبراهيم عليه السلام إلى معارضته بالإشراك في ~~العبارة دون حقيقة المعنى لأن إبراهيم عليه السلام حاجه بأن أعلمه أن ربه ~~هو الذي يخلق الحياة والموت على سبيل الأختراع فجاء الكافر برجلين فقتل ~~أحدهما وقال قد أمته وخلى الآخر وقال قد أحييته على سبيل مجاز الكلام لا ~~على الحقيقة لأنه كان عالما بأنه غير قادر على اختراع الحياة والموت فلما ~~قرر عليه الحاجة وعجز الكافر عن بمعارضه بأكثر مما أورد زاده حجاجا لا ~~يمكنه مع معارضته ولا إيراد شبهة يموه بها على الحاضرين وقد كان الكافر ~~عالما بأن ms0732 ما ذكره ليس بمعاضة لكنه أراد المتويه على أغمار أصحابه كما قال ~~فرعون حين آمنت السحرة عند إلقاء موسى عليه السلام العصا وتلقفها جميع ما ~~لقوا من الحبال والعصي وعلموا أن ذلك ليس بسحر وأنه من فعل الله فأراد ~~فرعون التمويع عليهم فقال إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها ~~أهلها يعني تواطأتم عليه مع موسى قبل هذا الوقت حتى إذا اجتمعتم أظهرتم ~~العجز عن معارضته والإيمان به وكان ذلك مما موه به على أصحابه وكذلك الكافر ~~الذي حاج إبراهيم عليه السلام ولم يدعه إبراهيم عليه السلام وما رام حتى ~~أتاه بما لم يمكنه دفعه بحال ولا معارضة فقال فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فانقطع وبهت ولم يمكنه أن يلجأ إلى معاضة أو شبهة ~~وفي حجاج إبراهيم عليه السلام بهذا اللطف دليل وأوضح برهان لمن عرف معناه ~~وذلك أن القوم الذين PageV02P170 بعث فيهم إبراهيم عليه السلام كانوا ~~صابئين عبدة أوثان على أسماء الكواكب السبعة وقد حكى الله عنهم في غير هذا ~~الموضع أنهم كانوا يعبدون الأوثان ولم يكونوا يقرون بالله تعالى وكانوا ~~يزعمون حوادث العالم كلها في حركات الكواكب السبعة وأعظمها عندهم الشمس ~~ويسمونها وسائر الكواكب آلهة والشمس عندهم هو الإله الأعظم الذي ليس فوقه ~~إله وكانوا لا يعترفون بالباري جل وعز وهم لا يختلفون وسائر من يعرف مسير ~~الكواكب أن لها ولسائر الكواكب حركتين متضادتين إحداهما من المغرب إلى ~~المشرق وهي حركتها التي تختص بها لنفسها والأخرى تحريك الفلك لها من المشرق ~~إلى المغرب وبهذه الحركة تدور علينا كل يوم وليلة دورة وهذا أمر مقرر عند ~~من يعرف مسيرها فقال له إبراهيم عليه السلام إنك تعترف أن الشمس التي ~~تعبدها وتسميها إلها لها حركة قسر ليس هي حركة نفسها بل هي بتحريك غيرها ~~لها يحركها من المشرق إلى المغرب والذي أدعوك إلى عبادته هو فاعل هذه ~~الحركة في الشمس ولو كانت إلها لما كانت مقسورة ولا مجبرة فلم يمكنه عند ~~ذلك دفع هذا ms0733 الحجاج بشبهة ولا معارضة إلا قوله حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين وهاتان الحركتان المتضادتان للشمس ولسائر الكواكب لا توجدان ~~لها في حال واحدة لاستحالة وجود ذلك في جسم واحد في وقت واحد ولكنها لا بد ~~من أن تتخلل إحداهما سكون فتوجد الحركة الأخرى في وقت لا توجد فيه الأولى ~~قال أبو بكر فإن قيل كيف ساغ لإبراهيم عليه السلام الانتقال عن الحجاج ~~الأول إلى غيره قيل له لم ينتقل عنه بل كان ثابتا عليه وإنما أردفه بحجاج ~~آخر كما أقام الله الدلائل على توحيده من عدة وجوه وكل ما في السموات ~~والأرض دلائل عليه وأيد نبيه صلى الله عليه وسلم بضروب من المعجزات كل ~~واحدة منها لو انفردت لكانت كافية مغنية وقد حاجهم إبراهيم عليه السلام ~~بغير ذلك من الحجاج في قوله تعالى وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ~~وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي روى في ~~التفسير أنه أراد تقرير قومه على صحة استدلاله وبطلان قولهم فقال هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها في هياكلهم ~~وعند أصنامهم عيدا لهم فقررهم ليلا على أمر الكواكب عند ظهوره وأفوله ~~وحركته وانتقاله وأنه لا يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من آيات ~~الحدث ثم كذلك في القمر ثم لما أصبح قررهم على مثله في PageV02P171 الشمس ~~حتى قامت الحجة عليهم ثم كسر أصنامهم وكان من أمره ما حكاه الله عنه وهذه ~~الآية تدل على صحة المحاجة في الدين واستعمال حجج العقول والاستدلال بدلائل ~~الله تعالى على توحيده وصفاته الحسنى وتدل على أن المحجوج المنقطع يلزمه ~~اتباع الحجة وترك ما هو عليه من المذهب الذي لا حجة له فيه وتدل على بطلان ~~قول من لا يرى الحجاج في إثبات الدين لأنه لو كان كذلك لما حاجه إبراهيم ~~عليه السلام وتدل على أن المحجوج عليه أن ينظر فيما ألزم من الحجاج فإذا لم ~~يجد منه مخرجا صار إلى ms0734 ما يلزمه وتدل على أن الحق سبيله أن لا يقبل بحجته ~~إذ لا فرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وإلا فلولا ~~الحجة التي بان بها الحق من الباطل لكانت الدعوى موجودة في الجميع فكان لا ~~فرق بينه وبين الباطل وتدل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء وأن طريق معرفته ~~ما نصب من الدلائل على توحيده لأن أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا ~~الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه وإنما وصفوه ~~بأفعاله واستدلوا بها عليه قوله عز وجل قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل ~~لبثت مائة عام قول هذا القائل لم يكن كذبا وقد أماته الله مائة عام لأنه ~~أخبر عما عنده فكأنه قال عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم ونظيره أيضا ما ~~حكاه الله تعالى عن أصحاب الكهف قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم وقد كانوا لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين ولم يكونوا كاذبين فيما ~~أخبروا عما عندهم كأنهم قالوا عندنا في ظنوننا إنما لبثنا يوما أو بعض يوم ~~ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى ركعتين وسلم في إحدى صلاة ~~العشاء فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فقال لم تقصر ولم أنس وكان ~~صلى الله عليه وسلم صادقا لأنه أخبر عما عنده في ظنه وكان عنده أنه قد ~~أتمها فهذا كلام سائغ جائز غير ملوم عليه قائله إذا أخبر عن اعتقاده وظنه ~~لا عن حقيقة مخبره ولذلك عفا الله عن الحالف بلغو اليمين وهو فيما روى قول ~~الرجل لمن سأله هل كان كذا وكذا فيقول على ما عنده لا والله أو يقول بلى ~~والله وإن اتفق مخبره خلافه لأنه إنما أخبر عن عقيدته وضميره والله الموفق # | باب الامتنان بالصدقة # قال الله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى ms0735 كالذي ينفق PageV02P172 ماله رئاء الناس وقال تعالى ~~قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وقال تعالى وما آتيتم من ربا ~~ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم تكن ~~خالصة لله عارية من من وأذى فليست بصدقة لأن إبطالها هو إحباط ثوابها فيكون ~~فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة ~~إلى الله تعالى فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله ~~كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه ~~فاعله ونظيره أيضا قوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ومن أجل ذلك قال ~~أصحابنا لا يجوز الاستيجار على الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر ~~الأفعال التي شرطها أن تفعل على وجه القربة لأن أخذ الأجر عليها يخرجها عن ~~أن تكون قربة لدلائل هذه الآيات ونظائرها وروى عمرو عن الحسن في قوله تعالى ~~لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى قال هو المتصدق يمن بها فنهاه الله عن ذلك ~~وقال ليحمد الله إذ هداه للصدقة وعن الحسن في قوله تعالى مثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم قال يثبتون أين يضعون أموالهم ~~وعن الشعبي قال تصديقا ويقينا من أنفسهم وقال قتادة ثقة من أنفسهم والمن في ~~الصدقة أن يقول المتصدق قد أحسنت إلى فلان ونعشته وأغنيته فذلك ينغصها على ~~المتصدق بها عليه والأذى قوله أنت أبدا فقير وقد بليت بك وأراحني الله منك ~~ونظيره من القول الذي فيه تعبير له بالفقر فقال تعالى قول معروف ومغفرة خير ~~من صدقة يتبعها أذى يعني والله أعلم ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الخلة ~~على السائر ms0736 وقيل العفو عمن ظلمه خير من صدقة يتبعها أذى لأنه يستحق المأثم ~~بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل فيه السلامة من المعصية فأخبر الله ~~تعالى أن ترك الصدقة برد جميل خير من صدقة يتبعها أذى وامتنان وهو نظير ~~قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ~~والله تعالى الموفق PageV02P173 # | باب المكاسية # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض فيه إباحة المكاسب وأخبار أن فيها طيبا والمكاسب وجهان ~~أحدهما إبدال الأموال وأرباحها والثاني إبدال المنافع وقد نص الله تعالى ~~على إباحتها في مواضع من كتابه نحو قوله تعالى وأحل الله البيع وقوله تعالى ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ~~وقال تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم يعني والله أعلم من يتجر ~~ويكري ويحتج مع ذلك وقال تعالى في إبدال المنافع فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وقال شعيب عليه السلام [ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم من استأجر أجيرا فليعلمه ~~أجره وقال صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن ~~يسأل الناس أعطوه أو منعوه وقد روى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من ~~كسبه وقد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~أنه من التجارات منهم الحسن ومجاهد وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر ~~الأموال لأن قوله تعالى ما كسبتم ينتظمها وإن كان غير مكتف بنفسه في ~~المقدار الواجب فيها فهو عموم في أصناف الأموال مجمل في المقدار الواجب ~~فيها فهو مفتقر إلى البيان ولما ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذكر مقادير الواجبات فيه صح الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا ms0737 في إيجاب ~~الحق فيه نحو أموال التجارة ويحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجاب الزكاة في ~~العروض ويحتج فيه أيضا في إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما ختلف فيه من الأموال ~~وذلك لأن قوله تعالى أنفقوا المراد به الصدقة والدليل عليه قوله تعالى ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون يعني تتصدقون ولم يختلف السلف والخلف في أن ~~المراد به الصدقة ومن أهل العلم من قال إن هذا في صدقة التطوع لأن الفرض ~~إذا أخرج عنه الرديء كان الفضل باقيا في ذمته حتى يؤدى وهذا عندنا يوجب صرف ~~اللفظ عن الوجوب إلى النفل من وجوه أحدها أن قوله أنفقوا أمر والأمر عندنا ~~على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب وقوله ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون لا ~~دلالة فيه على أنه ندب إذ لا يختص PageV02P174 النهي عن إخراج الردي بالنفل ~~دون الفرض وأن يجب عليه إخراج فضل ما بين الردي إلى الجيد لأنه لا ذكر له ~~في الآية وإنما يعلم ذلك بدلالة أخرى فلا يعترض ذلك على مقتضى الآية في ~~إيجاب الصدقة ومع ذلك لو دلت الدلالة من الآية على أنه ليس عليه إخراج غير ~~الرديء الذي أخرجه لم يوجب ذلك صرف حكم الآية عن الإيجاب إلى الندب لأنه ~~جائز أن يبتدىء الخطاب بالإيجاب ثم يعطف عليه بحكم مخصوص في بعض ما اقتضاه ~~عمومه ولا يوجب ذلك الاقتصار بحكم ابتداء الخطاب على الخصوص وصرفه عن ~~العموم ولذلك نظائر كثيرة قد بيناها في مواضع وقوله تعالى ومما أخرجنا لكم ~~من الأرض عموم في إيجابه الحق في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر ~~الأصناف الخارجة منها ويحتج به لأبي حنيفة رضي الله عنه في إيجابه العشر في ~~قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها مما تقصد الأرض ~~بزراعتها ومما يدل من فحوى الآية على أن المراد بها الصدقات الواجبة قوله ~~تعالى في نسق التلاوة ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه وهذا إنما هو في ~~الديون إذا اقتضاها صاحبها لا يتسامح بالرديء عن ms0738 الجيد إلا على إغماض ~~وتساهل فدل ذلك على أن المراد الصدقة الواجبة والله أعلم إذا ردها إلى ~~الإغماض في اقتضاء الدين ولو كان تطوعا لم يكن فيها إغماض إذا له أن يتصدق ~~بالقليل والكثير وله أن لا يتصدق وفي ذلك دليل على أن المراد الصدقة ~~الواجبة وأما قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون روى الزهري عن أبي ~~أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~نوعين من التمر الجعرور ولون الحبيق قال وكان ناس يخرجون شر ثمارهم في ~~الصدقة فنزلت ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وروي عن البراء بن عازب مثل ذلك ~~قال في قوله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه لو أن أحدكم أهدى إليه ~~مثل ما أعطي لما أخذه إلا على إغماض وحياء وقال عبيدة إنما ذلك في الزكاة ~~والدرهم الزائف أحب إلى من الثمرة وعن ابن معقل في هذه الآية قال ليس في ~~أموالهم خبيث ولكنه الدرهم القسي والزيف ولستم بآخذيه قال لو كان لك على ~~رجل حق لم تأخذ الدرهم القسي والزيف ولم تأخذ من ا لثمر إلا الجيد إلا أن ~~تغمضوا فيه يجوزا فيه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وهو ما ~~كتبه في كتاب الصدقة وقال فيه ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار رواه الزهري عن ~~سالم عن أبيه وقد قيل عن ابن عباس في قوله PageV02P175 تعالى إلا أن تغمضوا ~~فيه إلا أن تحطوا من الثمن وعن الحسن وقتادة مثله وقال البراء ابن عازب إلا ~~أن تتساهلوا فيه وقيل لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة هذه ~~الوجوه كلها محتملة وجائز أن يكون جميعها مراد الله تعالى بأنهم لا يقبلونه ~~في الهدية إلا بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا بتساهل ومسامحة ولا يبيعون ~~بمثله إلا بحبط ووكس وقد اختلف أصحابنا فيمن أدى من المكيل والموزون دون ~~الواجب في الصفة فأدى عن الجيد رديا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا ms0739 يجب عليه ~~أداء الفضل وقال محمد عليه أن يؤدي الفضل الذي بينهما وقالوا جميعا في ~~الغنم والبقر وجميع الصدقات مما لا يكال ولا يوزن أن عليه أدار الفضل فيجوز ~~أن يحتج لمحمد بهذه الآية وقوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ~~والمراد به الرديء منه وقوله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ولصاحب ~~الحق أن لا يغمض فيه ولا يتساهل ويطالب بحقه من الجودة فهذا يدل على أن ~~عليه أداء الفضل حتى لا يقع في إغماض لأن الحق في ذلك لله تعالى وقد نفى ~~الإغماض في الصدقة بنهيه عن عطاء الردي فيها وأما أبو حنيفة وأبو يوسف ~~فإنهما قالا كل مالا يجوز التفاضل فيه فإن الجيد والردي حكمهما سواء في حظر ~~التفاضل بينهما وإن قيمته من جنسه لا يكون إلا بمثله ألا ترى أنه لو اقتضى ~~دينا على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديا أنه لا يرجع على الغريم بشيء ~~وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه وإنما يقول أبو يوسف فيه أنه يغرم مثل ما ~~قبض من الغريم ويرجع بدينه وغير ممكن مثله في الصدقة لأن الفقير لا يغرم ~~شيئا فلو غرمه لم تكن له مطالبة المتصدق برد الجيد عليه فلذلك لم يلزمه ~~إعطاء الفضل وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن قصد الردي بالإخراج وقد وجب ~~إخراج الجيد فإنهم يقولون إنه منهي عنه ولكن لما كان حكم ما أعطي حكم الديد ~~فيما وصفنا أجزأ عنه وأما ما يجوز فيه التفاضل فإنه مأمور بإخراج الفضل فيه ~~لأنه جائز أن تكون قيمته من جنسه أكثر منه ويباع بعضه ببعض متفاضلا وأما ~~محمد فإنه لم يجز إخراج الردي من الجيد إلا بمقدار قيمته منه فأوجب عليه ~~إخراج الفضل إذ ليس بين العبد وبين سيده ربا وفي هذه الآية دلالة على جواز ~~اقتضاء الردي عن الجيد في سائر الديون لأن الله تعالى أجاز الإغماض في ~~الديون بقوله تعالى إلا أن تغمضوا فيه ولم يفرق بين شيء منه فدل ذلك على ms0740 ~~معان منها جواز اقتضاء الزيوف التي أقلها غش وأكثرها PageV02P176 فضة عن ~~الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا يجوز أن يأخذ عنهما غيرهما ~~ودل على أن حكم الردي في ذلك حكم الجيد وهذا يدل أيضا على جواز بيع الفضة ~~الجيدة بالردية وزنا بوزن لأن ما جاز اقتضاء بعضه عن بعض جاز بيعه به ويدل ~~على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب مثلا بمثل إنما أراد ~~المماثلة في الوزن لافي الصفة وكذلك سائر ما ذكره معه ويدل على جواز اقتضاء ~~الجيد عن الردي برضا الغريم كما جاز اقتضاء الردي عن الجيد إذ لم يكن ~~لاختلافهما في الصفة حكم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم ~~قضاء قال جابر بن عبدالله قضاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وزادني وروي ~~عن ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي قالوا لا بأس إذا ~~أقرضه دراهم سودا أن يقبضه بيضا إذا لم يشرط ذلك عليه وروى سليمان التيمي ~~عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أنه كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ ~~خيرا منها وهذا ليس فيه دلالة على أنه كرهه إذا رضي المستقرض وإنما لا يجوز ~~له أن يأخذ خيرا منها إذا لم يرض صاحبه قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء قد قيل إن الفحشاء تقع على وجوه والمراد بها في هذا ~~الموضع البخل والعرب تسمي البخيل فاحشا والبخل فحشا وفحشا قال الشاعر % أرى ~~الموت يعتام الكرام ويصطفي % عقيلة مال الفاحش المتشدد % # يعني مال البخيل وفي هذه الآية ذم البخيل والبخل قوله عز وجل إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي الآية روي عن ابن عباس أنه قال هذا في صدقة التطوع فأما ~~في الفريضة فإظهارها أفضل لئلا تلحقه تهمة وعن الحسن ويزيد بن أبي حبيب ~~وقتادة الإخفاء في جميع الصدقات أفضل وقد مدح الله تعالى على إظهار الصدقة ~~كما مدح على اخفائها في قوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية فلهم ms0741 أجرهم عند ربهم وجائز أن يكون قوله تعالى وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم في صدقة التطوع على ما روي عن ابن عباس وجائز ~~أن يكون في جميع الصدقات الموكول أداؤها إلى أربابها من نفل أو فرض دون ما ~~كان منها أخذه إلى الإمام إلا أن عموم اللفظ يقتضي جميعها لأن الألف واللام ~~هنا للجنس فهي شاملة لجميعها وهذا يدل على أن جميع الصدقات مصروفة إلى ~~الفقراء وأنها انما تستحق بالفقر لا غير وأن ما ذكر الله تعالى من أصناف من ~~تصرف إليهم الصدقة في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين إنما ~~PageV02P177 يستحق منهم من يأخذها صدقة بالفقر دون غيره وإنما ذكر الأصناف ~~لما يعمهم من أسباب الفقر دون من لا يأخذها صدقة من المؤلفة قلوبهم ~~والعاملين عليها فإنهم لا يأخذونها صدقة وإنما تحصل في يد الإمام صدقة ~~للفقراء ثم يصرف إلى المؤلفة قلوبهم والعاملين ما يعطون على أنه ليس بصدقة ~~لكن عوضا من العمل ولدفع أذيتهم عن أهل الإسلام أو ليستمالوا به إلى ~~الإيمان ومن المخالفين من يحتج بذلك في جواز إعطاء جميع الصدقات للفقراء ~~دون الإمام وأنهم إذا أعطوا الفقراء صدقة المواشي سقط حق الإمام في الأخذ ~~لقوله تعالى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وذلك عام في سائرها ~~لأن الصدقة ههنا اسم للجنس وليس في هذا عندنا دلالة على ما ذكروا لأن أكثر ~~ما فيه أنه خير للمعطى فليس فيه سقوط حق الإمام في الأخذ وليس كونها خيرا ~~له نافيا لثبوت حق الإمام في الأخذ إذ لا يمتنع أن يكون خيرا لهم ويأخذها ~~الإمام فيتضاعف الخير بأخذها ثانيا وقد قدمنا قول من يقول إن هذا في صدقة ~~التطوع ومن أهل العلم من يقول إن الإجماع قد حصل على أن إظهار صدقة الفرض ~~أولى من إخفائها كما قالوا في الصلوات المفروضة ولذلك أمروا بالاجتماع ~~عليها في الجماعات بأذان وإقامة وليصلوها ظاهرين فكذلك سائر الفروض لئلا ~~يقيم نفسه مقام تهمة في ترك أداء الزكاة وفعل الصلاة قالوا ms0742 فهذا يوجب أن ~~يكون قوله تعالى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم في التطوع خاصة ~~لأن ستر الطاعات النوافل أفضل من إظهارها لأنه أبعد من الرياء وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة يظلهم الله في ظل عرشه أحدهم رجل ~~تصدق بصدقة لم تعلم شماله ما تصدقت به يمينه وهذا إنما هو في التطوع دون ~~الفرض ويدل على أن المراد صدقة التطوع أنه لا خلاف أن العامل إذا جاء قبل ~~أن تؤدى صدقة المواشي فطالبه بأدائها أن الفرض عليه أداؤها إليه فصار إظهار ~~أدائها في هذه الحال فرضا وفي ذلك دليل على أن المراد بقوله تعالى وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء صدقة التطوع والله تعالى أعلم بالصواب # | باب إعطاء المشرك من الصدقة # قال الله تعالى ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم قال أبو بكر ما تقدم في هذا الخطاب وما جاء في نسقه يدل على أن ~~قوله تعالى PageV02P178 ليس عليك هداهم إنما معناه في الصدقة عليهم لأنه ~~ابتدأ الخطاب بقوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي ثم عطف عليه قوله ~~تعالى ليس عليك هداهم ثم عقب ذلك بقوله تعالى وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ~~فدل ما تقدم من الخطاب في ذلك وتأخر عنه من ذكر الصدقة أن المراد إباحة ~~الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام وقد روى ذلك عن جماعة من السلف ~~روي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ليس عليك هداهم فقال صلى ~~الله عليه وسلم تصدقوا على أهل الأديان وروى الحجاج عن سالم المكي عن ابن ~~الحنفية قال كره الناس أن يتصدقوا على المشركين فأنزل الله ليس عليك هداهم ~~فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة قال أبو بكر لا ندري هذا من كلام من هو ~~أعني قوله فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة وجائز أن يريد ms0743 به من غير ~~الزكاة وصدقات المواشي دون كفارات الأيمان ونحوها وأيضا قوله فتصدق الناس ~~عليهم من غير الفريضة لا يوجب تخصيص الآية لأن فعلهم لا يقتضي الوجوب ومع ~~ذلك فهم مخيرون بين أن يتصدقوا عليهم وبين أن لا يتصدقوا وروى الأعمش عن ~~جعفر بن أياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان ناس لهم أنساب وقرابة من ~~قريظة والنضير فكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم على الإسلام فنزلت ~~ليس عليك هداهم إلى آخر الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء قالت ~~أتتني أمي في عهد قريش راغبة وهي مشركة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصلها قال نعم قال أبو بكر ونظير هذه الآية في دلالتها على ما دلت عليه ~~قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا فروي عن الحسن قال ~~هم الأسراء من أهل الشرك وروي عن سعيد بن جبير وعطاء قال هم أهل القبلة ~~وغيرهم قال أبو بكر الأول أظهر لأن الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا ~~مشركا ونظيرها أيضا قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إلى آخر القصة فأباح ~~برهم وإن كانوا مشركين إذا لم يكونوا أهل حرب لنا والصدقات من البر فاقتضى ~~جواز دفع الصدقات إليهم وظواهر هذه الآي توجب جواز دفع سائرها إليهم إلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد خص منها الزكوات وصدقات المواشي وكل ما كان ~~أخذه من الصدقات إلى الإمام بقوله أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها ~~في فقرائكم وقال لمعاذ أعلمهم PageV02P179 إن الله فرض عليهم حقا في ~~أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم فكانت الصدقات التي أخذها إلى ~~الإمام مخصوصة من هذه الجملة فلذلك قال أبو حنيفة كل صدقة ليس أخذها إلى ~~الإمام فجائز إعطاؤها أهل الذمة وما كان أخذها إلى الإمام لا يعطى أهل ~~الذمة فيجيز إعطاء الكفارات والنذور وصدقة الفطر أهل الذمة فإن قيل فزكاة ms0744 ~~المال ليس اخذها إلى الإمام ولا يجوز أن تعطى أهل الذمة قيل أخذها في الأصل ~~إلى الإمام وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها وكذلك أبو بكر وعمر ~~فلما كان عثمان قال للناس إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ~~ليزك بقية ماله فجعل أرباب الأموال وكلاء له في أدائها ولم يسقط في ذلك حق ~~الإمام في أخذها وقال أبو يوسف كل صدقة واجبة فغير جائز دفعها إلى الكفار ~~قياسا على الزكاة قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض الآية يعني والله أعلم النفقة المذكورة بديا ~~والمراد بها الصدقة وروي عن مجاهد والسدي المراد فقراء المهاجرين وقوله ~~تعالى أحصروا في سبيل الله قيل إنهم منعوا أنفسهم التصرف في التجارة خوف ~~العدو من الكفار روي ذلك عن قتادة لأن الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو ~~حاجة أو مخافة فإذا منعه العدو قيل أحصره وقوله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء ~~من التعفف يعني والله أعلم الجاهل بحالهم وهذا يدل على أن ظاهر هيئتهم ~~وبزتهم يشبه حال الأغنياء ولولا ذلك لما ظنهم الجاهل أغنياء لأن ما يظهر من ~~دلالة الفقر شيئان أحدهما بذاذة الهيئة ورثاثة الحال والآخر المسألة على ~~أنه فقير فليس يكاد يحسبهم الجاهل أغنياء إلا لما يظهر له من حسن البزة ~~الدالة على الغنى في الظاهر وفي هذه الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ~~ذات قيمة كثيرة لا تمنعه إعطاء الزكاة لأن الله تعالى قد أمرنا بإعطاء ~~الزكاة من ظاهر حاله مشبه لأحوال الأغنياء ويدل على أن الصحيح الجسم جائز ~~أن يعطى من الزكاة لأن الله تعالى أمر بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من ~~المهاجرين الذين كانوا يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ولم ~~يكونوا مرضى ولا عميانا وقوله عز وجل تعرفهم بيسماهم فإن السيما العلامة ~~قال مجاهد المراد به هنا التخشع وقال السدي والربيع بن أنس هو علامة الفقر ~~وقال الله تعالى سيماهم في وجوههم من أثر ms0745 السجود يعني علامتهم فجائز أن ~~تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى تعرفهم بسيماهم ما يظهر في وجه ~~الإنسان من كسوف PageV02P180 البال وسوء الحال وإن كانت بزتهم وثيابهم ~~وظاهر هيئتهم حسنة جميلة وجائز أن يكون الله تعالى قد جعل لنبيه علما يستدل ~~به إذا رآهم عليه على فقرهم وإن كنا لا نعرف ذلك مهم إلا بظهور المسألة ~~منهم أو بما يظهر من بذاذة هيئتهم وهذا يدل على أن لما يظهر ذلك عليه وقد ~~اعتبر أصحابنا ذلك في الميت في دار الإسلام أو في دار الحرب إذا لم يعرف ~~أمره قبل ذلك في إسلام أو كفر أنه ينظر إلى سيماه فإن كانت عليه سيما أهل ~~الكفر من شد زنار أو عدم ختان وترك الشعر على حسب ما يفعله رهبان النصارى ~~حكم له بحكم الكفار ولم يدفن في مقابر المسلمين ولم يصل عليه وإن كان عليه ~~سيما أهل الإسلام حكم له بحكم المسلمين في الصلاة والدفن وإن لم يظهر عليه ~~شيء ن ذلك فإن كان في مصر من الأمصار التي للمسلمين فهو مسلم وإن كان في ~~دار الحرب فمحكوم له بحكم الكفر فجعلوا اعتبار سيماه بنفسه أولى منه بموضعه ~~الموجود فيه فإذا عدمنا السيما حكمنا له بحكم أهل الموضع وكذلك اعتبروا في ~~اللقيط ونظيره أيضا قوله تعالى إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فاعتبر العلامة ~~ومن نحوه قوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول وأخوة يوسف عليه السلام لطخوا ~~قميصه بدم وجعلوه علامة لصدقهم قال الله تعالى وجاؤا على قميصه بدم كذب ~~وقوله تعالى لا يسألون الناس إلحافا يعني والله أعلم إلحاحا وإدامة للمسألة ~~لأن إلحاف المسألة هو الاستقصاء فيها وإدامتها وهذا يدل على كراهة الإلحاف ~~في المسألة فإن قيل فإنما قال الله عز وجل لا يسألون الناس إلحافا فنفى ~~عنهم الإلحاف في المسألة ولم ينف عنهم المسألة رأسا قيل له في فحوى الآية ~~ومضمون المخاطبة ما يدل على نفي ms0746 المسألة رأسا وهو قوله تعالى يحسبهم الجاهل ~~أغنياء من التعفف فلو كانوا أظهروا المسألة وإن لم تكن إلحافا لما حسبهم ~~أغنياء وكذلك قوله تعالى من التعفف لأن التعفف هو القناعة وترك المسألة فدل ~~ذلك على وصفهم بترك المسألة أصلا ويدل على أن التعفف هو ترك المسألة قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله وإذا ~~ثبت بما ذكرنا من دلالة الآي أن ثياب الكسوة لا تمنع الزكاة وإن كانت سرية ~~وجب أن يكون كذلك حكم المسكن والأثاث والفرس والخادم لعموم الحاجة إليه ~~فإذا كانت الحاجة إلى هذه الأشياء حاجة ماسة فهو غير غني بها لأن الغنى هو ~~ما فضل PageV02P181 عن مقدار الحاجة واختلف الفقهاء في مقدار ما يصير به ~~غنيا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا فضل عن مسكنه وكسوته وأثاثه ~~وخادمه وفرسه ما يساوي مائتي درهم لم تحل له الزكاة وإن كان أقل من مائتي ~~درهم حلت له الزكاة وقال مالك في رواية ابن القاسم يعطي من الزكاة من له ~~أربعون درهما وروى غيره عن مالك أنه لا يعطي من له أربعون درهما وقال ~~الثوري والحسن بن صالح لا يأخذ الزكاة من له خمسون درهما وقال عبدالله بن ~~الحسن من لا يكون عنده ما يقوته أو يكفيه سنة فإنه يعطى من الصدقة وقال ~~الشافعي يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حد الفقر إلى الغنى كان ~~ذلك تجب فيه الزكاة أو لا تجب ولا أجد في ذلك حدا ذكره المزني والربيع وحكى ~~عنه أنها لا تحل للقوي المكتسب وإن كان فقيرا والدليل على صحة ما ذكرنا من ~~اعتبار مائتي درهم فاضلا عما يحتاج إليه ما روى عبدالحميد بن جعفر عن أبيه ~~عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول من استغنى ~~أغناه الله ومن استعفف أعفه الله ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق سأل ~~إلحافا فدل ذكره لهذا المقدار أنه هو الذي ms0747 يخرج به من حد الفقر إلى الغنى ~~ويوجب تحريم المسألة ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن ~~آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم ثم قال في مائتي درهم خمسة ~~دارهم وليس فيما دونها شيء فجعل حد الغني مائتي درهم فوجب اعتبارها دون ~~غيرها ودل أيضا على أن الذي لا يملك هذا القدر يعطى من الزكاة لأنه صلى ~~الله عليه وسلم جعل الناس صنفين أغنياء وفقراء فجعل الغني من ملك هذا ~~المقدار وأمر بأخذ الزكاة منه وجعل الفقير الذي يرد عليه هو الذي لا يملك ~~هذا القدر وقد روى أبو كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ~~قلت يا رسول الله ما ظهر غناه قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم ~~وقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل ~~إلحافا والأوقية يومئذ أربعون درهما وروى محمد بن عبدالرحمن بن زيد عن أبيه ~~عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل عبد مسألة وله ~~ما يغنيه إلا جاءت شينا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول ~~الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب وهذه واردة في ~~PageV02P182 كراهة المسألة ولا دلالة فيها على تحريم الصدقة عليه وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستحب ترك المسألة لمن يملك ما يغديه ويعشيه إذ ~~كان هناك من فقراء المسلمين وأهل الصفة من لا يقدر على غداء ولا عشاء ~~فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لمن يملك هذا القدر الاقتصار على ما يملكه ~~والتعفف بترك المسألة ليصل ذلك إلى من هو أحوج منه إليه لا على وجه التحريم ~~ولما اتفق الجميع على أن ms0748 سبيل استباحة الصدقة ليست سبيل الضرورة إلى الميتة ~~إذ كانت الميتة لا تحل إلا عند الخوف على النفس والصدقة تحل بإجماع ~~المسلمين لمن احتاج ولم يخف الموت إذا لم يكن عنده شيء فوجب أن يكون المبيح ~~لها الفقر وأيضا لما كانت هذه الأخبار مختلفا في استعمال حكمها وهي في ~~أنفسها مختلفة واتفق الجميع على استعمال الخبر الذي روينا في مائتي درهم ~~وتحريم الصدقة معها وجب أن يكون ثابت الحكم وما عداه إما أن يكون على وجه ~~الكراهة للمسألة أو منسوخة بخبرنا إن كان المراد بها تحريم الصدقة # | باب الربا # قال الله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس إلى قوله وأحل الله البيع وحرم الربا قال أبو بكر أصل ~~الربا في اللغة هو الزيادة ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من الأرض ~~ومنه الربوة من الأرض وهي المرتفعة ومنه قولهم أربى فلان على فلان في القول ~~أو الفعل إذا زاد عليه وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الإسم موضوعا لها ~~في اللغة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النساء ربا في حديث ~~أسامة بن زيد فقال إنما الربا في النسيئة وقال عمر بن الخطاب إن من الربا ~~أبوابا لا تخفى منها السلم في السن يعني الحيوان وقال عمر أيضا إن آية ~~الربا من آخر ما نزل من القرآن وأن النبي صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن ~~يبينه لنا فدعوا الربا والريبة فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا لأنه ~~لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر لأنه كان عالما بأسماء ~~اللغة لأنه من أهلها ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب ~~والفضة بالفضة نساء ربا وهو ربا في الشرع وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار ~~بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من ~~اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة ms0749 نحو الصلاة والصوم ~~والزكاة فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من ~~العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع PageV02P183 بذلك وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من مراد الله بالآية نصا وتوفيقا ومنه ما ~~بينه دليلا فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل العلم بالتوقيف ~~والإستدلال والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض والدراهم ~~والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم ~~يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان المتعارف ~~المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في ~~المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى لا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة ~~أضعافا مضاعفة فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا ~~أخر من البياعات وسماها ربا فانتظم قوله تعالى وحرم الربا تحريم جميعها ~~لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه ~~الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة واسم الربا في ~~الشرع يعتوره معان أحدها الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية والثاني التفاضل ~~في الجنس الواحد من المكيل والموزون على قول أصحابنا ومالك بن أنس يعتبر مع ~~الجنس أن يكون مقتاتا مدخرا والشافعي يعتبر الأكل مع الجنس فصار الجنس ~~معتبرا عند الجميع فيما يتعلق به من تحريم التفاضل عند انضمام غيره إليه ~~على ما قدمنا والثالث النساء وهو على ضروب منها في الجنس الواحد من كل شيء ~~لا يجوز بيع بعضه ببعض نساء سواء كان من المكيل أو من الموزون أو من غيره ~~فلا يدون عندنا بيع ثوب مروي بثوب مروي نساء لوجود الجنس ومنها وجود المعنى ~~المضموم إليه الجنس في شرط تحريم ms0750 التفاضل وهو الكيل والوزن في غير الأثمان ~~التي هي الدراهم والدنانير فلو باع حنطة بجص نساء لم يجز لوجود الكيل ولو ~~باع حديدا بصفر نساء لم يجز لوجود الوزن والله تعالى الموفق # | ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان # قال عمر رضي الله عنه إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن ولم ~~تكن العرب تعرف ذلك ربا فعلم أنه قال ذلك توقيفا فجملة ما اشتمل عليه اسم ~~الربا في الشرع النساء والتفاضل على شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء ~~والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم = PageV02P184 الحنطة ~~بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد ~~والفضل ربا وذكر التمر والملح والذهب والفضة فسمى الفضل في الجنس الواحد من ~~المكيل والموزون ربا وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد الذي ~~رواه عنه عبدالرحمن بن عباس إنما الربا في النسيئة وفي بعض الألفاظ لا ربا ~~إلا في النسيئة فثبت أن اسم ا لربا في الشرع يقع على التفاضل تارة وعلى ~~النساء أخرى وقد كان ابن عباس يقول لا ربا إلا في النسيئة ويجوز بيع الذهب ~~بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد ثم لما ~~تواتر عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم التفاضل في الأصناف ~~الستة رجع عن قوله قال جابر بن زيد رجع ابن عباس عن قوله في الصرف وعن قوله ~~في المتعة وإنما معنى حديث أسامة النساء في الجنسين كما روي في حديث عبادة ~~بن الصامت وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحنطة بالحنطة مثلا ~~بمثل يدا بيد وذكر الأصناف الستة ثم قال بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا ~~بيد وفي بعض الأخبار وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد فمنع ~~النساء في الجنسين من المكيل والموزون وأباح التفاضل فحديث أسامة بن زيد ~~محمول على هذا ومن الربا المراد بالآية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل ms0751 نقد ~~الثمن والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس بن ة إسحاق عن أبيه عن أبي العالية ~~قال كنت عند عائشة فقالت لها امرأة إني بعت زيد بن أرقم جارية لي إلى عطائه ~~بثمان مائة درهم وأنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة فقالت بئسما ~~شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن لم يتب فقالت يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس ~~مالي فقالت فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله فدلت ~~تلاوتها الآية الربا عند قولها أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي إن ذلك كان ~~عندها من الربا وهذه التسمية طريقها التوقيف وقد روى ابن المبارك عن حكم بن ~~زريق عن سعيد بن المسيب قال سألته عن رجل إلي باع طعاما من رجل أجل فأراد ~~الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه فقال هو ربا ومعلوم أنه ~~أراد شراءه بأقل من الثمن الأول إذ لا خلاف أن شراءه بمثله أو أكثر منه ~~جائز فسمى سعيد بن المسيب ذلك ربا وقد روي النهي عن ذلك عن ابن عباس ~~والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم والشعبي وقال الحسن وابن سيرين في آخرين ~~إن باعه بنقد جاز أن يشتريه فإن كان باعه بنسيئة لم PageV02P185 يشتره بأقل ~~منه إلا بعد أن يحل الأجل وروي عن ابن عمر أنه إذا باعه ثم اشتراه بأقل من ~~ثمنه جاز ولم يذكر فيه قبض الثمن وجائز أن يكون مراده إذا قبض الثمن فدل ~~قول عائشة وسعيد بن المسيب أن ذلك ربا فعلمنا أنهما لم يسمياه ربا إلا ~~توقيفا إذ لا يعرف ذلك اسما له من طريق اللغة فلا يسمى به إلا من طريق ~~الشرع وأسماء الشرع توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بالصواب # | ومن أبواب الربا الدين بالدين # وقد روى موسى بن عبيدة عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ms0752 صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن الكالئ بالكالئ وفي بعض الألفاظ عن الدين بالدين وهما ~~سواء وقال في حديث أسامة بن زيد إنما الربا في النسيئة إلا أنه في ا لعقد ~~عن الدين بالدين وأنه معفو عنه بمقدار المجلس لأنه جائز له أن يسلم دراهم ~~في كر حنطة وهما دين بدين إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض الدراهم بطل العقد ~~وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان وإن افترقا قبل التقابض بطل # | ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه # الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل فيصالحه منه على خمس مائة حالة فلا ~~يجوز وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال سألت ابن عمر يكون لي على الرجل ~~الدين إلى أجل فأقول عجل لي وأضع عنك فقال هو ربا وروي عن زيد بن ثابت أيضا ~~النهي عن ذلك وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم وهو قول أصحابنا وعامة ~~الفقهاء وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي لا بأس بذلك والذي يدل على بطلان ~~ذلك شيئان أحدهما تسمية ابن عمر إياه ربا وقد بينا أن أسماء الشرع توقيف ~~والثاني أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ~~فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه وقال وإن تبتم فلكم ~~رؤس أموالكم وقال تعالى وذروا ما بقي من الربا حظر أن يؤخذ للأجل عوض فإذا ~~كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء ~~الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه ولا خلاف أنه ~~لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له أجلني وأزيدك فيها مائة درهم لا يجوز ~~لأن المائة PageV02P186 عوض من الأجل كذلك الحط في معنى الزيادة إذ جعله ~~عوضا من الأجل وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال ولذلك ~~قال أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبا فقال إن خطته اليوم فلك درهم وإن ~~خطته غدا فلك نصف درهم أن الشرط ms0753 الثاني باطل فإن خاطه غدا فله أجر مثله ~~لأنه جعل الحط بحذاء الأجل والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه لأنه ~~بمنزلة بيع الأجل على النحو الذي بيناه ومن أجاز من السلف إذا قال عجل لي ~~وأضع عنك فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعله شرطا فيه وذلك بأن يضع عنه ~~بغير شرط ويعجب الآخر الباقي بغير شرط وقد ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد ~~يكون ربا على حسب ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة وإن ~~النساء قد يكون ربا في البيع بقوله صلى الله عليه وسلم وإذا اختلف النوعان ~~فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وقوله إنما الربا في النسيئة وإن السلم في الحيوان ~~قد يكون ربا بقوله إنما الربا في النسيئة وقوله إذا اختلف النوعان فبيعوا ~~كيف شئتم يدا بيد وتسمية عمر إياه ربا وشرى ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد ~~الثمن لما بينا وشرط التعجيل مع الحط وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل ~~في الأصناف الستة التي ورد بها الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات ~~كثيرة وهو عندنا في حيز التواتر لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله ~~واتفقوا أيضا في أن مضمون هذا النص معني به تعلق الحكم يجب اعتباره في غيره ~~واختلفوا فيه بعد اتفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه التي ذكرنا فيما سلف ~~من هذا الباب وإن حكم تحريم التفاضل غير مقصور على الأصناف الستة وقد قال ~~قوم هم شذوذ عندنا لا يعدون خلافا أن حكم تحريم التفاضل مقصور على الأصناف ~~التي ورد فيها التوقيف دون تحريم غيرها ولما ذهب إليه أصحابنا في اعتبار ~~الكيل والوزن دلائل من الأثر والنظر وقد ذكرناها في مواضع ومما يدل عليه من ~~فحوى الخبر قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن والحنطة بالحنطة مثلا ~~بمثل كيلا بكيل فأوجب استيفاء المماثلة بالوزن في الموزون وبالكيل في ~~المكيل فدل ذلك على أن الاعتبار في التحريم الكيل والوزن مضموما إلى الجنس ~~ومما يحتج به ms0754 المخالف من الآية على اعتبار الأكل قوله عز وجل الذين يأكلون ~~الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وقوله تعالى لا ~~تأكلوا الربا فأطلق اسم الربا على المأكول قالوا فهذا عموم في إثبات الربا ~~في المأكول وهذا عندنا لا يدل PageV02P187 على ما قالوا من وجوه أحدها ما ~~قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى البيان فلا يصح الاحتجاج ~~بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا حتى يحرمه بالآية ولا ~~يأكله والثاني أن أكثر ما فيه إثبات الربا في مأكول وليس فيه أن جميع ~~المأكولات فيها ربا ونحن قد أثبتنا الربا في كثير من المأكولات وإذا فعلنا ~~ذلك فقد قضينا عهدة الآية ولما ثبت بما قدمنا من التوقيف والاتفاق على ~~تحريك بيع ألف بألف ومائة كما بطل بيع ألف بألف إلى أجل فجرى الأجل المشروط ~~مجرى النقصان في المال وكان بمنزلة بيع ألف بألف ومائة وجب أن لا يصح الأجل ~~في القرض كما لا يجوز قرض ألف بألف ومائة إذ كان نقصان الأجل كنقصان الوزن ~~وكان الربا تارة من جهة نقصان الوزن وتارة من جهة نقصان الأجل وجب أن يكون ~~القرض كذلك فإن قال قائل ليس القرض في ذلك كالبيع لأنه يجوز له مفارقته في ~~القرض قبل قبض البدل ولا يجوز مثله في بيع ألف بألف قيل له إنما يكون الأجل ~~نقصانا إذا كان مشروطا فأما إذا لم يكن مشروطا فإن ترك القبض لا يوجب نقصا ~~في أحد المالين وإنما بطل البيع لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر ألا ~~ترى أنه لا يختلف الصنفان والصنف الواحد في وجوب التقابض في المجلس أعني ~~الذهب بالفضة مع جواز التفاضل فيهما فعلمنا أن الموجب لقبضهما ليس من جهة ~~أن ترك القبض موجب للنقصان في غير المقبوض ألا ترى أن رجلا لو باع من رجل ~~عبدا بألف درهم ولم يقبض ثمنه سنين جاز للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة ~~ولو كان باعه بألف إلى شهر ms0755 ثم حل الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحة بألف ~~حالة حتى يبين أنه اشتراه بثمن مؤجل فدل ذلك على أن الأجل المشروط في العقد ~~يوجب نقصا في الثمن ويكون بمنزلة نقصان الوزن في الحكم فإذا كان كذلك ~~فالتشبيه بين القرض والبيع من الوجه الذي ذكرنا صحيح لا يعترض عليه هذا ~~السؤال ويدل على بطلان التأجيل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~الربا في النسيئة ولم يفرق بين البيع والقرض فهو على الجميع ويدل عليه أن ~~القرض لما كان تبرعا لا يصح إلا مقبوضا أشبه الهبة فلا يصح فيه التأجيل كما ~~لا يصح في الهبة وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم التأجيل فيها بقوله من ~~أعمر عمري فهي له ولورثته من بعبده فأبطل التأجيل المشروط في الملك وأيضا ~~فإن قرض الدراهم عاريتها وعاريتها قرضها لأنها تمليك المنافع إذ لا يصل ~~إليها إلا باستهلاك عينها ولذلك قال أصحابنا إذا PageV02P188 أعاره دراهم ~~فإن ذلك قرض ولذلك لم يجيزوا استيجار الدراهم لأنها قرض فكأنه استقرض دراهم ~~على أن يرد عليه أكثر منها فلما لم يصح الأجل في العارية لم يصح في القرض ~~ومما يدل على أن قرض الدراهم عارية حديث إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ~~عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرون أي الصدقة خير قالوا ~~الله ورسوله أعلم قال خير الصدقة المنحة أن تمنح أخاك الدراهم أو ظهر ~~الدابة أو لبن الشاة والمنحة هي العارية فجعل قرض الدراهم عاريتها ألا ترى ~~إلى قوله في حديث آخر والمنحة مردودة فلما لم يصح التأجيل في العارية لم ~~يصح في القرض وأجاز الشافعي التأجيل في القرض وبالله التوفيق ومنه الإعانة # | باب البيع # قوله عز وجل وأحل الله البيع عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ البيع ~~موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيحاب وقبول عن تراض ~~منهما وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان ثم منه جائز ومنه فاسد إلا أن ~~ذلك غير مانع من اعتبار ms0756 عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو فساده ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به ~~الخصوص لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات نحو بيع مالم يقبض وبيع ما ~~ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على المحرمات من الأشياء ~~وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات وإنما خصت منها بدلائل إلا أن ~~تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه ~~وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف لقوله تعالى وأحل الله البيع ~~والبيع اسم للإيجاب والقبول وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد ألا ترى أن ~~البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا وهو بيع والوكيلان ~~يتعاقدان البيع ولا يملكان وقوله تعالى وحرم الربا حكمه ما قدمناه من ~~الإجمال والوقف على ورود البيان فمن الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ~~ربا أهل الجاهلية وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض وفي ~~سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى وأحل ~~الله البيع وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ ~~البيع وليس كذلك عندنا لأن مالا يسمى ربا من البياعات فحكم PageV02P189 ~~العموم جار فيه وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا فأما ما ~~تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا وقد بينا ذلك ~~في أصول الفقه وأما قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا حكاية ~~عن المعتقدين لإباحته من الكفار فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة ~~على وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات وجهلوا ما وضع ~~الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا فذمهم الله على جهلهم وأخبر ~~عن حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه قوله تعالى وأحل الله البيع ~~يحتج به في جواز بيع مالم يره المشتري ويحتج فيمن ms0757 اشترى حنطة بحنطة بعينها ~~متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ ~~لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك فاقتضى ~~ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقابض وهو كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم ~~المراد تحريم الاستمتاع بهن ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم من وجهين أحدهما ما اقتضاه ~~من إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض والآخر إباحة أكله لمشتريه ~~قبل قبض الآخر بعد الفرقة وأما قوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف ~~من المقبوض قبل نزول تحريم الربا ولم يرد به مالم يقبض لأنه قد ذكر في نسق ~~التلاوة حظر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فأبطل الله من الربا مالم يكن ~~مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول التحريم ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه ~~مقبوضا بقوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وقد روي ذلك ~~عن السدي وغيره من المفسرين وقال تعالى وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض ثم قال تعالى وإن ~~تبتم فلكم رؤس أموالكم وهو تأكيد لإبطال مالم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي ~~لا ربا فيه ولا زيادة وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة وقال جابر بعرفات إن كل ربا في ~~الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب فكان فعله صلى ~~الله عليه وسلم مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا مالم يكن ~~مقبوضا وإمضائه ما كان PageV02P190 مقبوضا وفيما روي في خطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0758 ضروب من الأحكام أحدها أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل ~~القبض مما يوجب تحريمه فهو كالموجود في حال وقوعه وما طرأ بعد القبض مما ~~يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب فسخه وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا ~~بخمر فالبيع جائز عندنا وإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد وكذلك لو ~~اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم البائع أو المشتري بطل البيع لأنه قد طرأ عليه ~~ما يوجب تحريم العقد قبل القبض كما أبطل الله تعالى من الربا مالم يقبض ~~لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل القبض وإن كانت الخمر مقبوضة ثم اسلما أو ~~أحرما لم يبطل البيع كما لم يبطل الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم فهذا ~~جائز في نظائره من المسائل ولا يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ~~ولا يبطل البيع وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما ~~يوجب تحريم العقد لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها والقيمة قائمة ~~مقام المبيع وإنما يعتبر المبيع وللمشتري الخيار فحسب وفيها دلالة على أن ~~هلاك المبيع في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد وهو قول ~~أصحابنا والشافعي وقال مالك لا يبطل والثمن لازم للمشتي إذا لم يمنعه ~~ودلالة الآية ظاهرة على أن قبض المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب ~~بطلان العقد وذلك لأن الله تعالى لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه ~~وأمر بالاقتصار على رأس المال فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة ~~العقد وأنه متى طرأ على العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه وفيها الدلالة على ~~أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها ~~بالفسخ وإن كانت معقودة على فساد لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية ~~وبين خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا ~~عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان ms0759 ~~منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها فدل ذلك على أن العقود ~~الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ ~~منها ما كان مقبوضا وقوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ~~يدل على ذلك أيضا لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل الإسلام وقد قيل إن ~~معنى قوله تعالى فله ما سلف من ذنوبه على معنى أن الله يغفرها له وليس هذا ~~كذلك لأن الله تعالى قد قال وأمره إلى الله يعني فيما يستحقه من عقاب أو ~~ثواب PageV02P191 فلم يعلمنا حكمه في الآخرة ومن جهة أخرى أنه لو ان هذا ~~مرادا لم ينتف به ما ذكرنا فيكون على الأمرين جميعا لاحتماله لهما فيغفر ~~الله ذنوبه ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه وذلك يدل على أن بياعات أهل ~~الحرب كلها ماضية إذا أسلموا بعد التقابض فيها لقوله تعالى فله ما سلف ~~وأمره إلى الله قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي ~~من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله قال أبو ~~بكر يحتمل ذلك معنيين أحدهما إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له ~~والثاني إن لم تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله وإن اعتقدوا تحريمه وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس ~~فيمن أربى أن الإمام يستتيبه فإن تاب وإلا قتله وهذا محمول على أن يفعله ~~مستحلا له لأنه لا خلاف بنين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه ~~وقوله وتعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله لا يوجب إكفارهم لأن ذلك قد يطلق ~~على ما دون الكفر من المعاصي قال زيد بن اسلم عن أبيه أن عمر رأى معاذا ~~يبكي فقال ما يبكيك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليسير من ~~الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ms0760 فأطلق اسم ~~المحاربة عليه وإن لم يكفر وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن ~~زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين ~~رضي الله عنهم أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم وقال تعالى إنما جزاء ~~الذين يحاربون ا لله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا والفقهاء متفقون على أن ~~ذلك حكم جار في أهل الملة وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق وقد دل ~~على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله على من عظمت معصيته وفعلها ~~مجاهرا بها وإن كانت دون الكفر وقوله تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~أخبار منه بعظم معصية وأنه يستحق بها المحاربة عليها وإن لم يكن كافرا وكان ~~ممتنعا على الإمام فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما يستحقه من ~~التعزير والردع وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله عليها ~~العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ~~ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما ~~يرى من العقوبة وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة وآخذي ~~الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا PageV02P192 ممتنعين ~~وهؤلاء أعظم جرما من آكلي ا لربا لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين ~~جميعا وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ينتهك لمن ~~يعطيه ذلك حرمة لأنه أعطاه بطيبة نفسه وآخذوا الضرائب في معنى قطاع الطريق ~~المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين إذ كانوا يأخذونه جبرا ~~وقهرا لا على تأويل ولا شبهة فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما ~~هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم ~~وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال وقد كان أبو بكر ~~رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على شيئين أحدهما ~~الكفر والآخر منع الزكاة وذلك لأنهم امتنعوا من ms0761 قبول فرض الزكاة ومن أدائها ~~فانتظموا به معنيين أحدهما الامتناع من قبول أمر الله تعالى وذلك كفر ~~والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام فكان ~~قتاله إياهم للأمرين جميعا ولذلك قال لو منعوني عقالا وفي بعض الأخبار ~~عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ~~فإنما قلنا أنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة لأن الصحابة سموهم ~~أهل الردة وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم ~~ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر ~~الأول ولا من بعدهم من المسلمين أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر ~~كانوا أهل الردة فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر وإن كان ~~ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك ~~من جملة أهل الملة وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غر مستحلين له قاتلهم الإمام ~~إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب ~~والحبس حتى ينتهوا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران ~~وكانوا ذمة نصارى إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني أيوب الدمشقي قال حدثني سعدان بن ~~يحيى عن عبدالله بن أبي حميد عن أبي مليح الهذلي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صالح أهل نجران فكتب كتابا في آخره على أن لا تأكلوا الربا فمن ~~أكل الربا فذمتي منه بريئة فقوله تعالى فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله عقيب قوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا هو ~~عائد عليهما جميعا من رد الأمر على حاله ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول ~~الأمر PageV02P193 فمن رد الأمر قوتل على الردة ومن قبل الأمر وفعله محرما ~~له قوتل على تركه إن كان ممتنعا ولا ms0762 يكون مرتدا وإن لم يكن ممتنعا عزر ~~بالحبس والضرب على ما يرى الإمام وقوله تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به في هذه الآية فهم محاربون الله ~~ورسوله وذلك أخبار منه بمقدار عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة وهي أن ~~يسموا محاربين الله ورسوله وهذه السمة يعتورها معنيان أحدهما الكفر إذا كان ~~مستحلا والآخر الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد التحريم على ما بينا ومن ~~الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين ~~بمحاربتهم ويكون إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها ~~كقوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجا إليهم إذا كانوا ~~ذوي منعة وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب ~~وتناوله الحكم المذكور فيه فهو أولى قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة فيه تأويلان أحدهما وإن كان ذو عسرة غريما لكم فنظرة إلى ميسرة ~~والثاني على أن المكتفية باسمها على معنى وإن وقع ذو عسرة أو إن وجد ذو ~~عسرة كقول الشاعر % فدى لبني شيبان رحلي وناقتي % إذا كان يوم ذو كواكب ~~أشهب % معناه إذا وجد يوم كذلك وقد اختلف في معنى قوله وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة فروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة وكان ~~شريح يحبس المعسر في غيره من الديون وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن ~~خيثم والضحاك أنه في سائر الديون وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك وقال ~~آخرون إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا وسائر الديون في حكمه قياسا ~~عليه قال أبو بكر لما كان قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ~~محتملا أن يكون شاملا لسائر الديون على ما بينا من وجه الاحتمال ولتأويل من ~~تأوله من السلف ms0763 على ذلك إذ غير جائز أن يكونوا تأولوه على مالا احتمال فيه ~~وجب حمله على العموم وأن لا يقتصر به على الربا إلا بدلالة لما فيه من ~~تخصيص لفظ العموم من غير دلالة فإن قيل لما كان قوله تعالى وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم وكان متضمنا لما ~~PageV02P194 قبله وجب أن يكون حكمه مقصورا عليه قيل هو كلام مكتف بنفسه لما ~~في فحواه من الدلالة على معناه وذلك لأن ذكر الإعسار والإنظار قد دل على ~~دين تجب المطالبة به والإنظار لا يكون إلا في حق قد ثبت وجوبه وصحت ~~المطالبة به إما عاجلا وإما آجلا فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دين ~~يتعلق به في حكم الإنظار إذا كان ذو عسرة كان اللفظ مكتفيا بنفسه ووجب ~~اعتباره على عمومه ولم يجب الاقتصار به على الربا دون غيره وزعم بعض الناس ~~ممن نصر هذا القول الذي ذكرناه أن هذا لا يجوز أن يكون في الربا لأن الله ~~تعالى قد أبطله فكيف يكون منظرا به قال فالواجب أن تكون ا لآية عامة في ~~سائر الديون وهذا الحجاج ليس بشيء لأن الله تعالى إنما أبطل الربا وهو ~~الزيادة المشروطة ولم يبطل رأس المال لأنه قال وذروا ما بقي من الربا ~~والربا هو الزيادة ثم قال وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ثم عقب ذلك بقوله وإن ~~كان ذو عسرة يعني سائر الديون ورأس المال أحدها وإبطال ما بقي من الربا لم ~~يبطل رأس المال بل هو دين عليه يجب أداؤه فإن قيل إذا كان الإنظار مأمورا ~~به في رأس المال فهو وسائر الديون عليه سواء قيل له إنما كلامنا فيما شمله ~~العموم من حكم الآية فإن كان ذلك في رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق ~~النص وإنما يتناوله من جهة العموم للمعنى فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره ~~في إثبات حكمه ورده إلى المذكور في الآية بمعنى يجمعهما وليس الكلام بينك ~~وبين الخصم من ms0764 جهة القياس وإنما اختلفتما في عموم الآية وخصوصها والكلام في ~~القياس ورد غير المذكور إلى المذكور مسألة أخرى # وقوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم قد اقتضى ثبوت المطالبة لصاحب ~~الدين على الدين وجواز أخذ رأس مال نفسه منه بغير رضاه لأنه تعالى جعل ~~اقتضاؤه ومطالبته من غير شرط رضى المطلوب وهذا يوجب أن من له على غيره دين ~~فطالبه به فله أخذه منه شاء أم أبى وبهذا المعنى ورد الأثر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ~~وولدي فقال خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف فأباح لها أخذ ما ~~استحقته على أبي سفيان من النفقة من غير رضى أبي سفيان وفي الآية دلالة على ~~أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالما ودلالتها على ذلك ~~من وجهين أحدهما قوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم فجعل له المطالبة ~~PageV02P195 برأس المال وقد تضمن ذلك أمر الذي عليه الدين بقضائه وترك ~~الامتناع من أدائه فإنه متى امتنع منه كان له ظالما ولاسم الظلم مستحقا ~~وإذا كان كذلك استحق العقوبة وهي الحبس والوجه الآخر من الدلالة عليه قوله ~~تعالى في نسق التلاوة لا تظلمون ولا تظلمون يعني والله أعلم لا تظلمون بأخذ ~~الزيادة ولا تظلمون بالنقصان من رأس المال فدل ذلك على أنه متى امتنع من ~~أداء جميع رأس المال إليه كان ظالما له مستحقا للعقوبة واتفق الجميع على ~~أنه لا يستحق العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبسا لاتفاق الجميع على أن ما ~~عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل ما دلت عليه الآية وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي قال حدثنا عبدالله بن المبارك عن وبر بن ~~أبي دليلة عن محمد بن ميمون عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى ms0765 ~~الله عليه وسلم قال لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قال ابن المبارك يحل عرضه ~~يغلظ له وعقوبته يحبس وروى ابن عمر وجابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل فجعل مطل ~~الغني ظلما والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس لاتفاقهم على أنه لم ~~يرد غيره وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن أسد قال ~~أخبرنا النضر بن شميل قال أخبرنا هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه ~~عن جده قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال ~~يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وهذا يدل على أن له حبس الغريم لأن ~~الأسير يحبس فلما سماه أسيرا له دل على أن له حبسه وكذلك قوله لي الواجد ~~يحل عرضه وعقوبته والمراد بالعقوبة هنا الحبس لأن أحدا لا يوجب غيره واختلف ~~الفقهاء في الحال التي توجب الحبس فقال أصحابنا إذا ثبت عليه شيء من الديون ~~من أي وجه ثبت فإنه يحبس شهرين أو ثلاثة ثم يسئل عنه فإن كان موسرا تركه في ~~الحبس أبدا حتى يقضيه وإن كان معسرا أخلى سبيله وذكر ابن رستم عن محمد عن ~~أبي حنيفة أن المطلوب إذا قال إني معسر وأقام البينة على ذلك أو قال فسل ~~عني فلا يسأل عنه أحدا وحبسه شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه إلا أن يكون ~~معروفا بالعسر فلا يحبسه وذكر الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران قال كان ~~متأخروا أصحابنا منهم محمد بن شجاع يقولون إن كل دين كان أصله من مال وقع ~~في يدي المدين كأثمان البياعات والعروض ونحوها فإنه PageV02P196 يحبسه به ~~وما لم يكن أصله من مال وقع في يده مثل المهر والجعل من الخلع والصلح من دم ~~العمد والكفالة لم يحبسه به حتى يثبت وجوده وملاؤه وقال ابن أبي ليلى بحبسه ~~في الديون إذا أخبر أن عنده مالا ms0766 وقال مالك لا يحبس الحر ولا العبد في ~~الدين ولا يستبرأ أمره فإن اتهم أنه قد خبأ مالا حبسه وإن لم يجد له شيئا ~~لم يحبسه وخلاه وقال الحسن بن حي إذا كان موسرا حبس وإن كان معسرا لم يحبس ~~وقال الشافعي إذا ثبت عليه دين بيع ما ظهر ودفع ولم يحبس فإن لم يظهر حبس ~~وبيع ما قدر عليه من ماله فإن ذكر عسره وقبلت منه البينة بقوله تعالى وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأحلفه مع ذلك بالله ومنع غرماءه من لزومه قال ~~أبو بكر إنما قال أصحابنا إنه يحبسه في أول ما ثبت عند القاضي دينه لما ~~دللنا عليه من الآية والأثر على كونه ظالما في الامتناع من قضاء ما ثبت ~~عليه وإنه مستحق للعقوبة متى امتنع من أداء ما وجب عليه فالواجب بقاء ~~العقوبة عليه حتى يثبت زوالها عنه بالإعسار فإن قيل إنما يكون ظالما إذا ~~امتنع من أدائه مع الإمكان لأن الله تعالى لا يذمه على ما لم يقدره عليه ~~ولم يمكنه منه ولذلك شرط النبي صلى الله عليه وسلم الوجود في استحقاق ~~العقوبة بقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته وإذا كان شرط استحقاق العقوبة ~~وجود المال الذي يمكنه أداؤه منه فغير جائز حبسه وعقوبته إلا بعد أن يثبت ~~أنه واجد ممتنع من أداء ما وجب عليه وليس ثبوت الدين عليه علما لإمكان ~~أدائه على الدوام إذ جائز أن يحدث الإعسار بعد ثبوت الدين قيل له أما لديون ~~التي حصلت إبدالها في يده فقد علمنا يساره بأدائها يقينا ولم نعلم إعساره ~~بها فوجب كونه باقيا على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار وأما ما كان ~~لزمه منها من غير بدل حصل في يده يمكنه أداؤه منه فإن دخوله في العقد الذي ~~ألزمه ذلك اعتراف منه بلزوم أدائه وتوجه المطالبة عليه بقضائه ودعواه ~~الإعسار به بمنزلة دعوى التأجيل للموسر فهو غير مصدق عليه ولذلك سوى ~~أصحابنا بين الديون التي قد علم حصول إبدالها في يده ms0767 وبين مالم تحصل في يده ~~إذ كان دخوله في العقد الموجب عليه ذلك الدين اعترافا منه بلزوم الأداء ~~وثبوت حق المطالبة للمطالب وذلك لأن كل متعاقدين دخلا في عقد فدخولهما فيه ~~اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير مصدق بعد العقد واحد منهما ~~على نفي موجبه ومن أجل ذلك قلنا إن ذلك يقتضي اعترافا منهما بصحته إذ كان ~~ذلك PageV02P197 مضمنا للزوم حقوقه وفي تصديقه على فساده نفي ما لزمه بظاهر ~~العقد ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن مدعي الفساد منهما بعد وقوع ~~العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدق عليه وإن القول قول مدعي الصحة ~~منهما وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من أن من ألزم نفسه دينا بعقد عقده ~~على نفسه أنه يلزمه أداؤه محكوم عليه بأنه موسر به وغير مصدق على الإعسار ~~المسقط عنه المطالبة كما لا يصدق على التأجيل بعد ثبوته عليه حالا وإنما ~~قال أصحابنا أنه يحبسه في أول ما يرفعه إلى القاضي إذا طلب ذلك الطالب ولا ~~يسئل عنه من قبل أنه توجهت عليه المطالبة بأدائه ومحكوم له باليسار في ~~قضائه فالواجب أن يستبرئ أمره بديا إذ جائز أن يكون له مال قد خبأه لا يقف ~~عليه غيره فلا يوقف بذلك على إعساره فينبغي له أن يحبسه استظهارا لما عسى ~~أن يكون عنده إذ كان في الأغلب أنه إن كان عنده شيء آخر أضجره الحبس وألجأه ~~إلى إخراجه فإذا حبسه هذه المدة فقد استظهر في الغالب فحينئذ يسئل عنه لأنه ~~جائز أن يكون هناك من يعلم يساره سرا فإذا ثبت عنده إعساره خلاه من الحبس ~~وقد روي عن شريح أنه كان يحبس المعسر في غير الربا من الديون فقال له معسر ~~قد حبسه قال الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فقال شريح إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والله لا يأمرنا بشيء ثم يعذبنا عليه ~~وقد قدمنا ذكر مذهب شريح في تأويل الآية وإن قوله تعالى ms0768 وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة مقصور على الربا دون غيره وإن غيره من الديون لا يختلف في ~~الحبس فيها الموسر والمعسر ويشتبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أنه لا سبيل لنا ~~إلى معرفة الإعسار على الحقيقة إذ جائز أن يظهر الإعسار وحقيقة أمره اليسار ~~فاقتصر بحكم الإنظار على رأس مال الربا الذي نزل به القرآن وحمل ما عداه ~~على موجب عقد المداينة من لزوم القضاء وتوجه المطالبة عليه بالأداء وقد ~~بينا وجه فساد هذا القول بما قد دللنا عليه من مقتضى عموم اللفظ لسائر ~~الديون ومع ذلك فلو كان نص التنزيل واردا في الربا دون غيره لكان سائر ~~الديون بمنزلته قياسا عليه إذ لا فرق في حال اليسار بينهما في صحة لزوم ~~المطالبة بهما ووجوب أدائهما فوجب أن لا يختلفا في حال الأداء في سقوط ~~الحبس فيها دونه فأما قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها واحتجاج شريح به في حبس المطلوب فإن الآية إنما هي في ا لأعيان ~~الموجودة في يده لغيره فعليه أداؤه وأما الديون PageV02P198 المضمونة في ~~ذمته فإنما المطالبة بها معلقة بإمكان أدائها فمن كان معسرا فإن الله لم ~~يكلفه إلا ما في إمكانه قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا فإذا لم يكن مكلفا لأدائها لم يجز أن يحبس بها فإن ~~قيل إن الدين من الأمانات لقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وإنما يريد به الدين المذكور في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قيل له إن كان الدين مرادا بقوله تعالى ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن الأمر بذلك توجه إليه على ~~شريطة الإمكان لما وصفنا من أن الله تعالى لا يكلف أحدا مالا يقدر عليه ولا ~~يتسع لفعله وهو محكوم له من ظاهر إعساره أنه غير قادر على أدائه ولم يكن ~~شريح ولا أحد من السلف ms0769 يخفى عليهم إن الله لا يكلف أحدا مالا يقدر عليه بل ~~كانوا عالمين بذلك ولكنه ذهب عندي والله أعلم إلى أنه لم يتيقن وجود ذلك ~~ويجوز أن يكون قادرا على أدائه مع ظهور إعساره فلذلك حبسه # واختلفوا أهل العلم في الحاكم إذا ثبت عنده إعساره وأطلقه من الحبس هل ~~يحول بين الطالب وبين لزومه فقال أصحابنا للطالب أن يلزمه وذكر ابن رستم عن ~~محمد قال والملزوم في الدين لا يمنع من دخول منزله للغذاء والغائط والبول ~~فإن أعطاه الذي يلزمه الغذاء وموضع الخلاء فله أن يمنعه من إتيان منزله ~~وقال غيرهم منهم مالك والشافعي ليس له أن يلزمه وقال الليث بن سعد يؤاجر ~~الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته ولا نعلم أحدا قال بمثل قوله إلا الزهري ~~فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال يؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى ~~يقضي عنه والذي يدل على أن ظهور الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة ~~والاقتضاء حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اشترى من أعرابي بعيرا إلى أجل فلما حل الأجل جاءه يتقاضاه فقال جئتنا ~~وما عندنا شيء ولكن أقم حتى تأتي الصدقة فجعل الأعرابي يقول واغدراه فهم به ~~عمر فقال صلى الله عليه وسلم دعه فإن لصاحب الحق مقالا فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه ليس عنده شيء ولم يمنعه الاقتضاء وقال إن لصاحب الحق ~~مقالا فدل ذلك على أن الإعسار بالدين غير مانع اقتضاءه ولزومه به وقوله أقم ~~حتى تأتي الصدقة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اشترى البعير ~~للصدقة لا لنفسه لأنه لو كان اشتراه لنفسه لم يكن ليقضيه من إبل الصدقة ~~لأنه لم يكن تحل له الصدقة فهذا يدل على أن PageV02P199 من اشترى لغيره ~~يلزمه ثمن ما اشترى وإن حقوق العقد متعلقة به دون المشتري له لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يمنعه اقتضاءه ومطالبته به وهو في معنى الحديث الذي رواه ms0770 ~~أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ثم قضاه من إبل الصدقة ~~لأن السلف كان دينا على مال الصدقة وروي في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لصاحب الحق اليد واللسان رواه محمد بن الحسن وقال في اليد ~~اللزوم وفي اللسان الاقتضاء وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا محمد ~~بن إسحاق قال حدثنا امحمد بن يحيى قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا ~~عبدالعزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا لزم ~~غريما له بعشرة دنانير فقال له والله ما عندي شيء أقضيكه اليوم قال والله ~~لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل يتحمل عنك قال والله ما عندي قضاء ~~ولا أجد من يحتمل عني قال فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله إن هذا لزمني فاستنظرته شهرا واحدا فأبى حتى أقضيه وآتيه بحميل ~~فقلت والله ما أجد حميلا ولا عندي قضاء اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل تنظره شهرا واحدا قال لا قال أنا أحمل بها فتحمل بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذهب الرجل فأتاه بقدر ما وعده فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أين أصبت هذا الذهب قال من معدن قال اذهب فلا حاجة لنا فيها ~~ليس فيها خير فقضى عنه رسول الله وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يمنعه من لزومه مع حلفه بالله ما عنده قضاء وحدثنا من لا أتهم ~~في الرواية قال حدثنا عبدالله بن علي بن الجارود قال حدثنا إبراهيم بن أبي ~~بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن أبي عبيدة قال حدثنا أبي عن الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي سعيد الخدري قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتقاضاه تمرا كان عليه وشدد عليه الأعرابي حتى قال له أحرج عليك إلا قضيتني ~~فانتهره الصحابة فقالوا له ms0771 ويحك أتدري من تكلم فقال لهم إني طالب حق فقال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم هلا مع صاحب الحق كنتم ثم أرسل إلى خولة بنت ~~قيس فقال لها إن كان عندك تمر فاقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك فقالت نعم ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه فقال أوفيتنا ~~أوفى الله لك فقال أولئك خيار الناس أنها لا قدست أمة لا يؤخذ للضعيف منها ~~حقه غير متعتع فلم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يقضيه ولم ينكر على ~~الأعرابي مطالبته واقتضاءه بذلك بل أنكر على الصحابة انتهارهم إياه وقال ~~هلا مع صاحب الحق كنتم وهذا يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون أن ~~ينظره الطالب ويدل عليه PageV02P200 أيضا ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ~~حدثنا أحمد بن العباس المؤدب قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عبدالوارث ~~عن محمد بن جحادة عن ابن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول من أنظر معسرا فله صدقة ومن أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة فقلت يا ~~رسول الله سمعتك تقول من أنظر معسرا فله صدقة ثم سمعتك تقول له بكل يوم ~~صدقة قال من أنظر معسرا قبل أن يحل الدين فله صدقة ومن أنظره إذا حل الدين ~~فله بكل يوم صدقة وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن علي بن عبدالملك بن ~~السراج قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله الهروي قال حدثنا عيسى بن يونس قال ~~حدثنا سعيد بن حجنة الأسدي قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ~~أنه سمع أبا اليسر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنظر معسرا أو ~~وضع له أظله الله يوم لا ظل إلا ظله فقوله في الحديث الأول من أنظر معسرا ~~فله بكل يوم صدقة يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دن إنظار الطالب إياه ~~لأنه لو كان منظرا بغير إنظاره لما صح القول بأن من أنظر معسرا فله بكل يوم ms0772 ~~صدقة إذ غير جائز أن يستحق الثواب إلا على فعله فأما من قد صار منظرا بغير ~~فعله فإنه يستحيل أن يستحق الثواب بالإنظار وحديث أبي اليسر يدل على ذلك ~~أيضا من وجهين أحدهما ما أخبر عنه من استحقاق الثواب بإنظاره والثاني أنه ~~جعل الإنظار بمنزلة الحط ومعلوم أن الحط لا يقع إلا بفعله فكذلك الإنظار ~~وهذا كله يدل على أن قوله تعالى فنظرة إلى ميسرة ينصرف على أحد وجهين إما ~~أن يكون وقوع الإنظار هو تخليته من الحبس وترك عقوبته إذ كان غير مستحق لها ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل مطل الغني ظلما فإذا ثبت إعساره فهو ~~غير ظالم بترك القضاء فأمر الله بإنظاره من الحبس فلا يوجب ذلك ترك لزومه ~~أو أن يكون المراد الندب والإرشاد إلى إنظاره بترك لزومه ومطالبته فلا يكون ~~منظرا إلا بنظرة الطالب بدلالة الأخبار التي أوردناها فإن قال قائل اللوزم ~~بمنزلة الحبس لا فرق بينهما لأنه في الحالين ممنوع من التصرف قيل له ليس ~~كذلك لأن اللزوم لا يمنعه التصرف فإنما معناه أن يكون معه من قبل الطالب من ~~يراعي أمره في كسبه وما يستفيده فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من ~~دينه وليس في ذلك إيجاب حبس ولا عقوبة وروى مروان بن معاوية قال حدثنا أبو ~~مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يقول لعبد PageV02P201 من عباده ما عملت قال ما عملت لك كثير ~~عمل أرجوك به من صلاة ولا صوم غير أنك كنت أعطيتني فضلا من مال فكنت أخالط ~~الناس فأيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله عز وجل نحن أحق بذلك منك ~~تجاوزوا عن عبدي فغفر له فقال ابن مسعود هكذا سمعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا الحديث أيضا يدل على مثل ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من ~~أن الإنظار لا يقع بنفس الإعسار لأنه جمع بين إنظار المعسر والتيسير على ~~الموسر وذلك كله ms0773 مندوب إليه غير واجب واحتج من حال بينه وبين لزومه إذا ~~أعسر وجعله منظرا بنفس الإعسار بما رواه الليث بن سعد عن بكير عن عياض بن ~~عبدالله عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق ~~الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ~~ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك فاحتج القائل بما وصفنا بقوله صلى الله عليه وسلم ~~ليس لكم إلا ذلك وإن ذلك يقتضي نفي اللزوم فيقال له معلوم أنه لم يرد سقوط ~~ديونهم لأنه لا خلاف أنه متى وجد كان الغرماء أحق بما فضل عن قوته وإذا لم ~~ينف بذلك بقاء حقوقهم في ذمته فكذلك لا يمنع بقاء لزومهم له ليستوفوا ~~ديونهم مما يكسبه فاضلا عن قوته وهذا هو معنى اللزوم لأنا لا نختلف في ثبوت ~~حقوقهم فيما يكسبه في المستقبل فقد اقتضى ذلك ثبوت حق اللزوم لهم ولم ينتف ~~ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ليس لكم إلا ذلك كما لم ينتف بقاء حقوقهم ~~فيما يستفيده وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرنا من ~~إنظار المعسر وما ذكر من ترغيب الطالب في إنظاره يدل على جواز التأجيل في ~~الديون الحالة الواجبة عن الغصوب والبيوع وزعم الشافعي أنه إذا كان حالا في ~~الأصل لا يصح التأجيل به وذلك خلاف الآثار التي قدمنا لأنها قد اقتضت جواز ~~تأجليه وبين ذلك حديث ابن بريدة فيمن أجل قبل أن يحل أو بعد ما حل وقد تقدم ~~سنده وجدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن الشعبي عن سمعان عن سمرة بن جندب قال ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ههنا أحد من بني فلان فلم يجبه ~~أحد ثم قال ههنا أحد من بني فلان فلم ms0774 يجبه أحد ثم قال ههنا أحد من بني فلان ~~فقام رجل فقال أنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك ~~أن تجيبني في المرتين الأوليين إني لم أنوه بكم إلا خيرا إن صاحبكم مأسور ~~بدينه فلقد رأيته أدى عنه حتى PageV02P202 ما أحد يطالبه بشيء وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثني سليمان بن داود المهري النهدي قال ~~حدثنا وهب قال حدثني سعيد بن أبي أيوب أنه سمع أبا عبدالله القرشي يقول ~~سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول عن أبيه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد بعد الكبائر التي ~~نهاه الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء وفي هذين الحديثين ~~دليل على أن المطالبة واللزوم لا يسقطان عن المعسر كما لم تسقط عنه ~~المطالبة بالموت وإن لم يدع له وفاء فإن قيل لا يخلوا هذا الرجل المدين إذا ~~مات مفلسا من أن يكون مفرطا في قضاء دينه أو غير مفرط فإن كان مفرطا فإنما ~~هو مطالب عند الله بتفريطه كسائر الذنوب التي لم يتب منها وإن كان غير مفرط ~~فالله تعالى لا يؤاخذه به لأن الله لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه قيل له إنما ~~ذلك فيمن فرط في قضاء دينه ثم لم يتب من تفريطه حتى مات مفلسا فيكون مؤاخذا ~~به وهذا حكم المعسر بدين الآدمي لأنا لا نعلم توبته من تفريطه فواجب أن ~~يكون مطالبا فيه في الدنيا كما كان مؤاخذا به عند الله تعالى فإن قيل ~~فينبغي أن تفرقوا بين المفرط في قضاء دينه المصر على تفريطه وبين من لم ~~يفرط أصلا أو فرط ثم تاب من تفريطه فتوجبون له لزوم من فرط ولم يتب ولا ~~تجعلون له ذلك فيمن لم يفرط أو فرط ثم تاب قيل له لو وقفنا على حقيقة توبته ~~من تفريطه أو علمنا أنه لم يكن مفرطا في قضائه لخالفنا ms0775 بين حكمه وحكم من ~~ظهر تفريطه في باب اللوزم كما اختلف حكمهما عند الله تعالى ولكنا لا نعلم ~~أنه غير مفرط في الحقيقة لجواز أن يكون له مال مخبوء وقد أظهر الإعسار ~~وكذلك المظهر لتوبته من تفريطه مع ظهور عسرته جائز أن يكون موسرا بأداء ~~دينه ولا تكون لما أظهره حقيقة وإذا كان كذلك فحكم اللزوم والمطالبة قائم ~~عليه كما تثبت عليه المطالبة لله تعالى بعد موته وحديث أبي قتادة أيضا يدل ~~على ذلك وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن ~~المتوكل العسقلاني قال حدثنا عبدالرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري عن أبي ~~سلمة عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات ~~وعليه دين فأتي بميت فقال أعليه دين فقالوا نعم ديناران فقال صلوا على ~~صاحبكم فقال أبو قتادة الأنصاري هما علي يا رسول الله قال فصلى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا ~~فلورثته فلو لم تكن PageV02P203 المطالبة قائمة عليه إذا مات مفلسا كان لا ~~يترك الصلاة عليه إذا مات مفلسا لأنه كان يكون بمنزلة من لا دين عليه وفي ~~هذا دليل على أن الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة وقد روى إسماعيل بن ~~المهاجر عن عبدالملك بن عمير قال كان علي بن أبي طالب إذا أتاه رجل بغريمه ~~قال هات بينة على مال أحبسه فإن قال فإني إذا ألزمه قال وما منعك من لزومه ~~وأما قول الزهري والليث بن سعد في إجازتهما الحد واستيفاء الدين من أجرته ~~فخلاف الآية والآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآية ~~فقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولم يقل فليؤاجر بما عليه ~~وسائر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في شيء منها إجارته ~~وإنما ms0776 فيها أو تركه وحديث أبي سعيد الخدري ليس لكم إلا ذلك حين لم يجدوا له ~~غير ما أخذوا # قوله عز وجل وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون يعني والله أعلم أن ~~التصدق بالدين الذي على المعسر خير من إنظاهر به وهذا يدل على أن الصدقة ~~أفضل من القرض لأن القرض إنما هو دفع المال وتأخير استرجاعه وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قرض مرتين كصدقة مرة وروى علقمة عن ~~عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السلف يجري مجرى شطر الصدقة وروي ~~عن عبدالله بن مسعود من قوله وعن ابن عباس مثله وعن إبراهيم وقتادة في قوله ~~وأن تصدقوا خير لكم قالا برأس المال ولما سمى الله الإبراء من الدين صدقة ~~اقتضى ظاهره جوازه عن الزكاة لأنه سمى الزكاة صدقة وهي على ذي عسرة فلو ~~خلينا والظاهر كان واجبا جوازه عن سائر أمواله التي فيها الزكاة من عين ~~ودين وغيره إلا أن أصحابنا قالوا إنما سقط زكاة المبرأ منه دون غيره لأن ~~الدين إنما هو حق ليس بعين والحقوق لا تجري مجرى الزكاة مثل سكنى الدار ~~وخدمة العبد ونحوها وتسميته إياه بالصدقة لا توجب جوازه عن الزكاة في سائر ~~الأحوال ألا ترى أن الله تعال قد سمى البراءة من القصاص صدقة في قوله تعالى ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله فمن تصدق به فهو كفارة له ~~والمراد به العفو عن القصاص ولا نعلم خلافا بين أهل العلم أن العفو عن ~~القصاص غير مجزئ في الكفارة وقال تعالى حاكيا عن أخوة يوسف وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وهم لم يسألوه أن يتصدق عليهم بماله ~~وإنما سألوه أن يبيعهم ولا يمنعهم الكيل لأنهم كانوا منعوا بديا ألا ترى ~~أنهم PageV02P204 قالوا فأوف لنا الكيل وهو ما اشتروه ببضاعتهم فإذا كان ~~وقوع اسم الصدقة عليه لم يوجب جوازه عن الزكاة لم يكن إطلاق اسم الصدقة على ~~الدين علة لجوازه عن الزكاة والله تعالى ms0777 أعلم # | باب عقود المداينات # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه قال أبو بكر ذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد ~~كانا واجبين بقوله تعالى فاكتبوه إلى قوله فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ثم ~~نسخ الوجوب بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته روي ~~ذلك عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن وقال آخرون هي محكمة لم ينسخ منها ~~شيء وروى عاصم الأحول وداود بن أبي هند عن عكرمة قال قال ابن عباس لا والله ~~إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ وقد روى شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي ~~بردة عن أبي موسى قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم رجل كانت له امرأة ~~سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم ورجل له على رجل دين ولم يشهد عليه به قال أبو بكر وقد روي ~~هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وروى جويبر عن الضحاك إن ~~ذهب حقه لم يؤجر وإن دعا عليه لم يجب لأنه ترك حق الله وأمره وقال سعيد بن ~~جبير وأشهدوا إذا تبايعتم يعني وأشهدوا على حقوقكم إذا كان فيها أجل أو لم ~~يكن فيها أجل فأشهد على حقك على كل حال وقال ابن جريج سئل عطاء أيشهد الرجل ~~على أن بايع بنصف درهم قال نعم هو تأويل قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ~~وروى مغيرة عن إبراهيم قال يشهد لو على دستجة بقل وقد روي عن الحسن والشعبي ~~إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد لقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وروى ليث عن ~~مجاهد أن ابن عمر كان إذا باع أشهد ولم يكتب وهذا يدل على أنه رآه ندبا ~~لأنه لو كان واجبا لكانت الكتابة مع الإشهاد لأنهما مأمور بهما في الآية ~~قال أبو بكر لا يخلو قوله تعالى فاكتبوه إلى قوله تعالى واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم وقوله تعالى وأشهدوا ms0778 إذا تبايعتم من أن يكون موجبا للكتابة ~~والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى ~~أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~PageV02P205 وأن يكون نزول الجميع معا فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون ~~المراد بالكتابة والإشهاد الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء ~~واحد إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول ~~هذين الحكمين من قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقوله تعالى فإن أمن بعضكم ~~بعضا وجب الحكم بورودهما معا فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا ~~بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته فثبت بذلك أن ~~الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب وما روي عن ابن عباس من أن آية الدين ~~محكمة لم ينسخ منه شيء لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبا لأنه جائز ~~أن يريد أن الجميع ورد معا فكان في نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ~~ندبا وهو قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وما روي عن ابن عمر إنه كان يشهد ~~وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل كله عندنا أنهم رأوه ندبا لا إيجابا ~~وما روي عن أبي موسى ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم أحدهم من له على رجل ~~دين ولم يشهد فلا دلالة على أنه رآه واجبا ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة ~~سيئة الخلق فلم يطلقها ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق ~~أن يطلقها وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ~~ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن ~~الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ~~مالنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا وإن شيئا منه غير واجب وقد ~~نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من ~~غير إشهاد مع ms0779 علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم ولو كان الإشهاد ~~واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ~~ندبا وذلك منقول من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لو كانت ~~الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواترا ~~مستفيضا ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل ~~المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب ~~والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين وقوله تعالى فاكتبوه مخاطبة لمن ~~جرى ذكره في أول الآية وهو يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فإنما أمر ~~بذلك للمتداينين فإن قيل ما وجه قوله تعالى بدين والتداين لا يكون إلا بدين ~~قيل له PageV02P206 لأن قوله تعالى تداينتم لفظ مشترك يحتمل أن يكون من ~~الدين الذي هو الجزاء كقوله تعالى مالك يوم الدين يعني يوم الجزاء فيكون ~~بمعنى تجازيتم فأزال الإشتراك عن اللفظ بقوله تعالى بدين وقصره على ~~المعاملة بالدين وجائز أن يكون على جهة التأكيد وتمكين المعنى في النفس ~~وقوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ينتظم سائر عقود المداينات التي ~~يصح فيها الآجال ولا دلالة فيه على جواز التأجيل في سائر الديون لأن الآية ~~ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا ~~كان دينا مؤجلا ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين ~~وامتناعه ألا ترى أنها لم تقتض جواز دخول الأجل على الدين بالدين حتى يكونا ~~جميعا مؤجلين وهو بمنزلة قوله من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم لا دلالة فيه على جواز السلم في سائر المكيلات والموزونات ~~بالآجال المعلومة وإنما ينبغي أن يثبت جوازه في المكيل والموزون المعلوم ~~الجنس والنوع والصفة بدلالة أخرى وإذا ثبت أنه مما يجوز السلم فيه احتجنا ~~بعد ذلك إلى أن نسلم فيه إلى أجل معلوم وكما تدل الآية على جواز عقود ~~المداينات ولم يصح الاستدلال بعمومهما ms0780 في إجازة سائر عقود المداينات لأن ~~الآية إنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صحت المداينة كذلك لا تدل على جواز شرط ~~الأجل في سائر الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صح الدين والتأجيل فيه ~~وقد احتج بعضهم في جواز التأجيل في القرض بهذه الآية إذ لا تفرق بين القرض ~~وسائر عقود المداينات وقد علمنا أن القرض مما شمله الاسم وليس ذلك عندنا ~~كما ذكر لأنه لا دلالة فيها على جواز كل دين ولا على جواز التأجيل في ~~جميعها وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين قد ثبت فيه التأجيل لاستحالة أن ~~يكون المراد به الإشهاد على مالم يثبت من الديون ولا من الآجال فوجب أن ~~يكون مراده إذا تداينتم بدين قد ثبت فيه التأجيل فاكتبوه فالمستدل به على ~~جواز تأجيل القرض مغفل في استدلاله ومما يدل على أن القرض لم يدخل فيه أن ~~قوله تعالى إذا تداينتم بدين قد اقتضى عقد المداينة وليس القرض بعقد مداينة ~~إذ لا يصير دينا بالعقد دون القبض فوجب أن يكون القرض خارجا منه قال أبو ~~بكر وقوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى قد اشتمل على كل دين ثابت ~~مؤجل سواء كان بدله عينا أو دينا فمن اشترى دارا أو عبدا بألف درهم إلى أجل ~~كان PageV02P207 مأمورا بالكتاب والإشهاد بمقتضى الآية وقد دلت الآية على ~~أنها مقصورة في دين مؤجل في أحد البدلين لا فيهما جميعا لأنه تعالى قال إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى ولم يقل بدينين فإنما أثبت الأجل في أحد البدلين ~~فغير جائز وجود الأجل في البدلين جميعا وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الدين بالدين وأما إذا كانا دينين بالعقد فهذا جائز في السلم وفي الصرف ~~إلا أن ذلك مقصور على المجلس ولا يمتنع أن يكون السلم مرادا بالآية لأن ~~التأجيل في أحد البدلين وهو السلم وقد أمر الله تعالى بالإشهاد على عقد ~~مداينة موجب لدين مؤجل وقد روى قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس قال أشهد أن ms0781 ~~السلم المؤجل في كتاب الله وأنزل فيه أطول آية في كتاب الله يا أيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فأخبر ابن عباس أن السلم ~~المؤجل مما انطوى تحت عموم الآية وعلى هذا كل دين ثابت مؤجل فهو مراد ~~بالآية سواء كان من إبدال المنافع أو الأعيان نحو الأجرة المؤجلة في عقود ~~الإجارات والمهر إذا كان مؤجلا وكذلك الخلع والصلح من دم العمد والكتابة ~~المؤجلة لأن هذه ديون مؤجلة ثابتة بعقد مداينة وقد بينا أن الآية إنما ~~اقتضت هذا الحكم في أحد البدلين إذا كان مؤجلا لا فيهما لأنه قال إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل فكل عقد انتظمه الآية فهو العقد الذي ثبت به دين مؤجل ~~ولم تفرق بين أن يكون ذلك الدين بدلا من منافع أو أعيان فوجب أن يكون جميع ~~المندوب إليه من الكتاب والإشهاد مرادا بها هذه العقود كلها وأن ما يكون ما ~~ذكر من عدد الشهود وأوصاف الشهادة معتبرا في سائرها إذ ليس في اللفظ تخصيص ~~شيء منه دون غيره فيوجب ذلك جواز شهادة الرجل والمرأتين في النكاح إذا كان ~~المهر دينا مؤجلا وفي الخلع والإجارة والصلح من دم العمد وسائر ما كان هذا ~~وصفه وغير جائز الاقتصار بهذه الأحكام على بعض الديون المؤجلة دون بعض مع ~~شمول الآية لجميعها وقوله تعالى إلى أجل مسمى يعني معلوما وقد روي ذلك عن ~~جماعة من السلف وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ~~ووزن معلوم إلى أجل معلوم وقوله تعالى وليكتب بينكم كاتب بالعدل فيه أمر ~~لمن تولى كتابة الوثائق بين الناس أن يكتبها بالعدل بينهم والكتاب وإن لم ~~يكن حتما فإن سبيله إذا كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط والتوثق من ~~الأمور التي من أجلها يكتب الكتاب بأن يكون شرطا صحيحا جائزا على ما توجبه ~~الشريعة PageV02P208 وتقضينه وعليه التحرز من العبارات المحتملة للمعاني ~~وتجنب الألفاظ المشتركة وتحري تحقيق المعاني بألفاظ مبينة خارجة عن حد ~~الشركة والاحتمال والتحرز من ms0782 خلاف الفقهاء ما أمكن حتى يحصل للمداينين معنى ~~الوثيقة والاحتياط المأمور بهما في الآية ولذلك قال تعالى عقيب الأمر ~~بالكتاب ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله يعني والله أعلم ما بينه من ~~أحكام العقود الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة لكي يحصل لكل وحد من ~~المتداينين ما قصد من تصحيح عقد المداينة ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلا ~~بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه ويبطل ما تعاقداه والكتاب ~~وإن لم يكن حتما وكان ندبا وإرشادا إلى الأحوط فإنه متى كتب فواجب أن يكون ~~على هذه الشريطة كما قال عز وجل إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل غير واجب عليه ولكنه متى ~~قصد فعلها وهو محدث فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر ~~أركانها وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ~~ووزن معلوم إلى أجل معلوم والسلم ليس بواجب ولكنه متى أراد أن يسلم مفعليه ~~استيفاء الشرائط فكذلك كتاب الدين والإشهاد ليس بواجبين ولكنه متى كتب فعلى ~~الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به وأن يستوفي فيه شروط ~~صحته ليحصل المعنى المقصود بكتابته وقد اختلف السلف في لزوم الكاتب الكتابة ~~فروي عن الشعبي أنه قال هو واجب على الكفاية كالجهاد ونحوه وقال السدي واجب ~~على الكاتب في حال فراغه وقال عطاء ومجاهد هو واجب وقال الضحاك نسختها ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد قال أبو بكر قد بينا أن الكتاب غير واجب في الأصل على ~~المتداينين فكيف يكون واجبا على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا لعقد ولا ~~سبب له فيه وعسى أن يكون من رآه واجبا إلى أن الأصل واجب فكذلك على من يحسن ~~الكتابة أن يقوم بها لمن يجب ذلك عليه والأصل وإن لم يكن واجبا عندنا فإن ~~المتداينين متى قصدا إلى ما ندبهما إليه من الإستيثاق بالكتاب ولم يكونا ~~عالمين بذلك فإنه فرض على من ms0783 علم ذلك أن يبينه لهما وليس عليه أن يكتبه ~~ولكن يبينه حتى يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه كما لو ~~أراد إنسان أن يصوم صوما تطوعا أو يصلي صلاة تعرف أحكامهما كان على العالم ~~بذلك إذا سئل أن يبينه لسائله وإن لم تكن هذه الصلاة والصوم فرضا لأن على ~~العلماء بيان النوافل PageV02P209 والمندوب إليه إذا سألوا عنها كما أن ~~عليهم بيان الفروض وقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم بيان النوافل ~~والمندوب إليه كما أن عليه بيان الفروض قال الله تعالى يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وقال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم وفيما أنزل الله ~~على نبيه أحكام النوافل فكان عليه بيانها لأمته كبيان ا لفروض وقد نقلت ~~الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم بيان المندوب إليه كما نقلت عنه بيان ~~الفروض وإذا كان كذلك فعلى من علم علما من فرض أو نفل ثم سئل عنه أن يبينه ~~لسائله وقال الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار فعلى هذا الوجه يلزم من ~~عرف الوثائق والشروط بيانها لسائلها على حسب ما يلزمه بيان سائر علوم الدين ~~والشريعة وهذا فرض لازم للناس على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ~~فأما أن يلزمه أن يتولى الكتابة بيده فهذا ما لا أعلم أحدا يقوله اللهم إلا ~~أن لا يوجد من يكتبه فغير ممتنع أن يقول قائل عليه كتبه ولو كان كتب الكتاب ~~فرضا على الكاتب لما كان الإستيجار يجوز عليه لأن الإستيجار على فعل الفروض ~~باطل لا يصح فلما لم يختلف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على كتب كتاب ~~الوثيقة دل ذلك على أن كتبه ليس بفرض لا على الكفاية ولا على التعيين قوله ~~تعالى ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله نهي للكاتب ms0784 أن يكتب على خلاف ~~العدل الذي أمر الله به وهذا النهي على الوجوب إذا كان المراد به كتبه على ~~خلاف ما توجبه أحكام الشرع كما تقول لا تصل النفل على غير طهارة ولا غير ~~مستور العورة ليس ذلك أمرا بالصلاة النافلة ولا نهيا عن فعلها مطلقا وإنما ~~هو نهي عن فعلها على غير شرائطها المشروطة لها وكذلك قوله تعالى ولا يأب ~~كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب هو نهي عن كتبه على خلاف الجائز منه إذ ~~ليست الكتابة في الأصل واجبة عليه ألا ترى أن قول القائل لا تاب أن تصلي ~~النافة بطهارة وستر العورة ليس فيه إيجاب منه للنافلة فكذلك ما وصفنا وقوله ~~تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فيه إثبات ~~إقرار الذي عليه الحق وإجازة ما أقربه وإلزامه إياه لأنه لولا جواز إقراره ~~إذا أقر ولم يكن إملاء الذي عليه الحق بأولى من إملاء غيره من الناس فقد ~~تضمن ذلك جواز إقرار كل مقر بحق عليه وقوله عز وجل وليتق الله PageV02P210 ~~ربه ولا يبخس منه شيئا يدل على أن كل من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه ~~لأن البخس هو النقص فلما وعظه الله تعالى في ترك البخس دل ذلك على أنه إذا ~~بخس كان قوله مقبولا وهو نظير قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن لما وعظهن في الكتمان دل على أن المرجع فيه إلى قولهن وكقوله ~~تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قد دل ذلك أنهم متى ~~كتموها كان القول قولهم فيها وكذلك وعظه الذي عليه الحق في ترك البخس دليل ~~على أن المرجع إلى قوله فيما عليه وقد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمثل ما دل عليه الكتاب وهو قوله البينة على المدعي واليمين على ~~المدعى عليه فجعل القول من ادعى عليه دون المدعي وأوجب عليه اليمين وهو ~~معنى قوله تعالى ولا يبخس منه شيئا في إيجاب ms0785 الرجوع إلى قوله واحتج بعضهم ~~بهذه الآية على أن القول قول المطلوب في الأجل لأن الله رد الإملاء إليه ~~ووعظه في البخس وهو النقصان ويستحيل وعظ المطلوب في بخس الأجل ونقصانه وهو ~~لو أسقط الأجل كله بعد ثبوته لبطل كما لا يوعظ الطالب في نقصان ماله إذ لو ~~أبرأه من جميعه لصحت براءته فلما كان ذلك كذلك علمنا أن المراد بالبخس في ~~مقدار الديون لا في الأجل فليس إذا في الآية دليل على أن القول قول المطلوب ~~في الأجل فإن قيل إثبات الأجل في المال يوجب نقصانه فلما كان القول قول ~~المطلوب في نقصان المال ومقداره وجب أن يكون القول قوله في الأجل لما فيه ~~من بخس المال ونقصانه إذ قد تضمنت الآية تصديقه في بخسه والجنس تارة يكون ~~بنقصان المقدار وتارة بنقصان الصفة من أجل رداءة في المقربه قيل له لما قال ~~تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا اقتضى ذلك ~~النهي عن بخس الحق نفسه فكان تقديره ولا يخنس من الدين شيئا ومدعي الأجل ~~غير باخس من الدين ولا ناقص له إذ كان بخس الدين هو نقصان مقداره وليس ~~الأجل هو الدين ولا بعضه وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على تصديقه على ~~دعوى الأجل ويدلك على أن الأجل ليس من الدين إن الدين قد يحل ويبطل الأجل ~~ويكون هو ذلك الدين وقد يسقط الأجل ويعجل الدين فيكون الذي عجل هو الدين ~~الذي كان مؤجلا وإذا كان ذلك كذلك ثم قال تعالى ولا يبخس منه شيئا يعني من ~~الدين شيئا لم يتناول ذلك PageV02P211 الأجل ولم يدل عليه ومن جهة أخرى أن ~~الأجل إنما يوجب نقصا فيه من طريق الحكم لأن المقبوض بعد الأجل وقبله إذا ~~كان على صفة واحدة فقد علمت أنه لا تأثير له في نقصان المقبوض وإنما يقال ~~أنه نقص فيه من طريق الحكم على المجاز لا على الحقيقة وقد تناولت الآية ~~البخس الذي هو حقيقة وهو نقصان المقدار ونقصانه ms0786 في نفسه من ردائة أو غبن أو ~~غيرها نحو إقراره بالدرهم السود والحنطة الردية فإن ذلك كله بخس من جهة ~~الحقيقة لاختلاف صفات المقبوض عنه فلم يجز أن يتناول بعض الأجل الذي ليس ~~بحقيقة فيه بل هو مجاز لأن اللفظ متى أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز ~~فيه وفي هذه الآية دلالة على أن القول قول الطالب في الأجل لأنه ابتدأ ~~الخطاب بقوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم اقتضى ذلك الإشهاد على المتداينين جميعا إذا ~~كان المال مؤجلا فلو كان القول قول المطلوب في الأجل لما احتيج إلى الإشهاد ~~به على الطالب وفي وجوب الإشهاد على الطالب بالتأجيل دلالة على أن القول ~~قوله وأن المطلوب غير مصدق عليه إذ لو كان مصدقا فيه لما بقي للإشهاد على ~~الطالب موضع ولا معنى فإن قال قائل إنما حكم الإشهاد مقصور على المطلوب دون ~~الطالب قيل له هذا خلاف مقتضى الآية لأنه قال إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى ثم عطف عليه قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فخاطب المتداينين ~~جميعا وأمرهما بالاستشهاد فلو جاز لقائل أن يقول إن المطلوب مخصوص به لجاز ~~الآخر أن يقول هو مقصور على الطالب دون المطلوب فلما لم يصح ذلك وجب بظاهر ~~الآية أن يكون الإشهاد عليهما جميعا وأن يكونا مندوبين إليه وإذا ثبت ذلك ~~لم يكن للإشهاد على الطالب بالدين المؤجل حكم لأنه مقبول القول في نفيه دل ~~ذلك على أن المرجع إلى قوله في الأجل وإنما جعل الله الإملاء إلى المطلوب ~~إذا أحسن ذلك وإن كان لو أملى غيره وأقر المطلوب به جاز لأنه أثبت في ~~الإقرار وأذكر للشهود متى أرادوا أن يتذكروا الشهادة وكان الإملاء سببا ~~للاستذكار كما أمر باستشهاد امرأتين لتذكر إحداهما الأخرى والله تعالى أعلم # | باب الحجر على السفيه # قال الله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل هو PageV02P212 فليملل وليه بالعدل قد احتج كل فريق ms0787 من موجبي الحجر على ~~السفيه ومن مبطليه بهذه الآية فاحتج مثبتوا الحجر للسفيه بقوله تعالى فإن ~~كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه ~~بالعدل فأجاز لولي السفيه الإملاء عنه واحتج مبطلو الحجر بما في مضمون ~~الآية من جواز مداينة السفيه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا فأجاز مداينة السفيه وحكم بصحة إقراره في مداينته وإنما خالف بينه ~~وبين غيره في إملاء الكتاب لقصور فهمه عن استيفاء ماله وعليه مما يقتضيه ~~شرط الوثيقة وقالوا إن قوله تعالى فليملل وليه بالعدل إنما المراد به ولي ~~الدين وقد روي ذلك عن جماعة من السلف قالوا وغير جائز أن يكون المراد به ~~ولي السفيه على معنى الحجر عليه وإقراره بالدين عليه لأن إقرار ولي المحجور ~~عليه غير جائز عليه عند أحد فعلمنا أن المراد ولي الدين فأمر بإملاءالكتاب ~~حتى يقر به المطلوب الذي عليه الدين قال أبو بكر اختلف السلف في السفيه ~~المراد بالآية فقال قائلون منهم هو الصبي وروي ذلك عن الحسن في قوله تعالى ~~ولا تؤتوا السفهاء أموالكم قال الصبي والمرأة وقال مجاهد النساء وقال ~~الشعبي لا تعطى الجارية مالها وإن قرأت القرآن والتوراة وهذا محمول على ~~التي لا تقوم بحفظ المال لأنه لا خلاف أنها إذا كانت ضابطة لأمرها حافظة ~~لمالها دفع إليها إذا كانت بالغا قد دخل بها زوجها وقد روي عن عمر أنه قال ~~لا تجوز لامرأة مملكة عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولا أو تلد بطنا وروي عن ~~الحسن مثله وقال أبو الشعثاء لا تجوز لامرأة عطية حتى تلد أو يؤنس رشدها ~~وعن إبراهيم مثله وهذا كله محمول على أنه لم يؤنس رشدها لأنه لا خلاف أن ~~هذا ليس بحد في استحقاق دفع المال إليها لأنها لو أحالت حولا في بيت زوجها ~~وولدت بطونا وهي غير مؤنسة للرشد ولا ضابطة لأمرها ms0788 لم يدفع إليها مالها ~~فعلمنا أنهم إنما ارادوا ذلك فيمن لم يؤنس رشدها وقد ذكر الله تعالى السفه ~~في مواضع منها ما أراد به السفه في الدين وهو الجهل به في قوله تعالى ألا ~~إنهم هم السفهاء وقوله تعالى سيقول السفهاء من الناس فهذا هو السفه في ~~الدين وهو الجهل والخفة وقال تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فمن الناس من ~~تأوله على أموالهم كما قال تعالى ولا تقتلوا أنفسكم يعني لا يقتل بعضكم ~~بعضا وقال تعالى فاقتلوا أنفسكم والمعنى PageV02P213 ليقتل بعضكم بعضا وهذا ~~الذي ذكره هذا القائل عدول عن حقيقة اللفظ وظاهره بغير دلالة لأن قوله ~~تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم يشتمل على فريقين من الناس كل واحد منهما ~~مميز في اللفظ من الآخر وأحد الفريقين هم المخاطبون بقوله تعالى ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم والفريق الآخر السفهاء المذكورون معهم فلما قال تعالى ~~أموالكم وجب أن ينصرف ذلك إلى أموال المخاطبين دون السفهاء وغير جائز أن ~~يكون المراد السفهاء لأن السفهاء لم يتوجه الخطاب إليهم بشيء وإنما توجه ~~إلى العقلاء المخاطبين وليس ذلك كقوله تعالى فاقتلوا أنفسكم وقوله تعالى ~~ولا تقتلوا أنفسكم لأن القاتلين والمقتولين قد انتظمهم خطاب واحد لم يتميز ~~أحد الفريقين من الآخر في حكم المخاطبة فلذلك جاز أن يكون المراد فليقتل ~~بعضكم بعضا وقد قيل إن أصل السفه الخفة ومن ذلك قول الشاعر % مشين كما ~~اهتزت رماح تسفهت % أعاليها مر الرياح النواسم % يعني استخفتها الرياح وقال ~~آخر % نخاف أن تسفه أحلامنا % فنحمل الدهر مع الحامل % أي تخف أحلامنا ~~ويسمى الجاهل سفيها لأنه خفيف العقل ناقصه فمعنى الجهل شامل لجميع من أطلق ~~اسم السفيه والسفيه في أمر الدين هو الجاهل فيه والسفيه في المال هو الجاهل ~~لحفظه وتدبيره والنساء والصبيان أطلق عليهم اسم السفهاء لجهلهم ونقصان ~~تمييزهم والسفيه في رأيه الجاهل فيه والبذيء اللسان يسمى سفيها لأنه لا ~~يكاد يتفق إلا في جهال الناس ومن كان خفيف العقل منهم وإذا كان اسم السفيه ~~ينتظم هذه الوجوه رجعنا إلى مقتضى ms0789 لفظ الآية في قوله تعالى فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها فاحتمل أن يريد به الجهل بإملاء الشرط وإن كان عاقلا مميزا ~~غير مبذر ولا مفسد وأجاز لولي الحق أن يمليه حتى يقر به السفيه الذي عليه ~~الحق ويكون ذلك أولى بمعنى الآية لأن الذي عليه الحق هو المذكور في أول ~~الآية بالمداينة ولو كان محجورا عليه لما جازت مداينته ومن جهة أخرى أن ولي ~~المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين وإنما يجوز على قول من يرى الحجر ~~أن يتصرف عليه القاضي ببيع أو شرى فأما وليه فلا نعلم أحدا يجيز تصرف ~~أوليائه عليه ولا إقرارهم وفي ذلك دليل على أنه لم يرد ولي السفيه وإنما ~~أراد ولي الدين PageV02P214 وقد روي ذلك عن الربيع بن أنس وقاله الفراء ~~أيضا وأما قوله أو ضعيفا فقد قيل فيه الضعيف في عقله أو الصبي المأذون له ~~لأن ابتداء الآية قد اقتضى أن يكون الذي عليه الحق جائز المداينة والتصرف ~~فأجاز تصرف هؤلاء كلهم فلما بلغ إلى حال إملاء الكتاب والإشهاد ذكر من لا ~~يكمل لذلك إما لجهل بالشروط أو لضعف عقل لا يحسن معه الإملاء وإن لم يوجب ~~نقصان عقله حجرا عليه وإما لصغر أو لخوف وكبر سن لأن قوله تعالى أو ضعيفا ~~محتمل للأمرين جميعا وينتظمهما وذكر معهما من لا يستطيع أن يمل هو إما لمرض ~~أو كبر سن انفلت لسانه عن الإملاء أو لخرس ذلك كله محتمل وجائز أن تكون هذه ~~الوجوه مرادة لله تعالى لاحتمال اللفظ لها وليس في شيء منها دلالة على أن ~~السفيه يستحق الحجر وأيضا فلو كان بعض من يلحقه اسم السفيه يستحق الحجر لم ~~يصح الاستدلال بهذه الآية في إثبات الحجر وذلك لأنه قد ثبت أن السفيه لفظ ~~مشترك ينطوي تحته معان مختلفة منها ما ذكرنا من السفه في الدين وذلك لا ~~يستحق به الحجر لأن الكفار والمنافقين سفهاء وهم غير مستحقين للحجر في ~~أموالهم ومنها السفه الذي هو البذاء والتسرع إلى سوء اللفظ وقد ms0790 يكون السفيه ~~بهذا الضرب من السفه مصلحا لماله غير مفسده ولا مبذره وقال تعالى إلا من ~~سفه نفسه قال أبو عبيدة يريد أهلكها وأوبقها وروي عن عبدالله بن عمر حين ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أحب أن يكون رأسي دهينا وقميصي غسيلا ~~وشراك نعلي جديدا أفمن الكبر هو يا رسول الله قال لا إنما الكبر من سفه ~~الحق وغمص الناس وهذا يشبه أن يريد من جهل الحق لأن الجهل يسمى سفها والله ~~تعالى أعلم # | ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على ا لسفيه # كان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل لا لسفه ~~ولا لتبذير ولا لدين وإفلاس وإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ~~ماله ببيع أو هبة أو غيرهما جاز تصرفه وإن لم يؤنس منه رشد فكان فاسدا ~~ويحال بينه وبين ماله ومع ذلك إن أقر به لإنسان أو باعه جاز ما صنع من ذلك ~~وإنما يمنع من ماله مالم يبلغ خمسة وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله ~~وإن لم يؤنس منه رشد وقول عبيدالله بن الحسن في الحجر كقول أبي حنيفة وروى ~~شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال لا يحجر على حر وروى ابن PageV02P215 عون عن ~~محمد بن سيرين قال لا يحجر على حر إنما يحجر على العبد وعن الحسن البصري ~~مثل ذلك وقال أبو يوسف إذا كان سفيها حجرت عليه وإذا فلسته وحبسته حجرت ~~عليه ولم أجز بيعه ولا شراءه ولا إقراره بدين إلا ببينة تشهد به عليه أنه ~~كان قبل الحجر وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن محمد في ~~الحجر بمثل قول أبي يوسف فيه ويزيد عليه أنه إذا صار في الحال التي يستحق ~~معها الحجر صار محجورا عليه حجر القاضي عليه مع ذلك أو لم يحجر وكان أبو ~~يوسف يقول لا يكون محجورا عليه بحدوث هذه الأحوال فيه حتى يحجر القاضي عليه ~~فيكون بذلك محجورا عليه وقال محمد إذا ms0791 بلغ ولم يؤنس منه رشد لم يدفع إليه ~~ماله ولم يجز بيعه ولا هبته وكان بمنزلة من لم يبلغ فما باع أو اشترى نظر ~~الحاكم فيه فإن رأى إجازته أجازه وهو مالم يؤنس منه رشد بمنزلة الصبي الذي ~~لم يبلغ إلا أنه يجوز لوصي الأب أن يشتري ويبيع على الذي لم يبلغ ولا يجوز ~~أن يبيع ويشتري على الذي بلغ إلا بأمر الحاكم وذكر ابن عبدالحكم وابن ~~القاسم عن مالك قال ومن أراد الحجر على موليه فليحجر عليه عند السلطان حتى ~~يوقفه للناس ويسمع منه في مجلسه ويشهد على ذلك ويرد بعد ذلك ما بويع وما ~~أدان به السفيه فلا يلحقه ذلك إذا صلحت حاله وهو مخالف للعبد وإن مات ~~المولى عليه وقد أدان فلا يقضي عنه وهو في موته بمنزلته في حياته إلا أن ~~يوصي بذلك في ثلاثة فيكون ذلك له وإذا بلغ الولد فله أن يخرج عن أبيه وإن ~~كان أبوه شيخا ضعيفا إلا أن يكون الإبن مولى عليه أو سفيها أو ضعيفا في ~~عقله فلا يكون له ذلك وقال الفريابي عن الثوري في قوله تعالى وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~قال العقل والحفظ لماله وكان يقوله إذا اجتمع فيه خصلتان إذا بلغ الحلم ~~وكان حافظا لماله لا يخدع عنه وحكى المزني عن الشافعي في مختصره قال وإنما ~~أمر الله بدفع أموال اليتامى بأمرين لم يدفع إلا بهما وهما البلوغ والرشد ~~والرشد الصلاح في الدين بكون الشهادة جائزة مع إصلاح المال والمرأة إذا ~~أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج كالغلام نكح أو لم ينكح ~~لأن الله تعالى سوى بينهما ولم يذكر تزويجا وإذا حجر عليه الإمام في سفهه ~~وإفساده ماله أشهد على ذلك فمن بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله ومتى أطلق ~~عنه الحجر ثم عاد إلى حال الحجر حجر عليه ومتى رجع إلى حال الإطلاق ~~PageV02P216 أطلق عنه قال أبو بكر قد بينا ما احتج به ms0792 كل فريق من مبطلي ~~الحجر ومن مثبتيه من دلالة آية الدين وقد بينا أن الأظهر من دلالتها بطلان ~~الحجر وجواز التصرف واحتج مثبتوا الحجر بما روى هشام بن عروة عن أبيه أن ~~عبدالله بن جعفر أتى الزبير فقال إني ابتعت بيعا ثم أن عليا يريد أن يحجر ~~علي فقال الزبير فإني شريكك في البيع فأتى على عثمان فسأله أن يحجر على ~~عبدالله بن جعفر فقال الزبير أنا شريكه في هذا البيع فقال عثمان كيف أحجر ~~على رجل شريكه الزبير قالوا فهذا يدل على أنهم جميعا وقد رأوا الحجر جائزا ~~ومشاركة الزبير ليدفع الحجر عنه وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف ظهر ~~من غيرهم عليهم قال أبو بكر لا دلالة في ذلك على أن الزبير رأى الحجر وإنما ~~يدل ذلك على تسويغه لعثمان الحجر وليس فيه ما يدل على موافقته إياه فيه ~~وذلك لأن هذا حكم سائر المسائل المختلف فيها من مسائل الاجتهاد وأيضا فإن ~~الحجر على وجهين أحدهما الحجر في منع التصرف والإقرار والآخر في المنع من ~~المال وجائز أن يكون الحجر الذي رآه عثمان وعلي هو المنع من ماله لأنه جائز ~~أن يكون سن عبدالله بن جعفر في ذلك ا لوقت خمسا وعشرين سنة وأبو حنيفة يرى ~~أن لا يدفع إليه ماله قبل بلوغ هذه السن إذا لم يؤنس منه رشد وهذا عبدالله ~~بن جعفر هو من الصحابة وقد أبى الحجر فكيف يدعي فيه اتفاق الصحابة ويحتجون ~~أيضا بما روى الزهري عن عروة عن عائشة أنه بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها ~~باعت بعض رباعها فقال لتنتهين وإلا حجرت عليها فبلغها ذلك فقالت لله علي أن ~~لا أكلمه أبدا قالوا فهذا يدل على أن ابن الزبير وعائشة قد رأيا الحجر إلا ~~أنها أنكرت عليه أن تكون هي من أهل الحجر فلولا ذلك لبينت أن الحجر لا يجوز ~~ولردت عليه قوله قال أبو بكر قد ظهر النكير منها في الحجر وهذا يدل على ~~أنها لم تر الحجر جائزا ms0793 لولا ذلك لما أنكرته إن كان ذلك شيئا يسوغ فيه ~~الاجتهاد وما ظهر منها من النكير يدل على أنها كانت لا تسوغ الاجتهاد في ~~جواز الحجر فإن قيل إنما لم تسوغ الاجتهاد في الحجر عليها فأما في الحجر ~~مطلقا فلا ولو كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر لقالت إن الحجر غير ~~جائز فتكتفي بذلك في إنكارها الحجر عليها قيل له قد أنكرت الحجر على ~~الإطلاق بقولها لله علي أن لا أكلمه أبدا ودعواك أنها أنكرت الحجر عليها ~~خاصة دون إنكارها لأصل الحجر لا دلالة معها ومما يدل على بطلان الحجر ما ~~حدثنا به PageV02P217 محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن ~~مالك عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه يخدع في البيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا ~~خلابة فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا محمد بن عبدالله الأرزي وإبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي ~~قالا حدثنا عبدالوهاب قال محمد عبدالوهاب بن عطاء قال أخبرني سعيد عن قتادة ~~عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع ~~وفي عقدته ضعف فأتى به أهله نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي ~~الله أحجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فنهاه عن البيع فقال يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن كنت غير تارك البيع فقال هاوها ولا خلابة فذكر في ~~الحديث الأول أنه كان يخدع في البيع فلم يمنع من التصرف ولم يحجر عليه ولو ~~كان الحجر واجبا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم والبيع وهو مستحق المنع ~~منه فإن قال قائل فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا ~~خلابة فإنما ms0794 أجاز له البيع على شريطة استيفاء البدل من غير مغابنة قيل له ~~فليرض القائلون بالحجر منا على ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا ~~السفيه الذي كان يخدع في البيع وليس أحد من الفقهاء يشترط ذلك على السفهاء ~~لا من القائلين بالحجر ولا من نفاته لأن من يرى الحجر يقول يحجر عليه ~~الحاكم ويمنعه من التصرف ولا يرون إطلاق التصرف له مع التقدمة إليه بأن ~~يقول عند البيع لا خلابة ومبطلوا الحجر يجيزون تصرفه على سائر الأحوال فقد ~~ثبت بدلالة هذا الخبر بطلان الحجر على السفيه بعد أن يكون عاقلا وأيضا فإن ~~جازت الثقة به في ضبط هذا الشرط وذكره عند سائر المبايعات فقد تجوز الثقة ~~به في ضبط عقود المبايعات ونفي المغابنات عنها واللفظ الذي في هذا الخبر من ~~قوله إذا بايعت فقل لا خلابة يستقيم على مذهب محمد فإنه يقول إن السفيه إذا ~~بلغ فرفع أمره إلى الحاكم أجاز من عقوده مالم تكن فيه مغابنة وضرر فأما ~~سائر من يرى الحجر فإنه لا يعتبر ذلك قال أبو بكر ويجوز أن يقال إن مذهب ~~محمد أيضا مخالف للأثر لأن محمدا لا يجيز بيع المحجور عليه إلا أن يرفع إلى ~~القاضي فيجيزه فجعله بيعا موقوفا كبيع أجنبي لو باع عليه بغير أمره والنبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يجعل بيع الرجل الذي قال له إذا بايعت فقل لا خلابة ~~موقوفا بل جعله جائزا نافذا إذا قال لا خلابة فصار مذهب مثبتي الحجر مخالفا ~~لهذا الأثر وأما حديث أنس فإنه يحتج به الفريقان جميعا فأما مثبتو ~~PageV02P218 الحجر فإنهم يحتجون بأن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا نبي الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فلم ينكره ~~عليهم بل نهاه عن البيع ولما قال لا أصبر عن البيع قال إذا بايعت فقل لا ~~خلابة فأطلق له البيع على شريطة نفي التغابن فيه وأما مبطلوه فإنهم يستدلون ~~بأنه لما قال إني لا أصبر عن البيع أطلق له ms0795 النبي صلى الله عليه وسلم ~~التصرف وقال له إذا بعت فقل لا خلابة فلو كان الحجر واجبا لما كان قوله لا ~~أصبر عن البيع مزيلا للحجر عنه لأن أحدا من موجبي الحجر لا يرفع الحجر عنه ~~لفقد صبره عن البيع وكما أن الصبي والمجنون المستحقين للحجر عند الجميع لو ~~قالا لا نصبر عن البيع لم يكن هذا القول منهما مزيلا للحجر عنهما ولما قيل ~~لهما إذا بايعتما فقولا لا خلابة وفي إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم له ~~التصرف على الشريطة التي ذكرها دلالة على ان الحجر غير واجب وأن نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم له بديا عن البيع وقوله فقل لا خلابة على وجه النظر له ~~والإحتياط لماله كما تقول لمن يريد التجارة في البحر أو في طريق مخوف لا ~~تغرر بمالك واحفظه وما جرى مجرى ذلك وليس هذا بحجر وإنما هو مشورة وحسن نظر ~~ومما يدل على بطلان الحجر أنهم لا يختلفون أن السفيه يجوز إقراره بما يوجب ~~الحد والقصاص وذلك مما تسقطه الشبهة فوجب أن يكون إقراره بحقوق الآدميين ~~التي لا تسقطها الشبهة أولى فإن قال قائل المريض جائز الإقرار بما يوجب ~~الحد والقصاص ولا يجوز إقراره ولا هبته إذا كان عليه دين يحيط بماله فليس ~~جواز الإقرار بالحد والقصاص أصلا للإقرار بالمال والتصرف فيه قيل له إن ~~إقرار المريض عندنا بجميع ذلك جائز وإنما نبطله إذا اتصل بمرضه الموت لأن ~~تصرفه مراعى معتبر بالموت فإذا مات صار تصرفه واقعا في حق الغير الذي هو ~~أولى منه به وهم الغرماء والورثة فأما تصرفه في الحال فهو جائز مالم يطرأ ~~الموت ألا ترى أنا لا نفسخ هبته ولا نوجب السعاية على من أعتقه من عبيده ~~حتى يحدث الموت فإقراره بالحد والقصاص والمال غير متفرقين في حال الحياة # ومما يحتج به مثبتو الحجر قوله ولا تبذر تبذيرا وقوله تعالى ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك الآية فإذا كان التبذير مذموما منهيا عنه وجب على الإمام ~~المنع منه وذلك ms0796 بأن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله وكذلك نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن إضاعة المال يقتضي منعه عن إضاعته بالحجر عليه وهذا لا ~~دلالة فيه على الحجر لأنا نقول إن التبذير محظور PageV02P219 وينهى فاعله ~~عنه وليس في النهي عن التبذير ما يوجب الحجر لأنه إنما ينبغي أن يمنعه ~~التبذير فأما أن يمنعه من التصرف في ماله ويبطل بياعاته وإقراره وسائر وجوه ~~تصرفه فإن هذا الموضع هو الذي فيه الخلاف بيننا وبين خصومنا وليس في الآية ~~ما يوجب المنع من شيء منه وذلك لأن الإقرار نفسه ليس من التبذير في شيء ~~لأنه لو كان مبذرا لوجب منع سائر المقرين من إقرارهم وكذلك البيع بالمحاباة ~~لا تبذير فيه لأنه لو كان مبذرا لوجب أن ينهى عنه سائر الناس وكذلك الهبة ~~والصدقة وإذا كان كذلك فالذي تقتضيه الآية النهي عن التبذير وذم فاعله فكيف ~~يجوز الاستدلال بها على الحجر في العقود التي لا تبذير فيها وقد يصح ~~الاستدلال لمحمد لأنه يجيز من عقوده مالا محاباة فيه ولا إتلاف لماله إلا ~~أن الذي في الآية إنما هو ذم المبذرين والنهي عن التبذير ومن ينفي الحجر ~~يقول إن التبذير مذموم منهي عن فعله فأما الحجر ومنع التصرف فليس في الاية ~~إيجابه ألا ترى أن الإنسان منهي عن التغرير بماله في البحر وفي الطريق ~~المخوفة ولا يمنعه الحاكم منه على وجه الحجر عليه ولو أن إنسانا ترك نخله ~~وشجره وزرعه لا يسقيها وترك عقاره ودوره لا يعمرها لم يكن للإمام أن يجبره ~~على الإنفاق عليها لئلا يتلف ماله كذلك لا يحجر عليه في عقوده التي يخاف ~~فيها توى ماله وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال لا دلالة ~~فيه على الحجر كما بيناه في التبذير ومما يدل على بطلان الحجر وجواز تصرف ~~المحجور عليه أن العاقل البالغ إذا ظهر منه سفه وتبذير فإن الفقهاء الذي ~~تقدم ذكر أقاويلهم من موجبي الحجر ما خلا محمد بن الحسن يقول إذا حجر عليه ~~القاضي ms0797 بطل من عقوده وإقراره ما كان بعد الحجر وإذا كان جائز التصرف قبل ~~حجر القاضي فمعنى الحجر حينئذ أني قد أبطلت ما يعقده أو ما يقر به في ~~المستقبل وهذا لا يصح لأن فيه فسخ عقد لم يوجد بعد بمنزلة من قال لرجل كل ~~بيع بعتنيه وعقد عاقدتنيه فقد فسخته أو كل خيار بشريطة لي في البيع فقد ~~أبطلته أو نقول امرأة كل أمر تجعله إلي في المستقبل فقد أبطلته فهذا باطل ~~لا يجوز فسخ العقود الموجودة في المستقبل ومما يلزم أبا يوسف ومحمد في هذا ~~أنهما يجيزان تزويجه بعد الحجر بمهر المثل وفي ذلك إبطال الحجر لأنه إن كان ~~الحجر واجبا لئلا يتلف ماله فإنه قد يصل إلى إتلافه بالتزويج وذلك بأن ~~يتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها ثم يطلقها قبل الدخول فيلزمه نصف المهر ثم لا ~~يزال يفعل ذلك حتى يتلف ماله فليس PageV02P220 إذا في هذا الحجر احتراز من ~~إتلاف المال وأما اشتراط الشافعي في إيناس الرشد واستحقاق دفع المال جواز ~~الشهادة فإنه قول لم يسبقه إليه أحد ويجب على هذا أن لا يجيز إقرارات ~~الفساق عند الحكام على أنفسهم وأن لا يجيز بيوعهم ولا أشريتهم وينبغي ~~للشهود أن لا يشهدوا على بيع من لم تثبت عدالته وأن لا يقبل القاضي من مدع ~~دعواه حتى تثبت عدالته ولا يقبل عليه دعوى المدعى عليه حتى يصح عنده جواز ~~شهادته إذ لا يجوز عنده إقرار من ليس على صفة العدالة وجواز الشهادة ولا ~~عقوده وهو محجور عليه وهذا خلاف الإجماع ولم يزل الناس منذ عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يتخاصمون في الحقوق فلم يقل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا أحد من السلف لا أقبل دعاويكم ولا أسأل أحدا عن دعوى غيره ~~إلا بعد ثبوت عدالته وقد قال الحضرمي الذي خاصم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه رجل فاجر بحضرته ولم يبطل النبي صلى الله عليه وسلم خصومته ولا ~~سأل عن حاله وهو ما حدثنا محمد ms0798 بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد ~~قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال جاء ~~رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا ~~رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي هي أرضي في يدي ~~أزرعها ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي ألك بينة قال ~~لا قال فلك يمينه فقال يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حالف ليس يتورع ~~من شيء فقال ليس لك منه إلا ذلك فلو كان الفجور يوجب الحجر لسأل صلى الله ~~عليه وسلم عن حاله أو لأبطل خصومته لإقرار الخصم بأنه محجور عليه غير جائز ~~الخصومة ولا خلاف بين الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف في ~~الأملاك ونفاذ العقود والإقرارات والكفر أعظم الفسوق وهو غير موجب للحجر ~~فكيف يوجبه الفسق الذي هو دونه وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء أن ~~المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف والأملاك ونفاذ العقود # | باب الشهود # قوله عز وجل واستشهدوا شهيدين من رجالكم قال أبو بكر لما كان ابتداء ~~الخطاب للمؤمنين في قوله يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ثم ~~عطف عليه قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم دل ذلك على معنيين أحدهما ~~أن يكون من صفة الشهود لأن الخطاب توجه إليهم بصفة الإيمان ولما قال في نسق ~~الخطاب من رجالكم PageV02P221 كان كقوله من رجال المؤمنين فاقتضى ذاك كون ~~الإيمان شرطا في الشهادة على المسلمين والمعنى الآخر الحرية وذلك لما في ~~فحوى الخطاب من الدلالة من وجهين أحدهما قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى ~~قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق وذلك في الأحرار دون العبيد والدليل عليه ~~أن العبد لا يملك عقود المداينات وإذا أقر بشيء لم يجز إقراره إلا بإذن ~~مولاه والخطاب إنما توجه إلى من يملك ذلك على الإطلاق من غير إذن الغير فدل ~~ذلك على أن ms0799 من شرط هذه الشهادة الحرية والمعنى الآخر من دلالة الخطاب قوله ~~تعالى من رجالكم فظاهر هذا اللفظ يقتضي الأحرار كقوله تعالى وأنكحوا ~~الأيامى منكم يعني الأحرار ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم فلم يدخل العبيد في قوله تعالى منكم وفي ذلك دليل على أن من ~~شرط هذه الشهادة الإسلام والحرية جميعا وأن شهادة العبد غير جائزة لأن ~~أوامر الله تعالى على الوجوب وقد أمر باستشهاد الأحرار فلا يجوز غيرهم وقد ~~روى عن مجاهد في قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم قال الأحرار فإن ~~قيل إن ما ذكرت إنما يدل على أن العبد غير داخل في الآية ولا دلالة فيها ~~على بطلان شهادته قيل له لما ثبت بفحوى خطاب الآية أن المراد بها الأحرار ~~كان قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم أمرا مقتضيا للإيجاب وكان ~~بمنزلة قوله تعالى واستشهدوا رجلين من الأحرار فغير جائز لأحد إسقاط شرط ~~الحرية لأنه لو جاز ذلك لجاز إسقاط العدد وفي ذلك دليل على أن الآية قد ~~تضمنت بطلان شهادة العبيد واختلف أهل العلم في شهادة العبيد فروى قتادة عن ~~الحسن عن علي قال شهادة الصبي على الصبي والعبد على العبد جائزة وحدثنا ~~عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا ~~عبدالرحمن بن همام قال سمعت قتادة يحدث أن عليا رضي الله عنه كان يستثبت ~~الصبيان في الشهادة وهذا يوهن الحديث الأول وروى حفص بن غياث عن المختار بن ~~فلفل عن أنس قال ما أعلم أحدا رد شهادة العبد وقال عثمان البتي تجوز شهادة ~~العبد لغير سيده وذكر أن ابن شبرمة كان يراها جائزة يأثر ذلك عن شريح وكان ~~ابن أبي ليلى لا يقبل شهادة العبيد وظهرت الخوارج على الكوفة PageV02P222 ~~وهو يتولى القضاء بها فأمروه بقبول شهادة العبيد وبأشياء ذكروها له من ~~آرائهم كان على خلافها فأجابهم إلى امتثالها فأقروه على القضاء فلما كان في ~~الليل ركب راحلته ولحق بمكة ولما جاءت الدولة الهاشمية ردوه إلى ms0800 ما كان ~~عليه من القضاء على أهل الكوفة وقال الزهري عن سعيد بن المسيب قال قضى ~~عثمان بن عفان أن شهادة المملوك جائزة بعد العتق إذا لم تكن ردت قبل ذلك ~~وروى شعبة عن المغيرة قال كان إبراهيم يجيز شهادة المملوك في الشيء التافه ~~وروى شعبة أيضا عن يونس عن الحسن مثله وروى عن الحسن أنها لا تجوز وروي عن ~~حفص عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال لا تجوز شهادة العبد وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة في إحدى الروايتين ومالك والحسن بن صالح ~~والشافعي لا تقبل شهادة العبيد في شيء قال أبو بكر وقد قدمنا ذكر الدلالة ~~من الآية على أن الشهادة المذكورة فيها مخصوصة بالأحرار دون العبيد ومما ~~يدل من الآية على نفي شهادة العبد قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~فقال بعضهم إذا دعي فليشهد وقال بعضهم إذا كان قد أشهد وقال بعضهم هو واجب ~~في الحالين والعبد ممنوع من الإجابة لحق المولى وخدمته وهو لا يملك الإجابة ~~فدل أنه غير مأمور بالشهادة ألا ترى أنه ليس له أن يشتغل عن خدمة مولاه ~~بقراءة الكتاب وإملائه والشهادة ولما لم يدخل في خطاب الحج والجمعة لحق ~~المولى فكذلك الشهادة إذ كانت الشهادة غير متعينة على الشهداء وإنما هي فرض ~~كفاية وفرض الجمعة والحج يتعين على كل أحد في نفسه فلما لم يلزمه فرض الحج ~~والجمعة مع الإمكان لحق المولى فهو أولى أن لا يكون من أهل الشهادة لحق ~~المولى ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى وأقيموا الشهادة لله وقال أيضا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله إلى قوله تعالى ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ~~فجعل الحاكم شاهدا لله كما جعل سائر الشهود شهداء لله بقوله تعالى وأقيموا ~~الشهادة لله فلما لم يجز أن يكون العبد حاكما لم يجز أن يكون شاهدا إذ كان ~~كل واحد من الحاكم والشاهد به ينفذ الحكم ويثبت ومما يدل على بطلان شهادة ~~العبد قوله تعالى ضرب ms0801 الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وذلك لأنه ~~معلوم أنه لم يرد به نفي القدرة لأن الرق والحرية لا تختلف بهما القدرة فدل ~~على أن مراده نفي حكم أقواله وعقوده وتصرفه وملكه ألا ترى أنه جعل ذلك مثل ~~للأصنام التي كانت تعبدها العرب على وجه المبالغة PageV02P223 في نفي الملك ~~والتصرف وبطلان أحكام أقواله فيما يتعلق بحقوق العباد وقد روي عن ابن عباس ~~أنه استدل بهذه الآية على ا العبد لا يملك الطلاق ولولا احتمال اللفظ لذلك ~~لما تأوله ابن عباس عليه فدل ذلك على أن شهادة العبد كلا شهادة كعقده ~~وإقراره وسائر تصرفاته التي هي من جهة القول فلما كانت شهادة العبد قوله ~~وجب أن ينتفي وجوب حكمه بظاهر الآية ومما يدل على بطلان شهادة العبيدأن ~~الشهادة فرض على الكفاية كالجهاد فلما لم يكن العبد من أهل الخطاب بالجهاد ~~ولو حصره وقاتل لم يسهم له وجب أن لا يكون من أهل الخطاب بالشهادة ومتى شهد ~~لم تقبل شهادته ولم يكن له حكم الشهود كما لم يثبت له حكم وإن شهد القتال ~~في استحقاق السهم ويدل عليه أنه لو كان من أهل الشهادة لوجب أن لو شهد بها ~~فحكم بشهادته ثم رجع عنها أنه يلزمه غرم ما شهد به لأن ذلك من حكم الشهادة ~~كما أن نفاذ الحكم بها إذا أنفذها الحاكم من حكمها فلما لم يجز أن يلزمه ~~الغرم بالرجوع علمنا أنه ليس من أهلها وإن الحكم بشهادته غير جائز وأيضا ~~فإنا وجدنا ميراث الأنثى على النصف من ميراث الذكر وجعلت شهادة امرأتين ~~بشهادة رجل فكانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل وميراثها نصف ميراثه فوجب ~~أن يكون العبد من حيث لم يكن من أهل الميراث رأسا أن لا يكون من أهل ~~الشهادة لأنا وجدنا لنقصان الميراث تأثيرا في نقصان الشهادة فوجب أن يكون ~~نفي الميراث موجبا لنفي الشهادة وما روي عن علي بن أبي طالب في جواز شهادة ~~العبد فإنه لا يصح من طريق النقل ولو صح كان ms0802 مخصوصا في العبد إذا شهد على ~~العبد ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن العبد والحر سواء فيما تجوز الشهادة ~~فيه فإن قيل لما كان خبر العبد مقبولا إذا رواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن رقه مانعا من قبول خبره كذلك لا يمنع من قبول شهادته قيل له ~~ليس الخبر أصلا للشهادة فلا يجوز اعتبارها به ألا ترى أن خبر الواحد مقبول ~~في الأحكام ولا تجوز شهادة الواحد فيها وأنه يقبل فيه فلان عن فلان ولا ~~يقبل في الشهادة إلا على جهة الشهادة على الشهادة وأنه يجوز قبول خبره إذا ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجوز شهادة الشاهد إلا أن يأتي ~~بلفظ الشهادة والسماع والمعاينة لما يشهد به فإن الرجل والمرأة متساويان في ~~الأخبار مختلفان في الشهادة لأن شهادة امرأتين بشهادة رجل وخبر الرجل ~~والمرأة سواء فلا يجوز الإستدلال بقبول خبر العبد على قبول شهادته قال أبو ~~بكر قال محمد بن الحسن لو أن PageV02P224 حاكما حكم بشهادة عبد ثم رفع إلي ~~أبطلت حكمه لأن ذلك مما أجمع الفقهاء على بطلانه وقد اختلف الفقهاء في ~~شهادة الصبيان فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا تجوز شهادة الصبيان ~~في شيء وهو قول ابن شبرمة والثوري والشافعي وقال ابن أبي ليلى تجوز شهادة ~~بعضهم على بعض وقال مالك تجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح ولا تجوز ~~على غيرهم وإنما تجوز بينهم في الجراح وحدها قبل أن يتفرقوا ويجيئوا ~~ويعلموا فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا على شهادتهم ~~قبل أن يتفرقوا وإنما تجوز شهادة الأحرار الذكور منهم ولا تجوز شهادة ~~الجواري من الصبيان والأحرار قال أبو بكر روي عن ابن عباس وعثمان وابن ~~الزبير إبطال شهادة الصبيان وروي عن علي إبطال شهادة بعضهم على بعض وعن ~~عطاء مثله وروى عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت قال قيل للشعبي إن إياس بن ~~معاوية لا يرى بشهادة الصبيان بأسا فقال الشعبي حدثني مسروق إنه ms0803 كان عند ~~علي كرم الله وجهه إذا جاءه خمسة غلمة فقالوا كنا ستة نتغاط في الماء فغرق ~~منا غلام فشهد الثلاثة على الإثنين أنهما غرقاه وشهد الإثنان أن الثلاثة ~~غرقوه فجعل على الإثنين ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسي الدية إلا أن ~~عبدالله بن حبيب غير مقبول الحديث عند أهل العلم ومع ذلك فإن معنى الحديث ~~مستحيل لا يصدق مثله عن علي رضي الله عنه لأن أولياء الغريق إن ادعوا على ~~أحد الفريقين فقد أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم وإن ادعوا عليهم كلهم فهم ~~يكذبون الفريقين جميعا فهذا غير ثابت عن علي كرم الله وجهه ومما يدل على ~~بطلان شهادة الصبيان قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى وذلك خطاب للرجال البالغين لأن الصبيان لا يملكون عقود المداينات ~~وكذلك قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق لم يدخل فيه الصبي لأن إقراره لا ~~يجوز وكذلك قوله وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا لا يصح أن يكون خطابا ~~للصبي لأنه ليس من أهل التكليف فيلحقه الوعيد ثم قوله واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم وليس الصبيان من رجالنا ولما كان ابتداء الخطاب بذكر البالغين كان ~~قوله من رجالكم عائدا عليهم ثم قوله ممن ترضون من الشهداء يمنع أيضا جواز ~~شهادة الصبي وكذلك قوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا هو نهي وللصبي أن يأبى ~~من إقامة الشهادة وليس للمدعي إحضاره لها ثم قوله ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم PageV02P225 قلبه غير جائز أن يكون خطابا للصغار فلا ~~يلحقهم المأثم بكتمانها ولما لم يجز أن يلحقه ضمان بالرجوع دل على أنه ليس ~~من أهل الشهادة لأن كل من صحت شهادته لزمه الضمان عند الرجوع وأما إجازة ~~شهادتهم في الجراح خاصة وقبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه تحكم بلا دلالة ~~وتفرقة بين من لا فرق فيه في أثر ولا نظر لأن في الأصول أن كل من جازت ~~شهادته في الجراح فهي جائزة في غيرها وأما اعتبار حالهم قبل أن يتفرقوا ms0804 ~~وفيجيئوا فإنه لا معنى له لأنه جائز أن يكون هؤلاء الشهود هم الجناة ويكون ~~الذي حملهم على الشهادة الخوف من أن يؤخذوا به وهذا معلوم من عادة الصبيان ~~إذا كان منهم جناية أحالته بها على غيره خوفا من أن يؤخذ بها وأيضا لما شرط ~~الله في الشهادة العدالة وأوعد شاهد الزور ما أوعده به ومنع من قبول شهادة ~~الفساق ومن لا يزع عن الكذب احتياطا لأمر الشهادة فكيف تجوز شهادته من هو ~~غير مأخوذ بكذبه وليس له حاجز يحجزه عن الكذب ولا حياء يردعه ولا مروءة ~~تمنعه وقد يضرب الناس المثل بكذب الصبيان فيقولون هذا أكذب من صبي فكيف ~~يجوز قبول شهادة من هذا حاله فإن كان إنما اعتبر حالهم قبل تفرقهم وقبل أن ~~يعلمهم غيرهم لأنه لا يتعمد الكذب دون تلقين غيره فليس ذلك كما ظن لأنهم ~~يتعمدون الكذب من غير مانع يمنعهم وهم يعرفون الكذب كما يعرفون الصدق إذا ~~كانوا قد بلغوا الحد الذي يقومون بمعنى الشهادة والعبارة عما شهدوا وقد ~~يتعمدون الكذب لأسباب عارضة منها خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية أو قصدا ~~للمشهود عليه بالمكروه ومعان غير ذلك معلومة من أحوالهم فليس لأحد أن يحكم ~~لهم بصدق الشهادة قبل أن يتفرقوا كما لا يحكم لهم بذلك بعد التفرق وعلى أنه ~~لو كان كذلك وكان العلم حاصلا بأنهم لا يكذبون ولا يتعمدون لشهادة الزور ~~فينبغي أن تقبل شهادة الإناث كما تقبل شهادة الذكور وتقبل شهادة الواحد كما ~~تقبل شهادة الجماعة فإذا اعتبر العدد في ذلك وما يجب اعتباره في الشهادة من ~~اختصاصها في الجراح بالذكور دون الإناث فواجب أن يستوفى لها سائر شروطها من ~~البلوغ والعدالة ومن حيث أجازوا شهادة بعضهم على بعض فواجب إجازتها على ~~الرجال لأن شهادة بعضهم على بعض ليست بآكد منها على الرجال إذ هم في حكم ~~المسلمين عند قائل هذا القول والله الموفق واختلف في شهادة الأعمى فقال أبو ~~حنيفة ومحمد لا تجوز شهادة الأعمى بحال وروي نحوه عن علي بن أبي ms0805 طالب رضي ~~الله PageV02P226 عنه وروى عمرو بن عبيد عن الحسن قال لا تجوز شهادة الأعمى ~~بحال وروي عن أشعث مثله إلا أنه قال إلا أن تكون في شي رآه قبل أن يذهب ~~بصره وروى ابن لهيعة عن أبي طعمة عن سعيد بن جبير قال لا تجوز شهادة الأعمى ~~وحدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثني حجاج بن جبير بن حازم عن قتادة قال شهد أعمى عند إياس بن معاوية على ~~شهادة فقال له إياس لا نرد شهادتك إلا أن لا تكون عدلا ولكنك أعمى لا تبصر ~~قال فلم يقبلها وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى والشافعي إذا علمه قبل العمى ~~جازت وما علمه في حال العمى لم تجز وقال شريح والشعبي شهادة الأعمى جائزة ~~وقال مالك والليث بن سعد شهادة الأعمى جائزة وإن علمه في حال العمى إذا عرف ~~الصوت في الطلاق والإقرار ونحوه وإن شهد على زنا أو حد القذف لم تقبل ~~شهادته والدليل على بطلان شهادة الأعمى ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ~~حدثنا عبدالله بن محمد بن ميمون البلخي الحافظ قال حدثنا يحيى بن موسى يعرف ~~بخت قال حدثنا محمد بن سليمان بن مسمول قال حدثنا عبدالله بن سلمة بن وهرام ~~عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس قال سئل صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال ~~ترى هذه الشمس فاشهد وإلا فدع فجعل من شرط صحة الشهادة معاينة الشاهد لما ~~شهد به والأعمى لا يعاين المشهود عليه فلا تجوز شهادته ومن جهة أخرى أن ~~الأعمى يشهد بالاستدلال فلا تصح شهادته ألا ترى أن الصوت قد يشبه الصوت وإن ~~المتكلم قد يحاكي صوت غيره ونغمته حتى لا يغادر منها شيئا ولا يشك سامعه ~~إذا كان بينه وبينه حجاب أنه المحكي صوته فغير جائز قبول شهادته على الصوت ~~إذ لا يرجع منه إلى يقين وإنما يبنى أمره على غالب الظن وأيضا فإن الشاهد ~~مأخوذ عليه بأن يأتي بلفظ الشهادة ولو عبر ms0806 بلفظ غير لفظ الشهادة بأن يقول ~~أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته فعلمت أنها حين كانت مخصوصة بهذا اللفظ وهذا ~~اللفظ يقتضي مشاهدة المشهود به ومعاينته فلم تجز شهادة من خرج من هذا الحد ~~وشهد عن غير معاينة فإن قال قائل يجوز للأعمى إقدامه على وطء امرأته إذا ~~عرف صوتها فعلمنا أنه يقين ليس بشك إذ غير جائز لأحد الإقدام على الوطء ~~بالشك قيل له يجوز له الإقدام على وطء امرأته بغالب الظن بأن زفت إليه ~~امرأة وقيل له هذه امرأتك وهو لا يعرفها يحل له وطؤها PageV02P227 وكذلك ~~جائز له قبول هدية جارية بقول الرسول ويجوز له الإقدام على وطئها ولو أخبره ~~مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه ~~لأن سبيل الشهادة اليقين والمشاهدة وسائر الأشياء التي ذكرت يجوز فيها ~~استعمال غالب الظن وقبول قول الواحد فليس ذلك إذا أصلا للشهادة وأما إذا ~~استشهد وهو بصير ثم عمي فإنما لم نقبله من قبل أنا قد علمنا أن حال تحمل ~~الشهادة أضعف من حال الأداء والدليل عليه أنه غير جائز أن يتحمل الشهادة ~~وهو كافر أو عبد أو صبي ثم يؤديها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته ولو أداها ~~وهو صبي أو عبد أو كافر لم تجز فعلمنا أن حال الأداء أولى بالتأكيد من حال ~~التحمل فإذا لم يصح تحمل الأعمى للشهادة وكان العمى مانعا من صحة التحمل ~~وجب أن يمنع صحة الأداء وأيضا لو استشهده وبينه وبينه حائل لما صحت شهادته ~~وكذلك لو أداها وبينهما حائل لم تجز شهادته والعمى حائل بينه وبين المشهود ~~عليه فوجب أن لا تجوز وفرق أبو يوسف بينهما بأن قال يصح أن يتحمل الشهادة ~~بمعاينته ثم يشهد عليه وهو غائب أو ميت فلا يمنع ذلك جوازها فكذلك عمى ~~الشاهد بمنزلة موت المشهود عليه أو غيبته فلا يمنع قبول شهادته والجواب عن ~~ذلك من وجهين أحدهما أنه إنما يجب اعتبار الشاهد في نفسه فإن كان من أهل ms0807 ~~الشهادة قبلناها وإن لم يكن من أهل الشهادة لم نقبلها والأعمى قد خرج من أن ~~يكون من أهل الشهادة بعماه فلا اعتبار بغيره وأما الغائب والميت فإن شهادة ~~الشاهد عليهما صحيحة إذ لم يعترض فيه ما يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة ~~وغيبة المشهود عليه وموته لا تؤثر في شهادة الشاهد فلذلك جازت شهادته ~~والوجه الآخر أنا لا نجيز الشهادة على الميت والغائب إلا أن يحضر عنه خصم ~~فتقع الشهادة عليه فيقوم حضوره مقام حضور الغائب والميت والأعمى في معنى من ~~يشهد على غير خصم حاضر فلاتصح شهادته فإن احتجوا بقوله تعالى إذا تداينتم ~~بدين إلى قوله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله تعالى ممن ترضون من ~~الشهداء والأعمى قد يكون مرضيا وهو من رجالنا الأحرار فظاهر ذلك يقتضي قبول ~~شهادته قيل له ظاهر الآية يدل على أن الأعمى غير مقبول الشهادة لأنه قال ~~واستشهدوا والأعمى لا يصح استشهاده لأن الاستشهاد هو إحضار المشهود عليه ~~ومعاينته إياه وهو غير معاين ولا مشاهد لمن يحضره لأن العمى حائل بينه وبين ~~ذلك كحائط لو كان بينهما فيمنعه ذلك من مشاهدته ولما كانت الشهادة إنما هي ~~مأخوذة PageV02P228 من مشاهدة المشهود عليه ومعاينته على الحال التي تقتضي ~~الشهادة إثبات الحق عليه وكان ذلك معدوما في الأعمى وجب أن تبطل شهادته ~~فهذه الآية لأن تكون دليلا على بطلان شهادته أولى من أن تدل على إجازتها ~~وقال زفر لا تجوز شهادة الأعمى إذا شهد بها قبل العمى أو بعده إلا في النسب ~~أن يشهد أن فلانا ابن فلان قال أبو بكر يشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أن ~~النسب قد تصح الشهادة عليه بالخبر المستفيض وإن لم يشاهده الشاهد فلذلك ~~جائز إذا تواتر عند الأعمى الخبر بأن فلانا ابن فلان أن يشهد به عند الحاكم ~~وتكون شهادته مقبولة ويستدل على صحة ذلك بأن الأعمى والبصير سواء فيما ثبت ~~حكمه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين ~~من طريق ms0808 المعاينة وإنما يسمع أخبارهم فكذلك جائز أن يثبت عنده علم صحة ~~النسب من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين فتجوز إقامة الشهادة به وتكون ~~شهادته مقبولة فيه إذ ليس شرط هذه الشهادة معاينة المشهود به واختلف في ~~شهادة البدوي على القروي فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث ~~والأوزاعي والشافعي هي جائزة إذا كان عدلا وروي نحوه عن الزهري وروى ابن ~~وهب عن مالك قال لا تجوز شهادة بدوي على قروي إلا في الجراح وقال ابن ~~القاسم عنه لا تجوز شهادة بدوي على قروي في الحضر إلا في وصية القروي في ~~السفر أو في بيع فتجوز إذا كانوا عدولا قال أبو بكر جميع ما ذكرنا من دلائل ~~الآية على قبول شهادة الأحرار البالغين يوجب التسوية بين شهادة القروي ~~والبدوي لأن الخطاب توجه إليهم بذكر الإيمان بقوله يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين وهؤلاء من جملة المؤمنين ثم قال تعالى واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم يعني من رجال المؤمنين الأحرار وهذه صفة هؤلاء ثم قال ممن ترضون من ~~الشهداء وإذا كانوا عدولا فهم مرضيون وقال في آية أخرى في شأن الرجعة ~~والفراق واستشهدوا ذوي عدل منكم وهذه الصفة شاملة للجميع إذا كانوا عدولا ~~وفي تخصيص القروي بها دون البدوي ترك العموم بغير دلالة ولم يختلفوا أنهم ~~مرادون بقوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وبقوله ممن ترضون من الشهداء ~~لأنهم يجيزون شهادة البدوي على بدوي مثله على شرط الآية وإذا كانوا مرادين ~~بالآية فقد اقتضت جواز شهادتهم على القروي من حيث اقتضت جواز شهادة بعضهم ~~على بعض ومن حيث اقتضت جواز شهادة القروي على البدوي PageV02P229 فإن ~~احتجوا بما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال ~~حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا نافع بن يزيد بن الهادي ~~عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية فإن ms0809 مثل هذا الخبر لا ~~يجوز الإعتراض به على ظاهر القرآن مع أنه ليس فيه ذكر الفرق بين الجراح ~~وبين غيرها ولا بين أن يكون القروي في السفر أو في الحضر فقد خالف المحتج ~~به ما اقتضاه عمومه وقد روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال شهد ~~أعرابي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الهلال فأمر بلالا ينادي ~~في الناس فليصوموا غدا فقبل شهادته وأمر الناس بالصيام وجائز أن يكون حديث ~~أبي هريرة في أعرابي شهد شهادة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم خلافها مما يبطل شهادته فأخبر به فنقله الراوي من غير ~~ذكر السبب وجائز أن يكون قاله في الوقت الذي كان الشرك والنفاق غالبين على ~~الأعراب كما قال عز وجل ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب وقد وصف الله قوما ~~آخرين من الأعراب بعد هذه الصفة ومدحهم بقوله ومن الأعراب من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول الآية فمن كانت ~~هذه صفته فهو مرضي عند الله وعند المسلمين مقبول الشهادة ولا يخلو البدوي ~~من أن يكون غير مقبول الشهادة على القروي إما لطعن في دينه أو جهل منه ~~بأحكام الشهادات وما يجوز أداؤها منها مما لا يجوز فإن كان لطعن في دينه ~~فإن هذا غير مختلف في بطلان شهادته ولا يختلف فيه حكم البدوي والقروي وإن ~~كان لجهل منه بأحكام الشهادات فواجب أن لا تقبل شهادته على بدوي مثله وأن ~~لا تقبل شهادته في الجراح ولا على القروي في السفر كما لا تقبل شهادة ~~القروي إذا كان بهذه الصفة ويلزمه أن يقبل شهادة البدوي إذا كان عدلا عالما ~~بأحكام الشهادة على القروي وعلى غيره لزوال المعنى الذي من أجله امتنع من ~~قبول شهادته وأن لا يجعل لزوم سمة البدو إياه والنسبة إليه علة لرد شهادته ~~كما لا تجعل ms0810 نسبة القروي إلى القرية علة لجواز شهادته إذا كان مجانبا ~~للصفات المشروطة لجواز الشهادة قوله عز وجل فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان فقال أبو بكر أوجب بديا استشهاد شهيدين وهما الشاهدان لأن الشهيد ~~والشاهد واحد كما أن PageV02P230 عليم وعالم واحد وقادر وقدير واحد ثم عطف ~~عليه قوله فإن لم يكونا رجلين يعني إن لم يكن الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان ~~فلا يخلو قوله فإن لم يكونا رجلين من أن يريد به فإن لم يوجد رجلان فرجل ~~وامرأتان كقوله فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا وكقوله فتحرير رقبة من قبل ~~أن يتماسا ثم قال فمن لم يجد فصيام شهرين إلى قوله تعالى فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا وما جرى مجرى ذلك في الأبدال التي أقيمت مقام أصل الفرض ~~عند عدمه أو أن يكون مراده فإن لم يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل ~~وامرأتان فأفادنا إثبات هذا الاسم للرجل والمرأتين حتى يعتبر عمومه في جواز ~~شهادتهما مع الرجل في سائر الحقوق إلا ما قام دليله فلما اتفق المسلمون على ~~جواز شهادة رجل وامرأتين مقام رجلين عند عدم الرجلين فثبت الوجه الثاني وهو ~~أنه أراد تسيمة الرجل والمرأتين شهيدين فيكون ذلك اسما شرعيا يجب اعتباره ~~فيما أمرنا فيه باستشهاد شهيدين إلا موضعا قام الدليل عليه فيصح الاستدلال ~~بعمومه في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وشاهدين وإثبات ~~النكاح والحكم بشهادة رجل وامرأتين إذ قد لحقهم اسم شهدين وقد أجاز النبي ~~صلى الله عليه وسلم النكاح بشهادة شاهدين وقد اختلف أهل العلم في شهادة ~~النساء مع الرجال في غير الأموال فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~وعثمان البتي لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الحدود ولا في القصاص ~~وتقبل فيما سوى ذلك من سائر الحقوق وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر ~~بن موسى قال حدثنا يحيى بن عبادة قال حدثنا شعبة عن الحجاج بن أرطاة عن ~~عطاء بن أبي رباح أن عمر أجاز شهادة رجل وامرأتين ms0811 في نكاح وروى جرير بن ~~حازم عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد أن عمر أجاز شهادة النساء في طلاق ~~وروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال ~~تجوز شهادة النساء في العقد وروى حجاج عن عطاء أن ابن عمر كان يجيز شهادة ~~النساء مع الرجل في النكاح وروى عن عطاء أنه كان يجيز شهادة النساء في ~~الطلاق وروي عن عون عن الشعبي عن شريح أنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في عتق ~~وهو قول الشعبي في الطلاق وروي عن الحسن والضحاك قالا لا تجوز شهادتهن إلا ~~في الدين والولد وقال مالك لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في الحدود ~~والقصاص ولا في الطلاق ولا في النكاح ولا في الأنساب ولا في PageV02P231 ~~الولاء ولا الإحصان وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق وقال ~~الثوري تجوز شهادتهن في كل شيء إلا الحدود وروي عنه أنها لا تجوز في القصاص ~~أيضا وقال الحسن بن حي لا تجوز شهادتهن في الحدود وقال الأوزاعي لا تجوز ~~شهادة رجل وامرأتين في نكاح وقال الليث تجوز شهادة النساء في الوصية والعتق ~~ولا تجوز في النكاح لا الطلاق ولا الحدود ولا قتل العمد الذي يقاد منه وقال ~~الشافعي لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال ولا يجوز في الوصية ~~إلا الرجل وتجوز في الوصية بالمال قال أبو بكر ظاهر هذه الآية يقتضي جواز ~~شهادتهن مع الرجل في سائر عقود المداينات وهي كل عقد واقع على دين سواء كان ~~بدله مالا أو بضعا أو منفع أو دم عمد لأنه عقد فيه دين إذ المعلوم أنه ليس ~~مراد الآية في قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى أن يكون المعقود ~~عليهما من البدلين دينين لامتناع جواز ذلك إلى أجل مسمى فثبت أن المراد ~~وجود دين عن بدل أي دين كان فاقتضى ذلك جواز شهادة النساء مع الرجل على عقد ~~نكاح فيه مهر مؤجل إذا كان ذلك عقد مداينة ms0812 وكذلك الصلح من دم العمد والخلع ~~على مال والإجارات فمن ادعى خروج شيء من هذه العقود من ظاهر الآية لم يسلم ~~له ذلك إلا بدلالة إذ كان العموم مقتضيا لجوازها في الجميع ويدل على جواز ~~شهادة النساء في غير الأموال ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن ~~القاسم الجوهري قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا محمد بن ~~الحسن بن أبي يزيد عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أجاز شهادة القابلة والولادة ليست بمال وأجاز شهادتها عليها فدل ذلك ~~على أن شهادة النساء ليست مخصوصة بالأموال ولا خلاف في جواز شهادة النساء ~~على الولادة وإنما الاختلاف في العدد وأيضا لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع ~~في الشرع على الرجل والمرأتين وقد ثبت أن اسم البينة يتناول الشهيدين وجب ~~بعموم قوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه القضاء بشهادة الرجل ~~والمرأتين في كل دعوى إذ قد شملهم اسم البينة ألا ترى أنها بينة في الأموال ~~فلما وقع عليها الاسم وجب بحق العموم قبولها لكل مدع إلا أن تقوم الدلالة ~~على تخصيص شيء منه وإنما خصصنا الحدود والقصاص لما روى الزهري قال مضت ~~السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تجوز ~~شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص وأيضا لما اتفق الجميع على ~~PageV02P232 قبول شهادتهن مع الرجل في الديون وجب قبولها في كل حق لا تسقطه ~~الشبهة إذا كان الدين حقا لا يسقط بالشبهة ومما يدل على جوازها في غير ~~الأموال من الآية إن الله تعالى قد أجازها في الأجل بقوله إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه ثم قال فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فأجاز ~~شهادتها مع الرجل على الأجل وليس بمال كما أجازها في المال فإن قيل الأجل ~~لا يجب إلا في المال قيل له هذا خطأ لأن الأجل قد يجب في الكفالة بالنفس ~~وفي منافع الأحرار التي ليست بمال ms0813 وقد يؤجله الحاكم في إقامة البينة على ~~الدم وعلى دعوى العفو منه بمقدار ما يمكن التقدم إليه فقولك إن الأجل لا ~~يجب إلا في المال خطأ ومع ذلك فالبضع لا يستحق إلا بمال ولا يقع النكاح إلا ~~بمال فينبغي أن تجيز فيه شهادة النساء قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء قال ~~أبو بكر لما كانت معرفة ديانات النساس وأماناتهم وعدالتهم إنما هي من طريق ~~الظاهر دون الحقيقة إذا لا يعلم ضمائرهم ولا خبايا أمورهم غير الله تعالى ~~ثم قال الله تعالى فيما أمرنا باعتباره من أمر الشهود ممن ترضون من الشهداء ~~دل ذلك على أن أمر تعديل الشهود موكولا إلى اجتهاد رأينا وما يغلب في ~~ظنوننا من عدالتهم وصلاح طرائقهم وجائز أن يغلب في ظن بعض الناس عدالة شاهد ~~وأمانته فيكون عنه رضى ويغلب في ظن غيره أنه ليس يرضى فقوله ممن ترضون من ~~الشهداء مبني على غالب الظن وأكثر الرأي والذي بني عليه أمر الشهادة أشياء ~~ثلاثة أحدها العدالة والآخر نفي التهمة وإن كان عدلا والثالث التيقظ والحفظ ~~وقلة الغفلة أما العدالة فأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله ~~عز وجل في الواجبات والمسنونات وصدق اللهجة والأمانة وأن لا يكون محدودا في ~~قذف وأما نفي التهمة فأن لا يكون المشهود له والدا ولا ولدا أو زوجا وزوجة ~~وأن لا يكون قد شهد بهذه الشهادة فردت لتهمة فشهادة هؤلاء غير مقبولة لمن ~~ذكرنا وإن كانوا عدولا مرضين وأما التيقظ والحفظ وقلة الغفلة فأن لا يكون ~~غفولا غير مجرب للأمور فإن مثله ربما لقن الشيء فتلقنه وربما جوز عليه ~~التزوير فشهد به قال ابن رستم عن محمد بن الحسن في رجل أعجمي صوام قوام ~~مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به قال هذا أشر من الفاسق في شهادته وحدثنا ~~عبدالرحمن بن سيما المحبر قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا ابن هلال عن أشعث الحداني قال قال ~~PageV02P233 رجل للحسن يا أبا سعيد إن ms0814 أياسا رد شهادتي فقام معه إليه فقال ~~يا ملكعان لم رددت شهادته أو ما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من استقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة ~~رسوله فقال أيها الشيخ أما سمعت الله يقول ممن ترضون من الشهداء وإن صاحبك ~~هذا ليس برضاه وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو بكر محمد بن ~~عبدالوهاب قال حدثنا السري بن عاصم بإسناد ذكره أنه شهد عند أياس بن معاوية ~~رجل من أصحاب الحسن فرد شهادته فبلغ الحسن وقال قوموا بنا إليه قال فجاء ~~إلى إياس فقال يا لكع ترد شهادة رجل مسلم فقال نعم قال الله تعالى ممن ~~ترضون من الشهداء وليس هو ممن أرضى قال فسكت الحسن فقال خصم الشيخ فمن شرط ~~الرضا للشهادة أن يكون الشاهد متيقظا حافظا لما يسمعه متقنا لما يؤديه وقد ~~ذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في صفة العدل أشياء منها أنه قال من سلم من ~~الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ما تجب فيه من العظائم وكان يؤدي ~~الفرائض وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار قبلنا شهادته لأنه لا يسلم ~~عبد من ذنب وإن كانت ذنوبه أكثر من أخلاق البر رددنا شهادته ولا تقبل شهادة ~~من يلعب بالشطرنج يقامر عليها ولا من يلعب بالحمام ويطيرها وكذلك من يكثر ~~الحلف بالكذب لا تجوز شهادته قال وإذا ترك الرجل الصلوات الخمس في الجماعة ~~استخفافا بذلك أو مجانة أو فسقا فلا تجوز شهادته وإن تركها على تأويل وكان ~~عدلا فيما سوى ذلك قبلت شهادته قال وإن داوم على ترك ركعتي الفجر لم تقبل ~~شهادته وإن كان معروفا بالكذب الفاحش لم أقبل شهادته وإن كان لا يعرف بذلك ~~وربما ابتلي بشيء منه والخير فيه أكثر من الشر قبلت شهادته ليس يسلم أحد من ~~الذنوب قال وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبي ليلى شهادة أهل الأهواء ~~جائزة إذا كانوا عدولا إلا صنفا من الرافضة يقال ms0815 لهم الخطابية فإنه بلغني ~~أن بعضهم يصدق بعضا فيما يدعي إذا حلف له ويشهد بعضهم لبعض فلذلك أبطلت ~~شهادتهم وقال أبو يوسف أيما رجل أظهر شتيمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم أقبل شهادته لأن رجلا لو كان شتاما للناس والجيران لم أقبل شهادته ~~فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم حرمة وقال أبو يوسف ألا ترى أن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا واقتتلوا وشهادة الفريقين جائزة ~~لأنهم اقتتلوا على تأويل فكذلك أهل الأهواء من المتأولين قال أبو يوسف ومن ~~سألت عنه فقالوا إنا نتهمه بشتم أصحاب PageV02P234 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإني لا أقبل هذا حتى يقولوا سمعناه يشتم قال فإن قالوا نتهمه بالفسق ~~والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإني أقبل ذلك ولا أجيز شهادته والفرق بينهما ~~إن الذين قالوا نتهمه بالشتم قد أثبتوا له الصلاح وقالوا نتهمه بالشتم فلا ~~يقبل هذا إلا بسماع والذين قالوا نتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره ~~فإني أقبل ذلك ولا أجيز شهادته أثبتوا له صلاحا وعدالة وذكر ابن رستم عن ~~محمد أنه قال لا أقبل شهادة الخوارج إذ كانوا قد خرجوا يقاتلون المسلمين ~~وإن شهدوا قال قلت ولم لا تجيز شهادتهم وأنت تجيز شهادة الحرورية قال لأنهم ~~لا يستحلون أموالنا مالم يخرجوا فإذا خرجوا استحلوا أموالنا فتجوز شهادتهم ~~مالم يخرجوا وحدثنا أبو بكر مكرم بن أحمد قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي ~~قال سمعت محمد بن سماعة يقول سمعت أبا يوسف يقول سمعت أبا حنيفة يقول لا ~~يجب على الحاكم أن يقبل شهادة بخيل فإن البخيل يحمله شدة بخله على التقصي ~~فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن ومن كان كذلك لم يكن عدلا سمعت حماد بن أبي ~~سليمان يقول سمعت إبراهيم يقول قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيها ~~الناس كونوا وسطا لا تكونوا بخلاء ولا سفلة فإن البخيل والسفلة الذين إن ~~كان عليهم حق لم يؤدوه وإن كان لهم حق استقصوه قال ms0816 وقال ما من طباع المؤمن ~~التقصي ما استقصى كريم قط قال الله تعالى عرف بعضه وأعرض عن بعض وحدثنا ~~مكرم بن أحمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال سمعت الحماني يقول سمعت ~~ابن المبارك يقول سمعت أبا حنيفة يقول من كان معه بخيل لم تجز شهادته يحمله ~~البخل على التقصي فمن شدة تقصيه يخاف الغبن فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن فلا ~~يكون هذا عدلا وقد روي نظير ذلك عن أياس بن معاوية ذكر ابن لهيعة عن أبي ~~الأسود محمد بن عبدالرحمن قال قلت لأياس بن معاوية أخبرت أنك لا تجيز شهادة ~~الأشراف بالعراق ولا البخلاء ولا التجار الذين يركبون البحر قال أجل أما ~~الذين يركبون إلى الهند حتى يغرروا بدينهم ويكثروا عدوهم من أجل طمع الدنيا ~~فعرفت أن هؤلاء لو أعطي أحدهما درهمين في شهادة لم يتحرج بعد تغريره بدينه ~~وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإنهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون فأبيت أن ~~أجيز شهادة آكل الربا وأما الأشراف فإن الشريف بالعراق إذا نابت أحدا منهم ~~نائبة أتى إلى سيد قومه فيشهد له ويشفع فكنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن ~~عبدالله بن عامر أن لا يأتيني PageV02P235 بشهادة وقد روي عن السلف رد ~~شهادة قوم ظهر منهم أمور لا يقطع فيها بفسق فاعليها إلا أنها تدل على سخف ~~أو مجون فرأوا رد شهادة أمثالهم منه ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا ~~عبدالله بن أحمد قال حدثنا محمود بن خداش قال حدثنا زيد بن الحباب قال ~~أخبرني داود بن حاتم البصري أن بلال بن أبي بردة وكان على البصرة كان لا ~~يجيز شهادة من يأكل الطين وينتف لحيته وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~حماد بن محمد قال حدثنا شريح قال حدثنا يحيى بن سليمان عن ابن جريج أن رجلا ~~كان من أهل مكة شهد عند عمر بن عبدالعزيز وكان ينتف عنفقته ويحفي لحيته ~~وحول شاربيه فقال ما اسمك قال فلان قال بل اسمك ناتف ورد شهادته وحدثنا ms0817 ~~عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن سعد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم ~~قال حدثنا عبدالرحمن بن محمد عن الجعد بن ذكوان قال دعا رجل شاهدا له عند ~~شريح اسمه ربيعة فقال يا ربيعة يا ربيعة فلم يجب فقال يا ربيعة الكويفر ~~فأجاب فقال له قم وقال لصاحبه هات غيره وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله ~~بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا سعيد بن أبي ~~عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال الأقلف لا تجوز شهادته وروى ~~حماد بن أبي سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة لا تجوز شهادة أصحاب الحمر ~~يعني النخاسين وروي عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام وروى ~~مسعر أن رجلا شهد عند شريح وهو ضيق كم القبا فرد شهادته وقال كيف يتوضأ وهو ~~على هذه الحال وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال ~~حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن تميم بن سلمة قال ~~شهد رجل عند شريح فقال أشهد بشهادة الله فقال شهدت بشهادة الله لا أجيز لك ~~اليوم شهادة قال أبو بكر لما رآه تكلف من ذلك ما ليس عليه لم يره أهلا ~~لقبول شهادته فهذه الأمور التي ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من ~~أجلها غير مقطوع فيها بفسق فاعليها ولا سقوط العدالة وإنما دلهم ظاهرها على ~~سخف من هذه حاله فردوا شهادتهم من أجلها لأن كلا منهم تحري موافقة ظاهر ~~قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء على حسب ما أداه إليه اجتهاده فمن غلب في ~~ظنه سخف من الشاهد أو مجونه أو استهانته بأمر الدين أسقط شهادته قال محمد ~~في كتاب آداب القاضي من ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته قال ولا تجوز شهادة ~~المخنث PageV02P236 ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرها وقد حكي عن سفيان بن ~~عيينة أن رجلا شهد عند ابن أبي ليلى فرد شهادته قال فقلت ms0818 لابن أبي ليلى مثل ~~فلان وحاله كذا وحال ابنه كذا ترد شهادته فقال أين يذهب بك إنه فقير فكان ~~عنده أن الفقر يمنع الشهادة إذ لا يؤمن به أن يحمله الفقر على الرغبة في ~~المال وأقام شهادة بما لا تجوز وقال مالك بن أنس لا تجوز شهادة السؤال في ~~الشيء الكثير وتجوز في الشيء التافه إذا كانوا عدولا فشرط مالك مع الفقر ~~المسألة ولم يقبلها في الشيء الكثير للتهمة وقبلها في اليسير لزوال التهمة ~~وقال المزني والربيع عن الشافعي إذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره ~~الطاعة والمروءة قبلت شهادته وإذا كان الأغلب من حاله المعصية وعدم المروءة ~~ردت شهادته وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم عن الشافعي إذا كان أكثر أمره ~~الطاعة ولم يقدم على كبيرة فهو عدل فأما شرط المروءة فإن أراد به التصاون ~~والصمت والحسن وحفظ الحرمة وتجنب السخف والمجون فهو مصيب وإن أراد به نظافة ~~الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة والشارة الحسنة فقد أبعد وقال غير الحق ~~لأن هذه الأمور ليست من شرائط الشهادة عند أحد من المسلمين # قال أبو بكر جميع ما قدمنا من ذكر أقاويل السلف وفقهاء الأمصار واعتبار ~~كل واحد منهم في الشهادة ما حكينا عنه يدل على أن كلا منهم بنى قبول أمر ~~الشهادة على ما غلب في اجتهاده واستولى على رأيه أنه ممن يرضى ويؤتمن عليها ~~وقد اختلفوا في حكم من لم تظهر منه ريبة هل يسأل عنه الحاكم إذا شهد فروي ~~عن عمر بن الخطاب في كتابه الذي كتبه إلى أبو موسى في القضاء والمسلمون ~~عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ~~ولاء أو قرابة وقال منصور قلت لإبراهيم وما العدل في المسلمين قال من لم ~~تظهر منه ريبة وعن الحسن البصري والشعبي مثله وذكر معمر عن أبيه قال لما ~~ولي الحسن القضاء كان يجيز شهادة المسلمين ة إلا أن يكون الخصم يجرح الشاهد ~~وذكر هشيم قال سمعت ابن شبرمة ms0819 يقول ثلاث لم يعمل بهن أحد قبلي ولن يتركهن ~~أحد بعدي المسألة عن الشهود وإثبات حجج الخصمين وتحلية الشهود في المسألة ~~وقال أبو حنيفة لا أسأل عن الشهود إلا أن يطعن فيهم الخصم المشهود عليه فإن ~~طعن فيهم سألت عنهم في السر والعلانية وزكيتهم في العلانية إلا شهود الحدود ~~والقصاص فإني أسأل عنهم في PageV02P237 السر وأزكيهم في العلانية وقال محمد ~~يسأل عنهم وإن لم يطعن فيهم وروى يوسف بن موسى القطان عن علي بن عاصم عن ~~ابن شبرمة قال أول من سأل في السر أنا كان الرجل يأتي القوم إذا قيل له هات ~~من يزكيك فيقول قومي يزكونني فيستحي القوم فيزكونه فلما رأيت ذلك سألت في ~~السر فإذا صحت شهادته قلت هات من يزكيك في العلانية وقال أبو يوسف ومحمد ~~يسأل عنهم في السر والعلانية ويزكيهم في العلانية وإن لم يطعن فيهم الخصم ~~وقال مالك بن أنس لا يقضي بشهادة الشهود حتى يسئل عنهم في السر وقال الليث ~~أدركت الناس ولا تلتمس من الشاهدين تزكية وإنما كان الوالي يقول للخصم إن ~~كان عندك من يجرح شهادتهم فأت به وإلا أجزنا شهادته عليك وقال الشافعي يسأل ~~عنهم في السر فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل هو هذا لا ~~يوافق اسم اسما ولا نسب نسبا قال أبو بكر ومن قال من السلف بتعديل من ظهر ~~إسلامه فإنما بنى ذلك على ما كانت عليه أحوال الناس من ظهور العدالة في ~~العامة وقلة الفساق فيهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بالخير ~~والصلاح للقرن الأول والثاني والثالث حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا ~~عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي قال حدثنا ~~سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثلاث أو أربع ~~ثم يجيء قوم سبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته قال وكان أصحابنا ~~يضربوننا على ms0820 الشهادة والعهد ونحن صبيان وإنما حمل السلف ومن قال من فقهاء ~~الأمصار مما وصفنا أمر المسلمين في عصرهم على العدالة وجواز الشهادة لظهور ~~العدالة فيهم وإن كان فيهم صاحب ريبة وفسق كان يظهر النكير عليه ويتبين ~~أمره وأبو حنيفة كان في القرن الثالث الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالخير والصلاح فتكلم على ما كانت الحال عليه وأما لو شهد أحوال الناس ~~بعد لقال بقول الآخرين في المسألة عن الشهود ولما حكم لأحد منهم بالعدالة ~~إلا بعد المسألة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأعرابي ~~الذي شهد على رؤية الهلال أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال نعم ~~فأمر الناس بالصيام بخبره ولم يسأل عن عدالته بعد ظهور إسلامه لما وصفنا ~~فثبت بما وصفنا أن أمر التعديل وتزكية الشهود وكونهم مرضيين مبني على ~~اجتهاد الرأي وغالب الظن لاستحالة إحاطة علومنا بغيب أمور الناس وقد حذرنا ~~الله الإغترار بظاهر حال الإنسان والركون PageV02P238 إلى قوله مما يدعيه ~~لنفسه من الصلاح والأمانة فقال ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~الآية ثم أخبر عن مغيب أمره وحقيقة حاله فقال وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها الآية فأعلمنا ذلك من حال بعض من يعجب ظاهر قوله وقال أيضا في صفة قوم ~~آخرين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم الآية فحذر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~الاغترار بظاهر حال الإنسان وأمرنا بالاقتداء به فقال واتبعوه وقال لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة فغير جائز إذا كان الأمر على ما وصفنا الركون ~~إلى ظاهر أمر الإنسان دون التثبت في شهادته والبحث عن أمره حتى إذا غلب في ~~ظنه عدالته قبلها وقد وصف الله تعالى الشهود المقبولين بصفتين إحداهما ~~العدالة في قوله تعالى اثنان ذوا عدل منكم وقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~والأخرى أن يكونوا مرضيين لقوله ممن ترضون من الشهداء والمرضيون لا بد أن ~~تكون من صفتهم العدالة وقد يكون عدلا غير مرضي في الشهادة ms0821 وهو أن يكون غمرا ~~مغفلا يجوز عليه التذوير والتمويه فقوله ممن ترضون من الشهداء قد انتظم ~~الأمرين من العدالة والتيقظ وذكاء الفهم وشدة الحفظ وقد أطلق الله ذكر ~~الشهادة في الزنا غير مقيد بذكر العدالة وهي من شرطها العدالة والرضى جميعا ~~وذلك لقوله عز وجل إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وذلك عموم في إيجاب التثبت ~~في سائر أخبار الفساق والشهادة خبر فوجب التثبت فيها إذا كان الشاهد فاسقا ~~فلما نص الله على التثبت في خبر الفاسق وأوجب علينا قبول شهادة العدول ~~المرضيين وكان الفسق قد يعلم من جهة اليقين والعدالة لا تعلم من جهة اليقين ~~دون ظاهر الحال علمنا أنها مبنية على غالب الظن وما يظهر من صلاح الشاهد ~~وصدق لهجته وأمانته وهذا وإن كان مبنيا على أكثر الظن فهو ضرب من العلم كما ~~قال تعالى في المهاجرات فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وهذا ~~هو علم الظاهر دون الحقيقة فكذلك الحكم بعدالة الشاهد طريقه العلم الظاهر ~~دون المغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى وهذا أصل كبير في الدلالة على صحة ~~القول باجتهاد الرأي في أحكام الحوادث إذ كانت الشهادات من معالم أمور ~~الدين والدنيا وقد عقد بها مصالح الخلق في وثائقهم وإثبات حقوقهم وأملاكهم ~~وإثبات الأنساب والدماء والفروج وهي مبنية على غالب الظن وأكثر الرأي إذ لا ~~يمكن أحدا من الناس إمضاء حكم بشهادة شهود من طريق حقيقة العلم بصحة ~~المشهود به وهو يدل PageV02P239 على بطلان القول بإمام معصوم في كل زمان ~~واحتجاج من يحتج فيه بأن أمور الدين كلها ينبغي أن تكون مبنية على ما يوجب ~~العلم الحقيقي دون غالب الظن وأكثر الرأي وأنه متى لم يكن إمام بهذه الصفة ~~لم يؤمن الخطأ فيها لأن الرأي يخطئ ويصيب لأنه لو كان كما زعموا لوجب أن لا ~~تقبل شهادة الشهود إلا أن يكونوا معصومين مأمونا عليهم الخطأ والزلل فلما ~~أمر الله تعالى بقبول شهادة الشهود إذا كانوا مرضيين في ظاهر أحوالهم دون ~~العلم بحقيقة مغيب أمورهم مع ms0822 جواز الكذب والغلط عليهم ثبت بطلان الأصل الذي ~~بنوا عليه أمر النص فإن قالوا الإمام يعلم صدق الشهود من كذبهم قيل لهم ~~فواجب أن لا يسمع شهادة الشهود غير الإمام وأن لا يكون للإمام قاض ولا أمين ~~إلا أن يكون بمنزلته في العصمة وفي العلم بمغيب أمر الشهود ويجب أن لا يكون ~~أحد من أعوان الإمام إلا معصوما مأمون الزلل والخطأ لما يتعلق به من أحكام ~~الدين فلما جاز أن يكون للإمام حكام وشهود وأعوان بغير هذه الصفة ثبت بذلك ~~جواز كثير من أمور الدين مبنيا على اجتهاد الرأي وغالب الظن وفيما ذكرناه ~~مما تعبدنا الله به في هذه الآية من اعتبار أحوال الشهود بما يغلب في الظن ~~من عدالتهم وصلاحهم دلالة على بطلان قول نفاة القياس والاجتهاد في الأحكام ~~التي لا نصوص فيها ولا إجماع لأن الدماء والفروج والأموال والأنساب من ~~الأمور التي قد عقد بهما مصالح الدين والدنيا وقد أمر الله فيها بقول شهادة ~~الشهود الذين لا نعلم مغيب أمورهم وإنما نحكم بشهاداتهم بغالب الظن وظاهر ~~أحوالهم مع تجويز الكذب والخطأ والزلل والسهو عليهم فثبت بذلك تجويز ~~الاجتهاد واستعمال غلبة الرأي فيما لا نص فيه من أحكام الحوادث ولا اتفاق ~~وفيه الدلالة على جواز قبول الأخبار المقصرة عن إيجاب العلم بمخبراتها من ~~أمور الديانات عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن شهادة الشهود غير موجبة ~~للعلم بصحة المشهود به وقد أمرنا بالحكم بها مع تجويز أن يكون الأمر في ~~المغيب بخلافه فبطل بذلك قول من قال أنه غير جائز قبول خبر من لا يوجب ~~العلم بخبره في أمور الدين وقد دل أيضا على بطلان قول من يستدل على رد ~~أخبار الآحاد بأنا لو قبلناها لكنا قد جعلنا منزلة المخبر أعلى من منزلة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يجب في الأصل قبول خبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا بعد ظهور المعجزات الدالة على صدقه لأن الله تعالى قد أمرنا بقبول ~~شهادة الشهود الذين ظاهرهم العدالة وإن ms0823 لم يكن معها علم معجزة يدل على ~~صدقهم وأما ما ذكرنا من اعتبار PageV02P240 نفي التهمة عن الشهادة وإن كان ~~الشاهد عدلا فإن الفقهاء متفقون على بعضها ومختلفون في بعضها فمما اتفق ~~عليه فقهاء الأمصار بطلان شهادة الشاهد لولده ووالده إلا شيء يحكى عن عثمان ~~البتي قال تجوز شهادة الولد لوالديه وشهادة الأب لابنه ولامرأته إذا كانوا ~~عدولا مهذبين معروفين بالفضل ولا يستوي الناس في ذلك ففرق بينهما لوالده ~~وبينها للأجنبي فأما أصحابنا ومالك والليث والشافعي والأوزاعي فإنهم لا ~~يجيزون شهادة واحد منهما للآخر فقد حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا ~~عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن ~~الشعبي عن شريح قال لا تجوز شهادة الإبن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة ~~لزوجها ولا الزوج لامرأته وروي عن إياس بن معاوية أنه أجاز شهادة رجل لابنه ~~حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا خالد الحذاء عن إياس بن معاوية ~~بذلك والذي يدل على بطلان شهادته لابنه قوله عز وجل ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ولم يذكر بيوت الأبناء لأن قوله تعالى من ~~بيوتكم قد انتظمها إذ كانت منسوبة إلى الآباء فاكتفى بذكر بيوتهم عن ذكر ~~بيوت أبنائهم وقال صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فأضاف الملك إليه ~~وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم ~~فلما أضاف ملك الإبن إلى الأب وأباح أكله له وسماه له كسبا كان المثبت ~~لابنه حقا بشهادته بمنزلة مثبته لنفسه ومعلوم بطلان شهادته لنفسه فكذلك ~~لابنه وإذا ثبت ذلك في الإبن كان ذلك حكم شهادة الابن لأبيه إذ لم يفرق أحد ~~بينهما فإن قيل إذا كان الشاهد عدلا فواجب قبول شهادته لهؤلاء كما نقبلها ~~لأجنبي وإن كانت شهادته لهؤلاء غير مقبولة لأجل التهمة فغير جائز قبولها ~~للأجنبي لأن ms0824 من كان متهما في الشهادة لابنه بما ليس يحق له فجائزة عليه مثل ~~هذه التهمة للأجنبي قيل له ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ~~ولأبيه تهمة فسق ولا كذب وإنما التهمة فيه من قبل أنه يصير فيها بمعنى ~~المدعي لنفسه ألا ترى أن أحدا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته لا ~~يجوز أن يكون مصدقا فيما يدعيه لنفسه لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل ~~مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها فالشاهد لابنه بمنزلة ~~المدعي لنفسه لما بينا وكذلك قال أصحابنا إن كل شاهد يجر بشهادته ~~PageV02P241 إلى نفسه مغنما أو يدفع بها عن نفسه مغرما فغير مقبول الشهادة ~~لأنه حينئذ يقوم مقام المدعي والمدعي لا يجوز أن يكون شاهدا فيما يدعيه ولا ~~أحد من الناس أصدق من نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ دلت الأعلام المعجزة ~~على أنه لا يقول إلا حقا وإن الكذب غير جائز عليه مع وقوع العلم لنا بمغيب ~~أمره وموافقة باطنه لظاهره ولم يقتصر فيما ادعاه لنفسه على دعواه دون شهادة ~~غيره حين طالبه الخصم بها وهو قصة خزيمة بن ثابت حدثنا عبدالرحمن بن سيما ~~قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا ~~شعيب عن الزهري قال حدثنا عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه وهو من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من ~~أعرابي وذكر القصة وقال فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك ~~فقال خزيمة أنا أشهد أنك بايعته فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة ~~فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~شهادة خزيمة بشهادة رجلين فلم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه على ~~ما تقرر وثبت بالدلائل والأعلام أنه لا يقول إلا حقا ولم يقل للأعرابي حين ~~قال هلم شهيدا أنه لا بينة عليه وكذلك سائر المدعين ms0825 فعليهم إقامة بينة لا ~~يجر بها إلى نفسه مغنما ولا يدفع بها عنها مغرما وشهادة الوالد لولده يجر ~~بها إلى نفسه أعظم المغنم كشهادته لنفسه والله تعالى أعلم # | ومن هذا الباب أيضا شهادة أحد الزوجين للآخر # وقد اختلف الفقهاء فيها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والأوزاعي والليث لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر وقال الثوري تجوز شهادة ~~الرجل لامرأته وقال الحسن بن صالح لا تجوز شهادة المرأة لزوجها وقال ~~الشافعي تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر قال أبو بكر هذا نظير شهادة الوالد ~~للولد والولد للوالد وذلك من وجوه أحدها أنه معلوم تبسط كل واحد من الزوجين ~~في مال الآخر في العادة وأنه كالمباح الذي لا يحتاج فيه إلى الإستيذان فما ~~يثبته الزوج لامرأته بمنزلة ما يثبته لنفسه وكذلك ما تثبته المرأة لزوجها ~~ألا ترى أنه لا فرق في المعتاد بين تبسطه في مال الزوج والزوجة وبينه في ~~مال أبيه وابنه ولما كان كذلك وكانت شهادته لوالده وولده غير جائزة كان ~~كذلك حكم شهادة الزوج والزوجة وأيضا فإن شهادته لزوجته بمال توجب زيادة ~~قيمة البضع الذي في ملكه لأن مهره مثلها يزيد بزيادة مالها فكان شاهدا ~~لنفسه بزيادة قيمة ما هو ملكه وقد PageV02P242 روي عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال لعبدالله بن عمرو بن الحضرمي لما ذكر له أن عبده سرق مرة لامرأته عبدكم ~~سرق مالكم لا قطع عليه فجعل مال كل واحد منهما مضافا إليهما بالزوجية التي ~~بينهما فما يثبته كل واحد لصاحبه فكأنه يثبته لنفسه ومن جهة أخرى أنه كلما ~~كثر مال الزوج كانت النفقة التي تستحقها أكثر فكأنها شاهدة إذ كانت مستحقة ~~للنفقة بحق الزوجية في حالي الفقر والغنى فإن قال قائل فالأخت الفقيرة ~~والأخ الزمن يستحقان للنفقة على أخيهما إذا كان غنيا ولم يمنع ذلك جواز ~~شهادتهما له قيل له ليست الأخوة موجبة للإستحقاق لأن الغني لا يستحقها مع ~~وجود النسب والفقير لا تجب عليه مع وجود الأخوة والزوجية سبب لاستحقاقها ~~فقيرا كان الزوج ms0826 أو غنيا فكانت المرأة مثبتة بشهادتها لنفسها زيادة النفقة ~~مع وجود الزوجية الموجبة لها والنسب ليس كذلك لأنه غير موجب للنفقة لوجوده ~~بينهما فلذلك اختلفا # | ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير # وقد ذكر الطحاوي عن محمد بن سنان عن عيسى عن محمد عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة أن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء وإن كان عدلا لا استحسانا ~~قال أبو بكر روى هشام وابن رستم عن محمد أن شهادة الأجير الخاص غير جائزة ~~لمستأجره وتجوز شهادة الأجير المشترك له ولم يذكر خلافا عن أحد منهم وهو ~~قول عبيدالله بن الحسن وقال مالك لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره إلا أن ~~يكون مبرزا في العدالة وإن كان الأجير في عياله لم تجز شهادته له وقال ~~الأوزاعي لا تجوز شهادة الأجير لمستأجره وقال الثوري شهادة الأجير جائزة ~~إذا كان لا يجر إلى نفسه حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى ~~قال حدثنا أبو عمر الحوضي قال حدثنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن ~~والخائنة وشهادة ذي الغمر على أخيه ورد القانع لأهل البيت وأجازها على ~~غيرهم وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا محمد بن راشد ~~بإسناده مثله إلا أنه قال ورد شهادة القانع لأهل البيت قال أبو بكر قوله ~~القانع لأهل البيت يدخل فيه الأجير الخاص لأن معناه التابع لهم والأجير ~~الخاص هذه صفته وأما الأجير المشترك فهو وسائر الناس في ماله بمنزلة فلا ~~يمنع ذلك جواز شهادته وكذلك شريك العنان تجوز شهادته PageV02P243 له في غير ~~مال الشركة وقال أصحابنا كل شهادة ردت للتهمة لم تقبل أبدا مثل شهادة أحد ~~الزوجين للآخر إذا ردت لفسقه ثم تاب وأصلح فشهد بتلك الشهادة لم تقبل أبدا ~~ومثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت ثم شهد بها بعد زوال الزوجية لم تقبل ~~أبدا وقالوا لو شهد عبد ms0827 بشهادة أو كافر أو صبي فردت ثم أعتق العبد أو أسلم ~~الكافر أو كبر الصبي أو عتق العبد وشهد بها لم تقبل أبدا ولو لم تكن ردت ~~قبل ذلك فإنها جائزة وروي عن عثمان بن عفان مثل قول مالك وإنما قال أصحابنا ~~أنها إذا ردت لتهمة لم تقبل أبدا من قبل أن الحاكم قد حكم بإبطالها وحكم ~~الحاكم لا يجوز فسخه إلا بحكم ولا يصح فسخه بما لا يثبت من جهة الحكم فلما ~~لم يصح الحكم بزوال التهمة التي من أجلها ردت الشهادة كان حكم الحاكم ~~بإبطال تلك الشهادة ماضيا لا يجوز فسخه أبدا وأما الرق والكفر والصغر فإن ~~المعاني التي ردت من أجلها وحكم الحاكم بإبطالها محكوم بزوالها لأن الحرية ~~والإسلام والبلوغ كل ذلك مما يحكم به الحاكم فلما صح حكم الحاكم بزوال ~~المعاني التي من أجلها بطلت شهادتهم وجب أن تقبل ولما لم يصح أن يحكم ~~الحاكم بزوال التهمة لأن ذلك معنى لا تقوم به البينة ولا يحكم به الحاكم ~~كان حكم الحاكم بإبطالها ماضيا إذا كان ما ثبت من طريق الحكم لا ينفسخ إلا ~~من جهة الحكم فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرناها من العدالة ونفي التهمة ~~وقلة الغفلة هي من شرائط الشهادات وقد انتظمها قوله تعالى ممن ترضون من ~~الشهداء فانظر إلى كثره هذه المعاني والفوائد والدلالات على الأحكام التي ~~في ضمن قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته ~~اختصاره وظهور فوائده وجميع ما ذكرنا من عند ذكرنا لمعنى هذا اللفظ من ~~أقاويل السلف والخلف واستنباط كل واحد منهم ما في مضمونه وتحريم موافقته مع ~~احتماله لجميع ذلك يدل على أنه كلام الله ومن عنده تعالى وتقدس إذ ليس في ~~وسع المخلوقين إيراد لفظ يتضمن من المعاني والدلالات والفوائد والأحكام ما ~~تضمنه هذا القول مع اختصاره وقلة عدد حروفه وعسى أن يكون مالم يحط به علمنا ~~من معانيه مما لو كتب لطال وكثر والله نسئل التوفيق لنعلم أحكامه ودلائل ~~كتابه وأن يجعل ms0828 ذلك خالصا لوجهه قوله تعالى عز وجل أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى قرئ فتذكر إحداهما الأخرى بالتشديد وقرئ فتذكر إحداهما ~~الأخرى بالتخفيف وقيل إن معناهما قد يكون PageV02P244 واحدا يقال ذكرته ~~وذكرته وروي ذلك عن الربيع بن أنس والسدي والضحاك وحدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا أبو عبيد مؤمل الصيرفي قال حدثنا أبو يعلى البصري قال حدثنا ~~الأصمعي عن أبي عمرو قال من قرأ فتذكر مخففة أراد تجعل شهادتهما بمنزلة ~~شهادة ذكر ومن قرأ فتذكر بالتشديد أراد من جهة التذكير وروي ذلك عن سفيان ~~بن عيينة قال أبو بكر إذا كان محتملا للأمرين وجب حمل كل واحدة من ~~القراءتين على معنى وفائدة مجددة فيكون قوله تعالى فتذكر بالتخفيف تجعلهما ~~جميعا بمنزلة رجل واحد في ضبط الشهادة وحفظها وإتقانها وقوله تعالى فتذكر ~~من التذكير عند النسيان واستعمال كل واحد منهما على موجب دلالتيهما أولى من ~~الاقتصار بها على موجب دلالة أحدهما ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن قيل يا ~~رسول الله وما نقصان عقلهن قال جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل فهذا موافق ~~لمعنى من تأول فتذكر إحداهما الأخرى على أنهما تصيران في ضبط الشهادة ~~وحفظها بمنزلة رجل وفي هذه الآية دلالة على أنه غير جائز لأحد إقامة شهادة ~~وإن عرف خطه إلا أن يكون ذاكرا لها ألا ترى ذكر ذلك بعد الكتاب والإشهاد ثم ~~قال تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فلم يقتصر بنا على الكتاب ~~والخط دون ذكر الشهادة وكذلك قوله تعالى ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة ~~وأدنى أن لا ترتابوا فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به لتستذكر به كيفية ~~الشهادة وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها وفيها الدلالة على أن الشاهد ~~إذا قال ليس عندي شهادة في هذا الحق ثم قال عندي شهادة فيه أنها مقبولة ~~لقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فأجازها إذا ذكرها بعد ~~نسيانها وذكر ms0829 ابن رستم عن محمد رحمه الله في رجل سئل عن شهادة في أمر كان ~~يعلمه فقال ليس عندي شهادة ثم أنه شهد بها في ذلك عند القاضي قال تقبل منه ~~إذا كان عدلا لأنه يقول نسيتها ثم ذكرتها ولأن الحق ليس له فيجوز قوله عليه ~~وإنما الحق لغيره فكذلك تقبل شهادته فيه قال أبو بكر يعني أنه ليس هذا مثل ~~أن يقول المدعي ليس لي عنده هذا الحق ثم يدعيه فلا تقبل دعواه له بعد ~~إقراره لأنه أبرأه من الحق وأقر على نفسه فجاز إقراره فلا تقبل دعواه بعد ~~ذلك لذلك الحق لنفسه لأنه قد أبطلها بإقراره وأما الشهادة فإنما هي حق ~~للغير فلا يبطلها قوله ليس عندي شهادة وقوله PageV02P245 تعالى أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى يدل على صحة هذا القول وقد اختلف الفقهاء في ~~الشهادة على الخط فقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يشهد بها حتى يذكرها وهذا هو ~~المشهور من قولهم وروى ابن رستم قال قلت لمحمد رجل يشهد على شهادة وكتبها ~~بخطه وختمها أو لم يختم عليها وقد عرف خطه قال إذا عرف خطه وسعه أن يشهد ~~عليها ختم عليه أو لم يختم قال فقلت إن كان أميا لا يقرأ فكتب غيره له قال ~~لا يشهد حتى يحفظ ويذكرها وقال أبو حنيفة ما وجد القاضي في ديوانه لا يقضي ~~به إلا أن يذكره وقال أبو يوسف يقضي به إذا كان في قمطره وتحت خاتمه لأنه ~~لو لم يفعله أضر بالناس وهو قول محمد ولا خلاف بينهم أنه لا يمضي شيئا منه ~~إذا لم يكن تحت خاتمه وأنه لا يمضي ما وجده في ديوانه غيره من القضاة إلا ~~أن يشهد به الشهود على حكم الحاكم الذي قبله وقال ابن أبي ليلى مثل قول أبي ~~يوسف فيما يجده في ديوانه وذكر أبو يوسف أيضا عن ابن أبي ليلى إذا أقر عند ~~القاضي لخصمه فلم يثبته في ديوانه ولم يقض به عليه ثم سأله المقر له به أن ~~يقضي ms0830 له على خصمه فإنه لا يقضي به عليه في قول ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف يقضي به عليه إذا كان يذكره وقال مالك فيمن عرف خطه ولم يذكر ~~الشهادة أنه لايشهد على ما في الكتاب ولكن يؤدي شهادته إلى الحاكم كما علم ~~وليس للحاكم أن يجيزها فإن كتب الذي عليه الحق شهادته على نفسه في ذكر الحق ~~ومات الشهود فأنكر فشهد رجلان أنه خط نفسه فإنه يحكم عليه بالمال ولا ~~يستحلف رب المال وذكر أشهب عنه فيمن عرف خطه ولا يذكر الشهادة أنه يؤديها ~~إلى السلطان ويعلمه ليرى فيه رأيه وقال الثوري إذا ذكر أنه شهد ولا يذكر ~~عدد الدراهم فإنه لا يشهد وإن كتبها عنده ولم يذكر إلا أنه يعرف الكتاب ~~فإنه إذا ذكر أنه شهد وأنه قد كتبها فأرى أن يشهد على الكتاب وقال الليث ~~إذا عرف أنه خط يده وكان ممن يعلم أنه لا يشهد إلا بحق فليشهد وقال الشافعي ~~إذا ذكر إقرار المقر حكم به عليه أثبته في ديوانه أو لم يثبته لأنه لا معنى ~~للديوان إلا الذكر وقال في كتاب المزني أنه لا يشهد حتى يذكر قال أبو بكر ~~قد ذكرنا دلالة قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ودلالة ~~قوله تعالى بعد ذكر الكتاب ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ~~ترتابوا على أن من شرط جواز إقامة الشهادة ذكر الشاهد لها وأنه لا يجوز ~~الاقتصار فيها على الخط إذ الخط والكتاب مأمور به لتذكر به PageV02P246 ~~الشهادة ويدل عليه أيضا قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون فإذا لم ~~يذكرها فهو غير عالم بها وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم يدل على ذلك ~~ويدل عليه حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيت مثل ~~الشمس فاشهد وإلا فدع وقد تقدم ذكر سنده وأما الخط فقد يزور عليه وقد يشتبه ~~على الشاهد فيظن أنه خطه وليس بخطه ولما كانت الشهادة من ms0831 مشاهدة الشيء ~~وحقيقة العلم به فمن لا يذكر الشهادة فهو بخلاف هذه الصفة فلا تجوز له ~~إقامة الشهادة به وقد أكد أمر الشهادة حتى صار لا يقبل فيها إلا صريح لفظها ~~ولا يقبل ما يقوم مقامها من الألفاظ فكيف يجوز العمل على الخط الذي يجوز ~~عليه التزوير والتبديل وقد روي عن أبي معاوية النخعي عن الشعبي فيمن عرف ~~الخط والخاتم ولا يذكر الشهادة أنه لا يشهد به حتى يذكرها وقوله تعالى أن ~~تضل إحداهما معناه أن ينساها لأن الضلال هو الذهاب عن الشيء فلما كان ~~الناسي ذاهبا عما نسيه جاز أن يقال ضل عنه بمعنى أنه نسيه وقد يقال أيضا ~~ضلت عنه الشهادة وضل عنها والمعنى واحد والله تعالى أعلم # | باب الشاهد واليمين # اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين الطالب فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة لا يحكم إلا بشاهدين ولا يقبل شاهد ويمين في ~~شيء وقال مالك والشافعي يحكم به في الأموال خاصة قال أبو بكر قوله تعالى ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء يوجب بطلان القول بالشاهد واليمين وذلك لأن قوله واستشهدوا يتضمن ~~الإشهاد على عقود المداينات التي ابتدأ في الخطاب بذكرها ويتضمن إقامتها ~~عند الحاكم ولزوم الحاكم الأخذ بها لاحتمال اللفظ للحالين ولأن الإشهاد على ~~العقد إنما الغرض فيه إثباته عند التجاحد فقد تضمن لا محالة استشهاد ~~الشاهدين أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم وإلزامه الحكم به وإذا ~~كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب لأنه أمر وأوامر الله على الوجوب فقد ~~ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور كقوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~وقوله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولم يجز الاقتصار على ما دون ~~العدد المذكور كذلك العدد المذكور للشهادة غير جائز الاقتصار فيه على ما ~~دونه وفي تجويز أقل منه PageV02P247 مخالفة الكتاب كما لو أجاز مجيز أن ~~يكون حد القذف سبعين أو حد الزنا تسعين كان مخالفا للآية وأيضا قد ms0832 انتظمت ~~الآية شيئين من أمر الشهود أحدهما العدد والآخر الصفة وهي أن يكونوا أحرارا ~~مرضيين لقوله تعالى من رجالكم وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء فلما لم ~~يجز إسقاط الصفة المشروطة لهم والاقتصار على دونها لم يجز إسقاط العدد إذ ~~كانت الآية مقتضية لاستيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها وهو العدد والعدالة ~~والرضا فغير جائز إسقاط واحد منهما والعدد أولى بالاعتبار من العدالة ~~والرضا لأن العدد معلوم من جهة اليقين والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر ~~لا من طريق الحقيقة فلما لم يجز إسقاط العدالة المشروطة من طريق الظاهر لم ~~يجز إسقاط العدد المعلوم من جهة الحقيقة واليقين وأيضا فلما أراد الله ~~الاحتياط في إجازة شهادة النساء أوجب شهادة المرأتين وقال أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى ثم قال ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ~~ترتابوا فنفى بذلك أسباب التهمة والريب والنسيان وفي مضمون ذلك ما ينفي ~~قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد لما فيه من الحكم بغير ما أمر به من ~~الاحتياط والاستظهار ونفي الريبة والشك وفي قبول يمينه أعظم الريب والشك ~~وأكبر التهمة وذلك خلاف مقتضى الآية ويدل على بطلان الشاهد واليمين قول ~~الله تعالى ممن ترضون من الشهداء وقد علمنا أن الشاهد الواحد غير مقبول ولا ~~مراد بالآية ويمين الطالب لا يجوز أن يقع عليها إثم الشاهد ولا يجوز أن ~~يكون رضي فيما يدعيه لنفسه فالحكم بشاهد واحد ويمينه مخالف للآية من هذه ~~الوجوه ورافع لما قصد به من أمر الشهادات من الاحتياط والوثيقة على ما بين ~~الله في هذه الآية وقصد به من المعاني المقصودة بها ويدل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وفرق بين ~~اليمين والبينة فغير جائز أن تكون اليمين بينة لأنه لو جاز أن تسمى اليمين ~~بينة لكان بمنزلة قول القائل البينة على المدعي والبينة على المدعى عليه ~~وقوله البينة اسم للجنس فاستوعب ما تحتها فما من بينة إلا وهي التي على ms0833 ~~المدعي فإذا لا يجوز أن يكون عليه اليمين وأيضا لما كانت البينة لفظا مجملا ~~قد يقع على معان مختلفة واتفقوا أن الشاهدين والشاهد والمرأتين مرادون بهذا ~~الخبر وأن الاسم يقع عليهم صار كقوله الشاهدان أو الشاهد والمرأتان على ~~المدعي فغير جائز الاقتصار على ما دونهم وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق ~~الآحاد فإن PageV02P248 الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال فصار في حيز ~~المتواتر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى ~~قوم دماء قوم وأموالهم فحوى هذا الخبر ضربين من الدلالة على بطلان القول ~~بالشاهد واليمين أحدهما أن يمينه دعواه لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد فلو ~~استحق بيمينه كان مستحقا بدعواه وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~والثاني إن دعواه لما كانت قوله ومنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحق ~~بها شيئا لم يجز أن يستحق بيمينه إذا كانت يمينه قوله ويدل على ذلك حديث ~~علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ادعاها ~~في يده وجحد الكندي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي شاهداك أو يمينه ~~ليس لك إلا ذلك فنفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحق شيئا بغير شاهدين ~~وأخبر أنه لا شيء له غير ذلك فإن قيل لم ينف بذلك أن يستحق بإقرار المدعى ~~عليه كذلك لا ينفي أن يستحق بشاهد ويمين قيل له قد كان المدعى عليه جاحدا ~~فبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم ما يوجب صحة دعواه عند الجحود فأما حال ~~الإقرار فلم يجز لها ذكر وهي موقوفة على الدلالة وأيضا فإن ظاهره يقتضي أن ~~لا يستحق شيئا إلا ما ذكرنا في الخبر والإقرار قد ثبت بالإجماع وجوب ~~الاستحقاق به فحكمنا به أو الشاهد واليمين مختلف فيه فقضى قوله شاهداك أو ~~يمينه ليس لك إلا ذلك ببطلانه واحتج القائلون بالشاهد واليمين بأخبار رويت ~~مبهمة ذكر فيها قضية النبي صلى الله عليه وسلم به أنا ذاكرها ومبين ما فيها ~~أحدها ms0834 ما حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي ~~قال حدثنا أبو سعيد قال حدثنا سليمان قال حدثنا ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن ~~سهل بن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين ~~مع الشاهد وروى عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن ~~أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وحديث آخر وهو ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن ~~بن علي أن زيد بن الحباب حدثهم قال حدثنا سيف يعني ابن سليمان المكي عن قيس ~~بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ~~بيمين وشاهد وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى ~~وسلمة بن شبيب قالا حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن ~~دينار بإسناده ومعناه وحدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالرحمن بن ~~أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبدالله بن الحرث قال حدثنا PageV02P249 سيف ~~بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد قال عمرو وإنما ذاك في الأموال وحدثنا ~~عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع ~~قال حدثنا خلد بن أبي كريمة عن أبي جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أجاز شهادة رجل مع يمين المدعي في الحقوق ورواه مالك وسفيان عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بشهادة رجل مع اليمين ~~قال أبو بكر والمانع من قبول هذه الأخبار وإيجاب الحكم بالشاهد واليمين بها ~~وجوه أحدها فساد طرقها والثاني جحود المروي عنه روايتها والثالث رد نص ~~القرآن لها والرابع أنها لو سلمت من الطعن والفساد لما دلت ms0835 على قول المخالف ~~والخامس احتمالها لموافقة الكتاب فأما فسادها من طريق النقل فإن حديث سيف ~~بن سليمان غير ثابت لضعف سيف بن سليمان هذا ولأن عمرو بن دينار لا يصح له ~~سماع من ابن عباس فلا يصح لمخالفنا الاحتجاج به وحدثنا عبدالرحمن بن سيما ~~قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال ~~حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن إسماعيل بن عمرو بن قيس ~~بن سعد بن عبادة عن أبيه أنهم وجدوا في كتاب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد فلو كان عنده عن عمرو بن دينار عن ~~ابن عباس لذكره ولم يلجأ إلى ما وجده في كتاب وأما حديث سهيل فإن محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري قال ~~حدثنا الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد قال أبو داود ~~وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال أخبرنا الشافعي عن ~~عبدالعزيز قال فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته ~~إياه ولا أحفظه قال عبدالعزيز وقد كان أصابت سهيلا علة أزالت بعض عقله ونسي ~~بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه وحدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن داود الإسكندراني قال حدثنا زياد ~~يعني ابن يونس قال حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بإسناد أبي مصعب ومعناه ~~قال سليمان فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فقال ما أعرفه فقلت له إن ~~ربيعة أخبرني به عنك قال فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني ~~ومثل هذا الحديث لا يثبت به شريعة مع إنكار من روى PageV02P250 عنه إياه ~~وفقد معرفته به فإن قال قائل يجوز أن يكون رواه ثم ms0836 نسيه قيل له ويجوز أن ~~يكون قد وهم بديا فيه وروى ما لم يكن سمعه وقد علمنا أنه كان آخر أمره ~~جحوده وفقد العلم به فهو أولى وأما حديث جعفر بن محمد فإنه مرسل وقد وصله ~~عبدالوهاب الثقفي وقيل إنه أخطأ فيه فذكر فيه جابرا وإنما هو عن أبي جعفر ~~محمد بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر فهذه الأمور التي ~~ذكرنا إحدى العلل المانعة من قبول هذه الأخبار وإثبات الأحكام بها ومن جهة ~~أخرى وهو ما حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني ~~أبي قال حدثنا إسماعيل عن سوار بن عبدالله قال سألت ربيعة الرأي قلت قولكم ~~شهادة الشاهد ويمين صاحب الحق قال وجدت في كتاب سعد فلو كان حديث سهيل ~~صحيحا عند ربيعة لذكره ولم يعتمد على ما وجد في كتاب سعد وحدثنا عبدالرحمن ~~بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبدالرزاق قال ~~حدثنا معمر عن الزهري في اليمين مع الشاهد قال هذا شيء أحدثه الناس لا إلا ~~شاهدين حدثنا حماد بن خالد الخياط قال سألت ابن أبي ذئب إيش كان الزهري ~~يقول في اليمين مع الشاهد قال كان يقول بدعة وأول من أجازه معاوية وروى ~~محمد بن الحسن عن ابن أبي ذئب قال سألت الزهري عن شهادة شاهد ويمين الطالب ~~فقال ما أعرفه وأنها البدعة وأول من قضى به معاوية والزهري من أعلم أهل ~~المدينة في وقته فلو كان هذا الخبر ثابتا كيف كان يخفى مثله عليه وهو أصل ~~كبير من أصول الأحكام وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به وأنه بدعة ~~وقد روي عن معاوية أنه قضى بشهادة امرأة واحدة في المال من غير يمين الطالب ~~حدثنا عبدالرحمن بن سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا عبدالرزاق وروح ومحمد بن بكر قالوا أخبرنا ابن جريج قال أخبرني ~~عبدالله ابن أبي مليكة أن علقمة بن أبي وقاص ms0837 أخبره أن أم سلمة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم شهدت لمحمد بن عبدالله بن زهير وأخوته أن ربيعة بن أبي ~~أمية أعطى أخاه زهير بن أبي أمية نصيبه من ريعه ولم يشهد على ذلك غيرها ~~فأجاز معاوية شهادتها وحدها وعلقمة حاضر ذلك من قضاء معاوية فإن كان قضاء ~~معاوية بالشاهد مع اليمين جائزا فينبغي أن يجوز أيضا قضاؤه بالشاهد من غير ~~يمين الطالب فاقضوا بمثله وأبطلوا حكم الكتاب والسنة وحدثنا عبدالرحمن بن ~~سيما قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبدالرزاق قال ~~PageV02P251 أخبرنا ابن جريج قال كان عطاء يقول لا يجوز شهادة على دين ولا ~~غيره دون شاهدين حتى إذا كان عبدالملك بن مروان جعل مع شهادة الرجل الواحد ~~يمين الطالب وروى مطرف بن مازن قاضي أهل اليمن عن ابن جريج عن عطاء بن أبي ~~رباح قال أدركت هذا البلد يعني مكة وما يقضى فيه في الحقوق إلا بشاهدين حتى ~~كان عبدالملك بن مروان يقضي بشاهد ويمين وروى الليث بن سعد عن زريق بن حكيم ~~أنه كتب إلى عمر بن عبدالعزيز وهو عامله إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة ~~الشاهد ويمين صاحب الحق فكتب إليه عمر إنا قد كنا نقضي كذلك وإنا وجدنا ~~الناس على غير ذلك فلا تقضين إلا بشهادة رجلين أو برجل وامرأتين فقد أخبر ~~هؤلاء السلف أن القضاء باليمين سنة معاوية وعبدالملك وأنه ليس بسنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلو كان ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خفى على ~~علماء التابعين فهذان الوجهان اللذان ذكرنا أحدهما فساد السند واضطرابه ~~والثاني جحود سهيل له وهو العمدة فيه وأخبار ربيعة أن أصله ما وجد في كتاب ~~سعد وإنكار علماء التابعين وأخبارهم أنه بدعة وأن معاوية وعبدالملك أول من ~~قضى به والوجه الثالث أنها لو وردت من طرق مستقيمة تقبل أخبار الآحاد في ~~مثلها وعريت من ظهور نكير السلف على روايتها وأخبارهم أنها بدعة لما جاز ~~الاعتراض بها على نص القرآن إذ غير جائز ms0838 نسخ القرآن بأخبار الآحاد ووجه ~~النسخ منه أن المفهوم منه الذي لا يرتاب به أحد من سامعي الآية من أهل ~~اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين وفي استعمال هذا الخبر ترك ~~موجب الآية والاقتصار على أقل من العدد المذكور إذ غير جائز أن ينطوي تحت ~~ذكر العدد المذكور في الآية الشاهد واليمين كما كان المفهوم من قوله ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة وقوله فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة منع الاقتصار ~~على أقل منها في كونها حدا فإن قال قائل جائز أن يكون حد القاذف أقل من ~~ثمانين وحد الزاني أقل من مائة كان مخالفا للآية كذلك من وجه آخر وهو ما ~~أبان الله تعالى من قبل شهادة رجل واحد فقد لخالف أمر الله وتعالى في ~~إستشهاد شاهتدين وهو مخالف لمعنى كذلك به عن المقصد في الكتاب واستشهاد ~~الشهود في قوله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا وقوله ~~ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فأخبر أن المقصد ~~فيه الاحتياط والتوثق لصاحب الحق والاستظهار بالكتاب والشهود لنفي الريبة ~~PageV02P252 والشك والتهمة عن الشهود في قوله ممن ترضون من الشهداء وفي ~~الحكم بشاهد ويمين دفع هذه المعاني كلها وإسقاط اعتبارها فثبت بما وصفنا أن ~~الحكم بها خلاف الآية فهذان الوجهان مما قد ظهر بهما مخالفة الحكم بالشاهد ~~واليمين للآية وأيضا فلما كان حكم القرآن في الشاهدين والرجل والمرأتين ~~مستعملا ثابتا وكانت أخبار الشاهد واليمين مختلفا فيها وجب أن يكون خبر ~~الشاهد واليمين منسوخا بالقرآن لأنه لو كان ثابتا لاتفق على استعمال حكمه ~~كاتفاقهم على استعمال حكم القرآن والوجه الرابع أن خبر الشاهد واليمين لو ~~سلم من معارضة الكتاب وورد من طرق مستقيمة لما صح الاحتجاج به في الاستحقاق ~~فشاهد ويمين الطالب وذلك أن أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~بشاهد ويمين وهذه حكاية قضية من النبي صلى الله عليه وسلم ليس بلفظ عموم في ~~إيجاب الحكم بشاهد ويمين حتى يحتج به ms0839 في غيره ولم يبين لنا كيفيتها في ~~الخبر وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع ~~الشاهد وذلك محتمل أن يريد به أن وجود الشاهد الواحد لا يمنع استحلاف ~~المدعى عليه وأن وجوده وعدمه بمنزلة وقد كان يجوز أن يظن ظان أن اليمين ~~إنما تجب على المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي شاهد أصلا فأبطل الراوي بنقله ~~لهذه القضية ظن الظان لذلك وأيضا فإن الشاهد قد يكون اسما للجنس فجائز أن ~~يكون مراد الراوي أنه قضى باليمين في حال وبالبينة في حال فلا يكون حكم ~~الشاهد مفيدا للقضاء بشهادة واحد وهذا كقوله تعالى والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما لما كان اسما للجنس لم يكن المراد سارقا واحدا وجائز أن ~~يكون قضى بشاهد واحد وهو خزيمة بن ثابت الذي جعل شهادته بشهادة رجلين ~~فاستحلف الطالب مع ذلك لأن المطلوب ادعى البراءة والوجه الخامس احتماله ~~لموافقة مذهبنا وذلك بأن تكون القضية فيمن اشترى جارية وادعى عيبا في موضع ~~لا يجوز النظر إليه إلا لعذر فتقبل شهادة الشاهد الواحد في وجود العيب ~~واستحلف المشتري مع ذلك بالله ما رضي فيكون قد قضى بالرد على البائع بشهادة ~~شاهد مع يمين الطالب وهو المشتري وإذا كان خبر الشاهد واليمين محتملا لما ~~وصفنا وجب حمله عليه وأن لا يزال به حكم ثابت من جهة نص القرآن لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق ~~كتاب الله فهو مني وما خالفه فليس مني PageV02P253 وأيضا فإن القضية ~~المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في الأموال أو غيرها وقد ~~اتفق الفقهاء على بطلانه في غير الأموال فكذلك في الأموال فإن قيل قال عمرو ~~ابن دينار ومذهبه وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها في الأموال ~~فإذا جاز أن لا يقضى في غير الأموال وإن كانت القضية مبهمة ليس فيها بيان ~~ذكر الأموال ولا غيرها فكذلك لا يقضى به في الأموال إذا ms0840 لم يبين كيفيتها ~~وليس القضاء بها في الأموال بأولى منه في غيرها فإن قيل إنما يقضى به فيما ~~تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد ~~مع شهادة الآخر قيل له هذه دعوى لا دلالة عليها ومع ذلك فكيف صارت يمين ~~الطالب قائمة مقام شاهد آخر دون أن تقوم مقام امرأة ويقال له أرأيت لو كان ~~المدعي امرأة هل تقيم يمينها مقام شهادة رجل فإن قال نعم قيل له فقد صارت ~~اليمين آكد من ا لشهادة لأنك لا تقبل شهادة امرأة واحدة في الحقوق وقبلت ~~يمينها وأقمتها مقام شهادة رجل واحد والله تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى ~~من الشهداء وإن كانت هذه شهادة وقامت يمينها مقام شهادة رجل فقد خالفت ~~القرآن لأن أحدا لا يكون مرضيا فيما يدعيه لنفسه ومما يدل على تناقض قولهم ~~أنه لا خلاف أن شهادة الكافر غير مقبولة على المسلم في عقود المداينات ~~وكذلك شهادة الفاسق غير مقبولة ثم إن كان المدعي كافرا أو فاسقا وشهد منه ~~شاهد واحد استحلفوه واستحق ما يدعيه بيمينه وهو لو شهد مثل هذه الشهادة ~~لغيره وحلف عليها خمسين يمينا لم تقبل شهادته ولا أيمانه وإذا ادعى لنفسه ~~وحلف استحق ما ادعى بقوله مع أنه غير مرضي ولا مأمون لا في شهادته ولا في ~~أيمانه وفي ذلك دليل على بطلان قولهم وتناقض مذهبهم # قوله عز وجل ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا روي عن سعيد بن جبير وعطاء ~~ومجاهد والشعبي وطاوس إذا ما دعوا لإقامتها وعن قتادة والربيع بن أنس إذا ~~دعوا لإثبات الشهادة في الكتب وقال ابن عباس والحسن هو على الأمرين جميعا ~~من إثباتها في الكتاب وإقامتها بعد علم الحاكم قال أبو بكر الظاهر أنه ~~عليهما جميعا لعموم اللفظ هو في الابتداء على إثبات الشهادة كأنه قال إذا ~~دعوا لإثبات شهاداتهم في الكتاب ولا خلاف أنه ليس على الشهود الحضور عند ~~المتعاقدين وإنما على المتعاقدين أن يحضرا عند الشهود فإذا حضرا هم وسألاهم ms0841 ~~إثبات شهاداتهم في الكتاب فهذه الحال هي المرادة بقوله PageV02P254 إذا ما ~~دعوا لإثبات الشهادة وأما إذا ما أثبتا شهادتهما ثم دعيا لإقامتها عند ~~الحاكم فهذا الدعاء هو كحضورهما عند الحاكم للأن الحاكم ا يحضر عند ~~الشاهدين يشهدا عنده وإنما الشهود عليهم الحضور عند الحاكم فالدعاء الأول ~~إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب والدعاء والثاني لحضورهم عند الحاكم ~~وإقامة الشهادة عنده وقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم يجوز أن ~~ليكيون أيضا على الحالين من الابتداء والإقامة لها عند الحاكم وقوله تعالى ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى لا يدل على أن المراد ابتداء الشهادة ~~لأنه ذكر بعض ما انتظمه اللفظ فلا دلالة فيه على خصوصه فيه دون غيره فإن ~~قال قائل لما قال ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فسماهم شهداء دل على أن ~~المراد حال إقامتها عند الحاكم لأنهم لا يسمون شهداء قبل أن يشهدوا في ~~الكتاب قيل له هذا غلط لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~فسماهما شهيدين وأمر باستشهادهما قبل أن يشهدا لأنه لا خلاف أن حال ~~الابتداء مرادة بهذا اللفظ وهو كما قال تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فسماه زوجا قبل أن تتزوج وإنما يلزم الشاهد إثبات الشهداء ابتداء ~~ويلزمه إقامتها على طريق الإيجاب إذا لم يجد من يشهد غيره وهو فرض على ~~الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز وغسل الموتى دفنهم ومتى قام به بعض ~~سقط عن الباقين وكذلك حكم الشهادة في تحملها وأدائها والذي يدل على أنها ~~فرض على الكفاية أنه غير جائز للناس كلهم الامتناع من تحمل الشهادة ولو جاز ~~لكل واحد أن يمتنع من تحملها لبطلت الوثائق وضاعت الحقوق وكان فيه سقوط ما ~~أمر الله تعالى به وندب إليه من التوثق بالكتاب والاشهاد فدل ذلك على لزوم ~~فرض إثبات الشهادة في الجملة والدليل على أن فرضها غير معين على كل أحد في ~~نفسه اتفاق المسلمين على أنه ليس على كل أحد من الناس تحملها ويدل عليه ~~قوله ms0842 تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد فإذا ثبت فرض التحمل على الكفاية كان ~~حكم الأداء عند الحاكم كذلك إذا قام بها البعض منهم سقط عن الباقين وإذا لم ~~يكن في الكتاب إلا شاهدان فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتها بقوله ~~تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وقال ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه وقال وأقيموا الشهادة لله وقوله يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم وإذا كان منهما مندوحة بإقامة ~~غيرهما فقد سقط PageV02P255 الفرض منهما لما وصفنا قوله عز وجل ولا تساموا ~~أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله يعني والله أعلم لا تملوا ولا تضجروا أن ~~تكتبوا القليل الذي جرت العادة بتأجيله والكثير الذي ندب فيه الكتاب ~~والإشهاد لأنه معلوم أنه لم يرد به القيراط والدانق ونحوه إذ ليس في العادة ~~المدينة بمثله إلى أجل فأبان أن حكم القليل المتعارف فيه التأجيل كحكم ~~الكثير فيما ندب إليه من الكتابة والإشهاد لما ثبت أن النزر اليسير غير ~~مراد بالآية وإن قليل ما جرت به العادة فهو مندوب إلى كتابته والإشهاد فيه ~~وكل ما كان مبنيا على العادة فطريقه الاجتهاد وغالب الظن وهذا يدل على جواز ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا توقيف فيها ولا اتفاق وقوله إلى أجله ~~يعني إلى محل أجله فيكتب ذكر الأجل في الكتاب ومحله كما كتب أصل الدين وهذا ~~يدل على أن عليهما أن يكتبا في الكتاب صفة الدين ونقده ومقداره لأن الأجل ~~بعض أوصافه فحكم سائر أوصافه بمنزلته وقوله تعالى ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة فيه بيان أن الغرض الذي أجري بالأمر وبالكتاب واستشهاد الشهود هي ~~الوثيقة والاحتياط للمتداينين عند التجاحد ورفع الخلاف وبين المعنى المراد ~~بالكتابة فأعلمهم أن ذلك أقسط عند الله بمعنى أنه أعدل وأولى أن لا يقع فيه ~~بينهم التظالم وأنه مع ذلك أقوم للشهادة يعني والله أعلم أنه أثبت لها ~~وأوضح منها لو لم تكن مكتوبة وأنه مع ذلك أقرب إلى ms0843 نفي الريبة والشك فيها ~~فأبان لنا جل وعلا أنه أمر بالكتاب والإشهاد احتياطا لنا في ديننا ودنيانا ~~ودفع التظالم فيما بيننا وأخبر مع ذلك أن في الكتاب من الاحتياط للشهادة ما ~~نفى عنها الريب والشك وأنه أعدل عند الله من أن لا يكون مكتوبا فيرتاب ~~الشاهد فلا ينفك بعد ذلك من أن يقيمها على ما فيها من الارتياب والشك فيقدم ~~على محظور أو يتركها فلا يقيمها فيضيع حق الطالب وفي هذا دليل على أن ~~الشهادة لا تصح إلا مع زوال الريب والشك فيها وأنه لا يجوز للشاهد إقامتها ~~إذا لم يذكرها وإن عرف خطه لأن الله تعالى أخبر أن الكتاب مأمور به لئلا ~~يرتاب بالشهادة فدل ذلك على أنه لا تجوز له إقامتها مع الشك فيها فإذا كان ~~الشك فيها يمنع فعدم الذكر والعلم بها أولى أن يمنع صحتها قوله تعالى إلا ~~أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها يعني ~~والله أعلم البياعات التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه ~~من جهته بلا تأجيل فأباح ترك الكتاب فيها وذلك توسعة منه جل PageV02P256 ~~وعز لعباده ورحمة لهم لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في المأكول والمشروب ~~والأقوات التي حاجتهم إليها ماسة في أكثر الأوقات ثم قال تعالى في نسق هذا ~~الكلام وأشهدوا إذا تبايعتم وعمومه يقتضي الإشهادة على سائر عقود البياعات ~~بالأثمان العاجلة والآجلة وإنما خص التجارات الحاضرة غير المؤجلة بإباحة ~~ترك الكتاب فيها فأما الإشهاد مندوب إليه في جميعها إلا النزر اليسير الذي ~~ليس في العادة التوثق فيها بالإشهاد نحو شرى الخبز والبقل والماء وما جرى ~~مجرى ذلك وقد روي عن جماعة من السلف أنهم رأوا الإشهاد في شري البقل ونحوه ~~ولو كان مندوبا إليه لنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف ~~والمتقدمين ولنقله الكافة لعموم الحاجة إليه وفي علمنا بأنهم كانوا ~~يتبايعون الأقوات وما لا يستغني الإنسان عن شرائه من غير نقل عنهم الإشهاد ~~فيه دلالة على أن الأمر بالإشهاد ms0844 وإن كان ندبا وإرشادا فإنما هو في ~~البياعات المعقودة على ما يخشى فيه التجاحد من الأثمان الخطيرة والأبدال ~~النفيسة لما يتعلق بها من الحقوق لبعضهم على بعض من عيب إن وجده ورجوع ما ~~يجب لمبتاعيه باستحقاق مستحق لجميعه أو بعضه وكان المندوب إليه فيما تضمنته ~~هذه الآية الكتاب والإشهاد على البياعات المعقودة على أثمان آجلة والإشهاد ~~على البياعات الحاضرة دون الكتاب وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى ~~وأشهدوا إذا تبايعتم قال إذا كان نسيئة كتب وإذا كان نقدا أشهد وقال الحسن ~~في النقد إن أشهدت فهو ثقة وإن لم تشهد فلا بأس وعن الشعبي مثل ذلك وقد قال ~~قوم إن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وقد بينا ~~الصواب عندنا من ذلك فيما سلف قوله عز وجل ولا يضار كاتب ولا شهيد روى يزيد ~~بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال هي أن يجيء الرجل إلى الكاتب أو ~~الشاهد فيقول إني على حاجة فيقول إنك قد أمرت أن تجيب فلا يضار وعن طاوس ~~ومجاهد مثله وقال الحسن وقتادة لا يضار كاتب فيكتب مالم يؤمر به ولا يضار ~~الشهيد فيزيد في شهادته وقرأ الحسن وقتادة وعطاء ولا يضار كاتب بكسر الراء ~~وقرأ عبدالله بن مسعود ومجاهد لا يضار بفتح الراء فكانت إحدى القرائتين ~~نهيا لصاحب الحق عن مضارة الكاتب والشهيد والقراءة الأخرى فيها نهي الكاتب ~~والشهيد عن مضارة صاحب الحق وكلاهما صحيح مستعمل فصاحب الحق منهي عن مضارة ~~الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن حوائجهما ويلح عليهما في الاشتغال ~~PageV02P257 بكتابه وشهادته والكاتب والشهيد كل واحد منهما منهي عن مضارة ~~الطالب بأن يكتب الكتاب مالم يمل ويشهد الشهيد بما لم يستشهد ومن مضارة ~~الشهيد للطالب القعود عن الشهادة وليس فيها إلا شاهدان فعليهما فرض أدائها ~~وترك مضارة الطالب بالامتناع من إقامتها وكذلك على الكاتب أن يكتب إذا لم ~~يجدا غيره فإن قيل قوله تعالى في التجارة فليس عليكم جناح ألا تكتبوها فرق ~~بينها وبين الدين المؤجل دلالة ms0845 على أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه ~~قيل له ليس كذلك لأن الأمر بالإشهاد على عقود المداينات المؤجلة لما كان ~~مندوبا إليه وكان تاركه تاركا لما ندب إليه من الإحتياط لماله جاز أن يعطف ~~عليه قوله إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها بأن لا تكونوا تاركين لما ندبتم إليه بترك الكتابة كما تكونوا ~~تاركين الندب والاحتياط إذا لم تكتبوا الديون المؤجلة ولم تشهدوا عليها ~~ويحتمل قوله فليس عليكم جناح أنه لا ضرر عليكم في باب حياطة الأموال لأن كل ~~واحد منهما يسلم ما استحق عليه بإزاء تسليم الآخر وقوله وإن تفعلوا فإنه ~~فسوق بكم عطفا على ذكر المضارة تدل على أن مضارة الطالب للكاتب والشهيد ~~ومضارتهما له فسق لقصد كل واحد منهم إلى مضارة صاحبه بعد نهي الله تعالى ~~عنها والله أعلم # | باب الرهن # قال الله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة يعني ~~والله أعلم إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة وقام ~~الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل فيها إلى التوثق بالكتاب ~~والإشهاد مقامها وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم ا لكتاب والشهود ~~وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره الرهن إلا في السفر وكان عطاء لا يرى به ~~بأسا في الحضر فذهب مجاهد إلى أن حكم الرهن لما كان مأخوذا من الآية وإنما ~~أباحته الآية في السفر لم يثبت في غيره وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك ~~ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر وقد روى إبراهيم ~~عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى ~~أجل ورهنه درعه وروى قتادة عن أنس قال رهن ا لنبي صلى الله عليه وسلم درعا ~~عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله فثبت جواز الرهن في الحضر بفعله ~~صلى الله عليه وسلم وقال تعالى فاتبعوه وقال لقد كان PageV02P258 لكم في ~~رسول الله أسوة ms0846 حسنة فدل على أن تخصيص الله لحال السفر بذكر الرهن إنما هو ~~لأن الأغلب فيها عدم الكاتب والشهيد وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في خمس وعشرين من الإبل ابنة مخاض وفي ست وثلاثين ابنة لبون لم يرد به وجود ~~المخاض واللبن بالأم وإنما أخبر عن الأغلب الأعم من الحال وإن كان جائزا أن ~~لا يكون بأمها مخاض ولا لبن فكذلك ذكر السفر هو على هذا الوجه وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين والمراد استحكامه ~~وجفافه لا حصوله في الجرين لأنه لو حصل في بيته أو حانوته بعد إستحكامه ~~وجفافه فسرقه سارق قطع فيه فكان ذكر الجرين على الأغلب الأعم من حاله في ~~استحكامه فكذلك ذكره لحال السفر هو على هذا المعنى وقوله فرهان مقبوضة يدل ~~على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من وجهين أحدهما أنه عطف على ما تقدم من ~~قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود ~~واجبا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة فلا يصح إلا عليها ~~كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة إذ كان ابتداء الخطاب ~~توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضى للإيجاب والوجه ا لثاني أن حكم الرهن مأخوذ ~~من الآية والآية إنما أجازته بهذه الصفة فغير جائز إجازته على غيرها إذ ليس ~~ههنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية ويدل على أنه لا يصح إلا مقبوضا ~~أنه معلوم أنه وثيقة لمرتهن بدينه ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة وكان ~~بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وتيقة للمرتهن فيها وإنما جعل وثيقة له ~~ليكون محبوسا في يده بدينه فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر ~~الغرماء ومتى لم يكن في يده كان لغوا لا معنى فيه وهو وسائر الغرماء فيه ~~سواء ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسا بالثمن ms0847 ما دام في يد البائع فإن ~~هو سلمه إلى المشتري سقط حقه وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه واختلف ~~الفقهاء في إقرار المتعاقدين بقبض الرهن فقال أصحابنا جميعا والشافعي إذا ~~قامت البينة على إقرار الراهن بالقبض والمرتهن يدعيه جازت الشهادة وحكم ~~بصحة الرهن وعند مالك أن البينة غير مقبولة على إقرار المصدق بالقبض حتى ~~يشهدوا على معاينة القبض فقيل إن القياس قوله في الرهن كذلك والدليل على ~~جواز الشهادة على إقرارهما بقبض الرهن اتفاق PageV02P259 الجميع على جواز ~~أقراره بالبيع والغصب والقتل فكذلك قبض الرهن والله أعلم # | ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ولا ~~فيما لا يقسم وقال مالك والشافعي يجوز فيما لا يقسم وما يقسم وذكر ابن ~~المبارك عن الثوري في رجل يرتهن الرهن ويستحق بعضه قال يحرج من الرهن ولكن ~~له أن يجبر الراهن على أن يجعله رهنا فإن مات قبل أن يجعله رهنا كان بينه ~~وبين الغرماء وقال الحسن بن صالح يجوز رهن المشاع فيما لا يقسم ولا يجوز ~~فيما يقسم قال أبو بكر لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من ~~حيث كان رهنه على جهة الوثيقة وكان في ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو ~~الوثيقة وجب أن لا يصح رهن المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم لأن المعنى ~~الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن العقد وهو الشركة التي يستحق ~~بها دفع القبض للمهايأة فلم يجز أن يصح مع وجود ما يبطله ألا ترى أنه متى ~~استحق ذلك القبض بالمهايأة وعاد إلى يد الشريك فقد بطل معنى الوثيقة وكان ~~بمنزلة الرهن الذي لم يقبض وليس ذلك بمنزلة عارية الرهن المقبوض إذا أعاده ~~لراهن فلا يبطل الرهن وله أن يرده إلى يده من قبل أن هذا القبض غير مستحق ~~وللمرتهن أخذه منه متى شاء وإنما هو ابتدأ به من غير أن يكون ذلك القبض ~~مستحقا بمعنى يقارن العقد وليس هذا أيضا بمنزلة ms0848 هبة المشاع فيما لا يقسم ~~فيجوز عندنا وإن كان من شرط الهبة القبض كالرهن من قبل أن الذي يحتاج إليه ~~في الهبة من القبض لصحة الملك وليس من شرط بقاء الملك استصحاب اليد فلما صح ~~القبض بديا لم يكن في استحقاق اليد تأثير في رفع الملك ولما كان في استحقاق ~~المرتهن رفع معنى الوثيقة لم يصح مع وجود ما يبطله وينافيه فإن قيل هلا ~~أجزت رهنه من شريكه إذ ليس فيه استحقاق يده في الثاني لأن يده تكون باقية ~~عليه إلى وقت الفكاك قيل له لأن للشريك استخدامه إن كان عبدا بالمهايأة بحق ~~ملكه ومن فعل ذلك لم يكن يده فيه يد رهن فقد استحقت يد الرهن في اليوم ~~الثاني فلا فرق بين الشريك وبين الأجنبي لوجود المعنى الموجب لاستحقاق قبض ~~الرهن مقارنا للعقد واختلف في رهن الدين فقال سائر الفقهاء لا يصح رهن ~~الدين بحال وقال ابن القاسم عن مالك في قياس قوله إذا كان لرجل على رجل دين ~~فبعته بيعا وارتهنت منه الدين الذي PageV02P260 له عليه فهو جائز وهو أقوى ~~من أن يرتهن دينا على غيره لأنه جائز لما عليه قال ويجوز في قول مالك أن ~~يرهن الرجل الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ويبتاع من رجل بيعا ويرهن منه ~~الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ويقبض ذلك الحق له ويشهد له وهذا قول لم ~~يقل أحد به من أهل العلم سواه وهو فاسد أيضا لقوله تعالى فرهان مقبوضة وقبض ~~الدين لا يصح ما دام دينا لا إذا كان عليه ولا إذا كان على غيره لأن الدين ~~هو حق لا يصح فيه قبض وإنما يتأتى القبض في الأعيان ومع ذلك فإنه لا يخلو ~~ذلك الدين من أن يكون باقيا على حكم الضمان الأول أو منتقلا إلى ضمان الرهن ~~فإن انتقل إلى ضمان الرهن فالواجب أن يبرأ من الفضل إذا كان الدين الذي به ~~الرهن أقل من الرهن وإن كان باقيا على حكم الضمان الأول فليس هو ms0849 رهنا ~~لبقائه على ما كان عليه والدين الذي على الغير أبعد في الجواز لعدم الحيازة ~~فيه والقبض بحال وقد اختلف الفقهاء في الرهن إذا وضع على يدي عدل فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري يصح الرهن إذا جعلاه على يدي عدل ويكون ~~مضمونا على المرتهن وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وقال ابن أبي ليلى وابن ~~شبرمة والأوزاعي لا يجوز حتى يقبضه المرتهن وقال مالك إذا جعلاه على يدي ~~عدل فضياعه من الراهن وقال الشافعي في رهن شقص السيف إن قبضه أن يحول حتى ~~يضعه الراهن والمرتهن على يدي عدل أو على يدي الشريك قال أبو بكر قوله عز ~~وجل فرهان مقبوضة يقتضي جوازه إذا قبضه العدل إذ ليس فيه فصل بين قبض ~~المرتهن والعدل وعمومه يقتضي جواز قبض كل واحد منهما وأيضا فإن العدل وكيل ~~للمرتهن في القبض فكان القبض بمنزلة الوكالة في الهبة وسائر المقبوضات ~~بوكالة من له القبض فيها فإن قيل لو كان العدل وكيلا للمرتهن لكان له أن ~~يقبضه منه ولما كان للعدل أن يمنعه إياه قيل له هذا لا يخرجه عن أن يكون ~~وكيلا وقابضا له وإن لم يكن له حق القبض من قبل أن الراهن لم يرض بيده ~~وإنما رضي بيد وكيله ألا ترى أن الوكيل بالشرى هو قابض للسلعة للموكل وله ~~أن يحبسها بالثمن ولو هلك قبل الحبس هلك من مال الموكل وليس جواز حبس ~~الوكيل الرهن عن المرتهن علما لنفي الوكالة وكونه قابضا له ويدل على أن يد ~~العدل يد المرتهن وأنه وكيله في القبض أن للمرتهن متى شاء أن يفسخ هذا ~~الرهن ويبطل يد العدل ويرده إلى الراهن وليس للراهن إبطال يد العدل فدل ذلك ~~PageV02P261 على أن العدل وكيل للمرتهن فإن قيل لو جعلا المبيع على يدي عدل ~~لم يخرج عن ضمان البيع ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه كذلك ~~المرتهن قيل له الفرق بينهما أن العدل في البيع لو صار وكيلا للمشتري لخرج ~~عن ضمان البائع ms0850 وفي خروجه من ضمان بائعه سقوط حقه منه ألا ترى أنه لو أحاز ~~قبضه بطل حقه ولم يكن له استرجاعه لأن المبيع ليس له إلا قبض واحد فمتى وجد ~~سقط حق البائع ولم يكن له أن يرده إلى يده وكذلك إذا أودعه إياه فلذلك لم ~~يكن العدل وكيلا للمشتري لأنه لو صار وكيلا له لصار قابضا له قبض بيع ولم ~~يكن المشتري ممنوعا منه فكان لا معنى لقبض العدل بل يكون المشتري كأنه قبضه ~~والبائع لم يرض بذلك فلم يجز إثباته ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري ~~ومن جهة أخرى أنه لو قبضه للمشتري لتم البيع فيه وفي تمام البيع سقوط حق ~~البائع فيه فلا معنى لبقائه في يدي العدل بل يجب أن يأخذه المشتري والبائع ~~لم يرض بذلك وليس كذلك الرهن لأن كون العدل وكيلا للمرتهن لا يوجب إبطال حق ~~الراهن ألا ترى أن حق الراهن باق بعد قبض المرتهن فكذلك بعد قبض العدل فلا ~~فرق بين قبض العدل وقبض المرتهن وفارق العدل في الشرى لامتناع كونه وكيلا ~~للمشتري إذ كان يصير في معنى قبض المشتري في خروجه من ضمان البائع ودخوله ~~في ضمانه وفي معنى تمام البيع فيه وسقوط حق البائع منه والبائع لم يرض بذلك ~~ولا يجوز أن يكون عدلا للبائع من قبل أن حق الحبس موجب له بالعقد فلا يسقط ~~ذلك أو يرضى بتسليمه إلى المشتري أو يقبض الثمن والله أعلم # | باب ضمان الرهن # قال الله تعالى فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~فعطف بذكر الأمانة على الرهن فذلك يدل على أن الرهن ليس بأمانة وإذا لم يكن ~~أمانة كان مضمونا إذ لو كان الرهن أمانة لما عطف عليه الأمانة لأن الشيء لا ~~يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره واختلف الفقهاء في حكم الرهن فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى والحسن بن صالح الرهن مضمون بأقل ~~من قيمته ومن الدين وقال الثقفي عن عثمان البتي ما ms0851 كان من رهن ذهبا أو فضة ~~أو ثيابا فهو مضمون يترادان الفضل وإن كان عقارا أو حيوانا فهلك فهو من مال ~~الراهن والمرتهن على حقه إلا أن يكون الراهن PageV02P262 اشترط الضمان فهو ~~على شرطه وقال ابن وهب عن مالك إن علم هلاكه فهو من مال الراهن ولا ينقص من ~~حق المرتهن شيء وإن لم يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن وهو ضامن لقيمته يقال ~~له صفه فإذا وصفه حلف على صفته وتسمية ماله فيه ثم يقومه أهل البصر بذلك ~~فإن كان فيه فضل عما سمي فيه أخذه الراهن وإن كان أقل مما سمى الراهن حلف ~~على ما سمى وبطل عنه الفضل وإن أبى الراهن أن يحلف أعطى المرتهن ما فضل بعد ~~قيمة الرهن وروى عنه ابن القاسم مثل ذلك وقال فيه إذا شرط أن المرتهن مصدق ~~في ضياعه وأن لا ضمان عليه فيه فشرطه باطل وهو ضامن وقال الأوزاعي إذا مات ~~العبد الرهن فدينه باق لأن الرهن لا يغلق ومعنى قوله لا يغلق الرهن أنه لا ~~يكون بما فيه إذا علم ولكن يترادان الفضل إذا لم يعلم هلاكه وقال الأوزاعي ~~في قوله له غنمه وعليه غرمه قال فأما غنمه فإن كان فيه فضل رد إليه وأما ~~غرمه فإن كان فيه نقصان وفاه إياه وقال الليث الرهن مما فيه إذا هلك ولم ~~تقم بينة على ما فيه إذا اختلفا في ثمنه فإن قامت البينة على ما فيه ترادا ~~الفضل وقال الشافعي هو أمانة لا ضمان عليه فيه بحال إذا هلك سواء كان هلاكه ~~ظاهرا أو خفيا قال أبو بكر قد اتفق السلف عن الصحابة والتابعين على ضمان ~~الرهن لا نعلم بينهم خلافا فيه إلا أنهم اختلفوا في كيفية ضمانه اختلفت ~~الرواية عن علي رضي الله عنه فروى إسرائيل عن عبدالأعلى عن محمد بن علي عن ~~علي قال إذا كان أكثر مما رهن فهلك فهو بما فيه لأنه أمين في الفضل وإذا ~~كان بأقل مما رهنه به فهلك رد الراهن الفضل وروى ms0852 عطاء عن عبيد بن عمير عن ~~عمر مثله وهو قول إبراهيم النخعي وروى الشعبي عن الحرث عن علي في الرهن إذا ~~هلك قال يترادان الفضل وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي قال إذا ان فيه ~~فضل فأصابته جائحة فهو بما فيه وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد الفضل ~~فروى عن علي هذه الروايات الثلاث وفي جميعها ضمانه إلا أنهم اختلفوا عنه في ~~كيفية الضمان على ما وصفنا وروي عن ابن عمر أنه يترادان الفضل وقال شريح ~~والحسن وطاوس والشعبي وابن شبرمة أن الرهن بما فيه وقال شريح وإن كان خاتما ~~من حديد بمائة درهم فلما اتفق السلف على ضمانه وكان اختلافهم إنما هو في ~~كيفية الضمان كان قول القائل إنه أمانة غير مضمون خارجا عن قول الجميع وفي ~~الخروج عن اختلافهم مخالفة لإجماعهم وذلك أنهم لما اتفقوا على ضمانه فذلك ~~اتفاق منهم على PageV02P263 بطلان قول القائل بنفي ضمانه ولا فرق بين ~~اختلافهم في كيفية ضمانه وبين اتفاقهم على وجه واحد فيه أن يكون قد حصل من ~~اتفاقهم أنه مضمون فهذا اتفاق قاض بفساد قول من جعله أمانة وقد تقدم ذكر ~~دلالة الآية على ضمانه ومما يدل عليه من جهة السنة حديث عبدالله بن المبارك ~~عن مصعب بن ثابت قال سمعت عطاء يحدث أن رجلا رهن فرسا فنفق في يده فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرتهن ذهب حقك وفي لفظ آخر لا شيء لك فقوله ~~للمرتهن ذهب حقك إخبار بسقوط دينه لأن حق المرتهن هو دينه وحدثنا عبدالباقي ~~بن قانع قال حدثنا الحسن بن علي الغنوي وعبدالوارث بن إبراهيم قالا حدثنا ~~إسماعيل بن أبي أمية الزارع قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الرهن بما فيه وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا ابن المبارك عن ~~مصعب بن ثابت قال حدثنا علقمة بن مرثد عن محارب بن دثار قال ms0853 قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الرهن بما فيه والمفهوم من ذلك ضمانه بما فيه من ~~الدين ألا ترى إلى قول شريح الرهن بما فيه ولو خاتما من حديد وكذلك قول ~~محارب بن دثار إنما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خاتم رهن بدين فهلك ~~أنه بما فيه وظاهر ذلك يوجب أن يكون بما فيه قل الدين أو كثر إلا أنه قد ~~قامت الدلالة على أن مراده إذا كان الدين مثل الرهن أو أقل وأنه إذا كان ~~الدين أكثر رد الفضل ويدل على أنه مضمون اتفاق الجميع على أن المرتهن أحق ~~به بعد الموت من سائر الغرماء حتى يباع فيستوفي دينه منه فدل ذلك على أنه ~~مقبوض للإستيفاء فقد وجب أن يكون مضمونا ضمان الإستيفاء لأن كل شيء مقبوض ~~على وجه فإنما يكون هلاكه على الوجه الذي هو مقبوض به كالمغصوب متى هلك هلك ~~على ضمان الغصب وكذلك المقبوض على بيع فاسد أو جائز إنما يهلك على الوجه ~~الذي حصل قبضه عليه فلما كان الرهن مقبوضا للإستيفاء بالدلالة التي ذكرنا ~~وجب أن يكون هلاكه على ذلك الوجه فيكون مستوفيا بهلاكه لدينه الذي يصح عليه ~~الإستيفاء فإذا كان الرهن أقل قيمة فغير جائز أن يجعل استيفاء العدة بما هو ~~أقل منها وإذا كان أكثر منه لم يجز أن يستوفى منه أكثر من مقدار دينه فيكون ~~أمينا في الفضل ويدل على ضمانه اتفاق الجميع على بطلان الرهن بالأعيان نحو ~~الودائع والمضاربة والشركة لا يصح الرهن بها لأنه لو هلك لم يكن مستوفيا ~~للعين وصح بالديون المضمونة وفي هذا دليل على أن الرهن مضمون PageV02P264 ~~بالدين فيكون المرتهن مستوفيا له بهلاكه ويدل عليه أنا لم نجد في الوصول ~~حبسا لملك الغير لحق لا يتعلق به ضمان ألا ترى أن المبيع مضمون على البائع ~~حتى يسلمه إلى المشتري لما كان محبوسا بالثمن وكذلك الشيء المستأجر يكون ~~محبوسا في يد مستأجره مضمونا بالمنافع استعمله أو لم يستعمله ويلزمه بحبسه ~~ضمان الأجرة التي ms0854 هي بدل المنافع فثبت أن حبس ملك الغير لا يخلو من تعلق ~~ضمان واحتج الشافعي لكونه أمانة بحديث ابن أبي ذؤيب عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يغلق الرهن من صاحبه الذي ~~رهنه له غنمه وعليه غرمه قال الشافعي ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر إنما يوصله يحيى بن أبي أنيسة وقوله ~~له غنمه وعليه غرمه من كلام سعيد بن المسيب كما روى مالك ويونس وابن أبي ~~ذؤيب عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يغلق الرهن قال يونس بن زيد قال ابن شهاب وكان ابن المسيب يقول الرهن لمن ~~رهنه له غنمه وعليه غرمه فأخبر ابن شهاب أن هذا قول ابن المسيب لا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولو كان ابن المسيب قد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما قال وكان ابن المسيب يقول ذلك بل كان يغرمه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاحتج الشافعي بقوله له غنمه وعليه غرمه بأنه قد أوجب لصاحب ~~الرهن زيادته وجعل عليه نقصانه والدين بحاله قال أبو بكر فأما قوله لا يغلق ~~الرهن فإن إبراهيم النخعي وطاوسا ذكرا جميعا أنهم كانوا يرهنون ويقولون إن ~~جئتك بالمال إلى وقت كذا وإلا فهو لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يغلق الرهن وتأوله على ذلك أيضا مالك وسفيان وقال أبو عبيد لا يجوز في كلام ~~العرب أن يقال للرهن إذا ضاع قد غلق الرهن إنما يقال غلق إذا استحقه ~~المرتهن فذهب به وهذا كان من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله لا يغلق الرهن وقال بعض أهل اللغة إنهم يقولون غلق الرهن إذا ~~ذهب بغير شيء قال زهير % وفارقتك برهن لا فكاك له % يوم الوداع فأمسى رهنها ~~غلقا % يعني ذهبت بقلبه شيء ومنه قول الأعشى % فهل يمنعني ارتياد البلا ms0855 % ~~دمن حذر الموت أن يأتين % % على رقيب له حافظ % فقل في امرئ غلق مرتهن % ~~فقال في البيت الثاني فقل في امرئ غلق مرتهن يعني أنه يموت فيذهب بغير شيء ~~كأن لم PageV02P265 يكن فهذا يدل على أن قوله لا يغلق الرهن ينصرف على ~~وجهين أحدهما إن كان قائما بعينه لم يستحقه المرتهن بالدين عند مضي الأجل ~~والثاني عند الهلاك لا يذهب بغير شيء وأما قوله له غنمه وعليه غرمه فقد ~~بينا أنه من قول سعيد بن المسيب أدرجه في الحديث بعض الرواة وفصله بعضهم ~~وبين أنه من قوله وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما تأوله الشافعي ~~من أن له زيادته وعليه نقصانه فإنه تأويل خارج عن أقاويل الفقهاء خطأ في ~~اللغة وذلك لأن الغرم في أصل اللغة هو اللزوم قال الله تعالى إن عذابها كان ~~غراما يعني ثابتا لازما والغريم الذي قد لزمه الدين ويسمى به أيضا الذي له ~~الدين لأن له اللزوم والمطالبة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ ~~بالله من المأثم والمغرم فقيل له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ~~ووعد فأخلف فجعل الغرم هو لزوم المطالبة له من قبل الآدمي وفي حديث قبيصة ~~بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المسألة لا تحل إلا من ثلاث ~~فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم موجع وقال تعالى إنما الصدقات للفقراء إلى قوله ~~والغارمين وهم المدينون وقال تعالى إنا لمغرمون يعني ملزمون مطالبون ~~بديوننا فهذا أصل الغرم في أصل اللغة وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ~~ابن الأعرابي في معنى الغرم قال أبو عمر أخطأ من قال إن هلاك المال ونقصانه ~~يسمى غرما لأن الفقير الذي ذهب ماله لا يسمى غريما وإنما الغريم من توجهت ~~عليه المطالبة للآدمي بدين وإذا كان كذلك فتأويل من تأوله وعليه غرمه أنه ~~نقصانه خطأ وسعيد بن المسيب هو راوي الحديث وقد بينا أنه هو القائل له غنمه ~~وعليه غرمه ولم يتأوله ms0856 على ما قاله الشافعي لأن من مذهبه ضمان الرهن وذكر ~~عبدالرحمن بن أبي الزناد في كتاب السبعة عن أبيه عن سعيد بن المسيب وعروة ~~والقاسم بن محمد وأبي بكر بن عبدالرحمن وخارجة بن زيد وعبيدالله بن ~~عبيدالله وغيرهم أنهم قالوا الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته ويرفع ذلك ~~منهم الثقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن من مذهب سعيد بن ~~المسيب ضمان الرهن فكيف يجوز أن يتأول متأول قوله وعليه غرمه على نفي ~~الضمان فإن كان ذلك رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب على مذهب ~~الشافعي أن يقضي بتأويل الراوي على مراد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه زعم ~~أن الراوي للحديث أعلم بتأويله فجعل قول عمرو بن دينار في الشاهد واليمين ~~أنه في الأموال حجة في أن لا يقضي في غير الأموال وقضى بقول ابن جريج في ~~حديث القلتين أنه بقلال PageV02P266 هجر على مراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجعل مذهب ابن عمر في خيار المتبايعين مالم يفترقا إنه على التفرق بالأبدان ~~قاضيا على مراد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلزمه على هذا أن يجعل قول ~~سعيد بن المسيب قاضيا على مراد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قوله وعليه ~~غرمه ثابتا عنه وإنما معنى قوله له غنمه أن للراهن زيادته وعليه غرمه يعني ~~دينه الذي به الرهن وهو تفسير قوله صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن لأنهم ~~كانوا يوجبون استحقاق ملك الرهن للمرتهن بمضي الأجل قبل انقضاء الدين فقال ~~صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن أي لا يستحقه المرتهن بمضي ا لأجل ثم ~~فسره فقال لصاحبه يعني للراهن غنمه يعني زيادته فبين أن المرتهن لا يستحق ~~غير عين الرهن لإنمائه وزيادته وإن دينه باق عليه كما كان وهو معنى قوله ~~وعليه غرمه كقوله وعليه دينه فإذا ليس في الخبر دلالة على كون الرهن غير ~~مضمون بل هو دال على أنه مضمون على ما بينا قال أبو بكر ms0857 وقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يغلق الرهن إذا أراد به حال بقائه عند الفكاك وإبطال النبي ~~صلى الله عليه وسلم شرط استحقاق ملكه بمضي الأجل قد حوى معاني منها أن ~~الرهن لا تفسده الشروط الفاسدة بل يبطل الشرط ويجوز هو لإبطال النبي صلى ~~الله عليه وسلم شرطهم وإجازته الرهن ومنها أن الرهن لما كان شرط صحته القبض ~~كالهبة والصدقة ثم لم تفسده الشروط وجب أن يكون كذلك حكم ما لا يصح إلا ~~بالقبض من الهبات والصدقات في أن الشروط لا تفسدها لاجتماعها في كون القبض ~~شرطا لصحتها وقد دل هذا الخبر أيضا على أن عقود التمليكات لا تعلق على ~~الأخطار لأن شرطهم لملك الرهن بمضي المدة كان تمليكا معلقا على خطر وعلى ~~مجيء وقت مستقبل فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم شرط التمليك على هذا الوجه ~~فصار ذلك أصلا في سائر عقود التمليكات والبراءة في امتناع تعلقها على ~~الأخطار ولذلك قال أصحابنا فيمن قال إذا جاء غد فقد وهبت لك العبد أو قال ~~قد بعتكه أنه باطل لا يقع به الملك وكذلك إذا قال إذا جاء غد فقد أبرأتك ~~مما لي عليك من الدين كان ذلك باطلا وفارق ذلك عندهم العتاق والطلاق في ~~جواز تعلقهما على الأخطار لأن لهما أصلا آخر وهو أن الله تعالى قد أجاز ~~الكتابة بقوله صلى الله عليه وسلم وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وهو أن يقول ~~كاتبتك على ألف درهم فإن أديت فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق وذلك عتق معلق ~~على خطر وعلى مجيء حال مستقبلة وقال في شأن الطلاق فطلقوهن لعدتهن ولم يفرق ~~بين إيقاعه في الحال وبين إضافته إلى وقت السنة ولما كان إيجاب هذا العقد ~~أعني العتق على مال والخلع بمال PageV02P267 مشروط للزوج يمنع الرجوع فيما ~~أوجبه قبل قبول العبد والمرأة صار ذلك عتقا معلقا على شرط بمنزلة شروط ~~الأيمان التي لا سبيل إلى الرجوع فيها وفي ذلك دليل على جواز تعلقهما على ~~شروط وأوقات مستقبلة والمعنى في هذين أنهما ms0858 لا يلحقهما الفسخ بعد وقوعهما ~~وسائر العقود التي ذكرناها من عقود التمليكات يلحقها الفسخ بعد وقوعها ~~فلذلك لم يصح تعلقها على الأخطار ونظير دلالة قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~يغلق الرهن على ما ذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~بيع المنابذة والملامسة وعن بيع الحصاة وهذه بياعات كان أهل الجاهلية ~~يتعاملون بها فكان أحدهم إذا لمس السلعة أو ألقى الثوب إلى صاحبه أو وضع ~~عليه حصاة وجب البيع فكان وقوع الملك متعلقا بغير الإيجاب والقبول بل بفعل ~~آخر يفعله أحدهما فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن عقود ~~التمليكات لا تتعلق على الأخطار وإنما جعل أصحابنا الرهن مضمونا بأقل من ~~قيمته ومن الدين من قبل أنه لما كان مقبوضا للاستيفاء وجب اعتبار ما يصح ~~الاستيفاء به وغير جائز أن يستوفي من عدة أقل منها ولا أكثر فوجب أن يكون ~~أمينا في الفضل وضامنا لما نقص الرهن عن الدين ومن جعله بما فيه قل أو كثر ~~شبهة بالمبيع إذا هلك في يد البائع أنه يهلك بالثمن قل أو كثر والمعنى ~~الجامع بينهما أن كل واحد محبوس بالدين وليس هذا كذلك عندنا لأن المبيع ~~إنما كان مضمونا بالثمن قل أو كثر لأن البيع ينتقض بهلاكه فسقط الثمن إذ ~~غير جائز بقاء الثمن مع انتقاض البيع وأما الرهن فإنه يتم بهلاكه ولا ينتقض ~~وإنما يكون مستوفيا للدين به فوجب اعتبار ضمانه بما وصفنا فإن قيل إذا جاز ~~أن يكون الفضل عن الدين أمانة فما أنكرت أن يكون جميعه أمانة وأن لا يكون ~~حبسه بالدين للاستيفاء موجبا لضمانه لوجودنا هذا المعنى في الزيادة مع عدم ~~الضمان فيها وكذلك ولد المرهونة المولود بعد الرهن يكون محبوسا في يد ~~المرتهن مع الأم ولو هلك هلك بغير شيء فيه ولم يكن كونه محبوسا في يد ~~المرتهن علة لكونه مضمونا قيل له إن الزيادة على الدين من مقدار قيمة الرهن ~~وولد المرهونة كلاهما تابع للأصل غير جائز إفرادهما ms0859 دون الأصل إذا أدخلا في ~~العقد على وجه التبع وإذا كان كذلك لم يجز إفرادهما بحكم الضمان لامتناع ~~إفرادهما بالعقد المتقدم قبل حدوث الولادة وليس حكم ما يدخل في العقد على ~~وجه التبع حكم ما يفرد به ألا ترى أن ولد أم الولد يدخل في حكم الأم ويثبت ~~له حق الإستيلاد على وجه التبع ولا يصح انفراده في الأصل PageV02P268 بهذا ~~الحق لا على وجه التبع وكذلك ولد المكاتبة يدخل في الكتابة وهو حمل مع ~~استحالة إفراده بالعقد في تلك الحال فكذلك ما ذكرت من زيادة الرهن وولد ~~المرهونة لما دخلا في العقد على وجه التبع لم يلزم على ذلك أن يجعل حكمهما ~~حكم الأصل ولا أن يلحقهما بمنزلة ما ابتدئ العقد عليهما ويدل على ذلك أن ~~رجلا لو أهدى بدنة فزادت في بدنها أو ولدت أن عليه أن يهديها بزيادتها ~~وولدها ولو ذهبت الزيادة وهلك الولد لم يلزمه بالهلاك شيء غير ما كان عليه ~~وكذلك لو كان عليه بدنة وسط فأهدى بدنة خيارا مرتفعة أن هذه الزيادة حكمها ~~ثابت ما بقي الأصل فإن هلك قبل أن ينحر بطل حكم الزيادة وعاد إلى ما كان ~~عليه في ذمته وكذلك لو كان بدل الزيادة ولدا ولدته كان في هذه المنزلة ~~فكذلك ولد المرهونة وزيادتها على قيمة الرهن هذا حكمهما في بقاء حكمهما ما ~~داما قائمين وسقوط حكمهما إذا هلكا والله أعلم # | ذكر اختلاف الفقهاء في الإنتفاع بالرهن # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زيادة وزفر لا يجوز للمرتهن ~~الإنتفاع بشيء من الرهن ولا للراهن أيضا وقالوا إذا آجر المرتهن الراهن ~~بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن فقد خرج من الراهن ولا يعود وقال ~~ابن أبي ليلى إذا آجره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حاله والغلة ~~للمرتهن قضاء من حقه وقال ابن القاسم عن مالك إذا خلى المرتهن بين الرهن ~~والراهن يكريه أو يسكنه أو يعيره لم يكن رهنا وإذا آجره المرتهن بإذن ~~الراهن لم يخرج من الرهن وكذلك ms0860 إذا أعاره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على ~~حاله فإذا آجره المرتهن بإذن الراهن فالأجر لرب الأرض ولا يكون الكرى رهنا ~~بحقه إلا أن يشترط المرتهن فإن اشتراطه في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من ~~الكرى فإن مالكا كره ذلك وإن لم يشترط ذلك في البيع وتبرع به الراهن بعد ~~البيع فلا بأس به وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم أو شرط فيه ~~البائع بيعه الرهن ليأخذها من حقه فإن ذلك جائز عند مالك في الدور والأرض ~~وكرهه في الحيوان وذكر المعافى عن الثوري أنه كره أن ينتفع من الرهن بشيء ~~ولا يقرأ في المصحف المرهون وقال الأوزاعي غلة الرهن لصاحبه ينفق عليه منها ~~والفضل له فإن لم تكن له غلة وكان يستخدمه فطعامه بخدمته فإن لم يكن ~~يستخدمه فنفقته على صاحبه وقال الحسن بن صالح لا يستعمل الرهن PageV02P269 ~~ولا ينتفع به إلا أن يكون دارا يخاف خرابها فيسكنها المرتهن لا يريد ~~الانتفاع بها وإنما يريد إصلاحها وقال ابن أبي ليلى إذا لبس المرتهن الخاتم ~~للتجمل ضمن وإن لبسه ليحوزه فلا شيء عليه وقال الليث بن سعد لا بأس بأن ~~يستعمل العبد الرهن بطعامه إذا كانت النفقة بقدر العمل فإن كان العمل أكثر ~~أخذ فضل ذلك من المرتهن وقال المزني عن الشافعي فيما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الرهن محلوب ومركوب أي من رهن ذات ظهر ودر لم يمنع الرهن م ظهرها ~~ودرها وللراهن أن يستخدم العبد ويركب الدابة ويحلب الدر ويجز الصوف ويأوي ~~بالليل إلى المرتهن أو الموضوع على يده قال أبو بكر لما قال الله تعالى ~~فرهان مقبوضة فجعل القبض من صفات الرهن أوجب ذلك أن يكون استحقاق القبض ~~موجبا لإبطال الرهن فإذا آجره أحدهما بإذن صاحبه خرج من الرهن لأن المستأجر ~~قد استحق القبض الذي به يصح الرهن وليس ذلك كالعارية عندنا لأن العارية لا ~~توجب استحقاق القبض إذ للمعير أن يرد العارية إلى يده متى شاء واحتج من ~~أجاز إجازته والإنتفاع ms0861 به بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا هناد عن ابن المبارك عن زكريا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا والظهر يركب بنفقته إذا كان ~~مرهونا وعلى الذي يركب ويحلب النفقة فذكر في هذا الحديث أن وجوب النفقة ~~لركوب ظهره وشرب لبنه ومعلوم أن الراهن إنما يلزمه نفقته لملكه لا لركوبه ~~ولبنه لأنه لو لم يكن مما يركب أو يحلب لزمته النفقة فهذا يدل على أن ~~المراد به أن اللبن والظهر للمرتهن بالنفقة التي ينفقها وقد بين ذلك هشيم ~~في حديثه فإنه رواه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن ~~الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب فبين في هذا الخبر أن المرتهن هو ~~الذي تلزمه النفقة ويكون له ظهره ولبنه وقال الشافعي إن نفقته على الراهن ~~دون المرتهن فهذا الحديث حجة عليه لا له وقد روى الحسن بن صالح عن إسماعيل ~~بن أبي خالد عن الشعبي قال لا ينتفع من الرهن بشيء فقد ترك الشعبي ذلك وهو ~~رواية عن أبي هريرة فهذا يدل على أحد معنيين إما أن يكون الحديث غير ثابت ~~في الأصل وإما أن يكون ثابتا وهو منسوخ عنده وهو كذلك عندنا لأن مثله كان ~~جائزا قبل تحريم الربا فلما حرم الربا وردت الأشياء إلى مقاديرها صار ذلك ~~منسوخا ألا ترى أنه جعل النفقة بدلا من اللبن قل أو كثر وهو نظير ~~PageV02P270 ما روي في المصراة أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر ولم يعتبر ~~مقدار اللبن الذي أخذه وذلك أيضا عندنا منسوخ بتحريم الربا ويدل على بطلان ~~قول القائلين بإيجاب الركوب واللبن للراهن إن الله تعالى جعل من صفات الرهن ~~القبض كما جعل من صفات الشهادة العدالة بقوله اثنان ذوا عدل منكم وقوله ممن ~~ترضون من الشهداء ومعلوم أن زوال هذه الصفة عن ms0862 الشهادة يمنع جواز الشهادة ~~فكذلك لما جعل من صفات الرهن أن يكون مقبوضا بقوله فرهان مقبوضة وجب إبطال ~~الرهن لعدم هذه الصفة وهو استحقاق القبض فلو كان الراهن مستحقا للقبض الذي ~~به يصح الرهن لمنع ذلك من صحته بديا لمقارنة ما يبطله ولو صح بديا لوجب أن ~~يبطل باستحقاق قبضه وجوب رده إلى يده وأيضا لما اتفق الجميع على أن الراهن ~~ممنوع من وطء الأمة المرهونة والوطء من منافعها وجب أن يكون ذلك حكم سائر ~~المنافع في بطلان حق الراهن فيها ومن جهة أخرى أن الراهن إنما لم يستحق ~~الوطء لأن المرتهن يستحق ثبوت يده عليها كذلك الإستخدام واختلف الفقهاء ~~فيمن شرط ملك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد إذا رهنه رهنا وقال إن جئتك بالمال إلى شهر وإلا فهو ~~بيع فالرهن جائز والشرط باطل وقال مالك الرهن فاسد وينقض فإن لم ينقض حتى ~~حل الأجل فإنه لا يكون للمرتهن بذلك الشرط وللمرتهن أن يحبسه بحقه وهو أحق ~~به من سائر الغرماء فإن تغير في يده لم يرد ولزمته القيمة في ذلك يوم حل ~~الأجل وهذا في السلع والحيوان وأما في الدور والأرضين فإنه يردها إلى ~~الراهن وإن تطاول إلا أن تنهدم الدار أو يبنى فيها أو يغرس في الأرض فهذا ~~فوت ويغرم القيمة مثل البيع الفاسد وقال المعافى عن الثوري في الرجل يرهن ~~صاحبه المتاع ويقول إن لم آتك فهو لك قال لا يغلق ذلك الرهن وقال الحسن بن ~~صالح ليس قوله هذا بشيء وقال الربيع عن الشافعي لو رهنه وشرط له إن لم يأته ~~بالحق إلى كذا فالرهن له بيع فالرهن فاسد والرهن لصاحبه الذي رهنه قال أبو ~~بكر اتفقوا أنه لا يملكه بمضي الأجل واختلفوا في جواز الرهن وفساده وقد ~~بينا فيما سلف أن قوله لا يغلق الرهن أنه لا يملك بالدين بمضي الأجل للشرط ~~الذي شرطاه فإنما نفي النبي صلى الله عليه وسلم غلقه بذلك ولم ينف ms0863 صحة ~~الرهن الذي شرطاه فدل ذلك على جواز الرهن وبطلان الشرط وهو أيضا قياس ~~العمرى التي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الشرط وأجاز الهبة والمعنى ~~الجامع PageV02P271 بينهما أن كل واحد منهما لا يصح بالعقد دون القبض ~~واختلفوا أيضا في مقدار الدين إذا اختلف فيه الراهن والمرتهن فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا هلك ا لرهن واختلف الراهن ~~والمرتهن في مقدار الدين فالقول قول الراهن في الدين مع يمينه وهو قول ~~الحسن بن صالح والشافعي وإبراهيم النخعي وعثمان البتي وقال طاوس يصدق ~~المرتهن إلى ثمن الرهن ويستحلف وكذلك قول الحسن وقتادة والحكم وقال أياس بن ~~معاوية قولا بين هذين القولين قال إن كان للراهن بينة بدفعه الرهن فالقول ~~قول الراهن وإن لم تكن له بينة فالقول قول المرتهن لأنه لو شاء جحده الراهن ~~ومتى أقر بشيء وليست عليه بينة فالقول قوله وقال ابن وهب عن مالك إذا ~~اختلفا في الدين والرهن قائم فإن كان الرهن قدر حق المرتهن أخذه المرتهن ~~وكان أولى به ويحلفه إلا أن يشاء رب الرهن أن يعطيه حقه عليه ويأخذ رهنه ~~وقال ابن القاسم عن مالك القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن لا ~~يصدق على أكثر من ذلك قال أبو بكر قال الله تعالى وليملل الذي عليه الحق ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فيه الدلالة على أن القول قول الذي عليه ~~الدين لأنه وعظه في البخس وهو النقصان فيدل على أن القول قوله وأيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ~~والمرتهن هو المدعي والراهن هو المدعى عليه فالقول قوله بقضية قوله صلى ~~الله عليه وسلم وأيضا لو لم يكن رهن لكان القول قول الذي عليه الدين في ~~مقداره بالإتفاق كذلك إذا كان به رهن لأن الرهن لا يخرجه من أن يكون مدعى ~~عليه قال أبو بكر وزعم بعض من يحتج لمالك أن قوله أشبه بظاهر القرآن لأنه ~~قال فرهان ms0864 مقبوضة فأقام الرهن مقام الشهادة ولم يأتمن الذي عليه الحق حين ~~أخذ منه وثيقة كما لم يأتمنه على مبلغه إذا أشهد عليه الشهود لأن الشهود ~~والكتاب تنبئ عن مبلغ الحق فلم يصدق الراهن وقام الرهن مقام الشهود إلى أن ~~يبلغ قيمته فإذا جاوز قيمته فلا وثيقة فيه والمرتهن مدع فيه والراهن مدعى ~~عليه قال أبو بكر وهذا من عجيب الحجاج وذلك أنه زعم أنه لما لم يأتمنه حتى ~~أخذ الرهن قام الرهن مقام الشهادة وزعم مع ذلك أن ذلك موافق لظاهر القرآن ~~وقد جعل الله تعالى القول قول الذي عليه الحق حين قال وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فجعل القول قوله في الحال التي أمر ~~فيها بالإشهاد والكتاب ولم يجعل عدم ائتمان الطالب PageV02P272 للمطلوب ~~مانعا من أن يكون القول قول المطلوب فكيف يكون ترك ائتمانه إياه بالتوثق ~~منه بالرهن مانعا من قبول قول المطلوب وموجبا لتصديق الطالب على ما يدعيه ~~والذي ذكره مخالف لظاهر القرآن والعلة التي نصبها لتصديق المرتهن في ترك ~~ائتمانه منتقضة بنص الكتاب ثم دعواه موافقته لظاهر القرآن أعجب الأشياء ~~وذلك لأن القرآن قد قضى ببطلان قوله حين جعل القول قول المطلوب في الحال ~~التي لم يؤتمن فيها حتى استوثق منه الكتاب والإشهاد وهو فإنما زعم أنه لم ~~يأتمنه حين أخذ الرهن وجب أن يكون القول قول الطالب ثم زعم أن قوله موافق ~~لظاهر القرآن وبنى عليه أنه لم يأتمنه وأن الرهن توثق كما أن الشهادة توثق ~~فقام الرهن مقام الشهادة وليس ما ذكره من المعنى من ظاهر القرآن في شيء ~~وأنا كنا قد دللنا على أنه مخالف له وإنما هو قياس ورد لمسألة الرهن إلى ~~مسألة الشهادة بعلة أنه لم يؤتمن في الحالين على الدين الذي عليه وهو قياس ~~باطل من وجوه أحدها أن ظاهر القرآن يرده وهو ما قدمناه والثاني أنه منتقض ~~باتفاق الجميع على أن من له على رجل دين فأخذ منه كفيلا ثم اختلفوا في ~~مقداره كان ms0865 القول قول المطلوب فيما يلزمه ولم يكن عدم الائتمان بأخذه ~~الكفيل موجبا لتصديق الطالب مع وجود علته فيه فانتقضت علته بالكفالة ~~والثالث أن المعنى الذي من أجله لم يصدق الطالب إذا قامت البينة أن شهادة ~~الشهود مقبولة محكوم بتصديقهم فيها وهم قد شهدوا على إقراره بأكثر مما ذكره ~~وبما ادعاه المدعي فصار كإقراره عند القاضي بالزيادة ولا دلالة في قيمة ~~الرهن على أن الدين بمقداره لأنه لا خلاف أنه جائز أن يرهن بالقليل الكثير ~~وبالكثير القليل ولا تنبئ قيمة الرهن عن مقدار الدين ولا دلالة فيه عليه ~~فكيف يكون الرهن بمنزلة الشهادة ويدل على فساد قياسه هذا أنهما لو اتفقا ~~على أن الدين أقل من قيمة الرهن لم يوجب ذلك بطلان الرهن ولو أقر الطالب أن ~~دينه أقل مما شهد به شهوده بطلت شهادة شهوده فهذه الوجوه كلها توجب بطلان ~~ما ذكره هذا المحتج # وقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قال أبو بكر ~~قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة كلام مكتف بنفسه وإن كان معطوفا على ما تقدم ~~ذكره من الأمر بالإشهاد عند التبايع بقوله وأشهدوا إذا تبايعتم فهو عموم في ~~سائر الشهادات التي يلزم الشاهد إقامتها وأداؤها وهو نظير قوله تعالى ~~وأقيموا الشهادة لله وقوله يا أيها PageV02P273 الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم فنهى الله تعالى الشاهد بهذه الآيات عن ~~كتمان الشهادة التي تركها يؤدي إلى تضييع الحقوق وهو على ما بيننا من إثبات ~~الشهادة في كتب الوثائق وأدائها بعد إثباتها فرض على الكفاية فإذا لم يكن ~~من يشهد على الحق غير هذين الشاهدين فقد تعين عليهما فرض أدائها ويلحقهما ~~إن تخلفا عنها الوعيد المذكور في الآية وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا ~~لوجوب أدائها ولكنه تعالى أكد الفرض فيها بقوله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ~~وإنما أضاف الإثم إلى القلب وإن كان في الحقيقة الكاتم هو الآثم لأن المأثم ~~فيه إنما يتعلق بعقد القلب ولأن كتمان الشهادة إنما هو عقد النية ms0866 لترك ~~أدائها باللسان فعقد النية من أفعال القلب لا نصيب للجوارح فيه وقد انتظم ~~الكاتم للشهادة المأثم من وجهين أحدهما عزمه على أن لا يؤديها والثاني ترك ~~أدائها باللسان وقوله آثم قلبه مجاز لا حقيقة وهو آكد في هذا الموضع من ~~الحقيقة لو قال ومن يكتمها فإنه آثم وأبلغ منه وأدل على الوعيد من بديع ~~البيان ولطيف الإعراب عن المعاني تعالى الله الحكيم قال أبو بكر وآية الدين ~~بما فيه من ذكر الإحتياط بالكتاب والشهود المرضيين والرهن تنبيه على موضع ~~صلاح الدين والدنيا معه فأما في الدنيا فصلاح ذات البين ونفي التنازع ~~والاختلاف وفي التنازع والاختلاف فساد ذات البين وذهاب الدين والدنيا قال ~~الله عز وجل ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وذلك أن المطلوب إذا علم أن ~~عليه دينا وشهودا وكتابا ورهنا بما عليه وثيقة في يد الطالب قل الخلاف ~~علمنا منه أن خلافه وبخسه لحق المطلوب لا ينفعه بل يظهر كذبه بشهادة الشهود ~~عليه وفيه وثيقة واحتياط للطالب وفي ذلك صلاح لهما جميعا في دينهما ~~ودنياهما لأن في تركه بخس حق الطالب صلاح دينه وفي جحوده وبخسه ذهاب دينه ~~إذا علم وجوبه وكذلك الطالب إذا كانت له بينة وشهود أثبتوا ماله وإذا لم ~~تكن له بينة وجحد الطالب حمله ذلك على مقابلته بمثله والمبالغة في كيده حتى ~~ربما لم يرض بمقدار حقه دون الإضرار به في أضعافه متى أمكنه وذلك متعالم من ~~أحوال عامة الناس وهذا نظير ما حرمه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من البياعات المجهولة القدر والآجال المجهولة والأمور التي كانت ~~عليها الناس قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم مما كان يؤدي إلى الإختلاف وفساد ~~ذات البين وإيقاع العداوة والبغضاء ونحوه مما حرم الله تعالى من الميسر ~~والقمار وشرب الخمر وما يسكر فيؤدي إلى PageV02P274 العداوة والبغضاء ~~والاختلاف والشحناء قال الله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون فأخبر الله ms0867 تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفي الاختلاف ~~والعداوة ولما في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فمن تأدب بأدب ا ~~لله وانتهى إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا قال الله ~~تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وفي هذه الآيات التي ~~أمر الله فيها بالكتاب والإشهاد على الدين والعقود والاحتياط فيها تارة ~~بالشهادة وتارة بالرهن دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تضييعه وهو نظير ~~قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وقوله ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقوله ولا تبذر ~~تبذيرا الآية فهذه الآي دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تبذيره وتضييعه ~~وقد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا بعض من لا أتهم في ~~الرواية قال أخبرنا معاذ بن المثنى قال حدثنا مسدد قال حدثنا بشر بن الفضل ~~قال حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يحب الله إضاعة المال ولا قيل ولا قال وحدثنا ~~من لا أتهم قال أخبرنا محمد بن إسحاق قال حدثنا موسى بن عبدالرحمن المسروقي ~~قال حدثنا حسن الجعفي عن محمد بن سوقة عن وراد قال كتب معاوية إلى المغيرة ~~بن شعبة أكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بينك ~~وبينه أحد قال فأملى علي وكتبت أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث فأما الثلاث التي حرم فعقوق الأمهات ووأد ~~البنات ولا وهات والثلاث التي نهى عنهن فقيل وقال وإلحاف السؤال وإضاعة ~~المال قال تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال أبو ~~بكر روي أنها منسوخة بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها حدثنا عبدالله بن ~~محمد بن إسحاق ms0868 المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال حدثنا ~~عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله قال نسخها قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وحدثنا ~~عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن ~~معمر قال سمعت الزهري يقول في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~PageV02P275 قال قرأها ابن عمر وبكى وقال إنا لمأخوذون بما نحدث به أنفسنا ~~فبكى حتى سمع نشيجه فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له فقال يرحم ~~الله ابن عمر لقد وجد منها المسلمون نحوا مما وجد حتى نزلت بعدها لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها وروي عن الشعبي عن أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال ~~نسختها الآية التي تليها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وروى معاوية بن صالح ~~عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله أنها لم تنسخ لكن الله إذا جمع الخلق يوم القيامة يقول إني أخبركم ~~مما في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ~~ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم من الشك والنفاق وروي عن الربيع ~~بن أنس مثل ذلك وقال عمرو بن عبيد كان الحسن يقول هي محكمة لم تنسخ وروي عن ~~مجاهد أنها محكمة في الشك واليقين قال أبو بكر لا يجوز أن تكون منسوخة ~~لمعنيين أحدهما أن الأخبار لا يجوز فيها النسخ لأن نسخ مخبرها يدل على ~~البداء والله تعالى عالم بالعواقب غير جائز عليه البداء والثاني أنه لا ~~يجوز تكليف ما ليس في وسعها لأنه سفه وعبث والله تعالى يتعالى عن فعل العبث ~~وإنما قول من روي عنه أنها منسوخة فإنه غلط من الراوي في اللفظ وإنما أراد ~~بيان معناها وإزالة التوهم ms0869 عن صرفه إلى غير وجهه وقد روى مقسم عن ابن عباس ~~أنها نزلت في كتمان الشهادة وروي عن عكرمة مثله وروي عن غيرهما أنها في ~~سائر الأشياء وهذا أولى لأنه عموم مكتف بنفسه فهو عام في الشهادة وغيرها ~~ومن نظائر ذلك في المؤاخذة بكسب القلب قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم وقال تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم وقال تعالى في قلوبهم مرض أي شك فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو ~~يعملوا به قيل له هذا فيما يلزمه من الأحكام فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا ~~بيعه ولا صدقته ولا هبته بالنية ما لم يتكلم به وما ذكر في الآية فيما ~~يؤاخذ به مما بين العبد وبين الله تعالى وقد روى الحسن بن عطية عن أبيه عن ~~عطية عن ابن عباس في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله فقال سر عملك وعلانيته يحاسبك به الله وليس من عبد مؤمن يسر في ~~نفسه خيرا ليعمل PageV02P276 به فإن عمل به كتب له به عشر حسنات وإن هو لم ~~يقدر يعمل به كتب له به حسنة من أجل أنه مؤمن وأن الله رضى بسر المؤمنين ~~وعلانيتهم وإن كان شرا حدث به نفسه اطلع الله عليه أخبر به يوم تبلى ~~السرائر فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به فإن هو عمل به ~~تجاوز الله عنه كما قال أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم وهذا على معنى قوله إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم ~~يتكلموا به أو يعملوا به قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيه نص ~~على أن الله تعالى لا يكلف أحدا مالا يقدر عليه ولا يطيقه ولو كلف أحدا ~~مالا يقدر عليه ولا يستطيعه لكان مكلفا ms0870 له ما ليس في وسعه ألا ترى قول ~~القائل ليس في وسعي كيت وكيت بمنزلة قوله لا أقدر عليه ولا أطيقه بل الوسع ~~دون الطاقة ولم تختلف الأمة في أن الله لا يجوز أن يكلف الزمن المشي ~~والأعمى البصر والأقطع اليدين البطش لأنه لا يقدر عليه ولا يستطيع فعله ولا ~~خلاف في ذلك بين الأمة وقد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~من لم يستطع الصلاة قائما فغير مكلف للقيام فيها ومن لم يستطعها قاعدا فغير ~~مكلف للقعود بل يصليها على جنب يومئ إيماء لأنه غير قادر عليها إلا على هذا ~~الوجه ونص التنزيل قد أسقط التكليف عمن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه وزعم ~~قوم جهال نسبت إلى الله فعل السفه والعبث فزعموا أن كل ما أمر به أحد من ~~أهل التكليف أو نهى عنه فالمأمور به منه غير مقدور على فعله والمنهي عنه ~~غير مقدور على تركه وقد أكذب الله قيلهم بما نص عليه من أنه لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها مع ما قد دلت عليه العقول من قبح تكليف ما لا يطاق وإن ~~العالم بالقبيح المستغنى عن فعله لا يقع منه فعل القبيح ومما يتعلق بذلك من ~~الأحكام سقوط الفرض عن المكلفين فيما لا تتسع له قواهم لأن الوسع هو دون ~~الطاقة وأنه ليس عليهم استفراغ المجهود في أداء الفرض نحو الشيخ الكبير ~~الذي يشق عليه الصوم ويؤديه إلى ضرر يلحقه في جسمه وإن لم يخش الموت بفعله ~~فليس عليه صومه لأن الله لم يكلفه إلا ما يتسع لفعله ولا يبلغ به حال الموت ~~وكذلك المريض الذي يخشى ضرر الصوم وضرر استعمال الماء لأن الله قد أخبر أنه ~~لا يكلف أحدا إلا ما اتسعت له قدرته وإمكانه دون ما يضيق عليه ويعنته وقال ~~الله تعالى ولو شاء الله لأعنتكم وقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~عزيز عليه ما عنتم فهذا حكم مستمر في سائر أوامر الله وزواجره ولزوم ~~التكليف فيها ms0871 على ما يتسع له ويقدر PageV02P277 عليه قوله عز وجل ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال أبو بكر النسيان على وجهين أحدهما أنه قد ~~يتعرض الإنسان للفعل الذي يقع معه النسيان فيحسن الاعتذار به إذا وقعت منه ~~جناية على وجه السهو والثاني أن يكون النسيان بمعنى ترك المأمور به لشبهة ~~تدخل عليه أو سوء تأويل وإن لم يكن الفعل نفسه واقعا على وجه السهو فيحسن ~~أن يسأل الله مغفرة الأفعال الواقعة على هذا الوجه والنسيان بمعنى الترك ~~مشهور في اللغة قال الله تعالى نسوا الله فنسيهم يعني تركوا أمر الله تعالى ~~فلم يستحقوا ثوابه فأطلق اسم النسيان على الله تعالى على وجه مقابلة الاسم ~~كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها وقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم قال أبو بكر النسيان الذي هو ضد الذكر فإن حكمه مرفوع فيما بين ~~العبد وبين الله تعالى في استحقاق العقاب والتكليف في مثله ساقط عنه ~~والمؤاخذة به في الآخرة غير جائزة لا أنه لا حكم له فيما يكلفه من العبادات ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على لزوم حكم كثير منها مع النسيان ~~واتفقت الأمة أيضا على حكمها من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وتلا عند ذلك وأقم الصلواة لذكري فدل على ~~أن مراد الله تعالى بقوله أقم الصلواة لذكري فعل المنسية منها عند الذكر ~~وقال تعالى واذكر ربك إذا نسيت وذلك عموم في لزومه قضاء كل منسي عند ذكره ~~ولا خلاف بين الفقهاء في أن ناسي الصوم والزكاة وسائر الفروض بمنزلة ناسي ~~الصلاة في لزوم قضائها عند ذكرها وكذلك قال أصحابنا في المتكلم في الصلاة ~~ناسيا أنه بمنزلة العامد لأن الأصل أن العامد الناسي في حكم ا لفروض سواء ~~وإنه لا تأثير للنسيان في إسقاط شيء منها إلا ما ورد به التوقيف ولا خلاف ~~أن تارك الطهارة ناسيا كتاركها عامدا في بطلان حكم صلاته وكذلك قالوا في ms0872 ~~الأكل في نهار شهر رمضان ناسيا إن القياس فيه إيجاب القضاء وإنهم إنما ~~تركوا القياس فيه للأثر ومع ما ذكرنا فإن الناسي مؤد لفرضه على أي وجه فعله ~~إذ لم ميكلفه الله في تلك الحال غيره وإنما القضاء فرض آخر ألزمه الله ~~تعالى بالدلائل التي ذكرنا فكان تأثير النسيان في سقوط المأثم فحسب فأما في ~~لزوم فرض فلا وقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~مقصور على المأثم أيضا دون رفع الحكم ألا ترى أن الله تعالى قد نص على لزوم ~~حكم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة فلذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~النسيان مع الخطأ وهو على هذا المعنى فإن قال قائل PageV02P278 من أصلكم ~~إيجاب فرض التسمية على الذبيحة ولو تركها عامدا كانت ميتة وإذا تركها ناسيا ~~حلت وكانت مذكاة ولم تجعلوها بمنزلة تارك الطهارة ناسيا حتى صلى فيكون ~~مأمورا بإعادتها بالطهارة قطعا وكذلك الكلام في الصلاة ناسيا قيل له لما ~~بينا من أنه لم يكلف في الحال غير ما فعل على وجه النسيان والذي لزمه بعد ~~الذكر فرض مبتدأ آخر وكذلك نجيز في هذه القضية أن لا يكون مكلفا في حال ~~النسيان للتسمية فصحت الزكاة ولا تتأتى بعد الزكاة فيه ذبيحة أخرى فيكون ~~مكلفا لها كما كلف إعادة الصلاة والصوم ونحوه قوله تعالى لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت هو مثل قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها وقوله وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى وفيه الدلالة على أن كل واحد من ~~المكلفين فأحكام أفعاله متعلقة به دون غيره وإن أحدا لا يجوز تصرفه على ~~غيره ولا يؤاخذ بجريرة سواه وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة ~~حين رآه مع ابنه فقال هذا ابنك قال نعم قال إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤاخذ أحد بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه فهذا هو ~~العدل الذي لا يجوز في العقول ms0873 غيره وقوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت يحتج به في نفي الحجر وامتناع تصرف أحد من قاض أو غيره على سواه ~~ببيع ماله أو منعه منه إلا ما قامت الدلالة على خصوصه ويحتج به في بطلان ~~مذهب مالك بن أنس في أن من أدى دين غيره بغير أمره أن له أن يرجع به عليه ~~لأن الله تعالى إنما جعل كسبه له وعليه ومنع لزومه غيره قوله عز وجل ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قد قيل في معنى الإصر ~~إنه الثقل وأصله في اللغة يقال إنه العطف ومنه أواصر الرحم لأنها تعطفه ~~عليه والواحد آصرة والمأصر يقال أنه حبل يمد على طريق أو نهر تحبس به ~~المارة ويعطفون به على النفوذ ليؤخذ منهم العشور والمكس والمعنى في قوله لا ~~تحمل علينا إصرا يريد به عهدا وهو الأمر الذي يثقل روي نحوه عن ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وهو في معنى قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج يعني ~~من ضيق وقوله يريد الله بكم اليسر الآية وقوله تعالى ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج وقال النبي صلى الله عليه وسلم جئتكم بالحنيفية السمحة وروي ~~عنه أن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فقوله ولا تحمل علينا ~~إصرا يعني من ثقل الأمر والنهي كما حملته على الذين من قبلنا وهو كقوله ~~ويضع عنهم إصرهم PageV02P279 والأغلال التي كانت عليهم وهذه الآية ونظائرها ~~يحتج بها على نفي الحرج والضيق والثقل في كل أمر اختلف الفقهاء فيه وسوغوا ~~فيه الاجتهاد فالموجب للثقل والضيق والحرج محجوج بالآية نحو إيجاب النية في ~~الطهارة وإيجاب الترتيب فيها وما جرى مجرى ذلك في نفي الضيق والحرج يجوز ~~لنا الاحتجاج بالظواهر التي ذكرناها قوله تعالى ربنا ولا تحملنا مالا طاقة ~~لنا به قيل فيه وجهان أحدهما ما يشتد ويثقل من التكليف كنحو ما كلف بنو ~~إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم وجائز أن يعبر بما يثقل أنه لا يطيقه كقولك ms0874 ما ~~أطيق كلام فلان ولا أقدر أن أراه ولا يراد به نفي القدرة وإنما يريدون أنه ~~يثقل عليه فيكون بمنزلة العاجز الذي لا يقدر على كلامه ورؤيته لبعده من ~~قلبه وكراهته لرؤيته وكلامه وهو كما قال تعالى وكانوا لا يستطيعون سمعا وقد ~~كانت لهم أسماع صحيحة إلا أن المراد أنهم استثقلوا استماعه فأعرضوا عنه ~~وكانوا بمنزلة من لم يسمع والوجه الثاني أن لا يحملنا من العذاب مالا نطيقه ~~وجائز أن يكون المراد الأمرين جميعا والله أعلم بالصواب # | سورة آل عمران # # | بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه أيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات إلى آخر القصة قال الشيخ أبو بكر قد بينا في صدر الكتاب معنى ~~المحكم والمتشابه وأن كل واحد منهما ينقسم إلى معنيين أحدهما يصح وصف ~~القرآن بجميعه والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض قال الله تعالى الر ~~كتاب أحكمت آياته وقال تعالى الر تلك آيات الكتاب الحكيم فوصف جميع القرآن ~~في هذه المواضع بالأحكام وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني فوصف جميعه بالمتشابه ثم قال في موضع آخر هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات عن أم الكتاب وأخر متشابهات فوصف ههنا بعضه بأنه محكم ~~وبعضه متشابه والأحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل ~~بهما القرآن كل قول وأما موضع الخصوص في قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل عند سامعه إلا ~~معنى واحدا وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه إلا أن هذا المعنى لا محالة قد ~~انتظمه لفظ الأحكام المذكور في هذه الآية وهو الذي جعل PageV02P280 إما ~~للمتشابه الذي يرد إليه ويحمل معناه عليه وإما المتشابه الذي عم به جميع ~~القرآن في قوله تعالى كتابا متشابها فهو التماثل ونفي الاختلاف والتضاد عنه ~~وأما المتشابه الخصوص به بعض القرآن فقد ذكرنا أقاويل السلف فيه وما روي عن ~~ابن عباس أن المحكم ms0875 هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ فهذا عندنا هو أحد ~~أقسام المحكم والمتشابه لأنه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه غيرهما ~~وجاجز أن يسمى الناسخ محكما لأنه ثابت الحكم والعرب تسمي البناء الوثيق ~~محكما ويقولون في العقد ا لوثيق الذي لا يمكن حله محكما فجائز أن يسمى ~~الناسخ محكما إذ كانت صفته الثبات والبقاء ويسمى المنسوخ متشابها من حيث ~~أشبه في التلاوة المحكم وخالفه في ثبوت الحكم فيشتبه على التالي حكمه في ~~ثبوته ونسخه فمن هذا الوجه جائز أن يسمى المنسوخ متشابها وأما قول من قال ~~إن المحكم هو الذي لم تتكرر ألفاظه والمتشابه هو الذي تتكرر ألفاظه فإن ~~اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السامع وهذا سائغ عام في جميع ~~ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له وجهه فهذا ~~مما يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه ومالا يشتبه فيه وجه الحكمة على السامع ~~فهو المحكم الذي لا تشابه فيه على قول هذا القائل فهذا أيضا أحد وجوه ~~المحكم والمتشابه وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز وأما ما روي عن جابر بن ~~عبدالله أن المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه مالا يعلم تأويله كقوله ~~تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرسيها وما جرى مجرى ذلك فإن إطلاق اسم ~~المحكم والمتشابه سائغ فيه لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه فيه وقد أحكم ~~بيانه ومالا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه فجائز أن يسمى ~~بهذا الاسم فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روي فيه ولولا احتمال ~~اللفظ لما ذكروا لما تأولوه عليه وما ذكرناه من قول من قال إن المحكم هو ~~مالا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين فهو أحد الوجوه الذي ~~ينتظمها هذا الاسم لأن المحكم من هذا القسم سمي محكما لأحكام دلالته وإيضاح ~~معناه وإبانته والمتشابه منه سمي بذلك لأنه أشبه المحكم من وجه واحتمل ~~معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى المحكم فسمي متشابها من هذا الوجه ms0876 ~~فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعاني احتجنا إلى معرفة ~~المراد منها بقوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء PageV02P281 الفتنة ~~وابتغاء تأويله مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب رد ~~المتشابه إلى المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه لقوله تعالى ~~في صفة المحكمات هن أم الكتاب والأم هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه ~~فسماها أما فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها ورده إليها ثم أكد ذلك بقوله ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله فوصف متبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه ~~وأعلمنا أنه مبتغ للفتنة وهي الكفر والضلال في هذا الموضع كما قال تعالى ~~والفتنة أشد من القتل يعني والله أعلم الكفر فأخبر أن متبع المتشابه وحامله ~~على مخالفة المحكم في قلبه زيغ يعني الميل عن الحق يستدعي غيره بالمتشابه ~~إلى الضلال والكفر فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو ~~اللفظ المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه ثم نظرنا ~~بعد ذلك في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في ~~أقسام المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال للفظ فوجدنا قول من ~~قال بأنه الناسخ والمنسوخ فإنه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما ~~على من حصل له العلم بتاريخهما وعلم يقينا أن المنسوخ متروك الحكم وأن ~~الناسخ ثابت الحكم فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السامع العالم بتاريخ ~~الحكمين اللذين لا احتمال فيهما لغير الناسخ وإن اشتبه على السامع من حيث ~~أنه لم يعلم التاريخ فهذا ليس أحد اللفظين أولى بكونه محكما من الآخر ولا ~~يكونا متشابها منه إذ كل واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون ~~منسوخا فهذا لا مدخل له في قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات ms0877 وأما قول من قال إن المحكم مالم يتكرر لفظه والمتشابه ما تكرر ~~لفظه فهذا أيضا لا مدخل له في هذه الآية لأنه لا يحتاج إلى رده إلى المحكم ~~وإنما يحتاج إلى تدبيره بعقله وحمله على ما في اللغة من تجويزه وأما قول من ~~قال إن المحكم ما علم وقته وتعيينه والمتشابه مالا يعلم تعيين تأويله كأمر ~~الساعة وصغائر الذنوب التي آيسنا الله من وقوع علمنا بها في الدنيا وإن هذا ~~الضرب أيضا منها خارج عن حكم هذه الآية لأنا لا نصل إلى علم معنى المتشابه ~~برده إلى المحكم فلم يبق من الوجوه التي ذكرنا من أقسام المحكم والمتشابه ~~مما يجب بناء أحدهما على الآخر وحمله على معناه إلا الوجه الأخير الذي قلنا ~~وهو أن يكون المتشابه اللفظ المحتمل للمعاني فيجب حمله على PageV02P282 ~~المحكم الذي لا احتمال فيه ولا اشتراك في لفظه من نظائر ما قدمنا في صدر ~~الكتاب وبينا أنه ينقسم إلى وجهين من العقليات والسمعيات وليس يمتنع أن ~~تكون الوجوه التي ذكرناها عن السلف على اختلافها بتناولها الاسم على ما روي ~~عنهم فيه لما بينا من وجوهها ويكون الوجه الذي يجب حمله على المحكم هو هذا ~~الوجه الأخير لامتناع إمكان حمل سائر وجوه المتشابه على المحكم على ما تقدم ~~من بيانه ثم يكون قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله معناه تأويل جميع ~~المتشابه حتى لا يستوعب غيره علمها فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني ~~المتشابهات من الآيات ولم ينف بذلك أن نعلم نحن بعضها بإقامته لنا الدلالة ~~عليه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء لأن في فحوى الآية ~~ما قد دل على أنا نعلم بعض المتشابه برده إلى المحكم وحمله على معناه على ~~ما بينا من ذلك ويستحيل أن تدل الآية على وجوب رده إلى المحكم وتدل أيضا ~~على أنا لا نصل إلى علمه ومعرفته فإذا ينبغي أن يكون قوله تعالى وما يعلم ~~تأويله إلا الله غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه فمما لا ms0878 يجوز وقوع ~~العلم لنا به وقت الساعة والذنوب الصغائر ومن الناس من يجوز ورود لفظ مجمل ~~في حكم يقتضي البيان ولا يبينه أبدا فيكون في حيز المتشابه الذي لا نصل إلى ~~العلم به وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم فمنهم من جعل تمام الكلام عند قوله تعالى والراسخون في ~~العلم وجعل الواو التي في قوله والراسخون في العلم للجمع كقول القائل لقيت ~~زيدا وعمرا وما جرى مجراه ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله وما يعلم ~~تأويله إلا الله وجعل الواو للإستقبال وابتداء خطاب غير متعلق بالأول فمن ~~قال بالقول الأول وجعل الراسخين في العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين ~~بجميعه وقد روي نحوه عن عائشة والحسن وقال مجاهد فيما رواه ابن أبي نجيح في ~~قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيع يعني شكا ابتغاء الفتنة الشبهات بما ~~هلكوا لكن الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنا به وروي عن ابن ~~عباس ويقولون الراسخون في العلم وكذلك روي عن عمر بن عبدالعزيز وقد روي عن ~~ابن عباس أيضا وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه قائلين ~~آمنا به وعن الربيع بن أنس مثله والذي يقتضيه اللفظ على ما فيه من الاحتمال ~~أن يكون تقديره وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل جميع المتشابه على ما ~~بينا والراسخون في العلم يعلمون PageV02P283 بعضه قائلين آمنا به كل من عند ~~ربنا يعني ما نصب لهم من الدلالة عليه في بنائه على المحكم ورده إليه وما ~~لم يجعل لهم سبيل إلى علمه من نحو ما وصفنا فإذا علموا تأويل بعضه ولم ~~يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا وما أخفى عنا علم ما غاب ~~عنا علمه إلا لعلمه تعالى بما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ~~ودنيانا وما أعلمنا وما يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا فيعترفون بصحة الجميع ~~والتصديق بما علموا منه ومالم يعلموه ومن الناس من يظن ms0879 أنه لا يجوز إلا أن ~~يكون منتهى الكلام وتمامه عند قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله وأن ~~الواو للإستقبال دون الجمع لأنها لو كانت للجمع لقال ويقولون آمنا به ~~ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر وقال من ذهب إلى القول الأول هذا سائغ في ~~اللغة وقد وجد مثله في القرآن وهو قوله تعالى في بيان قسم الفيء ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول إلى قوله تعالى شديد العقاب ثم ~~تلاه بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا إلى قوله تعالى ~~والذين جاؤا من بعدهم وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين ~~والواو فيه للجمع ثم قال تعالى يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان معناه قائلين ربنا اغفر لنا ولإخواننا كذلك قوله تعالى ~~والراسخون في العلم يقولون معناه والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصب ~~لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين ربنا آمنا به فصاروا معطوفين على ما ~~قبله داخلين في حيزه وقد وجد مثله في الشعر قال يزيد بن مفرغ الحميري % ~~وشريت بردا ليتني % من بعد برد كنت هامه % % فالريح تبكي شجوه % والبرق ~~يلمع في الغمامه % والمعنى والبرق يبكي شجوه لامعا في الغمامة وإذا كان ذلك ~~سائغا في اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى ~~المحكم فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه ومن ~~جهة أخرى أن الواو لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ~~ومقتضاها ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة ولا دلالة معنا توجب ~~صرفها عن الحقيقة فوجب استعمالها على الجمع فإن قيل إذا كان استعمال المحكم ~~مقيدا بما في العقل وقد يمكن كل مبطل أن يدعي ذلك لنفسه فيبطل فائدة ~~الاحتجاج PageV02P284 بالمحكم قيل له إنما هو مقيد بما هو في تعارف العقول ~~فيكون اللفظ مطابقا لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة ولا يحتاج في استعمال ~~حكم العقل فيه ms0880 إلى مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى مراده على الوجه الذي ~~هو ثابت في عقول العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا عليها فما كان كذلك فهو ~~المحكم مالذي لا يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه وحقيقته فأما العادات الفاسدة ~~فلا اعتبار بها فإن قيل كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه دون ما ~~أحكم قيل له نحو ما روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد نجران لما ~~حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا أليس هو كلمة الله وروح ~~منه فقال بلى فقالوا حسبنا فأنزل الله فأما الذين في قلبوهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ثم أنزل الله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ~~ثم قال له كن فيكون فصرفوا قوله كلمة الله إلى ما يقولونه في قدمه مع الله ~~وروحه صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه كروح الإنسان وإنما أراد الله تعالى ~~بقوله كلمة أنه بشر به في كتاب الأنبياء المتقدمين فسماه كلمة من حيث قدم ~~البشارة به وسماه روحه لأن الله تعالى خلقه من غير ذكر بل أمر جبريل عليه ~~السلام فنفخ في جيب مريم عليها السلام وأضافه إلى نفسه تعالى تشريفا له ~~كبيت الله وسماء الله وأرضه ونحو ذلك وقيل إنه سماه روحا كما سمى القرآن ~~روحا بقوله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وإنما سماه روحا من حيث ~~كان فيه حياة الناس في أمور دينهم فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة ~~وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال وقال قتادة أهل الزيغ المتبعون للمتشابه ~~منه هم الحرورية والسبائية قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم روي عن ابن عباس وقتادة وابن إسحاق أنه لما هلكت قريش يوم بدر جمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم ~~مثل ما نزل بقريش من الإنتقام فأبوا وقالوا ألسنا كقريش الأغمار الذين لا ~~يعرفون القتال لئن حاربتنا لتعرفن أنا ms0881 الناس فأنزل الله تعالى قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد وفي هذه الآية دلالة على صحة ~~نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيها من الأخبار عن غلبة المؤمنين ~~المشركين فكان على ما أخبر به ولا يكون ذلك على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به ~~عن الغيوب في الأمور المستقبلة فوجد مخبره على ما أخبر به من غير خلف وذلك ~~لا يكون إلا من عند الله تعالى العالم بالغيوب إذ ليس في وسع أحد من ~~PageV02P285 الخلق الإخبار بالأمور المستقبلة ثم يتفق مخبر أخباره على ما ~~أخبر به من غير خلف لشيء منه وقوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين التقتا ~~فئة تقاتل في سبيل الله الآية روي عن ابن مسعود والحسن أن ذلك خطاب ~~للمؤمنين وإن المؤمنين هي الفئة الرائية للمشركين مثليهم رأي العين فرأوهم ~~مثلي عدتهم وقد كانوا ثلاثة أمثالهم لأن المشركين كانوا نحو ألف رجل ~~والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر فقللهم الله تعالى في أعين المسلمين لتقوية ~~قلوبهم وقال آخرون قوله قد كان لكم آية مخاطبة للكفار الذين ابتدأ بذكرهم ~~في قوله قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وقوله قد كان لكم أية ~~معطوف عليه وتمام له والمعنى فيه إن الكافرين رأوا المؤمنين مثليهم وأراهم ~~الله تعالى كذلك في رأي العين ليجبن قلوبهم ويرهبهم فيكون أقوى للمؤمنين ~~عليهم وذلك أحد أبواب النصر للمسلمين والخذلان للكافرين وفي هذه الآية ~~الدلالة من وجهين على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما غلبة الفئة ~~القليلة العدد والعدة للكثيرة العدد والعدة وذلك على خلاف مجرى العادة لما ~~أمدهم الله به من الملائكة والثاني أن الله تعالى قد كان وعدهم إحدى ~~الطائفتين وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين قبل اللقاء بالظفر ~~والغلبة وقال هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وكان كما وعد ~~الله وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى زين للناس حب الشهوات ~~قال الحسن زينها الشيطان لأنه لا أحد ms0882 أشد ذما لها من خالقها وقال بعضهم ~~زينها الله بما جعل في الطباع من المنازعة إليها كما قال تعالى إنا جعلنا ~~ما على الأرض زينة لها وقال آخرون زين الله ما يحسن منه وزين الشيطان ما ~~يقبح منه وقوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس الآية روي عن أبي عبيدة بن الجراح ~~أنه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال رجل قتل نبيا ~~أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم ثم قال يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من ~~أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلا من عباد بني ~~إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر ~~النهار في ذلك اليوم وهو الذي ذكر الله تعالى وفي هذه الآية جواز إنكار ~~المنكر مع خوف القتل وأنه منزلة شريفة PageV02P286 يستحق بها الثواب الجزيل ~~لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وروى ~~أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الجهاد ~~كلمة حق عند سلطان جائر وفي بعض الروايات يقتل عليه وروى أبو حنيفة عن ~~عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الشهداء حمزة ~~بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتل قال عمرو بن عبيد لا ~~نعلم عملا من أعمال البر أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه وإنما قال الله ~~تعالى فبشرهم بعذاب أليم وإن كان الإخبار عن أسلافهم من قبل أن المخاطبين ~~من الكفار كانوا راضين بأفعالهم فأجملوا معهم في الأخبار بالوعيد لهم وهذا ~~كقوله تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل وقوله تعالى الذين قالوا إن ~~الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول ms0883 حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد ~~جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فنسب ~~القتل إلى المخاطبين لأنهم رضوا بأفعال أسلافهم وتولوهم عليها فكانوا ~~مشاركين لهم في استحقاق العذاب كما شاركوهم في الرضا بقتل الأنبياء عليهم ~~السلام قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله الآية روي عن ابن عباس أنه أراد اليهود حين دعوا إلى التوراة وهي كتاب ~~الله وسائر الكتب التي فيها البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى ~~الموافقة على ما في هذه الكتب من صحة نبوته كما قال تعالى في آية أخرى قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فتولى فريق من أهل الكتاب عن ذلك ~~لعلمهم بما فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته ولولا أنهم ~~علموا ذلك لما أعرضوا عند الدعاء إلى ما في كتبهم وفريق منهم آمنوا وصدقوا ~~لعلمهم بصحة نبوته ولما عرفوه من التوراة وكتب الله من نعته وصفته وفي هذه ~~الآية دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لولا أنهم كانوا ~~عالمين بما ادعاه مما في كتبهم من نعته وصفته وصحة نبوته لما أعرضوا عن ذلك ~~بل كانوا يسارعون إلى الموافقة على ما في كتبهم حتى يتبينوا بطلان دعواه ~~فلما أعرضوا ولم يجيبوا إلى ما دعاهم إليه دل ذلك على أنهم كانوا عالمين ~~بما في كتبهم من ذلك وهو نظير ما تحدى الله تعالى به العرب من الإتيان بمثل ~~سورة من القرآن فأعرضوا عن ذلك وعدلوا إلى القتال والمحاربة لعلمهم بالعجز ~~عن الإتيان بمثلها وكما دعاهم إلى المباهلة في قوله تعالى فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم إلى قوله تعالى ثم نبتهل فنجعل لعنة الله ~~على الكاذبين PageV02P287 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لو حضروا وباهلوا ~~لأضرم الله تعالى عليهم الوادي نارا ولم يرجعوا إلى أهل ولا ولد وهذه ~~الأمور كلها من دلائل النبوة وصحة الرسالة وروي عن الحسن وقتادة إنما ms0884 أراد ~~بقوله تعالى يدعون إلى كتاب الله إلى القرآن لأن ما فيه يوافق ما في ~~التوراة في أصول الدين والشرع والصفات التي قد قدمت بها البشارة في الكتب ~~المتقدمة والدعاء إلى كتاب الله تعالى في هذه الآية يحتمل معاني جائز أن ~~يكون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا ويحتمل أن يكون أمر ~~إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام ويحتمل أن يريد به بعض أحكام الشرع ~~من حد أو غيره كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إلى بعض ~~مدارسهم فسألهم عن حد الزاني فذكروا الجلد والتحميم وكتموا الرجم حتى وقفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على آية الرجم بحضرة عبدالله بن سلام وإذا كانت ~~هذه الوجوه محتملة لم يمتنع أن يكون الدعاء قد وقع إلى جميع ذلك وفيه ~~الدلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته لأنه دعاه إلى كتاب ~~الله تعالى ونظيره أيضا قوله تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء قيل في قوله تعالى مالك الملك أنه صفة لا يستحقها إلا ~~الله تعالى ومن أنه مالك كل ملك وقيل مالك أمر الدنيا والآخرة وقيل مالك ~~العباد وما ملكوا وقال مجاهد أراد بالملك ههنا النبوة وقوله تؤتي الملك من ~~تشاء يحتمل وجهين أمر ملك الأموال والعبيد وذلك مما يجوز أن يؤتيه الله ~~للمسلم والكافر والآخر أمر التدبير وسياسة الأمة فهذا مخصوص به المسلم ~~العدل دون الكافر ودون ا لفاسق وسياسة الأمة وتدبيرها متعلقة بأوامر ا لله ~~تعالى ونواهيه وذلك لا يؤتمن الكافر عليه ولا الفاسق لا يجوز أن تجعل إلى ~~من هذه صفته سياسة المؤمنين لقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين فإن قيل قال ~~الله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك فأخبر ~~أنه آتى الكافر الملك قيل له يحتمل أن يريد به المال إن كان ms0885 المراد إيتاء ~~الكافر الملك وقد قيل إنه أراد به آتى إبراهيم الملك يعني النبوة وجواز ~~الأمر والنهي في طريق الحكمة وقوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين الآية فيه نهي عن اتخاذ الكافرين أولياء لأنه جزم الفعل ~~فهو إذا نهي وليس بخبر قال ابن عباس نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن ~~يلاطفوا ونظيرها من الآي قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من PageV02P288 دونكم ~~لا يألونكم خبالا وقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد اللل ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم الآية وقال تعالى فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع القوم الظالمين وقال تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره إنكم إذا مثلهم وقال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا وقال ~~تعالى وأعرض عن الجاهلين وقال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض وقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه فنهى بعد النهي عن مجالستهم وملاطفتهم ~~عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في الدنيا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر بإبل لبني المصطلق وقد عبست بأبوالها من السمن فتقنع بثوبه ومضى لقوله ~~تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم وقال تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا بريء من كل مسلم مع مشرك فقيل لم يا ~~رسول الله فقال لا تراءى ناراهما وقال أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر ~~المشركين فهذه الآي والآثار دالة على أنه ينبغي أن يعامل الكفار بالغلظة ~~والجفوة دون الملاطفة والملاينة مالم تكن حال يخاف فيها على تلف نفسه أو ~~تلف بعض أعضائه أو ضررا كبيرا يلحقه ms0886 في نفسه فإنه إذا خاف ذلك جاز له إظهار ~~الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد والولاء ينصرف على وجهين أحدهما من ~~يلي أمور من يرتضي فعله بالنصرة والمعونة والحياطة وقد يسمى بذلك المعان ~~المنصور قال الله تعالى الله ولي الذين آمنوا يعني أنه يتولى نصرهم ~~ومعونتهم والمؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم معانون بنصرة الله قال الله ~~تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # وقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقية يعني إن تخافوا تلف النفس أو بعض ~~الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها وهذا هو ظاهر ما يقتضيه ~~اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم وقد حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق ~~المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين قال لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في PageV02P289 دينه ~~وقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقية إلا أن تكون بينه وبينه قرابة فيصله ~~لذلك فجعل التقية صلة لقرابة الكافر وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند ~~التقية وهو نظير قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله تعالى وليس ~~بواجب بل ترك التقية أفضل قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى ~~قتل أنه أفضل ممن أظهر وقد أخذ المشركون خبيب بن عدي فلم يعط التقية حتى ~~قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وأظهر الكفر ~~فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا ~~بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم وإن عادوا فعد وكان ذلك على وجه الترخيص ~~وروي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني رسول الله قال نعم ms0887 ~~فخلاه ثم دعا بالآخر وقال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني ~~رسول الله قال إني أصم قالها ثلاثا فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئا ~~له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه وفي هذا دليل على أن إعطاء ~~التقية رخصة وأن الأفضل ترك إظهارها وكذلك قالوا أصحابنا في كل أمر كان فيه ~~إعزاز الدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه ~~ألا ترى أن من بذل نفسه فجهاد العدو فقتل كان أفضل ممن انحاز وقد وصف الله ~~أحوال الشهداء بعد القتل وجعلهم أحياء مرزوقين فكذلك بذل النفس في إظهار ~~دين الله تعالى وترك إظهار الكفر أفضل من إعطاء التقية فيه وفي هذه الآية ~~ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في شيء وإنه إذا كان له ~~ابن صغير مسلم بإسلام أمه فلا ولاية له عليه في تصرف ولا تزويج ولا غيره ~~ويدل على أن الذمي لا يعقل جناية المسلم وكذلك المسلم لا يعقل جنايته لأن ~~ذلك من الولاية والنصرة قوله تعالى وآل إبراهيم وآل عمران روي عن ابن عباس ~~والحسن إن آل إبراهيم هم المؤمنون الذين على دينه وقال الحسن وآل عمران ~~المسيح عليه السلام لأنه ابن مريم بنت عمران وقيل آل عمران هم آل إبراهيم ~~كما قال ذرية بعضها من بعض وهم موسى وهارون ابنا عمران وجعل أصحابنا الآل ~~وأهل البيت واحدا فيمن يوصي لآل فلان إنه بمنزلة قوله لأهل بيت فلان فيكون ~~لمن يجمعه وإياه الجد PageV02P290 الذي ينسبون إليه من قبل الآباء نحو ~~قولهم آل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته هما عبارتان عن معنى واحد ~~قالوا إلا أن يكون من نسب إليه الآل هو بيت ينسب إليه مثل قولنا آل العباس ~~وآل علي والمعنى فيه أولاد العباس وأولاد علي الذين ينسبون إليهما بالآباء ~~وهذا محمول على المتعارف المعتاد وقوله عز ms0888 وجل ذرية بعضها من بعض روي عن ~~الحسن وقتادة بعضها من بعض في التناصر في الدين كما قال تعالى المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يعني في الإجتماع على الضلال والمؤمنون بعضهم من ~~بعض في الاجتماع على الهدى وقال بعضهم ذرية بعضها من بعض في التناسل لأن ~~جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم عليهم السلام قوله عز وجل إذ ~~قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرارا روي عن الشعبي أنه قال ~~مخلصا للعبادة وقال مجاهد خادما للبيعة وقال محمد بن جعفر بن الزبير عتيقا ~~من أمر الدنيا لطاعة الله تعالى والتحرير ينصرف على وجهين أحدهما العتق من ~~الحرية والآخر تحرير الكتاب وهو إخلاصه من الفساد والإضطراب وقولها إني ~~نذرت لك ما في بطني محررا إذا أرادت مخلصا للعبادة أنها تنشئه على ذلك ~~وتشغله بها دون غيرها وإذا أرادت به أنها تجعله خادما للبيعة أو عتيقا ~~لطاعة الله تعالى فإن معاني جميع ذلك متقاربة كان نذرا من قبلها نذرته لله ~~تعالى بقولها نذرت ثم قالت فتقبل مني إنك أنت السميع العليم والنذر في مثل ~~ذلك صحيح في شريعتنا أيضا بأن ينذر الإنسان أن ينشئ ابنه الصغير على عبادة ~~الله وطاعته وأن لا يشغله بغيرهما وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين ~~وجميع ذلك نذور صحيحة لأن في ذلك قربة إلى الله تعالى وقولها نذرت لك يدل ~~على أنه يقتضي الإيجاب وأن من نذر لله تعالى قربة يلزمه الوفاء بها ويدل ~~على أن النذور تتعلق على الأخطار وعلى أوقات مستقبلة لأنه معلوم أن قولها ~~نذرت لك ما في بطني محررا أرادت به بعد الولادة وبلوغ الوقت الذي يجوز في ~~مثله أن يخلص لعبادة الله تعالى ويدل أيضا على جواز النذر بالمجهول لأنها ~~نذرته وهي لا تدري ذكرا أم أنثى ويدل على أن للأم ضربا من الولاية على ~~الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته لولا أنها تملك ذلك لما نذرته في ~~ولدها ويدل أيضا على أن للأم تسمية ms0889 ولدها وتكون تسمية صحيحة وإن لم يسمه ~~الأب لأنها قالت وإني سميتها مريم وأثبت الله تعالى لولدها هذا الاسم وقوله ~~تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن المراد به والله PageV02P291 أعلم رضيها ~~للعبادة في النذر الذي نذرته بالإخلاص للعبادة في بيت المقدس ولم يقبل ~~قبلها أنثى في هذا المعنى قوله تعالى وكفلها زكريا إذا قرئ بالتخفيف كان ~~معناه أنه تضمن مؤنتها كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنا وكافل ~~اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه يعني به من يضمن مؤنة اليتيم وإذا ~~قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى كفله إياها وضمنه مؤنتها وأمره ~~بالقيام بها والقراءتان صحيحتان بأن يكون الله تعالى كفله إياها فتكفل بها ~~قوله تعالى قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة الهبة تمليك الشيء من غير ثمن ~~ويقولون قد تواهبوا لأمر بينهم وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه المجاز ~~لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة إذ لم يكن تمليك شيء وقد كان الولد حرا ~~لا يقع فيه تمليك ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد من عبادة ~~الله تعالى ووراثته النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة كما سمى الله تعالى ~~بذل النفس للجهاد في الله شراء بقوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة هو تعالى مالك الجميع من الأنفس والأموال قبل أن ~~جاهدوا وبعده وسمى ذلك شراء لما وعدهم عليه من الثواب الجزيل وقد يقول ~~القائل لي جناية فلان ولا تمليك فيه وإنما أراد إسقاط حكمها وقوله تعالى ~~وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين يدل على أن غير الله تعالى يجوز أن يسمى ~~بهذا الاسم لأن الله تعالى سمى بمحي سيدا والسيد هو الذي تجب طاعته وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحكم ~~بينه وبين بني قريظة قوموا إلى سيدكم وقال صلى الله عليه وسلم للحسن إن ~~ابني هذا سيد وقال لبني سلمة من سيدكم يا بني ms0890 سلمة قالوا الحر بن قيس على ~~بخل فيه قال وأي داء أدوى من البخل ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ~~فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمى سيدا وليس السيد هو المالك ~~فحسب لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال سيد الدابة وسيد الثوب كما يقال سيد ~~العبد وقد روي أن وفد بني عامر قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~أنت سيدنا وذو الطول علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم السيد هو الله ~~تكلموا بكلامكم ولا يستهوينكم الشيطان وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل السادة من بني آدم ولكنه رآهم متكلفين لهذا القول فأنكره عليهم كما ~~قال أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون المتفيقون فكره لهم تكلف الكلام على ~~وجه التصنع وقد روي عن النبي أنه قال لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يك ~~سيدا فقد هلكتم فنهى أن يسمى المنافق سيدا لأنه لا تجب PageV02P292 طاعته ~~فإن قيل قال الله تعالى ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا فسموهم ~~سادات وهم ضلال قيل له لأنهم أنزلوهم منزلة من تجب طاعته وإن لم يكن مستحقا ~~لها فكانوا عندهم وفي اعتقادهم ساداتهم كما قال تعالى فما أغنت عنهم آلهتهم ~~ولم يكونوا آلهة ولكنهم سموهم آلهة فأجرى الكلام على ما كان في زعمهم ~~واعتقادهم قوله تعالى قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ~~أيام إلا رمزا يقال إنه طلب آية لوقت الحمل ليعجل السرور به فأمسك على ~~لسانه فلم يقدر أن يكلم الناس إلا بالإيماء يروى ذلك عن الحسن والربيع بن ~~أنس وقتادة وقال في هذه الآية ثلاثة أيام وفي موضع آخر في سورة مريم في هذه ~~القصة بعينها ثلاث ليال سويا عبر تارة بذكر الأيام وتارة بذكر الليالي وفي ~~هذا دليل على أن أحد العددين من الجميع عند الإطلاق يعقل به مقداره من ~~الوقت الآخر فيعقل من ثلاثة أيام ثلاث ليال معها ومن ثلاث ليال ثلاثة أيام ~~ألا ترى أنه لما ms0891 أراد التفرقة بينهما أفرد كل واحد منهما بالذكر فقال سبع ~~ليال وثمانية أيام حسوما لأنه لو اقتصر على العدد الأول عقل مثله من الوقت ~~الآخر قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نساء العالمين قيل في قوله اصطفاك اختارك بالتفضيل على نساء العالمين ~~في زمانهم يروى ذلك عن الحسن وابن جريج وقال غيرهما معناه أنه اختارك على ~~نساء العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح وقال الحسن ومجاهد وطهرك من ~~الكفر بالإيمان قال أبو بكر هذا سائغ كما جاز إطلاق اسم النجاسة على الكافر ~~لأجل الكفر في قوله تعالى إنما المشركون نجس والمراد نجاسة الكفر فكذلك ~~يكون وطهرك بطهارة الإيمان وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن ليس ~~بنجس يعني به نجاسة الكفر وهو كقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا والمراد طهارة الإيمان والطاعات وقيل إن المراد ~~وطهرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما وقد اختلف في وجه تطهير ~~الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية لأن الله تعالى قال وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فقال قائل كان ذلك معجزة لزكريا عليه السلام وقال آخرون ~~على وجه إرهاص نبوة المسيح كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل المبعث قوله تعالى يا مريم اقنتي لربك ~~واسجدي واركعي مع الراكعين قال سعيد أخلصي لربك وقال قتادة أديمي الطاعة ~~وقال PageV02P293 مجاهد أطيلي القيام في الصلاة وأصل القنوت الدوام على ~~الشيء وأشبه هذه الوجوه بالحال الأمر بإطالة القيام في الصلاة وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت يعني طول القيام ~~ويدل عليه قوله عطفا على ذلك واسجدي واركعي فأمرت بالقيام والركوع والسجود ~~وهي أركان الصلاة ولذلك لم يكن هذا موضع سجدة عند سائر أهل العلم كسائر ~~مواضع السجود لأجل ذكر السجود فيها لأنه قد ذكر مع السجود القيام والركوع ~~فكان أمرا بالصلاة وفي هذا دلالة ms0892 على أن الواو لا توجب الترتيب لأن الركوع ~~مقدم على السجود في المعنى وقدم السجود ههنا في اللفظ قوله تعالى وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم قال أبو بكر حدثنا عبدالله بن محمد ~~بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا معمر عن قتادة ~~في قوله تعالى إذ يلقون أقلامهم قال تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم ~~زكريا ويقال إن الأقلام ههنا القداح التي يتساهم عليها وأنهم ألقوها في ~~جرية الماء فاستقبل قلم زكريا عليه السلام جرية الماء مصعدا وانحدرت أقلام ~~الآخرين معجزة لزكريا عليه السلام فقرعهم يروى ذلك عن الربيع بن أنس ففي ~~هذا التأويل أنهم تساهموا عليها حرصا على كفالتها ومن الناس من يقول إنهم ~~تدافعوا كفالتها لشدة الأزمة والقحط في زمانها حتى وفق لها زكريا خير ~~الكفلاء والتأويل الأول أصح لأن الله تعالى قد أخبر أنه كفلها زكريا وهذا ~~يدل على أنه كان حريصا على كفالتها ومن الناس من يحتج بذلك على جواز القرعة ~~في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم وليس هذا من عتق العبيد ~~في شيء لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز في مثله ولا يجوز التراضي ~~على استرقاق من حصلت له لحرية وقد كان عتق الميت نافذا في الجميع فلا يجوز ~~نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن ~~وقعت عليه وإلقاء الأقلام يشبه القرعة في القسمة وفي تقديم الخصوم إلى ~~الحاكم وهو نظير ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد سفرا ~~أقرع بين نسائه وذلك لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة ~~وكذلك حكم كفالة مريم عليها السلام وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية ~~عمن وقعت عليه قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح البشارة هي خبر على وصف وهو في الأصل لما يسر لظهور السرور ~~في بشرة ms0893 وجهه إذا PageV02P294 بشر والبشرة هي ظاهر الجلد فأضافت الملائكة ~~البشارة إلى الله تعالى وكان الله هو مبشرها وإن كانت الملائكة خاطبوها ~~وكذلك قال أصحابنا فيمن قال إن بشرت فلانا بقدوم فلان فعبدي حر فقدم وأرسل ~~إليه رسولا يخبره بقدومه فقال له الرسول إن فلانا يقول لك قد قدم فلان أنه ~~يحنث في يمينه لأن المرسل هو المبشر دون الرسول ولأجل ما ذكرنا من تضمن ~~البشارة إحداث السرور قال أصحابنا إن المبشر هو المخبر الأول وأن الثاني ~~ليس بمبشر لأنه لا يحدث بخبره سرور وقد تطلق البشارة ويراد بها الخبر فحسب ~~كقوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم قوله تعالى بكلمة منه قد قيل فيه ثلاثة أوجه ~~أحدها أنه لما خلقه الله تعالى من غير والد كما قال الله تعالى خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون فلما كان خلقه على هذا الوجه من غير والد أطلق ~~عليه اسم الكلمة مجازا كما قال وكلمته ألقاها إلى مريم والوجه الثاني أنه ~~لما بشر به في الكتب القديمة أطلق عليه الاسم والوجه الثالث إن الله يهدي ~~به كما يهدي بكلمته قوله تعالى فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم الاحتجاج المتقدم لهذه الآية على النصارى في قولهم ~~إن المسيح هو ابن الله وهم وفد نجران وفيهم السيد والعاقب قالا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم هل رأيت ولدا من غير ذكر فأنزل الله تعالى إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم روي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة وقال قبل ذلك فيما حكي عن ~~المسيح ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم إلى قوله تعالى إن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه وهذا موجود في الإنجيل لأن فيه إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي ~~وإلهكم والأب السيد في تلك اللغة ألا تراه قال وأبي وأبيكم فعلمت أنه لم ~~يرد به الأبوة المقتضية للبنوة فلما قامت الحجة عليهم بما عرفوه واعترفوا ~~به وأبطل شبهتهم في قولهم أنه ولد من غير ذكر بأمر آدم عليه السلام دعاهم ~~حينئذ ms0894 إلى المباهلة فقال تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم الآية فنقل رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضي ~~الله عنهم ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة فأحجموا عنها وقال ~~بعضهم لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا ولم يبق نصراني ولا ~~نصرانية إلى يوم القيامة وفي هذه الآيات دحض شبه النصارى في أنه إله أو ابن ~~الإله وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لولا أنهم عرفوا ~~يقينا أنه PageV02P295 نبي ما الذي كان يمنعهم من المباهلة فلما أحجموا ~~وامتنعوا عنها دل أنهم قد كانوا عرفوا صحة نبوته بالدلائل المعجزات وبما ~~وجدوا من نعته في كتب الأنبياء المتقدمين وفيه الدلالة على أن الحسن ~~والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين ~~أراد حضور المباهلة وقال تعالوا ندع أبناءها وأبناءكم ولم يكن هناك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بنون غيرهما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال للحسن رضي الله عنه إن ابني هذا سيد وقال حين بال عليه أحدهما وهو صغير ~~لا تزرموا ابني وهما من ذريته أيضا كما جعل الله تعالى عيسى من ذرية ~~إبراهيم عليهما السلام بقوله تعالى ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله تعالى ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإنما نسبته إليه من جهة أمه لأنه لا أب له ومن الناس ~~من يقول أن هذا مخصوص في الحسن والحسين رضي الله عنهما أن يسميا ابني النبي ~~صلى الله عليه وسلم دون غيرهما وقد روي في ذلك خبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدل على خصوص إطلاق اسم ذلك فيهما دون غيرهما من الناس لأنه روي عنه ~~أنه قال سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وقال محمد فيمن أوصى ~~لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة أن الوصية ms0895 لولد ~~الإبن دون ولد الإبنة وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة إن ولد الإبنة ~~يدخلون فيه وهذا يدل على أن قوله تعالى وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك مخصوص به الحسن والحسين في جواز نسبتهما على الإطلاق إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم دون غيره من الناس لما ورد فيه من الأثر وأن غيرهما من ~~الناس إنما ينسبون إلى الآباء وقومهم دون قوم الأم ألا ترى أن الهاشمي إذا ~~استولد جارية رومية أو حبشية أن ابنه يكون هاشميا منسوبا إلى قوم أبيه دون ~~أمه وكذلك قال الشاعر % بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا % بنوهن أبناء الرجال ~~الأباعد % فنسبة الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالبنوة على الإطلاق مخصوص بهما لا يدخل فيه غيرهما هذا هو الظاهر ~~المتعالم من كلام الناس فيمن سواهما لأنهم ينسبون إلى ا لأب وقومه دون قوم ~~الأم قوله تعالى قل يا أيه الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله الآية قوله تعالى كلمة سواء يعني والله أعلم كلمة عدل بيننا ~~وبينكم نتساوى جميعا فيها إذ كنا جميعا عباد الله ثم فسرها بقوله تعالى ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~وهذه هي PageV02P296 الكلمة التي تشهد العقول بصحتها إذ كان الناس كلهم ~~عبيد الله لا يستحق بعضهم على بعض العبادة ولا يجب على أحد منهم طاعة غيره ~~إلا فيما كان طاعة لله تعالى وقد شرط الله تعالى في طاعة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ما كان منها معروفا وإن كان الله تعالى قد علم أنه لا يأمر إلا ~~بالمعروف لئلا يترخص أحد في إلزام غيره طاعة نفسه إلا بأمر الله تعالى كما ~~قال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم في قصة المبايعات ولا ~~يعصينك في معروف فبايعهن فشرط عليهن ترك عصيان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المعروف الذي يأمرهن به تأكيدا لئلا يلزم أحدا ms0896 طاعة غيره إلا بأمر الله وما ~~كان منه طاعة لله تعالى وقوله تعالى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله أي لا يتبعه في تحليل شيء ولا تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه وهو ~~نظير قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وقد روى عبدالسلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن ~~حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال ألق هذا ~~الوثن عنك ثم قرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قلت يا رسول ~~ما كنا نعبدهم قال أليس كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيحلونه ويحرمون ~~عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه قال فتلك عبادتهم وإنما وصفهم الله تعالى ~~بأنهم اتخذوهم أربابا لأنهم أنزلوهم منزلة ربهم وخالقهم في قبول تحريمهم ~~وتحليلهم لما لم يحرمه ا لله ولم يحلله ولا يستحق أحد أن يطاع بمثله إلا ~~الله تعالى الذي هو خالقهم والمكلفون كلهم متساوون في لزوم عبادة الله ~~واتباع أمره وتوجيه العبادة إليه دون غيره قوله تعالى يا أهل الكتاب لم ~~تحاجون في إبراهيم إلى قوله تعالى أفلا تعقلون روي عن ابن عباس والحسن ~~والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا وقالت ~~النصارى ما كان إلا نصرانيا فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى يا أهل الكتاب ~~لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده فلا تعقلون ~~فاليهودية والنصرانية حادثتان بعد إبراهيم فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا وقد ~~قيل إنهم سموا بذلك لأنهم من ولد يهودا والنصارى سموا بذلك لأن أصلهم من ~~ناصرة قرية بالشام ومع ذلك فإن اليهودية ملة محرفة عن ملة موسى عليه السلام ~~والنصرانية ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السلام فلذلك قال تعالى وما أنزلت ~~التوراة والإنجيل PageV02P297 إلا من بعده فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ~~ملة ms0897 حادثة بعده فإن قيل فينبغي أن لا يكون حنيفا مسلما لأن القرآن نزل بعده ~~قيل له ما كان معنى الحنيف الدين المستقيم لأن الحنف في اللغة هو الإستقامة ~~والإسلام ههنا هو الطاعة لله تعالى والانقياد لأمره وكل واحد من أهل الحق ~~يصح وصفه بذلك فقد علمنا بأن الأنبياء المتقدمين إبراهيم ومن قبله قد كانوا ~~بهذه الصفة فلذلك جاز أن يسمى إبراهيم حنيفا مسلما وإن كان القرآن نزل بعده ~~لأن هذا الاسم ليس بمختص بنزول القرآن دون غيره بل يصح صفة جميع المؤمنين ~~به واليهودية والنصرانية صفة حادثة لمن ان على ملة حرفها منتحلوها من شريعة ~~التوراة والإنجيل فغير جائز أن ينسب إليها من كان قبلها وفي هذه الآيات ~~دليل على وجوب المحاجة في الدين وإقامة الحجة على المبطلين كما احتج الله ~~تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر المسيح عليه السلام وأبطل ~~بها شبهتهم وشغبهم وقوله تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم أوضح دليل على صحة الاحتجاج للحق لأنه لو كان ~~الحجاج كله محظورا لما فرق بين المحاجة بالعلم وبينها إذا كانت بغير علم ~~وقيل في قوله تعالى حاججتم فيما لكم به علم فيما وجدوه في كتبهم وأما ما ~~ليس لهم به علم فهو شأن إبراهيم في قولهم إنه كان يهوديا أو نصرانيا قوله ~~تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك معناه تأمنه على قنطار ~~لأن الباء وعلى تتعاقبان في هذا الموضع كقولك مررت بفلان ومررت عليه وقال ~~الحسن في القنطار هو ألف مثقال ومائتا مثقال وقال أبو نضرة ملء مسك ثور ~~ذهبا وقال مجاهد سبعون ألفا وقال أبو صالح مائة رطل فوصف الله تعالى بعض ~~أهل الكتاب بأداء الأمانة في هذا الموضع ويقال إنه أراد به النصارى ومن ~~الناس من يحتج بذلك في قبول شهادة بعضهم على بعض لأن الشهادة ضرب من ~~الأمانة كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت شهادته فكذلك الكتابي ms0898 من ~~حيث كان منهم موصوفا بالأمانة دل على جواز قبول شهادته على الكفار فإن قيل ~~فهذا يوجب جواز قبول شهادتهم على المسلمين لأنه وصفه بأداء الأمانة إلى ~~المسلمين إذا ائتمنوه عليها قيل له كذلك يقتضي ظاهر الآية إلا أنا خصصناه ~~بالاتفاق وأيضا فإنما دلت على جواز شهادتهم للمسلمين لأن أداء أمانتهم حق ~~لهم فأما جوازه عليهم فلا دلالة في الآية عليه وقوله تعالى ومنهم من إن ~~تأمنه PageV02P298 بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما قال مجاهد ~~وقتادة إلا ما دمت عليه قائما بالتقاضي وقال السدي إلا ما دمت قائما على ~~رأسه بالملازمة له واللفظ محتمل للأمرين من التقاضي ومن الملازمة وهو ~~عليهما جميعا وقوله تعالى إلا ما دمت عليه قائما بالملازمة أولى منه ~~بالتقاضي من غير ملازمة وقد دلت الاية على أن للطالب ملازمة المطلوب بالدين ~~وقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل روي عن قتادة ~~والسدي أن اليهود قالت ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل لأنهم ~~مشركون وزعموا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم وقيل انهم قالوا ذلك في سائر من ~~يخالفهم في دينهم ويستحلون أموالهم لأنهم يزعمون أن على الناس جميعا ~~اتباعهم وادعوا ذلك على الله أنه أنزل عليهم فأخبر الله تعالى عن كذبهم في ~~ذلك بقوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنه كذب قوله تعالى إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا وروى الأعمش عن سفيان عن ~~عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين يقتطع بها ~~مال امرئ مسلم وهو فاجر فيها لقي الله وهو عليه غضبان وقال الأشعث بن قيس ~~في نزلت كان بيني وبين رجل خصومة فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال ألك بينة قلت لا قال فيمينه قلت إذا يحلف فذكر مثل قول عبدالله فنزلت ~~إن الذين يشترون بعهد الله الآية وروى مالك عن العلاء بن عبدالرحمن عن معبد ~~بن كعب عن أخيه عبدالله بن كعب ms0899 بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ~~قالوا وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك وروى ~~الشعبي عن علقمة عن عبدالله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من حلف ~~على يمين صبر ليقتطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان وظاهر الآية ~~وهذه الآثار تدل على أنه لا يستحق أحد بيمينه مالا هو في الظاهر لغيره وكل ~~من في يده شيء يدعيه لنفسه فالظاهر أنه له حتى يستحقه غيره وقد منع ظاهر ~~الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره في الظاهر ولولا ~~يمينه لم يستحقه لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند الله دون ما هو ~~عندنا في الظاهر إذ كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق الظاهر دون ~~الحقيقة وفي ذلك دليل على بطلان قول القائلين برد اليمين لأنه يستحق بيمينه ~~ما كان ملكا لغيره في الظاهر وفيه الدلالة على أن الأيمان ليست PageV02P299 ~~موضوعة للإستحقاق وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة وروى العوام بن حوشب قال ~~حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبي أوفى يقول أقام رجل سلعة فحلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم يعط بها ليوقع فيها مسلما ~~فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله الآية وروي عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في ~~قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله ممن ~~ادعوا أنه ليس علينا في الأميين سبيل قوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب إلى قوله تعالى وما هو من عند الله يدل على أن المعاصي ~~ليست من عند الله ولا من فعله لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده وقد نفى ~~الله نفيا عاما كون المعاصي من عنده ولو كانت من فعله لكانت من عنده من آكد ~~الوجوه فكان لا ms0900 يجوز إطلاق النفي بأنه ليس من عنده فإن قيل فقد يقال إن ~~الإيمان من عند الله ولا يقال إنه من عنده من كل الوجوه كذلك الكفر ~~والمعاصي قيل له لأن إطلاق النفي يوجب العموم وليس كذلك إطلاق الإثبات ألا ~~ترى أنك لو قلت ما عند زيد طعام كان نفيا لقليله وكثيره ولو قلت عنده طعام ~~ما كان عموما في كون جميع الطعام عنده قوله تعالى لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون قيل في معنى البر ههنا وجهان أحدهما الجنة وروي ذلك عن ~~عمرو بن ميمون والسدي وقيل فيه البر بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر ~~والنفقة ههنا أخراج ما يحبه في سبيل الله من صدقة أو غيرها وروى يزيد بن ~~هارون عن حميد عن أنس قال لما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~ومن ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو طلحة يا رسول الله حائطي الذي ~~بمكان كذا وكذا لله تعالى ولو استطعت أن أسره ما أعلنته فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اجعله في قرابتك أو في أقربائك وروى يزيد بن هارون عن محمد ~~بن عمرو عن أبي عمرو بن حماس عن حمزة بن عبدالله عن عبدالله بن عمر قال ~~خطرت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فتذكرت ما أعطاني الله ~~فلم أجد شيئا أحب إلي من جاريتي أميمة فقلت هي حرة لوجه الله فلولا أن أعود ~~في شيء فعلته لله لنكحتها فأنكحتها نافعا وهي أم ولده حدثنا عبدالله بن ~~محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا عبدالرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن أيوب وغيره أنها حين نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال يا رسول الله هذه في سبيل ~~الله فحمل النبي صلى الله عليه وسلم عليها أسامة بن PageV02P300 زيد فكان ~~زيد أوجد في نفسه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه قال أما ms0901 الله ~~تعالى فقد قبلها وروي عن الحسن أنه قال هو الزكاة الواجبة وما فرض الله ~~تعالى في الأموال قال أبو بكر عتق ابن عمر للجارية على تأويل الآية على أنه ~~رأى كل ما أخرج على وجه القربة إلى الله فهو من النفقة المراد بالآية ويدل ~~على أن ذلك كان عنده عاما في الفروض والنوافل وكذلك فعل أبي طلحة وزيد بن ~~حارثة يدل على أنهم لم يروا ذلك مقصورا على الفرض دون النفل ويكون حينئذ ~~معنى قوله تعالى لن تنالوا البر على أنكم لن تنالوا البر الذي هو في أعلى ~~منازل القرب حتى تنفقوا مما تحبون على وجه المبالغة في الترغيب فيه لأن ~~الإنفاق مما يحب يدل على صدق نيته كما قال تعالى لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقد يجوز إطلاق مثله في اللغة وإن لم يرد به ~~نفي الأصل وإنما يريد به نفي الكمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي ~~لا يجد ما ينفق ولا يفطن له فيتصدق عليه فأطلق ذلك على وجه المبالغة في ~~الوصف له بالمسكنة لا على نفي المسكنة عن غيره على الحقيقة قوله تعالى كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه قال أبو بكر هذا ~~يوجب أن يكون جميع المأكولات قد كان مباحا لبني إسرائيل إلى أن حرم إسرائيل ~~ما حرمه على نفسه وروي عن ابن عباس والحسن أنه أخذه وجع عرق النسا فحرم أحب ~~الطعام إليه إن شفاه الله على وجه النذر وهو لحوم الإبل وقال قتادة حرم ~~العروق وروي أن إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام نذر إن ~~برئ من عرق النسا أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهو لحوم الإبل وألبانها ~~وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وسلم ~~لحوم الإبل لأنهم لا يرون النسخ جائزا فأنزل الله هذه الآية وبين أنها ms0902 كانت ~~مباحة لإبراهيم وولده إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه وحاجهم بالتوراة فلم ~~يجسروا على إحضارها لعلمهم بصدق ما أخبر أنه فيها وبين بذلك بطلان قولهم في ~~إباء النسخ إذ ما جاز أن يكون مباحا في وقت ثم حظر جازت إباحته بعد حظره ~~وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان أميا لا يقرأ الكتاب ولم يجالس أهل الكتاب فلم يعرف سرائر كتب ~~الأنبياء المتقدمين إلا بإعلام الله إياه وهذا الطعام الذي حرمه إسرائيل ~~على نفسه صار محظورا عليه وعلى بني إسرائيل يدل PageV02P301 عليه قوله ~~تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فاستثنى ~~ذلك مما أحله تعالى لبني إسرائيل ثم حظره إسرائيل على نفسه فدل على أنه صار ~~محظورا عليه وعليهم فإن قيل كيف يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه شيئا وهو لا ~~يعلم موقع المصلحة في الحظر والإباحة إذ كان علم المصالح في العبادات لله ~~تعالى وحده قيل هذا جائز بأن يأذن الله له فيه كما يجوز الاجتهاد في ~~الأحكام بإذن الله تعالى فيكون ما يؤدي ليه الاجتهاد حكما لله تعالى وأيضا ~~فجائز للإنسان أن يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ويحرم جاريته بالعتق فكذلك ~~جائز أن يأذن الله له في تحريم الطعام إما من جهة النص أو الاجتهاد وما ~~حرمه إسرائيل على نفسه لا يخلو من أن يكون تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك ~~أو توقيفا من الله له في إباحة التحريم له إن شاء وظاهر الآية يدل على أن ~~تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك لإضافة الله تعالى التحريم إليه ولو كان ~~ذلك عن توقيف لقال إلا ما حرم الله على بني إسرائيل فلما أضاف التحريم إليه ~~دل ذلك على أنه كان جعل إليه إيجاب التحريم من طريق الاجتهاد وهذا يدل على ~~أنه جائز أن يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الأحكام كما جاز ~~لغيره والنبي صلى الله عليه وسلم ms0903 أولى بذلك لفضل رأيه وعلمه بوجوه المقاييس ~~واجتهاد الرأي وقد بينا ذلك في أصول الفقه قال أبو بكر قد دلت الآية على أن ~~تحريم إسرائيل لما حرمه من الطعام على نفسه قد كان واقعا ولم يكن موجب لفظه ~~شيئا غير التحريم وهذا المعنى هو منسوخ بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية على نفسه وقيل أنه حرم العسل ~~فلم يحرمهما الله تعالى عليه وجعل موجب لفظه كفارة يمين بقوله تعالى يا ~~أيهاالنبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك إلى قوله تعالى قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم فجعل في التحريم كفارة يمين إذا استباح ما حرم ~~بمنزلة الحلف أن لا يستبيحه وكذلك قال أصحابنا فيمن حرم على نفسه جارية أو ~~شيئا من ملكه أنه لا يحرم عليه وله أن يستبيحه بعد التحريم وتلزمه كفارة ~~يمين بمنزلة من حلف أن لا يأكل هذا الطعام إلا أنهم خالفوا بينه وبين ~~اليمين من وجه وهو أن القائل والله لا أكلت هذا الطعام لا يحنث إلا بأكل ~~جميعه ولو قال قد حرمت هذا الطعام على نفسي حنث بأكل جزء منه لأن الحالف ~~لما حلف عليه بلفظ التحريم فقد قصد إلى الحنث بأكل الجزء منه بمنزلة قوله ~~والله لا آكل شيئا منه لأن ما حرمه الله تعالى من الأشياء PageV02P302 ~~فتحريمه شامل لقليله وكثيره وكذلك المحرم له على نفسه عاقد لليمين على كل ~~جزء منه أن لا يأكل قوله عز وجل إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين قال مجاهد وقتادة لم يوضع قبله بيت على الأرض وروي عن علي ~~والحسن أنهما قالا هو أول بيت وضع للعبادة وقد اختلف في بكة فقال الزهري ~~بكة المسجد ومكة الحرم كله وقال مجاهد بكة هي مكة ومن قال هذا القول يقول ~~قد تبدل الباء مع الميم كقوله سبد رأسه وسمده إذا حلقه وقال أبو عبيدة بكة ~~هي بطن مكة وقيل إن البك الزحم من ms0904 قولك بكه يبكه بكا إذا زاحمه وتباك الناس ~~بالموضع إذا ازدحموا فيجوز أن يسمى بها البيت لازدحام الناس فيه للتبرك ~~بالصلاة ويجوز أن يسمى به ما حول البيت من المسجد لازدحام الناس فيه للطواف ~~قوله تعالى وهدى للعالمين يعني بيانا ودلالة على الله لما أظهر فيه من ~~الآيات التي لا يقدر عليها غيره وهو أمن الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي ~~في الحرم فلا الكلب يهيج الظبي ولا الظبي يتوحش منه وفي ذلك دلالة على ~~توحيد الله وقدرته وهذا يدل على أن المراد بالبيت ههنا البيت وما حوله من ~~الحرم لأن ذلك موجود في جميع الحرم وقوله مباركا يعني أنه ثابت الخير ~~والبركة لأن البركة هي ثبوت الخير ونموه وتزيده والبرك هو الثبوت يقال برك ~~بركا وبروكا إذا ثيت على حاله هذه في الآية ترغيب في الحج إلى البيت الحرام ~~بما أخبر عنه من المصلحة فيه والبركة ونمو الخير وزيادته مع اللطف في ~~الهداية إلى التوحيد والديانة قوله تعالى فيه آيات بينات مقام إبراهيم قال ~~أبو بكر الآية في مقام إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد ~~بقدرة الله تعالى ليكون ذلك دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة ~~إبراهيم عليه السلام ومن الآيات فيه ما ذكرنا من أمن الوحش وأنسه فيه مع ~~السباع الضارية المتعادية وأمن الخائف في الجاهلية فيه ويتخطف الناس من ~~حولهم وإمحاق الجمار على كثرة الرمي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا ~~هذا مع أن حصى الجمار إنما تنقل إلى موضع الرمي من غيره وامتناع الطير من ~~العلو عليه وإنما يطير حوله لا فوقه واستشفاء المريض منها به وتعجيل ~~العقوبة لمن انتهك حرمته وقد كانت العادة بذلك جارية ومن إهلاك أصحاب الفيل ~~لما قصدوا لإخرابة بالطير الأبابيل فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا ~~نحصيه منها وفي جميع ذلك دليل على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله لأن هذه ~~الآيات موجودة في الحرم PageV02P303 ومقام إبراهيم ليس في البيت إنما هو ~~خارج ms0905 البيت والله أعلم # | باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجني فيه # قال الله تعالى ومن دخله كان آمنا قال أبو بكر لما كانت الآيات المذكورة ~~عقيب قوله إن أول بيت وضع للناس موجودة في جميع الحرم ثم قال ومن دخله كان ~~آمنا وجب أن يكون مراده جميع الحرم وقوله ومن دخله كان آمنا يقتضي أمنه على ~~نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو جنى بعد دخوله إلا أن الفقهاء متفقون على ~~أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها ومعلوم أن قوله ومن دخله ~~كان آمنا هو أمر وإن كان في صورة الخبر كأنه قال هو آمن في حكم الله تعالى ~~وفيما أمر به كما نقول هذا مباح وهذا محظور والمراد به كذلك في حكم الله ~~وما أمر به عباده وليس المراد أن مبيحا يستبيحه ولا أن معتقدا للحظر يحظره ~~وإنما هو بمنزلة قوله في المباح افعله على أن لا تبعة عليك فيه ولا ثواب ~~وفي المحظور لا تفعله فإنك تستحق العقاب به وكذلك قوله تعالى ومن دخله كان ~~آمنا هو أمر لنا بإيمانه وحظر دمه ألا ترى إلى قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم فأخبر بجواز وقوع ~~القتل فيه وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا ولو كان قوله تعالى ومن ~~دخله كان آمنا خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره فثبت بذلك أن قوله تعالى ومن ~~دخله كان آمنا هو أمر لنا بإيمانه ونهي لنا عن قتله ثم لا يخلو ذلك من أن ~~يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق أو أن تؤمنه من قتل ~~قد استحقه بجنايته فلما كان حمله على الإيمان من قتل غير مستحق عليه بل على ~~وجه الظلم تسقط فائدة تخصيص الحرم به لأن الحرم وغيره في ذلك سواء إذا كان ~~علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أومن قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك ~~علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من ms0906 قبل مستحق فظاهره يقتضي أن نؤمنه من ~~المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي غيره إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق ~~أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل قال الله تعالى ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ففرق بين الجاني في ~~الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير ~~الحرم ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الحسن بن زياد إذا ~~قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم PageV02P304 لم يقتص منه ما دام فيه ولكنه ~~لا يبايع ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم فيقتص منه وإن قتل في الحرم قتل ~~وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه وقال ~~مالك والشافعي يقتص منه في الحرم ذلك كله قال أبو بكر روي عن ابن عباس وابن ~~عمر وعبيدالله بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس والشعبي فيمن قتل ثم لجأ ~~إلى الحرم أنه لا يقتل قال ابن عباس ولكنه لا يجالس ولا يؤوى ولا يبايع حتى ~~يخرج من الحرم فيقتل وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه وروى قتادة عن الحسن ~~أنه قال لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه قال وكان الحسن ~~يقول ومن دخله كان آمنا كان هذا في الجاهلية لو أن رجلا جر كل جريرة ثم لجأ ~~إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من الحرم فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة من ~~أصاب الحد في غيره ثم لجأ إليه أقيم عليه الحد وروى هشام عن الحسن وعطاء ~~قالا إذا أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم حتى يقام ~~عليه وعن مجاهد مثله وهذا يحتمل أن يريد به أن يضطر إلى الخروج بترك ~~مجالسته وإيوائه ومبايعته ومشاراته وقد روي ذلك عن عطاء مفسرا فجائز أن ~~يكون ما روي عنه وعن الحسن في إخراجه ms0907 من الحرم على هذا الوجه وقد ذكرنا ~~دلالة قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه على مثل ~~ما دل عليه قوله تعالى ومن دخله كان آمنا في موضعه وبينا وجه دلالة ذلك على ~~أن دخول الحرم يحظر قتل من لجأ إليه إذا لم تكن جنايته في الحرم وأما ما ~~ذكرنا من قول السلف فيه يدل على أنه اتفاق منهم على حظر قتل من قتل في غير ~~الحرم ثم لجأ إليه لأن الحسن روي عنه فيه قولان متضادان أحدهما رواية قتادة ~~عنه أنه يقتل والآخر رواية هشام بن حسان في أنه لا يقتل في الحرم ولكنه ~~يخرج منه فيقتل وقد بينا أنه يحتمل قوله يخرج فيقتل أنه يضيق عليه في ترك ~~المبايعة والمشاراة والأكل والشرب حتى يضطر إلى الخروج فلم يحصل للحسن في ~~هذا قول لتضاد الروايتين وبقي قول الآخرين من الصحابة والتابعين في منع ~~القصاص في الحرم بجناية كانت منه في غير الحرم ولم يختلف السلف ومن بعدهم ~~من الفقهاء أنه إذا جنى في الحرم وكان مأخوذا بجنايته يقام عليه ما يستحقه ~~من قتل أو غيره فإن قيل قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى وقوله النفس ~~بالنفس وقوله ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا يوجب PageV02P305 ~~عمومه القصاص في الحرم على من جنى فيه أو في غيره قيل له قد دللنا على أن ~~قوله ومن دخله كان آمنا قد اقتضى وقوع الأمن من القتل بجناية كانت منه في ~~غيره وقوله كتب عليكم القصاص وسائر الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا ~~من الأمن بدخول الحرم ويكون ذلك مخصوصا من آي القصاص وأيضا فإن قوله تعالى ~~كتب عليكم القصاص وارد في إيجاب القصاص لا في حكم الحرم وقوله ومن دخله كان ~~آمنا وارد في حكم الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه فيجري كل واحد منهما على ~~بابه ويستعمل فيما ورد فيه ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم ومن جهة ~~أخرى أن إيجاب القصاص لا محالة متقدم ms0908 لإيجاب أمانه بالحرم لأنه لو لم يكن ~~القصاص واجبا قبل ذلك استحال أن يقال هو آمن مما لم يجن ولم يستحق عليه فدل ~~ذلك على أن الحكم بأمنه بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص ومن جهة الأثر ~~حديث ابن عباس وأبي شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ~~حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار فظاهر ~~ذلك يقتضي حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه إلا أن الجاني فيه لا خلاف فيه ~~أنه يؤخذ بجنايته فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه وروى حماد بن سلمة ~~عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله أو قتل في ~~الحرم أو قتل بذحل الجاهلية وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه فلا ~~يخص منه شيء إلا بدلالة وأما ما دون النفس فإنه يؤخذ به لأنه لو كان عليه ~~دين فلجأ إلى الحرم حبس به لقوله صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته والحبس في الدين عقوبة فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس فكل حق ~~وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في الدين ~~وأيضا لا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما ايجب عليه فيما دون النفس وكذلك ~~لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها ولا خلاف ~~أيضا أنه إذا جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في الحرم ~~أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يؤوى حتى يخرج ولما ثبت عندنا أنه لا يقتل وجب ~~استعمال الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه فهذه الوجوه كلها ~~لا خلاف فيها وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم وقد ~~دللنا عليه وما عدا ذلك فهو ms0909 محمول على ما حصل عليه الاتفاق PageV02P306 ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال حدثنا يعقوب ~~بن حميد قال حدثنا عبدالله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر ~~عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسكن مكة سافك دم ولا آكل ~~ربا ولا مشاء بنميمة وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو ولم ~~يجالس ولم يبايع ولم يشار ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يسكنها سافك دم وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن الحسن بن ~~عبدالجبار قال حدثنا داود بن عمرو قال حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ~~ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس ولم يبايع ~~ولم يؤو واتبعه طالبه يقول له اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم ونظير ~~قوله تعالى ومن دخله كان آمنا قوله عز وجل أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم وقوله أو لو نمكن لهم حرما آمنا وقوله وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا فهذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل ~~من لجأ إليه وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله وما عبر تارة بذكر البيت وتارة ~~بذكر الحرم دل على أن الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ ~~إليه ولما لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت لأن الله تعالى وصفه ~~بالأمن فيه وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه فإن قيل من قتل في البيت لم ~~يقتل فيه ومن قتل في الحرم قتل فيه فليس الحرم كالبيت قيل له لما جعل الله ~~حكم الحرم حكم البيت فيما عظم من حرمته وعبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر ~~الحرم اقتضى ذلك التسوية بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه وقد قامت الدلالة ~~في حظر القتل في البيت فخصصناه وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه ظاهر القرآن ms0910 ~~من إيجاب التسوية بينهما والله تعالى أعلم # | باب فرض الحج # قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال أبو ~~بكر هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه والذي يقتضيه ~~من حكم السبيل إن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك إذ كانت استطاعة ~~السبيل إليه هي إمكان الوصول إليه كقوله تعالى فهل إلى خروج من سبيل يعني ~~من وصول وهل إلى مرد من سبيل يعني من وصول وقد جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود الزاد والراحلة وروى أبو إسحاق عن ~~الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ملك PageV02P307 ~~زادا وراحلة يبلغه بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ~~وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا وروى إبراهيم بن يزيد الجوزي عن محمد بن عباد عن ابن عمر قال سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا قال السبيل إلى الحج الزاد والراحلة وروى يونس عن الحسن ~~لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت الآية قال رجل يا رسول الله ما ~~السبيل قال زاد وراحلة وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال السبيل الزاد ~~والراحلة ولم يحل بينه وبينه أحد وقال سعيد بن جبير هوالزاد والراحلة قال ~~أبو بكر فوجود الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى ومن شرائط ~~وجوب الحج وليست الإستطاعة مقصورة على ذلك لأن المريض الخائف والشيخ الذي ~~لا يثبت على الراحلة والزمنى وكل من تعذر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع ~~السبيل إلى الحج وإن كان واجدا للزاد والراحلة فدل ذلك على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يرد بقوله الإستطاعة الزاد والراحلة إن ذلك جميع شرائط ~~الإستطاعة وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول إن من ms0911 أمكنه المشي إلى بيت ~~الله ولم يجد زادا وراحلة فعليه الحج فبين صلى الله عليه وسلم أن لزوم فرض ~~الحج مخصوص بالركوب دون المشي وأن من لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمشي الذي ~~يشق ويعسر فلا حج عليه فإن قيل فينبغي أن لا يلزم فرض الحج إلا من كان بينه ~~وبين مكة مسافة ساعة إذا لم يجد زادا وراحلة وأمكنه المشي قيل له إذا لم ~~يلحقه في المشي مشقة شديدة فهذا أيسر أمر من الواجد للزاد والراحلة إذا بعد ~~وطنه من مكة ومعلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لأن لا يشق عليه ويناله ~~ما يضره من المشي فإذا كان من أهل مكة وما قرب منها ممن لا يشق عليه المشي ~~في ساعة من نهار فهذا مستطيع للسبيل بلا مشقة وإذا كان لا يصل إلى البيت ~~إلا بالمشقة الشديدة فهو الذي خفف الله عنه ولم يلزمه الفرض إلا على الشرط ~~المذكور ببيان النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج يعني من ضيق وعندنا أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الحج لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج وروى عمرو بن دينار عن ~~أبي معبد عن ابن عباس قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تسافر ~~امرأة إلا ومعها ذو محرم فقال رجل يا رسول الله إني PageV02P308 قد اكتتبت ~~في غزوة كذا وقد أرادت امرأتي أن تحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~احجج مع امرأتك وهذا يدل على أن قوله لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم قد ~~انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه أحدها أن السائل عقل منه ذلك ~~ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~عليه فدل على أن مراده صلى الله عليه وسلم عام في ms0912 الحج وغيره من الأسفار ~~والثاني قوله حج مع امرأتك وفي ذلك إخبار منه بإرادة سفر الحج في قوله لا ~~تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم والثالث أمره إياه بترك الغزو للحج مع ~~امرأته ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو وهو فرض ~~للتطوع وفي هذا دليل أيضا على أن حج المرأة كان فرضا ولم يكن تطوعا لأنه لو ~~كان تطوعا لما أمره بترك الغزو الذي هو فرض لتطوع المرأة ومن وجه آخر وهو ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسئله عن حج المرأة أفرض هو أم نفل وفي ذلك ~~دليل على تساوي حكمهما في امتناع خروجها بغير محرم فثبت بذلك أن وجود ~~المحرم للمرأة من شرائط الإستطاعة ولا خلاف أن من شرط استطاعتها أن لا تكون ~~معتدة لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~فلما كان ذلك معتبرا في الإستطاعة وجب أن يكون نهيه للمرأة أن تسافر بغير ~~محرم معتبرا فيها ومن شرائطه ما ذكرنا من إمكان ثبوته على الراحلة وذلك لما ~~حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عبادة قال حدثنا ~~محمد بن مصعب قال حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس ~~أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقالت يا ~~رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع ~~أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم حجي عن أبيك فأجاز صلى الله عليه ~~وسلم للمرأة أن تحج عن أبيها ولم يلزم الرجل الحج بنفسه فثبت بذلك أن من ~~شرط الإستطاعة إمكان الوصول إلى الحج وهؤلاء وإن لم يلزمهم الحج بأنفسهم ~~إذا كانوا واجدين للزاد والراحلة فإن عليهم أن يحجوا غيرهم عنهم أعني ~~المريض والزمن والمرأة إذا حضرتهم الوفاة فعليهم أن يوصوا بالحج وذلك أن ~~وجود ما يمكن به الوصول إلى الحج في ملكهم يلزمهم فرض الحج ms0913 في أموالهم إذا ~~لم يمكنهم فعله بأنفسهم لأن فرض الحج يتعلق بمعنيين أحدهما بوجود الزاد ~~والراحلة وإمكان فعله بنفسه فعلى من كانت هذه صفته الخروج والمعنى الآخر أن ~~يتعذر فعله بنفسه لمرض أو كبر سن أو زمانة أو PageV02P309 لأنها امرأة لا ~~محرم لها ولا زوج يخرج معها فهؤلاء يلزمهم الحج بأموالهم عند الأياس والعجز ~~عن فعله بأنفسهم فإذا أحج المريض أو المرأة عن أنفسهما ثم لم يبرأ المريض ~~ولم تجد المرأة محرما حتى ماتا أجزأهما وإن برئ المريض ووجدت المرأة محرما ~~لم يجزهما وقول الخثعمية للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبي أدركته فريضة ~~الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياها بالحج عنه يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله وإن لم يثبت على ~~الراحلة لأنها أخبرته أن فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ كبير فلم ينكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم قولها ذلك فهذا يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ~~ماله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بفعل الحج الذي أخبرت أنه قد ~~لزمه يدل على لزومه أيضا وقد اختلف في حج الفقير فقال أصحابنا والشافعي لا ~~حج عليه وإن حج أجزأه من حجة الإسلام وحكي عن مالك أن عليه الحج إذا أمكنه ~~المشي وروي عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلغه كائنا ما كان وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الإستطاعة الزاد والراحلة يدل على أن لا حج ~~عليه فإن هو وصل إلى البيت مشيا فقد صار بحصوله هناك مستطيعا بمنزلة أهل ~~مكة لأنه معلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لمن بعد من مكة فإذا حصل ~~هناك فقد استغنى عن الزاد والراحلة للوصول إليه فيلزمه الحج حينئذ فإذا ~~فعله كان فاعلا فرضا واختلف في العبد إذا حج هل يجزيه من حجة الإسلام فقال ~~أصحابنا لا يجزيه وقال الشافعي يجزيه والدليل على صحة قولنا ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ms0914 إبراهيم بن عبدالله قال حدثنا مسلم بن إبراهيم ~~قال حدثنا هلال بن عبدالله مولى ربيعة بن سليم قال حدثنا أبو إسحاق عن ~~الحارث عن علي قال قال رسول ا لله صلى الله عليه وسلم من ملك زادا وراحلة ~~تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن ~~الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شرط لزوم الحج ملك ~~الزاد والراحلة والعبد لا يملك شيئا فليس هو إذا من أهل الخطاب بالحج وسائر ~~الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإستطاعة أنها الزاد ~~والراحلة هي على ملكهما على ما بين في حديث علي رضي الله عنه وأيضا فمعلوم ~~من مراد النبي صلى الله عليه وسلم في شرطه الزاد والراحلة أن يكون ملكا ~~للمستطيع وأنه لم يرد به زادا وراحلة في ملك غيره وإذا كان العبد لا يملك ~~بحال لم يكن من أهل الخطاب بالحج فلم يجزه حجه فإن قيل PageV02P310 ليس ~~الفقير من أهل الخطاب بالحج لعدم ملك الزاد والراحلة ولو حج جاز حجه كذلك ~~العبد قيل له إن الفقير من أهل الخطاب لأنه ممن يملك والعبد ممن لا يملك ~~وإنما سقط الفرض عن الفقير لأنه غير واجد لا لأنه ليس ممن يملك فإذا وصل ~~إلى مكة فقد استغنى عن الزاد والراحلة وصار بمنزلة سائر الواجدين الواصلين ~~إليها بالزاد والراحلة والعبد إنما سقط عنه الخطاب به لا لأنه لا يجد لكن ~~لأنه لا يملك وإن ملك فلم يدخل في خطاب الحج فلذلك لم يجزه وصار من هذا ~~الوجه بمنزلة الصغير الذي لم يخاطب بالحج لا لأنه لا يجد ولكنه ليس من أهل ~~الخطاب بالحج لأن من شرط الخطاب به أن يكون ممن يملك كما أن من شرطه أن ~~يكون ممن يصح خطابه به وأيضا فإن العبد لا يملك منافعه وللمولى منعه من ~~الحج بالإتفاق ms0915 ومنافع العبد هي ملك للمولى فإذا فعل بها الحج صار كحج فعله ~~المولى فلا يجزيه من حجة الإسلام ويدل عليه أن العبد لا يملك منافعه أن ~~المولى هو المستحق لإبدالها إذا صارت مالا وأن له أن يستخدمه ويمنعه من ~~الحج فإذا أذن له فيه صار معيرا له ملك المنافع فهي متلفة على ملك المولى ~~فلا يجزئ العبد وليس كذلك الفقير لأنه يملك منافع نفسه وإذا فعل بها الحج ~~أجزأه لأنه قد صار من أهل الإستطاعة فإن قيل للمولى منع العبد من الجمعة ~~وليس العبد من أهل الخطاب بها وليس عليه فرضها ولو حضرها وصلاها أجزأته ~~فهلا كان الحج كذلك قيل له إن فرض الظهر قائم على العبد ليس للمولى منعه ~~منها فمتى فعل الجمعة فقد أسقط بها فرض الظهر الذي كان العبد يملك فعله من ~~غير إذن المولى فصار كفاعل الظهر فلذلك أجزأه ولم يكن على العبد فرض آخر ~~يملك فعله فأسقط بفعل الحج حتى نحكم بجوازه ونجعله في حكم ما هو مالكه ~~فلذلك اختلفا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حج العبد ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال ~~حدثنا يحيى بن أيوب عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو أن صبيا حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن ~~استطاع إليها سبيلا ولو أن أعرابيا حج عشر ثم هاجر لكانت عليه حجة إن ~~استطاع إليها سبيلا ولو أن مملوكا حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن ~~استطاع إليها سبيلا وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد ~~قال حدثنا محمد بن المنهال قال حدثنا يزيد بن ذريع قال حدثنا شعبة عن ~~الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال قال PageV02P311 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي ~~حج ms0916 ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة ~~أخرى فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم على العبد أن يحج حجة أخرى ولم يعتد ~~له بالحجة التي فعلها في حال الرق وجعله بمنزلة الصبي فإن قيل فقد قال مثله ~~في الأعرابي وهو مع ذلك يجزيه الحجة المفعولة قبل الهجرة قيل له كذلك كان ~~حكم الأعرابي في حال ما كانت الهجرة فرضا لأنه يمتنع أن يقول ذلك بعد نسخ ~~فرض الهجرة فلما قال صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح نسخ الحكم ~~المتعلق به من وجوب إعادة الحج بعد الهجرة إذ لا هجرة هناك واجبة وقد روي ~~نحو قولنا في حج العبد عن ابن عباس والحسن وعطاء قال أبو بكر والذي يقتضيه ~~ظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت حجة واحدة إذ ليس فيه ما يوجب ~~تكرارا فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب ~~وعثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري ~~عن أبي سنان قال أبو داود هو الدؤلي عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ~~فقال بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع قوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين روى وكيع عن فطر بن خليفة عن نفيع أبي داود قال سأل رجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن هذه الآية ومن كفر قال هو أن حج لا يرجو ثوابه وإن حبس ~~لا يخاف عقابه وروى مجاهد من قوله مثله وقال الحسن من كفر بالحج وقد دلت ~~هذه الآية على بطلان مذهب أهل الجبر لأن الله تعالى جعل من وجد زادا وراحلة ~~مستطيعا للحج قبل فعله ومن مذهب هؤلاء أن من لم يفعل ms0917 الحج لم يكن مستطيعا ~~له قط فواجب على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا لم يحج إذ كان الله ~~تعالى إنما ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط إذ لم يحج ففي نص ~~التنزيل واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من صحة ~~البدن ووجود الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم قوله تعالى قل يا أهل ~~الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء قال زيد بن ~~أسلم نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون الأوس والخزرج يذكرهم الحروب التي ~~كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين بالعصبية وحمية الجاهلية وعن الحسن أنها ~~نزلت في اليهود والنصارى PageV02P312 جميعا في كتمانهم صفته في كتبهم فإن ~~قيل قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا حجة على غيرهم فلا يصح لكم الإحتجاج ~~بقوله لتكونوا شهداء على الناس في صحة إجماع الأمة وثبوت حجته قيل له أنه ~~جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب وأنتم شهداء على غيركم وقال هناك لتكونوا ~~شهداء على الناس كما قال ويكون الرسول عليكم شهيدا فأوجب ذلك تصديقهم وصحة ~~إجماعهم وقال في هذه الآية وأنتم شهداء ومعناه غير معنى قوله شهداء على ~~الناس وقد قيل في معناه وجهان أحدهما وأنتم شهداء إنكم عالمون ببطلان قولكم ~~في صدكم عن دين الله تعالى وذلك في أهل الكتاب منهم والثاني أن يريد بقوله ~~شهداء عقلاء كما قال الله تعالى أو ألقى السمع وهو شهيد يعني وهو عاقل لأنه ~~يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله حق تقاته روي عن عبدالله والحسن وقتادة في قوله حق تقاته هو أن ~~يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى وقيل أن معناه اتقاء جميع ~~معاصيه وقد اختلف في نسخه فروي عن ابن عباس وطاوس أنها محكمة غير منسوخة ~~وعن قتادة والربيع بن أنس والسدي أنها منسوخة بقوله تعالى فاتقوا الله ما ~~استطعتم فقال بعض أهل العلم ms0918 لا يجوز أن تكون منسوخة لأن معناه اتقاء جميع ~~معاصيه وعلى جميع المكلفين اتقاء جميع المعاصي ولو كان منسوخا لكان فيه ~~إباحة بعض المعاصي وذلك لا يجوز وقيل إنه جائز أن يكون منسوخا بأن يكون ~~معنى قوله حق تقاته القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن وترك ~~التقية فيها ثم نسخ ذلك في حال التقية والإكراه ويكون قوله تعالى ما ~~استطعتم فيما لا تخافون فيه على أنفسكم يريد فيما لا يكون فيه احتمال الضرب ~~والقتل لأنه قد يطلق نفي الإستطاعة فيما يشق على الإنسان فعله كما قال ~~تعالى وكانوا لا يستطعون سمعا ومراده مشقة ذلك عليهم قوله تعالى واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الحبل ~~ههنا أنه القرآن وكذلك روي عن عبدالله وقتادة والسدي وقيل أن المراد به دين ~~الله وقيل بعهد الله لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من غرق ~~أو نحوه ويسمى الأمان الحبل لأنه سبب النجاة وذلك في قوله تعالى إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس يعني به الأمان إلا أن قوله واعتصموا بحبل الله ~~جميعا هو أمرا بالاجتماع ونهي عن الفرقة وأكده بقوله ولا تفرقوا معناه ~~PageV02P313 التفرق عن دين الله الذي أمروا جميعا بلزومه والإجتماع عليه ~~وروي نحو ذلك عن عبدالله وقتادة وقال الحسن ولا تفرقوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد يحتج به فريقان من الناس أحدهما نفاة القياس والاجتهاد ~~في أحكام الحوادث مثل النظام وأمثاله من الرافضة والآخر من يقول بالقياس ~~والاجتهاد يقول مع ذلك أن الحق واحد من أقاويل المختلفين في مسائل الاجتهاد ~~ويخطئ من لم يصب الحق عنده لقوله تعالى ولا تفرقوا فغير جائز أن يكون ~~التفرق والاختلاف دينا لله تعالى مع نهي الله تعالى عنه وليس هذا عندنا كما ~~قالوا لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء منها مالا يجوز الخلاف فيه وهو ~~الذي دلت العقول على حظره في كل حال أو على إيجابه في كل ms0919 حال فأما ما جاز ~~أن يكون تارة واجبا وتارة محظورا وتارة مباحا فإن الاختلاف في ذلك سائغ ~~يجوز ورود العبادة به كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة واختلاف ~~حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام وما جرى مجرى ذلك فمن حيث جاز ورود ~~النص باختلاف أحكام الناس فيه فيكون بعضهم متعبدا بخلاف ما تعبد به الآخر ~~لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله ~~ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام ~~الشرع من طريق النص والتوقيف فما جاز مثله في النص جاز في الاجتهاد قد ~~يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المختلفات وأروش كثير من الجنايات ~~فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف وهذا حكم مسائل الاجتهاد ولو كان هذا ~~الضرب من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر ولما وجدناهم ~~مختلفين في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون يسوغ كل واحد منهم لصاحبه ~~مخالفته من غير لوم ولا تعنيف فقد حصل منهم الإتفاق على تسويغ هذا الضرب من ~~الاختلاف وقد حكم الله تعالى بصحة إجماعهم وثبوت حجته في مواضع كثيرة من ~~كتابه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اختلاف أمتي رحمة وقال لا ~~تجتمع أمتي على ضلال فثبت بذلك أن الله تعالى لم ينهنا بقوله ولا تفرقوا عن ~~هذا الضرب من الاختلاف وأن النهي منصرف إلى أحد وجهين إما في النصوص أو ~~فيما قد أقيم عليه دليل عقلي أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا وفي فحوى ~~الآية ما يدل على أن المراد هو الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه ~~وما يجوز ورود العبارة بالاختلاف فيه وهو قوله تعالى واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ PageV02P314 كنتم أعداء فألف بين قلوبكم يعني بالإسلام وفي ذلك ~~دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية هو في أصول الدين والإسلام ~~لا في فروعه والله أعلم # | باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال الله تعالى ms0920 ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر قال أبو بكر قد حوت هذه الآية معنيين أحدهما وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والآخر أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه ~~إذا قام به غيره لقوله تعالى ولتكن منكم أمة وحقيقته تقتضي البعض دون البعض ~~فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ومن الناس من ~~يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج الكلام مخرج الخصوص في قوله ~~ولتكن منكم أمة مجازا كقوله تعالى يغفر لكم من ذنوبكم ومعناه ذنوبكم والذي ~~يدل على صحة هذا القول أنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين كالجهاد وغسل ~~الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم ولولا أنه فرض على الكفاية لما سقط ~~عن الآخرين بقيام بعضهم به وقد ذكر الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في مواضع أخر من كتابه فقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وقال فيما حكى عن لقمان يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور وقال ~~تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وقال عز وجل لعن الذين ~~كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون فهذه الآي ~~ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي على منازل ~~أولها تغييره باليد إذا أمكن فإن لم يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا ~~أنكره بيده فعليه إنكاره بلسانه فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه ~~كما حدثنا عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال حدثنا يونس بن حبيب قال ~~حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة قال أخبرني قيس بن مسلم قال سمعت ms0921 ~~طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة ~~كانت الخطبة بعدالصلاة قال ترك ذلك يا أبو فلان قال شعبة وكان لحانا فقام ~~أبو PageV02P315 سعيد الخدري فقال من هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع ~~فلينكره بلسانه فإن لم يستطع فلينكره بقلبه وذاك أضعف الإيمان وحدثنا محمد ~~بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد وعن قيس بن مسلم ~~عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان ودل على أنه ~~إذا لم يستطع تغييره بديه فعليه تغييره بلسانه ثم إذا لم يمكنه ذلك فليس ~~عليه أكثر من إنكاره بقلبه وحدثنا عبدالله بن جعفر قال حدثنا يونس بن حبيب ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبي إصحاق عن عبدالله بن جرير البجلي ~~عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي هم ~~أكثر وأعز ممن يعمله ثم لم يغيروا إلا عمهم الله منه بعقاب وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي قال حدثنا يونس ~~بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل ~~يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من ~~الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه ms0922 وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله ~~تعالى قلوب بعضهم ببعض ثم قال لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون إلى قوله فاسقون ثم قال ~~كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ~~ولتأطرنه على الحق أطرا وتقصرنه على الحق قصرا قال أبو داود حدثنا خلف بن ~~هشام قال حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن ~~سالم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وزاد ~~فيه أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن من شرط النهي عن المنكر أن ينكره ثم لا يجالس المقيم ~~على المعصية ولا يؤاكله ولا يشاربه وكان ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك بيانا لقوله تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا فكانوا ~~بمؤاكلتهم إياهم ومجالستهم لهم تاركين للنهي عن المنكر لقوله تعالى كانوا ~~PageV02P316 لا يتناهون عن منكر فعلوه مع ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~من إنكاره بلسانه إلا أن ذلك لم ينفعه مع مجالسته ومؤاكلته ومشاربته إياه ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا وهب بن بقية قال أخبرنا خالد عن إسماعيل عن قيس ~~قال قال أبو بكر بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم ~~تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضعها عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم وأنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا ~~الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب وحدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي قال حدثنا ~~ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال حدثني ~~أبو ms0923 أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول ~~في هذه الآية عليكم أنفسكم فقال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ~~حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه كقبض ~~على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قال وزادني غيره ~~قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم وفي هذه الأخبار دلالة ~~على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان حال يمكن فيها تغيير ~~المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله وإزالته باليد ~~تكون على وجوه منها أن لا يمكنه إزالته إلا بالسيف وأن يأتي على نفس فاعل ~~المنكر فعليه أن يفعل ذلك كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ~~ماله أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو ~~قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله لقوله صلى الله عليه وسلم من رأى ~~منكرا فليغيره بيده فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا ~~المنكر فعليه أن يقتله فرضا عليه وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه ~~عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجز له الإقدام على قتله وإن غلب في ظنه أنه إن ~~أنكره بالدفع بيده أو بالقول امتنع عليه ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه ولم ~~يمكنه إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له ~~فعليه أن يقتله وقد ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل وسعك قتله ~~حتى تستنقذ المتاع وترده إلى صاحبه وكذلك قال أبو حنيفة PageV02P317 في ~~السارق إذا أخذ المتاع وسعك أن تتبه حتى تقتله إن لم يرد المتاع قال محمد ~~وقال أبو ms0924 حنيفة في اللص الذي ينقب البيوت يسعك قتله وقال في رجل يريد قلع ~~سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه وهذا الذي ~~ذكرناه يدل عليه قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر ~~بقتالهم ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه ~~من البغي والمنكر وقول النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره ~~بيده يوجب ذلك أيضا لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ذلك فإذا لم ~~يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب ~~والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس أن دماءهم مباحة وواجب على المسلمين ~~قتلهم ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له ~~ولا التقدم إليهم بالقول لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا ~~مقدمين على ذلك مع العلم بحظره ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا ~~منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر فجائز قتل من كان منهم مقيما ~~على ذلك وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل إلا أن ~~عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم وكذلك حكم سائر من كان ~~مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ~~ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده وإن لم يستطع ~~فلينكره بلسانه وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ~~ويتركوه فإن لم يرج ذلك وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه ~~منكر عليهم وسعه السكوت عنهم يعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه وقوله صلى ~~الله عليه وسلم فإن لم يستطع قد فهم منه أنهم إذا لم يزولوا عن المنكر ~~فعليه إنكاره بقلبه سواء ms0925 كان في تقية أو لم يكن لأن قوله إن لم يستطع معناه ~~أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في هذه الحال وقد روي عن ابن ~~مسعود في قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم مر بالمعروف ~~وانه عن المنكر ما قبل منك فإذا لم يقبل منك فعليك نفسك وحديث أبي ثعلبة ~~الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ذلك لأنه قال صلى الله عليه وسلم ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام يعني والله أعلم إذا لم ~~يقبلوا ذلك PageV02P318 واتبعوا أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم ~~وعليك نفسك ودع أمر العوام وأباح ترك النكير بالقول فيمن هذه حاله وروي عن ~~عكرمة أن ابن عباس قال له قد أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من ~~أصحاب السبت فقلت له أنا أعرفك ذلك إقرأ الآية الثانية قوله تعالى أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء قال فقال لي أصبت وكساني حلة فاستدل ابن عباس بذلك ~~على أن الله أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه فجعل الممسكين عن إنكار ~~المنكر بمنزلة فاعليه في العذاب وهذا عندنا على أنهم كانوا راضين بأعمالهم ~~غير منكرين لها بقلوبهم وقد نسب الله تعالى قتل الأنبياء المتقدمين إلى من ~~كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود الذين كانوا متوالين ~~لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم بقوله قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم فلم قتلتموهم وبقوله فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ~~فأضاف القتل إليهم وإن لم يباشروه ولم يقتلوه إذ كانوا راضين بأفعال ~~القاتلين فكذلك ألحق الله تعالى من لم ينه عن السوء من أصحاب السبت بفاعليه ~~إذ كانوا به راضين ولهم عليه متوالين فإذا كان منكرا للمنكر بقلبه ولا ~~يستطيع تغييره على غيره فهو غير داخل في وعيد فاعليه بل هو ممن قال الله ~~تعالى عليكم أنفسكم ms0926 لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي ~~قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي وقال حدثنا الحماني قال سمعت ابن المبارك ~~يقول لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت فخلوت ~~به فقال كان والله رجلا عاقلا ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر قلت وكيف كان ~~سببه قال كان يقدم ويسألني وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله وكان شديد ~~الورع وكنت ربما قدمت إليه الشيء فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه وربما ~~رضيه فأكله فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا على ~~أنه فريضة من الله تعالى فقال لي مد يدك حتى أبايعك فاظلمت الدنيا بيني ~~وبينه فقلت ولم قال دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له إن قام ~~به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس أمر ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا ~~يرأس عليهم مأمونا على دين الله لا يحول قال وكان يقتضي ذلك كلما قدم على ~~تقاضي الغريم الملح كلما قدم علي تقاضاني فأقول له هذا أمر لا يصلح بواحد ~~ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض ~~لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده ~~PageV02P319 أشاط بدمه وعرض نفسه للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه ~~وإذا قتل الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه ولكنه ينتظر فقد قالت الملائكة ~~@QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون @QE@ ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم فكلمه بكلام ~~غليظ فأخذه فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه ثم عاوده ~~فزجره ثم عاوده ثم قال ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك ~~ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة بيدي ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه فقتله ~~قال أبو بكر لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن ms0927 النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبينا أنه ~~فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وجب أن لا يختلف في لزوم ~~فرضه البر والفاجر لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيره ألا ~~ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات فكذلك من لم يفعل ~~سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر غير ساقط عنه وقد روى طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن أبي ~~هريرة قال اجتمع نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول ~~الله أرأيت إن عملنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلا عملناه ~~وانتهينا عن المنكر حتى لم يبق شيئا من المنكر إلا انتهينا عنه أيسعنا أن ~~لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر قال مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به ~~كله وانهو عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به ~~مع التقصير في بعض الواجبات ولم يدفع أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم ~~وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب الحديث فإنهم أنكروا قتال ~~الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلاح وسموا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى حمل السلاح وقتال الفئة ~~الباغية مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى @QB@ فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله @QE@ وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها بالسيف وغيره ~~وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل النفس التي حرم ~~الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح فصاروا شرا على ~~الأمة من أعدائها المخالفين لها لأنهم أقعدوا الناس PageV02P320 عن قتال ~~الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتى أدى ذلك إلى تغلب ~~الفجار بل المجوس ms0928 واعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم وخربت البلاد ~~وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذهب الثنوية والخرمية والمزدكية ~~والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على ~~السلطان الجائر والله المستعان وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا محمد بن عباد الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ~~إسرائيل قال حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو ~~أمير جائر وحدثنا محمد بن عمر قال أخبرني أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب ~~المروزي قال سمعت أبا عمارة قال سمعت الحسن بن رشيد يقول سمعت أبا حنيفة ~~يقول أنا حدثت إبراهيم الصائغ عن عكرمة عن ابن عباس قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ~~ونهاه فقتله قوله تعالى وما الله يريد ظلما للعباد قد اقتضى ذلك نفي إرادة ~~الظلم من كل وجه فلا يريد هو أن يظلمهم ولا يريد أيضا ظلم بعضهم لبعض ~~لأنهما سواء في منزلة القبح ولو جاز أن ييد ظلم بعضهم لجاز أن يريد ظلمه ~~لهم ألا ترى أنه لا فرق في العقول بين من أراد ظلم نفسه لغيره وبين من أراد ~~ظلم إنسان لغيره وأنهما سواء في القبح فكذلك ينبغي أن تكون إرادته للظلم ~~منتفية منه ومن غيره قوله عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر قيل في معنى قوله كنتم وجوه روي عن الحسن أنه يعني فيما ~~تقدمت البشارة والخبر به من ذكر الأمم في الكتب المتقدمة قال الحسن نحن ~~آخرها وأكرمها على الله وحدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن ~~بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى ms0929 كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس قال أنتم تتمنون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ~~تعالى فكان معناه كنتم خير أمة أخبر الله بها أنبياءه فيما أنزل إليهم من ~~كتبه وقيل إن دخول كان وخروجها بمنزلة إلا بمقدار دخولها لتأكيد وقوع الأمر ~~لا محالة إذ هو بمنزلة ما قد كان في الحقيقة كما قال تعالى وكان الله غفورا ~~رحيما وكان الله عليما حكيما والمعنى الحقيقي وقوع ذلك وقيل كنتم خير أمة ~~بمعنى حدثتم خير أمة فيكون خير أمة بمعنى PageV02P321 الحال وقيل كنتم خير ~~أمة في اللوح المحفوظ وقيل كنتم منذ أنتم ليدل أنهم كذلك من أول أمرهم وفي ~~هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه أحدها كنتم خير أمة ولا ~~يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين والثاني ~~إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف فيما أمروا به فهو أمر الله تعالى لأن ~~المعروف هو أمر الله والثالث أنهم ينكرون المنكر والمنكر هو ما نهى الله ~~عنه ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى فثبت بذلك أن ما أنكرته الأمة ~~فهو منكر وما أمرت به فهو معروف وهو حكم الله تعالى وفي ذلك ما يمنع وقوع ~~إجماعهم على ضلال ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هو حكم الله تعالى قوله ~~تعالى لن يضروكم إلا أذى الآية فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أخبر عن اليهود الذين كانوا أعداء المؤمنين وهم حوالي ~~المدينة بنو النضير وقريظة وبنو قينقاع ويهود خيبر فأخبر الله تعالى أنهم ~~لا يضرونهم إلا أذى من جهة القول وأنهم متى قاتلوهم ولوا الأدبار فكان كما ~~أخبر وذلك من علم الغيب قوله تعالى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس وهو يعني به اليهود المتقدم ذكرهم فيه الدلالة على ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأن هؤلاء اليهود صاروا كذلك من الذلة ~~والمسكنة إلا أن يجعل المسلمون لهم عهد الله وذمته لأن ms0930 الحبل في هذا الموضع ~~هو العهد والأمان قوله تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم يسجدون قال ابن عباس وقتادة وابن جريج لما أسلم ~~عبدالله بن سلام وجماعة معه قالت اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية قال الحسن قوله قائمة يعني عادلة وقال ابن عباس ~~وقتادة والربيع بن أنس ثابتة على أمر الله تعالى وقال السدي قائمة بطاعة ~~الله تعالى وقوله وهم يسجدون قيل فيه أنه السجود المعروف في الصلاة وقال ~~بعضهم معناه يصلون لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع فجعلوا ~~الواو حالا وهو قول الفراء وقال الأولون الواو ههنا للعطف كأنه قال يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم مع ذلك يسجدون قوله تعالى يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر صفة لهؤلاء الذين آمنوا من أهل ~~الكتاب لأنهم آمنوا بالله ورسوله ودعوا الناس إلى تصديق النبي صلى الله ~~عليه وسلم والإنكار على من خالفه فكانوا ممن قال الله تعالى كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس في الآية المتقدمة وقد بينا ما دل عليه القرآن من وجوب ~~PageV02P322 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن قيل فهل تجب إزالة المنكر ~~من طريق اعتقاد المذاهب الفاسدة على وجه التأويل كما وجب في سائر المناكير ~~من الأفعال قيل له هذا على وجهين فمن كان منهم داعيا إلى مقالته فيضل الناس ~~بشبهته فإنه تجب إزالته عن ذلك بما أمكن ومن كان منهم معتقدا ذلك في نفسه ~~غير داع إليها فإنما يدعى إلى الحق بإقامة الدلالة على صحة قول الحق وتبين ~~فساد شبهته مالم يخرج على أهل الحق بسفيه ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن ~~الإمام فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها فهذا الباغي الذي أمر الله ~~تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله تعالى وقد روي عن علي كرم الله وجهه ~~أنه كان قائما على المنبر بالكوفة يخطب فقالت الخوارج من ناحية المسجد لا ~~حكم إلا لله فقطع ms0931 خطبته وقال كلمة حق يراد بها باطل أما أن لهم عندنا ثلاثا ~~أن لا نمنعهم حقهم من الفيء ما كانت أيديهم مع أيدينا ولا بمنعهم مساجد ~~الله أن يذكروا فيها اسمه ولا نقاتلهم حتى يقاتلونا فأخبر أنه لا يجب ~~قتالهم حتى يقاتلونا وكان ابتدأهم علي كرم الله وجهه بالدعاء حين نزلوا ~~حروراء وحاجهم حتى رجع بعضهم وذلك اصل في سائر المتأول من أهل المذاهب ~~الفاسدة أنهم مالم يخرجوا داعين إلى مذاهبهم لم يقاتلوا وأقروا على ما هم ~~عليه مالم يكن ذلك المذهب كفرا فإنه غير جائز إقرار أحد من الكفار على كفره ~~إلا بجزية وليس يجوز إقرار من كفر بالتأويل على الجزية لأنه بمنزلة المرتد ~~لإعطائه بديا جملة التوحيد والإيمان بالرسول فمتى نقض ذلك بالتفصيل صار ~~مرتدا ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب كذلك كان يقول أبو الحسن ~~فتجوز عنده مناكحتهم ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم وتؤكل ذبائحهم لأنهم ~~منتحلون بحكم القرآن وإن لم يكونوا مستمسكين به كما أن من انتحل النصرانية ~~أو اليهودية فحكمه حكمهم وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم وقال تعالى ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم وقال محمد في الزيادات لو أن رجلا دخل في بعض ~~الأهواء التي يكفر أهلها كان في وصاياه بمنزلة المسلمين يجوز منها ما يجوز ~~من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل من وصاياهم وهذا يدل على موافقة ~~المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض الوجوه ومن الناس من يجعلهم بمنزلة ~~المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأقروا على نفاقهم ~~مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم ومن الناس من يجعلهم كأهل الذمة ومن أبى ~~ذلك ففرق بينهما بأن المنافقين لو وقفنا على نفاقهم لم نقرهم عليه ولم نقبل ~~PageV02P323 منهم إلا الإسلام أو السيف وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية وغير ~~جائز أخذ الجزية من الكفار المتأولين المنتحلين للإسلام ولا يجوز أن يقروا ~~بغير جزية فحكمهم في ذلك متى وقفنا على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز ~~إقراره ms0932 عليه وأجري عليه أحكام المرتدين ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على ~~إطلاق لفظ عسى أن يكون غلطه فيه دون الإعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب ~~لنا عن اعتقاده بما يوجب تكفيره فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من ~~الاستتابة فإن تاب وإلا قتل والله أعلم # | باب الاستعانة بأهل الذمة # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية قال ~~أبو بكر بطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ويثق بهم في أمره فنهى الله ~~تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين وأن يستعينوا ~~بهم في خوص أمورهم وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال لا يألونكم ~~خبالا يعني لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد أموركم لأن الخبال ~~هو الفساد ثم قال ودوا ما عنتم قال السدي ودوا ضلالكم عن دينكم وقال ابن ~~جريج ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على المشقة فيه لأن أصل العنت المشقة ~~فكأنه أخبرعن محبتهم لما يشق عليكم وقال الله تعالى ولو شاء الله لأعنتكم ~~وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور ~~المسلمين من العمالات والكتبة وقد روي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب ~~رجلا من أهل الذمة فكتب إليه يعنفه وتلا يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم أي لا تردوهم إلى العز بعد أن أذلهم الله تعالى وروى أبو ~~حيان التيمي عن فرقد بن صالح عن أبي دهقانة قال قلت لعمر بن الخطاب أن ههنا ~~رجلا من أهل الحيرة لم نر رجلا أحفظ منه ولا أخط منه بقلم فإن رأيت أن ~~نتخذه كاتبا قال قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين وروى هلال الطائي عن ~~وسق الرومي قال كنت مملوكا لعمر فكان يقول لي أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك ~~على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم فأبيت ~~فقال لا إكراه في الدين فلما حضرته الوفاة أعتقني فقال اذهب ms0933 حيث شئت وقوله ~~تعالى لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة قيل في معنى أضعافا مضاعفة وجهان ~~أحدهما المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل PageV02P324 أجل قسط من ~~الزيادة على المال والثاني ما يضاعفون به أموالهم وفي هذا دلالة على أن ~~المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه لأنه لو كان كذلك لوجب أن ~~يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا ~~مضاعفة فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم في ~~ذلك ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى وحرم الربا إذا ~~لم يبق لها حكم في الاستعمال وقوله تعالى وجنة عرضها السماء والأرض قيل ~~كعرض السموات والأرض وقال في آية أخرى @QB@ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~@QE@ وكما قال @QB@ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة @QE@ أي إلا كبعث ~~نفس واحدة ويقال إنما خص العرض بالذكر دون الطول لأنه يدل على أن الطول ~~أعظم ولو ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم وهذا يحتج به في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه معناه كذكاة أمه وقوله ~~تعالى والذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~قال ابن عباس في السراء والضراء في العسر واليسر يعني في قلته وكثرته وقيل ~~في حال السرور والغم لا يقطعه شيء من ذلك عن إنفاقه في وجوه البر فمدح ~~المنفقين في هاتين الحالتين ثم عطف عليه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~فمدح من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه وقال عمر بن الخطاب من خاف الله لم ~~يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ~~ترون وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما موعود بالثواب عليهما من الله تعالى ~~قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا فيه حض على ~~الجهاد من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله تعالى وفي التسلية عما يلحق ~~النفس ms0934 بموت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بإذن الله تعالى لأنه قد تقدم ~~ذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل الآية وقوله تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها قيل فيه من ~~عمل للدنيا وفر حظه المقسوم له فيها من غير أن يكون له حظ في الآخرة روي ~~ذلك عن ابن إسحاق وقيل إن معناه من أراد بجهاده ثواب الدنيا لم يحرم حظه من ~~الغنيمة وقيل من تقرب إلى الله بعمل النوافل وليس هو ممن يستحق الجنة بكفره ~~أو بما يحبط عمله جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في الآخرة وهو ~~نظير قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم PageV02P325 يصلاها مذموما مدحورا قوله تعالى وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون كثير قال ابن عباس والحسن علماء وفقهاء وقال مجاهد وقتادة ~~جموع كثيرة وقوله تعالى فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا فإنه قيل في الوهن بأنه انكسار الجسد ونحوه والضعف نقصان القوة ~~وقيل في الإستكانة أنها إظهار الضعف وقيل فيه أنه الخضوع فبين تعالى أنهم ~~لم يهنوا بالخوف ولا ضعفوا لنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع وقال ابن ~~إسحاق فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم في ~~الجهاد عن دينهم وفي هذه الآية الترغيب في الجهاد في سبيل الله والحض على ~~سلوك طريق العلماء من صحابة الأنبياء والأمر بالاقتداء بهم في الصبر على ~~الجهاد وقوله تعالى وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا الآية ~~فيه حكاية دعاء الربيين من أتباع الأنبياء المتقدمين وتعليم لنا لأن نقول ~~مثل قولهم عند حضور القتال فنيبغي للمسلمين أن يدعوا بمثله عند معاينة ~~العدو لأن الله تعالى حكى ذلك عنهم على وجه المدح لهم والرضا بقولهم لنفعل ~~مثل فعلهم ونستحق من المدح كاستحقاقهم قوله تعالى فآتاهم الله ثواب الدنيا ms0935 ~~وحسن ثواب الآخرة قال قتادة والربيع بن أنس وابن جريج ثواب الدنيا الذي ~~أوتوه هو النصر على عدوهم حتى قهروهم وظفروا بهم وثواب الآخرة الجنة وهذا ~~دليل على أنه يجوز اجتماع الدنيا والآخرة لواحد روي عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال من عمل لدنياه أضر بآخرته ومن عمل لآخرته أضر بدنياه وقد يجمعهما ~~الله تعالى لأقوام قوله تعالى سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا فيه دليل على بطلان التقليد لأن الله تعالى حكم ~~ببطلان قولهم إذ لم يكن معهم برهان عليه والسلطان ههنا هو البرهان ويقال إن ~~أصل السلطان القوة فسلطان الملك قوته والسلطان الحجة لقوتها على قمع الباطل ~~وقهر المبطل به والتسليط على الشيء التقوية عليه مع الإغراء به وفيه ~~الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر به من إلقاء الرعب ~~في قلوب المشركين فكان كما أخبر به وقال النبي صلى الله عليه وسلم نصرت ~~بالرعب حتى أن العدو ليرعب مني وهو على مسيرة شهر قوله تعالى ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه فيه إخبار بتقدم وعد الله تعالى لهم بالنصر على ~~عدوهم ما لم يتنازعوا ويختلفوا فكان كما أخبر به يوم أحد ظهروا على عدوهم ~~وهزموهم وقتلوا منهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بالمقام ~~في موضع PageV02P326 وأن لا يرجوا فعصوا وخلوا مواضعهم حين رأوا هزيمة ~~المشركين وظنوا أنه لم يبق لهم باقية واختلفوا وتنازعوا فحمل عليهم خالد بن ~~الوليد من ورائهم فقتلوا من المسلمين من قتلوا بتركهم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعصيانهم وفي ذلك دليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم وجدوا موعود الله كما وعد قبل العصيان فلما عصوا وكلوا إلى ~~أنفسهم وفيه دليل على أن النصر من الله في جهاد العدو مضمون باتباع أمره ~~والاجتهاد في طاعته وعلى هذا جرت عادة الله تعالى للمسلمين في نصرهم على ~~أعدائهم وقد كان المسلمون من ms0936 الصدر الأول إنما يقاتلون المشركين بالدين ~~ويرجون النصر عليهم وغلبتهم به لا بكثرة العدد ولذلك قال الله تعالى إن ~~الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ~~فأخبر أن هزيمتهم إنما كانت لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الإخلال بمراكزهم التي رتبوا فيها وقال تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة وإنما أتوا من قبل من كان يريد الدنيا منهم قال عبدالله بن ~~مسعود ما ظننت أن أحدا ممن قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا ~~حتى أنزل الله تعالى منكم من يريد الدنيا وعلى هذا المعنى كان الله قد فرض ~~على العشرين أن لا يفروا من مائتين بقوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين لأنه في ابتداء الإسلام كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~مخلصين لنية الجهاد لله تعالى ولم يكن فيهم من يريد الدنيا وكانوا يوم بدر ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا رجالة قليلي العدة والسلاح وعدوهم ألف فرسان ~~ورجالة بالسلاح الشاك فمنحهم الله أكتافهم ونصرهم عليهم حتى قتلوا كيف شاؤا ~~وأسروا كيف شاؤا ثم لما خالطهم بعد ذلك من لم يكن له مثل بصائرهم وخلوص ~~ضمائرهم خفف الله تعالى عن الجميع فقال الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله ومعلوم أنه لم يرد ضعف قوى الأبدان ولا عدم السلاح لأن قوى ~~أبدانهم كانت باقية وعددهم أكثر وسلاحهم أوفر وإنما أراد به أنه خالطهم من ~~ليس له قوة البصيرة مثل ما للأولين فالمراد بالضعف ههنا ضعف النية وأجرى ~~الجميع مجرى واحدا في التخفيف إذا لم يكن من المصلحة تمييز ذوي البصائر ~~منهم بأعيانهم وأسمائهم من أهل ضعف اليقين وقلة البصيرة ولذلك قال أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في يوم اليمامة حين انهزم الناس أخلصونا أخلصونا ~~يعنون المهاجرين والأنصار قوله PageV02P327 تعالى ثم أنزل عليكم من بعد ~~الغم أمنة نعاسا ms0937 يغشى طائفة منكم قال طلحة وعبدالرحمن بن عوف والزبير بن ~~العوام وقتادة والربيع بن أنس كان ذلك يوم أحد بعد هزيمة من انهزم من ~~المسلمين وتوعدهم المشركون بالرجوع فكان من ثبت من المسلمين تحت الحجف ~~متأهبين للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين ~~الذين أرعبهم الخوف لسوء الظن قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنمنا ~~حتى اصطفقت الحجف من النعاس ولم يصب المنافقين ذلك بل أهمتهن أنفسهم فقال ~~بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعت وأنا بين النائم واليقظان معتب بن ~~قشير وناسا من المنافقين يقولون هل لنا من الأمر من شيء وهذا من لطف الله ~~تعالى للمؤمنين وإظهار أعلام النبوة في مثل تلك الحال التي العدو فيها مطل ~~عليهم وقد انهزم عنهم كثير من أعوانهم وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين ~~فينامون وهم مواجهون العدو في الوقت الذي يطير فيه النعاس عمن شاهده ممن لا ~~يقاتل فكيف بمن حضر القتال والعدو قد أشرعوا فيهم الأسنة وشهروا سيوفهم ~~لقتلهم واستيصالهم وفي ذلك أعظم الدلائل وأكبر الحجج في صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم من وجوه أحدها وقوع الأمنة مع استعلاء العدو من غير مدد ~~أتاهم ولا نكاية في العدو ولا انصرافهم عنهم ولا قلة عددهم فينزل الله ~~تعالى على قلوبهم الأمنة وذلك في أهل الإيمان واليقين خاصة والثاني وقوع ~~النعاس عليهم في مثل تلك الحال التي يطير في مثلها النعاس عمن شاهدها بعد ~~الإنصراف والرجوع فكيف في حال المشاهدة وقصد العدو نحوهم لاستيصالهم وقتلهم ~~والثالث تمييز المؤمنين من المنافقين حتى خص المؤمنين بتلك الأمنة والنعاس ~~دون المنافقين فكان المؤمنون في غاية الأمن والطمأنينة والمنافقون في غاية ~~الهلع والخوف والقلق والاضطراب فسبحان الله العزيز العليم الذي لا يضيع أجر ~~المحسنين قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم قيل إن ما ههنا صلة معناه ~~فبرحمة من الله روي ذلك عن قتادة كما قال عما قليل ليصبحن نادمين وقوله ~~تعالى فبما نقضهم ميثاقهم واتفق أهل اللغة ms0938 على ذلك وقالوا معناها التأكيد ~~وحسن النظم كما قال الأعشى % أذهبي ما إليك أدركني الحلم % عداني عن هيجكم ~~أشفاقي % PageV02P328 وفي ذلك دليل على بطلان قول من نفى أن يكون في القرآن ~~مجاز لأن ذكر ما ههنا مجاز وإسقاطها لا يغير المعنى قوله تعالى ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك ~~الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى كما قال تعالى أدع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وقوله تعالى لموسى وهارون ~~فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قوله تعالى وشاورهم في الأمر اختلف ~~الناس في معنى أمر الله تعالى إياه بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف ~~صواب الرأي من الصحابة فقال قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق إنما أمره ~~بها تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله ويرجع إلى ~~رأيه قال سفيان بن عيينة أمره بالمشاورة لتقتدي به أمته فيها ولا تراها ~~منقصة كما مدحهم الله تعالى بأن أمرهم شورى بينهم وقال الحسن والضحاك جمع ~~لهم بذلك الأمرين جميعا في المشاورة ليكون لإجلال الصحابة ولتقتدي الأمة به ~~في المشاورة وقال بعض أهل العلم إنما أمره بالمشاورة فيما لم ينص له فيه ~~على شيء بعينه فمن القائلين بذلك من يقول إنما هو في أمور الدنيا خاصة وهم ~~الذين يأبون أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقول شيئا من أمور الدين من ~~طريق الاجتهاد وإنما هو في أمور الدنيا خاصة فجائز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستعين بآرائهم في ذلك ويتنبه بها على أشياء من وجوه التدبير ما ~~جائز أن يفعلها لولا المشاورة واستشارة آراء الصحابة وقد أشار الحباب بن ~~المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل وأشار ~~منه عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة غطفان ~~على بعض ثمار المدينة فينصرفوا فقبل منهم وخرق الصحيفة في أشياء من نحو ms0939 هذا ~~من أمور الدنيا وقال آخرون كان مأمورا بمشاورتهم في أمور الدين والحوادث ~~التي لا توقيف فيها عن الله تعالى وفي أمور الدنيا أيضا مما طريقه الرأي ~~وغالب الظن وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان ذلك من أمور الدين وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا شاورهم فأظهروا آراءهم ارتأى معهم وعمل بما أداه إليه ~~اجتهاده وكان في ذلك ضروب من الفوائد أحدها إعلام الناس أن ما لا نص فيه من ~~الحوادث فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد وغالب الظن والثاني إشعارهم بمنزلة ~~الصحابة رضي الله عنهم وأنهم أهل الاجتهاد وجائز اتباع آرائهم إذ رفعهم ~~الله إلى المنزلة التي يشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم ويرضى اجتهادهم ~~ويحريهم لموافقة النصوص من PageV02P329 أحكام الله تعالى والثالث أن باطن ~~ضمائرهم مرضي عند ا لله تعالى لولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم فدل ذلك على ~~يقينهم وصحة إيمانهم وعلى منزلتهم مع ذلك من العلم وعلى تسويغ الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث التي لا نصوص فيها لتقتدي به الأمة بعده صلى الله عليه وسلم ~~في مثله وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم ورفع ~~أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا ~~استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شاوروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه ثم ~~لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منه بالقبول بوجه لم يكن في ذلك تطييب ~~نفوسهم ولا رفع لأقدارهم بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ~~ولا معمول عليها فهذا تأويل ساقط لا معنى له فكيف يسوغ تأويل من تأوله ~~لتقتدي به الأمة مع علم الأمة عند هذا القائل بأن هذه المشورة لم تفد شيئا ~~ولم يعمل بشيء أشاروا به فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها فواجب على ~~الأمة أيضا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل وأن لا تنتج المشورة ~~رأيا صحيحا ولا قولا معمولا لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه المقالة كانت ~~على هذا الوجه فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها ms0940 تنتج رأيا صحيحا وقولا ~~معمولا عليه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياهم وإذ قد بطل هذا فلا بد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدة تستفاد ~~بها وأن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضرب من الارتشاء والاجتهاد ~~فجائز حينئذ أن توافق آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يوافق ~~رأي بعضهم رأيه وجائز أن يخالف رأي جميعهم فيعمل صلى الله عليه وسلم حينئذ ~~برأيه ويكون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنقين في اجتهادهم بل كانوا ~~مأجورين فيه لفعلهم ما أمروا به ويكون عليهم حينئذ ترك آرائهم واتباع رأي ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا بد من أن تكون مشاورة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياهم فيما لا نص فيه إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات ولا يقول ~~لهم ما رأيكم في الظهر والعصر والزكاة وصيام رمضان ولما لم يخص الله تعالى ~~أمر الدين من أمور الدنيا في أمره صلى الله عليه وسلم بالمشاورة وجب أن ~~يكون ذلك فيهما جميعا ولأنه معلوم أن مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أمر الدنيا إنما كانت تكون في محاربة الكفار ومكايدة العدو وإن لم يكن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم تدبيره في أمر دنياه ومعاشه يحتاج فيه إلى مشاورة ~~غيره لاقتصاره صلى الله عليه وسلم من الدنيا على القوت والكفاف الذي لا فضل ~~فيه وإذا كانت مشاورته لهم في محاربة العدو ومكايدة الحروب فإن ذلك من أمر ~~الدين ولا PageV02P330 فرق بين اجتهاد الرأي فيه وبينه في أحكام سائر ~~الحوادث التي لا نصوص فيها وفي ذلك دليل على صحة القول باجتهاد الرأي في ~~أحكام الحوادث وعلى أن كل مجتهد مصيب وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كان يجتهد رأيه فيما لا نص فيه ويدل على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم ويعمل ~~بما يغلب في رأيه فيما لا نص فيه قوله تعالى في نسق ذكر المشاورة فإذا عزمت ~~فتوكل على ms0941 ا لله ولو كان فيما شاور فيه شيء منصوص قد ورد التوقيف به من ~~الله لكانت العزيمة فيه متقدمة للمشاورة إذ كان ورود النص موجبا لصحة ~~العزيمة قبل المشاورة وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت ~~عن المشورة وأنه لم يكن فيها نص قبلها قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل قرئ ~~يغل برفع الياء ومعناه يخان وخص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإن كانت ~~خيانة سائر الناس محظورة تعظيما لأمر خيانته على خيانة غيره كما قال تعالى ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور وإن كان الرجس كله محظورا ~~ونحن مأمورون باجتنابه وروي هذا التأويل عن الحسن وقال ابن عباس وسعيد بن ~~جبير في قوله تعالى يغل برفع الياء أن معناه يخون فنسبا إلى الخيانة وقال ~~نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذها فأنزل الله هذه الآية ومن قرأ يغل بنصب الياء معناه يخون ~~والغلول الخيانة في الجملة إلا أنه قد صار الإطلاق فيها يفيد الخيانة في ~~المغنم وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الغلول حتى أجراه مجرى ~~الكبائر وروى قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين ~~وروى عبدالله بن عمر أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقال له كركرة فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ~~ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة والأخبار في أمر تغليظ ~~الغلول كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي في إباحة أكل الطعام ~~وأخذ علف الدواب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين أخبار ms0942 ~~مستفيضة قال عبدالله بن أبي أوفى أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل منا يأتي ~~فيأخذ منه ما يكفيه ثم ينصرف وعن سلمان أنه أصاب يوم المداين أرغفة حواري ~~وجبنا وسكينا فجعل يقطع من الجبنة ويقول كلوا بسم الله وقد روى رويفع بن ~~ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل لأحد يؤمن ~~PageV02P331 بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا ~~أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من ~~فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه وهذا محمول على الحال التي يكون فيها ~~مستغنيا عنه فأما إذا احتاج إليه فلا بأس به عند الفقهاء وقد روي عن البراء ~~بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه ~~وقتله به قوله تعالى وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا قال السدي وابن جريج في قوله أو ادفعوا إن معناه بتكثير ~~سوادنا إن لم تقاتلوا معنا وقال أبو عون الأنصاري معناه ورابطوا بالقيام ~~على الخيل إن لم تقاتلوا قال أبو بكر وفي هذا دلالة على أن فرض الحضور لازم ~~لمن كان في حضوره نفع في تكثير السواد والدفع وفي القيام على الخيل إذا ~~احتيج إليهم وقوله تعالى يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم قيل فيه وجهان ~~أحدهما تأكيد لكون القول منهم إذ قد يضاف الفعل إلى غير فاعله إذا كان ~~راضيا به على وجه المجاز كما قال تعالى وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~وإنما قتل غيرهم ورضوا به وقوله تعالى فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ونحو ~~ذلك والثاني أنه فرق بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب وقوله تعالى ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون زعم ~~قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة قالوا لأنه لو جاز أن ترد عليهم ~~أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ قال أبو ms0943 بكر وقال ~~الجمهور إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر استحقاقهم ~~إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق ثم يعيدهم في الآخرة ويدخلهم ~~الجنة لأنه أخبر أنهم أحياء وذلك يقتضي أنهم أحياء في هذا الوقت ولأن تأويل ~~من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال فائدته لأن أحدا من ~~المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة إذ الجنة لا يكون ~~فيها ميت ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله تعالى ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله ويدل عليه قوله تعالى ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم وهم في الآخرة قد لحقوا بهم وروى ابن عباس وابن مسعود ~~وجابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أصيب إخوانكم ~~بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل ~~من ثمارها وتأوي إلى قناديل PageV02P332 معلقة تحت العرش وهو مذهب الحسن ~~وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء وليس ذلك من مذهب أصحاب التناسخ في ~~شيء لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق مختلفة وقد أخبر الله ~~تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم وأخبر أن إحياء ~~الموتى معجزة لعيسى عليه السلام فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء ~~وقوله تعالى عند ربهم يرزقون معناه حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا نفع إلا ~~ربهم عز وجل وليس يعني به قرب المسافة لأن الله تعالى لا يجوز عليه القرب ~~والبعد بالمسافة إذ هو من صفة الأجسام وقيل عند ربهم من حيث يعلمهم هو دون ~~الناس # قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم الآية روي عن ابن ~~عباس وقتادة وابن إسحاق إن الذين قالوا كانوا ركبا وبينهم أبو سفيان ~~ليحبسوهم عند منصرفهم من أحد ms0944 لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي هو أعرابي ~~ضمن له جعلا على ذلك فأطلق الله تعالى اسم الناس على ا لواحد على قول من ~~تأوله على أنه كان رجلا واحدا فهذا على أنه أطلق لفظ العموم وأراد به ~~الخصوص قال أبو بكر لما كان الناس اسما للجنس وكان من المعلوم أن الناس ~~كلهم لم يقولوا ذلك تناول ذلك أقلهم وهو الواحد منهم لأنه لفظ الجنس وعلى ~~هذا قال أصحابنا فيمن قال إن كلمت الناس فعبدي حر أنه على كلام الواحد منهم ~~لأنه لفظ الجنس ومعلوم أنه لم يرد به استغراق لجنس فيتناول الواحد منهم ~~وقوله تعالى فاخشوهم فزادهم إيمانا فيه إخبار بزيادة يقينهم عند زيادة ~~الخوف والمحنة إذ لم يبقوا على الحال الأولى بل ازدادوا عند ذلك يقينا ~~وبصيرة في دينهم وهو كما قال تعالى في الأحزاب ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما فازدادوا عند معاينة العدو إيمانا وتسليما لأمر الله تعالى والصبر ~~على جهادهم وفي ذلك أتم ثناء على الصحابة رضي الله عنهم وأكمل فضيلة وفيه ~~تعليم لنا أن نقتدي بهم ونرجع إلى أمر الله والصبر عليه والاتكال عليه وأن ~~نقول حسبنا الله ونعم الوكيل وأنا متى فعلنا ذلك أعقبنا ذلك من الله النصر ~~والتأييد وصرف كيد العدو وشرهم مع حيازة رضوان الله وثوابه بقوله تعالى ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله وقوله تعالى ~~ولا يحسبن الذين يبخلون PageV02P333 بما آتاهم الله من فضله إلى قوله ~~سيطوقون ما بخلو به قال السدي بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله وأن يؤدوا ~~الزكاة وقال ابن عباس هو في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس وهو بالزكاة ~~أولى كقوله والذين يكنزون الذهب والفضة إلى قوله يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وقوله تعالى سيطوقون ما بخلوا به يدل على ~~ذلك أيضا وروى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال ms0945 قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة ~~وبكنزه فيحمى بها جبينه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده وقال مسروق يجعل ~~الحق الذي منعه حية فيطوقها فيقول مالي ومالك فتقول الحية أنا مالك وقال ~~عبدالله يطوق ثعبانا في عنقه له أسنان فيقول أنا ملك الذي بخلت به # قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس قد تقدم ~~نظيرها في سورة البقرة وقد روي في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن ~~المراد به اليهود وقال غيرهم المراد به اليهود والنصارى وقال الحسن وقتادة ~~المراد به كل من أوتي علما فكتمه قال أبو هريرة لولا آية من كتاب الله ~~تعالى ما حدثتكم به ثم تلا قوله وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~فيعود الضمير في قوله لتبيننه في قول الأولين على النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم كتموا صفته وأمره وفي قول الآخرين على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما في كتب الله عزوجل # قوله تعالى إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب الآيات التي فيها من جهات أحدها تعاقب الأعراض المتضادة عليها مع ~~استحالة وجودها عارية منها والأعراض محدثة وما لم يسبق المحدث فهو محدث وقد ~~دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها لأن الفاعل لا يشبه فعله وفيها ~~الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شيء إذ كان خالقها وخالق الأعراض ~~المضمنة بها وهو قادر على أضدادها إذ ليس بقادر يستحيل منه الفعل ويدل على ~~أن فاعلها قديم لم يزل لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم لولا ذلك لاحتاج ~~الفاعل إلى فاعل آخر إلى مالا نهاية له ويدل على أن صانعها عالم من حيث ~~استحال وجود الفعل المتقن المحكم إلا من عالم به قبل أن يفعله ويدل على أنه ~~حكيم عدل لأنه مستغن عن فعل القبيح عالم بقبحه فلا تكون ms0946 أفعاله إلا ~~PageV02P334 عدلا وصوابا ويدل على أنه لا يشبهها لأنه لو أشبهها لم يخل من ~~أن يشبهها من جميع الوجوه أو من بعضها فإن أشبهها من جميع الوجوه فهو محدث ~~مثلها وإن أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من ذلك الوجه لأن حكم ~~المشبهين واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم الحدوث من ذلك الوجه ~~ويدل وقوف السموات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا يشبهها لاستحالة وقوفها ~~من غير عمد من جسم مثلها إلى غير ذلك من الدلائل المضمنة بها ودلالة الليل ~~والنهار على الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود كل واحد منهما بعد ~~أن لم يكن موجودا ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على إيجادها ولا على الزيادة ~~والنقصان فيها وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا محدثين لاستحالة وجود حادث لا ~~محدث له فوجب أن محدثهما ليس بجسم ولا مشبه للأجسام لوجهين أحدهما أن ~~الأجسام لا تقدر على إحداث مثلها والثاني المشبه للجسم يجري عليه ما يجري ~~عليه من حكم الحدوث فلو كان فاعلها حادثا لاحتاج إلى محدث ثم كذلك يحتاج ~~الثاني إلى الثالث إلى مالا نهاية له وذلك محال فلا بد من إثبات صانع قديم ~~لا يشبه الأجسام والله أعلم # | باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا قال الحسن ~~وقتادة وابن جريج والضحاك اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم وصابروا ~~أعداء الله ورابطوا في سبيل الله وقال محمد بن كعب القرظي اصبروا على ~~الجهاد وصابروا وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم وقال زيد بن أسلم اصبروا على ~~الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه وقال أبو مسلمة بن عبدالرحمن ~~ورابطوا بانتظار الصلاة بعد الصلاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط وقال تعالى ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وروى سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال رباط يوم في سبيل الله ms0947 أفضل من صيام شهر ومن قيامه ومن مات فيه وقي ~~فتنة القبر ونما له عمله إلى يوم القيامة وروى عثمان عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام ~~نهارها والله الموفق PageV02P335 # | سورة النساء # # | بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام قال الحسن ومجاهد ~~وإبراهيم هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم وقال ابن عباس وقتادة والسدي ~~والضحاك اتقوا الأرحام أن تقطعوها وفي الآية دلالة على جواز المسألة بالله ~~تعالى وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من سأل بالله فأعطوه وروى معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب ~~قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع منها إبرار القسم وهذا يدل ~~على مثل ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من سألكم بالله فأعطوه وأما ~~قوله والأرحام ففيه تعظيم لحق الرحم وتأكيد للنهي عن قطعها قال الله تعالى ~~في موضع آخر فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم فقرن ~~قطع الرحم إلى الفساد في الأرض وقال تعالى لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ~~قيل في الآل أنه القربى وقال تعالى وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم ~~حرمة الرحم ما يواطئ ما ورد به التنزيل روى سفيان بن عيينة عن الزهري عن ~~أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عبدالرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول الله أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها ~~وصلته ومن قطعها بتته وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال ~~حدثنا خالي حيان بن بشر قال حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال حدثني ~~ناصح عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى ms0948 الله عليه ~~وسلم أنه قال ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل ~~عصي الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا صالح المري قال حدثنا ~~يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع ~~الله بهما المحذور والمكروه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال ~~حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن ~~أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل ~~الصدقة على ذي الرحم الكاشح قال الحميدي الكاشح العدو ورواه أيضا ~~PageV02P336 سفيان عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح وروت حفصة بنت سيرين ~~عن الرباب عن سليمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصدقة على ~~المسلمين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان لأنها صدقة وصلة قال أبو بكر فثبت ~~بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها جعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصدقة على ذي الرحم اثنتين صدقة وصلة وأخبر باستحقاق ~~الثواب لأجل الرحم سوى ما يستحقه بالصدقة فدل على أن الهبة لذي الرحم ~~المحرم لا يصح الرجوع فيها ولا فسخها أيا كان الواهب أو غيره لأنها قد جرت ~~مجرى الصدقة في أن موضوعها القربة واستحقاق الثواب بها كالصدقة لما كان ~~موضوعها القربة وطلب الثواب لم يصح الرجوع فيها كذلك الهبة لذي الرحم ~~المحرم ولا يصح للأب بهذه الدلالة الرجوع فيما وهبه للإبن كما لا يجوز ~~لغيره من ذوي الرحم المحرم إذ كانت بمنزلة الصدقة إلا أن يكون الأب محتاجا ~~فيجوز له أخذه كسائر أموال الإبن فإن قيل لم يفرق الكتاب والسنة فيما أوجبه ~~من ms0949 صلة الرحم بين ذي الرحم المحرم وغيره فالواجب أن لا يرجع فيما وهبه ~~لسائر ذوي أرحامه وإن لم يكن ذا رحم محرم كإبن العم والأباعد من أرحامه قيل ~~له لو اعتبرنا كل من بينه وبينه نسب لوجب أن يشترك فيه بنو آدم عليه السلام ~~كلهم لأنهم ذووا أنسابه ويجمعهم نوح النبي عليه السلام وقبله آدم عليه ~~السلام وهذا فاسد فوجب أن يكون الرحم الذي يتعلق به هذا الحكم هو ما يمنع ~~عقد ا لنكاح بينهما إذا كان أحدهما رجلا والآخر امرأة لأن ما عدا ذلك لا ~~يتعلق به حكم وهو بمنزلة ا لأجنبيين وقد روى زياد بن علاقة عن أسامة بن ~~شريك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بمنى وهو يقول أمك وأباك ~~وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك فذكر ذوي الرحم المحرم في ذلك فدل على صحة ما ~~ذكرنا وهو مأمور مع ذلك بمن بعد رحمه أن يصله وليس في تأكيد من قرب كما ~~يأمر بالإحسان إلى الجار ولا يتعلق بذلك حكم في التحريم ولا في منع الرجوع ~~في الهبة فكذلك ذوو رحمه الذين ليسوا بمحرم فهو مندوب إلى الإحسان إليهم ~~ولكنه لما لم يتعلق به حكم التحريم كانوا بمنزلة الأجنبيين والله أعلم ~~بالصواب PageV02P337 PageV02P338 موجبا لبقاء اسم اليتيم عليه واسم اليتيم ~~قد يقع على المنفرد عن أبيه وعلى المرأة المنفردة عن زوجها قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم تستأمر اليتيمة في نفسها وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة وقال ~~الشاعر % إن القبور تنكح الأيامى % النسوة الأرامل اليتامى % إلا أنه معلوم ~~أنه إذا صار شيخا أو كهلا لا يسمى يتيما وإن كان ضعيف العقل ناقص الرأي فلا ~~بد من اعتبار قرب العهد بالصغر والمرأة الكبيرة المسنة تسمى يتيمة من جهة ~~انفرادها عن زوج والرجل الكبير المسن لا يسمى يتيما من جهة انفراده عن أبيه ~~وإنما كان كذلك لأن الأب يلي على الصغير ويدبر أمره ويحوطه فيكنفه فسمي ~~الصغير يتما لانفراده عن أبيه الذي هذه حاله فما دام على ms0950 حال الضعف ونقصان ~~الرأي يسمى يتيما بعد البلوغ وأما المرأة فإنما سميت يتيمة لانفرادها عن ~~الزوج الذي هي في حباله وكنفه فهي وإن كبرت فهذا الاسم لازم لها لأن وجود ~~الزوج لها في هذه الحال بمنزلة الأب للصغير في أنه هو الذي يلي حفظها ~~وحياطتها فإذا انفردت عمن هذه حاله معها سميت يتيمة كما سمي الصغير يتيما ~~لانفراده عمن يدبر أمره ويكنفه ويحفظه ألا ترى إلى قوله تعالى الرجال ~~قوامون على النساء كما قال وأن تقوموا لليتامى بالقسط فجعل الرجل قيما على ~~امرأته كما جعل ولي اليتيم قيما عليه وقد روى علي بن أبي طالب وجابر بن ~~عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يتم بعد حلم وهذا هو ~~الحقيقة في اليتيم وبعد البلوغ يسمى يتيما مجازا لما وصفنا وما ذكرنا من ~~دلالة اسم اليتيم على الضعيف على ما روي عن ابن عباس يدل على صحة قول ~~أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أنها جائزة للفقراء من ~~اليتامى لأن اسم اليتيم يدل على ذلك ويدل عليه ما حدثنا عبدالله بن محمد بن ~~إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر ~~عن الحسن في قوله عز وجل ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما قال السفهاء إبنك السفيه وامرأتك السفيهة قال وقوله قياما قيام عيشك ~~وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتقوا الله في الضعيفين ~~اليتيم والمرأة فسمي اليتيم ضعيفا ولم يشرط في هذه الآية إيناس الرشد في ~~دفع المال إليهم وظاهره يقتضي وجود دفعه إليهم بعد البلوغ أونس منه الرشد ~~أو لم يؤنس إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~PageV02P339 منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فكان ذلك مستعملا عند أبي ~~حنيفة ما بينه وبين خمس وعشرين سنة فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد وجب دفع ~~المال إليه لقوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة ms0951 ~~على مقتضاه وظاهره وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد لاتفاق أهل ~~العلم أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه وهذا وجه ~~شائع من قبل أن فيه استعمال كل واحدة من الآيتين على مقتضى ظواهرهما على ~~فائدتهما ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال كان فيه إسقاط حكم ~~الآية الأخرى رأسا وهو قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم من غير شرط لإيناس ~~الرشد فيه لأن الله تعالى أطلق إيجاب دفع المال من غير قرينة ومتى وردت ~~آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم والأخرى عامة ~~غير مضمنة بقرينة وأمكننا استعمالهما على فائدتهما ولم يجز لنا الاقتصار ~~بها على فائدة إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى ولما ثبت بما ذكرنا وجوب دفع ~~المال إليه لقوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم وقال في نسق التلاوة فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم دل ذلك على أنه جائز الإقرار بالقبض إذ ~~كان قوله فأشهدوا عليهم قد تضمن جواز الإشهاد على إقرارهم بقبضها وفي ذلك ~~دلالة على نفي الحجر وجواز التصرف لأن المحجور عليه لا يجوز إقراره ومن وجب ~~الإشهاد عليه فهو جائز الإقرار وأما قوله تعالى ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ~~فإنه روي عن مجاهد وأبي صالح الحرام بالحلال أي لا تجعل بدل رزقك الحلال ~~حراما تتعجل بأن تستهلك مال اليتيم فتنفقه أو تتجر فيه لنفسك أو تحبسه ~~وتعطيه غيره فيكون ما تأخذه من مال اليتيم خبيثا حراما وتعطيه مالك الحلال ~~الذي رزقك الله تعالى ولكن آتوهم أموالهم بأعيانها وهذا يدل على أن ولي ~~اليتيم لا يجوز له أن يستقرض مال اليتيم من نفسه ولا يستبدله فيحبسه لنفسه ~~ويعطيه غيره وليس فيه دلالة على أنه لا يجوز له التصرف فيه بالبيع والشرى ~~لليتيم لأنه إنما حظر عليه أن يأخذه لنفسه ويعطي اليتيم غيره وفيه الدلالة ~~على أنه ليس له أن يشتري من مال اليتيم لنفسه بمثل قيمته سواء لأنه قد حظر ~~عليه استبدال مال اليتيم لنفسه فهو عام في ms0952 سائر وجوه الاستبدال إلا ما قام ~~دليله هو أن يكون ما يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه على قول أبي حنيفة ~~لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقال سعيد بن المسيب ~~والزهري PageV02P340 والضحاك والسدي في قوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب قال ~~لا تجعلوا الزائف بدل الجيد والمهزول بدن السمين وأما قوله ولاتأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم فإنه روي عن مجاهد والسدي لا تأكلوا أموالهم مع ~~أموالكم مضيفين لها إلى أموالكم فنهوا عن خلطها بأموالهم على وجه الاستقراض ~~لتصيردينا في ذمته فيجوز لهم أكلها وأكل أرباحها قوله تعالى إنه كان حوبا ~~كبيرا قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة إثما كبيرا وفي هذه الآية دلالة ~~على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم ~~يطالبوا بأدائها لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه ~~مطالبة الأيتام بأدائها ويدل على أن من له عند غيره مال فأراد دفعه إليه ~~أنه مندوب على الإشهاد عليه لقوله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم والله الموفق # | باب تزويج الصغار # قال الله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع روى الزهري عن عروة قال قلت لعائشة قوله تعالى وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في ~~حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكها بأدنى من صداقها فنهوا أن ~~ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من النساء قالت عائشة ثم ~~أن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل ~~الله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ~~إلى قوله تعالى وترغبون أن تنكحوهن قالت والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى ~~عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى وقوله في الآية الأخرى وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته ~~التي تكون في ms0953 حجره حتى تكون قليلة المال والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا ~~في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن قال أبو ~~بكر وروي عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويل غير هذا وهو ما ~~حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال أخبرنا عبدالرازق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله ~~تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~PageV02P341 يقول ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء ~~مثل الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن وروي عن مجاهد وإن خفتم ألا ~~تقسطوا فحرجتم من أكل أموالهم وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا ~~طيبا مثنى وثلاث ورباع وروي فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة ~~قال كان الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله ~~فيميل على مال الأيتام فنزلت وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية وقد ~~اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجد الصغيرين فقال أبو حنيفة لكل من كان ~~من أهل الميراث من القربات أن يزوج الأقرب فالأقرب فإن كان المزوج الأب أو ~~الجد فلا خيار لهم بعد البلوغ وإن كان غيرهما فلهم الخيار بعد البلوغ وقال ~~أبو يوسف ومحمد لا يزوج الصغيرين إلا العصبات الأقرب فالأقرب قال أبو يوسف ~~ولا خيار لهما بعد البلوغ وقال محمد لهما الخيار إذا زوجهما غير الأب والجد ~~وذكر ابن وهب عن مالك في تزويج الرجل يتيمه إذا رأى له الفضل والصلاح ~~والنظر أن ذلك جائز له عليه وقال ابن القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته ~~وهي صغيرة أنه لا يجوز ويزوج الوصي وإن كره الأولياء والوصي أولى من الولي ~~غير أنه لا يزوج الثيب إلا برضاها ولا ينبغي أن يقطع عنها الخيار الذي ms0954 جعل ~~لها في نفسها ويزوج الوصي بنيه الصغار وبناته الصغار ولا يزوج البنات ~~الكبار إلا برضاهن وقول الليث في ذلك كقول مالك وكذلك قال يحيى بن سعيد ~~وربيعة أن الوصي أولى وقال الثوري لا يزوج العم ولا الأخ الصغيرة ولا أموال ~~إلى الأوصياء والنكاح إلى الأولياء وقال الأوزاعي لا يزوج الصغيرة إلا الأب ~~وقال الحسن بن صالح لا يزوج الوصي إلا أن يكون وليا وقال الشافعي لا يزوج ~~الصغار من الرجال والنساء إلا الأب أو الجد إذا لم يكن أب ولا ولاية للوصي ~~على الصغيرة قال أبو بكر روى جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال قال عمر من كان ~~في حجره تركة لها عوار فليضمها إليه فإن كانت رغبة فليزوجها غيره وروي عن ~~علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في ~~آخرين جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة وروي عن ابن عباس وعائشة في تأويل ~~الآية ما ذكرنا وأنها في اليتيمة فتكون في حجر وليها فيرغب في مالها ~~وجمالها ولا يقسط لها في صداقها فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سننهن ~~في الصداق ولما كان ذلك عندهما تأويل الآية دل على أن جواز ذلك PageV02P342 ~~من مذهبهما أيضا ولا نعلم أحدا من السلف منع ذلك والآية يدل على ما تأولها ~~عليه ابن عباس وعائشة لأنهما ذكرا أنها في اليتيمة تكون في حجر له وليها ~~فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في الصداق فنهوا أن ينكحوهن أو يقسطوا ~~لهن في الصداق وأقرب الأولياء الذي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها ~~هو ابن العم فقد تضمنت الآية جواز تزوج ابن العم اليتيمة التي في حجره فإن ~~قيل لم جعلت هذا التأويل أولى من تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ذكرت مع ~~احتمال الآية للتأويلات كلها قيل له ليس يمتنع أن يكون المراد المعنيين ~~جميعا لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعا ومع ذلك فإن ابن ~~عباس وعائشة قد قالا إن الآية نزلت في ms0955 ذلك وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال ~~توقيفا فهو أولى لأنهما ذكرا سبب نزولها والقصة التي نزلت فيها فهو أولى ~~فإن قيل يجوز أن يكون المراد الجد قيل له إنما ذكرا أنها نزلت في اليتيمة ~~التي في حجره ويرغب في نكاحها والجد لا يجوز له نكاحها فعلمنا أن المراد ~~ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء فإن قيل إن الآية إنما هي في ~~الكبيرة لأن عائشة قالت أن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية فيهن فأنزل الله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء يعني قوله وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى قال فلما قال في يتامى النساء دل على أن المراد الكبار منهن دون ~~الصغار لأن الصغار لا يسمين نساء قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن قوله ~~وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى حقيقته تقتضي اللاتي لم يبلغن لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد بلوغ الحلم ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته ~~إلى المجاز إلا بدلالة والكبيرة تسمى يتيمة على وجه المجاز وقوله تعالى في ~~يتامى النساء لا دلالة فيه على ما ذكرت لأنهن إذا كن من جنس النساء جازت ~~إضافتهن إليهن وقد قال الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء والصغار ~~والكبار داخلات فيهن وقال ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الصغار ~~والكبار مرادات به وقال وأمهات نسائكم ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمها ~~تحريما مؤ بدا فليس إذا في إضافة اليتامى إلى النساء دلالة على أنهن الكبار ~~دون الصغار والوجه الآخر أن هذا التأويل الذي ذكره ابن عباس وعائشة لا يصح ~~في الكبار لأن الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها بأقل من مهر مثلها جاز النكاح ~~وليس لأحد PageV02P343 أن يعترض عليها فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي ~~يتصرف عليهم في التزويج من هن في حجره ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال ~~أخبرني عبدالله بن أبي ms0956 بكر بن حزم وعبدالله بن الحارث ومن لا أتهم عن ~~عبدالله بن شداد قال كان زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ابنها ~~سلمة فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت حمزة وهما صبيان صغيران فلم ~~يجتمعا حتى ماتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل جزيت سلمة بتزويجه ~~إياي أمه وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجهين أحدهما أنه زوجهما وليس بأب ~~ولا جد فدل على أن تزويج غير الأب والجد جائز للصغيرين والثاني أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك وقد قال الله تعالى فاتبعوه فعلينا اتباعه ~~فيدل على أن للقاضي تزويج الصغيرين وإذا جاز ذلك للقاضي جاز لسائر الأولياء ~~لأن أحدا لم يفرق بينهما ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~نكاح إلا بولي فأثبت النكاح إذا كان بولي والأخ وابن العم أولياء والدليل ~~عليه أنها لو كانت كبيرة كانوا أولياء في النكاح ويدل عليه من طريق النظر ~~اتفاق الجميع على أن الأب والجد إذا لم يكونا من أهل الميراث إن كانا ~~كافرين أو عبدين لم يزوجا فدل على أن هذه الآية مستحقة بالميراث فكل من كان ~~أهل الميراث فله أن يزوج الأقرب فالأقرب ولذلك قال أبو حنيفة أن للأم ومولى ~~الموالاة أن يزوجوا إذا لم يكن أقرب منهم لأنهم من أهل الميراث فإن قيل لما ~~كان في النكاح مال وجب أن لا يجوز عقد من لا يجوز تصرفه في المال قيل له إن ~~المال يثبت في النكاح من غير تسمية فلا اعتبار فيه بالولاية في المال ألا ~~ترى أن عند من لا يجيز النكاح بغير ولي فللأولياء حق في التزويج وليست لهم ~~ولاية في المال على الكبيرة ويلزم مالكا والشافعي أن لا يجيز تزويج الأب ~~لابنته البكر الكبيرة إذ لا ولاية له عليها في المال فلما جاز عند مالك ~~والشافعي لأب البكر الكبيرة تزويجها بغير رضاها مع عدم ولايته عليها في ~~المال دل ذلك على أنه لا ms0957 اعتبار في استحقاق الولاية في عقد النكاح بجواز ~~التصرف في المال ولما ثبت بما ذكرنا من دلالة الآية جواز تزويج ولي الصغيرة ~~إياها من نفسه دل على أن لولي الكبيرة أن يزوجها من نفسه برضاها ويدل أيضا ~~على أن العاقد للزوج والمرأة يجوز أن يكون واحدا بأن يكون وكيلا لهما كما ~~جاز لولي الصغيرة أن يزوجها من نفسه فيكون الموجب للنكاح والقابل له واحدا ~~ويدل أيضا على أنه إذا كان وليا لصغيرين جاز له أن يزوج أحدهما من صاحبه ~~فالآية دالة من هذه الوجوه على بطلان مذهب الشافعي في قوله إن الصغيرة ~~PageV02P344 لا يزوجها غير الأب والجد وفي قوله إنه لا يجوز لولي الكبيرة ~~أن يتزوجها برضاها بغير محضر منها ويدل على بطلان قوله في أنه لا يجوز أن ~~يكون رجل واحد وكيلا لهما جميعا في عقد النكاح عليهما وإنما قال أصحابنا ~~إنه لا يجوز للوصي تزويج الصغيرة من قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~نكاح إلا بولي والوصي ليس بولي لها ألا ترى أن قوله ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلو وجب لها قود لم يكن الوصي لها وليا في ذلك ولم ~~يستحق الولاية فيه فثبت أن الوصي لا يقع عليه اسم الولي فواجب أن لا يجوز ~~تزويجه إياها إذ ليس بولي لها فإن قيل فواجب على هذا أن لا يكون الأخ أو ~~العم وليا للصغيرة لأنهما لا يستحقان الولاية في القصاص قيل له لم نجعل عدم ~~الولاية في القصاص علة في ذلك حتى يلزمنا عليها وإنما بينا أن ذلك الاسم لا ~~يتناوله ولا يقع عليه من جهة ما يستحق من التصرف في المال وأما الأخ والعم ~~فهما وليان لأنهما من العصبات واحد لا يمتنع من إطلاق اسم الولي على ~~العصبات قال الله تعالى وإني خفت الموالي من ورائي قيل إنه أراد به بني ~~أعمامه وعصباته فاسم الولي يقع على العصبات ولا يقع على الوصي فلما قال صلى ~~الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي ms0958 انتفى بذلك جواز تزويج الوصي للصغيرة إذ ~~ليس بولي وقال صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وفي لفظ ~~آخر بغير إذن مواليها فنكاحها باطل فقد اقتضى بطلان نكاح المجنونة والبكر ~~الكبيرة إذا زوجها الوصي أو تزوجت بإذن الوصي دون إذن الولي لحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ببطلان نكاحها إذ كانت متزوجة بغير إذن وليها وأيضا فإن هذه ~~الولاية في النكاح مستحقة بالميراث لما دللنا عليه وليس الوصي من أهل ~~الميراث فلا ولاية له وأيضا فإن السبب الذي به يستحق الولاية في النكاح هو ~~النسب وذلك لا يصح النقل فيه ولا يستحقه الوصي لعدم السبب الذي به يستحق ~~الولاية وليس التصرف في المال بعد الموت كالتصرف في النكاح لأن المال يصح ~~النقل فيه والنكاح لا يصح النقل فيه إلى غير الزوجين فلم يجز أن يكون للوصي ~~ولاية فيه وليس الوصي كالوكيل في حال حياة الأب لأن الوكيل يتصرف بأمر ~~الموكل وأمره باق لجواز تصرفه وامر الميت منقطع فيما لا يصح فيه النقل وهو ~~النكاح فلذلك اختلفا فإن قيل فإن الحاكم يزوج عندكم الصغيرين مع عدم ~~الميراث والولاية من طريق النسب قيل له إن الحاكم قائم مقام جماعة المسلمين ~~فيما يتصرف فيه من ذلك وجماعة المسلمين هم من أهل ميراث PageV02P345 ~~الصغيرين وهم باقون فاستحق الولاية من حيث هو كالوكيل لهم وهم من أهل ~~ميراثه لأنه لو مات ولا وارث له من ذوي أنسابه ورثه المسلمون وفي هذه الآية ~~دلالة أيضا على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة من حيث دلت على جواز تزويج ~~سائر الأولياء إذ كان هو أقرب الأولياء ولا نعلم في جواز ذلك خلافا بين ~~السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئا رواه بشر بن الوليد عن ابن شبرمة ~~أن تزويج الآباء على الصغار لا يجوز وهو مذهب الأصم ويدل على بطلان هذا ~~المذهب سوى ما ذكرنا من دلالة هذه الآية قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ms0959 يحضن فحكم بصحة طلاق ~~الصغيرة التي لم تحض والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح فتضمنت الآية جواز ~~تزويج الصغيرة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت ~~ست سنين زوجها إياه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد حوى هذا الخبر معنيين ~~أحدهما جواز تزويج الأب الصغيرة والآخر أن لا خيار لها بعد البلوغ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يخيرها بعد البلوغ وأما قوله تعالى ما طاب لكم ~~من النساء فإن مجاهدا قال معناه أنكحوا نكاحا طيبا وعن عائشة والحسن وأبي ~~مالك ما أحل لكم وقال الفراء أراد بقوله تعالى ما طاب المصدر كأنه قال ~~فانكحوا من النساء الطيب أي الحلال قال ولذلك جاز أن يقول ما ولم يقل من ~~واما قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع فإنه إباحة للثنتين إن شاء وللثلاث إن ~~شاء وللرباع إن شاء على أنه مخير في أن يجمع في هذه الأعداد من شاء قال فإن ~~خاف أن لا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث فإن خاف أن لا يعدل اقتصر من ~~الثلاث على الإثنتين فإن خاف أن لا يعدل بينهما اقتصر على الواحدة وقيل إن ~~الواو ههنا بمعنى أو كأنه قال مثنى أو ثلاث أو رباع وقيل أيضا فيه أن الواو ~~على حقيقتها ولكنه على وجه البدل كأنه قال وثلاث بدلا من مثنى ورباع بدلا ~~من ثلاث لا على الجمع بين الأعداد ومن قال هذا قال أنه لو قيل بأو لجاز أن ~~لا يكون الثلاث لصاحب المثنى ولا الرباع لصاحب الثلاث فأفاد ذكر الواو ~~إباحة الأربع لكل أحد ممن دخل في الخطاب وأيضا فإن المثنى داخل في الثلاث ~~والثلاث في الرباع إذ لم يثبت أن كل واحد من الأعداد مراد مع الأعداد الأخر ~~عن وجه الجمع فتكون تسعا وهذا كقوله تعالى قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من ~~فوقها PageV02P346 إلى قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ms0960 والمعنى في ~~أربعة أيام باليومين المذكورين بديا ثم قال فقضاهن سبع سموات في يومين ~~ولولا أن ذلك كذلك لصارت الأيام كلها ثمانية وقد علم أن ذلك ليس كذلك لقوله ~~تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام فكذلك المثنى داخل في الثلاث والثلاث ~~في الرباع فجميع ما أباحته الآية من العدد أربع لا زيادة عليها وهذا العدد ~~إنما هو للأحرار دون العبيد في قول أصحابنا والثوري والليث والشافعي وقال ~~مالك للعبد أن يتزوج أربعا والدليل على أن الآية في الأحرار دون العبيد ~~قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم إنما هو مختص بالأحرار لأن العبد لا يملك ~~عقد النكاح لاتفاق الفقهاء أنه لا يجوز له أن يتزوج إلا بإذن المولى وأن ~~المولى أملك بالعقد عليه منه بنفسه لأن المولى لو زوجه وهو كاره لجاز عليه ~~ولو تزوج هو بغير إذن المولى لم يجز نكاحه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر وقال الله تعالى ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء فلما كان العبد لا يملك عقد النكاح لم يكن من أهل ~~الخطاب بالآية فوجب أن تكون الآية في الأحرار وأيضا لا يختلفون أن للرق ~~تأثيرا في نقصان حقوق النكاح المقدرة كالطلاق والعدة فلما كان العدد من ~~حقوق النكاح وجب أن يكون للعبد النصف مما للحر وقد روي عن ستة من الصحابة ~~أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ولا يروى عن أحد من نظرائهم خلافه فيما نعلمه ~~وقد روى سليمان بن يسار عن عبدالله بن عتبة قال قال عمر بن الخطاب ينكح ~~العبد اثنتين ويطلق اثنتين وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهر ونصف وروى ~~الحسن وابن سيرين عن عمر وعبدالرحمن بن عوف أن العبد لا يحل له أكثر من ~~امرأتين وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال لا يجوز للعبد أن ينكح فوق ~~اثنتين وروى حماد عن إبراهيم أن عمر وعبدالله قالا لا ينكح العبد أكثر من ~~اثنتين وشعبة عن ms0961 الحكم عن الفضل بن العباس قال يتزوج العبد اثنتين وابن ~~سيرين قال قال عمر أيكم يعلم ما يحل للعبد من النساء فقال رجل من الأنصار ~~أنا فقال عمر كم قال اثنتين فسكت ومن يشاوره عمر ويرضى بقوله فالظاهر أنه ~~صحابي وروى ليث عن الحكم قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين فقد ثبت بإجماع أئمة الصحابة ما ~~ذكرناه ولا نعلم أحدا من نظرائهم قال أنه يتزوج أربعا فمن خالف ذلك كان ~~محجوجا بإجماع الصحابة وقد روي نحو قولنا PageV02P347 عن الحسن وإبراهيم ~~وابن سيرين وعطاء والشعبي فإن قيل روى يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن أبي ~~الدرداء قال يتزوج العبد أربعا وهو قول مجاهد والقاسم وسالم وربيعة الرأي ~~قيل له إسناد حديث أبي الدرداء فيه رجل مجهول وهو أبو وهب ولوثبت لم يجز ~~الإعتراض به على قول الأئمة الذين ذكرنا أقاويلهم واستفاض ذلك عنهم وقد ذكر ~~الحكم وهو من جلة فقهاء التابعين إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين وأما قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة فإن معناه والله أعلم العدل في القسم بينهن لما قال تعالى في آية ~~أخرى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~والمراد ميل القلب والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف أن لا يفعل إظهار الميل ~~بالفعل فأمره الله تعالى بالإقتصار على الواحدة إذا خاف إظهار الميل والجور ~~ومجانبة العدل وقوله عطفا على ما تقدم من إباحة العدد المذكور بعقد النكاح ~~أو ما ملكت أيمانكم يقتضي حقيقته وظاهره إيجاب التخيير بين أربع حرائر ~~وأربع إماء بعقد النكاح فيوجب ذلك تخييره بين تزويج الحرة والأمة وذلك لأن ~~قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم كلام مستقل بنفسه بل هو مضمن بما قبله وفيه ~~ضمير لا يستغنى عنه وضميره ما تقدم ذكره مظهرا في الخطاب وغير جائز لنا ~~إضمار معنى لم يتقدم له ذكر ms0962 إلا بدلالة من غيره فلم يجز لنا أن نجعل الضمير ~~في قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم الوطء فيكون تقديره قد أبحت لك وطء ملك ~~اليمين لأنه ليس في الآية ذكر الوطء وإنما الذي في أول الآية ذكر العقد لأن ~~قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم لا خلاف أن المراد به العقد فوجب أن يكون ~~قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم ضميره أو فانكحوا ما ملكت أيمانكم وذلك ~~النكاح هو العقد فالضمير الراجع إليه أيضا هو العقد دون الوطء فإن قيل لما ~~صلح أن يكون النكاح اسما للوطء ثم عطف عليه قوله أو ما ملكت أيمانكم صار ~~كقوله فانكحوا ما ملكت أيمانكم فيكون معناه الوطء في هذا الموضع وإن كان ~~معناه العقد في أول الخطاب قيل له لا يجوز هذا لأنه إذا كان ضميره ما تقدم ~~ذكره بديا في أول الخطاب فوجب أن يكون بعينه ومعناه المراد به ضميرا فيه ~~فإذا كان النكاح المذكور هو العقد فكأنه قيل فاعقدوا عقدة النكاح فيما طاب ~~لكم فإذا أضمره في ملك اليمين كان الضمير هو العقد إذ لم يجز للوطء ذكر من ~~جهة المعنى ولا من طريق اللفظ PageV02P348 فامتنع من أجل ذلك إضمار الوطء ~~فيه وإن كان اسم النكاح قد يتناوله ومن جهة أخرى أنه لما لم يكن في الآية ~~ذكر النكاح إلا ما تقدم في أولها وثبت أن المراد به العقد لم يجز أن يكون ~~ضمير ذلك اللفظ بعينه وطء لامتناع أن يكون لفظ واحد مجازا حقيقة لأن أحد ~~المعنيين يتناوله اللفظ مجازا والآخر حقيقة ولا يجوز أن ينتظمهما لفظ واحد ~~فوجب أن يكون ضميره عقد النكاح المذكور بديا في الآية فإن قيل الذي يدل على ~~أن ضميره هو الوطء دون العقد إضافته لملك اليمين إلى المخاطبين ومعلوم ~~استحالة تزوجه بملك يمينه ويجوز له وطء ملك يمينه فعلمنا أن المراد الوطء ~~دون العقد قيل له لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة كان المراد نكاح ملك ~~يمين الغير كقوله تعالى ومن لم يستطع ms0963 منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات فأضاف عقد النكاح على ملك أيمانهم ~~إليهم والخطاب متوجه إلى كل واحد في إباحة تزويج ملك غيره كذلك قوله تعالى ~~أو ما ملكت أيمانكم محمول على هذا المعنى فليس إذا فيما ذكرت دليل على وجوب ~~إضمار لا ذكر له في الخطاب فوجب أن يكون ضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو عقد ~~النكاح وفيما وصفنا دليل على اقتضاء الآية التخيير بين تزوج الأمة والحرة ~~لمن يستطيع أن يتزوج حرة لأن التخيير لا يصح إلا فيما يمكنه فعل كل واحد ~~منهما على حاله فقد حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة ~~مع وجود الطول إلى الحرة أحدهما عموم قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء وذلك شامل للحرائر والإماء لوقوع اسم النساء عليهن والثاني قوله ~~تعالى أو ما ملكت أيمانكم وذلك يقتضي التخيير بينهن وبين الحرائر في ~~التزويج وقد قدمنا دلالة قوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة على ذلك في ~~سورة البقرة ويدل عليه أيضا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ~~بأموالكم وذلك عموم شامل للحرائر والإماء وغير جائز تخصيصه إلا بدلالة وأما ~~قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا 6 فإن ابن عباس والحسن ومجاهد وأبا رزين ~~والشعبي وأبا مالك وإسماعيل وعكرمة وقتادة قالوا يعني لا تميلوا عن الحق ~~وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك الغفاري ذلك أدنى ألا تعولوا أن لا ~~تميلوا وأنشد عكرمة شعرا لأبي طالب % بميزان صدق لا يخس شعيرة % ووزان قسط ~~وزنه غير عائل % PageV02P349 قال غير مائل قال أهل اللغة أصل العول ~~المجاوزة للحد فالعول في الفريضة مجاوزة حد السهام المسماة والعول الميل ~~الذي هو خلاف العدل لخروجه عن حد العدل وعال يعول إذا جار وعال يعيل إذا ~~تبختر وعال يعيل إذا افتقر حكى لنا ذلك أبو عمر غلام ثعلب وقال الشافعي في ~~قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا معناه أن لا يكثر من تعولون قال ms0964 وهذا يدل ~~على أن على الرجل نفقة امرأته وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها ~~أنه لا خلاف بين السلف وكل من روي عنه تفسير هذه الآية أن معناه أن لا ~~تميلوا وأن لا تجوروا وإن هذا الميل هو خلاف العدل الذي أمر الله به من ~~القسم بين النساء والثاني خطاؤه في اللغة لأن أهل اللغة لا يختلفون في أنه ~~لا يقال في كثرة العيال عال يعول ذكره المبرد وغيره من أئمة اللغة وقال أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى أن لا تعولوا قال أن لا تجوروا يقال علت على أي جرت ~~والثالث أن في الآية ذكر الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة ~~النساء ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين فعلمنا أنه لم ~~يرد كثرة العيال وأن المراد نفي الجور والميل بتزوج امرأة واحدة إذ ليس ~~معها من يلزمها القسم بينه وبينها لا قسم للإماء بملك اليمين والله أعلم # | باب هبة المرأة المهر لزوجها # قال الله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا روي عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى وأتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة قالا فريضة كأنهما ذهبا إلى نحلة الدين وإن ذلك فرض فيه وروي ~~عن أبي صالح في قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قال كان الرجل إذا ~~زوج موليته أخذ صداقها فنهوا عن ذلك فجعله خطابا للأولياء أن لا يحبسوا ~~عنهن المهور إذا قبضوها إلا أن معنى النحلة يرجع إلى ما ذكره قتادة في أنها ~~فريضة وهذا على معنى ما ذكره الله عقيب ذكر المواريث فريضة من الله قال بعض ~~أهل العلم إنما سمي المهر نحلة والنحلة في الأصل العطية والهبة في بعض ~~الوجوه لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح ~~كهو قبله ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج فإنما سمي ~~المهر نحلة لأنه لم يعتض من قبلها ms0965 عوضا يملكه فكان في معنى النحلة التي ليس ~~بإزائها بدل وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الإستباحة لا ~~الملك وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى PageV02P350 في قوله تعالى نحلة يعني ~~بطيبة أنفسكم يقول لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون ولكن آتوهم ذلك وأنفسكم ~~به طيبة وإن كان المهر لهن دونكم قال أبو بكر فجائز على هذا المعنى أن يكون ~~إنما سماه نحلة لأن النحلة هي العطية وليس يكاد يفعلها الناحل إلا متبرعا ~~بها طيبة بها نفسه فأمروا بإيتاء النساء مهورهن بطيبة من أنفسهم كالعطية ~~التي يفعلها المعطي بطيبة من نفسه ويحتج بقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة في إيجاب كمال المهر للمخلو بها لاقتضاء الظاهر له وأما قوله تعالى ~~فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فإنه يعني عن المهر لما ~~أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له لئلا يظن أن ~~عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه قال قتادة في هذه الآية ما طابت ~~به نفسها من غيره كره فهو حلال وقال علقمة لامرأته أطعميني من الهنيء ~~والمريء فتضمنت الآية معاني منها أن المهر لها وهي المستحقة له لا حق للولي ~~فيه ومنها أن على الزوج أن يعطيها بطيبة من نفسه ومنها جواز هبتها المهر ~~للزوج والإباحة للزوج في أخذه بقوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا ومنها تساوي ~~قال قبضها للمهر وترك قبضها في جواز هبتها للمهر لأن قوله تعالى فكلوه ~~هنيئا مريئا يدل على العنيين ويدل أيضا على جواز هبتها للمهر قبل القبض لأن ~~الله تعالى لم يفرق بينهما فإن قيل قوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا يدل على ~~أن المراد فيما تعين من المهر إما أن يكون عرضا بعينه فقبضته أو لم تقبضه ~~أودراهم قد قبضتها فإما دين في الذمة فلا دلالة في الآية على جواز هبتها له ~~إذ لا يقال لما في الذمة كله هنيئا مريئا قيل له ليس المراد في ذلك مقصورا ~~على ما يتأتى فيه الأكل دون مالا يتأتى ms0966 لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خاصا ~~في المهر إذا كان شيئا مأكولا وقد عقل من مفهوم الخطاب أنه غير مقصور على ~~المأكول منه دون غيره لأن قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة عام في ~~المهور كلها سواء كانت من جنس المأكول أو من غيره وقوله تعالى فكلوه هنيئا ~~مريئا شامل لجميع الصدقات المأمور بإيتائها فدل أنه لا اعتبار بلفظ الأكل ~~في ذلك وإن المقصد فيه جواز استباحته بطيبة من نفسها وقال الله تعالى إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وهو عموم النهي عن سائر وجوه التصرف في مال اليتيم من الديون ~~والأعيان المأكول وغير المأكول وشامل للنهي في أخذ أموال الناس إلا على وجه ~~PageV02P351 التجارة عن تراض وليس المأكول بأولى بمعنى الآية من غيره وإنما ~~خص الأكل بالذكر لأنه معظم ما يبتغى له الأموال إذ به قوام بدن الإنسان وفي ~~ذكره للأكل دلالة على ما دونه وهذا كقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فخص البيع بالذكر وإن كان ما عداه ~~من سائر ما يشغله عن الصلاة بمثابته في النهي لأن الاشتغال بالبيع من أعظم ~~أمورهم في السعي في طلب معايشهم فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه وأنه أولى ~~بالنهي إذ قد نهاهم عما هم إليه أحوج والحاجة إليه أشد وكما قال تعالى حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فخص اللحم بذكر التحريم وسائر أجزائه مثله ~~دونه لأنه معظم ما يراد منه وينتفع به فكان في تحريمه أعظم منافعه دلالة ~~على ما دونه فكذلك قوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا قد اقتضى جواز هبتها للمهر ~~من أي جنس كان عينا أو دينا قبضته أو لم تقبضه ومن جهة أخرى أنه إذا جازت ~~هبتها للمهر إذا كان مقبوضا معينا فكذلك حكمه إذا كان دينا لأنه قد ثبت ~~جواز تصرفها في مالها فلا يختلف حكم العين والدين فيه ولأن أحدا لم يفرق ~~بينهما وقد دلت هذه ms0967 الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت هبة ~~المرأة للمهر وهو دين ويدل أيضا على أن من وهب لإنسان دينا له عليه أن ~~البراءة قد وقعت بنفس الهبة لأن الله تعالى قد حكم بصحته وأسقطه عن ذمته ~~ويدل على أن من وهب لإنسان مالا فقبضه وتصرف فيه أنه جائز له ذلك وإن لم ~~يقل بلسانه قد قبلت لأن الله تعالى قد أباح له أكل ما وهبته من غير شرط ~~القبول بل يكون التصرف فيه بحضرته حين وهبه قبولا ويدل على أنها لو قالت قد ~~طبت لك نفسا عن مهري وأرادت الهبة والبراءة أن ذلك جائز لقوله تعالى فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقد اختلف الفقهاء في هبة ~~المرأة مهرها لزوجها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد ~~والشافعي إذا بلغت المرأة واجتمع لها عقلها جاز لها التصرف في مالها بالهبة ~~أو غيرها بكرا كانت أو ثيبا وقال مالك لا يجوز أمر البكر في مالها ولا ما ~~وضعت عن زوجها من الصداق وإنما ذلك إلى أبيها في العفو عن زوجها ولا يجوز ~~لغير الأب من أوليائها ذلك قال وبيع المرأة ذات الزوج دارها وخادمها جائز ~~وإن كره الزوج إذا أصابت وجه البيع فإن كانت محاباة كان من ثلث مالها وإن ~~تصدقت أو وهبت أكثر من الثلث لم يجز من ذلك قليل ولا كثير قال مالك والمرأة ~~الأيم PageV02P352 إذا لم يكن لها زوج في مالها كالرجل في ماله سواء وقال ~~الأوزاعي لا تجوز عطية المرأة حتى تلد وتكون في بيت زوجها سنة وقال الليث ~~لا يجوز عتق المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد ~~لها منه لصلة رحم أو غيره ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى قال أبو بكر ~~الآية قاضية بفساد هذه الأقوال شاهدة بصحة قول أصحابنا الذي قدمنا لقوله عز ~~وجل فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ولم يفرق فيه ms0968 بين البكر ~~والثيب ولا بين من أقامت في بيت زوجها سنة أو لم تقم وغير جائز الفرق بين ~~البكر والثيب في ذلك إلا بدلالة تدل على خصوص حكم الآية في الثيب دون البكر ~~وأجاز مالك هبة الأب والله تعالى أمرنا بإعطائها جميع الصداق إلا أن تهب هي ~~شيئا منه له فالآية قاضية ببطلان هبة الأب لأنه مأمور بإيتاء جميع الصداق ~~إلا أن تطيب نفسها بتركه ولم يشرط الله تعالى طيبة نفس الأب فمنع ما أباحه ~~الله له بطيبة نفسها من مهرها وأجاز ما حظره الله تعالى من منع شيء من ~~مهرها إلا بطيبة نفسها بهبة الأب وهذا الإعتراض على الآية من وجهين بغير ~~دلالة أحدهما منعها الهبة مع اقتضاء ظاهر الآية لجوازها والثاني جواز هبة ~~الأب مع أمر الله الزوج بإعطائها الجميع إلا أن تطيب نفسا بتركه ويدل على ~~ذلك قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به فمنع أن يأخذ منها شيئا مما أعطاها إلا برضاها بالفدية فقد شرط رضا ~~المرأة ولم يفرق مع ذلك بين البكر والثيب ويدل عليه حديث زينب امرأة ~~عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء تصدقن ولو من ~~حليكن وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ~~ثم خطب ثم أتى النساء فأمرهن أن يتصدقن ولم يفرق في شيء منه بين البكر ~~والثيب ولأن هذا حجر ولا يصح الحجر على من هذه صفته والله أعلم # | باب دفع المال إلى السفهاء # قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما قال ~~أبو بكر قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس لا يقسم ~~الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد إذ هم عيال له والمرأة من ~~أسفه السفهاء فتأول ابن عباس الآية PageV02P353 على ظاهرها ومقتضى حقيقتها ~~لأن ms0969 قوله تعالى أموالكم يقتضي خطاب كل واحد منهم بالنهي عن دفع ماله إلى ~~السفهاء لما في ذلك من تضييعه لعجز هؤلاء عن القيام بحفظه وتثميره وهو يعني ~~به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ المال ويدل ذلك أيضا على أنه لا ~~ينبغي له أن يوكل في حياته بمال ويجعله في يد من هذه صفته وأن لا يوصي به ~~إلى أمثالهم ويدل أيضا على ورثته إذا كانوا صغارا أنه لا ينبغي أن يوصي ~~بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم وفيه الدلالة على النهي عن تضييع ~~المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به لقوله تعالى التي جعل الله لكم قياما ~~فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال فمن رزقه الله منه شيئا فعليه إخراج حق ~~الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه وفي ذلك ترغيب من الله تعالى ~~لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير وقد ذكر الله تعالى ذلك في مواضع من ~~كتابه العزيز منه قوله تعالى ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين وقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا وقوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وما أمر الله به من حفظ الأموال وتحصين الديون بالشهادات والكتاب والرهن ~~على ما بينا فيما سلف وقد قيل في قوله تعالى التي جعل الله لكم قياما يعني ~~أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من يضيعها والوجه الثاني من ~~التأويل ما روى سعيد بن جبير أنه أراد لا تؤتوا السفهاء أموالهم وإنما ~~أضافها إليهم كما قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم يعني لا يقتل بعضكم ~~بعضا وقوله تعالى فاقتلوا أنفسكم وقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم يريد من يكون فيها وعلى هذا التأويل يكون السفهاء محجورا عليهم ~~فيكونون ممنوعين من أموالهم إلى أن يزول السفه وقد اختلف في معنى السفهاء ~~ههنا فقال ابن عباس السفيه من ولدك وعيالك وقال المرأة من أسفه السفهاء ~~وقال سعيد بن جبير والحسن ms0970 والسدي والضحاك وقتادة النساء والصبيان وقال بعض ~~أهل العلم كل من يستحق صفة سفيه في المال من محجور عليه وغيره وروى الشعبي ~~عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل ~~كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله ~~تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ورجل داين رجلا فلم يشهد عليه وروي عن ~~مجاهد أن السفهاء النساء وقيل إن أصل السفه PageV02P354 خفة الحلم ولذلك ~~سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ويسمى الناقص العقل ~~سفيها لخفة عقله وليس السفه في هؤلاء صفة ذم ولا يفيد معنى العصيان لله ~~تعالى وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تميزهم عن القيام بحفظ المال ~~فإن قيل لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال وقد أراد بشير أن ~~يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا لأنه لم يعط ~~سائر بنيه مثله فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء السفهاء أموالنا قيل له ~~ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال وإنما المعنى فيه أن نجعل الأموال في ~~أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها وجائز للإنسان أن يهب الصغير والمرأة كما ~~يهب الكبير العاقل ولكنه يقبضه له من يلي عليه ويحفظ ماله ولا يضيعه وإنما ~~منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في أيدي الصغار والنساء اللاتي لا ~~يكملن بحفظها وتدبيرها وقوله عز وجل وارزقوهم فيها واكسوهم يعني وارزقوهم ~~من هذه الأموال لأن في ههنا بمعنى من إذ كانت حروف الصفات تتعاقب فيقام ~~بعضها مقام بعض كما قال تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم وهو بمعنى مع ~~فنهانا الله عن دفع الأموال إلى السفهاء الذين لا يقومون بحفظها وأمرنا بأن ~~نرزقهم منها ونكسوهم فإن قيل كان مراد الآية النهي عن إعطائهم مالنا على ما ~~اقتضى ظاهرها ففي ذلك دليل على وجوب نفقة الأولاد السفهاء والزوجات لأمره ~~إيانا بالإنقاق عليهم من أموالنا وإن كان تأويلها ما ذهب إليه ms0971 القائلون بأن ~~مرادها أن لا نعطيهم أموالهم وهم سفهاء فإنما فيه الأمر بالإنفاق عليهم من ~~أموالهم وهذا يدل على الحجر من وجهين أحدهما منعهم من أموالهم والثاني ~~إجازته تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم وشرى أقواتهم وكسوتهم وقوله تعالى ~~وقولوا لهم قولا معروفا قال مجاهد وابن جريج قولا معروفا عدة جميلة بالبر ~~والصلة على الوجه الذي يجوز ويحسن ويحتمل أن يريد به إجمال المخاطبة لهم ~~وإلانة القول فيما يخاطبون به كقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وكقوله ~~وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا وقد قيل ~~إنه جائز أن يكون القول المعروف ههنا التأديب والتنبيه على الرشد والصلاح ~~والهداية للأخلاق الحسنة ويحتمل أن يريد به إذا أعطيتموهم الرزق والكسوة من ~~أموالكم أن تجعلوا لهم القول ولا تؤذوهم بالتذمر عليهم والاستخفاف بهم كما ~~قال تعالى وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا PageV02P355 معروفا يعني والله أعلم إجمال اللفظ وترك ~~التذمر والامتنان وكما قال تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وجائز أن ~~تكون هذه المعاني كلها مرادة بقوله تعالى وقولوا لهم قولا معروفا والله ~~أعلم # | باب دفع المال إلى اليتيم # قال الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي يعني اختبروهم ~~في عقولهم ودينهم قال أبو بكر أمرنا باختبارهم قبل البلوغ لأنه قال وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأمر بابتلائهم في حال كونهم يتامى ثم قال ~~حتى إذا بلغوا النكاح فأخبر أن بلوغ النكاح بعد الإبتلاء لأن حتى غاية ~~مذكورة بعد الإبتلاء فدلت الآية من وجهين على أن هذا الإبتلاء قبل البلوغ ~~وفي ذلك دليل على جواز الإذن للصغير الذي يعقل في التجارة لأن ابتلاءه لا ~~يكون إلا باستبراء حاله في العلم بالتصرف وحفظ المال ومتى أمر بذلك كان ~~مأذونا في التجارة وقد اختلف الفقهاء في إذن الصبي في التجارة فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد ms0972 والحسن بن صالح جائز للأب أن ~~يأذن لابنه الصغير في التجارة إذا كان يعقل الشرى والبيع وكذلك وصي الأب أو ~~الجد إذا لم يكن وصي أب ويكون بمنزلة العبد المأذون له وقال ابن القاسم عن ~~مالك لا أرى إذن الأب والوصي للصبي في التجارة جائزا وإن لحقه في ذلك دين ~~لم يلزم الصبي منه شيء وقال الربيع عن الشافعي في كتابه في الإقرار وما أقر ~~به الصبي من حق الله تعالى أو الآدمي أو حق في مال أو غيره فإقراره ساقط ~~عنه سواء كان الصبي مأذونا له في التجارة أذن له أبوه أو وليه من كان أو ~~حاكم ولا يجوز للحاكم أن يأذن له فإن فعل فإقراره ساقط عنه وكذلك شراؤه ~~وبيعه مفسوخ قال أبو بكر ظاهر الآية يدل على جواز الإذن له في التجارة ~~لقوله تعالى وابتلوا اليتامى والإبتلاء هو اختبارهم في عقولهم ومذاهبهم ~~وحرمهم فيما يتصرفون فيه فهو عام في سائر هذه الوجوه وليس لأحد أن يقتصر ~~بالإختبار على وجه دون وجه فيما يحتمله اللفظ والإختبار في استبراء حاله في ~~المعرفة بالبيع والشرى وضبط أموره وحظ ماله ولا يكون إلا بإذن له في ~~التجارة ومن قصر الإبتلاء على اختبار عقله بالكلام دون التصرف في التجارة ~~وحفظ المال فقد خص عموم اللفظ بغير دلالة فإن قيل PageV02P356 الذي يدل على ~~أنه لم يرد الإذن له في التصرف في حال الصغر قوله تعالى في نسق التلاوة فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وإنما أمر بدفع المال إليهم بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد ولو جاز الإذن له في التجارة في صغره لجاز دفع المال ~~إليه في حال الصغر والله تعالى إنما أمر بدفع المال إليه بعد البلوغ وإيناس ~~الرشد قيل له ليس الإذن له في التجارة من دفع المال إليه في شيء لأن الإذن ~~هو أن يأمره بالبيع والشرى وذلك ممكن بغير مال في يده كما يأذن للعبد في ~~التجارة من غير مال يدفعه إليه فنقول إن الآية اقتضت الأمر بابتلائه ومن ms0973 ~~الإبتلاء الإذن له في التجارة وإن لم يدفع إليه مالا ثم إذا بلغ وقد أونس ~~منه رشده دفع المال إليه ولو كان الإبتلاء لا يقتضي اختباره بالإذن له في ~~التصرف في الشرى والبيع وإنما هو اختبار عقله من غير استبراء حاله في ضبطه ~~وعلمه بالتصرف لما كان للإبتلاء وجه قبل البلوغ فلما أمر بذلك قبل البلوغ ~~علمنا أن المراد اختبار أمره بالتصرف ولأن اختبار صحة عقله لا ينبئ عن ضبطه ~~لأموره وحفظه لماله وعلمه بالبيع والشرى ومعلوم أن الله تعالى أمر ~~بالإحتياط له في استبراء أمره في حفظ المال والعلم بالتصرف فوجب أن يكون ~~الإبتلاء المأمور به قبل البلوغ مأمورا بذلك لا لاختبار صحة عقله فحسب ~~وأيضا فإن لم يجز الإذن له في التجارة قبل البلوغ لأنه محجور عليه ~~فالإبتلاء إذا ساقط من هذا الوجه فلا يخلو بعد البلوغ متى أردنا التوصل إلى ~~إيناس رشده من أن نختبره بالإذن له في التجارة أو لا نختبره بذلك فإن وجب ~~اختباره فقد أجزت له التصرف وهو عندك محجور عليه بعد البلوغ إلى إيناس ~~الرشد فإن جاز الإذن له في التجارة وهو محجور عليه بعد البلوغ فقد أخرجته ~~من الحجر وإن لم يخرج من الحجر وهو ممنوع من ماله بعد البلوغ وهو مأذون له ~~فهلا أذنت له قبل البلوغ في التجارة لاستبراء حاله كما يستبرأ بها بالإذن ~~بعد البلوغ مع بقاء الحجر إلى إيناس الرشد وإن لم يستبرأ حاله بعد البلوغ ~~بالإذن فكيف يعلم إيناس الرشد منه فقول المخالف لا يخلو من ترك الإبتلاء أو ~~دفع المال قبل إيناس الرشد ويدل على جواز الإذن للصغير في التجارة ما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن أبي سلمة وهو صغير بتزويج أم سلمة ~~إياه وروى عبدالله بن شداد أنه أمر سلمة بن أبي سلمة بذلك وهو صغير وفي ذلك ~~دليل على جواز الإذن له في التصرف الذي يملكه عليه غيره من بيع أو شرى ألا ~~ترى أنه يقتضي جواز توكيل PageV02P357 الأب ms0974 إياه بشرى عبد للصغير أو بيع ~~عبد له هذا هو معنى الإذن له في التجارة وأما تأويل من تأول قوله تعالى ~~وابتلوا اليتامى على اختبارهم في عقولهم ودينهم فإن اعتبار الدين في دفع ~~المال غير واجب باتفاق الفقهاء لأنه لو كان رجلا فاسقا ضابطا لأموره عالما ~~بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله لأجل فسقه فعلمنا أن اعتبار ~~الدين في ذلك غير واجب وإن كان رجلا ذا دين وصلاح إلا أنه غير ضابط لماله ~~بغبن في تصرفه كان ممنوعا من ماله عند القائلين بالحجر لقلة الضبط وضعف ~~العقل فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك لا معنى له وأما قوله تعالى حتى إذا ~~بلغوا النكاح فإن ابن عباس ومجاهد والسدي قالوا هو الحلم وهو بلوغ حال ~~النكاح من الإحتلام وأما قوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فإن ابن عباس قال ~~فإن علمتم منهم ذلك وقيل أن أصل الإيناس هو الإحساس حكي عن الخليل وقال ~~الله تعالى إني آنست نارا يعني أحسستها وأبصرتها وقد اختلف في معنى الرشد ~~ههنا فقال ابن عباس والسدي الصلاح في العقل وحفظ المال وقال الحسن وقتادة ~~الصلاح في العقل والدين وقال إبراهيم النخعي ومجاهد العقل وروى سماك عن ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا قال إذا أدرك بحلم ~~وعقل ووقار قال أبوبكر إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأوله ~~عليه ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منكورا ولم يشرط سائر ضروب الرشد اقتضى ~~ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا ~~من الحجر عليه فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل ~~البالغ وهو مذهب إبراهيم ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة وقد بينا هذه المسألة ~~في سورة البقرة وقوله تعالى فادفعوا إليهم أموالهم يقتضي وجوب دفع المال ~~إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد على ما بينا وهو نظير قوله تعالى وآتوا ~~اليتامى أموالهم وهذه الشريطة معتبرة فيها أيضا ms0975 وتقديره وآتوا اليتامى ~~أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا وأما قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا فإن السرف مجاوزة حد المباح إلى المحظور فتارة يكون السرف ~~في التقصير وتارة في الإفراط لمجاوزة حد الجائز في الحالين وقوله تعالى ~~وبدارا قال ابن عباس وقتادة والحسن والسدي مبادرة والمبادرة الإسراع في ~~الشيء فتقديره النهي عن أكل أموالهم مبادرة أن يكبروا فيطالبوا بأموالهم ~~وفيها دلالة على أنه إذا صار في PageV02P358 حد الكبر استحق المال إذا كان ~~عاقلا من غير شرط إيناس الرشد لأنه إنما شرط إيناس الرشد بعد البلوغ وأفاد ~~بقوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا أنه لا يجوز له إمساك ~~ماله بعد ما يصير في حد الكبر ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر ههنا معنى إذ ~~كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده فهذا يدل على أنه إذا ~~صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا ~~وعشرين سنة لأن مثله يكون جدا ومحال أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبر ~~والله أعلم # | باب أكل ولي اليتيم من ماله # قال الله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال ~~أبو بكر قد اختلف السلف في تأويله فروى معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد ~~قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إن في حجري أيتاما لهم أموال وهو يستأذنه أن ~~يصيب منها فقال ابن عباس ألست تهنأ جرباءها قال بلى قال ألست تبغى ضالتها ~~قال بلى قال ألست تلوط حياضها قال بلى قال ألست تفرط عليها يوم ورودها قال ~~بلى قال فاشرب من لبنها غير ناهك في الحلب ولا مضر بنسل وروى الشيباني عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم ولا يكتسي عمامة ~~فشرط في الحديث الأول عمله في مال اليتيم في إباحة الأكل ولم يشرط في حديث ~~عكرمة وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال حدثني ms0976 أبو الخير مرثد بن ~~عبدالله اليزني أنه سأل أناسا من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~فقالوا فينا نزلت أن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم ~~وقد طعن في هذا الحديث من جهة سنده ويفسد أيضا من جهة أنه لو أبيح لهم ~~الأكل لأجل عملهم لما اختلف فيه الغني والفقير فعلمنا أن هذا التأويل ساقط ~~وأيضا في حديث ابن عباس إباحة الأكل دون أن يكتسي منه عمامة ولو كان ذلك ~~مستحقا لعمله لما اختلف فيه حكم المأكول والملبوس فهذا أحد الوجوه التي ~~تأولت عليه الآية وهو أن يقتصر على الأكل فحسب إذا عمل لليتيم وقال آخرون ~~يأخذه فرضا ثم يقضيه وروى شريك عن ابن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال ~~إني أنزلت مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت ~~أكلت بالمعروف وقضيت وروي عن عبيدة السلماني وسعيد بن PageV02P359 جبير ~~وأبي العالية وأبي وائل ومجاهد مثل ذلك وهو أن يأخذ قرضا ثم يقضيه إذا وجد ~~وقول ثالث قال الحسن وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح ومكحول أنه يأخذ منه ما ~~يسد الجوعة ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد وقول رابع وهو ما روي عن الشعبي ~~أنه بمنزلة الميتة يتناوله عند الضرورة فإذا أيسر قضاه وإذا لم يوسر فهو في ~~حل وقول خامس وهو ما روى مقسم عن ابن عباس فليستعفف قال بغناه ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف قال فلينفق على نفسه من ماله حتى لا يصيب من مال ~~اليتيم شيئا حدثنا عبدالباقي بن قانع حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا منجاب بن الحارث قال حدثنا أبو عامر الأسدي قالا حدثنا سفيان عن ~~الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعنى ذلك وقد روى عكرمة عنه أنه يقضي ~~وروي عن ابن عباس أنه منسوخ وقال مجاهد في رواية أخرى فليأكل بالمعروف من ~~مال ms0977 نفسه ولا رخصة له في مال اليتيم وهو قول الحكم قال أبو بكر فحصل ~~الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه وروي عن ابن عباس أربع روايات على ما ~~ذكرنا أحدها أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من لبنها والثانية أنه يقضي ~~والثالثة لا ينفق من مال اليتيم شيئا ولكنه يقوت على نفسه من ماله حتى لا ~~يحتاج إلى مال اليتيم والرابعة أنه منسوخ والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه ~~لا يأخذه قرضا ولا غيره غنيا كان أو فقيرا ولا يقرضه غيره أيضا وقد روى ~~إسماعيل بن سالم عن محمد قال أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم ~~قرضا ولا غيره وهو قول أبي حنيفة وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ ~~قرضا إذا احتاج ثم يقضيه كما روي عن عمر ومن تابعه وروى بشر بن الوليد عن ~~أبي يوسف أنه لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيما فإن خرج لتقاضي دين لهم ~~أو إلى ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ويركب فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى ~~اليتيم قال وقال أبو يوسف وقوله تعالى فليأكل بالمعروف يجوز أن يكون منسوخا ~~بقوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم قال أبو بكر جعل أبو يوسف الوصي في هذه الحال كالمضارب في جواز النفقة ~~من ماله في السفر وقال ابن عبدالحكم عن مالك ومن كان له يتيم فخلط نفقته ~~بماله فإن كان الذي يصيب اليتيم أكثر مما يصيب وليه من نفقته فلا بأس وإن ~~كان الفضل لليتيم فلا يخلطه ولم يفرق بين الغني والفقير وقال المعافى عن ~~الثوري يجوز لولي اليتيم أن يأكل طعام اليتيم ويكافئه عليه وهذا ~~PageV02P360 يدل على أنه إذا كان يجيز له أن يستقرض من ماله وقال الثوري لا ~~يعجبني أن ينتفع من ماله بشيء وإن لم يكن على اليتيم فيه ضرر نحو اللوح ~~يكتب فيه وقال الحسن بن حي يستقرض الوصي من مال اليتيم إذا احتاج ms0978 إليه ثم ~~يقضيه ويأكل الوصي من مال اليتيم بقدر عمله فيه إذا لم يضر بالصبي قال الله ~~تعالى وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وقال تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم ولا تأكلوا إسرافا وبدارا أن يكبروا وقال تعالى ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وقال تعالى إن الذين يأكلون ~~أموال ا ليتامى ظلما وقال تعالى وأن تقوموا لليتامى بالقسط وقال تعالى ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وهذه الآي ~~محكمة حاظرة لمال اليتيم على وليه في حال الغنى والفقر وقوله تعالى ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف متشابه محتمل للوجوه التي ذكرنا فأولى الأشياء بها ~~حملها على موافقة الآي المحكمة وهو من يأكل من مال نفسه بالمعروف لئلا ~~يحتاج إلى مال اليتيم لأن الله تعالى قد أمرنا برد المتشابه إلى المحكم ~~ونهانا عن اتباع المتشابه من غير رد له إلى المحكم قال الله تعالى منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتأويل من تأوله على جواز أخذ مال ~~اليتيم قرضا أو غير قرض مخالف لمعنى المحكم ومن تأوله على غير ذلك فقد رده ~~إلى المحكم وحمله على معناه فهو أولى وقد روي أن قوله تعالى فليأكل ~~بالمعروف منسوخ رواه الحسن بن أبي لحسن بن عطية عن عطية أبيه عن ابن عباس ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف نسختها الآية التي تليها إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما وروى عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس مثله وروى عيسى ~~بن عبيد الكندي عن عبيدالله بن عمر بن مسلم عن الضحاك بن مزاحم في قوله ~~تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف منسوخ بقوله تعالى إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما فإن قيل روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل ~~النبي صلى ms0979 الله عليه وسلم فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك ~~غير مسرف ولا متأثل مالك بماله وروى عمرو بن دينار عن الحسن العوفي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يأكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف غير متأثل ~~منه مالا قيل له غير جائز الإعتراض PageV02P361 بهذين الخبرين على ما ذكرنا ~~من الآي المقتضية لحظر مال اليتيم فإن صح ذلك فهو محمول على الوجه الذي ~~يجوز وهو أن يعمل في مال اليتيم مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه وهذا جائز ~~عندنا وقد روي عن جماعة من السلف نحو ذلك فإن قيل فإذا جاز أن يأخذ ربح مال ~~اليتيم إذا عمل به مضاربة فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه كما روي ~~عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه أنه إذا كان يهنأ جرباء الإبل ويبغي ~~ضالتها ويلوط حياضها جاز له أن يشرب من لبنها غير مضر بنسل ولا ناهك حلبا ~~وكما روي عن الحسن أن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم ~~قيل له لأنه لا يخلو الوصي إذا أعان في الإبل وعمل في النخل من أحد وجهين ~~إما أن يأخذه على وجه الأجرة لعمله أو على غير الأجرة والعوض من العمل فإن ~~كان يأخذه على وجه الأجرة فذلك يفسد من أربعة أوجه أحدها أن الذين أباحوا ~~ذلك له إنما أباحوه في حال الفقر إذ لا خلاف أن الغني لا يجوز له أخذه وهو ~~نص الكتاب في قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف واستحقاق الأجرة لا يختلف ~~فيه الغني والفقير فبطل أن يكون أجرة من هذا الوجه والوجه الثاني أن الوصي ~~لا يجوز له أن يستأجر نفسه لليتيم والوجه الثالث أن الذين اباحوا ذلك لم ~~يشرطوا له شيئا معلوما والإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة والوجه الرابع أن ~~من أباح ذلك له لم يجعله أجرة فبطل أن يكون ذلك أجرة وليس هو بمنزلة ربح ~~المضاربة إذا عمل به الوصي لأن الربح ms0980 الذي يستحقه من المال لم يكن قط مالا ~~لليتيم ألا ترى أن ما يشرطه رب المال للمضارب من الربح لم يكن قط ملكا لرب ~~المال ولو كان ملكا لرب المال مشروطا للمضارب بدلا من عمله لوجب أن يكون ~~مضمونا عليه كالأجرة التي هي مستحقة من مال المستأجر بدلا من عمل الأجير هي ~~مضمونة على المستأجر فلما لم يكن الربح المشروط للمضارب مضمونا على رب ~~المال ثبت أنه لم يكن قط ملكا لرب المال وأنه إنما حدث على ملك المضارب ~~ويدل على ذلك أن مريضا لو دفع مالا مضاربة وشرط للمضارب تسعة أعشار الربح ~~وهو أكثر من ربح مثله أن ذلك جائز ولم يحتسب بالمشروط للمضارب من ذلك من ~~مال المريض إن مات من مرضه وإن ذلك ليس بمنزلة ما لو استأجره بأكثر من أجرة ~~مثله فيكون ذلك من الثلث فليس إذا في أخذه ربح المضاربة أخذ شيء من مال ~~اليتيم فإن قيل هلا كان الوصي في ذلك كسائر العمال والقضاة الذين يعملون ~~ويأخذون أرزاقهم لأجل عملهم PageV02P362 للمسلمين فكذلك الوصي إذا عمل ~~لليتيم جاز له أخذ رزقه بقدر عمله قيل له لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا ~~يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم لأجل عمله إذا كان غنيا وقد حظر ذلك عليه نص ~~التنزيل في قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ولا خلاف مع ذلك أن القضاة ~~والعمال جائز لهم أخذ أرزاقهم مع الغني ولو كان ما أخذه ولي اليتيم من ماله ~~يجري مجرى رزق القضاة والعمال جاز له أن يأخذه في حال الغنى فدل ذلك على أن ~~ولي اليتيم لا يستحق رزقا من ماله ولا خلاف أيضا أن القاضي لا يجوز له أن ~~يأخذ من مال اليتيم شيئا وإليه القيام بأمر الأيتام فثبت بذلك أن سائر ~~الناس ممن لهم الولاية على الأيتام لا يجوز لهم أخذ شيء من أموالهم لا قرضا ~~ولا غيره كما لا يأخذه القاضي فقيرا كان أو غنيا فإن قيل فما الفرق بين رزق ~~القاضي ms0981 والعامل وبين أخذ ولي اليتيم من ماله مقدار الكفاية وبين أخذ الأجرة ~~قيل له إن الرزق ليس بأجرة لشيء وإنما هو شيء جعله الله له ولكل من قام ~~بشيء من أمور المسلمين ألا ترى أن الفقهاء لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا شيئا ~~يجوز أخذ الأجرة عليه لأن اشتغالهم بالفتيا وتفقيه الناس فرض ولا جائز لأحد ~~أخذ الأجرة على الفروض والمقاتلة وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة وكذلك ~~الخلفاء وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس والفيء وسهم من ~~الغنيمة إذا حضر القتال وغير جائز لأحد أن يقول أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد كان يأخذ الأجر على شيء مما يقوم به من أمور الدين وكيف يجوز ذلك ~~مع قول الله تعالى قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين و قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فثبت بذلك أن الرزق ليس بأجرة ويدلك ~~على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين والأيتام في بيت المال الحقوق ولا ~~يأخذونها بدلا من شيء فأخذ الأجرة للقاضي ولمن قام بشيء من أمور الدين غير ~~جائز وقد منع القاضي أن يقبل الهدية وسئل عبدالله بن مسعود عن قوله تعالى ~~أكالون للسحت أهو الرشا قال لا ذاك كفر إنما هو هدايا العمال وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال هدايا الأمراء غلول فالقاضي ممنوع من أخذ ~~الأجرة على شيء من أمر القضاء ومحظور عليه قبول الهدايا وتأولها السلف على ~~أنها السحت المذكور في كتاب الله تعالى وولي اليتيم لا يخلو فيما يأخذه من ~~مال اليتيم من أن يأخذه أجرة أو على سبيل رزق القاضي والعامل ومعلوم أن ~~الأجرة إنما تكون على عمل معلوم ومدة معلومة PageV02P363 وأجر معلوم وينبغي ~~أن يتقدم له عقد إجارة ويستوي فيها الغني والفقير ومن يجيز له أخذ شيء من ~~مال اليتيم على وجه القرض أو على جهة غير القرض فإنه لا يجعله أجرة لما ~~ذكرنا ولاختلاف حكم الغني والفقير عندهم فيه فثبت ms0982 أنه ليس بأجرة ولا يجوز ~~له أن يأخذه على حسب ما يأخذه القضاة من الأرزاق لاستواء حال الغني والفقير ~~من القضاة فيما يأخذونه من الأرزاق واختلاف الغني والفقير عند مجيزي أخذ ~~ذلك من مال اليتيم ولأن الرزق إنما يجب في بيت مال المسلمين لا في مال أحد ~~بعينه من الناس فالمشبه لولي اليتيم فيما يجيز له أخذ شيء من ماله بالقاضي ~~والأجير فيما يأخذانه مغفل للواجب عليه ويدل على أن ولي اليتيم لا يحل له ~~أخذ شيئ من ماله قول النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم خيبر لا يحل لي مما ~~أفاء الله عليكم مثل هذه يعني وبرة أخذها من بعيره إلا الخمس والخمس مردود ~~فيكم فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتولاه من مال المسلمين كما ~~ذكرنا فالوصي فيما يتولاه من مال اليتيم أحرى أن يكون كذلك وأيضا لما كان ~~دخول الوصي في الوصية على وجه التبرع من غير شرط أجرة كان بمنزلة المستبضع ~~فلا أجرة له ولا يحل له أخذ شيء منه قرضا ولا غيره كما لا يجوز ذلك ~~للمستبضع وقوله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم قال أبو بكر ~~الآي التي تقدم ذكرها في أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلي عليهم ~~غيرهم في حفظ أموالهم والتصرف عليهم فيما يعود نفعه عليهم وهم وصي الأب أو ~~الجد إن لم يكن وصي أب أو وصي الجد إن لم يكن أحد من هؤلاء أو أمين حاكم ~~عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من ~~يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه إلا أن يكون عدلا مأمونا فأما ~~الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشي من الحكام والأوصياء والأمناء غير ~~المأمونين فإن واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير ولا خلاف في ~~ذلك نعلمه ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين في أن القاضي إذا فسق بأخذ ~~الرشا أو ميل إلى هوى وترك الحكم أنه معزول غير جائز ms0983 الحكم فكذلك حكم الله ~~فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصي أوأمين أو حاكم فغير جائز ~~ثبوت ولايته في ذلك إلا على شرط العدالة وصحة الأمانة وقد أمر الله تعالى ~~أولياء الأيتام بالإشهاد عليهم بعد البلوغ بما يدفعون إليهم من أموالهم وفي ~~ذلك ضروب من الأحكام أحدها الاحتياط لكل واحد من اليتيم ووالي ماله فأما ~~اليتيم فلأنه إذا قامت عليه البينة PageV02P364 بقبض المال كان أبعد من أن ~~يدعي ما ليس له وأما الوصي فلأن يبطل دعوى اليتيم بأنه لم يدفعه إليه كما ~~أمر الله تعالى بالإشهاد على البيوع احتياطا للمتبايعين ووجه آخر في ~~الإشهاد وهو أنه يظهر أداء أمانته وبراءة ساحته كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة في حديث عياض بن حماد المجاشعي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا ~~يغيب فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول عنه التهمة والله الموفق # | ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادعى ~~بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه أنه يصدق وكذلك لو قال أنفقت عليه ~~في صغره صدق في نفقة مثله وكذلك لو قال هلك المال وهو قول سفيان الثوري ~~وقال مالك لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم وهو قول الشافعي قال لأن ~~الذي زعم أنه دفعه إليه غير الذي ائتمنه كالوكيل بدفع المال إلى غيره لا ~~يصدق إلا ببينة وقال الله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ~~قال أبو بكر وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين ولا مصدق فيه ~~لأن الإشهاد مندوب إليه في الأمانات كهو في المضمونات ألا ترى أنه يصح ~~الإشهاد على رد الأمانات من الودائع كما يصح في أداء المضمونات من الديون ~~فإذا ليس في الأمر بالإشهاد دلالة على أنه غير مصدق فيه إذا لم يشهد فإن ~~قيل إذا ms0984 كان مصدقا في الرد فما معنى الإشهاد مع قبول قوله بغير بينة قيل له ~~فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط له في زوال التهمة عنه في أن ~~لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده وفيه الاحتياط لليتيم في أن لا يدعي ما ~~يظهر كذبه فيه وفيه ايضا سقوط اليمين عن الوصي إذا كانت له بينة في دفعه ~~إليه ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول الوصي مع يمينه ~~وإذا أشهد فلا يمين عليه فهذه المعاني كلها مضمنة بالإشهاد وإن كان أمانة ~~في يده ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه ~~وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه فهو بمنزلة ~~الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات فوجب أن يكون مصدقا على ~~الرد كما يصدق على رد الوديعة والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه على ~~الهلاك لم يضمنه كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم يضمنه ~~وأما قول الشافعي أنه لم يأتمنهم الأيتام لم يصدقوا PageV02P365 فقول ظاهر ~~الإختلال بعيد من معاني الفقه منتقض فاسد لأنه لو كان ما ذكره علة لنفي ~~التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم قد دفعته إليك لأنه لم ~~يأتمنه وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصغير قد دفعت إليك ~~مالك ان لا يصدقه لأنه لم يأتمنه ويلزمه أيضا أن يوجب عليهم الضمان إذا ~~تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه وأما ~~تشبيهه إياه بالوكيل بدفع المال إلى غيره فتشبيه بعيد ومع ذلك فلا فرق ~~بينهما من الوجه الذي صدقنا فيه الوصي لأن الوكيل مصدق أيضا في براءة نفسه ~~غير مصدق في إيجاب الضمان ودفعه إلى غيره وإنما لم يقبل قوله على المأمور ~~بالدفع إليه فأما في براءة نفسه فهو مصدق كما صدقنا الوصي على الرد بعد ~~البلوغ وأيضا فإن الوصي في ms0985 معنى من يتصرف على اليتيم بإذنه ألا ترى أنه ~~يجوز تصرفه عليه في البيع والشرى كجواز تصرف أبيه فإذا كان إمساك الوصي ~~المال بائتمان الأب له عليه وإذن الأب جائز على الصغير صار كأنه ممسك له ~~بعد البلوغ بإذنه فلا فرق بينه وبين المودع وقوله تعالى للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون الآية قال أبو بكر قد انتظمت هذه الجملة عموما ~~ومجملا فأما العموم فقوله للرجال وللنساء وقوله تعالى مما ترك الوالدان ~~والأقربون فلذلك عموم في إيجاب الميراث للرجال وللنساء من الوالدين ~~والأقربين فدل من هذه الجهة على إثبات مواريث ذوي الأرحام لأن أحدا لا ~~يمتنع أن يقول إن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين فوجب ~~بظاهر الآية إثبات ميراثهم إلا أنه لما كان قوله نصيب مجملا غير مذكور ~~المقدار في الآية امتنع استعمال حكمه إلا بورود بيان من غيره إلا أن ~~الاحتجاج بظاهر الآية في إثبات ميراث ما لذوي الأرحام سائغ وهذا مثل قوله ~~تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض وقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده عطفا على ما قدم ذكره ~~من الزرع والثمرة فهذه ألفاظ قد اشتملت على العموم والمجمل فلا يمنع ما ~~فيها من الإجمال من الإحتجاج بعمومها متى اختلفنا فيما انتظمه لفظ العموم ~~وهو أصناف الأموال الموجب فيها وإن لم يصح الاحتجاج بما فيها من المجمل عند ~~اختلافنا في المقدار الواجب كذلك متى اختلفنا في الورثة المستحقين للميراث ~~ساغ الاحتجاج بعموم قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~الآية PageV02P366 ومتى اختلفنا في المقدار الواجب لكل واحد منهم احتجنا في ~~إثباته إلى بيان من غيره فإن قيل لما قال نصيبا مفروضا ولم يكن لذوي ~~الأرحام نصيب مفروض علمنا أنهم لم يدخلوا في مراد الآية قيل له ما ذكرت لا ~~يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي ~~مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي ms0986 السهام ~~لا فرق بينهما من هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال ~~والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير ~~معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي ~~السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها ~~بالقياس والنظر كذلك قد روي بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها ~~بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء ~~فلم يجز إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها ~~كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي ~~الأرحام فيهم فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما ~~اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه فإن قيل قد روي عن ~~قتادة وابن جريج أن الآية نزلت على سبب وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون ~~الذكور دون الإناث فنزلت الآية وقال غيرهما أن العرب كانت لا تورث إلا من ~~طاعن بالرمح وزاد عن الحريم والمال فأنزل الله تعالى هذه الآية إبطالا ~~لحكمهم فلا يصح اعتبار عمومها في غير ما وردت فيه قيل له هذا غلط من وجوه ~~أحدها أن السبب الذي ذكرت غير مقصور على الأولاد وذوي السهام من القرابات ~~الذين بين الله حكمهم في غيرها وإنما السبب أنهم كانوا يورثون الذكور دون ~~الإناث وجائز أن يكونوا قد كانوا يورثون ذوي الأرحام من الرجال دون الإناث ~~فليس فيما ذكرت إذا دليل على أن السبب كان توريث الأولاد ومن ذكرهم الله ~~تعالى من ذوي السهام في آية المواريث ومن جهة أخرى أنها لو نزلت على سبب ~~خاص لم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ بل الحكم للعموم دون السبب عندنا فنزولها ~~على سبب ونزولها مبتدأة من غير سبب سواء وأيضا فإن الله قد ذكر مع الأولاد ~~غيرهم من الأقربين في قوله تعالى مما ترك الوالدان والأقربون فعلمنا أنه لم ~~يرد به ميراث ms0987 الأولاد دون PageV02P367 سائر الأقربين ويحتج بهذه الآية في ~~توريث الأخوة والأخوات مع الجد كنحو احتجاجنا بها في توريث ذوي الأرحام ~~وقوله تعالى نصيبا مفروضا يعني والله أعلم معلوما مقدرا ويقال إن أصل الفرض ~~الحز في القداح علامة لها يميز بينها والفرضة العلامة في قسم الماء يعرف ~~بها كل ذوي حق نصيبه من ا لشرب فإذا كان أصل الفرض هذا ثم نقل إلى المقادير ~~المعلومة في الشرع أو إلى الأمور الثابتة اللازمة وقد قيل إن أصل الفرض ~~الثبوت ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضا لثبوته والفرض في الشرع ~~ينقسم إلى هذين المعنيين فمتى أريد به الوجوب كان المفروض في أعلى مراتب ~~الإيجاب وقد اختلف في معنى الفرض والواجب في الشرع من بعض الوجوه وإن كان ~~كل مفروض واجبا من حيث كان الفرض يقتضي فارضا وموجبا له وليس كذلك الواجب ~~لأنه قد يجب من غير إيجاب موجب له ألا ترى أنه جائز أن يقال أن ثواب ~~المطيعين واجب على الله في حكمته ولا يجوز أن يقال إنه فرض عليه إذ كان ~~الفرض يقتضي فارضا وقد يكون واجبا في الحكمة غير مقتض موجبا وأصل الوجوب في ~~اللغة هو ا لسقوط يقال وجبت الشمس إذا سقطت ووجب الحائط إذ 1 سقط وسمعت ~~وجبة يعني سقطة وقال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها يعني سقطت فالفرض في أصل ~~اللغة أشد تأثيرا من الواجب وكذلك حكمهما في الشرع إذ كان الحز الواقع ثابت ~~الأثر وليس كذلك الوجوب قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~الآية قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وأبو صالح هي منسوخة بالميراث وقال ابن ~~عباس وعطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد والزهري أنها محكمة ليست ~~بمنسوخة وروى عطية عن ابن عباس يعني عند قسمة الميراث وذلك قبل أن ينزل ~~القرآن فأنزل الله تعالى بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة ~~فيما سمى المتوفى ففي هذه الرواية عن ابن عباس أنها كانت واجبة عند قسمة ~~الميراث ثم نسخت بالميراث ms0988 وجعل ذلك في وصية الميت لهم وروى عكرمة عنه أنها ~~ليست بمنسوخة وهي في قسمة الميراث ترضخ لهم فإن كان في المال تقصيرا اعتذر ~~إليهم وهو قوله تعالى وقولوا لهم قولا معروفا وروى الحجاج عن أبي إسحاق أن ~~أبا موسى الأشعري وعبدالرحمن بن بكر كانا يعطيان من حضر من هؤلاء وقال ~~قتادة عن الحسن قال قال أبو موسى هي محكمة وروى أشعث عن ابن سيرين عن حميد ~~بن عبدالرحمن PageV02P368 قال ولي أبي ميراثا فأمر بشاة فذبحت ثم صنعت ولما ~~قسم ذلك الميراث أطعمهم ثم تلا وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى الآية ~~وروى محمد بن سيرين عن عبيدة مثله وقال لولا هذه الآية لكانت هذه الشاة من ~~مالي وذكر أنه كان من مال يتيم قد وليه وروى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن ~~جبير في هذه الآية قال هذه الآية يتهاون بها الناس وقال هما وليان أحدهما ~~يرث والآخر لا يرث والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم ويعطيهم والذي لا يرث ~~هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا ويقول هذا المال لقوم غيب أو لأيتام ~~صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطي منه شيئا فهذا القول المعرف قال هي ~~محكمة وليست بمنسوخة فحمل سعيد بن جبير قوله فارزقوهم على أنهم يعطون ~~أنصباءهم من الميراث والقول المعرف للآخرين فكانت فائدة الآية عنده أن حضر ~~بعض الورثة وفيهم غائب أو صغير أنه يعطى الحاضر نصيبه من الميراث ويمسك ~~نصيب الغائب والصغير فإن صح هذا التأويل فهو حجة لقول من يقول في الوديعة ~~إذا كانت بين رجلين وغاب أحدهما أن للحاضر أن يأخذ نصيبه ويمسك المودع نصيب ~~الغائب وهو قول أبي يوسف ومحمد وأبو حنيفة يقول لا يعطي أحد المودعين شيئا ~~إذا كانا شريكين فيه حتى يحضر الآخر وروى عطاء عن سعيد بن جبير وقولوا لهم ~~قولا معروفا قال يقول عدة جميلة إن كان الورثة صغارا يقول أولياء الورثة ~~لهؤلاء الذين لا يرثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين أن ms0989 هؤلاء الورثة ~~صغار فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حكم ويتبعوا فيه وصية ربهم فحصل اختلاف ~~السلف في ذلك على أربعة أوجه قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وابو صالح أنها ~~منسوخة بالميراث والثاني رواية عكرمة عن ابن عباس وقول عطاء والحسن والشعبي ~~وإبراهيم ومجاهد أنها ثابتة الحكم غير منسوخة وهي في الميراث والثالث وهو ~~قول ثالث عن ابن عباس أنها في وصية الميت لهؤلاء منسوخة عن الميراث وروي ~~نحوه عن زيد بن أسلم قال زيد بن أسلم هذا شيء أمر به الموصي في الوقت الذي ~~يوصي فيه واستدل بقوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا قال ~~يقول له من حضره اتق الله وصلهم وبرهم وأعطهم والرابع قول سعيد بن جبير في ~~رواية أبي بشر عنه أن قوله فارزقوهم منه هو الميراث نفسه وقولوا لهم قولا ~~معروفا لغير أهل الميراث فأما الذين قالوا إنها منسوخة فإنه كان عندهم على ~~الوجوب قبل نزول الميراث PageV02P369 فلما نزلت المواريث وجعل لكل وارث ~~نصيب معلوم صار ذلك منسوخا وأما الذين قالوا ثابتة الحكم فإنه محمول عندنا ~~على أنهم رأوها ندبا واستحبابا لا حتما وإيجابا لأنها لو كانت واجبة مع ~~كثرة قسمة المواريث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم ~~لنقل وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث لعموم الحاجة إليه فلما ~~لم يثبت وجوب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة دل ذلك على ~~أنه استحباب ليس بإيجاب وما روي عن عبدالرحمن وعبيدة وأبي موسى في ذلك ~~فجائر أن يكون الورثة كانوا كبارا فذبح الشاة من جملة المال بإذنهم وما روي ~~في الحديث أن أبي عبيدة قسم ميراث أيتام فذبح شاة فإن هذا على أنهم كانوا ~~يتامى فكبروا لأنهم لو كانوا صغارا لم تصح مقاسمتهم ويدل على أنه ندب ما ~~روى عطاء عن سعيد بن جبير أن الوصي يقول لهؤلاء الحاضرين من أولي القربى ~~وغيرهم أن هؤلاء الورثة صغار ويعتذرون إليهم بمثله ولو كانوا مستحقين له ms0990 ~~على الإيجاب لوجب إعطاؤهم صغارا كان الورثة أو كبارا وأيضا فإن الله تعالى ~~قد قسم المواريث بين ا لورثة وبين نصيب كل واحد منهم في آية المواريث ولم ~~يجعل فيها لهؤلاء شيئا وما كان ملكا لغيره فغير جائز إزالته إلى غيره إلا ~~بالوجوه التي حكم الله بإزالته بها لقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقال صلى الله عليه وسلم دماؤكم ~~وأموالكم عليكم حرام وقال لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وهذا كله ~~يوجب أن يكون إعطاء هؤلاء الحاضرين عند القسمة استحبابا لا إيجابا وأما ~~قوله تعالى وقولوا لهم قولا معروفا فقد روي عن ابن عباس أنه إذا كان في ~~المال تقصير اعتذر إليهم وعن سعيد بن جبير قال يعطي الميراث أهله وهو معنى ~~قوله تعالى فارزقوهم منه في هذه الرواية ويقول لمن لا يرث إن هذا المال ~~لقوم غيب ولأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطي منه شيئا فمعناه ~~عنده ضرب من الاعتذار إليهم وقال بعض أهل العلم إذا أعطوهم عند القسمة شيئا ~~لا يمن عليهم ولا ينتهرهم ولا يسيء اللفظ فيما يخاطبهم به لقوله تعالى قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر ~~وأما السائل فلا تنهر وقوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم الآية اختلف السلف في تأويله فروي عن ابن عباس رواية وعن ~~سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي قالوا هو الرجل يحضره ~~الموت PageV02P370 فيقول له من يحضره اتق الله أعطهم صلهم برهم ولو كانوا ~~هم الذين يوصون لأحبوا أن يبقوا لأولادهم قال حبيب بن أبي ثابت فسألت مقسما ~~عن ذلك فقال لا ولكنه الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره اتق الله وأمسك ~~عليك مالك ولو كانوا ذوي قرابته لأحبوا أن يوصي لهم فتأوله الأولون على نهي ~~الحاضرين عن الحض على الوصية وتأوله مقسم على نهي من يأمره بتركها وقال ms0991 ~~الحسن في رواية أخرى هو الرجل يكون عند الميت فيقول أوص بأكثر من الثلث من ~~مالك وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال في ولاية مال اليتيم وحفظه أن عليهم ~~أن يعملوا فيه ويقولوا بمثل ما يحب أن يعمل ويقال في أموال أيتامهم وضعاف ~~ذريتهم بعد موتهم وجائز أن تكون هذه المعاني التي تأولها السلف عليها الآية ~~مرادة بها إلا أن ما نهى عنه من الأمر بالوصية أن النهي عنها إذا قصد ~~المشير بذلك إلى الإضرار بالورثة أو بالموصى لهم مما لا يرضاه هو لنفسه لو ~~كان مكان هؤلاء وذلك بأن يكون المريض قليل المال له ذرية ضعفاء فيأمره الذي ~~يحضره باستغراق الثلث للوصية ولو كان هو مكانه لم يرض بذلك وصية له لأجل ~~ورثته وهذا يدل على أن المستحب له إذا كان له ورثة ضعفاء وهو قليل المال أن ~~لا يوصي بشيء ويتركه لهم أو يوصي لهم بأقل من الثلث وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لسعد حين قال أوصي بجميع مالي فقال لا إلى أن رده إلى الثلث فقال ~~الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون ~~الناس فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الورثة إذا كانوا فقراء فترك ~~الوصية ليستغنوا به أفضل من فعلها وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه كان ~~يقول الأفضل لمن له مال كثير الوصية بما يريد أن يوصي به على وجه القربة من ~~ثلث ماله والأفضل لمن ليس له مال كثير أن لا يوصي منه بشيء وأن يبقيه ~~لورثته والنهي منصرف أيضا إلى من يأمره من الحاضرين بأن يوصي بأكثر من ~~الثلث على ما روي عن الحسن لأن ذلك لا يجوز أن يفعله لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم الثلث كثير ولنهيه سعدا عن الوصية بأكثر من الثلث وجائز أن يكون ~~ما قاله مقسم مرادا بأن يقول الحاضر لا توص بشيء ولو كان من ذوي قرابته ~~لأحب أن يوصي له فيشير عليه بما ms0992 لا يرضاه لنفسه وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم معنى ذلك حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال ~~حدثنا هدبة قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب PageV02P371 لنفسه من ~~الخير وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال حدثنا سهل بن ~~عثمان قال حدثنا زياد بن عبدالله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبدالله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ~~فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن ~~يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتى إليه قال أبو بكر فهذا معنى قوله تعالى ~~وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا فنهاه عز وجل أن يشير على غيره ويأمره بما لا يرضاه ~~لنفسه ولأهله ولورثته وأمر الله تعالى بأن يقول الحاضرون قولا سديدا وهو ~~العدل والحق الذي لا خلل فيه ولا فساد في إجحاف بوارث أو حرمان لذي قرابة ~~وقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية روي عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير ومجاهد أنه لما نزلت هذه الآية عزل من كان في حجره يتيم ~~طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه حتى فسد حتى أنزل الله تعالى وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح فرخص لهم في الخلطة على وجه الإصلاح ~~قال أبو بكر قد خص الله تعالى الأكل بالذكر وسائر الأموال غير المأكول منها ~~محظور إتلافه من مال اليتيم كحظر المأكول منه ولكنه خص الأكل بالذكر لأنه ~~أعظم ما يبتغى له الأموال وقد بينا ذلك ونظائره فيما قد سلف وقوله تعالى ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا روي عن السدي أن لهب النار يخرج من فمه ومسامعه ~~وأنفه وعينيه يوم القيامة يعرفه من رآه أنه أكل مال اليتيم ms0993 وقيل أنه كالمثل ~~لأنهم يصيرون به إلى جهنم فتمتلئ بالنار أجوافهم ومن جهال الحشو وأصحاب ~~الحديث من يظن أن قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما منسوخ ~~بقوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم وقد أثبته بعضهم في الناسخ والمنسوخ لما ~~روي أنه لما نزلت هذه الآية عزلوا طعام اليتيم وشرابه حتى نزل قوله تعالى ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم وهذا القول من قائله يدل على جهله بمعنى النسخ وبما ~~يجوز نسخه مما لا يجوز ولا خلاف بين المسلمين أن أكل مال اليتيم ظلما محظور ~~وأن الوعيد المذكور في الآية قائم فيه على اختلاف منهم في إلحاق الوعيد به ~~في الآخرة لا محالة أو جواز الغفران فأما النسخ فلا يجيزه عاقل في مثله ~~وجهل هذا الرجل أن الظلم لا تجوز إباحته بحال فلا يجوز نسخ حظره وإنما عزل ~~من كان في حجره يتيم من الصحابة طعامه عن طعامه لأنه خاف أن يأكل من مال ~~PageV02P372 اليتيم مالا يستحقه فتلحقه سمة الظلم ويصير من أهل الوعيد في ~~الآية واحتاطوا بذلك فلما نزل قوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم زال عنهم ~~الخوف في الخلطة بعد أن يقصدوا الإصلاح بها وليس فيه إباحة لأكل مال اليتيم ~~ظلما حتى يكون ناسخا لقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما والله ~~أعلم ( تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب الفرائض ) ~~PageV02P373 بسم الله الرحمن الرحميم # | باب الفرائض # قال أبو بكر قد كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين أحدهما النسب والآخر ~~السبب فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون الصغار ولا الإناث وإنما ~~يورثون من قاتل على الفرس وحاز الغنيمة روى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~في آخرين منهم إلى أن أنزل الله تعالى @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله ~~يفتيكم فيهن @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ والمستضعفين من الولدان @QE@ وأنزل ~~الله تعالى قوله @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ ~~وقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في ~~الجاهلية في المناكحات والطلاق والميراث إلى ms0994 أن نقلوا عنه إلى غيره ~~بالشريعة # قال ابن جريج قلت لعطاء أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر الناس ~~على ما أدركهم صلى الله عليه وسلم من طلاق أو نكاح أو ميراث قال لم يبلغنا ~~إلا ذلك وروى حماد بن زيد عن ابن عون عن ابن سيرين قال توارث المهاجرين ~~والأنصار بنسبهم الذي كان في الجاهلية وقال ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال ~~ما كان من نكاح أو طلاق في الجاهلية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره ~~على ذلك إلا الربا فما أدرك الإسلام من ربا لم يقبض رد البائع رأس ماله ~~وطرح الربا # وروى حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير فإن بعث الله تعالى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه ~~والإ فهم ما كانوا عليه من أمر جاهليتهم وهو على ما روي عن ابن عباس أنه ~~قال الحلال ما أحل الله تعالى والحرام ما حرم الله تعالى وما سكت عنه فهو ~~عفو فقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يحظره ~~العقل على ما كانوا عليه وقد كانت العرب متمسكة ببعض شرائع إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام وقد كانوا أحدثوا أشياء منها ما يحظره العقل نحو ~~الشرك وعبادة الأوثان ودفن البنات وكثير من الأشياء المقبحة في العقول وقد ~~كانوا على أشياء من مكارم الأخلاق وكثير من المعاملات التي لا تحظرها ~~العقول فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم داعيا إلى توحيد وترك ما تحظره ~~العقول من عبادة الأوثان ودفن البنات والسائبة والوصيلة والحامي وما كانوا ~~يتقربون به إلى PageV03P002 أوثانهم وتركهم فيما لم يكن العقل يحظره من ~~المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث على ما كانوا عليه ~~فكان ذلك جائزا منهم إذ ليس في العقل حظره ولم تقم حجة السمع عليهم بتحريمه ~~فكان أمر مواريثهم على ما كانوا عليه من توريث الذكور المقاتلة منهم دون ~~الصغار ودون الإناث إلى ms0995 أن أنزل الله تعالى آي المواريث وكان السبب الذي ~~يتوارثون به شيئين أحدهما الحلف والمعاقدة والآخر التبني ثم جاء الإسلام ~~فتركوا برهة من الدهر على ما كانوا عليه ثم نسخ فمن الناس من يقول إنهم ~~كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة بنص التنزيل ثم نسخ وقال شيبان عن قتادة ~~في قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قال كان الرجل ~~في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي ~~وأطلب بك قال فورثوا السدس في الإسلام من جميع الأموال ثم يأخذ أهل الميراث ~~ميراثهم ثم نسخ بعد ذلك فقال الله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله @QE@ وروى الحسن بن عطية عن أبيه عن ابن عباس في قوله ~~تعالى @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ كان الرجل في الجاهلية يحلف له الرجل فيكون ~~تابعا له فإذا مات صار الميراث لأهله وأقاربه وبقي تابعه ليس له شيء فأنزل ~~الله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ فكان يعطى من ~~ميراثه وقال عطاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم @QE@ وذلك أن الرجل في الجاهلية وفي الإسلام كان يرغب في خلة ~~الرجل فيعاقده فيقول ترثني وأرثك وأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط ~~من مال الميت فلما نزلت هذه الآية في قسمة الميراث ولم يذكر أهل العقد جاء ~~رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله نزلت قسمة الميراث ~~ولم يذكر أهل العقد وقد كنت عاقدت رجلا فمات فنزلت @QB@ والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا @QE@ فأخبر هؤلاء ~~السلف ميراث الحليف قد كان حكمه ثابتا في الإسلام من طريق السمع لا من جهة ~~إقرارهم على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية وقال بعضهم لم يكن ذلك ثابتا ~~بالسمع من طريق الشرع وإنما كانوا مقرين على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية ~~إلى أن نزلت آية المواريث فأزالت ذلك ms0996 الحكم حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عببيد قال حدثنا عبدالرحمن عن ~~سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله PageV03P003 تعالى @QB@ والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قال كان حلفاء في الجاهلية فأمروا أن يعطوهم ~~نصيبهم من المشورة والعقل والنصر ولا ميراث لهم قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا معاذ عن ابن عون عن عيسى بن الحارث عن عبدالله بن الزبير في قوله ~~تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض @QE@ قال نزلت هذه الآية في ~~العصبات كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وأرثك فنزلت @QB@ وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض @QE@ قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن ~~معاوية بن إبراهيم عن علي بن طلحة عن ابن عباس @QB@ والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم @QE@ قال كان الرجل يقول ترثني وأرثك فنسختها @QB@ وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا @QE@ قال إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوهم ~~وصية فذكر هؤلاء أن ما كان من ذلك في الجاهلية نسخ بقوله تعالى @QB@ وأولو ~~الأرحام @QE@ وأن قوله تعالى @QB@ فآتوهم نصيبهم @QE@ إنما أريد به الوصية ~~أو المشورة والنصر من غير ميراث وأولي الأشياء بمعنى الآية تثبيت التوارث ~~بالحلف لأن قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ يقتضي ~~نصيبا ثابتا لهم والعقل والمشورة والوصية ليست بنصيب ثابت وهو مثل قوله ~~تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب @QE@ ~~المفهوم من ظاهره إثبات نصيب من الميراث كذلك قوله تعالى @QB@ والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قد اقتضى ظاهره إثبات نصيب لهم قد استحقوه ~~بالمعاقدة والمشورة يستوي فيها سائر الناس فليست إذا بنصيب فالعقل إنما يجب ~~على حلفائه وليس هو بنصيب له والوصية إن لم تكن مستحقة واجبة فليست بنصيب ~~فتأويل الآية على النصيب المسمى له في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم ~~الخطاب مما قال الآخرون وهذا عندنا ليس بمنسوخ وإنما حدث وارث آخر هو أولى ~~منهم كحدوث ابن لمن له أخ لم ms0997 يخرج الأخ من أن يكون من أهل الميراث إلا أن ~~الإبن أولى منه وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف فإذا لم يكن رحم ولا ~~عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له وكذلك أجاز أصحابنا الوصية بجميع المال ~~لمن لا وارث له # وأما الميراث بالدعوة والتبني فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب ~~إليه دون أبيه من النسب ويرثه وقد كان ذلك حكما ثابتا في الإسلام وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة وكان يقال له زيد بن محمد حتى ~~أنزل الله تعالى @QB@ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم @QE@ PageV03P004 وقال تعالى @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم @QE@ وقد كان أبو ~~حذيفة بن عتبة تبنى سالما فكان يقال له سالم بن أبي حذيفة إلى أن أنزل الله ~~تعالى @QB@ ادعوهم لآبائهم @QE@ رواه الزهري عن عروة عن عائشة فنسخ الله ~~تعالى الدعوة بالتبني ونسخ ميراثه حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن ~~صالح عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب في قوله تعالى ~~@QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قال ابن المسيب إنما أنزل ~~الله تعالى ذلك في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثونهم فأنزل الله تعالى ~~فيهم أن يجعل لهم نصيب من الوصية ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم ~~والعصبة وأبى الله أن يجعل للمدعين ميراثا ممن ادعاهم ولكن جعل لهم نصيبا ~~من الوصية فكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليه أمرهم قال أبو بكر ~~وجائز أن يكون المراد بقوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~@QE@ منتظما للحلف والتبني جميعا إذ كل واحد منهما يثبت بالعقد فهذا الذي ~~ذكرنا كان من مواريث الجاهلية وبقي في الإسلام بعضها بالإقرار عليه إلى أن ~~نقلوا عنه ms0998 وبعضه بنص ورد في إثباته إلى أن ورد ما أوجب نقله # وأما مواريث الإسلام فإنها معقودة بشيئين أحدهما نسب والآخر سبب ليس بنسب ~~فأما المستحق بالنسب فما نص الله تعالى عليه من كتابه وبين رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بعضه وأجمعت الأمة على بعضه وقامت الدلالة على بعض وأما السبب ~~الذي ورث به في الإسلام فبعضه ثابت وبعضه منسوخ الحكم فمن الأسباب التي ورث ~~بها في الإسلام ما ذكرنا في عقد المحالفة وميراث الأدعياء وقد ذكرنا حكمه ~~ونسخ ما روي نسخه وإن ذلك عندنا ليس بنسخ وإنما جعل وارث أولى من وارث # وكان من الأسباب التي أوجب الله تعالى به الميراث الهجرة حدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله ~~تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا @QE@ قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ~~ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث PageV03P005 الأعرابي المهاجر فنسختها @QB@ ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض @QE@ وقال بعضهم نسخها قوله تعالى @QB@ ولكل ~~جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ وكانوا يتوارثون بالأخوة التي ~~آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وروى هشام بن عروة عن أبيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك ~~فارتث كعب يوم أحد فجاء به الزبير يقوده بزمام راحلته ولو مات كعب عن الضح ~~والريح لورثه الزبير حتى أنزل الله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم @QE@ وروى ابن جريج عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس فإن كان المهاجرون والأنصار يرث الرجل الرجل الذي آخى ~~بينه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أخيه فلما نزلت هذه الآية ~~@QB@ ولكل جعلنا ms0999 موالي مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ نسخت ثم قال تعالى ~~@QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ من النصر والرفادة فذكر ابن ~~عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم @QE@ أريد به ~~معاقدة الأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وروى معمر ~~عن قتادة في قوله تعالى @QB@ ما لكم من ولايتهم من شيء @QE@ أن المسلمين ~~كانوا يتوارثون بالهجرة والإسلام فكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه ~~فنسخ الله تعالى ذلك بقوله @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ وروى جعفر بن سليمان عن الحسن قال كان ~~الأعربي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا وإن كان ذا قربى ليحثهم بذلك على ~~الهجرة فلما كثر المسلمون أنزل الله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ فنسخت هذه الآية تلك @QB@ ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا @QE@ فرخص الله للمسلم أن يوصي لقرابته ~~من اليهود والنصارى والمجوس من الثلث وما دونه @QB@ كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا @QE@ قال مكتوبا فجملة ما حصل عليه التوارث بالأسباب في أول الإسلام ~~التبني والحلف والهجرة والمؤاخاة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم نسخ الميراث بالتبني والهجرة والمؤاخاة وأما الحلف فقد بينا أنه ~~جعلت القرابة أولى منه ولم ينسخ إذا لم تكن قرابة وجائز أن يجعل له جميع ~~ماله أو بعضه ومن الأسباب التي عقد بها التوارث في الإسلام ولاء العتاقة ~~والزوجية وولاء الموالاة وهو عندنا يجري مجرى الحلف وإنما يثبت حكمه إذا لم ~~يكن وارث من ذي رحم أو عصبة فجميع ما انعقدت عليه مواريث الإسلام السبب ~~والنسب والسبب كان على أنحاء مختلفة PageV03P006 منها المعاقدة بالحلف ~~والتبني والأخوة التي آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والهجرة ~~والزوجية وولاء العتاقة وولاء الموالاة فأما إيجاب الميراث بالحلف والتبني ~~والأخوة التي آخى بيينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمنسوخ مع وجود ~~العصبات وذوي الأرحام وولاء العتاقة والموالاة والزوجية هي أسباب ثابتة ms1000 ~~يستحق بها الميراث على الترتيب المشروط لذلك وأما النسب الذي يستحق به ~~الميراث فينقسم إلى أنحاء ثلاثة ذوو السهام والعصبات وذوو الأرحام وسنبين ~~ذلك في موضعه فأما الآيات الموجبة لميراث ذوي الأنساب من ذوي السهام ~~والعصبات وذوي الأرحام فقوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان @QE@ نسخ بهما في رواية عن ابن ~~عباس وغيره من السلف ما كان عليه الأمر في توريث الرجال المقاتلة دون ~~الذكور الصغار والإناث وقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ فيه ~~بيان للنصيب المفروض في قوله تعالى @QB@ للرجال نصيب @QE@ إلى قوله تعالى ~~@QB@ نصيبا مفروضا @QE@ والنصيب المفروض هو الذي بين مقداره في قوله تعالى ~~@QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ @QB@ كتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ ~~فقال قد نسخ هذا قوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~@QE@ وقال مجاهد كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين فنسخ ~~الله تعالى من ذلك ما أحب فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين وجعل لكل واحد ~~من الأبوين السدس مع الولد قال ابن عباس وقد كان الرجل إذا مات وخلف زوجته ~~اعتدت سنة كاملة في بيته ينفق عليها من تركته وهو قوله تعالى والذين @QB@ ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ ~~ثم نسخ ذلك بالربع أو الثمن وقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض @QE@ نسخ به التوارث بالحلف وبالهجرة وبالتبني على النحو الذي بينا ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ هي آية محكمة غير ~~منسوخة وهي موجبة لنسخ الميراث بهذه الأسباب التي ذكرنا لأنه جعل الميراث ~~للمسلمين فيها فلا يبقى لأهل هذه الأسباب شيء وذلك موجب لسقوط حقوقهم في ~~هذه الحال وروى محمد بن عبدالله بن عقيل عن جابر PageV03P007 ابن عبدالله ~~قال جاءت امرأة من الأنصار ms1001 ببنتين لها فقالت يا رسول الله هاتان بنتا ثابت ~~ابن قيس قتل معك يوم أحد ولم يدع لهما عمهما مالا إلا أخذه فما ترى يا رسول ~~الله فوالله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقضي الله في ذلك فنزلت سورة النساء @QB@ يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ الآية فقال صلى الله عليه وسلم ادع إلى المرأة ~~وصاحبها فقال لعمهما أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك # قال أبو بكر قد حوى هذا الخبر معاني منها أن العم قد كان يستحق الميراث ~~دون البنتين على عادة أهل الجاهلية في توريث المقاتلة دون النساء والصبيان ~~ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين سألته المرأة بل أقر الأمر على ~~ما كان عليه وقال لها يقضي الله في ذلك ثم لما نزلت الآية أمر العم بدفع ~~نصيب البنتين والمرأة إليهن وهذا يدل على أن العم لم يأخذ الميراث بديا من ~~جهة التوقيف بل على عادة أهل الجاهلية في المواريث لأنه لو كان كذلك لكان ~~إنما يستأنف فيما يحدث بعد نزول الآية وما قد مضى على حكم منصوص متقدم لا ~~يعترض عليه بالنسخ فدل على أنه أخذه على حكم الجاهلية التي لم ينقلوا عنها ~~وروى سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال مرضت فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فأتاني وقد أغمى على فتوضأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم رش علي من وضوئه فأفقت فقلت يا رسول الله كيف تقضي ~~في مالي فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث @QB@ يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ قال أبو بكر ذكر في الحديث الأول قصة المرأة مع ~~بنتيها وذكر في هذا الحديث أن جابرا سأله عن ذلك وجائز أن يكون الأمران ~~جميعا قد كانا سألته المرأة فلم يجبها منتظرا للوحي ثم سأله جابر في حال ~~مرضه فنزلت الآية وهي ثابتة الحكم مثبتة للنصيب المفروض ms1002 في قوله تعالى @QB@ ~~للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ الآية # ولم يختلف أهل العلم في أن المراد بقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في ~~أولادكم @QE@ أولاد الصلب وإن ولد الولد غير داخل مع ولد الصلب وأنه إذا لم ~~يكن ولد الصلب فالمراد أولاد البنين دون أولاد البنات فقد انتظم اللفظ ~~أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب وهذا يدل على صحة قول ~~أصحابنا فيمن أوصى لولد فلان أنه لولده لصلبه فإن لم يكن له ولد لصلبه فهو ~~لولد ابنه # وقوله تعالى @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ قد أفاد أنه إن كان ذكرا أو ~~أنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم وأفاد أيضا PageV03P008 أنهم إذا كانوا ~~جماعة ذكورا وإناثا أن لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهما وأفاد أيضا أنه إذا ~~كان مع الأولاد ذوو سهام نحو الأبوين والزوج والزوجة أنهم متى أخذوا سهامهم ~~كان الباقي بعد السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين وذلك لأن قوله ~~تعالى @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ اسم للجنس يشتمل على القليل والكثير ~~منهم فمتى ما أخذ ذوو السهام سهامهم كان الباقي بينهم على ما كانوا ~~يستحقونه لو لم يكن ذو سهم # وقوله عز وجل @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت ~~واحدة فلها النصف @QE@ فنص على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة ولم ينص ~~على فرض الابنتين لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما وذلك لأنه قد ~~أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ ~~الثلث مع الأنثى أولى وقد احتجنا إلى بيان حكم ما فوقهما فلذلك نص على حكمه ~~وأيضا لما قال الله تعالى @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ فلو ترك ابنا ~~وبنتا كان للابن سهمان ثلثا المال وهو حظ الأنثيين فدل ذلك على أن نصيب ~~الابنتين الثلثان لأن الله تعالى جعل نصيب الابن مثل نصيب البنتين وهو ~~الثلثان ويدل على أن للبنتين الثلثين أن الله تعالى أجرى الأخوة والأخوات ~~مجرى البنات وأجرى الأخت الواحدة مجرى البنت الواحدة ms1003 فقال تعالى @QB@ إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك @QE@ ثم قال @QB@ فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين @QE@ فجعل حظ الأختين كحظ ما فوقهما وهو الثلثان كما جعل حظ الأخت ~~كحظ البنت وأوجب لهم إذا كانوا ذكورا وإناثا للذكر مثل حظ الأنثيين وأوجب ~~أن تكون الابنتان كالأختين في استحقاق الثلثين لمساواتهما لهما في إيجاب ~~المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم يكن غيرهم كما في مساواة الأخت ~~للبنت إذا لم يكن غيرهم في استحقاق النصف بالتسمية وأيضا البنتان أولى بذلك ~~إذ كانتا أقرب إلى الميت من الأختين وإذا كانت الأخت بمنزلة البنت فكذلك ~~البنتان في استحقاق الثلثين ويدل على ذلك حديث جابر في قصة المرأة التي ~~أعطى النبي صلى الله عليه وسلم فيها البنتين الثلثين والمرأة الثمن والعم ~~ما بقي # ولم يخالف في ذلك أحد إلا شيئا روي عن ابن عباس أنه جعل للبنتين النصف ~~كنصيب الواحدة واحتج بقوله تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ~~ترك @QE@ وليس في ذلك دليل على أن للابنتين النصف وإنما فيه نص على أن ما ~~فوق الابنتين فلهن PageV03P009 الثلثان فإن كان القائل بأن للابنتين ~~الثلثين مخالفا للآية فإن الله تعالى قد جعل للابنة النصف إذا كانت وحدها ~~وأنت جعلت للابنتين النصف وذلك خلاف الآية فإن لم تلزمه مخالفة الآية حين ~~جعل للابنتين النصف وإن كان الله قد جعل للواحدة النصف فكذلك لا تلزم ~~مخالفيه مخالفة الآية في جعلهم للابنتين الثلثين لأن الله تعالى لم ينف ~~بقوله تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك @QE@ أن يكون ~~للابنتين الثلثان وإنما نص على حكم ما فوقهما وقد دل على حكمهما في فحوى ~~الآية على النحو الذي بينا وما ذكرناه من دلالة حكم الأختين على حكم ~~الابنتين على ما ذكرنا وقد قيل إن قوله تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين ~~@QE@ أن ذكر فوق ههنا صلة للكلام كقوله تعالى ms1004 @QB@ فاضربوا فوق الأعناق ~~@QE@ قوله تعالى @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ~~@QE@ يوجب ظاهره أن يكون لكل واحد منهما السدس مع الولد ذكرا كان الولد أو ~~أنثى لأن اسم الولد ينتظمهما إلا أنه لا خلاف إذا كان الولد بنتا لا تستحق ~~أكثر من النصف لقوله تعالى @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ فوجب أن ~~تعطى النصف بحكم النص ويكون للأبوين لكل واحد السدس بنص التنزيل ويبقى ~~السدس يستحقه الأب بالتعصيب فاجتمع ههنا للأب الاستحقاق بالتسمية وبالتعصيب ~~جميعا وإن كان الولد ذكرا فللأبوين السدسان بحكم النص والباقي للإبن لأنه ~~أقرب تعصيبا من الأب # وقال تعالى @QB@ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ فأثبت ~~الميراث للأبوين بعموم اللفظ ثم فصل نصيب الأم وبين مقداره بقوله @QB@ ~~فلأمه الثلث @QE@ ولم يذكر نصيب الأب فاقتضى ظاهر اللفظ للأب الثلثين إذ ~~ليس هناك مستحق غيره وقد أثبت الميراث لهما بديا وقد كان ظاهر اللفظ يقتضي ~~المساواة لو اقتصر على قوله تعالى @QB@ وورثه أبواه @QE@ دون تفصيل نصيب ~~الأم فلما قصر نصيب الأم على الثلث علم أن المستحق للأب الثلثان قوله تعالى ~~@QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ قال علي وعبدالله بن مسعود وعمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وسائر أهل العلم إذا ترك أخوين وأبوين ~~فلأمه السدس وما بقي فلأبيه وحجبوا الأم عن الثلث إلى السدس كحجبهم لها ~~بثلاثة أخوة وقال ابن عباس للأم الثلث وكان لا يحجبها إلا بثلاثة من الأخوة ~~والأخوات وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس إذا ترك أبوين وثلاثة ~~أخوة فللأم السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه وما بقي فللأب ~~PageV03P010 وروي عنه أنه إن كان الأخوة من قبل الأم فالسدس لهم خاصة وإن ~~كانوا من قبل الأب والأم أو من قبل الأب لم يكن لهم شيء وكان ما بعد السدس ~~للأب والحجة للقول الأول أن اسم الأخوة قد يقع على الإثنين كما قال تعالى ~~@QB@ إن تتوبا إلى الله فقد صغت ms1005 قلوبكما @QE@ وهما قلبان وقال تعالى @QB@ ~~وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب @QE@ ثم قال تعالى @QB@ خصمان بغى ~~بعضنا على بعض @QE@ فأطلق لفظ الجمع على اثنين وقال تعالى @QB@ وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ فلو كان أخا وأختا كان حكم ~~الآية جاريا فيهما وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اثنان فما ~~فوقهما جماعة ولأن الاثنين إلى الثلاثة في حكم الجمع أقرب منهما إلى الواحد ~~لأن لفظ الجمع موجود فيهما نحو قولك قاما وقعدا وقاموا وقعدوا كل ذلك جائز ~~في الاثنين والثلاثة ولا يجوز مثله في الواحد فلما كان الاثنان في حكم ~~اللفظ أقرب إلى الثلاثة منهما إلى الواحد وجب إلحاقهما بالثلاثة دون الواحد ~~وقد روى عبدالرحمن بن أبي الزيناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه كان ~~يحجب الأم بالأخوين فقالوا له يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول @QB@ فإن كان ~~له إخوة @QE@ وأنت تحجبها بالأخوين فقال إن العرب تسمي الأخوين أخوة فإذا ~~كان زيد بن ثابت قد حكى عن العرب أنها تسمي الأخوين أخوة فقد ثبت أن ذلك ~~اسم لهما فيتناولهما اللفظ وأيضا قد ثبت أن حكم الأختين حكم الثلاث في ~~استحقاق الثلثين بنض التنزيل في قوله تعالى @QB@ فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك @QE@ وكذلك حكم الأختين من الأم حكم الثلاث في استحقاق ~~الثلث دون حكم الواحدة فوجب أن يكون حكمهما حكم الثلاث في حجب الأم عن ~~الثلث إلى السدس إذ كان حكم كل واحد من ذلك حكما متعلقا بالجمع فاستوى فيه ~~حكم الاثنين والثلاث وروي عن قتادة أنه قال إنما يحجب الأخوة الأم من غير ~~أن يرثوا مع الأب لأنه يقوم بنكاحهم والنفقة عليهم دون الأم وهذه العلة ~~إنما هي مقصورة على الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأب فأما الإخوة من ~~الأم فليس إلى الأب شيء من أمرهم وهم يحجبون أيضا كما يحجب الإخوة من الأب ~~والأم ولا خلاف بين الصحابة في ثلاثة إخوة وأبوين أن للأم السدس ms1006 وما بقي ~~فللأب إلا شيئا يروى عن ابن عباس وروى عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه عن ابن عباس ان للأم السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه وما بقي ~~فللأب وكان لا يحجب بمن PageV03P011 لا يرث فلما حجب الأم بالإخوة ورثهم ~~وهو قول شاذ وظاهر القرآن خلافه لأنه تعالى قال @QB@ وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث @QE@ ثم قال تعالى @QB@ فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ عطفا على ~~قوله تعالى @QB@ وورثه أبواه @QE@ تقديره وورثه أبواه وله أخوة وذلك يمنع ~~أن يكون للإخوة شيء # قوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ الدين مؤخر في اللفظ ~~وهو مبتدأ به في المعنى على الوصية لأنها أولا توجب الترتيب وإنما هي لأحد ~~شيئين فكأنه قيل من بعد أحد هذين وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال ذكر ~~الله الوصية قبل الدين وهي بعده يعني أنها مقدمة في اللفظ مؤخرة في المعنى ~~قوله تعالى @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم @QE@ الآية هذا نص متفق على ~~تأويله كاتفاقهم تنزيله وأن الولد الذكر والأنثى في ذلك سواء يحجب الزوج عن ~~النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن إذا كان الولد من أهل الميراث ~~ولم يختلفوا أيضا أن ولد الابن بمنزلة ولد الصلب في حجب الزوج والمرأة عن ~~النصيب الأكثر إلى الأقل إذا لم يكن ولد الصلب # قوله تعالى @QB@ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من ~~الله @QE@ قيل إن معناه لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا ~~والله يعلمه فاقسموه على ما بينه إذ هو عالم بالمصالح وقيل إن معناه أباؤكم ~~وأبناؤهم متقاربون في النفع حتى لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا إذ كنتم ~~تنتفعون بآبائكم في حال الصغر وتنتفعون بأبنائكم عند الكبر ففرض ذلك في ~~أموالكم للآباء والأبناء علما منه بمصالح الجميع وقيل لا يدري أحدكم أهو ~~أقرب وفاة فينتفع ولده بماله أم الولد أقرب وفاة فينتفع الأب والأم بماله ~~ففرض في مواريثكم ما فرض علما منه وحكما ms1007 وقد اختلف السلف في الحجب بمن لا ~~يرث وهو أن يخلف الحر المسلم أبوين حرين مسلمين وأخوين كافرين أو مملوكين ~~أو قاتلين فقال علي وعمر وزيد للأم الثلث وما بقي فللأب وكذلك المسلمة إذا ~~تركت زواجا وابنا كافرا أو مملوكا أو قاتلا أو الرجل ترك امرأة وابنا كذلك ~~أنهم لا يحجبون الزوج ولا المرأة عن نصيبهما الأكثر إلى الأقل وهو قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعي وقال عبدالله بن مسعود ~~يحجيون وإن لم يرثوا وقال الأوزاعي والحسن بن صالح المملوك والكافر لا ~~يرثان ولا يحجبان والقاتل يرث ويحجب # قال أبو بكر لا خلاف أن الأب الكافر لا يحجب ابنه من ميراث جده وأنه ~~يمنزلة الميت فكذلك في حكم حجب الأم والزوج PageV03P012 والزوجة واحتج من ~~حجب بظاهر قوله تعالى @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ~~ولد @QE@ ولم يفرق بين الكافر والمسلم فيقال له فلم حجبت به الأم دون الأب ~~والله تعالى إنما حجبهما جميعا بالولد بقوله تعالى @QB@ لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد @QE@ فإن جاز أن لا يحجب الأب وجعلت قوله ~~تعالى @QB@ إن كان له ولد @QE@ على ولد يجوز الميراث فكذلك حكمه في الأم # قوله تعالى @QB@ ولهن الربع مما تركتم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فلهن ~~الثمن مما تركتم @QE@ قد دل على أنهن إذا كن أربعا يشتركن في الثمن وهذا لا ~~خلاف فيه بين أهل العلم # وقد اختلف السلف في ميراث الأبوين مع الزوج والزوجة فقال على وعمر ~~وعبدالله بن مسعود وعثمان وزيد للزوجة الربع وللأم ثلث ما بقي وما بقي ~~فللأب وللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب وقال ابن عباس للزوج ~~والزوجة ميراثهما وللأم الثلث كاملا وما بقي فللأب وقال لا أجد في كتاب ~~الله تعالى ثلث ما بقي وعن ابن سيرين مثل قول ابن عباس وروي انه تابعه في ~~المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين لتفضيله الأم على الأب والصحابة ~~ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأنصار على ms1008 القول الأول إلا ما حكينا عن ابن ~~عباس وابن سيرين وظاهر القرآن يدل عليه لأنه قال @QB@ فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ فجعل الميراث بينهما أثلاثا كما جعله أثلاثا ~~بين الابن والبنت في قوله تعالى @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ وجعله بين ~~الأخ والأخت أثلاثا بقوله تعالى @QB@ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر ~~مثل حظ الأنثيين @QE@ ثم لما سمى للزوج والزوجة ما سمى لهما وأخذا نصيبهما ~~كان الباقي بين الابن والبنتين على ما كان قبل دخولهما وكذلك بين الأخ ~~والأخت وجب أن يكون أخذ الزوج والزوجة نصيبهما موجبا للباقي بين الأبوين ~~على ما استحقاه أثلاثا قبل دخولهما وأيضا هما كشريكين بينهما مال إذا استحق ~~منه شيء كان الباقي بينهما على ما استحقاه بديا والله أعلم بالصواب # | باب ميراث أولاد الابن # قال أبو بكر رضي الله عنه قد بينا أن قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في ~~أولادكم @QE@ قد أريد به أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب إذ ~~لا خلاف أن من ترك بني ابن وبنات ابن أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~بحكم الآية وكذلك لو ترك بنت ابن PageV03P013 كان لها النصف وإن كن جماعة ~~كان لهن الثلثان على سهام ميراث ولد الصلب فثبت بذلك أن أولاد الذكور ~~مرادون بالآية # واسم الولد يتناول أولاد الابن كما يتناول أولاد الصلب قال الله تعالى ~~@QB@ يا بني آدم @QE@ ولا يمتنع أحد أن يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ولد هاشم ومن ولد عبدالمطلب فثبت بذلك أن اسم الأولاد يقع على ولد الابن ~~وعلى ولد الصلب جميعا إلا أن أولاد الصلب يقع عليهم هذا الاسم حقيقة ويقع ~~على أولاد الابن مجازا ولذلك لم يردوا في حال وجود أولاد الصلب ولم ~~يشاركوهم في سهامهم وإنما يستحقون ذلك في أحد حالين إما أن يعدم ولد الصلب ~~رأسا فيقومون مقامهم وإما أن لا يجوز ولد الصلب الميراث فيستحقون بعض الفضل ~~أو جميعه # فإما أن يستحقوا مع أولاد الصلب على وجه الشركة ms1009 بينهم كما يستحقه ولد ~~الصلب بعضهم مع بعض فليس كذلك # فإن قيل لما كان الاسم يتناول ولد الصلب حقيقة وولد الابن مجازا لم يجز ~~أن يرادوا بلفظ واحد لامتناع كون لفظ واحد حقيقة مجازا # قيل له إنهم لم يرادوا بلفظ واحد في حال واحدة متى وجد أولاد الصلب فإن ~~ولد الابن لا يستحقون الميراث معهم بالآية وليس يمتنع أن يراد ولد الصلب في ~~حال وجودهم وولد الابن في حال عدم ولد الصلب فيكون الفظ مستعملا في حالين ~~في إحداهما هو حقيقة وفي الأخرى هو مجاز ولو أن رجلا قال قد أوصيت بثلث ~~مالي لولد فلان وفلان وكان لأحدهما أولاد لصلبه ولم يكن للآخر ولد لصلبه ~~وكان له أولاد ابن كانت الوصية لولد فلان لصلبه ولأولاد أولاد فلان ولم ~~يمتنه دخول أولاد بنيه في الوصية مع أولاد الآخر لصلبه وإنما يمتنع دخول ~~ولد فلان لصلبه وولد ولده معه فأما ولد غيره لغير صلبه فغير ممتنع دخوله مع ~~أولا دالآخر لصلبه فكذلك قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ ~~يقتضي ولد الصلب لكل واحد من المذكورين إذا كان ولا يدخل معه ولد الابن ومن ~~ليس له ولد لصلبه وله ولد ابن دخل في اللفظ ولد ابنه وإنما جاز ذلك لأن ~~قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ خطاب لكل واحد من الناس فكان ~~كل واحد منهم مخاطبا به على حياله فمن له منهم ولد لصلبه تناوله اللفظ على ~~حقيقته ولم يتناول ذلك ولد ابنه ومن ليس له ولد لصلبه وله ولد ابن فهو ~~مخاطب بذلك على حياله فيتناول ولد ابنه # فإن قيل إن اسم الولد يقع على كل واحد من ولد الصلب وولد الابن حقيقة لم ~~يبعد إذ كان الجميع منسوبين إليه من PageV03P014 جهة ولادته ونسبه متصل به ~~من هذا الوجه فيتناول الجميع كالإخوة لما كان اسما لاتصال النسب بينه وبينه ~~من جهة أحد أبويه شمل الاسم الجميع وكان عموما فيهم جميعا سواء كانوا لأب ~~وأم أو لأب أو لأم # ويدل عليه أن قوله ms1010 تعالى @QB@ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم @QE@ قد ~~عقل به حليلة ابن الابن كما عقل به حليلة ابن الصلب فإذا ترك بنتا وبنت ابن ~~فللبنت النصف بالتسمية ولبنت الابن السدس وما بقي للعصبة فإن ترك بنتين ~~وبنت ابن وابن ابن فللبنتين الثلثان والباقي لابن الابن وبنت الابن بينهما ~~للذكر مثل حظ الآنيين وكذلك لو كانت بنتين وبنات ابن وابن ابن ابن اسفل ~~منهن كان للبنات الثلثان وما بقي فبين بنات الابن ومن هو أسفل منهن من بني ~~ابن الابن @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ وهذا قول أهل العلم جميعا من ~~الصحابة والتابعين إلا ما روي عن عبدالله بن مسعود أنه كان يجعل الباقي ~~لابن الابن وإن سفل ولا يعطي بنات الابن شيئا إذا استكمل البنات الثلثين ~~وإنما كان يجعل لبنات الابن تكملة الثلثين مثل أن يترك بنتا وبنات ابن ~~فيكون للبنت النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين فإن كان معهن ابن ابن ~~لم يعط بنات الابن أكثر من السدس وكذلك قوله في الأخوات من الأب مع الأخوات ~~من الأب والأم وذهب في ذلك إلى أن إناث ولد الابن لو كن وحدهن لم يأخذن ~~شيئا بعد استيفاء البنات الثلثين فكذلك إذا كان لهن أخ لم يكن لهن شيء ألا ~~ترى أنه لو كان ابن عم مع إحداهن لم يأخذن # شيئا وليس هذا عند الجماعة كذلك لأن بنات الابن يأخذن تارة بالفرض وتارة ~~بالتعصيب وأخوهن ومن هو أسفل منهن يعصبهن كبنات الصلب يأخذن تارة بالفرض ~~وتارة بالتعصيب فلو انفرد البنات لم يأخذن أكثر من الثلثين وإن كثرن ولو ~~كان معهن أخ لهن وهن عشر كان لهن خمسة أسداس المال فيأخذن في حال كون الأخ ~~معهن أكثر مما يأخذن في حال الانفراد فكذلك حكم بنات الابن إذا استوفى بنات ~~الصلب الثلثين لم يبق لهن فرض فإن كان معهن أخ صرن عصبة معه ووجبت قسمة ~~الثلث الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك قالوا في بنتين وبنت ابن ~~وأخت أن للبنتين الثلثين والباقي للأخت ولا شيء ms1011 لبنت الابن لأنها لو أخذت ~~في هذه الحال التي ليس معها ذكر كانت مستحقة بفرض البنات والبنات قد ~~استوعبن الثلثين فلم يبق من فرض البنات شيء تأخذه فكانت الأخت أولى لأنها ~~عصبة مع البنات PageV03P015 فما تأخذه الأخت في هذه الحال فإنما تأخذه ~~بالتعصيب فإذا كان مع بنت الابن اخ لها كان الباقي بعد الثلثين بينهما ~~للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للأخت # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن عامر بن ~~زرارة قال حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن ~~شرحبيل الأودي قال جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فسألهما ~~عن بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم فقالا للبنت النصف وللأخت النصف ولم يورثا ~~بنت الابن شيئا وأت ابن مسعود فإنه سيتابعنا فأتاة الرجل فسأله وأخبره ~~بقولهما فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ولكن أقضي فيها بقضاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابنته النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ~~وما بقي فللأخت من الأب والأم # فهذا السدس تأخذه بنت الابن بالفرض لا بالتعضيب لم يختلفوا فيه إلا ما ~~روي عن أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة وهو الآن اتفاق ثم لم يخالفهم ~~عبدالله لو كان معها أخ أن للبنت النصف وما بقي فبين بنت الابن وابن الابن ~~للذكر مثل حظ الأنثيين وأنها لا تعطى السدس في هذه الحال كما أعطيت إذا لم ~~يكن معها أخ ففي هذا دليل على أن بنت الابن تستحق تارة بالفرض وتارة ~~بالتعصيب مع أخواتها كفرائض بنات الصلب ومن قول عبدالله في بنت وبنات ابن ~~وابن ابن أن للبنت النصف وما بقي فبين بنات لابن وابن الابن للذكر مثل حظ ~~الآنثيين مالم تزد أنصباء بنات الابن على السدس فلا يعطيهن أكثر من السدس ~~فلم يعتبر الفرض على حدة في هذه الحال ولا التعصيب على حدة ولكنه اعتبر ~~التسمية في منع الزيادة على السدس واعتبر المقاسمة في النقصان وهو ms1012 خلاف ~~القياس والله أعلم بالصواب # | باب الكلالة # قال الله عز وجل @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت ~~فلكل واحد منهما السدس @QE@ قال أبو بكر الميت نفسه يسمى كلالة وبعض من ~~يرثه يسمى كلالة وقوله تعالى @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة @QE@ يدل على أن ~~الكلالة ههنا اسم الميت والكلالة حاله وصفته ولذلك انتصب وروي السميط بن ~~عمير أن عمر رضي الله عنه قال أتى علي زمان وما أدري ما الكلالة وإنما ~~الكلالة ما خلا الولد والوالد وروى عاصم الأحول عن الشعبي قال قال أبو بكر ~~رضي الله عنه الكلالة ما خلا الولد والوالد فلما طعن عمر رضي PageV03P016 ~~الله عنه قال رأيت أن الكلالة من لا ولد له ولا والد وإني لأستحي الله أن ~~أخالف أبا بكر هو ماعدا الوالد والولد وروى طاوس عن ابن عباس قال كنت آخر ~~الناس عهدا بعمر بن الخطاب فسمعته يقول القول ما قلت قلت وما قلت قال ~~الكلالة من لا ولد له وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن ~~محمد قال سألت ابن عباس عن الكلالة فقال من لا ولد له ولا والد قال قلت فإن ~~الله تعالى يقول في كتابه @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت @QE@ فغضب ~~وانتهرني # فظاهر الآية وقول من ذكرناهم من الصحابة يدل على أن الميت نفسه يسمى ~~كلالة لأنهم قالوا الكلالة من لا والد له ولا ولد وقال بعضهم الكلالة من لا ~~ولد له وهذه صفة الموروث الميت لأنه معلوم أنهم لم يريدوا أن الكلالة هو ~~الوارث الذي لا ولد له ولا والد إذ كان وجود الولد والوالد للوارث لا يغير ~~حكم ميراثه من موروثه وإنما يتغير حكم الميراث بوجود هذه الصفة للميت ~~المورث والذي يدل على أن اسم الكلالة فد يقع على بعض الوارثين ما رواه شعبة ~~عن ابن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال آتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعودني وأنا مريض فقلت يا رسول الله ms1013 كيف الميراث فإنما يرثني كلالة فنزلت ~~آية الفرائض وهذا الحرف تفرد به شعبة في رواية محمد بن المنكدر فأخبر أن ~~الكلالة ورثته ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن عون عن ~~عمرو بن سعيد عن حميد بن عبدالرحمن قال حدثنا رجل من بني سعد ان سعدا مرض ~~بمكة فقال يا رسول الله ليس لي وارث إلا كلالة فأخبر أيضا أن الكلالة هم ~~الورثة وحديث سعد متقدم لحديث جابر لأن مرضه كان بمكة وليس فيه ذكر الآية ~~فقال قوم كان في حجة الوداع وقال قوم كان في عام الفتح ويقال إن الصحيح أنه ~~كان في عام الفتح وحديث جابر كان بالمدينة في آخر أيام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت @QB@ يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة @QE@ وآخرسورة نزلت براءة قال يحيى بن آدم وقد ~~بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للذي سأله عن الكلالة يكفيك ~~آية الصيف وهي قوله تعالى @QB@ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ ~~لأنها نزلت في الصيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى مكة ونزلت ~~عليه آية الحج @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ وهي آخر آية نزلت ~~بالمدينة ثم خرج إلى مكة فنزلت عليه بعرفة يوم عرفة اليوم @QB@ أكملت لكم ~~دينكم @QE@ الآية ثم نزلت عليه من الغد يوم النحر @QB@ واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله @QE@ PageV03P017 هذه الآية ثم لم ينزل عليه شيء بعدها حتى ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها هكذا سمعنا قال يحيى وفي حديث ~~آخر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال من مات وليس ~~له ولد ولا والد فورثته كلالة قال أبو بكر ولم يذكر تاريخ الأخبار والآي ~~لأن الحكم يتغير فيما ذكرنا بالتاريخ ولكنه لما جرى ذكر الآي والأخبار اتصل ~~ذلك بها وإنما أردنا بذلك أن نبين أن اسم الكلالة يتناول الميت تارة وبعض ~~الورثة تارة أخرى ms1014 # وقد اختلف السلف في الكلالة فروى جرير عن أبي إسحاق الشيباني عن عمرو ابن ~~مرة عن سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب سال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كيف يورث الكلالة قال أو ليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قرأ @QB@ وإن كان ~~رجل يورث كلالة أو امرأة @QE@ إلى آخر الآية فأنزل الله تعالى @QB@ ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ إلى آخرها قال فكان عمر لم يفهم ~~فقال لحفصة إذا رأيت من رسول الله طيب نفس فسليه عنها فرأت منه طيب نفس ~~فسألته عنها فقال أبوك كتب لك هذا ما أرى أباك يعلمها أبدا قال فكان عمر ~~يقول ما أراني أعلمها أبدا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ~~وروى سفيان عن عمرو بن مرة عن مرة قال قال عمر ثلاث لا يكون بينهن لنا أحب ~~إلي من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة والربا وروى قتادة عن سالم بن أبي ~~الجعد عن معدان بن أبي طلحة قال قال عمر ما سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري ثم قال ~~يكفيك آية الصيف وروى عن عمر أنه قال عند موته اعلموا أني لم أقل في ~~الكلالة شيئا # فهذه الأخبار التي ذكرنا تدل على أنه لم يقطع فيها بشيء وأن معناها ~~والمراد بها كان ملتبسا عليه قال سعيد بن المسيب كان عمر كتب كتابا في ~~الكلالة فلما حضرته الوفاة محاه وقال ترون فيه رأيكم فهذه إدى الروايات عن ~~عمر وروى عنه أنه قال الكلالة من لا ولد له ولا والد وروي عنه أن الكلالة ~~من لا ولد له وروي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عباس في إحدى الروايتين أن ~~الكلالة ما عدا الوالد والولد وروى محمد بن سالم عن الشعبي عن ابن مسعود ~~أنه قال الكلالة ماخلا الوالد والولد وعن زيد ابن ثابت مثله وروي عن ابن ~~عباس رواية أخرى أن الكلالة ما خلا ms1015 الوالد # قال أبو بكر اتفقت الصحابة على ان الولد ليس من الكلالة واختلفوا في ~~الوالد فقال الجمهور الوالد خارج من الكلالة وقال ابن عباس في PageV03P018 ~~إحدى الروايتين مثله وفي رواية أخرى أن الكلالة ما عدا الولد # فلما اختلف السلف فيها على هذه الوجوه وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن معناها فوكله إلى حكم الآية وما في مضمونها وهي قوله تعالى @QB@ ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ وقد كان عمر رجلا من أهل اللسان ~~لا يخفى عليه ما طريق معرفته اللغة ثبت أن معنى اسم الكلالة غير مفهوم من ~~اللغة وأنه من متشابه الآي التي أمرنا الله تعالى بالاستدلال على معناه ~~بالحكم ورده إليه ولذلك لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم عمر عن سؤاله في ~~معنى الكلالة ووكله إلى استنباطه والاستدلال عليه وفي ذلك ضروب من الدلالة ~~على المعاني أحدها أن بمسألته إياه لم يلزمه توقيفه على معناها من طريق ~~النص لأنه لو كان واجبا عليه توقيفه على معناها لما أخلاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من بيانها وذلك أنه لم يكن أمر الكلالة في الحال التي سأل عنها ~~حادثة تلزمه تنفيذ حكمها في الحال ولو كان كذلك لما أخلاه من بيانها وإنما ~~سأله سؤال مستفهم مسترشد لمعنى الآية من طريق النص ولم يكن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم توقيف الناس على جليل الأحكام ودقيقها لأن منها ما هو مذكور ~~باسمه وصفته ومنها ما هو مدلول عليه بدلالة مفضية إلى العلم به لا احتمال ~~فيه ومنها ما هو موكول إلى اجتهاد الرأي فرد النبي صلى الله عليه وسلم عمر ~~إلى اجتهاده وهذا يدل على أنه رآه من أهل الاجتهاد وأنه ممن قال الله تعالى ~~@QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ وفيه الدلالة على تسويغ اجتهاد الرأي ~~في الأحكام وأنه أصل يرجع إليه في أحكام الحوادث والاستدلال على معاني الآي ~~المتشابهة وبنائها على المحكم واتفاق الصحابة أيضا على تسويغ الاجتهاد في ~~استخراج معاني الكلالة يدل على ذلك ألا ترى أن ms1016 بعضهم قال هو من لا ولد له ~~ولا والد وقال بعضهم من لا ولد له وأجاب عمر بأجوبة مختلفة ووقف فيها في ~~بعض الأحوال ولم ينكر بعضهم على بعض الكلام فيها بما أداه إليه اجتهاده وفي ~~ذلك دليل على اتفاقهم على تسويغ الاجتهاد في الأحكام ويدل على أن ما روى ~~أبو عمران الجوني عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في ~~القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ إنما هو فيمن قال فيه بما سنح في وهمه وخطر ~~على باله من غير استدلال عليه بالأصول وأن من استدل على حكمه واستنبط معناه ~~فحمله على المحكم المتفق على معناه فهو ممدوح مأجور ممن قال الله تعالى ~~@QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ وقد تكلم أهل اللغة في معنى الكلالة ~~قال أبو عبيدة معمر بن المثنى الكلالة كل من لم يرثه أب ولا ابن فهو ~~PageV03P019 عند العرب كلالة مصدر من تكلله النسب أي تعطف النسب عليه قال ~~أبو عبيدة من قرأها يورث بالكسر أراد من ليس بولد ولا والد # قال أبو بكر والذي قرأه بالكسر الحسن وأبو رجاء العطاردي # قال أبو بكر وقد قيل إن الكلالة في أصل اللغة هو الإحاطة فمنه الإكليل ~~لإحاطته بالرأس ومنه الكل لإحاطته بما يدل عليه فالكلالة في النسب من أحاط ~~بالولد والوالد من الإخوة والأخوات وتكللهما وتعطف عليها والولد والوالد ~~ليسا بكلالة لأن أصل النسب وعموده الذي إليه ينتهى هو الولد والوالد ومن ~~سواهما فهو خارج عنهما وإنما يشتمل عليهما بالانتساب عن غير جهة الولادة ~~ممن نسب إليه كالإكليل المشتمل على الرأس وهذا يدل على صحة قول من تأولها ~~على من عدا الوالد والولد وإن الولد إذا لم يكن من الكلالة فكذلك الولد لأن ~~نسبة كل واحد منهما إلى اللميت من طريق الولادة وليس كذلك الإخوة والأخوات ~~لأن نسب كل واحد منهما لا يرجع إلى الميت من طريق ولاد بينهما ويشبه أن ~~يكون من تأوله على من عدا الوالد وأخرج الولد وحده من الكلالة إن ms1017 الولد من ~~الوالد وكأنه بعضه وليس الوالد من الولد كما ليس الأخ والأخت ممن ينسب إليه ~~بالإخوة فاعتبر من قال ذلك الكلالة بمن لا ينسب إليه بأنه منه وبعضه فأما ~~من كانت نسبته إلى الميت من حيث هو منه فليس بكلالة وقد كان اسم الكلالة ~~مشهورا في الجاهلية قال عامر بن الطفيل % فإن وإن كنت ابن فارس عامر % وفي ~~السر منها والصريح المهذب % % فما سودتني عامر عن كلالة % أبى الله أن أسمو ~~بأم ولا أب % $ # وهذا يدل على أنه رأى الجد الذي انتسبوا إليه كلاله وأخبر مع ذلك أن ~~سيادته ليست من طريق النسب والكلالة لكنه بنفسه ساد ورأس وقال بعضهم كلت ~~الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت وحمل فلان على فلان ثم كل عنه إذا تباعد ~~والكلالة هو الإعياء لأنه قد يبعد عليه تناول ما يريده وأنشد الفرزدق % ~~ورثتم قناة الملك غير كلالة % عن ابني مناف عبد شمس وهاشم % $ # يعني ورثتموها بالآباء لا بالأخوة والعمومة # وذكر الله تعالى الكلالة في موضعين من كتابه أحدهما قوله تعالى @QB@ قل ~~الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~@QE@ إلى آخر الآية فذكر ميراث الأخوة والأخوات PageV03P020 عند عدم الولد ~~وسماهم كلالة وعدم الوالد مشروط فيها وإن لم يكن مذكورا لقوله تعالى في أول ~~السورة @QB@ وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ فلم ~~يجعل للإخوة ميراثا مع الأب فخرج الوالد من الكلالة كما خرج الولد لأنه لم ~~يورثهم مع الأب كما لم يورثهم مع الابن والبنت أيضا ليست بكلالة فإن ترك ~~ابنة أو ابنتين وإخوة وأخوات لأب وأم أو لأب فالبنات لسن بكلالة ومن ورث ~~معهما كلالة # وقال تعالى في أول السورة @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ~~@QE@ فهذه الكلالة هي الأخ والأخت لأم لا يرثان مع والد ولا ولد ذكرا كان ~~أو أنثى وقد ms1018 روي أن في قراءة سعد بن أبي وقاص / < وإن كان رجل يورث كلالة ~~أو امرأة وله أخ أو أخت لأم > / فلا خلاف مع ذلك أن المراد بالأخ والأخت ~~ههنا إذا كانا لأم دونهما إذا كانا لأب وأم أو لأب وقد روي عن طاوس عن ابن ~~عباس أن الكلالة ما عدا الولد وورث الإخوة من الأم مع الأبوين السدس وهو ~~السدس الذي حجبت الأم عنه وهو قول شاذ # وقد بينا ما روى عنه أنها ما عدا الوالد والولد ولا خلاف أن الإخوة ~~والأخوات من الأم يشتركون في الثلث ولا يفضل منهم ذكر على أنثى # وقد اختلفوا في الجد هل يورث كلالة فقال قائلون لم يورث كلالة وقال آخرون ~~بل هو كلالة وهو قول من يورث الإخوة والأخوات مع الجد والأولى أن يكون ~~خارجا من الكلالة لثلاثة أوجه أحدها أنهم لا يختلفون أن ابن الابن خارج عن ~~الكلالة لأنه منسوب إلى الميت بالولاد فواجب على هذا خروج الجد منها إذا ~~كانت النسبة بينهما من طريق الولاد ومن جهة أخرى أن الجد هو أصل النسب ~~كالأب وليس بخراج عنه فوجب أن يكون خارجا عن الكلالة إذا كانت الكلالة ما ~~تكلل على النسب وتعطف عليه ممن ليس أصل النسب متعلقا به والثالث أنهم لا ~~يختلفون أن قوله تعالى @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت ~~@QE@ لم يدخل فيه الجد وأنه خارج عنه لا يرث معه الإخوة من الأم كما لا ~~يرثون مع الابن والبنت فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب في خروجه عن ~~الكلالة وهذا يدل على أن الجد بمنزلة الأب في نفي مشاركة الإخوة والأخوات ~~إياه في الميراث # فإن قيل هذا لا يدل على ما ذكرته من قبل PageV03P021 أن البنت خارجة عن ~~الكلالة ولا يرث معها الإخوة والأخوات من الأم ويرث معها الإخوة والأخوات ~~من الأب والأم فكذلك الجد # قيل له لم نجعل ما ذكرناه علة للمسئلة فيلزمنا ما وصفت وإنما قلنا أنه لم ~~يتناوله اسم الكلالة كالأب ms1019 والابن اقتضى ظاهر الآية أن يكون ميراث الإخوة ~~والأخوات عند عدمه إلا أن تقوم الدلالة على توريثهم معه والبنت وإن كانت ~~خارجة عن الكلالة فقد قامت الدلالة على توريث الإخوة والأخوات من الأب معها ~~فخصصناها من الظاهر وبقي حكم اللفظ فيما سواه ممن يشتمله اسم الكلالة والله ~~أعلم # | باب العول # روى الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس قال أول من أعال ~~الفرائض عمر بن الخطاب لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضا قال والله ~~ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر وكان امرأ ورعا فقال ما أجد شيئا هو ~~أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص وأدخل على كل ذي حق ما أدخل عليه من ~~عول الفريضة وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي في بنتين وأبوين وامرأة قال ~~صار ثمنها تسعا وكذلك رواه الحكم بن عتيبة عنه وهو قول عبدالله وزيد بن ~~ثابت وقد روى أن العباس ابن عبدالمطلب أول من أشار على عمر بالعول قال عبيد ~~الله بن عبدالله قال ابن عباس أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب وأيم الله ~~لو قدم من قدم الله لما عالت فريضة فقيل له وأيها التي قدم الله وأيها التي ~~أخر قال كل فريضة لم تزل عن فريضة إلا إلى فريضة فهي التي قدم الله وكل ~~فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فهي التي أخر الله تعالى ~~فأما التي قدم الله تعالى فالزوج والزوجة والأم لأنهم لا يزولون من فرض إلا ~~إلى فرض والبنات والأخوات نزلن من فرض إلى تعصيب مع البنتين والإخوة فيكون ~~لهن ما بقي مع الذكور فنبدأ بأصحاب السهام ثم يدخل الضرر على الباقين وهم ~~الذين يستحقون ما بقي إذا كانوا عصبة قال عبيد الله بن عبدالله فقلنا له ~~فهلا راجعت فيه عمر فقال إنه كان أمرا مهيبا ورعا قال ابن عباس ولو كلمت ~~فيه عمر لرجع وقال الزهري لولا أنه تقدم ابن عباس إمام عدل فأمضى ms1020 أمرا فمضى ~~وكان أمرأ ورعا ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم وروى محمد بن ~~إسحاق عن ابن أبي نجيح PageV03P022 عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس ~~ذكر الفرائض وعولها فقال أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال قسمه ~~نصفا ونصفا وثلثا فهذا النصف وهذا النصف فأين موضع الثلث قال عطاء فقلت ~~لابن عباس يا أبا عباس إن هذا لا يغني عنك ولا عني شيئا لو مت أو مت قسما ~~ميراثنا على ما عليه القوم من خلاف رأيك ورأيي قال فإن شاؤا فلندع أبناءنا ~~وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين ما جعل الله في مال نصفا ونصفا وثلثا # والحجة للقول الأول أن الله تعالى قد سمى للزوج النصف وللأخت من الأب ~~والأم النصف وللأخوة من الأم الثلث ولم يفرق بين حال اجتماعهم وانفرادهم ~~فوجب استعمال نص الآية في كل موضع على حسب الإمكان فإذا انفرد واتسع المال ~~لسهامهم قسم بينهم عليها وإذا اجتمعوا وجب استعمال حكم الآية في التضارب ~~بها ومن اقتصر على بعض وأسقط بعضا أو نقص نصيب بعض ووفى الآخرين كمال ~~سهامهم فقد أدخل الضيم على بعضهم مع مساواته للآخرين في التسمية فأما ما ~~قاله ابن عباس من تقديم من قدم الله تعالى وتأخير من أخر فإنما قدم بعضا ~~وأخر بعضا وجعل له الباقي في حال التعصيب فأما حال التسمية التي لا تعصيب ~~فيها فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر ألا ترى أن الأخت منصوص على ~~فرضها بقوله تعالى @QB@ وله أخت فلها نصف ما ترك @QE@ كنصه على فرض الزوج ~~والأم والإخوة من الأم فمن أين وجب تقديم هؤلاء عليها في هذه الحال وقد نص ~~الله تعالى على فرضها في هذه الحال كما نص على فرض الذين معها وليس يجب لأن ~~الله أزال فرضها إلى غير فرض في موضع أن يزيل فرضها في الحال التي نص عليه ~~فيها فهذا القول أشنع في مخالفة الآي التي فيها ms1021 سهام المواريث من القول ~~بإثبات نصف ونصف وثلث على وجه المضاربة بها ولذلك نظائر في المواريث من ~~الأصول أيضا # قال الله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ فلو ترك الميت ألف ~~درهم وعليه دين لرجل ألف درهم ولآخر خمس مائة ولآخر ألف كانت الألف ~~المتروكة مقسومة بينهم على قدر ديونهم وليس يجوز أن يقال لما لم يمكن ~~استيفاء ألفين وخمسمائة من ألف استحال الضرب بها وكذلك لو أوصى رجل بثلث ~~ماله لرجل وبسدسه لآخر ولم تجز ذلك الورثة تضاربا في الثلث بقدر وصياهم ~~فليضرب أحدهما بالسدس والآخر بالثلث مع استحالة استيفاء النصف PageV03P023 ~~من الثلث وكذلك الابن يستحق جميع المال لو انفرد وللبنت النصف لو انفردت ~~فإذا اجتمعا ضرب الابن بجميع المال والبنت بالنصف فيكون المال بينهما ~~أثلاثا وهكذا سبيل العول في الفرائض عند تدافع السهام والله أعلم # | باب المشركة # اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المشركة وهي أن تخلف ~~المورثة زوجها وأمها وأخوتها لأمها وأخوتها لأبيها وأمها فقال علي بن أبي ~~طالب وعبدالله بن عباس وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري للزوج النصف وللأم ~~السدس وللأخوين من الأم الثلث وسقط الإخوة والأخوات من الأب والأم وروى ~~سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة قال سئل علي عن الإخوة من ~~الأم فقال أرأيتم لو كانوا مائة أكنتم تزيدونهم على الثلث قالوا لا قال ~~فأنا لا أنقصهم منه شيئا وجعل الإخوة والأخوات من الأب والأم عصبة في هذه ~~الفريضة وقد حالت السهام دونهم وقال عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود وزيد ~~بن ثابت للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين من الأم الثلث ثم يرجع الإخوة من ~~الأب والأم على الإخوة من الأم فيشاركونهم فيكون الثلث الذي أخذوه بينهم ~~سواء # وروى معمر عن سماك ابن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن مسعود الثقفي ~~قال شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم مع الإخوة من الأم في ~~الثلث فقال له رجل قضيت ms1022 عام أول بخلاف هذا قال كيف قضيت قال جعلته للأخوة ~~من الأم ولم تعط الإخوة من الأب والأم شيئا قال تلك على ما قضينا وهذه على ~~ما قضينا # وروى أن عمر كان لا يشرك بينهم حتى احتج الإخوة من الأب والأم فقالوا يا ~~أمير المؤمنين لنا أب وليس لهم أب ولنا أم كما لهم فإن كنتم حرمتونا بأبينا ~~فورثونا بأمنا كما ورثتم هؤلاء بأمهم واحسبوا أن أبانا كان حمارا أليس قد ~~تراكضنا في رحم واحدة فقال عمر عند ذلك صدقتم فأشرك بينهم وبين الإخوة من ~~الأم في الثلث وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إلى قول ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن تابعه في ترك الشركة بينهم والدليل على ~~صحة القول الأول قوله تعالى @QB@ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ~~أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ~~@QE@ PageV03P024 فنص على فرض الإخوة من الأم وهو الثلث وبين أيضا حكم ~~الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى @QB@ يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين @QE@ فلم يجعل الله لهم فرضا مسمى وإنما جعل لهم المال على وجه ~~التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ولا خلاف أنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم ~~وإخوة وأخوات لأب وأم أن للزوج النصف وللأم السدس وللأخ من الأم السدس وما ~~بقي وهو السدس بين الإخوة والأخوات من الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~ولم يدخلوا مع الأخ من الأم في نصيبه فلما كانوا مع ذوي السهام إنما ~~يستحقون باقي المال بالتعصيب لا بالفرض لم يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من ~~الأم في فرضهم لأن ظاهر الآية ينفي ذلك إذ كانت الآية إنما أوجبت لهم ما ~~يأخذونه للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالفرض فما أعطاهم بالفرض فهو ~~خارج عن حكم الآية ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ms1023 الحقوا ~~الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلا ولي عصبة ذكر فجعل للعصبة بقية المال ~~بعد أخذ ذوي السهام سهامهم فمن أشركهم مع ذوي السهام وهم عصبة فقد خالف ~~الأثر # فإن قيل لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا يحرموا بالأب قيل له هذا غلط ~~لأنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وإخوة وأخوات لأب وأم لأخذ الأخ من أم ~~السدس كاملا وأخذ الإخوة والأخوات من الأب والأم السدس الباقي بينهم وعسى ~~يصيب كل واحد منهم أقل من العشر ولم يكن لواحد منهم أن يقول قد حرمتموني ~~بالأب مع اشتراكنا في الأم بل كان نصيب الأخ من الأم أوفر من نصيب كل واحد ~~منهم فدل ذلك على معنيين أحدهما انتقاض العلة بالاشتراك في الأم والثاني ~~انهم لم يأخذوا بالفرض وإنما أخذوا بالتعصيب ويدل على فساد ذلك أيضا أنها ~~لو تركت زوجا وأختا لأب وأم وأختا وأخا لأب أن للزوج النصف وللأخت من الأب ~~والأم النصف ولا شيء للأخ والأخت من الأم لأنهما عصبة فلا يدخل مع ذوي ~~السهام ولم يجز أن يجعل الأخ من الأب بمنزلة من لم يكن حتى تستحق الأخت من ~~الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال الانفراد عن الأخ وإنما التعصيب أخرجها ~~عن السدس الذي كانت تستحقه كذلك التعصيب يخرج الإخوة من الأب والأم عن ~~الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم والله أعلم PageV03P025 # | ذكر اختلاف السلف في ميراث الأخت مع البنت # لم يختلف عن علي وعمر وعبدالله بن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل في ~~رجل خلف بنتا وأختا لأب وأم وعصبة أن للبنت النصف وما بقي فللأخت فجعلوها ~~عصبة مع البنات وقال عبدالله بن عباس وابن الزبير للبنت النصف وما بقي ~~فللعصبة وإن بعد نسبه ولا حظ للأخت في الميراث مع البنت وروى أن ابن الزبير ~~رجع عن ذلك بعد أن قضى به وروي أنه قيل لعبد الله بن عباس أن عليا وعبدالله ~~وزيدا كانوا يجعلون الأخوات مع البنات عصبة فيورثونهن فاضل المال فقال ms1024 ~~أأنتم أعلم أم الله يقول الله @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك @QE@ وأنتم تجعلون لها مع الولد النصف # قال أبو بكر مما يحتج به للقول الأول قوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل ~~منه أو كثر نصيبا مفروضا @QE@ فظاهره يقتضي توريث الأخت مع البنت لأن أخاها ~~الميت هو من الأقربين وقد جعل الله ميراث الأقربين للرجال والنساء ويحتج ~~فيه بحديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبدالله بن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم أن للبنت النصف ولبنت ~~الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأعطى للأخت بقية المال بعد ~~السهام وجعلها عصبة مع البنت وأما احتجاج من يحتج في ذلك بأن الله تعالى ~~إنما جعل لها النصف إذا لم يكن ولد ولا يجوز أن يجعل لها النصف مع الولد ~~فإنه غير لازم من قبل أن الله تعالى نص على سهمها عند عدم الولد ولم ينف ~~ميراثها مع وجوده وتسميته لها النصف عند عدم الولد لا دلالة فيه على سقوط ~~حقها إذا كان هناك ولد إذ لم يذكر هذه الحال بنفي الميراث ولا بإيجابه فهو ~~موقوف على دليله ومع ذلك فإن معناه إن أمرؤ هلك وليس له ولد ذكر بدلالة ~~قوله تعالى في نسق التلاوة @QB@ وهو يرثها @QE@ يعني الأخ يرث الأخت @QB@ ~~إن لم يكن لها ولد @QE@ معناه عند الجميع أن لم يكن لها ولد ذكر إذ لا خلاف ~~بين الصحابة أنها إذا تركت ولدا أنثى وأخا أن للبنت النصف والباقي للأخ ~~والولد المذكور ههنا هو المذكور بديا في أول الآية وأيضا قال الله تعالى ~~@QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد @QE@ ومعناه عند ~~الجميع إن كان له ولد ذكر لأنه لا خلاف بين الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء ~~أنه لو ترك PageV03P026 ابنة وأبوين أن للبنت النصف وللأبوين السدسان ~~والباقي للأب ms1025 فيأخذ الأب في هذه الحال مع الولد الأنثى أكثر من السدس وإن ~~قوله تعالى @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد @QE@ ~~على أنه ولد ذكر وكذلك لو ترك أبا وبنتا كان للبنت النصف وللأب النصف فقد ~~أخذ في هاتين المسألتين أكثر من السدس مع الولد قال أبو بكر وشذت طائفة عن ~~الأمة فزعمت أنه إذا ترك بنتا وأختا كان المال كله للبنت وكذلك البنت والأخ ~~وهذا قول خارج عن ظاهر التنزيل واتفاق الأمة قال الله تعالى @QB@ يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ فنص على سهم البنت وسهم ما فوق ~~الثنتين وجعل لها إذا انفردت النصف وإذا ضامها غيرها الثلثين لهما جميعا ~~فغير جائز أن تعطى أكثر منه إلا بدلالة # فإن قيل إذا كان ذكر النصف والثلثين غير دال على ما ذكرت فليس إذا في ~~الظاهر نفي ما زاد وإنما تحتاج إلى أن تطالب خصمك بإقامة الدلالة على أن ~~الزيادة مستحقة # قيل له لما كان قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ أمرا ~~باعتبار السهام المذكورة إذ كانت الوصية أمرا أوجب ذلك اعتبار كل فرض مقدر ~~في الآية على حياله ممنوعا من الزيادة والنقصان فيه فاقتضى ذلك وجوب ~~الاقتصار على المقادير المذكورة لمن سميت له غير زائدة ولا ناقصة ولم يقل ~~بذلك من حيث خصه بالذكر دون ما تقدم من الأمر باعتبارها في ابتداء الخطاب ~~فلذلك منعنا الزيادة عليها إلا بدلالة # وقوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ يدل على ~~وجوب توريث الأخ مع البنت ويدل عليه حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلا ولى عصبة ذكر فواجب بمجموع الآية ~~والخبر أنا إذا أعطينا البنت النصف أن نعطي الباقي الأخ لأنه أولى عصبة ذكر ~~واختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم فقال علي وزيد للأخ من الأم السدس ~~وما بقي فبينهما نصفان ms1026 وهو قول فقهاء الأمصار وقال عمر وعبدالله المال للأخ ~~من الأم وقالا ذو السهم أحق ممن لا سهم له وإليه كان يذهب شريح والحسن ولم ~~يختلفوا في أخوين لأم أحدهما ابن عم أن لهما الثلث بنسب الأم وما بقي فلابن ~~العم خاصة ولم يجعلوا ابن العم أحق بجميع الميراث لاجتماع السهم والتسمية ~~له دون الآخر كذلك حكم ابني العم إذا كان أحدهما أخا لأم فغير جائز أن يجعل ~~أولى PageV03P027 بالميراث من أجل اختصاصه بالسهم والتعصيب وشبه عمر ~~وعبدالله ذلك بالأخ لأب وأم وأخ لأب أنه أولى بالميراث وليس هذ عند الآخرين ~~مشبها لهذه المسألة من قبل أن نسبهما من جهة واحدة وهي الأخوة فاعتبر فيها ~~أقربهما إليه وهو الذي اجتمع له قرابة الأب والأم ولا يستحق بقرابته من ~~الأم سهم الأخ من الأم بل إنما يؤكد ذلك حكم الأخوة وليس كذلك ابنا العم ~~إذا كان أحدهما أخا لأم لأنك تريد أن تؤكد بالإخوة من جهة الأم ما ليس ~~بأخوة وإنما هو سبب آخر غيرها فلم يجز أن تؤكده بها ويدل لك على هذا أن ~~نسبته من جهة أنه ابن العم لا يسقط سهمه من جهة أنه أخ لأم بل يرث بأنه أخ ~~لأم سهم الأخ من الأم وإن كان ابن عم ألا ترى أن الميتة لو تركت أختين لأب ~~وأم وزوجا وأخا لأم هو ابن عم أن للأختين الثلثين وللزوج النصف وللأخ من ~~الأم السدس ولم يسقط سهمه من جهة أنه ابن عم ولو تركت زوجا وأما وأختا لأم ~~وأخوة لأب وأم كان للزوج النصف وللأم السدس وللأخت من الأم السدس وما بقي ~~فللإخوة من الأب والأم ة ولم يستحق أخوة من الأب والأم سهم الأخوة من الأم ~~لمشاركتهم للأخ من الأم في نسبها بل إنما استحقوا بالتعصيب فكانت قرابتهم ~~بالأب والأم مؤكدة لتعصيبهم فلا يستحقون بها أن يكونوا من ذوي السهام ~~وقرابة ابن العم بنسبه من جهة الأم لاتخرجه من أن يكون من ذوى السهام فيما ~~يستحقه من سهم ms1027 الأخ من الأم وليس لهذا تأثير في تأكيد التعصيب لأنه لو كان ~~كذلك لوجب أن لا يستحق أبدا إلا بالتعصيب كما لا يؤخذ الإخوة من الأب والأم ~~إلا بالتعصيب ولا يأخذون بقرابتهم من الأم سهم الأخوة من الأم والله أعلم # | باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية # قال الله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ وروى الحارث عن ~~علي قال تقرأون الوصية قبل الدين وأن محمدا صلى الله عليه وسلم قضى بالدين ~~قبل الوصية # قال أبو بكر وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين وذلك لأن معنى قوله @QB@ من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ أن الميراث بعد هذين وليست أو في هذا الموضع ~~لأحدهما بل قد تناولهما جميعا وذلك لأن قوله @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين @QE@ مستثنى عن الجملة المذكورة في قسمة المواريث ومتى دخلت أو على ~~النفي صارت في معنى الواو كقوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~@QE@ PageV03P028 وقال تعالى @QB@ حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ~~أو الحوايا أو ما اختلط بعظم @QE@ فكانت أو في هذه المواضع بمنزلة الواو ~~فكذلك قوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ لما كان في معنى ~~الاستثناء كأنه قال إلا أن تكون هناك وصية أو دين فيكون الميراث بعدهما ~~جميعا وتقديم الوصية على الدين في الذكر غير موجب للتبدئة بها على الدين ~~لأن أو لا توجب الترتيب وإنما ذكر الله تعالى ذلك بعد ذكر الميراث إعلاما ~~لنا أن سهام المواريث جارية في التركة بعد قضاء الدين وعزل حصة الوصية ألا ~~ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام الورثة معتبرة بعد الثلث فيكون ~~للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين وكذلك سهام سائر أهل الميراث جارية في ~~الثلثين دون الثلث الذي فيه الوصية فجمع تعالى بين ذكر الدين والوصية ~~ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين وإن ~~كانت الوصية مخالفة للدين من جهة الاستيفاء لأنه لو هلك من المال شيء لدخل ~~النقصان ms1028 على أصحاب الوصايا كما يدخل على الورثة وليس كذلك الدين لأنه لو ~~هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي وإن استغرقه وبطل حق الموصى ~~له والورثة جميعا فالموصى له شريك الورثة من وجه ويأخذ شبها من الغريم من ~~وجه آخر وهو أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كاعتبارها بعد الدين ~~وليس المراد بقوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ أن الموصى ~~له يعطى وصيته قبل أن يأخذ الورثة أنصباءهم بل يعطون كلهم معا كأنه أحد ~~الورثة في هذا الوجه وما هلك من المال قبل القسمة فهو ذاهب منهم جميعا # | باب مقدار الوصية الجائزة # قال الله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ ظاهرة يقتضي جواز ~~الوصية بقليل المال وكثيره لأنها منكورة لا تختص ببعض دون بعض إلا أنه قد ~~قامت الدلالة من غير هذه الآية على أن المراد بها الوصية ببعض المال لا ~~بجميعه وهو قوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر @QE@ فأطلق ~~إيجاب الميراث فيه من غير ذكر الوصية فلو اقتضى قوله تعالى @QB@ من بعد ~~وصية يوصي بها @QE@ الوصية بجميع المال لصار قوله تعالى @QB@ للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ منسوخا بجواز الوصية بجميع المال فلما كان ~~حكم هذه الآية PageV03P029 ثابتا في إيجاب الميراث وجب استعمالها مع آية ~~الوصية فوجب أن تكون الوصية مقصورة على بعض المال والباقي للورثة حتى نكون ~~مستعملين لحكم الآيتين ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ وليخش الذين لو ~~تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ~~@QE@ يعني في منع الرجل الوصية بجميع ماله على ما تقدم من بيان تأويله فيدل ~~على جواز الوصية ببعض المال لاحتمال اللفظ للمعنيين وقدروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخبار تلقتها الأمة بالقبول والاستعمال في الاقتصار بجواز ~~الوصية على الثلث منها ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة وابن ms1029 أبي خلف قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد ~~عن أبيه قال مرض أبي مرضا شديدا قال ابن أبي خلف بمكة مرضا شفي منه فعاده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس ~~يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين قال لا قال فبالشطر قال لا قال فبالثلث ~~قال الثلث والثلث كثير وإنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس فإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في ~~امرأتك قلت يا رسول الله أتخلف عن هجرتي قال إنك أن تخلف بعدي فتعمل عملا ~~تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك ~~أقوام ويضر بك آخرون ثم قال اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على ~~أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~مات بمكة # قال أبو بكر قد حوى هذا الخبر ضروبا من الأحكام والفوائد منها أن الوصية ~~غير جائزة في أكثر من الثلث والثاني أن المستحب النقصان عن الثلث ولذلك قال ~~بعض الفقهاء أستحب النقصان عنه لقوله صلى الله عليه وسلم والثلث كثير ~~والثالث أنه إذا كان قليل المال وورثته فقراء أن الأفضل أن لا يؤصي بشيء ~~لقوله صلى الله عليه وسلم إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس وفي ذلك أيضا دليل على جواز الوصية بجميع المال إذا لم يكن ~~له وارث لأنه أخبر ان الوصية بأكثر من الثلث ممنوعة لأجل الورثة وفيه ~~الدلالة على أن الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث لأن سعد قال ~~أتصدق بجميع مالي فقال لا إلى أن رده إلى الثلث وقد رواه جرير عن عطاء بن ~~السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي عن سعد قال عادني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنا مريض فقال أوصيت قلت نعم قال بكم قلت بمالي كله في PageV03P030 ~~سبيل ms1030 الله قال فما تركت لولدك قال هم أغنياء قال أوص بالعشر فما زلت أناقصه ~~ويناقصني حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير قال أبو عبدالرحمن فنحن نستحب أن ~~تنقص من الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم والثلث كثير فذكر في هذا الحديث ~~أنه قال أوصيت بمالي كله وهذا لا ينفي ما روى في الحديث الأول من الصدقة في ~~المرض لأنه جائز أن يكون لما منعه الوصية بأكثر من الثلث ظن أن الصدقة ~~جائزة في المرض فسأله عنها فأخبر صلى الله عليه وسلم أن حكم الصدقة حكم ~~الوصية في وجوب الاقتصار بها على الثلث وهو نظير حديث عمران بن حصين في ~~الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته وفيه أن الرجل مأجور في النفقة على ~~أهله وهذا يدل على أن من وهب لامرأته هبة لم يجز له الرجوع فيها لأنها ~~بمنزلة الصدقة لأنه قد استوجب بها الثواب من الله تعالى وهو نظير ما روي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أعطى الرجل امرأته عطية فهي له صدقة # وقول سعد أتخلف عن هجرتي عنى به أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر منها ~~إلى المدينة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى المهاجرين أن يقيموا بعد ~~النفر أكثر من ثلاث فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتخلف بعده حتى ~~ينفع الله به أقواما ويضر به آخرين وكذلك كان فإنه بقي بعده صلى الله عليه ~~وسلم وفتح الله على يده بلاد العجم وأزال به ملك الأكاسرة وذلك من علوم ~~الغيب الذي لا يعلمه غير الله تعالى # حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو عبدالله عبيدالله بن حاتم العجلي ~~قال حدثني عبدالأعلى بن واصل قال حدثنا إسماعيل بن صبيح قال حدثنا مبارك بن ~~حسان قال حدثنا نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حاكيا ~~عن الله تعالى أنه قال يا ابن آدم اثنتان ليست لك واحدة منهما جعلت لك ~~نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك ms1031 لأطهرك وأزكيك وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء ~~أجلك ففي هذا الحديث أيضا أن له بعض المال عند الموت لا جميعه وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا محمد بن أحمد بن شيبة قال حدثنا محمد بن صالح بن ~~النطاح قال حدثنا عثمان قال سمعت طلحة بن عمرو قال حدثنا عطاء عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر ~~أعماركم زيادة في أعمالكم # قال أبو بكر فهذه الأخبار الموجبة للاقتصار بالوصية على الثلث عندنا في ~~حيز التواتر الموجب للعلم لتلقي الناس إياها بالقبول وهي مبينة لمراد الله ~~تعالى في الوصية المذكورة في الكتاب انها مقصورة على الثلث # وقوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ يدل على أن ~~PageV03P031 من ليس عليه دين لآدمي ولم يوص بشيء أن جميع ميراثه لورثته ~~وأنه إن كان عليه حج أو زكاة لم يجب إخراجه إلا أن يوصي به وكذلك الكفارات ~~والنذور # فإن قيل إن الحج دين وكذلك كل ما يلزمه الله تعالى من القرب في المال ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها أرأيت ~~لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء # قيل له أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سماه دين الله تعالى ولم يسمه ~~بهذا الاسم إلا مقيدا فلا يتناوله الإطلاق وقول الله تعالى @QB@ من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين @QE@ إنما اقتضى التبدئة بما يسمى به على الإطلاق فلا ~~ينطوي تحته ما لا يسمى به إلا مقيدا لأن في اللغة والشرع أسماء مطلقة ~~وأسماء مقيدة فلا يتناول المطلق إلا ما يقع الاسم عليه على الإطلاق فإذا لم ~~تتناول الآية ما كان من حق الله تعالى من الديون لما وصفنا اقتضى قوله ~~تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ أنه إذا لم يوص ولم يكن عليه ~~دين لآدمي أن يستحق الوارث جميع تركته وحديث سعد يدل على ذلك أيضا لأنه ms1032 قال ~~أتصدق بمالي وفي لفظ آخر أوصي بمالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثلث ~~والثلث كثير ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم الحج ولا الزكاة ونحوها من ~~حقوق الله تعالى ومنع الصدقة والوصية إلا بثلث المال فثبت بذلك أنه إذا ~~أوصى بهذه الحقوق كانت من الثلث ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم ~~زيادة في أعمالكم وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاكيا عن ~~الله تعالى جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك يدل جميع ذلك على أن ~~وصيته بالزكاة والنذور وسائر القرب وإن كانت واجبة لا تجوز إلا من الثلث ~~والله أعلم # | باب الوصية للوارث # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالوهاب بن نجدة قال ~~حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وروى ~~عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا وصية لوارث إلا أن ~~تجيزها الورثة ونقل أهل السير خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ~~وفيها أن لا وصية لوارث فورد نقل ذلك مستفيضا كاستفاضة وجوب الاقتصار ~~بالوصية على الثلث دون ما زاد لا فرق بينهما من طريق نقل الاستفاضة ~~PageV03P032 واستعمال الفقهاء له وتلقيهم إياه بالقبول وهذا عندنا في حيز ~~المتواتر الموجب للعلم والنافي للريب والشك وقوله في حديث عمرو بن خارجة ~~إلا أن تجيزها الورثة يدل على أنها إذا أجازتها فهي جائزة وتكون وصية من ~~قبل الموصي لا تكون هبة من قبل الوارث لأن الهبة من قبل الوارث ليست بإجازة ~~من قبل الموروث وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن عبدالصمد قال حدثنا ~~محمد بن عمرو قال حدثنا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال قال ms1033 رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث إلا أن تشاء ~~الورثة # قال أبو بكر وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الباقون ~~في حياته فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن ~~صالح وعبيدالله بن الحسن والشافعي لا يجوز ذلك حتى يجيزها بعد الموت وقال ~~ابن أبي ليلى وعثمان البتي ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت وهي جائزة ~~عليهم وقال ابن القاسم عن مالك إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل ~~الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله فإنه ليس ~~لهم أن يرجعوا فأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن وكل من في عياله وإن كان ~~قد احتلم فلهم أن يرجعوا وكذلك العم وابن العم ومن خاف منهم أنه إن لم يجز ~~لحقه ضرر منه في قطع النفقة إن صح فلهم أن يرجعوا وقول الليث في هذا كقول ~~مالك # قال أبو بكر وإن أجازوها بعد الموت جازت عند جميع الفقهاء # قال أبو بكر لما لم يكن لهم فسخها في الحياة كذلك لا تعمل إجازتهم لأنهم ~~لم يستحقوا بعد شيئا والله أعلم # | باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا لم يكن له وارث ~~فأوصى بجميع ماله جاز وهو قول شريك بن عبدالله وقال مالك والأوزاعي والحسن ~~بن صالح لا تجوز وصيته إلا من الثلث # قال أبو بكر قد بينا دلالة قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم @QE@ وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف وهو أن يحالفه على أنه إن مات ~~ورثه ما يسمى له من ميراثه من ثلث أو أكثر وقد كان ذلك حكما ثابتا في صدر ~~الإسلام وفرضه الله تعالى بقوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم @QE@ ثم أنزل الله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون @QE@ وقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين @QE@ PageV03P033 وقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في ms1034 كتاب الله @QE@ فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء ولم يبطل بذلك ميراث ~~الحلفاء أصلا بل جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل الابن أولى من الأخ ~~فإذا لم يكن ذوو الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ما كان عليه حكم ~~التوارث لحلف وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد الوصية بقوله ~~تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ وقال @QB@ للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون @QE@ وقد بينا أن ظاهر قوله تعالى @QB@ من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين @QE@ يقتضي جواز الوصية بجميع المال لولا قيام دلالة ~~الإجماع والسنة عى منع ذلك ووجوب الاقتصار بها على الثلث وإيجاب نصيب ~~الرجال والنساء من الأقربين فمتى عدم من وجب به تخصيص الوصية في بعض المال ~~وجب استعمال اللفظ في جواز الوصية بجميع المال على ظاهره ومقتضاه ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس فأخبر أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق ~~الورثة ويدل عليه حديث الشعبي وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال قال عبدالله بن ~~مسعود ليس من حي من العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم ~~معشر همدان فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب ولا يعلم له مخالف من الصحابة ~~وأيضا فإنه لا يخلو من لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من ~~جهة الميراث أو من جهة أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى فلما جاز ~~أن يستحقه الرجل مع ابنه ومع أبيه والبعيد مع القريب علمنا أنه غير مستحق ~~لهم على وجه الميراث لأن الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من ~~جهة الأبوة وأيضا لو كان ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم لأن سبيل الميراث ~~أن لا يخص به بعض الورثة دون بعض وأيضا لو كان ميراثا لوجب أن يكون لو كان ~~الميت رجلا من همدان ولا ms1035 يعرف له وارث أن يستحق ميراثه أهل قبيلته لأنهم ~~أقرب إليه من غيرهم فلما كان إنما يستحقه بيت المال للمسلمين وللإمام أن ~~يصرفه إلى من شاء من الناس ممن يراه أهلا له دل ذلك على أن المسلمين لا ~~يأخذونه ميراثا وإذا لم يأخذوه ميراثا وإنما كان للإمام صرفه إلى حيث يرى ~~لأنه مالك له فمالكه أولى بصرفه إلى من يرى ومن جهة أخرى أنهم إذا لم ~~يأخذوه ميراثا أشبه الثلث الذي يوصي به الميت PageV03P034 ولا ميراث فيه ~~فله أن يصرفه إلى من شاء فكذلك بقية المال إذا لم يستحقه الوارث كان له ~~صرفه إلى من شاء ويدل عليه ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن ~~موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا أيوب قال سمعت نافعا عن ابن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه ~~الليلتان إلا ووصيته عنده مكتوبة فلم يفرق بين الوصية ببعض المال أو بجميعه ~~وظاهره يقتضي جواز الوصية بجميع المال وقد قامت الدلالة على وجوب الاقتصار ~~على بعضه إذا كان له وارث فإذا لم يكن له وارث فهو على ظاهر مقتضاه في ~~جوازها بالجميع والله أعلم # | باب الضرار في الوصية # قال الله تعالى @QB@ غير مضار وصية من الله @QE@ قال أبو بكر الضرار في ~~الوصية على وجوه منها أن يقر في وصيته بماله أو ببعضه لأجنبي أو يقر على ~~نفسه بدين لا حقيقة له زيا للميراث عن وارثه ومستحقه ومنها أن يقر باستيفاء ~~دين له على غيره في مرضه لئلا يصل إلى وارثه ومنها أن يبيع ماله من غيره في ~~مرضه ويقر باستيفاء ثمنه ومنها أن يهب ماله في مرضه أو يتصدق بأكثر من ثلثه ~~في مرضه إضرارا منه بورثته ومنها أن يتعدى فيوصي بأكثر ما تجوز له الوصية ~~به وهو الزيادة على الثلث فهذه الوجوه كلها من المضارة في الوصية وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في فحوى قوله لسعد الثلث ms1036 والثلث كثير إنك لأن ~~تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وحدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن المصري قال حدثنا عبدالصمد بن حسان قال حدثنا ~~سفيان الثوري عن داود يعني ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الإضرار ~~في الوصية من الكبائر ثم قرأ @QB@ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله @QE@ ~~قال في الوصية @QB@ ومن يعص الله ورسوله @QE@ قال في الوصية وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قال حدثنا حميد بن ~~زنجويه قال حدثنا عبدالله بن يوسف قال حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي ~~هند عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإضرار في ~~الوصية من الكبائر وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا طاهر بن عبدالرحمن بن إسحاق ~~القاضي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن ~~أشعث عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى PageV03P035 حاف في وصيته ~~فيختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة ~~فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة قال أبو بكر ومصادقه في ~~كتاب الله فيما تأوله ابن عباس في قوله تعالى @QB@ تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله @QE@ قال في الوصية @QB@ ومن يعص الله ورسوله @QE@ قال في ~~الوصية # | باب من يحرم الميراث مع وجود النسب # قال أبو بكر لا خلاف بين المسلمين أن قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في ~~أولادكم @QE@ وما عطف عليه من قسمة الميراث خاص في بعض المذكورين دون بعض ~~فبعض ذلك متفق عليه وبعضه مختلف فيها فما اتفق عليه أن الكافر لا يرث ~~المسلم وأن العبد لا يرث وأن قاتل العمد لا يرث وقد بينا ميراث هؤلاء في ~~سورة البقرة ما أجمعوا عليه منه وما اختلفوا فيه واختلف في ميراث المسلم ~~الكافر وميراث المرتد ms1037 فأما ميراث المسلم من الكافر فإن الأمة من الصحابة ~~متفقون على نفي التوارث بينهما وهو قول عامة التابعين وفقهاء الأمصار وروى ~~شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن ابن باباه عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود ~~الدؤلي قال كان معاذ بن جبل باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه ~~مسلما فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإسلام يزيد ولا ينقص ~~وروى ابن شهاب عن داود بن أبي هند قال قال مسروق ما أحدث في الإسلام قضية ~~أعجب من قضية قضاها معاوية قال كان يورث المسلم من اليهودي والنصراني ولا ~~يورث اليهودي والنصراني من المسلم قال فقضى بها أهل الشام قال داود فلما ~~قدم عمر بن عبدالعزيز ردهم إلى الأمر الأول وروى هشيم عن مجالد عن الشعبي ~~أن معاوية كتب بذلك إلى زياد يعني توريث المسلم من الكافر فأرسل زياد إلى ~~شريح فأمره بذلك وكان شريح قبل ذلك لا يورث المسلم من الكافر فأرسل زياد ~~إلى شريح فأمره بذلك وكان شريح قبل ذلك لا يورث المسلم من الكافر فلما أمره ~~زياد بما أمره قضى بقوله فكان شريح إذا قضى بذلك قال هذا قضاء أمير ~~المؤمنين وقد روى الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن ~~زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين شتى وفي لفظ ~~لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين بهذه الأخبار ~~تمنع توريث المسلم من الكافر PageV03P036 والكافر من المسلم ولم يرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فهو ثابت الحكم في إسقاط التوارث بينهما ~~وأما حديث معاذ فإنه لم يعن هذه المقالة وإنما تأول فيها قوله الإيمان يزيد ~~ولا ينقص والتأول لا يقضي به على النص والتوقيف وإنما يرد التأويل إلى ~~المنصوص عليه يحمل على موافقته دون مخالفته وقول النبي صلى الله ms1038 عليه وسلم ~~الإيمان يزيد ولا ينقص يحتمل أن يرد به من أسلم ترك على إسلامه ومن خرج عن ~~الإسلام رد إليه وإذا احتمل ذلك واحتمل ما تأوله معاذ وجب حمله على موافقة ~~خبر أسامة في منع التوارث إذ غير جائز رد النص بالتأويل والاحتمال أيضا لا ~~تثبت به حجة لأنه مشكوك فيه وهو مفتقر في إثبات حكمه إلى دلالة من غيره ~~فسقط الاحتجاج به وأما قول مسروق ما أحدث في الإسلام قضية أعجب من قضية قضى ~~بها معاوية في توريث المسلم من الكافر فإنه يدل على بطلان هذا المذهب ~~لإخباره أنها قضية محدثة في الإسلام وذلك يوجب أن يكون قبل قضية معاوية لم ~~يكن يورث المسلم من الكافر وإذا ثبت أن من قبل قضية معاوية لم يكن يورث ~~المسلم من الكافر وأن معاوية لا يجوز أن يكون خلافا عليهم بل هو ساقط القول ~~معهم ويؤيد ذلك أيضا قول داود بن أبي هند أن عمر بن عبدالعزيز ردهم إلى ~~الأمر الأول والله أعلم # | باب ميراث المرتد # اختلف السلف في ميراث المرتد الذي اكتسبه في حال الإسلام قبل الردة على ~~أنحاء ثلاثة فقال علي وعبدالله وزيد بن ثابت والحسن البصري وسعيد بن المسيب ~~وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وعمر بن عبدالعزيز وحماد بن الحكم وأبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والأوزاعي وشريك يرثه ورثته من ~~المسلمين إذا مات أو قتل على ردته وقال ربيعة بن عبدالعزيز وابن أبي ليلى ~~ومالك والشافعي ميراثه لبيت المال وقال قتادة وسعيد بن أبي عروبة إن كان له ~~ورثة على دينه الذي ارتد إليه فميراثه لهم دون ورثته من المسلمين ورواه ~~قتادة عن عمر بن عبدالعزيز والصحيح عن عمر أن ميراثه لورثته من المسلمين ثم ~~اختلفوا فيما اكتسبه بعد الردة إذا قتل أو مات مرتدا فقال أبو حنيفة ~~والثوري ما اكتسبه بعد الردة فهو فيء وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد ~~والأوزاعي في إحدى الروايتين ما اكتسبه بعد الردة أيضا فهو لورثته ~~PageV03P037 المسلمين قال ms1039 أبو بكر ظاهر قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في ~~أولادكم @QE@ يقتضي توريث المسلم من المرتد إذ لم يفرق بين الميت المسلم ~~وبين المرتد فإن قيل يخصه حديث أسامة بن زيد لا يرث المسلم الكافر كما خص ~~توريث الكافر من المسلم وهو وإن كان من أخبار الآحاد فقد تلقاه الناس ~~بالقبول واستعملوه في منع توريث الكافر من المسلم فصار في حيز المتواتر ~~ولأن آية الموارث خاصة بالإتفاق وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص مثلها قيل ~~له في بعض ألفاظ حديث أسامة لا يتوارث أهل ملتين لا يرث المسلم الكافر ~~فأخبر أن المراد إسقاط التوارث بين أهل ملتين وليست الردة بملة قائمة لأنه ~~وإن ارتد إلى النصرانية أو اليهودية فغير مقر عليها فليس هو محكوما له بحكم ~~أهل الملة التي انتقل إليها ألا ترى أنه وإن انتقل إلى ملة الكتابي أنه لا ~~تؤكل ذبيحته وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها فثبت بذلك أن الردة ليست بملة ~~وحديث أسامة مقصور في منع التوارث بين أهل ملتين وقد بين ذلك في حديث مفسر ~~وهو ما رواه هشيم عن الزهري قال حدثنا علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن ~~أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين ~~شتى لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فدل ذلك على أن مراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك هو منع التوارث بين أهل ملتين وأيضا فإن أبا حنيفة ~~من أصله أن ملك المرتد يزول بالردة فإذا قتل أو مات انتقل إلى التوارث ومن ~~أجل ذلك لا يجيز تصرف المرتد في ماله الذي اكتسبه في حال الإسلام وإذا كان ~~هذا أصله فهو لم يورث مسلما من كافر لأن ملكه زال عنه في آخر الإسلام وإنما ~~ورث مسلما ممن كان مسلما # فإن قيل فإذا يكون قد ورثته منه وهو حي # قيل له ليس يمتنع توريث الحي قال الله تعالى @QB@ وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم @QE@ وكانوا أحياء وعلى أنا إنما نقلنا المال إلى الورثة ms1040 بعد ~~الموت فليس فيه توريث الحي ويقال للسائل عن ذلك وأنت إذا جعلت ماله لبيت ~~المال فقد ورثت منه جماعة المسلمين وهو كافر وورثتهم منه وهو حي إذا لحق ~~بدار الحرب مرتد وأيضا فإن المسلمين إذا كانوا إنما يستحقون ماله بالإسلام ~~فقد اجتمع للورثة القرابة والإسلام وجب أن يكونوا أولى بماله لاجتماع ~~السببين لهم وانفراد المسلمين بأحدهما دون الآخر والسببان اللذان اجتمعا ~~للورثة هو الإسلام وقرب النسب فأشبه سائر الموتى من المسلمين لما كان ماله ~~مستحقا للمسلمين كان من اجتمع له قرب النسب مع الإسلام أولى ممن بعد نسبه ~~منه وإن PageV03P038 كان له إسلام فإن قال قائل هذه العلة توجب توريثه من ~~مال الذمي قيل له لا يجب ذلك لأن مال الذمي بعد موته غير مستحق بالإسلام ~~لاتفاق الجميع على أن ورثته من أهل الذمة أولى به من المسلمين واتفاق جميع ~~فقهاء الأمصار على أن مال المرتد مستحق بالإسلام فمن قائل يقول يستحقه ~~جماعة المسلمين وآخرين يقولون يستحقه ورثته من المسلمين فلما كان ماله ~~مستحقا بالإسلام أشبه مال المسلم الميت لما كان مستحقا بالإسلام كان من ~~اجتمع له الإسلام وقرب النسب أولى من جماعة المسلمين فإن قيل فلو مات ذمي ~~وترك مالا ولا وارث له من أهل دينه وله قرابة مسلمون كان ماله لجماعة ~~المسلمين ولم يكن أقاربه من المسلمين أولى به لاجتماع السببين لهم من ~~الإسلام والنسب قيل له إن مال الذمي غير مستحق بالإسلام والدليل عليه أنه ~~لو كانت له ورثة من أهل الذمة لم يستحق المسلمون ماله وما استحق من مال ~~الذمي بالإسلام لا يكون ورثته من أهل الذمة أولى به منهم بل يكونون هم أولى ~~كمواريث المسلمين فدل ذلك على أن مال الذمي وإن جعل لبيت المال إذا لم يكن ~~له وارث فليس هو مستحقا بالإسلام وإنما هو مال لا مالك له وجده الإمام في ~~دار الإسلام كاللقطة التي لا يعرف مستحقها فتصرف في وجوه القرب إلى الله ~~تعالى فإن قيل فقد قال أبو حنيفة فيما ms1041 اكتسبه المرتد في حال ردته أنه فيء ~~لبيت المال وهذا ينقض الإعتلال ويدل على أصل المسألة للمخالف قيل له لا ~~يلزم ذلك ولا دلالة فيه على قول المخالف وذلك لأن ما اكتسبه في حال الردة ~~هو بمنزلة مال الحربي ولا يملكه ملكا صحيحا ومتى جعلناه في بيت المال بعد ~~موته أو قبله فإنما يصير ذلك المال مغنوما كسائر أموال الحرب إذا ظفرنا بها ~~وما يؤخذ على وجه الغنيمة فليس بمستحق لبيت المال لأجل الإسلام لأن الغنائم ~~ليست بمستحقه لغانميها بالإسلام والدليل عليه أن الذمي متى شهد القتال ~~استحق أن يرضخ له من الغنيمة فثبت بذلك أن مال الحربي ومال المرتد الذي ~~اكتسبه في الردة مغنوم غير مستحق بالإسلام فلم يعتبر فيه قرب النسب ~~والإسلام كما اعتبرناه في ماله الذي اكتسبه في حال الإسلام لأن ذلك المال ~~كان ملكه فيه صحيحا إلى أن ارتد ثم زال ملكه عنه بالردة فمن يستحقه من ~~الناس فإنما يستحقه بالميراث والمواريث يعتبر فيها الإسلام وقرب النسب إذا ~~كان ملكا لمسلم إلى أن زال عنه بالردة الموجبة لزوال ملكه كما يزول بالموت ~~فلم يلزم عليه حكم ماله المكتسب في حال الردة ولا يجوز PageV03P039 أيضا أن ~~يكون أصلا للمال المكتسب في حال الإسلام لأن ملكه فيه كان صحيحا إلى أن زال ~~عنه بالموت والمال المكتسب في حال الردة بمنزلة مال الحربي ملكه فيه غير ~~صحيح لأنه اكتسبه وهو مباح الدم فمتى حصل في يد المسلمين صار مغنوما بمنزلة ~~حربي دخل إلينا بغير أمان فأخذناه مع ماله أن ماله يكون غنيمة فكذلك مال ~~المرتد الذي اكتسبه في حال الردة # فإن احتج محتج بحديث البراء بن عازب قال مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية ~~فقلت إلى أين تذهب فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح ~~امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وهذا يدل على أن مال المرتد فيء # قيل له إنما فعل ذلك لأن الرجل كان محاربا مع استحلاله لذلك حربيا فكان ~~ماله مغنوما ms1042 لأن الراية إنما تعد للمحاربة وقد روى معاوية بن قرة عن أبيه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن ~~يضرب عنقه ويخمس ماله وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة ~~ولذلك أخذ منه الخمس # فإن قيل ما أنكرت أن يكون مال المرتد مغنوما # قيل له أما ما اكتسبه في حال الردة فهو كذلك وأما ما اكتسبه في حال ~~الإسلام فغير جائز أن يكون مغنوما من قبل أن ما كان يغنم من الأموال سبيله ~~أن يكون ملك مالكه غير صحيح فيه قبل الغنيمة كمال الحربي ومال المرتد قبل ~~الردة قد كان ملكه فيه صحيحا فغير جائز أن يغنم كما لا يغنم أموال سائر ~~المسلمين إذ كانت أملاكهم فيه صحيحة وزواله عن المرتد بالردة كزواله بالموت ~~فمتى انقطع حقه عنه بالقتل أو بالموت أو اللحاق بدار الحرب استحقه ورثته ~~دون سائر المسلمين لأن سائر المسلمين إن استحقوه بالإسلام لا على أنه غنيمة ~~كانت ورثته أولى به لاجتماع الإسلام والقرابة لهم وإن استحقوه بأنه غنيمة ~~لم يصح ذلك لما بينا من أن شرط الغنيمة أن يكون مال المغنوم غير صحيح الملك ~~في الأصل واختلف السلف فيمن أسلم قبل قسمة الميراث فقال علي بن أبي طالب في ~~مسلم مات فلم يقسم ميراثه حتى أسلم ابن له كافرا وكان عبدا فأعتق أنه لا ~~شيء له وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وأبي الزناد ~~وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك والأوزاعي والشافعي وروي عن عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان أنهما قالا من أسلم على ميراث قبل أن يقسم شارك في ~~الميراث وهو مذهب الحسن وأبي الشعثاء وشبهوا ذلك بالمواريث التي كانت في ~~الجاهلية ما طرأ عليه الإسلام منها قبل القسمة قسم على حكم الإسلام ولم ~~يعتبر وقت الموت وليس هذا عند الأولين كذلك لأن حكم PageV03P040 المواريث ~~قد استقر في الشرع على وجوه معلومة وقال الله تعالى @QB@ ولكم نصف ما ms1043 ترك ~~أزواجكم @QE@ وقال @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~@QE@ فأوجب لها الميراث بالموت وحكم لها بالنصف وللزوج بالنصف بحدوث الموت ~~من غير شرط القسمة والقسمة إنما تجب فيما قد ملك فلا حظ للقسمة في استحقاق ~~الميراث لأن القسمة تبع للمالك ولما كان ذلك كذلك وجب أن لا يزول ملك الأخت ~~عنه بإسلام الابن كما لا يزول ملكها عنه بعد القسمة وأما مواريث الجاهلية ~~فإنها لم تقع على حكم الشرع فلما طرأ الاسلام حملت على أحكام الشرع إذا لم ~~يكن ما وقع قبل ورود الشرع مستقرا ثابتا فعفى لهم عما قد اقتسموه وحمل ما ~~لم يقسم منها على حكم الشرع كما عفى لهم عن الربا المقبوض وحمل بعد ورود ~~تحريم الربا ما لم يكن مقبوضا على حكم الشرع فأبطل وأوجب عليهم رد رأس ~~المال ومواريث الإسلام قد ثبتت واستقر حكمها ولا يجوز ورود النسخ عليها فلا ~~اعتبار فيها بالقسمة ولا عدمها كما أن عقود الربا لو وقعت في الإسلام بعد ~~تحريم الربا واستقرار حكمه لا يختلف فيه حكم المقبوض منها وغير المقبوض في ~~بطلان الجميع وأيضا لا خلاف نعلمه بين المسلمين أن من ورث ميراثا فمات قبل ~~القسمة أن نصيبه من الميراث لورثته وكذلك لو ارتد لم يبطل ميراثه الذي ~~استحقه وأنه لا يكون بمنزلة من كان مرتدا وقت الموت فكذلك من أسلم أو أعتق ~~بعد الموت قبل القسمة فلا حظ له في الميراث والله أعلم # | باب حد الزانيين # قال الله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم @QE@ الآية # قال أبو بكر لم يختلف السلف في أن ذلك كان حد الزانية في بدء الإسلام ~~وأنه منسوخ غير ثابت الحكم حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن ~~محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن ~~عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ إلى قوله ms1044 تعالى @QB@ سبيلا @QE@ ~~قال وقال في المطلقات @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة @QE@ قال هذه الآيات قبل أن تنزل سورة النور في الجلد نسختها ~~هذه الآية @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ قال ~~والسبيل PageV03P041 الذي جعله لهن الجلد والرجم قال فإذا جاءت اليوم ~~بفاحشة مبينة فإنها تخرج وترجم بالحجارة قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه ~~الآية وفي قوله تعالى @QB@ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما @QE@ قال كانت ~~المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت وكان الرجل إذى زنى أوذي بالتعيير ~~وبالضرب بالنعال قال فنزلت @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة @QE@ قال وإن كانا محصنين رجما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال فهو سبيلها الذي جعله الله لها يعني قوله تعالى @QB@ حتى يتوفاهن الموت ~~أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ قال أبو بكر فكان حكم الزانية في بدء الإسلام ~~ما أوجب من حدها بالحبس إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ولم ~~يكن عليها في ذلك الوقت شيء غير هذا وليس في الآية فرق بين البكر والثيب ~~فهذا يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب وقوله تعالى @QB@ واللذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما @QE@ فإنه روي عن الحسن وعطاء أن المراد الرجل ~~والمرأة وقال السدي البكرين من الرجال والنساء وروي عن مجاهد أنه أراد ~~الرجلين الزانيين وهذا التأويل الأخير يقال أنه لا يصح لأنه لا معنى ~~للتثنية ههنا إذ كان الوعد والوعيد إنما يجيئان بلفظ الجمع لأنه لكل واحد ~~منهم أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الشامل لجميعهم وقول الحسن صحيح ~~وتأويل السدي محتمل أيضا فاقتضت الآيتان بمجموعهما أن حد المرأة كان الأذى ~~والحبس جميعا إلى أن تموت وحد الرجل التعيير والضرب بالنعال إذ كانت المرأة ~~مخصوصة في الآية الأولى بالحبس ومذكورة مع الرجل في الآية الثانية بالأذى ~~فاجتمع لها الأمران جميعا ولم يذكر للرجال إلا ms1045 الأذى فحسب ويحتمل أن تكون ~~الآيتان نزلتا معا فأفردت المرأة بالحبس وجمعا جميعا في الأذى وتكون فائدة ~~إفراد المرأة بالذكر إفرادها بالحبس إلى أن تموت وذلك حكم لا يشاركها فيه ~~الرجل وجمعت مع الرجل في الأذى لاشتراكهما فيه ويحتمل أن يكون إيجاب الحبس ~~للمرأة متقدما للأذى ثم زيد في حدها وأوجب على الرجل الأذى فاجتمع للمرأة ~~الأمران وانفرد الرجل بالأذى دونها فإن كان كذلك فإن الإمساك في البيوت إلى ~~الموت أو السبيل قد كان حدها فإذا ألحق به الأذى صار منسوخا لأن الزيادة في ~~النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ إذ كان الحبس في ذلك الوقت جميع حدها ~~ولما وردت الزيادة صار بعض حدها فهذا PageV03P042 يوجب أن يكون كون الإمساك ~~حدا منسوخا وجائز أن يكون الأذى حدا لهما جميعا بديا ثم زيد في حد المرأة ~~الحبس إلى الموت أو السبيل الذي يجعله الله لها فيوجب ذلك نسخ الأذى في ~~المرأة أن يكون حدا لأنه صار بعضه بعد نزول الحبس فهذه الوجوه كلها محتملة # فإن قيل هل يحتمل أن يكون الحبس منسوخا بإسقاط حكمه والاقتصار على الأذى ~~إذا كان نازل بعده # قيل له لا يجوز نسخه على جهة رفع حكمه رأسا إذ ليس في إيجاب الأذى ما ~~ينفي الحبس لجواز اجتماعهما ولكنه يكون نسخه من طريق أنه يصير بعض الحد بعد ~~أن كان جميعه وذلك ضرب من النسخ # وقد قيل في ترتيب الآيتين وجهان أحدهما ما روي عن الحسن أن قوله تعالى ~~@QB@ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما @QE@ نزلت قبل قوله تعالى @QB@ واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم @QE@ ثم أمر أن توضع في التلاوة بعده فكأن الأذى ~~حدا لهما جميعا ثم الحبس للمرأة مع الأذى وذلك يبعد من وجه لأن قوله تعالى ~~@QB@ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما @QE@ الهاء التي في قوله تعالى @QB@ ~~يأتيانها @QE@ كناية لا بد لها من مظهر متقدم مذكور في الخطاب أو معهود ~~معلوم عند المخاطب وليس في قوله تعالى @QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ ~~دلالة من الحال على أن المراد الفاحشة فوجب أن تكون ms1046 كناية راجعة إلى ~~الفاحشة التي تقدم ذكرها في أول الآية إذا لو لم تكن كناية عنها لم يستقم ~~الكلام بنفسه في إيجاب الفائدة وإعلام المراد وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى ~~@QB@ ما ترك على ظهرها من دابة @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر @QE@ لأن من مفهوم ذكر الإنزال أنه القرآن وفي مفهوم قوله تعالى @QB@ ~~ما ترك على ظهرها من دابة @QE@ أنها الأرض فاكتفى بدلالة الحال وعلم ~~المخاطب بالمراد المكنى عنه فالذي يقتضيه ظاهر الخطاب أن يكون ترتيب معاني ~~الآيتين على حسب ترتيب اللفظ فإما أن تكونا نزلتا معا وإما أن يكون الأذى ~~نازلا بعد الحبس إن كان المراد بالأذى من أريد بالحبس من النساء والوجه ~~الثاني ما روي عن السدي أن قوله تعالى @QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ ~~إنما كان حكما في البكرين خاصة والأولى في الثيبات دون الأبكار إلا أن هذا ~~قول يوجب تخصيص اللفظ بغير دلالة وذلك غير سائغ لأحد مع إمكان استعمال ~~اللفظين على حقيقة مقتضاهما وعلى أي وجه تصرفت وجوه الاحتمال في حكم ~~الآيتين وترتيبهما فإن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين # وقد اختلف السلف في معنى السبيل المذكور في هذه الآية PageV03P043 فروي ~~عن ابن عباس أن السبيل الذي جعله الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن وعن ~~قتادة مثل ذلك وروي عن مجاهد في بعض الروايات @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا ~~@QE@ أو يضعن ما في بطونهن وهذا لا معنى له لأن ا لحكم كان عاما في الحامل ~~والحائل فالواجب أن يكون السبيل مذكورا لهن جميعا # واختلف أيضا فيما نسخ هذين الحكمين فقال قائلون نسخ بقوله تعالى @QB@ ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ وقد كان قوله تعالى ~~@QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ في البكرين فنسخ ذلك عنهما بالجلد المذكور ~~في هذه الآية وبقي حكم الثيب من النساء الحبس فنسخ بالرجم وقال آخرون نسخ ~~بحديث عبادة بن الصامت وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو ms1047 النصر عن شعبة عن قتادة عن ~~الحسن عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب ~~بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم وهذا هو صحيح وذلك لأن قوله ~~خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا يوجب أن يكون بيانا للسبيل المذكور في ~~الآية ومعلوم أنه لم يكن بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين الحبس ~~والأذى واسطة حكم وأن آية الجلد التي في سورة النور لم تكن نزلت حينئذ ~~لأنها لو كانت نزلت كان السبيل متقدما لقوله خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا ولما صح أن يقول ذلك فثبت بذلك أن الموجب لنسخ الحبس والأذى وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصمت وأن آية الجلد نزلت بعده ~~وفي ذلك دليل على نسخ القرآن بالسنة إذ نسخ بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا ما أوجب الله من الحبس والأذى بنص التنزيل # فإن قيل فقوله تعالى @QB@ واللذان يأتيانها منكم @QE@ وما ذكر في الآيتين ~~من الحبس والأذى كان في البكرين دون الثيبين # قيل له لم يختلف السلف في أن حكم المرأة الثيب كان الحبس وإنما قال السدي ~~إن الأذى كان في البكرين خاصة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل ~~المذكور في آية الحبس وذلك لا محالة في الثيب فأوجب أن يكون منسوخا بقوله ~~الثيب بالثيب الجلد والرجم فلم يخل الحبس من أن يكون منسوخا في جميع ~~الأحوال بغير القرآن وهي الأخبار التي فيها إيجاب رجم المحصن فمنها حديث ~~عبادة الذي ذكرنا حديث عبدالله وعائشة وعثمان حين كان محصورا فاستشهد أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال PageV03P044 لا ~~يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس ~~بغير نفس وقصة ماعز والغامدية ورجم النبي صلى الله عليه وسلم إياهما قد ~~نقلته الأمة ms1048 لا يتمارون فيه فإن قيل هذه الخوارج بأسرها تنكر الرجم ولو كان ~~ذلك منقولا من جهة الاستفاضة الموجبة للعلم لما جهلته الخوارج # قيل له إن سبيل العلم بمخبر هذه الأخبار السماع من ناقليها وتعرفه من ~~جهتهم والخوارج لم تجالس فقهاء المسلمين ونقلة الأخبار منهم وانفردوا عنهم ~~غير قابلين لأخبارهم فلذلك شكوا فيه ولم يثبتوه وليس يمتنع أن يكون كثير من ~~أوائلهم قد عرفوا ذلك من جهة الاستفاضة ثم جحدوه محاملة منهم على ما سبقوا ~~إلى اعتقاده من رد أخبار من ليس على مقالتهم وقلدهم الأتباع ولم يسمعوا من ~~غيرهم فلم يقع لهم العلم به أو الذين عرفوه كانوا عددا يسيرا يجوز على ~~مثلهم كتمان ما عرفوه وجحدوه ولم يكونوا صحابة فيكونوا قد عرفوه من جهة ~~المعاينة أو بكثرة السماع من المعاينين له فلما خلوا من ذلك لم يعرفوه ألا ~~ترى أن فرائض صدقات المواشي منقولة من جهة النقل المستفيض الموجب للعلم ولا ~~يعرفها إلا أحد رجلين إما فقيه قد سمعها فثبت عنده العلم بها من جهة ~~الناقلين لها وإما رجل صاحب مواش تكثر بلواه بوجوبها فيتعرفها ليعلم ما يجب ~~عليه فيها ومثله أيضا إذا كثر سماعه وقع له العلم بها وإن لم يسمعها إلا من ~~جهة الآحاد لم يعلمها وهذا سبيل الخوارج في جحودهم الرجم وتحريم تزويج ~~المرأة على عمتها وخالتها وما جرى مجرى ذلك مما اختص أهل العدل بنقله دون ~~الخوارج والبغاة وقد تضمنت هاتان الآيتان أحكاما منها استشهاد أربعة من ~~الشهداء على الزنا ومنها الحبس للمرأة والأذى للرجل والمرأة جميعا ومنها ~~سقوط الأذى والتعبير عنهما بالتوبة لقوله تعالى @QB@ فإن تابا وأصلحا ~~فأعرضوا عنهما @QE@ وهذه التوبة إنما كانت مؤثرة في إسقاط الأذى دون الحبس ~~وأما الحبس فكان موقوفا على ورود السبيل وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك السبيل وهو الجلد والرجم ونسخ جميع ما ذكر في الآية إلا ما ذكر من ~~استشهاد أربعة شهود فإن اعتبار عدد الشهود باق في الحد الذي نسخ به الحدان ~~الأولان وهو ms1049 الجلد والرجم وقد بين الله ذلك في قوله تعالى @QB@ والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون @QE@ فلم ينسخ اعتبار العدد ولم ينسخ الاستشهاد ~~PageV03P045 أيضا وهذا يوجب جواز إحضار الشهود والنظر إلى الزانيين لإقامة ~~الحد عليها لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد على الزنا وذلك لا يكون إلا ~~بتعمد النظر فدل ذلك على أن تعمد النظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما لا ~~يسقط شهادته وكذلك فعل أبو بكر مع شبل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد في ~~قصة المغيرة بن شعبة وذلك موافق لظاهر الآية وقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن @QE@ الآية روى ~~الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال كانوا إذا مات الرجل كان ~~أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤا زوجوها وإن ~~شاؤا لم يزوجوها فنزلت هذه الآية في ذلك وقال الحسن ومجاهد كان الرجل إذا ~~مات وترك امرأته قال وليه ورثت امرأته كما ووثت ماله فإن شاء تزوجها ~~بالصداق الأول وإن شاء زوجها وأخذ صداقها قال مجاهد وذلك إذا لم يكن ابنها ~~قال أبو مجلز فكان بالميراث أولى من ولي نفسها وروى جويبر عن الضحاك عن ابن ~~عباس قال كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل يقوم أقرب الناس منه فيلقي ~~على امرأته ثوبا فيرث نكاحها فمات أبو عامر زوج كبشة بنت معن فجاء ابن عامر ~~من غيرهما وألقى عليها ثوبا فلم يقربها ولم ينفق عليها فشكت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله لا @QB@ يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن @QE@ أن تؤتوهن الصداق الأول وقال الزهري كان يحبسها من غير حاجة ~~إليها حتى تموت فيرثها فنهوا عن ذلك وقوله تعالى @QB@ ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن @QE@ قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك هو أمر للأزواج ~~تخلية سبيلها إذا ms1050 لم يكن له فيها حاجة ولا يمسكها إضرارا بها حتى تفتدي ~~ببعض مالها وقال الحسن هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ~~ما كان عليه أمر الجاهلية وقال مجاهد هو نهي لوليها أن يعضلها قال أبو بكر ~~الأظهر هو التأويل تأويل ابن عباس لأن قوله تعالى @QB@ لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن @QE@ وما ذكر بعده يدل عليه لأن قوله لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~يريد به المهر حتى تفتدي كأنه يعضلها أو يسيء إليها لتفتدي منه ببعض مهرها ~~وقوله تعالى @QB@ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة @QE@ قال الحسن وأبو قلابة ~~والسدي هو الزنا وإنه إنما تحل له الفدية إذا اطلع منها على ريبة وقال ابن ~~عباس والضحاك وقتادة هي النشوز فإذا نشزت حل له أن يأخذ منها الفدية وقد ~~بينا في سورة البقرة أمر الخلع وأحكامه PageV03P046 وقوله تعالى @QB@ ~~وعاشروهن بالمعروف @QE@ أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف ومن المعروف أن ~~يوفيها حقها من المهر والنفقة والقسم وترك أذاها بالكلام الغليظ والإعراض ~~عنها والميل إلى غيرها وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب جرى مجرى ذلك ~~نظير قوله تعالى @QB@ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا @QE@ يدل على ~~أنه مندوب إلى إمساكها مع كراهته لها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يوافق معنى ذلك حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا كثير بن ~~عبيد قال حدثنا محمد بن خالد عن معروف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن خالد بن يزيد النيلي قال ~~حدثنا مهلب بن العلاء قال حدثنا شعيب بن بيان عن عمران القطان عن قتادة عن ~~أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات فهذا القول ms1051 من ~~النبي صلى الله عليه وسلم موافق لما دلت عليه الآية من كراهة الطلاق والندب ~~إلى الإمساك بالمعروف مع كراهته لها وأخبر الله تعالى أن الخيرة ربما كانت ~~لنا في الصبر على ما نكره بقوله تعالى @QB@ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا @QE@ وهو كقوله تعالى @QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا @QE@ الآية قد اقتضت هذه الآية إيجاب ~~المهر لها تمليكا صحيحا ومنع الزوج أن يأخذ منها شيئا مما أعطاها وأخبر أن ~~ذلك سالم لها سواء استبدل بها أو أمسكها وأنه محظور عليه أخذ شيء منه إلا ~~بما أباح الله تعالى به أخذ مال الغير في قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم @QE@ وظاهره يقتضي حظر أخذ شيء منه بعد الخلوة فيحتج به ~~في إيجاب كمال المهر إذا طلق بعد الخلوة لعموم اللفظ في حظر الأخذ في كل ~~حال إلا ما خصه الدليل وقد خص قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إذا طلق قبل الخلوة في سقوط نصف المهر ~~لأنه لا خلاف أن ذلك مراد إذا طلق قبل الخلوة وقد اختلف في الخلوة هل هي ~~المسيس المراد بالآية أو المسيس الجماع واللفظ محتمل للأمرين لأن عليا وعمر ~~وغيرهما من الصحابة قد تأولوه PageV03P047 عليها وتأوله عبدالله بن مسعود ~~على الجماع فلا يخص عموم قوله تعالى @QB@ فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ ~~بالاحتمال وقوله تعالى @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ ~~يدل على أن من وهب محله مراته هبة لا يجوز له الرجوع فيها لأنها مما آتاها ~~وعموم اللفظ قد حظر أخذ شيء مما آتاها من غير فرق بين المهر وغيره ويحتج ~~فيمن خلع امرأته على مال وقد أعطاها صداقها أنه لا يرجع عليها بشيء من ~~الصداق الذي أعطاها عينا كان أو عرضا ما قاله أبو حنيفة في ذلك ويحتج به ms1052 ~~فيمن أسلف امرأته نفقتها لمدة ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ميراثها ~~بشيء مما أعطاها لعموم اللفظ لأنه جائز أن يريد أن يتزوج بأخرى بعد موتها ~~مستبدلا بها مكان الأولى فظاهر اللفظ قد تناول هذه الحال فإن قيل لما عقب ~~ذلك قوله تعالى @QB@ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض @QE@ دل على أن ~~المراد بأول الخطاب فيما أعطاها هو المهر دون غيره إذ كان هذا المعنى إنما ~~يختص بالمهر دون ما سواه قيل له ليس يمتنع أن يكون أول الخطاب عموما في ~~جميع ما انتظمه الاسم ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه ولا يوجب ذلك خصوص ~~اللفظ الأول وقد بينا نظائر ذلك في مواضع وهذه الآية أيضا تدل على أنه إذا ~~دخل بها ثم وقعت الفرقة من قبلها بمعصية أو غير معصية أن مهرها واجب لا ~~يبطله وقوع الفرقة من قبلها وفائدة تخصيص الله تعالى حال الاستبدال بالنهي ~~عن أخذ شيء مما أعطاها مع شمول الحظر لسائر الأحوال إزالة توهم من يظن أن ~~ذلك جائز عند حصول البضع لها وسقوط حق الزوج عنه بطلاقها وأن الثانية قد ~~قامت مقام الأولى فتكون أولى بالمهر الذي أعطاها فنص على حظر الأخذ في هذه ~~الحال ودل به على عمومه في سائر الأحوال إذا لم يبح له أخذ شيء مما أعطاها ~~في الحال التي يسقط حقه عن بضعها فهو أولى أن لا يأخذ منها شيئا مع بقاء ~~حقه في استباحة بضعها وكونه أملك بها من نفسها وأكد الله تعالى حظر أخذ شيء ~~مما أعطى بأن جعله ظلما كالبهتان وهو الكذب الذي يباهت به مخبره ويكابر به ~~من يخاطبه وهذا أقبح ما يكون من الكذب وأفحشه فشبه أخذ ما أعطاها بغير حق ~~بالبهتان في قبحه فسماه بهتانا وإثما قوله عز وجل @QB@ وكيف تأخذونه وقد ~~أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا @QE@ قال أبو بكر ذكر الفراء ~~أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول وقول الفراء حجة فيما يحكيه من اللغة ~~فإذا ms1053 كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة فقد منعت PageV03P048 الآية أن يأخذ ~~منها شيئا بعد الخلوة والطلاق لأن قوله تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال زوج ~~@QE@ قد أفاد الفرقة والطلاق والإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو المكان الذي ليس ~~فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه فسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء ~~والدخول ومن الناس من يقول أن الفضاء السعة وأفضى إذا صار المتسع مما يقصده ~~وجائز على هذا الوضع أيضا أن تسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى مكان الوطء ~~واتساع ذلك بالخلوة وقد كان يضيق عليه الوصول إليها قبل الخلوة فسميت ~~الخلوة إفضاء لهذا المعنى فأخبر تعالى أنه غير جائز له أخذ شيء مما أعطاها ~~مع إفضاء بعضهم إلى بعض وهو الوصول إلى مكان الوطء وبذلها ذلك له وتمكينها ~~إياه من الوصول إليها فظاهر هذه الآية تمنع الزوج أخذ شيء مما أعطاها إذا ~~كان النشوز من قبله لأن قوله تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ~~@QE@ يدل على أن الزوج هو المريد للفرقة دونها ولذلك قال أصحابنا إن النشوز ~~إذا كان من قبله يكره له أن يأخذ شيئا من مهرها وإذا كان من قبلها فجائز له ~~ذلك لقوله تعالى @QB@ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة @QE@ فقيل عن ابن عباس إن الفاحشة هي النشوز وقال غيره هي ~~الزنا ولقوله تعالى @QB@ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به @QE@ ومن الناس من يقول إنها منسوخة بقوله @QB@ وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج @QE@ وذلك غلط لأن قوله تعالى @QB@ وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج @QE@ قد أفاد حال كون النشوز من قبله وقوله تعالى @QB@ إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله @QE@ إنما فيه ذكر حال أخرى غير الأولى وهي ~~الحال التي يكون النشوز منها وافتدت فيها المرأة منه فهذه حال غير تلك وكل ~~واحد من الحالين مخصوصة بحكم دون الأخرى وقوله تعالى @QB@ وأخذن منكم ~~ميثاقا غليظا @QE@ قال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي هو قوله ~~@QB@ فإمساك بمعروف ms1054 أو تسريح بإحسان @QE@ قال قتادة وكان يقال للناكح في ~~صدر الإسلام الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان وقال مجاهد كلمة ~~النكاح التي يستحل بها الفرج وقال غيره هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى والله أعلم ~~بالصواب # | باب ما يحرم من النساء # قال الله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ قال أبو ~~بكر أخبرنا أبو عمر PageV03P049 غلام ثعلب قال الذي حصلناه عن ثعلب عن ~~الكوفيين والمبرد عن البصريين أن النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين ~~الشيئين تقول العرب أنكحنا الفرا فسنرى هو مثل ضربوه للأمر يتشاورون فيه ~~ويجتمعون عليه ثم ينظر عماذا يصدرون فيه معناه جمعنا بين الحمار وأتانه # قال أبو بكر إذا كان اسم النكاح في حقيقة اللغة موضوعا للجمع بين الشيئين ~~ثم وجدناهم قد سموا الوطء نفسه نكاحا من غير عقد كما قال الأعشى % ومنكوحة ~~غير ممهورة % وأخرى يقال له فادها % $ # يعني المسبية الموطوأه بغير مهر ولا عقد وقال الآخر % ومن أيم قد أنكحتها ~~رماحنا % وأخرى على عم وخال تلهف % $ # وهو يعني المسبية أيضا ومنه قول الآخر أيضا % فنكحن أبكارا وهن بأمة % ~~أعجلنهن مظنة الأعذار % $ # وهو يعني الوطء أيضا ولا يمتنع أحد من إطلاق اسم النكاح على الوطء وقد ~~تناول الاسم العقد أيضا قال الله تعالى @QB@ إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن @QE@ والمراد به العقد دون الوطء وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنا من نكاح ولست من سفاح فدل بذلك على معنيين أحدهما أن ~~اسم النكاح يقع على العقد والثاني دلالته على أنه قد يتناول الوطء من غير ~~عقد لولا ذلك لاكتفى بقوله أنا من نكاح إذ كان السفاح لا يتناول اسم النكاح ~~بحال فدل قوله ولست من سفاح بعد تقديم ذكر النكاح أن النكاح يتناول له ~~الأمرين فبين صلى الله عليه وسلم أنه من العقد الحلال لا من النكاح الذي هو ~~سفاح ولما ثبت بما ذكرنا أن الاسم ينتظم ms1055 الأمرين جميعا من العقد والوطء ~~وثبت بما ذكرنا من حكم هذا الاسم في حقيقة اللغة وانه اسم للجمع بين ~~الشيئين والجمع إنما يكون بالوطء دون العقد إذا العقد لا يقع به جمع لأنه ~~قول منهما جميعا لا يقتضي جمعا في الحقيقة ثبت أن اسم النكاح حقيقة للوطء ~~مجاز للعقد وأن العقد إنما سمي نكاحا لأنه سبب يتوصل به إلى الوطء تسمية ~~الشيء باسم غير ه إذا كان منه بسبب أو مجاورا له مثل الشعر الذي يولد الصبي ~~وهو على رأسه يسمى عقيقة ثم سميت الشاة التي تذبح عنه عند حلق ذلك الشعر ~~عقيقة وكالراوية التي هي اسم للجمل الذي يحمل المزادة ثم سميت المزادة ~~راوية لاتصالها به وقربها منه وقال أبو النجم PageV03P050 % تمشي من الردة ~~مشي الحفل % مشي الروايا بالمزاد الأثقل % $ # ونحوه الغائط هو اسم للمكان المطمئن من الأرض ويسمى به ما يخرج من ~~الإنسان مجازا أنهم كانوا يقصدون الغائط لقضاء الحاجة ونظائر ذلك كثيرة ~~فكذلك النكاح اسم للوطء حقيقة على مقتضى موضوعه في أصل اللغة ويسمى العقد ~~باسمه مجازا لأنه يتوصل به إليه وهو سببه ويدل على أنه سمي باسم العقد ~~مجازا أن سائر العقود من البياعات والهبات لا يسمى منها شيء نكاح وإن كان ~~قد يتوصل به إلى استباحة وطء الجارية إذ لم تختص هذه العقود بإباحة الوطء ~~لأن هذه العقود تصح فيمن يحظر عليه وطؤها كأخته من الرضاعة ومن النسب وأم ~~امرأته ونحوها وسمي العقد المختص بإباحة الوطء نكاحا لأن من لا يحل له ~~وطؤها لا يصح نكاحها فثبت بذلك أن اسم النكاح حقيقة للوطء مجاز في العقد ~~فوجب إذا كان هذا على ما وصفنا أن يحمل قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء @QE@ على الوطء فاقتضى ذلك تحريم من وطئها أبوه من النساء ~~عليه لأنه لما ثبت أن النكاح اسم للوطء لم يختص ذلك بالمباح منه دون ~~المحظور كالضرب والقتل والوطء نفسه لا يختص عند الإطلاق بالمباح منه دون ~~المحظور بل هو على الأمرين ms1056 حتى تقوم الدلالة على تخصيصه وكان أبو الحسن ~~يقول إن قوله تعالى @QB@ ما نكح آباؤكم @QE@ مراده الوطء دون العقد من حيث ~~اللفظ حقيقة فيه ولم يرد به العقد لاستحالة كون لفظ واحد مجازا حقيقة في ~~حال واحدة وإنما أوجبنا التحريم بالعقد بغير الآية # وقد اختلف أهل العلم في إيجاب تحريم الأم والبنت بوطء الزنا فروى سعيد بن ~~أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين في رجل زنى بأم امرأته حرمت ~~عليه امرأته وهو قول الحسن وقتادة وكذلك قول سعيد بن المسيب وسليمان بن ~~يسار وسالم بن عبدالله ومجاهد وعطاء وإبراهيم وعامر وحماد وأبي حنيفة وأبي ~~يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي ولم يفرقوا بين وطء الأم قبل التزوج أو ~~بعده في إيجاب تحريم البنت وروى عكرمة عن ابن عباس في الرجل يزني بأم ~~امرأته بعد ما يدخل بها قال تخطى حر متين ولم تحرم عليه امرأته وروى عنه ~~أنه قال لا يحرم الحرام الحلال وذكر الأوزاعي عن عطاء أنه كان PageV03P051 ~~يتأول قول ابن عباس لا يحرم حرام حلالاعلى الرجل يزني بالمرأة ولا يحرمها ~~عليه زناه وهذا يدل على أن قول ابن عباس الذي رواه عكرمة في أن الزنا بالأم ~~لا يحرم البنت لم يكن عند عطاء كذلك لأنه لو كان ثابتا عنده لما احتاج إلى ~~تأويل قوله لا يحرم الحرام الحلال وقال الزهري وربيعة ومالك والليث ~~والشافعي لا تحرم أمها ولا بنتها بالزنا وقال عثمان البتني في الرجل يزني ~~بأم امرأته قال حرام لا يحرم حلالا ولكنه إن زنى بالأم قبل أن يتزوج البنت ~~أو زنى بالبنت قبل أن يتزوج الأم فقد حرمت ففرق بين الزنا بعد التزويج ~~وقبله # واختلف الفقهاء أيضا في الرجل يلوط بالرجل هل تحرم عليه أمه وابنته فقال ~~أصحابنا لا تحرم عليه وقال عبدالله بن الحسين هو مثل وطء المرأة بزنا في ~~تحريم الأم والبنت وقال من حرم بهذا من النساء حرم من الرجال # وروى إبراهيم بن إسحاق قال سألت سفيان الثوري عن الرجل ms1057 يلعب بالغلام ~~أيتزوج أمه قال لا وقال كان الحسن بن صالح يكره أن يتزوج الرجل بامرأة قد ~~لعب بابنها وقال الأوزاعي في غلامين يلوط أحدهما بالآخر فتولد للمفعول به ~~جارية قال لا يتزوجها الفاعل # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ قد ~~أوجب تحريم نكاح امرأة قد وطئها أبوه بزنا أو غيره إذ كان الاسم يتناوله ~~حقيقة فوجب حمله عليها وإذا ثبت ذلك في وطء الأب ثبت مثله في وطء أم المرأة ~~أو ابنتها في إيجاب تحريم المرأة لأن أحدا لم يفرق بينها ويدل على ذلك قوله ~~تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ ~~والدخول بها اسم للوطء وهو عام في جميع ضروب الوطء من مباح أو محظور ونكاح ~~أو سفاح فوجب تحريم البنت بوطء كان منه قبل تزويج الأم لقوله تعالى @QB@ ~~اللاتي دخلتم بهن @QE@ ويدل على أن الدخول بها اسم للوطء وأنه مراد بالآية ~~وأن اسم الدخول لا يختص بوطء نكاح دون غيره أنه لو وطىء الأم بملك اليمين ~~حرمت عليه البنت تحريما مؤبدا بحكم الآية وكذلك لو وطئها بنكاح فاسد فثبت ~~أن الدخول لما كان اسما للوطء لم يختص فيما علق به من الحكم بوطء بنكاح دون ~~ما سواه من سائر ضروب الوطء ويدل عليه من جهة النظر أن الوطء آكد في إيجاب ~~التحريم من العقد لأنا لم نجد وطأ مباحا إلا وهو موجب للتحريم وقد وجدنا ~~عقدا صحيحا لا يوجب التحريم وهو العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت ولو ~~وطئها حرمت فعلمنا أن وجود الوطء علة لإيجاب التحريم PageV03P052 فكيفما ~~وجد ينبغي أن يحرم مباحا كان الوطء أو محظورا لوجود الوطء لأن التحريم لم ~~يخرجه من أن يكون وطأ صحيحا فلما اشتركا في هذا المعنى وجب ان يقع به تحريم ~~وأيضا لا خلاف أن الوطء بشبهة وبملك اليمين يحرمان مع عدم النكاح وهذا يدل ~~على أن الوطء يوجب التحريم على أي وجه وقع فوجب أن يكون وطء الزنا محرما ms1058 ~~لوجود الوطء الصحيح # فإن قيل إن الوطء بملك اليمين وبشبهة إنما تعلق بهما التحريم لما يتعلق ~~بهما من ثبوت ا لنسب والزنا لا يثبت به النسب فلا يتعلق به حكم التحريم # قيل له ليس لثبوت النسب تأثير في ذلك لأن الصغير الذي لا يجامع مثله لو ~~جامع امرأته حرمت عليه أمها وبنتها ولم يتعلق بوطئه ثبوت النسب ومن عقد على ~~امرأة نكاحا تعلق بعقد النكاح ثبوت النسب قبل الوطء حيتى لو جاءت بولد قبل ~~الدخول وبعد العقد بستة أشهر لزمه ولم يتعلق بالعقد تحريم البنت فإذ كنا ~~وجدنا الوطء مع عدم ثبوت النسب به يوجب التحريم والعقد مع تعلق ثبوت النسب ~~به لا يوجب التحريم علمنا أنه لا حظ لثبوت النسب في ذلك وإن الذي يجب ~~اعتباره هو الوطء لا غير وأيضا لا خلاف بييننا وبينهم أنه لو لمس أمته ~~لشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وليس للمس حظ في ثبوت النسب فدل على أن حكم ~~التحريم ليس بموقوف على النسب وأنه جائز ثبوته مع ثبوت النسب وجائز ثبوته ~~أيضا مع عدم ثبوت النسب # ويدل على صحة قول أصحابنا أنا وجدنا الله تعالى قد غلظ أمر الزنا بإيجاب ~~الرجم تارة وبأيجاب الجلد أخرى وأوعد عليه بالنار ومنع إلحاق النسب به وذلك ~~كله تغليط لحكمه فوجب أن يكون بإيجاب التحريم أولى إذ كان إيجاب التحريم ~~ضربا من التغليظ ألا ترى أن الله تعالى لما حكم ببطلان حج من جامع امرأته ~~قبل الوقوف بعرفة كان الزاني أولى ببطلان الحج لأن بطلان الحج تغليظ لتحريم ~~الجماع فيه كذلك لما حكم الله بإيجاب تحريم الأم والبنت بالوطء الحلال وجب ~~أن يكون الزنا أولى بإيجاب التحريم تغليظا لحكمه # وقد زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على قاتل الخطأ كان قاتل ~~العمد أولى إذا كان حكم العمد أغلظ من حكم الخطأ ألا ترى أن الوطء لم يختلف ~~حكمه أن يكون بزنا أو غيره فيما تعلق به من فساد الحج والصوم ووجوب الغسل ~~فكذلك ينبغي ان ms1059 يستويا في حكم التحريم # فإن قيل الوطء المباح يتعلق به حكم في إيجاب المهر ولا يتعلق ذلك بالزنا # قيل له قد تعلق بالزنا من إيجاب الرجم أو الجلد PageV03P053 ما هو أغلظ ~~من إيجاب المال وعلى أن المال والحد يتعاقبان على الوطء لأنه متى وجب الحد ~~لم يجب المهر ومتى وجب المهر لم يجب الحد فكل واحد منهما يخلف الآخر فإذا ~~وجب الحد فذلك قائم مقام المال فيما تعلق بالوطء من الحكم فلا فرق بينهما ~~من هذا الوجه فإن احتج محتج بما حدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن الليث ~~الجزري قال حدثنا إسحاق بن بهلول قال حدثنا عبدالله بن نافع المدني قال ~~حدثنا المغيرة بن إسماعيل بن أيوب ابن سلمة الزهري عن ابن شهاب الزهري عن ~~عروة عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يتبع المرأة ~~حراما أينكح أمها أو يتبع الأم حراما أينكح ابنتها قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح وبما رواه إسحاق ~~بن محمد الفروي عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يحرم الحرام الحلال وروى عمر بن حفص عن عثمان بن ~~عبدالرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يفسد الحرام الحلال # فإن هذه الأخبار باطلة عند أهل المعرفة ورواتها غير مرضيين أما المغيرة ~~بن إسماعيل فمجهول لا يعرف لا يجوز ثبوت شريعة بروايته لا سيما في اعتراضه ~~على ظاهر القرآن وإسحاق بن محمد الفروي مطعون في روايته وكذلك عمر بن حفص ~~ولو ثبت لم يدل على قول المخالف لأن الحديث الأول إنما ذكر فيه الرجل ويتبع ~~المرأة وليس فيه ذكر الوطء فكان قوله صلى الله عليه وسلم لا يحرم إلا ما ~~كان بنكاح جوابا عما سأله من اتباع المرأة وذلك إنما يكون بأن يتبعها نفسه ~~فيكون منه نظرا إليها مراودتها على الوطء وليس فيه ms1060 إثبات الوطء فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم أن مثل ذلك لا يوجب تحريما وأنه لا يقع بمثله التحريم إلا ~~أن يكون بينهما عقد نكاح وليس فيه للوطء ذكر وقوله لا يحرم الحرام الحلال ~~إنما هو فيما سئل عنه من اتباع المرأة من غير وطء وأما حديث ابن عمر وقوله ~~لا يحرم الحرام الحلال فجائز أن يكون في هذه القصة بعينها إن صحت فكان ~~جوابا لما سئل عنه من النظر والمراودة من غير جماع وتكون فائدته إزالة توهم ~~من يظن أن النظر بانفراده يحرم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال زنا العينين النظر وزنا الرجلين المشي فكان جائز أن يظن ظان أن النظر ~~بانفراده يحرم كما يحرم الوطء لتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياه زنا ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يحرم وإن التحريم إذا لم تكن ملامسة ~~إنما يتعلق بالعقد وإن لم يكن مسيس وإذا PageV03P054 احتمل هذا الخبر ما ~~وصفنا زال الاعتراض به وعلى أنهم متفقون أن التحريم غير مقصور على النكاح ~~ولا على الوطء المباح لأنه لا خلاف أن من وطىء أمته حائضا أن هذا وطء حرام ~~في غير نكاح وأنه يوجب التحريم فبطل أن يكون حكم التحريم مقصورا على النكاح ~~ولا على وطء مباح وكذلك لو وطىء جارية بينه وبين غيره أو جاريته وهي مجوسية ~~كان واطئا وطأ حراما في غير نكاح موجب للتحريم وهذا يدل على أن الحديث إن ~~ثبت فليس بعموم في نفي إيجاب التحريم بوطء حرام وأيضا قد حرم الله تعالى ~~امرأة المظاهر عليه بالظهار وقد سماه منكرا من القول وزورا ولم يكن هذا ~~القول محرما مانعا من وقوع تحريم الوطء به وأيضا فإن قوله الحرام لا يحرم ~~الحلال لا يصح الاحتجاج به لوروده مطلقا من وجه صحيح غير متعلق بسبب من ~~وجهين أحدهما أن الحرام والحلال إنما هو حكم الله تعالى بالتحريم والتحليل ~~وقد علمنا حقيقة أن حكم الله تعالى بالتحريم في شيء وبالتحليل في غيره ليس ms1061 ~~يتعلق به حكم آخر في إيجاب تحريم أو تحليل إلا بدلالة فهذا اللفظ إذا حمل ~~على حقيقته لم يكن له تعلق بمسألتنا لأنا كذلك نقول أن حكم الله تعالى ~~بالتحريم لا يوجب تحريم مباح بنفس ورود الحكم إلا أن يقول الدليل على إيجاب ~~تحريم غيره من حيث حرم هو وفائدته حينئذ أن ما قد حكم الله تعالى بتحليله ~~نصا فهو مقر على ما حكم به من تحليله وإذا حكم بتحريم شيء آخر لم يجز ~~الاعتراض على المحكوم بتحليله بديا بتحريم غيره من طريق القياس فمنع تحريم ~~المباح بالقياس ودل ذلك على بطلان قول من يجيز النسخ بالقياس هذا الذي ~~تقتضيه حقيقة اللفظ إن صح فهذا أحد الوجهين اللذين ذكرنا والوجه الآخر أن ~~يكون المراد بقوله الحرام لا يحرم الحلال أن فعل الحرام لا يحرم الحلال فإن ~~كان هذا أراد فلا محالة أن في اللفظ ضميرا يجب اعتباره دون اعتبار حقيقة ~~معنى اللفظ فلا يصح له الاحتجاج به من وجهين أحدهما أن الضمير ليس بمذكور ~~يعتبر عمومه فيسقط الاحتجاج بعمومه إذ الضمير ليس بمذكور حتى يكون لفظ عموم ~~فيما تحته من المسميات فلا يصح لأحد الاحتجاج بعموم ضمير غير مذكور والوجه ~~الآخر أنه لا يصح اعتبار العموم فيه من قبل أنه لا يصح اعتقاد العموم في ~~مثله لاتفاق المسلمين على إيجاب تحريم الحرام الحلال وهو الوطء بنكاح فاسد ~~ووطء الأمة الحائض والطلاق الثلاث في الحيض والظهار والخمر إذا PageV03P055 ~~خالطت الماء والردة تبطل النكاح وتحرمها على الزوج وغير ذلك من الأفعال ~~المحرمة للحلال فقوله صلى الله عليه وسلم الحرام لا يحرم الحلال لو ورد ~~بلفظ عموم لما صح اعتقاد العموم فيه وكان مفهوما مع وروده أنه أراد بعض ~~الأفعال المحرمة لا يحرم الحلال فيحتاج إلى دلالة في إثبات حكمه كسائر ~~الألفاظ المجملة وأيضا لو نص النبي صلى الله عليه وسلم على ما ادعيت من ~~ضميره فقال إن فعل الحرام لا يحرم الحلال لما دل على ما ذكرت لأنا كذلك ~~نقول إن فعل ms1062 الحرام لا يحرم الحلال فيكون ذلك محمولا على حقيقة ولا دلالة ~~فيه أن الله لا يحرم الحلال عند وقوع فعل حرام # فإن قيل معناه أن الله لا يحرم الحلال يفعل الحرام # قيل له فإذا قوله الحرام لا يحرم الحلال إذا كان المراد به ما ذكرت مجاز ~~ليس بحقيقة فيحتاج إلى دلالة في إثبات حكمه إذ لا يجوز استعمال المجاز إلا ~~عند قيام الدلالة عليه # وذكر الشافعي أن مناظرة جرت بينه وبين بعض الناس فيها أعجوبة لمن تأملها ~~قال الشافعي قال لي قائل لم قلت إن الحرام لا يحرم الحلال قلت قال الله ~~تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ وقال @QB@ وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم @QE@ وقال @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~اللاتي دخلتم بهن @QE@ أفلست تجد التنزيل إنما يحرم ما سمى بالنكاح أو ~~الدخول والنكاح قال بلى قال قلت أفيجوز أن يكون الله حرم بالحلال شيئا ~~وحرمه بالحرام والحرام ضد الحلال والنكاح مندوب إليه مأمور به وحرم الزنا ~~فقال @QB@ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا @QE@ قال أبو بكر تلا ~~الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول وآية تحريم الزنا وهذان الحكمان غير ~~مختلف فيهما أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا وليس في ذلك دلالة على ~~موضع الخلاف في المسألة لأن إباحة النكاح والدخول وإيجاب التحريم بهما ليس ~~فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما كما لم ينف إيجاب التحريم بالوطء بملك ~~اليمين وتحريم الله تعالى للزنا لا يفيد أن التحريم لا يقع إلا به فإذا ليس ~~في ظاهر تلاوة الآيتين نفي لتحريم النكاح بوطء الزنا لأن آية الزنا إنما ~~فيها تحريم الزنا وليس تحريم الزنا عبارة عن نفي إيجابه لتحريم النكاح ولا ~~في إيجاب التحريم بالنكاح والدخول نفي إيجابه بغيرهما فإذا لا دلالة فيما ~~تلاه من الآيتين على موضع الخلاف ولا جوابا للسائل الذي سأله عن الدلالة ~~على صحة قوله # ثم قال الحرام ضد الحلال فلما قال له السائل فرق بينهما قال قلت قد فرق ~~الله بينهما لأن الله ندب إلى ms1063 النكاح وحرم الزنا PageV03P056 فجعل فرق الله ~~بينهما في التحليل والتحريم دليلا على السائل والسائل لم يشكل عليه إباحة ~~النكاح وتحريم الزنا وإنما سأله عن وجه الدلالة من الآية على ما ذكر فلم ~~يبين وجهها واشتغل بأن هذا محرم وهذا حلال فإن كان هذا السائل من عمى القلب ~~بالمحل الذي لم يعرف بين النكاح وبين الزنا فرقا من وجه من الوجوه فمثله لا ~~يستحق الجواب لأنه مؤوف العقل إذ العاقل لا ينزل نفسه بهذه المنزلة من ~~التجاهل وإن كان قد عرف الفرق بينهما من جهة أن أحدهما محظور والآخر مباح ~~وإنما سأله أن يفرق بينهما في امتناع جواز اجتماعهما في إيجاب تحريم النكاح ~~فإن الشافعي لم يجبه عن ذلك ولم يزده على تلاوة الآيتين في الإباحة والحظر ~~وإن الحلال ضد الحرام إذ ليس في كون الحلال ضد الحرام ما يمنع اجتماعهما في ~~إيجاب التحريم ألا ترى أن الوطء بالنكاح الفاسد هو حرام ووطء الحائض حرام ~~بنص التنزيل واتفاق المسلمين وهو ضد الوطء الحلال وهما متساويان في إيجاب ~~التحريم والطلاق في الحيض محظور وفي الطهر قبل الجماع مباح وهما متساويان ~~فيما يتيعلق بهما من إيجاب التحريم فإن كان عند الشافعي أن القياس ممتنع في ~~الضدين فواجب أن لا يجتمعا أبدا في حكم واحد ومعلوم أن في الشريعة اجتماع ~~الضدين في حكم واحد وإن كونهما ضدين لا يمنع اجتماعهما في أحكام كثيرة ألا ~~ترى أن ورود النص جائز بمثله وما جاز ورود النص به ساغ فيه القياس عند قيام ~~الدلالة عليه فإذا لم يكن ممتنعا في العقل ولا في الشرع اجتماع الضدين في ~~حكم واحد فقوله إن الحلال ضد الحرام ليس بموجب للفرق بينهما من حيث سأله ~~السائل ويدل على أن ذلك غير ممتنع أن الله تعالى قد نهى المصلي عن المشي في ~~الصلاة وعن الاضطجاع فيها من غير ضرورة والمشي والاضطجاع ضدان وقد اجتمعا ~~في النهي ولا يحتاج في ذلك إلى الإكثار إذ ليس يمتنع أحد من إجازته فلم ~~يحصل من قول ms1064 الشافعي أنهما ضدان معنى يوجب الفرق بينهما ثم حكى عن السائل ~~أنه قال أجد جماعا وجماعا فأقيس أحدهما بالآخر قال قلت وجدت جماعا حلالا ~~حمدت به ووجدت جماعا حراما رجمت به أفرأيته يشبهه قال ما يشبهه فهل توضحه ~~بأكثر من هذا قال أبو بكر فقد سلم له السائل أنه ما يشبهه فإن كان مراده ~~أنه لا يشبهه من حيث افترقا فهذا ما لا ينازع فيه وإن كان أراد لا يشبهه من ~~حيث رام الجمع بينهما من جهة إيجاب التحريم فإنه لم يأت بدليل ينفي الشبه ~~بينهما من هذه الجهة وليس في الدنيا PageV03P057 قياس إلا وهو تشبيه للشيء ~~بغيره من بعض الوجوه دون جميعها فإن كان افتراق الشيئين من وجه يوجب الفرق ~~بينهما من سائر الوجوه فإن في ذلك إبطال القياس أصلا إذ ليس يجوز وجود ~~القياس فيما اشتبها فيه من سائر الوجوه فقد بان أن ما قاله الشافعي وما ~~اسأله السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه ثم قال له السائل ~~هل توضحه بأكثر من هذا قال نعم أفتجعل الحلال الذي هو نعمة قياسا على ~~الحرام الذي هو نقمة وهذا هو تكرار المعنى الأول بزيادة النعمة والنقمة ~~والسؤال قائم عليه لم يجب بما تقتضيه مطالبة السائل ببيان وجه الدلالة في ~~منع هذا القياس وهو قد جعل هذا الحرام الذي هو نقمة وهو وطء الحائض ~~والجارية المجوسية والوطء بالنكاح الفاسد الحلال الذي هو نعمة في إيجاب ~~التحريم فانتقض ما ذكره وادعاه من غير دلالة أقامها عليه وحكى عن السائل ~~أنه قال إن صاحبنا قال يوجدكم أن الحرام يحرم الحلال قال قلت له أفيما ~~اختلفنا فيه من النساء قال لا ولكن في غيره من الصلاة والمشروب والنساء ~~قياس عليه قال قلت أفتجيز لغيرك أن يجعل الصلاة قياسا على النساءقال أما في ~~شيء فلا قال أبو بكر فمنع الشافعي بهذا أن يقيس تحريم الحرام والحلال من ~~غير النساء على النساء مع إطلاقه القول بديا أنه إنما لم يجز قياس ms1065 الزنا ~~على الوطء المباح لأنه حرام وهو ضد الحلال والحلال نعمة والحرام نقمة من ~~غير تقييد لذلك بأن هذه القضية في منع القياس مقصورة على النساء دون غيرهن ~~وإطلاقه الاعتلال بالفرق الذي ذكر يلزمه إجراؤه في سائر ما وجد فيه فإذا لم ~~يفعل ذلك فقد ناقض ثم يقال له فإذا جاز تحريم الحرام الحلال في غير النساء ~~هلا جاز مثله في النساء مع كون أحدهما ضد الآخر وكون أحدهما نعمة والآخر ~~نقمة كما كان الوطء بملك اليمين مثل الوطء بالنكاح في إيجاب التحريم مع كون ~~ملك اليمين ضد للنكاح ألا ترى أن ملك اليمين والنكاح لا يجتمعان لرجل واحد ~~وحكى عن السائل أنه قال له إن الصلاة حلال والكلام فيها حرام فإذا تكلم ~~فيها فسدت عليه صلاته فقد أفسد الحلال بالحرام قال قلت له زعمت أن الصلاة ~~فاسدة الصلاة لا تكون فاسدة ولكن الفاسد فعله لا هي ولكن لا تجزى عنك ~~الصلاة لأنك لم تأت بها كما أمرت قال أبو بكر ما ظننت أن أحدا ممن ينتدب ~~لمناظرة خصم يبلغ به الإفلاس من الحجاج إلى أن يلجأ إلى مثل هذا مع سخافة ~~عقل السائل وغباوته وذلك لأن أحدا لا يمتنع من إطلاق القول PageV03P058 ~~بفساد صلاته إذا فعل فيها ما يوجب بطلانها كما لا يمتنع من إطلاق القول ~~بفساد النكاح إذا وجد فيه ما يبطله فإن كان الذي أوجب الفرق بينهما أنه لا ~~يطلق اسم الفساد على الصلاة مع بطلانها مع إطلاق الناس كلهم ذلك فيها فإنه ~~لا يعوز خصمه أن يقول مثل ذلك في النكاح إني لا أقول أن نكاحه يفسد والنكاح ~~لا يكون فاسدا وإنما فعله وهو الزنا هو الفاسد فأما النكاح فلم يفسد ولكن ~~المرأة بانت منه وخرجت من حباله فهما سواء من هذا الوجه ثم يقال له أحسب ~~أنا قد سلمنا لك ما ادعيت من امتناع اسم الفساد على الصلاة التي قد بطلت ~~أليس السؤال قائما عليك في المعنى إذا سلمنا لك الاسم وهو أن يقال لك ms1066 ما ~~أنكرت أنه لما جاز خروج المتكلم من الصلاة ولم تجز عنه لأجل الكلام المحظور ~~وجب أن يكون كذلك حكم المرأة فلا يبقى نكاحها بعد وطء أمها بزنا كما لم تبق ~~الصلاة بعد الكلام فتبين منه امرأته وتخرج من حباله كما خرج من الصلاة ~~ويلزم الشافعي على هذا أن لا يطلق في شيء من البيوع أنه فاسد وكذلك سائر ~~العقود وإنما يقال فيها أنها غير مجزية ولا موجبة للملك وهذا إنما هو منع ~~للعبارة وإنما الكلام على المعاني لا على العبارات والأسامي # وذكر الشافعي عن سائله أنه قال إن صاحبنا قال الماء حلال والخمر حرام فإذ ~~صب الماء في الخمر حرم الماء قال قلت له أرأيت إن صببت الماء في الخمر أما ~~يكون الماء الحلال مستهلكا في الحرام قال بلى قلت أتجد المرأة محرمة على كل ~~أحد كما تجد الخمر محرمة على كل أحد قال لا قلت أتجد المرأة وبنتها ~~مختلطتين كاختلاط الماء والخمر قال لا قلت أفتجد القليل من الخمر إذا صب في ~~كثير الماء نجس قال لا قلت أفتجد قليل الزنا والقبلة واللمس للشهوة لا يحرم ~~ويحرم كثيره قال لا قال فلا يشبه أمر النساء الخمر والماء # قال أبو بكر وهذا إيضا من طريق الفروق والذي ذكر في تحريم الخمر للماء ~~يحكى عن الشافعي أنه احتج به على يحيى بن معين حين قال الحرام لا يحرم ~~الحلال وهو إلزام صحيح على من ينفي التحريم لهذه العلة لوجودها فيه إذ لم ~~تكن العلة في منع تحريم الحرام الحلال أنهما غير مختلطين وإن قيل الزنا ~~يحرم وإنما كانت علته أن الحرام ضد الحلال وإن الحلال نعمة والحرام نقمة ~~ولم نره احتج بغيره في جميع ما ناظر به السائل والفروق التي ذكرها إنما هي ~~فروق من وجوه أخر تزيد علته انتقاضا لوجودها مع عدم الحكم وعلى انه إن كان ~~التحريم مقصورا على الاختلاط وتعذر تمييز المحظور من المباح فينبغي ان ~~PageV03P059 لا يحرم الوطء المباح لعدم الاختلاط وكذلك الوطء بالنكاح ~~الفاسد وسائر ms1067 ضروب الوطء الذي علق به التحريم إذ كانت المرأة متميزة عن ~~أمها فهما غير مختلطتين فإذا جاز أن يقع التحريم بهذه الوجوه مع عدم ~~الاختلاط فما أنكر مثله في الزنا وقد بينا في صدر المسألة دلالة قوله تعالى ~~@QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ وقوله تعالى @QB@ اللاتي ~~دخلتم بهن @QE@ على وقوع التحريم بالزنا فلم يحصل من كلام الشافعي دلالة في ~~هذه المسألة ولا شبهة على ما سئل عنه # ثم حكى الشافعي عن سائله هذا لما فرق له بين الماء والخمر وبين النساء ~~بما ذكر أنه لا يشبهه أمر النساء الخمر والماء قال الشافعي فقلت له وكيف ~~قبلت هذا منه فقال ما بين لنا أحد بيانك لنا ولو علم صاحبنا به لظننت أنه ~~لا يقيم على قوله ولكن غفل وضعف عن كلامه # قال فرجع عن قولهم وقال الحق عندي في قولكم ولم يصنع صاحبنا شيئا ولا ~~ندري من كان هذا السائل ولا من صاحبهم الذي قال لو علم صاحبنا بهذه الفروق ~~لظن أنه لا يقيم على قوله وقد بان عمى قلب هذا السائل بتسليمه للشافعي جميع ~~ما ادعاه من غير مطالبة له بوجه الدلالة على المسألة فيما ذكر وجائز أن ~~يكون رجلا عاميا لم يرتض بشيء يمن الفقه إلا أنه قد انتظم بذلك شيئين ~~أحدهما الجهل والغباوة بما وقفنا عليه من مناظرته وتسليمه ما لا يجوز ~~تسليمه ومطالبته للمسؤول بالفروق التي لا توجب فرقا في معاني العلل ~~والمقايسات ثم انتقاله بمثل ذلك إلى مذهبه على ما زعم وتركه لقول أصحابه ~~والآخر قلة العقل وذلك أنه ظن أن صاحبه لو سمع بمثل ذلك رجع عن قوله فقضى ~~بالظن على غيره فيما لا يعلم حقيقته # وسرور الشافعي بمناظرة مثله وانتقاله إلى مذهبه يدل على أنهما كانا ~~متقاربين في المناظرة وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدىء والمغفل العامي ~~لما أثبت مناظرته إياه في كتابه ولو كلم بذلك المبتدؤون من أحداث أصحابنا ~~لما خفى عليهم عوار هذا الحجاج وضعف السائل والمسؤول فيه وقد ms1068 ذكر الشافعي ~~أنه قال لمناظره جعلت الفرقة إلى المرأة بتقبيلها ابن زوجها والله لم يجعل ~~الفرقة إليها قال فقال فأنت تزعم أنها تحرم على زوجها إذا ارتدت قال قلت ~~وأقول إن رجعت وهي في العدة فهما على النكاح أفتزعم أنت في التي تقبل ابن ~~زوجها مثله قال لا # قال أبو بكر فأنكر على خصمه وقوع التحريم من قبل المرأة ثم قال هو بها ~~وجعل إليها الرجعة كما جعل إليها التحريم ثم قال الشافعي فأقول إن مضت ~~العدة فرجعت إلى الإسلام كان لزوجها أن PageV03P060 ينكحها أفتزعم في التي ~~تقبل ابن زوجها مثله قال والمرتدة تحرم على الناس كلهم حتى تسلم وتقبيل ابن ~~الزوج ليس كذلك قال أبو بكر فناقض على أصله فيما أنكره على خصمه ثم أخذ في ~~ذكر الفروق على النحو الذي مضى من كلامه ولم أذكر ذلك لأن في مثله شبهة على ~~من ارتاض بشيء من النظر ولكن لأبين مقادير علوم مخالفي أصحابنا ومحلهم من ~~النظر وأما ما حكى عثمان البتي في فرقه بين الزنا بأم المرأة بعد التزويج ~~وقبله فلا معنى له لأن ما يوجب تحريما مؤبدا لا يختلف حكمه في إيجابه ذلك ~~بعد التزويج وقبله والدليل عليه أن الرضاع لما كان موجبا للتحريم المؤبد لم ~~يختلف حكمه في إيجابه ذلك قبل التزويج وبعده وإنما قال أصحابنا إن فعل ذلك ~~بالرجل لا يحرم عليه أمه ولا بنته من قبل أن هذه الحرمة إنما هي متعلقة بمن ~~يصح عقد النكاح عليها ويجوز أن تملك به فيكون الوطء المحرم فيها بمنزلة ~~الوطء الحلال في إيجاب التحريم فلما لم يصح وجود ذلك في الرجل على الوجه ~~المباح ولا يجوز أن يملك ذلك بالعقد منه لم يتعلق به حكم التحريم ألا ترى ~~أنه لو لمس الرجل بشهوة لا يتعلق به حكم في إيجاب تحريم الأم والبنت واللمس ~~بمنزلة الوطء في المرأة عند الجميع فيما يتعلق به حكم التحريم فلما اتفق ~~الجميع على أن اللمس لا حكم له في الرجل في حكم تحريم ms1069 الأم والبنت كان ذلك ~~ما سواه من الوطء وفي ذلك الدلالة من وجهين على صحة ما ذكرنا أحدهما أن لمس ~~الرجل للرجل لشهوة لما لم يكن مما يصح ان يملك بعقد النكاح ولم يتعلق به ~~تحريم كان كذلك حكم الوطء إذ لا يصح أن يملك بعقد النكاح والثاني أن اللمس ~~عند الجميع في المرأة حكمه حكم الوطء ألا ترى أن الجميع متفقون على أن لمس ~~المرأة الزوجة يحرم بنتها كما يحرمها الوطء وكذلك لمس الجارية بملك اليمين ~~يوجب من التحريم ما يوجبه الوطء وكذلك من حرم بوطء الزنا حرم باللمس فلما ~~لم يكن لمس الرجل موجبا للتحريم وجب ان يكون كذلك حكم وطئه لاستوائهما في ~~المرأة # قال أبو بكر واتفق أصحابنا والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي إن ~~اللمس لشهوة بمنزلة الجماع في تحريم أم المرأة وبنتها فكل من حرم بالوطء ~~الحرام أوجبه باللمس إذا كان لشهوة ومن لو يوجبه بالوطء الحرام لم يوجبه ~~باللمس لشهوة ولا خلاف أن اللمس المباح في الزوجة وملك اليمين يوجب تحريم ~~الأم والبنت إلا شيئا يحكى عن ابن شبرمة أنه قال لا تحرم باللمس وإنما تحرم ~~بالوطء الذي يوجب مثله الحد وهو قول شاذ قد سبقه PageV03P061 الإجماع ~~بخلافه واختلف الفقهاء في النظر هل يحرم أم لا فقال أصحابنا جميعا إذا نظر ~~إلى فرجها لشهوة كان ذلك بمنزلة اللمس في إيجاب التحريم ولا يحرم النظر ~~للشهوة إلى غير الفرج وقال الثوري إذا نظر إلى فرجها متعمدا حرمت عليه أمها ~~وابنتها ولم يشرط أن يكون لشهوة وقال مالك إذا نظر إلى شعر جاريته تلذذا أو ~~صدرها أو ساقها أو شيء من محاسنها تلذذا حرمت عليه أمها وابنتها وقال ابن ~~أبي ليلى والشافعي النظر لا يحرم مالم يلمس قال أبو بكر روى جرير بن ~~عبدالحميد عن حجاج عن أبي هانىء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة ~~عن عبدالله قال لا ينظر ms1070 الله إلى رجل نطر إلى فرج امرأة وابنتها وروى ~~الأوزاعي عن محكول إن عمر جرد جارية له فسأله إياها بعض ولده فقال إنها لا ~~تحل لك وروى حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه جرد جارية ثم سأله ~~إياها بعض ولده فقال إنها لا تحل لك وروى المثنى عن عمرو بن شعيب عن عمر ~~أنه قال أيما رجل جرد جارية له فنظر إليه منها يريد ذلك الأمر فإنها لا تحل ~~لابنه وعن الشعبي قال كتب مسروق إلى أهله قال انظروا جاريتي فلانة فبيعوها ~~فإني لم أصب منها إلا ما حرمها على ولدي من الللمس والنظر وهو قول الحسن ~~والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم فاتفق هؤلاء السلف على إيجاب التحريم ~~بالنظر واللمس وإنما خص أصحابنا النظر إلى الفرج في إيجاب التحريم دون ~~النظر إلى سائر البدن لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نظر ~~إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها فخص النظر إلى الفرج بإيجاب ~~التحريم دون النظر إلى سائر البدن وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر ولم يرو ~~عن غيرهما من السلف خلافه فثبت بذلك أن النظر إلى الفرج مخصوص بإيجاب ~~التحريم دون غيره وكان القياس أن لا يقع تحريم بالنظر إلى غيره من سائر ~~البدن إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر واتفاق السلف ولم يوجبوه بالنظر إلى ~~غير الفرج وإن كان لشهوة على ما يقتضيه القياس ألا ترى أن النظر لا يتعلق ~~به حكم في سائر الأصول ألا ترى أنه لو نظر وهو محرم أو صائم فأمنى لا يفسد ~~صومه ولو كان الإنزال عن لمس فسد صومه ولزمه دم لإحرامه فعلمت أن النظر من ~~غير لمس لا يتعلق به حكم فلذلك قلنا إن القياس لا يحرم النظر شيئا إلا أنهم ~~تركوا القياس في النظر إلى الفرج خاصة لما ذكرنا يحتج لمذهب ابن شبرمة ~~بظاهر قوله تعالى @QB@ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ ~~PageV03P062 واللمس ليس بدخول فلا ms1071 يحرم والجواب عنه أنه ليس بممتنع أن يريد ~~الدخول أو ما يقوم مقامه كما قال تعالى @QB@ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا @QE@ فذكر الطلاق ومعناه الطلاق أو ما يقوم مقامه ويكون دلالته ما ~~ذكرنا من قول السلف واتفاقهم من غير مخالف لهم على إيجاب التحريم باللمس # ولا خلاف بين أهل العلم أن عقد النكاح على امرأة يوجب تحريمها على الإبن ~~وروى ذلك عن الحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم وعطاء وسعيد بن المسيب # وقوله تعالى @QB@ إلا ما قد سلف @QE@ فإنه روى عن عطاء إلا ما كان في ~~الجاهلية # قال أبو بكر يحتمل أن يريد إلا ما كان في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون به ~~ويحتمل إلا ما قد سلف فإنكم مقرون عليه وتأوله بعضهم على ذلك وهذا خطأ لأنه ~~لم يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا على عقد نكاح امرأة أبيه وإن ~~كان في الجاهلية وقد روى البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة ~~بن نيار إلى رجل عرس بامرأة أبيه وفي بعض الألفاظ نكح امرأة أبيه أن يقتله ~~ويأخذ ماله وقد كان نكاح امرأة الأب مستفيضا شائعا في الجاهلية فلو كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا منهم على ذلك النكاح لنقل واستفاض فلما ~~لم ينقل ذلك دل على أن المراد بقوله @QB@ إلا ما قد سلف @QE@ فإنكم غير ~~مؤاخذين به وذلك لأنهم قبل ورود الشرع بخلاف ما هم عليه كانوا مقرين على ~~أحكامهم فأعلمهم الله تعالى أنهم غير مؤاخذين فيما لم تقم عندهم حجة السمع ~~بتركه فلا احتمال في قوله @QB@ إلا ما قد سلف @QE@ في هذا الموضع إلا ما ~~ذكرنا وقوله تعالى @QB@ إلا ما قد سلف @QE@ عند ذكر الجمع بين الأختين ~~يحتمل غير ما ذكر ههنا وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى ومعنى ~~@QB@ إلا ما قد سلف @QE@ ههنا استثناء منقطع كقوله لا تلق فلانا إلا ما ~~لقيت يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه # وقوله @QB@ إنه كان فاحشة @QE@ هذه الهاء ms1072 كناية عن النكاح وقد قيل فيه ~~وجهان أحدهما النكاح بعد النهي فاحشة ومعناه هو فاحشة فكان في هذا الموضع ~~ملغاة وهو موجود في كلامهم قال الشاعر % فإنك لو رأيت ديار قوم % وجيران ~~لنا كانوا كرام % $ # فأدخل كان وهي ملغاة غير معتد بها لأن القوافي مجرورة وقال الله تعالى ~~@QB@ وكان الله عليما حكيما @QE@ والله عليم حكيم ويحتمل أن يريد به أن ما ~~كان منه في الجاهلية فهو فاحشة فلا تفعلوا مثله وهذا لا يكون إلا بعد قيام ~~حجة السمع عليهم بتحريمه ومن قال هذا PageV03P063 جعل قوله تعالى @QB@ إلا ~~ما قد سلف @QE@ فإنه يسلم منه بالإقلاع عنه والتوبة منه قال أبو بكر ~~والأولى حمله على أنه فاحشة بعد نزول التحريم لأن ذلك مراد عند الجميع لا ~~محالة ولم تقم الدلالة على أن حجة السمع قد قامت عليهم بتحريمه من جهة ~~الرسل المتقدمين فيستحقون اللوم عليه ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إلا ما قد ~~سلف @QE@ وظاهره يقتضي نفي المؤاخذة بما سلف منه فإن قيل هذا يدل على أن من ~~عقد نكاحا على امرأة أبيه ووطئها كان وطؤه زنا موجبا للحد لأنه سماها فاحشة ~~وقال الله تعالى @QB@ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا @QE@ قيل ~~له الفاحشة لفظ مشترك يقع على كثير من المحظورات # وقد روي في قوله تعالى @QB@ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة @QE@ أن خروجها من ~~بيته فاحشة وروي أن الفاحشة في ذلك أن تستطيل بلسانها على أهل زوجها وقيل ~~فيها أنها الزنا فالفاحشة اسم يتناول مواقعة المحظور وليس يختص بالزنا دون ~~غيره حتى إذا أطلق فيه اسم الفاحشة كان زنا وما كان من وطء عن عقد فاسد ~~فإنه لا يسمى زنا لأن المجوس وسائر المشركين المولودين على مناكحاتهم التي ~~هي فاسدة في الإسلام لا يسمون أولاد زنا والزنا اسم لوطء في غير ملك ولا ~~نكاح ولا شبهة عن واحد منهما فأما إذا صدر عن عقد فإن ذلك لا يسمى زنا سواء ~~كان العقد فاسدا أو صحيحا # وقوله تعالى @QB@ ومقتا وساء سبيلا @QE@ يعني ms1073 أنه مما يبغضه الله تعالى ~~ويبغضه المسلمون وذلك تأكيد لتحريمه وتقبيحه وتهجين فاعله وبين أنه طريق ~~سوء لأنه يؤدي إلى جهنم قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ ~~إلى آخر الآية حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة ~~قال حدثنا سنيد بن داود قال حدثنا وكيع قال حدثنا علي بن صالح عن سماك عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ وبنات الأخت @QE@ قال حرم الله هذه السبع من النسب ومن الصهر ~~سبع ثم قال @QB@ كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ ما وراء هذا ~~النسب ثم قال @QB@ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ يعني السبي ~~قال أبو بكر قوله @QB@ حرمت عليكم @QE@ عموم في جميع ما يتناوله الاسم ~~حقيقة ولا خلاف أن الجدات وإن بعدن محرمات واكتفى بذكر الأمهات لأن اسم ~~الأمهات يشملهن كما ان اسم الآباء يتناول الأجداد وإن بعدوا وقد عقل من ~~قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ PageV03P064 ~~تحريم ما نكح الأجداد وإن كان للجد اسم خاص لا يشاركه فيه الأب الأدنى فإن ~~الاسم العام وهو الأبوة ينتظمهم جميعا وكذلك قوله تعالى @QB@ وبناتكم @QE@ ~~قد يتناول بنات الأولاد وإن سفلن لأن الاسم يتناولهن كما يتناول اسم الآباء ~~الأجداد وقوله تعالى @QB@ وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت @QE@ فأفرد بنات الأخ وبنات الأخت بالذكر لأن اسم الأخ والأخت لا ~~يتناول اسم البنات بنات الأولاد فهؤلاء السبع المحرمات بنص التنزيل من جهة ~~النسب ثم قال @QB@ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات ~~نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف @QE@ وقال قبل ذلك @QB@ ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء @QE@ فهؤلاء السبع المحرمات من جهة الصهر وقد عقل من ~~قوله تعالى @QB@ وبنات الأخ وبنات الأخت ms1074 @QE@ من سفل منهن كما عقل من قوله ~~تعالى @QB@ أمهاتكم @QE@ من علا منهن ومن قوله تعالى وبناتكم من سفل منهن ~~وعقل من قوله تعالى وعماتكم تحريم عمات الأب والأم وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~وخالاتكم @QE@ عقل منه تحريم خالات الأب والأم كما عقل تحريم أمهات الأب ~~وإن علون وخص تعالى العمات والخالات بالتحريم دون أولادهن ولا خلاف في جواز ~~نكاح بنت العمة وبنت الخالة وقال تعالى @QB@ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة @QE@ ومعلوم أن هذه السمة إنما هي مستحقة بالرضاع أعني ~~سمة الأمومة والأخوة فلما علق هذه السمة بفعل الرضاع اقتضى ذلك استحقاق اسم ~~الأمومه والأخوة بوجود الرضاع وذلك يقتضي التحريم بقليل الرضاع لوقوع الاسم ~~عليه # فإن قيل قوله تعالى @QB@ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم @QE@ بمنزلة قول القائل ~~وأمهاتكم اللاتي اعطينكم وأمهاتكم اللاتي كسونكم فنحتاج إلى أن نثبت أنها ~~أم بهذه الصفة حتى يثبت الرضاع لأنه لم يقل واللاتي أرضعنكم أمهاتكم قيل له ~~هذا غلط من قبل أن الرضاع هو الذي يكسبها سمة الأمومة فلما كان الاسم ~~مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم متعلقا به واسم الرضاع في الشرع واللغة ~~يتناول القليل والكثير فوجب أن تصير أما بوجود الرضاع لقوله تعالى @QB@ ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم @QE@ وليس كذلك الذي ذكرت من قول القائل وأمهاتكم ~~اللاتي كسونكم لأن اسم الأمومة غير متعلق PageV03P065 بوجود الكسوة كتعلقه ~~بوجود الرضاع فلذلك احتجنا إلى حصول الاسم والفعل المتعلق به وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وأخواتكم من الرضاعة @QE@ يقتضي ظاهره كونها أختا بوجود الرضاع ~~إذا كان اسم الأخوة مستفادا بوجود الرضاع لا بمعنى آخر سواه # ويدل على أن ذلك مفهوم الخطاب ومقتضى القول ما رواه عبدالوهاب بن عطاء عن ~~أبي الربيع عن عمرو بن دينار قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إن ابن الزبير ~~يقول لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال ابن عمر قضاء الله خير من قضاء ابن ~~الزبير قال الله تعالى @QB@ وأخواتكم من الرضاعة @QE@ فعقل ابن عمر من ظاهر ~~اللفظ التحريم بقليل الرضاع # واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع فروى عن عمر ms1075 وعلي وابن ~~عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم والزهري والشعبي قليل ~~الرضاع وكثيره يحرم في الحولين وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ~~ومالك والثوري والأوزاعي والليث قال الليث اجتمع المسلمون على أن قليل ~~الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم وقال ابن الزبير والمغيرة بن ~~شعبة وزيد بن ثابت لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وقال الشافعي لا يحرم من ~~الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات # قاله أبو بكر وقد ذكرنا في سورة البقرة الكلام في مدة الرضاع والاختلاف ~~فيها وقد قدمنا ذكر دلالة الآية على إيجاب التحريم بقليل الرضاع وغير جائز ~~لأحد إثبات تحديد الرضاع الموجب للتحريم إلا بما يوجب العلم من كتاب أو سنة ~~منقولة من طريق التواتر ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم ~~الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع لأنها آية محكمة ظاهرة المعنى بينة ~~المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق وما كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه بخبر ~~الواحد ولا بالقياس ويدل عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما الرضاعة من المجاعة رواه مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يفرق بين القليل والكثير فهو محمول عليهما جميعها ويدل عليه أيضا ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة التواتر والاستفاضة أنه قال يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب رواه علي وابن عباس وعائشة وحفصة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتلقاه أهل العلم بالقبول والاستعمال فلما حرم النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب وكان معلوما أن النسب متى ثبت ~~من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر كذلك الرضاع يجب أن يكون هذا ~~حكمه في إيجاب PageV03P066 التحريم بالرضعة الواحدة لتسوية النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهما فيما علق بهما حكم التحريم # واحتج من اعتبر خمس رضعات بما روت عائشة وابن الزبير وأم الفضل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تحرم المصة ms1076 ولا المصتان وبما روي عن عائشة أنها ~~قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن # قال أبو بكر وهذه الأخبار لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر قوله تعالى @QB@ ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة @QE@ لما بينا أن مالم يثبت ~~خصوصه من ظواهر القرآن وكان ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بأخبار ~~الآحاد فهذا أحد الوجوه التي تسقط الاعتراض بهذا الخبر # ووجه آخر وهو ما حدث أبو الحسن الكرخي قال حدثنا الحضرمي قال حدثنا ~~عبدالله بن سعيد قال حدثنا أبو خالد عن حجاج عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس ~~عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقال إن الناس يقولون لا تحرم الرضعة ولا ~~الرضعتان قال قد كان ذاك فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم # وروى محمد بن شجاع قال حدثنا إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن طاوس قال ~~اشترطت عشر رضعات ثم قيل الرضعة الواحدة تحرم فقد عرف ابن عباس وطاوس خبر ~~العدد في الرضاع وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة # وجائز أن يكون التحديد كان مشروطا في رضاع الكبير وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في رضاع الكبير وهو منسوخ عند فقهاء الأمصار فجائز أن يكون ~~تحديد الرضاع كان في رضاع الكبير فلما نسخ سقط التحديد إذ كان مشروطا فيه ~~وأيضا يلزم الشافعي إيجاب التحريم بثلاث رضعات لدلالة قوله لا تحرم الرضعة ~~ولا الرضعتان على إيجاب التحريم فيما زاد على أصله في المخصوص بالذكر # وأما حديث عائشة فغير جائز اعتقاد صحته على ما ورد وذلك لأنها ذكرت أنه ~~كان فيما أنزل من القرآن عشر فنسخن بخمس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~توفي وهو مما يتلى وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة فإذا لم توجد به ~~التلاوة ولم يجز النسخ بعد وفاة النبي صلى الله ms1077 عليه وسلم لم يخل ذلك من ~~أحد وجهين إما أن يكون الحديث مدخولا في الأصل غير ثابت الحكم أو يكون إن ~~كان ثابتا فإنما نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان منسوخا ~~فالعمل به ساقط وجائز أن يكون ذلك كان تحديد الرضاع الكبير وقد كانت عائشة ~~تقول به في إيجاب التحريم في PageV03P067 رضاع الكبير دون سائر أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير فسقط حكم ~~التحديد المذكور في حديث عائشة هذا ومع ذلك لو خلا من هذه المعاني التي ~~ذكرنا من الاستحالة والاحتمال لما جاز الاعتراض به على ظاهر القرآن إذ هو ~~من أخبار الآحاد # ومما يدل على ما ذكرنا من سقوط اعتبار التحديد أن الرضاع يوجب تحريما ~~مؤبدا فأشبه الوطء الموجب لتحريم الأم والبنت والعقد الموجب للتحريم كحلائل ~~الأبناء وما نكح الآباء فلما كان القليل من ذلك ككثيره فيما يتعلق به من ~~حكم التحريم وجب أن يكون ذلك حكم الرضاع في إيجاب التحريم بقليله # واختلف أهل العلم في لبن الفحل وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ~~وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به صبيا فإن من قال بتحريم لبن الفحل ~~يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل وإن كانوا من غيرها ومن لا يعتبره لا يوجب ~~تحريما بينه وبين أولاده من غيرها فممن قال بلبن الفحل ابن عباس وروى ~~الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت هذه ~~غلاما وهذه الجارية هل يصح الغلام أن يتزوج الجارية فقال لا اللقاح واحد ~~وهو قول القاسم وسالم وعطاء وطاوس وذكر الخفاف عن سعيد عن ابن سيرين قال ~~كرهه قوم ولم ير به قوم بأسا ومن كرهه كان أفقه من الذين لم يروا به بأسا ~~وذكر عباد بن منصور قال قلت للقاسم بن محمد امرأة أبي أرضعت جارية من الناس ~~بلبان أخوتي من أبي أتحل لي فقال لا أبوك أبوها فسألت طاوسا والحسن ms1078 فقالا ~~مثل ذلك وسألت مجاهدا فقال اختلف فيه الفقهاء فلست أقول فيه شيئا وسألت ~~محمد بن سيرين فقال مثل قول مجاهد وسألت يوسف بن ماهك فذكر حديث أبي قعيس ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث ~~والشافعي لبن الفحل يحرم وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن ~~عبدالرحمن وعطاء ابن يسار وسليمان بن يسار أن لبن الفحل لا يحرم شيئا من ~~قبل الرجال وروى مثله عن رافع بن خديج والدليل على صحة القول الأول حديث ~~الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن أفلح أخا أبي القيس جاء ليستأذن ~~عليها وهو عمها من الرضاعة بعد ان نزل الحجاب قالت فأبيت أن آذن له فلما ~~جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قال ليلج عليك فإنه عمك قلت إنما ~~أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قال ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك وكان ~~أبو PageV03P068 القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة ويدل عليه من جهة ~~النظر أن سبب نزول اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا لأن الحمل منهما جميعا ~~فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان الولد منهما وإن اختلف سببهما # فإن قيل قد روى مالك عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت ~~تدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها ولا تدخل عليها من أرضعته نساء ~~أخوتها # قيل له هذا غير مخالف لما ورد في لبن الفحل إذ كان لها أن تأذن لمن شاءت ~~من محارمها وتحجب من شاءت ويدل عليه أيضا من جهة النظر أن البنت محرمة على ~~الجد وإن لم تكن من مائه لأنه كان سبب حدوث الأب الذي هو من مائه كذلك ~~الرجل لما كان هو سبب نزول اللبن من المرأة وجب أن يتعلق به التحريم وإن لم ~~يكن اللبن منه إذ كان هو سببه كما يتعلق به التحريم من جهة الأم # والمنصوص عليه في التنزيل من الرضاع الأمهات والأخوات من الرضاعة إلا أنه ~~قد ثبت عن النبي صلى الله ms1079 عليه وسلم بالنقل المستفيض الموجب للعلم أنه قال ~~يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب واتفق الفقهاء على استعماله والله أعلم # | باب أمهات النساء والربائب # قال الله تعالى @QB@ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن @QE@ ولم تختلف الأمة أن الربائب لا يحرمن بالعقد على ~~الأم حتى يدخل بها أو يكون منه ما يوجب التحريم من اللمس والنظر على على ما ~~بيناه فيما سلف هو نص التنزيل في قوله تعالى @QB@ فإن لم تكونوا دخلتم بهن ~~فلا جناح عليكم @QE@ واختلف السلف في أمهات النساء هل يحرمن بالعقد دون ~~الدخول فسوى حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس أن عليا قال في رجل طلق امرأته ~~قبل الدخول بها فله أن يتزوج أمها وإن تزوج أمها ثم طلقها قبل الدخول يتزوج ~~بنتها تجريان مجرى واحدا وأهل النقل يضعفون حديث خلاس عن علي ويروى عن جابر ~~بن عبدالله مثل ذلك وهو قول مجاهد وابن الزبير وعن ابن عباس روايتان ~~إحداهما ما يرويه ابن جريج عن أبي بكر بن حفص عن عمرو بن مسلم ابن عويمر بن ~~الأجدع عنه أن أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول والأخرى ما يرويه عكرمة عنه ~~أنها تحرم بنفس العقد وقال عمر وعبدالله بن مسعود وعمران بن حصين ومسروق ~~وعطاء والحسن وعكرمة تحرم بالعقد دخل بها أو لم يدخل وروى أبو أسامة عن ~~سفيان PageV03P069 عن أبي فروة عن أبي عمرو الشيباني عن عبدالله بن مسعود ~~أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت قال لا بأس ~~أن يتزوج أمها فلما أتى المدينة رجع فأفتاهم فنهاهم وقد ولدت أولادا وروى ~~إبراهيم عن شريح أن ابن مسعود كان يقول بقول علي ويفتي به يعني في أمهات ~~النساء فحج فلقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاكرهم ذلك فكرهوا أن ~~يتزوجها فلما رجع ابن مسعود نهى من كان أفتاه بذلك وكانوا أحياء من بن ~~فزارة أفتاهم بذلك وقال إني سألت أصحابي فكرهوا ذلك وروى ms1080 قتادة عن سعيد بن ~~المسيب أن زيد بن ثابت قال في رجل طلق امرأته قبل الدخول فأراد أن يتزوج ~~أمها قال إن طلقها قبل الدخول يتزوج أمها وإن ماتت لم يتزوج أمها وأصحاب ~~الحديث يضعفون حديث قتادة هذا عن سعيد بن المسيب عن زيد ويقولون إن أكثر ما ~~يرويه قتادة عن سعيد بن المسيب بينه وبينه رجال وإن رواياته عن سعيد مخالفة ~~لروايات أكثر أصحاب سعيد الثقات وقال عبدالرحمن بن مهدي عن مالك عن سعيد بن ~~المسيب أحب إلى من قتادة عن سعيد وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن زيد بن ~~ثابت خلاف رواية قتادة ويقال إن حديث يحيى وإن كان مرسلا فهو أقوى من حديث ~~قتادة عن سعيد قال أبو بكر وهذا الذي ذكرناه طريقة أصحاب الحديث والفقهاء ~~لا يعتبرون ذلك في قبول الأخبار وردها وإنما ذكرنا ذلك ليعرف به مذهب القوم ~~فيه دون اعتباره والعمل عليه ويشبه أن يكون زيد بن ثابت إنما فرق بين الموت ~~والطلاق في التحريم لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ~~ألا ترى أنه يجب فيه نصف المهر ولا يجب عليها العدة وأما الموت فلما كان في ~~حكم الدخول في باب استحقاق كمال المهر ووجوب العدة جعله كذلك في حكم ~~التحريم والدليل على أن أمهات النساء يحرمن بالعقد قوله تعالى @QB@ وأمهات ~~نسائكم @QE@ هي مبهمة عامة كقوله @QB@ وحلائل أبنائكم @QE@ وقوله @QB@ ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ فغير جائز تخصيصه إلا بدلالة وقوله ~~تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ حكم ~~مقصور على الربائب دون أمهات النساء وذلك من وجوه أحدها أن كل واحدة من ~~الجملتين مكتفية بنفسها في إيجاب الحكم المذكور فيها أعني قوله تعالى @QB@ ~~وأمهات نسائكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن @QE@ وكل كلام اكتفى PageV03P070 بنفسه من غير تضمين له ~~بغيره ولا حمله عليه وجب إجراؤه على مقتضى لفظه دون تعليقه بغيره فلما كان ~~قوله @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ جملة مكتفية ms1081 بنفسها يقتضي عمومها تحريم أمهات ~~النساء مع وجود الدخول وعدمه وكان قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ جملة قائمة بنفسها على ما فيها من ~~شرط الدخول لم يجز لنا بناء إحدى الجملتين على الأخرى بل الواجب إجراء ~~المطلق منهما على إطلاقه والمقيد على تقييدة وشرطه إلا أن تقوم الدلالة على ~~أن إحداهما مبنية عن الأخرى محمولة على شرطها # وأخرى وهي أن قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ يجري هذا ~~الشرط مجرى الاستثناء تقديره وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم إلا ~~اللاتي لم تدخلوا بهن لأن فيه إخراج بعض ما انتطمه العموم فلما كان ذلك في ~~معنى الاستثناء وكان من حكم الاستثناء عوده إلى ما يليه إلا أن تقوم ~~الدلالة على رجوعه إلى ما تقدم وجب أن يكون حكمه مقصورا على الربائب ولم ~~يجز رده إلى ما تقدمه إلا بدلالة # وأخرى وهي أن شرط الدخول تخصيص لعموم اللفظ وهو لا محالة مستعمل في ~~الربائب ورجوعه إلى أمهات النساء مشكوك فيه وغير جائز تخصيص العموم بالشك ~~فوجب أن يكون عموم التحريم في أمهات النساء مقرا على بابه # وأخرى وهي أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء مظهرا لأنه لا ~~يستقيم أن يقال وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لأن أمهات نسائنا ~~لسن من نسائنا والربائب من نسائنا لأن البنت من الأم وليست الأم من البنت ~~فلما لم يستقم الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط لم يصح إضماره فيه # فثبت بذلك أن قوله @QB@ من نسائكم @QE@ إنما هو من وصف الربائب دون أمهات ~~النساء وأيضا فلو جعلنا قوله @QB@ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ نعتا ~~لأمهات النساء وجعلنا تقديره وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~لخرج الربائب من الحكم وصار حكم الشرط في أمهات النساء دونهن وذلك خلاف نص ~~التنزيل فثبت أن شرط الدخول مقصور على الربائب دون أمهات النساء وقد حدثنا ~~عبدالباقي ms1082 بن قانع قال حدثنا إسماعيل ابن الفضل قال حدثنا قتيبة بن سعيد ~~قال حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها ~~PageV03P071 وإن لم يدخل بها 0 فلينكح ابنتها وإيما رجل نكح امرأة فدخل بها ~~أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها # وقد حكى عن السلف اختلاف في حكم الربيبة فذكر ابن جريج قال أخبرني ~~إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن مالك بن أوس عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~أنه قال في الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر ثم فارق الأم ~~بعد الدخول أنه جائز له أن يتزوج الربيبة ونسب عبدالرزاق إبراهيم هذا فقال ~~إبراهيم ابن عبيد في غير هذا الحديث وهو مجهول لا تثبت بمثله مقالة ومع ذلك ~~فإن أهل العلم ردوه ولم يتلقه أحد منهم بالقبول وقد ذكر قتادة عن خلاس عن ~~علي أن الربيبة والأم تجريان مجرى واحدا وهو خلاف هذا الحديث لأن الأم لا ~~محالة تحرم بالدخول بالبنت وقد جعل الربيبة مثلها فاقتضى تحريم البنت ~~بالدخول فالأم سواء كانت في حجره أو لم تكن وذكر في حديث إبراهيم هذا أن ~~عليا احتج في ذلك بأن الله تعالى قال @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم @QE@ ~~فإذا لم تكن في حجره لم تحرم وحكاية هذا الحجاج يدل على وهن الحديث وضعفه ~~لأن عليا لا يحتج بمثله وذلك لأنا قد علمنا أن قوله @QB@ وربائبكم @QE@ لم ~~يقتض أن تكون تربية زوج الأم لها شرطا في التحريم وأنه متى لم يربها لم ~~تحرم وإنما سميت بنت المرأة ربيبة لأن الأعم الأكثر أن زوج الأم يربيها ثم ~~معلوم أن وقوع الاسم على هذا المعنى لم يوجب كون تربيته إياها شرطا في ~~التحريم كذلك قوله @QB@ في حجوركم @QE@ كلام خرج على الأعم الأكثر من كون ~~الربيبة في حجر الزوج وليست هذه الصفة شرطا في التحريم ms1083 كما أن تربية الزوج ~~إياها ليست شرطا فيه وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خمس وعشرين من ~~الإبل بنت مخاض # وفي ست وثلاثين بنت لبون وليس كون المخاض أو اللبن بالأم شرطا في المأخوذ ~~وإنما ذكره لأن الأغلب أنها إذا دخلت في السنة الثانية كان بأمها مخاض وإذا ~~دخلت في الثالثة كان بأمها لبن فإنما أجرى الكلام على غالب الحال كذلك قوله ~~تعالى @QB@ في حجوركم @QE@ على هذا الوجه قال أبو بكر لا خلاف بين أهل ~~العلم في تحريم من ذكر ممن لا يعتق عليه بملك اليمين وأن الأم والأخت من ~~الرضاعة محرمتان بملك اليمين كما هما بالنكاح وكذلك أم المرأة وابنتها إذا ~~دخل بالأم وأن كل واحدة منهما محرمة عليه تحريما مؤبدا إذا وطىء الأخرى ~~وكذلك لا خلاف أنه لا يجوز له الجمع بين أم وبنت بملك اليمين # وروي ذلك عن عمر وابن PageV03P072 عباس وابن عمر وعائشة ولا خلاف أيضا أن ~~الوطء بالنكاح فيما يتعلق به تحريم مؤبد قوله تعالى @QB@ وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم @QE@ قال عطاء بن أبي رباح نزلت في النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين تزوج امرأة زيد ونزلت @QB@ وما جعل أدعياءكم أبناءكم @QE@ و @QB@ ~~ما كان محمد أبا أحد من رجالكم @QE@ قال وكان يقال له زيد بن محمد # قال أبو بكر حليلة الابن هي زوجته ويقال إنما سميت حليلة لأنها تحل معه ~~في فراش # وقيل لأنه يحل له منها الجماع بعد النكاح والأمة وإن استباح فرجها بالملك ~~لا تسمى حليلة ولا تحرم على الأب ما لم يطأها وعقد نكاح الابن عليهما ~~يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا وهذا يدل على أن الحليلة اسم يختص بالزوجة ~~دون ملك اليمين ولما علق حكم التحريم بالتسمية دون ذكر الوطء اقتضى ذلك ~~تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء لأنا لو شرطنا الوطء لكان فيه زيادة في النص ~~ومثلها يوجب النسخ لأنها تبيح ما حظرته الآية وهذا لا خلاف فيه بين ~~المسلمين # قال أبو بكر وقوله تعالى @QB@ الذين من أصلابكم @QE@ قد تناول ms1084 عند الجميع ~~تحريم حليلة ولد الولد على الجد وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه ~~من صلب الجدلأن إطلاق الآية قد اقتضاها عند الجميع وفيه دلالة على أن ولد ~~الولد نسوب إلى الجد بولادة وهذه الآية في تخصيصها حليلة الابن من الصلب في ~~معنى قوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا @QE@ لما تضمنه من ~~إباحة تزويج حليلة الابن من جهة التبني # وقوله @QB@ في أزواج أدعيائهم @QE@ يدل على أن حليلة الابن هي زوجته لأنه ~~عبر في هذا الموضوع عنهم باسم الأزواج وفي الآية الأولى بذكر الحلائل قوله ~~تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف @QE@ قال أبو بكر قد ~~اقتضى ذلك تحريم الجمع بين الأختين في سائر الوجوه لعموم اللفظ والجمع على ~~وجوه # منها أن يعقد عليهما جميعا معا فلا يصح نكاح واحدة منهما لأنه جامع ~~بينهما وليست إحداهما بأولى يجوز نكاحها من الأخرى ولا يجوز تصحيح نكاحهما ~~مع تحريم الله تعالى الجمع بينهما وغير جائز تخيير الزوج في أن يختار ~~أيتهما شاء من قبل أن العقدة وقعت فاسدة مثل النكاح في العدة أو هي تحت زوج ~~فلا يصح أبدا # ومن الجمع أن يتزوج أحدهما ثم يتزوج الأخرى بعدها فلا يصح نكاح الثانية ~~لأن الجمع بها حصل وعقدها وقع منهيا عنه وعقد الأولى وقع مباحا فيفرق بينه ~~وبين الثانية PageV03P073 ومن الجمع أيضا أن يجمع بين وطئهما بملك اليمين ~~فيطأ إحداهما ثم يطأ الأخرى قبل إخراج الموطوءة الأولى من ملكه فهذا ضرب من ~~الجمع وقد كان فيه خلاف بين السلف ثم زال وحصل الإجماع على تحريم الجمع ~~بينهما بملك اليمين وروى عن عثمان وابن عباس أنهما أباحا ذلك وقالا أحلتهما ~~آية وحرمتهما آية وقال عمر وعلي وابن مسعود والزبير وابن عمر وعمار وزيد بن ~~ثابت لا يجوز الجمع بينهما بملك اليمين وقال الشعبي سئل علي عن ذلك فقال ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية فالحرام أولى وروى ms1085 عبدالرحمن المقري قال حدثنا ~~موسى بن أيوب الغافقي قال حدثني عمي أياس بن عامر قال سألت علي بن أبي طالب ~~عن الأختين بملك اليمين وقد وطىء إحداهما هل يطأ الأخرى فقال اعتق الموطوءة ~~حتى يطأ الأخرى وقال ما حرم الله من الحرائر شيئا إلا حرم من الإماء مثله ~~إلا عدد الأربع وروي عن عمار مثل ذلك # قال أبو بكر أحلتهما آية يعنون به قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وقوله حرمتهما آية قوله @QB@ وأن تجمعوا بين ~~الأختين @QE@ فروى عن عثمان الإباحة وروي عنه أنه ذكر التحريم والتحليل ~~وقال لا آمر ولا أنهى عنه وهذا القول منه يدل على أنه كان ناظرا فيه غير ~~قاطع بالتحليل والتحريم فيه فجائز أن يكون قال فيه بالإباحة ثم وقف فيه ~~وقطع علي فيه بالتحريم وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن الحظر والإباحة ~~إذا اجتمعا فالحظر أولى إذا تساوى سبباهما وكذلك يجب أن يكون حكمهما في ~~الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومذهب أصحابنا يدل على أن ذلك ~~قولهم وقد بيناه في أصول الفقه وقد روى أياس بن عامر أنه قال لعلي إنهم ~~يقولون إنك تقول أحلتهما آية وحرمتهما آية فقال كذبوا وهذا يحتمل أن يريد ~~به نفي المساواة في مقتضى الآيتين وإبطال مذهب من يقول بالوقف فيه على ما ~~روى عن عثمان لأنه قال في رواية الشعبي أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم ~~أولى وإنكاره أن يكون أحلتهما آية وحرمتهما آية إنما هو على جهة أن آيتي ~~التحليل والتحريم غير متساويتين في مقتضاهما وأن التحريم أولى من التحليل ~~ومن جهة أخرى أن إطلاق القول بأنه أحلتهما آية وحرمتهما آية من غير تقييد ~~هو قول منكر لاقتضاء حقيقته أن يكون شيء واحد مباحا محظورا في حال واحدة ~~فجائز أن يكون على رضي الله عنه أنكر إطلاق القول بأنه أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية من هذا الوجه وأنه إذا كان مقيدا بالقطع PageV03P074 على أحد ~~الوجهين كان سائغا جائزا على ما روى ms1086 عنه في الخبر الآخر ومما يدل على أن ~~التحريم أولى لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما أن فعل المحظور يستحق به ~~العقاب وترك المباح لا يستحق به العقاب والاحتياط الامتناع مما لا يأمن ~~استحقاق العقاب به فهذه قضية واجبة في حكم العقل وأيضا فإن الآيتين غير ~~متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بإحداهما على ~~الأخرى إذ كل واحدة منهما ورودها في سبب غير سبب الأخرى وذلك لأن قوله ~~تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ وارد حكم التحريم كقوله تعالى @QB@ ~~وحلائل أبنائكم @QE@ @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ وسائر من ذكر في الآية ~~تحريميها وقوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ ~~وارد في إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب وأفاد وقوع الفرقة وقطع ~~العصمة فيما بينهما فهو مستعمل فيما ورد فيه من إيقاع الفرقة بين المسبية ~~وبين زوجها وإباحتها لمالكها فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين ~~الأختين إذ كل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الأخرى فيستعمل حكم ~~كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه # ويدل على ذلك أنه لا خلاف بين المسلمين في أنها لم تعترض على حلائل ~~الأبناء وأمهات النساء وسائر من ذكر تحريمهن في الآية وأنه لا يجوز وطء ~~حليلة الابن ولاأم المرأة بملك اليمين ولم يكن قوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ موجبا لتخصيصهن لوروده في سبب غير سبب الآية الأخرى كذلك ~~ينبغي أن يكون حكمه في اعتراضه على تحريم الجمع وامتناع علي رضي الله عنه ~~ومن تابعه في ذلك من الصحابة من الاعتراض بقوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ على تحريم الجمع بين الأختين يدل على أن حكم الآيتين إذا ~~وردتا في سببين إحداهما في التحليل والأخرى في التحريم أن كل واحدة منهما ~~تجري على حكمها في ذلك السبب ولا يعترض بها على الأخرى وكذلك ينبغي أن يكون ~~حكم الخبرين إذا وردا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك وقد بينا ~~ذلك في أصول الفقه وأيضا لا نعلم ms1087 خلافا بين المسلمين في حظر الجمع بين ~~الأختين إحداهما بالنكاح والأخرى بملك اليمين نحو أن تكون عنده امرأة بنكاح ~~فيشتري أختها أنه لا يجوز له وطؤهما جميعا وهذا يدل على أن تحريم الجمع قد ~~انتظم ملك اليمين كما انتظم النكاح وعموم قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين ~~الأختين @QE@ يقتضي تحريم جمعهما على سائر الوجوه وهو موجب لتحريم ~~PageV03P075 تزويج المرأة وأختها تعتد منه لما فيه من الجمع بينهما في ~~استحقاق نسب ولديهما وفي إيجاب النفقة المستحقة بالنكاح والسكنى لهما وذلك ~~كله من ضروب الجمع فوجب أن يكون محظورا منتفيا بتحريمه الجمع بينهما فإن ~~قيل قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ مقصور على النكاح دون ~~غيره قيل له هذا غلط لاتفاق فقهاء الأمصار على تحريم الجمع بينهما بملك ~~اليمين على ما بيناه وليس ملك اليمين بنكاح فعلمنا أن تحريم الجمع غير ~~مقصور على النكاح وأيضا فإن اقتصارك بالتحريم على النكاح دون غيره من سائر ~~ضروب الجمع تخصيص بغير دلالة وذلك غير سائغ لأحد وقد اختلف السلف وفقهاء ~~الأمصار في ذلك فروي عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبيدة السلماني وعطاء ~~ومحمد بن سيرين ومجاهد في آخرين من التابعين أنه لا يتزوج المرأة في عدة ~~أختها وكذلك لا يتزوج الخامسة وأحدى الأربع تعتد منه فبعضهم أطلق العدة وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح وروي عن عروة ~~بن الزبير والقاسم بن محمد وخلاس له أن يتزوج أختها إذا كانت عدتها من طلاق ~~بائن وهو قول مالك والأوزاعي والليث والشافعي واختلف عن سعيد بن المسيب ~~والحسن وعطاء فروي عن كل واحد منهم روايتان إحداهما أنه يتزوجها والأخرى ~~أنه لا يتزوجها وقال قتادة رجع الحسن عن قوله أنه يتزوجها في عدة أختها وما ~~قدمنا من دلالة الآية وعمومها في تحريم الجمع كاف في إيجاب التحريم وما ~~دامت الأخت معتدة منه ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على تحريم الجمع ~~بين وطء الأختين بملك اليمين والمعنى فيه أن إباحة الوطء ms1088 حكم من أحكام ~~النكاح وإن لم يكن نكاحا ولا عقد فواجب على ذلك تحريم الجمع بينهما في حكم ~~من أحكام النكاح فلما كان استلحاق النسب ووجوب النفقة والسكنى من أحكام ~~النكاح وجب أن يكون ممنوعا من الجمع بينهما فيه فإن قيل كيف يكون جامعا ~~بينهما مع ارتفاع الزوجيه وكونها أجنبية منه ولو كان قد طلقها ثلاثا ثم ~~وطئها في العدة وجب عليه الحد وهذا يدل على أنها بمنزلة الأجنبية منه فلا ~~تمنع تزويج أختها قيل له لا يختلفان في وجوب الحد لأنه كما يجب عليها بوطئه ~~إياها ومع ذلك لا يجوز لها أن تتزوج وتجمع إلى حقوق نكاح الأول زوجا آخر ~~ولم يكن وجوب الحد عليها بمطاوعتها إياه على الوطء مبيحا لها نكاح زوج آخر ~~بل كانت في المنع من زوج ثان بمنزلة من هي في حباله وكذلك الزوج لا يجوز ~~PageV03P076 له جمع أختها في هذه الحال مع بقاء حقوق النكاح وإن كان وطؤه ~~إياها موجبا للحد ودليل آخر وهو أنه لما كان تحريم نكاح الأخت من طريق ~~الجمع ووجدنا تحريم نكاح زوج آخر إذا كانت عند زوج من طريق الجمع ثم وجدنا ~~العدة تمنع من الجمع ما تمنع نفس النكاح وجب أن يكون الزوج ممنوعا من تزويج ~~أختها في عدتها كما منع ذلك في حال بقاء نكاحها إذ كانت العدة تمنع من ~~الجمع ما يمنعه نفس النكاح كما جرت العدة مجرى النكاح في باب منعها من نكاح ~~زوج آخر حتى تنقضي عدتها فإن قيل هذا يوجب أن يكون الرجل في العدة إذا ~~منعته من تزويج الأخت حتى تنقضي عدتها قيل له ليس تحريم النكاح مقصورا على ~~العدة حتى إذا منعناه من نكاح أختها فقد جعلناه في العدة ألا ترى أنه ممنوع ~~من تزوج أختها إذا كانت معتدة منه من طلاق رجعي ولم يوجب الرجل في العدة ~~وكذلك قبل طلاق كل واحد منهما ممنوع من عقد نكاح على الأخت أو لزوج آخر ~~وليس واحد منهما في العدة وقوله تعالى @QB@ إلا ms1089 ما قد سلف @QE@ قال أبو بكر ~~قد ذكرنا معنى قوله @QB@ إلا ما قد سلف @QE@ عند ذكر قوله تعالى @QB@ ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف @QE@ واختلاف المختلفين في ~~تأويله واحتماله لما قيل فيه وقال تعالى عند ذكر تحريم الجمع بين الأختين ~~@QB@ إلا ما قد سلف @QE@ وهو في هذا الموضع يحتمل من المعاني ما احتمله ~~الأول وفيه احتمال لمعنى آخر لا يحتمله الأول وهو أن يكون معناه أن العقود ~~المتقدمة على الأختين لا تنفسخ ويكون أن يختار إحداهما ويدل عليه حديث أبي ~~وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال أسلمت وعندي أختان ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال طلق إحداهما وفي بعض الألفاظ طلق ~~أيتهما شئت فلم يأمره بمفارقتهما إن كان العقد عليهما معا ولم يأمره ~~بمفارقة الآخرة منهما إن كان تزوجهما في عقدين ولم يسأله عن ذلك فدل ذلك ~~على بقاء نكاحه عليهما بقوله طلق أيتهما شئت ودل ذلك على أن العقد عليهما ~~كان صحيحا قبل نزول التحريم وأنهم كانوا مقرين على ما كانوا عليه من عقودهم ~~قبل قيام حجة السمع ببطلانها واختلاف أهل العلم في الكافر يسلم وتحته أختان ~~أو خمس أجنبيات فقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري يختار الأوائل منهن إن كن ~~خمسا وإن كانتا أختين اختار الأولى وإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه ~~وبينهن وقل محمد بن الحسن ومالك والليث والأوزاعي والشافعي يختار من الخمس ~~PageV03P077 أربعا أيتهن شاء ومن الأختين أيتهما شاء إلا أن الأوزاعي روى ~~عنه في الأختين أن الأولى امرأته ويفارق الآخرة وقال الحسن بن صالح يختار ~~الأربع الأوائل فإن لم يدر أيتهن الأولى طلق كل واحدة حتى تنقضي عدتها ثم ~~يتزوج أربعا # والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين ~~@QE@ وذلك خطاب لجميع المكلفين فكان عقد الكافر على الأختين بعد نزول ~~التحريم كعقد المسلم في حكم الفساد فوجب التفريق بينه وبين الآخرة لوقوع ~~عقدها على فساد بنص التنزيل كما يفرق بينهما ms1090 لو نكحها بعد الأسلام لقوله ~~تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ والجمع واقع بالثانية وإن كان ~~تزوجهما في عقدة واحدة فهي فاسدة فيهما جميعا لوقوعها منهيا عنها بظاهر ~~النص فدل ذلك من وجهين على ماذكرنا أحدهما وقوع العقدة منهيا عنها والنهي ~~عندنا يقتضي الفساد والثاني أنه منع الجمع بينهما بحال فلو بقينا عقدة ~~عليهما بعد الإسلام كنا مثبتين لما نفاه الله تعالى من الجمع فدل ذلك على ~~بطلان العقد الذي وقع به الجمع ومن جهة النظر أنه لما لم يجز أن يبتدىء ~~المسلم عقدا على أختين ولم يجز أيضا أن يبقى له عقد على أختين وإن لم تكونا ~~أختين في حال العقد كمن تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة فاستوى حكم الابتداء ~~والبقاء في نفي الجمع بينهما أشبه نكاح ذوات المحارم في استواء حال البقاء ~~والابتداء فيهما فلما لم يختلف العقد على ذوات المحارم في وقوعه في حال ~~الكفر وحال الإسلام ووجب التفريق متى طرأ عليه الإسلام وكان بمنزلة ابتداء ~~العقد بعد الإسلام وجب مثله في نكاح الأختين وأكثر من أربع نسوة وكما لم ~~يختلف حكم البقاء والابتداء فيهما كما قلنا في ذوات المحارم واحتج من غيره ~~بعد الإسلام بحديث فيروز الديلمي الذي قدمناه وبما روى ابن أبي ليلى عن ~~حميضة بن الشمردل عن الحرث بن قيس قال أسلمت وعندي ثمان نسوة فأمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن أختار منهن أربعا وبما روي معمر عن الزهري عن ~~سالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم خذ منهن أربعا فأما حديث فيروز فإن في لفظه ما يدل على صحة ~~العقد وكان قبل نزول التحريم لأنه قال أيتهما شئت وهذا يدل على بقاء العقد ~~عليهما بعد الإسلام وحديث الحارث بن قيس يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول ~~التحريم فكان صحيحا إلى أن طرأ التحريم فلزمه اختيار الأربع منهن ومفارقة ~~سائرهن كرجل له امرأتان فطلق إحداهما PageV03P078 ثلاثا فيقال له اختر ~~أيهما شئت ms1091 لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم فإن قيل لو كان ذلك ~~يختلف لسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت العقد # قيل له يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك فاكتفى بعلمه ~~عن مسألته وأما حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه في قصة غيلان فإنه مما ~~لا يشك أهل النقل فيه أن معمرا أخطأ فيه بالبصرة وأن أصل هذا الحديث مقطوع ~~من حديث الزهري رواه مالك عن الزهري قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة اختر منهن أربعا ورواه عنه عقيل ~~ابن خالد عن ابن شهاب قال بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة وكيف يجوز أن يكون عنده عن سالم عن ~~أبيه فيجعله بلاغا عن عثمان ابن محمد بن أبي سويد ويقال إنه إنما جاء الغلط ~~من قبل أن معمرا كان عنده عن الزهري حديثان في قصة غيلان أحدهما هذا وهو ~~بلاغ عن عثمان بن محمد بن أبي سويد والآخر حديثه عن سالم عن أبيه أن غيلان ~~بن سلمة طلق نساءه في زمن عمر وقسم ماله بين ورثته فقال له عمر لئن لم ~~تراجع نساءك ثم مت لأورثهن ثم لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال فأخطأ معمر ~~وجعل إسناد هذا الحديث لحديث إسلامه مع النسوة # # | ( فصل ) قال أبو بكر والمنصوص على تحريمه في الكتاب هو الجمع بين ~~الأختين وقد وردت آثار متواتره في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها ~~وخالتها رواه علي وابن عباس وجابر وابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري ~~وأبو هريرة وعائشة وعبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها ولا على بنت أختها ~~وفي بعضها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى على اختلاف بعض ~~الألفاظ مع اتفاق المعنى ms1092 وقد تلقها الناس بالقبول مع تواترها واستفاضتها ~~وهي من الأخبار الموجبة للعلم والعمل فوجب استعمال حكمها مع الآية وشذت ~~طائفة من الخوارج بإباحة الجمع بين من عدا الأختين لقوله تعالى @QB@ وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم @QE@ وأخطأت في ذلك وضلت عن سواء السبيل لأن الله تعالى ~~كما قال @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ قال @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه ~~@QE@ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بين من ذكرنا فوجب ~~أن يكون مضموما إلى الآية فيكون قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~@QE@ مستعملا فيمن عدا الأختين وعدا من بين النبي صلى الله عليه وسلم تحريم ~~الجمع بينهن PageV03P079 وليس يخلو قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~@QE@ من أن يكون نزل قبل حكم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم من حرم الجمع ~~بينهن أو معه أو بعده وغير جائز أن يكون قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم @QE@ بعد الخبر لأن قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ مرتب ~~على تحريم من ذكر تحريمهن منهن لأن قوله @QB@ ما وراء ذلكم @QE@ المراد به ~~ما وراء من تقدم ذكر تحريمهن وقد كان قبل تحريم الجمع بين الأختين جميع ذلك ~~مباحا فعلمنا أن تحريم من ذكر تحريم الجمع بينهن في الخبر لم يكن قبل تحريم ~~الجمع بين الأختين وإذا امتنع أن يكون الخبر قبل الآية لم يخل من أن يكون ~~معها أو بعدها فإن كان معها فلم ترد الآية إلا خاصة فيما عدا ما ذكر في ~~الخبر تحريم جمعهن وعلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عقيب تلاوة ~~الآية وبين مراد الله تعالى بها فلم يعقل السامعون للآية حكما إلا خاصا على ~~ما بينا وإن كان حكم الآية استقر على مقتضى عموم لفظها ثم ورد الخبر فإن ~~هذا لا يكون إلا على وجه النسخ ونسخ القرآن جائز بمثله لتواتره واستفاضته ~~وكونه في حيز الأخبار الموجبة للعلم والعمل فإن لم يثبت عندنا تاريخ الآية ~~والخبر مع حصول اليقين بأنه غير منسوخ ms1093 بالآية لأنه لم يرد قبلها على ما ~~بينا آنفا وجب استعماله مع الآية وأولى الأشياء أن يكون الآية والخبر وردا ~~معا لأنه ليس عندنا علم بتاريخهما وغير جائز لنا الحكم بتأخره عن الآية ~~ونسخ بعض أحكام الآية به لأن ذلك لا يكون إلا بعد استقرار حكم الآية على ~~عمومها ثم ورد النسخ عليها بالخبر فوجب الحكم بورودهما معا ولأن الآية ~~والخبر إذا لم يعلم تاريخهما وجب الحكم بهما معا كالغرقى والقوم الذين يقع ~~عليهم البيت إذا لم يعلم موت أحدهم متقدما على الآخر حكمنا بموتهم جميعا ~~معا والله أعلم # باب نكاح ذوات الزوج $ # قال الله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت @QE@ عطفا على من ~~حرم من النساء من عند قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ فروى سفيان ~~عن حماد عن إبراهيم عن عبدالله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ قال ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين وقال علي بن أبي طالب ~~ذوات الأزواج من المشركين وقد روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كل ذات زوج ~~إتيانها زنا إلا ما سبيت # قال أبو بكر اتفق هؤلاء على أن المراد بقوله تعالى @QB@ والمحصنات من ~~النساء @QE@ ذوات الأزواج منهن وأن PageV03P080 نكاحها حرام ما دامت ذات ~~زوج واختلفوا في قوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ فتأوله علي وابن ~~عباس في رواية وعمر وعبدالرحمن بن عوف وابن عمر أن الآية إنما وردت في ذوات ~~الأزواح من السبايا أبيح وطؤهن بملك اليمين ووجب بحدوث السبي عليها دون ~~زوجها وقوع الفرقة بينهما وكانوا يقولون أن بيع الأمة لا يكون طلاقا ولا ~~يبطل نكاحها وتأوله ابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك وجابر بن عبدالله ~~وابن عباس في رواية عكرمة أنه في جميع ذوات الأزواج من السبايا وغيرهم ~~وكانوا يقولون بيع الأمة طلاقها وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا عبدالله بن عمر بن ميسرة قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد ~~عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة ms1094 الهاشمي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم وظهروا عليهم ~~فأصابوا منهم سبايا لهن أزواج من المشركين فكان المسلمون يتحرجون من ~~غشيانهم فأنزل الله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ~~@QE@ أي هن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وقد ذكر أن أبا علقمة هذا رجل جليل من ~~أهل العلم وقد روي عنه يعلى ابن عطاء وروى هو هذا الحديث عن أبي سعيد وله ~~أحاديث عن أبي هريرة وهذا حديث صحيح السند قد أخبر فيه بسبب نزول الآية ~~وأنها في السبايا وتأولها ابن مسعود ومن وافقه على جميع النساء ذوات ~~الأزواج إذا ملكن حل وطؤهن لمالكهن ووقعت الفرقة بينهن وبين أزواجهن # فإن قيل أنتم لا تعتبرون السبب وإنما تراعون حكم اللفظ إن كان عاما فهو ~~على عمومه حتى تقوم دلالة الخصوص فهلا اعتبرت ذلك في هذه الآية وجعلتها على ~~العموم في سائر من يطرأ عليه الملك من النساء ذوات الأزواج فينتظم السبايا ~~وغيرهن قيل له الدلالة ظاهرة في الآية على خصوصها في السبايا وذلك لأنه قال ~~@QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ فلو كان حدوث الملك ~~موجبا لإيقاع الفرقة لوجب أن تقع الفرقة بينها وبين زوجها إذا اشترتها ~~امرأة أو أخوها من الرضاعة لحدوث الملك فإن قيل جائز أن يقال ذلك في سائر ~~من طرأ عليهن الملك سواء كان حدوث الملك سببا لإباحة الوطء أو لم يكن بأن ~~تملكها امرأة أو رجل لا يحل له وطؤها قيل له فشأن الآية إنما هو فيمن حدث ~~له ملك اليمين فأباحت له وطأها لأنه استثناء بملك اليمين من حظر وطء ~~المحصنات من النساء فواجب على ذلك أنه إذا PageV03P081 لم يستبح المالك ~~وطأها بملك اليمين أن تكون الزوجية قائمة بينها وبين زوجها بحكم الآية وإذا ~~وجب ذلك بحكم الآية وجب أن يكون قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ~~ما ملكت أيمانكم @QE@ خاصا في السبايا ويكون السبب الموجب للفرقة اختلاف ~~الدين لا حدوث الملك ms1095 ويدل على أن حدوث الملك لا يوجب الفرقة ما روى حماد عن ~~إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها اشترت بريرة فأعتقتها وشرطت لأهلها الولاء ~~فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الولاء لمن أعتق وقال له يا ~~بريرة اختاري فالأمر إليك ورواه سماك عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن ~~عائشة مثله وروى قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود ~~يسمى مغيثا فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أن الولاء لمن أعطى ~~الثمن وخيرها # فإن قيل فقد روى ابن عباس في أمر بريرة ما روى ثم قال بعد ذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيع الأمة طلاقها فينبغي أن يقضي قوله هذا ما رواه لأنه ~~لا يجوز أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه # قيل له قد روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في السبايا وأن بيع الأمة لا ~~يوقع فرقة بينها وبين زوجها فجائز أن يكون الذي ذكرت عنه من أن بيع الأمة ~~طلاقها كان يقول قبل أن تثبت عنده قصة بريرة وتخيير النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياها بعد الشرى فلما سمع بقصة بريرة رجع عن قوله وأيضا يحتمل أن يريد ~~بقوله بيع الأمة طلاقها إذا اشتراها الزوج ولا يبقى النكاح مع الملك # والنظر يدل على أن بيع الأمة ليس بطلاق ولا يوجب الفرقة وذلك لأن الطلاق ~~لايملكه الزوج ولا يصح إلا بإيقاعه أو بسبب من قبله فلما لم يكن من الزوج ~~في ذلك سبب وجب أن لا يكون طلاقا ويدل أيضا على ذلك أن ملك اليمين لا ينافي ~~النكاح لأن الملك موجود قبل البيع غير ناف للنكاح فكذلك ملك المشتري لا ~~ينافيه # فإن قيل لما طرأ ملك المشتري ولم يكن منه رضى بالنكاح وجب أن ينفسخ # قيل له هذا غلط لأنه قد ثبت أن الملك لا ينافي النكاح والمعنى الذي ذكرت ~~إن كان معتبرا فإنما يوجب للمشتري خيارا في فسخ النكاح وليس هذا ms1096 قول أحد ~~لأن عبدالله بن مسعود ومن تابعه يوجبون فسخ النكاح بحدوث الملك # واختلف الفقهاء في الزوجين إذا سبيا معا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر إذا سبى الحربيان معا وهما زوجان فهما على النكاح وإن سبي أحدهما قبل ~~الآخر وأخرج إلى دار الإسلام فقد وقعت الفرقة وهو قول الثوري وقال الأوزاعي ~~إذا PageV03P082 سبيا جميعا فما كانا في المقاسم فهما على النكاح فإذا ~~اشتراهما رجل فإن شاء جمع بينهما وإن شاء فرق بينهما فاتخذها لنفسه أو ~~زوجها غيره بعد ما يستبرئها بحيضة وهو قول الليث بن سعد وقال الحسن بن صالح ~~إذا سبيت ذات زوج استبرئت بحيضتين لأن زوجها أحق بها إذا جاء في عدتها وغير ~~ذات الأزواج بحيضة # وقال مالك والشافعي إذا سبيت بانت من زوجها سواء كان معها زوجها أو لم ~~يكن # قال أبو بكر قد ثبت أن حدوث الملك غير موجب للفرقة بدلالة الأمة المبيعه ~~والمورثة فوجب أن لا تقع الفرقة بالسبي نفسه لأنه ليس فيه أكثر من حدوث ~~الملك ودليل آخر وهو أن حدوث الرق عليها لا يمنع ابتداء العقد فلأن لا يمنع ~~بقاءه أولى لأن البقاء هو آكد في ثبوت النكاح معه من الابتداء ألا ترى أنه ~~قد يمنع الابتداء مالا يمنع البقاء وهو حدوث العدة عليها من وطء بشبهة يمنع ~~ابتداء العقد ولا يمنع بقاء العقد المتقدم # فإن احتجوا بحديث أبي سعيد الخدري في قصة سبايا أوطاس وسبب نزول الآية ~~عليها وهو قوله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ لم يفرق ~~بين من سبيت مع زوجها أو وحدها قيل له روى حماد قال أخبرنا الحجاج عن سالم ~~المكي عن محمد بن علي قال لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت ~~النساء فقال المسلمون كيف نصنع ولهن أزواج فأنزل الله تعالى @QB@ والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ فأخبر أن الرجال لحقوا بالجبال وأن ~~السبايا كن منفردات عن الأزواج والآية فيهن نزلت وأيضا لم يأسر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في غزاة ms1097 حنين من الرجال أحدا فيما نقل أهل المغازي وإنما ~~كانوا من بين قتيل أو مهزوم وسبى النساء ثم جاءه الرجال بعد ما وضعت الحرب ~~أوزارها فسألوه أن يمن عليهم بإطلاق سباياهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم وقال للناس من رد عليهم فذاك ومن ~~تمسك بشيء منهن فله خمس فرائض في كل رأس وأطلق الناس سباياهم فثبت بذلك أنه ~~لم يكن مع ا لسبايا أزواجهن # فإن احتجوا بعموم قوله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ~~@QE@ لم يخصص من معهن أزواجهن والمنفردات منهن قيل له قد اتفقنا على أنه لم ~~يرد عموم الحكم في إيجاب الفرقة بالملك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع ~~الفرقة بشرى الأمة وهبتها وبالميراث وغيره من وجوه الأملاك الحادثة فلما لم ~~يكن ذلك كذلك علمنا أن الفرقة لم تتعلق بحدوث الملك وكان ذلك دليلا على ~~مراد الآية وذلك لأنه إذا لم يخل PageV03P083 مراد الله تعالى في المعنى ~~الموجب للفرقة في المسبية من أحد وجهين إما اختلاف الدارين بهما أو حدوث ~~الملك ثم قامت دلالة السنة واتفاق الخصم معنا على نفي إيجاب الفرقة بحدوث ~~الملك قضى ذلك على مراد الآية بأنه اختلاف الدارين وأوجب ذلك خصوص الآية في ~~المسبيات دون أزواجهن ويدل على أن المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين ~~أنهما المسبيات دون أزواجهن ويدل على أن المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف ~~الدارين أنهما لو خرجا مسلمين أو ذميين لم تقع بينهما فرقة لأنهما لم تختلف ~~بهما الداران فدل ذلك على أن المعنى الموجب للفرقة بين المسبية وزوجها إذا ~~كانت منفردة اختلاف الدارين بهما ويدل عليه أن الحربية إذا خرجت إلينا ~~مسلمة أو ذمية ثم لم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف وقد حكم الله ~~تعالى بذلك في المهاجرات في قوله @QB@ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن @QE@ ثم قال @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ قال أبو ~~بكر قوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ يقتضى ms1098 إباحة الوطء بملك ~~اليمين لوجود الملك إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روى عنه ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا شريك عن ~~قيس بن وهب عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي ~~مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال قام فينا خطيبا فقال ~~أما أني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم ~~حنين لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسقى ماؤه زرع غيره حتى ~~يستبرئها بحيضة قال أبو داود ذكر الاستبراء ههنا وهم من أبي معاوية وهو ~~صحيح في حديث أبي سعيد وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~النفيلي قال حدثنا مسكين قال حدثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن عبدالرحمن ابن ~~جبير بن نفير عن أبيه عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~في غزوة فرأى امرأة مجحا فقال لعل صاحبها ألم بها قالوا نعم قال لقد هممت ~~أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستخدمه وهو ~~لا يحل له فهذه الأخبار PageV03P084 تمنع من استحدث ملكا في جارية أن يطأها ~~حتى يستبرئها إن كانت حائلا وحتى تضع حملها إن كانت حاملا وليس بين فقهاء ~~الأمصار خلاف في وجوب استبراء المسبية على ما ذكرنا إلا أن الحسن بن صالح ~~قال عليها العدة حيضتين إذا كان لها زوج في دار الحرب وقد ثبت بحديث أبي ~~سعيد الذي ذكرنا الاستبراء بحيضة واحدة وليس هذا الاستبراء بعدة لانها لو ~~كانت عدة لفرق ms1099 النبي صلى الله عليه وسلم بين ذوات الأزواج منهن وبين من ليس ~~لها زوج لأن العدة لا تجب إلا عن فراش فلما سوى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين من كان لها فراش وبين من لم يكن لها فراش دل ذلك على أن هذه الحيضة ~~ليست بعدة فإن قيل قد ذكر في حديث أبي سعيد الذي ذكرت إذا انقضت عدتهن فجعل ~~ذلك عدة قيل له يجوز أن تكون هذه اللفظة من كلام الراوي تأويلا منه ~~للاستبراء أنه عدة وجائز أن تكون العدة لما كان أصلها استبراء الرحم أجرى ~~اسم العدة على الاستبراء على وجه المجاز # قال أبو بكر وقد روى في قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ تأويل آخر وروى زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال ذوات ~~الأزواج ورجع ذلك إلى قوله حرم الله تعالى الزنا وروى معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه في قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ قال ~~فزوجتك مما ملكت يمينك يقول حرم الله الزنا لا يحل لك أن تطأ امرأة إلا ما ~~ملكت يمينك وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ~~ملكت أيمانكم @QE@ قال نهى عن الزنا وعن عطاء بن السائب قال كل محصنة عليك ~~حرام إلا امرأة تملكها بنكاح # قال أبو بكر وكان تأويلها عند هؤلاء أن ذوات الأزواج حرام إلا على ~~أزواجهن وليس يمتنع أن يكون ذلك من مراد الله تعالى بالآية لاحتمال اللفظ ~~له وذلك لا يمنع إرادة المعاني التي تأولها الصحابة عليها من إباحة وطء ~~السبايا اللاتي لهن أزواج حربيون فيكون محمولا على الأمرين والأظهر أن ملك ~~اليمين هي الأمة دون الزوجات لأن الله قد فرق بينهما فقال الله تعالى @QB@ ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ فجعل ~~ملك اليمين غير الزوجات والإطلاق إنما يتناول الإماء المملوكات دون الزوجات ~~وهي كذلك في الحقيقة لأن الزوج لا يملك من زوجته شيئا وإنما له منها ~~استباحة الوطء ms1100 ومنافع بضعها في ملكها دونه ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة وهي ~~تحت زوج كان المهر لها دونه فدل ذلك PageV03P085 على أنه لا يملك من زوجته ~~شيئا فوجب ان يجمل قوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ على من يملكها ~~في الحقيقة وهي المسبية # قوله تعالى @QB@ كتاب الله عليكم @QE@ روي عن عبيدة قال أربع وإنما نصب ~~كتاب الله لأنهم يقولون أن معنى كتاب الله عليكم أي كتب الله عليكم ذلك ~~وقيل معناه حرم ذلك كتابا من الله عليكم وهذا تاكيد لوجوبه وإخبار منه لنا ~~بفرضه لأن الكتاب هو الفرض # قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ روى عن عبيدة السلماني ~~والسدي أحل ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح وقال عطاء أحل ~~لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم وقال قتادة @QB@ ما وراء ذلكم @QE@ ما ~~ملكت أيمانكم # وقيل ما وراء ذوات المحارم وما وراء الزيادة على الأربع أن تبتغوا ~~بأموالكم نكاحا أو ملك يمين # قال أبو بكر هو عام فيما عدا المحرمات في الآية وفي سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم # | باب المهور # قال الله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم @QE@ فعقد ~~الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع وهو مال فدل على معنيين أحدهما أن بدل ~~البضع واجب أن يكون ما يستحق به تسليم مال والثاني أن يكون المهر ما يسمى ~~أموالا وذلك لأن هذا خطاب لكل واحد في إباحة ما وراء ذلك أن يبتغي البضع ~~بما يسمى أموالا كقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ خطاب ~~لكل أحد في تحريم أمهاته وبناته عليه وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز أن يكون ~~المهر الشيء التافه الذي لا يسمى أموالا واختلف الفقهاء في مقدار المهر ~~فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا مهر أقل من عشرة دراهم وهو قول الشعبي ~~وإبراهيم في آخرين من التابعين وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن ~~بن زياد وقال أبو سعيد الخدري والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء يجوز النكاح ms1101 ~~على قليل المهر وكثيره وتزوج عبدالرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب فقال ~~بعض الرواة قيمتها ثلاثة دراهم وثلث وقال آخرون النواة عشرة أو خمسة وقال ~~مالك أقل المهر ربع دينار وقال ابن أبي ليلى والليث والثوري والحسن ابن ~~صالح والشافعي يجوز بقليل المال وكثيره ولو درهم # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~@QE@ يدل على أن ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا وإن شرطه أن يسمى أموالا ~~هذا مقتضى الآية وظاهرها ومن كان له درهم أو PageV03P086 درهمان لا يقال ~~عنده أموال فلم يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر # فإن قيل ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال وقد أجزئها مهرا # قيل له كذلك يقتضي الظاهر لكن أجزناها بالاتفاق وجائز تخصيص الآية ~~بالإجماع وأيضا قد روى حرام بن عثمان عن ابن جابر عن أبيهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا مهر أقل من عشرة دراهم وقال علي بن أبي طالب لا مهر ~~أقل من عشرة دراهم ولا سبيل إلى معرفة هذا الضر ب من المقادير التي هي حقوق ~~الله تعالى من طريق يالاجتهاد والرأي وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق ~~وتقديره العشرة مهرا دون ما هو أقل منها يدل على أنه قاله توقيفا وهو نظير ~~ما روي عن أنس في أقل الحيض أنه ثلاثة أيام وأكثره عشرة وعن عثمان بن أبي ~~العاص الثقفي في أكثر النفاس أنه أربعون يوما أن ذلك توقيف إذ لا يقال في ~~مثله من طريق الرأي وكذلك ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إذا ~~قعد في آخر صلاته مقدار التشهيد فقد تمت صلاته فدل تقديره للفرض بمقدار ~~التشهيد أنه قاله من طريق التوقيف وقد احتج بعض أصحابنا لاعتبار العشرة أن ~~البضع عضو لا تجوز استباحته إلا بمال فأشبه القطع في السرقة فلما كانت اليد ~~عضوا لا تجوز استباحته إلا بمال وكان المقدار الذي يستباح به عشرة على ~~أصلهم فكذلك المهر يعتبر ms1102 به وأيضا لما اتفق الجميع على أنه لا يجوز استباحة ~~البضع بغير بدل واختلفوا فيما تجوز استباحته به من المقدار وجب أن يكون ~~باقيا على الحظر في منع استباحته إلا بما قام دليل جوازه وهو العشرة المتفق ~~عليها وما دونها مختلف فيه فالبضع باق على حكم الحظر وأيضا لما لم تجز ~~استباحته إلا ببدل كان الواجب أن يكون البدل الذي به يصح قيمة البضع هو مهر ~~المثل وأن لا يحط عنه شيء إلا بدلالة ألا ترى أنه لو تزوجها على غير مهر ~~لكان الواجب لها مهر مثلها وفي ذلك دليل على أن عقد النكاح يوجب مهر المثل ~~فغير جائز إسقاط شيء من موجبه إلا بدلالة وقد قامت دلالة الإجماع على جواز ~~إسقاط ما زاد على العشرة واختلفوا فيما دونه أن يكون واجبا بإيجاب العقد له ~~إذا لم تقم الدلالة على إسقاطه # فإن قيل لما قال الله تعالى @QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم @QE@ اقتضى ذلك إيجاب نصف الفرض قليلا كان ~~أو كثيرا قيل له لما ثبت بما ذكرنا ان المهر لا يكون أقل من عشرة دراهم ~~كانت تسميته لبعض العشرة تسمية لها PageV03P087 كسائر الأشياء التي لا ~~تتبعض تكون تسميته لبعضها تسمية لجميعها كالطلاق والنكاح ونحوهما وإذا كانت ~~العشرة لا تتبعض في العقد صارت تسميته لبعضها تسمية لجميعها فإذا طلقها قبل ~~الدخول وجب لها نصف العشرة لأن العشرة هي الفرض ألا ترى أنه لو طلق امرأته ~~نصف تطليقه كان مطلقا لها تطليقة كاملة ولو طلق نصفها كان مطلقا كذلك ~~لجميعها وكذلك لو عفا عن نصف دم عمد كان عافيا عن جميعه فلما كان ذلك كذلك ~~وجب أن تكون تسميته لخمسة تسمية للعشرة لقيام الدلالة على أن العشرة لا ~~تتبعض في عقد النكاح فمتى أوجبنا بعد الطلاق خمسة كان ذلك نصف الفرض وأيضا ~~فإنا نوجب نصف المفروض فلسنا مخالفين لحكم الآية ونوجب الزيادة إلى تمام ~~الخمسة بدلالة أخرى وإنما كان يكون مذهبنا خلاف الآية لو ms1103 لم نوجب نصف الفرض ~~فأما إذا أوجبناه وأوجبنا زيادة عليه بدلالة أخرى فليس في ذلك مخالفة للآية # واحتج من أجاز أن يكون المهر أقل من عشرة بحديث عامر بن ربيعة أن امرأة ~~جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تزوجت رجلا على نعلين فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجازه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث أبي الزبير يعن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ما أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعاما ~~فقد استحل وبحديث الحجاج ابن أرطأة عن عبدالملك بن المغيرة الطائفي عن ~~عبدالرحمن بن السلماني قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنكحوا ~~الأيامى منكم فقالوا يا رسول الله وما العلائق بينهما قال ما تراضى به ~~الأهلون وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من استحل بدرهمين ~~فقد استحل وإن عبدالرحمن بن عوف تزوج على وزن نواة من ذهب وأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال أولم ولو بشاة ولم ينكر ذلك عليه وبحديث أبي حازم عن ~~سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت لنبي صلى الله عليه وسلم قد وهبت نفسي ~~لك يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم مالي بالنساء من حاجة فقال ~~له رجل زوجنيها فقال هل عندك من شيء تصدقها إياه فقال إزاري هذا فقال إن ~~اعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك إلى أن قال إلتمس ولو خاتما من حديد فأجاز ~~أن يكون المهر خاتما من حديد لا يساوي عشرة # والجواب عن إجازته النكاح على نعلين أن النعلين قد يجوز أن تساويا عشرة ~~دراهم أو أكثر فلا دلالة فيه على موضع الخلاف لأنه تزوجها على نعلين ثم ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون قيمتها عشرة أو أكثر ~~PageV03P088 وليس بعموم لفظ في إباحة التزويج على نعلين أي نعلين كانتا فلا ~~دلالة فيه على قول المخالف ms1104 وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بجواز ~~النكاح وجواز النكاح لا يدل على أنه هو المهر لا غيره لأنه لو تزوجها على ~~غير مهر لكان النكاح جائزا ولم يدل جواز النكاح على أن لا شيء لها كذلك ~~جواز النكاح على نعلين قيمتهما أقل من عشرة دراهم لا دلالة فيه على أنه لا ~~يجب غيرهما وأما قوله من استحل بدرهمين أو بكف دقيق فقد استحل فإنه أخبار ~~عن ملك البضع ولا دلالة فيه على أنه لا يجب غيره # وكذلك حديث عبدالرحمن في تزوجه على وزن نواة من ذهب وعلى أنه قد روى في ~~الخبر أن قيمتها كانت خمسة أو عشرة # وأما قوله العلائق ما تراضى به الأهلون فإنه محمول على ما يجوز مثله في ~~الشرع ألا ترى أنهم لو تراضوا بخمر أو خنزير أو شغار لما جاز تراضيهما كذلك ~~في حكم التسمية يكون مرتبا على ما ثبت حكمه في الشرع من تسمية العشرة # وأما حديث سهل بن سعد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعجيل شيء لها ~~وعلى ذلك كان مخرج كلامه لأنه لو أراد ما يصح به العقد من التسمية لاكتفى ~~بإثباته في ذمته ما يجوز به العقد عن السؤال عما يعجل فدل ذلك على أنه لم ~~يرد به ما يصح مهرا ألا ترى أنه لما لم يجد شيئا قال زوجتكها بما معك من ~~القرآن وما معه من القرآن لا يكون مهرا فدل ذلك على صحة ما ذكرنا # واختلف الفقهاء فيمن تزوج امرأة على خدمته سنة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~إذا تزوج امرأة على خدمته سنة فإن كان حرا فلها مهر مثلها وإن كان عبدا ~~فلها خدمته سنة وقال محمد لها قيمة خدمته إن كان حرا وقال مالك إذا تزوجها ~~على أن يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر أو أقل ويكون ذلك صداقها فإنه يفسخ النكاح ~~إن لم يدخل بها وإن دخل بها ثبت النكاح وقال الأوزاعي إذا تزوجها على أن ~~يحجها ثم طلقها قبل أن يدخل ms1105 بها فهو ضامن لنصف حجها من الحملان والكسوة ~~والنفقة وقال الحسن بن صالح والشافعي النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتا ~~معلوما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا تزوجها على تعليم سورة من ~~القرآن لم يكن ذلك مهرا ولها مهر مثلها وهو قول مالك والليث وقال الشافعي ~~يكون ذلك مهرا لها فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة التعليم إن ~~كان قد علمها وهي رواية المزني وحكى الربيع عنه أنه يرجع عليها بصف مهر ~~مثلها قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ~~بأموالكم @QE@ قد PageV03P089 اقتضى أن يكون بدل البضع ما يستحق به تسليم ~~مال لأن قوله @QB@ أن تبتغوا بأموالكم @QE@ يحتمل معنيين أحدهما تمليك ~~المال بدلا من البضع والآخر تسليمه لاستيفاء منافعه فدل ذلك على أن المهر ~~الذي يملك به البضع إما أن يكون مالا أو منافع في مال يستحق بها تسليمه ~~إليها إذ كان قوله @QB@ أن تبتغوا بأموالكم @QE@ يشتمل عليهما ويقتضيهما ~~ويدل على أن المهر حكمه أن يكون مالا قوله تعالى @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ وذلك لأن قوله ~~@QB@ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة @QE@ أمر يقتضي ظاهره الإيجاب ودل بفحواه ~~على أن المهر ينبغي أن يكون مالا من وجهين أحدهما قوله @QB@ وأتوا @QE@ ~~معناه أعطوا والإعطاء إنما يكون في الأعيان دون المنافع إذ المنافع لا ~~يتأتى فيها الإعطاء على الحقيقة والثاني قوله @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ وذلك لا يكون في المنافع وإنما هو في المأكول ~~أو فيما يمكن صرفه بعد الإعطاء إلى المأكول فدلت هذه الآية على أن المنافع ~~لا تكون مهرا # فإن قيل فهذا يوجب أن لا تكون خدمة العبد مهرا قيل له كذلك اقتضى ظاهر ~~الآية ولولا قيام الدلالة لما جاز ويدل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن نكاح الشغار وهو أن يزوجه أخته على أن يزوجه أخته أو يزوجه أمته على أن ~~يزوجه أمته وليس ms1106 بينهما مهر وهذا أصل في أن المهر لا يصح إلا أن يستحق به ~~تسليم مال فلما أبطل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون منافع البضع مهرا ~~لأنها ليست بمال دل ذلك على أن كل ما شرط من بدل البضع مما لا يستحق به ~~تسليم مال لا يكون مهرا وكذلك قال أصحابنا لو تزوجها على عفو من دم عمدا ~~وعلى طلاق فلانة أن ذلك ليس بمهر مثل منافع البضع إذا جعلها مهرا وقد قال ~~الشافعي أنه إذا سمي في الشغار لإحداهما مهرا أن النكاح جائز ولكل واحدة ~~منهما مهر مثلها ولم يجعل البضع مهرا في الحال التي أجاز النكاح فيها ونهى ~~ا لنبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار فدل ذلك على معنيين أحدهما أنه ~~إذا كان الشغار في الأمتين كان المهر منافع البضع بدلا في النكاح والثاني ~~إذا كان الشغار في الحرتين وهو أن يقول أزوجك أختي على أن تزوجني أختك أو ~~أزوجك بنتي على أن تزوجني بنتك فيكون هذا عقدا عاريا من ذكر المهر لواحدة ~~من المرأتين لأنه شرط المنافع لغير المنكوحة وهو الولي فالشغار في أحد ~~الوجهين يكون عقد نكاح عاريا عن تسمية بدل للمنكوحة وفي الوجه الآخر يكون ~~بدل البضع بضع آخر فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أن PageV03P090 يكون ~~بدلا فصار أصلا في أن بدل البضع شرطه أن يستحق به تسليم مال # فإن قيل إن منافع بضع الأمة حق في مال فهلا كانت كالتزويج على خدمة العبد ~~قيل له لأن خدمة العبد يستحق بها تسليم مال وهو رقبة العبد كالمستأجر له ~~يستحق تسليم العبد إليه للخدمة وزوج الأمة لا يستحق تسليمها إليه بعقد ~~النكاح لأن للمولى أن لا يبوئها بيتا وقوله تعالى @QB@ أن تبتغوا بأموالكم ~~@QE@ قد اقتضى أن يستحق عليه بعقد النكاح تسليم مال بدلا من البضع وأما ~~التزويج على تعليم سورة من القرآن فإنه لا يصح مهرا من وجهين أحدهما ما ~~ذكرنا من أنه لا يستحق به تسليم مال كخدمة الحر والوجه ms1107 الآخر أن تعليم ~~القرآن فرض على الكفاية فكل من علم إنسانا شيئا من القرآن فإنما قام بفرض ~~وقد روى عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بلغوا عني ولو ~~آية فكيف يجوز أن يجعل عوضا للبضع ولو جاز ذلك لجاز التزويج على تعليم ~~الإسلام وهذا باطل لأن ما أوجب الله تعالى على الإنسان فعله فهو متى فعله ~~فعله فرضا فلا يستحق أن يأخذ عليه شيئا من أعراض الدنيا ولو جاز ذلك لجاز ~~للحكام أخذ الرشى على الحكم وقد جعل الله ذلك سحتا محرما فإن احتج محتج ~~بحديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم قد ~~وهبت نفسي لك فقال رجل زوجنيها إلى أن قال هل معك من القرآن شيء قال نعم ~~سورة كذا فقال صلى الله عليه وسلم قد زوجتكها بما معك من القرآن وبما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حفص بن عبدالله قال ~~حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج الباهلي عن عسل عن عطاء بن ~~أبي رباح عن أبي هريرة بنحو قصة سهل بن سعد في أمر المرأة وقال فيه ما تحفظ ~~من القرآن قال سورة البقرة أو التي تليها قال قم فعلمها عشرين آية وهي ~~امرأتك قيل له معناه لما معك من القرآن كما قال تعالى @QB@ ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون @QE@ ومعناه لما كنتم تفرحون ~~وأيضا كون القرآن معه لا يوجب أن يكون بدلا والتعليم ليس له ذكر في هذا ~~الخبر فعلمنا أن مراده أني زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك من القرآن وهو ~~كما روى عبدالله بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس قال خطب أبو طلحة أم سليم ~~فقالت إني آمنت بهذا الرجل وشهدت أنه رسول الله فإن تابعتني تزوجتك قال ~~فأنا على ما أنت عليه فتزوجته فكان صداقها الإسلام ومعناه أنها تزوجته لأجل ~~إسلامه لأن الإسلام لا يكون صداقا ms1108 لأحد في PageV03P091 الحقيقة وأما حديث ~~إبراهيم بن طهمان فإنه ضعيف السند وقد روى هذه القصة مالك عن أبي حازم عن ~~سهل بن سعد فلم يذكر أنه قال علمها ولم يعارض بحديث إبراهيم بن طهمان ولو ~~صح هذا الحديث لم يكن فيه دلالة على أنه جعل تعليم القرآن مهرا لأنه جائز ~~أن يكون أمره بتعليمها القرآن ويكون المهر ثابتا في ذمته إذ لم يقل إن ~~تعليم القرآن مهر لها فإن قيل قال الله تعالى @QB@ إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج @QE@ فجعل منافع الحر بدلا من البضع ~~قيل له لم يشرط المنافع للمرأة وإنما شرطها لشعيب النبي عليه السلام وما ~~شرط للأب لا يكون مهرا فالاحتجاج به باطل في مسألتنا وأيضا لو صح أنها كانت ~~مشروطة لها وأنه إنما أضافها إلى نفسه لأنه هو المتولي للعقد أو لأن مال ~~الولد منسوب إلى الوالد كقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فهو ~~منسوخ بالنهي عن الشغار # وقوله تعالى @QB@ أن تبتغوا بأموالكم @QE@ يدل على أن عتق الأمة لا يكون ~~صداقا لها إذ كانت الآية مقتضية لكون بدل البضع ما يستحق به تسليم مال ~~إليها وليس في العتق تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به ~~تسليم مال إليها ألا ترى أن الرق الذي كان المولى يملكه لا ينتقل إليها ~~وإنما يتلف به ملكه فإذا لم يحصل لها به مال أو لم تستحق به تسليم مال ~~إليها لم يكن مهرا وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل ~~عتقها صداقها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج بغير مهر وكان ~~مخصوصا به دون الأمة قال الله تعالى @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ~~إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ فكان صلى الله ~~عليه وسلم مخصوصا بجواز ملك البضع بغير بدل كما كان مخصوصا بجواز تزويج ~~التسع دون الأمة قوله تعالى @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ms1109 طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ يدل أيضا على أن العتق لا يكون صداقا ~~من وجوه أحدها أنه قال @QB@ وآتوهن @QE@ وذلك أمر يقتضي الإيجاب وإعطاء ~~العتق لا يصح والثاني قوله تعالى @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا @QE@ ~~والعتق لا يصح فسخه بطيب نفسها عن شيء منه والثالث قوله تعالى @QB@ فكلوه ~~هنيئا مريئا @QE@ وذلك محال في العتق # قوله تعالى @QB@ محصنين غير مسافحين @QE@ قال أبو بكر يحتمل قوله تعالى ~~@QB@ محصنين غير مسافحين @QE@ وجهين أحدهما الحكم بكونهم محصنين بعقد ~~النكاح والأخبار عن حالهم إذا نكحوا PageV03P092 والثاني أني كون الإحصان ~~شرطا في الإباحة المذكورة في قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ ~~فإن كان المراد الوجه الأول فإطلاق الإباحة عموم يصح اعتباره فيما انتظمه ~~إلا ما قام دليله وإن أراد الوجه الثاني كان إطلاق الإباحة مجملا لأنه ~~معقود بشريطة حصول الإحصان به والإحصان لفظ مجمل مفتقر إلى البيان فلا يصح ~~حينئذ الاحتجاج به والأولى حمله على الأخبار عن حصول الإحصان بالتزويج ~~لإمكان استعماله وذلك لأنه متى ورد لفظ يحتمل أن يكون عموما يمكننا استعمال ~~ظاهره ويحتمل أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان فالواجب حمله على معنى ~~العموم دون الإجمال لما فيه من استعمال حكمه عند وروده فعلينا المصير إليه ~~وغير جائز حمله على وجه يسقط عنا استعماله إلا بورود بيان من غيره وفي نسق ~~التلاوة وفحوى الآية ما يوجب أن يكون ذكر الإحصان إخبارا عن كونه محصنا ~~بالنكاح وذلك لأنه قال @QB@ محصنين غير مسافحين @QE@ والسفاح هو الزنا ~~فأخبر أن الإحصان المذكور هو ضد الزنا وهو العفة وإذا كان المراد بالإحصان ~~في هذا الموضع العفاف فقد حصل على وجه لا يكون مجملا لأن تقديره وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم عفة غير زنا وهذا لفظ ظاهر المعنى بين ~~المراد فيوجب ذلك معنيين أحدهما إطلاق لفظ الإباحة وكونه عموما والآخر ~~الأخبار بأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا محصنين غير مسافحين والإحصان لفظ مشترك ~~متى أطلق لم يكن عموما كسائر الألفاظ ms1110 المشتركة وذلك لأنه اسم يقع على معان ~~مختلفة وأصله المنع ومنه سمي الحصن لمنعه من صار فيه من أعدائه ومنه الدرع ~~الحصينة أي المنيعة والحصان بالكثر الفحل من الأفراس لمنعه راكبه من الهلاك ~~والحصان بالنصب العفيفة من النساء لمنعها فرجها من الفساد قال حسان في ~~عائشة رضي الله عنهما % حصان رزان ما تزن بريبة % وتصبح غرثة من لحوم ~~الغوافل % $ # وقال الله تعالى @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات @QE@ يعني ~~العفائف والإحصان في الشرع اسم يقع على معان مختلفة غير ما كان لها في ~~اللغة فمنها الإسلام قال الله تعالى @QB@ فإذا أحصن @QE@ روى فإذا أسلمن ~~ويقع على التزويج لأنه قد روي في التفسير أيضا أن معناه فإذا تزوجن وقال ~~تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ ومعناه ذوات ~~الأزواج ويقع على العفة في قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات @QE@ ~~ويقع PageV03P093 على الوطء بنكاح صحيح في إحصان الرجم # والإحصان في الشرع يتعلق به حكمان أحدهما في إيجاب الحد على قاذفه في ~~قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات @QE@ فهذا يعتبر فيه العفاف والحرية ~~والإسلام والعقل والبلوغ فما لم يكن على هذه الصفة لم يجب على قاذفه الحد ~~لأنه لا حد على قاذف المجنون والصبي والزاني والكافر والعبد فهذه الوجوه من ~~الإحصان معتبرة في إيجاب الحد على القاذف والحكم الآخر هو الإحصان الذي ~~يتعلق به إيجاب الرجم إذا زنا وهذا الإحصان يشتمل على الإسلام والعقل ~~والبلوغ والحرية والنكاح الصحيح مع الدخول بها وهما على هذه الصفة فإن عدم ~~شيء من هذه الخلال لم يكن عليه الرجم إذا زنا والسفاح هو الزنا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنا من نكاح ولست من سفاح وقال مجاهد والسدي في قوله ~~تعالى @QB@ غير مسافحين @QE@ قالا غير زانين ويقال إن أصله من سفح الماء ~~وهو صبه ويقال سفح دمعه وسفح دم فلان وسفح الجبل أسفله لأنه موضع مصب الماء ~~وسافح الرجل إذا زنا لأنه صب ماءه من غير أن يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب ~~ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح ms1111 فسمي مسافحا لأنه لم يكن له من فعله هذا ~~غير صب الماء وقد أفاد ذلك نفي نسب الولد المخلوق من مائه منه وأنه لا يلحق ~~به ولا تجب على المرأة العدة منه ولا تصير فراشا ولا يجب عليه مهر ولا ~~يتعلق بذلك الوطء شيء من أحكام النكاح هذه المعاني كلها في مضمون هذا اللفظ ~~والله أعلم بالصواب # | باب المتعة # قال الله تعالى فما @QB@ استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة @QE@ قال ~~أبو بكر هو عطف على ما تقدم ذكره من إباحة نكاح ما وراء المحرمات في قوله ~~تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ ثم قال @QB@ فما استمتعتم به منهن ~~@QE@ يعني دخلتم بهن @QB@ فآتوهن أجورهن @QE@ كاملة وهو كقوله تعالى @QB@ ~~وآتوا النساء صدقاتهن نحلة @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلا تأخذوا منه شيئا @QE@ ~~والاستمتاع هو الانتفاع وهو ههنا كناية عن الدخول قال الله تعالى @QB@ ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها @QE@ يعني تعجلتم الانتفاع ~~بها وقال @QB@ فاستمتعتم بخلاقكم @QE@ يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا فلما ~~حرم الله تعالى من ذكر تحريمه في قوله @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وعنى ~~به نكاح الأمهات ومن ذكر معهن ثم عطف عليه PageV03P094 قوله @QB@ وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم @QE@ اقتضى ذلك إباحة النكاح فيمن عدا المحرمات المذكورة ثم ~~قال @QB@ أن تبتغوا بأموالكم محصنين @QE@ يعني والله أعلم نكاحا تكونون به ~~محصنين عفائف غير مسافحين ثم عطف عليه حكم النكاح إذا اتصل به الدخول بقوله ~~@QB@ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن @QE@ فأوجب على الزوج كمال المهر ~~وقد سمى الله المهر أجرا في قوله @QB@ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~@QE@ فسمى المهر أجرا وكذلك الأجور المذكورة في هذه الآية هي المهور وإنما ~~سمى المهر أجرا لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان كما سمى بدل منافع ~~الدار والدابة أجرا وفي تسمية الله المهر أجرا دليل على صحة قول أبي حنيفة ~~فيمن استأجر امرأة فزنا بها أنه لا حد عليه لأن الله تعالى قد سمى المهر ~~أجرا فهو كمن قال أمهرك كذا وقد روى نحوه عن عمربن الخطاب ومثل ms1112 هذا يكون ~~نكاحا فاسدا لأنه بغير شهود وقال تعالى في آية أخرى @QB@ ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن @QE@ وقد كان ابن عباس يتأول قوله تعالى @QB@ ~~فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن @QE@ على متعة النساء وروي عنه فيها ~~أقاويل روي أنه كان يتأول الآية على إباحة المتعة ويروى أن في قراءة أبي بن ~~كعب فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن وروي عنه أنه لما قيل ~~له أنه قد قيل فيها الأشعار قال هي كالمضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير ~~فأباحها في هذا القول عند الضرورة وروي عن جابر بن زيد أن ابن عباس نزل عن ~~قوله في الصرف وقوله في المتعة # وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا ابن بكير عن الليث عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن عمار ~~مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح فقال ابن عباس ~~لا سفاح ولا نكاح قلت فما هي قال المتعة كما قال الله تعالى قلت له هل لها ~~من عدة قال نعم عدتها حيضة قلت هل يتوارثان قال لا # وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء ~~الخرساني عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ فما استمتعتم به منهن @QE@ قال ~~نسختها @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن @QE@ وهذا يدل ~~على رجوعه عن القول بالمتعة وقد روي عن جماعة من السلف أنها زنا حدثنا جعفر ~~بن محمد قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالله بن صالح عن الليث عن عقيل PageV03P095 ويونس عن ابن شهاب عن ابن ~~عبدالملك مغيرة بن نوفل عن ابن عمر أنه سئل عن المتعة فقال ذلك السفاح وروي ~~عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان نكاح المتعة بمنزلة الزنا فإن قيل لا يجوز ~~أن تكون المتعة زنا لأنه لم يختلف أهل النقل أن ms1113 المتعة قد كانت مباحة في ~~بعض الأوقات أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبح الله تعالى الزنا ~~قط # قيل له لم تكن زنا في وقت الإباحة فلما حرمها الله تعالى جاز إطلاق اسم ~~الزنا عليها كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزانية هي التي ~~تنكح نفسها بغير بينة وأيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر وإنما معناه ~~التحريم لا حقيقة الزنا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان ~~والرجلان تزنيان فزنا العين النظر وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك كله الفرج ~~أو كذبه فأطلق اسم الزنا في هذه الوجوه على وجه المجاز إذا كان محرما فكذلك ~~من أطلق اسم الزنا على المتعة فإنما أطلقه على وجه المجاز وتأكيد التحريم ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة قال سمعت أبا نضرة يقول كان ابن عباس يأمر ~~بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ذلك لجابر بن عبدالله فقال ~~على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر ~~قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر ~~الله وانتهوا عن نكاح هذه النساء لا أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته ~~فذكر عمر الرجم في المتعة وجائز أن يكون على جهة الوعيد والتهديد لينزجر ~~الناس عنها وقال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني ~~عطاء قال سمعت ابن عباس يقول رحم الله عمر ماكانت المتعة إلا رحمة من الله ~~تعالى رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولولا نهيه لما احتاج إلى ~~الزنا إلا شفا فالذي حصل من أقاويل ابن عباس القول بإباحة المتعة في بعض ~~الروايات من غير تقييد لها بضرورة ولا غيرها # والثاني أنها كالميتة تحل بالضرورة # والثالث أنها محرمة وقد قدمنا ذكر سنده وقوله أيضا إنها ms1114 منسوخة # ومما يدل على رجوعه عن إباحتها ما روى عبدالله بن وهب قال اخبرني عمرو بن ~~الحرث أن بكير بن الأشج حدثه أن أبا إسحاق مولى بني هاشم حدثه أن رجلا سأل ~~ابن عباس فقال كنت في سفر ومعي جارية لي ولي أصحاب فأحللت جاريتي لأصحابي ~~يستمتعون منها فقال PageV03P096 ذلك السفاح فهذا أيضا يدل على رجوعه # وأما احتجاج من احتج فيها بقوله تعالى @QB@ فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن @QE@ وأن في قراءة أبي إلى أجل مسمى فإنه لا يجوز إثبات الأجل في ~~التلاوة عند أحد من المسلمين فالأجل إذا غير ثابت في القرآن ولو كان فيه ~~ذكر الأجل لما دل أيضا على متعة النساء لأن الأجل يجوز أن يكون داخلا على ~~المهر فيكون تقديره فما دخلتم به منهن بمهر إلى أجل مسمى فآتوهن مهورهن عند ~~حلول الأجل # وفي فحوى الآية من الدلالة على أن المراد النكاح دون المتعة ثلاثة أوجه ~~أحدها أنه عطف على إباحة النكاح في قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~@QE@ وذلك إباحة لنكاح من عدا المحرمات لا محالة لأنهم لا يختلفون أن ~~النكاح مراد بذلك فوجب أن يكون ذكر الاستمتاع بيانا لحكم المدخول بها ~~بالنكاح في استحقاقها لجميع الصداق والثاني قوله تعالى @QB@ محصنين @QE@ ~~والإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح لأن الوطئ بالمتعة لا يكون محصنا ولا ~~يتناوله هذا الاسم فعلمنا أنه أراد النكاح والثالث قوله تعالى @QB@ غير ~~مسافحين @QE@ فسمى الزنا سفاحا لالتقاء أحكام النكاح عنه من ثبوت النسب ~~ووجوب العدة وبقاء الفراش إلى أن يحدث له قطعا ولما كانت هذه المعاني ~~موجودة في المتعة كانت في معنى الزنا ويشبه أن يكون من سماها سفاحا ذهب إلى ~~هذا المعنى إذا كان الزاني إنما سمي مسافحا لأنه لم يحصل له من وطئها فيما ~~يتعلق بحكمه إلا على سفح الماء باطلا من غير استلحاق نسب به فمن حيث نفى ~~الله تعالى بما أحل من ذلك وأثبت به الإحصان اسم السفاح وجب أن يكون المراد ~~بالاستمتاع هو المتعة إذ ms1115 كانت في معنى السفاح بل المراد به النكاح # وقوله تعالى @QB@ غير مسافحين @QE@ شرط في الإباحة المذكورة وفي ذلك دليل ~~على النهي عن المتعة إذ كانت المتعة في معنى السفاح من الوجه الذي ذكرنا # قال أبو بكر فكان الذي شهر عنه إباحة المتعة من الصحابة عبدالله بن عباس ~~واختلفت الروايات عنه مع ذلك فروى عنه إباحتها بتأويل الآية له قد بينا أنه ~~لا دلالة في الآية على إباحتها بل دلالات الآية ظاهرة في حظرها وتحريمها من ~~الوجوه التي ذكرنا ثم روى عنه أنه جعلها بمنزلة الميتة ولحم الخنزير والدم ~~وأنها لا تحل إلا لمضطر وهذا محال لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في ~~المتعة وذلك لأن الضرورة المبيحة للميتة والدم هي التي يخاف معها تلف النفس ~~إن لم يأكل وقد علمنا إن الإنسان لا يخاف على نفسه ولا على شيء PageV03P097 ~~من أعضائه التلف بترك الجماع وفقده وإذا لم تحل في حال الرفاهية والضرورة ~~لا تقع إليها فقد ثبت حظرها واستحال قول القائل إنها تحل عند الضرورة ~~كالميتة والدم فهذا قول متناقض مستحيل وأخلق بان تكون هذه الرواية عن ابن ~~عباس وهما من رواتها لأنه كان رحمه الله أفقه من أن يخفى عليه مثله فالصحيح ~~إذا ما روي عنه من حظرها وتحريمها وحكاية من حكي عنه الرجوع عنها # والدليل على تحريمها قوله تعالى @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون @QE@ فقصر إباحة الوطء على أحد هذين الوجهين وحظر ما عداهما بقوله ~~تعالى @QB@ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون @QE@ والمتعة خارجة عنهما ~~فهي إذا محرمة فإن قيل ما أنكرت أن تكون المرأة المستمتع بها زوجة وأن ~~المتعة غير خارجة عن هذين الوجهين اللذين قصر الإباحة عليهما # قيل له هذا غلط لأن اسم الزوجة إنما يقع عليها ويتناولها إذا كانت منكوحة ~~بعقد النكاح وإذا لم تكن المتعة نكاحا لم تكن هذه زوجة # فإن قيل ما الدليل على أن المتعة ms1116 ليست بنكاح # قيل له الدليل على ذلك أن النكاح اسم يقع على أحد معنيين وهو الوطء ~~والعقد وقد بينا فيما سلف أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وإذ كان الاسم ~~مقصورا في إطلاقه على أحد هذين المعنيين وكان إطلاقه في العقد مجازا على ما ~~ذكرنا ووجدناهم أطلقوا الاسم على عقد تزويج مطلق أنه نكاح ولم نجدهم أطلقوا ~~اسم النكاح على المتعة فلا يقولون إن فلانا تزوج فلانة إذا شرط التمتع بها ~~لم يجز لنا إطلاق اسم النكاح على المتعة إذ المجاز لا يجوز إطلاقه إلا أن ~~يكون مسموعا من العرب أو يرد به الشرع فلما عدمنا إطلاق اسم النكاح على ~~المتعة في الشرع واللغة جميعا وجب أن تكون المتعة ما عدا ما أباحه الله وأن ~~يكون فاعلها عاديا ظالما لنفسه مرتكبا لما حرمه الله وأيضا فإن النكاح له ~~شرائط قد اختص بها متى فقدت لم يكن نكاحا منها أن مضي الوقت لا يؤثر في عقد ~~النكاح ولا يوجب رفعه والمتعة عند القائلين بها توجب رفع النكاح بمضي المدة ~~ومنها أن النكاح فراش يثبت به النسب من غير دعوة بل لا ينتفي الولد المولود ~~على فراش النكاح إلا باللعان والقائلون بالمتعة لا يثبتون النسب منه فعلمنا ~~أنها ليست بنكاح ولا فراش ومنها أن الدخول بها على النكاح يوجب العدة عند ~~الفرقة والموت يوجب العدة دخل بها أو لم يدخل قال الله تعالى @QB@ والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ ~~PageV03P098 والمتعة لا توجب عدة الوفاة وقال تعالى @QB@ ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم @QE@ ولا توارث عندهم في المتعة فهذه هي أحكام النكاح التي يختص ~~بها إلا أن يكون هناك رق أو كفر يمنع التوارث فلما لم يكن في المتعة مانع ~~من الميراث من أحدهما بكفر أو رق ولا سبب يوجب الفرقة ولا مانع من ثبوت ~~النسب مع كون الرجل ممن يستفرش ويلحقه الأنساب لفراشه ثبت بذلك أنها ليست ~~بنكاح فإذا خرجت عن أن تكون نكاحا أو ملك يمين كانت ms1117 محرمة بتحريم الله ~~إياها في قوله @QB@ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون @QE@ فإن قيل ~~انقضاء المدة الموجبة للبينونة هو الطلاق # قيل له إن الطلاق لا يقع إلا بصريح لفظ أو كناية ولم يكن منه واحد منهما ~~فكيف يكون طلاقا ومع ذلك فيجب على أصل هذا القائل أن لا تبين لو انقضت ~~المدة وهي حائض لأن القائلين بإباحة المتعة لا يرون طلاق الحائض جائزا فلو ~~كانت البينونة الواقعة بمضي المدة طلاقا لوجب أن لا يقع في حال الحيض فلما ~~أوقعوا البينونة الواقعة بمضي الوقت وهي حائض دل ذلك على أنه ليس بطلاق وإن ~~كانت تبين بغير طلاق ولا سبب من قبل الزوج يوجب الفرقة ثبت أنها ليست بنكاح # فإن قيل على ما ذكرنا من نفي النسب والعدة والميراث ليس انتفاء هذه ~~الأحكام بمانع من أن تكون نكاحا لأن الصغير لا يلحق به نسب ويكون نكاحه ~~صحيحا والعبد لا يرث والمسلم لا يرث الكافر ولم يخرجه انتفاء هذه الأحكام ~~عنه من أن يكون نكاحا قيل له إن نكاح الصغير قد تعلق به ثبوت النسب إذا صار ~~في ممن يستفرش ويتمتع وأنت لا تلحقه نسب ولدها مع الوطء الذي يجوز أن يلحق ~~به النسب في النكاح والعبد والكافر إنما لم يرثا للرق والكفر وهما يمنعان ~~التوارث بينهما وذلك غير موجود في المتعة لأن كل واحد منهما من أهل الميراث ~~من صاحبه فإذا لم يكن بينهما ما يقطع الميراث ثم لم يرث مع وجود المتعة ~~علمنا أن المتعة ليست بنكاح لأنها لو كانت نكاحا لأوجبت الميراث مع وجود ~~سببه من غير مانع له من قبلهما وأيضا قد قال ابن عباس إنها ليست بنكاح ولا ~~سفاح فإذا كان ابن عباس قد نفى عنها اسم النكاح وجب أن لا تكون نكاحا لأن ~~ابن عباس لم يكن ممن يخفى عليه أحكام الأسماء في الشرع واللغة فإذا كان هو ~~القائل بالمتعة من الصحابة ولم يرها نكاحا ونفى عنها الاسم ثبت أنها ليست ~~بنكاح PageV03P099 ومما يوجب تحريمها من ms1118 جهة السنة ما حدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا القعنبي قال حدثنا مالك عن ابن شهاب عن ~~عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ~~وقال فيه غير مالك إن عليا قال لابن عباس إنك امرؤ تياه إنما المتعة إنما ~~كانت رخصة في أول الإسلام نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر ~~وعن لحوم الإنسية وروى هذا الحديث من طرق عن الزهري رواه سفيان بن عيينة ~~وعبيدالله بن عمر في آخرين وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك إن الله تعالى حرم ~~المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث وروى عبدالواحد بن زياد قال حدثنا ~~أبو عميس عن أياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أذن في متعة النساء عام أوطاس ثم نهى عنها وحدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي قال حدثنا محمد بن جعفر بن موسى قال ~~حدثنا محمد بن الحسن قال حدثنا أبو حنيفة عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وما كنا مسافحين قال أبو ~~بكر قوله وما كنا مسافحين يحتمل وجوها أحدها أنهم لم يكونوا مسافحين حين ~~أبيحت لهم المتعة يعني أنها لو لم تبح لم يكونوا ليسافحوا أو نفى بذلك قول ~~من قال إنها أبيحت للضرورة كالميتة والدم ثم نهى عنها بعد والثاني أنهم لم ~~يكونوا ليفعلوا ذلك بعد النهي فيكونوا مسافحين ويحتمل أنهم لم يكونوا في ~~حال الإباحة مسافحين بالتمتع إذ كانت مباحة وقد حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالوارث عن إسماعيل بن أمية عن ~~الزهري قال كنا عند عمر بن عبدالعزيز فتذاركنا متعة النساء فقال ms1119 له رجل ~~يقال له ربيع بن سبرة أشهد علي أبي أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عنها في حجة الوداع وروى عبدالعزيز بن ربيع بن سبرة عن أبيه عن ~~جده أن ذلك كان عام الفتح ورواه إسماعيل بن عياش عن عبدالعزيز بن عمر بن ~~عبدالعزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه مثله وذكر أنه كان عام الفتح ورواه ~~أنس بن عوض الليثي عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز عن الربيع بن سبرة عن ~~أبيه مثله وقال كان في حجة الوداع فلم تختلف الرواة في التحريم واختلفوا في ~~التاريخ فسقط التاريخ كأنه ورد غير مؤرخ وثبت التحريم لاتفاق الرواة عليه ~~ورواه أبو حنيفة عن الزهري عن محمد بن عبد PageV03P100 الله عن سبرة الجهني ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم فتح مكة وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ابن ناحية قال حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال ~~حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا صدقة عن عبيدالله بن علي عن إسماعيل بن ~~أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال خرج النساء اللاتي ~~استمتعنا بهن معنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هن حرام إلى يوم ~~القيامة فإن قيل هذه الأخبار متضادة لأن في حديث سبرة الجهني أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أباحها لهم في حجة الوداع وقال بعضهم عام الفتح وفي حديث ~~علي وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر وخيبر كانت قبل ~~الفتح وقبل حجة الوداع فكيف تكون مباحة عام الفتح أو في حجة الوداع وقد ~~حرمت قبل ذلك عام خيبر قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن حديث سبرة ~~مختلف في تاريخه فقال بعضهم في حجة الوداع وفي كلا الحديثين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أباحها في تلك السفرة ثم حرمها فلما اختلفت الرواة في ~~تاريخه سقط التاريخ وحصل الخبر غير مؤرخ فلا يضاد حديث علي وابن عمر ms1120 الذي ~~اتفقا على تاريخه أنه حرمها يوم خيبر والوجه الآخر أنه جائز أن يكون حرمها ~~يوم خيبر ثم أحلها في حجة الوداع أو في فتح مكة ثم حرمها فيكون التحريم ~~المذكور في حديث علي وابن عمر منسوخا بحديث سبرة الجهني ثم تكون الإباحة ~~بما في حديث سبرة أيضا لأن ذلك غير ممتنع فإن قيل روى إسماعيل بن أبي خالد ~~عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وليس لنا نساء فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص لنا ~~أن ننكح بالثوب إلى أجل ثم قال @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ ~~الآية قيل له هذه المتعة هي التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سائر الأخبار التي ذكرنا ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت ~~وليس في حديث ابن مسعود ذكر التاريخ فأخبار الحظر قاضية عليها لأن فيها ذكر ~~الحظر بعد الإباحة وأيضا لو تساويا لكان الحظر أولى لما بيناه في مواضع ~~وأما تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية عند إباحة المتعة وهو قوله ~~تعالى @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ فإنه يحتمل أن يريد به ~~النهي عن الاستخصاء وتحريم النكاح المباح ويحتمل المتعة في حال ما كانت ~~مباحة وقد روي عن عبدالله أنها منسوخة بالطلاق والعدة والميراث ويدل عليه ~~أنه قد علم أنها قد كانت مباحة في وقت فلو كانت الإباحة باقية لورد النقل ~~بها مستفيضا متواترا لعموم الحاجة PageV03P101 إليه ولعرفتها الكافة كما ~~عرفتها بديا ولما اجتمعت الصحابة على تحريمها لو كانت الإباحة باقية فلما ~~وجدنا الصحابة منكرين لإباحتها موجبين لحظرها مع علمهم بديا بإباحتها دل ~~ذلك على حظرها بعد الإباحة ألا ترى أن النكاح لما كان مباحا لم يختلفوا في ~~إباحته ومعلوم أن بلواهم بالمتعة لو كانت مباحة كبلواهم بالنكاح فالواجب ~~إذا أن يكون ورود النقل في بقاء إباحتها من طريق الإستفاضة ولا نعلم أحدا ~~من ms1121 الصحابة روي عنه تجريد القول في إباحة المتعة غير ابن عباس وقد رجع عنه ~~حين استقر عنده تحريمها بتواتر الأخبار من جهة الصحابة وهذا كقوله في الصرف ~~وإباحته الدرهم بالدرهمين يدا بيد فلما استقر عنده تحريم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إياه وتواترت عنده الأخبار فيه من كل ناحية رجع عن قوله وصار إلى ~~قول الجماعة فكذلك كان سبيله في المتعة ويدل على أن الصحابة قد عرفت نسخ ~~إباحة المتعة ما روي عن عمر أنه قال في خطبته متعتان كانتا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما وقال في خبر آخر لو ~~تقدمت فيها لرجمت فلم ينكر هذا القول عليه منكر لا سيما في شيء قد علموا ~~إباحته وإخباره بأنهما كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~يخلو ذلك من أحد وجهين إما أن يكونوا قد علموا بقاء إباحتها فاتفقوا معه ~~على حظرها وحاشاهم من ذلك لأن ذلك يوجب أن يكونوا مخالفين لأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عيانا وقد وصفهم الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فغير جائز منهم التواطؤ على مخالفة أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولأن ذلك يؤدي إلى الكفر وإلى الانسلاخ من ~~الإسلام لأن من علم إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة ثم قال هي ~~محظورة من غير نسخ لها فهو خارج من الملة فإذا لم يجز ذلك علمنا أنهم قد ~~علموا حظرها بعد الإباحة ولذلك لم ينكروه ولو كان ما قال عمر منكرا ولم يكن ~~النسخ عندهم ثابتا لما جاز أن يقروه على ترك النكير عليه وفي ذلك دليل على ~~إجماعهم على نسخ المتعة إذ غير جائز حظر ما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا من طريق النسخ # ومما يدل على تحريم المتعة من طريق النظر أنا قد علمنا أن عقد النكاح وإن ~~كان واقعا على استباحة منافع البضع فإن استحقاق تلك المنافع بعقد النكاح ~~بمنزلة العقود ms1122 على المملوكات من الأعيان وأنه مخالف لعقود الإجارات الواقعة ~~على منافع الأعيان ألا ترى أن عقد النكاح يصح مطلقا من غير شرط مدة مذكورة ~~له وأن عقود الإجارات لا تصح إلا على مدد معلومة أو على PageV03P102 عمل ~~معلوم فلما كان ذلك حكم العقد على منافع البضع أشبه عقود البياعات وما جرى ~~مجراها إذا عقدت على الأعيان فلا يصح وقوعه موقتا كما لا يصح وقوع ~~التمليكات في الأعيان المملوكة موقتة ومتى شرط فيه التوقيت لم يكن نكاحا ~~فلا تصح استباحة البضع به كما لا يصح البيع إذا شرط فيه توقيت الملك وكذلك ~~الهبات والصدقات ولا يملكه بشيء من هذه العقود ملكا موقتا وكذلك منافع ~~البضع لما جرت مجرى الأعيان المملوكة لم يصح فيها التوقيت ومما يحتج به ~~القائلون بإباحة المتعة اتفاق الجميع على أنها كانت مباحة في وقت من الزمان ~~ثم اختلفنا في الحظر فنحن ثابتون على ما حصل الاتفاق عليه ولا نزول عنه ~~بالاختلاف فيقال لهم الأخبار التي بها تثبت الإباحة بها يثبت الحظر ذلك لأن ~~كل خبر ذكر فيه إباحة المتعة ذكر فيه حظرها فمن حيث يثبت الإباحة وجب أن ~~يثبت الحظر وإن لم يثبت الإباحة إذا كانت الجهة التي بها تثبت الإباحة بها ~~ورد الحظر وأيضا فإن قول القائل أنا لما اتفقنا على كذا ثم اختلفنا فيه لم ~~ينزل عن الإجماع بالاختلاف قول فاسد لأن الموضع الذي فيه الخلاف ليس هو ~~موضع الإجماع فإذا لم يكن إجماعا فلا بد من دلالة يقيمها على صحة دعواه ~~وأيضا فإن كون الشيء مباحا في وقت غير موجب بقاء إباحته فيما يجوز فيه ~~النسخ وقد دللنا على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ظاهر الكتاب والسنة وإجماع ~~السلف قال أبو بكر قد ذكرنا في المتعة وحكمها في التحريم ما فيه بلاغ لمن ~~نصح نفسه ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما بينا وقد اتفق فقهاء ~~الأمصار مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون فيه واختلف الفقهاء فيمن تزوج ~~امرأة أياما معلومة فقال أبو ms1123 حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك بن أنس والثوري ~~والأوزاعي والشافعي إذا تزوج امرأة عشرة أيام فهو باطل ولا نكاح بينهما ~~وقال زفر النكاح جائز والشرط باطل وقال الأوزاعي إذا تزوج امرأة ومن نيته ~~أن يطلقها وليس ثم شرط فلا خير في هذا هذا متعة قال أبو بكر لا خلاف بينهم ~~وبين زفر أن عقد النكاح لا يصح بلفظ المتعة وأنه لو قال أتمتع بك عشرة أيام ~~أن ذلك ليس بنكاح وإنما الخلاف إذا عقده بلفظ النكاح قال أتزوجك عشرة أيام ~~فجعله زفر نكاحا صحيحا وأبطل الشرط فيه لأن النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة ~~كما لو قال أتزوجك على أن أطلقك بعد عشرة أيام كان النكاح جائزا والشرط ~~باطلا وإنما الخلاف بينهم وبين زفر في أن PageV03P103 هذا نكاح أو متعة ~~فقال الجمهور هذا متعة وليس بنكاح والدليل على صحة هذا القول أن النكاح إلى ~~أجل هو متعة وإن لم يلفظ بالمتعة ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~إسحاق بن الحسن بن ميمون قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا عبدالعزيز بن عمر بن ~~عبدالعزيز عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداح حتى نزلوا عسفان وذكر قصة أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم بالإحلال بالطواف إلا من كان معه هدي قال فلما أحللنا ~~قال استمتعوا من هذه النساء والإستمتاع التزويج عندنا فعرضنا ذلك على ~~النساء فأبين إلا أن نضرب بيننا وبينهن أجلا فذكرنا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال افعلوا فخرجت أنا وابن عمي وأنا أشب منه ومعي برد ومعه ~~برد فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي فقالت برد كبرد وهذا أشب وكان ~~بيني وبينها عشر فبت عندها ليلة ثم أصبحت فخرجت إلى المسجد فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين الركن والمقام يقول يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم ~~في الاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ms1124 فمن ~~بقي عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فأخبر سبرة ~~في هذا الحديث أن الاستمتاع كان التزويج وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~رخص لهم في توقيت المدة فيه ثم نهى عنه بعد الإباحة فثبت بذلك أن النكاح ~~إلى أجل هو متعة ويدل على ذلك أيضا حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي ~~حازم عن عبدالله بن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس لنا نساء فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن ~~ننكح بالثوب إلى أجل ثم قرأ @QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ ~~فأخبر عبدالله بن مسعود أن المتعة كانت نكاحا إلى أجل ويدل على ذلك حديث ~~جابر عن عمر بن الخطاب وقد تقدم سنده في باب المتعة أنه قال إن الله كان ~~يحل لرسوله ما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله واتقوا نكاح هذه ~~النساء ألا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته فأخبر عمر أن النكاح إلى ~~أجل هو متعة وإذا ثبت له هذا الاسم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المتعة انتظم ذلك تحريم النكاح إلى أجل لدخوله تحت الاسم وأيضا لما كانت ~~المتعة اسما للنفع القليل كما قال تعالى @QB@ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~@QE@ يعني نفعا قليلا وسمى الواجب بعد الطلاق متعة بقوله @QB@ فمتعوهن @QE@ ~~وقال @QB@ وللمطلقات متاع بالمعروف @QE@ لأنه أقل من المهر علمنا أن ما ~~أطلق عليه اسم المتعة أو متاع فقد أريد PageV03P104 به التقليل وأنه نزر ~~يسير بالإضافة إلى ما يقتضيه العقد ويوجبه فسمى ما يعطى بعد الطلاق مما لا ~~يوجب بنفس العقد متاعا ومتعة لقلته بالإضافة إلى المهر المستحق بالعقد وسمى ~~النكاح الموقت متعة لقصر مدته وقلة الانتفاع به بالإضافة إلى ما يقتضيه ~~العقد من بقائه مؤبدا إلى أن يفرق بينهما الموت أو سبب حادث يوجب التفريق ~~فوجب أن لا يختلف على ذلك في إطلاق اسم المتعة أن يكون بلفظ ms1125 المتعة أو بلفظ ~~النكاح بعد أن يكون موقتا لأن اسم ا لمتعة يتناولهما من الوجه الذي ذكرنا ~~وأيضا لا يخلو العاقد عقد النكاح على عشرة أيام من أن يجعله موقتا على ما ~~شرط أو يبطل الشرط ويجعله مؤبدا لم يصح ذلك من قبل أن ما بعد الوقت ليس ~~عليه عقد فلا يجوز له أن يستبيح بضعها بلا عقد ألا ترى أن من اشرتى صبرة من ~~طعام على أنها عشرة أقفزة أو قال قد اشتريت منك عشرة أقفزة من هذه الصبرة ~~أن العقد واقع على عشرة أقفزة دون ما عداها فكذلك إذا عقد النكاح على عشرة ~~ايام فما بعد العشرة ليس عليه عقد النكاح فغير جائز استباحة بضعها فيه ~~بالعقد ولا يجوز أن يجعله موقتا فيكون صريح المتعة فوجب بذلك إفساد العقد ~~وليس هذا بمنزلة قوله قد تزوجتك على أن أطلقك بعد عشرة ايام فيجوز النكاح ~~ويبطل الشرط لأنه عقد النكاح مؤبدا وشرط فيه قطعه بالطلاق ألا ترى أنه إذا ~~لم يطلق كان النكاح باقيا فعلمت أن النكاح قد وقع على وجه التأبيد وإنما ~~شرط قطعه بالطلاق وذلك شرط فاسد والنكاح لا تفسده الشروط فيبطل الشرط ويجوز ~~العقد وليس كذلك إذا تزوجها عشرة أيام لأن ما بعد العشرة ليس عليه عقد ألا ~~ترى أنه لو استأجر دارا عشرة أيام كان العقد واقعا على عشرة أيام وما بعدها ~~ليس عليها عقد ولو سكنها بعد العشرة كان غاصبا ساكنا لها على غير وجه العقد ~~ولا أجر عليه ولو قال آجرتك هذه الدار على أن أفسخ العقد بعد عشرة أيام ~~كانت إجارة فاسدة مؤبدة ما سكن منها من المدة في العشرة وبعدها يلزمه أجر ~~المثل فكذلك النكاح إذا عقد على عشرة فليس على ما بعد العشرة عقد # فإن قيل فلو قال قد تزوجتك على أنك طالق بعد عشرة أيام كان النكاح موقتا ~~لأنه يبطل بعد مضي العشرة # قيل له ليس هذا نكاحا موقتا بل هو مؤبدا وإنما قطعه بالطلاق ولا فرق بين ~~ذكر الطلاق ms1126 مع العقد وإيقاعه بعد المدة لأن النكاح قد وقع بديا مؤبدا وإنما ~~أوقع طلاقا لوقت مستقبل فلا يوجب ذلك توقيت العقد # قوله PageV03P105 تعالى @QB@ فآتوهن أجورهن فريضة @QE@ معناه المهور فسمى ~~المهر أجرا لأنه بدل منافع البضع ويدل على أن المراد المهر أنه ذكره لمن ~~كان محصنا بالنكاح في قوله @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين @QE@ وكقوله تعالى @QB@ فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات @QE@ فذكر الإحصان عقيب ذكرالنكاح وسمى ~~المهر أجرا وقوله @QB@ فريضة @QE@ تأكيد لوجوبه وإسقاط للظن وتوهم التأويل ~~فيه إذ كان الفرض ما هو في أعلى مراتب الإيجاب والله أعلم بالصواب # | باب الزيادة في المهور # قال الله تعالى بعد ذكر المهر @QB@ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة @QE@ والفريضة هي التسمية والتقدير كفرائض المواريث والصدقات ~~وقد بينا ذلك فيما سلف وروي عن الحسن في قوله تعالى @QB@ ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة @QE@ أنه ما تراضيتم به من حط بعض الصداق ~~أو تأخيره أو هبة جميعه وفي هذه الآية دلالة على جواز الزيادة في المهر ~~لقوله تعالى @QB@ فيما تراضيتم به من بعد الفريضة @QE@ وهو عموم في الزيادة ~~والنقصان والتأخير والإبراء وهو بالزيادة أخص منه بغيرها لأنه علقه ~~بتراضيهما والبراءة والحط والتأخير لا يحتاج في وقوعه إلى رضى الرجل ~~والزيادة لا تصح إلا بقبولهما فلما علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن ~~المراد الزيادة ولا يجوز الاقتصار به على البراءة والحط والتأجيل لأن عموم ~~اللفظ يقتضي جواز الجميع فلا يخص بغير دلالة ولأن الاقتصار به على ما ذكرت ~~يسقط فائدة ذكر تراضيهما جميعا وإضافة ذلك إليهما وغير جائز إسقاط حكم ~~اللفظ والاقتصار به على ما يجعل وجوده وعدمه سواء وقد اختلف الفقهاء في ~~الزيادة في المهر فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد الزيادة في الصداق بعد ~~النكاح جائزة وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها وإن طلقها قبل الدخول بطلت ~~الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد وقال زفر ms1127 بن الهزيل والشافعي الزيادة ~~بمنزلة هبة مستقبلة إذا قبضتها جازت في قولهما جميعا وإن لم تقبضها بطلت ~~وقال مالك بن أنس تصح الزيادة فإن طلقها قبل الدخول رجع نصف ما زادها إليه ~~وهي بمنزلة مال وهبه لها يقوم به عليه وإن مات عنها قبل أن تقبض فلا شيء ~~لها منه لأنها عطية لم تقبض قال أبو بكر قد ذكرنا وجه دلالة الآية على جواز ~~الزيادة ومما يدل على جواز الزيادة PageV03P106 أن عقد النكاح في ملكهما ~~والدليل على ذلك أنه جائز له أن يخلعها على البضع فيأخذ منها بدله فهما ~~مالكان للتصرف في البضع فلما كان العقد في ملكهما وجب أن تجوز الزيادة فيه ~~كما جازت في ابتداء عقد النكاح من حيث كانا مالكين للعقد إذا كان الملك هو ~~التصرف وتصرفهما جائز فيه ويدل عليه اتفاق الجميع على أنه إذا قبضها جاز ~~فلا يخلو بعد الإقباض من أن تكون هبة مستقبلة على ما قال زفر والشافعي أو ~~زيادة في المهر لاحقه بالعقد على ما ذكرنا وغير جائز أن تكون هبة مستقبلة ~~لأنهما لم يدخلا فيها على أنها هبة وإنما أوجبناها على أنها بدل من البضع ~~لاحقة بالعقد ولا يجوز لنا أن نلزمهما عقدا لم يعقداه على أنفسهما لقوله ~~تعالى @QB@ أوفوا بالعقود @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون عند ~~شروطهم فإذا عقدا على أنفسهما عقدا لم يجز لنا إلزامهما عقدا غيره بظاهر ~~الآية والسنة إذ كانت الآية إنما اقتضت إيجاب الوفاء بنفس العقد الذي عقده ~~لا بغيره لأن إلزامه عقدا غيره لا يكون وفاء بالعقد الذي عقده وكذلك قوله ~~المسلمون عند شروطهم يقتضي الوفاء بالشرط وليس في إسقاط الشرط وإلزامهما ~~معنى غيره الوفاء بالشرط # فدلت الآية والسنة معا على بطلان قول المخالف من وجهين أحدهما اقتضاء ~~عمومهما لإيجاب الوفاء بالعقد والشرط والآخر ما انتظمتا من امتناع إلزام ~~عقد أو شرط غير ما عقداه ولما بطل إلزامهما الهبة بعد القبض وصح التمليك دل ~~على أنها ملكت من جهة الزيادة # ويدل على أنه غير ms1128 جائز أن يجعلها هبة أنها متى كانت زيادة كانت مضمونة ~~على المرأة بالقبض لأنها بدل من البضع وإذا كانت هبة لم تكن مضمومة عليها ~~وإذا كانت زيادة سقطت بالطلاق قبل الدخول وإذا كانت هبة لم يؤثر الطلاق ~~فيها وإذا دخلا فيها على عقد يوجب الضمان لم يجز لنا إلزامهما عقدا لا ضمان ~~فيه ألا ترى أنهما إذا تعاقدا عقد بيع لم يجز إلزامهما عقد هبة ولو تعاقدا ~~عقد إقالة لم يلزمهما عقد بيع مستقبل وفي ذلك دليل على أنه غير جائز إثبات ~~الهبة بعقد الزيادة إذا لم تكن هبة وقد صح التمليك كانت زيادة لاحقة بالعقد ~~بدلا من البضع مع التسمية وأما قول مالك في جعله إياها هبة ثم قوله أنه إذا ~~طلقها قبل الدخول رجع إليه نصف الزيادة فإنه قول غير منتظم لأنها إن كانت ~~هبة فلا تعلق لها بعقد النكاح ولا بالمهر ولا تأثير للطلاق في رجوع شيء ~~منها إليه وإن كانت زيادة في المهر فغير جائز بطلانها بالموت # وإنما PageV03P107 قال أصحابنا إنه إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة ~~كلها من قبل أن الزيادة لما لم تكن موجودة في العقد وإنما كانت ملحقة به ~~وجب أن يكون بقاؤها موقوفا على سلامة العقد أو الدخول بالمرأة ألا ترى أن ~~الزيادة في البيع إنما تلحق به على شرط بقاء العقد وأنه متى بطل العقد بطلت ~~الزيادة فكذلك الزيادة في المهر فإن قيل التسمية الموجودة في العقد إنما ~~يبطل بعضها بورود الطلاق عليها قبل الدخول فهلا كانت الزيادة كذلك إذ كانت ~~إذا صحت ولحقت به كانت بمنزلة وجودها فيه فلا فرق بينهما وبين المسمى فيه ~~قيل له عندنا أن المسمى في العقد يبطله كله أيضا إذا طلق قبل الدخول لبطلان ~~العقد المسمى فيها كهلاك المبيع قبل القبض وإنما يجب النصف على جهة ~~الاستقبال كالمتعة وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال فيمن طلق قبل الدخول ~~وقد سمى لها أن نصف المسمى هو متعتها وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي وعلى ~~هذا ms1129 المعنى قالوا في شاهدين شهدا على رجل بطلاق امرأته قبل الدخول وهو يجحد ~~ثم رجعا أنهما يضمنان للزوج نصف المهر الذي غرم لأن الطلاق قبل الدخول يسقط ~~جميع المهر والنصف الذي يلزمه في التقدير كأنه دين مستأنف ألزماه بشهادتهما ~~فعلى هذا لا يختلف حكم الزيادة والتسمية في سقوطهما بالطلاق قبل الدخول فإن ~~قيل هذا التأويل يؤدي إلى مخالفة قوله تعالى @QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم @QE@ لأنك قلت إن الجميع يسقط ~~ويجب النصف على وجه الاستئناف # قيل له ليس في الآية نفي لأن يكون النصف الواجب بعد الطلاق مهرا على وجه ~~الاستيناف وإنما فيه وجوب نصف المفروض غير مقيد بوصف ولا شرط ونحن نوجب ~~النصف أيضا فليس فيما ذكرنا من وجوبه في التقدير على وجه الاستئناف على أنه ~~متعتها مخالفة للآية ويدل على أن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع الزيادة إنا ~~قد علمنا أن العقد إذا خلا من التسمية يوجب مهر المثل إذ غير رجائز أن يملك ~~البضع بلا بدل ثم إذا رد الطلاق قبل الدخول أسقطه إذ لم يكن مسمى في العقد ~~وكذلك الزيادة لما لم تكن مسماة في العقد وجب أن يسقطها الطلاق قبل الدخول ~~وإن كانت قد وجبت بإلحاقها بالعقد والله أعلم PageV03P108 # | باب نكاح الإماء # قال الله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات @QE@ قال أبو بكر الذي اقتضته هذه ~~الآية إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات لأنه ~~لا خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن لأن تخصيص ~~هذه الحال بذكر الإباحة فيها لا يدل على حظر ما عداها كقوله تعالى @QB@ ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ لا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه ~~الحال وقوله تعالى @QB@ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة @QE@ لا يدل على ~~إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة وقوله تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له ms1130 به @QE@ ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له برهان ~~على صحة القول بأن مع الله إلها آخر تعالى الله عن ذلك وقد بينا ذلك في ~~اصول الفقه فإذا ليس في قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا @QE@ الآية ~~إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله ولا دلالة فيه على حكم من وجد ~~طولا إلى الحرة لا بحظر ولا إباحة # واختلف السلف في معنى الطول فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة والسدي أنهم قالوا هو الغنى وروي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم ~~قالوا إذا هوى الأمة فله أن يتزوجها وإن كان موسرا إذا خاف أن يزني بها ~~فكان معنى الطول عند هؤلاء في هذا الموضع أن لا ينصرف قلبه عنها بنكاح ~~الحرة لميله إليها ومحبته لها فأباحوا له في هذه الحال نكاحها والطول يحتمل ~~الغنى والقدرة ويحتمل الفضل قال الله تعالى @QB@ شديد العقاب ذي الطول @QE@ ~~قيل فيه ذو الفضل وقيل ذو القدرة والفضل والغنى يتقاربان في المعنى فاحتمل ~~الطول المذكور في الآية الغنى والقدرة واحتمل الفضل والسعة فإذا كان معناه ~~الغنى واحتمل وجهين أحدهما حصول الغنى له بكون الحرة تحته والثاني غنى ~~المال وقدرته على تزوج حرة وإذا كان معناه الفضل احتمل إرادة الغنى لأن ~~الفضل يوجب ذلك والثاني اتساع قلبه لتزوج الحرة والانصراف عن الأمة وإنه إن ~~لم يتسع قلبه لذلك وخشي الإقدام من نفسه على محظور جاز له أن يتزوجها وإن ~~كان موسرا على ما روي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم هذه الوجوه كلها ~~تحتملها الآية وقد اختلف السلف في ذلك فروي عن ابن عباس وجابر وسعيد بن ~~جبير والشعبي ومكحول لا يتزوج الأمة إلا أن لا يجد PageV03P109 طولا إلى ~~الحرة وروي عن مسروق والشعبي قال نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم ~~الخنزير لا يحل إلا لمضطر وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وسعيد بن المسيب رواية وإبراهيم والحسن رواية والزهري قالوا ينكح الأمة وإن ~~كان موسرا وعن ms1131 عطاء وجابر بن زيد أنه إن خشي أن يزني بها تزوجها وروي عن ~~عطاء أنه يتزوج الأمة على الحرة وعن عبدالله بن مسعود قال لا يتزوج الأمة ~~على الحرة إلا المملوك وقال عمر وعلي وسعيد بن المسيب ومكحول في آخرين لا ~~يتزوج الأمة على الحرة وقال إبراهيم يتزوج الأمة على الحرة إذا كان له منها ~~ولد وقال إذا تزوج أمة وحرة في عقد واحد بطل نكاحهما جميعا وقال ابن عباس ~~ومسروق إذا تزوج حرة فهو طلاق الأمة وقال إبراهيم رواية يفرق بينه وبين ~~الأمة إلا أن يكون له منها ولد وقال الشعبي إذا وجد الطول إلى الحرة بطل ~~نكاح الأمة وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لا تنكح الأمة ~~على الحرة إلا أن تشاء الحرة ويقسم للحرة يومين وللأمة يوما # قال أبو بكر وهذا يدل على أنه كان لا يرى تزويج الأمة على الحرة جائزا إن ~~لم ترض الحرة # واختلفوا فيمن يجوز أن يتزوج من الإماء فروى ابن عباس أنه قال لا يتزوج ~~من الإماء أكثر من واحدة وقال إبراهيم ومجاهد والزهري يجمع أربع إماء أن ~~شاء فاختلف السلف في نكاح الأمة على هذه الوجوه واختلف فقهاء الأمصار في ~~ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد للرجل أن يتزوج ~~أمة إذا لم تكن تحته حرة وإن وجد طولا إلى الحرة ولا يتزوجها إذا كانت تحته ~~حرة وقال سفيان والثوري إذا خشي على نفسه في المملوكة فلا بأس بأن يتزوجها ~~وإن كان موسرا ومالك والليث والأوزاعي والشافعي الطول المال فإذا وجد طولا ~~إلى الحرة لا يتزوج أمة وإن لم يجد طولا لم يتزوجها أيضا حتى يخشى العنت ~~على نفسه واتفق أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي أنه لا يجوز له أن ~~يتزوج أمة وتحته حرة ولا يفرقون بين إذن الحرة في ذلك وغير إذنها وقال ابن ~~وهب عن مالك لا بأس أن يتزوج الرجل الأمة على الحرة والحرة بالخيار وقال ~~ابن القاسم عنه في ms1132 الأمة تنكح على الحرة أرى أن يفرق بينهما ثم رجع وقال ~~تخير الحرة إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت قال وسئل مالك عن رجل تزوج أمة ~~وهو ممن يجد طولا إلى الحرة قال أرى أن يفرق بينهما فقيل له إنه يخاف العنت ~~قال PageV03P110 السوط يضرب به ثم خففه بعد ذلك قال وقال مالك إذا تزوج ~~العبد أمة على حرة فلا خيار للحرة لأن الأمة من نسائه وقال عثمان البتي لا ~~بأس أن يتزوج الرجل الأمة على الحرة # والدليل على جواز نكاح الأمة وإن قدر على تزوج الحرة إذا لم تكن تحته قول ~~الله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم @QE@ قد حوت هذه الآية الدلالة من ~~وجهين على جواز تزويج الأمة مع القدرة على نكاح الحرة أحدهما إباحة النكاح ~~على الإطلاق في جميع النساء من العدد المذكور من غير تخصيص لحرة من أمة ~~والثاني قوله تعالى في نسق الخطاب @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ ومعلوم أن ~~قوله @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم وأنه ~~مفتقر إلى ضمير وضميره هو ما تقدم ذكره مظهرا في الخطاب وهو عقد النكاح ~~فكان تقديره فاعقدوا نكاحها على ما طاب لكم من النساء أو ما ملكت أيمانكم ~~وغير جائز إضمار الوطء فيه إذ لم يتقدم له ذكر فثبت بدلالة هذه الآية أنه ~~مخير بين تزويج الأمة أو الحرة # فإن قيل قوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ إباحة معقودة ~~بشرط وهي أن تكون مما طاب لنا فدل على أنه مما طاب حتى يجوز العقد وهو إذا ~~كان كذلك كان بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان # قيل له قوله تعالى @QB@ ما طاب لكم @QE@ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون ~~معناه ما استطبتموه فيكون مفيدا للتخيير كقول القائل اجلس ما طاب لك في هذه ~~الدار وكل ما طاب لك من هذا الطعام فيفيد تخييره في فعل ما شاء منه والوجه ~~الآخر ما حل ms1133 لكم فإن كان المراد الوجه الأول فقد اقتضى تخييره في نكاح من ~~شاء وذلك عموم في الحرائر والإماء وإن كان معناه ما حل لكم فإنه قد عقبه ~~ببيان ما طاب لكم منها وهو قوله تعالى @QB@ مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم @QE@ فقد خرج بذلك عن حيز الإجمال إلى ~~حيز العموم واستعمال العموم واجب كيف تصرفت الحال وعلى أنها لو كانت محتملة ~~للعموم والإجمال جميعا لكان حملها على معنى العموم أولى لإمكان استعماله ~~ومتى أمكننا استعمال حكم اللفظ على وجه فعلينا استعماله ويدل عليه قوله ~~تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم @QE@ وذلك عموم في ~~الحرائر والإماء ويدل عليه قوله تعالى @QB@ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ PageV03P111 والإحصان اسم يقع على ~~الإسلام وعلى العقد يدل عليه قوله تعالى @QB@ فإذا أحصن @QE@ روي عن بعض ~~السلف فإذا أسلمن وقال بعضهم فإذا تزوجن ومعلوم أنه لم يرد به التزويج في ~~هذا الموضع فثبت أنه أراد العفاف وذلك عموم في الحرائر والإماء وقوله تعالى ~~@QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ هو عموم أيضا في تزويج ~~الإماء الكتابيات ويدل عليه قوله تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم @QE@ وذلك عموم يوجب جواز نكاح الإماء كما ~~اقتضى جواز نكاح الحرائر ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ ولأمة مؤمنة خير ~~من مشركة ولو أعجبتكم @QE@ ومحال أن يخاطب بذلك إلا من قدر على نكاح ~~المشركة الحرة ومن وجد طولا إلى الحرة المشركة فهو يجد طولا إلى الحرة ~~المسلمة فاقتضى ذلك جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة المسلمة كما ~~اقتضاه مع وجوده إلى الحرة المشركة # ويدل عليه من طريق النظر أن القدرة على نكاح امرأة لا تحرم نكاح أخرى ~~كالقدرة على تزويج البنت لا يحرم تزويج الأم والقدرة على نكاح المرأة لا ~~يحرم نكاح أختها فوجب على هذا أن لا تمنع قدرته ms1134 على نكاح الحرة من تزويج ~~الأمة بل الأمة أيسر أمرا في ذلك من الأختين والأم والبنت والدليل عليه ~~جواز اجتماع الحرة والأمة تحته عند جميع فقهاء الأمصار وامتناع اجتماع الأم ~~والبنت والأختين تحته فلما لم يكن إمكان تزويج البنت الذي هو أغلظ حكما ~~مانعا من الأم الحرة والأمة وجب أن لا يكون لإمكان تزوج الحرة تأثير في منع ~~نكاح الأمة # واحتج من خالف في ذلك بقوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم @QE@ وأنه أباح نكاح ~~الأمة بشرط عدم الطول إلى الحرة وخشية العنت فلا تجوز استباحته إلا بوجود ~~الشرطين جميعا وهذه الآية قاضية على ما تلوت من الآي لما فيها من بيان حكم ~~الأمة في التزويج # قيل له ليس في هذه الآية حظر نكاح الأمة في حال وجود الطول إلى الحرة ~~وإنما فيها إباحته في حال عدم الطول إليها وسائر الآي التي تلونا يقتضي ~~إباحة نكاحها في سائر الأحوال فليس في أحدهما ما يوجب تخصيص الأخرى ~~لورودهما جميعا في حكم الإباحة وليس في واحدة منهما حظر فلا يجوز أن يقال ~~إن هذه مخصصة لها والجميع وارد في حكم واحد # فإن قيل PageV03P112 هذا كقوله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا @QE@ فكان ~~مقتضى جميع ذلك امتناع جوازه مع وجود ما قبله # قيل له لأنه جعل الفرق بديا عتق رقبة فاقتضى ذلك أن يكون الفرض هو العتق ~~لا غير فلما نقله عند عدم الرقبة إلى الصيام اقتضى ذلك أن لا يجزي غيره إذا ~~عدم الرقبة فلما قال @QB@ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا @QE@ كان حكم ~~الكفارة مقصورا على المذكور في الآية على ما اقتضته من الترتيب وليس معك ~~آية تحظر نكاح الإماء حتى إذا ذكرت إباحتهن بشرط وحال كان عدم الشرط والحال ~~موجبا لحظرهن بل سائر الآي الواردة في ms1135 إباحة النكاح ليس فيها فرق بين ~~الحرائر والإماء فليس إذا في قوله @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات @QE@ دلالة على حظرهن عند وجود الطول إلى الحرة # وذكر إسماعيل بن إسحاق هذه الآية وذكر اختلاف السلف فيها ثم ذكر قول ~~أصحابنا في تجويزهم نكاح الأمة مع القدرة على تزويج الحرة فقال وهذا قول ~~تجاوز فساده ولا يحتمل التأويل لأنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي ~~أبيحت # قال أبو بكر قوله لا يحتمل التأويل خلاف الإجماع وذلك لأن الصحابة قد ~~اختلفوا فيه وقد حكينا أقاويلهم ولولا خشية الإطالة لذكرنا أسانيدها ولو ~~كان لا يحتمل التأويل لما قال به من قال من السلف إذ غير جائز لأحد تأويل ~~آية على معنى لا تحتمله وقد ظهر هذا الاختلاف في السلف فلم ينكر بعضهم على ~~بعض القول فيها على الوجوه التي اختلفوا فيها ولو كان هذا القول غير محتمل ~~ولا يسوغ التأويل فيه لأنكره من لم يقل به منهم على قائليه فإذا كان هذا ~~القول مستفيضا فيهم من نكير ظهر من أحد منهم على قائليه فقد حصل بإجماعهم ~~تسويغ الاجتهاد فيه واحتمال الآية للتأويل الذي تأولته فقد بان بما وصفنا ~~أن إنكاره لاحتمال التأويل غير صحيح وأما قوله إنه محظور في الكتاب إلا من ~~الجهة التي أبيحت فإنه لا يخلو من أن يريد أنه محظور فيه نصا أو دليلا فإن ~~ادعى نصا طولب بتلاوته وإظهاره ولا سبيل له إلى ذلك وإن ادعى على ذلك دليلا ~~طولب بإيجاده وذلك معدوم فلم يحصل من قوله إلا على هذه الدعوى لنفسه ~~والتعجب من قول خصمه اللهم إلا أن يزعم أن تخصيصه الإباحة بهذه الحال ~~والشرط دليل على حظر ما عداه فإن كان إلى هذا ذهب فإن هذا دليل يحتاج إلى ~~دليل وما نعلم أحدا استدل بمثله قبل الشافعي ولو كان هذا دليلا لكانت ~~PageV03P113 الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسئلة ونظائرها ~~من المسائل مع كثرة ما اختلفوا فيه من احكام الحوادث التي ms1136 لم يخل كثير منها ~~من إمكان الاستدلال عليها بهذا الضرب كما استدلوا عليها بالقياس والاجتهاد ~~وسائر ضروب الدلالات وفي تركهم الاستدلال بمثله دليل على أن ذلك لم يكن ~~عندهم دليلا على شيء فإذا لم يحصل إسماعيل من قوله هو محظور في الكتاب على ~~حجة ولا شبهة # وقد حكى داود الأصبهاني أن إسماعيل سئل عن النص ما هو فقال النص ما ~~اتفقوا عليه فقيل له فكل ما اختلفوا فيه من الكتاب فليس بنص فقال القرآن ~~كله نص فقيل له فلم اختلف أصحاب محمد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن كله ~~نص فقال داود ظلمه السائل ليس مثله يسئل عن هذه المسئلة هو أقل من أن يبلغ ~~علمه هذا الموضع فإن كانت حكاية داود عنه صحيحة فإن ذلك لا يليق بإنكاره ~~على القائلين بإباحة نكاح الأمة مع إمكان تزوج الحرة لأنه حكي عنه أنه قال ~~مرة ما اتفقوا عليه فهو نص وقال مرة القرآن كله نص وليس في القرآن ما يخالف ~~قولنا ولا اتفقت الأمة أيضا على خلافه وفي حكاية داود هذا عن إسماعيل عهدة ~~وهو غير أمين ولا ثقة فيما يحكيه وغير مصدق على إسماعيل خاصة لأنه كان نفاه ~~من بغداد وقذفه بالعظائم وما أظن تعجب إسماعيل من قولنا إلا من جهة أنه كان ~~يعتقد في مثله أنه دلالة على حظر ما عدا المذكور وقد بينا أن ذلك ليس بدليل ~~واستقصينا القول فيه أصول الفقه ومما يدل على صحة قولنا أن خوف العنت وعدم ~~الطول ليسا بضرورة لأن الضرورة ما يخاف فيها تلف النفس وليس في فقد الجماع ~~تلف النفس وقد أبيح له نكاح الأمة فإذا جاز نكاح الأمة في غير ضرورة فلا ~~فرق بين وجود الطول وعدمه إذ عدم الطول ليس بضرورة في التزوج إذ لا تقع ~~لأحد ضرورة إلى التزوج إلا أن يكره عليه بما يوجب تلف النفس أو بعض الأعضاء ~~ويدل على أن الإباحة المذكورة في الآية غير معقودة بضرورة قوله في نسق ~~الخطاب @QB@ وأن تصبروا خير لكم ms1137 @QE@ وما اضطر إليه الإنسان من ميتة أو لحم ~~خنزير أو نحوه لا يكون الصبر عليه خيرا له لأنه لو صبر عليه حتى مات كان ~~عاصيا وأيضا فليس النكاح بفرض حتى تعتبر فيه الضرورة وأصله تأديب وندب وإذا ~~كان كذلك وقد جاز في غير الضرورة وجب أن يجوز في حال وجود الطول كما أجاز ~~في حال عدمه وقوله تعالى @QB@ بعضكم من بعض @QE@ في نسق التلاوة قيل فيه إن ~~كلكم من آدم وقيل فيه كلكم مؤمنون يدل على PageV03P114 أنه أراد المساواة ~~بينهم في النكاح وهذا يدل على وجوب التسوية بين الحرة والأمة إلا فيما تقوم ~~فيه دلالة التفضيل وأما من قال إن نكاح الحرة طلاق للأمة فقوله وانه ضعيف ~~لا مساغ له في النظر لأنه لو كان كما ذكر لوجب أن يكون الطول إلى الحرة ~~فاسخا لنكاح الأمة كما قال الشعبي كالمتيمم إذا وجد الماء ينتقض تيممه توضأ ~~أو لم يتوضأ وقد روي عن أبي يوسف أنه تأول قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع ~~منكم طولا @QE@ على عدم الحرة في ملكه وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته ~~وهذا التأويل سائغ لأن من ليس عنده حرة فهو غير مستطيع للطول إليها إذ لا ~~يصل إليها ولا يقدر على وطئها فكان وجود الطول عنده هو ملك وطء الحرة وهو ~~أولى بمعنى الآية من تأول من تأوله على القدرة على تزوجها لأن القدرة على ~~المال لا توجب له ملك الوطء إلا بعد النكاح فوجود الطول بحال ملك الوطء أخص ~~منه بوجود المال الذي به يتوصل إلى النكاح ويدل عليه أنا وجدنا لملك وطء ~~الزوجة تأثيرا في منع نكاح أخرى ولم نجد هذه المزية لوجود المال فإذا لا حظ ~~لوجود المال في منع نكاح الأمة فتأويل أبي يوسف الآية على ملك وطء الحرة ~~أصح من تأويل من تأولها على ملك المال فإن قيل وجود ثمن رقبة الظهار كوجود ~~الرقبة في ملكه فهلا كان وجود مهر الحرة كوجود نكاحها # قيل له هذا خطأ منتقض من وجوه أحدها ms1138 أنك لم تعقده بمعنى يوجب الجمع ~~بينهما وبدلالة يدل بها على صحة المعنى وما خلا من ذلك من دعوى الخصم فهو ~~ساقط غير مقبول والثاني أن ذلك يوجب أن يكون وجود مهر امرأة ي ملكه كوجود ~~نكاحها في منع تزويج أمها أو أختها فلما لم يكن ذلك بأن به فساد ما ذكرت ~~وعلى أن الرقبة ليست عروضا للنكاح لأن الرقبة فرض عليه عتقها وغير جائز له ~~الانصراف عنها مع وجودها وجائز للرجل أن لا يتزوج مع الإمكان فلما كان كذلك ~~كان وجود ثمن الرقبة في ملكه كوجودها إذ كانت فرضا هو مأمور بعتقها على حسب ~~الإمكان وليس النكاح بفرض فيلزمه التوصل إليه لوجود المهر فليس إذا لوجود ~~المهر في ملكه تأثير في منع نكح الأمة وكان واجده بمنزلة من لم يجد وإنما ~~قال أصحابنا إنه لا يتزوج الأمة على الحرة لما روى الحسن ومجاهد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح الأمة على الحرة ولولا ما ورد من الأثر ~~لم يكن تزويج الأمة على الحرة محظورا إذ ليس في القرآن ما يوجب حظره ~~والقياس يوجب إباحته ولكنهم اتبعوا PageV03P115 الأثر في ذلك والله تعالى ~~أعلم # | باب نكاح الأمة الكتابية # قال أبو بكر اختلف أهل العلم فيه فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن ~~عبدالعزيز وأبي بكر بن عبدالله بن أبي مريم كراهة ذلك وهو قول الثوري وقال ~~أبو ميسرة في آخرين يجوز نكاحها وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ~~وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز ويشبه أن ~~يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب كما يكره ~~بيع العبد المسلم من الكافر وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد لا ~~يجوز النكاح والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في الباب الذي ~~قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ودلالتها على جواز ~~نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة ومما يختص ms1139 منها بالدلالة ~~على هذه المسألة قوله عز وجل @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ وروى جرير عن ليث عن مجاهد في قوله @QB@ والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ قال العفائف وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي @QB@ ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ قال إحصانها أن تغتسل من ~~الجنابة وتحصن فرجها من الزنا فثبت بذلك أن اسم الإحصان قد يتناول الكتابية ~~قال تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ فاستثنى ملك ~~اليمين من المحصنات فدل على أن الاسم يقع عليهن لولا ذلك لما استثناهن وقال ~~تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة @QE@ فأطلق اسم الإحصان في هذا ~~الموضع على الإماء ولما ثبت أن اسم المحصنات يقع على الكتابيات من الحرائر ~~والإماء وأطلق الله نكاح الكتابيات المحصنات بقوله @QB@ والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ كان عاما في الحرائر والإماء منهم فإن احتجوا ~~بقوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ وكانت هذه مشركة وقال في أية ~~أخرى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات @QE@ فكانت إباحة نكاح الإماء مقصورة على ~~المسلمات منهن دون الكتابيات وجب أن يكون نكاح الإماء الكتابيات باقيا في ~~حكم الحظر قيل له إطلاق اسم المشركات لا يتناول الكتابيات وإنما يقع على ~~عبدة الأوثان دون غيرهم لأن الله تعالى PageV03P116 قد فرق بينهما في قوله ~~@QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين @QE@ فعطف ~~المشركين على أهل الكتاب وهذا يدل على أن إطلاق الاسم إنما يتناول عبدة ~~الأوثان دون غيرهم فلم يعم الكتابيات فغير جائز الاعتراض به في حظر نكاح ~~الإماء الكتابيات وأيضا فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن قوله @QB@ والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ قاض على قوله @QB@ ولا تنكحوا ~~المشركات @QE@ وذلك لأنهم لا يختلفون في جواز نكاح الحرائر الكتابيات فليس ~~يخلو حينئذ قوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات @QE@ من أن يكون عاما في إطلاقه ~~للكتابيات والوثنيات أو أن يكون إطلاقه مقصورا على الوثنيات دون الكتابيات ~~فإن كان ms1140 الإطلاق إنما يتناول الوثنيات دون الكتابيات فالسؤال نازلا بعده ~~فيكون مستعملا أيضا أو أن يكون حظر نكاح المشركات متأخرا عن إباحة ساقط فيه ~~إذ ليس بناف فيه لنكاح الكتابيات وإن كان الإطلاق ينتظم الصنفين جميعا لو ~~حملنا على ظاهره فقد اتفقوا أنه مرتب على قوله @QB@ والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ لاتفاق الجميع على استعماله معه في الحرائر ~~منهن وإذا كان كذلك لم يخل من أن تكون الآيتان نزلتا معا أو أن تكون إباحة ~~نكاح الكتابيات متأخرا عن حظر نكاح المشركات أو أن يكون حظر نكاح المشركات ~~متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات فإن كانتا نزلتا معا فهما مستعملتان جميعا ~~على جهة ترتيب حظر نكاح المشركات على إباحة نكاح الكتابيات أو أن يكون نكاح ~~الكتابيات نكاح الكتابيات فإن كان كذلك فإنه ورد مرتبا على إباحة نكاح ~~الكتابيات فالإباحة مستعملة في الأحوال كلها كيف تصرف الحال على الحال على ~~أنه ولا خلاف أن قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ ~~نزل بعد تحريمه نكاح المشركات لأن آية تحريم المشركات في سورة البقرة ~~وإباحة نكاح الكتابيات في سورة المائدة وهي نزلت بعدها فهي قاضية على تحريم ~~المشركات إن كان إطلاق اسم المشركات يتناول الكتابيات ثم لما تفرق الآية ~~المبيحة لنكاح الكتابيات بين الحرائر منهن وبين الإماء واقتضى عمومها ~~الفريقين منهن وجب استعمالها فيهما جميعا وأن لا يعترض بتحريم نكاح ~~المشركات عليهن كما لم يجز الاعتراض به على الحرائر منهن وأما تخصيص الله ~~تعالى المؤمنات من الإماء في قوله @QB@ من فتياتكم المؤمنات @QE@ فقد بينا ~~في المسألة المتقدمة أن التخصيص بالذكر PageV03P117 لا يدل على أن ما ~~عداالمخصوص حكمه بخلافه # فإن قيل لا يصح الاحتجاج بقوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ في إباحة النكاح وذلك لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معاني ~~مختلفة وليس بعموم فيجري على مقتضى لفظه بل هو مجمل موقوف الحكم على البيان ~~فما ورد به البيان من توقيف أو اتفاق صرنا إليه وكان حكم الآية مقصورا عليه ~~وما لم ms1141 يرد به بيان فهو على إجماله لا يصح الاحتجاج بعمومه فلما اتفق ~~الجميع على أن الحرائر من الكتابيات مرادات به استعملنا حكم الآية فيهن ~~ولما لم تقم الدلالة على إرادة الإماء الكتابيات احتجنا في إثباتها إلى ~~دليل من غيرها # قيل له لما روي عن جماعة من السلف في قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب @QE@ إنهن العفائف منهن إذا كان اسم الإحصان يقع على العفة وجب ~~اعتبار عموم اللفظ في جميع العفائف إذ قد ثبت أن العفة مرادة بهذا الإحصان ~~وما عدا ذلك من ضروب الإحصان لم تقم الدلالة على أنها مرادة وقد اتفقوا على ~~أنه ليس من شرط هذا الإحصان استكمال شرائطه كلها فما وقع عليه الاسم واتفق ~~الجميع أنه مراد أثبتناه وما عداه يحتاج مثبته شرطا في الإباحة إلى دلالة ~~فإن قيل اسم الإحصان يقع على الحرية فما أنكرت أن يكون المراد بقوله @QB@ ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ الحرائر منهن قيل له لما ~~كان معلوما أنه لم يرد بذكر الإحصان في هذا الموضع استيفاء شرائطه لم يجز ~~لأحد أن يقتصر بمعنى الإحصان فيه على بعض ما يقع عليه الاسم دون بعض بل إذا ~~تناوله الاسم من وجه وجب اعتبار عمومه فيه فلما كانت الأمة قد يتناولها اسم ~~الإحصان على الإطلاق في بعض الوجوه من طريق العفة أو غيرها جاز اعتبار عموم ~~ا للفظ فيه وإذا جاز لك أن تقتصر باسم الإحصان على الحرية دون غيرها فجائز ~~لغيرك أن يقتصر به على العفاف دون غيره وغير جائز لنا إجمال حكم اللفظ مع ~~إمكان استعماله على العموم وقد أطلق الله اسم الإحصان على الأمة فقال تعالى ~~@QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب @QE@ ~~فقال بعضهم أراد فإذا أسلمن وقال بعضهم فإذا تزوجن فكان اعتبار هذا العموم ~~سائغا في إيجاب الحد عليهن وقد قال في الآية @QB@ والمحصنات من المؤمنات ~~@QE@ ولم يرد به حصول جميع شرائط الإحصان وإنما أراد به العفائف منهن وحرم ~~ذوات الأزواج بقوله ms1142 @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ ~~فكان عموما في تحريم الأزواج إلا PageV03P118 ما استثناهن فكذلك قوله @QB@ ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ لا يمنع ذكر الإحصان فيه من ~~اعتبار عمومه فيمن يقع عليه الاسم من جهة العفاف على ما روي عن السلف # ومن جهة النظر أنه لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء الأمة الكتابية بملك ~~اليمين وكل من جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بملك النكاح على الوجه الذي ~~يجوز عليه نكاح الحرة المنفردة ألا ترى أن المسلمة لما جاز وطؤها بملك ~~اليمين جاز وطؤها بالنكاح وأن الأخت من الرضاعة وأم المرأة وحليلة الابن ~~وما نكح الآباء لما لم يجز وطؤهن بملك اليمين حرم وطؤهن بالنكاح فلما اتفق ~~الجميع على جواز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين وجب جواز وطئها بالنكاح ~~على الوجه الذي يجوز فيه وطء الحرة المنفردة فإن قيل قد يجوز وطء الأمة ~~الكتابية بملك اليمين ولا يجوز بالنكاح كما إذا كانت تحته حرة قيل له لم ~~نجعل ما ذكرنا علة لجواز نكاحها في سائر الأحوال وإنما جعلناه علة لجواز ~~نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ألا ترى أن الأمة المسلمة يجوز نكاحها ~~منفردة ولو كانت تحته حرة لما جاز نكاحها لأنه لم يجز نكاحها من طريق جمعها ~~إلى الحرة كما لا يجوز نكاحها لو كانت أختها تحته وهي أمة فعلنا صحيحة ~~مستمرة جارية في معلولاتها غير لازم عليها ما ذكرت إذ كانت منصوبة لجواز ~~نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها وبالله التوفيق # | باب نكاح الأمة بغير إذن مولاها # قال الله تعالى @QB@ فانكحوهن بإذن أهلهن @QE@ قال أبو بكر قد اقتضى ذلك ~~بطلان نكاح الأمة إلا أن يأذن سيدها وذلك لأن قوله تعالى @QB@ فانكحوهن ~~بإذن أهلهن @QE@ يدل على كون الإذن شرطا في جواز النكاح وإن لم يكن النكاح ~~واجبا وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن ~~معلوم إلى أجل معلوم أن السلم ليس بواجب ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه ms1143 ~~استيفاء هذه الشرائط كذلك النكاح وإن لم يكن حتما فعليه إذا أراد أن يتزوج ~~الأمة أن لا يتزوجها إلا بإذن سيدها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا المعنى في نكاح العبد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان ~~قال أخبرنا معلى قال حدثنا عبدالوارث قال حدثنا القاسم بن عبدالواحد عن ~~عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~تزوج العبد بغير إذن مولاه فهو عاهر حدثنا عبد PageV03P119 الباقي قال ~~حدثنا محمد بن الخطابي قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا الحسن ~~بن صالح عن عبدالله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبدالله يقول قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن سيده زنا وروى هشيم ~~عن يونس عن نافع أن مملوكا لابن عمر تزوج بغير إذنه فضربهما وفرق بينهما ~~وأخذ كل شيء أعطاها وقال الحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي إذا تزوج ~~العبد بغير إذن مولاه فالأمر إلى المولى إن شاء أجاز وإن شاء رد وقال عطاء ~~نكاح العبد بغير إذن سيده ليس بزنا لكنه أخطأ السنة وروى قتادة عن خلاس أن ~~غلاما لأبي موسى تزوج بغير إذنه فرفع ذلك إلى عثمان ففرق بينهما وأعطاها ~~الخمسين وأخذ ثلاثة أخماس قال أبو بكر واتفق من ذكرنا قوله من السلف أنه لا ~~حد عليهما وإنما روي الحد عن ابن عمر وجائز أن يكون جلدهما تعزيرا لا حدا ~~فظن الراوي أنه حد واتفق علي وعمر في المتزوجة في العدة أنه لا حد عليها ~~ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفهما في ذلك والعبد الذي تزوج بغير إذن مولاه ~~أيسر أمرا من المتزوجة في العدة لأن ذلك نكاح تلحقه الإجازة عند عامة ~~التابعين وفقهاء الأمصار ونكاح المعتدة لا تلحقه إجازة عند أحد وتحريم نكاح ~~المعتدة منصوص عليه في الكتاب في قوله تعالى @QB@ ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله @QE@ وتحريم نكاح العبد من ms1144 جهة خبر الواحد والنظر فإن # قيل قال النبي صلى الله عليه وسلم في العبد يتزوج بغير إذن مولاه فهو ~~عاهر وقد قال صلى الله عليه وسلم وللعاهر الحجر # قيل له لا خلاف أن العبد غير مراد بقوله وللعاهر الحجر لأنه لا يرجم إذا ~~زنى وإنما سماه عاهرا على المجاز والتشبيه بالزاني لإقدامه على وطء محظور ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والرجلان تزنيان وذلك مجاز ~~فكذلك قوله في العبد وأيضا فقد قال أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر ~~ولم يذكر الوطء ولا خلاف أنه لا يكون عاهرا بالتزوج فدل أن إطلاقه ذلك كان ~~على وجه المجاز تشبيها له بالعاهر # وقوله تعالى @QB@ فانكحوهن بإذن أهلهن @QE@ يدل على أن للمرأة أن تزوج ~~أمتها لأن قوله @QB@ أهلهن @QE@ المراد به الموالي لأنه لا خلاف أنه لا ~~يجوز لها أن تتزوج بغير مولاها وأنه لا اعتبار بإذن غير المولى إذا كان ~~المولى بالغا عاقلا جائز التصرف في ماله وقال الشافعي لا يجوز للمرأة أن ~~تزوج أمتها وإنما توكل غيرها بالتزويج وهو قول يرده ظاهر الكتاب لأن الله ~~تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج وبين عقد غيرها بإذنها ويدل على أنها إذا ~~أذنت لامرأة أخرى في PageV03P120 تزوجيها أنه جائز لأنها تكون منكوحة ~~بإذنها وظاهر الآية مقتض لجواز نكاحها بإذن مولاها فإذا وكل مولاها أو ~~مولاتها امرأة بتزويجها وجب أن يجوز ذلك لأن ظاهر الآية قد أجازه ومن منع ~~ذلك فإنما خص الآية بغير دلالة وأيضا فإن كانت هي لا تملك عقد النكاح عليها ~~فغير جائز توكيلها غيرها به لأن توكيل الإنسان إنما يجوز فيما يملكه فأما ~~مالا يملكه فغير جائز توكيل غيره في العقود التي تتعلق أحكامها بالموكل دون ~~الوكيل وقد يصح عندنا توكيل من لا يصح عقده إذا عقد في العقود التي تتعلق ~~أحكامها بالوكيل دون الموكل وهي عقود البياعات والإجارت فأما عقد النكاح ~~إذا وكل به فإنما يتعلق حكمه بالموكل دون الوكيل ألا ترى أن الوكيل بالنكاح ~~لا يلزمه المهر ms1145 ولا تسليمه البضع فلو لم تكن المرأة مالكة لعقد النكاح لما ~~صح توكيلها به لغيرها إذ كانت أحكام العقود غير متعلقة بالوكيل فلما صح ~~توكيلها به مع تعلق أحكامه بها دون الوكيل دل على أنها تملك العقد وهذا ~~أيضا دليل على أن الحرة تملك عقد النكاح على نفسها كما جاز وتوكيلها على ~~غيرها به وهو وليها وقوله تعالى @QB@ وآتوهن أجورهن بالمعروف @QE@ يدل على ~~وجوب مهرها إذا نكحها سمى لها مهرا أو لم يسم لأنه لم يفرق بين من سمى وبين ~~من لم يسم في إيجابه المهر ويدل على أنه قد أريد به مهر المثل قوله تعالى ~~@QB@ بالمعروف @QE@ وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن ~~المعتاد والمتعارف كقوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف @QE@ وقوله تعالى @QB@ وآتوهن أجورهن @QE@ يقتضي ظاهره وجوب دفع ~~المهر إليها والمهر واجب للمولى دونها لأن المولى هو المالك للوطء الذي ~~أباحه للزوج بعقد النكاح فهو المستحق لبدله كما لو آجرها للخدمة كان المولى ~~هو المستحق للأجرة دونها كذلك المهر ومع ذلك فإن الأمة لا تملك شيئا فلا ~~تستحق قبض المهر # ومعنى الآية على أحد وجهين إما أن يكون المراد إعطاؤهن المهر بشرط إذن ~~المولى فيه فيكون الإذن المذكور بديا مضمرا في إعطائها المهر كما كان ~~مشروطا في التزويج فيكون تقديره فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بإذنهم ~~فيدل ذلك على أنه غير جائز إعطاؤهن المهر إلا بإذن المولى وهو كقوله تعالى ~~@QB@ والحافظين فروجهم والحافظات @QE@ والمعنى والحافظات فروجهن وقوله ~~تعالى @QB@ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات @QE@ ومعناه والذاكرات الله ~~وتكون دلالة هذا الضمير ما في الآية من نفي ملكها لتزويجها نفسها ~~PageV03P121 وإن المولى أملك بذلك منها وقوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على شيء @QE@ فنفي ملكه نفيا عاما وفيه الدلالة على أن ~~الأمة لا تستحق مهرها ولا تملكه والوجه الآخر أن يكون أضاف الإعطاء إليهن ~~والمراد المولى كما لو تزوج صبية صغيرة أو أمة صغيرة بإذن الأب والمولى جاز ~~أن يقال أعطهما مهريهما ويكون ms1146 المراد إعطاء الأب أو المولى ألا ترى أنه يصح ~~أن يقال لمن عليه دين ليتيم قد مطله به أنه مانع لليتيم حقه وإن كان اليتيم ~~لا يستحق قبضه ويقال أعط اليتيم حقه وقال تعالى @QB@ وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل @QE@ وقد انتظم ذلك الصغار والكبار من أهل هذه ~~الأصناف وإعطاء الصغار إنما يكون بإعطاء أوليائهم فكذلك جائز أن يكون ~~المراد بقوله @QB@ وآتوهن @QE@ إيتاء من يستحق ذلك من مواليهن # وزعم بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها وأن المولى إذا ~~آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجر دونها واحتج للمهر بقوله تعالى @QB@ ~~وآتوهن أجورهن @QE@ وقد بينا وجه ذلك ومعناه وعلى أنه إن كان المهر يجب لها ~~لأنه بدل بضعها فكذلك يجب أن تكون الأجرة لها لأنه بدل منافعها ومن حيث كان ~~المولى هو المالك لمنافعها كما كان مالكا لبضعها فمن استحق الأجرة دونها ~~فواجب أن يستحق قبض المهر دونها لأنه بدل ملك المولى لا ملكها لأنها لا ~~تملك منافع بضعها ولا منافع بدنها والمولى هو العاقد في الحالين وبه تمت ~~الإجارة والنكاح فلا فرق بينهما # وحكى هذا القائل أن بعض العراقيين أجاز أن يزوج المولى أمته عبده بغير ~~صداق وهذا خلاف الكتاب زعم # قال أبو بكر ما أشد إقدام مخالفينا على الدعاوى على الكتاب والسنة ومن ~~راعى كلامه وتفقد ألفاظه قلت دعاويه بما لا سبيل له إلى إثباته فإن كان هذا ~~القائل إنما أراد أنهم أجازوا أن يزوج أمته عبده بغير تسمية مهر فإن كتاب ~~الله تعالى قد حكم بجواز ذلك في قوله @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ~~ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة @QE@ فحكم بصحة الطلاق في نكاح لا مهر ~~فيه مسمى فدعواه أن ذلك خلاف الكتاب قد أكذبها الكتاب وإن كان مراده أنهم ~~قالوا إنه لا يثبت مهر ويستبيح بضعها بغير بدل فهذا مالا نعلم أحدا من ~~العراقيين قاله فحصل هذا القائل على معنيين باطلين إحداهما دعواه على ~~الكتاب وقد بينا أن الكتاب بخلاف ما ms1147 قال والثاني دعواه على بعض العراقيين ~~ولم يقل أحد منهم ذلك بل قولهم في ذلك أنه إذا تزوج أمته من عبده وجب لها ~~PageV03P122 المهر بالعقد لامتناع استباحة البضع بغير بدل ثم يسقط في ~~الثاني حين يستحقه المولى لأنها لا تملك والمولى هو الذي يملك مالها ولا ~~يثبت للمولى على عبده دين فههنا حالان إحداهما حال العقد يثبت فيها المهر ~~على العبد والحال الثانية هي حال انتقاله إلى المولى بعد العقد فيسقط كما ~~أن رجلا لو كان له على آخر مال فقضاه كان قبضه حالان إحداهما حال قبضه ~~فيملكه مضمونا بمثله ثم يصير قصاصا بماله عليه وكما نقول في الوكيل في ~~الشري أن المشتري انتقل إليه بالعقد ولا يملكه وينتقل في الثاني ملكه إلى ~~الموكل ولذلك نظائر كثيرة لا يفهمها إلا من ارتاص بالمعاني الفقهية وجالس ~~أهل فقه هذا الشأن وأخذ عنهم # قوله تعالى @QB@ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان @QE@ يعني والله ~~أعلم فانكحوهن محصنات غير مسافحات وأمر بأن يكون العقد عليها بالنكاح صحيح ~~وأن لا يكون وطؤها على وجه الزنا لأن الإحصان ههنا بالنكاح والسفاح الزنا ~~@QB@ ولا متخذات أخدان @QE@ يعني لا يكون وطؤها على حسب ما كانت عليه عادة ~~أهل الجاهلية في اتخاذ الأخدان قال ابن عباس كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من ~~الزنا ويستحلون ما خفي منه والخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا فنهى الله ~~تعالى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وزجر عن الوطء إلا عن نكاح صحيح أو ~~ملك يمين وسمى الله الإماء الفتيات بقوله @QB@ من فتياتكم المؤمنات @QE@ ~~والفتاة اسم للشابة والعجوز الحرة لا تسمى فتاة والأمة الشابة والعجوز كل ~~واحدة منهما تسمى فتاة ويقال إنها سميت فتاة وإن كانت عجوزا لأنها إذا كانت ~~أمة لا توقر توقير الكبيرة والفتوة حال الغرة والحداثة والله أعلم بالصواب # | باب حد الأمة والعبد # قال الله تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب @QE@ قال أبو بكر قرئ فإذا أحصن بفتح الألف وقرئ ms1148 بضم ~~الألف فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة أن @QB@ أحصن @QE@ ~~بالضم معناه تزوجن وعن عمر وابن مسعود والشعبي وإبراهيم @QB@ أحصن @QE@ ~~بالفتح قالوا معناه أسلمن وقال الحسن يحصنها الزوج ويحصنها الإسلام # واختلف السلف في حد الأمة متى يجب فقال من تأول قوله @QB@ فإذا أحصن @QE@ ~~بالضم على التزويج أن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت ما لم تتزوج وهو ~~مذهب ابن عباس والقائلين بقوله ومن تأول قوله @QB@ فإذا أحصن @QE@ بالفتح ~~على PageV03P123 الإسلام جبل عليها الحد إذا أسلمت وزنت وإن لم تتزوج وهو ~~قول ابن مسعود والقائلين بقوله # وقال بعضهم تأويل من تأوله على أسلمن بعيد لأن ذكر الإيمان قد تقدم لهن ~~بقوله @QB@ من فتياتكم المؤمنات @QE@ قال فيبعد أن يقال من فتياتكم ~~المؤمنات فإذا آمن وليس هذا كما ظن لأن قوله @QB@ من فتياتكم المؤمنات @QE@ ~~إنما هو في شأن النكاح وقد استأنف ذكر حكم آخر غيره وهو الحد فجاز استنيناف ~~ذكر الإسلام فيكون تقديره فإذا كن مسلمات فأتين بفاحشة فعليهن هذا لا يدفعه ~~أحد ولو كان ذلك غير سائغ لما تأوله عمر وابن مسعود والجماعة الذين ذكرنا ~~قولهم عليه وليس يمتنع أن يكون الأمران جميعا من الإسلام والنكاح مرادين ~~باللفظ لاحتماله لهما وتأويل السلف الآية عليهما # وليس الإسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد عليها إذا لم تحصن لم يجب لما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن مسلمة عن مالك ~~عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد ~~الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال ~~إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ~~ولو بضفير والضفير الحبل وفي حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كل مرة فليقم عليها كتاب الله تعالى ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الحد عليها مع ms1149 عدم الإحصان فإن قيل ~~فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله @QB@ فإذا أحصن @QE@ وهي محدودة في حال ~~الإحصان وعدمه # قيل له لما كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون مسلمة متزوجة أخبر ~~الله تعالى أنهن وإن أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس عليهم أكثر من نصف حد ~~الحرة ولولا ذلك لكان يجوز أن يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان ~~وعدمه فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم وإذا كانت غير محصنة فنصف الحد ~~فأزال الله تعالى توهم من يظن ذلك وأخبر أنه ليس عليها إلا نصف الحد في ~~جميع الأحوال فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدها ولما أوجب عليها نصف حد ~~الحرة مع الإحصان علمنا أنه أراد الجلد إذ الرجم لا ينتصف وقوله تعالى @QB@ ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب @QE@ أراد به الإحصان من جهة الحرية ~~لا الإحصان الموجب للرجم لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال عليها نصف الرجم ~~لأنه لا يتبعض # وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت PageV03P124 وعقلت ~~الأمة من ذلك أن العبد بمثابتها إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا ~~من الظاهر وهو الرق وهو موجود في العبد # وكذلك قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات @QE@ خص المحصنات بالذكر ~~وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه الآية إذا قذفوا إذ كان المعنى في ~~المحصنة العفة والحرية والإسلام فحكموا للرجل بحكم النساء بالمعنى # وهذا يدل على أن الأحكام إذا عقلت بمعان فحيثما وجدت فالحكم ثابت حتى ~~تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض $ فصل قوله تعالى @QB@ ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن @QE@ يدل على جواز عطف الواجب على الندب ~~لأن النكاح ندب ليس بفرض وإيتاء المهر واجب ونحوه قوله تعالى @QB@ فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء @QE@ ثم قال @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة @QE@ ~~ويصح عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى @QE@ فالعدل واجب والإحسان ندب وقوله تعالى @QB@ ~~ذلك لمن خشي العنت منكم @QE@ قال ابن عباس ms1150 وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ~~العوفي هو الزنا وقال آخرون هو الضرر الشديد في دين أو دنيا من قوله تعالى ~~@QB@ ودوا ما عنتم @QE@ وقوله @QB@ لمن خشي العنت منكم @QE@ راجع إلى قوله ~~@QB@ فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات @QE@ وهذا شرط إلى المندوب ~~إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة لئلا يكون ولده عبدا ~~لغيره فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو مباح لا كراهة فيه لا في ~~الفعل ولا في الترك ثم عقب ذلك بقوله تعالى @QB@ وأن تصبروا خير لكم @QE@ ~~فأبان عن موضع الندب والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا فكانت دلالة الآية ~~مقتضية لكراهية نكاح الأمة إذا لم يخش العنت ومتى خشي العنت فالنكاح مباح ~~إذا لم تكن تحته حرة والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي العنت لقوله @QB@ وأن ~~تصبروا خير لكم @QE@ وإنما ندب الله تعالى إلى ترك نكاح الأمة رأسا مع خوف ~~العنت لأن الولد المولود على فراش النكاح من الأمة يكون عبدا لسيدها ولم ~~يكره استيلاد الأمة بملك اليمين لأن ولده منها يكون حرا وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما يوافق معنى الآية في كراهة نكاح الأمة حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطي قال حدثنا محمد ~~بن عقبة بن هرم السدوسي قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم انكحوا PageV03P125 الأكفاء وانكحوهن ~~واختاروا لنطفكم وإياكم والزنج فإنه خلق مشوه قوله انكحوا الأكفاء يدل على ~~نكاح الأمة لأنها ليست بكفؤ للحر وقوله واختاروا لنطفكم يدل على ذلك أيضا ~~لئلا يصير ولده عبدا مملوكا وماؤه حر فينتقل بتزويجه إلى الرق وروي في خبر ~~آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تخيروا لنطفكم فإن عرق السوء يدرك ~~ولو بعد حين وقوله تعالى @QB@ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم @QE@ يعني والله أعلم يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى ~~معرفته والبيان من الله ms1151 تعالى على وجهين أحدهما بالنص والآخر بالدلالة ولا ~~تخلو حادثة صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكم إما بنص وإما بدليل وهو نظير ~~قوله @QB@ ثم إن علينا بيانه @QE@ وقوله @QB@ هذا بيان للناس @QE@ وقوله ~~@QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ وقوله @QB@ ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم @QE@ من الناس من يقول إن هذا يدل على أن ما حرمه علينا وبين لنا ~~تحريمه من النساء في الآيتين اللتين قبل هذه الآية كان محرما على الذين ~~كانوا من قبلنا من أمم الأنبياء المتقدمين وقال آخرون لا دلالة فيه على ~~اتفاق الشرائع وإنما معناه له يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان ما لكم ~~فيه من المصلحة كما بينه لهم وإن كانت العبادات والشرائع مختلفة في أنفسها ~~إلا أنها وإن كانت مختلفة في أنفسها فهي متفقة في باب المصالح وقال آخرون ~~يبين لكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق وغيرهم لتجتنبوا الباطل وتحبوا ~~الحق وقوله تعالى @QB@ ويتوب عليكم @QE@ يدل على بطلان مذهب أهل الأخبار ~~لأنه أخبر أنه يريد أن يتوب علينا وزعم هؤلاء أنه يريد من المصرين الإصرار ~~ولا يريد منهم التوبة والإستغفار # قوله تعالى @QB@ ويريد الذين يتبعون الشهوات @QE@ فقال قائلون المراد به ~~كل مبطل لأنه يتبع شهوة نفسه فيما وافق الحق أو خالفه ولا يتبع الحق في ~~مخالفة الشهوة وقال مجاهد أراد به الزنا وقال السدي اليهود والنصارى # وقوله @QB@ أن تميلوا ميلا عظيما @QE@ يعني به العدول عن الاستقامة ~~بالاستكثار من المعصية وتكون إرادتهم للميل على أحد وجهين إما لعداوتهم أو ~~للأنس بهم والسكون إليهم في الإقامة على المعصية فأخبر الله تعالى أن ~~إرادته لنا خلاف إرادة هؤلاء وقد دلت الآية على أن القصد في اتباع الشهوة ~~مذموم إلا أن يوافق الحق فيكون حينئذ غير مذموم في اتباع شهوته إذ كان قصده ~~اتباع الحق ولكن من كان هذا سبيله لا يطلق عليه أنه متبع لشهوته لأن قصده ~~فيه اتباع الحق وافق شهوته أو خالفها # قوله تعالى PageV03P126 @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ms1152 ~~@QE@ التخفيف هو تسهيل التكليف وهو خلاف التثقيل وهو نظير قوله تعالى @QB@ ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم @QE@ فنفى الضيق والثقل والحرج عنا في الآيات ونظيره قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم جئتكم بالحنيفة السمحة وذلك لأنه وإن حرم علينا ~~ما ذكرنا تحريمه من النساء فقد أباح لنا غيرهن من سائر النساء تارة بنكاح ~~وتارة بملك يمين وكذلك سائر المحرمات قد أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر ~~فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال وعلى هذا المعنى ما روي عن ~~عبدالله بن مسعود إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يعني أنه لم يقتصر ~~بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة وغنى عن المحرمات بما أباحه لنا من ~~الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما حرم في أمور دنيانا وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما # وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء ~~وسوغوا فيه الاجتهاد وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله ~~يكلف العباد مالا يطيقون لأخباره بأنه يريد التخفيف عنا وتكليف مالا يطاق ~~غاية التثقيل والله أعلم بمعاني كتابه # | باب التجارات وخيار البيع # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ قال أبو بكر قد انتظم هذا ~~العموم النهي عن أكل مال الغير ومال نفسه كقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أنفسكم @QE@ قد اقتضى النهي عن قتل غيره وقتل نفسه فكذلك قوله تعالى @QB@ ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ نهي لكل أحد عن أكل مال نفسه ومال ~~غيره بالباطل وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في معاصي الله وأكل مال الغير ~~بالباطل قد قيل فيه وجهان أحدهما ما قال ms1153 السدي وهو أن يأكل بالربا والقمار ~~والبخس والظلم وقال ابن عباس والحسن أن يأكله بغير عوض فلما نزلت هذه الآية ~~كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس إلى أن نسخ ذلك بالآية التي في ~~النور @QB@ ليس على الأعمى حرج @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم @QE@ الآية قال أبو PageV03P127 بكر يشبه أن يكون مراد ~~ابن عباس والحسن أن الناس تحرجوا بعد نزول الآية أن يأكلوا عند أحد لا على ~~أن الآية أوجبت ذلك لأن الهبات والصدقات لم تكن محظورة قط بهذه الآية وكذلك ~~الأكل عند غيره اللهم إلا أن يكون المراد الأكل عند غيره بغير إذنه فهذا ~~لعمري قد تناولته الآية وقد روى الشعبي عن علقمة عن عبدالله قال هي محكمة ~~ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة وروى الربيع عن الحسن قال ما نسخها شيء ~~من القرآن ونظير ما اقتضته الآية من النهي عن أكل مال الغير قوله تعالى ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وعلى أن النهي عن أكل ~~مال الغير معقود بصفة وهو أن يأكله بالباطل وقد تضمن ذلك أكل أبدال العقود ~~الفاسدة كأثمان البياعات الفاسدة وكمن اشترى من المأكول فوجده فاسدا لا ~~ينتفع به نحو البيض والجوز فيكون أكل ثمنه أكل مال بالباطل وكذلك ثمن كلا ~~مالا قيمة له ولا ينتفع به كالقرد والخنزير والذباب والزنابير وسائر مالا ~~منفعة فيه فالانتفاع بأثمان جميع ذلك أكل مال بالباطل وكذلك أجرة النائحة ~~والمغنية وكذلك ثمن الميتة والخمر والخنزير وهذا يدل على أن من باع بيعا ~~فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه وعليه رده إلى مشتريه وكذلك قال ~~أصحابنا أنه إذا تصرف فيه فربح فيه وقد كان عقد عليه بعينة وقبضه أن عليه ~~أن يتصدق به لأنه ربح حصل له من وجه محظور وقوله تعالى @QB@ لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل @QE@ منتظم لهذه المعاني كلها ms1154 ونظائرها من العقود ~~المحرمة فإن قيل هل اقتضى ظاهر الآية تحريم أكل الهبات والصدقات والإباحة ~~للمال من صاحبه قيل له كل ما أباحه الله تعالى من العقود وأطلقه من جواز ~~أكل مال الغير بإباحته إياه فخارج عن حكم الآية لأن الحظر في أكل المال ~~مقيد الشريطة وهي أن يكون أكل مال بالباطل وما أباحه الله تعالى وأحله فليس ~~بباطل بل هو حق فنحتاج أن ننظر إلى السبب الذي يستبيح أكل هذا المال فإن ~~كان مباحا فليس بباطل ولم تتناوله الآية وإن كان محظورا فقد اقتضته الآية ~~وأما قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ اقتضى إباحة ~~سائر التجارات الواقعة عن تراض والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات ~~PageV03P128 المقصود بها طلب الأرباح قال الله تعالى @QB@ هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله @QE@ فسمى الإيمان تجارة ~~على وجه المجاز تشبيها بالتجارات المقصود بها الأرباح وقال تعالى @QB@ ~~يرجون تجارة لن تبور @QE@ كما سمى بذل النفوس لجهاد أعداء الله تعالى شرى ~~قال الله تعالى @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله @QE@ فسمى بذل النفوس شراء على وجه المجاز وقال ~~الله تعالى @QB@ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون @QE@ فسمى ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز ~~تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأعواض كذلك سمى الإيمان ~~بالله تعالى تجارة لما استحق به من الثواب الجزيل والأبدال الجسيمة فتدخل ~~في قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ عقود البياعات ~~والإجارت والهبات المشروطة فيها الأعواض لأن المبتغى في جميع ذلك في عادات ~~الناس تحصيل الأعواض لا غير # ولا يسمى النكاح تجارة في العرف والعادة إذ ليس المبتغى منه في الأكثر ~~الأعم تحصيل العوض الذي هو مهر وإنما المبتغى فيه أحوال الزوج من الصلاح ~~والعقل والدين والشرف والجاه ونحو ذلك فل يسم تجارة لهذا المعنى وكذلك ~~الخلع والعتق على مال ليس ms1155 يكاد يمسى شيء من ذلك تجارة ولما ذكرنا من اختصاص ~~اسم التجارة بما وصفنا قال أبو حنيفة ومحمد إن المأذون له في التجارة لا ~~يزوج أمته ولا عبده ولا يكاتب ولا يعتق على مال ولا يتزوج هو أيضا وإن كانت ~~أمة لا تزوج نفسها لأن تصرفه مقصور على التجارة وليست هذه العقود من ~~التجارة وقالوا إنه يؤاجر نفسه وعبيده وما في يده من أموال التجارة إذ كانت ~~الإجارة من التجارة وكذلك قالوا في المضارب وشريك العنان لأن تصرفهما مقصور ~~على التجارة دون غيرها ولم يختلف الناس أن البيوع من التجارات # واختلف أهل العلم في لفظ البيع كيف هو وقال أصحابنا إذا قال الرجل بعني ~~عبدك هذا بألف درهم فقال قد بعتك لم يقع البيع حتى يقبل الأول ولا يصح ~~عندهم إيجاب البيع ولا قبوله إلا بلفظ الماضي ولا يقع بلفظ الإستقبال لأن ~~قوله بعني إنما هو سوم وأمر بالبيع وليس بإيقاع للعقد والأمر بالبيع ليس ~~ببيع وكذلك قوله أشتري منك ليس بشرى وإنما هو إخبار بأنه يشتريه لأن الألف ~~للإستقبال وكذلك قول البائع إشتر مني وقوله أبيعك ليس ذلك بلفظ العقد وإنما ~~هو أخبار بأنه سيعقد PageV03P129 أو أمر به وقالوا في النكاح القياس أن ~~يكون مثله إلا أنهم استحسنوا فقالوا إذا قال زوجني بنتك فقال قد زوجتك أنه ~~يكون نكاحا ولا يحتاج الزوج بعد ذلك إلى قبول لحديث سهل بن سعد في قصة ~~المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها فقال له رجل ~~زوجنيها فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يعطيها إلى أن قال له ~~زوجتكها عقدا بما معك من القرآن فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله ~~زوجنيها مع قوله زوجتكها عقدا واقعا ولأخبار أخر قد رويت في ذلك ولأنه ليس ~~المقصد في النكاح الدخول فيه على وجه المساومة والعادة في مثله أنهم لا ~~يفرقون فيه بين قوله زوجني وبين قوله قد زوجتك فلما جرت العادة في النكاح ~~بما وصفنا كان قوله قد زوجتك ms1156 وقوله زوجيني نفسك سواء # ولما كانت العادة في البيع دخولهم فيه على وجه السوم بديا كان ذلك سوما ~~ولم يكن عقدا فحملوه على القياس وقد قال أصحابنا فيما جرت به العادة بأنهم ~~يريدون به إيجاب التمليك وإيقاع العقد أنه يقع به العقد وهو أن يساومه على ~~شيء ثم يزن له الدراهم ويأخذ للمبيع فجعلوا ذلك عقدا لوقوع تراضيهما به ~~وتسليم كل واحد منهما إلى صاحبه ما طالبه منه وذلك لأن جريان العادة بالشيء ~~كالنطق به إذ كان المقصد من القول الإخبار عن الضمير والاعتقاد فإذا علم ~~ذلك بالعادة مع التسليم للمعقود عليه أجروا ذلك مجرى العقد كما يهدي ~~الإنسان لغيره فيقبضه فيكون للهبة ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنات ثم ~~قال من شاء فليقتطع فقام الاقتطاع في ذلك مقام القبول للهبة في إيجاب ~~التمليك فهذه الوجوه التي ذكرناها هي طرق التراضي المشروط في قوله @QB@ إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ وقال مالك بن أنس إذا قال بعني هذا بكذا ~~فقال قد بعتك فقد تم البيع وقال الشافعي لا يصح النكاح حتى يقول قد زوجتكها ~~ويقول الآخر قد قبلت تزويجها أو يقول الخاطب زوجنيها ويقول الولي قد ~~زوجتكها فلا يحتاج في هذا إلى قول الزوج قد قبلت # فإن قيل على ما ذكرنا من قول أصحابنا في المتساومين إذا تساوما على ~~السلعة ثم وزن المشتري الثمن وسلمه إليه وسلم البائع السلعة إليه أن ذلك ~~بيع وهو تجارة عن تراض غير جائز أن يكون هذا بيعا لأن لعقد البيع صيغة وهي ~~الإيجاب والقبول بالقول وذلك معدوم فيما وصفت وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن المنابذة والملامسة وبيع الحصاة وما ذكرتموه في معنى ~~هذه البياعات التي أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم لوقوعها بغير لفظ البيع ~~قيل له ليس هذا كما ظننت وليس ما أجازه أصحابنا مما PageV03P130 نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن بيع الملامسة هو وقوع العقد باللمس ~~والمنابذة وقوع العقد بنبذه إليه ms1157 وكذلك بيع الحصاة هو أن يضع عليه حصاة ~~فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع البيع فهذه بيوع معقودة على المخاطرة ~~ولا تعلق لهذه الأسباب التي علقوا وقوع البيع بها بعقد البيع واما ما جازه ~~أصحابنا فهو أن يتساوما على ثمن يقف البيع ثم يزن له المشتري الثمن ويسلم ~~البائع إليه المبيع وتسليم المبيع والثمن من حقوق البيع وأحكامه فلما فعلا ~~موجب العقد من التسليم صار ذلك رضى منهما بما وقف عليه العقد من السوم ولمس ~~الثوب ووضع الحصاة ونبذه ليس من موجبات العقد ولا من أحكامه فصار العقد ~~معلقا على خطر فلا يجوز وصار ذلك أصلا في امتناع وقوع البياعات على الأخطار ~~وذلك أن يقول بعتكه إذا قدم زيد وإذا جاء غد ونحو ذلك وقوله تعالى @QB@ إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ عموم في إطلاق سائر التجارات وإباحتها وهو ~~كقوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع @QE@ في اقتضاء عمومه لإباحة سائر البيوع ~~إلا ما خصه التحريم لأن اسم التجارة أعم من اسم البيع لأن اسم التجارة ~~ينتظم عقود الإجارات والهبات الواقعة على الأعواض والبياعات فيضمن قوله ~~تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ معنيين أحدهما نهي معقود ~~بشريطة محتاجة إلى بيان في إيجاب حكمه وهو قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل @QE@ لأنه يحتاج إلى أن يثبت أنه أكل مال باطل حتى ~~يتناوله حكم اللفظ والمعنى الثاني إطلاق سائر التجارات وهو عموم في جميعها ~~لا إجمال فيه ولا شريطة فلو خلينا وظاهره لأجزنا سائر ما يسمى تجارة إلا أن ~~الله تعالى قد خص منها أشياء بنص الكتاب وأشياء بسنة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فالخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وسائر المحرمات في الكتاب لا يجوز ~~بيعها لأن إطلاق لفظ التحريم يقتضي سائر وجوه الانتفاع وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وقال ~~في الخمر إن الذي حرمها حرم بيعها وأكل ثمنها ولعن بائعها ومشتريها ونهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع الغرر ms1158 وبيع العبد الآبق وبيع مالم ~~يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان ونحوها من البياعات المجهولة والمعقود على ~~غرر جميع ذلك مخصوص من ظاهر قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم @QE@ وقد قرئ قوله @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض @QE@ بالنصب والرفع ~~فمن قرأها بالنصب كان تقديره إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض فتكون ~~التجارة PageV03P131 الواقعة عن تراض مستثناة من النهي عن أكل المال إذ كان ~~أكل المال بالباطل قد يكون من جهة التجارة ومن غير جهة التجارة فاستثنى ~~التجارة من الجملة وبين أنها ليست أكل المال بالباطل ومن قرأها بالرفع كان ~~تقديره إلا أن تقع تجارة كقول الشاعر % فدى لنبي شيبان رحلي وناقتي % إذا ~~كان يوم ذو كواكب أشهب % $ يعني إذا حدث يوم كذلك وإذا كان معناه على هذا ~~كان النهي عن أكل المال بالباطل على إطلاقه لم يستثن منه شيء وكان ذلك ~~استثناء منقطعا بمنزلة لكن إن وقعت تجارة عن تراض فهو مباح # وقد دلت هذه الآية على بطلان قول القائلين بتحريم المكاسب لإباحة الله ~~التجارة الواقعة عن تراض ونحوه قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله @QE@ فذكر الضرب في الأرض للتجارة وطلب المعاش مع ~~الجهاد في سبيل الله فدل ذلك على أنه مندوب إليه والله تعالى أعلم وبالله ~~التوفيق # | باب خيار المتبايعين # اختلف أهل العلم في خيار المتبايعين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن بن زياد ومالك بن أنس إذا عقد بيع بكلام فلا خيار لهما وإن لم ~~يتفرقا وروي نحوه عن عمر بن الخطاب وقال الثوري والليث وعبيدالله بن الحسن ~~والشافعي إذا عقدا فهما بالخيار مالم يتفرقا وقال الأوزاعي هما بالخيار ~~مالم يتفرقا إلا في بيوع ثلاثة بيع مزايدة الغنائم والشركة في الميراث ~~والشركة في التجارة فإذا صافقه فقد وجب وليسا فيه بالخيار # ووقت الفرقة أن يتوارى ms1159 كل واحد منهما عن صاحبه وقال الليث التفرق أن يقوم ~~أحدهما وكل من أوجب الخيار يقول إذا خيره في المجلس فاختار فقد وجب البيع ~~وروى خيار المجلس عن ابن عمر # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ يقتضي جواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل ~~الافتراق إذ كانت التجارة هي الإيجاب والقبول في عقد البيع وليس التفرق ~~والاجتماع من التجارة في شيء ولا يسمى ذلك تجارة في شرع ولا لغة فإذا كان ~~الله قد أباح أكل ما اشترى بعد وقوع التجارة عن تراض فمانع بذلك بإيجاب ~~الخيار خارج عن PageV03P132 ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة ويدل على ذلك ~~أيضا قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ فألزم كل ~~عاقد الوفاء بما عقد على نفسه وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما على نفسه ~~فيلزمه الوفاء به وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به وذلك خلاف مقتضى ~~الآية ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ~~فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم @QE@ ثم أمر عند عدم ~~الشهود بأخذ الرهن وثيقة بالثمن وذلك مأمور به عند عقده البيع قبل التفرق ~~لأنه قال تعالى @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه @QE@ فأمر ~~بالكتاب عند عقده المداينة وأمر بالكتابة بالعدل وأمر الذي عليه الدين ~~بالإملاء وفي ذلك دليل على أن عقده المداينة قد أثبت الدين عليه بقوله ~~تعالى @QB@ وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا @QE@ ~~فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه قبل الإفتراق لما قال @QB@ وليملل ~~الذي عليه الحق @QE@ ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء عليه لأن ثبوت الخيار له ~~يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه بعقد ~~المداينة في قوله تعالى @QB@ وليملل الذي عليه الحق @QE@ دليل على نفي ~~الخيار وإيجاب البتات ثم قال تعالى @QB@ واستشهدوا ms1160 شهيدين من رجالكم @QE@ ~~تحصينا للمال واحتياطا للبائع من جحود المطلوب أو موته قبل أدائه ثم قال ~~تعالى @QB@ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند ~~الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا @QE@ ولو كان لهما الخيار قبل الفرقة ~~لم يكن في الإشهاد احتياط ولا كان أقوم للشهادة إذ لا يمكن للشاهد إقامة ~~الشهادة بثبوت المال ثم قال @QB@ وأشهدوا إذا تبايعتم @QE@ وإذا هي للوقت ~~فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة ثم أمر برهن ~~مقبوض في السفر بدلا من الإحتياط بالإشهاد في الحضر وفي إثبات الخيار إبطال ~~الرهن إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد فدلت الآية بما تضمنته من ~~الأمر بالإشهاد على عقد المداينة وعلى التبايع والاحتياط في تحصين المال ~~تارة بالإشهاد وتارة بالرهن إن العقد قد أوجب ملك المبيع للمشتري وملك ~~الثمن للبائع بغير خيار لهما إذ كان إثبات الخيار نافيا لمعاني الإشهاد ~~والرهن ونافيا لصحة الأقرار بالدين فإن قيل الأمر بالإشهاد والرهن ينصرف ~~إلى أحد المعنيين إما أن يكون الشهود حاضرين العقد PageV03P133 ويفترقان ~~بحضرتهم فتصح حينئد شهادتهم على صحة البيع ولزوم الثمن وإما أن يتعاقدا ~~فيما بينهما عقد مداينة ثم يفترقان ويقران عند الشهود بعد ذلك فيشهد الشهود ~~على إقرارهما به أو يرهنه بالدين رهنا فيصح قيل له أول ما في ذلك أن ~~الوجهين جميعا خلاف الآية وفيها إبطال ما تضمنته من الإحتياط بالإشهاد ~~والرهن وذلك لأن الله تعالى قال @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين @QE@ فأمر بالإشهاد على ~~عقد المداينة عند وقوعه بلا تراخ احتياطا لهما وزعمت أنت أنه يشهد بعد ~~الإفتراق وجائز أن تهلك السلعة قبل الإفتراق فيبطل الدين أو يجحده إلى أن ~~يفترقا ويشهد أو جائز أن يموت فلا يصل البائع إلى تحصين ماله بالإشهاد وقال ~~الله تعالى @QB@ وأشهدوا إذا تبايعتم @QE@ فندب إلى الإشهاد على التبايع ~~عند وقوعه ولم يقل إذا تبايعتم وتفرقتم وموجب الخيار مثبت في الآية من ~~التفرق ms1161 ما ليس فيها وغير جائز أن يزاد في حكم الآية ما ليس فيها وإن تركا ~~الإشهاد إلى بعد الافتراق كان في ذلك ترك الاحتياط الذي من أجله ندب إلى ~~الإشهاد وعسى أن يموت المشتري قبل الإشهاد أو يجحده فيصير حينئذ إيجاب ~~الخيار مسقطا لمعنى الاحتياط وتحصين المال بالإشهاد وفي ذلك دليل على وقوع ~~البيع بالإيجاب والقبول بتاتا لا خيار فيه لواحد منهما فإن قيل فلو شرطا في ~~البيع ثبوت الخيار لثلاث كان الإشهاد عليه صحيحا مع شرط الخيار ولم يكن ما ~~تلوت من آية الدين وكتب الكتاب والإشهاد والرهن مانعا وقوعه على شرط الخيار ~~وصحة الإشهاد عليه فكذلك إثبات خيار المجلس لا ينفي صحة الشهادة والرهن قيل ~~له الآية بما فيها من الإشهاد لم تتضمن البيع المشروط فيه الخيار وإنما ~~تضمنت بيعا باتا وإنما أجزنا شرط الخيار بدلالة خصصناه بها من جملة ما ~~تضمنته الآية في المداينات واستعملنا حكمها في البياعات العارية من شرط ~~الخيار فليس فيما اجزنا من البيع المعقود على شرط الخيار ما يمنع استعمال ~~حكم الآية بما انتظمته من الإحتياط بالإشهاد والرهن وصحة إقرار العاقد في ~~البياعات التي لم يشرط فيها خيار والبيع المعقود على شرط الخيار خارج عن ~~حكم الآية غير مراد بها لما وصفنا حتى يسقط الخيار ويتم البيع فحينئذ ~~يكونان مندوبين إلى الإشهاد على الإقرار دون التبايع ولو أثبتنا الخيار في ~~كل بيع وتم البيع على حسب ما يذهب إليه مخالفونا لم يبق للآية موضع يستعمل ~~فيه حكمها على حسب مقتضاها وموجبها وأيضا فإن إثبات الخيار إنما يكون مع ~~PageV03P134 عدم الرضى بالبيع ليرتئي في إبرام البيع أو فسخه فإذا تعاقدا ~~عقد البيع من غير شرط الخيار فكل واحد منهما راض بتمليك ما عقد عليه لصاحبه ~~فلا معنى لإثبات الخيار فيه مع وجود الرضى به ووجود الرضى مانع من الخيار ~~ألا ترى أنه لا خلاف بين المثبتين لخيار المجلس أنه إذا قال لصاحبه اختر ~~فاختاره ورضي به أن ذلك مبطل لخيارهما وليس في ذلك أكثر ms1162 من رضاهما بإمضاء ~~البيع والرضى موجود منهما بنفس المعاقدة فلا يحتاجان إلى رضى ثان لأنه لو ~~جاز أن يشترط بعد رضاهما به بديا بالعقد رضى آخر لجاز أن يشترط رضى ثان ~~وثالث وكان لا يمنع رضاهما به من إثبات خيار ثالث ورابع فلما بطل هذا صح أن ~~رضاهما بالبيع هو إبطال للخيار وإتمام للبيع وإنما صح خيار الشرط في البيع ~~لأنه لم يوجد من المشروط له الخيار رضى بإخراج شيئه من ملكه حين شرط لنفسه ~~الخيار ومن أجل ذلك جاز إثبات الخيار فيه # فإن قيل فأنت قد أثبت خيار الرؤية وخيار العيب مع وجود الرضى بالبيع ولم ~~يمنع رضاهما من إثبات الخيار على هذا الوجه فكذلك لا يمنع رضاهما به من ~~إثبات خيار المجلس # قيل له ليس خيار العيب من خيار المجلس في شيء وذلك لأن خيار الرؤية لا ~~يمنع وقوع الملك لكل واحد منهما فيما عقد صاحبه من جهته لوجود الرضى من كل ~~واحد منهما به فليس لهذا الخيار تأثير في نفي الملك بل الملك واقع مع وجود ~~الخيار لأجل وجود الرضى من كل واحد منهما به وخيار المجلس على قول القائلين ~~به مانع من وقوع الملك لكل واحد منهما فيما ملكه إياه صاحبه مع وجود الرضى ~~من كل واحد منهما بتمليكه إياه ولا فرق بين الرضى به بديا بإيجابه له العقد ~~وبينه إذا قال قد رضيت فاختر ورضي به صاحبه فلا فرق بين البيع فيما فيه ~~خيار الرؤية وخيار العيب وبين ما ليس فيه واحد من الخيارين في باب وقوع ~~الملك به وإنما يختلفان بعد ذلك في خيار غير ناف للملك وإنما هو لأجل جهالة ~~صفات المبيع عنده أو لفوت جزء منه موجب له بالعقد ويدل على أن الرضى بالعقد ~~هو الموجب للملك اتفاق الجميع على وقوع الملك لكل واحد منهما بعد الإفتراق ~~وبطلان الخيار به وقد علمنا أنه ليس في الفرقة دلالة على الرضى ولا على ~~نفيه لأن حكم الفرقة والبقاء في المجلس سواء في نفي دلالته ms1163 على الرضى ~~فعلمنا أن الملك إنما وقع بالرضى بديا بالعقد لا بالفرقة وأيضا فإنه ليس في ~~الأصول فرقة يتعلق بها تمليك وتصحيح العقد بل في الأصول أن الفرقة إنما ~~تؤثر في فسخ كثير PageV03P135 من العقود من ذلك الفرقة عن عقد الصرف قبل ~~القبض وعن السلم قبل القبض لرأس المال وعن الدين بالدين قبل تعيين أحدهما ~~فلما وجدنا الفرقة في الأصول في كثير من العقود إنما تأثيرها في إبطال ~~العقد دون جوازه ولم تجد في الأصول فرقة مؤثرة في تصحيح العقد وجوازه ثبت ~~أن اعتبار خيار المجلس ووقوع الفرقة في تصحيح العقد خارج عن الأصول مع ما ~~فيه من مخالفة ظاهر الكتاب وأيضا قد ثبت بالسنة واتفاق الأمة من شرط صحة ~~عقد افتراقهما عن مجلس العقد عن قبض صحيح فإن كان خيار المجلس ثابتا في عقد ~~الصرف مع التقابض والعقد لم يتم ما بقي الخيار فإذا افترقا لم يجز أن يصح ~~بالافتراق ما من شأنه أن يبطله الافتراق قبل صحته فإذا كانا قد افترقا عنه ~~ولما يصح بعد لم يجز أن يصح بالافتراق فيكون الموجب لصحته هو الموجب ~~لبطلانه ويدل على نفي خيار المجلس قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه فأحل له المال بطيبة من نفسه وقد وجد ذلك بعقد ~~البيع فوجب بمقتضى الخبر أن يحل له ودلالة الخبر على ذلك كدلالة قوله تعالى ~~@QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ ويدل عليه نهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري ~~فأباح بيعه إذا جرى فيه الصاعان ولم يشرط فيه الافتراق فوجب ذلك أن يجوز ~~بيعه إذا اكتاله من بائعه في المجلس الذي تعاقدا فيه وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه فلما أجاز بيعه بعد القبض ولم ~~يشرط فيه الافتراق فوجب بقضية الخبر انه إذا قبضه في المجلس أن يجوز بيعه ~~وذلك ينفي خيار البائع لأن ms1164 ما للبائع فيه خيار لا يجوز تصرف المشتري فيه # ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله ~~للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن باع نخلا وله ثمره فثمرته للبائع إلا أن ~~يشترط المبتاع فجعل الثمرة ومال العبد للمشتري بالشرط من غير ذكر التفريق ~~ومحال أن يملكها المشتري قبل مالك الأصل المعقود عليه فدل ذلك على وقوع ~~الملك للمشتري بنفس العقد # ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة لن يجزي ولد ~~والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه واتفق الفقهاء على أنه لا يحتاج ~~إلى استئناف عتق بعد الشرى وأنه متى صح له الملك عتق عليه فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم أوجب عتقه بالشرى من غير شرط الفرقة ويدل عليه من جهة النظر أن ~~المجلس قد يطول ويقصر فلو عقلنا وقوع الملك على خيار المجلس لأوجب بطلانه ~~PageV03P136 لجهالة مدة الخيار الذي علق عليه وقوع الملك ألا ترى أنه لو ~~باعه بيعا باتا وشرطا الخيار لهما بمقدار قعود فلان في مجلسه كان البيع ~~باطلا لجهالة مدة الخيار الذي تعلقت عليه صحة العقد واحتج القائلون بخيار ~~المجلس بما روي عن ابن عمر وأبي برزة وحكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال المتبايعان بالخيار مالم يفترقا وروي عن نافع عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد ~~منهما بالخيار من بائعه مالم يفترقا أو يكون بيعهما عن خيار فإذا كان عن ~~خيار فقد وجب وكان ابن عمر إذا بايع الرجل ولم يخيره وأراد ألا يقيله قام ~~فمشى هنيهة ثم رجع فاحتج القائلون بهذه المقالة بظاهر قوله المتبايعان ~~بالخيار مالم يفترقا وابن عمر هو راوي الحديث وقد عقل من مراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فرقة الأبدان # قال أبو بكر فأما ما روي من فعل ابن عمر فلا دلالة فيه على أنه من مذهبه ~~لأنه جائز أن يكون خاف أن ms1165 يكون بائعه ممن يرى الخيار في المجلس فيحذر منه ~~بذلك حذرا مما لحقه في البراءة من العيوب حتى خوصم إلى عثمان فحمله على ~~خلاف رأيه ولم يجز البراءة إلا أن يبينه لمبتاعه وقد روي عن ابن عمر ما يدل ~~على موافقته وهو ما روى ابن شهاب عن حمزة بن عبدالله بن عمر عن أبيه قال ما ~~أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع وهذا يدل على أنه كان يرى أن المبيع ~~كان يدخل من ملك المشتري بالصفقة ويخرج من ملك البائع وذلك ينفي الخيار ~~قوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار مالم يفترقا وفي بعض الألفاظ ~~البائعان بالخيار مالم يفترقا فإن حقيقته تقتضي حال التبايع وهي حال السوم ~~فإذا أبرما البيع وتراضيا فقد وقع البيع فليسا متبايعين في هذه الحال في ~~الحقيقة كما أن المتضاربين والمتقايلين إنما يلحقهما هذا الاسم في حال ~~التضارب والتقايل وبعد انقضاء الفعل لا يسميان به على الإطلاق وإنما يقال ~~كان متقايلين ومتضاربين وإذا كانت حقيقة معنى اللفظ ما وصفنا لم يصح ~~الاستدلال في موضع الخلاف به فإن قيل هذا التأويل يؤدي إلى إسقاط فائدة ~~الخبر لأنه غير مشكل على أحد أن المتساومين قبل وجود التراضي بالعقد على ~~خيارهما في إيقاع العقد أو تركه # قيل له بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه قد كان جائزا أن يظن ظان أن البائع ~~إذا قال للمشتري قد بعتك أن لا يكون له رجوع فيه قبل قبول المشتري كالعتق ~~على مال والخلع على مال أنه ليس للمولى ولا للزوج الرجوع فيه قبل قبول ~~العبد والمرأة فأبان النبي صلى الله عليه وسلم حكم البيع في إثبات الخيار ~~لكل واحد منهما في الرجوع قبل قبول الآخر وأنه مفارق للعتق والخلع ~~PageV03P137 فإن قيل كيف يجوز أن يسمى المتساومان متبايعين قبل وقوع العقد ~~بينهما # قيل له ذلك جائز إذا قصدا إلى البيع بإظهار السوم فيه كما نسمي القاصدين ~~إلى القتل متقاتلين وإن لم يقع منهما قتل بعد وكما قيل لولد إبراهيم عليه ~~السلام المأمور ms1166 بذبحه الذبيح لقربه من الذبح وإن لم يذبح قال تعالى @QB@ ~~فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ والمعنى فيه ~~مقاربة البلوغ ألا ترى أنه قال في آية أخرى @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن @QE@ وأراد به حقيقة البلوغ فجائز على هذا أن يسمى ~~المتساومان متبايعين إذا قصدا إيقاع العقد على النحو الذي بينا والذي لا ~~يختل على أحد أنهما بعد وقوع البيع منهما لا يسميان متبايعين على الحقيقة ~~كسائر الأفعال إذا انقضت زال عن فاعليها الأسماء المشتقة لها من أفعالهم ~~إلا في أسماء المدح والذم على ما بينا في صدر هذا الكتاب وإنما يقال كانا ~~متبايعين وكانا متقايلين وكانا متضاربين # ويدل على أن هذا الاسم ليس بحقيقة لهما بعد إيقاع لعقد أنه قد يصح منهما ~~الإقالة والفسخ بعد العقد وهما في الحقيقة متقايلان في حال فعل الإقالة ~~وغير جائز أن يكونا متقابلين متفاسخين ومتبايعين في حال واحدة فدل ذلك على ~~أن إطلاق اسم المتبايعين عليهما إنما يتناول حال السوم وإيقاع العقد حقيقة ~~وأن هذا الاسم إنما يلحقهما بعد انقضاء العقد على معنى أنهما كانا متبايعين ~~وذلك مجاز وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على الحقيقة وهي حال التبايع وهو أن ~~يقول قد بعتك فأطلق اسم البيع من قبل نفسه قبل قبول الآخر فهذه هي الحال ~~التي هما متبايعان فيها وهي حال ثبوت الخيار لكل واحد منهما فللبائع الخيار ~~في الفسخ قبل قبول الآخر وللمشتري الخيارفي القبول قبل الإفتراق ويدلك على ~~أن المراد هذه الحال قوله المتبايعان وإنما ا لبائع أحدهما وهو صاحب السلعة ~~فكأنه قال إذا قال البائع قد بعت فهما بالخيار قبل الافتراق لأنه معلوم أن ~~المشتري ليس ببائع فثبت أن المراد إذا باع البائع قبل قبول المشتري # وقد اختلف الفقهاء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار ~~مالم يفترقا فروي عن محمد بن الحسن أن معناه إذا قال البائع قد بعتك فله أن ~~يرجع مالم يقل المشتري قبلت قال وهو قول أبي حنيفة وعن ms1167 أبي يوسف هما ~~المتساومان فإذا قال بعتك بعشرة فللمشتري خيار القبول في المجلس وللبائع ~~خيار الرجوع فيه قبل قبول المشتري ومتى قام أحدهما قبل قبول البيع بطل ~~الخيار الذي كان لهما ولم تكن لواحد منهما PageV03P138 إجازته فحمله محمد ~~على الافتراق بالقول وذلك سائغ قال الله تعالى @QB@ وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة @QE@ ويقال تشاور القوم في كذا ~~فافترقوا عن كذا يراد به الاجتماع على قول والرضى به وإن كانوا مجتمعين في ~~المجلس ويدل على أن المراد الافتراق بالقول ما حدثنا محمد بن بكر البصري ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال المتبايعيان بالخيار مالم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا ~~يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله # وقوله المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا هو على الافتراق بالقول ألا ترى ~~أنه قال ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله وهذا هو افتراق الأبدان بعد ~~الافتراق بالقول وصحة وقوع العقد به والاستقالة هو مسألته الإقالة وهذا يدل ~~من وجهين على نفي الخيار بعد وقوع العقد أحدهما أنه لو كان له خيار المجلس ~~لما احتاج إلى أن يسأله الإقالة بل كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه ~~والثاني أن الإقالة لا تكون إلا بعد صحة العقد وحصول ملك كل واحد منهما ~~فيما عقد عليه من قبل صاحبه فهذا يدل على نفي الخيار وصحة البيع وقوله ولا ~~يحل له أن يفارقه يدل على أنه مندوب إلى إقالته إذا سأله إياها ما داما في ~~المجلس مكروه له أن لا يجيبه إليها وأن حكمه في ذلك بعد الافتراق مخالف له ~~إذا لم يفارقه في أنه لا يكره له ترك إجابته إلى الإقالة بعد الفرقة ويكره ~~له قبلها # ويدل عليه ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن أحمد الأزدي قال ms1168 ~~حدثنا إسماعيل بن عبدالله بن زرارة قال حدثنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن نافع ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان لا بيع بينهما ~~إلا أن يفترقا إلا بيع الخيار وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عبدالعزيز بن مسلم القسلمي عن عبدالله ~~بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بيعين لا بيع ~~بينهما حتى يفترقا فأخبر صلى الله عليه وسلم كل بيعين لا بيع بينهما إلا ~~بعد الافتراق وهذا يدل على أنه أراد بنفيه البيع بينهما في حال السوم وذلك ~~لأنهما لو كانا قد تبايعا لم ينف النبي صلى الله عليه وسلم تبايعهما مع صحة ~~العقد وقوعه فيما بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي ما قد أثبت ~~فعلمنا أن المراد المتساومان اللذان قد قصدا إلى التبايع وأوجب البائع ~~البيع للمشتري إلى شرائه منه بأن قال له بعني فنفى أن يكون بينهما بيع حتى ~~يفترقا بالقول والقبول إذا لم يكن قوله بعني قبولا PageV03P139 للعقد ولا ~~من ألفاظ البيع وإنما هو أمر به فإذا قال قد قبلت وقع البيع فهذا هو ~~الافتراق الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم على القول الذي قدمنا ذكر ~~نظائره في إطلاق ذلك في اللسان # فإن قيل ما أنكرت أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم عن نفيه البيع ~~حال إيقاع البيع بالإيجاب والقبول وإنما نفى أن يكون بينهما بيع لما لهما ~~فيه من خيار المجلس قيل له هذا غلط من قبل أن ثبوت الخيار لا يوجب نفي اسم ~~البيع عنه ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت بينهما البيع إذا ~~شرطا فيه الخيار بعد الافتراق ولم يكن ثبوت الخيار فيه موجبا لنفي اسم ~~البيع عنه لأنه قال كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا إلا بيع الخيار ~~فجعل بيع الخيار بيعا فلو أراد بقوله كل بيعين فلا بيع ms1169 بينهما حتى يفترقا ~~حال وقوع الإيجاب والقبول لما نفى البيع بينهما لأجل خيار المجلس كما لم ~~ينفه إذا كان فيه خيار مشروط بل أثبته وجعله بيعا فدل ذلك على أن قوله كل ~~بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا إنما أراد به المتساومين في البيع وأفاد ~~ذلك أن قوله إشتر مني أو قول المشتري بعني ليس ببيع حتى يفترقا بأن يقول ~~البائع قد بعت ويقول المشتري قد اشتريت فيكون قد افترقا وتم البيع ووجب أن ~~لا يكون فيه خيار مشروط فيكون ذلك بيعا وإن لم يفترقا بأبدانهما بعد حصول ~~الافتراق فيهما بالإيجاب والقبول وأكثر أحوال ما روي من قوله المتبايعان ~~بالخيار مالم يفترقا احتماله لما وصفنا ولما قال مخالفنا وغير جائز ~~الاعتراض على ظاهر القرآن بالاحتمال بل الواجب حمل الحديث على موافقة ~~القرآن ولا يحمل على ما يخالفه ويدل من جهة النظر على ما وصفنا اتفاق ~~الجميع على أن النكاح والخلع والعتق على مال والصلح من دم العمد إذا ~~تعاقداه بينهما صح بالإيجاب والقبول من غير خيار يثبت لواحد منهما والمعنى ~~فيه الإيجاب والقبول فيما يصح العقد عليه من غير خيار مشروط وقوله عز وجل ~~@QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ قال عطاء والسدي لا يقتل بعضكم بعضا قال أبو ~~بكر هو نظير قوله تعالى @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه @QE@ ومعناه يقتلوا بعضكم وتقول العرب قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم ~~وقيل إنما حسن ذلك لأنهم أهل دين واحد فهم كالنفس الواحدة فلذلك قال @QB@ ~~ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ وأراد قتل بعضكم بعضا وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن المؤمنين كالنفس الواحدة إذا ألم بعضه تداعى سائره بالحمى ~~والسهر وقال المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا فكان تقديره ولا يقتل بعضكم ~~بعضا في أكل أموالكم بالباطل ولا غيره مما هو محرم PageV03P140 عليكم وهو ~~كقوله تعالى @QB@ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم @QE@ ويحتمل ولا ~~تقتلوا أنفسكم في طلب المال وذلك بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف ~~ويحتمل ولا تقتلوا أنفسكم ms1170 في حال غضب أو ضجر وجائز أن تكون هذه المعاني ~~كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها وقوله تعالى @QB@ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ~~فسوف نصليه نارا @QE@ فإنه قيل فما عاد إليه هذا الوعيد وجوه أحدها أنه ~~عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس بغير حق فيستحق الوعيد بكل واحدة من ~~الخصلتين وقال عطاء في قتل النفس المحرمة خاصة وقيل إنه عائد على فعل كل ما ~~نهي عنه من أول السورة وقيل من عند قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا يحل ~~لكم أن ترثوا النساء كرها @QE@ لأن ما قبله مقرون بالوعيد والأظهر عوده إلى ~~ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة وقيد الوعيد بقوله @QB@ ~~عدوانا وظلما @QE@ ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في ~~الأحكام إلى حد التعمد والعصيان وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما ~~لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ كقول عدي بن زيد % وقددت الأديم لراهشيه % وألقى ~~قولها كذبا ومينا % # | والكذب هو المين وحسن العطف لاختلاف اللفظين وكقول بشر بن حازم % فما ~~وطئ الحصى مثل ابن سعدي % ولا لبس النعال ولا احتذاها % # والاحتذاء هو لبس النعل وكما تقول بعدا وسحقا ومعناهما واحد وحسن لاختلاف ~~اللفظ والله أعلم # | باب النهي عن التمني # قال الله تعالى @QB@ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض @QE@ روى ~~سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله يغزو ~~الرجال ولا تغزو النساء ويذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزل الله تعالى ~~@QB@ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض @QE@ الآية ونزلت @QB@ إن ~~المسلمين والمسلمات @QE@ وروى قتادة عن الحسن قال لا يتمن أحد المال وما ~~يدريه لعل هلاكه في ذلك المال وقال سعيد عن قتادة في قوله @QB@ ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم على بعض @QE@ قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة ~~شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي ~~نصيبه وجعل للذكر مثل حظ PageV03P141 الأنثيين قال النساء لو كان أنصباؤنا ms1171 ~~في الميراث كأنصباء الرجال وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في ~~الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فأنزل الله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن @QE@ يقول المرأة تجزى بحسناتها عشر ~~أمثالها كما يجزى الرجل قال @QB@ واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء ~~عليما @QE@ ونهى الله عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض لأن الله تعالى ~~لو علم أن المصلحة له في إعطائه ما أعطى الآخر لفعل ولأنه لا يمنع من بخل ~~ولا عدم وإنما يمنع ليعطي ما هو أكثر منه وقد تضمن ذلك النهي عن الحسد وهو ~~تمني زوال النعمة عن غيره إليه وهو مثل ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا ~~تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله هو رازقها فنهى صلى ~~الله عليه وسلم أن يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد ركنت إليه ورضيت به وأن ~~يسوم على سومه كذلك فما ظنك بمن يتمنى أن يجعل له ما قد صار لغيره وملكه ~~وقال لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها يعني أن تسعى في إسقاط ~~حقها وتحصيله لنفسها وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فهو ينفق ~~منه آناء الليل والنهار ورجلا آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~والنهار قال أبو بكر والتمني على وجهين أحدهما أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة ~~غيره عنه فهذا الحسد وهو التمني المنهي عنه والآخر أن يتمنى أن يكون له مثل ~~ما لغيره من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره فهذا غير محظور إذا قصد به ~~وجه المصلحة وما يجوز في الحكمة ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل ~~وقوعه مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا أو ms1172 تتمنى حال الخلافة والإمامة ~~ونحوها من الأمور التي قد علم أنها لا تكون ولا تقع # وقوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن @QE@ ~~قيل فيه وجوه أحدها أن لكل واحد حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في ~~أمره ولطف له فيه حتى استحقه وبلغ علو المنزلة به فلا تتمنوا خلاف هذا ~~التدبير فإن لكل منهم حظه ونصيبه غير مبخوس ولا منقوص والآخر إن لكل أحد ~~جزاء ما اكتسب فلا يضيعه بتمني ما لغيره محبطا لعمله وقيل فيه إن لكل فريق ~~من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعم الدنيا فعليه أن يرضى بما قسم ~~الله له # وقوله تعالى واسألوا الله من فضله قيل PageV03P142 فيه إن معناه إن ~~احتجتم إلى ما لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله لا بأن تتمنوا ~~ما لغيركم إلا أن هذه المسألة تعني أن تكون معقودة بشريطة المصلحة والله ~~تعالى أعلم بالصواب # | باب العصبة # قال الله تعالى @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ ~~قال ابن عباس ومجاهد وقتادة الموالي ههنا العصبة وقال السدي الموالي الورثة ~~وقيل إن أصل المولى من ولي الشيء يليه وهو اتصال الولاية في التصرف # قال أبو بكر المولى لفظ مشترك ينصرف على وجوه فالمولى المعتق لأنه ولي ~~نعمه في عتقه ولذلك سمي مولى النعمة والمولى العبد المعتق لاتصال ولاية ~~مولاه به في إنعامه عليه وهذا كما يسمى الطالب غريما لأن له اللزوم ~~والمطالبة بحقه ويسمى المطلوب غريما لتوجه المطالبة عليه وللزوم الدين إياه ~~والمولى العصبة والمولى الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين والمولى ~~ابن العم لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما والمولى الولي لأنه يلي ~~بالنصرة وقال تعالى @QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم @QE@ أي يلم بالنصرة للكافرين يعتد بنصرته ويروى للفضل بن العباس ~~% مهلا بني عمنا مهلا موالينا % لا تظهرن لنا ما كان مدفونا % $ فسمى بني ~~العم موالي والمولى مالك العبد لأنه يليه بالملك والتصرف والولاية والنصر ~~والحماية ms1173 فاسم المولى ينصرف على هذه الوجوه وهو اسم مشترك لا يصح اعتبار ~~عمومه ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى لمواليه وله موال أعلى وموال أسفل إن ~~الوصية باطلة لامتناع دخولهما تحت اللفظ في حال واحدة وليس أحدهما بأولى من ~~الآخر فبطلت الوصية وأولى الأشياء بمعنى المولي ههنا العصبة لما روى ~~إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ~~ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه وروى معمر عن ابن طاوس عن ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اقسموا المال بين أهل الفرائض فما أبقت ~~السهام فلا ولي رجل ذكر وروى فلا ولي عصبة ذكر وفيما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تسمية الموالي عصبة وقوله فلا ولي عصبة ذكر ما يدل على أن ~~المراد بقوله @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ ~~PageV03P143 هم العصبات ولا خلاف بين الفقهاء أن ما فضل عن سهام ذوي السهام ~~فهو لأقرب العصبات إلى الميت والعصبات هم الرجال الذي تتصل قرابتهم إلى ~~الميت بالبنين والآباء مثل الجد والأخوة من الأب والأعمام وأبنائهم وكذلك ~~من بعد منهم بعد أن يكون الذي يصل بينهم البنون والآباء إلا الأخوات فإنهن ~~عصبة مع البنات خاصة وإنما يرث من العصبات الأقرب فالأقرب ولا ميراث للأبعد ~~مع الأقرب ولا خلاف أن من لا يتصل نسبه بالميت إلا من قبل النساء أنه ليس ~~بعصبة # ومولى العتاقة عصبة للعبد المعتق ولا ولادة وكذلك أولاد المعتق الذكور ~~منهم يكونون عصبة للعبد المعتق إذا مات أبوهم ويصير ولاؤه لهم دون الإناث ~~من ولده ولا يكون أحد من النساء عصبة بالولاء إلا ما أعتقت أو أعتق من ~~أعتقت وإنما صار مولى العتاقة عصبة بالسنة ويجوز أن يكون مرادا بقوله تعالى ~~@QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ إذ كان عصبة ويعقل ~~عنه كما يعقل عنه بنو أعمامه فإن قيل الميت ليس ms1174 هو من أقرباء مولى العتاقة ~~ولا من والديه قيل له إذا كان معه وارث من ذوي نسبة من الميت نحو البنت ~~والأخت جاز دخوله معهم في هذه الفريضة فيستحق بأصل السهام وإن لم يكن هو من ~~أقرباء الميت إذ كان في الورثة ممن يجوز أن يقال فيه أنه مما ترك الوالدان ~~والأقربون فيكون بعض الورثة قد ورث الوالدين والأقربين # واختلف أهل العلم في ميراث الولي الأسفل من الأعلى فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والشافعي وسائر أهل العلم لا يرث المولى ~~الأسفل من المولى الأعلى وحكى أبو جعفر الطحاوي عن الحسن بن زياد قال يرث ~~المولى الأسفل من الأعلى وذهب فيه إلى حديث رواه حماد بن سلمة وحماد بن زيد ~~ووهب بن خالد ومحمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن ~~عباس عن ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق قال أبو جعفر وليس ~~لهذا الحديث معارض فوجب إثبات حكمه قال أبو بكر يجوز أن يكون دفعه إليه لا ~~على وجه الميراث لكنه لحاجته وفقره لأنه كان مالا لا وارث له فسبيله أن ~~يصرف إلى ذوي الحاجة والفقراء # فإن قيل لما كانت الأسباب التي يجب بها الميراث هي الولاء والنسب والنكاح ~~وكان ذوو الأنساب يتوارثون وكذلك الزوجان وجب أن يكون PageV03P144 الولاء ~~من حيث أوجب الميراث للأعلى من الأسفل أن يوجبه للأسفل من الأعلى # قال أبو بكر هذا غير واجب لأنا قد وجدنا في ذوي الأنساب من يرث غيره ولا ~~يرثه هو إذا مات لأن امرأة لو تركت أختا أو إبنة وابن أخيها كان للبنت ~~النصف والباقي لابن الأخ ولو كان مكانها مات ابن الأخ وخلف بنتا أو أختا ~~وعمته لم ترث العمة شيئا فقد ورثها ابن الأخ في الحال التي لا ترثه هي ~~والله تعالى أعلم بالصواب # | باب ولاء الموالاة # قال الله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ms1175 نصيبهم @QE@ روى طلحة بن ~~مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم @QE@ قال كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى ~~الله بينهم فلما نزلت @QB@ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~@QE@ نسخت ثم قرأ @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قال من ~~النصر والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~@QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ قال كان الرجل يعاقد الرجل ~~أيهما مات ورثه الآخر فأنزل الله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ~~@QE@ يقول إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم وصية فهو لهم جائز من ~~ثلث مال الميت فذلك المعروف # وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم @QE@ قال كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيموت فيرثه ~~فعاقد أبو بكر رجلا فمات فورثه وقال سعيد بن المسيب هذا في الذين كانوا ~~يتبنون رجالا ويورثونهم فأنزل الله فيهم أن يجعل لهم من الوصية ورد الميراث ~~إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة # قال أبو بكر قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكما ثابتا في ~~الإسلام وهو الميراث بالمعاقدة والموالاة ثم قال قائلون إنه منسوخ بقوله ~~@QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله @QE@ وقال آخرون ليس ~~بمنسوخ من الأصل ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة فنسخ ~~ميراثهم في حال وجود القرابات وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي ~~كان عليه واختلف الفقهاء في ميراث موالي الموالاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له ~~PageV03P145 غيره فميراثه له وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي ~~والشافعي ميراثه للمسلمين وقال يحيى بن سعيد إذا جاء من أرض العدو فأسلم ~~على يده فإن ولاءه لمن والاه ومن أسلم من أهل الذمة على ms1176 يدي رجل من ~~المسلمين فولاؤه للمسلمين عامة وقال الليث بن سعد من أسلم على يدي رجل فقد ~~والاه وميراثه للذي أسلم على يده إذا لم يدع وارثا غيره قال أبو بكر الآية ~~توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه اصحابنا لأنه كان ~~حكما ثابتا في أول الإسلام وحكم الله به في نص التنزيل ثم قال @QB@ وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ فجعل ~~ذوي الأرحام أولى بالمعاقدين الموالي فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم ~~بقضية الآية إذ كانت إنما نقلت ما كان لهم إلى ذوي الأرحام إذا وجدوا فليس ~~في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما ~~تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام وقد ورد الأشر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بثبوت هذا الحكم وبقائه عند عدم ذوي الأرحام وهو ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن ~~عمار الدمشقي قال حدثنا يحيى بن حمزة عن عبدالعزيز بن عمر قال سمعت عبدالله ~~بن موهب يحدث عمر بن عبدالعزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال يا ~~رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يد الرجل من المسلمين قال هو أولى ~~الناس بمحياه ومماته فقوله هو أولى الناس بمماته يقتضي أن يكون أولاهم ~~بميراثه إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث وهو في معنى قوله ~~تعالى @QB@ ولكل جعلنا موالي @QE@ يعني ورثة وقد روي نحو قول أصحابنا في عن ~~عمر وابن مسعود والحسن وإبراهيم وروى معمر عن الزهري أنه سئل عن رجل أسلم ~~فوالى رجلا هل بذلك بأس قال لا بأس به قد أجاز ذلك عمر بن الخطاب وروى ~~قتادة عن سعيد بن المسيب قال من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره وحل لهم ~~ميراثه وقال ربيعة بن أبي عبدالرحمن إذا أسلم الكافر على يدي رجل مسلم بأرض ~~العدو أو بأرض المسلمين ms1177 فميراثه للذي أسلم على يديه وقد روى أبو عاصم ~~النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على كل بطن عقوله وقال لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم وقد حوى هذا ~~الخبر معنيين أحدهما جواز الموالاة لأنه قال إلا بإذنهم فأجاز الموالاة ~~بإذنهم PageV03P146 والثاني أن له أن يتحول بولاية إلى غيره إلا أنه كرهه ~~إلا بإذن الأولين ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام في ذلك إلا في ولاء ~~الموالاة لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه وقال صلى الله ~~عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر ~~وابن نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام وإنما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة قال فهذا يوجب بطلان حلف الإسلام ومنع ~~التوارث به قيل له يحتمل أن يريد به نفي الحلف في الإسلام على الوجه الذي ~~كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية وذلك لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده ~~فيقول هدمي هدمك ودمي دمك وترثني وأرثك وكان في هذا الحلف أشياء قد حظرها ~~الإسلام وهو أنه كان يشرط أن يحامي عليه ويبذل دمه دونه ويهدم ما يهدمه ~~فينصره على الحق والباطل وقد أبطلت الشريعة هذا الحلف وأوجبت معونة المظلوم ~~على الظالم حتى يتنصف منه وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا غيرها قال الله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا @QE@ فأمر الله تعالى بالعدل والقسط في الأجانب والأقارب وأمر ~~بالتسوية بين الجميع في حكم الله تعالى فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من ~~معونة ms1178 القريب والحليف على غيره ظالما كان أو مظلوما وكذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم أنصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا يعينه مظلوما ~~فكيف يعينه ظالما قال أن ترده عن الظلم فذلك معونة منك له وكان في حلف ~~الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~لا حلف في الإسلام التحالف على النصرة والمحاماة من غير نظر في دين أو حكم ~~وأمر باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على نفسه ونفى أيضا أن يكون ~~الحليف أولى بالميراث من الأقارب فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا حلف ~~في الإسلام وأما قوله وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ~~فإنه يحتمل أن الإسلام من زاد شدة وتغليظا في المنع منه وإبطاله فكأنه قال ~~إذا لم يجز الحلف في الإسلام مع ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم فحلف ~~الجاهلية أبعد من ذلك قال أبو بكر وعلي نحو ما ذكرنا من التوارث بالموالاة ~~قال أصحابنا PageV03P147 فيمن أوصى بجميع ماله ولا وارث له أنه جائز وقد ~~بينا ذلك فيما سلف وذلك لأنه لما جاز له أن يجعل ميراثه لغيره بعقد ~~الموالاة ويزويه عن بيت المال جاز له أن يجعله لمن شاء بعد موته بالوصية إذ ~~كانت الموالاة إنما تثبت بينهما بعقده وإيجابه وله أن ينتقل بولائه مالم ~~يعقل عنه فأشبهت الوصية التي تثبت بقوله وإيجابه ومتى شاء رجع فيها إلا ~~أنها تخالف الوصية من وجه وهو أنه وإن كان يأخذه بقوله فإنه يأخذه على وجه ~~الميراث ألا ترى أنه لو ترك الميت ذا رحم كان أولى بالميراث من ولي ~~الموالاة ولم يكن في الثلث بمنزلة من أوصى لرجل بماله فيجوز له منه الثلث ~~بل لا يعطى شيئا إذا كان له وارث من قرابة أو ولاء عتاقة فولاء الموالاءة ~~يشبه الوصية بالمال من وجه إذا لم يكن له وارث ويفارقها من وجه على نحو ما ~~بينا والله أعلم # | باب ما يجب على ms1179 المرأة من طاعة زوجها # قال الله تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض وبما أنفقوا من أموالهم @QE@ روى يونس عن الحسن أن رجلا جرح امرأته ~~فأتى أخوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم القصاص فأنزل الله تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء @QE@ الآية ~~فقال صلى الله عليه وسلم أردنا أمرا وأراد الله غيره وروى جرير بن حازم عن ~~الحسن قال لطم رجل امرأته فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~صلى الله عليه وسلم عليكم القصاص فأنزل الله @QB@ ولا تعجل بالقرآن من قبل ~~أن يقضى إليك وحيه @QE@ ثم أنزل الله تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء ~~@QE@ قال أبو بكر الحديث الأول يدل على أن لا قصاص بين الرجال والنساء فيما ~~دون النفس وكذلك روي عن الزهري والحديث الثاني جائز أن يكون لطمها لأنها ~~نشزت عليه وقد أباح الله تعالى ضربها عند النشوز بقوله @QB@ واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن @QE@ فإن قيل لو كان ضربه ~~إياها لأجل النشوز لما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم القصاص قيل له إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك قبل نزول هذه الآية التي فيها إباحة ~~الضرب عند النشوز لأن قوله تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء @QE@ إلى ~~قوله @QB@ واضربوهن @QE@ نزل بعد فلم يوجب عليهم بعد نزول الآية شيئا فتضمن ~~قوله @QB@ الرجال قوامون على النساء @QE@ قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير ~~والحفظ والصيانة لما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي وبما ~~ألزمه الله تعالى من الإنفاق عليها # فدلت الآية على معان أحدها PageV03P148 تفضيل الرجل على المرأة في ~~المنزلة وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها وهذا يدل على أن له إمساكها ~~في بيته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته وقبول أمره مالم تكن معصية ودلت ~~على وجوب نفقتها عليه بقوله @QB@ وبما أنفقوا من أموالهم @QE@ وهو نظير ~~قوله @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~لينفق ذو سعة من سعته @QE@ وقول ms1180 النبي صلى الله عليه وسلم ولهن رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف # وقوله تعالى @QB@ وبما أنفقوا من أموالهم @QE@ منتظم للمهر والنفقة ~~لأنهما جميعا مما يلزم الزوج لها قوله تعالى @QB@ فالصالحات قانتات حافظات ~~للغيب بما حفظ الله @QE@ يدل على أن في النساء الصالحات وقوله @QB@ قانتات ~~@QE@ روي عن قتادة مطيعات لله تعالى ولأزواجهن وأصل القنوت مداومة الطاعة ~~ومنه القنوت في الوتر لطول القيام وقوله @QB@ حافظات للغيب بما حفظ الله ~~@QE@ قال عطاء وقتادة حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله وما يجب من رعاية ~~حاله وما يلزم من صيانة نفسها له قال عطاء في قوله @QB@ بما حفظ الله @QE@ ~~أي بما حفظهن الله في مهورهن وإلزام الزوج من النفقة عليهن وقال آخرون @QB@ ~~بما حفظ الله @QE@ أنهن إنما صرن صالحات قانتات حافظات بحفظ الله إياهن من ~~معاصيه وتوفيقه وما أمدهن به من ألطافه ومعونته وروى أبو معشر عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير النساء ~~امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها خلفتك في مالك ~~ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض @QE@ الآية والله الموفق # | باب النهي عن النشوز # قال الله تعالى @QB@ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن @QE@ قيل في ~~معنى تخافون معنيان أحدهما يعلمون لأن خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه ~~فجاز أن يوضع مكان يعلم يخاف كما قال أبو محجن الثقفي % ولا تدفنني بالفلاة ~~فإنني % أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها % $ ويكون خفت بمعنى ظننت وقد ذكره ~~الفراء وقال محمد بن كعب هو الخوف الذي هو خلاف الأمن كأنه قيل تخافون ~~نشوزهن بعلمكم بالحال المؤذنة به وأما النشوز فإن ابن عباس وعطاء والسدي ~~قالوا أراد به معصية الزوج فيما يلزمه من طاعته وأصل النشوز الترفع على ~~الزوج بمخالفته مأخوذ من نشز الأرض وهو الموضع المرتفع منها وقوله ~~PageV03P149 تعالى @QB@ فعظوهن @QE@ يعني خوفوهن بالله وبعقابه # وقوله تعالى @QB@ واهجروهن في المضاجع @QE@ قال ابن عباس وعكرمة ms1181 والضحاك ~~والسدي هجر الكلام وقال سعيد بن جبير هجر الجماع وقال مجاهد والشعبي ~~وإبراهيم هجر المضاجعة وقوله @QB@ واضربوهن @QE@ قال ابن عباس إذا أطاعته ~~في المضجع فليس له أن يضربها وقال مجاهد إذا نشزت عن فراشه يقول لها اتقي ~~الله وارجعي وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن ~~محمد النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وغيرهما قالوا حدثنا حاتم بن إسماعيل قال ~~حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال اتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف # وروى ابن جريج عن عطاء قال الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه وقال سعيد عن ~~قتادة ضربا غير شائن ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال مثل ~~المرأة مثل الضلع متى ترد إقامتها تكسرها ولكن دعها تستمتع بها وقال الحسن ~~@QB@ واضربوهن @QE@ قال ضربا غير مبرح وغير مؤثر وحدثنا عبدالله بن محمد بن ~~إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا عبدالرازق قال أخبرنا معمر ~~عن الحسن وقتادة في قوله @QB@ فعظوهن واهجروهن في المضاجع @QE@ قالا إذا ~~خاف نشوزها وعظها فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع فإن قبلت وإلا ضربها ضربا ~~غير مبرح ثم قال @QB@ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا @QE@ قال لا تعللوا ~~عليهن بالذنوب # | باب الحكمين كيف يعملان # قال الله تعالى @QB@ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها @QE@ وقد اختلف في المخاطبين بهذه الآية من هم فروي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك أنه السلطان الذي يترافعان إليه وقال السدي الرجل والمرأة # قال أبو بكر قوله @QB@ واللاتي تخافون نشوزهن @QE@ هو خطاب للأزواج لما ~~في نسق الآية من الدلالة عليه وهو قوله @QB@ واهجروهن في المضاجع @QE@ ~~وقوله @QB@ وإن خفتم شقاق بينهما @QE@ الأولى أن يكون خطابا للحاكم ms1182 الناظر ~~بين الخصمين والمانع من التعدي والظلم وذلك لأنه قد بين أمر الزوج وأمره ~~بوعظها وتخويفها بالله ثم بهجرانها في المضجع إن لم تنزجر ثم بضربها إن ~~أقامت على نشوزها PageV03P150 ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى ~~من ينصف المظلوم منهما من الظالم ويتوجه حكمه عليهما وروى شعبة عن عمرو بن ~~مرة قال سألت سعيد بن جبير عن الحكمين فغضب وقال ما ولدت إذ ذاك فقلت إنما ~~أعني حكمي شقاق قال إذا كان بين الرجل وامرأته درء وتدارؤ بعثوا حكمين ~~فأقبلا على الذي جاء التدارؤ من قبله فوعظاه فإن أطاعهما وإلا أقبلا على ~~الآخر فإن سمع منهما وأقبل إلى الذي يريدان وإلا حكما بينهما فما حكما من ~~شيء فهو جائز وروى عبدالوهاب قال حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير في المختلعة ~~يعظها فإن انتهت وإلا هجرها وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى ~~السلطان فيبعث حكما من أهلها وحكما من أهله فيقول الحكم الذي من أهلها يفعل ~~كذا ويفعل كذا ويقول الحكم الذي من أهله تفعل به كذا وتفعل به كذا فأيهما ~~كان أظلم رده إلى السلطان وأخذ فوق يده وإن كانت ناشزا أمروه أن يخلع # قال أبو بكر وهذا نظير العنين والمجبوب والإيلاء في باب أن الحاكم هو ~~الذي يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما بما يوجبه حكم الله فإذا اختلفا ~~وادعى النشوز وادعت هي عليه ظلمه وتقصيره في حقوقها حينئذ بعث الحاكم حكما ~~من أهله وحكما من أهلها ليتوليا النظر فيما بينهما ويردا إلى الحاكم ما ~~يقفان عليه من أمرهما # وإنما أمر الله تعالى بأن يكون أحد الحكمين من أهلها والآخر من أهله لئلا ~~تسبق الظنة إذا كانا أجنبيين بالميل إلى أحدهما فإن كان أحدهما من قبله ~~والآخر من قبلها زالت الظنة وتكلم كل واحد منهما عمن هو من قبله ويدل أيضا ~~قوله @QB@ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها @QE@ على أن الذي من أهله ~~وكيل له والذي من أهلها وكيل لها كأنه قال فابعثوا ms1183 رجلا من قبله ورجلا من ~~قبلها فهذا يدل على بطلان قول من يقول إن للحكمين أن يجمعا إن شاآ وإن شاآ ~~فرقا بغير أمرهما # وزعم إسماعيل بن إسحاق أنه حكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر ~~الحكمين قال أبو بكر هذا تكذب عليهم وما أولى بالإنسان حفظ لسانه لا سيما ~~فيما يحكيه عن العلماء قال الله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد @QE@ ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعنيه وأمر الحكمين ~~في الشقاق بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع ~~محلهم من العلم والدين والشريعة ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن يكونا ~~وكيلين لهما أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج وكذا روي عن PageV03P151 ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروى ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن ~~عبيدة قال أتى عليا رجل وامرأته مع كل واحد منهما فئام من الناس فقال علي ~~ما شأن هذين قالوا بينهما شقاق قال @QB@ فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما @QE@ فقال علي هل تدريان ما عليكما ~~عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا فقالت ~~المرأة رضيت بكتاب الله فقال الرجل أما الفرقة فلا فقال علي كذبت والله لا ~~تنفلت مني حتى تقر كما أقرت فأخبر علي أن قول الحكمين إنما يكون برضا ~~الزوجين فقال أصحابنا ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج وذلك لأنه لا ~~خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم على ~~طلاقها قبل تحكيم الحكمين وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم ~~على خلع ولا على رد مهرها فإذا كان كذلك حكمها قبل بعث الحكمين فكذلك بعد ~~بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتهما من غير رضى الزوج وتوكيله ولا إخراج ~~المهر عن ملكها من غير رضاها فلذلك قال أصحابنا إنهما لا يجوز خلعهما إلا ~~برضى الزوجين ms1184 فقال أصحابنا ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى الزوجين لأن ~~الحاكم لا يملك ذلك فكيف يملكه الحكمان وإنما الحكمان وكيلان لهما أحدهما ~~وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج في الخلع أو في التفريق بغير جعل إن كان ~~الزوج قد جعل إليه ذلك قال إسماعيل الوكيل ليس بحكم ولا يكون حكما إلا ~~ويجوز أمره عليه وإن أبى وهذا غلط منه لأن ما ذكر لا ينفي معنى الوكالة ~~لأنه لا يكون وكيلا أيضا إلا ويجوز أمره عليه فيما وكل به فجواز أمر ~~الحكمين عليهما لا يخرجهما عن حد الوكالة وقد يحكم الرجلان حكما في خصومة ~~بينهما ويكون بمنزلة الوكيل لهما فيما يتصرف به عليهما فإذا حكم بشيء ~~لزمهما بمنزلة إصطلاحهما على أن الحكمين في شقاق الزوجين ليس يغادر أمرهما ~~من معنى الوكالة شيئا وتحكيم الحكم في الخصومة بين رجلين يشبه حكم الحاكم ~~من وجه ويشبه الوكالة من الوجه الذي بينا والحكمان في الشقاق إنما يتصرفان ~~بوكالة محضة كسائر الوكالات # قال إسماعيل والوكيل لا يسمى حكما وليس ذلك كما ظن لأنه إنما سمي ههنا ~~الوكيل حكما تأكيدا للوكالة التي فوضت إليه # وأما قوله إن الحكمين يجوز أمرهما على الزوجين وإن أبيا فليس كذلك ولا ~~يجوز أمرهما عليهما إذا أبيا لأنهما وكيلان وإنما يحتاج الحاكم أن يأمرهما ~~بالنظر في أمرهما ويعرف PageV03P152 أمور المانع من الحق منهما حتى ينقلا ~~إلى الحاكم أن ما عرفاه من أمرهما فيكون قولهما مقبولا في ذلك إذا اجتمعا ~~وينهى الظالم منهما عن ظلمه فجائز أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما ~~وجائز أن يكونا سميا بذلك لأنهما إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكولا ~~إلى رأيهما وتحريهما للصلاح سميا حكمين لأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح ~~فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء بالحق والعدل فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما ~~وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو تفريق مضى ما أنفذاه فسميا حكمين من هذا ~~الوجه فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة ~~تحري الخير والصلاح ms1185 سميا حكمين ويكونان مع ذلك وكيلين لهما إذ غير جائز أن ~~تكون لأحد ولاية على الزوجين مع خلع أو طلاق إلا بأمرهما # وزعم أن عليا إنما ظهر منه النكير على الزوج لأنه لم يرض بكتاب الله قال ~~ولم يأخذه بالتوكيل وإنما أخذه بعدم الرضا بكتاب الله وليس هذا على ما ذكر ~~لأن الرجل لما قال أما الفرقة فلا قال علي كذبت أما والله لا تنفلت مني حتى ~~تقر كما أقرت فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة وأمره بأن يوكل ~~بالفرقة وما قال الرجل لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه وإنما قال لا أرضى ~~بالفرقة بعد رضى المرأة بالتحكيم وفي هذا دليل على أن الفرقة عليه غير ~~نافذة إلا بعد توكيله بها # قال ولما قال @QB@ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما @QE@ علمنا أن ~~الحكمين يمضيان أمرهما وأنهما إن قصدا الحق وفقهما الله للصواب من الحكم # قال وهذا لا يقال للوكيلين لأنه يجوز لواحد منهما أن يتعدى ما أمر به ~~والذي ذكره لا ينفي معنى الوكالة لأن الوكيلين إذا كانا موكلين بما رأيا من ~~جمع أو تفريق على جهة تحري الصلاح والخير فعليهما الاجتهاد فيما يمضيانه من ~~ذلك وأخبر الله أنه يوفقهما للصلاح إن صلحت نياتهما فلا فرق بين الوكيل ~~والحكم إذ كل من فوض إليه أمر يمضيه على جهة تحري الخير والصلاح فهذه الصفة ~~التي وصفه الله بها لاحقة به # قال وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وأبي سلمة وطاوس وإبراهيم قالوا ما قضى ~~به الحكمان من شيء فهو جائز وهذا عندنا كذلك أيضا ولا دلالة فيه على موافقة ~~قوله لأنهم لم يقولوا إن فعل الحكمين في التفريق والخلع جائز بغير رضى ~~الزوجين بل جائز أن يكون مذهبهم إن الحكمين لا يملكان التفريق إلا برضى ~~الزوجين بالتوكيل ولا يكونان حكمين إلا بذلك ثم ما حكما بعد ذلك من شيء فهو ~~جائز وكيف PageV03P153 يجوز للحكمين أن يخلعا بغير رضاه ويخرجا المال عن ~~ملكها وقد قال الله تعالى @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن ms1186 نحلة فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به @QE@ وهذا الخوف المذكور ~~ههنا هو المعني بقوله تعالى @QB@ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها @QE@ ~~وحظر الله على الزوج أخذ شيء مما أعطاها إلا على شريطة الخوف منهما ألا ~~يقيما حدود الله فأباح حينئذ أن تفتدي بما شاءت وأحل للزوج أخذه فكيف يجوز ~~للحكمين أن يوقعا خلعا أو طلاقا من غير رضاهما وقد نص الله على أنه لا يحل ~~له أخذ شيء مما أعطى إلا بطيبة من نفسها ولا أن تفتدي به فالقائل بأن ~~للحكمين أن يخلعا بغير توكيل من الزوج مخالف لنص الكتاب وقال الله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم @QE@ فمنع كل أحد أن يأكل مال غيره إلا برضاه وقال الله ~~تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام @QE@ ~~فأخبر تعالى أن الحاكم وغيره سواء في أنه لا يملك أخذ مال أحد ودفعه إلى ~~غيره وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه وقال صلى الله عليه وسلم فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له ~~قطعة من النار فثبت بذلك أن الحاكم لا يملك أخذ مالها ودفعه إلى زوجها ولا ~~يملك إيقاع طلاق على الزوج بغير توكيله ولا رضاه وهذا حكم الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة في أنه لا يجوز للحاكم في غير ذلك من الحقوق إسقاطه ونقله عنه ~~إلى غيره من غير رضا من هو له فالحكمان إنما يبعثان للصلح بينهما وليشهدا ~~على الظالم منهما كما روى سعيد عن قتادة في قوله تعالى @QB@ وإن خفتم شقاق ~~بينهما @QE@ الآية قال إنما يبعث الحكمان ليصلحا فإن أعياهما أن يصلحا على ~~الظالم بظلمه وليس بأيديهما الفرقة ولا ms1187 يملكان ذلك وكذلك روي عن عطاء # قال أبو بكر وفي فحوى الآية ما يدل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا وهو ~~قوله تعالى @QB@ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما @QE@ ولم يقل إن يريدا ~~فرقة وإنما يوجه الحكمان ليعظا الظالم منهما وينكرا عليه ظلمه وإعلام ~~الحاكم بذلك ليأخذ هو على يده فإن كان الزوج هو الظالم أنكرا عليه ظلمه ~~وقالا لا يحل لك أن تؤذيها لتخلع منك وإن كانت هي الظالمة قالا لها قد حلت ~~لك الفدية وكان في أخذها معذورا لما ظهر للحكمين من نشوزها فإذا جعل ~~PageV03P154 كل واحد منهما إلى الحكم الذي من قبله ماله من التفريق والخلع ~~كانا مع ما ذكرنا من أمرهما وكيلين جائز لهما أن يخلعا إن رأيا وأن يجمعا ~~إن رأيا ذلك صلاحا فهما في حال شاهدان وفي حال مصلحان وفي حال آمران بمعروف ~~وناهيان عن منكر ووكيلان في حال إذا فوض إليهما الجمع والتفريق وأما قول من ~~قال إنهما يفرقان ويخلعان من غير توكيل من الزوجين فهو تعسف خارج عن حكم ~~الكتاب والسنة والله أعلم بالصواب # | باب الخلع دون السلطان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والشافعي يجوز ~~الخلع بغير سلطان وروي مثله عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم وقال ~~الحسن وابن سيرين لا يجوز الخلع إلا عند السلطان والذي يدل جوازه عند غير ~~سلطان قوله تعالى @QB@ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا @QE@ ~~اقتضى ظاهره جواز أخذه ذلك منهما على وجه الخلع وغيره وقال تعالى @QB@ فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به @QE@ ولم يشترط ذلك عند السلطان وكما جاز عقد ~~النكاح وسائر العقود عند السلطان وعند غيره كذلك يجوز الخلع إذ لا اختصاص ~~في الأصول لهذه العقود بكونها عند السلطان والله تعالى أعلم # | باب بر الوالدين # قال الله تعالى @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~@QE@ فقرن تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر ~~بهما كما قرن شكرهما بشكره ms1188 في قوله تعالى @QB@ أن اشكر لي ولوالديك إلي ~~المصير @QE@ وكفى بذلك دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما ~~وقال تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما @QE@ إلى ~~آخر القصة وقال تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا @QE@ وقال في ~~الوالدين الكافرين @QB@ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا @QE@ وروى عبدالله بن أنيس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين ~~الغموس والذي نفس محمد بيده لا يحلف أحد وإن كان على مثل جناح البعوضة إلا ~~كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة قال أبو بكر PageV03P155 فطاعة الوالدين ~~واجبة في المعروف لا في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ~~وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه ~~عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من اليمن هاجر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال هل لك أحد باليمن قال أبواي قال أذنا لك قال لا قال ~~ارجع إليها فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما ومن أجل ذلك قال ~~أصحابنا لا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا قام بجهاد العدو من قد كفاه ~~الخروج قالوا فإن لم يكن بإزاء العدو من قد قام بفرض الخروج فعليه الخروج ~~بغير إذن أبويه وقالوا في الخروج في التجارة ونحوها فيما ليس فيه قتال لا ~~بأس به بغير إذنهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منعه من الجهاد إلا ~~بإذن الأبوين إذا قام بفرض غيره لما فيه من التعرض للقتل وفجيعة الأبوين به ~~فأما التجارات والتصرف في المباحات التي ليس فيها تعرض للقتل فليس للأبوين ~~منعه منها فلذلك لم يحتج إلى استئذانهما ومن أجل ما أكد الله تعالى من ~~تعظيم حق الأبوين قال أصحابنا لا ينبغي ms1189 للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان ~~محاربا للمسلمين لقوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا @QE@ فأمر تعالى بمصاحبتهما بالمعروف في الحال التي يجاهدانه فيها ~~على الكفر ومن المعروف أن لا يشهر عليهما سلاحا ولا يقتلهما إلا أن يضطر ~~إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله فحينئذ يجوز قتله لأنه إن لم يفعل ~~ذلك قد قتل نفسه بتمكنه غيره منه وهو منهي عن تمكين غيره من قتله كما هو ~~منهي عن قتل نفسه فجاز له حينئذ من أجل ذلك قتله وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا وقال ~~أصحابنا في المسلم يموت أبواه وهما كافران أنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما ~~لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها # فإن قال قائل ما معنى قوله تعالى @QB@ وبالوالدين إحسانا @QE@ وما ضميره ~~قيل له يحتمل استوصوا بالوالدين إحسانا ويحتمل وأحسنوا بالوالدين إحسانا ~~وقوله تعالى @QB@ وبذي القربى @QE@ أمر بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة ~~على نحو ما ذكره في أول السورة في قوله تعالى @QB@ والأرحام @QE@ فبدأ ~~تعالى في أول الآية بتوحديه وعبادته إذ كان ذلك هو الأصل الذي به يصح سائر ~~الشرائع والنبوات وبحصوله يتوصل إلى PageV03P156 سائر مصالح الدين ثم ذكر ~~تعالى ما يجب للأبوين من الإحسان إليهما وقضاء حقوقهما وتعظيمهما ثم ذكر ~~الجار ذا القربى وهو قريبك المؤمن الذي له حق القرابة وأوجب له الدين ~~الموالاة والنصرة ثم ذكر الجار الجنب وهو البعيد منك نسبا إذا كان مؤمنا ~~فيجتمع حق الجار وما أوجبه له الدين بعصمة الملة وذمة عقد النحلة وروي عن ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا الجار ذو القربى القريب في النسب ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة ~~حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق ms1190 ~~الإسلام وجار له حق الجوار المشرك من أهل الكتاب وقوله تعالى @QB@ والصاحب ~~بالجنب @QE@ روي فيه عن ابن عباس في إحدى الروايتين وسعيد بن جبير والحسن ~~ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك أنه الرفيق في السفر وروي عن عبدالله بن ~~مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى أنه الزوجة ورواية أخرى عن ابن عباس أنه ~~المنقطع إليك رجاء خيرك وقيل هو جار البيت دانيا كان نسبه أو نائيا إذا كان ~~مؤمنا قال أبو بكر لما كان اللفظ محتملا لجميع ذلك وجب حمله عليه وأن لا ~~يخص منه شيء بغير دلالة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وروى سفيان عن عمرو بن دينار ~~عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت وروى عبيدالله الوصافي عن أبي جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما آمن من أمسى شبعان وجاره جائعا وروى عمر بن هارون الأنصاري عن أبيه ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة سوء ~~الجوار وقطيعة الأرحام وتعطيل الجهاد وقد كانت العرب في الجاهلية تعظم ~~الجوار وتحافظ على حفظه وتوجب فيه ما توجب في القرابة قال زهير % وجار ~~البيت والرجل المنادي % أمام الحي عقدهما سواء % $ يريد بالرجل المنادي من ~~كان معك في النادي وهو 2 مجالس الحي وقال بعض أهل العلم معنى الصاحب بالجنب ~~أنه الذي يلاصق داره داره وإن الله خصه بالذكر تأكيدا لحقه على الجار غير ~~الملاصق وقد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو عمر ومحمد بن عثمان ~~PageV03P157 القرشي وراق أحمد بن يونس قال حدثنا إسماعيل بن مسلم قال حدثنا ~~عبدالسلام بن حرب عن خالد الدالاني عن أبي العلاء الأزدي عن حميد بن ~~عبدالرحمن ms1191 الحميري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اجتمع ~~الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا وإذا سبق ~~أحدهما فابدأ بالذي سبق وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أربعين ~~دارا جوار وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن شبيب المعمري قال ~~حدثنا محمد بن مصفى قال حدثنا يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن يونس عن الزهري ~~قال حدثني عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجل فقال إني نزلت بمحلة بني فلان وإن أشدهم لي إذا أقربهم من ~~جواري فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا أن يأتوا باب ~~المسجد فيقوموا على بابه فيصيحوا ثلاثا ألا إن أربعين دارا جوار ولا يدخل ~~الجنة من خاف جاره بوائقه قال قلت للزهري يا أبا بكر أربعين دارا قال ~~أربعين هكذا وأربعين هكذا وقد جعل الله الاجتماع في مدينة جوارا قال الله ~~تعالى @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا @QE@ فجعل تعالى ~~اجتماعهم معه في المدينة جوارا # والإحسان الذي ذكره الله تعالى يكون من وجوه منها المواساة للفقير منهم ~~إذا خاف عليه الضرر الشديد من جهة الجوع والعري ومنها حسن العشرة وكف الأذى ~~عنه والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه وما يتبع ذلك من مكارم الأخلاق وجميل ~~الفعال ومما أوجب الله تعالى من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه ~~والله الموفق # | ذكر الخلاف في الشفعة بالجوار # قال أبو حنيفة وأبو يوسفومحمد وزفر والشريك في المبيع أحق من الشريك في ~~الطريق ثم الشريك في الطريق أحق من الجار الملازق ثم الجار الملازق بعدهما ~~وهو قول ابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح وقال الشافعي لا شفعة إلا في ~~مشاع ولا شفعة في بئر لا بياض لها ولا تحتمل القسم وقد روي وجوب الشفعة ~~للجار عن جماعة من السلف روي عن عمر ms1192 وعن أبي بكر بن أبي حفص بن عمر قال قال ~~شريح كتب إلي عمر أن أقضي بالشفعة للجار وروى عاصم عن الشعبي عن شريح قال ~~الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الجار والجار أحق ممن سواه وروى أيوب ~~عن محمد قال كان يقال PageV03P158 الشريك أحق من الخليط والخليط أحق ممن ~~سواه وقال إبراهيم إذا لم يكن شريك فالجار أحق بالشفعة وقال طاوس مثل ذلك ~~وقال إبراهيم بن ميسرة كتب إلينا عمر بن عبدالعزيز إذا حدت الحدود فلا شفعة ~~قال طاوس الجار أحق والذي يدل على وجوب الشفعة للجار ما روى حسين المعلم عن ~~عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرض ليس لأحد فيها شريك إلا الجار فقال الجار أحق بسبقه ما كان وروى ~~سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال الجار أحق بسبقه وروى أبو حنيفة قال حدثنا ~~عبدالكريم عن المسور بن مخرمة عن رافع بن خديج قال عرض سعد بيتا له فقال ~~خذه فإني قد أعطيت به أكثر مما تعطيني ولكنك أحق به لأني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول الجار أحق بسبقه وروى أبو الزبير عن جابر قال قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة بالجوار وروى عبدالملك بن أبي سليمان ~~عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجار أحق بسبقه ~~ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وروى ابن أبي ليلى عن نافع ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجار أحق بسبقه ما كان ~~وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جار ~~الدار أحق بشفعة الجار وقتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~جار الدار أحق بالدار وروى سفيان عن منصور عن الحكم قال حدثني من ms1193 سمع عليا ~~وعبدالله يقولان قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار ويونس عن الحسن ~~قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار فاتفق هؤلاء الجماعة على ~~الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وما نعلم أحدا دفع هذه الأخبار مع ~~شيوعها واستفاضتها في الأمة فمن عدل عن القول بها كان تاركا للسنة الثابتة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتج من أبى ذلك بما روى أبو عاصم النبيل قال ~~حدثنا مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي ~~هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا ~~وقعت الحدود فلا شفعة وكذلك رواه عن مالك أبو قتيلة المدني وعبدالملك بن ~~عبدالعزيز الماجشون وهذا الحديث رواه هؤلاء موصولا عن أبي هريرة وأصله عن ~~سعيد بن المسيب مقطوع رواه معن ووكيع والقعنبي وابن وهب كلهم عن مالك عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب من غير ذكر أبي هريرة وكذلك هو في موطأ مالك ولو ~~ثبت موصولا لما جاز الاعتراض به على الأخبار التي رواها نحو عشرة من ~~الصحابة PageV03P159 عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب الشفعة للجار ~~لأنها في حيز المتواتر المستفيض الذي لا تجوز معارضته بأخبار الآحاد ولو ~~ثبت من وجوه يجوز أن يعارض به ما قدمنا ذكره لم يكن فيه ما ينفي أخبار ~~إيجاب الشفعة للجار وذلك لأن أكثر ما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضى بالشفعة فيما لم يقسم ثم قال فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فأما قوله قضى ~~رسول الله بالشفعة فيما لم يقسم فإنه متفق على استعماله في إيجاب الشفعة ~~للشريك ومع ذلك فهو حكاية قضية من النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها وليس ~~بعموم لفظ ولا حكاية قول منه وأما قوله فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فإنه ~~يحتمل أن يكون من كلام الراوي إذ ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~ولا أنه قضى به وإذا احتمل ms1194 أن تكون رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~واحتمل أن يكون من قول الراوي أدرجه في الحديث كما وجد ذلك في كثير من ~~الأخبار لم يجز لنا إثباته عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ غير جائز لأحد ~~أن يعزي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقالة بالشك والإحتمال فهذا وجه منع ~~الاعتراض به على ما ذكرنا # واحتجوا أيضا بما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن محمد المردف ~~قال حدثنا عبيدالله بن عمر القواريري قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال ~~حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن جابر بن عبدالله قال قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة وهذا لا دلالة فيه على نفي الشفعة بالجوار من وجهين أحدهما ~~أنه إنما نفى وجوب الشفعة إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فأفاد بذلك نفي ~~الشفعة لغير الجار الملاصق لأن صرف الطرق ينفي الملاصقة لأن بينه وبين جاره ~~طريقا والثاني أنا متى حملناه على حقيقته كان الذي يقتضيه اللفظ نفي الشفعة ~~عند وقوع الحدود وصرف الطرق ووقوع الحدود وصرف الطرق إنما هو القسمة فكأنه ~~إنما أفاد أن القسمة لا شفعة فيها كما قال أصحابنا أنه لا شفعة في قسمة ~~وكذلك الحديث الأول محمول على ذلك أيضا وأيضا فقد روى عبدالملك بن أبي ~~سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجار أحق ~~بصقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا فهذان الخبران قد رويا ~~عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير جائز أن نجعلهما متعارضين مع ~~إمكان استعمالهما جميعا وقد يمكننا استعمالهما على الوجه الذي ذكرنا ~~ومخالفونا يجعلونهما متعارضين ويسقطون أحدهما بالآخر وأيضا جائز أن يكون ~~ذلك كلاما خرج على سبب فنقل الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم = ~~PageV03P160 وترك نقل السبب نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار والآخر ~~شريك فيحكم بالشفعة للشريك دون الجار وقال ms1195 فإذا وقعت لاحدود فلا شفعة لصاحب ~~النصيب المقسوم مع الجار كما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا ربا إلا في النسيئة وهو عند سائر الفقهاء كلام خارج على سبب اقتصر ~~فيه راويه على نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر السبب وهو أن يكون ~~سئل عن النوعين المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر فقال صلى ~~الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة يعني فيما سئل عنه وكذلك ما ذكرنا ~~وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة بالجوار وأخبار نفيها لكانت أخبار ~~الإيجاب أولى من أخبار النفي لأن الأصل أنها غير واجبة حتى يرد الشرع ~~بإيجابها فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل وخبر إثباتها ناقل عنه وارد بعده ~~فهو أولى # فإن قيل يحتمل أن يريد بالجار الشريك # قيل له هذه الأخبار التي رويناها وأكثرها ينفي هذا التأويل لأن فيها أن ~~جار الدار أحق بشفعة داره والشريك لا يسمى جار الدار وحديث جابر قال فيه ~~ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وغير جائز أن يكون هذا في ~~الشريك في المبيع وأيضا فإن الشريك لا يسمى جارا لأنه لو استحق اسم الجوار ~~بالشركة لوجب أن يكون كل شريكين في شيء جارين كالشريكين في عبد واحد ودابة ~~واحدة فلما لم يستحق اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك على أن ~~الشريك لا يسمى جارا وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك ~~ويتميز ملك كل واحد عن ملك صاحبه وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة ~~لأنها تقتضي حصول الجوار بالقسمة والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء ~~لا توجب ا لشفعة لعدم حصول الجوار بها عند القسمة فدل ذلك على أن الشركة في ~~العقار إنما تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة وإن كان ~~الشريك أحق من الجار لمزية حصلت له مع تعلق حق الجوار بالقسمة والدليل عليه ~~أن الشركة في سائر الأشياء لا ms1196 توجب الشفعة لعدم حصول الجوار بها كما أن ~~الأخ من الأب والأم أولى بالميراث من الأخ من الأب وإن كانت الأخوة من جهة ~~الأب يستحق بها التعصيب والميراث إذا لم يكن أخ لأب وأم ومعلوم أن القرابة ~~من جهة الأم لا يستحق بها التعصيب إذ لم تكن هناك قرابة من جهة الأب إلا ~~أنها أكدت تعصيب القرابة من الأب وكذلك الشريك إنما يستحق الشفعة بالشركة ~~لما تعلق بها من حصول الجوار عند PageV03P161 القسمة والشريك أولى من الجار ~~لمزية حصلت له كما وصفنا بالتعصيب ويكون المعنى الذي يتعلق به وجوب الشفعة ~~هو الجوار وأيضا لما كان المعنى الذي به وجبت الشفعة بالشركة هو دوام ~~التأذي بالشريك وكان ذلك موجودا في الجوار لأنه يتأذى به في الإشراف عليه ~~ومطالعة أموره والوقوف على أحواله وجب أن تكون له الشفعة لوجود المعنى الذي ~~من أجله وجبت الشفعة للشريك وهذا المعنى غير موجود في الجار غير الملاصق ~~لأن بينه وبينه طريقا يمنعه التشرف عليه والاطلاع على أموره # وأما قوله تعالى @QB@ وابن السبيل @QE@ فإنه روي عن مجاهد والربيع بن أنس ~~أنه المسافر وقال قتادة والضحاك هو الضيف قال أبو بكر ومعناه صاحب الطريق ~~وهذا كما يقال لطير الماء ابن ماء قال الشاعر % وردت اعتسافا والثريا كأنها ~~% على قمة الرأس ابن ماء محلق % $ ومن تأوله على الضيف فقوله سائغ أيضا لأن ~~الضيف كالمجتاز غير المقيم فسمى ابن السبيل تشبيها بالمسافر المجتاز وهو ~~كما يقال عابر سبيل وقال الشافعي ابن السبيل هو الذي يريد السفر وليس معه ~~نفقته وهذا غلط لأنه مالم يصر في الطريق لا يسمى ابن السبيل كما لا يسمى ~~مسافرا ولا عابر سبيل وقوله عز وجل @QB@ وما ملكت أيمانكم @QE@ يعني ~~الإحسان المأمور به في أول الآية وروى سليمان التيمي عن قتادة عن أنس قال ~~كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى ~~جعل يغرغر بها في صدره وما يقبض بها لسانه وروته أيضا أم سلمة وروى الأعمش ~~عن طلحة ms1197 بن مصرف عن أبي عمارة عن عمرو بن شرحبيل قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الغنم بركة والإبل عز لأهلها والخيل معقود في نواصيها الخير ~~إلى يوم القيامة والمملوك أخوك فأحسن إليه فإن وجدته مغلوبا فأعنه وروى مرة ~~الطيب عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة سيء ~~الملكة قيل يا رسول الله أليس قد حدثتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين ~~وأتباعا قال بلى فأكرموهم ككرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون وروى الأعمش ~~عن المعرور بن سويد قال مررت على أبي ذر وهو بالربذة فسمعته يقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المماليك PageV03P162 هم إخوانكم ولكن الله تعالى ~~خولكم إياهم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون وقوله تعالى @QB@ ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله @QE@ قيل ~~في معنى البخل في اللغة أنه مشقة الإعطاء 2 وقيل البخل منع مالا ينفع منعه ~~ولا يضر بذله وقيل البخل منع الواجب ونظيره الشح ونقيضه الجود وقد عقل من ~~معناه في أسماء الدين أنه منع الواجب ويقال إنه لا يصح إطلاقه في الدين إلا ~~على جهة أن فاعله قد أتى كبيرة بالمنع قال الله تعالى @QB@ ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة @QE@ فأطلق الوعيد على من بخل بحق الله الذي أوجبه في ماله ~~وأما قوله تعالى @QB@ ويكتمون ما آتاهم الله من فضله @QE@ فإنه روي عن ابن ~~عباس ومجاهد والسدي أنها نزلت في اليهود إذ بخلوا بما أعطوا من الرزق ~~وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هو فيمن كان ~~بهذه الصفة وفيمن كتم نعم الله وأنكرها وذلك كفر بالله تعالى قال أبو بكر ~~الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر وأصل الكفر إنما هو من تغطية ~~نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها وهذا يدل على أنه جائز للإنسان أن يتحدث ~~بنعم الله ms1198 عنده لا على جهة الفخر بل على جهة الاعتراف بالنعمة والشكر ~~للمنعم وهو كقوله @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أفصح العرب ولا فخر فأخبر بنعم الله ~~عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه الافتخار وقال صلى الله عليه وسلم ~~لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~خيرا منه ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه الافتخار وقال تعالى @QB@ فلا ~~تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى @QE@ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سمع رجلا يمدح رجلا فقال لو سمعك لقطعت ظهره ورأى المقداد رجلا يمدح ~~عثمان في وجهه فحثا في وجهه التراب وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب وقد روي إياكم والتمادح ~~فإنه الذبح فهذا إذا كان على وجه الفخر فقد كره وإما أن يتحدث بنعم الله ~~عنده أو يذكرها غيره بحضرته فهذا نرجو أن لا يضر إلا أن أصلح الأشياء لقلب ~~الإنسان أن لا يغتر بمدح الناس له ولا يعتد به وقوله تعالى @QB@ والذين ~~ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ معناه ~~والله أعلم أنه أعد للذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل والذين ينفقون ~~أموالهم رئاء الناس عذابا مهينا وفي ذلك دليل PageV03P163 على أن كل ما ~~يفعله العبد لغير وجه الله فإنه لا قربة فيه ولا يستحق عليه الثواب لأن ما ~~يفعل على وجه الرياء فإنما يريد به عوضا من الدنيا كالذكر الجميل والثناء ~~الحسن فصار ذلك أصلا في أن كل ما أريد عوض من أعواض الدنيا أنه ليس بقربة ~~كالاستيجار على الحج وعلى الصلاة الصلاة وسائر القرب أنه متى استحق عليه ~~عوضا يخرج بذلك عن باب القربة وقد علمنا أن هذه الأشياء سبيلها أن لا تفعل ~~إلا على وجه القربة فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يستحق عليها الأجرة وأن ~~الإجارة ms1199 عليها باطلة قوله تعالى @QB@ وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله @QE@ يدل على بطلان مذهب أهل الجبر لأنهم ~~لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان بالله والإنفاق لما جاز أن يقال ذلك فيهم ~~لأن عذرهم واضح وهو أنهم غير ممكنين مما دعوا إليه ولا قادرين عليه كما لا ~~يقال للأعمى ماذا عليه لو أبصر ولا يقال للمريض ماذا عليه لو كان صحيحا وفي ~~ذلك أوضح دليل على أن الله قطع عذرهم من فعل ما كلفهم من الإيمان وسائر ~~الطاعات وأنهم ممكنون من فعلها # وقوله تعالى @QB@ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ~~ولا يكتمون الله حديثا @QE@ فأخبر الله عنهم أنهم لا يكتمون الله هناك شيئا ~~من أحوالهم وما عملوه لعلمهم بأن الله مطلع عليهم عالم بأسرارهم فيقرون بها ~~ولا يكتمونها وقيل يجوز أن يكون المراد أنهم لا يكتمون أسرارهم هناك كما ~~كانوا يكتمونها في الدنيا فإن قيل قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون والله ~~ربنا ما كنا مشركين قيل له فيه وجوه أحدها أن الآخرة مواطن فموطن لا تسمع ~~فيه إلا همسا أي صوتا خفيا وموطن يكذبون فيه فيقولون ما كنا نعمل من سوء ~~والله ربنا ما كنا مشركين وموطن يعترفون فيه بالخطأ ويسئلون الله أن يردهم ~~إلى دار الدنيا وروي ذلك عن الحسن وقال ابن عباس أن قوله تعالى @QB@ ولا ~~يكتمون الله حديثا @QE@ داخل في التمني بعد ما نطقت جوارحهم بفضيحتهم وقيل ~~إن معناه أنه لا يعتد بكتمانهم لأنه ظاهر عند الله لا يخفى عليه شيء فكان ~~تقديره أنهم غير قادرين هناك على الكتمان لأن الله يظهره وقيل أنهم لم ~~يقصدوا الكتمان لأنهم إنما أخبروا على ما توهموا ولا يخرجهم ذلك من أن ~~يكونوا قد كتموا والله تعالى أعلم # | باب الجنب يمر في المسجد # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ ~~PageV03P164 قال أبو بكر قداختلف في المراد ms1200 من السكر بهذه الآية فقال ابن ~~عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة السكر من الشراب وقال مجاهد والحسن نسخها ~~تحريم الخمر وقال الضحاك المراد به سكر النوم خاصة # فإن قيل كيف يجوز أن ينهى السكران في حال سكره وهو في معنى الصبي في نقص ~~عقله # قيل له يحتمل أن يريد السكران الذي لم يبلغ نقصان عقله إلى حد يزول ~~التكليف معه ويحتمل أن يكونوا نهوا عن التعرض للسكر إذا كان عليهم فرض ~~الصلاة ويجوز أن يكون النهي إنما دل على أن عليهم أن يعيدوها في حال الصحو ~~إذا فعلوها في حال السكر وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة بالآية في ~~حال نزولها # فإن قال قائل إذا ساغ تأويل من تأولها على السكران الذي لم يزل عنه ~~التكليف فكيف يجوز أن يكون منهيا عن فعل الصلاة في هذه الحال مع اتفاق ~~المسلمين على أنه مأمور بفعل الصلاة في هذه الحال # قيل له قد روي عن الحسن وقتادة أنه منسوخ ويحتمل إن لم يكن منسوخا أن ~~يكون النهي متوجها إلى فعل الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في ~~جماعة # قال أبو بكر والصحيح من التأويل في معنى السكر أنه السكر من الشراب من ~~وجهين أحدهما أن النائم ومن خالط عينه النوم لا يسمى سكران ومن سكر من ~~الشراب يسمى سكران حقيقة فوجب حمل اللفظ على الحقيقة ولا يجوز صرفه عنها ~~إلى المجاز إلا بدلالة والثاني ما روى سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي ~~عبدالرحمن عن علي قال دعا رجل من الأنصار قوما فشربوا من الخمر فتقدم ~~عبدالرحمن بن عوف لصلاة المغرب فقرأ قل @QB@ يا أيها الكافرون @QE@ فالتبس ~~عليه فأنزل الله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى @QE@ وحدثنا جعفر ~~بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو ~~عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس في قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع ms1201 للناس @QE@ وقال في سورة النساء @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون @QE@ ثم نسختها هذه الآية @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام @QE@ الآية # قال أبو عبيد وحدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير @QE@ قال وقوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون @QE@ قال كانوا PageV03P165 لا يشربونها عند الصلاة فإذا ~~صلوا العشاء شربوها # قال أبو عبيد حدثنا عبدالرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال ~~قال عمر اللهم بين لنا في الخمر فنزلت @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون @QE@ وذكر الحديث # قال أبو عبيد وحدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي رزين قال شربت الخمر ~~بعد الآية التي في سورة البقرة والتي في سورة النساء وكانوا يشربونها حتى ~~تحضر الصلاة فإذا حضرت الصلاة تركوها ثم حرمت في المائدة # قال أبو بكر فأخبر هؤلاء أن المراد السكر من الشراب وأخبر ابن عباس وأبو ~~رزين أنهم تركوا شربها بعد نزول الآية عند الصلاة وشربوها في غير أوقات ~~الصلوات ففي هذا دلالة على أنهم عقلوا من قوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى @QE@ النهي عن شربها في الحال التي يكونون فيها سكارى عند لزوم ~~فرض الصلاة وهذا يدل على أن قوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~@QE@ إنما أفاد النهي عن شربها في أوقات الصلوات وكان معناه لا يكن منكم ~~شرب تصيرون به إلى حال السكر عند أوقات ا لصلوات فتصلوا وأنتم سكارى وذلك ~~أنهم لما كانوا متعبدين بفعل الصلوات في أوقاتها منهيين عن تركها قال تعالى ~~@QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى @QE@ وقد علمنا أنه لم ينسخ بذلك فرض ~~الصلاة كان في مضمون هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند أوقات الصلوات كما ~~أنه لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث لقوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وقال النبي ms1202 صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور وكما قال تعالى @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ~~@QE@ كان ذلك نهيا عن ترك الطهارة ولم يكن نهيا عن فعل الصلاة ولم يوجب كون ~~الإنسان جنبا أو محدثا سقوط فرض الصلاة وإنما نهي عن فعلها في هذه الحال ~~وهو مأمور مع ذلك بتقديم الطهارة لها كذلك النهي عن الصلاة في حال السكر ~~إنما دل على حظر شرب يوجب السكر قبل الصلاة وفرض الصلاة قائم عليه فهذا ~~التأويل يدل على ما روي عن ابن عباس وأبي رزين وظاهر الآية وفحواه يقتضي ~~ذلك على الوجه الذي بينا وهذا التأويل لا ينافي ما قدمنا ذكره عن السلف في ~~حظر الصلاة عند السكر لأنه جائز أن يكونوا نهوا عن شرب يقتضي كونه سكران ~~عند حضور الصلاة فيكون ذلك حظرا قائما فإن اتفق أن يشرب حتى أنه كان سكران ~~عند حضور الصلاة كان منهيا عن فعلها مأمورا بإعادتها في حال الصحو أو يكون ~~النهي مقصورا على فعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم = PageV03P166 أو في ~~جماعة وهذه المعاني كلها صحيحة جائزة يحتملها لفظ الآية # وقوله تعالى @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ يدل على أن السكران الذي منع ~~من الصلاة هو الذي قد بلغ به السكر إلى حال لا يدري ما يقول وأن السكران ~~الذي يدري ما يقول لم يتناوله النهي عن فعل الصلاة وهذا يشهد للتأويل الذي ~~ذكرنا من النهي إنما انصرف إلى الشرب لا إلى فعل الصلاة لأن السكران الذي ~~لا يدري ما يقول لا يجوز تكليفه في هذه الحال كالمجنون والنائم والصبي الذي ~~لا يعقل والذي يعقل ما يقول لم يتوجه إليه النهي لأن في الآية إباحة فعل ~~الصلاة إذا علم ما يقول وهذا يدل على أن الآية إنما حظرت عليه الشرب لا فعل ~~الصلاة في حال السكر الذي لا يعلم ما يقول فيه إذ غير جائز تكليف السكران ~~الذي لا يعقل وهي تدل على أن السكر الذي يتعلق به الحكم هو الذي ms1203 لا يعقل ~~صاحبه ما يقول وهذا يدل على صحة قول أبي حنيفة في السكر الموجب للحد أنه هو ~~الذي لا يعرف فيه الرجل من المرأة ومن لا يعقل ما يقول لا يعرف الرجل من ~~المرأة # وقوله تعالى @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ يدل على فرض القراءة في ~~الصلاة لأنه منعه من الصلاة لأجل عدم إقامة القراءة فيها فلولا أنها من ~~أركانها وفروضها لما منع من الصلاة لأجلها # فإن قيل لا دلالة في ذلك على وجوب القراءة فيها وذلك لأن قوله تعالى @QB@ ~~حتى تعلموا ما تقولون @QE@ قد دل على أنه ممنوع منها في الحال التي لا يعلم ~~ما يقول ولم يذكر القراءة وإنما ذكر نفي العلم بما يقول وهذا على سائر ~~الأقوال والكلام ومن صار بهذه الحال من السكر لم يصح له إحضار نية الصلاة ~~ولا فعل سائر أركانها فإنما منع من الصلاة من كانت هذه حاله لأنه لا تصح ~~منه نية الصلاة ولا سائر أفعالها ومع ذلك فلا يعلم أنه طاهر غير محدث # قيل له هذا على ما ذكرت في أن من كانت هذه حاله فلا يصح منه فعل الصلاة ~~على سائر شرائطها إلا أن اختصاصه القول بالذكر دون غيره من أمور الصلاة ~~وأحوالها يدل على أن المراد به قول مفعول في الصلاة وأنه متى كان من السكر ~~على حال لم يمكنه إقامة القراءة فيها لم يصح له فعلها لأجل عدم القراءة وأن ~~وجود القراءة فيها من فروضها وشرائطها وهذا مثل قوله @QB@ أقيموا الصلاة ~~@QE@ في إفادته أن في الصلاة قياما مفروضا ومثل قوله @QB@ واركعوا مع ~~الراكعين @QE@ في دلالته على فرض الركوع في الصلاة # وأما قوله تعالى @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فإن أهل ~~العلم قد تنازعوا تأويله فروى المنهال بن عمرو عن زر عن علي PageV03P167 ~~رضي الله عنه في قوله @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل @QE@ إلا أن تكونوا ~~مسافرين ولا تجدون ما تيممون به وتصلون وروى قتادة عن أبي مجلز عن ابن عباس ~~مثله وعن مجاهد مثله وروي عن ms1204 عبدالله بن مسعود أنه قال هو الممر في المسجد ~~وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس مثله في تأويل الآية وكذلك روي عن سعيد بن ~~المسيب وعطاء وعمرو بن دينار في آخرين من التابعين # واختلف السلف في مرور الجنب في المسجد فروي عن جابر قال كان أحدنا يمر في ~~المسجد مجتازا وهو جنب وقال عطاء بن يسار كان رجال من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضؤن ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه وقال سعيد ~~بن المسيب الجنب لا يجلس في المسجد ويجتاز وكذلك روي عن الحسن وما روي في ~~ذلك عن عبدالله فإن الصحيح فيه ما تأوله شريك عن عبدالكريم الجزري عن أبي ~~عبيدة @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل @QE@ قال الجنب يمر في المسجد ولا يجلس ~~ورواه معمر عن عبدالكريم عن أبي عبيدة عن عبدالله ويقال إن أحدا لم يرفعه ~~إلى عبدالله غير معمر وسائر الناس وقفوه واختلف فقهاء الأمصار في ذلك فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد لا يدخله إلا طاهرا سواء ~~أراد القعود فيه والاجتياز وهو قول مالك بن أنس والثوري وقال الليث الجنب ~~لا يجوز له أن يجتاز في المسجد وقال الشافعي يمر ولا يقعد والدليل على أن ~~الجنب لا يجوز له أن يجتاز في المسجد ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال حدثنا أقلت بن خليفة ~~قال حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت سمعت عائشة رضي الله عنها تقول جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال وجهوا هذه ~~البيوت عن المسجد ثم دخل ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج ~~إليهم بعد فقال وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وهذا ~~الخبر يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما قوله لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ~~ولم يفرق فيه بين الإجتياز وبين القعود فهو عليهما سواء والثاني ms1205 أنه أمرهم ~~بتوجيه البيوت الشارعة لئلا يجتازوا في المسجد إذا أصابتهم جنابة لأنه لو ~~أراد القعود لم يكن لقوله وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا ~~جنب معنى لأن القعود منهم بعد دخول المسجد لا تعلق له بكون البيوت شارعة ~~إليه فدل على أنه إنما أمر بتوجيه البيوت لئلا يضطروا عند الجنابة ~~PageV03P168 إلى الإجتياز في المسجد إذ لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي ~~شارعة إلى المسجد وقد روى سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه ~~وهو جنب إلا علي بن أبي طالب فإنه كان يدخله جنبا ويمر فيه لأن بيته كان في ~~المسجد فأخبر في هذا الحديث بحظر النبي صلى الله عليه وسلم الإجتياز كما ~~حظر عليهم القعود وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح وقول الراوي ~~لأنه كان بيته في المسجد ظن منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر في ~~الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لأجل كون ~~بيوتهم في المسجد وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره كما ~~خص جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء وكما خص حنظلة بغسل ~~الملائكة له حين قتل جنبا وخص دحية الكلبي بأن جبريل كان ينزل على صورته ~~وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل فثبت بذلك أن سائر ~~الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين # وأما ما روى جابر كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب فلا حجة فيه ~~لأنه لم يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره عليه وكذلك ما ~~روي عن عطاء بن يسار كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تصيبهم الجنابة فيتوضؤن ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه لا دلالة فيه للمخالف ~~لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله ms1206 عليه وسلم أقرهم عليه بعد علمه بذلك منهم ~~ولأنه جائز أن يكون ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحظر ~~عليهم ذلك ولو ثبت جميع ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روي ما وصفنا ~~لكان خبر الحظر أولى لأنه طارئ على الإباحة لا محالة فهو متأخر عنها ولما ~~ثبت باتفاق الفقهاء حظر القعود فيه لأجل الجنابة تعظيما لحرمة المسجد وجب ~~أن يكون كذلك حكم الإجتياز تعظيما للمسجد ولأن العلة في حظر القعود فيه هو ~~الكون فيه جنبا وذلك موجود في الإجتياز وكما أنه لما كان محظورا عليه ~~العقود في ملك غيره بغير إذنه كان حكم الإجتياز فيه حكم القعود فكان ~~الإجتياز بمنزلة القعود كذلك القعود في المسجد لما كان محظورا وجب أن يكون ~~كذلك الإجتياز اعتبارا بما ذكرنا والعلة في الجميع حظر الكون فيه وأما قوله ~~تعالى @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ وتأويل من تأوله على ~~إباحة الإجتياز في المسجد فإن ما روي عن علي وابن عباس في تأويله أن المراد ~~المسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم أولى من تأويل من تأوله على الإجتياز في ~~المسجد وذلك PageV03P169 لأن قوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~@QE@ نهي عن فعل الصلاة في هذه الحال لا عن المسجد لأن ذلك حقيقة اللفظ ~~ومفهوم الخطاب وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن ~~تجعل الصلاة عبارة عن موضعها كما يسمى الشيء باسم غيره للمجاورة أو لأنه ~~تسبب منه كقوله تعالى @QB@ لهدمت صوامع وبيع وصلوات @QE@ يعني به مواضع ~~الصلوات ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته لم يجز صرفه عنها إلى المجاز ~~إلا بدلالة ولا دلالة توجب صرف ذلك عن الحقيقة وفي نسق التلاوة ما يدل على ~~أن المراد حقيقة الصلاة وهو قوله تعالى @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ ~~وليس للمسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر وفي الصلاة ~~قراءة مشروطة فمنع من أجل العذر عن إقامتها عن فعل الصلاة فدل ذلك على أن ~~المراد ms1207 حقيقة الصلاة فيكون تأويل من تأوله عليها موافقا لظاهرها وحقيقتها # وقوله تعالى @QB@ إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فإن معناه المسافر لأن ~~المسافر يسمى عابر سبيل ولولا أنه يطلق عليه هذا الاسم لما تأوله عليه علي ~~وابن عباس إذ غير جائز لأحد تأويل الآية على مالا يقع عليه الاسم وإنما سمي ~~المسافر عابر سبيل لأنه على الطريق كما يسمى ابن السبيل فأباح الله تعالى ~~له في حال السفر أن يتيمم ويصلي وإن كان جنبا فدلت الآية على معنيين أحدهما ~~جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به والثاني أن التيمم لا يرفع ~~الجنابة لأنه سماه جنبا مع كونه متيمما فهذا التأويل أولى من تأويل من حمله ~~على الإجتياز في المسجد # وقوله تعالى @QB@ حتى تغتسلوا @QE@ غاية لإباحة الصلاة ولا خلاف أن ~~الغاية في هذا الموضع داخلة في الحظر إلى أن يستوعبها بوجوب الاغتسال وأنه ~~لا تجوز له الصلاة وقد بقي من غسله شيء في حال وجود الماء وإمكان استعماله ~~من غير ضرر يخافه فهذا يدل على أن الغاية قد تدخل في الجملة التي قبلها ~~وقال الله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ والغاية خارجة من ~~الجملة لأنه بدخول أول الليل يخرج من الصوم لأن إلى غاية كما أن حتى غاية # وهذا أصل في أن الغاية قد يجوز دخولها في الكلام تارة وخروجها أخرى ~~وحكمها موقوف على الدلالة في دخولها أو خروجها وسنذكر أحكام الجنابة ~~ومعناها وحكم المريض والمسافر في سورة المائدة إذا انتهينا إليها إن شاء ~~الله تعالى قوله تعالى @QB@ آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها @QE@ يدل على قول أصحابنا في قول الرجل لامرأته أنت طالق قبل قدوم ~~فلان أنها PageV03P170 تطلق في الحال قدم فلان أو لم يقدم وحكي عن بعضهم ~~أنها لا تطلق حتى يقدم لأنه لا يقال أنه قبل قدوم فلان وما قدم والصحيح ما ~~قال أصحابنا وهذه الآية تدل عليه لأنه قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ms1208 لما معكم من قبل أن نطمس وجوها @QE@ ~~فكان الأمر بالإيمان صحيحا قبل طمس الوجوه ولم يوجد الطمس أصلا وكان ذلك ~~إيمانا قبل طمس الوجوه وما وجد وهو نظير قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا @QE@ فكان الأمر بالعتق للرقبة أمرا صحيحا وإن لم يوجد ~~المسيس فإن قيل إن هذا وعيد من الله لليهود ولم يسلموا ولم يقع ما توعدوا ~~به قيل له إن قوما من هؤلاء اليهود أسلموا منهم عبدالله بن سلام وثعلبة بن ~~سعية وزيد بن سعنة وأسد بن سعية وأسد بن عبيد ومخريق في آخرين منهم وإنما ~~كان الوعيد العاجل معلقا بترك جميعهم الإسلام ويحتمل أن يريد به الوعيد في ~~الآخرة إذ لم يذكر في الآية تعجيل العقوبة في الدنيا إن لم يسلموا قوله ~~تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم @QE@ قال الحسن وقتادة والضحاك ~~هو قول اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى وروي عن عبدالله أنه قال هو تزكية الناس بعضهم بعضا ~~لينال به شيئا من الدنيا # قال أبو بكر وهذا يدل على أن النهي عن التزكية من هذا الوجه وقال الله ~~@QB@ فلا تزكوا أنفسكم @QE@ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إذا رايتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب # قوله تعالى @QB@ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله @QE@ روي عن ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وعكرمة إن المراد بالناس ههنا هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة وقال قتادة العرب وقال آخرون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وهذا أولى لأن أول الخطاب في ذكر اليهود وقد كانوا قبل ذلك يقرؤن ~~في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وحال نبوته وكانوا يوعدون ~~العرب بالقتل عند مبعثه لأنهم زعموا أنهم لا يتبعونه وكانوا يظنون أنه يكون ~~من بني إسرائيل فلما بعثه الله تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا ~~الكفر به وجحدوا ما عرفوه قال الله تعالى @QB@ وكانوا من قبل ms1209 يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به @QE@ وقال الله تعالى @QB@ ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ~~@QE@ فكانت عداوة للعرب ظاهرة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حسدا منهم ~~لهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا منهم فالأظهر من معنى الآية ~~حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللعرب PageV03P171 والحسد هو تمني زوال ~~النعمة عن صاحبها ولذلك قيل إن كل أحد تقدر أن ترضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا ~~يرضيه إلا زوالها والغبطة غير مذمومة لأنها تمني مثل النعمة من غير زوالها ~~عن صاحبها بل مع سرور منه ببقائها عليه # قوله تعالى @QB@ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها @QE@ قيل فيه إن ~~الله تعالى يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت والقائلون بهذا هم الذين ~~يقولون إن الجلد ليس بعض الإنسان وكذلك اللحم والعظم وأن الإنسان هو الروح ~~اللابس لهذا البدن ومن قال إن الجلد هو بعض الإنسان وأن الإنسان هو هذا ~~الشخص بكماله فإنه يقول إن الجلود تجدد بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها ~~غير محترقة كما يقال لخاتم كثر ثم صيغ خاتم آخر هذا الخاتم غير ذاك الخاتم ~~وكما يقال لمن قطع قميصه قباء هذا اللباس غير ذاك اللباس وقال بعضهم ~~التبديل إنما هو للسرابيل التي قد ألبسوها وهو تأويل بعيد لأن السرابيل لا ~~تسمى جلودا والله تعالى أعلم # | باب ما أوجب الله تعالى من أداء الأمانات # قال الله تعالى @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ ~~اختلف أهل التفسير في المأمورين بأداء الأمانة في هذه الآية من هم فروي عن ~~زيد بن أسلم ومكحول وشهر بن حوشب أنهم ولاة الأمر وقال ابن جريج أنها نزلت ~~في عثمان بن طلحة أمر بأن ترد عليه مفاتيح الكعبة وقال ابن عباس وأبي بن ~~كعب والحسن وقتادة هو في كل مؤتمن على شيء وهذا أولى لأن قوله تعالى @QB@ ~~إن الله يأمركم @QE@ خطاب يقتضي عمومه سائر المكلفين فغير ms1210 جائز الاقتصار به ~~على بعض الناس دون بعض إلا بدلالة وأظن من تأوله على ولاة الأمر ذهبت إلى ~~قوله تعالى @QB@ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ لما كان خطابا ~~لولاة الأمر كان ابتداء الخطاب منصرفا إليهم وليس ذلك كذلك إذ لا يمتنع أن ~~يكون أول الخطاب عموما في سائر الناس وما عطف عليه خاصا في ولاة الأمر على ~~ما ذكرنا في نظائره في القرآن وغيره # قال أبو بكر ما اؤتمن عليه الإنسان فهو أمانة فعلى المؤتمن عليها ردها ~~إلى صاحبها فمن الأمانات الودائع على مودعيها ردها إلى من أودعه إياها ولا ~~خلاف بين فقهاء الأمصار أنه لا ضمان على المودع فيها إن هلكت # وقد روي عن بعض السلف فيه الضمان ذكر الشعبي عن أنس قال استحملني رجل ~~بضاعة فضاعت من بين ثيابي فضمنني عمر بن الخطاب # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن PageV03P172 محمد قال حدثنا ~~شريح قال حدثنا ابن إدريس عن هشام بن حسان عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ~~قال استودعت ستة آلاف درهم فذهبت فقال لي عمر ذهب لك معها شيء قلت لا ~~فضمنني # وروى حجاج عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا استودع متاعا فذهب من بين متاعه ~~فلم يضمنه أبو بكر رضي الله عنه وقال هي أمانة # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا قتيبة ~~قال حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من استودع وديعة فلا ضمان عليه # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا محمد بن ~~عون قال حدثنا عبدالله بن نافع عن محمد بن نبيه الحجبي عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضمان على راع ولا على ~~مؤتمن # قال أبو بكر قوله صلى الله عليه وسلم لا ضمان على مؤتمن يدل على نفي ضمان ~~العارية لأن العارية أمانة ms1211 في يد المستعير إذ كان المعير قد ائتمنه عليها ~~ولا خلاف بين الفقهاء في نفي ضمان الوديعة إذا لم يتعد فيها المودع ما روي ~~عن عمر في تضمين الوديعة فجائز أن يكون المودع اعترف بفعل يوجب الضمان عنده ~~فلذلك ضمنه # واختلف الفقهاء في ضمان العارية بعد اختلاف من السلف فروي عن عمر وعلي ~~وجابر وشريح وإبراهيم أن العارية غير مضمونة وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ~~أنها مضمونة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد هي غير ~~مضمونة إذا هلكت وهو قول ابن شبرمة والثوري والأوزاعي وقال عثمان البتي ~~المستعير ضامن لما استعاره إلا الحيوان والعقل فإن اشترط عليه في الحيوان ~~والعقل الضمان فهو ضامن وقال مالك لا يضمن الحيوان في العارية ويضمن الحلي ~~والثياب ونحوها وقال الليث لا ضمان في العارية ولكن أبا ا لعباس أمير ~~المؤمنين قد كتب إلي بأن أضمنها فالقضاء اليوم على الضمان وقال الشافعي كل ~~عارية مضمونة # قال أبو بكر والدليل على نفي ضمانها عند الهلاك إذا لم يتعد فيها أن ~~المعير قد ائتمن المستعير عليها حين دفعها إليه وإذا كان أمينا لم يلزمه ~~ضمانها لأنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ضمان على مؤتمن ~~وذلك عموم في نفي الضمان عن كل مؤتمن وأيضا لما كانت مقبوضة بإذن مالكها لا ~~على شرط الضمان لم يضمنها كالوديعة وأيضا قد اتفق الجميع على نفي ضمان ~~الثوب المستأجر مع شرط بذل المنافع إذا لم يشترط عليه ضمان بدل المقبوض ~~فالعارية أولى أن لا تكون مضمونة إذ ليس فيها ضمان مشروط PageV03P173 بوجه ~~ومن جهة أخرى أن المقبوض على وجه الإجارة مقبوض لاستيفاء المنافع ولم يكن ~~مضمونا فوجب أن لا تضمن العارية إذ كانت مقبوضة لاستيفاء المنافع وأيضا لما ~~كانت الهبة غير مضمونة على الموهوب له لأنها مقبوضة بإذن مالكها لا على شرط ~~ضمان البدل وهي معروف وتبرع وجب أن تكون العارية كذلك إذ هي معروف وتبرع ~~وأيضا قد اتفق الجميع على أن ms1212 العارية لو نقصت بالاستعمال لم يضمن النقصان ~~فإذا كان الجزء منها غير مضمون مع حصول القبض عليه وجب أن لا يضمن الكل لأن ~~ما تعلق ضمانه بالقبض لا يختلف فيه حكم الكل والبعض كالغصب والمقبوض ببيع ~~فاسد فلما اتفق الجميع على أن الجزء الفائت بالنقصان غير مضمون وجب أن لا ~~يضمن الجميع كالودائع وسائر الأمانات # وقد اختلف في ألفاظ حديث صفوان بن أمية في العارية فذكر بعضهم فيه الضمان ~~ولم يذكره بعضهم وروى شريك عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن أمية ~~بن صفوان بن أمية عن أبيه قال استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان ~~أدراعا من حديد يوم حنين فقال له يا محمد مضمونة فقال مضمونة فضاع بعضها ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن شئت غرمناها لك فقال أنا أرغب في ~~الإسلام من ذلك يا رسول الله ورواه إسرائيل عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابن ~~أبي مليكة عن صفوان بن أمية قال استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صفوان بن أمية أدراعا فضاع بعضها فقال إن شئت غرمناها لك فقال لا يا رسول ~~الله فوصله شريك وذكر فيه الضمان وقطعه إسرائيل ولم يذكر الضمان وروى قتادة ~~عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعا يوم ~~حنين فقال له أمؤداة يا رسول الله العارية فقال نعم وروى جرير عن عبدالعزيز ~~بن رفيع عن أناس من آل عبدالله بن صفوان قال أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يغزو حنينا وذكر الحديث من غير ذكر ضمان ويقال أنه ليس في رواة هذا ~~الحديث أحفظ ولا أتقن ولا أثبت من جرير بن عبدالحميد ولم يذكر الضمان ولو ~~تكافأت الرواة فيه حصل مضطربا وقد روي في أخبار أخر من طريق أبي أمامة ~~وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العارية مؤداة وإن صح ذكر الضمان في ~~حديث صفوان فإن معناه ضمان الأداء كما روي في بعض ألفاظ ms1213 حديث صفوان أنه قال ~~هي مضمونة حتى أؤديها إليك وكما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~القريابي قال حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن ~~أبي هند أن أول ما ضمنت العارية أن رسول PageV03P174 الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لصفوان أعرنا سلاحك وهي علينا ضمان حتى نأتيك بها فثبت بذلك أنه ~~إنما شرط له ضمان الرد وذلك لأن صفوان كن حربيا كافرا في ذلك الوقت فظن أنه ~~يأخذها على جهة استباحة ماله كسائر أموال الحربيين ولذلك قال له أغصبا ~~تأخذها يا محمد فقال لا بل عارية مضمونة حتى أؤديها إليك وعارية مؤداة ~~فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأخذها على أنها عارية مؤداة وأنه ليس ~~يأخذها على سبيل ما تؤخذ عليه أموال أهل الحرب وهو كقول القائل أنا ضامن ~~لحاجتك يعني القيام بها والسعي فيها حتى يقضيها قال الشاعر يصف ناقة % بتلك ~~أسلي حاجة إن ضمنتها % وأبرئ هما كان في الصدر داخلا % $ قال أهل اللغة في ~~قوله إن ضمنتها يعني إن هممت وأردتها وأيضا فإنا نسلم للمخالف صحة الخبر ~~بما روي فيه من الضمان ونقول أنه لا دلالة فيه على موضع الخلاف وذلك لأنه ~~قال عارية مضمونة فجعل الأدراع التي قبضها مضمونة وهذا يقتضي ضمان عينها ~~بالرد لا ضمان قيمتها إذ لم يقل أضمن قيمتها وغير جائز صرف اللفظ عن ~~الحقيقة إلى الماز إلا بدلالة وأيضا فيما ادعى المخالف إثبات ضمير في اللفظ ~~لا دلالة عليه وهو ضمان القيمة ولا يجوز إثباته إلا بدلالة ويدل على أنها ~~لم تكن مضمونة ضمان القيمة عند الهلاك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فقد ~~منها أدراعا قال لصفوان إن شئت غرمناها لك فلو كان ضمان القيمة قد حصل عليه ~~لما قال إن شئت غرمناها لك وهو غارم فدل ذلك على أن الغرم لم يجب بالهلاك ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يغرمها إذا شاء ذلك صفوان ~~متبرعا بالغرم ألا ترى أن ms1214 النبي صلى الله عليه وسلم لما استقرض عن عبدالله ~~بن ربيعة ثلاثين ألفا في هذه الغزاة أيضا ثم أراد أن يردها إلى عبدالله أبى ~~عبدالله أن يقبلها فقال له خذها فإن جزاء القرض الوفاء والحمد فلو كان ~~الغرم لازما فيما فقد من الأدراع لما قال إن شئت غرمناها لك ويدل على أنه ~~لم يكن ضامنا لقيمة ما فقد أنه قال لا فإن في قلبي اليوم من الإيمان ما لم ~~يكن قبل وفي ذلك دليل على أنها لم تكن مضمونة القيمة لأن ما كان مضمونا لا ~~يختلف حكمه في الإيمان والكفر وقال بعض شيوخنا إن صفوان لما كان حربيا جاز ~~أن يشرط له ذلك إذ قد يجوز فيما بيننا وبين أهل الحرب من الشروط مالا يجوز ~~فيما بيننا بعضنا لبعض ألا ترى أنه يجوز أن يرتهن منهم الأحرار ولا يجوز ~~مثله فيما بيننا أو كان أبو الحسن الكرخي يأبى هذا التأويل PageV03P175 ~~ويقول لا يصح شرط الضمان لأهل الحرب فيما ليس بمضمون ألا ترى أنا لو شرطنا ~~لهم ضمان الودائع والمضاربات ونحوها لم يصح # واحتج من قال بضمان العارية بما رواه شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة ~~عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت ~~حتى تؤديه ولا دلالة في هذا الحديث أيضا على موضع الخلاف لأنه إنما أوجب رد ~~المأخوذ بعينه وليس فيه ذكر ضمان القيمة عند هلاكه ونحن نقول أن عليه رد ~~العارية فهذا لا خلاف فيه ولا تعلق له أيضا بموضع الخلاف والله تعالى أعلم ~~بالصواب # | باب ما أمر الله تعالى به من الحكم بالعدل # قال الله تعالى @QB@ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى @QE@ وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله ~~بن موسى بن أبي عثمان قال حدثنا عبيد بن حباب الحلي قال حدثنا عبدالرحمن بن ~~أبي الرجال عن إسحاق بن يحيى بن ms1215 طلحة بن عبيدالله قال قال ثابت الأعرج ~~أخبرني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال هذه الأمة ~~بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت وحدثنا عبدالباقي ~~قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبدالرحمن المقري عن كهمس بن الحسن عن ~~عبدالله الأسلمي قال شتم رجل ابن عباس فقال له ابن عباس إنك لتشتمني وفي ~~ثلاث خصال إني لآتي على الآية من كتاب الله تعالى فلوددت بالله أن الناس ~~كلهم يعلمون منها ما أعلم وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في ~~حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدا وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد ~~من بلاد المسلمين فأفرح به ومالي من سائمة وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا ~~الحارث بن أبي اسامة قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ~~عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال إن الله أخذ على ~~الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا يشتروا ~~بآياته ثمنا قليلا ثم قرأ @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى @QE@ الآية وقال الله تعالى @QB@ إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ PageV03P176 # | باب في طاعة أولي الأمر # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم @QE@ قال أبو بكر اختلف في تأويل أولي الأمر فروي عن جابر ~~بن عبدالله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد أنهم أولوا الفقه والعلم ~~وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة أنهم أمراء السرايا ويجوز أن يكونوا جميعا ~~مرادين بالآية لأن الاسم يتناولهم جميعا لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش ~~والسرايا وقتال العدو والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز فأمر ~~الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل ms1216 الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا ~~مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون وهو نظير قوله تعالى @QB@ ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ ومن الناس من يقول إن الأظهر من ~~أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل وهذا خطاب لمن ~~يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي ~~الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولا مرضيين وليس يمتنع ~~أن يكون ذلك أمرا بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء ~~إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولي ~~الأمر على ا لأمراء دون غيرهم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من أطاع أميري فقد أطاعني وروى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى فقال نضر الله عبدا سمع ~~مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل ~~فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله تعالى ~~وقال بعضهم وطاعة ذوي الأمر وقال بعضهم والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة ~~المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي ~~الأمر الأمراء وقوله تعالى عقيب ذلك @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول @QE@ يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء لأنه أمر سائر الناس ~~بطاعتهم قم قال @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ فأمر ~~أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~إذا كانت العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم لأنهم لا يعرفون ~~كيفية الرد إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث فثبت ~~أنه خطاب للعلماء # واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول PageV03P177 الرافضة في الإمامة ~~بقوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ قال ~~فليس يخلو أولو ms1217 الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي ~~يدعونه فإن كان المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام والفقهاء ~~والأمراء يجوز عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا بطاعتهم ~~وهذا يبطل أصل الإمامة فإن شرط الإمامة عندهم أن يكون معصوما لا يجوز عليه ~~الغلط والخطأ والتبديل والتغيير ولا يجوز أن يكون المراد الإمام لأنه قال ~~في نسق الخطاب @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ فلو ~~كان هناك إمام مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف ~~والتنازع فلما أمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون ~~الإمام دل ذلك على بطلان قولهم في الإمامة ولو كان هناك إمام تجب طاعته ~~لقال فردوه إلى الإمام لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل ~~الكتاب والسنة فلما أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع ~~فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض ~~الطاعة في أحكام الحوادث المتنازع فيها وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها ~~إلى نظائرها من الكتاب والسنة # وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى @QB@ وأولي الأمر منكم @QE@ علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وهذا تأويل فاسد لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن ~~أبي طالب رجل واحد وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في ~~أيام النبي صلى الله عليه وسلم فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا أمراء وقد كان المولى عليهم طاعتهم مالم يأمروهم بمعصية ~~وكذلك حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم مالم ~~تكن معصية قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~روى مجاهد وقتادة وميمون بن مهران والسدي إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر وذلك عموم في وجوب ا لرد إلى كتاب ms1218 الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم # والرد إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين أحدهما إلى المنصوص عليه المذكور ~~باسمه ومعناه الثاني الرد إليهما من الدلالة عليه واعتباره به من طريق ~~القياس والنظائر وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعا فوجب إذا تنازعنا في شيء ~~رده إلى نص الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصا على حكمه في الكتاب ~~والسنة وإن لم نجد PageV03P178 فيه نصا منهما وجب رده إلى نظيره منهما لأنا ~~مأمورون بالرد في كل حال إذ لم يخصص الله تعالى الأمر بالردإليهما في حال ~~دون حال وعلى أن الذي يقتضيه فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نص ~~فيه وذلك لأن المنصوص عليه الذي لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من ~~الصحابة مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه فظاهر ~~ذلك يقتضي رد المتنازع فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة فإن قيل إنما ~~المراد بذلك ترك التنازع والتسليم لما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # قيل إن ذلك خطاب للمؤمنين لأنه قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ فإن كان تأويله ما ذكرت فإن معناه اتبعوا ~~كتاب الله وسنة نبيه وأطيعوا الله ورسوله وقد علمنا أن كل من آمن ففي ~~اعتقاده للإيمان اعتقاد لالتزام حكم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة قوله تعالى @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر به في أول الآية وهو قوله تعالى @QB@ أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول @QE@ فغير جائز حمل معنى قوله تعالى @QB@ فردوه إلى ~~الله والرسول @QE@ على ما قد أفاده بديا في أول الخطاب ووجب حمله على فائدة ~~محددة وهو رد غير المنصوص عليه وهو ا لذي وقع فيه التنازع إلى المنصوص عليه ~~وعلى أنا نرد جميع المتنازع فيه إلى الكتاب السنة بحق العموم ولا نخرج منه ~~شيئا بغير دليل # فإن قيل لما كانت ms1219 الصحابة مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي ~~والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل كان عليهم ~~التسليم له واتباع أمره دون تكلف الرد من طريق القياس ثبت أن المراد ~~استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه # قيل له هذا غلط وذلك لأن استعمال الرأي والاجتهاد ورد الحوادث إلى ~~نظائرها من المنصوص قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا ~~حين بعثه إلى اليمن فقال له كيف تقضي إن عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله ~~قال فإن لم يكن في كتاب الله قال أقضي بسنة نبي الله قال فإن لم يكن في ~~كتاب الله ولا في سنة رسول الله قال أجتهد رأيي لا ألو قال فضرب بيده على ~~صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله فهذه إحدى ~~الحالين اللتين كان يجوز الاجتهاد فيهما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والحال الأخرى أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد PageV03P179 ~~بحضرته ورد الحادثة إلى نظائرها ليستبرئ حاله في اجتهاده وهل هو موضع لذلك ~~ولكن إن أخطأ وترك طريق النظر أعلمه وسدده وكان يعلمهم وجوب الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث بعده فالاجتهاد بحضرته على هذا الوجه سائغ كما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أسلم بن سهل قال حدثنا محمد بن خالد بن ~~عبدالله قال حدثنا أبي عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبي العالية ~~عن عقبة بن عامر قال جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اقض ~~بينهما يا عقبة قلت يا رسول الله أقضي بينهما وأنت حاضر قال اقض بينهما فإن ~~أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة فأباح له النبي صلى الله عليه ~~وسلم الاجتهاد بحضرته ms1220 على الوجه الذي ذكرنا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ وعقبة بن عامر بالاجتهاد صدر عندنا عن الآية وهو وقوله تعالى @QB@ ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ لأنا متى وجدنا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكما مواطئا لمعنى قد ورد به القرآن حملناه على أنه حكم ~~به عن القرآن وأنه لم يكن حكما مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم كنحو ~~قطعه السارق وجلده الزاني وما جرى مجراهما فقول القائل إن الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث لم يكن سائغا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأن رد ~~المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة كان واجبا حينئذ فدل على أن المراد به ترك ~~الاختلاف والتنازع والتسليم للمنصوص عليه في الكتاب والسنة غير صحيح وأما ~~الحال التي لم يكن يسوغ الاجتهاد فيه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~أن يجتهد بحضرته على جهة إمضاء الحكم والاستبداد بالرأي لا على الوجه الذي ~~قدمناه فهذا لعمري اجتهاد مطرح لا حكم له ولم يسوغ ذلك لأحد والله أعلم # | باب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ ~~فأكد جل وعلا بهذه الآيات وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبان أن ~~طاعته إطاعة الله وأفاد بذلك أن معصيته معصية الله وقال الله تعالى @QB@ ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ ~~فأوعد على مخالفة أمر الرسول وجعل مخالف أمر الرسول والممتنع من تسليم ما ~~جاء به والشاك فيه خارجا من الإيمان PageV03P180 بقوله تعالى @QB@ فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ قيل في الحرج ههنا إنه الشك روي ذلك عن ms1221 مجاهد وأصل ~~الحرج الضيق وجائز أن يكون المراد التسليم من غير شك في وجوب تسليمه ولا ~~ضيق صدر به بل بانشراح صدر وبصيرة ويقين # وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو ~~من جهة ترك القبول والإمتناع من التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة ~~في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله ~~تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من ~~أهل الإيمان # فإن قيل إذا كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى فهلا ~~كان أمر الرسول أمر الله تعالى قيل له إنما كانت طاعته طاعة الله بموافقتها ~~إرادة كل واحد منهما أوامره وأما الأمر فهو قول القائل افعل ولا يجوز أن ~~يكون أمرا وأحد الآمرين كما لا يكون فيه قول واحد من قائلين ولا فعل واحد ~~من فاعلين # قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا @QE@ قيل الثبات الجماعات واحدها ثبة وقيل الثبة عصبة منفردة من عصب ~~فأمرهم الله بأن ينفروا فرقة بعد فرقة في جهة وفرقة في جهة أو ينفروا جميعا ~~من غير تفرق وروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة # وقوله تعالى @QB@ خذوا حذركم @QE@ معناه خذوا سلاحكم فسمى السلاح حذرا ~~لأنه يتقى به الحذر ويحتمل احذروا عدوكم بأخذ سلاحكم كقوله تعالى @QB@ ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ فانتظمت هذه الآية الأمر بأخذ السلاح لقتال ~~العدو على حال افتراق العصب أو اجتماعها بما هو أولى في التدبير والنفور هو ~~الفزع نفر ينفر نفورا إذا فزع ونفر إليه إذا فزع من أمر إليه والمعنى ~~انفروا إلى قتال عدوكم والنفر جماعة تفزع إلى مثلها والنفير إلى قتال العدو ~~والمنافرة المحاكمة للفزع إليها فيما ينوب من الأمور التي يختلف فيها ويقال ~~إن أصلها أنهم كانوا يسئلون الحاكم أينا أعز ms1222 نفرا # وقد روي في هذه الآية نسخ روى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن ابن عباس في ~~قوله تعالى @QB@ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا @QE@ قال عصبا وفرقا وقال في ~~براءة @QB@ انفروا خفافا وثقالا @QE@ الآية وقال @QB@ إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما @QE@ الآية قال فنسخ هذه الآيات قوله تعالى @QB@ وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة @QE@ وتمكث ~~PageV03P181 طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فالماكثون مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا ~~رجعوا إليهم من الغزوات لعلهم يحذرون ما نزل من قضاء الله في كتابه وحدوده # قوله تعالى @QB@ يقاتلون في سبيل الله @QE@ قيل @QB@ في سبيل الله @QE@ ~~في طاعة الله لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه وقيل ~~دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته فيكون تقديره في نصرة دين الله ~~تعالى وقيل في الطاغوت أنه الشيطان قاله الحسن والشعبي وقال أبو العالية هو ~~الكاهن وقيل كل ما عبد من دون الله وقوله تعالى @QB@ إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا @QE@ الكيد هو السعي في فساد الحال على جهة الإحتيال والقصد لإيقاع ~~الضرر قال الحسن إنما قال @QB@ إن كيد الشيطان كان ضعيفا @QE@ لأنه كان ~~أخبرهم أنهم يستظهرون عليهم فلذلك كان ضعيفا وقيل إنما سماه ضعيفا لضعف ~~نصرته لأوليائه إلى نصرة الله للمؤمنين قوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه اختلاف ~~تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه ~~بليغا وبعضه مرذولا ساقطا وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن وهو ~~إحدى دلالات إعجازه لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور ~~الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت والثالث اختلاف ~~التلاؤم هو أن يكون الجميع متلائما في الحسن كاختلاف وجوه القراءات ومقادير ~~الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فقد تضمنت الآية الحض على ~~الإستدلال بالقرآن لما فيه ms1223 من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده ~~والعمل به # قوله تعالى @QB@ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم @QE@ قال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى هم أهل العلم والفقه ~~وقال السدي الأمراء والولاة # قال أبو بكر يجوز أن يريد به الفريقين من أهل الفقه والولاة لوقوع الاسم ~~عليهم جميعا # فإن قيل أولو الأمر من يملك الأمر بالولاية على الناس وليست هذه صفة أهل ~~العلم # قيل له إن الله تعالى لم يقل من يملك الأمر بالولاية على الناس وجائز أن ~~يسمي الفقهاء أولي الأمر لأنهم يعرفون أوامر الله ونواهيه ويلزم غيرهم قبول ~~قولهم فيها فجائز أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه كما قال في آية أخرى ~~@QB@ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ ~~فأوجب الحذر بإنذارهم وألزم PageV03P182 المنذرين قبول قولهم فجاز من أجل ~~ذلك إطلاق اسم أولي الأمر عليهم والأمراء أيضا يسمون بذلك لنفاذ أمورهم على ~~من يلون عليه # وقوله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ فإن الإستنباط هو ~~الإستخراج ومنه استنباط المياه والعيون فهو اسم لكل ما استخرج حتى تقع عليه ~~رؤية العيون أو معرفة القلوب والإستنابط في الشرع نظير الإستدلال ~~والإستعلام # وفي هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أاحكام ~~الحوادث وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ~~إذا كانوا بحضرته وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلى الله عليه ~~وسلم وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه ~~فثبت بذلك أن أحكام الله ما هو منصوص عليه ومنها ما هو مودع في النص قد ~~كلفنا الوصول إلى الإستدلال عليه واستنباطه فقد حوت هذه الآية معاني منها ~~أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه بل مدلول عليه ومنها أن على ~~العلماء استنباطه والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص ومنها أن ~~العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث ومنها أن النبي صلى الله ms1224 عليه ~~وسلم قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والإستدلال عليها بدلائلها لأنه تعالى ~~أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر ثم قال @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم @QE@ ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول وفي ذلك دليل على أن للجميع ~~الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال فإن قيل ليس هذا استنباطا في ~~أحكام الحوادث وإنما هو في الأمن والخوف من العدو لقوله تعالى @QB@ وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ فإنما ذلك في شأن الأراجيف ~~التي كان المنافقون يرجفون بها فأمرهم الله بترك العمل بها ورد ذلك إلى ~~الرسول وإلى الأمراء حتى لا يفتوا في أعضاد المسلمين إن كان شيئا يوجب ~~الخوف وإن كان شيئا يوجب الأمن لئلا يأمنوا فيتركوا الاستعداد للجهاد ~~والحذر من الكفار فلا دلالة في ذلك على جواز الاستنباط في أحكام الحوادث ~~قيل له قوله تعالى @QB@ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف @QE@ ليس بمقصور ~~على أمر العدو لأن الأمن والخوف قد يكونان فيما يتعبدون به من أحكام الشرع ~~فيما يباح ويحظر وما يجوز وما لا يجوز ذلك كله من الأمن والخوف فإذا ليس في ~~ذكره الأمن والخوف دلالة على وجوب الاقتصار به على ما يتفق من PageV03P183 ~~الأراجيف بالأمن والخوف في أمر العدو بل جائز أن يكون عاما في الجميع وحظر ~~به على العامي أن يقول في شيء من حوادث الأحكام ما فيه حظر أو إباحة أو ~~إيجاب أو غير ذلك وألزمهم رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ليستنبطوا ~~حكمه بالاستدلال عليه بنظائره من المنصوص وأيضا فلو سلمنا لك أن نزول الآية ~~مقصور على الأمن والخوف من العدو لكانت دلالته قائمة على ما ذكرنا لأنه إذا ~~جاز استنباط تدبير الجهاد ومكايد العدو بأخذ الحذر تارة والإقدام في حال ~~والإحجام في حال أخرى وكان جميع ذلك مما تعبدنا الله به ووكل الأمر فيه إلى ~~آراء أولي الأمر واجتهادهم فقد ثبت وجوب الاجتهاد في أحكام الحوادث ms1225 من ~~تدبير الحروب ومكايد العدو وقتال الكفار فلا فرق بينه وبين الاجتهاد ~~والاستدلال على النظائر من سائر الحوادث من العبادات وفروع الشريعة إذ كان ~~جميع ذلك من أحكام الله تعالى ويكون المانع من الاجتهاد والاستنباط في مثله ~~كمن أباح الاستنباط في البيوع خاصة ومنعه في المناكحات أو أباحه في الصلاة ~~ومنعه في المناسك وهذا خلف من القول # فإن قيل ليس الاستنباط مقصور على القياس واجتهاد الرأي دون الاستدلال ~~بالدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا # قيل له الدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا لا يقطع بين أهل ~~اللغة فيه تنازع إذ كان أمرا معقولا في اللفظ فهذا ليس باستنباط بل هو في ~~مفهوم الخطاب وذلك عندنا نحو قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ أنه لا ~~دلالة على النهي عن الضرب والشم والقتل ونحوه وهذا لا يقع في مثله خلاف فإن ~~أردت بالدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هذا الضرب من دلائل الخطاب فإن ~~هذا لا تنازع فيه ولا يحتاج إلى استنباط وإن أردت بالدليل تخصيص الشيء ~~بالذكر فيكون دلالة على أن ما عداه فحكمه بخلافه فإن هذا ليس بدليل وقد ~~بيناه في أصول الفقه ولو كان هذا ضربا من الدليل لما غفلته الصحابة ولا ~~استدلت به على أحكام الحوادث ولو فعلوا هذا لاستفاض ذلك عنهم وظهر فلما لم ~~ينقل ذلك عنهم دل على سقوط قولك وأيضا لو كان هذا ضربا من الإستدلال لم ~~يمنع ذلك إيجاب الاستنباط فيما لا طريق إليه إلا من جهة الرأي والقياس إذ ~~ليس يوجد في كل حادثة هذا الضرب من الدلالة وقد أمرنا باستنباط سائر ما لا ~~نص فيه فما لم نجد فيه من الحوادث هذا الضرب من الدليل فعلينا استنباط حكمه ~~من طريق القياس والاجتهاد PageV03P184 إذ لا سبيل لنا إليه إلا من هذه ~~الجهة # فإن قيل لما قال الله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ ولم ~~يكن دليل القياس مفضيا بنا إلى العلم بمدلوله إذ كان القائس يجوز على ms1226 نفسه ~~الخطأ ولا يجوز القطع بأن ما أداه إليه قياسه واجتهاده هو الحق عند الله ~~علمنا أنه لم يرد الاستنباط من طريق القياس والاجتهاد # قيل له قولك إن القائس لا يقطع بأن قياسه هو الحق عند الله خطأ لا نقول ~~به وذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد فإن المجتهد ينبغي له أن يقطع بأن ما ~~أداه إليه اجتهاده هو الحق عند الله وهذا عندنا علم منه بأن هذا حكم الله ~~عليه فاستنباطه حكم الحوادث من طريق الاجتهاد يوجب العلم بصحة موجبه وما ~~أداه إليه اجتهاده وهذه الآية أيضا تدل على بطلان قول القائلين بالإمامة ~~لأنه لو كان كل شيء من أحكام الدين منصوصا عليه لعرفه الإمام ولزال موضع ~~الإستنباط وسقط الرد إلى أولي الأمر بل كان الواجب الرد إلى الإمام الذي ~~يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص # وقوله تعالى @QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها @QE@ قال ~~أهل اللغة التحية الملك ومنه قول الشاعر % أسير به إلى النعمان حتى % أتيح ~~على تحيته بجند % # | يعني عن ملكه ومعنى قولهم حياك الله أي ملكك الله ويسمى السلام تحية ~~أيضا لأنهم كانوا يقولون حياك الله فأبدلوا منه بعد الإسلام بالسلام وأقيم ~~مقام قولهم حياك الله قال أبو ذر كنت أول من حيى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتحية الإسلام فقلت السلام عليك ورحمة الله وقال النابغة % يحيون ~~بالريحان يوم السباسب % # يعني أنهم يعطون الريحان ويقال لهم حياكم الله والأصل فيه ما ذكرنا من ~~أنه ملكك الله فإذا حملنا قوله تعالى @QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها @QE@ على حقيقته أفاد أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فله ~~الرجوع فيه مالم يثبت منه فهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن وهب لغير ذي ~~رحم أن له الرجوع فيها مالم يثبت منها فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها ~~لأنه أوجب أحد شيئين من ثواب أو رد لما جيء به # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ms1227 الرجوع في الهبة ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن PageV03P185 داود المهري ~~قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد أن عمرو بن شعيب حدثه عن أبيه ~~عن جده عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يسترد ~~ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه فغذا استرد الواهب فليوقف وليعرف بما ~~استرد ثم ليدفع إليه ما وهب وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن ~~إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الرجل أحق بهبته مالم يثبت منها # وروى ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل ~~يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي ~~العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه وهذا ~~الخبر يدل على معنيين أحدهما صحة الرجوع في الهبة والآخر كراهته وأنه من ~~لؤم الأخلاق ودناءتها في العادات وذلك لأنه شبه الراجع في الهبة بالكلب ~~يعود في قيئه وهو يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما أنه شبهه بالكلب إذا ~~عاد في قيئه ومعلوم أنه ليس بمحرم على الكلب فما شبه به فهو مثله والثاني ~~أنه لو كان الرجوع في الهبة لا يصح بحال لما شبه الراجع بالكلب العائد في ~~القيء لأنه لا يجوز تشبيه ما لا يقع بحال بما قد صح وجوده وهذا يدل أيضا ~~على صحة الرجوع في الهبة مع استقباح هذا الفعل وكراهته وقد روي الرجوع في ~~الهبة لغير ذي الرحم المحرم عن علي وعمر وفضالة بن عبيد من غير خلاف من أحد ~~من الصحابة رضي الله عنهم عليهم # وقد روي عن جماعة من السلف أن ذلك في رد السلام منهم جابر بن عبدالله ~~وقال الحسن السلام تطوع ورده فريضة وذكر الآية # ثم اختلف في أنه ms1228 خاص في أهل الإسلام أو عام في أهل الإسلام وأهل الكفر ~~فقال عطاء هو في اهل الإسلام خاصة وقال ابن عباس وإبراهيم وقتادة هو عام في ~~الفريقين وقال الحسن تقول للكافر وعليكم ولا تقل ورحمة الله لأنه لا يجوز ~~الاستغفار للكفار وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تبدؤا ~~اليهود بالسلام فإن بدؤكم فقولوا وعليكم وقال أصحابنا رد السلام فرض على ~~الكفاية إذا سلم على جماعة فرد واحد منهم أجزأ # وأما قوله تعالى @QB@ بأحسن منها @QE@ إذا أريد رد السلام فهو الزيادة في ~~الدعاء وذلك إذا قال السلام عليكم يقول هو وعليكم السلام ورحمة الله وإذا ~~قال السلام عليكم ورحمة الله قال هو وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته # قوله تعالى @QB@ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا @QE@ ~~روي عن ابن عباس أنها نزلت في PageV03P186 قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا ~~يعينون المشركين على المسلمين وروي مثله عن قتادة وقال الحسن ومجاهد نزلت ~~في قوم قدموا بالمدينة فأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك ~~وقال زيد بن ثابت نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم وفي نسق الآية دلالة على خلاف هذا ~~التأويل الأخير وأنهم من أهل مكة وهو قوله تعالى @QB@ فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ أركسهم @QE@ قال ~~ابن عباس ردهم وقال قتادة أركسهم أهلكهم وقال غيرهم أركسهم نكسهم قال ~~الكسائي أركسهم وركسهم بمعنى وإنما المعنى ردهم في حكم الكفار من الصغار ~~والذلة وقيل من السبي والقتل لأنهم أظهروا الارتداد بعدما كانوا على النفاق ~~وإنما وصفوا بالنفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام لأنهم نسبوا إلى ما ~~كانوا عليه قبل من إضمار الكفر قاله الحسن وقال النحويون هذا يحسن مع علم ~~التعريف وهو الألف واللام كما تقول هذه العجوز هي الشابة يعني هي التي كانت ~~شابة ولا يجوز هذه شابة فأبان تعالى للمسلمين بهذه الآية عن أحوال هذه ~~الطائفة من ms1229 المنافقين إنهم يظهرون لكم الإسلام وإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا ~~الكفر والردة ونهى المسلمين عن أن يحسنوا بهم الظن وأن يجادلوا عنهم # قوله تعالى @QB@ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء @QE@ يعني هذه ~~الطائفة أخبر بذلك عن ضمائرهم واعتقاداتهم لئلا يحسن المؤمنون بهم الظن ~~وليعتقدوا معاداتهم والبراءة منهم # وقوله تعالى @QB@ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله @QE@ ~~يعني والله أعلم حتى يسلموا ويهاجروا لأن الهجرة بعد الإسلام وأنهم وإن ~~أسلموا لم تكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة وهو كقوله تعالى @QB@ ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا @QE@ وهذا في حال ما كانت الهجرة فرضا ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين ~~وأنا بريء من كل مسلم اقام مع مشرك قيل ولم يا رسول الله قال لا تراءى ~~نارهما فكانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة فنسخ فرض الهجرة # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استننفرتم فانفروا # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مؤمل بن الفضل قال حدثنا ~~الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء PageV03P187 ابن يزيد عن أبي سعيد ~~الخدري أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال ويحك إن ~~شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل قال نعم قال فاعمل من وراء البحار فإن الله ~~لن يترك من عملك شيئا فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ترك الهجرة وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن إسماعيل ~~بن أبي خالد قال حدثنا عامر قال أتى رجل عبدالله بن عمرو فقال أخبرني بشيء ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله ms1230 عليه ~~وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى ~~فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما # وقوله تعالى @QB@ فخذوهم واقتلوهم @QE@ فإنه روي عن ابن عباس فإن تولوا ~~عن الهجرة # قال أبو بكر يعني والله أعلم فإن تولوا عن الإيمان والهجرة لأن قوله ~~تعالى @QB@ حتى يهاجروا في سبيل الله @QE@ قد انتظم الإيمان والهجرة جميعا ~~وقوله @QB@ فإن تولوا @QE@ راجع إليها ولأن من أسلم حينئذ ولم يهاجر لم يجب ~~قتله في ذلك الوقت فدل على أن المراد فإن تولوا عن الإيمان والهجرة فخذوهم ~~واقتلوهم # وقوله تعالى @QB@ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ قال ~~أبو عبيد يصلون بمعنى ينتسبون إليهم كما قال الأعشى % إذا اتصلت قالت أبكر ~~بن وائل % وبكر سبتها والأنوف رواغم % # | وقال زيد الخيل % اتصلت تنادي يال قيس % وخصت بالدعاء بني كلاب % # قال أبو بكر الانتساب يكون بالرحم ويكون بالحلف وبالولاء وجائز أن يدخل ~~فيه أيضا رجل في عهدهم على حسب ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قريش من الموادعة فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودخلت بنو كنانة في عهد قريش وقيل إن الآية منسوخة حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فما ~~جعل الله لكم عليهم سبيلا @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ~~@QE@ قال ثم نسخت هذه الآيات @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين @QE@ إلى قوله @QB@ ونفصل الآيات لقوم يعلمون @QE@ PageV03P188 ~~وقال السدي في قوله @QB@ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ ~~إلا الذين يدخلون ms1231 في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لهم وقال الحسن ~~هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قريش عهد فحرم الله تعالى من بني مدلج ما حرم من قريش قال أبو بكر إذا ~~عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار فلا محالة يدخل فيه من كان في ~~حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء بعد أن يكون في حيزهم ومن ~~أهل نصرتهم وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد مالم يشرط ومن ~~شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين فهو داخل فيهم إذا عقد العهد ~~على ذلك كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش وأما قول من قال إن ذلك منسوخ ~~فإنما أراد أن معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ فهو كما قال لأن الله أعز الإسلام وأهله فأمروا ~~أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ فهذا حكم ثابت في ~~مشركي العرب فنسخ به الهدنة والصلح وإقرارهم على الكفر وأمرنا في أهل ~~الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى @QB@ قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون @QE@ فغير جائز للإمام أن يقر أحدا من أهل سائر الأديان على ~~الكفر من غير جزية وأما مشركو العرب فقد كانوا أسلموا في زمن الصحابة ورجع ~~من ارتد منهم إلى الإسلام بعد ما قتل من قتل منهم فهذا وجه صحيح في نسخ ~~معاهدة أهل الكفر على غير جزية والدخول في الذمة على أن تجري عليهم أحكامنا ~~فكان ذلك حكما ثابتا بعد ما أعز الله الإسلام وأظهر أهله على سائر المشركين ~~فاستغنوا بذلك عن العهد والصلح إلا أنه إن احتيج إلى ذلك في وقت لعجز ~~المسلمين عن مقاومتهم ms1232 أو خوف منهم على أنفسهم أو ذراريهم جاز لهم مهادنة ~~العدو ومصالحته من غير جزية يؤدونها إليهم لأن حظر المعاهدة والصلح إنما ~~كان بسبب قوتهم على العدو واستعلائهم عليهم وقد كانت الهدنة جائزة مباحة في ~~أول الإسلام وإنما حظرت لحدوث هذا السبب فمتى زال السبب وعاد الأمر إلى ~~الحال التي كان المسلمون عليها من خوفهم العدو على أنفسهم عاد الحكم الذي ~~كان من جواز الهدنة وهذا نظير ما ذكرنا من نسخ PageV03P189 التوارث بالحلف ~~والمعاقدة بذوي الأرحام فمتى لم يترك وارثا عاد التوارث بالمعاقدة # قوله عز وجل @QB@ أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ~~@QE@ قال الحسن والسدي ضاقت صدورهم على أن يقاتلوكم والحصر الضيق ومنه ~~الحصر في القراءة لأنه ضاقت عليه المذاهب فلم يتوجه لقراءته ومنه المحصور ~~في حبس أو نحوه وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هلال بن عويمر الأسلمي هو ~~الذي حصر صدره أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه وبينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حلف # قال أبو بكر ظاهره يدل على أن الذين حصرت صدورهم كانوا قوما مشركين ~~محالفين للنبي صلى الله عليه وسلم ضاقت صدورهم أن يكونوا مع قومهم على ~~المسلمين لما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من العهد وأن يقاتلوا مع ~~المسلمين ذوي أرحامهم وأنسابهم فأمر الله تعالى المسلمين بالكف عن هؤلاء ~~إذا اعتزلوهم فلم يقاتلوا المسلمين وإن لم يقاتلوا المشركين مع المسلمين ~~ومن الناس من يقول إن هؤلاء كانوا قوما مسلمين كرهوا قتال قومهم من ~~المشركين لما بينهم وبينهم من الرحم وظاهر الآية وما روي في تفسيرها يدل ~~على خلاف ذلك لأن المسلمين لم يقاتلوا المسلمين قط في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن قعدوا عن القتال معهم ولا كانوا قط مأمورين بقتال أمثالهم # وقوله تعالى @QB@ ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم @QE@ يعني إن ~~قاتلتموهم ظالمين لهم يدل على أنهم لم يكونوا مسلمين وقوله تعالى @QB@ فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ms1233 سبيلا ~~@QE@ يقتضي أن يكونوا مشركين إذ ليس ذلك من صفات أهل الإسلام فدل ذلك على ~~أن هؤلاء كانوا قوما مشركين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف فأمر ~~الله تعالى نبيه أن يكف عنهم إذا اعتزلوا قتال المسلمين والمشركين وأن لا ~~يكلفهم قتال قومهم من أهل الشرك أيضا والتسليط المذكور في الآية له وجهان ~~أحدهما تقوية قلوبهم ليقاتلوكم والثاني إباحة القتال لهم في الدفع عن ~~أنفسهم # قوله تعالى @QB@ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم @QE@ قال ~~مجاهد نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيسلمون ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا ~~ههنا وههنا فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا وذكر أسباط عن السدي قال ~~نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين فينقل ~~الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين فقال @QB@ ستجدون آخرين ~~يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم @QE@ وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا ~~يظهرون PageV03P190 الإيمان إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم ~~إذا رجعوا إلى قومهم أظهروا الكفر لقوله تعالى @QB@ كل ما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها @QE@ والفتنة ههنا الشرك وقوله @QB@ أركسوا فيها @QE@ يدل على ~~أنهم قبل ذلك كانوا مظهرين للإسلام فأمر الله تعالى المؤمنين بالكف عن ~~هؤلاء أيضا إذا اعتزلونا وألقوا إلينا السلم وهو الصلح كما أمرنا بالكف عن ~~الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق وعن الذين جاؤنا وقد حصرت صدورهم ~~وكما قال في آية أخرى @QB@ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم @QE@ وكما قال @QB@ وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم @QE@ فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا ثم ~~نسخ ذلك بقوله @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ على ما قدمنا من ~~الرواية عن ابن عباس ومن الناس من يقول إن هذه الآيات غير منسوخة وجائز ~~للمسلمين ترك قتال من لا يقاتلهم من الكفار إذ لم يثبت أن حكم هذه الآيات ms1234 ~~في النهي عن قتال من اعتزلنا وكف عن قتالنا منسوخ وممن حكي عنه أن فرض ~~الجهاد غير ثابت ابن شبرمة وسفيان الثوري وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله ~~تعالى إلا أن هذه الآيات فيها حظر قتال من كف عن قتالنا من الكفار ولا نعلم ~~أحدا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين وإنما الخلاف في ~~جواز ترك قتالهم لا في حظره فقد حصل الإتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال ~~لمن كان وصفه ما ذكرنا والله الموفق للصواب # | باب قتل الخطأ # قال الله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ قال أبو ~~بكر قد اختلف في معنى كان ههنا فقال قتادة معناه ما كان له ذلك في حكم الله ~~وأمره وقال آخرون ما كان له سبب جواز قتله وقال آخرون ما كان له ذلك فيما ~~سلف كما ليس له الآن واختلف أيضا في معنى إلا فقال قائلون هو استثناء منقطع ~~بمعنى لكن قد يقتله فإذا وقع ذلك فحكمه كيت وكيت وهو كما قال النابغة % ~~وقفت فيها أصيلا لا أسائلها % عيت جوابا وما بالربع من أحد % % إلا الأواري ~~لأياما أبينها % والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد % $ وقال آخرون هو استثناء ~~صحيح قد أفاد أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال وهو أن يرى عليه سيما ~~المشركين أو يجده في حيزهم فيظنه مشركا فجائز له قتله وهو خطأ كما ~~PageV03P191 روي عن الزهري عن عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان قاتل مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه ~~من العدو وكروا عليه بأسيافهم فطفق حذيفة يقول إنه أبي فلم يفهموا قوله حتى ~~قتلوه فقال عند ذلك يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فبلغت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فزادت حذيفة عنده خيرا # ومن الناس من يقول معناه ولا خطأ لأن قتل المؤمن من غير مباح بحال قتال ~~فغير جائز أن يكون الاستثناء محمولا على حقيقته وهذا ليس بشيء من وجهين ~~أحدهما ms1235 أن إلا لم توجد بمعنى ولا والثاني ما أنكره من امتناع إباحة قتل ~~الخطأ موجود في حظره لأن الخطأ إن كان لا تصح إباحته لأنه غير معلوم عنده ~~أنه خطأ فكذلك لا يصح حظره ولا النهي عنه # وقال آخرون قد تضمن قوله @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ ~~إيجاب العقاب لقاتله لاقتضاء إطلاق النهي لذلك وأفاد بذلك استحقاق المأثم ~~ثم قال @QB@ إلا خطأ @QE@ فإنه لا مأثم على فاعله وإنما أدخل الاستثناء على ~~ما تضمنه اللفظ من استحقاق المأثم وأخرج منه قاتل الخطأ والاستثناء مستعمل ~~في موضعه على هذا القول غير معدول به عن وجهه وإنما دخل على المأثم المستحق ~~بالقتل وأخرج قاتل الخطأ منه ولم يدخل على فعل القاتل فيكون مبيحا لما حظره ~~بلفظ الجملة # قال أبو بكر وهذا وجه صحيح سائغ وتأويل من تأوله على إباحة قتل الخطأ ~~فيمن يظنه مشركا فإنه معلوم أنه لم يصح له ذلك إلا على الصفة المشروطة إن ~~كان ذلك إباحة وهو أن يكون ذلك خطأ عند القاتل وإذا كان قتل المسلم الذي في ~~حيز العدو قصد بالقتل لا يكون خطأ عند القاتل وإنما عنده أنه قتل عمد مأمور ~~به فغير جائز أن يكون ذلك مراد الآية لأن الإباحة على قول هذا القائل لم ~~يوجد شرطها وهو أن يكون قتل خطأ عند القاتل ألا يرى أنه إذا قال لا تقتله ~~عمدا اقتضى النهي قتلا بهذه الصفة عند القاتل وإذا قال لا تقتله بالسيف ~~فإنما حظر عليه قتلا بهذه الصفة فكذلك قوله @QB@ إلا خطأ @QE@ إذا كان قد ~~اقتضى إباحة قتل الخطأ فواجب أن يكون شرط الإباحة أن يكون عنده أنه خطأ ~~وذلك محال لا يجوز وقوعه لأن الخطأ هو الذي لا يعلم القاتل أنه مخطئ فيه ~~والحال التي لا يعلمها لا يجوز أن يتعلق بها حظر ولا إباحة # وقال أصحابنا القتل على أنحاء أربعة عمد وخطأ وشبه عمد وما ليس بعمد ولا ~~خطأ ولا شبه عمد فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح مع العلم ms1236 بحال المقصود به # والخطأ على ضربين أحدهما أن يقصد رمي PageV03P192 مشرك أو طائر فيصيب ~~مسلما والثاني أن يظنه مشركا لأنه في حيز أهل الشرك أو عليه لباسهم فالأول ~~خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد # وشبه العمد ما تعمد ضربه بغير سلاخ من حجر أو عصا وقد اختلف الفقهاء في ~~ذلك وسنذكره إن شاء الله تعالى # وأما ما ليس بعمد ولا شبه عمد ولا خطأ فهو قتل الساهي والنائم لأن العمد ~~ما قصد إليه بعينه والخطأ أيضا الفعل فيه مقصود إلا أنه يقع الخطأ تارة في ~~الفعل وتارة في القصد وقتل الساهي غير مقوصد أصلا فليس هو في حيز الخطأ ولا ~~العمد إلا أن حكمه حكم الخطأ في الدية والكفارة # قال أبو بكر وقد ألحق بحكم القتل في الحقيقة لا عمدا ولا غير عمد وذلك ~~نحو حافر البئر وواضع الحجر في الطريق إذا عطب به إنسان هذا ليس بقاتل في ~~الحقيقة إذ ليس له فعل في قتله لأن الفعل منا إما أن يكون مباشرة أو متولدا ~~وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل في العاثر بالحجر والواقع في البئر لا ~~مباشرة ولا تولدا فلم يكن قاتلا في الحقيقة ولذلك قال أصحابنا إنه لا كفارة ~~عليه وكان القياس أن لا تجب عليه الدية ولكن الفقهاء متفقون على وجوب الدية ~~فيه قال الله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة ~~إلى أهله @QE@ ولم يذكر في الآية من عليه الدية من القاتل أو العاقلة وقد ~~وردت آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ على ~~العاقلة واتفق الفقهاء عليه منها ما روى الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن ~~عباس قال كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار أن ~~يعقلوا معاقلهم ويفكوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين # وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كتب على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل أن ms1237 يتولى مولى رجل بغير إذنه # وروى مجالد عن الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ~~ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة ~~على عاقلة القاتلة وترك زوجها وولدها فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ميراثها لزوجها وولدها قال وكانت حبلى فألقت ~~جنينا فخاف عاقلة القاتلة أن يضمنهم فقال يا رسول الله لا شرب ولا أكل ولا ~~صاح ولا استهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا سجع الجاهلية فقضى في ~~الجنين غرة عبد أو أمة وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين عبدا أو أمة فقال الذي قضي عليه العقل ~~أنؤدي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل فمثل PageV03P193 ذلك بطل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا لقول الشاعر فيه غرة عبد أو أمة # وروى عبدالواحد بن زياد عن مجالد عن الشعبي عن جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل في الجنين غرة على عاقلة القاتل وروى الأعمش عن إبراهيم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل العقل على العصبة وعن إبراهيم قال ~~اختصم علي والزبير في ولاء موالي صفية إلى عمر فقضى بالميراث للزبير والعقل ~~على علي رضي الله عنه وروي عن علي وعمر في قوم أجلوا عن قتيل أن الدية على ~~بيت المال وعن عمر في قتيل وجد بين وداعة وحي آخر أنه قضى بالدية على ~~العاقلة فقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ ~~على العاقلة واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه فإن قيل قال الله تعالى @QB@ ~~ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه وقال لأبي رمثة ~~وابنه أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه والعقول أيضا تمنع أخذ ms1238 الإنسان بذنب ~~غيره # قيل له أما قوله تعالى @QB@ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى @QE@ فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة لأن الآية إنما ~~نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب ~~الجاني إنما الدية عندنا على القاتل وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه في ~~تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته وقد أوجب الله في ~~أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه ~~المواساة وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك وأمر ببر الوالدين وهذه كلها ~~أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية ~~عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم به وإنما يلزم كل رجل ~~منهم ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم ويجعل ذلك في أعطياتهم إذا كانوا من أهل ~~الديوان ومؤجلة ثلاث سنين فهذا مما ندبوا إليه من مكارم الأخلاق وقد كان ~~تحمل الديات مشهورا في العرب قبل الإسلام وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ~~ومكارم أخلاقهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ~~فهذا فعل مستحسن في العقل مقبول في الأخلاق والعادات وكذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه ولا يجني عليك ~~ولا تجني عليه لا ينفي وجوب الدية على العاقلة على هذا النحو الذي ذكرناه ~~من معنى الآية من غير أن يلام على فعل الغير أو يطالب بذنب سواه ولوجوب ~~الدية على العاقلة وجوه سائغة PageV03P194 مستحسنة في العقول أحدها أنه ~~جائز أن يتعبد الله تعالى بديا بإيجاب المال عليهم لهذا الرجل من غير قتل ~~كان منه كما أوجب الصدقات في مال الأغنياء للفقراء والثاني أن موضوع الدية ~~على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة ولذلك أوجبها أصحابنا على أهل ~~ديوانه دون أقربائه لأنهم أهل نصرته ألا ترى أنهم يتناصرون على القتال ~~والحماية والذب عن الحريم فلما ms1239 كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا ~~بالتناصر والتعاون على تحمل الدية ليتساووا في حملها كما تساووا ي حماية ~~بعضهم بعضا عند القتال والثالث أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة ~~والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك وهو داع إلى الألفة وصلاح ذات ~~البين ألا ترى أن رجلين لو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد ~~لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة وصلاح ذات البين كما لو قصده ~~إنسان بضرر فعاونه وحماه عنه انسلت سخيمة قلبه وعاد إلى سلامة الصدر ~~والموالاة والنصرة # والرابع أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل القاتل إذا جنى ايضا فلم يذهب حمله ~~للجناية عنه ضياعا بل كان له أثر محمود يستحق مثله عليه إذا وقعت منه جناية ~~فهذه وجوه كلها مستحسنة في العقول غير مدفوعة وإنما يؤتى الملحد المتعلق ~~بمثله من ضيق عطنه وقلة معرفته وإعراضه عن النظر والفكر والحمد لله على حسن ~~هدايته وتوفيقه ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب دية الخطأ في ثلاث سنين قال ~~أصحابنا كل دية وجبت من غير صلح فهي في ثلاث سنين وروى أشعث عن الشعبي ~~والحكم عن إبراهيم قالا أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب وفرض فيه الدية ~~كاملة في ثلاث سنين وثلثي الدية في سنتين والنصف في سنتين وما دون ذلك في ~~عامه قال أبو بكر استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه أحد من السلف واتفق فقهاء ~~الأمصار عليه فصار إجماعا لا يسع خلافه واختلف فقهاء الأمصار في العاقلة من ~~هم فقال أبو حنيفة وسائر أصحابنا الدية في قتل الخطأ على العاقلة في ثلاث ~~سنين من يوم يقضى بها والعاقلة هم أهل ديوانه إن كان من أهل الديوان يؤخذ ~~ذلك من أعطياتهم حتى يصيب الرجل منهم من الدية كلها ثلاثة دراهم أو أربعة ~~دراهم فإن أصابه أكثر من ذلك ضم إليهم أقرب القبائل في النسب من أهل ~~الديوان وإن كان القاتل ليس من أهل الديوان فرضت الدية على عاقلته الأقرب ~~فالأقرب ms1240 في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي فيؤخذ في كل سنة ثلث الدية ~~عند رأس كل حول ويضم إليهم PageV03P195 أقرب القبائل منهم في النسب حتى ~~يصيب الرجل منهم الدية ثلاثة دراهم أو أربعة قال محمد بن الحسن ويعقل عن ~~الحليف حلفاؤه ولا يعقل عنه قوله وقال عثمان البتي ليس أهل الديوان أولى ~~بها من سائر العاقلة وقال ابن القاسم عن مالك الدية على القبائل على الغنى ~~على قدره ومن دونه على قدره حتى يصيب الرجل من مائة درهم ونصف وحكي عنه أن ~~ذلك يؤخذ من أعطياتهم وقال الثوري تجعل الدية ثلثا في العام الذي أصيب فيه ~~الرجل ولكن تكون عند الأعطية على الرجال وقال الحسن بن صالح العقل على رؤس ~~الرجال في أعطية المقاتلة وقال الليث العقل على القاتل وعلى القوم الذين ~~يأخذون معهم العطاء ولا يكون على قومه منه شيء وإن لم يكن فيهم من يحمل ~~العقل ضم إلى ذلك أقرب القبائل إليهم وروى المزني في مختصره عن الشافعي أن ~~العقل على ذوي الأنساب دون أهل الديوان والحلفاء على الأقرب فالأقرب من بني ~~أبيه ثم من بني جده ثم من بني جد أبيه فإن عجزوا عن البعض حمل الموالي ~~المعتقون الباقي فإن عجزوا عن بعض ولهم عواقل عقلتهم عواقلهم فإن لم يكن ~~لهم ذو نسب ولا مولى من أعلى حمل على الموالي من أسفل ويحمل من كثر ماله ~~نصف دينار ومن كان دونه ربع دينار ولا يزاد على هذا ولا ينقص منه قال أبو ~~بكر حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب على كل بطن عقوله وقال لا ~~يتولى مولى قوم إلا بإذنهم يدل على سقوط اعتبار الأقرب فالأقرب وإن القريب ~~والبعيد من الجاني سواء في ذلك وروي عن عمر أنه قال لسلمة بن نعيم حين قتل ~~مسلما وهو يظنه كافرا أن عليك وعلى قومك الدية ولم يفرق بين القريب والبعيد ~~منهم وهذا يدل على تساوي القريب والعبيد ويدل أيضا على التسوية بينهم فيما ~~يلزم كل ms1241 واحد منهم من غير اعتبار الغني والفقير ويدل على أن القاتل يدخل في ~~العقل مع العاقلة لأنه قال عليك وعلى قومك الدية وكان أهل الجاهلية ~~يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر فيه كذلك ثم جعل عمر الدواوين ~~فجمع بها الناس وجعل أهل كل راية وجند يدا واحدة وجعل عليهم قتال من يليهم ~~من الأعداء فصاروا يتناصرون بالرايات والدواوين وعليها يتعاقلون وإذا لم ~~يكن من أهل الديوان فعلى ا لقبائل لأن التناصر في هذه الحال بالقبائل ~~فالمعنى الذي تعاقلوا به في الجاهلية والإسلام معنى واحد وهو النصر فإذا ~~كانت في الجاهلية النصرة بالروايات والدواوين تعاقلون بها لأنهم في هذه ~~الحال أخص بالنصرة من القبيلة فإذا فقدت الرايات تناصروا PageV03P196 ~~بالقبائل وبها يتعاقلون أيضا # والدليل على أن العقل تابع للنصرة أن النساء لا يدخلن في العقل لعدم ~~النصرة فيهن فدل ذلك على صحة اعتبار النصرة في العقل وأما العقل بالحلف فإن ~~سعد بن إبراهيم روى عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة فأثبت ~~النبي صلى الله عليه وسلم حلف الجاهلية وقد كان الحلف عندهم كالقرابة في ~~النصرة والعقل ثم أكده الإسلام وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~مولى القوم من أنفسهم وحليفهم منهم وقد كانت ظهرت خيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم على رجل من المشركين فربطه إلى سارية من سواري المسجد فقال علام أحبس ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم بجريرة حلفائك فإن قيل فقد نفى النبي صلى ~~الله عليه وسلم حلف الإسلام بقوله لا حلف في الإسلام # قيل له معناه نفي التوارث به مع ذوي الأرحام لأنهم كانوا يورثون الحليف ~~دون ذوي الأرحام فأما حكم الحلف في العقل والنصرة فباق ثابت وكذلك الولاء ~~ثابت يعقل به لم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار المتقدمة ~~وإنما ألزم أصحابنا كل واحد ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم لاتفاق الجميع ms1242 على ~~لزومه هذا القدر وما زاد مختلف فيه لم تقم الدلالة عليه فلم يلزمه ويدخل ~~القاتل معهم في العقل وهو قول أصحابنا ومالك وابن شبرمة والليث والشافعي ~~وقال الحسن بن صالح والأوزاعي لا يدخل فيه وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن ~~عبدالعزيز أنه يعقل معهم وما روي عن أحد من السلف خلافه ومن جهة النظر أن ~~الدية إنما تلزم القاتل والعاقلة تعقل عنه على جهة المواساة والنصرة فواجب ~~أن لا يلزم العاقلة إلا المتيقن وقد اتفقوا على أن ما عدا حصة الواحد منهم ~~لازم العاقلة واختلفوا في المقدار الذي هو نصيب أحدهم هل تحمله العاقلة ~~فواجب أن لا يكون لازما لعدم الدلالة على لزومه العاقلة ومن جهة أخرى أن ~~العاقلة إنما تعقل عنه فعقله عن نفسه أولى فينبغي أن يدخل معهم وأيضا لو ~~كان غيره هو الجاني لدخل مع سائر العاقلة للتخفيف عنهم فإذا كان هو الجاني ~~فهو أولى بالدخول معهم للتخفيف عنهم لأنهم متساوون في التناصر والمواساة ~~قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد والأوزاعي والشافعي يجزي في كفارة القتل الصبي إذا كان ~~أحد أبويه مسلما وهو قول عطاء وروي عن ابن عباس والحسن وإبراهيم والشعبي لا ~~يجزي إلا من صام وصلى ولم يختلفوا في جوازه في رقبة PageV03P197 الظهار ~~ويدل على صحة القول الأول قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ وهذه ~~رقبة مؤمنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه فأثبت له حكم ا لفطرة عند الولادة فوجب جوازه بإطلاق ~~اللفظ ويدل عليه أن قوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ @QE@ منتظم للصبي ~~كما يتناول الكبير فوجب أن يتناوله عموم قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة ~~@QE@ ولم يشرط الله عليها الصيام والصلاة فلا تجوز الزيادة فيه لأن الزيادة ~~في النص توجب النسخ ولو أن عبدا أسلم فأعتقه مولاه عن كفارته قبل حضور وقت ~~الصلاة والصيام كان مجزيا عن الكفارة لحصول اسم الإيمان فكذلك الصبي إذا ~~كان ms1243 داخلا في إطلاق اسم الإيمان فإن قيل العبد المعتق بعد إسلامه لا يجزي ~~إلا أن يكون قد صام وصلى قيل له لا يختلف المسلمون في إطلاق اسم الإيمان ~~على العبد الذي أسلم قبل حضور وقت الصلاة أو الصوم فمن أين شرطت مع الإيمان ~~فعل الصلاة والصوم والله سبحانه لم يشرطهما ولم زدت في الآية ما ليس فيها ~~وحظرت ما أباحته من غير نص يوجب ذلك وفيه إيجاب نسخ القرآن وأيضا لما كان ~~حكم الصبي حكم الرجل في باب التوارث والصلاة عليه ووجوب الدية على قاتله ~~وجب أن يكون حكمه حكمه في جوازه عن الكفارة إذ كانت رقبة تامة لها حكم ~~الإيمان فإن قيل قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ يقتضي حقيقة رقبة ~~بالغة معتقدة للإيمان لا من لها حكم الإيمان من غير اعتقاد ولا خلاف مع ذلك ~~أيضا أن الرقبة التي هذه صفتها مرادة بالآية فلا يدخل فيها من لا تلحقه هذه ~~السمة إلا على وجه المجاز وهو العقل الذي لا اعتقاد له قيل له لا خلاف بين ~~السلف أن غير البالغ جائز في كفارة الخطأ إذا كان قد صام وصلى ولم يشرط أحد ~~وجود الإيمان منه حقيقة ألا ترى أن من له سبع سنين مأمور بالصلاة على وجه ~~التعليم وليس له اعتقاد صحيح للإيمان فثبت بذلك سقوط اعتبار وجود حقيقة ~~الإيمان الرقبة ولما ثبت ذلك باتفاق السلف علمنا أن الاعتبار فيه بمن لحقته ~~سمة الإيمان على أي وجه سمي والصبي بهذه الصفة إذا كان أحد أبويه مسلما ~~فوجب جوازه عن الكفارة # قوله تعالى @QB@ إلا أن يصدقوا @QE@ قال أبو بكر يعني والله أعلم إلا أن ~~يبرئ أولياء القتيل من الدية فسمى الإبراء منها صدقة وفيه دليل على أن من ~~كان له على آخر دين فقال قد تصدقت به عليك أن ذلك براءة صحيحة وأنه لا ~~يحتاج في صحة هذه البراءة إلى PageV03P198 قبول المبرأ منه ولذلك قال ~~أصحابنا إن البراءة واقعة ما لم يردها المبرأ منه وقال زفر لا يبرأ الغريم ~~من ms1244 الدين إلا أن يقبل البراءة وكذلك الصدقة وجعل بمنزلة هبة الأعيان وظاهر ~~الآية يدل على صحة قول أصحابنا لأنه لم يشرط القبول ولأن الدين حق فيصح ~~إسقاطه كالعفو عن دم العمد والعتق ولا يحتاج إلى قبول وقال أصحابنا إذا رد ~~المبرأ منه البراءة من الدين عاد الدين وقال غيرهم لا يعود وجعلوه كالعتق ~~والعفو عن دم العمد والدليل على صحة قولنا أن البراءة من الدين يلحقها ~~الفسخ ألا ترى أنه لو صالحه على ثوب برئ فإن هلك الثوب قبل القبض بطلت ~~البراءة وعاد الدين والعتق والعفو عن الدم لا ينفسخان بحال ويدل أيضا على ~~وقوع البراءة من الدين بلفظ التمليك أن الصدقة من ألفاظ التملك وقد حكم ~~بصحة البراءة بها وأنه ليس بمنزلة الأعيان إذا ملكها غيره بلفظ الإبراء فلا ~~يملك مثل أن يقول قد أبرأتك من هذا العبد فلا يملكه وإن قبل البراءة وإذا ~~قال قد تصدقت بمالي عليك من الدين أو قد وهبت لك ما لي عليك صحت البراءة ~~ويدل على ذلك أن من له على غيره دين وهو غني فقال قد تصدقت به عليك برئ منه ~~لأن الله تعالى لم يفرق بين الغني والفقير في ذلك ويدل على أن الأهل يعبر ~~به عن الأولياء والورثة لأن قوله @QB@ فدية مسلمة إلى أهله @QE@ معناه إلى ~~ورثته وقال محمد بن الحسن فيمن أوصى لأهل فلان أن القياس أن يكون لزوجاته ~~إلا أني قد تركت القياس وجعلته لكل من كان في عياله قال أبو بكر الأهل اسم ~~يقع على الزوجة وعلى جميع من يشتمل عليه منزله وعلى أتباع الرجل وأشياعه ~~قال الله تعالى @QB@ إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك @QE@ فكان ذلك على جميع ~~أهل منزله من أولاده وغيرهم وقال @QB@ فنجيناه وأهله أجمعين @QE@ ويقع على ~~من اتبعه في دينه كقوله @QB@ ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم @QE@ فسمى أتباعه في دينه أهله وقال في ابنه @QB@ ~~إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح @QE@ فاسم الأهل يقع على معان ms1245 مختلفة وقد ~~يطلق اسم الأهل ويراد به الآل وهو قراباته من قبل الأب كما يقال آل النبي ~~وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهما سواء # | باب شبه العمد # قال أبو بكر أصل أبي حنيفة في ذلك أن العمد ما كان بسلاح أو ما يجري ~~مجراه PageV03P199 مثل الذبح بليطة قصبة أو شقة العصا أو بكل شيء له حد ~~يعمل عمل السلاح أو بحرقه بالنار فهذا كله عنده عمد محض فيه القصاص ولا ~~نعلم في هذه الجملة خلافا بين الفقهاء وقال أبو حنيفة ما سوى ذلك من القتل ~~بالعصا والحجر صغيرا كان أو كبيرا فهو شبه العمد وكذلك التغريق في الماء ~~وفيه الدية مغلظة على العاقلة وعليه الكفارة ولا يكون التغليظ عنده إلا في ~~أسنان الإبل خاصة دون عددها وليس فيما دون النفس شبه عمد بل بأي شيء ضربه ~~فعليه القصاص إذا أمكن وإن لم يكن فعليه أرشه مغلظا إذا كان من الإبل يسقط ~~ما يجب وأصل أبي يوسف ومحمد أن شبه العمد مالا يقتل مثله كاللطمة الواحدة ~~والضربة الواحدة بالسوط ولو كرر ذلك حتى صار جملته مما يقتل كان عمدا وفيه ~~القصاص بالسيف وكذلك إذا غرقه بحيث لا يمكنه الخلاف منه وهو قول عثمان ~~البتي إلا أنه يجعل دية شبه العمد في ماله قال ابن شبرمة وما كان من شبه ~~العمد فهو عليه في ماله يبدأ بماله فيؤخذ حتى لا يترك له شيء فإن لم يتم ~~كان ما بقي من الدية على عاقلته وقال ابن وهب عن مالك إذا ضربه بعصا أو ~~رماه بحجر أو ضربه عمدا فهو عمد وفيه القصاص ومن العمد أن يضربه في نائرة ~~تكون بينهما ثم ينصرف عنه وهو حي ثم يموت فتكون فيه القسامة وقال ابن ~~القاسم عن مالك شبه العمد باطل إنما هو عمد أو خطأ وقال الأشجعي عن الثوري ~~شبه العمد أن يضربه بعصا أو بحجر أو بيده فيموت ففيه الدية مغلظة ولا قود ~~فيه والعمد ما كان بسلاح وفيه القود والنفس يكون ms1246 فيها العمد وشبه العمد ~~والخطأ الجراحة لا يكون فيها إلا خطأ أو عمد وروى الفضل بن دكين عن الثوري ~~قال إذا حدد عودا أو عظما فجرح به بطن حرا فهذا شبه عمد ليس فيه قود قال ~~أبو بكر هذا قول شاذ وأهل العلم على خلافه وقال الأوزاعي في شبه العمد ~~الدية في ماله فإن لم يكن تماما فعلى العاقلة وشبه العمد أن يضربه بعصا أو ~~سوط ضربة واحدة فيموت فإن ثنى بالعصا فمات مكانه فهو عمد يقتل به والخطأ ~~على العاقلة وقال الحسن بن صالح إذا ضربه بعصا ثم على فقتله مكانه من ~~الضربة الثانية فعليه القصاص وإن على الثانية فلم يمت منها ثم مات بعدها ~~فهو شبه عمد لا قصاص فيه وفيه الدية على العاقلة والخطأ على العاقلة وقال ~~الليث العمد ما تعمده إنسان فإن ضربه بأصبعه فمات من ذلك دفع إلى ولي ~~المقتول والخطأ فيه على العاقلة وهذا يدل على أن الليث كان لا يرى شبه ~~العمد وإنما يكون PageV03P200 خطأ أو عمدا وقال المزني في مختصره عن ~~الشافعي إذا عمد رجل بسيف أو حجر أو سنان رمح أو ما يشق بحده فضرب به أو ~~رمى به الجلد أو اللحم فجرحه جرحا كبيرا أو صغيرا فمات فعليه القود وإن ~~شدخه بحجر أو تابع عليه الخنق ووالى بالسوط عليه حتى مات أو طبق عليه مطبقا ~~بغير طعام ولا شراب أو ضربه بسوط في شدة حر أو برد مما الأغلب أنه يموت منه ~~فمات فعليه القود وإن ضربه بعمود أو بحجر لا يشدخ أو بحد سيف ولم يجرح أو ~~ألقاه في بحر قريب البر وهو يحسن العوم أو ما الأغلب أنه لا يموت مثله فمات ~~فلا قود فيه وفيه الدية مغلظة على العاقلة # والدليل على ثبوت شبه العمد ما روى هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ~~ربيعة بن جوشن عن عقبة بن أوس السدوسي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه صلى الله عليه وسلم خطب يوم ms1247 فتح مكة فقال في خطبته ألا إن قتيل ~~خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون ~~خلفة في بطونها أولادها # وروى إبراهيم عن عبيد بن نضلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين ~~ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها بالغرة # وروى يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي ~~هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما ~~في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها ~~عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها ففي أحد هذين الحديثين أنها ~~ضربتها بعمود فسطاط وفي الآخر أنها ضربتها بحجر # وقد روى أبو عاصم عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن ~~عباس أن عمر بن الخطاب نشد الناس قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجنين فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال إنني كنت بين امرأتين لي وأن ~~إحداهما ضربت الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجنين بغرة وأن تقتل مكانها # وروى الحجاج بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس ~~عن عمر بمثله فذكر أبو عاصم والحجاج عن ابن جريج أنه أمر بقتل المرأة # وروى هذا الحديث هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن ابن دينار ~~وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار بإسناده ولم يذكرا فيه أنه أمر أن تقتل ~~وذكر أبو عاصم والحجاج أنه أمر أن تقتل المرأة فاضطرب حديث ابن عباس في هذه ~~القصة PageV03P201 وروى سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن حمل بن مالك قال ~~كانت له امرأتان فرجمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب قلبها وهي حامل فألقت ~~جنينا فماتت فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى ~~الله عليه ms1248 وسلم بالدية على عاقلة القاتلة وقضى في الجنين بغرة عبد أو أمة ~~فكان حديث حمل بن مالك في إيجاب القود على المرأة مختلفا متضادا وروي في ~~بعض أخبار ابن عباس في هذه القصة بعينها القصاص ولم يذكره في بعضها قال حمل ~~بن مالك وهو صاحب القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عاقلة ~~القاتلة فتضادت الأخبار في قصة حمل بن مالك وسقطت وبقي حديث المغيرة بن ~~شعبة وأبي هريرة في نفي القصاص من غير معارض # وقد روى أبو معاوية عن حجاج عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قتيل السوط والعصا شبه العمد # وإثبات شبه العمد ضربا من القتل دون الخطأ فيه اتفاق السلف عندنا لا خلاف ~~بينهم فيه وإنما الاختلاف بينهم في كيفية شبه العمد فأما أن يقول مالك لا ~~أعرف إلا خطأ أو عمدا فإن هذا قول خارج عن أقاويل السلف كلهم وروى شريك عن ~~أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال شبه العمد بالعصا والحجر الثقيل وليس ~~فيهما قود وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل آكلة ~~اللحم وهي العصا ثم يقول لا قود علي لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته فكان ~~هذا عنده من العمد لأن مثله يقتل في الغالب عل ما قال أبو يوسف ومحمد ومما ~~يبين إجماع الصحابة على شبه العمد وأنه قسم ثالث ليس بعمد محض ولا خطأ محض ~~اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسنان الإبل في الخطأ ثم ~~اختلافهم في أسنان شبه العمد وأنها أغلظ من الخطأ منهم علي وعمر وعبدالله ~~بن مسعود وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبو موسى والمغيرة بن شعبة كل هؤلاء ~~أثبت أسنان الإبل في شبه العمد أغلظ منها في الخطأ على ما سنبينه فيما بعد ~~إن شاء الله تعالى فثبت بذلك شبه العمد # ولما ثبت شبه العمد بما قدمنا من الآثار واتفاق السلف بعد اختلاف منهم ms1249 في ~~كيفيته احتجنا أن نعتبر شبه العمد فوجدنا عليا قال شبه العمد بالعصا والحجر ~~العظيم ومعلوم أن شبه العمد اسم شرعي لا سبيل إلى إثباته إلا من جهة ~~التوقيف إذ ليس في اللغة هذا الاسم لضرب من القتل فعلمنا أن عليا لم يسم ~~القتل بالحجر العظيم شبه العمد إلا توقيفا ولم يذكر الحجر العظيم إلا ~~والصغير والكبير متساويان عنده في سقوط القود به ويدل عليه ما حدثنا ~~عبدالباقي PageV03P202 ابن قانع قال حدثنا المعمري قال حدثنا عبدالرحمن بن ~~عبدالله الرقي قال حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي وخالد الحذاء عن ~~القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها ~~أربعون خلفة في بطونها أولادها فقد حوى هذا الخبر معاني منها إثباته قتيل ~~خطأ العمد قسما غالب العمد وغير الخطأ وهو شبه العمد ومنها إيجابه الدية في ~~قتيل السوط والعصا من غير فرق بين ما يقتل مثله وبين مالا يقتل مثله وبين ~~من يوالي الضرب حتى يقتله وبين من يقتل بضربة واحدة ومنها أنه جمع بين ~~السوط والعصا والسوط لا يقتل مثله في الغالب والعصا يقتل مثلها في الأكثر ~~فدل على وجوب التسوية بين ما يقتل وبين مالا يقتل # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ~~عقبة بن مكرم قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين ~~عن إبراهيم بن بنت النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كل شيء سوى الحديدة خطأ ولكل خطأ أرش وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~محمد بن يحيى بن سهل بن محمد العسكري قال حدثنا محمد بن المثنيى قال حدثنا ~~يوسف بن يعقوب الضبعي قال حدثنا سفيان الثوري وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي ~~عازب عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ms1250 خطأ ~~إلا السيف وفي كل خطأ أرش وأيضا لما اتفقوا على أنه لو جرحه بسكين صغيرة لم ~~يختلف حكمها وحكم الكبيرة في وجوب القصاص فوجب أن لا يختلف حكم الصغير ~~والكبير من الحجر والخشب في سقوطه وهذا يدل على أن الحكم في إيجاب القصاص ~~متعلق بالآلة وهي أن تكون سلاحا أو يعمل عمل السلاح فإن قيل على ما روينا ~~من قوله صلى الله عليه وسلم قتيل خطأ العمد إن العمد لا يكون خطأ ولا الخطأ ~~عمدا وهذا يدل على فساد الحديث # قيل ليس كذلك لأنه سماه خطأ في الحكم عمد في الفعل وذلك معنى صحيح لأنه ~~دل به على التغليظ من حيث هو عمد وعلى سقوط القود من حيث هو في حكم الخطأ # فإن قيل قوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ وقوله @QB@ ~~النفس بالنفس @QE@ وسائر الآي التي فيها إيجاب القصاص يوجبه على القاتل ~~بالحجر العظيم # قيل له لا خلاف أن هذه الآي إنما أوجبت القصاص في العمد وهذا ليس بعمد ~~ومع ذلك فإن الآي وردت في إيجاب القصاص في الأصل والآثار التي PageV03P203 ~~ذكرنا واردة فيما يجب فيه القصاص فكل واحد منهما مستعمل فيما ورد فيه لا ~~يعترض بأحدهما على الآخر وأيضا قال الله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله @QE@ وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~شبه العمد قتيل الخطأ فلما أطلق عليه اسم الخطأ وجب أن تكون فيه الدية فإن ~~احتجوا بحديث ابن عباس في قصة المرأتين قتلت إحداهما الأخرى بمسطح فأوجب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليها القصاص قيل له قد بينا اضطراب الحديث وما ~~عارضه من رواية حمل بن مالك في إيجاب الدية دون القود ولو ثبت القود أيضا ~~فإن ذلك إنما كان في شيء بعينه ليس بعموم في جميع من قتل بمسطح وجائز أن ~~يكون كان فيه حديد وأصابها الحديد دون الخشب فمن أوجب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه القود فإن احتجوا بما روي أن يهوديا رضخ رأس جارية ms1251 بالحجارة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرضح رأسه قيل له جائز أن يكون كان لها مروة ~~وهي التي لها حد يعمل عمل السكين فلذلك أوجب النبي صلى الله عليه وسلم قتله ~~وأيضا روى عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس أن ~~يهوديا قتل جارية من الأنصار على حلي لها وألقاها في نهر ورضخ رأسها ~~بالحجارة فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم ~~حتى مات ولا خلاف أن الرجم لا يجب على وجه القود وجائز أن يكون اليهودي ~~مستأمنا فقتل الجارية ولحق بأرضه فأخذ وهو حربي لقرب منازلهم من المدينة ~~فقتله على أنه محارب حربي ورجمه كما سمل أعين العرنيين الذين استاقوا الإبل ~~وقتلوا الراعي وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم حتى ماتوا ثم نسخ القتل على وجه ~~المثلة $ # فصل وأما ما دون النفس فإنه ليس فيه شبه العمد من جهة الآلة ويجب فيه ~~القصاص بحجر شجه أو بحديد وفيه شبه العمد من جهة التغليظ إذا تعذر فيه ~~القصاص وإنما لم يثبت فيما دون النفس بشبه العمد لأن الله تعالى قال @QB@ ~~والجروح قصاص @QE@ وقال @QB@ والسن بالسن @QE@ ولم يفرق بين وقوعها بحديد ~~أو غيره والأثر إنما ورد في إثبات خطأ معمد في القتل وذلك اسم شرعي لا يجوز ~~إثباته إلا من طريق التوقيف ولم يرد فيما دون النفس توقيف في شبه العمد ~~وأثبتوا فيه التغليظ إذا لم يمكن فيه القصاص لأنه بمنزلة شبه العمد حين كان ~~عمدا في الفعل وقد روي عن عمر نضر الله وجهه أنه قضى قتادة المدلجي حين حذف ~~ابنه بالسيف فقتله بمائة من الإبل مغلظة حين كان عمدا سقط فيه القصاص ~~PageV03P204 كذلك فيما دون النفس إذا كان عمدا قد سقط فيه القصاص إيجاب ~~قسطه من الدية مغلظا ومع ذلك فلا نعلم خلافا بين الفقهاء في إيجاب القصاص ~~في الجراحات التي يمكن القصاص فيها بأي شيء جرح قال أبو بكر قد ذكرنا الخطأ ~~وشبه العمد في سورة البقرة ms1252 والله أعلم # | باب مبلغ الدية من الإبل # قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الدية وأنها مائة ~~من الإبل فمنها حديث سهل بن أبي حثمة في القتيل الموجود بخيبر وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وداه بمائة من الإبل وروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد ~~بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمكة فقال ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا فيه الدية مغلظة مائة ~~من الإبل أربعون خلفة في بطونها أولادها وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي النفس مائة من الإبل وروى عمرو بن دينار ~~عن طاوس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ ماله من الإبل ~~وذكر علي بن موسى القمي قال حدثنا يعقوب بن شيبة قال حدثنا قيس بن حفص قال ~~حدثنا الفضل بن سليمان النميري قال حدثنا غالب بن ربيعة بن قيس النميري قال ~~أخبرني قرة بن دعموص النميري قال أتيت أنا وعمي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت يا رسول الله إن لي عند هذا دية أبي فمره أن يعطينيها قال أعطه دية ~~أبيه وكان قتل في الجاهلية قلت يا رسول الله هل لأمي فيها حق قال نعم وكان ~~ديته مائة من الإبل فقد حوى هذا الخبر أحكاما منها أن المسلم والكافر في ~~الدية سواء لأنه أخبر أنه قتل في الجاهلية ومنها أن المرأة ترث من دية ~~زوجها ومنها أن الدية مائة من الإبل ولا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار في ~~ذلك والله أعلم # | باب أسنان الإبل في دية الخطأ # قال أبو بكر اختلف السلف في ذلك # فروى علقمة عن الأسود عن عبدالله بن مسعود في دية الخطأ أخماسا وعشرون ~~حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعن ~~عمر بن الخطاب أخماسا أيضا وروى عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطأ ms1253 ~~أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون ~~بنات لبون أربعة PageV03P205 أسنان مثل أسنان الزكاة وقال عثمان وزيد بن ~~ثابت في الخطأ ثلاثون بنات لبون وثلاثون جذعة وعشرون بنو لبون وعشرون بنات ~~مخاض وروي عنهما مكان الجذاع الحقاق قال أبو بكر واتفق فقهاء الأمصار ~~أصحابنا ومالك والشافعي أن دية الخطأ أخماس إلا أنهم اختلفوا في الأسنان من ~~كل صنف فقال أصحابنا جميعا عشرون بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات ~~لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وقال مالك والشافعي عشرون بنات مخاض وعشرون ~~بنو لبون وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن داود بن توبة التمار قال ~~حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا حجاج بن أرطارة ~~عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا واتفق الفقهاء على استعمال هذا الخبر في ~~الأخماس يدل على صحته ولم يبين فيه كيفية الأسنان فروى منصور عن إبراهيم عن ~~ابن مسعود في دية الخطأ أخماسا وذكر الأسنان مثل قول أصحابنا فهذا يدل على ~~أن الأخماس التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت على هذا الوجه ~~لأنه غير جائز أن يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه إلى ~~غيره # فإن قيل خشف بن مالك مجهول # قيل له استعمال الفقهاء الخبرة في إثبات الأخماس يدل على صحته واستقامته ~~وأيضا فإن قول من جعل في الخطأ مكان بنو لبون بني مخاض أولى لأن بني لبون ~~بمنزلة بنات مخاض لقوله صلى الله عليه وسلم فإن لم توجد ابنة مخاض فابن ~~لبون فيصير بمنزلة من أوجب أربعين بنات مخاض إذا أوجب عشرين بني لبون ~~وعشرين بنات مخاض وأيضا فإن بني لبون فوق بني مخاض ولا يجوز إثبات زيادة ما ~~بين بني لبون وبنات مخاض إلا بتوقيف وأيضا فإن قول النبي صلى الله ms1254 عليه ~~وسلم الدية مائة من الإبل يقتضي جواز ما يقع عليه الاسم فلا تثبت الزيادة ~~إلا بدلالة ومذهب أصحابنا أقل ما قيل فيه فهو ثابت وما زاد فلم تقم عليه ~~دلالة فلا يثبت وأيضا قد ثبت مثل قول أصحابنا عن عبدالله بن مسعود في كيفية ~~الأسنان ولم يرو عن أحد من الصحابة ممن قال بالأخماس خلافه وقول مالك ~~والشافعي لا يروى عن أحد من الصحابة وإنما يروى عن سليمان بن يسار فكان قول ~~أصحابنا أولى لاتفاق الجميع من فقهاء الأمصار على إثبات الأخماس وثبوت ~~كيفيتها على الوجه الذي يذهب إليه أصحابنا عن عبدالله بن مسعود # فإن قيل إيجاب PageV03P206 بني لبون أولى من بني مخاض لأنها تؤخذ في ~~الزكاة ولا تؤخذ بنو مخاض # قيل له ابن اللبون يؤخذ في الزكاة على وجه البدل وكذلك ابن مخاض يؤخذ ~~عندنا على وجه البدل فلا فرق بينهما وأيضا فإن الديات غير معتبرة بالزكاة ~~ألا ترى أنه يجب عند المخالف أربعون خلفة في شبه العمد ولا يجب مثلها في ~~الزكاة والله أعلم # | باب أسنان الإبل في شبه العمد # روي عن عبدالله بن مسعود في شبه العمد أرباعا خمس وعشرون بنات مخاض وخمس ~~وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهي مثل أسنان الإبل في ~~الزكاة # وروي عن علي وأبي موسى والمغيرة بن شعبة في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون ~~جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة وعن عثمان وزيد بن ثابت ~~ثلاثون بنات لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة خلفة # وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي في شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة ~~وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف دية شبه العمد ~~أرباع على ما روي عن عبدالله بن مسعود وقال محمد دية شبه العمد أثلاث ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة ~~والخلفة هي الحوامل وهو قول ms1255 سفيان الثوري وروي مثله عن عمر وزيد بن ثابت ~~ومن قدمنا ذكره من السلف # وروى ابن القاسم بن مالك أن الدية المغلظة في الرجل يحذف ابنه بالسيف ~~فيقتله فتكون عليه الدية مغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهي ~~حالة قال والجد إذا قتل ولد ولده على هذا الوجه مثل الأب فإن قطع يد الولد ~~وعاش ففيه نصف الدية مغلظة وقال مالك تغلظ على أهل الورق والذهب أيضا وهو ~~أن ينظر إلى قيمة الثلاثين من الحقة والثلاثين من الجذعة والأربعين من ~~الخلفة فيعرف كم قيمتهن ثم ينظر إلى دية الخطأ أخماسا من سنان عشرين بنت ~~مخاض وعشرين ابن لبون وعشرين بنات لبون وعشرين حقة وعشرين جذعة ثم ينظر كم ~~فضل ما بين دية الخطأ والدية المغلظة فيزاد في الرقة على قدر ذلك قال وهو ~~على قدر الزيادة والنقصان في سائر الأزمان وإن صارت دية التغليظ ضعفي دية ~~الخطأ زيد عليه من الورق بقدر ذلك وقال الثوري في دية شبه العمد من ~~PageV03P207 الورق يزاد عليها بقدر ما بين دية الخطأ إلى دية شبه العمد في ~~أسنان الإبل نحو ما قال مالك وهو قول الحسن بن صالح # قال أبو بكر لما ثبت أن دية الخطأ أخماس بما روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبما قدمنا من الحجاج ثم اختلفوا في شبه العمد فجعله بعضهم أرباعا ~~وبعضهم أثلاثا كان قول من قال بالأرباع أولى لأن في الأثلاث زيادة تغليظ لم ~~تقم عليها دلالة وقول النبي صلى الله عليه وسلم الدية مائة من الإبل يوجب ~~جواز الكل والتغليظ بالأرباع متفق عليه والزيادة عليها غير ثابتة فظاهر ~~الخبر ينفيها فلم نثبتها وأيضا فإن في إثبات الخلفات وهي الحوامل إثبات ~~زيادة عدد فلا يجوز لأنها تصير أكثر من مائة لأجل الأولاد # فإن قيل في حديث القاسم بن ربيعة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قتيل خطأ العمد مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها وقد ~~احتججتم به في إثبات ms1256 شبه العمد فهلا أثبتم الأسنان # قيل له أثبتنا به شبه العمد لاستعمال الصحابة إياه في إثبات شبه العمد ~~ولو كان ذلك ثابتا لكان مشهورا ولو كان كذلك لما اختلفوا فيه كما لم ~~يختلفوا في إثبات شبه العمد وليس يمتنع أن يشتمل خبر على معان فيثبت بعضها ~~ولا يثبت بعض إما لأنه غير ثابت في الأصل أو لأنه منسوخ وأما التغليظ في ~~الورق والذهب فإنه لا يخلو أصل الدية من أن يكون واجبا من الإبل وأن الورق ~~والذهب مأخوذان عنها على أنهما قيمة لها أو أن تكون الدية في الأصل واجبة ~~في أحد الأصناف الثلاثة من الدراهم والدنانير والإبل لا على أن بعضها بدل ~~من بعض فإن كانت الإبل هي الدية وإنما تؤخذ الدراهم والدنانير بدلا منها ~~فلا اعتبار بما ذكره مالك من إيجاب فضل ما بين دية الخطأ إلى الدية المغلظة ~~وإنما الواجب أن يقال أن عليه قيمة الإبل على أسنان التغليظ وكذلك دية ~~الخطأ ينبغي أن تعتبر فيها قيمة الإبل على أسنان الخطأ وأن لا تعتبر ~~الدراهم والدنانير في الديات مقدرا محدودا فلا يقال أن الدية من الدراهم ~~عشرة آلاف ولا اثنا عشر ألفا ولا من الذهب ألف دينار بل ينظر في سائر ~~الأزمان إلى قيمة الإبل فإن كانت ستى آلاف أوجب ذلك من الدراهم بغير زيادة ~~خمسة عشر ألفا أوجب ذلك وكذلك قيمتها من الدنانير فلما قال السلف في الدية ~~أحد قولين إما عشرة آلاف وإما اثنا عشر الفا وقالوا أنها من الدنانير ألف ~~دينار حصل الاتفاق من الجميع على أن الزيادة على هذه المقادير والنقصان ~~منها غير سائغ وفي ذلك PageV03P208 دليل على أن الدراهم والدنانير هي ديات ~~بأنفسها لا بدلا من غيرها وإن كان كذلك لم يجز التغليظ فيها من وجهين ~~أحدهما أن إثبات التغليظ طريقه التوقيف أو الاتفاق ولا توقيف في إثبات ~~التغليظ في الدراهم والدنانير ولا اتفاق والثاني أن التغليظ في الإبل إنما ~~هو من جهة الأسنان لا من جهة زيادة العدد وفي إثبات التغليظ ms1257 من جهة زيادة ~~الوزن في الورق والذهب خروج عن الأصول ووجه آخر يدل على أن الدراهم ~~والدنانير ليست على وجه القيمة عن الإبل وهو أنه معلوم أن القاضي يقضي على ~~العاقلة إذا كانت من أهل الورق بالورق وإذا كانت من أهل الذهب بالدنانير ~~فلو كانت الإبل هي الواجبة والدراهم والدنانير بدل منها لما جاز أن يقضي ~~القاضي فيها بالدراهم والدنانير على أن تؤديها في ثلاث سنين لأنه دين بدين ~~فلما جاز ذلك دل على أنها ديات بأنفسها ليست أبدالا عن غيرها ويدل على أن ~~التغليظ غير جائز في الدراهم والدنانير أن عمر رضي الله عنه جعل الدية من ~~الذهب ألف دينار ومن الورق ما اختلف عنه فيه فروى عنه أهل المدينة اثنا عشر ~~ألفا وروى عنه أهل العراق عشرة آلاف ولم يفرق في ذلك بين دية شبه العمد ~~والخطأ وذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف من أحد منهم عليه فدل على أن ~~اعتبار التغليظ فيها ساقط ويدل عليه أيضا أن الصحابة قد اختلفت في كيفية ~~التغليظ في أسنان الإبل لما كان التغليظ فيها واجبا ولو كان التغليظ في ~~الورق والذهب واجبا لاختلفوا فيه حسب اختلافهم في الإبل فلما لم يذكر عنهم ~~خلاف في ذلك وإنما روي عنهم في الذهب ألف دينار وفي الدراهم عشرة آلاف أو ~~اثنا عشر الفا من غير زيادة ولا نقصان ثبت بإجماعهم على نفي التغليظ في غير ~~الإبل # فإن قيل على ما ذكرنا من الأصول لو كان من الإبل لكان قضاء القاضي عليهم ~~بالدية من الدراهم يوجب أن يكون دينا بدين إن هذا كما يقولون فيمن تزوج ~~امرأة على عبد وسط أنه إن جاء بالقيمة دراهم قبلت منه ولم يكن ذلك بيع دين ~~بدين # قيل له القاضي عندنا لا يقضي عليه بدراهم إذا تزوجها على عبد ولكنه يقول ~~له إن شئت فأعطها عبدا وسطا وإن شئت قيمته دراهم فليس فيما قلنا بيع دين ~~بدين والدية يقضي بها القاضي على العاقلة دراهم ولا يقبل منهم الإبل ms1258 إذا ~~قضى بذلك وعلى أنه إنما تعتبر قيمة العبد في وقت ما يعطي قيمته دراهم ~~والإبل لا تعتبر قيمتها إذا أراد القضاء بالدراهم سواء نقصت قيمتها أو زادت # واختلف PageV03P209 السلف وفقهاء الأمصار في المقتول في الحرم والشهر ~~الحرام فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر وابن أبي ليلى ومالك القتل في الحرم ~~والشهر الحرام كهو في غيره فيما يجب من الدية والقود وسئل الأوزاعي عن ~~القتل في الشهر الحرام والحرم هل تغلظ الدية فيه بلغنا أنه إذا قتل في ~~الحرم أو الشهر الحرام زيد العقل ثلثه ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل ~~وذكر المزني عن الشافعي في مختصره وذكر تغليظ الدية في شبه العمد وقال ~~الدية في هذا على العاقلة وكذلك الجراح وكذلك التغليظ في النفس والجراح في ~~الشهر الحرام والبلد الحرام وذوي الرحم وروي عن عثمان أنه قضى في دية امرأة ~~قتلت بمكة بدية وثلث وروى إبراهيم عن الأسود أن رجلا أصيب عند البيت فسأل ~~عمر عليا فقال له على ديته من بيت المال فلم ير فيه على أكثر من الدية ولم ~~يخالفه عمر وقال الله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله @QE@ وهو عام في الحل والحرم ولما كانت الكفارة في الحرم ~~كهي في الحل لا فرق بينهما وإن كان ذلك كله حقا لله تعالى وجب أن تكون ~~الدية كذلك إذ الدية حق لآدمي ولا تعلق لها بالحرم ولا بالشهر الحرام لأن ~~حرمة الحرم والشهر الحرام إنما هي حق لله تعالى فلو كان لحرمة الحرم ~~والأشهر تأثير في إلزام الغرم لكان تأثيره في الكفارة التي هي حق لله تعالى ~~أولى ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل ~~السوط والعصا فيه مائة من الإبل ولم يفرق بين الحل والحرم وقد اختلف ~~التابعون في ذلك فروي عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن ~~عبدالرحمن وخارجة بن زيد وعبيدالله بن عبدالله وسليمان بن يسار الدية في ~~الحرم ms1259 كهي في غيره وكذلك الشهر الحرام وروي عن القاسم بن محمد وسالم بن ~~عبدالله أن من قتل في الحرم زيد على ذلك ديته مثل ثلثها والله أعلم # | باب الدية من غير الإبل # قال أبو حنيفة الدية من الإبل والدراهم والدنانير فمن الدراهم عشرة آلاف ~~درهم ومن الدنانير ألف دينار وأبو حنيفة لا يرى الدية إلا من الإبل والورق ~~والذهب وقال مالك والشافعي من الورق اثنا عشر ألفا ومن الذهب ألف دينار ~~وقال مالك أهل الذهب أهل الشام ومصر وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل ~~البوادي وقال مالك ولا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ومن أهل الذهب إلا ~~الذهب ومن أهل الورق إلا الورق وقال PageV03P210 أبو يوسف ومحمد الدية من ~~الورق عشرة وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الإبل مائة بعير وعلى أهل ~~البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل مائتا حلة يمانية ~~ولا يؤخذ من الغنم والبقر في الدية إلا الثني فصاعدا ولا تؤخذ من الحلل إلا ~~اليمانية قيمة كل حلة خمسون درهما فصاعدا وروي عن ابن أبي ليلى عن الشعبي ~~عن عبيدة السلماني عن عمر أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل ~~الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة ~~وعلى أهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل الإبل مائة من الإبل # قال أبو بكر الدية قيمة النفس وقد اتفق الجميع على أن لها مقدارا معلوما ~~لا يزاد عليه ولا ينقص منه وأنها غير موكولة إلى اجتهاد الرأي كقيم ~~المتلفات ومهور المثل ونحوهما وقد اتفق الجميع على إثبات عشرة آلاف ~~واختلفوا فيما زاد فلم يجز إثباته إلا بتوقيف وقد روى هشيم عن يونس عن ~~الحسن أن عمر بن الخطاب قوم الإبل في الدية مائة من الإبل قوم كل بعير ~~بمائة وعشرين درهما اثني عشر ألف درهم وقد روي عنه في الدية عشرة آلاف ~~وجائز أن يكون من روى اثني عشر ألفا على أنها وزن ms1260 ستة فتكون عشرة آلاف وزن ~~سبعة وذكر الحسن في هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق قيمة الإبل لا أنه ~~أصل في الدية وفي غير هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق وروى عكرمة عن أبي ~~هريرة في الدية عشرة آلاف درهم # فإن احتج محتج بما روى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدية اثنا عشر ألفا وروى ابن ~~أبي نجيح عن أبيه أن عمر قضى في الدية باثني عشر الفا وروى نافع بن جبير عن ~~ابن عباس مثله والشعبي عن الحارث عن علي مثله # قيل له أما حديث عكرمة فإنه يرويه ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن ~~عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه ابن عباس ويقال إن محمد بن ~~مسلم غلط في وصله وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك احتمل أن يريد بها اثني عشر الف ~~درهم وزن ستة وإذا احتمل ذلك لم يجز إثبات الزيادة بالاحتمال ويثبت عشرة ~~آلاف بالاتفاق وأيضا قد اتفق الجميع على أنها من الذهب ألف دينار وقد جعل ~~في الشرع كل عشرة دراهم قيمة لدينار ألا ترى أن الزكاة في عشرين مثقالا وفي ~~مائتي درهم فجعلت مائتا الدرهم نصابا بإزاء العشرين دينارا كذلك ينبغي أن ~~يجعل بإزاء كل دينار من الدية عشرة دراهم # وإنما لم يجعل أبو حنيفة الدية من غير الأصناف PageV03P211 الثلاثة من ~~قبل أن الدية لما كانت قيمة النفس كان القياس أن لا تكون إلا من الدراهم ~~والدنانير كقيم سائر المتلفات إلا أنه لما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~قيمتها من الإبل اتبع الأثر فيها ولم يوجبها من غيرها والله أعلم # | باب ديات أهل الكفر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن ~~بن صالح دية الكافر مثل دية المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد ~~والذمي سواء وقال مالك بن أنس دية أهل الكتاب على دية المسلم ودية ms1261 المجوسي ~~ثمان مائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك وقال الشافعي دية اليهودي ~~والنصراني ثلث الدية ودية المجوسي ثمان مائة والمرأة على النصف # قال أبو بكر الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله عز وجل @QB@ ~~ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ~~@QE@ إلى قوله @QB@ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~@QE@ والدية اسم لمقدار معلوم من المال بدلا من نفس الحر لأن الديات قد ~~كانت متعالمة معروفة بينهم قبل الإسلام وبعده فرجع الكلام إليها في قوله في ~~قتل المؤمن خطأ ثم لما عطف عليه قوله تعالى @QB@ وإن كان من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله @QE@ كانت هذه الدية المذكورة بديا إذ لو ~~لم تكن كذلك لما كانت دية لأن الدية اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ~~ولا ينقص وقد كانوا قبل ذلك يعرفون مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق ~~بين دية المسلم والكافر فوجب أن تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت ~~للمسلم وأن يكون قوله تعالى فدية مسلمة إلى أهله راجعا إليها كما عقل من ~~دية المسلم أنها المعتاد المتعارف عندهم ولولا أن ذلك كذلك لكان اللفظ ~~مجملا مفتقرا إلى البيان وليس الأمر كذلك # فإن قيل فقوله تعالى @QB@ فدية مسلمة إلى أهله @QE@ لا يدل على أنها مثل ~~دية المسلم كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن ~~تكون دية كاملة لها # قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن الله تعالى إنما ذكر الرجل في الآية ~~فقال @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ @QE@ ثم قال @QB@ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله @QE@ فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم كمال الدية ~~كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في مقدار الدية ~~والوجه الآخر أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية PageV03P212 وإنما ~~يتناولها الاسم مقيدا ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية وإطلاق ms1262 اسم ~~الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد وهو كمالها # فإن قيل قوله تعالى @QB@ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ يحتمل ~~أن يريد به وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق فاكتفى بذكر ~~الإيمان للقتيلين الأولين عن إعادته في القتيل # الثالث قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أنه قد تقدم في أول الخطاب ذكر ~~القتيل المؤمن خطأ وحكمه وذلك عموم يقتضي سائر المؤمنين إلا ما خصه الدليل ~~فغير جائز إعادة ذكر المؤمن بذلك الحكم في سياق الآية مع شمول أول الآية له ~~ولغيره فعلمنا أنه لم يرد المؤمن ممن كان بيننا وبينهم ميثاق والثاني لما ~~يقيده بذكر الإيمان وجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكفار من قوم بيننا ~~وبينهم ميثاق وغير جائز تخصيصه بالمؤمنين دون الكافرين بغير دلالة والثالث ~~أن إطلاق القول بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهدا مثلهم ألا ترى أن ~~قول القائل إن هذا الرجل من أهل الذمة يفيد أنه ذمي مثلهم وظاهر قوله تعالى ~~@QB@ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق @QE@ يوجب أن يكون معاهدا مثلهم ~~ألا ترى أنه لما أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين قال ~~@QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فقيده بذكر ~~الإيمان لأنه لو أطلقه لكان المفهوم منه كافر مثلهم والرابع أنه لو كان كما ~~قال هذا القائل لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه ~~فهذه الوجوه كلها تقتضي المساواة وفساد هذا التأويل # ويدل على صحة قول أصحابنا أيضا ما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم @QE@ الآية ~~قال كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة قتيلا أدوا نصف الدية وإذا قتل ~~بنو قريظة من بني النضير أدوا الدية إليهم قال فسوى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينهم في الدية # قال أبو بكر لما قال أدوا الدية ثم قال سوى بينهم ms1263 في الدية دل ذلك على ~~أنه راجع إلى الدية المعبودة المبدوء بذكرها لأنه لو كان رد بني النضير إلى ~~نصفها لقال سوى بينهم في نصف الدية ولم يقل سوى بينهم الدية ويدل عليه أيضا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس مائة من الإبل وهو عام في الكافر ~~والمسلم وروى مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامريين ~~وكانا مشركين دية الحرين المسلمين وروى محمد بن عبدوس قال حدثنا علي بن ~~الجعد قال حدثنا أبو بكر قال سمعت نافعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه ودى ذميا دية مسلم وهذان الخبران يوجبان PageV03P213 مساواة ~~الكافر للمسلم في الدية لأنه معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وداهما بما ~~في الآية في قوله عز وجل @QB@ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله @QE@ فدل على أن المراد من الآية دية المسلم وأيضا لما لم ~~يكن مقدار الدية مبينا في الكتاب كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~واردا مورد الباين وفعله صلى الله عليه وسلم إذا ورد مورد البيان فهو على ~~الوجوب وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن أبي الهيثم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا دية المعاهد دية الحر المسلم وروى إبراهيم ~~بن سعد عن ابن شهاب قال كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي ~~والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم وروى سعيد بن أبي أيوب قال ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبدالله بن الحكم أخبره أن رفاعة بن ~~السموءل اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته ألف دينار وروى محمد بن إسحاق عن ~~أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن مسعود قال دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين ~~وهو قول علقمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والشعبي وروى الزهري عن سالم عن أبيه ~~أن مسلما قتل كافرا من أهل العقد فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم فهذه ~~الأخبار ms1264 وما ذكرنا من أقاويل السلف مع موافقتها لظاهر الآية توجب مساواة ~~الكافر للمسلم في الديات وقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال ~~دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمان مائة قال سعيد ~~وقضى عثمان في دية المعاهد بأربعة آلاف # قال أبو بكر وقد روي عنهما خلاف ذلك وقد ذكرناه واحتج المخالف بما رواه ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام ~~الفتح قال في خطبته ودية الكافر نصف دية المسلم وبما روى عبدالله بن صالح ~~قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المجوس ثمان مائة # قيل له قد علمنا حضور هؤلاء الصحابة الذين ذكرنا عنهم مقدار الدية خطبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلو كان ذلك ثابتا لعرفه هؤلاء ولما عدلوا ~~عنه إلى غيره وأيضا قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال دية المعاهد مثل ~~دية المسلم وأنه ودى العامريين دية الحرين المسلمين وهذا أولى لما فيه من ~~الزيادة ولو تعارض الخبران لكان ما اقتضاه ظاهر الكتاب وما ورد به النقل ~~المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أن الدية مائة من الإبل من غير ~~فصل فيه بين المسلم والكافر أولى فوجب تساويهما في الديات وأما حديث عقبة ~~بن عامر في دية المجوسي فإنه حديث واه لا يحتج بمثله لأن ابن PageV03P214 ~~لهيعة ضعيف لا سيما من رواية عبدالله بن صالح عنه # فإن قيل قوله تعالى @QB@ فدية مسلمة إلى أهله @QE@ عطفا على ما ذكر في ~~دية المسلم لا يدل على تساوي الديتين كما لو قال من قتل عبدا فعليه قيمته ~~ومن استهلك ثوبا فعليه قيمته لم يدل على تساوي القيمتين # قيل له الفرق بينهما أن الدية اسم لمقدار من المال بدلا من نفس الحر كانت ~~معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل فمتى أطلقت ms1265 كان من مفهوم اللفظ هذا ~~القدر فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا المعنى وعطفها على الدية المتقدمة ~~مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة قد اقتضى ذلك أيضا والله أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب # | باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا # قال الله تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ~~@QE@ روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ فإن كان ~~من قوم عدو لكم وهو مؤمن @QE@ قال يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار فلا دية له ~~ولكن عتق رقبة مؤمنة # قال أبو بكر هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر ~~إلينا لأنه غير جائز أن يكون مراده في مؤمن في دار الإسلام إذا قتل وله ~~أقارب كفار لأنه لا خلاف بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت المال وأن ~~كون أقربائه كفارا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث لا يرثونه ~~وروى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم ~~@QE@ الآية قال كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يرجع إلى ~~قومه فيكون فيهم فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غزاة فيعتق الذي يصيبه ~~رقبة قال أبو بكر إذا اسلم في دار الإسلام لم تسقط ديته برجوعه إلى دار ~~الحرب كسائر المسلمين لأن ما بينه وبين المشركين من القرابة لا تأثير له في ~~إسقاط قيمة دمه كسائر أهل دار الإسلام إذا دخلوا دار الحرب بأمان على ~~القاتل الدية وروي عن ابن عباس وقال قتادة هو المسلم يكون في المشركين ~~فيقتله المؤمن ولا يدري ففيه عتق رقبة وليس فيه دية وهذا على أنه يقتل قبل ~~الهجرة إلى دار الإسلام وروى مغيرة عن إبراهيم @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم ~~@QE@ قال هو المؤمن يقتل وقومه مشركون ليس بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عهد فعليه تحرير رقبة وإن كان بينهم وبين النبي ms1266 صلى الله عليه وسلم ~~عهد أدى ديته إلى قرابته الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد # قال أبو بكر وهذا لا معنى له من قبل أن أقرباءه لا يرثونه لأنهم كفار ~~PageV03P215 وهو مسلم فكيف يأخذون ديته وإن كان قومه أهل حرب وهو من أهل ~~الإسلام فالدية واجبة لبيت المال كمسلم قتل في الإسلام ولا وارث له # وقد اختلف فقهاء الأمصار فيمن قتل في دار الحرب وهو مؤمن قبل أن يهاجر ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في الرواية المشهورة ومحمد في الحربي يسلم فيقتله ~~مسلم مستأمن قبل أن يخرج فلا شيء عليه إلا الكفارة في الخطأ وإن كان ~~مستأمنين دخلا دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فعليه الدية في العمد والخطأ ~~والكفارة في الخطأ خاصة وإن كانا أسيرين فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في ~~الخطأ في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد الدية في العمد والخطأ وروى ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الحربي يسلم في دار الحرب فيقتله رجل مسلم ~~قبل أن يخرج إلينا أن عليه الدية استحسانا ولو وقع في بئر حفرها أو وقع ~~عليه ميزاب عمله لم يضمن شيئا وهذا خلاف المشهور من قوله وخلاف القياس ايضا # وقال مالك إذا أسلم في دار الحرب فقتل قبل أن يخرج إلينا فعلى قاتله ~~الدية والكفارة إن كان خطأ قال وقوله تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ إنما كان في صلح النبي صلى الله عليه وسلم ~~أهل مكة لأن من لم يهاجر لم يورث لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة قال الله ~~تعالى @QB@ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ~~@QE@ فلم يكن لمن يهاجر ورثة يستحقون ميراثه فلم تجب الدية ثم نسخ ذلك ~~بقوله @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله @QE@ وقال الحسن بن ~~صالح من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى ~~المسلمين فأحكامه أحكام المشركين وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم ms1267 وهو يقدر ~~على الخروج فليس بمسلم يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه وقال ~~الحسن إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار ~~الإسلام # وقال الشافعي إذا قتل المسلم مسلما في دار الحرب في الغارة أو الحرب وهو ~~لا يعلمه مسلما فلا عقل فيه ولا قود وعليه الكفارة وسواء كان المسلم أسيرا ~~أو مستأمنا أو رجلا أسلم هناك وإن علمه مسلما فقتله فعليه القود # قال أبو بكر لا يخلو قوله تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة @QE@ من أن يكون المراد به الحربي الذي يسلم فيقتل قبل أن ~~يهاجر على ما قاله أصحابنا أو المسلم الذي له قرابات من أهل الحرب لأن قوله ~~تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم @QE@ يحتمل المعنيين جميعا بأن يكون من ~~PageV03P216 أهل دار الحرب وبأن يكون ذا نسب من أهل الحرب فلو خلينا ~~والظاهر لأسقطنا دية من قتل في دار الإسلام من المسلمين إذا كان ذا قرابة ~~من أهل الحرب لاقتضاء الظاهر ذلك فلما اتفق المسلمون على أن كونه ذا قرابة ~~من أهل الحرب لا يسقط حكم دمه في إيجاب الدية أو القود إذا قتل في دار ~~الإسلام دل ذلك على أن المراد من كان مسلما من أهل دار الحرب لم يهاجر إلى ~~دار الإسلام فيكون الواجب على قاتله خطأ الكفارة دون الدية لأن الله تعالى ~~إنما أوجب فيه الكفارة ولم يوجب الدية وغير جائز أن يزاد في النص إلا بنص ~~مثله إذ كانت الزيادة في النص توجب النسخ # فإن قيل هلا أوجبت الدية بقوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله @QE@ قيل له غير جائز أن يكون هذا المؤمن مرادا ~~بالمؤمن المذكور في أول الآية لأن فيها إيجاب الدية والرقبة فيمتنع أن ~~نعطفه عليه ونشرط كونه من أهل دار الحرب ونوجب فيه الرقبة وهو قد أوجبها ~~بديا مع الدية في ابتداء الخطاب وأيضا فإن قوله @QB@ فإن كان ms1268 من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن @QE@ استيناف كلام يتقدم له ذكر في الخطاب لأنه لا يجوز أن ~~يقال أعط هذا رجلا وإن كان رجلا فأعطه هذا كلام فاسد لا يتكلم به حكيم ثبت ~~أن هذا المؤمن المعطوف على الأول غير داخل في أول الخطاب # ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا هناد بن السري ~~قال حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبدالله قال بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى جثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم ~~القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا ~~بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا يا رسول الله لم قال لا ~~تراءى ناراهما وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن علي بن شعيب قال ~~حدثنا ابن عائشة قال حدثنا حماد بن سلمة عن الحجاج عن إسماعيل عن قيس عن ~~جرير بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقام مع المشركين ~~فقد برئت منه الذمة أو قال لا ذمة له قال ابن عائشة هو الرجل يسلم فيقيم ~~معهم فيغزون فإن اصيب فلا دية له لقوله صلى الله عليه وسلم فقد برئت منه ~~الذمة # وقوله أنا بريء منه يدل على أن لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم ~~ولما أمر لهم بنصف العقل في الحديث الأول كان ذلك على أحد وجهين إما أن ~~يكون الموضع الذي قتل فيه كان مشكوكا في أنه من دار الحرب أو من دار ~~الإسلام أو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تبرع PageV03P217 به لأنه لو ~~كان جميعه واجبا لما اقتصر على نصفه # وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا شيبان قال ~~حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة قال حدثنا حميد بن هلال قال أتاني أبو ~~العالية وصاحب لي فانطلقنا حتى أتينا بشر بن عاصم الليثي فقال أبو العالية ~~حدث هذين فقال ms1269 بشر حدثني عقبة بن مالك الليثي وكان من رهطه قال بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشذ رجل من القوم واتبعه رجل ~~من السرية ومعه السيف شاهره فقال الشاذ إني مسلم فضربه فقتله فنمى الحديث ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا فقال القاتل يا رسول ~~الله ما قال إلا تعوذا من القتل فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرارا تعرف المساءة في وجهه وقال إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات ~~قال أبو بكر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان المقتول ولم يوجب على ~~قاتله الدية لأنه كان حربيا لم يهاجر بعد إسلامه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة قالا ~~حدثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي ظبيان قال حدثنا أسامة بن زيد قال ~~بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات فنذروا بنا فهربوا ~~فأدركنا رجلا فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فضربناه حتى قتلناه فذكرته ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة فقلت يا ~~رسول الله إنما قالها مخافة السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ~~ذلك قالها أم لا من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة فما زال يقولها حتى ~~وددت أني لم أسلم إلا يومئذ وهذا الحديث ايضا يدل على ما قلنا لأنه لم يوجب ~~عليه شيئا # وهو حجة على الشافعي في إيجابه القود على قاتل المسلم في دار الحرب إذا ~~علم أنه مسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بإسلام هذا الرجل ولم ~~يوجب على أسامة دية ولا قودا # وأما قول مالك إن قوله تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم @QE@ إنما كان ~~حكما لمن أسلم ولم يهاجر وهو منسوخ بقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض @QE@ فإنه دعوى لنسخ حكم ثابت في القرآن بلا دلالة ms1270 وليس في نسخ ~~التوارث بالهجرة وإثباته بالرحم ما يوجب نسخ هذا الحكم بل هو حكم ثابت ~~بنفسه لا تعلق له بالميراث وعلى أنه في حال ما كان التوارث بالهجرة قد كان ~~من لم يهاجر من القرابات يرث بعضهم بعضا وإنما كانت الهجرة قاطعة للميراث ~~بين المهاجر وبين من لم يهاجر فأما من لم يهاجر فقد كانوا يتوارثون بأسباب ~~أخر فلو كان الأمر على ما قال مالك لوجب أن تكون ديته واجبة لمن لم يهاجر ~~من أقربائه لأنه معلوم أنه PageV03P218 لم يكن ميراث من لم يهاجر مهملا لا ~~مستحق له فلما لم يوجب الله تعالى له دية قبل الهجرة لا للمهاجرين ولا ~~لغيرهم علمنا أنه كان مبقي على حكم الحرب لا قيمة لدمه وقوله تعالى @QB@ ~~فإن كان من قوم عدو لكم @QE@ يفيد أنه مالم يهاجر فهو أهل دار الحرب باق ~~على حكمه الأول في أن لا قيمة لدمه وإن كان دمه محظورا إذ كانت النسبة ~~إليهم قد تصح بأن يكون من بلدهم وإن لم يكن بينه وبينهم رحم بعد أن يجمعهم ~~في الوطن بلد أو قرية أو صقع فنسبه الله إليهم بعد الإسلام إذ كان من أهل ~~ديارهم ودل بذلك على أن لا قيمة لدمه وأما قول الحسن بن صالح في أن المسلم ~~إذا لحق بدار الحرب فهو مرتد فإنه خلاف الكتاب والإجماع لأن الله تعالى قال ~~@QB@ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا @QE@ ~~فجعلهم مؤمنين مع إقامتهم في دار الحرب بعد إسلامهم وأوجب علينا نصرتهم ~~بقوله @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ ولو كان ما قال صحيحا ~~لوجب أن لا يجوز للتجار دخول دار الحرب بأمان وأن يكونوا بذلك مرتدين وليس ~~هذا قول أحد فإن احتج محتج بما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل ~~بن الفضل وعبدان المروزي قالا حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا حميد بن ~~عبدالرحمن عن أبيه عن أبي إسحاق عن الشعبي عن جرير قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms1271 يقول إذا ابق العبد إلى المشركين فقد حل دمه فإن هذا محمول عندنا ~~على أنه قد لحق بهم مرتدا عن الإسلام لأن أباق العبد لا يبيح دمه واللحاق ~~بدار الحرب كدخول التاجر إليها بأمان فلا يبيح دمه وأما قول الشافعي في أن ~~من أصاب مسلما في دار الحارب وهو لا يعلمه مسلما فلا شيء عليه وإن علم ~~إسلامه أقيد به فإنه متناقض من قبل أنه إذا ثبت أن لدمه قيمة لم يختلف حكم ~~العمد والخطأ في وجوب بدله في العمد وديته في الخطأ فإذا لم يجب في الخطأ ~~شيء كذلك حكم العمد فيه ولما ثبت بما قدمنا أنه لا قيمة لدم المقيم في دار ~~الحرب بعد إسلامه قبل الهجرة إلينا وكان مبقي على حكم الحرب وإن كان محظور ~~الدم أجروه أصحابنا مجرى الحربي في إسقاط الضمان عن متلف ماله لأن دمه أعظم ~~حرمة من ماله ولا ضمان على متلف نفسه فماله أحرى أن لا يجب فيه ضمان وأن ~~يكون كمال الحربي من هذا الوجه ولذلك أجاز أبو حنيفة مبايعته على سبيل ما ~~يجوز مبايعته الحربي من بيع الدرهم بالدرهمين في دار الحرب وأما الأسير في ~~دار الحرب فإن أبي حنيفة أجراه مجرى الذي أسلم هناك قبل أن يهاجر وذلك لأن ~~PageV03P219 إقامته هناك لا على وجه الأمان وهو مقهور مغلوب فلما استويا من ~~هذا الوجه استوى حكمهما في سقوط الضمان عن قاتلهما والله أعلم # | ذكر أقسام القتل وأحكامه # قال أبو بكر القتل ينقسم إلى أربعة أنحاء واجب ومباح ومحظور وما ليس ~~بواجب ولا محظور ولا مباح فأما الواجب فهو قتل أهل الحرب المحاربين لنا قبل ~~أن يصيروا في أيدينا بالأسر أو بالأمان أو العهد وذلك في الرجال منهم دون ~~النساء اللاتي لا يقاتلن ودون الصغار الذين لا يقاتلون المحاربين إذا خرجوا ~~ممتنعين وقتلوا وصاروا في يد الإمام قبل التوبة وقتل أهل البغي إذا قاتلونا ~~وقتل من غير قصد إنسانا محظور الدم بالقتل فعلينا قتله وقتل الساحر والزاني ~~المحصن رجما وكل قتل ms1272 وجب على وجه الحد فهذه ضروب القتل الواجب وأما المباح ~~فهو القتل الواجب لولي الدم على وجه القود فهو مخير بين القتل والعفو ~~فالقتل ههنا مباح ليس بواجب وكذلك قتل أهل الحرب إذا صاروا في أيدينا ~~فالإمام مخير بين القتل والاستبقاء وكذلك من دخل دار الحرب وأمكنه القتل ~~والأسر فهو مخير بين أن يقتل وبين أن يأسر وأما المحظور فإنه ينقسم إلى ~~أنحاء منها ما يجب فيه القود هو قتل المسلم عمدا في دار الإسلام العاري من ~~الشبهة فعلى القاتل القود في ذلك ومنها ما تجب فيه الدية دون القود وهو قتل ~~شبه العمد وقتل الأب ابنه وقتل الحربي المستأمن والمعاهد وما يدخله الشبهة ~~فيسقط القود وتجب الدية ومنها ما لا يجب فيه شيء وهو قتل المسلم في دار ~~الحرب قبل أن يهاجر وقتل الأسير في دار الحرب من المسلمين على قول أبي ~~حنيفة وقتل المولى لعبده هذه ضروب من القتل محظورة ولا يجب على القاتل فيها ~~شيء غير التعزير وأما ما ليس بواجب ولا مباح ولا محظور فهو قتل المخطئ ~~والساهي والنائم والمجنون والصبي وقد بينا حكمه فيما سلف قوله تعالى @QB@ ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ~~@QE@ قال ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري هو الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ ~~فتجب على قاتله الدية والكفارة وهو قول أصحابنا وقال إبراهيم والحسن وجابر ~~بن زيد أراد وإن كان المؤمن المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة ~~إلى أهله وتحرير رقبة وكانوا لا يوجبون الكفارة على قاتل الذمي وهو مذهب ~~مالك وقد بينا فيما سلف أن ظاهر PageV03P220 الآية يقتضي أن يكون المقتول ~~المذكور في الآية كافرا ذا عهد وأنه غير جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة ~~ويدل عليه أنه لما أراد مؤمنا من أهل دار الحرب ذكر الإيمان فقال @QB@ فإن ~~كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فوصفه بالإيمان لأنه ~~لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم ms1273 عدو لنا ويدل عليه أن الكافر ~~المعاهد تجب على قاتله الدية وذلك مأخوذ من الآية فوجب أن يكون المراد ~~الكافر المعاهد والله أعلم # | باب القتل العمد هل فيه كفارة # قال الله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فنص على ~~إيجاب الكفارة في قتل الخطأ وذكر قتل العمد في قوله تعالى @QB@ كتب عليكم ~~القصاص في القتلى @QE@ وقال @QB@ النفس بالنفس @QE@ وخصه بالعمد فلما كان ~~كل واحد من القتيلين مذكورا بعينه ومنصوصا على حكمه لم يجز لنا أن نتعدى ما ~~نص الله تعالى علينا فيهما إذ غير جائز قياس المنصوصات بعضها على بعض وهذا ~~قول أصحابنا جميعا # وقال الشافعي على قاتل العمد الكفارة ومع ذلك ففي إثبات الكفارة في العمد ~~زيادة في حكم النص وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ ~~وأيضا فغير جائر إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق ~~وأيضا لما نص الله على حكم كل واحد من القتيلين وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد فموجب الكفارة على العامد مدخل في ~~أمره ما ليس منه # فإن قيل لما وجبت الكفارة في الخطأ فهي في العمد أوجب لأنه أغلظ قيل له ~~ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها لأن المخطئ غير ~~آثم فاعتبار المأثم فيه ساقط وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم سجود ~~السهو على الساهي ولا يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ فإن احتجوا بحديث ~~ضمرة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن العريف بن الديلي عن واثلة بن الأسقع قال ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل ~~فقال اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار قيل له رواه ابن ~~المبارك وهانئ بن عبدالرحمن بن أخي إبراهيم بن أبي عبلة هذا الحديث عن أبي ~~عبلة فلم يذكر أنه أوجب بالقتل وهؤلاء أثبت من ضمرة بن ربيعة ومع ذلك لو ~~ثبت ms1274 الحديث على ما رواه ضمرة لم يدل على قول المخالف من وجوه أحدها ~~PageV03P221 أنه تأويل من الراوي في قوله أوجب النار بالقتل لأنه قال يعني ~~بالقتل والثاني أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة فلما لم يشرط لهم ~~الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل وأيضا فإنما أمرهم بأن ~~يعتقوا عنه ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه وأيضا فإن عتق الغير عن ~~القاتل لا يجزيه عن الكفارة قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ جعل ~~الله من صفة رقبة القتل الإيمان ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة وهذا ~~يدل على أن عتق الرقبة المؤمنة أفضل من الكافرة لأن هذه الصفة قد صارت شرطا ~~في الفرض وكذلك من نذر أن يعتق رقبة مؤمنة لم تجزه الكافرة لأنه أوجبها ~~مقرونة بصفة هي قربة وفي ذلك دليل على أن الصدقة على المسلمين أفضل منها ~~على الكفار الذميين وإن كانت تطوعا وكذلك جعل الله التتابع في صوم كفارة ~~القتل صفة زائدة ولا خلاف أنه لا يجزي إلا بهذه الصفة مع الإمكان وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن أوجب صوم شهر متتابع أنه لا يجزيه التفريق لإيجابه إياه بصفة ~~هي قربة فوجبت حين أوجبها كما وجب المنذور من الصوم قوله تعالى @QB@ فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين @QE@ قال أبو بكر لم ختلف الفقهاء أنه إذا صام ~~بالأهلة أنه لا يعتبر فيه النقصان وأنها إن كانت ناقصة أو تامة أجزأته وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ~~ثلاثين فأمر باعتبار الشهور بالأهلة وأمر عند عدم الرؤية باعتبار الثلاثين ~~وإن ابتدأ صيام الشهرين من بعض الشهر اعتبر الشهر الثاني بالهلال وبقية ~~الشهر الأول بالعدد تمام ثلاثين وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وروى ~~أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر الأهلة إلا أن يكون ابتداء صومه ~~بالهلال وروي نحوه عن الحسن البصري والأول أصح لأنه قد روي في معنى قوله ~~@QB@ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر @QE@ أنها ms1275 بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ~~وربيع الأول وبقية من ربيع الآخر فاعتبر الكسر بالأيام على التمام وسائر ~~الشهور بالأهلة وقوله @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ معلوم أنه كلفنا ~~التتابع على حسب الإمكان وفي العادة أن المرأة لا تخلو من حيض في كل شهر ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا ~~أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فأخبر أن عادة النساء حيضة في كل شهر ~~فإذا كان تكليف صوم التتابع على حسب الإمكان وفي العادة أن المرأة لا تخلو ~~من حيض في كل شهر ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم = PageV03P222 لحمنة ~~بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر فأخبر أن ~~عادة النساء حيضة في كل شهر فإذا كان تكليف صوم التتابع على حسب الإمكان ~~وكانت المرأة إذا كان عليها صوم شهرين متتابعين لم يكن في وسعها في العادة ~~أن تصوم شهرين لا حيض فيهما سقط حكم أيام الحيض ولم يقطع حكم التتابع وصارت ~~أيام الحيض بمنزلة الليل الذي لا يقطع التتابع وهو قول الشافعي وروى عن ~~إبراهيم أنها تستقبل وقال أصحابنا إذا مرض في الشهرين فأفطر استقبل وقال ~~مالك يصل ويجزيه وفرقوا بين الحيض والمرض لأنه يمكنه في العادة صيام شهرين ~~متتابعين بلا مرض ولا يمكنها ذلك بلا حيض ووجه آخر وهو أن حدوث المرض لا ~~يوجب الإفطار بفعله والحيض ينافي الصوم لا يفعلها فأشبه الليل ولم يقطع ~~التتابع # قوله تعالى @QB@ توبة من الله @QE@ قيل فيه إن معناه اعملوا بما أوجبه ~~الله للتوبة من الله أي ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم وقيل ~~إنه خاص في سبب القتل فأمر بالتوبة منه وقيل معناه توسعة ورحمة من الله كما ~~قال @QB@ فتاب عليكم وعفا عنكم @QE@ والمعنى وسع عليكم وسهل عليكم # قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام @QE@ الآية روي أن سبب نزول هذه الآية ms1276 أن ~~سرية النبي صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا ومعه غنيمات له فقال السلام عليكم ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله فقتله رجل من القوم فلما رجعوا أخبروا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لم قتلته وقد أسلم فقال إنما قالها ~~متعوذا من القتل فقال هلا شققت عن قلبه وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ديته إلى أهله ورد عليهم غنيماته قال ابن عمر وعبدالله بن أبي حدرد القاتل ~~محلم بن جثامة قتل عامر بن الأضبط الأشجعي وروي أن القاتل مات بعد أيام ~~فلما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الأرض ~~لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الدم عنده ثم أمر أن يلقى ~~عليه الحجارة وهذه القصة مشهورة لمحلم بن جثامة وقد ذكرنا حديث اسامة بن ~~زيد أنه قتل في سرية رجل قال لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله فقال إنما قالها تعوذا فقال هلا ~~شققت عن قلبه من لك بلا إله إلا الله وذكرنا أيضا حديث عقبة بن مالك الليثي ~~في هذا المعنى وأن الرجل قال إني مسلم فقتله فأنكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال ~~حدثنا PageV03P223 الليث عن ابن شهاب عن عطاء بن زيد الليثي عن عبيدالله بن ~~عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود أنه أخبره أنه قال يا رسول الله أرأيت ~~إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة ~~فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقتله فقلت يا رسول الله قطع يدي قال لا تقتله فإن قتلته فإنه ~~بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها # وحدثنا ms1277 عبدالباقي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر ~~هاشم بن القاسم قال حدثنا المسعودي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا شرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند ~~ثغرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرجع منه الرمح وقال أبو عبيدة جعل الله ~~تعالى هذه الكلمة أمنة المسلم وعصمه ماله ودمه وجعل الجزية أمنة الكافر ~~وعصمة ماله ودمه وهو نظير ما روي في آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وفي بعضها ~~وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله رواه عمر وجرير بن عبدالله وابن عمر ~~وأنس بن مالك وأبو هريرة وقالوا لأبي بكر الصديق حين أراد قتل العرب لما ~~امتنعوا من أداء الزكاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~فقال أبو بكر إلا بحقها وهذا من حقها فاتفقت الصحابة على صحة هذا الخبر وهو ~~معنى قوله تعالى @QB@ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا @QE@ ~~فحكم الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام وأمرنا بإجرائه على أحكام ~~المسلمين وإن كان في المغيب على خلافه وهذا مما يحتج به في قبول توبة ~~الزنديق متى أظهر الإسلام لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره إذا ~~أظهر الإسلام وهو يوجب أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله أو قال ~~إني مسلم أنه يحكم له بحكم الإسلام لأن قوله تعالى @QB@ لمن ألقى إليكم ~~السلام @QE@ إنما معناه لمن استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام ~~وإذا قرئ السلام فهو إظهار تحية الإسلام وقد كان ذلك علما لمن أظهر به ~~الدخول في الإسلام وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قتل الرجل ~~الذي أسلمت ms1278 والذي قال لا إله إلا الله قتلته بعد ما أسلم فحكم له بالإسلام ~~بإظهار هذا القول وقال محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير لو أن يهوديا أو ~~نصرانيا قال أنا مسلم لم يكن بهذا القول مسلما لأن كلهم PageV03P224 يقولون ~~نحن مسلمون ونحن مؤمنون ويقولون إن ديننا هو الإيمان وهو الإسلام فليس في ~~هذا دليل على الإسلام منهم وقال محمد ولو أن رجلا من المسلمين حمل على رجل ~~من المشركين ليقتله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كان ~~هذا مسلما وإن رجع عن هذا ضرب عنقه لأن هذا هو الدليل على الإسلام قال أبو ~~بكر لم يجعل اليهودي مسلما بقوله أنا مسلم أو مؤمن لأنهم كذلك يقولون ~~ويقولون الإيمان والإسلام هو ما نحن عليه فليس في هذا القول دليل على ~~إسلامه وليس اليهودي والنصراني بمنزلة المشركين الذين كانوا في زمان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا عبدة أوثان فكان إقرارهم بالتوحيد وقول ~~القائل منهم إني مسلم وإني مؤمن تركا لما كان عليه ودخولا في الإسلام فكان ~~يقتصر منه على هذا القول لأنه كان لا يسمح به إلا وقد صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآمن به ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وإنما ~~أراد المشركين بهذا القول دون اليهود لأن اليهود قد كانوا يقولون لا إله ~~إلا الله وكذلك النصارى يطلقون ذلك وإن ناقضوا بعد ذلك في التفصيل فيثبتونه ~~ثلاثة فعلمنا أن قول لا إله إلا الله إنما كان علما لإسلام مشركي العرب ~~لأنهم كانوا لا يعترفون بذلك إلا استجابة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتصديقا له فيما دعاهم إليه ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون @QE@ واليهود والنصارى يوافقون المسلمين ~~على إطلاق هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فمتى ~~أظهر منهم مظهر ms1279 الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو مسلم # وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في اليهودي والنصراني إذا قال أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يقل إني داخل في الإسلام ولا بريء ~~من اليهودية ولا من النصرانية لم يكن بذلك مسلما وأحسب إني قد رأيت عن محمد ~~مثل هذا لأن الذي ذكره محمد في السير الكبير خلاف ما رواه الحسن بن زياد ~~ووجه ما رواه الحسن بن زياد أن من هؤلاء من يقول إن محمدا رسول الله ولكنه ~~رسول إليكم ومنهم من يقول إن محمدا رسول الله لكنه لم يبعث بعد وسيبعث فلما ~~كان فيهم من يقول ذلك في حال إقامته على اليهودية أو النصرانية لم يكن في ~~إظهاره لذلك ما يدل على إسلامه حتى يقول إني داخل الإسلام أو يقول إني بريء ~~من اليهودية أو النصرانية فقوله عز وجل @QB@ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا @QE@ PageV03P225 لو خلينا وظاهره لم يدل على ان فاعل ذلك ~~محكوم له بالإسلام لأنه جائز أن يكون المراد أن لا تنفوا عنه الإسلام ولا ~~تثبتوه ولكن تثبتوا في ذلك حتى تعلموا منه معنى ما أراد بذلك ألا ترى أنه ~~قال @QB@ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا @QE@ فالذي يقتضيه ظاهر اللفظ الأمر بالتثبت والنهي عن نفي سمة ~~الإيمان عنه وليس في النهي عن نفي سمة الإيمان عنه إثبات الإيمان والحكم به ~~ألا ترى أنا متى شككنا في إيمان رجلا لا نعرف حاله لم يجز لنا أن نحكم ~~بإيمانه ولا بكفره ولكن نتثبت حتى نعلم حاله وكذلك لو أخبرنا مخبر بخبر لا ~~نعلم صدقه من كذبه لم يجز لنا أن نكذبه ولا يكون تركنا لتكذيبه تصديقا منا ~~له كذلك ما وصفنا من مقتضى الآية ليس فيه إثبات إيمان ولا كفر وإنما فيه ~~الأمر بالتثبت حتى نتبين حاله إلا أن الآثار التي قد ذكرنا قد أوجبت له ~~الحكم بالإيمان لقوله صلى الله ms1280 عليه وسلم أقتلت مسلما وقتلته بعد ما أسلم ~~وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فأثبت لهم حكم الإسلام بإظهار كلمة التوحيد ~~وكذلك قوله في حديث عقبة بن مالك الليثي إن الله تعالى أبى علي أن أقتل ~~مؤمنا فجعله مؤمنا بإظهار هذه الكلمة وروي أن الآية نزلت في مثل ذلك فدل ~~ذلك على أن مراد الآية إثبات الإيمان له في الحكم بإظهار هذه الكلمة وقد ~~كان المنافقون يعصمون دماءهم وأموالهم بإظهار هذه الكلمة مع علم الله تعالى ~~باعتقادهم الكفر وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بنفاق كثير منهم فدل ذلك ~~على أن قوله @QB@ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا @QE@ قد ~~اقتضى الحكم لقائله بالإسلام قوله تعالى @QB@ تبتغون عرض الحياة الدنيا ~~@QE@ يعني به الغنيمة وإنما سمى متاع الدنيا عرضا لقلة بقائه على ما روي في ~~الرجل الذي قتل الذي أظهر الإسلام وأخذ ما معه قوله تعالى @QB@ إذا ضربتم ~~في سبيل الله @QE@ يعني به السير فيها وقوله تعالى / < فتثبتوا > / قرئ ~~بالتاء والنون وقيل إن الاختيار التبين لأن التثبت إنما هو للتبين والتثبت ~~إنما هو سبب له وقوله تعالى @QB@ كذلك كنتم من قبل @QE@ قال الحسن كفارا ~~مثلهم وقال سعيد بن جبير كنتم مستخفين بدينكم بين قومكم كما استخفوا # وقوله تعالى @QB@ فمن الله عليكم @QE@ يعني بإسلامكم كقوله تعالى @QB@ بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان @QE@ وقيل فمن الله عليكم بإعزازكم حتى ~~أظهرتم دينكم # قوله تعالى @QB@ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر @QE@ ~~الآية يعني به تفضيل PageV03P226 المجاهدين على القاعدين والحض على الجهاد ~~ببيان ما للمجاهدين من منزلة الثواب التي ليست للقاعدين عن الجهاد ودل به ~~على أن شرف الجزاء على قدر شرف العمل فذكر بديا أنهما غير متساويين ثم بين ~~التفضيل بقوله @QB@ فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~@QE@ وقد قرئ غير بالرفع والنصب فالرفع على أنها نعت للقاعدين والنصب على ~~الحال ويقال إن الاختيار فيها الرفع لأن ms1281 الصفة أغلب على غير من معنى ~~الاستثناء وإن كان كلاهما جائز أو الفرق بين غير إذا كانت صفة وبينها إذا ~~كانت استثناء أنها في الاستثناء توجب إخراج بعض من كل نحو جاءني القوم غير ~~زيد وليست كذلك في الصفة لأنك تقول جاءني رجل غير زيد فغير ههنا صفة وفي ~~الأول استثناء وإن كانت في الحالين مخصصة على حد النفي # وقوله تعالى @QB@ وكلا وعد الله الحسنى @QE@ يعني والله أعلم المجاهدين ~~والقاعدين من المؤمنين وهذا دليل على ان فرض الجهاد على الكفاية وليس على ~~كل أحد بعينه لأنه وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين وإن كان ثواب ~~المجاهدين أشرف وأجزل ولو لم يكن القعود عن الجهاد مباحا إذا قامت به طائفة ~~لما وعد القاعدين الثواب وفي ذلك دليل على ما ذكرنا أن فرض الجهاد غير معين ~~على كل أحد في نفسه # وقوله تعالى @QB@ وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما @QE@ @QB@ ~~درجات منه @QE@ ذكر ههنا @QB@ درجات منه @QE@ وذكر في أول الآية @QB@ درجة ~~@QE@ فإنه روي عن ابن جريج أن الأول على أهل الضرر فضلوا عليهم درجة واحدة ~~والثاني على غير أهل الضرر فضلوا عليهم درجات كثيرة وأجرا عظيما وقيل إن ~~الأول على الجهاد بالنفس ففضلوا درجة واحدة والآخر الجهاد بالنفس والمال ~~ففضلوا درجات كثيرة وقيل إنه أراد بالأول درجة المدح والتعظيم وشرف الدين ~~وأراد بالآخر درجات الجنة # فإن قيل هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله ~~من أجل معنى الاستثناء فيها قيل له لا دلالة فيها على التساوي لأن ~~الاستثناء ورد من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه فاستثنى ~~أولي الضرر إذ ليسوا مأمورين بالجهاد لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين قوله عز ~~وجل @QB@ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم @QE@ الآية ~~قيل فيه تقبض أرواحهم عند الموت وقال الحسن تحشرهم إلى النار وقيل إنها ~~نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا وإذا رجعوا ~~إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولا PageV03P227 يهاجرون إلى ms1282 المدينة فبين الله ~~تعالى بما ذكر أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وبتركهم الهجرة وهذا يدل ~~على فرض الهجرة في ذلك الوقت لولا ذلك لما ذمهم على تركها ويدل أيضا على أن ~~الكفار مكلفون بشرائع الإسلام معاقبون على تركها لأن الله قد ذم هؤلاء ~~المنافقين على ترك الهجرة وهذا نظير قوله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى @QE@ فذمهم على ~~ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك الإيمان ودل بذلك على صحة حجة ~~الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على النهي عن المقام بين أظهر المشركين ~~لقوله تعالى @QB@ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها @QE@ وهذا يدل على ~~الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام وروي عن ابن عباس ~~والضحاك وقتادة والسدي إن الآية نزلت في قوم من أهل مكة تخلفوا عن الهجرة ~~وأعطوا المشركين المحبة وقتل قوم منهم ببدر على ظاهر الردة ثم استثنى منهم ~~الذين أقعدهم الضعف بقوله @QB@ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا @QE@ يعني طريقا إلى المدينة دار الهجرة ~~وقوله تعالى @QB@ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم @QE@ قال الحسن عسى من الله ~~واجبة وقيل إنها بمنزلة الوعد لأنه لا يخبر بذلك عن شك وقيل إنما هذا على ~~شك العباد أي كونوا أنتم على الرجاء والطمع قوله تعالى @QB@ ومن يهاجر في ~~سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة @QE@ قيل في المراغم أنه أراد ~~متسعا لهجرته لأن الرغم أصله الذل تقول فعلت ذلك على الرغم من فلان أي ~~فعلته على الذل والكره والرغام التراب لأنه يتيسر لمن رامه مع احتقاره ~~وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب إذلالا له فقال تعالى @QB@ ومن يهاجر في ~~سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة @QE@ أي يجد في الأرض متسعا سهلا ~~كما قال تعالى @QB@ هو الذي ms1283 جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا ~~من رزقه وإليه النشور @QE@ فمراغم وذلول متقاربان في المعنى وقيل في ~~المراغم إنه ما يرغم به من كان يمنعه من الهجرة وأما قوله تعالى @QB@ وسعة ~~@QE@ فإنه روي عن ابن عباس والربيع بن أنس والضحاك أنه السعة في الرزق وروي ~~عن قتادة أنه السعة في إظهار الدين لما كان يلحقهم من تضييق المشركين عليهم ~~في أمر دينهم حتى يمنعوهم من إظهاره وقوله عز وجل @QB@ ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله @QE@ ~~PageV03P228 فيه إخبار بوجوب أجر من هاجر إلى الله ورسوله وإن لم تتم هجرته ~~وهذا يدل على أن من خرج متوجها لفعل شيء من القرب إن الله يجازيه بقدر نيته ~~وسعيه وإن اقتطع دونه كما أوجب الله أجر من خرج مهاجرا وإن لم تتم هجرته ~~وفيه ما يدل على صحة قول أبي يوسف ومحمد فيمن خرج يريد الحج ثم مات في بعض ~~الطريق وأوصى أن يحج عنه من الموضع الذي مات فيه وكذلك الحاج عن الميت أو ~~عمن ليس عليه فرض الحج بنفسه أنه يحج عنه من حيث مات الذي قصد للحج لأن ~~الله قد كتب له من الخروج والنفقة فلما كان ذلك محتبسا للأول كان الذي وجب ~~أن يقضي عنه ما بقي وفيه الدلالة على أن من قال إن خرجت من دار إلا إلى ~~الصلاة أو إلى الحج فعبدي حر فخرج يريد الصلاة أو الحج ثم لم يصل ولم يحج ~~وتوجه إلى حاجة أخرى أنه لا يحنث في يمينه لأن خروجه بديا كما كان للصلاة ~~أو للحج لمقارنة النية له كما كان خروج من خرج مهاجرا قربة وهجرة لمقارنة ~~النبية واقتطاع الموت له عن الوصول إلى دار الهجرة لم يبطل حكم الخروج على ~~الوجه الذي وجد بديا عليه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال ~~بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله ومن كانت ms1284 هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه فأخبر أن أحكام الأفعال متعلقة بالنيات فإذا كان خروجه على نية ~~الهجرة كان مهاجرا وإذا كان على نية الغزو كان غازيا واستدل قوم بهذه الآية ~~على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة لورثته وهذه الآية لا ~~تدل على ما قالوا لأن كونها غنيمة متعلق بحيازتها إذ لا تكون غنيمة إلا بعد ~~الحيازة وقال الله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ ~~فمن مات قبل أن يغنم فهو لم يغنم شيئا فلا سهم له وقوله تعالى @QB@ فقد وقع ~~أجره على الله @QE@ لا دلالة فيه على وجوب سهمه لأنه لا خلاف أنه لو خرج ~~غازيا من بيته فمات في دار الإسلام قبل أن يدخل دار الحرب أنه لا سهم له ~~وقد وجب أجره على الله كما وجب أجر الذي خرج مهاجرا ومات قبل بلوغه دار ~~هجرته والله أعلم # | باب صلاة السفر # قال الله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ فأباح الله تعالى القصر المذكور ~~في هذه الآية بمعنيين PageV03P229 أحدهما السفر وهو الضرب في الأرض والآخر ~~الخوف واختلف السلف في معنى القصر المذكور فيها ما هو فروي عن ابن عباس قال ~~فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين والخوف ركعة على لسان ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم وروى يزيد الفقير عن جابر قال صلاة الخوف ركعة ~~ركعة وروى مجاهد أنه قصر العدد من أربع إلى ثنتين وروى ابن جريج عن ابن ~~طاوس عن أبيه قال قال قصرها في الخوف والقتال الصلاة في كل حال راكبا ~~وماشيا فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاة الناس في السفر ركعتين ~~فليس بقصر وروي عن ابن عباس رواية أخرى غير ما قدمنا في القصر وهي أنه قال ~~إنما هو قصر حدود الصلاة وأن تكبر وتخفض رأسك وتومي إيماء قال أبو بكر ~~وأولى المعاني وأشبهها ms1285 بظاهر الآية ما روي عن ابن عباس وطاوس في أنه قصر في ~~صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء وترك القيام إلى الركوب وجائز ~~أن يسمى المشي في الصلاة قصرا إذ كان مثله في غير الخوف يفسدها وما روي عن ~~ابن عباس وجابر في أن صلاة الخوف ركعة فمحمول على أن الذي يصليه المأموم مع ~~الإمام ركعة لأنه يجعل الناس طائفتين فيصلي بها بالتي معه ركعة ثم يمضون ~~إلى تجاه العدو ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بها ركعة ويسلم بتلك فيصير ~~لكل طائفة من المأمومين ركعة ركعة مع الإمام ثم يقضون ركعة ركعة فيكون ما ~~روي عن ابن عباس في أنه قصر في صفة الصلاة غير مخالف لقوله إن صلاة الخوف ~~ركعة لأن الآثار قد تواترت في فعل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف مع ~~اختلافها وكلها موجبة للركعتين وليس في شيء منها أنه صلاها ركعة إلا أنها ~~طائفة ركعة مع الإمام والقضاء لركعة دون الاقتصار على واحدة ولو كانت صلاة ~~الخوف ركعة واحدة لما اختلف حكم النبي صلى الله عليه وسلم وحكم المأمومين ~~فيها فلما نقل ابن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ~~علمنا أن أن فرض صلاة الخائف كفرض غيره وأن ما روي من أنه كان للقوم ركعة ~~ركعة على معنى أنها كانت ركعة ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم قضوا ~~ركعة ركعة على ما روي في سائر الأخبار والدليل على أن القصر المذكور في ~~الآية هو القصر في صفة الصلاة أو المشي والاختلاف فيها على النحو الذي ~~قدمنا ذكره دون أعداد ركعاتها وأن مذهب ابن عباس في القصر ما وصفنا دون ~~نقصان عدد الركعات ما روى مجاهد أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال إني وصاحب ~~لي خرجنا في سفر فكنت PageV03P230 أتم وكان صاحبي يقصر فقال ابن عباس أنت ~~الذي تقصر وصاحبك الذي كان يتم فأخبر ابن عباس أن القصر ليس في عدد الركعات ~~وأن الركعتين في السفر ليستا بقصر ms1286 ويدل على ذلك ما روى سفيان عن زبير ~~اليامي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الفطر ~~والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد دخل في ~~ذلك صلاة الخوف في السفر لأنه ذكر جميع هذه الصلوات وأخبر أنها تمام غير ~~قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فثبت بذلك أن القصر المذكور في ~~الآية هو على ما وصفنا دون أعداد ركعات الصلاة فإن قيل روي عن يعلى بن أمية ~~أنه قال قلت لعمر بن الخطاب كيف تقصر وقد أمنا وقال الله تعالى @QB@ فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ فقال ~~عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في ~~عدد الركعات وأن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية قيل له ما كان اللفظ ~~محتملا للمعنيين من أعداد ركعات الصلاة ومن صفتها على الوجه الذي بينا لم ~~يمتنع أن يكون قد سبق في وهم عمر ويعلى بن أمية ما ذكر وأن عمر سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن القصر في حال الأمن لا على أنه ذكر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أن قصر الآية هو في العدد فأجابه بما وصف ولكنه جائز أن يكون قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كيف نقصر وقد أمنا من غير أن ذكر له تأويل الآية ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يقصر في مغازيه ثم قصر في الحج في حال ~~الأمن وزوال القتال فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته يعني إن ~~الله قد أسقط عنكم في السفر فرض الركعتين في حال الخوف والأمن جميعا وقد ~~روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر أنها تمام غير قصر ~~فجائز أن يكون ظن بديا أن قصر الخوف هو في عدد ms1287 الركعات فلما سمعه يقول صلاة ~~السفر ركعتان تمام غير قصر علم أن قصر الآية إنما هو في صفة الصلاة لا في ~~عدد الركعات وإذا صح بما وصفنا أن المراد بالقصر ما ذكرنا لم تكن في الآية ~~دلالة على فرض المسافر ولا على أنه مخير بين الإتمام والقصر إذ لا ذكر له ~~في الآية # وقد اختلف الفقهاء في فرض المسافر فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فرض ~~المسافر ركعتان إلا صلاة المغرب فإنها ثلاث فإن صلى المسافر أربعا ولم يقعد ~~في الإثنتين فسدت صلاته وإن قعد فيهما مقدار التشهد تمت صلاته بمنزلة من ~~صلى الفجر أربعا بتسليمة وهو قول PageV03P231 الثوري وقال حماد بن أبي ~~سليمان إذا صلى أربعا أعاد وقال الحسن بن صالح إذا صلى أربعا متعمدا أعاد ~~إذا كان ذلك منه الشيء اليسير فإذا طال في سفره وكثر لم يعد قال وإذا افتتح ~~الصلاة على أن يصلي أربعا استقبل الصلاة حتى يبتدئها بالنية على ركعتين ~~وتشهد ثم بدأ له أن يتم فصلى أربعا أعاد وإن نوى أن يصلي أربعا بعد ما ~~افتتح الصلاة على ركعتين ثم بدا له فسلم في الركعتين أجزته وقال مالك إذا ~~صلى المسافر أربعا فإنه يعيد ما دام في الوقت فإذا مضى الوقت فلا إعادة ~~عليه قال ولو أن مسافرا افتتح المكتوبة ينوي أربعا فلما صلى ركعتين بدا له ~~فسلم أنه لا يجزيه ولو صلى المسافر بمسافرين فقام في الركعتين فسبحوا به ~~فلم يرجع فإنهم يقعدون ويتشهدون ولا يتبعونه وقال الأوزاعي يصلي المسافر ~~ركعتين فإن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها ويسجد سجدتي السهو وقال ~~الشافعي ليس للمسافر أن يصلي ركعتين إلا أن ينوي القصر مع الإحرام فإذا ~~أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا # قال أبو بكر قد بينا أنه ليس في الآية حكم القصر في أعداد الركعات ولم ~~يختلف الناس في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره كلها في حال الأمن ~~والخوف فثبت أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي صلى ms1288 الله عليه وسلم وبيانه ~~لمراد الله تعالى قال عمر بن الخطاب سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~القصر في حال الأمن فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وصدقة ~~الله علينا هي إسقاطه عنا فدل ذلك على أن الفرض ركعتان وقوله فاقبلوا صدقته ~~يوجب ذلك لأن الأمر للوجوب فإذا كنا مأمورين بالقصر فالإتمام منهي عنه وقال ~~عمر بن الخطاب صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم فأخبر ان ~~الفرض ركعتان وأنه ليس بقصر بل هو تمام كما ذكر صلاة الفجر والجمعة والأضحى ~~والفطر وعزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصار ذلك بمنزلة قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر وذلك ينفي التخيير بين ~~القصر والإتمام وروي عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~خرج مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع وروى علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن ~~حصين قال حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى ~~المدينة وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين وقال لأهل مكة صلوا ~~أربعا فإنا قوم سفر وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~السفر فلم يزد على ركعتين وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في ~~السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله تعالى وقد قال الله تعالى @QB@ ~~لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ PageV03P232 وروى بقية بن الوليد ~~قال حدثنا أبان بن عبدالله عن خالد بن عثمان عن أنس بن مالك عن عمر بن ~~الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة المسافر ركعتان حتى يؤب إلى ~~أهله أو يموت وقال عبدالله بن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ~~ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين وقال مورق العجلي سئل ابن عمر عن ~~الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر فهذه أخبار متواترة ms1289 ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في فعل الركعتين في السفر لا زيادة ~~عليهما وفي ذلك الدلالة من وجهين على أنهما فرض المسافر أحدهما أن فرض ~~الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~ورد على وجه البيان فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب وفي فعله صلاة السفر ~~ركعتين بيان منه أن ذلك مراد الله كفعله لصلاة الفجر وصلاة الجمعة وسائر ~~الصلوات والوجه الثاني لو كان مراد الله الإتمام أو القصر على ما يختاره ~~المسافر لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر بالبيان على أحد ~~الوجهين دون الآخر وكان بيانه للإتمام في وزن بيانه للقصر فلما ورد البيان ~~إلينا من النبي صلى الله عليه وسلم في القصر دون الإتمام دل ذلك على أنه ~~مراد الله دون غيره ألا ترى أنه لما كان مراد الله في رخصة المسافر في ~~الإفطار أحد شيئين من إفطار أو صوم ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~تارة بالإفطار وتارة بالصوم وأيضا لما صلى عثمان بمنى أربعا أنكرت عليه ~~الصحابة ذلك فقال عبدالله بن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن ~~حظي من أربع ركعتان متقبلتان وقال ابن عمر صلاة السفر ركعتان من خالف السنة ~~كفر وقال عثمان أنا إنما أتممت لأني تأهلت بهذا البلد وسمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول من تأهل بللد فهو من أهله فلم يخالفهم عثمان في منع الإتمام ~~وإنما اعتذر بأنه قد تأهل بمكة فصار من أهلها وكذلك قولنا في أهل مكة أنهم ~~لا يقصرون وقال ابن عباس فرض الله تعالى الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر ~~أربعا وقالت عائشة أول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان ثم زيد في صلاة الحضر ~~وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه فأخبرت أن فرض المسافر في الأصل ركعتان ~~وفرض المقيم أربع كفرض صلاة الفجر وصلاة الظهر فغير جائز ms1290 الزيادة عليها كما ~~لا تجوز الزيادة على سائر الصلوات ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على ~~أن للمسافر ترك الأخريين PageV03P233 لا إلى بدل ومتى فعلهما فإنما يفعلهما ~~على وجه الابتداء فدل على أنهما نفل لأن هذه صورة النفل وهو أن يكون مخيرا ~~بين فعله وتركه وإذا تركه تركه لا إلى بدل # واحتج من خيره بين القصر والإتمام بما روي عن عائشة قالت قصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأتم وهذا صحيح ومعناه أنه قصر في الفعل وأتم في الحكم ~~كقول عمر صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم # واحتج أيضا من قال بالتخيير أنه لو دخل في صلاة مقيم لزمه الإتمام فدل ~~على أنه مخير في الأصل وهذا فاسد لأن الدخول في صلاة الإمام يغير الفرض ألا ~~ترى أن المرأة والعبد فرضهما يوم الجمعة أربع ولو دخلا في الجمعة صليا ~~ركعتين ولم يدل ذلك على أنهما مخيران قبل الدخول بين الأربع والركعتين وقد ~~استقصينا الكلام في هذه المسألة في مواضع من كتبنا # واختلفوا أيضا في المسافر يدخل في صلاة المقيم فقال أصحابنا والشافعي ~~والأوزاعي يصلي صلاة مقيم وإن أدركه في التشهد وهو قول الثوري وقال مالك ~~إذا لم يدرك معه ركعة صلى ركعتين والذي يدل على القول الأول قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وفي بعض الألفاظ وما ~~فاتكم فاقضوا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الفائت من صلاة الإمام ~~والذي فاته أربع ركعات فعليه قضاؤها وأيضا قد صح له الدخول في آخر صلاته ~~ويلزمه سهوه وانتفى عنه سهو نفسه لأجل إمامه كذلك لزمه حكم صلاته في ~~الإتمام وأيضا لو نوى المسافر الإقامة في هذه الحال لزمه الإتمام كذلك ~~دخوله مع الإمام ويكون دخوله معه في التشهد كدخوله في أولها كما كانت نية ~~الإقامة في التشهد كهي في أولها والله أعلم $ # فصل قال أبو بكر وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن ms1291 صلاة ~~سائر المسافرين ركعتان في أي شيء كان سفرهم من تجارة أو غيرها وذلك لأن ~~الآثار المروية فيه لم تفرق بين شيء من الأسفار وقد روى الأعمش عن إبراهيم ~~أن رجلا كان يتجر إلى الحرين فقال للنبي صلى الله عليه وسلم كم أصلي فقال ~~ركعتين وعن ابن عباس وابن عمر أنهما خرجا إلى الطائف فقصر الصلاة وروي عن ~~عبدالله بن مسعود قال لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وعن عطاء قال لا ~~أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله # فإن قيل لم يقصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حج أو جهاد قيل له لأنه ~~لم يسافر إلا في حج أو جهاد وليس في ذلك دليل على أن القصر مخصوص بالحج ~~والجهاد وقول عمر صلاة السفر ركعتان على PageV03P234 لسان نبيكم عموم في ~~سائر الأسفار وقول النبي صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته عام أيضا في سائر الأسفار وكذلك قوله لأهل مكة أتموا فإنا ~~قوم سفر ولم يقل في حج دليل على أن حكم القصر عام في جميع المسافرين ولما ~~كان ذلك حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه كالمسح على ~~الخفين ثلاثا ومن يتأول قوله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة @QE@ على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع ~~الأسفار إذا كان خائفا من العدو ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف إذا كان سفره ~~في غير جهة القربة وجب مثله في سائر الأسفار لأن أحدا لم يفرق بينهما وقد ~~بينا أن القصر ليس هو في عدد الركعات والذي ذكرناه في القصر في جميع ~~الأسفار بعد أن يكون السفر ثلاثا هو قول أصحابنا والثوري والأوزاعي وقال ~~مالك إن خرج إلى الصيد وهو معاشه قصر وإن خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر ~~وقال الشافعي إذا سافر في معصية لم يقصر ولم يمسح مسح السفر قال أبو بكر قد ~~بينا أن ذلك ms1292 في شأن المضطر في سورة البقرة وقد اختلف في الملاح هل يقصر في ~~السفينة فقال أصحابنا يقصر إذا كان في سفر حتى يصير إلى قريته فيتم وهوقول ~~مالك والشافعي وقال الأوزاعي إذا كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ~~ينتهي إلى أكراها فإذا انتهى أتم الصلاة وقال الحسن بن صالح إذا كانت ~~السفينة بيته وليس له منزل غيرها فهو فيها بمنزلة المقيم يتم # قال أبو بكر كون الملاح مالكا للسفينة لا يخرجه من حكم السفر كالجمال ~~مالك للجمال التي ينتقل بها من موضع إلى موضع فلا يخرجه ذلك من حكم السفر ~~وقد بينا الكلام في مدة السفر في سورة البقرة عند أحكام الصوم وشرط أصحابنا ~~فيه ثلاثة أيام ولياليها وهو قول الثوري والحسن بن صالح وقال مالك ثمانية ~~وأربعون ميلا فإن لم تكن فيها أميال فمسيرة يوم وليلة للقفل وهو قول الليث ~~وقال الأوزاعي يوم تام وقال الشافعي ستة وأربعون ميلا بالهاشمي وروي عن ابن ~~عمر ثلاثة أيام وروي عن ابن عباس يوم وليلة واختلفوا في المدة التي يتم ~~فيها الصلاة فقال أصحابنا والثوري إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن كان ~~أقل قصر وقال مالك والليث والشافعي إذا نوى إقامة أربع أتم وقال الأوزاعي ~~إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم وإن نوى أقل قصر وقال الحسن بن صالح إن ~~مر المسافر بمصره الذي فيه أهله وهو منطلق ماض في سفره قصر فيه الصلاة مالم ~~PageV03P235 يقم به عشرا أو إن أقام به عشرا أو بغيره أتم الصلاة قال أبو ~~بكر وروي عن ابن عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبحية ~~الرابعة من ذي الحجة فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع وكان يقصر ~~الصلاة فلدل على سقوط اعتبار الأربع وأيضا روى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن ~~مجاهد عن ابن عباس وابن عمر قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن ~~تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها وإن ms1293 كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها ~~ولم يرو عن أحد من السلف خلاف ذلك فثبتت حجته فإن قيل روى الخراساني عن ~~سعيد بن المسيب قال من أجمع على أربع وهو مسافر أتم الصلاة قيل له روى هشيم ~~عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما ~~وليلة أتم الصلاة وما كان من دون ذلك فليقصر وإن جعلنا الروايتين متعارضتين ~~سقطتا وصار كأنه لم يرو عنه شيء ولو ثبتت الرواية عنه من غير معارضة لما ~~جاز أن يكون خلافا على ابن عباس وابن عمر وأيضا مدة الإقامة والسفر لا سبيل ~~إلى إثباتها من طريق المقاييس وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق وقد حصل ~~الاتفاق في خمسة عشر يوما وما دونها مختلف فيه فيثبت الخمسة عشر أنها إقامة ~~صحيحة ولم يثبت ما دونها وكذلك السلف قد اتفقوا على الثلاث أنها سفر صحيح ~~يتعلق بها حكم القصر والإفطار واختلفوا فيما دونها فلم يثبت والله أعلم # | باب صلاة الخوف # قال الله تعالى @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم ~~معك @QE@ الآية قال أبو بكر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~على ضروب مختلفة واختلف فقهاء الأمصار فيها فقال أبو حنيفة ومحمد تقوم ~~طائفة مع الإمام وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ثم ينصرفون إلى ~~مقام أصحابهم ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة ~~وسجدتين ويسلم وينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو ~~فيقضون ركعة بغير قراءة وتشهدوا ويسلموا ويذهبوا إلى وجه العدو ثم تأتي ~~الطائفة الأخرى فيقضون ركعة وسجدتين بقراءة وقال ابن أبي ليلى إذا كان ~~العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين فيكبر ويكبرون ويركع ويركعون ~~جميعا معه وسجد الإمام والصف الأول ويقوم الصف الآخر في وجوه العدو فإذا ~~قاموا من السجود PageV03P236 سجد الصف المؤخر فإذا فرغوا من سجودهم قاموا ~~وتقدم الصف المؤخر 2 وتأخر الصف المقدم فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى ~~كذلك وإن ms1294 كان العدو في دبر القبلة قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف ~~الآخر مستقبل العدو فيكبر ويكبرون جميعا ويركع ويركعون جميعا ثم يسجد الصف ~~الذي مع الإمام سجدتين ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو ثم يجيء الآخرون ~~ويصلي بهم الإمام جميعا الركعة الثانية فيركعون جميعا ويسجد الصف الذي معه ~~ثم ينلقبون إلى وجه العدو ويجيء الآخرون فيسجدون معه ويفرغون ثم يسلم ~~الإمام وهم جميعا # قال أبو بكر وروي عن أبي يوسف في صلاة الخوف ثلاث روايات إحداها مثل قول ~~أبي حنيفة ومحمد والأخرى مثل قول ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة ~~وإذا كان في غير القبلة فمثل قول أبي حنيفة والثالثة أنه لا تصلى بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد وإنما تصلى بإمامين كسائر ~~الصلوات وروي عن سفيان الثوري مثل قول أبي حنيفة وروي أيضا مثل قول ابن أبي ~~ليلى وقال إن فعلت كذلك جاز وقال مالك يتقدم الإمام بطائفة وطائفة بإزاء ~~العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ويقوم قائما وتتم الطائفة التي معه لأنفسها ~~ركعة أخرى ثم يتشهدون ويسلمون ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصل ~~فيقومون مكانهم وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة وسجدتين ثم يتشهدون ~~ويسلم ويقومون فيتمون لأنفسهم الركعة التي بقيت قال ابن القاسم كان مالك ~~يقول لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم لحديث ~~يزيد بن رومان ثم رجع إلى حديث القاسم وفيه إن الإمام يسلم ثم تقوم الطائفة ~~الثانية فيقضون وقال الشافعي مثل قول مالك إلا أنه قال الإمام لا يسلم حتى ~~تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم وقال الحسن بن صالح مثل قول أبي ~~حنيفة إلا أنه قال الطائفة الثانية إذا صلت مع الإمام وسلم الإمام قضت ~~لأنفسها الركعة التي لم يصلوها مع الإمام ثم تنصرف وتجيء الطائفة الأولى ~~فتقضي بقية صلاتها قال أبو بكر أشد هذه الأقاويل موافقة لظاهر الآية قول ~~أبي حنيفة ومحمد ذلك لأنه تعالى قال @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت ms1295 لهم الصلاة ~~فلتقم طائفة منهم معك @QE@ PageV03P237 وفي ضمن ذلك أن طائفة منهم بإزاء ~~العدو لأنه قال @QB@ وليأخذوا أسلحتهم @QE@ وجائز أن يكون مراده الطائفة ~~التي بإزاء العدو وجائز أن يريد به الطائفة المصلية والأولى الطائفة التي ~~بإزاء العدو لأنها تحرس هذه المصلية وقد عقل من ذلك أنهم لا يكونون جميعا ~~مع الإمام لأنهم لو كانوا مع الإمام لما كانت طائفة منهم قائمة مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بل يكونون جميعا معه وذلك خلاف الآية ثم قال تعالى @QB@ ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم @QE@ وعلى مذهب مالك يقضون لأنفسهم ولا ~~يكونون من ورائهم إلا بعد القضاء وفي هذه الآية الأمر لهم بأن يكونوا بعد ~~السجود من ورائهم وذلك موافق لقولنا # ثم قال @QB@ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك @QE@ فدل ذلك على ~~معنيين أحدهما أن الإمام يجعلهم طائفتين في الأصل طائفة معه وطائفة بإزاء ~~العدو على ما قال أبو حنيفة لأنه قال @QB@ ولتأت طائفة أخرى @QE@ ونون مذهب ~~مخالفنا هي مع الإمام لا تأتيه والثاني قوله @QB@ لم يصلوا فليصلوا معك ~~@QE@ وذلك يقتضي نفي كل جزء من الصلاة ومخالفنا يقول يفتتح الجميع الصلاة ~~مع الإمام فيكون على حينئذ بعد الافتتاح فاعلين لشيء من الصلاة وذلك خلاف ~~الآية بهذه الوجوه التي ذكرنا من معنى الآية موافقة لمذهب أبي حنيفة ومحمد ~~وقولنا موافق للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وللأصول وذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ~~وإذا سجد فاسجدوا وقال إني امرؤ قد بدنت فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ~~ومن مذهب المخالف أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإمام وفي ~~الأصول أن المأموم مأمور بمتابعة الإمام لا يجوز له الخروج منها قبله وأيضا ~~جائز أن يلحق الإمام سهو وسهوه يلزم المأموم ولا يمكن الخارجين من صلاته ~~قبل فراغه أن يسجدوا ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى وهي اشتغال ~~المأموم بقضاء صلاته والإمام قائم أو جالس تارك لأفعال الصلاة فيحصل به ~~مخالفة ms1296 الإمام في الفعل وترك الإمام لأفعال الصلاة لأجل المأموم وذلك ينافي ~~معنى الافتداء والائتمام ومنع الإمام من الاشتغال بالصلاة لأجل المأموم ~~فهذان وجهان أيضا خارجان من الأصول فإن قيل جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصة ~~بجواز انصراف الطائفة الأولى قبل الإمام كما جاز المشي فيها قيل له المشي ~~له نظير في الأصول وهو الراكب المنهزم يصلي وهو سائر PageV03P238 بالاتفاق ~~فكان لما ذكرنا أصل متفق عليه فجاز أن لا تفسد صلاة الخوف وأيضا قد ثبت ~~عندنا أن الذي سبقه الحدث في الصلاة ينصرف ويتوضأ ويبني قد ردت به السنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم روي عن ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من ~~صلاته والرجل يركع ويمشي إلى الصف فلا تبطل صلاته وركع أبو بكر حين دخل ~~المسجد ومشى إلى الصف فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال له زادك الله ~~حرصا ولا تعد ولم يأمره باستيناف الصلاة فكان للمشي في الصلاة نظائر في ~~الأصول وليس للخروج من الصلاة قبل فراغ الإمام نظير فلم يجز فعله وأيضا فإن ~~المشي فيها اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي ولما قامت به الدلالة سلمناه ~~لها وما عدا ذلك فواجب حمله على موافقة الأصول حتى تقوم الدلالة على جواز ~~خروجه عنها ومما يدل من جهة السنة على ما وصفنا ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري ~~عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة ~~والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك ~~فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم عليهم ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء ~~فقضوا ركعتهم قال أبو داود كذلك رواه نافع وخالد بن معدان عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود وكذلك قول مسروق ms1297 ويوسف بن مهران عن ~~ابن عباس وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه فعله # وقول ابن عمر فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة على أنهم قضوا على وجه يجوز ~~القضاء وهو أن ترجع الثانية إلى مقام الأولى وجاءت الأولى فقضت ركعة وسلمت ~~ثم جاءت الثانية فقضت ركعة وسلمت # وقد بين ذلك في حديث خصيف عن أبي عبيدة عن عبدالله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى في حرة بني سليم صلاة الخوف قام فاستقبل القبلة وكان العدو ~~في غير القبلة فصف معه صفا وأخذ صف السلاح واستقبلوا العدو فكبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والصف الذي معه ثم ركع وركع الصف الذي معه ثم تحول الصف ~~الذين صفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح وتحول الآخرون ~~فقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم فركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعوا ~~وسجد وسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم فذهب الذين صلوا معه وجاء ~~الآخرون فقضوا ركعة فلما فرغوا أخذوا السلاح وتحول الآخرون وصلوا ركعة فكان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان PageV03P239 وللقوم ركعة ركعة فبين في هذا ~~الحديث انصراف الطائفة الثانية قبل قضاء الركعة الأولى وهو معنى ما أجمله ~~ابن عمر في حديثه وقد روي في حديث عبدالله بن مسعود من رواية ابن فضل عن ~~خصيف عن أبي عبيدة عن عبدالله أن الطائفة الثانية قضت ركعة لأنفسها قبل ~~قضاء الطائفة الأولى الركعة التي بقيت عليها والصحيح ما ذكرناه أولا لأن ~~الطائفة الأولى قد أدركت أول الصلاة والثانية لم تدرك فغير جائز للثانية ~~الخروج من صلاتها قبل الأولى ولأنه لما كان من حكم الطائفة الأولى أن تصلي ~~الركعتين في مقامين فكذلك حكم الثانية أن تقضيهما في مقامين لا في مقام ~~واحد لأن سبيل صلاة الخوف أن تكون مقسومة بين الطائفتين على التعديل بينهما ~~فيها واحتج مالك بحديث رواه عن زيد بن رومان عن صالح بن خوات مرسلا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه ms1298 أن الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية ~~قبل أن يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لم يروه أحد إلا يزيد بن ~~رومان وقد خولف فيه فروى شعبة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن ~~خوات عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة ~~الخوف فصف صفا خلفه وصف مصاف العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك ~~فصلى بهم ركعة ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة ففي هذا الحديث أن الطائفة الأولى ~~لم تقض الركعة الثانية إلا بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته ~~وهذا أولى لما قدمناه من دلائل الأصول عليه وقد روى يحيى بن سعيد عن القاسم ~~عن صالح مثل رواية يزيد بن رومان وفي حديث مالك عن يزيد بن رومان أن تلك ~~الصلاة إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع وقد روى ~~يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذات الرقاع فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة منهم ركعتين ثم ~~انصرفوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعا وكل طائفة ركعتين وهذا يدل على اضطراب حديث يزيد بن رومان وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على وجوه أخر فاتفق ابن مسعود وابن ~~عمر وجابر وحذيفة وزيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى ~~الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهون العدو ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة ~~وإن أحدا منهم لم يقض بقية صلاته قبل فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وروى صالح بن خوات على ما قد اختلف عنه فيه مما قدمنا ذكره وروى أبو عياش ~~الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف نحو PageV03P240 المذهب ~~الذي حكيناه عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف إذا كان العدو في القبلة وروى أيوب ~~وهشام عن أبي ms1299 الزبير عن جابر هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~رواه داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس وكذلك عبدالملك عن عطاء عن جابر ~~وكذلك قتادة عن الحسن عن حطان عن أبي موسى من فعله ورواه عكرمة بن خالد عن ~~مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك هشام بن عروة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد روي عن ابن عباس وجابر ما قدمنا ذكره قبل هذا واختلفت ~~الرواية عنهما فيها # وروي فيها نوع آخر وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا أبو عبدالرحمن المقري قال حدثنا حياة بن شريح ~~وابن لهيعة قالا أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان ~~بن الحكم أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف فقال أبو هريرة نعم قال مروان متى فقال أبو هريرة عام غزوة نجد قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى ~~مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا ~~جميعا الذين معه والذين مقابلي العدو ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابلي العدو ثم قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت ~~الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قائم كما هو ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ~~وركعوا معه وسجد وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو ~~فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه ثم كان السلام ~~فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعا فكان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ركعتان ولكل ms1300 رجل من الطائفتين ركعة ركعة # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم نوع آخر من صلاة الخوف وهو ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيدالله بن معاذ قال حدثنا أبي قال ~~حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق ~~الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ~~ثم سلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين ~~وبذلك كان يفتي الحسن قال أبو داود وكذلك يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن ~~جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك رواه سليمان ~~PageV03P241 اليشكري عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم # قال أبو بكر وقد قدمنا قبل ذلك أن ابن عباس وجابرا رويا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه صلى بكل طائفة ركعة ركعة فكان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركعتان ولكل طائفة ركعة وأن هذا محمول عندنا على أنه كان ركعة في ~~جماعة وفعلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف ~~إذا كان العدو في القبلة إلى حديث أبي عياش الزرقي الذي ذكرناه وجائز أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى هذه الصلوات على الوجوه التي وردت به ~~الروايات وذلك لأنها لم تكن صلاة واحدة فتتضاد الروايات فيها وتتنافى بل ~~كانت صلوات في مواضع مختلفة بعسفان في حديث أبي عياش الزرقي وفي حديث جابر ~~ببطن النخل ومنها حديث أبي هريرة في غزوة نجد وذكر فيه أن الصلاة كانت بذات ~~الرقاع وصلاها في حرة بني سليم ويشبه أن يكون قد صلى في بعض هذه المواضع ~~عدة صلوات لأن في بعض حديث جابر الذي يقول فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى بكل طائفة ركعتين ذكر أنه كان بذات الرقاع وفي ms1301 حديث صالح بن خوات أيضا ~~أنه صلاها بذات الرقاع وهما مختلفان كل واحد منهما ذكر فيه من صفة صلاته ~~خلاف صفة الأخرى وكذلك حديث أبي عياش الزرقي ذكر أنه صلاها بعسفان وذكر ابن ~~عباس أيضا أنه صلاها بعسفان فروى تارة نحو حديث أبي عياش وتارة على خلافه ~~واختلاف هذه الآثار تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى هذه ~~الصلوات على اختلافها على حسب ورود الروايات بها وعلى ما رآه النبي احتياطا ~~في الوقت من كيد العدو وما هو أقرب إلى الحذر والتحرز على ما أمر الله ~~تعالى به من أخذ الحذر في قوله @QB@ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين ~~كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة @QE@ ولذلك ~~كان الاجتهاد سائغا في جميع أقاويل الفقهاء على اختلافها لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها إلا أن الأولى عندنا ما وافق ظاهر الكتاب والأصول ~~وجائز أن يكون الثابت الحكم منها واحدا والباقي منسوخ وجائز أن يكون الجميع ~~ثابتا غير منسوخ توسعة وترفيها لئلا يحرج من ذهب إلى بعضها ويكون الكلام في ~~الأفضل منها كاختلاف الروايات في الترجيع في الأذان وفي تثنية الإقامة ~~وتكبيرات العيدين والتشريق ونحو ذلك مما الكلام فيه بين الفقهاء في الأفضل ~~فمن ذهب إلى وجه منها فغير معنف عليه في اختياره وكان الأولى عندنا ما وافق ~~ظاهر الآية والأصول وفي حديث جابر وأبي بكرة PageV03P242 أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كان مقيما حين صلاها كذلك ويكون قولهما أنه سلم في الركعتين المراد به ~~تسليم التشهد وذلك لأن ظاهر الكتاب ينفيه على الوجه الذي يقتضيه ظاهر الخبر ~~لأن الله تعالى قال @QB@ فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم @QE@ وظاهر الخبر يوجب أن يكونوا مصلين مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد السجود على الحال التي كانوا عليها قبله # فإن قيل كيف يكون مقيما في البادية وهي ms1302 ذات الرقاع وليست موضع إقامة ولا ~~هي بالقرب من المدينة # قيل له جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لم ينو سفر ~~ثلاث وإنما نوى في كل موضع يبلغ إليه سفر يومين فيكون مقيما عندنا إذ لم ~~ينشئ سفر ثلاث وإن كان في البادية ويحتمل أن يكون فعلها في الوقت الذي يعاد ~~الفرض فيه وذلك منسوخ عندنا وعلى أنه لو كان كذلك لم يكن صلاة خوف وإنما هي ~~صلاة على هيئة سائر الصلوات ولا خلاف أن صلاة الخوف مخالفة لسائر الصلوات ~~المفعولة في حال الأمن # وأما القول الذي روي عن أبي يوسف في أنه لا تصلى بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف وأنه ينبغي أن تصلى عند الخوف بإمامين فإنه ذهب فيه إلى ~~ظاهر قول الله تعالى @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة @QE@ فخص هذه ~~الصلاة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وأباح لهم فعلها معه على هذا ~~الوجه ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه التي مثلها لا يوجد في الصلاة خلف غيره ~~فغير جائز بعده لأحد أن يصليها إلا بإمامين لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني ~~كهي خلف الأول فلا يحتاج إلى مشي واختلاف واستدبار القبلة مما هو مناف ~~للصلاة # قال أبو بكر فأما تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب بها بقوله @QB@ ~~وإذا كنت فيهم @QE@ فليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره لأن ~~الذي قال @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة @QE@ هو الذي قال @QB@ ~~فاتبعوه @QE@ فإذا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل فعلا فعلينا ~~اتباعه فيه على الوجه الذي فعله ألا ترى أن قوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم @QE@ لم يوجب كون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من ~~الأئمة بعده وكذلك قوله @QB@ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك @QE@ وكذلك قوله ~~@QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ وقوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم ~~@QE@ فيه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة والأئمة بعده مرادون ~~بالحكم معه وأما إدراك فضيلة الصلاة خلف ms1303 النبي صلى الله عليه وسلم فليس ~~يجوز أن يكون علة لإباحة المشي في الصلاة واستدبار القبلة والأفعال التي ~~تركها PageV03P243 من فروض الصلاة لأنه لما كان معلوما أن فعل الصلاة خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضا فغير جائز أن يكونوا أمروا بترك ~~الفرض لأجل إدراك الفصل فلما كان هذا على ما وصفنا بطل اعتلاله بذلك وصح أن ~~فعل صلاة الخوف على الوجه الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز بعده ~~كما جاز معه وقد روى جماعة من الصحابة جواز فعل صلاة الخوف بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم منهم ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وحذيفة ~~وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن سمرة في آخرين منهم من غير خلاف يحكى عن أحد ~~منهم ومثله يكون إجماعا لا يسع خلافه والله أعلم # | باب الاختلاف في صلاة المغرب # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي ~~والشافعي يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة إلا أن مالكا ~~والشافعي يقولان يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم ثم يصلي بالطائفة ~~الثانية ركعة أخرى ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ركعتين ~~وقال الشافعي إن شاء الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى لأنفسهم وإن ~~شاء كان قائما ويسلم الإمام بعد فراغ الطائفة الثانية وقال الثوري يقوم صف ~~خلفه وصف موازي العدو فيصلي بهم ركعة ثم يذهبون إلى مقام أولئك ويجيء هؤلاء ~~فيصلي بهم ركعة ويجلسون فإذا قام ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك ~~فركعوا وسجدوا والإمام قائم لأن قراءة الإمام لهم قراءة وجلسوا ثم قاموا ~~يصلون مع الإمام الركعة الثالثة فإذا جلسوا وسلم الإمام ذهبوا إلى مصاف ~~أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين وذهب في ذلك إلى أن عليه التعديل بين ~~الطائفتين في الصلاة فيصلي بكل واحدة ركعة وقد ترك هذا المعنى حين جعل ~~للطائفة الأولى أن يصلي مع الإمام الركعة الأولى والثالثة والطائفة الثانية ~~إنما صلت الركعة الثانية معه وقال الثوري إنه إذا ms1304 كان مقيما فصلى بهم الظهر ~~أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين فلم يقسم الصلاة بينهم ~~على أن يصلي كل طائفة منهم معه ركعة على حيالها ومذهب الثوري هذا مخالف ~~للأصول من وجه آخر وذلك أنه أمر الإمام أن يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة ~~الأولى من الركعة الثانية وذلك خلاف الأصول على ما بينا فيما سلف من مذهب ~~مالك والشافعي والله أعلم بالصواب PageV03P244 # | ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يصلى في حال القتال فإن قاتل في ~~الصلاة فسدت صلاته وقال مالك والثوري يصلي إيماء إذا لم يقدر على الركوع ~~والسجود وقال الحسن بن صالح إذا لم يقدر على الركوع من القتال كبر بدل كل ~~ركعة تكبيرة وقال الشافعي لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة ~~فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته قال أبو بكر الدليل على ~~أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الخوف في ~~مواضع على ما قدمنا ذكره ولم يصل يوم الخندق أربع صلوات حتى كان هوى من ~~الليل ثم قال ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى ثم ~~قضاهن على الترتيب فأخبر أن القتال شغله عن الصلاة ولو كانت الصلاة جائزة ~~في حال القتال لما تركها كما لم يتركها في حال الخوف في غير قتال وقد كانت ~~الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل الخندق لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~بذات الرقاع صلاة الخوف وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع ~~كانت قبل الخندق فثبت بذلك أن القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه ~~وأيضا فلما كان القتال فعلا ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف كان حكمه ~~في الخوف كهو في غيره مثل الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر الأفعال ~~المنافية للصلاة وإنما أبيح له المشي فيها لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل ~~حال على ms1305 ما بيناه فيما سلف ولأنهم متفقون على أن المشي لا يفسدها فسلمناه ~~للإجماع وما عداه من الأفعال المنافية للصلاة فهو محمول على أصله وقوله ~~تعالى @QB@ فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم @QE@ يحتمل أن يكون ~~المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام ويحتمل أن تكون الطائفة التي ~~بإزاء العدو لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو وضميرها ظاهر في ~~نسق الآية في قوله @QB@ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك @QE@ ومن ~~وجه آخر يدل على ما ذكرنا وهو أنه أمر الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ ~~السلاح ولم يقل فليأخذوا حذرهم لأن في وجه العدو طائفة غير مصلية حامية لها ~~قد كفت هذه أخذ الحذر ثم قال تعالى @QB@ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ وفي ذلك دليل من وجهين على أن ~~PageV03P245 قوله @QB@ فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم @QE@ إنما ~~أريد به الطائفة التي مع الإمام أحدهما أنه لما ذكر الطائفة الثانية قال ~~@QB@ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم @QE@ ولو كانوا مأمورين بأخذ السلاح بديا ~~لاكتفى بذكرها بديا لهم والوجه الثاني قوله @QB@ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ~~@QE@ فجمع لهم بين الأمرين من أخذ الحذر والسلاح جميعا لأن الطائفة الأولى ~~قد صارت بإزاء العدو وهي في الصلاة وذلك أولى بطمع العدو فيهم إذ قد صارت ~~الطائفتان جميعا في الصلاة فدل ذلك على أن قوله @QB@ وليأخذوا أسلحتهم @QE@ ~~إنما أريد به الطائفة الأولى وهذا أيضا يدل على أن الطائفة التي تقف بإزاء ~~العدو بديا غير داخلة في الصلاة وأنها إنما تدخل في الصلاة بعد مجيئها في ~~الركعة الثانية ولذلك أمرت بأخذ الحذر والسلاح جميعا لأن الطائفة التي في ~~وجه العدو في الصلاة فيشتد طمع العدو فيها لعلمهم باشتغالها بالصلاة ألا ~~ترى أن خالد بن الوليد قال لأصحابه بعسفان بعد ما صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الظهر دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم فإذا صلوها ~~حملنا عليهم فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ولذلك أمرهم الله ~~بأخذ الحذر والسلاح جميعا ms1306 والله أعلم ولما جاز أخذ السلاح في الصلاة وعمل ~~ذلك فيها دل على أن العمل اليسير معفو عنه فيها قوله تعالى @QB@ ود الذين ~~كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة @QE@ إخبار ~~عما كان عزم عليه المشركون من الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وأمر المسلمين بأخذ الحذر منهم # قوله تعالى @QB@ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن ~~تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم @QE@ فيه إباحة وضع السلاح لما فيه من المشقة في ~~حال المرض والوحل والطين وسوى الله تعالى بين أذى المطر والمرض ورخص فيهما ~~جميعا في وضع السلاح وهذا يدل على أن من كان في وحل وطين فجائز له أن يصلي ~~بالإيماء كما يجوز ذلك له في حال المرض إذا لم يمكنه الركوع والسجود إذ كان ~~الله تعالى قد سوى بين أذى المطر والمرض فيما وصفنا وأمر مع ذلك بأخذ الحذر ~~من العدو وأن لا يغفلوا عنه فيكون سلاحهم بالقرب منهم بحيث يمكنهم أخذه إن ~~حمل عليهم العدو قوله تعالى @QB@ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم @QE@ PageV03P246 قال أبو بكر أطلق الله تعالى الذكر في ~~غير هذا الموضع وأراد به الصلاة في قوله @QB@ الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم @QE@ يروى أن عبدالله بن مسعود رأى الناس يصيحون في ~~المسجد فقال ما هذا النكر قالوا أليس الله يقول @QB@ الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم @QE@ فقال إنما يعني بهذه الصلاة المكتوبة إن لم ~~تستطع قائما فقاعدا وإن لم تستطع فصل على جنبك وروي عن الحسن @QB@ الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم @QE@ هذه رخصة من الله للمريض أن ~~يصلي قاعدا وإن لم يستطع فعلى جنبه فهذا الذكر المراد به نفس الصلاة لأن ~~الصلاة ذكر الله تعالى وفيها أيضا أذكار مسنونة ومفروضة وأما الذكر الذي في ~~قوله تعالى @QB@ فإذا قضيتم الصلاة @QE@ فليس هو الصلاة ولكنه على أحد ~~وجهين أما الذكر بالقلب وهو الفكر في ms1307 عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في ~~خلقه وصنعه من الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه والذكر الثاني الذكر ~~باللسان بالتعظيم والتسبيح والتقديس وروي عن ابن عباس قال لم يعذر أحد في ~~ترك الذكر إلا مغلوبا على عقله والذكر الأول أشرفهما وأعلاهما منزلة ~~والدليل على أنه لم يرد بهذا الذكر الصلاة أنه أمر به بعد الفراغ منها ~~بقوله تعالى @QB@ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين @QE@ فإنه روي عن الحسن ومجاهد وقتادة فإذا رجعتم إلى الوطن في ~~دار الإقامة فأتموا الصلاة من غير قصر وقال السدي وغيره فعليكم أن تتموا ~~ركوعها وسجودها غير مشاة ولا ركبان قال أبو بكر من تأول القصر المذكور في ~~قوله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~@QE@ على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر ومن تأوله على صفة الصلاة من ~~فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها جعل قوله تعالى @QB@ فأقيموا ~~الصلاة @QE@ أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف ~~والله أعلم # | باب مواقيت الصلاة # قال الله تعالى @QB@ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ روي ~~عن عبدالله بن مسعود أنه قال إن للصلاة وقتا كوقت الحج وعن ابن عباس ومجاهد ~~وعطية مفروضا وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال موقوتا منجما كلما مضى نجم ~~جاء نجم آخر وعن PageV03P247 زيد بن أسلم مثل ذلك قال أبو بكر قد انتظم ذلك ~~إيجاب الفرض ومواقيته لأن قوله تعالى @QB@ كتابا @QE@ معناه فرضا وقوله ~~@QB@ موقوتا @QE@ معناه أنه مفروض في أوقات معلومة معينة فأجمل ذكر الأوقات ~~في هذه الآية وبينها في مواضع أخر من الكتاب من غير ذكر تحديد أوائلها ~~وأواخرها وبين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم تحديدها ومقاديرها فمما ~~ذكر الله في الكتاب من أوقات الصلاة قوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق الليل وقرآن الفجر @QE@ ذكر مجاهد عن ابن عباس لدلوك الشمس قال إذا ~~زالت الشمس عن بطن ms1308 السماء لصلاة الظهر إلى غسق الليل قال بدو الليل لصلاة ~~المغرب وكذلك روي عن ابن عمر في دلوكها أنه زوالها وروى أبو وائل عن ~~عبدالله بن مسعود قال إن دلوكها غروبها وعن أبي عبدالرحمن السلمي نحوه قال ~~أبوبكر لما تأولوا الآية على المعنيين من الزوال ومن الغروب دل على ~~احتمالها لولا ذلك لما تأوله السلف عليهما والدلوك في اللغة الميل فدلوك ~~الشمس ميلها وقد تميل تارة للزوال وتارة للغروب وقد علمنا أن دلوكها هو أول ~~الوقت وغسق الليل نهايته وغايته لأنه قال @QB@ إلى غسق الليل @QE@ وإلى ~~غاية ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل لأن بينهما وقت العصر فالأظهر ~~أن يكون المراد بالدلوك ههنا هو الغروب وغسق الليل ههنا هو اجتماع الظلمة ~~لأن وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهاية له واحتمال الزوال مع ذلك قائم ~~لأن ما بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت هذه الصلاة وهي الظهر والعصر ~~والمغرب فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق الليل لا ينفك من أن يكون وقتا ~~لصلاة فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب ويحتمل أن يراد به العتمة أيضا لأن ~~الغاية قد تدخل في الحكم كقوله تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ ~~والمرافق داخلة فيها وقوله @QB@ حتى تغتسلوا @QE@ والغسل داخل في شرط ~~الإباحة فإن حمل المعنى على الزوال انتظم أربع صلوات ثم قال @QB@ وقرآن ~~الفجر @QE@ وهو صلاة الفجر فتنتظم الآية الصلوات الخمس وهذا معنى ظاهر قد ~~دل عليه إفراده صلاة الفجر بالذكر إذ كان بينها وبين صلاة الظهر وقت ليس من ~~أوقات الصلاة المفروضة فأبان تعالى أن من وقت الزوال إلى وقت العتمة وقتا ~~لصلوات مفعولة فيه وأفرد الفجر بالذكر إذ كان بينها وبين الظهر فاصلة وقت ~~ليس من أوقات الصلاة فهذه الآية يحتمل أن يريد بها بيان وقت صلاتين إذا كان ~~المراد بالدلوك الغروب وهو وقت المغرب والفجر بقوله تعالى @QB@ وقرآن الفجر ~~@QE@ PageV03P248 ويحتمل أن يريد بها الصلوات الخمس على الوجه الذي بينا ~~ويحتمل أن يريد بها الظهر والمغرب والفجر وذلك لأنه ms1309 جائز أن يريد بقوله ~~@QB@ إلى غسق الليل @QE@ أقم الصلاة مع غسق الليل كقوله تعالى @QB@ ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم @QE@ ومعناه مع أموالكم ويكون غسق الليل حينئذ ~~وقتا لصلاة المغرب ويجوز أن يريد به وقت صلاة العتمة وقد روى ليث عن مجاهد ~~عن ابن عباس أنه كان يقول دلوك الشمس حين تزول إلى غسق الليل حين تجب الشمس ~~قال وقال ابن مسعود دلوك الشمس حين تجب إلى غسق الليل حين يغيب الشفق وعن ~~عبدالله أيضا أنه لما غربت الشمس قال هذا غسق الليل وعن أبي هريرة غسق ~~الليل غيبوبة الشمس وقال الحسن غسق الليل صلاة المغرب والعشاء وقال إبراهيم ~~النخعي غسق الليل العشاء الآخرة وعن أبي جعفر غسق الليل انتصافه وروى مالك ~~عن داود بن الحصين قال أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل ~~اجتماع الليل وظلمته فهذه الآية فيها احتمال للوجوه التي ذكرنا من مواقيت ~~الصلوات وقال تعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل @QE@ روى ~~عمرو عن الحسن في قوله تعالى @QB@ طرفي النهار @QE@ قال صلاة الفجر والأخرى ~~الظهر والعصر @QB@ وزلفا من الليل @QE@ قال المغرب والعشاء فعلى هذا القول ~~قد انتظمت الآية الصلوات الخمس وروى يونس عن الحسن أقم الصلاة طرفي النهار ~~قال الفجر والعصر # وروى ليث عن الحكم عن أبي عياض قال قال ابن عباس جمعت هذه الآية مواقيت ~~الصلاة فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الفجر وعشيا ~~العصر وحين تظهرون الظهر وعن الحسن مثله وروى أبو رزين عن ابن عباس وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قال الصلاة المكتوبة وقال @QB@ وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى @QE@ وهذه الآية منتظمة لأوقات الصلوات أيضا فهذه الآيات كلها ~~فيها ذكر أوقات الصلوات من غير تحديد لها إلا فيما ذكر من الدلوك فإنه جعله ~~أول وقت لتلك الصلاة ووقت الزوال والغروب معلومان وقوله تعالى @QB@ إلى غسق ~~الليل @QE@ ليس فيه بيان نهاية الوقت بلفظ غير محتمل ms1310 للمعاني وقوله @QB@ ~~حين تمسون @QE@ إن أراد به المغرب كان معلوما وكذلك تصبحون لأن و قت الصبح ~~معلوم وقوله @QB@ طرفي النهار @QE@ لا دلالة فيه على تحديد الوقت لاحتماله ~~أن يريد الظهر والعصر وذلك لأن وسط PageV03P249 النهار هو وقت الزوال فما ~~كان منه في النصف الآخر فهو طرف وكذلك ما كان منه في النصف الأول فهو طرف ~~وجائز أن يريد به العصر لأن آخر النهار من طرفه والأولى أن يكون المراد ~~العصر دون الظهر لأن طرف الشيء إما أن يكون ابتداءه ونهايته وآخره ويبعد أن ~~يكون ما قرب من الوسط طرفا إلا أن الحسن في رواية عمر وقد تأوله على الظهر ~~والعصر جميعا وقد روى عنه يونس أنه العصر وهو أشبه بمعنى الآية ألا ترى أن ~~طرف الثوب ما يلي نهايته ولا يسمى ما قرب من وسطه طرفا # فهذه الآي دالة على أعداد الصلوات # وقوله تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات @QE@ الآية يدل على أنها وتر لأن ~~الشفع لا وسط له وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلت ~~الأمة عنه قولا وفعلا فرض الصلوات الخمس وقد روى أنس بن مالك وعبادة بن ~~الصامت في حديث المعراج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بخمسين صلاة ~~وأنه لم يزل يسئل ربه التخفيف حتى استقرت على خمس وهذا عندنا كان فرضا ~~موقوفا على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لأنه لا يجوز نسخ الفرض ~~قبل التمكن من الفعل وقد بيناه في أصول الفقه ولا خلاف بين المسلمين في فرض ~~الصلوات الخمس وقال جماعة من السلف بوجوب الوتر وهو قول أبي حنيفة وليس هو ~~بفرض عنده وإن كان واجبا لأن الفرض ما كان في أعلى مراتب الإيجاب وقد ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار متواترة في بيان تحديد أوقات الصلوات ~~واتفقت الأمة في بعضها واختلفت في بعض # | وقت الفجر # فأما أول وقت الفجر فلا خلاف فيه أنه من حين يطلع الفجر الثاني الذي ~~يعترض في الأفق وروى سليمان التيمي عن ms1311 أبي عثمان النهدي عن عبدالله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الفجر أن يقول هكذا وجمع ~~كفه حتى يكون هكذا ومد أصبعيه السبابتين # وروى قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا ~~واشربوا ولا يهدينكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر # وروى سفيان عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الفجر فجران فجر يحل فيه الطعام وتحرم فيه الصلاة وفجر تحل فيه الصلاة ~~ويحرم فيه الطعام وروى نافع بن جبريل في حديث المواقيت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن جبريل عليه السلام أمه عند البيت فصلى الفجر في اليوم الأول ~~PageV03P250 حين برق الفجر وحرم الطعام والشراب على الصائم فهذا أول وقت ~~الفجر وقد تواترت به الآثار واتفق عليه فقهاء الأمصار وأما آخر وقتها فهو ~~إلى طلوع الشمس عند سائر الفقهاء وذكر ابن القاسم عن مالك أنه قال وقت ~~الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة وآخر وقتها إذا أسفر ويحتمل أن يكون ~~مراده الوقت المستحب وكراهة التأخير إلى بعد الإسفار لا على معنى أنها تكون ~~فائتة إذا أخرها إلى بعد الإسفار قبل طلوع الشمس وقد روى عبدالله بن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وقت الفجر مالم تطلع الشمس وقد روى ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وأن آخر وقتها حين ~~تطلع الشمس وورى أبو هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك فألزم النبي صلى الله ~~عليه وسلم مدرك هذا القدر من الوقت جميع الصلاة مثل الحائض تطهر والصبي ~~يبلغ والكافر يسلم فثبت أن وقت الفجر إلى طلوع الشمس # | وقت الظهر # وأما أول وقت الظهر فهو من حين تزول الشمس ولا خلاف بين أهل ms1312 العلم فيه ~~وقال الله تعالى @QB@ وعشيا وحين تظهرون @QE@ وقال @QB@ أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس @QE@ وقد بينا أن دلوك الشمس تحتمل الزوال والغروب جميعا وهو عليهما ~~فتنتظم الآية الأمر بصلاة الظهر والمغرب وبيان أول وقتيهما ومن جهة السنة ~~حديث ابن عباس وأبي سعيد وجابر وعبدالله بن عمر وبريدة الأسلمي وأبي هريرة ~~وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر المواقيت حين أمه جبريل وأنه ~~صلى الظهر حين زالت الشمس وفي بعضها ابتداء اللفظ من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وهي أحاديث مشهورة كرهت الإطالة ~~بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها فصار أول وقت الظهر معلوما من جهة الكتاب ~~والسنة واتفاق الأمة # وأما آخر وقتها فقد اختلف فيه الفقهاء فروي عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات ~~إحداهن أن يصير الظل أقل من قامتين والأخرى وهي رواية الحسن بن زياد أن ~~يصير ظل كل شيء مثله والثالثة أن يصير الظل قامتين وهي رواية الأصل وقال ~~أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح والثوري والشافعي هو أن ~~يصير ظل كل شيء مثله وحكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى PageV03P251 ~~غروب الشمس ويحتج لقول من قال بالمثلين في آخر وقت الظهر بظاهر قوله @QB@ ~~وأقم الصلاة طرفي النهار @QE@ وذلك يقتضي فعل العصر بعد المثلين لأنه كلما ~~كان أقرب إلى وقت الغروب فهو أولى باسم الطرف وإذا كان وقت العصر من ~~المثلين فما قبله من وقت الظهر لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخر ~~وقتها حين يدخل وقت العصر ويحتج أيضا لهذا القول بظاهر قوله تعالى @QB@ أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ وقد بينا أن الدلوك يحتمل الزوال ~~فإذا أريد به ذلك اقتضى ظاهره امتداد الوقت إلى الغروب إلا أنه ثبت أن ما ~~بعد المثلين ليس بوقت للظهر فوجب أن يثبت إلى المثلين بالظاهر ويحتج فيه من ~~جهة ms1313 السنة بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أجلكم في أجل من مضى ~~قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ومثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم ~~كرجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي ما بين غدوة إلى نصف النهار على قيراط ~~فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي ما بين نصف النهار إلى العصر على قيراط ~~فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي ما بين العصر إلى المغرب على قيراطين ~~فعملتم أنتم فغضبت اليهود والنصارى فقالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء قال هل ~~نقصتم من جعلكم شيئا قالوا لا قال فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء ودلالة هذا ~~الخبر على ما ذكرنا من وجهين أحدهما قوله أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما ~~بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وإنما أراد بذلك الإخبار عن قصر الوقت وقال ~~صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى وفي ~~خبر آخر كما بين هذه وهذه فأخبر فيه أن الذي بقي من مدة الدنيا كنقصان ~~السبابة عن الوسطى وقد قدر ذلك بنصف السبع فثبت بذلك حين شبه صلى الله عليه ~~وسلم أجلنا في أجل من مضى قبلنا بوقت العصر في قصر مدته أنه لا ينبغي أن ~~يكون من المثل لأنه لو كان كذلك لكان أكثر من ذلك فدل ذلك على أن وقت العصر ~~بعد المثلين والوجه الآخر من دلالة الخبر المثل الذي ضربه صلى الله عليه ~~وسلم لنا ولأهل الكتابين بالعمل في الأوقات المذكورة وأنهم غضبوا فقالوا ~~كنا أكثر عملا وأقل عطاء فلو كان وقت العصر في المثل لما كانت النصارى أكثر ~~عملا من المسلمين بل كان يكون المسلمون أكثر عملا لأن ما بين المثل إلى ~~الغروب أكثر مما بين الزوال إلى المثل فثبت بذلك أن وقت العصر أقصر من وقت ~~الظهر فإن قيل إنما PageV03P252 أراد أن وقتي الفريقين بذلك على حياله دون ~~الإخبار عنهما مجموعين ألا ترى أنهم قالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء وليسا ~~بمجموعهما أقل ms1314 عطاء لأن عطاءهما جميعا هو مثل عطاء المسلمين ويدل عليه حديث ~~عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل ~~أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله فقال قم فصل الظهر فأخبر أن ~~جبريل أتاه بعد المثل فأمره بفعل الظهر فلو كان ما بعد المثل من وقت العصر ~~لكان قد أخر الظهر عن وقتها فإن قيل في حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء ~~مثله وهذا يوجب أن يكون وقت العصر بعد المثل قيل له أما حديث ابن عباس فإنه ~~أخبر فيه عن إمامة جبريل عند باب البيت وذلك قبل الهجرة وفيه أنه صلى الظهر ~~من اليوم الثاني لوقت العصر بالأمس وذلك يوجب أن يكون وقت الظهر ووقت العصر ~~واحدا فيما صلاهما في اليومين فإن قيل إنما أراد أنه ابتدأ العصر في وقت ~~فراغه من الظهر من الأمس قيل له في حديث ابن مسعود إن جبريل أتاه حين صار ~~ظل كل شيء مثله في اليوم الأول فقال قم فصل العصر وأنه أتاه في اليوم ~~الثاني حين صار ظل كل شيء مثله فقال قم فصل الظهر فأخبر أن مجيئه إليه ~~وأمره إياه بالصلاة كان بعد المثل وهذا يسقط تأويل من تأوله وإذا كان ذلك ~~كذلك وقد روى عبدالله بن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال وقت الظهر مالم يحضر وقت العصر وفي حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى ثبت بذلك أن ~~ما في حديث ابن عباس وابن مسعود على النحو الذي ذكرنا منسوخ وأنه كان قبل ~~الهجرة وعلى أنه لو كان ثابت الحكم لوجب أن يكون الفعل الآخر ناسخا للأول ~~وأن يكون الآخر منهما ثابتا والآخر من الفعلين أنه فعل الظهر في اليوم ~~الثاني بعد المثل وذلك ms1315 يقتضي أن يكون ما بعد المثل من وقت الظهر وفي حديث ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله السائل عن مواقيت الصلاة ~~أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس مرتفعة قبل أن تدخلها الصفرة وكذلك في ~~حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العصر ~~في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة ولا يقال هذا فيمن صلاها حين يصير الظل ~~مثله وقد ذكر أيضا في حديث ابن مسعود أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس ~~بيضاء مرتفعة رواه جماعة من كبار أصحاب الزهري عن عروة منهم PageV03P253 ~~مالك والليث وشعيب ومعمر وغيرهم ورواه أيوب عن عتبة عن أبي بكر بن عمرو بن ~~حزم عن عروة فذكر فيه مقادير الفيء على نحو ما قدمنا فحديث ابن مسعود يروى ~~على هذين الوجهين فذكر في أحدهما أنه جاءه جبريل عليه السلام حين صار ظل كل ~~شيء مثله فقال قم فصل الظهر وفي اليوم الثاني جاءه حين صار ظل كل شيء مثليه ~~فقال قم فصل العصر وحديث الزهري عن عروة لم يذكر فيه مقدار الفيء وذكر أنه ~~صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة لم تدخلها صفرة # وقد رويت أخبار في تعجيل العصر قد يحتج بها من يقول بالمثل وفيها احتمال ~~لما قالوه ولغيره فلا تثبت بمثلها حجة في إثبات المثل دون غيره إذ لا حجة ~~في المحتمل منها حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر ~~ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيجدهم لم يصلوا العصر قال الزهري والعوالي على ~~الميلين والثلاثة وورى أبو واقد الليثي قال حدثنا أبو أروى قال كنت أصلي مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة ثم أمشي إلى ذي الحليفة قبل أن ~~تغرب الشمس وفي حديث أسامة بن زيد عن الزهري عن عروة عن بشير بن أبي مسعود ~~عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء ~~مرتفعة يسير الرجل حين ms1316 ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس ~~وروي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في ~~حجرتها قبل أن يظهر الفيء وفي لفظ آخر لم يفئ الفيء بعد # وليس في هذه الأخبار ذكر تحديد الوقت وما ذكر من المضي إلى العوالي وذي ~~الحليفة فليس يمكن الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت لأنه على قدر ~~الإبطاء والسرعة في المشي وقد كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله تعالى يستدل ~~بقوله صلى الله عليه وسلم أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم على أن ~~ما بعد المثل وقت للظهر لأن الإبراد لا يكون عند المثل بل أشد ما يكون الحر ~~في الصيف عند ما يصير ظل كل شيء مثله ومن قال بالمثل يجيب عن ذلك بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهجير عند الزوال والفيء قليل في ذلك الوقت ~~فكان منهم من يصلي في الشمس أو بالقرب منها وكذلك قال خباب شكونا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ثم قال أبردوا بالظهر فأمرهم ~~أن يصلوها بعد ما يفيء الفيء فهذا هو الإبراد المأمور به عند من قال بالمثل # وأما ما حكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس فإنه قول ترده ~~الأخبار المروية في المواقيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ~~PageV03P254 اليومين في حديث ابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي ~~موسى وغيرهم في أول الوقت وآخره ثم قال ما بين هذين وقت وفي حديث عبدالله ~~بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهر مالم يحضر وقت ~~العصر وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر ~~فغير جائز لأحد أن يجعل وقت العصر وقتا للظهر مع إخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وقد نقل الناس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه الأوقات ms1317 عملا وقولا كما نقلوا وقت الفجر ووقت العشاء والمغرب ~~وعقلوا بتوقيفه صلى الله عليه وسلم أن كل صلاة منها مخصوصة بوقت غير وقت ~~الأخرى وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة التفريط على من لم ~~يصل الصلاة حتى يجيء وقت الآخر ولا خلاف أن تارك الظهر لغير عذر حتى يدخل ~~وقت العصر مفرط فثبت أن للظهر وقتا مخصوصا وكذلك العصر وإن وقت كل واحدة ~~منهما غير وقت الأخرى ولو كان الوقتان جميعا وقتا للصلاتين لجاز أن يصلي ~~العصر في وقت الظهر من غير عذر ولما كان للجمع بعرفة خصوصية وفي امتناع ~~جواز ذلك لغير عذر عند الجميع دلالة على أن كل واحدة من الصلاتين منفردة ~~بوقتها # فإن احتجوا بقوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ ~~وأن الدلوك هو الزوال وجعل ذلك كله وقتا للظهر إلى غروب الشمس لأنه روي في ~~غسق الليل عن جماعة من السلف أنه الغروب # قيل له ظاهره يقتضي إباحة فعل هذه الصلاة من وقت الزوال إلى غسق الليل ~~وقد اتفق الجميع على أن ذلك ليس بمراد وأنه غير مخير في فعل الظهر من وقت ~~الزوال إلى الليل فثبت أن المراد صلاة أخرى يفعلها وهي إما العصر وإما ~~المغرب والمغرب أشبه بمعنى الآية لاتصال وقتها بغسق الليل الذي هو اجتماع ~~الظلمة فيكون تقدير الآية أقم الصلاة لزوال الشمس وأقمها أيضا إلى غسق ~~الليل وهي صلاة أخرى غير الأولى فلا دلالة في الآية على أن وقت الظهر إلى ~~غروب الشمس # وقد وافق الشافعي مالكا في هذا المعنى أيضا من وجه وذلك أنه يقول من أسلم ~~قبل غروب الشمس لزمته الظهر والعصر جميعا وكذلك الحائض إذا طهرت والصبي إذا ~~بلغ وذهب إلى أنه وإن لم يكن وقت اختيار فهو وقت الضرورة والعذر لأنه يجوز ~~على أصله الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض ونحوه بأن يؤخر الظهر إلى وقت ~~العصر أويجعل العصر فيصليها في وقت الظهر معها فجعل من أجل ذلك الوقت ~~PageV03P255 وقتا لهما في ms1318 حال العذر والضرورة فإن كان هذا اعتبارا صحيحا ~~فإنه يلزمه أن يقول في المرأة إذا حاضت في أول وقت الظهر أن تلزمها صلاة ~~الظهر والعصر جميعا كما أنها إذا طهرت في آخر وقت العصر لزمتها صلاة الظهر ~~والعصر جميعا وقد أدركت هذه التي حاضت في وقت الظهر من الوقت ما يجوز لها ~~فيه الجمع بين الصلاتين للعذر وهذا لا يقوله أحد فثبت بذلك أن وقت العصر ~~غير وقت الظهر في سائر الأحوال وأنه لا تلزم أحدا صلاة الظهر بإدراكه وقت ~~العصر دون وقت الظهر # | وقت العصر # قال أبو بكر أما أول وقت العصر فهو على ما ذكرنا من خروج وقت الظهر على ~~اختلافهم فيه والصحيح من قولهم أنه ليس بين وقت الظهر ووقت العصر واسطة وقت ~~من غيرهما وما روي عن أبي حنيفة من أن آخر وقت الظهر أن يصير الظل أقل ~~قامتين وأول وقت العصر إذا صار الظل قامتين فهو رواية شاذة وهي أيضا مخالفة ~~للآثار الوارد في أن وقت الظهر مالم يحضر وقت العصر وفي بعض ألفاظ حديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وفي ~~حديث أبي قتادة التفريط في الصلاة أن يتركها حتى يدخل وقت الأخرى والصحيح ~~من مذهب أبي حنيفة أحد قولين إما المثلان وإما المثل وإن بخروج وقت الظهر ~~يدخل وقت العصر # واتفق فقهاء الأمصار أن آخر وقت العصر غروب الشمس ومن الناس من يقول إن ~~آخر وقتها حين تصفر الشمس ويحتج فيه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة عند غروب الشمس قال أبو بكر والدليل على أن آخر وقتها الغروب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من فاته العصر حتى غابت الشمس فكأنما وتر أهله ~~وماله فجعل فواتها بالغروب وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك وهذا يدل على أن ~~وقتها إلى الغروب فإن احتج محتج بحديث عبدالله ms1319 بن عمر وأبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال آخر وقت العصر حين تصفر الشمس # فإن هذا عندنا على كراهة التأخير وبيان الوقت المستحب كما روي في حديث ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال آخر ~~وقت العشاء الآخرة نصف الليل ومراده الوقت المستحب لأنه لا خلاف أن ما بعد ~~نصف الليل إلى طلوع الفجر من وقت العشاء الآخرة وأن مدركه بالإحتلام أو ~~الإسلام PageV03P256 يلزمه فرضها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن الرجل ليصلي الصلاة ولما فاته من وقتها خير له من أهله وماله فقد ~~يكون وقت يلزمه به مدركه الفرض ويكره له تأخيرها إليه ألا ترى أنه يكره ~~الإسفار بصلاة الفجر بمزدلفة ولم تخرجه كراهة التأخير إليه من أن يكون وقتا ~~لها فكذلك الأخبار التي فيها تقدير آخر الوقت باصفرار الشمس واردة على فوات ~~فضيلة الوقت الذي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم خيرا له من أهله وماله # | وقت المغرب # أول وقت المغرب من حين تغرب الشمس لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك وقال ~~الله عز وجل @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وهو يقع على الغروب لما ~~بيناه فيما سلف وقال تعالى @QB@ وزلفا من الليل @QE@ وهو ما قرب منه من ~~النهار وهو أول أوقاته والله أعلم وقال تعالى @QB@ فسبحان الله حين تمسون ~~@QE@ قيل فيه إنه وقت الغروب وفي أخبار المواقيت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من طريق ابن عباس وجابر وأبي سعيد وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى المغرب في اليومين جميعا حين غابت الشمس وقال سلمة بن الأكوع كنا نصلي ~~المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تواترت بالحجاب # وقد ذهب شواذ من الناس إلى أن أول وقت المغرب حين يطلع النجم واحتجوا بما ~~روى أبو تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة العصر فقال إن هذه الصلاة عرضت ms1320 على من كان قبلكم فضيعوها ~~فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ~~والشاهد النجم وهذا حديث شاذ لا تعارض به الأخبار المتواترة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أول وقت المغرب أنه حين تغيب الشمس وقد روي ذلك أيضا عن ~~جماعة من الصحابة منهم عمر وعبدالله وعثمان وأبي هريرة # ويحتمل أن يكون خبر أبي بصرة في ذكر طلوع الشاهد غير مخالف لهذه الأخبار ~~وذلك لأن النجم قد يرى في بعض الأوقات بعد غروب الشمس قبل اختلاط الظلام ~~فلما كان الغالب في ذلك أنه لا يكاد يخلو من أن يرى بعض النجوم بعد غروب ~~الشمس جعل ذلك عبارة عن غيبوبة الشمس وأيضا فلو كان الاعتبار برؤية النجم ~~لوجب أن تصلى قبل الغروب إذا رؤي النجم لأن بعض النجوم قد يرى في بعض ~~الأوقات قبل ا لغروب ولا خلاف أنه غير جائز فعلها قبل PageV03P257 الغروب ~~مع رؤية الشاهد فسقط بذلك اعتبار طلوع الشاهد # وأما آخر وقت المغرب فإن أهل العلم مختلفون فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر ومالك والثوري والحسن بن صالح لوقت المغرب أول وآخر كسائر ~~الصلوات وقال الشافعي ليس للمغرب إلا وقت واحد ثم اختلف من قال بأن له أولا ~~وآخرا في آخر وقتها فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح آخر وقتها أن يغيب ~~الشفق ثم اختلفوا في الشفق فقال أبو حنيفة الشفق البياض وقال أبو يوسف ~~ومحمد وابن أبي ليل ومالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي الشفق الحمرة ~~وقال مالك وقت المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر # قال أبو بكر وقد اختلف السلف أيضا في الشفق ما هو فقال بعضهم هو البياض ~~وقال بعضهم الحمرة فممن قال أنه الحمرة ابن عباس وابن عمر وعبادة بن الصامت ~~وشداد بن أوس # وحدثنا أبو يعقوب يوسف بن شعيب المؤذن قال حدثنا أبو عمران موسى بن ~~القاسم العصار والحسين بن الفرج البزاز قالا حدثنا هشام بن عبيدالله قال ~~حدثنا هياج عمن ذكر عن عطاء الخراساني ms1321 عن ابن عباس قال الشفق الحمرة قال ~~هشام وحدثنا أبو سفيان عن العمري عن نافع عن ابن عمر قال الشفق الحمرة # قال هشام وحدثنا محمد بن الحسن عن ثور بن يزيد عن مكحول قال كان عبادة بن ~~الصامت وشداد بن أوس يصليان العشاء إذا غابت الحمرة ويريانها الشفق فهؤلاء ~~الذين روى عنهم الحمرة وممن روي عنه أن الشفق البياض عمر بن الخطاب ومعاذ ~~بن جبل وعمر بن عبدالعزيز حدثنا يوسف بن شعيب قال حدثنا موسى بن القاسم ~~والحسين بن الفرج قالا حدثنا هشام بن عبيدالله قال حدثنا الوليد بن مسلم ~~قال حدثنا عنبسة بن سعيد الكلاعي قال حدثني قتادة عن سعيد بن المسيب أن عمر ~~بن الخطاب كتب إن أول وقت العشاء مغيب الشفق ومغيبه إذا اجتمع البياض من ~~الأفق فينقطع فذلك أول وقتها قال هشام حدثنا أبو عثمان عن خالد بن يزيد عن ~~إسماعيل بن عبيدالله عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال الشفق البياض # قال هشام وحدثنا محمد بن الحسن عمن ذكر عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول ~~الشفق البياض # فصل وأما الدلالة على أن لوقت المغرب أولا وآخرا وأنه غير مقدر بفعل ~~الصلاة فحسب قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ ~~وقد ذكرنا من PageV03P258 قال من السلف أنه الغروب واحتمال اللفظ له فاقتضت ~~الآية أن يكون لوقت المغرب أول وآخر لأن قوله تعالى @QB@ إلى غسق الليل ~~@QE@ غاية وقد روي عن ابن عباس أن غسق الليل اجتماع الظلمة فثبت بدلالة ~~الآية أن وقت المغرب من حين الغروب إلى اجتماع الظلمة وفي ذلك ما يقضي ~~ببطلان قول من جعل لها وقتا واحدا مقدرا بفعل الصلاة وروى الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول وقت المغرب حين ~~تسقط الشمس وأن آخر وقتها حين يغيب الأفق وفي حديث أبي بكرة عن أبي موسى عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن مواقيت الصلاة ms1322 فذكر ~~الحديث وقال فيه وصلى المغرب في اليوم الأول حين وقعت الشمس وآخرها في ~~اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق ثم قال الوقت فيما بين هذين وفي حديث ~~علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال صل معنا فأقام المغرب حين غابت الشمس ثم صلى ~~المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق وكذلك في حديث جابر فثبت بذلك أن ~~لوقت المغرب أولا وآخرا وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى ~~قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا همام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبدالله بن ~~عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقت المغرب مالم يغب الشفق وروى عروة ~~بن الزبير عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~صلاة المغرب بأطوال الطول وهي @QB@ المص @QE@ وهذا يدل على امتداد الوقت ~~ولو كان الوقت مقدرا بفعل ثلاث ركعات لكان من قرأ @QB@ المص @QE@ قد أخرها ~~عن وقتها فإن قيل روي في حديث ابن عباس وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى المغرب في اليومين جميعا في وقت واحد بعد غروب الشمس قيل له هذا ~~لا يعارض ما ذكرنا لأنه جائز أن يكون فعله كذلك ليبين الوقت المستحب وفي ~~الأخبار التي رويناها بيان أول الوقت وآخره وإخبار منه بأن ما بين هذين وقت ~~فهو أولى لأن فيه استعمال الخبرين ومع ذلك فإن فعله لها في اليومين في وقت ~~واحد لو انفرد عما يعارضه من الأخبار التي ذكرنا لم تكن فيه دلالة على أنه ~~لا وقت لها غيره كما لم يدل فعله للعصر في اليومين قبل اصفرار الشمس على ~~أنه لا وقت لها غيره وكفعله للعشاء الآخرة في اليومين قبل نصف الليل لم يدل ~~على أن ما بعد نصف الليل ليس بوقت لها ومن جهة النظر أن سائر الصلوات ~~المفروضات لما كان لأوقاتها أول وآخر ولم ms1323 تكن أوقاتها PageV03P259 مقدرة ~~بفعل الصلاة وجب أن يكون المغرب كذلك فقول من جعل الوقت مقدرا بفعل الصلاة ~~خارج عن الأصول مخالف للأثر والنظر جميعا ومما يلزم الشافعي في هذا أنه ~~يجيز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت واحد إما لمرض أو سفر كما يجيزه بين ~~الظهر والعصر فلو كان بينهما وقت ليس منهما لما جاز الجمع بينهما كما لا ~~يجوز الجمع بين الفجر والظهر إذ كان بينهما وقت ليس منهما فإن قيل ليست علة ~~الجمع تجاور الوقتين لأنه لا يجمع المغرب إلى العصر مع تجاور الوقتين قيل ~~له لم نلزمه أن يجعل تجاور الوقتين علة للجمع وإنما ألزمناه المنع من الجمع ~~إذا لم يكن الوقتان متجاورين لأن كل صلاتين بينهما وقت ليس منهما لا يجوز ~~الجمع بينهما والله أعلم بالصواب # | ذكر القول في الشفق والاحتجاج له # قال أبو بكر لما اختلف الناس في الشفق فقال منهم قائلون هو الحمرة وقال ~~آخرون البياض علمنا أن الاسم يتناولهما ويقع عليهما في اللغة لولا ذلك لما ~~تأولوه عليهما إذ كانوا عالمين بمعاني الأسماء اللغوية والشرعية ألا ترى ~~أنهم لما اختلفوا في معنى ا لقرء فتأوله بعضهم على الحيض وبعضهم على الطهر ~~ثبت بذلك أن الاسم يقع عليهما وإنما نحتاج بعد ذلك إلى أن نستدل على المراد ~~منهما بالآية وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب قال سئل ثعلب عن الشفق ما هو فقال ~~البياض فقال له السائل الشواهد على الحمرة أكثر فقال ثعلب إنما يحتاج إلى ~~الشاهد ما خفي فأما البياض فهو أشهر في اللغة من أن يحتاج إلى الشاهد قال ~~أبو بكر ويقال إن اصل الشفق الرقة ومنه يقال ثوب شفق ومنه الشفقة وهي رقة ~~القلب وإذا كان أصله كذلك فالبياض أخص به لأنه عبارة عن الأجزاء الرقيقة ~~الباقية من ضياء الشمس وهو في البياض أرق منه في الحمرة ويشهد لمن قال ~~بالحمرة قول أبي النجم % حتى إذا الشمس اجتلاها المجتلي % بين سماطي شفق ~~مهول % % فهي على الأفق كعين الأحول % # | ومعلوم أنه أراد الحمرة ms1324 لأنه وصفها عند الغروب ومما يحتج به البياض ~~قوله تعالى @QB@ فلا أقسم بالشفق @QE@ قال مجاهد هو النهار ويدل عليه قوله ~~@QB@ والليل وما وسق @QE@ فأقسم PageV03P260 بالليل والنهار فهذا يوجب أن ~~يكون الشفق البياض لأن أول النهار هو طلوع بياض الفجر وهذا يدل على أن ~~الباقي من البياض بعد غروب الشمس هو الشفق ومما يستدل به على أن المراد ~~البياض قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ وقد ~~بينا أن الدلوك هو اسم يقع على الغروب ثم جعل غسق الليل غايته وروي عن ابن ~~عباس في غسق الليل أنه اجتماع الظلمة وذلك لا يكون إلا مع غيبوبة البياض ~~لأن البياض ما دام باقيا فالظلمة متفرقة في الأفق فثبت بذلك أن وقت المغرب ~~إلى غيبوبة البياض فثبت أن المراد البياض فإن قيل روي عن ابن مسعود وأبي ~~هريرة أن غسق الليل هو غروب الشمس قيل له المشهور عن ابن مسعود أو دلوك ~~الشمس هو غروبها ومحال إذا كان الدلوك عنده الغروب أن يكون غسق الليل غروب ~~الشمس أيضا لأن الله تعالى قال @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ فجعل ~~الدلوك أول الوقت وغسق الليل آخره ويستحيل أن يكون ما جعله ابتداء هو الذي ~~جعله غاية وإذا كان ذلك كذلك فالراوي عن ابن مسعود أن غسق الليل هو غروب ~~الشمس غالط في روايته ومع ذلك فقد روي عن ابن مسعود رواية مشهورة أن دلوك ~~الشمس غروبها وأن غسق الليل حين يغيب الشفق وهذه الرواية مستقيمة على ما ~~ثبت عنه من تأويل الآية وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أن دلوك الشمس ~~حين تزول إلى غسق الليل حين تجب الشمس وهذا غير بعيد على ما ثبت عنه في ~~تأويل الدلوك أنه الزوال إلا أنه قد روى عنه مالك عن داود بن الحصين قال ~~أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل اجتماع الليل وظلمته وهذا ~~ينفي أن يكون غسق الليل وقت الغروب من قبل أن وقت الغروب لا تكون ظلمة ~~مجتمعة ms1325 وقد روي عن أبي جعفر في غسق الليل أنه انتصافه وعن إبراهيم غسق ~~الليل العشاء الآخرة وأولى هذه المعاني بلفظ الآية اجتماع الظلمة وذهاب ~~البياض وذلك لأنه لو كان غسق الليل هو غروب الشمس لكانت الغاية المذكورة ~~للوقت هي وجود الليل فحسب فيصير تقدير الآية أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~الليل وتسقط معه فائدة ذكر الغسق مع الليل ولما وجب حمل كل لفظ منه على ~~فائدة مجددة وجب أن يكون غسق الليل قد أفاد مالم يفدناه لو قال إلى الليل ~~عاريا من اجتماعها ومما يستدل به على أن الشفق هو البياض حديث بشير بن أبي ~~مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء اليوم الأول حين ~~اسود الأفق PageV03P261 وربما أخرها حتى يجتمع الناس فأخبر عن صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أوائل أوقاتها وأخبر عنها في أواخرها وذكر في أول ~~الوقت العشاء الآخرة اسوداد الأفق ومعلوم أن بقاء البياض يمنع إطلاق الاسم ~~عليه بذلك فثبت أن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة البياض ومن يأبى هذا القول ~~يقول إن قوله حين اسود الأفق لا ينفي بقاء البياض لأنه إنما أخبر عن اسوداد ~~أفق من الآفاق لا عن جميعها ولو أراد غيبوبة البياض لقال حين اسودت الآفاق ~~وليس يمتنع أن يبقى البياض وتكون سائر الآفاق غير موضع البياض مسودة ويحتج ~~القائلون بالبياض أيضا بحديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي العشاء الآخرة حين يستوي الأفق وربما أخرها حتى ~~يجتمع الناس وهذا اللفظ يحتمل من المعنى ما احتمله قوله في الحديث الأول ~~حين اسود الأفق ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما روى ثور بن يزيد عن ~~سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله قال سأل رجل نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال صل معي فصلى في اليوم الأول ~~العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق قالوا ومعلوم أنه لم يصلها قبل غيبوبة ~~الحمرة فوجب ms1326 أن يكون أراد البياض ولا تكون رواية من روى أنه صلاها بعد ما ~~غاب الشفق معارضة لحديث جابر هذا من قبل ما غاب الشفق الذي هو الحمرة إذا ~~كان الاسم يقع عليهما جميعا ليتفق الحديثان ولا يتضادا ومن يجعل الشفق ~~البياض يجعل خبر جابر منسوخا على نحو ما روي في خبر ابن عباس في المواقيت ~~أنه صلى ا لظهر في اليوم الثاني وقت العصر بالأمس ومما يحتج به القائلون ~~بالحمرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول وقت المغرب إذا ~~غربت الشمس وآخره غيبوبة الشفق وفي بعض أخبار عبدالله بن عمر إذا غابت ~~الشمس فهو وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق وفي لفظ آخر وقت المغرب مالم يسقط ~~ثور الشفق قالوا فالواجب حمله على أولهما وهو الحمرة ومن يقول البياض يجيب ~~عن هذا بأن ظاهر ذلك يقتضي غيبوبة جميعه وهو بالبياض فيدل ذلك على اعتبار ~~البياض دون الحمرة لأنه غير جائز أن يقال قد غاب الشفق إلا بعد غيبوبة ~~جميعه كما لا يقال غابت الشمس إلا بعد غيبوبة جميعها دون بعضها ولمن قال ~~بالحمرة أن يقول إن البياض والحمرة ليسا شفقا واحدا بل هما شفقتان فيتناول ~~الاسم أولهما غيبوبة كما أن PageV03P262 الفجر الأول والثاني هما فجران ~~وليسا فجرا واحدا فيتناولهما إطلاق الاسم معا كذلك الشفق ومما يحتج به ~~القائلين بالبياض حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي العشاء لسقوط القمر الليلة الثالثة وظاهر ذلك يقتضي غيبوبة البياض ~~قال أبو بكر وهذا لا يعتمد عليه لأن ذلك يختلف في الصيف والشتاء ولا يمتنع ~~بقاء البياض بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة وجائز أن يكون قد غاب قبل ~~سقوطه قال أبو بكر وحكى ابن قتيبة عن الخليل بن أحمد قال راعيت البياض ~~فرأيته لا يغيب البتة وإنما يستدير حتى يرجع إلى مطلع الفجر قال أبو بكر ~~وهذا غلط والمحنة بيننا وبينهم وقد راعيته في البوادي في ليالي الصيف والجو ~~نقي والسماء مصحية ms1327 فإذا هو يغيب قبل أن يمضي من الليل ربعه بالتقريب ومن ~~اراد أن يعرف ذلك فليجرب حتى يتبين له غلط هذا القول ومما يستدل به على أن ~~المراد بالشفق البياض أنا وجدنا قبل طلوع الشمس حمرة وبياضا قبلها وكان ~~جميعا من وقت صلاة واحدة إذ كانا جميعا من ضياء الشمس دون ظهور جرمها كذلك ~~يجب أن تكون الحمرة والبياض جميعا بعد غروبها من وقت صلاة واحدة للعلة التي ~~ذكرناها # وقت العشاء الآخرة $ # وأول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق على اختلافهم فيه إلى أن يذهب ~~نصف الليل في الوقت المختار وفي رواية أخرى حتى يذهب ثلث الليل ويكره ~~تأخيرها إلى بعد نصف الليل ولا تفوت إلا بطلوع الفجر الثاني وقال الثوري ~~والحسن بن صالح وقت العشاء إذا سقط الشفق إلى ثلث الليل والنصف أبعده قال ~~أبو بكر ويحتمل أن يكونا أرادا الوقت المستحب لأنه لا خلاف بين الفقهاء ~~أنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر PageV03P263 وإن من أدرك أو أسلم قبل طلوع ~~الفجر أنه تلزمه العشاء الآخرة وكذلك المرأة إذا طهرت من الحيض قوله تعالى ~~@QB@ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون @QE@ الآية هو حث على ~~الجهاد وأمر به ونهي عن الضعف عن طلبهم ولقائهم لأن الابتغاء هو الطلب يقال ~~بغيت وابتغيت إذا طلبت والوهن ضعف القلب والجبن الذي يستشعره الإنسان عند ~~لقاء العدو واستدعاهم إلى نفي ذلك واستشعار الجرأة والإقدام عليهم بقوله ~~@QB@ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون @QE@ فأخبر أنهم يساوونكم ~~فيما يلحق من الألم بالقتال وإنكم تفضلونهم فإنكم ترجون من الله ما لا ~~يرجون فأنتم أولى بالإقدام والصبر على ألم الجراح منهم إذ ليس لهم هذا ~~الرجاء وهذه الفضيلة قوله تعالى @QB@ وترجون من الله ما لا يرجون @QE@ قيل ~~فيه وجهان أحدهما ما وعدكم الله من النصر إذا نصرتم دينه والآخر ثواب ~~الآخرة ونعيم الجنة فدواعي المسلمين على التصبر على القتال واحتمال ألم ~~الجراح أكثر من دواعي الكفار وقيل فيه @QB@ وترجون من الله ما لا يرجون ~~@QE@ تؤملون ms1328 من ثواب الله مالا يؤملون روي ذلك عن الحسن وقتادة وابن جريج ~~وقال آخرون وتخافون من الله ما لا يخافون كما قال تعالى مالكم لا ترجون لله ~~وقارا يعني لا تخافون لله عظمة وبعض أهل اللغة يقول لا يكون الرجاء بمعنى ~~الخوف إلا مع النفي وذلك حكم لا يقبل إلا بدلالة قوله تعالى @QB@ إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ الآية فيه ~~إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما عرفه الله من الأحكام والتعبد # قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما روي أنه أنزل في رجل سرق درعا فلما ~~خاف أن تظهر عليه رمى بها في دار يهودي فلما وجدت الدرع أنكر اليهودي أن ~~يكون أخذها وذكر السارق أن اليهودي أخذها فأعان قوم من المسلمين هذا الآخذ ~~على اليهودي فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قولهم فأطلعه الله على ~~الآخذ وبرأ اليهودي منه ونهاه عن مخاصمة اليهودي وأمره بالاستغفار مما كان ~~منه من معاونته الذين كانوا يتكلمون عن السارق # وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه ~~وهو غير عالم بحقيقة أمره لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره ~~بالاستغفار منه وهذه الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة عن الخونة إلى ~~آخر ما ذكر كله تأكيد للنهي عن معونة من لا يعلمه حقا # وقوله تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله ربما احتج PageV03P264 به من ~~يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا من طريق الاجتهاد وأن ~~أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص وأنه كقوله تعالى @QB@ وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وليس في الآيتين دليل على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا من طريق الاجتهاد وذلك لأنا نقول ما صدر ~~عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله فليس ~~في الآية دلالة على نفي الاجتهاد ms1329 من النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام ~~وقد قيل في قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما أنه جائز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم دفع عنهم وجائز أن يكون هم بالدفع عنهم ميلا منه إلى ~~المسلمين دون اليهودي إذ لم يكن عنده أنهم غير محقين وإذا كان ظاهر الحال ~~وجود الدرع عند اليهودي فكان اليهودي أولى بالتهمة والمسلم أولى ببراءة ~~الساحة فأمره الله تعالى بترك الميل إلى أحد الخصمين والدفع عنه وإن كان ~~مسلما والآخر يهوديا فصار ذلك أصلا في أن الحاكم لا يكون له ميل إلى أحد ~~الخصمين على الآخر وإن كان أحدهما ذا حرمة له والآخر على خلافه وهذا يدل ~~أيضا على أن وجود السرقة في يد إنسان لا يوجب الحكم عليه بها لأن الله ~~تعالى نهاه عن الحكم على اليهودي بوجود السرقة عنده إذ كان جاحدا أن يكون ~~هو الآخذ وليس ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه ~~ثم أخذه بالصاع واحتبسه عنده لأنه إنما حكم عليهم بما كان عندهم أنه جائز ~~وكانوا يسترقون السارق فاحتبسه عنده وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولم يسترقه ~~ولا قال أنه سرق وإنما قال ذلك رجل غيره ظنه سارقا وقد نهى الله عن الحكم ~~بالظن والهوى بقوله @QB@ اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم @QE@ وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإنه أكذب الحديث وقوله @QB@ ولا تكن ~~للخائنين خصيما @QE@ وقوله @QB@ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم @QE@ ~~جائز أن يكون صادف ميلا من النبي صلى الله عليه وسلم على اليهودي بوجود ~~الدرع المسروقة في داره وجائز أن يكون هم بذلك فأعلمه الله براءة ساحة ~~اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق وقد ~~كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه فجائز أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم أظهر معاونته لما ms1330 ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته ~~وأنه ليس ممن يتهم بمثله فأعلمه الله باطن أمورهم بقوله @QB@ ولولا فضل ~~الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك @QE@ بمسئلتهم معونة هذا الخائن ~~وقد قيل PageV03P265 أن هذه الطائفة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن ~~وسرقته ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع ~~في داره # فإن قيل كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه ~~وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن # قيل له لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير ~~حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا المعنى # قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما فإنه قد قيل في الفرق بين الخطيئة ~~والإثم أن الخطيئة قد تكون من غير تعمد والإثم ما كان عن عمد فذكرهما جميعا ~~ليبين حكمهما وأنه سواء كان تعمد أو غير تعمد فإنه إذا رمى به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا إذ غير جائز له رمي غيره بما لا يعلمه منه # قوله تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة @QE@ الآية ~~قال أهل اللغة النجوى هو الإسرار فأبان تعالى أنه لا خير في كثير ما ~~يتسارون به إلا أن يكون ذلك أمرا بصدقة أو أمرا بمعروف أو إصلاح بين الناس ~~وكل أعمال البر معروف لاعتراف العقول بها لأن العقول تعترف بالحق من جهة ~~إقرارها به والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه ومن ~~جهة أخرى سمى أعمال البر معروفا وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير ~~لملابستهم إياه وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير لأنهم لا ~~يلابسونه ولا يعلمون به فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا # حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال حدثنا سهل بن ~~بكار قال حدثنا عبدالسلام أبو الخليل عن عبيدة الهجيمي قال قال أبو ms1331 جري ~~جابر بن سليم ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فأنخت قعودي بباب المسجد فإذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم جالس عليه بردان من صوف فيها طرائق حمر فقلت ~~السلام عليك يا رسول الله فقال وعليك السلام قلت إنا معشر أهل البادية فينا ~~الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها فقال أدن ثلاثا فدنوت فقال أعد علي ~~فأعدت عليه فقال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه ~~منبسط وأن تفرغ من فضل PageV03P266 دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما ~~يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن ~~شيئا مما خولك الله قال أبو جري والذهب ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ~~ولا بعيرا # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن محمد المسلم الدقاق قال ~~حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا سعيد بن مسلمة عن جعفر عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس ~~أهله فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحماني ~~والحسين بن إسحاق قالا حدثنا شيبان قال حدثنا عيسى بن شعيب قال حدثنا حفص ~~بن سليمان عن يزيد بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي أمامة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وأول أهل الجنة دخولا أهل المعروف صنائع ~~المعروف تقي مصارع السوء وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد ~~بن محمد الأعرابي قالا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن سعيد ~~بن أبي سعيد المقبري يعني عبدالله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه ~~وحسن الخلق وأما الصدقة فعلى وجوه منها الصدقة بالمال على الفقراء فرضا ~~تارة ونفلا أخرى ومنها معونة ms1332 المسلم بالجاه والقول كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال كل معروف صدقة وقال صلى الله عليه وسلم على كل ~~سلامي من ابن آدم صدقة وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يكون ~~مثل أبي ضمضم قالوا ومن أبو ضمضم قال رجل ممن كان قبلكم كان إذا خرج من ~~بيته قال اللهم أني قد تصدقت بعرضي على من شتمه فجعل احتماله أذى الناس ~~صدقة بعرضه عليهم # قوله عز وجل أو إصلاح بين الناس هو نظير قوله تعالى @QB@ وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما @QE@ وقوله @QB@ فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين @QE@ وقال فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وقال تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن العلاء قال حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال ~~قال PageV03P267 رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة ~~الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وفساد ~~ذات البين الحالقة # وإنما قيد الكلام بشرط فعله ابتغاء مرضاة الله لئلا يتوهم أن من فعله ~~للترأس على الناس والتأمر عليهم يدخل في هذا الوعد قوله تعالى @QB@ ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى @QE@ الآية فإن مشاقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مباينته ومعاداته بأن يصير في شق غير الشق الذي هو فيه ~~وكذلك قوله تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله هو أن يصير في حد غير حد ~~الرسول وهو يعني مباينته في الإعتقاد والديانة وقال من بعد ما تبين له ~~الهدى تغليظا في الزجر عنه وتقبيحا لحاله وتبيينا للوعيد فيه إذ كان معاندا ~~بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وقرن ~~اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد فدل على ~~صحة إجماع ms1333 الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم وقوله نوله ما تولى ~~إخبار عن براءة الله منه وأنه يكله إلى ما تولى من الأوثان واعتضد به ولا ~~يتولى الله نصره ومعونته قوله تعالى ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام التبتيك ~~التقطيع يقال بتكه يبتكه تبتيكا والمراد به في هذا الموضع شق أذن البحيرة ~~روي ذلك عن قتادة وعكرمة والسدي وقوله ولأمنينهم يعني والله أعلم أنه ~~يمنيهم طول البقاء في الدنيا ونيل نعيمها ولذاتها ليركنوا إلى ذلك ويحرصوا ~~عليه ويؤثروا الدنيا على الآخرة ويأمرهم أن يشقوا آذان الأنعام ويحرموا على ~~أنفسهم وعلى الناس بذلك أكلها وهي البحيرة التي كانت ا لعرب تحرم أكلها ~~وقوله @QB@ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ فإنه روي فيه ثلاثة أوجه أحدها ~~عن ابن عباس رواية إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك والسدي دين الله بتحريم ~~الحلال وتحليل الحرام ويشهد له قوله تعالى @QB@ لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم @QE@ والثاني ما روي عن أنس وابن عباس رواية شهر بن حوشب ~~وعكرمة وأبي صالح أنه الخصاء والثالث ما روي عن عبدالله والحسن أنه الوشم ~~وروى قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة وعن طاوس وعروة ~~مثله وروي عن ابن عمر أنه نهى عن الإخصاء وقال ما أنهى إلا في الذكور وقال ~~ابن عباس إخصاء البهيمة مثله ثم قرأ @QB@ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ ~~وروى عبدالله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن إخصاء الجمل قوله تعالى @QB@ واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا @QE@ هو نظير قوله ثم أوحينا PageV03P268 إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وهذا يوجب أن كل ما ثبت من ملة إبراهيم عليه السلام فعلينا ~~اتباعه فإن قيل فواجب أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي شريعة ~~إبراهيم عليه السلام قيل له إن ملة إبراهيم داخلة في ملة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي ملة نبينا صلى الله عليه وسلم زيادة على ملة إبراهيم فوجب من ~~أجل ذلك اتباع ms1334 ملة إبراهيم إذ كانت داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان متبع ملة النبي صلى الله عليه وسلم متبعا لملة إبراهيم وقيل في الحنيف ~~أنه المستقيم فمن سلك طريق الاستقامة فهو على الحنيفية وإنما قيل للمعوج ~~الرجل أحنف تفاؤلا كما قيل للمهلكة مفازة وللديغ سليما وقوله @QB@ واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا @QE@ فإنه قد قيل فيه وجهان أحدهما الاصطفاء بالمحبة ~~والاختصاص بالأسرار دون من ليس له تلك المنزلة والثاني أنه من الخلة وهي ~~الحاجة فخليل الله المحتاج إليه المنقطع إليه بحوائجه فإذا أريد به الوجه ~~الأول جاز أن يقال إن إبراهيم خليل الله والله تعالى خليل إبراهيم وإذا ~~أريد به الوجه الثاني لم يجز أن يوصف الله بأنه خليل إبراهيم وجاز أن يوصف ~~إبراهيم بأنه خليل الله وقوله تعالى @QB@ ويستفتونك في النساء قل الله ~~يفتيكم فيهن @QE@ قال أبو بكر روي أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها ~~فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في صداقها فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا ~~بهن أعلى سنتهن في الصداق # وقوله تعالى @QB@ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء @QE@ يعني به ~~ما ذكر في أول السورة من قوله تعالى @QB@ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وقد بيناه في مواضعه والله الموفق # | باب مصالحة المرأة وزوجها # قال الله تعالى @QB@ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا @QE@ قيل في معنى النشوز أنه الترفع عليها ~~لبغضه إياها مأخوذ من نشز الأرض وهي المرتفعة وقوله @QB@ أو إعراضا @QE@ ~~يعني لموجدة أو أثرة فأباح الله لهما الصلح فروي علن علي وابن عباس أنه ~~أجاز لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها بأن تجعله لغيرها ~~وقال عمر ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله لا ~~تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل ms1335 فنزلت هذه الآية @QB@ وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا @QE@ الآية فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز ~~وقال هشام PageV03P269 ابن عروة عن أبيه عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون ~~عند الرجل ويريد طلاقها ويتزوج غيرها فتقول أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج وأنت ~~في حل من النفقة والقسمة لي فذلك قوله تعالى فلا جناح عليهما إلى قوله ~~تعالى والصلح خير وعن عائشة من طرق كثيرة أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقسم به لها قال أبو بكر فهذه الآية دالة على ~~وجوب القسم بين النساء إذا كان تحته جماعة وعلى وجوب الكون عندها إذا لم ~~تكن عنده إلا واحدة وقضى كعب بن سور بأن لها يوما من أربعة أيام بحضرة عمر ~~فاستحسنه عمر وولاه قضاء البصرة وأباح الله أن تترك حقها من القسم وأن ~~تجعله لغيرها من نسائه وعموم الآية يقتضي جواز اصطلاحا على ترك المهر ~~والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق الزوجية إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ~~ما وجب من النفقة للماضي فأما المستقبل فلا تصح البراءة منه وكذلك لو أبرأت ~~من الوطء لم يصح إبراؤها وكان لها المطالبة بحقها منه وإنما يجوز بطيب ~~نفسها بترك المطالبة بالنفقة وبالكون عندها فأما أن تسقط ذلك في المستقبل ~~بالبراءة منه فلا ولا يجوز أيضا أن يعطيها عوضا على ترك حقها من القسم أو ~~الوطء لأن ذلك أكل مال بالباطل أو ذلك حق لا يجوز أخذ العوض عنه لأنه لا ~~يسقط مع وجوب السبب الموجب له وهو عقد النكاح وهو مثل أن تبرئ الرجل من ~~تسليم العبد المهر فلا يصح لوجود ما يوجبه وهو العقد فإن قيل فقد أجاز ~~أصحابنا أن يخلعها على نفقة عدتها فقد أجازوا البراءة من نفقة لم تجب بعد ~~مع وجود السبب الموجب لها وهي العدة قيل له لم يجيزوا البراءة من النفقة ~~ولا فرق بين المختلعة والزوجة في امتناع وقوع البراءة من نفقة لم تجب بعد ~~ولكنه إذا ms1336 خالعها على نفقة العدة فإنما جعل الجعل مقدار نفقة العدة والجعل ~~في الخلع يجوز فيه هذا القدر من الجهالة فصار ذلك في ضمانها بعقد الخلع ثم ~~ما يجب لها بعد من نفقة العدة في المستقبل يصير قصاصا بماله عليها وقد دلت ~~الآية على جواز اصطلاحهما من المهر على ترك جميعه أو بعضه أو على الزيادة ~~عليه لأن الآية لم تفرق بين شيء من ذلك وأجازت الصلح في سائر الوجوه وقوله ~~تعالى والصلح خير قال بعض أهل العلم يعني خير من الإعراض والنشوز وقال ~~آخرون من الفرقة وجائز أن يكون عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما ~~خصه الدليل ويدل على جواز الصلح عن إنكار والصلح من PageV03P270 المجهول ~~وقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح قال ابن عباس وسعيد بن جبير الشح على ~~أنصبائهن من أزواجهن وأموالهن وقال الحسن تشح نفس كل واحد من الرجل والمرأة ~~بحقه قبل صاحبه والشح البخل وهو الحرص على منع الخير قوله تعالى @QB@ ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم @QE@ الآية روي عن أبي عبيدة قال ~~يعني المودة وميل الطباع وكذلك روي عن ابن عباس والحسن وقتادة # وقوله تعالى @QB@ فلا تميلوا كل الميل @QE@ يعني والله أعلم إظهاره ~~بالفعل حتى ينصرف عنها إلى غيرها يدل عليه قوله فتذروها كالمعلقة قال ابن ~~عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة لا أيم ولا ذات زوج وقد روى قتادة ~~عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة ~~وأحد شقيه ساقط وهذا الخبر يدل أيضا على وجوب القسم بينهما بالعدل وأنه إذا ~~لم يعدل فالفرقة أولى لقوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فقال ~~تعالى بعد ذكره ما يجب لها من العدل في القسم وترك إظهار الميل عنها إلى ~~غيرها وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن ~~كل واحد منهما ms1337 سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة تخوفا من ترك حقوق ~~الله التي أوجبها وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على ~~أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه وبالله التوفيق # | باب ما يجب على الحاكم من العدل بين الخصوم # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم @QE@ الآية روى قابوس عن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس في ~~قوله يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله قال هو الرجلان ~~يجلسان إلى القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه عن الآخر وحدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثنا محمد بن عبدالله بن مهران الدينوري قال حدثنا أحمد بن يونس ~~قال حدثنا زهير قال حدثنا عباد بن كثير بن أبي عبدالله عن عطاء بن يسار عن ~~أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ابتلي بالقضاء بين ~~المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد ~~الخصمين ما لم يرفع على الآخر قال أبو بكر قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط ~~قد PageV03P271 أفاد الأمر بالقيام بالحق والعدل وذلك موجب على كل أحد ~~إنصاف الناس من نفسه فيما يلزمه لهم وإنصاف المظلوم من ظالمه ومنع الظالم ~~من ظلمه لأن جميع ذلك من القيام بالقسط ثم أكد ذلك بقوله شهداء لله يعني ~~والله أعلم فيما إذا كان الوصول إلى القسط من طريق الشهادة فتضمن ذلك الأمر ~~بإقامة الشهادة على الظالم المانع من الحق للمظلوم صاحب الحق لاستخراج حقه ~~منه وأيضا له إليه وهو مثل قوله تعالى @QB@ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه @QE@ وتضمن أيضا الأمر بالاعتراف والإقرار لصاحب الحق بحقه ~~بقوله تعالى ولو على أنفسكم لأن شهادته على نفسه هو إقراره بما عليه لخصمه ~~فدل ذلك على جواز إقرار المقر على نفسه لغيره وأنه واجب عليه أن يقر إذا ~~طالبه صاحب الحق وقوله تعالى أو الوالدين والأقربين فيه أمر بإقامة الشهادة ~~على الوالدين والأقربين ms1338 ودل على جواز شهادة الإنسان على والديه وعلى سائر ~~أقربائه لأنهم والأجنبيين في هذا الموضع بمنزلة وإن كان الوالدان إذا شهد ~~عليهما أولادهما ربما أوجب ذلك حبسهما وأن ذلك ليس بعقوق ولا يجب أن يمتنع ~~من الشهادة عليهما لكراهتهما لذلك لأن ذلك منع لهما من الظلم وهو نصرة لهما ~~كما قال صلى الله عليه وسلم أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل يا رسول الله ~~هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال ترده عن الظلم فذلك نصر منك إياه ~~وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وهذا يدل ~~على أنه إنما تجب عليه طاعة الأبوين فيما يحل ويجوز وأنه لا يجوز له أن ~~يطيعهما في معصية الله تعالى لأن الله قد أمره بإقامة الشهادة عليهما مع ~~كراهتهما لذلك # وقوله تعالى @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما @QE@ أمر لنا بأن ~~لا ننظر إلى فقر المشهود عليه بذلك إشفاقا منا عليه فإن الله أولى بحسن ~~النظر لكل أحد من الأغنياء والفقراء وأعلم بمصالح الجميع فعليكم إقامة ~~الشهادة عليهم بما عندكم # وقوله تعالى فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا يعني لا تتركوا العدل اتباعا ~~للهوى والميل إلى الأقرباء وهو نظير قوله تعالى @QB@ إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى @QE@ وفي ذلك دليل على أن على ~~الشاهد إقامة الشهادة على الذي عليه الحق وإن كان عالما بفقره وأنه لا يجوز ~~له الامتناع من إقامتها خوفا من أن يحبسه القاضي لفقد علمه بعدمه # وقوله تعالى @QB@ وإن تلووا أو تعرضوا @QE@ فإنه يحتمل ما روي عن ابن ~~عباس أنه في القاضي يتقدم إليه الخصمان فيكون PageV03P272 ليه وإعراضه على ~~أحدهما واللي هو الدفع ومنه قوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته يعني مطله ~~ودفع الطالب عن حقه فإذا أريد به القاضي كان معناه دفعه الخصم عما يجب له ~~من العدل والتسوية ويحتمل أن يريد به الشاهد في أنه مأمور بإقامة الشهادة ~~وأن لا يدفع صاحب الحق عنها ويمطله ms1339 بها ويعرض عنه إذا طالبه بإقامتها وليس ~~يمتنع أن يكون أمرا للحاكم والشاهد جميعا لاحتمال اللفظ لهما فيفيد ذلك ~~الأمر بالتسوية بين الخصوم في المجلس والنظر والكلام وترك إسرار احدهما ~~والخلوة به كما روي عن علي كرم الله وجهه قال نهانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن نضيف أحد الخصمين دون الآخر # وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله @QE@ قيل فيه ~~يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء آمنوا بالله وبمحمد وما أتى ~~به من عند الله لأنهم من حيث آمنوا بالمتقدمين من الأنبياء لما كان معهم من ~~الآيات فقد ألزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لهذه العلة بعينها ومن ~~جهة أخرى أن في كتب الأنبياء المتقدمين البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فمن حيث آمنوا بهم وصدقوا بما اخبروا به عن الله تعالى وقد أخبروهم نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فعليهم الإيمان به وهم محجوجون بذلك وقيل إنه خطاب ~~للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر لهم بالمداومة على الإيمان والثبات ~~عليه والله أعلم # | باب استتابة المرتد # قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ~~ازدادوا كفرا @QE@ قال قتادة يعني به أهل الكتابين من اليهود والنصارى آمن ~~اليهود بالتوراة ثم كفروا بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى عليه السلام ثم ~~كفروا بمخالفته وآمن النصارى بالإنجيل ثم كفروا بمخالفته وكذلك آمنوا بعيسى ~~عليه السلام ثم كفروا بمخالفته ثم ازدادوا كفرا بمخالفة الفرقان ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم وقال مجاهد هي في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على ~~كفرهم وقال آخرون هم طائفة من أهل الكتاب قصدت تشكيك أهل الإسلام وكانوا ~~يظهرون الإيمان به والكفر به وقد بين الله أمرهم في قوله # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون # قال أبو بكر هذا يدل على أن المرتد متى تاب تقبل توبته وإن توبة الزنديق ~~مقبولة إذ لم تفرق بين الزنديق ms1340 وغيره من الكفار وقبول توبته بعد الكفر مرة ~~بعد PageV03P273 أخرى والحكم بإيمانه متى أظهر الإيمان واختلف الفقهاء في ~~استتابة المرتد والزنديق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر في الأصل لا ~~يقتل المرتد حتى يستتاب ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه وذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يظهر الإيمان قال أبو حنيفة ~~أستتيبه كالمرتد فإن أسلم خليت سبيله وإن أبى قتلته وقال أبو يوسف كذلك ~~زمانا فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال أرى إذا أتيت بزنديق آمر بضرب ~~عنقه ولا أستتيبه فإن تاب قبل أن أقتله خليته وذكر سليمان بن شعيب عن أبيه ~~عن أبي يوسف قال إذا زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته وذكر ~~محمد في السير عن أبي يوسف عن أبي حنيفة إن المرتد يعرض عليه السلام فإن ~~أسلم وإلا قتل مكانه إلا أن يطلب أن يؤجل فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ولم ~~يحك خلافا # قال أبو جعفر الطحاوي وحدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في ~~نوادر ذكرها عنه أدخلها في أماليه عليهم قال قال أبو حنيفة أقتل الزنديق ~~سرا فإن توبته لا تعرف ولم يحك أبو يوسف خلافه وقال ابن القاسم عن مالك ~~المرتد يعرض عليه الإسلام ثلاثا فإن أسلم وإلا قتل وإن ارتد سرا قتل ولم ~~يستتب كما يقتل الزنادقة وإنما يستتاب من أظهر دينه الذي ارتد إليه قال ~~مالك يقتل الزنادقة ولا يستتابون فقيل لمالك فكيف يستتاب القدرية قال يقال ~~لهم اتركوا ما أنتم عليه فإن فعلوا وإلا قتلوا وإن أقر القدرية بالعلم لم ~~يقتلوا # وروى مالك عن زيد بن أسلم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من غير دينه ~~فاضربوا عنقه قال مالك هذا فيمن ترك الإسلام ولم يقربه لا فيمن خرج من ~~اليهودية إلى النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية قال مالك وإذا رجع ~~المرتد إلى الإسلام فلا ضرب عليه وحسن أن يترك المرتد ثلاثة أيام ويعجبني ms1341 ~~وقال الحسن بن صالح يستتاب المرتد وإن تاب مائة مرة وقال الليث الناس لا ~~يستتيبون من ولد في الإسلام إذا شهد عليه بالردة ولكنه يقتل تاب من ذلك أو ~~لم يتب إذا قامت البينة العادلة وقال الشافعي يستتاب المرتد ظاهرا والزنديق ~~وإن لم يتب قتل وفي الاستتابة ثلاثا قولان أحدهما حديث عمر والآخر أنه لا ~~يؤخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأناة وهذا ظاهر الخبر قال ~~أبو بكر روى سفيان عن جابر عن الشعبي قال يستتاب المرتد ثلاثا ثم قرأ إن ~~الذين آمنوا ثم كفروا الآية وروي PageV03P274 عن عمر أنه أمر باستتابته ~~ثلاثا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بدل دينه فاقتلوه ~~ولم يذكر فيه استتابته إلا أنه يجوز أن يكون محمولا على أنه قد استحق القتل ~~وذلك لا يمنع دعاءه إلى الإسلام والتوبة لقوله تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ فأمر بالدعاء إلى دين الله تعالى ولم ~~يفرق بين المرتد وبين غيره فظاهره يقتضي دعاء المرتد إلى الإسلام كدعاء ~~سائر الكفار ودعاؤه إلى الإسلام هو الاستتابة وقال تعالى @QB@ قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ وقد تضمن ذلك الدعاء إلى الإيمان ~~ويحتج بذلك أيضا في استتابة الزنديق لاقتضاء عموم اللفظ له وكذلك قوله إن ~~الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لم يفرق فيه بين الزنديق وغيره ~~فظاهره يقتضي قبول إسلامه فإن قيل قوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ لا دلالة فيه على زوال القتل عنه لأنا نقول ~~هو مغفور له ذنوبه ويجب مع ذلك قتله كما يقتل الزاني المحصن وإن كان تائبا ~~ويقتل قاتل النفس مع التوبة # قيل له قوله تعالى @QB@ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ يقتضي غفران ~~ذنوبه وقبول توبته لو لم تكن مقبولة لما كانت ذنوبه مغفورة وفي ذلك ms1342 دليل ~~على صحة استتابته وقبولها منه في أحكام الدنيا والآخرة وأيضا فإن قتل ~~الكافر إنما هو مستحق بإقامته على الكفر فإذا انتقل عنه إلى الإيمان فقد ~~زال المعنى الذي من أجله وجب قتله وعاد إلى حظر دمه ألا ترى أن المرتد ~~ظاهرا متى أظهر الإسلام حقن دمه كذلك الزنديق وقد روي عن ابن عباس في ~~المرتد الذي لحق بمكة وكتب إلى قومه سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ~~لي من توبة فأنزل الله @QB@ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا @QE@ فكتبوا بها إليه ~~فرجع فأسلم فحكم له بالتوبة بما ظهر من قوله فوجب استعمال ذلك والحكم له ~~بما يظهر منه دون ما في قلبه # وقول من قال إني لا أعرف توبته إذا كفر سرا فإنا لا نؤاخذ باعتبار حقيقة ~~اعتقاده لأن ذلك لا نصل إليه وقد حظر الله علينا الحكم بالظن بقوله تعالى ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياكم والظن فإنه أكذب الحديث وقال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقال ~~@QB@ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن @QE@ ومعلوم ~~أنه لم يرد حقيقة العلم بضمائرهن PageV03P275 واعتقادهن وإنما أراد ما ظهر ~~من إيمانهن بالقول وجعل ذلك علما فدل على أنه لا اعتبار بالضمير في أحكام ~~الدنيا وإنما الاعتبار بما يظهر من القول وقال تعالى @QB@ ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا @QE@ وذلك عموم في جميع الكفار وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله فقال ~~إنما قالها متعوذا قال هلا شققت عن قلبه # وروى الثوري عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبدالله فقال ما بيني ~~وبين أحد من العرب أحنة وأني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة ~~فأرسل إليهم عبدالله فجاء بهم واستتابهم غير ابن النواحة قال له سمعت رسول ~~الله ms1343 صلى الله عليه وسلم يقول لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت اليوم لست ~~برسول أبن ما كنت تظهر من الإسلام قال كنت أتقيكم به فأمر به قرظة بن كعب ~~فضرب عنقه بالسوق ثم قال من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق ~~فهذا مما يحتج به من لم يقبل توبة الزنديق وذلك لأنه استتاب القوم وقد ~~كانوا مظهرين لكفرهم وأما ابن النواحة فلم يستتبه لأنه أقر أنه كان مسرا ~~للكفر مظهرا للإيمان على وجه التقية وقد كان قتله إياه بحضرة الصحابة لأن ~~في الحديث أنه شاور الصحابة فيهم وروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله قال ~~أخذ بالكوفة رجال يؤمنون بمسيلمة الكذاب فكتب فيهم إلى عثمان فكتب عثمان ~~أعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن ~~قالها وتبرأ من دين مسيلمة فلا تقتلوه ومن لزم دين مسيلمة فاقتله فقبلها ~~رجال منهم ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا # قوله تعالى @QB@ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين @QE@ قيل في معنى قوله @QB@ أولياء من دون ~~المؤمنين @QE@ إنهم اتخذوهم أنصارا واعتضادا لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة ~~بعداوتهم للمسلمين بالمخالفة جهلا منهم بدين الله وهذا من صفة المنافقين ~~المذكورين في الآية وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار ~~على غيرهم من الكفار إذ كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب وبذلك قال ~~أصحابنا # وقوله أيبتغون عندهم العزة يدل على صحة هذا الاعتبار وأن الاستعانة ~~بالكفار لا تجوز إذ كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار وكان حكم ~~الكفر هو الغالب # فإن قيل إذا كانت الآية في شأن المنافقين وهم كفار فكيف يجوز الاستدلال ~~به على المؤمنين قيل له لأنه قد ثبت أن هذا الفعل محظور فلا يختلف ~~PageV03P276 حكمه بعد ذلك أن يكون من المؤمنين أو من غيرهم لأن الله تعالى ~~متى ذم قوما على فعل فذلك الفعل قبيح لا يجوز لأحد من الناس فعله إلا أن ~~تقوم الدلالة عليه ms1344 وقيل إن أصل العزة هو الشدة ومنه قيل للأرض الصلبة ~~الشديدة عزاز وقيل قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه ومنه قول ~~القائل عز علي كذا إذا اشتد عليه وعز الشيء إذا قل لأنه يشتد مطلبه وعازه ~~في الأمر إذا شاده فيه وشاة عزوز إذا كانت تحلب بشدة لضيق أحاليلها والعزة ~~القوة منقولة عن الشدة والعزيز القوي المنيع فتضمنت الآية النهي عن اتخاذ ~~الكفار أولياء وأنصارا أو الاعتزاز بهم والالتجاء إليهم للتعزز بهم # وقد حدثنا من لا أتهم قال حدثنا عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم الدوري قال ~~حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثنا عبدالله بن عبدالله الأموي عن الحسن ~~بن الحر عن يعقوب بن عتبة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من اعتز بالعبيد أذله الله تعالى وهذا محمول على ~~معنى الآية فيمن اعتز بالكفار والفساق ونحوهم فأما أن يعتز بالمؤمنين فذلك ~~غير مذموم قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقوله تعالى ~~أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا تأكيد للنهي عن الاعتزاز بالكفار ~~وإخبار بأن العزة لله دونهم وذلك منصرف على وجوه أحدها امتناع إطلاق العزة ~~لله عز وجل لأنه لا يعتد بعزة أحد مع عزته لصغرها واحتقارها في صفة عزته ~~والآخر أنه المقوي لمن له القوة من جميع خلقه فجميع العزة له إذ كان عزيزا ~~لنفسه معزا لكل من نسب إليه شيء من العزة والآخر أن الكفار أذلاء في حكم ~~الله فانتفت عنهم صفة العزة وكانت لله ومن جعلها له في الحكم وهم المؤمنون ~~فالكفار وإن حصل لهم ضرب من القوة والمنعة فغير مستحق لإطلاق اسم العزة لهم # قوله تعالى @QB@ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ @QE@ بها فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات ~~الله فقال تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وحتى ههنا تحتمل ~~معنيين أحدهما أنها تصير غاية لحظر القعود ms1345 معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر ~~والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم والثاني أنهم كانوا إذا رأوا ~~هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله فقال لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ~~ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم والأول أظهر وروي عن الحسن أن ما ~~اقتضته الآية من PageV03P277 إباحة المجالسة إذا خاضوا في حديث غيره منسوخ ~~بقوله @QB@ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين @QE@ قيل إنه يعني مشركي ~~العرب وقيل أراد به المنافقين الذين ذكروا في هذه الآية وقيل بل هي عامة في ~~سائر الظالمين # وقوله إنكم إذا مثلهم قد قيل فيه وجهان أحدهما في العصيان وإن لم تبلغ ~~معصيتهم منزلة الكفر والثاني إنكم مثلهم في الرضى بحالهم في ظاهر أمركم ~~والرضى بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر ولكن من قعد معهم ساخطا ~~لتلك الحال منهم لم يكفر وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم وفي هذه ~~الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة ~~إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى ~~حال غيرها فإن قيل فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير ~~بحيث لا يراه ولا يسمعه قيل له قد قيل في هذا أنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا ~~لم يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه من نحو ترك الصلاة في الجماعة ~~لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي وترك حضور الجنازة لما معها من النوح ~~وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك ~~فالتباعد عنهم أولى وإذا كان هناك حق يقوم به ولم يلتفت إلى ما هناك من ~~المنكر وقام بما هو مندوب إليه من حق بعد إظهاره لإنكاره وكراهته وقال ~~قائلون إنما نهى الله عن مجالسة هؤلاء المنافقين ومن يظهر الكفر والاستهزاء ~~بآيات الله لأن في مجالستهم تأنيسا لهم ومشاركتهم فيما يجري في مجلسهم وقد ~~قال أبو حنيفة في رجل يكون في الوليمة ms1346 فيحضر هناك اللهو واللعب أنه لا ~~ينبغي له أن يخرج وقال لقد ابتليت به مرة وروي عن الحسن أنه حضر هو وابن ~~سيرين جنازة وهناك نوح فانصرف ابن سيرين فذكر ذلك للحسن فقال إنا كنا متى ~~رأينا باطلا وتركنا حقا أسرع ذلك في ديننا لم نرجع وإنما لم ينصرف لأن شهود ~~الجنازة حق قد ندب إليه وأمر به فلا يتركه لأجل معصية غيره وكذلك حضور ~~الوليمة قد ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجز أن يترك لأجل ~~المنكر الذي يفعله غيره إذا كان كارها له وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا أحمد بن عبدالله الغداني قال حدثنا الوليد بن مسلم قال ~~حدثنا سعيد بن عبدالعزيز عن سليمان بن موسى عن نافع قال سمع ابن عمر مزمارا ~~فوضع اصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا فقلت لا ~~فرفع أصبعيه من أذنيه وقال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع ~~PageV03P278 مثل هذا فصنع مثل هذا وهذا هو اختيار لئلا تساكنه نفسه ولا ~~تعتاد سماعه فيهون عنده أمره فأما أن يكون واجبا فلا قوله تعالى @QB@ ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا @QE@ روي عن علي وابن عباس قالا ~~سبيلا في الآخرة وعن السدي ولن يجعل الله لهم عليهم حجة يعني فيما فعلوا ~~بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه ويحتج ~~بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت عليها ~~للزوج سبيلا في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من الخروج وعليها طاعته ~~فيما يقتضه عقد النكاح كما قال تعالى @QB@ الرجال قوامون على النساء @QE@ ~~فاقتضى قوله تعالى @QB@ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا @QE@ ~~وقوع الفرقة بردة الزوج وزوال سبيله عليها لأنه ما دام النكاح باقيا فحقوقه ~~ثابتة وسبيله باق عليها # فإن قيل إنما قال على المؤمنين فلا تدخل النساء فيه # قيل له إطلاق لفظ التذكير يشتمل على المؤنث والمذكر ms1347 كقوله @QB@ إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ وقد أراد به الرجال والنساء وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله @QE@ ونحوه من الألفاظ ~~ويحتج بظاهره أيضا في الكافر الذمى إذا أسلمت امرأته أنه يفرق بينهما إن لم ~~يسلم وفي الحربي كذلك أيضا فإنه لا يجوز إقرارها تحته أبدا ويحتج به أصحاب ~~الشافعي في إبطال شرى الذمي للعبد المسلم لأنه بالملك يستحق السبيل عليه ~~وليس ذلك كما قالوا لأن الشرى ليس هو المنفي بالآية لأن ا لشرا ليس هو ~~الملك الملك إنما يتعقب الشرى وحينئذ يملك السبيل عليه فإذا ليس في الآية ~~نفي الشرى وإنما فيها نفي السبيل # فإن قيل إذا كان الشرى هو المؤدي إلى حصول السبيل وجب أن يكون منتفيا كما ~~كان السبيل منتفيا قيل له ليس الأمر كذلك لأنه ليس يمتنع أن يكون السبيل ~~عليه منتفيا ويكون الشرى المؤدي إلى حصول السبيل جائزا وإنما أردت نفي ~~الشرى بالآية نفسها فإن ضممت إلى الآية معنى آخر في نفي الشرى فقد عدلت عن ~~الاحتجاج بها وثبت بذلك أن الآية غير مانعة صحة الشرى وأيضا فإنه لا يستحق ~~بصحة الشرى السبيل عليه لأنه ممنوع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع ~~وإخراجه عن ملكه فلم يحصل له ههنا سبيل عليه وقوله تعالى @QB@ إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم @QE@ قيل فيه وجهان أحدهما يخادعون نبي الله ~~والمؤمنين بما يظهرون من الإيمان لحقن دمائهم ومشاركة المسلمين في غنائمهم ~~والله تعالى يخادعهم بالعقاب على خداعهم فسمى الجزاء PageV03P279 على الفعل ~~باسمه على مزاوجة الكلام كقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والآخر ~~أنهم يعملون عمل المخادع لمالكه بما يظهرون من الإيمان ويبطنون خلافه وهو ~~يعمل عمل المخادع بما أمر به من قبول إيمانهم من علمهم بأن الله عليم بما ~~يبطنون من كفرهم # وقوله تعالى ولا يذكرون الله إلا قليلا قيل فيه إنما سماه قليلا لأنه ~~لغير وجهه فهو قليل في المعنى وإن كثر الفعل منهم وقال قتادة إنما سماه ~~قليلا لأنه على وجه الرياء ms1348 فهو حقير غير متقبل منهم بل هو وبال عليهم وقيل ~~إنه أراد إلا يسيرا من الذكر نحو ما يظهرونه للناس دون ما أمروا به من ذكر ~~الله في كل حال أمر به المؤمنين في قوله تعالى @QB@ فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم @QE@ وأخبر أيضا أنهم يقومون إلى الصلاة كسالى مراآة ~~للناس والكسل هو التثاقل عن الشيء للمشقة فيه مع ضعف الدواعي إليه فلما لم ~~يكونوا معتقدين للإيمان لم يكن لهم داع إلى الصلاة إلا مراآة للنا خوفا ~~منهم # قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين @QE@ فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة ~~والمعونة على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته والله ولي ~~المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته واقتضت الآية النهي عن الاستنصار ~~بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة بهم وهو يدل على أن الكافر لا ~~يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره ويدل على أنه لا تجوز ~~الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية وهو نظير ~~قوله لا تتخذوا بطانة من دونكم وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى ~~والبيع ودفع المال إليه مضاربة وهذه الآية دالة على صحة هذا القول # قوله تعالى وأخلصوا دينهم لله يدل على أن كل ما كان من أمر الدين على ~~منهاج القرب فسبيله أن يكون خالصا لله سالما من شوب الرياء أو طلب عرض من ~~الدنيا أو ما يحبطه من المعاصي وهذا يدل على امتناع جواز أخذ شيء من أعراض ~~الدنيا على ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة من نحو الصلاة والأذان ~~والحج # قوله عز وجل @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم @QE@ قال ~~ابن عباس وقتادة إلا أن يدعو على ظالمه وعن مجاهد رواية إلا أن يخبر بظلم ~~ظالمه له وقال الحسن والسدي إلا أن ينتصر من ظالمه وذكر الفرات بن سليمان ~~قال سئل عبدالكريم عن قول ms1349 الله @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم @QE@ PageV03P280 قال هو الرجل يشتمك فتشتمه ولكن إن افترى عليك فلا ~~تفتري عليه وهو مثل قوله ولمن انتصر بعد ظلمه وروى ابن عيينة عن أبي نجيح ~~عن إبراهيم بن أبي بكر عن مجاهد في قوله @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم @QE@ قال ذاك في الضيافة إذا جئت الرجل فلم يضفك فقد رخص ~~أن تقول فيه # قال أبو بكر إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت ~~الضيافة واجبة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما ~~زاد فهو صدقة وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه ~~فهذا مذموم يجوز أن يشكى وفي هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم ~~بسوء فيمن كان ظاهره الستر والصلاح لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يحب ذلك ~~وما لا يحبه فهو الذي لا يريده فعلينا أن نكرهه وننكره وقال إلا من ظلم فما ~~لم يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه # وقوله تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم @QE@ ~~قال قتادة عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم وفي ذلك دليل على ~~جواز تغليظ المحنة عليهم بالتحريم الشرعي عقوبة لهم على ظلمهم لأن الله ~~تعالى قد أخبر في هذه الآية أنه حرم عليهم طيبات بظلمهم وصدهم عن سبيل لله ~~والذي حرم عليهم ما بينه تعالى في قوله @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا ~~أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم @QE@ وقوله وأخذهم الربوا وقد نهوا ~~عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل يدل على أن الكفار مخاطبون بالشرائع مكلفون ~~بها مستحقون للعقاب على تركها لأن الله تعالى قد ذمهم على أكل الربا وأخبر ~~أنه عاقبهم عليه # قوله تعالى لكن الراسخون في العلم منهم روي عن قتادة أن لكن ms1350 ههنا استثناء ~~وقيل أن لا ولكن قد تتفقان في الإيجاب بعد النفي أو النفي بعد الإيجاب ~~وتطلق إلا ويراد بها لكن كقوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ @QE@ ومعناه لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة فأقيمت إلا في هذا الموضع ~~مقام لكن وتنفصل لكن من إلا بأن إلا لإخراج بعض من كل ولكن قد تكون بعد ~~الواحد نحو قولك ما جاءني زيد لكن عمرو وحقيقة لكن الاستدراك ولا للتخصيص ~~قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم روي عن الحسن أنه خطاب لليهود ~~والنصارى لأن النصارى غلت PageV03P281 في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء ~~حتى اتخذوه إلها واليهود غلت فيه فجعلوه لغير رشدة فغلا الفريقان جميعا في ~~أمره والغلو في الدين هو مجاوزة حد الحق فيه وروي عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سأله أن يناوله حصيات لرمي الجمار قال فناولته إياها مثل ~~حصا الخذف فجعل يقلبهن بيده ويقول بمثلهن بمثلهن إياكم والغلو في الدين ~~فإنما هلك من قبلكم بالغلو في دينهم ولذلك قيل دين الله بين المقصر والغالي # قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قيل في وصف المسيح بأنه كلمة ~~الله ثلاثة أوجه أحدها ما روي عن الحسن وقتادة أنه كان عيسى بكلمة الله وهو ~~قوله كن فيكون لا على سبيل ما أجري العادة به من حدوثه من الذكر والأنثى ~~جميعا والثاني أنه يهتدى به كما يهتدى بكلمة الله والثالث ما تقدم من ~~البشارة به في الكتب المتقدمة التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه # وأما قوله تعالى وروح منه فلأنه كان بنفخة جبريل بإذن الله والنفخ يسمى ~~روحا كقول ذي الرمة % فقلت له أرفعها إليك وأحيها % بروحك واقتته لها قيتة ~~قدرا % $ أي بنفختك وقيل إنما سماه روحا لأنه يحيى الناس به كما يحيون ~~بالأرواح ولهذا المعنى سمي القرآن روحا في قوله @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا @QE@ وقيل لأنه روح من الأرواح كسائر أرواح الناس وأضافه ~~الله تعالى إليه تشريفا له ms1351 كما يقال بيت الله وسماء الله # قوله يبين الله لكم أن تضلوا قيل فيه إنه بمعنى لئلا تضلوا فحذف لا كما ~~تحذف مع القسم في قولك والله أبرح قاعدا أي لا أبرح قال الشاعر % تالله ~~يبقى على الأيام ذو حيد % # | معناه لا يبقى وقيل يبين الله لكم كراهة أن تضلوا كقوله واسئل القرية ~~يعني أهل القرية # سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم $ # قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ روي عن ابن عباس ~~ومجاهد ومطرف PageV03P282 والربيع والضحاك والسدي وابن جريج والثوري قالوا ~~العقود في هذا الموضع أراد بها العهود وروى معمر عن قتادة قال هي عقود ~~الجاهلية الحلف وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~حلف في الإسلام وأما حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة وروى ابن عيينة ~~عن عاصم الأحول قال سمعت أنس بن مالك يقول حالف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا فقيل له قد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا حلف في الإسلام وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ~~فقال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا ~~قال ابن عيينة إنما آخى بين المهاجرين والأنصار قال أبو بكر قال الله تعالى ~~@QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ فلم يختلف المفسرون أنهم في ~~أول الإسلام قد كانوا يتوارثون بالحلف دون النسب وهو معنى قوله والذين ~~عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أولى من الحليف ~~بقوله @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين @QE@ فقد كان حلف الإسلا على التناصر والتوارث ثابتا صحيحا وأما ~~قوله لا حلف في الإسلام فإنه جائز أن يريد به الحلف على الوجوه التي كان ~~عليها الحلف في الجاهلية وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف وقد ~~كان حلف الجاهلية على وجوه منها الحلف في التناصر فيقول أحدهما لصاحبه إذا ~~حالفه دمي دمك وهدمي هدمك ms1352 وترثني وأرثك فيتعاقدان الحلف على أن ينصر كل ~~واحد منهم صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل ومثله لا يجوز في ~~الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن ~~يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز ~~مثله في الإسلام وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع وكانوا يدفعون ~~إلى ضرورة لأنهم كانوا نشرا لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع ~~القوي عن الضعيف فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض ~~وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار ~~وهو أن يجير الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه ~~منهم فجائز أن يكون أراد بقوله لا حلف في الإسلام هذا الضرب من الحلف ~~وكانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام PageV03P283 لكثرة أعدائهم من ~~سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين فلما أعز الله الإسلام وكثر ~~أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يدا واحدة على أعدائهم من ~~الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~@QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون يد على من سواهم وقال ثلاث لا ~~يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لولاة الأمر ولزوم جماعة ~~المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم فزال التناصر بالحلف وزال الجوار ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ولعلك أن تعيش حتى ترى المرأة ~~تخرج من القادسية إلى اليمن بغير جوار ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا حلف في الإسلام وأما قوله وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام ~~إلا شدة فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوز في العقول مستحسن فيها ~~نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبدالمطلب ms1353 قال النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~أحب أن لي بحلف حضرته حمر النعم في دار ابن جدعان وإني أغدر به هاشم وزهرة ~~وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفه ولو دعيت إلى مثله في ~~الإسلام لأجبت وهو حلف الفضول وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى ~~التأسي في المعاش فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل ~~النبوة وأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب لأن الله تعالى قد أمر ~~المؤمنين بذلك وهو شيء مستحسن في العقول بل واجب فيها قبل ورود الشرع ~~فعلمنا أن قوله لا حلف في الإسلام إنما أراد به الذي لا تجوزه العقول ولا ~~تبيحه الشريعة وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حضرت حلف المطيبين ~~وأنا غلام وما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم وقد كان حلف المطيبين بين ~~قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه وأما قوله ~~وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة فهو نحو حلف المطيبين وحلف ~~الفضول وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوزه ~~الشريعة والعقد في اللغة هو الشد تقول عقدت الحبل إذا شددته واليمين على ~~المستقبل تسمى عقدا قال الله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ والحلف يسمى عقدا قال الله تعالى @QB@ ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ وقال أبو عبيدة في قوله أوفوا ~~بالعقود قال هي العهود والأيمان وروي عن PageV03P284 جابر في قوله أوفوا ~~بالعقود قال هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد وزاد زيد بن أسلم من قبله ~~وعقد الشركة وعقد اليمين وروى وكيع عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدالله بن ~~عبيدة قال العقود ستة عقد الأيمان وعقد النكاح وعقدة العهد وعقدة الشرى ~~والبيع وعقدة الحلف قال أبو بكر العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو أو ~~يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه ms1354 لأن العقد إذا كان في أصل اللغة ~~الشد ثم نقل إلى الأيمان والعقود عقود المبايعات ونحوها فإنما أريد به ~~إلزام الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظرا ~~مراعى في المستقبل من الأوقات فيسمى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود ~~المعاوضات عقودا لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به ~~وسمي اليمين على المستقبل عقدا لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف ~~عليه من فعل أو ترك والشركة والمضاربة ونحوها تسمى أيضا عقودا لما وصفنا من ~~اقتضائه الوفاء بما شرطه على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه ~~وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها وكذلك كل شرط شرطه ~~إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد وكذلك النذور وإيجاب ~~القرب وما جرى مجرى ذلك ومالا تعلق له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه وإنما ~~هو على شيء ماض قد وقع فإنه لا يسمى عقدا ألا ترى أن من طلق امرأته فإنه لا ~~يسمى طلاقه عقدا ولو قال لها إذا دخلت الدار فأنت طالق كان ذلك عقدا ليمين ~~ولو قال والله لقد دخلت الدار أمس لم يكن عاقدا لشيء ولو قال لأدخلنها غدا ~~كان عاقدا ويدلك على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ويصح في المستقبل لو ~~قال علي أن أدخل الدار أمس كان لغوا من الكلام مستحيلا ولو قال علي أن ~~أدخلها غدا كان إيجابا مفعولا فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل واليمين ~~على المستقبل إنما كانت عقدا لأن الحالف قد أكد على نفسه أن يفعل ما حلف ~~عليه بذلك وذلك معدوم في الماضي ألا ترى أن من قال والله لأكلمن زيدا فهو ~~مؤكد على نفسه بذلك كلامه وكذلك لو قال والله لا كلمت زيدا كان مؤكدا به ~~نفي كلامه ملزما نفسه به ما حلف عليه من نفي أو إثبات فسمي من أجل التأكيد ~~الذي في اللفظ عقدا تشبيها بعقد الحبل الذي هو بيده والإستيثاق ms1355 به ومن أجله ~~كان النذر عقدا ويمينا لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه ما ~~نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله أو يتركه PageV03P285 ومتى صرف الخبر إلى ~~الماضي لم يكن ذلك عقدا كما لا يكون ذلك إيجابا وإلزاما ونذرا وهذا يبين ~~معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام ومما يدل على أن العقد هو ~~ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي أن ضد العقد هو الحل ومعلوم أن ما قد وقع ~~لا يتوهم له حل عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه فلما لم يكن الحل ضدا لما ~~وقع في الماضي علم أنه ليس يعقد لأنه لو كان عقدا لكان له ضد من الحل يوصف ~~به كالعقد على المستقبل # فإن قيل قوله إن دخلت الدار فأنت طالق وأنت إذا جاء غد هو عقد ولا يلحقه ~~الانتقاض والفسخ # قيل له جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود الشرط فهو مما يوصف بضده من ~~الحل ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز ~~فعبدي حر وليس في الكوز ماء أن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقدا لأنه ليس ~~له نقيض من الحل ولو قال إن لم أصعد السماء فعبدي حر حنث بعد انعقاد يمينه ~~لأن لهذا العقد نقيضا من الحل وإن كنا قد علمنا أنه لا يبر فيه لأنه عقد ~~اليمين على معنى متوهم معقول إذ كان صعود السماء معنى متوهما معقولا وكذلك ~~تركه معقول جائز وشرب ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقدا # وقد اشتمل قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ على ~~إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج ~~وغيرهم من سائر الناس وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان وهو نظير قوله ~~تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~@QE@ وقوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وعهد الله تعالى أوامره ونواهيه ~~وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى أوفوا ms1356 بالعقود أي بعقود الله فيما حرم ~~وحلل # وعن الحسن قال يعني عقود الدين واقتضى أيضا الوفاء بعقود البياعات ~~والإجازات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم العقود فمتى اختلفنا في جواز ~~عقده أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صح الاحتجاج بقوله تعالى أوفوا بالعقود ~~لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات والإجازات والبيوع وغييرها ويجوز ~~الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار لأن ~~الآية لم تفرق بين شيء منها وقوله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عند شروطهم ~~في معنى قول الله تعالى أوفوا بالعقود وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع ما ~~يشرط الإنسان على نفسه مالم تقم دلالة PageV03P286 تخصصه # فإن قيل هل يجب على كل من عقد على نفسه يمينا أو نذرا أو شرطا لغيره ~~الوفاء بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه قيل له أما ~~النذور فهي على ثلاثة أنحاء منها نذر قربة فيصير واجبا بنذره بعد أن كان ~~فعله قربة غير وجب لقوله تعالى أوفوا بالعقود وقوله تعالى @QB@ وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم @QE@ وقوله تعالى يوفون بالنذر وقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون @QE@ وقوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فذمهم ~~على ترك الوفاء بالمنذور نفسه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن ~~الخطاب أوف بنذرك حين نذر أن يعتكف يوما في الجاهلية وقوله صلى الله عليه ~~وسلم من نذر نذرا سماه فعليه أن يفي به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة ~~يمين فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء بعينه وقسم آخر وهو ~~ما كان مباحا غير قربة فمتى نذر ه لا يصير واجبا ولا يلزمه فعله فإذا أراد ~~به يمينا فعليه كفارة يمين إذا لم يفعله مثل قوله لله علي أن أكلم زيدا ~~وأدخل هذه الدار وأمشي ms1357 إلى السوق فهذه أمور مباحة لا تلزم بالنذر لأن ما ~~ليس له أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب كما أن ما ليس له أصل في الوجوب ~~لا يصير واجبا بالنذر فإن أراد به اليمين كان يمينا وعليه الكفارة إذا حنث ~~والقسم الثالث ما نذر المعصية نحو أن يقول لله علي أن أقتل فلانا أو أشرب ~~الخمر أو أغصب فلانا ماله فهذه أمور هي معاص لله تعالى لا يجوز له الإقدام ~~عليه لأجل النذور وهي باقية على ما كانت عليه من الحظر وهذا يدل على ما ~~ذكرناه في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات أنها لا تصير واجبة بالنذور كما ~~أن ما كان محظروا لا يصير مباحا ولا واجبا بالنذر وتجب فيه كفارة يمين إذا ~~أراد يمينا وحنث لقوله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله وكفارته ~~كفارة يمين فالنذر ينقسم إلى هذه الأنحاء وأما الأيمان فإنها تعقد على هذه ~~الأمور من قربة أو مباح أو معصية فإذا عقدها على قربة لم تصر واجبة باليمين ~~ولكنه يؤمر بالوفاء به فإن لم يف به وحنث لزمته الكفارة وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبدالله بن عمر بلغني أنك قلت والله لأصومن ~~الدهر فقال نعم قال فلا تفعل ولكن صم من كل شهر ثلاثة أيام فقال إني أطيق ~~أكثر من ذلك إلى أن ورده إلى أن يصوم يوما ويفطر PageV03P287 يوما فلم ~~يلزمه صوم الدهر باليمين فدل ذلك على أن اليمين لا يلزم بها المحلوف عليه ~~ولذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لأصومن غدا ثم لم يصمه فلا قضاء عليه ~~وعليه كفارة يمين والقسم الآخر من الأيمان هو أن يحلف على مباح أن يفعله ~~فلا يلزمه فعله كما لا يلزمه فعل القربة المحلوف عليها فإن شاء فعل المحلوف ~~عليه وإن شاء ترك حنث لزمته الكفارة والقسم الثالث أن يحلف على معصية فلا ~~يجوز له أن يفعلها بل عليه أن يحنث في يمينه ويكفر عنها لقوله صلى الله ms1358 ~~عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر ~~عن يمينه وقال أني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي هو ~~خير وكفرت عن يميني وقال الله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم @QE@ روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف ~~أن لا ينفق على مسطح ابن أثاثة لما كان منه من الخوض في أمر عائشة رضي الله ~~عنها فأمره الله تعالى بالرجوع إلى الانفاق عليه قوله تعالى أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام قيل في الأنعام أنها الإبل والبقر والغنم وقال بعضهم الإطلاق ~~يتناول الإبل وإن كانت منفردة وتتناول البقر والغنم إذا كانت مع الإبل ولا ~~تتناولهما منفردة عن الإبل وقد روي عن الحسن القول الأول وقيل إن الأنعام ~~تقع على هذه الأصناف الثلاثة وعلى الظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر ~~لأنه أخذ من نعومة الوطء ويدل على هذا القول استثناؤه الصيد منها بقوله في ~~نسق التلاوة غير محلي الصيد وأنتم حرم ويدل على أن الحافر غير داخل في ~~الأنعام قوله تعالى @QB@ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~@QE@ ثم عطف عليه قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها فلما استأنف ~~ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال في جنين البقرة أنها بهيمة الأنعام وهو كذلك لأن البقرة من الأنعام ~~وإنما قال بهيمة الأنعام وإن كانت الأنعام كلها من البهائم لأنه بمنزلة ~~قوله أحل لكم البهيمة التي هي الأنعام فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن كانت ~~هي كما تقول نفس الأنسان # ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء بالعقود المذكورة في ~~الآية وليس كذلك لأنه لم يجهل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا أخرجه مخرج ~~المجازاة ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله PageV03P288 تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ms1359 ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على ~~المؤمنين دون غيرهم بل الإباحة عامة لجيمع المكلفين كفارا كانوا أو مؤمنين ~~كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها @QE@ وهو حكم عام في المؤمنين ~~والكفار مع ورود اللفظ خاصا بخطاب المؤمنين وكذلك كل ما أباحه الله تعالى ~~للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين كما أن كل ما أوجبه وفرضه فهو فرض على ~~جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل وكذلك قلنا إن الكفار مستحقون للعقاب ~~على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان # فإن قيل إذا كان ذبح البهائم محظورا إلا بعد ورود السمع به فمن لم يعتقد ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في حظره عليه ~~باق على الأصل وقائل هذا القول يقول إن ذبح البهائم محظور على الكفار أهل ~~الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في ذبحها وإن كان أكل ما ذبحه أهل الكتاب ~~مباحا لنا وزعم هذا القول أن للملحد أن يأكل بعد الذبح وليس له أن يذبح ~~وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك لأنه لو كان أهل الكتاب عصاة بذبحهم لأجل ~~دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاة مثل المجوسي لما كان ممنوعا من ~~الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبح ذكاة وفي ذلك دليل على أن الكتابي غير عاص ~~في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا وأما قوله إنه إذا لم يعتقد صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم حظر الذبح قائم ~~عليه فليس كذلك لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة السمع بكتب الأنبياء ~~المتقدمين في إباحة ذبح البهائم وأيضا فإن ذلك لا يمنع صحة ذكاته لأن رجلا ~~لو ترك التسمية على الذبيحة عامدا لكان عندنا عاصيا بذلك وكان لمن يعتقد ~~جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها ولم يكن كون الذابح عاصيا مانعا صحة ~~ذكاته قوله عز وجل @QB@ إلا ما يتلى عليكم @QE@ روي عن ms1360 ابن عباس والحسن ~~ومجاهد وقتادة والسدي إلا ما يتلى عليكم يعني قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة ~~والدم @QE@ وسائر ما حرم في القرآن وقال آخرون إلا ما يتلى عليكم من أكل ~~الصيد وأنتم حرم فكأنه قال على هذا التأويل إلا ما يتلى عليكم في نسق هذا ~~الخطاب قال أبو بكر يحتمل قوله إلا ما يتلى عليكم مما قد حصل تحريمه ما روي ~~عن ابن عباس فإذا أريد به ذلك لم يكن اللفظ مجملا لأن ما قد حصل تحريمه قبل ~~ذلك هو معلوم فيكون قوله أحلت PageV03P289 لكم بهيمة الأنعام عموما في ~~إباحة جميعها إلا ما خصه الآي التي فيها تحريم ما حرم منها وجعل هذه ~~الأباحة مرتبة على آي الحظر وهو قوله حرمت عليكم الميتة والدم ويحتمل أن ~~يريد بقوله إلا ما يتلى عليكم إلا ما يبين حرمته فيكون مؤذنا بتحريم بعضها ~~علينا في وقت ثان فلا يسلب ذلك الآية حكم العموم أيضا ويحتمل أن يريد أن ~~بعض بهيمة الأنعام محرم عليكم الآن تحريما يرد بيانه في الثاني فهذا يوجب ~~إجمال قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام لاستثنائه بعضها فهو مجهول المعنى ~~عندنا فيكون اللفظ مشتملا على إباحة وحظر على وجه الإجمال ويكون حكمه ~~موقوفا على البيان وأولى الأشياء بنا إذا كان في اللفظ احتمال لما وصفنا من ~~الإجمال والعموم حمله على معنى العموم لإمكان استعماله فيكون المستثنى منه ~~ما ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها # فإن قيل قوله تعالى إلا ما يتلى عليكم يقتضي تلاوة مستقبلة لا تلاوة ~~ماضية وما قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تلا علينا فوجب حمله على تلاوة ترد في ~~الثاني # قيل له يجوز أن يريد به ما قد تلى علينا ويتلى في الثاني لأن تلاوة ~~القرآن غير مقصورة على حال ماضية دون مستقبلة بل علينا تلاوته في المستقبل ~~كما تلوناه في الماضي فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة في ~~المستقبل وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانة عن بقاء حكم المحرمات قبل ~~ذلك من ms1361 بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ ولو أطلق اللفظ من غير استثناء مع ~~تقدم نزول تحريم كثير من بهيمة الأنعام لأوجب ذلك نسخ التحريم وإباحة ~~الجميع منها # قوله تعالى @QB@ غير محلي الصيد وأنتم حرم @QE@ قال أبو بكر فمن الناس من ~~يحمله على معنى إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم فيكون المستثنى ~~بقوله @QB@ إلا ما يتلى عليكم @QE@ هو الصيد الذي حرمه على المحرمين وهذا ~~تأويل يؤدي إلى إسقاط حكم الاستثناء الثاني وهو قوله غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم ويجعله بمنزلة قوله إلا ما يتلى عليكم وهو تحريم الصيد على المحرم وذلك ~~تعسف في التأويل ويوجب ذلك أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام ~~مقصورا على الصيد وقد علمنا أن الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة ~~فهذا تأويل لا وجه له ثم لا يخلو من أن يكون قوله @QB@ غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم @QE@ مستثنى مما يليه من الاستثناء فيصير بمنزلة قوله إلا ما ~~يتلى عليكم إلا محلي الصيد وأنتم حرم ولو كان كذلك لوجب أن يكون موجبا ~~لإباحة الصيد في الإحرام لأنه استثناء من PageV03P290 المحظور إذ كان مثل ~~قوله إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد مما قد بين وسيبين تحريمه في الثاني أو ~~أن يكون معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ~~ما يتلى عليكم قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ~~@QE@ روي عن السلف فيه وجوه فروي عن ابن عباس أن الشعائر مناسك الحج وقال ~~مجاهد الصفا والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر وقال عطاء فرائض الله ~~التي حدها لعباده وقال الحسن دين الله كله لقوله تعالى @QB@ ومن يعظم شعائر ~~الله فإنها من تقوى القلوب @QE@ أي دين الله وقيل إنها أعلام الحرم نهاهم ~~أن يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا دخول مكة وهذه الوجوه كلها في احتمال ~~الآية والأصل في الشعائر أنها مأخوذه من الإشعار وهي الإعلام من جهة ~~الإحساس ومنه مشاعر البدن وهي الحواس والمشاعر أيضا هي المواضع التي ms1362 قد ~~أشعرت بالعلامات وتقول قد شعرت به أي علمته وقال تعالى لا يشعرون يعني لا ~~يعلمون ومنه الشاعر لأنه يشعر بفطنته لما لا يشعر به غيره وإذا كان الأصل ~~على ما وصفنا فالشعائر العلامات واحدها شعيرة وهي العلامة التي يشعر بها ~~الشيء ويعلم فقوله تعالى لا تحلوا شعائر الله قد انتظم جميع معالم دين الله ~~وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا ~~حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها فينتظم ذلك جميع المعاني التي رويت عن ~~السلف من تأويلها فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم إلا محرما وحظر استحلاله ~~بالقتال فيه وحظر قتل من لجأ إليه ويدل أيضا على وجوب السعي بين الصفا ~~والمروة لأنهما من شعائر الله على ما روي عن مجاهد لأن الطواف بهما كان من ~~شريعة إبراهيم عليه السلام وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم بهما فثبت ~~أنهما من شعائر الله وقوله عز وجل ولا الشهر الحرام روي عن ابن عباس وقتادة ~~أن إحلاله هو القتال فيه قال الله تعالى في سورة البقرة @QB@ يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير @QE@ وقد بينا أنه منسوخ وذكرنا ~~قول من روي عنه ذلك وأن قوله اقتلوا المشركين نسخه وقال عطاء حكمه ثابت ~~والقتال في الشهر الحرام محظور وقد اختلف في المراد بقوله ولا الشهر الحرام ~~فقال قتادة معناه الأشهر الحرم وقال عكرمة هو ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ~~ورجب وجائز أن يكون المراد بقوله ولا الشهر الحرام هذه الأشهر كلها وجائز ~~أن يكون جميعها في حكم واحد منها وبقية الشهور معلوم حكمها من جهة دلالة ~~اللفظ إذ PageV03P291 كان جميعها في حكم واحد منها فإذا بين حكم واحد منها ~~فقد دل على حكم الجميع قوله تعالى @QB@ ولا الهدي ولا القلائد @QE@ أما ~~الهدي فإنه يقع على كل ما يتقرب به من الذبائح والصدقات قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم المبتكر إلى الجمعة كالمهدى بدنة ثم الذي يليه المهدى بقرة ثم ~~الذي يليه كالمهدى شاة ms1363 ثم الذي يليه كالمهدى دجاجة ثم الذي يليه كالمهدى ~~بيضة فسمى الدجاجة والبيضة هديا وأراد به الصدقة وكذلك قال أصحابنا فيمن ~~قال ثوبي هذا هدى أن عليه أن يتصدق به إلا أن الإطلاق إنما يتناول أحد هذه ~~الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم إلى الحرم وذبحه فيه قال الله ~~تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا خلاف بين السلف والخلف من أهل ~~العلم أن أدناه شاة وقال تعالى @QB@ من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة @QE@ وقال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ~~وأقله شاة عند جميع الفقهاء فاسم الهدي إذا أطلق يتناول ذبح أحد هذه ~~الأصناف الثلاثة في الحرم وقوله ولا الهدي أراد به النهي عن إحلال الهدي ~~الذي قد جعل للذبح في الحرم وإحلاله استباحة لغير ما سيق إليه من القربة ~~وفيه دلالة على حظر الانتفاع بالهدي إذا ساقه صاحبه إلى البيت أو أوجبه ~~هديا من جهة نذر أو غيره وفيه دلالة على حظر الأكل من الهدايا نذرا كان أو ~~واجبا من إحصار أو أجزاء صيد وظاهره يمنع جواز الأكل من هدى المتعة والقرآن ~~لشمول الأسم له إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على جواز الأكل منه وأما قوله ~~عز وجل ولا القلائد فإن معناه لا تحلو القلائد وقد روى في تأويل القلائد ~~وجوه عن السلف فقال ابن عباس أراد الهدي المقلد قال أبو بكر هذا يدل على أن ~~من الهدي ما يقلد ومنه مالا يقلد والذي يقلد الإبل والبقر والذي لا يقلد ~~الغنم فحظر تعالى إحلال الهدي مقلدا وغير مقلد وقال مجاهد كانوا إذا أحرموا ~~يقلدون أنفسهم والبهائم من لحاء شجر الحرم فكان ذلك أمنا لهم فحظر الله ~~تعالى استباحة ما هذا وصفه وذلك منسوخ في الناس وفي البهائم غير الهدايا ~~وروي نحوه عن قتادة في تقليد الناس لحاء شجر الحرم وقال بعض أهل العلم أراد ~~به قلائد الهدي بأن يتصدقوا بها ولا ينتفعوا بها وروي عن الحسن أنه قال ~~يقلد ms1364 الهدي بالنعال فإذا لم توجد فالجفاف تقور ثم تجعل في أعناقها ثم يتصدق ~~بها وقيل هو صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي قال أبو PageV03P292 بكر قد دلت ~~الآية على أن تقليد الهدي قربة وأنه يتعلق به حكم كونه هديا وذلك بأن يقلده ~~ويريد أن يهديه فيصير هديا بذلك وإن لم يوجبه بالقول فمتى وجد على هذه ~~الصفة فقد صار هديا لا تجوز استباحته والانتفاع به إلا بأن يذبحه ويتصدق به ~~وقد دل أيضا على أن قلائد الهدي يجب أن يتصدق بها لاحتمال اللفظ لها وكذلك ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في البدن التي نحر بعضها بمكة وأمر عليا ~~بنحر بعضها وقال له تصدق بجلالها وخطمها ولا تعط الجزار منها شيئا فإنا ~~نعطيه من عندنا وذلك دليل على أنه لا يجوز ركوب الهدي ولا حلبه ولا ~~الانتفاع بلبنه لأن قوله @QB@ ولا الهدي ولا القلائد @QE@ قد تضمن ذلك كله ~~وقد ذكر الله القلائد في غير هذا الموضع بما دل به على القربة فيها وتعلق ~~الأحكام بها وهو قوله تعالى @QB@ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام والهدي والقلائد @QE@ فلولا ما تعلق بالهدي والقلائد من ~~الحرمات والحقوق التي هي لله تعالى كتعلقها بالشهر وبالكعبة لما ضمها ~~إليهما عند الأخبار عما فيها من المنافع وصلاح اناس وقوامهم وروى الحكم عن ~~مجاهد قال لم تنسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد نسختها اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - ~~وإن جاؤوك فأحكم بينهم الآية نسختها وأن احكم بينهم بما أنزل الله قال أبو ~~بكر يريد به نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام ونسخ القلائد التي كانوا ~~يقلدون به أنفسهم وبهائمهم من لحاء شجر الحرم ليأمنوا به ولا يجوز أن يريد ~~نسخ قلائد الهدي لأن ذلك حكم ثابت بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة والتابعين بعدهم وروى مالك بن مغول عن عطاء في قوله تعالى ~~ولا القلائد قال كانوا يقلدون لحاء شجر ms1365 الحرم يأمنون به إذا خرجوا فنزلت لا ~~تحلوا شعائر الله قال أبو بكر يجوز أن يكون حظر الله انتهاك حرمة من يفعل ~~ذلك على ما كان عليه أهل الجاهلية لأن الناس كانوا مقرين بعد مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه من الأمور التي لا يحظرها العقل إلى ~~أن نسخ الله منها ما شاء فنهى الله عن استحلال حرمة من تقلد بلحاء شجر ~~الحرم ثم نسخ ذلك من قبل أن الله قد أمن المسلمين حيث كانوا بالإسلام وأما ~~المشركين فقد أمر الله بقتلهم حتى يسلموا بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ فصار حظر قتل المشرك الذي تقلد بلحاء شجر الحرم ~~منسوخا والمسلمون قد استغنوا عن ذلك فلم يبق له حكم وبقي حكم قلائد الهدي ~~ثابتا وقد حدثنا عبدالله بن PageV03P293 محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا ~~الحسين بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا الثوري عن ~~بيان عن الشعبي قال لم تنسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله @QE@ وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا ~~الحسين بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في ~~قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام الآية قال منسوخ كان ~~الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له ~~أحد وإذا رجع تقلد فلادة شعر فلم يعرض له أحد وكان المشرك يومئذ لا يصد عن ~~البيت فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسختها قوله ~~تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وروى يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة في ~~قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي ~~والقلائد حواجز جعلها الله بين الناس في الجاهلية وكان الرجل إذا لقي قاتل ~~أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه وكان الرجل إذا لقي الهدي مقلدا ~~وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه ms1366 وكان الرجل إذا أراد البيت ~~تقلد قلادة من شعر تمنعه من الناس وكان إذا نفر تقلد قلادة من الأذخر أو من ~~لحاء شجر الحرام فمنعت الناس عنه وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد الله قال حدثنا عبدالله بن صالح ~~عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام @QE@ قال كان المسلمون والمشركون يحجون ~~البيت جميعا فنهى الله تعالى المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو ~~يعرضوا له من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد هذا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر وقد روى إسحاق بن يوسف عن ابن عون قال ~~سألت الحسن هل نسخ من المائدة شيء فقال لا وهذا يدل على أن قوله تعالى ولا ~~آمين البيت الحرام إنما أريد به المؤمنون عند الحسن لأنه إن كان قد أريد به ~~الكفار فذلك منسوخ بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقوله ~~أيضا ولا الشهر الحرام حظر القتال فيه منسوخ بما قدمنا إلا أن يكون عند ~~الحسن هذا الحكم ثابتا على نحو ما روي عن عطاء قوله تعالى PageV03P294 ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا روي عن ابن عمر أنه قال أريد به الربح في ~~التجارة وهو نحو قوله تعالى @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~@QE@ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التجارة في الحج فأنزل ~~الله تعالى ذلك وقد ذكرناه فيما تقدم وقال مجاهد في قوله تعالى يتبغون فضلا ~~من ربهم ورضوانا الأجرة والتجارة قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قال مجاهد ~~وعطاء في آخرين هو تعليم إن شاء صاد وإن شاء لم يصد قال أبو بكر هو إطلاق ~~من حظر ms1367 بمنزلة قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله لما حظر البيع بقوله وذروا البيع عقبه بالإطلاق بعد الصلاة بقوله ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قد ~~تضمن إحراما متقدما لأن الإحلال لا يكون إلا بعد الإحرام وهذا يدل على أن ~~قوله @QB@ ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام @QE@ ) قد اقتضى ~~كون من فعل ذلك محرما فيدل على أن سوق الهدي وتقليده يوجب الإحرام ويدل ~~قوله @QB@ ولا آمين البيت الحرام @QE@ على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا ~~بالإحرام إذ كان قوله وإذا حللتم فاصطادوا قد يضمن أن يكون من أم البيت ~~الحرام فعليه إحرام يحل منه ويحل له الاصطياد بعده وقوله وإذا حللتم ~~فاصطادوا قد أراد به الإحلال من الإحرام والخروج من الحرم أيضا لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد حظر الاصطياد في الحرم بقوله ولا ينفر صيدها ولا ~~خلاف بين السلف والخلف فيه فعلمنا أنه قد أراد به الخروج من الحرم والإحرام ~~جميعا وهو يدل على جواز الاصطياد لمن حل من إحرامه بالحلق وإن بقاء طواف ~~الزيارة عليه لا يمنع لقوله تعالى وإذا حللتم باصطادوا وهذا قد حل إذ كان ~~هذا الحلق واقعا للإحلال وقوله تعالى @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم ~~عن المسجد الحرام أن تعتدوا @QE@ قال ابن عباس وقتادة لا يجرمنكم لا ~~يحملنكم وقال أهل اللغة يقال جرمني زيد على بغضك أو حملني عليه وقال الفراء ~~لا يكسبنكم يقال جرمت على أهلي أي كسبت لهم وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال ~~الشاعر % جريمة ناهض في رأس نيق % ترى لعظام ما جمعت صليبا % $ PageV03P295 ~~ويقال جرم يجرم جرما إذا قطع وقوله تعالى شنآن قوم فرىء بفتح النون وسكونا ~~فمن فتح النون جعله مصدرا من قولك شنئته أشنأه شنآنا والشنآن البغض فكأنه ~~قال ولا يجرمنكم بغض قوم وكذلك روي عن ابن عباس وقتادة قالا عداوة قوم ومن ~~قرأ بسكون النون فمعناه بغيض قوم فنهاهم الله بهذه الآية ms1368 أن يتجاوزوا الحق ~~إلى الظلم والتعدي لأجل تعدى الكفار بصدهم المسلمين عن المسجد الحرام ومثله ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك # وقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى يعتضي ظاهره إيجاب التعاون على كل ~~ما كان تعالى لأن البر هو طاعات الله وقوله تعالى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان نهى عن معاونة غيرنا على معاصي الله تعالى قوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ الآية الميتة ما فارقته الروح بغير ~~تزكية مما شرط علينا الزكاة في إباحته وأما الدم فالمحرم منه هو المسفوح ~~لقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا وقد بينا ذلك في سورة البقرة # والدليل أيضا على أن المحرم منه هو المسفوح اتفاق المسلمين على إباحة ~~الكبد والطحال وهما دمان وقال النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لي ميتتان ~~ودمان يعنى بالدمين الكبد والطحال فأباحهما وهما دمان إذ ليسا بمسفوح فدل ~~على إباحة كل ماليس بمسفوح من الدماء فإن قيل لما حصر المباح منه بعدد دل ~~على حظر ما عداه قيل هذا غلط لأن الحصر بالعدد لا يدل على أن ما عداه حكمه ~~بخلافه ومع ذلك فلا خلاف أن مما عداه من الدماء ما هو المباح وهو الدم الذي ~~يبقى في حلل اللحم بعد الذبح وما يبقى منه في العروق فدل على أن حصره ~~الدمين بالعدد وتخصيصهما بالذكر لم يقتض حظر جميع ما عداهما من الدماء ~~وأيضا فإنه لما قال أو دما مسفوحا ثم قال والدم كانت الألف واللام للمعهود ~~وهو الدم المخصوص بالصفة وهو أن يكون مسفوحا وقوله صلى الله عليه وسلم أحلت ~~لي ميتتان ودمان إنما ورد مؤكدا لمقتضى قوله عز وجل @QB@ قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا @QE@ إذ ~~ليسا بمسفوحين ولو لم يره لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار بالتحريم ~~على المسفوح منه ms1369 دون غيره وأن الكبد والطحال غير محرمين وقوله تعالى ولحم ~~الخنزير فإنه قد تناول شحمه وعظمه وسائر أجزائه ألا ترى أن الشحم المخالط ~~للحم قد اقتضاه اللفظ لأن اسم PageV03P296 اللحم يتناوله ولا خلاف بين ~~الفقهاء في ذلك وإنما ذكر اللحم لأنه معظم منافعه وأيضا فإن تحريم الخنزير ~~لما كان منهما اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة والدم وقد ذكرنا حكم ~~شعره وعظمه فيما تقدم وأما قوله وما أهل لغير الله به فإن ظاهره يقتضي ~~تحريم ما سمي عليه غير الله لأن الإهلال هو إظهار الذكر والتسمية وأصله ~~استهلال الصبي إذا صاح حين يولد ومنه إهلال المحرم فينتظم ذلك تحريم ما سمي ~~عليه الأوثان على ما كانت العرب تفعله وينتظم أيضا تحريم ما سمي عليه اسم ~~غيرالله أي اسم كان فيوجب ذلك أنه لو قال عند الذبح باسم زيد أو عمرو أن ~~يكون غير مذكى وهذا يوجب أن يكون ترك التسمية عليه موجبا تحريمها وذلك لأن ~~أحدا لا يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة ترك التسمية رأسا # قوله تعالى والمنخنقة فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي والضحاك أنها التي ~~تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت ومن نحوه حديث عباية بن رفاعة عن رافع ~~بن خديح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذكوا بكل شيء إلا السن والظفر ~~وهذا عندنا على السن والظفر غير المنزوعين لأني يصير في معنى المخنوق وأما ~~قوله تعالى والموقوذة فإنه روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي ~~أنه المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت يقال فيه وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ إذا ~~ضربه حتى يشفى على الهلاك ويدخل في الموقوذة كل ما قتل منها على غير وجه ~~الزكاة وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ~~أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة وروى شعبة عن قتادة عن ~~عقبة بن صهبان عن عبدالله بن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الخذف وقال أنها ms1370 لا تنكأ العدو لا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين ~~ونظير ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى ~~قال حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال قلت يا ~~رسول الله أرمى بالمعراض فأصيب أفآكل قال إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله ~~فأصاب فخرق فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل # حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثنا هشيم عن ~~مجالد وزكريا وغيرهما عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما أصاب بحده فخرق فكل وما أصاب بعرضه ~~فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل فجعل ما أصاب بعرضه من غير جراحة موقوذة وإن لم ~~يكن PageV03P297 مقدورا على ذكاته وفي ذلك دليل على أن شرط ذكاة الصيد ~~الجراحة وإسالة الدم وإن لم يكن مقدورا على ذبحه واستيفاء شروط الذكاة فيه ~~وعموم قوله @QB@ والموقوذة @QE@ عام في المقدور على ذكاته وفي غيره مما لا ~~يقدر على ذكاته وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن محمد بن النضر قال ~~حدثنا معاوية بن عمر قال حدثنا زائدة قال حدثنا عاصم بن أبي النجود عن زر ~~بن حبيش قال سمعت عمر بن الخطاب يقول يا أيها الناس هاجروا ولا تهجروا ~~وإياكم والأرنب يحذفها أحدكم بالعصا أو الحجر يأكلها ولكن ليذك لكم الأسل ~~الرماح والنبل وأما قوله تعالى @QB@ والمتردية @QE@ فإنه روي عن ابن عباس ~~والحسن والضحاك وقتادة قالوا هي الساقطة من رأس جبل أو في بئر فتموت وروى ~~مسروق عن عبدالله بن مسعود قال إذا رميت صيدا من على جبل فمات فلا تأكله ~~فإني أخشى أن يكون التردي هو الذي قتله وإذا رميت طيرا فوقع في ماء فمات ~~فلا تطعمه فإن أخشى أن يكون الغرق قتله # قال أبو بكر لما وجد هناك سببا آخر وهو التردي وقد يحدث عنه الموت حظر ~~أكله وكذلك الوقوع في الماء وقد روى نحو ذلك النبي ms1371 صلى الله عليه وسلم ~~حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا ابن ~~عرفة قال حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم أنه ~~سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال إذا رميت بسهمك وسميت فكل ~~إن قتل إلا أن تصيبه في الماء فلا ترى أيهما قتله ونظيره ما روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم في صيد الكلب أنه قال إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل وإن ~~خالطه كلب آخر فلا تأكل فحظر صلى الله عليه وسلم أكله إذا وجد مع الرمي سبب ~~آخر يجوز حدوث الموت منه مما لا يكون ذكاة وهو الوقوع في الماء ومشاركة كلب ~~آخر معه وكذلك قول عبدالله في الذي يرمي الصيد وهو على الجبل فيتردى أنه لا ~~يؤكل لاجتماع سبب الحظر والإباحة في تلفه فجعل الحكم للحظر دون الإباحة ~~وكذلك لو اشترك مجوسي ومسلم في قتل صيد أو ذبحه لم يؤكل وجميع ما ذكرنا أصل ~~في أنه متى اجتمع سبب الحظر وسبب الإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة # وأما قوله تعالى @QB@ والنطيحة @QE@ فإنه روي عن الحسن والضحاك وقتادة ~~والسدي أنها المنطوحة حتى تموت وقال بعضهم هي الناطحة حتى تموت قال أبو بكر ~~هو عليهما جميعا فلا فرق بين أن تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح ~~غيرها لها # وأما قوله @QB@ وما أكل السبع @QE@ فإن معناه PageV03P298 ما أكل منه ~~السبع حتى يموت فحذف والعرب تسمي ما قتله السبع وأكل منه أكيلة السبع ~~ويسمون الباقي منه أيضا أكيلة السبع قال أبو عبيدة ما أكل السبع مما أكل ~~السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته وجميع ما تقدم ذكره في الآية ~~بالنهي عنه قد أريد به الموت من ذلك وقد كان أهل الجاهلية يأكلون جميع ذلك ~~فحرمه الله تعالى ودل بذلك على أن سائر الأسباب التي يحدث عنها الموت ~~للأنعام محظورا أكلها بعد أن لا يكون من فعل أدمى على وجه التذكية # وأما ms1372 قوله تعالى @QB@ إلا ما ذكيتم @QE@ فإنه معلوم أن الاستثناء راجع ~~إلى بعض المذكور دون جميعه لأن قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به @QE@ لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه وإن ~~ذلك لا يجوز أن تلحقه الزكاة وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه ~~وقد ثبت أنه لم يعد إلى ما قبل المنخنقة فكان حكم العموم فيه قائما وكان ~~الاستثناء عائدا إلى المذكور من عند قوله والمنخنقة لما روى ذلك عن علي ~~وابن عباس والحسن وقتادة وقالوا كلهم إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف ~~أو ذنب يتحرك فأكله جائز وحكى عن بعضهم أنه قال الاستثناء عائدا إلى قوله ~~وما أكل السبع دون ما تقدم لأنه يليه وليس هذا بشيء لاتفاق السلف على خلافه ~~ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى شاة من ~~جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل وكذلك ~~النطيحة وما ذكر معها فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور من عند قوله ~~والمنخنقة وإنما قوله إلا ما ذكيتم فإنه استثناء منقطع بمنزلة قوله لكن ما ~~ذكيتم كقوله فلولا كانت قرية آمنت فنفعها أيمانها إلا قوم يونس ومعناه لكن ~~قوم يونس وقوله طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ومعناه ~~لكن تذكرة لمن يخشى ونظائره في القرآن كثيرة # وقد اختلف الفقهاء في ذكاة الموقوذة ونحوها فذكر محمد في الأصل في ~~المتردية إذا أدركت ذكاتها قبل أن تموت أكلت وكذلك الموقوذة والنطيحة وما ~~أكل السبع وعن أبي يوسف في الإملاء أنه إذا بلغ به ذلك إلى حال لا يعيش في ~~مثله لم يؤكل وإن ذكي قبل الموت وذكر ابن سماعة عن محمد أنه إن كان يعيش ~~منه اليوم ونحوه أو دونه فذكاها حلت وإن كان لا يبقى إلا كبقاء المذبوح لم ~~يؤكل وإن ذبح واحتج بأن عمر كانت به جراحة متلفة وصحت عهوده PageV03P299 ~~وأوامره ms1373 ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود وقال مالك إذا أدركت ~~ذكاتها وهي حية تطرف أكلت وقال الحسن بن صالح إذا صارت بحال لا تعيش أبدا ~~لم تؤكل وإن ذبحت وقال الأوزاعي إذا كان فيها حياة فذبحت أكلت والمصيودة ~~إذا ذبحت لم تؤكل وقال الليث إذا كانت حية وقد أخرج السبع ما في جوفها أكلت ~~إلا ما بان عنها وقال الشافعي في السبع إذا شق بطن الشاة ونستيقن أنها تموت ~~إن لم تذك فذكيت فلا بأس بأكلها # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ إلا ما ذكيتم @QE@ يقتضي ذكاتها ما دامت حية ~~فلا فرق في ذلك بين أن تعيش من مثله أو لا تعيش وأن تبقى قصير المدة أو ~~طويلها وكذلك روي عن علي وابن عباس أنه إذا تحرك شيء منها صحت ذكاتها ولم ~~يختلفوا في الأنعام إذا أصابتها الأمراض المتلفة التي تعيش معها مدة قصيرة ~~أو طويلة إن ذكاتها بالذبح فكذلك المتردية ونحوها والله اعلم # | باب في شرط الذكاة # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ إلا ما ذكيتم @QE@ اسم شرعي يعتوره معان ~~منها موضع الذكاة وما يقطع منه ومنها الآلة ومنها الدين ومنها التسمية في ~~حال الذكر وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة فأما السمك فإن ذكاته ~~بحدوث الموت فيه عن سبب من خارج وما مات حتف أنفه فغير مذكى وقد بينا ذلك ~~فيما تقدم من الكلام في الطافي في سورة البقرة # فأما موضع الذكاة في الحيوان المقدور على ذبحه فهو اللبة وما فوق ذلك إلى ~~اللحيين وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفل ~~الحلق وأوسطه وأعلاه وأما ما يجب قطعه فهو الأوداج وهي أربعة الحلقوم ~~والمريء والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء فإذا فرى المذكى ذلك أجمع ~~فقد أكمل الذكاة على تمامها وسنتها فإن قصر عن ذلك ففرى من هذه الأربعة ~~ثلاثة فإن بشر بن الوليد روى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة قا إذا قطع أكثر ~~الأوداج أكل وإذا قطع ثلاثة منها ms1374 أكل من أي جانب كان وكذلك قال أبو يوسف ~~ومحمد ثم قال أبو يوسف بعد ذلك لا تأكل حتى تقطع الحلقوم والمريء وأحد ~~العرقين وقال مالك بن أنس والليث يحتاج أن يقطع الأوداج والحلقوم وإن ترك ~~شيئا منها لم يجزه ولم يذكر المريء وقال الثوري لا بأس إذا قطع الأوداج وإن ~~لم يقطع الحلقوم وقال الشافعي أقل ما يجزى من الذكاة قطع الحلقوم ~~PageV03P300 والمريء وينبغي أن يقطع الودجين وهما العرقان وقد يسلان من ~~البهيمة والإنسان ثم يحييان فإن لم يقطع العرقان وقطع الحلقوم والمريء جاز ~~وإنما قلنا أن موضع الذكاة النحر واللبة لما روى أبو قتادة الحراني عن حماد ~~بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الذكاة فقال في اللبة والحلق ولو طعنت في فخذها أجزأ عنك وإنما يعني بقوله ~~صلى الله عليه وسلم لو ظننت في تخيرها أجزأ عنها فيما لا تقدر على مذبحه ~~قال أبو بكر ولم يختلفوا أنه جائز له قطع هذه الأربعة وهذا يدل على أن ~~قطعها مشروط في الذكاة ولولا أنه كذلك لما جاز له قطعها إذ كان فيه زيادة ~~ألم بما ليس هو شرطا في صحة الذكاة فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع إلا ~~أن أبا حنيفة قال إذا قطع الأكثر جاز مع تقصيره عن الواجب فيه لأنه قد قطع ~~والأكثر في مثلها يقوم مقام الكل كما أن قطع الأكثر من الأذن والذنب بمنزلة ~~قطع الكل في امتناع جوازه عن الأضحية وأبو يوسف جعل شرط صحة الذكاة الحلقوم ~~والمريء وأحد العرقين ولم يفرق أبو حنيفة بين قطع العرقين وأحد شيئين من ~~الحلقوم والمريء وبين قطع هذين مع أحد العرقين إذ كان قطع الجميع مأمورا به ~~صحة الذكاة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري والحسن ~~بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبدالله عن ~~عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى وأبي ms1375 هريرة قالا نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في حديثه وهي التي تذبح فيقطع ~~الجلد ولا يفرى الأوداج ثم تترك حتى تموت وهذا الحديث يدل على أنه عليه قطع ~~الأوداج وروى أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن رافع بن ~~خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما ~~خلا السن والظفر # وروى إبراهيم عن أبيه عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اذبحوا بكل ما أفرى الأوداج وهراق الدم ما خلا السن والظفر فهذه الأخبار ~~كلها توجب أن يكون فرى الأوداج شرطا في الذكاة والأوداج اسم يقع على ~~الحلقوم والمريء والعرقين اللذين عن جنبيهما # $ فصل وأما الآلة فإن كل ما فرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس به والذكاة ~~صحيحة غير أن أصحابنا كرهوا الظفر المنزع والعظم والقرن والسن لما روى فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما غير ذلك فلا بأس به ذكر ذلك في الجامع ~~الصغير وقال أبو يوسف في الإملاء لو أن PageV03P301 رجلا ذبح بليطة ففرى ~~الأوداج وأنهر الدم فلا بأس بذلك وكذلك لو ذبح بعود وكذلك لو نحر بوتد أو ~~بشظاظ أو بمروة لم يكن بذلك بأس فأما العظم والسن والظفر فقد نهي أن يذكى ~~بها وجاءت في ذلك أحاديث وآثار وكذلك القرن عندنا والناب قال ولو أن رجلا ~~ذبح بسنه أو بظفره فهي ميتة لا تؤكل وقال في الأصل إذا ذبح بسن نفسه أو ~~بظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح وقال مالك بن أنس كل ما بضع من عظم أو غيره ~~ففرى الأوداج فلا بأس به وقال الثوري كل ما فرى الأوداج فهو ذكاة إلا السن ~~والظفر وقال الأوزاعي لا يذبح بصدف البحر وكان الحسن بن صالح يكره الذبح ~~بالقرن والسن والظفر والعظم وقال الليث لا بأس بأن يذبح بكل ما أنهر الدم ~~إلا العظم والسن والظفر واستثنى الشافعي الظفر والسن # قال أبو بكر ms1376 الظفر والسن المنهي عن الذبيحة بهما إذا كانتا قائمتين في ~~صاحبهما وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الظفر أنها مدي الحبشة ~~وهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع وقال ابن عباس ذلك ~~الخنق وعن أبي بشر قال سألت عكرمة عن الذبيحة بالمروة قال إذا كانت حديدة ~~لا تترد الأوداج فكل فشرط في ذلك أن لا تترد الأوداج وهو أ لا تفريها ولكنه ~~يقطعها قطعة قطعة والذبح بالظفر والسن غير المنزوع يترد ولا يفرى فلذلك لم ~~تصح الذكاة بهما وأما إذا كانا منزوعين ففريا الأوداج فلا بأس وإنما كره ~~أصحابنا منها ما كان بمنزلة السكين الكلالة ولهذا المعنى كرهوا الذبح ~~بالقرن والعظم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن خالد الحذاء عن أبي ~~قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحاسنوا قال ~~غير مسلم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته فكانت كراهتهم ~~للذبح بسن منزوع أو عظم أو قرن أو نحو ذلك من جهة كلاله لما يلحق البهيمة ~~من الألم الذي لا يحتاج إليه في صحة الذكاة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم أنه قال ~~قلت يا رسول الله أرأيت أن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة ~~وشقة العصا قال أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله # وفي PageV03P302 حديث نافع عن كعب بن مالك عن أبيه أن جارية سوداء ذكت ~~شاة بمروة فذكر ذلك كعب للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأكلها وروى ~~سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وفي حديث ~~رافع بن ms1377 خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أنهر الدم وذكر اسم ~~الله عليه فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر # $ فصل وهذا الذي ذكرناه فيما كان من الحيوان مقدورا على ذبحه فيعتبر في ~~ذكاته ما وصفنا من موضع الذكاة ومن الآلة على النحو الذي بينا وأما الذي لا ~~نقدر منه على ذبحه فإن ذكاته إنما تكون بإصابته بما يجرح ويسيل الدم أو ~~بإرسال كلب أو طير فيجرحه دون ما يصدم أو يهشم مما لا حد له يجرحه ولا ~~يختلف في ذلك عندنا حكم ما يكون أصله ممتنعا مثل الصيد وما ليس بممتنع في ~~الأصل من الأنعام ثم يتوحش ويمتنع أو يتردى في موضع لا نقدر فيه على ذكاته ~~وقد اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين أحدهما في الصيد إذا أصيب بما لا يجرحه ~~من الآلة فقال أصحابنا ومالك والثوري إذا أصابه بعرض المعراض لم يؤكل إلا ~~أن يدرك ذكاته وقال الثوري وإن رميته بحجر أو بندقة كرهته إلا أن تذكيه ولا ~~فرق عند أصحابنا بين المعراض والحجر والبندقة وقال الأوزاعي في صيد المعراض ~~يؤكل خزق أو لم يخزق قال وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبدالله بن عمر ~~ومكحول لا يرون به بأسا وقال الحسن بن صالح إذا خزق الحجر فكل والبندقة لا ~~تخزق وقال الشافعي إن خزق المرمي برميه أو قطع بحده أكل وما جرح بثقله فهو ~~وقيذ وفيما نالته الجوارح فقتلته فيه قولان أحدهما أن لا يؤكل حتى يجرح ~~لقوله تعالى @QB@ من الجوارح مكلبين @QE@ والآخر أنه حل قال أبو بكر ولم ~~يختلف أصحابنا ومالك والشافعي في الكلب إذا قتل الصيد بصدمته لم يؤكل وأما ~~الموضع الآخر فما ليس بممتنع في الأصل مثل البعير والبقر إذا توحش أو تردى ~~في بئر فقال أصحابنا إذا لم يقدر على ذبحه فإنه يقتل كالصيد ويكون مذكى وهو ~~قول الثوري والشافعي وقال مالك والليث لا يؤكل إلا أن يذبح على شرائط ~~الذكاة وروي عن علي وابن مسعود وابن عباس ms1378 وابن عمر وعلقمة والأسود ومسروق ~~مثل قول أصحابنا وقد تقدم ذكر الآثار المؤيدة لقول أصحابنا في الصيد إن شرط ~~ذكاته أن يجرحه بما له حد ومنه ما ذكر في المعراض أنه إن أصاب بحده أكل وإن ~~أصاب بعرضه لم يؤكل فإنه وقيذ لقوله تعالى @QB@ والموقوذة @QE@ فكل ~~PageV03P303 مالا يجرح من ذلك فهو وقيذ محرم بظاهر الكتاب والسنة وفي حديث ~~قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبدالله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الخذف وقال إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن ~~وتفقأ العين فدل ذلك على أن الجراحة في مثله لا تذكى إذ ليس له حد وإنما ~~الجراحة التي لها حكم في الذكاة هي ما يقع بما له حد ألا ترى أن النبي قال ~~في المعراض إن أصابه بحده فخزق فكل وإن أصابه بعرضه فلا تأكل ولا يفرق بين ~~ما يجرح ولا يجرح فدل ذلك على اعتبار الآلة وأن سبيلها أن يكون لها حد في ~~صحة الذكاة بها وكذلك قوله في الحذف أنها لا تصيد الصيد يدل على سقوط ~~اعتبار جراحته في صحة الذكاة إذا لم يكن له حد # وأما البعير ونحوه إذا توحش أو تردى في بئر فإن الذي يدل على أنه بمنزلة ~~الصيد في ذكاته ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال ~~حدثنا سفيان عن عمرو بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع ~~بن خديج قال ند علينا بعير فرميناه بالنبل ثم سألنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا ند منها شيء فاصنعوا ~~به ذلك وكلوه وقال سفيان وزاد إسماعيل بن مسلم فرميناه بالنبل حتى رهصناه ~~فهذا يدل على إباحة أكله إذا قتله النبل لإباحة النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير شرط ذكاة غيره وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~أحمد بن يونس قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي ms1379 العشراء عن أبيه أنه قال يا ~~رسول الله أما تكون الذكاة إلا في اللبة والنحر فقال صلى الله عليه وسلم لو ~~طعنت في فخذها لأجزأ عنك وهذا على الحال التي لا يقدر فيها على ذبحها إذ لا ~~خلاف أن المقدور على ذبحه لا يكون ذلك ذكاته # ويدل على صحة قولنا من طريق النظر اتفاق الجميع على أن رمي الصيد يكون ~~ذكاة له إذا قتله ثم لا يخلو المعنى الموجب لكون ذلك ذكاة من أحد وجهين إما ~~أن يكون ذلك لجنس الصيد أو لأنه غير مقدور على ذبحه فلما اتفقوا على أن ~~الصيد إذا صار في يده حيا لم تكن ذكاته إلا بالذبح كذكاة ما ليس من جنس ~~الصيد دل ذلك على أن هذا الحكم لم يتعلق بجنسه وإنما تعلق بأنه غير مقدور ~~على ذبحه في حال امتناعه فوجب مثله في غيره إذا صار بهذه الحال لوجود العلة ~~التي من أجلها كان ذلك ذكاة للصيد # واختلف الفقهاء في الصيد يقطع بعضه فقال أصحابنا والثوري PageV03P304 وهو ~~قول إبراهيم ومجاهد إذا قطعه بنصفين أكلا جميعا وإن قطع الثلث مما يلي ~~الرأس أكل فإن قطع الثلث الذي يلحق العجز أكل الثلثان الذي يلي الرأس ولا ~~يؤكل الثلث الذي يلي العجز وقال ابن أبي ليلى والليث إذا قطع منه قطعة فمات ~~الصيد مع الضربة أكلهما جميعا وقال مالك إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل وإن ~~قطع فخذه لم يأكل الفخذ وأكل الباقي وقال الأوزاعي إذا أبان عجزه لم يؤكل ~~من قطع منه ويؤكل سائره وإن قطعه بنصفين أكله كله وقال الشافعي إن قطعه ~~قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى وإن قطع يدا أو رجلا أو شيئا ~~يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل مالم يبن منه ولم ~~يؤكل ما بان وفيه الحياة ولو مات من القطع الأول أكلهما جميعا قال أبو بكر ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا هاشم بن القاسم ms1380 ~~قال حدثنا عبدالرحمن بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة ~~وهذا إنما يتناول قطع القليل منه من غير موضع الذكاة وذلك لأنه لا خلاف أنه ~~لو ضرب عنق الصيد فأبان رأسه كان الجميع مذكى فثبت بذلك أن المراد ما بان ~~منها من غير موضع الذكاة وذلك إنما يتناول الأقل منه لأنه إذا قطع النصف أو ~~الثلث الذي يلي الرأس فإنه يقطع العروق التي يحتاج إلى قطعها للذكاة وهي ~~الأوداج والحلقوم والمريء فيكون الجميع مذكى وإذا قطع الثلث مما يلي الذنب ~~فإنه لا يصادف قطع العروق التي يحتاج إليها في شرط الذكاة فيكون ما بان منه ~~ميتة لقوله صلى الله عليه وسلم ما بان من البهيمة وهي حية ميتة وذلك لأنه ~~لا محالة إنما يحدث الموت بعد القطع فقد بان ذلك العضو منها وهي حية فهو ~~ميتة وما يلي الرأس كله مذكى كما لو قطع رجلها أو جرحها في غير موضع الذكاة ~~ولم يبن منها شيئا فيكون ذلك ذكاة لها لتعذر قطع موضع الذكاة # $ فصل وأما الدين فأن يكون الرامي أو المصطاد مسلما أو كتابيا وسنذكر ذلك ~~في موضعه إن شاء الله تعالى وأما التسمية فهي أن يذكر اسم الله تعالى عند ~~الذبح أو عند الرمي أو إرسال الجوارح والكلب إذا كان ذاكرا فإن كان ناسيا ~~لم يضره ترك التسمية وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى وأما ~~قوله تعالى @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ فإنه روي عن مجاهد وقتادة وابن ~~جريج أن النصب أحجار منصوبة كانوا PageV03P305 يعبدونها ويقربون الذبائح ~~لها فنهى الله عن أكل ما ذبح على النصب لأنه مما أهل به لغير الله والفرق ~~بين النصب والصنم أن الصنم يصور وينقش وليس كذلك النصب لأ النصب حجارة ~~منصوبة والوثن كالنصب سواء ويدل على أن الوثن اسم يقع على ما ليس بمصور أن ~~النبي صلى الله عليه ms1381 وسلم قال لعدي بن حاتم حين جاؤه وفي عنقه صليب ألق هذا ~~الوثن من عنقك فسمى الصليب وثنا فدل ذلك على أن النصب والوثن اسم لما نصب ~~للعبادة وإن لم يكن مصورا ولا منقوشا وهذه ذبائح قد كان أهل الجاهلية ~~يأكلونها فحرمها الله تعالى مع ما حرم من الميتة ولحم الخنزير وما ذكر في ~~الآية مما كان المشركون يستبيحونه وقد قيل إنها المرادة بالاستثناء المذكور ~~في قوله تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم @QE@ قوله ~~تعالى @QB@ وأن تستقسموا بالأزلام @QE@ قيل في الاستقسام وجهان أحدهما طلب ~~علم ما قسم له بالأزلام والثاني إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح كقسم ~~اليمين والاستقسام بالأزلام أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفرا أو ~~غزوا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح وهي الأزلام وهي على ~~ثلاثة أضرب منها ما كتب عليه نهاني ربي ومنها غفل لا كتابة عليه يسمى ~~المنيح فإذا خرج أمرني ربي مضى في الحاجة وإذا خرج نهاني ربي قعد عنها وإذا ~~خرج الغفل أجالها ثانية قال الحسن كانوا يعمدون إلى ثلاثة قداح نحو ما ~~وصفنا وكذلك قال سائر أهل العلم بالتأويل وواحد الأزلام زلم وهي القداح ~~فحظر الله تعالى ذلك وكان من فعل أهل الجاهلية وجعله فسقا بقوله @QB@ ذلكم ~~فسق @QE@ وهذا يدل على بطلان القرعة في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه ~~إذ كان فيه اتباع ما أخرجته القرعة من غير استحقاق لأن من أعتق عبديه أو ~~عبيدا له عند موته ولم يخرجوا من الثلث فقد علمنا أنهم متساوون في استحقاق ~~الحرية ففي استعمال القرعة إثبات حرية غير مستحقة وحرمان من هو مساو له ~~فيها كما يتبع صاحب الأزلام ما يخرجه الأمر والنهي لا سبب له غيره # فإن قيل قد جازت القرعة في قسمة الغنائم وغيرها وفي إخراج النساء # قيل إنما القرعة فيها لتطييب نفوسهم وبراءة للتهمة من إيثار بعضهم بها ~~ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة وأما الحرية الواقعة على واحد منهم ms1382 ~~فغير جائز نقلها عنه إلى غيره وفي استعمال القرعة نقل الحرية عمن وقعت عليه ~~وإخراجه منها مع مساواته لغيره فيها قوله عز وجل @QB@ اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم @QE@ قال ابن PageV03P306 عباس والسدي يئسوا أن ترتدوا ~~راجعين إلى دينهم وقد اختلف في اليوم فقال مجاهد هو يوم عرفة عام حجة ~~الوداع فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم عن ابن جريج وقال الحسن ذلك اليوم يعني ~~به اليوم أكملت لكم دينكم وهو زمان النبي صلى الله عليه وسلم كله قال ابن ~~عباس نزلت يوم عرفة وكان يوم الجمعة # قال أبو بكر اسم اليوم يطلق على الزمان كقوله ومن يولهم يومئذ دبره إنما ~~عنى به وقتا منهما قوله تعالى @QB@ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم @QE@ ~~فإن الاضطرار هو الضر الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع ~~منه والمعنى ههنا من إصابة ضر الجوع وهذا يدل على إباحة ذلك عند الخوف على ~~نفسه أو على بعض أعضائه وقد بين ذلك في قوله تعالى في مخمصة قال ابن عباس ~~والسدي وقتادة المخمصة المجاعة فأباح الله عند الضرورة أكل جميع ما نص على ~~تحريمه في الآية ولم يمنع ما عرض من قوله اليوم أكملت لكم دينكم مع ما ذكر ~~معه من عود التخصيص إلى ما تقدم ذكره من المحرمات فالذي تضمنه الخطاب في ~~أول السورة في قوله أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم فيه بيان إباحة الصيد في حال الإحلال وغيرداخل في قوله ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام ثم بين ما حرم علينا في قوله حرمت عليكم الميتة إلى ~~آخر ما ذكر ثم خص من ذلك حال الضرورة وأبان أنها غير داخلة في التحريم وذلك ~~عام في الصيد في حال الإحرام وفي جميع المحرمات فمتى اضطر إلى شيء منها حل ~~له أكله بمقتضى الآية # وقوله تعالى @QB@ غير متجانف لإثم @QE@ قال ابن عباس والحسن وقتادة ~~ومجاهد والسدي غير معتمد عليه فكأنه قال غير معتمد بهواه إثم وذلك ms1383 بأن ~~يتناول منه بعد زوال الضرورة # وقوله عز وجل يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات اسم يتناول معنيين ~~أحدهما الطيب المستلذ والآخر الحلال وذلك لأن ضد الطيب هو الخبيث والخبيث ~~حرام فإذا الطيب حلال والأصل فيه الاستلذاذ فشبه الحلال به في انتفاء ~~المضرة منهما جميعا وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات @QE@ ~~يعني الحلال وقال ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فجعل الطيبات في ~~مقابلة الخبائث والخبائث هي المحرمات وقال تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء @QE@ وهو يحتمل ما حل لكم ويحتمل ما استطبتموه فقوله قل أحل لكم ~~الطيبات جائز أن يريد به ما استطبتموه واستلذتموه مما لا ضرر عليكم في ~~تناوله من PageV03P307 طريق الدين فيرجع ذلك إلى معنى الحلال الذي لا تبعة ~~على متناوله وجائز أن يحتج بظاهره في إباحة جميع الأشياء المستلذة إلا ما ~~خصه الدليل قوله تعالى وما علمتم من الجوارح حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ~~حدثنا يعقوب بن غيلان العماني قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا يحيى بن ~~زكريا قال حدثنا إبراهيم بن عبيد قال حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن ~~حكيم عن سلمى عن أبي رافع قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل ~~الكلاب فقال الناس يا رسول الله ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ~~فأنزل الله @QB@ قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح @QE@ الآية حدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل وابن عبدوس بن كامل قالا ~~حدثنا عبيدالله بن عمر الجشمي قال حدثنا أبو معشر النواء قال حدثنا عمرو بن ~~بشير قال حدثنا عامر الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صيد الكلاب لم يدر ما يقول لي حتى نزلت وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين قال أبو بكر قد اقتضى ظاهر هذا الحديث الأول أن تكون ~~الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير ~~وذلك يوجب إباحة ms1384 سائر وجوه الانتفاع بها فدل على جواز بيع الكلب والجوراح ~~والانتفاع بها بسائر وجوه الانتفاع إلا ما خصه الدليل وهو الأكل ومن الناس ~~من يجعل في الكلام حذفا فجعله بمنزلة قل أحل لكم الطيبات من صيد ما علمتم ~~من الجوارح ويستدل عليه بحديث عدي بن حاتم الذي ذكرناه حين سأله عن صيد ~~الكلاب فأنزل الله تعالى @QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين @QE@ وحديث أبي ~~رافع فيه أنه سئل عما أحل من الكلاب اتلي أمروا بقتلها فأنزل الله تعالى ~~الآية وليس يمتنع أن تكون الآية منتظمة لإباحة الانتفاع بالكلاب وبصيدها ~~جميعا وحقيقة اللفظ تقتضي الكلاب أنفسها لأن قوله وما علمتم يوجب إباحة ما ~~علمنا وإضمار الصيد فيه يحتاج إلى دلالة وفي فحوى الآية دليل على إباحة ~~صيدها أيضا وهو قوله فكلوا مما أمسكن عليكم فحمل الآية على المعنيين ~~واستعمالها فيهما على الفائدتين أولى من الاقتصار على أحدهما وقد دلت الآية ~~أيضا على أن شرط إباحة الجوارح أن تكون متعلمة لقوله وما علمتم من الجوارح ~~وقوله تعلمونهن مما علمكم الله وأما الجوارح فإنه قد قيل إنها الكواسب ~~للصيد على أهلها وهي الكلاب وسباع الطير التي يصاد بها غيرها وأحدها جارح ~~ومنه سميت الجارحة لأنه يكسب بها قال الله تعالى ما جرحتم PageV03P308 ~~بالنهار يعني ما كسبتم ومنه أم حسب الذين اجترحوا السيئات وذلك يدل على ~~جواز الاصطياد بكل ما علم الاصطياد من سائر ذي الناب من السباع وذي المخلب ~~من الطير وقيل في الجوارح أنها ما تجرح بناب أو مخلب قال محمد في الزيادات ~~إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يؤكل لأنه لم يجرحه بناب أو مخلب ~~ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين @QE@ فإنما يحل ~~صيد ما يجرح بناب أو مخلب وإذا كان الاسم يقع عليهما فليس يمتنع أن يكونا ~~مرادين باللفظ فيريد بالكواسب ما يكسب بالاصطياد فيفيد الأصناف التي يصطاد ~~بها من الكلاب والفهود وسباع الطير وجميع ما يقبل التعليم ويفيد مع ذلك في ~~شرط الذكاة وقوع ms1385 الجراحة بالمقتول من الصيد وأن ذلك شرط ذكاته # ويدل أيضا على أن الجراحة مرادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المعراض أنه إن خزق بحده فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل ومتى وجدنا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم حكما يواطئ معنى ما في القرآن وجب حمل مراد القرآن عليه وأن ~~ذلك مما أراد الله تعالى به # وقوله تعالى مكلبين قد قيل فيه وجهان أحدهما أن المكلب هو صاحب الكلب ~~الذي يعلمه الصيد ويؤدبه وقيل معناه مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب ~~والتكليب هو التضرية يقال كلب كلب إذا ضرى بالناس وليس في قوله مكلبين ~~تخصيص للكلاب دون غيرها من الجوارح إذ كانت التضرية عامة فيهن وكذلك إن ~~أراد تأديب الكلب وتعليمه كان ذلك عموما في سائر الجوارح # وقد اختلف السلف فيما قتلته الجوارح غير الكلاب فروى مروان العمري عن ~~نافع عن علي بن الحسين قال الصقر والبازي من الجوارح مكلبين وروى معمر عن ~~ليث قال سئل مجاهد عن البازي والفهد وما يصاد به من السباع فقال هذه كلها ~~جوارح وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى من الجوارح مكلبين قال الطير ~~والكلاب وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه @QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~@QE@ قال الجوارح الكلاب وما تعلم من البزاة والفهود وروى أشعث عن الحسن ~~@QB@ وما علمتم من الجوارح مكلبين @QE@ قال الصقر والبازي والفهد بمنزلة ~~الكلب وروى صخر بن جويرية عن نافع قال وجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب قال ~~لا يصلح أكل ما قتلته البزاة وروى ابن جريج عن نافع قال قال عبدالله فأما ~~ما صاد من الطير البزاة وغيرها فما أدركت ذكاته فذكيته فهو لك وإلا فلا ~~تطعمه وروى سلمة بن علقمة عن نافع أن عليا كره ما قتلت PageV03P309 الصقور ~~وروى أبو بشر عن مجاهد أنه كان يكره صيد الطير ويقول @QB@ مكلبين @QE@ إنما ~~هي الكلاب # قال أبو بكر فتأول بعضهم قوله @QB@ مكلبين @QE@ على الكلاب خاصة وتأوله ~~بعضه على الكلاب وغيرها ومعلوم أن قوله تعالى ms1386 @QB@ وما علمتم من الجوارح ~~@QE@ شامل للطير والكلاب ثم قوله مكلبين محتمل أن يريد ذكره من الجوارح ~~والكلاب منها ويكون قوله مكلبين بمعنى مؤدبين أو مضرين ولا يخصص ذلك ~~بالكلاب دون غيرها فوجب حمله على العموم وأن لا يخصص بالاحتمال ولا نعلم ~~خلافا بين فقهاء الأمصار في إباحة صيد الطير وإن قتل وأنه كصيد الكلب # قال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي ما علمت من كل ذي ~~مخلب من الطير وذي ناب من السباع فإنه يجوز صيده وظاهر الآية يشهد لهذه ~~المقابلة لأنه أباح صيد الجوارح وهو مشتمل على جميع ما يجري بناب أو مخلب ~~وعلى ما يكسب على أهله بالاصطياد لم يفرق فيه بين الكلب وبين غيره # وقوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين يدل على أن شرط إباحة صيد هذه ~~الجوارح أن تكون معلمة وأنها إذا لم تكن معلمة لم يكن مذكى وذلك لأن الخطاب ~~خرج على سؤال السائلين عما يحمل من الصيد فأطلق لهم إباحة صيد الجوارح ~~المعلمة وذلك شامل لجميع ما شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق لأن السؤال وقع ~~عن جميع ما يحل لهم من الصيد فخص الجواب بالأوصاف المذكورة فلا تجوز ~~استباحة شيء منه إلا على الوصف المذكور ثم قال تعالى @QB@ تعلمونهن مما ~~علمكم الله @QE@ فروي عن سليمان وسعد أن تعليمه أن يضرى على الصيد ويعود ~~إلى إلف صاحبه حتى يرجع إليه ولا يهرب عنه وكذلك قال ابن عمر وسعيد بن ~~المسيب ولم يشرطوا فيه ترك الأكل وروي عن غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب وأن ~~من شرط إباحة صيده أن لا يأكل منه فإن أكل منه لم يؤكل وهو قول ابن عباس ~~وعدي بن حاتم وأبي هريرة وقالوا جميعا في صيد البازي أنه يؤكل منه وإنما ~~تعليمه أن تدعوه فيجيبك # | ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم ~~لا يؤكل صيده ويؤكل صيد البازي وإن أكل وهو قول الثوري وقال مالك والأوزاعي ~~والليث يؤكل ms1387 وإن أكل الكلب منه وقال الشافعي لا يؤكل إذا أكل الكلب منه ~~والبازي PageV03P310 مثله في القياس قال أبو بكر اتفق السلف المجيزون لصيد ~~الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه منهم سعد وابن عباس ~~وسلمان وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وإنما اختلفوا في صيد الكلب ~~فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن جبير ~~وإبراهيم لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه وقال سلمان وسعد وابن عمر يؤكل ~~صديه وإن لم يبق منه إلا ثلثه وهو قول الحسن وعبيد بن عمير وإحدى الروايتين ~~عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار وابن شهاب قال أبو بكر معلوم من حال ~~الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل فجائز أن يعلم تركه ويكون تركه للأكل ~~علما للتعليم ودلالة عليه فيكون تركه للأكل من شرائط صحة ذكاته ووجود الأكل ~~مانع من صحة ذكاته وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن تعليمه بترك الأكل ~~وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة فإذ كان الله قد أباح صيد جميع الجوارح ~~على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم للبازي تركه الأكل إذ لا ~~سبيل إلى تعليمه ذلك ولا يجوز أن يكلفه الله تعليم ما لا يصح منه التعلم ~~وقبول التأديب فثبت أن ترك الأكل ليس من شرائط تعلم البازي وجوارح الطير ~~وكان ذلك من شرائط تعلم الكلب لأنه يقبله ويمكن تأديبه به ويشبه أن يكون ما ~~روي عن علي بن أبي طالب وغيره في حظر ما قتله البازي من حيث كان عندهم أن ~~من شرط التعليم ترك الأكل وذلك غير ممكن في الطير فلم يكن معلما فلا يكون ~~ما قتله مذكى إلا أن ذلك يؤدي إلى أن لا تكون لذكر التعليم في الجوارح من ~~الطير فائدة إذ كان صيدها غير مذكى وأن يكون المعلم وغير المعلم فيه سواء ~~وذلك غير جائز لأن الله تعالى قد عمم الجوارح كلها وشرط تعليمها ولم يفرق ~~بين الكلب ms1388 وبين الطير فوجب استعمال عموم اللفظ فيها كلها فيكون من جوارح ~~الطير ما يكون معلما وكذلك من الكلاب وإن اختلفت وجوه تعليمها فيكون من ~~تعليم الكلاب ونحوها ترك الأكل ومن تعليم جوارح الطير أن يجيبه إذا دعاه ~~ويألفه ولا ينفر عنه حتى يكون التعليم عاما في جميع ما ذكر في الآية ومن ~~الدليل على أن من شرائط ذكاة صيد الكلب ونحوه ترك الأكل قول الله تعالى ~~@QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ ولا يظهر الفرق بين إمساكه على نفسه وبين ~~إمساكه علينا إلا بترك الأكل ولو لم يكن ترك الأكل مشروطا لزالت فائدة قوله ~~@QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ فلما كان ترك الأكل علما لإمساكه ~~PageV03P311 علينا وكان الله إنما أباح لنا أكل صيدها بهذه الشريطة وجب أن ~~يكون ما أمسكه على نفسه محظورا # فإن قيل فقد يأكل البازي منه ويكون مع الكل ممسكا علينا قيل له الإمساك ~~علينا إنما هو مشروط في الكب ونحوه فأما الطير فلم يشرط فيه أن يمسكه علينا ~~لما قدمناه بديا ويدل على أن إمساك الكلب علينا أن لا يأكل منه وأنه متى ~~أكل منه كان ممسكا على نفسه وما روي عن ابن عباس أنه قال إذا أكل منه الكلب ~~فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه فأخبر أن الإمساك علينا تركه للأكل فإذا كان ~~اسم الإمساك يتناول ما ذكره ولو لم يتناوله لم يتأوله عليه وجب حمل الآية ~~عليه من حيث صار ذلك اسما له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضا ~~فثبتت حجته من وجهين أحدهما بيان معنى الآية والمراد بها والثاني نص السنة ~~في تحريم ذلك حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثني ~~الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال إذا أرسلت ~~كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإنما ~~أمسك على نفسه وحدثنا ms1389 محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن ~~كثير قال حدثنا شعبة عن عبدالله بن أبي السفر عن الشعبي قال قال عدي بن ~~حاتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال إذا أصاب بحده فكل ~~وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ قلت أرسل كلبي قال إذا سميت فكل وإلا ~~فلا تأكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وقال أرسل كلبي فأجد ~~عليه كلبا آخر قال لا تأكل لأنك إنما سميت على كلبك فثبت بهذا الخبر مراد ~~الله تعالى بقوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ ونص النبي صلى الله عليه ~~وسلم على النهي عن أكل ما أكل منه الكلب فإن قيل قد روى حبيب المعلم عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأبي ثعلبة الخشني فكل مما أمسك عليك الكلب قال فإن أكل منه قال وإن ~~أكل منه قيل له هذا اللفظ غلط في حديث أبي ثعلبة وذلك لأن حديث أبي ثعلبة ~~قد رواه عنه أبو إدريس الخولاني وأبو أسماء وغيرهم فلم يذكر فيه هذا اللفظ ~~وعلى أنه لو ثبت في حديث أبي ثعلبة كان حديث عدي بن حاتم أولى من وجهين ~~أحدهما من موافقته لظاهر الآية في قوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ ~~والثاني ما فيه من حظر ما أكل منه الكلب ومتى ورد خبران في أحدهما حظر شيء ~~وفي PageV03P312 الآخر إباحته فخبر الحظر أولاهما بالاستعمال فإن قيل في ~~معنى قوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ أن يحبسه علينا بعد قتله له ~~فهذا هو إمساكه علينا فيقال له هذا غلط لأنه قد صار محبوسا بالقتل فلا ~~يحتاج الكلب إلى أن يحبسه علينا بعد قتله فهذا لا معنى له فإن قيل قتله هو ~~حبسه عليه قيل له هذا أيضا لا معنى له لأنه يصير تقديره الآية على هذا ~~فكلوا مما قتلن عليكم وهذا يسقط فائدة الآية لأن إباحة ما قتلته قد تضمنته ~~الآية ms1390 قبل ذلك في قوله تعالى @QB@ وما علمتم من الجوارح @QE@ وهو يعني صيد ~~ما علمنا من الجوارح جوابا لسؤال من سأل عن المباح منه وعلى أن الإمساك ليس ~~بعبارة عن القتل لأنه قد يمسكه علينا وهو حي غير مقتول فليس إمساكه علينا ~~إذا إلا أن يحبسه حتى يجيء صاحبه ولا يخلو الإمساك علينا من أن يكون حبسه ~~إياه علينا من غير قتل أو حبسه علينا بعد قتله أو تركه للأكل منه بعد قتله ~~ومعلوم أنه لم يرد به حبسه علينا وهو حي غير مقتول لاتفاق الجميع على أن ~~ذلك غير مراد وإن حبسه علينا حيا ليس بشرط في إباحة أكله لأنه لو كان كذلك ~~لكان لا يحل أكل ما قتله ولا يجوز أيضا أن يكون المراد حبسه علينا بعد وإن ~~أكل منه لأن ذلك لا معنى له لأن الله تعالى جعل إمساكه علينا شرطا في ~~الإباحة ولا خلاف أنه لو قتله ثم تركه وانصرف عنه ولم يحبسه علينا أنه يجوز ~~أكله فعلمنا أن ذلك غير مراد فثبت أن المراد تركه الأكل # فإن قيل قوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ يقتضي إباحة ما بقي من ~~الصيد بعد أكله لأنه قد أمسكه علينا إذا لم يأكله وإنما لم يمسك علينا ~~المأكول منه دون ما بقي منه فقد اقتضى ظاهر الآية إباحة أكل الباقي إذ هو ~~ممسك علينا # قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن من روي عنه معنى الإمساك من السلف قالوا ~~فيه قولين أحدهما أن لا يأكل منه وهو قول ابن عباس وقول من قال حبسه علينا ~~بعد القتل ولم يقل أحد منهم إن ترك أكل الباقي منه بعد ما أكل هو إمساك ~~فبطل هذا القول والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل منه فلا ~~تأكل فإنما أمسك على نفسه فلم يجعله ممسكا علينا ما بقي منه إذا كان قد أكل ~~منه شيئا والثالث أنه يصير في معنى قوله فكلوا مما قتله من غير ذكر إمساك ~~إذ معلوم أن ms1391 ما قد أكله لا يجوز أن يتناوله الحظر فيؤدي ذلك إلى إسقاط ~~فائدة ذكر إمساكه علينا وأيضا فإنه إذا أكل منه فقد علمنا أنه إنما اصطاد ~~لنفسه وأمسكه عليها ولم يمسكه علينا باصطياد وتركه أكل بعضه بعد ما أكل ~~PageV03P313 منه ما أكل لا يكسبه في الباقي حكم الإمساك علينا لأنه لا يجوز ~~أن يترك أكل الباقي لأنه قد شبع ولم يحتج إليه لا لأنه أمسكه علينا وفي ~~أكله منه بديا دلالة على أنه لم يمسكه علينا باصطياده وهذا الذي يجب علينا ~~اعتباره في صحة التعليم وهو أن يعلم أنه ينبغي أن يصطاده لنا ويمسكه علينا ~~فإذا أكل منه علمنا أنه لم يبلغ حد التعليم فإن قيل الكلب إنما يصطاد ويمسك ~~لنفسه لا لصاحبه ألا ترى أنه لو كان شبعان حين أرسل لم يصطد وهو إنما يضرى ~~على الصيد بأن يطعم منه فليس إذا في أكله منه نفي التعليم والإمساك علينا ~~ولو اعتبر ما ذكرتم فيه لاحتجنا إلى اعتبار نية الكلب وضميره وذلك مما لا ~~نعلمه ولا نقف عليه بل لا نشك أن نيته وقصده لنفسه قيل له أما قولك أنه ~~يصطاد ويمسك لنفسه فليس كذلك لأنه لو كان كذلك لما ضرب حتى يترك الأكل ولما ~~تعلم ذلك إذا علم فلما كان إذا علم ترك الأكل تعلم ذلك ولم يأكل منه علمنا ~~أنه متى ترك الأكل فهو ممسك له علينا معلم لما شرط الله تعالى من تعليمه ~~فهو حينئذ مصطاد لصاحبه ممسك عليه وقولك إنه لو كان يصطاد لصاحبه لكان ~~يصطاد في حال الشبع فهو يصطاد في حال الشبع لصاحبه ويمسكه عليه إذا أرسله ~~صاحبه وهو إذا كان معلما لم يمتنع من الاصطياد إذا أرسله وأما قولك أنه ~~يضرى على الصيد بانه يطعم منه فإنه إنما يطعمه منه بعد إمساكه على صاحبه ~~وأما ضمير الكلب ونيته فإن الكلب يعلم ما يراد منه بالتعليم فينتهي إليه ~~كما يعرف الفرس ما يراد منه بالزجر ورفع السوط ونحوه والذي يعلم به ذلك من ~~الكلب ms1392 تركه للأكل ومتى أكل منه فقد علم منه أنه قصد بذلك إمساكه على نفسه ~~دون صاحبه # ومما يدل على ما ذكرنا وأن تعليم الكلب إنما يكون بتركه الأكل أنه معلوم ~~أنه ألوف غير مستوحش فلا يجوز أن يكون تعليمه ليتألف ولا يستوحش فوجب أن ~~يكون بتركه الأكل والبازي من جوارح الطير هو مستوحش في الأصل ولا يجوز أن ~~يكون تعليمه بأن يضرب ليترك الأكل فثبت أن تعليمه بألفه لصاحبه وزوال ~~الوحشة منه بأن يدعوه فيجيبه فيزول بذلك عن طبعه الأول ويكون ذلك علما ~~لتعليمه # وقوله تعالى @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ قيل فيه أن من دخلت للتبعيض ~~ويكون معنى التبعيض فيه أن بعض ما يمسكه عليه مباح دون جميعه وهو الذي ~~يجرحه فيقتله دون ما يقتله بصدمه من غير جراحة وقال بعضهم أن من ههنا زائدة ~~للتأكيد كقوله تعالى @QB@ ويكفر عنكم من سيئاتكم @QE@ وقال بعض النحويين ~~هذا خطأ PageV03P314 لأنها لا تزاد في الموجب وإنما تزاد في النفي ~~والاستفهام وقوله تعالى @QB@ ويكفر عنكم من سيئاتكم @QE@ ابتداء الغاية أي ~~يكفر عنكم أعمالكم التي تحبون سترها عليكم من سيئاتكم قال ويجوز أن يكون ~~بمعنى يكفر عنكم من السيئات ما يجوز تكفيره في الحكمة دون مالا يجوز لأنه ~~خطاب عام لسائر المكلفين وقال أبو حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد ~~قبل ذلك صيدا ولم يأكل منه أن جميع ما تقدم حرام لأنه قد تبين حين أكل أنه ~~لم يكن معلما وقد كان الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد ~~وغالب الظن والحكم بنفي التعليم عند الأكل من طريق اليقين ولا حظ للاجتهاد ~~مع اليقين وقد يترك الأكل بديا وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها ~~عند الاصطياد ولا يأكلها ساعة الاصطياد فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل ~~التعليم من جهة غالب الظن فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفي التعليم ~~فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك وقال أبو يوسف ومحمد إذا ترك الأكل ثلاث مرات ~~فهو معلم ms1393 فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من صيده لأنه جائز أن يكون قد ~~نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال وينبغي أن يكون مذهب أبي ~~حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى يها فإن تطاولت المدة في ~~الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه وفي مثل تلك المدة يجوز أن ينسى فإنه ينبغي أن ~~لا يحرم ما تقدم ويكون موضع الخلاف بينه وبين أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران ~~في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات وأبو حنيفة لا يحده وإنما يعتبر ما ~~يغلب في الظن من حصول التعليم فإذا غلب في الظن أنه معلم بترك الأكل ثم ~~أرسل مع قرب المدة فأكل منه فهو محكوم بأنه غير معلم فيما ترك أكله وإن ~~تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن في مثلها نسيان التعليم لم ~~يحرم ما تقدم وأبو يوسف ومحمد يقولان إذا ترك الأكل ثلاث مرات ثم اصطاده ~~فأكل في مدة قريبة أو بعيدة لم يحرم ما تقدم من صيده فيظهر موضع الخلاف ~~بينهم ههنا قوله تعالى @QB@ واذكروا اسم الله عليه @QE@ قال ابن عباس ~~والحسن والسدي يعني على إرسال الجوارح قال أبو بكر قوله @QB@ واذكروا اسم ~~الله عليه @QE@ أمر يقتضي الإيجاب ويحتمل أن يرجع إلى الأكل المذكور في ~~قوله فكلوا مما أمسكن عليكم ويحتمل أن يعود إلى الإرسال لأن قوله @QB@ وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ قد تضمن إرسال ~~الجوارح المعلمة على الصيد فجائز عود الأمر PageV03P315 بالتسمية إليه ولو ~~احتماله لذلك لما تأوله السلف عليه وإذا كان ذلك كذلك وقد تضمن الأمر ~~بالذكر إيجابه واتفقوا أن الذكر غير واجب على الكل فوجب استعمال حكمه على ~~الإرسال إذ كان مختلفا فيه وإذا كانت التسمية واجبة على الإرسال صارت من ~~شرائط الذكاة كتعليم الجوارح وكون المرسل ممن تصح ذكاته وإسالة دم الصيد ~~بما يجرح وله حد فإذا تركها لم تصح ذكاته كما لا تصح ذكاته مع ترك ما ذكرنا ~~من شرائط الذكاة والذي ms1394 تقتضيه الآية فساد الذكاة عند ترك التسمية عامدا ~~وذلك لأن الأمر لا يتناول الناسي إذ لا يصح خطابه فلذلك قال أصحابنا إن ترك ~~التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة إذ هو غير مكلف بها في حال النسيان ~~وسنذكر إيجاب التسمية على الذبيحة عند قوله @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه @QE@ إذا انتهينا إليه إن شاء الله # وقد روي في التسمية على إرسال الكلب ما حدثنا محمد بن بكر قال أبو داود ~~قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا شعبة عن عبدالله بن أبي السفر عن الشعبي ~~قال قال عدي بن حاتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسل كلبي قال ~~إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وقال ~~أرسل كلبي فأجد عليه كلبا آخر قال لا تأكل لأنك إنما سميت على كلبك فنهاه ~~عن أكل مالم يسم عليه وما شاركه كلب آخر لم يسم عليه فدل على أن من شرائط ~~ذكاة الصيد التسمية على الإرسال وهذا يدل أيضا على أن حال الإرسال بمنزلة ~~حال الذبح في وجوب التسمية # عليه وقد اختلف الفقهاء في أشياء من أمر الصيد منها الاصطياد بكلب ~~المجوسي فقال أصحابنا ومالك والأوزاعي والشافعي لا بأس بالاصطياد بكلب ~~المجوسي إذا كان معلما وإن كان الذي عمله مجوسيا بعد أن يكون الذي أرسله ~~مسلما وقال الثوري أكره الاصطياد بكلب المجوسي إلا أن يأخذه من تعليم ~~المسلم # قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ يقتضي جواز ~~صديه وإباحة أكله ولم يفرق بين أن يكون مالكه مسلما أو مجوسيا وأيضا فإن ~~الكلب آلة كالسكين يذبح بها والقوس يرمى عنها فواجب أن لا يختلف حكم الكلب ~~لمن كان كسائر الآلات التي يصطاد بها وأيضا فلا اعتبار بالكلب وإنما ~~الاعتبار بالمرسل ألا ترى أن مجوسيا لو اصطاد بكلب مسلم لم يجز أكله وكذلك ~~اصطياد المسلم بكلب المجوسي ينبغي أن يحل أكله # فإن قيل قال الله تعالى @QB@ يسألونك ماذا ms1395 أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ~~وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ PageV03P316 ~~ومعلوم أن ذلك خطاب للمؤمنين فواجب أن يكون تعليم المسلم شرطا في الإباحة # قيل له لا يخلو تعليم المجوسي من أن يكون مثل تعليم المسلم المشروط في ~~إباحة الذكاة أو مقصرا عنه فإن كان مثله فلا اعتبار بالمعلم وإنما الاعتبار ~~بحصول التعليم ألا ترى أنه لو ملكه مسلم وهو معلم كتعليم المسلم جاز أكل ما ~~صاده فإذا لا اعتبار بالملك وإنما الاعتبار بالتعليم وإن كان تعليم المجوسي ~~مقصرا عن تعليم المسلم حتى يخل عند الاصطياد ببعض شرائط الذكاة فهذا كلب ~~غير معلم ولا يختلف حينئذ حكم ملك المجوسي والمسلم في حظر ما يصطاده وأما ~~قوله @QB@ تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ فإنه وإن كان خطابا للمسلمين ~~فالمقصد فيه حصول التعليم للكلب فإذا علمه المجوسي كتعليم المسلم فقد وجد ~~المعنى المشروط فلا اعتبار بعد ذلك بملك المجوسي # واختلفوا في الصيد يدركه حيا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن يدرك ~~صيد الكلب أو السهم فيحصل في يده حيا ثم يموت فإنه لا يؤكل وإن لم يقدر على ~~ذبحه حتى مات وقال مالك والشافعي إن لم يقدر على ذبحه حتى مات أكل وإن مات ~~في يده وإن قدر على ذبحه فلم يذبحه لم يؤكل وإن لم يحصل في يده وقال الثوري ~~إن قدر أن يأخذه من الكلب فيذبحه فلم يفعل لم يؤكل وقال الأوزاعي إذا أمكنه ~~أن يذكيه ولم يفعل لم يؤكل وإن لم يمكنه حتى مات بعد ما صار في يده أكل ~~وقال الليث إن أدركه في في الكلب فأخرج سكينة من خفه أو منطقته ليذبحه فمات ~~أكله وإن ذهب ليخرج السكين من خرجه فمات قبل أن يذبحه لم يأكله قال أبو بكر ~~إذا حصل في يده حيا فلا اعتبار بإمكان ذبحه أو تعذره في أن شرط ذكاته الذبح ~~وذلك لأن الكلب إنما حل صيده لامتناع الصيد وتعذر الوصول إليه إلا من هذه ~~الجهة فإذا حصل في يده ms1396 حيا فقد زال المعنى الذي من أجله أبيح صيده صار ~~بمنزلة سائر البهائم التي يخاف عليها الموت فلا تكون ذكاته إلا بالذبح سواء ~~مات في وقت لا يقدر على ذبحه أو قدر عليه والمعنى فيه كونه حيا # فإن قيل إنما لم تكن ذكاة سائر البهائم إلا بالذبح لأن ذبحها قد كان ~~مقدورا عليه ولو مات حتف أنفها لم يكن ذلك ذكاة وجراحة الكلب والسهم قد ~~كانت تكون ذكاة للصيد لو لم يحصل في يده حتى مات فإذا صار في يده ولم يبق ~~من حياته بمقدار ما يدرك ذكاته فهو مذكى بجراحة الكلب وهو بمنزلة ما لو صار ~~في يده بعد الموت # قيل له هذا على وجهين أحدهما PageV03P317 أن يكون الكلب قد جرحه جراحة لا ~~يعاش من مثلها إلا مثل حياة المذبوح وذلك بأن قد قطع أوداجه أو شق جوفه ~~فأخرج حشوته فإذا كان ذلك كذلك كانت جراحته ذكاة له سواء أمكن بعد ذلك ذبحه ~~أو لم يمكن فهذا الذي تكون جراحة الكلب ذكاة له وأما الوجه الآخر فهو أن ~~يعيش من مثلها إلا أنه اتفق موته بعد وقوعه في يده في وقت لم يكن يقدر على ~~ذبحه فهذا لا يكون مذكى لأن تلك الجراحة قد كانت مراعاة على حدوث الموت قبل ~~حصوله في يده وإمكان ذكاته فإذا صار في يده حيا بطل حكم الجراحة وصار ~~بمنزلة سائر البهائم التي يصيبها جراحات غير مذكية لها مثل المتردية ~~والنطيحة وغيرهما فلا يكون ذكاته إلا بالذبح # واختلفوا في الصيد يغيب عن صاحبه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~إذا توارى عنه الصيد والكلب وهو في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله وإن ترك ~~الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا ~~أكله وكذلك قالوا في السهم إذا رماه به فغاب عنه وقال مالك إذا أدركه من ~~يومه أكله في الكلب والسهم جميعا وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جراحة وإن ~~بات عنه لم يأكله وقال الثوري ms1397 إذا رماه فغاب عنه يوما أو ليلة كرهت أكله ~~وقال الأوزاعي إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا في أكله وقال ~~الشافعي القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه # قال أبو بكر روي عن ابن عباس أنه قال كل ما أصميت ودع ما أنميت وفي خبر ~~آخر عنه وما غاب عنك ليلة فلا تأكله والإصماء ما أدركه من ساعته والإنماء ~~ما غاب عنه وروى الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن أبي رزين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصيد إذا غاب عنك مصرعه كرهه وذكر هوام الأرض ~~وأبو رزين هذا ليس بأبي رزين العقيلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~هو أبو رزين مولى أبي وائل # ويدل على أنه إذا تراخى عن طلبه لم يأكله أنه لا خلاف أنه لو لم يغب عنه ~~وأمكنه أن يدرك ذكاته فلم يفعل حتى مات أنه لا يؤكل فإذا لم يترك الطلب ~~وأدركه ميتا فقد علمنا أنه لم يكن يدرك ذكاته فكان قتل الكلب أو السهم له ~~ذكاة له وإذا تراخى عن الطلب فجائز أن يكون لو طلبه في فوره أدرك ذكاته ثم ~~لم يفعل حتى مات فإنه لا يؤكل فإذا لم يترك الطلب وأدرك حياته تيقن أن قتل ~~الكلب ليس بذكاة له فلا يجوز أكله ألا ترى أنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعدي بن حاتم وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله فلعله أن يكون الثاني قتله ~~فحظر PageV03P318 الشارع صلى الله عليه وسلم أكله حين جوز أن يكون قتله كلب ~~آخر فكذلك إذا جاز أن يكون مما كان يدرك ذكاته لو طالبه فلم يفعل وجب أن لا ~~يؤكل لتجويز هذا المعنى فيه فإن قيل روى معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن ~~جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الذي يدرك صيده بعد ثلاث يأكله إلا أن ينتن وروي في بعض الألفاظ إذا أدركت ~~بعد ثلاث ms1398 وسهمك فيه فكله مالم ينتن قيل له قد اتفق الجميع على رفض هذا ~~الخبر وترك استعماله من جوه أحدها أن أحدا من الفقهاء لا يقول أنه إذا وجده ~~بعد ثلاث يأكله والثاني أنه أباح له أكله مالم ينتن ولا اعتبار عند أحد ~~بتغير الرائحة والثالث أن تغير الرائحة لا حكم له في سائر الأشياء وإنما ~~الحكم يتعلق بالذكاة أو فقدها فإن كان الصيد مذكى مع تراخي المدة فلا حكم ~~للرائحة وإن كان غير مذكى فلا حكم أيضا لعدم تغيره وقد روى محمد بن إبراهيم ~~التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن رجل من نهد أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر بالروحاء فإذا هو بحمار وحش عقير فيه سهم قد مات فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه حتى يجيء صاحبه فجاء النهدي فقال يا ~~رسول الله هي رميتي فكلوه فأمر أبا بكر أن يقسم بين الرفاق وهم محرمون فمن ~~الناس من يحتج بذلك في إباحة أكله إن تراخى عن طلبه لترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم مسألته عن ذلك ولو كان ذلك يختلف حكمه لسأله وليس في هذادليل على ~~ما ذكر من قبل أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاهد هذا الحمار ~~على حال استدل بها على قرب وقت الجراحة من سيلان الدم وطراوته ومجيء الرامي ~~عقبه فعلم أنه لم يتراخ عن طلبه فلذلك لم يسأله # فإن قيل روى هشيم عن أبي هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم ~~قال قلت يا رسول الله إنا أهل صيد يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة ~~والليلتين يتبع أثره بعد ما يصبح فيجد سهمه فيه قال إذا وجدت سهمك فيه ولم ~~تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكله # قيل له هذا يوجب أن يكون لو أصابه بعد ليال كثيرة أن يأكله إذا علم أن ~~سهمه قتله ولا نعلم ذلك قول أحد من أهل العلم لأنه اعتبر العلم ms1399 بأن سهمه ~~قتله وأيضا فإنه لا يحصل له العلم بأن سهمه قتله بعد ما تراخى عن طلبه وقد ~~شرط صلى الله عليه وسلم حصول العلم بذلك فإذا لم يعلم بذلك فواجب أن لا ~~يأكله وهو لا يعلم إذا تراخى عن طلبه وطالت المدة أن سهمه قتله ويدل على ~~صحة قول أصحابنا ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن ~~حنبل قال PageV03P319 حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا محمد بن سليمان عن ~~مشمول عن عمرو بن تميم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول إنا أهل بدو ونصيد ~~بالكلاب المعلمة ونرمي الصيد فما يحل لنا من ذلك وما يحرم علينا قال إذا ~~أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل مما أمسك عليك أكل أو لم يأكل قتل أو لم يقتل ~~وإذا رميت الصيد فكل مما أصميت ولا تأكل مما أنميت فحظر ما أنمي وهو غاب ~~عنه وهو محمول على ما غاب عنه وتراخى عن طلبه لأنه لا خلاف أنه إذا كان في ~~طلبه فأكل إن قيل فقد أباح في هذا الحديث أكل ما أكل منه الكلب وهو خلاف ~~قولكم قيل له قد عارضه حديث عدي بن حاتم وقد تقدم الكلام فيه قوله تعالى ~~@QB@ اليوم أحل لكم الطيبات @QE@ فإنه جائز أن يريد به اليوم الذي نزلت فيه ~~الآية ويجوز أن يريد به اليوم الذي تقدم ذكره في موضعين أحدهما قوله @QB@ ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم @QE@ والآخر قوله تعالى @QB@ اليوم أكملت ~~لكم دينكم @QE@ قيل أنه يوم عرفة في حجة الوداع وقيل زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كله على ما قدمنا من اختلاف السلف فيه والطيبات ههنا يجوز ~~أن يريد بها ما استطبناه واستلذذناه ما عدا ما بين تحريمه في هذه الآيات ~~وفي غيرها فيكون عموما في إباحة جميع المتلذذات إلا ما قام دليل حظره ~~ويحتمل أن يريد بالطيبات ما اباحه لنا من سائر الأشياء التي ذكر إباحتها في ~~غير هذا الموضع وقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ms1400 لكم روي عن ابن ~~عباس وأبي الدرداء والحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي أنه ذبائحهم ~~وظاهره يقتضي ذلك لأن ذبائحهم من طعامهم ولو استعملنا اللفظ على عمومه ~~لانتظم جميع طعامهم من الذبائح وغيرها والأظهر أن يكون المراد الذبائح خاصة ~~لأن سائر طعامهم من الخبز والزيت وسائر الأدهان لا يختلف حكمها بمن يتولاه ~~ولا شبهة في ذلك على أحد سواء كان المتولي لصنعه واتخاذه مجوسيا أو كتابيا ~~ولا خلاف فيه بين المسلمين وما كان منه غير مذكى لا يختلف حكمه في إيجاب ~~حظره بمن تولى إماتته من مسلم أو كتابي أو مجوسي فلما خص الله تعالى طعام ~~أهل الكتاب بالإباحة وجب أن يكون محمولا على ا لذبائح التي يختلف حكمها ~~باختلاف الأديان وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة ~~المشوية التي أهدت إليه اليهودية ولم يسئلها عن ذبيحتها أهي من ذبيحة ~~المسلم أم اليهودي واختلف الفقهاء فيمن انتحل دين أهل الكتاب من العرب فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر من كان يهوديا أونصرانيا من العرب والعجم ~~PageV03P320 فذبيحته مذكاة إذا سمى الله عليها وإن سمى النصراني عليها باسم ~~المسيح لم تؤكل ولا فرق بين العرب والعجم في ذلك وقال مالك ما ذبحوه ~~لكنائسهم أكره أكله وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل والعرب والعجم فيه ~~سواء وقال الثوري إذا ذبح وأهل به لغير الله كرهته وهو قول إبراهيم وقال ~~الثوري وبلغني عن عطاء أنه قال قد أحل الله ما أهل به لغير الله لأنه قد ~~علم أنهم سيقولون هذا القول وقال الأوزاعي إذا سمعته يرسل كلبه باسم المسيح ~~أكل وقال فيما ذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم كان مكحول لا يرى به ~~بأسا ويقول هذه كانت ذبائحهم قبل نزول القرآن ثم أحلها الله تعالى في كتابه ~~وهو قول الليث بن سعد وقال الربيع عن الشافعي لا خير في ذبائح نصارى العرب ~~من بني تغلب قال ومن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن وخالف دين أهل ~~الأوثان قبل نزول ms1401 القرآن فهو خارج من أهل الأوثان وتقبل منه الجزية عربيا ~~كان أو عجميا ومن دخل عليه إسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب فلا يقبل منه إلا ~~الإسلام أو السيف قال أبو بكر وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل ~~الكتاب من العرب لم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو ~~بعده ولا نعلم أحدا من السلف أو الخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك ~~فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله @QB@ لا إكراه في الدين @QE@ قال ~~كانت المرأة من الأنصار لا يعيش لها ولد فتحلف لأن عاش لها ولد لتهودنه ~~فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار فقالت الأنصار يا ~~رسول الله أبناؤها فأنزل الله @QB@ لا إكراه في الدين @QE@ قال سعيد فمن ~~شاء لحق بهم ومن شاء دخل الإسلام فلم يفرق فيما ذكر بين من دان باليهودية ~~قبل نزول القرآن وبعده # وروى عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث أن عاملا لعمر بن الخطاب كتب إليه ~~أن ناسا من السامرة يقرؤن التوراة ويسبتون السبت ولا يؤمنون بالبعث فما ترى ~~فكتب إليه عمر أنهم طائفة من أهل الكتاب وروى محمد بن سيرين عن عبيدة قال ~~سألت عليا عن ذبائح نصارى العرب فقال لا تحل ذبائحهم فإنهم لم يتعلقوا من ~~دينهم بشيء إلا بشرب الخمر # وروى عطاء بن PageV03P321 السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال كلوا من ذبائح ~~بني تغلب وتزوجوا من نسائهم فإن الله تعالى قال في كتابه @QB@ ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم @QE@ فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية كانوا منهم ولم يفرق ~~أحد من هؤلاء بين من دان بذلك قبل نزول القرآن وبعده فهو إجماع منهم # ويدل على بطلان هذه المقالة من التفرقة بين من دان بدين أهل الكتاب قبل ~~نزول القرآن أو بعده قول الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم ms1402 أولياء بعض ومن يتولهم منكم @QE@ وذلك إنما ~~يقع على المستقبل فأخبر تعالى بعد نزول القرآن أن من يتولهم من العرب فهو ~~منهم وذلك يقتضي أن يكون كتابيا لأنهم أهل الكتاب وأن تحل ذبائحهم لقوله ~~تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ ومن الناس من يزعم أن أهل ~~الكتاب هم بنو إسرائيل الذين ينتحلون اليهودية والنصرانية دون من سواهم من ~~العرب والعجم الذين دانوا بدينهم ولم يفرقوا في ذلك بين من دان بذلك قبل ~~نزول القرآن وبعده ويحتجون في ذلك بقوله ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة فأخبر أن الذين آتاهم الكتاب هم بنو إسرائيل وبحديث عبيدة ~~السلماني عن علي أنه قال لا تحل ذبائح نصارى العرب لأنهم لم يتعلقوا من ~~دينهم بشيء إلا بشرب الخمر # أما الآية فلا دلالة فيها على قولهم لأنه إنما أخبر أنه آتى بني إسرائيل ~~الكتاب ولم ينف بذلك أن يكون من انتحل دينهم في حكمهم وقد قال ابن عباس تحل ~~ذبائحهم لقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم ~~وقول علي رضي الله عنه في ذلك وحظر ذبائح نصارى العرب ليس من جهة أنهم من ~~غير بني إسرائيل لكن من قبل أنهم غير متمسكين بأحكام تلك الشريعة لأنه قال ~~إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر ولم يقل لأنهم ليسوا من بني ~~إسرائيل فقول من قال إن أهل الكتاب لا يكونون إلا من بني إسرائيل وإن دانوا ~~بدينهم قول ساقط مردود وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن ~~حذيفة عن عدي بن حاتم قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا عدي بن حاتم أسلم تسلم فقلت له إن لي دينا فقال ~~أنا أعلم بدينك منك قلت أنت أعلم بديني مني قال نعم ألست ركوسيا قال قلت ~~بلى قال ألست ترأس قومك قال قلت بلى ms1403 قال ألست تأخذ المرباع قال PageV03P322 ~~قلت بلى قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك قال فكأني رأيت أن علي بها غضاضة ~~وكأني تواضعت بها وروى عبدالسلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن ~~عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب فقال ألق ~~هذا الوثن عنك ثم قرأ @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~@QE@ قال قلت يا رسول الله ما كنا نعبدهم قال أليس كانوا يحلون لكم ما حرم ~~الله عز وجل فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه قال فتلك عبادتهم ~~وفي هذين الخبرين ضروب من الدلالة على ما ذكرنا أحدها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نسبه إلى متخذي الأحبار والرهبان أربابا وهم اليهود ~~والنصارى ولم ينف ذلك عنه من حيث كان عربيا وقال في الحديث الأول ألست ~~ركوسيا وهم صنف من النصارى فلم يخرجه عنهم بأخذهم المرباع وهو ربع الغنيمة ~~وليس ذلك من دين النصارى لأن في دينهم أن الغنائم لا تحل فهذا يدل على أن ~~ترك التمسك بما ينتحله المنتحلون للأديان لا يخرجهم من أن يكونوا من أهل ~~تلك الشريعة وذلك الدين ويدل على أن العرب وبني إسرائيل سواء فيما ينتحلون ~~من دين أهل الكتاب وأنهم غير مختلفي الأحكام ولما لم يسأله النبي صلى الله ~~عليه وسلم عما انتحله من دين النصارى أكان قبل نزول القرآن أو بعده ونسبه ~~إلى فرقة منهم من غير مسألة دل على أنه لا فرق بين من انتحل ذلك قبل نزول ~~القرآن أو بعده والله أعلم # | باب تزوج الكتابيات # قال الله تعالى @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ قال ~~أبو بكر اختلف في المراد بالمحصنات ههنا فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم ~~والسدي أنهم العفائف وروي عن عمر ما يدل على أن المعنى عنده ذلك وهو ما ~~حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا محمد بن يزيد ms1404 عن الصلت بن بهرام عن شقيق بن سلمة قال ~~تزوج حذيفة بيهودية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه حذيفة أحرام هي ~~فكتب إليه عمر لا ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن قال أبو عبيد يعني ~~العواهر فهذا يدل على أن معنى الإحصان عنده ههنا كان على العفة وقال مطرف ~~عن الشعبي في قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ قال ~~إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها وروى ابن ~~PageV03P323 أبي نجيح عن مجاهد @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ قال الحرائر قال أبو بكر الاختلاف في نكاح الكتابية على أنحاء ~~مختلفة منها إباحة نكاح الحرائر منهن إذا كن ذميات فهذا لا خلاف بين السلف ~~وفقهاء الأمصار فيه إلا شيئا يروى عن ابن عمر أنه كرهه حدثنا جعفر بن محمد ~~قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن ~~سعيد عن عبدالله بن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب ~~ويكره نكاح نسائهم قال جعفر وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن ~~الليث قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية ~~والنصرانية قال إن الله حرم المشركات على المسلمين ولا أعلم من الشرك شيئا ~~أعظم من أن تقول ربها عيسى بن مريم أو عبد من عبيد الله # قال أبو عبيد وحدثني علي بن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال ~~قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب أفننكح نساءهم ونأكل طعامهم ~~قال فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم قال قلت إني أقرأ ما تقرأ أفننكح ~~نساءهم ونأكل طعامهم قال فأعاد علي آية التحليل وآية التحريم # قال أبو بكر يعني بآية التحليل @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ وبآية التحريم @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ فلما رأى ~~ابن عمر الآيتين في نظامها تقتضي إحداهما التحليل والأخرى التحريم وقف فيه ~~ولم يقطع بإباحته ms1405 واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات سوى ~~ابن عمر وجعلوا قوله ولا تنكحوا المشركات خاصا في غير أهل الكتاب حدثنا ~~جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان عن حماد قال سألت سعيد بن جبير عن نكاح ~~اليهودية والنصرانية قال لا بأس قال قلت فإن الله تعالى قال @QB@ ولا ~~تنكحوا المشركات @QE@ حتى يؤمن قال أهل الأوثان والمجوس وقد روي عن عمر ما ~~قدمنا ذكره # وروي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية ~~وتزوجها على نسائه وروي عن طلحة بن عبيدالله أنه تزوج يهودية من أهل الشام ~~وتروى إباحة ذلك عن عامة التابعين منهم الحسن وإبراهيم والشعبي في آخرين ~~منهم ولا يخلو قوله PageV03P324 تعالى ولا تنكحوا المشركات من أحد معنيين ~~إما أن يكون إطلاقه مقتضيا لدخول الكتابيات فيه أو مقصورا على عبدة الأوثان ~~غير الكتابيات فإن كان إطلاق اللفظ يتناول الجميع فإن قوله @QB@ والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ يخصه ويكون قوله تعالى ولا تنكحوا ~~المشركات مرتبات عليه لأنه متى أمكننا استعمال الآيتين على معنى ترتيب ~~العام على الخاص وجب استعمالهما ولم يجز لنا نسخ الخاص بالعام إلا بيقين ~~وإن كان قوله ولا تنكحوا المشركات إنما يتناول إطلاقه عبدة الأوثان على ما ~~بيناه في غير هذا الموضع فقوله تعالى @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم @QE@ ثابت الحكم إذ ليس في القرآن ما يوجب نسخه فإن قيل قوله ~~تعالى @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ إنما المراد به ~~اللاتي كن كتابيات فأسلمن كما قال تعالى في آية أخرى @QB@ وإن من أهل ~~الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ والمراد من كان من أهل الكتاب فأسلم ~~كذلك قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المراد به ms1406 من كان من ~~أهل الكتاب فأسلم # قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن إطلاق لفظ أهل الكتاب ينصرف إلى ~~الطائفتين من اليهود والنصارى دون المسلمين ودون سائر الكفار ولا يطلق أحد ~~على المسلمين أنهم أهل الكتاب كمالا يطلق عليهم أنهم يهود أو نصارى والله ~~تعالى حين قال @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله @QE@ فإنه لم يطلق ~~الاسم عليهم إلا مقيدا بذكر الإيمان عقيبه وكذلك قال من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون فذكر إيمانهم بعد وصفهم أنهم ~~أهل الكتاب ولست واجدا في شيء من القرآن إطلاق أهل الكتاب من غير تقييد إلا ~~وهو يريد به اليهود والنصارى والثاني أنه قد ذكر المؤمنات في قوله ~~والمحصنات من المؤمنات فانتظم ذلك سائر المؤمنات ممن كن مشركات أو كتابيات ~~فأسلمن وممن نشأ منهن على الإسلام فغير جائز أن يعطف عليه مؤمنات كن ~~كتابيات فوجب أن يكون قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم على ~~الكتابيات اللاتي لم يسلمن وأيضا فإن ساغ التأويل الذي ادعاه من خالف في ~~ذلك فغير جائز لنا الانصراف عن الظاهر إلى غيره إلا بدلالة وليس معناه ~~دلالة PageV03P325 توجب صرفه عن الظاهر وأيضا فلو حمل على ذلك لزالت فائدته ~~إذ كانت مؤمنة وقد تقدم في الآية ذكر المؤمنات # وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم طعام المؤمنين الذين كانوا من أهل الكتاب وأن المراد به اليهود ~~والنصارى كذلك قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب @QE@ هو على ~~الكتابيات دون المؤمنات ويحتج للقائلين بتحريمهمن بقوله تعالى @QB@ ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ قيل له إنما ذلك في الحربية إذا خرج زوجها مسلما ~~أو الحربي تخرج امرأته مسلمة ألا ترى إلى قوله واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ~~ما أنفقوا وأيضا فلو كان عموما لخصه قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم @QE@ وقد اختلف في نكاح الكتابيات من وجه آخر فقال ابن ~~عباس لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا ms1407 حربا وتلا هذه الآية قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون قال الحكم حدثت بذلك ~~إبراهيم فأعجبه ولم يفرق في غيره ممن ذكرنا قوله من الصحابة بين الحربيات ~~والذميات وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع لشمول الاسم لهن قال أبو بكر ~~ومما يحتج به لقول ابن عباس قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله والنكاح يوجب المودة بقوله تعالى @QB@ خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة @QE@ فينبغي أن ~~يكون نكاح الحربيات محظورا لأن قوله تعالى يوادون من حاد الله ورسوله إنما ~~يقع على أهل الحرب لأنهم في حد غير حدنا وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة ~~وأصحابنا يكرهون مناكحات أهل الحرب من أهل الكتاب # وقد اختلف السلف في نكاح المرأة من بني تغلب فروي عن علي أنه لا يجوز ~~لأنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر وهو قول إبراهيم وجابر بن ~~زيد وقال ابن عباس لا بأس بذلك لأنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية ~~لكانوا منهم واختلف أيضا في نكاح الأمة الكتابية وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء ~~فيه في سورة النساء ومن تأول قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم @QE@ على الحرائر جعل الإباحة مقصورة على نكاح الحرائر من الكتابيات ~~ومن تأوله على العفة أباح نكاح الإماء الكتابيات # واختلف في المجوس فقال جل السلف وأكثر الفقهاء ليسوا أهل الكتاب وقال ~~آخرون هم أهل الكتاب والقائلون بذلك شواذ والدليل PageV03P326 على أنهم ~~ليسوا أهل الكتاب قوله تعالى @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا @QE@ فأخبر ~~تعالى أن أهل الكتاب طائفتان فلو كان المجوس أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف ~~ألا ترى أن من قال إنما لي على فلان جبتان لم يكن له أن يدعي أكثر منه وقول ~~القائل إنما لقيت اليوم رجلين ينفي أن يكون قد لقي أكثر منهما فإن قيل إنما ~~حكى الله ذلك ms1408 عن المشركين وجائز أن يكونوا قد غلطوا قيل له إن الله لم يحك ~~هذا القول عن المشركين ولكنه قطع بذلك عذرهم لئلا يقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين فهذا إنما هو قول الله ~~واحتجاج منه على المشركين في قطع عذرهم بالقرآن وأيضا فإن المجوس لاينتحلون ~~شيئا من كتب الله المنزلة على أنبيائه وإنما يقرؤن كتاب زرادشت وكان متنبيا ~~كذابا فليسوا إذا أهل كتاب ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب حديث يحيى بن سعيد ~~عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال عمر ما أدري كيف أصنع بالمجوس وليسوا أهل ~~كتاب فقال عبدالرحمن بن عوف سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب فصرح عمر بأنهم ليسوا أهل كتاب ولم يخالفه عبدالرحمن ~~ولا غيره من الصحابة وروى عبدالرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب فلو كانوا أهل الكتاب لما قال سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب ولقال هم من أهل الكتاب وفي حديث آخر أنه أخذ الجزية من ~~مجوس هجر وقال سنوا بهم سنة أهل الكتاب # فإن قيل إن لم يكونوا أهل كتاب فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حكمهم ~~حكم أهل الكتاب بقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب قيل له إنما قال ذلك في ~~الجزية خاصة وقد روي ذلك في غير هذا الخبر وروى سفيان عن قيس بن مسلم عن ~~الحسن بن محمد قال كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى ~~الإسلام قال فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ومن أبى فعليه الجزية ~~غير أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وقد روي النهي عن صيد المجوس عن علي ~~وعبدالله وجابر بن عبدالله والحسن وسعيد بن المسيب وأبي رافع وعكرمة وهذا ~~يوجب أن لا يكونوا عندهم أهل كتاب ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحب الروم يا ms1409 أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم وكتب إلى كسرى ولم ينسبه إلى كتاب وروي في قوله تعالى @QB@ ~~الم غلبت الروم @QE@ أن المسلمين أحبوا غلبة الروم لأنهم أهل كتاب ~~PageV03P327 وأحبت قريش غلبة فارس لأنهم جميعا ليسوا بأهل الكتاب فخاطرهم ~~أبو بكر رضي الله عنه والقصة في ذلك مشهورة وأما من قال إنهم كانوا أهل ~~كتاب ثم ذهب منهم بعد ذلك ويجعلهم من أجل ذلك من أهل الكتاب فإن هذا لا يصح ~~ولا يعلم ثبوته وإن ثبت اوجب أن لا يكونوا من أهل الكتاب لأن الكتاب قد ذهب ~~منهم وهم الآن غير منتحلين لشيء من كتب الله تعالى وقد اختلف في الصابئين ~~هم من أهل الكتاب أم لا فروي عن أبي حنيفة أنهم أهل كتاب وقال أبو يوسف ~~ومحمد ليسوا أهل كتاب وكان أبو الحسن الكرخي يقول الصابئون الذين هم عنده ~~من أهل الكتاب قوم ينتحلون دين المسيح ويقرؤن الإنجيل فأما الصابئون الذين ~~يعبدون الكواكب وهم الذين بناحية حران فإنهم ليسوا بأهل كتاب عندهم جميعا # قال أبو بكر الصابئون الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فهيم أهل ~~كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين بناحية حران والذين بناحية ~~البطائح في سواد واسط وأصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها ~~واتخاذها آلهة وهم عبدة الأوثان في الأصل إلا أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم ~~العراق مملكة الصابئين وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهرا ~~لأنهم منعوهم من ذلك وكذلك الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين فلما ~~تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على الدخول في النصرانية فبطلت عبادة الأوثان من ~~ذلك الوقت ودخلوا في عمار النصارى في الظاهر وبقي كثير منهم على تلك النحلة ~~مستخفين بعبادة الأوثان فلما ظهر الإسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز ~~المسلمون بينهم وبين النصارى إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل ~~الإعتقاد وهم أكتم الناس لاعتقادهم ولهم أمور وحيل في صبيانهم إذا عقلوا في ~~كتمان دينهم وعنهم أخذت الإسماعيلية كتمان المذهب وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم ms1410 ~~وأصل الجميع اتخاذ الكواكب السبعة آلهة وعبادتها واتخاذها أصناما على ~~أسمائها لا خلاف بينهم في ذلك وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران وبين ~~الذين بناحية البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب في ~~ظني في قول أبي حنيفة في الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم من ~~النصارى وأنهم يقرؤن الإنجيل وينتحلون دين المسيح تقية لأن كثيرا من ~~الفقهاء لا يرون إقرار معتقدي مقالهم بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف ومن كان اعتقاده من الصابئين PageV03P328 ما وصفنا فلا خلاف بين ~~الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم # | باب الطهارة للصلاة # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم @QE@ الآية قال أبو بكر ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام ~~إلى الصلاة لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة وحكم الجزاء أن يتأخر ~~عن الشرط ألا ترى أن من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع ~~الطلاق بعد الدخول وإذا قيل إذا لقيت زيدا فأكرمه أنه موجب للإكرام بعد ~~اللقاء وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته ولا خلاف ~~بين السلف والخلف أن القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة وأن وجوب ~~الطهارة متعلق بسبب آخر غير قيام فليس إذا هذا اللفظ عموما في إيجاب ~~الطهارة بعد القيام إلى الصلاة إذ كان الحكم فيه متعلقا بضمير غير مذكور ~~وليس في اللفظ أيضا ما يوجب تكرار وجوب ا لطهارة بعد القيام إلى الصلاة من ~~وجهين أحدهما ما ذكرنا من تعلق الحكم بضمير غير مذكور يحتاج فيه إلى طلب ~~الدلالة عليه من غيره والثاني إذا لا توجب التكرار في لغة العرب ألا ترى أن ~~من قال لرجل إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فدخلها مرة أنه يستحق درهما فإن ~~دخلها مرة أخرى لم يستحق شيئا وكذلك من قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت ~~طالق فدخلتها مرة طلقت فإن دخلتها مرة ms1411 أخرى لم تطلق فثبت بذلك أنه ليس في ~~الآية دلالة على وجوب تكرار الطهارة لتكرار القيام # بها فإن قيل فلم يتوضأ أحد بالآية إلا مرة واحدة # قيل له قد بينا أن الآية غير مكتفية بنفسها في إيجاب الطهارة دون بيان ~~مراد الضمير بها فقول القائل إنه لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة خطأ لأن ~~الآية في معنى المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد به البيان فهو المراد ~~الذي به تعلق الحكم على وجه الإفراد أو التكرار على حسب ما اقتضاه بيان ~~المراد ولو كان لفظ الآية عموما مقتضيا للحكم فيما ورد غير مفتقر إلى ~~البيان لم يكن أيضا موجبا لتكرار الطهارة عند القيام إليها من جهة اللفظ ~~وإنما كان يوجب التكرار من جهة المعنى الذي علق به وجوب الطهارة وهو الحدث ~~دون القيام إليها # وقد حدثنا من لا أتهم قال حدثنا أبو مسلم الكرخي قال حدثنا أبو عاصم عن ~~سفيان عن علقمة PageV03P329 ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له ~~عمر يا رسول الله صنعت شيئا لم تكن تصنعه قال عمدا فعلته وحدثنا من لا أتهم ~~قال حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال حدثنا ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبدالله بن عبدالله بن عمر قال ~~قلت له أرأيت وضوء عبدالله بن عمر لكل صلاة طاهرا أكان أو غير طاهر عمن هو ~~قال حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبدالله بن حنظلة بن أبي عامر ~~الغسيل حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة ~~طاهرا فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل ~~صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث فكان عبدالله يرى أن به قوة على ذلك ففعله ~~حتى مات # فقد دل الحديث الأول على أن القيام إلى الصلاة ms1412 غير موجب للطهارة إذ لم ~~يجدد النبي صلى الله عليه وسلم لكل صلاة طهارة فثبت بذلك أن فيه ضميرا به ~~يتعلق إيجاب الطهارة وبين في الحديث الثاني أن الضمير هو الحدث لقوله ووضع ~~عنه الوضوء إلا من حدث # ويدل على أن الضمير فيه هو الحدث ما روى سفيان الثوري عن جابر عن عبدالله ~~بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبدالله بن علقمة عن أبيه قال كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا ~~يكلمنا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة فقلنا له في ذلك حين نزلت آية ~~الرخصة @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ ~~الآية فأخبر أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة ~~وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا محمد بن علي بن زيد أن سعيد بن ~~منصور حدثهم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرنا أيوب عن عبدالله بن ~~أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم ~~إليه الطعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء قال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى ~~الصلاة قال أبو بكر سألوه عن الوضوء من الحدث عند الطعام فأخبر أنه أمر ~~بالوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة وروى أبو معشر المدني عن سعيد بن ~~أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ~~أن أشق على أمتي لأمرت في كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك وهذا يدل على أن ~~الآية لم تقض إيجاب الوضوء لكل صلاة من وجهين أحدهما أن الآية لو أوجبت ذلك ~~لما قال لأمرت في كل صلاة بوضوء والثاني إخباره بأنه لو أمر به لكان ~~PageV03P330 واجبا بأمره دون الآية وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم @QB@ ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ قال إذا قمتم من المضجع يعني ~~النوم وقد كان رد السلام محظورا ms1413 إلا بطهارة وروى قتادة عن الحسن عن حضين ~~أبي ساسان عن المهاجر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فسلمت ~~عليه فلما فرغ من وضوئه قال ما منعني ان أرد عليك السلام إلا أني كنت على ~~غير وضوء وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى ~~بن منصور قال أخبرني محمد بن ثابت العبدري قال حدثنا نافع قال انطلقت مع ~~ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فلما قضى حاجته من ابن عباس كان من حديثه ~~يومئذ قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج من ~~غائط أو بول فخرج عليه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه ثم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضرب بكفيه على الحائط ثم مسح وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ~~إلى المرفقين ثم رد على الرجل السلام وقال لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني ~~لم أكن على وضوء أو قال على طهارة فهذا يدل على أن رد السلام كان مشروطا ~~فيه الطهارة وجائز أن يكون ذلك كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم ~~يرو أنه نهى عن رد السلام إلا على طهارة ويدل على أن ذلك كان على الوجوب ~~أنه تيمم حين خاف فوت الرد لأن رد السلام إنما يكون على الحال فإذا تراخى ~~فات فكان بمنزلة من خاف فوت صلاة العيد أو صلاة الجنازة إن توضأ فيجوز له ~~التيمم وجائز أن يكون قد نسخ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن ~~يكون هذا الحكم قد كان باقيا إلى أن قبضه الله تعالى وقد روي عن أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يتوضؤن لكل صلاة وهذا محمول على أنهم فعلوه ~~استحبابا وقال سعد إذا توضأت فصل بوضوئك مالم تحدث وقد روى ابن أبي ذئب عن ~~شعبة مولى ابن عباس أن عبيد بن عمير كان يتوضأ لكل صلاة ويتأول قوله تعالى ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ فأنكر ms1414 ذلك عليه ابن عباس وقد روي نفي إيجاب ~~الوضوء لكل صلاة من غير حدث عن ابن عمر وأبي موسى وجابر بن عبدالله وعبيدة ~~السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن ولا خلاف بين ~~الفقهاء في ذلك # | باب فضل تجديد الوضوء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في فضيلة تجديد الوضوء منها ~~ما حدثنا من لا أتهم قال حدثنا محمد بن زيد قال حدثنا سعيد قال حدثنا سلام ~~الطويل عن زيد العمى عن PageV03P331 معاوية بن قرة عن ابن عمر قال دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ مرة مرة وقال هذا وظيفة الوضوء وضوء من ~~لا يقبل الله له صلاة إلا به ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين ~~فقال هذا وضوء من توضأ به ضاعف الله له الأجر مرتين ثم تحدث ساعة ثم دعا ~~بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي وروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال الوضوء على الوضوء نور على نور وقال صلى الله عليه ~~وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة فهذا كله يدل على ~~استحباب الوضوء عند كل صلاة وإن لم يكن محدثا وعلى هذا يحمل ما روي عن ~~السلف من تجديد الوضوء عند كل صلاة وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه توضأ ~~ومسح على نعليه وقال هذا وضوء من لم يحدث ورواه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فثبت بما قدمنا أن قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ غير موجب ~~للوضوء لكل صلاة وثبت أنه غير مستعمل على حقيقته وإن فيه ضميرا به يعلق ~~إيجاب الطهارة وأنه بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان لا يصح الاحتجاج ~~بعمومه إلا فيما قام دليل مراده # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة في إيجاب الوضوء من ~~النوم وهذا يدل على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للوضوء لأنه إذا وجب من ~~النوم لم يكن القيام إلى ms1415 الصلاة بعد ذلك موجبا ألا ترى أنه إذا وجب من ~~النوم لم يجب عليه بعد ذلك من حدث آخر وضوء آخر إذا لم يكن توضأ من النوم ~~فلو كان القيام إلى الصلاة موجبا للوضوء لما وجب من النوم عند إرادة القيام ~~إليها كالسببين إذا كان كل واحد منهما موجبا للوضوء ثم وجب من الأول لم يجب ~~من الثاني وهذا يدل على أن من النوم هو الضمير الذي في الآية فكان تقديره ~~إذا قمتم من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم ويدل على أن النوم الموجب ~~للوضوء هو النوم المعتاد الذي يجوز أن يقال فيه أنه قام من النوم ومن نام ~~قاعدا أو ساجدا أو راكعا لا يقال إنه قام من النوم وإنما يطلق ذلك في نوم ~~المضطجع ومن قال إن النوم ليس بحدث وإنما وجب به الطهارة لغلبة الحال في ~~وجود الحدث فيه فإن الآية جالة على وجوب الطهارة من الريح وإذا كان المعنى ~~على ما وصفنا فيكون حينئذ في مضمون الآية إيجاب الوضوء من النوم ومن الريح ~~وقد أريد به أيضا إيجاب الوضوء من الغائط والبول وذلك من ضمير الآية لأنه ~~مذكور في قوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ والغائط هو المطمئن من ~~الأرض وكانوا يأتونه PageV03P332 لقضاء حوائجهم فيه وذلك يشتمل على وجوب ~~الوضوء من الغائط والبول وسلس البول والمذي ودم الاستحاضة وسائر ما يستتر ~~الإنسان عند وجوده عن الناس لأنهم كانوا يأتون الغائط للاستتار عن الناس ~~وإخفاء ما يكون منهم وذلك لا يختلف باختلاف الأشياء الخارجة من البدن التي ~~في العادة يسترها عن الناس من سلس البول والمذي ودم الاستحاضة فدل ذلك على ~~أن هذه الأشياء كلها أحداث يشتمل عليها ضمير الآية وقد اتفق السلف وسائر ~~فقهاء الأمصار على نفي إيجاب الوضوء على من نام قاعدا غير مستند إلى شيء ~~روى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ذات ~~ليلة حتى نام الناس ثم استيقظوا فجاءه عمر فقال ms1416 الصلاة يا رسول الله فخرج ~~وصلى ولم يذكر أنهم توضؤا # وروي عن أنس قال كنا نجيء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ننتظر ~~الصلاة فمنا من نعس ومنا من نام ولا نعيد وضوء وروى نافع عن ابن عمر قال لا ~~يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه وينام وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في ذلك في ~~غير هذا الموضع وروى أبو يوسف عن محمد بن عبدالله عن عطاء عن ابن عباس عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الصبح ولا يتوضأ فسئل عن ذلك ~~فقال إني لست كأحدكم إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي لو أحدثت لعلمته وهذا ~~الحديث يدل على أن النوم في نفسه ليس بحدث وان إيجاب الوضوء فيه إنما هو ~~لما عسى أن يكون فيه من الحدث الذي لا يشعر به وهو الغالب من حال النائم ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العين وكاءا له فإذا نامت ~~العين استطلق الوكاء فلما كان الأغلب في النوم الذي يستثقل فيه النائم وجود ~~الحدث فيه حكم له بحكم ا لحدث هذا إنما هو في النوم المعتاد الذي يضع ~~النائم جنبه على الأرض ويكون في المضطجع من غير علم منه بما يكون منه فإذا ~~كان جالسا أو على حال من أحوال الصلاة لغير ضرورة مثل القيام والركوع ~~والسجود لم تنتقض طهارته لأن هذه أحوال يكون الإنسان فيها محتفظا وإن كان ~~منه حدث علم به وقد روى يزيد بن عبدالرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على من نام ساجدا وضوء حتى ~~يضطجع فإذا اضطجع استرخت مفاصله # فصل قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ لما كان ضميره ~~ما وصفنا من القيام من النوم أو إرادة القيام إليها في حال الحدث فأوجب ذلك ~~تقديم الطهارة من PageV03P333 الأحداث للصلاة وكانت الصلاة اسما للجنس ~~يتناول سائرها من المفروضات والنوافل اقتضى ذلك أن تكون من ms1417 شرائط صحة ~~الصلاة الطهارة أي صلاة إذ لم تفرق الآية بين شيء منها وقد أكد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك بقوله لا يقبل الله صلاة بغير طهور # قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ يقتضي إيجاب الغسل والغسل اسم ~~لإمرار الماء على الموضع إذا لم تكن هناك نجاسة وإذا كان هناك نجاسة فغسلها ~~إزالتها بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه فقوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم ~~@QE@ إنما المقصد فيه إمرار الماء على الموضع إذ ليس هناك نجاسة مشروط ~~إزالتها فإذا ليس عليه ذلك الموضع بيده وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري ~~على الموضع # وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أوجه فقال مالك بن أنس عليه إمرار الماء وذلك ~~الموضع بيده وإلا لم يكن غسلا وقال آخرون وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء ~~عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه بيده وروى هشام عن أبي يوسف أنه إن ~~مسح الموضع بالماء كما يسمح بالدهن أجزأه والدليل على بطلان قول موجبي ذلك ~~الموضع إن اسم الغسل يقع على إجراء الماء على الموضع من غير دلك والدليل ~~على ذلك أنه لو كان على بدنه نجاسة فوالى بين صب الماء عليه حتى أزالها سمي ~~بذلك غاسلا وإن لم يدلكه بيده فلما كان الاسم يقع عليه مع عدم الدلك لأجل ~~إمرار الماء عليه وقال الله تعالى @QB@ فاغسلوا @QE@ فهو متى أجرى الماء ~~على الموضع فقد فعل مقتضى الآية وموجبها فمن شرط فيه دلك الموضع بيده فقد ~~زاد فيه ما ليس منه وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ ~~وأيضا فإنه لما لم يكن هناك شيء يزال بالدلك لم يكن لدلك الموضع وإمساسه ~~بيده فائدة ولا حكم فلم يختلف حكمه إذا دلكه بيده أو أمر الماء عليه من غير ~~دلك وأيضا فليس لذلك الموضع بديه حكم في الطهارة في سائر الأصول فوجب أن لا ~~يتعلق به فيما اختلف فيه فإن قال قائل إذا لم يكن الغسل مأمورا به لإزالة ~~شيء هناك علمنا أنه عبادة فمن حيث شرط فيه ms1418 إمرار الماء وجب أن يكون دلكه ~~بيده شرطا وإلا فلا معنى لإمرار الماء وإجرائه عليه قيل له قد ثبت في ~~الأصول لإمرار الماء على الموضع حكم في غسل النجاسات ولم يثبت بدلك الموضع ~~حكم بل حكمه ساقط في إزالة الأنجاس لأنه لو كان له حكم لكان اعتبار الدلك ~~فيها أولى فوجب أن يكون كذلك حكمه في طهارة الحدث واما من أجاز مسح هذه ~~الأعضاء المأمور بغسلها فإن قوله مخالف لظاهر الآية فإن الله PageV03P334 ~~تعالى شرط في بعض الأعضاء الغسل وفي بعضها المسح فما أمر بغسله لا يجزي فيه ~~المسح لأن الغسل يقتضي إمرار الماء على الموضوع وإجراءه عليه ومتى لم يفعل ~~ذلك لم يسم غاسلا والمسح لا يقتضي ذلك وإنما يقتضي مباشرته بالماء دون ~~إمراره عليه فغيرجائز ترك الغسل إلى المسح ولو كان المراد بالغسل هو المسح ~~لبطلت فائدة التفرقة بينهما في الآية وفي وجوب إثبات التفرقة بينهما ما ~~يوجب أن يكون المسح غير الغسل فمتى مسح ولم يغسل فلا يجزيه لأنه لم يفعل ~~المأمور به # ويدل على ذلك أنه ليس عليه في مسح الرأس في الوضوء لإبلاغ الماء إلى أصول ~~الشعر وإنما عليه مسح الظاهر منه وعليه في غسل الجنابة إبلاغ الماء أصول ~~الشعر فلو كان المسح والغسل واحدا لأجزى في غسل الجنابة مسحه كما يجزي في ~~الوضوء وفي ذلك دليل على أن ما شرط فيه الغسل لا ينوب عنه المسح فإن قيل ~~إذا لم تكن هناك نجاسة تزال بالغسل فالمقصد فيه مباشرة الموضع بالماء فلا ~~فرق بين الغسل والمسح قيل له هذا يدل على صحة ما ذكرنا وذلك لأنه لما لم ~~تكن هناك نجاسة من أجلها يجب الغسل فكان وجوب عبادة ثم فرق الله تعالى في ~~الآية بين الغسل والمسح فعلينا اتباع الأمر على حسب مقتضاه وموجبه وغير ~~جائز لنا ترك الغسل إلى غيره والعبادة علينا في الغسل في الأعضاء المأمور ~~بها كهي علينا في مسح العضو المأمور به فلم يجز استعمال النظر في ترك حكم ~~اللفظ إلى ms1419 غيره فإن قيل لو بقيت لمعة في ذراعه فمسحها جاز وهذا يدل على ~~جواز مسح الجميع كما جاز مسح البعض # قيل له هذا غلط لأن اللمعة إذا اتصلت صارت في حكم المغسول وأما إذا لم ~~تتصل فلا يجوز الإجماع ففي ذلك دلالة على أن المسح لا ينوب مناب الغسل وقيل ~~له لو لزم منا هذا في الوضوء للزمك في غسل الجنابة مثله والله أعلم # | باب الوضوء بغير نية # قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء ~~فارنته النية أو لم تقارنه وذلك لأن الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة ~~وهو إمرار الماء على الموضع وليس هو عبارة عن النية فمن شرط فيه النية فهو ~~زائد في النص وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه يوجب نسخ الآية قد أباحت فعل ~~الصلاة بوجود الغسل للطهارة من غير شرط النية فمن حظر الصلاة ومنعها إلا مع ~~وجود نية الغسل فقد أوجب نسخها PageV03P335 وذلك لا يجوز إلا بنص مثله ~~والوجه الآخر أن النص له حكمه ولا يجوز أن يلحق به ما ليس منه كما لا يجوز ~~أن يسقط منه ما هو منه فإن قيل فقد شرطت في صحة الصلاة النية مع عدم ذكرها ~~في اللفظ قيل له إنما جاز ذلك فيها من وجهين أحدهما أن الصلاة اسم مجمل ~~مفتقر إلى البيان غير موجب للحكم بنفسه إلا ببيان يرد فيه وقد ورد فيه ~~البيان بإيجاب إليه فلذلك أوجبناها وليس كذلك الوضوء لأنه اسم شرعي ظاهر ~~المعنى بين المراد فمهما ألحقنا به ما ليس في اللفظ عبارة عنه فهو زيادة في ~~النص ولا يجوز ذلك إلا بنص مثله والوجه الآخر اتفاق الجميع على إيجاب النية ~~فيها فلو كان اسم الصلاة عموما ليس بمجمل لجاز إلحاق النية بها بالاتفاق ~~فهي إذا كانت مجملا أحرى بإثبات النية فيها من جهة الإجماع # | ذكر اختلاف الفقهاء في فرض النية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد كل طهارة بماء تجوز بغير نية ولا يجزي ~~التيمم إلا بنية وهو ms1420 قول الثوري وقال الأوزاعي يجزي الوضوء بغير نية ولم ~~تحفظ عنه في التيمم وقال مالك والليث والشافعي لا يجزي الوضوء ولا الغسل ~~إلا بالنية وكذلك التيمم وقال الحسن بن صالح يجزي الوضوء والتيمم جميعا ~~بغير نية قال أبو جعفر الطحاوي ولم نجد هذا القول في التيمم عن غيره قال ~~أبو بكر قد قدمنا ذكر دلالة الآية على جواز الوضوء بغير نية وقوله تعالى ~~@QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ دل على جواز الاغتسال من ~~الجنابة بغير نية كذلك قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~@QE@ على النحو الذي بينا ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا @QE@ ومعناه مطهرا فحيثما وجد فواجب أن يكون مطهرا ولو ~~شرطنا فيه النية كنا قد سلبناه الصفة التي وصفه الله بها من كونه طهورا ~~لأنه حينئذ لا يكون طهورا إلا بغيره والله تعالى جعله طهورا من غير شرط ~~معنى آخر فيه فإن قيل إيجاب شرط النية فيه لا يخرجه من أن يكون طهورا كما ~~وصفه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وقال التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولم يمنع ذلك إيجاب النية ~~شرطا فيه قيل له إنما سماه طهورا على وجه المجاز تشبيها له بالماء في باب ~~إباحة الصلاة والدليل عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس فعلمنا أنه ~~سماه طهورا استعارة ومجازا ومن PageV03P336 جهة أخرى أن إثبات النية شرطا ~~في التيمم جائز مع قوله التراب طهور المسلم ولا يجوز مثله في الوضوء وذلك ~~لأن قوله @QB@ فتيمموا @QE@ يقتضي إيجاب النية إذ كان التيمم هو القصد في ~~اللغة وقوله التراب طهور المسلم وارد من طريق الآحاد فواجب أن يكون الخبر ~~مرتبا على الآية إذ غير جائز ترك حكم الآية بالخبر وتجوز الزيادة في الخبر ~~بالآية وليس ذلك كقوله @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ لأنه غير ~~جائز أن يزاد في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به نسخه ويدل على ذلك ms1421 ايضا ~~قوله تعالى @QB@ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به @QE@ فأبان تعالى عن ~~وقوع التطهير بالماء من غير شرط النية فيه # فإن قيل لما كان قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية مقتضيا لفرض ~~الطهارة فمن حيث كان فرضا وجب أن تكون النية شرطا في صحته لاستحالة وقوع ~~الفعل موقع الفرض إلا بالنية وذلك لأن الفرض يحتاج في صحة وقوعه إلى نيتين ~~أحدهما نية التقرب به إلى الله تعالى والأخرى نية الفرض فإذا لم ينوه لم ~~توجد صحة الفرض فلم يجز عن الفرض إذ هو غير فاعل للمأمور به قيل له إنما ~~يجب ما ذكرت في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها فأما ~~ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة ~~تقاربه فلما جعل الله الطهارة شرطا لصحة الصلاة ولم تكن مفروضة لنفسها لأن ~~من لا صلاة عليه فليس عليه فرض الطهارة كالمريض المغمى عليه أياما وكالحائض ~~والنفساء وقال تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وقال ~~@QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فجعله شرطا في غيره ولم ~~يجعله مأمورا به لنفسه فاحتاج موجب النية شرطا فيه إلى دلالة من غيره ألا ~~ترى أن كثيرا مما هو شرط في الفرض وليس بمفروض بعينه فجائز أن يكون من فعل ~~غيره نحو الوقت الذي هو شرط في صحة أداء الصلاة ولا صنع للمصلي ونحو البلوغ ~~والعقل اللذين هما شرط في صحة التكليف وليسا بفعل المكلف فبان بما وصفنا أن ~~ورود لفظ الأمر بما جعل شرطا في غيره لا يقتضي وقوعه طاعة منه ولا إيجاب ~~النية فيه ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ وثيابك فطهر @QE@ وإن كان أمرا ~~بتطهير الثوب من النجاسة فإنه لم يوجب كون النية شرطا في تطهيره إذا لم تكن ~~إزالة النجاسة مفروضة لنفسها وإنما هي شرط في غيرها وإنما تقديره لا تصل ~~إلا في ثوب طاهر ولا تصل إلا مستور العورة ويدل على ذلك ايضا أن الشافعي قد ~~وافقنا على أن ms1422 رجلا لو قعد في المطر ينوي الطهارة PageV03P337 فأصاب جميع ~~أعضائه أنه يجزيه من غير فعل له فيه ولو كان ذلك مفروضا لنفسه لما أجزأه ~~دون أن يفعله هو أو يأمر به غيره لأن هذا حكم المفروض # فإن قيل فالتيمم غير مفروض لنفسه ولا يصح مع ذلك إلا بالنية فليس إيجاب ~~النية مقصورا على ما كان مفروضا لنفسه قيل له هذا غير لازم لأنا لم نخرج ~~هذا القول مخرج الاعتلال فتلزمنا عليه المناقضة وإنما بينا أن لفظ الأمر ~~إذا ورد فيما كان وصفه ما ذكرنا فإنه لا يقتضي إيجاب النية شرطا فيه إلا ~~بدلالة أخرى من غيره فإنما أسقطنا بذلك احتجاج من احتج بظاهر ورود الأمر في ~~إيجاب النية وفي مضمون لفظ التيمم إيجاب النية إذ كان التيمم في اللغة اسما ~~للقصد قال الله تعالى @QB@ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون @QE@ يعني لا ~~تقصدوا وقال الشاعر % ولن يلبث العصران يوم وليلة % إذا طلبا أن يدركا ما ~~تيمما % # | وقال آخر % فإن تلي خيلي قد أصيب صميمها % فعمدا على عين تيممت مالكا % # وقال الأعشى % تيممت قيسا وكم دونه % من الأرض من مهمه ذي شزن % $ يعني ~~قصدته فلما كان في لفظ الآية إيجاب القصد والقصد هو النية لفعل ما أمر به ~~جعلنا النية شرطا ولم يكن في إيجاب النية لحاق زيادة بالآية غير مذكورة ~~فيها وأما الغسل فلا تنطوي تحته النية وفي إيجابها فيه إثبات زيادة فيها ~~ليست منها وذلك غير جائز ووجه آخر في الفصل بين التيمم والوضوء وهو أن ~~التيمم قد يقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء وهو على صفة واحدة في الحالين ~~فاحتيج إلى النية للفصل بين حكميهما لأن النية إنما شرطت لتمييز أحكام ~~الأفعال فلما كان حكم التيمم قد يختلف فيقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء ~~احتيج إلى النية فيه لتمييز ما يقع منه عن الغسل عما يقع منه عن الوضوء ~~وأما الغسل لا يختلف حكمه في نفسه ولا فيما يقع له فاستغنى عن النية فيه ~~والتمييز إذ كان ms1423 المقصد منه إيقاع الفعل كما قيل لا تصل حتى تغسل النجاسة ~~من بدنك أو ثوبك ولا تصل إلا مستور العورة وليس يقتضي شيء من ذلك إيجاب ~~النية فيه # ويدل على ما ذكرنا من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع وأبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه الأعرابي PageV03P338 الصلاة وقوله لا ~~تتم صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل ~~رجليه فقوله حتى يضع الطهور مواضعه يقتضي جوازه بغير نية لأن مواضع الطهور ~~معلومة مذكورة في القرآن فصار كقوله حتى يغسل هذه الأعضاء وقوله فيغسل وجهه ~~ويديه يوجب ذلك أيضا إذ لم يشرط فيه النية فظاهره يقتضي جوازه على أي وجه ~~غسله ويدل من جهة أخرى أنه معلوم أن الأعرابي كان جاهلا بأحكام الصلاة ~~والطهارة فلو كانت النية شرطا فيها لما أخلاه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~التوقيف عليها وفي ذلك أوضح دليل على أنها ليست من فروضها # ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة لأم سلمة إنما ~~يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت ولم ~~يشرط فيه النية وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة ~~ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فأشار إلى الفعل المشاهد دون ~~النية هي ضمير لا تصح الإشارة إليه وأخبر بقبول الصلاة به وقال إذا وجدت ~~الماء فامسسه جلدك وقال إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة ~~ومن جهة النظر أن الوضوء طهارة الماء كغسل النجاسة وأيضا هو سبب يتوصل به ~~إلى صحة أداء الصلاة لا على وجه البدل عن غيره فأشبه غسل النجاسة وستر ~~العورة والوقوف على مكان طاهر ولا يلزم عليه التيمم لأنه بدل عن غيره فإن ~~احتجوا بقوله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ ~~ذلك يقتضي إيجاب النية له لأن ذلك أقل أحوال الإخلاص قيل له ينبغي أن ms1424 يثبت ~~أن الوضوء عبادة أو أنه من الدين إذ جائز أن يقال إن العبادات هي مقصودة ~~لعينه في التعبد فأما ما أمر به لأجل غيره أو جعل شرطا فيه أو سببا له فليس ~~يتناوله هذا الاسم ولو لزم أن يكون تارك النية في الطهارة غير مخلص لله ~~لوجب مثله في تارك النية في غسل النجاسة وستر العورة فلما لم يجز أن يكون ~~تارك النية فيما وصفنا غير مخلص إذ كان مأمورا به لأجل الصلاة كان كذلك في ~~الطهارة وأيضا فإن كل من اعتقد الإسلام فهو مخلص لله تعالى فيما يفعله من ~~العبادات إذ لم يشرك في النية بين الله وبين غيره لأن ضد الإخلاص هو ~~الإشراك فمتى لم يشرك فهو مخلص بنفس اعتقاد الإيمان في جميع ما يفعله من ~~العبادات ما لم يشرك غيره فيه واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأعمال بالنيات وهذا لا يصح الاحتجاج به في موضع الخلاف من قبل أن حقيقة ~~اللفظ تقتضي كون العمل موقوفا على النية والعمل موجود PageV03P339 مع فقد ~~النية فعلمنا أنه لم يرد به حقيقة اللفظ وإنما أراد معنى مضمرا فيه غير ~~مذكور فالمحتج بعموم الخبر في ذلك مغفل فإن قيل مراده حكم العمل قيل له ~~الحكم غير مذكور فالاحتجاج بعمومه ساقط فإن ترك الاحتجاج بظاهر اللفظ وقال ~~ما لم يجز أن يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم من فائدة وقد علمنا أنه ~~لم يرد نفس العمل وجب أن يكون مراده حكم العمل قيل له يحتمل أن يريد به ~~فضيلة العمل لا حكمه وإذا احتمل الأمرين احتيج إلى دلالة من غيره في إثبات ~~المراد وسقط الاحتجاج به فإن قيل هو على الأمرين قيل له هذا خطأ لأن الضمير ~~المحتمل للمعنيين غير ملفوظ به فيقال عمومه شامل للجميع فأما ما ليس بمذكور ~~وهو ضمير ليس اللفظ عبارة عنه فقول القائل أحمله على العموم خطأ وأيضا فغير ~~جائز إرادة الأمرين لأنه إن أريد به فضيلة العمل صار بمنزلة قوله لا فضيلة ~~للعمل ms1425 إلا بالنية وذلك يقتضي إثبات حكم العمل حتى يصح نفي فضيلته لأجل عدم ~~النية ومتى أراد به حكم العمل لم يجز أن يريد به الفضيلة والأصل منتف فغير ~~جائز أن يرادا جميعا بلفظ واحد إذ غير جائز أن يكون لفظ واحد لنفي الأصل ~~ونفي الكمال وأيضا غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الآحاد على ما بينا ~~وهذا من أخبار الآحاد # # | فصل قوله عز وجل @QB@ وجوهكم @QE@ قال أبو بكر قد قيل فيه إن حد الوجه ~~من قصاص الشعر إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن ~~أبي سعيد ا لبردعي ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى وكذلك يقتضي ~~ظاهر الاسم إذ كان إنما سمي وجها لظهوره ولأنه يواجه ا لشيء ويقابل به وهذا ~~الذي ذكرناه من تحديد الوجه هو الذي يواجه انسان ويقابله من غيره فإن قيل ~~فينبغي أن يكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى قيل له لا يجب ذلك لأن ~~الأذنين تستران بالعمامة والقلنسوة ونحوهما كما يستر صدره وإن كان متى ظهر ~~كان مواجها لمن يقابله وهذا الذي ذكرناه من معنى الوجه يدل على أن المضمضة ~~والاستنشاق غير واجبين بالآية إذ ليس داخل الأنف والفم من الوجه إذ هما غير ~~مواجهين لمن قابلهما وإذا لم تقتض الآية إيجاب غسلهما وإنما اقتضت غسل ما ~~واجهنا وقابلنا منه فمن قال بإيجاب المضمضة والاستنشاق فهو زائد في حكم ~~الفرض ما ليس منه وهذا غير جائز لأنه يوجب نسخه فإن قيل قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما وقوله صلى الله ~~عليه وسلم حين توضأ مرة مرة هذا وضوء لا يقبل PageV03P340 الله الصلاة إلا ~~به يوجب فرض المضمضة والإستنشاق قيل له أما الحديث الذي فيه أنه توضأ مرة ~~مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به فإنه لم يذكر فيه أنه ~~تمضمض فيه واستنشق وإنما ذكر فيه الوضوء فحسب والوضوء هو غسل الأعضاء ~~المذكورة في كتاب ms1426 الله تعالى وجائز أن لا يكون تمضمض واستنشق في ذلك الوضوء ~~لأنه قصد به توقيفهم على المفروض الذي لا يجزي غيره فإذا لا دلالة في هذا ~~الخبر على ما قال هذا القائل ولو ثبت أنه تمضمض واستنشق لم يجز أن يراد في ~~حكم الآية وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في المضمضة والاستنشاق ~~إلا أن تكون صائما لا يجوز الاعتراض به على الآية في إثبات الزيادة لأنه ~~غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الواحد وقد حدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن بن العلاء قال حدثنا عبد الأعلى قال ~~حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء قال حدثنا ابن جريج عن عطاء قال سئلت عائشة عن ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإناء فيه ماء فتوضأ وكفا على يديه مرة وغسل وجهه مرة وغسل ذراعيه مرة ومسح ~~برأسه مرة وغسل قدميه مرة وقال هذا الوضوء الذي افترض الله علينا ثم أعاد ~~ذلك فقال من ضاعف ضاعف الله له ثم أعاد الثالثة فقال هذا وضوؤنا معشر ~~الأنبياء فمن زاد فقد أساء فأخبرت بوضوئه من غير مضمضة ولا استنشاق لأنه ~~قصد بيان المفروض منه ولو كان فرضا فيه لفعله # باب غسل اللحية وتخليلها $ # قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وقد بينا أن الوجه ما واجهك من الإنسان ~~فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة في ~~الأكثر كسائر الوجه وقد يقال أيضا خرج وجهه إذا خرجت لحيته فليس يمتنع أن ~~تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها ويحتمل أن يقال ليست من ~~الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه بعد ما كانت ~~البشرة ظاهرة دونه ولمن قال بالقول الأول أن يقول نبات الشعر عليه بعد ظهور ~~البشرة لا يخرجه من أن يكون من الوجه كما أن شعر الرأس من الرأس وقد قال ~~الله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ فلو ms1427 مسح على شعر رأسه من غير إبلاغ ~~الماء بشرته كان ماسحا على الرأس وفاعلا لمقتضى الآية عند جميع المسلمين ~~فكذلك نبات الشعر على الوجه لا يخرجه من أن يكون منه PageV03P341 ولمن يأبى ~~أن يكون من الوجه أن يفرق بينه وبين شعر الرأس أن شعر الرأس يوجد مع الصبي ~~حين يولد فهو بمنزلة الحاجب في كون كل واحد منهما من العضو الذي هو فيه ~~وشعر اللحية غير موجود معه في حال الولادة وإنما نبت بعدها فلذلك لم يكن من ~~الوجه وقد ذكر عن السلف اختلاف في غسل اللحية وتخليلها ومسحها فروى إسرائيل ~~عن جابر قال رأيت القاسم ومجاهدا وعطاء والشعبي يمسحون لحاهم وكذلك روي عن ~~طاوس وروى جرير عن زيد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال رأيته توضأ ولم أره ~~خلل لحيته وقال هكذا رأيت عليا رضي الله عنه توضأ وقال يونس رأيت أبا جعفر ~~لا يخلل لحيته فلم ير أحد من هؤلاء غسل اللحية واجبا ورى ابن جريج عن نافع ~~أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته ويغلغل بيديه في أصول شعرها حتى يكثر ~~القطر منها وكذلك روي عن عبيد بن عمير وابن سيرين وسعيد بن جبير فهؤلاء ~~كلهم روي عنهم غسل اللحية ولكنه لم يثبت عنهم أنهم رأوا ذلك واجبا كغسل ~~الوجه وقد كان ابن عمر متقصيا في أمر الطهارة كان يدخل الماء عينيه ويتوضأ ~~لكل صلاة وكان ذلك منه استحبابا لا إيجابا ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في ~~أن تخليل اللحية ليس بواجب # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته وروي عن أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خلل لحيته وقال بهذا أمرني ربي وروى عثمان وعمار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء وروى الحسن عن جابر قال ~~وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثا فرأيته يخلل ~~لحيته بأصابعه كأنها أسنان مشط قال أبو بكر وروي أخبار أخر في صفة وضوء ms1428 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر تخليل اللحية منها حديث عبد خير ~~عن علي وحديث عبدالله بن زيد وحديث الربيع بنت معوذ وغيرهم كلهم ذكر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاثا ولم يذكروا تخليل اللحية فيه ~~وغير جائز إيجاب تخليل اللحية ولا غسلها بالآية وذلك لأن الآية إنما أوجبت ~~غسل الوجه والوجه ما واجهك منه وباطن اللحية ليس من الوجه كداخل الفم ~~والأنف لما لم يكونا من الوجه لم يلزم تطهيرهما في الوضوء على جهة الوجوب ~~فإن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تخليلها أو غسلها كان ذلك منه ~~استحبابا لا إيجابا كالمضمضة والاستنشاق وذلك لأنه لما لم تكن في الآية ~~دلالة على وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن نزيد في الآية بخبر الواحد ~~وجميع ما روي من أخبار التخليل إنما هي أخبار PageV03P342 أحاد لا يجوز ~~إثبات الزيادة بها في نص القرآن وأيضا فإن التخليل ليس بغسل فلا يجوز أن ~~يكون موجبا بالآية ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التخليل ثبت أن ~~غسلها غير واجب لأنه لو كان واجبا لما تركه إلى التخليل وقد اختلف أصحابنا ~~في تخليل اللحية ومسحها # فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال سألته عن تخليل اللحية في ~~الوضوء فقال لا يخللها ويجزيه أن يمر بيده على ظاهرها قال فإنما مواضع ~~الوضوء منها الظاهر وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء وبه قال ابن أبي ليلى ~~قال أبو يوسف وأنا أخلل وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف في نوادره يمسح ما ~~ظهر من اللحية وإن كانت عريضة فإن لم يفعل فعليه الإعادة إن صلى وذكر ابن ~~شجاع عن الحسن عن زفر في الرجل يتوضأ أنه ينبغي له إذا غسل وجهه أن يمر ~~الماء على لحيته فإن أصاب لحيته من الماء قدر ثلث أو ربع أجزأه ذلك وإن كان ~~أقل من ذلك لم يجزه وهو قول أبي حنيفة وبه أخذ الحسن وقال أبو ms1429 يوسف يجزيه ~~إذا غسل وجهه أن لا يمس لحيته بشيء من الماء وقال ابن شجاع لما لم يلزمه ~~غسلها صار الموضع الذي ينبت عليه الشعر من الوجه بمنزلة الراس إذ لم يجب ~~غسله فكان الواجب مسحها كمسح الرأس فيجزي منه الربع كما قالوا في مسح الرأس ~~قال أبو بكر لا تخلو اللحية من أن تكون من الوجه فيلزمه غسلها كغسل بشرة ~~الوجه مما ليس عليه شعر وأن لا تكون من الوجه فلا يلزمه غسلها ولا مسحها ~~بالآية فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها دل ذلك على أنها ليست من الوجه ~~لأنها لو كانت منه لوجب غسلها ولما سقط غسلها لم يجز إيجاب مسحها لأن فيه ~~إثبات زيادة في الآية كما لم يجز إيجاب المضمضة والاستنشاق لما فيه من ~~الزيادة في نص الكتاب وأيضا لوجب مسحها كان فيه إثبات فرض المسح والغسل في ~~عضو واحد وهو الوجه من غير ضرورة وذلك خلاف الأصول فإن قيل قد يجتمع فرض ~~المسح والغسل في عضو واحد بأن يكون على يده جبائر فيمسح عليها ويغسل باقي ~~العضو قيل له إنما يجب للضرورة والعذر وليس في نبات اللحية ضرورة في ترك ~~الغسل والوجه بمنزلة سائر الأعضاء التي أوجب الله تعالى طهارتها فلا يجوز ~~اجتماع الغسل والمسح فيه من غير ضرورة ويقتضي ما قال أبو يوسف من سقوط فرض ~~غسلها ومسحها جميعا وإن كان المستحب إمرار الماء عليها قوله تعالى @QB@ ~~وأيديكم @QE@ إلى المرافق قال أبو بكر اليد اسم يقع على هذا العضو إلى ~~المنكب PageV03P343 والدليل على ذلك أن عمارا تيمم إلى المنكب وقال تيممنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب وكان ذلك لعموم قوله @QB@ ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولم ينكره عليه أحد من جهة اللغة بل هو ~~كان من أهل اللغة فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب فثبت بذلك أن الاسم ~~يتناولها إلى المنكب وإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك ثم ذكر التحديد فجعل ~~المرافق غاية كان ذكره لها لإسقاط ما وراءها من وجهين ms1430 أحدهما أن عموم اللفظ ~~ينتظم المرافق فيجب استعماله فيها إذ لم تقم الدلالة على سقوطها والثاني أن ~~الغاية لما كانت قد تدخل تارة ولا تدخل أخرى والموضع الذي دخلت الغاية فيه ~~قوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن @QE@ ووجود الطهر شرط في الإباحة ~~وقال @QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ ووجوده شرط فيه وإلى وحتى جميعا للغاية ~~والموضع الذي لا تدخل فيه نحو قوله @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ ~~والليل خارج منه فلما كان هذا هكذا وكان الحدث فيه يقينا لم يرتفع إلا ~~بيقين مثله وهو وجود غسل المرفقين إذ كانت الغاية مشكوكا فيها وأيضا روى ~~جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ المرفقين في ~~الوضوء أدار الماء عليهما وفعله ذلك عندنا على الوجوب لوروده مورد البيان ~~لأن قوله تعالى إلى المرافق لما احتمل دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار ~~مجملا مفتقرا إلى البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه ~~البيان فهو على الوجوب والذي ذكرنا من دخول المرافق في الوضوء هو قول ~~أصحابنا جميعا إلا زفر فإنه يقول إن المرافق غير داخلة في الوضوء وكذلك ~~الكعبان على هذا الخلاف # وقوله تعالى وامسحوا برؤسكم قال أبو بكر اختلف الفقهاء في المفروض من مسح ~~الرأس فروي عن أصحابنا فيه روايتان إحداهما ربع الرأس والأخرى مقدار ثلاثة ~~أصابع ويبدأ بمقدم الرأس وقال الحسن بن صالح يبدأ بمؤخر الرأس وقال ~~الأوزاعي والليث يمسح مقدم الرأس وقال مالك الفرض مسح جميع الرأس وإن ترك ~~القليل منه جاز وقال الشافعي الفرض مسح بعض رأسه ولم يحد شيئا وقوله تعالى ~~وامسحوا برؤسكم يقتضي مسح بعضه وذلك لأنه معلوم أن هذه الأدوات موضوعة ~~لإفادة المعاني فمتى أمكننا استعالها على فوائد مضمنة بها وجب استعمالها ~~على ذلك وإن كان قد يجوز دخولها في بعض المواضع صلة للكلام وتكون ملغاة نحو ~~من هي مستعملة على معان منها التبعيض ثم قد تدخل في الكلام وتكون ~~PageV03P344 ملغاة وجودها وعدمها سواء ومتى أمكننا استعمالها على وجه ms1431 ~~الفائدة وما هي موضوعة له لم يجز لنا إلغاؤها قلنا من أجل ذلك إن الباء ~~للتبعيض وإن جاز وجودها في الكلام على أنها ملغاة ويدل على أنها للتبعيض ~~أنك إذا قلت مسحت يدي بالحائط كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه ولو قلت ~~مسحت الحائط كان المعقول مسحه جميعه دون بعضه فقد وضح الفرق بين إدخال ~~الباء وبين إسقاطها في العرف واللغة فوجب إذا كان ذلك كذلك أن نحمل قوله ~~@QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ على البعض حتى نكون قد وفينا الحرف حظه من ~~الفائدة وأن لا نسقطه فتكون ملغاة يستوي دخولها وعدمها والباء وإن كانت ~~تدخل للإلصاق كقوله كتبت بالقلم ومررت بزيد فإن دخولها للإلصاق لا ينافي ~~كونها مع ذلك للتبعيض فنستعمل الأمرين فنكون مستعملا للإلصاق في البعض ~~المفروض طهارته # ويدل على أنها للتبعيض ما روى عمر بن علي بن مقدم عن إسماعيل بن حماد عن ~~أبيه حماد عن إبراهيم في قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ قال إذا مسح ~~ببعض الرأس أجزأه قال ولو كانت امسحوا رؤسكم كان مسح الرأس كله فأخبر ~~إبراهيم أن الباء للتبعيض وقد كان من أهل اللغة مقبول القول فيها ويدل على ~~أنه قد أريد بها التبعيض في الآية اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من ~~الرأس في المسح والاقتصار على البعض وهذا هو استعمال اللفظ على التبعيض ~~وقول مخالفنا بإيجاب مسح الأكثر لا يعصمه من أن يكون مستعملا للفظ على ~~التبعيض إلا أنه زعم أن ذلك البعض ينبغي أن يكون المقدار الذي ادعاه وإذا ~~ثبت أن المراد البعض باتفاق الجميع احتاج إلى دلالة في إثبات المقدار الذي ~~حده # فإن قيل لو كانت الباء للتبعيض لما جاز أن تقول مسحت رأسي كله كما لا ~~تقول مسحت ببعض رأسي كله # قيل له قد بينا أن حقيقتها ومقتضاها إذا أطلقت التبعيض مع احتمال كونها ~~ملغاة فإذا قال مسحت برأسي كله علمنا أنه أراد أن تكون الباء ملغاة وإذا لم ~~يقل ذلك فهي محمولة على حقيقتها للتبعيض وقد توجد صلة الكلام فتكون ملغاة ms1432 ~~في نحو قوله تعالى @QB@ ما لكم من إله غيره @QE@ @QB@ يغفر لكم من ذنوبكم ~~@QE@ ولا يجب من أجل ذلك أن نجعلها ملغاة في كل موضع إلا بدلالة # وقد روي نحو قولنا في جواز مسح بعض الرأس عن جماعة من السلف منهم ابن عمر ~~روى عنه نافع أنه مسح مقدم رأسه وعن عائشة مثل ذلك وقال الشعبي أي جانب ~~رأسك مسحت أجزأك وكذلك قال PageV03P345 إبراهيم # ويدل على صحة قول القائلين بفرض البعض ما حدثنا أبو الحسن عبيدالله بن ~~الحسين الكرخي قال حدثنا إبراهيم الحربي قال حدثنا محمد بن الصباح قال ~~حدثنا هشيم قال حدثنا يونس عن ابن سيرين قال أخبرني عمرو بن وهب قال سمعت ~~المغيرة بن شعبة يقول خصلتان لا أسأل عنهما أحدا بعد ما شهدت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنا كنا معه في سفر فنزل لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ~~ناصيته وجانبي عمامته وروى سليمان التيمي عن بكر بن عبدالله المزني عن ابن ~~المغيرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ومسح على ~~ناصيته ووضع يده على العمامة أو مسح على العمامة وحدثنا عبيدالله بن الحسين ~~قال حدثنا محمد بن سليمان الحضرمي قال حدثنا كردوس بن أبي عبيدالله قال ~~حدثنا المعلى بن عبدالرحمن قال حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن عطاء عن ابن ~~عباس قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه مسحة واحدة بين ~~ناصيته وقرنه فثبت بما ذكرنا من ظاهر الكتاب والسنة أن المفروض مسح بعض ~~الرأس فإن قيل يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر على مسح ~~الناصية لضرورة أو كان وضوء من لم يحدث قيل له إنه لو كان هناك ضرورة لنقلت ~~كما نقل غيره وأما كونه وضوء من لم يحدث فإنه تأويل ساقط لأن في حديث ~~المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم توضأ ومسح على ~~ناصيته ولو ساغ هذا التأويل في مسح الناصية لساغ في المسح ms1433 على الخفين حتى ~~يقال إنه مسح لضرورة أو كان وضوء من لم يحدث # واحتج من قال بمسح الجميع بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح ~~مقدم رأسه ومؤخره قال فلو كان المفروض بعضه لما مسح النبي صلى الله عليه ~~وسلم جميعه ولوجب أن يكون من مسح جميع رأسه متعديا وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال من زاد فقد اعتدى وظلم # فيقال له لا يمتنع أن يكون المفروض البعض والمسنون الجميع كما أن المفروض ~~في الأعضاء المغسولة مرة والمسنون ثلاثا فلا يكون الزائد على المفروض ~~معتديا إذا أصاب السنة وكما أن المفروض من المسح على الخفين هو بعض ظاهرهما ~~ولو مسح ظاهرهما وباطنهما لم يكن معتديا وكما أن فرض القراءة على قولنا آية ~~وعلى قول مخالفينا فاتحة الكتاب والمسنون عند الجميع قراءة فاتحة الكتاب ~~وشيء معها والمفروض من غسل الوجه ظاهره والمسنون غسل ذلك والمضمضة ~~والاستنشاق والمفروض مسح PageV03P346 الرأس والمسنون مسح الأذنين معه وكما ~~يقول مخالفنا إن المفروض من مسح الرأس هو الأكثر وإن ترك القليل جائز ولو ~~مسح الجميع لم يكن متعديا بل كان مصيبا كذلك نقول إن المفروض مسح البعض ~~والمسنون مسح الجميع وإنما قال أصحابنا إن المفروض مقدار ثلاثة أصابع في ~~إحدى الروايتين وهي رواية الأصل وفي رواية لحسن بن زياد الربع فإن وجه ~~تقدير ثلاث اصابع أنه لما ثبت أن المفروض البعض بما قدمنا وكان ذلك البعض ~~غير مذكور المقدار في الآية احتجنا فيه إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته كان فعله ذلك ~~واردا مورد البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان ~~فهو على الوجوب كفعله لأعداد ركعات الصلاة وأفعالها فقدروا الناصية بثلاث ~~أصابع وقد روي عن ابن عباس أنه مسح بين ناصيته وقرنه # فإن قيل فقد روي أنه مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر فينبغي أن يكون ذلك ms1434 ~~واجبا # قيل له معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك المفروض وجائز أن يفعل ~~غير المفروض على أنه مسنون فلما روي عنه الاقتصار على مقدار الناصية في حال ~~وروي عنه استيعاب الرأس في أخرى استعملنا الخبرين وجعلنا المفروض مقدار ~~الناصية إذ لم يرو عنه أنه مسح أقل منها وما زاد عليها فهو مسنون وأيضا لو ~~كان المفروض أقل من مقدار الناصية لاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في حال ~~بيانا للمقدار المفروض كما اقتصر على مسح الناصية في بعض الأحوال فلما لم ~~يثبت عنه أقل من ذلك دل على أنه هو المفروض فإن قيل لو كان فعله ذلك على ~~وجه البيان لوجب أن يكون المفروض موضع الناصية دون غيره من الرأس كما ~~جعلتها بيانا للمقدار ولم تجز أقل منها فلما جاز عند الجميع من القائلين ~~بجواز مسح بعض الرأس ترك مسح الناصية إلى غيرها من الرأس دل ذلك على أن ~~فعله ذلك غير موجب للاقتصار على مقداره قيل له قد كان ظاهر فعله يقتضي ذلك ~~لولا قيام الدلالة على أن مسح غير الناصية من الرأس يقوم مقام الناصية فلم ~~يوجب تعيين الفرض فيها وبقي حكم فعله في المقدار على ما اقتضاه ظاهر بيانه ~~بفعله فإن قيل لما كان قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ مقتضيا مسح ~~بعضه فأي بعض مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر قيل له إذا كان ذلك البعض ~~مجهولا صار مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الإجمال ألا ترى أن قوله تعالى ~~@QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ وقوله @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ وقوله @QB@ ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ PageV03P347 كلها ~~مجملة لجهالة مقاديرها في حال ورودها وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما يقع ~~عليه الاسم منها فكذلك قوله تعالى برؤسكم وإن اقتضى البعض فإن ذلك البعض ~~لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان فما ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله به ودليل آخر ms1435 وهو ~~أن سائر أعضاء الوضوء لما كان المفروض منها مقدار وجب أن يكون كذلك حكم مسح ~~الرأس لأنه من أعضاء الوضوء وهذا يحتج به على مالك والشافعي جميعا لأن ~~مالكا يوجب مسح الأكثر ويجيز ترك القليل منه فيحصل المفروض مجهول المقدار ~~والشافعي يقول كل ما وقع عليه اسم المسح جاز وذلك مجهول القدر وما قلنا من ~~مقدار ثلاثة أصابع فهو معلوم وكذلك الربع في الرواية الأخرى فهو موافق لحكم ~~أعضاء الوضوء من كون المفروض منها معلوم القدر وقول مخالفينا على خلاف ~~المفروض من أعضاء الوضوء ويجوز أن نجعل ذلك ابتداء دليل في المسألة من غير ~~اعتبار له بمقدار الناصية وذلك بأن نقول لما وجب أن يكون المفروض في مقدار ~~المسح مقدرا اعتبارا بسائر أعضاء الوضوء ثم لم يقدره أحد بغير ما ذكرنا من ~~مقدار ثلاثة أصابع أو مقدار ربع الرأس وجب أن يكون هذا هو المفروض من ~~المقدار # فإن قيل ما أنكرت أن يكون مقدرا بثلاث شعرات # قيل له هذا محال لأن مقدار ثلاث شعرات لا يمكن المسح عليه دون غيره وغير ~~جائز أن يكون المفروض ما لا يمكن الاقتصار عليه وأيضا فهو قياس على المسح ~~على الخفين لما كان مقدرا بالأصابع وبه وردت السنة وهو مس بالماء وجب أن ~~يكون مسح الرأس مثله وأما وجه رواية من روى الربع فهو أنه لما ثبت أن ~~المفروض البعض وأن مسح شعرة لا يجزي وجب اعتبار المقدار الذي يتناوله الاسم ~~عند الإطلاق إذا أجرى على الشخص وهو الربع لأنك تقول رأيت فلانا والذي يليك ~~منه الربع فيطلق عليه الاسم فلذلك اعتبروا الربع واعتبروا أيضا في حلق ~~الرأس الربع لا خلاف بينهم فيه أنه يحل به المحرم إذا حلقه ولا يحل عند ~~أصحابنا بأقل منه فلذلك يوجبون به ما إذا حلقه في الإحرام # واختلف الفقهاء في مسح الرأس بأصبع واحدة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~لا يجوز مسحه بأقل من ثلاث أصابع وإن مسحه بإصبع أو إصبعين ومدها حتى يكون ~~الممسوح مقدار ms1436 ثلاثة أصابع لم يجز وقال الثوري وزفر والشافعي يجزيه غلا أن ~~زفر يعتبر الربع والأصل في ذلك أنه لا يجزي في PageV03P348 مفروض المسح نقل ~~الماء من موضع إلى موضع وذلك لأن المقصد فيه إمساس الماء الموضع لا إجراؤه ~~عليه فإذا وضع إصبعا فقد حصل ذلك الماء ممسوحا به فغير جائز مسح موضع غيره ~~به وليس كذلك الأعضاء المغسولة لأنه لو مسحها بالماء ولم يجره عليها لم ~~يجزه فلا يحصل معنى الغسل إلا بجريان الماء على العضو وانتقاله من موضع إلى ~~موضع فلذلك لم يكن مستعملا بحصوله من موضع وانتقاله إلى غيره من ذلك العضو ~~وأما المسح فلو اقتصر فيه على إمساس الماء الموضع من غير جري لجاز فلما ~~استغنى عن إجرائه على العضو في صحة أداء الفرض لم يجز نقله إلى غيره فإن ~~قيل فلو صب على رأسه ماء وجرى عليه حتى استوفى منه مقدار ثلاثة أصابع أجزى ~~عن المسح مع انتقاله من موضع إلى غيره فهلا أجزته أيضا إذا مسح بإصبع واحدة ~~ونقله إلى غيره قيل له من قبل أن صب الماء غسل وليس بمسح والغسل يجوز نقل ~~الماء فيه من موضع إلى غيره وأما إذا وضع إصبعه عليه فهذا مسح فلا يجوز أن ~~يمسح بها موضعا غيره وأيضا فإن الماء الذي يجري عليه بالصب والغسل يتسع ~~للمقدار المفروض كله وما على إصبع واحدة من الماء لا يتسع للمقدار المفروض ~~وإنما يكفي لمقدار الإصبع فإذا جره إلى غيره فإنما نقل إليه ماء مستعملا في ~~غيره فلا يجوز له ذلك # | باب غسل الرجلين # قال الله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ قال أبو ~~بكر قرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير @QB@ وأرجلكم @QE@ بالخفض ~~وتأولوها على المسح وقرأ علي وعبدالله بن مسعود وابن عباس في رواية ~~وإبراهيم والضحاك ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب وكانوا ~~يرون غسلها واجبا والمحفوظ عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلها بالمسح ولست ~~أحفظ عن غيره ممن أجاز المسح من السلف هو على الاستيعاب ms1437 أو على البعض وقال ~~قوم يجوز مسح البعض ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن المراد الغسل وهاتان ~~القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعا ونقلتهما الأمة تلقيا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح ~~بعطفها على الرأس ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الأعضاء ~~وذلك لأن قوله @QB@ وأرجلكم @QE@ بالنصب يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم ~~ويحتمل أن يكون PageV03P349 معطوفا على الرأس فيراد بها المسح وإن كانت ~~منصوبة فيكون معطوفا على المعنى لا على اللفظ لأن الممسوح به مفعول به كقول ~~الشاعر % معاوية إننا بشر فاسجح % فلسنا بالجبال ولا الحديدا % # | فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى ويحتمل قراءة الخفض أن تكون ~~معطوفة على الرأس فيراد به المسح ويحتمل عطفه على الغسل ويكون مخفوضا ~~بالمجاورة كقوله تعالى @QB@ يطوف عليهم ولدان مخلدون @QE@ ثم قال @QB@ وحور ~~عين @QE@ فخفضهن بالمجاورة وهن معطوفات في المعنى على الولدان لأنهن يطفن ~~ولا يطاف بهن وكما قال الشاعر % فهل أنت إن ماتت أتانك راكب % إلى آل بسطام ~~بن قيس فخاطب % # فخفض خاطبا بالمجاورة وهو معطوف على المرفوع من قوله راكب والقوافي ~~مجرورة ألا ترى إلى قوله % فنل مثلها في مثلهم أو فلمهم % على دارمى بين ~~ليلى وغالب % $ فثبت بما وصفنا احتمال كل واحد من القراءتين للمسح والغسل ~~فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثه إما أن يقال إن المراد هما جميعا ~~مجموعان فيكون عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما أو أن يكون أحدهما على وجه ~~التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض أو يكون المراد ~~أحدهما بعينه لا على وجه التخيير وغير جائز أن يكونا هما جميعا على وجه ~~الجمع لاتفاق الجميع على خلافه ولا جائز أيضا أن يكون المراد أحدهما على ~~وجه التخيير إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه ولو جاز إثبات ~~التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع ~~فيظل ms1438 التخيير بما وصفنا وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلا أن يكون ~~المراد أحدهما لا على وجه التخيير فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما ~~فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد ~~أدى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح # فثبت أن المراد الغسل وأيضا فإن اللفظ لما وقف الموقف الذي ذكرنا من ~~احتماله لكل واحد من المعنيين مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما صار في ~~حكم المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من فعل أو قول علمنا أنه مراد الله تعالى وقد ورد البيان عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالغسل قولا وفعلا فأما وروده من جهة ~~PageV03P350 الفعل فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم غسل رجليه في الوضوء ولم يختلف الأمة فيه فصار فعله ذلك واردا ~~مورد البيان وفعله إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب فثبت أن ذلك هو ~~مراد الله تعالى بالآية وأما من جهة القول فما روى جابر وأبو هريرة وعائشة ~~وعبدالله بن عمر وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم ~~لم يصبها الماء فقال ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء وتوضأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرة مرة فغسل رجليه وقال هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة ~~إلا به فقوله ويل للأعقاب من النار وعيد لا يجوز أن يستحق إلا بترك الفرض ~~فهذا يوجب استيعاب الرجل بالطهارة ويبطل قول من يجيز الاقتصار على البعض ~~وقوله صلى الله عليه وسلم أسبغوا الوضوء وقوله بعد غسل الرجلين هذا وضوء من ~~لا يقبل الله له صلاة إلا به يوجب استيعابهما بالغسل لأن الوضوء اسم للغسل ~~يقتضي إجراء الماء على الموضع والمسح لا يقتضي ذلك وفي الخبر الآخر إخبار ~~أن الله تعالى لا يقبل الصلاة إلا بغسلهما وأيضا فلو كان المسح جائزا لما ~~أخلاه النبي صلى الله ms1439 عليه وسلم من بيانه إذ كان مراد الله في المسح كهو في ~~الغسل فكان يجب أن يكون مسحه في وزن غسله فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده ~~في الغسل ثبت أن المسح غير مراد وأيضا فإن القراءتين كالآيتين في إحداهما ~~الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين فلو وردت آيتان إحداهما توجب ~~الغسل والأخرى المسح لما جاز ترك الغسل إلى المسح لأن في الغسل زيادة فعل ~~وقد اقتضاه الأمر بالغسل فكان يكون حينئذ يجب استعمالهما على أعمهما حكما ~~وأكثرهما فائدة وهو الغسل لأنه يأتي على المسح والمسح لا ينتظم الغسل وأيضا ~~لما حدد الرجلين بقوله تعالى @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ كما قال @QB@ ~~وأيديكم إلى المرافق @QE@ دل على استيعاب الجميع كما دل ذكر الأيدي إلى ~~المرافق على استيعابهما بالغسل # فإن قيل قد روى علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ومسح ~~على قدميه ونعليه # قيل له لا يجوز قبول أخبار الآحاد فيه من وجهين أحدهما لما فيه من ~~الاعتراض به على موجب الآية من الغسل على ما قد دللنا عليه والثاني أن ~~أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله لعموم الحاجة إليه وقد روي عن علي أنه قرأ ~~@QB@ وأرجلكم @QE@ بالنصب وقال المراد الغسل فلو كان عنده عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جواز المسح والاقتصار عليه دون الغسل لما قال إن مراد الله ~~الغسل وأيضا فإن الحديث الذي روي عن علي في ذلك قال PageV03P351 فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا وضوء من لم يحدث وهو حديث شعبة عن عبدالملك ~~بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن عليا صلى الظهر ثم قعد في الرحبة فلما حضرت ~~العصر دعا بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه وذراعيه ومسح برأسه ورجليه وقال ~~هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل وقال هذا وضوء من لم يحدث ولا ~~خلاف في جواز مسح الرجلين في وضوء من لم يحدث وأيضا لما احتملت الآية الغسل ~~والمسح استعملناها على الوجوب في أن الحالين الغسل ms1440 في حال ظهور الرجلين ~~والمسح في حال لبس الخفين # فإن قيل لما سقط فرض الرجل في حال التيمم كما سقط الرأس دل على أنها ~~ممسوحة غير مغسولة قيل له فهذا يوجب أن لا يكون الغسل مرادا ولا خلاف أنه ~~إذا غسل فقد فعل المفروض ولم تختلف الأمة أيضا في نقل الغسل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأيضا فإن غسل البدن كله يسقط في الجنابة إلى التيمم عند ~~عدم الماء وقام التيمم في هذين العضوين مقام غسل سائر الأعضاء كذلك جائز أن ~~يقوم مقام غسل الرجلين وإن لم يجب التيمم فيها # # | فصل وقد اختلف في الكعبين ما هما فقال جمهور أصحابنا وسائر أهل العلم ~~الناتئان بين مفصل القدم والساق وحكى هشام عن محمد أنه مفصل القدم الذي يقع ~~عليه عقد الشراك على ظهر القدم والصحيح هو الأول لأن الله تعالى قال @QB@ ~~وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ فدل ذلك أن في كل رجل كعبين ولو كان في كل رجل ~~كعب واحد لقال إلى الكعاب كما قال تعالى @QB@ إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما @QE@ لما كان لكل واحد قلب واحد أضافهما إليهما بلفظ الجميع فلما ~~أضافهما إلى الأرجل بلفظ التثنية دل على أن في كل رجل كعبين ويدل عليه أيضا ~~ما حدثنا من لا أتهم قال حدثنا عبدالله بن محمد بن شيرويه قال حدثنا إسحاق ~~بن راهويه قال حدثنا الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن جامع ~~بن شداد عن طارق بن عبدالله المحاربي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا ~~إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه ~~وهو يقول يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب فقلت من هذا فقالوا ابن ~~عبدالمطلب قلت فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة قالوا هذا عبد العزى أبو ~~لهب وهذا يدل على أن الكعب هو العظم الناتئ في جانب القدم لأن الرمية ms1441 إذا ~~كانت من وراء الماشي لا يضرب ظهر القدم قال وحدثنا عبدالله بن محمد بن ~~شيرويه قال أخبرنا PageV03P352 وكيع قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ~~القاسم الجدلي قال سمعت النعمان بن بشير يقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم أو وجوهكم قال فلقد رأيت ~~الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه وهذا يدل على أن الكعب ~~ما وصفنا والله أعلم # ذكر الخلاف في المسح على الخفين $ # قال أصحابنا جميعا والثوري والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي يمسح ~~المقيم على الخفين يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وروي عن مالك ~~والليث أنه لا وقت للمسح على الخفين إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان يمسح ما ~~بدا له قال مالك والمقيم والمسافر في ذلك سواء وأصحابه يقولون هذا هو ~~الصحيح من مذهبه وروى عنه ابن القاسم أن المسافر يمسح ولا يمسح المقيم وروى ~~ابن القاسم أيضا عن مالك أنه المسح على الخفين قال أبو بكر قد ثبت المسح ~~على الخفين عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق التواتر والاستفاضة من حيث ~~يوجب العلم ولذلك قال أبو يوسف إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود ~~المسح على الخفين في الاستفاضة وما دفع أحد من الصحابة من حيث نعلم المسح ~~على الخفين ولم يشك أحد منهم في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مسح وإنما ~~اختلف في وقت مسحه أكان قبل نزول المائدة أو بعدها فروي المسح موقتا للمقيم ~~يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمر ~~وعلي وصفوان بن عسال وخزيمة بن ثابت وعوف بن مالك وابن عباس وعائشة ورواه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم غير موقت سعد بن أبي وقاص وجرير بن عبدالله ~~البجلي وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وأبو أيوب الأنصاري وسهل بن سعد ~~وأنس بن مالك وثوبان وعمرو بن أمية عن أبيه وسليمان بن بريدة عن أبيه عن ~~النبي صلى الله ms1442 عليه وسلم وروى الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير بن ~~عبدالله قال قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه قال ~~الأعمش قال إبراهيم كانوا معجبين بحديث جرير لأنه أسلم بعد نزول المائدة ~~ولما كان ورود هذه الأخبار على الوجه الذي ذكرنا من الاستفاضة مع كثرة عدد ~~ناقليها وامتناع التواطؤ والسهو والغفلة عليهم فيها وجب استعمالها مع حكم ~~الآية وقد بينا أن في الآية احتمالا للمسح فاستعملناه في حال لبس الخفين ~~واستعملنا الغسل في حال ظهور PageV03P353 الرجلين فلا فرق بين أن يكون مسح ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول المائدة أو بعدها من قبل أنه إن كان مسح ~~قبل نزول الاية فالآية مرتبة عليه غير ناسخة له لاحتمالها ما يوجب موافقته ~~من المسح في حال لبس الخفين ولأنه لو لم يكن فيها احتمال لموافقة الخبر ~~لجاز أن تكون مخصوصة به فيكون الأمر بالغسل خاصا في حال ظهور الرجلين دون ~~حال لبس الخفين وإن كانت الآية متقدمة للمسح فإنما جاز المسح لموافقة ما ~~احتملته الآية ولا يكون ذلك نسخا ولكنه بيان للمراد بها وإن كان جائزا نسخ ~~الآية بمثله لتواتره وشيوعه ومن حيث ثبت المسح على الخفين ثبت التوقيت فيه ~~للمقيم والمسافر على ما بينا لأن بمثل الأخبار الواردة في المسح مطلقا ثبت ~~التوقيت أيضا فإن بطل التوقيت بطل المسح وإن ثبت المسح ثبت التوقيت # فإن احتج المخالف في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعقبة بن عامر ~~حين قدم عليه وقد مسح على خفيه جمعة أصبت السنة وبما روى حماد بن زيد عن ~~كثير بن شنظير عن الحسن أنه سئل عن المسح على الخفين في السفر فقال كنا ~~نسافر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوقتون # قيل له قد روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال لابنه عبدالله حين أنكر على ~~سعد المسح على الخفين يا بني عمك أفقه منك للمسافر ثلاثة أيام ولياليها ~~وللمقيم يوم وليلة ms1443 وسويد بن غفلة عن عمر أنه قال ثلاثة أيام ولياليها ~~للمسافر ويوم وليلة للمقيم وقد ثبت عن عمر التوقيت على الحد الذي بيناه ~~فاحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة حين مسح على خفيه جمعة أصبت ~~السنة يعني أنك أصبت السنة في المسح وقوله إنه مسح جمعة إنما عنى به أنه ~~مسح جمعة على الوجه الذي يجوز عليه المسح كما يقول القائل مسحت شهرا على ~~الخفين وهو يعني على الوجه الذي يجوز فيه المسح لأنه معلوم أنه لم يرد به ~~أنه مسح جمعة دائما لا يفتر وإنما أراد به المسح في الوقت الذي يحتاج فيه ~~إلى المسح كذلك إنما أراد الوقت الذي يجوز فيه المسح وكما تقول صليت الجمعة ~~شهرا بمكة والمعنى في الأوقات التي يجوز فيها فعل الجمعة وأما قول الحسن أن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين سافر معهم كانوا لا يوقتون فإنه إنما ~~عنى به والله أعلم أنهم ربما خلعوا الخفاف فيما بين يومين أو ثلاثة وأنهم ~~لم يكونوا يداومون على مسح الثلاث حسبما قد جرت به العادة من الناس إنهم ~~ليسوا يكادون يتركون خفافهم لا ينزعون ثلاثا فلا دلالة فيه على أنهم كانوا ~~يمسحون أكثر من ثلاث فإن قيل في حديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال المسح على PageV03P354 الخفين للمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليها وللمقيم يوم وليلة ولو استزدناه لزادنا وفي حديث أبي ابن عمارة ~~أنه قال يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم قال يوما قال ويومين قال ~~وثلاثة قال نعم وما شئت وفي حديث آخر قال حتى بلغ سبعا # قيل له أما حديث خزيمة وما قيل فيه ولو استزدناه لزادنا فإنما هو ظن من ~~الراوي والظن لا يغني من الحق شيئا وأما حديث أبي بن عمارة فقد قيل إنه ليس ~~بالقوي وقد اختلف في سنده ولو ثبت كان قوله وما شئت على أنه يمسح بالثلاث ~~ما شاء وغير جائز الاعتراض على إخبار التوقيت بمثل ms1444 هذه الأخبار الشاذة ~~المحتمله للمعاني مع استفاضة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتوقيت ~~فإن قيل لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس # قيل له لا حظ للنظر مع الأثر فإن كانت أخبار التوقيت ثابتة فالنظر معها ~~ساقط وإن كانت غير ثابتة فالاكلام حينئذ ينبغي أن يكون في إثباتها وقد ثبت ~~التوقيت بالأخبار المستفيضة من حيث لا يمكن دفعها وأيضا فإن الفرق بينهما ~~ظاهر من طريق ا لنظر وهو أن مسح الرأس هو المفروض في نفسه وليس ببدل عن ~~غيره والمسح على الخفين يدل عن الغسل مع إمكانه من غير ضرورة فلم يجز ~~إثباته بدلا إلا في المقدار الذي ورد به التوقيت فإن قيل قد جاز المسح على ~~الجبائر بغير توقيت وهو بدل عن الغسل قيل له أما على مذهب أبي حنيفة فهذا ~~السؤال ساقط لأنه لا يوجب المسح على الجبائر وهو عنده مستحب تركه لا يضر ~~وعلى قول أبي يوسف ومحمد أيضا لا يلزم لأنه إنما يفعله عند الضرورة كالتيمم ~~والمسح على الخفين جائز بغير ضرورة فلذلك اختلفا فإن قيل ما أنكرت أن يكون ~~جواز المسح مقصورا على السفر لأن الأخبار وردت فيه وأن لا يجوز في الحضر ~~لما روي أن عائشة سئلت عن ذلك فقالت سلوا عليا فإنه كان معه في أسفاره وهذا ~~يدل على أنه لم يمسح في الحضر لأن مثله لا يخفى على عائشة # قيل له يحتمل أن تكون سئلت عن توقيت المسح للمسافر فأحالت به على علي رضي ~~الله عنه وأيضا فإن عائشة أحد من روى توقيت المسح للمسافر والمقيم جميعا ~~وأيضا فإن الأخبار التي فيها توقيت مسح المسافر فيها توقيته للمقيم فإن ثبت ~~للمسافر ثبت للمقيم # فإن قيل تواترت الأخبار بغسله في الحضر وقوله ويل للعراقيب من النار قيل ~~له إنما ذلك في حال ظهور الرجلين # فإن قيل جائز أن يختص حال السفر بالتخفيف دون حال الحضر كالقصر والتيمم ~~والإفطار # قيل له لم نبح المسح للمقيم ولا للمسافر PageV03P355 قياسا وإنما ms1445 أبحناه ~~بالآثار وهي متساوية فيما يقتضيه من المسح في السفر والحضر فلا معنى ~~للمقايسة واختلف الفقهاء أيضا في المسح من وجه آخر فقال أصحابنا إذا غسل ~~رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح إذا أحدث وهو قول ~~الثوري وروي عن مالك مثله وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي أنه لا يجزيه إلا ~~أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة ودليل أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق بين ~~لبسه قبل إكمال الطهارة وبعدها وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم توضأ فأهويت إلى خفيه لأنزعهما فقال مه فإني أدخلت ~~القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما وروي عن عمر بن الخطاب قال إذا ~~أدخلت قدميك الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما ومن غسل رجليه فقد طهرتا قبل ~~إكمال طهارة سائر الأعضاء كما يقال غسل رجليه وكما يقال صلى ركعة وإن لم ~~يتم صلاته وأيضا فإن من لا يجيز ذلك فإنما يأمره بنزع الخفين ثم لبسهما ~~كذلك بقاؤهما في رجليه لحين المسح لأن استدامة اللبس بمنزلة ابتدائه # واختلف في المسح على الجوربين فلم يجزه أبو حنيفة والشافعي إلا أن يكونا ~~مجلدين وحكى الطحاوي عن مالك أنه لا يمسح وإن كانا مجلدين وحكى بعض أصحاب ~~مالك عنه أنه لا يمسح إلا أن يكونا مجلدين كالخفين وقال الثوري وأبو يوسف ~~ومحمد والحسن بن صالح يمسح إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مجلدين والأصل فيه ~~أنه قد ثبت أن مراد الآية الغسل على ما قدمنا فلو لم ترد الآثار المتواترة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين لما أجزنا المسح فلما ~~وردت الآثار الصحاح واحتجنا إلى استعمالها مع الآية استعملناها معها على ~~موافقة الآية في احتمالها للمسح وتركنا الباقي على مقتضى الآية ومرادها ~~ولما لم ترد الآثار في جواز المسح على الجوربين في وزن ورودها في المسح على ~~الخفين بقينا حكم الغسل على مراد الآية ولم ms1446 ننقله عنه # فإن قيل روى المغيرة بن شعبة وأبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ~~على جوربيه ونعليه قل له يحتمل أنهما كانا مجلدين فلا دلالة فيه على موضع ~~الخلاف إذ ليس بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعل لا نعلم حاله وأيضا يحتمل أن ~~يكون وضوء من لم يحدث كما مسح على رجليه وقال هذا وضوء من لم يحدث ومن جهة ~~النظر اتفاق الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة إذ ليس في العادة ~~المشي فيها كذلك الجوربان وأما إذا كانا مجلدين فهما بمنزلة الخفين ويمشى ~~فيهما وبمنزلة PageV03P356 الجرموقين ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه إذا ~~كان كله مجلدا جاز المسح ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلدا أو بعضه بعد أن ~~يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف واختلف في المسح على العمامة فقال ~~أصحابنا ومالك والحسن بن صالح والشافعي لا يجوز المسح على العمامة ولا على ~~الخمار وقال الثوري والأوزاعي يمسح على العمامة والدليل على صحة القول ~~الأول قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ~~ومباشرته وماسح العمامة غير ماسح برأسه فلا تجزيه صلاته إذا صلى به وأيضا ~~فإن الآثار متواترة في مسح الرأس فلو كان المسح على العمامة جائزا لورد ~~النقل به متواترا في وزن وروده في المسح على الخفين فلما لم يثبت عنه مسح ~~العمامة من جهة التواتر لم يجز المسح عليها من وجهين أحدهما أن الآية تقتضي ~~مسح الرأس فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم والثاني عموم الحاجة ~~إليه فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار وأيضا حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله ~~له صلاة إلا به ومعلوم أنه مسح برأسه لأن مسح العمامة لا يسمى وضوء ثم نفى ~~جواز الصلاة إلا به وحديث عائشة الذي قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توضأ مرة مرة ومسح برأسه ثم قال هذا الوضوء الذي افترض الله ms1447 علينا فأخبر أن ~~مسح الرأس بالماء هو المفروض علينا فلا تجزي الصلاة إلا به # وإن احتجوا بما روى بلال والمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسح على الخفين والعمامة وما روى راشد بن سعد عن ثوبان قال بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سريه فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين # قيل لهم هذه أخبار مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون ولو استقامت ~~أسانيدها لما جاز الاعتراض بمثلها على الآية وقد بينا في حديث المغيرة بن ~~شعبة أنه مسح على ناصيته وعمامته وفي بعضها على جانب عمامته وفي بعضها وضع ~~يده على عمامته فأخبر أنه فعل المفروض في مسح الناصية ومسح على العمامة ~~وذلك جائز عندنا ويحتمل ما رواه بلال ما بين في حديث المغيرة وأما حديث ~~ثوبان فمحمول على معنى حديث المغيرة أيضا بأن مسحوا على بعض الرأس وعلى ~~العمامة والله أعلم # | باب الوضوء مرة مرة # قال الله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية الذي يقتضيه ظاهر اللفظ ~~غسلها مرة PageV03P357 واحدة إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل ~~فمن غسل مرة فقد أدى الفرض وبه وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا ~~الوضوء الذي افترض الله علينا وروى ابن عباس وجابر ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم توضأ مرة مرة وقال أبو رافع توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ~~ثلاثا ومرة مرة # قال أبو بكر فما نص الله تعالى عليه في هذه الآية هو فرض الوضوء على ما ~~بيناه وفيه أشياء مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا ~~عبدالله بن الحسن قال حدثنا أبو مسلم قال حدثنا أبو الوليد قال حدثنا زائدة ~~قال حدثنا خالد بن علقمة عن عبدالخير قال دخل على الرحبة بعد ما صلى الفجر ~~فجلس في الرحبة ثم قال لغلامه إيتني بطهور ms1448 فأتاه الغلام بإناء وطست قال ~~عبدالخير ونحن جلوس ننظر إليه فأخذ بيده اليمنى الإناء فأكفاه على يده ~~اليسرى ثم غسل كفيه ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى فغسل ~~كفيه ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى الإناء فلما ملأ كفه تمضمض واستنشق ونثر ~~بيده اليسرى فغسل ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى إلى ~~المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاث مرات ثم أدخل يديه ~~الإناء حتى غمرهما بالماء ثم رفعهما بما حملتا ثم مسح رأسه بيده كلتيهما ثم ~~صب بيديه اليمنى على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ثم صب ~~بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ثم أخذ غرفة ~~بكفه فشرب منه ثم قال من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهذا طهوره وهذا الذي رواه علي في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو مذهب أصحابنا وذكر فيه أنه بدأ فأكفأ الإناء على يديه فغسلهما ثلاثا وهو ~~عند أصحابنا وسائر الفقهاء مستحب غير واجب وإن أدخلهما الإناء قبل أن ~~يغسلهما لم يفسد الماء إذا لم تكن فيهما نجاسة ويروى عن الحسن البصري أنه ~~قال من غمس يده في إناء قبل الغسل إهراق الماء وتابعه على ذلك من لا يعتد ~~به ويحكى عن بعض أصحاب الحديث أنه فصل بين نوم الليل ونوم النهار لأنه ~~ينكشف في نوم الليل فلا يأمن أن تقع يده على موضع الاستنجاء ولا ينكشف في ~~نوم النهار # قال أبو بكر والذي في حديث علي من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسقط هذا الاعتبار ويقتضي أن يكون ذلك سنة الوضوء لأن عليا كرم الله وجهه ~~صلى الفجر ثم توضأ ليعلمهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه ~~قبل إدخالهما في PageV03P358 الإناء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه قبل ms1449 أن يدخلهما الإناء ~~ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده قال محمد بن الحسن كانوا يستنجون بالأحجار ~~فكان الواحد منهم لا يأمن وقوع يده في حال النوم على موضع الاستنجاء وهناك ~~بلة من عرق أو غيره فتصيبها فأمر بالاحتياط مع تلك النجاسة التي عسى أن ~~تكون قد أصابت يده من موضع الاستنجاء # وقد اتفق الفقهاء على الندب ومن ذكرنا قوله آنفا فهو شاذ وظاهر الآية ~~ينفي إيجابه وهو قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق @QE@ فاقتضى الظاهر وجوب غسلهما بعد إدخالهما الإناء ~~ومن أوجب غسلهما قبل ذلك فهو زائد في الآية ما ليس فيها وذلك لا يجوز إلا ~~بنص مثله أو باتفاق والآية على عمومها فيمن قام من النوم وغيره # وعلى أنه قد روي أن الآية نزلت فيمن قام من النوم وقد أطلقت جواز الغسل ~~على سائر الوجوه وقد روى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قال لهم أتحبون أن ~~أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فدعا بإناء فيه ماء ~~فاغترف بيده اليمنى فتمضمض واستنشق ثم أخذ أخرى فغسل بها يديه اليمنى ثم ~~أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى وذكر الحديث فأخبر في هذا الحديث أنه أدخل ~~يده الإناء قبل أن يغسلها وهذا يدل على أن غسل اليد قبل إدخالها الإناء ~~استحباب ليس بإيجاب وإن ما في حديث علي وحديث أبي هريرة في غسل اليد قبل ~~إدخالها الإناء ندب وحديث أبي هريرة في ذلك ظاهر الدلالة على أنه لم يرد به ~~الإيجاب وأنه أراد الاحتياط مما عسى أن يكون قد أصابت يده موضع الاستنجاء ~~وهو قوله فإنه لا يدري أين باتت يده فأخبر أن كون النجاسة على يده ليس ~~بيقين ومعلوم أن يده قد كانت طاهرة قبل النوم فهي على أصل طهارتها كمن كان ~~على يقين من الطهارة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند الشك أن يبنى على ~~يقين من الطهارة ويلغي الشك فدل ذلك على أن أمره إذا استيقظ ms1450 من نومه بغسل ~~يديه قبل إدخالهما الإناء استحباب ليس بإيجاب وقد ذكر إبراهيم النخعي أن ~~أصحاب عبدالله كانوا إذا ذكر لهم حديث أبي هريرة في أمر المستيقظ من نومه ~~بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء قالوا إن أبا هريرة كان مهذارا فما يصنع ~~بالمهراس وقال الأشجعي لأبي هريرة فما تصنع بالمهراس فقال أعوذ بالله من ~~شرك PageV03P359 والذي أنكره أصحاب عبدالله من قول أبي هريرة اعتقاده ~~الإيجاب فيه لأنه كان معلوما أن المهراس الذي كان بالمدينة قد كان يتوضأ ~~منه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فلم ينكره أحد ولم يكن ~~الوضوء منه إلا بإدخال اليد فيه فاستنكر أصحاب عبدالله اعتقاد الوجوب فيه ~~مع ظهور الاغتراف منه باليد من غير نكير من أحد منهم عليه ولم يدفعوا عندنا ~~روايته وإنما أنكروا اعتقاد الوجوب # واختلف الفقهاء في مسح الأذنين مع الرأس فقال أصحابنا هما من الرأس ~~تمسحان معه وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ورواه أشهب عن مالك وكذلك رواه ~~ابن القاسم عنه وزاد وأنهما تمسحهما بماء جديد وقال الحسن بن صالح يغسل ~~باطن أذنيه مع وجهه ويمسح ظاهرهما مع رأسه وقال الشافعي يمسحهما بماء جديد ~~وهما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس # والدليل على أنهما من الرأس وتمسحان معه ما حدثنا عبيدالله بن الحسين قال ~~حدثنا أبو مسلم قال حدثنا أبو عمر عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر ~~بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل كفيه ~~ثلاثا وطهر وجهه ثلاث وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه وقال الأذنان من ~~الرأس # وأخبرنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال حدثنا ~~عامر بن سنان قال حدثنا زياد بن علاقة عن عبدالحكم عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر ~~وروى ابن عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أيضا # أما ms1451 الحديث الأول فإنه يدل على صحة قولنا من وجهين أحدهما قوله أنه مسح ~~رأسه وأذنيه وهذا يقتضي أن يكون مسح الجميع بماء واحد ولا يجوز إثبات تجديد ~~ماء لهما بغير رواية والثاني قوله الأذنان من الرأس لأنه لا يخلو من أن ~~يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين من الرأس أو أنهما تابعتان له ممسوحتان ~~معه وغير جائز أن يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين لأن ذلك بين معلوم ~~بالمشاهدة وكلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من الفائدة فثبت أن ~~المراد الوجه الثاني # فإن قيل يجوز أن يكون مراده أنهما ممسوحتان كالرأس # قيل له لا يجوز ذلك لأن اجتماعهما في الحكم لا يوجب إطلاق الحكم بأنهما ~~منه ألا ترى أنه غير جائز أن يقال الرجلان من الوجه من حيث كانتا مغسولتين ~~كالوجه فثبت أن قوله الأذنان من الرأس إنما مراده أنهما كبعض الرأس ~~وتابعتان له ووجه آخر وهو أن من بابها التبعيض إلا أن تقوم الدلالة ~~PageV03P360 على غيره فقوله الأذنان من الرأس حقيقته إنهما بعض الرأس فواجب ~~إذا كان كذلك أن تمسحا معه بماء واحد كما يمسح سائر أبعاض الرأس وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مسح المتوضئ برأسه خرجت خطاياه من ~~رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من تحت أشفار عينيه ~~فأضاف الأذنين إلى الرأس كما جعل العينين من الوجه # فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عشر من الفطرة خمس في ~~الرأس فذكر منها المضمضة والاستنشاق ولم يدل ذلك على دخولهما في حكم الرأس ~~كذلك قوله الأذنان من الرأس قيل له لم يقل الفم والأنف من الرأس وإنما قال ~~خمس في الرأس فوصف ما يفعل من الخمس في الرأس ونحن نقول إن هذه الجملة هو ~~الرأس ونقول العينان في الرأس وكذلك الفم والأنف قال الله تعالى @QB@ لووا ~~رؤوسهم @QE@ والمراد هذه الجملة على أن ما ذكرته هو لنا لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سمى ms1452 ما تشتمل عليه هذه الجملة رأسا فوجب أن تكون الأذنان من ~~الرأس لاشتمال هذه الجملة عليهما وأن لا يخرج شيء منها إلا بدلالة ولما قال ~~تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وكان معلوما أنه لم يرد به الوجه وإن كان ~~في الرأس وإنما أراد ما علا منه مما فوق الأذنين ثم قال صلى الله عليه وسلم ~~الأذنان من الرأس كان ذلك إخبارا منه بأنهما من الرأس الممسوح فإن قيل روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديدا وروت الربيع بنت معوذ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه ثم مسح أذنيه وهذا يقتضي تجديد ~~الماء لهما قيل له أما قولك أنه أخذ لهما ماء جديدا فلا نعلمه روي من جهة ~~يعتمد عليها ولو صح لم يدل على قولك لأنهما إذا كانتا من الرأس فالماء ~~الجديد الذي أخذ لهما هو الذي أخذه لجميع الرأس ولا فرق بين قول القائل أخذ ~~للأذنين ماء جديدا وبين قوله أخذ للرأس ماء جديدا إذا كانتا من الرأس ~~والماء المأخوذ للرأس هو للأذنين وقول الربيع بنت معوذ مسح برأسه ثم مسح ~~أذنيه لا دلالة فيه على تجديد الماء للأذنين لأن ذكر المسح لا يقتضي تجديد ~~الماء لهما لأن اسم المسح يقع على هذا الفعل مع عدم الماء وهو مثل ما روي ~~أنه مسح رأسه مرتين بماء واحد أقبل بهما وأدبر وقد علمنا أنه أقبل بهما ~~وأدبر ولم يوجد ذلك تجديد الماء كذلك الأذنان إذ غير ممكن مسح الرأس مع ~~الأذنين في وقت واحد كما لا يمكن مسح مقدم الرأس ومؤخره في حال واحدة فلا ~~دلالة في ذكر مسح الأذنين بعد مسح الرأس على تجديد الماء لهما دون الرأس ~~فإن PageV03P361 احتجو بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده سجد ~~وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره فجعل السمع من الوجه قيل له لم يرد بالوجه ~~في هذا الموضع العضو المسمى بذلك وإنما أراد به أن جملة الإنسان هو الساجد ~~لله لا الوجه وهو ms1453 كقوله تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ يعني به ذاته ~~وأيضا فإنه ذكر السمع وليس الأذنان هما السمع فلا دلالة فيه على حكم ~~الأذنين وقد قال الشاعر % إلى هامة قد وقر الضرب سمعها % وليست كأخرى سمعها ~~لم يوقر % $ فأضاف السمع إلى الهامة ويدل على أنهما تمسحان مع الرأس على ~~وجه التبع أنه ليس في الأصول مسح مسنون إلا على وجه التبع للمفروض منه ألا ~~ترى أن من سنة المسح على الخفين أن يمسح من أطراف الأصابع إلى أصل الساق ~~والمفروض منه بعضه أما على قولنا فمقدار ثلاثة أصابع وعلى قول المخالف ~~مقدار ما يسمى مسحا وقد روي في حديث عبد خير عن علي أنه مسح رأسه مقدمه ~~ومؤخره ثم قال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عبدالله بن زيد ~~المازني والمقدام بن معدي كرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه ~~أقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى ~~المكان الذي بدأ منه ومعلوم أن القفا ليس بموضع مفروض المسح لأن مسح ما تحت ~~الأذنين لا يجزي من المفروض وإنما مسح ذلك الموضع على جهة التبع للمفروض ~~فإن قيل لما لم تكن الأذنان موضع فرض المسح أشبهتا داخل الفم والأنف فيجدد ~~لهما ماء جديدا كالمضمضة والاستنشاق فيكون سنة على حيالها قيل له هذا غلط ~~لأن القفا ليس بموضع لفرض المسح والنبي صلى الله عليه وسلم قد مسحه مع ~~الرأس على وجه التبع فكذلك الأذنان وأما المضمضة والاستنشاق فكانا سنة على ~~حيالهما من قبل أن داخل الفم والأنف ليسا من الوجه بحال فلم يكونا تابعين ~~له فأخذ لهما ماء جديدا والأذنان والقفا جميعا من الرأس وإن لم يكونا موضع ~~الفرض فصارا تابعين له فإن قيل لو كانت الأذنان من الرأس لحل بحلقهما من ~~الإحرام ولكان حلقهما مسنونا مع الرأس إذا أراد الإحلال من إحرامه قيل له ~~لم يسن حلقهما ولا حل بحلقهما لأن في العادة أن لا شعر ms1454 عليهما وإنما الحلق ~~مسنون في الرأس في الموضع الذي يكون عليه الشعر في العادة فلما كان وجود ~~الشعر على الأذنين شاذا نادرا أسقط حكمهما في الحلق ولم يسقط في المسح ~~وأيضا PageV03P362 فإنا قلنا إن الأذنين تابعتان للرأس على ما بينا لا على ~~أنهما الأصل ألا ترى أنا لا نجيز المسح عليهما دون الرأس فكيف يلزمنا أن ~~نجعلهما أصلا في الحلق وأما قول الحسن بن صالح في غسل باطن الأذنين ومسح ~~ظاهرهما فلا وجه له لأنه لو كان باطنهما مغسولا لكانتا من الوجه فكان يجب ~~غسلهما ولما وافقنا على أن ظاهرهما ممسوح مع الرأس دل ذلك على أنهما من ~~الرأس ولأنا لم نجد عضوا بعضه من الرأس وبعضه من الوجه وقال أصحابنا لو مسح ~~ما تحت أذنيه من الرأس لم يجزه من الفرض لأن ذلك من القفا وليس هو من مواضع ~~فرض المسح فلا يجزيه ألا ترى أنه لو كان شعره قد بلغ منكبه فمسح ذلك الموضع ~~من شعره لم يجزه عن مسح رأسه # واختلف الفقهاء في تفريق الوضوء فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والأوزاعي والشافعي هو جائز وقال ابن أبي ليلى ومالك والليث إن تطاول أو ~~تشاغل بعمل غيره ابتدأ الوضوء من أوله والدليل على صحة ما قلناه قوله تعالى ~~@QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ الآية فإذا أتى بالغسل على ~~أي وجه فعله فقد قضى عهدة الآية ولو شرطنا فيه وترك الفريق الموالاة كان ~~فيه إثبات زيادة في النص والزيادة في النص توجب نسخه ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ والحرج ~~الضيق فأخبر تعالى أن المقصد حصول الطهارة ونفي الحرج وفي قول مخالفينا ~~إثبات الحرج مع وقوع الطهارة المذكورة في الآية ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به @QE@ الآية فأخبر بوقوع التطهير ~~الماء من غير شرط الموالاة فحيثما وجد كان مطهرا بحكم الظاهر ويدل عليه ~~قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ومعناه مطهرا فحيثما ms1455 وجد فواجب أن ~~يكون هذا حكمه ولو منعنا الطهارة مع وجود الغسل لأجل التفريق كنا قد سلبناه ~~الصفة التي وصفه الله تعالى بها من كونه طهورا ويدل عليه ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال حدثنا مسدد ~~قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا محمد بن عبيدالله عن الحسين بن سعد عن أبيه ~~عن علي قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ~~إني اغتسلت من الجنابة وصليت الفجر فلما أصبحت رأيت بذراعي قدر موضع الظفر ~~لم يصبه الماء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مسحت عليه بيدك ~~أجزاك فأجاز له أن يمسح عليه بعد تراخي الوقت ولم يأمره PageV03P363 ~~باستئناف الطهارة وروى عبدالله بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى قوما وأعقابهم تلوح فقال ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء ويدل عليه ~~حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتم صلاة أحدكم ~~حتى يضع الوضوء مواضعه والتفريق لا يخرجه من أن يكون وضعه مواضعه لأن ~~مواضعه هذه الأعضاء المذكورة في القرآن ولم يشرط فيه الموالاة وترك التفريق # ويدل عليه من وجه آخر قوله في لفظ آخر حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه ~~ويمسح برأسه ويغسل رجليه ولم يذكر فيه التتابع فهو على الأمرين من تفريق أو ~~موالاة فإن قيل لما كان قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ أمرا ~~يقتضي الفور وجب ان يكون مفعولا على الفور فإذا لم يفعل استقبل إذ لم يفعل ~~المأمور به قيل له الأمر على الفور لا يمنع صحة فعله على المهلة ألا ترى أن ~~تارك الوضوء رأسا لا تفسد طهارته إذا فعله بعد ذلك على التراخي وكذلك سائر ~~الأوامر التي ليست موقتة فإن تركها في وقت الأمر بها لا يفسدها إذا فعلها ~~ولا يمنع صحتها وعلى أن هذا المعنى لأن يكون دليلا على صحة قولنا أولى وذلك ~~لأن غسل العضو المفعول على ms1456 الفور قد صح عندنا جميعا وتركه لغسل باقي ~~الأعضاء ينبغي أن لا يغير حكم الأول ولا تلزمه إعادته لأن في إيجاب إعادته ~~إبطاله عن الفور وإيجاب فعله على التراخي فواجب أن يكون مقرا على حكمه في ~~صحة فعله بديا على الفور واحتج أيضا القائلون بذلك بحديث ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة ~~إلا به قالوا ومعلوم أن فعله كان على وجه المتابعة قيل له هذا دعوى ومن أين ~~لك أنه فعله متتابعا وجائز أن يكون غسل وجهه في وقت ثم غسل يديه بعد ساعات ~~وكذلك سائر أعضائه ليفيد الحاضرين حكم جواز فعله متفرقا وعلى أنه لو تابع ~~لم يدل قوله ذلك على وجوب التتابع لأن قوله هذا وضوء إنما إشارة إلى الغسل ~~لا إلى الزمان فإن قيل لما كان بعضه منوطا ببعض حتى لا يصح لبعضه حكم إلا ~~بجميعه أشبه أفعال الصلاة قيل له هذا منتقض بالحج لأن بعضه منوط ببعض ألا ~~ترى أنه لو لم يقف بعرفة بطل إحرامه وطوافه الذي قدمه ولم يجب من أجل ذلك ~~متابعة أفعاله وأيضا فإنه قد ثبت لغسل بعض الأعضاء حكم دون بعض ألا ترى أنه ~~لو كان بذراعه عذر لسقط فرض طهارته عنه وليس كذلك الصلاة لأن أفعالها كلها ~~منوطة بعضها ببعض فإما أن يسقط جميعها أو يثبت جميعها على PageV03P364 ~~الحال التي يمكن فعلها فمن حيث جاز سقوط بعض أعضاء الطهارة وبقي البعض أشبه ~~الصلاة والزكاة وسائر العبادات إذا اجتمع وجوبها عليه فيجوز تفريقها عليه ~~وأيضا فإن الصلاة إنما لزم فيها الموالاة من غير فصل لأنه يدخل فيها ~~بتحريمة ولا يصح بناء أفعالها إلا على التحريمة التي دخل بها في الصلاة ~~فمتى أبطل التحريمة بكلام أو فعل لم يصح له بناء باقي أفعالها بغير تحريمة ~~والطهارة لا تحتاج إلى تحريمة ألا ترى أنه يصح في أضعافها الكلام وسائر ~~الأفعال ولا يبطلها ذلك وإنما شرط فيه من قال ذلك ms1457 عدم جفاف العضو قبل إتمام ~~الطهارة وجفاف العضو لا تأثير له في حكم رفع الطهارة ألا ترى أن جفاف جميع ~~الأعضاء لا يؤثر في رفعها كذلك جفاف بعضها وأيضا فلو كان هذا تشبيها صحيحا ~~وقياسا مستقيما لما صح في هذا الموضع إذ غير جائز الزيادة في النص بالقياس ~~فلا مدخل للقياس ههنا وأيضا فإنه لا خلاف أنه لو كان في الشمس ووالى بين ~~الوضوء إلا أنه كان يجف العضو منه قبل أن يغسل الآخر إنه لا يوجب ذلك بطلان ~~الطهارة كذلك إذا جف بتركه إلى أن يغسل الآخر # $ فصل وقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية ~~يدل على أن التسمية على الوضوء ليست بفرض لأنه أباح الصلاة بغسل هذه ~~الأعضاء من غير شرط التسمية وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار وحكي عن ~~بعض أصحاب الحديث أنه رآها فرضا في الوضوء فإن تركها عامدا لم يجزه وإن ~~تركها ناسيا أجزأه ويدل على جوازه قوله تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا @QE@ فعلق صحة الطهارة بالفعل من غير ذكر التسمية شرطا فيه فمن شرطها ~~فهو زائد في حكم هذه الآيات ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز الصلاة ~~بوجود الغسل ويدل عليه من جهة السنة حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ولم ~~يذكر فيه التسمية وقد علم الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة بن ~~رافع وقال لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه إلى آخره ~~ولم يذكر التسمية وحديث علي وعثمان وعبدالله بن زيد وغيرهم في صفة وضوء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه وقالوا ~~هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ~~ولورد النقل به متواترا في وزن ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها ~~لعموم الحاجة إليه فإن احتجوا PageV03P365 بحديث أبي هريرة عن ms1458 النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قيل له لا تجوز ~~الزيادة في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به النسخ فهذا سؤال ساقط من وجهين ~~أحدهما ما ذكرنا والآخر أن أخبار الآحاد غير مقبولة فيما عمت البلوى به وإن ~~صح احتمل أنه يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل كقوله لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ونحو ذلك فإن قيل لما ~~كان الحدث يبطله صار كالصلاة في الحاجة إلى ذكر اسم الله تعالى في ابتدائه ~~قيل له قولك إن الحدث يبطل الصلاة غلط عندنا لأنه جائز بقاء الصلاة مع ~~الحدث إذا سبقه ويتوضأ ويبني وأيضا فليست العلة في حاجة الصلاة إلى الذكر ~~أن الحدث يبطلها وإنما المعنى أن القراءة مفروضة فيها وأيضا نقيسه على غسل ~~النجاسة بمعنى أنه طهارة وأيضا فقد وافقونا على أن تركها ناسيا لا يمنع صحة ~~الطهارة فبطل بذلك قولهم من وجهين أحدهما أن الصلاة يستوي في بطلانها ترك ~~ذكر التحريمة ناسيا أو عامدا والثاني أنها لو كانت فرضا لما أسقطها النسيان ~~إذ كانت شرطا في صحة الطهارة كسائر شرائطها المذكورة # $ فصل قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية ~~يدل على أن الاستنجاء ليس بفرض وأن الصلاة جائزة مع تركه إذا لم يتعد ~~الموضع وقد اختلف الفقهاء في ذلك فأجاز أصحابنا صلاته وإن كان مسيئا في ~~تركه وقال الشافعي لا يجزيه إذا تركه رأسا وظاهر الآية يدل على صحة القول ~~الأول وروي في التفسير أن معناه إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون وقال في ~~نسق الآية @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا @QE@ فحوت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا أحدهما إيجابه ~~على المحدث غسل هذه الأعضاء وإباحة الصلاة وموجب الاستنجاء فرضا مانع ما ~~أباحته الآية وذلك يوجب النسخ وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من ~~النقل ms1459 المتواتر وذلك غير معلوم في إيجاب الاستنجاء ومع ذلك فإنهم متفقون ~~على أن هذه الآية غير منسوخة وأنها ثابتة الحكم وفي اتفاقهم على ذلك ما ~~يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا والوجه الآخر من دلالة الآية قوله تعالى ~~@QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ إلى آخرها فأوجب التيمم على من جاء من ~~الغائط وذلك كناية عن قضاء الحاجة فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء فدل ~~ذلك على أنه غير فرض ويدل عليه من جهة السنة حديث علي بن يحيى بن خلاد عن ~~PageV03P366 أبيه عن عمه رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لا تتم صلاة أحدكم حتى يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه فأباح ~~صلاته بعد غسل هذه الأعضاء مع ترك الاستنجاء # ويدل عليه أيضا حديث الحصين الحراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا ~~حرج ومن اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج فنفى الحرج عن ترك ~~الاستجمار فدل على أنه ليس بفرض # فإن قيل إنما نفى الحرج عن تاركه إلى الماء قيل له هذا خطأ من وجهين ~~أحدهما أنه أجاز تركه من غير استعمال الماء ومن ادعى تركه إلى الاستنجاء ~~بالماء فإنما خصه بغير دلالة والثاني أنه تسقط فائدته لأنه معلوم أن ~~الاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالأحجار فغير جائز أن ينفي الحرج عن ~~فاعل الأفضل هذا ممتنع مستحيل لا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان ~~وضعا للكلام في غير موضعه # فإن قيل في حديث سلمان نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتزي بدون ~~ثلاثة أحجار وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فليستنج بثلاثة أحجار ~~وأمره على الوجوب فيحمل قوله فلا حرج علي مالا يسقط إيجاب الأمر وهو أن ~~يكون إنما نفى الحرج عمن لم يستجمر وترا ويفعله شفعا لا بأن يتركه أصلا أو ~~على أن يتركه إلى ms1460 الماء ليسلم لنا مقتضى الأمر من الإيجاب قيل له بل نجمع ~~بينهما ونستعملهما ولا نسقط أحدهما بالآخر فنجعل أمره بالاستنجاء ونهيه عن ~~تركه على الندب ونستعمل معه قوله صلى الله عليه وسلم ومن لا فلا حرج في نفي ~~الإيجاب ولو استعمل على ما ذكرت كان فيه إسقاط أحدهما أصلا لا سيما إذا كان ~~خبرنا موافقا لما تضمنته نص الآية من دلالتها على جواز الصلاة مع تركه ويدل ~~على أنه غير فرض وعلى جواز الصلاة مع تركه اتفاق الجميع على جواز صلاة ~~المستنجي بالأحجار مع وجود الماء وعدم الضرورة في العدول عنه إلى الأحجار ~~ولو كان الاستنجاء فرضا لكان الواجب أن يكون بالماء دون الأحجار كسائر ~~البدن إذا أصابته نجاسة كثيرة لا تجوز الصلاة بإزالتها بالأحجار دون غسلها ~~بالماء إذا كان موجودا وفي ذلك دليل على أن هذا القدر من النجاسة معفو عنه ~~فإن قيل أنت تجيز فرك المني من الثوب إذا كان يابسا ولم يدل ذلك على جواز ~~الصلاة مع تركه إذا كان كثيرا فكذلك موضع الاستنجاء مخصوص بجواز الصلاة مع ~~إزالته بالأحجار قيل له إنما أجزنا ذلك في المني وإن كان نجسا لخفة حكمه في ~~نفسه ألا ترى أنه لا يختلف حكمه في أي موضع أصابه من ثوبه في PageV03P367 ~~جواز فركه فأما بدن الإنسان فلا يختلف حكم شيء منه في عدم جواز إزالة ~~النجاسة عنه بغير ما يزيله من الماء وسائر المائعات وكذلك حكم النجاسة التي ~~على موضع الاستنجاء لا يختلف في تغليظ حكمها فواجب أن لا يختلف حكمها في ~~ذلك الموضع وفي سائر البدن وكذلك إن سألونا عن حكم النجاسة التي لها جرم ~~قائم في الخف إنه يطهر بالدلك بعد الجفاف ولو أصابت البدن لم يزلها إلا ~~الغسل فيقال لها إنما اختلفنا لاختلاف حال جرم الخف وبدن الإنسان في كون ~~جرم الخف مستخصفا غير ناشف لما يحصل فيه من الرطوبة إلى نفسه وجرم النجاسة ~~سخيف متخلخل ينشف الرطوبة الحاصلة في الخف إلى نفسها فإذا حكت لم يبق منها ms1461 ~~إلا اليسير الذي لا حكم له فصار اختلاف أحكامها في الحك والفرك والغسل ~~متعلقا إما بنفس النجاسة لخفتها وإما بما تحله النجاسة في إمكان إزالتها ~~عنه بغير الماء كما نقول في السيف إذا أصابه دم فمسحه أنه يجزي لأن جرم ~~السيف لا يقبل النجاسة فينشفها إلى نفسه فإذا أزيل ما على ظاهره لم يبق ~~هناك إلا ما لا حكم له # $ فصل ويستدل بقوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية على بطلان قول ~~القائلين بإيجاب الترتيب في الوضوء وعلى أنه جائز تقديم بعضها على بعض على ~~ما يرى المتوضئ وهو قول أصحابنا ومالك والثوري والليث والأوزاعي وقال ~~الشافعي لا يجزيه غسل الذراعين قبل الوجه ولا غسل الرجلين قبل الذراعين ~~وهذا القول مما خرج به الشافعي عن إجماع السلف والفقهاء وذلك لأنه روي عن ~~علي وعبدالله وأبي هريرة ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت وضوئي ولا ~~يروى عن أحد من السلف والخلف فيما نعلم مثل قول الشافعي وقوله تعالى إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية يدل من ثلاثة أوجه على سقوط فرض ~~الترتيب أحدها مقتضى ظاهرها جواز الصلاة بحصول الغسل من غير شرط الترتيب إذ ~~كانت الواو ههنا عند أهل اللغة لا توجب الترتيب قاله المبرد وثعلب جميعا ~~وقالوا إن قول القائل رأيت زيدا وعمرا بمنزلة قوله رأيت الزيدين ورأيتهما ~~وكذلك هو في عادة أهل اللفظ ألا ترى أن من سمع قائلا يقول رأيت زيدا وعمرا ~~لم يعتقد في خبره أنه رأى زيدا قبل عمرو بل يجوز أن يكون رآهما معا وجائز ~~أن يكون رأى عمرا قبل زيد فثبت بذلك أن الواو لا توجب الترتيب وقد أجمعوا ~~جميعا أيضا في رجل لو قال إذا دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر وعلي صدقة ~~أنه إذا دخل الدار لزمه PageV03P368 ذلك كله في وقت واحد لا يلزمه أحدها ~~قبل الآخر كذلك وهذا يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا ما ~~شاء الله وشئت ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت فلو كانت ms1462 الواو توجب الترتيب ~~لجرت مجرى ثم ولما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وإذا ثبت أنه ليس ~~في الآية إيجاب الترتيب فموجبه في الطهارة مخالف لها وزائد فيها ما ليس ~~منها وذلك يوجب نسخ الآية عندنا لحظره ما أباحته وهم يختلفون أنه ليس في ~~هذه الآية نسخ فثبت جواز فعله غير مرتب والوجه الثاني من دلالة الآية قوله ~~تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ ولا خلاف بين فقهاء ~~الأمصار أن الرجل مغسول معطوفة في المعنى على الأيدي وأن تقديرها فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤسكم فثبت بذلك أن ترتيب اللفظ على هذا ~~النظام غير مراد به ترتيب المعنى والوجه الثالث قوله في نسقها @QB@ ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ وهذا الفصل يدل من وجهين ~~على سقوط الترتيب أحدهما نفيه الحرج وهو الضيق فيما تعبدنا به من الطهارة ~~وفي إيجاب الترتيب إثبات للحرج ونفي التوسعة والثاني قوله @QB@ ولكن يريد ~~ليطهركم @QE@ فأخبر أن مراده حصول الطهارة بغسل هذه الأعضاء ووجود ذلك مع ~~عدم الترتيب كهو مع وجوده إذ كان مراد الله تعالى الغسل # فإن قيل على الفصل الأول نحن نسلم لك أن الواو لا توجب الترتيب ولكن ~~الآية قد اقتضت إيجابه من حيث كانت الفاء للتعقيب ولا خلاف بين أهل اللغة ~~فيه فلما قال تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ لزم بحكم ~~اللفظ أن يكون الذي يلي حال القيام إليها غسل الوجه لأنه معطوف عليه بالفاء ~~فلزم به تقديم غسله على سائر الأعضاء وإذا لزم الترتيب في غسل الوجه لزم في ~~سائر الأعضاء لأن أحدا لم يفرق بينهما # قيل له هذا غير واجب من وجهين أحدهما أن قوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~@QE@ متفق على أنه ليس المراد به حقيقة اللفظ لأن الحقيقة تقتضي إيجاب ~~الوضوء بعد القيام إلى الصلاة لأنه جعله شرطا فيه فأطلق ذكر القيام وأراد ~~به غيره ففيه ضمير على ما بينا فيما تقدم وما كان هذا سبيله فغير جائز ~~استعماله إلا بقيام الدلالة ms1463 عليه إذ كان مجازا فإذا لا يصح إيجاب غسل الوجه ~~مرتبا على المذكور في الآية لأجل إدخال الفاء عليه إذ كان المعنى الذي ترتب ~~عليه الغسل موقوفا على الدلالة فهذا وجه يسقط به سؤال هذا السائل والوجه ~~الآخر أن نسلم لهم جواز اعتبار هذا اللفظ فيما يقتضيه من الترتيب فنقول لهم ~~PageV03P369 إذا ثبت أن الواو لا توجب الترتيب صار تقدير الآية إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء فيصير الجميع مرتبا على القيام وليس يختص ~~به الوجه دون سائرها إذ كانت الواو للجمع فيصير كأنه عطف الأعضاء كلها ~~مجموعة بالفاء على حال القيام فلا دلالة فيه على الترتيب بل تقتضي إسقاط ~~الترتيب # ويدل على سقوط الترتيب قوله تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ ~~ومعناه مطهرا فحيثما وجد ينبغي أن يكون مطهرا مستوفيا لهذه الصفة التي وصفه ~~الله بها وموجب الترتيب قد سلبه هذه الصفة إلا مع وجود معنى آخر غيره وهذا ~~غير جائز # ويدل عليه من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قصة الأعرابي حين علمه الصلاة وقال له إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى ~~يضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله وذكر الحديث فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه إذا وضع الوضوء مواضعه أجزأه ومواضع الوضوء الأعضاء المذكورة ~~في الآية فأجاز الصلاة بغسلها من غير ذكر الترتيب فدل على أن غسل هذه ~~الأعضاء يوجب كمال طهارته لوضعه الوضوء مواضعه # فإن قيل إذا لم يرتب فلم يضع الوضوء مواضعه # قيل له هذا غلط لأن مواضع الوضوء معلومة مذكورة في الكتاب فعلى أي وجه ~~حصل الغسل فقد وضع الوضوء مواضعه فيجزيه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإكمال طهارته إذا فعل ذلك ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز ~~طهارته لو بدأ من المرفق إلى الزند وقال تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق ~~@QE@ فلما لم يجب الترتيب فيما هو مرتب في مقتضى حقيقة اللفظ فما لم يقتض ~~اللفظ ترتيبه أحرى أن ms1464 يجوز وهذه دلالة ظاهرة لا يحتاج معها إلى ذكر علة ~~يجمعها لأنه قد ثبت بما وصفنا أن المقصد فيه ليس الترتيب إذ لو كان كذلك ~~لكان ما اقتضى اللفظ ترتيبه أولى أن يكون مرتبا وأيضا يجوز أن يقاس عليها ~~بأنهما جميعا من أعضاء الطهارة فلما سقط الترتيب في أحدهما وجب سقوطه في ~~الآخر وأيضا لما لم يجب الترتيب بين الصلاة والزكاة إذ كل واحدة منهما يجوز ~~سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى كان كذلك الترتيب في الوضوء لجواز سقوط فرض غسل ~~الرجلين لعلة بهما مع لزوم فرض غسل الوجه وأيضا لما لم يستحل جمع هذه ~~الأعضاء في الغسل وجب أن لا يجب فيها الترتيب كالصلاة والزكاة وقد روي عن ~~عثمان أنه توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم غسل رجليه ثم مسح ثم قال هكذا رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ # فإن احتجوا بما روي PageV03P370 أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة ~~مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به # قيل له ليس في هذا الخبر ذكر الترتيب وإنما هو حديث زيد العمى عن معاوية ~~بن قرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين وذكر الحديث فلم ~~يذكر فيه أنه فعله مرتبا وليس يمتنع أن يكون قد بدأ بالذراعين قبل الوجه أو ~~يمسح الرأس قبله ومن ادعى أنه فعله مرتبا لم يمكنه إثباته إلا برواية # فإن قيل كيف يجوز أن يتأول عليه ترك الترتيب مع قولك إن المستحب فعله ~~مرتبا # قيل له جائز أن يترك المستحب إلى غيره مما هو مباح ومع ذلك فيجوز أن يكون ~~فعله غير مرتب على وجه التعليم كما أنه أخر المغرب في حال على وجه التعليم ~~والمستحب تقديمها في سائر الأوقات # فإن قيل فإن لم يكن فعله مرتبا فواجب أن يكون فعله غير مرتب واجبا لقوله ~~هذا وضوء من ms1465 لا يقبل الله له صلاة إلا به # قيل له لو قبلنا ذلك وقلنا مع ذلك إن اللفظ يقتضي وجوب فعله على ما أشار ~~به إليه من عدم ترتيب الفعل لكنا أجزناه مرتبا بدلالة تسقط سؤالك ولكنا ~~نقول إن قوله هذا وضوء إنما هو إشارة إلى الغسل دون الترتيب فلذلك لم يكن ~~للترتيب فيه مدخل # فإن احتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا وقال نبدأ بما ~~بدأ الله به وذلك عموم في ترتيب الحكم به واللفظ جميعا قيل له هذا يدل على ~~أن الواو لا توجب الترتيب لأنها لو كانت توجبه لما احتاج إلا تعريفه ~~الحاضرين وهم أهل اللسان ولا دلالة فيه مع ذلك على وجوب الترتيب في الصفا ~~والمروة فكيف به في غيره لأن أكثر ما فيه أنه إخبار عما يريد فعله من ~~التبدئة بالصفا وإخباره عما يريد فعله لا يقتضي وجوبا كما أن فعله لا يقتضي ~~الإيجاب وعلى أنه لو اقتضى الإيجاب لكان حكمه مقصورا على ما أخبر به وفعله ~~دون غيره # فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ الله به إخبار بان ما بدأ ~~الله به في اللفظ فهو مبدوء به في المعنى لولا ذلك لم يقل نبدأ بما بدأ ~~الله به إنما أراد التبدئة به في الفعل فتضمن ذلك إخبارا بأن الله قد بدأ ~~به في الحكم من حيث بدأ به في اللفظ قيل له ليس هذا كما ظننت من قبل إنه ~~يجوز أن يقول نبدأ بالفعل فيما بدأ الله به في اللفظ فيكون كلاما صحيحا ~~مفيدا وأيضا لا يمتنع عندنا أن يريد بترتيب اللفظ ترتيب الفعل إلا أنه لا ~~يجوز إيجابه إلا بدلالة ألا ترى أن ثم حقيقتها التراخي وقد ترد وتكون في ~~معنى الواو كقوله تعالى @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ PageV03P371 ~~ومعناه وكان من الذين آمنوا وقوله تعالى @QB@ ثم الله شهيد @QE@ ومعناه ~~والله شهيد وكما تجيء أو بمعنى الواو كقوله تعالى @QB@ إن يكن غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى ms1466 بهما @QE@ ومعناه إن يكن غنيا وفقيرا فكذلك لا يمتنع أن ~~يريد بالواو الترتيب فتكون مجازا ولا يجوز حملها عليه إلا بدلالة # فإن قيل سئل ابن عباس وقيل له كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله سبحانه ~~يقول وأتموا الحج والعمرة لله فقال كيف تقرؤن الدين قبل الوصية أو الوصية ~~قبل الدين قالوا الوصية قال فبأيهما تبدؤون قالوا بالدين قال فهو ذاك فلولا ~~أن في لسانهم الترتيب في الفعل على حسب وجوده في اللفظ لما سألوه عن ذلك ~~قيل له كيف يحتج بقول هذا السائل وهو قد جهل ما فيه الترتيب بلا خلاف بين ~~أهل اللغة فيه وهو قوله @QB@ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج @QE@ وهذا اللفظ لا ~~محالة يوجب ترتيب فعل الحج على العمرة وتقديمها عليه فمن جهل هذا لم ينكر ~~منه الجهل بحكم اللفظ في قوله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ وما ~~يدري هذا القائل أن هذا السائل كان من أهل اللغة وعسى أن يكون ممن أسلم من ~~العجم ولم يكن من أهل المعرفة باللسان وأيهما أولى قول ابن عباس في أن ~~ترتيب اللفظ لا يوجب ترتيب الفعل أو قول هذا السائل فلو لم يكن في إسقاط ~~قول القائلين بالترتيب إلا قول ابن عباس لكان كافيا مغنيا # فإن قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابدؤا بما بدأ الله ~~به وقال تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ ~~فقوله ابدؤا بما بدأ الله به أمر يقتضي التبدئة مما بدأ الله به في اللفظ ~~والحكم وقوله عز وجل @QB@ فاتبع قرآنه @QE@ لزوم في عموم اتباعه مرتبا إذا ~~ورد اللفظ كذلك قيل له وأما قوله ابدؤا بما بدأ الله به فإنما ورد في شأن ~~الصفا والمروة فذكر بعضهم القصة على وجهها وحفظ بعضهم ذكر السبب واقتصر على ~~قوله صلى الله عليه وسلم ابدؤوا بما بدأ الله به وغير جائز لنا أن نجعلهما ~~حديثين ونثبت من النبي صلى الله عليه وسلم القول في حالين إلا بدلالة توجب ~~ذلك وأيضا ms1467 فنحن نبدأ بما بدأ الله به وإنما الكلام بيننا وبين مخالفينا في ~~مراد الله من التبدئة بالفعل إذا بدأ به في اللفظ فالواجب أن نثبت أن الله ~~قد أراد ترتيب الحكم حتى نبدأ به وكذلك الجواب في قوله @QB@ فاتبع قرآنه ~~@QE@ لأن اتباع قرآنه أن نبدأ به على ترتيبه ونظامه وواجب أن نبدأ بحكم ~~القرآن على حسب مراده من ترتيب أو جمع وغيره وأنت متى أوجبت الترتيب فيما ~~لا يقتضي المراد ترتيبه فلم تتبع قرآنه وترتيب PageV03P372 اللفظ لا يوجب ~~ترتيب الفعل # فإن قيل إذا كان القرآن اسما للتأليف والحكم جميعا فواجب علينا اتباعه في ~~الأمرين قيل له القرآن اسم للمتلو حكما كان أو خبرا فعلينا اتباعه في ~~تلاوته فأما مراد ترتيب الفعل على ترتيب اللفظ فإن المرجع فيه إلى مقتضى ~~اللغة وليس في اللغة إيجاب ترتيب الفعل على ترتيب اللفظ في المأمور به ألا ~~ترى أن كثيرا من القرآن قد نزل بأحكام ثم نزلت بعده أحكام أخر ولم يوجب ~~تقديم تلاوته تقديم فعله على ما نزل بعده وقد علمنا أنه غير جائز تعبير نظم ~~القرآن والسور والآي عما هي عليه وليس يجب ذلك ترتيب الأحكام المذكورة فيها ~~حسب ترتيب التلاوة فبان بذلك سقوط هذا السؤال # فإن قيل قد أثبت الترتيب بالواو في قول الرجل لامرأته أنت طالق وطالق ~~وطالق قبل الدخول بها فأثبتها بالأولى ولم توقع الثانية والثالثة فجعلت ~~الواو مرتبة بحكم اللفظ فكذلك قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ يلزمك ~~إيجاب الترتيب في غسل هذه الأعضاء حسب ما في نظام التلاوة من الترتيب قيل ~~له لم نوقع الأولى قبل الثانية في مسألة الطلاق لما ذكرت من كون الواو ~~مقتضية للترتيب وإنما أوقعنا الأولى قبل الثانية لأنه أوقعها غير معلقة ~~بشرط ولا مضافة إلى وقت وحكم الطلاق إذا حصل هكذا أن يقع غير منتظر به حال ~~أخرى فلما وقعت الأولى لأنه قد بدأ بها في اللفظ ثم أوقع الثانية صادفتها ~~الثانية وليست هي بزوجة فلم تلحقها وأما قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم ~~@QE@ فلم يقع ms1468 به غسل الوجه قبل اليد ولا اليد قبل المسح لأن غسل بعض هذه ~~الأعضاء لا يغني ولا يتعلق به حكم إلا بغسل الجميع فصار غسل الجميع موجبا ~~معا بحكم اللفظ فلم يقتض اللفظ الترتيب ألا ترى أنه لو علق الطلاق الأول ~~والثاني والثالث بشرط فقال أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار لم يقع منه ~~شيء إلا بالدخول لأنه شرط في كل واحدة ما شرطه في الأخرى من الدخول كما شرط ~~في غسل كل واحد من الأعضاء غسل الأعضاء الأخر ولا يختلف أهل العلم في رجل ~~قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق فدخلت الثانية ثم ~~الأولى أنها تطلق ولم يكن قوله هذه وهذه موجبا لتقديم الأولى في الشرط الذي ~~علق به وقوع الطلاق فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يقبل الله صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم ~~يغسل رجليه وثم تقتضي الترتيب بلا خلاف قيل له لا يخلو PageV03P373 قائل ~~ذلك من أن يكون متكذبا أو جاهلا وأكثر ظني أن قائله فيه متكذب وقد تعمد ذلك ~~لأن هذا إنما هو حديث علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع ~~وقد روي من طرق كثيرة وليس في شيء منها ما ذكر من الترتيب وعطف الأعضاء ~~بعضها على بعض بثم وإنما أكثر ما فيه يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ورجليه ~~إلى الكعبين وقال في بعضها حتى يضع الطهور مواضعه وذلك يقتضي جواز ترك ~~الترتيب وأما عطفه بثم فما رواه أحد ولا ذكره بإسناد ضعيف ولا قوي وعلى أنه ~~لو روي ذلك في الحديث لم يجز الاعتراض به على القرآن في إثبات الزيادة فيه ~~وإيجاب نسخه فإذ قد ثبت أنه ليس في القرآن إيجاب الترتيب فغير جائز إثباته ~~بخبر الواحد لما وصفنا # | باب الغسل من الجنابة # قال الله تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ قال أبو بكر الجنابة اسم ~~شرعي يفيد لزوم اجتناب الصلاة ms1469 وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلا ~~بعد الاغتسال فمن كان مأمور باجتناب ما ذكرنا من الأمور موقوف الحكم على ~~الاغتسال فهو جنب وذلك إنما يكون بالإنزال على وجه الدفق والشهوة أو ~~الإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان ويستوي فيه الفاعل والمفعول به وينفصل ~~حكم الجنابة من حكم الحيض والنفاس وإن كان الحيض والنفاس يحظران ما تحظره ~~الجنابة مما قدمنا بأن الحيض والنفاس يحظران الوطء أيضا ووجود الغسل لا ~~يطهرهما أيضا ما دامت حائضا أو نفساء والغسل يطهر الجنب ولا تحظر عليه ~~الجنابة الوطء وإنما سمي جنبا لما لزم من اجتناب ما وصفنا إلى أن يغتسل ~~فيطهره الغسل والجنب اسم يطلق على الواحد وعلى الجماعة وذلك لأنه مصدر كما ~~قالوا رجل عدل وقوم عدل ورجل زور وقوم زور من الزيارة وتقول منه أجنب الرجل ~~وتجنب واجتنب والمصدر الجنابة والاجتناب فالجنابة المذكورة في هذا الموضع ~~هي البعد والاجتناب لما وصفنا وقال الله تعالى @QB@ والجار ذي القربى ~~والجار الجنب @QE@ يعني البعيد منه نسبا فصارت الجنابة في الشرع اسما للزوم ~~اجتناب ما وصفنا من الأمور وأصله التباعد عن الشيء وهو مثل الصوم قد صار ~~اسما في الشرع للإمساك عن أشياء معلومة وقد كان أصله في اللغة الإمساك فقط ~~واختص في الشرع بما قد علم وقوعه عليه ونظائره من الأسماء الشرعية المنقولة ~~من اللغة إليها فكان المعقول بها ما استقرت عليه أحكامها PageV03P374 في ~~الشرع فأوجب الله تعالى على من حصلت له هذه السمة الطهارة بقوله @QB@ وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وقوله في آية أخرى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ وقال ~~@QB@ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان @QE@ ~~روي أنهم أصابتهم جنابة فأنزل الله مطرا فأزالوا به أثر الاحتلام والمفروض ~~من غسل الجنابة إيصال المال بالغسل إلى كل موضع يلحقه حكم التطهير من بدنه ~~لعموم قوله @QB@ فاطهروا @QE@ وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسنون الغسل ~~فيما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ms1470 حدثنا علي بن محمد بن عبدالملك قال حدثنا ~~محمد بن مسدد قال حدثنا عبدالله بن داود عن الأعمش عن سالم عن كريب قال ~~حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا ~~يغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا ثم صب ~~على فرجه بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ~~ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه فناولته المنديل فلم ~~يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده وكذلك الغسل من الجنابة عند أصحابنا والوضوء ~~ليس بفرض في الجنابة لقوله تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وإذا ~~اغتسل فقد تطهر وقضى عهدة الآية وقال تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى @QE@ إلى قوله @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فأباح ~~الصلاة بالاغتسال من غير وضوء فمن شرط في صحته مع وجود الغسل وضوءا فقد زاد ~~في الآية ما ليس فيها وذلك غير جائز لما بينا فيما سلف فإن قيل قال الله ~~تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية وذلك عموم في ~~سائر من قام إليها قيل له فالجنب حين غسل سائر جسده فهو غاسل لهذه الأعضاء ~~فقد قضى عهدة الآية لأنه متوضئ مغتسل فهو إن لم يفرد الوضوء قبل الاغتسال ~~فقد أتى بالغسل على وضوء لأنه أعم منه فإن قيل توضأ النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل الغسل قيل له هذا يدل على أنه مستحب مندوب إليه لأن ظاهر فعله لا ~~يقتضي الإيجاب واختلف الفقهاء في وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والثوري هما فرض فيه وقال مالك ~~والشافعي ليس بفرض فيه وقوله تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ عموم ~~في إيجاب تطهير سائر ما يلحقه حكم التطهير من البدن PageV03P375 فلا يجوز ~~ترك شيء منه # فإن قيل من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى متطهرا فقد فعل ما أوجبته ~~الآية # قيل له إنما يكون مطهرا لبعض جسده ms1471 وعموم الآية يقتضي تطهير الجميع فلا ~~يكون بتطهير البعض فاعلا لموجب عموم اللفظ ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين @QE@ عموم في سائرهم وإن كان الاسم قد يتناول ثلاثة منهم ~~كذلك ما وصفنا ولما لم يجز لأحد أن يقتصر من حكم آية قتال المشركين على ~~ثلاثة منهم لأن الاسم يتناولهم إذ كان العموم شاملا للجميع فكذلك قوله ~~تعالى @QB@ فاطهروا @QE@ عموم في سائر البدن فلا يجوز الاقتصار على بعضه # فإن قيل قوله @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ يقتضي جوازه ~~مع تركها لوقوع اسم المغتسل عليه # قيل له إذا كان قوله @QB@ فاطهروا @QE@ يقتضي تطهير داخل الفم والأنف ~~فالواجب علينا استعمال الآيتين على أعمهما حكما وأكثرهما فائدة وغير جائز ~~الاقتصار بهما على أخصهما حكما إذ فيه تخصيص بغير دلالة ألا ترى أن من ~~تمضمض واستنشق يسمى مغتسلا أيضا فليس في ذكره الاغتسال نفي لمقتضى قوله عز ~~وجل @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ هذا يدل عليه من جهة السنة حديث ~~الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة # وروى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان عن علي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا ~~من النار قال علي فمن ثم عاديت شعري # وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن النضر بن بحر وأحمد بن ~~عبدالله بن سابور والعمري قالوا حدثنا بركة بن محمد الحلبي قال حدثنا يوسف ~~بن أسلط عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثة فريضة وأما ~~قوله تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة ففيه الدلالة من وجهين ~~على ما ذكرنا أحدهما أن الأنف فيه شعرة وبشرة والفم فيه بشرة فاقتضى الخبر ~~وجوب غسلها وحديث ms1472 علي أيضا يوجب غسل داخل الأنف لأن فيه شعرا فإن قيل إن ~~العين قد يكون فيها شعر قيل له هو شاذ نادر والأحكام إنما تتعلق بالأعم ~~الأكثر ولا حكم للشاذ النادر فيها وعلى أنا خصصناه بالإجماع ومع ذلك فإن ~~الكلام في وجه دلالة التخصيص خروج عن المسألة والعموم سالم لنا فيما لم تقم ~~دلالة خصوصه فإن قيل إن PageV03P376 ابن عمر كان يدخل الماء عينيه في ~~الجنابة قيل له لم يكن يفعله على وجه الوجوب وقد كان مصعبا على نفسه في أمر ~~الطهارة يفعل فيها مالا يراه واجبا قد كان يتوضأ لكل صلاة ويفعل أشياء على ~~وجه الاحتياط لا على وجه الوجوب وحديث يوسف بن أسباط الذي ذكرنا فيه نص على ~~إيجابها فرضا فإن قيل ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث فرضا ~~وأنت لا تقول به قيل ظاهره يقتضي كون الثلاث فرضا وقد قامت الدلالة على ~~سقوط فرض الاثنين وبقي حكم اللفظ فيما وراءه ويدل عليه من جهة النظر أن ~~المفروض في غسل الجنابة غسل الظاهر والباطن مما يلحقه حكم التطهير بدلالة ~~أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر لأنها يلحقها حكم التطهير لو أصابتها نجاسة ~~فكذلك يلزمه تطهير داخل الفم والأنف لهذه العلة فإن قيل فيجب على غسل داخل ~~العينين لهذه العلة قيل له لو أصاب داخل عينيه نجاسة لم يلزمه تطهيرها هكذا ~~كان يقول أبو الحسن وأيضا فليس في داخل العينين بشرة وإنما يلزم في الجنابة ~~تطهير البشرة فإن قيل لما كان داخل العينين باطنا ولم يلزم تطهيره وجب أن ~~يكون كذلك حكم داخل الأنف والفم قيل له وكيف صار داخل العينين باطنا فإن ~~أردت به أنه ينطبق عليهما الجفن فذلك موجود في الإبطين لأنهما ينطبق عليهما ~~العضد ولا خلاف في لزوم تطهيرهما في الجنابة ولا يلزمنا إيجاب المضمضة ~~والإستنشاق في الوضوء لأجل إيجابنا لهما في الجنابة وذلك لأن الآية في ~~إيجاب الوضوء إنما اقتضت غسل الوجه والوجه هو ما واجهك فلم يتناول داخل ~~الأنف والفم ms1473 والآية في غسل الجنابة قد أوجبت تطهير سائر البدن من غير خصوص ~~فاستعملنا الآيتين على ما وردتا والفرق أيضا بينهما من جهة النظر أن الواجب ~~في الوضوء غسل الظاهر دون الباطن بدلالة أنه لا يلزمنا فيه إبلاغ الماء ~~أصول الشعر فلذلك لم يلزم تطهير الفم وداخل الأنف وفي الجنابة عليه غسل ~~الباطن من البشرة بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر وبهذا نجيب عن ~~قوله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة خمس في الرأس وخمس في البدن فذكر في ~~الرأس المضمضة والإستنشاق فنحمله على أنه مسنون في الطهارة الصغرى ونفرق ~~بينه وبين الجنابة بما ذكرنا والله أعلم ( تم الجزء الثالث ويليه الجزء ~~الرابع وأوله باب التيمم ) PageV03P377 بسم الله الرحمن الرحيم # | باب التيمم # قال الله تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ فتضمنت الآية بيان ~~حكم المريض الذي يخاف ضرر استعمال الماء وحكم المسافر الذي لا يجد الماء ~~إذا كان جنبا أو محدثا لأن قوله تعالى @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ ~~فيه بيان حكم الحدث لأن الغائط هو اسم للمنخفض من الأرض وكانوا يقضون ~~الحاجة هناك فجعل ذلك كناية عن الحدث وقوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ ~~مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء ولما يستدل عليه إن شاء الله تعالى وقد ~~دل ظاهر قوله @QB@ وإن كنتم مرضى @QE@ على إباحة التيمم لسائر المرضى بحق ~~العموم لولا قيام الدلالة على أن المراد بعض المرضى فروي عن ابن عباس ~~وجماعة من التابعين أنه المجدور ومن يضره الماء ولا خلاف مع ذلك أن المريض ~~الذي لا يضره استعمال الماء لا يباح له التيمم مع وجود الماء وإباحة التيمم ~~للمريض غير مضمنة بعدم الماء بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء على ما بينا وذلك ~~لأنه تعالى قال @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فأباح التيمم للمريض من ms1474 غير ~~شرط عدم الماء وعدم الماء إنما هو مشروط للمسافر دون المريض من قبل أنه لو ~~جعل عدم الماء شرطا في إباحة التيمم للمريض لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر ~~المريض لأن العلة المبيحة للتيمم وجواز الصلاة به في المريض والمسافر لو ~~كانت عدم الماء لما كان لذكر المريض مع ذكر عدم الماء فائدة إذ لا تأثير ~~للمريض في إباحة التيمم ولا منعه إذ كان الحكم متعلقا بعدم الماء فإن قيل ~~إذا جاز أن يذكر حال السفر مع عدم الماء وإن كان جواز التيمم متعلقا بعدم ~~الماء دون السفر إذ لو كان واجدا للماء أجزأه التيمم لم يمتنع أن تكون ~~إباحة التيمم للمريض موقوفة على حال عدم الماء قيل له إنما ذكر المسافر لأن ~~الماء إنما يعدم في السفر في الأعم الأكثر فإنما ذكر السفر إبانة عن الحال ~~التي يعدم الماء PageV04P002 فيها في الأعم الأكثر كما قال صلى الله عليه ~~وسلم لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين وليس المقصد فيه أن يأويه الجرين فحسب ~~لأنه لو آواه بيت أو دار كان ذلك كذلك وإنما مراده بلوغ حال الاستحكام ~~وامتناع إسراع الفساد إليه وإيواء الحرز لأن الجرين الذي يأويه حرز وكما ~~قال في خمس وعشرين بنت مخاض ولم يرد به وجود المخاض بأمها وإنما أريد به ~~أنه قد أتى عليها حول وصارت في الثاني لأنها إذا كانت كذلك كان بأمها مخاض ~~في الأعم الأكثر فكان فائدة ذكر المسافر مع شرط عدم الماء ما وصفنا وليس ~~كذلك المريض لأن المريض لا تعلق له بعدم الماء فعلمنا أن مراده ما يلحق من ~~الضرر باستعمال الماء وعموم اللفظ يقتضي جواز التيمم للمريض في كل حال لولا ~~ما روي عن السلف واتفق الفقهاء عليه من أن المرض الذي لا يضر معه استعمال ~~الماء لا يبيح له التيمم ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة ومحمد ومن خاف برد ~~الماء إن اغتسل جاز له التيمم لما يخاف من الضرر وقد روي في حديث عمرو بن ~~العاص ms1475 أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم ينكره وقد اتفقوا على جوازه في السفر مع وجود الماء لخوف البرد فوجب أن ~~يكون الحضر مثله لوجود العلة المبيحة له وكما لم يختلف حكم المرض في السفر ~~والحضر كذلك حكم خوف ضرر الماء لأجل البرد وقوله تعالى @QB@ أو جاء أحد ~~منكم من الغائط @QE@ فإن أو ههنا بمعنى الواو تقديره وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط وذلك راجع إلى المريض والمسافر إذا كانا ~~محدثين ولزمهما فرض الصلاة وإنما قلنا إن قوله @QB@ أو جاء أحد منكم من ~~الغائط @QE@ بمعنى الواو لأنه لو لم يكن كذلك لكان الجائي من الغائط ثالثا ~~لهما غير المريض والمسافر فلا يكون حينئذ وجوب الطهارة على المريض والمسافر ~~متعلقا بالحدث ومعلوم أن المريض والمسافر لا يلزمهما التيمم إلا أن يكونا ~~محدثين فوجب أن يكون قوله تعالى @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ بمعنى ~~وجاء أحدكم كقوله @QB@ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ معناه ويزيدون ~~وكقوله @QB@ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما @QE@ ومعناه غنيا وفقيرا ~~وأما قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا @QE@ ~~فإن السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة المذكورة في هذه الآية فقال علي ~~وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي هي كناية عن الجماع وكانوا لا ~~يوجبون الوضوء لمن مس امرأته وقال عمر وعبدالله بن مسعود المراد اللمس ~~PageV04P003 باليد وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا يريان للجنب أن ~~يتيمم فمن تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة ومن ~~حمله على اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم يجز التيمم للجنب ~~واختلف الفقهاء في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري ~~والأوزاعي لا وضوء على من مس امرأة لشهوة أو لغير شهوة وقال مالك إن مسها ~~لشهوة تلذذا فعليه الوضوء وكذلك إن مسته تلذذا فعليها الوضوء وقال إن مس ~~شعرها تلذذا فعليه الوضوء ms1476 وإذا قال لها شعرك طالق طلقت وقال الحسن بن صالح ~~إن قبل لشهوة فعليه الوضوء وإن كان لغير شهوة فلا وضوء عليه وقال الليث إن ~~مسها فوق الثياب تلذذا فعليه الوضوء وقال الشافعي إذا مس جسدها فعليه ~~الوضوء لشهوة أو لغير شهوة والدليل على أن لمسها ليس بحدث على أي وجه كان ~~ما روي عن عائشة من طرق مختلفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض ~~نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ كما روي أنه كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وقد روي ~~الأمران جميعا في حديث واحد ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها ~~لوجهين أحدهما أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة إذ حقيقته ~~أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها والثاني ~~أنه لا فائدة في نقله وأيضا فإنه لم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الوحشة وبين أزواجه أن يكون مستورات عنه لا يصيب منها إلا الخمار ومنه حديث ~~عائشة أنها طلبت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة قالت فوقعت يدي على أخمص ~~قدمه وهو ساجد يقول أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك فلو كان مس المرأة ~~حدثا لما مضى في سجوده لأن المحدث لا يجوز أن يبقى على حال السجود وحديث ~~أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي ~~العاص فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها ومعلوم أن من فعل ذلك لا يخلو من ~~وقوع يده على شيء من بدنها فثبت بذلك أن مس المرأة ليس بحدث وهذه الأخبار ~~حجة على من يجعل اللمس حدثا لشهوة أو لغير شهوة ولا يحتج بها على من اعتبر ~~اللمس لشهوة لأنه حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان لشهوة ومسه أمامة قد علم يقينا أنه لم يكن ~~لشهوة والذي يحتج به على الفريقين أنه معلوم عموم البلوى ms1477 بمس النساء لشهوة ~~والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما فلو كان حدثا لما أخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمة من التوقيف عليه لعموم البلوى به PageV04P004 ~~وحاجتهم إلى معرفة حكمه ولا جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى بعضهم دون ~~بعض فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة فلما روي عن الجماعة الذين ~~ذكرناهم من الصحابة أنه لا وضوء فيه دل على أنه لم يكن منه صلى الله عليه ~~وسلم توقيف لهم عليه وعلم أنه لا وضوء فيه فإن قيل يلزمك مثله لخصمك لأن لو ~~لم يكن فيه وضوء لكان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه لأنه ~~لا وضوء فيه لعموم البلوى به قيل له لا يجب ذلك في نفي الوضوء منه كما يجب ~~في إثباته وذلك لأنه معلوم أن الوضوء منه لم يكن واجبا في الأصل فجائز أن ~~يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان معلوما عندهم من نفي وجوب ~~الطهارة ومتى شرع الله تعالى فيه إيجاب الوضوء فغير جائز أن يتركهم بغير ~~توقيف عليه مع علمه بما كانوا عليه من نفي إيجابه لأن ذلك يوجب إقرارهم على ~~خلاف ما تعبدوا به فلما وجدنا قوما من جلة الصحابة لم يعرفوا الوضوء من مس ~~المرأة علمنا أنه لم يكن منه توقيف على ذلك فإن قيل جائز أن لا يكون منه ~~صلى الله عليه وسلم توقيف في حال ذلك اكتفاء بما في ظاهر الكتاب من قوله ~~تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ وحقيقته هو اللمس باليد وبغيرها من الجسد ~~قيل له في الآية نص على أحد المعنيين بل فيها احتمال لكل واحد منهما ولأجل ~~ذلك اختلفوا في معناها وسوغوا الاجتهاد في طلب المراد بها فليس إذا فيها ~~توقيف في إيجاب الوضوء مع عموم الحاجة إليه وأيضا اللمس يحتمل الجماع على ~~ما تأوله علي وابن عباس وأبو موسى ويحتمل اللمس باليد على ما روي عن عمر ~~وابن مسعود فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض ms1478 نسائه ثم صلى ~~ولم يتوضأ أبان ذلك عن مراد الله تعالى ووجه آخر يدل على أن المراد منه ~~الجماع وهو أن اللمس وإن كان حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى ~~النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء كما أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام ~~فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع كذلك هذا ونظيره قوله تعالى ~~@QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن @QE@ يعني من قبل أن تجامعوهن وأيضا ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة ومتى ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنما ~~صدر عن الكتاب كما أنه لما قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه ~~معقولا بالآية وكسائر الشرائع التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مما ~~ينطوي عليه ظاهر الكتاب وإذا ثبت أن المراد باللمس الجماع انتفى منه مس ~~اليد من وجوه أحدها اتفاق السلف من الصدر الأول أن PageV04P005 المراد ~~أحدهما لأن عليا وابن عباس وأبو موسى لما تأولوه على الجماع لم يوجبوا نقض ~~الطهارة بلمس اليد وعمر وابن مسعود لما تأولاه على اللمس لم يجيزا للجنب ~~التيمم فاتفق الجميع منهم على أن المراد أحدهما ومن قال إن المراد هما ~~جميعا فقد خرج عن اتفاقهم وخالف إجماعهم في أن المراد أحدهما وما روي عن ~~ابن عمر أن قبلة الرجل لامرأته من الملامسة فلا دلالة فيه على أنه كان يرى ~~المعنيين جميعا مرادين بالآية بل كان مذهبه في ذلك مذهب عمر وابن مسعود ~~فبين في هذا الخبر بأن اللمس ليس بمقصور على اليد وإنما يكون أيضا بالقبلة ~~وبغيره من المعانقة والمضاجعة ونحوها ووجه آخر يدل على أنه لا يجوز أن ~~يرادا جميعا بالآية وهو أن اللمس باليد إنما يوجب الوضوء عند مخالفينا ~~والجماع يوجب الغسل وغير جائز أن يتعلق بعموم واحد حكمان مختلفان فيما ~~انتظمه ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ لما كان لفظ ~~عموم لم يجز أن ينتظم ms1479 السارقين لا يقطع أحدهما إلا في عشرة ويقطع الآخر في ~~خمسة وإذا ثبت أن الجماع مراد بما وصفنا وهو يوجب الغسل انتفى دخول اللمس ~~باليد فيه فإن قيل لم يختلف حكم موجب اللفظ في إرادت الجماع واللمس باليد ~~لأن الواجب فيها التيمم المذكور في الآية قيل له التيمم بدل والأصل هو ~~الطهارة بالماء ومحال إيجاب التيمم إلا وقد وجب قبل ذلك الطهارة بالماء وهو ~~بدل فيها فغير جائز أن يكون اللمس المذكور موجبا للوضوء في إحدى الحالتين ~~وموجبا للغسل في الأخرى وأيضا إن التيمم وإن كان بصورة واحدة فإن حكمه ~~مختلف لأن أحدهما ينوب عن غسل جميع الأعضاء والآخر غسل بعضها فغير جائز أن ~~ينتظمهما لفظ واحد فمتى وجب لأحد المعنيين فكأنه قد نص عليه وذكره بأن قال ~~هو الجماع فلا يدخل فيه اللمس باليد ويدل على انتفاء إرادتهما أن اللمس متى ~~أريد به الجماع كان اللفظ كناية وإذا أريد منه اللمس باليد كان صريحا وكذلك ~~روي عن علي وابن عباس أنهما قالا اللمس هو الجماع ولكنه كني وغير جائز أن ~~يكون لفظ واحد كناية صريحا في حال واحدة ومن جهة أخرى يمتنع ذلك وهو أن ~~الجماع مجاز والحقيقة هو اللمس باليد ولا يجوز أن يكون لفظ واحد حقيقة ~~مجازا في حال واحدة فإن قيل لم لا يكون عموما في اللمس من حيث كان الجماع ~~أيضا مسا ويكون حقيقة فيهما جميعا قيل له يمتنع ذلك من وجوه أحدها أنه قد ~~روي عن علي وابن عباس أنه كناية عن الجماع وهما أعلم باللغة من PageV04P006 ~~هذا القائل فبطل قول القائل أن اللمس صريح فيهما جميعا والآخر ما بينا من ~~امتناع عموم واحد مقتضيا لحكمين مختلفين فيما دخلا فيه ولأن اللمس إذا أريد ~~به مماسة في الجسد فقد حصل نقض الطهارة ووجب التيمم المذكور في الآية بمسه ~~إياها قبل حصول الجماع لاستحالة أن يحصل جماع إلا ويحصل قبله لمس لجسدها ~~فلا يكون الجماع حينئذ موجبا للتيمم المذكور في الآية لوجوبه قبل ذلك بمس ms1480 ~~جسدها ويدل على أن المراد الجماع دون لمس اليد أن الله تعالى قال @QB@ إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا @QE@ أبان به عن حكم الحدث في حال وجود الماء ثم عطف عليه قوله ~~@QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر @QE@ إلى قوله @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ ~~فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء فوجب أن يكون قوله @QB@ أو لامستم ~~النساء @QE@ على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما مبينة لحكمهما في حال ~~وجود الماء وعدمه ولو كان المراد اللمس باليد لكان ذكر التيمم مقصورا على ~~حال الحدث دون الجنابة غير مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء وحمل الآية ~~على فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة وإذا ثبت أن المراد ~~الجماع انتفى اللمس باليد لما بينا من امتناع إرادتهما بلفظ واحد فإن قيل ~~إذا حمل على اللمس باليد كان مفيدا لكون اللمس حدثا وإذا جعل مقصورا على ~~الجماع لم يفد ذلك فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين حمله عليهما ~~جميعا فيفيد كون اللمس حدثا ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب فإن لم يجز حمله ~~على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ولامتناع كون ~~اللفظ مجازا حقيقة أو كناية وصريحا فقد ساويناك في إثبات فائدة مجدد بحمله ~~على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه فما جعلك إثبات فائدة من جهة ~~إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون اللمس باليد حدثا قيل ~~له لأن قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ مفيد لحكم الأحداث في حال ~~وجود الماء ونص مع ذلك على حكم الجنابة فالأولى أن يكون ما في نسق الآية من ~~قوله @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ إلى قوله @QB@ أو لامستم النساء ~~@QE@ بيانا لحكم الحدث والجنابة في عدم الماء كما كان في أول الآية بيانا ~~لحكمهما في حال وجوده وليس موضع الآية في بيان تفصيل الأحداث وإنما هي في ~~بيان حكمها وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد ms1481 أزلتها عن مقتضاها ~~وظاهرها فلذلك كان ما ذكرناه أولى ووجه آخر وهو أن حمله على PageV04P007 ~~الجماع يفيد معنيين أحدهما إباحة التيمم للجنب في حال عوز الماء والآخر أن ~~التقاء الختانين دون الإنزال يوجب الغسل فكان حمله على الجماع أولى من ~~الاقتصار به على فائدة واحدة وهو كون اللمس حدثا ودليل آخر على ما ذكرنا من ~~معنى الآية وهو أنها قد قرئت على وجهين أو لامستم النساء ولمستم فمن قرأ أو ~~لامستم فظاهره الجماع لا غير لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في ~~أشياء نادرة كقولهم قاتله الله وجازاه وعافاه الله ونحو ذلك وهي أحرف ~~معدودة لا يقاس عليها أغيارها والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين كقولهم ~~قاتله وضاربه وسالمه وصالحه ونحو ذلك وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب ~~حمله على الجماع الذي يكون منهما جميعا ويدل على ذلك أنك لا تقول لامست ~~الرجل ولامست الثوب إذا مسسته بيدك لانفرادك بالفعل فدل على أن قوله @QB@ ~~أو لامستم @QE@ بمعنى أو جامعتم النساء فيكون حقيقته الجماع وإذا صح ذلك ~~وكانت قراءة من قرأ أو لمستم يحتمل اللمس ويحتمل اللجماع وجب أن يكون ذلك ~~محمولا على مالا يحتمل إلا معنى واحدا لأن مالا يحتمل إلا معنى واحدا فهو ~~المحكم وما يحتمل معنيين فهو المتشابه وقد أمرنا الله تعالى بحكم المتشابه ~~على المحكم ورده إليه بقوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب @QE@ الآية فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله ~~عليه وذم متبع المتشابه باقتصاره على حكمه بنفسه دون رده إلى غيره بقوله ~~@QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه @QE@ فثبت بذلك أن ~~قوله @QB@ أو لامستم @QE@ لما كان محتملا للمعنيين كان متشابها وقوله @QB@ ~~أو لامستم @QE@ لما كان مقصورا في مفهوم اللسان على معنى واحد كان محكما ~~فوجب أن يكون معنى المتشابه مبينا عليه فإن قيل لما قرئت الآية على الوجهين ~~اللذين ذكرت وكان أحد الوجهين لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو قراءة من قرأ أو ms1482 ~~لامستم النساء والوجه الآخر يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع وجب أن نجعل ~~القراءتين كالآيتين لو وردتا أحدهما كناية عن الجماع فنستعملها فيه والأخرى ~~صريحة في اللمس باليد خاصة فتستعملها فيه دون الجماع ويكون كل واحد من ~~اللفظين مستعملا على مقتضاه من كناية أو صريح إذ لا يكون لفظ واحد حقيقة ~~مجاز ولا كناية صريحا في حال واحدة ونكون مع ذلك قد استعملنا حكم القراءتين ~~على فائدتين دون الاقتصار بهما على فائدة واحدة قيل له لا يجوز ذلك لأن ~~السلف من الصدر الأول PageV04P008 المختلفين في مراد الآية قد عرفوا ~~القراءتين جميعا لأن القراءتين لا تكونان إلا توقيفا من الرسول للصحابة ~~عليهما وإذا كانوا قد عرفوا القراءتين ثم لم يعتبروا هذا الاعتبار ولم يحتج ~~بهما موجبو الوضوء من اللمس علمنا بذلك بطلان هذا القول وعلى أنهم مع ذلك ~~لم يحملوهما على المعنيين بل اتفقوا على أن المراد أحدهما وحمله كل واحد من ~~المختلفين على معنى غير ما تأوله عليه صاحبه من جماع أو لمس بيد دون الجماع ~~فثبت بذلك أن القراءتين على أي وجه حصلتا لم تقتضيا بمجموعهما ولا بانفراد ~~كل واحدة منهما الأمرين جميعا ولم يجعلوهما بمنزلة الآيتين إذا وردتا فيجب ~~استعمال كل واحدة منهما على حيالها وحملها على مقتضاها وموجبها وكان أبو ~~الحسن الكرخي يجيب عن ذلك بجواب آخر وهو أن سبيل القراءتين غير سبيل ~~الآيتين وذلك لأن حكم القراءتين لا يلزم معا في حال واحدة بل بقيام أحدهما ~~مقام الأخرى ولو جعلناهما كالآيتين لوجب الجمع بينهما في القراءة وفي ~~المصحف والتعليم لأن القراءة الأخرى بعض القرآن ولا يجوز إسقاط شيء منه ~~ولكان من اقتصر على إحدى القراءتين مقتصرا على بعض القرآن لاعلى كله وللزم ~~من ذلك أن المصاحف لم يثبت فيها جميع القرآن وهذا خلاف ما عليه جميع ~~المسلمين فثبت بذلك أن القراءتين ليستا كالآيتين في الحكم بل تقرآن على أن ~~تقام أحدهما مقام الأخرى لا على أن يجمع بين أحكامهما كما لا يجمع بين ~~قراءتهما وإثباتهما في المصحف ms1483 معا ويدل على أن اللمس ليس بحدث أن ما كان ~~حدثا لا يختلف فيه الرجال والنساء ولو مست امرأة امرأة لم يكن حدثا كذلك مس ~~الرجل إياها وكذلك مس الرجل الرجل ليس بحدث فكذلك مس المرأة ودلالة ذلك على ~~ما وصفنا من وجهين أحدهما أنا وجدنا الأحداث لا تختلف فيها الرجال والنساء ~~فكل ما كان حدثا من الرجل والمرأة فقوله خارج عن الأصول ومن جهة أخرى أن ~~العلة في مس المرأة المرأة والرجل الرجل أنه مباشرة من غير جماع فلم يكن ~~حدثا كذلك الرجل والمرأة فإن قيل قد أوجب أبو حنيفة الوضوء على من باشر ~~امرأته وانتشرت آلته وليس بينهما ثوب ولا فرق بين مسها بيده وبين مسها ~~ببدنه قيل له لم يوجب أبو حنيفة ههنا الوضوء بالمباشرة وإنما أوجبه إذ ~~التقى الفرجان من غير إيلاج كذلك رواه محمد عنه وذلك لأن الإنسان لا يكاد ~~يبلغ هذه الحال إلا ويخرج منه شيء وإن لم يشعر به فلما كان الغالب في هذه ~~الحال خروج شيء منه وإن PageV04P009 لم يشعر به أوجب الوضوء له احتياطا ~~فحكم له بحكم الحدث كما أنه لما كان الغالب من حال النوم وجود الحدث فيه ~~حكم له بحكم الحدث فليس إذا في ذلك إيجاب الوضوء من اللمس والله أعلم ~~بالصواب # | باب وجوب التيمم عند عدم الماء # قال ا لله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ قال أبو بكر ~~شرط الوجود مختلف فيه والجملة التي اتفق أصحابنا عليها أن الوجود إمكان ~~استعمال الماء الذي يكفيه لطهارته من غير ضرر فلو كان معه ماء وهو يخاف ~~العطش أو لم يجده إلا بثمن كثير تيمم وليس عليه أن يغالي فيه إلا أن يجده ~~بثمن كما يباع بغير ضرورة فيشتريه وإن كان أكثر من ذلك فلا يشتريه وجعل ~~أصحابنا جميعا شرط الوجود أن يكفيه لجميع طهارته وأما العلم بكونه في رحله ~~فمختلف فيه أنه من شرط الوجود وسنذكره إن شاء الله واختلف أيضا في وجوب ~~الطلب وهل يكون غير واجد ms1484 قبل الطلب وإنما قلنا أنه إذا خاف العطش باستعماله ~~للطهارة فهو غير واجد للماء المفروض به الطهارة لأنه متى خاف الضرر في ~~استعماله كان معذورا في تركه إلى التيمم كالمريض قال الله تعالى @QB@ ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ فنفى الحرج عنا وهو ~~الضيق وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه العطش أعظم الضيق وقد نفاه ~~الله تعالى نفيا مطلقا وقال تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر @QE@ من العسر استعمال الماء الذي يؤديه إلى الضرر وتلف النفس ألا ~~ترى أنه لو اضطر إلى شرب الماء وحضرته الصلاة ولا ماء معه غيره أنه مأمور ~~بشربه وترك استعماله للطهارة فكذلك إذا خاف العطش في المستأنف باستعماله ~~وروي نحو هذا القول فيمن خاف العطش عن علي وابن عباس والحسن وعطاء وإنما ~~شرطنا أن يجده بثمن مثل قيمته في غير الضرورة من قبل أن المقدار الفاضل عن ~~قميته غير مستحق عليه إتلافه لأجل الطهارة إذ لا يحصل بإزائه بدل فكان ~~إضاعة للمال لأن من اشترى ما يساوي درهما بعشرة دراهم فهو مضيع للتسعة وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وأيضا لو كان على ثوبه نجاسة ~~ولم يجد الماء لم يكن عليه قطع موضع النجاسة لأجل الصلاة بل عليه أن يصلي ~~فيه لأجل ما يلحقه من الضرر بقطعه فكذلك شرى الماء بثمن غال وأما إذا وجده ~~بثمن مثله فعليه أن يشتريه ويتوضأ PageV04P010 ولا يجزيه التيمم من قبل أنه ~~ليس فيه تضييع المال إذ كان يملك بإزاء ما أخرج من ماله مثله وهو الماء ~~الذي أخذه فكان عليه شراؤه والوضوء به وقد اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ~~مالا يكفيه لطهارته فقال أصحابنا جميعا يتيمم وليس عليه استعماله وكذلك لو ~~كان جنبا فوجد ما يكفيه لوضوئه ولا يكفيه لغسله يتيمم وقال مالك والأوزاعي ~~لا يستعمل الجنب هذا الماء في الابتداء ويتيمم فإن أحدث بعد ذلك وعندما ~~يكفيه لوضوئه يتيمم أيضا وقال أصحابنا في هذه المسألة ms1485 الأخيرة يتوضأ بهذا ~~الماء ما لم يجد ما يكفيه لغسله وقال الشافعي عليه غسل ما قدر على غسله ~~ويتيمم لا يجزيه غير ذلك قال أبو بكر قال الله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا @QE@ فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين إما الماء عند وجوده أو التراب عند ~~عدمه لأنه أوجبه بهذه الشريطة ولا خلاف أن من فرض هذا الرجل التيمم وإن ~~صلاته غير مجزية إلا به فعلمنا أن هذا الماء ليس هو الماء المفروض به ~~الطهارة إذ لو كان الماء المفروض به الطهارة موجودا لم تكن صحة صلاته ~~موقوفة على فعل التيمم منه فإن قيل قال الله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء @QE@ ~~فأباح التيمم عند عدم ماء منكور وذلك يتناول كل جزء منه سواء كان كافيا ~~لطهارته أو غير كاف فلا يجوز التيمم مع وجوده قيل له الدليل على فساد هذا ~~التأويل اتفاق الجميع على أن بالآية لما لزمه التيمم معه لأن الله تعالى ~~إنما أوجب عليه التيمم وإن استعمل الماء فلو كان هذا القدر من الماء مأمورا ~~باستعماله إنما اراد بالطيب الطاهر المباح كقوله تعالي عند عدم الماء الذي ~~تصح به صلاته فإن قيل فنحن لا نجيز تيممه إلا بعد عدم هذا الماء باستعماله ~~إياه فحينئذ يتيمم قيل له لو كان هذا على ما ذكر لاستغنى عن التيمم ~~باستعمال الماء الذي معه فلما اتفقوا على أن عليه التيمم بعد استعماله ثبت ~~أن هذا الماء ليس هو المفروض به الطهارة ولا ما أبيح التيمم بعدمه وأيضا ~~لما كان وجود هذا الماء بمنزلة عدمه في باب استباحة الصلاة به صار بمنزلة ~~ما ليس بموجود فجاز له التيمم وأيضا لما لم يجز الجمع بين غسل إحدى الرجلين ~~والمسح على الخف في الرجل الأخرى لكون المسح بدلا من الغسل فلم يجز الجمع ~~بينهما وجب أن لا يلزمه الجمع بين غسل الأعضار والتيمم لهذه العلة وأيضا ~~فإن التيمم لا يرفع الحدث كالمسح لا يرفع الحدث عن الرجل ms1486 فلم يجز الجمع بين ~~ما يرفع الحدث وبين مالا يرفعه في المسح كذلك لا يجوز الجمع بين التيمم ~~والغسل في بعض الأعضاء على أن يكونا PageV04P011 من فرضه وأيضا فإن التيمم ~~بدل من غسل جميع الأعضاء وغيرجائز وقوعه عن بعض الأعضاء دون بعض ألا ترى ~~أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى على أنه قام مقام جميع الأعضاء ~~التي أوجب الحدث غسلها فلو أوجبنا عليه غسل ما يمكنه غسله مع التيمم لم يخل ~~التيمم من أن يقوم مقام غسل بعض أعضائه أو جميعه فإن قام مقام مالم يغسل ~~منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض الأعضاء وذلك مستحيل لأنه لا ~~يتبعض فلما بطل ذلك لم يبق إلا أن يقوم مقام جميعها فيصير حينئذ متوضئا ~~متيمما في الأعضاء المغسولة وذلك محال لأن الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ~~ينوب عنه التيمم فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في الوجوب وعلى أن الشافعي ~~يوجب عليه غسل الوجه والذراعين بذلك الماء ويتيمم مع ذلك لهذين العضوين ~~فيكون تيممه في هذين العضوين قائما مقامهما ومقام العضوين الآخرين فيكون قد ~~ألزمه طهارتين في هذين العضوين فكيف يجوز أن يكون طهارة في العضوين ~~المغسولين وهو إذا حصل طهارة لم يرفع الحدث ويكون حكم الحدث باقيا مع وجوده ~~فكيف يجوز وقوعه مع عدم رفع الحدث عما وقع فيه فإن قيل يلزمك مثله إذا قلت ~~فيما غسل بعض أعضائه لأنه ملزم التيمم ويكون ذلك طهارة لجميعه قيل له لا ~~يلزمنا ذلك لأنا لا نوجب عليه استعماله فسقط حكمه إن استعمله وأنت توجب ~~استعماله كما نوجبه لو وجد ما يكفيه لجميع أعضائه فكان بمنزلة من توضأ ~~وأكمل وضوءه فلا يجوز أن يقوم التيمم مقام شيء منه فإن قال فقد يجوز عندكم ~~الجمع بين التيمم والوضوء ولا ينافي أحدهما الآخر وهو الذي يجد سؤر الحمار ~~ولا يجد غيره قيل له إن طهارته أحد هذين لإجماعهما ولذلك أجزنا له أن يبدأ ~~بأيهما شاء لأنه مشكوك فيه عندنا فلم يسقط عنه ms1487 فرض الطهارة بالشك فإذا جمع ~~بينهما فالمفروض أحدهما كما قالوا جميعا فيمن نسي إحدى الصلوات الخمس ولا ~~يدري أيها هي يصلي خمس صلوات حتى يصلي على اليقين وإنما الذي عليه واحدة لا ~~جميعها كذلك ههنا وأنت تزعم أن المفروض هما جميعا في مسئلتنا وأيضا لما كان ~~التيمم بدلا من الماء كالصوم بدلا من الرقبة لم يجز اجتماع بعض الرقبة ~~والصوم وجب مثله في التيمم والماء فإن قيل الصغيرة قد تجب عدتها بالشهور ~~فإن حاضت قيل انقضائها وجب الحيض وكذلك ذات الحيص لو اعتدت بحيضة ثم يئست ~~وجبت الشهور مع الحيضة المتقدمة PageV04P012 قيل له إذا طرأ عليها ما ذكرت ~~قبل انقضاء العدة خرج ما تقدم من أن يكون عدة معتدا به وأنت لا تخرج ما غسل ~~من أن يكون طهارة وكذلك التيمم ودليل آخر في المسألة وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم التراب طهور المسلم مالم يجد الماء والدلالة من هذا قوله مالم ~~يجد الماء فأدخل عليها الألف واللام وذلك لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق ~~الجنس أو المعهود فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال ~~التراب طهور مالم يجد مياه الدنيا وإن كان أراد به المعهود فهو قولنا أيضا ~~لأنه ليس ههنا ماء معهود يجوز أن ينصرف الكلام إليه غير الماء الذي يقع به ~~كمال الطهارة وذلك لم يوجد في مسئلتنا فجاز تيممه بظاهر الخبر واختلفوا في ~~العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في الوجود أم لا فقال أبو حنيفة ومحمد ~~إذا نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم وصلى أجزأه ولا يعيد في الوقت ولا ~~بعده وقال مالك ولا يعيد في الوقت ولا يعيد بعده وقال أبو يوسف والشافعي ~~يعيد في الأحوال كلها والأصل فيه قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~@QE@ والناسي غير واجد لما هو ناس له إذ لا سبيل له إلى الوصول إلى ~~استعماله فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته وقال الله @QB@ ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو ms1488 أخطأنا @QE@ فاقتضى ذلك سقوط حكم المنسي وأيضا قال ~~الله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ ومعلوم أن هذا الخطاب لم يتوجه إلى ~~الناسي لأن تكليف الناسي لا يصح وإذا لم يكن مأمورا مكلفا بالغسل فهو مأمور ~~بالتيمم لا محالة لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع الإمكان فثبت جواز ~~تيممه وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب في الماء فلم يجده فتيمم ~~وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه الإعادة ووجود الماء ~~لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر فلما كان جهله بماء ~~البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في رحله فإن قيل لو نسي ~~الطهارة أو الصلاة لم يسقطها النسيان فكذلك نسيان الماء قيل له ظاهر قوله ~~صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان يقتضي سقوطه وكذلك نقول ~~والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر غير الأول وأما الأول فقد سقط وإنما ~~ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه الطهارة المنسية بدلالة أخرى وإلا ~~فالنسيان يسقط عنه القضاء لولا الدلالة وأيضا فلا تأثير للنسيان بانفراده ~~في سقوط الفرض إلا بانضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرا في سقوطه نحو السفر ~~الذي هو حال عدم الماء PageV04P013 فإذا انضم إليه النسيان صار جميعا عذرا ~~في سقوطه وأما نسيان الطهارة والقراءة والصلاة ونحو ذلك فلم ينضم إلى ~~النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرا في سقوط هذه الفرائض ومن جهة أخرى ~~إنا جعلنا النسيان عذرا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض وفي ~~المسائل التي ذكرتها فيها إسقاط الفروض لا نقلها إلى أبدال فلذلك اختلفا ~~فإن قيل الناسي للماء في رحله هو واجد له قيل له ليس الوجود هو كون الماء ~~في رحله دون إمكان الوصول إلى استعماله من غير ضرر يلحقه ألا ترى أن من معه ~~ماء وهو يخاف على نفسه العطش يجوز له التيمم وهو واجد للماء فالناسي أبعد ~~من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله ألا ms1489 ترى أن من ليس في رحله ماء وهو ~~قائم على شفير نهر إنه واجد للماء وإن لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى ~~استعماله فعلمنا أن الوجود هو إمكان التوصل إلى استعماله من غير ضرر ألا ~~ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه مانع جاز له التيمم فعلمنا أن ~~الوجود شرطه ما ذكرنا دون الملك فإن قيل ما تقول لو كان على ثوبه نجاسة ~~فنسي الماء في رحله ولم يغسله وصلى فيه هل يجزيه قيل له لا نعرفها محفوظة ~~عن أصحابنا وقياس قول أبي حنيفة أنه يجزي وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي ~~فيمن نسي في رحله ثوبا وصلى عريانا أنه يجزيه واختلفوا في تارك الطلب إذا ~~لم يكن بحضرته ماء هل هو غير واجد فقال أصحابنا إذا لم يطمع في الماء ولم ~~يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه التيمم وقال الشافعي عليه الطلب وإن ~~تيمم قبل الطلب لم يجزه وقال أصحابنا إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن ~~كان بينه وبينه ميل أو أكثر فليس عليه إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر ~~بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن أهل رفقته وإن كان أقل من ميل أتاه وهذا إذا ~~لم يخف على نفسه وما معه من لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه وإنما ~~قالوا فيمن كانت حاله ما قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب من قبل ~~أنه غير واجد للماء وقال الله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ وهذا ~~غير واجد فإن قالوا لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب قيل له هذا خطأ لأن ~~الوجود لا يقتضي طلبا قال الله تعالى @QB@ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا ~~نعم @QE@ فأطلق اسم الوجود على مالم يطلبوه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ويكون واجدا لها وإن لم يطلبها وقال في الرقبة ~~@QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين @QE@ ومعناه PageV04P014 ليس في ملكه ~~ولا له قيمتها لا أنه أوجب عليه أن يطلبها ms1490 فإذا كان الوجود قد يكون من غير ~~طلب فمن ليس بحضرته ماء ولا هو عالم به فهو غير واجد إذا تناوله إطلاق ~~اللفظ لم يجز لنا أن نزيد فيه فرض الطلب لأن فيه إلحاق الزيادة بحكم الآية ~~وذلك غير جائز ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وقال النبي صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم مالم يجد الماء ~~وقال لأبي ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت فامسسه جلدك ويدل ~~أيضا على أن الوجود لا يقتضي الطلب أنه قد يكون واجدا لما يحصل عنده من شيء ~~من غير طلب منه من ماء أو غيره فيقال هذا واجد للرقبة إذا كانت عنده وإن لم ~~يطلبها فإن قال قائل ما أنكرت أنه جائز أن يقال إنه واجد لما لم يطالبه ولا ~~يقال إنه غير واجد إلا أن يكون قد طلبه قيل له إذا كان الوجود لا يقتضي ~~الطلب وليس ذلك شرطه فنفى الوجود مثله لأنه ضده فما جاز إطلاقه عليه جاز ~~على عدمه ألا ترى أنه يصح أن يقال هو غير واجد لألف دينار وإن لم يتقدم منه ~~طلب ولو ضاع منه مال جاز أن يقال إنه لم يجده وإن لم يكن منه طلب كما يقال ~~هو واجده وإن لم يطلبه فالوجود ونفيه سواء في أن كل واحد منهما لا يتعلق ~~إطلاق الاسم فيه بالطلب وقد قال الله تعالى @QB@ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ~~وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين @QE@ فأطلق الوجود في النفي كما أطلقه في الإثبات ~~مع عدم الطلب فيهما فإن قيل لو كان مع رفيق له ماء فلم يطلبه لم يصح تيممه ~~حتى يطلبه فيمنعه وهذا يدل على وجوب الطلب ويؤكده ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعبدالله بن مسعود ليلة الجن هل معك ماء فطلبه قيل له أما ~~طلبه من رفيقه فقد روي عن أبي حنيفة أن صلاته جائزة وإن لم يطلبه وأما على ~~قول أبي يوسف ومحمد ms1491 فإنه لا يجزيه حتى يطلبه فيمنعه وهذا عندنا إذا كان ~~طامعا منه في بذله له وأنه إن لم يطمع في ذلك فليس عليه الطلب ونظيره إن ~~يطمع في ماء موجود بالقرب أو يخبره به مخبر فلا يجوز تيممه لأن غالب الظن ~~في مثله يقوم مقام اليقين كما لو غلب في ظنه أنه إن صار إلى النهر وهو ~~بالقرب منه افترسه سبع أو اعترض له قاطع طريق جاز له أن يتيمم وإن غلب على ~~ظنه السلامة لم يجز له التيمم فليس هذا من قول من يوجب الطلب في شيء وأما ~~حديث عبدالله بن مسعود وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياه الماء وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في طلب الماء فإن فعله صلى الله عليه ~~وسلم ليس على الوجوب وهو عندنا مستحب كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأيضا لا يخلو الذي PageV04P015 في المفازة وليس بحضرته ماء ولم يطمع فيه ~~من أن يكون واجدا أو غير واجد فإن كان غير واجد جاز تيممه بقوله @QB@ فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا @QE@ وبقول النبي صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ~~ما لم يجد ماء فإن قيل إذا كان شرط جواز التيمم عدم الماء فواجب أن لا يجزي ~~حتى يتيقن وجود شرطه كما أنه لما كان شرط جواز الصلاة حضور الوقت لم يجزه ~~فعلها إلا بعد حصول اليقين بدخول الوقت قيل له الفصل بنيهما أن الأصل هو ~~عدم الماء في مثل ذلك الموضع وذلك يقين عنده وإنما لا يعلم هل هو موجود في ~~غيره وهل يكون موجودا إن طلب أم لا فليس عليه أن يزول عن اليقين الأول بما ~~لا يعلمه ويشك فيه ووقت الصلاة أيضا كان غير موجود فغير جائز له فعلها ~~بالشك حتى يتيقن وجوده فيهما سواء في هذا الوجه في باب البناء على اليقين ~~الذي كان الأصل فإن قيل قال الله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فالغسل أبدا واجب وعليه التوصل إليه كيف ~~أمكن ms1492 فإذا كان قد يمكنه التوصل إليه بالطلب فذلك فرضه قيل له الذي قال @QB@ ~~فاغسلوا @QE@ هو الذي قال @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فوجوب الغسل ~~مضمن بوجود الماء وجواز التيمم مضمن بعدمه وهو عادم له في الحال لا محالة ~~وإنما يزعم المخالف أنه جائز أن يكون واجدا عند الطلب فغير جائز ترك ما حصل ~~من شرط إباحة التيمم لما عسى يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون والذي قاله ~~المخالف كان يلزم لو طمع في الماء وغلب على ظنه وجوده وأخبره به مخبر فأما ~~مع فقد ذلك فقد حصل شرط الآية على الوجه الذي يبيح التيمم فغير جائز لأحد ~~إسقاطه وإيجاب اعتبار معنى غيره وإنما قدر أصحابنا أقل من ميل من قبل لزوم ~~استعماله إذا علم بموضعه وغلب في ظنه ولم يوجبوه ذلك في ميل فصاعدا اجتهادا ~~ولأن الميل هو الحد الذي تقدر به المسافات ولا تقدر بأقل منه في العادة ~~فاعتبروه في ذلك دون ما هو أقل منه كما قلنا في اعتبار أبي يوسف الكثير ~~الفحش أنه شبر في شبر لأنه أقل المقادير التي تقدر بها المساحات ولا تقدر ~~في العادة بأقل منه وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر من الماء ~~على غلوتين أو ثلاث فيتيمم ويصلي ولا يميل إليه وعن سعيد بن المسيب في ~~الراعي يكون بينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة وتحضره الصلاة أنه يتيمم ويصلي ~~وقال الحسن وابن سيرين لا يتيمم من رجا أن يقدر على الماء في الوقت واختلف ~~فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم فقال أصحابنا والثوري ~~PageV04P016 والأوزاعي والشافعي من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر ~~وهو في آخر الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء وقال ~~مالك يجزيه التيمم إذا خاف فوات الوقت وقال الليث بن سعد إذا خاف فوات ~~الوقت إن توضأ يصلي بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت والأصل فيه قوله تعالى ~~@QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فأوجب استعمال الماء ms1493 في حال وجوده ونقله ~~عنه إلى التراب عند عدمه فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف الآية ~~وحين أمره الله تعالى بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت وإدراك ~~فعل الصلاة فيه فهو مطلق في الوقت وبعده وقال الله تعالى @QB@ لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا @QE@ فمنعه من فعل الصلاة إذا كان جنبا إلا بعد تقديم الغسل ولم ~~يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره ويدل عليه من جهة السنة قوله صلى الله عليه ~~وسلم لأبي ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك ~~فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو لم يخف لعموم ~~قوله @QB@ فاغسلوا @QE@ ولقوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم مالم ~~يجد الماء فمتى كان وجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا تجزيه صلاته ومن ~~جهة النظر أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت بدلالة أنه لا تجز صلاة بغير ~~طهارة وهي جائزة مع فوات الوقت فإن قيل إذا خاف فوت الوقت صلى بتيمم ليدرك ~~فضيلة الوقت قيل له كيف يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلى بغير ~~طهارة فإن قيل التيمم طهور قيل له إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله ~~تعالى وكما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم وأما مع وجوده فليس بطهور ~~فالواجب عليك أن تدل أو لا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من ~~غير ضرر حتى تبني عليه بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت فإن قال ~~قائل المسافر إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم الماء قيل له لو ~~كان كذلك لما جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم الماء لأنه غير خائف ~~فوت الوقت وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول الوقت دلالة على أن شرط ~~جواز التيمم ليس هو لأجل فوت الوقت فإن قال لو كان شرط ms1494 التيمم عدم الماء ~~لما جاز للمريض ولمن يخاف العطش أن يتيمم مع وجود الماء قيل له إنما قلنا ~~بجوازه لأن الوجود هو إمكان استعماله بلا ضرر ولا مشقة لأن الله قد ذكر ~~المريض والمسافر فعدم الماء على الإطلاق شرط وخوف الضرر PageV04P017 ~~باستعماله أيضا شطر وأنت لم تلجأ في اعتبارك الوقت لا إلى آية ولا إلى أثر ~~بل الكتاب والأثر يقضيان بطلان قولك فإن قيل لما جازت الصلاة في حال الخوف ~~مع الاختلاف والمشي إلى غير القبلة وراكبا لأجل إدراك الوقت دل على وجوب ~~اعتبار الوقت في جوازها بالتيمم إذا خاف فوته قيل له إنما أبيحت صلاة ~~الخائف على هذه الوجوه لأجل الخوف لا للوقت ولا لغيره والخوف موجود والدليل ~~على ذلك جواز صلاة الخوف في أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج ~~الوقت فدل على أنها إنما أبيحت للخوف لا ليدرك الوقت والتيمم إنما أبيح له ~~لعدم الماء فنظير صلاة الخوف من التيمم أن يكون الماء معدوما فيجوز له ~~التيمم فأما حال وجود الماء فهو يمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة ~~إلا على هيئتها في حال الأمن وإنما جعل صلاة الخوف بمنزلة الإفطار للمسافر ~~وبمنزلة المسح على الخفين في أنها رخصة مخصوصة بحال لا لخوف فوات الوقت ~~وأيضا فإنه إن فات وقته باشتغاله بالوضوء فإنه يصير إلى وقت آخر لها لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها ~~فإن ذلك وقتها فأخبر أن وقت الذكر مع فواتها وقت لها كما كان الوقت الذي ~~كان قبله وقتا لها فإذا كان وقت الصلاة باقيا مع فواتها عن الوقت الأول لم ~~يجز لنا ترك الطهارة بالماء لخوف فواتها من وقت إلى وقت وقد وافقنا مالك ~~على وجوب الترتيب بين الفائتة وبين صلاة الوقت وأن الفائتة أخص بالوقت من ~~التي هي في وقتها حتى أنه لو بدأ بصلاة الوقت قبلها لم يجزه فلو كان خوف ~~فوت الوقت مبيحا له التيمم لوجب أن ms1495 يباح له التيمم بعد الفوات أيضا لأن كل ~~وقت يأتي بعد الفوات هو وقت لها لا يسعه تأخيرها عنه فيلزم مالكا أن يجيز ~~لمن فاتته صلاة أن يصليها بتيمم في أي وقت كان لأن اشتغاله بالوضوء يوجب ~~تأخيرها عن الوقت المأمور بفعلها فيه والمنهي عن تأخيرها عنه ولما اتفق ~~الجميع على أنه غير جائز له فعلها بالتيمم مع خوف فوات وقتها الذي هو مأمور ~~بفعلها فيه إذا اشتغل باستعمال الماء صح أن الوقت لا تأثير له في ترك ~~الطهارة بالماء إلى التيمم وأما قول الليث بن سعد أنه يتيمم ويصلي في الوقت ~~ثم يتوضأ ويعيد بعد الوقت فلا معنى له لأنه معلوم أنه لا يعتد بتلك الصلاة ~~فلا معنى لأمره بها وتأخير الفرض الذي عليه تقديمه واختلف فيمن حبس في موضع ~~قذر لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف فقال أبو حنيفة ومحمد زفر PageV04P018 ~~لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر وهو قول الثوري والأوزاعي ~~وقال أبو يوسف والشافعي يصلي ويعيد والحجة لأبي حنيفة ومن قال بقوله قوله ~~تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ إلى قوله @QB@ فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ~~ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور فلا يكون ذلك صلاة فلا معنى ~~لأمرنا إياه بأن نفعل ما ليس بصلاة لأجل أن عليه فرض الصلاة وقد قال أبو ~~يوسف إنه يصلي بالإيماء ثم يعيد فلم يعتد به وأمره بالإعادة فلو كانت هذه ~~صلاة لما كان مأمورا بالإعادة ألا ترى أنه من لم يقدر على الركوع والسجود ~~صلى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة فإن قيل قد يأمره إذا كان محبوسا في بيت ~~نظيف أن يتيمم ويعيد ووجوب الإعادة لم يسقط عنه فعلها بالتيمم قيل له قد ~~روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يتيمم ولا يصلي حتى ~~يخرج فهذا مستمر على هذا الأصل وذكر في الأصل أنه يتيمم ms1496 ويصلي ويعيد ولم ~~يذكر خلافا وجائز أن يكون هذا قول أبي يوسف وحده فإن كان قولهم جميعا فوجه ~~هذه الرواية على قول أبي حنيفة إن الصلاة بالتيمم قد تكون صلاة صحيحة بحال ~~وهو حال عدم الماء أو خوف الضرورة فلما كان عادما للماء في هذه الحال جاز ~~له التيمم وكان القياس أن يكون كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا وخاف ~~السبع أو اللصوص فيجوز له التيمم ولا يعيد فهذا هو القياس إلا أنه ترك ~~القياس وأمره بالإعادة وفرق بين حال السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر ~~وإنما وقع المنع بفعل آدمي وفعل الآدمي في مثله لا يسقط الفرض ألا ترى أنه ~~لو منعه رجل مكرها من فعل الصلاة أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلى ~~بالإيماء أنه يعيد ولو كان المنع من فعل الله تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه ~~الفرض ولو كان مريضا سقط عنه فعل الركوع إلى الإيماء فاختلف حكم المنع إذا ~~كان بفعل الله أو بفعل الآدمي فكذلك حال الحضر لما كانت حال وجود الماء لم ~~يسقط فرض استعماله بمنع الآدمي منه فأمره بالتيمم وإعادتها بالماء وعلى ~~الرواية الأولى لم يأمره بفعلها لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر بها فإن ~~قيل فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر الموسى ~~على رأسه متشبها بالحالقين وإن لم يحلق فهلا أمرت المحبوس الذي لا يقدر عل ~~الماء والتراب أن يصلي متشبها بالمصلين وإن لم يكن مصليا وكما تأمر الأخرس ~~بتحريك PageV04P019 لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا قيل له الفصل ~~بينهما أن أفعال المناسك قد ينوب عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله ~~كفعله فجاز أن ينوب عن الحلق إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه ~~فيجزي وكذلك تلبية الغير قد تنوب عند أبي حنيفة في حال الإغماء فلذلك استحب ~~له تحريك لسانه بها وإن لم يكن ملبيا إذا كان أخرس وأما الصلاة فلا ينوب ~~عنه فيها غيره ولا يجوز أن يفعل ms1497 ما ليس بصلاة متشابها بالمصلين فيصير هذا ~~الفعل وتركه سواء لا معنى له فلذلك لم يستحبه فإن احتجوا بما روي في قصة ~~قلادة عائشة حين صلت وأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم لطلب ~~القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر ~~عليهم فعلها بغير وضوء ولا تيمم قيل له إن آية التيمم لم تكن نزلت وقت ما ~~صلوا ولم يكن التيمم واجبا وأيضا فإنهم لم يؤمروا بالإعادة فينبغي أن يدل ~~على أن لا إعادة على من صلى بغير وضوء ولا تيمم إذا لم يجدهما فلما قال ~~مخالفونا إنه يعيد علمنا أن حكم من ذكر مخالف لأولئك وأيضا فإن أولئك كانوا ~~واجدين للتراب غير واجدين للماء وأنت لا تقول ذلك فيمن كان في مثل حالهم ~~واختلف في جواز التيمم قبل دخول الوقت فقال أصحابنا جائز قبل دخول وقت ~~الصلاة لمن لا يجد الماء ويصلي به الفرض إذا دخل الوقت وقال مالك بن أنس ~~والشافعي لا يجوز إلا بعد دخوله ودليلنا قوله @QB@ أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ فأمر ~~بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء ولم يفرق فيه بين حاله قبل دخول الوقت أو ~~بعده وأيضا قال @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وقد دللنا في ~~أول الكتاب أن معناه إذا أردتم القيام وأنتم محدثون ثم عطف عليه التيمم ~~وأباحه في الحال التي أمر فيها بالوضوء لو كان واجدا للماء وأيضا لما قال ~~تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وأمر بتقديم الطهارة لها في غير ~~هذه الآية وكانت الطهارة شيئين الماء عند وجوده والتراب عند عدمه اقتضى ذلك ~~جواز تقديم التيمم على الوقت ليصلي في أوله على شرط الآية ويدل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم مالم يجد الماء وقوله لأبي ذر ~~التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ولم يفرق بينه قبل الوقت أو بعده وإنما علق ~~جوازه بعدم الماء لا بالوقت ms1498 فإن قيل على استدلالنا بقوله تعالى @QB@ أو جاء ~~أحد منكم من الغائط @QE@ أن ذلك معطوف على قوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~@QE@ وهو مضمر فيه فكان تقديره إذا قمتم إلى الصلاة PageV04P020 وجاء أحد ~~منكم من الغائط وذلك يكون بعد دخول الوقت قيل له هذا غلط من قبل أن قوله ~~@QB@ إذا قمتم @QE@ معناه إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فهذه جملة مكتفية ~~بنفسها في إيجاب الوضوء للحدث ثم استأنف حكم عادم الماء فقال @QB@ وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر @QE@ إلى قوله @QB@ فتيمموا @QE@ وهذه أيضا جملة مفيدة ~~مستقلة بنفسها غير مفتقرة إلى تضمينها بغيرها وما كان هذا وصفه من الكلام ~~ففي تضمينه بغيره تخصيص له وذلك غير جائز إلا بدلالة فوجب أن يكون شرط ~~المجيء من الغائط في إباحة التيمم مقرا على بابه وأن لا يضمن بغيره وأيضا ~~فإن حكم كل جواب علق بشرط أن يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم إلا ~~بدلالة والذي يلي ذلك هو شرط المجيء من الغائط وأيضا كما جاز الوضوء قبل ~~الوقت وجب أن يجوز التيمم كذلك لأنه طهارة لم يوجد بعدها حدث فإن قيل ~~المستحاضة لا تصلي بوضوء فعلته قبل الوقت قيل له يجوز ذلك عندنا لأنها لو ~~توضأت قبل الزوال كان لها أن تصلي به إلى خروج وقت الظهر وأما إذا توضأت في ~~وقت الظهر فإنها لا تصلي به في وقت العصر للسيلان الموجود بعد الطهارة ~~والوقت كان رخصة لها في فعل الصلاة مع الحدث فلما ارتفعت الرخصة بخروجه وجب ~~الوضوء للحدث المتقدم واختلف في فعل صلاتي فرض بتيمم واحد فقال يصلي بتيممه ~~ما شاء من الصلوات مالم يحدث أو يجد الماء وهو مذهب الثوري والحسن بن صالح ~~والليث بن سعد وهو مذهب إبراهيم وحماد والحسن وقال مالك لا يصلي صلاتي فرض ~~بتيمم واحد ولا يصلي الفرض بتيمم النافلة ويصلي النافلة بعد الفرض بتيمم ~~الفرض وقال شريك بن عبدالله يتيمم لكل صلاة فرض ويصلي الفرض والنفل وصلاة ~~الجنازة بتيمم واحد والدليل على صحة قولنا ms1499 قوله صلى الله عليه وسلم التراب ~~كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك وقال التراب طهور ~~المسلم مالم يجد الماء فجعل التراب طهورا مالم يجد الماء ولم يوقته بفعل ~~الصلاة وقوله ولو إلى عشر حجج على وجه التأكيد وليس المراد حقيقة الوقت وهو ~~كقوله تعالى @QB@ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ ليس ~~المراد به توقيت العدد المذكور وإنما المراد تأكيد نفي الغفران فإن قيل لم ~~يذكر الحدث وهو ينقض التيمم كذلك فعل الصلاة قيل له لأن بطلانه بالحدث كان ~~معلوما عند المخاطبين فلم يحتج إلى ذكره وإنما ذكر مالم يكن معلوما عندهم ~~وأكده ببقائه إلى وجود الماء وأيضا فإن المعنى المبيح للصلاة PageV04P021 ~~بالتيمم بديا كان عدم الماء وهو قائم بعد فعل الصلاة فينبغي أن يبقى تيممه ~~ولا فرق فيه بين الابتداء والبقاء إذ كان المعنى فيهما واحدا وهو عدم الماء ~~وأيضا لما كان المسح على الخفين بدلا من الغسل كما أن التيمم بدل منه ثم ~~جاز عند الجميع فعل صلاتين بمسح واحد جاز فعلهما أيضا بتيمم واحد وأيضا فلا ~~يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن تكون طهارته باقية أو زائلة فإن كانت ~~زائلة فالواجب أن لا يصلي بها نفلا لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب ~~الطهارة وإن كانت باقية فجائز أن يصلي بها فرضا آخر فإن قيل قد خفف أمر ~~النفل عن الفرض جاز على الراحلة وإلى غير القبلة من غير ضرورة ولا يجوز فعل ~~الفرض على هذا الوجه إلا لضرورة قيل له أنهما وإن اختلفا من هذا الوجه فلم ~~يختلفا في أن شرط كل واحد منهما الطهارة فمن حيث جاز النفل بالتيمم الذي ~~أدى به الفرض فواجب أن يجوز فعل فرض آخر به وإنما خفف أمر النفل في جواز ~~فعله على الراحلة وإلى غير القبلة لأن فعل الفرض جائز على هذه الصفة في حال ~~الضرورة وأما الطهارة فلا يختلف فيها حكم النفل والفرض في الأصول واستدل من ~~خالف في ذلك بقوله ms1500 تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ وذلك يقتضي وجوب تجديد الطهارة على ~~كل قائم إليها فوجب بحق العموم إيجاب تجديد التيمم لكل صلاة قيل له هذا غلط ~~لأن قوله تعالى @QB@ إذا قمتم @QE@ لا يقتضي التكرار في اللغة وقد بيناه ~~فيما سلف ألا ترى أنه لم يقتضه في استعمال الماء فكذلك في التيمم وعلى أنه ~~أوجب التيمم في الحال التي لو كان الماء موجودا لكان مأمورا باستعماله فجعل ~~التيمم بدلا منه فإنما يجب التيمم على الوجه الذي يجب فيه الأصل فأما حال ~~أخرى غير هذه فليس في الآية ذكر إيجابه فيها فإذا كان الماء لو كان موجودا ~~لم يلزمه تجديد الطهارة به للصلاة الثانية بعد ما صلى بها الصلاة الأولى ~~كان كذلك حكم التيمم فإن قيل التيمم لا يرفع الحدث فليس هو بمنزلة الماء ~~الذي يرفعه فلما كان الحدث باقيا مع التيمم وجب عليه تجديده قيل له ليس ~~بقاء الحدث علة لإيجاب تكرار التيمم لأنه لو كان كذلك لوجب عليه تكراره ~~أبدا قبل الدخول في الصلاة لهذه العلة فلما جاز أن يفعل الصلاة الأولى ~~بالتيمم مع بقاء الحدث كانت الثانية مثلها إذا كان التيمم مفعولا لأجل ذلك ~~الحدث بعينه الذي يريد إيجاب التيمم من أجله وقد وقع له مرة فلا يجب ثانية ~~وأيضا فإن هذه العلة منتقضة بالمسح على الخفين لبقاء الحدث في PageV04P022 ~~الرجل مع المسح ويجوز فعل صلوات كثيرة به وينتقض أيضا بتجويز مخالفينا صلاة ~~نافلة بعد الفرض لوجود الحدث فإن قيل هلا جعلته كالمستحاضة عند خروج وقتها ~~قيل له قد ثبت عندنا أن رخصة المستحاضة مقدرة بوقت الصلاة ولا نعلم أحدا ~~يجعل رخصة التيمم مقدرة بالوقت فهو قياس فاسد منتقض وعلى أن المستحاضة ~~مخالفة للمتيمم من قبل أنه قد وجد منها حدث بعد وضوءها والوقت رخصة في فعل ~~الصلاة مع الحدث فإذا خرج الوقت توضأت لحدث وجد بعد طهارتها ولم يوجد في ~~المتيمم حدث بعد تيممه فطهارته باقية واختلف في المتيمم إذا ms1501 وجد الماء في ~~الصلاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا وجد الماء في الصلاة بطلت ~~صلاته وتوضأ واستقبل وقال مالك والشافعي يمضي فيها وتجزيه وروي عن أبي سلمة ~~بن عبدالرحمن أنه إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة لم يلزمه الوضوء وصلى ~~بتيممه وهو قول شاذ مخالف للسنة والإجماع والدليل على صحة قولنا قوله تعالى ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى قوله @QB@ فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا @QE@ فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء ثم نقله إلى ~~التراب عند عدمه فمتى وجد الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية وعلى أن ~~حقيقة اللفظ تقتضي وجوب الغسل بعد القيام إلى الصلاة فغير جائز أن يكون ~~دخوله فيها مانعا من لزوم استعماله وأيضا لا يختلفون أن حكم الآية في فرض ~~الغسل عند وجود الماء قائم عليه بعد دخوله في الصلاة لأنه لو أفسد صلاته ~~قبل إتمامها لزمه استعمال الماء بالآية فثبت بذلك أن دخوله في الصلاة لم ~~يسقط عنه فرض الغسل والخطاب بحكم الآية فوجب عليه بحكم الآية استعماله ~~لبقاء فرض استعماله عليه وأيضا لا يخلو قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى ~~الصلاة @QE@ من أن يكون المراد به حال وجود الصلاة بعد فعل جزء منها وإرادة ~~القيام إليها محدثا وجعل ذلك شرطا للزوم استعماله فقد وجد فعليه استعماله ~~ولا يسقط عنه ذلك بالتيمم والدخول فيها مع وجود سبب تكليفه إذ كان المسقط ~~لفرضه هو عدم الماء فمتى وجد فقد عاد شرط لزومه فلزمته الطهارة به ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فإذا كان جنبا ودخل في ~~الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لزمه بقوله @QB@ لا تقربوا الصلاة @QE@ إلى ~~قوله @QB@ حتى تغتسلوا @QE@ فإن قيل في نسق الخطاب وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر إلى قوله @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ PageV04P023 قيل له هما ~~مستعملان جميعا كل واحد على شريطته فالتيمم عند عدم الماء والغسل عند وجوده ~~وغير جائز إسقاط ms1502 الغسل عند وجوده إذ كان الظاهر يوجبه ولم تفرق الآية بين ~~حاله بعد الدخول في الصلاة أو قبله ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~التراب طهور المسلم مالم يجد الماء فجعله طهورا بشريطة عدم الماء فإذا وجد ~~الماء خرج من أن يكون طهارة ولم يفرق بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها ~~فإذا بطلت طهارته برؤيته الماء لم يجز أن يمضي فيها وأيضا فقال صلى الله ~~عليه وسلم الماء طهور المسلم وقال صلى الله عليه وسلم إذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك وفي بعض الألفاظ وأمسسه بشرتك ودلالته على وصفنا من وجهين ~~أحدهما ما ذكرنا من قوله التراب طهور المسلم مالم يجد الماء فأخبر بالحال ~~التي يكون التراب فيها طهورا وهو أن لا يجد الماء ولم يفرق بين حاله قبل ~~الدخول في الصلاة وبعده فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم خص كونه طهورا ~~بهذه الحال دون غيرها فمتى صلى به والماء موجود فهو مصل بغير طهور والثاني ~~قوله صلى الله عليه وسلم فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك ولم يفرق بينه قبل ~~الدخول وبعده فهو على الحالين يلزمه استعماله متى وجده بظاهر قوله ويدل ~~عليه اتفاق الجميع على أن وجود الماء بعد التيمم قبل الدخول يمنع الابتداء ~~فوجب أن يمنع البناء كما أن الحدث لما منع ابتداء الصلاة منع البناء عليها ~~إذ كان من شرط صحتها جميعا الطهارة وأيضا فإن كونه في الصلاة لا يمنع لزوم ~~الطهارة لأنه لو أحدث فيها لزمته الطهارة وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض ~~التي هي من شروط الصلاة مثل وجود الثوب للعريان وعتق الأمة في لزومها تغطية ~~الرأس وخروج وقت المسح فوجب أن لا يمنع كونه في الصلاة من لزوم الطهارة ~~بالماء عند وجوده وأيضا لما لم يجز التحريمة بالتيمم مع وجود الماء لأنه ~~يكون فاعلا لجزء من الصلاة بالتيمم مع وجود الماء وكان هذا المعنى موجودا ~~بعد الدخول وجب أن يمنع المضي فيها فإن قيل لو أحدث جاز البناء عندك إذا ms1503 ~~توضأ ولا تجوز التحريمة بعد الحدث قيل له لا فرق بينهما لأنه لو فعل جزأ من ~~الصلاة بعد الحدث قبل الطهارة بطلت صلاته وإنما نجيز له البناء إذا توضأ ~~وأنت تجيزه قبل الطهارة بالماء فإن قيل إنما اختلف حال الصلاة وقبلها في ~~التيمم لسقوط فرض الطلب عنه بدخوله في الصلاة لأن كونه فيها ينافي فرض ~~الطلب وأما قبل الدخول فيها ففرض الطلب قائم عليه فلذلك لزمته الطهارة إذا ~~وجده قبل الدخول قيل له أما قولك في لزوم فرض الطلب PageV04P024 قبل الدخول ~~فيها ففاسد على ما قدمناه فيما سلف ومع ذلك فلو سلمناه لك لانتقض على أصلك ~~وذلك أن بقاء فرض الطلب ينافي صحة الدخول في الصلاة عندك فلا يخلو إذا طلب ~~ولم يجد فتيمم أن يكون فرض الطلب قائما عليه أو ساقطا عنه فإذا كان فرض ~~الطلب قائما عليه فواجب أن لا يصح دخوله إذ كان بقاء فرض الطلب ينافي صحة ~~الصلاة ويمنع صحة التيمم أيضا على أصلك وإن كان فرض الطلب ساقطا عنه ~~فالواجب على قضيتك أن لا يلزمه استعمال الماء إذا وجده بعد التيمم قبل ~~الدخول في الصلاة كما حكي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن فلما ألزمته استعمال ~~الماء عند وجوده بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة مع سقوط فرض الطلب ثبت أن ~~سقوط فرض الطلب ليس بعلة لجاز ترك استعمال الماء عند وجوده وأيضا قد اتفقوا ~~جميعا أن الصغيرة لو اعتدت شهرا ثم حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض لأن الشهور ~~بدل من الحيض وإنما تكون عدة عند عدمه كما أن التيمم طهور عند عدم الماء ~~فلما اتفقوا على استواء حالهما قبل وجوب العدة وبعده في كون الحيض عدة عند ~~وجوده وجب أن يستوي حكم وجود الماء بعد الدخول في الصلاة وقبله وأيضا لما ~~كان التيمم بدلا من الماء لم يجز أن يبقى حكمه مع وجود المبدل عنه كسائر ~~الأبدال لا يثبت حكمها مع وجود الأصل فإن قيل فلو أن متمتعا وجد الهدي بعد ~~صوم الثلاثة أيام وبعد ms1504 الإحلال جاز له أن يصوم السبعة مع وجود الأصل قيل له ~~الثلاثة بدل من الهدي لأن بها يقع الإحلال وليست للسبعة بدلا من الهدي لأن ~~الإحلال يكون قبل السبعة فإن قيل ليست حال الصلاة حال للطهارة فلا يلزمه ~~استعمال الماء قيل له فينبغي أن لا يلزمه غسل الرجلين بخروج وقت المسح وهو ~~في الصلاة وأن لا يلزم المستحاضة الوضوء بانقطاع الدم في الصلاة وأن لا ~~تلزمها الطهارة لو أحدث فيها لهذه العلة فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا قيل له لم يقل ذلك ابتداء بل ~~بكلام متصل به وهو أنه قال إذا وجد أحدكم حركة في دبره فلا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا وقال إن الشيطان يخيل إلى أحدكم أنه قد أحدث فلا ينصرف ~~حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وقال في بعض الألفاظ لا وضوء إلا من صوت أو ريح ~~فأما ابتداء قول منه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فإن ذلك لم ينقل ~~ولم يروه أحد وإذا كان كذلك فإنما هو في الشاك في الحدث فلم يصح نجعله في ~~غيره ممن PageV04P025 لم يشك ووجد الماء وعلى أن قوله لا وضوء إلا من صوت ~~أو ريح يقتضي ظاهره إيجاب الوضوء بوجود الماء لأن الحدث الذي عنه وجبت ~~الطهارة باق لم يرتفع بالتيمم فإن قيل ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد ~~أو صلاة الجنازة ثم وجد الماء قيل له ينتقض تيممه ولا يجوز له المضي عليها ~~وتبطل صلاته إذا أمكنه استعمال الماء والدخول في الصلاة لا فرق بينهما وبين ~~الصلاة المكتوبة وجواب آخر عما أورده من الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به ~~لأنه مفهوم أنه لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد في دار الدنيا وإنما أراد ~~صوتا أو ريحا على صفة لا يدرى ما هو بنفس اللفظ فسبيله أن يكون موقوفا على ~~دلالة فإن ادعوا فيه العموم كان دلالة لنا لأنه إذا ms1505 سمع صوت الماء وجب عليه ~~بظاهره إذ لم يفرق بين الأصوات & فصل & ويستدل بقوله تعالى @QB@ إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ الآية على جواز الوضوء بنبيذ التمر من ~~وجهين أحدهما قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ وذلك عموم في جميع ~~المائعات لأنه يسمى غاسلا بها إلا ما قام الدليل فيه ونبيذ التمر مما قد ~~شمله العموم والثاني قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فإنما ~~أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء ~~كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء ~~فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر ويدل على ذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة قبل نزول آية التيمم وقبل أن نقل من ~~الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء الذي فيه لا على وجه ~~البدل عن الماء إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة فيه مقصورة على الماء ~~دون غيره وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا وروى يحيى بن كثير ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر وضوء لمن لم يجد ~~الماء وقال عكرمة النبيذ وضوء إذا لم تجد غيره وروى أبو جعفر الرازي عن ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية قال ركبت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~البحر ففنى ماؤهم فتوضؤا بالنبيذ وكرهوا ماء البحر وروى المبارك بن فضالة ~~عن أنس أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ فهؤلاء الصحابة والتابعون قد ~~روي عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم ~~وروي عن أبي حنيفة في الوضوء بنبيذ التمر ثلاث روايات إحداها وهي المشهورة ~~أنه يتوضأ به ولا PageV04P026 يتيمم وهو قول زفر وروي عنه أنه يتوضأ به ~~ويتيمم وهو قول محمد وروى نوح أن أبي حنيفة رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال ~~يتيمم ولا يتوضأ به وقال مالك والثوري ms1506 وأبو يوسف والشافعي يتيمم ولا يتوضأ ~~به وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه يتوضأ به ويتيمم وكذلك روي عنه ~~المعلى وقال حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي صاحب الحسن بن صالح يتوضأ بنبيذ ~~التمر مع وجود الماء إن شاء وروي الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عبدالله بن مسعود وأبو أمامة روى عن عبدالله من طرق عدة قد ~~بيناها في مواضع # | باب صفة التيمم # قال الله تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ ~~منه فاختلف الفقهاء في صفته فقال أصحابنا التيمم ضربتان ضربة الوجه وضربة ~~لليدين إلى المرفقين فقالوا يضرب بيديه على الصعيد يحركهما فيقبل بهما ~~ويدبر على الصعيد ثم ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه ثم يعيد إلى الصعيد كفه ~~جميعا فيقبل بهما ويدبر ويرفعهما فينفضهما ثم يمسح بكل كف ظهر ذراعه الأخرى ~~وباطنها إلى المرفقين واتفق مالك والثوري والليث والشافعي أنه ضربتان ضربة ~~للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وروي مثله عن مالك أيضا أنه يتيمم إلى ~~المرفقين فإن تيمم إلى الكوعين لم يعد وقال الأوزاعي تجزي ضربة واحدة للوجه ~~والكوعين وروي نحوه عن عطاء وقال الزهري يمسح يديه إلى الإبط وقال ابن أبي ~~ليلى والحسن بن صالح يتيمم بضربتين يمسح بكل واحدة منها وجهه وذراعيه ~~ومرفقيه وقال أبو جعفر الطحاوي لم نجد عن غيرهما أنه يمسح بكل واحدة من ~~الضربتين وجهه وذراعيه ومرفقيه والحجة لقول أصحابنا ما روى ابن عمر وابن ~~عباس والأسلع عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم ضربتان ضربة للوجه ~~وضربة لليدين إلى المرفقين واختلفت الرواية عن عمار فروى عنه عبدالرحمن بن ~~أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة للوجه ولليدين وروى عبيدالله ~~بن عبدالله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم ضربتين وهذا ~~أولى لأنه زائد وخبر الزائد أولى وأيضا فكما أنه لا يجوز في الوضوء ~~الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو كذلك الحكم في ~~التيمم لأنهما طهارتان PageV04P027 وإن كانت ms1507 إحداهما مسحا والأخرى غسلا ألا ~~ترى أنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن ~~غسلا وإنما قلنا إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحديث الأسلع ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين واختلف عن ~~عمار فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم فروى الشعبي عن ~~عبدالرحمن بن أبزى عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوفوا التيمم ~~إلى المرفقين وروى غيره عن سعيد بن عبدالرحمن عن أبيه عن عمار قال سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني بضربة واحدة للوجه والكفين ~~ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن زر عن ابن عبدالرحمن بن أبزى عن أبيه عن ~~عمار وقال فيهما ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه إلى المرفقين وروى سلمة ~~عن أبي مالك عن عبدالرحمن بن أبزى عن عمار أنه تمعك في التراب في الجنابة ~~فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب ~~بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع وروى ~~الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن عمار أنهم مسحوا وهم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد ضربة واحدة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المناكب والآباط فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف واتفقوا أن التيمم ~~إلى المناكب غير ثابت الحكم ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما حكى فعل نفسه لم يثبت التيمم إلى المناكب وإن كان له وجه في ~~الاحتمال وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غسله ~~ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء فمن أراد أن يطول غرته فليفعل فقال ~~أبو هريرة إني أحب أن أطيل غرتي ثم بقي من أخبار عمار مما عزاه إلى ms1508 النبي ~~صلى الله عليه وسلم الوجه والكفان ونصف الذراع إلى المرفقين فكانت رواية من ~~روى إلى المرفقين أولى لوجوه أحدها أنه زائد على روايات الآخرين وخبر ~~الزائد أولى والثاني أن الآية تقتضي اليدين إلى المنكبين لدخولهما تحت ~~الاسم فلا يخرج شيء منه إلا بدليل وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق ~~المرفقين فبقي حكمه إلى المرفقين والثالث أن في حديث ابن عمرو الأسلع ~~التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهما في روايتهما وقول الزهري يمسح ~~يديه إلى الإبط قول شاذ ومع ذلك لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأما قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح أنه يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه ~~ويديه فخلاف PageV04P028 ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سائر ~~الأخبار التي ذكر فيها صفة التيمم لأن الذي روي في بعضها ضربتان ضربة للوجه ~~وضربة لليدين إلى المرفقين فلم يجعل ما للوجه لليدين وما لليدين للوجه وفي ~~بعضها ضربة واحدة لهما فقولهما خارج عن حكم الخبرين جميعا وهو مع ذلك خلاف ~~الأصول لأن التيمم مسح فليس تكراره بمسنون كالمسح على الخفين ومسح الرأس ~~ولو كان التكرار مسنونا فيه لكان ثلاثا كالأعضاء المغسولة وإنما قال ~~أصحابنا في صفة التيمم أنه يضع يديه على الصعيد يقبل بهما ويدبر ليتخلل ~~أصابعه ويصيب جميعها وإنما قالوا ينفضهما لما روى الأعمش عن سفيان عن أبي ~~موسى أن عمارا قال وذكر قصة التيمم فقال إنه صلى الله عليه وسلم قال إنما ~~يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بيده على الأرض وفي حديث عن عبدالرحمن بن أبزى عن ~~عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب بيده إلى الأرض ثم نفخهما وفي ~~حديث الأسلع أنه نفضهما في كل مرة والنفخ والنفض جميعا إنما هو لإزالة ~~التراب عن يده وهذا يدل على أنه ليس المقصد فيه وصول التراب إلى وجهه ولا ~~حصوله فيه لأنه لو كان المقصد حصول التراب في العضو لما نقضه # | باب ما يتيمم به # قال الله تعالى ms1509 @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ اختلف الفقهاء فيما يجوز به ~~التيمم فقال أبو حنيفة يجزي التيمم بكل ما كان من الأرض التراب والرمل ~~والحجارة والزرنيخ والنورة والطين الأحمر والمرداسنج وما أشبهه وهو قول ~~محمد وزفر وكذلك يجزي بالكحل والآجر المدقوق في قولهما رواه محمد ورواه ~~أيضا الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وإن تيمم ببورق أو رماد أو ملح أو نحوه لم ~~يجز عندهم وكذلك الذهب والفضة في قولهم وقال أبو يوسف لا يجزي إلا أن يكون ~~ترابا أو رملا وإن ضرب يده على صخرة أو حائط لا صعيد عليها أجزأه في قول ~~أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يجزيه وروى المعلى عن أبي يوسف أنه إن تيمم ~~بأرض لا صعيد عليها لم يجزه وهو بمنزلة الحائط وهو قوله PageV04P029 الآخر ~~وقال الثوري يجوز بالزرنيخ والنورة ونحوهما وكل ما كان من تراب الأرض ولا ~~يتيمم بالآجر وقال مالك يتيمم بالحصا والجبل وكذلك حكى عنه أصحابه في ~~الزرنيخ والنورة ونحوهما قال وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى الأرض أجزأه ~~وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا وروى أشهب عن مالك أنه لا يتيمم بالثلج وقال ~~الشافعي يتيمم بالتراب مما تعلق باليد قال أبو بكر لما قال الله @QB@ ~~فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ وكان الصعيد اسما للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ~~ما كان من الأرض وأخبرنا أبو عمر غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابي قال الصعيد ~~الأرض والصعيد التراب والصعيد القبر والصعيد الطريق فكل ما كان من الأرض ~~فهو صعيد فيجوز التيمم به بظاهر الآية فإن قيل إنما أباح التيمم بالصعيد ~~الطيب والأرض الطيبة هي التي تنبت والجص والزرنيخ لا ينبت شيئا فليس إذا ~~بطيب قال الله تعالى @QB@ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه @QE@ قيل له ~~إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس وأما قوله @QB@ والبلد الطيب @QE@ ~~@QB@ كلوا من طيبات ما رزقناكم @QE@ فأفاد بذلك ابن عباس ومجاهد وابراهيم ~~رواية والشعبي رواية هو كفارة فإنما يريد به ما ليس بسبخة لأنه قال @QB@ ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا @QE@ ولا خلاف ms1510 في جواز التيمم بالسبخة التي لا ~~تخرج مثل ما يخرج غيرها فعلمنا أنه لم يرد بالطيب ما ذكرت وقد روى أبو ~~ظبيان عن ابن عباس قال الطيب الصعيد الجرز أو قال الأرض الجرز وقال ابن ~~جريج قال قلت لعطاء @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا @QE@ قال أطيب ماحولك ويدل ~~عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وهو ~~يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما إخباره أن الأرض طهور فكل ما كان من ~~الأرض فهو طهور بمقتضى الخبر والآخر أن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي ~~جعله طهورا وسائر ما ذكر هو من الأرض وهي مسجد فيجوز التيمم به بحق العموم ~~وروى عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن أعرابيا أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا نكون في هذه الرمال لا نقدر ~~على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وفينا النفساء والحائض والجنب فقال صلى ~~الله عليه وسلم عليكم بأرضكم فأفاد بذلك جوازه بكل ما كان من الأرض ولما ~~ذكرنا من عموم الآية والخبر أجزنا التيمم بالحجر والحائط لأنه من الأرض ~~لأنها تشتمل على أنواع مختلفة ولا يخرجها اختلاف أنواعها من كون جميعها ~~صعيدا وقال تعالى @QB@ فتصبح صعيدا زلقا @QE@ PageV04P030 يعني الأرض ~~الملساء التي لا شيء عليها وقال النبي صلى الله عليه وسلم يحشر الناس عراة ~~حفاة في صعيد واحد يعني الأرض المستوية التي ليس عليها شيء كقوله تعالى ~~@QB@ فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا @QE@ فلا فرق بين ما ~~عليه منها تراب أو لا تراب عليه لوقوع الاسم عليه على الإطلاق فإن قيل إن ~~الآجر وإن كان أصله من الأرض فقد انتقل عن طبع الأرض بالطبخ وحال عن حد ~~التراب فهو كالماء المنتقل عن حاله بما يدخل عليه من الرياحين والأصباغ حتى ~~يحول إلى جنس آخر ويزول عنه الاسم الأول وكالزجاج فلا يجوز الوضوء به قيل ~~له إنما لم يجز الوضوء بالماء الذي ذكرت لغلبة غيره ms1511 عليه حتى أزال عنه اسم ~~الماء وأما الآجر فلا يخالطه ما يخرجه عن حد الأرض وإنما حدثت فيه صلابة ~~بالإحراق فهو كالحجر فلا يمتنع ذلك التيمم به وقد روى ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ضرب يده على الحائط فتيمم به وروي أنه نفض يديه حين وضعهما ~~على التراب وأنه نفخهما فعلمنا أن المقصد فيه وضع اليد على ما كان من الأرض ~~على أنه يحصل في يده أو وجهه شيء منه ولو كان المقصد أن يحصل في يده منه ~~شيء لأمر بحمل التراب على يده ومسح الوجه به كما أمر بأخذ الماء للغسل أو ~~للمسح حتى يحصل في وجهه فلما لم يأمر بأخذ التراب ونفض النبي صلى الله عليه ~~وسلم يديه ونفخهما علمنا أنه ليس المقصد حصول التراب في وجهه فإن قيل قوله ~~تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ يقتضي ~~حصول شيء منه في الأعضاء الممسوحة به قيل له إنما أفاد بذلك تأكيد وجوب ~~النية فيه لأن من قد تكون لبدء الغاية كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من ~~فلان إلى فلان فيكون معناه على هذا ليكن ابتداء الأخذ من الأرض حتى يتصل ~~بالوجه واليد بلا فاصل يفصل بين الأخذ وبين المسح فينقطع حكم النية ويحتاج ~~إلى تجديدها وهو كقولك توضأ من النهر يعني أن ابتداء أخذه من النهر إلى أن ~~اتصل بأعضاء الوضوء من غير قطع ألا ترى أنه لو أخذه من النهر في إناء وتوضأ ~~منه لم يقل إنه توضأ من النهر ويحتمل أن يكون قوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه @QE@ يعني من بعضه وأفاد به أن أي بعض منه مسحتم به على جهة ~~الإطلاق والتوسعة وأما الذهب والفضة واللؤلؤ ونحوها فلا يجوز التيمم لأنها ~~ليست من طبع الأرض وإنما هي جواهر مودوعة فيها قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين سئل عن الركاز هو الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الأرض ~~يوم PageV04P031 خلقت واللؤلؤ من الصدف والصدف من حيوان الماء وأما الرماد ~~فهو ms1512 من الخشب ونحوه ومع ذلك فليس هو من طبع الأرض ولا من جوهرها وأما الثلج ~~والحشيش فهما كالدقيق والحبوب ونحوها فلا يجوز التيمم بها لأنها ليست من ~~الصعيد ولا يجوز نقل الأبدال إلى غيرها إلا بتوقيف فلما جعل الله الصعيد ~~بدلا من الماء لم يجز لنا إثبات بدل منه إلا بتوقيف ولو جاز ذلك لجاز أن ~~يضرب يده على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به ولا جاز التيمم بالقطن والحبوب ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال وترابها لنا ~~طهور وقد اتفقوا على امتناع جوازه بالثلج والحشيش إذا وصل إلى الأرض فلو ~~كان مما يجوز التيمم به لجاز مع وجود التراب لأن التيمم بالصعيد بدل فلا ~~ينتقل إلى بدل غيره فإن قيل إذا لم يصل إلى الأرض فهو كالزرنيخ والنورة ~~والمغرة إذا كان بينه وبين الأرض قيل له الزرنيخ ونحوه من الأرض ويجوز ~~التيمم به مع وجود التراب وعدمه وليس هو مع ذلك حائلا بيننا وبين الأرض ~~وإنما الأرض في الأغلب حائلة بيننا وبينه فكيف يشبهه بالثلج والحشيش وإن ~~تيمم بغبار ثوب أو لبد وقد نفضه جاز عند أبي حنيفة ولا يجوز عند أبي يوسف ~~وإنما جاز عند أبي حنيفة لأن الغبار الذي فيه من الأرض ولا يختلف حكمه في ~~كونه في الثياب أو على الأرض كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء ~~أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول وذهب أبو يوسف في ذلك كله إلى أن هذا لا ~~يسمى ترابا على الإطلاق فلا يجوز التيمم به ومن أجل ذلك لم يجز التيمم بأرض ~~لا تراب عليها وجعلها بمنزلة الحجر على أصله وروى قتادة عن نافع عن ابن عمر ~~أن عمر صلى على مسح من ثلج أصابه وأرادوا أن يتيمموا فلم يجدوا ترابا فقال ~~لينفض أحدكم ثوبه أو صفة سرجه فتيمم به وروى هشام بن حسان عن الحسن قال إذا ~~لم يجد الماء ولم يصل إلى الأرض ضرب بيده على ms1513 لبده وسرجه ثم يتيمم به قوله ~~تعالى @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ قال أبو بكر الذي يقتضيه ~~الظاهر مسح البعض على ما بيناه في قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ ~~وإن الباء تقتضي التبعيض إلا أن الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز له ~~الاقتصار على القليل منه وأن عليه مسح الكثير وذكر أبو الحسن الكرخي عن ~~أصحابنا أنه إن ترك المتيمم من مواضع التيمم شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزه ~~وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يجزيه إذا ترك اليسير منه وهذا ~~PageV04P032 أولى بمذهبه لأن من أصله جواز التيمم بالحجارة التي لا غبار ~~عليها وليس عليه تخليل أصابعه بالحجارة وهذا يدل على أن ترك اليسير منه لا ~~يضره وقال الله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ ولا خلاف في وجوب ~~استيعاب البيت كله وغير جائز له ترك شيء منه قوله تعالى @QB@ ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج @QE@ @QB@ ولكن يريد ليطهركم @QE@ قال أبو بكر لما كان ~~الحرج الضيق ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج بنا ساغ الاستدلال بظاهره في ~~نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات فيكون ~~القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا بظاهر هذه الآية وهو نظير قوله تعالى ~~@QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولكن ~~يريد ليطهركم @QE@ يحتمل معنيين الطهارة من الذنوب كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرجت ذنوبه من وجهه وإذا غسل يديه خرجت ~~ذنوبه من يده إلى آخره كما قال تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ يحتمل التطهير من الذنوب ويحتمل التطهير من ~~الأحداث والجنابة والنجاسة كقوله تعالى @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان @QE@ فانتظم لطهارة الجنابة والطهارة من النجاسة وقوله تعالى @QB@ ~~وثيابك فطهر @QE@ فلما احتمل المعنيين فالواجب حمله عليهما فيكون المراد ~~حصول الطهارة على سقوط اعتبار الترتيب وإيجاب النية في الوضوء فإن قيل لما ~~ذكر ذلك ms1514 عقيب التيمم فينغبي أن يدل على سقوط اعتبار النية في التيمم كما دل ~~على سقوطها في الوضوء قيل له لما كان التيمم يقتضي إحضار النية في فحواه ~~ومقتضاه علمنا أنه لم يرد به إسقاط ما انتظمه واما الوضوء والغسل فلا ~~يقتضيان النية فوجب اعتبار عمومه فيهما وعلى أن قوله @QB@ ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى ~~تضمينه بغيره فصح اعتبار عمومه في جميع ما انتظمه لفظ إلا ما قام دليل ~~خصوصه # فصل قال أبو بكر قد ذكرنا ما حضرنا من علم أحكام هذه الآية وما في ضمنها ~~من الدلائل على المعاني وما يشتمل عليه من وجوه الاحتمال على ما ذهب إليه ~~المختلفون فيها وذكرناه عن قائليها من السلف وفقهاء الأمصار وأنزل الله ~~إياها بهذه الألفاظ المحتملة للمعاني ووجوه الدلالات على الأحكام مع أمره ~~إيانا باعتبارها والاستدلال بها في PageV04P033 قوله تعالى @QB@ لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ فحثنا على التفكر فيه وحرضنا على ~~الاستنباط والتدبر وأمرنا بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه وننال درجة ~~المستنبطين والعلماء الناظرين ودل بما نزل من الآي المحتملة للوجوه من ~~الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها وإن ~~كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره وأن ~~مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره إذ لم يكن لنا ~~سبيل إلى استدراكه إلا من طريق السمع وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من طريق ~~النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل لفظ ~~الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعا لكل واحد من المجتهدين ما دل عليه ~~عنده فحوى الآية وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال فانظر على ~~كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثرة الفوائد وضروب ~~ما أدت إليه من وجوه الاستنباط وهذه إحدى ms1515 دلائل إعجاز القرآن إذ غير جائز ~~وجود مثله في كلام البشر وأنا ذاكرنا مجملا ما تقدم ذكره مفصلا ليكون أقرب ~~إلى فهم قارئه إذا كان مجموعا محصورا والله تعالى نسأل التوفيق فأول ما ~~ذكرنا من حكم قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ ما احتمله اللفظ من ~~إرادة القيام والثاني ما اقتضه حقيقة اللفظ من إيجاب الغسل بعد القيام ~~والثالث ما احتمله من القيام من النوم لأن الآية على هذه الحال نزلت ~~والرابع اقتضاؤها إيجاب الوضوء من النوم المعتاد الذي يصح إطلاق القول فيه ~~بأنه قائم من النوم والخامس احتمالها لإيجاب الوضوء لكل صلاة واحتمالها ~~لطهارة واحدة لصلوات كثيرة مالم يحدث والسادس احتمالها إذا أردتم القيام ~~وأنتم محدثون وإيجاب الطهارة من الأحداث والسابع دلالتها على جواز الوضوء ~~بإمرار الماء على الموضع من غير ذلك واحتمالها لقول من أوجب الدلك والثامن ~~إيجابها بظاهرها إجراء الماء على الأعضاء وإن مسحها غير جائز على ما بينا ~~وبطلان قول من أجاز المسح في جميع الأعضاء والتاسع دلالتها على جواز الوضوء ~~بغير نية والعاشر دلالتها على وجوب الاقتصار بالفرض على ما واجهنا من ~~المتوضئ بقوله تعالى @QB@ وجوهكم @QE@ إذ كان الوجه ما واجهك وإن المضمضة ~~والاستنشاق غير واجبين في الوضوء والحادي عشر دلالتها على أن تخليل ~~PageV04P034 اللحية غير واجب إذ لم يكن باطنها من الوجه والثاني عشر ~~دلالتها على نفي إيجاب التسمية في الوضوء والثالث عشر دلالتها على دخول ~~المرافق في الغسل والرابع عشر احتمالها أن تكون المرافق غير داخلة والخامس ~~عشر دلالتها على جواز مسح بعض الرأس والسادس عشر احتمالها لوجوب مسح الجميع ~~والسابع عشر احتمالها لجواز مسح البعض أي بعض كان منه والثامن عشر دلالتها ~~على أنه غير جائز أن يكون المفروض ثلاث شعرات إذ غير جائز تكليفه مالا يمكن ~~الاقتصار عليه والتاسع عشر احتمالها لوجوب غسل الرجلين والعشرون احتمالها ~~لجواز المسح على قول موجبي استيعابها بالمسح والحادي والعشرون دلالتها على ~~بطلان قول مجيزي مسح البعض بقوله @QB@ إلى الكعبين @QE@ والثاني والعشرون ~~دلالتها على عدم إيجاب ms1516 الجمع بين الغسل والمسح وأن الواجب إنما كان أحدهما ~~باتفاق الفقهاء والثالث والعشرون دلالتها على جواز المسح في حال لبس الخفين ~~ووجوب الغسل في حال ظهور الرجلين والرابع والعشرون دلالتها على جواز المسح ~~على الخفين إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان ثم أكمل الطهارة قبل الحدث لأنها ~~من حيث دلت على المسح دلت على جوازه في جميع الأحوال إلا ما قام دليله ~~والخامس والعشرون دلالتها على قول من أجاز المسح على الجرموقين من حيث دلت ~~على المسح على الخفين لأن الماسح على الخفين والجرموقين جائز أن يقال قد ~~مسح على رجليه وإن كان عليهما خفان والسادس والعشرون دلالتها على المسح على ~~الجوربين وأنه يحتاج إلى دليل في أن المسح على الجوربين وأنه غير مراد ~~والسابع والعشرون دلالتها على لزوم مباشرة الرأس بالمسح وامتناع جوازه على ~~العمامة والخمار فإن قيل كان ذلك دليلا على بطلان المسح على العمامة فقوله ~~@QB@ وأرجلكم @QE@ يدل على بطلان المسح على الخفين قيل له لما كان قوله ~~@QB@ وأرجلكم @QE@ محتملا للمسح والغسل وأمكننا استعمالها لها استعملناهما ~~في حالين وإن كان في أحدهما مجازا لئلا نسقط واحدا منهما ولم تكن بنا حاجة ~~إلى استعمال قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ على المجاز فاستعملناه على ~~حقيقته والثامن والعشرون دلالتها على جواز الوضوء مرة مرة وأن ما زاد فهو ~~تطوع والتاسع والعشرون دلالتها على نفي فرض الاستنجاء وعلى جواز الصلاة مع ~~تركه وعلى بطلان قول من أوجب الاستنجاء من الريح والثلاثون دلالتها على ~~بطلان قول من أوجب غسل اليد قبل إدخالهما الإناء وأنه إن أدخلهما قبل أن ~~يغسلهما لم يجزه PageV04P035 الوضوء والحادي والثلاثون دلالتها على ان مسح ~~الأذنين ليس بفرض وبطلان قول من أجاز المسح عليهما دون الرأس والثاني ~~والثلاثون دلالتها على جواز تفريق الوضوء بإباحة الصلاة بالغسل على أي وجه ~~حصل والثالث والثلاثون دلالتها على بطلان قول موجبي الترتيب في الوضوء ~~والرابع والثلاثون اقتضاؤها لإيجاب الغسل من الجنابة والخامس والثلاثون ~~دلالتها على اقتضاء هذا اللفظ لمن سمي به اجتناب أشياء إذ كانت الجنابة من ms1517 ~~مجانبة ما يقتضي ذلك اجتنابه وهو ما قد بين حكمه في غيرها والسادس ~~والثلاثون دلالتها على استيعاب البدن كله بالغسل ووجوب المضمضة والاستنشاق ~~فيه بقوله @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ والسابع والثلاثون دلالتها على ~~أنه متى طهر بدنه استباح الصلاة وأن الوضوء ليس بفرض فيه والثامن والثلاثون ~~إيجاب التيمم للحدث عند عدم الماء والتاسع والثلاثون جوازه للمريض إذا خاف ~~ضرر الماء والأربعون جواز التيمم لغير المريض إذا خاف ضرر البرد إذ كان ~~المعنى في المرض مفهوما وهو أنه خوف الضرر والحادي والأربعون دلالتها على ~~جواز التيمم للجنب إذ كان قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ يحتمل ~~الجماع والثاني والأربعون احتمالها أيجاب الوضوء من مس المرأة إذ كان قوله ~~تعالى @QB@ أو لامستم @QE@ يحتمل الأمرين والثالث والأربعون دلالتها على أن ~~من خاف العطش جاز له التيمم إذ كان في معنى الخائف لضرر الماء باستعماله ~~وهو المريض والمجروح والرابع والأربعون دلالتها على أن الناسي للماء في ~~رحله يجوز له التيمم إذ هو غير واجد للماء والله تعالى شرط استعمال الماء ~~عند وجوده والخامس والأربعون دلالتها على أن من معه ماء لا يكفيه لوضوئه ~~فليس عليه استعماله لأنه أمر بغسل أعضاء الوضوء ثم قال تعالى @QB@ فلم ~~تجدوا ماء @QE@ يعني ما يكفي لغسلها ولأنه لا خلاف أن من فرضه التيمم فدل ~~على أن هذا القدر من الماء غير مراد والسادس والأربعون احتمالها لاستدلال ~~من استدل بقوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فذكر عدم كل جزء منه ~~إذ كان نكرة في جواز التيمم فإذا وجد قليلا لم يجز الاقتصار على التيمم ~~والسابع والأربعون دلالتها على سقوط فرض الطلب وبطلان قول موجبه إذ كان ~~الوجود أو العدم لا يقتضيان طلبا فموجب الطلب زائد فيها ما ليس منها ~~والثامن والأربعون دلالتها على أن من خاف ذهاب الوقت إن توضأ لم يجز له ~~التيمم إذ كان واجدا للماء لأمره تعالى إيانا بالغسل عند وجود الماء ~~PageV04P036 بقوله تعالى @QB@ فاغسلوا @QE@ من غير ذكر الوقت والتاسع ~~والأربعون دلالتها على أن المحبوس الذي لا يجد ms1518 ماء ولا ترابا نظيفا أنه لا ~~يصلي لأن الله أمر بفعل الصلاة بأحد ما ذكره في الاية من ماء أو تراب ~~والخمسون احتمالها لجواز التيمم للمحبوس إذا وجد ترابا نظيفا والحادي ~~والخمسون جواز التيمم قبل دخول الوقت إذ لم يحصره بوقت وإنما علقه بعدم ~~الماء بقوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء @QE@ والثاني والخمسون دلالتها على ~~جواز الصلوات المكتوبات بتيمم واحد ما لم يحدث أو يجد الماء بقوله تعالى ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ ثم قوله في سياقه @QB@ ~~فتيمموا @QE@ فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء فلما لم ~~تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم والثالث والخمسون ~~دلالتها على أن على المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة الوضوء لقوله تعالى ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ على ما بينا من دلالتها على ذلك ~~فيما سلف والرابع والخمسون مسح الوجه واليدين في التيمم واستيعابهما به ~~والخامس والخمسون مسح اليدين إلى المرفقين لاقتضاء قوله تعالى @QB@ وأيديكم ~~إلى المرافق @QE@ إياها وأن ما فوق المرفقين إنما خرج بدليل والسادس ~~والخمسون جوازه بكل ما كان من الأرض لقوله تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا ~~@QE@ والصعيد الأرض والسابع والخمسون بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله ~~تعالى @QB@ طيبا @QE@ والنجس ليس بطيب والثامن والخمسون وجوب النية في ~~التيمم من وجهين أحدهما أن التيمم القصد والثاني قوله تعالى @QB@ فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ على ما بينا من دلالته على أن ابتداءه يكون من ~~الأرض حتى يتصل بالوجه من غير قطع وأن استعماله لشيء آخر يقطع حكم النية ~~وتوجب الاستيناف والتاسع والخمسون احتمالها لإصابة بعض التراب وجهه ويديه ~~لقوله @QB@ منه @QE@ وهو للتبعيض والستون دلالتها على بطلان قول من أجاز ~~التيمم بالثلج والحشيش إذ ليسا من الصعيد والواحد والستون دلالة قوله تعالى ~~@QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ على إيجاب الطهارة من الخارج من ~~السبيلين وأن دم الاستحاضة وسلس البول والمذي ونحوهما توجب الوضوء إذ كان ~~الغائط هو المطمئن من الأرض يؤتى لكل ذلك والثاني والستون دلالة قوله تعالى ~~@QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ على ms1519 جواز الغسل بسائر المائعات إلا ما خصه الدليل ~~فيستدل به على جواز الوضوء بنبيذ التمر ويستدل به أيضا الحسن بن صالح على ~~جوازه بالخل وما جرى مجراه ويستدل به أيضا على جواز PageV04P037 الطهارة ~~بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات ولم يغلب على الماء مثل ماء الورد ~~واللبن والخل ونحو ذلك والثالث والستون دلالة قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا @QE@ على جوازه بالنبيذ إذ كان في النبيذ ماء وإنما أطلق لنا ~~التيمم عند عدم كل جزء من الماء لذكره إياه بلفظ منكور ويستدل به أيضا من ~~يجيز الوضوء بالماء المضاف كالمرق وخل التمر ونحوه إذا كان فيه ماء والرابع ~~والستون دلالتها لمن يمنع المستحاضة صلاتي فرض بوضوء واحد على لزوم إعادة ~~الوضوء لفرض ثان لقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ فقد روي إذا قمتم ~~وأنتم محدثون وهي محدثة لوجود الحدث بعد الطهارة والخامس والستون دلالتها ~~على امتناع جواز فرضين بتيمم واحد كدلالتها في الاستحاضة إذا كان التيمم ~~غير رافع للحدث فهو متى أراد القيام إلى الصلاة قام إليها وهو محدث والسادس ~~والستون دلالتها على جواز التيمم في أول الوقت عند عدم الماء لقوله تعالى ~~@QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فأمر بالصلاة عند دلوكها وأمر بتقديم ~~الطهارة لها بالماء إن كان موجودا أو التراب إذا كان معدوما فاقتضى ذلك ~~جواز التيمم في أول الوقت وقبل الوقت كما اقتضى جواز الطهارة بالماء قبل ~~الوقت وفي أوله والسابع والستون دلالتها على امتناع جواز التيمم في الحضر ~~للمحبوس وجواز الصلاة به لقوله تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط @QE@ إلى قوله @QB@ فتيمموا صعيدا @QE@ فشرط في إباحة ~~التيمم شيئين أحدهما المرض والآخر السفر مع عدم الماء فإذا لم يكن مسافرا ~~وكان مقيما إلا أنه ممنوع منه بحبس فغير جائز صلاته بالتيمم فإن قيل فهو ~~غير واجد للماء وإن كان مقيما قيل له هو كذلك إلا أنه قد شرط في جوازه ~~شيئين ms1520 أحدهما السفر الذي الأغلب فيه عدم الماء والثاني عدمه وإنما أبيح له ~~التيمم وجواز الصلاة بتعذر وجود الماء للحال الموجبة لذلك وهو السفر لا في ~~الحضر الذي الماء فيه موجود في الأغلب وإنما حصل المنع بفعل آدمي من غير ~~حال العادة فيها والغالب منها عدمه والثامن والستون دلالة قوله @QB@ ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج @QE@ على نفي كل ما أوجب الحرج والاحتجاج به ~~عند وقوع الخلاف عن منتحلي مذهب التضييق فيدل ذلك على جواز التيمم وإن كان ~~معه ما إذا خاف على نفسه من العطش فيحبسه لشربه إذ كان فيه نفي الضيق ~~والحرج وعلى نفي إيجاب الترتيب والموالاة في الطهارة وعلى نفي إيجاب ~~PageV04P038 النية فيها وما جرى مجرى ذلك والتاسع والستون دلالة قوله @QB@ ~~ولكن يريد ليطهركم @QE@ على أن المقصد حصول الطهارة على أي وجه حصلت من ~~ترتيب أو غيره ومن موالاة أو تفريق ومن وجوب نية أو عدمها وما جرى مجرى ذلك ~~والسبعون دلالة قوله @QB@ فاطهروا @QE@ على سقوط اعتبار تقدير الماء إذ كان ~~المراد التطهير وعلى أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم بالصاع غير موجب ~~اعتباره والواحد والسبعون أن قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ فيه ~~دلالة على أن المراد مسحه بالماء فهذه وجوه دلالات هذه الآية الواحدة على ~~المعاني وضروب الحكام منها نصوص ومنها احتمال في الطهارة التي يجب تقديمها ~~أمام الصلاة وشروطها التي تصح بها وعسى أن يكون كثير من دلائلها وضروب ~~احتمالها مما لم يبلغه علمنا متى يحث عنها واستقصي النظر فيها أدركها من ~~وفق لفهمها والله الموفق # | باب القيام بالشهادة والعدل # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~@QE@ ومعناه كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر ~~بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه فهذا هو القيام لله بالحق ~~وقوله @QB@ شهداء بالقسط @QE@ يعني بالعدل قد قيل في الشهادة أنها الشهادات ~~في حقوق الناس روي ذلك عن الحسن وهو مثل قوله @QB@ كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على ms1521 أنفسكم @QE@ وقيل إنه أراد الشهادة على الناس بمعاصيهم ~~كقوله تعالى @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ فكان معناه أن كونوا من أهل ~~العدالة الذين حكم الله بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة وقيل ~~أراد به الشهادة لأمر الله بأنه الحق وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة ~~لاحتمال اللفظ لها وقوله تعالى @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~@QE@ روي أنها نزلت في شأن اليهود حين ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليستعينهم في دية فهموا أن يقتلوه وقال الحسن نزلت في قريش لما صدوا ~~المسلمين عن المسجد الحرام قال أبو بكر قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ~~هذه السورة في قوله @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ~~أن تعتدوا @QE@ فحمله الحسن على معنى الآية الأولى والأولى أن تكون نزلت في ~~غيرهم وأن لا تكون تكرارا وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل ~~وحكم بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم وأن لا يتجاوز في ~~قتالهم وقتلهم ما يستحقون وأن يقتصر بهم على PageV04P039 المستحق من القتال ~~والأمر والاسترقاق دون المثلة بهم وتعذيبهم وقتل أولادهم ونسائهم قصدا ~~لإيصال الغم والألم إليهم وكذلك قال عبدالله بن رواحة حين بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا فجمعوا له شيئا من حليهم وأرادوا دفعه إليه ~~ليخفف في الخرص إن هذا سحت وإنكم لأبغض إلي من عدتكم قردة وخنازير وما ~~يمنعني ذلك من أن أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض فإن قيل لما ~~قال @QB@ هو أقرب للتقوى @QE@ ومعلوم أن العدل نفسه هو التقوى فكيف يكون ~~الشيء هو أقرب إلى نفسه قيل معناه هو أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب ~~جميع السيآت فيكون العدل فيما ذكر داعيا إلى العدل في جميع الأشياء واجتناب ~~جميع المعاصي ويحتمل هو أقرب لاتقاء النار وقوله @QB@ هو أقرب للتقوى @QE@ ~~فقوله هو راجع إلى المصدر الذي دل عليه الفعل كأنه قال العدل أقرب للتقوى ~~كقول القائل من كذب كان شرا له ms1522 يعني كان الكذب شرا له وقوله تعالى @QB@ ~~ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا @QE@ قد اختلف ~~في المراد بالنقيب ههنا فقال الحسن الضمين وقال الربيع بن أنس الأمين وقال ~~قتادة الشهيد على قومه وقيل إن أصل النقيب مأخوذ من النقب وهو الثقب الواسع ~~فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم فسمي ~~رئيس العرفاء نقيبا لهذا المعنى وأما قول الحسن أنه الضمين فإنما أراد به ~~أنه الضمين لتعرف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ~~ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الأنصار اثني عشر نقيبا على هذا المعنى وقول الربيع بن أنس أنه ~~الأمين وقول قتادة أنه الشهيد يقارب ما قال الحسن أيضا لأنه أمين عليهم ~~وشهيد بما يعملون به ويجري عليهم أمورهم وإنما نقب النبي صلى الله عليه ~~وسلم النقباء لشيئين أحدهما لمراعاة أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليدبر فيهم بما روي والثاني أنهم إذا علموا أن عليهم نقيبا ~~كانوا أقرب إلى الاستقامة إذ علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولأن كل واحد منهم يحتشم مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~ينوبه ويعرض له من الحوائج قبله فيقوم عنه النقيب فيه وليس يجوز أن يكون ~~النقيب ضامنا عليهم الوفاء بالعهد والميثاق لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا ~~يمكن الضمين فعله ولا القيام به فعلمنا أنه على المعنى الأول وفي هذه الآية ~~دلالة على قبول خبر الواحد لأن نقيب كل قوم إنما نصب ليعرف PageV04P040 ~~أحوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام فلولا أن خبره مقبول لما كان ~~لنصبه وجه فإن قيل إنما يدل ذلك على قبول الإثني عشر دون الواحد قيل له إن ~~الإثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل بجملتهم وإنما كان كل ~~واحد منهم نقيبا على قومه خاصة دون الآخرين قوله تعالى @QB@ وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه @QE@ قال ms1523 ابن عباس هذا قول جماعة من ~~اليهود حين حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم نقمات الله فقالوا لا تخوفنا ~~فإنا أبناء الله وأحباؤه قال السدي تزعم اليهود أن الله تعالى أوحى إلى ~~إسرائيل أن ولدك بكري من الولد وقال الحسن إنما قالوا ذلك على معنى قرب ~~الولد من الوالد وأما النصارى فقيل إنهم تأولوا ما في الإنجيل في قول ~~المسيح عليه السلام إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وقيل إنهم لما قالوا المسيح ~~ابن الله وكان منهم جرى ذلك على قول العرب هذيل شعراء أي منهم شعراء وعلى ~~قولهم في رهط مسيلمة قالوا نحن أبناء الله أي قال قائل منهم وتابعوه عليه ~~فكان معنى قولهم على هذا الوجه نحن أبناء الله أي منا ابن الله وقال تعالى ~~@QB@ قل فلم يعذبكم بذنوبكم @QE@ فيه إبطال دعواهم ذلك وتكذيبهم بها على ~~لسانهم لأنهم كانوا مقرين بأنهم يعذبون بالذنوب ومعلوم أن الأب المشفق لا ~~يعذب ولده قوله تعالى @QB@ وجعلكم ملوكا @QE@ قال عبدالله بن عمر وزيد بن ~~أسلم والحسن الملك من له دار وامرأة وخادم وقال غيرهم هو الذي له ما يستغني ~~به عن تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش وقال ابن عباس ومجاهد جعلوا ملوكا ~~بالمن والسلوى والحجر والغمام وقال غيرهم بالأموال أيضا وقال الحسن إنما ~~سماهم ملوكا لأنهم ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا يستعبدونهم ~~وقال السدي ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله وقال قتادة كانوا أول من ملك ~~الخادم قوله @QB@ يحرفون الكلم عن مواضعه @QE@ تحريفهم إياه يكون بوجهين ~~أحدهما بسوء التأويل والآخر بالتغيير والتبديل وأما ما قد استفاض وانتشر في ~~أيدي الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع الطواطؤ على مثلهم ~~وما لم يستفض في الكافة وإنما كان علمه عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم ~~التواطؤ فإنه جائز وقوع تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أخر ~~سواها وأما المستفيض الشائع في أيدي الكافة فإنما تحريفهم على تأويلات ~~فاسدة كما تأولت المشبهة والمجبرة كثيرا من الآي المتشابهة على ما تعتقده ms1524 ~~من مذهبها وتدعي من معانيها ما يوافق اعتقادها دون حملها على معاني المحكمة ~~وإنما قلنا إنه PageV04P041 غير جائز وقوع التحريف من جهة تغيير الألفاظ ~~فيما استفاض وانتشر عند الكافة من قبل أن ذلك لا يقع إلا بالتواطؤ عليه ~~ومثله مع اختلاف هممهم وتباعد أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله ~~كما لا يجوز وقوع التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى ~~غيره ولو جاز ذلك لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها ولو جاز ذلك ~~لما صح أن يعلم بالأخبار شيء وقد علم بطلان هذا القول اضطرار قوله تعالى ~~@QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم @QE@ عن الحسن قال إنما قال ~~@QB@ قالوا إنا نصارى @QE@ ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا ~~النصرانية وتسموا بها وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه ~~من الحواريين وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة نسبوا إلى قرية بالشام تسمى ~~ناصرة فانتسب هؤلاء إليهم وإن لم يكونوا منهم لأن أولئك كانوا موحدة مؤمنين ~~وهؤلاء مثلثة مشركون وقد أطلق الله تعالى في مواضع غيره اسم النصارى لا على ~~وجه الحكاية عنهم في قوله تعالى @QB@ وقالت النصارى المسيح ابن الله @QE@ ~~وفي مواضع أخر لأنهم قد عرفوا بذلك وصار ذلك سمة لهم وعلامة قوله تعالى ~~@QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم @QE@ إنما لحقتهم سمة الكفر لأنهم ~~قالوا ذلك على جهة التدين به واعتقادهم إياه والإقرار بصحته لأنهم لو قالوا ~~على جهة الحكاية عن غيرهم منكرين له لما كفروا والكفر هو التغطية ويرجع ~~معنى ما ذكر عنهم إلى التغطية من وجهين أحدهما كفران النعمة يجحدها أن يكون ~~المنعم بها هو الله تعالى وإضافتها إلى غيره ممن ادعوا له الإلهية والآخر ~~كفر من جهة الجهل بالله تعالى وكل جاهل بالله كافر لتضييعه حق نعم الله ~~تعالى فكان بمنزلة مضيفها إلى غيره وقوله تعالى @QB@ فمن يملك من ms1525 الله شيئا ~~إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم @QE@ معناه من يقدر على دفع أمر الله ~~تعالى إن أراد هلاك المسيح وأمه وهذا من أظهر الاحتجاج وأوضحه لأنه لو كان ~~المسيح إلها لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا أراد الله تعالى إهلاكه ~~وإهلاك غيره فلما كان المسيح وسائر المخلوقين سواء في جواز ورود الموت ~~والهلاك عليهم صح أنه ليس بإله إذا لم يكن سائر الناس آلهة وهو مثلهم في ~~جواز الفناء والموت والهلاك عليهم قوله تعالى @QB@ يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم @QE@ قال ابن عباس والسدي أرض بيت المقدس وقال ~~مجاهد أرض الطور وقال قتادة أرض الشام PageV04P042 وقيل دمش وفلسطين وبعض ~~الأردن والمقدسة هي المطهرة لأن التقديس التطهير وإنما سماها الله المقدسة ~~لأنها طهرت من كثير من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء والمؤمنين فإن ~~قيل لم قال @QB@ كتب الله @QE@ لكم وقد قال فإنها @QB@ محرمة عليهم @QE@ ~~قيل له روي عن ابن إسحاق أنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرمهم إياها ~~قال أبو بكر ينبغي أن يكون الله قد جعلها على شريطة القيام بطاعته واتباع ~~أمره فلما عصوا حرمهم إياها وقد قيل أنها على الخصوص وإن كان مخرجه مخرج ~~العموم قوله تعالى @QB@ إن فيها قوما جبارين @QE@ فإنه قد قيل أن الجبار هو ~~من الإجبار على الأمر وهو الإكراه عليه وجبر العظم لأنه كالإكراه على ~~الصلاح والجبار هدر الأرش لأن فيه معنى الكره والجبار من النخل ما فات اليد ~~طولا لأنه كالجبار من الناس والجبار من الناس الذي يجبرهم على ما يريد ~~والجبار صفة مدح لله تعالى وهو ذم في صفة غيره يتعظم بما ليس له والعظمة ~~لله عز وجل وحده الجبار المتعظم بالاقتدار ولم يزل الله جبارا والمعنى أن ~~ذاته يدعو العارف به إلى تعظيمه والفرق بين الجبار والقهار أن في القهار ~~معنى الغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ بعصيانه إياه قوله تعالى @QB@ ~~قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ms1526 @QE@ روي ~~عن قتادة في قوله @QB@ يخافون @QE@ أنهم يخافون الله تعالى وقال غيره من ~~أهل العلم يخافون الجبارين ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى الله ~~عليهما بذلك فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا رآه وعلمه ~~فإنه لا يبعد من رزق ولا يدني من أجل وقال لأبي ذر رضوان الله عليه وأن لا ~~يأخذك في الله لومة لائم وقال حين سئل عن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان ~~جائر قوله تعالى @QB@ قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون @QE@ قوله @QB@ فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا @QE@ يحتمل معنيين أحدهما أنهم قالوه على وجه المجاز بمعنى وربك ~~معين لك والثاني الذهاب الذي هو النقلة وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى ~~بمعنى الكلام لأن الكلام خرج مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم وقد يقال ~~على المجاز قاتله الله بمعنى أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلى عليهم ~~بالاقتدار وعظم السلطان قوله تعالى @QB@ قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~@QE@ هذا مجاز لأن الإنسان لا يملك نفسه ولا أخاه الحر على الحقيقة وذلك ~~لأن أصل الملك القدرة PageV04P043 ومحال أن يقدر الإنسان على نفسه أو على ~~أخيه ثم أطلق اسم الملك على التصرف فجعل المملوك في حكم المقدور عليه إذ ~~كان له أن يصرفه تصرف المقدور عليه وإنما معناه ههنا أنه يملك تصريف نفسه ~~في طاعة الله وأطلقه على أخيه أيضا إذ كان يتصرف بأمره وينتهي إلى قوله ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدا من علي بنفسه وذات يده من أبي بكر ~~فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعني أني متصرف حيث ~~صرفتني وأمرك جائز في مالي وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل أنت ومالك ~~لأبيك ولم يرد به حقيقة الملك قوله تعالى @QB@ فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة ms1527 يتيهون في الأرض @QE@ قال أكثر أهل العلم هو تحريم منع لأنهم كانوا ~~يصبحون بحيث أمسوا ومقدار الموضع ستة فراسخ وقال بعض أهل العلم يجوز أن ~~يكون تحريم التعبد لأن التحريم أصله المنع قال الله تعالى @QB@ وحرمنا عليه ~~المراضع من قبل @QE@ يعني به المنع قال الشاعر يصف فرسا % حالت لتصرعني ~~فقلت لها اقصري % إني امرؤ صرعي عليك حرام % # | يعني إني فارس لا يمكنك صرعي فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد ~~عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان ~~من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة والدم @QE@ ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة ~~ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد لأن الممنوع لا يجوز ~~حظره ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا ~~يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا قوله تعالى @QB@ واتل ~~عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا @QE@ قال ابن عباس وعبدالله بن ~~عمر ومجاهد وقتادة كان ابني آدم لصلبه هابيل وقابيل وكان هابيل مؤمنا ~~وقابيل كافرا وقيل بل كان رجل سوء وقال الحسن هما من بني إسرائيل لأن علامة ~~تقبل القربان لم يكن قبل ذلك والقربان ما يقصد به القرب من رحمة الله تعالى ~~من أعمال البر وهو فعلان من القرب كالفرقان من الفرق والعدوان من العدو ~~والكفران من الكفر وقيل إذا لم يتقبل من أحدهما لأنه قرب شر ماله قرب الآخر ~~خير ماله فتقبل منه وقيل بل رد قربانه لأنه كان فاجرا وإنما يتقبل الله من ~~المتقين وقيل كانت علامة القبول أن تجيء نار فتأكل المتقبل ولا تأكل ~~المردود ومنه قوله تعالى @QB@ حتى يأتينا بقربان تأكله النار @QE@ إلى قوله ~~تعالى PageV04P044 @QB@ وبالذي قلتم @QE@ قوله تعالى @QB@ لئن بسطت إلي يدك ~~لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك @QE@ قال ابن عباس معناه لئن بدأتني ~~بقتل لم أبدأك به ولم ms1528 يرد أني لا أدفعك على نفسي إذا قصدت قتلي فروي أنه ~~قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها وروي عن الحسن ومجاهد أنه ~~كتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه قال أبو بكر وجائز ~~في العقل ورود العبادة بمثله فإن كان التأويل هو الأول فلا دلالة فيه على ~~جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل من أراد قتله وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره ~~وإن كان التأويل هو الثاني فهو منسوخ لا محالة وجائز أن يكون نسخه بشريعة ~~بعض الأنبياء المتقدمة وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأن الواجب على من قصده إنسان بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ~~ترك قتله مع الإمكان قوله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله @QE@ فأمر الله بقتال الفئة الباغية ولا بغي أشد من قصد إنسان ~~بالقتل بغير استحقاق فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حق وقال تعالى ~~@QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ فأخبر أن في إيجابه القصاص حياة لنا لأن ~~القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن قتله وهذا المعنى موجود في ~~حال قصده لقتل غيره لأن في قتله إحياء لمن لا يستحق القتل وقال الله تعالى ~~@QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة @QE@ فأمر بالقتال لنفي الفتنة ومن الفتنة ~~قصده قتل الناس بغير حق وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال حدثنا حسين بن حريث قال حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن عبدالله ~~بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهر ~~سيفه ثم وضعه فدمه هدر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار ~~مستفيضة من قتل دون نفسه فهو شهيد ms1529 ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون ~~ماله فهو شهيد وروى عبدالله بن الحسين عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من أريد ماله فقاتل فقتل فهو شهيد فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد ولا يكون مقتولا دون ~~ماله إلا وقد قاتل دونه ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي سعيد الخدري من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يسطع فبقلبه وذاك ضعف الإيمان فأمر بتغير المنكر PageV04P045 باليد وإذا ~~لم يمكن تغييره إلا بقتله فعليه أن يقتله بمقتضى ظاهر قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن ~~على المسلمين قتله فكذلك جائز للمقصود بالقتل قتله وقد قتل علي بن أبي طالب ~~الخوارج حين قصدوا قتل الناس وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه موافقون ~~عليه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار في وجوب قتهلم منها حديث ~~أبي سعيد الخدري وأنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيكون في أمتي ~~اختلاف وفرقة فيهم قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية طوبى لمن قتلهم أو قتلوه في آثار كثيرة مشهورة وقد ~~تلقتها السلف بالقبول واستعملتها في وجوب قتلهم وقتالهم وروى أبو بكر بن ~~عياش قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس بن أبي المخارق عن أبيه قال ~~قال رجل يا رسول الله الرجل يأتيني يريد مالي قال ذكره الله قال فإن لم ~~يذكر قال استعن عليه من حولك من المسلمين قال فإن لم يكن حولي منهم قال ~~فاستعن عليه السلطان قال فإن نأى عني السلطان قال قاتل دون مالك حتى تمنع ~~مالك أو تكون شهيدا في الآخرة وذهب قوم من الحشوية إلى أن على من قصده ~~إنسان بالقتل أن لا يقاتله ولا يدفعه عن نفسه ms1530 حتى يقتله وتأولوا فيه هذه ~~الآية وقد بينا أنه ليس في الآية دلالة على أنه كف يده عن قتله حين قصده ~~بالقتل وإنما الآية تدل على أنه لا يبدأ بالقتل على ما روي عن ابن عباس ولو ~~ثبت حكم الآية على ما ادعوه لكان منسوخا بما ذكرنا من القرآن والسنة واتفاق ~~المسلمين على أن على سائر الناس دفعهم عنه وإن أتى على نفسه وتأولت هذه ~~الطائفة التي ذكرنا قولها أحاديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ~~حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تواجه المسلمان ~~بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل صاحبه وروى علي بن زيد بن ~~جدعان عن الحسن عن سعد بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة وروى ~~الحسن عن الأحنف بن قيس قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قلت ~~يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه ~~وروى معمر عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابني آدم ضربا ~~لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما وروى معمر PageV04P046 عن أبي عمران ~~الجوني عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل قال قلت ألبس سلاحي قال شاركت ~~القوم إذ قال قلت فكيف أصنع يا رسول الله قال إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف ~~فألق ناحية ثوبك على وجهك يبؤ بإثمك وإثمه فاحتجوا بهذه الآثار ولا دلالة ~~لهم فيها فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار فإنما أراد بذلك إذا قصد كل ms1531 واحد منهما صاحبه ~~ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة وأما قوله صلى الله عليه وسلم ~~إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة ~~فإنما عنى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد عن الشبهة فأما قتل من استحق ~~القتل فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينفه بذلك وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم كن كخير ابني آدم فإنما عنى به أن لا يبدأ بالقتل وأما دفع ~~القاتل عن نفسه فلم يمنعه فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان ~~وقتل نفس بغير نفس فلا يجوز قتله قبل أن يقتل بقضية نفي النبي صلى الله ~~عليه وسلم قتل المسلم إلا بإحدى ما ذكر وهذا لم يقتل بعد فلا يستحق القتل ~~قيل له هذا القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا الخبر لأنه أراد قتل غيره ~~فإنما قتلناه بنفس من قصد لقتله لئلا يقتله فأحيينا نفس المقصود بقتلنا ~~إياه ولو كان الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد ~~قتل غيره ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله لوجب مثله في سائر ~~المحظورات إذا أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى ~~يفعلها فيكون في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار ~~وغلبة الفساق والظلمة ومحو آثار الشريعة وما علم مقالة أعظم ضررا على ~~الإسلام والمسلمين من هذه المقالة ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على ~~أمور المسلمين واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم ~~الله وقد جر ذلك ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ~~ترك قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على ~~الولاة والجوار والله المستعان ويدل على صحة قول الجمهور في ذلك وأن القاصد ~~لقتل غيره ظلما يستحق القتل وأن ms1532 على الناس كلهم أن يقتلوه قوله تعالى @QB@ ~~من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ فكان في PageV04P047 مضمون الآية إباحة ~~قتل المفسد في الأرض ومن أعظم الفساد قصد قتل النفس المحرمة فثبت بذلك أن ~~القاصد لقتل غيره ظلما مستحق للقتل مبيح لدمه قال أبو بكر ذكر ابن رستم عن ~~محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب البيوت يسعك قتله لقوله صلى الله ~~عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد ولا يكون شهيدا إلا وهو مأمور بالقتال ~~إن أمكنه فقد تضمن ذلك إيجاب قتله إذا قدر عليه وقال أيضا في رجل يريد قلع ~~سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه قال أبو بكر ~~وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ المال فإذا جاز قتله لحفظ ماله فهو أولى ~~بجواز القتل من أجلها قوله تعالى @QB@ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك @QE@ ~~فإنه روي عن ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك إثم قتلي ~~وإثمك الذي كان منك قبل قتلي وقال غيرهم إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ~~والمراد إني أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك لأنه لا يجوز أن يكون مراده ~~حقيقة الإثم إذ غير جائز لأحد إرادة معصية الله من نفسه ولا من غيره كما لا ~~يجوز أن يأمره بها ومعنى تبوء ترجع يقال باء إذا رجع إلى المباءة وهي ~~المنزلة وباؤا بغضب الله رجعوا والبواء الرجوع بالقود وهم في هذه الأمر ~~بواء أي سواء لأنهم يرجعون فيه إلى معنى واحد قوله تعالى @QB@ فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه @QE@ قال مجاهد شجعته نفسه على قتل أخيه وقال قتادة زينت له ~~نفسه قتل أخيه وقيل ساعدته نفسه على قتل أخيه والمعنى في جميع ذلك أنه فعله ~~طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع لهذه الظبية أصول الشجر ~~وطاع فلان كذا أي أتاه طوعا ويقال انطاع ms1533 بمعنى انقاد ويقال طوعت له نفسه ~~ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم أطاع يقتضي قصد أمنه ~~لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي ~~أمرا ولا يجوز أن يكون آمرا لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان موضوع الأمر والنهي ~~ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره ~~كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره قوله تعالى @QB@ ~~فأصبح من الخاسرين @QE@ يعني خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى @QB@ إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة @QE@ ولا دلالة في قوله ~~@QB@ فأصبح من الخاسرين @QE@ على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت ~~مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر PageV04P048 % ~~أصبحت عاذلتي معتلة % # وليس المراد النهار دون الليل وكقول الآخر % بكرت علي عواذلي % يلحينني ~~والومهته % # | ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله ~~والمراد به الوقت المبهم # باب دفن الموتى $ # قال الله تعالى @QB@ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه @QE@ قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك لم يدر ~~كيف يصنع به حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا وفي هذا دليل على فساد ما ~~روي عن الحسن أنهما رجلان من بني إسرائيل لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف ~~الدفن بجريان العادة فيه قبل ذلك وهو الأصل في سنة دفن الموتى وقال تعالى ~~@QB@ ثم أماته فأقبره @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ~~وأمواتا @QE@ وقيل في معنى @QB@ سوأة أخيه @QE@ وجهان أحدهما جيفة أخيه ~~لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفة وسوأة والثاني عورة أخيه وجائز أن يريد ~~الأمرين جميعا لاحتمالهما وأصل السوأة التكره ومنه ساءه يسوءه سوء إذا أتاه ~~بما يتكرهه وقص الله علينا قصته لنعتبر بها ونتجنب قبح ما فعله القاتل ~~منهما وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ضرب لكم ms1534 ابني آدم ~~مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما وقال الله تعالى @QB@ فأصبح من النادمين ~~@QE@ قيل إنه ندم على القتل على غير جهة القربة إلى الله تعالى منه وخوف ~~عقابه وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما فعل وناله ضرر بسببه من قبل أبيه ~~وأمه ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل الله توبته وغفر ذنوبه قوله تعالى ~~@QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل @QE@ الآية فيه إبانة عن المعنى ~~الذي من أجله كتب على بني إسرائيل ما ذكر في الآية وهو لئلا يقتل بعضهم ~~بعضا فدل ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في أغيارها في ~~إثبات الأحكام وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار المعاني التي علق ~~بها الأحكام وجعلت عللا وأعلاما لها وقوله تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض @QE@ يدل على أن من قتل نفسا بنفس فلا لوم عليه وعلى أن ~~من قتل PageV04P049 نفسا بغير نفس فهو مستحق للقتل ويدل أيضا على أن الفساد ~~في الأرض معنى يستحق به القتل وقوله تعالى @QB@ فكأنما قتل الناس جميعا ~~@QE@ قد قيل فيه وجوه أحدها تعظيم الوزر والثاني أن عليه مثل مأثم كل قاتل ~~من الناس لأنه سن القتل وسهله لغيره فكان كالمشارك له فيه وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قاتل ظلما إلا وعلى ابن آدم كفل من الإثم ~~لأنه سن القتل وقال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها ~~وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة والثالث أن على الناس كلهم معونة ولي المقتول حتى ~~يقيدوه منه فيكون كلهم خصومه في ذلك حتى يقاد منه كأنه قتل أولياءهم جميعا ~~وهذا يدل على وجوب القود على الجماعة إذا قتلت واحدا إذ كانوا بمنزلة من ~~قتل الناس جميعا وقوله تعالى @QB@ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ ~~قال مجاهد من أحياها نجاها من ms1535 الهلاك وقال الحسن إذا عفا عن دمها وقد وجب ~~القود وقال غيرهم من أهل العلم زجر عن قتلها بما فيه حياتها قال أبو بكر ~~يحتمل أن يريد بإحيائها معونة الولي على قتل القاتل واستيفاء القصاص منه ~~حياة كما قال تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ويحتمل أن يريد بإحيائها ~~أن يقتل القاصد لقتل غيره ظلما فيكون محييا لهذا المقصود بالقتل ويكون كمن ~~أحيا الناس جميعا لأن ذلك يردع القاصدين إلى قتل غيرهم عن مثله فيكون في ~~ذلك حياة لسائر الناس من القاصدين للقتل والمقصودين به فتضمنت هذه الآية ~~ضروبا من الدلائل على الأحكام منها دلالتها على ورود الأحكام مضمنة بمعان ~~يجب اعتبارها بوجودها وهذا يدل على صحة القول بالقياس والثاني إباحة قتل ~~النفس بالنفس والثالث أن من قتل نفسا فهو مستحق للقتل والرابع من قصد قتل ~~مسلم ظلما فهو مستحق القتل لأن قوله تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير نفس @QE@ ~~كما دل على وجوب قتل النفس بالنفس فهو يدل على وجوب قتله إذا قصد قتل غيره ~~إذ هو مقتول بنفس إرادة إتلافها والخامس الفساد في الأرض يستحق به القتل ~~والسادس احتمال قوله تعالى @QB@ فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ أن عليه مأثم ~~كل قاتل عبده لأنه سن القتل وسهله لغيره والسابع أن على الناس كلهم معونة ~~ولي المقتول حتى يقيدوه منه والثمن دلالتها على وجوب قتل الجماعة إذا قتلوا ~~واحدا والتاسع قوله تعالى @QB@ فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ على معونة ~~الولي على قتل القاتل والعاشر دلالته أيضا على قتل من قصد قتل غيره ظلما ~~والله أعلم بالصواب PageV04P050 # | باب حد المحاربين # قال الله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا @QE@ الآية قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ يحاربون الله @QE@ هو ~~مجاز ليس بحقيقة لأن الله يستحيل أن يحارب وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه سمى ~~الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما كانوا ~~بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه فسموا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين ~~من الناس كما قال تعالى @QB@ ذلك ms1536 بأنهم شاقوا الله ورسوله @QE@ وقوله @QB@ ~~إن الذين يحادون الله ورسوله @QE@ ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في ~~شق يباين صاحبه ومعنى المحادة أن يصير كل واحد منهما في حد على وجه ~~المفارقة وذلك يستحيل على الله تعالى إذ ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو ~~تجوز عليه المباينة والمفارقة ولكنه تشبيه بالمعادين إذ صار كل واحد منهما ~~في شق وناحية على وجه المباينة وذلك منه على وجه المبالغة في إظهار ~~المخالفة والمباينة فكذلك قوله تعالى @QB@ يحاربون الله @QE@ يحتمل أن ~~يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إياهم من الناس ~~وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى ~~وانتهاك الحريم وإظهار السلاح ولم يسم بذلك كل عاص لله تعالى إذ ليس بهذه ~~المنزلة في الامتناع وإظهار المبالغة في أخذ الأموال وقطع الطريق ويحتمل أن ~~يريد الذين يحاربون أولياء الله ورسوله كما قال تعالى @QB@ إن الذين يؤذون ~~الله @QE@ والمعنى يؤذون أولياء الله ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول ~~الله لكانوا مرتدين بإظهار محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يصح ~~إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية وإن ~~كان من أهل الملة والدليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن ~~الخطاب رأى معاذا يبكي فقال ما يبكيك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول اليسير من الربا شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله ~~بالمحاربة فأطلق عليهم اسم المحاربة ولم يذكر الردة ومن حارب مسلما على أخذ ~~ماله فهو معاد لأولياء الله تعالى بذلك وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى ~~أم سلمة عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة ~~والحسن والحسين أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم فاستحق من حاربهم اسم ~~المحارب لله ولرسوله وإن لم يكن مشركا فثبت بما ذكرنا أن قاطع الطريق يقع ~~عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله PageV04P051 ويدل عليه ms1537 أيضا ما روى ~~أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس أن حارثة بن بدر حارب الله وسوله وسعى في ~~الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه فكتب علي رضي الله عنه إلى عامله ~~بالبصرة أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه فلا ~~تعرضن إلا بخير فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع ~~الطريق فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق ~~قطاع الطريق وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين مع أنه لا خلاف بين السلف ~~والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع ~~الطريق وإن كان من أهل الملة وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك ~~مخصوص بالمرتدين وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف ويدل ~~على أن المراد به قطع الطريق من أهل الملة قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم @QE@ ومعلوم أن المرتدين ~~لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم ~~قبل القدرة وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها وأيضا فإن الإسلام ~~لا يسقط الحد عمن وجب عليه فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة وأن ~~توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم وأيضا فإن المرتد ~~يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة والمذكور في الآية من استحق القتل ~~بالمحاربة فعلمنا أنه لم يرد المرتد وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل ~~القدرة عليه والمرتد لا ينفى فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة وأيضا ~~فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر وأن الأسير من أهل ~~الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام فإن اسلم وإلا قتل ولا تقطع يده ~~ولا رجله وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب منه شيئا ~~آخر ومعلوم ms1538 أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم ~~يسلم والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرجل دون ~~غيره وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب فعلمنا أن الآية في غير أهل الردة ~~ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف @QE@ وقال في المحاربين @QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم @QE@ فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود ~~التوبة منهم قبل القدرة عليهم وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها ~~فلما علم انه لم يرد PageV04P052 بالمحاربين أهل الردة فهذه الوجوه التي ~~ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من ادعى خصوص الآية في المرتدين فإن قال ~~قائل قد روى قتادة وعبدالعزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال قدم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم أناس من عرينة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم من ألبانها وأبوالها ففعلوا فلما صحوا قاموا إلى ~~راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في طلبهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل ~~أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا قيل له إن خبر العرنيين مختلف فيه فذكر ~~بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا وزاد فيه أنه كان سبب نزول الآية وروى الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلمي وكان موادعا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقطعوا الطريق على قوم جاؤا يريدون الإسلام فنزلت ~~فيهم وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين فلم يذكر مثل قصة ~~العرنيين وروي عن ابن عمر أنها نزلت في العرنيين ولم يذكر ردة ولا يخلو ~~نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين فإن كان نزولها في ~~العرنيين وأنهم ارتدوا فإن نزولها في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم ~~لأنه لا حكم ms1539 للسبب عندنا وإنما الحكم عندنان لعموم اللفظ إلا أن تقوم ~~الدلالة على الاقتصار به على السبب وأيضا فإن من ذكر نزولها في شأن ~~العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية شيئا ~~وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا ويستحيل نزول الآية في الأمر بقطع من قد ~~قطع وقتل من قد قتل لأن ذلك غير ممكن فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم الآية ~~ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير مقصور الحكم على المرتدين ~~وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال كان أمر العرنيين قبل أن ينزل ~~الحدود فأخبر أنه كان قبل نزول الآية ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سمل أعينهم وذلك منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وأيضا ~~لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل ~~الأعين فصار سمل الأعين منسوخا بالآية لأنه لو كان حدا معه لذكره وهو مثل ~~ما روي في خبر عبادة في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب ~~الجلد والرجم ثم أنزل الله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة @QE@ فصار الحد هو ما في الآية دون غيره وصار النفي منسوخا ~~بها ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين وأنها نزلت بعدهم أن فيها ~~ذكر القتل والصلب وليس فيها ذكر PageV04P053 سمل الأعين وغير جائز أن تكون ~~الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن يكونوا مرادين بها لأنه لو كان كذلك ~~لأجرى النبي صلى الله عليه وسلم حكمها عليهم فلما لم يصلبوا وسملهم دل على ~~أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ فثبت بذلك أن حكم الآية غير مقصور على ~~المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين # | ذكر الاختلاف في ذلك # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها بعد ~~اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق فروى الحجاج ~~بن أرطاة عن عطية ms1540 العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا @QE@ الآية قال إذا حارب الرجل ~~فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب فإن قتل ولم يأخذ المال ~~قتل وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا لم يقتل ولم يأخذ ~~المال نفي وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ ~~المال ويقتل إن الإمام فيه بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله ~~وصلبه وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله وإن شاء قتله ولم يصلبه فإن أخذ ~~مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل عزر ونفي ~~من الأرض ونفيه حبسه وفي رواية أخرى أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرا وهو قول ~~الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني فهذا قول السلف ~~الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب وقال الآخرون الإمام مخير فيهم إذا ~~خرجوا يجري عليهم أي هذه الأحكام شاء وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وممن ~~قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن أبي رباح وقال أبو ~~حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد إذا قتل المحاربون ولم يعدوا ذلك قتلوا وإن ~~أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لا خلاف بين ~~أصحابنا في ذلك فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة قال للإمام أربع ~~خيارات إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم ~~وصلبهم وإن شاء صلبهم وإن شاء قتلهم وترك القطع وقال أبو يوسف ومحمد إذا ~~قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا يقطعون وروي عن أبي يوسف في ~~الإملاء أنه قال إن شاء قطع يده ورجله وصلبه فأما PageV04P054 الصلب فلا ~~أعفيه منه وقال الشافعي في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا ~~وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا إذا أخذوا المال ولم ~~يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من ms1541 خلاف وإذا خافوا السبيل نفوا وإذا هربوا ~~طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود إلا من تاب قبل أن نقدر عليه سقط عنه ~~الحد ولا يسقط حقوق الآدميين ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة ويقطع ~~من أخذ ربع دينار فصاعدا وقال مالك إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل فإن ~~الإمام مخير في إقامة أي الحدود التي أمر الله تعالى بها قتل المحارب أو لم ~~يقتل أخذ مالا أو لم يأخذ الإمام مخير في ذلك إن شاء قتله وإن شاء قطعه ~~خلافا وإن شاء نفاه ونفيه حبسه حتى يظهر توبة فإن لم يقدر على المحارب حتى ~~يأتيه تائبا وضع عنه حد المحاربة القتل والقطع والنفي وأخذ بحقوق الناس ~~وقال الليث بن سعد الذي يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة حتى يموت ~~والذي يقتل فإنه يقتل بالسيف وقال أبو الزناد في المحاربين ما يصنع الوالي ~~فيهم فهو صواب من قتل أو صلب أو قطع أونفي قال أبو بكر الدليل على أن حكم ~~الآية على الترتيب الذي ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس فنفى ~~صلى الله عليه وسلم قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة ولم يخصص فيه قاطع ~~الطريق فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق وإذا انتفى قتل من لم ~~يقطع وجب قطع يده ورجله إذا أخذ المال وهذا لا خلاف فيه فإن قيل روى ~~إبراهيم بن طهمان عن عبدالعزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان ورجل ~~قتل رجلا فقتل به ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من ~~الأرض قيل له قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر فيه قتل المحارب ~~ورواه عثمان وعبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه ms1542 ~~قتل المحارب والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه لأن المرتد لا محال مستحق ~~للقتل بالاتفاق وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء فلم يبق من الثلاثة ~~غيرهم ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجا منهم وإن صح ذكر المحارب فيه ~~فالمعنى فيه إذا قتل حتى يكون موافقا للإخبار الآخر وتكون فائدته جواز قتله ~~على وجه الصلب فإن قيل فقد ذكر فيه أو PageV04P055 ينفى من الأرض قيل له لا ~~يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه إن لم يقتل فإن قيل فقد يقتل الباغي وإن ~~لم يقتل وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في الخبر قيل له ظاهر الخبر ينفي ~~قتله وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر في نفي قتل المحارب إلا ~~أن يقتل على العموم وأيضا فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق ~~منه واستقر حكمه عليه كالزاني المحصن والمرتد والقاتل والباغي لا يستحق ~~القتل على هذا الوجه وإنما يقتل على وجه الدفع ألا ترى أنه لو قعد في بيته ~~ولم يقتل وإن كان معتقدا لمقالة أهل البغي فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على ~~الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير ويدل على أن في الآية ضميرا ~~ولا تخيير فيها اتفاق الجميع على أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا لم يجز ~~للإمام أن ينفيه ويترك قطع يده ورجله وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال لم يجز ~~للإمام أن يعفيه من القتل أو الصلب الصلب ولو كان الأمر على ما قال ~~القائلون بالتخيير لكان التخيير ثابتا فيما إذا أخذوا المال وقتلوا أو ~~أخذوا المال ولم يقتلوا فلما كان ذلك على ما وصفنا ثبت أن في الآية ضميرا ~~وهو أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال ولم يقتلوا أن ينفوا من الأرض إن خرجوا ولم ~~يفعلوا شيئا من ذلك حتى ظفر بهم واحتج القائلون بالتخيير بظاهر الآية ~~وبقوله تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ms1543 الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا @QE@ فدل على أن الفساد في الأرض بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم السبيل ~~وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وليس ما ذكروه بموجب للتخيير مع قيام ~~الدلالة على ضمير الآية وتعلق الحكم به دون مقتضى ظاهرها وهو ما قدمنا من ~~أنها لو كانت موجبة للتخيير ولم يكن فيها ضمير لكان الخيار باقيا إذا قتلوا ~~وأخذوا المال في العدول عن قتلهم وقطعهم إلى نفيهم فلما ثبت أنه غير جائز ~~العدول عن القتل والقطع في هذه الحال صح أن معناها أن يقتلوا إن قتلوا أو ~~يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجهلم من خلاف إن أخذوا ~~المال فإن قال قائل إنما أوجب قتلهم إذا قتلوا وقطعهم إذا أخذوا المال ولم ~~يجز العدول عنه إلى النفي لأن القتل على الإنفراد يستحق به القتل وإن لم ~~يكن محاربا وأخذ المال يستحق به القطع إذا كان سارقا فلذلك لم يجز في هذه ~~الحال العدول إلى النفي وترك القتل أو القطع قيل له قتل المحارب في هذه ~~الحال وقطعه حد ليس على وجه PageV04P056 القود ألا ترى أن عفو الأولياء غير ~~جائز فيه فثبت أنه إنما يستحق ذلك على وجه الحد لأنه قتل على وجه المحاربة ~~ووجب قطعه لأخذه المال على وجه المحاربة فإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا لم يجز ~~أن يقتل ولا يقطع لأنه لو كان القتل واجبا حدا لما جاز العدول عنه إلى ~~النفي وكذلك القطع كما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال لم يجز العدول عن القتل ~~أو القطع إلى النفي إذ كان وجوب ذلك على وجه الحد وفي ذلك دليل على أن ~~المحارب لا يستحق القتل إلا إذا قتل ولا القطع إلا إذا أخذ المال ويصلح أن ~~يكون ذلك دليلا مبتدأ لأن القتل إذا وجب حدا لم يجز العدول عنه إلى غيره ~~وكذلك القطع كالزاني والسارق فلما جاز للإمام أن يعدل عن قتل المحارب الذي ~~لم يقتل إلى النفي علمنا أنه غير مستحق للقتل بنفس الخروج وكما لو قتل ms1544 لم ~~يجز أن يعفى عن قتله فلو كان يستحق القتل بنفس المحاربة لما جاز أن يعدل ~~عنه كما لم يجز أن يعدل عنه إذا قتل وأما قوله تعالى @QB@ من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض @QE@ وتسويته بين قتل النفس بغير النفس وبين الفساد ~~في الأرض فإنما المراد الفساد في الأرض الذي يكون معه قتل أو قتله في حال ~~إظهار الفساد فيقتل على وجه الدفع ونحن قد نقتل المحارب الذي لم يقتل على ~~وجه الدفع وإنما الكلام فيمن صار في يد الإمام قبل أن يتوب هل يجوز أن ~~يقتله إذا لم يقتل فأما على وجه الدفع فلا خلاف فيه فجائز أن يكون المراد ~~من قوله تعالى @QB@ أو فساد في الأرض @QE@ على هذا الوجه لأن الفساد في ~~الأرض لو كان يستحق به القتل لما جاز العدول عنه إلى النفي فلما جاز عند ~~الجميع نفيه دل على أنه غير مستحق للقتل فصح بما وصفنا قول من قال بإيجاب ~~ترتيب حكم الآية على الوجه الذي ذكرنا وأيضا فإن الوصول إلى القتل لا يستحق ~~بأخذ المال ولا القصد له ومعلوم أن المحاربين إنما خرجوا لأخذ المال فإن ~~كان القتل غير مستحق لأخذ المال في الأصول فالقصد لأخذه أولى أن لا يستحق ~~به القتل على وجه الحد فإذا خرج المحاربون وقتلوا قتلوا حدا لأجل القتل ~~وليس قتلهم هذا لأن القتل يستحق به القتل في الأصول إلا أنه لما قتله على ~~جهة إظهار الفساد في الأرض تأكد حكمه بأن أوجب قتله على أنه حق لله تعالى ~~لا يجوز فيه عفو الأولياء فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف لما في الآية من ذكر ذلك وقطع اليد والرجل يستحق بأخذ المال في ~~الأصول ألا ترى أن السارق تقطع يده فإن PageV04P057 عاد فسرق قطعت رجله إلا ~~أنه غلظت عقوبته حين كان أخذه للمال على وجه الفساد في الأرض فإن قتل وأخذ ~~فالإمام فيه بالخيار على ما ذكرنا من اختلاف أصحابنا فيه فكان عند أبي ms1545 ~~حنيفة له أن يجمع عليه قطع اليد والرجل والصلب والقتل وأخذ المال على وجه ~~المحاربة صار جميع ذلك حدا واحدا ألا ترى أن القتل في هذا الموضع مستحق على ~~وجه الحد كالقطع وأن عفو الأولياء فيه لا يجوز فدل ذلك على أنهما جميعا حد ~~واحد فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعا وله أن يقتلهم فيدخل فيه قطع اليد ~~والرجل وذلك لأنه لم يؤخذ على الإمام الترتيب في التبدئة ببعض ذلك دون بعض ~~فله أن يبدأ بالقتل أو بالقطع فإن قال قائل هلا قتلته وأسقطت القطع كمن سرق ~~وقتل أنه يقتل ولا يقطع قيل له ما بينا من أن جميع ذلك حد واحد مستحق بسب ~~واحد هو القتل وأخذ المال على وجه المحاربة وأما السرقة والقتل فكل واحد ~~منهما مستحق بسبب غير السبب الذي به استحق الآخر وقد أمرنا بدرء الحدود ما ~~استطعنا فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ أحد الحدين وليس في مسئلتنا درء أحد ~~الحدين وإنما هو حد واحد فلم يلزمنا إسقاط بعضه وإيجاب بعض وهو مخير أيضا ~~بين أن يقتله صلبا وبين الاقتصار على القتل دون الصلب لقوله تعالى @QB@ أن ~~يقتلوا أو يصلبوا @QE@ وذكر أبو جعفر الطحاوي أن الصلب المذكور في آية ~~المحارب هو الصلب بعد القتل في قول أبي حنيفة وكان أبو الحسن الكرخي يحكي ~~عن أبي يوسف أنه يصلب ثم يقتل يبعج بطنه برمح أو غيره فيقتل وقال أبو الحسن ~~هذا هو الصحيح وصلبه بعد القتل لا معنى له لأن الصلب عقوبة وذلك يستحيل في ~~الميت فقيل له لم لا يجوز أن يصلب بعد القتل ردعا لغيره فقال لأن الصلب إذا ~~كان موضوعه للتعذيب والعقوبة لم يجز إيقاعه إلا على الوجه الموضوع في ~~الشريعة فإن قال قائل إذا كان الله تعالى إنما أوجب القتل أو الصلب على وجه ~~التخيير فكيف يجوز جمعهما عليه قيل له أراد قتلا على غير وجه الصلب إذا قتل ~~ولم يأخذ المال وأراد قتلا على وجه الصلب إذا قتل وأخذ المال فغلظت العقوبة ~~عليه ms1546 في صفة القتل لجمعه بين القتل وأخذ المال وروى مغيرة عن إبراهيم قال ~~يترك المصلوب من المحاربين على الخشبة يوما وقال يحيى بن آدم ثلاثة أيام ~~واختلف في النفي فقال أصحابنا هو حبسه حيث يرى الإمام وروي مثله عن إبراهيم ~~وروي عن إبراهيم رواية أخرى وهو أن ينفيه طلبه وقال مالك ينفى إلى بلد آخر ~~غير PageV04P058 البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك وقال مجاهد وغيره ~~هو أن يطلب الإمام الحد عليه حتى يخرج عن دار الإسلام قال أبو بكر فأما من ~~قال إنه ينفى عن كل بلد يدخل فهو إنما ينفيه عن البلد الذي هو فيه والإقامة ~~فيه وهو حينئذ غير منفي من التصرف في غيره فلا معنى لذلك ولا معنى أيضا ~~لحبسه في بلد غير بلده إذ الحبس يستوي في البلد الذي أصاب فيه وفي غيره ~~فالصحيح إذا حبسه في بلده وأيضا فلا يخلو قوله تعالى @QB@ أو ينفوا من ~~الأرض @QE@ من أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض وذلك محال لأنه لا ~~يمكن نفيه من جميع الأرض إلا بأن يقتل ومعلوم أنه لم يرد بالنفي القتل لأنه ~~قد ذكر في الآية القتل مع النفي أو يكون مراده نفيه من الأرض التي خرج منها ~~محاربا من غير حبسه لأنه معلوم أن المراد بما ذكره زجره عن إخافة السبيل ~~وكف أذاه عن المسلمين وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلا كانت معرته ~~قائمة على المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه في غيره أو أن يكون المراد ~~نفيه عن دار الإسلام وذلك ممتنع أيضا لأنه لا يجوز نفي المسلم إلى دار ~~الحرب لما فيه من تعريضه للردة ومصيره إلى أن يكون حربيا فثبت أن معنى ~~النفي هو نفيه عن سائر الأرض إلا موضع حبسه الذي لا يمكنه فيه العبث ~~والفساد وقوله تعالى @QB@ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~@QE@ يدل على أن إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه لإخبار الله تعالى ~~بوعيده في الآخرة ms1547 بعد إقامة الحد عليهم قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم @QE@ استثناء لمن تاب منهم ~~من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة من أوجب الله عليه الحد لأن ~~الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته الجملة منها كقوله تعالى @QB@ إلا ~~آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ فأخرج آل لوط من جملة المهلكين ~~وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين وكقوله تعالى @QB@ فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون إلا إبليس @QE@ فكان إبليس خارجا من جملة الساجدين فكذلك لما ~~استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم فقد نفى ~~إيجاب الحد عليهم وقد أكد ذلك بقوله تعالى @QB@ فاعلموا أن الله غفور رحيم ~~@QE@ كقوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف @QE@ ~~عقل بذلك سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم فإن قال قائل قد قال في السرقة ~~@QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم @QE@ ~~PageV04P059 ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه قيل له لأنه لم ~~يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب ~~منهم وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من مبتدأ مستغنيا بنفسه عن ~~تضمينه بغيره وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة وقوله ~~تعالى @QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم @QE@ مفتقر في صحته إلى ~~ما قبله فمن أجل ذلك كان مضمنا به ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت ~~حقوق الآدميين من القتل والجراحات وضمان الأموال وإذا وجب الحد سقط ضمان ~~حقوق الآدميين في المال والنفس والجراحات وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل ~~يسقط ما تعلق به من حق الآدمي كالسارق إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة ~~وكالزاني إذا وجب عليه الحد لم يلزمه المهر وكالقاتل إذا وجب عليه القود لم ~~يلزمه ضمان المال كذلك المحاربون إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين ~~فإذا سقط الحد عن المحارب ms1548 وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا ~~درئ عنه الذي يكون به محاربا فقال أبو حنيفة من قطع الطريق في المصر ليلا ~~أو نهارا أو بين الحيرة والكوفة ليلا أو نهارا فلا يكون قاطعا للطريق إلا ~~في الصحارى وحكى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن الأمصار وغيرها سواء وهم ~~المحاربون يقام حدهم وروي عن أبي يوسف في اللصوص الذين يكبسون الناس ليلا ~~في دورهم في المصر أنهم بمنزلة قطاع الطريق يجري عليهم أحكامهم وحكي عن ~~مالك أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية وذكر عنه أيضا ~~قال المحاربة أن يقاتلوا على طلب المال من غير نائرة ولم يفرق ههنا بين ~~المصر وغيره وقال الشافعي قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى ~~يغصبوهم المال والصحارى والمصر واحد وقال الثوري لا يكون محاربا بالكوفة ~~حتى يكون خارجا منها قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لا قطع على خائن ولا مختلس فنفى صلى الله عليه وسلم القطع عن المختلس ~~والمختلس هو الذي يختلس الشيء وهو ممتنع فوجب بذلك اعتبار المنعة من ~~المحاربين وأنهم متى كانوا في موضع لا يمكنهم أن يمتنعوا وقد يلحق من قصدوه ~~الغوث من قبل المسلمين أن لا يكونوا محاربين وأن يكونوا بمنزلة المختلس ~~والمتهب كالرجل الواحد إذا فعل ذلك في المصر فيكون مختلسا غاصبا لا يجري ~~عليه أحكام قطاع الطريق وإذا كانت جماعة ممتنعة PageV04P060 في الصحراء ~~فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال السابلة قبل أن يلحقهم الغوث فباينوا بذلك المختلس ~~ومن ليس له امتناع في أحكامهم ولو وجب أن يستوي حكم المصر وغيره لوجب ~~استواء حكم الرجل الواحد والجماعة ومعلوم أن الرجل الواحد لا يكون محاربا ~~في المصر لعدم الامتناع منه فكذلك ينبغي أن يكون حكم الجماعة في المصر لفقد ~~الامتناع منهم على أهل المصر وأما إذا كانوا في الصحراء فهم ممتنعون غير ~~مقدور عليهم إلا بالسلب والقتال فلذلك اختلف حكمهم وحكم من في المصر فإن ~~قال قائل ms1549 إن كان الاعتبار بما ذكرت فواجب أن يكون العشرة من اللصوص إذا ~~اعترضوا قافلة فيها ألف رجل غير محاربين إذ قد يمكنهم الامتناع عليهم قيل ~~له صاروا محاربين بالامتناع والخروج سواء قصدوا القافلة أو لم يقصدوها فلا ~~يزول عنهم هذا الحكم بعد ذلك بكون القافلة ممتنعة منهم كما لا يزول بكون ~~أهل الأمصار ممتنعين منهم وأجرى أبو يوسف على اللصوص في المصر حكم ~~المحاربين لامتناعهم والخروج على وجه المحاربة لأخذ المال فلا يختلف حكمهم ~~بالمصر وغيره كما أن سائر ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف والقتل لا ~~يختلف أحكام فاعليها بالمصر وغيره # فصل واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ بأن يصيب ~~كل واحد منهم عشرة دراهم واعتبر الشافعي ربع دينار كما اعتبره في قطع ~~السارق ولم يعتبره مالك لأنه يروى إجراء الحكم عليها بالخروج قبل أخذ المال # فصل وقال أصحابنا إذا كان الذي ولي القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم ~~جميعهم حكم المحاربين يجري الحكم عليهم وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم ~~يحصل إلا بإجتماعهم جميعا فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة وهو ~~المنعة حصل باجتماعهم جميعا وجب أن لا يختلف حكم من ولي القتل منهم ومن كان ~~عونا أو ظهيرا والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه ~~حكم من ولي القتال منهم ومن كان منهم ردأ وظهيرا ولذلك لم يختلف حكم من قتل ~~بعصا أو بسيف إذ كان من لم يل القتال يجري عليه الحكم # | باب قطع السارق # قال الله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ روى سفيان عن ~~جابر عن PageV04P061 عامر قال قراءة عبدالله فاقطعوا أيديهما وروى ابن عوف ~~عن إبراهيم في قراءتنا فاقطعوا أيمانهما قال أبو بكر لم تختلف الأمة في أن ~~اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله @QB@ ~~أيديهما @QE@ أيمانهما فظاهر اللفظ في جمعه الأيدي من الإثنين يدل على أن ~~المراد اليد الواحدة من كل واحد منهما كقوله تعالى @QB@ إن تتوبا ms1550 إلى الله ~~فقد صغت قلوبكما @QE@ لما كان لكل واحد منهما قلب واحد أضافه إليها بلفظ ~~الجمع كذلك لما أضاف الأيدي إليهما بلفظ الجمع دل على أن المراد إحدى ~~اليدين من كل واحد منهما وهي اليمنى وقد اختلف في قطع اليسرى في المرة ~~الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في الرابعة وسنذكره فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى ولم تختلف الأمة في خصوص هذه الآية لأن اسم السارق يقع على سارق ~~الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق ~~صلاته قيل له يا رسول الله وكيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها وسجودها ويقع ~~على سارق اللسان روى ليث بن سعد قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير ~~مرثد بن عبدالله عن أبي رهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسرق السارق ~~الذي يسرق لسان الأمير فثبت بذلك أنه لم يرد كل سارق والسرقة اسم لغوي ~~مفهوم المعنى عند أهل اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى بيان وكذلك حكمه في ~~الشرع وإنما علق بهذا الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح والإجارة وسائر ~~الأمور المعقولة معانيها من اللغة قد علقت بها أحكام يجب اعتبار عمومها ~~بوجود الاسم إلا ما قام دليل خصوصه فلو خلينا وظاهر قوله @QB@ والسارق ~~والسارقة @QE@ لوجب إجراء الحكم على الاسم إلا ما خصه الدليل إلا أنه قد ~~ثبت عندنا أن الحكم متعلق بمعنى غير الاسم يجب اعتباره في إيجابه وهو الحرز ~~والمقدار فهو مجمل من جهة المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إثباته فلا ~~يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار والدليل على ~~إجماله وامتناع اعتبار عمومه ما حدثنا عبدالباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى ~~قال حدثنا عبدالرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أبي واقد قال حدثني عامر ~~بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقطع يد السارق ~~إلا في ثمن المجن وروى ابن لهيعة عن أبي النضر عن ms1551 عمرة عن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تقطع يد السارق إلا فيما بلغ ثمن المجن فما فوقه ~~وروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أدنى ما يقطع فيه السارق PageV04P062 ثمن المجن فثبت ~~بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطع موقوف على ثمن المجن فصار ذلك ~~كوروده مع الآية مضموما إليها وكان تقديرها والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما إذا بلغت السرقة ثمن المجن وهذا لفظ مفتقر إلى البيان غير مكتف ~~بنفسه في إثبات الحكم وما كان هذا سبيله لم يصح الاحتجاج بعمومه ووجه آخر ~~يدل على إجمالها في هذا الوجه وهو ما روى عن السلف في تقويم المجن فروي عن ~~عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم في ~~آخرين أن قيمته كانت عشرة دراهم وقال ابن عمر قيمته ثلاثة دراهم وقال أنس ~~وعروة والزهري وسليمان بن يسار قيمته خمسة دراهم وقالت عائشة ثمن المجن ربع ~~دينار ومعلوم أنه لم يكن ذلك تقويما منهم لسائر المجان لأنها تختلف كاختلاف ~~الثياب وسائر العروض فلا محالة أن ذلك كان تقويما للمجن الذي قطع فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أيضا أنهم لم يحتاجوا إلى تقويمه من حيث ~~قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليس في قطع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شيء بعينه دلالة على نفي القطع عما دونه كما أن قطعه السارق في المجن ~~غير دال على أن حكم القطع مقصور عليه دون غيره إذ كان ما فعله بعض ما ~~تناوله لفظ العموم على حسب حدوث الحادثة فإذا لا محالة قد كان من النبي صلى ~~الله عليه وسلم توقيف لهم حين قطع السارق على نفي القطع فيما دونه فدل ذلك ~~على إجمال حكم الآية في المقدار كدلالة الأخبار التي قدمناها لفظا من نفي ~~القطع عما دونه قيمة المجن فلم يجز من أجل ذلك اعتبار عموم الآية في ms1552 إثبات ~~المقدار ووجب طلب معرفة قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليس إجمالها في المقدار بموجب إجمالها في سائر الوجوه من الحرز وجنس ~~المقطوع فيه وغير ذلك بل جائز أن يكون عموما في هذه الوجوه مجملا في حكم ~~المقدار فحسب كما أن قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ عموم في جهة ~~الأموال الموجب فيها الصدقة مجمل في المقدار الواجب منها وكان شيخنا أبو ~~الحسن يذهب إلى أن الآية مجملة من حيث علق فيها الحكم بمعان لا يقتضيها ~~اللفظ من طريق اللغة وهو الحرز والمقدار والمعان المعتبرة في إيجاب القطع ~~متى عدم منها شيء لم يجب القطع مع وجود الاسم لأن اسم السرقة موضوع في ~~اللغة لأخذ الشيء على وجه الاستخفاء ومنه قيل سارق اللسان وسارق الصلاة ~~تشبيها بأخذ الشيء على وجه الاستخفاء والأصل فيها ما ذكرنا وهذه المعاني ~~التي ذكرنا اعتبارها في الإيجاب القطع PageV04P063 لم يكن الاسم موضوعا لها ~~في اللغة وإنما ثبت ذلك من جهة الشرع فصارت السرقة في الشرع اسما شرعيا لا ~~يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قامت دلالته واختلف في مقدار ما يقطع فيه ~~السارق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا قطع إلا في عشرة ~~دراهم فصاعدا أو قيمتها من غيرها وروي عن أبي يوسف ومحمد أنه لا قطع حتى ~~تكون قيمة السرقة عشرة دارهم مضروبة وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه ~~إذا سرق ما يساوي عشرة دارهم مما يجوز بين الناس قطع وقال مالك والأوزاعي ~~والليث والشافعي لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقال الشافعي فلو غلت ~~الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قطع إلا في ربع دينار وإن كان ذلك نصف ~~درهم وإن رخصت الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قطع في ربع دينار وذلك ~~خمسة وعشرون درهما وروي عن الحسن البصري أنه قال لا يقطع في درهم واحد وهو ~~قول شاذ قد اتفق الفقهاء على خلافه وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان ~~بن يسار ms1553 لا يقطع إلا في خمسة دراهم وروي نحوه عن عمر وعلي أنهما قالا لا ~~يقطع إلا في خمسة وقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبو ~~جعفر وعطاء وإبراهيم لا قطع إلا في عشرة دراهم قال ابن عمر يقطع في ثلاثة ~~دراهم وروي عن عائشة القطع في ربع دينار وروي عن أبي سعيد الخدري وأبي ~~هريرة قالا لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم والأصل في ذلك أنه لما ثبت ~~باتفاق الفقهاء من السلف ومن بعدهم أن القطع لا يجب إلا في مقدار متى قصر ~~عنه لم يجب وكان طريق إثبات هذا الضرب من المقادير التوقيف أو الاتفاق ولم ~~يثبت التوقيف فيما دون العشرة وثبت الاتفاق في الشعرة أثبتناها ولم نثبت ما ~~دونها لعدم التوقيف والاتفاق فيه ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله @QB@ والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف ~~الرسول صلى الله عليه وسلم على اعتبار ثمن المجن ومن اتفاق السلف على ذلك ~~أيضا فسقط الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع في العشرة ~~ونفيه عما دونها لما وصفنا وقد رويت أخبار توجب اعتبار العشرة في إيجاب ~~القطع منها ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ~~قال حدثني أبي قال حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع فيما دون عشرة دراهم وقد ~~سمعنا أيضا في سنن ابن قانع PageV04P064 حديثا رواه بإسناده له عن زحر بن ~~ربيعة عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقطع اليد ~~إلا في دينار أو عشرة دراهم وقال عمرو بن شعيب قلت لسعيد بن المسيب إن عروة ~~والزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم فقال أما ~~هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم قاله ~~ابن عباس وأيمن الحبشي ms1554 وعبدالله بن عمر وقالوا كان ثمن المجن عشرة دراهم ~~فإن احتجوا بما روي عن ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في ~~مجن قيمته ثلاثة دراهم وبما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~تقطع يد السارق في ربع دينار قيل له أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة فيه ~~على موضع الخلاف لأنهما قوماه ثلاثة دراهم وقد قومه غيرهما عشرة فكان تقديم ~~الزائد أولى وأما حديث عائشة فقد اختلف في رفعه وقد قيل إن الصحيح منه أنه ~~موقوف عليها غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإثبات من الرواة ~~رووه موقوفا وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن ثلث دينار أو نصف دينار ~~فصاعدا وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن يد السارق لم تكن تقطع في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن وكان المجن يومئذ ~~له ثمن ولم تكن تقطع في الشيء التافه فهذا يدل على أن الذي كان عند عائشة ~~من ذلك القطع في ثمن المجن وأنه لم يكن عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~غير ذلك إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شيء معلوم المقدار من الذهب ~~أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن إذ كان ذلك مدركا من جهة ~~الاجتهاد ولا حظ للاجتهاد مع النص وهذا يدل أيضا على أن ما روي عنها مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن ثبت فإنما هو تقدير منها لثمن المجن ~~اجتهادا وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبدالرحمن بن القاسم عن عمرة عن ~~عائشة قالت تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا قال أيوب وحدث به يحيى عن ~~عمرة عن عائشة ورفعه فقال له عبدالرحمن بن القاسم إنها كانت لا ترفعه فترك ~~يحيى رفعه فهذا ms1555 يدل على أن من رواه مرفوعا فإنما سمعه من يحيى قبل تركه ~~الرفع ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه مختلفة في نفي القطع عن سارق ما دون العشرة وكان يكون ~~حينئذ خبرنا أولى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيح له وخبر ~~الحظر أولى من خبر الإباحة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لعن الله السارق يسرق الحبل PageV04P065 فيقطع فيه ويسرق البيضة فيقطع فيها ~~فربما ظن بعض من لا روية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه لذكر ~~البيضة والحبل وهما في العادة أقل قيمة من عشرة دراهم وليس ذلك على ما يظنه ~~لأن المراد بيضة الحديد وقد روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهما ولأنه لا خلاف بين ~~الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قطع عليه وأما الحبل فقد يكون مما يساوي ~~العشرة والعشرين وأكثر من ذلك # فصل وأما اعتبار الحرز فالأصل فيها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا قطع على خائن رواه ابن عباس وجابر وهو يشتمل على نفي القطع في جميع ما ~~ائتمن الإنسان فيه فمنها أن الرجل إذا ائتمن غيره على دخول بيته ولم يحرز ~~منه ماله لم يجب عليه القطع إذا خانه لعموم لفظ الخبر ويصير حينئذ بمنزلة ~~المودع والمضارب وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا قطع على خائن ~~وجوب القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات ويدل أيضا على نفي ~~القطع عن المستعير إذا جحد العارية وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده فلا دلالة فيه على وجوب ~~القطع على المستعير إذا خان إذ ليس فيه أنه قطعها لأجل جحودها للعارية ~~وإنما ذكر جحود العارية تعريفا لها إذ كان ذلك معتادا منها حتى عرفت ms1556 به ~~فذكر ذلك على وجه التعريف وهذا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال للرجلين أحدهما يحجم الآخر في رمضان أفطر الحاجم والمحجوم فذكر الحجامة ~~تعريفا لهما والإفطار واقع بغيرها وقد روي في أخبار صحيحة أن قريشا أهمهم ~~شأن المرأة المخزومية التي سرقت وهي هذه المرأة التي ذكر في الخبر أنها ~~كانت تستعير المتاع وتجحده فبين في هذه الأخبار أنه قطعها لسرقتها ويدل على ~~اعتبار الحرز أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سئل عن حريسة ~~الجبل فقال فيها غرامة مثلها وجلدات نكال فإذا أواها المراح وبلغ ثمن المجن ~~ففيه القطع وقال ليس في الثمر المعلق قطع حتى يأويه الجرين فإذا أواه ~~الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار ~~الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول وإن كان كل واحد منهما مكتفيا بنفسه في ~~وجوب اعتباره ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في القطع وأصله ~~من السنة ما وصفنا والحرز عند أصحابنا ما بني للسكنى وحفظ الأموال من ~~الأمتعة PageV04P066 وما في معناها وكذلك الفساطيط والمضارب والخيم التي ~~يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا ~~عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له إلا أنه محجر بالبناء ~~وما كان في غير بناء ولا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن ~~يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظ له وسواء كان الحافظ نائما ~~في ذلك الموضع أو مستيقظا والأصل في كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو ~~صحراء حديث صفوان بن أمية حين كان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فسرقه ~~سارق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز ~~فثبت أنه كان محرزا لكون صفوان عنده ولذلك قال أصحابنا لا فرق بين أن يكون ~~الحافظ نائما أو مستيقظا لأن صفوان ms1557 كان نائما وليس المسجد عندهم في ذلك ~~كالحمام فمن سرق من الحمام لم يقطع وكذلك الخان والحوانيت المأذون في ~~دخولها وإن كان هناك حافظ من قبل أن الإذن موجود في الدخول من جهة مالك ~~الحمام والدار فخرج الشيء من أن يكون محرزا من المأذون له في الدخول ألا ~~ترى أن من أذن لرجل في دخول داره أن الدار لم تخرج من أن تكون حرزا في ~~نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول لأنه حين أذن له في الدخول فقد ~~ائتمنه ولم يحرز ماله عنه كذلك كل موضع يستباح دخوله بإذن المالك فهو غير ~~حرز من المأذون له في الدخول وأما المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي ~~كالمفازة والصحراء فإذا سرق منه وهناك حافظ له قطع وحكي عن مالك أن السارق ~~من الحمام يقطع إن كان هناك حافظ له قال أبو بكر لو وجب قطع السارق من ~~الحانوت والمأذون له في الدخول إليه لأن صاحب الحانوت حافظ له ومعلوم أن ~~إذنه له في دخوله قد أخرجه من أن يكون ماله فيه محرزا فكان بمنزلة المؤتمن ~~ولا فرق بين الحمام والحانوت والمأذون في دخوله فإن قال قائل يقطع السارق ~~من الحانوت والخان المأذون له قيل له هو كالخائن للودائع والعواري ~~والمضاربات وغيرها إذ لا فرق بين ما ذكرنا وبينها وقد ائتمنه صاحبه بأن لم ~~يحرزه كما ائتمنه في إيداعه وقال عثمان البتي إذا سرق من الحمام قطع واختلف ~~في قطع النباش فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد والأوزاعي لا قطع على النباش ~~وهو قول ابن عباس ومكحول وقال الزهري اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في زمن كان مروان أميرا PageV04P067 على المدينة أن النباش لا ~~يقطع ويعزر وكان الصحابة متوافرين يومئذ وقال أبو يوسف بن أبي ليلى وأبو ~~الزناد وربيعة يقطع وروي مثله عن ابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز والشعبي ~~والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء وهو قول الشافعي والدليل على صحة ~~القول الأول أن القبر ليس بحرز ms1558 والدليل عليه اتفاق الجميع على أنه لو كان ~~هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع لعدم الحرز والكفن كذلك فإن قيل إن ~~الأحراز مختلفة فمنها شريحة البقال حرز لما في الحانوت والإصطبل حرز للدواب ~~وللأموال ويكون الرجل حرزا لما هو حافظ له وكل شيء من ذلك حرزا لما يحفظ به ~~ذلك الشيء في العادة ولا يكون حرزا لغيره فلو سرق دراهم من اصطبل لم يقطع ~~ولو سرق منه دابة قطع ذلك القبر هو حرز للكفن وإن لم يكن حرزا للدراهم قيل ~~له هذا كلام فاسد من وجهين أحدهما أن الأحراز على اختلافها في أنفسها ليست ~~مختلفة في كونها حرزا لجميع ما يجعل فيها لأن الإصطبل لما كان حرزا للدواب ~~فهو حرز للدراهم والثياب ويقطع فيما يسرقه منه وكذلك حانوت البقال هو حرز ~~لجميع ما فيه من ثياب ودراهم وغيرها فقول القائل الإصطبل حرز للدواب ولا ~~يقطع من سرق منه دراهم غلط والوجه الآخر أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة لكانت ~~مانعة من إيجاب قطع النباش لأن القبر لم يحفر ليكون حرزا للكفن فيحفظ به ~~وإنما يحفر لدفن الميت وستره عن عيون الناس وأما الكفن فإنما هو للبلى ~~والهلاك ودليل آخر وهو أن الكفن لا مالك له والدليل عليه أنه من جميع المال ~~فدل على أنه ليس في ملك أحد ولا موقوف على أحد فلما صح أنه من جميع المال ~~وجب أن لا يملكه الوارث كما لا يملكون ما صرف في الدين الذي هو من جميع ~~المال ويدل عليه أيضا أن الكفن يبدأ به على الديون فإذا لم يملك الوارث ما ~~يقضي به الديون فهو أن لا يملك الكفن أولى وإذا لم يملكه الوارث واستحال أن ~~يكون الميت مالكا وجب أن لا يقطع سارقه كما لا يقطع سارق بيت المال وأخذ ~~الأشياء المباحة التي لا ملك لها فإن قال قائل جواز خصومة الوارث المطالبة ~~بالكفن دليل على أنه ملكه قيل له الإمام يطالب بما يسرق من بيت المال ولا ~~يملكه ووجه آخر ms1559 وهو أنا الكفن يجعل هناك للبلى والتلف لا للقنية والتبقية ~~فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء الذي هو للإتلاف لا للتبقية فإن قال قائل ~~القبر حرز للكفن لما روى عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول ~~PageV04P068 الله صلى الله عليه وسلم كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون ~~البيت فيه بالوصيف يعني القبر قلت الله ورسوله أعلم قال عليك بالصبر فسمى ~~القبر بيتا وقال حماد بن أبي سليمان يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته ~~وروى مالك عن أبي الرحال عن أمه عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ~~المختفي والمختفية وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~اختفى ميتا فكأنما قتله وقال أهل اللغة المختفي النباش قيل له إنما سماه ~~بيتا على وجه المجاز لأن البيت موضوع في لغة العرب لما كان مبنيا ظاهرا على ~~وجه الأرض وإنما سمي القبر بيتا تشبيها بالبيت المبني ومع ذلك فإن قطع ~~السارق ليس معلقا بكونه سارقا من بيت إلا أن يكون ذلك البيت مبنيا ليحرز به ~~ما يجعل فيه وقد بينا أن القبر ليس بحرز ألا ترى أن المسجد يسمى بيتا قال ~~الله تعالى @QB@ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه @QE@ ولو سرق من ~~المسجد لم يقطع إذا لم يكن له حافظ وأيضا فلا خلاف أنه لو كان في القبر ~~دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع وإن كان بيتا فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق ~~بكونه بيتا وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله المختفي وما ~~روي أنه قال من اختفى ميتا فكأنما قتله فإن هذا إنما هو لعن له واستحقاق ~~اللعن ليس بدليل على وجوب القطع لأن الغاصب والكاذب والظالم كل هؤلاء ~~يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم وقوله من اختفى ميتا فكأنما قتله فإنه لم يوجب ~~به قطعا وإنما جعله كالقاتل وإن كان معناه محمولا على حقيقة لفظه فواجب أن ~~نقتله وهذا لا خلاف فيه ولا تعلق لذلك بالقطع # | باب ms1560 من أين يقطع السارق # قال الله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ واسم اليد ~~يقع على هذا العضو إلى المنكب والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله ~~تعالى @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولم يخطئ من طريق اللغة وإنما ~~لم يثبت ذلك لورود السنة بخلافه ويقع على اليد إلى مفصل الكف أيضا قال الله ~~تعالى @QB@ إذا أخرج يده لم يكد يراها @QE@ وقد عقل به ما دون المرفق وقال ~~تعالى لموسى @QB@ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء @QE@ ويمتنع أن ~~يدخل يده إلى المرفق ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق ~~@QE@ فلو لم يقع الاسم على ما دون المرافق لما ذكرها إلى المرافق وفي ذلك ~~دليل على وقوع الاسم إلى الكوع لما كان الاسم يتناول هذا العضو إلى المفصل ~~وإلى المرفق وإلى المنكب PageV04P069 اقتضى عموم اللفظ القطع من المنكب إلى ~~أن تقوم الدلالة على أن المراد ما دونه وجائز أن يقال إن الاسم لما تناولها ~~إلى الكوع ولم يجز أن يقال إن ذلك بعض اليد بل يطلق عليه اسم اليد من غير ~~تقييد وإن كان قد يطلق أيضا على ما فوقه إلى المرفق تارة وإلى المنكب أخرى ~~ثم قال تعالى @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ وكانت اليد محظورة في الأصل فمتى ~~قطعناها من الفصل فقد قضينا عهدة الآية لم يجز لنا قطع ما فوقه إلا بدلالة ~~كما لو قال أعط هذا رجالا فأعطاه ثلاثة منهم فقد فعل المأمور به إذ كان ~~الاسم يتناولهم وإن كان اسم الرجال يتناول ما فوقهم فإن قال قائل يلزمكم في ~~التيمم مثله بقوله تعالى @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ وقد قلتم ~~فيه إن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق اقتضاه العموم ولم ينزل عنه إلا ~~بدليل قيل له هما مختلفان من قبل أن اليد لما كانت محظورة في الأصل ثم كان ~~الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى المرفق لم يجز لنا قطع الزيادة بالشك ~~ولما كان الأصل الحدث واحتاج إلى استباحة الصلاة لم يزل أيضا إلا بيقين ms1561 وهو ~~التيمم إلى المرفق ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن ~~القطع من المفصل وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من المنكب لوقوع الاسم عليه ~~وهم شذوذ لا يعدون خلافا وقد روى محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق من الكوع وعن عمر وعلي أنهما ~~قطعا اليد من المفصل ويدل على أن دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على ~~الإطلاق قوله تعالى @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولم يقل أحد أنه ~~يقتصر بالتيمم على ما دون المفصل وإنما اختلفوا فيما فوقه واختلفوا في قطع ~~الرجل من أي موضع هو فروي عن علي أنه قطع سارقا من خصر القدم وروى صالح ~~السمان قال رأيت الذي قطعه علي رضي الله عنه مقطوعا من أطراف الأصابع فقيل ~~له من قطعك فقال خير الناس قال أبو رزين سمعت ابن عباس يقول أيعجز من رأى ~~هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابي يعني نحوه فلقد قطع فما أخطأ يقطع ~~الرجل ويذر عقبها وروي مثله عن عطاء وأبي جعفر من قولهما وعن عمر رضي الله ~~عنه في آخرين يقطع الرجل من المفصل وهو قول فقهاء الأمصار والنظر يدل على ~~هذا القول لاتفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر وهو الذي يلي الزند ~~وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتئ وأيضا لما ~~اتفقوا على أنه لايترك PageV04P070 له من اليد ما ينتفع به للبطش ولم يقطع ~~من أصول الأصابع حتى يبقى له الكف كذلك ينبغي أن لا يترك له من الرجل العقب ~~فيمشي عليه لأن الله تعالى إنما أوجب قطع اليد ليمنعه الأخذ والبطش بها ~~وأمر بقطع الرجل ليمنعه المشي بها فغير جائز ترك العقب للمشي عليه ومن قطع ~~من المفصل الذي هو على ظهر القدم فإنه ذهب في ذلك أن هذا المفصل من الرجل ~~بمنزلة مفصل الزند من اليد لأنه ليس بين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره كما ~~أنه ليس ms1562 بين مفصل الزند ومفصل أصابع اليد مفصل غيره فلما وجب في اليد قطع ~~أقرب المفصل إلى مفصل الأصابع كذلك وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل ~~إلى مفصل الأصابع والقول الأول أظهر لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور ~~مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند من اليد فلما وجب قطع مفصل اليد ظاهر منه ~~كذلك يجب أن يكون في الرجل لما استوعبت اليد بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضا ~~والرجل كلها إلى مفصل الكعب بمنزلة الكف إلى مفصل الزند وأما القطع من أصول ~~أصابع الرجل فإنه لم يثبت عن علي من جهة صحيحة وهو قول شاذ خارج عن الإتفاق ~~والنظر جميعا واختلف في قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى فقال أبو بكر الصديق ~~وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب حين رجع إلى قول علي لما استشاره وابن ~~عباس إذا سرق قطعت يده اليمنى فإذا سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى فإذا سرق ~~لم يقطع وحبس وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وروي عن عمر أنه تقطع يده اليسرى ~~بعد الرجل اليمنى فإن سرق قطعت رجله اليمنى فإن سرق حبس حتى يحدث التوبة ~~وعن أبي بكر مثل ذلك إلا أن عمر قد روي عنه الرجوع إلى قول علي كرم الله ~~وجهه وقال مالك والشافعي تقطع اليد اليسرى بعد ا لرجل اليسرى والرجل اليمنى ~~بعد ذلك ولا يقتل إن سرق بعد ذلك وروي عن عثمان بن عفان وعبدالله بن عمر ~~وعمر بن عبدالعزيز أنهم قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه وروى سفيان عن ~~عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد ~~والرجل فقال له عمر السنة اليد وروى عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول أن ~~عمر قال لا تقطعوا يده بعد اليد والرجل ولكن احبسوه عن المسلمين وقال ~~الزهري انتهى أبو بكر إلى اليد والرجل وروى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن ~~سماك عن بعض أصحابه أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تقطع ms1563 يده ~~PageV04P071 اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك وهذا ~~يقتضي أن يكون ذلك إجماعا لا يسع خلافه لأن الذي يستشيرهم عمر هم الذين ~~ينعقد بهم الإجماع وروى سفيان عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر ~~الصديق قطع اليد بعد قطع اليد والرجل في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ثم ~~سرق حلي أسماء وهو مرسل وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رجلا خدم ~~أبا بكر فبعثه مع مصدق وأوصاه به فلبث قريبا من شهر ثم جاءه وقد قطعه ~~المصدق فلما رآه أبو بكر قال له مالك قال وجدني خنت فريضة فقطع يدي فقال ~~أبو بكر إني لا آراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة والذي نفسي بيده لئن كنت ~~صادقا لأقيدنك منه ثم سرق حلي أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر فأخبرت عائشة ~~أن أبا بكر قطعه بعد قطع المصدق يده وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى وهو ~~حديث صحيح لا يعارض بحديث القاسم ولو تعارضا لسقطا جميعا ولم يثبت بهذا ~~الحديث عن أبي بكر شيء ويبقى لنا الأخبار الأخر التي ذكرناها عن أبي بكر ~~والاقتصار على الرجل اليسرى فإن قيل روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن ~~أبا بكر قطع يدا بعد يد ورجل قيل له لم يقل في السرقة ويجوز أن يكون في ~~قصاص وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وتأويله ما ذكرناه فحصل من اتفاق ~~السلف وجوب الاقتصار على اليد والرجل وما روي عنهم من مخالفة ذلك فإنما هو ~~على وجهين إما أن يكون الحكاية في قطع اليد بعد الرجل أو قطع الأربع من غير ~~ذكر السرقة فلا دلالة فيه على القطع في السرقة أو يكون مرجوعا عنه كما روي ~~عن عمر ثم روي عنه الرجوع عنه وقد روي عن عثمان أنه ضرب عنق رجل بعد ما قطع ~~أربعته وليس فيه دلالة على قول المخالف لأنه لم يذكر أنه قطعه في السرقة ~~ويجوز أن يكون ms1564 قطعه من قصاص ويدل على صحة قول أصحابنا قوله تعالى @QB@ ~~فاقطعوا أيديهما @QE@ وقد بينا أن المراد أيمانهما وكذلك هو في قراءة ابن ~~مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم وإذا كان الذي تتناوله الآية يدا واحدة لم ~~تجز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق وقد ثبت الاتفاق في الرجل ~~اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى فلم يجز قطعها مع عدم الاتفاق ~~والتوقيف إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين ودليل آخر وهو ~~اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد وفي ذلك دليل على أن اليد اليسرى غير ~~مقطوعة أصلا لأن العلة في العدول عن PageV04P072 اليد اليسرى بعد اليمنى ~~إلى الرجل في قطعها على هذ الوجه إبطال منفعة الجنس وهذه العلة موجودة بعد ~~قطع الرجل اليسرى ومن جهة أخرى أنه لم تقطع رجله اليمنى بعد رجله اليسرى ~~لما فيه من بطلان منفعة المشي رأسا كذلك لا تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى ~~لما فيه من بطلان البطش وهو منافع اليد كالمشي من منافع الرجل ودليل آخر ~~وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في أخذ المال لا يزاد على ~~قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف كذلك السارق وإن كثر الفعل ~~منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل فإن قال قائل قوله ~~عز وجل @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ يقتضي قطع اليدين جميعا ولولا الاتفاق ~~لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل اليسرى قيل له أما ~~قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى فليس كذلك عندنا لأنها إنما اقتضت ~~يدا واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الإثنين بلفظ الجمع دون التثنية وإن ما ~~كان هذا وصفه فإنه يقتضي يدا واحد منهما ثم قد اتفقوا أن اليد اليمنى مرادة ~~فصار كقوله تعالى فاقطعوا أيمانهما فانتفى بذلك أن تكون اليسرى مرادة ~~باللفظ فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع اليسرى وعلى أنه لو كان لفظ ~~الآية محتملا لما وصفت لكان اتفاق الأمة على قطع ms1565 الرجل بعد اليمنى دلالة ~~على أن اليسرى غير مرادة إذ غير جائز ترك المنصوص والعدول عنه إلى غيره ~~واحتج موجبو قطع الأطراف بما رواه عبدالله بن رافع قال أخبرني حماد بن بن ~~أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ~~بسارق قد سرق فأمر به أن تقطع يده ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن ~~تقطع رجله حتى قطعت أطرافه كلها وحماد بن أبي حميد ممن يضعف وهو مختصر ~~وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبدالله ~~بن عبيد بن عقيل الهلالي حدثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير ~~عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال جيء بسارق إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه قال فقطع ~~ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ~~قال فقطع ثم جيء الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال ~~اقطعوه ثم أتي به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال ~~اقطعوه ثم أتي به الخامسة فقال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به فقتلناه ورواه ~~معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله وزاد PageV04P073 خرجنا به إلى مربد ~~النعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجليه فنفرت الإبل عنه فلقيناه ~~بالحجارة حتى قتلناه ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن عروة عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ثم ~~أتي به قد سرق فقطع رجله ثم أتي به قد سرق فأمر بقتله ورواه حماد بن سلمة ~~عن يوسف بن الحارث بن حاطب أن رجلا سرق على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه فقال القوم إنما سرق فقال ~~اقطعوه فقطعوه ثم سرق على عهد أبي ms1566 بكر الصديق فقطعه حتى قطعت قوائمه كلها ~~ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم به حين ~~أمر بقتله فأمر به فقتل والذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث ~~الذي رواه حماد بن أبي حميد وفيه الأمر بقتله بديا ومعلوم ان السرقة لا ~~يستحق بها القتل فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحد المستحق ~~بالسرقة وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قصة العرنيين أنه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم وليس السمل ~~حدا في قطاع الطريق فلما نسخت المثلة نسخ بها هذا الضرب من العقوبة فوجب ~~الاقتصار على اليد والرجل لا غير ويدل على أن قطع الأربع كان على وجه ~~المثلة لا على الحد أن في حديث جابر أنهم حملوا عليه النعم ثم قتلوه ~~بالحجارة وذلك لا يكون حدا في السرقة بوجه # | باب مالا يقطع فيه # قال أبو بكر قوله @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ يوجب قطع ~~كل من تناول الاسم في سائر الأشياء لأنه عموم في هذا الوجه وإن كان مجملا ~~في المقدار إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقول ~~السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم وأن كثيرا مما يسمى ~~آخذه سارقا لا قطع فيه واختلف الفقهاء في أشياء منه # | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أبو حنيفة ومحمد لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد نحو الرطب والعنب ~~والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة ~~في سنبلها سواء كان لها حافظ أو لم يكن ولا قطع في شيء من الخشب إلا الساج ~~والقنا ولا قطع في الطين والنورة PageV04P074 والجص والزرنيخ ونحوه ولا قطع ~~في شيء من الطير ويقطع في الياقوت والزمرد ولا قطع في شيء من الخمر ولا في ~~شيء من آلات الملاهي وقال أبو يوسف يقطع في كل شيء سرق من حرز إلا ms1567 في ~~السرقين والتراب والطين وقال مالك لا يقطع في الثمر المعلق ولا في حريسة ~~الجبل وإذا أواه الجرين ففيه القطع وكذلك إذا سرق خشبة ملقاة فبلغ ثمنها ما ~~يجب فيه القطع ففيه القطع وقال الشافعي لا قطع في الثمر المعلق ولا في ~~الجمار لأنه غير محرز فإن أحرز ففيه القطع رطبا كان أو يابسا وقال عثمان ~~البتي إذا سرق الثمر على شجره فهو سارق يقطع قال أبو بكر روى مالك وسفيان ~~الثوري وحماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن مروان ~~أراد قطع يد عبد وقد سرق وديا فقال رافع بن خديج سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا قطع في ثمرة ولا كثر وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن ~~سعيد عن محمد بن حبان عن عمه واسع بن حبان بهذه القصة فأدخل ابن عيينة بين ~~محمد بن حبان وبين رافع واسع بن حبان ورواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد ~~عن محمد بن حبان عن عمة له بهذه القصة وأدخل الليث بينهما عمة له مجهولة ~~ورواه الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي ميمونة عن ~~رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فجعل الدراوردي بين محمد بن ~~يحيى ورافع أبا ميمونة فإن كان واسع بن حبان كنيته أبو ميمونة فقد وافق ابن ~~عيينة وإن كان غيره فهو مجهول لا يدري من هو إلا أن الفقهاء قد تلقت هذا ~~الحديث بالقبول وعملوا به فثبت حجته بقولهم له كقوله لا وصية لوارث واختلاف ~~التابعين لما تلقاه العلماء بالقبول ثبتت حجته ولزم العمل به وقد تنازع أهل ~~العلم معنى قوله لا قطع في ثمر ولا كثر فقال أبو حنيفة ومحمد هو على كل ثمر ~~يسرع إليه الفساد وعمومه يقتضي ما يبقى منه ومالا يبقى إلا أن الكل متفقون ~~على القطع فيما قد استحكم ولا يسرع إليه الفساد فخص ما كان بهذا الوصف من ms1568 ~~العموم وصار ذلك أصلا في نفي القطع عن جميع ما يسرع إليه الفساد وروى الحسن ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع في طعام وذلك ينفي القطع عن ~~جميع الطعام إلا أنه خص مالا يسرع إليه بالفساد بدليل وقال أبو يوسف ومن ~~قدمنا قوله أن نفيه القطع عن الثمر والكثر لأجل عدم الحرز فإذا أحرز فهو ~~وغيره سواء وهذا تخصيص بغير دلالة وقوله ولا كثر أصل في ذلك أيضا لأن الكثر ~~قد قيل فيه وجهان أحدهما الجمار والآخر النخل الصغار وهو عليهما جميعا ~~PageV04P075 فإذا أراد به الجمار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو أصل ~~في كل ما كان في معناه وإن أراد به النخل فقد دل على نفي القطع في الخشب ~~فنستعملهما على فائدتيهما جميعا وكذلك قال أبو حنيفة لا قطع في الخشب إلا ~~الساج والقنا وكذلك يجيء على قوله في الأبنوس وذلك أن الساج والأبنوس لا ~~يوجد في دار الإسلام إلا مالا فهو كسائر الأموال وإنما اعتبر ما يوجد في ~~دار الإسلام مالا من قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام ~~وما كان في دار الحرب فليس بملك صحيح لأنها دار إباحة وأملاك أهلها مباحة ~~فلا يختلف فيها حكم ما كان منه مالا مملوكا وما كان منه مباحا فلذلك سقط ~~اعتبار كونها مباحة في دار الحرب فاعتبر حكم وجودها في دار الإسلام فلما لم ~~توجد في دار الإسلام إلا مالا كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة ~~الأصل فإن قال قائل النخل غير مباح الأصل قيل له هو مباح الأصل في كثير من ~~المواضع كسائر الجنس المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكا بالأخذ والنقل من ~~موضع إلى موضع وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمر قال جاء رجل ~~من مزينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في حريسة ~~الجبل قال هي عليه ومثلها والنكال وليس في شيء من الماشية قطع إلا ms1569 ما أواه ~~المراح فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد ومالم يبلغ ثمن ~~المجن ففيه غرامة مثله وجلدات النكال قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر ~~المعلق قال هي ومثله معه والنكال وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا ما ~~أواه الجرين فما أخذه من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع ومالم يبلغ ففيه ~~غرامة مثله وجلدات النكال فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن الثمر رأسا ~~ونفى في حديث عبدالله بن عمر القطع عن الثمر إلا ما أواه الجرين وقوله حتى ~~يأويه الجرين يحتمل معنيين أحدهما الحرز والآخر الإبانة عن حال استحكامه ~~وامتناع إسراع الفساد إليه لأنه لا يأويه الجرين إلا وهو مستحكم في الأغلب ~~وهو كقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ ولم يرد به وقوع الحصاد ~~وإنما أراد به بلوغه وقت الحصاد وقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله ~~صلاة حائض إلا بخمار ولم يرد به وجود الحيض وإنما أخبر عن حكمها بعد البلوغ ~~وقوله إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ولم يرد به السن وإنما أراد ~~الإحصان وقوله في خمس وعشرين بنت مخاض أراد دخولها في السنة الثانية وإن لم ~~يكن بأمها مخاض لأن الأغلب إذا صارت كذلك كان بأمها مخاض وكذلك قوله حتى ~~يأويه PageV04P076 الجرين يحتمل أن يريد به بلوغ حال الاستحكام فلم يجز من ~~أجل ذلك أن يخص حديث رافع بن خديج في قوله لا قطع في ثمر ولا كثر وإنما لم ~~يقطع في النورة ونحوها لما روت عائشة قالت لم يكن قطع السارق على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه يعني الحقير فكل ما كان تافها ~~مباح الأصل فلا قطع فيه والزرنيخ والجص والنورة ونحوها تافه مباح الأصل لأن ~~أكثر الناس يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه وأما الياقوت والجوهر ~~فغير تافه وإن كان مباح الأصل بل هو ثمين رفيع ليس يكاد يترك في موضعه مع ~~إمكان أخذه فيقطع فيه وإن كان الأصل ms1570 كما يقطع في سائر الأموال لأن شرط زوال ~~القطع المعينان جميها من كونه تافها في نفسه ومباح الأصل وأيضا فإن الجص ~~والنورة ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل الإتلاف فهي كالخبز واللحم ~~ونحو ذلك والياقوت ونحوه مال يراد به القنية والتبقية كالذهب والفضة وأما ~~الطير فإنما لم تقطع فيه لما روي عن علي وعثمان أنهما قالا لا يقطع في ~~الطير من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما وأيضا فإنه مباح الأصل فأشبه ~~الحشيش والحطب واختلف في السارق من بيت المال فقال أبو حنيفة وزفر وأبو ~~يوسف ومحمد والشافعي لا يقطع من سرق من بيت المال وهو قول علي وإبراهيم ~~النخعي والحسن وروى ابن وهب عن مالك أنه يقطع وهو قول حماد بن أبي سليمان ~~وروى سفيان عن سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عليا أتي برجل سرق ~~مغفرا من الخمس فلم يرد عليه قطعا وقال له فيه نصيب وروى وكيع عن المسعودي ~~عن القاسم أن رجلا سرق من بيت المال فكتب فيه سعد إلى عمر فكتب إليه عمر ~~ليس عليه قطع له في نصيب ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وأيضا لما ~~كان حقه وحق سائر المسلمين فيه سواء فصار كسارق مال بينه وبين غيره فلا ~~يقطع واختلف فيمن سرق خمرا من ذمي أو مسلم فقال أصحابنا ومالك والشافعي لا ~~قطع عليه وهو قول الثوري وقال الأوزاعي في ذمي سرق من مسلم خمرا أو خنزيرا ~~غرم الذمي ويجد فيه المسلم قال أبو بكر الخمر ليست بمال لنا وإنما أمر ~~هؤلاء أن نترك مالا لهم بالعهد والذمة فلا يقطع سارقها لأن ما كان مالا من ~~وجه وغير مال من وجه فإن أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه ~~كن وطىء جارية بينه وبين غيره وأيضا فإن المسلم معاقب على اقتناء الخمر ~~وشربها مأمور بتخليلها أو صبها فمن أخذها فإنما PageV04P077 أزال يده عما ~~كان عليه إزالته عنه فلا يقطع واختلف فيمن ms1571 أقر بالسرقة مرة واحدة فقال أبو ~~حنيفة وزفر ومالك والشافعي والثوري إذا أقر بالسرقة مرة واحدة قطع وقال أبو ~~يوسف وابن شبرمة وابن أبي ليلى لا يقطع حتى يقر مرتين والدليل على صحة ~~القول الأول ما روى عبدالعزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن صفية عن محمد ~~بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة قال أتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله هذا سرق فقال ما أخاله سرق فقال السارق بلى قال ~~فاذهبوا به فاقطعوه فقطع ورواه غير الدراوردي عن محمد بن عبدالرحمن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه أبا هريرة منهم الثوري وابن جريج ~~ومحمد بن إسحاق قال أبو بكر وعلى أي وجه حصلت الرواية من وصل أو قطع فحكمها ~~ثابت لأن إرسال من أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله ومع ذلك لو حصل مرسلا ~~لكان حكمه ثابتا لأن المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبون من الحكم فقد ~~قطع النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة فإن قال قائل إنما قطعه ~~بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق قيل له لو كان كذلك لاقتصر عليها ولم يلقنه ~~الجحود فلما قال بعد قولهم سرق وما أخاله سرق ولم يقطعه حتى أقر ثبت أنه ~~قطع بإقراره دون الشهادة فإن احتجوا بما روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن ~~عبدالله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف اعترافا ولم يوجبوا معه المتاع ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت قال بلى يا رسول الله ~~فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا قال بلى فأمر به ~~فقطع ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة وهو أقوى إسنادا من ~~الأول قيل له ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف وذلك أنه لم يذكر فيه ~~إقرار السارق مرتين أو ثلاثا قبل أن ms1572 يقر ثم أقر فإن قيل فقد ذكر فيه أنه ~~اعترف اعترافا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثا ويحتمل ~~أيضا أن يكون الاعتراف قد حصل منه عند غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يوجب ذلك القطع عليه وأيضا لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه ~~ذلك بعد الإقرار الأول لما دل على أن الإقرار الأول لم يوجب القطع إذ ليس ~~يمتنع أن يكون القطع قد وجب وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوصل إلى ~~إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ما بنبغي لوال أمر أن يؤتى الحد إلا أقامه فلو كان القطع واجبا بإقراره ~~بديا لما اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بتلقينه الرجوع عن الإقرار ~~PageV04P078 ولسارع إلى إقامته قيل له ليس وجوب القطع مانعا من استثبات ~~الإمام إياه فيه ولا موجبا عليه قطعه في الحال لأن ماعزا قد أقر عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالزنا أربع مرات فلم يرجمه حتى استثبته وقال لعلك قبلت ~~لعلك لمست وسأل أهله عن صحة عقله وقال لهم أبه جنة ولم يدل ذلك على أن ~~الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات فليس إذا في هذا الخبر ما يعترض به ~~على خبر أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين أقر ومعلوم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد وليس يمتنع أن يؤخر ~~إقامة حد قد وجب مستثبتا لذلك ومتحريا بالاحتياط والثقة فيه ويدل على صحة ~~ما ذكرنا أيضا حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن ثعلبة ~~الأنصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا إنا فقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده ففي ms1573 ~~هذا الخبر أيضا قطعه بإقراره مرة واحدة ومن جهة النظر أيضا أن السرقة المقر ~~بها لا تخلو من أن تكون عينا أو غير عين فإن كانت عينا ولم يجب القطع ~~بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة من قبل أن حق الآدمي فيه يثبت ~~بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ثانيا وإذا ثبت الملك للمقر له ~~ولم يثبت القطع صار مضمونا عليه وحصول الضمان ينفي القطع وإن كانت السرقة ~~ليست بعين قائمة قد صارت دينا بالإقرار الأول وحصولها دينا في ذمته ينفي ~~القطع على ما وصفنا فإن قال قائل إذا جاز أن يكون حكم أخذه بديا على وجه ~~السرقة موقوفا في القطع على نفي الضمان وإثباته فهلا جعلت حكم إقراره ~~موقوفا في تعلق الضمان به على وجوب القطع وسقوطه قيل له نفس الأخذ عندنا ~~على وجه السرقة يوجب القطع فلا يكن موقوفا وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب ~~الضمان ألا ترى أنه إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها فإن لم ~~يكن الإقرار بديا موجبا للقطع فينبغي أن يوجب الضمان ووجوب الضمان ينفي ~~القطع إذ كان إقراره الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع ~~بإقراره الأول فإن قيل ينتقض هذا الاعتلال بالإقرار بالزنا لأن إقراره ~~الأول بالزنا إذا لم يوجب حدا فلا بد من إيجاب المهر به لأن الوطء في غير ~~ملك لا يخلو من إيجاب حد ومهر ومتى انتفى الحد وجب المهر وإقراره الثاني ~~والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بديا بالإقرار الأول وهذا يؤدي إلى ~~سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنا فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار ~~PageV04P079 في الزنا مع وجود العلة المانعة من اعتبار عدد الإقرار في ~~السرقة بان فيه فساد اعتلالك قيل له ليس هذا مما ذكرناه في شيء وذلك أن ~~سقوط الحد في الزنا على وجه الشبهة لا يجب به مهر لأن البضع لا قيمة له إلا ~~من جهة عقد أو شبهة عقد ومتى عري من ذلك لم يجب ms1574 مهر ويدل عليه اتفاقهم ~~جميعا على أنه لو أقر بالزنا مرة واحدة ثم مات أو قامت عليه بينة بالزنا ~~فمات قبل أن يحد لم يجب عليه المهر في ماله ولو مات بعد إقراره بالسرقة مرة ~~واحدة لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعا فقد حصل من قولهم جميعا ~~إيجاب الضمان بالإقرار مرة واحدة وسقوط المهر مع الإقرار بالزنا من غير حد ~~واحتج الآخرون بما روى الأعمش عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن علي أن ~~رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال شهدت على نفسك بشهادتين فأمر به فقطع ~~وعلقها في عنقه ولا دلالة في هذا الحديث على أن مذهب علي رضي الله عنه أنه ~~لا يقطع إلا بالإقرار مرتين إنما قال شهدت على نفسك بشهادتين ولم يقل لو ~~شهدت بشهادة واحدة لما قطعت وليس فيه أيضا أنه لم يقطع حتى أقر مرتين ومما ~~يحتج به لأبي يوسف من طريق النظر أن هذا لما كان حدا يسقط بالشبهة وجب أن ~~يعتبر عدد الإقرار فيه بالشهادة فلما كان أقل من يقبل فيه شهادة شاهدين وجب ~~أن يكون أقل ما يصح به إقراره مرتين كالزنا اعتبر عدد الإقرار فيه بعدد ~~الشهود وهذا يلزم أبا يوسف أن يعتبر عدد الإقرار في شرب الخمر بعدد الشهود ~~وقد سمعت أبا الحسن الكرخي يقول إنه وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا ~~يحد حتى يقر مرتين كعدد الشهود ولا يلزم عليه حد القذف لأن المطالبة به حق ~~لآدمي وليس كذلك سائر الحدود وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا فإن ~~المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا صفته وإنما طريقها التوقيف ~~والاتفاق # | باب السرقة من ذوي الأرحام # قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ عموم ~~في إيجاب قطع كل سارق إلا ما خصه الدليل على النحو الذي قدمنا وعلى ما ~~حكينا عن أبي الحسن ليس بعموم وهو مجمل محتاج فيه إلى دلالة من غيره في ~~إثبات حكمه ومن جهة أخرى على أصله ms1575 أن ما ثبت خصوصه بالاتفاق لا يصح ~~الاحتجاج بعمومه وقد بينا ذلك في أصول الفقه وهو مذهب محمد بن شجاع إلا أنه ~~وإن كان عموما عندنا لو خلينا ومقتضاه فقد قامت PageV04P080 دلالة خصوصه في ~~ذوي الرحم المحرم وقد اختلف الفقهاء فيه # | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أصحابنا لا يقطع من سرق من ذي الرحم وهو الذي لو كان أحدهما رجلا ~~والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما ولا تقطع أيضا ~~عندهم المرأة إذا سرقت من زوجها ولا الزوج إذا سرق من امرأته وقال الثوري ~~إذا سرق من ذوي رحم منه لم يقطع وقال مالك يقطع الزوج فيما سرق من امرأته ~~والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه وكذلك في ~~الأقارب وقال عبيدالله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه إن كان يدخل عليهم ~~لا يقطع وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع وقال الشافعي لا قطع على ~~من سرق من أبويه أو أجداده ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من ~~زوجها والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل @QB@ ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم @QE@ إلى قوله @QB@ أو ما ملكتم مفاتحه ~~@QE@ فأباح تعالى الأكل من بيوت هؤلاء وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها ~~بغير إذنهم فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها محرزا عنهم ولا قطع إلا ~~فيما سرق من حرز وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع وجوب القطع فيها لما لهم ~~فيها من الحق كالشريك ونحوه فإن قيل فقد قال @QB@ أو صديقكم @QE@ ويقطع فيه ~~مع ذلك إذا سرق من صديقه قيل له ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضا ~~وإنما خصصناه بدلالة الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه وعلى أنه لا ~~يكون صديقا إذا قصد السرقة ودليل آخر هو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء ~~عند الحاجة إليه وجواز أخذها منه بغير يدل فأشبه السارق من بيت المال لثبوت ~~حقه ms1576 فيه بغير بدل يلزمه عند الحاجة إليه فإن قيل قد ثبت هذا الحق عند ~~الضرورة في مال الأجنبي ولم يمنع من القطع بالسرقة منه قيل له يعترضان من ~~وجهين أحدهما أنه في مال الأجنبي يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال ~~هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب والوجه الآخر أن الأجنبي يأخذه ببدل وهؤلاء ~~يستحقونه بغير بدل كمال بيت المال وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه ~~وأعضائه عند الحاجة إليهم بالإنفاق عليه وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا ~~المال في إحياء يده لسقوط PageV04P081 دلالة خصوصه في ذوي الرحم المحرم وقد ~~اختلف الفقهاء فيه # | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أصحابنا لا يقطع من سرق من ذي الرحم وهو الذي لو كان أحدهما رجلا ~~والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما ولا تقطع أيضا ~~عندهم المرأة إذا سرقت من زوجها ولا الزوج إذا سرق من امرأته وقال الثوري ~~إذا سرق من ذوي رحم منه لم يقطع وقال مالك يقطع الزوج فيما سرق من امرأته ~~والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه وكذلك في ~~الأقارب وقال عبيدالله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه إن كان يدخل عليهم ~~لا يقطع وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع وقال الشافعي لا قطع على ~~من سرق من أبويه أو أجداده ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من ~~زوجها والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل @QB@ ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم @QE@ إلى قوله أو @QB@ ما ملكتم مفاتحه ~~@QE@ فأباح تعالى الأكل من بيوت هؤلاء وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها ~~بغير إذنهم فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها محرزا عنهم ولا قطع إلا ~~فيما سرق من حرز وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع وجوب القطع فيها لما لهم ~~فيها من الحق كالشريك ونحوه فإن قيل فقد قال @QB@ أو صديقكم @QE@ ويقطع فيه ~~مع ذلك إذا سرق من صديقه ms1577 قيل له ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضا ~~وإنما خصصناه بدلالة الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه وعلى أنه لا ~~يكون صديقا إذا قصد السرقة ودليل آخر هو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء ~~عند الحاجة إليه وجواز أخذها منه بغير يدل فأشبه السارق من بيت المال لثبوت ~~حقه فيه بغير بدل يلزمه عند الحاجة إليه فإن قيل قد ثبت هذا الحق عند ~~الضرورة في مال الأجنبي ولم يمنع من القطع بالسرقة منه قيل له يعترضان من ~~وجهين أحدهما أنه في مال الأجنبي يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال ~~هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب والوجه الآخر أن الأجنبي يأخذه ببدل وهؤلاء ~~يستحقونه بغير بدل كمال بيت المال وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه ~~وأعضائه عند الحاجة إليهم بالإنفاق عليه وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا ~~المال في إحياء يده لسقوط PageV04P082 عن الحال الأولى وأيضا لما كان وقوع ~~القطع فيه يوجب البراءة من استهلاكه قام القطع فيه مقام دفع قيمته فصار ~~كأنه عوضه منه وأشبه من هذا الوجه وقوع الملك له في المسروق لأن استحقاق ~~البدل عليه يوجب له الملك فلما أشبه ملكه من هذا الوجه سقط القطع لأنه يسقط ~~بالشبهة أن يشبه المباح من وجب ويشبه الملك من وجه # | باب السارق يوجد قبل إخراج السرقة # قال أبو بكر رحمه الله اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن ~~يفرق بين المتاع وبين حرزه والدار كلها حرز واحد فكما لم يخرجه من الدار لم ~~يجب القطع وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر وهو قول إبراهيم وروى يحيى ~~بن سعيد عن عبدالرحمن بن القاسم قال بلغ عائشة أنهم كانوا يقولون إذا لم ~~يخرج بالمتاع لم يقطع فقالت عائشة لو لم أجد إلا سكينا لقطعته وروى سعيد عن ~~قتادة عن الحسن قال إذا وجد في بيت فعليه القطع قال أبو بكر دخوله البيت لا ~~يستحق به اسم السارق فلا يجوز إيجاب القطع به وأخذه في ms1578 الحرز أيضا لا يوجب ~~القطع لأنه باق في الحرز ومتى لم يخرجه من الحرز فهو بمنزلة من لم يأخذه ~~فلا يجب عليه القطع ولو جاز إيجاب القطع في مثله لما كان لاعتبار الحرز ~~معنى والله أعلم # | باب غرم السارق بعد القطع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة إذا قطع السارق ~~فإن كانت السرقة قائمة بعينها أخذها المسروق منه وإن كانت مستهلكة فلا ضمان ~~عليه وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم النخعي ~~وقال مالك يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا وقال عثمان البتي ~~والليث والشافعي يغرم السرقة وإن كانت هالكة وهو قول الحسن والزهري وحماد ~~وأحد قولي إبراهيم قال أبو بكر أما إذا كانت قائمة بعينها فلا خلاف أن ~~صاحبها يأخذها وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق رداء صفوان ~~ورد الرداء على صفوان والذي يدل على نفي الضمان بعد القطع قوله تعالى @QB@ ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله @QE@ والجزاء اسم لما يستحق ~~بالفعل فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق بالفعل هو القطع لم يجز ~~إيجاب الضمان PageV04P083 معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص ولا يجوز ~~ذلك إلا بمثل ما يجوز به النسخ وكذلك قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله @QE@ فأخبر أن جميع الجزاء هو المذكور في الآية لأن ~~قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله @QE@ ينفي أن يكون ~~هناك جزاء غيره ومن جهة السنة حديث عبدالله بن صالح قال حدثني المفضل بن ~~فضالة عن يونس بن زيد قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن ~~إبراهيم عن عبدالرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~أقمتم على السارق الحد فلا غرم عليه وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~محمد بن نصر بن صهيب قال حدثنا أبو بكر بن أبي شجاع الأدمي قال حدثني خالد ~~بن خداش قال حدثنا إسحاق بن الفرات ms1579 قال حدثنا المفضل بن فضالة عن يونس عن ~~الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبدالرحمن بن عوف أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فأمر بقطعه وقال لا غرم عليه وقال ~~عبدالباقي هذا هو الصحيح وأخطأ فيه خالد بن خداش فقال المسور بن مخرمة ويدل ~~عليه من جهة النظر امتناع وجوب الحد والمال بفعل واحد كما لا يجتمع الحد ~~والمهر والقود والمال فوجب أن يكون القطع نافيا لضمان المال إذ كان المال ~~في الحدود لا يجب إلا مع الشبهة وحصول الشبهة ينفي وجوب القطع ووجه آخر وهو ~~أن من أصلنا أن الضمان سبب لإيجاب الملك فلو ضمناه لملكه بالأخذ الموجب ~~للضمان فيكون حينئذ مقطوعا في ملك نفسه وذلك ممتنع فلما لم يكن لنا سبيل ~~إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان إسقاط القطع امتنع وجوب الضمان # | باب الرشوة # قال الله تعالى @QB@ سماعون للكذب أكالون للسحت @QE@ قيل إن اصل السحت ~~الاستيصال يقال أسحته إسحاتا إذا استأصله وأذهبه قال الله عز وجل @QB@ ~~فيسحتكم بعذاب @QE@ أي يستأصلكم به ويقال أسحت ماله إذا أفسده وأذهبه فسمى ~~الحرام سحتا لأنه لا بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستيصال وروى ~~ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال سألت عبدالله ~~بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم فقال @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون @QE@ ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه ~~فيهدي لك هدية فتقبلها وروى شعبة عن منصور عن سالم بن PageV04P084 أبي ~~الجعد عن مسروق قال سألت عبدالله عن الجور في الحكم فقال ذلك كفر وسألته عن ~~السحت فقال الرشا وروى عبدالأعلى بن حماد حدثنا حماد عن أبان عن ابن أبي ~~عياش عن مسلم أن مسروقا قال قلت لعمر يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في ~~الحكم من السحت قال لا ولكن كفر إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان جاه ~~ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته ms1580 حتى يهدي إليه وروي عن ~~علي بن أبي طالب قال السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب ~~الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في ~~القضية فكأنه جعل السحت اسما لأخذ مالا يطيب أخذه وقال إبراهيم والحسن ~~ومجاهد وقتادة والضحاك السحت الرشا وروى منصور عن الحكم عن أبي وائل عن ~~مسروق قال إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أكل الرشوة بلغت به ~~الكفر وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشا ~~ومهر الزانية وروى إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن مسلم عن جابر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا الأمراء من السحت وروى أبو إدريس ~~الخولاني عن ثوبان قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ~~والرائش الذي يمشي بينهما وروى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن عبدالله بن عمر ~~قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي وروى أبو عوانة عن ~~عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن ~~الله الراشي والمرتشي في الحكم قال أبو بكر اتفق جميع المتأولين لهذه الآية ~~على أن قبول الرشا محرم واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى ~~والرشوة تنقسم إلى وجوه منها الرشوة في الحكم وذلك محرم على الراشي ~~والمرتشي جميعا وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الراشي ~~والمرتشي والرائش وهو الذي يمشي بينهما فلذلك لا يخلو من أن يرشوه ليقضي له ~~بحقه أو بما ليس بحق له فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم بقبول ~~الرشوة على أن يقضي له بما هو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم إليه ~~وليس بحاكم ولا ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة كمن أخذ ~~الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم ولا خلاف في تحريم الرشا ~~على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في ms1581 كتابه وفي هذا دليل أن كل ما ~~كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة ~~عليه كالحج PageV04P085 وتعليم القرآن والإسلام ولو كان أخذ الأبدال على ~~هذه الأمور جائز لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام فلما حرم الله أخذ الرشا ~~على الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ ~~الأبدال على الفروض والقرب وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق ~~الحاكم من وجهين أحدهما أخذ الرشوة والآخر الحكم بغير حق وكذلك الراشي وقد ~~تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال إن ~~أخذ الرشا على الأحكام كفر وقال علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا ~~قوله الرشا من السحت وأما الرشوة في غير الحكم فهو ما ذكره ابن مسعود ~~ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان وذلك منهي عنه أيضا ~~لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه قال الله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر ~~والتقوى @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الله في عون المرء ما ~~دام المرء في عون أخيه ووجه آخر من الرشوة وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه ~~عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها وروي عن جابر بن ~~زيد والشعبي قالا لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم وعن ~~عطاء وإبراهيم مثله وروى هشام عن الحسن قال لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الراشي والمرتشي قال الحسن ليحق باطلا أو يبطل حقا فأما أن تدفع عن ~~مالك فلا بأس وقال يونس عن الحسن لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به ~~عرضه وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال اجعل مالك جنة دون دينك ولا تجعل ~~دينك جنة دون مالك وروى سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء قال لم نجد زمن زياد ~~شيئا أنفع لنا من الرشا فهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في ms1582 دفع الظلم عن ~~نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه وقد روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة أعطى العباس بن ~~مرداس السلمي شيئا فسخطه فقال شعرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقطعوا ~~عنا لسانه فزادوه حتى رضي وأما الهدايا للأمراء والقضاة فإن محمد بن الحسن ~~كرهها وإن لم يكن للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى حديث أبي ~~حميدالساعدي في قصة ابن اللتبية حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصدقة فلما جاء قال هذا لكم وهذا أهدي لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي فهلا ~~جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال هدايا الأمراء غلول وهدايا الأمراء سحت وكره عمر بن عبدالعزيز قبول ~~الهدية فقيل PageV04P086 له إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ~~ويثيب عليها فقال كانت حينئذ هدية وهي اليوم سحت ولم يكره محمد للقاضي قبول ~~الهدية ممن كان يهديه قبل القضاء فكأنه إنما كره منها ما أهدي له لأجل أنه ~~قاض ولولا ذلك لم يهد له وقد دل على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا فأخبر أنه إنما أهدي له ~~لأنه عامل ولولا أنه عامل لم يهد له وأنه لا يحل له وأما من كان يهاديه قبل ~~القضاء وقد أعلم به لم يهده إليه لأجل القضاء فجائز له قبوله على حسب ما ~~كان يقبله قبل ذلك وقد روي أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة ~~عمر فردها عمر ومنع قبولها # | باب الحكم بين أهل الكتاب # قال الله تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ ظاهر ذلك ~~يقتضي معنيين أحدهما تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم والثاني ms1583 التخيير ~~بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم ~~فقال قائلون منهم إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض ~~عنهم وردهم إلى دينهم وقال آخرون التخيير منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا ~~بينهم من غير تخيير فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسن والشعبي ~~وإبراهيم رواية وروي عن الحسن خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم وإذا ~~ارتفعوا إليكم فأقيموا عليهم ما في كتابكم وروى سفيان بن حسين عن الحكم عن ~~مجاهد عن ابن عباس قال آيتان نسختا من سورة المائدة آية القلائد وقوله ~~تعالى @QB@ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم حتى نزلت @QB@ ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم @QE@ فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه وروى عثمان بن عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس في قوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ~~@QE@ قال نسخها قوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ وروى سعيد بن ~~جبير عن الحكم عن مجاهد @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ قال ~~نسختها @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ وروى سفيان عن السدي عن ~~عكرمة مثله قال أبو بكر فذكر هؤلاء أن قوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله @QE@ ناسخ للتخيير المذكور في قوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم @QE@ ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي لأن العلم بتواريخ ~~نزول الآي لا يدرك من طريق الرأي PageV04P087 والاجتهاد وإنما طريقه ~~التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير أن آية التخيير نزلت بعد قوله @QB@ وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ وأن التخيير نسخه وإنما حكى عنهم مذاهبهم في ~~التخيير من غير ذكر النسخ فثبت نسخ التخيير بقوله @QB@ وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله @QE@ كرواية من ذكر نسخ التخيير ويدل على نسخ التخيير قوله @QB@ ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله ms1584 فأولئك هم الكافرون @QE@ الايات ومن أعرض عنهم ~~فلم يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا فيها بما أنزل الله ولا نعلم أحدا ~~قال إن في هذه الآيات @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله @QE@ منسوخا إلا ما ~~يروى عن مجاهد رواه منصور عن الحكم عن مجاهد أن قوله @QB@ ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله @QE@ نسخها ما قبلها @QB@ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ وقد روى ~~سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد أن قوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم @QE@ منسوخ بقوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ ويحتمل ~~أن يكون قوله تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ قبل أن ~~تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الإسلام بالجزية فلما أمر الله بأخذ ~~الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الإسلام أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله ~~فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا للتخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم ~~يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم وإيجاب الحكم بما أنزل ~~الله في أهل الذمة الذين يجري عليهم أحكام المسلمين وقد روي عن ابن عباس ما ~~يدل على ذلك روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ~~الآية التي في المائدة قول الله تعالى @QB@ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم @QE@ ~~إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير وذلك أن بني النضير كان ~~لهم شرف يدون دية كاملة وأن بني قريظة يدون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم فحملهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ومعلوم أن بني قريظة وبني ~~النضير لم تكن لهم ذمة قط وقد أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير ~~وقتل بني قريظة ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم وإنما كان بينه ~~وبينهم عهد وهدنة فنقضوها فأخبر ابن عباس إن آية التخيير نزلت فيهم فجائز ~~أن يكون حكمها باقيا في ms1585 أهل الحرب من أهل العهد وحكم الآية الأخرى في وجوب ~~الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتا في أهل الذمة فلا يكون فيها نسخ ~~وهذا تأويل سائغ لولا ما روي عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى وروي ~~عن ابن عباس رواية أخرى وعن الحسن ومجاهد والزهري أنها نزلت في شأن ~~PageV04P088 الرجم حين تحاكموا إليه وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة وإنما ~~تحاكموا إليه طلبا للرخصة وزوال الرجم فصار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~بيت مدارسهم ووقفهم على آية الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله ثم رجم ~~اليهوديين وقال اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها وقال أصحابنا أهل الذمة ~~محمولون في ا لبيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين ~~إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما بينهم لأنهم مقرون على أن ~~تكون مالا لهم ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها والانتفاع بها لخرجت من أن ~~تكون مالا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان ولا نعلم خلافا بين ~~الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرا أن عليه قيمتها وقد روي أنهم كانوا يأخذون ~~الخمر من أهل الذمة في العشور فكتب إليهم عمر أن ولوهم بيعها وخذوا العشر ~~من أثمانها فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما وما عدا ذلك فهو محمول على ~~أحكامنا لقوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم @QE@ ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل نجران إما أن تذروا ~~الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين قال الله تعالى @QB@ وأخذهم الربا وقد ~~نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل @QE@ فأخبر أنهم منهيون عن الربا وأكل ~~المال بالباطل كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ فسوى بينهم وبين ~~المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة وقال تعالى @QB@ ~~سماعون للكذب أكالون للسحت @QE@ فهذا الذي ذكرناه مذهب ms1586 أصحابنا في عقود ~~المعاملات والتجارات وحدود أهل الذمة والمسلمون فيها سواء إلا أنهم لا ~~يرجمون لأنهم غير محصنين وقال مالك الحاكم مخير إذا اختصموا إليه بين أن ~~يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم فلا يحكم بينهم وكذلك قوله في العقود ~~والمواريث وغيرها واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم فقال أبو حنيفة هم ~~مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا لأحكامنا فإن رضي بها ~~الزوجان حملا على أحكامنا وإن أبى أحدهما لم يعترض عليهم فإذا تراضيا جميعا ~~حملهما على أحكام الإسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه ~~لا يفرق بينهم وكذلك إن أسلموا وقال محمد إذا رضي احدهما حملا جميعا على ~~أحكامنا وإن أبى الآخر إلا في النكاح بغير شهود خاصة وقال أبو يوسف يحملون ~~على أحكامنا وإن أبوا إلا في PageV04P089 النكاح بعد شهود نجيزه إذا تراضوا ~~بها فأما أبو حنيفة فإنه يذهب في إقرارهم على مناكحتهم إلى أنه قد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر مع علمه بأنهم يستحلون ~~نكاح ذوات المحرم ومع علمه بذلك لم يأمر بالتفرقة بينهما وكذلك اليهود ~~والنصارى يستحلون كثيرا من عقود المناكحات المحرمة ولم يأمر بالتفرقة ~~بينهما حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادي القرى وسائر اليهود والنصارى ~~الذين دخلوا في الذمة ورضوا بإعطاء الجزية وفي ذلك دليل أنه أقرهم على ~~مناكحتهم كما أقرهم على مذاهبهم الفاسدة واعتقاداتهم التي هي ضلال وباطل ~~ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للربا كتب إلى أهل نجران إما أن تذروا الربا ~~وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله فلم يقرهم عليه حين علم بتايعهم به ~~وأيضا قد علمنا أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد أقر أهلها عليها وكانوا ~~مجوسا ولم يثبت أنه أمر بالتفريق بين ذوي المحارم منهم مع علمه بمناكحتهم ~~وكذلك سائر الأمة بعده جروا على منهاجه في ترك الإعتراض عليهم وفي ذلك دليل ~~على صحة ما ذكرنا فإن قيل فقد روي عن ms1587 عمر انه كتب إلى سعد يأمره بالتفريق ~~بين ذوي المحارم منهم وأن يمنعهم من المذهب فيه قيل له لو كان هذا ثابتا ~~لورد النقل متواترا كوروده في سيرته فيهم في أخذ الجزية ووضع الخراج وسائر ~~ما عاملهم به فلما لم يرد ذلك من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت ويحتمل أن ~~يكون كتابه إلى سعد بذلك إنما كان فيمن رضي منهم بأحكامنا وكذلك نقول إذا ~~تراضوا بأحكامنا وأيضا قد بينا أن قوله @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ~~@QE@ ناسخ للتخيير المذكور في قوله @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم @QE@ والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير فأما شرط المجيء منهم فلم تقم ~~الدلالة على نسخه فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيا والتخيير منسوخا فيكون ~~تقديره مع الآية الأخرى فإن جاؤك فاحكم بينهم بما أنزل وإنما قال إنهم ~~يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة ~~من قبل أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراض عليهم قبل التراضي منهم بأحكامنا ~~فمتى تراضوا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب إجراؤهم على أحكامنا في ~~المستقبل ومعلوم أن العدة لا تمنع بقاء النكاح في المستقبل وإنما تمنع ~~الابتداء لأن امرأة تحت زوج أو طرأت عليها عدة من وطء بشبهة لم يمنع ما وجب ~~من العدة بقاء الحكم فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء ~~فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما PageV04P090 ومن جهة أخرى أن العد حق الله ~~تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى في أحكام الشريعة فإذا لم تكن ~~عندهم عدة واجبة لم تكن عليها عدة فجاز نكاحها الثاني وليس كذلك نكاح ذوات ~~المحارم إذ لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في باب بطلانه وأما النكاح ~~بغير شهود فإن الذي هو شرط في صحة العقد وجوب الشهود في حال العقد ولا ~~يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود لأن الشهود لو ارتدوا بعد ذلك أو ماتوا ~~لم يؤثر ذلك في العقد فإذا كان إنما يحتاج ms1588 إلى الشهود للابتداء لا للبقاء ~~لم يجز أن يمنع البقاء في المستقبل لأجل عدم الشهود ومن جهة أخرى أن النكاح ~~بغير شهود مختلف فيه بين الفقهاء فمنهم من يجيزه والاجتهاد سائغ في جوازه ~~ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ما لم يختصموا فيه فغير جائز فسخه إذا ~~عقدوه في حال الكفر إذ كان ذلك سائغا جائزا في وقت وقوعه لو أمضاه حاكم ما ~~بين المسلمين جاز ولم يجز بعد ذلك فسخه وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما ~~جميعا بأحكامنا من قبل قول الله تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم @QE@ ~~فشرط مجيئهم فلم يجز الحكم على أحدهما بمجيء الآخر فإن قال قائل إذا رضي ~~أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير بمنزلته لو أسلم فيحمل الآخر ~~معه على حكم الإسلام قيل له هذا غلط لأن رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجابا ~~ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه إياه بعد الإسلام ~~يمكنه الرضا بأحكامنا وأيضا إذا لم يجز أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا ~~بحكمنا فمن لم يرض به مبقي على حكمه لا يجز إلزامه حكما لأجل رضا غيره وذهب ~~محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم الإسلام كما لو أسلم وذهب أبو يوسف ~~إلى ظاهر قوله تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~@QE@ قوله تعالى @QB@ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله @QE@ يعني ~~الله أعلم فيما تحاكموا إليك فيه فقيل إنهم تحاكموا إليه في حد الزانيين ~~وقيل في الدية بين بني قريظة وبني النضير فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا ~~إليه تصديقا منهم بنبوته وإنما طلبوا الرخصة ولذلك قال @QB@ وما أولئك ~~بالمؤمنين @QE@ يعني هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك ~~وعدولهم عما يعتقدونه حكما لله مما في التوراة ويحتمل أنهم حين طلبوا غير ~~حكم الله ولم يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين وقوله تعالى @QB@ وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله @QE@ يدل على أن حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم ~~يكن منسوخا ms1589 وأنه PageV04P091 صار بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم شريعة لنا ~~لم ينسخ لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن ~~حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من ~~الأنبياء لازمة لنا مالم تنسخ وأنها حكم الله بعد مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد روي عن الحسن في قوله تعالى @QB@ فيها حكم الله @QE@ بالرجم لأنهم ~~اختصموا إليه في حد الزنا وقال قتادة فيها حكم الله بالقود لأنهم اختصموا ~~في ذلك وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم والقود قوله ~~تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا @QE@ روي عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مراد بقوله @QB@ يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا @QE@ قال أبو بكر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على ~~الزانيين منهم بالرجم وقال اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها وكان ذلك في ~~حكم التوراة وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضا حكم التوراة وهذا يدل ~~على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة وقوله تعالى @QB@ ~~وكانوا عليه شهداء @QE@ قال ابن عباس شهداء على حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه في التوراة وقال غيره شهداء على ذلك الحكم أنه من عند الله وقال ~~عز وجل @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ قال فيه السدي لا تخشوهم في كتمان ~~ما أنزلت وقيل لا تخشوهم في الحكم بغير ما أنزلت وحدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا ~~عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال إن الله تعالى أخذ ~~على الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا ~~يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قال @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ms1590 @QE@ الآية وقال @QB@ إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ إلى ~~قوله @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ فتضمنت هذه الآية معاني منها ~~الإخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم على اليهود بحكم التوراة ~~ومنها أن حكم التوراة كان باقيا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب نسخه ودل ذلك على أن ذلك الحكم كان ~~ثابتا لم ينسخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها إيجاب الحكم بما ~~أنزل الله تعالى وأن لا يعدل عنه ولا يجابى فيه مخالفة الناس ومنها تحريم ~~أخذ الرشا في الأحكام وهو قوله تعالى @QB@ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~@QE@ PageV04P092 وقوله تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله @QE@ قال ابن ~~عباس هو في الجاحد لحكم الله وقيل هي في اليهود خاصة وقال ابن مسعود والحسن ~~وإبراهيم هي عامة يعني فيمن لم يحكم بما أنزل ا لله وحكم بغيره مخبرا أنه ~~حكم الله تعالى ومن فعل هذا فقد كفر فمن جعلها في قوم خاصة وهم اليهود لم ~~يجعل من بمعنى الشرط وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله والمراد قوم ~~بأعيانهم وقال البراء بن عازب وذكر قصة رجم اليهود فأنزل الله تعالى @QB@ ~~يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر @QE@ الآيات إلى قوله @QB@ ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ قال في اليهود خاصة ~~وقوله @QB@ فأولئك هم الظالمون @QE@ @QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ في ~~الكفار كلهم وقال الحسن ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت ~~في اليهود وهي علينا واجبة وقال أبو مجلز نزلت في اليهود وقال أبو جعفر ~~نزلت في اليهود ثم جرت فينا وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري ~~قال قيل لحذيفة ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في بني ~~إسرائيل قال نعم ms1591 الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ~~ولتسلكن طريقهم قد الشراك قال إبراهيم النخعي نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم ~~بها وروى الثوري عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين والثانية لليهود ~~والثالثة للنصارى وقال طاوس ليس بكفر ينقل عن الملة وروى طاوس عن ابن عباس ~~قال ليس الكفر الذي يذهبون إليه في قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون @QE@ وقال ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم ~~وفسق دون فسق وقال علي بن حسين رضي الله عنهما ليس بكفر شرك ولا ظلم شرك ~~ولا فسق شرك قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون @QE@ لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر ~~النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع ~~الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك ~~مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن ~~من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما ~~كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران ~~النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من ~~الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل ~~الله PageV04P093 وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما ~~أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة ~~فإذا هم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم قوله تعالى ~~@QB@ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين @QE@ الآية فيه ~~إخبار عما كتب الله على بني إسرائيل في التوراة من القصاص في النفس وفي ~~الأعضاء المذكورة وقد استدل أبو يوسف بظاهر هذه الآية على ms1592 إيجاب القصاص بين ~~الرجل والمرأة في النفس لقوله تعالى @QB@ أن النفس بالنفس @QE@ وهذا يدل ~~على أنه كان من مذهبه أن شرائع من كان قبلنا حكمها ثابت إلى أن يرد نسخا ~~على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أو بنص القرآن وقوله في نسق الآية @QB@ ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون @QE@ دليل على ثبوت هذا ~~الحكم ي وقت نزول هذه الآية من وجهين أحدهما أنه قد ثبت أن ذلك مما أنزل ~~الله ولم يفرق بين شيء من الأزمان فهو ثابت في كل الأزمان إلى أن يرد نسخه ~~والثاني معلوم أنهم استحقوا سمة الظلم والفسق في وقت نزول الآية لتركهم ~~الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية إما جحودا له أو تركا ~~لفعل ما أوجب الله من ذلك وهذا يقتضي وجوب القصاص في سائر النفوس ما لم تقم ~~دلالة نسخه أو تخصيصه وقوله تعالى @QB@ والعين بالعين @QE@ معناه عند ~~أصحابنا في العين إذا ضربت فذهب ضوءها وليس هو على أن تقلع عينه هذا عندهم ~~لا قصاص فيه لتعذر استيفاء لا قصاص في مثله ألا ترى أنا لا نقف على الحد ~~الذي يجب قلعه منها فهو كمن قطع قطعة لحم من فخذ رجل أو ذراعه أو قطع بعض ~~فخذه فلا يجب فيه القصاص وإنما القصاص عندهم فيما قد ذهب ضوءها وهي قائمة ~~أن تشد عينه الأخرى وتحمى له مرآة فتقدم إلى العين التي فيها القصاص حتى ~~يذهب ضوءها وأما قوله تعالى @QB@ والأنف بالأنف @QE@ فإن أصحابنا قالوا إذا ~~قطعه من أصله فلا قصاص فيه لأنه عظم لا يمكن استيفاء القصاص فيه كما لو قطع ~~يده من نصف الساعد وكما لو قطع رجله من نصف الفخذ لا خلاف في سقوط القصاص ~~فيه لتعذر استيفاء المثل والقصاص هو أخذ المثل فمتى لم يكن كذلك لم يكن ~~قصاصا وقالوا إنما يجب القصاص في الأنف إذا قطع المارن وهو ما لان منه ونزل ~~عن قصبة الأنف وروي عن أبي يوسف أن في الأنف ms1593 إذا استوعب القصاص وكذلك الذكر ~~واللسان وقال محمد لا قصاص في الأنف واللسان والذكر إذا استوعب وقوله تعالى ~~@QB@ والأذن بالأذن @QE@ PageV04P094 فإنه يقتضي وجوب القصاص فيها إذا ~~استوعبت لإمكان استيفائه وإذا قطع بعضها فإن أصحابنا قالوا فيه القصاص إذا ~~كان يستطاع ويعرف قدره وقوله عز وجل @QB@ والسن بالسن @QE@ فإن أصحابنا ~~قالوا لا قصاص في عظم إلا السن فإن قلعت أو كسر بعضها ففيها القصاص لإمكان ~~استيفائه إن كان الجميع فبالقلع كما يقتص من اليد من المفصل وإن كان البعض ~~فإنه يبرد بمقداره بالمبرد فيمكن استيفاء القصاص فيه وأما سائر العظام فغير ~~ممكن استيفاء القصاص فيها لا يوقف على حده وقد اقتضى ما نص الله تعالى في ~~هذه الأعضاء أن يؤخذ الكبير من هذه الأعضاء بصغيرها والصغير بالكبير بعد أن ~~يكون المأخوذ منه مقابلا لما جني عليه لغيره وقوله تعالى @QB@ والجروح قصاص ~~@QE@ يعني إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها ودل ~~به على نفي القصاص فيما لا يمكن استيفاء المثل فيه لأن قوله @QB@ والجروح ~~قصاص @QE@ يقتضي أخذ المثل سواء ومتى لم يكن مثله فليس بقصاص وقد اختلف ~~الفقهاء في أشياء من ذلك منها القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس ~~وقد بيناه في سورة البقرة وكذلك بين العبيد والأحرار # | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والشافعي لا تؤخذ اليمنى ~~باليسرى لا في العين ولا في اليد ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني وقال ~~ابن شبرمة تفقأ العين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى وكذلك اليدان وتؤخذ ~~الثنية بالضرس والضرس بالثنية وقال الحسن بن صالح إذا قطع أصبعا من كف فلم ~~يكن للقاطع من تلك الكف أصبع مثلها قطع مما يلي تلك الأصبع ولا يقطع أصبع ~~كف بأصبع كف أخرى وكذلك تقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع سن مثلها ~~وإن بلغ ذلك الأضراس وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى ولا ~~تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى قال أبو بكر ms1594 لا خلاف أنه إذا ~~كان ذلك العضو من الجاني باقيا لم يكن للمجني عليه استيفاء القصاص من غيره ~~ولا يعدو ما قبله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا به فدل ذلك ~~على أن المراد بقوله تعالى @QB@ والعين بالعين @QE@ إلى آخر الآية استيفاء ~~مثله مما يقابله من الجاني فغير جائز إذا كان كذلك أن يعتدى إلى غيره سواء ~~كان مثله موجودا من الجاني أو معدوما ألا ترى أنه إذا لم يكن له أن يعدو ~~اليد إلى الرجل لم يختلف حكمه تكون PageV04P095 يد الجاني موجودة أو معدومة ~~في امتناع تعديه إلى الرجل وأيضا فإن القصاص استيفاء المثل وليست هذه ~~الأعضاء مماثلة فغير جائز أن يستوعبها ولم يختلفوا أن اليد الصحيحة لا تؤخذ ~~بالشلاء وأن الشلاء تؤخذ بالصحيحة وذلك لقوله تعالى @QB@ والجروح قصاص @QE@ ~~وفي أخذ الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر مما قطع وأما أخذ الشلاء بالصحيحة ~~فهو جائز لأنه رضي بدون حقه واختلف في القصاص في العظم فقال أبو حنيفة وزفر ~~وأبو يوسف ومحمد لا قصاص في عظم ما خلا السن وقال الليث والشافعي مثل ذلك ~~ولم يستثنيا السن وقال ابن القاسم عن مالك عظام الجسد كلها فيها القود إلا ~~ما كان منها مجوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه وليس في الهاشمة قود ~~وكذلك المنقلة وفي الذراعين والعضد والساقين والقدمين والكعبين والأصابع ~~إذا كسرت ففيها القصاص وقال الأوزاعي ليس في المأمومة قصاص قال أبو بكر لما ~~اتفقوا على نفي في عظم الرأس كذلك سائر العظام وقال الله تعالى @QB@ ~~والجروح قصاص @QE@ وذلك غير ممكن في العظام وروى حماد بن سلمة عن عمرو بن ~~دينار عن ابن الزبير أنه اقتص من مأمومة فأنكر ذلك عليه ومعلوم أن المنكرين ~~كانوا الصحابة ولا خلاف أيضا أنه لو ضرب أذنه فيبست أنه لا يضرب أذنه حتى ~~تيبس لأنه لا يوقف على مقدار جنايته فكذلك العظام وقد بينا وجوب القصاص في ~~السن فيما تقدم قوله تعالى @QB@ فمن تصدق به فهو كفارة له @QE@ روي عن ~~عبدالله ms1595 بن عمر والحسن وقتادة وإبراهيم رواية والشعبي رواية هو كفارة لولى ~~القتيل وللمجروح إذا عفوا المستوفي لحقه ويكون الجاني كأنه لم يجن وهذا ~~محمول على أن وقال الجاني للجاني كأنهم جعلوه بمنزلة الذي ينافي موته حتف ~~أنفه وينفصل به من الميتة والتسمية مشروطة @QB@ لشهادتنا أحق من شهادتهما ~~@QE@ ثم قوله @QB@ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة @QE@ تاب من جنايته لأنه لو ~~كان مصرا عليه فعقوبته عند الله فيما ارتكب من نهيه قائمة والقول الأول هو ~~الصحيح لأن قوله تعالى راجع إلى المذكور وهو قوله @QB@ فمن تصدق به @QE@ ~~فالكفارة واقعة لمن تصدق ومعناه كفارة لذنوبه قوله تعالى @QB@ وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه @QE@ قال أبو بكر فيه دلالة على أن مالم ينسخ من ~~شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت على معنى أنه صار شريعة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه @QE@ ومعلوم ~~أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم يتبعون ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صار شريعة له لأنهم لو استعملوا ما في ~~الإنجيل مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم غير متبعين له لكانوا ~~PageV04P096 كفارا فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على ~~معنى أنها قد صارت شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى @QB@ وأنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه @QE@ قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة مهيمنا يعني أمينا وقيل شاهدا وقيل حفيظا وقيل مؤتمنا ~~والمعنى فيه أنه أمين عليه ينقل إلينا ما في الكتب المتقدمة على حقيقته من ~~غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان لأن الأمين على الشيء مصدق عليه وكذلك ~~الشاهد وفي ذلك دليل على أن كل من كان مؤتمنا على شيء فهو مقبول القول فيه ~~من نحو الودائع والعواري والمضاربات ونحوها لأنه حين أنبأ عن وجوب التصديق ~~بما أخبر به القرآن عن الكتب المتقدمة سماه أمينا عليها وقد بين الله تعالى ~~في سورة البقرة أن الأمين مقبول القول فيما ائتمن ms1596 فيه وهو قوله تعالى @QB@ ~~فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه @QE@ وقال @QB@ ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا @QE@ فلما جعله أمينا فيه وعظه بترك ~~البخس وقد اختلف في المراد بقوله @QB@ ومهيمنا @QE@ فقال ابن عباس هو ~~الكتاب وفيه إخبار بأن القرآن مهيمن على الكتب المتقدمة شاهد عليها وقال ~~مجاهد أراد به النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى @QB@ فاحكم بينهم بما ~~أنزل الله @QE@ يدل على نسخ التخيير على ما تقدم من بيانه قوله تعالى @QB@ ~~ولا تتبع أهواءهم @QE@ يدل على بطلان قول من يردهم إلى الكنيسة أو البيعة ~~للاستحلاف لما فيه من تعظيم الموضع وهم يهون ذلك وقد نهى الله تعالى عن ~~اتباع أهوائهم ويدل على بطلان قول من يردهم إلى دينهم لما فيه من اتباع ~~أهوائهم والاعتداد بأحكامهم ولأن ردهم إلى أهل دينهم إنما هو رد لهم ~~ليحكموا فيهم بما هو كفر بالله عز وجل إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفرا ~~بالله وإن كان موافقا لما أنزل في التوراة والإنجيل لأنهم مأمورون بتركه ~~واتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا @QE@ الشرعة والشريعة واحد ومعناها الطريق إلى الماء الذي فيه ~~الحياة فسمى الأمور التي تعبد الله بها من جهة السمع شريعة وشرعة لإيصالها ~~العاملين بها إلى الحياة الدائمة في النعيم الباقي قوله تعالى @QB@ ومنهاجا ~~@QE@ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك سنة وسبيلا ويقال طريق نهج إذا ~~كان واضحا قال مجاهد وأراد بقوله @QB@ شرعة @QE@ القرآن لأنه لجميع الناس ~~وقال قتادة وغيره شريعة التوراة وشريعة الإنجيل وشريعة القرآن وهذا يحتج به ~~من نفى لزوم شرائع من قبلنا إيانا وإن لم يثبت نسخها لإخباره بأنه ~~PageV04P097 جعل لكل نبي من الأنبياء شرعة ومنهاجا وليس فيه دليل على ما ~~قالوا لأن ما كان شريعة لموسى عليه السلام فلم ينسخ إلى ان بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد صارت شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم وكان فيما سلف ~~شريعة لغيره فلا دلالة في الآية ms1597 على اختلاف أحكام الشرائع وأيضا فلا يختلف ~~أحد في تجويز أن يتعبد الله رسوله بشريعة موافقة لشرائع من كان قبله من ~~الأنبياء فلم ينف قوله @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ أن تكون ~~شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ص = موافقة لكثير من شرائع الأنبياء ~~المتقدمين وإذا كان كذلك فالمراد فيما نسخ من شرائع المتقدمين من الأنبياء ~~وتعبد النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها فكان لكل منكم شرعة غير شرعة الآخر ~~قوله عز وجل @QB@ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة @QE@ قال الحسن لجعلكم على ~~الحق وهذه مشيئة القدرة على إجبارهم على القول بالحق ولكنه لو فعل لم ~~يستحقوا ثوابا وهو كقوله @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ وقال ~~قائلون معناه ولو شاء الله لجمعهم على شريعة واحدة في دعوة جميع الأنبياء ~~قوله تعالى @QB@ فاستبقوا الخيرات @QE@ معناه الأمر بالمبادرة بالخيرات ~~التي تعبدنا بها قبل الفوات بالموت وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من ~~تأخيرها نحو قضاء رمضان والحج والزكاة وسائر الواجبات لأنها من الخيرات فإن ~~قيل فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها لأنها من ~~الواجبات في أول الوقت قيل له ليست من الواجبات في أول الوقت والآية مقتضية ~~للوجوب فهي فيما قد وجب وألزم وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر أفضل من ~~الإفطار لأنه من الخيرات وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات وقوله تعالى في ~~هذا الموضع @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ ليس بتكرار لما تقدم من ~~مثله لأنهما نزلا في شيئين مختلفين أحدهما في شأن الرجم والآخر في التسوية ~~بين الديات حين تحاكموا إليه في الأمرين قوله تعالى @QB@ واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك @QE@ قال ابن عباس أراد أنهم يفتنونه بإضلالهم ~~إياه عما أنزل الله إلى ما يهوون من الأحكام أطماعا منهم له في الدخول في ~~الإسلام وقال غيره إضلالهم بالكذب على التوراة بما ليس فيها فقد بين الله ~~تعالى حكمه قوله تعالى @QB@ فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله ms1598 أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم @QE@ ذكر البعض والمراد الجميع كما يذكر لفظ العموم والمراد الخصوص ~~وكما قال @QB@ يا أيها النبي @QE@ والمراد جميع المسلمين بقوله @QB@ إذا ~~طلقتم النساء @QE@ وفيه أن المراد الإخبار PageV04P098 عن تغليظ العقاب في ~~أن بعض ما يستحقون به يهلكهم وقيل أراد تعجيل البعض بتمردهم وعتوهم وقال ~~الحسن ما عجله من إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة قوله تعالى @QB@ أفحكم ~~الجاهلية يبغون @QE@ فيه وجهان أحدهما أنه خطاب لليهود لأنهم كانوا إذا وجب ~~الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه وإذا أوجب على أغنيائهم لم يأخذهم به فقيل ~~لهم أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل الكتاب وقيل إنه أريد به كل من خرج ~~عن حكم الله إلى حكم الجاهلية وهو ما تقدم عليه فاعله بجهالة من غير علم ~~قوله تعالى @QB@ ومن أحسن من الله حكما @QE@ إخبار عن حكمه بالعدل والحق من ~~غير محاباة وجائز أن يقال إن حكما أحسن من حكم كما لو خير بين حكمين نصا ~~وعرف أن أحدهما أفضل من الآخر كان الأفضل أحسن وكذلك قد يحكم المجتهد بما ~~غيره أولى منه لتقصير منه في النظر أو لتقليده من قصر فيه قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~@QE@ روي عن عكرمة أنها نزلت في أبي لبابة بن عبدالمنذر لما تنصح إلى بني ~~قريظة وأشار إليهم بأنه الذبح وقال السدي لما كان بعد أحد خاف قوم من ~~المشركين حتى قال رجل أو إلى اليهود وقال آخر أو إلى النصارى فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقال عطية بن سعد نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي ~~بن سلول لما تبرأ عبادة من موالاة اليهود وتمسك بها عبدالله بن أبي وقال ~~أخاف الدوائر والولي هو الناصر لأنه يلي صاحبه بالنصرة وولي الصغير لأنه ~~يتولى التصرف عليه بالحياطة وولي المرأة عصبتها لأنهم يتولون عليها عقد ~~النكاح وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في ~~التصرف ولا في النصرة ويدل على وجوب البراءة ms1599 من الكفار والعداوة لهم لأن ~~الولاية ضد العداوة فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من ~~الكفار بمنزلتهم ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة لقوله تعالى @QB@ بعضهم ~~أولياء بعض @QE@ ويدل على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال ~~التي كان يستحقها لو كان المولى عليه يهوديا وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا ~~وكذلك الولاية بينهما في النكاح هو على هذا السبيل ومن حيث دلت على كون ~~بعضهم أولياء بعض فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما وعل ما ذكرنا من كون ~~الكفر كله ملة واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه وقد دل على جواز مناكحة بعضهم ~~لبعض اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية وهذا الذي PageV04P099 ذكرنا ~~إنما هو في أحكامهم فيما بينهم وأما فيما بينهم لا بين المسلمين فيختلف حكم ~~الكتابي وغير الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة قوله تعالى @QB@ ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ يدل على أن حكم نصارى بني تغلب حكم نصارى بني ~~إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وقوله ~~@QB@ منكم @QE@ يجوز أن يريد به المغرب لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذ ~~تولوا الكفار صاروا مرتدين والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون منهم ~~في شيء من أحكامهم ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحة وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ~~ولا يرثهم ولا يرثونه ولا يثبت بينما شيء من حقوق الولاية وزعم بعضهم أن ~~قوله @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ يدل على أن المسلم لا يرث ~~المترتد لإخبار الله أنه ممن تولاه من اليهود والنصارى ومعلوم أن المسلم لا ~~يرث اليهودي ولا النصراني فكذلك لا يرث المرتد قال أبو بكر وليس فيه دلالة ~~على ما ذكرنا لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا والمرتد ~~إلى النصرانية لا يكون نصرانيا ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يجوز ~~تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه فكما لم يدل ذلك على ~~إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني كذلك لا يدل على ms1600 أن المسلم لا ~~يرثه وإنما المراد أحد وجهين إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على أن ~~عبدة الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز ~~المناكحة وأكل الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية وإن كان الخطاب للمسلمين ~~فهو إخبار بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم فلا دلالة فيه على حكم الميراث ~~فإن قال قائل لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين لأنه قال @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء @QE@ لم يحتمل أن يريد بقوله ~~@QB@ ومن يتولهم منكم @QE@ مشركي العرب قيل له لما كان المخاطبون بأول ~~الآية في ذلك الوقت هم العرب جاز أن يريد بقوله @QB@ ومن يتولهم منكم @QE@ ~~العرب فيفيد أن مشركي العرب إذا تولوا اليهود أو النصارى بالديانة ~~والانتساب إلى الملة يكونون في حكمهم وإن لم يتمسكوا بجميع شرائع دينهم ومن ~~الناس من يقول فيمن اعتقد من أهل ملتنا بعض المذاهب الموجبة لإكفار ~~معتقديها أن الحكم بإكفاره لا يمنع أكل ذبيحته ومناكحة المرأة منهم إذا ~~كانوا منتسبين إلى ملة الإسلام وإن كفروا باعتقادهم لما يعتقدونه من ~~المقالة الفاسدة إذ كانوا في الجملة متولين لأهل الإسلام منتسبين إلى حكم ~~القرآن كما أن PageV04P100 من انتحل النصرانية إلى اليهودية كان حكمه حكمهم ~~وإن لم يكن متمسكا بجميع شرائعهم ولقوله تعالى @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم @QE@ وكان أبو الحسن الكرخي ممن يذهب إلى ذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ ~~قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~ومن قاتل معه أهل الردة وقال السدي هي في الأنصار وقال مجاهد في أهل اليمن ~~وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري قال لما نزلت @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه @QE@ أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~معه إلى أبي موسى فقال هم قوم هذا وفي الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي ms1601 رضي الله عنهم وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة وقد أخبر ~~الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم غير هؤلاء المذكورين وأتباعهم ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية ~~في غير المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولا في غير ~~هؤلاء الأئمة لأن الله تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في ~~الآية غير هؤلاء الذين قاتلوا مع أبي بكر ونظير ذلك ايضا في دلالته على صحة ~~إمامة أبي بكر قوله تعالى @QB@ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا @QE@ لأنه ~~كان الداعي لهم إلى قتال أهل الردة وأخبر تعالى بوجوب طاعته عليهم بقوله ~~@QB@ فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم ~~عذابا أليما @QE@ فإن قال قائل يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي دعاهم قيل له قال الله تعالى @QB@ فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا @QE@ فأخبر أنهم لا يخرجون معه أبدا ولا يقاتلون معه عدوا فإن قال ~~قائل جائز أن يكون عمر هو الذي دعاهم قيل له إن كان كذلك فإمامة عمر ثابتة ~~بدليل الآية وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر لأنه هو المستخلف له فإن ~~قيل جائز أن يكون علي هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب قيل له قال الله ~~تعالى @QB@ تقاتلونهم أو يسلمون @QE@ وعلي رضي الله عنه إنما قاتل أهل ~~البغي وحارب أهل الكتاب على أن يسلموا أو يعطوا الجزية ولم يحارب أحد بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أن يسلموا غير أبي بكر فكانت الآية دالة على ~~صحة إمامته PageV04P101 # | باب العمل اليسير في الصلاة # قال الله تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله ms1602 والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة ~~بن أبي حكيم أنها نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع وروى ~~الحسن أنه قال هذه الآية صفة جميع المسلمين لأن قوله تعالى @QB@ الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ صفة للجماعة وليست للواحد وقد ~~اختلف في معنى قوله @QB@ وهم راكعون @QE@ فقيل فيه أنهم كانوا على هذه ~~الصفة في وقت نزول الآية منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة ~~وقال آخرون معنى @QB@ وهم راكعون @QE@ أن ذلك من شأنهم وأفرد الركوع بالذكر ~~تشريفا له وقال آخرون معناه أنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أي ~~يتنفل فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنه يدل على إباحة العمل ~~اليسير في الصلاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في إباحة ~~العمل اليسير فيها فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة ومنها أنه مس لحيته وأنه ~~أشار بيده ومنها حديث ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه ومنها أنه كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي ~~العاص بن الربيع فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها فدلالة الآية ظاهرة في ~~إباحة الصدقة في الصلاة لأنه إن كان المراد الركوع فكان تقديره الذين ~~يتصدقون في حال الركوع فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه الحال وإن كان ~~المراد وهم يصلون فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة فكيفما تصرفت ~~الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة فإن قال قائل فالمراد أنهم ~~يتصدقون ويصلون ولم يرد به فعل الصدقة في الصلاة قيل له هذا تأويل ساقط من ~~قبل أن قوله تعالى @QB@ وهم راكعون @QE@ إخبار عن الحال التي تقع فيها ~~الصدقة كقوله تكلم فلان وهو قائم وأعطى فلانا وهو قاعد إنما هو إخبار عن ~~حال الفعل أيضا لو كان المراد ما ذكرت كان تكرارا لما تقدم ذكره في ms1603 أول ~~الخطاب قوله تعالى @QB@ الذين يقيمون الصلاة @QE@ ويكون تقديره الذين ~~يقيمون الصلاة ويصلون وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى فثبت أن المعنى ما ~~ذكرنا من مدح الصدقة في حال الركوع أو في حال الصلاة وقوله تعالى @QB@ ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون @QE@ يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة لأن عليا ~~تصدق بخاتمه تطوعا وهو نظير قوله تعالى @QB@ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون @QE@ PageV04P102 قد انتظم صدقة الفرض والنفل فصار ~~اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين # | باب الأذان # قال الله تعالى @QB@ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا @QE@ قد ~~دلت هذه الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها ونحوه قوله تعالى ~~@QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله @QE@ وقد روى عمرو ~~بن مرة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال كانوا يجتمعون للصلاة لوقت ~~يعرفونه ويؤذن بعضهم بعضا حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا فجاء عبدالله بن ~~زيد الأنصاري وذكر الأذان فقال عمر قد طاف بي الذي طاف به ولكنه سبقني وروى ~~الزهري عن سالم عن أبيه قال استشار النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على ~~ما يجمعهم في الصلاة فقالوا البوق فكرهه من أجل اليهود وذكر قصة عبدالله بن ~~زيد وأن عمر رأى مثل ذلك فلم يختلفوا أن الأذان لم يكن مسنونا قبل الهجرة ~~وأنه إنما سن بعدها وقد روى أبو يوسف عن محمد بن بشر الهمداني قال سألت ~~محمد بن علي عن الأذان كيف كان أوله وما كان فقال شأن الأذان أعظم من ذلك ~~ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به جمع النبيون ثم نزل ملك من ~~السماء لم ينزل قبل ليلته فأذن كأذانكم وأقام كإقامتكم ثم صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالنبيين قال أبو بكر ليلة أسري به كان بمكة وقد صلى ~~بالمدينة بغير أذان واستشار أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة ولو كانت تبدئة ~~الأذان قد تقدمت قبل ms1604 الهجرة لما استشار فيه وقد ذكر معاذ وابن عمر في قصة ~~الأذان ما ذكرنا والأذان مسنون لكل صلاة مفروضة منفردا كان المصلي أو في ~~جماعة إلا أن أصحابنا قالوا جائز للمقيم المنفرد أن يصلي بغير أذان لأن ~~أذان الناس دعاء له فيكتفى به والمسافر يؤذن ويقيم وإن اقتصر على الإقامة ~~دون الأذان أجزأه ويكره له أن يصلي بغير أذان ولا إقامة لأنه لم يكن هناك ~~أذان ويكون دعاء له وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى في ~~أرض بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة لا يرى طرفاه وهذا يدل على أن من ~~سنة صلاة المنفرد الأذان وقال في خبر آخر إذا سفرتما فأذنا وأقيما وقد ~~ذكرنا صفة الأذان والإقامة والاختلاف فيهما في غير هذا الكتاب قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا @QE@ ~~PageV04P103 فيه نهي عن الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من ~~اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال إنا لا نستعين بمشرك وقد كان كثير من ~~المنافقين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين وقد حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو مسلم حدثنا حجاج حدثنا حماد عن محمد بن ~~إسحاق عن الزهري أن أناسا من اليهود غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقسم ~~لهم كما قسم للمسلمين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا حدثنا ~~يحيى عن مالك عن الفضل عن عبدالله بن نيار عن عروة عن عائشة قال يحيى إن ~~رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل معه فقال ارجع ثم ~~اتفقا فقال إنا لا نستعين بمشرك وقال أصحابنا لا بأس بالاستعانة بالمشركين ~~على قتال غيرهم من المشركين إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر ~~فأما ms1605 إذا كانوا لو ظهروا كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن ~~يقاتلوا معهم ومستفيض في أخبار أهل السير ونقله المغازي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كان يغزو ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها قوم من ~~المشركين وأما وجه الحديث الذي قال فيه إنا لا نستعين بمشرك فيحتمل أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يثق بالرجل وظن أنه عين للمشركين فرده وقال ~~إنا لا نستعين بمشرك يعني به من كان في مثل حاله قوله تعالى @QB@ لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم @QE@ قيل فيه إن معناه هلا وهي ~~تدخل للماضي والمستقبل فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى الأمر كقوله لم لا ~~تفعل وهي ههنا للمستقبل يقول هلا ينهاهم ولم لا ينهاهم وإذا كانت للماضي ~~فهو للتوبيخ كقوله تعالى @QB@ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء @QE@ و @QB@ ~~لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا @QE@ وقيل في الرباني ~~إنه العالم بدين الرب فنسب إلى الرب كقولهم روحاني في النسبة إلى الروح ~~وبحراني في النسبة إلى البحر وقال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل ~~والأحبار علماء أهل التوراة وقال غيره هو كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم ~~وذكر لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب قال الرباني العالم العامل وقد اقتضت ~~الآية وجوب إنكار المنكر بالنهي عنه والاجتهاد في إزالته لذمه من ترك ذلك ~~قوله تعالى @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم @QE@ وروي عن ابن ~~عباس وقتادة والضحاك أنهم PageV04P104 وصفوه بالبخل وقالوا هو مقبوض العطاء ~~كقوله تعالى @QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ ~~وقال الحسن قالوا هي مقبوضة عن عقابنا واليد في اللغة تنصرف على وجوه منها ~~الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان عندي يد أشكره عليها أي نعمة ~~ومنها القوة فقوله أولي الأيدي فسروه بأولي القوى ونحوه قول الشاعر % تحملت ~~من ذلفاء ما ليس لي به % ولا للجبال الراسيات يدان % # | ومنها الملك ومنه قوله @QB@ الذي بيده عقدة النكاح @QE@ يعني يملكها ms1606 ~~ومنها الاختصاص بالفعل كقوله تعالى @QB@ خلقت بيدي @QE@ أي توليت خلقه ~~ومنها التصرف كقوله هذه الدار في يد فلان يعني التصرف فيها بالسكنى أو ~~الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال تعالى @QB@ بل يداه @QE@ على وجه التثنية ~~لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان ~~بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود لأنه لا يقدر على عقابنا وقيل إن ~~التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك لبيك وسعديك وقيل في قوله تعالى @QB@ ~~غلت أيديهم @QE@ يعني في جهنم روي عن الحسن قوله تعالى @QB@ كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله @QE@ فيه إخبار بغلبة المسلمين لليهود الذين تقدم ~~ذكرهم في قوله @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة @QE@ وفيه دلالة على صحة ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر به عن الغيب مع كثرة اليهود وشدة ~~شوكتهم وقد كان من حول المدينة منهم فئات تقاوم العرب في الحروب التي كانت ~~تكون بينهم في الجاهلية فأخبر الله تعالى في هذه الآية بظهور المسلمين ~~عليهم فكان مخبره على ما أخبر به فأجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني ~~قينقاع وبني النضير وقتل بني قريظة وفتح خيبر عنوة وانقادت له سائر اليهود ~~صاغرين حتى لم تبق منهم فئة تقاتل المسلمين وإنما ذكر النار ههنا عبارة عن ~~الاستعداد للحرب والتأهب لها على مذهب العرب في إطلاق اسم النار في هذا ~~الموضع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل ~~لم يا رسول الله قال لا تراءى ناراهما وإنما عنى بها نار الحرب يعني أن حرب ~~المشركين للشيطان وحرب المسلمين لله تعالى فلا يتفقان وقيل إن الأصل في ~~العبارة باسم النار عن الحرب أن القبيلة الكبيرة من العرب كانت إذا أرادت ~~حرب أخرى منها أوقدت النيران على رؤس الجبال والمواضع المرتفعة التي تعم ~~القبيلة رؤيتها فيعلمون أنهم قد ندبوا إلى PageV04P105 الاستعداد للحرب ~~والتأهب لها فاستعدوا وتأهبوا فصار اسم النار في هذا الموضع مفيدا للتأهب ~~للحرب وقد قيل فيه وجه آخر وهو أن القبائل ms1607 كانت إذا رأت التحالف على ~~التناصر على غيرهم والجد في حربهم وقتالهم أوقدوا نارا عظيمة ثم قربوا منها ~~وتحالفوا بحرمان منافعها إن هم غدروا أو نكلوا عن الحرب وقال الأعشى % ~~وأوقدت للحرب نارا % # قوله تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك @QE@ فيه أمر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الناس جميعا وما أرسله به إليهم من كتابه ~~وأحكامه وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له وأخبر أنه إن ترك ~~تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا بقوله تعالى @QB@ وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته @QE@ فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ ~~الأحكام وأخبر تعالى أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ~~ولا أسره بقوله تعالى @QB@ والله يعصمك من الناس @QE@ وفي ذلك إخبار أنه لم ~~يكن تقية من إبلاغ جميع ما أرسل به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة ~~على بطلان قول الرافضة في دعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم بعض ~~المبعوثين إليهم على سبيل الخوف والتقية لأنه تعالى أمره بالتبليغ وأخبر ~~أنه ليس عليه تقية بقوله تعالى @QB@ والله يعصمك من الناس @QE@ وفيه دلالة ~~على أن كل ما كان من الأحكام بالناس إليه حاجة عامة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد بلغه الكافة وأن وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر نحو الوضوء ~~من مس الذكر ومن مس المرأة ومما مسته النار ونحوها لعموم البلوى بها فإذا ~~لم نجد ما كان منها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ~~ثابت في الأصل أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو ~~غسل اليد دون وضوء الحديث وقد دل قوله تعالى @QB@ والله يعصمك من الناس ~~@QE@ على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان من أخبار الغيوب التي ~~وجد مخبرها على ما أخبر به لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع ~~كثرة أعدائه المحاربين ms1608 له مصالتة والقصد لاغتياله مخادعة نحو ما فعله عامر ~~بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة ~~من صفوان بن أمية فأعلمه الله إياه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمير بن ~~وهب بما تواطأ هو وصفوان بن أمية عليه وهما في الحجر من اغتساله فأسلم عمير ~~وعلم أن مثله لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة ولو لم ~~يكن ذلك من عند الله PageV04P106 لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~ادعى أنه معصوم من القتل والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على ~~خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه مع غناه عن الإخبار بمثله وأيضا لو كانت هذه ~~الأخبار من عند غير الله لما اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به ~~إذ لا يتفق مثلها في أخبار الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدث ~~والتخمين وتعاطي علم النجوم والزرق والفال ونحوها فلما اتفق جميع ما أخبر ~~به عنه من الكائنات في المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها علمنا ~~أنها من عند الله العالم بما كان وما يكون قبل أن يكون قوله تعالى @QB@ قل ~~يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ~~ربكم @QE@ فيه أمر لأهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل لأن إقامتها ~~هو العمل بهما وبما في القرآن أيضا لأن قوله تعالى @QB@ وما أنزل إليكم من ~~ربكم @QE@ حقيقته تقتضي أن يكون المراد ما أنزل الله على رسوله فكان خطابا ~~لهم وإن كان محتملا لأن يكون المراد ما أنزل الله على آبائهم في زمان ~~الأنبياء المتقدمين وقوله تعالى @QB@ لستم على شيء @QE@ مقتضاه لستم على ~~شيء من الدين الحق حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن وفي هذا ~~دلالة على أن شرائع الأنبياء المتقدمين ما لم ينسخ منها قبل مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهو ثابت الحكم مأمور به وأنه قد صار شريعة ms1609 لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم لولا ذلك لما أمروا بالثبات عليه والعمل به فإن قال قائل معلوم ~~نسخ كثير من شرائع الأنبياء المتقدمين على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فجائز إذا كان هذا هكذا أن تكون هذه الآية نزلت بعد نسخ كثير منها ويكون ~~معناها الأمر بالإيمان على ما في التوراة والإنجيل من صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومبعثه وبما في القرآن من الدلالة المعجزة الموجبة لصدقه وإذا ~~احتملت الآية ذلك لم تدل على بقاء شرائع الأنبياء المتقدمين قيل له لا تخلو ~~هذه الآية من أن تكون نزلت قبل نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين فيكون فيها ~~أمر باستعمالها وإخبار ببقاء حكمها أو أن تكون نزلت بعد نسخ كثير منها فإن ~~كان كذلك فإن حكمها ثابت فيما لم ينسخ منها كاستعمال حكم العموم فيما لم ~~تقم دلالة خصوصه واستعمالها فيما لا يجوز فيه النسخ من وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وموجبات أحكام العقول فلم تخل الآية من الدلالة على بقاء حكم ما ~~لم ينسخ من شرائع من قبلنا وأنه قد صار شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~قوله تعالى @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام @QE@ فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى ~~PageV04P107 في أن المسيح إله لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر ~~العباد في الحاجة إلى الصانع المدبر إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما ~~ومن يحتاج إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء وقد قيل في معنى قوله @QB@ ~~كانا يأكلان الطعام @QE@ أنه كناية عن الحدث لأن كل من يأكل الطعام فهو ~~محتاج إلى الحدث لا محالة وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى ~~الطعام والشراب وما يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على ~~حدث المحتاج إليهما وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه وإن ذلك ينفي كونه إلها ~~وقديما قوله تعالى @QB@ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ~~وعيسى ms1610 ابن مريم @QE@ قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة لعنوا على لسان داود ~~فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير وقيل إن فائدة لعنهم على لسان ~~الأنبياء إعلامهم الأياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي لأن ~~دعاء الأنبياء عليهم السلام باللعن والعقوبة مستجاب وقيل إنما ظهر لعنهم ~~على لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم ~~من عقاب المعاصي قوله تعالى @QB@ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه @QE@ ~~معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن ~~أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق ~~الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون ~~أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعن الذين ~~كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم إلى قوله فاسقون ثم قال ~~كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ~~ولتأطرنه على الحق اطرا ولتقصرنه على الحق قصرا وقال أبو داود وحدثنا خلف ~~بن هشام حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم ~~عن أبي عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه زادا وليضربن ~~الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم قال أبو بكر في هذه الآية ~~مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على النهي عن مجالسة المظهرين ~~للمنكر وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران قوله تعالى @QB@ ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا @QE@ روي عن الحسن وغيره أن الضمير في منهم راجع ~~إلى اليهود وقال آخرون هو راجع PageV04P108 إلى أهل الكتاب والذين كفروا هم ~~عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب ms1611 على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومحاربته قوله تعالى @QB@ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء @QE@ روي عن الحسن ومجاهد أنه من المنافقين من اليهود أخبر ~~أنهم غير مؤمنين بالله وبالنبي وإن كانوا يظهرون الإيمان وقيل إنه أراد ~~بالنبي موسى عليه السلام أنهم غير مؤمنين به إذ كانوا يتولون المشركين قوله ~~تعالى @QB@ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى @QE@ ~~الآية قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي نزلت في النجاشي وأصحابه ~~لما أسلموا وقال قتادة قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة ~~عيسى عليه السلام فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به ومن الجهال من ~~يظن أن في هذه الآية مدحا للنصارى وإخبارا بأنهم خير من اليهود وليس كذلك ~~وذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول يدل ~~عليه ما ذكر في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول ~~ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين أن ~~مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادا من مقالة اليهود لأن اليهود ~~تقر بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة تنقص ما أعطته في الجملة من ~~التوحيد بالتشبيه # | باب تحريم ما أحل الله عز وجل # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم @QE@ والطيبات اسم يقع على ما يستلذ ويشتهى ويميل إليه القلب ويقع على ~~الحال وجائز أن يكون مراد الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما فيكون ~~تحريم الحلال على أحد وجهين أحدهما أن يقول قد حرمت هذا الطعام على نفسي ~~فلا يحرم عليه وعليه الكفارة إن أكل منه والثاني أن يغصب طعام غيره فيخلطه ~~بطعامه فيحرمه على نفسه حتى يغرم لصاحبه مثله روى عكرمة عن ابن عباس أن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم ~~انتشرت فحرمته على نفسي فأنزل الله تعالى ms1612 @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ الآية وروى سعيد عن قتادة قال كان ناس ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بترك اللحم والنساء والاختصاء ~~فأنزل الله عز وجل @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم @QE@ الآية فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس في ديني ترك ~~PageV04P109 النساء ولا اللحم ولا اتخاذ الصوامع وروى مسروق قال كنا عند ~~عبدالله فأتى بضرع فتنحى رجل فقال عبدالله أدنه فكل فقال إني كنت حرمت ~~الضرع فتلا عبدالله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~كل وكفر وقال الله تعالى @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك @QE@ ~~إلى قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ وروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حرم مارية وروي أنه حرم العسل على نفسه فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وأمره بالكفارة وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية ~~على نفسه أنه إن أكل من الطعام حنث وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين ~~وفرق أصحابنا بين من قال والله لا آكل هذا الطعام وبين قوله حرمته على نفسي ~~فقالوا في التحريم إن أكل الجزء منه حنث وفي اليمين لا يحنث إلا بأكل ~~الجميع وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله والله لأكلت منه شيئا إذ ~~كان ذلك مقتضى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى مثل قوله @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ اقتضى اللفظ تحريم كل جزء منه فكذلك ~~تحريم الإنسان طعاما يقتضي إيجاب اليمين في أكل الجزء منه وأما اليمين ~~بالله في نفي أكل هذا الطعام فإنها محمولة على الأيمان المنتظمة للشروط ~~والجواب كقول القائل إن أكلت هذا الطعام فعبدي حر فلا يحنث بأكل البعض منه ~~حتى يستوفي أكل الجميع فإن قال قائل قال الله تعالى @QB@ كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه @QE@ فروي أن إسرائيل أخذه عرق ms1613 ~~النسا فحرم أحب الأشياء إليه وهو لحوم الإبل إن عافاه الله فكان ذلك تحريما ~~صحيحا حاظرا لما حرم على نفسه قيل له هو منسوخ بشريعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة ~~اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله ~~@QB@ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا @QE@ ويدل على أنه لا فضيلة في ~~الامتناع من أكلها وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يأكل لحم الدجاج وروي أنه كان يأكل الرطب والبطيخ وروى غالب بن ~~عبدالله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد ~~أن يأكل الدجاج حبسها ثلاثة أيام فعلفها ثم أكلها وروى إبراهيم بن ميسرة عن ~~طاوس قال سمعت ابن عباس يقول كل ما شئت واكتس ما أخطأت اثنتين سرفا أو ~~مخيلة وقد روي أن عثمان وعبدالرحمن بن عوف والحسن بن علي وعبدالله بن أبي ~~أوفى وعمران بن حصين وأنس PageV04P110 ابن مالك وأبا هريرة وشريحا كانوا ~~يلبسون الخز ويدل على نحو دلالة الاية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات ~~قوله تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~@QE@ وقوله عقيب ذكره لما خلق من الفواكه @QB@ متاع لكم @QE@ ويحتج بقوله ~~@QB@ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم @QE@ في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث ~~لما فيه من تحريم المباح من المرأة # | باب الأيمان # قال الله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم @QE@ عقيب نهيه ~~عن تحريم ما أحل الله قال ابن عباس لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح ~~والملابس حلفوا على ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية وأما اللغو فقد قيل فيه ~~أنه مالا يعتد به ومنه قول الشاعر % أو مائة تجعل أولادها % لغوا وعرض ~~المائة الجلد % $ يعني نوقا لا تعتد بأولادها فعلى هذا لغو اليمين ما لا ~~يعتد به ولا حكم له وروى إبراهيم الصائغ عن عطاء عن عائشة عن ms1614 النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله عز وجل @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~@QE@ ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي ~~وابن عبدوس قالا حدثنا محمد بن بكار حدثنا حسان بن إبراهيم عن إبراهيم ~~الصائغ عن عطاء وسئل عن اللغو في اليمين فقالت عائشة إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله وروى إبراهيم عن ~~الأسود وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لغو اليمين لا والله وبلى ~~والله موقوفا عليها وروى عكرمة عن ابن عباس في لغو اليمين أن يحلف على ~~الأمر يراه كذلك وليس كذلك وروي عن ابن عباس أيضا أن لغو اليمين أن تحلف ~~وأنت غضبان وروي عن الحسن والسدي وإبراهيم مثل قول عائشة وقال بعض أهل ~~العلم اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد على نحو قول القائل لا والله ~~وبلى والله على سبق اللسان وقال بعضهم اللغو في اليمين أن تحلف على معصية ~~أن تفعلها فينبغي أن لا تفعلها ولا كفارة فيه وروي فيه حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها وقد اختلف فقهاء الأمصار في ~~ذلك أيضا فقال أصحابنا اللغو هو قوله لا والله وبلى والله فيما يظن أنه ~~صادق فيه على الماضي وقال مالك والليث نحو ذلك وهو قول PageV04P111 ~~الأوزاعي وقال الشافعي اللغو هو المعقود عليه وقال الربيع عنه من حلف على ~~شيء يرى أنه كذلك ثم وجده على غير ذلك فعليه كفارة قال أبو بكر لما قال ~~الله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان @QE@ أبان بذلك أن لغو اليمين غير المعقود منها لأنه لو كان ~~المعقود هو اللغو لما عطفه عليه ولما فرق بينهما في الحكم في نفيه المؤاخذة ~~بلغو اليمين وإثبات الكفارة في المعقودة ويدل على ذلك ms1615 أيضا أن اللغو لما ~~كان هو الذي لا حكم له فغير جائز أن يكون هو اليمين المعقودة ويدل على ذلك ~~ايضا أن اللغو لما كان هو الذي لا حكم له فغير جائز أن يكون هو اليمين ~~المعقودة لأن المؤاخذة قائمة في المعقودة وحكمها ثابت فبطل بذلك قول من قال ~~إن اللغو هو اليمين المعقودة وأن فيها الكفارة فثبت بذلك أن معناه ما قال ~~ابن عباس وعائشة وأنها اليمين على الماضي فيما يظن الحالف أنه كما قال ~~والأيمان على ضربين ماض ومستقبل والماضي ينقسم قسمين لغو وغموس ولا كفارة ~~في واحد منهما والمستقبل ضرب واحد وهو اليمين المعقودة وفيها الكفارة إذا ~~حنث وقال مالك والليث مثل قولنا في الغموس إنه لا كفارة فيها وقال الحسن بن ~~صالح والأوزاعي والشافعي في الغموس الكفارة وقد ذكر الله تعالى هذه الأيمان ~~الثلاث في الكتاب فذكر في هذه الآية اليمين اللغو والمعقودة جميعا بقوله ~~@QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~@QE@ وقال في سورة البقرة @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ والمراد به والله أعلم الغموس لأنها هي التي ~~تتعلق المؤاخذة فيها بكسب القلب وهو المأثم وعقاب الآخرة دون الكفارة إذ لم ~~تكن الكفارة متعلقة بكسب القلب ألا ترى أن من حلف على معصية كان عليه أن ~~يحنث فيها وتلزمه الكفارة مع ذلك فدل على أن قوله @QB@ ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم @QE@ المراد به اليمين الغموس التي يقصد بها إلى الكذب وأن ~~المؤاخذة بها هي عقاب الآخرة وذكره للمؤاخذة بكسب القلب في هذه الآية عقيب ~~ذكره اللغو في اليمين يدل على أن اللغو هو الذي لم يقصد فيه إلى الكذب وأنه ~~ينفصل من الغموس بهذا المعنى ومما يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله ~~تعالى @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة @QE@ فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة فلو أوجبنا فيها ~~الكفارة كان زيادة في النص وذلك غير ms1616 جائز إلا بنص مثله وروى عبدالله بن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين وهو فيها آثم ~~فاجر ليقطع بها PageV04P112 مالا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان وروى جابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ ~~مقعده من النار فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المأثم ولم يذكر الكفارة فدل ~~على أن الكفارة غير واجبة من وجهين أحدهما أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا ~~بمثله والثاني أنها لو كانت واجبة لذكرها في اليمين المعقودة في قوله صلى ~~الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خيرا ~~منها وليكفر عن يمينه رواه عبدالرحمن بن سمرة وأبو هريرة وغيرهما ومما يدل ~~على نفي الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في نسق التلاوة @QB@ ~~واحفظوا أيمانكم @QE@ وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها ومعلوم ~~امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها المراعاة ~~والحفظ فإن قال قائل قوله تعالى @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ ~~يقتضي عمومه إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل قيل له ليس ~~كذلك لأنه معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل فلا محالة أن ~~فيه ضمير يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث وإذا ثبت أن في الآية ضميرا سقط ~~الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن اليمين المعقودة لا تجب بها كفارة قبل ~~الحنث فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها إذ كان حكمها متعلقا ~~بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى @QB@ واحفظوا أيمانكم @QE@ يقتضي أن ~~يكون جميع ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي ألزمنا حفظها وذلك إنما ~~هو في اليمين المعقودة التي تمكن مراعاتها وحفظها لأداء كفارتها واليمين ~~على الماضي لا يقع فيها حنث فينتظمها اللفظ ألا ترى أنه لا يصح دخول ~~الاستثناء عليها فتقول كان أمس الجمعة إن شاء الله والله لقد كان أمس ms1617 ~~الجمعة إذ كان الحنث وجود معنى بعد اليمين بخلاف ما عقد عليه ويدل على أن ~~الكفارة إنما تتعلق بالحنث في اليمين بعد العقد أنه لو قال والله كان ذلك ~~قسما ولم تلزمه كفارة بوجود هذا القول لأنه لم يتعلق به حنث وقد قرئ قوله ~~تعالى @QB@ بما عقدتم @QE@ على ثلاثة أوجه عقدتم بالتشديد قد قرأه جماعة ~~وعقدتم خفيفة وعاقدتم فقوله تعالى @QB@ عقدتم @QE@ بالتشديد كان أبو الحسن ~~يقول لا يحتمل إلا عقد قول وعقدتم بالتخفيف يحتمل عقد القلب وهو العزيمة ~~والقصد إلى القول ويحتمل عقد اليمين قولا ومتى احتمل إحدى القراءتين القول ~~واعتقاد القلب ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا وجب حمل ما يحتمل ~~وجهين على مالا يحتمل إلا وجها واحدا فيحصل المعنى من PageV04P113 ~~القراءتين عقد اليمين قولا ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب ~~من الأيمان وهو أن تكون معقودة ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير ~~معقودة وإنما هو خبر عن ماض والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو ~~كذبا فإن قال قائل إذ كان قوله تعالى @QB@ عقدتم @QE@ بالتخفيف يحتمل ~~اعتقاد القلب ويحتمل عقد اليمين فهلا حملته على المعنيين إذ ليسا متنافيين ~~وكذلك قوله تعالى @QB@ بما عقدتم @QE@ بالتشديد محمول على عقد اليمين فلا ~~ينفي ذلك واستعمال اللفظ في القصد إلى اليمين فيكون عموما في سائر الأيمان ~~قيل له لو سلم لك ما ادعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت ولكانت ~~دلالة الإجماع مانعة من حمله على ما وصفت وذلك أنه لا خلاف أن القصد إلى ~~اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد ~~في الأيمان التي يتعلق به وجوب الكفارة فبطل بذلك تأويل من تأوله اللفظ على ~~قصد القلب في حكم الكفارة وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب ~~الكفارة هو اليمين المعقودة على المستقبل فإن قال قائل قوله @QB@ عقدتم ~~@QE@ بالتشديد يقتضي التكرار والمؤاخذة تلزم من غير تكرار فما وجه اللفظ ~~المقتضي للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على ms1618 غير وجه التكرار قيل له قد ~~يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون ~~الآخر لم يكن تعقيدا إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف ~~وتارة بعظم المنزلة وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره وهو ~~أنه متى أعاد المين على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة وكذلك ~~قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به ~~التكرار لا يلزمه واحدة فإن قيل قوله @QB@ بما عقدتم @QE@ بالتخفيف يفيد ~~إيجاب الكفارة باليمين إلا كفارة أحد قيل له القراءتان والتكرار جميعا ~~مستعملتان على ما وصفنا ولكل واحدة منهما فائدة مجددة # فصل ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين أحدهما قوله ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته @QE@ فجعل ذلك كفارة عقيب عقد ~~اليمين من غير ذكر الحنث لأن الفاء للتعقيب والثاني قوله تعالى @QB@ ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ فأما قوله @QB@ بما عقدتم الأيمان فكفارته ~~@QE@ فإنه لا خلاف أن فيه ضميرا متى أراد إيجابها وقد علمنا لا محالة أن ~~الآية قد تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وأنها غير واجبة قبل PageV04P114 ~~الحنث فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته وهو كقوله ~~تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ والمعنى فأفطر ~~فعدة من أيام أخر وقوله @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة @QE@ فمعناه فحلق ففدية عن صيام كذلك قوله @QB@ بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته @QE@ معناه فحنثتم بكفارته لاتفاق الجميع أنها غير واجبة ~~قبل الحنث وقد اقتضت الآية لا محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد ~~الحنث فثبت أن المراد ضمير الحنث فيه وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد ~~التكفير بها في حال وجوبها لأن ما ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا ~~يسمى بهذا الاسم فعلمنا أن المراد إذا حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~وكذلك قوله في نسق ms1619 التلاوة @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ معناه ~~إذا حلفتم وحنثتم لما بيناه آنفا فإن قيل يجوز أن تسمى كفارة قبل وجوبها ~~كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل الحول زكاة لوجوب السبب الذي هو النصاب ~~وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة كفارة قبل وجود القتل وإن لم تكن واجبة في ~~هذه الحال فكذلك يجوز أن يكون ما يعجله الحالف كفارة قبل الحنث ولا يحتاج ~~إلى إثبات إضمار الحنث في جوازها قيل له قد بينا أن الكفارة الواجبة بعد ~~الحنث مرادة بالآية وإذا أريد بها الكفارة الواجبة امتنع أن ينتظم ما ليس ~~منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس بواجب فمن حيث أريد ~~بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب وأيضا فقد ثبت أن المتبرع بالطعام ~~ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف فلما كان المكفر قبل الحنث ~~متبرعا بما أعطى ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ومتى فعله لم يكن فاعلا للمأمور ~~به وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت بعد الجراحة وتعجيل الزكاة قبل الحول ~~فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة وإنما أجزناه لما قامت ~~الدلالة أن إخراج هذا التطوع يمنع لزوم الفرض بوجود الموت وحؤول الحول # فصل ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور مثل قوله ~~إن دخلت الدار فالله علي حجة أو عتق رقبة أو نحو ذلك فحنث بظاهر قوله تعالى ~~@QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته @QE@ وبقوله تعالى @QB@ ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ قال فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب ~~عليه بالحنث كفارة اليمين دون PageV04P115 المنذور بعينه وليس هذا كما ظن ~~هذا القائل وذلك لأن النذر يوجب الوفاء بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين ~~لقوله تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم @QE@ وقال تعالى @QB@ يوفون ~~بالنذر @QE@ وقال تعالى @QB@ أوفوا بالعقود @QE@ وقال تعالى @QB@ ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من ~~فضله بخلوا به وتولوا وهم ms1620 معرضون @QE@ فذمهم تعالى على ترك الوفاء بنفس ~~المنذور وقال النبي صلى الله عليه وسلم من نذر نذرا لم يسمه فعليه كفارة ~~يمين ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به وكان قوله تعالى @QB@ ذلك كفارة ~~أيمانكم @QE@ في اليمين المعقودة بالله عز وجل وكانت النذور محمولة على ~~الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها قوله تعالى @QB@ واحفظوا ~~أيمانكم @QE@ فقال قائلون معناه احفظوا أنفسكم من الحنث فيها واحذروا الحنث ~~فيها وإن لم يكن الحنث معصية وقال آخرون أقلوا من الأيمان على نحو قوله ~~تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم @QE@ واستشهد من قال ذلك بقول ~~الشاعر % قليل الألا يا حافظ ليمينه % إذا بدرت منه الألية برت % # | وقال آخرون معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها لأن حفظ ~~الشيء هو مراعاته وهذا هو الصحيح فأما الأول فلا معنى له لأنه غير منتهي عن ~~الحنث إذا لم يكن ذلك الفعل معصية وقد قال صلى الله عليه وسلم من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فأمره بالحنث ~~فيها وقد قال الله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا @QE@ ~~الآية روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه أن لا ينفق عليه لما كان منه من الخوض في أمر عائشة وقد كان ينفق عليه ~~وكان ذا قرابة منه فأمره الله تعالى بالحنث في يمينه والرجوع إلى الإنفاق ~~عليه ففعل ذلك أبو بكر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله @QB@ يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك @QE@ إلى قوله @QB@ قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم @QE@ بالكفارة والرجوع عما حرم على نفسه فثبت بذلك أنه غير منهي عن ~~الحنث في اليمين إذا لم يكن الفعل معصية فغير جائز أن يكون معنى قوله @QB@ ~~واحفظوا أيمانكم @QE@ نهيا عن الحنث وأما من قال إن معناه النهي عن الحلف ~~واستشهد بالبيت فقوله مرذول ms1621 ساقط لأنه غير جائز أن يكون الأمر بحفظ اليمين ~~نهيا عن اليمين كما لا يجوز أن يقال احفظ مالك بمعنى أن لا تكسبه ومعنى ~~البيت هو على ما نقوله مراعاة PageV04P116 الحنث لأداء الكفارة لأنه قال ~~قليل الألا يا حافظ ليمينه فأخبر بديا بقلة أيمانه ثم قال حافظ ليمينه ~~ومعناه أنه مراع لها ليؤدي كفارتها عند الحنث ولو كان على ما قال المخالف ~~لكان تكرارا لما قد ذكره فصح أن معناه الأمر بمراعاتها لأداء كفارتها عند ~~الحنث قوله تعالى @QB@ إطعام عشرة مساكين @QE@ روي عن علي وعمر وعائشة ~~وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن في كفارة اليمين كل ~~مسكين نصف صاع من بر وقال عمر وعائشة أو صاعا من تمر وهو قول أصحابنا إذا ~~أعطاهم الطعام تمليكا وقال ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء في آخرين ~~مد من بر لكل مسكين وهو قول مالك والشافعي واختلف في الإطعام من غير تمليك ~~فروي عن علي ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة يغديهم ~~ويعشيهم وهو قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي وقال الحسن البصري ~~وجبة واحدة تجزئ وقال الحكم لا يجزي الإطعام حتى يعطيهم وقال سعيد بن جبير ~~مدين من طعام ومد لإدامه ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم وروي عن ابن سيرين ~~وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي يطعمهم أكلة واحدة وروي عن أنس مثل ذلك ~~وقال الشافعي لا يعطيهم جملة ولكن يعطي كل مسكين مدا قال أبو بكر قال الله ~~تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ ~~فاقتضى ظاهره جواز الإطعام بالأكل من غير إعطاء ألا ترى إلى قوله تعالى ~~@QB@ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا @QE@ قد عقل منه إطعامهم بالإباحة لهم ~~من غير تمليك ويقال فلان يطعم الطعام وإنما مرادهم دعاؤه إياهم إلى أكل ~~طعامه فلما كان الاسم يتناول الإباحة وجب جوازه وإذا جاز إطعامهم على وجه ~~الإباحة من غير تمليك فالتمليك أحرى بالجواز لأنه أكثر من الإباحة ولا خلاف ~~في جواز ms1622 التمليك وإنما قالوا يغديهم ويعشيهم لقوله تعالى @QB@ من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم @QE@ وهو مرتان غداء وعشاء لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات ~~والأقل واحدة والأوسط مرتان وقد روى ليث عن ابن بريدة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا كان خبزا يابسا فهو غداؤه وعشاؤه وإنما قال أصحابنا ~~إذا أعطاهم كان من البر نصف صاع ومن الشعير والتمر صاعا لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة في فدية الأذى أو أطعم ثلاثة آصع ~~من طعام ستة مساكين وفي حديث آخر أطعم ستة آصع من تمر ستة PageV04P117 ~~مساكين فجعل لكل مسكين صاعا من تمر أو نصف صاعا من بر ولم يفرق بين تقدير ~~الطعام في فدية الأذى وكفارة اليمين فثبت أن كفارة اليمين مثلها وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار وسقا من تمر لستين مسكينا والوسق ~~ستون صاعا ولما ثبت في كفارة الظهار لكل مسكين صاع من تمر كانت كفارة ~~اليمين مثلها لاتفاق الجميع على تساويهما في مقدار ما يجب فيهما من الطعام ~~وإذا ثبت من التمر صاع وجب أن يكون من البر نصف صاع لأن كل من أوجب فيها ~~صاعا من التمر أوجب من البر نصف صاع قوله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم @QE@ روي عن ابن عباس قال كان لأهل المدينة قوت وكان للكبير أكثر ~~مما للصغير وللحر أكثر مما للمملوك فنزلت @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم ~~@QE@ ليس بأفضله ولا بأخسه وروي عن سعيد بن جبير مثله قال أبو بكر بين ابن ~~عباس أن المراد الأوسط في المقدار لا بأن يكون مادوما وروي عن ابن عمر قال ~~أوسطه الخبز والتمر والخبز والزيت وخير ما نطعم أهلنا الخبز واللحم وعن ~~عبيدة الخبز والسمن وقال أبو رزين الخبز والتمر والخل وقال ابن سيرين أفضله ~~اللحم وأوسطه السمن وأحسنه التمر مع الخبز روي عن عبدالله بن مسعود مثله ~~قال أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر ms1623 أن يكفر عن الظهار ~~بإعطاء كل مسكين صاعا من تمر ولم يأمره معه بشيء آخر غيره من الإدام وأمر ~~كعب بن عجرة أن يتصدق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين ولم يأمره بالإدام ~~ولا فرق عند أحد بين كفارة الظهار وكفارة اليمين في مقدار الطعام فثبت بذلك ~~أن الإدام غير واجب مع الطعام وأن الأواسط المراد بالآية الأوسط في مقدار ~~الطعام لا في ضم الإدام إليه وقوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~@QE@ عموم في جميع من يقع عليه الاسم منهم فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء ~~مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع لأنا لو منعناه في ~~اليوم الثاني كنا قد خصصنا الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض لا سيما ~~فيمن قد دخل في حكم الآية بالاتفاق وهو قول أصحابنا وقال مالك والشافعي لا ~~يجزي فإن قال قائل لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم كقوله ~~تعالى @QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ وقوله تعالى @QB@ أربعة أشهر وعشرا ~~@QE@ وسائر الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ما دونها كذلك غير جائز ~~الاقتصار على الأقل من العدد المذكور قيل له لما كان القصد في PageV04P118 ~~ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر عليهم ~~الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة فكان ~~المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع والإطعام ~~في عدد الأيام وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار الدفع إذ ~~كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين كما قال تعالى @QB@ يسألونك ~~عن الأهلة @QE@ وهو هلال واحد فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار الرؤية في ~~الشهور وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار ولو استنجى ~~بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه وكذلك أمر برمي الجمار بسبع حصيات ولو رمى بحصاة ~~واحدة سبع مرات أجزأه لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات والمقصد في ~~الاستنجاء حصول المساحات ms1624 دون عدد الأحجار فكذلك لما كان المقصد في إخراج ~~الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك عليه في الأيام ~~وبين الجماعة ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ أو كسوتهم @QE@ ومعلوم أن ~~كسوتهم عشرة أثواب فصار تقديره أو عشرة أثواب لم يخصصها بمسكين واحد ولا ~~بجماعة فوجب أن يجزي إعطاؤها الواحد منهم ألا ترى أنه يجوز أن تقول أعطيت ~~كسوة عشر مساكين مسكينا واحدا فقوله تعالى @QB@ أو كسوتهم @QE@ يدل من هذا ~~الوجه على أنه غير مقصور على أعداد المساكين عشرة ويدل أيضا من الوجه الذي ~~دل عليه ذكر الطعام على الوجه الذي ذكرنا ولا تجزي الكسوة عندهم إذا أعطاها ~~مسكينا واحدا إلا أن يعطيه كل يوم ثوبا لأنه لما ثبت ما وصفنا في الطعام من ~~تفريقه في الأيام وجب مثله في الكسوة إذ لم يفرق واحد بينهما وأجاز أصحابنا ~~إعطاء قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول النفع للمساكين بهذا ~~القدر من المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله بالطعام والكسوة ولما ~~صح إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر وجب مثله في الكفارة لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق الاسم على من أعطى غيره ~~دراهم يشتري بها ما يأكله ويلبسه بأن يقال قد أطعمه وكساه وإذا كان إطلاق ~~ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية ألا ترى أن حقيقة الإطعام أن يطعمه إياه بأن ~~يبيحه له فيأكله ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم يأكله المسكين وباعه أجزأه وإن ~~لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في وصول هذا القدر من المال إليه وإن ~~لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل PageV04P119 وكذلك لو أعطاه كسوة فلم ~~يكتس بها وباعها وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه إذ كان موصلا إليه هذا القدر ~~من المال بإعطائه إياه ثبت بذلك أنه ليس المقصد حصول المطعم والإكتساء وأن ~~المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال فلا يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب ~~والطعام ألا ترى أن ms1625 النبي صلى الله عليه وسلم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من ~~بر أو صاعا من تمر أو شعير ثم قال أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم فأخبر أن ~~المقصود حصول الغنى لهم عن المسألة لا مقدار الطعام بعينه إذ كان الغنى عن ~~المسألة يحصل بالقيمة كحصوله بالطعام فإن قال قائل لو جازت القيمة وكان ~~المقصد فيه حصول هذا القدر من المال للمساكين لما كان لذكر الإطعام والكسوة ~~فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر الأحوال وفي ذكره الطعام أو الكسوة دلالة ~~على أنه غير جائز أن يتعداهما إلى القيمة وأنه ليس المقصد حصول النفع بهذا ~~القدر من المال دون عين الطعام والكسوة قيل له ليس الأمر على ما ظننت وفي ~~ذكره الطعام والكسوة أعظم الفوائد وذلك أنه ذكرها ودلنا بما ذكر على جواز ~~إعطاء قيمتها ليكون مخيرا بين أن يعطي حنطة أو يطعم أو يكسوا أو يعطي دراهم ~~قيمة عن الحنطة أو عن الثياب فيكون موسعا في العدول عن الأرفع إلى الأوكس ~~إن تفاوت القيمتان أو عن الأوكس إلى الأرفع أو يعطي أي المذكورين بأعيانهما ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن وجبت في إبله بنت لبون فلم توجد أخذ ~~منه بنت مخاض وشاتان أو عشرون درهما فخيره في ذلك وهو يقدر على أن يشتري ~~بنت لبون وهي الفرض المذكور وكما جعل الدية مائة من الإبل واتفقت الأمة على ~~أنها من الدراهم والدنانير أيضا قيمة للإبل على اختلافهم فيها وكمن تزوج ~~امرأة على عبد وسط فإن جاء به بعينه قبل منه وإن جاء بقيمته قبلت منه أيضا ~~ولم يبطل جواز أخذ القيمة في هذه المواضع حكم التسمية لغيرها فكذلك ما ~~وصفنا ألا ترى أنه خيره بين الكسوة والطعام والعتق فالقيمة مثل أحد هذه ~~الأشياء وهو مخير بينها وبين المذكور وإن كانت قد تختلف في الطعام والكسوة ~~لأن في عدوله إلى الأرفع زيادة فضيلة وفي اقتصاره على الأوكس رخصة وأيهما ~~فعل فهو المفروض وهذا مثل ما نقول في القراءة في ms1626 الصلاة أن المفروض منها ~~مقدار آية فإن أطال القراءة كان الجميع هو المفروض والمفروض من الركوع هو ~~الجزء الذي يسمى به راكعا فإن أطال كان الفرض جميع المفعول منه ألا ترى أنه ~~لو أطال الركوع كان PageV04P120 مدركه في آخر الركوع مدركا لركعته وكذلك لا ~~يمتنع أن يكون المفروض من الكفارة قيمة الأوكس من الطعام أو الكسوة فإن عدل ~~إلى قيمة الأرفع كان هو المفروض أيضا وقد اختلف في مقدار الكسوة فقال ~~أصحابنا الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو ~~قباء أو كساء وروى ابن سماعة عن محمد أن السراويل تجزي وأنه لو حلف لا ~~يشتري ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا كان سراويل الرجال وروى هشام عن محمد أنه ~~لا يجزي السراويل ولا العمامة وكذلك روى بشر عن أبي يوسف وقال مالك والليث ~~إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ثوبين ودرعا وخمارا وذلك أدنى ما تجزي فيه ~~الصلاة ولا يجزي ثوب واحد للمرأة ولا تجزي العمامة وقال الثوري تجزي ~~العمامة وقال الشافعي تجزي العمامة والسراويل والمقنعة قال أبو بكر روي عن ~~عمران بن حصين وإبراهيم والحسن ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين قال أبو ~~بكر ظاهره يقتضي ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه ولابس السراويل ليس ~~عليه غيره أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة ~~فالواجب أن لا يجزي السراويل والعمامة ولا الخمار لأنه مع لبسه لأحد هذه ~~الأشياء يكون عريانا غير مكتس وأما الإزار والقميص ونحوه فإن كل واحد من ~~ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم المكتسي فلذلك أجزأه قوله تعالى @QB@ أو ~~تحرير رقبة @QE@ يعني عتق رقبة وتحريرها إيقاع الحرية عليها وذكر الرقبة ~~وأراد به جملة الشخص تشبيها له بالأسير الذي تفك رقبته ويطلق فصارت الرقبة ~~عبارة عن الشخص وكذلك قال اصحابنا إذا قال رقبتك حرة أنه يعتق كقوله أنت حر ~~واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات لأنه اسم للشخص بكماله إلا أن الفقهاء ~~اتفقوا على أن النقص اليسير ms1627 لا يمنع جوازها فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة ~~الجنس في جوازها وجعلوا فوات منفعة الجنس من تلك الأعضاء مانعا لجوازها ~~قوله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام @QE@ روى مجاهد عن عبدالله بن ~~مسعود وأبو العالية عن أبي / < فصيام ثلاثة ايام متتابعات > / وقال إبراهيم ~~النخعي في قراءتنا فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقال ابن عباس ومجاهد ~~وإبراهيم وقتادة وطاوس هن متتابعات لا يجزي فيها التفريق فثبت التتابع بقول ~~هؤلاء ولم تثبت التلاوة لجواز كون التلاوة منسوخة والحكم ثابتا وهو قول ~~أصحابنا وقال مالك والشافعي يجزي فيه التفريق وقد بينا ذلك في أصول الفقه ~~قوله PageV04P121 تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين @QE@ يقتضي إيجاب ~~التكفير مع القدرة مع بقاء الخطاب بالكفارة وإنما يجوز الصوم مع عدم ~~المذكور بديا لأنه قال @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام @QE@ فنقله عن أحد ~~الأشياء الثلاثة إلى الصوم عند عدمها فما دام الخطاب بالكفارة قائما عليه ~~لم يجزه الصوم مع وجود الأصل ودخوله في الصوم لم يسقط عنه الخطاب بأحد ~~الأشياء الثلاثة والدليل عليه أنه لو دخل في صوم اليوم الأول ثم أفسده وهو ~~واجد للرقبة لم يجز الصوم مع وجودها فثبت بذلك أن دخوله في الصوم لم يسقط ~~عنه فرض الأصل فلا فرق بين وجود الرقبة قبل الدخول في الصوم وبعده إذ كان ~~الخطاب بالتكفير قائما عليه في الحالين # باب تحريم الخمر $ # قال الله تعالى @QB@ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه @QE@ اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين أحدهما قوله ~~@QB@ رجس @QE@ لأن الرجس اسم في الشرع لما يلزمه اجتنابه ويقع اسم الرجس ~~على الشيء المستقذر النجس وهذا أيضا يلزم اجتنابه فأوجب وصفه إياها بأنها ~~رجس لزوم اجتنابها والوجه الآخر قوله تعالى @QB@ فاجتنبوه @QE@ وذلك أمر ~~والأمر يقتضي الإيجاب فانتظمت الآية تحريم الخمر من هذين الوجهين والخمر هي ~~عصير العنب الني المشتد وذلك متفق عليه أنه خمر وقد سمى بعض الأشربة ~~المحرمة باسم الخمر تشبيها بها مثل الفضيخ وهو نقيع البسر ونقيع التمر وإن ~~لم يتناولهما اسم ms1628 الإطلاق وقد روي في معنى الخمر آثار مختلفة منها ما روى ~~مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ~~وقد علمنا أنه كان بالمدينة نقيع التمر والبسر وسائر ما يتخذ منهما من ~~الأشربة ولم يكن ابن عمر ممن يخفى عليه الأسماء اللغوية فهذا يدل على أن ~~أشربة النخل لم تكن عنده تسمى خمرا وروى عكرمة عن ابن عباس قال نزل تحريم ~~الخمر وهو الفضيخ فأخبر ابن عباس أن الفضيخ خمر وجائز أن يكون سماه خمرا من ~~حيث كان شرابا محرما وروى حميد الطويل عن أنس قال كنت أسقي أبي عبيدة وأبي ~~بن كعب وسهيل بن بيضاء في نفر في بيت أبي طلحة فمر بنا رجل فقال إن الخمر ~~قد حرمت فوالله ما قالوا حتى نتبين حتى قالوا أهرق ما في إنائك يا أنس ثم ~~ما عادوا فيها حتى لقوا الله عز وجل وأنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ ~~فأخبر أنس PageV04P122 إن الخمر يوما حرمت البسر والتمر وهذا جائز أن يكون ~~لما كان محرما سماه خمرا وأن يكون المراد انهم كانوا يجرونه مجرى الخمر ~~ويقيمونه مقامها لا أن ذلك اسم له على الحقيقة ويدل عليه أن قتادة روى عن ~~أنس هذا الحديث وقال إنما نعدها يومئذ خمرا فأخبر أنهم كانوا يعدونها خمرا ~~على معنى أنهم يجرونها مجرى الخمر وروى ثابت عن أنس قال حرمت علينا الخمر ~~يوم حرمت وما نجد خمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورنا البسر والتمر ومع ~~هذا أيضا معناه أنهم كانوا يجرونه مجرى الخمر في الشرب وطلب الإسكار وطيبة ~~النفس وإنما كان شراب البسر والتمر وروى المختار بن فلفل قال سألت أنس بن ~~مالك عن الأشربة فقال حرمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير والذرة وما خمرت من ذلك فهو خمر فذكر في الحديث الأول أنه من البسر ~~والتمر وذكر في هذا الحديث أنها من ستة أشياء فكان عنده أن ما أسكر من هذه ~~الأشربة فهو خمر ثم ms1629 قال وما خمرت من ذلك فهو خمر وهذا يدل على أنه إنما سمي ~~ذلك خمرا في حال الإسكار وأن ما لا يسكر منه فليس بخمر وقد روي عن عمر أنه ~~قال إن الخمر حرمت وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والشعير ~~والخمر ما خامر العقل وهذا أيضا يدل على أنه إنما سماه خمرا في حال ما أسكر ~~إذا أكثر منه لقوله والخمر ما خامر العقل وقد روي عن السري بن إسماعيل عن ~~الشعبي أنه حدثه أنه سمع النعمان بن بشير يقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن من الحنطة خمرا وإن من الشعير خمرا وإن من الزبيب خمرا وإن من ~~التمر خمرا وإن من العسل خمرا ولم يقل إن جميع ما يكون من هذه الأصناف خمر ~~وإنما أخبر أن منهم خمرا ويحتمل أن يريد به ما يسكر منه فيكون محرما في تلك ~~الحال ولم يرد بذلك أن ذلك اسم لهذه الأشربة المتخذة من هذه الأصناف لأنه ~~قد روي عنه بأسانيد أصح من إسناد هذا الحديث ما ينفي أن يكون الخمر من هذه ~~الأصناف وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن ~~إسماعيل قال حدثنا أبان قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي كثير العنبري ~~وهو يزيد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنب وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~عبيد بن حاتم قال حدثنا ابن عمار الموصلي قال حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد ~~بن أبي عروبة عن عكرمة بن عمار عن أبي كثير عن أبي هريرة قال PageV04P123 ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب ~~وهذا الخبر يقضي على جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب بصحة سنده وقد تضمن ~~نفي اسم الخمر عن الخارج من غير هاتين الشجرتين لأن قوله الخمر اسم للجنس ~~فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمرا فانتفى ms1630 بذلك أن يكون الخارج من غيرهما مسمى ~~باسم الخمر واقتضى هذا الخبر أيضا أن يكون المسمى بهذا الاسم من الخارج من ~~هاتين الشجرتين وهو على أول الخارج منهما مما يسكر منه وذلك هو العصير الني ~~المشتد ونقيع التمر والبسر قبل أن تغيره النار لأن قوله منهما يقتضي أول ~~خارج منهما مما يسكر والذي حصل عليه الاتفاق من الخمر هو ما قدمنا ذكره من ~~عصير العنب الني المشتد إذ غلا وقذف بالزبذ فيحتمل على هذا إذا كان الخمر ~~ما وصفنا أن يكون معنى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر ~~من هاتين الشجرتين أن مراده أنها من إحداهما كما قال تعالى @QB@ يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وإنما الرسل من الإنس وقال تعالى @QB@ ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان @QE@ وإنما يخرج من أحدهما ويدل على أن الخمر ~~هو ما ذكرنا وأن ما عداها ليس بخمر في الحقيقة اتفاق المسلمين على تكفير ~~مستحل الخمر في غير حال الضرورة واتفاقهم على أن مستحل ما سواها من هذه ~~الأشربة غير مستحق لسمة الكفر فلو كانت خمرا لكان مستحلها كافرا خارجا عن ~~الملة كمستحل الني المشتد من عصير العنب وفي ذلك دليل على أن اسم الخمر في ~~الحقيقة إنما يتناول ما وصفنا وزعم بعض من ليس معه من الورع إلا تشدده في ~~تحريم النبيذ دون التورع عن أموال الأيتام وأكل السحت أن كتاب الله عز وجل ~~والأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء في الحديث من ~~تفسير الخمر ما هي واللغة القائمة المشهورة والنظر وما يعرفه ذوو الألباب ~~بعقولهم يدل على أن كل شيء أسكر فهو خمر فأما كتاب الله فقوله @QB@ تتخذون ~~منه سكرا @QE@ فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخل فادعى هذا القائل ~~أن كتاب الله يدل على أن ما أسكر فهو خمر ثم تلا الآية وليس في الآية أن ~~السكر ما هو ولا أن السكر خمر فإن كان السكر خمرا على الحقيقة فإنما هو ms1631 ~~الخمر المستحيلة عن عصير العنب لأنه قال @QB@ ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~@QE@ ومع ذلك فإن الآية مقتضية لإباحة السكر المذكور فيها لأنه تعالى اعتد ~~علينا فيها بمنافع النخيل والأعناب كما اعتد بمنافع الأنعام وما خلق فيها ~~من اللبن فلا دلالة في الآية إذا على تحريم PageV04P124 السكر ولا على أن ~~السكر خمر ولو دلت على أن السكر خمر لما دلت على أن الخمر تكون من كل ما ~~يسكر إذ فيها ذكر الأعناب التي منها تكون الخمر المستحيلة من عصيرها فكان ~~دعواها على الكتاب غير صحيحة وذكر من الأحاديث في ذلك ما قدمنا ذكره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف وقد بينا وجهه وذكرنا ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وكل شراب أسكر فهو ~~حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام ونحوها من الأخبار والمعنى في هذه الأخبار ~~حال وجود الإسكار دون غيرها الموافق لما ذكرنا من الأخبار النافية لكونها ~~خمرا وما ذكرنا من دلالة الإجماع وقد تواترت الآثار عن جماعة من عليه السلف ~~شرب النبيذ الشديد منهم عمر وعبدالله وأبو الدرداء وبريدة في آخرين قد ~~ذكرناهم في كتابنا في الأشربة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب من ~~النبيذ الشديد في أخبار أخر فينبغي على قول هذا القائل أن يكونوا قد شربوا ~~خمرا وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا مطين قال حدثنا أحمد بن يونس قال ~~حدثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام فقلنا يا ابن عباس إن هذا النبيذ ~~الذي نشرب يسكرنا قال ليس هكذا إن شرب أحدكم تسعة أقداح لم يسكر فهو حلال ~~فإن شرب العاشر فأسكره فهو حرام حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن ~~موسى قال حدثنا هودة قال حدثنا عوف بن سنان عن أبي الحكم عن بعض الأشعريين ~~عن الأشعري قال بعثني رسول الله صلى الله ms1632 عليه وسلم ومعاذا إلى اليمن فقلت ~~يا رسول الله إنك تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البتع من العسل والمزر من ~~الشعير والذرة يشتد حتى يسكر قال وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع ~~الكلم فقال إنما حرم المسكر الذي يسكر عن الصلاة فأخبر صلى الله عليه وسلم ~~في هذا الحديث أن المحرم منه ما يوجب السكر دون غيره وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا العباس بن بكار قال حدثنا عبدالرحمن ~~بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع فقال حرم الخمر بعينها والسكر من ~~كل شراب وفي هذا الحديث أيضا بيان ما حرم من الأشربة سوى الخمر وهو ما يوجب ~~السكر وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا مسدد ~~قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا سماك بن حرب عن القاسم بن عبدالرحمن عن ~~أبيه عن أبي بردة بن نيار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم = ~~PageV04P125 يقول اشربوا في الظروف ولا تسكروا فقوله اشربوا في الظروف ~~منصرف إلى ما كان حظره من الشرب في الأوعية فأباح الشرب منها بهذا الخبر ~~ومعلوم أن مراده ما يسكر كثيره ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال اشربوا الماء ~~ولا تسكروا إذا كان الماء لا يسكر بوجه ما فثبت أن مراده إباحة شرب قليل ما ~~يسكره كثيره وأما ما روي عن الصحابة من شرب النبيذ الشديد فقد ذكرنا منه ~~طرفا في كتاب الأشربة ونذكر ههنا بعض ما روي فيه حدثنا عبدالباقي بن قانع ~~قال حدثنا حسين بن جعفر القتات قال حدثنا يزيد بن مهران الخباز قال حدثنا ~~أبو بكر بن عياش عن أبي حصين والأعمش عن إبراهيم عن علقمة والأسود قال كنا ~~ندخل على عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فيسقينا النبيذ الشديد وحدثنا ~~عبدالله بن الحسين الكرخي قال حدثنا أبو عون الفرضي قال حدثنا أحمد بن ~~منصور ms1633 الرمادي قال حدثنا نعيم بن حماد قال كنا عند يحيى بن سعيد القطان ~~بالكوفة وهو يحدثنا في تحريم النبيذ فجاء أبو بكر بن عياش حتى وقف عليه ~~فقال أبو بكر أسكت يا صبي حدثنا الأعمش بن إبراهيم عن علقمة قال شربنا عند ~~عبدالله بن مسعود نبيذا صلبا آخره يسكر وحدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون ~~قال شهدت عمر بن الخطاب حين طعن وقد أتي بالنبيذ فشربه قال عجبنا من قول ~~أبي بكر ليحيى أسكت يا صبي وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الشعبي عن سعيد ~~وعلقمة أن أعرابيا شرب من شراب عمر فجلده عمر الحد فقال الأعرابي إنما شربت ~~من شرابك فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ثم شرب منه وقال من رابه من شرابه ~~شيء فليكسره بالماء ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه وقال فيه إنه شرب منه ~~بعد ما ضرب الأعرابي وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا المعمري قال حدثنا ~~محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب قال حدثنا عمر قال حدثني عطاء بن أبي ~~ميمونة عن أنس بن مالك عن أم سليم وأبي طلحة أنهما كانا يشربان نبيذ الزبيب ~~والتمر يخلطانه فقيل له يا أبا طلحة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن هذا فقال إنما نهى عنه للعوز في ذلك الزمان كما نهى عن الإقران وما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير وقد ذكرنا منه طرفا في ~~كتابنا الأشربة وكرهت التطويل بإعادته هنا وما روي عن أحد من الصحابة ~~والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا فيما نعلمه وإنما روي عنهم ~~تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يرد من العصير إلى الثلث إلى أن نشأ ~~PageV04P126 قوم من الحشو تصنعوا عند العامة بالتشديد في تحريمه ولو كان ~~النبيذ محرما لورد النقل به مستفيضا لعموم البلوى كانت به إذ كانت عامة ~~أشربتهم نبيذ التمر والبسر كما ورد تحريم الخمر وقد كانت بلواهم بشرب ~~النبيذ أعم منها بشرب الخمر لقلتها كانت عندهم وفي ذلك ms1634 دليل على بطلان قول ~~موجبي تحريمه وقد استقصينا الكلام في ذلك من سائر وجوهه في الأشربة وأما ~~الميسر فقد روي عن علي أنه قال الشطرنج من الميسر وقال عثمان وجماعة من ~~الصحابة والتابعين النرد وقال قوم من أهل العلم القمار كله من الميسر وأصله ~~من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه وهو السهام التي يجيلونها ~~فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم فربما أخفق بعضهم حتى لا يخطئ ~~بشيء وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر وحقيقته تمليك المال على المخاطرة ~~وهو أصل في بطلان عقود التمليكات الواقعة على الأخطار كالهبات والصدقات ~~وعقود البياعات ونحوها إذا علقت على الأخطار بأن يقول قد بعتك إذا قدم زيد ~~ووهبته لك إذا خرج عمرو لأن معنى إيسار الجزور أن يقول من خرج سهمه استحق ~~من الجزور كذا فكان استحقاقه لذلك السهم منه معلقا على الحظر والقرعة في ~~الحقوق تنقسم إلى معنيين أحدهما تطييب النفوس من غير إحقاق واحد من ~~المقترعين ولا بخس حظه مما اقترعوا عليه مثل القرعة في القسمة وفي قسم ~~النساء وفي تقديم الخصوم إلى القاضي والثاني مما ادعاه مخالفونا في القرعة ~~بين عبيد أعتقهم المريض ولا مال له غيرهم فقول مخالفينا هنا من جنس الميسر ~~المحظورة بنص الكتاب لما فيه من نقل الحرية عمن وقعت عليه إلى غيره بالقرعة ~~ولما فيه أيضا من إحقاق بعضهم وبخس حقه حتى لا يخطئ منه بشيء واستيفاء ~~بعضهم حقه وحق غيره ولا فرق بينه وبين الميسر في المعنى وأما الأنصاب فهي ~~ما نصب للعبادة من صنم أو حجر غير مصور أو غير ذلك من سائر ما ينصب للعبادة ~~وأما الأزلام فهي القداح وهي سهام كانوا يجعلون عليها علامات أفعل ولا تفعل ~~ونحو ذلك فيعملون في سائر ما يهتمون به من أعمالهم على ما تخرجه تلك السهام ~~من أمر أو نهي أو إثبات أو نفي ويستعملونها في الأنساب أيضا إذا شكوا فيها ~~فإن خرج لا نفوه وإن خرج نعم أثبتوه وهي سهام الميسر أيضا ms1635 وأما قوله @QB@ ~~رجس من عمل الشيطان @QE@ فإن الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما لنجاسته وإما ~~لقبح ما يفعل به عباده أو تعظيم لأنه يقال رجس نجس فيراد PageV04P127 ~~بالرجس النجس ويتبع أحدهما الآخر كقولهم حسن بسن وعطشان نطشان وما جرى مجرى ~~ذلك والرجز قد قيل فيه إنه العذاب في قوله تعالى @QB@ لئن كشفت عنا الرجز ~~@QE@ أي العذاب وقد يكون في معنى الرجس كما في قوله @QB@ والرجز فاهجر @QE@ ~~وقوله @QB@ ويذهب عنكم رجز الشيطان @QE@ وإنما قال تعالى @QB@ من عمل ~~الشيطان @QE@ لأنه يدعو إليه ويأمر به فأكد بذلك أيضا حكم تحريمها إذ كان ~~الشيطان لا يأمر إلا بالمعاصي والقبائح والمحرمات وجازت نسبته إلى الشيطان ~~على وجه المجاز إذ كان هو الداعي إليه والمزين له ألا ترى لو أغرى غيره أو ~~نسبه وزينه له جاز أن يقال له هذا من عملك قوله تعالى @QB@ إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر @QE@ الآية فإنما ~~يريد به ما يدعو الشيطان إليه ويزينه من شرب الخمر حتى يسكر منها شاربها ~~فيقدم على القبائح ويعربد على جلسائه فيؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء وكذلك ~~القمار يؤدي إلى ذلك قال قتادة كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر ويبقى ~~حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء ومن الناس من يستدل به على تحريم ~~النبيذ إذ كان السكر منه يوجب من العداوة والبغضاء مثل ما يوجبه السكر في ~~الخمر وهذا المعنى لعمري موجود فيما يوجب السكر منه غير موجود فيما لا ~~يوجبه ولا خلاف في تحريم ما يوجب السكر منه وأما قليل الخمر فليست هذه ~~العلة موجودة فيه فهو محرم لعينه وليس فيه علة تقتضي تحريم قليل النبيذ ~~قوله تعالى @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا @QE@ ~~قال ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك لما حرم الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم فقالت الصحابة كيف بمن مات منا ms1636 وهم ~~يشربونها فأنزل الله تعالى هذه الآية وروى عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن ~~السلمي عن علي إن قوما شربوا بالشام وقالوا هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية ~~فأجمع عمر وعلي على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا وروى الزهري قال ~~أخبرني عبدالله بن عامر بن ربيعة أن الجارود سيد بني عبدالقيس وأبا هريرة ~~شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد عمر أن يجلده فقال قدامة ليس ~~لك ذلك لأن الله تعالى يقول @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~@QE@ الآية فقال عمر إنك قد أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما ~~حرم الله تعالى عليك فلم يحكموا على قدامة بحكمهم PageV04P128 على الذين ~~شربوها بالشام ولم يكن حكمه حكمهم لأن أولئك شربوها مستحلين لها ومستحل ما ~~حرم الله كافر فلذلك استتابوهم وأما قدامة بن مظعون فلم يشربها مستحلا ~~لشربها وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو عليها ووجود الصفة التي ذكر ~~الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه وهو قوله تعالى @QB@ ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين @QE@ فكان ~~عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع اعتقاده ~~لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ثلاث مرات ~~والمراد بكل واحد منهما غير المراد بالأخرى فأما الأول فمن اتقى فيما سلف ~~والثاني الاتقاء منهم في مستقبل الأوقات والثالث اتقاء ظلم العباد والإحسان ~~إليهم # | باب الصيد للمحرم # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~@QE@ قيل في موضع من ههنا أنها للتبعيض بأن يكون المراد صيد البر دون صيد ~~البحر وصيد الإحرام دون صيد الإحلال وقيل إنها للتمييز كقوله تعالى @QB@ ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان @QE@ وقولك باب من حديد وثوب من قطن وجائز أن ~~يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا كالبيض والفرخ لأن البيض من ~~الصيد وكذلك ms1637 الفرخ والريش وسائر أجزائه فتكون الآية شاملة لجميع هذه ~~المعاني ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال ~~الإحرام ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ ~~والوبر وغيره وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ تناله أيديكم @QE@ ~~قال فراخ الطير وصغار الوحش وقال مجاهد الفرخ والبيض وقد روي عن علي رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس بيضان فقال إنا ~~محرمون وإنا لا نأكل فلم يقبلها وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه المحرم بقيمته وروي عن ~~عمر وعبدالله بن مسعود وابن عباس وأبي موسى في بيض النعامة يصيبه المحرم أن ~~عليه قيمته ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك وقوله تعالى @QB@ ورماحكم ~~@QE@ قال ابن عباس كبار الصيد قوله تعالى @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ~~@QE@ PageV04P129 قيل فيه ثلاثة أوجه كلها محتمل أحدها محرمون بحج أو عمرة ~~والثاني دخول الحرم يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم كما يقال أنجد إذا أتى ~~نجدا وأعرق إذا أتى العراق وأتهم إذا أتى تهامة والثالث الدخول في الشهر ~~الحرام كما قال الشاعر % قتل الخليفة محرما % # | يعني في الشهر الحرام وهو يريد عثمان بن عفان رضي الله عنه ولا خلاف أن ~~الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد والوجهان ~~الأولان مرادان وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صيد الحرم ~~للحلال والمحرم فدل أنه مراد بالآية لأنه متى ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب غير مبتدأ ~~وقوله عز وجل @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ يقتضي عمومه صيد البر ~~والبحر لولا ما خصه بقوله أحل لكم صيد البحر وطعامه فثبت أن المراد بقوله ~~@QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ صيد البر خاصة دون صيد البحر وقد دل ms1638 ~~قوله @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ أن كل ما يقتله المحرم من الصيد ~~فهو غير ذكي لأن الله تعالى سماه قتلا والمقتول لا يجوز أكله وإنما يجوز ~~أكل المذبوح على شرائط الذكاة وما ذكي من الحيوان لا يسمى مقتولا لأن كونه ~~مقتولا يفيد أنه غير مذكى وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس يقتلهن ~~المحرم في الحل والحرم قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل لأنه مقتول ~~غير مذكى ولو كان مذكى كانت إفاتة روحه لا تكون قتلا ولم يكن يسمى بذلك ~~وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لله علي ذبح شاة أن عليه أن يذبح ولو قال لله ~~علي قتل شاة لم يلزمه شيء وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لله علي ذبح ولدي أو ~~نحره فعليه شاة ولو قال لله علي قتل ولدي لم يلزمه شيء لأن اسم الذبح متعلق ~~بحكم الشرع في الإباحة والقربة وليس كذلك القتل وروي عن سعيد بن المسيب في ~~قوله @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ قال قتله حرام في هذه الآية ~~وأكله حرام في هذه الآية يعني أكل ما قتله المحرم منه وروى أشعث عن الحسن ~~قال كل صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله وروى عنه يونس أيضا ~~أنه لا يؤكل وروى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم قال ~~يأكله الحلال وعن عطاء إذا أصاب المحرم الصيد لا يأكله الحلال وقال الكم ~~وعمرو بن دينار يأكله الحلال وهو قول سفيان وقد ذكرنا PageV04P130 دلالة ~~الية على تحريم ما اصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى ويدل على أن ~~تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي ~~والوثني وما ترك فيه التسمية أو شيء من شرائط الذكاة ليس بمنزلة الذبح ~~بسكين مغصوبة لأن تحريمه تعلق بحق آدمي ألا ترى أنه لو أباحه جاز فلم يمنع ~~صحة الذكاة إذ كانت الذكاة حقا لله تعالى فشروطها ما كان حقا لله تعالى ms1639 # باب ما يقتله المحرم $ # قوله تعالى @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ لما كان خاصا في صيد ~~البر دون صيد البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص اقتضى عمومه تحريم ~~سائر صيد البر إلا ما خصه الدليل وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد ~~وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم ~~الحية والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور على اختلاف منهم في بعضها وفي ~~بعضها هن فواسق وروي عن أبي هريرة قال الكلب العقور والأسد وروى حجاج بن ~~أرطاة عن وبرة قال سمعت ابن عمر يقول أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الذئب والفأرة والغراب والحدأة فذكر في هذا الحديث الذئب وذكر القعنبي عن ~~مالك قال الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس وعدا عليهم مثل ~~الأسد والنمر والذئب وهو الكلب العقور وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل ~~الضبع والثعلب والهرة وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم فإن قتل منهن ~~شيئا فداه قال أبو بكر قد تلقى الفقهاء هذا الخبر بالقبول واستعملوه في ~~إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم وقد اختلف في الكلب العقور فقال أبو هريرة ~~على ما قدمنا الرواية فيه أنه الأسد ويشهد لهذا التأويل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال أكلك كلب الله فأكله الأسد قيل له ~~إن الكلب العقور هو الذئب وروي في بعض أخبار ابن عمر في موضع الكلب الذئب ~~ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك كلبا من شأنه العدو على الناس وعقرهم وهذا ~~صفة الذئب فأولى الأشياء بالكلب ههنا الذئب وقد دل على أن كل ما عدا على ~~المحرم وابتدأه بالأذى فجائز له قتله من غير فدية لأن فحوى ذكره الكلب ~~العقور يدل عليه وكذلك قال أصحابنا فيمن ابتدأه السبع فقتله فلا شيء عليه ~~وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه الجزاء لعموم قوله تعالى @QB@ لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم @QE@ واسم الصيد واقع على كل ms1640 ممتنع الأصل متوحش ~~PageV04P131 ولا يختص بالمأكول منه دون غيره ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم @QE@ فتعلق الحكم منه ~~بما تناله أيدينا ورماحنا ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل ثم خص ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء المذكورة في الخبر وذكر معها الكلب ~~العقور فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب العقور دليلا على أن كل ما ~~ابتدأ الإنسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله لأن الأشياء المذكورة من ~~شأنها أن تبتدئ بالأذى فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب وإن كانت قد لا ~~تبتدئ في حال لأن الأحكام إنما تتعلق في الأشياء بالأعم الأكثر ولا حكم ~~للشاذ النادر ثم لما ذكر الكلب العقور وقيل هو الأسد فإنما أباح قتله إذا ~~قصد بالعقر والأذى وإن كان الذئب فذلك من شأنه في الأغلب فما خصه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية وما لم ~~يخصه ولم تقم دلالة تخصيصه فهو محمول على عمومها ويدل عليه حديث جابر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم وقد نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع والضبع من ذي ~~الناب من السباع وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كبشا فإن قيل هلا قست ~~على الخمس ما كان في معناها وهو مالا يؤكل لحمه قيل له إنما خص هذه الأشياء ~~الخمسة من عموم الآية وغير جائز عندنا القياس على المخصوص إلا أن تكون علته ~~مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص فلما لم تكن للخمس علة مذكورة فيها لم ~~يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل وقد بينا وجه دلالته على ما يبتدئ ~~الإنسان بالأذى من السباع وكونه غير مأكول اللحم لم تقم عليه دلالة من فحوى ~~الخبر ولا علته مذكورة فيه فلم يجز اعتباره وأيضا فإنه لا خلاف فيما ابتدأ ~~المحرم في سقوط الجزاء فجاز تخصيصه بالإجماع وبقي ms1641 حكم عموم الآية فيما لم ~~يخصه الخبر ولا الإجماع وعن أصحابنا من يأبى القياس في مثله لأنه حصره بعدد ~~فقال خمس يقتلهن المحرم وفي ذلك دليل على أن ما عداه محظور فغير جائز ~~استعمال القياس في إسقاط دلالة اللفظ ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه غير ~~مأكول لأن ذلك نفي والنفي لا يكون علة وإنما العلل أوصاف ثابتة في الأصل ~~المعلول وأما نفي الصفة فليس يجوز أن يكون علة فإن غير الحكم بإثبات وصف ~~وجعل العلة أنه محرم الأكل لم يصح ذلك أيضا لأن التحريم هو الحكم بنفي ~~الأكل فلم يخل من أن يكون نافيا للصفة فلم يصح الاعتلال بها PageV04P132 ~~وزعم الشافعي أن مالا يؤكل من الصيد فلا جزاء على المحرم فيه قوله تعالى ~~@QB@ ومن قتله منكم متعمدا @QE@ قال أبو بكر اختلف الناس في ذلك على ثلاثة ~~أوجه فقال قائلون وهم الجمهور سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه الجزاء وجعلوا ~~فائدة تخصيصه العمد بالذكر في نسق التلاوة من قوله تعالى @QB@ ومن عاد ~~فينتقم الله منه @QE@ وذلك يختص بالعمد دون الخطأ لأن المخطئ لا يجوز أن ~~يلحقه الوعيد فخص العمد بالذكر وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع ~~الوعيد إليه وهو قول عمر وعثمان والحسن رواية وإبراهيم وفقهاء الأمصار ~~والقول الثاني ما روى منصور عن قتادة عن رجل قد سماه عن ابن عباس أنه كان ~~لا يرى في الخطأ شيئا وهو قول طاوس وعطاء وسالم والقاسم وأحد قولي مجاهد في ~~رواية جابر الجعفي عنه والقول الثالث ما روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد ومن قتله منكم متعمدا قال إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه ~~الجزاء وإن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتله فلا جزاء عليه وفي بعض الروايات ~~قد فسدت حجه وعليه الهدي وقد روي عن الحسن نحو قول مجاهد في أن الجزاء إنما ~~يجب إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه والقول الأول هو الصحيح لأنه قد ثبت ~~أن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغير المعذور في باب ms1642 وجوب الفدية ~~ألا ترى أن الله تعالى قد عذر المريض ومن به أذى من رأسه ولم يخلهما من ~~إيجاب الكفارة وكذلك لا خلاف في فوات الحج لعذر أو غيره أنه غير مختلف ~~الحكم ولما ثبت ذلك في جنايات الإحرام وكان الخطأ عذرا لم يكن مسقطا للجزاء ~~فإن قال قائل لا يجوز عندكم إثبات الكفارات قياسا وليس في المخطئ نص في ~~إيجاب الجزاء قيل له ليس هذا عندنا قياسا لأن النص قد ورد بالنهي عن قتل ~~الصيد في قوله @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ وذلك عندنا يقتضي إيجاب ~~البدل على متلفه كالنهي عن قتل صيد الآدمي أو إتلاف ماله يقتضي إيجاب البدل ~~على متلفه فلما جرى الجزاء في هذا الوجه مجرى البدل وجعله الله مثلا للصيد ~~اقتضى النهي عن قتله إيجاب بدل على متلفه ثم ذلك البدل يكون الجزاء ~~بالاتفاق وأيضا فإنه لما ثبت استواء حال المعذور وغير المعذور في سائر ~~جنايات الإحرام كان مفهوما من ظاهر النهي تساوي حال العامد والمخطئ وليس ~~ذلك عندنا قياسا كما أن حكمنا في غير بريرة بما حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بريرة ليس بقياس وكذلك حكما في العصفور بحكم الفأرة وحكما في الزيت ~~بحكم السمن إذا مات فيه ليس PageV04P133 هو قياسا على الفأرة وعلى السمن ~~لأنه قد ثبت تساوي ذلك قبل ورود الحكم بما وصفنا فإذا ورد في شيء منه كان ~~حكما في جميعه ولذلك قال أصحابنا إن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء ~~صوم الآكل ناسيا هو حكم فيه ببقاء صوم المجامع ناسيا لأنهما غير مختلفين ~~فيما يتعلق بهما من الأحكام في حال الصوم وكذلك قالوا فيمن سبقه الحدث في ~~الصلاة من بول أو غائط أنه بمنزلة الرعاف والقيء اللذين جاء فيهما الأثر في ~~جواز البناء عليها لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة ~~والصلاة فلما ورد الأثر في بعض ذلك كان ذلك حكما في جميعه وليس ذلك بقياس ~~كذلك حكم قاتل الصيد خطأ وأما المجاهد فإنه ms1643 تارك لظاهر الآية لأن الله ~~تعالى قال @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ فمن ~~كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتل الصيد فقد شمله الاسم فواجب عليه الجزاء ولا ~~معنى لاعتبار كونه ناسيا لإحرامه عامدا لقتله فإن قال قائل نص الله تعالى ~~على كفارة قاتل الخطأ فلم تردوا عليه قاتل العمد كذلك لما نص الله تعالى ~~على قاتل العمد بإيجاب الجزاء لم يجز إيجابها على قاتل الخطأ قيل له الجواب ~~عن هذا من وجوه أحدها أن الله تعالى لما نص الله على حكم كل واحد من ~~القتلين وجب استعمالهما ولم يجز قياس أحدهما على الآخر لأنه غير جائز عندنا ~~قياس المنصوصات بعضها على بعض ومن جهة أخرى أن قتل العمد لم يخل من إيجاب ~~القود الذي هو أعظم من الكفارة والدية ومتى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب ~~الجزاء لم يجب عليه شيء آخر فيكون لغوا عاريا من حكم وذلك غير جائز وأيضا ~~فإن أحكام القتل في الأصول مختلفة في العمد والخطأ والمباح والمحظور ولم ~~يختلف ذلك في الصيد فلذلك استوى حكم العمد والخطأ فيه واختلف في قتل الآدمي ~~قوله تعالى @QB@ فجزاء مثل ما قتل @QE@ اختلف في المراد بالمثل فروي عن ابن ~~عباس أن المثل نظيره في الأروى بقرة وفي الظبية شاة وفي النعامة بعير وهو ~~قول سعيد بن جبير وقتادة في آخرين من التابعين وهو قول مالك ومحمد بن الحسن ~~والشافعي وذلك فيما له نظير من النعم فأما مالا نظير له منه كالعصفور ونحوه ~~ففيه القيمة وروى الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل أنه القيمة ~~دراهم وروي عن مجاهد رواية أخرى أنه الهدي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف المثل ~~هو القيمة ويشتري بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما وأعطى كل مسكين ~~نصف صاع وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما قال أبو بكر PageV04P134 المثل اسم ~~يقع على القيمة وعلى النظير من جنسه وعلى نظيره من النعم ووجدنا المثل الذي ~~يجب في الأصول على ms1644 أحد وجهين إما من جنسه كمن استهلك لرجل حنطة فيلزمه أن ~~مثلها وإما من قيمة كمن استهلك ثوبا أو عبدا والمثل من غير جنسه ولا قيمة ~~خارج عن الأصول واتفقوا أن المثل من جنسه غير واجب فوجب أن يكون المثل ~~المراد بالآية هو القيمة وأيضا لما كان ذلك متشابها محتملا للمعاني وجب ~~حمله على ما اتفقوا على معناه من المثل المذكور في القرآن وهو قوله تعالى ~~@QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ فلما كان ~~المثل في هذا الموضع فيما لا مثل له من جنسه هو القيمة وجب أن يكون المثل ~~المذكور للصيد محمولا عليه من وجهين أحدهما أن المثل في آية الاعتداء محكم ~~متفق على معناه بين الفقهاء وهذا متشابه يجب رده إلى غيره فوجب أن يكون ~~مردودا على ما اتفق على معناه منه والوجه الثاني أنه قد ثبت أن المثل اسم ~~للقمية في الشرع ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم فوجب حمله على ما قد ثبت ~~اسما له ولم يجز حمله على ما لم يثبت أنه اسم له وأيضا قد اتفقوا أن القيمة ~~مرادة بهذا المثل فيما لا نظير له من النعم فوجب أن تكون هي المرادة من ~~وجهين أحدهما أنه قد ثبت أن القيمة مرادة فهو بمنزلة لو نص عليها فلا ينتظم ~~النظير من النعم والثاني أنه لما ثبت أن القيمة مرادة انتفى النظير من ~~النعم لاستحالة إرادتهما جميعا في لفظ واحد لأنهم متفقون على أن المراد ~~أحدهما من قيمة أو نظير من النعم ومتى ثبت أن القيمة مرادة انتفى غيرها ومن ~~جهة أخرى أن قوله تعالى @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ لما كان عاما ~~فيما له نظير وفيما لا نظير له ثم عطف عليه قوله @QB@ ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل @QE@ وجب أن يكون ذلك المثل عاما في جميع المذكور والقيمة ~~بذلك أولى لأنه إذا حمل على القيمة كان المثل عاما في جميع المذكور وإذا ~~حمل على النظير كان خاصا في ms1645 بعضه دون بعض وحكم اللفظ استعماله على عمومه ما ~~أمكن ذلك فلذلك وجب أن يكون اعتبار القيمة أولى ومن اعتبر النظير جعل اللفظ ~~خاصا في بعض المذكور دون البعض فإن قيل إذا كان اسم المثل يقع على القيمة ~~تارة وعلى النظير أخرى فمن استعملهما فيما له نظير على النظير وفيما لا ~~نظير له من النعم على القيمة فلم يخل من استعمال لفظ المثل على عمومه إما ~~في القيمة أو المثل قيل له ليس كذلك بل هو مستعمل في القيمة على الخصوص وفي ~~النظير على PageV04P135 الخصوص أيضا واستعماله على العموم في جميع ما ~~انتظمه الاسم باعتبار القيمة أولى من استعماله على الخصوص في كل واحد من ~~المعنيين فإن قال قائل المثل اسم للنظير وليس باسم للقيمة وإنما أوجبت ~~القيمة فيما لا نظير له من الصيد بالإجماع لا بالآية قيل له هذا غلط من ~~وجوه أحدها أن الله تعالى قد سمى القيمة مثلا في قوله تعالى @QB@ فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ واتفق فقهاء الأمصار فيمن ~~استهلك عبدا أن عليه قيمته وحكم النبي صلى الله عليه وسلم على معتق عبد ~~بينه وبين غيره بنصف قيمته إذا كان موسرا فبان بذلك غلط هذا القائل في نفيه ~~اسم المثل عن القيمة ووجه آخر وهو أن قولك إن الآية لم تقتض إيجاب الجزاء ~~فيما لا نظير له تخصيص لها بغير دليل مع دخول ذلك في عموم قوله @QB@ لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ وقوله @QB@ ومن قتله منكم متعمدا @QE@ والهاء ~~في قتله كناية عن جميع المذكور من الصيد فإذا خرجت منه بعضه فقد خصصته بغير ~~دليل وذلك غير سائغ ويدل على أن المثل القيمة دون النظير أن جماعة من ~~الصحابة قد روي عنهم في الحمامة شاة ولا تشابه بين الحمامة والشاة في ~~المنظر فعلمنا أنهم أوجبوها على وجه القيمة فإن قيل روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه جعل في الضبع كبشا قيل له لأن تلك كانت قيمته ولا دلالة فيه ~~على أنه ms1646 أوجبه من حيث كان نظيرا له فإن قال قائل إنما كان يسوغ هذا التأويل ~~وحمل الآية على القيمة ولم يكن في الآية بيان المراد بالمثل وقد فسر في نسق ~~الآية معنى المثل في قوله @QB@ فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ فأخبر أن ~~المثل من النعم ولا مساغ للتأويل مع النص قيل له إنما كان يكون على ما ~~ادعيت لو اقتصر على ذلك ولم يصله بما أسقط دعواك وهو قوله @QB@ من النعم ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما @QE@ فلما وصله بما ذكر وأدخل عليه حرف التخيير ثبت بذلك أن ذكر ~~النعم ليس على وجه التفسير للمثل ألا ترى أنه قد ذكر الطعام والصيام جميعا ~~وليسا مثلا وأدخل أو بينهما وبين النعم ولا فرق إذ كان ذلك ترتيب الآية بين ~~أن يقول فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا لأن تقديم ذكر ~~النعم في التلاوة لا يوجب تقديمه في المعنى بل الجميع كأنه مذكور معا ألا ~~ترى أن قوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ لم يقتض كون الطعام مقدما على الكسوة ~~ولا الكسوة مقدمة على العتق في المعنى بل الكل كأنه PageV04P136 مذكور بلفظ ~~واحد معا فكذلك قوله @QB@ فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ موصولا بقوله ~~@QB@ يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين @QE@ لم ~~يكن ذكر النعم تفسيرا للمثل وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ فجزاء مثل ما قتل ~~@QE@ كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره وقوله @QB@ من النعم يحكم ~~به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين @QE@ يمكن استعماله ~~على غير وجه التفسير للمثل فلم يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم مع استغناء ~~الكلام عنه لأن كل كلام فله حكم غير جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة تقوم ~~عليه سواه وأيضا قوله @QB@ من النعم @QE@ معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم ~~فمعناه من ms1647 النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا إن أراد الهدي والطعام إن أراد ~~الطعام فليس هو إذا تفسيرا للمثل كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل ~~المذكور فإن قيل روي عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا في النعامة ببدنة ~~ومعلوم أن القيم تختلف وقد أطلقوا القول في ذلك من غير اعتبار الصيد في ~~زيادة القيمة ونقصانها قيل له فما تقول أنت هل توجب في كل نعامة بدنة من ~~غير اعتبار الصيد في ارتفاع قيمته وانخفاضها فتوجب في أدنى النعامة بدنة ~~رفيعة وتوجب في أرفع النعام بدنة وضيعة فإن قيل لا وإنما أوجب بدنة على قدر ~~النعامة فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة وإن كانت وضيعة فبدنة على قدرها قيل له ~~فقد خالفت الصحابة لأنهم لم يسئلوا عن حال الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة ~~منها والدنية فاعتبرت خلاف ما اعتبروا فإن قيل هذا محمول على أنهم حكموا ~~بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله الراوي قيل له ~~فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا بالبدنة لأن ذلك كان قيمتها في ~~ذلك الوقت وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة ~~النعامة ويقال لهم هل يدل حكمهم في النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من ~~الطعام والصيام فإن قالوا لا قيل لهم فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير دال على ~~نفي جواز القيمة # فصل وقرئ قوله تعالى @QB@ فجزاء مثل @QE@ برفع المثل وقرئ بخفضه وإضافة ~~الجزاء إليه والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا ~~للمجازى فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة ~~أو النظير من النعم على اختلافهم فيه ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى ~~المثل فكان ما يخرجه من PageV04P137 الواجب مضافا إلى المثل المذكور ويحتمل ~~أن يكون الجزاء الذي هو الواجب مضافا إلى المثل والمثل يكون مثلا للصيد ~~فيفيد أن الصيد ميتة محرم لا قيمة له وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في ~~إيجاب القيمة فالإضافة صحيحة المعنى ms1648 في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو ~~مصدرا والنعم من الإبل والبقر والغنم وقوله تعالى @QB@ يحكم به ذوا عدل ~~منكم @QE@ يحتمل القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم لأن القيم ~~تختلف على حسب اختلاف أحوال الصيد فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى استيناف ~~حكم الحكمين في تقويمه ومن قال بالنظر فرجع إلى قول الحكمين لا ختلاف الصيد ~~في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع منه من النير وفي الوسط ~~الوسط وفي الدني الدني وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد الحكمين وروي عن ابن أبي ~~مليكة عن ابن عباس وابن عمر قالا في محرم قتل قطاة فيه ثلثا مد وثلثا مد ~~خير من قطاة في بطن مسكين وروى معمر عن صدقة بن يسار قال سألت القاسم ~~وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ناسيا فقال أحدهما لصاحبه أحجلة في بطن رجل ~~خير أو ثلثا مد فقال بل ثلثا مد فقال هي خير أو نصف مد قال بل نصف مد قال ~~هي خير أو ثلث مد قال قلت أتجزي عني شاة قالا أو تفعل ذلك قلت نعم قالا ~~فاذهب وروي أن عمر وضع رداءه على عود في دار الندوة فأطار حماما فقتله حار ~~فقال لعثمان ونافع بن عبدالحارث احكما علي فحكما بعناق بنية عفراء فأمر بها ~~عمر وروى عبدالملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أن محرما قتل ظبيا فسأل عمر ~~رجلا إلى جنبه ثم أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها قال قبيصة فلما قمنا من ~~عنده قلت له أيها المستفتي ابن الخطاب إن فتيا ابن الخطاب لم تغن عنك من ~~الله شيئا شيئا فانحر ناقتك وعظم شعائر الله فوالله ما علم ابن الخطاب ما ~~يقول حتى سأل الرجل الذي إلى جنبه فقمت إلى عمر وإذا عمر قد أقبل ومعه ~~الدرة على صاحبي صفعا وهو يقول قاتلك الله أتقتل الحرام وتعدى الفتيا وتقول ~~ما علم عمر حتى سأل من إلى جنبه أما تقرأ @QB@ يحكم به ذوا عدل منكم ms1649 @QE@ ~~فهذا يدل على أن حكم الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد ألا ترى أن عمر وابن ~~عباس وابن عمر والقاسم وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في ~~المقدار الواجب فلما اتفق رأيهما على شيء حكما به وهذا يدل على جواز ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما ~~يجب فيه ويدل أيضا على أن تقويم المستهلكات PageV04P138 موكول إلى الاجتهاد ~~عدلين يحكمان به على المستهلك كما أوجب الرجوع إلى قول الحكمين في تقديم ~~الصيد والحكمان عند أبي حنيفة يحكمان عليه بالقيمة ثم يختار المحرم ما شاء ~~من هدي أو طعام أو صيام وقال محمد الحكمان يحكمان بما يريان من هدي أو طعام ~~أو صيام فإن حكما بالهدي كان عليه أن يهدي وأما قوله تعالى @QB@ هديا بالغ ~~الكعبة @QE@ فإن الهدي من الإبل والبقر والغنم وقال الله تعالى @QB@ فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي @QE@ ولا خلاف أن له أن يهدي من أحد هذه ~~الأصناف أيها شاء منها هذا في الإحصار فأما في جزاء الصيد فإن من يجعل ~~الواجب عليه قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك فإن اختار الهدي وبلغت قيمته ~~بدنة نحرها وإن لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها ~~وإن اشترى بالقيمة جماعة شاة أجزأه ومن يوجب النظير من النعم فإنه أحكم ~~عليه بالهدي أهدي بما حكم به من بدنة أو بقرة أو شاة وقد اختلف في السن ~~الذي يجوز في جزاء الصيد فقال أبو حنيفة لا يجوز أن يهدي إلا ما يجزي في ~~الأضحية وفي الإحصار والقران وقال أبو يوسف ومحمد يجزي الجفرة والعناق على ~~قدر الصيد والدليل على صحة الأول أن ذلك هدي تعلق وجوبه بالإحرام وقد ~~اتفقوا في سائر الهدايا التي تعلق وجوبها بالإحرام أنها لا يجزي منها إلا ~~ما يجزي في الأضاحي وهو الجذع من الضأن أو الثني من المعز والإبل والبقر ~~فصاعدا فكذلك هدي جزاء الصيد وأيضا لما سماه الله تعالى هديا على الإطلاق ~~كان بمنزلة ms1650 سائر الهدايا المطلقة في القرآن فلا يجزي دون السن الذي ذكرنا ~~وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ما روي عن جماعة من الصحابة أن في اليربوع جفرة ~~وفي الأرنب عناق وعلى أنه لو أهدى شاء فولدت ذبح ولدها فأما ما روي عن ~~الصحابة فجائز أن يكون على وجه القيمة وأما ولد الهدي فإنه تبع لها فيسري ~~الحق الذي في الأم من جهة التبع وليس يجوز اعتبار ما كان أصلا في نفسه ~~بالاتباع ألا ترى أنه يصح أن يكون ابن أم الولد بمنزلة أمه في كونه غير مال ~~وعتقه بموت المولى من غير سعاية ولا يصح ابتداء إيجاب هذا الحكم له على غير ~~وجه التبع والدخول في حكم الأم وكذلك ولد المكاتبة هو مكاتب وهو علوق ولو ~~ابتدأ كتابة العلوق لم يصح ونظائر ذلك كثيرة وقوله تعالى @QB@ بالغ الكعبة ~~@QE@ صفة للهدي وبلوغه الكعبة ذبحه في الحرم لا خلاف في ذلك وهذا يدل على ~~أن الحرم كله بمنزلة الكعبة في الحرمة وأنه لا يجوز بيع رباعها لأنه ~~PageV04P139 عبر بالكعبة عن الحرم وهو كما روي عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الحرم كله مسجد وكذلك قوله تعالى @QB@ فلا يقربوا المسجد ~~الحرام @QE@ المراد به الحرم كله ومعالم الحج لأنهم منعوا بهذه الآية من ~~الحج وقد اختلف في مواضع تقويم الصيد فقال إبراهيم يقوم في المكان الذي ~~أصابه فإن كان في فلاة ففي أقرب الأماكن من العمران إليها وهو قول أصحابنا ~~وقال الشعبي يقوم بمكة أو بمنى الأول هو الصحيح لأنه كتقويم المستهلكات ~~فيعتبر الموضع الذي وقع فيه الإستهلاك ولا في الموضع الذي يؤدي فيه القيمة ~~ولأن تخصيص مكة ومنى من بين سائر البقاع تخصيص الآية بغير دليل فلا يجوز ~~فإن قال قائل روي عن عمر وعبدالرحمن بن عوف أنهما حكما في الظبي بشاة ولم ~~يسئلا السائل عن الموضع الذي قتله فيه قيل له يجوز أن يكون السائل سأل عن ~~قتله في موضع علم أن قيمته فيه شاة وأما قوله تعالى @QB@ أو ms1651 كفارة طعام ~~مساكين @QE@ فإنه قرئ كفارة بالإضافة وقرىء بالتنوين بلا إضافة وقد اختلف ~~في تقدير الطعام فقال ابن عباس رواية إبراهيم وعطاء ومجاهد ومقسم يقوم ~~الصيد دراهم ثم يشترى بالدراهم طعام فيطعم كل مسكين نصف صاع وروي عن ابن ~~عباس رواية يقوم الهدي ثم يشتري بقيمة الهدي طعاما وروي مثله عن مجاهد أيضا ~~والأول قول أصحابنا والثاني قول الشافعي والأول أصح وذلك لأن جميع ذلك جزاء ~~الصيد فلما كان الهدي من حيث كان جزاء معتبرا بالصيد إما في قيمته أو في ~~نظيره وجب أن يكون الطعام مثله لأنه قال @QB@ فجزاء مثل ما قتل @QE@ إلى ~~قوله @QB@ أو كفارة طعام مساكين @QE@ فجعل الطعام جزاء وكفارة كالقيمة ~~فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدي إذ هو بدل من الصيد وجزاء عنه ~~لا من الهدي وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار الطعام ~~إنما هو بقيمة الصيد فكذلك فيما له نظير لأن الآية منتظمة للأمرين فلما ~~اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار الطعام بقيمة الصيد كان الآخر مثله وقال ~~أصحابنا إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع ~~من بر ولا يجزيه أقل من ذلك ككفارة اليمين وفدية الأذى وقد بيناه فيما سلف ~~وقوله تعالى @QB@ أو عدل ذلك صياما @QE@ فإنه روي عن ابن عباس وإبراهيم ~~وعطاء ومجاهد ومقسم وقتادة أنهم قالوا لكل نصف صاع يوما وهو قول أصحابنا ~~وروي عن عطاء أيضا أنه قال لكل مد يوما وما ذكره الله تعالى في هذه الآية ~~من الهدي والإطعام والصيام فهو PageV04P140 على التخيير لأن أو يقتضي ذلك ~~كقوله تعالى في كفارة اليمين @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك @QE@ وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن وإبراهيم ~~رواية وهو قول أصحابنا وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها على الترتيب وروي ~~عن مجاهد والشعبي والسدي مثله وعن إبراهيم رواية أخرى أنها ms1652 على الترتيب ~~والصحيح هو الأول لأنه حقيقة اللفظ ومن حمله على الترتيب زاد فيه ما ليس ~~منه ولا يجوز إلا بدلالة قوله تعالى @QB@ ومن عاد فينتقم الله منه @QE@ روي ~~عن ابن عباس والحسن وشريح إن عاد عمدا لم يحكم عليه والله تعالى ينتقم منه ~~وقال إبراهيم كانوا يسئلون هل أصبت شيئا قبله فإن قال نعم لم يحكمون عليه ~~وإن قال لا حكم عليه وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد يحكم عليه أبدا وسأل ~~عمر قبيصة بن جابر عن صيد أصابه وهو محرم فسأل عمر عبدالرحمن بن عوف ثم حكم ~~عليه ولم يسئله هل أصبت قبله شيئا وهو قول فقهاء الأمصار وهو الصحيح لأن ~~قوله تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء @QE@ يوجب الجزاء في كل مرة ~~كقوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ~~@QE@ وذكره الوعيد للعائد لا ينافي وجوب الجزاء ألا ترى أن الله تعالى قد ~~جعل حد المحارب جزاء له بقوله @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~@QE@ ثم عقبه بذكر الوعيد بقوله @QB@ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم @QE@ فليس إذا في ذكر الانتقام من العائد نفي لإيجاب الجزاء وعلى ~~أن قوله تعالى @QB@ ومن عاد فينتقم الله منه @QE@ لا دلالة فيه على أن ~~المراد العائد إلى قتل الصيد بعد قتله لصيد آخر قبله لأن قوله @QB@ عفا ~~الله عما سلف @QE@ يحتمل أن يريد به عفا الله عما سلف قبل التحريم ومن عاد ~~يعني بعد التحريم وإن كان أول صيد بعد نزول الآية وإذا كان فيه احتمال ذلك ~~لم يدل على أن العائد في قتل الصيد بعد قتله مرة أخرى ليس عليه إلا ~~الإنتقام # فصل قوله تعالى @QB@ ليذوق وبال أمره @QE@ يحتج به لأبي حنيفة في المحرم ~~إذا أكل من الصيد الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به لأن الله ~~تعالى أخبر أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله ~~فإذا أكل منه فقد رجع من الغرم ms1653 في مقدار ما أكل منه فهو غير ذائق بذلك وبال ~~أمره لأن من غرم شيئا وأخذ PageV04P141 مثله لا يكون ذائقا وبال أمره فدل ~~ذلك على صحة قوله وقال أصحابنا إن شاء المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام ~~يوما وإن شاء صام عن بعض وأطعم بعضا فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام ~~وفرقوا بينه وبين الصيام في كفارة اليمين مع الإطعام فلم يجيزوا الجمع ~~بينهما وفرقوا أيضا بينه وبين العتق والطعام في كفارة اليمين بأن يعتق نصف ~~عبد ويطعم خمسة مساكين فأما الصوم في جزاء الصيد فإنما أجازوا الجمع بينه ~~وبين الطعام من قبل إن الله تعالى جعل الصيام عدلا للطعام ومثلا له بقوله ~~@QB@ أو عدل ذلك صياما @QE@ ومعلوم أنه لم يرد بقوله @QB@ عدل ذلك @QE@ أن ~~يكون مثلا له في حقيقة معناه إذ لا تشابه بين الصيام وبين الطعام فعلمنا أن ~~المراد المماثلة بينهما في قيامه مقام الطعام ونيابته عنه لمن صام بعضا ~~فكأنه قد أطعم بقدر ذلك فجاز ضمه إلى الطعام فكان الجميع طعاما وأما الصيام ~~في كفارة اليمين فإنما يجوز عند عدم الطعام وهو بدل منه فغير جائز الجمع ~~بينهما إذ لا يخلو من أن يكون واجدا أو غير واجد فإن كان واجدا للطعام لم ~~يجزه الصيام وإن كان غير واجد فالصوم فرضه بدلا منه وغير جائز الجمع بين ~~البدل والمبدل منه كالمسح على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى وكالتيمم ~~والوضوء وما جرى مجرى ذلك ولا نعلم خلافا في امتناع جواز الجمع بين الصيام ~~والطعام في كفارة اليمين وأما العتق والطعام فإنما لم يجز الجمع لأن الله ~~تعالى جعل كفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة فإذا أعتق النصف وأطعم النصف ~~فهو غير فاعل لأحدهما فلم يجزه والعتق لا يتقوم فيجزي عن الجميع بالقيمة ~~وليس هو مثل أن يكسو خمسة ويطعم خمسة فيجزي بالقيمة لأن كل واحد من هذين ~~متقوم فيجزي عن أحدهما بالقيمة # فصل قوله تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل @QE@ ينتظم ~~الواحد والجماعة إذا قتلوا ms1654 في إيجاب جزاء تام على كل واحد لأن من يتناول كل ~~واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه والدليل عليه قوله تعالى @QB@ ~~ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل ~~واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة وقال تعالى @QB@ ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا @QE@ وعيدا لكل واحد على حياله وقوله عز وجل @QB@ ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا @QE@ وعيد لكل واحد من القاتلين وهذا معلوم عند أهل اللغة لا ~~يتدافعونه وإنما يجهله من لا حظ له فيها فإن قال قائل فلو قتل جماعة رجلا ~~كانت على جميعهم دية PageV04P142 واحدة والدية إنما دخلت في اللفظ حسب دخول ~~الرقبة قيل له الذي يقتضيه حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين ~~وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع وإلا فالظاهر يقتضيه ألا ترى أنهما ~~لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه قاتل له على حياله ويقتلان جميعا به ~~ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا يرث وانه لو كان بمنزلة من قتل بعضه ~~لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه غيره فلما اتفق الجميع على أنهما ~~جميعا لا يرثان وأن كل واحد منهما كأنه قاتل له وحده كذلك في إيجاب الكفارة ~~إذ كانت النفس لا تتبعض وكذلك قاتلوا الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على ~~حياله فتجب على كل واحد كفارة تامة ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة ~~بقوله @QB@ أو كفارة طعام مساكين @QE@ وجعل فيها صوما فأشبهت كفارة القتل ~~فإن قال قائل لما قال الله تعالى @QB@ فجزاء مثل ما قتل @QE@ دل على أن ~~الجزاء إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا وأنت تقول ~~يجب عليهم جزآن وثلاثة وأكثر من ذلك قيل له هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد ~~منهم ونحن لا نقول إنه يجب على كل واحد منهم جزاآن وثلاثة وإنما يجب عليه ~~جزاء واحد والذي يدل على أنه منصرف إلى كل واحد قوله تعالى @QB@ فجزاء مثل ~~ما ms1655 قتل @QE@ ولم يقل قتلوا فدل على أنه أراد واحد وقد بينا ذلك في كتاب شرح ~~المناسك والخصم يحتج علينا بهذه الآية في القارن فإنه لا يجب عليه إلا جزاء ~~واحد بظاهر الكتاب والجواب عن هذا أنه محرم عندنا بإحرامين على ما سنذكره ~~في موضعه وإذا صح لنا ذلك ثم أدخل النقص عليهما وجب أن يخبرهما بدمين قال ~~أبو بكر ولا خلاف بين الفقهاء أن الهدي لا يجزي إلا بمكة وأن بلوغه الكعبة ~~أن يذبحه ناك في الحرم وأنه لو هلك بعد دخوله الحرم قبل أن يذبحه أن عليه ~~هديا آخر غيره وقال أصحابنا إذا ذبحه في الحرم بعد بلوغ الكعبة فإن سرق بعد ~~ذلك لم يكن عليه شيء لأن الصدقة تعينت فيه بالذبح فصار كمن قال لله علي أن ~~أتصدق بهذا اللحم فسرق فلا يلزمه شيء واتفق الفقهاء أيضا على جواز ا لصوم ~~في غير مكة واختلفوا في الطعام فقال أصحابنا يجوز أن يتصدق به حيث شاء وقال ~~الشافعي لا يجزي إلا أن يعطي مساكين مكة والدليل على جوازه حيث شاء قوله ~~تعالى @QB@ أو كفارة طعام مساكين @QE@ وذلك عموم في سائرهم وغير جائز ~~تخصيصه بمكان إلا بدلالة ومن قصره على مساكين مكة فقد خص PageV04P143 الآية ~~بغير دليل وأيضا ليس في الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز أداؤها في غيره ~~فلما كان ذلك صدقة وجب جوازها في سائر المواضع قياسا على نظائرها من ~~الصدقات ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول وما خرج عن الأصول وظاهر الكتاب ~~من الأقاويل فهو ساقط مرذول فإن قال قائل فالهدي سبيله الصدقة وهو مخصوص ~~بالحرم فأما الصدقة فحيث شاء وكذلك قال اصحابنا أنه لو ذبحه في الحرم ثم ~~أخرجه فتصدق به في غيره أجزأه وأيضا لما اتفقوا على جواز الصيام في غير مكة ~~وهو جزاء للصيد وليس بذبح وجب مثله في الطعام لهذه العلة # | باب صيد البحر # قال الله تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر وطعامه @QE@ وروي عن ابن عباس ~~وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وسعيد ms1656 بن المسيب وقتادة والسدي ومجاهد قالوا ~~صيده ما صيد طريا بالشباك ونحوها فأما قوله @QB@ وطعامه @QE@ فقد روي عن ~~أبي بكر وعمر وابن عباس وقتادة قالوا ما قذفه ميتا وروي عن ابن عباس أيضا ~~وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة ومجاهد قالوا المملوح منه والقول ~~الأول أظهر لأنه ينتظم إباحة الصنفين مما صيد منه وما لم يصد وأما المملوح ~~فقد تناوله قوله @QB@ صيد البحر @QE@ ويكون قوله @QB@ وطعامه @QE@ على هذا ~~التأويل تكرارا لما انتظمه اللفظ الأول فإن قال قائل هذا يدل على إباحة ~~الطافي لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم يصد والطافي لم يصد قيل له إنما ~~تأول السلف قوله @QB@ وطعامه @QE@ على ما قذفه البحر وعندنا أن ما قذفه ~~البحر ميتا فليس بطاف وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه فإن قيل ~~قالوا ما قذفه البحر متيا وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم قذفه وهذا يدل ~~على أنهم قد أرادوا به الطافي قيل له وليس كل ما قذفه البحر ميتا يكون ~~طافيا إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو حر أو غيره ~~فلا يكون طافيا وقد بينا الكلام في الطافي فيما تقدم من هذا الكتاب وقد روي ~~عن الحسن في قوله @QB@ وطعامه @QE@ قال ما وراء بحركم هذا كله البحر وطعامه ~~البر والشعير والحبوب رواه أشعث بن عبدالملك عن الحسن فلم يجعل البحر في ~~هذا الموضع بحور المياه وجعله على ما اتسع من الأرض لأن العرب تسمي ما اتسع ~~بحرا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للفرس الذي ركبه لأبي طلحة وجدناه ~~بحرا أي واسع الخطو وقد روى حبيب بن الزبير عن PageV04P144 عكرمة في قوله ~~تعالى @QB@ ظهر الفساد في البر والبحر @QE@ أنه أرد بالبحر الأمصار لأن ~~العرب تسمى الأمصار البحر وروى سفيان عن بعضهم عن عكرمة ظهر الفساد في البر ~~والبحر قال البر الفيافي التي ليس فيها شيء والبحر القرى والتأويل الذي روي ~~عن الحسن غير صحيح لأنه قد علم ms1657 بقوله تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر @QE@ أن ~~المراد به بحر الماء وأنه لم يرد به البر ولا الأمصار لأنه عطف عليه قوله ~~تعالى @QB@ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما @QE@ وقوله تعالى @QB@ متاعا ~~لكم وللسيارة @QE@ روي عن ابن عباس وقتادة قالوا منفعة للمقيم والمسافر فإن ~~قال قائل هل اقتضى تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر @QE@ إباحة صيد الأنهار ~~قيل نعم لأن العرب تسمي النهر بحرا ومنه قوله تعالى @QB@ ظهر الفساد في ~~البر والبحر @QE@ وقد قيل إن الأغلب على البحر هو الذي ماؤه ملحا إلا أنه ~~إذا جرى ذكره على طريق الجملة الأنهار أيضا وأيضا فالمقصد فيه صيد الماء ~~فسائر الماء يجوز للمحرم اصطياده ولا نعلم خلافا في ذلك الفقهاء وقوله ~~تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر @QE@ يحتج به من يبيح أكل جميع حيوان البحر ~~وقد اختلف أهل العلم فيه والله أعلم # | ذكر الخلاف في ذلك # قال أصحابنا لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك وهو قول الثوري رواه عنه ~~أبو إسحاق الفزاري وقال ابن أبي ليلى لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر من ~~الضفدع وحية الماء وغير ذلك وهو قول مالك بن أنس وروي مثله عن الثوري قال ~~الثوري ويذبح وقال الأوزاعي صيد البحر كله حلال ورواه عن مجاهد وقال الليث ~~بن سعد ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال له فرس الماء ولا يؤكل ~~إنسان الماء ولا خنزير الماء وقال الشافعي ما يعيش في الماء حل أكله وأخذه ~~ذكاته ولا بأس بخنزير الماء واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى ~~@QB@ أحل لكم صيد البحر @QE@ وهو على جميعه إذ لم يخصص شيئا منه ولا دلالة ~~فيه على ما ذكروا لأن قوله تعالى @QB@ أحل لكم صيد البحر @QE@ إنما هو على ~~إباحة اصطياد ما فيه للمحرم ولا دلالة فيه على أكله والدليل عليه أنه عطف ~~عليه قوله @QB@ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما @QE@ فخرج الكلام مخرج ~~بيان اختلاف حكم صيد البر PageV04P145 والبحر على المحرم وأيضا فإن الصيد ~~اسم مصدر ms1658 وهو اسم للاصطياد وإن كان قد يقع على المصيد ألا ترى أنك تقول صدت ~~صيدا وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما للاصطياد الذي هوفعل الصائد ولا دلالة ~~فيه إذا أريد به ذلك على إباحة الأكل وإن كان قد يعبر به عن المصيد إلا أن ~~ذلك مجاز لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل وتسمية الشيء باسم غيره إنما هو ~~استعارة ويدل على بطلان قول من أباح جميع حيوان الماء قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد فخص من الميتات هذين وفي ~~ذلك دليل على أن المخصوص من جملة الميتات المحرمة بقوله @QB@ حرمت عليكم ~~الميتة @QE@ هو هذان دون غيرهما لأن ما عداهما قد شمله عموم التحريم بقوله ~~@QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ وقوله تعالى @QB@ إلا أن يكون ميتة @QE@ وذلك ~~عموم في ميتة البر والبحر ومن أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور ~~دلالة على حظره ما عداه وأيضا لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من ~~الميتات دل تفرقه على اختلاف حالهما ويدل عليه أيضا وقوله تعالى @QB@ ولحم ~~الخنزير @QE@ وذلك عموم في خنزير الماء كهو في خنزير البر فإن قيل إن خنزير ~~الماء إنما يسمى حمار الماء قيل له إن سماه إنسان حمارا لم يسلبه ذلك اسم ~~الخنزير المعهود له في اللغة فينتظمه عموم التحريم ويدل عليه حديث ابن أبي ~~ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن عثمان قال ذكر طبيب ~~الدواء عند النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله والضفدع من حيوان الماء ولو كان أكله ~~جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله ولما ~~ثبت تحريم الضفدع بالأثر كان سائر حيوان الماء سوى السمك بمثابته لأنا لا ~~نعلم أحد فرق بينهما واحتج الذين أباحوه بما روى مالك بن أنس عن صفوان بن ~~سليم عن سعيد بن سلمة الزرقي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن ms1659 النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وسعيد بن ~~سلمة مجهول لا يقطع بروايته وقد خولف في هذا الإسناد فروى يحيى بن سعيد ~~الأنصاري عن المغيرة بن عبدالله وهو ابن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث عن ~~بكر بن سودة عن أبي معاوية العلوي عن مسلم بن مخشي المدلجي عن الفراسي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبدوس قالا ~~حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو PageV04P146 القاسم بن أبي الزناد قال ~~حدثنا إسحاق يعني ابن حازم عن ابن مقسم يعني عبدالله بن جابر بن عبدالله أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته ~~وهذه الأخبار لا يحتج بها من له معرفة بالحديث ولو ثبت كان محمولا على ما ~~بينه في قوله أحلت لنا ميتتان ويدل على ذلك أنه لم يخصص بذلك حيوان الماء ~~دون غيره وإنما ذكر ما يموت فيه وذلك يعم ظاهره حيوان الماء والبر جميعا ~~إذا ماتا فيه وقد علم أنه لم يرد ذلك فثبت أنه اراد السمك خاصة دون ما سواه ~~إذ قد علم أنه لم يرد به العموم ولا يصح اعتقاده فيه واحتج المبيحون له ~~بحديث جابر في جيش الخبط وأن البحر ألقى لهم دابة يقال لها العنبر فأكلوا ~~منها ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل معكم منه شيء تطعمونيه ~~وهذا لا دليل فيه على ما قالوا لأن جماعة قد رووا هذا الحديث وذكروا فيه أن ~~البحر ألقى لهم حوتا يقال له العنبر فأخبروا أنها كانت حوتا وهو السمك وهذا ~~لا خلاف فيه ولا دلالة على إباحة ما سواه # | باب أكل المحرم لحم صيد الحلال # قال الله تعالى @QB@ وحرم عليكم صيد ms1660 البر ما دمتم حرما @QE@ فروي عن علي ~~وابن عباس أنهما كرها للمحرم أكل صيد اصطاده حلال إلا أن إسناد حديث علي ~~ليس بقوي يرويه علي بن زيد وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويقفه بعضهم وروي عن عثمان وطلحة بن عبيدالله وأبي قتادة وجابر وغيرهم ~~إباحته وروى عبدالله بن أبي قتادة وعطاء بن يسار عن أبي قتادة قال أصبت ~~حمار وحش فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أصبت حمار وحش وعندي منه ~~فضلة فقال للقوم كلوا وهم محرمون وروى أبو الزبير عن جابر قال عقر أبو ~~قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وروى المطلب بن عبدالله بن حنطب عن جابر بن عبدالله قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو ~~يصطاد لكم وقد روي في إباحته أخبار أخر غير ذلك كرهت الإطالة بذكرها لاتفاق ~~فقهاء الأمصار عليه واحتج من حظره بقوله @QB@ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما @QE@ وعمومه يتناول الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما ومن ~~أباحه ذهب إلى قوله @QB@ وحرم عليكم صيد البر @QE@ إذ كان يتناول الاصطياد ~~وتحريم المصيد نفسه فإن هذا الحيوان إنما سمي صيدا ما دام حيا وأما اللحم ~~PageV04P147 فغير مسمى بهذا الاسم بعد الذبح فإن سمي بذلك فإنما يسمى به ~~على أنه كان صيدا فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على اللحم حقيقة ويدل ~~على أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم أنه غير محظور عليه التصرف في اللحم ~~بالإتلاف والشرى والبيع وسائر وجوه التصرف سوى الأكل عند القائلين بتحريم ~~أكله ولو كان عموم الآية قد اشتمل عليه لما جاز له التصرف فيه بغير الأكل ~~كهو إذا كان حيا ولكان على متلفه إذا كان محرما ضمانه كما يلزم ضمان إتلاف ~~الصيد الحي لأن قوله تعالى @QB@ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما @QE@ ~~يتناول تحريم سائر أفعالنا في الصيد في حال ms1661 الإحرام فإن قال قائل بيض الصيد ~~محرم على المحرم وإن لم يكن ممتنعا ولا مسمى صيدا فكذلك لحمه قيل له ليس ~~كذلك لأن المحرم غير منهي عن إتلاف لحم الصيد ولو أتلفه لم يضمنه وهو منهي ~~عن إتلاف البيض والفرخ ويلزمه ضمانه وأيضا فإن البيض والفرخ قد يصيران صيدا ~~ممتنعا فحكم لهما بحكم الصيد ولحم الصيد لا يصير صيدا بحال فكان بمنزلة ~~لحوم سائر الحيوانات إذ ليس بصيد في الحال ولا يجيء منه صيد وأيضا فإنا لم ~~نحرم الفرخ والبيض بعموم الآية وإنما حرمناهما بالاتفاق وقد اختلف في حديث ~~مصعب بن جثامة أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبواء أو ~~غيرها لحم حمار وحش وهو محرم فرأى في وجهه الكراهة فقال ليس بنا رد عليك ~~ولكنا حرم وخالفه مالك فرواه عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس ~~عن مصعب بن جثامة أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبواء أو ~~بودان حمار وحش فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنا لم نرده ~~عليك إلا أنا حرم قال ابن إدريس فقيل لمالك إن سفيان يقول رجل حمار وحش ~~فقال ذاك غلام ذاك غلام ورواه ابن جريج عن الزهري بإسناد كرواية مالك وقال ~~فيه إنه أهدى له حمار وحش وروى الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~أن مصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو محرم ~~فرده وقال لولا أنا حرم لقبلناه منك فهذا يدل على وهاء حديث سفيان وأن ~~الصحيح ما رواه مالك لاتفاق هؤلاء الرواة عليه وقد روي فيه وجه آخر وهو ما ~~روى أبو معاوية عن ابن جريج عن جابر بن زيد أبي الشعثاء عن أبيه قال سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم أتي بلحم صيد يأكل منه فقال أحسبوا له ~~قال أبو معاوية يعني إن كان صيد قبل أن يحرم فيأكل وإلا فلا وهذا يحتمل أن ~~يريد ms1662 به PageV04P148 إذا صيد من أجله أو أمر به أو أعان عليه أو دل عليه ~~ونحو ذلك من الأسباب المحظورة قوله تعالى @QB@ جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس @QE@ الآية قيل إنه أراد أنه جعل ذلك قوما لمعايشهم ~~وعمادا لهم من قولهم هو قوام الأمر وملاكه وهو ما يستقيم به أمره فهو قوام ~~دينهم ودنياهم وروي عن سعيد بن جبير قوله قواما للناس صلاحا لهم وقيل قياما ~~للناس أي تقوم به أبدانهم لأمنهم في التصرف لمعايشهم فهو قوام دينهم لما في ~~المناسك من الزجر عن القبيح والدعاء إلى الحسن ولما في الحرم والأشهر الحرم ~~من الأمن ولما في الحج والمواسم واجتماع الناس من الآفاق فيها من صلاح ~~المعاش وفي الهدي والقلائد أن الرجل إذا كان معه الهدي مقلدا كانوا لا ~~يعرضون له وقيل إن من أراد الإحرام منهم كان يتقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن ~~وقال الحسن القلائد من تقليد الإبل والبقر بالنعال والخفاف فهذا على صلاح ~~التعبد به في الدين وهذا يدل على أن تقليد البدن قربة وكذلك سوق الهدي ~~والكعبة اسم للبيت الحرام قال مجاهد وعكرمة إنما سميت كعبة لتربيعها وقال ~~أهل اللغة إنما قيل كعبة البيت فأضيفت لأن كعبته تربع أعلاه وأصل ذلك من ~~الكعوبة وهو النتو فقيل للتربيع كعبة لنتو زوايا المربع ومنه كعب ثدي ~~الجارية إذا نتأ ومنه كعب الإنسان لنتوه وهذا يدل على أن الكعبين اللذين ~~ينتهي إليهما الغسل في الوضوء هما الناتئان عن جنبي أصل الساق وسمى الله ~~تعالى البيت حراما لأنه أراد الحرم كله لتحريم صيده وخلاه وتحريم قتل من ~~لجأ إليه وهو مثل قوله تعالى @QB@ هديا بالغ الكعبة @QE@ والمراد الحرم ~~وأما قوله تعالى @QB@ والشهر الحرام @QE@ روي عن الحسن أنه قال هو الأشهر ~~الحرم فأخرجه مخرج الواحد لأنه أراد الجنس وهو أربعة أشهر ثلاثة سرد وهي ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب فأخبر تعالى أنه جعل الشهر ~~الحرام قياما للناس لأنهم كانوا يأمنون فيها ويتصرفون فيها في معايشهم فكان ~~فيه ms1663 قوامهم وهذا الذي ذكره الله تعالى من قوام الناس بمناسك الحج والحرم ~~والأشهر الحرم والهدي والقلائد ومعلوم مشاهد من ابتداء وقت الحج في زمن ~~إبراهيم عليه السلام إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وإلى آخر الدهر فلا ~~ترى شيئا من أمر الدين والدنيا تعلق به من صلاح المعاش والمعاد بعد الإيمان ~~ما تعلق بالحج ألا ترى إلى كثرة منافع الحج في المواسم التي يردون عليها من ~~سائر البلدان التي يجتازون بمنى وبمكة إلى أن يرجعوا إلى أهاليهم وانتفاع ~~الناس بهم وكثرة معايشهم PageV04P149 وتجاراتهم معهم ثم ما فيه منافع الدين ~~من التأهب للخروج إلى الحج وإحداث التوبة والتحري لأن تكون نفقته من أحل ~~ماله ثم احتمال المشاق في السفر إليه وقطع المخاوف ومقاساة اللصوص ~~والمحتالين في مسيرهم إلى أن يبلغوا مكة ثم الإحرام والتجرد لله تعالى ~~والتشبه بالخارجين يوم النشور من قبورهم إلى عرصة القيامة ثم كثرة ذكر الله ~~تعالى بالتلبية واللجأ إلى الله تعالى وإخلاص النية له عند ذلك البيت ~~والتعلق بأستاره موقنا بأنه لا ملجأ له غيره كالغريق المتعلق بما يرجو به ~~النجاة وأنه لا خلاص له بالتمسك به ثم إظهار التمسك بحبل الله الذي من تمسك ~~به نجا وما حاد عنه هلك ثم حضور الموقف والقيام على الأقدام داعين راجين ~~لله تعالى متخلفين عن كل شيء من أمور الدنيا تاركين لأموالهم وأولادهم ~~وأهاليهم على نحو وقوفهم في عرصة القيامة وما في سائر مناسك الحج من الذكر ~~والخشوع والانقياد لله تعالى ثم ما يشتمل عليه الحج من سائر القرب التي هي ~~معروفة في غير الصلاة والصيام والصدقة والقربات والذكر بالقلب واللسان ~~والطواف بالبيت وما لو استقصينا ذكره لطال به القول فهذه كلها من منافع ~~الدين والدنيا قوله تعالى @QB@ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض @QE@ إخبار عن علمه بما يؤدي إليه شريعة الحج من منافع الدين ~~والدنيا فدبره هذا التدبير العجيب وانتظم به صلاح الخلق من أول الأمة ~~وآخرها إلى يوم القيامة فلولا أن ms1664 الله تعالى كان عالما بالغيب وبالأشياء ~~كلها قبل كونها لما كان تدبيره لهذه الأمور مؤديا إلى ما ذكر من صلاح عباده ~~في دينهم ودنياهم لأن من لا يعلم الشيء قبل كونه لا يتأتى منه فعل المحكم ~~المتقن على نظام وترتيب يعم جميع الأمة نفعه في الدين والدنيا قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ روى ~~قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غضبان قد احمر وجهه فجلس على المنبر فقال لا تسئلوني عن شيء إلا ~~أجبتكم فقام إليه رجل فقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من ~~أبي فقال أبوك حذافة فقام عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا يا رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله ~~تعالى يعلم من آباؤها فسكن غضبه ونزلت هذه الآية @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ وروى إبراهيم الهجري عن أبي عياض ~~عن أبي هريرة أنها نزلت حين سئل الحج PageV04P150 أفي كل عام وعن أمامة نحو ~~ذلك وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي قال من أبي وقال سعيد بن جبير في ~~الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة وقال مقسم ~~فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات قال أبو بكر ليس يمتنع تصحيح هذه ~~الروايات كلها في سبب نزول الآية فيكون النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ~~لا تسئلوني عن شيء إلا أجبتكم سأله عبدالله بن حذافة عن أبيه من هو لأنه قد ~~كان يتكلم في نسبه وسأله كل واحد من الذين ذكر عنهم هذه المسائل على ~~اختلافها فأنزل الله تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء @QE@ يعني عن مثلها ~~لأنه لم يكن بهم حاجة إليها فأما عبدالله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ~~ثابتا بالفراش فلم يحتج إلى معرفة حقيقة كونه من ماء من هو منه ولأنه كان ms1665 ~~يأمن أن يكون من ماء غيره فيكشف عن أمر قد ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين ~~نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه لأن نسبه حينئذ مع كونه من ماء غير ثابت من ~~حذافة لأنه صاحب الفراش فلذلك قالت له لقد عققتني بسؤالك فقال لم تكسن نفسي ~~إلا بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهذا من الأسئلة التي كان ضرر ~~الجواب عنها عليه كان كثيرا لو صادف غير الظاهر فكان منهيا عنه ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر ~~الله فإن من أبدى لنا صحفة أقمنا عليه كتاب الله وقال لهزال وكان أشار على ~~ماعز بالإقرار بالزنا لو سترته بثوبك كان خيرا لك وكذلك الرجل الذي قال يا ~~رسول الله أين أنا قد كان غنيا عن هذه المسألة والستر على نفسه في الدنيا ~~فهتك ستره وقد كان الستر أولى به وكذلك المسألة عن الآيات مع ظهور ما ظهر ~~من المعجزات منهي عنها غير سائغ لأحد لأن معجزات الأنبياء لا يجوز أن تكون ~~تبعا لأهواء الكفار وشهواتهم فهذا النحو من المسائل مستقبحة مكروهة وأما ~~سؤال الحج في كل عام فقد كان على سامع آية الحج الاكتفاء بموجب حكمها من ~~إيجابها حجة واحدة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها حجة واحدة ولو ~~قلت نعم لوجبت فأخبر أنه لو قال نعم لوجبت بقوله دون الآية فلم يكن به حاجة ~~إلى المسألة مع إمكان الاجتزاء بحكم الآية وأبعد هذه التأويلات قول من ذكر ~~أنه سئل عن البحيرة والسائبة والوصيلة لأنه لا يخلو من أن يكون سؤاله عن ~~معنى البحيرة ما هو أن عن جوازها وقد كانت البحيرة وما ذكر معها أسماء ~~لأشياء معلومة عندهم في الجاهلية ولم يكونوا يحتاجون إلى المسألة عنها ولا ~~يجوز أيضا أن يكون السؤال وقع عن إباحتها PageV04P151 وجوازها لأن ذلك كان ~~كفرا يتقربون به إلى أوثانهم فمن اعتقد الإسلام فقد علم بطلانه وقد احتج ~~بهذه الآية قوم ms1666 في حظر المسألة عن أحكام الحوادث واحتجوا أيضا بما رواه ~~الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم من أجل ~~مسئلته قال أبو بكر ليس في الآية دلالة على حظر المسألة عن أحكام الحوادث ~~لأنه إنما قصد بها إلى النهي عن المسألة عن أشياء أخفاها الله تعالى عنهم ~~واستأثر بعلمها وهم غير محتاجين إليها بل عليهم فيها ضرر إن أبديت لهم ~~كحقائق الأنساب لأنه قال الولد للفراش فلما سأله عبدالله بن حذافة عن حقيقة ~~خلقه من ماء من هو دون ما حكم الله تعالى به من نسبته إلى الفراش نهاه الله ~~عن ذلك وكذلك الرجل الذي قال أين أنا لم يكن به حاجة إلى كشف عيبه في كونه ~~من أهل النار وكسؤال آيات الأنبياء وفي فحوى الآية دلالة على أن الحظر تعلق ~~بما وصفنا قوله تعالى @QB@ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ~~@QE@ يعني الآية سألوها الأنبياء عليهم السلام فأعطاهم الله إياها وهذا ~~تصديق تأويل مقسم فأما السؤال عن أحكام غير منصوصة فلم يدخل في حظر الآية ~~والدليل عليه أن ناجية بن جندب لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معه البدن ~~لينحرها بمكة قال كيف أصنع بما عطب منها فقال انحرها واصبغ نعلها بدمها ~~واضرب بها صفحتها وخل بينها وبين الناس ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك ~~شيئا ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله وفي حديث رافع بن خديج أنهم ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فلم ~~ينكره عليه وحديث يعلى بن أمية في الرجل الذي سأله عما يصنع في عمرته فلم ~~ينكره عليه وأحاديث كثيرة في سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ليس ~~بمنصوص عليه غير محظور على أحد وروى شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم عن ~~معاذ بن جبل قال ms1667 قلت يا رسول الله إني أريد أن اسئلك عن أمر ويمنعني مكان ~~هذه الآية @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء @QE@ فقال ما هو ~~قلت العمل الذي يدخلني الجنة قال قد سألت عظيما وإنه ليسير شهادة أن لا إله ~~إلا الله وإني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ~~فلم يمنعه السؤال ولم ينكره وذكر محمد بن سيرين عن الأحنف عن عمر قال ~~تفقهوا قبل أن تسووا وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمعون في ~~المسجد يتذاكرون حوادث المسائل PageV04P152 في الأحكام على هذا المنهاج جرى ~~أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا وإنما أنكر هذا قوم حشو ~~جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها فعجزوا عن ~~الكلام فيها واستنباط فقهها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهذه الطائفة المنكرة لذلك كمن ~~قال تعالى @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا @QE@ وقوله تعالى @QB@ إن تبد لكم تسؤكم @QE@ معناه إن تظهر لكم ~~وهذا يدل على أن مراده فيمن سأل مثل سؤال عبدالله بن حذافة والرجل الذي قال ~~أين أنا لأن إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين لأنهم إنما يسئلون عنها ~~ليعلموا أحكام الله تعالى فيها ثم قال الله تعالى @QB@ وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم @QE@ يعني في حال نزول الملك وتلاوته القرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله يظهرها لكم وذلك مما يسؤكم ويضركم وقوله تعالى ~~@QB@ عفا الله عنها @QE@ يعني هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم الله بها ~~بالبحث عنها والكشف عن حقائقها والعفو في هذا الموضوع التسهيل والتوسعة في ~~إباحة ترك السؤال عنها كما قال تعالى @QB@ فتاب عليكم وعفا عنكم @QE@ ~~ومعناه سهل عليكم وقال ابن عباس الحلال ما أحل الله وما سكت عنه فهو عفو ~~يعني تسهيل وتوسعة ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم عفوت لكم ms1668 عن صدقة ~~الخيل والرقيق قوله تعالى @QB@ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ~~@QE@ قال ابن عباس قوم عيسى عليه السلام سألوا المائدة ثم كفروا بها وقال ~~غيره قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها وقال السدي هذا حين سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا وقيل إن قوما سألوا نبيهم ~~عن مثل هذه الأشياء التي سأل عبدالله بن حذافة ومن قال أين أنا فلما أخبرهم ~~به نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا قوله تعالى @QB@ ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام @QE@ روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة من ~~الإبل يمنع درها للطواغيت والسائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم ~~والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى فيسمونها الوصيلة ~~يقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر فكانوا يذبحونها لطواغيتهم والحامي ~~الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود فإذا بلغ ذلك يقال حمى ظهره فيترك ~~فيسمونه الحامي وقال أهل اللغة البحيرة الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت ~~أذن الناقة أبحرها بحرا والناقة مبحورة وبحيرة إذا شققتها واسعا ومنه البحر ~~لسعته قال وكان PageV04P153 أهل الجاهلية يحرمو البحيرة وهي أن تنتج خمسة ~~أبطن يكون آخرها ذكرا بحروا أذنها وحرموها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولم ~~تطرد عن ماء ولم تمنع عن مرعى وإذا لقيها المعيى لم يركبها قال والسائبة ~~المخلاة وهي المسيبة وكانوا في الجاهلية إذا نذر الرجل لقدوم من سفر أو برء ~~من مرض أو ما أشبه ذلك قال ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في التحريم والتخلية ~~وكان الرجل إذا عتق عبدا فقال هو سائبة لم يكن بينهما عقل ولا ولاء ولا ~~ميراث فأما الوصيلة فإن بعض أهل اللغة ذكر أنها الأنثى من الغنم إذا ولدت ~~مع ذكر قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوها وقال بعضهم كانت الشاة إذا ولدت أنثى ~~فهي لهم وإذا ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم في زعمهم وإذا ولدت ذكرا أو أنثى ~~قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم وقالوا الحامي الفحل من ms1669 الإبل إذا ~~نتجت من صلبه عشرة أبطن قالوا حمى ظهره فلا يحتمل عليه ولا يمنع من ماء ولا ~~مرعى وإخبار الله تعالى بأن ما اعتقده أهل الجاهلية في البحيرة والسائبة ~~وما ذكر في الآية يدل على بطلان عتق السائبة على ما يذهب إليه القائلون بأن ~~من أعتق عبده سائبة فلا ولاء له منه وولاؤه جماعة المسلمين أن لأهل ~~الجاهلية قد كانوا يعتقدون ذلك فأبطله الله تعالى بقوله @QB@ ولا سائبة ~~@QE@ وقول النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق يؤكد ذلك أيضا ونبينه # | باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال أبو بكر أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~مواضع من كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه ~~فيه وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه وإن كان قد تعرض أحوال من التقية ~~يسع معها السكوت فمما ذكره الله تعالى حاكيا عن لقمان @QB@ يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور @QE@ يعني والله اعلم واصبر على ما ساءك من المكروه عند الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما حكى الله تعالى لنا ذلك عن عبده لنقتدي به ~~وننتهي إليه وقال تعالى فيما مدح به سالف الصالحين من الصحابة @QB@ ~~التائبون العابدون @QE@ إلى قوله @QB@ الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله @QE@ وقال تعالى @QB@ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~لبئس ما كانوا يفعلون @QE@ وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا محمد بن العلاء وهناد بن السري قالا حدثنا أبو معاوية PageV04P154 عن ~~الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد وعن قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ~~رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا مسدد ms1670 قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا أبو إسحاق عن ابن جرير عن جرير ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يكون في قوم يعمل ~~فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا اصابهم الله بعذاب ~~من قبل أن يموتوا فأحكم الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~كتابه وعلى لسان رسوله وربما ظن من لا فقه له أن ذلك منسوخ أو مقصور الحكم ~~على حال دون حال وتأول فيه قول الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ وليس التأويل على ما يظن هذا الظان ~~لو تجردت هذه الآية عن قرينه وذلك لأنه قال @QB@ عليكم أنفسكم @QE@ احفظوها ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ومن الإهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي ~~غيرنا فلا دلالة فيها إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وقد روي عن السلف في تأويل الآية أحاديث مختلفة الظاهر وهي متفقة في المعنى ~~فمنها ما حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن إسماعيل بن أبي خالد عن ~~قيس بن أبي حازم قال سمعت أبا بكر على المنبر يقول يا أيها الناس إني أراكم ~~تأولون هذه الآية @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم @QE@ وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس ~~إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعقابه فأخبر أبو بكر ~~أن هذه الآية لا رخصة فيها في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنه لا ~~يضره ضلال من ضل إذا اهتدى هو بالقيام بفرض الله من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية @QB@ لا ~~يضركم ms1671 من ضل إذا اهتديتم @QE@ قال يعني من أهل الكتاب وقال أبو عبيد وحدثنا ~~حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال من اليهود والنصارى ومن ضل من ~~غيرهم فكأنهما ذهبا إلى أن هؤلاء قد أقروا بالجزية على كفرهم فلا يضرنا ~~PageV04P155 كفرهم لأنا أعطيناهم العهد على أن نخليهم وما يعتقدون ولا يجوز ~~لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام فهذا لا يضرنا الإمساك عنه وأما ما لا ~~يجوز الإقرار عليه من المعاصي والفسوق والظلم والجور فهذا على كل المسلمين ~~تغييره والإنكار على فاعله على ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي سعيد الذي قدمنا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو ~~الربيع سليمان بن داود العتكي قال حدثنا بن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم ~~قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال حدثنا أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ~~ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية عليكم أنفسكم فقال ~~أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام فإن ~~من ورائكم أيام الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيها مثل أجر خمسين رجلا ~~يعملون مثل عمله قال وزادني غيره قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر ~~خمسين منكم وهذه دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ~~ذكر لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع ~~الفساد وغلبته على العامة وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره ~~بالقلب كما قال عليه السلام فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك ~~إظهاره تقية ms1672 بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان قال الله تعالى @QB@ إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان @QE@ فهذه منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وقد روي فيه وجه آخر وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن ~~محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو مسهر عن عباد الخواص قال ~~حدثني يحيى بن أبي عمرو الشيباني أن أبا الدرداء وكعبا كانا جالسين ~~بالجابية فأتاهما آت فقال لقد رأيت اليوم أمرا كان حقا على من يراه أن ~~يغيره فقال رجل إن الله تعالى يقول @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ فقال كعب إن هذا لا يقول شيئا ذب عن محارم ~~الله تعالى كما تذب عن عائلتك حتى يأتي تأويلها فانتبه لها أبو الدرداء ~~فقال متى يأتي تأويلها فقال إذا هدمت كنيسة دمشق وبني PageV04P156 مكانها ~~مسجد فلذلك من تأويلها وإذا رأيت الكاسيات العاريات فلذلك من تأويلها وذكر ~~خصلة ثالثة لا أحفظها فلذلك من تأويلها قال أبو مسهر وكان هدم الكنيسة بعهد ~~الوليد بن عبدالملك أدخلها في مسجد دمشق وزاد في سعته بها وهذا أيضا على ~~معنى الحديث الأول في الاقتصار على إنكار المنكر بالقلب دون اليد واللسان ~~للتقية والخوف على النفس ولعمري أن ايام عبدالملك والحجاج والوليد وأضرابهم ~~كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك ~~والخوف على النفس وقد حكي أن الحجاج لما مات قال الحسن اللهم أنت أمته ~~فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق ~~فيها عنان في سبيل الله عز وجل برجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر ~~فيهذر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله ~~وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل ثم قال الحسن ~~هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط وقال عبدالملك بن عمير خرج الحجاج ~~يوم الجمعة بالهاجرة فما زال يعبر مرة عن أهل ms1673 الشام يمدحهم ومرة عن أهل ~~العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس إلا حمرة على شرف المسجد ثم أمر المؤذن ~~فأذن فصلى بنا الجمعة ثم أذن فصلى بنا العصر ثم أذن فصلى بنا المغرب فجمع ~~بين الصلوات يومئذ فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير ~~باليد واللسان وقد كان فقهاء التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث ~~إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره فجرت بينهم تلك الحروب المشهورة وقتل منهم ~~من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم يبقى أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه ~~وقد روى ابن مسعود في ذلك ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن ~~أنس عن أبي العالية عن عبدالله بن مسعود أنه ذكر عنده هذه الآية @QB@ عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم @QE@ فقال لم يجيء تأويلها بعد إن ~~القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن وكان منه آي وقع ~~تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع ~~تأويلهن عند الساعة ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار قال ~~فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس ~~بعض PageV04P157 فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلف القلوب ~~والأهواء ولبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرأ ونفسه عند ذلك جاء تأويل ~~هذه الآية قال أبو بكر يعني عبدالله بقوله لم يجئ تأويلها بعد إن الناس في ~~عصره كانوا ممكنين من تغيير المنكر لصلاح السلطان والعامة وغلبة الأبرار ~~للفجار فلم يكن أحد منهم معذورا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~باليد واللسان ثم إذا جاء حال التقية وترك القبول وغلبت الفجار سوغ السكوت ~~في تلك الحال مع الإنكار بالقلب وقد يسع السكوت أيضا ms1674 في الحال التي قد علم ~~فاعل المنكر أنه يفعل محظورا ولا يمكن الإنكار باليد ويغلب في الظن بأنه لا ~~يقبل إذا قتل فحينئذ يسع السكوت وقد روي نحوه عن ابن مسعود في تأويل الآية ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن عن ابن مسعود في هذه الآية @QB@ عليكم ~~أنفسكم @QE@ قال قولوها ما قبلت منكم فإذا أردت عليكم فعليكم أنفسكم فأخبر ~~ابن مسعود أنه في سعة من السكوت إذا ردت ولم تقبل وذلك إذا لم يمكنه تغييره ~~بيده لأنه لا يجوز أن يتوهم عن ابن مسعود إباحته ترك النهي عن المنكر مع ~~إمكان تغييره حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن عبدالله ~~بن عبدالرحمن الأشهلي عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمكم الله ~~بعقاب من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم قال أبو عبيدة وحدثنا حجاج عن حمزة ~~الزيات عن أبي سفيان عن أبي نضرة قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني ~~أعمل بأعمال الخير كلها إلا خصلتين قال وما هما قال لا آمر بالمعروف ولا ~~أنهى عن المنكر قال لقد طمست سهمين من سهام الإسلام إن شاء غفر لك وإن شاء ~~عذبك قال أبو عبيد وحدثنا محمد بن يزيد عن جويبر عن الضحاك قال الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان من فرائض الله تعالى كتبهما الله عز وجل ~~قال أبو عبيد أخبروني عن سفيان بن عيينة قال حدثت ابن شبرمة بحديث ابن عباس ~~من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم يفر فقال أما أنا فأرى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا لا يعجز الرجل عن اثنين أن يأمرهما أو ~~ينهاهما وذهب ابن عباس في ذلك ms1675 إلى قوله تعالى @QB@ فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ~~@QE@ PageV04P158 وجائز أن يكون ذلك أصلا فيما يلزم من تغيير المنكر وقال ~~مكحول في قوله تعالى @QB@ عليكم أنفسكم @QE@ إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ ~~فعليك حينئذ نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت والله الموفق # | باب الشهادة على الوصية في السفر # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم @QE@ قد اختلف في ~~معنى الشهادة 5053 ههنا قال قائلون هي الشهادة على الوصية في السفر وأجازوا ~~بها شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر وروى الشعبي عن أبي موسى أن ~~رجلا مسلما توفي بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ~~ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته فأمضى أبو موسى ~~شهادتهما وقال هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال آخرون معنى شهادة بينكم حضور الوصيين من قولك شهدته إذا حضرته ~~وقال آخرون إنما الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب الورثة بهما وهو ~~قول مجاهد فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية التي تثبت بها عند ~~الحكام وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ وروي مثله عن شريح هو قول الثوري وابن ~~أبي ليلى والأوزاعي وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن ~~سيرين وعبيدة وشريح والشعبي أو آخران من غيركم من غير ملتكم وروي عن الحسن ~~والزهري من غير قبيلتكم فأما تأويل من تأولها على اليمين دون الشهادة التي ~~تقام عند الحكام فقول مرغوب عنه وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة في نحو قوله ~~تعالى @QB@ فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله @QE@ لأن الشهادة إذا أطلقت فهي ~~الشهادة المتعارفة كقوله تعالى @QB@ وأقيموا الشهادة لله @QE@ @QB@ ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ @QB@ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا @QE@ ~~@QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@ كل ms1676 ذلك قد عقل به الشهادات على الحقوق لا ~~الأيمان وكذلك قوله تعالى @QB@ شهادة بينكم @QE@ المفهوم فيه الشهادة ~~المتعارفة ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إذا حضر أحدكم الموت @QE@ ويبعد أن ~~يكون المراد أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت لأن حال الموت ليس حالا ~~للأيمان ثم زاد بذلك بيانا بقوله @QB@ اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من ~~غيركم @QE@ يعني والله أعلم إن PageV04P159 لم توجد ذوا عدل منكم ولا يختلف ~~في حكم اليمين وجود ذوي العدل وعدمهم وقوله تعالى @QB@ ولا نكتم شهادة الله ~~@QE@ يدل على ذلك أيضا لأن اليمين موجودة ظاهرة غير مكتوبة ثم ذكر يمين ~~الورثة بعد اختلاف الوصيين على مال الميت وإنما الشهادة التي هي اليمين هي ~~المذكورة في قوله تعالى يعني به الشهادة على الوصية إذ غير جائز أن يقول أن ~~يأتوا باليمين على وجهها الوصية في السفر على وجهها وقوله تعالى @QB@ أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم @QE@ يدل أيضا على أن الأول شهادة لأنه ~~ذكر الشهادة واليمين كل واحدة بحقيقة لفظها فأما تأويل من تأول قوله @QB@ ~~أو آخران من غيركم @QE@ من غير قبيلتكم فلا معنى له والآية تدل على خلافه ~~لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة في قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم @QE@ ثم قال @QB@ أو آخران من غيركم @QE@ ~~يعني من غير المؤمنين ولم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه الكناية ومعلوم أن ~~الكناية إنما ترجع إما إلى الظهر مذكور في الخطاب أو معلوم بدلالة الحال ~~فما لم تكن هنا دلالة على الحال ترجع الكناية إليها يثبت أنها راجعة إلى من ~~تقدم ذكره في الخطاب من المؤمنين وصح أن المراد من غير المؤمنين فاقتضت ~~الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر وقد روي في تأويل ~~الآية عن عبدالله بن مسعود وأبي موسى وشريح وعكرمة وقتادة وجوه مختلفة ~~وأشبهها بمعنى الآية ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~الحسن بن علي قال حدثنا يحيى بن آدم قال ms1677 حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن ~~أبي القاسم عن عبدالملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال خرج رجل ~~من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم ~~فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من ~~أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم قال فنزلت ~~فيهم @QB@ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم @QE@ فأحلفهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بديا لأن الورثة اتهموهما بأخذه ثم لما ادعيا أنهما اشتريا ~~الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول قولهم في أنه لم يبع وأخذوا الجام ~~ويشبه أن يكون ما قال أبو موسى في قبول شهادة الذميين على وصية المسلم في ~~السفر وأن ذلك لم يكن منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن هو ~~هذه القصة التي في حديث ابن عباس PageV04P160 وقد روى عكرمة في قصة تميم ~~الداري نحو رواية ابن عباس واختلف في بقاء حكم جواز شهادة أهل الذمة على ~~وصية المسلم في السفرفقال أبو موسى وشريح هي ثابتة وقول ابن عباس ومن قال ~~أو آخران من غيركم أنه من غير المسلمين يدل على أنهم تأولوا الآية على جواز ~~شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر ولا يحفظ عنهم بقاء هذا الحكم أو ~~نسخه وروي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى @QB@ شهادة بينكم @QE@ قال كان ذلك ~~في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك في أول الإسلام والأرض حرب ~~والناس كفار إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكان الناس ~~يتوارثون بالمدينة بالوصية ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها ~~وروي عن إبراهيم النخعي قال هي منسوخة نسختها @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~@QE@ وروى ضمرة بن جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المائدة من آخر ms1678 القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها قال جبير بن ~~نفير عن عائشة قالت المائدة من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال ~~فاستحلوه وما وجدتم من حرام فاستحرموه وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة قال في ~~المائدة ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ وقال الحسن لم ينسخ من المائدة ~~شيء فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ليس في الآية شيء منسوخ والذي يقتضيه ظاهر الآية ~~جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر سواء كان في الوصية بيع أو ~~إقرار بدين أو وصية بشيء أو هبة أو صدقة هذا كله يشتمل عليه اسم الوصية إذا ~~عقده في مرضه وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما عليه الوصية لم يخصص بها ~~الوصية دون غيرها وحين الوصية قد يكون إقرار بدين أو بمال عين وغيره لم ~~تفرق الآية بين شيء منه ثم قد روى أن آية الدين من آخر ما نزل من القرآن ~~وإن كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل وليس يمتنع أن يريدوا ~~بقولهم من آخر ما نزل من آخر سورة نزلت في الجملة لا على أن كل آية منها من ~~آخر ما نزل وإن كان كذلك فآية الدين لا محالة ناسخة لجواز شهادة أهل الذمة ~~على الوصية في السفر لقوله @QB@ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى @QE@ إلى ~~قوله @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ وهم المسلمون لا محالة لأن ~~الخطاب توجه إليهم باسم الأيمان ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها فهي ~~عامة في الجميع ثم قال @QB@ ممن ترضون من الشهداء @QE@ وليس الكفار بمرضيين ~~في الشهادة على المسلمين فتضمنت آية الدين PageV04P161 نسخ شهادة أهل الذمة ~~على المسلمين في السفر وفي الحضر أو في الوصية وغيرها فانتظمت الآية جواز ~~شهادة أهل الذمة على وصية المسلم ومن حيث دلت على جوازها على وصية المسلم ~~في السفر فهي دالة أيضا على وصية الذمي ثم نسخ فيها جوازها على وصية المسلم ~~بآية الدين وبقي حكمها على الذمي في السفر وغيره إذ كانت حالة ms1679 السفر والحضر ~~سواء في حكم الشهادات وعلى جواز شهادة الوصيين على وصية الميت لأن في ~~التفسير أن الميت أوصى إليهما وأنهما شهدا على وصيته ودلت على أن القول قول ~~الوصي فيما في يده للميت مع يمينه لأنهما على ذلك استحلفا ودلت على أن ~~دعواهما شرى شيء من الميت غير مقبولة إلا ببينة وأن القول قول الورثة إن ~~الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم قوله تعالى @QB@ ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها @QE@ يعني والله أعلم أقرب أن لا يكتموا ولا يبدلوا أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يعني إذا حلفا ما غيرا ولا كتما ثم عثر ~~على شيء من مال الميت عندهما أن تجعل أيمان الورثة أولى من أيمانهم بديا ~~أنهما ما غيرا ولا كتما على ما روى عن ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن ~~بداء وقوله تعالى @QB@ تحبسونهما من بعد الصلاة @QE@ فإنه روي عن ابن سيرين ~~وقتادة فاستحلفا بعد العصر وإنما استحلفا بعد العصر تغليظا لليمين في الوقت ~~المعظم كما قال تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ قيل ~~صلاة العصر وقد روي عن أبي موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه القصة وقد روي ~~تغليظ اليمين بالاستحلاف في البقعة المعظمة وروى جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار ~~ولو على سواك أخضر فأخبر أن اليمين الفاجرة عند المنبر أعظم مأثما وكذلك ~~سائر المواضع الموسومة للعبادات ولتعظيم الله تعالى وذكره فيها تكون ~~المعاصي فيها أعظم إثما ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في المسجد الحرام وفي ~~الكعبة أعظم مأثما منه في غيره وليست اليمين عند المنبر وفي المسجد في ~~الدعاوي بواجبة وإنما ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب وحكى عن الشافعي ~~أنه يستحلف بالمدينة عند المنبر واحتج له بعض أصحابه بحديث جابر الذي ذكرنا ~~وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي لك يمينه قال ~~إنه رجل فاجر لا ms1680 يبالي قال ليس لك منه إلا ذلك فانطلق ليحلف فلما أدبر ~~ليحلف قال من حلف على مال ليأكله ظلما لقي الله وهو عنه معرض وبحديث أشعث ~~بن قيس وفيه فانطلق ليحلف PageV04P162 فقالوا قوله من حلف عند هذا المنبر ~~على يمين آثمة يدل على أن الأيمان قد كانت تكون عنده قال أبو بكر وليس فيه ~~دلالة على أن ذلك مسنون وإنما قال ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان ~~يجلس هناك فلذلك كان يقع الاستحلاف عند المنبر واليمين عند المنبر أعظم ~~مأثما إذا كانت كاذبة لحرمة الموضع فلا دلالة على أنه ينبغي أن تكون عند ~~المنبر والشافعي لا يستحلف في الشيء التافه عند المنبر وقد ذكر في الحديث ~~ولو على سواك أخضر فقد خالف الخبر على أصله وأما قوله انطلق ليحلف وأنه لما ~~أدبر قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب ~~إلى الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه قال تعالى @QB@ ثم ~~أدبر واستكبر @QE@ لم يرد به الذهاب إلى الموضع وإنما أراد التولي عن الحق ~~والإصرار عليه وما روي عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن والمقام ~~فإنما كان ذلك لأنه كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين هناك ~~أغلظ ولكنه ليس بواجب لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعي عليه ولم ~~يخصصها بمكان ولكن الحاكم إن رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر إن كان ~~بالمدينة وفي المسجد الحرام إن كان بمكة جاز له ذلك كما أمر الله باستحلاف ~~هذين الوصيين بعد صلاة العصر لأن كثيرا من الكفار يعظمونه ووقت غروب الشمس # ( فصل ) قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على ~~بعض وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهاداتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة ~~أجوز فقد دلت الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر ~~ولما نسخ منها جوازها على المسلمين بقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إذا تداينتم بدين ms1681 إلى أجل مسمى فاكتبوه @QE@ إلى قوله @QB@ واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم @QE@ بقي بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم ونسخ بذلك قوله ~~@QB@ أو آخران من غيركم @QE@ وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في ~~الوصية في السفر وإذا كان حكمها باقيا في جوازها على أهل الذمة في يجيزها ~~على أهل الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على المسلمين اقتضى جوازها ~~عليهم في سائر الحقوق لأن كل من شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض في ذلك ~~أجازها على أهل الذمة في سائر الحقوق قإن قال قائل فإن ابن أبي ليلى ~~والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر على ما ~~روي عن أبي موسى وشريح ولا يجيزونها على الذمي PageV04P163 في سائر الحقوق ~~قيل له قد بينا أنها منسوخة على المسلمين باقية على أهل الذمة في سائر ~~الحقوق وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم قول أصحابنا ~~وعثمان البتي والثوري وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والحسن وصالح والليث ~~تجوز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض ولا تجوز على ملة غيرها وقال مالك ~~والشافعي لا تجوز الملل بقوله تعالى @QB@ أو آخران من غيركم @QE@ يعني غير ~~المؤمنين المبدوء وما ذكرنا من دلالة الآية يقتضي تساوي شهادات أهل من ~~اختلافهما من العظم والضياء من أن يقضى له بالحدوث لوجود دلالات الحدث ~~بذكرهم ولم تفرق بين الملل ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل الملل على وصية ~~المسلم في السفر وهي دالة على جواز شهادتهم على الكفار في ذلك مع اختلاف ~~مللهم ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض من جهة السنة ما روى ~~مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكروا أن رجلا وامرأة منهم زنيا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ~~وروى الأعمش عن عبدالله بن مرة عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يهودي محمم فقال ما شأن هذا فقالوا ms1682 زنى فرجمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وروى جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ~~اليهود برجل وامرأة زنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائتوني بأربعة منكم ~~يشهدون فشهد أربعة منهم فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم وعن الشعبي قال ~~تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض وعن شريح وعمر بن عبدالعزيز والزهري ~~مثله وقال ابن وهب خالف مالك معلميه في رد شهادة النصارى بعضهم على بعض ~~وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها وقال ابن أبي عمران من ~~أصحابنا سمعت يحيى بن أكثم يقول جمعت هذا الباب فما وجد عن أحد من ~~المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة فإني وجدت عنه ردها ~~ووجدت عنه إجازتها قال أبو بكر قد ذكرنا حكم الآية على الوجوه التي رويت ~~فيها عن السلف وما نسخ منها وما هو منها ثابت الحكم فلنذكر الآية على ~~سياقها مع بيان حكمها على ما اقتضاه ترتيبها على السبب الذي نزلت فيه فنقول ~~وبالله التوفيق أن قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم @QE@ ~~يعتوره معنيان أحدهما شهادة بينكم شهادة اثنين ذوى عدل منكم فحذف ذكر ~~الشهادة الثانية لعلم المخاطبين بالمراد ويحتمل عليكم شهادة بينكم فهو أمر ~~بإشهاد اثنين ذوي عدل كقوله تعالى في الدين @QB@ واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم @QE@ فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين من غير ~~المسلمين على وصية PageV04P164 المسلم في السفر وكان نزولها على السبب الذي ~~تقدم من ذكره من رواية ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن بداء فذكر بعض ~~السبب في الآية ثم قال @QB@ إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ~~@QE@ فجعل شرط قبول شهادة الذميين على الوصية أن تكون في حال السفر وقوله ~~@QB@ حين الوصية @QE@ قد تضمن أن يكون الشاهدان هما الوصيين لأن الموصى ~~أوصى إلى ذميين ثم جاءا فشهدا بوصية فضمن ذلك جواز شهادة الوصيين على وصية ~~الميت ثم قال فأصابتكم مصيبة الموت يعني قصة الموت الموصى ms1683 قال تحبسونهما من ~~بعد الصلاة يعني لما اتهمهما الورثة في حبس شيء من مال الميت وأخذه على ما ~~رواه عكرمة في قصة تميم الداري وعلى ما قاله أبو موسى في استحلافه الذميين ~~ما خانا ولا كذبا فصار مدعى عليهما فلذلك استحلفا لا من حيث كانا شاهدين ~~ويدل عليه قوله تعالى @QB@ فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو ~~كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله @QE@ يعني فيما أوصى به الميت وأشهدهما ~~عليه ثم قال تعالى @QB@ فإن عثر على أنهما استحقا إثما @QE@ يعني ظهور شيء ~~من مال الميت في أيديهما بعد ذلك وهو جام الفضة الذي ظهر في أيديهما من مال ~~الميت فزعما أنهما كانا اشتريا من مال الميت ثم قال تعالى @QB@ فآخران ~~يقومان مقامهما @QE@ يعني في اليمين لأنهما صارا في هذه الحال مدعيين للشرى ~~فصارت اليمين على الورثة وعلى أنه لم يكن للميت إلا وارثان فكانا مدعى ~~عليهما فلذلك استحلفا ألا ترى أنه قال @QB@ من الذين استحق عليهم الأوليان ~~فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما @QE@ يعني إن هذه اليمين أولى من ~~اليمين التي حلف بها الوصيان أنهما ما خانا ولا بدلا لأن الوصيين صارا في ~~هذه الحال مدعيين وصار الوارثان مدعى عليهما وقد كان برئا في الظاهر بديا ~~بيمينهما فمضت شهادتهما على الوصية فلما ظهر في أيديهما شيء من مال الميت ~~صارت أيمان الوارثين أولى وقد اختلف في تأويل قوله تعالى @QB@ الأوليان ~~@QE@ فروي عن سعيد بن جبير قال معنى الأوليان بالميت يعني الورثة وقيل ~~الأوليان بالشهادة وهي الأيمان في هذا الموضع وليس في الآية دلالة على ~~إيجاب اليمين على الشاهدين فيما شهدا به وإنما أوجبت اليمين عليهما لما ~~ادعى الورثة عليهما الخيانة وأخذ شيء من تركة الميت فصار بعض ما ذكر في هذه ~~الآيات من الشهادات أيمانا وقال بعضهم الشهادة على الوصية كالشهادة على ~~الحقوق لقوله تعالى @QB@ شهادة بينكم @QE@ لا محالة أريد بها شهادات الحقوق ~~لقوله @QB@ اثنان ذوا عدل منكم @QE@ PageV04P165 @QB@ أو آخران من غيركم ~~@QE@ وقوله بعد ذلك @QB@ فيقسمان بالله ms1684 @QE@ غير اليمين ثم قال @QB@ فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا @QE@ ~~يعني بها اليمين لأن هذه أيمان الوارثين وقوله @QB@ أحق من شهادتهما @QE@ ~~يحتمل من يمينهما ويحتمل من شهادتهما لأن الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين ~~وصارت يمين الوارث أحق من شهادة الوصيين ويمينهما لأن شهادتهما لأنفسهما ~~غير جائزة ويميناهما لم توجب تصحيح دعواهما في شراء ما ادعيا شراءه من ~~الميت ثم قال تعالى @QB@ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها @QE@ يعني ~~والله أعلم بالشهادة على الوصية وأن لا يخونوا ولا يغيروا يعني أن ما حكم ~~الله تعالى به من ذلك من الإيمان وإيجابها تارة على الشهود فيما ادعى ~~عليهما من الخيانة وتارة على الورثة فيما ادعى الشهود من شرى شيء من مال ~~الميت وأنهم متى علموا ذلك أتوا بالشهادة على وصية الميت على وجهها أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يقتصروا على أيمانهم ولا يبرئهما ذلك ~~من أن يستحق عليهم ما كتموه وادعوا شراه إذا حلف الورثة على ذلك والله أعلم # | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # | باب النهي عن مجالسة الظالمين # قال الله تعالى @QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم @QE@ ~~الآية فأمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله وهي القرآن ~~بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضي الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما ~~يكون منهم إلى أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره وهذا يدل على أن علينا ~~ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز ~~على الله تعالى إذا لم يمكننا إنكاره وكنا في تقية من تغييره باليد أو ~~اللسان لأن علينا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله به إلا أن ~~تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه قوله تعالى @QB@ وإما ينسينك الشيطان ~~@QE@ المراد إن أنساك الشيطان ببعض الشغل فقعدت معهم وأنت ناس للنهي فلا ~~شيء عليك في تلك الحال ثم قال تعالى @QB@ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين @QE@ يعني بعد ما ms1685 تذكر نهي الله تعالى لا تقعد مع الظالمين وذلك ~~عموم في النهي عن مجالسة سائر الظالمين من أهل الشرك PageV04P166 وأهل ~~الملة لوقوع الاسم عليهم جميعا وذلك إذا كان في تقية من تغييره بيده أو ~~بلسانه بعد قيام الحجة على الظالمين بقبح ماهم عليه فغير جائز لأحد ~~مجالستهم مع ترك النكير سواء كانوا مظهرين في تلك الحال للظلم والقبائح أو ~~غير مظهرين له لأن النهي عام عن مجالسة الظالمين لأن في مجالستهم مختارا مع ~~ترك النكير دلالة على الرضا بفعلهم ونظيره قوله تعالى @QB@ لعن الذين كفروا ~~من بني إسرائيل @QE@ الآيات وقد تقدم ذكر ما روى فيه وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار @QE@ قوله تعالى @QB@ وذر الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما ~~كسبت @QE@ قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ~~وقال مجاهد ليست بمنسوخة لكنه على جهة التهدد كقوله تعالى @QB@ ذرني ومن ~~خلقت وحيدا @QE@ وقوله @QB@ تبسل @QE@ قال الفراء ترتهن وقال الحسن ومجاهد ~~والسدي تسلم وقال قتادة تحبس وقال ابن عباس تفضح وقيل أصله الارتهان وقيل ~~التحريم ويقال أسد باسل لأن فريسته مرتهنة به لا تفلت منه وهذا بسل عليك أي ~~حرام عليك لأنه مما يرتهن به ويقال أعطى الراقي بسلته أي أجرته لأن العمل ~~مرتهن بالأجرة والمستبسل المستسلم لأنه بمنزلة المرتهن بما أسلم فيه قوله ~~تعالى @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا @QE@ قال @QB@ هذا ربي @QE@ قيل ~~فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه قال ذلك في أول حال نظره واستدلاله على ما سبق ~~إلى وهمه وغلب في ظنه لأن قومه قد كانوا يعبدون الأوثان على أسماء الكواكب ~~فيقولون هذا صنم زحل وصنم الشمس وصنم المشتري ونحو ذلك والثاني أنه قال قبل ~~بلوغه وقبل إكمال الله تعالى عقله الذي به يصح التكليف فقال ذلك وقد خطرت ~~بقلبه الأمور وحركته الخواطر والدواعي على الكفر فيما شاهده من الحوادث ~~الدالة على توحيد الله تعالى وروي في الخبر أن أمه كانت ولدته في مغار خوفا ~~من ms1686 نمرود لأنه كان يقتل الأطفال المولودين في ذلك الزمان فلما خرج من ~~المغار قال هذا القول حين شاهد الكواكب والثالث أنه قال ذلك على وجه ~~الأنكار على قومه وحذف الألف وأراد أهذا ربي قال الشاعر % كذبتك عينك أم ~~رأيت بواسد % غلس الظام من الرباب خيالا % $ # ومعناه أكذبتك وقال آخر % رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع % فقلت وأنكرت ~~الوجود هم هم % $ PageV04P167 معناه أهم هم ومعنى قوله @QB@ لا أحب الآفلين ~~@QE@ إخبار بأنه ليس برب ولو كان ربا لأحببته وعظمته تعظيم الرب وهذا ~~الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من أصح ما يكون من الاستدلال وأوضحه وذلك ~~أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه قرر نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من ~~كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى ~~بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ليس برب لأنه علم أن المحدث غير ~~قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل فيه كما استحال ذلك منه إذ كان ~~محدثا فحكم بمساواته له في جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا ربا ثم لما طلع ~~القمر فوجهه من العظم والإشراق وانبساظ النور على خلاف الكواكب قرر أيضا ~~نفسه على حكمه فقال هذا ربي فلما رعاه وتأمل حاله وجده في معناه في باب ~~مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال والزوال حكم له بحكمه وإن كان ~~أكبر وأضوأ منه ولم يمنعه ما شاهد من اختلافهما من العظم والضياء من أن ~~يقضى له بالحدوث لوجود دلالات الحدث فيه ثم لما أصبح رأى الشمس طالعة في ~~عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها قال ما ذكر اسم الله عليه فلا بأكلوه وما لم ~~يذكر اسم الله فكلوه فقال الله هذا ربي لأنها بخلاف الكواكب والقمر في هذه ~~الأوصاف ثم لما رآها آفلة منتقلة حكم لها بالحدوث أيضا وأنها في حكم ~~الكواكب والقمر لشمول دلالة الحدث للجميع وفيما أخبر الله تعالى به عن ~~إبراهيم عليه السلام وقوله عقيب ذلك @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه @QE@ أوضح دلالة على وجوب الاستدلال على ms1687 التوحيد وعلى بطلان قول الحشو ~~القائلين بالتقليد لأنه لو جاز لأحد أن يكتفي بالتقليد لكان أولاهم به ~~إبراهيم عليه السلام فلما استدل إبراهيم على توحيد الله واحتج به على قومه ~~ثبت بذلك أن علينا مثله وقد قال في نسق التلاوة عند ذكره إياه مع سائر ~~الأنبياء @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ فأمرنا الله تعالى ~~بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد والاحتجاج به على الكفار ومن حيث ~~دلت أحوال هذه الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب فهي دالة ~~أيضا على أن من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء والذهاب لا ~~يجوز أن يكون ربا خالقا وأنه يكون مربوبا فدل على أن الله تعالى لا يجوز ~~عليه الانتقال ولا الزوال ولا المجيء ولا الذهاب لقضية استدلال إبراهيم ~~عليه السلام بأن من كان بهذه الصفة فهو محدث وثبت بذلك أن من عبد ما هذه ~~صفته فهو غير عالم بالله PageV04P168 تعالى وأنه بمنزلة من عبد كوكبا أو ~~بعض الأشياء المخلوقة وفيه الدلالة على أن معرفة الله تعالى تجب بكمال ~~العقل قبل إرسال الرسل لإن إبراهيم عليه السلام استدل عليها قبل أن يسمع ~~بحجج الأنبياء عليهم السلام قوله تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه @QE@ يعني والله أعلم ما ذكر من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر ~~والشمس وأن من كان في مثل حالها من مقارنة الحوادث له لا يكون إلها ولما ~~قرر ذلك عندهم قال أي الفريقين أحق بالأمن أمن يعبد إلها واحدا أحق أم من ~~يعبد آلهة شتى قالوا من يعبد ألها واحدا فأقروا على أنفسهم فصاروا محجوجين ~~وقيل أنهم لما قالوا له أما تخاف أن تخبلك آلهتنا قال لهم أما تخافون أن ~~تخبلكم بجمعكم الصغير مع الكبير في العبادة فأبطل ذلك حجاجهم عليه من حيث ~~رجع عليهم ما أرادوا إلزامه إياه فألزمهم مثله على أصلهم وأبطل قولهم بقوله ~~قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ أمر لنا ~~بالاقتداء بمن ذكر من الأنبياء في الاستدلال على توحيد ms1688 الله تعالى على نحو ~~ما ذكرنا من استدلال إبراهيم عليه السلام ويحتج بعمومه في لزوم شرائع من ~~كان قبلنا من الأنبياء بأنه لم يخصص بذلك الاستدلال على التوحيد من الشرائع ~~السمعية وهو على الجميع وقد بينا ذلك في أصول الفقه قوله تعالى @QB@ لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ يقال إن الإدراك أصله اللحوق نحو قولك ~~أدرك زمان المنصور وأدرك أبا حنيفة وأدرك الطعام أي لحق حال النضج وأدرك ~~الزرع والثمرة وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال وإدراك البصر للشيء لحوقه ~~له برؤيته إياه لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصري شخصا ~~معناه رأيته ببصري ولا يجوز أن يكون الإدراك إلإحاطة لأن البيت محيط بما ~~فيه وليس مدركا له فقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ معناه لا تراه ~~الأبصار وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار كقوله تعالى @QB@ لا تأخذه سنة ولا ~~نوم @QE@ وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ذم ونقص فغير جائز ~~إثبات نقيضه بحال كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل ~~إلا إلى صفة نقص فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه ~~بحال إذ كان فيه إثبات صفة نقص ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى @QB@ ~~وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار ~~الثواب كما روي عن جماعة من السلف فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز ~~الاعتراض PageV04P169 عليه بلا مسوغ للتأويل فيه والأخبار والمروية في ~~الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ~~ولا تعرض فيه الشكوك لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة قوله تعالى ~~@QB@ ولو شاء الله ما أشركوا @QE@ معناه لو شاء الله أن يكونوا على ضد ~~الشرك من الإيمان قسرا ما أشركوا لأن المشيئة إنما تتعلق بالفعل أن يكون لا ~~بأن لا يكون فمتعلق المشيئة محذوف وإنما المراد بهذه المشيئة الحال التي ~~تنافي الشرك قسرا بالانقطاع عن الشرك عجزا ومنعا وإلجاء ms1689 فهذه الحال لا ~~يشأها الله تعالى لأن المنع من المعصية بهذه الوجوه منع من الطاعة وإبطال ~~للثواب والعقاب في الآخرة قوله تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم @QE@ قال السدي لا تسبوا الأصنام فيسبوا من ~~أمركم بما أنتم عليه من عيبها وقيل لا تسبوا الأصنام فيحملهم الغيظ والجهل ~~على أن يسبوا من تعبدون كما سببتم من يعبدون وفي ذلك دليل على أن المحق ~~عليه أن يكف عن سب السفهاء الذين يتسرعون إلى سبه على وجه المقابلة له لأنه ~~بمنزلة البعث على المعصية قوله تعالى @QB@ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن ~~كنتم بآياته مؤمنين @QE@ ظاهره أمر ومعناه الإباحة كقوله تعالى @QB@ وإذا ~~حللتم فاصطادوا @QE@ @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ هذا إذا ~~أراد بأكله التلذذ فهو إباحة يحتمل الترغيب في اعتقاد صحة الإذن فيه في ~~أكله للاستعانة به على طاعة الله تعالى فيكون أكله في هذه الحال مأجورا ومن ~~الناس من يقول @QB@ إن كنتم بآياته مؤمنين @QE@ يدل على حظر أكل ما لم يذكر ~~اسم الله عليه لاقتضائه مخالفة المشركين في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ~~وقوله @QB@ مما ذكر اسم الله عليه @QE@ عموم في سائر الأذكار ويحتج به على ~~جواز أكل ذبح الغاصب للشاة المغصوبة وفي الذبح بسكين مغصوبة أن المالك ~~للشاة أكلها لقوله تعالى @QB@ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه @QE@ إذ كان ذلك ~~مما قد ذكر اسم الله عليه قوله تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ ~~قال الضحاك كان أهل الجاهلية يرون إعلان الزنا إثما والاستسرار به غير إثم ~~فقال الله تعالى @QB@ وذروا ظاهر الإثم وباطنه @QE@ وهو عموم سائر ما يسمى ~~بهذا الاسم أن عليه تركه سرا وعلانية فهو يوجب تحريم الخمر أيضا لقوله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير @QE@ ويجوز أن يكون ~~ظاهر الإثم ما يفعله بالجوارح وباطنه ما يفعله بقلبه من الاعتقادات والفصول ~~ونحوها مما حظر عليه فعله منها قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه ms1690 وإنه لفسق @QE@ PageV04P170 فيه نهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله ~~عليه وقد اختلف في ذلك فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح إن ترك المسلم ~~التسمية عمدا لم يؤكل وإن تركها ناسيا أكل وقال الشافعي يؤكل في الوجهين ~~وذكر مثله عن الأوزاعي وقد اختلف أيضا في تارك التسمية ناسيا فروي عن علي ~~وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وابن شهاب وطاوس قالوا ~~لا بأس بأكل ما ذبح ونسى التسمية عليه وقال علي إنما هي على الملة وقال ابن ~~عباس المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر ~~النسيان في الملة وقال عطاء المسلم تسمية اسم الله تعالى المسلم هو اسم من ~~أسماء الله تعالى والمؤمن هو اسم من أسمائه والمؤمن تسمية الذابح وروى أبو ~~خالد الأصم عن ابن عجلان عن نافع أن غلاما لابن عمر قال له يا عبدالله قل ~~بسم الله قال قد قلت قال قل بسم الله قال قد قلت قال قل بسم الله قال قد ~~قلت قال فذبح فلم يأكل منه وقال ابن سيرين إذا ترك التسمية ناسيا لم يؤكل ~~وروى يونس بن عبيد عن مولى لقريش عن أبيه أنه أتى على غلام لابن عمر قائما ~~عند قصاب ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها فأمره ابن عمر أن يقوم عنده ~~فإذا جاء إنسان يشتري قال ابن عمر يقول إن هذه لم يذكها فلا تشتر وروى شعبة ~~عن حماد عن إبراهيم في الرجل يذبح فينسى أن يسمي قال أحب إلي أن لا يأكل ~~وظاهر الآية موجب لتحريم ما ترك اسم الله عليه ناسيا كان ذلك أو عامدا إلا ~~أن الدلالة قد قامت عندنا على أن النسيان غير مراد به فأما من أباح أكله مع ~~ترك التسمية عمدا فقوله مخالف للآية غير مستعمل لحكمها بحال هذا مع مخالفته ~~للآثار المروية في إيجاب التسمية على الصيد والذبيحة فإن قيل إن المراد ~~بالنهي الذبائح التي ذبحها المشركون ويدل عليه ms1691 ما روى شريك عن سماك بن حرب ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون أما ما قتل ربكم فمات فلا تأكلونه ~~وأما ما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلونه فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ قال الميتة ويدل ~~على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة @QB@ ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ~~@QE@ فإذا كانت الآية في الميتة وفي ذبائح المشركين فهي مقصودة الحكم ولم ~~يدخل فيها ذبائح المسلمين قيل له نزول الآية على سبب لا يوجب الاقتصار ~~بحكمها عليه بل الحكم للعموم إذا كان أعم من السبب فلو كان المراد ذبائح ~~المشركين لذكرها ولم يقتصر على ذكر ترك التسمية وقد علمنا أن المشركين وإن ~~سموا PageV04P171 على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح ~~المشركين إذ كانت ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا وقد نص ~~الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين في غير هذه الآية وهو قوله تعالى @QB@ ~~وما ذبح على النصب @QE@ وأيضا فلو أراد ذبائح المشركين أو الميتة لكانت ~~دلالة قائمة على فساد التذكية بترك التسمية إذ جعل ترك التسمية علما لكونه ~~ميتة فدل ذلك على أن كل ما تركت التسمية عليه فهو ميتة وعلى أنه قد روي عن ~~ابن عباس ما يدل على أن المراد التسمية دون ذبيحة الكافر وهو ما رواه ~~إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~قال كانوا يقولون ما ذكر اسم الله عليه فلا تأكلوه وما لم يذكر اسم الله ~~فكلوه فقال الله تعالى @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ ~~فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن المجادلة منهم كانت تعالى @QB@ ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ لذلك لا على أنها نفس الذبح في ترك التسمية ~~وأن الآية نزلت في إيجابها لا من طريق ذبائح المشركين ولا الميتة ويدل على ~~أن ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة # قوله تعالى @QB@ يسألونك ماذا أحل لهم ms1692 قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين @QE@ إلى قوله @QB@ واذكروا اسم الله عليه @QE@ ومعلوم أن ~~ذلك أمر يقتضي الإيجاب وأنه غير واجب على الأكل فدل على أنه أراد به حال ~~الاصطياد والسائلون قد كانوا مسلمين فلم يبح لهم الأكل إلا بشريطة التسمية ~~ويدل عليه قوله تعالى @QB@ فاذكروا اسم الله عليها صواف @QE@ يعني في حال ~~النحر لأن الله تعالى قال @QB@ فإذا وجبت جنوبها @QE@ والفاء للتعقيب ويدل ~~عليه من جهة السنة حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~صيد الكلب فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل إذا أمسك ~~عليك وإن وجدت معه كلبا آخر وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على ~~كلبك ولم تذكره على غيره وقد كان عدي بن حاتم مسلما فأمره بالتسمية على ~~إرسال الكلب ومنعه الأكل عند عدم التسمية بقوله فلا تأكله فإنما ذكرت الله ~~على كلبك وقد اقتضت الآية النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه والنهي عن ~~ترك التسمية أيضا ويدل على تأكيد النهي عن ذلك قوله تعالى @QB@ وإنه لفسق ~~@QE@ وهو راجع إلى الأمرين من ترك التسمية ومن الأكل ويدل أيضا على ان ~~المراد حال تركها عامدا إذا كان الناسي لا يجوز أن تلحقه سمة الفسق ويدل ~~عليه ما روى عبدالعزيز الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن ~~الناس قالوا يا رسول الله PageV04P172 إن الأعراب يأتون باللحم فبتنا عندهم ~~وهم حديثو عهد بكفر لا ندري ذكروا اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه ~~وكلوا فلو لم تكن التسمية من شرط الذكاة لقال وما عليكم من ترك التسمية ~~ولكنه قال كلوا لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الجواز والصحة فلا ~~تحمل على الفساد وما لا يجوز إلا بدلالة فإن قيل لو كان المراد ترك المسلم ~~التسمية لوجب أن يكون من استباح أكله فاسقا لقوله تعالى @QB@ وإنه لفسق ~~@QE@ فلما اتفق الجميع على أن المسلم التارك للتسمية عامدا غير ms1693 مستحق بسمة ~~الفسق دل على أن المراد الميتة أو ذبائح المشركين قيل له ظاهر قوله @QB@ ~~وإنه لفسق @QE@ عائد على الجميع من المسلمين وغيرهم وقيام الدلالة على خصوص ~~بعضهم غير مانع بقاء حكم الآية في إيجاب التسمية على المسلم في الذبيحة ~~وأيضا فإنا نقول من ترك التسمية عامدا مع اعتقاده لوجوبها هو فاسق وكذلك من ~~أكل ما هذا سبيله مع الإعتقاد لأن ذلك من شرطها فقد لحقته سمة الفسق وأما ~~من اعتقد أن ذلك في الميتة أو ذبائح أهل الشرك دون المسلمين فإنه لا يكون ~~فاسقا لزواله عند حكم الآية بالتأويل فإن قال قائل لما كانت التسمية ذكرا ~~ليس بواجب في استدامته ولا في انتهائه وجب أن لا يكون واجبا في ابتدائه ولو ~~كان واجبا لاستوى فيه العامد والناسي قيل له أما القياس الذي ذكره فهو دعوى ~~محض لم يرده على أصل فلا يستحق الجواب على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين ~~وكذلك في التلبية والاستيذان وما شاكل هذا لأن هذه إذا كانت ليست بواجبة في ~~استدامتها وانتهائها ومع ذلك فهي واجبة في الابتداء وإنما قلنا إن ترك ~~التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة من قبل أن قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ خطاب للعامد دون الناسي ويدل عليه قوله ~~تعالى في نسق التلاوة @QB@ وإنه لفسق @QE@ وليس ذلك صفة الناسي ولأن الناسي ~~في حال نسيانه غير مكلف للتسمية وروى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد ~~بن عمير عن عبدالله ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاوز ~~الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وإذا لم يكن مكلفا للتسمية ~~فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك التسمية وغير جائز ~~إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان ~~الطهارة ونحوها لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر ولا يجوز أن يلزمه فرض ~~آخر في الذكاة لفوات محلها فإن قيل لو كانت التسمية من شرائط ms1694 الذكاة ~~PageV04P173 لما أسقطها النسيان كترك قطع الأوداج وهذا السؤال للفريقين من ~~أسقط التسمية رأسا ومن أوجبها في حال النسيان فأما من أسقطها فإنه يستدل ~~علينا باتفاقنا على سقوطها في حال النسيان وشرائط الزكاة لا يسقطها النسيان ~~كترك قطع الأوداج فدل على أن التسمية ليست بشرطها فيها ومن أوجبها في حال ~~النسيان يشبهها بترك قطع الحلقوم والأوداج ناسيا أو عامدا أنه يمنع صحة ~~الذكاة فأما من أسقط فرض التسمية رأسا فإن هذا السؤال لا يصح له لأنه يزعم ~~أن ترك الكلام من فروض الصلاة وكذلك فعل الطهارة وهما جميعا من شروطها ثم ~~فرق بين تارك الطهارة ناسيا وبين المتكلم في الصلاة ناسيا وكذلك النية شرط ~~في صحة الصوم وترك الأكل أيضا شرط فيه صحته ولو ترك النية ناسيا لم يصح ~~صومه ولو أكل ناسيا لم يفسد صومه فهذا سؤال ينتقض على أصل هذا السائل وأما ~~من أوجبها في حال النسيان واستدل بقطع الأوداج فإنه لا يصح له ذلك أيضا لأن ~~قطع الأوداج هو نفس الذبح الذي ينافى موته حتف أنفه وينفصل به من الميتة ~~والتسمية مشروطة لذلك لا على أنها نفس الذبح بل هي مأمور بها عنده في الحال ~~الذكر دون حال النسيان فلم يخرجه عدم التسمية على وجه السهو من وجود الذبح ~~فلذلك اختلفا قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~@QE@ الآية الحرث الزرع والحرث الأرض التي تثار للزرع قال ابن عباس وقتادة ~~عمد أناس من أهل الضلالة فجزؤا من حروثهم ومواشيهم جزأ لله تعالى وجزأ ~~لشركائهم فكانوا إذا خالط شيء مما جزؤا لشركائهم ما جزؤا لله تعالى ردوه ~~على شركائهم وكانوا إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزؤا لله تعالى ووفروا ~~ما جزؤا لشركائهم وقيل أنهم كانوا إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما ~~لله تعالى ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى قال ذلك الحسن والسدي وقيل ~~أنهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ~~ذلك فيما جعلوه للأوثان وإنما ms1695 جعل الأوثان شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا ~~من أموالهم ينفقونها عليها فشاركوها في نعمهم قوله تعالى @QB@ وقالوا هذه ~~أنعام وحرث حجر @QE@ قال الضحاك الحرث الزرع الذي جعلوه لأوثانهم وأما ~~الأنعام التي ذكرها اولا فهو ما جعلوه لأوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة ~~عليها في سدنتها وما ينوب من أمرها وقيل ما جعل منها قربانا للأوثان وأما ~~الأنعام التي ذكرت ثانيا فإن الحسن ومجاهدا قالا هي السائبة والوصيلة ~~والحامي وأما التي ذكرت ثالثا فإن PageV04P174 السدي وغيره قالوا هي التي ~~إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها وقال أبو وائل هي ~~التي لا يحجون عليها وقوله تعالى @QB@ حجر @QE@ قال قتادة يعني حراما وأصله ~~المنع قال الله تعالى @QB@ ويقولون حجرا محجورا @QE@ أي حراما محرما قوله ~~تعالى @QB@ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا @QE@ قال ابن عباس ~~يعنون اللبن وقال سعيد عن قتادة ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~البحائر كانت للذكور دون النساء وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم ~~قوله تعالى @QB@ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم ~~الله @QE@ قال قتادة يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي تحريما من ~~الشيطان في أموالهم وقال مجاهد والسدي ما في بطون هذه الأنعام يعني بها ~~الأجنة وقال غيرهم أراد بها الألبان والأجنة جميعا والخالص هو الذي يكون ~~على معنى واحد لا يشوبه شيء من غيره كالذهب الخالص ومنه إخلاص التوحيد ~~وإخلاص العمل لله تعالى وإنما أنث خالصة على المبالغة في الصفة كالعلامة ~~والرواية وقيل على تأنيث المصدر نحو العاقبة والعافية ومنه بخالصة ذكرى ~~الدار وقيل لتأنيث ما في بطونها من الأنعام ويقال فلان خالصة فلان وخلصانه ~~وقوله تعالى @QB@ وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء @QE@ يعني أجنة الأنعام إذا ~~كانت ميتة استوى ذكورهم وإناثهم فيها فأكلوها جميعا قال أبو بكر وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال إذا أردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ~~والمائة من سورة الأنعام إلى قوله @QB@ قد خسر الذين قتلوا ms1696 أولادهم سفها ~~بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ~~@QE@ قوله تعالى @QB@ وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ قال ابن عباس والسدي معروشات ما ~~عرش الناس من الكروم ونحوها وهو رفع بعض أغصانها على بعض وقيل أن تعريشه أن ~~يحظر عليه بحائط وأصله الرفع ومنه خاوية على عروشها أي على أعاليها وما ~~ارتفع منها والعرش السرير لارتفاعه ذكر الله تعالى الزرع والنخل والزيتون ~~والرمان ثم قال @QB@ كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وهو ~~عطف على جميع المذكور فاقتضى ذلك إيجاب الحق في سائر الزروع والثمار ~~المذكورة على الآية وقد اختلف في المراد بقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم ~~حصاده @QE@ فروي عن ابن عباس وجابر بن زيد ومحمد بن الحنفية والحسن وسعيد ~~بن المسيب وطاوس وزيد بن PageV04P175 أسلم وقتادة والضحاك أنه العشر ونصف ~~العشر وروي عن ابن عباس رواية أخرى ومحمد بن الحنفية والسدي وإبراهيم نسخها ~~العشر ونصف العشر وعن الحسن قال نسختها الزكاة وقال الضحاك نسخت الزكاة كل ~~صدقة في القرآن وروي عن ابن عمر ومجاهد أنها محكمة وأنه حق واجب عند الصرام ~~غير الزكاة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن جداد الليل وعن ~~صرام الليل قال سفيان بن عيينة هذا لأجل المساكين كي يحضروا قال مجاهد إذا ~~حصدت طرحت للمساكين منه وكذلك إذا ظننت وإذا أكدست ويتركون يتبعون آثار ~~الحصادين وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه وإذا علمت كيله عزلت زكاته وإذا ~~أخذت في جدد النخل طرحت لهم منه وكذلك إذا أخذت في كيله وإذا علمت كيله ~~عزلت زكاته وما روي عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم أن قوله تعالى ~~@QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ منسوخ بالعشر ونصف العشر يبين أن مذهبهم ~~تجويز نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف الفقهاء فيما يجب فيه العشر من وجهين ~~أحدهما في الصنف الموجب فيه والآخر في مقدارة # | ذكر الخلاف في الموجب فيه ms1697 # قال أبو حنيفة وزفر في جميع ما تخرجه الأرض العشر إلا الحطب والقصب ~~والحشيش وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ثمرة ~~باقية وقال مالك الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة ~~والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبياء وما أشبه ذلك من الحبوب ~~وفي الزيتون وقال ابن أبي ليلى والثوري ليس في شيء من الزرع زكاة إلا التمر ~~والزبيب والحنطة والشعير وهو قول الحسن بن صالح وقال الشافعي إنما تجب فيما ~~ييبس ويقتات ويدخر مأكولا ولا شيء في الزيتون لأنه إدام وقد روى عن علي بن ~~أبي طالب وعمر ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنه ليس في الخضر صدقة وروي عن ~~ابن عباس أنه كان يأخذ من دساتج الكراث العشر بالبصرة قال أبو بكر قد تقدم ~~ذكر اختلاف السلف في معنى قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وفي ~~بقاء حكمه أو نسخه والكلام بين السلف في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها هل المراد ~~زكاة الزرع والثمار وهو العشر ونصف العشر أو حق آخر غيره وهل هو منسوخ أو ~~غير منسوخ فالدليل على أنه غير منسوخ اتفاق الأمة PageV04P176 على وجوب ~~الحق في كثير من الحبوب والثمار وهو العشر ونصف العشر ومتى وجدنا حكما قد ~~استعملته الأمة ولفظ الكتاب ينتظمه ويصح أن يكون عبارة عنه فواجب أن يحكم ~~أن الاتفاق إنما صدر عن الكتاب وأن ما اتفقوا عليه هو الحكم المراد بالآية ~~وغير جائز إثباته حقا غيره ثم إثبات نسخه بقوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~سقت السماء العشر إذ جائز أن يكون ذلك الحق هو العشر الذي بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيكون قوله فيما سقت السماء العشر بيانا للمراد بقوله تعالى ~~@QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ كما أن قوله في مائتي درهم خمسة دراهم بيان ~~لقوله تعالى @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ وقوله @QB@ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ وغير جائز أن يكون قوله @QB@ وآتوا حقه يوم ~~حصاده @QE@ منسوخا بالعشر ونصف ms1698 العشر لأن النسخ إنما يقع بما لايصح ~~اجتماعهما فأما ما يصح اجتماعهما معا فغير جائز وقوع النسخ به ألا ترى أنه ~~يصح أن يقول وآتوا حقه يوم حصاده وهو العشر فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن ~~يكون منسوخا به وأما من جعل هذا الحق ثابت الحكم غير منسوخ وزعم أنه حق آخر ~~غير العشر يجب عند الحصاد وعند الدياس وعند الكيل فإنه لا يخلو قوله هذا من ~~أحد معنيين إما أن يكون مراده عنده الوجوب أو الندب فإن كان ندبا عنده لم ~~يسغ له ذلك إلا بإقامة الدلالة عليه إذ غير جائز صرف الأمر عن الإيجاب إلى ~~الندب إلا بدلالة وإن رآه واجبا فلو كان كما زعم لوجب أن يرد النقل به ~~متواترا لعموم الحاجة إليه ولكان لا أقل من أن يكون نقله في نقل وجوب العشر ~~ونصف العشر فلما لم يعرف ذلك عامة السلف والفقهاء علمنا أنه غير مراد فثبت ~~أن هذا الحق هو العشر ونصف العشر الذي بينه صلى الله عليه وسلم فإن قيل ~~الزكاة لا تخرج يوم الحصاد وإنما تخرج بعد التنقية فدل على أنه لم يرد به ~~الزكاة قيل له الحصاد اسم للقطع فمتى قطعه فعليه إخراج عشر ما صار في يده ~~ومع ذلك فالخضر كلها إنما يخرج الحق منها يوم الحصاد غير منتظر به شيء غيره ~~وقيل إن قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ لم يجعل اليوم ظرفا ~~للإيتاء المأمور به وإنما هو ظرف لحقه كأنه قال وآتوا الحق الذي وجب يوم ~~حصاده بعد التنقية قال أبو بكر ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله @QB@ ~~وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ هو العشر دل على وجوب العشر في جميع ما تخرجه ~~الأرض إلا ما خصه الدليل لأن الله تعالى قد ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم ~~لسائر أصنافه وذكر PageV04P177 النخل والزيتون والرمان ثم عقبه بقوله @QB@ ~~وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وهو عائد إلى جميع المذكور فمن ادعى خصوص شيء منه ~~لم يسلم له ذلك إلا بدليل فوجب بذلك ms1699 إيجاب الحق في الخضر وغيرها وفي ~~الزيتون والرمان فإن قيل إنما أوجب الله تعالى هذا الحق فيما ذكر يوم حصاده ~~وذلك لا يكون إلا بعد استحكامه ومصيره إلى حال تبقى ثمرته فأما ما أخذ منه ~~قبل بلوغ وقت الحصاد من الفواكه الرطبة فلم يتناوله اللفظ ومع ذلك فإن ~~الزيتون والرمان لا يحصدان فلم يدخلا في عموم اللفظ قيل له الحصاد اسم ~~للقطع والاستيصال قال الله تعالى @QB@ حتى جعلناهم حصيدا خامدين @QE@ وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ترون أو باش قريش احصدوهم حصدا فيوم ~~حصاده هو يوم قطعه فذلك قد يكون في الخضر وفي كل ما يقطع من الثمار عن شجرة ~~سواء كان بالغا أو أخضر رطبا وأيضا قد أوجب الآية العشر في ثمر النخل عند ~~جميع الفقهاء بقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ فدل على أن المراد ~~يوم قطعه لشمول اسم الحصاد لقطع ثمر النخل وفائدة ذكر الحصاد ههنا ان الحق ~~غير واجب إخراجه بنفس خروجه وبلوغه حتى يحصل في يد صاحبه فحينئذ يلزمه ~~إخراجه وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق قد يلزمه بخروجه قبل قطعه وأخذه ~~فأفاد بذلك أن عليه زكاة ما حصل في يده دون ما تلف منه ولم يحصل منه في يده ~~ويدل على وجوب العشر في جميع الخارج قوله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ وذلك عموم في جميع الخارج فإن قيل ~~النفقة لا تعقل منها الصدقة قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن النفقة لا ~~يعقل منها غير الصدقة وبهذا ورد الكتاب قال الله تعالى @QB@ ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين ~~ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية @QE@ الآية وغير ذلك من الآي ~~الموجبة لما ذكرنا وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم @QE@ أمر وهو يقتضي الوجوب وليس ههنا نفقة واجبة غير ~~الزكاة والعشر ms1700 إذ النفقة على عياله واجبة وأيضا فإن النفقة على نفسه ~~وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر فلا معنى لحمل الآية عليه فإن قيل ~~المراد صدقة التطوع قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن الأمر على الوجوب ~~فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل والثاني قوله تعالى @QB@ ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه @QE@ PageV04P178 قد دل على الوجوب لأن الإغماض إنما يكون في ~~اقتضاء الدين الواجب فأما ما ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل وربح فلا ~~إغماض فيه ومن جهة السنة حديث معاذ وابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بالساقية فنصف العشر وهذا خبر ~~قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه فهو في حيز التواتر وعمومه يوجب الحق في ~~جميع أصناف الخارج فإن احتجوا بحديث يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو كامل ~~الجحدري قال حدثنا الحارث بن شهاب عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن ~~أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس في الخضراوات صدقة قيل له قد ~~قال يعقوب بن شيبة إن هذا حديث منكر وكان يحيى بن معين يقول حديث الحارث بن ~~شهاب ضعيف قال يحيى وقد روى عبدالسلام بن حرب هذا الحديث عن عطاء بن السائب ~~عن موسى بن طلحة مرسلا وعبدالسلام ثقة وإنما أصل حديث موسى ابن طلحة ما ~~رواه يعقوب بن شيبة قال حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا عمرو بن عثمان ابن ~~موهب عن موسى بن طلحة أن بعض الأمراء بعث إليه في صدقة أرضه فقال ليس عليها ~~صدقة وإنما هي أرض خضر ورطاب إن معاذا إنما أمر أن يأخذ من النخل والحنطة ~~والشعير والعنب فهذا أصل حديث موسى بن طلحة وهو تأويل لحديث معاذ أنه أمر ~~بالأخذ من الأصناف التي ذكر وليس في ذلك لو ثبت دلالة على نفي الحق عما ~~سواها لأنه يجوز أن يكون معاذا إنما استعمل على هذه الأصناف دون غيرها ~~وأيضا فلو استقام سند موسى ms1701 ابن طلحة وصحت طريقته لم يجز الاعتراض به على ~~خبر معاذ في العشر ونصف العشر لأنه خبر تلقاه الناس بالقبول واستعملوه وهم ~~مختلفون في استعمال حديث موسى بن طلحة ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خبران فاتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر ~~كان المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه منهما خاصا كان ذلك أو عاما ~~فوجب أن يكون قوله فيما سقت السماء العشر قاضيا على خبر موسى بن طلحة ليس ~~في الخضراوات صدقة وأيضا يمكن استعمال هذا الخبر فيما يمر به على العشر على ~~ما يقول أبو حنيفة لأنه لا يأخذ منه العشر ويكون خبر معاذ فيما سقت السماء ~~العشر مستعملا في الجميع ومن جهة النظر أن الأرض بقصد طلب نمائها بزراعتها ~~الخضراوات كما يطلب نماؤها بزراعتها الحب فوجب أن يكون فيها العشر كالحبوب ~~ولا يلزم عليه الحطب PageV04P179 والقصب والحشيش لأن ذلك ينبت في العادة ~~إذا صادفه الماء من غير زراعة وليس يكاد يقصد بها الأرض فلذلك لم يجب فيها ~~شيء ولا خلاف في نفي وجوب الحق عن هذه الأشياء وقد اختلف فيما يأكله رب ~~النخل من التمر فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والثوري يحسب عليه ما أكله صاحب ~~الأرض وقال أبو يوسف إذا أكل صاحب الأرض وأطعم جاره وصديقه أخذ منه عشر ما ~~بقي من ثلاثمائة الصاع التي تجب فيها الزكاة ولا يؤخذ منه مما أكل أو أطعم ~~ولو أكل الثلاثمائة صاع وأطعمها لم يكن عليه عشر فإن بقي منها قليل أو كثير ~~فعليه عشر ما بقي أو نصف العشر وقال الليث في زكاة الحبوب يبدأ بها قبل ~~النفقة وما أكل من فريك هو وأهله فإنه لا يحتسب عليه بمنزلة الرطب الذي ~~يترك لأهل الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرص عليه وقال الشافعي يترك الخارص ~~لرب الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرصه عليه ومن أكل من نخله وهو رطب لم ~~يحتسب عليه قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده ms1702 @QE@ يقتضي ~~وجوب الحق في جميع المأخوذ ولم يخصص الله تعالى ما أكله هو وأهله فهو على ~~الجميع فإن قيل إنما أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد فلا يجب الحق فيما أخذ منه ~~قبل الحصاد قيل له الحصاد اسم للقطع فكلما قطع منه شيئا لزمه إخراج عشره ~~وأيضا فليس في قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ دليل على نفي ~~الوجوب عما أخذ قبل الحصاد لأنه جائز أن يريد وآتوا حق الجميع يوم حصاده ~~المأكول منه والباقي واحتج من لم يحتسب بالمأكول بما روى شعبة عن حبيب بن ~~عبدالرحمن قال سمعت عبدالرحمن بن مسعود يقول جاء سهل بن أبي حثمة إلى ~~مجلسنا فحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن ~~لم تدعوا الثلث فالربع وهذا يحتمل أن يكون معناه ما روى سهل بن أبي حثمة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا فجاءه رجل فقال يا رسول الله ~~إن أبا حثمة قد زاد على فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابن عمك ~~يزعم أنك قد زدت عليه فقال يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما ~~يطعم المساكين وما يصيب الريح فقال قد زادك ابن عمك وأنصفك والعرايا هي ~~الصدقة فإنما أمر بذلك الثلث صدقة ويدل عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن ~~مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خففوا في الخرص ~~فإن في المال العرية والوصية فجمع بين العرية والوصية فدل على أنه أراد ~~الصدقة وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~PageV04P180 ليس في العرايا صدقة فلم يوجب فيها صدقة لأن العارية نفسها ~~صدقة وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها ~~صدقة ولا يضمنها # | ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق # فقال أبو حنيفة وزفر يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما ~~قدمنا ذكره وقال أبو ms1703 يوسف ومحمد ومالك وابن أبي ليلى والليث والشافعي لا ~~يجب حتى يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق ~~مكيلا فإن لم يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمس أوسق من أدنى ~~الأشياء التي تدخل في الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل فإنه روي عنه ~~يكون فيه خمسة أوسق من أدنى الأشياء أن دهقانة نهر الملك اسلمت فكتب عمر أن ~~يؤخذ منه الخراج إن اختارت أرضها أنه اعتبر عشرة أرطال وروي أنه اعتبر عشر ~~قرب وروي أنه اعتبر قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق وأما محمد ~~فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ذلك الشيء فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثاله ~~وذلك نحو الزعفران فإن أعلى مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء لأن ما ~~زاد على المن فإنه يضاعف أو ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من ~~ويعتبر في القطن خمسة أحمال لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له وفي ~~العسل خمسة أفراق لأن الفرق أعلى ما يقدر به ويحتج لأبي حنيفة في ذلك بقوله ~~تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وذلك عائد إلى جميع المذكور فهو عموم ~~فيه وإن كان مجملا في المقدار الواجب لأن قوله @QB@ حقه @QE@ مجمل مفتقر ~~إلى البيان وقد ورد البيان في مقدار الواجب وهو العشر أو نصف العشر ويحتج ~~فيه بقوله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~@QE@ وذلك عام في جميع الخارج ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~سقت السماء والعشر ولم يفصل بين القليل والكثير ومن جهة النظر اتفاق الجميع ~~على سقوط اعتبار الحول فيه فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم ~~واحتج معتبروا المقدار بما روى محمد بن مسلم الطائفي قال أخبرنا عمرو ابن ~~دينار عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة في ~~شيء من الزرع أو الكرم أو النخل حتى يبلغ ms1704 خمسة أوسق وروى ليث بن أبي سليم ~~عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ورواه ~~أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر موقوفا عليه وروى ابن المبارك عن معمر عن ~~سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ~~والجواب عن هذا لأبي حنيفة من وجوه أحدها PageV04P181 أنه إذا روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خبران أحدهما عام والآخر خاص واتفق الفقهاء على استعمال ~~أحدهما واختلف في استعمال الآخر فالمتفق على استعماله قاض على المختلف فيه ~~فلما كان خبر العشر متفقا على استعماله واختلفوا في خبر المقدار كان ~~استعمال خبر العشر على عمومه أولى وكان قاضيا على المختلف فيه فإما أن يكون ~~الآخر منسوخا أو يكون تأويله محمولا على معنى لا ينافي شيئا من خبر العشر ~~وأيضا فإن قوله فيما سقت السماء العشر عام في إيجابه في الموسوق وغيره وخبر ~~الخمسة أوسق خاص في الموسوق دون غيره فغير جائز أن يكون بيانا لمقدار ما ~~يجب فيه العشر لأن حكم البيان أن يكون شاملا لجميع ما اقتضى البيان فلما ~~كان خبر الأوساق مقصورا على ذكر مقدار الوسق دون غيره وكان خبر العشر عموما ~~في الموسق وغيره علمنا أنه لم يرد مورد البيان لمقدار ما يجب فيه العشر ~~وأيضا فإن ذلك يقتضي أن يكون ما يوسق يعتبر في إيجاب الحق بلوغ مقداره خمسة ~~أوسق وما ليس بموسوق يجب في قليله وكثيره ولقوله عليه السلام فيما سقت ~~السماء العشر وفقد ما يوجب تخصيص مقدار مالا يدخل في الأوساق وهذا قول ~~مطروح والقائل به ساقط مرزول لاتفاق السلف والخلف على خلافه وليس ذلك كقوله ~~صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر وقوله ليس فيما دون خمس أواق زكاة ~~وذلك لأنه لا شيء من الرقة إلا وهو داخل في الوزن والأواقي مذكورة للوزن ~~فجاز أن يكون بيانا لمقدار جميع الرقة المذكورة في الخبر الآخر وأيضا فقد ~~ذكرنا ms1705 أن لله حقوقا واجبة في المال غير الزكاة ثم نسخت بالزكاة كما روي عن ~~ي جعفر محمد بن علي والضحاك قالا نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن فجائز أن ~~يكون هذا التقدير معتبرا في الحقوق التي كانت واجبة فنسخت نحو قوله تعالى ~~@QB@ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه @QE@ ~~ونحو ما روي عن مجاهد إذا حصدت طرحت للمساكين وإذا كدست وإذا نقيت وإذا ~~علمت كيله عزلت زكاته وهذه الحقوق غير واجبة اليوم فجائز أن يكون ما روي من ~~تقدير الخمسة الأوسق كان معتبرا في تلك الحقوق وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص ~~الآية والأثر المتفق على نقله به وأيضا فقد روي ليس فيما دون خمسة أوسق ~~زكاة فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق ~~طعام أو تمر للتجارة فأخبر أن لا زكاة فيه لقصور قيمته عن النصاب في ذلك ~~الوقت فنقل الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب ~~PageV04P182 كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار # | ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج # فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجتمعان وقال مالك والثوري ~~والحسن بن صالح وشريك والشافعي إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج ~~والخراج في الأرض والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح ~~السواد وضع على الأرض الخراج ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة ~~الصحابة وبموافقتهم إياه عليه فصار ذلك إجماعا من السلف وعليه مضى الخلف ~~ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويدل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالناضح نصف العشر ~~وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما فلو فلو وجب الخراج معه لكان ذلك ~~بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع وقد يكون قفيزا ودرهما وأيضا ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدر العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي لزمت ~~صاحبها فلو لزم ms1706 الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة ~~الخراج ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخلف فيه كما خالف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح لأجل ~~المؤنة ويدل عليه حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال منعت العراق قفيزها ودرهمها ومعناه ستمنع ولو كان العشر ~~واجبا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعا منه والعشر غير ممنوع لأن من منع ~~الخراج كان للعشر أمنع وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض ~~الخراد وروى أن رفيلا أسلم فقال له علي إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج ~~ولو وروى ايضا لأنها عندنا مملوكة لأهلها والكلام فيها في غير هذا الموضع ~~وقوله إن الخراج كان العشر واجبا مع ذلك لا خبرا بوجوبه ولم يخالفهما في ~~ذلك أحد من الصحابة وأيضا لما كان العشر والخراج حقين لله تعالى لم يجز ~~اجتماعهما عليه في وقت واحد والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع وجوب ~~زكاة السائمة وزكاة التجارة فإن قيل إن الخراج بمنزلة الأجرة والعشر صدقة ~~فكما جاز اجتماع أجر الأرض والعشر في الخارج كذلك يجوز اجتماع الخراج ~~والعشر وذلك لأن أرض الخراج مبقاة على حكم الفيء وإنما أبيح لزارعها ~~الانتفاع بها بالخراج وهو أجرة الأرض فلا يمنع ذلك وجوب العشر مع الخراج ~~قيل PageV04P183 له هذا غلط من وجوه أحدها أن عند أبي حنيفة لا يجتمع العشر ~~والأجرة على المستأجر ومتى لزمته الأجرة سقط عنه العشر فكان العشر على رب ~~الأرض الآخذ للأجرة فهذا الإلزام ساقط عنه وقول القائل إن أرض الخراج غير ~~مملوكة لأهلها وأنها مبقاة على حكم الفيء خطأ لأنها عندنا مملوكة لأهلها ~~والكلام فيها في غير هذا الموضع وقوله إن الخراج أجرة خطأ أيضا من وجوه ~~أحدها أنه لا خلاف أنه لا يجوز استيجار النخل والشجر ومعلوم أن أجرة خطأ ~~أسضا من وجوه الخراج يؤدى عنهما فثبت ms1707 أنه ليس بأجرة وأيضا فإن الأجارة لا ~~تصح إلا على مدة معلومة ولم يعتقد أحد من الأئمة على أرباب أراضي الخراج ~~مدة معلومة وأيضا فإن كانت أرض الخراج وأهلها مقرون على حكم الفيء فغير ~~جائز أن يؤخذ منهم جزية رؤسهم لأن العبد لا جزية عليه ومما يدل على انتفاء ~~اجتماع الخراج والعشر تنافي سببهما وذلك لأن الخراج سببه الكفر لأنه يوضع ~~موضع الجزية وسائر أموال الفيء والعشر سببه الإسلام فلما تنافى مسبباهما ~~تنافى مسبباهما قوله تعالى @QB@ ومن الأنعام حمولة وفرشا @QE@ روي عن ابن ~~عباس رواية والحسن وابن مسعود رواية أخرى ومجاهد قالوا الحمولة كبار الإبل ~~والفرش الصغار وقال قتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدي والحسن رواية ~~الحمولة ما حمل من الإبل والفرش الغنم وروي عن ابن عباس رواية أخرى قال ~~الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير والفرش الغنم ~~فأدخل في الأنعام الحافر على الاتباع لأن اسم الأنعام لا يقع على الحافر ~~وكان قول السلف في الفرش أحد معنيين إما صغار الإبل وإما الغنم وقال بعض ~~أهل العلم أراد بالفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها التي يفترشونها ~~ويجلسون عليها ولولا قول السلف على ما ذكرنا لكان هذا الظاهر يستدل به على ~~جواز الانتفاع بأصواف الأنعام وأوبارها في سائر الأحوال سواء أخذت منها بعد ~~الموت أو في حال الحياة ويستدل به أيضا على جواز الانتفاع بجلودها بعد ~~الموت لاقتضاء العموم له إلا أنهم قد اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل ~~الدباغ فهو مخصوص وحكم الآية ثابت في الانتفاع بها بعد الدباغ وقوله تعالى ~~@QB@ ومن الأنعام حمولة وفرشا @QE@ فيه إضمار وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام ~~حمولة وفرشا قوله تعالى @QB@ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ~~@QE@ إلى الظالمين قولة ثمانية أزواج بدل من قوله @QB@ حمولة وفرشا @QE@ ~~لدخوله في الإنشاء كأنه قال أنشأ ثمانية أزواج فكل واحد من PageV04P184 ~~الأصناف الأربعة من ذكورها وإناثها يسمى زوجا ويقال للإثنين زوج أيضا كما ~~يقال للواحد خصم وللإثنين خصم فأخبر الله ms1708 تعالى أنه أحل لعبادة هذه الأزواج ~~الثمانية وأن المشركين حرموا منها ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحامي وما جعلوه لشركائهم على ما بينه قبل ذلك بغير حجة ولا برهان ليضلوا ~~الناس بغير علم فقال @QB@ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين @QE@ ثم قال @QB@ أم ~~كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا @QE@ لأن طريق العلم إما المشاهدة أو الدليل ~~الذي يشترك العقلاء في إدراك الحق به فبان بعجزهم عن إقامة الدلالة من أحد ~~هذين الوجهين بطلان قولهم في تحريم ما حرموا من ذلك قوله تعالى @QB@ قل لا ~~أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الآية روي عن طاوس أن أهل ~~الجاهلية كانوا يستحلون أشياء ويحرمون أشياء فقال الله تعالى @QB@ قل لا ~~أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ مما تستحلون إلا أن يكون ميتة الآية وسياقة ~~المخاطبة تدل على ما قال طاوس وذلك لأن الله قد قدم ذكر ما كانوا يحرمون من ~~الأنعام وذمهم على تحريم ما أحله وعنفهم وأبان به عن جهلهم لأنهم حرموا ~~بغير حجة ثم عطف قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ يعني ~~مما تحرمونه إلا ما ذكر وإذا كان ذلك تقدير الآية لم يجز الاستدلال بها على ~~إباحة ما خرج عن الآية فإن قيل قد ذكر في أول المائة تحريم المنخنقة ~~والموقوذة وما ذكر معها وهي خارجة عن هذه الآية قيل له في ذلك جوابان ~~أحدهما أن المنخنقة وما ذكر معها قد دخلت في الميتة وإنما ذكر الله تعالى ~~تحريم الميتة في قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ ثم فسر وجوهها والأسباب ~~الموجبة لكونها ميتة فقد اشتمل اسم الميتة على المنخنقة ونظائرها والثاني ~~أن سورة الأنعام مكية وجائز أن لا يكون قد حرم في ذلك الوقت إلا ما قد ذكر ~~في هذه الآية والمائدة مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن وفي هذه الآية ~~دليل على أن أو إذا دخلت على النفي ثبت كل واحد مما دخلت عليه على حيالها ~~وأنها لا تقتضي تخييرا لأن قوله تعالى @QB@ إلا ms1709 أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير @QE@ قد أوجب تحريم كل واحد من ذلك على حياله وقد احتج كثير ~~من السلف في إباحة ما عدا المذكورة في هذه الآية بها فمنها لحوم الحمر ~~الأهلية وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قلت لجابر بن زيد إنهم ~~يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال قد كان ~~يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي صلى الله عليه وسلم = ~~PageV04P185 ولكن أبى ذلك البحر يعني عبدالله بن عباس وقرأ @QB@ قل لا أجد ~~فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الآية وروى حماد بن سلمة عن يحيى ~~بن سعيد عن القاسم عن عائشة أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم الذي يكون ~~في أعلى العروق بأسا وقرأت هذه الآية @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه @QE@ الآية فأما لحوم الحمر الأهلية فإن أصحابنا ومالكا ~~والثوري والشافعي ينهون عنه وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من إباحته وتابعه ~~على ذلك قوم وقد وردت أخبار مستفيضة في النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية ~~منها حديث الزهري عن الحسن وعبدالله ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما أنه ~~سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أكل لحوم الحمر الإنسية وعن متعة النساء يوم خيبر وقد روى ابن وهب عن يحيى ~~بن عبدالله بن سالم عن عبدالرحمن ابن الحارث المخزومي عن مجاهد عن ابن عباس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأنسية وهذا يدل ~~على أنه لما سمع عليا يروي النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم رجع عما كان ~~يذهب إليه من الإباحة وروى أبو حنيفة وعبدالله عن نافع عن ابن عمر قال نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وروى ابن ~~عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر ms1710 أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ورواه حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن ~~محمد بن علي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر ~~الأهلية وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب سمعه منه قال أصبنا حمرا ~~يوم خيبر فطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اكفئوا ~~القدور وروى النهي عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي أوفى ~~وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة وأبو ثعلبة الخشني في آخرين في بعضها ابتداء ~~نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها ذكر قصة خيبر والسبب الذي من أجله ~~نهى عنها فقال قائلون إنما نهي عنها لأنها كانت نهبة انتهبوها وقال آخرون ~~لأنه قيل له إن الحمر قد قلت وقال أخرون لأنها كانت جلالة فتأول من أباحها ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم على أحد هذه الوجوه ومن حظرها أبطل هذه ~~التأويلات بأشياء أحدها ما رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لا يحل الحمار الأهلي منهم المقدام بن معدى كرب وأبو ثعلبة الخشني وغيرهما ~~والثاني ما رواه سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أنس بن ~~مالك قال لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أصابوا حمرا فطبخوها منها ~~فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن الله ورسوله PageV04P186 ~~ينهاكم عنها فإنها نجس فاكفئوا القدور وروى عبدالوهاب الثقفي عن أيوب ~~بإسناد مثله قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى أن الله ~~ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس قال فأكفئت القدور وإنها ~~لتفور وهذا يبطل تأويل من تأول النهي على النهبة وتأويل من تأوله على خوف ~~فناء الحمر الأهلية بالذبح لأنه أخبر أنها نجس وذلك يقتضي تحريم عينها لا ~~لسبب غيرها ويدل عليه أنه أمر بالقدور فأكفئت ولو كان النهي لأجل ما ذكروا ~~لأمر بأن يطعم المساكين كما أمر بذلك ms1711 في الشاة المذبوحة بغير أمر أصحابها ~~بأن يطعم الأسرى وفي حديث أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما يحرم عليه فقال لا تأكل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من ~~السباع فهذا أيضا يبطل سائر التأويلات التي ذكرناها عن مبيحيها وقد روى عن ~~سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم ~~خيبر لأنها كانت تأكل العذرة فإن صح هذا التأويل للنهي الذي كان منه يوم ~~خيبر فإن خبر أبي ثعلبة وغيره في سؤالهم عنها في غير يوم خيبر يوجب إيهام ~~تحريمها لا لعلة غير أعيانها وقد روي في حديث يروى عن عبدالرحمن بن مغفل عن ~~رجال من مزينة فقال بعضهم غالب بن الأبجر وقال بعضهم الحر بن غالب أنه قال ~~يا رسول الله إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم فيه أهلي غير حمرات لي ~~قال فأطعم أهلك من سمين مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية فاحتج من أباح ~~الحمر الأهلية بهذا الخبر وهذا الخبر يدل على النهي عنها لأنه قال كرهت لكم ~~جوال القرية والحمر الأهلية كلها جوال القرى والأباحة عندنا في هذا الحديث ~~إنما انصرفت إلى الحمر الوحشية وقد اختلف في الحمار الوحشي إذا دجن فقال ~~أصحابنا والحسن بن صالح والشافعي في الحمار الوحشي إذا دجن وألف أنه جائز ~~أكله وقال ابن القاسم عن مالك إذا دجن وصار يعمل على الأهلي فإنه لا يؤكل ~~وقد اتفقوا على أن الوحش الأهلي لا يخرجه عن حكم جنسه في تحريم الأكل كذلك ~~ما أنس من الوحش قال أبو بكر وقد اختلف في ذي الناب من السباع وذي المخلب ~~من الطير فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا يحل أكل ذي الناب من ~~السباع وذي المخلب من الطير فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا يحل ~~اكل ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وقال مالك لا يؤكل سباع الوحش ~~ولا الهر الوحشي ولا الأهلي ms1712 ولا الثعلب ولا الضبع ولا شيء من السباع ولا ~~بأس بأكل سباع الطير الرخم والعقبان والنسور وغيرها ما أكل الجيف منها وما ~~لا يأكل وقال PageV04P187 الأوزاعي الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم ~~وقال الليث لا بأس بأكل الهر وأكره الضبع وقال الشافعي لا يؤكل ذو ناب من ~~السباع التي تعدو على الناس الأسد والنمر والذئب ويؤكل الضبع والثعلب ولا ~~يؤكل النسر والبازي ونحوه لأنها تعدو على طيور الناس وحدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد قال ~~حدثنا عمران بن جبير أن عكرمة سئل عن الغراب قال دجاجة سمينة وسئل عن الضبع ~~فقال نعجة سمينة # قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن ~~مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وحدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن ميمون بن ~~مهران عن ابن عياض قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب ~~من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير ورواه علي بن أبي طالب والمقدام بن معد ~~يكرب وأبو هريرة وغيرهما فهذه آثار مستفيضة في تحريم ذي الناب من السباع ~~وذي المخلب من الطير والثعلب والهر والنسر والرخم داخلة في ذلك فلا معنى ~~لاستثناء شيء منها إلا بدليل يوجب تخصيصه وليس في قبولها ما يوجب نسخ قوله ~~تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ لأنه إنما ~~فيه إخبار بأنه لم يكن المحرم غير المذكور وأن ما عداه كان باقيا على أصل ~~الإباحة وكذلك الأخبار الواردة في لحوم الحمر الأهلية هذا حكمها ومع ذلك ~~فإن هذه الآية خاصة باتفاق أهل العلم على تحريم أشياء كثيرة غير مذكورة في ~~الآية فجاز قبول أخبار الآحاد في تخصيصها ms1713 وكره أصحابنا الغراب الأبقع لأنه ~~يأكل الجيف ولم يكرهوا الغراب الزرعي لما روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس فواسق يقتلهن المحرم في الحل ~~والحرم وذكر أحدها الغراب الأبقع فخص الأبقع بذلك لأنه يأكل الجيف فصار ~~أصلا في كراهة أشباهه مما يأكل الجيف قوله عليه السلام خمس يقتلهن المحرم ~~يدل على تحريم أكل هذه الخمس وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة ولو كانت ~~مما يؤكل لأمر بذبحها وذكاتها لئلا تحرم بالقتل فإن قيل بما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا محمد بن حاتم قال ~~حدثنا يحيى بن مسلم قال حدثني إسماعيل PageV04P188 ابن أمية عن أبي الزبير ~~قال سألت جابر أهل يؤكل الضبع قال نعم قلت أصيد هي قال نعم قلت أسمعت هذا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم قيل له ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير قاض على ذلك ~~لاتفاق الفقهاء على استعماله اختلافهم في استعمال ذلك واختلف في أكل الضب ~~فكرهه أصحابنا وقال مالك والشافعي لا بأس به والدليل على صحة قولنا ما روى ~~الأعمش عن زيد بن وهب الجهني عن عبدالرحمن بن حسنة قال نزلنا ارضا كثيرة ~~الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها فإن القدور لتغلي بها فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا فقلنا ضباب أصبناها فقال إن أمة من بني ~~إسرائيل مسخت دواب الأرض وإني أخشى أن تكون هذه فاكفئوها وهذا يقتضي حظره ~~لأنه لو كان مباح الأكل لما أمر بإكفاء القدور لأنه صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن إضاعة المال وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن ~~عون الطائي أن الحكم بن نافع حدثهم قال حدثنا ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن ~~شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبدالرحمن بن شبل أن ms1714 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضب وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن ~~عائشة أنه أهدى لها ضب فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكلين ~~فهذه الأخبار توجب النهي عن أكل الضب وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأكل من الضب وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولو كان حراما ما أكل على مائدته وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~ترك أكله تقذرا وفي بعض الأخبار أنه قال لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه وأن ~~خالد بن الوليد أكله بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهه وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل قال يحدثنا ~~إسحاق بن الربيع عن الحسن قال قال عمر إن هذه الضباب طعام عامة هذه الرعاء ~~وإن الله ليمنع غير واحد ولو كان عندي منها شيء لأكلته أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يحرمه ولكنه قدره وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل قال حدثنا بحر عن أبي هارون عن أبي سعيد ~~الخدري قال إن كان أحدنا لتهدى إليه الضبة المكنونة أحب إليه من الدجاجة ~~السمينة فاحتج مبيحوه بهذه الأخبار وفيها دلالة على حظره لأن فيها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تركه تقذرا وأنه قذره وما قذره النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو نجس ولا يكون نجسا إلا وهو PageV04P189 محرم الأكل ولو ثبت ~~الإباحة بهذه الأخبار لعارضتها أخبار الحظر ومتى ورد الخبران في شيء ~~وأحدهما مبيح والآخر حاظر فخبر الحظر أولى وذلك لأن الحظر وارد لا محالة ~~بعد الإباحة لأن الأصل كانت الإباحة والحظر طارىء عليها ولم يثبت ورود ~~الإباحة على الحظر فحكم الحظر ثابت لا محالة واختلف في هوام الأرض فكره ~~أصحابنا أكل هوام الأرض اليربوع والقنفذ والفأر والعقارب وجميع هوام الأرض ~~وقال ابن أبي ليلى لا بأس ms1715 بأكل الحية إذا ذكيت وهو قول مالك والأوزاعي إلا ~~أنه لم يشترط منه الذكاة وقال الليث لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود ~~الجبن والتمر ونحوه وقال ابن القاسم عن مالك لا بأس بأكل الضفدع قال ابن ~~القاسم وقياس قول مالك أنه لا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها لأنه ~~قال موته في الماء لا يفسده وقال الشافعي كل ما كانت العرب تستقذره فهو من ~~الخبائث فالذئب والأسد والغراب والحية والحدأة والعقرب والفأرة لأنها تقصد ~~بالأذى فهي محرمة من الخبائث وكانت تأكل الضبع والثعلب لأنهما لا يعدوان ~~على الناس بأنيابهما فهما حلال قال بكر قال الله تعالى @QB@ ويحرم عليهم ~~الخبائث @QE@ قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم ~~بن خالد أبو ثور قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبدالعزيز بن محمد عن ~~عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا @QB@ ~~قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الآية فقال شيخ عنده ~~سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال خبيثة من ~~الخبائث فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما ~~قال فسماه النبي صلى الله عليه وسلم خبيثة من الخبائث فشمله حكم التحريم ~~بقوله تعالى @QB@ ويحرم عليهم الخبائث @QE@ والقنفذ من حشرات الأرض فكل ما ~~كان من حشراتها فهو محرم قياسا على القنفذ وروى عبدالله بن وهب قال أخبرني ~~ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن قال ذكر طبيب ~~الدواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله وهذا يدل على تحريمه لأنه نهاه أن يقتله ~~فيجعله في الدواء ولو جاز الانتفاع به لما كان منهيا عن قتله للانتفاع به ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار مستفيضة رواها ابن عباس وابن ~~عمر وأبو سعيد ms1716 وعائشة وغيرهم أنه قال يقتل المحرم في الحل والحرم الحدأة ~~والغراب والفأرة والعقرب وفي بعض الأخبار والحية ففي أمره يقتلهن ~~PageV04P190 دلالة على تحريم أكلهن لأنها لو كانت مما تؤكل لأمر بالتوصل ~~إلى ذكاتها فيما تتأتى فيه الذكاة منها فلما أمر بقتلها والقتل إنما يكون ~~لا على وجه الذكاة ثبت أنها غير مأكولة ولما ثبت ذلك في الغراب والحدأة كان ~~سائر ما يأكل الجيف مثلها ودل على أن ما كان من حشرات الأرض فهو محرم ~~كالعقرب والحية وكذلك اليربوع لأنه جنس من الفأر وأما قول الشافعي في ~~اعتباره ما كانت العرب تستقذره وإن ما كان كذلك فهو من الخبائث فلا معنى له ~~من وجوه أحدها أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~وذي مخلب من الطير قاض بتحريم جميعه وغير جائز أن يزيد فيه ما ليس منه ولا ~~يخرج منه ما قد تناوله العموم ولم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره ~~الشافعي وإنما جعل كونه ذا ناب من السباع وذا مخلب من الطير علما للتحريم ~~فلا يجوز الاعتراض عليه بما لم تثبت به الدلالة ومن جهة أخرى أن خطاب الله ~~تعالى للناس بتحريم الخبائث عليهم لم يختص بالعرب دون العجم بل الناس كلهم ~~من كان منهم من أهل التكليف داخلون في الخطاب فاعتبار ما يستقذره العرب دون ~~غيرهم قول لا دليل عليه خارج عن مقتضى الآية ومع ذلك فليس يخلو من أن يعتبر ~~ما كانت العرب يستقذره جميعهم أو بعضهم فإن كان اعتبر الجميع فإن جميع ~~العرب لم يكن يستقذر الحيات والعقارب ولا الأسد والذئاب والفأر وسائر ما ~~ذكر بل عامة الأعراب تستطيب أكل هذه الأشياء فلا يجوز أن يكون المراد ما ~~كان جميع العرب يستقذره وإن أراد ما كان بعض العرب يستقذره فهو فاسد من ~~وجهين أحدهما أن الخطاب إذا كان لجميع العرب فكيف يجوز اعتبار بعضهم عن بعض ~~والثاني أنه لما صار البعض المستقذر كذلك كان أولى بالاعتبار من البعض ms1717 الذي ~~يستطيبه فهذا قول منتقض من جميع وجوهه وزعم أنه أباح الضبع والثعلب لأن ~~العرب كانت تأكله وقد كانت العزاب تأكل الرغراب والحدأة والأسد لم يكن منهم ~~لم يمتنع من أكل ذلك وأما اعتباره ما يعدو على الناس فإن أراد به يعدو على ~~الناس في سائر الأحوال فإن ذلك لا يوجد في الحدأة والحية والغراب وقد حرمها ~~وإن أراد به العدو عليهم في حال إذا لم يكن جائعا والجمل الهائج قد يعدو ~~على الإنسان وكذلك الثور في بعض الأحوال ولم يعتبر ذلك هو ولا غيره في هذه ~~الأشياء في تحريم الأكل وإباحته والكلب والسنور لا يعدوان على الناس وهما ~~محرمان وقد اختلف في لحوم الإبل الجلالة PageV04P191 فكرهها أصحابنا ~~والشافعي إذا لم يكن يأكل غير العذرة وقال مالك والليث لا بأس بلحوم ~~الجلالة كالدجاج حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة قال حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن ~~عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو عامر ~~قال حدثنا هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن لبن الجلالة قال أبو بكر فكل من خالف في هذه المسائل التي ذكرنا من ~~ابتدائنا لأحكام قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه @QE@ وأباح أكل ما ذهب أصحابنا فيه إلى حظره فإنهم يحتجون فيه بقوله ~~تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ الآية وقد بينا أن ذلك خرج ~~على سبب فيما كان يحرمه أهل الجاهلية مما حكاه الله عنهم قبل هذه الاية مما ~~كانوا يحرمونه من الأنعام ولو لم يكن نزوله على السبب الذي ذكرنا وكان خبرا ~~مبتدأ لم يمتنع بذلك قبول أخبار الآحاد في تحريم أشياء لم تنتظمها الآية ~~ولا استعمال القياس في حظر ms1718 كثير منه لأن ما فيه الأخبار بأنه لم يكن المحرم ~~من طريق الشرع إلا المذكور في الآية وقد علمنا أن هذه الأشياء قد كانت ~~مباحة قبل ورود السمع وقد كان قبول أخبار الآحاد جائزا واستعمال القياس ~~سائغا في تحريم ما هذا وصفه وكذلك إخبار الله بأنه لم يحرم بالشرع إلا ~~المذكور في الآية غير مانع تحريم غيره من طريق خبر الواحد والقياس وقوله ~~تعالى @QB@ على طاعم يطعمه @QE@ يدل على أن المحرم من الميتة ما يتأتى فيه ~~الأكل منها فلم يتناول الجلد المدبوغ ولا القرن والعظم والظلف والريش ~~ونحوها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة إنها حرم أكلها ~~وفي بعض الألفاظ إنما حرم لحمها وقوله تعالى @QB@ أو دما مسفوحا @QE@ يدل ~~على أن المحرم من الدم ما كان مسفوحا وأن ما يبقى في العروق من أجزاء الدم ~~غير محرم وكذلك روى عن عائشة وغيرها في الدم الذي في المذبح أو في أعلى ~~القدر أنه ليس بمحرم لأنه ليس بمسفوح وهذا يدل على أن دم البق والبراغيث ~~والذباب ليس بنجس إذ ليس بمسفوح فإن قيل قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ وإن كان إخبارا بأنه ليس المحرم في ~~شريعة النبي صلى الله عليه وسلم من المأكولات على المذكور في الآية فإنه قد ~~نسخ به كثيرا من المحظورات على ألسنة الأنبياء المتقدمين فلا يكون سبيله ~~سبيل بقاء الشيء على PageV04P192 حكم الإباحة الأصلية بل يكون في حكم ما قد ~~نص على إباحته شرعا فلا يجوز الاعتراض عليه بخبر الواحد ولا بالقياس ~~والدليل على أنه قد نسخ بذلك كثيرا من المحظورات على لسان غيره من الأنبياء ~~قوله تعالى @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما @QE@ وشحومهما مباحة لنا وكذلك كثير من ~~الحيوانات ذوات الأظفار قيل له ما ذكرت لا يخرج ما عدا المذكور في الآية من ~~أن يكون في حكم المباح على الأصل وذلك لأن ما ms1719 حرم على أولئك من ذلك وأبيح ~~لنا لم يصر شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم وبين النبي أن حكم ذلك التحريم ~~إنما كان موقتا إلى هذا الوقت وإن مضي الوقت أعاده إلى ما كان عليه من حكم ~~الإباحة فلا فرق بينه في هذا الوجه وبين ما لم يحظر قط وأيضا فلو سلمنا لك ~~ما ادعيت كان ما ذكرنا من قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيما وصفنا ~~سائغا لأن ذلك مخصوص بالاتفاق أعني قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ لاتفاق الجميع من الفقهاء على تحريم أشياء ~~غير مذكورة في الآية كالخمر ولحم القردة والنجاسات وغيرها فلما ثبت خصوصه ~~بالاتفاق ساغ قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيه قوله تعالى @QB@ وعلى ~~الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر @QE@ الآية قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ~~والسدي ومجاهد هو كل ما ليس بمفتوح الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط ~~وقال بعض أهل العلم يدخل في جميع أنواع السباع والكلاب والسنانير وسائر ما ~~يصطاد بظفره من الطير قال أبو بكر قد ثبت تحريم الله تعالى ذلك على لسان ~~بعض الأنبياء فحكم ذلك التحريم عندنا ثابت بأن يكون شريعة لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم إلا أن يثبت نسخه ولم يثبت نسخ تحريم الكلاب والسباع ونحوها فوجب ~~أن تكون محرمة بتحريم الله بديا وكونه شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى @QB@ حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما @QE@ يستدل به ~~من أحنث الحالف أن لا يأكل شحما فأكل من شحم الطير لاستثناء الله ما على ~~ظهورهما من جملة التحريم وهو قول أبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة ما على ~~الظهر إنما يسمى لحما سمينا في العادة ولا يتناوله اسم الشحم على الإطلاق ~~وتسمية الله إياه شحما لا توجب دخوله في اليمين إذ لم يكن الاسم له متعارفا ~~ألا ترى أن الله تعالى قد سمى السمك لحما والشمس سراجا ولا يدخل في اليمين ~~والحوايا روى عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ms1720 وقتادة ومجاهد والسدي ~~PageV04P193 أنها المباعر وقال غيرهم هي بنات اللبن ويقال إنها الأمعاء ~~التي عليها الشحم وأما قوله تعالى @QB@ أو ما اختلط بعظم @QE@ فإنه روي عن ~~السدى وابن جريج أنه شحم الجنب والإلية لأنهما على عظم وهذا يدل أيضا ما ~~ذكرنا من أن دخول أو على النفي يقتضي نفي كل واحد مما دخل عليه على حياله ~~لأن قوله تعالى @QB@ إلا ما حملت ظهورهما @QE@ أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ~~تحريم للجميع ونظيره قوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ نهى ~~عن طاعة كل واحد منهما وكذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لا أكلم فلانا أو ~~فلانا أنه أيهما كلم حنث لأنه نفى كلام كل واحد منهما على حدة قوله تعالى ~~@QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ فيه أكذب للمشركين بقولهم لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا لأنه قال تعالى @QB@ كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ ~~ومن كذب بالحق فهو كاذب في تكذيبه فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم لو شاء ~~الله ما أشركنا ولو كان الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم لو ~~شاء الله ما أشركنا وفيه بيان أن الله تعالى لا يشاء الشرك وقد أكد ذلك ~~أيضا بقوله @QB@ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ يعني تكذبون ~~فثبت أن الله تعالى غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم الإيمان اختيارا ولو ~~شاء الله الإيمان منهم قسرا لكان عليه قادرا ولكنهم كانوا لا يستحقون به ~~الثواب والمدح وقد دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن إن مريد ~~الشرك والقبائح سفيه كما أن الآمر به سفيه وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء ~~إليه كما أن الأمر به استدعاء إليه فكل ما شاء الله من العباد فقد دعاهم ~~إليه ورغبهم فيه ولذلك كان طاعة كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ~~ويكون طاعة منهم إذا فعلوه وليس كذلك العلم بالشرك لأن ms1721 العلم بالشيء لا ~~يوجب أن يكون العالم به مستدعيا إليه ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة ~~إذا لم يرده فإن قيل إنما أنكر الله المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله ~~تعالى قد شاءه وليس ذلك بحجة ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال كذلك كذب ~~الذين من قبلهم بالتخفيف قيل له لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان ~~احتجاجهم صحيحا ولكان فعلهم طاعة لله فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم أنه ~~إنما كان كذلك لأن الله تعالى لم يشأ وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في هذا ~~القول من وجهين أحدهما أنه أخبر بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا يكون إلا ~~كاذبا والثاني قوله @QB@ وإن أنتم إلا تخرصون @QE@ PageV04P194 يعني تكذبون ~~قوله تعالى @QB@ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا @QE@ الآية ~~يعني أبطل لعجزهم عن إقامة الدلالة إلا أن الله حرم هذا إذ لم يمكنهم إثبات ~~ما ادعوه من جهة عقل ولا سمع وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس ~~مشاهد فطريق العلم به منسد والحكم ببطلانه واجب فإن قيل فلم دعوا للشهادة ~~حتى إذا شهدوا لم تقبل منهم قيل لأنهم لم يشهدوا على هذا الوجه الذي يرجع ~~من قولهم فيه إلى ثقة وقيل إنهم كلفوا شهداء من غيرهم ممن تثبت بشهادته صحة ~~ونهي عن اتباع الأهواء المضلة واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه أحدها ~~هوى من سيق إليه وقد يكون لشبهة حلت في نفسه مع زواجر عقله عنها ومنها هوى ~~ترك الاستقصاء للمشقة ومنها هوى ما جرت به عادته لألفة له وكل ذلك متميز ~~مما استحسنه بعقله قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق @QE@ كانت ~~العرب تدفن أولادها أحياء البنات منهن خوف الإملاق وهو الإفلاس ومنه حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ~~ولدك خشية أن تأكل معك وأن تزني بحليلة جارك وهي المؤدة التب ذكرها الله ~~تعالى في قوله @QB@ وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت @QE@ فناهم ms1722 الله عن ~~ذلك مع ذكر السبب الذي كانوا من أجله يقتلونهم وأخبر أنه رازقهم ورازق ~~أولادهم قوله تعالى @QB@ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ قال ~~ابن عباس ما ظهر منها نكاح حلائل الأبناء والجمع بين الأختين ونحو ذلك وما ~~بطن الزنا وقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ ~~قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله ولما أراد أبو بكر قتال ما نعي الزكاة قالوا له إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر هذا من ~~حقها لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس وهذا عندنا ممن ~~يستحق القتل ويتقرر عليه حكمه وقد يجب قتل غير هؤلاء على وجه الدفع مثل قتل ~~الخوارج ومن قصد قتل رجل وأخذ ماله فيجوز قتله على جهة المنع من ذلك لأنه ~~لو كف عن ذلك لم يستحق القتل قوله PageV04P195 تعالى @QB@ ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن @QE@ إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك ~~لعجزه عن الانتصار لنفسه ومنع غيره عن ماله ولما كانت الأطماع تقوى في أخذ ~~ماله أكد النهي عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر وقوله تعالى @QB@ إلا بالتي هي ~~أحسن @QE@ يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال اليتيم ~~مضاربة وأن يعمل به هو مضاربة فيستحق ربحه إذا رأى ذلك أحسن وأن يبضع ~~ويستأجر من يتصرف ويتجر في ماله وأن يشتري ماله من نفسه إذا كان خيرا ~~لليتيم وهو أن يكون ما يعطى ms1723 اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه وأجاز أبو ~~حنيفة شراه مال اليتيم لنفسه إذا كان خيرا لليتيم بهذه الآية وقال تعالى ~~@QB@ حتى يبلغ أشده @QE@ ولم يشرط البلوغ فدل على أنه بعد البلوغ يجوز أن ~~يحفظ عليه ماله إذا لم يكن مأنوس الرشد ولا يدفعه إليه ويدل على أنه إذا ~~بلغ أشده لا يجوز له أن يفوت ماله سواء آنس منه الرشد أو لم يؤنس رشده بعد ~~أن يكون عاقلا لأنه جعل بلوغ الأشد نهاية لإباحة قرب ماله ويدل على أن ~~الوصي لا يجوز له أن يأكل من مال اليتيم فقيرا كان أو غنيا ولا يستقرض منه ~~لأن ذلك ليس بأحسن ولا خيرا لليتيم وجعل أبو حنيفة بلوغ الأشد خمسا وعشرين ~~سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله مالم يكن معتوها وذلك لأن طريق ذلك اجتهاد ~~الرأي وغالب الظن فكان عنده أن هذا السن متى بلغها كان بالغا أشده وقد ~~اختلف في بلوغ الأشد فقال عامر بن ربيعة وزيد بن أسلم هو بلوغ الحلم وقال ~~السدي هو ثلاثون سنة وقيل ثماني عشرة سنة وجعله أبو حنيفة خمسا وعشرين سنة ~~على النحو الذي ذكرنا وقيل إن الأشد واحدها شد وهو قوة الشباب عند ارتفاعه ~~وأصله من شد النهار وهو قوة الضياء عند ارتفاعه قال الشاعر % تطيف به شد ~~النهار ظعينة % طويلة انقاء اليدين سحوق % $ # قوله تعالى @QB@ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~@QE@ فيه أمر بإيفاء الحقوق على الكمال ولما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما ~~التحديد بأقل القليل علمنا أنه لم يكلفنا ذلك وإنما كلفنا الاجتهاد في ~~التحري دون حقيقة الكيل والوزن وهذا أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام وأن ~~كل مجتهد مصيب وإن كانت الحقيقة المطلوبة بالاجتهاد واحدة لأنا قد علمنا أن ~~للمقدار المطلوب من الكيل حقيقة معلومة عند الله تعالى قد أمرنا بتحريها ~~والاجتهاد فيها ولم يكلفنا إصابتها إذا لم يجعل لنا دليلا عليها فكان كل ~~PageV04P196 ما أدانا إليه اجتهادنا من ذلك فهو الحكم الذي تعبدنا به وقد ~~يجوز ms1724 أن يكون ذلك قاصرا عن تلك الحقيقة أو زائدا عليها ولكنه لما لم يجعل ~~لنا سبيلا إليها أسقط حكمها عنا ويدلك على أن تلك الحقيقة المطلوبة غير ~~مدركة يقينا أنه قد يكال أو يوزن ثم يعاد عليه الكيل أو الوزن فيزيد أو ~~ينقص لا سيما فيما كثر مقداره ولذلك قال الله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها @QE@ في هذا الموضوع يعني أنه ليس عليه أكثر مما يتحراه باجتهاده ~~وقد استدل عيسى بن أبان بأمر الكيل والوزن على حكم المجتهدين في الأحكام ~~وشبهه به قوله تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى @QE@ قد انتظم ~~ذلك تحري الصدق وعدل القول في الشهادات والأخبار والحكم بين الناس والتسوية ~~بين القريب والبعيد فيه وهو نظير قوله تعالى @QB@ كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا @QE@ وقد ~~بينا حكم ذلك فيما تقدم في موضعه وقد انتظم قوله @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا ~~@QE@ مصالح الدنيا والآخرة لأن من تحرى صدق القول في العدل فهو بتحري العدل ~~في الفعل أحرى ومن كان بهذه الصفة فقد حاز خير الدنيا والآخرة نسئل الله ~~التوفيق لذلك قوله تعالى @QB@ وبعهد الله أوفوا @QE@ عهد يشتمل على أوامره ~~وزواجره كقوله تعالى @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم @QE@ وقد يتناول ~~المنذور وما يوجبه العبد على نفسه من القرب ألا ترى إلى قوله @QB@ وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها @QE@ قوله تعالى @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه @QE@ الآية فإن المراد بالصراط الشريعة التي ~~تعبد الله بها عباده والصراط هو الطريق وإنما قيل للشرع الطريق لأنه يؤدي ~~إلى الثواب في الجنة فهو طريق إليها وإلى النعيم وأما سبيل الشيطان فطريق ~~إلى النار أعاذنا الله منها وإنما جاز الأمر باتباع الشرع بما يشتمل عليه ~~من الوجوب والنفل والمباح كما جاز الأمر باتباعه مع ما فيه من التحليل ~~والتحريم وذلك اتباعه إنما هو اعتقاد صحته ms1725 على ترتيبه من قبح المحظور ووجوب ~~الفرض والرغبة في النفل واستباحة المباح والعمل بكل شيء من ذلك على حسب ~~مقتضى الشرع له من إيجاب أو نفل أو إباحة قوله تعالى ثم @QB@ آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن @QE@ قيل في قوله @QB@ ثم @QE@ إن معناه ثم قل ~~آتينا موسى الكتاب تماما لأنه عطف على قوله @QB@ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم @QE@ وقيل معناه وآتينا موسى الكتاب كقوله @QB@ ثم الله شهيد @QE@ ~~PageV04P197 ومعناه والله شهيد وكقوله @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ ~~ومعناه وكان من الذين آمنوا ويحتمل أن يكون صلة الكلام ويكون معناه ثم بعد ~~ما ذكرت لكم أخبرتكم أنا آتينا موسى الكتاب ونحوه من الكلام قوله تعالى ~~@QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا @QE@ هو أمر باتباع الكتاب ~~على حسب ما تضمنه من فرض أو نفل أو إباحة واعتقاد كل منه على مقتضاه ~~والبركة ثبوت الخير ونموه وتبارك الله صفة ثبات لا أول له ولا آخر هذا ~~تعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى وحده لا شريك له قوله تعالى @QB@ أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا @QE@ قال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة والسدي وابن جريج أراد بهما اليهود والنصارى وفي ذلك دليل على أن ~~أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأن المجوس ليسوا أهل كتاب لأنهم لو كانوا ~~أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف وقد أخبر الله تعالى أنهم طائفتان فإن قيل إنما ~~حكى الله ذلك عن المشركين قيل له هذا احتجاج عليهم بأنه أنزل الكتاب عليكم ~~لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا فقطع الله عذرهم بإنزال ~~القرآن وأبطل أن يحتجوا بأن الكتاب إنما أنزل على طائفتين من قبلنا ولم ~~ينزل علينا قوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ~~@QE@ قيل في قوله تعالى @QB@ أو يأتي ربك @QE@ @QB@ أو يأتي أمر ربك @QE@ ~~بالعذاب ذكر ذلك عن الحسن وحذف كما حذف في قوله @QB@ إن الذين يؤذون الله ~~@QE@ ومعناه أولياء الله وقيل أو يأتي ربك بجلائل آياته وقيل تأتيهم ms1726 ~~الملائكة لقبض أرواحهم أو يأتي ربك أمر ربك يوم القيامة أو يأتي بعض آيات ~~ربك طلوع الشمس من مغربها وروي ذلك عن مجاهد وقتادة والسدي قوله تعالى @QB@ ~~إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ قال مجاهد هم اليهود لأنهم كانوا ~~يمالئون عبدة الأوثان على المسلمين وقال قتادة اليهود والنصارى لأن بعض ~~النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود وقل أبو هريرة أهل الضلال من هذه الأمة فهو ~~تحذير من تفرق الكلمة ودعاء إلى الاجتماع والألفة على الدين وقال الحسن هم ~~جميع المشركين لأنهم كلهم بهذه الصفة وأما دينهم فقد قيل الذي أمرهم الله ~~به وجعله دينا لهم وقيل الدين الذي هم عليه لإكفار بعضهم لبعض لجهالة فيه ~~وشيع الفرق الذين يمالىء بعضهم بعضا على أمر واحد مع اختلافهم في غيره وقيل ~~أصله الظهور من قولهم شاع الخير إذا ظهر وقيل أصله الاتباع من قولك شايعه ~~على المراد إذا اتبعه وقوله @QB@ لست منهم في شيء @QE@ PageV04P198 ~~المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة وليس كذلك ~~بعضهم على بعض لأنهم يجتمعون في معنى من الباطل وإن افترقوا في غيره فليس ~~منهم في شيء لأنه بريء من جميعه قوله تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها @QE@ الحسنة اسم للأعلى في الحسن لأن الهاء دخلت للمبالغة فتدخل ~~الفروض والنوافل ولا يدخل المباح وإن كان حسنا لأن المباح لا يستحق عليه ~~حمد ولا ثواب ولذلك رغب الله في الحسنة وكانت طاعة وكذلك الإحسان يستحق ~~عليه الحمد فأما الحسن فإنه يدخل فيه المباح لأن كل مباح حسن ولكنه لا ثواب ~~فيه فإذا دخلت عليه الهاء صارت اسما لا على الحسن وهي الطاعات قوله تعالى ~~@QB@ فله عشر أمثالها @QE@ معناه في النعيم واللذة ولم يرد به أمثالها في ~~عظم المنزلة وذلك لأن منزلة التعظيم لا يجوز أن يبلغها إلا بالطاعة وهذه ~~المضاعفة إنما هي بفضل الله غير مستحق عليها كما قال تعالى @QB@ ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله @QE@ وغير جائز أن تساوي منزلة التفضيل منزلة ~~الثواب في التعظيم لأنه ms1727 لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئهم بها في الجنة من غير ~~عمل ولجاز أن يساوي بين المنعم بأعطم النعم وبين من لم ينعم قوله تعالى ~~@QB@ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا @QE@ ~~قوله @QB@ دينا قيما @QE@ يعني مستقيما ووصفه بأنه ملة إبراهيم والحنيف ~~المخلص لعبادة الله تعالى يروى ذلك عن الحسن وقيل أصله الميل من قولهم رجل ~~أحنف إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الأخرى خلقة لا من عارض ~~فسمى المائل إلى الإسلام حنيفا لأنه لا رجوع معه وقيل أصله الاستقامة وإنما ~~جاء أحنف للمائل القدم على التفاؤل كما قيل للديغ سليم وفي ذلك دليل على أن ~~ما لم ينسخ من ملة إبراهيم عليه السلام فقد صارت شريعة لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم لإخباره بأن دينه ملة إبراهيم قوله تعالى @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ قال سعيد بن جبير وقتادة والضحاك ~~والسدي نسكي ديني في الحج والعمرة وقال الحسن نسكي ديني وقال غيرهم عبادتي ~~إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يتقرب به إلى الله تعالى وقولهم فلان ~~ناسك معناه عابد لله وقد روى عبدالله بن أبي رافع عن علي قال كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين إلى قوله من المسلمين وروى أبو سعيد PageV04P199 الخدري وعائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة ورفع يديه وقال سبحانك ~~اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك والأول كان يقوله عند ~~قبل أن ينزل @QB@ وسبح بحمد ربك حين تقوم @QE@ فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح ~~عند القيام إلى الصلاة ترك الأول وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف ~~يجمع بينهما لأنهما قد روي جميعا قوله تعالى @QB@ إن صلاتي @QE@ يجوز أن ~~يريد بها صلاة العيد ونسكي الأضحية لأنها تسمى نسكا وكذلك كل ذبيحة ms1728 على وجه ~~القربة إلى الله تعالى فهي نسك قال الله تعالى @QB@ ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم النسك شاة وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في يوم النحر إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح ~~فسمى الصلاة والذبح جميعا نسكا ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن المراد ~~صلاة العيد والأضحية وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى @QB@ وبذلك ~~أمرت @QE@ والأمر يقتضي الوجوب قوله تعالى @QB@ وأنا أول المسلمين @QE@ قال ~~الحسن وقتادة أول المسلمين من هذه الأمة قوله عز وجل @QB@ ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها @QE@ يحتج به في امتناع جواز تصرف أحد على غيره إلا ما قامت ~~دلالته لإخبار الله تعالى أن أحكام أفعال كل نفس متعلقة بها دون غيرها ~~فيحتج بعمومه في امتناع جواز تزويج البكر الكبيرة بغير إذنها وفي بطلان ~~الحجر على امتناع جواز بيع أملاكه عليه وفي جواز تصرف البالغ العاقل على ~~نفسه وإن كان سفيها لإخبار الله تعالى باكتساب كل نفس على نفسه وفي نظائر ~~ذلك من المسائل وقوله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ إخبار بأن ~~الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وأنه لا يعذب الأبناء بذنب الآباء وقد ~~احتجت عائشة في رد قول من تأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقالت قال الله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى @QE@ وإنما مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي يبكى عليه فقال إنه ~~ليعذب وهم يبكون عليه وقد بينا وجه ذلك في غير هذا الموضع وقيل أن أصله ~~الوزر والملجأ من قوله @QB@ كلا لا وزر @QE@ ولكنه جرى في الأغلب على الإثم ~~وشبه بمن التجأ إلى غير ملجأ ويقال وزر يزر ووزر يوزر ووزر يوزر فهو موزور ~~وكله بمعنى الإثم والوزير بمعنى الملجأ لأن الملك يلجأ إليه في الأمور ~~والله أعلم بالصواب PageV04P200 # | سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ فلا يكن في صدرك حرج منه ms1729 @QE@ مخرجه مخرج النهي ومعناه ~~نهي المخاطب عن التعرض للحرج وروي عن الحسن في الحرج أنه الضيق وذلك أصله ~~ومعناه فلا يضيق صدرك خوفا أن لا تقوم بحقه فإنما عليك الإنذار به وقال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والسدي الحرج هنا الشك يعني لا تشك في لزوم الإنذار به ~~وقيل معناه لا يضيق صدرك بتكذيبهم إياك كقوله تعالى @QB@ فلعلك باخع نفسك ~~على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا @QE@ قوله تعالى @QB@ اتبعوا ما ~~أنزل إليكم من ربكم @QE@ هو أن يكون تصرفه مقصورا على مراد أمره وهو نظير ~~الائتمام وهو أن يأتم به في اتباع مراده وفي فعله غير خارج عن تدبيره فإن ~~قيل هل يكون فاعل المباح متبعا لأمر الله عز وجل قيل له قد يكون متبعا إذا ~~قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا منه وأما ~~فاعل الواجب فإنه قد يكون الاتباع في وجهين أحدهما اعتقاد وجوبه والثاني ~~إيقاع فعله على الوجه المأمور به فلما ضارع المباح الواجب في الإعتقاد إذ ~~كان على كل واحد منهما وجوب الإعتقاد بحكم الشيء على ترتيبه ونظامه في ~~إباحة أو إيجاب جاز أن يشتمل قوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ ~~على المباح الواجب وقوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ دليل على ~~وجوب اتباع القرآن في كل حال وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار ~~الآحاد لأن الأمر باتباعه قد ثبت بنص التنزيل وقبول خبر الواحد غير ثابت ~~بنص التنزيل فغير جائز تركه لأن لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب ~~العلم وخبر الواحد يوجب العمل فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه وهذا يدل ~~على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما جاءكم مني فاعرضوه على ~~كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عني وما خالف كتاب الله فليس عني فهذا ~~عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد ms1730 فأما ما ثبت من طريق التواتر فجائز ~~تخصيص القرآن به وكذلك نسخه قوله @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا @QE@ فما تيقنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فإنه في ~~إيجاب الحكم بمنزلة القرآن فجاز تخصيص بعضه ببعض وكذلك نسخه قوله تعالى ~~@QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم @QE@ ~~PageV04P201 روي عن الحسن خلقناكم ثم صورناكم يعني به آدم لأنه قال @QB@ ثم ~~قلنا للملائكة @QE@ وإنما قال ذلك بعد خلق آدم وتصويره وذلك كقوله تعالى ~~@QB@ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور @QE@ أي ميثاق آبائكم ورفعنا ~~فوقهم الطور نحو قوله تعالى @QB@ فلم تقتلون أنبياء الله من قبل @QE@ بذلك ~~في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء وقيل ثم راجع إلى صلة ~~المخاطبة كأنه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة وحكى عن الأخفش ثم ههنا ~~بمعنى الواو وذكر الزجاج أن ذلك خطأ عند النحويين قال أبو بكر ونظيره قوله ~~تعالى @QB@ ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ ومعناه والله شهيد قوله تعالى ~~@QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بنفس ~~وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجاب لأنه علق الذم بتركه الأمر المطلق وقيل ~~في قوله تعالى @QB@ ألا تسجد @QE@ أن لا ههنا صلة مؤكدة وقيل إن معناه ما ~~دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك وقيل في السجود لآدم وجهان أحدهما التكرمة ~~لأن الله قد امتن به على عباده وذكره بالنعمة فيه والثاني أنه كان قبلة لهم ~~كالكعبة قوله تعالى @QB@ فبما أغويتني @QE@ قيل فيه خيبتني كقول الشاعر % ~~ومن يغو لا يعدم من الغي لائما % # | يعني من يحب وحكى لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال ~~يقال غوى الرجل يغوى غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه ومنه قوله ~~تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ أي فسد عليه عيشه في الجنة قال ويقال ~~غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه وقيل في أغويتني أي حكمت بغوايتي كقولك ms1731 ~~أضللتني أي حكمت بضلالتي وقيل أغويتني أي أهلكتني فهذه الوجوه الثلاث ~~محتملة في إبليس وقوله تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ ويحتمل فساد أمره ~~في الجنة وهو يرجع إلى معنى الخيبة ولا يحتمل هلاك ولا الحكم بالغواية التي ~~هي ضلال لأن أنبياء الله لا يجوز ذلك عليهم قوله تعالى @QB@ ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم @QE@ روي عن ابن عباس ~~وإبراهيم وقتادة والحكم والسدي @QB@ من بين أيديهم ومن خلفهم @QE@ من قبل ~~دنياهم وآخرتهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم وقال مجاهد من حيث يبصرون ومن حيث ~~لا يبصرون وقيل من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم ولم يقل من فوقهم قال ابن ~~عباس لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم ولم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان ~~منه ممتنع إذا أريد به PageV04P202 الحقيقة قوله تعالى @QB@ ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين @QE@ قرن قربهما الشجرة إلا أنه معلوم شرط الذكر ~~فيه وتعمد الأكل مع العلم به لأنه لا يؤاخذ بالنسيان والخطأ فيما لم يقم ~~عليه دليل قاطع ولم يكن أكلهما للشجرة معصية كبيرة بل كانت صغيرة من وجهين ~~أحدهما أنهما نسيا الوعيد وظنا أنه نهي استحباب لا إيجاب ولهذا قال @QB@ ~~فنسي ولم نجد له عزما @QE@ والثاني أنه أشير لهما إلى شجرة بعينها وظنا ~~المراد العين وكان المراد الجنس كقوله صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا ~~وحريرا فقال هذان مهلكا أمتي وإنما أراد الجنس لا العين دون غيرها قوله ~~تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى @QE@ هذا خطاب عام لسائر المكلفين من الآدميين كما كان قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ خطابا لمن كان في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن جاء بعده من المكلفين من أهل سائر الأعصار إلا أنا لمن كان ~~غير موجود على شرط الوجود وبلوغ كمال العقل وقوله تعالى @QB@ قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة @QE@ يدل على فرض ستر العورة ms1732 لإخباره أنه أنزل علينا لباسا ~~لنواري سوآتنا به وإنما قال @QB@ أنزلنا @QE@ لأن اللباس يكون من نبات ~~الأرض أو من جلود الحيوان وأصوافها وقوام جميعها بالمطر النازل من السماء ~~وقيل إنه وصفه بالإنزال لأن البركات تنسب إلى أنها تأتي من السماء كما قال ~~تعالى @QB@ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس @QE@ لا وقوله @QB@ ~~وريشا @QE@ قيل إنه الأثاث من متاع البيت نحو الفرش والدثار وقيل الريش ما ~~فيه الجمال ومنه ريش الطائر وقوله @QB@ ولباس التقوى @QE@ قيل فيه إنه ~~العمل الصالح عن ابن عباس وسماه لباسا لأنه يقي العقاب كما يقي اللباس من ~~الثياب الحر والبرد وقال قتادة والسدي هو الإيمان وقال الحسن هو الحياء ~~الذي يكسبهم التقوى وقال بعض أهل العلم هو لباس الصوف والخشن من التي تلبس ~~للتواضع والنسك في العبادة وقد اتفقت الأمة على معنى ما دلت عليه الآية من ~~لزوم فرض ستر العورة ووردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ~~حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عورتنا ما نأتي منها ~~وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول الله ~~فإذا كان أحدنا خاليا قال فإن الله احق أن يستحيا منه وروى أبو سعيد الخدري ~~عنه عليه السلام أنه قال لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة ~~المرأة وقد روي PageV04P203 عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ملعون من نظر ~~إلى سوأة أخيه قال الله تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم @QE@ @QB@ ~~وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن @QE@ يعني عن العورات إذ لا خلاف في جواز ~~النظر إلى غير العورة قال الله تعالى @QB@ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ~~كما أخرج أبويكم من الجنة @QE@ قيل في الفتنة أنها المحنة بالدعاء إلى ~~المعصية من جهة الشهوة أو الشبهة والخطاب توجه إلى الإنسان بالنهي عن فتنة ~~الشيطان وإنما معناه التحذير من فتنة الشيطان وإلزام التحرز منه وقوله ~~تعالى @QB@ كما أخرج أبويكم من الجنة @QE@ فأضاف ms1733 إخراجهما من الجنة إلى ~~الشيطان فإنه أغواهما حتى فعلا ما استحقا به الإخراج منها كقوله تعالى ~~حاكيا عن فرعون @QB@ يذبح أبناءهم @QE@ وإنما أمر به ولم يتوله بنفسه وعلى ~~هذا المعنى أضاف نزع لباسهما إليه بقوله @QB@ ينزع عنهما لباسهما @QE@ وهذا ~~يحتج به فيمن حلف لا يخيط قميصه أو لا يضرب عبده وهو ممن لا يتولى الضرب ~~بنفسه أنه إن أمر به غيره ففعله حنث وكذلك إذا حلف لا يبني داره فأمر غيره ~~فبناها وقيل في اللباس الذي كان عليهما أنه كان ثياب من ثياب الجنة وقال ~~ابن عباس كان لباسهما الظفر وقال وهب بن منبه كان لباسهما نورا قوله تعالى ~~@QB@ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ روي عن مجاهد والسدي توجهوا إلى قبلة ~~كل مسجد في الصلاة على استقامة وقال الربيع بن أنس توجهوا بالإخلاص لله ~~تعالى لا لوثن ولا غيره قال أبو بكر قد حوى ذلك معنيين أحدهما التوجه إلى ~~القبلة المأمور بها على استقامة غير عادل عنها والثاني فعل الصلاة في ~~المسجد وذلك يدل على وجوب فعل المكتوبات في جماعة لأن المساجد مبنية ~~للجماعة وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار في وعيد تارك ~~الصلاة في جماعة وأخبار أخر في الترغيب فيها فمما روي ما يقتضي النهي عن ~~تركها قوله صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له وقوله ~~لابن أم مكتوم حين قال له إن منزلي شاسع فقال هل تسمع النداء فقال نعم فقال ~~لا أجد لك عذرا وقوله لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم آمر بحطب فيحرق ~~على المتخلفين عن الجماعة بيوتهم في أخبار نحوها ومما روي من الترغيب ان ~~صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة وأن الملائكة ليصلون على ~~الذين يصلون في الصف المقدم وقوله بشر المشائين في ظلام الليل إلى المساجد ~~بالنور التام يوم القيامة وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول هو عندي فرض ~~على الكفاية كغسل الموتى ودفنهم والصلاة عليهم متى PageV04P204 قام بها ms1734 ~~بعضهم سقط عن الباقين قوله تعالى @QB@ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~@QE@ قال أبو بكر هذه الآية تدل على فرض ستر العورة في الصلاة وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن ~~زياد هي فرض في الصلاة إن تركه مع الإمكان فسدت صلاته وهو قول الشافعي وقال ~~مالك والليث الصلاة مجزية مع كشف العورة ويوجبان الإعادة في الوقت والإعادة ~~في الوقت عندهما استحباب ودلالة هذه الآية على فرض ستر العورة في الصلاة من ~~وجوه أحدها أنه لما قال @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ فعلق الأمر ~~بالمسجد علمنا أن المراد الستر للصلاة لولا ذلك لم يكن لذكر المسجد فائدة ~~فصار تقديرها خذوا زينتكم في الصلاة ولو كان المراد سترها عن الناس لما خص ~~المسجد بالذكر إذ كان الناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد فأفاد بذكر ~~المسجد وجوبه في الصلاة إذ كانت المساجد مخصوصة بالصلاة وأيضا لما أوجبه في ~~المسجد وجب بظاهر الآية فرض الستر في الصلاة إذا فعلها في المسجد وإذا وجب ~~في الصلاة المفعولة في المسجد وجب في غيرها من الصلوات حيث فعلت لأن أحدا ~~لم يفرق بينهما وأيضا فإن المسجد يجوز أن يكون عبارة عن السجود نفسه كما ~~قال الله تعالى وأن المساجد لله والمراد السجود وإذا كان كذلك اقتضت الآية ~~لزوم الستر عند السجود وإذا لزم ذلك في السجود لزم في سائر أفعال الصلاة ~~إذا لم يفرق أحد بينهما روي عن ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وطاوس والزهري أن ~~المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة فأنزل الله تعالى خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد قال أبو بكر وقيل إنهم إنما كانوا يطوفون بالبيت عراة لأن الثياب قد ~~دنستها المعاصي في زعمهم فيتجردون منها وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك تفاؤلا ~~بالتعري من الذنوب وقال بعض من يحتج لمالك بن أنس أن هؤلاء السلف لما ذكروا ~~سبب نزول الآية وهو طواف العريان وجب أن يكون حكمها مقصورا عليه وليس هذا ~~عندنا كذلك ms1735 لأن نزول الآية عندنا على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه لأن ~~الحكم عندنا لعموم اللفظ لا للسبب وعلى أنه لو كان كما ذكر لا يمنع ذلك ~~وجوبه في الصلاة لأنه إذا وجب الستر في الطواف فهو في الصلاة أوجب إذ لم ~~يفرق أحد بينهما فإن قال قائل فينبغي أن لا يمنع ترك الستر صحة الصلاة كما ~~لم يمنع صحة الطواف الذي فيه نزلت الآية وإن وقع ناقصا قيل له ظاهره يقتضي ~~بطلان PageV04P205 الجميع عند عدم الستر ولكن الدلالة قد قامت على جواز ~~الطواف مع النهي كما لا يجوز الإحرام مع الستر وإن كان منهيا عنه ولم تقم ~~الدلالة على جواز الصلاة عريانا ولأن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها مثل ~~الطهارة واستقبال القبلة وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده لأنه لو ترك ~~الإحرام في الوقت ثم أحرم صح إحرامه وكذلك لو أحرم وهو مجامع لامرأته وقع ~~إحرامه فصار الإحرام آكد في بقائه من الصلاة والطواف من موجبات الإحرام ~~فوجب أن لا يفسده ترك الستر ولا يمنع وقوعه ويدل على أن حكم الآية غير ~~مقصور على الطواف وأن المراد بها الصلاة قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد والطواف مخصوص بمسجد واحد ولا يفعل في غيره فدل على أن مراده الصلاة ~~التي تصح في كل مسجد ويدل عليه من جهة السنة حديث أبي الزناد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يصل أحدكم في ثوب واحد ~~ليس على فرجه منه شيء وروى محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار فنفى ~~قبولها لمن بلغت الحيض فصلتها مكشوفة الرأس كما نفى قبولها مع عدم الطهارة ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور فثبت بذلك أن ستر ~~العورة من فروضها وأيضا قد اتفق الجميع على أنه مأمور بستر العورة في ~~الصلاة ولذلك يأمره مخالفنا بإعادتها في ms1736 الوقت فإذا كان مأمورا بالستر ~~ومنهيا عن تركه وجب أن يكون من فروض الصلاة من وجهين أحدهما أن هذا الحكم ~~مأخوذ عن الآية وأن الآية قد أريد بها الستر في الصلاة والثاني أن النهي ~~يقتضي فساد الفعل إلا أن تقوم الدلالة على الجواز فإن قال قائل لو كان ~~الستر من فروض الصلاة لما جازت الصلاة مع عدمه عند الضرورة إلا ببدل يقوم ~~مقامه مثل الطهارة فلما جازت صلاة العريان إذا لم يجد ثوبا من غير بدل عن ~~الستر دل على أنه ليس من فرضه قيل له هذا سؤال ساقط لاتفاق الجميع على جواز ~~صلاة الأمي والأخرس مع عدم القراءة من غير بدل عنها ولم يخرجها ذلك من أن ~~يكون فرضا وزعم بعض من يحتج لمالك أنه لو كان الثوب من عمل الصلاة ومن ~~فرضها لوجب على الإنسان أن ينوي بلبس الثوب أنه للصلاة كما ينوي بالإفتتاح ~~أنه لتلك الصلاة وهذا كلام واه جدا فاسد العبارة مع ضعف المعنى وذلك لأن ~~الثوب لا يكون من عمل الصلاة ولا من فروضها ولكن ستر العورة من شروطها التي ~~PageV04P206 لا تصح إلا به كالطهارة كما أن استقبال القبلة من شروطها ولا ~~يحتاج الاستقبال إلى نية والطهارة من شروطها ولا تحتاج عندنا إلى نية ~~والقيام في حال الإفتتاح من فروضها لمن قدر عليه ولا يحتاج إلى نية والقيام ~~والقراءة والركوع والسجود بعد الإفتتاح من فروضها ولا يحتاج لشيء من ذلك ~~إلى نية فإن قيل لأن نية الصلاة قد أغنت عن تجديد النية لهذه الأفعال قيل ~~له وكذلك نية الصلاة قد أغنت عن تجديد نية للستر وقوله تعالى خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد يدل على أنه مندوب في حضور المسجد إلى أخذ ثوب نظيف مما يتزين ~~به وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ندب إلى ذلك في الجمع ~~والأعياد كما أمر بالاغتسال للعيدين والجمعة وأن يمس من طيب أهله وقوله ~~تعالى @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ الآية ظاهره يوجب الأكل والشرب ~~من غير ms1737 إسراف وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال والإيجاب في بعضها فالحال ~~التي يجب فيها الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر بكون ترك ~~الأكل والشرب يتلف نفسه أوبعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات فواجب عليه ~~في هذه الحال أن يأكل ما يزول معه خوف الضرر والحال التي هما مباحان فيها ~~هي الحال التي لا يخاف ضررا فيها بتركها وظاهره يقتضي جواز أكل سائر ~~المأكولات وشرب سائر الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيما ~~يأتيه من ذلك لأنه أطلق الأكل والشرب على شريطة أن لا يكون مسرفا فيهما ~~والإسراف هو مجاوزة حد الاستواء فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام ~~وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى @QB@ إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين @QE@ والإسراف وضده من الإقتار مذمومان ~~والإستواء هو التوسط ولذلك قيل دين الله بين المقصور والغالي قال الله ~~تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط فتقعد ملوما محسورا وقد يكون الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى ~~يؤديه إلى الضرر فذلك محرم أيضا قوله تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ روي عن الحسن وقتادة إن العرب كانت ~~تحرم السوائب والبحائر فأنزل الله تعالى ذلك وقال السدي وكانوا يحرمون في ~~الإحرام أكل السمن والأدهان فأنزل الله تعالى هذه الاية ردا لقولهم وفيه ~~تأكيد لما قدم إباحته في قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية PageV04P207 ~~والطيبات من الرزق قيل فيه وجهان أحدهما ما استطابه الإنسان واستلذه من ~~المأكول والمشروب وهو يقتضي إباحة سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة ~~تحريمه والثاني الحلال من الرزق قوله تعالى قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة يعني أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة ~~لهم من شوائب التنغيص والتكدير وقيل هي خالصة ms1738 لهم دون المشركين وقوله تعالى ~~@QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~@QE@ قال مجاهد الفواحش الزنا وهو الذي بطن والتعري في الطواف وهو الذي ظهر ~~وقيل القبائح كلها فواحش أجمل ذكرها بديا ثم فصل وجوهها فذكر أن منها الإثم ~~والبغي والإشراك بالله والبغي هو طلب الترأس على الناس بالقهر والإستطالة ~~عليهم بغير حق وقوله والإثم مع وصفه الخمر والميسر بأن فيهما إثم وقوله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير @QE@ يقتضي تحريم ~~الخمر والميسر أيضا قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية فيه الأمر بالإخفاء ~~للدعاء قال الحسن في هذه الآية علمكم كيف تدعون ربكم وقال لعبد صالح رضي ~~دعاءه إذ نادى ربه نداء خفيا وروى مبارك عن الحسن قال كانوا يجتهدون في ~~الدعاء ولا يسمع إلا همسا وروى أبو موسى الأشعري قال كنا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال يا أيها الناس إنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا وروى سعد بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير الذكر ~~الخفي وخير الرزق ما يكفي وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمل البر كله نصف العبادة والدعاء نصف العبادة وروى ~~سالم عن أبيه عن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في ~~الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه قال أبو بكر في هذه الآية وما ذكرنا ~~من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره لأن الخفية هي البر روي ~~ذلك عن ابن عباس والحسن وفي ذلك دليل على أن إخفاء آمين بعد قراءة فاتحة ~~الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره لأنه دعاء والدليل عليه ما روي في تأويل ~~قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما قال كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله ~~داعيين وقال بعض أهل العلم إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء ~~وأما التضرع فإنه قد ms1739 قيل أنه الميل في الجهات يقال ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا ~~مال بأصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا قال ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل ~~إليه PageV04P208 والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبه نحو المقاربة وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويشير بالسبابة وقال ابن ~~عباس لقد رؤي النيي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة رافعا يديه يدعو حتى أنه ~~ليرى ما تحت إبطيه وقال أنس رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فمد ~~يديه حتى رأيت بياض إبطيه وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رفع ~~اليدين في الدعاء والإشارة بالسابة دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على ~~تحويل الإصبع يمينا وشمالا قوله تعالى @QB@ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة @QE@ قال أبو بكر إنما قال تعالى ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة لأنه لما قال ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر جاز أن ~~يسبق إلى وهم بعض السامعين أنه كان عشرين ليلة ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ~~ليلة فأزال هذا التوهم والتجوز وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر غيرها زيادة ~~عليها قوله تعالى قال رب أرني أنظر إليك قيل إنه سأل الرؤية على جهة ~~استخراج الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ويدل عليه ~~قوله تعالى @QB@ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا @QE@ وقيل أنه سأله الرؤية ~~التي هي علم الضرورة فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا فإن قيل ~~فلم جاز أن يسئل الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى وهل يجوز على هذا أن ~~يسئله مالا يجوز على الله تعالى من الظلم قيل له لأنه لا شبهة في فعله ~~الظلم أنه صفة نقص وذم فلا يجوز سؤال مثله وكذلك ما فيه شبهة ولا يظهر حكمه ~~إلا بالدلالة وهذا إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ما روي عن الحسن ~~والربيع بن أنس والسدي وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي علم الضرورة أو ms1740 ~~استخراج الجواب لقومه فهذا السؤال ساقط وقيل إن توبة موسى إنما كانت من ~~التقدم بالمسألة قبل الإذن فيها ويحتمل أن يكون ذكر التوبة على وجه التسبيح ~~على ما جرت عادة المسلمين بمثله عند ظهور دلائل الآيات الداعية إلى التعظيم ~~قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل فإن التجلي على وجهين ظهور بالرؤية أو ~~الدلالة والرؤية مستحيلة في الله تعالى فهو ظهور آياته التي أحدثها لحاضري ~~الجبل وقيل إنه أبرز من ملكوته للجبل ما يدكدك به لأن في حكمه تعالى أن ~~الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السماء كما روي أنه أبرز قدر ~~الخنصر من العرش وقوله تعالى وأمر قومك يأخذوا بأحسنها قيل بأحسن ما كتب ~~فيه وهو الفرائض والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب وكذلك قوله ~~فبشر عبادي PageV04P209 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقال بعض أهل ~~العلم أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه وقد قيل إن هذا لا يجوز لأن ~~فعل المنسوخ المنهي عنه قبيح فلا يقال الحسن أحسن من القبيح قوله تعالى ~~سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض قيل معناه عن آياتي من العز ~~والكرامة بالدلالة التي تكسب الرفعة في الدنيا والآخرة ويحتمل صرفهم عن ~~الاعتراض على آياتي بالإبطال أو بالمنع من الإظهار للناس ولا يجوز أن يكون ~~معناه سأصرف عن الإيمان بآياتي لأنه لا يجوز أن يأمر بالإيمان ثم يمنع منه ~~إذ كان ذلك سفها وعبثا قوله تعالى أعجلتم أمر ربكم قد قيل إن العجلة التقدم ~~بالشيء قبل وقته وسرعة عمله في أول أوقاته ولذلك صارت العجلة مذمومة وقد ~~يكون تعجيل الشيء في وقته كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل ~~الظهر في الشتاء ويبرد بها في الصيف وقوله تعالى @QB@ وأخذ برأس أخيه يجره ~~@QE@ إليه كان على وجه المعاتبة لا على وجه الإهانة ولأن مثل هذه الأفعال ~~تختلف أحكامها بالعادة فلم تكن للعادة حينئذ فعله على وجه الإهانة وقيل إنه ~~بمنزلة قبض الرجل منا عند غضبه على لحيته وعضه ms1741 على شفته وإبهامه قوله تعالى ~~فخلف من بعدهم خلف قيل إن الأغلب في خلف بتسكين اللام أنه للذم وقال لبيد % ~~وبقيت في خلف كجلد الأجرب % # وقد جاء بالتسكين في المدح أيضا قال حسان % لنا القدم العليا إليك وخلفنا ~~% لا ولنا في طاعة الله تابع % # | قوله تعالى @QB@ يأخذون عرض هذا الأدنى @QE@ قيل إن العرض ما يقل لبثه ~~يقال عرض هذا الأمر فهو عارض خلاف اللازم قال تعالى هذا عارض ممطرنا يعني ~~السحاب لقلة لبثه وروي في قوله عرض هذا الأدنى أن معناه الرشوة على الحكم ~~قوله تعالى وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه قال مجاهد وقتادة والسدي أهل إصرار ~~على الذنوب وقال الحسن معناه أنه لا يشبعهم شيء قوله تعالى وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم قيل إنه أخرج الذرية قرنا بعد ~~قرن وأشهدهم على أنفسهم بما جعل في عقولهم وفطرهم من المنازعة لكي تقتضي ~~الإقرار بالربوبية حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم ألست بربكم قالوا بلى وقيل ~~إنه قال لهم ألست بربكم على لسان بعض PageV04P210 أنبيائه قوله تعالى ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس هذه لام العاقبة كقوله تعالى فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ولم يكن غرضهم ذلك في التقاطه ولكنه لما كان ~~ذلك عاقبة أمره أطلق ذلك فيهم ومنه قول الشاعر % لدوا للموت وابنوا للخراب ~~% # وقال ايضا % وأم سماك فلا تجزعي % فللموت ما غذت الوالده % # | قوله تعالى أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ~~فيه حث على النظر والاستدلال والتفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره فإنه يدل ~~عليه وعلى حكمته ووجوده وعدله وأخبر أن في جميع ما خلقه دليلا عليه وداع ~~إليه وحذرهم التفريط بترك النظر إلى وقت حلول الموت وفوات ما كان يمكنه ~~الاستدلال به على معرفة الله تعالى وتوحيده وذلك قوله تعالى وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون قوله تعالى @QB@ يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها @QE@ الآية قوله أيان مرسيها ms1742 قال قتادة والسدي قيامها ~~وأيان بمعنى متى وهو سؤال عن الزمان على وجهه الظرف للفعل فلم يخبرهم الله ~~تعالى عن وقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر ~~عن المعصية والمرسى مستقر الشيء الثقيل ومنه الجبال الراسيات يعني الثابتات ~~ورسيت السفينة إذا ثبتت في مستقرها وأرساها غيرها أثبتها قال ابن عباس كان ~~السائلون عن الساعة قوم من اليهود وقال الحسن وقتادة سألت عنها قريش قوله ~~تعالى لا تأتيكم إلا بغتة قال قتادة غفلة وذلك أشدها وقوله تعالى ثقلت في ~~السموات والأرض قال السدي وغيره ثقل علمها على أهل السموات والأرض فلم ~~يطيقوه إدراكا له وقال الحسن عظم وصفها على أهل السموات والأرض من انتثار ~~النجوم وتكوير السموات وتسيير الجبال وقال قتادة ثقلت على السموات فلا ~~تطيقها لعظمها وقوله تعالى يسئلونك كأنك حفي عنها قال مجاهد والضحاك ومعمر ~~كأنك عالم بها وعن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي يسئلونك عنها كأنك حفي ~~بهم على التقديم والتأخير أي كأنك لطيف ببرك إياهم من قوله إنه كان بي حفيا ~~ويقال إن أصل الحفا الإلحاح في الأمر يقال أحفى فلان فلانا إذا ألح في ~~الطلب منه وأحفى PageV04P211 السؤال إذا ألح فيه ومنه أحفى الشارب إذا ~~استأصله واستقصى في أخذه ومنه الحفا وهو أن يتسحج قدمه لإلحاح المشي بغير ~~نعل والحفي اللطيف ببرك لإلحاحه بالبر لك وحفي عنها بمعنى عالم بها لإلحاحه ~~بطلب علمها وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة ~~الدنيا ويستدل بما روي أن الدنيا سبعة آلاف سنة وأن الباقي منها من وقت ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمس مائة سنة لأنه لو كان كذلك لكان وقت ~~قيام الساعة معلوما وقد أخبر الله تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها ~~لوقتها إلا هو وأنها تأتي بغتة لم يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك ~~معنى البغتة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا ~~وليس فيها تحديد للوقت ms1743 مثل قوله بعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة ~~والوسطى ونحو قوله فيما رواه شعبة وغيره عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعد العصر إلى ~~مغيب الشمس قال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه الشمس ~~إلى أن تغيب وما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أجلكم في ~~أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ونحوها من الأخبار ليس ~~فيها تحديد وقت قيام الساعة وإنما فيه تقريب الوقت وقد روي في تأويل قوله ~~تعالى فقد جاء أشراطها أن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراطها وقال ~~الله تعالى قل إنما علمها عند ربي ثم قال قل إنما علمها عند الله فإنه قيل ~~أنه أراد فالأول علم وقتها وبالآخر علم كنهها قوله تعالى هوالذي خلقكم من ~~نفس واحدة وجعل منها زوجها قيل فيه جعل من كل نفس زوجها كأنه قال جعل من ~~النفس زوجها ويريد به الجنس وأضمر ذلك وقيل من آدم وحواء قوله تعالى لئن ~~آتيتنا صالحا قال الحسن غلاما سويا وقال ابن عباس بشرا سويا لأنهما يشفقان ~~أن يكون بهيمة وقوله تعالى فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~قال الحسن وقتادة الضمير في جعلا عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم لا إلى ~~آدم وحواء وقال غيرهما راجع إلى الولد الصالح بمعنى أنه كان معا في بدنه ~~وذلك صلاح في خلقه لا في دينه ورد الضمير إلى اثنين لأن حواء كانت تلد في ~~بطن واحد ذكرا وأنثى قوله تعالى @QB@ إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم فادعوهم @QE@ عنى بالدعاء الأول تسميتهم الأصنام آلهة والدعاء ~~الثاني طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم وذلك مأيوس منهم وقوله عباد ~~أمثالكم قيل إنما سماها عبادا لأنها PageV04P212 مملوكة لله تعالى وقيل ~~لأنهم توهموا أنها تضر وتنفع فأخبر أنه ليس يخرج بذلك عن حكم العباد ms1744 ~~المخلوقين وقال الحسن إن الذين يدعون هذه الأوثان مخلوقة أمثالكم قوله ~~تعالى ألهم أرجل يمشون بها تقريع لهم على عبادتهم من هذه صفته إذ لا شبهة ~~على أحد في الناس أن من اتبع من هذه صفته فو ألوم ممن عبد من له جارحة يمكن ~~أن ينفع بها أو يضر وقيل إنه قدرهم أنهم أفضل منها لأن لهم جوارح يتصرفون ~~بها والأصنام لا تصرف لها فكيف يعبدون من هم أفضل منه والعجب من أنفتهم من ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أيده الله به من الآيات المعجزة ~~والدلائل الباهرة لأنه بشر مثلهم ولم يأنفوا من عبادة حجر لا قدرة له ولا ~~تصرف وهم أفضل منه في القدرة على النفع والضر والحياة والعلم قوله تعالى خذ ~~العفو وأمر بالعرف روى هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن الزبير في قوله ~~عز وجل @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ قال والله ما ~~أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن وروى عطاء ~~عن ابن عمر أنه قال سئل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أفضل قال ~~أحسنهم خلقا وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن ~~محمد الأعرابي قالا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن عبدالله ~~بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن ~~الخلق وروي عن الحسن ومجاهد قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقبل ~~العفو من أخلاق الناس والعفو هو التسهيل والتيسير فالمعنى استعمال العفو ~~وقبول ما سهل من أخلاق الناس وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات وقبول ~~العذر ونحوه وروى ابن عباس في قوله تعالى خذ العفو قال العفو من الأموال ~~قبل أن ينزل فرض الزكاة وكذلك ms1745 روي عن الضحاك والسدي وقيل إن أصل العفو ~~الترك ومنه قوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء يعني ترك له والعفو عن الذنب ~~ترك العقوبة عليه وقوله تعالى وأمر بالعرف قال قتادة وعروة العرف المعروف ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال حدثنا سهل ابن ~~بكار قال حدثنا عبدالسلام بن الخليل عن عبيد الهجيمي قال قال أبو جري جابر ~~ابن سليم ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فطلبته فأنخت قعودي بباب المسجد ~~فإذا هو PageV04P213 جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر فقلت السلام عليك ~~يا رسول الله وقال وعليك السلام قلت إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء ~~فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال أدن ثلاثا فدنوت فقال أعد علي فأعدت قال ~~اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من ~~فضل دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه ~~فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى قال ~~أبو جري فوالذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا والمعروف هو ~~ما حسن في العقل فعله ولم يكن منكرا عند ذوي العقول الصحيحة قوله تعالى ~~وأعرض عن الجاهلين أمر بترك مقابلة الجهالة والسفهاء على سفههم وصيانة ~~النفس عنهم وهذا والله أعلم يشبه أن يكون قبل الأمر بالقتال لأن الفرض كان ~~حينئذ على الرسول إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم وهو مثل قوله @QB@ فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا @QE@ وأما بعد الأمر بالقتال ~~فقد تقرر أمر المبطلين والمفسدين على وجوه معلومة من إنكار فعلهم تارة ~~بالسيف وتارة بالسوط وتارة بالإهانة والحبس قوله تعالى @QB@ وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم @QE@ قيل في نزغ الشيطان أنه ~~الإغواء بالوسوسة وأكثر ما يكون عند الغضب وقيل إن أصله الإزعاج بالحركة ~~إلى الشر ويقال هذه نزغة من الشيطان للخصلة الداعية إليه فلما ms1746 علم الله ~~تعالى نزغ الشيطان إيانا إلى الشر علمنا كيف الخلاص من كيده وشره بالفزع ~~إليه والاستعاذة به من نزغ الشيطان وكيده وبين بالآية التي بعدها أنه متى ~~لجأ العبد إلى الله واستعاذ من نزغ الشيطان حرسه منه وقوى بصيرته بقوله ~~@QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ ~~قال ابن عباس الطيف هو النزغ وقال غيره الوسوسة وهما متقاربان وذلك يقتضي ~~أنه متى استعاذ بالله من شر الشيطان أعاذه منه وازداد بصيرة في رد وسواسه ~~والتباعد مما دعاه إليه ورآه إليه ورآه في أخس منزلة وأقبح صورة لما يعلم ~~من سوء عاقبته إن وافقه وهون عنده دواعي شهوته قوله تعالى @QB@ وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ قال الحسن وقتادة والسدي إخوان الشياطين ~~في الضلال يمدهم الشيطان وقال مجاهد إخوان المشركين من الشيطان وسماهم ~~إخوانا لاجتماعهم على الضلالة كالأخوة من النسب في التعاطف به وحنين بعضهم ~~إلى PageV04P214 بعض لأجله كما سمى المؤمنين إخوانا بقوله تعالى إنما ~~المؤمنون أخوة لتعاطفهم وتواصلهم بالدين فأخبر عن حال من استعاذ بالله من ~~نزغ الشيطان ووساوسه في بصيرته ومعرفته بقبح ما يدعوه إليه وتباعد منه ومن ~~دواعي شهواته برجوعه إلى الله وإلى ذكره وهذه الاستعاذة تجوز أن تكون بقوله ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وجائز أن تكون بالفكر في نعم الله تعالى عليه ~~وفي أوامره ونواهيه وما يؤول به إليه الحال من دوام النعيم فيهون عنده ~~دواعي هواه وحوادث شهواته ونزغات الشيطان بها ثم أخبر تعالى عن حال من أعرض ~~عن ذكر الله والاستعاذة به فقال وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ~~فكلما تباعدوا عن الذكر مضوا مع وساوس الشيطان وغيه غير مقصرين عنه وهو ~~نظير قوله تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا وقوله تعالى @QB@ ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ وبالله التوفيق # باب القراءة خلف الإمام $ # قال الله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون قال ~~أبو ms1747 بكر روي عن ابن عباس أنه قال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~الصلاة وقرأ معه أصحابه فخلطوا عليه فنزل وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا وروى ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى ~~@QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا @QE@ قال المؤمن في سعة من ~~الاستماع إليه إلا في صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى وروى المهاجر ~~أبو مخلد عن أبي العالية قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قرأ ~~أصحابه أجمعون خلفه حتى نزلت وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فسكت ~~القوم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الشعبي وعطاء قالا في الصلاة ~~وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد مثله وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة فتى من الأنصار وهو في الصلاة يقرأ ~~فنزلت هذه الآية وروي عن سعيد بن المسيب أنه قرأ في الصلاة وروي عن مجاهد ~~أنه في الصلاة والخطبة والخطبة لا معنى لها في هذا الموضع لأن موضع القرآن ~~في الخطبة كغيره في وجوب الاستماع والإنصات وروي عن أبي هريرة أنهم كانوا ~~يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وهذا أيضا تأويل بعيد لا يلائم معنى ~~الآية لأن الذي في الآية إنما هو أمر بالاستماع والإنصات لقراءة غيره ~~لاستحالة أن يكون مأمورا بالاستماع PageV04P215 والإنصات لقراءة نفسه إلا ~~أن يكون معنى الحديث إنهم كانوا يتكلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة فنزلت الآية فإن كان كذلك فهو في معنى تأويل الآخرين له على ترك ~~القراءة خلف الإمام فقد حصل من اتفاق الجميع أنه قد أريد ترك القراءة خلف ~~الإمام والاستماع والإنصات لقراءته ولو لم يثبت عن السلف اتفاقهم على ~~نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام لكانت الآية كافية في ظهور معناها ~~وعموم لفظها ووضوح دلالتها على وجوب الاستماع والإنصات لقراءة الإمام وذلك ~~لأن قوله تعالى وإذا قرئ القرآن ms1748 فاستمعوا له وأنصتوا يقتضي وجوب الاستماع ~~والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها فإن قامت دلالة على جواز ترك ~~الاستماع والإنصات في غيرها لم يبطل حكم دلالته في إيجابه ذلك فيها وكما ~~دلت الآية على النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر به فهي دلالة على ~~النهي فيما يخفى لأنه أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن ولم يشترط ~~فيه حال الجهر من الإخفاء فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات وإذا أخفى ~~فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا به قارئ للقرآن وقد اختلف الفقهاء في ~~القراءة خلف الإمام فقال أصحابنا وابن سيرين وابن أبي ليلى والثوري والحسن ~~بن صالح لا يقرأ فيما جهر وقال الشافعي يقرأ فيما جهر وفيما أسر وقال مالك ~~يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر وقال الشافعي يقرأ فيما جهر وفيما أسر في ~~رواية المزني وفي البويطي أنه يقرأ فيما أسر بأم القرآن وسورة في الأوليين ~~وأم القرآن في الآخرين وفيما جهر فيه الإمام لا يقرأ من خلفه إلا بأم ~~القرآن قال البويطي وكذلك يقول الليث والأوزاعي قال أبو بكر قد بينا دلالة ~~الآية على وجوب الإنصات عند قراءة الإمام في حال الجهر والإخفاء وقال أهل ~~اللغة الإنصات الإمساك عن الكلام والسكوت لاستماع القراءة ولا يكون القارئ ~~منصتا ولا ساكتا بحال وذلك لأن السكوت ضد الكلام وهو تسكين الآلة عن ~~التحريك بالكلام الذي هو حروف مقطعة منظومة ضربا من النظام فهما يتضادان ~~على المتكلم بآلة اللسان وتحريك الشفة ألا ترى أنه لا يقال ساكت متكلم كما ~~لا يقال ساكن متحرك فمن سكت فهو غير متكلم ومن تكلم فهو غير ساكت فإن قال ~~قائل قد يسمى مخفي القراءة ساكتا إذا لم تكن قراءته مسموعة كما روى عمارة ~~عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر ~~سكت بين التكبير والقراءة فقلت له بأبي أنت وأمي أرأيت PageV04P216 سكتاتك ~~بين التكبير والقراءة أخبرني ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي ~~كما باعدت بين ms1749 المشرق والمغرب وذكر الحديث فسماه ساكتا وهو يدعوا خفيا فدل ~~ذلك على أن السكوت إنما هو إخفاء القول وليس بتركه رأسا قيل له إنما سميناه ~~ساكتا مجازا لأن من لا يسمعه يظنه ساكتا فلما أشبه الساكت في هذا الوجه ~~سماه باسمه لقرب حاله من حال الساكت كما قال تعالى @QB@ صم بكم عمي @QE@ ~~تشبيها بمن هذه حاله وكما قال في الأصنام وتراهم ينظرون إليك تشبيها لهم ~~بمن ينظر وليس هو بناظر في الحقيقة فإن قيل لا يقرأه المأموم في حال قراءة ~~الإمام وإنما يقرأ في حال سكوته وذلك لما روى الحسن عن سمرة بن جندب قال ~~كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتات في صلاته إحداهما قبل القراءة والأخرى ~~بعدها فينبغي للإمام أن تكون له سكتة قبل القراءة ليقرأ الذين أدركوا أول ~~الصلاة فاتحة الكتاب ثم ينصب لقراءة الإمام فإذا فرغ سكت سكتة أخرى ليقرأ ~~من لم يدرك أول الصلاة فاتحة الكتاب قيل له أما حديث السكتتين فهو غير ثابت ~~ولو ثبت لم يدل على ما ذكرت لأن السكتة الأولى إنما هي لذكر الاستفتاح ~~والثانية إن ثبتت فلا دلالة فيها على أنها بمقدار ما يقرأ فاتحة الكتاب ~~وإنما هي فصل بين القراءة وبين تكبير الركوع لئلا يظن من لا يعلم أن ~~التكبير من القراءة إذا كان موصولا بها ولو كانت السكتتان كل واحدة منهما ~~بمقدار قراءة فاتحة الكتاب لكان ذلك مستفيضا ونقله شائعا ظاهرا فلما لم ~~ينقل ذلك من طريق الاستفاضة مع عموم الحاجة إليه إذ كانت مفعولة لأداء فرض ~~القراءة من المأموم ثبت أنهما غير ثابتتين وأيضا فإن سبيل المأموم أن يتبع ~~الإمام ولا يجوز أن يكون الإمام تابعا للمأموم فعلى قول هذا القائل يسكت ~~الإمام بعد القراءة حتى يقرأ المأموم وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم ~~إنما جعل الإمام ليؤتم به ثم مع ذلك يكون الأمر على عكس ما أمر به صلى الله ~~عليه وسلم من قوله وإذا قرأ فأنصتوا فأمر المأموم بالإنصات للإمام وهو يأمر ~~الإمام بالإنصات ms1750 للمأموم ويجعله تابعا له وذلك خلف من القول ألا ترى أن ~~الإمام لو قام في الثنتين من الظهر ساهيا لكان على المأموم اتباعه ولو قام ~~المأموم ساهيا لم يكن على الإمام اتباعه ولو سها المأموم لم يسجد هو ولا ~~إمامه للسهو ولو سها الإمام ولم يسه المأموم لكان على المأموم اتباعه فكيف ~~يجوز أن يكون الإمام مأمورا بالقيام ساكتا ليقرأ المأموم وقد روي في النهي ~~عن القراءة خلف الإمام آثار مستفيضة عن PageV04P217 النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أنحاء مختلفة فمنها حديث قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن حطان ~~ابن عبدالله عن ابن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قرأ ~~الإمام فأنصتوا وحديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ ~~فأنصتوا فهذان الخبران يوجبان الإنصات عند قراءة الإمام وقوله إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا إخبار منه أن من الائتمام بالإمام ~~الإنصات لقراءته وهذا يدل على أنه غير جائز أن ينصت الإمام لقراءة المأموم ~~لأنه لو كان مأمورا بالإنصات له فكان مأمورا بالائتمام به فيصير الإمام ~~مأموما والمأموم إماما في حالة واحدة وهذا فاسد ومنها حديث جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة رواه جماعة ~~عن جابر وفي بعض الألفاظ إذا كان لك إمام فقراءته لك قراءة ومنها حديث ~~عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام رواه ~~الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين وقد ذكرنا ~~أسانيد هذه الأخبار في شرح مختصر الطحاوي ومنها حديث مالك عن أبي نعيم وهب ~~ابن كيسان أنه سمع جابر بن عبدالله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وفي بعضها لم يصل ms1751 إلا وراء ~~الإمام فأخبر أن ترك قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام لا يوجب نقصانا في ~~الصلاة ولو جاز أن يقرأ لكان تركها يوجب نقصا فيها كالمفرد وروى مالك عن ~~ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي أحد منكم آنفا قالوا ~~نعم يا رسول الله قال إني أقول ما لي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن ~~القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هل قرأ معي أحد منكم دل ~~ذلك على أن القارئ خلفه أخفى قراءته ولم يجهر بها لأنه لو كان جهر بها لما ~~أقر أهل معي أحد منكم ثم قال إني أقول مالي أنازع القرآن وفي ذلك دليل على ~~استواء حكم الصلاة التي يجهر فيها والتي تخافت لإخباره أن قراءة المأموم هي ~~الموجبة لمنازعة القرآن وأما قوله فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه ~~رسول الله فلا حجة فيه لمن أجاز القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه من قبل أن ~~ذلك قول الراوي وتأويل منه وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين ~~حال الجهر والإخفاء ومنها حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص عن عبدالله قال كنا نقرأ PageV04P218 خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال خلطتم علي القرآن وهذا أيضا يدل على التسوية بين حال الجهر ~~والإخفاء إذ لم يذكر فرقا بينهما وروى الزهري عن عبدالرحمن بن هرمز عن ابن ~~بحينة وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال هل قرأ معي أحد آنفا في الصلاة قالوا نعم قال فإني أقول مالي أنازع ~~القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة معه منذ قال ذلك فأخبر في هذا الحديث ~~عن تركهم القراءة خلفه ولم يفرق بين الجهر والإخفاء فهذه الأخبار كلها يوجب ~~النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه أو يسر ومما يدل ms1752 على ذلك ما روي ~~عن جلة الصحابة من النهي عن القراءة خلف الإمام وإظهار النكير على فاعله ~~ولو كان ذلك شائعا لما خفي أمره على الصحابة لعموم الحاجة إليه ولكان من ~~الشارع توقيف للجماعة عليه ولعرفوه كما عرفوا القراءة في الصلاة إذ كانت ~~الحاجة إلى معرفة القراءة خلف الإمام كهي إلى القراءة في الصلاة للمنفرد أو ~~الإمام فلما روي عن جلة الصحابة إنكار القراءة خلف الإمام ثبت أنها غير ~~جائزة فممن نهى عن القراءة خلف الإمام علي وابن مسعود وسعد وجابر وابن عباس ~~وأبو الدرداء وأبو سعيد وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس روى عبدالرحمن بن أبي ~~ليلى عن علي قال من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وروى أبو إسحاق عن ~~علقمة عن عبدالله عن زيد بن ثابت قال من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا وروى ~~وكيع عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد ابن ثابت قال من قرأ خلف الإمام ~~فلا صلاة له وقال أبو حمزة قلت لابن عباس أقرأ خلف الإمام قال لا وقال أبو ~~سعيد يكفيك قراءة الإمام قال أنس القراءة خلف الإمام التسبيح يعني والله ~~أعلم التسبيح في الركوع وذكر الاستفتاح وقال منصور عن إبراهيم ما سمعنا ~~بالقراءة خلف الإمام حتى كان المختار الكذاب فاتهموه فقرؤا خلفه وقال سعد ~~وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة واحتج موجبو القراءة خلف الإمام ~~بحديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر فتعامى عليه القراءة فلما سلم ~~قال أتقرؤن خلفي قالوا نعم يا رسول الله قال لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ~~فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وهذا حديث مضطرب السند مختلف في رفعه وذلك ~~أنه رواه صدقة بن خالد عن زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة ~~عن عبادة ونافع بن محمود هذا مجهول لا يعرف وقد PageV04P219 روى هذا الحديث ms1753 ~~ابن عون عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع موقوفا على عبادة لم يذكر فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل بوجهه فقال أتقرؤن والإمام يقرأ فسكتوا ~~فسألهم ثلاثا فقالوا إنا لنفعل فقال لا تفعلوا فلم يذكر فيه استثناء فاتحة ~~الكتاب وإنما أصل حديث عبادة ما رواه يونس عن ابن هشام قال أخبرني محمود بن ~~الربيع عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة ~~لمن لم يقرأ القرآن فلما اضطرب حديث عبادة هذا الاضطراب في السند والرفع ~~والمعارضة لم يجز الاعتراض به على ظاهر القرآن والآثار الصحاح النافية ~~للقراءة خلف الأمام وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بأم القرآن ~~والآثار الصحاح النافية للقراءة خلف الإمام وأما قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا صلاة إلا بأم القرآن فليس فيه إيجاب قراءتها خلف الإمام لأن هذه صلاة ~~بأم القرآن إذ كانت قراءة الإمام له قراءة وكذلك حديث العلاء ابن عبدالرحمن ~~عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام فقلت يا أبا هريرة ~~إني أكون أحيانا خلف الإمام فغمز ذراعي وقال اقرأ يا فارسي في نفسك فلا حجة ~~لهم فيه لأن أكثر ما فيه أنها خداج والخداج إنما هو النقصان ويدل على ~~الجواز لوقوع اسم الصلاة عليها وأيضا فإنه في المنفرد ليجمع بينه وبين ~~الآية والأخبار التي قدمناها في نفي القراءة خلف الإمام وأما قول أبي هريرة ~~اقرأ بها في نفسك فإنه لم يعز ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوله لا ~~تثبت به حجة ومما يدل على أن أخبارنا أولى اتفاق الجميع على استعمالها في ~~النهي عن القراءة خلف الإمام في حال جهر الإمام وخبرهم مختلف فيه فكان ما ~~اتفقوا على استعماله في حال ms1754 أولى مما اختلف فيه فإن قيل نستعمل الأخبار ~~كلها فيكون أخبار النهي فيما عدا فاتحة الكتاب وأخبار الأمر بالقراءة في ~~فاتحة الكتاب قيل له هذا يبطل بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من قوله ~~علمت أن بعضكم خالجنيها وقوله مالي أنازع القرآن والقرآن لا يختص بفاتحة ~~الكتاب دون غيرها فعلمنا أنه أراد الجميع وقال في حديث وهب بن كيسان عن ~~جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي ~~خداج إلا وراء الإمام فنص على تركها خلف الإمام وذلك يبطل تأويلك وقولك ~~باستعمال الأخبار بل أنت رادها غير مستعمل لها فإن قيل ما استدللت به من ~~قول الصحابة لا دليل فيه لأنهم قد خالفهم نظراؤهم فمن ذلك ما رواه ~~عبدالواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني عن جواب PageV04P220 عن يزيد ~~بن شريك قال قلت لعمر بن الخطاب أو سمعت رجلا قال له اقرأ خلف الإمام قال ~~نعم قال قلت وإن قرأ قال وإن قرأ وروى شعبة عن أبي الفيض عن أبي شيبة قال ~~معاذ إذا كنت تسمع قراءة الإمام فاقرأ بقل هو الله أحد ونحوها وإذا لم تسمع ~~قراءته ففي نفسك وروى أشعث عن الحكم وحماد أن عليا كان يأمر بالقراءة خلف ~~الإمام وروى ليث عن عطاء عن ابن عباس لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب جهر ~~الإمام أو لم يجهر فإذا كان هؤلاء الصحابة قد روي عنهم القراءة خلف الإمام ~~وروي عنهم تركها فكيف تثبت به حجة قيل له أما حديث عمر ومعاذ فمجهول السند ~~لا تثبت بمثله حجة وحديث علي إنما هو عن الحكم وحماد ومخالفنا لا يقبل مثله ~~لإرساله وحديث ابن عباس هذا رواه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد روى عنه أبو ~~حمزة النهي ومع ذلك فلم يكن احتجاجنا من جهة قول الصحابة فحسب وإنما قلنا ~~إن ما كان هذا سبيله من الفروض التي عمت الحاجة إليه فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يخليهم من توقيف لهم ms1755 على إيجابه فلما وجدناهم قائلين بالنهي ~~علمنا أنه لم يكن منه توقيف للكافة عليه فثبت أنها غير واجبة ولا يصير قول ~~من قال منهم بإيجابه قادحا فيما ذكرنا من قبل أن أكثر ما فيه لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف عليه للكافة فذهب منهم ذاهبون إلى إيجاب ~~قراءتها بتأويل أو قياس ومثل ذلك طريقه للكافة ونقل الأمة ويدل على نفي ~~وجوبها اتفاق الجميع على أن مدرك الإمام في الركوع يتابعه مع ترك القراءة ~~فلو كانت فرضا لما جاز تركها بحال كالطهارة وسائر أفعال الصلاة فإن قيل ~~إنما جاز ذلك للضرورة وهو خوف فوات الركعة قيل له خوف فوات الركعة ليس ~~بضرورة من وجوه أحدها أن فعل الصلاة خلف الإمام ليس بفرض لأنه لو صلاها ~~منفردا أجزأه وإنما هو فضيلة فإذا خوف فواتها ليس بضرورة في تركها وأيضا ~~فإنه لو كان محدثا لم يكن خوف فوات الجماعة مبيحا لترك الطهارة وكذلك لو ~~أدركه في السجود لم تكن له ضرورة في جواز سقوط الركوع فلما جاز ترك القراءة ~~في هذه الحال دون سائر الفروض دل على أنها ليست بفرض ويدل على أنها ليست ~~بفرض اتفاق الجميع على أن من كان خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها لا ~~يقرأ السورة مع الفاتحة فلو كانت القراءة فرضا فكان من سننها قراءة السورة ~~ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المأموم لا يجهر بها في الصلوات التي ~~يجهر فيها بالقراءة ولو كانت فرضا لجهر بها كالإمام PageV04P221 وفي ذلك ~~دليل على أنها ليست بفرض إذ كانت صلاة جماعة من الصلوات التي يجهر فيها ~~بالقراءة وكان ينبغي أن لا يختلف حكم الإمام والمأموم في الجهر والإخفاء لو ~~كانت فرضا عليه كهي على الإمام قوله تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة @QE@ قال أبو بكر الذكر على وجهين أحدهما الفكر في عظمة الله وجلاله ~~ودلائل قدرته وآياته وهذا أفضل الأذكار إذ به يستحق الثواب على سائر ~~الأذكار سواه وبه يتوصل إليه والذكر الآخر القول ms1756 وقد يكون ذلك الذكر دعاء ~~وقد يكون ثناء على الله تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى ~~الله وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون قوله تعالى ~~@QB@ واذكر ربك في نفسك @QE@ هو الفكر في دلائل الله وآياته وقوله تعالى ~~@QB@ ودون الجهر من القول @QE@ فيه نص على الذكر باللسان وهذا الذكر يجوز ~~أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء فيكون الأفضل في الدعاء ~~الإخفاء على نحو قوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ وإن أراد به ~~قراءة القرآن كان في معنى قوله @QB@ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ ~~بين ذلك سبيلا @QE@ وقيل إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه أبعد من الرياء ~~وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة إذ كانت هذه صفته وقيل إن ذلك خطاب ~~للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا @QE@ وقيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى عام لسائر ~~المكلفين كقوله عز وجل @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء @QE@ وقال ~~قتادة الآصال العشيات # | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر رحمة الله عليه قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ~~وعطاء الأنفال الغنائم وروي عن ابن عباس رواية أخرى عن عطاء أن الأنفال ما ~~يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع فذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء وروي عن مجاهد إن الأنفال الخمس الذي ~~جعله الله لأهل الخمس وقال الحسن كانت الأنفال من السرايا التي تتقدم أمام ~~الجيش الأعظم والنفل في اللغة الزيادة على المستحق ومنه النافلة وهي التطوع ~~وهو عندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة فأما بعده فلا يجوز إلا من الخمس ~~وذلك بأن يقول للسرية لكم الربع بعد الخمس أو الربع حيز من الجميع قبل ~~PageV04P222 الخمس أو يقول من أصاب شيئا فهو له على وجه التحريض على القتال ~~والتضرية على العدو أو يقول من قتل قتيلا فله سلبه وأما بعد إحراز الغنيمة ~~فغير جائز ms1757 أن ينفل من نصيب الجيش ويجوز له أن ينفل من الخمس وقد اختلف في ~~سبب نزول الآية فروي عن سعد قال أصبت يوم بدر سيفا فأتيت به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت نفلنيه فقال ضعه من حيث أخذت فنزلت @QB@ يسألونك عن الأنفال ~~@QE@ قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اذهب وخذ سيفك وروى ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس @QB@ يسألونك عن الأنفال ~~@QE@ قال الأنفال الغنائم التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ليس لأحد فيها شيء ثم أنزل الله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول @QE@ الآية قال ابن جريج أخبرني بذلك سليمان عن مجاهد ~~وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل ~~يوم بدر أنفالا مختلفة وقال من أخذ شيئا فهو له فاختلف الصحابة فقال بعضهم ~~نحو ما قلنا وقال آخرون نحن حمينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا ردأ ~~لكم قال فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله ~~فقسمه عن الخمس وكان في ذلك تقوى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاح ~~ذات البين لقوله تعالى @QB@ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~@QE@ قال عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرد قوي ~~المسلمين على ضعيفهم وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنيمة لقوم سود الرؤس قبلكم كانت تنزل ~~نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله ~~تعالى @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا @QE@ وقد ذكر في حديث عبادة وابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يوم بدر قبل القتال من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله ~~كذا ويقال إن هذا غلط وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms1758 يوم حنين من قتل ~~قتيلا فله سلبه وذلك لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لم ~~تحل الغنائم لقوم سود الرؤس غيركم وأن قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الأنفال ~~@QE@ نزلت بعد حيازة غنائم بدر فعملنا أن رواية من روى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفلهم ما أصابوا قبل القتال غلط إذ كانت إباحتها إنما كانت بعد ~~القتال ومما يدل على غلطه أنه قال من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله ~~كذا ثم قسمها بينهم بالسواء وذلك لأنه غير جائز على النبي صلى الله عليه ~~وسلم خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله الإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره ~~والصحيح PageV04P223 أنه لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم قول في ~~الغنائم قبل القتال فلما فرغوا من القتال تنازعوا في الغنائم فأنزل الله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الأنفال @QE@ فجعل أمرها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أن يجعلها لما شاء فقسمها بينهم بالسواء ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ~~@QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ على ما روي عن ابن عباس ~~ومجاهد فجعل الخمس لأهله المسلمين في الكتاب والأربعة الأخماس للغانمين ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل وبقي حكم النفل قبل ~~إحراز الغنيمة بأن يقول من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له ومن ~~الخمس وما شذ من المشركين من غير قتال فكل ذلك كان نفلا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يجعله لمن يشاء وإنما وقع النسخ في النفل بعد إحراز الغنيمة من ~~الخمس ويدل على أن قسمة غنائم بدر إنما كانت على الوجه الذي جعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم قسمتها لا على قسمتها الآن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قسمها بينهم بالسواء ولم يخرج منها الخمس ولو كانت مقسومة قسمة الغنائم ~~التي استقر عليها لاحكم لعزل الخمس لأهله ولفضل الفارس على الراجل وقد كان ~~في الجيش فرسان أحدهما للنبي صلى الله عليه وسلم والآخر للمقداد فلما قسم ~~الجميع ms1759 بينهم بالسوية علمنا أن قوله تعالى @QB@ قل الأنفال لله والرسول ~~@QE@ قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيها من يرى ثم نسخ النفل بعد ~~إحرازالغنيمة وبقي ما حكمه قبل إحرازها على جهة تحريض الجيش والتضرية على ~~العدو وما لم يوجف عليه المسلمون وما لا يحتمل القسم ومن الخمس على ما شاء ~~ويدل على أن غلط الرواية في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر من ~~أصاب شيئا فهو له وأنه نفل القاتل وغيره ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا هناد بن السري عن أبي بكر عن عاصم عن مصعب بن سعد عن ~~أبيه قال جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف فقلت يا رسول الله ~~إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف فقال إن هذا السيف ~~ليس لي ولا لك فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلاي فبينا أنا إذ ~~جاءني الرسول فقال أجب فظننت أنه نزل في شيء بكلامي فجئت فقال لي النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله ~~الله لي فهو لك ثم قرأ @QB@ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~@QE@ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن له ولا لسعد قبل نزول سورة ~~الأنفال وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به وفي ذلك دليل على فساد رواية ~~من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم قبل القتال وقال من أخذ شيئا فهو ~~له وقوله تعالى @QB@ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها @QE@ PageV04P224 ~~لكم في هذه القصة ضروب من دلائل النبوة أحدها إخباره إياهم بأن إحدى ~~الطائفتين لهم وهي عير قريش التي كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا ~~لحمايتها فكان وعده على ما وعده وقوله تعالى @QB@ وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم @QE@ يعني أن المؤمنين كانوا يودون الظفر لما فيها الأموال وقلة ~~المقاتلة وذلك لأنهم خرجوا مستخفين غير ms1760 مستعدين للحرب لأنهم لم يظنوا أن ~~قريشا تخرج لقتالهم وقوله تعالى @QB@ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع ~~دابر الكافرين @QE@ وهو إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم وقوله ~~تعالى @QB@ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله ~~إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم @QE@ فوجد مخبر هذه الأخبار على ما أخبر به ~~فكان من طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به وقال تعالى @QB@ إذ يغشيكم ~~النعاس أمنة منه @QE@ فألقى عليهم النعاس في الوقت الذي يطير فيه النعاس ~~بإظلال العدو عليهم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم ثم قال @QB@ وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به @QE@ يعني من الجنابة لأن فيهم من كان احتلم وهو حرز ~~الشيطان لأنه من وسوسته في المنام وليربط على قلوبكم بما صار في قلوبهم من ~~الأمنة والثقة بموعود الله @QB@ ويثبت به الأقدام @QE@ يحتمل من وجهين ~~أحدهما صحة البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام والثاني أن موضعهم ~~كان رملا دهسا لا تثبت فيه الأقدام فأنزل الله تعالى من المطر ما لبد الرمل ~~وثبت عليه الأقدام وقد روي ذلك في التفسير قوله تعالى @QB@ إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم @QE@ أي أنصركم @QB@ فثبتوا الذين آمنوا @QE@ وذلك يحتمل ~~وجهين أحدهما إلقاؤهم إلى المؤمنين بالخاطر والتنبيه أن الله سينصرهم على ~~الكافرين فيكون ذلك سببا لثباتهم وتحزبهم على الكفار ويحتمل أن يكون ~~التثبيت بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سينصره والمؤمنين فيخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك المؤمنين فيدعوهم ذلك إلى الثبات ثم قال ~~@QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ كفا من تراب ورمى به وجوههم فانهزموا ولم يبق منهم أحد إلا دخل من ~~ذلك التراب في عينه وعنى بذلك أن الله بلغ ذلك التراب وجوههم وعيونهم إذ لم ~~يكن في وسع أحد من المخلوقين أن يبلغ ذلك التراب عيونهم من الموضع الذي كان ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهذه كلها من دلالة النبوة ومنها وجود مخبرات ~~هذه ms1761 الأخبار على ما أخبر به فلا يجوز أن يتفق مثلها تخرصا وتخمينا ومنها ما ~~أنزل من المطر الذي لبد الرمل حتى PageV04P225 ثبتت أقدامهم عليه وصاروا ~~وبالأعلى عدوهم لأن في الخبر أن أرضهم صارت وحلا حتى منعهم من المسير ومنها ~~الطمأنينة التي صارت في قلوبهم بعد كراهتهم للقاء الجيش ومنها النعاس الذي ~~وقع عليهم في الحال التي يطير فيها النعاس ومنها رميه التراب وهزيمة الكفار ~~به # | الكلام في الفرار من الزحف # قال الله تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة @QE@ روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر قال أبو ~~نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم ~~غيرهم وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من ~~الأنصار ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه ~~يكون قتال وإنما ظنوا أنها العير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ~~خف معه فقول أبي نضرة أنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وأنهم لو انحازوا انحازوا ~~إلى المشركين غلط لما وصفنا وقد قيل أنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ ~~لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم ~~عنه قال الله تعالى @QB@ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه @QE@ فلم يكن يجوز لهم أن ~~يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه وإن كان الله قد ~~تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى @QB@ والله يعصمك من الناس ~~@QE@ وكان ذلك فرضا عليهم قلت أعداؤهم أو كثروا وأيضا فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان فئة المسلمين يومئذ ومن كان بمنحاز عن القتل فإنما كان يجوز ~~له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم فئتهم يومئذ ولم تكن فئة غيره قال ابن عمر كنت ms1762 في جيش فحاص الناس حيصة ~~واحدة ورجعنا إلى المدينة فقلنا نحن الفرارون فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنا فئتكم فمن كان بالبعد من النبي صلى الله عليه وسلم إذا انحاز عن ~~الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ~~كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه فلم يكن يجوز لهم ~~الفرار وقال الحسن في قوله تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره @QE@ قال شددت ~~على أهل بدر وقال الله تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ وذلك لأنهم فروا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم فعاقبهم ~~الله على PageV04P226 ذلك في قوله تعالى @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين @QE@ فهذا ~~كان حكمهم إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قل عدد العدو أو كثر إذا ~~لم يجد الله فيه شيئا وقال الله تعالى في آية أخرى @QB@ يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا @QE@ هذا والله أعلم في الحال التي لم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا معهم فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين ~~ولا يهربوا عنهم فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة ~~من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال ثم نسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ الآن ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله @QE@ فروي عن ابن عباس أنه قال ~~كتب عليكم أن لا يفر واحد من عشرة ثم قلت @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا @QE@ الآية فكتب عليكم أن لا يفر مائة من مائتين وقال ابن عباس ~~إن فر رجل من رجلين فقد فر وإن ms1763 فر من ثلاثة فلم يفر قال الشيخ يعني بقوله ~~فقد فر الفرار من الزحف المراد بالآية والذي في الاية إيجاب فرض القتال على ~~الواحد لرجلين من الكفار فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد ~~التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من ~~المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعلى @QB@ ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~@QE@ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا فئة كل مسلم وقال عمر بن ~~الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم ينهزم ~~رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلي لكنت له فئة فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيد ~~قال أنا فئة لكم ولم يعنفهم وهذا الحكم عندنا ثابت مالم يبلغ عدد جيش ~~المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين ~~لقتال وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم من نحو خروج من مضيق ~~إلى فسحة أو من سعة إلى مضيق أو يكمنوا لعدوهم ونحو ذلك مما لا يكون فيه ~~انصراف عن الحرب أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم فإذا بلغوا ~~اثني عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن ~~يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه واحتج بحديث ~~الزهري عن PageV04P227 عبيدالله بن عبدالله أن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش ~~أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ولن يغلب وفي بعضها ما غلب قوم ~~يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له ~~أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها فقال له مالك إن ~~كان معك اثنا عشر ألفا مثلك ms1764 لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف ~~وكان السائل له عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر وهذا المذهب ~~موافق لما ذكر محمد بن الحسن والذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~اثني عشر ألفا فهو أصل في هذا الباب وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن ~~يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعت كلمتهم ~~وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم قوله تعالى @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة @QE@ قيل في الفتنة وجوه فروي عن عبدالله أنه من ~~قوله تعالى @QB@ أنما أموالكم وأولادكم فتنة @QE@ وقال الحسن الفتنة البلية ~~وقيل هي العذاب وقيل هي الفرح الذي يركب الناس فيه بظلم وروي عن ابن عباس ~~أنه قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله ~~بالعذاب ونحوه ما روي أنه قيل يا رسول الله انهلك وفينا الصالحون قال نعم ~~إذا كثر الخبث وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قوم يعمل ~~فيهم بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمل فلم ينكروا إلا عمهم الله بعذاب فحذرنا ~~الله من عذاب يعم الجميع من العاصين ومن لم يعص إذا لم ينكره وقيل إنها يعم ~~من قبل أن الفرح والفتنة إذا وقعا دخل ضررهما على كل واحد منهم قوله تعالى ~~@QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~@QE@ يعني ما كان ليعذبهم عذاب الاستيصال وأنت فيهم لأنه صلى الله عليه ~~وسلم بعث رحمة للعالمين ولا يعذبون وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة فيعمهم ~~بالعذاب بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم ألا ترى أن الأمم ~~السالفة لما استحقوا الاستيصال أمر الله أنبياءه بالخروج من بينهم نحو لوط ~~وصالح وشعيب صلوات الله عليهم وقوله تعالى @QB@ وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون @QE@ قال ابن عباس لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة بقيت ~~فيها بقية من المؤمنين وقال مجاهد وقتادة ms1765 والسدي أن لو استغفروا لم يعذبهم ~~قوله تعالى @QB@ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام @QE@ ~~وهذا العذاب غير العذاب المذكور في الآية الأولى لأن هذا عذاب الآخرة ~~PageV04P228 والأول عذاب الاستيصال في الدنيا وقوله تعالى @QB@ وما كانوا ~~أولياءه @QE@ قيل فيه وجهان أحدهما ما قال الحسن إنهم قالوا نحن أولياء ~~المسجد الحرام فرد الله ذلك عليهم والوجه الآخر ما كانوا أولياء الله إن ~~أولياء الله إلا المتقون فإذا أريد به أولياء المسجد ففيه دلالة على أنهم ~~ممنوعون من دخول المسجد الحرام والقيام بعمادته وهو مثل قوله تعالى @QB@ ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله @QE@ وقوله عز وجل @QB@ وما كان صلاتهم ~~عند البيت إلا مكاء وتصدية @QE@ قيل المكاء الصفير والتصدية التصفيق روي ~~ذلك عن ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وعطية وقتادة والسدي ووري عن سعيد ~~بن جبير أن التصدية صدهم عن البيت الحرام وسمى المكاء والتصدية صلاة لأنهم ~~كانوا يقيمون الصفير والتصفيق مقام الدعاء والتسبيح وقيل إنهم كانوا يفعلون ~~ذلك في صلاتهم قوله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله @QE@ قال ابن عباس والحسن حتى لا يكون شرك وقال محمد بن إسحاق حتى لا ~~يفتتن مؤمن عن دينه والفتنة ههنا جائز أن يريد به الكفر وجائز أن يريد بها ~~البغي والفساد لأن الكفر إنما سمي فتنة لما فيه من الفساد فتنتظم الآية ~~قتال الكفار وأهل البغي وأهل العيث والفساد وهي تدل على وجوب قتال الفئة ~~الباغية وقوله تعالى @QB@ ويكون الدين كله لله @QE@ يدل على وجوب قتال سائر ~~أصناف أهل الكفر إلا ما خصه الدليل من الكتاب والسنة وهم أهل الكتاب ~~والمجوس فإنهم يقرون بالجزية ويحتج به من يقول لا يقر سائر الكفار دينهم ~~بالذمة إلا هؤلاء الأصناف الثلاثة لقيام الدلالة على جواز إقرارها بالجزية # | االكلام في قسمة الغنائم # قال الله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ وقال ~~في آية أخرى @QB@ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا @QE@ فروي عن ابن عباس ومجاهد ~~أن هذه الآية ms1766 ناسخة لقوله تعالى @QB@ قل الأنفال لله والرسول @QE@ وذلك ~~لأنه قد كان جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفل ما أحرزه بالقتال لمن شاء ~~من الناس لا حق لأحد فيه إلا من جعله النبي صلى الله عليه وسلم له وإن ذلك ~~كان يوم بدر وقد ذكرنا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا السيف ليس لي ~~ولا لك ثم لما نزل @QB@ قل الأنفال لله والرسول @QE@ دعاه وقال إنك سألتني ~~هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك وحديث أبي ~~PageV04P229 هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا عبدالباقي بن ~~قانع قال حدثا بشر بن موسى قال حدثنا عبدالله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص ~~عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين ~~فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنائم لقوم ~~سود الرؤس قبلكم كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من ~~السماء نار فتأكلها فأنزل الله تعالى @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا @QE@ وقال حدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو نوح قال ~~أخبرنا عكرمة بن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن عباس قال حدثني ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم الفداء فأنزل الله تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى @QE@ إلى ~~قوله @QB@ لمسكم فيما أخذتم @QE@ من الفداء ثم أحل لهم الغنائم فأخبر في ~~هذين الخبرين أن الغنائم أحلت بعد وقعه بدر وهذا مرتب على قوله تعالى @QB@ ~~قل الأنفال لله والرسول @QE@ وأنها إنما كانت موكلة إلى رأي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهذه الآية أول آية أبيحت بها الغنائم على جهة ms1767 تخيير النبي صلى ~~الله عليه وسلم في إعطائها من رأى ثم نزل قوله تعالى @QB@ واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ وقوله تعالى @QB@ فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا @QE@ وأنه فداء الأسارى كان بعد نزول قوله تعالى @QB@ قل الأنفال لله ~~والرسول @QE@ وإنما كان النكير عليهم في أخذ الفداء من الأسرى بديا ولا ~~دلالة فيه على أن الغنائم لم تكن قد أحلت قبل ذلك على الوجه الذي جعلت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه جائز أن تكون الغنائم مباحة وفداء الأسرى ~~محظورا وكذلك يقول أبو حنيفة إنه لا تجوز مفاداة أسرى المشركين ويدل على أن ~~الجيش لم يكونوا استحقوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر إلا بجعل النبي ذلك ~~لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس غنائم بدر ولم يبين سهام الفارس ~~والراجل إلى أن نزل قوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه @QE@ فجعل بهذه الآية أربعة أخماس الغنيمة للغانمين والخمس للوجوه ~~المذكورة ونسخ به ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنفال إلا ما كان ~~شرطه قبل إحراز الغنمية نحو أن يقول من أصاب شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله ~~سلبه لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء @QE@ إذ ~~لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله وقد اختلف في النفل بعد إحراز ~~الغنيمة PageV04P230 # | ذكر الخلاف فيه # قال أصحابنا والثوري لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول من قتل ~~قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له وقال الأوزاعي في رسول الله أسوة حسنة ~~كان ينفل في البدأ الربع وفي الرجعة الثلث وقال مالك والشافعي يجوز أن ينفل ~~بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد قال الشيخ ولا خلاف في جواز النفل قبل ~~إحراز الغنيمة نحو أن يقول من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه وقد ~~روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي ~~رجعته الثلث بعد الخمس ms1768 فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء ~~عليه وأما قوله في الرجعة الثلث فإنه يحتمل وجهين أحدهما ما يصيب السرية في ~~الرجعة بأن يقول لهم ما أصبتم من شيء فلكم الثلث بعد الخمس ومعلوم أن ذلك ~~بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ~~شيء بعينه لم يبين كيفيته وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في ~~الرجعة وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة لأن في الرجعة يحتاج ~~إلى حفظ الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال ~~لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم والوجه الآخر أنه جائز أن يكون ذلك ~~بعد إحراز الغنيمة وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فجعلها لمن شاء منهم وذلك منسوخ بما ذكرنا فإن قيل ذكر في ~~حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله @QB@ ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ قيل له لا دلالة فيه على ما ~~ذكرت لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى ~~@QB@ فأن لله خمسه @QE@ وجائز أن يكون على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين ~~الثلث والنصف ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراض به ~~على ظاهر قوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ إذ ~~كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاه إيجاب الخمس ~~لأهله المذكورين فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية ~~فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله ~~تخصيص الآية وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا يحيى عن عبيدالله قال حدثني نافع عن عبدالله بن عمر قال بعثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سرية فبلغت سهامنا اثني PageV04P231 عشر بعيرا ~~ونفلنا رسول الله صلى الله ms1769 عليه وسلم بعيرا بعيرا فبين في هذا الحديث سهمان ~~الجيش وأخبر أن النفل لم يكن من جملة الغنيمة وإنما كان بعد السهمان وذلك ~~من الخمس ويدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز إلا من الخمس ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الوليد بن عتبة قال حدثنا ~~الوليد قال حدثنا عبدالله بن العلاء أنه سمع أبا سلام ابن الأسود يقول قال ~~سمعت عمرو بن عبسة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من ~~المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال ولا يحل لي من غنائمكم مثل ~~هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن جائز ~~التصرف إلا في الخمس من الغنائم وإن الأربعة الأخماس للغانمين وفي ذلك دليل ~~على أن ما أحرز من الغنيمة فهو لأهلها لا يجوز التنفيل منه وفي هذا الحديث ~~دليل على أن ما لا قيمة له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخرق ~~التي يرمى بها يجوز للإنسان أن يأخذه وينفله لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذ وبرة من جنب بعير من المغنم وقال لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا يعني في ~~أن يأخذه لنفسه وينتفع به أو يجعله لغيره دون جماعتهم إذ لم تكن لتلك ~~الوبرة قيمة فإن قيل فقد قال لا يحل لي مثل هذا قيل له إنما أراد مثل هذا ~~فيما يتمانعه الناس لا ذاك بعينه لأنه قد أخذه ويدل على ما ذكرنا ما رواه ~~ابن المبارك قال حدثنا خالد الحذاء عن عبدالله بن شقيق عن رجل من بلقين ذكر ~~قصة قال قلنا يا رسول الله ما تقول في هذا المال قال خمسه لله وأربعة ~~أخماسه للجيش قال قلت هل أحق أحد به من أحد قال لو انتزعت سهمك من جنبك لم ~~تكن بأحق به من أخيك المسلم وروى أبو عاصم النبيل عن وهب أبي خالد الحمصي ~~قال حدثتني أم حبيبة ms1770 عن أبيها العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ وبرة فقال مالي فيكم هذه مالي فيه إلا الخمس فأدوا الخيط والمخيط ~~فإنه عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده ذكر غنائم هوازن وقال ثم دنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا ~~الفيء شيء ولا هذا ورفع أصبعيه إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط ~~والمخيط فقام رجل في يده كبة من شعر فقال أخذت هذه لأصلح بها بردة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لك فقال ~~أماذا بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها ونبذها PageV04P232 فهذه الأخبار موافقة ~~لظاهر الكتاب فهو أولى مما يخالفه من حديث حبيب بن مسلمة مع احتمال حديثه ~~للتأويل الذي وصفناه وجمعنا يمنع أن يكون في الأربعة الأخماس حق لغير ~~الغانمين ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه لا حق له فيها وروى محمد ~~بن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيدالله بن أبي بكرة في غزاة فأصابوا سبيا ~~فأراد عبيدالله أن يعطي أنسا من السبي قبل أن يقسم فقال أنس لا ولكن أقسم ~~ثم أعطي من الخمس فقال عبيدالله لا إلا من جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل ~~وأبى عبيدالله أن يعطيه من الخمس وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~إبراهيم بن عبدالله حدثنا حجاج حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن سعيد بن ~~المسيب أنه قال لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أيده الله ~~يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت له ~~الأنفال ثم نسخ بآية القسمة وهذا مما يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضي ~~أن ms1771 لا يكون لأحد نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم في عموم الأحوال إلا أنه ~~قد قامت الدلالة في أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه أنه يصير ذلك ~~له بالاتفاق فخصصناه وبقي الباقي على مقتضاه في انه إذا لم يقل ذلك الإمام ~~فلا شيء له وقد روي عن سعيد بن المسيب قال كان الناس يعطون النفل من الخمس ~~فإن قيل قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين صناديد العرب ~~عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبي سفيان بن ~~حرب وصفوان بن أمية ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه من الغنيمة وسهمه من ~~الخمس إذ لم يكن يتسع لهذه العطايا لأنه أعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم مائة ~~من الإبل ولم يكن ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه لأنها للفقراء ولم ~~يكونوا هؤلاء فقراء فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة ولما لم يستأذنهم فيه ~~دل على أنه أعطاهم على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل قيل له إن هؤلاء ~~القوم كانوا من المؤلفة قلوبهم وقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهما من ~~الصدقات وسبيل الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء كالصدقات المصروفة ~~إليهم فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من جملة الخمس كما ~~يعطيهم من الصدقات # وقد اختلف في سلب القتيل فقال أصحابنا ومالك والثوري السلب من غنيمة ~~الجيش إلا أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه وقال الأوزاعي والليث ~~والشافعي السلب للقاتل وإن لم يقل الأمير قال الشيخ أيده الله قوله عز وجل ~~@QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء @QE@ PageV04P233 يقتضي وجوب الغنيمة ~~لجماعة الغانمين فغير جائز لأحد منهم الاختصاص بشيء منها دون غيره فإن قيل ~~ينبغي أن يدل على أن السلب غنيمة قيل له @QB@ غنمتم @QE@ هي التي جازوها ~~باجتماعهم وتوازرهم على القتال وأخذ الغنيمة فلما كان قتله لهذا القتيل ~~وأخذه سلبه بتظافر الجماعة وجب أن يكون غنيمة ويدل عليه أنه ms1772 لو أخذ سلبه من ~~غير قتل لكان غنيمة إذ لم يصل إلى أخذه إلا بقوتهم وكذلك من لم يقاتل وكان ~~قائما في الصف ردأ لهم مستحق الغنيمة ويصير غانما لأن بظهره ومعاضته حصلت ~~وأخذت وإذا كان كذلك وجب أن يكون السلب غنيمة فيكون كسائر الغنائم ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى @QB@ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا @QE@ والسلب مما ~~غنمه الجماعة فهو لهم ويدل على ذلك من جهة السنة ما حدثنا أحمد بن خالد ~~الجزوري حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمارة قالا ~~حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن قتادة بن أبي أمية قال ~~نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فبلغ حبيب بن مسلم أن صاحب قبرس قد ~~خرج يريد طريق أذربيجان معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج فخرج في جبل حتى ~~قتله في الدرب وجاء بما كان معه إلى أبي عبيدة فأراد أن يخمسه فقال حبيب يا ~~أبا عبيدة لا تحرمني رزقا رزقنيه الله فإن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~جعل السلب للقاتل فقال معاذ بن جبل مهلا يا حبيب إني سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول إنما للمرأ ما طابت به نفس إمامه فقوله صلى الله عليه وسلم ~~إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه يقتضي حظر ما لم تطب نفس إمامه ممن لم تطب ~~نفس إمامه لم يحل له السلب لا سيما وقد أخبر معاذ أن ذلك في شأن السلب فإن ~~قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو قتادة وطلحة وسمرة ~~بن جندب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل قتيلا فله سلبه ~~وروى سلمة بن الأكوع وابن عباس وعوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل وهذا يدل على معنيين أحدهما إنه يقتضي أن ~~يستحق القاتل السلب والثاني إنه فسر أن معنى قوله في حديث معاذ إنما للمرء ~~ما طابت به نفس ms1773 إمامه إن نفسه قد طابت للقاتل بذلك وهو إمام الأئمة قيل له ~~قوله صلى الله عليه وسلم ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه المفهوم منه ~~أميره الذي يلزمه طاعته وكذلك عقل معاذ وهو راوي ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولو أراد بذلك نفسه لقال إنما للمرء ما طابت به نفسي فهذا الذي ~~ذكره هذا السائل تأويل ساقط لا معنى له وأما الأخبار المروية في أن السلب ~~للقاتل فإنما PageV04P234 ذلك كلام خرج على الحال التي حض فيها للقتال وكان ~~يقول ذلك تحريضا لهم وتضرية على العدو كما روي أنه قال من أصاب شيئا فهو له ~~وكما حدثنا أحمد بن خالد الجزوري حدثنا محمد بن يحيى الدهاني حدثنا موسى بن ~~إسماعيل حدثنا غالب بن حجرة قال حدثتني أم عبدالله وهي ابنة الملقام بن ~~التلب عن أبيها عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى بمول فله ~~سلبه ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال في تلك الحرب خاصة إذ لا خلاف أنه ~~لا يستحق السلب بأخذه موليا كقوله يوم فتح مكة من دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ~~ويدل على أن السلب غير مستحق للقاتل إلا أن يكون قد قال الأمير من قتل ~~قتيلا فله سلبه ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن ~~حنبل قال حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير ~~بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة ~~مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين ~~جزورا فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ومضينا ~~فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب ~~فحمل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر ms1774 به الرومي فعرقب ~~فرسه وخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث ~~إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل فقال بلى ولكن استكثرته ~~فقلت لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن ~~يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه ~~قصة المددي وما فعل خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد ما ~~حملك على ما صنعت قال يا رسول الله استكثرته فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف فقلت دونك يا خالد ألم أف لك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك فأخبرته قال فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة ~~أمرهم وعليهم كدره حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن ~~حنبل قال حدثنا الوليد قال سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن ~~معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه فلما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم يا خالد لا ترد عليه دل ذلك على PageV04P235 أن السلب غير ~~مستحق للقاتل لأنه لو استحقه لما جاز أن يمنعه ودل ذلك على أن قوله بديا ~~ادفعه لم يكن على جهة الإيجاب وإنما كان على وجه النفل وجائز أن يكون ذلك ~~من الخمس ويدل عليه ما روى يوسف الماجشون قال حدثني صالح بن إبراهيم عن ~~أبيه عن عبدالرحمن بن عوف أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلا ~~أبا جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن ~~عمرو فلما قضى به لأحدهما مع إخباره أنهما قتلاه دل على أنهما لم يستحقاه ~~بالقتل ألا ترى أنه ms1775 لو قال من قتل قتيلا فله سلبه ثم قتله رجلان استحقا ~~السلب نصفين فلو كان القاتل مستحقا للسلب لوجب أن يكون لو وجد قتيل لا يعرف ~~قاتله أن لا يكون سلبه من جملة الغنيمة بل يكون لقطة لأن له مستحقا بعينه ~~فلما اتفق الجميع على أن سلب من لم يعرف قاتله في المعركة من جملة الغنمية ~~دل على أن القاتل لا يستحقه وقد قال الشافعي إن القاتل لا يستحق السلب في ~~الإدبار وإنما يستحقه في الإقبال فالأثر الوارد في السلب لم يفرق بين حال ~~الإقبال والإدبار فإن احتج بالخبر فقد خالفه وإن احتج بالنظر فالنظر يوجب ~~أن يكون غنيمة للجميع لاتفاقهم على أنه إذا قتله في حال الإدبار لم يستحقه ~~وكان غنيمة والمعنى الجامع بينهما أنه قتله بمعاونة الجميع ولم يتقدم من ~~الأمير قول في استحقاقه ويدل على أن القاتل إنما يستحقه إذا تقدم من الأمير ~~قول قبل إحراز الغنيمة أنه لو قال من قتل قتيلا فله سلبه ثم قتله مقبلا أو ~~مدبرا استحق سلبه ولم يختلف حال الإقبال والإدبار فلو كان السلب مستحقا ~~بنفس القتل لما اختلف حكمه في حال الإدبار والإقبال وقد روي عن عمر في قتيل ~~البراء بن مالك أنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ مالا ولا ~~أرانا إلا خامسيه واختلف في الأمير إذا قال من أصاب شيئا فهو له فقال ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي هو كما قال ولا خمس فيه وكره مالك أن يقول من ~~أصاب شيئا فهو له لأنه قتال يجعل وقال الشافعي يخمس ما اصابه إلا سلب ~~المقتول قال أبو بكر لما اتفقوا على جواز أن يقول من أصاب شيئا فهو له وأنه ~~يستحق وجب أن لا خمس فيه وأن لا يجوز قطع حقوق أهل الخمس عنه كما جاز قطع ~~حقوق سائر الغانمين عنه وأيضا فإن قوله من اصاب شيئا فهو له بمنزلة من قتل ~~قتيلا فله سلبه فلما لم يجب في السلب الخمس إذا قال الأمير ذلك كذلك سائر ~~الغنيمة ms1776 وأيضا فإن الله تعالى إنما أوجب الخمس فيما صار غنيمة لهم بقوله ~~تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ PageV04P236 وهذا ~~لم يصر غنيمة لهم لأن قول الأمير في ذلك جائز على الجيش فلما لم يصر غنيمة ~~لهم وجب أن لا خمس فيه واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن ~~الإمام فقال أصابنا ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة ولم ~~يحد محمد في المنعة شيئا وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس وقال ~~الثوري والشافعي يخمس ما أخذه والباقي له وقال الأوزاعي إن شاء الإمام ~~عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ما أصاب والباقي له قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ يقتضي أن يكون الغانمون جماعة ~~لأن حصول الغنيمة منهم شرط في الاستحقاق وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين @QE@ و @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر @QE@ في لزوم قتل الواحد على حياله وإن لم يكن معه جماعة إذا كان ~~مشتركا لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر بقتل الجماعة لا توجب اعتبار ~~الجميع إذ ليس فيه شرط وقوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم @QE@ فيه معنى ~~الشرط وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم فهو كقول القائل إن كلمت هؤلاء ~~الجماعة فعبدي حر إن شرط الحنث وجود الكلام للجماعة ولا يحنث بكلام بعضها ~~وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في ~~الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ولم تكن منهم حيازة الغنيمة وجب أن ~~يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة ~~التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن يكونوا فئة للغانمين ومن دخل دار ~~الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب ~~أن لا يستحق منه الخمس ولذلك قال أصحابنا في الركاز الموجود في دار الإسلام ~~لما كان الموضع مظهورا عليه بالإسلام وجب فيه الخمس ولو ms1777 وجده في دار الحرب ~~لم يجب فيه الخمس وإذا دخل الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم لأنه لما أذن ~~له في الدخول فقد تضمن نصرته وحياطته والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ~~ذلك فاستحق لهم الخمس وأما إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم ~~منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه @QE@ فهم في هذه الحال بمنزلة السرية والجيش لحصول المنعة لهم ~~ولتوجه الخطاب إليهم بإخراج الخمس من غنائمهم واختلف في المدد يلحق الجيش ~~في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة PageV04P237 فقال أصحابنا إذا غنموا في دار ~~الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار الإسلام فهم شركاء فيها وقال ~~مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي لا يشاركونهم قال أبو بكر الأصل في ~~ذلك عند أصحابنا أن الغنيمة إنما يثبت فيها الحق بالإحراز في دار الإسلام ~~ولا يملك إلا بالقسمة وحصولها في أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا ~~والدليل عليه أن الموضع الذي حصل فيه الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما ~~إذا لم يتفتتحوها ألا ترى أنهم لو خرجوا ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر ~~الموضع الذي صار فيه الأولون ملكا لهم وكان حكمه حكم غيره من بقاع أرض ~~الحرب والمعنى فيه أنهم لم يحرزوه في دار الإسلام فكذلك سائر ما يحصل في ~~أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام لم يثبت لهم فيه حق إلا بالحيازة في ~~دارنا فإذا لحقهم جيش آخر قبل الإحراز في دار الإسلام كان حكم ما أخذوه حكم ~~ما في أيدي أهل الحرب فيشترك الجميع فيه وأيضا قوله تعالى @QB@ واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء @QE@ يقتضي أن يكون غنيمة لجميعهم إذ بهم صار محرزا في ~~دار الإسلام ألا ترى أنهم ما داموا في دار الحرب فإنهم يحتاجون إلى معونة ~~هؤلاء في إحرازها كما لو لحقهم قبل أخذها شاركوهم ولو كان حصولها في أيديهم ~~يثبت لهم فيها حقا قبل إحرازها في دار الإسلام لوجب أن ms1778 يصير الموضع الذي ~~وطئه الجيش من دار الإسلام كما لو افتتحوها لصارت دارا للإسلام وفي اتفاق ~~الجميع على أن وطء الجيش لموضع في دار الحرب لا يجعله من دار الإسلام دلل ~~على أن الحق لا يثبت فيه إلا بالحيازة واحتج من لم يقسم للمدد بما روى ~~الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه بخيبر بعد ما فتحت وأن ~~حزم خيلهم الليف قال أبان أقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة فقلت لا ~~تقسم لهم شيئا يا نبي الله قال أبان أنت بهذا يا وبر نجد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إجلس يا أبان فلم يقسم لهم وهذا لا حجة فيه لأن خيبر صارت ~~دار الإسلام بظهور النبي صلى الله عليه وسلم عليها وهذا لا خلاف فيه وقد ~~قيل فيه وجه آخر وهو ما روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار ابن أبي ~~عمار عن أبي هريرة قال ما شهدت لرسول الله مغنما إلا قسم لي إلا خيبر فإنها ~~كانت لأهل الحديبية خاصة فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية ~~خاصة شهدوها أو لم يشهدوها دون من سواهم لأن الله تعالى كان وعدهم إياها ~~بقوله @QB@ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها @QE@ PageV04P238 بعد ~~قوله @QB@ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه @QE@ وقد روى أبو ~~بردة عن أبي موسى قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر ~~بثلاث فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا فذكر في هذا الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قسم لأبي موسى وأصحابه من غنائم خيبر ولم يشهدوا ~~الوقعة ولم يقسم فيها لأحد لم يشهد الوقعة وهذا يحتمل أن يكون لأنهم كانوا ~~من أهل الحديبية ويحتمل أن يكون بطيبة أنفس أهل الغنيمة كما ورى جثيم بن ~~عراك عن أبيه عن نفر من قومه ms1779 أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه قال ~~فقدمنا وقد خرج رسول الله فخرجنا من المدينة حتى قدمنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد افتتح خيبر فكلم الناس فأشركونا في سهامهم فليس في شيء ~~من هذه الأخبار دلالة على أن المدد إذا لحق بالجيش وهم في دار الحرب أنهم ~~لا يشركونهم في الغنيمة وقد روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن أهل البصرة ~~غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة وظهروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل ~~الكوفة وكان عمار على أهل الكوفة فقال رجل من بني عطارد أيها الأجدع تريد ~~أن تشاركنا في غنائمنا فقال جير إذ بي سبيت فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر ~~في ذلك أن الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا أيضا لا دلالة فيه على خلاف قولنا ~~لأن المسلمين ظهروا على نهاوند وصارت دار الإسلام إذ لم تبق للكفار هناك ~~فئة فإنما قال إن الغنيمة لمن شهد الوقعة منهم لأنهم لحقوهم بعد ما صارت ~~دار الإسلام ومع ذلك فقد رأى عمار ومن معه أن يشركوهم ورأى عمر أن لا ~~يشركوهم لأنهم لحقوه بعد حيازة الغنمية في دار الإسلام لأن الأرض صارت من ~~دار الإسلام # | باب سهمان الخيل # قال الله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ قال ~~أبو بكر ظاهره يقتضي المساواة بين الفارس والرجل وهو خطاب لجميع الغانمين ~~وقد شملهم هذا الاسم ألا ترى أن قوله تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك @QE@ قد عقل من ظاهره استحقاقهن للثلثين على المساواة ~~وكذلك من قال هذا العبد لهؤلاء إنه لهم بالمساواة ما لم يذكر التفضيل كذلك ~~مقتضى قوله تعالى @QB@ غنمتم @QE@ يقتضي أن يكونوا متساوين لأن قوله @QB@ ~~غنمتم @QE@ عبارة عن ملكهم له وقد اختلف في سهم الفارس PageV04P239 # | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم وقال أبو يوسف ومحمد وابن أبي ~~ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي للفارس ثلاثة أسهم وللراجل ~~سهم وروي ms1780 مثل قول أبي حنيفة عن المنذر بن أبي حمصة عامل عمر أنه جعل للفارس ~~سهمين وللراجل سهما فرضية عمر ومثله عن الحسن البصري وروى شريك عن أبي ~~إسحاق قال قدم قثم بن عباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا فقال اجعل ~~جائزتك أن أضرب لك بألف سهم فقال اضرب لي بسهم ولفرسي بسهم قال أبو بكر قد ~~بينا أن ظاهر الآية يقتضي المساواة بين الفارس والراجل فلما اتفق الجميع ~~على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا به للظاهر وبقي حكم اللفظ فيما عداه ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن غيلان العماني قال حدثنا محمد ~~بن الصباح الجرجرائي قال حدثنا عبدالله بن رجاء عن سفيان الثوري عن ~~عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~للفارس سهمين وللراجل سهما قال عبدالباقي لم يجئ به عن الثوري غير محمد بن ~~الصباح قال أبو بكر وقد حدثنا عبدالباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا ~~الحميدي قال حدثنا أبو أسامة عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وقد اختلف ~~حديث عبيدالله بن عمر في ذلك وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون أعطاه بديا ~~سهمين وهو المستحق ثم أعطاه في غنيمة أخرى ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد ~~على وجه النفل ومعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع المستحق وجائز أن ~~يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل كما ذكر ابن عمر في حديث قد قدمنا ذكر ~~سنده أنه كان في سرية قال فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا الحسن ~~بن الكميت الموصلي قال حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا عفيف بن سالم عن ~~عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم ~~يوم بدر للفارس سهمين ms1781 وللراجل سهما وهذا إن ثبت فلا حجة فيه لأبي حنيفة لأن ~~قسمة يوم بدر لم تكن مستحقة للجيش لأن الله تعالى جعل الأنفال للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وخيره في إعطائه من رأى ولو لم يعطهم شيئا لكان جائزا فلم ~~تكن قسمة الغنيمة مستحقة يومئذ وإنما وجبت بعد ذلك بقوله تعالى @QB@ ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ PageV04P240 ونسخ بهذا ~~الأنفال التي جعلها للرسول في جملة الغنيمة وقد روى مجمع بن جارية أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر فجعل للفارس سهمين وللراجل سهما وروى ~~ابن الفضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال قسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وهذا خلاف رواية مجمع ~~بن جارية وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو ~~المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على وجه النفل كما روى ~~سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في غزوة ذي قرد سهمين ~~سهم الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ وكما روي أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة ~~أسهم وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد ابن عبدالله بن ~~الزبير أن الزبير كان يضرب له في الغنم بأربعة أسهم وهذه الزيادة كانت على ~~وجه النفل تحريضا لهم على إيجاف الخيل كما كان ينفل سلب القتيل ويقول من ~~اصاب شيئا فهو له تحريضا على القتال فإن قيل لما اختلفت الأخبار كان خبر ~~الزائد أولى قيل له هذا ثبتت الزيادة كانت على وجه الاستحقاق فأما إذا ~~احتمل أن تكون على وجه النفل فلم تثبت هذه الزيادة مستحقة وأيضا فإن في ~~خبرنا اثبات زيادة لسهم الراجل لأنه كلما نقص نصيب الفارس زاد نصيب الراجل ~~ويدل على ما ذكرنا من طريق النظر أن الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا ~~يسهم له كسائر الآلات فتركنا القياس في السهم الواحد والباقي محمول على ~~القياس وعلى هذا ms1782 لو حضر الفرس دون الرجل لم يستحق شيئا ولو حضر الرجل دون ~~الفرس استحق فلما لم يجاوز بالرجل سهما واحدا كان الفرس به أولى وأيضا ~~الرجل آكد أمرا في استحقاق السهم من الفرس بدلالة أن الرجال وإن كثروا ~~استحقوا سهامهم ولو حضرت جماعة أفراس لرجل واحد لم يستحق إلا لفرس واحد ~~فلما كان الرجل آكد أمرا من الفرس ولم يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك ~~واختلف في البراذين فقال أصحابنا ومالك والثوري والشافعي البرذون والفرس ~~سواء وقال الأوزاعي كانت أئمة المسلمين فيما سلف لا يسهمون للبراذين حتى ~~هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد وقال الليث للهجين والبرذون سهم ~~واحد ولا يلحقان بالعراب قال أبو بكر قال الله تعالى @QB@ ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم @QE@ وقال @QB@ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~@QE@ وقال @QB@ والخيل والبغال والحمير @QE@ لعقل باسم PageV04P241 الخيل ~~في هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب فلما شملها اسم الخيل وجب أن ~~يستويا في السهمان ويدل عليه أن راكب البرذون يسمى فارسا كما يسمى به راكب ~~الفرس العربي فيما أجري عليهما اسم الفارس وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للفارس سهمان وللراجل سهم عم ذلك فارس البرذون كما عم فارس العراب وأيضا إن ~~كان من الخيل فواجب أن لا يختلف سهمه وسهم العربي وإن لم يكن من الخيل ~~فواجب أن لا يستحق شيئا فلما وافقنا الليث ومن قال بقوله إنه يسهم له دل ~~على أنه من الخيل وأنه لا فرق بينه وبين العربي وأيضا لا يختلف الفقهاء في ~~أنه بمنزلة الفرس العربي في جواز أكله وحظره على اختلافهم فيه فدل على ~~أنهما جنس واحد فصار فرق ما بينهما كفرق ما بين الذكر والأنثى والهزيل ~~والسمين والجواد وما دونه وأن اختلافهما في هذه الوجوه لم يوجب اختلاف ~~سهامهما وأيضا فإن الفرس العربي وإن أجرى من كان البرذون فإن البرذون أقوى ~~منه على حمل السلاح وايضا فإن الرجل العربي والعجمي لا يختلفان في حكم ~~السهام كذلك ms1783 الخيل العربي والعجمي وقال عبدالله بن دينار سألت سعيد بن ~~المسيب عن صدقة البراذين فقال سعيد وهل في الخيل من صدقة وعن الحسن أنه قال ~~البراذين بمنزلة الخيل وقال مكحول أول من قسم للبراذين خالد بن الوليد يوم ~~دمشق قسم للبراذين نصف سهمان الخيل لما رأى من جريها وقوتها فكان يعطي ~~البراذين سهما سهما وهذا حديث مقطوع وقد أخبر فيه أنه فعله من طريق الرأي ~~والاجتهاد لما رأى من قوتها فإذا ليس بتوقيف وقد روى إبراهيم بن محمد بن ~~المنتشر عن أبيه قال أغارت الخيل بالشام وعلى الناس رجل من همدان يقال له ~~المنذر بن أبي حمصة الوادعي فأدركت الخيل العراب من يومها وأدركت الكوادن ~~من الغد فقال لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك فكتب إلى عمر فيه فكتب عمر هبلت ~~الوادعي أمه لقد أذكرت به أمضوها على ما قال فاحتج من لم يسهم للبراذين ~~بذلك ولا دلالة في هذا الحديث على أن ذلك كان رأي عمر وإنما أجازه لأنه مما ~~يسوغ فيه الاجتهاد وقد حكم به أمير الجيش فأنفذه واختلف فيمن يغزو بأفراس ~~فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي لا يسهم إلا لفرس واحد وقال أبو يوسف ~~والثوري والأوزاعي والليث يسهم لفرسين والذي يدل على صحة القول الأول أنه ~~معلوم أن الجيش قد كانوا يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما ظهر ~~الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين وغيرها من PageV04P242 المغازي ولم يكن يخلو ~~الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر ولم ينقل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضرب لأكثر من فرس واحد وأيضا فإن الفرس آلة وكان القياس أن لا ~~يضرب له بسهم كسائر الآلات فلما ثبت بالسنة والاتفاق سهم الفرس الواحد ~~أثبتناه ولم نثبت الزيادة إلا بتوقيف إذ كان القياس يمنعه # | باب قسمة الخمس # قال الله تعالى @QB@ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل @QE@ واختلف السلف في كيفية قسمة الخمس في الأصل ~~فروى معاوية بن صالح عن علي ms1784 بن أبي طلحة عن ابن عباس قال كانت الغنيمة تقسم ~~على خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة فربع ~~لله والرسول ولذي القربى يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس ~~شيئا والربع الثاني لليتامى والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن ~~السبيل وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين وروى قتادة عن عكرمة مثله ~~وقال قتادة في قوله تعالى @QB@ فأن لله خمسه @QE@ قال يقسم الخمس على خمسة ~~أسهم لله وللرسول خمس ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم خمس ولليتامى خمس ~~وللمساكين خمس ولابن السبيل خمس وقال عطاء والشعبي خمس الله وخمس الرسول ~~واحد قال الشعبي هو مفتاح الكلام وروى سفيان عن قيس بن مسلم قال سألت الحسن ~~بن محمد بن الحنفية عن قوله عز وجل @QB@ فأن لله خمسه @QE@ قال هذا مفتاح ~~كلام ليس لله نصيب لله الدنيا والآخرة وقال يحيى بن الجزار @QB@ فأن لله ~~خمسه @QE@ قال لله كل شيء وإنما للنبي صلى الله عليه وسلم خمس الخمس وروى ~~أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة ~~وهو سهم بيت الله ثم يقسم ما بقي على خمسة فيكون للنبي صلى الله عليه وسلم ~~سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ولابن السبيل سهم والذي ~~جعله للكعبة هو السهم الذي لله تعالى وروى أبو يوسف عن أشعث بن سوار عن ~~الزبير عن جابر قال كان يحمل الخمس في سبيل الله تعالى ويعطى منه نائبة ~~القوم فلما كثر المال جعله في غير ذلك وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خمسة أسهم لله وللرسول سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين ~~سهم وابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم ~~PageV04P243 لليتامى والمساكين وابن ms1785 السبيل قال أبو بكر فاختلف السلف في ~~قسمة الخمس على هذه الوجوه قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أن ~~القسمة كانت على أربعة أسهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى كان واحدا ~~وأنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من الخمس شيئا وقال آخرون قوله ~~@QB@ لله @QE@ افتتاح كلام وهو مقسوم على خمسة وهو قول عطاء والشعبي وقتادة ~~وقال أبو العالية كان مقسوما على ستة أسهم لله سهم يجعل للكعبة ولكل واحد ~~من المسلمين في الآية سهم وأخبر ابن عباس في حديث الكلبي أن الخلفاء ~~الأربعة قسموه على ثلاثة وقال جابر بن عبدالله كان يحمل من الخمس في سبيل ~~الله ويعطى منه نائبة القوم ثم جعل في غير ذلك وقال محمد بن مسلمة وهو من ~~المتأخرين من أهل المدينة جعل الله الرأي في الخمس إلى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قسمة الغنيمة فنسخت الأنفال في ~~الأربعة الأخماس وترك الخمس على ما كان عليه موكولا إلى رأي النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكما قال @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم @QE@ ثم قال @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه @QE@ فذكر هذه الوجوه ثم قال ~~@QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه @QE@ فبين في آخره أنه موكول إلى رأي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك الخمس قال فيه أنه @QB@ لله وللرسول @QE@ يعني ~~قسمته موكولة إليه ثم بين الوجوه التي يقسم عليها على ما يرى ويختار ويدل ~~على ذلك حديث عبدالواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة قال حدثنا أبو الزبير ~~عن جابر أنه سئل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع بالخمس قال كان ~~يحمل منه في سبيل الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل والمعنى في ذلك أنه كان ~~يعطي منه المستحقين ولم يكن يقسمه أخماسا وأما قول من قال إن القسمة كانت ~~في الأصل على ستة وأن سهم ms1786 الله كان مصروفا إلى الكعبة فلا معنى له لأنه لو ~~كان ذلك ثابتا لورد النقل به متواترا ولكانت الخلفاء بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى الناس باستعمال ذلك فلما لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت ~~وأيضا فإن سهم الكعبة ليس بأولى بأن يكون منسوبا إلى الله تعالى من سائر ~~السهام المذكورة في الاية إذ كلها مصروف في وجوه القرب إلى الله عز وجل فدل ~~ذلك على أن قوله @QB@ فأن لله خمسه @QE@ غير مخصوص بسهم الكعبة فلما بطل ~~ذلك لم يخل المراد بذلك من أحد وجهين إما أن يكون مفتاحا للكلام على ما ~~حكيناه عن جماعة من السلف وعلى وجه تعليمنا التبرك بذكر الله وافتتاح ~~الأمور باسمه أو أن PageV04P244 يكون معناه أن الخمس مصروف في وجوه القرب ~~إلى الله تعالى ثم بين تلك الوجوه فقال @QB@ وللرسول ولذي القربى @QE@ ~~الآية فأجمل بديا حكم الخمس ثم فسر الوجوه التي أجملها فإن قيل لو أراد ما ~~قلت لقال @QB@ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى @QE@ ولم يكن يدخل الواو ~~بين اسم الله تعالى واسم رسول الله قيل له لا يجب ذلك من قبل أنه جائز في ~~اللغة إدخال الواو والمراد إلغاؤها كما قال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى ~~وهارون الفرقان وضياء @QE@ والواو ملغاة والفرقان ضياء وقال تعالى @QB@ ~~فلما أسلما وتله للجبين @QE@ معناه لما أسلما تله للجبين لأن قوله @QB@ ~~فلما أسلما @QE@ يقتضي جوابا وجوابه تله للجبين وكما قال الشاعر % بل شيء ~~يوافق بعض شيء % وأحيانا وباطله كثير % # | ومعناه يوافق بعض شيء أحيانا والواو ملغاة وكما قال الآخر % فإن رشيدا ~~وابن مروان لم يكن % ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا % # ومعناه فإن رشيد بن مروان وقال الآخر % إلى الملك القرم وابن الهام % ~~وليث الكتيبة في المزدحم % # | والواو في هذه المواضع دخولها وخروجها سواء فثبت بما ذكرنا أن قوله ~~@QB@ فأن لله خمسه @QE@ على أحد المعنيين اللذين ذكرنا وجائز أن يكون جميعا ~~مرادين لاحتمال الآية لهما فينتظم تعليمنا افتتاح الأمور مذكر كالله تعالى ~~وأن الخمس مصروف في وجوه ms1787 القرب إلى الله تعالى فكان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم سهم من الخمس وكان له الصفي وسهم من الغنيمة كسهم رجل من الجند إذا ~~شهد القتال وروى أبو حمزة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~وفد عبدالقيس آمركم بأربع شهادة أن لا إله إلا الله وتقيموا الصلاة وتعطوا ~~سهم الله من الغنائم والصفي واختلف السلف في سهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد موته فروى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن ابن محمد بن الحنفية قال ~~اختلف الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهم الرسول وسهم ذي ~~القربى فقالت طائفة سهم الرسول للخليفة من بعده وقالت طائفة سهم ذي القربى ~~لقرابة الخليفة وأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في ~~سبيل الله قال أبو بكر سهم النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان له ما دام ~~حيا فلما توفي سقط سهمه كما سقط الصفي بموته فرجع سهمه إلى جملة الغنيمة ~~كما رجع إليها ولم يعد للنوائب واختلف في سهم ذوي القربى فقال أبو حنيفة في ~~الجامع الصغير يقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين PageV04P245 ~~وابن السبيل وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال خمس الله ~~والرسول واحد وخمس ذوي القربى لكل صنف سماه الله تعالى في هذه الآية خمس ~~الخمس وقال الثوري سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس هو خمس الخمس وما ~~بقي فللطبقات التي سمى الله تعالى وقال مالك يعطى من الخمس أقرباء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى ويجتهد قال الأوزاعي خمس الغنيمة لمن ~~سمي في الآية وقال الشافعي يقسم سهم ذوي القربى بين غنيهم وفقيرهم قال أبو ~~بكر قوله تعالى @QB@ ولذي القربى @QE@ لفظ مجمل مفتقر إلى البيان وليس ~~بعموم وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم دون ~~غيره من الناس ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس فصار اللفظ مجملا ms1788 ~~مفتقرا إلى الببيان وقد اتفق السلف على أنه قد أريد أقرباء النبي صلى الله ~~عليه وسلم فمنهم من قال إن المستحقين لسهم الخمس من الأقرباء هم الذين كانت ~~لهم نصرة وأن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة والنصرة وأن من ليس ~~نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء ويستدلون ~~على ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا ~~وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم بمكانك الذي وضعك ~~الله فيهم أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وإنما هم ونحن منك بمنزلة فقال ~~صلى الله عليه وسلم إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنوا هاشم ~~وبنوا المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه فهذا يدل من وجهين على أنه غير ~~مستحق بالقرابة فحسب أحدهما أن بني المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي ~~صلى الله عليه وسلم سواء فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولو كان ~~مستحقا بالقرابة لساوى بينهم والثاني أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى وفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب فلما ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم النصرة مع القرابة دل على أن ذلك مراد الله تعالى فمن لم يكن له ~~منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر وأيضا فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه ~~لا يستحق إلا بالفقر وقال محمد بن إسحاق سألت محمد بن علي فقلت ما فعل علي ~~رضي الله عنه بسهم ذوي القربى حين ولي فقال سلك به سبيل أبي بكر وعمر وكره ~~أن يدعي عليه خلافهما قال أبو بكر لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به لأنه قد ~~خالفهما في أشياء مثل الجد والتسوية في العطايا وأشياء أخر فثبت أن رأيه ms1789 ~~ورأيهما كان سواء في PageV04P246 أن سهم ذوي القربى إنما يستحقه الفقراء ~~منهم ولما أجمع الخلفاء الأربعة عليه ثبتت حجته بإجماعهم لقوله صلى الله ~~عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وفي حديث يزيد بن ~~هرمز عن ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة الحروري حين سأله عن سهم ذي القربى ~~فقال كنا نرى أنه لنا فدعانا عمر إلى أن نزوج منه أيمنا ونقضي منه عن ~~مغرمنا فأبينا أن لا يسلمه لنا وأبى ذلك علينا قومنا وفي بعض الألفاظ فأبى ~~ذلك علينا بنو عمنا فأخبر أن قومه وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوه ~~لفقرائهم دون أغنيائهم وقول ابن عباس كنا نرى أنه لنا إخبار أنه قال من ~~طريق الرأي ولا حظ للرأي مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء الأربعة ~~ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه حديث الزهري عن عبدالله بن ~~الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه والفضل بن العباس قالا يا ~~رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما ~~يؤدي العمال ونصيب ما يصيبون فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لا ~~تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ثم أمر محمية أن يصدقهما من الخمس وهذا ~~يدل على أن ذلك مستحق بالفقر إذ كان إنما اقتضى لهما على مقدار الصداق الذي ~~احتاجا إليه للتزويج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة ويدل على أن الخمس ~~غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأي الإمام قوله صلى الله عليه ~~وسلم مالي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود فيكم ولم يخصص القرابة بشيء ~~منه دون غيرهم دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار ~~الكفاية وسد الخلة ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم يذهب كسرى فلا كسرى ~~بعده أبدا ويذهب قيصر فلا قيصر بعده أبدا والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما ~~في سبيل الله فأخبر أنه ينفق في سبيل ms1790 الله ولم يخصص به قوما من قوم ويدل ~~على أنه كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى المؤلفة ~~قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخمس فدل على ما ذكرنا ويدل عليه أن كل من سمي ~~في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم اليتامى وابن السبيل فكذلك ذو القربى ~~لأنه سهم من الخمس ويدل عليه أنه لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ~~ما حرم عليهم منها فوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم ~~هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير فإن قيل موالي بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ~~ولم يدخلوا في استحقاق السهم من الخمس قيل له هذا غلط لأن موالي بني هاشم ~~لهم سهم من الخمس إذ PageV04P247 كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم فإن ~~قيل إذا كانت قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحقون سهمهم بالفقر ~~والحاجة فما وجه تخصيصه إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين قيل له ~~كما خص اليتامى وابن السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر وأيضا لما سمى ~~الله الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال @QB@ إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين @QE@ الآية ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدقة ~~لا تحل لآل محمد فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاؤهم ~~منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه ~~بخلاف سبيلهم في الصدقات فإن قيل قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العباس ~~من الخمس وكان ذا يسار فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم قيل له الجواب ~~عن هذا من وجهين أحدهما أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة لقوله صلى ~~الله عليه وسلم إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام فاستوى فيه الفقير ~~والغني لتساويهم في النصرة والقرابة والثاني أنه جائز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما أعطى العباس لتفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه ms1791 لنفسه ~~وقد اختلف في ذوي القربى من هم فقال أصحابنا قرابة النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة هم ذو قراباته وآله وهم آل جعفر وآل عقيل ~~وولد الحارث بن عبدالمطلب وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم وقال آخرون بنو ~~المطلب داخلون فيهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من الخمس وقال ~~بعضهم قريش كلها من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم الذين لهم سهم من ~~الخمس إلا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من رأى منهم قال أبو بكر ~~أما من ذكرناهم فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ذوو أقربائه وأما بنو المطلب فهم ~~وبنو عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وسلم سواء فإن وجب أن يدخلوا ~~في القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة فواجب أن يكون بنو عبد شمس مثلهم ~~لمساواتهم إياهم في الدرجة فأما إعطائهم الخمس فإنما خص هؤلاء به دون بني ~~عبد شمس بالنصرة لأنه قال لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وأما الصدقة فلم ~~يتعلق بتحريمها بالنصرة عند جميع الفقهاء فثبت أن بني المطلب ليسوا من آل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذين تحرم الصدقة عليهم كبني عبد شمس وموالي بني ~~هاشم تحرم عليهم الصدقة ولا قرابة لهم ولا يستحقون من الخمس شيئا بالقرابة ~~وقد سألته فاطمة رضي الله عنها خادما من الخمس فوكلها إلى التكبير والتحميد ~~ولم يعطها فإن قيل إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوي قرباه لأنها أقرب إليه ~~من ذوي قرباه قيل له فقد خاطب عليا بمثل ذلك وهو من ذوي القربى وقال لبعض ~~بنات عمه حين ذهبت مع فاطمة PageV04P248 إليه تستخدمه سبقكن يتامى بدر وفي ~~يتامى بدر من لم يكن من بني هاشم لأن أكثرهم من الأنصار ولو استحقتا ~~بالقرابة شيئا لا يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى ~~غيرهما وفي هذا دليل على معنيين أحدهما أن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا ~~إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم ms1792 في أن يعطيه من شاء منهم والثاني أن ~~إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلق له بتحريم الصدقة وأما من قال أن قرابة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قريش كلها فإنه يحتج لذلك بأنه لما نزلت @QB@ ~~وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بني فهر يا ~~بني عدي يا بني فلان لبطون قريش غني نذير لكم بين يدي عذاب شديد وروي عنه ~~أنه قال يا بني كعب بن لؤي وأنه قال يا بني هاشم يا بني قصي يا بني عبد ~~مناف وروي عنه أنه قال لعلي اجمع لي بني هاشم وهم أربعون رجلا قالوا فلما ~~ثبت أن قريشا كلها من أقربائه وكان إعطاء السهم من الخمس موكولا إلى رأي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه من كان له منهم نصرة دون غيرهم قال أبو بكر ~~اسم القرابة واقع على هؤلاء كلهم لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عند ~~نزول قوله تعالى @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ فثبت بذلك أن الاسم ~~يتناول الجميع فقد تعلق بذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم أحكام ثلاثة ~~أحدها استحقاق سهم من الخمس بقوله تعالى @QB@ وللرسول ولذي القربى @QE@ وهم ~~الفقراء منهم على الشرائط التي قدمنا ذكرها عن المختلفين فيها والثاني ~~تحريم الصدقة عليهم وهم آل على وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر وولد الحارث ~~بن عبدالمطلب وهؤلاء هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حظ لبني ~~المطلب في هذا الحكم لأنهم ليسوا أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولو ~~كانوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لكانت بنو أمية من أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن آله ولا خلاف أنهم ليسوا كذلك فكذلك بنو ~~المطلب لمساواتهم إياه في نسبهم من النبي صلى الله عليه وسلم والثالث تخصيص ~~الله تعالى لنبيه بإنذار عشيرته الأقربين فانتظم ذلك بطون قريش كلها على ما ~~ورد به الأثر في إنذاره إياهم عند نزول الآية وإنما خص عشيرته الأقربين ~~بالإنذار لأنه أبلغ ms1793 عند نزول الآية في الدعاء إلى الدين وأقرب إلى نفي ~~المحاباة والمداهنة في الدعاء إلى الله عز وجل لأن سائر الناس إذا علموا ~~انه لم يحتمل عشيرته على عبادة غير الله وأنذرهم ونهاهم أنه أولى بذلك منهم ~~إذ لو جازت المحاباة في ذلك لأحد لكانت أقرباؤه أولى الناس بها وقوله تعالى ~~@QB@ واليتامى @QE@ فإن حقيقة اليتم هو الانفراد ومنه الرابية المنفردة ~~تسمى يتيمة والمرأة المنفردة عن الأزواج تسمى يتيمة إلا أنه قد اختص في ~~الناس PageV04P249 بالصغير الذي قد مات أبوه وهو يفيد الفقر مع ذلك ايضا ~~عند الإطلاق ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أن ~~الوصية جائزة لأنها للفقراء منهم ولا خلاف أنه قد أريد مع اليتم الفقر في ~~هذه الآية وأن الأغنياء من الأيتام لا حظ لهم فيه ويدل على أن اليتم اسم ~~يقع على الصغير الذي قد مات أبوه دون الكبير قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~يتم بعد حلم وقد قيل إن كل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإن يتمه من ~~قبل أبيه وقوله تعالى @QB@ وابن السبيل @QE@ فإنه المسافر المنقطع به ~~المحتاج إلى ما يتحمل به إلى بلده وإن كان له مال في بلده فهو بمنزلة ~~الفقير الذي لا مال له لأن المعنى في وجوب إعطائه حاجته إليه فلا فرق بين ~~من له مالا يصل إليه وبين من لا مال له وأما المسكين فقد اختلف فيه وسنذكره ~~في موضعه من آية الصدقات وفي اتفاق الجميع على أن ابن السبيل واليتيم إنما ~~يستحقان حقهما من الخمس بالحاجة دون الاسم دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه ~~إلى المساكين فإن قي إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر وذي القربى ~~قيل له فيه أعظم الفوائد وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم لما حرمت ~~عليهم الصدقة كان جائزا أن يظن ظان أن الخمس محرم عليهم كتحريمها إذ كان ~~سبيله صرفه إلى الفقراء فأبان الله تعالى بتسميتهم في الآية عن جواز ~~إعطائهم ms1794 من الخمس بالفقر ويلزم هذا السائل أن يعطي اليتامى وابن السبيل ~~بالاسم دون الحاجة عن قضيته بان لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن ~~السبيل واليتيم معنى وهما إنما يستحقانه بالفقر قوله تعالى @QB@ إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا @QE@ قيل أن الفئة هي الجماعة المنقطعة عن ~~غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته والمراد بالفئة ههنا جماعة من ~~الكفار فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم وهو قبل معنى قوله تعالى @QB@ إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار @QE@ الآية ومعناه مرتب على ما ذكر في ~~هذه من جواز التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة من المسلمين ليقاتل معهم ~~ومرتب أيضا على ما ذكر بعد هذا من قوله تعالى @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله @QE@ فإنما اهم مأمورون بالثبات لهم إذا كان العدو ~~مثلهم فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى فئة من المسلمين ~~يقاتلون معهم وقوله تعالى @QB@ واذكروا الله كثيرا @QE@ يحتمل وجهين أحدهما ~~ذكر الله تعالى باللسان والآخر الذكر بالقلب وذلك على وجهين أحدهما ذكر ~~PageV04P250 ثواب الصبر على الثبات لجهاد أعداء الله المشركين وذكر عقاب ~~الفرار والثاني ذكر دلائله ونعمه على عباده وما يستحقه عليهم من القيام ~~بفرضه في جهاد أعدائه وضروب هذه الأذكار كلها تعين على الصبر والثبات ~~ويستدعى بها النصر من الله والجرأة على العدو والاستهانة بهم وجائز أن يكون ~~المراد بالآية جميع الأذكار لشمول الاسم لجميعها وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما يوافقني معنى الآية ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا بشر ~~بن موسى قال حدثنا خلاد بن يحيى قال حدثنا سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن ~~زياد عن عبدالله بن زيد عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تمنوا لقاء العدو واسئلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا وإن أجلبوا أو ضخوا فعليكم بالصمت قوله تعالى ms1795 @QB@ ~~وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم @QE@ أمر الله تعالى ~~في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله ونهى بها عن الاختلاف والتنازع وأخبر أن ~~الاختلاف والتنازع يؤدي إلى الفشل وهو ضعف القلب من فزع يلحقه وأمر في آية ~~أخرى بطاعة ألاة الأمر لنفي الاختلاف والتنازع المؤديين إلى الفشل في قوله ~~@QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول @QE@ وقال في آية أخرى @QB@ ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم ولتنازعتم في الأمر @QE@ فأخبر تعالى أنه أراهم في منامهم قليلا ~~لئلا يتنازعوا إذا رأوهم كثيرا فيفشلوا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ولن يغلب اثني عشر الفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم فتضمنت هذه الآية ~~كلها النهي عن الاختلاف والتنازع وأخبر أن ذلك يؤدي إلى الفشل وإلى ذهاب ~~الدولة بقوله @QB@ وتذهب ريحكم @QE@ وقيل إن المعنى ريح النصر التي يبعثها ~~الله مع من ينصره على من يخذله وروى ذلك عن قتادة وقال أبو عبيدة تذهب ~~دولتهم من قولهم ذهبت ريحه أي ذهبت دولته قوله تعالى @QB@ فإما تثقفنهم في ~~الحرب فشرد بهم من خلفهم @QE@ تثقفنهم معناه تصادفهم وقال الحسن وقتادة ~~وسعيد بن جبير فشرد بهم من خلفهم إذا أسرتهم فنكل بهم تنكيلا تشرد غيرهم من ~~ناقضي العهد خوفا منك وقال غيرهم افعل بهم من القتل ما تفرق به من خلفهم عن ~~التعاون على قتالك ويشبه أن يكون ما أمر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ~~التنكيل بأهل الردة وإحراقهم بالنيران ورميهم من رؤس الجبال وطرحهم في ~~الآبار ذهب فيه إلى أن تأويل الآية في تشريد سائر المرتدين PageV04P251 عن ~~التعاون والاجتماع على قتال المسلمين قوله تعالى @QB@ وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء @QE@ الآية يعني والله أعلم إذا خفت غدرهم ~~وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين وفعلوا ذلك خفيا ولم يظهروا نقض العهد فانبذ ~~إليهم على سواء يعني ألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم من العهد والهدنة حتى ~~يستوي الجميع في معرفة ذلك وهو معنى قوله ms1796 @QB@ على سواء @QE@ لئلا يتوهموا ~~أنك نقضت العهد بنصب الحرب وقيل @QB@ على سواء @QE@ على عدل من قول الزاجر ~~% فاضرب وجوه الغدر للأعداء % حتى يجيبوك إلى السواء % # ومنه قيل للوسط سواء لاعتداله كما قال حسان % يا ويح أنصار النبي ورهطه % ~~بعد المغيب في سواء الملحدي % # | أي في وسطه وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة بعدالهدنة من غير ~~أن ينبذ إليهم لأنهم قد كانوا نقضوا العهد بمعاونتهم بني كنانة على قتل ~~خزاعة وكانت حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك جاء أبو سفيان إلى ~~المدينة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم تجديد العهد بينه وبين قريش فلم ~~يجبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ ~~إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وروي نحو معنى الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمروالنمري قال حدثنا شعبة عن أبي ~~الفيض عن سليم وقال غيره سليم بن عامر رجل من حمير قال كان بين معاوية وبين ~~الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على ~~فرس برزون وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا عمرو بن ~~عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ ~~إليهم على سواء فرجع معاوية وقوله تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل @QE@ أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح ~~والكراع قبل وقت القتال إرهابا للعدو والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا ~~لقتال المشركين وقد روي في القوة إنها الرمي حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني ~~عمرو بن الحارث عن أبي علي ms1797 ثمامة بن شفي الهمداني أنه سمع عقبة بن عامر ~~الجهني يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر PageV04P252 ~~يقول @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة @QE@ ألا إن القوة الرمي ألا إن ~~القوة الرمي ألا إن القوة الرمي وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~إسماعيل بن الفضل قال حدثنا فضل بن سحتب قال حدثنا ابن أبي أويس عن سليمان ~~بن بلال عن عمرو عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وكل لهو المؤمن باطل إلا ~~رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق وحدثنا محمد ~~ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبدالله بن ~~المبارك قال حدثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني أبو سلام عن خالد ~~بن زيد عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير ~~والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ليس من ~~اللهو ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومن ترك ~~الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا المغيرة بن عبدالرحمن قال ~~حدثنا عثمان بن عبدالرحمن قال حدثنا الجراح بن منهال عن ابن شهاب عن أبي ~~سليمان مولى أبي رافع عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~حق الولد على الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة والرمي ومعنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم ألا إن القوة الرمي أنه من معظم ما يجب إعداده من القوة على ~~قتال العدو ولم ينف به أن يكون غيره من القوة بل عموم اللفظ الشامل لجميع ~~ما يستعان به على العدو ومن سائر أنواع السلاح وآلات الحرب وقد حدثنا ~~عبدالباقي ms1798 قال حدثنا جعفر بن أبي القتيل قال حدثنا يحيى بن جعفر قال حدثنا ~~كثير بن هشام قال حدثنا عيسى بن إبراهيم الثمالي عن الحكم بن عمير قال ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نحفي الأظفار في الجهاد وقال إن ~~القوة في الأظفار وهذا يدل على أن جميع ما يقوي على العدو فهو مأمور ~~باستعداده وقال الله تعالى @QB@ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة @QE@ ~~فذمهم على ترك الاستعداد والتقدم قبل لقاء العدو وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ارتباط الخيل ما يواطئ معنى الآية وهو ما حدثنا عبدالباقي بن ~~نافع قال حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا ~~ابن وهب عن ابن لهيعة عن عبيد بن أبي حكيم الأزدي عن الحصين بن حرملة البري ~~عن أبي المصبح قال سمعت جابر بن عبدالله يقول قال PageV04P253 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة ~~وأصحابها معانون قلدوها ولا تقلدوها الأوتار قال أبو بكر بين في الخبر ~~الأول أن الخير هو الأجر والغنيمة وفي ذلك ما يوجب أن ارتباطها قربة إلى ~~الله تعالى فإذا أريد به الجهاد وهو يدل أيضا على بقاء الجهاد إلى يوم ~~القيامة إذ كان الأجر مستحقا بارتباطها للجهاد في سبيل الله عز وجل وقوله ~~صلى الله عليه وسلم ولا تقلدوها الأوتار قيل فيه معنيان أحدهما خشية ~~اختناقها بالوتر والثاني أن أهل الجاهلية كانوا إذا طلبوا بالأوتار والدخول ~~قلدوا خيلهم الأوتار يدلون بها على أنهم طالبون بالأوتار مجتهدون في قتل من ~~يطلبونهم بها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم الطلب بدخول الجاهلية ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ألا إن كل دم ومأثرة فهو موضوع ~~تحت قدمي هاتين وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث # باب الهدنة والموادعة $ # قال الله تعالى @QB@ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها @QE@ والجنوح الميل ومنه ~~يقال جنحت السفينة إذا مالت والسلم المسألة ومعنى الآية أنهم ms1799 إن مالوا إلى ~~المسالمة وهي طلب السلامة من الحرب فسالمهم واقبل ذلك منهم وإنما قال @QB@ ~~فاجنح لها @QE@ لأنه كناية عن المسالمة وقد اختلف في بقاء هذا الحكم فروى ~~سعيد ومعمر عن قتادة أنها منسوخة بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وروي عن الحسن مثله وروى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس @QB@ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها @QE@ قال نسختها ~~@QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ ~~وهم صاغرون @QE@ وقال آخرون لا نسخ فيها لأنها في موادعة أهل الكتاب وقوله ~~تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ في عبدة الأوثان قال أبو بكر قد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم عاهد حين قدم المدينة أصنافا من المشركين منهم ~~النضير وبنو قينقاع وقريظة وعاهد قبائل من المشركين ثم كانت بينه وبين قريش ~~هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة خلفاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك وذلك قبل أن يكثر أهل ~~الإسلام ويقوى أهله فلما كثر المسلمون وقوي الدين أمر بقتل مشركي العرب ولم ~~يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بقوله عز وجل @QB@ فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أن يعطوا الجزية بقوله ~~تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ إلى قوله ~~PageV04P254 @QB@ وهم صاغرون @QE@ ولم يختلفوا أن سورة براءة من أواخر ما ~~نزل من القرآن وكان نزولها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ~~الحج في السنة التاسعة من الهجرة وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر بين فيها ~~حكم الأنفال والغنائم والعهود والموادعات سورة براءة مستعمل على ما ورد وما ~~ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها فحكم حكم ثابت أيضا وإنما ~~اختلف حكم الآيتين لاختلاف الحالين فالحال التي أمر فيها بالمسألة هي حال ~~قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال ~~أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم وقد ~~قال ms1800 تعالى @QB@ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم @QE@ ~~فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم وكذلك قال أصحابنا إذا ~~قدر بعض أهل الثغور على قتال العدو ومقاومتهم لم تجز لهم مسالمتهم ولا يجوز ~~لهم إقرارهم على الكفر إلا بالجزية وإن ضعفوا عن قتالهم جاز لهم مسالمتهم ~~كما سالم النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من أصناف الكفار وهادنهم على وضع ~~الحرب بينهم من غير جزية أخذها منهم قالوا فإن قووا بعد ذلك على قتالهم ~~نبذوا إليهم على سواء ثم قاتلوهم قالوا وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم ~~إلا بما يبذلونه لهم جاز لهم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان صالح ~~عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى لما شاور الأنصار ~~قالوا يا رسول الله هو أمر أمرك الله به أم الرأي والمكيدة فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا بل هو رأي لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت ~~أن أدفعهم عنكم إلى يوم ما فقال السعدان بن عبادة وسعد بن معاذ والله يا ~~رسول الله إنهم لم يكونوا يطمعون فيها منا إلا قرى وشرى ونحن كفار فكيف وقد ~~أعزنا الله بالإسلام لا نعطيهم إلا بالسيف وشقاء الصحيفة فهذا يدل على أنهم ~~إذا خافوا المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن أنفسهم بالمال فهذه أحكام بعضها ~~ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة وهي مستعملة في الأحوال التي أمر الله تعالى ~~بها واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم فيها وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث ~~الحليف أنه حكم ثابت بقوله تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~@QE@ في حال عدم ذوي الأنساب وولاء العتاق فإذا كان هناك ذو نسب أو ولاء ~~عتاقة فهم أولى من الحليف كما أن الإبن أولى من الأخ ولم يخرج من أن يكون ~~من أهل الميراث قوله تعالى @QB@ وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم @QE@ الآية روي أنه أراد به PageV04P255 الأوس ms1801 ~~والخزرج وكانوا على غاية العداوة والبغضاء قبل الإسلام فألف الله بين ~~قلوبهم بالإسلام روي ذلك عن بشير بن ثابت الأنصاري وابن إسحاق والسدي وقال ~~مجاهد هو كل متحابين في الله قوله تعالى @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين @QE@ إلى آخر القصة حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ قال أمر الله تعالى الرجل من ~~المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك عليهم فرحمهم فقال @QB@ فإن يكن ~~منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين @QE@ وحدثنا ~~جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن ~~إبراهيم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال ايما رجل فر من ثلاثة فلم ~~يفر ومن فر من اثنين فقد فر وإنما عنى ابن عباس ما ذكر في هذه الآية وكان ~~الفرض في أول الإسلام على الواحد قتال العشرة من الكفار لصحة بصائر ~~المؤمنين في ذلك الوقت وصدق يقينهم ثم لما أسلم قوم آخرون خالطهم من لم يكن ~~لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن الجميع وأجراهم مجرى واحدا ففرض على الواحد ~~مقاومة الاثنين قوله تعالى @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ ~~لم يرد به ضعف القوى والأبدان وإنما المراد ضعف النية لمحاربة المشركين ~~فجعل فرض الجميع فرض ضعفائهم وقال عبدالله بن مسعود ما ظننت أن أحدا من ~~المسلمين يريد بقتاله غير الله حتى أنزل الله تعالى @QB@ منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة @QE@ فكان الأولون على مثل هذه النيات فلما ~~خالطهم من يريد الدنيا بقتاله سوى بين الجميع في الفرض وفي هذه الآية دلالة ~~على بطلان من أبى وجود النسخ في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ~~قائله معتقدا بقوله لأنه قال ms1802 تعالى @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين @QE@ والتخفيف لا يكون إلا ~~بزوال بعض الفرض أو النفل عنه إلى ما هو أخف منه فثبت بذلك أن الآية ~~الثانية ناسخة للفرض الأول وزعم القائل بما ذكرنا من إنكار النسخ لأنه ليس ~~في الآية أمر وإنما فيه الوعد بشريطة فمتى وفى بالشرط أنجز الوعد وإنما كلف ~~كل قوم من الصبر على قدر استطاعتهم فكان على الأولين ما ذكر من مقاومة ~~العشرين للمائتين والآخرون لم يكن لهم من نفاذ البصيرة مثل ما للأولين ~~فكلفوا مقاومة الواحد للإثنين PageV04P256 والمائة للمائتين قال ومقاومة ~~العشرين للمائتين غير مفروضة وكذلك المائة للمائتين وإنما الصبر مفروض على ~~قدر الإمكان والناس مختلفون في ذلك على مقادير استطاعتهم فليس في الآية نسخ ~~كما زعم قال أبو بكر هذا كلام شديد الاختلال والتناقض خارج عن قول الأمة ~~سلفها وخلفها وذلك لأنه لا يختلف أهل النقل والمفسرون في أن الفرض كان في ~~أول الإسلام مقاومة الواحد للعشرة ومعلوم أيضا أن قوله تعالى @QB@ إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ وإن كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر ~~كقوله تعالى @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن @QE@ وقوله تعالى @QB@ والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن @QE@ وليس هو إخبار بوقوع ذلك وإنما هو أمر بأن لا يفر ~~الواحد من العشرة ولو كان هذا خبرا لما كان لقوله @QB@ الآن خفف الله عنكم ~~@QE@ معنى لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به لا في المخبر عنه ومعلوم ~~أيضا أن القوم الذين كانوا مأمورين بأن يقاوم الواحد منهم عشرة من المشركين ~~داخلون في قوله @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ فلا محالة ~~قد وقع النسخ عنهم فيما كانوا تعبدوا به من ذلك ولم يكن أولئك القوم قد ~~نقصت بصائرهم ولقل صبرهم وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم ~~وهم المعنيون بقوله تعالى @QB@ وعلم أن فيكم @QE@ ضعفا فبطل بذلك قول هذا ~~القائل بما وصفنا وقد اقر هذا القائل أن بعض التكليف قد زال منهم بالآية ms1803 ~~الثانية وهذا هو معنى النسخ والله أعلم بالصواب # | باب الأسارى # قال الله تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض @QE@ ~~حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~أبو نوح قال أخبرنا عكرمة ابن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن ~~عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم الفداء فأنزل الله تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى @QE@ ~~إلى قوله @QB@ لمسكم فيما أخذتم @QE@ من الفداء ثم أحل الله الغنائم وحدثنا ~~عبدالباقي ابن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبدالله بن صالح قال ~~حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم بدر تعجل ~~ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~تحل الغنائم لقوم سود الرؤس قبلكم كان النبي PageV04P257 إذا غنم هو ~~وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من السماء نار فتأكلها فأنزل الله تعالى @QB@ ~~لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا @QE@ وروي فيه وجه آخر وهو ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي ~~عبيدة عن عبدالله قال شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر ~~فأشار أبو بكر بالاستبقاء وأشار عمر بالقتل وأشار عبدالله بن رواحة ~~بالإحراق فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين ~~قال @QB@ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم @QE@ ومثل عيسى إذ ~~قال @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك @QE@ الآية ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا ومثل موسى إذ قال @QB@ ربنا اطمس على ~~أموالهم @QE@ الآية أنتم عالة فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ~~فقال ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإنه ذكر الإسلام فسكت ثم قال إلا سهيل ~~بن بيضاء فأنزل الله تعالى ms1804 @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض @QE@ إلى آخر الآيتين وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استشار أبا بكر وعمر وعليا في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر ~~بالقتل فهوى رسو الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوى ما قال ~~عمر فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو ~~بكر قاعدان يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ~~فقال أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من ~~هذه الشجرة شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى @QB@ ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى @QE@ إلى آخر القصة فذكر في حديث ابن عباس ~~المتقدم في الباب وحديث أبي هريرة أن قوله @QB@ لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ إنما نزل في أخذهم الغنائم وذكر في حديث ~~عبدالله بن مسعود وابن عباس الآخر أن الوعيد إنما كان في عرضهم الفداء على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشارتهم عليه به والأول أولى بمعنى الآية ~~لقوله تعالى @QB@ لمسكم فيما أخذتم @QE@ ولم يقل فيما عرضتم وأشرتم ومع ذلك ~~فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قوله قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومن الناس من يجيز ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طريق اجتهاد الرأي ويجوز أيضا أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم أباح لهم أخذ الفداء وكان ذلك معصية صغيرة فعاتبه الله ~~والمسلمين عليها وقد ذكر في الحديث الذي في صدر الباب أن الغنائم لم تحل ~~قبل نبينا لأحد وفي الآية ما يدل على ذلك PageV04P258 وهو قوله تعالى @QB@ ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض @QE@ فكان في شرائع ~~الأنبياء المتقدمين تحريم الغنائم وفي شريعة نبينا تحريمها حتى يثخن ms1805 في ~~الأرض واقتضى ظاهره إباحة الغنائم والأسرى بعد الإثخان وقد كانوا يوم بدر ~~مأمورين بقتل المشركين بقوله تعالى @QB@ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان @QE@ وقال تعالى في آية أخرى @QB@ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق @QE@ وكان الفرض في ذلك الوقت القتل ~~حتى إذا أثخن المشركون فحينئذ إباحة الفداء وكان أخذ الفداء قبل الإثخان ~~محظورا وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حازوا الغنائم يوم بدر ~~وأخذوا الأسرى وطلبوا منهم الفداء وكان ذلك من فعلهم غير موافق لحكم الله ~~تعالى فيهم في ذلك ولذلك عاتبهم عليه ولم يختلف نقلة السير ورواة المغازي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم الفداء بعد ذلك وأنه قال لا ينفلت ~~منهم إلا بفداء أو ضربة عنق وذلك يوجب أن يكون حظر أخذ الأسرى ومفاداتهم ~~المذكورة في هذه الآية وهو قوله تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~@QE@ منسوخا بقوله @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ~~@QE@ فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منهم الفداء فإن قيل كيف يجوز أن يكون ~~ذلك منسوخا وهو بعينه الذي كانت المعاتبة من الله للمسلمين وممتنع وقوع ~~الإباحة والحظر في شيء واحد قيل له إن أخذ الغنائم والأسرى وقع بديا على ~~وجه الحظر فلم يملكوا ما أخذوا ثم إن الله تعالى أباحها لهم وملكهم إياها ~~فالأخذ المباح ثانيا هو غير محظور أولا وقد اختلف في معنى قوله تعالى @QB@ ~~لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ فروى أبو زميل عن ~~ابن عباس قال سبقت لهم الرحمة قبل أن يعلموا المعصية وروي مثله عن الحسن ~~رواية وهذا يدل على أنهما رأيا ذلك معصية صغيرة وقد وعد الله غفرانها ~~باجتنابهم الكبائر وكتب لهم ذلك قبل عملهم للمعصية الصغيرة وروي عن الحسن ~~أيضا ومجاهد أن الله تعالى كان مطعما لهذه الأمة الغنيمة ففعلوا الذي فعلوا ~~قبل أن تحل لهم الغنيمة قال أبو بكر حكم الله تعالى بأنه ستحل لهم ms1806 الغنيمة ~~في المستقبل لا يزيل عنهم حكم الحظر قبل إحلالها ولا يخفف من عقابه فلا ~~يجوز أن يكون التأويل أن إزالة العقاب لأجل أنه كان في معلومه إباحة ~~الغنائم لهم بعده وروي عن الحسن أيضا وعن مجاهد قالا سبق من الله أن لا ~~يعذب قوما إلا بعد تقدمه ولم يكن تقدم إليهم فيها وهذا وجه صحيح وذلك لأنهم ~~لم يعلموا PageV04P259 بتحريم الغنائم على أمم الأنبياء المتقدمين وبقاء ~~هذا الحكم عليهم من شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم فاستباحوها على ظن منهم ~~أنها مباحة ولم يكن قد تقدم لهم من النبي صلى الله عليه وسلم قول في ~~تحريمها عليهم ولا أخبار منه إياهم بتحريمها على الأمم السالفة فلم يكن ~~خطؤهم في ذلك معصية يستحق عليها العقاب قوله تعالى @QB@ فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا @QE@ فيه إباحة الغنائم وقد كانت محظورة قبل ذلك وقد ذكرنا حديث ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم تحل ~~الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وأرسلت إلى الأحمر ~~والأبيض وأعطيت الشفاعة فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذين الخبرين أن ~~الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء وأممها قبله وقوله تعالى فكلوا مما غنمتم ~~قد اقتضى وقوع ملك الغنائم لهم إذا أخذوا وإن كان المذكور في لفظ الآية هو ~~الأكل وإنما خص الأكل بذلك لأنه معظم منافع الأملاك إذ به قوام الأبدان ~~وبقاء الحياة وأراد بذلك تمليك سائر وجوه منافعها وهو كما قال تعالى حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فخص اللحم بذلك والمراد جميع أجزائه لأنه ~~مبتغى منافعه ومعظمها في لحومه وكما قال تعالى إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فخص البيع بالحظر في تلك الحال ~~والمراد سائر ما يشغل عن الصلاة وكان ms1807 وجه تخصيصه أنه معظم منافع التصرف في ~~ذلك الوقت فإذا كان معظمه محظورا فما دونه أولى بذلك وذلك في مفهوم اللفظ ~~ومثله قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما فخص الأكل بالذكر ودل ~~به على حظر الأخذ والإتلاف من غير جهة الأكل فهذا حكم اللفظ إذا ورد في ~~مثله ولولا قيام الدلالة وكون المعنى معقولا من اللفظ على الوجه الذي ذكرنا ~~لما كانت إباحة الأكل موجبة للتمليك ولذلك قال أصحابنا فيمن أباح لرجل أكل ~~طعامه أنه ليس له أن يتملكه ولا يأخذه وإنما له الأكل فحسب ولكنه لما كان ~~في مفهوم خطاب الآية التمليك على الوجه الذي ذكرنا أوجب التمليك وقد قال ~~الله تعالى في آية أخرى اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فجعل ~~الأربعة الأخماس غنيمة لهم وذلك يقتضي التمليك وكذلك ظاهر قوله تعالى فكلوا ~~مما غنمتم لما أضاف الغنيمة إليهم فقد افاد تملكها إياهم PageV04P260 ~~بإطلاقه لفظ الغنيمة فيه ثم عطفه الأكل عليها لم ينف ما تضمنه من التمليك ~~كما لو قال كلوا مما ملكتم لم يكن إطلاق لفظ الأكل مانعا من صحة الملك ويدل ~~على ذلك دخول الفاء عليه كأنه قال قد ملكتكم ذلك فكلوا والغنيمة اسم لما ~~أخذ من أموال المشركين بقتال فيكون خمسه لله تعالى وأربعة أخماسه للغانمين ~~بقوله تعالى @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه @QE@ وأما الفيء ~~فهو كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال روي هذا الفرق ~~بينهما عن عطاء بن السائب وعن سفيان الثوري أيضا قال أبو بكر الفيء كل ما ~~صار من أموال المشركين إلى المسلمين بقتال أو بغير قتال إذ كان سبب أخذه ~~الكفر قال أصحابنا الجزية فيء والخراج وما يأخذه الإمام من العدو على وجه ~~الهدنة والموادعة فهو فيء أيضا وقال الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول الآية فقيل إن هذا فيما لم يوجف عليه المسلمون مثل ~~فدك وما أخذ من أهل نجران فكان للنبي ms1808 صلى الله عليه وسلم صرفه في هذه ~~الوجوه وقيل إن هذه كانت في الغنائم فنسخت بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وجائز عندنا أن لا تكون منسوخة وأن تكون آية الغنيمة ~~فيما أوجف عليه المسلمون بخيل أو ركاب وظهر عليهم بالقتال وآية الفيء التي ~~في الحشر فيما لم يوجف عليه المسلمون وأخذ منهم على وجه الموادعة والهدنة ~~كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل نجران وفدك وسائر ما أخذه منهم بغير ~~قتال والله أعلم بالصواب # | باب التوارث بالهجرة # قال الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا @QE@ الآية حدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيدة قال ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في ~~قوله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~الآية قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث ~~الأعرابي المهاجر فنسختها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ~~وروى عبدالرحمن بن عبدالله بن المسعودي عن القاسم قال آخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين الصحابة وآخى بين عبدالله بن مسعود والزبير بن العوام ~~أخوة يتوارثون بها PageV04P261 لأنهم هاجروا وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله ~~آية المواريث قال أبو بكر اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم ~~بالهجرة والأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم دون ~~الأرحام وأن ذلك مراد هذه الآية وأن قوله تعالى @QB@ أولئك بعضهم أولياء ~~بعض @QE@ قد أريد به إيجاب التوارث بينهم وأن قوله مالكم من ولايتهم من شيء ~~حتى يهاجروا قد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم وفي هذا ~~دلالة على أن إطلاق الموالاة يوجب التوارث وإن كان قد يختص به بعضهم دون ~~جميعهم على ms1809 حسب وجود الأسباب المؤكدة له كما أن النسب سبب يستحق به الميراث ~~وإن كان بعض ذوي الأنساب أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه وفي هذا دليل ~~على أن قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا موجب لإثبات ~~القود لسائر ورثته وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم من ~~مستحقي ميراثه ويدل أيضا على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث وأن ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي مثبت للولاية لجميع من كان من ~~أهل الميراث على حسب القرب وتأكيد السبب وأنه جائز للأم تزويج أولادها ~~الصغار إذ لم يكن لهم أب على ما يذهب إليه أبو حنيفة إذ كانت من أهل ~~الولاية في الميراث وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فقال لا هجرة بعد الفتح ولكن ~~جهاد ونية فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة وأثبت التوارث بالأنساب ~~بقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله @QE@ قال ~~الحسن كان المسلمون يتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فتوارثوا بالأرحام وروى الأوزاعي عن عبدة ~~عن مجاهد عن ابن عمر قال انقطعت الهجرة بعد الفتح وروى الأوزاعي أيضا عن ~~عطاء ابن أبي رباح عن عائشة مثله وزاد فيه ولكن جهاد ونية وإنما كانت ~~الهجرة إلى الله ورسوله والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه وقد أذاع ~~الله الإسلام وأفشاه فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث بالهجرة والمؤاخاة دون ~~الأنساب وقطع الميراث بين المهاجرين وبين من لم يهاجر واقتضى أيضا إيجاب ~~نصرة المؤمن الذي لم يهاجر إذا استنصر المهاجر على من لم يكن بينهم وبينه ~~عهد بقوله تعالى @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق @QE@ وقد روي في قوله تعالى مالكم من ولايتهم ~~PageV04P262 من شيء حتى يهاجروا ما قد بينا ذكره في نفي الميراث عن ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وقتادة في ms1810 آخرين وقيل إنه أراد نفي إيجاب النصرة فلم ~~تكن حينئذ على المهاجر نصرة ومن لم يهاجر إلا أن يستنصر فتكون عليه نصرته ~~إلا على من كان بينه وبينه عهد فلا ينقض عهده وليس يمتنع أن يكون نفي ~~الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفي التوارث والنصرة ثم نسخ نفي الميراث ~~بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو غير مهاجر وإسقاطه بالهجرة فحسب ~~ونسخ نفي إيجاب النصرة بقوله تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض @QE@ وقوله تعالى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض قال ابن عباس والسدي ~~يعني في الميراث وقال قتادة في النصرة والمعاونة وهو قول ابن إسحاق قال أبو ~~بكر لما كان قوله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ أولئك بعضهم أولياء بعض @QE@ موجبا لإثبات التوارث بالهجرة وكان قوله ~~تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ~~نافيا للميراث وجب أن يكون قوله تعالى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض موجبا ~~لإثبات التوارث بينهم لأن الولاية قد صارت عبارة عن إثبات التوارث بينهم ~~فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم ~~لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم ولم يفرق الآية بين أهل الملل بعد أن يكونوا ~~كفارا ويدل أيضا على إثبات ولاية الكفار على أولادهم الصغار لاقتضاء اللفظ ~~له في جواز النكاح والتصرف في المال في حال الصغر والجنون وقوله تعالى @QB@ ~~إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير @QE@ يعني والله أعلم إن تفعلوا ~~ما أمرتم به في هاتين الآيتين من إيجاب الموالاة والتناصر والتوارث بالأخوة ~~والهجرة ومن قطعها بترك الهجرة تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا مخرجه ~~مخرج الخبر ومعناه الأمر وذلك لأنه إذا لم يتول المؤمن الفاضل على ظاهر ~~حاله من الإيمان والفضل بما يدعو إلى مثل حاله ولم يتبرأ من الفاجر والضال ~~بما يصرف عن ضلاله وفجوره أدى ذلك إلى الفساد والفتنة قوله تعالى وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله نسخ به إيجاب التوارث بالهجرة والحلف ~~والموالاة ms1811 ولم يفرق فيه بين العصبات وغيرهم فهو حجة في إثبات ميراث ذوي ~~الأرحام الذين لا تسمية لهم ولا تعصيب وقد ذكرنا فيما سلف في سورة النساء ~~وذهب عبدالله بن مسعود إلى أن ذوي الأرحام أولى من مولى PageV04P263 ~~العتاقة واحتج فيه بظاهر الآية وليس هو كذلك عند سائر الصحابة وقد روي أن ~~ابنة حمزة أعتقت عبدا ومات وترك بنتا فجعل النبي صلى الله عليه وسلم نصف ~~ميراثه لإبنته ونصفه لإبنة حمزة بالولاية فجعلها عصبة والعصبة أولى ~~بالميراث من ذوي الأرحام وقال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة ~~النسب لا يباع ولا يوهب وقوله تعالى في كتاب الله قيل فيه وجهان أحدهما في ~~اللوح المحفوظ كما قال ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها والثاني في حكم الله تعالى # | سورة براءة # قال الله تعالى @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ~~@QE@ قال أبو بكر البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة وزوال الأمان ~~وقيل إن معناه هذه براءة من الله ورسوله ولذلك ارتفع وقيل هو ابتداء وخبره ~~الظرف في إلى فاقتضى قوله عز وجل براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم ورفع ~~الأمان وإعلام نصب الحرب والقتال بينه وبينهم وهو على نحو قوله تعالى @QB@ ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء @QE@ فكان ما ذكر في هذه ~~الآية من البراءة نبذا إليهم ورفعا للعهد وقيل إن ذلك كان خاصا فيمن أضمروا ~~الخيانة وهموا بالغدر وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع العهد في حال ذكر ذلك لهم ~~إلا أنه لما عقبه بقوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر بين به أن هذه ~~البراءة وهذا النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة أشهر وأن عهد ذوي العهد من هذا ~~القبيل منهم باق إلى آخر هذه المدة قال الحسن فمن كان منهم عهده أكثر من ~~أربعة أشهر حط إليها ومن ms1812 ان منهم عهده أقل رفع إليها وقيل إن هذه الأربعة ~~الأشهر التي هي أشهر العهد أولها من عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم ~~وصفر وعشرة أيام من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو ~~بكر وقرأ فيها علي بن أبي طالب سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان في ذي القعدة ثم صار الحج في السنة الثانية وهي السنة ~~التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة وهو الوقت الذي وقته ~~الله تعالى للحج لأن المشركين كانوا ينسئون الشهور فاتفق عود الحج في السنة ~~التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه ~~بديا على إبراهيم وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله @QB@ وأذن في الناس ~~بالحج يأتوك رجالا @QE@ PageV04P264 ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو واقف بعرفات ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات ~~والأرض فثبت الحج في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة والنحر وهو ~~اليوم العاشر منه فهذا قول من يقول إن الأربعة الأشهر التي جعلها للسياحة ~~وقطع بمضيها عصمة المشركين وعهدهم وقد قيل في جواز نقض العهد قبل مضي مدته ~~على جهة النبذ إليهم وإعلامهم نصب الحرب وزوال الأمان وجوه أحدها أن يخاف ~~غدرهم وخيانتهم والآخر أن يثبت غدرهم سرا فينبذ إليهم ظاهرا والآخر أن يكون ~~في شرط العهد أن يقرهم على الأمان ما يشاء وينقضه متى شاء كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر أقركم ما أقركم الله والآخر أن العهد المشروط ~~إلى مدة معلومة فيه ثبوت الأمان من حربهم وقتالهم من غير علمهم وأن لا ~~يقصدوا وهم غارون وأنه متى أعلمهم رفع الأمان من حربهم فذلك جائز لهم وذلك ~~معلوم في مضمون العهد وسواء خاف غدرهم أو لم يخف وكان في شرط العهد أن ~~لناقضه متى شئنا أو لم يكن فإن لنا متى رأينا ذلك حظا للإسلام ms1813 أن ننبذ ~~إليهم وليس ذلك بغدر منا ولا خيانة ولا خفر للعهد لأن خفر الأمان والعهد أن ~~يأتيهم بعد الأمان وهم غارون بأماننا فأما متى نبذنا إليهم فقد زال الأمان ~~وعادوا حربا ولا يحتاج إلى رضاهم في نبذ الأمان إليهم ولذلك قال أصحابنا أن ~~للإمام أن يهادن العدو إذا لم تكن بالمسلمين قوة على قتالهم فإن قوي ~~المسلمون وأطاقوا قتالهم كان له أن ينبذ إليهم ويقاتلهم وكذلك كل ما كان ~~فيه صلاح للمسلمين فللإمام أن يفعله وليس جواز رفع الأمان موقوفا على خوف ~~الغدر والخيانة من قبلهم وقد روي عن ابن عباس أن هذه الأربعة الأشهر الحرم ~~هي رجب وذو القعدة وذو الحجة إلى آخر المحرم وقد كانت سورة براءة نزلت حين ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج وكان الحج في تلك السنة في ~~ذي القعدة فكأنهم على هذا القول إنما بقي عهدهم إلى آخر الأربعة الأشهر ~~التي هي أشهر الحرم وقد روى جرير عن مغيرة عن الشعبي عن المحرر بن أبي ~~هريرة عن أبيه قال كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببراءة إلى المشركين فكنت أنادي حتى صحل صوتي وكان أمرنا أن نقول لا يحجن ~~بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ومن كان ~~بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن ~~الله بريء من المشركين ورسوله وجائز أن تكون هذه الأربعة الأشهر من وقت ~~PageV04P265 ندائه وإعلامهم إياه وجائز أن يريد بها تمام أربعة أشهر من ~~الأشهر الحرم وقد روى سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعثه يوم الحج الأكبر أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا ولا ~~يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يحج مشرك بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم عهد فاجعله إلى مدته فجمل في حديث علي من له عهد ~~عهده ms1814 إلى أجله ولم يخصص أربعة أشهر من غيره وقال في حديث أبي هريرة فعهده ~~إلى أربعة أشهر وجائز أن يكون المعنيان صحيحين وأن يكون جعل أجل بعضهم ~~أربعة أشهر أو تمام أربعة أشهر التي هي أشهر الحرم وجعل أجل بعضهم إلى مدته ~~طالت المدة أو قصرت وذكر الأربعة الأشهر في حديث أبي هريرة موافق لقوله ~~تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وذكر إثبات المدة التي أجلها في حديث علي ~~موافق لقوله تعالى @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ~~ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم @QE@ فكان أجل بعضهم ~~وهم الذين خيف غدرهم وخيانتهم أربعة أشهر وأجل من لم يخش غدرهم إلى مدته ~~وقد روى يونس عن أبي إسحاق قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على ~~الحج من سنة تسع فخرج أبو بكر ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا ~~يصد عن البيت أحدا ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عاما بينه ~~وبين أهل الشرك وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين أهل العهد العام من أهل الشرك من العرب فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر أن الله بريء من المشركين بعد هذه الحجة وقوله إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين يعني العهد الخاص إلى الأجل المسمى فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~يعني الأربعة التي ضربه لهم أجلا وقوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ~~من قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة ~~التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقضها إلا ~~هذا الحي من قريش وبنو الدئل فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام ~~العهد لمن لم يكن نقضه من بني بكر إلى ms1815 مدته @QB@ فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم @QE@ وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ~~قوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال جعل الله للذين عاهدوا رسول ~~PageV04P266 الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤا وأجل ~~من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم خمسين ليلة وأمره إذا انسلخ الأشهر ~~الحرم أن يضع السيف فيمن عاهدوا ولم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمى لهم من ~~العهد والميثاق قال أبو بكر جعل ابن عباس في هذا الحديث الأربعة الأشهر ~~التي هي أشهر العهد لمن كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد جعل أجله ~~انسلاخ المحرم وهو تمام خمسين ليلة من وقت الحج وهو العشر من ذي الحجة وذلك ~~آخر وقت أشهر الحرم وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله @QB@ براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين @QE@ إلى أهل العهد من خزاعة ومدلج ~~ومن كان له عهد من غيرهم قال ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~وعليا فآذنوا أصحاب العهود أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم ~~المتواليات من عشر من ذي الحجة إلى عشر يخلو من شهر ربيع الآخر ثم لا عهد ~~لهم قال وهي الحرم من أجل أنهم آمنوا فيها قال أبو بكر فجعل مجاهد الأشهر ~~الحرم في أشهر العهد وذهب إلى أنها إنما سميت بذلك لتحريم القتال فيها ~~وليست هي الأشهر التي قال الله فيها أربعة حرم وقال ويسئلونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه لأنه لا خلاف أن هذه الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم ورجب وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي قاله مجاهد في ذلك ~~محتمل وقال السدي فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال عشرون يبقى من ذي الحجة ~~إلى عشر من ربيع الاخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلا الإسلام أو السيف ~~وحدثنا عبدالله بن إسحاق المروزي حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ms1816 الزهري في قوله فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر قال نزلت في شوال وهي أربعة اشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~قال قتادة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر ~~كان ذلك في العهد الذي بينهم قال أبو بكر قول قتادة موافق لقول مجاهد الذي ~~حكيناه أما قول الزهري فأظنه وهما لأن الرواة لم يختلفوا أن سورة براءة ~~نزلت في ذي الحجة في الوقت الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على ~~الحج ثم نزلت بعد خروجه سورة براءة فبعث بها مع علي ليقرأها على الناس فثبت ~~بما ذكرنا من هذه الأخبار أنه قد كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين عهد عام وهو أن لا يصد أحدا منهم عن البيت ولا يخاف أحد في الشهر ~~الحرام فجعل الله تعالى عهدهم أربعة أشهر بقوله تعالى فسيحوا في الأرض ~~PageV04P267 أربعة أشهر وكان بينه وبين خواص منهم عهود إلى آجال مسماة وأمر ~~بالوفاء لهم وإتمام عهودهم إلى مدتهم إذا لم يخش غدرهم وخيانتهم وهو قوله ~~تعالى @QB@ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم @QE@ وهذا يدل على أن مدتهم إما ~~أن تكون إلى آخر الأشهر الحرم التي كان الله تعالى حرم القتال فيها وجائز ~~أن تكون مدتهم إلى آخر الأربعة الأشهر من وقت النبذ إليهم وهو يوم النحر ~~وأخره عشر مضين من شهر ربيع الاخر فسماها الأشهر الحرم على ما ذكره مجاهد ~~لتحريم القتال فيها فلم يكن لأحد منهم بعد ذلك عهد وأوجب بمضي هذه المدة ~~دفع العهود كلها سواء من كان له منهم عهد خاص أو سائر المشركين الذين عمهم ~~عهده في ترك منعهم من البيت وحظره قتلهم في أشهر الحرم وجائز أن يكون مراده ~~انسلاخ المحرم الذي هو آخر الأشهر الحرم التي كان الله تعالى حظره القتال ~~فيها وقد رويناه عن ابن عباس قوله تعالى @QB@ وأذان من الله ورسوله إلى ~~الناس ms1817 يوم الحج الأكبر @QE@ يعني إعلام من الله ورسوله يقال آذنني بكذا أي ~~أعلمني فعلمت واختلف في يوم الحج الأكبر فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في بعض الأخبار أنه يوم عرفة وعن علي وعمر وابن عباس وعطاء ومجاهد نحو ذلك ~~على اختلاف من الرواية فيه وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم ~~النحر وعن علي وابن عباس وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن أبي أوفى وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير على اختلاف فيه من الرواة وعن مجاهد وسفيان الثوري أيام الحج ~~كلها وهذا شائع كما يقال يوم صفين وقد كان القتال في أيام كثيرة وروى حماد ~~عن مجاهد أيضا قال الحج الأكبر القران والحج الأصغر الإفراد وقد ضعف هذا ~~التأويل من قبل أنه يوجب أن يكون للإفراد يوم بعينه وللقران يوم بعينه وقد ~~علم أن يوم القران هو يوم الإفراد للحج فتبطل فائدة تفضيل اليوم للحج ~~الأكبر فكان يجب أن يكون النداء بذلك في يوم القران وقوله تعالى يوم الحج ~~الأكبر لما كان يوم عرفة أو يوم النحر وكان الحج الأصغر العمرة وجب أن يكون ~~أيام الحج غير أيام العمرة فلا تفعل العمرة في أيام الحج وقد روي عن ابن ~~سيرين أنه قال إنما قال يوم الحج الأكبر لأن أعياد الملل اجتمعت فيه وهو ~~العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل هذا غلط لأن الإذن بذلك ~~كانت في السنة التي حج فيها أبو بكر ولأنه في السنة التي حج فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يحج فيها المشركون لتقدم النهي عن ذلك في السنة ~~PageV04P268 الأولى وقال عبدالله بن شداد الحج الأكبر يوم النحر والحج ~~الأصغر العمرة وعن ابن عباس العمرة هي الحجة الصغرى وعن عبدالله بن مسعود ~~مثله قال أبو بكر قوله الحج الأكبر قد اقتضى أن يكون هناك حج أصغر وهو ~~العمرة على ما روي عن عبدالله بن شداد وابن عباس وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال العمرة الحجة ms1818 الصغرى وإذا ثبت أن اسم الحج يقع على ~~العمرة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس حين سأله فقال الحج ~~في كل عام أو حجة واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا بل حجة واحدة ~~وهذا يدل على نفي وجوب العمرة لنفي النبي الوجوب إلا في حجة واحدة وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وهذا يدل على أن يوم الحج الأكبر هو ~~يوم عرفة ويحتمل أن يكون يوم النحر لأن فيه تمام قضاء المناسك والتفث ~~ويحتمل أيام منى على ما روي عن مجاهد وخصه بالأكبر لأنه مخصوص بفعل الحج ~~فيه دون العمرة وقد قيل إن يوم النحر أولى بأن يكون يوم الحج الأكبر من يوم ~~عرفة لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الحج لقضاء المناسك وعرفة قد يأتيها بعضهم ~~ليلا وبعضهم نهارا وأما النداء بسورة براءة فجائز أن يكون يوم عرفة وجائز ~~يوم النحر قال الله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله لست ~~عليهم بمسيطر وقوله وما أنت عليهم بجبار وقوله تعالى فاعف عنهم واصفح وقوله ~~قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله قال نسخ هذا كله قوله ~~تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر الآية وقال موسى بن عقبة قد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبل ذلك يكف عمن لم يقاتله بقوله تعالى @QB@ وألقوا إليكم السلم ~~فما جعل الله لكم عليهم سبيلا @QE@ ثم نسخ ذلك بقوله براءة من الله ورسوله ~~ثم قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين قال أبو بكر عمومه يقتضي ~~قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف إلا أنه تعالى خص أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية بقوله تعالى @QB@ ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ الآية وأخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجزية من ms1819 مجوس هجر وقال في حديث علقمة بن مرثد عن ابن ~~بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال إذا ~~لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية فإن ~~فعلوا فخذوه منهم وكفوا عنهم وذلك عموم في سائر المشركين PageV04P269 ~~فخصصنا منه لم يكن من مشركي العرب بالآية وصار قوله تعالى فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم خاصا في مشركي العرب دون غيرهم وقوله تعالى وخذوهم واحصروهم ~~يدل على حبسهم بعد الأخذ والاستبقاء بقتلهم انتظارا لإسلامهم لأن الحصر هو ~~الحبس ويدل أيضا على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم إن كان فيهم من لا ~~يجوز قتله من النساء والصبيان وأن يلقوا بالحصار قوله تعالى فاقتلوا ~~المشركين يقتضي عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل إلا أن السنة قد وردت ~~بالنهي عن المثلة وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعف الناس قتلة أهل الإيمان وقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وجائز أن ~~يكون أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة ~~والرمي من رءوس الجبال والتنكيس في الآبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر الآية ~~وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن يكون ~~اعتبر عموم الآية # قوله عز وجل @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~@QE@ لا يخلوا قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة من أن ~~يكون وجود هذه الأفعال منهم شرطا في زوال القتل عنهم ويكون قبول ذلك ~~والانقياد لأمر الله تعالى فيه هو الشرط دون وجود الفعل ومعلوم أن وجود ~~التوبة من الشرك شرط لا محالة في زوال القتل ولا خلاف أنهم لو قبلوا أمر ~~الله في فعل الصلاة والزكاة ولم يكن الوقت وقت صلاة أنهم مسلمون وأن دمائهم ~~محظورة فعلمنا أن شرط زوال القتل عنهم هو قبول أوامر الله والاعتراف ~~بلزومها دون فعل الصلاة والزكاة ولأن إخراج الزكاة لا يلزم بنفس الإسلام ~~إلا بعد حول ms1820 فغير جائز أن يكون إخراج الزكاة شرطا في زوال القتل وكذلك فعل ~~الصلاة ليس بشرط فيه وإنما شرطه قبول هذه الفرائض والتزامها والاعتراف ~~بوجوبها فإن قيل لما قال الله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة @QE@ فشرط مع التوبة قبل الصلاة والزكاة ومعلوم أن التوبة إنما هي ~~الإقلاع عن الكفر والرجوع إلى الإيمان فقد عقل بذكره التوبة التزام هذه ~~الفرائض والاعتراف بها إذ لا تصح التوبة إلا به ثم لما شرط مع التوبة ~~الصلاة والزكاة دل على أن المعنى المزيل للقتل هو اعتقاد الإيمان بشرائطه ~~وفعل الصلاة والزكاة فأوجب ذلك قتل تارك الصلاة والزكاة في وقت وجوبهما ~~PageV04P270 وإن كان معتقدا للإيمان معترفا بلزوم شرائعه قيل له لو كان فعل ~~الصلاة والزكاة من شرائط زوال القتل لما زال القتل عمن أسلم في غير وقت ~~الصلاة وعمن لم يؤد زكاته مع إسلامه فلما اتفق الجميع على زوال القتل عمن ~~وصفنا أمره بعد اعتقاده للإيمان للزوم شرائعه ثبت بذلك أن فعل الصلاة ~~والزكاة ليس من شرائط زوال القتل وأن شرطه إظهار الإيمان وقبول شرائعه ألا ~~ترى أن قبول الإيمان والتزام شرائعه لما كان شرطا في ذلك لم يزل عنه القتل ~~عند إخلاله ببعض ذلك وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة وقتلت ~~مقاتلتهم وسموهم أهل الردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها ~~فكانوا مرتدين بذلك لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله وعلى ذلك ~~أجري حكمهم أبو بكر الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم ويدل على أنهم ~~مرتدون بامتناعهم من قبول فرض الزكاة ما روى معمر عن الزهري عن أنس قال لما ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب كافة فقال عمر يا أبا بكر ~~أتريد أن تقاتل العرب كافة فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة منعوني دماءهم وأموالهم والله لو منعوني عقالا مما كانوا ~~يعطون إلى ms1821 رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه وروى مبارك بن فضالة ~~عن الحسن قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب عن الإسلام ~~إلا أهل المدينة فنصب أبو بكر لهم الحرب فقالوا فإذا نشهد أن لا إله إلا ~~الله ونصلي ولا نزكي فمشى عمر والبدريون إلى أبى بكر وقالوا دعهم فإنهم إذا ~~استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدوا فقال والله لو منعوني عقالا مما أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه وقاتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ثلاث شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال ~~الله تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ ~~والله لا أسئل فوقهن ولا أقصر دونهن فقالوا له يا أبا بكر نحن نزكي ولا ~~ندفعها إليك فقال لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأضعها مواضعها وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله وروى ~~الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن أبي هريرة قال لما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وارتد من ارتد من العرب بعث أبو بكر لقتال ~~من ارتد عن الإسلام فقال له عمر يا أبا بكر ألم تسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فعلوا ~~ذلك عصموا PageV04P271 مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~فقال لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليه فأخبر جميع هؤلاء الرواة إن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ~~ردتهم من جهة امتناعهم من أداء الزكاة وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء ~~الزكاة على جهة الرد لها وترك قبولها فسموا مرتدين من أجل ذلك وقد أخبر أبو ~~بكر الصديق أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك الأداء إليه وإن كانوا ~~معترفين بوجوبها لأنهم قالوا بعد ذلك نزكي ولا نؤديها ms1822 إليك فقال لا والله ~~حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك ضربان من ~~الدلالة أحدهما أن مانع الزكاة على وجه ترك التزامها والاعتراف بوجوبها ~~مرتد وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال فثبت أن من أدى ~~صدقة مواشيه إلى الفقراء إن الإمام لا يحتسب له بها وأنه متى امتنع من ~~دفعها إلى الإمام قاتله عليها وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي وأما ~~زكاة الأموال فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا ~~يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال هذا ~~شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل الأداء إلى ~~أرباب الأموال وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها وهذا الذي فعله أبو ~~بكر في مانعي الزكاة بموافقة الصحابة إياه كان من غير خلاف منهم بعد ما ~~تبينوا صحة رأيه واجتهاده في ذلك ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة ومانع ~~الزكاة عامدا بهذه الآية وزعم أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن ويقيم ~~الصلاة ويؤتي الزكاة وقد بينا المعنى في قوله تعالى @QB@ وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ وأن المراد قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما ~~وأيضا فليس في الآية ما ادعوا من الدلالة على ما ذهبوا إليه من قبل أنها ~~إنما أوجبت قتل المشركين ومن تاب من الشرك ودخل في الإسلام والتزم فروضه ~~وأقربها فهو غير مشرك باتفاق فلم تقتض الآية قتله إذ كان حكمها مقصورا في ~~إيجاب القتل على من كان مشركا وتارك الصلاة ومانع الزكاة ليس بمشرك فإن ~~قالوا إنما أزال القتل عنه بشرطين أحدهما التوبة وهي الإيمان وقبول شرائعه ~~والوجه الثاني فعل الصلاة وأداء الزكاة قيل له إنما أوجب بديا قتل المشركين ~~بقوله تعالى فاقتلوا المشركين فمتى زالت عنهم سمة الشرك فقد وجب زوال القتل ~~ويحتاج في إيجابه إلى دلالة أخرى من غيره فإن قال هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ~~ذكر الشرطين في الآية قيل له ليس الأمر على ما ms1823 ظننت وذلك PageV04P272 لأن ~~الله تعالى إنما جعل هذين القربين من فعل الصلاة وإيتاء الزكاة شرطا في ~~وجوب تخلية سبيلهم لأنه قال @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم @QE@ وذلك بعد ذكره القتل للمشركين بالحصر فإذا زال القتل ~~بزوال سمة الشرك فالحصر والحبس باق لترك الصلاة ومنع الزكاة لأن من ترك ~~الصلاة عامدا وأصر عليه ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه فحينئذ لا يجب تخليته ~~إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس ~~تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام حتى يفعلهما قوله تعالى وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله قد اقتضت هذه الآية جواز أمان ~~الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الإسلام لأن قوله تعالى استجارك ~~معناه استأمنك وقوله تعالى فأجره معناه فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه ~~الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل ~~على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد والرسالة ~~حتى يعتقدهما لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله وصحة ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا ~~بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع ~~كلام الله وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه ~~شيئا من أمور الدين لأن الكافر الذي استجارنا ليسمع كلام الله إنما قصد ~~التماس معرفة صحة الدين وقوله تعالى ثم أبلغه مأمنه يدل على أن على الإمام ~~حفظ هذا الحربي المستجير وحياطته ومنه الناس من تناوله بشر لقوله فأجره ~~وقوله ثم أبلغه مأمنه وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة ~~والمنع من أذيتهم والتخطي إلى ظلمهم وفيه الدلالة على أنه لا يجوز أقرار ~~الحربي في دار الإسلام مدة طويلة وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار قضاء حاجته ~~لقوله تعالى @QB@ حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ms1824 مأمنه @QE@ فأمر برده إلى ~~دار الحرب بعد سماعه كلام الله وكذلك قال أصحابنا لا ينبغي للإمام أن يترك ~~الحربي في دار الإسلام مقيما بغير عذر ولا سبب يوجب إقامته وأن عليه أن ~~يتقدم إليه بالخروج إلى داره فإن أقام بعد التقدم إليه سنة في دار الإسلام ~~صار ذميا ووضع عليه الخراج قوله تعالى @QB@ كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام @QE@ قال أبو بكر ابتداء ~~السورة يذكر قطع العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين بقوله ~~براءة من PageV04P273 الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين وقد قيل إن ~~هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد فغدروا وأسروا وهموا به فأمر الله نبيه ~~بالنبذ إليهم ظاهرا وفسح لهم في مدة أربعة أشهر بقوله فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر وقيل إنه أراد العهد الذي كان بينه وبين المشركين عامة في أن لا ~~يمنع أحا من المشركين من دخوله مكة للحج وأن لا يقاتلوا ولا يقتلوا في ~~الشهر الحرام فكان قول براءة من الله ورسوله في أحد هذين الفريقين ثم ~~استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم وبين رسول الله عهد خاص ولم يغدروا ولم ~~يهموا به فقال إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ففرق بين حكم هؤلاء الذين ~~ثبتوا على عهدهم ولم ينقصوهم ولم يعاونوا أعداءهم عليهم وأمر بإتمام عهدهم ~~إلى مدتهم وأمر بالنبذ إلى الأولين وهم أحد فريقين من غادر قاصدا إليه أو ~~لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص في سائر أحواله بل في ~~دخول مكة للحج والأمان في الأشهر الحرم الذي كان يأمن فيه جميع الناس وقوله ~~تعالى ولم يظاهروا عليكم أحدا يدل على أن المعاهد متى عاون علينا عدوا لنا ~~فقد نقض عهده ثم قال تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين فرفع ~~بعد انقضاء أشهر الحرم عهد كل ذي عهد من خاص ومن عام ms1825 ثم قال تعالى كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله لأنهم غدروا ولم يستقيموا ثم استثنى منهم ~~الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام قال أبو إسحاق هم قوم من بني كنانة وقال ~~ابن عباس هم من قريش وقال مجاهد هم من خزاعة فأمر المسلمين بالوفاء بعهدهم ~~ما استقاموا لهم في الوفاء به وجائز أن تكون مدة هؤلاء في العهد دون مضي ~~أشهر الحرم لأنه قال @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم @QE@ وعمومه يقتضي رفع سائر العهود التي كانت بين المسلمين ~~والكفار وجائز أن تكون مدة عهدهم بعد انقضاء الأشهر الحرم وكانوا مخصوصين ~~ممن أمروا بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وأن ذلك إنما كان خاصا في قوم ~~منهم كانوا أهل غدر وخيانة لأنه قال فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ولم ~~يحصره بمدة قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين يدل على ان من أظهر لنا الإيمان وأقام الصلاة وآتى الزكاة فعلينا ~~موالاته في الدين على ظاهر أمره مع وجود أن يكون اعتقاده في المغيب خلافه ~~قوله تعالى @QB@ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر @QE@ PageV04P274 فيه دلالة على أن أهل العهد متى خالفوا شيئا ~~مما عوهدوا عليه وطعنوا في ديننا فقد نقضوا العهد وذلك لأن نكث الأيمان ~~يكون بمخالفة بعض المحلوف عليه إذا كانت اليمين فيه على وجه النفي كقوله ~~والله لا كلمت زيدا ولا عمرو ولا دخلت هذه الدار ولا هذه أيهما فعل حنث ~~ونكث يمينه ثم لما ضم إلى ذلك الطعن في الدين دل على أن أهل العهد من شروط ~~بقاء عهدهم تركهم للطعن في ديننا وإن أهل الذمة ممنوعون من إظهار الطعن في ~~دين المسلمين وهو يشهد لقول من يقول من الفقهاء إن من أظهر شتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أهل الذمة فقد نقض عهده ووجب قتله وقد اختلف الفقهاء في ~~ذلك فقال أصحابنا يعزر ولا يقتل وهو قول الثوري وروى ابن القاسم عن مالك ~~فيمن ms1826 شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم ~~وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك فيمن سب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالا هي ردة يستتاب فإن تاب نكل وإن لم يتب قتل قال يضرب مائة ثم يترك ~~حتى إذا هو برئ ضرب مائة ولم يذكر فرقا بين المسلم والذمي وقال الليث في ~~المسلم يسب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يناظر ولا يستتاب ويقتل مكانه ~~وكذلك اليهود والنصارى وقال الشافعي ويشترط على المصالحين من الكفار أن من ~~ذكر كتاب الله أومحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي أو زنى ~~بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه أو قطع عليه طريقا أو ~~أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه ~~وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله وظاهر الآية يدل على أن من أظهر سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أهل العهد فقد نقض عهده لأنه قال تعالى وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر فجعل الطعن في ~~ديننا بمنزلة نكث الأيمان إذ معلوم أنه لم يرد أن يجعل نكث الأيمان والطعن ~~في الدين بمجموعهما شرطا في نقض العهد لأنهم لو نكثوا الأيمان بقتال ~~المسلمين ولم يظهروا الطعن في الدين لكانوا ناقضين للعهد وقد جعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معاونة قريش بني بكر على خزاعة وهم حلفاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم نقضا للعهد وكانوا يفعلون ذلك سرا ولم يكن منهم إظهار طعن ~~في الدين فثبت بذلك أن معنى الآية وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا ~~في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر فإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أهل العهد ناقضا للعهد إذ سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أكثر الطعن في الدين فهذا وجه يحتج به القائلون PageV04P275 بما وصفنا ومما ~~يحتج به لذلك ms1827 ما روى أبو يوسف عن حصين بن عبدالرحمن عن رجل عن أبي عمران أن ~~رجلا قال له إني سمعت راهبا سب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو سمعته ~~لقتلته إنا لم نعطهم العهد على هذا وهو إسناد ضعيف وجائز أن يكون قد شرط ~~عليهم أن لا يظهروا سب النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى سعيد عن قتادة عن ~~أنس أن يهوديا مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما قال فقالوا نعم ثم رجع فقال مثل ذلك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا ~~عليك وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت دخل رهط من اليهود على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا السام عليك قالت ففهمتها فقالت وعليكم السام واللعنة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر ~~كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا قال النبي صلى الله عليه وسلم قلت ~~عليكم ومعلوم أن مثله لو كان من مسلم لصار به مرتدا مستحقا للقتل ولم ~~يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وروى شعبة عن هشام بن يزيد عن أنس بن ~~مالك أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها ~~فجيء بها فقالوا ألا تقتلها قال لا قال فما زلت أعرفها في سهوات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين المسلمين أن من قصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك فهو ممن ينتحل الإسلام أنه مرتد يستحق القتل ولم يجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبيحة لدمها بما فعلت فكذلك إظهار سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الذمي مخالف لإظهار المسلم له وقوله @QB@ فقاتلوا أئمة الكفر @QE@ ~~روى ابن عباس ومجاهد أنهم رؤساء قريش وقال قتادة أبو جهل وأمية بن خلف ~~وعتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو وهم الذين هموا بإخراجه ms1828 قال أبو بكر ولم ~~يختلف في أن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~بها مع علي بن أبي طالب ليقرأها على الناس في سنة تسع وهي السنة التي حج ~~فيها أبو بكر وقد كان أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة قد كانوا قتلوا ~~يوم بدر ولم يكن بقي من رؤساء قريش أحد يظهر الكفر في وقت نزول براءة وهذا ~~يدل على أن رواية من روى ذلك في رؤساء قريش وهم اللهم إلا أن يكون المراد ~~قوما من قريش قد كانوا أظهروا الإسلام وهم الطلقاء من نحو أبي سفيان ~~وأحزابه ممن لم ينق قلبه من الكفر فيكون مراد الآية هؤلاء دون أهل العهد من ~~المشركين الذين لم يظهروا الإسلام وهم الذين كانوا هموا بإخراج الرسول من ~~مكة وبدرهم بالقتال والحرب بعد الهجرة وجائز أن يكون مراده هؤلاء الذين ~~ذكرنا وسائر رؤساء العرب الذين كانوا PageV04P276 معاضدين لقريش على حرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقتال المسلمين فأمر الله تعالى بقتالهم وقتلهم ~~إن هم نكثوا أيمانهم وطعنوا في دين المسلمين وقوله تعالى أنهم لا أيمان لهم ~~معناه لا أيمان لهم وافية موثوقا بها ولم ينف به وجود الأيمان منهم لأنه قد ~~قال بديا وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وعطف على ذلك ايضا قوله ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم فثبت أنه لم يرد بقوله لا أيمان لهم نفي ~~الأيمان أصلا وإنما أراد به نفي الوفاء بها وهذا يدل على جواز إطلاق لا ~~والمراد نفي الفضل دون نفي الأصل ولذلك نظائر موجودة في السنن وفي كلام ~~الناس كقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وليس ~~بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ونحو ذلك ~~فأطلق الإمامة في الكفر لأن الإمام هو المقتدى به المتبع في الخير والشر ~~قال الله تعالى @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QE@ وقال في الخير ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا فالإمام في ms1829 الخير هاد مهتد والإمام في الشر ضال ~~مضل قد قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا غدروا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان على أن لا يعينوا ~~عليه أعداءه من المشركين وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على إخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المدينة وأخبر أنهم بدؤا بالغدر ونكث العهد وامر ~~بقتالهم بقوله @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم @QE@ وجائز أن يكون جميع ~~ذلك مرتبا على قوله وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وجائز أن يكون قد كانوا ~~نقضوا العهد بقوله ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم قوله تعالى أم حسبتم أن ~~تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة فإن معناه أم حسبتم أن تتركوا ولم تجاهدوا لأنهم إذا ~~جاهدوا علم الله ذلك منهم فأطلق اسم العلم وأراد به قيامهم بفرض الجهاد حتى ~~يعلم الله وجود ذلك منهم وقوله @QB@ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة @QE@ يقتضي لزوم اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم كما يلزم ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع وهو كقوله ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى والوليجة المدخل يقال ولج إذا دخل كأنه قال لا يجوز أن يكون له مدخل ~~غير مدخل المؤمنين ويقال إن الوليجة بمعنى الدخيلة والبطانة وهي من ~~المداخلة والمخالطة والمؤانسة فإن كان المعنى هذا فقد دل على النهي عن ~~مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم PageV04P277 وترك الاستعانة بهم في أمور ~~الدين كما قال لا تتخذوا بطانة من دونكم # قوله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله @QE@ عمارة المسجد ~~تكون بمعنيين أحدهما زيارته والسكون فيه والآخر ببنائه وتجديد ما استرم منه ~~وذلك لأنه يقال اعتمر إذا زار ومنه العمرة لأنها زيارة البيت وفلان من عمار ~~المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها وفلان يعمر مجلس فلان إذا ~~أكثر غشيانه ms1830 له فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد ومن بنائها وتولي ~~مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان @QE@ ~~فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم والاستنصار بهم وتفويض أمورهم ~~إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم وإكرامهم وسواء بين الآباء والإخوان ~~في ذلك إلا أنه قد أمر مع ذلك بالإحسان إلى الأب الكافر وصحبته بالمعروف ~~بقوله تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه @QE@ إلى قوله @QB@ وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~@QE@ وإنما أمر المؤمنين بذلك ليتميزوا من المنافقين إذ كان المنافقون ~~يتولون الكفار ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم ويظهرون لهم الولاية ~~والحياطة فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الاية علما يتميز به ~~المؤمن من المنافق وأخبر أن من لم يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه مستحق للعقوبة ~~من ربه قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا إطلاق إسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه ~~كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار فلذلك سماهم نجسا والنجاسة في الشرع ~~تنصرف على وجهين أحدهما نجاسة الأعيان والآخر نجاسة الذنوب وكذلك الرجس ~~والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع قال الله تعالى إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان وقال في وصف المنافقين سيحلفون بالله ~~لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس فسماهم رجسا كا ~~سمى المشركين نجسا وقد أفاد قوله إنما المشركون نجس منعهم عن دخول المسجد ~~إلا لعذر إذ كان علينا تطهير المساجد من الأنجاس وقوله تعالى فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا قد تنازع معناه أهل العلم فقال مالك والشافعي ~~لا يدخل المشرك المسجد الحرام قال مالك PageV04P278 ولا غيره من المساجد ~~إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة وقال الشافعي ~~يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة وقال أصحابنا ms1831 يجوز للذمي دخول سائر ~~المساجد وإنما معنى الآية على أحد وجهين إما أن يكون النهي خاصا في ~~المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد لأنهم لم تكن لهم ~~ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركوا العرب أو أن يكون ~~المراد منعهم من دخول مكة للحج ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء ~~يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر فيما روى الزهري عن حميد بن ~~عبدالرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا ~~يحج بعد العام مشرك فنبذ أبو بكر إلى الناس فلم يحج في العام الذي حج فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مشرك فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو ~~بكر إلى المشركين @QB@ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس @QE@ الآية ~~وفي حديث علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ عنه سورة براءة ~~نادى ولا يحج بعد العام مشرك وفي ذلك دليل على المراد بقوله فلا يقربوا ~~المسجد الحرام ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم ~~بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم ~~الحج فدل ذلك على أن مراد الآية الحج ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع ~~المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في ~~المسجد ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو ~~الحج دون قرب المسجد لغير الحج لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر ~~المشركين وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا في ذلك دون قرب المسجد والذي ~~في الآية النهي عن قرب المسجد فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه ~~وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف ms1832 ~~لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة في المسجد فقالوا ~~يا رسول الله قوم أنجاس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليس على ~~الأرض من أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم وروى يونس عن الزهري ~~عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله تعالى فلا يقربوا ~~المسجد الحرام قال أبو بكر فأما وفد ثقيف فإنهم جاؤا بعد فتح مكة ~~PageV04P279 إلى النبي صلى الله عليه وسلم والآية نزلت في السنة التي حج ~~فيها أبو بكر وهي سنة تسع فأنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ~~وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد وفي ذلك دلالة على أن نجاسة ~~الكفر لا يمنع الكافر من دخول المسجد وأما أبو سفيان بأنه جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم لتجديد الهدنة وذلك قبل الفتح وكان أبو سفيان مشركا ~~حينئذ والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي عن قرب المسجد ~~الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المساجد فإن قيل لا يجوز للكافر ~~دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك لقوله تعالى @QB@ فلا ~~يقربوا المسجد الحرام @QE@ ولما روى زيد بن يثيع عن علي رضي الله عنه أنه ~~نادى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الحرم مشرك قيل له إن صح هذا ~~اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج وقد روي في أخبار عن علي أنه نادى أن لا ~~يحج بعد العام مشرك وكذلك في حديث أبي هريرة فثبت أن المراد دخول الحرم ~~للحج وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون ~~عبدا أو أمة يدخله لحاجة فأباح دخول العبد والأمة للحاجة لا للحج وهذا يدل ~~على ms1833 أن الحر الذمي له دخوله لحاجة إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر وإنما خص ~~العبد والأمة والله أعلم بالذكر لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج ~~وقد حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع ~~جابر بن عبدالله يقول في قوله تعالى @QB@ إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام @QE@ إلا أن يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة فوقفه أبو ~~الزبير على جابر وجائز أن يكون صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى بها ~~أخرى وروى ابن جريج عن عطاء قال لا يدخل المشرك وتلا قوله تعالى فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا قال عطاء المسجد الحرام الحرم كله قال ابن ~~جريج وقال لي عمرو بن دينار مثل ذلك قال أبو بكر والحرم كله يعبر عنه ~~بالمسجد إذ كانت حرمته متعلقة بالمسجد وقال الله تعالى والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد والحرم كله مراد به وكذلك قوله تعالى ~~ثم محلها إلى البيت العتيق قد أريد به الحرم كله لأنه في أي الحرم نحر ~~البدن أجزأه فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى فلا يقربوا المسجد ~~الحرام الحرم كله للحج إذ PageV04P280 كان أكثر أفعال المناسك متعلقا ~~بالحرم كله في حكم المسجد لما وصفنا فعبر عن الحرم بالمسجد وعبر عن الحج ~~بالحرم ويدل على أن المراد بالمسجد ههنا الحرم قوله تعالى إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ومعلوم أن ذلك كان ~~بالحديبية وهي على شفير الحرم وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن ~~بعضها من الحل وبعضها من الحرم فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد ~~الحرام وإنما هي عند الحرم وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضي ~~اجتنابهم وترك مخالطتهم إذ كانوا مأمورين باجتناب الأنجاس وقوله تعالى بعد ~~عامهم هذا فإن قتادة ذكر أن المراد العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق ms1834 فتلا ~~علي سورة براءة وهو لتسع مضين من الهجرة وكان بعده حجة الوداع سنة عشر قوله ~~تعالى @QB@ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء @QE@ فإن العيلة ~~الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر % وما يدري الفقير متى غناه % ~~وما يدري الغني متى يعيل % # | وقال مجاهد وقتادة كانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين فأخبر ~~الله تعالى أنه يغنيهم من فضله فقيل إنه أراد الجزية المأخوذة من المشركين ~~وقيل أراد الإخبار بإبقاء المتاجر من جهة المسلمين لأنه كان عالما أن العرب ~~وأهل بلدان العجم سيسلمون ويحجون فيستغنون بما ينالون من منافع متاجرهم من ~~حضور المشركين وهو نظير قوله تعالى @QB@ جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد @QE@ الآية فأخبر تعالى عما في ~~حج البيت والهدي والقلائد من منافع الناس ومصالحهم في دنياهم ودينهم وأخبر ~~في قوله @QB@ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله @QE@ عما ينالون من ~~الغنى بحج المسلمين وإن كانوا قليلين في وقت نزول الآية وإنما علق الغنى ~~بالمشيئة المعنيين كل واحد منهما جائز أن يكون مرادا أحدهما إنه لما كان ~~منهم من يموت ولا يبلغ هذا الغنى الموعود به علقه بشرط المشيئة والثاني ~~لينقطع الآمال إلى الله في إصلاح أمور الدنيا والدين كما قال الله تعالى ~~@QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ # باب أخذ الجزية من أهل الكتاب $ # قال الله عز وجل @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ PageV04P281 أخبر تعالى عن أهل الكتاب ~~أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مع إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث ~~وذلك يحتمل وجوها أحدها أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه ~~الذي يجري حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب في النار وتخليد المؤمنين في ~~الجنة فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم ~~الآخر ومراده حكم ms1835 يوم الآخر وقضاؤه فيه كما تقول أهل الكتاب غير مؤمنين ~~بالنبي والمراد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل فيه إنه أطلق ذلك فيهم ~~على طريق الذم لأنهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الحرم كما أنهم بمنزلة ~~المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه وقيل أيضا لما كان ~~إقرارهم عن غير معرفة لم يكن ذلك إيمانا وأكثرهم بهذه الصفة وقوله تعالى ~~ولا يدينون دين الحق فإن دين الحق هو الإسلام قال الله تعالى إن الدين عند ~~الله الإسلام وهو التسليم لأمر الله وما جاءت به رسله والانقياد له والعمل ~~به والدين ينصرف على وجوه منها الطاعة ومنها القهر ومنها الجزاء قال الأعشى ~~% هو دان الرباب أذكر هو الد % دين دراكا بغزوة وصيال % # | يعني قهر الرباب أذكر هو إطاعته وأبوا الانقياد له وقوله تعالى مالك ~~يوم الدين قيل إنه يوم الجزاء ومنه كما تدين تدان ودين اليهود والنصارى غير ~~دين الحق لأنهم غير منقادين لأمر الله ولا طائعين له لجحودهم نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم فإن قيل فيهم يدينون بدين التوراة والإنجيل معترفون به ~~منقادين له قيل له في التوراة والإنجيل ذكر نبينا وأمرنا بالإيمان واتباع ~~شرائعه وهم غير عاملين بذلك بل تاركون له فهم غير متبعين دين الحق وأيضا ~~فإن شريعة التوراة والإنجيل قد نسخت والعمل بها بعد النسخ ضلال فليس هو إذا ~~دين الحق وأيضا فهم قد غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها وأزالوها إلى ما ~~تهواه أنفسهم دون ما أوجبه عليهم كتاب الله تعالى فهم غير دائنين دين الحق ~~قوله تعالى @QB@ من الذين أوتوا الكتاب @QE@ فإن أهل الكتاب من الكفار هم ~~اليهود والنصارى لقوله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا فلو كان المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب لكانوا ثلاث ~~طوائف وقد اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان وقد بيناه فيما سلف وتقدم ~~الكلام أيضا في حكم الصابئين وهل هم أهل الكتاب PageV04P282 أم لا وهم ~~فريقان أحدهما بنوا حي ms1836 كسكر والبطائح وهم فيما بلغنا صنف من النصارى وإن ~~كانوا مخالفين لهم في كثير من ديانتهم لأن النصارى فرق كثيرة منهم ~~المرقونية والأريوسية والمارونية والفرق الثلاث من النسطورية والملكية ~~واليعقوبية يبرءون منهم ويحرمون وهم ينتمون إلى يحيى بن زكريا وشيث ~~وينتحلون كتبا يزعمون أنها كتب الله التي أنزلها على شيث بن آدم ويحيى بن ~~زكريا والنصارى تسميهم يوحناسية فهذه الفرقة يجعلها أبو حنيفة رحمه الله من ~~أهل الكتاب ويبيح أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم وفرقة أخرى قد تسمت بالصابئين ~~وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة الأوثان ولا ينتمون إلى أحد من ~~الأنبياء ولا ينحلون شيئا من كتب الله فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب ولا خلاف ~~أن هذه النحلة لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم فمذهب أبي حنيفة في جعله ~~الصابئين من أهل الكتاب محمول على مراده الفرقة الأولى وأما أبو يوسف ومحمد ~~فقالا إن الصابئين ليسوا أهل الكتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وقد روي في ~~ذلك اختلاف بين التابعين وروى هشيم أخبرنا مطرف قال كنا عند الحكم بن عيينة ~~فحدثه رجل عن الحسن البصري أنه كان يقول في الصابئين هم بمنزلة المجوس فقال ~~الحسن أليس قد كنت أخبرتكم بذلك وروى عباد بن العوام عن الحجاج عن القاسم ~~بن أبي بزة عن مجاهد قال الصابئون قوم من المشركين والنصارى ليس لهم كتاب ~~وكذلك قول الأوزاعي ومالك ابن أنس وروى يزيد بن هارون عن حبيب بن أبي حبيب ~~عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أنه سئل عن الصابئين أمن أهل الكتاب هم ~~وطعامهم ونساؤهم حل للمسلمين فقال نعم وأما المجوس فليسوا أهل كتاب بدلالة ~~الآية ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب وقد اختلف أهل العلم فيمن ~~تؤخذ منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على جواز إقرار اليهود والنصارى ~~بالجزية فقال أصحابنا لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف وتقبل ~~من أهل ms1837 الكتاب من العرب من سائر كفار العجم الجزية وذكر ابن القاسم عن مالك ~~أنه تقبل من الجميع الجزية إلا من مشركي العرب وقال مالك في الزنج ونحوهم ~~إذا سبوا يجبرون على الإسلام وروي عن مجاهد أنه قال يقاتل أهل الكتاب على ~~الجزية وأهل الأوثان على الصلاة ويحتمل أن يريد به أهل الأوثان من العرب ~~وقال الثوري العرب لا يسبون وهو إذا سبوا ثم PageV04P283 تركهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربا كانوا ~~أو عجما قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ ~~يقتضي قتل سائر المشركين فمن الناس من يقول إن عمومه مقصور على عبدة ~~الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين ~~المشركين وبين أهل الكتاب والمجوس بقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعطف بالمشركين على هذه الأصناف ~~فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان وإن كان الجميع من ~~النصارى والمجوس والصابئين والمشركين وذلك لأن النصارى قد أشركت بعبادة ~~الله وعبادة المسيح والمجوس مشركون من حيث جعلوا لله ندا مغالبا والصابئون ~~فريقان أحدهما عبدة الأوثان والآخر لا يعبدون الأوثان ولكنهم مشركون في ~~وجوه أخر إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان فلم يوجب قوله تعالى ~~فاقتلوا المشركين إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم وقال آخرون لما كان معنى ~~الشرك موجودا في مقالات هذه الفرق من النصارى والمجوس والصابئين فقد ~~انتظمهم اللفظ ولولا ورود آية التخصيص في أهل الكتاب خصوا من الجملة ومن ~~عداهم محمولون على حكم الآية عربا كانوا أو عجما ولم يختلفوا في جواز إقرار ~~المجوس بالجزية وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار وروى ~~سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع مجالدا يقول لم يكن عمر بن الخطاب يأخذ ~~الجزية من المجوس حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ms1838 وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ذكر ~~المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبدالرحمن بن عوف أشهد لسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب وروى يحيى بن ~~آدم عن المسعودي عن قتادة عن أبي مجلز قال كتب النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المنذر أنه من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم ~~الذي له ذمة الله ورسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه ~~الجزية وروى قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ~~إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل منه ومن أبى ضربت ~~عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة وروى الطحاوي عن بكار ~~بن قتيبة قال حدثنا عبدالرحمن ابن عمران قال حدثنا عوف كتب عمر بن ~~عبدالعزيز إلى عدي بن أرطاة أما بعد فاسئل PageV04P284 الحسن ما يقع من ~~قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون من النساء اللاتي لا ~~يجمعهن أحد غيرهم فسأله فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل من ~~مجوس البحرين الجزية وأقرهم على مجوسيتهم وعامل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي وفعله بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وروى معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب وروى الزهري عن ~~سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ~~وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس السواد وأن عثمان أخذها من بربر وفي هذه ~~الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس وفي بعضها أنه ~~أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في جواز ~~أخذ الجزية من المجوس وقد نقلت الأمة أخذ ms1839 عمر بن الخطاب الجزية من مجوس ~~السواد فمن الناس من يقول إنما أخذها لأن المجوس أهل كتاب ويحتج في ذلك بما ~~روى سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن نصر بن عاصم عن علي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان أخذوا الجزية من المجوس وقال علي أنا أعلم ~~الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرءونه وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك من صدورهم وقد ~~ذكرنا فيما تقدم من الدلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب من جهة الكتاب والسنة ~~وأما ما روي عن علي في ذلك أنهم كانوا أهل كتاب فإنه إن صحت الرواية فإن ~~المراد أن أسلافهم كانوا أهل كتاب لإخباره بأن ذلك نزع من صدورهم فإذا ~~ليسوا أهل كتاب في هذا الكتاب ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب ما روي في حديث ~~الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مجوس البحرين إن من أبى ~~منهم الإسلام ضربت عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة ولو ~~كانوا أهل كتاب لجاز أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم لأن الله تعالى قد أباح ~~ذلك من أهل الكتاب ولما ثبت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس ~~وليسوا أهل كتاب ثبت جواز أخذها من سائر الكفار أهل كتاب كانوا أو غير أهل ~~كتاب إلا عبدة الأوثان من العرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منهم ~~إلا الإسلام أو السيف وبقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وهذا في ~~عبدة الأوثان من العرب ويدل على جواز أخذ الجزية من سائر المشركين سوى ~~مشركي العرب حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا PageV04P285 رسول الله فإن أبوا ~~فادعوهم إلى إعطاء الجزية وذلك عام في سائر المشركين وخصصنا منهم مشركي ~~العرب بالآية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ms1840 # باب حكم نصارى بني تغلب $ # قال الله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ ~~إلى قوله @QB@ من الذين أوتوا الكتاب @QE@ ونصارى بني تغلب منهم لأنهم ~~ينتحلون نحلتهم وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم وقال الله تعالى ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم فجعل الله تعالى من يتولى قوما منهم فهو في حكمهم ~~ولذلك قال ابن عباس في نصارى بني تغلب أنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية ~~لكانوا منهم لقوله تعالى @QB@ ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ وذلك حين قال ~~علي رضي الله عنه إنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر قال ابن ~~عباس ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين جاءه فقال له أما ~~تقول إلا أن يقال لا إله إلا الله فقال إن لي دينا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنا أعلم به منك ألست ركوسيا قال نعم قال ألست تأخذ المرباع قال ~~نعم قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك فنسبه إلى صنف من النصارى مع إخباره ~~بأنه غير متمسك به فأخذه المرباع وهو ربع الغنيمة غير مباحة في دين النصارى ~~فثبت بذلك أن انتحال بني تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكمهم وأن ~~يكونوا أهل كتاب وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم والجزاء ~~والجزية واحد وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على الكفر ولم ~~يذكر في الآية لها مقدارا معلوما ومهما أخذ منهم على هذا الوجه فإن اسم ~~الجزية يتناوله وقد وردت أخبار متواترة عن أئمة السلف في تضعيف الصدقة في ~~أموالهم على ما يأخذ من المسلمين وهو قول أهل العراق وأبي حنيفة وأصحابه ~~والثوري وهو قول الشافعي وقال مالك في النصراني إذا أعتقه المسلم فلا جزية ~~عليه ولو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ينفعه شيئا ولا تحفظ ~~عن مالك في بني تغلب شيئا وروى يحيى بن آدم قال حدثنا عبدالسلام عن أبي ~~إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود ms1841 بن كردوس عن عمارة بن النعمان أنه قال ~~لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قد علمت شوكتهم وأنهم بإزاء ~~العدو فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل ~~فصالحهم على أن لا يقسموا أولادهم في النصرانية وتضاعف عليهم الصدقة قال ~~وكان عمارة يقول قد فعلوا فلا عهد لهم وهذا PageV04P286 خبر مستفيض عند أهل ~~الكوفة وقد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا وهو مثل أخذ الجزية من أهل ~~السواد على الطبقات الثلاث ووضع الخراج على الأرضين ونحوها من العقود التي ~~عقدها على كافة الأمة فلم يختلفوا في نفاذها وجوازها وقد روي عن علي أنه ~~قال لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية وذلك إني ~~كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينصروا أولادهم ~~ولم يخالف عمر في ذلك أحد من الصحابة فانعقد به إجماعهم وثبت به اتفاقهم ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويعتقد عليهم أولهم ومعناه ~~والله يعلم جواز عقود أئمة العدل على الأمة فإن قيل أمر الله بأخذ الجزية ~~منهم فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ الصدقة منهم وإعفاؤهم من الجزية ~~قيل له الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما يقتضيه ظاهر لفظها وإنما هي جزاء ~~وعقوبة على إقامتهم على الكفر والجزاء لا يختص بمقدار دون غيره ولا بنوع من ~~المال دون ما سواه والمأخوذ من بني تغلب هو عندنا جزية ليست بصدقة وتوضع ~~موضع الفيء لأنه لا صدقة لهم إذ كان سبيل الصدقة وقوعها على وجه القربة ولا ~~قربة لهم وقد قال بنو تغلب نؤدي الصدقة ومضاعفة ولا نقبل أداء الجزية فقال ~~عمر هو عندنا جزية وسموها أنتم ما شئتم فأخبر عمر أنها جزية وإن كانت حقا ~~مأخوذا من مواشيهم وزرعهم فإن قيل لو كانت جزية لما أخذت من نسائهم لأن ~~النساء لا جزية عليهم قيل له يجوز أخذ ms1842 الجزية من النساء على وجه الصلح كما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بعض أمرائه على بعض بلدان اليمن ~~أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا أو عدله من المعافر وقال أصحابنا تؤخذ ~~من موالي بني تغلب إذا كانوا كفارا الجزية ولا تضاعف عليهم الحقوق في ~~أموالهم لأن عمر إنما صالح بني تغلب على ذلك ولم يذكر فيه الموالي فمواليهم ~~باقون على حكم سائر أهل الذمة في أخذ جزية الرؤس منهم على الطبقات المعلومة ~~وليس بواجب أن يكونوا في حكم مواليهم كما أن المسلم إذا أعتق عبدا نصرانيا ~~لا يكون في حكم مولاه في باب سقوط الجزية عنه فإن قيل قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موالي القوم من أنفسهم قيل له مراده أنه منهم في الانتساب ~~إليهم نحو مولى بني هاشم يسمى هاشميا ومولى بني تميم يسمى تميميا وفي ~~النصرة والعقل كما يعقل عنه ذوي الأنساب فهذا معنى قوله مولي القوم منهم ~~ولا دلالة فيه على أن حكمه PageV04P287 حكمهم في إيجاب الجزية وسقوطها وأما ~~شرط عمر عليهم أن لا يغمسوا أولادهم في النصرانية فإنه قد روي في بعض ~~الأخبار أنه شرط أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية إذا أرادوا الإسلام ~~فإنما شرط عليهم بذلك أنه ليس لهم أن يمنعوا أولادهم الإسلام إذا أرادوه ~~وقد حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال سمعت ~~أبا عبيد يقول كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد فقام الناس كلهم إلا ~~محمد بن الحسن فإنه لم يقم وكان الحسن بن زياد معتل القلب على محمد بن ~~الحسن فقام ودخل ودخل الناس من أصحاب الخليفة فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج ~~الإذن فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس ~~مسرورا قال قال لي مالك لم تقم مع الناس قال كرهت أن أخرج عن الطبقة التي ~~جعلتني فيها إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي ms1843 خارجة ~~منه وإن ابن عمك صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يميل له الرجال قياما ~~فليتبوأ مقعده من النار وأنه إنما أراد بذلك العلماء فمن قام بحق الخدمة ~~وإعزاز الملك فهو هبة للعدو ومن قعد اتباعا للسنة التي عنكم أخذت فهو زين ~~لكم قال صدقت يا محمد ثم شاورني فقال إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على ~~أن لا ينصروا أولادهم وقد نصروا أبناءهم وحلت بذلك دماءهم فما ترى قال قلت ~~إن عمر أمرهم بذلك وقد نصروا أولادهم بعد عمر واحتمل ذلك عثمان وابن عمك ~~وكان من العلم بما لا خفا به عليك وجرت بذلك السنن فهم أصلح من الخلفاء ~~بعده ولا شيء يلحقك في ذلك وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى قال لا ولكنا ~~نجريه على ما أجروه إن شاء الله إن الله جل اسمه أمر نبيه بالمشهور تمام ~~المائة التي جعلها الله له فكان يشاور في أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله ~~ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك وقد أمرت لك بشيء ~~تفرقه على اصحابك قال فخرج له مال كثير ففرقه قال أبو بكر فهذا الذي ذكره ~~محمد في إقرار الخلفاء بني تغلب على ما هم عليه من صبغهم أولادهم في ~~النصرانية حجة في تركهم على ما هم عليه وأنهم بمنزلة سائر النصارى فلا ~~تخلوا مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية من أحد معنيين ~~إما أن يكون مراده وأن لا يكرهوهم على الكفر إذا أرادوا الإسلام وأن ~~ينشئوهم على الكفر من صغرهم فإن اراد الأول فإنه لم يثبت أنهم منعوا أحدا ~~من أولادهم التابعين من الإسلام وأكرهوهم على الكفر فيصيروا به ناقضين ~~للعهد وخالعين للذمة وإن كان المراد PageV04P288 الوجه الثاني فإن عليا ~~وعثمان لم يعترضوا عليهم ولم يقتلوهم وأما قول مالك في العبد النصراني إذا ~~أعتقه المسلم أنه لا جزية عليه فترك لظاهر الآية بغير دلالة إذ لا فرق بين ~~من أعتقه مسلم وبين سائر الكفار الذين لم يعتقوا ms1844 وأما قوله لو جعلت عليه ~~الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ينفعه شيئا فليس كذلك لأنه في حال الرق ~~إنما لم تلزمه الجزية لأن ماله لمولاه والمولى المسلم لا يجوز أخذ الجزية ~~منه والجزية إنما تؤخذ من مال الكفار عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر ~~والعبد لا مال له فتؤخذ منه فإذا عتق وملك المال وجبت الجزية وأخذنا الجزية ~~منه لم يسلبه منافع العتق في جواز التصرف على نفسه وزوال ملك المولى وأمره ~~عنه وتمليكه سائر أمواله وإنما الجزية جزء يسير من ماله قد حقن بها دمه ~~فمنفعة العتق حاصلة له # | باب من تؤخذ منه الجزية # قال الله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله @QE@ إلى قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون @QE@ فكان معقولا من فحوى الآية ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان ~~منهم من أهل القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال إذ ~~القتال لا يكون إلا بين اثنين ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه وإذا كان ~~كذلك ثبت أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال ومن يمكنه أداؤه من ~~المحترفين ولذلك قال أصحابنا إن من لم يكن من أهل القتال فلا جزية عليه ~~فقالوا من كان أعمى أو زمنا أو مفلوجا أو شيخا كبيرا فانيا وهو موسر فلا ~~جزية عليه وهو قولهم جميعا في الرواية المشهورة وروي عن أبي يوسف في الأعمى ~~والزمن والشيخ الكبير أن عليهم الجزية إذا كانوا موسرين وروي عنه مثل قول ~~أبي حنيفة وروى ابن رستم عن محمد في نوادره قال قلت أرأيت أهل الذمة من بني ~~تغلب وغيرهم ليس لهم حرفة ولا مال ولا يقدرون على شيء قال لا شيء عليهم قال ~~محمد وإنما يوضع الخراج على الغني والمعتمل منهم وقال محمد في النصراني ~~يكتسب ولا يفضل له شيء عن عياله إنه لا يؤخذ بخراج رأسه وقالوا في أصحاب ~~الصوامع والسياحين إذا كانوا لا يخالطون الناس فعليهم الجزية ms1845 وكذلك النساء ~~والصبيان لا جزية عليهم إذ ليسوا من أهل PageV04P289 القتال وروى أيوب ~~وغيره عن نافع عن أسلم قال كتب عمر إلى أمراء الجيوس أن لا يقاتلوا إلا من ~~قاتلهم ولا يقتلوا النساء والصبيان ولا يقتلوا إلا من جرت عليه المواسي ~~وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان ~~ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي وروى عاصم عن أبي وائل عن مسروق ~~عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني ~~أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر وأما مقدار الجزية قال الله ~~تعالى @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ فلم تكن في ظاهر الآية ~~دلالة على مقدار منها بعينه وقد اختلف الفقهاء في مقدارها فقال أصحابنا على ~~الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما وعلى ~~الفقير المعتمل اثنا عشر درهما وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك أربعة ~~دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغني والفقير سواء لا ~~يزاد ولا ينقص وقال الشافعي دينار على الغني والفقير وروى أبو إسحاق عن ~~حارثة بن مضرب قال بعث عمر بن الحطاب عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد ~~الخراج ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين درهما واثني عشر درهما وروى ~~الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ميمون قال بعث عمر بن الخطاب حذيفة ~~بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دون دجلة فأتياه ~~فسألهما كيف وضعتما على أهل الأرض قالا وضعنا على كل رجل أربعة دراهم في كل ~~شهر قال ومن يطيق هذا قالا إن لهم فضولا فذكر عمرو بن ميمون ثمانية وأربعون ~~درهما ولم يفصل الطبقات وذكر حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات الثلاث فالواجب ~~أن يحمل ما في حديث عمرو بن ميمون على ان مراده أكثر ما وضع من الجزية وهو ~~ما على الطبقة العليا دون الوسطى والسفلى وروى مالك عن نافع ms1846 عن أسلم أن عمر ~~ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ~~أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة ايام وهذا نحو رواية عمرو بن ميمون لأن أرزاق ~~المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية وأربعون درهما فكان ~~الخبر الذي فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال لما فيه من الزيادة ~~وبيان حكم كل طبقة ولأن من وضعها على الطبقات فهو قائل بخبر الثمانية ~~والأربعين ومن اقتصر على الثمانية والأربعين فهو تارك للخبر الذي فيه ذكر ~~تمييز الطبقات وتخصيص كل واحد بمقدار منها واحتج من قال PageV04P290 بدينار ~~على الغني والفقير بماروى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه ~~إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر وهذا عندنا ~~فيما كان منه على وجه الصلح أو يكون ذلك جزية الفقراء منهم وذلك عندنا جائز ~~والدليل عليه ما روي في بعض أخبار معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ~~أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا ولا خلاف أن المرأة لا تأخذ منها ~~الجزية إلا أن يقع الصلح عليه وروى أبو عبيد عن جرير عن منصور عن الحكم قال ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ وهو باليمن أن في الحالم ~~والحالمة دينارا أو عدله من المعافر قال أبو عبيد وحدثنا عثمان بن صالح عن ~~عبدالله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال كتب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أهل اليمن أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا ~~ينقل عنها وعليه الجزية وعلى كل حالم ذكر أو أنثى عبدا أو أمة دينار أو ~~قيمته من المعافر ويدل على أن الجزية على الطبقات الثلاث أن خراج الأرضين ~~جعل على مقدار الطاقة واختلف بحسب اختلافها في الأرض وغلتها فجعل على بعضها ~~قفيزا ودرهما وعلى بعضها خمسة دراهم وعلى بعضها عشرة دراهم فوجب على ذلك أن ~~يكون كذلك حكم خراج الرؤس على قدر الإمكان ms1847 والطاقة ويدل على ذلك قول عمر ~~لحذيفة وعثمان بن حنيف لعلكما حملتما أهل الأرض مالا يطيقون فقالا بل تركنا ~~لهم فضلا وهذا يدل على أن الاعتبار بمقدار الطاقة وذلك يوجب اعتبار حالي ~~الإعسار واليسار وذكر يحيى بن آدم أن الجزية على مقدار الاحتمال بغير توقيت ~~وهو خلاف الإجماع وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا تجوز الزيادة في الجزية على ~~وظيفة عمر ويجوز النقصان على حسب الطاقة وقد روى الحكم عن عمرو بن ميمون ~~أنه شهد عمر يقول لعثمان بن حنيف والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض ~~قفيزا ودرهما وعلى كل رأس درهمين لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم قال وكانت ~~ثمانية وأربعين فجعلها خمسين واحتج من قال بجواز الزيادة بهذا الحديث وهذا ~~ليس بمشهور ولم تثبت به رواية واحتجوا أيضا بما روى أبو اليمان عن صفوان بن ~~عمرو عن عمرو بن عبدالعزيز أنه فرض على رهبان الديارات على كل راهب دينارين ~~وهذا عندنا على أنه ذاهب من الطبقة الوسطى فأوجب ذلك عليهم على ما رأى من ~~احتمالهم له كما روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال سألت مجاهدا لم ~~وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن قال لليسار ~~PageV04P291 # | في تمييز الطبقات # قال أبو يوسف في كتاب الخراج تؤخذ منهم على الطبقات على ما وصفت ثمانية ~~وأربعين على الموسر مثل الصيرفي والبزاز وصاحب الصنعة والتاجر والمعالج ~~والطبيب وكل من كان في يده منهم صنعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة ~~وتجارة على قدر صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون على الموسر وأربعة وعشرون ~~من المتوسط من احتملت صناعته ثمانية وأربعون أخذ منه ذلك ومن احتملت أربعة ~~وعشرين أخذ ذلك منه واثنا عشر على العامل بيده مثل الخياط والصباغ والجزار ~~والإسكاف ومن أشبههم فلم يعتبر الملك واعتبر الصنعات والتجارات على ما جرت ~~به عادة الناس في الموسر والمعسر منهم وذكر علي بن موسى القمي من غير أن ~~عزي ذلك إلى أحد ms1848 من أصحابنا أن الطبقة الأولى من يحترف وليس له ما يجب في ~~مثله الزكاة على المسلمين وهم الفقراء المحترفون فمن كان له أقل من مائتي ~~درهم فهم من أهل هذه الطبقة قال والطبقة الثانية أن يبلغ مال الرجل مائتي ~~درهم فما زاد إلى أربعة آلاف درهم لأن من له مائتا درهم غني تجب عليه ~~الزكاة لو كان مسلما فهو خارج عن طبقة الفقراء قال وإنما أخذنا اعتبار ~~الأربعة الآلاف من قول علي رضي الله عنه وابن عمر أربعة آلاف فما دونها ~~نفقة وما فوق ذلك فهو كثير قال وقد يجوز أن تجعل الطبقة الثانية من ملك ~~مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم وما زاد على ذلك فهو من الطبقة الثالثة لما ~~روى حماد بن سلمة عن طلحة بن عبدالله بن كريز عن أبي الضيف عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب بها ~~يوم القيامة وهذا الذي ذكره علي بن موسى القمي هو اجتهاد يسوغ القول به لمن ~~غلب في ظنه صوابه وقوله تعالى عن يد قال قتادة عن قهر كأنه ذهب في اليد إلى ~~القوة والقدرة والاستعلاء فكأنه قال على استعلاء منكم عليهم وقهرهم وقيل عن ~~يد يعني عن يد الكافر وإنما ذكر اليد ليفارق حال الغضب لأنه يعطيها بيده ~~راضيا بها حاقنا بها دمه فكأنه قال حتى يعطيها وهو راض بها ويحتمل عن يد عن ~~نعمة فيكون تقديره حتى يعطوا الجزية عن اعتراف منهم بالنعمة فيها بقبولها ~~منهم وقال بعضهم عن يد يعني عن نقد من قولهم يدا بيد وقال أبو عبيدة معمر ~~بن المثنى كل من أطاع لقاهر بشيء أعطاه عن طيب نفس وقهر له من يد في يده ~~فقد أعطاه عن يد قال والصاغر الذليل الحقير وقوله وهم صاغرون قال ابن عباس ~~يمشون PageV04P292 بها ملبين وقال سلمان مذمومين غير محمودين وقيل إنما كان ~~صغارا لأنها مستحقة عليهم يؤخذون بها ولا يثابون عليها وقال عكرمة الصغار ~~إعطاء ms1849 الجزية قائما والآخذ جالس وقيل الصغار الذل ويجوز أن يكون المراد به ~~الذلة التي ضربها الله عليهم بقوله @QB@ ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس @QE@ والحبل الذمة التي عهدها الله لهم وأمر ~~المسلمين بها فيهم وروى عبدالكريم الجزري عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب ~~أن يتعب الأنباط في الجزية إذا أخذت منهم قال أبو بكر ولم يرد بذلك تعذيبهم ~~ولا تكليفهم فوق طاقتهم وإنما أراد الإستخفاف بهم وإذلالهم وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق بن الحسن حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا ~~سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا مطير قال حدثنا يوسف الصفار قال حدثنا أبو بكر ~~بن عياش عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تصافحوا اليهود والنصارى فهذا كله من الصغار الذي ألبس الله الكفار ~~بكفرهم ونحوه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ~~الآية وقال لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم فنهى في هذه الآيات عن موالاة الكفار وإكرامهم وأمر ~~بإهانتهم وإذلالهم ونهى عن الإستعانة بهم في أمور المسلمين لما فيه من العز ~~وعلو اليد وكذلك كتب عمر إلى أبي موسى ينهاه أن يستعين بأحد من أهل الشرك ~~في كتابته وتلا قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا وقال ~~لا تردوهم إلى العز بعد إذلالهم الله وقوله تعالى @QB@ حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون @QE@ قد اقتضى وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه ~~الصغار والذلة فغير جائز على هذه القضية أن تكون لهم ذمة إذا تسلطوا على ~~المسلمين بالولايات ونفاذ الأمر والنهي إذ كان الله إنما جعل لهم الذمة ~~وحقن دماءهم بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين فواجب على هذا قتل ms1850 من تسلط على ~~المسلمين بالغصوب وأخذ الضرائب والظلم سواء كان السلطان ولاه ذلك أو فعله ~~بغير أمر السلطان وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال ~~السلطان وظهر منهم ظلم واستعلاء على المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن ~~دماءهم مباحة وإن كان آخذ الضرائب ممن ينتحل الإسلام والقعود على المراصيد ~~لأخذ أموال PageV04P293 الناس يوجب إباحة دمائهم إذ كانوا بمنزلة قطاع ~~الطريق ومن قصد إنسانا لأخذ ماله فلا خلاف بين الفقهاء أن له قتله وكذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم من طلب ماله فقاتل فقتل فهو شهيد وفي خبر آخر ~~من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو ~~شيهد فإذا كان هذا حكم من طلب أخذ مال غيره غصبا وهو ممن ينتحل الإسلام ~~فالذمي إذا فعل ذلك استحق القتل من وجهين أحدها ما اقتضاه ظاهر الآية من ~~وجوب قتله والآخر قصده المسلم بأخذ ماله ظلما # | باب وقت وجوب الجزية # قال الله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله @QE@ إلى قوله @QB@ ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ فأوجب قتالهم وجعل إعطاء الجزية ~~غاية لرفعه عنهم لأن حتى غاية هذا حقيقة اللفظ والمفهوم من ظاهره ألا ترى ~~أن قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن قد حظر إباحة قربهن إلا بعد وجود طهرهن ~~وكذلك المفهوم من قول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار منع الإعطاء ~~إلا بعد دخوله فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل الكتاب مزيلة ذلك عنهم ~~بإعطاء الجزية وهذا يدل على أن الجزية قد وجبت بعقد الذمة وكذلك كان يقول ~~أبو الحسن الكرخي وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف قال لا تؤخذ من الذمي الجزية ~~حتى تدل السنة ويمضي شهران منها بعض ما عليه بشهرين ونحو ذلك يعامل في ~~الجزية بمنزلة الضريبة كلما كان يمضي شهران أو نحو ذلك أخذت منه قال أبو ~~بكر يعني بالضريبة الأجرة في الإجارات قال أبو يوسف ولا يؤخذ ذلك منه حين ~~تدخل ms1851 السنة ولا يؤخذ ذلك منه حتى تتم السنة ولكن يعامل ذلك على سنته قال ~~أبو بكر ذكره للشهرين إنما هو توفية وهي واجبة بإقرارنا إياها على الذمة ~~لما تضمنه ظاهر الآية وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في ~~الذمي يؤخذ منه خراج رأسه في سنته ما دام فيها فإذا انقضت السنة لم يؤخذ ~~منه وهذا يدل من قول أبي حنيفة على أنه رآها واجبة بعقد الذمة لهم وأن ~~تأخيرها بعض السنة إنما هو توفية للواجب وتوسعة ألا ترى أنه قال فإذا انقضت ~~السنة لم يؤخذ منه لأن دخول السنة الثانية يوجب جزية أخرى فإذا اجتمعتا ~~سقطت إحداهما وعن أبي يوسف ومحمد اجتماعهما لا يسقط إحداهما وجه قول أبي ~~حنيفة أن الجزية واجبة على وجه العقوبة لإقامتهم على الكفر مع PageV04P294 ~~كونهم من أهل القتال وحق الأخذ فيها إلى الإمام فأشبهت الحدود إذ كانت ~~مستحقة في الأصل على وجه العقوبة وحق الأخذ إلى الإمام فلما كان اجتماع ~~الحدود من جنس واحد يوجب الاقتصار على واحد منهما مثل أن يزني مرارا أو ~~يسرق مرارا ثم يرفع إلى الإمام فلا يجب إلا حد واحد بجميع الأفعال كذلك حكم ~~الجزية إذ كانت مستحقة على وجه العقوبة بل هي أخف أمرا وأضعف حالا من ~~الحدود لأنه لا خلاف بين أصحابنا إن إسلامه يسقطها ولا تسقط الحدود ~~بالإسلام فإن قيل لما كان ذلك دينا وحقا في مال المسلمين لم يسقطه اجتماعه ~~كالديون وخراج الأرضين قيل له خراج الأرضين ليس بصغار ولا عقوبة والدليل ~~عليه أنه يؤخذ من المسلمين والجزية لا تؤخذ من مسلم وقد روي نحو قول أبي ~~حنيفة عن طاوس وروى ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس قال إذا تداركت ~~صدقات فلا تؤخذ الأولى كالجزية وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم وقد ~~وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها فقال أصحابنا لا يؤخذ وهو قول مالك وعبيدالله ~~بن الحسن وقال ابن شبرمة والشافعي إذا أسلم في بعض السنة أخذ منه ms1852 بحساب ذلك ~~والدليل على أن الإسلام يسقط ما وجب من الجزية قوله تعالى @QB@ قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله @QE@ إلى قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون @QE@ فانتظمت هذه الآية الدلالة من وجهين على صحة ما قلنا أحدهما ~~الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله لإقامته على الكفر إن لم يؤدها ومتى أسلم ~~لم يجب قتاله فلا جزية عليه والوجه الثاني قوله تعالى عن يد وهم صاغرون ~~فأمر بأخذها منهم على وجه الصغار والذلة وهذا المعنى معدوم بعد الإسلام إذ ~~غير ممكن أخذها على هذا الوجه ومتى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية ~~لأن الجزية هي ما أخذ على وجه الصغار وقد روى الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان ~~عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على مسلم ~~جزية فنفى صلى الله عليه وسلم أخذها من المسلم ولم يفرق بين ما وجب عليه في ~~حال الكفر وبين ما لم يجب بعد الإسلام فوجب بظاهر ذلك إسقاط الجزية عنه ~~بالإسلام ويدل على سقوطها أن الجزية والجزاء واحد ومعناه جزاء الإقامة على ~~الكفر ممن كان من أهل القتال فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على ~~الكفر إذ غير جائز عقاب التائب في حال المهلة وبقاء التكليف ولهذا الاعتبار ~~أسقطها أصحابنا بالموت لفوات أخذها منه على وجه الصغار بعد موته فلا يكون ~~ما يأخذه جزية وعلى هذا قالوا فيمن وجبت PageV04P295 عليه زكاة ماله ~~ومواشيه فمات أنها تسقط ولا يأخذها الإمام منه لأن سبيل أخذها وموضوعها في ~~الأصل سبيل العبادات يسقطها الموت وقالوا فيمن وجبت عليه نفقة امرأته بفرض ~~القاضي فمات أو ماتت أنها تسقط لأن موضوعها عندهم موضوع الصلة إذ ليست بدلا ~~عن شيء ومعنى الصلة لا يتأتى بعد الموت فأسقطوها لهذه العلة فإن قيل الحدود ~~واجبة على وجه العقوبة والتوبة لا تسقطها وكذلك لو أن ذميا اسلم وقد زنى أو ~~سرق في حال كفره لم يكن إسلامه وتوبته مسقطين لحده وإن كان وجوب الحد ms1853 في ~~الأصل على وجه العقوبة والتائب لا يستحق العقاب على فعل قد صحت منه توبته ~~قيل له أما الحد الذي كان واجبا على وجه العقوبة فقد سقط بالتوبة وما توجبه ~~بعدها ليس هو الحد المستحق على وجه العقوبة بل هو حج واجب على وجه المحنة ~~بدلالة قامت لنا على وجوبه غير الدلالة الموجبة للحد الأول على وجه العقوبة ~~فإن قامت دلالة على وجوب أخذ المال منه بعد إسلامه لا على وجه الجزية ~~والعقوبة لما ناب إيجابه إلا أنه لا يكون جزية لأن اسم الجزية يتضمن كونها ~~عقوبة وأنت فإنما تزعم أنه تؤخذ منه الجزية بعد إسلامه فإن اعترفت بأن ~~المأخوذ منه غير جزية وأن الجزية التي كانت واجبة قد سقطت وإنما يجب مال ~~آخر غير الجزية فإنما أنت رجل سمتنا إيجاب مال على مسلم من غير سبب يقتضي ~~إيجابه وهذا لا نسلم لك به إلا بدلالة وقد روى المسعودي عن محمد بن عبدالله ~~الثقفي أن دهقانا أسلم فقام إلى علي رضي الله عنه فقال له علي أما أنت فلا ~~جزية عليك وأما أرضك فلنا وفي لفظ آخر إن تحولت عنها فنحن أحق بها وروى ~~معمر عن أيوب عن محمد قال أسلم رجل فأخذ بالخراج وقيل له إنك متعود ~~بالإسلام فقال إن في الإسلام لمعاذا إن فعلت فقال عمر أجل والله إن في ~~الإسلام معاذا إن فعل فرفع عنه الجزية وروى حماد بن سلمة عن حميد قال كتب ~~عمر بن عبدالعزيز من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا منه ~~الجزية فلم يفرق هؤلاء السلف بين الجزية الواجبة قبل الإسلام وبين حاله بعد ~~الإسلام في نفيها عن كل مسلم وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من ~~أهل الذمة ويذهبون إلى أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فلا يسقط إسلام العبد ~~ضريبته وهذا خلل في جنب ما ارتكبوه من المسلمين ونقض الإسلام عروة عروة إلى ~~أن ولي عمر بن عبدالعزيز فكتب إلى عامله بالعراق عبدالحميد بن عبدالرحمن ~~أما بعد فإن الله ms1854 PageV04P296 بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ولم ~~يبعثه جابيا فإذا أتاك كتابي هذا فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فلما ~~ولي هشام بن عبدالملك أعادها على المسلمين وكان أحد الأسباب التي لها ~~استجاز القراء والفقهاء قتال عبدالملك بن مروان والحجاج لعنهما الله أخذهم ~~الجزية من المسلمين ثم صار ذلك ايضا أحد أسباب زوال دولتهم وسلب نعمتهم ~~وروى عبدالله بن صالح قال حدثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال ~~أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث خصال قتلهم عثمان وأحراقهم الكعبة ~~وأخذهم الجزية من المسلمين وأما قولهم أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فليس ~~ببدع هذا من جهلهم إذ قد جهلوا من أمور الإسلام ما هو أعظم منه وذلك لأن ~~أهل الذمة ليسوا عبيدا ولو كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بإسلامهم لأن ~~إسلام العبد لا يزيل رقه وإنما الجزية عقوبة عوقبوا بها لإقامتهم على الكفر ~~فمتى أسلموا لم يجز أن يعاقبوا بأخذها منهم ألا ترى أن العبد النصراني لا ~~تؤخذ منه الجزية فلو كان أهل الذمة عبيدا لما أخذ منهم الجزية # | في خراج الأرض هل هو جزية # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في خراج الأرضين هل هوصغار وهل يكره للمسلم ~~أن يملك أرض الخراج فروي عن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين كراهته ~~ورواه داخلا في آية الجزية وهو قول الحسن بن حي وشريك وقال آخرون الجزية ~~إنما هي خراج الرءوس ولا يكره للمسلم أن يشتري أرض خراج وليس ذلك بصغار وهو ~~قول أصحابنا وابن أبي ليلى وروي عن عبدالله بن مسعود ما يدل على أنه لم ~~يكرهه وهو ما روى شعبة عن الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل من طي عن أبيه عن ~~عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا الضيعة ~~فترغبوا في الدنيا قال عبدالله وبراذان ما براذان وبالمدينة ما بالمدينة ~~يعني أن له ضيعة براذان وضيعة بالمدينة ومعلوم أن راذان من الأرض الخراج ms1855 ~~فلم يكره عبدالله ملك أرض الخراج وروي عن عمر بن الخطاب في دهقانة نهر ~~الملك حين أسلمت إن أقامت على أرضها أخذنا منها الخراج وروي أن ابن الرفيل ~~أسلم فقال مثل ذلك وعن علي في رجل من أهل الأرض أسلم فقال إن أقمت على ارضك ~~أخذنا منك الخراج وإلا فنحن أولى بها وروي عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ~~مثل ذلك وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال منعت PageV04P297 العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها ~~ودينارها ومنعت مصرا أردبها وعدتم كما بدأتم ثلاث مرات يشهد على ذلك لحم ~~أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ودمه وهذا يدل على أن خراج الأرض ليس بصغار ~~من وجهين أحدهما أنه لم يكره لهم ملك أرض الخراج التي عليها قفيز ودرهم ولو ~~كان ذلك مكروها لذكره والثاني أنه أخبر عن منعهم لحق الله المفترض عليهم ~~بالإسلام وهو معنى قوله عدتم كما بدأتم يعني في منع حق الله فدل على أنه ~~كسائر الحقوق اللازمة لله تعالى مثل الزكوات والكفارات لا على وجه الصغار ~~والذلة وأيضا لم يختلفوا أن الإسلام يسقط جزية الرءوس ولا يسقط عن الأرض ~~فلو كان صغارا لأسقطه الإسلام فإن قيل لما كان خراج الأرضين فيا وكذلك جزية ~~الرءوس دل على أنه صغار قيل له ليس كذلك لأن من الفيء ما يصرف إلى الغانمين ~~ومنه ما يصرف إلى الفقراء والمساكين وهو الخمس وهذا كلام في الوجه الذي ~~يصرف فيه وليس يوجب ذلك أن يكون صغارا لأن الصغار في الفيء هو ما يبتدأ به ~~الذي يجب عليه فأما ما قد وجب في الأرض من الحق ثم ملكها مسلم فإن ملك ~~المسلم له لا يزيله إذ كان وجوبه فيها متقدم لملكه وهو حق لكافة المسلمين ~~ولم تكن الجزية صغارا من حيث كانت فيا وإنما كانت عقوبة وليس خرج الأرضين ~~على وجه العقوبة ألا ترى أن ارض الصبي والمعتوه يجب فيهما الخراج ولا تؤخذ ms1856 ~~منهما الجزية لأن الجزية عقوبة وخراج الأرضين ليس كذلك # فصل إن قال قائل من الملحدين كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء ~~الجزية بدلا من الإسلام قيل له ليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم ولا إباحة ~~لبقائهم على شركهم وإنما الجزية عقوبة لهم لإقامتهم على الكفر وتبقيتهم على ~~كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم إذ ليس في العقل إيجاب ~~قتلهم لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يبقى الله كافرا طرفة عين فإذا بقاهم ~~لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم واستمالة ~~لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم إذ كان في علم الله أن منهم من ~~يؤمن ومنهم من يكون من نسله من يؤمن بالله فكان في ذلك أعظم المصلحة مع ما ~~للمسلمين فيها من المرفق والمنفعة فليس إذا في إقرارهم على الكفر وترك ~~قتلهم بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم ولا الإباحة لاعتقادهم وشركهم فكذلك ~~إمهالهم بالجزية جائز في العقل إذ ليس فيه أكثر من تعجيل بعض عقابهم ~~المستحق بكفرهم وهو ما يلحقهم من PageV04P298 الذل والصغار بأدائها قوله ~~تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله @QE@ ~~قيل إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك والدليل على ذلك أن اليهود قد سمعت ~~ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره وهو كقول القائل الخوارج ~~ترى الاستعراض وقتل الأطفال والمراد فرقة منهم لا جميعهم وكقولك جاءني بنو ~~تميم والمراد بعضهم قال ابن عباس قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن ~~قيس ومالك بن الصيف فأنزل الله تعالى هذه الآية وليس في اليهود من يقول ذلك ~~الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت قوله تعالى @QB@ ~~يضاهئون قول الذين كفروا من قبل @QE@ يعني يشابهونهم ومنه امرأة ضهياء للتي ~~لا تحيض لأنها أشبهت الرجال من هذا الوجه فساوى المشركين الذين جعلوا ms1857 ~~الأصنام شركاء لله سبحانه وتعالى لأن هؤلاء جعلوا المسيح وعزيرا اللذين هما ~~خلقان لله ولدين له وشريكين كما جعل أولئك الأصنام المخلوقة شركاء لله ~~تعالى قال ابن عباس الذين كفروا من قبل يعني به عبدة الأوثان الذين عبدوا ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وقيل إنهم يضاهئونهم لأن أولئك قالوا ~~الملائكة بنات الله وقال هؤلاء عزير ومسيح ابنا الله وقيل يضاهئونهم في ~~تقليد أسلافهم وقوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم يعني أنه لا يرجع إلى معنى ~~صحيح ولا حقيقة له ولا محصول أكثر من وجوده في أفواههم وقوله قاتلهم الله ~~قال ابن عباس لعنهم الله وقيل إن معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله أي ~~أعفاه الله من السوء وقيل إنه جعل كالقاتل لغيره في عداوة الله عز وجل قوله ~~تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم قيل إن ~~الحبر العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها يقال فيه حبر ~~وحبير والراهب الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية يقال راهب ورهبان وقد صار ~~مستعملا في متنسكي النصارى وقوله أربابا من دون الله قيل فيه وجهان أحدهما ~~أنهم كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وروي ~~في حديث عدي بن حاتم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال فتلا النبي صلى ~~الله عليه وسلم @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ قال ~~قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أليس كانوا إذا حرموا عليهم ~~شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه قال قلت نعم قال فتلك عبادتهم إياهم ~~ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم PageV04P299 بالمصالح ~~ثم قلدوا أحبارهم هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم وقبلوه منهم ~~وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل صاروا متخذين لهم أربابا إذ نزلوهم في ~~قبول ذلك منهم منزلة الأرباب وقيل إن معناه إنهم عظموهم كتعظيم الرب لأنهم ~~يسجدون لهم إذا رأوهم وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه غير الله تعالى فلما ~~فعلوا ms1858 ذلك فهم كانوا متخذين لهم أربابا قوله تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ فيه بشارة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين بنصرهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وهو إعلاؤه بالحجة ~~والغلبة وقهر أمته لسائر الأمم وقد وجد مخبره على ما أخبر به بظهور أمته ~~وعلوها على سائر الأمم المخالفة لدين الإسلام وفيه الدلالة على صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن القرآن كلام الله ومن عنده وذلك لأن مثله ~~لا يتفق للمتخرصين والكذابين مع كثرة ما في القرآن من الإخبار عن الغيوب إذ ~~لا يعلم الغيب إلا الله فهو إذا كلامه وخبره ولا ينزل الله كلامه إلا على ~~رسوله قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل @QE@ أكل المال بالباطل هو تملكه من الجهة ~~المحظورة وروي عن الحسن إنهم كانوا يأخذون الرشى في الحكم وذكر الأكل ~~والمراد وجوه المنافع والتصرف إذ كان أعظم منافعه الأكل والشرب وهو كقوله ~~تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والمراد سائر وجوه المنافع وكقوله ~~تعالى ولا تأكلوا أموالهم و إن الذين يأكلون أموال اليتامى قوله تعالى @QB@ ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ الآية يقتضي ~~ظاهره إيجاب إنفاق جميع المال لأن الوعيد لاحق بتارك إنفاق الجميع لقوله ~~ولا ينفقونها ولم يقل ولا ينفقون منها فإن قيل لو كان المراد الجميع لقال ~~ولا ينفقونهما قيل له لأن الكلام رجع إلى مدلول عليه كأنه قال ولا ينفقون ~~الكنوز والآخر أن يكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز كقوله تعالى وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها قال الشاعر % نحن بما عندنا وأنت بما % عندك ~~راض والرأي مختلف % والمعنى راضون والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه ~~لو رجع إلى أحدهما دون الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا ~~لا معنى له إذ كان قوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ مفتقرا إلى ~~خبر ألا ترى أنه يجوز الاقتصار عليه وقد روى في ms1859 معنى PageV04P300 ظاهر ~~الآية أخبار روى موسى بن عبيدة قال حدثني عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس ~~بن الحدثان عن أبي ذر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الإبل ~~صدقتها من جمع دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة لا يعده لغريم ولا ينفقه في ~~سبيل الله فهي كي يكوى بها يوم القيامة قال قلت أنظر ما يجيء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن هذه الأموال قد فشت في الناس فقال أما تقرأ القرآن ~~والذين يكنزون الذهب والفضة الآية فاقتضى ظاهره أن في الإبل صدقتها لا ~~جميعها وهي الصدقة المفروضة وفي الذهب والفضة إخراج جميعهما وكذلك كان مذهب ~~أبي ذر رحمة الله عليه أنه لا يجوز ادخار الذهب والفضة وروى محمد بن عمر عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أحب أن لي ~~مثل أحد ذهبا يمر على ثلاثة وعندي منه شيء أن لا أجد أحدا يقبله مني صدقة ~~إلا أن أرصده لدين علي فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يحب ذلك لنفسه واختار إنفاقه ولم يذكر وعيد تارك إنفاقه وروى قتادة عن شهر ~~بن حوشب عن أبي أمامة قال توفي رجل من أهل الصفة فوجد معه دينار فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم كية وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه ~~أخذ الدينار من غير حله أو منعه من حقه أو سأله غيره بإظهار الفاقة مع غناه ~~عنه كما روي عنه صلى الله عليه وسلم من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر ~~جهنم فقلنا وما غناه يا رسول الله قال أن يكون عند أهله ما يغديهم ويعشيهم ~~وكان ذلك في وقت شدة الحاجة وضيق العيش ووجوب المواساة من بعضها لبعض وقد ~~روي عن عمر بن عبد العزيز أنها منسوخة بقوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم @QE@ قال أبو بكر قد ثبت عن النبي صلى الله ms1860 عليه وسلم بالنقل ~~المستفيض إيجابه في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار كما ~~أوجب فرائض المواشي ولم يوجب الكل فلو كان إخراج الكل واجبا من الذهب ~~والفضة لما كان للتقدير وجه وأيضا فقد كان في الصحابة قوم ذوو يسار ظاهر ~~وأموال جمة مثل عثمان وعبدالرحمن بن عوف وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~منهم فلم يأمرهم بإخراج الجميع فثبت أن إخراج الجميع الذهب والفضة غير واجب ~~وأن المفروض إخراجه هو الزكاة إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو ~~الجائع المضطر والعاري المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه وقد روى ~~شريك عن أبي حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ PageV04P301 الآية وقوله تعالى ولا ~~ينفقونها في سبيل الله يحتمل أن يريد به ولا ينفقون منها فحذف من وهو ~~يريدها وقد بينه بقوله خذ من أموالهم صدقة فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه ~~وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول إذ جائز أن يكون مراده ولا ينفقون منها وأما ~~الكنز فهو في اللغة كبس الشيء بعضه على بعض قال الهذلي % لا در درى إن ~~أطعمت نازلكم % قرف الحتى وعندي البر مكنوز % $ ويقال كنزت التمر إذا كبسته ~~في القوصرة وهو في الشرع لما لم يؤد زكاته وروى عن عمر وابن عباس وابن عمر ~~والحسن وعامر والسدي قالوا ما لم يؤد زكاته فهو كنز فمنهم من قال وإن كان ~~ظاهرا وما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا ومعلوم أن أسماء الشرع لا ~~تؤخذ إلا توقيفا فثبت أن الكنز اسم لما لم يؤد زكاته المفروضة وإذا كان ~~كذلك كان تقدير قوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ الذين لا يؤدون ~~زكاة الذهب والفضة ولا ينفقونها يعني الزكاة في سبيل الله فلم تقتض الآية ~~إلا وجوب الزكاة فحسب وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ms1861 أبو داود قال حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان عن ~~جعفر بن إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية والذين يكنزون ~~الذهب والفضة كبر ذلك على المسلمين فقال عمر أنا أفرج عنكم فانطلق فقال يا ~~نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون ~~لمن بعدكم قال فكبر عمر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم ~~بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته ~~وإذا غاب عنها حفظته فأخبر في هذا الحديث أن المراد إنفاق بعض المال لا ~~جميعه وأن قوله والذين يكنزون المراد به منع الزكاة وروي ابن لهيعة قال ~~حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك فأخبر في هذا الحديث ~~أيضا أن الحق الواجب في المال هو الزكاة وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدي ~~زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى به جنبه وجبينه حتى يحكم ~~الله بين عباده فأخبر في هذا الحديث أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون ~~غيره وإنه لا يجب جميعه وقوله فيحمى بها جنبه وجبهته يدل على أنه أراد معنى ~~قوله PageV04P302 @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم @QE@ يعني لم تؤدوا ~~زكاته وحدثنا عبدالباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا عبدالله بن صالح حدثنا ~~عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذي لا يؤدي زكاته يمثل له شجاع أقرع له ~~زبيبتان يلزمه ms1862 أو يطوقه فيقول أنا كنزك أنا كنزك فأخبر أن المال الذي لا ~~تؤدى زكاته هو الكنز ولما ثبت بما وصفنا أن قوله @QB@ والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ مراده منع الزكاة أوجب عمومه إيجاب ~~الزكاة في سائر الذهب والفقضة إذ كان الله إنما علق الحكم فيهما بالاسم ~~فاقتضى إيجاب الزكاة فيهما بوجود الاسم دون الصنعة فمن كان عنده ذهب مصوغ ~~أو مضروب أو تبر أو فضة كذلك فعليه زكاته بعموم اللفظ ويدل أيضا على وجوب ~~ضم الذهب إلى الفضة لإيجابه الحق فيهما مجموعين في قوله @QB@ والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ وقد اختلف الفقهاء في زكاة ~~الحلى فأوجب أصحابنا فيه الزكاة وروى مثله عن عمر وابن مسعود رواه سفيان ~~الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وروي عن جابر وابن عمر ~~وعائشة لا زكاة في الحلى وهو قول مالك والشافعي وروي عن أنس بن مالك أن ~~الحلى تزكى مرة واحدة ولا تزكى بعد ذلك وقد ذكرنا وجه دلالة الآية على ~~وجوبها في الحلى لشمول الاسم له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار ~~في إيجاب زكاة الحلى منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى امرأتين في أيديهما سواران من ذهب فقال أتعطين زكاة هذا ~~قالت لا قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فأوجب ~~الزكاة في السوار وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن ~~عيسى قال حدثنا عتاب عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة قالت كنت ألبس ~~أوضاحا من ذهب فقلت يا رسول الله أكنز هو فقال ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي ~~فليس يكنز وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكان الحلى والآخر أن ~~الكنز ما لم تؤد زكاته وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~محمد بن إدريس الرازي حدثنا عمرو بن ms1863 الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب عن ~~عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبدالله ابن شداد ~~بن الهاد أنه قال دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت دخل ~~علي رسول الله PageV04P303 ص = فرأى في يدي فتحات من ورق فقال ما هذا يا ~~عائشة فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال أتؤدين زكاتهن قلت لا أو ما ~~شاء الله قال هو حسبك من النار فانتظم هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكاة ~~الحلي والآخر أن المصوغ يسمى ورقا لأنها قالت فتحات من ورق فاقتضى ظاهر ~~قوله في الرقة ربع العشر إيجاب الزكاة في الحلي لأن الرقة والورق واحد ويدل ~~عليه من جهة النظر أن الذهب والفضة يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأعيانهما في ~~ملك من كان من أهل الزكاة لا بمعنى ينضم إليهما والدليل عليه أن النقر ~~والسبائك تجب فيهما الزكاة وإن لم تكن مرصدة للنماء وفارقا بهذا غيرهما من ~~الأموال لأن غيرهما لا تجب الزكاة فيهما بوجود الملك إلا أن تكون مرصدة ~~للنماء فوجب أن لا يختلف حكم المصوغ والمضروب وأيضا لم يختلفوا أن الحلي ~~إذا كان في ملك الرجل تجب فيه الزكاة فكذلك إذا كان في ملك المرأة كالدراهم ~~والدنانير وأيضا لا يختلف حكم الرجل والمرأة فيما يلزمهما من الزكاة فوجب ~~أن لا يختلفا في الحلي فإن قيل الحلي كالنقر العوامل وثياب البذلة قيل له ~~قد بينا أن ما عداهما يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأن يكون مرصدا للنماء فما ~~لم يوجد هذا المعنى لم تجب والذهب والفضة لأعيانهما بدلالة الدراهم ~~والدنانير والنقر والسبائك إذا أراد بهما القنية والتبقية لا طلب النماء ~~وأيضا لما لم يكن للصنعة تأثير فيهما ولم يغير حكمهما في حال وجب أن لا ~~يختلف الحكم بوجود الصنعة وعدمها فإن قيل زكاة الحلي عاريته قيل له هذا غلط ~~لأن العارية غير واجبة والزكاة واجبة فبطل أن تكون العارية زكاة وأما قول ~~أنس بن مالك أن الزكاة تجب ms1864 في الحلي مرة واحدة فلا وجه له لأنه إذا كان من ~~جنس ما تجب فيه الزكاة وجبت في كل حول # فصل وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما فاقتضى ذلك ~~وجوب ضم بعضها إلى بعض وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا يضم أحدهما ~~إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكي واختلف أصحابنا في كيفيته فقال أبو ~~حنيفة يضم بالقيمة كالعروض وقال أبو يوسف ومحمد يضم بالأجزاء وقال ابن أبي ~~ليلى والشافعي لا يضمان وروي الضم عن الحسن وبكير بن عبدالله بن الأشج ~~وقتادة والدليل على وجوب الزكاة فيهما مجموعين قوله تعالى @QB@ والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ فأوجب الله تعالى ~~فيهما الزكاة مجموعين لأن قوله ولا ينفقونها قد PageV04P304 أراد به ~~إنفاقهما جميعا ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان في وجوب الحق فيهما وهو ~~ربع العشر فكانا بمنزلة العروض المختلفة إذا كانت للتجارة لما كان الواجب ~~فيها ربع العشر ضم بعضها إلى بعض مع اختلاف أجناسها وقد قال الشافعي فيمن ~~له مائة درهم وعرض للتجارة يساوي مائة درهم أن الزكاة واجبة عليه فضم العرض ~~إلى المائة مع اختلاف الجنسين لاتفاقهما في وجوب ربع العشر وليس الذهب ~~والفضة كالجنسين من الإبل والغنم لأن زكاتهما مختلفة فإن قيل زكاة خمس من ~~الإبل مثل زكاة أربعين شاة ولم يكن اتفاقهما في الحق الواجب موجبا لضم ~~أحدهما إلى الآخر قيل له لم نقل أن اتفاقهما في المقدار الواجب يوجب ضم ~~أحدهما إلى الآخر وإنما قلنا أن اتفاقهما في وجوب ربع العشر فيهما هوالمعنى ~~الموجب للضم كعروض التجارة عند اتفاقهما في وجوب ربع العشر وقت الضم والإبل ~~والغنم ليس الواجب فيهما ربع العشر لأن الشاة ليست ربع العشر من خمس من ~~الإبل ولا ربع العشر من أربعين شاتا أيضا لأنه جائز أن يكون الغنم خيارا ~~ويكون الواجب فيها شاة وسطا فيكون أقل من ربع عشرها فهذا إلزام ساقط فإن ~~احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس ms1865 أواق صدقة وذلك يوجب ~~الزكاة فيها سواء كان معها ذهب أو لم يكن قيل له كما لم يمنع قوله ليس فيما ~~دون خمس أواق صدقة وجوب ضم المائة إلى العروض وكان معناه عندك إذا لم يكن ~~معه غيره من العروض كذلك نقول نحن في ضمه إلى الذهب قوله تعالى @QB@ إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا @QE@ إلى قوله @QB@ حرم @QE@ لما قال تعالى ~~في مواضع أخر الحج أشهر معلومات وقال يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج فعلق بالشهور كثيرا من مصالح الدنيا والدين وبين في هذه الآية هذه ~~الشهور وإنما تجري على منهاج واحد لا يقدم المؤخر منها ولا يؤخر المقدم ~~وقال إن عدة الشهور عند الله وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن الله وضع هذه ~~الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض وأنزل ~~ذلك على أنبيائه في كتبه المنزلة وهو معنى قوله إن عدة الشهور عند الله ~~وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها ~~وتقديم المؤخر وتأخير المقدم في الأسماء منها وذكر ذلك لنا لنتبع أمر الله ~~فيها ونرفض ما كان عليه أمر الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها ~~وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم = PageV04P305 في حجة الوداع ما رواه ابن عمر وأبو بكرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بالعقبة أيها الناس إن الزمان قد استدار ~~قال ابن عمر فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وقال أبو بكرة ~~قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ~~ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وأن النسيء زيادة في الكفر الآية قال ابن ~~عمر وذلك إنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا ويجعلون المحرم ~~عاما حلالا وعاما حراما وكان النسيء من الشيطان فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1866 أن الزمان يعني زمان الشهور قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات ~~والأرض وأن كل شهر قد عاد إلى الموضع الذي وضعه الله به على ترتيبه ونظامه ~~وقد ذكر لي بعض أولاد بني المنجم أن جده وهو أحسب محمد بن موسى المنجم الذي ~~ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتداء خلق الله السموات والأرض فوجدها قد ~~عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع لأن خطبته هذه كانت بمنى يوم ~~النحر عند العقبة وإنه حسب ذلك في ثماني سنين فكان ذلك اليوم العاشر من ذي ~~الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور والشمس والقمر في ذلك اليوم في ~~الموضع الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد عاد الزمان إليه مع ~~النسيء بالذي قد كان أهل الجاهلية ينسئون وتغيير أسماء الشهور ولذلك لم تكن ~~السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج فيه وإنما قال ~~رجب مضر بين جمادى وشعبان دون رمضان الذي يسميه ربيعة رجب وأما الوجه الآخر ~~في معنى قوله @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله @QE@ ~~فهو أن الله قسم الزمان اثني عشر قسما فجعل نزول الشمس في كل برج من البروج ~~الإثني عشر قسما منها فيكون قطعها للفلك في ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع ~~يوم فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر قسم الأزمنة أيضا على ~~مسير القمر فصار القمر يقطع الفلك في تسعة وعشرين يوما ونصف يوم وجعل السنة ~~القمرية ثلثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم فكان قطع الشمس للبرج مقاربا ~~لقطع القمر للفلك كله وهذا معنى قوله تعالى الشمس والقمر بحسبان وقال تعالى ~~@QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب @QE@ فلما PageV04P306 ~~كانت السنة مقسومة على نزول الشمس في البروج الإثني عشر وان شهورها اثني ~~عشر ms1867 واختلفت السنة الشمسية والقمرية في البروج الإثني عشر وكانت شهورها ~~اثني عشر واختلفت السنة الشمسية والقمرية في الكسر الذي بينهما وهو أحد عشر ~~يوما بالتقريب وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين فيما يتعلق بها من ~~أحكام الشرع ولم يكن لنصف اليوم الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم ~~فكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى السنة في ابتداء وضع الخلق ثم غيرت ~~الأمم العادلة عن كثير من شرائع الأنبياء هذا الترتيب فكانت شهور الروم ~~بعضها ثمانية وعشرين وبعضها ثمانية وعشرين ونصفا وبعضها واحدا وثلاثين وذلك ~~على خلاف ما أمر الله تعالى من اعتبار الشهور في الأحكام التي تتعلق بها ثم ~~كانت الفرس شهورها ثلاثين إلا شهرا واحدا وهو بادماه فإنه خمسة وثلاثون ثم ~~كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا فتصير السنة ثلاثة عشر أخبر ~~الله تعالى أن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة فيها ولا نقصان وهي ~~الشهور القمرية التي إما أن تكون تسعة وعشرين وإما أن تكون ثلاثين ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر تسع وعشرون والشهر ثلاثون وقال صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فجعل الشهر برؤية الهلال ~~فإن اشتبه لغمام أو قترة فثلاثون فأعلمنا الله بقوله إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يم خلق السموات والأرض يعني إن عدة شهور ~~السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة عليها وأبطل به الكبيسة التي كانت تكبسها ~~الفرس فتجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن انقضاء الشهور برؤية الهلال فتارة تسعة وعشرون وتارة ثلاثون فأعلمنا ~~الله في هذه الآية أنه كذلك وضع الشهور والسنين في ابتداء الخلق أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عود الزمان إلى ما كان عليه وأبطل به ما غيره المشركون ~~من ترتيب الشهور ونظامها وما زاد به في السنين والشهور وإن الأمر قد استقر ~~على ما وضعه الله تعالى في الأصل لما علم ms1868 تبارك وتعالى من تعلق مصالح الناس ~~في عبادتهم وشرائعهم بكون الشهور والسنين على هذا الوجه فيكون الصوم تارة ~~في الربيع وتارة في الصيف وأخرى في الخريف وأخرى في الشتاء وكذلك الحج ~~لعلمه بالمصلحة في ذلك وقد روي في الخبر أن صوم النصارى كان كذلك فلما رأوه ~~يدور في بعض السنين إلى الصيف اجتمعوا إلى أن نقلوه إلى زمان الربيع وزادوا ~~في PageV04P307 العدد وتركوا ما تعبدوا به من اعتبار شهور القمر مطلقة على ~~ما يتفق من وقوعها في الأزمان وهذا ونحوه مما ذمهم الله تعالى به وأخبر ~~أنهم اتخذزا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله في اتباعه أوامرهم ~~واعتقادهم وجوبها دون أوامر الله تعالى فضلوا وأضلوا وقوله تعالى منها ~~أربعة حرم وهي التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم ورجب والعرب تقول ثلاثة سرد وواحد فرد وإنما سماها حرما ~~لمعنيين أحدهما تحريم القتال فيها وقد كان أهل الجاهلية أيضا يعتقدون تحريم ~~القتال فيها وقال الله تعالى يسئلونك عن ا لشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير والثاني تعظيم انتهاك المحارم فيها بأشد من تعظيمه في غيرها ~~وتعظيم الطاعات فيها أيضا وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من المصلحة في ~~ترك الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم الله والمبادرة إلى الطاعات من ~~الاعتمار والصلاة والصوم وغيرها كما فرض صلاة الجمعة في يوم بعينه وصوم ~~رمضان في وقت معين وجعل بعض الأماكن في حكم الطاعات ومواقعة المحظورات أعظم ~~من حرمة غيره نحو بيت الله الحرام ومسجد المدينة فيكون ترك الظلم والقبائح ~~في هذه الشهور والمواضع داعيا إلى تركها في غيره ويصير فعل الطاعات ~~والمواظبة عليها في هذه الشهور وهذه المواضع الشريفة داعيا إلى فعل أمثالها ~~في غيرها للمرور والاعتياد وما يصحب الله العبد من توفيقه عند إقباله إلى ~~طاعته وما يلحق العبد من الخذلان عند إكبابه على المعاصي واشتهاره وأنسه ~~بها فكان في تعظيم بعض الشهور وبعض الأماكن أعظم المصالح في الاستدعاء إلى ~~الطاعات وترك ms1869 القبائح ولأن الأشياء تجر إلى أشكالها وتباعد من أضدادها ~~فالإستكثار من الطاعة يدعو إلى أمثالها والاستكثار من المعصية يدعو إلى ~~أمثالها قوله تعالى @QB@ فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ الضمير في قوله فيهن ~~عند ابن عباس راجع إلى الشهور وقال قتادة هو عائد إلى الأربعة الحرم وقوله ~~وقاتلوا المشركين كافة يحتمل وجهين أحدهما الأمر بقتال سائر أصناف أهل ~~الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة وأداء الجزية على ما بينه في غير هذه الآية ~~والآخر الأمر بأن تقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين ولما احتمل الوجهين ~~كان عليهما إذ ليسا متنافيين فتضمن ذلك الأمر بالقتال لجميع المشركين وأن ~~يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال وقوله كما يقاتلونكم كافة يعني أن ~~جماعتهم يرون ذلك فيكم ويعتقدونه ويحتمل كما يقاتلونكم مجتمعين وهذه الآية ~~في PageV04P308 معنى قوله @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ متضمنة ~~لرفع العهود والذمم التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ~~وفيها زيادة معنى وهو الأمر بأن نكون مجتمعين في حال قتالنا إياهم قوله ~~تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر فالنسيء التأخير ومنه البيع بنسيئة ~~وأنسأت البيع أخرته وما ننسخ من آية أو ننسأها أي نؤخرها ونسئت المرأة إذا ~~حبلت لتأخر حيضها ونسأت الناقة إذا دفعتها في السير لأنك زجرتها عن التأخر ~~والمنسأة العصا التي ينسأ بها الأذى ويزجر ويساق بها فيمنع من التأخر ومراد ~~الله تعالى ذكره النسيء في هذا الموضع ما كانت العرب تفعله من تأخير الشهور ~~فكان يقع الحج في غير وقته واعتقاد حرمة الشهور في غير زمانه فقال ابن عباس ~~كانوا يجعلون المحرم صفرا وقال ابن أبي نجيح وغيره كانت قريش تدخل في كل ~~ستة أشهر أياما يوافقون ذا الحجة في كل ثلاث عشر سنة فوفق الله تعالى ~~لرسوله في حجته استدارة زمانهم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فاستقام ~~الإسلام على عدد الشهور ووقف الحج على ذي الحجة وقال ابن إسحاق كان ملك من ~~العرب يقال له القلمس واسمه حذيفة أول من أنسأ النسيء أنسأ المحرم فكان ~~يحله عاما ms1870 ويحرمه عاما فكان إذا حرمه كانت ثلاث حرمات متواليات وهي العدة ~~التي حرم الله في عهد إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أحله دخل مكانه صفر في ~~المحرم لتواطئ العدة يقول قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهرا إلا ~~قد حرمت مكانه شهرا فحج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عاد المحرم إلى ما ~~كان عليه في الأصل فأنزل الله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~فأخبر الله أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر لأن الزيادة في الكفر لا تكون ~~إلا كفرا لاستحلالهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فكان القوم كفارا ~~باعتقادهم الشرك ثم ازدادوا كفرا بالنسيء # | باب فرض النفير والجهاد # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض @QE@ إلى قوله @QB@ إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم @QE@ اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من لم ~~يستنفر وقال في آية بعدها انفروا خفافا وثقالا فأوجب النفير مطلقا غير مقيد ~~بشرط الإستنفار فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له وحدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~PageV04P309 قال حدثنا أبو اليمان وحجاج كلاهما عن جرير بن عثمان عن ~~عبدالرحمن بن ميسرة وابن أبي بلال عن راشد الحبراني أنه وافى المقداد بن ~~الأسود وهو يجهز قال فقلت يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك أو قال قد عذرك ~~الله يعني في القعود عن الغزو فقال أتت علينا سورة براءة انفروا خفافا ~~وثقالا قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا ~~أيوب شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يتخلف عن غزاة ~~المسلمين إلا عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك وما ~~على من استعمل علي فكان يقول قال الله انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا ~~خفيفا أو ثقيلا وبإسناده قال ms1871 أبو عبيد حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن علي ~~بن زيد عن أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية انفروا خفافا وثقالا قال ~~ما أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخا جهزوني فجهزناه فركب البحر ومات في ~~غزاته تلك فما وجدنا له جزيرة ندفنه فيها أوقال يدفنونه فيها إلا بعد سابعه ~~قال أبو عبيد حدثنا حجاج عن أبي جريج عن مجاهد في هذه الآية قال قالوا فينا ~~الثقيل وذو الحاجة والصنعة والمنتشر عليه أمره قال الله تعالى انفروا خفافا ~~وثقالا فتأول هؤلاء هذه الآية على فرض النفير ابتداء وإن لم يستنفروا ~~والآية الأولى يقتضي ظاهرها وجوب فرض النفير إذا استنفروا وقد ذكر في ~~تأويله وجوه أحدها أن ذلك كان في غزوة تبوك لما ندب إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم الناس إليها فكان النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضا ~~على من استنفر وهو مثل قوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه قالوا وليس كذلك حكم ~~النفير مع غيره وقيل إن هذه الآية منسوخة حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا علي بن الحسين عن أبيه عن ~~يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ~~ويستبدل قوما غيركم وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله نسختها الآية التي تليها وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقال ~~آخرون ليس في واحدة منهما نسخ وحكمهما ثابت في حالين فمتى لم يقاوم أهل ~~الثغور العدو واستنفروا ففرض على الناس النفير إليهم حتى يستحيوا الثغور ~~وإن استغني عنهم باكتفائهم بمن هناك سواء استنفروا أو لم يستنفروا ومتى قام ~~الذين في وجه العدو بفرض الجهاد واستغنوا بأنفسهم عمن PageV04P310 وراءهم ~~فليس على من وراءهم فرض الجهاد إلا أن يشاء من شاء منهم الخروج للقتال ~~فيكون فاعلا للفرض وإن كان معذورا في ms1872 القعود بديا لأن الجهاد فرض على ~~الكفاية ومتى قام به بعضهم سقط عن الباقين وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ~~طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة ~~لا هجرة ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم فانفروا فأمر بالنفير عند الإستنفار ~~وهو موافق لظاهر قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض @QE@ وهو محمول على ما ذكرنا من ~~الإستنفار للحاجة إليهم لأن أهل الثغور متى اكتفوا بأنفسهم ولم تكن لهم ~~حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من ~~في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ~~ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا وهذا هو موضع الخلاف بين ~~الفقهاء في فرض الجهاد فحكي عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع ~~وليس بفرض وقالوا كتب عليكم القتال ليس على الوجوب بل على الندب كقوله ~~تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين وقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك وإن كان مختلفا في صحة الرواية ~~عنه وهو ما حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا علي بن معبد عن أبي المليح الرقي عن ميمون بن ~~مهران قال كنت عند ابن عمر فجاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فسأله عن ~~الفرائض وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه فقال الفرائض شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام ~~رمضان والجهاد في سبيل الله قال فكان ابن عمر غضب من ذلك ثم قال الفرائض ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ms1873 وإيتاء الزكاة ~~وحج البيت وصيام رمضان قال وترك الجهاد وروي عن عطاء وعمرو بن دينار نحوه ~~حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج قال قلت لعطاء أواجب الغزو على الناس فقال هو وعمرو بن ~~دينار ما علمناه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار ~~إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة إلا أنه فرض على الكفاية إذا PageV04P311 ~~قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري ~~كان يقول ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي فيه بعضهم ~~على بعض فإن كان هذا قول سفيان فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية وهو موافق ~~لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل ~~الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم ~~وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن ~~المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين الأمة إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة ~~القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم ولكن موضع الخلاف ~~بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل ~~يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية فكان من قول ابن عمر ~~وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم ~~وأن يقعدوا عنهم وقال آخرون على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى ~~يسلموا أو يؤدوا الجزية وهو مذهب أصحابنا ومن ذكرنا من السلف المقداد بن ~~الأسود وأبو طلحة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال حذيفة بن اليمان ~~الإسلام ثمانية أسهم وذكر سهما منها الجهاد وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ~~جعفر بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال ~~معمر كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب ثم يقول ms1874 إن ~~شئتم زدتكم وحدثنا جعفر قال حدثا جعفر حدثنا أبو عبيد حدثنا عن عبدالله بن ~~صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن شهاب قال كتب ~~الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا فمن قعد فهو عدة إن استعين به أعان ~~وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد وهذا مثل قول من يراه فرضا على الكفاية ~~وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض ~~يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم وأنه فرض على ~~الكفاية والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة فمنها قوله تعالى وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة ويكون الدين لله فاقتضى ذلك وجوب قتالهم حتى يجيبوا إلى ~~الإسلام وقال قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم الآية وقال قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية وقال فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ~~وأنتم الأعلون والله معكم وقال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم PageV04P312 ~~@QB@ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة @QE@ وقال انفروا خفافا ~~وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله وقال إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم وقال فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وقال ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم @QE@ فأخبر أن النجاة ~~من عذابه إنما هي بالإيمان بالله ورسوله وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال ~~فتضمنت الآية الدلالة على فرض الجهاد من وجهين أحدهما أنه قرنه إلى فرض ~~الإيمان والآخر الإخبار بأن النجاة من عذاب الله به وبالإيمان والعذاب لا ~~يستحق إلا بترك الواجبات وقال كتب عليكم القتال وهو كره لكم ومعناه فرض ~~كقوله كتب عليكم الصيام فإن قيل هو كقوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين وإنما هي ندب ليست بفرض قيل له قد كانت ~~الوصية واجبة بهذه الآية وذلك قبل فرض الله المواريث ثم نسخت بعد الميراث ~~ومع ذلك فإن حكم ماللفظ ms1875 الإيجاب إلا أن تقوم دلالة للندب ولم تقم الدلالة ~~في الجهاد أنه ندب قال أبو بكر فأكد الله تعالى فرض الجهاد على سائر ~~المكلفين بهذه الآية وبغيرها على حسب الإمكان فقال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين فأوجب عليه فرض ~~الجهاد من وجهين أحدهما بنفسه ومباشرة القتال وحضوره والآخر بالتحريض والحث ~~والبيان لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له مال فلم يذكر فيما فرضه عليه ~~إنفاق المال وقال لغيره انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~فألزم من كان من أهل القتال وله مال فرض الجهاد بنفسه وماله ثم قال في آية ~~أخرى وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله فلم يخل من أسقط عنه ~~فرض الجهاد بنفسه وماله للعجز والعدم من إيجاب فرضه بالنصح لله ورسوله فليس ~~أحد من المكلفين إلا وعليه فرض الجهاد على مراتبه التي وصفنا وقد روي في ~~تأكيد فرضه أخبار كثيرة فمنها ما حدثنا عن عمرو بن حفص السدوسي قال حدثنا ~~عاصم بن علي قال حدثنا قيس بن الربيع عن جبلة بن سحيم عن مؤثر بن عفازة عن ~~بشير بن الخصاصية قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أبايعه فقلت له علام ~~PageV04P313 تبايعني يا رسول الله فمد رسول الله يده فقال على أن تشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتصلي الصلوات الخمس المكتوبات ~~لوقتهن وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله ~~فقلت يا رسول الله كلا لا أطيق إلا اثنتين إيتاء الزكاة فمالي إلا حمولة ~~أهلي وما يقومون به وأما الجهاد فإني رجل جبان فأخاف أن تخشع نفسي فأفر ~~فأبوء بغضب من الله فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال يا بشير ~~لاجهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة ms1876 فقلت يا رسول الله أبسط يدك فبسط يده ~~فبايعته عليهن وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله قال ~~حدثنا حجاج قال حدثنا حماد أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم فأوجب ~~الجهاد بكل ما أمكن الجهاد به وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا ~~أولى بالإيجاب من الجهاد وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام وأداء ~~الفرائض وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام إلا أن فرضه ~~على الكفاية على ما بينا فإن احتج محتج بما روى عاصم بن زيد بن عبدالله بن ~~عمر عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني الإسلام على خمس فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان ~~فذكر هذه الخمس ولم يذكر فيه الجهاد وهذا يدل على أنه ليس بفرض قال أبو بكر ~~وهذا حديث في الأصل موقوف على ابن عمر رواه وهب عن عمر بن محمد عن زيد عن ~~أبيه عن ابن عمر أنه قال وجدت الإسلام بني على خمس وقوله وجدت دليل على أنه ~~قاله من رأيه وجائز أن يجد غيره ما هو أكثر منه وقول حذيفة بني الإسلام على ~~ثمانية أسهم أحدها الجهاد يعارض قول ابن عمر فإن قيل فقد روى عبيدالله بن ~~موسى قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا قال ~~جاء رجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن لا تغزوا فقال إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول بني الإسلام على خمسة فهذا حديث مستقيم السند ~~مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيل له جائز أن يكون إنما اقتصر على ~~خمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم الإنسان في نفسه دون ما يكون منه فرضا على ~~الكفاية ألا ترى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وتعلم ~~علوم الدين وغسل الموتى وتكفينهم ودفنهم ms1877 كلها فروض ولم يذكرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما بني عليه الإسلام ولم يخرجه ترك ذكره من أن يكون ~~PageV04P314 فرضا لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قصد إلى بيان ذكر الفروض ~~اللازمة للإنسان في خاصة نفسه في أوقات مرتبة ولا ينوب غيره عنها فيه ~~والجهاد فرض على الكفاية على الحد الذي بينا فلذلك لم يذكره وقد روى ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوبه وهو ما حدثنا عن عبدالله ~~بن شيرويه قال حدثني إسحاق بن راهويه قال أخبرنا جرير عن ليث بن أبي سليم ~~عن عطاء عن ابن عمر قال لقد أتى علينا زمان وما نرى أن أحدا منا أحق ~~بالدنيار والدرهم من أخيه المسلم حتى أن الدينار والدرهم اليوم أحب إلى ~~أحدنا من أخيه المسلم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ضن ~~الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا ~~الجهاد أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يراجعوا دينهم وحدثنا عن خلف ~~بن عمرو العكبري قال حدثنا المعلى بن مهدي حدثنا عبدالوارث حدثنا ليث عن ~~عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحوه فقد اقتضى هذا اللفظ وجوب الجهاد لإخباره بإدخال الله الذل عليهم بذكر ~~عقوبة على الجهاد والعقوبات لا تستحق إلا على ترك الواجبات وهذا يدل على أن ~~مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية وإن الرواية التي رويت عنه في نفي ~~فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من أنه غير متعين على كل حال في ~~كل زمان ويدل على أنه فرض على الكفاية قوله تعالى @QB@ وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة @QE@ وقوله فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وقوله @QB@ لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد ~~الله الحسنى @QE@ فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما ms1878 كان القاعدون ~~موعودين بالحسنى بل كانوا يكونوا مذمومين مستحقين للعقاب بتركه وحدثنا جعفر ~~بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله عز وجل ~~فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وفي قوله انفروا خفافا وثقالا قال نسختها وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون قال تنفر طائفة وتمكث ~~طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم قال فالماكثون هم الذين يتفقهون في ~~الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو بما نزل من قضاء الله ~~وكتابه وحدوده وحدثنا جعفر بن محمد قال أخبرنا جعفر PageV04P315 ابن اليمان ~~قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال يعني من السرايا كانت ترجع وقد نزل ~~بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم فتمكث السرايا ~~يتعلمون ما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم بعدهم ويبعث سرايا أخر ~~قال فذلك قوله @QB@ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم @QE@ ~~فثبت بما قدمنا لزوم فرض الجهاد وأنه فرض على الكفاية وليس بلازم لكل أحد ~~في خاصة نفسه وماله إذا كفاه ذلك غيره قوله تعالى @QB@ انفروا خفافا وثقالا ~~وجاهدوا بأموالكم @QE@ الآية روي عن الحسن ومجاهد والضحاك شبانا وشيوخا وعن ~~أبي صالح أغنياء وفقراء وعن الحسن مشاغيل وغير مشاغيل وعن ابن عباس وقتادة ~~نشاطا وغير نشاط وعن ابن عمر ركبانا ومشاة وقيل ذا صنعة وغير ذي صنعة قال ~~أبو بكر كل هذه الوجوه يحتمله اللفظ فالواجب يعمها إذ لم تقم دلالة التخصيص ~~وقوله وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله فأوجب فرض الجهاد بالمال ~~والنفس جميعا فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال ~~فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو ms1879 به كما أن من له قوة وجلد وأمكنه ~~الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما ~~يبلغه ومن قوي على القتال وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال ومن كان ~~عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ~~وقوله تعالى ذلكم خير لكم مع أنه لا خير في ترك الجهاد قيل فيه وجهان ~~أحدهما خير من تركه إلى المباح في الحال التي لا يتعين عليه فرض الجهاد ~~والآخر أن الخير فيه لا في تركه وقوله تعالى إن كنتم تعلمون قيل فيه إن ~~كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير وقيل إن كنتم تعلمون صدق ~~الله فيما وعد به من ثوابه وجنته قوله تعالى @QB@ وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم @QE@ الآية لما أكذبهم الله في قوله لو استطعنا لخرجنا ~~معكم دل على أنهم كانوا مستطيعين ولم يخرجوا وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر ~~في أن المكلفين غير مستطيعين لما كلفوا في حال التكليف قبل وقوع الفعل منهم ~~لأن الله تعالى قد أكذبهم في نفيهم الاستطاعة عن أنفسهم قبل الخروج وفيه ~~دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر أنهم سيحلفون فجاؤا ~~فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم قوله تعالى @QB@ عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~حتى يتبين لك الذين صدقوا @QE@ PageV04P316 العفو ينصرف عن وجوه أحدها ~~التسهيل والتوسعة كقوله صلى الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو ~~الله والعفو الترك كقوله صلى الله عليه وسلم احفوا الشوارب واعفوا اللحى ~~والعفو الكثرة كقوله تعالى حتى عفوا يعني كثروا وأعفيت فلانا من كذا وكذا ~~إذا سهلت له تركه والعفو الصفح عن الذنب وهو إعفاؤه من تبعته وترك العقاب ~~عليه وهو مثل الغفران في هذا الموضع وجائز أن يكون أصله التسهيل فإذا عفا ~~عن ذنبه فلم يستقص عليه وسهل عليه الأمر وكذلك ms1880 سائر الوجوه التي تنصرف ~~عليها هذه الكلمة يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة ومن الناس من يقول إنه ~~كان من النبي صلى الله عليه وسلم ذنب صغير في إذنه لهم ولهذا قال الله ~~تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم إذ لا يجوز أن تقول لم فعلت ما جعلت لك ~~فعله كما لا يجوز أن تقول لم فعلت ما أمرتك بفعله قالوا فغير جائز إطلاق ~~العفو عما قد جعل له فعله كما لا يجوز أن يعفو عنه ما أمره به وقيل إنه ~~جائز أن لا تكون منه معصية في الإذن لهم لا صغيرة ولا كبيرة وإنما عاتبه ~~بأن قال لم فعلت ما جعلت لك فعله مما غيره أولى منه إذ جائز أن يكون مخيرا ~~بين فعلين وأحدهما أولى من الآخر قال الله تعالى فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن فأباح الأمرين وجعل أحدهما ~~أولى وقد روى شعبة عن قتادة في قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم كانت كما ~~تسمعون ثم أنزل الله في سورة النور وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه إلى قوله فأذن لمن شئت منهم فجعله الله تعالى رخصة في ذلك ~~وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله إلى قوله يترددون هذا بعينه للمنافقين حين استأذنوه للقعود عن الجهاد ~~من غير عذر وعذر الله المؤمنين فقال وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قوله إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله قال نسخها قوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه إلى قوله فأذن لمن شئت منهم فجعل الله تعالى رسوله بأعلى النظرين ~~قال أبو بكر جائز أن يكون قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم في قوم من ~~المنافقين لحقتهم تهمة فكان يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم استبراء أمرهم ~~بترك الإذن لهم فينظر ms1881 نفاقهم إذا لم يخرجوا بعد الأمر بالخروج ويكون ذلك ~~حكما ثابتا في أولئك ويدل عليه PageV04P317 قوله @QB@ حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكاذبين @QE@ ويكون قوله وإذا كانو معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه وقوله فأذن لمن شئت منهم في المؤمنين الذين لو لم يأذن ~~لهم لم يذهبوا فلا تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى قوله تعالى @QB@ لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ بأموالهم @QE@ ~~الآية يعني لا يستأذنك المؤمنون في التخلف عن الجهاد لأن لا يجاهدوا وأضمر ~~لا في قوله أن يجاهدوا لدلالة الكلام عليه وهذا يدل على أن الاستيذان في ~~التخلف كان محظورا عليهم ويدل على صحة تأويل قوله عفا الله عنك على أنه عفو ~~عن ذنب وإن كان صغيرا وروي عن الحسن في قوله أن يجاهدوا أنه على تقدير ~~كراهة أن يجاهدوا وهو يؤل إلى المعنى الأول لأن إضمار لا فيه وإضمار ~~الكراهة سواء وهذه الاية أيضا عدل على وجوب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا ~~لأنه قال تعالى أن يجاهدوا بأموالهم وأنفهسم فذمهم على الإستئذان في ترك ~~الجهاد بهما والجهاد بالمال يكون على وجهين أحدهما إنفاق المال في إعداد ~~الكراع والسلاح والآلة والراحلة والزاد وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه ~~والثاني إنفاق المال على غيره مما يجاهد ومعونته بالزاد والعدة ونحوها ~~والجهاد بالنفس على ضروب منها الخروج بنفسه ومباشرة القتال ومنها بيان ما ~~افترض الله من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قام به والعقاب لمن قعد عنه ~~ومنها التحريض والأمر ومنها الإخبار بعورات العدو وما يعلمه من مكايد الحرب ~~وسداد الرأي وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب كما قال ~~الحباب بن المنذر حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم ببدر فقال يا رسول الله ~~أهذا رأي رأيته أم وحي فقال بل رأي رأيته قال فإني ارى أن تنزل على الماء ~~وتجعله خلف ظهرك وتعور الآبار التي في ناحية العدو ففعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك ونحو ذلك من كل قول يقوي ms1882 أمر المسلمين ويوهن أمر العدو فإن ~~قيل فأي الجهادين أفضل أجهاد النفس والمال أم جهاد العلم قيل له الجهاد ~~بالسيف مبني على جهاد العلم وفرع عليه لأنه غير جائز أن يعدوا في جهاد ~~السيف ما يوجبه العلم فجهاد العلم أصل وجهاد النفس فرع والأصل أولى ~~بالتفضيل عن الفرع فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين قيل له إذا ~~خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين ولم يكن بإزائه من يدفعه فقد تعين ~~فرض الجهاد على كل أحد فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم ~~لأن ضرر العدو إذا وقع PageV04P318 بالمسلمين لم يمكن تلافيه وتعلم العلم ~~ممكن في سائر الأحوال ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية لا على كل أحد في ~~خاصة نفسه ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه عن المسلمين فقد تعين فرض ~~الجهاد على كل أحد وما كان فرضا معينا على الإنسان غير موسع عليه في ~~التأخير فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره وسقط عنه بعينه وذلك مثل ~~الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال ~~إذ كان الفرض قد تعين عليه في هذا الوقت فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية ~~وغنى فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية كتعلم العلم إلا أن الاشتغال ~~بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد لما قدمنا من علو مرتبة العلم ~~على مرتبة الجهاد فإن ثبات الجهاد بثبات العلم وأنه فرع له ومبني عليه فإن ~~قيل هل يجوز الجهاد مع الفساق قيل له إن كل أحد من المجاهدين فإنما يقوم ~~بفرض نفسه فجائز له أن يجاهد الكفار وإن كان أمير الجيش وجنوده فساقا وقد ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يغزون بعد الخلفاء الأربعة مع الأمراء ~~الفساق وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد اللعين وقد ذكرنا حديث أبي أيوب أنه ~~لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ~~ثم قال بعد ذلك ms1883 وما على من استعمل علي فكان يقول قال الله تعالى @QB@ ~~انفروا خفافا وثقالا @QE@ فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا فدل على أن الجهاد ~~واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول وسائر الآي الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق ~~بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين وأيضا فإن الفساق إذا جاهدوا فهم ~~مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام وغير ذلك من شرائع ~~الإسلام وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو ~~رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته على ذلك فكذلك ~~الجهاد فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق فإذا كان الفرض ~~عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول ومع الفساق قوله تعالى ولو ~~أرادوا الخروج لأعدوا له عدة والعدة ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في ~~المستقبل وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت ~~وقوعه وهو كقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وقوله تعالى ~~ولكن كره الله انبعاثهم يعني خروجهم كان يقع على وجه الفساد وتخذيل ~~المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم والخروج PageV04P319 على هذا ~~الوجه معصية وكفر فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية والله لا يحب ~~الفساد وقوله تعالى وقيل اقعدوا مع القاعدين أي مع النساء والصبيان وجائز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم اقعدوا مع القاعدين وجائز أن ~~يكون قال بعضهم لبعض قوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الآية ~~فيه بيان وجه خروجهم لو خرجوا وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم ~~وهذا يدل على أن معاتبة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله لم أذنت لهم ~~أن الله علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ~~ونفاقهم وقد أخبر الله تعالى أن خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون ~~معصية وفسادا على المؤمنين وقوله ما زادوكم إلا خبالا والخبال الاضطراب في ~~الرأي فأخبر الله ms1884 تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب ~~وإفساد القلوب والتخذيل عن العدو فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم فإن قال قائل ~~لم قال ما زادوكم إلا خبالا ولم يكونوا على خبال يزاد فيه قيل له يحتمل ~~وجهين أحدهما أنه استثناء منقطع تقديره ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال ~~والآخر أنه يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا على خبال في الرأي لما يعرض في ~~النفوس من التلون إلى أن استقر على الصواب فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا ~~معدولا به عن صواب الرأي قوله تعالى ولأوضعوا خلالكم قال الحسن ولأوضعوا ~~خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم وقوله تعالى يبغونكم الفتنة فإن الفتنة ~~ههنا المحنة باختلاف الكلمة والفرقة ويجوز أن يريد به الكفر لأنه يسمى بهذا ~~الاسم لقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وقوله والفتنة أشد من القتل ~~وقوله وفيكم سماعون لهم قال الحسن ومجاهد عيون منهم ينقلون إليهم ما يسمعون ~~منكم وقال قتادة وابن إسحاق قابلون منهم عند سماع قولهم قوله تعالى لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل يعني طلبوا الفتنة وهي ههنا الاختلاف الموجب للفرقة ~~بعد الألفة وقوله تعالى وقلبوا لك الأمور يعني به تصريف الأمور وتقليبها ~~ظهرا لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره وإبطال أمره فأبى الله ~~تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم وحيلهم قوله تعالى @QB@ ~~ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني @QE@ قال ابن عباس ومجاهد نزلت في الجد بن ~~قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مستهتر بالنساء وكان ذلك ~~حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك وقال الحسن وقتادة وأبو ~~عبيدة لا تؤثمني بالعصيان PageV04P320 في المخالفة التي توجب الفرقة قوله ~~تعالى @QB@ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا @QE@ روي عن الحسن ~~كل ما يصيبنا من خير وشر فهو مم اكتبه في اللوح المحفوظ فليس على ما يتوهمه ~~الكفار من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا وقيل لن يصيبنا ms1885 في ~~عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا قوله تعالى قل أنفقوا ~~طوعا أو كرها لن يتقبل منكم صيغته صيغة الأمر والمراد البيان عن التمكن من ~~الطاعة والمعصية كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وقيل معناه الخبر ~~الذي يدخل فيه إن الجزاء كما قال كثير % أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة % ~~لدينا ولا مقلية إن تقلت % # | ومعناه إن أحسنت أو أسأت لم تلامي قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا قيل فيه ثلاثة أوجه ~~قال ابن عباس وقتادة فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة فكان ذلك عندهما على تقديم الكلام وتأخيره ~~وقال الحسن ليعذبهم في الزكاة بالإنفاق في سبيل الله وقال آخرون يعذبهم بها ~~بالمصائب وقيل قد يكون صفة الكفار بالسبي وغنيمة الأموال وهذه الام التي في ~~قوله ليعذبهم هي لام العاقبة كقوله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا قوله تعالى ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم الحلف تأكيد الخبر بذكر المعظم على منهاج والله ~~وبالله والحروف الموضوعة للقسم واليمين إلا أن الحلف من إضافة الخبر إلى ~~المعظم وقوله ويحلفون بالله إخبار عنهم باليمين بالله وجائزأن يكون أراد ~~الخبر عن المستقبل في أنهم سيحلفون بالله وقول القائل أحلف بالله هو يمين ~~بمنزلته لو حذف ذكر الحلف وقال بالله لأنه بمنزلة قوله أنا حالف بالله إلا ~~أن يريد به العدة فلا يكون يمينا فهو ينصرف على المعنى والظاهر منه إيقاع ~~الحلف بهذا القول كقولك أنا أعتقد الإسلام ويحتمل العدة وأما قوله بالله ~~فهو إيقاع لليمين وإن كان فيه إضمار أحلف بالله أو قد حلفت بالله وقيل إنما ~~حذف ذكر الحلف ليدل على وقوع الحلف ويزول احتمال العدة كما حذف في والله ~~لأفعلن ليدل على أن القائل حالف لا واعد وقوله تعالى إنهم لمنكم معناه في ~~الإيمان والطاعة والدين والملة فأكذبهم الله تعالى والإضافة منهم جائزة إذا ~~كان على دينهم كما قال والمؤمنون ms1886 والمؤمنات بعضهم أولياء بعض و المنافقون ~~والمنافقات PageV04P321 بعضهم من بعض فنسب بعضهم إلى بعض لاتفاقهم في الدين ~~والملة قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات قال الحسن يعيبك وقيل اللمز ~~العيب سرا والهمز العيب بكثرة العيب وقال قتادة يطعن عليك ويقال إن هؤلاء ~~كانوا قوما منافقين أرادوا أن يعطيهم رسول الله من الصدقات ولم يكن جائزا ~~أن يعطيهم منها لأنهم ليسوا من أهلها فطعنوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قسمة الصدقات وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته ويدل عليه قوله ~~تعالى @QB@ فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون @QE@ ~~وأخبر أنه لا حظ لهؤلاء في الصدقات وإنما هي للفقراء والمساكين ومن ذكر ~~قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله فيه ضمير جواب لو تقديره ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله لكان خيرا لهم أو أعود عليهم وحذف الجواب في مثله أبلغ لأنه لتأكيد ~~الخبر به استغني عن ذكره مع أن النفس تذهب إلى كل نوع منه والذكر يقصره على ~~المذكور منه دون غيره وفيه إخبار على أن الرضا بفعل الله يوجب المزيد من ~~الخير جزاء للراضي على فعله قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~الآية قال الزهري الفقير الذي لا يسئل والمسكين الذي يسئل وروى ابن سماعة ~~عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في حد الفقير والمسكين مثل هذا وهذا يدل على أنه ~~رأى المسكين أضعف حالا وأبلغ في جهد الفقر والعدم من الفقير وروي عن ابن ~~عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد قالوا الفقير المتعفف الذي لا ~~يسأل والمسكين الذي يسأل فكان قول أبي حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف ويدل ~~على هذا قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس ~~إلحافا فسماهم فقراء ووصفهم بالتعفف وترك المسألة وروي عن قتادة قال الفقير ~~ذو الزمانة من أهل ms1887 الحاجة والمسكين الصحيح منهم وقيل إن الفقير هو المسكين ~~إلا أنه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره في استحقاق الصدقة وكان شيخنا أبو الحسن ~~الكرخي رحمه الله يقول المسكين هو الذي لا شيء له والفقير هو الذي له أدنى ~~بلغة ويحكى ذلك عن أبي العباس ثعلب قال وقال أبو العباس حكي عن بعضهم أنه ~~قال قلت لأعرابي أفقير أنت قال لا بل مسكين وأنشد عن ابن الأعرابي % أما ~~الفقير الذي كانت حلوبته % وفق العيال فلم يترك له سبد % # PageV04P322 فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة قال وحكى محمد بن سلام الجمحي ~~عن يونس النحوي أنه قال الفقير يكون له بعض ما يغنيه والمسكين الذي لا شيء ~~له قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف @QE@ يدل ~~على أن الفقير قد يملك بعض ما يغنيه لأنه لا يحسبه الجاهل بحاله غنيا إلا ~~وله ظاهر جميل وبزة حسنة فدل على أن ملكه لبعض ما يغنيه لا يسلبه صفة الفقر ~~وكان أبو الحسن يستدل على ما قال في صفة المسكين بحديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان ~~والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه قال فلما نفى ~~المبالغة في المسكنة عمن ترده التمرة والتمرتان وأثبتها لمن لا يجد ذلك ~~وسماه مسكينا دل ذلك على أن المسكين أضعف حالا من الفقير قال ويدل عليه ~~قوله تعالى أو مسكينا ذا متربة روي في التفسير أنه الذي قد لزق بالتراب وهو ~~جائع عار لا يواريه عن التراب شيء فدل ذلك على أن المسكين في غاية الحاجة ~~والعدم فإن قيل قال الله تعالى @QB@ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر @QE@ فأثبت لهم ملك السفينة وسماهم مساكين قيل له قد روي أنهم كانوا ~~أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما نسبها إليهم بالتصرف والكون ~~فيها كما قال الله تعالى @QB@ لا تدخلوا بيوت النبي @QE@ وقال في موضع آخر ~~وقرن في بيوتكن فأضاف البيوت تارة إلى النبي صلى ms1888 الله عليه وسلم وتارة إلى ~~أزواجه ومعلوم أنها لم تخل من أن تكون ملكا له أو لهن لأنه لا يجوز أن تكون ~~لهن وله في حال واحدة لاستحالة كونها ملكا لكل واحد منهم على حدة فثبت أن ~~الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ~~ساكنا فيه غير مالك له وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك وكذلك قوله أما ~~السفينة فكانت لمساكين هو على هذا المعنى ويقال إن الفقير إنما سمي بذلك ~~لأنه من ذوي الحاجة بمنزلة من قد كسرت فقاره يقال منه فقر الرجل فقرا ~~وأفقره الله إفقارا وتفاقر تفاقرا والمسكين الذي قد أسكنته الحاجة وروي عن ~~إبراهيم النخعي والضحاك في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقراء المهاجرين ~~والمساكين من غير المهاجرين كأنهما ذهبا إلى قوله تعالى @QB@ للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم @QE@ وروى سعيد عن قتادة قال الفقير الذي ~~به زمانة وهو فقير إلى بعض جسده وبه حاجة والمسكين المحتاج الذي لا زمانة ~~به وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال ليس المسكين بالذي ~~لا مال له ولكن PageV04P323 المسكين الذي لا يصيب المكسب وهذا الذي قدمنا ~~يدل على أن الفقير أحسن حالا من المسكين وأن المسكين أضعف حالا منه وقد روى ~~أبو يوسف عن أبي حنيفة فيمن قال ثلث مالي للفقراء والمساكين ولفلان أن ~~لفلان الثلث والثلثان للفقراء والمساكين فهذا موافق لما روي عنه في الفرق ~~بين الفقير والمسكين وأنهما صنفان وروي عن أبي يوسف في هذه المسألة أن نصف ~~الثلث لفلان ونصفه للفقراء والمساكين وهذا يدل على أنه جعل الفقراء ~~والمساكين صنفا واحدا وقوله تعالى والعاملين عليها فإنهم السعاة لجباية ~~الصدقة روي عن عبدالله بن عمر أنهم يعطون بقدر عمالتهم وعن عمر بن ~~عبدالعزيز مثله ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن وأنهم ~~يستحقون منها بقدر عملهم وهذا يدل على بطلان قول من أوجب قسمة الصدقات على ~~ثمانية ويدل أيضا على أن أخذ الصدقات ms1889 إلى الإمام وأنه لا يجزي أن يعطي رب ~~الماشية صدقتها الفقراء فإن فعل أخذها الإمام ثانيا ولم يحتسب له بما أدى ~~وذلك لأنه لو جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى الفقراء لما احتيج إلى عامل ~~لجبايتها فيضر بالفقراء والمساكين فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام وأنه لا ~~يجوز له إعطاؤها الفقراء قوله تعالى والمؤلفة قلوبهم فإنهم كانوا قوما ~~يتألفون على الإسلام بما يعطون من الصدقات وكانوا يتألفون بجهات ثلاث ~~إحداها للكبار لدفع معرتهم وكف أذيتهم عن المسلمين والإستعانة بهم على ~~غيرهم من المشركين والثانية لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى ~~الدخول في الإسلام ولئلا يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ~~ونحو ذلك من الأمور والثالثة إعطاء قوم من المسلمين حديثي العهد بالكفر ~~لئلا يرجعوا إلى الكفر وقد روى الثوري عن أبيه عن أبي نعيم عن أبي سعيد ~~الخدري قال بعث علي بن أبي طالب بذهبة في أديم مقروظ فقسمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن ~~علاثة فغضبت قريش والأنصار وقالوا يعطي صناديد أهل نجد قال إنما أتألفهم ~~وروى ابن أبي ذئب عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني لأعطي الرجل العطاء وغيره أحب إلي منه وما أفعل ذلك إلا ~~مخافة أن يكبه الله في نار جهنم على وجهه وروى عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ~~الزهري قال أخبرني أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء ~~الله على رسوله أموال هوازن وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا ~~PageV04P324 من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فذكر حديثا فيه فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أصانعهم ~~أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحالكم وهذا يدل ~~على أنه قد كان يتألف بما يعطي قوما من المسلمين حديثي عهد بالإسلام لئلا ms1890 ~~يرجعوا كفارا وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال أعطاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى أنه ~~لأحب الخلق إلي وروى محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال لما اصاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بحنين وقسم للمتألفين من قريش وفي سائر ~~العرب ما قسم وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم وذكر الحديث وقال فيه قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في ~~لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من ~~الإسلام ففي هذا الحديث أنه تألفهم ليسلموا وفي الأول إني لأعطي رجالا ~~حديثي عهد بكفر فدل على أنه قد كان يتألف بذلك المسلمين والكفار جميعا وقد ~~اختلف في المؤلفة قلوبهم فقال أصحابنا إنما كانوا في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم وقد ~~أعز الله الإسلام وأهله واستغنى بهم عن تألف الكفار فإن احتاجوا إلى ذلك ~~فإنما ذلك لتركهم الجهاد ومتى اجتمعوا وتعاضدوا لم يحتاجوا إلى تألف غيرهم ~~بمال يعطونه من أموال المسلمين وقد روي نحو قول أصحابنا عن جماعة من السلف ~~روى عبدالرحمن بن محمد المحاربي عن حجاج بن دينار عن ابن سيرين عن عبيدة ~~قال جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا يا خليفة رسول ~~الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة فإن رأيت أن تعطيناها ~~فأقطعها إياهما وكتب لهما عليها كتابا وأشهد وليس في القوم عمر فانطلقا إلى ~~عمر ليشهد لهما فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فمحاه ~~فتذمرا وقالا مقالة سيئة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يتألفكما والإسلام يومئذ قليل وإن الله قد أغنى الإسلام اذهبا فاجهدا ~~جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما قال أبو بكر رحمه الله فترك ms1891 أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه النكير على عمر فيما فعله بعد إمضائه الحكم يدل على ~~أنه عرف مذهب عمر فيه حين نبهه عليه وأن سهم المؤلفة قلوبهم كان مقصورا على ~~الحال التي كان عليها أهل الإسلام من قلة العدد وكثرة عدد الكفار وأنه لم ~~يرد الاجتهاد سائغا في PageV04P325 ذلك لأنه لو سوغ الاجتهاد فيه لما أجاز ~~فسخ الحكم الذي أمضاه فلما أجاز له ذلك دل على أنه عرف بتنبيه عمر إياه على ~~ذلك امتناع جواز الاجتهاد في مثله وروى إسرائيل عن جابر عن أبي جعفر قال ~~ليس اليوم مؤلفة قلوبهم وروى إسرائيل أيضا عن جابر بن عامر في المؤلفة ~~قلوبهم قال كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو ~~بكر انقطع الرشا وروى ابن أبي زائدة عن مبارك عن الحسن قال ليس المؤلفة ~~قلوبهم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى معقل بن عبيدالله ~~قال سألت الزهري عن المؤلفة قال من أسلم من يهودي أو نصراني قلت وإن كان ~~غنيا قال وإن كان غنيا قوله تعالى وفي الرقاب فإن أهل العلم مختلفون فيه ~~فقال إبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين لا يجزي أن تعتق ~~من الزكاة رقبة وهو قول أصحابنا والشافعي وقال ابن عباس أعتق من زكاتك وكان ~~سعيد بن جبير لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء وقال في الرقاب إنها رقاب ~~يبتاعون من الزكاة ويعتقون فيكون ولاؤهم لجماعة المسلمين دون المعتقين قال ~~مالك والأوزاعي لا يعطى المكاتب من الزكاة شيئا ولا عبدا موسرا كان مولاه ~~أو معسرا ولا يعطون من الكفارات أيضا قال مالك لا يعتق من الزكاة إلا رقبة ~~مؤمنة قال أبو بكر لا نعلم خلافا بين السلف في جواز إعطاء المكاتب من ~~الزكاة فثبت أن إعطاءه مراد بالآية والدفع إليه صدقة صحيحة وقال الله تعالى ~~@QB@ إنما الصدقات للفقراء @QE@ إلى قوله وفي @QB@ الرقاب @QE@ وعتق الرقبة ~~لا يسمى صدقة وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة لأن ms1892 بائعها أخذه ثمنا ~~لعبده فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة والله تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب ~~فما ليس بصدقة فهو غير مجزئ وأيضا فإن الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك ~~شيئا بالعتق وإنما سقط عن رقبته هو ملك للمولى ولم يحصل ذلك الرق للعبد ~~لأنه لوحصل له لوجب أن يقوم فيها مقام المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف ~~المولى فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى وأنه لم يملك بذلك ~~شيئا فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع الملك ~~للمتصدق عليه وأيضا فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى الغير ~~ولذلك ثبت ولاؤه منه فغير جائز وقوعه عن الصدقة ولما قامت الحجة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعتق وجب أن لا يكون الولاء لغيره ~~فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق ثبت أن المراد به المكاتبون وأيضا ~~روى عبدالرحمن PageV04P326 ابن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في ~~سبيل الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فثبت بذلك أن الصدقة على ~~المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا وذلك موافق لقوله تعالى وفي ~~الرقاب وروى طلحة اليماني عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال قال ~~أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم علمني عملا يدخلني الجنة قال لئن كنت ~~أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا سواء ~~قال لا عتق النسمة أن تفوز بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها والمنحة ~~الركوب والفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق ~~الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ~~فجعل عتق النسمة غير فك الرقبة فلما قال وفي الرقاب كان الأولى أن يكون في ~~معونتها بأن يعطى المكاتب ms1893 حتى يفك العبد رقبته من الرق وليس هو ابتياعها ~~وعتقها لأن الثمن حينئذ يأخذه البائع وليس في ذلك قربة وإنما القربة في أن ~~يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة لأنه قبلها ~~يحصل للمولى وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه المولى وإنما يحصل للمكاتب ~~فيجزي من الزكاة وأيضا فإن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبه من غير تمليك ~~ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره فلا ~~يجزي من زكاته وإن دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه إلى ~~الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزأه عن ~~الزكاة وإذا أعتقه لم يجزه لأنه لم يملكه وحصل العتق بغير قبوله ولا إذنه ~~قوله تعالى والغارمين قال أبو بكر لم يختلفوا أنهم المدينون وفي هذا دليل ~~على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير إذ كانت الصدقة لا ~~تعطى إلا الفقراء بقضية قوله صلى الله عليه وسلم وأردها في فقرائكم وهذا ~~يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله مال كثير أنه لا زكاة ~~عليه إذ كان فقيرا يجوز له أخذ الصدقة والآية خاصة في بعض الغارمين دون بعض ~~وذلك لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة ولم ~~يجز معطيه إياها وإن كان غارما فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما ~~في يده بعد قضاء دينه PageV04P327 مقدار مائتي درهم أو ما يساويها فيجعل ~~المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه في غير ملكه وما فضل عنه فهو فيه ~~بمنزلة من لا دين عليه وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم ~~إذا كان قويا ms1894 مكتسبا فإن الصدقة تحل له إذ لم تفرق بين القادر على الكسب ~~والعاجز عنه وزعم الشافعي أن من تحمل حمالة عشرة آلاف درهم وله مائة ألف ~~درهم أن الصدقة تحل له وإن كان عليه دين من غير الحمالة لم تحل له واحتج ~~فيه بحديث قبيصة ابن المخارق أنه تحمل حمالة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها فقال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فيسئل فيها حتى ~~يؤديها ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسئل حتى يصيب قواما من عيش ورجل ~~أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إن فلانا أصابته ~~فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك فهو سحت ~~ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء لأن الحمالة هي الكفالة والحميل هو ~~الكفيل فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه من ~~دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة وقد علم لسائر الديون فلا فرق بين ~~شيء منها فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم ~~يقدر على أدائها وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في ~~سائر الديون وروى إسرائيل عن جابر بن أبي جعفر في قوله تعالى والغارمين قال ~~المستدين في غير سرف حق على الإمام يقضي عنه وقال سعيد في قوله والغارمين ~~قال ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ولا تبذير فجعل الله لهم فيها ~~سهما وإنما ذكر هؤلاء في الدين أنه من غير سرف ولا إفساد لأنه إذا كان ~~مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في الفساد فكرهوا ~~قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد ولا خلاف في جواز قضاء ~~دين مثله ودفع الزكاة إليه وإنما ذكر هؤلاء عدم الفساد والتبذير فيما ~~استدان على وجه الكراهة لا على وجه الإيجاب وروى عبيدالله بن موسى عن عثمان ~~بن الأسود عن مجاهد في ms1895 قوله والغارمين قال الغارم من ذهب السيل بماله أو ~~أصابه حريق فأذهب ماله أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق عليهم فيستدين قال ~~أبو بكر أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما لأن الغرم هو اللزوم ~~والمطالبة فمن لزمه الدين يسمى غريما ومن له الدين أيضا يسمى غريما لأن له ~~اللزوم والمطالبة فأما من ذهب ماله فليس بغريم وإنما يسمى PageV04P328 ~~فقيرا أو مسكينا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من ~~المأثم والمغرم فقيل له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف ~~وإنما أراد إذا لزمه الدين ويجوز أن يكون مجاهد أراد من ذهب ماله وعليه دين ~~لأنه إذا كان له مال وعليه دين أقل من ماله بمقدار مائتي درهم فليس هو من ~~الغارمين المرادين بالآية وروى أبو يوسف عن عبدالله بن سميط عن أبي بكر ~~الحنفي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن المسألة لا ~~تحل ولا تصلح إلا لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع ~~ومعلوم أن مراده بالغرم الدين قوله تعالى وفي سبيل الله روى ابن أبي ليلى ~~عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحل ~~الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو رجل له جار مسكين تصدق عليه ~~فأهدى له واختلف الفقهاء في ذلك فقال قائلون هي للمجاهدين الأغنياء منهم ~~والفقراء وهو قول الشافعي وقال الشافعي لا يعطى منها إلا الفقراء منهم ولا ~~يعطى الأغنياء من المجاهدين فإن أعطوا ملكوها وأجزأ المعطي وإن لم يصرفه في ~~سبيل الله لأن شرطها تمليكه وقد حصل لمن هذه صفته فأجزأ وقد روي أن عمر ~~تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك فأراد أن يشتريه فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تعد في صدقتك فلم يمنع النبي صلى الله عليه ms1896 ~~وسلم المحمول على الفرس في سبيل الله من بيعها وإن أعطى حاجا منقطعا به ~~أجزأ أيضا وقد روي عن ابن عمر أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله فقال ابن ~~عمر إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه وقال محمد بن الحسن في السير الكبير ~~في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به ~~وهذا يدل على أن قوله تعالى وفي سبيل الله قد أريد به عند محمد الحاج ~~المنقطع به وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحج والعمرة من ~~سبيل الله وروي عن أبي يوسف فيمن أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه الفقراء ~~الغزاة فإن قيل فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لأغنياء الغزاء أخذ ~~الصدقة بقوله لا تحل لغني إلا في سبيل الله قيل له قد يكون الرجل غنيا في ~~أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأثث به في بيته وخادم يخدمه وفرس يركبه وله ~~فضل مائتي درهم أو قيمتها فلا تحل له الصدقة فإذا عزم على الخروج في سفر ~~غزو واحتاج من آلات السفر والسلاح والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال ~~إقامته فينفق الفضل عن أثاثه وما يحتاج إليه في مصره على السلاح والآلة ~~والعدة فتجوز له الصدقة وجائز أن يكون الفضل عما يحتاج إليه من دابة الأرض ~~PageV04P329 أو سلاحا أو شيئا من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر فيمنع ~~ذلك جواز إعطائه الصدقة إذا كان ذلك يساوي مائتي درهم وإن هو خرج للغزو ~~فاحتاج إلى ذلك جاز أن يعطى من الصدقة وهو غني في هذا الوجه فهذا معنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم الصدقة تحل للغازي الغني قوله تعالى وابن السبيل هو ~~المسافر المنقطع به يأخذ من الصدقة وإن كان له مال في بلده وكذلك روي عن ~~مجاهد وقتادة وأبي جعفر وقال بعض المتأخرين هو من يعزم على السفر وليس له ~~ما يحتمل به وهذا خطأ لأن السبيل هو الطريق ms1897 فمن لم يحصل في الطريق لا يكون ~~ابن السبيل ولا يصير كذلك بالعزيمة كما لا يكون مسافر بالعزيمة وقال تعالى ~~@QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ قال ابن عباس هو المسافر لا ~~يجد الماء فيتيمم فكذلك ابن السبيل هو المسافر وجميع من يأخذ الصدقة من هذه ~~الأصناف فإنما يأخذ صدقة بالفقر والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها لا ~~يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ثم يعطي الإمام ~~المؤلفة منها لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين ويعطيها العاملين عوضا ~~من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم وإنما قلنا ذلك لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فبين أن ~~الصدقة مصروفة إلى الفقراء فدل ذلك على أن أحدا لا يأخذها صدقة إلا بالفقر ~~وإن الأصناف المذكورين إنما ذكروا بيانا لأسباب الفقر # | باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة # قال أبو بكر رحمه الله اختلف اهل العلم في المقدار الذي إذا ملكه الرجل ~~دخل به في حد الغنى وخرج به من حد الفقير وحرمت عليه الصدقة فقال قوم إذا ~~كان عند أهله ما يغديهم ويعشيهم حرمت عليه الصدقة بذلك ومن كان عنده دون ~~ذلك حلت له الصدقة واحتجوا بما رواه عبدالرحمن عن يزيد بن جابر قال حدثني ~~ربيعة بن يزيد عن أبي كبشة السلولي قال حدثني سهيل بن الحنظلة قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر ~~من جمر جهنم قلت يا رسول الله ما ظهر غنى قال أن يعلم أن عند أهله ما ~~يغديهم ويعشيهم وقال آخرون حتى يملك أربعين درهما أو عدلها من الذهب ~~واحتجوا بما روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد ~~قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده ~~أوقية أو عدلها فقد سأل PageV04P330 إلحافا والأوقية يومئذ أربعون درهما ~~وقالت طائفة حتى يملك خمسين درهما ms1898 أو عدلها من الذهب واحتجوا في ذلك بما ~~روى الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسئل عبد مسألة وله ما ~~يغنيه إلا جاءت شينا أوكدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول ~~الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب وروى الحجاج عن الحسن بن ~~سعد عن أبيه عن علي وعبدالله قالا لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو ~~عوضها من الذهب وعن الشعبي قال لا يأخذ الصدقة من له خمسون درهما ولا نعطي ~~منها خمسين درهما وقال آخرون حتى يملك مائتي درهم أو عدلها من عرض أوغيره ~~فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وفرس وهو قول أصحابنا والدليل ~~على ذلك ما روى أبو بكر الحنفي قال حدثنا عبدالله بن جعفر قال حدثني أبي عن ~~رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من سأل وله عدل خمس ~~أواق سأل إلحافا ويدل عليه ما روى الليث بن سعد قال حدثني سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول إن رجلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا ~~فتقسمها على فقرائنا فقال اللهم نعم وروى يحيى بن عبدالله بن صيفي عن أبي ~~معبد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال ~~له أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ~~وروى الأشعث عن ابن أبي جحيفة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~ساعيا على الصدقة فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيقسمها في فقرائنا ~~فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس صنفين فقراء وأغنياء وأوجب أخذ ~~الصدقة من صنف الأغنياء وردها في الفقراء لم تبق ههنا واسطة بينهما ولما ms1899 ~~كان الغني هو الذي ملك مائتي درهم وما دونها لم يكن مالكها غنيا وجب أن ~~يكون داخلا في الفقراء فيجوز له أخذها ولما اتفق الجميع على أن من كان له ~~دون الغداء والعشاء تحل له الصدقة علمنا أنها ليست إباحتها موقوفة على ~~الضرورة التي تحل معها الميتة فوجب اعتبار ما يدخل به في حد الغنى وهو أن ~~يملك فضلا عما يحتاج إليه مما وصفنا مائتي درهم أو مثلها من عرض أو غيره ~~وأما ملك الأربعين درهما والخسمين الدرهم على ما روي في الأخبار التي قدمنا ~~فإن هذه الأخبار واردة في كراهة المسألة لا في تحريمها وقد تكره المسألة ~~لمن عنده ما يعنيه في الوقت لا سيما في أول ما هاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة PageV04P331 مع كثرة فقراء المسلمين وقلة ذات أيديهم ~~فاستحب النبي صلى الله عليه وسلم لمن عنده ما يكفيه ترك المسألة ليأخذها من ~~هو أولى منه ممن لا يجد شيئا وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم من استغنى ~~أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن لا يسئلنا أحب إلينا ممن يسئلنا وقوله ~~صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسئل الناس ~~أعطوه أو منعوه وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن علي قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإعطاء السائل مع ملكه للفرس والفرس في أكثر الحال تساوي أكثر من ~~أربعين درهما أو خمسين درهما وقد روى يحيى بن آدم قال حدثنا علي بن هاشم عن ~~إبراهيم بن يزيد المكي عن الوليد بن عبيدالله عن ابن عباس قال سأل رجل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن لي أربعين درهما أفمسكين أنا قال نعم وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال حدثنا أبو موسى ~~الهروي قال حدثنا المعافى قال حدثنا إبراهيم بن يزيد الجزري قال حدثنا ~~الوليد بن ms1900 عبدالله بن أبي مغيث عن ابن عباس قال قال رجل يا رسول الله عندي ~~أربعون درهما أمسكين أنا قال نعم فأباح له الصدقة مع ملكه لأربعين درهما ~~حين سماه مسكينا إذ كان الله قد جعل الصدقة للمساكين وروى أبو يوسف عن غالب ~~بن عبيدالله عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ~~أحدهم الصدقة وله من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم وروى ~~الأعمش عن إبراهيم قال كانوا لا يمنعون الزكاة من له من البيت والخادم وروى ~~شعبة عن قتادة عن الحسن قال من له مسكن وخادم أعطي من الزكاة وروى جعفر بن ~~أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال يعطى من له دار وخادم وفرس وسلاح يعطى من ~~إذا لم يكن له ذلك الشيء واحتاج إليه وقد اختلف في ذلك من وجه آخر فقال ~~قائلون من كان قويا مكتسبا لم تحل له الصدقة وإن لم يملك شيئا واحتجوا بما ~~روى أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ~~ورواه أبو بكر بن عياش أيضا عن أبي جعفر عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثله وروى سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبدالله ~~بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي ~~مكتسب وهذا عندنا على وجه الكراهة لا على جهة التحريم على النحو الذي ذكرنا ~~في كراهة المسألة فإن قيل قوله لا تحل الصدقة لغني على PageV04P332 وجه ~~التحريم وامتناع جواز إعطائه الزكاة كذلك القوي المكتسب قيل له يجوز أن ~~يريد الغني الذي يستغني به عن المسألة وهو أن يكون له أقل من مائتي درهم لا ~~الغني الذي يجعله في حيز من يملك ما تجب في مثله الزكاة إذ قد يجوز أن يسمى ~~غنيا لاستغنائه بما يملكه عن ms1901 المسألة ولم يرد به الغني الذي يتعلق بملك ~~مثله وجوب الغنى فكان قوله لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي على وجه ~~الكراهة للمسألة لمن كان في مثل حاله وعلى أن حديث أبي هريرة هذا في قوله ~~لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي مختلف في رفعه فرواه أبو بكر بن عياش ~~مرفوعا على ما قدمنا ورواه أبو يوسف عن حصين عن أبي حازم عن أبي هريرة من ~~قوله غير مرفوع وحديث عبدالله بن عمرو رواه شعبة والحسن بن صالح عن سعد بن ~~إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبدالله بن عمرو موقوفا عليه من قوله وقال لا ~~تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ورواه سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان ~~بن يزيد عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة ~~لغني ولا لقوي مكتسب فاختلفوا في رفعه وظاهر قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين @QE@ عام في سائرهم من قدر منهم على الكسب ومن لم يقدر ~~وكذلك قوله تعالى في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم يقتضي وجوب الحق ~~للسائل القوي المكتسب إذ لم تفرق الآية بينه وبين غيره ويدل أيضا قوله ~~تعالى للفقراء @QB@ الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف @QE@ ولم يفرق بين القوي المكتسب وبين من ~~لا يكتسب من الضعفاء فهذه الآيات كلها قاضية ببطلان قول القائل بأن الزكاة ~~لا تعطى للفقير إذا كان قويا مكتسبا ولا يجوز تخصيصها بخبر أبي هريرة ~~وعبدالله بن عمرو اللذين ذكرنا لاختلافهم في رفعه واضطراب متنه لأن بعضهم ~~يقول قوي مكتسب وبعضهم لذي مرة سوي وقد رويت أخبار هي أشد استفاضة وأصح ~~طرقا من هذين الحديثين معارضة لهما منها حديث أنس وقبيصة بن المخارق أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فذكر ~~إحداهن فقر مدقع وقال أو رجل أصابته فاقة أو رجل أصابته جائحة ولم يشرط في ms1902 ~~شيء منها عدم القوة والعجز عن الاكتساب ومنها حديث سليمان أنه حمل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صدقة فقال لأصحابه كلوا ولم يأكل ومعلوم أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أقوياء مكتسين ولم يخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها من كان منهم زمنا أو عاجزا عن PageV04P333 الاكتساب ومنها حديث ~~عروة بن الزبير عن عبيدالله بن عدي بن الخيار أن رجلين من العرب حدثاه ~~أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه من الصدقة فصعد فيهما البصر ~~وصوبه فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي ~~مكتسب فلما قال لهما إن شئتما أعطيتكما ولو كان محرما ما أعطاهما مع ما ظهر ~~له من جلدهما وقوتهما وأخبر مع ذلك أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فدل ~~على أنه أراد بذلك كراهة المسألة ومحبة النزاهة لمن كان معه ما يغنيه أو ~~قدر على الكسب فيستغني به عنها وقد يطلق مثل هذا على وجه التغليظ لا على ~~وجه تحقيق المعنى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمؤمن من يبيت ~~شبعانا وجاره جائع وقال لا دين لمن لا أمانة له وقال ليس المسكين بالطواف ~~الذي ترده اللقمة واللقمتان ولم يرد به نفي المسكنة عنه رأسا حتى تحرم عليه ~~الصدقة وإنما أراد ليس حكمه كحكم الذي لا يسئل وكذلك قوله ولا حق فيها لغني ~~ولا لقوي مكتسب على معنى أنه ليس حقه فيها كحق الزمن العاجز عن الكسب ويدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم فعم سائر الفقراء الزمنى منهم والأصحاء وأيضا قد كانت الصدقات ~~والزكاة تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعطيها فقراء الصحابة من ~~المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وكانوا أقوياء مكتسبين ولم يكن يخص بها ~~الزمنى دون الأصحاء وعلى هذا أمر الناس من لدن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى يومنا يخرجون صدقاتهم إلى الفقراء والأقوياء والضعفاء منهم لا يعتبرون ms1903 ~~منها ذوي العاهات والزمانة دون الأقوياء الأصحاء ولو كانت الصدقة محرمة ~~وغير جائزة على الأقوياء المكتسبين الفروض منها أو النوافل لكان من النبي ~~صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه لعموم الحاجة إليه فلما لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة على حظر دفع الزكاة إلى الأقوياء من ~~الفقراء والمتكسبين من أهل الحاجة لأنه لو كان منه توقيف للكافة لورد النقل ~~به مستفيضا دل ذلك على جواز إعطائها الأقوياء المتكسبين من الفقراء كجواز ~~إعطائها الزمنى والعاجزين عن الاكتساب # | باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة # قال أصحابنا من تحرم عليهم الصدقة منهم آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل ~~عقيل وولد الحارث بن عبدالمطلب جميعا وحكى الطحاوي عنهم وولد عبدالمطلب ولم ~~أجد ذلك عنهم رواية والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات المفروضة وأما التطوع ~~فلا بأس PageV04P334 به وذكر الطحاوي أنه روي عن أبي حنيفة وليس بالمشهور ~~أن فقراء بني هاشم يدخلون في آية الصدقات ذكره في أحكام القرآن قال وقال ~~أبو يوسف ومحمد لا يدخلون قال أبو بكر المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ~~ذكره من آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبدالمطلب وأن ~~تحريم الصدقة عليهم خاص في المفروض منه دون التطوع وروى ابن سماعة عن أبي ~~يوسف أن الزكاة من بني هاشم تحل لبني هاشم ولا يحل ذلك من غيرهم لهم وقال ~~مالك لا تحل الزكاة لآل محمد والتطوع يحل وقال الثوري لا تحل الصدقة لبني ~~هاشم ولم يذكر فرقا بين النفل والفرض وقال الشافعي تحرم صدقة الفرض على بني ~~هاشم وبني عبدالمطلب ويجوز صدقة التطوع على كل أحد إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان لا يأخذها والدليل على أن الصدقة المفروضة محرمة على ~~بني هاشم حديث ابن عباس قال ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون ~~الناس إلا بثلاث إسباغ الوضوء وأن لا نأكل الصدقة وأن لا ننزى الحمير على ~~الخيل وروي أن ms1904 الحسن بن علي أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فأخرجها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبي عن خالد بن ~~قيس عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة فقال لولا إني ~~أخاف أن تكون صدقة لأكلتها وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الإبل السائمة من كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا ~~فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله لا يحل لآل محمد منها شيء وروي ~~من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما ~~هي أوساخ الناس فثبت بهذه الأخبار تحريم الصدقات المفروضات عليهم فإن قيل ~~روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قدم عير المدينة فاشترى ~~منها النبي صلى الله عليه وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة فتصدق بها على ~~أرامل بني عبدالمطلب ثم قال لا أعود أن أشتري بعدها شيئا وليس ثمنه عندي ~~فقد تصدق على هؤلاء وهن هاشميات قيل له ليس في الخبر أنهن كن هاشميات وجائز ~~أن لا يكن هاشميات بل زوجات بني عبدالمطلب من غير بني عبدالمطلب بل عربيات ~~من غيرهم وكن أزواجا لبني عبدالمطلب فماتوا عنهن وأيضا فإن ذلك كان صدقة ~~تطوع وجائز أن يتصدق عليهم بصدقة التطوع وأيضا فإن حديث عكرمة الذي ذكرناه ~~أولى لأن حديث ابن عباس أخبر PageV04P335 فيه بحكمه فيهم بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فالحظر متأخر للإباحة فهذا أولى وأما بنوا المطلب فليسوا من ~~أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لأن قرابتهم منه كقرابة بني أمية ولا ~~خلاف أن بني أمية ليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك بنوا ~~المطلب فإن قيل لما أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس سهم ms1905 ذوي ~~القربى كما أعطى بني هاشم ولم يعط بني أمية دل ذلك على أنهم بمنزلة بني ~~هاشم في تحريم الصدقة قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطهم للقربة ~~فحسب لأنه لما قال عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يا رسول الله أما بنوا هاشم ~~فلا ننكر فضلهم لقربهم منك وأما بنوا المطلب فنحن وهم في النسب شيء واحد ~~فأعطيتهم ولم تعطنا فقال صلى الله عليه وسلم إن بني المطلب لم تفارقني في ~~جاهلية ولا إسلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة ~~فحسب بل بالنصرة والقرابة ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية ~~والإسلام أصلا لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبي لهب وبعض آل الحارث ~~بن عبدالمطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه وينبغي أن لا تحرم على من ولد في ~~الإسلام من بني أمية لأنهم لم يخالفوه وهذا ساقط وأيضا فإن سهم الخمس إنما ~~يستحقه خاص منهم وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه ولم يثبت خصوص تحريم ~~الصدقة في بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فليس استحقاق سهم من ~~الخمس أصلا لتحريم الصدقة لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون سهما ~~من الخمس ولم تحرم عليهم الصدقة فدل على أن استحقاق سهم من الخمس ليس بأصل ~~في تحريم الصدقة واختلف في الصدقة على موالي بني هاشم وهل أريدوا بآية ~~الصدقة فقال أصحابنا والثوري مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات المفروضات ~~عليهم وقال مالك بن أنس لا بأس بأن يعطي مواليهم والذي يدل على القول الأول ~~حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أرقم بن أرقم الزهري على ~~الصدقة فاستتبع أبا رافع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة حرام ~~على محمد وآل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم وروي عن عطاء بن السائب عن أم ~~كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له هرمز أو كيسان أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال له ms1906 يا أبا فلان إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة وإن مولى القوم ~~من أنفسهم فلا تأكل الصدقة وأيضا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء ~~لحمة كلحمة النسب وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهن بنوا هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم إذ كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد جعله لحمة كالنسب واختلف في جواز أخذ بني هاشم ~~PageV04P336 للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها فقال أبو يوسف ومحمد من غير ~~خلاف ذكراه عن أبي حنيفة لا يجوز أن يعمل على الصدقة أحد من بني هاشم ولا ~~يأخذ عمالته منها قال محمد وإنما يصنع ما كان يأخذه علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه في خروجه إلى اليمن على أنه كان يأخذ من غير الصدقة قال أبو بكر ~~يعني بقوله لا يعمل على الصدقة على معنى أنه يعملها ليأخذ عمالتها فأما إذا ~~عمل عليها متبرعا على أن لا يأخذ شيئا فهذا لا خلاف بين أهل العلم في جوازه ~~وقال آخرون لا بأس بالعمالة لهم من الصدقة والدليل على صحة القول الأول ما ~~حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~معمر قال سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث نوفل بن ~~الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقا إلى عمكما لعله ~~يستعملكما على الصدقة فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وسلم بحاجتهما ~~فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات ~~شيء لأنها غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو يكفيكما وروي عن ~~علي أنه قال للعباس سل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملك على الصدقة ~~فسأله فقال ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس وروى الفضل بن العباس ~~وعبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما ~~على الصدقة ليصيبا منها ms1907 فقال إن الصدقة لا تحل لآل محمد فمنعهما أخذ ~~العمالة ومنع أبا رافع ذلك أيضا وقال مولى القوم منهم واحتج المبيحون لذلك ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن على الصدقة وراه جابر ~~وأبو سعيد جميعا ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ولا حجة في ~~هذا لهم لأنه لم يذكر أن عليا أخذ عمالته منها وقد قال الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ ومعلوم أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة وقد كان علي بن أبي طالب حين خرج إلى ~~اليمن فولي القضاء والحرب بها فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفيء لا من ~~جهة الصدقة فإن قيل فقد يجوز أن يأخذ الغني عمالته منها وإن لم تحل له ~~الصدقة فكذلك بنوا هاشم قيل له لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ ~~منها والهاشمي لا يأخذ منها بحال فإن قيل إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة ~~وإنما يأخذ أجرة لعمله كما روي أن بريرة كانت تهدي للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مما يتصدق به عليها ويقول صلى الله عليه وسلم هي لها صدقة ولنا هدية ~~قيل له الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي PageV04P337 ص = واسطة ~~ملك آخر وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة لأنها لا تحصل في ~~ملك الفقراء حتى يأخذها العامل # | باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء # قال الله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ فاقتضى ظاهره ~~جواز إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لولا قيام الدلالة ~~على منع إعطاء بعض الأقرباء وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا جميعا ~~لا يعطى منها والد وإن علا ولا ولدا وإن سفل ولا امرأة وقال مالك والثوري ~~والحسن بن صالح لا يعطى من تلزمه نفقته وقال ابن شبرمة ms1908 لا يعطى من الزكاة ~~قرابته الذين يرثونه وإنما يعطى من لا يرثه وليس في عياله وقال الأوزاعي لا ~~يتخطى بزكاة ماله فقراء أقاربه إذا لم يكونوا من عياله ويتصدق على مواليه ~~من غير زكاة ماله وقال الليث لا يعطى الصدقة الواجبة من يعول وقال المزني ~~عن الشافعي في مختصره ويعطى الرجل من الزكاة من لا تلزمه نفقته من قرابته ~~وهم من عدا الولد والوالد والزوجة إذا كانوا أهل حاجة فهم أحق بها من غيرهم ~~وإن كان ينفق عليهم تطوعا قال أبو بكر فحصل من اتفاقهم أن الولد والوالد ~~والزوجة لا يعطون من الزكاة ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم أنت ~~ومالك لأبيك وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فإذا كان ~~مال الرجل مضافا إلى أبيه وموصوفا بأنه من كسبه فهو متى أعطى ابنه فكأنه ~~باق في ملكه لأن ملك ابنه منسوب إليه فلم تحصل صدقة صحيحة وإذا صح ذلك في ~~الإبن فالأب مثله إذ كل واحد منهما منسوب إلى الآخر من طريق الولادة وأيضا ~~قد ثبت عندنا بطلان شهادة كل واحد منهما لصاحبه فلما جعل كل واحد منهما ~~فيما يحصله بشهادته لصاحبه كأنه يحصله لنفسه وجب أن يكون إعطاؤه إياه ~~الزكاة كتبقيته في ملكه وقد أخذ عليه في الزكاة إخراجها إلى ملك الفقير ~~إخراجا صحيحا ومتى أخرجها إلى من لا تجوز له شهادته فلم ينقطع حقه عنه وهو ~~بمنزلة ما هو باق في ملكه فلذلك لم يجزه ولهذه العلة لم يجز أن يعطي زوجته ~~منها وأما اعتبار النفقة فلا معنى له لأن النفقة حق يلزمه وليست بآكد من ~~الديون التي ثبتت لبعضهم على بعض فلا يمنع ثبوتها من جواز دفع الزكاة إليه ~~وعموم الآية يقتضي جواز دفعها إليه باسم الفقر ولم تقم الدلالة على تخصيصه ~~فلم يجز إخراجها لأجل النفقة من عمومها وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~خير الصدقة PageV04P338 ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول وذلك عموم في ms1909 ~~جواز دفع سائر الصدقات إلى من يعول وخرج الولد والوالد والزوجان بدلالة فإن ~~قيل إنما لم يجز إعطاء الوالد والولد لأنه تلزمه نفقته قيل له هذا غلط لأنه ~~لو كان الولد والوالد مستغنيين بقدر الكفاف ولم تكن على صاحب المال نفقتهما ~~لما جاز أن يعطيهما من الزكاة لأنهما ممنوعان منها مع لزوم النفقة وسقوطها ~~فدل على أن المانع من دفعها إليهما أن كل واحد منهما منسوب إلى الآخر ~~بالولادة وأن واحدا منهما لا يجوز شهادته للآخر وكل واحد من المعنيين علة ~~في منع دفع الزكاة واختلفوا في إعطاء المرأة زوجها من زكاة المال قال أبو ~~حنيفة ومالك لا تعطيه وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والشافعي تعطيه والحجة ~~للقول الأول إنه قد ثبت أن شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه غير جائزة فوجب ~~أن لا يعطي واحد منهما صاحبه من زكاته لوجود العلة المانعة من دفعها في كل ~~واحد منهما واحتج المجيزون لدفع زكاتها إليه بحديث زينب امرأة عبدالله بن ~~مسعود حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على زوجها عبدالله وعلى ~~أيتام لأخيها في حجرها فقال لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة قيل له كانت ~~صدقة تطوع وألفاظ الحديث تدل عليه وذلك لأنه ذكر فيه أنها قالت لما حث ~~النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة وقال تصدقن ولو بحليكن جمعت ~~حليا لي وأردت أن أتصدق فسألت النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنها ~~كانت صدقة تطوع فإن احتجوا بما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ابن ~~ناجية قال حدثنا أحمد بن حاتم قال حدثنا علي بن ثابت قال حدثني يحيى بن أبي ~~أنيسة الجزري عن حماد بن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله أن زينب الثقفية ~~امرأة عبدالله سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن لي طوقا فيه ~~عشرون مثقالا أفأؤدي زكاته قال نعم نصف مثقال قالت فإن في حجري بني أخ لي ~~أيتاما أفأجعله أو أضعه فيهم قال نعم فبين في هذا ms1910 الحديث أنها كانت من ~~زكاتها قيل له ليس في هذا الحديث ذكر إعطاء الزوج وإنما ذكر فيه إعطاء بني ~~أخيها ونحن نجيز ذلك وجائز أن تكون سألته عن صدقة التطوع على زوجها وبني ~~أخيها فأجازها وسألته في وقت آخر عن زكاة الحلي ودفعها إلى بني أخيها ~~فأجازها ونحن نجيز دفع الزكاة إلى بني الأخ واختلف في إعطاء الذمي من ~~الزكاة فقال أصحابنا ومالك والثوري وابن شبرمة والشافعي لا يعطى الذمي من ~~الزكاة وقال أصحابنا ومالك والثوري وابن شبرمة والشافعي لا يعطى ~~PageV04P339 من الزكاة وقال عبيدالله بن الحسن إذا لم يجد مسلما أعطى الذمي ~~فقيل له فإنه ليس بالمكان الذي هو به مسلم وفي موضع آخر مسلم فكأنه ذهب إلى ~~إعطائها للذمي الذي هو بين ظهرانيهم والحجة للقول الأول قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فاقتضى ذلك أن ~~يكون كل صدقة أخذها إلى الإمام مقصورة على فقراء المسلمين ولا يجوز إعطاؤها ~~للكفار ولما اتفقوا على أنه إذا كان هناك مسلمون لم يعط الكفار ثبت أن ~~الكفار لا حظ لهم في الزكاة إذ لو جاز إعطاؤها إياهم بحال لجاز في كل حال ~~لوجود الفقر كسائر الفقراء المسلمين واختلفوا في دفع الزكاة إلى رجل واحد ~~فقال أصحابنا يجوز أن يعطي جميع زكاته مسكينا واحدا وقال مالك لا بأس أن ~~يعطي الرجل زكاة الفطر عن نفسه وعياله مسكينا واحدا وقال المزني عن الشافعي ~~وأقل ما يعطي أهل السهم من سهام الزكاة ثلاثة فإن أعطى اثنين وهو يجد ~~الثالث ضمن ثلث سهم قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء @QE@ ~~اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم وأسماء الأجناس إذا أطلقت فإنها ~~تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد معنيين إما الكل وإما أدناه ولا ~~تختص بعدد دون عدد إلا بدلالة إذ ليس فيها ذكر العدد ألا ترى إلى قوله ~~تعالى والسارق والسارقة وقوله الزانية والزاني وقوله وخلق الإنسان ضعيفا ~~ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول كل ms1911 واحد من آحادها على حياله لا على ~~طريق الجمع ولذلك قال أصحابنا فيمن قال إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد ~~أنه على الواحد منهم ولو قال إن شربت الماء أو أكلت الطعام كان على الجزء ~~منها لا على استيعاب جميع ما تحته وقالوا لو أراد بيمينه استيعاب الجنس كان ~~مصدقا ولم يحنث أبدا إذ كان مقتضى اللفظ أحد معنيين إما استيعاب الجميع أو ~~أدنى ما يقع عليه الاسم منه وليس للجميع حظ في ذلك فلا معنى لاعتبار العدد ~~فيه وإذا ثبت ما وصفنا واتفق الجميع على أنه لم يرد بآية الصدقات استيعاب ~~الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم سقط اعتبار العدد فيه فبطل قول من اعتبر ~~ثلاثة منهم وأيضا لما يكن ذلك حقا لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى ~~يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء ~~ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض إذ لا ~~يختص الاسم بعدد دون عدد وأيضا لما وجب اعتبار العدد وقد علمنا تعذر ~~استيفائه استيفائه لأنهم لا يحصون دل على PageV04P340 سقوط اعتباره إذ كان ~~في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه وقد اختلف أبو يوسف ومحمد فيمن أوصى بثلث ~~ماله للفقراء فقال أبو يوسف يجزيهم وضعه في فقير واحد وقال محمد لا يجزي ~~إلا في اثنين فصاعدا شبهه أبو يوسف بالصدقات وهو أقيس واختلف في موضع أداء ~~الزكاة فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تقسم صدقة كل بلد في فقرائه ~~ولا يخرجها إلى غيره وإن أخرجها إلى غيره فأعطاها الفقراء جاز ويكره وروى ~~علي الرازي عن أبي سليمان عن ابن المبارك عن أبي حنيفة قال لا بأس بأن يبعث ~~الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ذي قرابته قال أبو سليمان فحدثت به محمد بن ~~الحسن فقال هذا حسن وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة قال أبو سليمان ~~فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة ms1912 وذكر الطحاوي عن ابن أبي ~~عمران قال أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن عن أبي سليمان عن عبدالله بن ~~المبارك عن أبي حنيفة قال لا يخرج الرجل زكاته من مدينة إلى مدينة إلا لذي ~~قرابته وقال أبو حنيفة في زكاة الفطر يؤديها حيث هو وعن أولاده الصغار حيث ~~هم وزكاة المال حيث المال وقال مالك لا تنقل صدقة المال من بلد إلى بلد إلا ~~أن تفضل فتنقل إلى أقرب البلدان إليهم قال ولو أن رجلا من أهل مصر حلت ~~زكاته عليه وماله بمصر وهو بالمدينة فإنه يقسم زكاته بالمدينة ويؤدي صدقة ~~الفطر حيث هو وقال الثوري لا تنقل من بلد إلى بلد إلا أن لا يجد من يعطيه ~~وكره الحسن بن صالح نقلها من بلد إلى بلد وقال الليث فيمن وجبت عليه زكاة ~~ماله وهو ببلد غير بلده أنه إن كانت رجعته إلى بلده قريبة فإنه يؤخر ذلك ~~حتى يقدم بلده فيخرجها ولو أداها حيث هو رجوت أن تجزي وإن كانت غيبته طويلة ~~وأراد المقام بها فإنه يؤدي زكاته حيث هو وقال الشافعي إن أخرجها إلى غير ~~بلده لم يبن لي أن عليه الإعادة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين يقتضي جواز إعطائها في غير البلد الذي فيه المال وفي أي ~~موضع شاء ولذلك قال أصحابنا أي موضع أدى فيه أجزأه ويدل عليه أنا لم نر في ~~الأصول صدقة مخصوصة بموضع حتى لا يجوز أداؤها في غيره ألا ترى أن كفارات ~~الأيمان والنذور وسائر الصدقات لا يختص جوازها بأدائها في مكان دون غيره ~~وروي عن طاوس أن معاذا قال لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في ~~الصدقة مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم وخير لمن بالمدينة من المهاجرين ~~والأنصار فهذا يدل على أنه كان ينقلها من اليمن PageV04P341 إلى المدينة ~~وذلك لأن أهل المدينة كانوا أحوج إليها من أهل اليمن وروى عدي بن حاتم أنه ~~نقل صدقة طي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1913 وبلادهم بالبعد من المدينة ~~ونقل أيضا عدي ابن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه من بلاد طي وبلاد بني تميم فاستعان بها على قتال أهل الردة ~~وإنما كرهوا نقلها إلى بلد غيره إذا تساوى أهل البلدين في الحاجة لما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن الله ~~قد فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم وذلك يقتضي ~~ردها في فقراء المأخوذين منهم وإنما قال أبو حنيفة إنه يجوز له نقلها إلى ~~ذي قرابته في بلد آخر لما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد ~~قال حدثنا أبو سلمة قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن ~~سيرين عن سلمان بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صدقة الرجل على ~~قرابته صدقة وصلة وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن زكريا قال ~~حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن عطاء عن ~~ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة على ذي القرابة تضاعف مرتين ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب امرأة عبدالله حين سألته عن ~~صدقتها على عبدالله وأيتام بني أخ لها في حجرها فقال لك أجران أجر الصدقة ~~وأجر القرابة وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن الحسين بن يزيد ~~الصدائي قال حدثنا أبي قال حدثنا ابن نمير عن حجاج عن الزهري عن أيوب بن ~~بشير عن حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال على ذي ~~الرحم الكاشح فثبت بهذه الأخبار أن الصدقة على ذي الرحم المحرم وإن بعدت ~~داره أفضل منها على الأجنبي فلذلك قال يجوز نقلها إلى بلد آخر إذا أعطاها ~~ذا قرابته وإنما قال اصحابنا في صدقة الفطر ms1914 إنه يؤديها عن نفسه حيث هو وعن ~~رفيقه وولده حيث هم لأنها مؤداة عنهم فكما تؤدى زكاة المال حيث المال كذلك ~~تؤدى صدقة الفطر حيث المؤدى عنه # | فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة # كان أبو حنيفة يكره أن يعطي إنسان من الزكاة مائتي درهم وإن أعطيته أجزأك ~~ولا بأس بأن تعطيه أقل من مائتي درهم قال وإن يغني بها إنسانا أحب إلي وروى ~~هشام عن أبي يوسف في رجل له مائة وتسة وتسعون درهما فتصدق عليه بدرهمين أنه ~~يقبل واحدا PageV04P342 ويرد واحدا فقد أجاز له أن يقبل تمام المائتين وكره ~~أن يقبل ما فوقها وأما مالك بن أنس فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد من غير ~~توقيف وقول ابن شبرمة فيه كقول أبي حنيفة وقال الثوري لا يعطى من الزكاة ~~أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما وهو قول الحسن بن صالح وقال الليث ~~يعطى مقدار ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال والزكاة كثيرة ولم يحد ~~الشافعي شيئا واعتبر ما يرفع الحاجة قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ليس فيه تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم ~~وقد علمنا أنه لم يرد به تفريقها على الفقراء على عدد الرءوس لامتناع ذلك ~~وتعذره فثبت أن المراد دفعها إلى بعض أي بعض كان وأقلهم واحد ومعلوم أن كل ~~واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع ~~صدقته إلى فقير واحد قل المدفوع أو كثر فوجب بظاهر الآية جواز دفع المال ~~الكثير من الزكاة إلى واحد من الفقراء من غير تحديد لمقداره وأيضا فإن ~~الدفع والتمليك يصادفانه وهو فقير فلا فرق بين دفع القليل والكثير لحصول ~~التمليك في الحالتين للفقير وإنما كره أبو حنيفة أن يعطي إنسانا مائتي درهم ~~لأن المائتين هي النصاب الكامل فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة ومعلوم أن ~~الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها فلا ~~يحصل له التمكين من الإنتفاع إلا وهو ms1915 غني فكره من أجل ذلك دفع نصاب كامل ~~ومتى دفع إليه أقل من النصاب فإنه يملكه ويحصل له الإنتفاع بها وهو فقير ~~فلم يكرهه إذ القليل والكثير سواء في هذا الوجه إذا لم يصر غنيا فالنصاب ~~عند وقوع التمليك والتمكين من الإنتفاع وأما قول أبي حنيفة وأن يغني بها ~~إنسان أحب إلي فإنه لم يرد به الغنى الذي تجب عليه به الزكاة وإنما أراد أن ~~يعطيه ما يستغنى به عن المسئلة ويكف به وجهه ويتصرف به في ضرب من المعاش ~~واختلف فيمن أعطى زكاته رجلا ظاهره الفقر فأعطاه على ذلك ثم تبين أنه غني ~~فقال أبو حنيفة ومحمد يجزيه وكذلك إن دفعها إلى ابنه أو إلى ذمي وهو لا ~~يعلم ثم علم أنه يجزيه وقال أبو يوسف لا يجزيه وذهب أبو حنيفة في ذلك إلى ~~ما روي في حديث معن بن يزيد أن أباه أخرج صدقة فدفعها إليه ليلا وهو لا ~~يعرفه فلما أصبح وقف عليه فقال ما إياك أردت واختصما إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له لك ما نويت يا يزيد وقال لمعن لك ما أخذت ولم يسئله ~~أنويتها من الزكاة أو غيرها بل قال لك ما نويت فدل على جوازها إن نواها ~~زكاة PageV04P343 وأيضا فإن الصدقة على هؤلاء فقد تكون صدقة صحيحة من وجه ~~في غير حال الضرورة وهو أن يتصدق عليهم صدقة التطوع فأشبهت من هذا الوجه ~~الصلاة إلى الكعبة إذا أداها باجتهاد صحيح ثم تبين أنه أخطأها كانت صلاته ~~ماضية إذ كانت الصلاة إلى غير جهة الكعبة قد تكون صلاة صحيحة من غير ضرورة ~~وهو المصلي تطوعا على الراحلة فكان إعطاء الزكاة باجتهاد مشبها لأداء ~~الصلاة باجتهاد على النحو الذي ذكرنا فإن قيل إنما يشبه مسألة الزكاة من ~~توضأ بماء يظنه طاهرا ثم علم أنه كان نجسا فلا تجزيه صلاته لأنه صار من ~~اجتهاد إلى يقين كذلك مؤدي الزكاة إلى غني أو ابنه أو ذمي إذا علم فقد صار ~~من اجتهاد إلى يقين فبطل ms1916 حكم اجتهاده ووجبت عليه الإعادة قيل له ليس كذلك ~~لأن الوضوء بالماء النجس لا يكون طهارة بحال فلم يكن للاجتهاد تأثير في ~~جوازه وترك القبلة جائز في أحوال فمسئلتنا بما ذكرناه أشبه فإن قيل الصلاة ~~قد تجوز في الثوب النجس في حال ومع ذلك فلو أداها باجتهاد منه في طهارة ~~الثوب ثم تبين النجاسة بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة ولم يكن جواز الصلاة ~~في الثوب النجس بحال موجبا لجواز أداءها بالاجتهاد متى صار إلى يقين ~~النجاسة قيل له أغفلت معنى اعتلالنا لأنا قلنا إن ترك القبلة جائز من غير ~~ضرورة كجواز إعطاء هؤلاء من صدقة التطوع من غير ضرورة فكانا متساويين من ~~هذا الوجه ألا ترى أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ~~ضرورة بالمتصدق صدقة التطوع على ما ذكرنا فلما استويا من هذا الوجه اشتبها ~~في الحكم وأما الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي ~~فيه حكم مصلي الفرض أو متنفل فلذلك اختلفا # | باب دفع الصدقات إلى صنف واحد # قال الله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ الآية فروى أبو ~~داود الطيالسي قال حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن ~~عباس قالا إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه ~~وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن ~~عبدالعزيز وأبي العالية ولا يروى عن الصحابة خلافه فصار إجماعا من السلف لا ~~يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم ~~عليهم وروى الثوري عن إبراهيم بن PageV04P344 ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل ~~إنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس ~~وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك ابن أنس وقال الشافعي تقسم ~~على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره وهذا قول ~~مخالف لقول من قدمنا ذكره ms1917 من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب قال ~~الله تعالى @QB@ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو ~~خير لكم @QE@ وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم للجنس لدخول الألف واللام ~~عليه فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء ~~فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر الأصناف إنما هو بيان أسياب الفقر لا ~~قسمتها على ثمانية ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ في أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم @QE@ وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما وذلك ~~ينفي وجوب قسمتها على ثمانية وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات ~~للفقراء @QE@ عموم في سائر الصدقات وما يحصل منها في كل زمان وقوله تعالى ~~@QB@ للفقراء @QE@ إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن ~~يحدث منهم ومعلوم أنه لم يرد منهم قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين ~~ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة فوجب أن يجزي إعطاء ~~صدقة عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام ~~لصنف من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو ~~رجل واحد غير مقسومة على ثمانية وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها ~~بالشركة وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض فثبت أن المقصد صرفها في ~~بعض المذكورين فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض ~~الفقراء لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض ~~قال أبو بكر ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم ~~يجد ما يطعم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني ~~زريق ليدفع إليه صدقاتهم فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى ~~سلمة وإنما هو من صنف واحد وفي حديث عبيدالله بن عدي بن الخيار في الرجلين ~~اللذين سألا النبي صلى الله عليه وسلم من ms1918 الصدقة فرآهما جلدين فقال إن ~~شئتما أعطيتكما ولم يسئلهما من أي الأصناف هما ليحسبهما من الصنف ويدل على ~~أنها مستحقة بالفقر قوله ص = PageV04P345 أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن الله تعالى فرض ~~عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم فأخبر أن المعنى ~~الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر لأنه عم جميع الصدقة وأخبر أنها ~~مصروفة إلى الفقراء وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة يدل على أن المعنى ~~المستحق به الصدقة هو الفقر وأن عمومه يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إلى ~~الفقراء حتى لا يعطي غيرهم بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك لقوله صلى الله ~~عليه وسلم أمرت فإن قيل العامل يستحقه لا بالفقر قيل له لم يكونوا يأخذونها ~~صدقة وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة ~~كفقير تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له وكما كان يتصدق على بريرة ~~فتهديه للنبي صلى الله عليه وسلم هدية للنبي وصدقة لبريرة فإن قيل فإن ~~المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر قيل له لم يكونوا ~~يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة ~~قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم فلم يكونوا ~~يأخذونها صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين إذ كان مال ~~الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في ~~مصالحهم فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا ~~والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة ~~والفقر دون غيرهما فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر فإن قيل ~~روى عبدالرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث ~~الصدائي يقول أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم فقلت أعطني من ~~صدقاتهم ففعل وكتب لي بذلك كتابا فأتاه رجل ms1919 فقال أعطني من الصدقة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل لم يرض بحكم نبي ولا غيره حتى حكم ~~فيها من السماء فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك منها ~~قيل له هذا يدل على صحة ما قلنا لأنه قال إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ~~فبان أنها مستحقة لمن كان من أهل هذه الأجزاء وذكر فيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كتب للصدائي بشيء من صدقة قومه ولم يسئله من أي الأصناف هو فدل ~~ذلك على أن قوله إن الله تعالى جزأها ثمانية أجزاء معناه ليوضع في كل جزء ~~منها جميعها إن رأى ذلك الإمام ولا يخرجها عن جميعهم وأيضا فليس تخلو ~~الصدقة من أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما PageV04P346 جميعا ~~وفاسد أن يقال هي مستحقة بمجرد الاسم لوجهين أحدهما أنه يوجب أن يستحقها كل ~~غارم وكل ابن سبيل وإن كان غنيا وهذا باطل والوجه الثاني إنه كان يجب أن ~~يكون لو اجتمع له الفقر وابن السبيل أن يستحق سهمين فلما بطل هذان الوجهان ~~صح أنها مستحقة بالحاجة فإن قيل قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين @QE@ الآية يقتضي إيجاب الشركة فلا يجوز إخراج صنف منها كما لو ~~أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وخالد لم يحرم واحد منهم قيل له هذا مقتضى اللفظ ~~في جميع الصدقات وكذلك نقول فيعطى صدقة العام صنفا واحدا ويعطى صدقة عام ~~آخر صنفا آخر على قدر اجتهاد الإمام ومجرى المصلحة فيه وإنما الخلاف بيننا ~~وبينكم في صدقة واحدة هل يستحقها الأصناف كلها وليس في الآية بيان حكم صدقة ~~واحدة وإنما فيها حكم الصدقات كلها فنقسم الصدقات كلها على ما ذكرنا فنكون ~~قد وفينا الآية حقها من مقتضاها واستعملنا سائر الآي التي قدمنا ذكرها ~~والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وقول السلف فذلك أولى من إيجاب قسمة ~~صدقة واحدة على ثمانية ورد أحكام سائر الآي والسنن التي قدمنا وبهذا المعنى ~~الذي ذكرنا انفصلت الصدقات من الوصية ms1920 بالثلث لأعيان لأن المسلمين لهم ~~محصورون وكذلك والثلث في مال معين فلا بد من أن يستحقوه بالشركة وأيضا فلا ~~خلاف أن الصدقات غير مستحقة على وجه الشركة للمسلمين لاتفاقهم على جواز ~~إعطاء بعض الفقراء دون بعض ولا جائز إخراج بعض الموصى لهم وأيضا لما جاز ~~التفضيل في الصدقات لبعض على بعض ولم يجز ذلك في الوصايا المطلقة كذلك جاز ~~بعض الأصناف كما جاز حرمان بعض الفقراء ففارق الوصايا من هذا الوجه وأيضا ~~لما كانت الصدقة حقا لله تعالى لا لآدمي بدلالة أنه لا مطالبة لآدمي ~~يستحقها لنفسه فأي صنف أعطى فقد وضعها موضعها والوصية لأعيان حق لآدمي لا ~~مطالبة لغيرهم بها فاستحقوها كلهم كسائر الحقوق التي للآدميين ويدل على ذلك ~~أن الله أوجب في الكفارة إطعام مساكين ولو أعطى الفقراء جاز فكذلك جائز أن ~~يعطى ما سمي للمساكين في آية الصدقات للفقراء والوصية مخالفة لذلك لأنه لو ~~أوصى لزيد لم يعط عمرو # قوله تعالى @QB@ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين @QE@ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك يقولون ~~هو صاحب أذن يصغي إلى كل أحد وقيل إن أصله من أذن يأذن إذا سمع قول الشاعر ~~PageV04P347 % في سماع يأذن الشيخ له % وحديث مثل ماذي مشار % $ ومعناه أذن ~~صلاح لكم لا أذن شر وقوله @QB@ ويؤمن للمؤمنين @QE@ قال ابن عباس يصدق ~~المؤمنين ودخول اللام ههنا كدخوله في قوله @QB@ قل عسى أن يكون ردف لكم ~~@QE@ ومعناه ردفكم وقيل إنما أدخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وإيمان ~~الأمان فإذا قيل ويؤمن للمؤمنين لم يعقل به غير التصديق وهو كقوله تعالى ~~@QB@ قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم @QE@ أي لن نصدقكم وكقوله @QB@ وما أنت ~~بمؤمن لنا @QE@ ومن الناس من يحتج بذلك في قبول خبر الواحد لإخبار الله ~~تعالى عن نبيه أنه يصدق المؤمنين فيما يخبرونه به وهذا لعمري يدل على قبوله ~~في أخبار المعاملات فأما أخبار الديانات وأحكام الشرع فلم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم محتاجا إلى أن ms1921 يسمعها من أحد إذ كان الجميع عنه يأخذون وبه ~~يقتدون فيها قوله تعالى @QB@ والله ورسوله أحق أن يرضوه @QE@ قيل إنه إنما ~~رد ضمير الواحد في قوله @QB@ يرضوه @QE@ لأن رضا الله ينتظم رضا الرسول إذ ~~كل ما رضي الله فقد رضيه الرسول فترك ذكر ضمير الرسول لدلالة الحال عليه ~~وقيل إن اسم الله تعالى لا يجمع مع اسم غيره في الكناية تعظيما بإفراد ~~الذكر وقد روي أن رجلا خطب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من ~~يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~قم فبئس الخطيب أنت فأنكر الجمع بين اسم الله وبين اسمه في الكناية وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن جمع اسم غير الله إلى اسمه بحرف ~~الجمع فقال لا تقولوا إن شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا إن شاء الله ثم شاء ~~فلان قوله تعالى @QB@ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم @QE@ قال الحسن ومجاهد ~~كانوا يحذرون فحملاه على معنى الإخبار عنهم بأنهم يحذرون وقال غيرهما صورته ~~صورة الخبر ومعناه الأمر تقديره ليحذر المنافقون وقوله تعالى @QB@ إن الله ~~مخرج ما تحذرون @QE@ إخبار من الله بإخراج إضمار السوء وإظهاره وهتك صاحبه ~~بما يخذله الله به ويفضحه وذلك إخبار عن المنافقين وتحذير لغيرهم من سائر ~~مضمري السوء وكاتميه وهو في معنى قوله @QB@ والله مخرج ما كنتم تكتمون @QE@ ~~قوله تعالى @QB@ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب @QE@ إلى قوله ~~@QB@ إن نعف @QE@ فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة ~~الكفر على غير وجه الإكراه لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا ~~لعبا فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في ~~غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن PageV04P348 يفتح قصور الشام وحصونها هيهات ~~هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه ~~قالوه من جد أو هزل فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة ms1922 الكفر ~~ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر فاعله قوله ~~تعالى @QB@ المنافقون والمنافقات بعضهم من @QE@ بعض أضاف بعضهم إلى بعض ~~باجتماعهم على النفاق فهم متشاكلون متشابهون في تعاضدهم على النفاق والأمر ~~بالمنكر والنهي عن المعروف كما يضاف بعض الشيء إليه لمشاكلته للجملة قوله ~~تعالى @QB@ ويقبضون أيديهم @QE@ فإنه روي عن الحسن ومجاهد عن الإنفاق في ~~سبيل الله وقال قتادة عن كل خير وقال غيره عن الجهاد في سبيل الله وجائز أن ~~يكونو قبضوا أيديهم عن جميع ذلك فيكون المراد جميع ما احتمله اللفظ منه ~~وقوله @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ فإن معناه أنهم تركوا أمره والقيام ~~بطاعته حتى صار ذلك عنده بمنزلة المنسي إذ لم يستعملوا منه شيئا كما لا ~~يعمل بالمنسي وقوله @QB@ فنسيهم @QE@ معناه أنه تركهم من رحمته وسماه باسم ~~الذنب لمقابلته لأنه عقوبة وجزاء على الفعل وهو مجاز كقولهم الجزاء بالجزاء ~~وقوله @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ ونحو ذلك قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ روى عبدالله بن مسعود قال ~~جاهدهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك وقلبك فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم ~~وقال ابن عباس جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وقال الحسن وقتادة ~~جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود وكانوا أكثر من يصيب الحدود ~~قوله تعالى @QB@ يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم @QE@ فيه إخبار عن كفار المنافقين وكلمة الكفر كل كلمة فيها جحد ~~لنعمة الله أو بلغت منزلتها في العظم وكانوا يطعنون في النبوة والإسلام ~~ويقال إن القائل لكلمة الكفر الجلاس بن سويد بن الصامت قال إن كان ما جاء ~~به محمد حقا لنحن شر من الحمير ثم حلف بالله ما قال روي ذلك عن مجاهد وعروة ~~وابن إسحاق وقال قتادة نزلت في عبدالله بن أبي بن سلول حين قال ? < لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأذل منها الأذل > ? وقال الحسن كان جماعة من ~~المنافقين قالوا ذلك وفيما قص الله علينا من شأن المنافقين وإخباره عنهم ~~باعتقاد الكفر ms1923 وقوله ثم تبقيته إياهم واستحياؤهم لما كانوا يظهرون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الإسلام دلالة على قبول توبة الزنديق ~~المسر للكفر والمظهر للإيمان قوله تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن @QE@ PageV04P349 إلى آخر الآيتين فيه الدلالة على أن من ~~نذر نذرا فيه قربة لزمه الوفاء به لأن العهد هو النذر والإيجاب نحو قوله إن ~~رزقني الله ألف درهم فعلي أن أتصدق منها بخمس مائة ونحو ذلك فانتظمت هذه ~~الآية أحكاما منها أن من نذر نذرا لزمه الوفاء بنفس المنذر لقوله تعالى ~~@QB@ فلما آتاهم من فضله بخلوا به @QE@ فعنفهم على ترك الوفاء بالمنذور ~~بعينه وهذا يدل على بطلان قول من أوجب في شيء بعينه كفارة يمين وأبطل إيجاب ~~إخراج المنذور بعينه ويدل أيضا على جواز تعليق النذر بشرط مثل أن يقول إن ~~قدم فلان فلله علي صدقة أو صيام ويدل أيضا على أن النذر المضاف إلى الملك ~~إيجاب في الملك وإن لم يكن الملك موجودا في الحال وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم وجعله الله تعالى نذرا في الملك ~~وألزمه الوفاء به فثبت بذلك أن النذر في غير ملك أن يقول لله علي أن أتصدق ~~بثوب زيد أو نحوه وهو يدل على أن من قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق أنه ~~مطلق في نكاح لا قبل النكاح كما كان المضيف للنذر إلى الملك ناذرا في الملك ~~ونظير ذلك في إيجاب نفس المنذور على موجبه قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ~~@QE@ فاقتضى ذلك فعل المقول بعينه وإخراج كفارة يمين ليس هو المقول بعينه ~~ونحوه قوله تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم @QE@ والوفاء بالعهد ~~إنما هو فعل المعهود بعينه لا غير وقوله @QB@ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم @QE@ ~~وقوله @QB@ يوفون بالنذر @QE@ فمدحهم على فعل المنذور بعينه ومن نظائره ~~قوله تعالى @QB@ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ms1924 ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها @QE@ ~~والابتداع قد يكون بالقول وبالفعل فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الإنسان ~~من قربة قولا أو فعلا لذم الله تارك ما ابتدع من القربة وقد روي نحو ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النذر وهو قوله من نذر نذرا وسماه فعليه ~~الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين قوله تعالى @QB@ فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم @QE@ قال الحسن بخلهم بما نذروه أعقبهم النفاق وقال مجاهد ~~أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس ومعناه نصب الدلالة على أنه ~~لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده وقوله @QB@ إلى يوم يلقونه @QE@ قيل ~~فيه يلقون جزاء بخلهم ومن ذهب إلى أن الله أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله ~~تعالى قوله تعالى @QB@ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ PageV04P350 فيه إخبار بأن استغفار النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم لا يوجب لهم المغفرة ثم قال @QB@ إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ ذكر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من ~~المغفرة وقد روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه ~~الآية قال لأزيدن على السبعين وهذا خطأ من راويه لأن الله تعالى قد أخبر ~~أنهم كفروا بالله ورسوله فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسئل الله ~~مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم وإنما الرواية الصحيحة فيه ما روي ~~أنه قال لو علمت أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه ~~بنفاقهم فكانوا إذا مات الميت منهم يسئلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون فأعلمه الله تعالى ~~أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم ~~لا ينفعهم ms1925 قوله تعالى @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ~~@QE@ فيه الدلالة على معان أحدها فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على ~~موتى الكفار ويدل أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن وعلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد كان يفعله وقد روى وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد ~~أن عليا قام على قبر حتى دفن وروى سفيان الثوري عن أبي قيس قال شهدت علقمة ~~قام على قبر حتى دفن وروى جرير بن حازم عن عبدالله بن عبيد بن عمير أن ابن ~~الزبير كان إذا مات له ميت لم يزل قائما حتى ندفنه فهذا يدل على أن السنة ~~لمن حضر عند القبر أن يقوم عليه حتى يدفن ومن الناس من يستدل بذلك على جواز ~~الصلاة على القبر وجعل قوله @QB@ ولا تقم على قبره @QE@ قيام الصلاة على ~~القبر وهذا خطأ من التأويل لأنه تعالى قال @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على ~~الميت عطفا عليه فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه وأيضا ~~فإن القيام ليس هو عبارة عن الصلاة وإنما يريد هذا القائل أن يجعله كناية ~~عنها وغير جائز أن تذكر الصلاة بصريح اسمها ثم يعطف عليها القيام فيجعله ~~كناية عنها فثبت بذلك أن القيام على القبر غير الصلاة وأيضا روى الزهري عن ~~عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لما توفي ~~عبدالله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا أبي يا ~~رسول الله قد وضعناه على شفير قبره فقم فصل عليه فوثب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووثبت معه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام الناس ~~خلفه تحولت وقمت في صدره وقلت يا رسول الله PageV04P351 على عبدالله بن أبي ~~عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا أعد أيامه الخبيثة فقال رسول ms1926 الله صلى ~~الله عليه وسلم لتدعني يا عمر إن الله خيرني فاخترت فقال @QB@ استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم @QE@ الآية فوالله لو أعلم يا عمر أني لو زدت على سبعين ~~مرة أن يغفر له لزدت ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم معه وقام على ~~قبره حتى دفن ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أنزل الله @QB@ ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ فوالله ما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أحد من المنافقين ولا قام على قبره بعده فذكر عمر في هذا ~~الحديث الصلاة والقيام على القبر جميعا فدل على ما وصفنا وروي عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبدالله بن أبي فأخذ جبريل ~~بثوبه فقال @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ قوله ~~تعالى @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله @QE@ هذا عطف على ما تقدم من ذكر الجهاد ~~في قوله @QB@ لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم @QE@ ثم ~~عطف عليه قوله @QB@ وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم @QE@ فذمهم على ~~الاستئذان في التخلف عن الجهاد من غير عذر ثم ذكر المعذورون من المؤمنين ~~فذكر الضعفاء وهم الذين يضعفون عن الجهاد بأنفسهم لزمانة أو عمى أو سن أو ~~ضعف في الجسم وذكر المرضى وهم الذين بهم أعلال مانعة من النهوض والخروج ~~للقتال وعذر الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون وكان عذر هؤلاء ومدحهم ~~بشريطة النصح لله ورسوله لأن من تخلف منهم وهو غير ناصح لله ورسوله بل يريد ~~التضريب والسعي في إفساد قلوب من بالمدينة لكان مذموما مستحقا للعقاب ومن ~~النصح لله تعالى حث المسلمين على الجهاد وترغيبهم فيه والسعي في إصلاح ذات ~~بينهم ونحوه مما يعود بالنفع على الدين ويكون مع ذلك مخلصا لعمله من الغش ~~لأن ذلك هو النصح ومنه التوبة النصوح قوله @QB@ ما على المحسنين من سبيل ms1927 ~~@QE@ عموم في أن كل من كان محسنا في شيء فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في ~~مسائل مما قد اختلف فيه نحو من استعار ثوبا ليصلي فيه أو دابة ليحج عليها ~~فتهلك فلا سبيل عليه في تضمينه لأنه محسن وقد نفى الله تعالى السبيل عليه ~~نفيا عاما ونظائر ذلك مما يختلف في وجوب الضمان عليه بعد حصول صفة الإحسان ~~له فيحتج به نافو الضمان ويحتج مخالفنا في إسقاط ضمان الجمل الصؤول إذا ~~قتله من خشي ان يقتله بأنه محسن في قتله للجمل وقال الله تعالى @QB@ ما على ~~المحسنين من سبيل @QE@ PageV04P352 ونظائره كثيرة قوله تعالى @QB@ فأعرضوا ~~عنهم إنهم رجس @QE@ هو كقوله @QB@ إنما المشركون نجس @QE@ لأن الرجس يعبر ~~به عن النجس ويقال رجس نجس على الاتباع وهذا يدل على وجوب مجانبة الكفار ~~وترك موالاتهم ومخالطتهم وإيناسهم وتقويتهم وقوله تعالى @QB@ يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين @QE@ يدل ~~على أن الحلف على الاعتذار ممن كان متهما لا يوجب الرضا عنه وقبول عذره لأن ~~الآية قد اقتضت النهي عن الرضا عن هؤلاء مع أيمانهم وقال في هذه الآية @QB@ ~~يحلفون @QE@ ولم يقل بالله وقال في الآية الأولى @QB@ سيحلفون بالله @QE@ ~~فذكر اسم الله في الحلف في الأولى واقتصر في الآية الثانية على ذكر الحلف ~~فدل على أنهما سواء وقال في موضع آخر @QB@ ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ~~@QE@ وكذلك قال الله تعالى في القسم فقال في موضع @QB@ وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم @QE@ وقال في موضع آخر @QB@ إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين @QE@ فاكتفى ~~بذكر الحلف عن ذكر اسم الله تعالى وفي هذا دليل على أنه لا فرق بين قول ~~القائل أحلف وبين قوله أحلف بالله وكذلك قوله أقسم وأقسم بالله قوله تعالى ~~@QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله @QE@ أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعم الأكثر منهم وهم الذين ~~كانوا يواطئون المنافقين على الكفر والنفاق وأخبر أنهم أجدر أن لا يعلموا ~~حدود ما أنزل الله على ms1928 رسوله وذلك لقلة سماعهم للقرآن ومجالستهم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فهم أجهل من المنافقين الذين كانوا بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنهم قد كانوا يسمعون القرآن والأحكام فكان الأعراب أجهل بحدود ~~الشرائع من أولئك وكذلك هم الآن في الجهل بالأحكام والسنن وفي سائر الأعصار ~~وإن كانوا مسلمين لأن من بعد من الأمصار وناء عن حضرة العلماء كان أجهل ~~بالأحكام والسنن ممن جالسهم وسمع منهم ولذلك كره أصحابنا إمامة الأعرابي في ~~الصلاة ويدل على أن إطلاق اسم الكفر والنفاق على الأعراب خاص في بعضهم دون ~~بعض قوله تعالى في نسق التلاوة @QB@ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول @QE@ الآية قال ابن عباس ~~والحسن صلوات الرسول استغفاره لهم وقال قتادة دعاؤه لهم بالخير والبركة ~~وقوله تعالى @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان @QE@ فيه الدلالة على تفضيل السابق إلى الخير على التالي لأنه داع ~~إليه بسبقه والتالي تابع له فهو إمام له وله PageV04P353 مثل أجره كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~وكذلك السابق إلى الشر أسوأ حالا من التابع له لأنه في معنى من سنه وقال ~~الله تعالى @QB@ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم @QE@ يعني أثقال من ~~اقتدى بهم في الشر وقال الله تعالى @QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما من قتيل ظلما إلا وعلى ابن آدم القاتل ~~كفل من دمه لأنه أول من سن القتل وقد اختلف فيمن نزلت الآية فروي عن أبي ~~موسى وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة أنها نزلت في الذين صلوا إلى ~~القبلتين وقال الشعبي فيمن بايع بيعة الرضوان وقال غيرهم فيمن أسلم قبل ~~الهجرة وقوله تعالى @QB@ وممن ms1929 حولكم من الأعراب منافقون @QE@ الآية إلى ~~قوله @QB@ سنعذبهم مرتين @QE@ قال الحسن وقتادة في الدنيا وفي القبر @QB@ ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم @QE@ وهو عذاب جهنم وقال ابن عباس في الدنيا ~~بالفضيحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجالا منهم بأعيانهم والأخرى في ~~القبر وقال مجاهد بالقتل والسبي والجوع وقوله تعالى @QB@ وآخرون اعترفوا ~~بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم @QE@ والاعتراف ~~الإقرار بالشيء عن معرفة لأن الإقرار من قر الشيء إذا ثبت والاعتراف من ~~المعرفة وإنما ذكر الاعتراف بالخطيئة عند التوبة لأن تذكر قبح الذنب أدعى ~~إلى أخلاص التوبة منه وأبعد من حال ما يدعى إلى التوبة ممن لا يدرى ما هو ~~ولا يعرف موقعه من الضرر فأصح ما يكون من التوبة أن تقع مع الاعتراف بالذنب ~~ولذلك حكى الله تعالى عن آدم وحواء عند توبتهما @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ وإنما قال @QB@ عسى الله أن ~~يتوب عليهم @QE@ ليكونوا بين الطمع والإشفاق فيكونوا أبعد من الإتكال ~~والإهمال وقال الحسن عسى من الله واجب وفي هذه الآية دلالة على أن المذنب ~~لا يجوز له اليأس من التوبة وإنما يعرض ما دام يعمل مع الشر خير لقوله ~~تعالى @QB@ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا @QE@ وإنه متى كان للمذنب رجوع إلى ~~الله في فعل الخير وإن كان مقيما على الذنب إنه مرجو الصلاح مأمون خير ~~العاقبة وقال الله تعالى @QB@ ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون @QE@ فالعبد وإن عظمت ذنوبه فغير جائز له الانصراف ~~عن الخير يائسا من قبول توبته لأن التوبة PageV04P354 مقبولة ما بقي في حال ~~التكليف فأما من عظمت ذنوبه وكثرت مظالمه وموبقاته فأعرض عن فعل الخير ~~والرجوع إلى الله تعالى يائسا من قبول توبته فإنه يوشك أن يكون ممن قال ~~الله عز وجل @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ # وروي أن الحسن بن علي قال لحبيب بن مسلمة الفهري وكان من أصحاب معاوية ms1930 رب ~~مسير لك في غير طاعة الله فقال أما مسيري إلى أبيك فلا فقال الحسن بلى ~~ولكنك اتبعت معاوية على عرض من الدنيا يسير والله لئن قام بك معاوية في ~~دنياك لقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت ممن قال الله ~~@QB@ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم @QE@ ولكنك أنت ~~ممن قال الله @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ وهذه الآية ~~نزلت في نفر تخلفوا عن تبوك قال ابن عباس كانوا عشرة فيهم أبو لبابة بن ~~عبدالمنذر فربط سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد إلى أن نزلت توبتهم وقيل ~~سبعة فيهم أبو لبابة قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها @QE@ ظاهره رجوع الكناية إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم ~~لأن الكناية لا تستغني عن مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب فهذا هو ظاهر ~~الكلام ومقتضى اللفظ وجائز أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية جميعا ~~لدلالة الحال عليه كقوله تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة القدر @QE@ يعني ~~القرآن وقوله @QB@ ما ترك على ظهرها من دابة @QE@ وهو يعني الأرض وقوله ~~@QB@ حتى توارت بالحجاب @QE@ يعني الشمس فكنى عن هذه الأمور من غير ذكرها ~~مظهرة في الخطاب لدلالة الحال عليها كذلك قوله @QB@ خذ من أموالهم صدقة ~~@QE@ يحتمل أن يريد به أموال المؤمنين وقوله @QB@ تطهرهم وتزكيهم بها @QE@ ~~يدل على ذلك فإن كانت الكناية عن المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم ~~فإن دلالته ظاهرة على وجوب الأخذ من سائر المسلمين لاستواء الجميع في أحكام ~~الدين إلا ما خصه الدليل وذلك لأن كل حكم حكم الله ورسوله به في شخص أو على ~~شخص من عباده أو غيرها فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص إلا قام دليل ~~التخصيص فيه وقوله تعالى @QB@ تطهرهم @QE@ يعني إزالة نجس الذنوب بما يعطى ~~من الصدقة وذلك لأنه لما أطلق اسم النجس على الكفر تشبيها له بنجاسة ~~الأعيان أطلق في مقابلته وإزالته اسم التطهير كتطهير نجاسة الأعيان ~~بإزالتها وكذلك حكم ms1931 الذنوب في إطلاق اسم النجس عليها وأطلق اسم التطهير على ~~إزالتها بفعل ما يوجب تكفيرها PageV04P355 فأطلق اسم التطهير عليهم بما ~~أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من صدقاتهم ومعناه أنهم يستحقون ذلك بأدائها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو لم يكن إلا فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الأخذ لما استحقوا التطهير لأن ذلك ثواب لهم على طاعتهم وإعطائهم ~~الصدقة وهم لا يستحقون التطهير ولا يصيرون أزكياء بفعل غيرهم فعلمنا أن في ~~مضمونه إعطاء هؤلاء الصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك صاروا بها ~~أزكياء متطهرين وقد اختلف في مراد الآية هل هي الزكاة المفروضة أو هي كفارة ~~الذنوب التي أصابوها فروي عن الحسن أنها ليست بالزكاة المفروضة وإنما هي ~~كفارة الذنوب التي أصابوها وقال غيره هي الزكاة المفروضة والصحيح انها ~~الزكوات المفروضات إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون ~~سائر الناس سوى زكوات الأموال وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر ~~الناس سواء في الأحكام والعبادات وإنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس ~~ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوي الناس في ~~الأحكام إلا من خصه دليل فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة على جميع الناس ~~غير مخصوص بها قوم دون قوم وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة المفروضة إذ ليس في ~~أموال سائر الناس حق سوى الصدقات المفروضة وقوله @QB@ تطهرهم وتزكيهم بها ~~@QE@ لا دلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة لأن ~~الزكاة أيضا تطهر وتزكي مؤديها وسائر الناس من المكلفين محتاجون إلى ما ~~يطهرهم ويزكيهم وقوله @QB@ خذ من أموالهم @QE@ عموم في سائر الأصناف ومقتض ~~لأجل البعض منها إذ كانت من مقتضى التبعيض وقد دخلت على عموم الأموال ~~فاقتضت إيجاب الأخذ من سائر أصناف الأموال بعضها ومن الناس من يقول إنه متى ~~أخذ من صنف واحد فقد قضى عهدة الآية والصحيح عندنا هو الأول وكذلك كان يقول ~~شيخنا أبو الحسن الكرخي ms1932 قال أبو بكر وقد ذكر الله تعالى إيجاب فرض الزكاة ~~في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه ~~ومقادير الواجب والموجب فيه ووقته وما يستحقه وما ينصرف فيه فكان لفظ ~~الزكاة مجمل في هذه الوجوه كلها وقال تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ ~~فكان الإجمال في لفظ الصدقة دون لفظ الأموال لأن الأموال اسم عموم في ~~مسمياته إلا أنه قد ثبت أن المراد خاص في بعض الأموال دون جميعها والوجوب ~~في وقت من الزمان دون سائره ونظيره قوله تعالى @QB@ في أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم @QE@ PageV04P356 وكان مراد الله تعالى في جميع ذلك موكولا ~~إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وقال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثني محمد بن عبدالله الأنصاري قال حدثنا صرد ~~بن أبي المنازل قال سمعت حبيبا المالكي قال قال رجل لعمران بن حصين يا أبا ~~نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن فغضب عمران وقال ~~للرجل أوجدتم في كل أربعين درهما درهما ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا ~~وكذا بعيرا كذا وكذا أوجدتم هذا في القرآن قال لا قال فعمن أخذتم هذا ~~أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أشياء نحو هذا ~~فمما نص الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب ~~والفضة بقوله @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم @QE@ فنص على وجوب الحق فيهما بأخص أسمائهما تأكيدا ~~وتبيينا ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله @QB@ وهو الذي أنشأ جنات ~~معروشات @QE@ إلى قوله @QB@ كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ~~@QE@ فالأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة وعروض التجارة والإبل ~~والبقر والغنم السائمة والزرع والثمر على اختلاف من الفقهاء في بعض ذلك وقد ~~ذكر بعض صدقة الزرع والثمر في سورة الأنعام وأما المقدار ms1933 فإن نصاب الورق ~~مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأما الإبل فإن نصابها خمس منها ونصاب الغنم أربعون شاة ونصاب البقر ~~ثلاثون وأما المقدار الواجب ففي الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر إذا ~~بلغ النصاب وفي خمس من الإبل شاة وفي أربعين شاة شاة وفي ثلاثين بقرة تبيع ~~وقد اختلف في صدقة الخيل وسنذكره بعد هذا إن شاء الله وأما الوقت فهو حول ~~الحول على المال مع كمال النصاب في ابتداء الحول وآخره وأما من تجب عليه ~~فهو أن يكون المالك حرا بالغا عاقلا مسلما صحيح الملك لا دين عليه يحيط ~~بماله أو بما لا يفضل عنه مائتا درهم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا القعنبي قال قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن ~~أبيه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ~~فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود ~~المهري قال أخبرنا ابن PageV04P357 وهب قال أخبرني جرير بن حازم عن أبي ~~إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة ~~دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون ~~دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار وليس في مال زكاة حتى يحول عليه ~~الحول وهذا الخبر في الحول وإن كان من أخبار الآحاد فإن الفقهاء قد تلقته ~~بالقبول واستعملوه فصار في حيز المتواتر الموجب للعلم وقد روي عن ابن عباس ~~في رجل ملك نصابا أنه يزكيه حين يستفيده وقال أبو بكر وعلي وعمر وابن عمر ~~وعائشة لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول ولما اتفقوا على أنه ms1934 لا زكاة عليه ~~بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن وجوب الزكاة لم يتعلق بالملك دون ~~الحول وأنه بهما جميعا يجب وقد استعمل ابن عباس خبر الحول بعد الأداء ولم ~~يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينه قبل الأداء وبعده بل نفى إيجاب الزكاة ~~في سائر الأموال نفيا عاما إلا بعد حول الحول فوجب استعماله في كل نصاب قبل ~~الأداء وبعده ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ابن عباس أراد إيجاب الأداء بوجود ~~ملك النصاب وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة لأنه ليس في الخبر ذكر الوجوب ~~واختلف فيما زاد على المائتين من الورق فروي عن علي وابن عمر فيما زاد على ~~المائتين بحسابه وهو قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وروي عن عمر أنه لا ~~شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما وهو قول أبي حنيفة ويحتج من اعتبر ~~الزيادة أربعين بما روى عبدالرحمن ابن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وليس فيما زاد على المائتي درهم شيء حتى يبلغ أربعين درهما ~~وحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين ~~درهما درهما وليس فيما دون خمس أواق صدقة فوجب استعمال قوله في كل أربعين ~~درهم درهما على أنه جعله مقدار الواجب فيه كقوله صلى الله عليه وسلم وإذا ~~كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة ويدل عليه من جهة النظر أن هذا مال له نصاب ~~في الأصل فوجب أن يكون له عفو بعد النصاب كالسوائم ولا يلزم أبا حنيفة ذلك ~~في زكاة الثمار لأنه لا نصاب له في الأصل عنده وأبو يوسف ومحمد لما كان ~~عندهما أن لزكاة الثمار نصابا في الأصل ثم لم يجب اعتبار مقدار بعده بل ~~الواجب في القليل والكثير كذلك الدراهم والدنانير ولو سلم لهما ذلك كان ~~قياسه على السوائم أولى منه على الثمار لأن السوائم يتكرر وجوب الحق فيها ~~بتكرر السنين PageV04P358 وما تخرج الأرض لا يجب فيه الحق إلا مرة واحدة ~~ومرور الأحوال ms1935 لا يوجب تكرار وجوب الحق فيه فإن قيل فواجب أن يكون ما يتكرر ~~وجوب الحق فيه أولى بوجوبه في قليل ما زاد على النصاب وكثيره مما لا يتكرر ~~وجوب الحق فيه قيل له هذا منتقض بالسوائم لأن الحق يتكرر وجوبه فيها ولم ~~يمنع ذلك اعتبار العفو بعد النصاب ومما يدل على أن قياسه على السوائم أولى ~~من قياسه على ما تخرجه الأرض أن الدين لا يسقط العشر وكذلك موت رب الأرض ~~ويسقط زكاة الدراهم والسوائم فكان قياسها عليها أولى منه على ما تخرجه ~~الأرض واختلف فيما زاد من البقر على أربعين فقال أبو حنيفة فيما زاد بحسابه ~~وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء فيه حتى يبلغ ستين وروى أسد بن عمر عن أبي ~~حنيفة مثل قولهما وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي والليث ~~والشافعي كقول أبي يوسف ومحمد ويحتج لأبي حنيفة بقوله تعالى @QB@ خذ من ~~أموالهم صدقة @QE@ وذلك عموم في سائر الأموال لا سيما وقد اتفق الجميع على ~~أن هذا المال داخل في حكم الآية مراد بها فوجب في القليل والكثير بحق ~~العموم وقد روى عنه الحسن بن زياد أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين ~~فتكون فيها مسنة وربع مسنة ويحتج لقوله المشهور أنه لا يخلو من إثبات الوقص ~~تسعا فينتقل إليه بالكسر وليس ذلك في فروض الصدقات أو يجعل الوقص تسعة عشر ~~فيكون خلاف أوقاص البقر فلما بطل هذا وهذا ثبت القول الثالث وهو إيجابه في ~~القليل والكثير من الزيادة وروي عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري ~~وقتادة إنهم كانوا يقولون في خمس من البقر شاة وهو قول شاذ لاتفاق أهل ~~العلم على خلافه وورود الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ببطلانه ~~وروى عاصم بن ضمرة عن علي في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه وقد أنكره سفيان ~~الثوري وقال علي أعلم من أن يقول هذا هذا من غلط الرجال وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالآثار المتواترة أن فيها ابنة ms1936 مخاض ويجوز أن يكون علي ~~بن أبي طالب أخذ خمس شياه عن قيمة بنت مخاض فظن الراوي أن ذلك فرضها عنه ~~واختلف في الزيادة على العشرين ومائة من الإبل فقال أصحابنا جميعا تستقبل ~~الفريضة وهو قول الثوري وقال ابن القاسم عن مالك إذا زادت على عشرين ومائة ~~واحدة فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون وإن شاء حقتين وقال ابن ~~شهاب إذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن PageV04P359 تبلغ ثلاثين ~~ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون يتفق قول ابن شهاب ومالك في هذا ويختلفان ~~فيما بين واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة وقال الأوزاعي والشافعي ~~ما زاد على العشرين والمائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة قال ~~أبو بكر قد ثبت عن علي رضي الله عنه من مذهبه استئناف الفريضة بعد المائة ~~والعشرين بحيث لا يختلف فيه وقد ثبت عنه أيضا أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين سئل فقيل له هل عندكم شيء من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ما عندنا إلا ما عند الناس وهذه الصحيفة فقيل له وما فيها ~~فقال فيها أسنان الإبل أخذتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولما ثبت قول ~~علي باستئناف الفريضة وثبت أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صار ذلك توقيفا لأنه لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا قد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم استئناف ~~الفريضة بعد المائة والعشرين وأيضا غير جائز إثبات هذا الضرب من المقادير ~~إلا من طريق التوقيف أو الإتفاق فلما اتفقوا على وجوب الحقتين في المائة ~~والعشرين عند الزيادة لم يجز لنا إسقاط الحقتين لأنهما فرض قد ثبت بالنقل ~~المتواتر واتفاق الأمة إلا بتوقيف أو اتفاق فإن قيل روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في آثار كثيرة وإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسي حقة ~~وفي كل ms1937 أربعين ابنة لبون قيل له قد اختلفت ألفاظه فقال في بعضها وإذا كثرت ~~الإبل ومعلوم أن الإبل لا تكثر بزيادة الواحدة فعلم أنه لم يرد بقوله وإذا ~~زادت الإبل إلا زيادة كثيرة يطلق على مثلها أن الإبل قد كثرت بها ونحن قد ~~نوجب ذلك عند ضرب من الزيادة الكثيرة وهو أن تكون الإبل مائة وتسعين فتكون ~~فيها ثلاث حقاق وبنت لبون وأيضا فموجب تغيير الفرض بزيادة الواحد لا يخلو ~~من يغيره بالواحدة الزائدة فيوجب فيها وفي الأصل أو يغيره فيوجب في المائة ~~والعشرين ولا يوجب في الواحدة الزائدة شيئا فإن أوجب في الزيادة مع الأصل ~~ثلاث بنات لبون فهو لم يوجب في الأربعين ابنة لبون وإنما أوجبها في أربعين ~~وفي الواحدة وذلك خلاف قوله صلى الله عليه وسلم وإن كان إنما يوجب تغيير ~~الفرض بالواحدة فيجعل ثلاث بنات لبون في المائة والعشرين والواحدة عفو فقد ~~خالف الأصول إذ كان العفو لا يغير الفرض واختلف في فرائض الغنم فقال ~~أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي في مائتين وشاة ثلاث شياه ~~إلى أربعمائة فتكون فيها أربع شياه وقال PageV04P360 الحسن بن صالح إذا ~~كانت الغنم ثلثمائة شاة وشاة ففيها أربع شياه وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ~~ففيها خمس شياه وروى إبراهيم نحو ذلك وقد ثبتت آثار مستفيضة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالقول الأول دون قول الحسن بن صالح واختلف في صدقة العوامل ~~من الإبل والبقر فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي ~~ليس فيها شيء وقال مالك والليث فيها صدقة والحجة للقول الأول ما حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا حمويه قال ~~حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ليس في البقر العوامل صدقة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن ~~عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور ms1938 عن علي رضي الله عنه قال زهير أحسبه قيل ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين ~~مسنة وليس على العوامل شيء وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ليس في النخة ولا في الكسعة ولا في الجبهة صدقة وقال أهل اللغة النخة البقر ~~العوامل والكسعة الحمير والجبهة الخيل وأيضا فإن وجوب الصدقة فيما عدا ~~الذهب والفضة متعلق بكونه مرصدا للنماء من نسلها أو من أنفسها والسائمة ~~يطلب نماؤها إما من نسلها أو من أنفسها والعاملة غير مرصدة للنماء وهي ~~بمنزلة دور الغلة وثياب البذلة ونحوها وأيضا الحاجة إلى علم وجوب الصدقة في ~~العوامل كهي إلى السائمة فلو كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في ~~إيجابها في العاملة لورد النقل به متواترا في وزن وروده في السائمة فلما لم ~~يرد بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة نقل مستفيض علمنا أنه ~~لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في إيجابها بل قد وردت آثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نفي الصدقة عنها منها ما قدمناه ومنها ما روى ~~يحيى بن أيوب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ليس في ثور المثيرة صدقة وروي عن علي وجابر بن ~~عبدالله وإبراهيم ومجاهد وعمر بن عبدالعزيز والزهري نفي صدقة البقر العوامل ~~ويدل عليه حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأبي بكر الصديق كتابا ~~في الصدقات هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المسلمين فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطه ~~صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة فنفى بذلك الصدقة عن غير ~~السائمة لأنه ذكر السائمة ونفى الصدقة عما عداها فإن قيل روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خمس PageV04P361 من الإبل شاة وذلك عموم يوجب في ms1939 السائمة ~~وغيرها قيل له يخصه ما ذكرنا ولم يقل بقول مالك في إيجابه الصدقة في البقر ~~العوامل أحد قبله # فصل قال أصحابنا وعامة أهل العلم في أربعين شاة مسان وصغار مسنة وقال ~~الشافعي لا شيء فيها حتى تكون المسان أربعين ثم يعتد بعد ذلك بالصغار ولم ~~يسبقه إلى هذا القول أحد وقد روى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صدقات المواشي فقال فيه ويعد صغيرها وكبيرها ولم يفرق بين النصاب ~~وما زاد وأيضا الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة ~~شاة ومتى اجتمع الصغار والكبار أطلق على الجميع الاسم فيقال عنده أربعون ~~شاة فاقتضى ذلك وجوبها في الصغار والكبار إذا اجتمعت وأيضا لم يختلفوا في ~~الإعتداد بالصغار بعد النصاب لوجود الكبار معها فكذلك حكم النصاب واختلف في ~~الخيل السائمة فأوجب أبو حنيفة فيها إذا كانت إناثا أو ذكورا وإناثا في كل ~~فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وقال أبو يوسف ~~ومحمد ومالك والثوري والشافعي لا صدقة فيها وروى عروة السعدي عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخيل السائمة في كل ~~فرس دينار وحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخيل وقال هي ثلاثة لرجل أجر ولآخر ستر وعلى ~~رجل وزر فأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حق الله ~~في رقابها ولا في ظهورها فأثبت في الخيل حقا وقد اتفقوا على سقوط سائر ~~الحقوق سوى صدقة السوائم فوجب أن تكون هي المرادة فإن قيل يجوز أن يريد ~~زكاة التجارة قيل له قد سئل عن الحمير بعد ذكره الخيل فقال ما أنزل الله ~~علي فيها إلا الآية الجامعة @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره @QE@ فلم يوجب فيها شيئا ولو اراد زكاة التجارة لأوجبها ~~في ms1940 الحمير فإن قيل في المال حقوق سوى الزكاة فيجوز أن يكون أراد حقا غيرها ~~والدليل عليه حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى @QB@ ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم @QE@ وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه ذكر الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة دلوها ~~ومنيحة سمينها فجائز أن يكون الحل المذكور في الخيل مثل ذلك قيل له لو كان ~~كذلك لما اختلف حكم الحمير والخيل PageV04P362 لأن هذا الحق لا يختلفان فيه ~~فلما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما دل على أنه لم يرد به ذلك وأنه ~~إنما أراد الزكاة وعلى أنه قد روي أن الزكاة نسخت كل حق كان واجبا حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا علي بن سعيد ~~قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال نسخت ~~الزكاة كل صدقة وأيضا قد روي أن أهل الشام سألوا عمر أن يأخذ الصدقة من ~~خيلهم فشاور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له علي لا بأس ما لم تكن ~~جزية عليهم فأخذها منهم وهذا يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها لأنه شاور ~~الصحابة ومعلوم أنه لم يشاورهم في صدقة التطوع فدل على أنه أخذها واجبة ~~بمشاروة الصحابة وإنما قال علي لا بأس مالم تكن جزية عليهم لأنه لا يؤخذ ~~على وجه الصغار بل على وجه الصدقة واحتج من لم يوجبها بحديث على رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وحديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه ~~صدقة وهذا عند أبي حنيفة على خيل الركوب ألا ترى أنه لم ينف صدقتها إذا ~~كانت للتجارة بهذا الخبر واختلف في زكاة العسل فقال أبو ms1941 حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد والأوزاعي إذا كان في أرض العشر ففيه العشر وقال مالك والثوري والحسن ~~بن صالح والشافعي لا شيء فيه وروي عن عمر بن عبدالعزيز مثله وروي عنه ~~الرجوع عن ذلك وأنه أخذ منه العشر حين كشف عن ذلك وثبت عنده ما روي فيه ~~وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال بلغني أن في العسل العشر قال ابن ~~وهب وأخبرني عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك وقال يحيى إنه سمع ~~من يقول فيه العشر في كل عام بذلك مضت السنة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى ~~@QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ يوجب الصدقة في العسل إذ هو من ماله والصدقة ~~إن كانت مجملة فإن الآية قد اقتضت إيجاب صدقة ما وإذا وجبت الصدقة كانت ~~العشر إذ لا يوجب أحد غيره ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني قال حدثنا موسى بن ~~أعين عن عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء ~~هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له وسأله ~~أن يحمي واديا له يقال له سلبة فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله ~~عن ذلك فكتب PageV04P363 عمر أن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عشور نحله فأحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من ~~يشاء وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله بن أحمد قال حدثنا أبي ~~قال حدثنا وكيع عن سعيد بن عبدالعزيز عن سليمان بن موسى عن أبي سيارة ~~المتعي قال قلت يا رسول الله إن لي نحلا قال أد العشر قال فقلت يا رسول ~~الله أحمها لي فحماها لي وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن شاذان قال ms1942 ~~حدثنا معلى قال أخبرني عبدالله بن عمرو عن عبدالكريم عن عمر بن شعيب قال ~~كتب إلينا عمر بن عبدالعزيز يأمرنا أن نعطي زكاة العسل ونحن بالطواف الشعر ~~يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا ~~محمد بن يعقوب إمام مسجد الأهواز قال حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني قال ~~حدثنا أبو حفص العبدي قال حدثنا صدقة عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عشرة أزقاق من العسل زق ولما ~~أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في العسل العشر دل ذلك على أنه أجراه مجرى ~~الثمر وما تخرجه الأرض مما يجب فيه العشر فقال أصحابنا إذا كان في أرض ~~العشر ففيه العشر وإذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه لأن الثمرة في أرض ~~الخراج لا يجب فيها شيء وإذا كان في أرض العشر يجب فيها العشر فكذلك العسل ~~وقد استقصينا القول في هذه المسائل ونظائرها من مسائل الزكاة في شرح مختصر ~~أبي جعفر الطحاوي وإنما ذكرنا هنا جملا منها بما يتعلق الحكم يه بظاهر ~~الآية وقوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ يدل على أن أخذ الصدقات ~~إلى الإمام وأنه متى أداها من وجبت عليه إلى المساكين لم يجزه لأن حق ~~الإمام قائم في أخذها فلا سبيل له إلى إسقاطه وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوجه العمال على صدقات المواشي ويأمرهم بأن يأخذوها على المياه في ~~مواضعها وهذا معنى ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لوفد ثقيف بأن لا ~~يحشروا ولا يعشروا يعني لا يكلفون إحضار المواشي إلى المصدق ولكن المصدق ~~يدور عليهم في مياههم ومظان مواشيهم فيأخذها منهم وكذلك صدقة الثمار وأما ~~زكوات الأموال فقد كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وعمر وعثمان فقال هذا شهر زكواتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ~~ماله فجعل لهم أداؤها إلى المساكين وسقط من أجل ذلك ms1943 حق الإمام في أخذها ~~لأنه عقد عقده إمام من أئمة العدل فهو نافذ على الأمة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم ويعقد عليهم أولهم ولم يبلغنا أنه بعث سعاة على زكوات الأموال كما ~~بعثهم PageV04P364 على صدقات المواشي والثمار في ذلك لأن سائر الأموال غير ~~ظاهرة للإمام وإنما تكون مخبوأة في الدور والحوانيت والمواضع الحريزة ولم ~~يكن جائزا للسعاة دخول أحرازهم ولم يجز أن يكلفوهم إحضارها كما لم يكلفوا ~~إحضار المواشي إلى العامل بل كان على العامل حضور موضع المال في مواضعه ~~وأخذ صدقته هناك فلذلك لم يبعث على زكاة الأموال السعاة فكانوا يحملونها ~~إلى الإمام وكان قولهم مقبولا فيها ولما ظهرت هذه الأموال عند التصرف بها ~~في البلدان أشبهت المواشي فنصب عليها عمال يأخذون منها ما وجب من الزكاة ~~ولذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله أن يأخذوا مما يمر به المسلم من ~~التجارات من كل عشرين دينارا نصف دينار ومما يمر به الذمي يؤخذ منه من كل ~~عشرين دينارا دينار ثم لا يؤخذ منه إلا بعد حول أخبرني بذلك من سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكتب عمر ابن الخطاب إلى عماله أن يأخذوا من المسلم ربع ~~العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وما يؤخذ من المسلم من ذلك فهو ~~الزكاة الواجبة تعتبر فيها شرائط وجوبها من حول ونصاب وصحة ملك فإن لم تكن ~~الزكاة قد وجبت عليه لم تؤخذ منه فاحتذى عمر بن الخطاب في ذلك فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صدقات المواشي وعشور الثمار والزروع إذ قد صارت ~~أموالا ظاهرة يختلف بها في دار الإسلام كظهور المواشي السائمة والزروع ~~والثمار ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه فصار إجماعا مع ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبدالعزيز الذي ذكرناه فإن قيل ~~روى عطاء بن السائب عن جرير بن عبدالله عن جده أبي أمه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين عشور إنما العشور ms1944 على أهل الذمة وروى ~~حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد ~~ثقيف لا تحشروا ولا تعشروا وروى إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن عمرو بن ~~حريث عن سعيد بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر العرب ~~أحمدوا الله إذ دفع عنكم العشور وروي أن مسلم بن يسار قال لابن عمر أكان ~~عمر يعشر المسلمين قال لا قيل له ليس المراد بذكر هذه العشور الزكاة وإنما ~~هو ما كان يأخذه أهل الجاهلية من المكس وهو الذي أريد في حديث محمد بن ~~إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن شماسة عن عقبة بن عامر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة صاحب مكس يعني عاشرا وإياه عنى ~~الشاعر بقوله PageV04P365 % وفي كل أموال العراق أتاوة % وفي كل ما باع ~~امرؤ مكس درهم % $ فالذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من العشر هو المكس ~~الذي كان يأخذه أهل الجاهلية فأما الزكاة فليست بمكس وإنما هو حق وجب في ~~ماله يأخذه الإمام فيضعه في أهله كما يأخذ صدقات المواشي وعشور الأرضين ~~والخراج وأيضا يجوز أن يكون الذي نفي أخذه من المسلمين ما يكون مأخوذا على ~~وجه الصغار والجزية ولذلك قال إنما العشور على أهل الذمة يعني ما يؤخذ على ~~وجه الجزية ومن الناس من يحتج للفرق بين صدقات المواشي والزروع وبين زكاة ~~الأموال أنه قال في الزكاة @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ ة ولم يشرط فيها أخذ ~~الإمام لها وقال في الصدقات @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم @QE@ وقال @QB@ ~~إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ إلى قوله @QB@ والعاملين عليها @QE@ ~~ونصب العامل يدل على أنه غير جائز له إسقاط حق الإمام في أخذها وقال صلى ~~الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فإنما ~~شرط أخذه في الصدقات ولم يذكر مثله في الزكوات ومن يقول هذا يذهب إلى أن ~~الزكاة وإن كانت صدقة فإن اسم الزكاة أخص بها ms1945 والصدقة اسم يختص بالمواشي ~~ونحوها فلما خص الزكاة بالأمر بالإيتاء دون أخذ الإمام وأمر في الصدقة بأن ~~يأخذها الإمام وجب أن يكون أداء الزكوات موكولا إلى أرباب الأموال إلا ما ~~يمر به على العاشر فإنه يأخذها باتفاق السلف ويكون أخذ الصدقات إلى الأئمة ~~قوله تعالى @QB@ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ روى شعبة عن عمرو بن مرة ~~عن ابن أبي أوفى قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه رجل بصدقة ماله ~~صلى عليه قال فأتيته بصدقة مال أبي فقال اللهم صل على آل أبي أوفى وروى ~~ثابت بن قيس عن خارجة بن إسحاق عن عبدالرحمن بن جابر عن أبيه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأتيكم ركب مبغضون فإن جاءوكم فرحبوا بهم وخلوا ~~بينهم وبين ما يبغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم وارضوهم فإن تمام ~~زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم وروى سلمة ابن بشير قال حدثنا البختري قال أخبرني ~~أبي أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعطيتم ~~الزكاة فلا تنسوا ثوابها قالوا وما ثوابها قال يقول اللهم اجعلها مغنما ولا ~~تجعلها مغرما وهذه الأخبار تدل على أن المراد بقوله تعالى @QB@ وصل عليهم ~~@QE@ هو الدعاء وقوله @QB@ سكن لهم @QE@ يعني والله أعلم مما تسكن قلوبهم ~~إليه وتطيب به نفوسهم فيسارعون إلى أداء الصدقات الواجبة رغبة في ثواب الله ~~وفيما ينالونه من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم PageV04P366 ~~وكذلك ينبغي لعامل الصدقة إذا قبضها أن يدعو لصاحبها اقتداء بكتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى @QB@ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا @QE@ الآية روي عن ~~جماعة من ا السلف إنهم كانوا اثني عشر رجلا من الأوس والخزرج قد سموا ~~استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بناء مسجد لليلة الشاتية والمطر ~~والحر ولم يكن ذلك قصدهم وإنما كان مرادهم التفريق بين المؤمنين وأن ~~يتحزبوا فيصلي حزب في مسجد وحزب في مسجد آخر لتختلف الكلمة وتبطل الألفة ~~والحال الجامعة وأرادوا ms1946 به أيضا ليكفروا فيه بالطعن على النبي صلى الله ~~عليه وسلم والإسلام فيتفاوضون فيما بينهم من غير خوف من المسلمين لأنهم ~~كانوا يخلون فيه فلا يخالطهم فيه غيرهم قوله تعالى @QB@ وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل @QE@ قال ابن عباس ومجاهد أراد به أبا عامر الفاسق وكان ~~يقال له أبو عامر الراهب قبل وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~عنادا وحسدا لذهاب رياسته التي كانت في الأوس قبل هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة فقال للمنافقين سيأتي قيصر وآتيكم بجند فأخرج به محمدا ~~وأصحابه فبنوا المسجد إرصادا له يعني مترقبين له وقد دلت هذه الآية على ~~ترتيب الفعل في الحسن أو القبح بالإرادة وأن الإرادة هي التي تعلق الفعل ~~بالمعاني التي تدعو الحكمة إلى تعليقه به أو تزجر عنها لأنهم لو أرادوا ~~ببنائه إقامة الصلوات فيه لكان طاعة لله عز وجل ولما أراد به ما أخبر الله ~~تعالى به عنهم من قصدهم وإرادتهم كانوا مذمومين كفارا قوله تعالى @QB@ لا ~~تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه @QE@ فيه ~~الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز القيام فيه ~~وأنه يجب هدمه لأن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن القيام في هذا ~~المسجد المبني على الضرار والفساد وحرم على أهله قيام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه إهانة لهم واستخفافا بهم على خلاف المسجد الذي أسس على التقوى ~~وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أولى بفعل الصلاة فيه من بعض وأن ~~الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها ويدل على فضيلة الصلاة في المسجد بحسب ~~ما بني عليه في الأصل ويدل على فضيلتها في المسجد السابق لغيره لقوله @QB@ ~~أسس على التقوى من أول يوم @QE@ وهو معنى قوله تعالى @QB@ أحق أن تقوم فيه ~~@QE@ لأن معناه أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا ~~المسجد الذي أسس على التقوى أحق بالقيام فيه ms1947 من غيره وذلك PageV04P367 أن ~~مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهي الله تعالى نبيه عن ذلك فلو ~~لم يكن المعنى ما ذكرنا لكان تقديره لمسجد أسس على التقوى أحق أن تقوم فيه ~~من مسجد لا يجوز القيام فيه ويكون بمنزلة قوله فعل الفرض أصلح من تركه وهذا ~~قد يسوغ إلا أن المعنى الأول هو وجه الكلام وقد اختلف في المسجد الذي أسس ~~على التقوى ما هو فروي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب أنه مسجد المدينة وروي ~~عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هو ~~مسجدي هذا وروي عن ابن عباس والحسن وعطية أنه مسجد قباء قوله تعالى @QB@ ~~فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ فيه دلالة على أن فضيلة ~~أهل المسجد فضيلة للمسجد وللصلاة فيه وقوله @QB@ يحبون أن يتطهروا @QE@ روي ~~عن الحسن قال يتطهرون من الذنوب وقيل فيه التطهر بالماء حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا معاوية بن هشام عن ~~يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء @QB@ فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا @QE@ قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية وقد ~~حوى هذا الخبر معنيين أحدهما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء ~~والثاني أن الاستنجاء بالماء أفضل منه بالأحجار وقد تواترت الأخبار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بالأحجار قولا وفعلا وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بالماء قوله تعالى @QB@ إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم @QE@ أطلق الشرى فيه على طريق المجاز لأن المشتري ~~في الحقيقة هو الذي يشتري مالا يملك والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ~~ولكنه كقوله تعالى @QB@ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا @QE@ فسماه شرى كما ~~سمى الصدقة قرضا لضمان الثواب فيهما به فأجرى لفظه مجرى ما ms1948 لا يملكه العامل ~~فيه استدعاء إليه وترغيبا فيه قوله تعالى @QB@ السائحون @QE@ قيل إنهم ~~الصائمون روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سياحة أمتي الصوم وروي ~~عن عبدالله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنه الصوم وقوله تعالى ~~@QB@ والحافظون لحدود الله @QE@ هو أتم ما يكون من المبالغة في الوصف بطاعة ~~الله والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره وذلك لأن لله تعالى حدودا في ~~أوامره وزواجره وما ندب إليه ورغب فيه أو أباحه وما خير فيه وما هو الأولى ~~في تحري موافقة أمر الله وكل هذه حدود الله فوصف تعالى هؤلاء القوم بهذا ~~الوصف PageV04P368 ومن كان كذلك فقد أدى جميع فرائضه وقام بسائر ما أراده ~~منه وقد بين في الآية التي قبلها المرادين بها وهم الصحابة الذين بايعوه ~~تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان بقوله تعالى @QB@ فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به @QE@ ثم عطف عليه التائبون فقد بينت هذه الآية منزلة هؤلاء رضي ~~الله عنهم من الدين والإسلام ومحلهم عند الله تعالى ولا يجوز أن يكون في ~~وصف العبيد بالقيام بطاعة الله كلام أبلغ ولا أفخم من قوله تعالى @QB@ ~~والحافظون لحدود الله @QE@ قوله تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة @QE@ والعسرة هي شدة ~~الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزة تبوك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج في شدة الحر وقلة من الماء والزاد والظهر فخص الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع في مثلها وجزيل الثواب الذي يستحق ~~بها لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها وحسن البصيرة واليقين منهم في تلك ~~الحال إذ لم تغيرهم عنها صعوبة الأمر وشدة الزمان وأخبر تعالى عن فريق منهم ~~بمقاربة ميل القلب عن الحق بقوله @QB@ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~@QE@ والزيغ هو ميل القلب عن الحق فقارب ذلك فريق منهم ولما فعلوا ولم ~~يؤاخذهم الله به وقبل توبتهم وبمثل الحال التي فضل بها متبعية في حال ~~العسرة على غيرهم فضل ms1949 بها المهاجرين على الأنصار وبمثلها فضل السابقين على ~~الناس لما لحقهم من المشقة ولما ظهر منهم من شدة البصيرة وصحة اليقين ~~بالاتباع في حال قلة عدد من المؤمنين واستعلاء أمر الكفار وما كان يلحقهم ~~من قبلهم من الأذى والتعذيب قوله تعالى @QB@ وعلى الثلاثة الذين خلفوا @QE@ ~~قال ابن عباس وجابر ومجاهد وقتادة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ~~الربيع قال مجاهد خلفوا عن التوبة وقال قتادة خلفوا عن غزوة تبوك وقد كانوا ~~هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك فيمن تخلف وكانوا صحيحي الإسلام فلما ~~رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك جاء المنافقون فاعتذروا وحلفوا ~~بالباطل وهم الذين أخبر الله عنهم @QB@ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم @QE@ وقال @QB@ يحلفون لكم لترضوا عنهم ~~فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين @QE@ فأمر تعالى ~~بالإعراض عنهم ونهى عن الرضا عنهم إذ كانوا كاذبين في اعتذارهم مظهرين لغير ~~ما يبطنون وأما الثلاثة فإنهم كانوا مسلمين صدقوا عن أنفسهم وقالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إنا تخلفنا من غير عذر وأظهروا التوبة والندم فقال لهم ~~رسول PageV04P369 الله صلى الله عليه وسلم إنكم صدقتم عن أنفسكم فامضوا حتى ~~أنظر ما ينزل الله تعالى فيكم فأنزل الله في أمرهم التشديد عليهم وأمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن لا يكلمهم وأن يأمر المسلمين أن لا يكلموهم فأقاموا ~~على ذلك نحو خمسين ليلة ولم يكن ذلك على معنى رد توبتهم لأنهم قد كانوا ~~مأمورين بالتوبة وغير جائز في الحكمة أن لا تقبل توبة من يتوب في وقت ~~التوبة إذا فعلها على الوجه المأمور به ولكنه تعالى أراد تشديد المحنة ~~عليهم في تأخير إنزال توبتهم ونهى الناس عن كلامهم وأراد به استصلاحهم ~~واستصلاح غيرهم من المسلمين لئلا يعودوا ولا غيرهم من المسلمين إلى مثله ~~لعلم الله فيهم بموضع الاستصلاح وأما المنافقون الذين اعتذروا فلم يكن فيهم ~~موضع استصلاح بذلك فلذلك أمر بالإعراض عنهم فثبت بذلك أن أمر الناس بترك ms1950 ~~كلامهم وتأخير إنزال توبتهم لم يكن عقوبة وإنما كان محنة وتشديدا في أمر ~~التكليف والتعبد وهو مثل ما نقوله في إيجاب الحد الواجب على التائب مما ~~قارب أنه ليس بعقوبة وإنما هو محنة وتعبد وإن كان الحد الواجب بالفعل بديا ~~كان يكون عقوبة لو أقيم عليه قبل التوبة قوله تعالى @QB@ حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت @QE@ يعني مع سعتها @QB@ وضاقت عليهم أنفسهم @QE@ ~~يعني ضاقت صدورهم بالهم الذي حصل فيها من تأخير نزول توبتهم ومن ترك النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين كلامهم ومعاملتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم ~~قوله تعالى @QB@ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه @QE@ يعني أنهم أيقنوا ~~أن لا مخلص لهم ولا معتصم في طلب الفرج مما هم فيه إلا إلى الله وأنه لا ~~يملك ذلك غيره ولا يجوز لهم أن يطلبوا ذلك إلا من قبله العبادة له والرغبة ~~إليه فحينئذ انزل الله تعالى على نبيه قبول توبتهم وكذلك عادة الله تعالى ~~فيمن انقطع إليه وعلم أنه لا كاشف لهمه غيره أنه سنيجيه ويكشف عنه غمه ~~وكذلك حكى جل وعلا عن لوط عليه السلام في قوله @QB@ ولما جاءت رسلنا لوطا ~~سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب @QE@ إلى أن قال @QB@ لو أن لي ~~بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد @QE@ فتبرأ من الحول والقوة من قبل نفسه ومن ~~قبل المخلوقين وعلم أنه لا يقدر على كشف ما هو فيه إلا الله تعالى حينئذ ~~جاءه الفرج فقالوا @QB@ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا @QE@ ومن ينو الانقطاع إليه وقطع العلائق دونه ~~فمتى صار العبد بهذه المنزلة فقد جعل الله له مخرجا لعلمه بأنه لا ينفك من ~~إحدى منزلتين إما أن يخلصه مما هو فيه وينجيه كما حكي عن الأنبياء عند ~~بلواهم مثل قول أيوب PageV04P370 @QB@ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب @QE@ ~~فالتجأ إلى الله في الخلاص مما كان يوسوس إليه الشيطان بأنه لو كان له عند ~~الله منزلة لما ابتلاه بما ms1951 ابتلاه به ولم يكن صلوات الله عليه قابلا ~~لوساوسه إلا أنه كان يشغل خاطره وفكره عن التفكر فيما هو أولى به فقال الله ~~له عند ذلك @QB@ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب @QE@ فكذلك كل من اتقى ~~الله بأن التجأ إليه وعلم أنه القادر على كشف ضره دون المخلوقين كان على ~~إحدى الحسنيين من فرج عاجل أو سكون قلب إلى وعد الله وثوابه الذي هو خير له ~~من الدنيا وما فيها قوله تعالى @QB@ ثم تاب عليهم ليتوبوا @QE@ يعني والله ~~أعلم تاب على هؤلاء الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله تعالى قابل توبتهم قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ روى ابن ~~مسعود قال يعني لازم الصدق ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة وقال نافع ~~والضحاك مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا وقال تعالى في سورة ~~البقرة @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك الذين صدقوا @QE@ وهذه صفة ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ثم قال في هذه الآية ~~@QB@ وكونوا مع الصادقين @QE@ فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء بهم لإخباره ~~بأن من فعل ما ذكر في الآية فهم الذين صدقوا وقال في هذه الآية @QB@ وكونوا ~~مع الصادقين @QE@ فدل على قيام الحجة علينا بإجماعهم وأنه غير جائز لنا ~~مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم وقوله تعالى @QB@ لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة @QE@ فيه مدح ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار ~~وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب ~~عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم ~~والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة ~~الضمائر وصلاح السرائر رضي الله عنهم قوله تعالى @QB@ ما كان لأهل المدينة ms1952 ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله @QE@ قد بينت هذه الآية وجوب ~~الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته إلا المعذورين ومن أذن له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا ~~يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود في الآيات المتقدمة وقوله ~~@QB@ ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه @QE@ أي يطلبون المنفعة بتوقية أنفسهم دون ~~نفسه بل كان الفرض عليهم PageV04P371 أن يقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنفسهم وقد كان من المهاجرين والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقى ~~بها رسول الله = قوله تعالى @QB@ ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون ~~من عدو نيلا @QE@ فيه الدلالة على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم وهو ~~قتلهم أو أخذ أموالهم أو إخراجهم عن ديارهم هذا كله نيل منهم وقد سوى بين ~~وطء موضع يغيظ الكفار وبين النيل منهم فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي ~~يغيظهم ويدخل الذل عليهم هو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر وفي ذلك دليل ~~على أن الاعتبار فيما يستحقه الفارس والراجل من سهامهما بدخول أرض الحرب ~~لانحيازه الغنيمة والقتال إذ كان الدخول بمنزلة حيازة الغنائم وقتلهم ~~وأسرهم ونظيره في الدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى @QB@ وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب @QE@ فاقتضى ذلك اعتبار إيجاف ~~الخيل والركاب في دار الحرب ولذلك قال علي رضي الله عنه ما وطئ قوم في عقر ~~دارهم إلا ذلوا قوله تعالى @QB@ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين @QE@ روي عن ابن عباس أنه نسخ ~~قوله @QB@ فانفروا ثبات أو انفروا جميعا @QE@ وقوله @QB@ انفروا خفافا ~~وثقالا @QE@ فقال تعالى ما كان لهم أن ينفروا في السرايا ويتركوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة وحده ولكن تبقى بقية لتتفقه ثم تنذر النافرة إذا ~~رجعوا إليهم وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها ~~المتخلفة وهذا التأويل ms1953 أشبه بظاهر الآية لأنه قال تعالى @QB@ فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين @QE@ فظاهر الكلام يقتضي أن تكون ~~الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها إذا رجعت إليهم وعلى التأويل ~~الأول الفرقة التي نفرت منها الطائفة هي التي تتفقه وتنذر الطائفة إذا رجعت ~~إليها وهو بعيد من وجهين أحدهما أن حكم العطف أن يتعلق بما يليه دون ما ~~يتقدمه فوجب على هذا أن يكون قوله @QB@ منهم طائفة ليتفقهوا @QE@ أن تكون ~~الطائفة هي التي تتفقه وتنذر ولا يكون معناه من كل فرقة تتفقه في الدين ~~تنفر منهم طائفة لأنه يقتضي إزالة ترتيب الكلام عن ظاهره وإثبات التقديم ~~والتأخير فيه والوجه الثاني أن قوله @QB@ ليتفقهوا في الدين @QE@ الطائفة ~~أولى منه بالفرقة النافرة منها الطائفة وذلك لأن نفر الطائفة للتفقه معنى ~~مفهوم يقع النفر من أجله والفرقة التي منها الطائفة ليس تفقهها لأجل خروج ~~الطائفة منها لأنها إنما تتفقه بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم ~~حضرته لا لأن الطائفة نفرت PageV04P372 منها فحمل الكلام على ذلك يبطل ~~فائدة قوله تعالى @QB@ ليتفقهوا في الدين @QE@ فثبت أن التي تتفقه هي ~~الطائفة النافرة من الفرقة المقيمة في بلدها وتنذر قومها إذا رجعت إليها ~~وفي هذه الآية دلالة على وجوب طلب العلم وأنه مع ذلك فرض على الكفاية لما ~~تضمنت من الأمر بنفر الطائفة من الفرقة للتفقه وأمر الباقين بالقعود لقوله ~~@QB@ وما كان المؤمنون لينفروا كافة @QE@ وقد روى زياد بن ميمون عن أنس بن ~~مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~وهذا عندنا ينصرف على معنيين أحدهما طلب العلم فيما يبتلى به الإنسان من ~~أمور دينه فعليه أن يتعلمه مثل من لا يعرف حدود الصلاة وفروضها وحضور وقتها ~~فعليه أن يتعلمها ومثل من ملك مائتي درهم فعليه أن يتعلم ما يجب عليه فيها ~~وكذلك الصوم والحج وسائر الفروض والمعنى الآخر أنه فرض على كل مسلم إلا أنه ~~على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ms1954 وفيه دلالة على لزوم خبر ~~الواحد في أمور الديانات التي لا تلزم الكافة ولا تعم الحاجة إليها وذلك ~~لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحواه الدلالة عليه من وجهين ~~أحدهما أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذارا والثاني أمره ~~إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة لأن قوله تعالى @QB@ لعلهم يحذرون @QE@ ~~معناه ليحذروا وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد لأن الطائفة اسم يقع على ~~الواحد وقد روي في تأويل قوله تعالى @QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ~~@QE@ أنه أراد واحدا وقال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا @QE@ ~~ولا خلاف أن الإثنين إذا اقتتلا كانا مرادين بحكم الآية ولأن الطائفة في ~~اللغة كقولك البعض والقطعة من الشيء وذلك موجود في الواحد فكان قوله @QB@ ~~من كل فرقة منهم طائفة @QE@ بمنزلته لو قال بعضها أو شيء منها فدلالة الآية ~~ظاهرة في وجوب قبول الخبر المقصر عن إيجاب العلم وإن كان التأويل ما روي عن ~~ابن عباس أن الطائفة النافرة إنما تنفر من المدينة والتي تتفقه إنما هي ~~القاعدة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فدلالتها أيضا قائمة في لزوم خبر ~~الواحد لأن النافرة إذا رجعت أنذرتها التي لم تنفر وأخبرتها بما نزل من ~~الأحكام وهي تدل أيضا على لزوم قبول خبر الواحد بالمدينة مع كون النبي صلى ~~الله عليه وسلم بها لإيجابها الحذر على السامعين بنذارة القاعدين قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة @QE@ خص الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار وقال في أول ~~السورة @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ PageV04P373 وقال في موضع ~~آخر @QB@ وقاتلوا المشركين كافة @QE@ فأوجب قتال جميع الكفار ولكنه خص ~~بالذكر الذين يلوننا من الكفار إذ كان معلوما أنه لا يمكننا قتال جميع ~~الكفار في وقت واحد وإن الممكن منه هو قتال طائفة فكان من قرب منهم أولى ~~بالقتال ممن بعد لأن الاشتغال بقتال من بعد منهم مع ترك قتال من قرب لا ~~يؤمن معه هجم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم ms1955 إذا خلت من ~~المجاهدين فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال من بعد وأيضا لا يصح تكليف قتال ~~الأبعد إذ لا حد للأبعد يبتدأ منه القتال كما للأقرب وأيضا فغير ممكن ~~الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتال من قرب وقهرهم وإذلالهم فهذه الوجوه ~~كلها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب وقوله تعالى @QB@ وليجدوا فيكم غلظة ~~@QE@ فيه أمر بالغلظة على الكفار الذين أمرنا بقتالهم في القول والمناظرة ~~والرسالة إذ كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم والرعب في قلوبهم ~~ويستشعرون منا به شدة الاستبصار في الدين والجد في قتال المشركين ومتى ~~أظهروا لهم اللين في القول والمحاورة استجرءوا عليهم وطمعوا فيهم فهذا حد ~~ما أمر الله به المؤمنين من السيرة في عدوهم آخر سورة التوبة # | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ قيل في ~~قوله تعالى @QB@ لا يرجون لقاءنا @QE@ وجهان أحدهما لا يخافون عقابنا لأن ~~الرجاء يقام مقام الخوف ومثله قوله @QB@ ما لكم لا ترجون لله وقارا @QE@ ~~قيل معناه لا تخافون لله عظمة والوجه الآخر لا تطمعون في ثوابنا كقولهم تاب ~~رجاء لثواب الله وخوفا من عقابه والفرق بين الإتيان بغيره وبين تبديله أن ~~الإتيان بغيره لا يقتضي رفعه بل يجوز بقاؤه معه وتبديله لا يكون إلا برفعه ~~ووضع آخر مكانه أو شيء منه وكان سؤالهم لذلك على وجه التعنت والتحكم إذ لم ~~يجدوا سببا آخر يتعلقون به ولم يجز أن يكون الأمر موقوفا على اختيارهم ~~وتحكمهم لأنهم غير عالمين بالمصالح ولو جاز أن يأتي بغيره أو يبدله بقولهم ~~لقالوا في الثاني مثله في الأول وفي الثالث مثله في الثاني فكان يصير دلائل ~~الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء وقد قامت الحجة عليهم PageV04P374 بهذا ~~القرآن فإن لم يكن يقنعهم ذلك مع عجزهم فالثاني والثالث مثله وربما احتج ~~بهذه الآية بعض من يأبى جواز نسخ ms1956 القرآن بالسنة لأنه قال @QB@ قل ما يكون ~~لي أن أبدله من تلقاء نفسي @QE@ ومجيز نسخ القرآن بالسنة مجيز لتبديله من ~~تلقاء نفسه وليس هذا كما ظنوا وذلك لأنه ليس في وسع النبي صلى الله عليه ~~وسلم تبديل القرآن بقرآن مثله ولا الإتيان بقرآن غيره وهذا الذي سأله ~~المشركون ولم يسئلوه تبديل الحكم دون اللفظ والمستدل بمثله في هذا الباب ~~مغفل وأيضا فإن نسخ القرآن لا يجوز عندنا إلا بسنة هي وحي من قبل الله ~~تعالى قال الله عز وجل @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ ~~فنسخ حكم القرآن بالسنة إنما هو نسخ بوحي الله لا من قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قوله تعالى @QB@ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا قل آلله أذن لكم @QE@ الآية ربما احتج بعض الأغبياء من نفاة ~~القياس بهذه الآية في إبطاله لأنه زعم أن القائس يحرم بقياسه ويحل وهذا جهل ~~من قائله لأن القياس دليل الله تعالى كما أن حجة العقل دليل الله تعالى ~~وكالنصوص والسنن كل هذه دلائل فالقائس إنما يتبع موضع الدلالة على الحكم ~~فيكون الله هو المحلل والمحرم بنصبه الدليل عليه فإن خالف في أن القياس ~~دليل الله عز وجل فليكن كلامه معنا في إثباته فإذا ثبت ذلك سقط سؤاله وإن ~~لم يقم الدليل على إثباته فقد اكتفى في إيجاب بطلانه بعدم دلالة صحته فلا ~~يعتقد أحد صحة القياس إلا وهو يرى أنه دليل الله تعالى وقد قامت بصحته ضروب ~~من الشواهد ولا نعلق للآية في نفي القياس ولا إثباته وربما احتجوا أيضا في ~~نفيه بقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ ~~وهذا شبيه بما قبله لأن القائسين يقولون القول بالقياس مما أتانا الرسول به ~~وأقام الله الحجة عليه من دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة فليس لهذه ~~الآية تعلق بنفي القياس قوله تعالى @QB@ ربنا ليضلوا عن سبيلك @QE@ قيل فيه ~~وجهان أحدهما أنها لام العاقبة كقوله تعالى @QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون ms1957 ~~لهم عدوا وحزنا @QE@ والآخر لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت لا كقوله تعالى @QB@ ~~ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما @QE@ أي لئلا تضل وقوله @QB@ أن ~~تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين @QE@ أي لئلا تقولوا وقوله @QB@ ~~يبين الله لكم أن تضلوا @QE@ معناه أن لا تضلوا قوله تعالى @QB@ قد أجيبت ~~دعوتكما @QE@ أضاف الدعاء إليهما وقال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب ~~والربيع بن موسى كان موسى يدعو وهرون يؤمن فسماهما الله داعيين وهذا يدل ~~PageV04P375 على أن آمين دعاء وإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه أفضل من الجهر به ~~لقوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ آخر سورة يونس عليه السلام # | ومن سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار @QE@ فيه ~~إخبار أن من عمل عملا للدنيا لم يكن له به في الآخرة نصيب وهو مثل قوله ~~@QB@ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وما له في الآخرة من نصيب @QE@ ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال بشر أمتي بالسناء والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عملا للدنيا ~~لم يكن له في الآخرة نصيب وهذا يدل على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه ~~القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمتى أخذ عليه ~~الأجرة فقد خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة وقيل في قوله @QB@ ~~نوف إليهم أعمالهم @QE@ فيها وجهان أحدهما أن يصل الكافر رحما أو يعطي ~~سائلا أو يرحم مضطرا أو نحو ذلك من أعمال البر فيجعل الله له جزاء عمله في ~~الدنيا بتوسعة الرزق وقرة العين فيما خول ودفع مكاره الدنيا روي عن مجاهد ~~والضحاك والوجه الثاني من كان يريد الحياة الدنيا بالغزو مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم للغنيمة دون ثواب الآخرة فإنه يستحق نصيبه وسهمه من ms1958 المغنم وهذا ~~من صفة المنافقين فإن كان التأويل هو الثاني فإنه يدل على أن الكافر إذا ~~شهد القتال مع المسلمين استحق من الغنيمة نصيبا وهذا يدل أيضا على أنه جائز ~~الاستعانة بالكفار في قتال غيرهم من الكفار وكذلك قال أصحابنا إذا كانوا ~~متى غلبوا كان حكم الإسلام هو الجاري عليهم دون حكم الكفر ومتى حضروا رضخ ~~لهم وليس في الآية دلالة على أن الذي يستحقه الكافر بحضور القتال هو السهم ~~أو الرضخ قوله تعالى @QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم @QE@ يحتج به في أن الشرط المعترض حكمه أن يكون مقدما على ~~ما قبله في المعنى وهو قول القائل إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فعبدي حر أنه ~~لا يحنث حتى يكلم ثم يدخل لأن قوله إن كلمت شرط معترض على الشرط الأول قبل ~~استتمام جوابه كقوله @QB@ إن كان الله يريد أن يغويكم @QE@ شرط اعترض على ~~قوله PageV04P376 @QB@ إن أردت أن أنصح لكم @QE@ قبل استتمام الجواب فصار ~~تقديره ولا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم ~~وهذا المعنى فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد والفراء في مسائل قد ذكرناها في ~~شرح الجامع الكبير وقوله @QB@ يريد أن يغويكم @QE@ أي يخيبكم من رحمته يقال ~~غوى يغوي غيا ومنه @QB@ فسوف يلقون غيا @QE@ وقال الشاعر % فمن يلق خيرا ~~يحمد الناس أمره % ومن يغو لا يعدم من الغي لائما % # | وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال يقال غوى الرجل ~~يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه قال ومنه قوله تعالى في قصة ~~آدم @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ أي فسد عليه عيشه في الجنة قال أبو بكر ~~وهذا يؤول إلى المعنى الأول وذلك أن الخيبة فيها فساد العيش فقوله @QB@ ~~يغويكم @QE@ يفسد عليكم عيشكم وأمركم بأن يخيبكم من رحمته قوله تعالى @QB@ ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا @QE@ يعني بحيث نراها فكأنها ترى بأعين على ~~طريق البلاغة والمعنى بحفظنا إياك ms1959 حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك وقيل ~~بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بك وقوله @QB@ ووحينا @QE@ يعني على ~~ما أوحينا إليك من صفتها وحالها ويجوز بوحينا إليك أن اصنعها وقوله تعالى ~~@QB@ فإنا نسخر منكم كما تسخرون @QE@ مجاز وإنما أطلق ذلك لأن جزاء الذم ~~على السخرية بالمقدار المستحق كقوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم @QE@ ~~وقال بعضهم معناه فإنا نستجهلكم كما تستجهلون قوله تعالى @QB@ ونادى نوح ~~ربه فقال رب إن ابني من أهلي @QE@ سمى ابنه من أهله وهذا يدل على أن من ~~أوصى لأهله بثلث ماله أنه على من هو في عياله ابنا كان أو زوجة أو أخا أو ~~أجنبيا وكذلك قال أصحابنا والقياس أن يكون للزوجة خاصة ولكن استحسن فجعله ~~لجميع من تضمنه منزله وهو في عيال وقول نوح عليه السلام يدل على ذلك وقال ~~الله تعالى في آية أخرى @QB@ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله ~~من الكرب العظيم @QE@ فسمى جميع من ضمه منزله وسفينته من أهله وقول نوح ~~عليه السلام إن ابني من أهلي يعني من أهلي الذي وعدتني أن تنجيهم فأخبر ~~الله تعالى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم قوله تعالى @QB@ إنه عمل ~~غير صالح @QE@ قيل فيه معناه ذو عمل غير صالح فجاء على المبالغة في الصفة ~~كما قالت الخنساء % ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت % فإنما هي إقبال وإدبار % ~~& PageV04P377 تعني ذات إقبال وإدبار أو مقبلة ومدبرة وروي عن ابن عباس ~~ومجاهد وإبراهيم قال سؤالك هذا عمل غير صالح وقرأ الكسائي @QB@ إنه عمل غير ~~صالح @QE@ على الفعل ونصب غير وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك إنه ~~كان ابنه لصلبه لأنه قال تعالى @QB@ ونادى نوح ابنه @QE@ وقال @QB@ إنه ليس ~~من أهلك @QE@ يعني ليس من أهل دينك وروي عن الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه ~~لصلبه وكان لغير رشدة وقال الحسن وكان منافقا يظهر الإيمان ويسر الكفر وقيل ~~إنه كان ابن امرأته وإنما كان نوح ms1960 يدعوه إلى الركوب مع نهي الله عز وجل ~~إياه أن يركب فيها كافر لأنه كان ينافق بإظهار الإيمان وقيل إنه دعاه على ~~شريطة الإيمان كأنه قال آمن واركب معنا قوله تعالى @QB@ هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها @QE@ نسبهم إلى الأرض لأن أصلهم وهو آدم خلق من تراب الأرض ~~والناس كلهم من آدم عليه السلام وقيل إن معناه إنه خلقكم في الأرض وقوله ~~@QB@ واستعمركم فيها @QE@ يعني أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه وفيه ~~الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية وروي عن مجاهد ~~معناه أعمركم بان جعلها لكم طول أعماركم وهذا كقول القائل أعمرتك داري هذه ~~يعني ملكتك طول عمرك وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى فهي له ~~ولورثته من بعده والعمرى هي العطية إلا أن معناها راجع إلى تمليكه طول عمره ~~فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العمرى والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره ~~لأنهم كانوا يعقدون ذلك على أنه بعد موته يرجع إلى الواهب قوله تعالى @QB@ ~~قالوا سلاما قال سلام @QE@ معنى الأول سلمت سلاما ولذلك نصبه والثاني جوابه ~~عليكم سلام وكذلك رفعه ومعناهما واحد إلا أنه خولف بينهما لئلا يتوهم متوهم ~~الحكاية وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية أهل الإسلام وإنه تحية ~~الملائكة وقوله تعالى @QB@ قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن ~~هذا لشيء عجيب @QE@ فإنها مع علمها بأن ذلك في مقدور الله تعجبت بطبع ~~البشرية قبل الفكر والروية كما ولى موسى عليه السلام مدبرا حين صارت العصا ~~حية حتى قيل له @QB@ أقبل ولا تخف إنك من الآمنين @QE@ وإنما تعجبت لأن ~~إبراهيم عليه السلام يقال إنه كان له في ذلك الوقت مائة وعشرون سنة ولسارة ~~تسعون سنة قوله تعالى @QB@ أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت @QE@ يدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته لأن ~~الملائكة قد سمت امرأة إبراهيم من أهل بيته وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة ~~أزواج النبي صلى الله ms1961 عليه وسلم في قوله PageV04P378 @QB@ ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله وتعمل صالحا @QE@ إلى قوله @QB@ وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ قد دخل فيه أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن ابتداء الخطاب لهن قوله تعالى @QB@ فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط @QE@ يعني لما ذهب عنه الفزع جادل ~~الملائكة حتى قالوا إنا إرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم فقال إن فيها لوطا ~~قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله يروى ذلك عن الحسن وقيل إنه سألهم ~~فقال أتهلكونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين قالوا لا ثم نزلهم إلى عشرة ~~فقالوا لا يروى ذلك عن قتادة ويقال جادلهم ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب ~~الإستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليقبلوا إلى ~~الطاعة ومن الناس من يحتج بذلك في جواز تأخير البيان لأن الملائكة أخبرت ~~أنها تهلك قوم لوط ولم تبين المنجين منهم ومع ذلك فإن إبراهيم عليه السلام ~~جادلهم وقال لهم أتهلكونهم وفيهم كذا رجلا فيستدلون بذلك على جواز تأخير ~~البيان وهذا ليس بشيء لأن إبراهيم سألهم عن الوجه الذي به استحقوا عذاب ~~الإستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أو على سبيل التخويف ليرجعوا إلى ~~الطاعة قوله تعالى @QB@ أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء @QE@ وإنما قيل أصلوتك تأمرك لأنها بمنزلة الآمر بالخير ~~والناهي عن الشر كما قال تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~@QE@ وجائز أن يكون أخبرهم بذلك في حال الصلاة فقال أصلوتك تأمرك بما ذكرت ~~وعن الحسن أدينك يأمرك أي فيه الأمر بهذا قوله تعالى @QB@ ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار @QE@ والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالأنس ~~والمحبة فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم وهو ~~مثل قوله تعالى @QB@ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون @QE@ قيل فيه لا ~~يهلكهم بظلم صغير يكون ms1962 منهم وقيل بظلم كبير يكون من قليل منهم كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يهلك العامة بذنوب الخاصة وقيل لا ~~يهلكهم وهو ظالم لهم كقوله @QB@ إن الله لا يظلم الناس شيئا @QE@ وفيه ~~إخبار بأنه لا يهلك القرى وأهلها مصلحون وقال تعالى في آية أخرى @QB@ وإن ~~من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة @QE@ فدل ذلك على أن الناس يصيرون ~~إلى غاية الفساد عند اقتراب الساعة ولذلك يهلكهم الله وهو مصداق قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق قوله تعالى ~~PageV04P379 @QB@ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة @QE@ قال قتادة يجعلهم ~~مسلمين وذلك بالإلجاء إلى الإيمان وإنما يكون الإلجاء بالمنع لأنهم لو ~~راموا خلافه منعوا منه مع الاضطرار إلى حسنه وعظم المنفعة به قوله تعالى ~~@QB@ ولا يزالون مختلفين @QE@ قال مجاهد وعطاء وقتادة والأعمش أي مختلفين ~~في الأديان يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك من اختلاف المذاهب الفاسدة وروي ~~عن الحسن في الأرزاق والأحوال من تسخير بعضهم لبعض قوله تعالى @QB@ إلا من ~~رحم ربك @QE@ إنما هو استثناء من المختلفين بالباطل بالإطلاق في الإيمان ~~المؤدي إلى الثواب فإنه ناج من الاختلاف بالباطل قوله تعالى @QB@ ولذلك ~~خلقهم @QE@ روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك خلقهم للرحمة وروي عن ~~ابن عباس أيضا والحسن وعطاء خلقهم على علم منه باختلافهم وهي لام العاقبة ~~قالوا وقد تكون اللام بمعنى على كقولك أكرمتك على برك ولبرك بي آخر سورة ~~هود عليه السلام # ومن سورة يوسف $ بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين @QE@ فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء ~~لأن يوسف عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا وكان تأويل ~~الكواكب أخوته والشمس والقمر أبويه وروي ذلك عن الحسن قوله تعالى @QB@ لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا @QE@ علم إنه إن قصها عليهم حسدوه ~~وطلبوا كيده وهو أصل في ms1963 جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من يخشى حسده ~~وكيده وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث ~~@QE@ قوله تعالى @QB@ ويعلمك من تأويل الأحاديث @QE@ فإن التأويل ما يؤول ~~إليه بمعنى ويرجع إليه وتأويل الشيء هو مرجعه وقال مجاهد وقتادة تأويل ~~الأحاديث عبارة الرؤيا وقيل تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على ~~توحيده وغير ذلك من أمور دينه قوله تعالى @QB@ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب ~~إلى أبينا منا @QE@ الآية تفاوضوا فيما بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا ~~يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم وقالوا @QB@ إن أبانا لفي ضلال مبين ~~@QE@ يعنون عن صواب الرأي لأنه كان أصغر منهم وكان عندهم أن الأكبر أولى ~~بتقديم المنزلة من الأصغر ومع ذلك فإن الجماعة من البنين أولى بالمحبة ~~PageV04P380 من الواحد وهو معنى قوله @QB@ ونحن عصبة @QE@ ومع إنهم كانوا ~~أنفع له بتدبير أمر الدنيا لأنهم كانوا يقومون بأمواله ومواشيه فذهبوا إلى ~~أن اصطفاءه إياه بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن الطريق الصواب قوله ~~تعالى @QB@ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم @QE@ الآية فإنهم ~~تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل أو تبعيد له عن أبيه وكان الذي ~~استجازوا ذلك واستجرءوا من أجله عليه قولهم @QB@ وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين @QE@ فرجوا التوبة بعد هذا الفعل وهو نحو قوله تعالى @QB@ بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه @QE@ قيل في التفسير أنه يعزم على المعصية رجاء التوبة ~~بعدها فيقول أفعل ثم أتوب وفي ذلك دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأنهم ~~قالوا وتكونوا من بعده قوما صالحين وحكاه الله عنهم ولم ينكره عليهم قوله ~~تعالى @QB@ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب @QE@ لما ~~تآمروا على أحد شيئين من قتل أو إبعاد عن أبيه أشار عليهم هذا القائل حين ~~قالوا لا بد من أحد هذين بأنقص الشرين وهو الطرح في جب قليل الماء ليأخذه ~~بعض السيارة وهم المسافرون فلما أبرموا التدبير وعزموا عليه نابوا للتلطف ~~في الوصول إلى ما أرادوا فقالوا @QB@ يا أبانا ms1964 ما لك لا تأمنا على يوسف ~~@QE@ إلى آخر الآيتين وقوله تعالى @QB@ أرسله معنا غدا يرتع ويلعب @QE@ قيل ~~في يرتع يرعى وقيل إن الرتع الإتساع في البلاد ويقال يرتع في المال أي هو ~~يتسع به في البلاد واللعب هو الفعل المقصود به التفرج والراحة من غيره ~~عاقبة له محمودة ولا قصد فيه لفاعله إلا حصول اللهو والفرح فمنه ما يكون ~~مباحا وهو ما لا إثم فيه كنحو ملاعبة الرجل أهله وركوبه فرسه للتطرب ~~والتفرج ونحو ذلك ومنه ما يكون محظورا وفي الآية دلالة على أن اللعب الذي ~~ذكروه كان مباحا لولا ذلك لأنكره يعقوب عليه السلام عليهم فلما سألوه ~~إرساله معهم قال @QB@ إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ~~عنه غافلون @QE@ فذكر لهم حزنه لذهابهم به لبعده عن مشاهدته وإنه خائف مع ~~ذلك أن يأكله الذئب فاجتمع عليه في هذه الحال شيآن الحزن والخوف فأجابوه ~~بأنه يمتنع أن يأكله الذئب وهم جماعة وإن ذلك لو وقع لكانوا خاسرين قوله ~~تعالى @QB@ وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون @QE@ قال ابن ~~عباس لا يشعرون بأنه يوسف في وقت ينبئهم وكذلك قال الحسن أوحى الله إليه ~~وهو في الجب فأعطاه النبوة وأخبره أنه ينبئهم بأمرهم هذا قوله تعالى @QB@ ~~وجاؤوا أباهم عشاء يبكون @QE@ + روي أن الشعبي كان جالسا PageV04P381 ~~للقضاء فجاءه رجل يبكي ويدعي أن رجلا ظلمه فقال رجل بحضرته يوشك أن يكون ~~هذا مظلوما فقال الشعبي أخوة يوسف خانوا وظلموا كذبوا وجاءوا أباهم عشاء ~~يبكون فأظهروا البكاء لفقد يوسف ليبرئوا أنفهسم من الخيانة وأوهموه أنهم ~~مشاركون له في المصيبة ويلقنوا ما كان أظهره يعقوب عليه السلام لهم من خوفه ~~على يوسف أن يأكله الذئب فقالوا إنا ذهبنا نستبق يقال ننتضل من السباق في ~~الرمي وقيل نستبق بالعدو على الرجل @QB@ وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا @QE@ يعني بمصدق وجاءوا بقميص عليه دم فزعموا أنه ~~دم يوسف قوله تعالى بدم كذب يعني مكذوب فيه قال ابن عباس ومجاهد قال ms1965 لو كان ~~أكله الذئب لخرقه فكانت علامة الكذب ظاهرة فيه وهو صحة القميص من غير تخريق ~~وقال الشعبي كان في قميص يوسف ثلاث آيات الدم والشق وإلقاءوه على وجه أبيه ~~فارتد بصيرا وقال الحسن لما رأى القميص صحيحا قال يا بني والله ما عهدت ~~الذئب حليما قوله تعالى قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا يدل على أن يعقوب عليه ~~السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن يوسف لم يأكله الذئب لما استدل عليه من صحة ~~القميص من غير تخريق وهذا يدل على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله في ~~التكذيب أو التصديق جائز لأنه عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله بظهور ~~علامة كذبهم قوله تعالى فصبر جميل يقال إنه صبر لا شكوى فيه وفيه البيان ~~عما تقتضيه المصيبة من الصبر الجميل والإستعانة بالله عندما يعرض من الأمور ~~القطعية المجزية فحكى لنا حال نبيه يعقوب عليه السلام عندما ابتلي بفقد ~~ولده العزيز عنده وحسن عزائه ورجوعه إلى الله تعالى والإستعانة به وهو مثل ~~قوله تعالى @QB@ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة @QE@ الآية ليقتدى به عند نزول المصائب ~~قوله تعالى قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة قال قتادة والسدي لما أرسل ~~دلوه تعلق بها يوسف فقال المدلي يا بشراي هذا غلام قال قتادة بشر أصحابه ~~بأنه وجد عبدا وقال السدي كان اسم الرجل الذي ناداه بشرى وقوله @QB@ وأسروه ~~بضاعة @QE@ قال مجاهد والسدي أسره المدلي ومن معه في باقي التجار لئلا ~~يسئلوهم الشركة فيه برخص ثمنه وقال ابن عباس أسره أخوته وكتموا أنه أخوهم ~~وتابعهم على ذلك لئلا يقتلوه والبضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة وقيل ~~في معنى أسروه بضاعة أنهم اعتقدوا فيه التجارة PageV04P382 وروى شعبة عن ~~يونس عن عبيد عن الحسن عن علي أنه قضى باللقيط أنه حر وقرأ @QB@ وشروه بثمن ~~بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين @QE@ وروى الزهري عن سنين أبي ~~جميلة قال وجدت منبوذا على عهد عمر ms1966 فقال عمر عسى الغويرا بؤسا فقيل إنه لا ~~يتهم فقال هو حر ولك ولاؤه وعلينا رضاعه فمعنى قوله عسى الغويرا بؤسا ~~الغوير تصغير غار وهو مثل معناه عسى أن يكون جاء البأس من قبل الغار فاتهم ~~عمر الرجل وقال عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في هذا الصبي اللقيط بأن ~~يكون من مائك فلما شهدوا له بالستر أمره بإمساكه وقال ولاؤه لك وجائز أن ~~يريد بالولاء ههنا إمساكه والولاية عليه وإثبات هذا الحق له كما لو كان ~~عبدا له فأعتقه لأنه تبرع بأخذه وإحيائه والإحسان إليه وقد أخبر عمر أنه حر ~~فلا يخلو من أن يكون ذلك على وجه الإخبار بأنه حر الأصل ولا رق عليه أو ~~إيقاع حرية عليه من قبله ومعلوم أن عمر لم يملكه ولم يكن عبدا له فيعتقه ~~فعلمنا أنه أراد الإخبار بأنه حر لا يجرى عليه رق وإذا كان حر الأصل لم يجز ~~أن يثبت ولاؤه لإنسان فعلمنا أنه أراد بقوله لك ولاؤه أي لك ولايته في ~~الإمساك والحفظ وما روي عن عمر وعائشة أنهما قالا في أولاد الزنا اعتقوهم ~~وأحسنوا إليهم فإنما معناه احكموا بأنهم أحرار وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه وذلك إخبار منه ~~بوقوع العتاق بالملك لا يحتاج إلى استئنافه وقد روى المغيرة عن إبراهيم في ~~اللقيط يجده الرجل قال إن نوى أن يسترقه كان رقيقا وإن نوى الحسبة عليه كان ~~عتيقا وهذا لا معنى له لأنه إن كان حرا لم يصر رقيقا بنية الملتقط وإن كان ~~عبدا لم يصر عتيقا بنيته أيضا وأيضا إن الأصل في الناس الحرية وهو الظاهر ~~ألا ترى أن من وجدناه يتصرف في دار الإسلام أنا نحكم بحريته ولا نجعله عبدا ~~إلا ببينة تشهد بذلك أو بإقراره وأيضا فإن اللقيط لا يخلو من أن يكون ولد ~~حرة أو أمة فإن كان ولد حرة فهوحر وغير جائز استرقاقه وإن كان ولد أمة فهو ~~عبد لغير الملتقط فلا ms1967 يجوز لنا أن نتملكه ففي الوجوه كلها لا يجوز أن يكون ~~اللقيط عبدا للملتقط وأيضا فإن الرق طارئ والأصل الحرية كشيء علمناه ملكا ~~لإنسان وادعى غيره زواله إليه فلا تصدقه لأنه يدعي معنى طارئا كذلك حكم ~~الملتقط فيما يثبت له من رق اللقيط وأيضا لما كان لقطة المال لا توجب ~~للملتقط ملكا فيها مع العلم بأنه ملك في الأصل كان التقاط اللقيط الذي لا ~~يعلم رقه أحرى أن PageV04P383 لا يوجب للملتقط ملكا وقد روى حماد بن سلمة ~~عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فولدت لأربعة أشهر ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها صداقها بما استحل من فرجها وولدها ~~مملوك له وهو حديث شاذ غير معمول عليه لأن أكثر ما فيه أنه ولد زنا إذا كان ~~من حرة فهو حر ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنا واللقيط حران قوله ~~تعالى @QB@ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة @QE@ قال الفراء الثمن ما يثبت في ~~الذمة بدلا من البياعات من الدراهم والدنانير قال أبو بكر ظاهر الكلام يدل ~~عليه لأنه سمى الدراهم ثمنا بقوله وشروه بثمن وقول الفراء مقبول من طريق ~~اللغة فإذا أخبر أن الثمن اسم لما يثبت في الذمة من الوجه الذي ذكرنا ثم ~~سمى الله تعالى الدراهم ثمنا اقتضى ذلك ثبوتها في الذمة متى جعلت بدلا في ~~عقود البياعات سواء عينها أو أطلقها ولم يعينها لأنها لو تعينت بالتعيين ~~لخرجت من أن تكون ثمنا إذ كانت الأعيان لا تكون أثمانا في الحقيقة إلا أن ~~يجريها الإنسان مجرى الإبدال فيسميها ثمنا على معنى البدل تشبيها بالثمن ~~وإذا ثبت ذلك وجب أن لا تتعين الدراهم والدنانير لأن في تعيينها سلب الصفة ~~التي وصفها الله بها من كونها ثمنا إذ الأعيان لا تكون أثمانا والبخس النقص ~~يقال بخسه حقه إذا نقصه وقوله دراهم معدودة روي عن ابن مسعود وابن عباس ~~وقتادة قالوا كانت عشرين درهما وعن مجاهد اثنان وعشرون درهما وقيل إنما ~~سماها معدودة لقلتها وقيل ms1968 عدوها ولم يزنوها وقيل كانوا لا يزنون الدراهم ~~حتى تبلغ أوقية وأوقيتهم أربعون درهما وقال ابن عباس ومجاهد إخوته كانوا ~~حضورا فقالوا هذا عبد لنا أبق فاشتروه منهم وقال قتادة باعه السيارة قوله ~~تعالى وكانوا فيه من الزاهدين قيل إن إخوته كانوا في الثمن من الزاهدين ~~وإنما كان غرضهم أن يغيبوه عن وجه أبيهم وقوله تعالى وقال الذي اشتراه من ~~مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا روي عن عبدالله قال أحسن الناس ~~فراسة ثلاثة العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا وابنة شعيب ~~حين قالت في موسى يا أبت استأجره وأبو بكر الصديق حين ولى عمر قوله تعالى ~~@QB@ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما @QE@ قيل في معنى الأشد أنها القوة ~~من ثماني عشرة إلى ستين سنة وقال ابن عباس الأشد ابن عشرين سنة وقال مجاهد ~~ابن ثلاث وثلاثين سنة قوله تعالى ولقد همت به وهم بها روي عن الحسن به ~~بالعزيمة وهم بها من جهة الشهوة ولم يعزم وقيل هما جميعا بالشهوة ~~PageV04P384 لأن الهم بالشيء مقاربته من غير مواقعة والدليل على أن هم يوسف ~~بها لم يكن من جهة العزيمة وإنما كان من جهة دواعي الشهوة قوله @QB@ معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي @QE@ وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين فكان ذلك إخبارا ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية وقيل ~~إن ذلك على التقديم والتأخير ومعناه لولا أن رأى برهان ربه هم بها وذلك لأن ~~جواب لولا لا يجوز أن يتقدمه لأنهم لا يجيزون أن نقول قد أتيتك لولا زيد ~~وجائز أن يكون على تقديره تقديم لولا قوله تعالى لولا أن رأى برهان ربه قال ~~ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله وقال ~~قتادة نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء وروي عن ابن ~~عباس أنه رأى الملك وقال محمد بن كعب هو ما علمه من الدلالة على عقاب الزنا ~~قوله تعالى وشهد شاهد من ms1969 أهلها إن كان قميصه قد من قبل الآية روي عن ابن ~~عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يسار أنه صبي في المهد وروي عن ابن ~~عباس أيضا والحسن وابن أبي مليكة وعكرمة قالوا هو رجل وقال عكرمة إن الملك ~~لما رأى يوسف مشقوق القميص على الباب قال ذلك لابن عم له فقال إن كان قميصه ~~قد من قبل فإنه طلبها فامتنعت منه وإن كان من دبر فإنه فر منها وطلبته ومن ~~الناس من يحتج بهذه الآية في الحكم بالعلامة في اللقطة إذا ادعاها مدع ~~ووصفها وقد اختلف الفقهاء في مدعي اللقطة إذا وصف علامات فيها فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي لا يستحقها بالعلامة حتى يقيم البينة ~~ولا يجبر الملتقط على دفعها إليه بالعلامة ويسعه أن يدفعها وإن لم يجبر ~~عليه في القضاء وقال ابن القاسم في قياس قول مالك يستحقها بالعلامة ويجبر ~~على دفعها إليه فإن جاء مستحق فاستحقها ببينة لم يضمن الملتقط شيئا وقال ~~مالك وكذلك اللصوص إذا وجد معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة أن ~~السلطان يتلوم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعه إليهم وكذلك الآبق وقال الحسن ~~بن حي يدفعها إليه بالعلامة وقال أصحابنا في اللقط إذا ادعاه رجلان ووصف ~~أحدهما علامة في جسده إنه أولى من الآخر وقال أبو حنيفة ومحمد في متاع ~~البيت إذا اختلف فيه الرجل والمرأة إن ما يكون للرجال فهو للرجل وما كان ~~للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل فحكموا فيه بظاهر هيئة ~~المتاع وقالوا في المستأجر والمؤاجر إذا اختلفا في مصراع PageV04P385 باب ~~موضوع في الدار أنه إن كان وفقا لمصراع معلق في البناء فالقول قول رب الدار ~~وإن لم يكن وفقا له فالقول قول المستأجر وكذلك إن كان جذع مطروح في دار ~~وعليه نقوش وتصاوير موافقة لنقوش جذوع السقف ووفقا لها فالقول قول رب الدار ~~وإن كانت مخالفة لها فالقول قول المستأجر وهذه مسائل قد حكموا في بعضها ~~بالعلامة ولم ms1970 يحكموا بها في بعض ولا خلاف بين أصحابنا أن رجلين لو تنازعا ~~على قربة وهما متعلقان بها وأحدهما سقاء والآخر عطار أنه بينهما نصفين ولا ~~يقضى للسقاء بذلك على العطار فأما قولهم في اللقطة فإن الملتقط له يد صحيحة ~~والمدعي لها يريد إزالة يده وقال النبي صلى الله عليه وسلم البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه وكون الذي في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من ~~أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ببينة إذ ليست له يد والعلامة ليست ~~ببينة لأن رجلا لو ادعى مالا في يد رجل وأعطى علامته والذي في يده غير ~~ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة يستحق بها شيئا وأما قول أصحابنا في الرجلين ~~يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده فإنما جعلوه ~~أولى استحسانا من قبل أن مدعي اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت ~~النسب منه بقوله وتزول يد من هو في يده فلما تنازعه اثنان صار كأنه في ~~أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في ~~جسده فلما زالت يد من هو في يده صار بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق ~~الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا فيجوز حينئذ اعتبار العلامة ونظيره ~~الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر ~~أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا وكذلك المستأجر له يد في الدار والمؤاجر أيضا له ~~يد في جميع الدار فلما استويا في اليد في الجميع كان الذي تشهد له العلامة ~~الموافقة لصحة دعواه أولى وكان ذلك ترجيحا لحكم يده لا أنه يستحق به الحكم ~~له بالملك كما يستحق بالبينات فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما ~~اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع فصارت العلامة من ~~حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة وأما المدعيان إذا كان في أيديهما شيء ~~من المتاع وأحدهما ممن يعالج مثله وهو من آلته التي ms1971 يستعملها في صناعته ~~فإنه معلوم أن في يد كل واحد منهما النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر ~~منه شيء فلو حكمنا لأحدهما بظاهر صناعته أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا ~~عليه يدا هي له دونه فهما فيه بمنزلة PageV04P386 رجل إسكاف ادعى قالب خف ~~في يد صيرفي فلا يستحق يد الصيرفي لأجل أن ذلك من صناعته ومسألة اللقطة هي ~~هذه بعينها لأن المدعي لا يد له وإنما يريد استحقاق يد الملتقط بالعلامة ~~ومعلوم أنه لا يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه علامة فكذلك العلامة لا يجوز ~~أن يستحق بها يد الغير وأما ما روي في حديث زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها ثم عرفها ~~سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها ~~يستحقها بالعلامة لأنه يحتمل أن يكون إنما أمره بمعرفة العفاص والوعاء ~~والوكاء لئلا يختلط بماله وليعلم أنها لقطة وقد يكون يستدل به على صدق ~~المدعي فيسعه دفعها إليه وإن لم يلزم في الحكم وقد يكون لذكر العلامة ولما ~~يظهر من الحال تأثير في القلب يغلب في الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في ~~الحكم وقد استدل يعقوب عليه السلام على كذب أخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب ~~لخرق قميصه وقد روي عن شريح وأياس بن معاوية أشياء نحو هذا روى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال اختصم إلى شريح امرأتان في ولد هرة فقالت إحداهما هذه ~~ولد هرتي وقالت الأخرى هذه ولد هرتي فقال ألقوها مع هذه فإن درت وقرت ~~واسبطرت فهي لها وإن هرت وفرت وازبأرت فليس لها وروى حماد بن سلمة قال ~~أخبرني مخبر عن إياس بن معاوية أن امرأتين ادعتا كبة غزل فخلا بإحداهما ~~وقال علام كببت غزلك فقالت على جوزة وخلا بالأخرى فقالت على كسرة خبز ~~فنقضوا الغزل فدفعوه إلى التي أصابت وهذا الذي كان يفعله شريح وإياس من نحو ~~هذا لم يكن ms1972 على وجه إمضاء الحكم به وإلزام الخصم إياه وإنما كان على جهة ~~الإستدلال بما يغلب في الظن منه فيقرر بعد ذلك المبطل منهما وقد يستحي ~~الإنسان إذا ظهر مثل هذا من الإقامة على الدعوى فيقر بحكم عليه بالإقرار ~~قوله تعالى @QB@ قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا @QE@ قيل فيه إضمار عصير ~~العنب للخمر وذلك لأن الخمر المائعة لا يتأتى فيها العصر وقيل معناه أعصر ~~ما يؤول إلى الخمر فسماه باسم الخمر وإن لم يكن خمرا على وجه المجاز وجائز ~~أن يعصر من العنب خمرا بأن يطرح العنب في الخابية ويترك حتى ينش ويغلي ~~فيكون ما في العنب خمرا فيكون العصر للخمر على وجه الحقيقة وقال الضحاك في ~~لغة تسمى العنب خمرا قوله تعالى @QB@ نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ~~@QE@ قال قتادة كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد في عبادة PageV04P387 ~~ربه وقيل كان يعين المظلوم وينصر الضعيف ويعود المريض وقيل من المحسنين في ~~عبارة الرؤيا لأنه كان يعبر لغيرهما قوله تعالى قال @QB@ لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله @QE@ الآية قال ابن جريج عدل عن تأويل الرؤيا ~~إلى الإخبار بهذا لما رأى على أحدهما فيه من المكروه فلم يدعاه حتى أخبرهما ~~به وقيل إنما قدم هذا ليعلما ما خصه الله تعالى من النبوة وليقبلا إلى طاعة ~~الله وقد كان يوسف عليه السلام فيما بينهم قبل ذلك زمانا فلم يحك الله عنه ~~أنه ذكر لهم شيئا من الدعاء إلى الله وكانوا قوما يعبدون الأوثان وذلك لأنه ~~لم يطمع منهم في الإستماع والقبول فلما رآهم مقبلين إليه عارفين بإحسانه ~~أمل منهم القبول والإستماع فقال يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار الآية وهو من قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وترقب وقت الإستماع والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة وإنما ~~حكى الله ذلك لنا لنقتدي به فيه قوله تعالى @QB@ وقال للذي ظن أنه ناج ~~منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه @QE@ الظن ههنا بمعنى اليقين ~~لأنه ms1973 علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا وهو كقوله تعالى إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه ومعناه أيقنت وقوله فأنساه الشيطان هذه الهاء تعود على يوسف على ما ~~روي عن ابن عباس وقال الحسن وابن إسحاق على الساقي وفيه بيان أن لبثه في ~~السجن بضع سنين إنما كان لأنه سأل الذي نجا منهما أن يذكره عند الملك وكان ~~ذلك منه على جهة الغفلة فإن كان التأويل على ما قال ابن عباس إن الشيطان ~~أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه يعني ذكر الله تعالى وأن الأولى كان في تلك ~~الحال أن يذكر الله ولا يشتغل بمسئلة الناجي منهما أن يذكره عند صاحبه فصار ~~اشتغاله عن الله تعالى في ذلك الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين وإن كان ~~التأويل إن الشيطان أنسى الساقي فلأن يوسف ما سأل الساقي ذلك لم يكن من ~~الله توفيق للساقي وخلاه ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر ~~يوسف وأما البضع فقال ابن عباس هو من الثلاث إلى العشر وقال مجاهد وقتادة ~~إلى التسع وقال وهب لبث سبع سنين قوله تعالى @QB@ قالوا أضغاث أحلام وما ~~نحن بتأويل الأحلام بعالمين @QE@ فإنا قد علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم ~~تكن أضغاث أحلام لأن يوسف عليه السلام عبرها على سني الخصب والجدب وهو يبطل ~~قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر لأن القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم ~~PageV04P388 تقع كذلك ويدل على فساد الرواية بان الرؤيا على رجل طائر فإذا ~~عبرت وقعت قوله تعالى وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ~~ربك الآية يقال إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك ~~حتى رد الرسول إليه بأن يسئل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ~~ساحته فيكون أجل في صدره عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من ~~التوحيد وقبول ما يشير به عليه قوله تعالى ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ~~قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك هذا من قول ms1974 يوسف يقول إني إنما رددت ~~الرسول إليه في سؤال النسوة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب وإن كان ~~ابتداء الحكاية عن المرأة فإنه رد الكلام إلى الحكاية عن قول يوسف لظهور ~~الدلالة على المعنى وذلك نحو قوله وكذلك يفعلون وقبله حكاية عن المرأة ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وقوله فماذا تأمرون وقبله حكاية قول الملأ يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره قوله تعالى إن النفس لأمارة بالسوء يعني إن النفس ~~كثيرة النزاع إلى السوء فلا يبرئ نفسه وإن كان لا يطاوعها وقد اختلف الناس ~~في قائل هذا القول فقال قائلون هو من قول يوسف وقال آخرون هو من قول المرأة ~~الأمارة الكثيرة الأمر بالشيء والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع ~~إليه مما يقع الفعل من أجله وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازا ~~في أول استعماله ثم كثر حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة فيقال نفسي ~~تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له وإنما لم يصح أن يأمر الإنسان ~~نفسه في الحقيقة لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك مالا يملك ومحال أن ~~يملك الإنسان نفسه مالا يملكه لأن من ملك شيئا فإنما يملك ما هو مالكه قوله ~~تعالى وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين هذا الملك لما كان من أهل العقل والدراية لم يرعه من يوسف منظره ~~الرائع البهج كما راع النساء لقلة عقولهن وضعف أحلامهن وأنهن إنما نظرن إلى ~~ظاهر حسنه وجماله دون علمه وعقله وإن الملك لم يعبأ بذلك ولكنه لما كلمه ~~ووقف على كماله ببيانه وعلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فقال يوسف ~~اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم فوصف نفسه بالعلم والحفظ وفي هذا ~~دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وإنه ليس ~~من المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى @QB@ فلا تزكوا أنفسكم @QE@ قوله ~~تعالى ائتوني بأخ PageV04P389 لكم من أبيكم إلى قوله فإن لم تأتوني ms1975 به فلا ~~كيل لكم عندي يقال إن الذي اقتضى طلبه للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال ~~عن أخبارهم فلما ذكروا إيثار أبيهم له عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر أنه ~~يحب أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم السبب في ذلك وكان غرضه في ذلك التوصل ~~إلى حصوله عنده وكان قد خاف أن يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه يوسف وأن ~~يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين الاجتماع معه ومع أخيه فأجرى تدبيره على ~~تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد اضطرابهم معه قوله تعالى @QB@ يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة @QE@ قال ابن عباس والحسن ~~وقتادة والضحاك والسدي كانوا ذوي صورة وجمال فخاف عليهم العين وقال غيرهم ~~خاف عليهم حسد الناس لهم وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم فيقتلهم خوفا على ~~ملكه وما قالته الجماعة يدل على أن العين حق وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال العين حق قوله تعالى @QB@ جعل السقاية في رحل أخيه ثم ~~أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون @QE@ قيل أمر يوسف بعض أصحابه بأن يجعل ~~الصاع في رحل أخيه ثم قال قائل من الموكلين بالصيعان وقد فقدوه ولم يدروا ~~من أخذه أيتها العير إنكم لسارقون على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف ~~بذلك فلم يكن قول هذا القائل كذبا إذ كان مرجعه إلى غالب ظنه وما هو عنده ~~وفيما توصل يوسف عليه السلام به إلى أخذ أخيه دلالة على أنه جائز للإنسان ~~التوصل إلى أخذ حقه من غيره بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق ~~قوله تعالى @QB@ ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم @QE@ روي عن يحيى بن ~~يمان عن يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني وأنا به زعيم قال كفيل قال أبو بكر ~~ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك لأن قائل ذلك جعل حمل بعير ~~أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله أنا به زعيم يعني ضامن قال الشاعر % وإني ms1976 ~~زعيم إن رجعت مسلما % بسير يرى منه الفرانق أزورا % # | أي ضامن لذلك فهذا القائل لم يضمن عن إنسان شيئا وإنما ألزم نفسه ضمان ~~الأجرة لرد الصاع وهذا أصل في جواز قول القائل من حمل هذا المتاع إلى موضع ~~كذا فله درهم وأن هذه إجارة جائزة وإن لم يكن يشارط على ذلك رجلا بعينه ~~وكذلك قال محمد بن الحسن في السير الكبير إذا قال أمير الجيش من ساق هذه ~~الدواب إلى موضع كذا أو قال من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله كذا إن هذا ~~جائز ومن حمله استحق الأجر PageV04P390 وهذا معنى ما ذكر في هذه الآية وقد ~~ذكر هشام عن محمد أيضا فيمن كانت في يده دار لرجل يسكنها فقال إن أقمت فيها ~~بعد يومك هذا فأجره كل يوم عشرة دراهم عليك أن هذا جائز وإن أقام فيها بعد ~~هذا القول لزمه كل يوم ما سمى فجعل سكناه بعد ذلك رضا وكان ذلك إجارة وإن ~~لم يقاوله باللسان وفي الآية دلالة على ذلك لأنه قد أخبر أن من رد الصاع ~~استحق الأجر وإن لم يكن بينهما عقد إجارة بل فعله لذلك بمنزلة قبول الإجارة ~~وعلى هذا قالوا فيمن قال لآخر قد استأجرتك على حمل هذا المتاع إلى موضع كذا ~~بدرهم أنه إن حمله استحق الدرهم وإن لم يتكلم بقبولها فإن قيل إن هذا لم ~~يكن إجارة لأن الإجارة لا تصح على حمل بعير وإن كانت إجارة فهي منسوخة لأن ~~الإجارة لا تجوز في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بأجر معلوم قيل له ~~هو أجر معلوم لأن حمل بعير اسم لمقدار ما من الكيل والوزن كقولهم كارة ووقر ~~ووسق ونحو ذلك ولما لم ينكر يوسف عليه السلام ذلك دل على صحته وشرائع من ~~قبلنا من الأنبياء حكمها ثابت عندنا ما لم تنسخ قوله تعالى @QB@ قالوا ~~جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه @QE@ قال الحسن وأبو إسحاق ومعمر والسدي ~~كان من عادتهم أن يسترقوا السارق فكان تقديره جزاؤه أخذ ms1977 من وجد في رحله ~~رقيقا فهو جزاء عندنا كجزائه عندكم فلما وجد في رحل أخيه أخذه على ما شرط ~~أنه جزاء سرقته فقالوا خذ أحدنا مكانه عبدا روي ذلك عن الحسن وهذا يدل على ~~أنه قد كان يجوز في ذلك الوقت استرقاق الحر بالسرقة وكان يجوز للإنسان أن ~~يرق نفسه لغيره لأن إخوة يوسف عليه السلام بذلوا واحدا منهم ليكون عبدا بدل ~~أخي يوسف وقد روي عن عبد سرق أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه في دين عليه ~~وكان حرا فجائز أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا إلى أن نسخ على لسان نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وفيما قص الله علينا من قصة يوسف وحفظه للأطعمة في سني ~~الجدب وقسمته على الناس بقدر الحاجة دلالة على أن للأئمة في كل عصر أن ~~يفعلوا مثل ذلك إذا علموا هلاك الناس من القحط قوله تعالى ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا إنما أخبروا عن ظاهر ~~الحال لا عن باطنها إذ لم يكونوا عالمين بباطنها ولذلك قالوا وما كنا للغيب ~~حافظين فكان في الظاهر لما وجد الصاع في رحله أنه هو الآخذ له فقالوا @QB@ ~~وما شهدنا إلا بما علمنا @QE@ يعني من الأمر الظاهر لا من الحقيقة وهذا يدل ~~على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر PageV04P391 وإن لم يعلم حقيقة ~~وهو كقوله فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ومعلوم أنا لا نحيط ~~بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن وقد قيل في قوله وما كنا ~~للغيب حافظين معنيان أحدهما ما روي عن الحسن ومجاهد وقتادة ما كنا نشعر أن ~~ابنك سيسرق والآخر ما قدمنا وهو أنا لا ندري باطن الأمر في السرقة فإن قيل ~~لم جاز له استخراج الصاع من رحل أخيه على حال يوجب تهمته عند الناس مع ~~براءة ساحته وغم أبيه وإخوته به قيل له لأنه كان في ذلك ضروب من الصلاح وقد ~~كان ذلك عن مواطأة من ms1978 أخيه له على ذلك وتلطف في إعلام أبيه بسلامتهما ولم ~~يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع إمكان أن يكون غيره جعله في رحله ولأن الله ~~تعالى أمره بذلك تعريضا ليعقوب عليه السلام للبلوى بفقده أيضا ليصبر ~~فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب الجزيل بصبره على فقدهما وفيما حكى الله ~~تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله @QB@ فلما جهزهم بجهازهم @QE@ ~~إلى قوله @QB@ كذلك كدنا ليوسف @QE@ دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى ~~المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره ~~وقال في آخر القصة كذلك كدنا ليوسف ومن نحو ذلك قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث وكان حلف أن يضربها عددا فأمره الله تعالى بأخذ الضغث ~~وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها ومن نحوه النهي عن ~~التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض ومن جهة السنة ~~حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل ~~رجلا على خيبر فأتاه بتمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر ~~خيبر هكذا فقال لا والله إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال ~~فلا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا كذا روى ذلك مالك بن ~~أنس عن عبدالمجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة فحظر ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال في ~~التوصل إلى أخذ هذا التمر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهند خذي من ~~مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ~~ولدها وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره وروى ~~يونس ومعمر عن الزهري قال أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان بن حرب أن ائتونا ~~فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم فسمع ذلك نعيم بن مسعود وكان ~~موادعا للنبي ص = PageV04P392 وكان ms1979 عند عيينة حين أرسلت بذلك بنو قريظة إلى ~~الأحزاب أبي سفيان وأصحابه فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره خبرها وما أرسلت بنوا قريظة إلى الأحزاب فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلنا أمرنا بذلك فقام نعيم يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان نعيم رجلا لا يكتم ~~الحديث فلما ولى من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهبا إلى غطفان قال ~~عمر يا رسول الله ما هذا الذي قلت إن كان أمرا من أمر الله فامضه وإن كان ~~هذا رأيا رأيته من قبل نفسك فإن شأن بني قريظة أهون من أن تقول شيئا يؤثر ~~عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هذا رأي إن الحرب خدعة وروى أبو ~~عثمان النهدي عن عمر قال إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب وروى الحسن ~~بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال ما يسرني بمعاريض الكلام حمر ~~النعم وقال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه للملك حين سأله عن سارة فقال من ~~هي منك قال هي أختي لئلا يأخذها وإنما أراد أختي في الدين وقال للكفار إني ~~سقيم حين تخلف ليكسر آلهتهم وكان معناه إني سأسقم يعني أموت كما قال الله ~~تعالى إنك ميت فعارض بكلامه عما سألوه عنه إلى غيره على وجه لا يلحق فيه ~~الكذب فهذه وجوه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالاحتيال في التوصل ~~إلى المباح وقد كان لولا وجه الحيلة فيه محظورا وقد حرم الله الوطء بالزنا ~~وأمرنا بالتوصل إليه بعقد النكاح وحظر علينا أكل المال بالباطل وأباحه ~~بالشرى والهبة ونحوها فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما كان محظورا من الجهة ~~التي أباحته الشريعة فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت به الشريعة فإن قيل ~~حظر الله تعالى على اليهود صيد السمك يوم السبت فحبسوا السمك يوم السبت ~~وأخذوه يوم الأحد فعاقبهم الله عليه قيل له ms1980 قد أخبر الله تعالى أنهم اعتدوا ~~في السبت وهذا يوجب أن يكون حبسها في السبت قد كان محظورا عليهم ولو لم يكن ~~حبسهم لها في السبت محرما لما قال اعتدوا في السبت قوله تعالى يا أيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر إلى قوله وتصدق علينا لما ترك يوسف عليه السلام ~~النكير عليهم في قوله مسنا وأهلنا الضر دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند ~~الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى وقوله فأوف لنا الكيل ~~فدل على أن أجرة الكيال على ا لبائع لأن عليه تعيين المبيع للمشتري ولا ~~يتعين إلا بالكيل وقد قالوا له فأوف لنا الكيل فدل على أن الكيل قد كان ~~عليه فإن قيل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام PageV04P393 حتى ~~يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري وهذا يدل على أن الكيل على ~~المشتري لأن مراده الصاع الذي اكتال به البائع من بائعه وصاع المشتري هو ما ~~اكتاله المشتري الثاني من البائع قيل له قوله صاع البائع لا دلالة فيه على ~~أن البائع هو الذي اكتال وجائز أن يريد به الصاع الذي كال البائع به بائعه ~~وصاع المشتري الذي كاله له بائعه فلا دلالة فيه على الاكتيال على المشتري ~~وإذا صح ذلك فيما وصفنا من الكيل فواجب أن يكون أجرة الوزان على المشتري ~~لأن عليه تعيين الثمن للبائع ولا يتعين إلا بوزنه فعليه أجرة الوزان وأما ~~أجرة الناقد فإن محمد بن سماعة روى عن محمد أنه قبل أن يستوفيه البائع فهو ~~على المشتري لأن عليه تسليم الثمن إليه صحيحا وإن كان قد قبضه البائع فأجرة ~~الناقد على البائع لأنه قد قبضه وملكه فعليه أن يبين أن شيئا منه معيب يجب ~~رده قوله تعالى وتصدق علينا قال سعيد بن جبير إنما سألوا التفضل بالنقصان ~~في السعر ولم يسئلوا الصدقة وقال سفيان بن عيينة سألوا الصدقة وهم أنبياء ~~وكانت حلالا وإنما حرمت على النبي صلى الله عليه وسلم وكره مجاهد أن يقول ms1981 ~~في دعائه اللهم تصدق علي لأن الصدقة إنما هي ممن يبتغي الثواب قوله تعالى ~~@QB@ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون @QE@ فيه إخبار ~~إنهم كانوا جاهلين عند وقوع الفعل منهم وإنهم لم يكونوا جاهلين في هذا ~~الوقت فمن الناس من يستدل بذلك على أنهم فعلوا ذلك قبل البلوغ لأنهم لو ~~فعلوه بعد البلوغ مع أنهم لم تظهر منهم توبة لكانوا جاهلين في الحال وإنما ~~أراد جهالة الصبا لا جهالة المعاصي وقول يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم يدل على أنهم فعلوه بعد البلوغ وأن ذلك كان ذنبا منهم يجب عليهم ~~الاستغفار منه وظاهر الكلام يدل على أنهم تابوا بقولهم لقد آثرك الله علينا ~~وإن كنا لخاطئين ويدل عليه قولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين ولا يقول مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن يجري عليه القلم ~~وقوله يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنما جاز لهم مسألة الاستغفار مع حصول ~~التوبة لأجل المظلمة المعلقة بعفو المظلوم وسؤال ربه أنلا يؤاخذه بما عامله ~~ويجوز أن يكون إنما سأله أن يبلغه بدعائه منزلة من لم يكن في جناية قوله ~~تعالى سوف أستغفر لكم ربي روي عن ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن جريج ~~وعمرو بن قيس أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء ~~وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم = PageV04P394 أنه أخر ذلك ~~إلى ليلة الجمعة وقيل إنما سألوه أن يستغفر لهم دائما في دعائه قوله تعالى ~~وخروا له سجدا يقال إن التحية للملوك كانت السجود وقيل إنهم سجدوا لله شكرا ~~له على ما أنعم به عليهم من الإجتماع مع يوسف على الحال السارة وأرادوا ~~بذلك التعظيم ليوسف فأضاف السجود إلى يوسف مجازا كما يقال صلى للقبلة وصلى ~~إلى غير القبلة يعني إلى تلك الجهة وقول يوسف هذا تأويل رؤياي من قبل يعني ~~سجود الشمس والقمر والكواكب فكان السجود في الرؤيا هو السجود في اليقظة ~~وكان الشمس ms1982 والقمر والكواكب أبويه وإخوته ويقال في قوله @QB@ ورفع أبويه ~~على العرش @QE@ أن أمه كانت ماتت وتزوج خالته روي ذلك عن السدي وقال الحسن ~~وابن إسحاق كانت أمه باقية وروي عن سليمان وعبيدالله بن شداد كانت المدة ~~بين الرؤيا وبين تأويلها أربعين سنة وعن الحسن كانت ثمانين سنة وقال ابن ~~إسحاق ثماني عشرة سنة فإن قيل إذا كانت رؤيا الأنبياء صادقة فهلا تسلى ~~يعقوب بعلمه بوقوع تأويل رؤيا يوسف قيل له لأنه رآها وهو صبي وقيل لأن طول ~~الغيبة عن الحبيب يوجب الحزن كما يوجبه مع الثقة بالإلتقاء في الآخرة قوله ~~تعالى @QB@ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ~~@QE@ يعني وكم من آية فيهما لا يفكرون فيها ولا يستدلون بها على توحيد الله ~~وفيه حث على الإستدلال على الله تعالى بآياته ودلائله والفكر فيما يقتضيه ~~من تدبير مدبرها العالم بها القادر عليها وأنه لا يشبهها وذلك في تدبير ~~الشمس والقمر والنجوم والرياح والأشجار والنبات والنتاج والحيوان وغير ذلك ~~مما هو ظاهر للحواس ومدرك بالعيان قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وما يؤمن أكثرهم بالله في ~~إقرارهم بأن الله خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن وقال ~~الحسن هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان وقيل ما يصدقون بعبادة الله إلا وهم ~~يشركون الأوثان في العبادة وقد دلت الآية على أن مع اليهودي إيمانا بموسى ~~وكفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنها قد دلت على أن الكفر والإيمان لا ~~يتنافيان من وجهين مختلفين فيكون فيه كفر من وجه وإيمان من وجه إلا أنه لا ~~يحصل اجتماعهما على جهة إطلاق اسم المؤمن واستحقاق ثواب الإيمان لأن ذلك ~~ينافيه الكفر وكذلك قوله @QB@ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض @QE@ قد ~~أثبت لهم الإيمان ببعض PageV04P395 الكتاب والكفر ببعض آخر فثبت بذلك جواز ~~أن يكون معه كفر من وجه وإيمان من وجه آخر وغير جائز أن يجتمع له صفة مؤمن ~~وكافر لأن صفة مؤمن ms1983 على الإطلاق صفة مدح وصفة كافر صفة ذم ويتنافى استحقاق ~~الصفتين معا على الإطلاق في حال واحدة قوله تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ فيه بيان أنه مبعوث بدعاء الناس ~~إلى الله عز وجل على بصيرة من أمره كأنه يبصره بعينه وأن من اتبعه فذلك ~~سبيله في الدعاء إلى الله عز وجل وفيه الدلالة على أن على المسلمين دعاء ~~الناس إلى الله تعالى كما كان على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قوله تعالى ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى @QE@ قيل من ~~أهل الأمصار دون البوادي لأن أهل الأمصار أعلم وأحكم وأحرى بقبول الناس ~~منهم وقال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من الجن ولا من ~~النساء قوله تعالى حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ~~اليأس انقطاع الطمع وقوله كذبوا قرئ بالتخفيف وبالتثقيل فإذا قرئ بالتخفيف ~~كان معناه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك ~~قالوا ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى لهم ~~وإهلاك أعدائهم وروي عن حماد بن زيد عن سعيد بن الحبحاب قال حدثني إبراهيم ~~بن أبي حرة الجزري قال صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا فيهم سعيد بن جبير ~~وأرسلت إلى الضحاك بن مزاحم فأبى أن يجيء فأتيته فلم أدعه حتى جاء قال فسأل ~~فتى من قريش سعيد ابن جبير فقال له يا أبا عبدالله كيف تقرأ هذا الحرف فإني ~~إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة @QB@ حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا @QE@ قال نعم حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن ~~يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا مخففة فقال الضحاك ما رأيت كاليوم ~~قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ لو رحلت في هذا إلى اليمن كان قليلا وفي رواية ~~أخرى أن مسلم بن يسار سأل سعيدا عنه فأجابه بذلك فقام إليه ms1984 مسلم فاعتنقه ~~وقال فرج الله عنك كما فرجت عني ومن قرأ كذبوا بالتشديد كان معناه أيقنوا ~~أن الأمم قد كذبوهم فكذبنا عمهم حتى لا يفلح أحد منهم روي ذلك عن عائشة ~~والحسن وقتادة آخر سورة يوسف PageV04P396 # ومن سورة الرعد $ بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وفي الأرض قطع متجاورات قال ابن عباس ومجاهد والضحاك الأرض ~~السبخة والأرض العذبة ونخيل صنوان قال ابن عباس والبراء بن عازب ومجاهد ~~وقتادة النخلات أصلها واحد قوله تعالى يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض ~~في الأكل فيه أوضح دلالة على بطلان مذهب أصحاب الطبائع لأنه لو كان حدوث ما ~~يحدث من الثمار بطبع الأرض والهواء والماء لوجب أن يتفق ما يحدث من ذلك ~~لاتفاق ما يوجب حدوثه إذ كانت الطبيعة الواحدة توجب عندهم اتفاق ما يحدث ~~منها ولا يجوز أن توجب فعلين مختلفين متضادين فلو كان حدوث هذه الأشياء ~~المختلفة الألوان والطعوم والأراييح والأشكال من إيجاب الطبيعة لاستحال ~~اختلافها وتضادها مع اتفاق الموجب لها فثبت أن المحدث لها قادر مختار حكيم ~~قد أحدثها على اختلافها على علم منه بها وهو الله تعالى قوله تعالى إنما ~~أنت منذر ولكل قوم هاد روي عن ابن عباس وسعيد ومجاهد والضحاك الهادي هو ~~الله تعالى وروي عن مجاهد أيضا وقتادة الهادي نبي كل أمة وعن ابن عباس أيضا ~~الهادي الداعي إلى الحق وعن الحسن وقتادة وأبي الضحى وعكرمة الهادي محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصحيح لأن تقديره إنما أنت منذر وهاد لكل قوم ~~والمنذر هو الهادي والهادي أيضا هو المنذر قوله تعالى @QB@ وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد @QE@ قال ابن عباس والضحاك وما تنقص من الأشهر التسعة ~~وما تزداد فإن الولد يولد لستة أشهر فيعيش ويولد لسنتين فيعيش وقال الحسن ~~وما تنقص بالسقط وما تزداد بالتمام وقال الفراء الغيض النقصان ألا تراهم ~~يقولون غاضت المياه إذا نقصت وقال عكرمة إذا غاضت وقال ما غاضت الرحم بالدم ~~يوما إلا زاد في الحمل وقال مجاهد الغيض ما رأت الحامل ms1985 من الدم في حملها ~~وهو نقصان من الولد والزيادة ما زاد على تسعة أشهر وهو تمام النقصان وهو ~~الزيادة وزعم إسماعيل بن إسحاق أن التفسير إن كان على ما روي عن مجاهد ~~وعكرمة فهو حجة منه في أن الحامل تحيض قال لأن كل دم يخرج من الرحم فليس ~~يخلو من أن يكون حيضا أو نفاسا وأما دم الإستحاضة فهو من عرق وهذا الذي ~~ذكره ليس بشيء لأن الدم الخارج من الرحم قد يكون حيضا ونفاسا وقد يكون ~~غيرهما وقوله صلى الله عليه وسلم في PageV04P397 دم الإستحاضة أنه دم عرق ~~غير مانع أن يكون بعض ما يخرج من الرحم من الدم قد يكون دم الإستحاضة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم قال إنما هو دم عرق انقطع أو داء عرض فأخبر أن دم ~~الإستحاضة قد يكون من داء عرض وإن لم يكن من عرق وأيضا فما الذي يحيل أن ~~يكون دم العرق خارجا من الرحم بأن ينقطع العرق فيسيل الدم إليها ثم يخرج ~~فلا يكون حيضا ولا نفاسا ثم قال فلا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن ~~الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب ونسي أن قضيته توجب أن لا يقال أنها ~~تحيض إلا بخبر عن الله وعن الرسول لأنه حكاية عن غيب على حسب موضوعه ~~وقاعدته بل قد يسوغ لمن نفى الحيض عن الحامل ما لا يسوغ لمن أثبته لأنا قد ~~علمنا أنها كانت غير حائض فإذا رأت الدم واختلفوا أنه حيض أو غير حيض وفي ~~إثبات الحيض إثبات أحكام فغير جائز إثباته حيضا إلا بتوقيف وواجب أن تكون ~~باقية على ما كانت عليه من عدم الحيض حتى يثبت الحيض بتوقيف أو اتفاق إذ ~~كان في إثبات الدم حيضا إثبات حكم لا سبيل إلى علمه إلا من طريق التوقيف ~~وأيضا فإن قولنا حيض هو حكم الدم خارجا من الرحم وقد يوجد الدم خارجا من ~~الرحم على هيئة واحدة فيحكم لما رأته في أيامها بحكم الحيض ولما رأته في ms1986 ~~غير أيامها بحكم ا لإستحاضة وكذلك النفاس فإذا كان الحيض ليس بأكثر من ~~إثبات أحكام الدم يوجد في أوقات ولم يكن الحيض عبارة عن الدم فحسب دون ما ~~يتعلق به من الحكم وإثبات الحكم بخروج دم لا يعلم إلا من طريق التوقيف فلم ~~يجز أن يجعل هذا الحكم ثابتا لدم الحامل إذ لم يرد به توقيف ولا حصل عليه ~~اتفاق ثم قال إسماعيل عطفا على قوله لا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن ~~الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب ولا يلزم ذلك من قال أنها تحيض لأن ~~الله تعالى قد قال @QB@ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض @QE@ فلما قيل للنساء لزم في ذلك العموم لأن الدم إذا خرج من فرجها ~~فالحيض أولى به حتى يعلم غيره قال أبو بكر قوله ويسئلونك عن المحيض ليس فيه ~~بيان صفة الحيض بمعنى يتميز به عن غيره وقوله تعالى قل هو أذى إنما هو ~~إخبار عما يتعلق بالمحيض من ترك الصلاة والصوم واجتناب الرجل جماعها وإخبار ~~عن نجاسة دم الحيض ولزوم اجتنابه ولا دلالة فيه على وجوده في حال الحمل ~~وعدمه وقوله لما قيل النساء لزم في ذلك العموم لا معنى له لأنه قال @QB@ ~~فاعتزلوا النساء في المحيض @QE@ PageV04P398 وقوله في المحيض ليس فيه بيان ~~أن الحيض ما هو ومتى ثبت المحيض وجب الإعتزال وإنما اختلفا في أن الدم ~~الخارج في وقت الحمل هل هو حيض أم لا وقول الخصم لا يكون حجة لنفسه وقوله ~~إن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به دعوى مجردة من البرهان ولخصمه أن ~~يقول إن الدم إذا خرج من فرجها فغير الحيض أولى به حتى يقوم الدليل على أنه ~~حيض لوجودنا دما خارجا من الرحم غير حيض فلم يحصل من جميع هذا الكلام إلا ~~دعاوى مبنية بعضها على بعض وجميعها مفتقر إلى دليل يعضدها وقد روى مطر ~~الوراق عن عطاء عن عائشة أنها قالت في الحامل ترى الدم إنها لا ms1987 تدع الصلاة ~~وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال لا يختلف فيه عندنا عن عائشة أنها ~~كانت تقول في الحامل ترى الدم أنها تمسك عن الصلاة حتى تطهر وهذا يحتمل أن ~~تريد به الحامل التي في بطنها ولدان فولدت أحدهما أن النفاس من الأول وأنها ~~تدع الصلاة حتى تطهر على ما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك حتى يصحح ~~الخبرين جميعا عنها وعند أصحابنا أن الحامل لا تحيض وإن ما رأته من دم فهو ~~استحاضة وعند مالك والشافعي تحيض فالحجة لقولنا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سبايا أرطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة ~~والإستبراء هو معرفة براءة الرحم فلما جعل الشارع وجود الحيض علما لبراءة ~~الرحم لم يجز وجوده مع الحبل لأنه لو جاز وجوده معه لم يكن وجود الحيض علما ~~لبراءة الرحم ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في طلاق السنة ~~فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فلو كانت الحامل تحيض ~~لفصل بين جماعها وطلاقها بحيضة كغير الحامل وفي إباحته صلى الله عليه وسلم ~~إيقاف الطلاق على الحامل بعد الجماع من غير فصل بينه وبين الطلاق بحيضة ~~دلالة على أنها لا تحيض آخر سورة الرعد # | ومن سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال ~~غدوة وعشية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال هي النخلة تطعم في كل ستة ~~أشهر وكذلك روي عن مجاهد وعامر وعكرمة وروى الليث بن سعد وسليمان بن أبي ~~كثير عن علي قال أرى الحين سنة وكذلك روي عن الحكم وحماد من قولهما وكذلك ~~روي PageV04P399 عن عكرمة في رواية من قوله وقال سعيد بن المسيب الحين ~~شهران من حين تصرم النخل إلى أن تطلع وروي عنه أن النخلة لا تكون فيها ~~أكلها إلا شهرين وروي عنه أن الحين ستة أشهر وروى القاسم ms1988 بن عبدالله عن أبي ~~حازم عن ابن عباس أنه سئل عن الحين فقال تؤتي أكلها كل حين ستة أشهر ~~ليسجننه حتى حين ثلاث عشرة سنة لتعلمن نبأه بعد حين يوم القيامة وروى هشام ~~بن حسان عن عكرمة أن رجلا قال إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر فأتى عمر ~~بن عبدالعزيز فسأله فسألني عنها فقلت إن من الحين حين لا يدرك قوله وإن ~~أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى ~~حملها فكأنه أعجبه وروى عبدالرزاق عن معمر عن الحسن تؤتي أكلها كل حين قال ~~ما بين ستة الأشهر أو السبعة قال أبو بكر الحين اسم يقع على وقت مبهم وجائز ~~أن يراد به وقت مقدر قال الله تعالى @QB@ فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون @QE@ ثم قال وحين تظهرون فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظهر ووقت ~~المغرب على اختلاف فيه لأنه قد أريد به فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات ~~فصار حين في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصلوات ويشبه أن يكون ابن عباس في ~~الرواية التي رويت عنه في الحين أنه غدوة وعشية ذهب إلى معنى قوله تعالى ~~حين تمسون وحين تصبحون ويطلق ويراد به أقصر الأوقات كقوله تعالى @QB@ وسوف ~~يعلمون حين يرون @QE@ العذاب هذا على وقت الرؤية وهو وقت قصير غير ممتد ~~ويطلق ويراد به أربعون سنة لأنه روي في تأويل قوله تعالى @QB@ هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر @QE@ أنه أراد أربعين سنة والسنة والستة الأشهر ~~والثلاث عشرة سنة والشهران على ما ذكرنا من تأويل السلف للآية كله محتمل ~~فلما كان ذلك كذلك ثبت أن الحين اسم يقع على وقت مبهم وعلى أقصر الأوقات ~~وعلى مدد معلومة بحسب قصد المتكلم ثم قال أصحابنا فيمن حلف أن لا يكلم ~~فلانا حينا أنه على ستة أشهر وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به أقصر الأوقات ~~إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة ومعلوم أنه لم يرد ms1989 به ~~أربعين سنة لأن من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على التأبيد من غير توقيت ~~ثم كان قوله تعالى @QB@ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها @QE@ لما اختلف السلف ~~فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر لأن من حين الصرام إلى وقت ~~أوان الطلع ستة أشهر وهو أولى من اعتبار PageV04P400 السنة لأن وقت الثمرة ~~لا يمتد سنة بل ينقطع حتى لا يكون فيه شيء وإذا اعتبرنا ستة أشهر كان ~~موافقا لظاهر اللفظ في أنها تطعم ستة أشهر وتنقطع ستة أشهر وأما الشهران ~~فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما لأنه معلوم أن من وقت الصرام إلى وقت خروج ~~الطلع أكثر من شهرين فإن اعتبر بقاء الثمرة شهرين فإنا قد علمنا أن من وقت ~~خروج الطلع إلى وقت الصرام أكثر من شهرين أيضا فلما بطل اعتبار السنة ~~واعتبار الشهرين بما وصفنا ثبت أن اعتبار الستة الأشهر أولى آخر سورة ~~إبراهيم عليه السلام ( تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة ~~النحل ) PageV04P401 بسم الله الرحمن الرحيم # | سورة النحل # قال الله تعالى @QB@ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع @QE@ روي عن ابن ~~عباس قال الدفء اللباس وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أوبارها وأصوافها ~~وأشعارها قال أبو بكر وذلك يقتضي جواز الانتفاع بأصوافها وأوبارها في سائر ~~الأحوال من حياة أو موت قوله تعالى @QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~@QE@ روى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن نافع عن علقمة أن ابن عباس ~~كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير وكان يقول في والأنعام خلقها لكم إن ~~هذه للأكل وهذه للركوب @QB@ والخيل والبغال والحمير لتركبوها @QE@ وروى أبو ~~حنيفة عن الهيثم عن عكرمة عن ابن عباس أنه كره لحوم الخيل وتأول @QB@ ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة @QE@ قال أبو بكر فهذا دليل ظاهر ~~على حظر لحومها وذلك لأن الله تعالى ذكر الأنعام وعظم منافعها فذكر منها ~~الأكل بقوله تعالى @QB@ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~@QE@ ثم ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر منافعها الركوب والزينة ms1990 فلو كان ~~الأكل من منافعها وهو من أعظم المنافع لذكره كما ذكر من منافع الأنعام وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أخبار متضادة في الإباحة والحظر فروى ~~عكرمة بن عمارة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال لما كان يوم ~~خيبر أصاب الناس مجاعة فذبحوها فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم ~~الحمر الأنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير وحرم الخلسة والنهبة وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر ~~بن عبدالله قال أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن ~~لحوم الحمر ولم يسمع عمرو بن دينار هذا الحديث من جابر وذلك لأن ابن جريج ~~رواه عن عمرو بن دينار عن رجل عن جابر وجابر لم يشهد خيبر لأن محمد بن ~~إسحاق روى عن سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر ولم يشهد جابر خيبر ~~وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر وأذن لهم في لحوم ~~الخيل فوردت أخبار جابر في ذلك متعارضة فجائز حينئذ أن يقال فيها وجهان ~~أحدهما أنه إذا ورد PageV05P002 خبران أحدهما حاظر والآخر مبيح فالحظر أولى ~~فجائز أن يكون الشارع أباحه في وقت ثم حظره وذلك لأن الأصل كان الإباحة ~~والحظر طاريء عليها لا محالة ولا نعلم إباحة بعد الحظر فحكم الحظر ثابت لا ~~محالة إذ لم تثبت إباحة بعد الحظر وقد روي عن جماعة من السلف هذا المعنى ~~وذلك لأن ابن وهب روى عن الليث بن سعد قال خسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة ~~سنة ثلاث عشر ومائة وبها يومئذ رجال من أهل العلم كثير منهم ابن شهاب وأبو ~~بكر بن حزم وقتادة وعمرو بن شعيب قال فقمنا قياما بعد العصر ندعو الله فقلت ~~لأيوب بن موسى القرشي ما لهم لا يصلون وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال النهي قد جاء في الصلاة بعد العصر ms1991 أن لا تصلى فلذلك لا يصلون وأن النهي ~~يقطع الأمر فهذا أحد الوجهين في حديث جابر والوجه الآخر إن يتعارض خبرا ~~جابر فيسقطا كأنهما لم يردا وقد روى إسرائيل بن يونس عن عبدالكريم الجزري ~~عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال كنا نأكل لحوم الخيل قال عطاء فقلت له ~~فالبغال قال أما البغال فلا وروى هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن ~~أسماء ابنة أبي بكر قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأكلناه وهذا لا حجة فيه للمخالف لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم به وأقرهم عليه ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم ~~عليه كان محمولا على أنه كان قبل الحظر وقد روى بقية بن الوليد عن ثور بن ~~يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل وقال الزهري ما علمنا الخيل ~~أكلت إلا في حصار وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا بأس بلحوم الخيل وروي ~~نحوه عن الأسود بن زيد والحسن البصري وشريح وأبو حنيفة لا يطلق فيه التحريم ~~وليس هو عنده كلحم الحمار الأهلي وإنم يكرهه لتعارض الأخبار الحاظرة ~~والمبيحة فيه ويحتج له من طريق النظر أنه ذو حافر أهلي فأشبه الحمار والبغل ~~ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن لحم البغل لا يؤكل وهو من الفرس فلو كانت ~~أمه حلالا لكان حكمه حكم أمه لأن حكم الولد حكم الأم إذ هو كبعضها ألا ترى ~~أن حمارة أهلية لو ولدت من حمار وحشي لم يؤكل ولدها ولو ولدت حمارة وحشية ~~من حمار أهلي أكل ولدها فكان الولد تابعا لأمه دون أبيه فلما كان لحم البغل ~~غير مأكول وإن كانت أمه فرسا دل ذلك على أن الخيل غير مأكولة قوله تعالى ~~@QB@ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها @QE@ يحتج به أبو يوسف PageV05P003 ومحمد ~~فيمن حلف لا يلبس حليا ms1992 فلبس لؤلؤا أنه يحنث لتسمية الله إياه حليا وأبو ~~حنيفة يقول لا يحنث لأن الأيمان محمولة على التعارف وليس في العرف تسمية ~~اللؤلؤ وحده حليا ألا ترى أن بائعه لا يسمى بائع حلي وأما الآية فإن فيها ~~أيضا @QB@ لتأكلوا منه لحما طريا @QE@ ولا خلاف بينهم أنه لو حلف لا يأكل ~~لحما فأكل سمكا أنه لا يحنث مع تسمية الله تعالى إياه لحما طريا # | باب السكر # قال الله تعالى @QB@ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا @QE@ اختلف السلف في تأويل السكر فروي عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما ~~قالا السكر ما حرم منه والرزق الحسن ما أحل منه وروي عن إبراهيم والشعبي ~~وأبي رزين قالوا السكر خمر وروى جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبدالله قال ~~السكر خمر وروى ابن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال السكر خمر إلا ~~أنه من التمر وقال هؤلاء إنه منسوخ بتحريم الخمر وحدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالرحمن عن سفيان عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان عن ابن عباس قال هو ~~ما حرم من ثمرتيهما وما أحل من ثمرتيهما قال أبو بكر هذا نحو قول الأولين ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس تتخذون ~~منه سكرا قال السكر النبيذ والرزق الحسن الزبيب قال أبو بكر لما تأوله ~~السلف على الخمر وعلى النبيذ وعلى الحرام منه ثبت أن الاسم يقع على الجميع ~~وقولهم إنه منسوخ بتحريم الخمر يدل على أن الآية اقتضت إباحة السكر وهو ~~الخمر والنبيذ والذي ثبت نسخه من ذلك إنما هو الخمر ولم يثبت تحريم النبيذ ~~فوجب تحليله بظاهر الآية إذ لم يثبت نسخه ومن ادعى أنه منسوخ بتحريم الخمر ~~لم يصح له ذلك إلا بدلالة إذ كان اسم الخمر لا يتناول ms1993 النبيذ وروى سعيد عن ~~قتادة قال السكر خمور الأعاجم والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون ~~أنزلت هذه الآية ولم تحرم الخمر وإنما جاء تحريمها في سورة المائدة وقد روى ~~أبو يوسف قال حدثنا أيوب بن جابر الحنفي عن أشعث بن سليمان عن أبيه عن معاذ ~~بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أمره أن ~~ينهاهم عن السكر قال PageV05P004 أبو بكر وهذا السكر المحرم عندنا هو نقيع ~~التمر قوله تعالى @QB@ نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين @QE@ فيه الدلالة على طهارة اللبن المحلوب من الشاة الميتة ~~من وجهين أحدهما عموم اللفظ في إباحة اللبن من غير فرق بين ما يؤخذ منه حيا ~~أو ميتا والثاني إخباره تعالى أنه خارج من بين فرث ودم وحكمه بطهارته مع ~~ذلك إذ كان ذلك موضع الخلقة فثبت أن اللبن لا ينجس بنجاسة موضع الخلقة وهو ~~ضرع الميتة كما لم ينجس بمجاورته للفرث والدم قوله تعالى @QB@ يخرج من ~~بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس @QE@ فيه بيان طهارة العسل ومعلوم ~~أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه وحكم الله تعالى مع ذلك بطهارته ~~فأخبر عما فيه من الشفاء للناس فدل ذلك على أن مالا دم له لا يفسد ما يموت ~~فيه قوله تعالى @QB@ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا ~~برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم @QE@ روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة إنهم ~~لا يشركون عبيدهم في أموالهم حتى يكونوا فيه سواء وهم لا يرضون بذلك ~~لأنفسهم وهم يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني وقيل معناه إنهم سواء في أني ~~رزقت الجميع وأنه لا يمكن أحد أن يرزق عبده إلا برزقي إياه قال أبو بكر قد ~~تضمنت الآية انتفاء المساواة بين المولى وبين عبده في الملك وفي ذلك دليل ~~على أن العبد لا يملك من وجهين أحدهما أنه لو جاز أن يملك العبد ما يملكه ~~المولى إياه لجاز أن يملكه ماله فيملكه ms1994 حتى يكون مساويا له ويكون ملك ~~العبيد مثل ملك المولى بل كان يجوز أن يكون العبد أفضل في باب الملك وأكثر ~~ملكا وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك وإن ملكه المولى إياه لأن الآية قد ~~اقتضت نفي المساواة له في الملك وأيضا لما جعله مثلا للمشركين في عباداتهم ~~الأوثان وكان معلوما أن الأوثان لا تملك شيئا دل على أن العبد لا يملك ~~فنفيه الشركة بينه وبين الحر كما نفى الشركة بين الله وبين الأوثان قوله ~~تعالى @QB@ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة @QE@ روي عن ابن عباس أن الحفدة ~~الخدم والأعوان وقال الحسن من أعانك فقد حفدك وقال مجاهد وقتادة وطاوس ~~الحفدة الخدم وروي عن عبدالله وأبي الضحى وإبراهيم وسعيد بن جبير قالوا ~~الحفدة الأختان ويقال إن أصل الحفد الإسراع في العمل ومنه وإليك نسعى ونحفد ~~والحفدة جمع حافد كقولك كامل وكملة قال أبو بكر لما تأوله السلف على هذين ~~المعنيين من الخدم والأعوان ومن الأختان وجب أن يكون عليهما وفيه ~~PageV05P005 دلالة على أن الأب يستحق على ابنه الخدمة والمعونة لقوله تعالى ~~@QB@ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة @QE@ ولذلك قال أصحابنا إن الأب إذا ~~استأجر ابنه لخدمته أن لا يستحق الأجر إن خدمه لأنها مستحقة عليه بغير ~~الإجارة قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء @QE@ ~~روي عن ابن عباس وقتادة أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده والمؤمن الذي ~~يكتسب الخير وقال الحسن ومجاهد هو مثل ضرب لعبادتهم الأوثان التي لا تملك ~~شيئا والعدول عن عبادة الله الذي يملك كل شيء قال أبو بكر قد حوت هذه الآية ~~ضروبا من الدلالة على أن العبد لا يملك أحدها قوله @QB@ عبدا مملوكا @QE@ ~~نكرة فهو شائع في جنس العبيد كقول القائل لا تكلم عبدا وأعط هذا عبدا أن ~~ذلك ينتظم كل من يسمى بهذا الاسم وكذلك قوله @QB@ يتيما ذا مقربة أو مسكينا ~~ذا متربة @QE@ فكل من لحقه هذا الاسم قد انتظمه الحكم إذ كان لفظا منكورا ~~كذلك ms1995 قوله @QB@ عبدا مملوكا @QE@ قد انتظم سائر العبيد ثم قال @QB@ لا يقدر ~~على شيء @QE@ لا يخلو من أن يكون المراد نفي القدرة أو نفي الملك أو نفيهما ~~ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة إذ كان العبد والحر لا يختلفان في القدرة ~~من حيث اختلفا في الرق والحرية لأن العبد قد يكون أقدر من الحر فعلمنا أنه ~~لم يرد به نفي القدرة فثبت أنه أراد نفي الملك فدل على أن العبد لا يملك ~~ووجه آخر وهو أنه تعالى جعله مثلا للأصنام فشبهها بالعبيد المملوكين في نفي ~~الملك ومعلوم أن الأصنام لا تملك شيئا فوجب أن يكون من ضرب المثل به لا ~~يملك شيئا وإلا زالت فائدة ضرب المثل به وكان يكون حينئذ ضرب المثل بالعبد ~~الحر سواء وأيضا لو أراد عبدا بعينه لا يملك شيئا وجاز أن يكون من العبيد ~~من يملك لقال ضرب الله مثلا رجلا لا يقدر على شيء فلما خص العبد بذلك دل ~~على أن وجه تخصيصه أنه ليس ممن يملك فإن قيل روى إبراهيم عن عكرمة عن يعلى ~~بن منبه عن ابن عباس في هذه الآية انها نزلت في رجل من قريش وعبده ثم أسلما ~~فنزلت الأخرى في رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء إلى قوله @QB@ صراط ~~مستقيم @QE@ قال كان مولى لعثمان وكان عثمان يكفله وينفق عليه الذي ينفق ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم والآخر أبكم وهذا يوجب أن يكون في عبد بعينه ~~وقد يجوز أن يكون في العبيد من لا يملك شيئا كما يكون في الأحرار من لا ~~يملك قيل له هذه الرواية ضعيفة عن ابن عباس وظاهر اللفظ ينفيها لأنه لو ~~أراد عبدا بعينه لعرفه بالألف واللام ولم يذكره بلفظ PageV05P006 منكور ~~وأيضا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ألا ترى إلى ~~قوله @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال @QE@ ثم قال @QB@ ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا لا يقدر على ms1996 شيء @QE@ فأخبر أن مثل ما يعبدون مثل العبيد ~~المماليك الذين لا يملكون شيئا ولا يستطيعون أن يملكوا تأكيدا لنفي أملاكهم ~~ولو كان المراد عبدا بعينه وكان ذلك العبد ممن يجوز أن يملك ما كان بينه ~~وبين الحر فرق وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوا فثبت أن المعنى فيه نفي ملك ~~العبيد رأسا فإن قيل فقد قال @QB@ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه @QE@ ولم يدل على أن الأبكم لا يملك شيئا ~~قيل له إنما أراد به عبدا أبكم ألا ترى إلى قوله @QB@ وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير @QE@ فذكر المولى وتوجيهه يدل على أن المراد العبد ~~كأنه ذكر أولا عبدا غير أبكم وجعله مثلا للصنم في نفي الملك ثم زاده نقصا ~~بقوله @QB@ أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ~~@QE@ فدل على أنه أراد عبدا أبكم مبالغة في وصف الأصنام بالنقص وقلة الخير ~~وإنه مملوك متصرف فيه فإن قيل أراد بقوله @QB@ وهو كل على مولاه @QE@ ابن ~~عمه لأن ابن العم يسمى مولى قيل له هذا خطأ لأن ابن العم لا تلزمه نفقة ابن ~~عمه ولا أن يكون كلا عليه وليس له توجيهه في أموره فلما ذكر الله تعالى ~~هذين المعنيين للأبكم علمنا أنه لم يرد به الحر الذي له ابن عم وأنه أراد ~~عبدا مملوكا أبكم وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ههنا لأن الأب والأخ ~~والعم أقرب إليه من ابن العم وأولى به فحمله على ابن العم يزيل فائدته ~~وأيضا فإن المولى إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى النعمة ولا يصرف إلى ~~ابن العم إلا بدلالة فإن قيل لا يجوز أن يكون المراد الأصنام لأنه قال عبدا ~~مملوكا ولا يقال ذلك للصنم قيل له قد أغفلت موضع الدلالة لأنه إنما ذكر ~~عبدا مملوكا لنا وجعله مثلا للأصنام التي كانوا يعبدونها وأخبر أنه بمنزلة ~~مماليكنا الذين لا يملكون شيئا فكما أن الصنم لا ms1997 يملك بحال كذلك العبد وعلى ~~أن الله تعالى قد سمى الأصنام عبادا بقوله @QB@ إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم @QE@ وقد اختلف الفقهاء في ملك العبد فقال أصحابنا والشافعي ~~العبد لا يملك ولا يتسرى وقال مالك يملك ويتسرى وقد روى أبو حنيفة قال ~~حدثنا إسماعيل بن أمية المكي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابن عمر قال ~~لا يحل PageV05P007 فرج المملوك إلا لمن باع أووهب أو تصدق أو أعتق جاز ~~يعني بذلك الملوك وكذلك روى يحيى بن سعيد عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر ~~وروي عن إبراهيم وابن سيرين والحكم أن العبد لا يتسرى وروي عن ابن عباس أن ~~العبد يتسرى وروى يعمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى بعض رقيقه يتخذ ~~السرية فلا ينكر عليه وقال الحسن والشعبي يتسرى العبد بإذن سيده وروى أبو ~~يوسف عن العلاء بن كثير عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العبد لا ~~يتسرى وهذا يدل على أنه لا يملك لأنه لو ملك لجاز التسري بقوله @QB@ والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ ويدل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه ~~المبتاع وذلك لأنه لما أن جعله للبائع أو للمشتري أخرج العبد منه صفرا بلا ~~شيء ويدل عليه أن المولى أخذ ما في يده وهو أولى به منه لأجل ملكه لرقبته ~~فلو كان العبد ممن يملك لما كان له أخذ ما في يده لأن ما بان به العبد عن ~~مولاه فلا سبل للمولى عليه فيه ألا ترى أن العبد لما ملك طلق امرأته ووطء ~~زوجته فهي أمة للمولى لم يملكه المولى وكذلك سائر ما يملكه العبد من نفسه ~~لم يملكه المولى منه فلو ملك العبد المال لما كان للمولى أخذه منه لأجل ~~ملكه له كما لم يملك طلاق امرأته لأجل ملكه فإن قيل جواز أخذ المولى ماله ~~لا يدل على أنه غير مالك لأن ms1998 للغريم أن يأخذ ما في يد المدين بدينه ولم يدل ~~على أن المدين غير مالك قيل له لأنه يأخذه لا لأنه مالك للمدين بل لأجل ~~دينه الذي عليه والمولى يستحقه لأجل ملكه لرقبته فلو كان العبد مالكا لم ~~يستحق المولى لأجل ملكه لرقبته كما لم يملك طلاق امرأته لأجل ملكه لرقبته ~~وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك ودليل آخر وهو أنه لا خلاف أن من كاتب ~~عبده على مال فأداه أنه يعتق ويكون الولاء للمولى وأنه معتق على ملك مولاه ~~فلو كان ممن يملك لملك رقبته بالمال الذي أداه ولا ينتقل إليه كما ينتقل ~~إلى غيره لو أمره بأن يعتقه عنه على مال ولو ملك رقبته لعتق على نفسه لكان ~~لا يكون الولاء للمولى بل كان يكون ولاؤه لنفسه فلما لم يصح انتقال ملك ~~رقبته إليه بالمال وعتق على ملك المولى دل ذلك على أنه لا يملك لأنه لو كان ~~ممن يملك لكان يملك رقبته أولى إذ كانت رقبته مما يجوز فيه التمليك فإن قيل ~~قوله صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع يدل على أن ~~العبد يملك لإضافته المال إليه قيل له قد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم ~~المال للبائع في حال البيع ومعلوم أنه PageV05P008 لا يجوز أن يكون ملكا ~~للمولى وملكا للعبد لاستحالة أن يملك وإلا لكان لكل واحد جميع المال ففي ~~هذا الخبر بعينه إثبات ما أضاف إلى العبد ملكا للبائع فثبت أن إضافته إلى ~~العبد على وجه اليد كما تقول هذه دار فلان وهو ساكن فيها وليس بمالك وكقوله ~~صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك ولم يرد إثبات ملك الأب فإن قيل قد روى ~~عبيدالله بن أبي جعفر عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق عبدا فماله له إلا أن يشترط السيد ~~ماله فيكون له وهذا يدل على أن العبد يملك لأنه لو لم يملكه ms1999 قبل العتق لم ~~يملكه بعده قيل له لا دلالة في هذا على أن العبد يملك لأنه جائز أن يكون ~~جريان العادة بأن ما على العبد من الثياب ونحو ذلك لا يؤخذ منه عند العتق ~~جعله كالمنطوق به وجعل ترك المولى لأخذه منه دلالة على أنه قد رضي منه ~~بتمليكه إياه بعد العتق وأيضا فقد روي عن جماعة من أهل النقل تضعيفه وقد ~~قيل أن عبيدالله بن أبي جعفر غلط في رفع هذا الحديث وفي متنه وإن أصله ما ~~رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله فهذا هو ~~أصل الحديث فأخطأ عبيدالله في رفعه وفي لفظه وقد روي خلاف ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو ما رواه أبو مسلم الكجي قال حدثنا محمد بن عبدالله ~~الأنصاري قال حدثنا عبدالأعلى بن أبي المساور عن عمران بن عمير عن أبيه قال ~~وكان مملوكا لعبدالله بن مسعود قال له عبدالله يا عمير بين لي مالك فإني ~~أريد أن أعتقك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أعتق عبدا ~~فماله للذي أعتق وكذلك رواه يونس بن إسحاق عن ابن عمير عن ابن مسعود مرفوعا ~~وقد بلغنا أن المسعودي رواه موقوفا على ابن مسعود وذلك لا يفسده عندنا فإن ~~احتج محتج بقوله تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله @QE@ وذلك عائد على جميع ~~المذكورين من الأيامى والعبيد والإماء فأثبت للعبد الغنى والفقر فدل على ~~أنه يملك إذ لو لم يملك لكان أبدا فقيرا قيل له لا يخلو قوله @QB@ إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله @QE@ من أن يكون المراد به الغنى بالوطء ~~الحلال عن الحرام أو الغنى بالمال فلما وجدنا كثيرا من المتزوجين لا ~~يستغنون بالمال ومعلوم أن مخبر أخبار الله لا محالة كائن على ما أخبر به ~~علمنا أنه لم يرد به الغني بالمال وإنما أراد الغني بالوطء الحلال عن ~~الحرام وأيضا فإنه إن ms2000 أراد الغني بالمال فإنه مقصور على الأيامى والأحرار ~~المذكورين في الآية دون العبيد PageV05P009 الذين لا يملكون بما ذكرنا من ~~الدليل وأيضا فإن العبد لا يستغني بالمال عند مخالفنا لأن المولى أولى ~~بجميع ماله منه فأي غنى في مال يحصل له وغيره أولى به منه فالغنى في هذا ~~الموضع إنما يحصل للمولى دون العبد والدليل على أن العبد لا يكون غنيا ~~بالمال قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم وعند مخالفنا إنه لا يؤخذ من العبد فلو كان غنيا لوجب في ~~ماله الزكاة إذ هو مسلم غني من أهل التكليف فإن قيل لما كان العبد يملك ~~الطلاق وجب أن يملك المال كالحر قيل له إنما ملك العبد الطلاق لأن المولى ~~لا يملكه منه فلو ملك العبد المال وجب أن لا يملك المولى منه وأن لا يجوز ~~له أخذه منه لأن كل ما يملكه المولى من عبده فإن العبد لا يملكه منه ألا ~~ترى أن العبد المحجور عليه لو أقر بدين لم يلزمه في الرق ولو أقر المولى ~~عليه به لزمه وكذلك للمولى أن يزوج عبده وليس للعبد أن يزوج نفسه لما كان ~~ذلك معنى يملكه المولى منه ولو أقر المولى عليه بقصاص أو حد لم يلزمه لأن ~~العبد يملك ذلك من نفسه وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك إذ لو ملكه لما ~~جاز للمولى أن يتصرف عليه في ماله كما لا يتصرف عليه في الطلاق حين كان ~~العبد يملكه قوله تعالى @QB@ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا ~~إلى حين @QE@ فيه الدلالة على جواز الانتفاع بما يؤخذ منها من ذلك بعد ~~الموت إذ لم يفرق بين أخذها بعد الموت وقبله قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ يعني به والله أعلم تبيان كل شيء من أمور الدين ~~بالنص والدلالة فما من حادثة جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكم قد بينه في ~~الكتاب نصا أو دليلا فما بينه النبي صلى الله ms2001 عليه وسلم فإنما صدر عن ~~الكتاب بقوله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله @QE@ وقوله ~~@QB@ من يطع الرسول فقد أطاع الله @QE@ فما بينه الرسول فهو عن الله عز وجل ~~وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا بطاعته واتباع أمره وما حصل عليه ~~الإجماع فمصدره أيضا عن الكتاب لأن الكتاب قد دل على صحة حجة الإجماع وإنهم ~~لا يجتمعون على ضلال وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الإستدلال ~~من الإستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب لأنه قد دل على ~~ذلك أجمع فما من حكم من أحكام الدين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ~~ذكرنا وهذه الآية دالة على صحة القول بالقياس وذلك لأنا إذا لم نجد للحادثة ~~حكما PageV05P010 منصوصا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع وقد أخبر ~~الله تعالى أن في الكتاب تبيان كل شيء من أمور الدين ثبت أن طريقة النظر ~~والإستدلال بالقياس على حكمه إذ لم يبق هناك وجه يوصل إلى حكمها من غير هذه ~~الجهة ومن قال بنص خفي أو بالإستدلال فإنما خالف في العبارة وهو موافق في ~~المعنى ولا ينفك من استعمال اجتهاد الرأي والنظر القياس من حيث لا يشعر ~~قوله تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ أما العدل فهو الإنصاف وهو واجب في نظر العقول ~~قبل ورود السمع وإنما ورد السمع بتأكيد وجوبه والإحسان في هذا الموضع ~~التفضل وهو ندب والأول فرض وإيتاء ذي القربى فيه الأمر بصلة الرحم وقوله ~~تعالى @QB@ يأمر بالعدل @QE@ قد انتظم العدل في الفعل والقول قال الله ~~تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا @QE@ فأمر بالعدل في القول وهذه الآية تنتظم ~~الأمرين وأما قوله تعالى @QB@ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ فإنه ~~قد انتظم سائر القبائح والأفعال والأقوال والضمائر المنهي عنها والفحشاء قد ~~تكون بما يفعله الإنسان في نفسه مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه وقد ~~تكون ms2002 مما يظهر من الفواحش وقد تكون لسوء العقيدة والنحل لأن العرب تسمي ~~البخيل فاحشا والمنكر ما يظهر للناس مما يجب إنكاره ويكون أيضا في ~~الإعتقادات والضمائر وهو ما تستنكره العقول وتأباه والبغي ما يتطاول به من ~~الظلم لغيره فكل واحد من هذه الأمور الثلاثة له في نفسه معان خاصة تنفصل ~~بها من غيره # | في الوفاء بالعهد # قال الله تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها @QE@ قال أبو بكر العهد ينصرف على وجوه فمنها الأمر قال الله تعالى ~~@QB@ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل @QE@ وقال @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~@QE@ والمراد الأمر وقد يكون العهد يمينا ودلالة الآية على أن المراد في ~~هذا الموضع اليمين ظاهرة لأنه قال @QB@ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~@QE@ ولذلك قال أصحابنا أن من قال علي عهد الله إن فعلت كذا إنه حالف وقد ~~روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن لا ~~يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم وروي عن عطاء ~~والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد إذا قال علي عهد الله إن ~~فعلت PageV05P011 كذا فهو يمين قوله تعالى @QB@ ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها من بعد قوة أنكاثا @QE@ شبه الله تعالى من عقد على نفسه شيئا لله ~~تعالى فيه قربة ثم فسخه ولم يتمه بالمرأة التي تغزل شعرا أو ما أشبهه ثم ~~نقضت ذلك بعد أن فتلته فتلا شديدا وهو معنى قوله @QB@ من بعد قوة @QE@ لأن ~~العرب تسمي شدة الفتل قوة فمن عقد على نفسه عقدا أو أوجب قربة أو دخل فيها ~~أن لا يتمها فيكون بمنزلة التي نقضت غزلها بعد قوة وهذا يوجب إن كل من دخل ~~في صلاة تطوع أو صوم نفل أو غير ذلك من القرب أن لا يجوز له الخروج منه قبل ~~إتمامه فيكون بمنزلة من نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا # | باب ms2003 الإستعاذة # قال الله تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~@QE@ روى عمرو بن مرة عن عبادة بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ~~قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال اللهم أعوذ بك من ~~الشيطان من همزه ونفخه ونفثه وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وروي عن عمرو بن عمر الإستعاذة قبل ~~القراءة في الصلاة وروى ابن جريج عن عطاء قال الإستعاذة واجبة لكل قراءة في ~~الصلاة وغيرها وقال محمد بن سيرين إذا تعوذت مرة أو قرأت مرة بسم الله ~~الرحمن الرحيم أجزأ عنك وكذلك روي عن إبراهيم النخعي وكان يستعيذ في الصلاة ~~حين يستفتح قبل أن يقرأ أم القرآن وروي عن ابن سيرين رواية أخرى قال كلما ~~قرأت فاتحة الكتاب حين تقول آمين فاستعذ وقال أصحابنا والثوري والأوزاعي ~~والشافعي يتعوذ قبل القراءة وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة ~~ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ قال أبو بكر قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله يقتضي ظاهره أن تكون الإستعاذة بعد القراءة كقوله فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله قياما وقعودا ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~السلف الذين ذكرناهم الاستعاذة قبل القراءة وقد جرت العادة بإطلاق مثله ~~والمراد إذا أردت ذلك كقوله تعالى @QB@ وإذا قلتم فاعدلوا @QE@ وقوله @QB@ ~~وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب @QE@ وليس المراد أن تسألها من ~~وراء حجاب بعد سؤال متقدم وكقوله تعالى @QB@ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة @QE@ وكذلك قوله @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله @QE@ ~~معناه إذا قرأت فقدم الإستعاذة قبل PageV05P012 القراءة وحقيقة معناه إذا ~~أردت القراءة فاستعذ وكقول القائل إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني ~~قبل الإحرام والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك كذلك قوله @QB@ فإذا قرأت ~~القرآن @QE@ معناه إذا أردت القراءة وقول من قال الإستعاذة بعد الفراغ من ~~القراءة شاذ وإنما الإستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس ms2004 الشيطان عند القراءة ~~قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي @QE@ فإنما أمر الله بتقديم ~~الإستعاذة قبل القراءة لهذه العلة والإستعاذة ليست بفرض لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة ولو كانت فرضا لم يخله من ~~تعليمها قوله تعالى @QB@ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان @QE@ روى معمر عن عبدالكريم عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ~~ياسر إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال أخذ المشركون عمارا وجماعة معه ~~فعذبوهم حتى قاربوهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال كيف كان قلبك قال مطمئن بالإيمان قال فإن عادوا فعد قال أبو ~~بكر هذا اصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه والإكراه المبيح لذلك ~~هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره به فأبيح له ~~في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ويعارض بها غيره إذا خطر ذلك بباله فإن لم ~~يفعل ذلك مع خطوره بباله كان كافرا قال محمد بن الحسن إذا أكرهه الكفار على ~~أن يشتم محمدا صلى الله عليه وسلم فخطر بباله أن يشتم محمدا آخر غيره فلم ~~يفعل وقد شتم النبي صلى الله عليه وسلم كان كافرا وكذلك لو قيل له لتسجدن ~~لهذا الصليب فخطر بباله أن يجعل السجود لله فلم يفعل وسجد للصليب كان كافرا ~~فإن أعجلوه عن الروية ولم يخطر بباله شيء وقال ما أكره عليه أو فعل لم يكن ~~كافرا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان قال أبو بكر وذلك لأنه إذا خطر بباله ~~ما ذكرنا فقد أمكنه أن يفعل الشتيمة لغير النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم ~~يكن مكرها على الضمير وإنما كان مكرها على القول وقد أمكنه صرف الضمير إلى ~~غيره فمتى لم يفعله فقد اختار إظهار الكفر من غير إكراه ms2005 فلزمه حكم الكفر ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لعمار إن عادوا فعد إنما هو على وجه الإباحة لا ~~على وجهة الإيجاب ولا على الندب وقال أصحابنا الأفضل أن لا يعطى التقية ولا ~~يظهر الكفر حتى يقتل وإن كان غير ذلك مباحا له وذلك لأن خبيب بن عدي لما ~~أراد أهل مكة أن يقتلوه لم يعطهم التقية حتى قتل فكان عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعند المسلمين أفضل من عمار في PageV05P013 إعطائه التقية ولأن ~~في ترك إعطاء التقية إعزازا للدين وغيظا للمشركين فهو بمنزلة من قاتل العدو ~~حتى قتل فحظ الإكراه في هذا الموضع إسقاط المأثم عن قائل هذا القول حتى ~~يكون بمنزلة من لم يقل وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فجعل المكره كالناسي والمخطئ في ~~إسقاط المأثم عنه فلو أن رجلا نسي أو أخطأ فسبق لسانه بكلمة الكفر لم يكن ~~عليه فيها مأثم ولا تعلق بها حكم وقد اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ~~ونكاحه وأيمانه فقال أصحابنا ذلك كله لازم وقال مالك والشافعي لا يلزمه شيء ~~من ذلك والذي يدل على لزوم حكم هذه الأشياء ظاهر قوله تعالى @QB@ فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ ولم يفرق بين طلاق المكره ~~والطائع وقال تعالى @QB@ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها @QE@ ولم يفرق بين عهد المكره وغيره وقال @QB@ ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل طلاق جائز إلا ~~طلاق المعتوه ويدل عليه أيضا ما روى يونس بن بكير عن الوليد بن جميع الزهري ~~عن أبي الطفيل عن حذيفة قال أقبلت أنا وأبي ونحن نريد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد توجه إلى بدر فأخذنا كفار قريش فقال إنكم لتريدون محمدا ~~فقلنا لا نريده إنما نريد المدينة قال فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفن ~~إلى المدينة ولا تقاتلون معه فأعطيناهم عهد الله فمررنا برسول الله ms2006 صلى ~~الله عليه وسلم وهو يريد بدرا فأخبرناه بما كان منا وقلنا ما تأمر يا رسول ~~الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم ~~فانصرفنا إلى المدينة فذلك منعنا من الحضور معهم فأثبت النبي صلى الله عليه ~~وسلم إحلاف المشركين إياهم على وجه الإكراه وجعلها كيمين الطوع فإذا ثبت ~~ذلك في اليمين فالطلاق والعتاق والنكاح مثلها لأن أحدا لم يفرق بينهما ويدل ~~عليه حديث عبدالرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح ~~والطلاق والرجعة فلما سوى النبي صلى الله عليه وسلم فيهن بين الجاد والهازل ~~ولأن الفرق بين الجد والهزل أن الجاد قاصد إلى اللفظ وإلى إيقاع حكمه ~~والهازل قاصد إلى اللفظ غير مريد لإيقاع حكمه علمنا أنه لا حظ للإرادة في ~~نفي الطلاق وأنهما جميعا من حيث كانا قاصدين للقول أن يثبت حكمه عليهما ~~وكذلك المكره قاصد للقول غير مريد لإيقاع حكمه فهو كالهازل سواء فإن قيل ~~لما كان المكره على الكفر لا تبين منه امرأته واختلف حكم الطوع والإكراه ~~فيه وكان الكفر يوجب PageV05P014 الفرقة كالطلاق وجب أن يختلف حكم طلاق ~~المكره والطائع قيل له ليس لفظ الكفر من ألفاظ الفرقة لا كناية ولا تصريحا ~~وإنما تقع به الفرقة إذا حصل والمكره على الكفر لا يكون كافرا فلما لم يصر ~~كافرا بإظهاره كلمة الكفر على وجه الإكراه لم تقع الفرقة وأما الطلاق فهو ~~من ألفاظ الفرقة والبينونة وقد وجد إيقاعه في لفظ مكلف فوجب أن لا يختلف ~~حكمه في حال الإكراه والطوع فإن قال قائل تساوى حال الجد والهزل في الطلاق ~~لا يوجب تساوي حال الإكراه والطوع فيه لأن الكفر يستوي حكم جده وهزله ولم ~~يستو حال الإكراه والطوع فيه قيل له نحن لم نقل إن كل ما يستوي جده وهزله ~~يستوي حال الإكراه والطوع فيه وإنما قلنا إنه لما سوى النبي صلى الله ms2007 عليه ~~وسلم بين الجاد والهازل في الطلاق علمنا أنه لا اعتبار فيه بالقصد للإيقاع ~~بعد وجود القصد منه إلى القول فاستدللنا بذلك على أنه لا اعتبار فيه للقصد ~~للإيقاع بعد وجود لفظ الإيقاع من مكلف وأما الكفر فإنما يتعلق حكمه بالقصد ~~لا بالقول ألا ترى أن من قصد إلى الجد بالكفر أو الهزل إنه يكفر بذلك قبل ~~أن يلفظ به وأن القاصد إلى إيقاع الطلاق لا يقع طلاقه إلا باللفظ ويبين لك ~~الفرق بينهما أن الناسي إذا تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ولا يصير كافرا بلفظ ~~الكفر على وجه النسيان وكذلك من غلط بسبق لسانه بالكفر لم يكفر ولو سبق ~~لسانه بالطلاق طلقت امرأته فهذا يبين الفرق بين الأمرين وقد روي عن علي ~~وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة قالوا طلاق ~~المكره جائز وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة ~~وطاوس وجابر بن زيد قالوا طلاق المكره لا يجوز وروى سفيان عن حصين عن ~~الشعبي قال إذا أكرهه السلطان على الطلاق فهو جائز وإن أكرهه غيره لم يجز ~~وقال أصحابنا فيمن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل ~~الميتة لم يسعه أن لا يأكل ولا يشرب وإن لم يفعل حتى قتل كان آثما لأن الله ~~تعالى قد أباح ذلك في حال الضرورة عند الخوف على النفس فقال @QB@ إلا ما ~~اضطررتم إليه @QE@ ومن لم يأكل الميتة عند الضرورة حتى مات جوعا كان آثما ~~بمنزلة تارك أكل الخبز حتى يموت وليس ذلك بمنزلة الإكراه على الكفر في أن ~~تارك إعطاء التقية فيه أفضل لأن أكل الميتة وشرب الخمر تحريمه من طريق ~~السمع فمتى أباحه السمع فقد زال الحظر وعاد إلى حكم سائر المباحات وإظهار ~~الكفر محظور PageV05P015 من طريق العقل لا يجوز استباحته للضرورات وإنما ~~يجوز له إظهار اللفظ على معنى المعاريض والتورية باللفظ إلى غير معنى الكفر ~~من غير اعتقاد لمعنى ما أكره عليه فيصير اللفظ بمنزلة لفظ الناسي والذي ~~يسبقه لسانه بالكفر ms2008 فكان ترك إظهاره أولى وأفضل وإن كان موسعا عليه إظهاره ~~عند الخوف وقالوا فيمن أكره على قتل رجل أو على الزنا بامرأة لا يسعه ~~الإقدام عليه لأن ذلك من حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق فلا يجوز ~~إحياء نفسه بقتل غيره بغير استحقاق وكذلك الزنا بالمرأة فيه انتهاك حرمتها ~~بمعنى لا تبيحه الضرورة وإلحاقها بالشين والعار وليس كذلك عندهم الإكراه ~~على القذف فيجوز له أن يفعل من قبل أن القذف الواقع على وجه الإكراه لا ~~يؤثر في المقذوف ولا يلحقه به شيء فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ~~ذكرنا منها ما هو واجب فيه إعطاء التقية وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل ~~الميتة ونحو ذلك مما طريق حظره السمع ومنها مالا يجوز فيه إعطاء التقية وهو ~~الإكراه على قتل من لا يستحق القتل ونحو الزنا ونحو ذلك مما فيه مظلمة ~~لآدمي ولا يمكن استدراكه ومنها ما هو جائز له فعل ما أكره عليه والأفضل ~~تركه كالإكراه على الكفر وشبهه قوله تعالى @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين @QE@ روي عن الشعبي وقتادة وعطاء بن ~~يسار أن المشركين لما مثلوا بقتلى أحد قال المسلمون لئن أظهرنا الله عليهم ~~لنمثلن بهم أعظم مما مثلوا فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال مجاهد وابن ~~سيرين هو في كل من ظلم بغضب أو نحوه فإنما يجازى بمثل ما عمل قال أبو بكر ~~نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا اعتبار عمومها في جميع ما انتظمه الاسم ~~فوجب استعمالها في جميع ما انطوى تحتها بمقتضى ذلك أن من قتل رجلا قتل به ~~ومن جرح جراحة جرح به جراحة مثلها وإن قطع يد رجل ثم قتله أن للولي قطع يده ~~ثم قتله واقتضى أيضا أن من قتل رجلا برضخ رأسه بالحجر أو نصبه غرضا فرماه ~~حتى قتله أنه يقتل بالسيف إذ لا يمكن المعاقبة بمثل ما فعله لأنا لا نحيط ~~علما بمقدار الضرب وعدده ومقدار ألمه وقد يمكننا المعاقبة بمثله في باب ms2009 ~~إتلاف نفسه قتلا بالسيف فوجب استعمال حكم الآية فيه من هذا الوجه دون الوجه ~~الأول وقد دلت أيضا على أن من استهلك لرجل مالا فعليه مثله وإذا غصبه ساجة ~~فأدخلها في بنائه أو غصبه حنطة فطحنها أن عليه المثل فيهما جميعا لأن المثل ~~في الحنطة بمقدار كيلها من جنسها وفي الساجة PageV05P016 قيمتها لدلالة قد ~~دلت عليه وقد دلت على أن العفو عن القاتل والجاني أفضل من استيفاء القصاص ~~بقوله تعالى @QB@ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين @QE@ آخر سورة النحل # | سورة بني إسرائيل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام @QE@ روي ~~عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من بيتها تلك الليلة فقال ~~تعالى @QB@ من المسجد الحرام @QE@ لأن الحرم كله مسجد وقد تقدم ذكر ذلك ~~فيما سلف وقال الحسن وقتادة معناه كان في نفسه فأسري به قوله عز وجل @QB@ ~~وإن أسأتم فلها @QE@ قيل معناه فإليها كما يقال أحسن إلى نفسه وأساء إلى ~~نفسه وحروف الإضافة يقع بعضها موضع بعض إذا تقاربت وقال تعالى @QB@ بأن ربك ~~أوحى لها @QE@ والمعنى أوحى إليها قوله تعالى @QB@ فمحونا آية الليل @QE@ ~~يعني جعلناها لا يبصر بها كما لا يبصر بما يمحى من الكتاب وهو في نهاية ~~البلاغة وقال ابن عباس محونا آية الليل السواد الذي في القمر قوله تعالى ~~@QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه @QE@ قيل إنما أراد به عمله من خير ~~أو شر على عادة العرب في الطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به والطائر ~~الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به فجعل الطائر اسما للخير والشر جميعا ~~فاقتصر على ذكره دون ذكر كل واحد منهما على حياله لدلالته على المعنيين ~~وأخبر أنه في عنقه كالطوق الذي يحيط به ويلازمه مبالغة في الوعظ والتحذير ~~واستدعاء إلى الصلاح وزجرا عن الفساد قوله @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ قيل فيه وجهان أحدهما إنه لا يعذب فيما كان طريقه السمع دون ~~العقل إلا بقيام حجة السمع ms2010 فيه من جهة الرسول وهذا يدل على أن من أسلم من ~~أهل الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها من الشرائع السمعية إنه لا ~~يلزمه قضاء شيء منها إذا علم لأنه لم يكن لازما له إلا بعد قيام حجة السمع ~~عليه وبذلك وردت السنة في قصة أهل قباء حين أتاهم آت أن القبلة قد حولت وهم ~~في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا لفقد قيام الحجة عليهم بنسخ ~~القبلة وكذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة ~~عليه إنه لا قضاء عليه فيما ترك قالوا ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم ~~بفرض الصلاة عليه فعليه القضاء PageV05P017 استحسانا والقياس أن يكون مثل ~~الأول لعدم قيام حجة السمع عليه وحجة الاستحسان إنه قد رأى الناس يصلون في ~~المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها فكان ذلك بمنزلة قيام الحجة عليه ~~ومخاطبة المسلمين إياه بلزوم فرضها فلا يسقطها عنه تضييعه إياه والوجه ~~الثاني إنه لا يعذب عذاب الإستئصال إلا بعد قيام حجة السمع بالرسول وإن ~~مخالفة موجبات أحكام العقول قبل ورود السمع من جهة الرسول لا توجب في حكم ~~الله عذاب الإستئصال قوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها @QE@ قال سعيد أمروا بالطاعة فعصوا وعن عبدالله قال كنا نقول للحي ~~إذا كثروا في الجاهلية قد أمر بنو فلان وعن الحسن وابن سيرين وأبي العالية ~~وعكرمة ومجاهد @QB@ أمرنا @QE@ أكثرنا ومعناه على هذا إنا إذا كان في ~~معلومنا منا إهلاك قرية أكثرنا مترفيها وليس المعنى وجود الإرادة منه ~~لإهلاكهم قبل المعصية لأن الإهلاك عقوبة والله تعالى لا يجوز أن يعاقب من ~~لم يعص وهو كقوله تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ ليس المعنى وجود ~~الإرادة منه وإنما هو أنه في المعلوم إنه سينقض وخص المترفين بالذكر لأنهم ~~الرؤساء ومن عداهم تبع لهم وكما أمر فرعون وقومه تبع له وكما كتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى قيصر أسلم وإلا فعليك إثم الأريسين وكتب إلى كسرى فإن ~~لم تسلم فعليك إثم الأكارين ms2011 قوله تعالى @QB@ من القرون @QE@ روي عن عبدالله ~~بن أبي أوفى إن القرن مائة وعشرون سنة وقال محمد بن القاسم المازني مائة ~~سنة وقيل القرن أربعون سنة قوله تعالى @QB@ من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد @QE@ العاجلة الدنيا كقوله @QB@ كلا بل تحبون ~~العاجلة وتذرون الآخرة @QE@ أخبر الله تعالى أن من كان همه مقصورا على طلب ~~الدنيا دون الآخرة عجل له منها ما يريد فعلق ما يؤتيه منها بمعنيين أحدهما ~~قوله @QB@ عجلنا له فيها ما نشاء @QE@ فلذلك استثنى في المعطى وذلك يتضمن ~~مقداره وجنسه وإدامته أو قطعه ثم أدخل عليه استثناء آخر فقال @QB@ لمن نريد ~~@QE@ فلذلك استثنى في المعطين وإنه لا يعطي الجميع ممن يسعى للدنيا بل يعطي ~~من شاء منهم ويحرم من شاء فأدخل على إرادة العاجلة في إعطاء المريد منها ~~استثنائين لئلا يثق الطالبون للدنيا بأنهم لا محالة سينالون بسعيهم ما ~~يريدون ثم قال تعالى @QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا @QE@ فلم يستثن شيئا بعد وقوع السعي منهم على الوجه ~~المأمور به وشرط في السعي للآخرة أن يكون مؤمنا ومريدا لثوابها قال محمد ~~PageV05P018 ابن عجلان من لم يكن فيه ثلاث خلال لم يدخل الجنة نية صحيحة ~~وإيمان صادق وعمل مصيب قال فقلت عمن هذا فقال عن كتاب الله قال الله تعالى ~~@QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن @QE@ فعلق الآخرة في استحقاق ~~الثواب له بأوصاف ولم يستثن في المقصود شيئا ولم يخصص إرادة العاجلة بوصف ~~بل أطلقها واستثنى في العطية والمعطى ما قدمنا قوله تعالى @QB@ كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك @QE@ قد تقدم ذكر مريد العاجلة والساعي للآخرة ~~وحكم ما يناله كل واحد منهما بقصده وإرادته ثم أخبر أن نعمه جل وعلا مبسوطة ~~على البر والفاجر في الدنيا وإنها خاصة للمتقين في الآخرة ألا ترى أن سائر ~~نعم الله تعالى من الشمس والقمر والسماء والأرض بما فيها من المنافع ~~والهواء والماء والنبات والحيوانات المأكولة والأغذية والأدوية وصحة الجسم ms2012 ~~والعافية إلا مالا يحصى من النعم شاملة للبر والفاجر والله الموفق # | باب بر الوالدين # قال الله تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~@QE@ وقضى ربك معناه أمر ربك وأمر بالوالدين إحسانا وقيل معناه وأوصى ~~بالوالدين إحسانا والمعنى واحد لأن الوصية أمر وقد أوصى الله تعالى ببر ~~الوالدين والإحسان إليهما في غير موضع من كتابه وقال @QB@ ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا @QE@ وقال @QB@ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~@QE@ فأمر بمصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع النهي عن طاعتهما في ~~الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن من الكبائر عقوق الوالدين قوله تعالى @QB@ إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما @QE@ قيل فيه إن بلغت حال الكبر وهو حال التكليف وقد بقي ~~معك أبواك أو أحدهما فلا تقل لهما أف وذكر ليث عن مجاهد قال لا تقل لهما ~~إذا بلغا من الكبر ما كان يليا منك في الصغر فلا تقل لهما أف قال أبو بكر ~~اللفظ محتمل للمعنيين فهو عليهما ولا محالة أن بلوغ الولد شرط في الأمر إذ ~~لا يصح تكليف غير البالغ فإذا بلغ حال التكليف وقد بلغا هما حال الكبر ~~والضعف إذ لم يبلغا فعليه الإحسان إليهما وهو مزجور أن يقول لهما أف وهي ~~كلمة تدل على الضجر والتبرم بمن يخاطب بها قوله تعالى @QB@ ولا تنهرهما ~~@QE@ معناه لا تزجرهما على وجه الإستخفاف PageV05P019 بهما والإغلاظ لهما ~~قال قتادة في قوله @QB@ وقل لهما قولا كريما @QE@ قولا لينا سهلا وقال هشام ~~بن عروة عن أبيه @QB@ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة @QE@ قال لا تمنعهما ~~شيئا يريدانه وروى هشام عن الحسن أنه سئل ما بر الوالدين قال أن تبذل لهما ~~ما ملكت وأطعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية وروى عمرو بن عثمان عن واصل بن ~~السائب @QB@ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة @QE@ قال لا تنفض يدك عليهما ms2013 ~~وقال عروة بن الزبير ما بر والده من أحد النظر إليه وعن أبي الهياج قال ~~سألت سعيد بن المسيب عن قوله @QB@ قولا كريما @QE@ قال قول العبد الذليل ~~للسيد الفظ الغليظ وعن عبدالله الرصافي قال حدثني عطاء في قوله تعالى @QB@ ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة @QE@ قال يداك لا ترفعهما على أبويك ولا ~~تحد بصرك إليهما إجلالا وتعظيما قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة @QE@ هو مجاز لأن الذل ليس له جناح ولا يوصف بذلك ~~ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع لهما وهو كقول امرئ القيس في وصف ~~الليل % فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف إعجازا وناء بكلكل % # | وليس لليل صلب ولا إعجاز ولا كلكل وهو مجاز وإنما أراد به تكامله ~~واستواءه قوله تعالى @QB@ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا @QE@ فيه الأمر ~~بالدعاء لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين لأنه قال في موضع آخر @QB@ ~~ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى @QE@ ~~فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين وبين الله تعالى بهذه ~~الآية تأكيد حق الأبوين فقرن الأمر بالإحسان إليهما إلى الأمر بالتوحيد ~~فقال @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا @QE@ ثم بين صفة ~~الإحسان إليهما بالقول والفعل والمخاطبة الجميلة على وجه التذلل والخضوع ~~ونهى عن التبرم والتضجر بهما بقوله @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ ونهى عن ~~الإغلاظ والزجر لهما بقوله @QB@ ولا تنهرهما @QE@ فأمر بلين القول ~~والإستجابة لهما إلى ما يأمرانه به ما لم يكن معصية ثم عقبه بالأمر بالدعاء ~~لهما في الحياة وبعد الوفاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه عظم ~~حق الأم على الأب وروى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن ~~صحابتي قال أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ~~ثم أبوك قوله تعالى @QB@ فإنه ms2014 كان للأوابين غفورا @QE@ قال سعيد ~~PageV05P020 ابن المسيب الأواب الذي يتوب مرة بعد مرة كلما أذنب بادر ~~بالتوبة وقال سعيد بن جبير ومجاهد هو الراجع عن ذنبه بالتوبة منه وروى ~~منصور عن مجاهد قال الأواب الذي يذكر ذنوبه في الخلاء ويستغفر الله منها ~~وروى قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم قال خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال إن صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى قوله تعالى @QB@ وآت ذا القربى حقه @QE@ قال أبو بكر ~~الحق المذكور في هذه الآية مجمل مفتقر إلى البيان وهو مثل قوله تعالى @QB@ ~~وفي أموالهم حق للسائل والمحروم @QE@ وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها فهذا الحق غير ظاهر المعنى في الآية بل هو موقوف على ~~البيان فجائز أن يكون هذا الحق هو حقهم من الخمس إن كان المراد قرابة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون مالهم من الحق في صلة رحمهم وقد ~~اختلف في ذوي القربى المذكورين في هذه الآية فقال ابن عباس والحسن هو قرابة ~~الإنسان وروي عن علي بن الحسين أنه قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~قيل إن التأويل هو الأول لأنه متصل بذكر الوالدين ومعلوم أن الأمر بالإحسان ~~إلى الوالدين عام في جميع الناس فكذلك ما عطف عليه من إيتاء ذي القربى حقه ~~قوله تعالى @QB@ والمسكين وابن السبيل @QE@ يجوز أن يكون مراده الصدقات ~~الواجبة في قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ الآية ~~وجائز أن يكون الحق الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إليه وقد روى ابن حمزة ~~عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المال ~~حق سوى الزكاة وتلا @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم @QE@ الآية وروى سفيان ~~عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الإبل فقال إن ms2015 ~~فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحة سمينها قوله ~~تعالى @QB@ ولا تبذر تبذيرا @QE@ روي عن عبدالله بن مسعود وابن عباس وقتادة ~~قالوا التبذير إنفاق المال في غير حقه وقال مجاهد لو أنفق مدا في باطل كان ~~تبذيرا قال أبو بكر من يرى الحجر للتبذير يحتج بهذه الاية إذ كان التبذير ~~منهيا عنه فالواجب على الإمام منعه منه بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله ~~إلا بمقدار نفقة مثله وأبو حنيفة لا يرى الحجر وإن كان من أهل التبذير لأنه ~~من أهل التكليف فهو جائز التصرف على نفسه فيجوز إقراره وبياعاته كما يجوز ~~إقراره بما يوجب الحد والقصاص وذلك مما تسقطه الشبهة فإقراره PageV05P021 ~~وعقوده بالجواز أولى إذ كانت مما لا تسقطه الشبهة وقد بينا ذلك في سورة ~~البقرة عند قوله تعالى @QB@ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا @QE@ ~~قوله تعالى @QB@ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين @QE@ قيل فيه وجهان ~~أحدهما أنهم إخوانهم باتباعهم آثارهم وجريهم على سنتهم والثاني إنهم يقرنون ~~بالشياطين في النار قوله تعالى @QB@ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها @QE@ الآية قيل فيه وجهان أحدهما انه علمنا ما يفعله عند مسألة ~~السائلين لنا من المسلمين وابن السبيل وذي القربى مع عوز ما يعطي وقلة ذات ~~أيدينا فقال إن أعرضت عنهم لأنك لا تجد ما تعطيهم وكنت منتظر الرزق ورحمة ~~ترجوها من الله لتعطيهم منه فقل لهم عند ذلك قولا حسنا لينا سهلا فتقول لهم ~~يرزق الله وقد روي ذلك عن الحسن ومجاهد وإبراهيم وغيرهم قوله تعالى @QB@ ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ يعني والله أعلم لا ~~تبخل بالمنع من حقوقهم الواجبة لهم وهذا مجاز ومراده ترك الإنفاق فيكون ~~بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه فلا يعطي من ماله شيئا وذلك لأن العرب تصف ~~البخيل بضيق اليد فتقول فلان جعد الكفين إذا كان بخيلا وقصير الباع ويقولون ~~في ضده فلان رحب الذراع وطويل اليدين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه ~~أسرعكن بي ms2016 لحاقا أطولكن يدا وإنما أراد كثرة الصدقة فكانت زينب بنت جحش ~~لأنها كانت أكثرهن صدقة وقال الشاعر % وما إن كان أكثرهم سواما % ولكن كان ~~أرحبهم ذراعا % # قوله تعالى @QB@ ولا تبسطها كل البسط @QE@ يعني ولا تخرج جميع ما في يدك ~~مع حاجتك وحاجة عيالك إليه فتقعد ملوما محسودا يعني ذا حسرة على ما خرج من ~~يدك وهذا الخطاب لغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه وقد كان كثير ~~من فضلاء الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم فلم يعنفهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم وإنما نهى الله تعالى عن الإفراط ~~في الإنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما ~~خرج عن يده فأما من وثق بموعود الله وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد ~~بالآية وقد روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب ~~فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن والله ما أملك غيرها فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعاد ثانيا فأعرض عنه فعاد ثالثا فأخذها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرمى PageV05P022 بها فلو أصابته لعقرته فقال يأتيني أحدهم بجميع ~~ما يملك ثم يقعد يتكفف الناس وروي أن رجلا دخل المسجد وعليه هيئة رثة ~~والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فأمر الرجل بأن يقوم فقام فطرح الناس ~~ثيابا للصدقة فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم منها ثوبين ثم حث النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس على الصدقة فطرح أحد ثوبيه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم انظروا إلى هذا أمرته أن يقوم ليفطن له فيتصدق عليه فأعطيته ثوبين ثم ~~قد طرح أحدهما ثم قال له خذ ثوبك فإنما منع أمثال هؤلاء من إخراج جميع ~~أموالهم فأما أهل البصائر فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمنعهم من ذلك ~~وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله ms2017 عنه ذا مال كثير فأنفق جميع ماله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله حتى بقي في عباءة فلم يعنفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه والدليل على أن ذلك ليس بمخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما خوطب به غيره قوله تعالى @QB@ فتقعد ملوما ~~محسورا @QE@ ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ممن يتحسر على إنفاق ما حوته ~~يده في سبيل الله فثبت أن المراد غير النبي صلى الله عليه وسلم وهو نحو ~~قوله تعالى @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد غيره وقوله تعالى @QB@ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك @QE@ لم ~~يرد به النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يشك قط فاقتضت هذه الآيات من قوله ~~@QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ الأمر بتوحيد الله والإحسان إلى ~~الوالدين والتذلل لهما وطاعتهما وإعطاء ذي القربى حقه والمساكين وابن ~~السبيل حقوقهم والنهي عن تبذير المال وإنفاقه في معصية الله والأمر ~~بالإقتصاد في الإنفاق والنهي عن الإفراط والتقصير في الإعطاء والمنع وتعليم ~~ما يجيب به السائل والمسكين عند تعذر ما يعطى قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق @QE@ هو كلام يتضمن ذكر السبب الخارج عليه وذلك لأن من ~~العرب من كان يقتل بناته خشية الفقر لئلا يحتاج إلى النفقة عليهن وليوفر ما ~~يريد إنفاقه عليهن على نفسه وعلى بيته وكان ذلك مستفيضا شائعا فيهم وهي ~~الموءودة التي ذكرها الله في قوله @QB@ وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ~~@QE@ والموءودة هي المدفونة حيا وكانوا يدفنون بناتهم أحياء وقال عبدالله ~~بن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل ما أعظم الذنوب قال أن تجعل ~~لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك ~~قوله تعالى @QB@ نحن نرزقهم وإياكم @QE@ فيه إخبار بأن رزق الجميع على الله ~~تعالى والله سيسبب لهم ما ينفقون على الأولاد وعلى أنفسهم وفيه بيان أن ~~الله تعالى سيرزق كل حيوان خلقه ما دامت ms2018 حياته باقية وأنه إنما يقطع رزقه ~~بالموت وبين الله تعالى PageV05P023 ذلك لئلا يتعدى بعضهم على بعض ولا ~~يتناول مال غيره إذ كان الله قد سبب له من الرزق ما يغنيه عن مال غيره قوله ~~تعالى @QB@ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا @QE@ فيه الإخبار ~~بتحريم الزنا وأنه قبيح لأن الفاحشة هي التي قد تفاحش قبحها وعظم وفيه دليل ~~على أن الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع لأن الله سماه فاحشة ولم يخصص ~~به حاله قبل ورود السمع أو بعده ومن الدليل على ان الزنا قبيح في العقل أن ~~الزانية لا نسب لولدها من قبل الأب إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من ~~بعض ففيه قطع الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث والمناكحات ~~وصلة الأرحام وإبطال حق الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من الحقوق التي ~~تبطل مع الزنا وذلك قبيح في العقول مستنكر في العادات ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر لأنه لو لم يكن النسب مقصورا ~~على الفراش وما هو في حكم الفراش لما كان صاحب الفراش بأولى من النسب من ~~الزاني وكان ذلك يؤدي إلى إبطال الأنساب وإسقاط ما يتعلق بها من الحقوق ~~والحرمات قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ ~~إنما قال تعالى @QB@ إلا بالحق @QE@ لأن قتل النفس قد يصير حقا بعد أن لم ~~يكن حقا وذلك قتله على وجه القود وبالردة والرجم للمحصن والمحاربة ونحو ذلك ~~قوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ روي عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير ومجاهد في قوله @QB@ سلطانا @QE@ قالوا حجة كقوله @QB@ ~~أو ليأتيني بسلطان مبين @QE@ وقال الضحاك السلطان أنه مخير بين القتل وبين ~~أخذ الدية وعلى السلطان أن يطلب القتل حتى يدفعه إليه قال أبو بكر السلطان ~~لفظ مجمل غير مكتف بنفسه في الإبانة عن المراد لأنه لفظ مشترك يقع على معان ~~مختلفة فمنها الحجة ومنها السلطان الذي يلي الأمر والنهي وغير ms2019 ذلك إلا أن ~~الجميع مجمعون على أنه قد أريد به القود فصار القود كالمنطوق به في الآية ~~وتقديره فقد جعلنا لوليه سلطانا أي قودا ولم يثبت أن الدية مرادة فلم ~~نثبتها ولما ثبت أن المراد القود دل ظاهره على أنه إذا كانت الورثة صغارا ~~أو كبارا أن يقتصوا قبل بلوغ الصغار لأن كل واحد منهم ولي والصغير ليس بولي ~~ألا ترى أنه لا يجوز عفوه وهذا قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يقتص ~~الكبار حتى يبلغ الصغار فيقتصوا معهم أو يعفوا وروي عن محمد الرجوع إلى قول ~~أبي حنيفة قوله تعالى @QB@ فلا يسرف في القتل @QE@ روي عن عطاء والحسن ~~ومجاهد وسعيد بن جبير PageV05P024 والضحاك وطلق بن حبيب لا يقتل غير قاتله ~~ولا يمثل به وذلك لأن العرب كانت تتعدى إلى غير القاتل من الحميم والقريب ~~فلما جعل الله له سلطانا نهاه أن يتعدى وعلى هذا المعنى قوله تعالى @QB@ ~~كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى @QE@ ~~لأنه كان لبعض القبائل طول على الأخرى فكان إذا قتل منهم العبد لا يرضون ~~إلا أن يقتلوا الحر منهم وقال في الآية لا يسرف في القتل بأن يعتدى إلى غير ~~القاتل وقال أبو عبيدة لا يسرف في القتل جزمه بعضهم على النهي ورفعه بعضهم ~~على مجاز الخبر يقول ليس في قتله سرف لأن قتله مستحق قوله تعالى @QB@ إنه ~~كان منصورا @QE@ قال قتادة هو عائد على الولي وقال مجاهد على المقتول وقيل ~~هو منصور إما في الدنيا وإما في الآخرة ونصره هو حكم الله بذلك أعني للولي ~~وقيل نصره أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يعينوه وقوله تعالى ~~@QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ قد اقتضى إثبات القصاص للنساء لأن الولي ~~هنا هو الوارث كما قال @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ ~~وقال @QB@ إن الذين آمنوا @QE@ إلى قوله @QB@ بعضهم أولياء بعض @QE@ وقال ~~@QB@ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا @QE@ ~~فنفى بذلك إثبات التوارث بينهم إلا بعد ms2020 الهجرة ثم قال @QB@ وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ فأثبت الميراث ~~بأن جعل بعضهم أولياء بعض وقال @QB@ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض @QE@ ~~فأثبت التوارث بينهم بذكر الولاية فلما قال @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~@QE@ اقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة ويدل على أن الدم موروث عن ~~المقتول أن الدية التي هي بدل من القصاص موروثة عنه للرجال والنساء ولو لم ~~تكن النساء قد ورثن القصاص لما ورثن بدله الذي هو المال وكيف يجوز أن يرث ~~بعض الورثة من بعض ميراث الميت ولا يرث من البعض الآخر هذا القول مع ~~مخالفته لظاهر الكتاب مخالف للأصول وقول مالك إن النساء ليس إليهن من ~~القصاص شيء وإنما القصاص للرجال فإذا تحول مالا ورثت النساء مع الرجال وروي ~~عن سعيد بن المسيب والحسن وقتادة والحكم ليس إلى النساء شيء من العفو والدم ~~ومن قول أصحابنا إن القصاص واجب لكل وارث من الرجال والنساء والصبيان بقدر ~~مواريثهم قوله تعالى @QB@ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده @QE@ قال مجاهد التي هي أحسن التجارة وقال الضحاك يبتغي به من ~~فضل الله ولا يكون للذي يبتغي فيه شيء قال أبو بكر PageV05P025 إنما خص ~~اليتيم بالذكر وإن كان ذلك واجبا في أموال سائر الناس لأن اليتيم إلى ذلك ~~أحوج والطمع في مثله أكثر وقد انتظم قوله @QB@ إلا بالتي هي أحسن @QE@ جواز ~~التصرف في مال اليتيم للوالي عليه من جد أو وصي أب لسائر ما يعود نفعه عليه ~~لأن الأحسن ما كان فيه حفظ ماله وتثميره فجائز على ذلك أن يبيع ويشتري ~~لليتيم بما لا ضرر على اليتيم فيه وبمثل القيمة وأقل منها مما يتغابن الناس ~~فيه لأن الناس قد يرون ذلك حطا لما يرجون فيه من الربح والزيادة ولأن هذا ~~القدر من النقصان مما يختلف المقومون فيه فلم يثبت هناك حطيطة في الحقيقة ~~ولا يجوز أن يشتري بأكثر من القيمة بما لا يتغابن الناس فيه لأن فيه ضررا ~~على اليتيم وذلك ms2021 ظاهر متيقن وقد نهى الله أن يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن وقد دلت الآية على جواز إجارة مال اليتيم والعمل به مضاربة لأن الربح ~~الذي يستحقه اليتيم إنما يحصل له بعمل المضارب فذلك أحسن من تركه وقد روى ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابتغوا ~~بأموال الأيتام خيرا لا تأكلها الصدقة قيل معناه النفقة لأن النفقة تسمى ~~صدقة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما انفق الرجل على نفسه وعياله ~~فهو له صدقة وقد روي عن عمر وابن عمر وعائشة وجماعة من التابعين أن للوصي ~~أن يتجر بمال اليتيم وأن يدفعه مضاربة ويدل على أن للأب أن يشتري مال ~~الصغير لنفسه ويبيع منه وعلى أن للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه إذا كان ~~ذلك خيرا لليتيم وهوقول أبي حنيفة قال وإن اشترى بمثل القيمة لم يجز حتى ~~يكون ما يأخذه اليتيم أكثر قيمة لقوله تعالى @QB@ إلا بالتي هي أحسن @QE@ ~~وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز ذلك بحال وقوله @QB@ حتى يبلغ أشده @QE@ قال ~~زيد بن اسلم وربيعة الحلم قال أبو بكر وقال في موضع آخر @QB@ ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ فذكر الكبر ههنا وذكر الأشد في هذه الآية ~~وقال @QB@ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم @QE@ فذكر في إحدى الآيات الكبر مطلقا وفي الأخرى ~~الأشد وفي الأخرى بلوغ النكاح مع إيناس الرشد وروى عبدالله بن عثمان بن ~~خثيم عن مجاهد عن ابن عباس حتى إذا بلغ أشده ثلاث وثلاثون سنة واستوى ~~أربعون سنة أو لم نعمركم قال العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون ~~سنة وقال تعالى @QB@ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني @QE@ ~~فذكر في قصة موسى بلوغ الأشد والإستواء وذكر في هذه الآية بلوغ الأشد ~~PageV05P026 وفي الأخرى بلوغ الأشد وبلوغ أربعين سنة وجائز أن يكون المراد ~~ببلوغ الأشد قبل أربعين سنة وقبل الاستواء وإذا ms2022 كان كذلك فالأشد ليس له ~~مقدار معلوم في العادة لا يزيد عليه ولا ينقص منه وقد يختلف أحوال الناس ~~فيه فيبلغ بعضهم الأشد في مدة لا يبلغه غيره في مثلها لأنه إن كان بلوغ ~~الأشد هو اجتماع الرأي واللب بعد الحلم فذلك مختلف في العادة وإن كان بلوغه ~~اجتماع القوى وكمال الجسم فهو مختلف أيضا وكل ما كان حكمه مبنيا على ~~العادات فغير ممكن القطع به على وقت لا يتجاوزه ولا يقصر عنه إلا يتوقيف أو ~~إجماع فلما قال في آية @QB@ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده @QE@ اقتضى ذلك دفع المال إليه عند بلوغ الأشد من غير شرط إيناس ~~الرشد ولما قال في آية أخرى @QB@ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم @QE@ شرط فيها بعد بلوغ النكاح إيناس الرشد ولم يشرط ~~ذلك في بلوغ حد الكبر في قوله @QB@ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ~~@QE@ فقال أبو حنيفة لا يدفع إليه ماله بعد البلوغ حتى يؤنس منه رشدا ويكبر ~~ويبلغ الأشد وهو خمس وعشرون سنة ثم يدفع إليه ماله بعد أن يكون عاقلا فجائز ~~أن تكون هذه مدة بلوغ الأشد عنده قوله تعالى @QB@ وأوفوا بالعهد @QE@ يعني ~~والله أعلم إيجاب الفاء بما عاهد الله على نفسه من النذور والدخول في القرب ~~فألزمه الله تعالى إتمامها وهو كقوله تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن ~~آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم @QE@ وقيل أوفوا بالعهد في حفظ ~~مال اليتيم مع قيام الحجة عليكم بوجوب حفظه وكل ما قامت به الحجة من أوامره ~~وزواجره فهو عهد وقوله تعالى @QB@ إن العهد كان مسؤولا @QE@ معناه مسئولا ~~عنه للجزاء فحذف اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد وقيل إن العهد ~~يسئل فيقال لم نقضت كما تسئل الموؤدة بأي ذنب قتلت وذلك يرجع إلى معنى ~~الأول لأنه توقيف وتقرير لناقض العهد كما أن سؤال الموؤدة توقيف وتقرير ~~لقائلها ms2023 بانه قتلها بغير ذنب قوله تعالى @QB@ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم @QE@ فيه دلالة على أن من اشترى شيئا من المكيلات مكايلة ~~أو من الموزونات موازنة واجب عليه أن لا يأخذ المشتري كيلا إلا بكيل ولا ~~المشتري وزنا إلا بوزن وإنه غير جائز له أن يأخذه مجازفة وفي ذلك دليل على ~~أن الاعتبار في التحريم التفاضل هو بالكيل والوزن إذ PageV05P027 لم يخصص ~~إيجاب الكيل في المكيل وإيجاب الوزن في الموزون بالمأكول منه دون غيره فوجب ~~أن يكون سائر المكيلات والموزونات إذا اشترى بعضها ببعض من جنس واحد أنه ~~غير جائز أخذه مجازفة إلا بكيل سواء كان مأكولا أو غير مأكول نحو الجص ~~والنورة وفي الموزون نحو الحديد والرصاص وسائر الموزونات وفيه الدلالة على ~~جواز الاجتهاد وإن كل مجتهد مصيب لأن إيفاء الكيل والوزن لا سبيل لنا إليه ~~إلا من طريق الاجتهاد وغلبة الظن ألا ترى أنه لا يمكن أحدا أن يدعي إذا كال ~~لغيره القطع بأنه لا يزيد حبة ولا ينقص وإنما مرجعه في إيفاء حقه إلى غلبة ~~ظنه ولما كان الكائل والوازن مصيبا لحكم الله تعالى إذا فعل ذلك ولم يكلف ~~إصابة حقيقة المقدار عند الله تعالى كان كذلك حكم مسائل الاجتهاد وقيل في ~~القسطاس أنه الميزان صغر أو كبر وقال الحسن هو القبان ولما ذكرنا من المعنى ~~في المكيل والموزون قال أصحابنا فيمن له على آخر شيء من المكيل أو الموزون ~~أنه غير جائز له أن يقبضه مجازفة وإن تراضيا وظاهر الأمر بالكيل والوزن ~~يوجب أن لا يجوز تركهما بتراضيهما وكذلك لا تجوز قسمتهما إذا كان بين ~~شريكين مجازفة للعلة التي ذكرنا ولو كانت ثيابا أو عروضا من غير المكيل ~~والموزون جاز أن يقبضه مجازفة بتراضيهما وجاز أن يقتسما مجازفة إذ لم يوجد ~~علينا فيه إيفاء الكيل والوزن قوله تعالى @QB@ ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ ~~معناه أن ذلك خير لكم وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة والتأويل هو الذي إليه ~~مرجع الشيء وتفسيره من قولهم آل يؤل أولا إذا ms2024 رجع قوله تعالى @QB@ ولا تقف ~~ما ليس لك به علم @QE@ القفو اتباع الأثر من غير بصيرة ولا علم بما يصير ~~إليه ومنه القافة وكانت العرب فيها من يقتاف الأثر وفيها من يقتاف النسب ~~وقد كان هذا الاسم موضوعا عندهم لما يخبر به الإنسان عن غير حقيقة يقولون ~~تقوف الرجل إذا قال الباطل قال جرير % وطال حذاري خيفة البين والنوى % ~~وأحدوثة من كاشح متقوف % # | قال أهل اللغة أراد بقوله الباطل وقال آخر % ومثل الدمى شم العرانين ~~ساكن % بهن الحياء لا يشعن التقافيا % # أي التقاذف وإنما سمي التقاذف بهذا الاسم لأن أكثره يكون عن غير حقيقة ~~وقد حكم الله بكذب القاذف إذا لم يأت بالشهود بقوله @QB@ لولا إذ سمعتموه ~~ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين @QE@ PageV05P028 ~~قال قتادة في قوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ لا تقل سمعت ولم ~~تسمع ولا رأيت ولم تره ولا علمت ولم تعلم وقد اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن ~~يقول في أحكام الله مالا علم له به على جهة الظن والحسبان وأن لا يقول في ~~الناس من السوء مالا يعلم صحته ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في ~~خبره كذبا كان خبره أو صدقا لأنه قائل بغير علم وقد نهاه الله عن ذلك قوله ~~تعالى @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ فيه بيان ~~أن لله علينا حقا في السمع والبصر والفؤاد والمرء مسئول عما يفعله بهذه ~~الجوارح من الإستماع لما لا يحل والنظر إلى ما لا يجوز والإرادة لما يقبح ~~ومن الناس من يحتج بقوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ في نفي القياس ~~في فروع الشريعة وإبطال خبر الواحد لأنهما لا يفضيان بنا إلى العلم والقائل ~~بهما قائل بغير علم وهذا غلط من قائله وذلك لأن ما قامت دلالة القول به ~~فليس قولا بغير علم والقياس وأخبار الآحاد قد قامت دلائل موجبة للعلم ~~بصحتهما وإن كنا غير عالمين بصدق المخبر وعدم العلم بصدق ms2025 المخبر غير مانع ~~جواز قبوله ووجوب العمل به كما أن شهادة الشاهدين يجب قبولها إذا كان ~~ظاهرهما العدالة وإن لم يقع لنا العلم بصحة مخبرهما وكذلك أخبار المعاملات ~~مقبولة عند جميع أهل العلم مع فقد العلم بصحة الخبر وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تقف ما ليس لك به علم @QE@ غير موجب لرد أخبار الآحاد كما لم يوجب رد ~~الشهادات وأما القياس الشرعي فإن ما كان منه من خبر الإجتهاد فكل قائل بشيء ~~من الأقاويل التي يسوغ فيها الإجتهاد فهو قائل بعلم إذ كان حكم الله عليه ~~ما أداه اجتهاده إليه ووجه آخر وهو أن العلم على ضربين علم حقيقي وعلم ظاهر ~~والذي تعبدنا به من ذلك هو العلم الظاهر ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ وإنما هو العلم الظاهر لا ~~معرفة مغيب ضمائرهن وقال أخوة يوسف @QB@ وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا ~~للغيب حافظين @QE@ فأخبروا أنهم شهدوا بالعلم الظاهر قوله تعالى @QB@ وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ ~~قيل إنه على معنى التشبيه لهم بمن بينه وبين ما يأتي به من الحكمة في ~~القرآن فكان بينه وبينهم حجابا عن أن يدركوه فينتفعوا به وروى نحوه عن ~~قتادة وقال غيره نزل في قوم كانوا يؤذونه بالليل إذا تلا القرآن فحال الله ~~تعالى بينهم وبينه حتى لا يؤذوه وقال الحسن منزلتهم فيما أعرضوا عنه منزلة ~~من بينك PageV05P029 وبينه حجاب قوله تعالى @QB@ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه @QE@ قيل فيه إنه منعهم من ذلك ليلا في وقت مخصوص لئلا يؤذوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقيل جعلناها بالحكم إنهم بهذه المنزلة ذما لهم على ~~الإمتناع من تفهم الحق والإستماع إليه مع إعراضهم ونفورهم عنه قوله تعالى ~~@QB@ وتظنون إن لبثتم إلا قليلا @QE@ قال الحسن أن لبثتم إلا قليلا في ~~الدنيا لطول لبثكم في الآخرة كما قيل كأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم ~~تزل وقال قتادة أراد به احتقار الدنيا حين عاينوا يوم القيامة ms2026 قوله تعالى ~~@QB@ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس @QE@ روي عن ابن عباس ~~رواية سعيد بن جبير والحسن وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك قالوا رؤيا غير ~~ليلة الإسراء إلى بيت المقدس فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا به وروي عن ~~ابن عباس أيضا انه أراد برؤياه أنه سيدخل مكة قوله تعالى @QB@ والشجرة ~~الملعونة في القرآن @QE@ روي عن ابن عباس والحسن والسدي وإبراهيم وسعيد بن ~~جبير ومجاهد وقتادة والضحاك أنه أراد شجرة الزقوم التي ذكرها في قوله @QB@ ~~إن شجرة الزقوم طعام الأثيم @QE@ فأراد بقوله ملعونة إنه ملعون أكلها وكانت ~~فتنتهم بها قول أبي جهل لعنه الله ودونه النار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها ~~قوله تعالى @QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك @QE@ هذا تهديد واستهانة ~~بفعل المقول له ذلك وإنه لا يفوته الجزاء عليه والإنتقام منه وهو مثل قول ~~القائل اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك ومعنى استفزز استزل يقال استفزه واستزله ~~بمعنى واحد وقوله بصوتك روي عن مجاهد أنه الغناء واللهو وهما محظوران ~~وأنهما من صوت الشيطان وقال ابن عباس هو الصوت الذي يدعو به إلى معصية الله ~~وكل صوت دعي به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان قوله تعالى @QB@ وأجلب عليهم ~~@QE@ فإن الإجلاب هو السوق بجلبة من السائق والجلبة الصوت الشديد وقوله ~~تعالى @QB@ بخيلك ورجلك @QE@ روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة كل راجل أو ماش ~~إلى معصية الله من الإنس والجن فهو من رجل الشيطان وخيله والرجل جمع راجل ~~كالتجر جمع تاجر والركب جمع راكب قوله تعالى @QB@ وشاركهم في الأموال ~~والأولاد @QE@ قيل معناه كن شريكا في ذلك فإن منه ما يطلبونه بشهوتهم ومنه ~~ما يطلبونه لإغرائك بهم وقال مجاهد والضحاك وشاركهم في الأولاد يعني الزنا ~~وقال ابن عباس الموءودة وقال الحسن وقتادة من هودوا ونصروا وقال ابن عباس ~~رواية تسميتهم عبدالحارث وعبد شمس قال أبو بكر لما احتمل هذه الوجوه كان ~~محمولا عليها وكان جميعها PageV05P030 مرادا إذ كان ذلك مما للشيطان نصيب ~~في الإغراء به والدعاء إليه قوله تعالى @QB@ ولقد كرمنا ms2027 بني آدم @QE@ أطلق ~~ذلك على الجنس وفيهم الكافر المهان على وجهين أحدهما أنه كرمهم بالإنعام ~~عليهم وعاملهم معاملة المكرم بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة والوجه ~~الآخر أنه لما كان فيهم من على هذا المعنى أجرى الصفة على جماعتهم كقوله ~~@QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ لما كان فيهم من هو كذلك أجرى الصفة ~~على الجماعة قوله تعالى @QB@ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم @QE@ قيل إنه يقال ~~هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيقوم الذين اتبعوا الأنبياء واحدا واحدا فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يدعو ~~بمتبعي أئمة الضلال على هذا المنهاج قال مجاهد وقتادة إمامه نبيه وقال ابن ~~عباس والحسن والضحاك إمامه كتاب عمله وقال أبو عبيدة بمن كانوا يأتمون به ~~في الدنيا وقيل بإمامهم بكتابهم الذي إنزل الله عليهم فيه الحلال والحرام ~~والفرائض قوله تعالى ومن كان في هذه أعمى روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة من ~~كان في أمر هذه الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها وتقليب النعم فيها ~~أعمى عن اعتقاد الحق الذي هو مقتضاها وهو في الآخرة التي هي غائبة عنه أعمى ~~وأضل سبيلا قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل @QE@ روي ~~عن ابن مسعود وأبي عبدالرحمن السلمي قالا دلوكها غروبها وعن ابن عباس وأبي ~~برزة الأسلمي وجابر وابن عمر دلوك الشمس ميلها وكذلك روي عن جماعة من ~~التابعين قال أبو بكر هؤلاء الصحابة قالوا إن الدلوك الميل وقولهم مقبول ~~فيه لأنهم من أهل اللغة وإذا كان كذلك جاز أن يراد به الميل للزوال والميل ~~للغروب فإن كان المراد الزوال فقد انتظم صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~الآخرة إذ كانت هذه أوقات متصلة بهذه الفروض فجاز أن يكون غسق الليل غاية ~~لفعل هذه الصلوات في مواقيتها وقد روي عن أبي جعفر أن غسق الليل انتصافه ~~فيدل ذلك على أنه آخر الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة وأن تأخيرها إلى ~~ما بعده مكروه ويحتمل أن يريد به غروب الشمس فيكون المراد ms2028 بيان وقت المغرب ~~أنه من غروب الشمس إلى غسق الليل وقد اختلف في غسق الليل فروى مالك عن داود ~~بن الحصين قال أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل اجتماع ~~الليل وظلمته وروى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول دلوك الشمس حين ~~تزول الشمس إلى غسق الليل حين تجب PageV05P031 الشمس قال وقال ابن مسعود ~~دلوك الشمس حين تجب الشمس إلى غسق الليل حين يغيب الشفق وعن عبدالله أيضا ~~أنه لما غربت الشمس قال هذا غسق الليل وعن أبي هريرة غسق الليل غيبوبة ~~الشمس وعن الحسن غسق الليل صلاة المغرب والعشاء وعن إبراهيم غسق الليل ~~العشاء الآخرة وقال أبو جعفر غسق الليل انتصافه قال أبو بكر من تأول دلوك ~~الشمس على غروبها فغير جائز أن يكون تأويل غسق الليل عنده غروبها أيضا لأنه ~~جعل الإبتداء الدلوك وغسق الليل غاية له وغير جائز أن يكون الشيء غاية ~~لنفسه فيكون هو الإبتداء وهو الغاية فإن كان المراد بالدلوك غروبها فغسق ~~الليل هو إما الشفق الذي هو آخر وقت المغرب أو اجتماع الظلمة وهو أيضا ~~غيبوبة الشفق لأنه لا يجتمع إلا بغيبوبة البياض وأما أن يكون آخر وقت ~~العشاء الآخرة المستحب وهو انتصاف الليل فينتظم اللفظ حينئذ المغرب والعشاء ~~الآخرة قوله تعالى @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ قال أبو ~~بكر هو معطوف على قوله @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ وتقديره أقم قرآن ~~الفجر وفيه الدلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن الأمر على الوجوب ~~ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة فإن قيل معناه صلاة الفجر قيل ~~له هذا غلط من وجهين أحدهما أنه غير جائز أن تجعل القراءة عبارة عن الصلاة ~~لأنه صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز بغير دليل والثاني قوله في نسق ~~التلاوة @QB@ ومن الليل فتهجد به نافلة لك @QE@ ويستحيل التهجد بصلاة الفجر ~~ليلا والهاء في قوله به كناية عن قرآن الفجر المذكور قبله فثبت أن المراد ~~حقيقة القراءة لإمكان التهجد ms2029 بالقرآن المقروء في صلاة الفجر واستحالة ~~التهجد بصلاة الفجر وعلى أنه لو صح أن المراد ما ذكرت لكانت دلالته قائمة ~~على وجوب القراءة في الصلاة وذلك لأنه لم يجعل القراءة عبارة عن الصلاة إلا ~~وهي من أركانها وفروضها قوله تعالى @QB@ ومن الليل فتهجد به نافلة لك @QE@ ~~روي عن حجاج بن عمرو الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحسب ~~احدكم إذا قام أول الليل إلى آخره أنه قد تهجد لا ولكن التهجد الصلاة بعد ~~رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة وكذلك كانت صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن الأسود وعلقمة قالا التهجد بعد النوم والتهجد في اللغة ~~السهر للصلاة أو لذكر الله والهجود النوم وقيل التهجد التيقظ بما ينفي ~~النوم وقوله نافلة لك قال مجاهد وإنما كانت نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه قد غفر له ما تقدم PageV05P032 من ذنبه وما تأخر فكانت طاعاته نافلة ~~أي زيادة في الثواب ولغيره كفارة لذنوبه وقال قتادة نافلة تطوعا وفضيلة ~~وروى سليمان بن حيان قال حدثنا أبو غالب قال حدثنا أبو أمامة قال إذا وضعت ~~الطهور مواضعه فعدت مغفورا وإن قمت تصلي كانت لك فضيلة وأجرا فقال له رجل ~~يا أبا أمامة أرأيت إن قام يصلي يكون له نافلة قال لا إنما النافلة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف يكون ذلك نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا يكون ~~لك فضيلة وأجرا فمنع أبو أمامة أن تكون النافلة لغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد روى عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة قال قلت فما تأمرني قال صل ~~الصلاة لوقتها فإن أدركتهم فصلها معهم لك نافلة وروى قتادة عن شهر بن حوشب ~~عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الوضوء يكفر ما قبله ثم ~~تصير الصلاة نافلة قيل له أنت سمعت هذا من رسول الله صلى ms2030 الله عليه وسلم ~~قال نعم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس فأثبت النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهذين الخبرين النافلة لغيره والنافلة هي الزيادة بعد الواجب وهي ~~التطوع والفضيلة ومنه النفل في الغنيمة وهو ما يجعله الإمام لبعض الجيش ~~زيادة على ما يستحقه من سهامها بأن يقول من قتل قتيلا فله سلبه ومن أخذ ~~شيئا فهو له قوله تعالى @QB@ قل كل يعمل على شاكلته @QE@ قال مجاهد على ~~طبيعته وقيل على عادته التي ألفها وفيه تحذير من إلف الفساد والمساكنة إليه ~~فيستمر عليه وقيل على أخلاقه قال أبو بكر شاكلته ما يشاكله ويليق به ويشبهه ~~فالذي يشاكل الخير من الناس الخير والصلاح والذي يشاكل الشرير الشر والفساد ~~وهو كقوله @QB@ الخبيثات للخبيثين @QE@ يعني الخبيثات من الكلام للخبيثين ~~من الناس @QB@ والطيبات للطيبين @QE@ يعني الطيبات من الكلام للطيبين من ~~الناس ويروى أن عيسى عليه السلام مر بقوم فكلموه بكلام قبيح ورد عليهم ردا ~~حسنا فقيل له في ذلك فقال إنما ينفق كل إنسان ما عنده قوله تعالى @QB@ ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي @QE@ اختلف في الروح الذي سألوا عنه ~~فروي عن ابن عباس أنه جبريل وروي عن علي أنه ملك من الملائكة له سبعون ألف ~~وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميع ذلك وقيل إنما أراد روح ~~الحيوان وهو ظاهر الكلام قال قتادة الذي سأله عن ذلك قوم من اليهود وروح ~~الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة وفيه خلاف بين أهل ~~العلم وكل حيوان فهو روح إلا أن منهم من الأغلب عليه البدن وقيل ~~PageV05P033 إنه لم يجبهم لأن المصلحة في أن يوكلوا إلى ما في عقولهم من ~~الدلالة عليها للإرتياض باستخراج الفائدة وروي في كتابهم أنه إن أجاب عن ~~الروح فليس بنبي فلم يجبهم الله عز وجل مصداقا لما في كتابهم والروح قد ~~يسمى به أشياء منها القرآن قال الله تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا @QE@ سماه روحا تشبيها بروح ms2031 الحيوان الذي به يحيى والروح الأمين ~~جبريل وعيسى بن مريم سمي روحا على نحو ما سمي به من القرآن وقوله @QB@ قل ~~الروح من أمر ربي @QE@ أي من الأمر الذي يعلمه ربي وقوله تعالى @QB@ وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا @QE@ يعني ما أعطيتم من العلم المنصوص عليه إلا ~~قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه فالروح من المتروك الذي لا يصلح النص عليه ~~للمصلحة وقد دلت هذه الآية على جواز ترك جواب السائل عن بعض ما يسئل عنه ~~لما فيه من المصلحة في استعمال الفكر والتدبر والإستخراج وهذا في السائل ~~الذي يكون من أهل النظر واستخراج المعاني فأما إن كان مستفتيا قد بلي ~~بحادثة احتاج إلى معرفة حكمها وليس من أهل النظر فعلى العالم بحكمها أن ~~يجيبه عنها بما هو حكم الله عنده قوله تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن @QE@ الآية فيه الدلالة على إعجاز ~~القرآن فمن الناس من يقول إعجازه في النظم على حياله وفي المعاني وترتيبها ~~على حياله ويستدل على ذلك بتحديه في هذه الآية العرب والعجم والجن والإنس ~~ومعلوم أن العجم لا يتحدون من طريق النظم فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة ~~المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم الألفاظ ومنهم من يأبى أن يكون ~~إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ والبلاغة في العبادة فإنه يقول إن إعجاز ~~القرآن من وجوه كثيرة منها حسن النظم وجودة البلاغة في اللفظ والإختصار ~~وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مع تعريه من أن يكون فيه لفظ ~~مسخوط ومعنى مدخول ولا تناقض ولا اختلاف تضاد وجميعه في هذه الوجوه جار على ~~منهاج واحد وكلام العباد لا يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة ~~والمعاني الفاسدة والتناقض في المعاني وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب ~~الكلام موجودة في كلام الناس من أهل سائر اللغات لا يختص باللغة العربية ~~دون غيرها فجائز أن يكون التحدي واقعا للعجم بمثل هذه المعاني في الإتيان ~~بها عارية مما يعيبها ms2032 ويهجنها من الوجوه التي ذكرناها ومن جهة أن الفصاحة ~~لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات وإن كانت PageV05P034 لغة العرب ~~أفصحها وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة فجائز أن يكون التحدي ~~للعجم واقعا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم التي يتكلمون ~~بها قوله تعالى @QB@ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث @QE@ قوله ~~@QB@ فرقناه @QE@ يعني فرقناه بالبيان عن الحق من الباطل وقوله تقرأ على ~~الناس على مكث يعني على تثبت وتوقف ليفهموه بالتأمل ويعلموا ما فيه بالتفكر ~~ويتفقهوا باستخراج ما تضمن من الحكم والعلوم الشريفة وقد قيل إنه كان ينزل ~~منه شيء ويمكثون ما شاء الله ثم ينزل شيء آخر وهو في معنى قوله @QB@ ورتل ~~القرآن ترتيلا @QE@ وروى سفيان عن عبيد المكتب قال سئل مجاهد عن رجلين قرأ ~~أحدهما البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة جلوسهما وسجودهما وركوعهما سواء ~~أيهما أفضل قال الذي قرأ البقرة ثم قرأ @QB@ وقرآنا فرقناه لتقرأه على ~~الناس على مكث @QE@ وروى معاوية بن قرة عن عبيدالله بن المغفل قال رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح أو ~~من سورة الفتح قراءة بينة وروى حماد بن سلمة عن أبي حمزة الضبعي قال قال ~~ابن عباس لأن أقرأ القرآن فأرتلها وأتدبرها أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذا ~~وروى الأعمش عن عمارة عن أبي الأحوص عن عبدالله قال لا تقرؤا القرآن في أقل ~~من ثلاث واقرءوا في سبع وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبدالرحمن بن يزيد إنه ~~كان يقرأه في سبع والأسود في ست وعلقمة في خمس وروي عن عثمان بن عفان أنه ~~قرأ القرآن في ليلة وروى ابن أبي ليلى عن صدقة عن ابن عمر قال بني لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سقف في المسجد واعتكف فيه في آخر رمضان وكان يصلي ~~فيه فأخرج رأسه فرأى الناس يصلون فقال إن المصلي إذا صلى يناجي ربه فليعلم ~~أحدكم بما يناجيه وفي ذلك دليل على أن ms2033 المستحب الترتيل لأنه به يعلم ما ~~يناجي ربه به ويفهم عن نفسه ما يقرأه # | باب السجود على الوجه # قال الله تعالى @QB@ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا @QE@ روي عن ابن عباس قال للوجوه وروى معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى @QB@ يخرون للأذقان سجدا @QE@ قال للوجوه وقال معمر وقال الحسن اللحى ~~وسئل ابن سيرين عن السجود على الأنف فقال @QB@ يخرون للأذقان سجدا @QE@ ~~وروى طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أسجد على ~~سبعة أعظم ولا أكف شعرا ولا ثوبا قال طاوس وأشار إلى الجبهة PageV05P035 ~~والأنف هما عظم واحد وروى عامر بن سعد عن العباس بن عبدالمطلب أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه ~~وركبتاه وقدماه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سجدت فمكن ~~جبهتك وأنفك من الأرض وروى وائل بن حجر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض وروى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي سعيد ~~الخدري أنه رأى الطين في أنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته من أثر ~~السجود وكانوا مطروا من الليل وروى عاصم الأحول عن عكرمة قال رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجلا ساجدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل صلاة إلا ~~بمس الأنف منها ما يمس الجبين وهذه الأخبار تدل على أن موضع السجود هو ~~الأنف والجبهة جميعا وروى عبدالعزيز بن عبدالله قال قلت لوهب بن كيسان يا ~~أبا نعيم مالك لا تمكن جبهتك وأنفك من الأرض قال ذاك لأني سمعت جابر بن ~~عبدالله يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته على قصاص ~~الشعر وروى أبو الشعثاء قال رأيت عمر سجد فلم يضع أنفه على الأرض فقيل له ~~في ذلك فقال إن أنفي من حر وجهي وأنا أكره أن أشين وجهي وروي عن القاسم ~~وسالم ms2034 أنهما كانا يسجدان على جباههما ولا تمس أنوفهما الأرض وأما حديث جابر ~~فجائز أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسجد على قصاص شعره لعذر كان ~~بأنفه تعذر معه السجود عليه وتأويل من تأوله على الوجوه على اللحى يدل على ~~جواز الاقتصار بالسجود على الأنف دون الجبهة وإن كان المستحب فعل السجود ~~عليهما لأنه معلوم أنه لم يرد به السجود على الذقن لأن أحدا من أهل العلم ~~لا يقول ذلك فثبت أن المراد الأنف لقربه من الذقن ومن مذهب أبي حنيفة أنه ~~إن سجد على الأنف دون الجبهة أجزأه وقال أبو يوسف ومحمد لا يجزيه وإن سجد ~~على الجبهة دون الأنف أجزأه عندهم جميعا وروى العطاف بن خالد عن نافع عن ~~ابن عمر قال إذا وقع أنفك على الأرض فقد سجدت وروى سفيان عن حنظلة عن طاوس ~~قال الجبهة والأنف من السبعة في الصلاة واحد وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس ~~قال إن الأنف من الجبين وقال هو خيره # | باب ما يقال في السجود # قال الله عز وجل @QB@ ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا @QE@ ~~فمدحهم بهذا القول عند السجود فدل على أن المسنون في السجود من الذكر هو ~~التسبيح وروى موسى بن PageV05P036 أيوب عن عمه عن عقبة بن عامر قال لما نزل ~~@QB@ فسبح باسم ربك العظيم @QE@ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها ~~في ركوعكم فلما نزل @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اجعلوها في سجودكم وروى ابن أبي ليلى عن الشعبي عن صلة بن زفر عن ~~حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي ~~سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وروى قتادة عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح وروى ابن أبي ذئب عن إسحاق بن يزيد عن عون بن عبدالله عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى ms2035 الله عليه وسلم قال إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه ~~سبحان ربي العظيم ثلاثا فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه وذكر في سجوده سبحان ربي ~~الأعلى ثلاثا وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أما ~~الركوع فعظموا فيه الرب وأم السجود فأكثروا فيه الدعاء فإنه قمن أن يستجاب ~~لكم وروي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ~~سجوده اللهم لك سجدت وبك آمنت في كلام كثير وجائز أن يكون ما رواه علي وابن ~~عباس إنما كان يقوله قبل نزول @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ ثم لما نزل ذلك ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل في السجود كما رواه عقبة بن عامر ~~وقال أصحابنا والثوري والشافعي يقول في الركوع سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي ~~السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا وقال الثوري يستحب للإمام أن يقولها خمسا في ~~الركوع وفي السجود حتى يدرك الذين خلفه ثلاث تسبيحات وقال ابن القاسم عن ~~مالك في الركوع والسجود إذا أمكن ولم يسبح فهو يجزي عنه وكان لا يوقت ~~تسبيحا وقال مالك في السجود والركوع قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم ~~وفي السجود سبحان ربي الأعلى لا أعرفه فأنكره ولم يجد فيه دعاء موقتا قال ~~ولكن يمكن يديه من ركبتيه في الركوع ويمكن جبهته من الأرض في السجود وليس ~~فيه عنده حد # | باب البكاء في الصلاة # قال الله تعالى @QB@ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا @QE@ ومثله قوله ~~تعالى @QB@ خروا سجدا وبكيا @QE@ وفيه الدلالة على أن البكاء في الصلاة من ~~خوف الله لا يقطع الصلاة لأن الله تعالى قد مدحهم بالبكاء في السجود ولم ~~يفرق بين سجود الصلاة وسجود التلاوة وسجدة الشكر وروى سفيان بن عيينة قال ~~حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد قال سمعت PageV05P037 عبدالله بن شداد قال ~~سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وإني لفي آخر الصفوف وقرأ في صلاة الصبح سورة ~~يوسف حتى إذا بلغ @QB@ إنما أشكو بثي وحزني إلى ms2036 الله @QE@ نشج ولم ينكر ~~عليه أحد من الصحابة وقد كانوا خلفه فصار إجماعا وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وقوله تعالى ~~@QB@ ويزيدهم خشوعا @QE@ يعني به أن بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا إلى ~~خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء داعية ~~إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ما يجب من القيام بحقوق نعمه والله ~~الموفق # | باب الجهر بالقراءة في الصلاة والدعاء # قال الله تعالى @QB@ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ~~@QE@ روي عن ابن عباس رواية وعائشة ومجاهد وعطاء لا تجهر بدعائك ولا تخافت ~~به وروي عن ابن عباس أيضا وقتادة إن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جهر ولا يسمع من خلفه إذا خافت وذلك بمكة فأنزل الله ~~تعالى @QB@ ولا تجهر بصلاتك @QE@ وأراد به القراءة في الصلاة وقال الحسن لا ~~تجهر بالصلاة بإشاعتها عند من يؤذيك ولا تخافت بها عند من يلتمسها فكان ذلك ~~عند الحسن أنه أريد ترك الجهر في حال وترك ذلك المخافتة في أخرى وقيل لا ~~تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة ~~الليل وتخافت بصلاة النهار على ما أمرناك به وروي عن عبادة بن نسي عن غضيف ~~بن الحارث قال سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن ~~أو يخافت قالت ربما جهر وربما خافت وروى أبو خالد الوالبي عن أبي هريرة أنه ~~كان إذا قام من الليل يخفض طورا ويرفع طورا وقال هكذا كانت قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الناس في ~~آخر رمضان فقال إن المصلي إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه ولا ~~يجهر بعضكم على بعض وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يرفع الرجل صوته بالقرآن قبل العشاء ms2037 وبعدها يغلط أصحابه ~~في الصلاة ورويت أخبار في الجهر بالقراءة في صلاة الليل روى كريب عن ابن ~~عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من ~~كان خارجا وروى إبراهيم عن علقمة قال صليت مع عبدالله ليلة فكان يرفع صوته ~~بالقراءة فيسمع أهل الدار وروي أن أبا بكر إذا صلى PageV05P038 خفض صوته ~~وإن عمر كان إذا صلى رفع صوته فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم ~~تفعل هذا قال أناجي ربي وقد علم حاجتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحسنت ~~وقال لعمر لم تفعل هذا فقال أوقظ النومان وأطرد الشيطان فقال أحسنت فلما ~~نزل @QB@ ولا تجهر بصلاتك @QE@ الآية قال لأبي بكر ارفع شيئا وقال لعمر ~~اخفض شيئا وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~صوت أبي موسى فقال لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود فهذا يدل ~~على أن رفع الصوت لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وروى عبدالرحمن بن ~~عوسجة عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن ~~بأصواتكم وروى حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول حسنوا ~~أصواتكم بالقرآن وروى ابن جريج عن طاوس قال سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أحسن الناس قراءة قال الذي إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله آخر ~~سورة بني إسرائيل # | سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا @QE@ فيه بيان أن ما جعله زينة لها ~~من النبات والحيوان وغير ذلك سيجعله صعيدا جرزا والصعيد الأرض والصعيد ~~التراب وما ذكره الله تعالى من إحالته ما عليها مما هو زينة لها صعيدا هو ~~مشاهد معلوم من طبع الأرض إذ كل ما يحصل فيها من نبات أو حيوان أو حديد أو ~~رصاص أو نحوه من الجواهر يستحيل ترابا فإذا ms2038 كان الله جل وعلا قد أخبر أن ما ~~عليها يصيره صعيدا جرزا وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد وجب بعموم ذلك جواز ~~التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك ~~لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في ~~النجاسات إذ استحالت أرضا أنها طاهرة لأنها في هذه الحال أرض ليست بنجاسة ~~وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنه طاهر لأن الرماد في نفسه طاهر ~~وليس بنجاسة ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر إذ النجاسة ~~هي التي توجد على ضرب من الإستحالة وقد زال ذلك عنها بالإحراق وصارت إلى ~~ضرب الإستحالة التي لا توجب التنجيس وكذلك الخمر إذا استحالت خلا فهو طاهر ~~لأنه في الحال ليس PageV05P039 بخمر لزوال الإستحالة الموجبة لكونها خمرا ~~قوله تعالى @QB@ إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيئ لنا من أمرنا رشدا @QE@ فيه الدلالة على أن على الإنسان أن يهرب بدينه ~~إذا خاف الفتنة فيه وأن عليه أن لا يتعرض لإظهار كلمة الكفر وإن كان على ~~وجه التقية ويدل على أنه إذا أراد الهرب بدينه خوف الفتنة أن يدعو بالدعاء ~~الذي حكاه الله عنهم لأن الله قد رضي ذلك من فعلهم وأجاب دعاءهم وحكاه لنا ~~على جهة الإستحسان لما كان منهم قوله تعالى @QB@ لنعلم أي الحزبين أحصى لما ~~لبثوا أمدا @QE@ معناه ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما ~~في ذلك من العبرة قوله تعالى @QB@ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا @QE@ قيل فيه وجوه أحدها ما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا ~~يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم وذلك وصفهم في ~~حال نومهم لا بعد اليقظة والثاني إنهم كانوا في مكان موحش من الكهف أعينهم ~~مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون والثالث إن أظفارهم وشعورهم طالبت فلذلك يأخذ ~~الرعب منهم قوله تعالى @QB@ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم @QE@ لما حكى الله ~~ذلك ms2039 عنهم غير منكر لقولهم علمنا أنهم كانوا مصيبين في إطلاق ذلك لأن مصدره ~~إلى ما كان عندهم من مقدار اللبث وفي اعتقادهم لا عن حقيقة اللبث في المغيب ~~وكذلك هذا في قوله @QB@ فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض يوم @QE@ ولم ينكر الله ذلك لأنه أخبر عما عنده وفي اعتقاده لا ~~عن مغيب أمره وكذلك قول موسى عليه السلام للخضر @QB@ أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا @QE@ و @QB@ لقد جئت شيئا إمرا @QE@ يعني عندي كذلك ~~ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن حين قال ذو اليدين أقصرت ~~الصلاة أم نسيت قوله تعالى @QB@ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة @QE@ ~~الآية يدل على جواز خلط دراهم الجماعة والشرى بها والأكل من الطعام الذي ~~بينهم بالشركة وإن كان بعضهم قد يأكل أكثر مما يأكل غيره وهذا الذي يسميه ~~الناس المناهدة ويفعلونه في الأسفار وذلك لأنهم قالوا فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة فأضاف الورق إلى الجماعة ونحوه قوله تعالى @QB@ وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم @QE@ فأباح لهم بذلك خلط طعام اليتيم بطعامهم وأن تكون ~~يده مع أيديهم مع جواز أن يكون بعضهم أكثر أكلا من غيره وفي هذه الآية ~~دلالة على جواز الوكالة بالشرى لأن الذي بعثوا به كان وكيلا لهم ~~PageV05P040 # | باب الإستثناء في اليمين # قال الله تعالى @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ~~@QE@ قال أبو بكر هذا الضرب من الإستثناء يدخل لرفع حكم الكلام حتى يكون ~~وجوده وعدمه سواء وذلك لأن الله تعالى ندبه الإستثناء بمشيئة الله تعالى ~~لئلا يصير كاذبا بالحلف فدل على أن حكمه ما وصفنا ويدل عليه أيضا قوله عز ~~وجل حاكيا عن موسى عليه السلام @QB@ ستجدني إن شاء الله صابرا @QE@ فلم ~~يصبر ولم يك كاذبا لوجود الإستثناء في كلامه فدل على أن معناه ما وصفنا من ~~دخوله في الكلام لرفع حكمه فوجب أن لا يختلف حكمه في دخوله على اليمين أو ~~على إيقاع ms2040 الطلاق أو على العتاق وقد روى أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث ~~عليه وفي بعض الألفاظ فقد استثنى قال أبو بكر ولم يفرق بين شيء من الأيمان ~~فهو على جميعها وعن عبدالله بن مسعود من قوله مثله وعطاء وطاوس ومجاهد ~~وإبراهيم قالوا الإستثناء في كل شيء وقد روى إسماعيل بن عياش عن حميد بن ~~مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا قال الرجل لعبده أنت حر إن شاء الله فهو حر وإذا قال لامرأته أنت طالق ~~إن شاء الله فليست بطالق وهذا حديث شاذ واهي السند غير معمول عليه عند أهل ~~العلم وقد اختلف أهل العلم بعد اتفاقهم على صحة الإستثناء في الوقت الذي ~~يصح فيه الإستثناء على ثلاثة أنحاء فقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وأبو العالية إذا استثنى بعد سنة صح استثناؤه وقال الحسن وطاوس يجوز ~~الإستثناء ما دام في المجلس وقال إبراهيم وعطاء والشعبي لا يصح الإستثناء ~~إلا موصولا بالكلام وروي عن إبراهيم في الرجل يحلف ويستثني في نفسه قال لا ~~يجهر بالإستثناء كما جهر بيمينه وهذا محمول عندنا على أنه لا يصدق في ~~القضاء إذا ادعى أنه كان استثنى ولم يسمع منه وقد سمع منه اليمين وقال ~~أصحابنا وسائر الفقهاء لا يصح الإستثناء إلا موصولا بالكلام وذلك لأن ~~الإستثناء بمنزلة الشرط والشرط لا يصلح ولا يثبت حكمه إلا موصولا بالكلام ~~من غير فصل مثل قوله أنت طالق إن دخلت الدار فلو قال أنت طالق ثم قال إن ~~دخلت الدار بعد ما سكت لم يوجب ذلك تعلق الطلاق بالدخول ولو جاز هذا لجاز ~~أن يقول لامرأته أنت طالق ثلاثا ثم يقول بعد سنة إن شاء الله فيبطل الطلاق ~~ولا تحتاج إلى زوج ثان في إباحتها للأول وفي PageV05P041 تحريم الله تعالى ~~إياها عليه بالطلاق الثلاث إلا بعد زوج دلالة ms2041 على بطلان الإستثناء بعد ~~السكوت ولما صح ذلك في الإيقاع في أنه لا يصح الإستثناء إلا موصولا بالكلام ~~كان كذلك حكم اليمين وأيضا قال الله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته ~~أنه إن برأ ضربها فأمره الله تعالى أن يأخذ بيده ضغثا ويضرب به ولا يحنث ~~ولو صح الإستثناء متراخيا عن اليمين لأمره بالإستثناء فيستغني به عن ضربها ~~بالضغث وغيره ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ولو جاز الإستثناء ~~متراخيا عن اليمين لأمره بالإستثناء واستغنى عن الكفارة وقال صلى الله عليه ~~وسلم إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي ~~هو خير وكفرت عن يميني ولم يقل إلا قلت إن شاء الله فإن قيل روى قيس عن ~~سماك عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا والله ~~لأغزون قريشا ثم سكت ساعة فقال إن شاء الله فقد استثنى بعد السكوت قيل له ~~رواه شريك عن سماك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والله لأغزون قريشا ~~ثلاثا ثم قال في آخرهن إن شاء الله فأخبر أنه استثنى في آخرهن وذلك يقتضي ~~اتصاله باليمين وهو أولى لما ذكرنا وفي هذا الخبر دلالة أيضا على أنه إذا ~~حلف بأيمان كثيرة ثم استثنى في آخرهن كان الإستثناء راجعا إلى الجميع واحتج ~~ابن عباس ومن تابعه في إجازة الإستثناء متراخيا عن اليمين بقوله تعالى @QB@ ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت @QE@ ~~فتأولوا قوله @QB@ واذكر ربك إذا نسيت @QE@ على الإستثناء وهذا غير واجب ~~لأن قوله تعالى @QB@ واذكر ربك إذا نسيت @QE@ يصح أن يكون كلاما مبتدأ ~~مستقلا بنفسه من غير تضمين له بما قبله وغير جائز فيما كان هذا سبيله ~~تضمينه بغيره وقد روى ثابت عن عكرمة في قوله تعالى @QB@ واذكر ربك إذا نسيت ~~@QE@ قال إذا غضبت ms2042 فثبت بذلك أنه إنما أراد الأمر بذكر الله تعالى وأن يفزع ~~إليه عند السهو والغفلة وقد روي في التفسير أن قوله تعالى @QB@ ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله @QE@ إنما نزل فيما سألت قريش عن ~~قصة أصحاب الكهف وذي القرنين فقال سأخبركم فأبطأ عنه جبريل عليهما السلام ~~أياما ثم أتاه بخبرهم وأمره الله تعالى بعد ذلك بأن لا يطلق القول على فعل ~~يفعله في المستقبل إلا مقرونا بذكر مشيئة الله تعالى وفي نحو ذلك ما روى ~~هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال سليمان بن داود والله لأطوفن PageV05P042 الليلة على مائة امرأة ~~فتلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ~~فلم تلد منهن إلا واحدة ولدت نصف إنسان قوله تعالى @QB@ ولبثوا في كهفهم ~~ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا @QE@ روي عن قتادة أن هذا حكاية عن قول ~~اليهود لأنه قال @QB@ قل الله أعلم بما لبثوا @QE@ وقال مجاهد والضحاك ~~وعبيد بن عمير إنه إخبار من الله تعالى بأن هذا كانت مدة لبثهم ثم قال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم قل إن حاجك أهل الكتاب الله أعلم بما لبثوا وقيل ~~فيه الله أعلم بما لبثوا إلى الوقت الذي نزل فيه القرآن بها وقيل قل الله ~~أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا فأما قول قتادة فليس بظاهر لأنه لا يجوز صرف ~~إخبار الله إلى أنه حكاية عن غيره إلا بدليل ولأنه يوجب أن يكون بيان مدة ~~لبثهم غير مذكور في الكتاب مع العلم بأن الله قد أراد منا الاعتبار ~~والإستدلال به على عجيب قدرة الله تعالى ونفاذ مشيئته قوله تعالى @QB@ ~~ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله @QE@ قيل في ما شاء ~~الله وجهان أحدهما ما شاء الله كان فحذف كقوله تعالى @QB@ فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء @QE@ فحذف منه فافعل والثاني هو ms2043 ما ~~شاء الله وقد أفاد أن قول القائل منا ما شاء الله ينتظم رد العين وارتباط ~~النعمة وترك الكبر لأن فيه إخبار أنه لو قال ذلك لم يصبها ما أصاب قوله ~~تعالى @QB@ إلا إبليس كان من الجن @QE@ فيه بيان أنه ليس من الملائكة لأنه ~~أخبر انه من الجن وقال الله تعالى @QB@ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ~~@QE@ فهو جنس غير جنس الملائكة كما أن الإنس جنس غير جنس الجن وروي أن ~~الملائكة أصلهم من الريح كما أن أصل بني آدم من الأرض وأصل الجن من النار ~~قوله تعالى @QB@ نسيا حوتهما @QE@ والناسي له كان يوشع بن نون فأضاف ~~النسيان إليهما كما يقال نسي القوم زادهم وإنما نسيه أحدهم وكما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولابن عم له إذا سافرتما فأذنا وأقيما ~~وليؤمكما أحدكما وإنما يؤذن ويقيم أحدهما وقال @QB@ يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وإنما هم من الإنس قوله تعالى @QB@ لقد لقينا من ~~سفرنا هذا نصبا @QE@ يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان ~~نصب أو تعب في سعي في قربة وأن ذلك ليس بشكاية مكروهة وما ذكره الله تعالى ~~في قصة موسى عليه السلام مع الخضر فيه بيان أن فعل الحكيم للضرر لا يجوز أن ~~يستنكر إذا كان فيه تجويز فعله على وجه الحكمة المؤدية إلى المصلحة وإن ما ~~يقع من الحكيم من ذلك لخلاف ما يقع من السفيه وهو مثل الصبي الذي ~~PageV05P043 إذا حجم أو سقي الدواء استنكر ظاهره وهو غير عالم بحقيقة معنى ~~النفع والحكمة فيه فكذلك ما يفعل الله من الضرر أو ما يأمر به غير جائز ~~استنكاره بعد قيام الدلالة أنه لا يفعل إلا ما هو صواب وحكمة وهذا أصل كبير ~~في هذا الباب والخضر عليه السلام لم يحتمل موسى أكثر من ثلاث مرات فدل على ~~أنه جائز للعالم احتمال من يتعلم منه المرتين والثلاث على مخالفة أمره وأنه ~~جائز له بعد الثلاث ترك احتماله # | في الكنز ms2044 ما هو # قال الله تعالى @QB@ وكان تحته كنز لهما @QE@ قال سعيد بن جبير علم وقال ~~عكرمة مال وقال ابن عباس ما كان بذهب ولا فضة وإنما كان علما صحفا وقال ~~مجاهد صحف من علم وقد روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله @QB@ وكان تحته كنز لهما @QE@ قال ذهب وفضة ولما تأولوه على الصحف ~~وعلى العلم وعلى الذهب وعلى الفضة دل على أن اسم الكنز يقع على الجميع ~~لولاه لم يتأولوه عليه وقال الله تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ فخص الذهب والفضة بالذكر لأن سائر الأشياء ~~إذا كثرت لا تجب فيها الزكاة وإنما تجب فيها الزكاة إذا كانت مرصدة للنماء ~~والذهب والفضة تجب فيهما وإن كانا مكنوزين غير مرصدين للنماء قوله تعالى ~~@QB@ وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما @QE@ الآية فيه دلالة ~~على أن الله يحفظ الأولاد لصلاح الآباء وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن الله ليحفظ المؤمن في أهله وولده وفي الدويرات حوله ونحوه ~~قوله تعالى @QB@ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما @QE@ فأخبر بدفع العذاب عن الكفار لكون ~~المؤمنين فيهم ونحوه قوله تعالى @QB@ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم @QE@ ~~آخر سورة الكهف # | ومن سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ فمدحه بإخفاء الدعاء ~~وفيه الدليل على أنه إخفاءه أفضل من الجهر به ونظيره قوله تعالى @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية @QE@ وروى سعد PageV05P044 ابن أبي وقاص عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي وعن الحسن إنه كان يرى ~~أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه وكان لا يعجبه رفع الأصوات وروى ~~أبو موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى قوما قد ~~رفعوا أصواتهم بالدعاء فقال ms2045 إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي تدعونه ~~أقرب إليكم من حبل الوريد قوله تعالى @QB@ وإني خفت الموالي من ورائي @QE@ ~~روي عن مجاهد وقتادة وأبي صالح والسدي إن الموالي العصبة وهم بنو أعمامه ~~خافهم على الدين لأنهم كانوا شرار بني إسرائيل قوله تعالى @QB@ فهب لي من ~~لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب @QE@ سأل الله عز وجل أن يرزقه ولدا ذكرا ~~يلي أمور الدين والقيام به بعد موته لخوفه من بني أعمامه على تبديل دينه ~~بعد وفاته وروى قتادة عن الحسن في قوله تعالى @QB@ يرثني ويرث من آل يعقوب ~~@QE@ قال نبوته وعلمه وروى خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان عقيما لا ~~يولد له ولد فسأل ربه الولد فقال يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة وعن أبي ~~صالح مثله فذكر ابن عباس إنه يرث المال ويرث من آل يعقوب النبوة فقد أجاز ~~إطلاق اسم الميراث على النبوة فكذلك يجوز أن يعني بقوله @QB@ يرثني @QE@ ~~يرث علمي وقال النبي صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وإن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كونوا على مشاعركم يعني بعرفات فإنكم على إرث من إرث ~~إبراهيم وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا بكر الصديق قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث ما تركنا صدقة وروى الزهري عن مالك بن أوس ~~بن الحدثان قال سمعت عمر ينشد نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ~~عثمان وعبدالرحمن بن عوف والزبير وطلحة أنشدكم بالله الذي به تقوم السموات ~~والأرض أتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة ~~قالوا نعم فقد ثبت برواية هذه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الأنبياء لا يورثون المال ويدل على أن زكريا لم يرد بقوله يرثني المال إن ~~نبي الله لا يجوز أن يأسف على مصير ماله بعد موته إلى مستحقه وإنه إنما خاف ~~أن يستولي بنو ms2046 أعمامه على علومه وكتابه فيحرفونها ويستأكلون بها فيفسدون ~~دينه ويصدون الناس عنه قوله تعالى @QB@ إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا @QE@ فيه الدلالة على ترك الكلام واستعمال الصمت قد كان قربة ~~لولا ذلك لما نذرته مريم عليها السلام ولما فعلته بعد النذر وقد روى معمر ~~عن قتادة في قوله @QB@ إني نذرت للرحمن صوما @QE@ PageV05P045 قال في بعض ~~الحروف صمتا ويدل على أن مرادها الصمت قولها @QB@ فلن أكلم اليوم إنسيا ~~@QE@ وهذا منسوخ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صمت يوم ~~إلى الليل وقال السدي كان من صام في ذلك الزمان لا يكلم الناس فأذن لها في ~~هذا المقدار من الكلام وقد كان الله تعالى حبس زكريا عن الكلام ثلاثا وجعل ~~ذلك آية له على الوقت الذي يخلق له فيه الولد فكان ممنوعا من الكلام من غير ~~آفة ولا خرس قوله تعالى @QB@ فخرج على قومه من المحراب @QE@ قال أبو عبيدة ~~المحراب صدر المجلس ومنه محراب المسجد وقيل إن المحراب الغرفة ومنه قوله ~~تعالى @QB@ إذ تسوروا المحراب @QE@ وقيل المحراب المصلى وقوله تعالى @QB@ ~~فأوحى إليهم @QE@ قيل فيه إنه أشار إليهم وأومأ بيده فقامت الإشارة في هذا ~~الموضع مقام القول لأنها أفادت ما يفيده القول وهذا يدل على أن إشارة ~~الأخرس معمول عليها قائمة فيما يلزمه مقام القول ولم يختلف الفقهاء أن ~~إشارة الصحيح لا تقوم مقامه قوله وإنم كان في الأخرس كذلك لأنه بالعادة ~~والمران والضرورة الداعية إليها قد علم بها مالا يعلم بالقول وليس للصحيح ~~في ذلك عادة معروفة فيعمل عليها ولذلك قال أصحابنا فيمن اعتقل لسانه فأومأ ~~وأشار بوصية أو غيرها أنه لا يعمل على ذلك لأنه ليس له عادة جارية بذلك حتى ~~يكون في معنى الأخرس قوله تعالى @QB@ قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا @QE@ قال قائلون إنما تمنت الموت للحال التي دفعت إليها من الولادة ~~من غير ذكر وهذا خطأ لأن هذه حال كان الله تعالى قد ابتلاها بها وصيرها ~~إليها وقد كانت ms2047 هي راضية بقضاء الله تعالى لها بذلك مطيعة لله وتسخط فعل ~~الله وقضائه معصية لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما هو صواب وحكمة فعلمنا ~~أنها لم تتمن الموت لهذا المعنى وإنما تمنته لعلمها بأن الناس سيرمونها ~~بالفاحشة فيأثمون بسببها فتمنت أن تكون قد ماتت قبل أن يعصي الناس الله ~~بسببها قوله تعالى فناداها من تحتها قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي ~~جبريل عليه السلام وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ووهب بن منبه الذي ~~ناداها عيسى عليه السلام وقوله تعالى وجعلني مباركا أينما كنت قال مجاهد ~~معلما للخير وقال غيره جعلني نفاعا وقوله تعالى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما ~~دمت حيا قيل إنه عنى زكاة المال وقيل أراد التطهير من الذنوب قوله تعالى ~~وبرا بوالدتي إلى قوله والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا يدل ~~على أنه يجوز للإنسان أن PageV05P046 يصف نفسه بصفات الحمد والخير إذا أراد ~~تعريفها إلى غيره لا على جهة الإفتخار وهو أيضا مثل قول يوسف عليه السلام ~~@QB@ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم @QE@ فوصف نفسه بذلك تعريفا ~~للملك بحاله قوله تعالى واهجرني مليا روي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والسدي قالوا دهرا طويلا وعن ابن عباس وقتادة والضحاك مليا سويا سليما من ~~عقوبتي قال أبو بكر هذا من قولهم فلان ملي بهذا الأمر إذا كان كامل الأمر ~~فيه مضطلعا به قوله تعالى أضاعوا الصلاة قال عمر بن عبدالعزيز أضاعوها ~~بتأخيرها عن مواقيتها ويدل على هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن يدعها حتى يدخل وقت الأخرى وقال محمد ~~بن كعب أضاعوها بتركها قوله تعالى هل تعلم له سميا قال ابن عباس ومجاهد ~~وابن جريج مثلا وشبيها وقوله تعالى لم نجعل له من قبل سميا قال ابن عباس لم ~~تلد مثله العواقر وقال مجاهد لم نجعل له من قبل مثلا وقال قتادة وغيره لم ~~يسم أحد قبله باسمه وقيل في معنى قوله هل تعلم له ms2048 سميا أن أحدا لا يستحق أن ~~يسمى إلها غيره وقوله تعالى @QB@ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا @QE@ فيه الدلالة على أن سامع السجدة وتاليها سواء في حكمها وأنهم ~~جميعا يسجدون لأنه مدح السامعين لها إذا سجدوا وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه تلا سجدة يوم الجمعة على المنبر فنزل وسجدها وسجد المسلمون ~~معه وروى عطية عن ابن عمر وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب قالوا السجدة على ~~من سمع وروى أبو إسحاق عن سليمان بن حنظلة الشيباني قال قرأت عند ابن مسعود ~~سجدة فقال إنما السجدة على من جلس لها وروى سعيد بن المسيب عن عثمان مثله ~~قال أبو بكر قد أوجبا السجدة على من جلس لها ولا فرق بين أن يجلس للسجدة ~~بعد أن يكون قد سمعها إذ كان السبب الموجب لها هو السماع ثم لا يختلف حكمها ~~في الوجوب بالنية وفي هذه الآية دلالة أيضا على أن البكاء في الصلاة من خوف ~~الله لا يفسدها قوله تعالى @QB@ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا @QE@ فيه الدلالة على أن ملك الوالد ~~لا يبقى على ولده فيكون عبدا له يتصرف فيه كيف شاء وأنه يعتق عليه إذا ملكه ~~وذلك لأنه تعالى فرق بين الولد والعبد فنفى بإثباته العبودية النبوة وقد ~~روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يجزي ولد والده إلا أن ~~يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه بالشرى وهو كقوله صلى الله عليه وسلم الناس ~~غاديان فبائع PageV05P047 نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها ولم يرد بذلك أن ~~يبتدئ لنفسه عتقا بعد الشرى وإنما معناه معتقها بالشرى فكذلك قوله فيشتريه ~~فيعتقه وهو كقوله فيشتريه فيملكه وليس المراد منه استئناف ملك آخر بعد ~~الشرى بل يملكه ويدل على أنه يعتق عليه بنفس الشرى إن ولد الحر من أمته حر ~~الأصل ولا يحتاج إلى استئناف عتق وكذلك المشتري لابنه لأنه لو احتاج ~~المشتري لابنه إلى استئناف عتق ms2049 لاحتاج إليه أيضا الإبن المولود من أمته إذ ~~كانت الأمة مملوكة فإن قيل إن ولد أمته منه حر الأصل فلم يحتج من أجل ذلك ~~إلى استئناف عتق والولد المشترى مملوك فلا يعتق بالشرى حتى يستأنف له عتقا ~~قيل له اختلافهما من هذا الوجه لا يمنع وجه الاستدلال منه على ما وصفنا في ~~أن الإنسان لا يبقى له ملك على ولده وأنه واجب أن يعتق عليه إذا ملكه وذلك ~~لأنه لو جاز له أن يبقى له ملك على ولده لوجب أن يكون ولده من أمته رقيقا ~~إلى أن يعتقه وإنما اختلف الولد والمولود من أمته والولد المشترى في كون ~~الأول حر الأصل وكون الآخر معتقا عليه ثابت الولاء منه من قبل أن الولد ~~المشترى قد كان ملكا لغيره فلا بد إذا اشتراه من وقوع العتاق عليه حتى ~~يستقر ملكه إذ غير جائز إيقاع العتق في ملك بائعه لأنه لو وقع العتاق في ~~ملكه لبطل البيع لأنه بعد العتق ولا يصح أيضا وقوعه في حال البيع لأن حصول ~~العتق ينفي صحة البيع في الحال التي يقع فيها فوجب أن يعتق في الثاني من ~~ملكه ولا يصح ايضا وقوع العتاق في حال الملك لأنه يكون إيقاع عتق لا في ملك ~~فلذلك وجب أن يعتق في الثاني من ملكه وأما الولد المولود في ملكه من جاريته ~~فإنا لو أثبتنا له ملكا فيه كان هو المستحق للعتق في حال الملك فلا جائز أن ~~يثبت ملكه مع وجود ما ينافيه وهواستحقاق العتاق في تلك الحال فكان حر الأصل ~~ولم يثبت له ملك فيه ولو ثبت ملكه ابتداء فيه لكان مستحقا بالعتق في حال ما ~~يريد إثباته لوجود سببه الموجب له وهو ملكه للأم وغير جائز إثبات ملك ينتفي ~~في حال وجوده واختلافهما من هذا الوجه لا ينفي أن يكون ملكه لولده في ~~الحالين موجبا لعتقه وحريته قوله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ قيل فيه وجهان أحدهما في الآخرة يحب ~~بعضهم بعضا ms2050 كمحبة الوالد للولد وقال ابن عباس ومجاهد ودا في الدنيا آخر ~~سورة مريم PageV05P048 # | ومن سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ قال الحسن استوى بلطفه ~~وتدبيره وقيل استولى وقوله تعالى فإنه يعلم السر وأخفى قال ابن عباس السر ~~ما حدث به العبد غيره في خفي وأخفى منه ما أضمره في نفسه مما لم يحدث به ~~غيره وقال سعيد بن جبير وقتادة السر ما أضمره العبد في نفسه وأخفى منه مالم ~~يكن ولا أضمره أحد قوله تعالى فاخلع نعليك قال الحسن وابن جريج أمره بخلع ~~نعليه ليباشر بقدمه بركة الوادي المقدس قال أبو بكر يدل عليه قوله عقيب ذلك ~~@QB@ إنك بالواد المقدس طوى @QE@ فتقديره اخلع نعليك لأنك بالواد المقدس ~~وقال كعب وعكرمة كانت من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعها قال أبو بكر ليس في ~~الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل وذلك لأن التأويل إن كان هو ~~الأول فالمعنى فيه مباشرة الوادي بقدمه تبركا به كاستلام الحجر وتقبيله ~~تبركا به فيكون الأمر بخلع النعل مقصورا على تلك الحال في ذلك الوادي ~~المقدس بعينه وإن كان التأويل هو الثاني فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس ~~جلد الحمار الميت وإن كان مدبوغا فإن كان كذلك فهو منسوخ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أيما إهاب دبغ فقد طهر وقد صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال مالكم ~~خلعتم نعالكم قالوا خلعت فخلعنا قال فإن جبريل أخبرني أن فيها قذرا فلم ~~يكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل وأنكر على الخالعين خلعها ~~وأخبرهم أنه إنما خلعها لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا وهذا عندنا محمول على ~~أنها كانت نجاسة يسيرة لأنها لو كانت كثيرة لاستأنف الصلاة قوله تعالى وأقم ~~الصلاة لذكري قال الحسن ومجاهد لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم وقيل فيه ~~لأن أذكرك بالثناء والمدح وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي ms2051 صلى الله ~~عليه وسلم نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلاها بعد طلوع الشمس وقال إن ~~الله يقول @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ وروى همام بن يحيى عن قتادة عن أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة ~~لها إلا ذلك وتلا أقم الصلاة لذكري وهذا يدل على أن قوله أقم الصلاة لذكري ~~قد أريد به فعل الصلاة المتروكة وكون ذلك مرادا بالآية PageV05P049 لا ينفي ~~أن تكون المعاني التي تأولها عليها الآخرون مرادة أيضا إذ هي غير متنافية ~~فكأنه قال أقم الصلاة إذا ذكرت الصلاة المنسية لتذكرني فيها بالتسبيح ~~والتعظيم لأن أذكرك بالثناء والمدح فيكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية ~~وهذا الذي ورد به الأثر من إيجاب قضاء الصلاة المنسية عند الذكر لا خلاف ~~بين الفقهاء فيه وقد روي عن بعض السلف فيه قول شاذ ليس العمل عليه فروى ~~إسرائيل عن جابر عن أبي بكر بن أبي موسى عن سعد قال من نسي صلاة فليصلها ~~إذا ذكرها وليصل مثلها من الغد وروى الجريري عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب ~~قال إذا فاتت الرجل الصلاة صلاها من الغد لوقتها فذكرت ذلك لأبي سعيد فقال ~~صلها إذا ذكرتها وهذان القولان شاذان وهما مع ذلك خلاف ما ورد به الأثر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بقضاء الفائتة عند الذكر من غير فعل صلاة ~~أخرى غيرها وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى أقم الصلاة لذكري ~~عقيب ذكر الفائتة وبعد قوله من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها يوجب أن يكون ~~مراد الآية قضاء الفائتة عند الذكر وذلك يقتضي الترتيب في الفوائت لأنه إذا ~~كان مأمورا بفعل الفائتة عند الذكر وكان ذلك في وقت صلاة فهو منهي لا محالة ~~عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال فأوجب ذلك فساد صلاة الوقت إن قدمها على ~~الفائتة لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على غيره وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا الترتيب بين ms2052 الفوائت وبين صلاة الوقت واجب في ~~اليوم والليلة وما دونهما إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت فإن ~~زاد على اليوم والليلة لم يجب الترتيب والنسيان يسقط الترتيب عندهم أعني ~~نسيان الصلاة الفائتة وقال مالك بن أنس بوجوب الترتيب وإن نسي الفائتة إلا ~~أنه يقول إن كانت الفوائت كثيرة بدأ بصلاة الوقت ثم صلى ما كان نسي وإن ~~كانت الفوائت خمسا ثم ذكرهن قبل صلاة الصبح صلاهن قبل الصبح وإن فات وقت ~~الصبح وإن صلى الصبح ثم ذكر صلوات صلى ما نسي فإذا فرغ أعاد الصبح ما دام ~~في الوقت فإذا فات الوقت لم يعد وقال الثوري بوجوب الترتيب إلا أنه لم يرو ~~عنه الفرق بين القليل والكثير لأنه سئل عمن صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه ~~صلى الظهر على غير وضوء أنه يشفع بركعة ثم يسلم فيستقبل الظهر ثم العصر ~~وروي عن الأوزاعي روايتان في إحداهما إسقاط الترتيب وفي الأخرى إيجابه وقال ~~الليث إذا ذكرها وهو في صلاة وقد صلى ركعة فإن PageV05P050 كان مع إمام ~~فليصل معه حتى إذا سلم صلى التي نسي ثم أعاد الصلاة التي صلاها معه وقال ~~الحسن بن صالح إذا صلى صلوات بغير وضوء أو نام عنهن قضى الأولى فالأولى فإن ~~جاء وقت صلاة تركها وصلى ما قبلها وإن فاته وقتها حتى يبلغها وقال الشافعي ~~الإختيار أن يبدأ بالفائتة فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه ولا فرق بين ~~القليل والكثير قال أبو بكر وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال من نسي صلاة ~~وذكرها وهو خلف إمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ صلى التي نسي ثم يصلي الأخرى ~~وروى عباد بن العوام عن هشام عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال أقبلنا ~~حتى دنونا من المدينة وقد غابت الشمس وكان أهل المدينة يؤخرون المغرب فرجوت ~~أن أدرك معهم الصلاة فأتيتهم وهم في صلاة العشاء فدخلت معهم وأنا أحسبها ~~المغرب فلما صلى الإمام قمت فصليت المغرب ثم صليت العشاء فلما ms2053 أصبحت سألت ~~عن الذي فعلت فكلهم أخبروني بالذي صنعت وكان أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها يومئذ متوافرين وقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بوجوب الترتيب ~~فهؤلاء السلف قد روي عنهم إيجاب الترتيب ولم يرو عن أحد من نظرائهم خلاف ~~فصار ذلك إجماعا من السلف ويدل على وجوب الترتيب في الفوائت ما روى يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ~~ويقول يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليت بعد فنزل وتوضأ ثم صلى العصر بعد ما ~~غربت الشمس ثم صلى المغرب بعد ما صلى العصر وروي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه فاتته أربع صلوات حتى كان هوى من الليل فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ~~ثم العشاء وهذا الخبر يدل من وجهين على وجوب الترتيب أحدهما قوله صلى الله ~~عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي فلما صلاهن على الترتيب اقتضى ذلك إيجابه ~~والوجه الآخر أن فرض الصلاة تحل من الكتاب والترتيب وصف من أوصاف الصلاة ~~وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب فلما ~~قضى الفوائت على الترتيب كان فعله ذلك بيانا للفرض المحمل فوجب أن يكون على ~~الوجوب ويدل على وجوبه أيضا أنهما صلاتان فرضان قد جمعهما وقت واحد في ~~اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة فلما لم يجز إسقاط الترتيب ~~فيهما وجب أن يكون ذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة وقال عمر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إني ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فلم ينكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم = PageV05P051 ولم يأمر بالإعادة فيه الدلالة على ~~أن من صلى العصر عند غروب الشمس فلا إعادة عليه قوله تعالى @QB@ وألقيت ~~عليك محبة مني @QE@ يعني إني جعلت من رآك أحبك حتى أحبك فرعون فسلمت من شره ~~وأحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فثبتتك ms2054 قوله تعالى ولتصنع على عيني قال قتادة ~~لتغدى على محبتي وإرادتي قوله تعالى وفتناك فتونا قال سعيد بن جبير سألت ~~ابن عباس عن قوله تعالى وفتناك فتونا فقال استأنف لها نهارا يا ابن جبير ثم ~~ذكر في معناه وقوعه في محنة بعد محنة أخلصه الله منها أو لها إنها حملته في ~~السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال ثم إلقاؤه في اليم ثم منعه الرضاع إلا ~~من ثدي أمه ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ~~فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ثم مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره عما عزموا عليه ~~من قتله وقال مجاهد في قوله تعالى وفتناك فتونا معناه خلصناك خلاصا وقوله ~~تعالى واصطنعتك لنفسي فإن الإصطناع الإخلاص بالألطاف ومعنى لنفسي لتصرف على ~~إرادتي ومحبتي قوله تعالى @QB@ وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها @QE@ قيل في وجه سؤال موسى عليه السلام عما في يده أنه على وجه ~~التقرير له على أن الذي في يده عصا ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها ~~والتأمل لها فإذا أجاب موسى بأنها عصا يتوكأ عليها عند الإعياء وينفض بها ~~الورق لغنمه وإن له فيها منافع أخرى فيها ومعلوم أنه لم يرد بذلك إعلام ~~الله تعالى ذلك لأن الله تعالى كان أعلم بذلك منه ولكنه لما اقتضى السؤال ~~منه جوابا لم يكن له بد من الإجابة بذكر منافع العصا إقرارا منه بالنعمة ~~فيها واعتدادا بمنافعها والتزاما لما يجب عليه من الشكر له ومن أهل الجهل ~~من يسأل عن ذلك فيقول إنما قال الله له وما تلك بيمينك يا موسى فإنما وقعت ~~المسألة عن ماهيتها ولم تقع عن منافعها وما تصلح له فلم أجاب عما لم يسئل ~~منه ووجه ذلك ما قدمنا وهو أنه أجاب عن المسألة بديا بقوله هي عصاي ثم أخبر ~~عما جعل الله تعالى له من المنافع فيها على وجه الاعتراف بالنعمة وإظهار ~~الشكر على ما منحه الله منها وكذلك سبيل أنبياء الله تعالى المؤمنين ms2055 عند ~~مثله في الإعتداد بالنعمة ونشرها وإظهار الشكر عليها وقال الله تعالى @QB@ ~~وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ PageV05P052 # | ومن سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفست فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة @QB@ نفشت فيه غنم ~~القوم @QE@ قال في حرث قوم وقال معمر قال الزهري النفش لا يكون إلا بالليل ~~والهمل بالنهار وقال قتادة فقضى أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان فلما ~~أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ماخرج من رسلها ~~وأولادها وأصوافها إلى الحول وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق وداود وسليمان ~~قال كان الحرث كرما فنفشت فيه ليلا فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب ~~الحرث فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال أولا تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون ~~منها قوم هؤلاء حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت ففهمناها ~~سليمان وروي عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحوه في قصة داود وسليمان قال أبو بكر فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلا في ~~زرع رجل فأفسدته أن على صاحب الغنم ضمان ما أفسدت وإن كان نهارا لم يضمن ~~شيئا وأصحابنا لا يرون في ذلك ضمانا لا ليلا ولا نهارا إذ لم يكن صاحب ~~الغنم هو الذي أرسلها فيها واحتج الأولون بقضية داود وسليمان عليهما السلام ~~واجتماعهما على إيجاب الضمان وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال حدثنا ~~عبدالرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة ~~للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها ms2056 بالليل وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الفريابي عن ~~الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال كانت ~~له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على ~~أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل قال أبو بكر ذكر في ~~الحديث الأول حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء وذكر PageV05P053 في ~~هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب ولم يذكر في الحديث الأول ضمان ~~ما أصابت الماشية ليلا وإنما ذكر الحفظ فقط وهذا يدل على اضطراب الحديث ~~بمتنه وسنده وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال ولم يجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث @QE@ ولا خلاف بين أهل العلم ~~أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ وذلك لأن داود عليه السلام ~~حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها ولا خلاف ~~بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم ولا ~~تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه فثبت أن الحكمين جميعا منسوخان ~~بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم فإن قيل قد تضمنت القصة معاني منها وجوب ~~الضمان على صاحب الغنم ومنها كيفية الضمان وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان ~~ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ قيل له قد ثبت نسخ ذلك أيضا على لسان النبي ~~صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه روى أبو هريرة ~~وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العجماء جبار وفي بعض ~~الألفاظ جرح العجماء جبار ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في ~~البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ms2057 ضمان على صاحبها إذا لم ~~يرسلها هو عليه فلما كان هذا الخبر مستعملا عند الجميع وكان عمومه ينفي ~~ضمان ما تصيبه ليلا أو نهارا ثبت بذلك نسخ ما ذكر في قصة داود وسليمان ~~عليهما السلام ونسخ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلا وأيضا ~~سائر الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب ~~الضمان أو نفيه فلما اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهارا وجب ~~ان يكون ذلك حكمها ليلا وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب ~~الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة ~~الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نفش ~~بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك فأبان النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن حكمهما إذا أصابت زرعا ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسوقه وإرساله في ~~الزروع وإن لم يعلم بذلك وبين ما تساوى حكم العلم والجهل فيه وجائز أيضا أن ~~تكون قضية داود وسليمان كانت على هذا الوجه بأن يكون صاحبها أرسلها ليلا ~~وساقها وهو غير عالم بنفشها في حرث القوم فأوجبا عليه الضمان وإذا كان ذلك ~~محتملا لم تثبت فيه دلالة على موضع PageV05P054 الخلاف وقد تنازع الفريقان ~~من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن الحق واحد ~~والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين فاستدل كل منهم بالآية على ~~قوله وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى @QB@ ~~ففهمناها سليمان @QE@ فخص سليمان بالفهم دل ذلك على أنه كان المصيب للحق ~~عند الله دون داود إذ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم ~~دون داود معنى وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب لما لم يعنف داود على ~~مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعا كانا مصيبين وتخصيصه لسليمان ~~بالتفهيم لا يدل على أن داود كان مخطئا وذلك لأنه جائز أن يكون ms2058 سليمان أصاب ~~حقيقة المطلوب فلذلك خص بالتفهيم ولم يصب داود عين المطلوب وإن كان مصيبا ~~لما كلف ومن الناس من يقول إن حكم داود وسليمان جميعا كان من طريق النص لا ~~من جهة الاجتهاد ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمضى القضية بما قال ~~أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفتيا لا على جهة إنفاذ القضاء بما افتى به ~~أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم ~~الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن ينفذه قالوا ولا دلالة في ~~الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي قالوا وقوله ففهمناها سليمان يعني ~~به تفهيمه الحكم الناسخ وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق النص آخر سورة ~~الأنبياء # | ومن سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر لم يختلف السلف وفقهاء الأمصار في السجدة الأولى من الحج ~~أنها موضع سجود واختلفوا في الثانية منها وفي المفصل فقال أصحابنا سجود ~~القرآن أربع عشرة سجدة منها الأولى من الحج وسجود المفصل في ثلاث مواضع وهو ~~قول الثوري وقال مالك أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ~~ليس في المفصل منها شيء وقال الليث أستحب أن يسجد في سجود القرآن كله وسجود ~~المفصل وموضع السجود من حم @QB@ إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وقال الشافعي ~~سجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة ص فإنها سجدة شكر قال أبو بكر فاعتد ~~بآخر الحج سجودا وقد روي PageV05P055 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد ~~في ص وقال ابن عباس في سجدة حم أسجد بآخر الآيتين كما قال أصحابنا وروى زيد ~~بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في النجم وقال عبدالله بن ~~مسعود سجد النبي صلى الله عليه وسلم في النجم قال أبو بكر ليس فيما روى زيد ~~بن ثابت من ترك النبي ms2059 صلى الله عليه وسلم السجود في النجم دلالة على أنه ~~غير واجب فيه ذلك لأنه جائز أن لا يكون سجد لأنه صادف عند تلاوته بعض ~~الأوقات المنهي عن السجود فيها فأخره إلى وقت يجوز فعله فيه وجائز أيضا أن ~~يكون عند التلاوة على غير طهارة فأخره ليسجد وهو طاهر وروى أبو هريرة قال ~~سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت و @QB@ اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق @QE@ واختلف السلف في الثانية من الحج فروي عن عمر وابن ~~عباس وابن عمر وأبي الدرداء وعمار وأبي موسى أنهم قالوا في الحج سجدتان ~~وقالوا إن هذه السورة فضلت على غيرها من السور بسجدتين وروى خارجة بن مصعب ~~عن أبي حمزة عن ابن عباس قال في الحج سجدة وروى سفيان بن عيينة عن عبد ~~الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الأولى عزمة والآخرة تعليم وروى ~~منصور عن الحسن عن ابن عباس قال في الحج سجدة واحدة وروي عن الحسن وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد أن في الحج سجدة واحدة وقد ~~روينا عن ابن عباس فيما تقدم أن في الحج سجدتين وبين في حديث سعيد بن جبير ~~إن الأولى عزمة والثانية تعليم والمعنى فيه والله أعلم إن الأولى هي السجدة ~~التي يجب فعلها عند التلاوة وإن الثانية كان فيها ذكر السجود فإنما هو ~~تعليم للصلاة التي فيها الركوع والسجود وهو مثل ما روى سفيان عن عبدالكريم ~~عن مجاهد قال السجدة التي في آخر الحج إنما هي موعظة وليست بسجدة قال الله ~~تعالى اركعوا واسجدوا فنحن نركع ونسجد فقول ابن عباس هو على معنى قول مجاهد ~~ويشبه أن يكون من روى عنه من السلف أن في الحج سجدتين إنما أرادوا أن فيه ~~ذكر السجود في موضعين وأن الواجبة هي الأولى دون الثانية على معنى قول ابن ~~عباس ويدل على أنه ليس بموضع سجود أنه ذكر معه الركوع والجمع بين الركوع ~~والسجود مخصوص به الصلاة ms2060 فهو إذا أمر بالصلاة والأمر بالصلاة مع انتظامها ~~للسجود ليس بموضع سجود ألا ترى أن قوله أقيموا الصلاة ليس بموضع للسجود ~~وقال تعالى @QB@ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين @QE@ وليس ~~ذلك سجدة وقال فسبح بحمد ربك PageV05P056 وكن من الساجدين وليس بموضع سجود ~~لأنه أمر بالصلاة كقوله تعالى واركعوا مع الراكعين قوله تعالى مخلقة وغير ~~مخلقة قال قتادة تامة الخلق وغير تامة الخلق وقال مجاهد مصورة وغير مصورة ~~وقال ابن مسعود إذا وقعت النطفة في الرحم أخذها ملك بكفه فقال يا رب مخلقة ~~أو غير مخلقة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما وإن كانت مخلقة كتب ~~رزقه وأجله ذكر أو أنثى شقي أو سعيد وقال أبو العالية غير مخلقة السقط قال ~~أبو بكر قوله تعالى من مضغة مخلقة ظاهره يقتضي أن لا تكون المضغة إنسانا ~~كما اقتضى ذلك في العلقة والنطفة والتراب وإنما نبهنا بذلك على تمام قدرته ~~ونفاذ مشيئته حين خلق إنسانا سويا معدلا بأحسن التعديل من غير إنسان وهي ~~المضغة والعلقة والنطفة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب ولا تعديل للأعضاء ~~فاقتضى أن لا تكون المضغة إنسانا كما أن النطفة والعلقة ليستا بإنسان وإذا ~~لم تكن إنسانا لم تكن حملا فلا تنقضي بها العدة إذ لم تظهر فيها الصورة ~~الإنسانية وتكون حينئذ بمنزلة النطفة والعلقة إذ هما ليستا بحمل ولا تنقضي ~~بهما العدة بخروجهما من الرحم وقول ابن مسعود الذي قدمناه يدل على ذلك لأنه ~~قال إذا وقعت النطفة في الرحم أخذها ملك بكفه فقال يا رب مخلقة أو غير ~~مخلقة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما فأخبر أن الدم الذي تقذفه ~~الرحم ليس بحمل ولم يفرق منه بين ما كان مجتمعا علقة أو سائلا وفي ذلك دليل ~~على أن ما لم يظهر فيه شيء من خلق الإنسان فليس بحمل وإن العدة لا تنقضي به ~~إذ ليس هو بولد كما أن العلقة والنطفة لما لم تكونا ولدا لم تنقض بهما ~~العدة وحدثنا محمد بن بكر ms2061 قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال ~~حدثنا سفيان عن الأعمش قال حدثنا زيد بن وهب قال حدثنا عبدالله بن مسعود ~~قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم ~~يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب ~~شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون أربعين ~~يوما نطفة وأربعين يوما علقة وأربعين يوما مضغة ومعلوم أنها لو ألقته علقة ~~لم يعتد به ولم تنقض به العدة وإن كانت العلقة مستحيلة من النطفة إذ لم تكن ~~له صورة الإنسانية وكذلك المضغة إذا لم تكن لها صورة الإنسانية فلا اعتبار ~~بها وهي بمنزلة العلقة والنطفة ويدل على ذلك ايضا أن المعنى الذي به يتبين ~~الإنسان من الحمار PageV05P057 وسائر الحيوان وجوده على هذا الضرب من ~~البنية والشكل والتصوير فمتى لم يكن للسقط شيء من صورة الإنسان فليس ذلك ~~بولد وهو بمنزلة العلقة والنطفة سواء فلا تنقضي به العدة لعدم كونه ولدا ~~وأيضا فجائز أن يكون ما أسقطته مما لا تتبين له صورة الإنسان دما مجتمعا أو ~~داء أو مدة فغير جائز أن نجعله ولدا تنقضي به العدة وأكثر أحواله احتماله ~~لأن يكون مما كان يجوز أن يكون ولدا ويجوز أن لا يكون ولدا فلا نجعلها ~~منقضية العدة به بالشك وعلى أن اعتبار ما يجوز أن يكون منه ولدا ولا يكون ~~منه ولدا ساقط لا معنى له إذ لم يكن ولدا بنفسه في الحال لأن العلقة قد ~~يجوز أن يكون منها ولد وكذلك النطفة وقد تشتمل الرحم عليهما وتضمهما وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم إن النطفة تمكث أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما ~~علقة ومع ذلك لم يعتبر أحد العلقة في انقضاء العدة وزعم إسماعيل بن إسحاق ~~أن قوما ذهبوا إلى أن السقط لا تنقضي به ms2062 العدة ولا تعتق به أم الولد حتى ~~يتبين شيء من خلقه يدا أو رجلا أو غير ذلك وزعم أن هذا غلط لأن الله أعلمنا ~~أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخلت فيما ذكر من خلق الناس كما ذكر ~~المخلقة فدل ذلك على أن كل شيء يكون من ذلك إلى أن يخرج الولد من بطن أمه ~~فهو حمل وقال تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ والذي ~~ذكره إسماعيل ومعلوم إغفال منه لمقتضى الآية وذلك لأن الله لم يخبر أن ~~العلقة والمضغة ولد ولا حمل وإنما ذكر أنه خلقنا من المضغة والعلقة كما ~~أخبر أنه خلقنا من النطفة ومن التراب ومعلوم أنه حين أخبرنا أنه خلقنا من ~~المضغة والعلقة فقد اقتضى ذلك أن لا يكون الولد نطفة ولا علقة ولا مضغة ~~لأنه لو كانت العلقة والمضغة والنطفة ولدا لما كان الولد مخلوقا منها إذ ما ~~قد حصل ولدا لا يجوز أن يقال قد خلق منه ولد وهو نفسه ذلك الولد فثبت بذلك ~~أن المضغة التي لم يستبن فيها خلق الإنسان ليس بولد وقوله إن الله أعلمنا ~~أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخلت فيما ذكر من خلق الإنسان كما ذكر ~~المخلقة فإنه إن كان هذا استدلالا صحيحا فإنه يلزمه أن يقول مثله في النطفة ~~لأن الله قد ذكرها فيما ذكر من خلق الناس كما ذكر المضغة فينبغي أن تكون ~~النطفة حملا وولدا لذكر الله لها فيما خلق الناس منه فإن قيل قد ذكر الله ~~أنه خلقنا من مضغة مخلقة وغير مخلقة والمخلقة هي المصورة وغير المخلقة غير ~~المصورة فإذا جاز أن يقول خلقكم من مضغة مصورة مع كون المصورة ولدا لم ~~يمتنع أن يكون غير المصورة PageV05P058 ولدا مع قوله @QB@ من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة @QE@ قيل له جائز أن يكون معنى المخلقة ما ظهر فيه بعض صورة ~~الإنسان فأراد بقوله خلقكم منها تمام الخلق وتكميله فأما ما ليس بمخلقة فلا ~~فرق بينه وبين النطفة لعدم الصورة فيها فيكون معنى قوله ms2063 خلقكم منها أنه ~~أنشأ الولد منها وإن لم يكن ولدا قبل ذلك هذا هو حقيقة اللفظ وظاهره وأما ~~قوله @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ فإنه معلوم أن مراده ~~وضع الولد فما ليس بولد فليس بمراد وهذا لا يشكل على أحد له أدنى تأمل وقال ~~إسماعيل أيضا لا تخلوا هذه المضغة وما قبلها من العلقة من أن تكون ولدا أو ~~غير ولد فإن كانت ولدا قبل أن يخلق فحكمها قبل أن يخلق وبعدها واحد وإن ~~كانت ليست بولد إلى أن يخلق فلا ينبغي أن يرث الولد أباه إذا مات حين تحمل ~~به أمه قبل أن يخلق قال أبو بكر وهذا إغفال ثان وكلام منتقض بإجماع الفقهاء ~~وذلك لأنه معلوم أنه إذا مات عن امرأته وجاءت بولد لسنتين على قول من يجعل ~~أكثر مدة الحمل سنتين أو لأربع سنين على قول من يجعل أكثر الحمل أربع سنين ~~أو الولد يرثه ومعلوم أنه إنما كان نطفة وقت وفاة الأب وقد ورثه ومع ذلك ~~فلا خلاف أن النطفة ليست بحمل ولا ولد وأنه لا تنقضي بها العدة ولا تعتق ~~بها أم الولد فبان ذلك فساد اعتلاله وانتقاض قوله وليست علة الميراث كونه ~~ولدا لأن الولد الميت هو ولد تنقضي بها العدة ويثبت به الإستيلاد في الأم ~~وقد لا يكون من مائه فيرثه إذا كان منسوبا إليه بالفراش ألا ترى أنها لو ~~جاءت بولد من الزنا لم يلحق نسبه بالزاني وكان ابنا لصاحب الفراش فالميراث ~~إنما يتعلق حكمه بثبوت النسب منه لا بأنه من مائه ألا ترى أن ولد الزنا لا ~~يرث الزاني لعدم ثبوت النسب وإن كان من مائه فعلمنا بذلك أن ثبوت الميراث ~~ليس بمتعلق بكونه ولدا من مائه دون حصول النسبة إليه من الوجه الذي ذكرنا ~~قال إسماعيل فإن قيل إنما ورث أباه لأنه من ذلك الأصل حين صار حيا يرث ~~ويورث قيل له فلا ينبغي أن تنقضي به العدة وإن تم خلقه حتى يخرج حيا قال ~~أبو بكر وهذا تخليط ms2064 وكلام في هذه المسألة من غير وجهه وذلك لأن خصمه لم ~~يجعل وجوب الميراث علة لانقضاء العدة وكون الأم به أم ولد وهذا لا خلاف فيه ~~بين المسلمين لأن الولد الميت عندهم جميعا تنقضي به العدة ولا يرث وقد يرث ~~الولد ولا تنقضي به العدة إذا كان في بطنها ولدان فوضعت أحدهما ورث هذا ~~الولد من أبيه ولا تنقضي به العدة حتى تضع الولد الآخر فإن وضعته ميتا ~~PageV05P059 لم يرثه وانقضت العدة به فلما كان الميراث قد يثبت للولد ولا ~~تنقضي به العدة بوضعه وقد تنقضي به العدة ولا يرث علمنا أن أحدهما ليس بأصل ~~للآخر ولا يصح اعتباره به ثم قال إسماعيل فإن قيل إنه حمل ولكنا لا نعلم ~~ذلك قيل له لا يجوز أن يتعبد الله بحكم لا سبيل إلى علمه والنساء يعرفن ذلك ~~ويفرقن بين لحم أو دم سقط من بدنها أو رحمها وبين العلقة التي يكون منها ~~الولد ولا يلتبس على جميع النساء لحم المرأة ودمها من العلقة بل لا بد من ~~أن يكون فيهن من يعرف فإذا شهدت امرأتان أنها علقة قبلت شهادتهما وقد قال ~~الشافعي أيضا أنها إذا أسقطت علقة أو مضغة لم تستبن شيء من خلقه فإنه يرى ~~النساء فإن قلن كان يجيء منها الولد لو بقيت انقضت به العدة ويثبت بها ~~الإستيلاد وإن قلن لا يجيء من مثلها ولد لم تنقض به العدة ولم يثبت به ~~الإستيلاد وعسى أن يكون إسماعيل إنما أخذ ما قال من ذلك عن الشافعي وهو من ~~أظهر الكلام استحالة وفسادا وذلك لأنه لا يعلم أحد الفرق بين العلقة التي ~~يكون منها الولد وبين مالا يكون منها الولد إلا أن يكون قد شاهد علقا كان ~~منه الولد وعلقا لم يكن منه الولد فيعرف بالعبادة الفرق بين ما كان منه ولد ~~وبين ما لم يكن معه ولد بعلامة توجد في أحدهما دون الآخر في مجرى العادة ~~وأكثر الظن كما يعرف كثير من الأعراب السحابة التي يكون منها المطر ~~والسحابة ms2065 التي لا يكون منها المطر وذلك بما قد عرفوه من العلامات التي لا ~~تكاد تخلف في الأعم الأكثر فأما العلقة التي كان منها الولد فمستحيل أن ~~يشاهدها إنسان قبل كون الولد منها متميزة من العلقة التي لم يكن منها ولد ~~وذلك شيء قد استأثر الله بعلمه إلا من اطلع عليه من ملائكته حين يأمره بكتب ~~رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد قال الله تعالى @QB@ الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد @QE@ وقال ويعلم ما في الأرحام وهو عالم ~~بكل شيء سبحانه وتعالى ولكنه خص نفسه بالعلم بالأرحام في هذا الموضع إعلاما ~~لنا أن أحدا غيره لا يعلم ذلك وأنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ~~ومن ارتضى من رسول قال الله تعالى @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول @QE@ والله أعلم # | باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها # قال الله تعالى والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ~~PageV05P060 روى إسماعيل بن مهاجر عن أبيه عن عبدالله بن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها وروى ~~سعيد بن جبير عن بن عباس قال كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء العاكف فيه ~~والبادي وروى يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن سابط سواء العاكف فيه ~~والباد قال من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل ينزلون حيث شاءوا ~~غير أن لا يخرج من بيته ساكنه قال وقال ابن عباس في قوله @QB@ سواء العاكف ~~فيه والباد @QE@ قال العاكف فيه أهله والباد من يأتيه من أرض أخرى وأهله في ~~المنزل سواء وليس ينبغي لهم أن يأخذوا من البادي إجارة المنزل وروى جعفر بن ~~عون عن الأعمش عن إبراهيم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حرمها ~~الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها وروى أبو معاوية عن الأعمش عن ~~مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وروى عيسى ms2066 بن يونس عن عمر بن سعيد ~~بن أبي حسين عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال كانت رباع مكة في ~~زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب ~~من احتاج سكن ومن استغنى سكن وروى الثوري عن منصور عن مجاهد قال قال عمر يا ~~أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء وروى عبيدالله عن ~~نافع عن ابن عمر أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج وروى ~~ابن أبي نجيح عن عبدالله بن عمر قال من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا ~~في بطنه وروى عثمان بن الأسود عن عطاء قال يكره بيع بيوت مكة وكراؤها وروى ~~ليث عن القاسم قال من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا وروى معمر عن ليث ~~عن عطاء وطاوس ومجاهد كانوا يكرهون أن يبيعوا شيئا من رباع مكة قال أبو بكر ~~قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما ذكرنا وروي عن الصحابة ~~والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأن الناس كلهم فيها سواء وهذا ~~يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى والمسجد الحرام للحرم كله وقد روي عن قوم ~~إباحة بيع بيوت مكة وكراؤها وروى ابن جريج عن هشام بن حجير كان لي بيت بمكة ~~فكنت أكريه فسألت طاوسا فأمرني بلكه وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء سواء ~~العاكف فيه والباد قالا سواء في تعظيم البلد وتحريمه وروى عمرو بن دينار عن ~~عبدالرحمن بن فروخ قال اشترى نافع بن عبدالحارث دار السجن لعمر بن الخطاب ~~من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم PageV05P061 فإن رضي عمر فالبيع له وإن ~~لم يرض فلصفوان أربع مائة درهم زاد عبدالرحمن عن معمر فأخذها عمر وقال أبو ~~حنيفة لا بأس ببيع بناء بيوت مكة وأكره بيع أراضيها وروى سليمان عن محمد عن ~~أبي حنيفة قال أكره إجارة بيوت مكة في الموسم وفي الرجل يقيم ثم يرجع ms2067 فأما ~~المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسا وروى الحسن بن زياد عن أبي ~~حنيفة أن بيع دور مكة جائز قال أبو بكر لم يتأول هؤلاء السلف المسجد الحرام ~~على الحرم كله إلا ولا اسم شامل له من طريق الشرع إذ غير جائز أن يتأول ~~الآية على معنى لا يحتمله اللفظ وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم ~~المسجد على الحرم من طريق التوقيف ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام @QE@ والمراد فيما روى الحديبية وهي بعيدة من ~~المسجد قريبة من الحرم وروي أنها على شفير الحرم وروى المسور بن مخرمة ~~ومروان بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضربه في الحل ومصلاه في ~~الحرم وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ههنا الحرم كله ويدل عليه قوله ~~تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والمراد إخراج ~~المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم ~~ويدل على أن المراد جميع الحرم كله قوله تعالى @QB@ ومن يرد فيه بإلحاد ~~بظلم نذقه من عذاب أليم @QE@ والمراد به انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه وإذا ~~ثبت ذلك اقتضى قوله سواء العاكف فيه والباد تساوي الناس كلهم في سكناه ~~والمقام به فإن قيل يحتمل أن يريد به إنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه ~~وحرمته قيل له هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته ومن تساويهم ~~في سكناه والمقام به وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه لأن لغير المشتري ~~سكناه كما للمشتري فلا يصح للمشتري تسلمه والإنتفاع به حسب الإنتفاع ~~بالإملاك وهذا يدل على أنه غير مملوك وأما إجارة البيوت فإنما أجازها أبو ~~حنيفة إذا كان البناء ملكا للمؤاجر فيأخذ أجرة ملكه فأما أجرة الأرض فلا ~~تجوز وهو مثل بناء الرجل في أرض لآخر يكون لصاحب البناء إجارة البناء وقوله ~~العاكف فيه ms2068 والباد روي عن جماعة من السلف أن العاكف أهله والبادي من غير ~~أهله قوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم فإن الإلحاد هو الميل عن الحق إلى ~~الباطل وإنما سمي اللحد في القبر لأنه مائل إلى شق PageV05P062 القبر قال ~~الله تعالى @QB@ وذروا الذين يلحدون في أسمائه @QE@ وقال لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي أي لسان الذي يؤمنون إليه والباء في قوله بإلحاد زائدة كقوله ~~تنبت بالدهن أي تنبت الدهن وقوله تعالى @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم ~~@QE@ وروي عن ابن عمر أنه قال ظلم الخادم فيما فوقه بمكة إلحاد وقال عمر ~~إحتكار الطعام بمكة إلحاد وقال غيره الإلحاد بمكة الذنوب وقال الحسن أراد ~~بالإلحاد الإشراك بالله قال أبو بكر الإلحاد مذموم لأنه اسم للميل عن الحق ~~ولا يطلق في الميل عن الباطل إلى الحق فالإلحاد اسم مذموم وخص الله تعالى ~~الحرم بالوعيد في الملحد فيه تعظيما لحرمته ولم يختلف المتأولون للآية أن ~~الوعيد في الإلحاد مراد به من ألحد في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد ~~وفي ذلك دليل على أن قوله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد قد أريد به الحرم لأن قوله ومن يرد فيه بإلحاد هذه الهاء كناية ~~عن الحرم وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله والمسجد الحرام فثبت أن المراد ~~بالمسجد ههنا الحرم كله وقد روى عمارة بن ثوبان قال أخبرني موسى بن زياد ~~قال سمعت يعلى بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتكار الطعام ~~بمكة إلحاد وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال بيع الطعام بمكة إلحاد وليس ~~الجالب كالمقيم وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مرادا بقوله بإلحاد بظلم ~~فيكون الإحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك وهذا يدل على أن الذنب في الحرم ~~أعظم منه في غيره ويشبه أن يكون من كره الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت ~~الذنوب بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في ترك الجوار بها مخافة مواقعة ~~الذنوب التي تتضاعف عقوبتها وروي عن ms2069 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يلحد ~~بمكة رجل عليه مثل نصف عذاب أهل الأرض وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل ~~بدخول الجاهلية قوله تعالى وأذن في الناس بالحج روى معتمر عن ليث عن مجاهد ~~في قوله تعالى @QB@ وأذن في الناس بالحج @QE@ قال إبراهيم عليه السلام وكيف ~~أؤذنهم قال تقول يا أيها الناس أجيبوا يا أيها الناس أجيبوا قال فقال يا ~~أيها الناس أجيبوا فصارت التلبية لبيك اللهم لبيك وروى عطاء بن السائب عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس لما ابتنى إبراهيم عليه السلام البيت قال أوحى ~~الله إليه أن أذن في الناس بالحج فقال إبراهيم عليه السلام إن ربكم قد اتخذ ~~بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من صخر أو شجر أو PageV05P063 ~~أكمة أو تراب أو شيء لبيك اللهم لبيك وهذه الآية تدل على أن فرض الحج كان ~~في ذلك الوقت لأن الله تعالى أمر إبراهيم بدعاء الناس إلى الحج وأمره كان ~~على الوجوب وجائز أن يكون وجوب الحج باقيا إلى أن بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجائز أن يكون نسخ على لسان بعض الأنبياء إلا أنه قد روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حج قبل الهجرة حجتين وحج بعد الهجرة حجة الوداع وقد كان أهل ~~الجاهلية يحجون على تخاليط وأشياء قد أدخلوها في الحج ويلبون تلبية الشرك ~~فإن كان فرض الحج الذي أمر الله به إبراهيم في زمن إبراهيم باقيا حتى بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجتين بعدما ~~بعثه الله وقبل الهجرة والأولى فيهما هي الفرض وإن كان فرض الحج منسوخا على ~~لسان بعض الأنبياء فإن الله تعالى قد فرضه في التنزيل بقوله @QB@ ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ وقيل إنها نزلت في سنة تسع وروي ~~أنها نزلت في سنة عشر وهي السنة التي ms2070 حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهذا أشبه بالصحة لأنا لا نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم تأخير الحج ~~المفروض عن وقته المأمور فيه إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس ~~مسارعة إلى أمر الله وأسبقهم إلى أداء فروضه ووصف الله تعالى الأنبياء ~~السالفين فأثنى عليهم بمسابقتهم إلى الخيرات بقوله تعالى @QB@ كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين @QE@ فلم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليختلف عن منزلة الأنبياء المتقدمين في المسابقة ~~إلى الخيرات بل كان حظه منها أوفى من حظ كل أحد لفضله عليهم وعلو منزلته في ~~درجات النبوة فغير جائز أن يظن به تأخير الحج عن وقت وجوبه لا سيما وقد أمر ~~غيره بتعجيله فيما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~أراد الحج فليتعجل فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأمر غيره بتعجيل ~~الحج ويؤخره عن وقت وجوبه فثبت بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر ~~الحج عن وقت وجوبه فإن كان فرض الحج لزم بقوله تعالى @QB@ ولله على الناس ~~حج البيت @QE@ لأنه لم يخل تاريخ نزوله من أن يكون في سنة تسع أو سنة عشر ~~فإن كان نزوله في سنة تسع فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخره لعذر وهو ~~أن وقت الحج اتفق على ما كانت العرب تحجه من إدخال النسيء فيه فلم يكن ~~واقعا في وقت الحج الذي فرضه الله تعالى فيه فلذلك أخر الحج عن تلك السنة ~~ليكون حجه في الوقت الذي فرض الله فيه الحج ليحضر الناس فيقتدوا به وإن كان ~~نزوله في سنة عشر فهو الوقت الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~فرض الحج باقيا منذ زمن إبراهيم عليه السلام إلى زمن النبي PageV05P064 ص = ~~فإن الحج الذي فعله قبل الهجرة كان هو الفرض وما عداه نفل فلم يثبت في ~~الوجهين جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الحج بعد وجوبه ms2071 عن أول ~~أحوال الإمكان # | باب الحج ماشيا # روى موسى بن عبيد عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال ما أسى على شيء إلا أني ~~وددت أني كنت حججت ماشيا لأن الله تعالى يقول يأتوك رجالا وروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين وروى القاسم ~~بن الحكم العربي عن عبدالله الرصافي عن عبدالله بن عتبة بن عمير قال قال ~~ابن عباس ما ندمت على شيء فاتني في شبيبتي إلا أني لم أحج راجلا ولقد حج ~~الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة وإن النجائب لتقاد ~~معه ولقد قاسم الله عز وجل ماله ثلاث مرات إنه ليعطي النعل ويمسك النعل ~~ويعطي الخف ويمسك الخف وروى عبدالرزاق عن عمرو بن زرا عن مجاهد قال كانوا ~~يحجون ولا يركبون فأنزل الله تعالى @QB@ رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق @QE@ وروى ابن جريج قال أخبرني العلاء قال سمعت محمد بن علي يقول كان ~~الحسن بن علي يمشي وتقاد دوابه قال أبو بكر قوله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يقتضي إباحة الحج ماشيا وراكبا ولا دلالة فيه على الأفضل منهما وما ~~رويناه عن السلف في اختيارهم الحج ماشيا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ~~ماشيا أفضل وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفصح عن ذلك وهو أن أم ~~عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى فأمرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن تركب وتهدي وهذا يدل على أن المشي قربة قد لزمت بالنذر لولا ذلك ~~لما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليها هديا عند تركها المشي قوله تعالى ~~يأتين من كل فج عميق روى جويبر عن الضحاك من كل فج عميق قال بلد بعيد وقال ~~قتادة مكان بعيد قال أبو بكر الفج الطريق فكأنه قال من طريق بعيد وقال بعض ~~أهل اللغة العمق الذاهب على وجه الأرض والعمق الذاهب في الأرض قال رؤبة % ~~وقاتم ms2072 الأعماق خاوي المخترق % # | فأراد بالعمق هذا الذاهب على وجه الأرض فالعميق البعيد لذهابه على وجه ~~الأرض PageV05P065 قال الشاعر % يقطعن نور النازح العميق % # يعني البعيد وقد روت أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من أهل بالمسجد الأقصى ~~بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه وروى أبو إسحاق عن الأسود أن ابن ~~مسعود أحرم من الكوفة بعمرة وعن ابن عباس أنه أحرم من الشام في الشتاء ~~وأحرم ابن عمر من بيت المقدس وعمران بن حصين أحرم من البصرة وروى عمرو بن ~~مرة عن عبدالله بن سلمة قال سئل علي عن قوله تعالى @QB@ وأتموا الحج ~~والعمرة لله @QE@ قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك وقال علي وعمر ما أرى أن ~~يعتمر إلا من حيث ابتدأ وروي عن مكحول قال قيل لابن عمر الرجل يحرم من ~~سمرقند أو من خراسان أو البصرة أو الكوفة فقال يا ليتنا نسلم من وقتنا الذي ~~وقت لنا فكأنه كرهه في هذا الحديث لما يخاف من مواقعة ما يحظره الإحرام لا ~~لبعد المسافة # | باب التجارة في الحج # قال الله تعالى ليشهدوا منافع لهم روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال التجارة ~~وما يرضى الله من أمر الدنيا والآخرة وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين ~~عن ابن عباس قال أسواق كانت ما ذكر المنافع إلا للدنيا وعن أبي جعفر ~~المغفرة قال أبو بكر ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به منافع الدين وإن كانت ~~التجارة جائزة أن تراد وذلك لأنه قال @QB@ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم @QE@ فاقتضى ذلك أنهم ~~دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا ~~خاصة لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعا لمنافع الدنيا وإنما الحج ~~الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج ويدخل ~~فيها منافع الدنيا ms2073 على وجه التبع والرخصة فيها دون أن تكون هي المقصودة ~~بالحج وقد قال الله تعالى @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ ~~فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج وقد ذكرنا ما روي فيه في سورة البقرة # | باب الأيام المعلومات # قال الله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~PageV05P066 الأنعام فروي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان ~~بعده واذبح في أيها شئت قال ابن عمر المعلومات أيام النحر والمعدودات أيام ~~التشريق وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد الكندي ~~القاضي قال كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسئله عن الأيام المعلومات ~~فأملى علي أبو يوسف جواب كتابه اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيها فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر وإلى ذلك أذهب لأنه قال على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام وذلك في أيام النحر وعن ابن عباس والحسن وإبراهيم ~~أن المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق وروى معمر عن قتادة مثل ~~ذلك وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى واذكروا ~~الله في أيام معلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده وذكر أبو الحسن الكرخي أن ~~أحمد القاري روى عن محمد عن أبي حنيفة أن المعلومات العشر وعن محمد أنها ~~أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده وذكر الطحاوي أن من قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد إن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق والذي ~~رواه أبو الحسن عنهم أصح وقد قيل إنه إنما قيل لأيام التشريق معدودات لأنها ~~قليلة كما قال تعالى @QB@ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة @QE@ وإنه سماها ~~معدودة لقلتها وقيل لأيام العشر معلومات حثا على علمها وحسابها من أجل أن ~~وقت الحج في آخرها فكأنه أمرنا بمعرفة أول الشهر وطلب الهلال فيه حتى نعد ~~عشرة ويكون آخرهن يوم النحر ويحتج لأبي حنيفة بذلك في أن تكبير التشريق ~~مقصور على ايام العشر مفعول ms2074 في يوم عرفة ويوم النحر وهما من أيام العشر فإن ~~قيل لما قال على ما رزقهم من بهيمة الأنعام دل على أن المراد أيام النحر ~~كما روي عن علي قيل له يحتمل أن يريد لما رزقهم من بهيمة الأنعام كما قال ~~@QB@ لتكبروا الله على ما هداكم @QE@ ومعناه لما هداكم وكما تقول أشكر الله ~~على نعمه ومعناه لنعمه وأيضا فيحتمل أن يريد به يوم النحر ويكون قوله تعالى ~~على ما رزقهم يريد به يوم النحر وبتكرار السنين عليه تصير أياما وهذه الآية ~~تدل على أن ذبح سائر الهدايا في أيام النحر أفضل منه في غيرها وإن كانت من ~~تطوع أو جزاء صيد أو غيره واختلف أهل العلم في ايام النحر فقال أصحابنا ~~والثوري هو يوم النحر ويومان بعده وقال الشافعي ثلاثة أيام بعده وهي أيام ~~التشريق قال أبو بكر وروي نحو قولنا عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس ~~PageV05P067 ابن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وروي مثل ~~قول الشافعي عن الحسن وعطاء وروي عن إبراهيم النخعي أن النحر يومان وقال ~~ابن سيرين النحر يوم واحد وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وسليمان بن ~~يسار قالا الأضحى إلى هلال المحرم قال أبو بكر قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة ~~أنها ثلاثة واستفاض ذلك عنهم وغير جائز لمن بعدهم خلافهم إذ لم يرو عن أحد ~~من نظرائهم خلافه فثبت حجته وأيضا فإن سبيل تقدير أيام النحر التوقيف أو ~~الاتفاق إذ لا سبيل إليها من طريق المقاييس فلما قال من ذكرنا قوله من ~~الصحابة بالثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض وتقدير المهر ~~ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق ~~إثباتها التوقيف أو الاتفاق إذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته وكان ذلك ~~توقيفا وأيضا قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق لأنه لو كانت أيام ~~النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق وكان ذكر أحد العددين ms2075 ينوب عن الآخر ~~فلما وجدنا الرمي في أيام النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر في يوم النحر ~~وقال قائلون إلى آخر ايام التشريق وقلنا نحن يومان بعده وجب أن نوجب فرقا ~~بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ~~ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها واحتج من جعل النحر إلى آخر أيام التشريق ~~بما روى سليمان بن موسى عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال كل عرفات موقف وارتفعوا عن عرفة وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن ~~محسر وكل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح وهذا حديث قد ذكر عن أحمد بن ~~حنبل أنه سئل عن هذا الحديث فقال لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم ~~وأكثر روايته عن سهو وقد قيل إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبدالله بن ~~الأشج عن أبيه قال سمعت أسامة بن زيد يقول سمعت عبدالله بن أبي حسين يخبر ~~عن عطاء عن أبي رباح وعطاء يسمع قال سمعت جابر بن عبدالله يقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ~~ومنحر فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه وكل أيام التشريق ذبح ويشبه أن يكون ~~الحديث الذي ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه ~~لأنه لم يذكره وأيضا لما ثبت أن النحر فيما يقع عليه اسم الأيام وكان أقل ~~ما يتناوله اسم الأيام ثلاثة وجب أن يثبت الثلاثة وما زاد لم تقم عليه ~~PageV05P068 الدلالة فلم يثبت # | في التسمية على الذبيحة # قال الله تعالى @QB@ ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام @QE@ فإن كان المراد بهذا الذكر التسمية على الذبيحة فقد دل ~~ذلك على أن ذلك من شرائط الذكاة لأن الآية تقتضي وجوبها وذلك لأنه قال وأذن ~~في الناس بالحج إلى قوله @QB@ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ms2076 في أيام ~~معلومات @QE@ فكانت المنافع هي أفعال المناسك التي يقتضي الإحرام إيجابها ~~فوجب أن تكون التسمية واجبة إذ كان الدعاء إلى الحج وقع لها كوقوعها لسائر ~~مناسك الحج وإن كان المراد بالتسمية هي الذكور المفعول عند رمي الجمار أو ~~تكبير التشريق فقد دلت الاية على وجوب هذا الذكر وليس يمتنع أن يكون المراد ~~جميع ذلك وهو التسمية على الهدايا الموجبة بالإحرام للقران أو التمتع وما ~~تعلق وجوبها بالإحرام ويراد بها تكبير التشريق والذكر المفعول عند رمي ~~الجمار إذ لم تكن إرادة جميع ذلك ممتنعة بالآية وروى معمر عن أيوب عن نافع ~~قال كان ابن عمر يقول حين ينحر لا إله إلا الله والله أكبر وروى الأعمش عن ~~أبي ظبيان عن ابن عباس قال قلت كيف تقول إذا نحرت قال أقول الله أكبر لا ~~إله إلا الله وروى سفيان عن أبي بكر الزبيدي عن عاصم بن شريف أن عليا ضحى ~~يوم النحر بكبش فقال بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك ومن علي لك # | باب في أكل لحوم الهدايا # قال الله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فكلوا منها قال أبو بكر ظاهره يقتضي إيجاب الأكل إلا أن السلف ~~متفقون على أن الأكل منها ليس على الوجوب وذلك لأن قوله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام لا يخلو من أن يكون المراد به الأضاحي وهدي المتعة والقران ~~والتطوع أو الهدايا التي تجب من جنايات تقع من المحرم في الإحرام نحو جزاء ~~الصيد وما يجب على اللابس والمتطيب وفدية الأذى وهدي الإحصار ونحوها فأما ~~دماء الجنايات فمحظور عليه الأكل منها وأما دم القران والمتعة والتطوع فلا ~~خلاف أيضا أن الأكل منها ليس بواجب PageV05P069 لأن الناس في دم القران ~~والمتعة على قولين منهم من لا يجيز الأكل منه ومنهم من يبيح الأكل منه ولا ~~يوجبه ولا خلاف بين السلف ومن بعدهم من الفقهاء أن قوله فكلوا منها ليس على ~~الوجوب وقد روي عن عطاء والحسن ms2077 وإبراهيم ومجاهد قالوا إن شاء أكل وإن شاء ~~لم يأكل قال مجاهد إنما هو بمنزلة قوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا ~~@QE@ وقال إبراهيم كان المشركون لا يأكلون من البدن حتى نزلت فكلوا منها ~~فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل وروى يونس بن بكير عن أبي بكر الهذلي عن الحسن ~~قال كان الناس في الجاهلية إذا ذبحوا لطخوا بالدم وجه الكعبة وشرحوا اللحم ~~ووضعوه على الحجارة وقالوا لا يحل لنا أن نأكل شيئا جعلناه لله حتى تأكله ~~السباع والطير فلما جاء الإسلام جاء الناس إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا شيئا كنا نصنعه في الجاهلية ألا نصنعه الآن فإنما هو لله فأنزل ~~الله تعالى فكلوا منها وأطعموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تفعلوا فإن ذلك ليس لله وقال الحسن فلم يعزم عليهم الأكل فإن شئت فكل وإن ~~شئت فدع وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من لحم الأضحية قال ~~أبوبكر وظاهر الآية يقتضي أن يكون المذكور في هذه الآية من بهيمة الأنعام ~~التي أمرنا بالتسمية عليها هي دم القران والمتعة وأقل أحوالها أن تكون ~~شاملة لدم القران والمتعة وسائر الدماء وإن كان الذي يقتضيه ظاهره دم ~~المتعة والقران والدليل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة @QB@ فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق @QE@ ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران إذ كان ~~سائر الدماء جائزا له فعلها قبل هذه الأفعال وبعدها فثبت أن المراد بها دم ~~القران والمتعة وزعم الشافعي أن دم المتعة والقران لا يؤكل منهما وظاهر ~~الآية يقتضي بطلان قوله وقد روى جابر وأنس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قارنا في حجة الوداع وروى جابر أيضا وابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهدى في حجة الوداع مائة بدنة نحر بيده منها ستين وأمر ببقيتها ~~فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر وطبخت وأكل منها ms2078 وتحسى من المرقة ~~فأكل صلى الله عليه وسلم من دم القران وأيضا لما ثبت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان قارنا وإنه لم يكن ليختار من الأعمال إلا أفضلها فثبت أن ~~القران أفضل من الإفراد وأن الدم الواجب به إنما هو نسك وليس بجبران لنقص ~~أدخله في الإحرام ولما كان نسكا جاز الأكل منه كما يأكل من الأضاحي ~~PageV05P070 والتطوع ويدل على أنه كان قارنا أن حفصة قالت يا رسول الله ما ~~بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني سقت الهدي فلا أحل إلا يوم ~~النحر ولو استقبلت من أمري ما استدبرته ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فلو كان ~~هديه تطوعا لما منعه الإحلال لأن هدي التطوع لا يمنع الإحلال فإن قيل إن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قارنا فقد كان إحرام الحج يمنعه الإحلال فلا ~~تأثير للهدي في ذلك قيل له لم يكن إحرام الحج مانعا في ذلك الوقت من ~~الإحلال قبل يوم النحر لأن فسخ الحج كان جائزا وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر أصحابه الذين أحرموا بالحج أن يتحللوا بعمل عمرة فكانوا في ذلك ~~الوقت بمنزلة المتمتع الذي يحرم بالعمرة مفردا بها فلم يكن يمتنع الإحلال ~~فيما بينها وبين إحرام الحج إلا أن يسوق الهدي فيمنعه ذلك من الإحلال وهذه ~~كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم في قرانه وكان المانع له من الإحلال سوق ~~الهدي دون إحرام الحج وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من أن هدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان هدي القران لا التطوع إذ لا تأثير لهدي التطوع في المنع ~~من الإحلال بحال ويدل على أنه كان قارنا قوله صلى الله عليه وسلم أتاني آت ~~من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة وعمرة ويمتنع أن يخالف ما أمره ~~به ربه ورواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج لا يعارض ~~رواية من روى القران وذلك لأن راوي القران قد علم ms2079 زيادة إحرام لم يعلمه ~~الآخر فهو أولى وجائز أن يكون راوي الإفراد سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول لبيك اللهم لبيك ولم يسمعه يذكر العمرة أو سمعه ذكر الحج دون العمرة ~~وظن أنه مفرد إذ جائز للقارن أن يقول لبيك بحجة دون العمرة وجائز أن يقول ~~لبيك بعمرة وجائز أن يلبي بهما معا فلما كان ذلك سائغا وسمعه بعضهم يلبي ~~بالحج وبعضهم سمعه يلبي بحج وعمرة كانت رواية من روى الزيادة أولى وأيضا ~~فإنه يحتمل أن يريد بقوله أفرد الحج أفعال الحج وأفاد أنه أفرد أفعال الحج ~~وأفرد أفعال العمرة ولم يقتصر للإحرامين على فعل الحج دون العمرة وأبطل ~~بذلك قول من يجيز لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا وقد روي عن جماعة من ~~الصحابة والتابعين الأكل من هدي القران والمتعة وروى عطاء عن ابن عباس قال ~~من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر وروى عبيدالله بن عمر ~~قال لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل مما سوى ذلك وروى هشام عن الحسن ~~وعطاء قالا لا يؤكل من الهدي كله إلا الجزاء فهؤلاء الصحابة والتابعون قد ~~أجازوا PageV05P071 الأكل من دم القران والتمتع ولا نعلم أحدا من السلف ~~حظره قوله تعالى @QB@ وأطعموا البائس الفقير @QE@ روى طلحة بن عمرو عن عطاء ~~وأطعموا البائس الفقير قال من سألك وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال البائس ~~الذي يسأل بيده إذا سأل وإنما سمي من كانت هذه حاله بائسا لظهور أثر البؤس ~~عليه يمد يده للمسئلة وهذا على جهة المبالغة في الوصف له بالفقر وهو في ~~معنى المسكين لأن المسكين من هو في نهاية الحاجة والفقر وهو الذي قد ظهر ~~عليه السكون للحاجة وسوء الحال وهو الذي لا يجد شيئا وقيل هو الذي يسئل ~~وهذه الآية قد انتظمت سائر الهدايا والأضاحي وهي مقتضية لإباحة الأكل منها ~~والندب إلى الصدقة ببعضها وقدر أصحابنا فيه الصدقة بالثلث وذلك لقوله تعالى ~~فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير قال النبي صلى الله عليه ms2080 وسلم في لحوم ~~الأضاحي فكلوا وادخروا فجعلوا الثلث للأكل والثلث للإدخار والثلث للبائس ~~الفقير وفي قوله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير دلالة على حظر ~~بيعها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم فكلوا وادخروا وفي ذلك منع البيع ~~ويدل عليه ما روى سفيان عن عبدالكريم الجزري عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ~~ليلى عن علي قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة وقال ~~أقسم جلودها وحلالها ولا تعط الجازر منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا فمنع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي منها أجرة الجازر وفي ذلك منع من البيع ~~لأن إعطاء الجازر ذلك من أجرته هو على وجه البيع ولما جاز الأكل منها دل ~~على جواز الإنتفاع بجلودها من غير جهة البيع ولذلك قال أصحابنا يجوز ~~الإنتفاع بجلد الأضحية وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة وقال الشعبي كان ~~مسروق يتخذ مسك أضحيته مصلى فيصلي عليه وعن إبراهيم وعطاء وطاوس والشعبي ~~أنه ينتفع به قال أبو بكر ولما منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى ~~الجازر من الهدي شيئا في جزارتها وقال إنا نعطيه من عندنا دل ذلك على ~~معنيين أحدهما أن المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه الأجرة لأن في بعض ~~ألفاظ حديث علي وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها وفي بعضها أن لا أعطيه ~~في جزارتها منها شيئا فدل على أنه جائز أن يعطي الجازر من غير أجرته كما ~~يعطي سائر الناس وفي دليل على جواز الإجارة على نحر البدن لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال نحن نعطيه من عندنا وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل ~~معلوم وأجاز أصحابنا الإجارة على ذبح شاة ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل ~~رجل بقصاص والفرق بينهما PageV05P072 أن الذبح عمل معلوم والقتل مبهم غير ~~معلوم ولا يدرى أيقتله بضربة أو ضربتين أو أكثر قوله تعالى @QB@ ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم @QE@ روى عبدالملك عن عطاء عن ابن عباس قال ms2081 التفث ~~الذبح والحلق والتقصير وقص الأظفار والشارب ونتف الإبط وروى عثمان بن ~~الأسود عن مجاهد مثله وكذلك عن الحسن وأبي عبيدة وقال ابن عمر وسعيد بن ~~جبير في قوله تفثهم قال المناسك وروى أشعث عن الحسن قال نسكهم وروى حماد بن ~~سلمة عن قيس عن عطاء ثم ليقضوا تفثهم قال الشعر والأظفار وقيل التفث قشف ~~الإحرام وقضاؤه بحلق الرأس والإغتسال ونحوه قال أبو بكر لما تأول السلف ~~قضاء التفث على ما ذكرنا دل ذلك على ان من قضائه حلق الرأس لأنهم تأولوه ~~عليه ولولا أن ذلك اسم له لما تأولوه عليه إذ لا يسوغ التأويل على ما ليس ~~اللفظ عبارة عنه وذلك دليل على وجوب االحلق لأن الأمر على الوجوب فيبطل قول ~~من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام ومن الناس من يزعم أنه إطلاق من حظر ~~إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال ولقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا ~~وقوله @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ والأول أصح لأن أمره ~~بقضاء التفث قد انتظم سائر المناسك على ما روي عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله ~~من السلف ومعلوم أن فعل سائر المناسك ليس على وجه الإباحة بل على وجه ~~الإيجاب فكذلك الحلق لأنه قد ثبت أنه قد أريد بالأمر بقضاء التفث الإيجاب ~~في غير الحلق فكذلك الحلق وقوله وليوفوا نذورهم قال ابن عباس نحر ما نذروا ~~من البدن وقال مجاهد كل ما نذر في الحج قال أبو بكر إن كان التأويل نحر ~~البدن المنذورة فإن قوله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها ~~لم يرد به ما نذر نحره من البدن والهدايا لأنه لو كان مرادا لما ذكره بعد ~~ذكره الذبح بهيمة الأنعام وأمره إيانا بالأكل منها فيكون قوله على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام فكلوا منها في غير المنذور به وهو دم التطوع والتمتع ~~والقران يدل على أنه لم يرد الهدي المنذور أن دم النذر لا يؤكل منه قد أمر ~~الله تعالى بالأكل من بهيمة الأنعام ms2082 المذكور في الآية فدل على أنه لم يرد ~~النذر واستأنف ذكر النذر وأفاد به معاني أحدها أنه لا يؤكل منه والثاني أن ~~ذبح النذر في هذه الأيام أفضل منه في غيرها والثالث إيجاب الوفاء بنفس ~~المنذور دون كفارة يمين وجائز أن يكون المراد سائر النذور في الحج من صدقة ~~أو طواف ونحوه PageV05P073 وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال هو كل نذر إلى ~~أجل قال أبو بكر وفيه الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر لقوله تعالى وليوفوا ~~نذورهم والأمر على الوجوب وهو يدل على بطلان قول الشافعي فيمن نذر حجا أو ~~عمرة أو بدنة أو نحوها أن عليه كفارة يمين لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس ~~المنذور # | باب طواف الزيارة # قال الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فروي عن الحسن أنه قال وليطوفوا ~~طواف الزيارة وقال مجاهد الطواف الواجب قال أبو بكر ظاهره يقتضي الوجوب ~~لأنه أمر والأوامر على الوجوب ويدل عليه أنه أمر به معطوفا على الأمر بقضاء ~~التفث ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد الذبح إلا طواف ~~الزيارة فدل على أنه أراد طواف الزيارة فإن قيل يحتمل أن يريد به طواف ~~القدوم الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين قدموا مكة ~~وحلوا به من إحرام الحج وجعلوه عمرة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~قد كان ساق الهدي فمنعه ذلك من الإحلال ومضى على حجته قيل له لا يجوز أن ~~يكون المراد به طواف القدوم من وجوه أحدها أنه مأمور به عقيب الذبح وذبح ~~الهدي إنما يكون يوم النحر لأنه قال @QB@ ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ وحقيقة ثم للترتيب ~~والتراخي القدوم مفعول قبل يوم النحر فثبت أنه لم يرد به طواف القدوم ~~والوجه الثاني أن قوله وليطوفوا بالبيت العتيق هو أمر والأمر على الوجوب ~~حتى تقوم دلالة الندب وطواف القدوم غير ms2083 واجب وفي صرف المعنى إليه صرف ~~للكلام عن حقيقته والثالث أنه لو كان المراد الطواف الذي أمر به أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا مكة لكان منسوخا لأن ذلك الطواف إنما ~~أمروا به لفسخ الحج وذلك منسوخ بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وبما ~~روى ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه قال قلت يا رسول ~~الله أرأيت فسخ حجتنا لنا خاصة أم للناس عامة قال بل لكم خاصة وروي عن عمر ~~وعثمان وأبي ذر وغيرهم مثل ذلك وقال ابن عباس لا يطوف الحاج للقدوم وإنه إن ~~طاف قبل عرفة صارت حجته عمرة وكان يحتج بقوله ثم محلها إلى البيت العتيق ~~فذهب إلى أنه PageV05P074 يحل بالطواف فعله قبل عرفة أو بعده فكان ابن عباس ~~يذهب إلى ان هذا الحكم باق لم ينسخ وإن فسخ الحج قبل تمامه جائز بأن يطوف ~~قبل الوقوف بعرفة فيصير حجه عمرة وقد ثبت بظاهر قوله تعالى وأتموا الحج ~~والعمرة لله نسخه وهذا معنى ما أراده عمر بن الخطاب بقوله متعتان كانتا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما متعة النساء ~~ومتعة الحج وذهب فيه إلى ظاهر هذه الآية وإلى ما علمه من توقيف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إياهم على أن فسخ الحج كان لهم خاصة وإذا ثبت أن ذلك ~~منسوخ لم يجز تأويل قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق عليه فثبت بما وصفنا ~~أن المراد طواف الزيارة وفيه الدلالة على وجوب تقديمه قبل مضي أيام النحر ~~إذ كان الأمر على الفور حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير ولا خلاف في ~~إباحة تأخيره إلى آخر أيام النحر وقد روى سفيان الثوري وغيره عن أفلح بن ~~حميد عن أبيه أنه حج مع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ~~أبو أيوب فلما كان يوم النحر لم يزر أحد منهم البيت إلى يوم النفر إلا ~~رجالا كانت معهم نساء فتعجلوا وإنما أراد ms2084 بذلك عندنا النفر الأول وهو اليوم ~~الثالث من يوم النحر فلو خلينا وظاهر الآية لما جاز تأخير الطواف عن يوم ~~النحر إلا أنه لما اتفق السلف وفقهاء الأمصار على إباحة تأخيره إلى اليوم ~~الثالث من أيام النحر أخرناه ولم يجز تأخيره إلى آخر أيام التشريق ولذلك ~~قال أبو حنيفة من أخره إلى أيام التشريق فعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد لا ~~شيء عليه فإن قيل لما كانت ثم تقتضي التراخي وجب جواز تأخيره إلى أي وقت ~~شاء الطائف قيل له لا خلاف أنه ليس بواجب عليه التأخير وظاهر اللفظ يقتضي ~~إيجاب تأخيره إذا حمل على حقيقته فلما لم يكن التأخير واجبا وكان فعله ~~واجبا لا محالة اقتضى ذلك لزوم فعله يوم النحر من غير تأخير وهو الوقت الذي ~~أمر فيه بقضاء التفث فاستدلالك بظاهر اللفظ على جواز تأخيره أبدا غير صحيح ~~مع كون ثم في هذا الموضع غير مراد بها حقيقة معناها من وجوب فعله على ~~التراخي ولهذا قال أبو حنيفة فيمن أخر الحلق إلى آخر أيام التشريق أن عليه ~~دما لأن قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم قد اقتضى فعل الحلق على الفور في يوم ~~النحر وأباح تأخيره إلى آخر أيام النحر بالإتفاق ولم يبحه أكثر من ذلك ومما ~~يحتج به لأبي حنيفة في ذلك أن الله تعالى قد أباح النفر في اليوم الثاني من ~~أيام التشريق وهو الثالث من النحر بقوله تعالى @QB@ واذكروا الله في أيام ~~معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه @QE@ PageV05P075 ويمتنع إباحة ~~النفر قبل تقديم طواف الزيارة فثبت أنه مأمور به قبل النفر الأول وهو اليوم ~~الثالث من النحر فإذا تضمن ذلك فقد تم الطواف فهو لا محالة منهي عن تأخيره ~~فإذا أخره لزمه جبرانه بدم وقوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق لما كان ~~لفظا ظاهر المعنى بين المراد اقتضى جواز الطواف على أي وجه أوقعه من حدث أو ~~جنابة أو عريان أو منكوسا أو زحفا إذ ليس فيه دلالة على كون الطهارة وما ~~ذكرنا شرطا ms2085 فيه ولو شرطنا فيه الطهارة وما ذكرنا كنا زائدين في النص ما ليس ~~فيه والزيادة في النص غير جائزة إلا بمثل ما يجوز به النسخ فقد دلت الآية ~~على وقوع الطواف موقع الجواز وإن فعله على هذه الوجوه المنهي عنها وقوله ~~@QB@ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ يقتضي ~~جواز أي ذلك فعله من غير ترتيب إذ ليس في اللفظ دلالة على الترتيب فإن فعل ~~الطواف قبل قضاء التفث أو قضى التفث ثم طاف فإن مقتضى الآية أن يجزي جميع ~~ذلك إذ الواو لا توجب الترتيب ولم يختلف الفقهاء في إباحة الحلق واللبس قبل ~~طواف الزيارة ولم يختلفوا أيضا في حظر الجماع قبله واختلفوا في الطيب ~~والصيد فقال قائلون هما مباحان قبل الطواف وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء ~~وهو قول عائشة في آخرين من السلف وقال عمر بن الخطاب وابن عمر لا تحل له ~~النساء والطيب والصيد حتى يطوف للزيارة وقال قوم لا تحل له النساء والطيب ~~والصيد حتى يطوف وروى سفيان بن عيينة عن عبدالرحمن بن القاسم عن عائشة قالت ~~طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ويدل عليه من طريق ~~النظر اتفاق الجميع على إباحة اللبس والحلق قبل الطواف وليس لهما تأثير في ~~إفساد الإحرام فوجب أن يكون الطيب والصيد مثلهما وقوله تعالى بالبيت العتيق ~~قال معمر عن الزهري قال قال ابن الزبير إنما سمي البيت العتيق لأن الله ~~أعتقه من الجبابرة وقال مجاهد أعتق من أن يملكه الجبابرة وقيل إنه أول بيت ~~وضع للناس بناه آدم عليه السلام ثم جدده إبراهيم عليه السلام فهو أقدم بيت ~~فسمي لذلك عتيقا قوله تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله يعني به والله أعلم ~~اجتناب ما حرم الله عليه في وقت الإحرام تعظيما لله عز وجل واستعظاما ~~لمواقعة ما نهى الله عنه في إحرامه صيانة لحجه وإحرامه فهو خير له عند ربه ~~من ترك استعظامه والتهاون به قوله تعالى PageV05P076 @QB@ وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم ms2086 @QE@ قيل فيه وجهان أحدهما إلا ما يتلى عليكم في ~~كتاب الله من الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع وما ذبح على النصب والثاني وأحلت لكم بهيمة الأنعام من الإبل ~~والبقر والغنم في حال إحرامكم إلا ما يتلى عليكم من الصيد فإنه يحرم على ~~المحرم قوله تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان @QE@ يعني اجتنبوا تعظيم ~~الأوثان فلا تعظموها واجتنبوا الذبائح لها على ما كان يفعله المشركون ~~وسماها رجسا استقذارا لها واستخفافا بها وإنما أمرهم باستقذارها لأن ~~المشركين كانوا ينحرون عليها هداياهم ويصبون عليها الدماء وكانوا مع هذه ~~النجاسات يعظمونها فنهى الله المسلمين عن تعظيمها وعبادتها وسماها رجسا ~~لقذارتها ونجاستها من الوجوه التي ذكرنا ويحتمل أن يكون سماها رجسا للزوم ~~اجتنابها كاجتناب الأقذار والأنجاس # | باب شهادة الزور # قال الله عز وجل واجتنبوا قول الزور والزور الكذب وذلك عام في سائر وجوه ~~الكذب وأعظمها الكفر بالله والكذب على الله عز وجل وقد دخل فيه شهادة الزور ~~حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد ويعلى ابنا عبيد عن سفيان العصفري عن أبيه ~~عن حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الصبح ثم قال عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثم تلا هذه الآية ~~@QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين ~~به @QE@ وروى وائل بن ربيعة عن عبدالله بن مسعود قال عدلت شهادة الزور ~~بالشرك بالله ثم قرأ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال حدثنا عاصم بن علي قال ~~حدثنا محمد بن الفرات التميمي قال سمعت محارب بن دثار يقول أخبرني عبدالله ~~بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول شاهد الزور لا تزول ~~قدماه حتى توجب له النار وقد اختلف في حكم شاهد الزور فقال أبو حنيفة لا ~~يعزر وهذا عندنا ms2087 على أنه إن جاء تائبا فأما إن كان مصرا فإنه لا خلاف عندي ~~بينهم في أنه يعزر وقال أبو يوسف ومحمد يضرب ويسخم وجهه ويشهر ويحبس وقد ~~روى عبدالله بن عامر عن أبيه قال أتي عمر بن الخطاب بشاهد زور فجرده وأوقفه ~~للناس يوما وقال هذا فلان بن فلان فاعرفوه ثم حبسه PageV05P077 وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا العباس بن الوليد البزاز قال حدثنا خلف بن ~~هشام قال حدثنا حماد بن زيد عن الحجاج عن مكحول أن عمر بن الخطاب قال في ~~شاهد الزور يضرب ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطال حبسه قوله تعالى @QB@ ~~ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب @QE@ قال أهل اللغة الشعائر ~~جمع شعيرة هي العلامة التي تشعر بما جعلت له وإشعار البدن هو أن تعلمها بما ~~يشعر أنها هدي فقيل على هذا إن الشعائر علامات مناسك الحج كلها منها رمي ~~الجمار والسعي بين الصفا والمروة وروى حبيب المعلم عن عطاء أنه سئل عن ~~شعائر الله فقال حرمات الله اتباع طاعته واجتناب معصيته فذلك شعائر الله ~~وروى شريك عن جابر عن عطاء ومن يعظم شعائر الله قال استسمانها واستعظامها ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ومن يعظم شعائر الله قال في ~~الإستحسان والاستسمان والإستعظام وعن عكرمة مثله وكذلك قول مجاهد وقال ~~الحسن شعائر الله دين الله قال أبو بكر يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة ~~بالآية لاحتمالها لها # | باب في ركوب البدنة # قال الله عز وجل @QB@ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى @QE@ قال ابن عباس ~~وابن عمر ومجاهد وقتادة لكم فيها منافع في ألبانها وظهورها وأصوافها إلى أن ~~تسمى بدنا ثم محلها إلى البيت العتيق وعن محمد بن كعب القرظي مثله وقال ~~عطاء إنه ينتفع بها إلى أن تنحر وهو قول عروة بن الزبير قال أبو بكر فاتفق ~~ابن عباس ومن تابعه على أن قوله إلى أجل مسمى أريد به إلى أن تصير بدنا ~~فذلك هو الأجل المسمى وكرهوا بعد ذلك ms2088 أن تركب وقال عطاء ومن واقفه يركبها ~~بعد أن تصير بدنة وقال عروة بن الزبير يركبها غير فادح لها ويحلبها عن فضل ~~ولدها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار يحتج بها من أباح ~~ركوبها فروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة ~~فقال له ويحك اركبها فقال إنها بدنة فقال ويحك اركبها وروى شعبة عن قتادة ~~عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وهذا عندنا إنما أباحه لضرورة ~~علمه من حاجة الرجل إليها وقد بين ذلك في أخبار أخر منها ما روى إسماعيل بن ~~جعفر عن حميد عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة وهو ~~يمشي وقد بلغ منه فقال اركبها قال إنها بدنة قال اركبها وسئل جابر عن ركوب ~~الهدي PageV05P078 فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اركبها ~~بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن ~~جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب الهدي قال اركب ~~بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظهرا فبين في هذه الأخبار أن إباحة ~~ركوبها معقودة بشريطة الضرورة إليها ويدل على أنه لا يملك منافعها أنه لا ~~يجوز له أن يؤاجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها ~~كمنافع سائر المملوكات # | باب محل الهدي # قال الله تعالى @QB@ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم @QE@ إلى قوله ~~لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ومعلوم أن مراده ~~تعالى فيما جعل هديا أو بدنة فيما وجب أن تجعل هديا من واجب في ذمته فأخبر ~~تعالى أن محل ما كان هذا وصفه إلى البيت العتيق والمراد بالبيت ههنا الحرم ~~كله إذ معلوم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد فدل على أنه الحرم كله ~~فعبر عنه بذكر البيت إذ كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت وهو كقوله تعالى ~~في ms2089 جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة ولا خلاف أن المراد الحرم كله وقد روى ~~أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عرفة كلها موقف ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر وعموم الآية ~~يقتضي أن يكون محل سائر الهدايا الحرم ولا يجزي في غيره إذ لم تفرق بين شيء ~~منها وقد اختلف في هدي الإحصار فقال أصحابنا محله ذبحه في الحرم وذلك لأنه ~~قال @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله @QE@ وكان المحل مجملا في ~~هذه الآية فلما قال ثم محلها إلى البيت العتيق بين فيه ما أجمل ذكره في ~~الآية الأولى فوجب أن يكون محل هدي الإحصار الحرم ولم يختلفوا في سائر ~~الهدايا التي يتعلق وجوبها بالإحرام مثل جزاء الصيد وفدية الأذى ودم التمتع ~~أن محلها الحرم فكذلك هدي الإحصار لما تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون في ~~الحرم قوله والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير قيل إن البدن ~~الإبل المبدنة بالسمن يقال بدنت الناقة إذا سمنتها ويقال بدن الرجل إذا سمن ~~وإنما قيل لها بدنة من هذه الجهة ثم سميت الإبل بدنا مهزولة كانت أو سمينة ~~فالبدنة اسم يختص بالبعير في اللغة إلا أن البقرة لم صارت في حكم البدنة ~~قامت مقامها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة ~~عن سبعة فصار البقر في حكم البدن ولذلك كان تقليد البقرة كتقليد البدنة في ~~باب وقوع PageV05P079 الإحرام بها لسائقها ولا يقلد غيرهما فهذان المعنيان ~~اللذان يختص بهما البدن دون سائر الهدايا وروي عن جابر بن عبدالله قال ~~البقرة من البدن واختلف أصحابنا فيمن قال لله علي بدنة هل يجوز له نحرها ~~بغير مكة فقال أبو حنيفة ومحمد يجوز له ذلك وقال أبو يوسف لا يجوز له نحره ~~إلا بمكة ولم يختلفوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة وأن من قال لله علي ~~جزور أنه يذبحه حيث شاء وروي عن ابن ms2090 عمر أنه قال من نذر جزورا نحرها حيث ~~شاء وإذا نذر بدنة نحرها بمكة وكذا روي عن الحسن وعطاء وكذا روي عن عبدالله ~~بن محمد بن علي وسالم وسعيد بن المسيب قالا إذا جعل على نفسه هديا فبمكة ~~وإذا قال بدنة فحيث نوى وقال مجاهد ليست البدن إلا بمكة وذهب أبو حنيفة أن ~~البدنة بمنزلة الجزور ولا يقتضي إهداءها إلى موضع فكان بمنزلة ناذر الجزور ~~والشاة ونحوها وأما الهدي فإنه يقتضي إهداءه إلى موضع وقال الله تعالى هديا ~~بالغ الكعبة فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي ويحتج لأبي يوسف بقوله تعالى ~~والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فكان اسم للبدنة مفيدا ~~لكونها قربة كالهدي إذ كان اسم الهدي يقتضي كونه قربة مجعولا لله فلما لم ~~يجز الهدي إلا بمكة كان كذلك حكم البدنة قال أبو بكر وهذا لا يلزم من قبل ~~أنه ليس كل ما كان ذبحه قربة فهو مختص بالحرم لأن الأصحية قربة وهي جائزة ~~في سائر الأماكن فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله لا يوجب تخصيصها بالحرم ~~قوله تعالى @QB@ فاذكروا اسم الله عليها صواف @QE@ روى يونس عن زياد قال ~~رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ راحلته فنحرها وهي باركة فقال انحرها ~~قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وروى أيمن بن نابل عن طاوس ~~في قوله تعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف قياما وروى سفيان عن منصور عن ~~مجاهد قال من قرأ صواف فهي قائمة مضمومة يداها ومن قرأ صوافن قيام معقولة ~~وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال قرأها صوافن قال معقولة يقول بسم ~~الله والله أكبر وروى الأعمش عن أبي الضحى قال سمعت ابن عباس وسئل عن هذه ~~الآية صواف قال قياما معقولة وروى جويبر عن الضحاك قال كان ابن مسعود ~~يقرأها صوافن وصوافن أن يعقل إحدى يديهما فتقوم على ثلاث وروى قتادة عن ~~الحسن أنه قرأها صوافي قال خالصة من الشرك وعن ابن عمر وعروة بن ms2091 الزبير ~~أنها تنحر مستقبلة القبلة قال أبو بكر حصلت قراءة السلف لذلك على ثلاثة ~~أنحاء أحدها صواف بمعنى مصطفة قياما وصوافي PageV05P080 بمعنى خالصة لله ~~تعالى وصوافن بمعنى معقلة في قيامها قوله تعالى فإذا وجبت جنوبها روي عن ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم إذا سقطت وقال أهل اللغة الوجوب هو السقوط ~~ومنه وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب قال قيس بن الخطيم % أطاعت بنو عوف أميرا ~~نهاهم % عن السلم حتى كان أول واجب % يعني أول مقتول سقط على الأرض وكذلك ~~البدن إذا نحرت قياما سقطت لجنوبها وهذا يدل على أنه قد أراد بقوله صواف ~~قياما لأنها إذا كانت باركة لا يقال إنها تسقط إلا بالإضافة فيقال سقطت ~~لجنوبها وإذا كانت قائمة ثم نحرت فلا محالة يطلق عليها اسم السقوط وقد يقال ~~للباركة إذا ماتت فانقلبت على الجنب أنها سقطت لجنبها فاللفظ محتمل للأمرين ~~إلا أن أظهرهما أن تكون قائمة فتسقط لجنبها عند النحر وقوله تعالى @QB@ ~~فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها @QE@ يدل على أنه قد اريد بوجوبها لجنوبها ~~موتها فهذا يدل على أنه ليس المراد سقوطها فحسب وأنه إنما أراد سقوطها ~~للموت فجعل وجوبها عبارة عن الموت وهذا يدل على أنه لا يجوز الأكل منها إلا ~~بعد موتها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ما بان من البهيمة وهي حية ~~فهو ميتة وقوله تعالى فكلوا منها يقتضي إيجاب الأكل منها إلا أن أهل العلم ~~متفقون على أن الأكل منها غير واجب وجائز أن يكون مستحسنا مندوبا إليه وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من البدن التي ساقها في حجة ~~الوداع وكان لا يأكل يوم الأضحى حتى يصلي صلاة العيد ثم يأكل من لحم أضحيته ~~وقال صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلث فكلوا وادخروا ~~وروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن علقمة قال بعث معي عبدالله بهدية ~~فقلت له ماذا تأمرني أن أصنع به قال إذا كان يوم عرفة فعرف به وإذا ms2092 كان يوم ~~النحر فانحره صواف فإذا وجب لجنبه فكل ثلثا وتصدق بثلث وابعث إلى أهل أخي ~~ثلثا وروى نافع عن ابن عمر كان يفتي في النسك والأضحية ثلث لك ولأهلك وثلث ~~في جيرانك وثلث للمساكين وقال عبدالملك عن عطاء مثله قال وكل شيء من البدن ~~واجبا كان أو تطوعا فهو بهذه المنزلة إلا ما كان من جراد صيد أو فدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك أو نذر مسمى للمساكين وقد روى طلحة بن عمرو عن عطاء عن ~~ابن مسعود قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق بثلثها ونأكل ~~ثلثها ونعطي الجازر ثلثها والجازر غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعلي لا تعطي الجازر منها شيئا وجائز أن PageV05P081 يكون الجازر صحيحا ~~وإنما أمرنا بإعطائه من غير أجرة الجزارة وإنما نهى أن يعطى الجازر منها من ~~أجرته ولما ثبت جواز الأكل منها دل ذلك على جواز إعطائه الأغنياء لأن كل ما ~~يجوز له أكله يجوز أن يعطى منه الغني كسائر امواله وإنما قدروا الثلث ~~للصدقة على وجه الإستحباب لأنه لما جاز له أن يأكل بعضه ويتصدق ببعضه ويهدي ~~بعضه على غير وجه الصدقة كان الذي حصل للصدقة الثلث وقد قدمنا قبل ذلك أنه ~~لما قال صلى الله عليه وسلم في لحوم الاضاحي فكلوا وادخروا وقال الله تعالى ~~@QB@ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير @QE@ حصل الثلث للصدقة وقوله تعالى ~~فكلوا منها عطفا على البدن يقتضي عمومه جواز الأكل من بدن القران والتمتع ~~لشمول اللفظ لها قوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر قال أبو بكر القانع قد ~~يكون الراضي بما رزق والقانع السائل أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب قال أخبرنا ~~ثعلب عن ابن الأعرابي قال القناعة الرضا بما رزقه الله تعالى ويقال من ~~القناعة رجل قانع وقنع ومن القنوع رجل قانع لا غير قال أبو بكر وقال الشماخ ~~في القنوع % لمال المرء يصلحه فيغني % مفاقره أعف من القنوع % # | واختلف السلف في المراد بالآية فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا ms2093 ~~القانع الذي لا يسئل والمعتر الذي يسئل وروي عن الحسن وسعيد بن جبير قالا ~~القانع الذي يسئل وروي عن الحسن قال المعتر يتعرض ولا يسئل وقال مجاهد ~~القانع جارك الغني والمعتر الذي يعتريك من الناس قال أبو بكر إن كان القانع ~~هو الغني فقد اقتضت الآية أن يكون المستحب الصدقة بالثلث لأن فيها الأمر ~~بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير الذي يسئل قوله تعالى @QB@ لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم @QE@ قيل في معناه لن يتقبل الله ~~اللحوم ولا الدماء ولكن يتقبل التقوى منها وقيل لن يبلغ رضا الله لحومها ~~ولا دماءها ولكن يبلغه التقوى منكم وإنما قال ذلك بيانا أنهم إنما يستحقون ~~الثواب بأعمالهم إذ كانت اللحوم والدماء فعل الله فلا يجوز أن يستحقوا بها ~~الثواب وإنما يستحقونه بفعلهم الذي هو التقوى ومجرى موافقة أمر الله تعالى ~~بذبحها قوله تعالى كذلك سخرها لكم يعني ذللها لتصريف العباد فيما يريدون ~~منها خلاف السباع الممتنعة بما أعطيت من القوة والآلة قوله تعالى @QB@ ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد @QE@ قال ~~مجاهد صوامع الرهبان والبيع كنائس اليهود وقال الضحاك PageV05P082 صلوات ~~كنائس اليهود ويسمونها صلوتا وقيل إن الصلوات مواضع صلوات المسلمين مما في ~~منازلهم وقال بعضهم لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع في أيام ~~شريعة عيسى عليه السلام وبيع في أيام شريعة موسى عليه السلام ومساجد في ~~أيام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسن يدفع عن هدم مصليات أهل ~~الذمة بالمؤمنين قال أبو بكر في الآية دليل على أن هذه المواضع المذكورة لا ~~يجوز أن تهدم على من كان له ذمة أو عهد من الكفار وأما في دار الحرب فجائز ~~لهم أن يهدموها كما يهدمون سائر دورهم وقال محمد بن الحسن في أرض الصلح إذا ~~صارت مصرا للمسلمين لم يهدم ما كان فيها من بيعة أو كنيسة أو بيت نار وأما ~~ما فتح عنوة وأقر أهلها عليها بالجزية فإنه ما صار منها مصرا ms2094 للمسلمين ~~فإنهم يمنعون من فيها الصلاة في بيعهم وكنائسهم ولا تهدم عليهم ويؤمرون بأن ~~يجعلوها إن شاؤوا بيوتا مسكونة قوله تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة قال أبو بكر هذه صفة الذين أذن لهم في القتال بقوله ~~تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا إلى قوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير ~~حق إلى قوله الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر وهذه صفة المهاجرين لأنهم الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق فأخبر تعالى أنه إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم ~~الله في الأرض وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وفيه الدلالة ~~الواضحة على صحة إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا ~~بفروض الله عليهم وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة القائمين بأوامر ~~الله منتهين عن زواجره ونواهيه ولا يدخل معاوية في هؤلاء لأن الله إنما وصف ~~بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وليس معاوية من المهاجرين بل هو من ~~الطلقاء قوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته @QE@ الآية روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ~~ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس أن السبب في نزول هذه الآية إنه لما تلا النبي ~~صلى الله عليه وسلم @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى @QE@ ~~ألقى الشيطان في تلاوته % تلك الغرانيق العلى % وإن شفاعتهن لترتجى % # PageV05P083 وقد اختلف في معنى ألقى الشيطان فقال قائلون لما تلا النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذه السورة وذكر فيها الأصنام علم الكفار أنه يذكرها ~~بالذم والعيب فقال قائل منهم حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله ~~تعالى أفرأيتم اللات والعزى تلك الغرانيق العلى وذلك بحضرة الجمع الكثير من ~~قريش في المسجد الحرام فقال سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه إن محمدا ~~قد مدح آلهتنا وظنوا ms2095 أن ذلك كان في تلاوته فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين وسمى الذي القى ~~ذلك في حال تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا لأنه كان من شياطين ~~الإنس كما قال تعالى شياطين الإنس والجن والشيطان اسم لكل متمرد عات من ~~الجن والإنس وقيل إنه جائز أن يكون شيطانا من شياطين الجن وقال ذلك عند ~~تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء عليهم ~~السلام كما حكى الله تعالى عنه بقوله @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على ~~عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون @QE@ وإنما قال ذلك إبليس حين ~~تصور في صورة سراقة بن مالك لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر وكما تصور في ~~صورة الشيخ النجدي حين تشاورت قريش في دار الندوة في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان مثل ذلك جائزا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لضرب من ~~التدببر فجائز أن يكون الذي قال ذلك شيطانا فظن القوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاله وقال بعضهم جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم ~~بذلك على سبيل السهو الذي لا يعرى منه بشر فلا يلبث أن ينبهه الله عليه ~~وأنكر بعض العلماء ذلك وذهب إلى أن المعنى إن الشيطان كان يلقي وساوسه في ~~صدر النبي صلى الله عليه وسلم ما يشغله عن بعض ما يقول فيقرأ غلطا في القصص ~~المتشابهة نحو قصة موسى عليه السلام وفرعون في مواضع من القرآن مختلفة ~~الألفاظ فكان المنافقون والمشركون ربما قالوا قد رجع عن بعض ما قرأ وكان ~~ذلك يكون منه على طريق السهو فنبهه الله تعالى عليه فأما الغلط في قراءة ~~تلك الغرانيق فإنه غير جائز وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يجوز ~~وقوع الغلط على بعض القرآن بإنشاد ms2096 شعر في أضعاف التلاوة على أنه من القرآن ~~وروي عن الحسن أنه لما تلا ما فيه ذكر الأصنام قال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما هي عندكم كالغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى في قولكم على جهة ~~النكير عليهم قوله تعالى @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك ~~في الأمر @QE@ قيل إن المنسك الموضع المعتاد لعمل خير أو شر وهو المألف ~~PageV05P084 لذلك ومناسك الحج مواضع العبادات فيه فهي متعبدات الحج وقال ~~ابن عباس منسكا عيدا وقال مجاهد وقتادة متعبدا في إراقة الدم بمنى وغيره ~~وقال عطاء ومجاهد أيضا وعكرمة ذبائح هم ذابحوه وقيل إن المنسك جميع ~~العبادات التي أمر الله بها قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فقال إن ~~أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فجعل الصلاة والذبح جميعا نسكا ~~وهذا يدل على أن اسم النسك يقع على جميع العبادات إلا أن الأظهر الأغلب في ~~العادة عند الإطلاق الذبح على وجه القربة قال الله تعالى ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك وليس يمتنع أن يكون المراد جميع العبادات ويكون الذبح أحد ما ~~أريد بالآية فيوجب ذلك أن يكونوا مأمورين بالذبح لقوله تعالى فلا ينازعنك ~~في الأمر وإذ كنا مأمورين بالذبح ساغ الاحتجاج به في إيجاب الأضحية لوقوعها ~~عامة في الموسرين كالزكاة ولو جعلناه على الذبح الواجب في الحج كان خاصا في ~~دم القران والمتعة إذ كانا نسكين في الحج دون غيرهما من الدماء إذ كانت ~~سائر الدماء في الحج إنما يجب على جهة جبران نقص وجناية فلا يكون إيجابه ~~على وجه ابتداء العبادة به وقوله تعالى @QB@ جعلنا منسكا هم ناسكوه @QE@ ~~يقتضي ظاهره ابتداء إيجاب العبادة به واختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب ~~الأضحية فروى الشعبي عن أبي سريحة قال رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان وقال ~~عكرمة كان ابن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ويقول من ms2097 لقيت ~~فقل هذه أضحية ابن عباس وقال ابن عمر ليست بحتم ولكن سنة ومعروف وقال أبو ~~مسعود الأنصاري إني لأدع الأضحى وأنا موسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي ~~وقال إبراهيم النخعي الأضحية واجبة إلا على مسافر وروي عنه أنه قال كانوا ~~إذا شهدوا ضحوا وإذا سافروا لم يضحوا وروى يحيى بن يمان عن سعيد بن ~~عبدالعزيز عن مكحول قال الأضحية واجبة وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر الأضحية ~~واجبة على أهل اليسار من أهل الامصار والقرى المقيمين دون المسافرين ولا ~~أضحية على المسافر وإن كان موسرا وحد اليسار في ذلك ما تجب فيه صدقة الفطر ~~وروي عن أبي يوسف مثل ذلك وروي عنه أنها ليست بواجبة وهي سنة وقال مالك بن ~~أنس على الناس كلهم أضحية المسافر والمقيم ومن تركها من غير عذر فبئس ما ~~صنع وقال الثوري والشافعي ليست بواجبة وقال الثوري لا بأس بتركها وقال ~~عبدالله بن PageV05P085 الحسن يؤثر بها أباه أحب إلي من أن يضحى قال أبو ~~بكر ومن يوجبها يحتج له بهذه الآية ويحتج له بقوله قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت قد اقتضى الأمر ~~بالأضحية لأن النسك في هذا الموضع المراد به الأضحية ويدل عليه ما روى سعيد ~~بن جبير عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا فاطمة اشهدي ~~أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه وقولي إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين وروى أن عليا رضي الله عنه كان يقول عند ذبح ~~الأضحية @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله @QE@ الآية وقال أبو بردة ~~بن نيار يوم الأضحى يا رسول الله إني عجلت بنسكي وقال صلى الله عليه وسلم ~~إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فدل ذلك على أن هذا النسك قد ~~أريد به الأضحية وأخبر أنه مأمور بقه بقوله وبذلك أمرت والأمر يقتضي الوجوب ~~ويحتج فيه بقوله فصل لربك وانحر قد ms2098 روى أنه أراد صلاة العيد وبالنحر ~~الأضحية والأمر يقتضي الإيجاب وإذا وجب على النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~واجب علينا لقوله تعالى فاتبعوه وقوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~ويحتج للقائلين بإيجابها من جهة الأثر بما رواه زيد بن الحباب عن عبدالله ~~بن عياش قال حدثني الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من كان له يسار فلم يضح فلا يقربن مصلانا وقد رواه غير زيد بن الحباب ~~مرفوعا جماعة منهم يحيى بن سعيد حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا عباس بن ~~الوليد بن المبارك قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا يحيى بن سعيد عن ~~عبدالله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة ق قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قدر على سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا ورواه يحيى بن يعلى أيضا ~~مرفوعا حدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن النعمان ~~الفراء قال حدثنا يحيى بن يعلى عن عبدالله بن عياش أو عباس عن الأعرج عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجد سعة فلم يضح فلا ~~يقربن مسجدنا ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال من ~~وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا ويقال إن عبيد الله بن أبي جعفر فوق ابن ~~عياش في الضبط والجلالة فوقفه على أبي هريرة ولم يرفعه ويقال إن الصحيح أنه ~~موقوف عليه غير مرفوع ويحتج لإيجابها أيضا بحديث أبي رملة الحنفي عن مخنف ~~بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال على كل أهل بيت في عام أضحية ~~وعتيرة قال أبو بكر والعتيرة PageV05P086 منسوخة بالاتفاق وهي إنهم كانوا ~~يصومون رجب ثم يعترون وهي الرجبية وقد كان ابن سيرين وابن عون يفعلانه ولم ~~تقم الدلالة على نسخ الأضحية فهي واجبة بمقتضى الخبر إلا أنه ذكر في هذا ~~الحديث على كل أهل بيت أضحية ومعلوم ms2099 أن الواجب من الأضجية لا يجزى عن أهل ~~البيت وإنما يجزى عن واحد فبدل ذلك على أنه لم يرد الإيجاب ومما يحتج ~~لموجبيها ما حدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن أبي عون البزوري قال حدثنا ~~أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن مجاهد عن ~~الشعبي عن جابر والبراء بن عازب قالا قام النبي صلى الله عليه وسلم على ~~منبره يوم الأضحى فقال من صلى معنا هذه الصلاة فليذبح بعد الصلاة فقام أبو ~~بردة بن نيار فقال يا رسول الله إني ذبحت ليأكل معنا أصحابنا إذا رجعنا قال ~~ليس بنسك قال عندي جذعة من المعز قال تجزى عنك ولا تجزى عن غيرك فيستدل من ~~هذا الخبر بوجوه على الوجوب أحدها قوله صلى الله عليه وسلم من صلى معنا هذه ~~الصلاة وشهد معنا فليذبح بعد الصلاة وهو أمر بالذبح يقتضي ظاهره الوجوب ~~والوجه الثاني قوله صلى الله عليه وسلم تجزى عنك ولا تجزى عن غيرك ومعناه ~~تقضى عنك لأنه يقال جزى عني كذا بمعنى قضى عني والقضاء لا يكون إلا عن واجب ~~فقد اقتضى ذلك الوجوب ومن جهة أخرى أن في بعض ألفاظ هذا الحديث فمن ذبح قبل ~~الصلاة فليعد أضحيته وفي بعضها أنه قال لأبي بردة أعد أضحيتك ومن يأبى ذلك ~~يقول إن قوله صلى الله عليه وسلم من صلى معنا هذه الصلاة وشهد معنا فليذبح ~~يدل على أنه لم يرد الإيجاب لأن وجوبها لا يتعلق بشهود الصلاة عند الجميع ~~ولما عم الجميع ولم يخصص به الأغنياء دل على أنه أراد الندب وأما قوله تجزى ~~عنك فإنما أراد به جواز قربة والجواز والقضاء على ضربين أحدهما جواز قربة ~~والآخر جواز فرض فليس في ظاهر إطلاق لفظ الجواز والقضاء دلالة على الوجوب ~~وأيضا يحتمل أن يكون أبو بردة قد كان أوجب الأضحية نذرا فأمره بالإعادة ~~فإذا ليس فيما خاظب به أبو بردة دلالة على الوجوب لأنه حكم في شخص معين ليس ~~بعموم لفظ في إيجابها على كل أحد ms2100 فإن قيل لو أراد القضاء عن واجب لسأله عن ~~قيمته ليوجب عليه مثله قيل له قد قال أبو بردة إن عندي جذعة خير من شاتي ~~لحم فكانت الجذعة خيرا من الأولى ومما يحتج به على الوجوب من طريق النظر ~~إتفاق الجميع على لزومها بالنذر فلولا أن لها أصلا في الوجوب لما لزمت ~~بالنذر كسائر الأشياء التي ليس لها أصل في الوجوب فلا تلزم بالنذر ومما ~~يحتج به للوجوب PageV05P087 ما روى جابر الجعفي عن أبي جعفر قال نسخت ~~الأضحية كل ذبح كان قبلها ونسخت الزكاة كل زكاة كانت قبلها ونسخ صوم رمضان ~~كل صوم كان قبله ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبله قالوا فهذا يدل على وجوب ~~الأضحى لأنه نسخ به ما كان قبله ولا يكون المنسوخ به إلا واجبا ألا ترى أن ~~كل ما ذكره أنه ناسخ لما قبله فهو فرض أو واجب قال أبو بكر وهذا عندي لا ~~يدل على الوجوب لأن نسخ الواجب هو بيان مدة الوجوب فإذا بين بالنسخ أن مدة ~~الإيجاب كانت إلى هذا الوقت لم يكن في ذلك ما يقتضي إيجاب شيء آخر ألا ترى ~~أنه لو قال قد نسخت عنكم العتيرة والعقيقة وسائر الذبائح التي كانت تفعل لم ~~تكن فيه دلالة على وجوب ذبيحة أخرى فليس إذا في قوله نسخت الأضحية كل ذبيحة ~~كانت قبلها دلالة على وجوب الأضحية وإنما فائدة ذكر النسخ في هذا الموضع ~~بالأضحية أنه بعد ما ندبنا إلى الأضحية لم تكن هناك ذبيحة أخرى واجبة ومما ~~يحتج به من نفي وجوبها ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن ~~عبدالله قال حدثنا عبدالعزيز بن الخطاب قال حدثنا مندل بن علي عن أبي حباب ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى على ~~فريضة وهو عليكم سنة وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا سعيد بن محمد أبو عثمان ~~الأنجداني قال حدثنا الحسن بن حماد قال حدثنا عبدالرحيم بن سليم عن عبدالله ~~بن محرز عن قتادة ms2101 عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرت بالأضحى والوتر ولم تعزم على وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا محمد بن علي ~~بن العباس الفقيه قال حدثنا عبدالله بن عمر قال حدثنا محمد بن عبدالوارث ~~قال حدثنا أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث ~~هن علي فريضة ولكم تطوع الأضحى والوتر والضحى ففي هذه الأخبار أنها ليست ~~بواجبة علينا إلا أن الأخبار لو تعارضت لكانت الأخبار المقتضية للإيجاب ~~أولى بالاستعمال من وجهين أحدهما أن الإيجاب طارىء على إباحة الترك والثاني ~~أن فيه حظر الترك وفي نفيه إباحة الترك والحظر أولى من الإباحة ومما يحتج ~~به في نفي الوجوب ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون ~~بن عبدالله قال حدثنا عبدالله بن يزيد قال حدثني سعيد بن أيوب قال حدثني ~~عياش القتباني عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة ~~فقال رجل أرأيت إن لم أجد إلا منيحة إنني أفأضحي بها قال لا PageV05P088 ~~ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند ~~الله عز وجل فلما جعل هذه الأشياء بمنزلة الأضحية دل على أن الأضحية غير ~~واجبة إذ كان فعل هذه الأشياء غير واجب وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو ~~داود قال حدثني إبراهيم بن موسى الرازي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن ~~أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر بن عبدالله قال ذبح النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجئين فلما وجههما قال إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من ~~المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح ms2102 قالوا ~~ففي ذبحه عن الأمة دلالة على أنها غير واجبة لأنها لو كانت واجبة لم تجز ~~شاة عن جميع الأمة قال أبو بكر وهذا لا ينفي الوجوب لأنه تطوع بذلك وجائز ~~أن يتطوع عمن قد وجب عليه كما يتطوع الرجل عن نفسه ولا يسقط ذلك عنه وجوب ~~ما يلزمه ومما يحتج من نفي الوجوب ما قدمنا روايته عن السلف من نفي إيجابه ~~وفيه الدلالة من وجهين على ذلك أحدهما أنه لم يظهر من أحد من نظرائهم من ~~السلف خلافه وقد استفاض عمن ذكرنا قولهم من السلف نفي إيجابه والثاني أنه ~~لو كان واجبا مع عموم الحاجة إليه لوجب أن يكون من النبي صلى الله عليه ~~وسلم توقيف لأصحابه على وجوبه ولو كان كذلك لورد النقل به مستفيضا متواترا ~~وكان لا أقل من أن يكون وروده في وزن ورود إيجاب صدقة الفطر لعموم الحاجة ~~إليه وفي عدم النقل المستفيض فيه دلالة على نفي الوجوب ويحتج فيه بأنه لو ~~كان واجبا وهو حق في مال لما اختلف حكم المقيم والمسافر فيه كصدقة الفطر ~~فلما لم يوجبه أبو حنيفة على المسافر دل على أنه غير واجب ويحتج فيه أيضا ~~بأنه لو كان واجبا وهو حق في مال لما أسقطه مضي الوقت فلما اتفق الجميع على ~~أنه يسقط بمضي أيام النحر دل على أنه غير واجب إذ كانت سائر الحقوق الواجبة ~~في الأموال نحو الزكاة وصدقة الفطر والعشر ونحوها لا يسقطها مضي الأوقات ~~قوله تعالى @QB@ وجاهدوا في الله حق جهاده @QE@ إلى قوله ملة أبيكم إبراهيم ~~قيل معناه جاهدوا في الله حق جهادة واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ولذلك نصب ~~وقال بعضهم نصب لأنه أراد كملة أبيكم إلا أنه لما حذف الجار اتصل الاسم ~~بالفعل فنصب قال أبو بكر وفي هذه الآية دلالة على أن علينا اتباع شريعة ~~إبراهيم إلا ما ثبت PageV05P089 نسخه على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وقيل إنه إنما قال ملة أبيكم إبراهيم لأنها داخلة في ملة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم ms2103 وإن كان المعنى أنه كملة أبيكم إبراهيم فإنه يعني أن الجهاد في ~~الله حق جهاده كملة أبيكم إبراهيم عليه السلام لأنه جاهد في الله حق جهاده ~~وقال ابن عباس وجاهدوا في الله حق جهاده جاهدوا المشركين وروي عن ابن عباس ~~أيضا لا تخافوا في الله لومة لائم وهو الجهاد في الله حق جهاده وقال الضحاك ~~يعني اعملوا بالحق لله عز وجل قوله تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج @QE@ قال ابن عباس من ضيق وكذلك قال مجاهد ويحتج به في كل ما اختلف فيه ~~من الحوادث أن ما أدى إلى الضيق فهو منفي وما أوجب التوسعة فهو أولى وقد ~~قيل وما جعل عليكم في الدين من حرج إنه من ضيق لا مخرج منه وذلك لأن منه ما ~~يتخلص منه بالتوبة ومنه ما ترد به المظلمة فليس في دين الإسلام ما لا سبيل ~~إلى الخلاص من عقوبته وقوله ملة أبيكم إبراهيم الخطاب لجميع المسلمين وليس ~~كلهم راجعا بنسبه إلى أولاد إبراهيم فروي عن الحسن أنه أراد أن حرمة ~~إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد كما قال تعالى وأزواجه ~~أمهاتكم وفي بعض القراءات وهو أب لهم قوله تعالى هو سماكم المسلمين من قبل ~~قال ابن عباس ومجاهد يعني إن الله سماكم المسلمين وقيل إن إبراهيم سماكم ~~المسلمين لقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وقوله ~~تعالى من قبل وفي هذا قال مجاهد من قبل القرآن وفي القرآن وقوله تعالى هو ~~اجتباكم يدل على أنهم عدول مرضيون وفي ذلك بطلان طعن الطاعنين عليهم إذ كان ~~الله لا يجتبي إلا أهل طاعته واتباع مرضاته وفي ذلك مدح للصحابة المخاطبين ~~بذلك ودليل على طهارتهم قوله تعالى @QB@ ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس @QE@ فيه الدلالة على صحة إجماعهم لأن معناه ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم بطاعة من أطاع في تبليغه وعصيان من عصى وتكونوا شهداء على ~~الناس بأعمالهم فيما بلغتموهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم وهذه الآية نظير ~~قوله تعالى ms2104 وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا فبدأبمدحهم ووصفهم بالعدالة ثم أخبر أنهم شهداء وحجة على من ~~بعدهم كما قال هنا هو اجتباكم إلى قوله وتكونوا شهداء على الناس قوله تعالى ~~وافعلوا الخير ربما يحتج به المحتج في إيجاب قربة مختلف في وجوبها وهذا ~~عندنا لا يصح الاحتجاج به في إيجاب شيء ولا يصح اعتقاد العموم PageV05P090 ~~فيه آخر سورة الحج # | ومن سورة المؤمنين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ ~~روى ابن عوف عن محمد بن سيرين قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ~~رفع رأسه إلى السماء فلما نزلت الذين هم في صلاتهم خاشعون نكس رأسه وروى ~~هشام عن محمد قال لما نزلت الذين هم في صلاتهم خاشعون خفوا أبصارهم فكان ~~الرجل يحب أن لا يجاوز بصره موضع سجوده وروي عن جماعة الخشوع في الصلاة أن ~~لا يجاوز بصره موضع سجوده وروي عن إبراهيم ومجاهد والزهري الخشوع السكون ~~وروى المسعودي عن أبي سنان عن رجل منهم قال سئل علي عن قوله @QB@ الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون @QE@ قال الخشوع في القلب وأن تلين كتفك للمرء المسلم ولا ~~تلتفت في صلاتك وقال الحسن خاشعون خائفون قال أبو بكر الخشوع ينتظم هذه ~~المعاني كلها من السكون في الصلاة والتذلل وترك الإلتفات والحركة والخوف من ~~الله تعالى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اسكنوا في الصلاة ~~وكفوا أيديكم في الصلاة وقال أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف شعرا ~~ولا ثوبا وأنه نهى عن مس الحصى في الصلاة وقال إذا قام الرجل يصلي فإن ~~الرحمة تواجهه فإذا التفت انصرفت عنه وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلمح في الصلاة ولا يلتفت وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن ~~زيد بن سلام أنه سمع ms2105 أبا سلام قال حدثني السلوى أنه حدثه سهل بن الحنظلية ~~أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وذكر الحديث إلى قوله ~~من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله قال فاركب ~~فركب فرسا له فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يغرن من قبلك ~~الليلة فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ~~ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم قالوا يا رسول الله ما أحسسناه فثوب ~~بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى ~~إذا قضى صلاته وسلم قال أبشروا قد جاءكم فارسكم فأخبر في هذا الحديث أنه ~~كان يلتفت إلى الشعب وهو في PageV05P091 الصلاة وهذا عندنا كان عذرا من ~~وجهين أحدهما أنه لم يأمن من مجيء العدو من تلك الناحية والثاني اشتغال ~~قلبه بالفارس إلى أن طلع وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان يلحظ في الصلاة ~~يمينا وشمالا وروى حماد بن سلمة عن حميد عن معاوية بن قرة قال قيل لابن عمر ~~إن كان الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا قال لكنا نقول هكذا وهكذا ~~ونكون مثل الناس وروي عن ابن عمر أنه كان لا يلتفت في الصلاة فعلمنا أن ~~الالتفات المنهى عنه أن يولي وجهه يمنة ويسرة فأما أن يلحظ يمنة ويسرة فإنه ~~غير منهي عنه وروى سفيان عن الأعمش قال كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة ~~كأنه ثوب ملقى وروى أبو مجلز عن أبي عبيدة قال كان أبن مسعود إذا قام إلى ~~الصلاة خفض فيها صوته وبدنه وبصره وروى علي بن صالح عن زبير اليامي قال كان ~~أراد أن يصلي كأنه خشبة قوله تعالى @QB@ والذين هم عن اللغو معرضون @QE@ ~~واللغة هو الفعل الذي لا فائدة فيه وما كان هذا وصفه من القول والفعل فهو ~~محظور وقال ابن عباس ms2106 اللغو الباطل والقول الذي لا فائدة فيه هو الباطل وإن ~~كان الباطل قد يبتغي به فوائد عاجلة قوله تعالى @QB@ والذين هم لفروجهم ~~حافظون @QE@ يجوز أن يكون المراد عاما في الرجال والنساء لأن المذكر ~~والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر كقوله @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون @QE@ قد أريد به الرجال والنساء ومن الناس من يقول إن قوله ~~والذين هم لفروجهم حافظون خاص في الرجال بدلالة قوله تعالى إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم وذلك لا محالة أريد به الرجال قال أبو بكر وليس يمتنع ~~أن يكون اللفظ الأول عاما في الجميع والاستثناء خاص في الرجال كقوله ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا ثم قال وإن جاهداك لتشرك بي فالأول عموم في الجميع ~~والعطف في بعض ما انتظمه اللفظ وقوله @QB@ والذين هم لفروجهم حافظون @QE@ ~~عام لدلالة الحال عليه وهو حفظها من مواقعة المحظور بها قوله تعالى فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون يقتضي تحريم نكاح المتعة إذ ليست بزوجة ~~ولا مملوكة يمين وقد بينا ذلك في سورة النساء في قوله وراء ذلك معناه غير ~~ذلك وقوله العادون يعني من يتعدى الحلال إلى الحرام فأما قوله إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم استثناء من الجملة المذكورة لحفظ الفروج وإخبار ~~عن إباحة وطء الزوجة وملك اليمين فاقتضت الآية حظر ما عدا هذين الصنفين في ~~الزوجات وملك الأيمان ودل بذلك على إباحة وطء الزوجات PageV05P092 وملك ~~اليمين لعموم اللفظ فيهن فإن قيل لو كان ذلك عموما في إباحة وطئهن لوجب أن ~~يجوز وطؤهن في حال الحيض ووطء الأمة ذات الزوجة والمعتدة من وطء بشبهة ونحو ~~ذلك قيل له قد اقتضى عموم اللفظ إباحة وطئهن في سائر الأحوال إلا أن ~~الدلالة قد قامت على تخصيص من ذكرت كسائر العموم إذا خص منه شيء لم يمنع ~~ذلك بقاء حكم العموم فيما لم يخص وملك اليمين متى أطلق عقل به الأمة والعبد ~~المملوكان ولا يكاد يطلق ملك اليمين في غير بني آدم لا يقال للدار والدابة ms2107 ~~ملك اليمين وذلك لأن ملك العبد والأمة أخص من ملك غيرهما ألا ترى أنه يملك ~~التصرف في الدار بالنقض والبناء ولا يملك ذلك في بني آدم ويجوز عارية الدار ~~وغيرها من العروض ولا يجوز عارية الفروج قوله تعالى والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى يحافظون قالوا فعلها في الوقت ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس التفريط في النوم إنما ~~التفريط أن يترك الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى وقال مسروق الحفاظ على الصلاة ~~فعلها لوقتها وقال إبراهيم النخعي يحافظون دائمون وقال قتادة يحافظون على ~~وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها قال أبو بكر المحافظة عليها مراعاتها ~~للتأدية في وقتها على استكمال شرائطها وجميع المعاني التي تأول عليها السلف ~~المحافظة هي مرادة بالآية وأعاد ذكر الصلاة لأنه مأمور بالمحافظة عليها كما ~~هو بالخشوع فيها قوله تعالى @QB@ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة @QE@ ~~الآية روى وكيع عن مالك بن مغول عن عبدالرحمن بن سعيد ابن وهب عن عائشة ~~قالت قلت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أهو الرجل يشرب ~~الخمر ويسرق قال لا يا عائشة ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا ~~يقبل منه وروى جرير عن ليث عمن حدثه عن عائشة وعن ابن عمر يؤتون ما آتوا ~~قال الزكاة ويروى عن الحسن قال لقد أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد ~~عليهم أشفق منكم على سيآتكم أن تعذبوا عليها قوله تعالى أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون الخيرات هنا الطاعات يسارع إليها أهل الإيمان بالله ~~ويجتهدون في السبق إليها رغبة فيها وعلما بما لهم بها من حسن الجزاء وقوله ~~وهم لها سابقون قال ابن عباس سبقت لهم السعادة وقال غيره وهم من أهل ~~الخيرات سابقون إلى الجنة وقال آخرون وهم إلى الخيرات سابقون قوله تعالى ~~@QB@ ولهم أعمال من دون ذلك @QE@ قال PageV05P093 قتادة وأبو العالية خطايا ~~من دون الحق وعن الحسن ومجاهد أعمال لهم من دون ما هم عليه ms2108 لا بد من أن ~~يعملوها وقوله تعالى مستكبرين به سامرا تهجرون قرىء بفتح التاء وضم الجيم ~~وقرىء بضم التاء وكسر الجيم فقيل في تهجرون قولان أحدهما قول ابن عباس ~~تهجرون الحق بالإعراض عنه وقال مجاهد وسعيد بن جبير تقولون الهجر وهو السيء ~~من القول ومن قرأ تهجرون فليس إلا من الهجر عن ابن عباس وغيره يقال اهجر ~~المريض إذا هدأ ووحد سامرا وإن كان المراد ا لسمار لأنه في موضع المصدر كما ~~يقال قوموا قياما وقيل إنما وحد لأنه في موضع الوقت بتقدير ليلا تهجرون ~~وكانوا يسمرون بالليل حول الكعبة وقد اختلف في السمر فروى شعبة عن أبي ~~المنهال عن أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكره ~~النوم قبلها والحديث بعدها وروى شعبة عن منصور عن خيثمة عن عبدالله عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سمر إلا لرجلين مصل أو مسافر وعن ابن عمر ~~أنه كان ينهى عن السمر بعد العشاء وأما الرخصة فيه فما روى الأعمش عن ~~إبراهيم عن علقمة قال قال عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر ~~الليلة عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وكان ابن عباس يسمر بعد ~~العشاء وكذلك عمرو بن دينار وأيوب السختياني إلى نصف الليل آخر سورة ~~المؤمنين # | ومن سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~@QE@ قال أبو بكر لم يختلف السلف في أن حد الزانيين في أول الإسلام ما قال ~~الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~إلى قوله @QB@ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما @QE@ فكان حد المرأة الحبس ~~والأذى بالتعبير وكان حد الرجل التعبير ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله ~~تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ونسخ عن المحصن ~~بالرجم وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد ms2109 مائة وتغريب عام والثيب بالثيب ~~الجلد والرجم فكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم إلى قوله أو يجعل الله لهن سبيلا وذلك لتنبيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إيانا على أن ما ذكره PageV05P094 من ذلك هو السبيل المراد ~~بالآية ومعلوم أنه لم تكن بينهما واسطة حكم آخر لأنه لو كان كذلك لكان ~~السبيل المجعول لهن متقدما لقوله صلى الله عليه وسلم بحديث عبادة إن المراد ~~بالسبيل هو ما ذكره دون غيره وإذا كان كذلك كان الأذى والحبس منسوخين عن ~~غير المحصن بالآية وعن المحصن بالسنة وهو الرجم واختلف أهل العلم في حد ~~المحصن وغير المحصن في الزنا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد يرجم ~~المحصن ولا يجلد ويجلد غير المحصن وليس نفيه بحد وإنما هو موكول إلى رأي ~~الإمام إن رأى نفيه للدعارة فعل كما يجوز حبسه حتى يحدث توبة وقال ابن أبي ~~ليلى ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح لا يجتمع الجلد والرجم مثل ~~قول أصحابنا واختلفوا في النفي بعد الجلد فقال ابن أبي ليلى ينفى البكر بعد ~~الجلد وقال مالك ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد ومن نفى حبس في ~~الموضع الذي ينفى إليه وقال الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي ينفى ~~الزاني وقال الأوزاعي ولا تنفى المرأة وقال الشافعي ينفى العبد نصف سنة ~~والدليل على أن نفي البكر الزاني ليس بحدان قوله تعالى @QB@ الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ يوجب أن يكون هذا هو الحد ~~المستحق بالزنا وأنه كمال الحد فلو جعلنا النفي حدا معه لكان الجلد بعض ~~الحد وفي ذلك إيجاب نسخ الآية فثبت أن النفي إنما هو تعزيز وليس بحد ومن ~~جهة أخرى أن الزيادة في النص غير جائزة إلا بمثلي ما يجوز به النسخ وأيضا ~~لو كان النفي حدا مع الجلد لكان من النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوته ~~توقيف للصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع حده ~~ولو ms2110 كان كذلك لكان وروده في وزن ورود نقل الآية فلما لم يكن خبر النفي بهذه ~~المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد وقد روي عن عمر أنه ~~غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فقال عمر لا أغرب ~~بعدها أحدا ولم يستثن الزنا وروي عن علي أنه قال في البكرين إذا زنيا ~~يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما من الفتنة وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ~~أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها وقال إبراهيم النخعي كفى بالنفي فتنة فلو ~~كان النفي ثابتا مع الجلد على أنهما حد الزاني لما خفى على كبراء الصحابة ~~ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة وشبل وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في الأمة إذا زنت فليجلدها فإن زنت فاجلدوها ثم إن زنت ~~فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير وقد حوى هذا الخبر الدلالة من وجهين على صحة ~~قولنا أحدهما PageV05P095 إنه لو كان النفي ثابتا لذكره مع الجلد والثاني ~~أن الله تعالى قال @QB@ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب @QE@ فإذا كان جلد الأمة نصف حد الحرة وأخبر صلى الله عليه وسلم في ~~حدها بالجلد دون النفي دل ذلك على أن حد الحرة هو الجلد ولا نفي فيه فإن ~~قيل إنما أراد بذلك التأديب دون الحد وقد روي عن ابن عباس أن الأمة إذا زنت ~~قبل أن تحصن أنه لا حد عليها لقوله تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب @QE@ قيل له قد روى سعيد المقبري عن ~~أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا زنت أمة أحدكم ~~فليجلدها الحد ولا يثرب عليها قال ذلك ثلاث مرات ثم قال في الثالثة أو ~~الرابعة ثم ليبعها ولو بضفير وقوله صلى الله عليه وسلم بعها ولو بضفير يدل ~~على أنها لا تنفى لأنه لو وجب نفيها لما جاز ms2111 بيعها إذ لا يمكن المشتري ~~تسلمها لأن حكمها أن تنفى فإن قيل في حديث شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان ~~بن عبدالله عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر يجلد وينفى ~~والثيب يجلد ويرجم وروى الحسن عن قبيصة بن ذؤيب عن سلمة بن المحبق عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثله وحديث الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن أبي ~~هريرة وزيد بن خالد أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديته منه بوليدة ومائة ~~شاة ثم أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة ~~هذا الرجم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك ~~وأما ابنك فإن عليه جلد مائة وتغريب عام ثم قال لرجل من أسلم اغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإن عليه جلد مائة وتغريب عام ثم قال لرجل من أسلم أغد يا ~~أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قيل له غير جائز أن تزيد في حكم ~~الآية بأخبار الآحاد لأنه يوجب النسخ لا سيما مع إمكان استعمالها على وجه ~~لا يوجب النسخ فالواجب إذا كان هكذا حمله على وجه التعزير لا أنه حد مع ~~الجلد فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا ~~حديثي عهد بالجاهلية فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد كما أمر بشق روايا الخمر ~~وكسر الأواني لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة وأيضا فإن حديث عبادة ~~وارد لا محالة قبل آية الجلد وذلك لأنه قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ~~فلو كانت الآية قد نزلت قبل ذلك لكان السبيل مجعولا قبل ذلك ولما كان الحكم ~~مأخوذا عنه بل عن الآية قثبت بذلك ms2112 أن آية الجلد PageV05P096 إنما نزلت بعد ~~ذلك وليس فيها ذكر النفي فوجب أن يكون ناسخا لما في حديث عبادة من النفي إن ~~كان النفي حدا ومما يدل على أن النفي على وجه التعزير وليس بحد أن الحدود ~~معلومة المقادير والنهايات ولذلك سميت حدودا لا تجوز الزيادة عليها ولا ~~النقصان منها فلما لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للنفي مكانا معلوما ~~ولا مقدارا من المسافة والبعد علمنا أنه ليس بحد وأنه موكول إلى اجتهاد ~~الإمام كالتعزير لما لم يكن له مقدار معلوم كان تقديره موكولا إلى رأي ~~الأمام ولو كان ذلك حدا لذكر النبي صلى الله عليه وسلم مسافة الموضع الذي ~~ينفى إليه كما ذكر توقيت السنة لمدة النفي وأما الجمع بين الجلد والرجم ~~للمحصن فإن فقهاء الأمصار متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد والدليل على ~~صحة ذلك حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وإن أبا الزاني قال ~~سألت رجلا من أهل العلم فقالوا على امرأة هذا الرجم فلم يقل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل عليها الرجم والجلد وقال لأنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها ولم يذكر جلدا ولو وجب الجلد مع الرجم لذكره له كما ذكر الرجم وقد ~~وردت قصة ماعز من جهات مختلفة ولم يذكر في شيء منها مع الرجم جلد ولو كان ~~الجلد حدا مع الرجم لجلده النبي صلى الله عليه وسلم ولو جلده لنقل كما نقل ~~الرجم إذ ليس أحدهما بأولى بالنقل من الآخر وكذلك في قصة الغامدية حين أقرت ~~بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وضعت ولم يذكر جلدا ولو ~~كانت جلدت لنقل وفي حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن ~~عباس قال قال عمر قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم ~~في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وقد قرأنا الشيخ والشيخة إذا ~~زنيا فارجموهما البتة ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ms2113 بعده فأخبر ~~أن الذي فرضه الله هو الرجم وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ولو كان ~~الجلد واجبا مع الرجم لذكره واحتج من جمع بينهما بحديث عبادة الذي قدمناه ~~وقوله الثيب بالثيب الجلد والرجم وبما روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ~~أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ثم أخبر أنه قد ~~كان أحصن فأمر به فرجم وبما روى أن عليا جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال ~~جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما حديث ~~عبادة فإنا قد علمنا أنه وارد عقيب كون حد الزانيين الحبس والأذى ناسخا له ~~واسطة بينهما بقوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ثم ~~كان رجم ماعز والغامدية وقوله واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها PageV05P097 بعد حديث عبادة فلو كان ما ذكر في حديث عبادة من الجمع ~~بين الجلد والرجم ثابتا لا يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوجوه ~~وأما حديث جابر فجائز أن يكون جلده بعض الحد لأنه لم يعلم بإحصانه ثم لما ~~ثبت إحصانه رجمه وكذلك قول أصحابنا ويحتمل حديث علي رضي الله عنه في جلده ~~شراحة ثم رجمها أن يكون على هذا الوجه واختلف الفقهاء في الذميين هل يحدان ~~إذا زنيا فقال أصحابنا والشافعي يحدان إلا أنهما لا يرجمان عندنا وعند ~~الشافعي يرجمان إذا كانا محصنين وقد بينا ذلك فيما سلف وقال مالك لا يحد ~~الذميان إذا زنيا قال أبو بكر وظاهر قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة يوجب الحد على الذميين ويدل عليه حديث زيد بن خالد ~~وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وقوله ~~صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولم يفرق بين الذمي ~~والمسلم وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين فلا يخلو ذلك من ~~أن يكون بحكم التوراة أو ms2114 حكما مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان ~~رجمهما بحكم التوراة فقد صار شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم لأن ما كان من ~~شرائع الأنبياء المتقدمين مبقى إلى وقت النبي صلى الله عليه وسلم فهو شريعة ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم مالم ينسخ وإن كان رجمهما على أنه حكم مبتدأ من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت إذ لم يرد ما يوجب نسخه والصحيح عندنا ~~أنه رجمهما على أنه شريعة مبتدأة من النبي صلى الله عليه وسلم لا على تبقية ~~حكم التوراة والدليل عليه أن حد الزانيين في أول الإسلام كان الحبس والأذى ~~المحصن وغير المحصن فيه سواء فدل ذلك على أن الرجم الذي أوجبه الله في ~~التوراة قد كان منسوخا فإن قيل فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين ~~وأنت لا ترجمهما فقد خالفت الخبر الذي احتججت له في إثبات حد الزنا على ~~الذميين قيل له استدلالنا من خبر رجم اليهوديين على ما ذكرنا صحيح وذلك ~~لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما ~~وإنما رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن من شرط الرجم الإحصان ~~فلما شرط الإحصان فيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أشرك بالله فليس ~~بمحصن صار حدهما الجلد فإن قيل إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ~~اليهوديين من قبل أنه لم تكن لليهوديين ذمة وتحاكموا إليه قيل له لو لم يكن ~~الحد واجبا عليهم لما أقامه النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ومع ذلك ~~فدلالته قائمة على ما ذكرنا لأنه إذا كان من لا ذمة له قد حده النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الزنا فمن له ذمة وتجري عليه أحكام المسلمين أحرى بذلك ~~ويدل عليه أنهم لا يختلفون أن الذمي يقطع في السرقة فكذلك في الزنا إذ كان ~~فعلا PageV05P098 لا يقر عليه فوجب أن يزجر عنه بالحد كما وجب زجر المسلم ~~به وليس هو كالمسلم في شرب الخمر لأنهم ms2115 مقرون على التخلية بينهم وبين شربها ~~وليسوا مقرين على السرقة ولا على الزنا واختلف فيمن أكره على الزنا فقال ~~أبو حنيفة إن أكرهه غير سلطان حد وإن أكرهه سلطان لم يحد وقال أبو يوسف ~~ومحمد لا يحد في الوجهين جميعا وهو قول الحسن بن صالح والشافعي وقال زفر إن ~~أكرهه سلطان حد أيضا وأما المكرهة فلا تحد في قولهم جميعا فأما إيجاب الحد ~~عليه في حال الإكراه فإن أبا حنيفة قال القياس أن يحد سواء أكرهه سلطان أو ~~غيره ولكنه ترك القياس في إكراه السلطان ويحتمل قوله في إكراه السلطان ~~معنيين أحدهما أن يريد به الخليفة فإن كان قد أراد هذا فإنما أسقط الحد ~~لأنه قد فسق وانغزل عن الخلافة بإكراهه إياه على الزنا فلم يبق هناك من ~~يقيم الحد عليه والحد إنما يقيمه السلطان فإذا لم يكن هناك سلطان لم يقم ~~الحد كمن زنى في دار الحرب ويحتمل أن يريد به من دون الخليفة فإن كان أراد ~~ذلك فوجهه أن السلطان مأمور بالتوصل إلى درء الحد فإذا أكرهه على الزنا ~~فإنما أراد التوصل إلى إيجابه فلا تجوز له إقامته إذا لأنه بإكراهه أراد ~~التوصل إلى إيجابه فلا يجوز له ذلك ويسقط الحد وأما إذا أكرهه غير سلطان ~~فإن الحد واجب وذلك لأنه معلوم أن الإكراه ينافي الرضا وما وقع عن طوع ورضا ~~فغير مكره عليه فلما كانت الحال شاهدة بوجوب الرضا منه بالفعل دل ذلك على ~~أنه لم يفعله مكرها ودلالة الحال على ما وصفنا أنه معلوم أن حال الإكراه هي ~~حال خوف وتلف النفس والانتشار والشهوة ينافيهما الخوف والوجل فلما وجد منه ~~الانتشار والشهوة في هذه الحال علم أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرها ~~خائفا لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك ~~لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد فإن قيل إن وجود الانتشار لا ينافي ترك ~~الفعل فعلمنا حين فعل مع ظهور الإكراه أنه فعله مكرها كشرب الخمر ms2116 والقذف ~~ونحوه قيل له هذا لعمري هكذا ولكنه لما كان في العادة أن الخوف على النفس ~~ينافي الانتشار دل ذلك على أنه فعله طائعا ألا ترى أن من أكره على الكفر ~~فأقر أنه فعله طائعا كان كافرا مع وجود الإكراه في الظاهر كذلك الحال ~~الشاهدة بالتطوع هي بمنزلة الإقرار منه بذلك فيحد PageV05P099 # | باب صفة الضرب في الزنا # قال الله تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ روي عن الحسن ~~وعطاء ومجاهد وأبي مجلز قالوا في تعطيل الحدود لا في شدة الضرب وروى ابن ~~أبي مليكة عن عبيدالله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وأحسبه ~~قال وظهرها قال فقلت لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال يا بني ورأيتني ~~أخذتني بها رأفة إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في ~~رأسها وقد أوجعت حيث ضربت وروي عن سعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي قالوا في ~~الضرب واختلف الفقهاء في شدة الضرب في الحدود فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر التعزير أشد الضرب وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب وضرب ~~الشارب أشد من ضرب القاذف وقال مالك والليث الضرب في الحدود كلها سواء غير ~~مبرح بين الضربين وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد ~~من ضرب الشرب وقال الحسن بن صالح ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب والقذف وروي ~~عن عطاء قال حد الزانية أشد من حد الفرية وحد الفرية والخمر واحد وعن الحسن ~~قال ضرب الزنا أشد من القذف و القذف أشد من الشرب وضرب الشرب أشد من ضرب ~~التعزير وروي عن علي أنه ضرب رجلا قاعدا وعليه كساء قسطلاني قال أبو بكر ~~قوله تعالى @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ لما كان محتملا لما ~~تأوله السلف عليه من تعطيل الحد ومن تخفيف الضرب اقتضى ظاهره أن يكون ~~عليهما جميعا في أن لا يعطل الحد تشديد في الضرب وذلك يقتضي أن يكون أشد من ~~ضرب القاذف ms2117 والشارب وإنما قالوا إن التعزير أشد الضرب وأرادوا بذلك أنه ~~جائز للإمام أن يزيد في شدة الضرب للإيلام على جهة الزجر والردع إذ لا ~~يمكنه فيه بلوغ الحد ولم يعنوا بذلك أنه لا محالة أشد الضرب لأنه موكول إلى ~~رأي الإمام واجتهاده ولو رأى أن يقتصر من الضرب في التعزير على الحبس إذا ~~كان ذا مروءة وكان ذلك الفعل منه ذلة جاز له أن يتجافى عنه ولا يعزره فعلمت ~~أن مرادهم بقولهم التعزير أشد الضرب إنما هو إذا رأى الإمام ذلك للزجر ~~والردع فعل وقد روى شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل قال كان لرجل على ~~ابن أخ لأم سلمة رضي الله عنها دين فمات فقضت عنه فكتب إليها يحرج عليها ~~فيه فرفعت ذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عامله اضربه ثلاثين PageV05P100 ضربة ~~كلها تبضع اللحم وتحدر الدم فهذا من ضرب التعزير وروى شعبة عن واصل عن ~~المعرور بن سويد قال أتى عمر بن الخطاب بامرأة زنت فقال أفسدت حسبها ~~أضربوها ولا تحرقوا عليها جلدها فهذا يدل على أنه كان يرى ضرب الزاني أخف ~~من التعزير قال أبو بكر قد دل قوله @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~@QE@ على شدة ضرب الزاني على ما بينا وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف ~~لدلالة الآية على شدة الضرب فيه ولأن ضرب الشارب كان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالجريد والنعال وضرب الزاني إنما يكون بالسوط وهذا يوجب أن يكون ~~ضرب الزاني أشد من ضرب الشارب وإنما جعلوا ضرب القاذف أخف الضرب لأن القاذف ~~جائز أن يكون صادقا في قذفه وإن له شهودا على ذلك والشهود مندوبون إلى ~~الستر على الزاني فإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة وذلك يوجب ~~تخفيف الضرب ومن جهة أخرى أن القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته ~~فغير جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب فإن قيل روى سفيان بن عيينة قال ~~سمعت سعد بن إبراهيم يقول للزهري إن أهل ms2118 العراق يقولون إن القاذف لا يضرب ~~ضربا شديدا ولقد حدثني أبي أن أمه أم كلثوم أمرت بشاة فسلخت حين جلد أبو ~~بكرة فألبسته مسكها فهل كان ذلك إلا من ضرب شديد قيل له هذا لا يدل على شدة ~~الضرب لأنه جائز أن يؤثر في البدن الضرب الخفيف على حسب ما يصادف من رقة ~~البشرة ففعلت ذلك إشفاقا عليه # | باب ما يضرب من أعضاء المحدود # قال الله سبحانه وتعالى @QB@ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ ولم ~~يذكر ما يضرب منه ظاهره يقتضي جواز ضرب جميع الأعضاء وقد اختلف السلف ~~وفقهاء الأمصار فيه فروى ابن أبي ليلى عن عدي بن ثابت عن المهاجر بن عميرة ~~عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سكران أو في حد فقال اضرب واعط كل عضو ~~حقه واتق الوجه والمذاكير وروى سفيان بن عيينة عن أبي عامر عن عدي بن ثابت ~~عن مهاجر بن عميرة عن علي رضي الله عنه أنه قال اجتنب رأسه ومذاكيره واعط ~~كل عضو حقه فذكر في هذا الحديث الرأس وفي الحديث الأول الوجه وجائز أن يكون ~~قد استثناهما جميعا وروي عن عمر أنه أمر بالضرب في حد فقال أعط كل عضو حقه ~~ولم يستثن شيئا وروى المسعودي عن PageV05P101 القاسم قال أتى أبو بكر برجل ~~انتفى من ابنه فقال أبو بكر اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس وقد روي عن ~~عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن الذاريات ذروا على وجه ~~التعنت وروي عن ابن عمر أنه لا يصيب الرأس وقال أبو حنيفة ومحمد يضرب في ~~الحدود الأعضاء كلها إلا الفرج والرأس والوجه وقال أبو يوسف يضرب الرأس ~~أيضا وذكر الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف أن الذي يضرب به ~~الرأس من الحد سوط واحد وقال مالك لا يضرب إلا في الظهر وذكر ابن سماعة عن ~~محمد في التعزير أنه يضرب الظهر بغير خلاف وفي الحدود يضرب الأعضاء إلا ما ~~ذكرنا وقال الحسن بن ms2119 صالح يضرب في الحد والتعزير الأعضاء كلها ولا يضرب ~~الوجه ولا المذاكير وقال الشافعي يتقى الوجه والفرج قال أبو بكر اتفق ~~الجميع على ترك ضرب الوجه والفرج وروي عن علي استثناء الرأس أيضا وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه وإذا لم ~~يضرب الوجه فالرأس مثله لأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق ~~الوجه وإنما أمر باجتناب الوجه لهذه العلة ولئلا يلحقه أثر يشينه أكثر مما ~~هو مستحق بالفعل الموجب للحد والدليل على أن ما يلحق الرأس من ذلك هو كما ~~يلحق الوجه أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه سواء وفارقا ~~سائر البدن من هذا الوجه لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما تجب فيه ~~حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة الواقعة في الرأس والوجه فوجب من أجل ذلك ~~استواء حكم الرأس والوجه في اجتناب ضربهما ووجه آخر وهو أنه ممنوع من ضرب ~~الوجه لما يخاف فيه من الجناية على البصر وذلك موجود في الرأس لأن ضرب ~~الرأس يظلم منه البصر وربما حدث الماء في العين وربما حدث منه أيضا اختلاط ~~في العقل فهذه الوجوه كلها تمنع ضرب الرأس وأما اجتناب الفرج فمتفق عليه ~~وهو أيضا مقتل فلا يؤمن أن يحدث أكثر مما هو مستحق بالفعل وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه والليث والشافعي الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ~~ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه وينزع عنه الحشو والفرو وقال بشر ~~بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة يضرب التعزير في إزار ولا يفرق في ~~التعزير خاصة في الأعضاء وقال أبو يوسف ضرب ابن أبي ليلى المرأة القاذفة ~~قائمة فخطأه أبو حنيفة وقال الثوري لا يجرد الرجل ولا PageV05P102 يمد ~~وتضرب المرأة قاعدة والرجل قائما قال أبو بكر في حديث رجم النبي صلى الله ~~عليه وسلم اليهوديين قال رأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة وهذا ~~يدل على أن الرجل كان قائما والمرأة قاعدة ms2120 وروى عاصم الأحول عن أبي عثمان ~~النهدي قال أتي عمر بسوط فيه شدة فقال أريد ألين من هذا فأتي بسوط فيه لين ~~فقال أريد أشد من هذا فأتي بسوط بين السوطين فقال اضرب ولا يرى أبطك واعط ~~كل عضو حقه وعن ابن مسعود أنه ضرب رجلا حدا فدعا بسوط فأمر فدق بين حجرين ~~حتى لان ثم قال اضرب ولا تخرج أبطك واعط كل عضو حقه وعن علي أنه قال للجلاد ~~اعط كل عضو حقه وروى حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك قال كان يؤمر بالسوط ~~فتقطع ثمرته ثم يدق بين حجرين ثم يضرب به وذلك في زمن عمر بن الخطاب وروي ~~عن أبي هريرة أنه جلد رجلا قائما في القذف قال أبو بكر هذه الأخبار تدل على ~~معاني منها اتفاقهم على أن ضرب الحدود بالسوط ومنها أنه يضرب قائما إذ لا ~~يمكن إعطاء كل عضو حقه إلا وهو قائم ومنها أنه يضرب بسوط بين سوطين وإنما ~~قالوا أنه يضرب مجردا ليصل الألم إليه ويضرب القاذف وعليه ثيابه لأن ضربه ~~أخف وإنما قالوا لا يمد لأن فيه زيادة في الإيلام غير مستحق بالفعل ولا هو ~~من الحد وروى يزيد بن هارون عن الحجاج عن الوليد بن مالك أن أبا عبيدة بن ~~الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال ما ينبغي لجسدي هذا ~~المذنب أن يضرب وعليه قميص فقال أبو عبيدة لا تدعوه ينزع قميصه فضربه عليه ~~وروى ليث عن مجاهد ومغيرة عن إبراهيم قالا يجلد القاذف وعليه ثيابه وعن ~~الحسن قال إذا قذف الرجل في الشتاء لم يلبس ثياب الصيف ولكن يضرب في ثيابه ~~التي قذف فيها إلا أن يكون عليه فرو أو حشو يمنعه من أن يجد وجع الضرب ~~فينزع ذلك عنه وقال مطرف عن الشعبي مثل ذلك وروى شعبة عن عدي بن ثابت عمن ~~شهد عليا رضي الله عنه أنه أقام على رجل الحد فضربه على قبا أو قرطق ومذهب ~~أصحابنا موافق لما روي عن السلف ms2121 في هذه الأخبار ويدل على صحته أن من عليه ~~حشو أو فرو فلم يصل الألم أن الفاعل لذلك غير ضارب في العادة ألا ترى أنه ~~لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل إليه الألم إنه لا ~~يكون ضاربا ولم يبر في يمينه ولو وصل إليه الألم كان ضاربا PageV05P103 # | في إقامة الحدود في المسجد # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي لا تقام الحدود في المساجد وهو ~~قول الحسن بن صالح قال أبو يوسف وأقام ابن أبي ليلى حدا في المسجد فخطأه ~~أبو حنيفة وقال مالك لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط ونحوها وأما ~~الضرب الموجع والحد فلا يقام في المسجد قال أبو بكر روى إسماعيل بن مسلم ~~المكي عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل بالولد الوالد وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم ~~وشراكم وبيعكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم وضعوا على أبوابها المطاهر ~~ومن جهة النظر أنه لا يؤمن أن يكون من المحدود بالمسجد من خروج النجاسة ما ~~سبيله أن ينزه المسجد عنه # | في الذي يعمل عمل قوم لوط # قال أبو حنيفة يعزر ولا يحد وقال مالك والليث يرجمان أحصنا أو لم يحصنا ~~وقال عثمان البتي والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد والشافعي هو بمنزلة الزنا ~~وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس ~~بغير نفس فحصر صلى الله عليه وسلم قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث وفاعل ~~ذلك خارج عن ذلك لأنه لا يسمى زنا فإن احتجوا بما روى عاصم بن عمرو عن سهيل ~~بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الذي يعمل ~~عمل قوم لوط فارجموا ms2122 الأعلى والأسفل وارجموهما جميعا وبما روى الدراوردي عن ~~عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به قيل له عاصم ~~بن عمرو وعمرو بن أبي عمرو ضعيفان لا تقوم بروايتهما حجة ولا يجوز بهما ~~إثبات حد وجائز أن يكون لو ثبت إذا فعلاه مستحلين له وكذلك نقول فيمن استحل ~~ذلك أنه يستحق القتل وقوله فاقتلوا الفاعل والمفعول به يدل على أنه ليس بحد ~~وأنه بمنزلة قوله من بدل دينه فاقتلوه لأن حد فاعل ذلك ليس هو قتلا على ~~الإطلاق وإنما هو الرجم عند من جعله كالزنا إذا كان محصنا PageV05P104 وعند ~~من لا يجعله بمنزلة الزنا ممن يوجب قتله فإنما يقتله رجما فقتله على ~~الإطلاق ليس هو قولا لأحد ولو كان بمنزلة الزنا لفرق فيه بين المحصن وغير ~~المحصن وفي تركه صلى الله عليه وسلم الفرق بينهما دليل على أنه لم يوجبه ~~على وجه الحد # | في الذي يأتي البهيمة # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي لا حد عليه ويعزر ~~وروي مثله عن ابن عمر وقال الأوزاعي عليه الحد قال أبو بكر قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد ~~إيمان وقتل نفس بغير نفس ينفي قتل فاعل ذلك إذ ليس ذلك بزنا في اللغة ولا ~~يجوز إثبات الحدود إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق وذلك معدوم في مسئلتنا ~~ولا يجوز إثباته من طريق المقاييس وقد روى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجدتموه على بهيمة ~~فاقتلوه واقتلوا البهيمة وعمر وهذا ضعيف لا تثبت به حجة ومع ذلك فقد روى ~~شعبة وسفيان وأبو عوانة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس فيمن أتى بهيمة ~~إنه لا حد عليه وكذلك رواه إسرائيل وأبو بكر بن عياش وأبو الأحوص ms2123 وشريك ~~وكلهم عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس مثله ولو كان حديث عمرو بن أبي عمرو ~~ثابتا لما خالفه ابن عباس وهو رواية إلى غيره وإن صح الخبر كان محمولا على ~~من استحله # فصل قال أبو بكر وقد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافا الرجم وهم الخوارج ~~وقد ثبت الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبنقل الكافة والخبر الشائع المستفيض الذي لا مساغ للشك فيه وأجمعت الأمة ~~عليه فروى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو ~~هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وخطب عمر فقال لولا ~~أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في بعض المصحف وبعض هؤلاء ~~الرواة يروي خبر رجم ماعز وبعضهم خبر الجهينية والغامدية وخبر ماعز يشتمل ~~على أحكام منها إنه ردده ثلاث مرات ثم لما أقر الرابعة سأل عن صحة عقله ~~فقال هل به جنة فقالوا لا وإنه استنهكه ثم قال له لعلك لمست لعلك قبلت فلما ~~أبى إلا التصميم على الإقرار بصريح الزنا سأل عن إحصانه ثم لما هرب حين ~~أدركته الحجارة قال هلا تركتموه وفي ترديده ثلاث مرات ثم المسألة عن عقله ~~بعد PageV05P105 الرابعة دلالة على أن الحد لا يجب إلا بعد إقراره أربعا ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من ~~حد قد وجب فلو كان الحد واجبا بإقراره مرة واحدة لسأل عنه في أول إقراره ~~ومسئلته جيرانه وأهله عن عقله يدل على أن على الإمام الاستثبات ~~والإحتياطيات في الحد ومسئلته عن الزنا كيف هو وما هو وقوله لعلك لمست لعلك ~~قبلت يفيد حكمين أحدهما أنه لا يقصر على إقراره بالزنا دون استثباته في ~~معنى الزنا حتى يبينه بصفة لا يختلف فيه أنه زنا وقوله لعلك لمست لعلك قبلت ~~تلقين له الرجوع عن الزنا وأنه إنما أراد اللمس كما روي أنه للسارق ما ~~أخاله سرق ونظيره ما ms2124 روي عن عمر أنه جيء بامرأة حبلى بالموسم وهي تبكي ~~فقالوا زنت فقال عمر ما يبكيكي فإن المرأة ربما استكرهت على نفسها يلقنها ~~ذلك فأخبرت أن رجل ركبها وهي نائمة فقال عمر لو قتلت هذه لخشيت أن تدخل ما ~~بين هذين الأخشبين النار فخلى سبيلها وروي أن عليا قال لشراحة حين أقرت ~~عنده بالزنا لعلك عصيت نفسك قالت أتيت طائعة غير مكرهة فرجمها وقوله صلى ~~الله عليه وسلم هلا تركتموه يدل على جواز رجوعه عن إقراره لأنه لما امتنع ~~مما بذل نفسه له بديا قال هلا تركتموه ولما لم يجلده دل على أن الرجم ~~والجلد لا يجتمعان قوله تعالى @QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين @QE@ ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الطائفة الرجل إلى الألف وقرأ وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا وقال عطاء رجلان فصاعدا وقال الحسن وأبو بريدة الطائفة ~~عشرة وقال محمد بن كعب القرظي في قوله إن نعف عن طائفة منكم قال كان رجلا ~~وقال الزهري وليشهد عذابهما طائفة ثلاثة فصاعدا وقال قتادة ليكون عظة وعبرة ~~لهم وحكي عن مالك والليث أربعة لأن الشهود أربعة قال أبو بكر يشبه أن ~~المعنى في حضور الطائفة ما قاله قتادة أنه عظة وعبرة لهم فيكون زجرا له عن ~~العود إلى مثله وردعا لغيره عن إتيان مثله والأولى أن تكون الطائفة جماعة ~~يستفيض الخير بها ويشيع فيرتدع الناس عن مثله لأن الحدود موضوعة للزجر ~~والردع وبالله التوفيق # | باب تزويج الزانية # قال الله تعالى @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين @QE@ قال أبو بكر روي عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن PageV05P106 جده قال كان رجل يقال له مرثد بن أبي ~~مرثد وكان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة وكان بمكة بغي يقال لها ~~عناق وكانت صديقة له وكان وعد رجلا أن يحمله من أسرى مكة وإن عناقا رأته ~~فقالت له أقم الليلة عندي قال يا عناق قد حرم الله ms2125 الزنا فقالت يا أهل ~~الخباء هذا الذي يحمل أسراكم فلما قدمت المدينة أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت يا رسول الله أتزوج عناق فلم يرد حتى نزلت هذه الاية الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكحها ~~فبين عمرو بن شعيب في هذا الحديث أن الآية نزلت في الزانية المشركة أنها لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك وإن تزوج المسلم المشركة زنا إذ كانت لا تحل له وقد ~~اختلف السلف في تأويل الآية وحكمها فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد ويزيد ~~بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة قد نسختها الآية التي بعدها وأنكحوا الأيامى ~~منكم قال كان يقال هي من أيامى المسلمين فأخبر سعيد بن المسيب أن الآية ~~منسوخة قال أبو عبيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة قال كان رجال يريدون الزنا بنساء زوان بغايا ~~معلنات كن كذلك في الجاهلية فقيل لهم هذا حرام فأرادوا نكاحهن فذكر مجاهد ~~أن ذلك كان في نساء مخصوصات على الوصف الذي ذكرنا وروي عن عبدالله بن عمر ~~في قوله @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة @QE@ إنه نزل في رجل تزوج ~~امرأة بغية على أن تنفق عليه فأخبر عبدالله بن عمر أن النهي خرج على هذا ~~الوجه وهو أن يزوجها على أن يخليها والزنا وروى حبيب بن أبي عمرة عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال يعني بالنكاح جماعها وروى ابن شبرمة عن عكرمة ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله ~~وقال شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس بغايا كن في الجاهلية يجعلن على ~~أبوابهن رايات كرايات البياطرة يأتيهن ناس يعرفن بذلك وروى ms2126 مغيرة عن ~~إبراهيم النخعي الزاني لا ينكح إلا زانية يعني به الجماع حين يزني وعن عروة ~~بن الزبير مثله قال أبو بكر فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار ~~باشتراكهما في الزنا وأن المرأة كالرجل في ذلك فإذا كان الرجل زانيا ~~فالمرأة مثل إذا طاوعته وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها فحكم تعالى في ذلك ~~بمساواتهما في PageV05P107 الزنا ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد ~~وعقاب الآخرة وقطع الموالاة وما جرى مجرى ذلك وروي فيه قول آخر وهو ما روى ~~عاصم الأحول عن الحسن في هذه الآية قال المحدود لا يتزوج إلا محدودة واختلف ~~السلف في تزويج الزانية فروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وابن ~~عمر ومجاهد وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين أن من زنى ~~بامرأة أو زنى بها غيره فجائز له أن يتزوجها وروي عن علي وعائشة والبراء ~~وإحدى الروايتين عن ابن مسعود أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا وعن علي ~~إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته وكذلك هي إذا زنت قال أبو بكر فمن حظر ~~نكاح الزانية تأول فيه هذه الآية وفقهاء الأمصار متفقون على جواز النكاح ~~وأن الزنا لا يوجب تحريمها على الزوج ولا يوجب الفرقة بينهما ولا يخلو قوله ~~تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية من أحد وجهين إما أن يكون خبرا وذلك حقيقته ~~أو نهيا وتحريما ثم لا يخلو من أن يكون المراد بذكر النكاح هنا الوطء أو ~~العقد وممتنع أن يحمل على معنى الخبر وإن كان ذلك حقيقة اللفظ لأنا وجدنا ~~زانيا يتزوج غير زانية وزانية تتزوج غير الزاني فعلمنا أنه لم يرد مورد ~~الخبر فثبت أنه أراد الحكم والنهي فإذا كان كذلك فليس يخلو من أن يكون ~~المراد الوطء والعقد وحقيقة النكاح هو الوطء في اللغة لما قد بيناه في ~~مواضع فوجب أن يكون محمولا عليه على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه في أن ~~المراد الجماع ولا يصرف إلى العقد إلا بدلالة لأنه مجاز ms2127 ولأنه إذا ثبت أنه ~~قد أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه وأيضا فلو كان المراد العقد لم ~~يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا للفرقة إذ كانا جميعا موصوفين بأنهما زانيان ~~لأن الآية قد اقتضت إباحة نكاح الزاني للزانية فكان يجب أن يجوز للمرأة أن ~~تتزوج الذي زنى بها قبل أن يتوبا وأن لا يكون زناهما حال في الزوجية يوجب ~~الفرقة ولا نعلم أحدا يقول ذلك وكان يجب أن يجوز للزاني أن يتزوج مشركة ~~وللمراة الزانية أن تتزوج مشركا ولا خلاف في أن ذلك غير جائز وأن نكاح ~~المشركات وتزويج المشركين محرم منسوخ فدل ذلك على أحد المعنيين إما أن يكون ~~المراد الجماع على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه أو أن يكون حكم الآية ~~منسوخا على ما روي عن سعيد بن المسيب ومن الناس من يحتج في أن الزنا لا ~~يبطل النكاح بما روى هارون بن رياب عن عبيدالله بن عبيد ويرويه عبدالكريم ~~الجزري عن أبي PageV05P108 الزبير وكلاهما يرسله أن رجلا قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن امرأتي لا تمنع يد لامس فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاستمتاع منها فيحمل ذلك على أنها لا تمنع أحد ممن يريدها على الزنا وقد ~~أنكر أهل العلم هذا التأويل قالوا لو صح هذا الحديث كان معناه أن الرجل وصف ~~امرأته بالخرق وضعف الرأي وتضييع ماله فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من ~~سارق قالوا وهذا أولى لأنه حقيقة اللفظ وحمله على الوطء كناية ومجاز وحمله ~~على ما ذكرنا أولى وأشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال علي وعبدالله ~~إذا جاءكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فظنوا به الذي هو أهدى ~~والذي هو أهنأ والذي هو أتقى فإن قيل قال الله تعالى أو لامستم النساء فجعل ~~الجماع لمسا قيل له إن الرجل لم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم إنها لا تمنع ~~لامسا وإنما قال يد لامس ولم يقل فرج لامس وقال الله تعالى ولو ms2128 نزلنا عليك ~~كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ومعلوم أن المراد حقيقة اللمس باليد وقال ~~جريج الخطفي يعاتب قوما % ألستم لئاما إذ ترومون جارهم % ولولا همو لم ~~تمنعوا كف لامس % # | ومعلوم أنه لم يرد به الوطء وإنما أراد إنكم لا تدفعون عن أنفسكم الضيم ~~ومنع أموالكم هؤلاء القوم فكيف ترومون جارهم بالظلم ومن الناس من يقول إن ~~تزويج الزانية وإمساكها على النكاح محظور منهي عنه ما دامت مقيمة على الزنا ~~وإن لم يؤثر ذلك في إفساد النكاح لأن الله تعالى إنما أباح نكاح المحصنات ~~من المؤمنات ومن أهل الكتاب بقوله @QB@ والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ يعني العفائف منهن ولأنها إذا كانت كذلك ~~لا يؤمن أن تأتي بولد من الزنا فتلحقه به وتورثه ماله وإنما يحمل قول من ~~رخص في ذلك على أنها تائبة غير مقيمة على الزنا ومن الدليل على أن زناها لا ~~يوجب الفرقة أن الله تعالى حكم في القاذف لزوجته باللعان ثم بالتفريق ~~بينهما فلو كان وجود الزنا منها يوجب الفرقة لوجب إيقاع الفرقة بقذفه إياها ~~لاعترافه بما يوجب الفرقة ألا ترى أنه لو أقر أنها أخته من الرضاعة أو أن ~~أباه قد كان وطئها لوقعت الفرقة بهذا القول فإن قيل لما حكم الله تعالى ~~بإيقاع الفرقة بعد اللعان دل ذلك على أن الزنا يوجب التحريم لولا ذلك لما ~~وجبت الفرقة باللعان قيل له لو كان كما ذكرت لوجبت الفرقة بنفس القذف دون ~~اللعان فلما لم تقع بالقذف دل على فساد ما ذكرت فإن قيل إنما وقعت الفرقة ~~باللعان لأنه صار بمنزلة الشهادة عليها بالزنا فلما حكم عليها بذلك حكم ~~بوقوع الفرقة لأجل PageV05P109 الزنا قيل له وهذا غلط أيضا لأن شهادة الزوج ~~وحده عليها بالزنا لا توجب كونها زانية كما أن شهادتها عليه بالإكذاب لا ~~توجب عليه الحكم بالكذب في قذفه إياها إذ ليست إحدى الشهادتين بأولى من ~~الأخرى ولو كان الزوج محكوما له بقبول شهادته عليها بالزنا لوجب أن تحد حد ~~الزنا فلما ms2129 لم تحد بذلك دل على انه غير محكوم عليها بالزنا بقول الزوج ~~والله أعلم بالصواب # باب حد القذف $ # قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ قال أبو بكر الإحصان على ضربين أحدهما ما يتعلق ~~به وجوب الرجم على الزاني وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما قد تزوج امرأة ~~نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك والآخر الإحصان الذي يوجب الحد على قاذفه ~~وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في ~~هذا المعنى قال أبو بكر قد خص الله تعالى المحصنات بالذكر ولا خلاف بين ~~المسلمين أن المحصنين مرادون بالآية وأن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن ~~كوجوبه على قاذف المحصنة واتفق الفقهاء على أن قوله والذين يرمون المحصنات ~~قد أريد به الرمي بالزنا وإن كان في فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص وذلك ~~لأنه لما ذكر المحصنات وهن العفائف دل على أن المراد بالرمي رميها بضد ~~العفاف وهو الزنا ووجه آخر من دلالة فحوى اللفظ وهو قوله تعالى ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء يعني على صحة ما رموه به ومعلوم أن هذا العدد من الشهود إنما ~~هو مشروط في الزنا فدل على أن قوله والذين يرمون المحصنات معناه يرمونهن ~~بالزنا ويدل ذلك على معنى آخر وهو أن القذف الذي يجب به الحد إنما هو القذف ~~بصريح الزنا وهو الذي إذا جاء بالشهود عليه حد المشهود عليه ولولا ما في ~~فحوى اللفظ من الدلالة عليه لم يكن ذكر الرمي مخصوصا بالزنا دون غيره من ~~الأمور التي يقع الرمي بها إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر وسائر الأفعال ~~المحظورة ولم يكن اللفظ حينئذ مكتفيا بنفسه في إيجاب حكمه بل كان يكون ~~مجملا موقوف الحكم على البيان إلا أنه كيفما تصرفت الحال فقد حصل الاتفاق ~~على أن الرمي بالزنا مراد ولما كان كذلك صار بمنزلة قوله والذين يرمون ~~المحصنات بالزنا إذ حصول الإجماع على أن الزنا مراد بمنزلة ms2130 ذكره في اللفظ ~~فوجب بذلك أن يكون وجوب حد القذف مقصورا PageV05P110 بالزنا دون غيره وقد ~~اختلف السلف والفقهاء في التعريض بالزنا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد بن شبرمة والثوري والحسن بن صالح والشافعي لا حد في التعريض بالقذف ~~وقال مالك عليه فيه الحد وروى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال ~~كان عمر يضرب الحد في التعريض وروى ابن وهب عن مالك عن أبي الرحال عن أمه ~~عمرة أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر ~~والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر الناس فقال قائل مدح ~~أباه وأمه وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن يجلد الحد ~~فجلده عمر الحد ثمانين ومعلوم أن عمر لم يشاور في ذلك إلا الصحابة الذين ~~إذا خالفوا قبل خلافهم فثبت بذلك حصول الخلاف بين السلف ثم لما ثبت أن ~~المراد بقوله والذين يرمون المحصنات هو الرمي بالزنا لم يجز لنا إيجاب الحد ~~على غيره إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها ~~الإتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض مشاورة عمر الصحابة في حكم ~~التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف وأنه قال اجتهادا ورأيا ~~وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة للمعاني وغير جائز إيجاب الحد ~~بالاحتمال لوجهين أحدهما أن الأصل أن القائل بريء الظهر من الجلد فلا نجلده ~~بالشك والمحتمل مشكوك فيه ألا ترى أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته البتة ~~استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت إلا واحدة فلم يلزمه الثلاث ~~بالإحتمال ولذلك قال الفقهاء في كنايات الطلاق أنها لا تجعل طلاقا إلا ~~بدلالة والوجه الآخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ادرؤا ~~الحدود بالشبهات وأقل أحوال التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون ~~شبهة في سقوطه وأيضا قد فرق الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبين ~~التصريح فقال ms2131 @QB@ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا @QE@ يعني نكاحا ~~فجعل التعريض بمنزلة الإضمار في النفس فوجب أن يكون كذلك حكم التعريض ~~بالقذف والمعنى الجامع بينهما أن التعريض لما فيه احتمال كان في حكم الضمير ~~لوجود الاحتمال فيه واختلف الفقهاء في حد العبد في القذف فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي والثوري والشافعي إذا قذف العبد ~~حرا فعليه أربعون جلدة وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وروى الثوري عن جعفر بن ~~محمد PageV05P111 عن أبيه أن عليا قال يجلد العبد في الفرية أربعين وروى ~~الثوري عن ابن ذكوان عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال أدركت أبا بكر وعمر ~~وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك في القذف الأربعين ~~قال أبو بكر وهو مذهب ابن عباس وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء وروى ليث بن ~~أبي سليم عن القاسم بن عبدالرحمن أن عبدالله بن مسعود قال في عبد قذف حرا ~~أنه يجلد ثمانين وقال أبو الزناد جلد عمر بن عبدالعزيز عبدا في الفرية ~~ثمانين ولم يختلفوا في أن حد العبد في الزنا خمسون على النصف من حد الحر ~~لأجل الرق وقال الله تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب @QE@ فنص على حد الأمة وأنه نصف حد الحرة واتفق ~~الجميع على أن العبد بمنزلتها لوجود الرق فيه كذلك يجب أن يكون حده في ~~القذف على النصف من حد الحر لوجود الرق فيه واختلفوا في قاذف المجنون ~~والصبي فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والشافعي لا حد على قاذف ~~المجنون والصبي وقال مالك لا يحد قاذف الصبي وإن كان مثله يجامع إذا لم ~~يبلغ ويحد قاذف الصبية إذا كان مثلها تجامع وإن لم تحصن ويحد قاذف المجنون ~~وقال الليث يحذ قاذف المجنون قال أبو بكر المجنون والصبي والصبية لا يقع من ~~واحد منهم زنا لأن الوطء منهم لا يكون زنا ms2132 إذ كان الزنا فعلا مذموما يستحق ~~عليه العقاب وهؤلاء لا يستحقون العقاب على أفعالهم فقاذفهم بمنزلة قاذف ~~المجنون لوقوع العلم بكذب القاذف ولأنهم لا يلحقهم شين بذلك الفعل لو وقع ~~منهم فكذلك لا يشينهم قذف القاذف لهم بذلك ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد ~~إلى المقذوف لا تجوز ولا يجوز أن يقوم غيره مقامه فيه ألا ترى أن الوكالة ~~غير مقبولة فيه وإذا كان كذلك لم تجب المطالبة لأحد وقت القذف فلم يجب الحد ~~لأن الحد إذا وجب فإنما يجب بالقذف لا غير فإن قيل فللرجل أن يأخذ بحد أبيه ~~إذا قذف وهو ميت فقد جاز أن يطالب عن الغير بحد القذف قيل له إنما يطالب عن ~~نفسه لما حصل به من القدح في نسبه ولا يطالب عن الأب وأيضا لما اتفقوا على ~~أن قاذف الصبي لا يحد كان كذلك قاذف الصبية لأنهما جميعا من غير أهل ~~التكليف ولا يصح وقوع الزنا منهما فكذلك المجنون لهذه العلة واختلفوا فيمن ~~قذف جماعة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري والليث إذا ~~قذفهم بقول واحد فعليه حد واحد وقال ابن أبي ليلى إذا قال لهم يا زناة ~~فعليه حد واحد وإن قال لكل PageV05P112 إنسان يا زاني فكل إنسان حد وهو قول ~~الشعبي وقال عثمان البتي إذا قذف جماعة فعليه لكل واحد حد وإن قال لرجل ~~زنيت بفلانة فعليه حد واحد لأن عمر ضرب أبا بكرة وأصحابه حدا واحدا ولم ~~يحدهم للمرأة وقال الأوزاعي إذا قال يا زاني ابن زان فعليه حدان وإن قال ~~لجماعة إنكم زناة فحد واحد وقال الحسن بن صالح إذا قال من كان داخل هذه ~~الدار فهو زان ضرب لمن كان داخلها إذا عرفوا وقال الشافعي فيما حكاه المزني ~~عنه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة فلكل واحد حد وإن قال لرجل واحد يا ابن ~~الزانيين فعليه حدان وقال في أحكام القرآن إذا قذف امرأته برجل لاعن ولم ~~يحد للرجل قال أبو بكر قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون ms2133 المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ ومعلوم أن مراده جلد كل واحد ~~من القاذفين ثمانين جلدة فكان تقدير الآية ومن رمى محصنا فعليه ثمانون جلدة ~~وهذا يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين ومن أوجب على ~~قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فهو مخالف لحكم الآية ويدل عليه من ~~جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار ~~قال حدثنا ابن أبي عدي قال أنبأنا هشام بن حسان قال حدثني عكرمة عن هلال بن ~~أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا ~~رجلا على امرأته يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول البينة ~~وإلا فحد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في ~~أمري ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت والذين يرمون أزواجهم وذكر الحديث وروى ~~محمد بن كثير قال حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس أن ~~هلال بن أمية قذف شريك بن سمحاء بامرأته فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك قال ذلك مرارا فنزلت آية ~~اللعان قال أبو بكر قد ثبت بهذا الخبر أن قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ~~الآية كان حكما عاما في الزوجات كهو في الأجنبيات لقوله صلى الله عليه وسلم ~~لهلال بن أمية ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك ولأن عموم الآية قد اقتضى ~~ذلك ثم لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حدا واحدا مع قذفه ~~لامرأته ولشريك بن سمحاء إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات ~~مقام الحد في الأجنبيات ولم ينسخ موجب الخبر من وجوب الاقتصاد على حد واحد ~~إذا قذف PageV05P113 جماعة فثبت بذلك أنه لا يجب على قاذف ms2134 الجماعة إلا حد ~~واحد ويدل عليه من جهة النظر أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مرارا لا ~~يوجب إلا حدا واحدا كمن زنى مرارا أو سرق مرارا أو شرب مرارا لم يحد إلا ~~حدا واحدا فكان اجتماع هذه الحدود التي هي من جنس واحد موجبا لسقوط بعضها ~~والاقتصار على واحد منها والمعنى الجامع بينهما أنها حد وإن شئت قلت إنما ~~يسقط بالشبهة فإن قيل حد القذف حق لآدمي فإذا قذف جماعة وجب أن يكون لكل ~~واحد منهم استيفاء حده على حياله والدليل على أنه حق لآدمي أنه لا يحد إلا ~~بمطالبة المقذوف قيل له الحد هو حق لله تعالى كسائر الحدود في الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر وإنما المطالبة به حق لآدمي لا الحد نفسه وليس كونه ~~موقوفا على مطالبة الآدمي مما يوجب أن يكون الحد نفسه حقا لآدمي ألا ترى أن ~~حد السرقة لا يثبت إلا بمطالبة الآدمي ولم يوجب ذلك أن يكون القطع حقا ~~للآدمي فكذلك حد القذف ولذلك لا يجيز أصحابنا العفو عنه ولا يورث ويدل على ~~أنه حق لله تعالى اتفاق الجميع على أن العبد يجلد في القذف أربعين ولو كان ~~حقا لآدمي لما اختلف الحر والعبد فيه إذ كان الجلد مما ينتصف ألا ترى أن ~~العبد والحر يستويان فيما يثبت عليهما من الجنايات على الآدميين فإذا قتل ~~العبد ثبت الدم في عنقه فإذا كان عمدا قتل وإن كان خطأ كانت الدية في رقبته ~~كما لو قتله حر وجبت الدية فلو كان حد القذف حقا لآدمي لما اختلف مع إمكان ~~تنصيفه الحر العبد وكذلك العبد والحر لا يختلفان في استهلاك الأموال إذ ما ~~يثبت على الحر فمثله يثبت على العبد وقد اختلف في إقامة حد القذف من غير ~~مطالبة المقذوف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والأوزاعي والشافعي لا ~~يحد إلا بمطالبة المقذوف وقال ابن أبي ليلى يحده الإمام وإن لم يطالب ~~المقذوف وقال مالك لا يحده الإمام حتى يطالب المقذوف إلا أن يكون ms2135 الإمام ~~سمعه يقذف فيحده إذا كان مع الإمام شهود عدول قال أبو بكر حدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود المهري قال أخبرنا ابن ~~وهب قال سمعت ابن جريج يحدث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن ~~العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما ~~بلغني من حد فقد وجب فثبت بذلك أن ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من حد ~~لم يكن يهمله ولا يقيمه فلما قال لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن ~~سمحاء ائتني بأربعة يشهدون وإلا PageV05P114 فحد في ظهرك ولم يحضر شهودا ~~ولم يحده حين لم يطالب المقذوف بالحد دل ذلك على أن حد القذف لا يقام إلا ~~بمطالبة المقذوف ويدل عليه أيضا ما روي في حديث زيد بن خالد وأبي هريرة في ~~قصة العسيف وإن أبا الزاني قال إن ابني زنى بامرأة هذا فلم يحده النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقذفها وقال اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ~~ولما كان حد القذف واجبا لما انتهك من عرضه بقذفه مع إحصانه وجب أن تكون ~~المطالبة به حقا له دون الإمام كما أن حد السرقة لما كان واجبا لما انتهك ~~من حرز المسروق وأخذ ماله لم يثبت إلا بمطالبة المسروق منه وأما فرق مالك ~~بين أن يسمعه الإمام أو يشهد به الشهود فلا معنى له لأن هذا إن كان مما ~~للإمام إقامته من غير مطالبة المقذوف فواجب أن لا يختلف فيه حكم سماع ~~الإمام وشهادة الشهود من غير سماعه # | باب شهادة القذف # قال الله عز وجل @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون @QE@ ~~قال أبو بكر حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه ~~بثلاثة أحكام أحدها جلد ثمانين والثاني بطلان الشهادة والثالث الحكم ~~بتفسيقه إلى أن يتوب واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها عليه ~~بالقذف بعد ms2136 اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة ~~البينة على الزنا فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل إقامة ~~الحد عليه وهو قول الليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد ومالك شهادته مقبولة ما لم يحد وهذا يقتض من قولهم إنه غير موسوم ~~بسمة الفسق ما لم يقع به الحد لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ ~~كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق الفعل لا من ~~جهة التدين والإعتقاد والدليل على صحة ذلك قوله تعالى @QB@ والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا @QE@ فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة على صحة قذفه ~~وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز شهادته وبقاء حكم عدالته ما لم يقع الحد ~~به أحدهما قوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وثم للتراخي في حقيقة اللغة ~~فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف أن يكونوا غير ~~فساق بالقذف لأنه قال ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الآية فكان تقديره ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم الفاسقون PageV05P115 فإنما حكم بفسقهم ~~متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن إقامة الشهود فمن حكم بفسقهم بنفس ~~القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن تكون شهادة القاذف غير مردودة لأجل ~~القذف فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل شهادته وأيضا فلو كانت شهادته تبطل ~~بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا المقذوف مبطلا لشهادته وهي ~~قد بطلت قبل ذلك والوجه الآخر أن المعقول من هذا اللفظ أنه لا تبطل شهادته ~~ما دامت إقامة البينة على زناة ممكنة ألا ترى أنه لو قال رجل لامرأته أنت ~~طالق إن كلمت فلان ثم لم تدخلي الدار أنها إن كلمت فلانا لم تطلق حتى تترك ~~دخول الدار إلى أن تموت فتطلق حينئذ قبل موتها بلا فصل وكذلك لو قال ms2137 أنت ~~طالق إن كلمت فلانا ولم تدخلي الدار كان بهذه المنزلة وكان الكلام وترك ~~الدخول إلى أن تموت شرطا لوقوع الطلاق ولا فرق بين قوله أنت طالق إن كلمت ~~فلانا ثم دخلت الدار وبين قوله إن كلمت فلانا ثم لم تدخليها وإن افترقا من ~~جهة أن شرط اليمين في أحدهما وجود الدخول وفي الآخر نفيه ولما كان ذلك كذلك ~~وكان قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ ~~مقتضيا لشرطين في بطلان شهادة القاذف أحدهما الرمي والآخر عدم الشهود على ~~زنا المقذوف متراخيا عن القذف وفوات الشهادة عليه به فما دامت إقامة ~~الشهادة عليه بالزنا ممكنة بخصومة القاذف فقد اقتضى لفظ الآية بقاءه على ما ~~كان عليه غير محكوم ببطلان شهادته وأيضا لا يخلو القاذف من أن يكون محكوما ~~بكذبه وبطلان شهادته بنفس القذف أو أن يكون محكوما بكذبه بإقامة الحد عليه ~~فلو كان محكوما بكذبه بنفس القذف ولذلك بطلت شهادته فواجب أن لا يقبل بعد ~~ذلك بينة على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان ~~شهادة من شهد بصدقة في كون المقذوف زانيا فلما لم يختلفوا في حكم قبول ~~بينته على المقذوف بالزنا وأن ذلك يسقط عنه الحد ثبت أن قذفه لم يوجب أن ~~يكون كاذبا فواجب أن لا تبطل شهادته إذ لم يحكم بكذبه لأن من سمعناه بخبر ~~يخبر لا نعلم فيه صدقه من كذبه لم تبطل به شهادته إلا ترى أن قاذف امرأته ~~بالزنا لا تبطل شهادته بنفس القذف ولا يكون محكوما بكذبه بنفس قذفه ولو كان ~~كذلك لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته ولما أمر أن يشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه ولما وعظ في ترك ~~اللعان الكاذب منهما ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد PageV05P116 ~~مالا عن بين الزوجين الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب فأخبر أن ~~أحدهما بغير عينه هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف ms2138 دون الزوجة وفي ذلك دليل ~~على أن نفس القذف لا يوجب تفسيقه ولا الحكم بتكذيبه ويدل عليه قوله عز وجل ~~@QB@ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله ~~هم الكاذبون @QE@ فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط بل إذا لم يأتوا بالشهداء ~~ومعلوم أن المراد إذا لم يأتوا بالشهداء عند الخصومة في القذف فغير جائز ~~إبطال شهادته قبل وجود هذه الشريطة وهو عجزه عن إقامة البينة بعد الخصومة ~~في حد القذف عند الإمام إذ كان الشهداء إنما يقيمون الشهادة عند الإمام فمن ~~حكم بتفسيقه وأبطل شهادته بنفس القذف فقد خالف الآية فإن قيل لما قال الله ~~تعالى @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا ~~إفك مبين @QE@ دل ذلك على أن على الناس إذا سمعوا من يقذف آخر أن يحكموا ~~بكذبه ورد شهادته إلى أن يأتي بالشهداء قيل له معلوم أن الآية نزلت في شأن ~~عائشة رضي الله عنها وقذفتها لأنه قال تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك ~~عصبة منكم @QE@ إلى قوله لولا إذ سمعتموه وقد كانت بريئة الساحة غير متهمة ~~بذلك وقاذفوها أيضا لم يقذفوها برؤية منهم لذلك وإنما قذفوها ظنا منهم ~~وحسبانا حين تخلفت ولم يدع أحد منهم أنه رأى ذلك ومن أخبر عن ظن في مثله ~~فعلينا إكذابه والنكير عليه وأيضا لما قال في نسق التلاوة فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فحكم بكذبهم عند عجزهم عن إقامة ~~البينة علمنا أنه لم يرد بقوله وقالوا هذا إفك مبين إيجاب الحكم بكذبهم ~~بنفس القذف وإن معناه وقالوا هذا إفك مبين إذ سمعوه لم يأت القاذف بالشهود ~~والشافعي يزعم أن شهود القذف إذا جاؤا متفرقين قبلت شهادتهم فإن كان القذف ~~قد أبطل شهادته فوجب أن لا يقبلها بعد ذلك وإن شهد معه ثلاث لأنه قد فسق ~~بقذفه فوجب الحكم بتكذيبه وفي قبول شهادتهم إذا جاؤا متفرقين ما يلزمه أن ~~لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ويدل على صحة قولنا من جهة السنة ما ms2139 روى الحجاج ~~بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم ببقاء عدالة القاذف مالم يحد ويدل عليه أيضا حديث ابن منصور عباد عن ~~عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجلد هلال PageV05P117 ~~وتبطل شهادته في المسلمين فأخبر أن بطلان شهادته معلق بوقوع الجلد به ودل ~~بذلك أن القذف لم يبطل شهادته واختلف الفقهاء في شهادة المحدود في القذف ~~بعد التوبة فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف والثوري والحسن بن صالح لا تقبل ~~شهادته إذا تاب وتقبل شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب وقال مالك وعثمان ~~البتي والليث والشافعي تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب وقال الأوزاعي ~~لا تقبل شهادة محدود في الإسلام قال أبو بكر روى الحجاج عن ابن جريج وعثمان ~~بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون @QE@ ثم استثنى فقال إلا الذين تابوا فتاب ~~عليهم من الفسق وأما الشهادة فلا تجوز حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا حجاج وقد ورد عن ابن عباس أيضا ما ~~حدثنا جعفر ابن محمد قال حدثنا ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله ~~تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال ثم قال إلا الذين ~~تابوا قال فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله مقبولة قال أبو بكر ويحتمل ~~أن لا يكون ذلك مخالفا لما روي عنه في الحديث الأول بأن يكون أراد بأن ~~شهادته مقبولة إذا لم يجلد ms2140 وتاب والأول على أنه جلد فلا تقبل شهادته وإن ~~تاب وروي عن شريح وسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير قالوا لا ~~تجوز شهادته وإن تاب إنما توبته فيما بينه وبين الله وقال إبراهيم رفع عنهم ~~بالتوبة اسم الفسق فأما الشهادة فلا تجوز أبدا وروي عن عطاء وطاوس ومجاهد ~~والشعبي والقاسم بن محمد وسالم والزهري أن شهادته تقبل إذا تاب وروي عن عمر ~~بن الخطاب من وجه مطعون فيه أنه قال لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك وذلك أنه ~~رواه ابن عيينة عن الزهري قال سفيان عن سعيد بن المسيت ثم شك وقال هو عمر ~~بن قيس أن عمر قال لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك فأبى أن يتوب فشك سفيان بن ~~عيينة في سعيد بن المسيب وعمر بن قيس ويقال إن عمر بن قيس مطعون فيه فلم ~~يثبت عن عمر بهذا الإسناد هذا القول ورواه الليث عن ابن شهاب أنه بلغه أن ~~عمر قال ذلك لأبي بكرة وهذا بلاغ لا يعمل عليه على مذهب المخالف وقد روي عن ~~سعيد بن المسيب أن شهادته غير مقبولة PageV05P118 بعد التوبة فإن صح عنه ~~حديث عمر فلم يخالفه إلا إلى ما هو أقوى منه ومع ذلك فليس في حديث عمر أنه ~~قال ذلك لأبي بكرة بعد ما جلده وجائز أن يكون قاله قبل الجلد قال أبو بكر ~~ما ذكرنا من اختلاف السلف وفقهاء الأمصار في حكم القاذف إذا تاب فإنما صدر ~~عن اختلافهم في رجوع الاستثناء إلى الفسق أو إلى إبطال الشهادة وسمة الفسق ~~جميعا فيرفعهما والدليل على أن الاستثناء مقصور الحكم على ما يليه من زوال ~~سمة الفسق به دون جواز الشهادة أن حكم الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما ~~يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة والدليل عليه قوله تعالى @QB@ إلا ~~آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ فكانت المرأة مستثناة من ~~المنجين لأنها تليهم ولو قال رجل لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا ~~درهم كان عليه ms2141 ثمانية دراهم وكان الدرهم مستثنى من الثلاثة وإذا كان ذلك ~~حكم الاستثناء وجب الاقتصار به على ما يليه ويدل عليه أيضا أن قوله فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن في معنى الاستثناء وهو راجع إلى الربائب دون أمهات النساء ~~لأنه يليهن فثبت بما وصفنا صحة ما ذكرنا من الاقتصار بحكم الاستثناء على ما ~~يليه دون ما تقدمه وأيضا فإن الاستثناء إذا كان في معنى التخصيص وكانت ~~الجملة الداخل عليها الاستثناء عموما وجب أن يكون حكم العموم ثابتا وأن لا ~~نرفعه باستثناء قد ثبت حكمه فيما يليه إلا أن تقوم الدلالة على رجوعه إليها ~~فإن قيل قال الله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا @QE@ إلى قوله @QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~@QE@ فكان الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور لكونه معطوفا بعضه على بعض ~~وقال تعالى @QB@ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ ثم قال وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا فكان ~~التيمم لمن لزمه الاغتسال كلزومه لمن لزمه الوضوء بالحدث فكذلك حكم ~~الاستثناء الداخل على كلام معطوف بعضه على بعض يجب أن ينتظم الجميع ويرجع ~~إليه قيل له قد بينا أن حكم الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع ~~إلى ما تقدمه إلا بدلالة وقد قامت الدلالة فيما ذكر على رجوعه إلى جميع ~~المذكور ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه على رجوعه إلى المذكور فإن قيل ~~إذا كنا قد وجدنا الاستثناء تارة يرجع إلى بعض المذكور وتارة إلى جميعه ~~وكان ذلك متعالما مشهورا في PageV05P119 اللغة فما الدلالة على وجوب ~~الاقتصار به على بعض الجملة وهو الذي يليه دون رجوعه إلى الجميع قيل له لو ~~سلمنا لك ما ادعيت من جواز رجوعه إلى الجميع لكان سبيله أن يقف موقف ~~الاحتمال في رجوعه إلى ما يليه وإلى جميع المذكور وإذ كان كذلك وكان ms2142 اللفظ ~~الأول عموما مقتضيا للحكم في سائر الأحوال لم يجز رد الاستثناء إليه ~~بالاحتمال إذ غير جائز تخصيص العموم بالاحتمال ووجب استعمال حكمه في ~~المتيقن وهو ما يليه دون ما تقدمه فإن قيل ما أنكرت أن لا يكون اللفظ الأول ~~عموما مع دخول الاستثناء على آخر الكلام بل يصير في حيز الاحتمال ويبطل ~~اعتبار العموم فيه إذ ليس اعتبار عمومه بأولى من اعتبار عموم الاستثناء في ~~عوده إلى الجميع وإذا بطل فيه اعتبار العموم وقف موقف الاحتمال في إيجاب ~~حكمه فسقط اعتبار عموم اللفظ فيه قيل له هذا غلط من قبل أن صيغة اللفظ ~~الأول صيغة العموم لا تدافع بيننا فيه وليس للاستثناء صيغة عموم يقتضي رفع ~~الجميع فوجب أن يكون حكم الصيغة الموجبة للعموم مستعملا فيه وأن لا نزيلها ~~عنه إلا بلفظ يقتضي صيغته رفع العموم وليس ذلك بموجود في لفظ الاستثناء فإن ~~قيل لو قال رجل عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله رجع الاستثناء إلى الجميع ~~وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ~~والله لأغزون قريشا إن شاء الله فكان استثناؤه راجعا إلى جميع الأيمان إذ ~~كانت معطوفة بعضها على بعض قيل له ليس هذا مما نحن فيه في شيء لأن هذا ~~الضرب من الاستثناء مخالف للاستثناء الداخل على الجملة بحروف الاستثناء ~~التي هي إلا وغير وسوى ونحو ذلك لأن قوله إن شاء الله يدخل لرفع حكم الكلام ~~حتى لا يثبت منه شيء والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله إلا ~~لرفع حكم الكلام رأسا ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا ~~يقع شيء ولو قال أنت طالق إلا طالق كان الطلاق واقعا والإستثناء باطلا ~~لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام ولذلك جاز أن يكون قوله إن شاء الله راجعا ~~إلى جميع المذكور المعطوف بعضه على بعض ولم يجب مثله فيما وصفنا فإن قيل ~~فلو كان قال أنت طالق وعبدي حر إلا أن يقدم فلان كان الاستثناء ms2143 راجعا إلى ~~الجميع فإن لم يقدم فلان حتى مات طلقت امرأته وعتق عبده وكان ذلك بمنزلة ~~قوله إن شاء الله قيل له ليس ذلك على ما ظننت من قبل أن قوله إلا أن يقدم ~~فلان وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء فإنه في معنى الشرط PageV05P120 كقوله ~~إن لم يقدم فلان وحكم الشرط أن يتعلق به جميع المذكور إذا كان بعضه معطوفا ~~على بعض وذلك لأن الشرط يشبه الإستثناء الذي هو مشيئة الله عز وجل من حيث ~~كان وجوده عاملا في رفع الكلام حتى لا يثبت منه شيء ألا ترى أنه ما لم يوجد ~~الشرط لم يقع شيء وجائز أن لا يوجد الشرط أبدا فيبطل حكم الكلام رأسا ولا ~~يثبت من الجزاء شيء فلذلك جاز رجوع الشرط إلى جميع المذكور كما جاز رجوع ~~الإستثناء بمشيئة الله تعالى قال أبو بكر وقوله إلا أن يقدم فلان هو شرط ~~وإن دخل عليه حرف الإستثناء وأما الإستثناء المحض الذي هو قوله إلاالذين ~~تابوا و إلا آل لوط وما جرى مجراه فإنه لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأسا ~~حتى لا يثبت منه شيء ألا ترى أن قوله @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ ~~لا بد من أن يكون حكمه ثابتا في وقت ما وإن من رد الإستثناء إليه فإنما ~~يرفع حكمه في بعض الأوقات بعد ثبات حكمه في بعضها وكذلك قوله إلا آل لوط ~~غير جائز أن يكون رافعا لحكم النجاة عن الأولين وإنما عمل في بعض ما انتظمه ~~لفظ العموم ويستدل بما ذكرنا على أن حقيقة هذا الضرب من الإستثناء رجوعه ~~إلى ما يليه دون ما تقدمه وأن لا يرد إلى ما تقدمه إلا بدلالة وذلك لأنه ~~لما استحال دخول هذا الإستثناء لرفع حكم الكلام رأسا حتى لا يثبت منه شيء ~~وجب أن يكون مستعملا في البعض دون الكل فإذا وجب ذلك كان ذلك البعض الذي ~~عمل فيه هو المتيقن دون غيره بمنزلة لفظ لا يصح اعتقاد العموم فيه فيكون ~~حكمه مقصورا على الأقل المتيقن ms2144 دون اعتبار لفظ العموم كذلك الإستثناء ولما ~~جاز دخول شرط مشيئة الله تعالى وسائر شروط الأيمان لرفع حكم اللفظ رأسا وجب ~~استعماله في جميع المذكور وأن لا يخرج منه شيء إلا بدلالة ويدل على أن ~~الإستثناء في قوله إلا الذين تابوا مقصور على ما يليه دون ما تقدمه ان قوله ~~@QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ كل واحد منهما ~~أمر وقوله وأولئك هم الفاسقون خبر والإستثناء داخل عليه فوجب أن يكون ~~موقوفا عليه دون رجوعه إلى الأمر وذلك لأن الواو في قوله وأولئك هم ~~الفاسقون للإستقبال إذ غير جائز أن يكون للجميع لأنه غير جائز أن ينتظم لفظ ~~واحد ويدل عليه أنه لم يرجع إلى الحد إذا كان أمرا ونظيره قول القائل أعط ~~زيدا درهما ولا تدخل الدار وفلان خارج إن شاء الله أن مفهوم الكلام رجوع ~~الإستثناء PageV05P121 إلى الخروج دون ما تقدم من ذكر الأمر كذلك يجب أن ~~يكون حكم الإستثناء في الآية لا فرق بينهما فإن قيل قال الله تعالى @QB@ ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا @QE@ إلى قوله ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ثم ~~قال إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ومعلوم أن ما تقدم في أول ~~الآية أمر وقوله ذلك لهم خزي في الدنيا خبر فرجع الإستثناء إلى الجميع ولم ~~يختلف حكم الخبر والأمر قيل له إنما جاز ذلك لأن قوله إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله وإن كان أمرا في الحقيقة فإن صورته صورة الخبر فلما ~~كان الجميع في صورة الخبر جاز رجوع الإستثناء إلى الجميع ولما كان قوله ~~تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أمرا على الحقيقة ثم ~~عطف عليه الخبر وجب أن لا يرجع إلى الجميع ومع ذلك فإنا نقول متى اختلف صيغ ~~المعطوف بعضه على بعض لم يرجع إلا إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم مما ~~ليس في مثل صيغته إلا ms2145 بدلالة فإن قامت الدلالة جاز رده إليه وقد قامت ~~الدلالة في آية المحاربين ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه فهو مبقي على ~~حكمه في الأصل فإن قيل لما كانت الواو للجمع ثم قال فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون صار الجميع كأنه مذكور معا ~~لا تقدم لواحد منهما على الآخر فلما أدخل عليه الإستثناء لم يكن رجوع ~~الإستثناء إلى شيء من المذكور بأولى من رجوعه إلى الآخر إذ لم يكن تقديم ~~بعضها على بعض حكم في الترتيب فكان الجميع في المعنى بمنزلة المذكور معا ~~فليس رجوع الإستثناء إلى سمة الفسق بأولى من رجوعه إلى بطلان الشهادة والحد ~~ولولا قيام الدلالة على أنه لم يرجع إلى الحد لاقتضى ذلك رجوعه أيضا وزواله ~~عنه بالتوبة وقيل له إن الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون ~~للإستئناف وهي في قوله وأولئك هم الفاسقون للإستئناف لأنها إنما تكون للجمع ~~فيما لا يختلف معناه وينتظمه جملة واحدة فيصير الكل كالمذكور معا وذلك في ~~نحو قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ إلى آخر ~~الآية لأن الجميع أمر كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء لأن الجميع قد تضمنه ~~لفظ الأمر فصارت كالجملة الواحدة المنتظمة لهذه الأوامر وأما آية القذف فإن ~~ابتداءها أمر وآخرها خبر ولا يجوز أن ينتظمهما جملة واحدة فلذلك كانت الواو ~~للإستئناف إذ غير جائز دخول معنى الخبر في لفظ الأمر وقوله إنما جزاء الذين ~~PageV05P122 يحاربون الله ورسوله الإستثناء فيه عائدا إلى الأمر بالقتل وما ~~ذكر معه وغير عائد إلى الخبر الذي يليه لأن قوله @QB@ إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم @QE@ لا يجوز أن يكون عائدا إلى قوله ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم لأن التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة عليهم وبعدها فعلمنا أن ~~هذه التوبة مشروطة للحد دون عذاب الآخرة ودليل آخر وهو أن قوله تعالى ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا لا يخلو من أن يكون بطلان هذه الشهادة متعلقا بالفسق ~~أو يكون حكما ms2146 على حياله تقتضي الآية تأبيده فلما كان حمله على بطلانها ~~بلزوم سمة الفسق يبطل فائدة ذكره إذ كان ذكر التفسيق مقتضيا لبطلانها إلا ~~بزواله والتوبة منه وجب حمله على أنه حكم برأسه غير متعلق بسمة الفسق ولا ~~بترك التوبة وأيضا فإن كل كلام فحكمه قائم بنفسه وغير جائز تضمينه بغيره ~~إلا بدلالة وفي حمله على ما ادعاه المخالف تضمينه بغيره وإبطال حكمه بنفسه ~~وذلك خلاف مقتضى اللفظ وأيضا فإن حمله على ما ادعى يوجب أن يكون الفسق ~~المذكور في الآية علة لما ذكر من إبطال الشهادة فيكون تقديره ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا لأنهم فاسقون وفي ذلك إزالة اللفظ عن حقيقته وصرفه إلى مجاز ~~لا دلالة عليه لأن حكم اللفظ أن يكون قائما بنفسه في إيجاب حكمه وأن لا ~~يجعل علة لغيره مما هو مذكور معه ومعطوف عليه فثبت بذلك أن بطلان الشهادة ~~بعد الجلد حكم قائم بنفسه على وجه التأبيد المذكور في الآية غير موقوف على ~~التوبة فإن قيل رجوع الإستثناء إلى الشهادة أولى منه إلى الفسق لأنه معلوم ~~أن التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية فلا يكون رده إلى الفسق مفيدا ورده ~~إلى الشهادة يفيد جوازها بالتوبة إذ كان جائزا أن تكون الشهادة مردودة مع ~~وجود التوبة فأما بقاء سمة الفسق مع وجود التوبة فغير جائز في عقل ولا سمع ~~إذ كانت سمة الفسق ذما وعقوبة وغير جائز أن يستحق التائب الذم وليس كذلك ~~بطلان الشهادة ألا ترى أن العبد والأعمى غير جائزي الشهادة لا على وجه الذم ~~والتعنيف لكن عبادة فكان رجوع الإستثناء إلى الشهادة أولى بإثبات فائدة ~~الآية منه إلى الفسق قيل أن التوبة المذكورة في هذه الآية إنما هي التوبة ~~من القذف وإكذاب نفسه فيه لأنه به استحق سمة الفسق وقد كان جائزا أن تبقى ~~سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم يكذب نفسه فأخبر الله تعالى ~~بزوال سمة الفسق عنه إذا أكذب نفسه ووجه آخر وهو أن سمة الفسق إنما لزمته ~~بوقوع ms2147 الجلد PageV05P123 به ولم يكن يمتنع عند إظهار التوبة أن لا تكون ~~مقبولة في ظاهر الحال وإن كانت مقبولة عند الله لأنا لا نقف على حقيقة ~~توبته فكان جائزا أن يتعبدنا بأن لا نصدقه على توبته وأن نتركه على الجملة ~~لا نتولاه على حسب ما نتولى سائر أهل التوبة فلما كان ذلك جائزا ورود ~~العبادة به أفادتنا الآية قبول توبته ووجوب موالاته وتصديقه على ما ظهر من ~~توبته فإن قيل لما اتفقا على أن الذمي المحدود في القذف تقبل شهادته إذا ~~أسلم وتاب دل ذلك من وجهين على قبول شهادة المسلم المحدود في القذف أحدهما ~~أنه قد ثبت أن الإستثناء راجع إلى بطلان الشهادة إذ كان الذمي مرادا بالآية ~~وقد أريد به كون بطلان الشهادة موقوفا على التوبة والثاني أنه لما رفعت ~~التوبة الحكم ببطلان شهادته كان المسلم في حكمه لوجود التوبة منه قيل له ~~ليس الأمر فيه على ما ظننت وذلك لأن الذمي لم يدخل في الآية وذلك لأن الآية ~~إنما اقتضت بطلان شهادة من جلد وحكم بفسقه من جهة القذف والذمي قد تقدمت له ~~سمة الفسق فلما لم يستحق هذه السمة بالجلد لم يدخل في الآية وإنما جلدناه ~~بالإتفاق ولم يحصل الإتفاق على بطلان شهادته بعد إسلامه بالجلد الواقع في ~~حال كفره فأجزناها كما نجيز شهادة سائر الكفار إذا أسلموا فإن قيل فيجب على ~~هذا أن لا يكون الفاسق من أهل الملة مرادا بالآية إذ لم يتحدث سمة الفسق ~~بوقوع الحد به قيل له هو كذلك وإنما دخل في حكمها بالمعنى لا باللفظ وإنما ~~أجاز أصحابنا شهادة الذمي المحدود في القذف بعد إسلامه وتوبته من قبل أن ~~الحد في القذف يبطل العدالة من وجهين أحدهما عدالة الإسلام والآخر عدالة ~~الفعل والذمي لم يكن مسلما حين حد فيكون وقوع الحد به مبطلا لعدالة إسلامه ~~وإنما بطلت عدالته من جهة الفعل فإذا أسلم فأحدث توبة فقد حصلت له عدالة من ~~جهة الإسلام ومن طريق الفعل أيضا فالتوبة فلذلك قبلت شهادته وأما ms2148 المسلم ~~فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق الدين ولم يتحدث بالتوبة عدالة أخرى من ~~جهة الدين إذ لم يتحدث دينا بتوبته وإنما استحدث عدالة من طريق الفعل فلذلك ~~لم تقبل شهادته إذ كان شرط قبول الشهادة وجود العدالة من جهة الدين والفعل ~~جميعا فإن قيل لما اتفقنا على قبول شهادته إذا تاب قبل وقوع الحد به دل ذلك ~~على أن الإستثناء راجع إلى الشهادة كرجوعه إلى التفسيق فوجب على هذا أن ~~يكون مقتضيا لقبولها بعد الحد كهو قبله قيل له إن شهادته لم تبطل بالقذف ~~قبل وقوع الحد به ولا وجب الحكم PageV05P124 بتفسيقه لما بيناه في المسألة ~~المتقدمة ولو لم يتب وأقام على قذفه كانت شهادته مقبولة وإنما بطلان ~~الشهادة ولزومه سمة الفسق مرتب على وقوع الحد به فالإستثناء إنما رفع عنه ~~سمة الفسق التي لزمه بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك فغير محتاج إلى الإستثناء ~~في الشهادة ولا في الحكم بالتفسيق ودليل آخر على صحة قولنا وهو أنا قد ~~اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد ولم يرجع الإستثناء إليه فوجب أن يكون ~~بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد تعلقا بالقذف فمن حيث لم يرجع ~~الإستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة وأما التفسيق فهو خبر ليس ~~بأمر فلا يلزم على ما وصفنا ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد حق لآدمي فكذلك ~~بطلان الشهادة حق لآدمي ألا ترى أن الشهادات إنما هي حق للمشهود له ~~وبمطالبة يصح أداؤها وإقامتها كما تصح إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف فوجب ~~أن يكونا سواء في أن التوبة لا ترفعهما وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه ~~لأحد فكان الإستثناء راجعا إليه ومقصورا عليه فإن قيل إذا كان التائب من ~~الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى به قيل له التائب من الكفر يزول ~~عنه القتل ولا يزول عن التائب من القذف حد القذف فكما جاز أن تزيل التوبة ~~من الكفر القتل عن الكفار جاز أن تقبل توبته ولا يلزم ms2149 عليه التائب من القذف ~~لأن توبته لا تزيل الجلد عنه وأيضا فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على ~~مقادير الإجرام ألا ترى أن القاذف بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا ~~يجب عليه الحد فغلظ أمر القذف من هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في ~~أحكام الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر في الآخرة أعظم فإن قيل فإذا تاب وأصلح ~~فهو عدل ولي لله تعالى وقد كان بطلان شهادته بديا على وجه العقوبة والتوبة ~~تزيل العقوبة وتوجب العدالة والولاية فغير جائز بطلان شهادته بعد توبته قيل ~~له لا يكون بطلان شهادته بعد توبته على وجه العقوبة بل على جهة المحنة كما ~~لا تكون إقامة الحد عليه بعد التوبة على جهة العقوبة بل على جهة المحنة ~~ولله أن يمتحن عباده بما شاء على وجه المصلحة ألا ترى أن العبد قد يكون ~~عدلا مرضيا عند الله وليا لله تعالى وهو غير مقبول الشهادة وكذلك الأعمى ~~وشهادة الوالد لولده ومن جرى مجراه فليس بطلان الشهادة في الأصول موقوفا ~~على الفسق وعلى وجه العقوبة حتى يعارض فيه بما ذكرت ومما يدل على أن توبة ~~القاذف لا توجب جواز شهادته أن شهادته إنما بطلت بحكم الحاكم عليه بالجلد ~~وجلده إياه ولم تبطل بقذفه PageV05P125 لما قد بينا فيما سلف فلما تعلق ~~بطلان شهادته بحكم الحاكم لم يجز إجازتها إلا بحكم الحاكم بجوازها لأن في ~~الأصول أن كل ما تعلق ثبوته بحكم الحاكم لم يزل ذلك الحكم عنه إلا بما يجوز ~~ثبوته من طريق الحكم كالإملاك والعتاق والطلاق وسائر الحقوق فلما لم تكن ~~توبته مما تصح الحصومة فيه ولا يحكم بها الحاكم لم يجز لنا إبطال ما قد ثبت ~~بحكم الحاكم فإن قيل فرقة اللعان والعنين وما جرى مجراها متعلقة بحكم ~~الحاكم وقد يجوز أن يتزوجها فيعود النكاح فكذلك بطلان شهادة القاذف وإن كان ~~متعلقا بحكم الحاكم فإن ذلك لا يمنع إطلاق شهادته عند توبته ويكون حكم ~~الحاكم بديا ببطلانها مقصورا على الحال التي لم تحدث فيها ms2150 توبة كما أن ~~الفرقة الواقعة بحكم الحاكم إنما هي مقصورة على الحال التي لم يكن منهما ~~فيها عقد مستقبل قيل له لأن النكاح الثاني مما يجوز وقوع الحكم به فجاز أن ~~تبطل به الفرقة الواقعة بحكم الحاكم والتوبة ليست مما يحكم به الحاكم فلا ~~تثبت فيه الخصومات فلم يجز أن يبطل به حكم الحاكم ببطلان شهادته ولكنه لو ~~شهد الفاذف بشهادة عند حاكم يرى قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة ~~فحكم بجواز شهادته بعد حكمه جازت شهادته فإن قيل فلو أن رجلا زنى فحده ~~الحاكم ثم تاب جازت شهادته بعد التوبة ولم يكن حكم الحاكم مانعا من قبولها ~~بعد التوبة قيل له الزاني لم يتعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم وإنما بطلت ~~بزناه قبل أن يحده الحاكم لظهور فسقه فلما لم يتعلق بطلان شهادته بحكم ~~الحاكم بل بفعله جازت عند ظهور توبته وشهادة القاذف لم تبطل بقذفه لما بينا ~~فيما سلف لأنه جائز أن يكون صادقا وإنما يحكم بكذبه وفسقه عند جلد الحاكم ~~إياه فأما قبل ذلك فهو في حكم من لم يقذف ويدل على ذلك من جهة السنة حديث ~~عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته ~~بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجلد هلال وتبطل شهادته ~~في المسلمين وذكر الحديث فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد ~~به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وقد روى الحجاج بن أرطاة عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف قال أبو بكر ولم يستثن فيه ~~وجود التوبة منه وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن محمد قال ~~حدثنا شريح قال حدثنا مروان عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم = PageV05P126 لا تجوز في ~~الإسلام ms2151 شهادة مجرب عليه شهادة زور ولا خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ~~ذي غمر لأخيه ولا الصانع لأهل البيت ولا ظنين ولا قرابة فأبطل صلى الله ~~عليه وسلم القول بإبطال شهادة المحدود فظاهره يقتضي بطلان شهادة سائر ~~المحدودين في حد قذف أو غيره إلا أن الدلالة قد قامت على جواز قبول شهادة ~~المحدود في غير القذف إذا تاب مما حد فيه ولم تقم الدلالة في المحدود في ~~القذف لهو على عموم لفظه تاب أو لم يتب وإنما قبلنا شهادة المحدود في غير ~~القذف إذا تاب لأن بطلان شهادته متعلق بالفسق فمتى زالت عنه سمة الفسق كانت ~~شهادته مقبولة والدليل على ذلك أن الفعل الذي استحق به الحد من زنا أو سرقة ~~أو شرب خمر قد أوجب تفسيقه قبل وقوع الحد به فلما لم يتعلق بطلان شهادته ~~بالحد كان بمنزلة سائر الفساق إذا تابوا فتقبل شهاداتهم وأما المحدود في ~~القذف فلم يوجب القذف بطلان شهادته قبل وقوع الحد به لأنه جائز أن يكون ~~صادقا في قذفه وإنما بطلت شهادته بوقوع الحد به فلم تزل ذلك عنه بتوبته ~~قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء قال أبو بكر قد ~~اقتضت هذه الآية أن يكون شهود الزنا أربعة كما أوجب قوله واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم وقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم قبول شهادة العدد المذكور فيه ~~وامتناع جواز الاقتصار على أقل منه وقال تعالى في سياق التلاوة عند ذكر ~~أصحاب الإفك @QB@ لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون @QE@ فجعل عد الشهود المبرئ للقاذف من الحد ~~أربعة وحكم بكذبه عند عجزه عن إقامة أربعة شهداء وقد بين تعالى عدد شهود ~~الزنا في قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم @QE@ الآية وأعاد ذكر الشهود الأربعة عند القذف إعلاما لنا أن ~~القاذف لا تبرئه من الجلد إلا شهادة أربعة واختلف الفقهاء في القاذف إذا ~~جاء بأربعة شهداء فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ms2152 فقال أصحابنا وعثمان ~~البتي والليث بن سعد لا حد على الشهود وإن كانوا فساقا وروى الحسن بن زياد ~~عن أبي يوسف في رجل قذف رجلا بالزنا ثم جاء بأربعة فساق يشهدون أنه زان أنه ~~يحد القاذف ويدرأ عن الشهود وقال زفر يدرأ عن القاذف وعن الشهود وقال مالك ~~وعبيدالله بن الحسن يحد الشهود قال أبو بكر ولم يختلف أصحابنا لو جاء ~~بأربعة كفار أو محدودين في قذف أو عبيدا أو عميان أن القاذف والشهود جميعا ~~يحدون للقذف فأما إذا PageV05P127 كانوا فساقا فإن ظاهر قوله @QB@ ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء @QE@ قد تناولهم إذ لم يشرط في سقوط الحد عن القاذف ~~العدول دون الفساق فوجب بمقتضى الآية زوال الحد عن القاذف إذ جعل شرط وجوب ~~الحد أن لا يأتي بأربعة شهداء وهو قد أتى بأربعة شهداء إذ كان الشهداء اسما ~~لمن أقام الشهادة فإن قيل يلزمك مثله في الكفار والمحدودين في القذف ونحوهم ~~قيل له قد اقتضى الظاهر ذلك وإنما خصصناه بدلالة وأيضا فإن الفساق إنما ردت ~~شهادتهم للتهمة وكان ذلك شبهة في ردها فغير جائز إيجاب الحد عليهم بالشبهة ~~التي ردت من أجلها شهادتهم ووجب سقوط الحد عن القاذف أيضا بهذه الشهادة كما ~~أسقطناها عنهم إذ كان سبيل الشبهة أن يسقط بها الحد ولا يجب بها الحد وأما ~~المحدود في القذف والكافر والعبد والأعمى فلم نرد شهادتهم للتهمة ولا لشبهة ~~فيها وإنما رددناها لمعان متيقنة فيهم تبطل الشهادة وهي الحد والكفر والرق ~~والعمى فلذلك حددناهم ولم يكن لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عنهم وعن ~~القاذف ووجه آخر وهو أن الفساق من أهل الشهادة وإنما رددناها اجتهادا وقد ~~يسوغ الاجتهاد لغيرنا في قبول شهادتهم إذا كان ما نحكم نحن بأنه فسق يوجب ~~رد الشهادة قد يجوز أن يراه غيرنا غير مانع من قبول الشهادة فلما كان كذلك ~~لم يكن لنا إيجاب الحد على الشهود ولا على القاذف بالاجتهاد وأما الحد في ~~القذف والكفر ونظائرهما فليس طريق إثباتها الاجتهاد بل الحقيقة فلذلك جاز ms2153 ~~أن يحدوا ولم يكن لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عن القاذف وأيضا فإن الفاسق ~~غير محكوم ببطلان شهادته إذ الفسق ليس بمعنى يحكم به الحاكم ولا يسمع عليه ~~البينات فلما لم يحكم بطلان شهادتهم ولا كان الفسق مما تقوم به البينات ~~ويحكم به الحاكم لم يجز الحكم ببطلان شهادتهم في إيجاب الحد عليهم ولما كان ~~حد القذف والكفر والرق والعمى مما يقع الحكم به وتقوم عليه البينات كان ~~محكوما ببطلان شهادتهم وخرجوا بذلك من أن يكونوا من أهل الشهادة فوجب أن ~~يحدوا لوقوع الحكم بالسبب الموجب لخروجهم من أن يكونوا من أهل الشهادة ~~وأيضا فإن الفسق من الشاهد غير متيقن في حال الشهادة إذ جائز أن يكون عدلا ~~بتوبته في الحال فيما بينه وبين الله وأما الكفر والحد والعمى والرق فقد ~~علمنا أنه غير زائل وهو المانع له من كونه شاهدا فلذلك اختلفا فإن قيل جائز ~~أن يكون الكافر قد أسلم أيضا فيما بينه وبين الله قيل له لا يكون مسلما ~~باعتقاده الإسلام دون إظهاره في الموضع الذي يمكنه PageV05P128 إظهاره فإذا ~~لم يظهره فهو باق على كفره فقول زفر في هذه المسألة أظهر لأنه إن جاز أن ~~يكون فسق الشهود غير مخرج لهم من أن يكونوا من أهل الشهادة في باب سقوط ~~الحد عنهم فكذلك حكمهم في سقوطه عن القاذف قال أبو بكر اختلف الفقهاء في ~~شهود الزنا إذا جاؤا متفرقين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك ~~والأوزاعي والحسن بن صالح يحدون وقال عثمان البتي والشافعي لا يحدون وتقبل ~~شهادتهم ثم قال الشافعي إذا كان الزنا واحدا قال أبو بكر لما شهد الأول ~~وحده كان قاذفا بظاهر قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء @QE@ فاقتضى أن يكون الأربعة غيره إذ غير جائز أن يكون ~~المعقول منه دخوله في الأربعة لأنه لا يقال ائت بنفسك بعد الشهادة أو القذف ~~كما لا يجوز أن يقال ائت بأربعة سواك ولأنهم لم يختلفوا أنه إذا قال لها ~~أنت زانية ms2154 أنه مكلف لأن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا وليس هو منهم فكذلك ~~قوله أشهد إنك زانية وإذا كان كذلك فقد اقتضى ظاهر الآية إيجاب الحد على كل ~~قاذف سواء كان قذفه بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة فلما كان ذلك حكم ~~الأول كان كذلك حكم الثاني والثالث والرابع إذ كان كل واحد منهم قاذف محصنة ~~قد أوجب الله عليه الحد ولم يبرئه منه إلا بشهادة أربعة غيره فإن قيل إنما ~~أوجب الله عليه الحد إذا كان قاذفا ولم يجئ مجيء الشهادة فأما إذا جاء مجيء ~~الشهادة بأن يقول أشهد أن فلانا زنى فليس هذا بقاذف قيل له قذفه إياها بلفظ ~~الشهادة لا يخرجه من حكم القاذفين ألا ترى أنه لو لم يشهد معه غيره لكان ~~قاذفا وكان الحد له لازما فلما كان كذلك علمنا أن إيراده القذف بلفظ ~~الشهادة لا يخرجه من أن يكون قاذفا بعد أن يكون وحده وأيضا فقد تناوله عموم ~~قوله والذين يرمون المحصنات إذ كان راميا وإنما ينفصل حكم الرامي من حكم ~~الشاهد إذا جاء أربعة مجتمعين وهم العدد المشروط في قبول الشهادة فلا ~~يكونون مكلفين لأن يأتوا بغيرهم فأما من دون الأربعة إذا جاؤا قاذفين بلفظ ~~الشهادة أو بغير لفظها فإنهم قذفة إذ هم مكلفين للإتيان بغيرهم في صحة ~~قذفهم فإن قيل قد روي أن نافع بن الحارث كتب إلى عمر رضي الله عنه أن أربعة ~~جاؤا يشهدون على رجل وامرأة بالزنا فشهد ثلاثة أنهم رأوه كالميل في المكحلة ~~ولم يشهد الرابع بمثل ذلك فكتب إليه عمر إن شهد الرابع على مثل ما شهد عليه ~~الثلاثة فاجلدهما وإن كانا محصنين فارجمهما وإن لم يشهد إلا بما كتبت به ~~إلي فاجلد الثلاثة وخل PageV05P129 سبيل الرجل والمرأة وهذا يدل على أنه لو ~~شهد مع الثلاثة آخر أنهم لا يحدون وقبلت شهادتهم مع كون الثلاثة بديا ~~منفردين قيل له ليس في ذلك دلالة على ما ذكرت وذلك لأن الرجل الذي لم يشهد ~~بما شهد به الآخرون لم ينفرد ms2155 عنهم بل جاؤا مجتمعين مجيء الشهادة وجائز أن ~~يكون الجميع شهدوا بالزنا فلما استثبتوا بالرجل أن يصرح بما صرح به الثلاثة ~~فأمر عمر بأن يوقف الرجل فإن أتى بالتفسير على ما أتى به القوم حد المشهود ~~عليهما وإن هو لم يأت بالتفسير أبطل شهادته وجعل الثلاثة منفردين فحدهم ولم ~~يقل عمر إن جاء رابع فشهد معهم فاقبل شهادتهم فيكون قابلا لشهادة الثلاثة ~~المنفردين مع واحد جاء بعدهم وقد جلد أبا بكرة وأصحابه لما نكل زيادة عن ~~الشهادة ولم يقل لهم ائتوا بشاهد آخر يشهد بمثل شهادتكم وكان ذلك بحضرة ~~الصحابة فلم ينكره عليه أحد منهم ولو كان قبول شهادة شاهد واحد منهم لو شهد ~~معهم جائزا لوقف الأمر واستثبتهم وقال هل يشهد بمثل شهادتكم شاهد آخر وإذا ~~لم يقل ذلك ولم يوقف أمرهم بما عزم عليه من حدهم دل على أنهم قد صاروا قذفة ~~قد لزمهم الحد وأنه لم يكن يبرئهم من الحد إلا شهادة أربعة آخرين فإن قيل ~~فهو لم يقل لهم هل معكم أربعة يشهدون بمثل شهادتكم ولم يوقف أمر الحد عليهم ~~لجواز ذلك فكذلك في الشاهد الواحد لو شهد بمثل شهادتهم قيل له لأنه لم يكن ~~يخفى عليهم أنهم لو جاؤا بأربعة آخرين يشهدون لهم بذلك لكانت شهادتهم ~~مقبولة وكان الحد عنهم زائلا فلو كانوا قد علموا أن هناك شهودا أربعة ~~يشهدون بذلك لسألوه التوقيف فلذلك لم يحتج أن يعلمهم ذلك وأما الشاهد ~~الواحد لو شهد معه فإنه جائز أن يخفى حكمه عليهم في جواز شهادته معهم أو ~~بطلانها فلو كان ذلك مقبولا لوقفهم عليه وأعلمهم إياه حتى يأتوا به إن كان # | فيمن يقيم الحد على المملوك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد يقيمه الإمام دون المولى وذلك في ~~سائر الحدود وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك يحده المولى في الزنا وشرب ~~الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام ~~وهو قول الليث بن سعد وقال الشافعي يحده المولى ويقطعه ms2156 وقال الثوري يحده ~~المولى في الزنا رواية الأشجعي وذكر عنه الفريابي إن المولى إذا حد عبده ثم ~~أعتقه جازت شهادته وقال الأوزاعي يحده المولى PageV05P130 وروي عن الحسن ~~قال ضمن هؤلاء أربعا الصلاة والصدقة والحدود والحكم رواه عنه ابن عون وروي ~~عنه بدل الصلاة الجمعة وقال عبدالله بن محيريز الحدود والفيء والجمعة ~~والزكاة إلى السلطان وقد روى حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار ~~عن أبي عبدالله رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يأمرنا ~~أن نأخذ عنه وهو عالم فخذوا عنه فسمعته يقول الزكاة والحدود والفيء والجمعة ~~إلى السلطان وقد قيل إن أبا عبدالله هذا يظن أنه أخو أبي بكرة واسمه نافع ~~فهؤلاء والسلف قد روي عنهم ذلك ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه وقد روي ~~عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبدالله بن مسعود حدا بالشام وقال الأعمش هم أمراء ~~حيث كانوا وجائز أن يكون عبدالله بن مسعود قد كان ولي ذلك لأنه لم يذكر إن ~~المحدود كان عبده فإن قيل روي عن ابن أبي ليلى أنه قال أدركت بقايا الأنصار ~~يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم قيل له يجوز أن يكونوا فعلوا ~~ذلك على وجه التعزير لا على وجه إقامة الحد لأنهم لم يكونوا مأمورين برفعها ~~إلى الإمام بل كانوا مأمورين بالستر عليها وترك رفعها إلى الإمام والدليل ~~على أن إقامة الحد على المملوك إلى الإمام دون المولى قوله تعالى @QB@ ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا @QE@ وقال الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وقال في آية أخرى فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وقد علم من قرع سمعه هذا ~~الخطاب من أهل العلم أن المخطابين بذلك هم الأئمة دون عامة الناس فكان ~~تقديره فليقطع الأئمة والحكام أيديهما وليجلدهما الأئمة والحكام ولما ثبت ~~باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم الأئمة ولم ~~تفرق هذه الآيات بين المحدودين من ms2157 الأحرار والعبيد وجب أن يكون فيهم جميعا ~~وأن يكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون ~~الموالي ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على ~~عبده بالسرقة فيقطعه ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون له تضمين الشهود ~~ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة لأنه لو لم يحكم ~~بشهادتهم لم يضمنوا شيئا فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم ومعلوم ~~أن أحدا من الناس لا يجوز له أن يحكم لنفسه فعلمنا أن المولى لا يملك ~~استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وأيضا فإن المولى والأجنبي سواء في ~~حد العبد والأمة بدلالة أن إقراره عليه غير مقبول وأن PageV05P131 إقرار ~~العبد على نفسه بذلك مقبول وإن جحده المولى فلما كان في ذلك في حكم ~~الأجنبيين وجب أن يكون المولى بمنزلة الأجنبي في إقامة الحد وإنما جاز ~~للحاكم أن يسمع البينة ويقيم الحد لأن قوله مقبول في ثبوت ما يوجب الحد عنه ~~فلذلك سمع البينة وحكم بالحد فإن قيل يجوز إقرار الإنسان على نفسه بما يوجب ~~الحد ولا يملك مع ذلك إقامة الحد على نفسه قيل له إذا كان من يجوز إقراره ~~على نفسه ولا يقيم الحد على نفسه فمن لا يجوز إقراره على عبده أحرى بأن لا ~~يقيم الحد عليه فإن قيل فلا نجعل قول الحاكم عليه علة جواز إقامة الحد عليه ~~قيل له إن قول الحاكم قد ثبت عندي لا يوجب عليه الحد وليس بإقرار منه وإنما ~~هو حكم وكذلك البينة إذا قامت عنده فإنه يقيم الحد من طريق الحكم فمن لا ~~يقبل قوله في الحكم فهو لا يملك سماع البينة ولا إقامة الحد فإن قيل إن أبا ~~حنيفة وأبا يوسف لا يقبلان قول الحاكم بما يوجب الحد لأنهما يقولان لا يحكم ~~بعلمه في الحدود قيل له ليس معنى ذلك أن قول الحاكم غير مقبول إذا قال ثبت ~~ذلك عندي ببينة أو بإقرار لأن من قولهما إن ذلك مقبول وإنما معنى ms2158 قولهما ~~إنه لا يحكم بعلمه في الحدود أنه لو شاهد رجلا على زنا أو سرقة أو شرب خمر ~~لم يقم عليه الحد بعلمه فأما إذا قال قد شهد عندي شهود بذلك أو قال أقر ~~عندي بذلك فإن قوله مقبول منه في ذلك ويسع من أمره الحاكم بالرجم والقطع أن ~~يرجم ويقطع واحتج المخالف لنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وقوله إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وإن ~~عادت فليجلدها وإن عادت فليجلدها ولا يثرب عليها فإن عادت فليبعها ولو ~~بضفير وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث فليقم عليها الحد قال أبو بكر لا ~~دلالة في هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه وذلك لأن قوله أقيموا الحدود على ~~ما مبكت أيمانكم هو كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ومعلوم أن المراد رفعه ~~إلى الإمام لإقامة الحد فالمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة وسائر الناس ~~مخاطبون برفعهم إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم هو على هذا المعنى وأما قوله صلى ~~الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فإنه ليس كل جلد حدا لأن الجلد ~~قد يكون على وجه التعزير فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة الخبر ولا يجوز أن ~~نجلدها بعد ذلك ويدل على أنه أراد التعزير قوله لا يثرب عليها يعني ولا ~~PageV05P132 يعيرها ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ليكون أبلغ في ~~الزجر والتنكيل فلما قال ولا يثرب عليها دل ذلك أنه أراد التعزير لا الحد ~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة فليبعها ولو بضفير ولم يأمر ~~بجلدها ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما أمر به الأول والثاني والثالث ~~لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها وقد يجوز ترك التعزير ~~على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة فإن قيل التعزير ms2159 لوجب أن يكون لو ~~عزرها المولى ثم رفع إلى الإمام بعد التعزير أن يقيم عليها الحد لأن ~~التعزير لا يسقط الحد فيكون قد اجتمع عليها الحد والتعزير قيل له لا ينبغي ~~لمولاها أن يرفعها إلى الإمام بعد ذلك بل هو مأمور بالستر عليها لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهزال حين أشار على ما عز بالإقرار بالزنا لو سترته ~~بثوبك كان خيرا لك وقال صلى الله عليه وسلم من أتى شيئا من هذه القاذورات ~~فليستتر بستر الله فإن أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله وأيضا فليس ~~يمتنع اجتماع الحد والتعزير وقد يجب النفي عندنا مع الجلد على وجه التعزير ~~وروي أن النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان فضربه علي كرم الله وجهه ثمانين ~~وقال هذا لشربك الخمر ثم جلده عشرين وقال هذا لإفطارك في رمضان فجمع عليه ~~الحد والتعزير فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو رفعت هذه الأمة بعد تعزير ~~المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا # | باب اللعان # قال الله عز وجل @QB@ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم @QE@ إلى آخر القصة قال أبو بكر كان حد قاذف الأجنبيات ~~والزوجات الجلد والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين ~~قذف امرأته بشريك بن سحماء ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك وقال ~~الأنصار أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فثبت بذلك أن حد قاذف ~~الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان ائتني ~~بصاحبتك فقد أنزل الله فيك وفيها قرآنا ولاعن بينهما وروي نحو ذلك في حديث ~~عبدالله بن مسعود في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~فإن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ فدلت هذه الأخبار ~~على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وإن الله تعالى نسخه باللعان ومن أجل ذلك ms2160 ~~قال أصحابنا إن الزوج PageV05P133 إذا كان عبدا أو محدودا في قذف فلم يجب ~~اللعان بينهما أن عليه الحد كما أنه إذا أكذب نفسه فسقط اللعان من قبله كان ~~عليه الحد وقالوا لو كانت المرأة هي المحدودة في القذف أو كانت أمة أو ذمية ~~أنه لا حد على الزوج لأنه قد سقط اللعان من قبلها فكان بمنزلة تصديقها ~~الزوج بالقذف لما سقط اللعان من جهتها لم يجب على الزوج الحد واختلف ~~الفقهاء فيمن يجب بينهما اللعان من الزوجين فقال أصحابنا جميعا أبو حنيفة ~~وزفر وأبو يوسف ومحمد يسقط اللعان بأحد معنيين أيهما وجد لم يجب معه اللعان ~~وهو أن يكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان أجنبيا نحو أن تكون ~~الزوجة مملوكة أو ذمية أو قد وطئت وطئا حراما في غير ملك والثاني أن يكون ~~أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدودا في قذف أو كافرا أو عبدا فأما ~~إذا كان أحدهما أعمى أو فاسقا فإنه يجب اللعان وقال ابن شبرمة يلاعن المسلم ~~زوجته اليهودية إذا قذفها وقال ابن وهب عن مالك الأمة المسلمة والحرة ~~والنصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم وكذلك العبد يلاعن زوجته اليهودية ~~وقال القاسم عن مالك ليس بين المسلم والكافر لعان إذا قذفها إلا أن يقول ~~رأيتها تزني فتلا عن سواء ظهر الحمل أو لم يظهر لأنه يقول أخاف أن أموت ~~فيلحق نسب ولدها بي وإنما يلاعن المسلم الكافر في دفع الحمل ولا يلاعنها ~~فيما سوى ذلك وكذلك لا يلاعن زوجته الأمة إلا في نفي الحمل قال والمحدود في ~~القذف يلاعن وإن كان الزوجان جميعا كافرين فلا لعان بينهما والمملوكان ~~المسلمان بينهما لعان إذا أراد أن ينفي الولد وقال الثوري والحسن بن صالح ~~لا يجب اللعان إذا كان أحد الزوجين مملوكا أو كافرا ويجب إذا كان محدودا في ~~قذف وقال الأوزاعي لا لعان بين أهل الكتاب ولا بين المحدود في القذف ~~وامرأته وقال الليث في العبد إذا قذف امرأته الحرة وادعى أنه رأى عليها ms2161 ~~رجلا يلاعنها لأنه يحد لها إذا كان أجنبيا فإن كانت أمة أو نصرانية لاعنها ~~في نفي الولد إذا ظهر بها حمل ولا يلاعنها في الرؤية لأنه لا يحد لها ~~والمحدود في القذف يلاعن امرأته وقال الشافعي كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض ~~يلاعن إذا كانت ممن يلزمها الفرض قال أبو بكر فأما الوجه الأول من الوجهين ~~الذين يسقطان اللعان فإنما وجب ذلك به من قبل أن اللعان في الأزواج أقيم ~~مقام الحد في الأجنبيات وقد كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية جميعا ~~الجلد بقوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ PageV05P134 ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان ~~مقامه والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته ~~بشريك بن سحماء ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك وقول الرجل الذي قال ~~أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن ~~سكت سكت عن غيظ فأنزلت آية اللعان فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن ~~أمية قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فائتني بها فلما كان اللعان في ~~الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على قاذف من لا يجب ~~عليه الحد لو قذفها أجنبي وأيضا فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم اللعان ~~حدا حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الخراساني قال ~~حدثنا عبدالرحمن بن موسى قال حدثنا روح بن دراج عن ابن أبي ليلى عن الحكم ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين المرأة وزوجها فرق بينهما وقال إن جاءت به أرح القدمين يشبه فلانا فهو ~~منه قال فجاءت به يشبهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من ~~الحد لرجمتها فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللعان حد ولما كان حدا لم ~~يجز إيجابه على الزوج إذا كانت المرأة مملوكة ms2162 إذ كان حدا مثل حد الجلد لما ~~كان حدا لم يجب على قاذف المملوك فإن قيل لو كان حدا لما وجب على الزوج إذا ~~قذف امرأته الحرة الجلد إذا أكذب نفسه بعد اللعان إذ غير جائز أن يجتمع ~~حدان بقذف واحد وفي إيجاب حد القذف عليه عند إكذابه نفسه دليل على أن ~~اللعان ليس بحد قيل له قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حدا وغير جائز ~~استعمال النظر في دفع الأثر ومع ذلك فإنما يمتنع اجتماع الحدين عليه إذا ~~كان جلدا فأما إذا كان أحدهما جلدا والآخر لعانا فإنا لم نجد في الأصول ~~خلافه وأيضا فإن اللعان إنما هو حد من طريق الحكم فمتى أكذب نفسه وجلد الحد ~~خرج اللعان من أن يكون حدا إذ كان ما يصير حدا من طريق الحكم فجائز أن يكون ~~تارة حدا وتارة ليس بحد فكذلك كل ما تعلق بالشيء من طريق الحكم فجائز أن ~~يكون تارة على وصف وأخرى على وصف آخر وإنما قلنا إن من شرط اللعان أن يكون ~~الزوجات جميعا من أهل الشهادة لقوله تعالى @QB@ والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله @QE@ إلى آخر ~~القصة فلما سمى الله لعانهما شهادة ثم قال في المحدود في القذف ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا وجب بمضمون الآيتين انتفاء اللعان عن المحدود في القذف وإذا ~~ثبت ذلك في المحدود ثبت في سائر PageV05P135 من خرج أن يكون من أهل الشهادة ~~مثل العبد والكافر ونحوهما ومن جهة أخرى أنه إذا ثبت أن المحدود في القذف ~~لا يلاعن وجب مثله في سائر من ليس هو من أهل الشهادة إذ لم يفرق أحد بينهما ~~لأن كل من لا يوجب اللعان على المحدود لا يوجبه على من ذكرنا ووجه آخر من ~~دلالة الاية وهو قوله تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فلا يخلو المراد ~~به من أن يكون الأيمان فحسب من غير اعتبار معنى الشهادة فيه أو أن يكون ~~أيمانا ليعتبر فيها ms2163 معنى الشهادة على ما نقوله فلما قال تعالى ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم علمنا أنه أراد أن يكون الملاعن من أهل الشهادة إذ غير ~~جائز أن يكون المراد ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم إذ كل أحد لا يحلف إلا ~~على نفسه ولا يجوز إحلاف الإنسان عن غيره ولو كان المعنى ولم يكن لهم ~~حالفون إلا أنفسهم لاستحال وزالت فائدته فثبت أن المراد أن يكون الشاهد في ~~ذلك من أهل الشهادة وإن كان ذلك يمينا ويدل على ذلك قوله تعالى @QB@ فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات @QE@ بالله فلم يخل المراد من أن يكون الإتيان بلفظ ~~الشهادة في هذه الأيمان أو الحلف من كل واحد منهما سواء كان بلفظ الشهادة ~~أو بغيرها بعد أن يكون حلفا فلما كان قول القائل بجواز قبول اليمين منهما ~~على أي وجه كانت كان مخالفا للآية وللسنة لأن الله تعالى قال فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله كما قال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقال ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ولم يجز الاقتصار على الأخبار دون إيراده بلفظ ~~الشهادة وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين لاعن بين الزوجين أمرهما ~~باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين دونها ولما كان ذلك كذلك ~~علمنا أن شرط هذه الأيمان أن يكون الحالف بها من أهل الشهادة ويلاعنان فإن ~~قيل الفاسق والأعمى ليسا من أهل الشهادة ويلاعنان قيل له الفاسق من أهل ~~الشهادة من وجوه أحدها أن الفسق الموجب لرد الشهادة قد يكون طريقه الاجتهاد ~~في الرد والقبول والثاني إنه غير محكوم ببطلان شهادته إذ الفسق لا يجوز أن ~~يحكم به الحاكم فلما لم تبطل شهادته من طريق الحكم لم يخرج من أن يكون من ~~أهل الشهادة والثالث إن فسقه في حال لعانه غير متيقن إذ جائز أن يكون تائبا ~~فيما بينه وبين الله تعالى فيكون عدلا مرضيا عند الله وليس هذه الشهادة ~~يستحق بها على الغير فترد من أجل ما علم من ظهور فسقه بديا فلم يمنع فسقه ~~من ms2164 قبول لعانه وإن كان من شروطه كونه من أهل الشهادة وليس كذلك PageV05P136 ~~الكفر لأن الكافر لو اعتقد الإسلام لم يكن مسلما إلا بإظهاره إذا أمكنه ذلك ~~فكان حكم كفره باقيا مع اعتقاده لغيره ما لم يظهر الإسلام وأيضا فإن ~~العدالة إنما تعتبر في الشهادة التي يستحق بها على الغير فلا يحكم بها ~~للتهمة والفاسق إنما ردت شهادته في الحقوق للتهمة واللعان لا تبطله التهمة ~~فلم يجب اعتبار الفسق في سقوطه وأما الأعمى فإنه من أهل الشهادة كالبصير لا ~~فرق بينهما إلا أن شهادته غير مقبولة في الحقوق لأن بينه وبين المشهود عليه ~~حائلا وليس شرط شهادة اللعان أن يقول رأيتها تزني إذ لو قال هي زانية ولم ~~أر ذلك لاعن فلما لم يحتج إلى الإخبار عن معاينة المشهود به لم يبطل لعانه ~~لأجل عماه وقد روي في معنى مذهب أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار ~~منها ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن داود السراج قال حدثنا ~~الحكم بن موسى قال حدثنا عتاب بن إبراهيم عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ~~عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع من النساء ~~ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت ~~المملوك والمملوكة تحت الحر وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا أحمد بن حمويه بن ~~سيار قال حدثنا أبو سيار التستري قال حدثنا الحسن بن إسماعيل عن مجالد ~~المصيصي قال أخبرنا حماد بن خالد عن معاوية بن صالح عن صدقة أبي توبة عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع ليس ~~بينهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والمملوكة تحت الحر والحرة ~~تحت المملوك فإن قيل اللعان إنما يجب في نفي الولد لئلا يلحق به نسب ليس ~~منه وذلك موجود في الأمة وفي الحرة قيل له لما دخل في نكاح الأمة لزمه حكمه ~~ومن حكمه أن لا ينتفي منه نسب ولدها كما لزمه حكمه ms2165 في رق ولده # | باب القذف الذي يوجب اللعان # قال الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ الآية ولا خلاف بين الفقهاء أن المراد به قذف ~~الأجنبيات المحصنات بالزنا سواء قال زنيت أو قال رأيتك تزنين ثم قال تعالى ~~والذين يرمون أزواجهم ولا خلاف أيضا أنه قد أريد به رميها بالزنا ثم اختلف ~~الفقهاء في صفة القذف الموجب للعان فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والشافعي إذا قال لها يا زانية وجب اللعان وقال مالك بن أنس لا يلاعن إلا ~~أن يقول رأيتك تزنين أو ينفي حملا بها أو ولدا منها والأعمى يلاعن ~~PageV05P137 إذا قذف امرأته وقال الليث لا تكون ملاعنة إلا أن يقول رأيت ~~عليها رجلا أو يقول قد كنت استبرأت رحمها وليس هذا الحمل مني ويحلف بالله ~~ما علي ما قال وقال عثمان البتي إذا قال رأيتها تزني لاعنها وإن قذفها وهي ~~بخراسان وإنما تزوجها قبل ذلك بيوم لم يلاعن ولا كرامة قال أبو بكر ظاهر ~~الآية يقتضي إيجاب اللعان بالقذف سواء قال رأيتك تزنين أو لم يقل لأنه إذا ~~قذفها بالزنا فهو رام لها سواء ادعى معاينة ذلك أو أطلقه ولم يذكر العيان ~~وأيضا لم يختلفوا أن قاذف الأجنبية لا يختلف حكمه في وجوب الحد عليه بين أن ~~يدعي المعاينة أو يطلقه كذلك يجب أن يكون حكم الزوج في قذفه إياها إذ كان ~~اللعان متعلقا بالقذف كالجلد ولأن اللعان في قذف الزوجات أقيم مقام الجلد ~~في قذف الأجنبيات فوجب أن يستويا فيما يتعلقان به من لفظ القذف وأيضا فقد ~~قال مالك إن الأعمى يلاعن وهو لا يقول رأيت فعلمنا أنه ليس شرط اللعان ~~رميها برؤية الزنا منها وأيضا قد أوجب مالك اللعان في نفي الحمل من غير ذكر ~~رؤية فكذلك نفي غير الحمل يلزمه أن لا يشرط فيه الرؤية # | باب كيفية اللعان # قال الله تعالى @QB@ فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ms2166 الكاذبين @QE@ واختلف أهل العلم في ~~صفة اللعان إذا لم يكن ولد فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري يشهد ~~الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا والخامسة ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا وتشهد هي ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا فإن كان هناك ~~ولد نفاه يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من نفي هذا الولد ~~وذكر أبو الحسن الكرخي إن الحاكم يأمر الزوج أن يقول أشهد بالله أني لمن ~~الصادقين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا فيقول ذلك أربع مرات ثم يقول في ~~الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا ~~ثم يأمرها القاضي فتقول أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من نفي ~~ولدي هذا فتقول ذلك أربع مرات ثم تقول في الخامسة وغضب الله علي إن كنت من ~~الصادقين فيما رميتني به من نفي ولدي هذا وروى حيان بن بشر عن أبي ~~PageV05P138 يوسف قال إذا كان اللعان بولد فرق بينهما فقال قد ألزمته أمه ~~وأخرجته من نسب الأب قال أبو الحسن ولم أجد ذكر نفي الحاكم الولد بالقول ~~فيما قرأته إلا في رواية حيان بن بشر قال أبو الحسن وهو الوجه عندي وروى ~~الحسن بن زياد في سياق روايته عن أبي حنيفة قال لا يضره أن يلاعن بينهما ~~وهما قائمان أو جالسان فيقول الرجل أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتك ~~به من الزنا يقبل بوجهه عليها فيواجهها في ذلك كله وتواجهه أيضا هي وروي عن ~~زفر مثل ذلك في المواجهة وقال مالك فيما ذكره ابن القاسم عنه أنه يحلف أربع ~~شهادات بالله يقول أشهد بالله أني رأيتها تزني والخامسة لعنة الله علي إن ~~كنت من الكاذبين وتقول هي أشهد بالله ما رآني أزني ms2167 فتقول ذلك أربع مرات ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وقال الليث يشهد الرجل أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين وتشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان من الصادقين وقال الشافعي يقول أشهد بالله أني لمن ~~الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان ويشير إليها إن كانت حاضرة ~~يقول ذلك أربع مرات ثم يقعده الإمام ويذكره الله ويقول إني أخاف إن لم تكن ~~صدقت أن تبوء بلعنة الله فإن رآه يريد أن يمضي أمره يضع يده على فيه ويقول ~~إن قولك علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجبه إن كنت كاذبا فإن أبى تركه ~~فيقول لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتى فلانة من الزنا ~~فإن قذفها بأحد يسميه بعينه واحدا كان أو اثنين وقال مع كل شهادة إني لمن ~~الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان وفلان وإن نفى ولدها قال مع كل ~~شهادة أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وإن هذا الولد ~~ولد زنا ما هو مني فإذا قال هذا فقد فرغ من الإلتعان قال أبو بكر قوله ~~تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين يقتضي ظاهره جواز ~~الاقتصار عليه في شهادات اللعان إلا أنه لما كان معلوما من دلالة الحال أن ~~التلاعن واقع على قذفه إياها بالزنا علمنا أن المراد فشهادة أحدهما بالله ~~إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وكذلك شهادة المرأة واقعة في نفي ~~ما رماها به وكذلك اللعن والغضب والصدق والكذب راجع إلى إخبار الزوج عنها ~~بالزنا فدل على أن المراد بالآية وقوع الإلتعان والشهادات على ما وقع به ~~رمي الزوج فاكتفى بدلالة PageV05P139 الحال على المراد عن قوله فيما رميتها ~~به من الزنا واقتصر على قوله إني لمن الصادقين وهذا نحو قوله تعالى @QB@ ~~والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات @QE@ والمراد ms2168 ~~والحافظات فروجهن والذاكرات الله ولكنه حذف لدلالة الحال عليه وفي حديث ~~عبدالله بن مسعود وابن عباس في قصة المتلاعنين عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ولم يذكرا فيما رماها ~~به من الزنا وأما قول مالك إنه يشهد أربع شهادات بالله إنه رآها تزني ~~فمخالف لظاهر لفظ الكتاب والسنة لأن في الكتاب @QB@ فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين @QE@ وكذلك لاعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين الزوجين وأما قول الشافعي إنه يذكرها باسمها ونسبها ويشير إليها بعينها ~~فلا معنى له لأن الإشارة تغني عن ذكر الاسم فذكر الاسم والنسب لغو في هذا ~~الموضع ألا ترى أن الشهود لو شهدوا على رجل بحق وهو حاضر كانت شهادتهم أنا ~~نشهد إن لهذا الرجل على هذا الرجل ألف درهم ولا يحتاجون إلى اسمه ونسبه # | في نفي الولد # قال أبو حنيفة إذا ولدت المرأة فنفي ولدها حين يولد أو بعده بيوم أو ~~بيومين لاعن وانتفى الولد وإن لم ينفه حين يولد حتى مضت سنة أو سنتان ثم ~~نفاه لاعن ولزمه الولد ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتا ووقت أبو يوسف ومحمد ~~مقدار النفاس أربعين ليلة وقال أبو يوسف إن كان غائبا فقدم فله أن ينفيه ~~فيما بينه وبين مقدار النفاس منذ قدم ما كان في الحولين فإن قدم بعد دخروجه ~~من الحولين لم ينتف أبدا وقال هشام سألت محمدا عن أم ولد لرجل جاءت بولد ~~ولمولى شاهد فلم يدعه ولم ينكره فقال إذا مضى أربعون يوما من يوم ولدته ~~فإنه يلزمه وهي بمنزلة الحرة قال قلت فإن كان المولى غائبا فقدم وقد أتت له ~~سنون فقال محمد إن كان الابن نسب إليه حتى عرف به فإنه يلزمه وقال محمد وإن ~~لم ينسب إليه وقال هذا لم أعلم بولادته فإن سكت أربعين يوما من يوم قدم ~~لزمه الولد وقال مالك إذا رأى الحمل فلم ينفه حين وضعته لم ينتف بعد ذلك ~~وإن نفاه حرة كانت أو ms2169 أمة فإن انتفى منه حين ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف ~~منه فإنه يجلد الحد لأنها حرة مسلمة فصار قاذفا لها وإن كان غائبا عن الحمل ~~وقدم ثم ولدته فله أن ينفيه وقال الليث فيمن أقر بحمل امرأته ثم قال بعد ~~ذلك رأيتها تزني لاعن في رؤية ويلزمه الحمل وقال PageV05P140 الشافعي إذا ~~علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم إمكانا بينا فترك اللعان لم يكن له أن ~~ينفيه كالشفعة وقال في القديم إن لم ينفه في يوم أو يومين لم يكن له أن ~~ينفيه قال أبو بكر ليس في كتاب الله عز وجل ذكر نفي الولد إلا أنه قد ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم نفي الولد باللعان إذا قذفها بنفي الولد حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود دقال حدثنا عبدالله بن مسلمة القعنبي عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق ~~الولد بالمرأة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن ~~علي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا وذكر الحديث ~~إلى آخر ذكر اللعان قال ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن ~~لا يدعي ولدها لأب قال أبو بكر وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا نفى ولدها أنه ~~يلاعن ويلزم الولد أمه وينتفي نسبه من أبيه إلا أنهم اختلفوا في وقت نفي ~~الولد على ما ذكرنا وفي خبر ابن عمر الذي ذكرنا في أن رجلا انتفى من ولدها ~~فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم دليل على أن ~~نفي ولد زوجته من قذف لها لولا ذلك لما لاعن بينهما إذ كان اللعان لا يجب ~~إلا بالقذف وأما توقيت نفي الولد فإن طريقه الاجتهاد ms2170 وغالب الظن فإذا مضت ~~مدة قد كان يمكنه فيها نفي الولد وكان منه قبول للتهنئة أو ظهر منه ما يدل ~~على أنه غير ناف له لم يكن له بعد ذلك أن ينفيه عند أبي حنيفة وتحديد الوقت ~~ليس عليه دلالة فلم يثبت واعتبر ما ذكرنا من ظهور الرضا بالولد ونحوه فإن ~~قيل لما لم يكن سكوته في سائر الحقوق رضا بإسقاطها كان كذلك نفي الولد قيل ~~له قد اتفق الجميع على أن السكوت في ذلك إذا مضت مدة من الزمان بمنزلة ~~الرضا بالقول إلا أنهم اختلفوا فيها وأكثر من وقت فيها أربعين يوما وذلك لا ~~دليل عليه وليس اعتبار هذه المدة بأولى من اعتبار ما هو أقل منها وذهب أبو ~~يوسف ومحمد إلى أن الأربعين هي مدة أكثر النفاس وحال النفاس هي حال الولادة ~~فما دامت على حال الولادة قبل نفيه وهذا ليس بشيء لأن نفي الولد لا تعلق له ~~بالنفاس وأما قول مالك أنه إذا رآها حاملا فلم ينتف منه ثم نفاه بعد ~~الولادة فإنه يجلد الحد فإنه قول واه لا وجه له من وجوه أحدها أن الحمل غير ~~متيقن فيعتبر نفيه والثاني أنه ليس بآكد ممن ولدت امرأته ولم يعلم بالحمل ~~فعلم به وسكت زمانا يلزمه الولد وإن نفاه بعد ذلك PageV05P141 لاعن ولم ~~ينتف نسب الولد منه إذ لم تكن صحة اللعان متعلقة بنفي الولد ولم يكن منه ~~إكذاب لنفسه بعد النفي فكيف يجوز أن يجلد وأيضا قوله تعالى @QB@ والذين ~~يرمون أزواجهم @QE@ الآية فأوجب اللعان بعموم الآية على سائر الأزواج فلا ~~يخص منه شيء إلا بدليل ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه من ذلك على وجوب ~~الحد وسقوط اللعان # | باب الرجل يطلق امرأته طلاقا بائنا ثم يقذفها # قال أصحابنا فيمن طلق امرأته ثلاثا ثم قذفها فعليه الحد وكذلك إن ولدت ~~ولدا قبل انقضاء عدتها فنفى ولدها فعليه الحد والولد ولده وقال ابن وهب عن ~~مالك إذا بانت منه ثم أنكر حملها لاعنها إن كان حملها يشبه أن يكون ms2171 منه وإن ~~قذفها بعد الطلاق الثلاث وهي حامل مقر بحملها ثم زعم أنه رآها تزني قبل أن ~~يقاذفها حد ولم يلاعن وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثا لاعنها وقال ~~الليث إذا أنكر حملها بعد البينونة لاعن ولو قذفها بالزنا بعد أن بانت منه ~~وذكر أنه رأى عليها رجلا قبل فراقه إياها جلد الحد ولم يلاعن وقال ابن ~~شبرمة إذا ادعت المرأة حملا في عدتها وأنكر الذي يعتد منه لاعنها وإن كانت ~~في غير عدة جلد وألحق به الولد وقال الشافعي وإن كانت امرأة مغلوبة على ~~عقلها فنفى زوجها ولدها التعن ووقعت الفرقة وانتفى الولد وإن ماتت المرأة ~~قبل اللعان فطالب أبوها وأمها زوجها كان عليه أن يلتعن وإن ماتت ثم قذفها ~~حد ولا لعان إلا أن ينفي به ولدا أو حملا فيلتعن وروى قتادة عن جابر بن زيد ~~عن ابن عباس في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم يقذفها قال يحد ~~وقال ابن عمر يلاعن وروى الشيباني عن الشعبي قال إن طلقها طلاقا بائنا ~~فادعت حملا فانتفى منه يلاعنها إنما فر من اللعان وروى أشعث عن الحسن مثله ~~ولم يذكر الفرار وإن لم تكن حاملا جلد وقال إبراهيم النخعي وعطاء والزهري ~~إذا قذفها بعدما بانت منه جلد الحد قال عطاء والولد ولده قال أبو بكر قال ~~الله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة @QE@ وكان ذلك حكما عاما في قاذف الزوجات والأجنبيات على ما ~~بينا فيما سلف ثم نسخ منه قاذف الزوجات بقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ~~والبائنة ليست بزوجة فعلى الذي كان زوجها الحد إذا قذفها بظاهر قوله والذين ~~يرمون المحصنات ومن أوجب اللعان بعد البينونة وارتفاع الزوجية فقد نسخ من ~~هذه الآية ما لم يرد توقيف بنسخه وغير جائز نسخ PageV05P142 القرآن إلا ~~بتوقيف يوجب العلم ومن جهة أخرى أنه لا مدخل للقياس في إثبات اللعان إذ كان ~~اللعان حدا على ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى ms2172 إثبات ~~الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق وأيضا لم يختلفوا ~~أنه لو قذفها بغير ولد أن عليه الحد ولا لعان فثبت أنه غير داخل في الآية ~~ولا مراد إذ ليس في الآية نفي الولد وإنما فيها ذكر القذف ونفي الولد مأخوذ ~~من السنة ولم ترد السنة بإيجاب اللعان لنفي الولد البينونة فإن قيل إنما ~~يلاعن بينهما لنفي الولد لأن ذلك حق للزوج ولا ينتفي منه إلا باللعان قياسا ~~على حال بقاء الزوجية قيل له هذا استعمال القياس في نسخ حكم الآية وهو قوله ~~والذين يرمون المحصنات فلا يجوز نسخ الآية بالقياس وأيضا لو جاز إيجاب ~~اللعان لنفي الولد مع ارتفاع الزوجية لجاز إيجابه لزوال الحد عن الزوج بعد ~~ارتفاع الزوجية فلما كان لو قذفها بغير ولد حد ولم يجب اللعان ليزول الحد ~~لعدم الزوجية كذلك لا يجب اللعان لنفي الولد مع ارتفاع الزوجية فإن قيل قال ~~الله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء وقال @QB@ وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن @QE@ فحكم تعالى بطلاق النساء ولم يمنع ذلك عندك من طلاقها بعد ~~البينونة ما دامت في العدة فما أنكرت مثله في اللعان قيل له هذا سؤال ساقط ~~من وجوه أحدها أن الله تعالى حين حكم بوقوع الطلاق على نساء المطلق لم ينف ~~بذلك وقوعه على من ليست من نسائه بل ما عدا نسائه فحكمه موقوف على الدليل ~~في وقوع طلاقه أو نفيه وقد قامت الدلالة على وقوعه في العدة وأما اللعان ~~فإنه مخصوص بالزوجات ولأن من عدا الزوجات فالواجب فيهن الحد بقوله والذين ~~يرمون المحصنات فكان موجب هذه الآية نافيا للعان ومن أوجبه وأسقط حكم الآية ~~فقد نسخها بغير توقيف وذلك باطل ولذلك نفيناه إلا مع بقاء الوجية وأيضا فإن ~~الله تعالى من حيث حكم بطلاق النساء فقد حكم بطلاقهن بعد البينونة بقوله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به ثم عطف عليه قوله @QB@ فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ فحكم بوقوع الطلاق بعد ms2173 الفدية لأن الفاء ~~للتعقيب وليس معك آية ولا سنة في إيجاب اللعان بعد البينونة وأيضا فجائز ~~إثبات الطلاق من طريق المقاييس بعد البينونة ولا يجوز إثبات اللعان بعد ~~البينونة من طريق القياس لأنه حد لا مدخل للقياس في إثباته وأيضا فإن ~~اللعان يوجب البينونة ولا يصح إثباتها بعد وقوع البينونة فلا معنى لإيجاب ~~لعان PageV05P143 لا يتعلق به بينونة إذ كان موضوع اللعان لقطع الفراش ~~وإيجاب البينونة فإذا لم يتعلق به ذلك فلا حكم له فجرى اللعان عندنا في هذا ~~الوجه مجرى الكنايات الموضوعة للبينونة فلا يقع بها طلاق بعد ارتفاع ~~الزوجية مثل قوله أنت خلية وبائن وبتة ونحوها فلما لم يجز أن يلحقها حكم ~~هذه الكنايات بعد البينونة وجب أن يكون ذلك حكم اللعان في انتفاء حكمه بعد ~~وقوع الفرقة وارتفاع الزوجية وليس كذلك حكم صريح الطلاق إذ ليس شطره ارتفاع ~~البينونة ألا ترى أن الطلاق تثبت معه الرجعة في العدة ولو طلق الثانية بعد ~~الأولى في العدة لم يكن في الثانية تأثير في بينونة ولا تحريم وإنما أوجب ~~نقصان العدد فلذلك جاز أن يلحقها الطلاق في العدة بعد البينونة لنقصان ~~العدد لا لإيجاب تحريم ولا لبينونة وأيضا فليس يجوز أن يكون وقوع الطلاق ~~أصلا لوجوب اللعان لأن الصغيرة والمجنونة يلحقهما الطلاق ولا لعان بينهما ~~وبين أزواجهما واختلف أهل العلم فيمن قذف امرأته ثم طلقها ثلاثا فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إذا أبانت منه بعد القذف بطلاق أو غيره فلا حد ~~عليه ولا لعان وهو قول الثوري وقال الأوزاعي والليث والشافعي يلاعن وقال ~~الحسن بن صالح إذا قذفها وهي حامل ثم ولدت ولدا قبل أن يلاعنها فماتت لزمه ~~الولد وضرب الحد وإن لاعن الزوج ولم تلتعن المرأة حتى تموت ضرب الحد ~~وتوارثا وإن طلقها وهي حامل وقد قذفها فوضعت حملها قبل أن يلاعنها لم يلاعن ~~وضرب الحد قال أبو بكر قد بينا امتناع وجوب اللعان بعد البينونة ثم لا يخلو ~~إذا لم يجب اللعان من أن لا يجب ms2174 الحد على ما قال أصحابنا أو أن يجب الحد ~~على ما قال الحسن بن صالح وغير جائز إيجاب الحد إذا لم يكن من الزوج إكذاب ~~لنفسه وأينا سقط اللعان عنه من طريق الحكم وصار بمنزلتها لو صدقته على ~~القذف لما سقط اللعان من جهة الحكم لا بإكذاب من الزوج لنفسه لم يجب الحد ~~فإن قيل لو قذفها وهي أجنبية ثم تزوجها لم تنتقل إلى اللعان كذلك إذا قذفها ~~وهي زوجته ثم بانت لم يبطل اللعان قيل حال النكاح قد يجب فيها اللعان وقد ~~يجب فيه الحد ألا ترى أنه لو أكذب نفسه وجب الحد في حال النكاح وغير حال ~~النكاح لا يجب فيه اللعان بحال واختلف أهل العلم في الرجل ينفي حمل امرأته ~~فقال أبو حنيفة إذا قال ليس هذا الحمل مني لم يكن قاذفا لها فإن ولدت بعد ~~يوم لم يلاعن حتى ينفيه بعد الولادة وهو قول زفر وقال أبو يوسف ومحمد إن ~~جاءت به بعد هذا PageV05P144 القول لأقل من ستة أشهر لاعن وقد روي عن أبي ~~يوسف أن يلاعنها قبل الولادة وقال مالك والشافعي يلاعن بالحمل وذكر عنه ~~الربيع أنه يلاعن حتى تلد وإنما يوجبه أبو حنيفة اللعان بنفي الحمل لأن ~~الحمل غير متيقن وجائز أن يكون ريحا أو داء وإذا كان كذلك لم يجز أن نجعله ~~قذفا لأن القذف لا يثبت بالإحتمال ألا نرى أن التعريض المحتمل للقذف ولغيره ~~لا يجوز إيجاب اللعان ولا الحد به فلما كان محتملا أن يكون ما نفاه ولدا ~~واحتمل غيره لم يجز أن يوجب اللعان به قبل الوضع ثم إذا وضعت لأقل من ستة ~~أشهر تيقنا أنه كان حملا في وقت النفي لم يجب اللعان أيضا لأنه يوجب أن ~~يكون القذف معلقا على شرط والقذف لا يجوز أن يعلق على شرط ألا ترى أنه لو ~~قال لها إذا ولدت فأنت زانية لم يكن قاذفا لها بالولادة واحتج من لاعن ~~بالحمل بما روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله عن النبي ms2175 صلى الله ~~عليه وسلم لاعن بالحمل وإنما أصل هذا الحديث ما رواه عيسى بن يونس وجرير ~~جميعا عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أن رجلا قال أرأيتم إن ~~وجد رجلا مع امرأته رجلا فإن هو قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت ~~عن غيظ فأنزلت آية اللعان فابتلي به فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلاعن امرأته فلم يذكر في هذا الحديث الحمل ولا أنه لاعن بالحمل وروى ابن ~~جريج عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن ابن عباس أن رجلا جاء وقال وجدت ~~مع امرأتي رجلا ثم لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال إن جاءت ~~به كذا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال ~~حدثنا ابن أبي عدي قال أنبأنا هشام بن حسان قال حدثني عكرمة عن ابن عباس أن ~~هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك وذكر الحديث إلى قوله ~~أبصروها فإن جاءت به كذا فهو لشريك بن سحماء وكذلك رواه عباد بن منصور عن ~~عكرمة عن ابن عباس فذكر في هذه الأخبار أنه قذفها وأبو حنيفة يوجب اللعان ~~بالقذف وإن كانت حاملا وإنما لا يوجبه إذا نفى الحمل من غير قذف فإن قيل ~~قال الله تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن @QE@ ~~وقد ترد الجارية بعيب الحمل إذا قال النساء هي حبلى وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في دية شبه العمد منها أربعون خلفة في بطونها أولادها قيل له أما ~~نفقة الحامل فلا تجب لأجل الحمل وإنما وجبت للعدة فما لم تنقض عدتها ~~فنفقتها واجبة ألا ترى أن غير الحامل نفقتها واجبة وإنما ذكر الحمل ~~PageV05P145 لأن وضعه تنقضي به العدة وتنقطع به النفقة وأما الرد بالعيب ~~فإنه جائز كونه مع الشبهة كسائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة والحد ms2176 لا ~~يجوز إثباته بالشبهة فلذلك اختلفا وكذلك من يوجب في الدية أربعين خلقة في ~~بطونها أولادها فإنه يوجبها على غالب الظن ومثله لا يجوز إيجاب الحد به ~~وهذا كما يحكم بظاهر وجود الدم أنه حيضة ولا يجوز القطع به حتى يتم ثلاثة ~~أيام وكذلك من كان ظاهر أمرها الحبل لا تكون رؤيتها الدم حيضا فإن تبين بعد ~~أنها لم تكن حاملا كان ذلك الدم حيضا وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة هلال ~~بن أمية إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لشريك بن سحماء فإنه فيما أضافه ~~إلى هلال محمول على حقيقة إثبات النسب منه وهذا يدل على أنه لم ينف الولد ~~منه بلعانه إياها في حال حملها وقوله فهو لشريك بن سحماء لا يجوز أن يكون ~~مراده إلحاق النسب به وإنما أراد أنه من مائه في غالب الرأي لأن الزاني لا ~~يلحق به النسب لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر فإن ~~قيل في حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة ~~هلال بن أمية حين لاعن بينهما أن لا يدعي ولدها لأب قيل له هذا إنما ذكره ~~عباد بن منصور عن عكرمة وهو ضعيف واه لا يشك أهل العلم بالحديث أن في حديث ~~عباد بن منصور هذا أشياء ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مدرجة فيه ~~ولم يذكر ذلك غير عباد بن منصور ويدل على أنه غير جائز نفي النسب ولا إثبات ~~للقذف بالشبهة حديث أبي هريرة قال إن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته فقال له هل لك من إبل قال ~~نعم قال ما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال نعم قال فأنى ترى ذلك ~~جاءها قال عرق نزعها قال فلعل هذا عرق نزعه فلم يرخص له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفيه عنه لبعد شبهه منه ويدل أيضا على أنه ms2177 لا يجوز نفي النسب ~~بالشبهة # فصل وقال أصحابنا إذا نفى نسب ولد زوجته فعليه اللعان وقال الشافعي لا ~~يجب اللعان حتى يقول إنها جاءت به من الزنا قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا ~~لاعن امراته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة فأخبر أنه لاعن ~~بينهما لنفيه الولد فثبت أن نفي ولدها قذف يوجب اللعان PageV05P146 # | أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها # قال أصحابنا شهادتهم جائزة ويقام الحد على المرأة وقال مالك والشافعي ~~يلاعن الزوج ويحد الثلاثة وروي نحو قولهما عن الحسن والشعبي وروي عن ابن ~~عباس إن الزوج يلاعن ويحد الثلاثة قال أبو بكر قال الله تعالى @QB@ واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ ولم يفرق بين كون ~~الزوج فيهم وبين أن يكونوا جميعا أجنبيين وقال @QB@ والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ فإذا قذف الأجنبي ~~امرأة وجاء بأربعة أحدهم الزوج اقتضى الظاهر جواز شهادتهم وسقوط الحد عن ~~القاذف وإيجابه عليها وأيضا لا خلاف أن شهادة الزوج جائزة على امرأته في ~~سائر الحقوق وفي القصاص وفي سائر الحدود من السرقة والقذف والشرب فكذلك يجب ~~أن تكون في الزنا فإن قيل الزوج يجب عليه اللعان إذا قذف امرأته فلا يجوز ~~أن يكون شاهدا قيل له إذا جاء مجيء الشهود مع ثلاثة غيره فليس بقذف ولا ~~لعان عليه وإنما يجب اللعان عليه إذا قذفها ثم لم يأت بأربعة شهداء ~~كالأجنبي إذا قذف وجب عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا ولو ~~جاء مع ثلاثة فشهدوا بالزنا لم يكن قاذفا وكان شاهدا فكذلك الزوج # | في إباء أحد الزوجين اللعان # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد أيهما نكل عن اللعان حبس حتى يلاعن ~~وقال مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي أيهما نكل ms2178 حد إن نكل الرجل حد ~~للقذف وإن نكلت هي حدت للزنا وروى معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن في الرجل ~~يلاعن وتأبى المرأة قال تحبس وعن مكحول والضحاك والشعبي إذا لاعن وأبت أن ~~تلاعن رجمت قال أبو بكر قال الله تعالى واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم وقال ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ائتني بأربعة ~~شهداء وإلا فحد في ظهرك ورد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية كل ~~واحد منهما حتى أقر أربع مرات بالزنا ثم رجمهما فثبت أنه لا يجوز إيجاب ~~الحد عليها بترك اللعان لأنه ليس ببينة ولا إقرار وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى PageV05P147 ثلاث زنا بعد إحصان وكفر ~~بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس فنفى وجوب القتل إلا بما ذكر والنكول عن ~~اللعان خارج عن ذلك فلا يجب رجمها وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب ~~الجلد في غير المحصن لأن أحدا لم يفرق بينهما فإن قيل امرئ مسلم إنما ~~يتناول الرجل دون المرأة قيل له ليس كذلك لأنه لا خلاف أن المرأة مرادة ~~بذلك وإن هذا الحكم عام فيهما جميعا وأيضا فإن ذلك للجنس كقوله إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وقوله يوم يفر المرء من أخيه وأيضا لا خلاف أن الدم لا يستحق ~~بالنكول في سائر الدعاوى وكذلك سائر الحدود فكان في اللعان أولى أن لا ~~يستحق فإن قيل لما قال تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهو يعني حد ~~الزنا ثم قال @QB@ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله @QE@ فعرفه ~~بالألف واللام علمنا أن المراد هو العذاب المذكور في قوله وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين قيل له ليست هذه قصة واحدة ولا حكما واحدا حتى يلزمه فيه ~~ما قلت لأن أول السورة إنما هي في بيان حكم الزانيين ثم حكم القاذف وقد كان ms2179 ~~ذلك حكما ثابتا في قاذف الزوجات والأجنبيات جاريا على عمومه إلى أن نسخ عن ~~قاذف الزوجات باللعان وليس في ذكره العذاب وهو يريد به حد الزنا في موضع ثم ~~ذكر العذاب بالألف واللام في غيره ما يوجبه أن العذاب المذكور في لعان ~~الزوجين هو المذكور في الزانيين إذ ليس يختص العذاب بالحد دون غيره وقد قال ~~الله تعالى إلا أن يسجن أو عذاب أليم ولم يرد به الحد وقال لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه ولم يرد الحد وقال ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ولم ~~يرد به الحد وقال عبيد بن الأبرص % والمرء ما عاش في تكذيب % طول الحياة له ~~تعذيب % # | وقال النبي صلى الله عليه وسلم السفر قطعة من العذاب فإذا كان اسم ~~العذاب لا يختص بنوع من الإيلام دون غير ومعلوم أنه لم يرد به جميع سائر ~~ضروب العذاب عليه لم يخل اللفظ من أحد معنيين إما أن يريد به الجنس فيكون ~~على أدنى ما يسمى عذابا أي ضرب منه كان أو مجملا مفتقرا إلى البيان إذ غير ~~جائز أن يكون المراد معهودا لأن المعهود هو ما تقدم ذكره في الخطاب فيرجع ~~الكلام إليه إذ كان معناه متقررا عند المخاطبين وأن المراد عوده إليه فلما ~~لم يكن في ذكر قذف الزوج وإيجاب اللعان ما يوجب استحقاق الحد على المرأة لم ~~يجز أن يكون هو المراد بالعذاب وإذا كان ذلك كذلك وكانت الأيمان قد تكون ~~حقا للمدعي PageV05P148 حتى يحبس من أجل النكول عنها وهي القسامة متى نكلوا ~~عن الأيمان فيها حبسوا كذلك حبس الناكل عن اللعان أولى من إيجاب الحد عليه ~~لأنه ليس في الأصول إيجاب الحد بالنكول وفيها إيجاب الحبس به وأيضا فإن ~~النكول ينقسم إلى أحد معنيين إما بدل لما استحلف عليه وإما قائم مقام ~~الإقرار وبدل الحدود لا يصح وما قام مقام الغير لا يجوز إيجاب الحد به ~~كالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء مع الرجال ~~وأيضا فإن النكول لما لم يكن صريح ms2180 الإقرار لم يجز إثبات الحد به كالتعريض ~~وكاللفظ المحتمل للزنا ولغيره فلا يجب به الحد على المقر ولا على القاذف ~~فإن قيل في حديث ابن عباس وغيره في قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما لاعن بينهما وعظ المرأة وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون ~~من عذاب الآخرة وكذلك الرجل ومعلوم أنه أراد بعذاب الدنيا حد الزنا أو ~~القذف قيل له هذا غلط لأنه لا يخلو من أن يكون مراده بعذاب الدنيا الحبس أو ~~الحد إذا أقر فإن كان المراد الحبس فهو عند النكول وإن أراد الحد فهو عند ~~إقرارها بما يوجب الحد وإكذاب الزوج لنفسه فلا دلالة له فيه على أن النكول ~~يوجب الحد دون الحبس فإن قيل إنما يجب عليها الحد بالنكول وأيمان الزوج ~~وكذلك يجب عليه بنكوله وأيمان المرأة قيل له النكول والأيمان لا يجوز أن ~~يستحق به الحد ألا ترى أن من ادعى على رجل قذفا أنه لا يستحلف ولا يستحق ~~المدعي الحد بنكول المدعى عليه ولا بيمينه وكذلك سائر الحدود ولا يستحلف ~~فيها ولا يحكم فيها بالنكول ولا يرد اليمين # باب تصادق الزوجين أن الولد ليس منه $ # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي لا ينفى الولد منه إلا ~~باللعان وقال أصحابنا تصديقها إياه بأن ولدها من الزنا يبطل اللعان فلا ~~ينتفي النسب منه أبدا وقال مالك والليث إذا تصادق الزوجان على أنها ولدته ~~وأنه ليس منه لم يلزمه الولد وتحد المرأة وذكر ابن القاسم عن مالك قال لو ~~شهد أربعة على امرأة انها زنت منذ أربعة أشهر وهي حامل وقد غاب زوجها منذ ~~أربعة أشهر فأخرها الإمام حتى وضعت ثم رجمها فقدم زوجها بعد ما رجمت فانتفى ~~من ولده وقال قد كنت استبرأتها فإنه يلتعن وينتفي به الولد عن نفسه ولا ~~ينفيه ههنا إلا اللعان قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر وظاهره يقتضي أن لا ينتفي أبدا عن صاحب الفراش غير ~~أنه ms2181 لما وردت السنة في إلحاق PageV05P149 الولد بالأم وقطع نسبه من الأب ~~باللعان واستعمل ذلك فقهاء الأمصار سلمنا بذلك وما عدا ذلك مما لم ترد به ~~سنة فهو لازم للزوج بظاهر قوله الولد للفراش وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا مهدي بن ميمون أبو يحيى قال ~~حدثنا محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عن رباح قال زوجني أهل أمة لهم رومية فوقعت عليها فولدت لي غلاما ~~أسود مثلي فسميته عبدالله ثم طبن لها غلام من أهلي رومي يقال له يوحنه ~~فراطنها بلسانه فولدت غلاما كأنه وزغة من الوزغات فقلت لها ما هذا فقالت ~~هذا ليوحنه فرفعنا إلى عثمان قال فسألهما فاعترفا فقال لهما أترضيان أن ~~أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى إن الولد للفراش فجلدها وجلده وكانا مملوكين # | باب الفرقة باللعان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى ~~يفرق الحاكم وقال مالك وزفر بن الهذيل والليث إذا فرغا من اللعان وقعت ~~الفرقة وإن لم يفرق بينهما الحاكم وعن الثوري والأوزاعي لا تقع الفرقة ~~بلعان الزوج وحده وقال عثمان البتي لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تنقص شيئا ~~وأحب إلي أن يطلق وقال الشافعي إذا أكمل الزوج الشهادة والإلتعان فقد زال ~~فراش امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن قال أبو بكر أما قول عثمان ~~البتي في أنه لا يفرق بينهما فإنه قول تفرد به ولا نعلم أحدا قال به غيره ~~وكذلك قول الشافعي في إيقاعه الفرقة بلعان الزوج خارج عن أقاويل سائر ~~الفقهاء وليس له فيه سلف والدليل على أن فرقة اللعان لا تقع إلا بتفريق ~~الحاكم ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك ~~عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر ms2182 العجلاني أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغنا قال عويمر كذبت عليها يا رسول ~~الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين وفي هذا الخبر دلالة على ~~أن اللعان لم يوجب الفرقة لقوله كذبت عليها إن أمسكتها وذلك لأن ~~PageV05P150 فيه إخبارا منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من ~~النكاح إذ لو كانت الفرقة قد وقعت قبل ذلك لاستحال قوله كذبت عليها إن ~~أمسكتها وهو غير ممسك لها فلما أخبر بعد اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنه ممسك لها ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن ~~الفرقة لم تقع بنفس اللعان إذ غير جائز أن يقار النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحدا على الكذب ولا على استباحة نكاح قد بطل فثبت أن الفرقة لم تقع بنفس ~~اللعان ويدل عليه أيضا ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن ~~إبراهيم بن ملحان قال حدثنا ايحيى بن عبدالله بن بكير قال حدثنا الليث عن ~~يزيد بن أبي حبيب أن ابن شهاب كتب يذكر عن سهل بن سعد أنه أخبره أن عويمرا ~~قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت عند أهلي رجلا أأقتله قال ائت بامرأتك فإنه ~~قد نزل فيكما فجاء بها فلاعنها ثم قال إني قد افتريت عليها إن لم أفارقها ~~فأخبر في هذا الحديث إنه لم يكن فارقها باللعان وأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما طلقها ثلاثا بعد اللعان ولم ينكره صلى الله عليه وسلم دل ذلك على ~~أن الطلاق قد وقع موقعه وعلى قول الشافعي إنها قد ms2183 بانت منه بلعان الزوج ولا ~~يلحقها طلاقه بعد البينونة فقد خالف الخبر من هذا الوجه أيضا وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن ~~وهب عن عياض بن عبدالله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذا ~~الخبر أعني قصة عويمر قال فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال سهل حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة ~~بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا فأخبر في هذا الحديث ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق العجلاني بعد اللعان ويدل عليه أيضا ~~قول ابن شهاب فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولو كانت الفرقة ~~واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها ويدل عليه أيضا ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ووهب بن بيان وغيرهما قالوا حدثنا سفيان ~~عن الزهري عن سهل بن سعد قال مسدد قال شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بينهما حين تلاعنا فقال الرجل كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ~~فأخبر في هذا الحديث ايضا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما بعد ~~اللعان وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال ~~حدثنا إسماعيل قال حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عمر رجل قذف ~~امرأته قال فرق رسول PageV05P151 الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني ~~العجلان فقال والله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب يرددها ثلاث مرات ~~فأبيا ففرق بينهما فنص في هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما بعد اللعان ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي ms2184 عن مالك عن نافع ~~عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد ~~بالمرأة وهذا أيضا فيه نص على أن التفريق كان بفعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأيضا لو كانت الفرقة واقعة بلعان الزوج لبينها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما وقع بها من التحريم وتعلق بها من الأحكام فلما لم يخبر عليه ~~السلام بوقوع الفرقة بلعان الزوج ثبت أنها لم تقع وأيضا قول الشافعي خلاف ~~الآية لأن الله تعالى قال @QB@ والذين يرمون أزواجهم @QE@ ثم قال فشهادة ~~أحدهم ثم قال ويدرؤ عنها العذاب وهو يعني الزوجة فلو وقعت الفرقة بلعان ~~الزوج للاعنت وهي أجنبية وذلك خلاف ظاهر الآية لأن الله تعالى إنما أوجب ~~اللعان بين الزوجين وأيضا لا خلاف أن الزوج إذا قذف امرأته بغير ولد بعد ~~البينونة أو قذفها ثم أبانها أنه لا يلاعن فلما لم يجز أن يلاعن وهو أجنبي ~~كذلك لا يجوز أن يلاعن وهي أجنبية لأن اللعان في هذه الحال إنما هو لقطع ~~الفراش ولا فراش بعد البينونة فامتنع لعانها وهي غير زوجة فإن قيل في ~~الأخبار التي فيها ذكر تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين إنما ~~معناه إن الفرقة وقعت باللعان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل ~~له بقوله لا سبيل عليها قيل له هذا صرف الكلام عن حقيقته ومعناه لأن قوله ~~لا تحل لك لا سبيل لك عليها إن لم تقع به فرقة فليس بتفريق من النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهما وإنما هو إخبار بالحكم والمخبر بالحكم لا يكون مفرقا ~~بينهما فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتلاعنان لا ~~يجتمعان أبدا وذلك إخبار منه بوقوع الفرقة لأن النكاح لو كان باقيا إلى أن ~~يفرق لكانا مجتمعين قيل له هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~روي عن عمر ms2185 وعلي قال يفرق بينهما ولا يجتمعان فإنما مراده أنهما إذا فرق ~~بينهما لا يجتمعان ما داما على حال التلاعن فينبغي أن تثبت الفرقة حتى يحكم ~~بأنهما لا يجتمعان ولو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه ما وصفنا ~~وأيضا يضم إليه ما قدمنا من الأخبار الدالة على بقاء النكاح بعد اللعان وأن ~~الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم فإذا جمعنا بينهما وبين الخبر تضمن أن يكون ~~معناه المتلاعنان لا يجتمعان بعد التفريق ويدل على ما ذكرنا أن اللعان ~~شهادة لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم فأشبه PageV05P152 الشهادة التي لا ~~يثبت حكمها إلا عند الحاكم فواجب على هذا أن لا تقع موجبة للفرقة إلا بحكم ~~الحاكم فإن قيل الأيمان على الدعاوي لا يثبت بها حكم إلا عند الحاكم ومتى ~~استحلف الحاكم رجلا برئ من الخصومة ولا يحتاج إلى استئناف حكم آخر في ~~براءته منها وهذا يوجب انتقاض اعتلالك بما ذكرت قيل له هذا لا يلزم على ما ~~ذكرنا وذلك لأنا قلنا اللعان شهادة تتعلق صحتها بالحاكم كالشهادات على ~~الحقوق وليست الأيمان على الحقوق شهادات بذلك على هذا أن اللعان لا يصح إلا ~~بلفظ الشهادات كالشهادات على الحقوق وليس كذلك الإستحلاف على الدعاوى وأيضا ~~فإن اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ببينته فلما لم يجز أن ~~يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم الحاكم وجب حكمه في استحقاق المرأة نفسها ~~باللعان وأما الإستحلاف على الحقوق فإنه لا يستحق به شيء وإنما تقطع ~~الخصومة في الحال ويبقى المدعى عليه على ما كان عليه من براءة الذمة فكانت ~~فرقة اللعان بالشهادات على الحقوق أشبه منها بالإستحلاف عليها وأيضا لما ~~كان اللعان سببا للفرقة متعلقا بحكم الحاكم أشبه تأجيل العنين في كونه سببا ~~للفرقة في تعلقه بحكم الحاكم فلما لم تقع الفرقة بعد التأجيل بمضي المدة ~~دون تفريق الحاكم وجب مثله في فرقة اللعان لما وصفنا وأيضا لما لم يكن ~~اللعان كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها وجب أن لا تقع به الفرقة ms2186 كسائر ~~الألفاظ التي ليست كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها فإن قيل الإيلاء ليس ~~بكناية عن الطلاق ولا صريح وقد أوقعت به الفرقة عند مضي المدة قيل له إن ~~الإيلاء يصح أن يكون كناية عن الطلاق إلا أنه أضعف من سائر الكنايات فلا ~~تقع الفرقة فيه بنفس الإيلاء إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو ترك الجماع في ~~المدة ألا ترى أن قوله والله لا أقربك قد يدل على التحريم إذ كان التحريم ~~يمنع القرب وأما اللعان فليس يصح أن يكون دالا على التحريم بحال لأن أكثر ~~ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه فلا يوجب ذلك تحريما ألا ترى أنه لو ~~قامت البينة عليها بالزنا لم يوجب ذلك تحريما وإن كان كاذبا والمرأة صادقة ~~فذلك أبعد فثبت بذلك أنه لا دلالة فيه على التحريم قال فلذلك لم يجز وقوع ~~الفرقة دون إحداث تفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم وأيضا أنه لما ~~لم يصح ابتداء اللعان إلا بحكم الحاكم كان كذلك ما تعلق به من الفرقة ولما ~~صح ابتداء الإيلاء من غير حاكم لم يحتج في وقوع الفرقة إلى حكم الحاكم فإن ~~قيل لما اتفقنا على أنهما لو تراضيا PageV05P153 على البقاء في النكاح لم ~~يخليا وذلك وفرق بينهما دل ذلك على أن اللعان قد أوجب الفرقة فواجب أن تقع ~~الفرقة فيه بنفس اللعان دون سبب آخر غيره قيل له هذا منتقض على أصل الشافعي ~~لأنه يزعم أن ارتداد المرأة لا يوجب الفرقة إلا بحدوث سبب آخر وهو مضي ثلاث ~~حيض فإذا مضت ثلاثة حيض وقعت الفرقة ولو تراضيا على البقاء على النكاح لم ~~يخليا وذلك ولم توجب الردة بنفسها الفرقة دون حدوث معنى آخر وعندنا لو ~~تزوجت امرأة زوجا غير كفء وطالب الأولياء بالفرقة لم يعمل تراضى الزوجين في ~~تبقية النكاح ولم يوجب ذلك وقوع الفرقة بخصومة الأولياء حتى يفرق الحاكم ~~فهذا الإستدلال فاسد على أصل الجميع وأيضا فإنك لم ترده إلى أصل وإنما حصلت ~~على دعوى ms2187 عارية من البرهان وأيضا جائز عندنا البقاء على النكاح بعد اللعان ~~لأنه لو أكذب نفسه قبل الفرقة لجلد الحد ولم يفرق بينهما فإن قيل هو مثل ~~الطلاق الثلاث والرضاع ونحوهما من الأسباب الموجبة للفرقة بأنفسها لا يحتاج ~~في صحة وقوعها إلى حكم الحاكم واللعان ليس بسبب موجب للفرقة بنفسه لأنه لو ~~كان كذلك وجب أن تقع به الفرقة إذا تلاعنا عند غير الحاكم وأيضا ليس كل سبب ~~يتعلق به فسخ يوجبه بنفسه من الأسباب ما يوجب ذلك بنفسه ومنها مالا يوجبه ~~إلا بحدوث معنى آخر ألا ترى أن بيع نصيب من الدار يوجب الشفعة للشريك ولا ~~ينتقل إليه بنفس الطلب والخصومة دون أن يحكم بها الحاكم وكذلك الرد بالعيب ~~بعد القبض وخيار الصغير إذا بلغ ونحو ذلك هذه كلها أسباب يتعلق بها فسخ ~~العقود ثم لا يقع الفسخ بوجودها حسب دون حكم الحاكم به فهو على من يوجب ~~الفرقة باللعان دون تفريق الحاكم وأما عثمان البتي فإنه ذهب في قوله إن ~~اللعان لا يوجب الفرقة بحال لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة ولو ~~تلاعنا في بيتهما لم يوجب فرقة فكذلك عند الحاكم ولأن اللعان في الأزواج ~~قائم مقام الحد على قاذف الأجنبيات ولو حد الزوج في قذفه إياها بأن أكذب ~~نفسه أو كان عبدا لم يوجب ذلك فرقة وكذلك إذا لاعن وذهب في تفريق النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين المتلاعنين أن ذلك إنما كان في قصة العجلاني وكان طلقها ~~ثلاثا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما وروى ابن شهاب أن سهل بن سعد قال فطلقها ~~العجلاني ثلاث تطليقات بعد فراغهما من اللعان فأنفذه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحديث ابن عمر أيضا إنما هو في قصة العجلاني قال أبو بكر في ~~PageV05P154 حديث سهل بن سعد أنه قال فحضرت هذا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعني قصة العجلاني فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم ~~لا يجتمعان أبدا فأخبر سهل وهو راوي هذه القصة أن ms2188 السنة مضت بالتفريق وإن ~~لم يطلق الزوج وفي حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرق بينهما قال أبو بكر وهلال لم يطلق امرأته فثبت أن ~~التفريق بينهما بعد اللعان واجب وأيضا في حديث ابن عمر وغيره في قصة ~~العجلاني أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وجائز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم فرق بينهما ثم طلقها هو ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفيه أنه قال لا سبيل لك عليها # | باب نكاح الملاعن للملاعنة # قال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب الملاعن نفسه وجلد الحد أو جلد حد القذف في ~~غير ذلك وصارت المرأة بحال لا يجب بينهما وبين زوجها إذا قذفها لعان فله أن ~~يتزوجها وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي وسعيد بن جبير ~~وقال أبو يوسف والشافعي لا يجتمعان أبدا وروي عن علي وعمر وابن مسعود مثل ~~ذلك وهذا محمول عندنا على أنهما لا يجتمعان ما داما على حال التلاعن وروي ~~عن سعيد بن جبير أن فرقة اللعان لا تبينها منه وأنه إذا أكذب نفسه في العدة ~~ردت إليه امرأته وهو قول شاذ لم يقل به أحد غيره وقد مضت السنة ببطلانه حين ~~فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين والفرقة لا تكون إلا مع ~~البينونة ويحتج للقول الأول بعموم الآي المبيحة لعقود المناكحات نحو قوله ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم وقوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وقوله ~~@QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ ومن جهة النظر أنا قد بينا أن هذه الفرقة ~~متعلقة بحكم الحاكم وكل فرقة تعلقت بحكم الحاكم فإنها لا توجب تحريما مؤبدا ~~والدليل على ذلك أن سائر الفرق التي تتعلق بحكم الحاكم لا يوجب تحريما ~~مؤبدا مثل فرقة العنين وخيار الصغيرين وفرقة الإيلاء عند مخالفنا وكذلك ~~سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم في الأصول هذه سبيلها فإن قيل سائر الفرق ~~التي ذكرت لا يمنع التزويج في الحال وإن تعلقت ms2189 بحكم الحاكم وهذه الفرقة ~~تحظر تزويجها في الحال عند الجميع فكما جاز أن يفارق سائر الفرق المتعلقة ~~بحكم الحاكم من هذا الوجه جاز أن يخالفها في إيجابها التحريم مؤبدا قبل له ~~من الفرق المتعلقة بحكم الحاكم ما يمنع التزويج في الحال ولا توجب مع ذلك ~~تحريما مؤبدا مثل فرقة العنين PageV05P155 إذا لم تكن نفي من طلاقها إلا ~~واحدة قد أوجبت تحريما حاظرا لعقد النكاح في الحال ولم توجب مع ذلك تحريما ~~مؤبدا وكذلك الزوج الذمي إذا أبى الإسلام وقد أسلمت امرأته فقرق الحاكم ~~بينهما منع ذلك من نكاحها بعد الفرقة ولا توجب تحريما مؤبدا فلم يجب من حيث ~~حظرنا تزويجها بعد الفرقة أن توجب به تحريما مؤبدا وأيضا لو كان اللعان ~~يوجب تحريما مؤبدا لوجب أن يوجبه إذا تلاعنا عند غير الحاكم لأنا وجدنا ~~سائر الأسباب الموجبة للتحريم المؤبد فإنها توجبه بوجودها غير مفتقرة فيه ~~إلى حاكم مثل عقد النكاح الموجب لتحريم الأم والوطء الموجب للتحريم والرضاع ~~والنسب كل هذه الأسباب لما تعلق بها تحريم مؤبد لم تفتقر إلى كونها عند ~~الحاكم فلما لم يتعلق تحريم اللعان إلا بحكم الحاكم وهو أن يتلاعنا بأمره ~~بحضرته ثبت أنه لا يوجب تحريما مؤبدا وأيضا لو أكذب نفسه قبل الفرقة بعد ~~اللعان لجلد الحد ولم يفرق بينهما وأبو يوسف لا يخالفنا في ذلك لزوال حال ~~التلاعن وبطلان حكمه بالحد الواقع به وجب مثله بعد الفرقة لزوال المعنى ~~الذي من أجله وجبت الفرقة وهو حكم اللعان فإن قيل لو كان كذلك لوجب أنه إذا ~~أكذب نفسه بعد الفرقة وجلد الحد أن يعود النكاح وتبطل الفرقة لزوال المعنى ~~الموجب لها كما لا يفرق بينهما إذا أكذب نفسه بعد اللعان قبل الفرقة قيل له ~~لا يجب ذلك لأنا إنما جعلنا زوال حكم اللعان علة لارتفاع التحريم الذي تعلق ~~به لا لبقاء النكاح ولا لعود النكاح فعلى أي وجه بطل لم يعد إلا بعقد ~~مستقبل إلا أن الفرقة قد تعلق بها تحريم غير البينونة وذلك التحريم إنما ms2190 ~~يرتفع بارتفاع حكم اللعان كما أن الطلاق الثلاث توجب البينونة وتوجب أيضا ~~مع ذلك تحريما لا يزول إلا بزوج ثان يدخل بها فإذا دخل بها الزوج الثاني ~~ارتفع التحريم الذي أوجبه الطلاق الثلاث ولم يعد نكاح الزوج الأول إلا بعد ~~فراق الزوج الثاني وانقضاء العدة وإيقاع عقد مستقبل ودليل آخر وهو أن ~~التحريم الواقع بالفرقة لما كان متعلقا بحكم اللعان وجب أن يرتفع بزوال ~~حكمه والدليل على ارتفاع حكم اللعان إذا أكذب نفسه وجلد الحد أنه معلوم ان ~~اللعان حد على ما بينا فيما سلف بمنزلة الجلد في قاذف الأجنبيات وممتنع أن ~~يجتمع عليه حدان في قذف واحد فإيقاع الجلد لذلك القذف مخرج للعان من أن ~~يكون حدا ومزيل لحكمه في إيجاب التحريم لزوال السبب الموجب له فإن قيل فهذا ~~الذي ذكرت يبطل حكم اللعان لامتناع PageV05P156 اجتماع الحدين عليه بقذف ~~واحد فواجب إذا جلد الزوج حدا في قذفه لغيرها أن لا يبطل حكم اللعان فيما ~~بينهما فلا يتزوج بها قيل له إذا صار محدودا في قذفه فقد خرج من أن يكون من ~~أهل اللعان ألا ترى أنه لو قذف امرأة له أخرى لم يلاعن وكان عليه الحد ~~عندنا فالعلة التي ذكرنا في إكذابه نفسه فيما لاعن عليه امرأته وإن كانت ~~غير موجودة في هذه فجائز قياسها عليها بمعنى آخر وهو خروجه من أن يكون من ~~أهل اللعان فإن احتجوا بما روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد في ~~قصة المتلاعنين قال الزهري فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا ~~يجتمعان أبدا وبما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن ~~عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبدالله الفهري وغيره عن ابن ~~شهاب عن سهل بن سعد في هذه القصة قال فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال سهل ms2191 حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا وبحديث ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبيل لك عليها فإنها لو كانت ~~تحل له بحال لبين كما بين الله تعالى حكم المطلقة ثلاثا في إباحتها بعد زوج ~~غيره قيل له أما حديث الزهري الأول فإنه قول الزهري وقوله مضت السنة ليس ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سنها ولا أنه حكم بها وأما قول سهل بن سعد ~~فمضت السنة من بعد في المتلاعنين أنهما لا يجتمعان أبدا ليس فيه أيضا أن ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت بذلك والسنة قد تكون من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد تكون من غيره فلا حجة في هذا وأيضا فإنه قال في المتلاعنين ~~وهذا يصفه حكم يتعلق به وهو بقاؤهما على حكم التلاعن وكونهما من أهل اللعان ~~فمتى زالت الصفة بخروجهما من أن يكونا من أهل اللعان زال الحكم كقوله تعالى ~~ما على المحسنين من سبيل وقوله @QB@ لا ينال عهدي الظالمين @QE@ ونحو ذلك ~~من الأحكام المعلقة بالصفات ومتى زالت الصفة زال الحكم فإن قيل قد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتلاعنان لا يجتمعان أبدا قيل له ما ~~نعلم أحدا روى ذلك بهذا اللفظ وإنما روي ما ذكرنا في حديث سهل بن سعد وهو ~~أصل الحديث فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوي من حديث سهل وظن أن هذه ~~العبارة مبينة عما في حديث سهل ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يفد نفي النكاح بعد زوال حكم اللعان على النحو الذي بينا وأما قوله لا سبيل ~~لك عليها فإنه يفيد تحريم النكاح وإنما هو إخبار بوقوع PageV05P157 الفرقة ~~لأنه لا يصح إطلاق القول بأه لا سبيل لأحد على الأجنبيات ولا يفيد ذلك ~~تحريم العقد فإن قيل قوله لا سبيل لك عليها ينفي جواز العقد إذ كان جوازه ~~يوجب أن ms2192 يكون له عليها سبيل قيل له ليس كذلك لأنا قد نقول لا سبيل لك على ~~الأجنبية ولا نريد به أنه لا يجوز له تزويجها فيصير لك عليها سبيل بالتزويج ~~وإنما نريد أنه لا يملك بضعها في الحال فإذا تزوجها فإنما صار له عليها ~~سبيل برضاها وعقدها ألا ترى أن قوله @QB@ ما على المحسنين من سبيل @QE@ لم ~~يمنع أن يصير عليهم سبيل في العقود المقتضية لإثبات الحقوق والسبيل عليه ~~برضاه فكذلك قوله لا سبيل لك عليها إنما أفاد أنه لا سبيل لك عليها إلا ~~برضاها # فصل قال أبو بكر واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان وقد ~~ذكرنا حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب ~~باللعان نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكي عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ~~ينتفي نسبه باللعان واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش والذي قال ~~الولد للفراش هو الذي حكم بقطع النسب من الزوج باللعان وليست الأخبار ~~المروية في ذلك بدون ما روي في أن الولد للفراش فثبت أن معنى قوله الولد ~~للفراش أنه لم ينتف باللعان وأيضا فلما بطل ما كان أهل الجاهلية عليه من ~~استلحاق النسب بالزنا كما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~أحمد بن صالح قال حدثنا عنبسة بن خالد قال حدثني يونس بن يزيد قال قال محمد ~~بن مسلم بن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء ~~فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها ~~ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان ~~فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل ~~الذي يستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها وجها إن أحب وإنما يفعل ذلك رغبة ~~في نجابة الولد فكان هذا النكاح ms2193 يسمى نكاح الاستبضاع ونكاح آخر يجتمع الرهط ~~دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد ~~أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع الرجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ~~فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان فتسمي من ~~أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها ونكاح PageV05P158 رابع يجتمع الناس الكثير ~~فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا كن ينصبن رايات على ~~أبوابهن يكن علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ~~ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتقطه ودعاه ابنه لا يمتنع ~~من ذلك فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم هدم نكاح أهل ~~الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم ~~الولد للفراش أن الأنساب قد كانت تلحق بالنطف في الجاهلية بغير فراش ~~فألحقها النبي صلى الله عليه وسلم بالفراش وكذلك ما روي في قصة زمعة حين ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر فلم يلحقه ~~بالزاني وقال هو للفراش إخبارا منه أنه لا ولد للزاني ورده إلى عبد إذ كان ~~ابن أمة أبيه ثم قال لسودة احتجبي منه إذ كان سببها بالمدعى له لأنه في ~~ظاهره من ماء أخي سعد وهذا يدل على أنه لم يقض في نسبه بشيء ولو كان قضى ~~بالنسب لما أمرها بالإحتجاب بل كان أمرها بصلته ونهاها عن الإحتجاب عنه كما ~~نهى عائشة عن الإحتجاب عن عمها من الرضاعة وهو أفلح أخو أبي القعيس ويدل ~~على أنه لم يقض في نسبه بشيء ما رواه سفيان الثوري وجرير عن منصور عن مجاهد ~~عن يوسف بن الزبير عن عبدالله بن الزبير قال كانت لزمعة جارية تبطنها وكانت ~~تظن برجل آخر فمات زمعة وهي حبلى فولدت غلاما كان يشبه الرجل الذي يظن بها ~~فذكرته سودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما الميراث له وأما أنت ~~فاحتجبي منه ms2194 فإنه ليس لك بأخ فصرح في هذا الخبر بنفي نسبه من زمعة وإعطاء ~~الميراث بإقرار عبد أنه أخوه وقد روي هذا الحديث على غير هذا الوجه وهو ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن منصور ومسدد بن مسرهد ~~قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت اختصم سعد بن أبي وقاص ~~وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة فقال سعد ~~أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابنه ~~وقال عبد بن زمعة أخي ابن أمة أبي ولد على فراش أبي فرأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة فقال الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة زاد ~~مسدد فقال هو أخوك يا عبد قال أبو بكر الصحيح ما رواه سعيد بن منصور ~~والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحدا وافقه عليها وقد روي في بعض الالفاظ ~~أنه قال هو لك يا عبد ولا يدل ذلك على أنه أثبت النسب لأنه جائز أن يريد به ~~إثبات اليد له إذ كان من يستحق يدا في شيء جاز أن يضاف إليه فيقال هو له ~~وقد قال عبدالله بن رواحة PageV05P159 لليهود حين خرص عليهم تمر خيبر إن ~~شئتم فلكم وإن شئتم فلي ولم يرد به الملك ومعلوم أيضا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يرد بقوله هو لك يا عبد إثبات الملك فادعى خصمنا أنه أراد ~~إثبات النسب وذلك لا يوجب إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه لأن قوله ~~هو لك إضافة الملك والأخ ليس بملك فإذ لم يرد به الحقيقة فليس حمله على ~~إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد ويحتمل لو صحت الرواية أنه قال ~~هو أخوك أن يريد به أخوة الدين وأنه ليس بعبد لإقراره بأنه حر ويحتمل أن ~~يكون أصل الحديث ما ذكر بعض الرواة أنه قال هو لك وظن الراوي أن معناه أنه ~~أخوه ms2195 في النسب فحمله على المعنى عنده في خبر سفيان وجرير الذي يرويه ~~عبدالله بن الزبير أنه قال ليس لك بأخ وهذا لا احتمال فيه فوجب حمل خبر ~~الزهري الذي روينا على الوجوه التي ذكرنا قال أبو بكر وقوله الولد للفراش ~~قد اقتضى معنيين أحدهما إثبات النسب لصاحب الفراش والثاني أن من لا فراش له ~~فلا نسب له لأن قوله الولد اسم للجنس وكذلك قوله الفراش للجنس لدخول الألف ~~واللام عليه فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر فكأنه قال لا ولد إلا ~~للفراش وفيما حكم الله تعالى به من آية اللعان دلالة على أن الزنا والقذف ~~ليسا بكفر من فاعلهما لأنهما لو كانا كفرا لوجب أن يكون أحد الزوجين مرتدا ~~لأنه إن كان الزوج كاذبا في قذفها فواجب أن يكون كافرا وإن كان صادقا فواجب ~~أن تكون المرأة كافرة بزناها وكان يجب أن تبين منه امرأته قبل اللعان فلما ~~حكم الله تعالى فيهما باللعان ولم يحكم ببينونتها منه قبل اللعان ثبت أن ~~الزنا والقذف ليسا بكفر ودل على بطلان مذهب الخوارج في قولهم إن ذلك كفر ~~وتدل الآية أيضا على أن القاذف مستحق للعن من الله تعالى إذا كان في قذفه ~~كاذبا وأن الزنا يستحق به الغضب من الله لولا ذلك لما جاز أن يأمرهما الله ~~بذلك إذ غير جائز أن يأمرا بأن يدعوا على أنفسهما بما لا يستحقانه ألا ترى ~~أنه لا يجوز أن يدعو على نفسه بأن يظلمه الله ويعاقبه بما لا يستحقه وقوله ~~تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم @QE@ نزلت في الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها فأخبر الله أن ذلك كذب ~~والإفك هو الكذب ونال النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وجماعة من ~~المسلمين غم شديد وأذى وحزن فصبروا على ذلك فكان ذلك خيرا لهم ولم يكن ~~صبرهم واغتمامهم بذلك شرا لهم بل كان خيرا لهم لما نالوا به من الثواب ولما ~~لحقهم أيضا من ms2196 PageV05P160 السرور ببيان الله براءة عائشة وطهارتها ولما ~~عرفوا من الحكم في القاذف وقوله تعالى لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ~~يعني والله أعلم عقاب ما اكتسب من الإثم على قدر ما اكتسبه وقوله تعالى ~~والذي تولى كبره روي أنه عبدالله بن أبي بن سلول وكان منافقا وكبره هو عظمه ~~وإن عظم ما كان فيه لأنهم كانوا يجتمعون عنده وبرأيه وأمره كانوا يشيعون ~~ذلك ويظهرونه وكان هو يقصد بذلك أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى أبي ~~بكر والطعن عليهما قوله تعالى @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين @QE@ هو أمر المؤمنين بأن يظنوا خيرا بمن ~~كان ظاهره العدالة وبراءة الساحة وأن لا يقضوا عليهم بالظن وذلك لأن الذين ~~قذفوا عائشة لم يخبروا عن معاينة وإنما قذفوها تظننا وحسبانا لما رأوها ~~متخلفة عن الجيش قد ركبت جمل صفوان بن المعطل يقوده وهذا يدل على أن الواجب ~~لمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيرا ولا يقوم مستبشرا وهو يوجب أن يكون ~~أمور المسلمين في عقودهم وأفعالهم وسائر تصرفهم محمولة على الصحة والجواز ~~وأنه غير جائز حملها على الفساد وعلى ما لا يجوز فعله بالظن والحسبان ولذلك ~~قال أصحابنا فيمن وجد مع امرأة أجنبية رجلا فاعترفا بالتزويج أنه لا يجوز ~~تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك بن أنس أنه يحدهما إن لم يقيما بينة ~~على النكاح ومن ذلك أيضا ما قال أصحابنا فيمن باع درهما ودينارا بدرهمين ~~ودينارين أنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين وحمل أمورهم ~~على ما يجوز فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما كذلك إذا باعه سيفا ~~محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ~~فنحمل أمرهما على أنهما تعاقدا عقدا جائزا ولا نحمله على الفساد وما لا ~~يجوز وهذا يدل أيضا على صحة قول أبي حنيفة في أن المسلمين عدول مالم تظهر ~~منهم ريبة لأنا إذا كنا مأمورين بحسن الظن بالمسلمين وتكذيب من ms2197 قذفهم على ~~جهة الظن والتخمين بما يسقط العدالة فقد أمرنا بموالاتهم والحكم لهم ~~بالعدالة بظاهر حالهم وذلك يوجب التزكية وقبول الشهادة ما لم تظهر منهم ~~ريبة توجب التوقف عنها أو ردها وقال تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإنه أكذب الحديث وقوله @QB@ ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا @QE@ فإنه يحتمل معنيين أحدهما أن يظن ~~بعضهم ببعض خيرا كقوله @QB@ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم @QE@ ~~والمعنى PageV05P161 فليسلم بعضكم على بعض وكقوله لا تقتلوا أنفسكم يعني لا ~~يقتل بعضكم بعضا والثاني أنه جعل المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري ~~عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه قد جرى على جميعهم كما ~~حدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو عبدالله أحمد بن دوست قال حدثنا ~~جعفر بن حميد قال حدثنا الوليد بن أبي ثور قال حدثنا عبدالملك بن عمير عن ~~النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل المسلمين في ~~تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه وجع كله ~~بالسهر والحمى وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن محمد بن ناجية قال ~~حدثنا محمد بن عبدالملك بن زنجويه قال حدثنا عبدالله بن ناصح قال حدثنا أبو ~~مسلم عبدالله بن سعيد عن مالك بن مغول عن أبي بردة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المؤمنون للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا قوله تعالى لولا ~~جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون قد أبانت هذه الآية عن معنيين أحدهما أن الحد واجب على القاذف ~~مالم يأت بأربعة شهداء والثاني أنه لا يقبل في إثبات الزنا أقل من أربعة ~~شهداء وقوله @QB@ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون @QE@ ~~قال أبو بكر قد حوى ذلك معنيين أحدهما أنهم متى لم يقيموا أربعة من الشهداء ~~فهم محكومون بكذبهم عند الله في إيجاب الحد عليهم فيكون معناه فأولئك في ~~حكم الله هم ms2198 الكاذبون فيقتضي ذلك الأمر بالحكم بكذبهم فإن كان جائزا أن ~~يكونوا صادقين في المغيب عند الله وذلك جائز سائغ كما قد تعبدنا بأن نحكم ~~لمن ظهر منه عمل الخيرات وتجنب السيئات بالعدالة وإن كان جائزا أن يكون ~~فاسقا في المغيب عند الله تعالى والوجه الثاني أن الآية نزلت في شأن عائشة ~~رضي الله تعالى عنها وفي قذفتها فأخبر بقوله فأولئك عند الله هم الكاذبون ~~بمغيب خبرهم وأنه كذب في الحقيقة لم يرجعوا فيه إلى صحة فمن جور صدق هؤلاء ~~فهو راد لخبر الله قوله تعالى إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم قرئ تلقونه بالتشديد قال مجاهد يرويه بعضهم عن بعض ليشيعه وعن ~~عائشة تلقونه ومن ولق الكذب وهو الإستمرار عليه ومنه ولق فلان في السير إذا ~~استمر عليه فذمهم تعالى على الإقدام على القول بما لا علم لهم به وذلك قوله ~~تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وهو نحو قوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به ~~علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ فأخبر أن ذلك ~~PageV05P162 وإن كان يقينا في ظنهم وحسبانهم فهو عظيم الإثم عنده ليرتدعوا ~~عن مثله عند علمهم بموقع المأثم فيه ثم قال @QB@ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم @QE@ تعليما لنا بما نقوله ~~عند سماع مثله فيمن كان ظاهر حاله العدالة وبراءة الساحة قوله تعالى سبحانك ~~هذا بهتان عظيم أي تنزيها لك من أن نغضبك بسماع مثل هذا القول في تصديق ~~قائله وهو كذب وبهتان في ظاهر الحكم وقوله تعالى يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا فإنه تعالى يعظنا ويزجرنا بهذه الزواجر وعقاب الدنيا بالحد مع ~~ما نستحق من عقاب الآخرة لئلا نعود إلى مثل هذا الفعل أبدا إن كنتم مؤمنين ~~بالله مصدقين لرسوله قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا أبان الله بهذه الآية وجوب حسن الإعتقاد في المؤمنين ومحبة الخير ~~والصلاح لهم فأخبر فيها بوعيد ms2199 من أحب إظهار الفاحشة والقذف والقول القبيح ~~للمؤمنين وجعل ذلك من الكبائر التي يستحق عليها العقاب وذلك يدل على وجوب ~~سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضر بهم وروى عبدالله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وقال ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره ~~بوائقه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال حدثنا سهل ~~بن عثمان قال حدثنا زياد بن عبدالله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبدالله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ~~فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن ~~يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتوا إليه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا إبراهيم ~~بن هاشم قال حدثنا هدبة قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من ~~الخير قوله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى @QE@ روي عن ابن عباس وعائشة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه ويتيمين كانا في حجره ينفق عليهما أحدهما مسطح بن أثاثة وكان ممن خاض ~~في أمر عائشة فلما نزلت براءتها حلف أبو بكر أن لا ينفعهما بنفع أبدا فلما ~~نزلت هذه الآية عاد له وقال بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي والله لا ~~أنزعها عنهما أبدا وكان مسطح ابن خالة أبي بكر مسكينا ومهاجرا من مكة إلى ~~المدينة من البدريين وفي هذا دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها إنه ينبغي PageV05P163 له أن يأتي الذي هو خير وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ~~وليكفر عن يمينه ومن ms2200 الناس من يقول إنه يأتي الذي هو خير وذلك كفارته وقد ~~روي أيضا في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتج من يقول ذلك بظاهر هذه ~~الآية وإن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة وليس فيما ~~ذكروا دلالة على سقوط الكفارة لأن الله قد بين إيجاب الكفارة في قوله ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته وقوله ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وذلك ~~عموم فيمن حنث فيما هو خير وفي غيره وقال الله تعالى في شأن أيوب حين حلف ~~على امرأته أن يضربها @QB@ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث @QE@ وقد علمنا ~~أن الحنث كان خيرا من تركه وأمره الله تعالى بضرب لا يبلغ منها ولو كان ~~الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة وأما ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير وذلك كفارته فإن معناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة ~~في الكتاب وذلك لأنه منهي عن أن يحلف على ترك طاعة الله فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالحنث والتوبة وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي اقترفه بالحلف ~~قوله تعالى الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات روي عن ابن عباس والحسن ~~ومجاهد والضحاك قالوا الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال وروي عن ابن ~~عباس أيضا انه قال الخبيثات من السيآت للخبيثين من الرجال وهو قريب من ~~الأول وهو نحو قوله قل كل يعمل على شاكلته وقيل الخبيثات من النساء ~~للخبيثين من الرجال على نحو قوله الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين وأن ذلك منسوخ ~~بما ثبت في موضعه # | باب الاستئذان # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها @QE@ روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم ~~وقتادة قالوا الإستيناس الاستئذان فيكون معناه حتى تستأنسوا بالإذن وروى ~~شعبة عن ms2201 أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف حتى ~~تستأذنوا وقال غلط الكاتب وروى القاسم بن نافع عن مجاهد حتى تستأنسوا قال ~~هو التنحنح والتنخع وفي نسق التلاوة ما دل PageV05P164 على إنه أراد ~~الاستئذان وهو قوله @QB@ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم @QE@ الاستيناس قد يكون للحديث كقوله تعالى ولا ~~مستأنسين لحديث وكا روي عن عمر في حديثه الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم انفرد في مشربة له حين هجر نساءه فاستأذنت عليه فقال الإذن قد ~~سمع كلامك ثم أذن له فذكر أشياء وفيه قال فقلت استأنس يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال نعم وإنما أراد به الاستيناس للحديث وذلك كان بعد ~~الدخول والاستيناس المذكور في قوله حتى تستأنسوا لا يجوز أن يكون المراد به ~~الحديث لأنه لا يصل إلى الحديث إلا بعد الإذن وإنما المراد الاستئذان ~~للدخول وإنما سمي الاستئذان استيناسا لأنهم إذا استأذنوا أو سلموا أنس أهل ~~البيوت بذلك ولو دخلوا عليهم بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم وأمر مع ~~الاستئذان بالسلام إذ هو من سنة المسلمين التي أمروا بها ولأن السلام أمان ~~منه لهم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغنة حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا يوسف بن يعقوب قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال ~~حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا الحارث بن عبدالرحمن بن أبي رباب عن سعيد بن ~~أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله آدم ~~فنفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه رحمك ~~ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فقال ~~سلام عليكم ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا علي بن إسحاق بن راطية قال حدثنا ~~إبراهيم بن سعيد قال حدثنا يحيى بن ms2202 نصر بن حاجب قال حدثنا هلال بن حماد عن ~~ذادان عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ~~ست يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمته إذا عطس ~~ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا إبراهيم ~~بن إسحاق الحربي قال حدثنا أبو غسان النهدي قال حدثنا زهير قال حدثنا ~~الأعمش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده ~~لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا ~~فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا محمد بن معلى قال حدثنا زياد بن ~~خيثمة عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال PageV05P165 إن سركم أن يخرج الغل من صدوركم فافشوا السلام بينكم # | باب في عدد الاستئذان وكيفيته # روى دهيم بن قران عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن عثمان عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستئذان ثلاث فالأولى يستنصتون ~~والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون وروى يونس بن عبيد عن الوليد ~~بن مسلم عن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا استأذن ~~أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا سفيان عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن ~~أبي سعيد الخدري قال كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى ~~فزعا فقلنا له ما أفزعك قال أمرني عمر أن آتيه فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم ~~يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك أن تأتيني قلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن ~~لي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ~~فليرجع قال لتأتين على هذا بالبينة ms2203 قال فقال أبو سعيد لا يقوم معك إلا أصغر ~~القوم قال فقام أبو سعيد معه فشهد له وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى ~~إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد وفي بعضها ~~ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر ~~إنما لم يقبل عمر خبره حتى استفاض عنده لأن أمر الاستئذان مما بالناس إليه ~~حاجة عامة فاستنكر أن تكون سنة الاستئذان ثلاثا مع عموم الحاجة إليها ثم لا ~~ينقلها إلا الأفراد وهذا أصل في أن ما بالناس إليه حاجة عامة لا يقبل فيه ~~إلا خبر الاستفاضة وحدنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون ~~بن عبدالله قال حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن طلحة بن مصرف ~~عن رجل عن سعد قال وقف رجل على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام ~~مستقبل الباب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هكذا عنك أو هكذا فإنما جعل ~~الاستئذان من النظر وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن ~~بشار قال حدثنا أبو عاصم قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمرو بن أبي سفيان ~~أن عمرو بن عبدالله بن صفوان أخبره عن كلدة أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بأعلى مكة فدخلت ولم أسلم فقال ارجع فقل السلام عليكم وذاك بعدما أسلم ~~صفوان وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر ~~PageV05P166 ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال حدثنا ~~رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال ألج ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقال ~~له قل السلام عليكم أأدخل فسمعه الرجل فقال السلام عليكم أأدخل فأذن له ~~النبي صلى الله ms2204 عليه وسلم فدخل وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا مؤمل بن فضل الحراني في آخرين قالوا حدثنا بقية قال حدثنا محمد بن ~~عبدالرحمن عن عبدالله بن بسر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى ~~باب قوم لا يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ~~فيقول السلام عليكم وذلك أن الدور لم تكن يومئذ عليها ستور قال أبو بكر ~~ظاهر قوله @QB@ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا @QE@ يقتضي جواز ~~الدخول بعد الآستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن ولذلك قال مجاهد ~~الإستئناس التنحنح والتنخع فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله وهذا الحكم ~~ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن إلا أنه معلوم أنه قد أريد به الإذن ~~في الدخول فحذفه لعلم المخاطبين بالمراد وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن حبيب وهشام عن محمد ~~عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الرجل إلى الرجل إذنه ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حسين بن معاذ قال حدثنا ~~عبدالأعلى قال حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا دعي أحدكم مع الطعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له ~~إذن فدل هذا الخبر على معنيين أحدهما أن الإذن محذوف من قوله حتى تستأنسوا ~~وهو مراد به والثاني أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى ~~استئذان ثان وهو يدل أيضا على أن من قد جرت العادة بإباحة الدخول أنه غير ~~محتاج إلى الإستئذان فإن قيل قد روى أبو نعيم عن عمر بن زر عن مجاهد أن أبا ~~هريرة كان يقول والله إني كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع إني كنت ~~لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه ~~فمر أبو بكر ms2205 فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ~~فمر بي عمر ففعلت مثل ذلك فمر ولم يفعل فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله ~~قال الحق بي ومضى واتبعته فدخل واستأذنت فأذن لي فدخلت فوجدت لبنا في قدح ~~فقال من أين هذا قالوا أهدى PageV05P167 لك فلان أو فلانة قال يا أبا هر ~~قلت لبيك يا رسول الله قال الحق أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف ~~أهل الإسلام لا يلوون على أهل ولا مال إذا أتته صدقة بعث بها إليهم لم ~~يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم فأصاب منها وأشركهم فيها ~~فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أرجو أن أصيب من هذا شربة ~~أتقوى بها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاؤا فأمرني فكنت أنا ~~أعطيهم فما عسى أن يبلغ مني هذا اللبن فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا حتى ~~استأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت فقال يا أبا هر قلت لبيك يا ~~رسول الله قال خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى ثم ~~يرد علي القدح فأعطيه آخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده ~~ونظر إلي فتبسم وقال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت ~~قلت صدقت يا رسول الله قال فاقعد واشرب فشربت فما ذال يقول اشرب فأشرب حتى ~~قلت والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله ~~وشرب الفضل قال فقد استأذن أهل الصفة وقد جاؤا مع الرسول ولم ينكر ذلك ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مخالف لحديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن رسول الرجل إلى الرجل إذنه قيل ms2206 له ليسا مختلفين لأن ~~قوله صلى الله عليه وسلم إباحة للدخول مع الرسول وليس فيه كراهية الإستئذان ~~بل هو مخير حينئذ وإذا لم يكن مع الرسول وجب حينئذ الإستئذان والذي يدل على ~~أن الإذن مشروط في قوله حتى تستأنسوا قوله في نسق التلاوة @QB@ فإن لم ~~تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم @QE@ فحظر الدخول إلا بالإذن فدل ~~على أن الإذن مشروط في إباحة الدخول في الآية الأولى وأيضا فقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي قدمناها إنما جعل الإستئذان من أجل ~~النظر فدل على أنه لا يجوز النظر في دار أحد إلا بإذنه وقد روي في ذلك ضروب ~~من التغليظ وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن ~~عبيد قال حدثنا حماد عن عبيدالله بن أبي بكر عن أنس بن مالك أن رجلا اطلع ~~من بعض حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمشقص أو بمشاقص قال فكأني أنظر إلى رسول الله يختله ليطعنه ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ~~قال حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير عن الوليد عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل البصر PageV05P168 فلا إذن وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد ~~عن سهيل عن أبيه قال حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه قال أبو بكر ~~والفقهاء على خلاف ظاهره لأنهم يقولون أنه ضامن من إذا فعل ذلك وهذا من ~~أحاديث أبي هريرة التي ترد لمخالفتها الأصول مثل ما روي أو ولد الزنا شر ~~الثثة وأن ولد الزنا لا يدخل الجنة ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ومن ~~غسل ميتا فليغتسل ومن حمله ms2207 فليتوضأ هذه كلها أخبار شاذة قد اتفق الفقهاء ~~على خلاف ظواهرها وزعم الشافعي أن من اطلع في دار غيره ففقأ عينه وهو هدر ~~وذهب إلى ظاهر هذا الخبر ولا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ~~ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش إن كان مخطئا ومعلوم أن الداخل ~~قد اطلع وزاد على الإطلاع الدخول وظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الإتفاق ~~فإن صح الحديث فمعناه عندنا فيمن اطلع في دار قوم ناظرا إلى حرمهم ونسائهم ~~فمونع فلم يمتنع فذهبت عنه في حال الممانعة فهذا هدر وكذلك من دخل دار قوم ~~أو أراد دخولها فمانعوه فذهبت عينه أو شيء من أعضائه فهو هدر ولا يختلف فيه ~~حكم الداخل والمطلع فيها من غير دخول فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم تقع ~~فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته ~~بظاهر قوله تعالى العين بالعين إلى قوله والجروح قصاص قوله تعالى @QB@ فإن ~~لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم @QE@ قد تضمن ذلك معنيين ~~أحدهما أنه لا ندخل بيوتا غيرنا إلا بإذنه والثاني إنه إذا أذن لنا جاز ~~الدخول واقتضى ذلك جواز قبول الإذن ممن أذن صبيا كان أو امرأة أو عبدا أو ~~ذميا إذ لم تفرق الآية بين شيء من ذلك وهذا أصل في قبول أخبار المعاملات من ~~هؤلاء وأنه لا تعتبر فيها العدالة ولا تستوفي فيها صفات الشهادة ولذلك ~~قبلوا أخبار هؤلاء في الهدايا والوكالات ونحوهما # | باب في الإستئذان على المحارم # روى شعب عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد قال سأل رجل حذيفة أأستأذن على ~~أختي قال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك وروي عن ابن عيينة عن عمرو عن ~~عطاء قال سألت ابن عباس أأستأذن على أختي قال نعم قال قلت إنها معي في ~~البيت وأنا أنفق عليها PageV05P169 قال استأذن عليها وروى سفيان عن مخارق ~~عن طارق قال قال رجل لابن مسعود أأستأذن على أمي ms2208 قال نعم وروى سفيان عن زيد ~~بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال أأستأذن ~~على أمي قال نعم أتحب أن تراها عريانة وقال عمرو عن عطاء سألت ابن عباس ~~أأستأذن على أختي وأنا أنفق عليها قال نعم أتحب أن تراها عريانة إن الله ~~يقول يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم فلم يؤمر هؤلاء ~~بالإستئذان إلا في العورات الثلاث ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ولم يفرق بين من كان منه أجنبيا أو ~~ذا رحم محرم إلا أن أمر ذوي المحارم أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها ~~وساقها ونحوهما من الأعضاء وقوله تعالى @QB@ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ~~أزكى لكم @QE@ بعد قوله فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم يدل على أن للرجل أن ينهى ~~من لا يجوز له دخول داره عن الوقوف على باب داره أو القعود عليه لقوله ~~تعالى وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ويمتنع أن يكون المراد بذلك ~~حظر الدخول إلا بعد الإذن لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره مصرحا به في الآية ~~فواجب أن يكون لقوله وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا فائدة مجددة وهو أنه متى ~~أمره بالرجوع عن باب داره فواجب عليه التنحي عنه لئلا يتأذى به صاحب الدار ~~في دخول حرمه وخروجهم وفيما ينصرف عليه أموره في داره مما لا يجب أن يطلع ~~عليه غيره قوله تعالى @QB@ ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها ~~متاع لكم @QE@ 6 قال محمد بن الحنفية هي بيوت الخانات التي تكون في الطرق ~~وبيوت الأسواق وعن الضحاك وقال الحسن وإبراهيم النخعي كانوا يأتون حوانيت ~~السوق لا يستأذنون وقال مجاهد كانت بيوتا يضعون فيها أمتعتهم فأمروا أن ~~يدخلوها بغير إذن وروي عنه أيضا أنه قال هي البيوت التي تنزلها السفر وروي ~~عن أبي عبيد المحاربي قال رأيت عليا رضي الله عنه أصابته السماء وهو في ~~السوق فاستظل بخيمة فارسي فجعل ms2209 الفارسي يدفعه عن خيمته وعلي يقول إنما ~~أستظل من المطر فجعل الفارسي يدفعه ثم أخبر الفارسي أنه علي فضرب بصدره ~~وقال عكرمة بيوتا غير مسكونة هي البيوت الخربة لكم فيها حاجة وقال ابن جريج ~~عن عطاء فيها متاع لكم الخلاء والبول وجائز أن يكون المراد جميع ذلك إذ كان ~~الإستئذان في البيوت المسكونة لئلا يهجم على مالا يجب من العورة ولأن ~~العادة قد جرت في مثله PageV05P170 بإطلاق الدخول فصار المعتاد المعارف ~~كالمنطوق به والدليل على أن معنى إطلاق ذلك لجريان العادة في الإذن أن ~~أصحابها لو منعوا الناس من دخول هذه البيوت كان لهم ذلك ولم يكن لأحد أن ~~يدخلها بغير إذن ونظير ذلك فيا جرت العادة بإباحته وقام ذلك مقام الإذن فيه ~~ما يطرحه الناس من النوى وقمامات البيوت والخرق في الطرق أن لكل أحد أن ~~يأخذ ذلك وينتفع به وهو أيضا يدل على صحة اعتبار أصحابنا هذا المعنى في ~~سائر ما يكون في معناه مما قد جرت العادة به وتعارفوه أنه بمنزلة النطق ~~كنحو قولهم فيما يلحقونه برأس المال من طعام الرقيق وكسوتهم وفي حمولة ~~المتاع أنه يلحقه برأس المال ويبيعه مرابحة فيقول قام علي بكذا وما لم تجر ~~العادة به لا يلحقه برأس المال فقامت العادة في ذلك مقام النطق وفي نحوه ~~قول محمد فيمن أسلم إلى خياط أو قصار ثوبا ليخيطه ويقصره ولم يشرط له أجرا ~~أن الأجر قد وجب له إذا كان قد نصب نفسه لذلك وقامت العادة في مثله مقام ~~النطق في أنه فعله على وجه الإجارة وقد روى سفيان عن عبدالله بن دينار قال ~~كان ابن عمر يستأذن في حوانيت السوق قذكر ذلك لعكرمة فقال ومن يطيق ما كان ~~ابن عمر يطيق وليس في فعله ذلك دلالة على أنه رأى دخولها بغير إذن محظورا ~~ولكنه احتاط لنفسه وذلك مباح لكل أحد # | باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات # قال الله تعالى @QB@ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم @QE@ ~~قال أبو بكر معقول ms2210 من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه ~~فحذف ذكر ذلك اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد ~~بن إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو وفر منها فلا تتبع النظرة النظرة ~~فإن لك الأولى وليست لك الثانية وروى الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن آدم لك أول نظرة وإياك والثانية وروى ~~أبو زرعة عن جرير أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة ~~فأمرني أن أصرف بصري قال أبو بكر إنما أراد صلى الله عليه وسلم بقوله لك ~~النظرة الأولى إذا لم تكن عن قصد فأما إذا كانت عن قصد فهي والثانية سواء ~~وهو على ما سأل عنه جرير من نظرة الفجاءة وهو مثل قوله @QB@ إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقوله وقل للمؤمنات ~~PageV05P171 يغضضن من أبصارهن هو على معنى ما نهي الرجال عنه من النظر إلى ~~ما حرم عليه النظر إليه وقوله تعالى ويحفظوا فروجهم وقوله ويحفظن فروجهن ~~فإنه روي عن أبي العالية أنه قال كل آية في القرآن يحفظوا فروجهم ويحفظن ~~فروجهن من الزنا إلا التي في النور يحفظوا فروجهم ويحفظن فرجهن أن لا ينظر ~~إليها أحد قال أبو بكر هذا تخصيص بلا دلالة والذي يقتضيه الظاهر أن يكون ~~المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر وكذلك سائر الآي ~~المذكورة في هذا الموضع في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم الدلالة ~~على أن المراد بعض ذلك دون بعض وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في إيجاب ~~التخصيص في النظر لما تقدم من الأمر بغض البصر وما ذكره لا يوجب ذلك لأنه ~~لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من ~~الأمور المحظورة وعلى ms2211 أنه إن كان المراد حظر النظر فلا محالة إن اللمس ~~والوطء مرادان بالآية إذ هما أغلظ من النظر فلو نص الله على النظر لكان في ~~مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء واللمس كما أن قوله فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب قوله تعالى @QB@ ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها @QE@ روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء في قوله إلا ما ~~ظهر منها قال ما كان في الوجه والكف الخضاب والكحل وعن ابن عمر مثله وكذلك ~~عن أنس وروي عن ابن عباس أيضا أنها الكف والوجه والخاتم وقالت عائشة الزينة ~~الظاهرة القلب والفتخة وقال أبو عبيدة الفتخة الخاتم وقال الحسن وجهها وما ~~ظهر من ثيابها وقال سعيد بن المسيب وجهها مما ظهر منها وروى أبو الأحوص عن ~~عبدالله قال الزينة زينتان زينة باطنة لا يراها إلا الزوج الإكليل والسوار ~~والخاتم وأما الظاهرة فالثياب وقال إبراهيم الزينة الظاهرة الثياب قال أبو ~~بكر قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إنما أراد به الأجنبيين ~~دون الزوج وذوي المحارم لأنه قد بين في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في ذلك ~~وقال أصحابنا المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم ~~زينة الكف فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة ~~إباحة النظر إلى الوجه والكفين ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا ~~بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين فلو كانا عورة لكان عليها ~~سترهما كما عليها ستر ما هو عورة وإذا كان PageV05P172 ذلك جاز للأجنبي أن ~~ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة فإن كان يشتهيها إذا نظر إليها ~~جاز أن ينظر لعذر مثل أن يريد تزويجها أو الشهادة عليها أو حاكم يريد أن ~~يسمع إقرارها ويدل على أنه لا يجوز له النظر إلى الوجه لشهوة قوله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة وسأل ~~جرير ms2212 رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك ولم ~~يفرق بين الوجه وغيره فدل على انه أراد النظرة بشهوة وإنما قال لك الأولى ~~لأنها ضرورة وليس لك الآخرة لأنها اختيار وإنما أباحوا النظر إلى الوجه ~~والكفين وإن خاف أن يشتهي لما ذكرنا من الأعذار للآثار الواردة في ذلك منها ~~ما روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا يعني الصغر ~~وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحدكم فقدر على أن يرى منها ~~ما يعجبه ويدعوه إليها فليفعل وروى موسى بن عبدالله بن يزيد عن أبي حميد ~~وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها ~~للخطبة وروى سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن سلمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله وروى عاصم الأحول عن بكير بن عبدالله عن المغيرة بن شعبة قال ~~خطبنا امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم نظرت إليها فقلت لا فقال انظر ~~فإنه لأجدر أن يؤدم بينكما فهذا كله يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها ~~بشهوة إذا أراد أن يتزوجها ويدل عليه أيضا قوله @QB@ لا يحل لك النساء من ~~بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن @QE@ ولا يعجبه حسنهن إلا ~~بعد رؤية وجوههن ويدل على أن النظر إلى وجهها بشهوة محظور قوله صلى الله ~~عليه وسلم العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله ~~الفرج أو يكذبه وقول ابن مسعود في أن ما ظهر منها هو الثياب لا معنى له ~~لأنه معلوم أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه الزينة ألا ترى أن سائر ~~ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا ~~لم تكن هي لابستها فعلمنا ms2213 أن المراد موضع الزينة كما قال في نسق التلاوة ~~بعد هذا ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن والمراد موضع الزينة فتأويلها على ~~الثياب لا معنى له إذ كان ما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها ~~إذا لم تكن لابستها قوله تعالى @QB@ وليضربن بخمرهن على جيوبهن @QE@ روت ~~صفية بنت شيبة عن عائشة أنها قالت نعم النساء نساء الأنصار لم يكن ~~PageV05P173 يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين وأن يسئلن عنه لما نزلت سورة ~~النور عمدن إلى حجوز مناطقهن فشققنه فاختمرن به قال أبو بكر قد قيل إنه ~~أراد حيب الدروع لأن النساء كن يلبسن الدروع ولها جيب مثل جيب الدراعة ~~فتكون المرأة مكشوفة الصدر والنحر إذا لبستها فأمرهن الله بستر ذلك الموضع ~~بقوله وليضربن بخمرهن على جيوبهن وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها ~~عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن الآية قال أبو بكر ظاهره يقتضي إباحة إبداء الزينة للزوج ولمن ذكر ~~معه من الآباء وغيرهم ومعلوم أن المراد موضع الزينة وهو الوجه واليد ~~والذراع لأن فيها السوار والقلب والعضد وهو موضع الدملج والنحر والصدر موضع ~~القلادة والساق موضع الخلخال فاقتضى ذلك إباحة النظر للمذكورين في الآية ~~إلى هذه المواضع وهي مواضع الزينة الباطنة لأنه خص في أول الآية إباحة ~~الزينة الظاهرة للأجنبيين وأباح للزوج وذوي المحارم النظر إلى الزينة ~~الباطنة وروي عن ابن مسعود والزبير القرط والقلادة والسوار والخلخال وروى ~~سفيان عن منصور عن إبراهيم أو أبناء بعولتهن قال ينظر إلى ما فوق الذراع من ~~الأذن والرأس قال أبو بكر لا معنى لتخصيص الأذن والرأس بذلك إذ لم يخصص ~~الله شيئا من مواضع الزينة دون شيء وقد سوى في ذلك بين الزوج وبين من ذكر ~~معه فاقتضى عمومه إباحة النظر إلى مواضع الزينة لهؤلاء المذكورين كما اقتضى ~~إباحتها للزوج ولما ذكر الله تعالى مع الآباء ذوي المحارم الذين يحرم عليهم ~~نكاحهن تحريما مؤبدا دل ذلك على أن من كان في ms2214 التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم ~~مثل زواج الإبنة وأم المرأة والمحرمات من الرضاع ونحوهن وروي عن سعيد بن ~~جبير أنه سئل عن الرجل ينظر إلى شعر أجنبية فكرهه وقال ليس في الآية قال ~~أبو بكر أنه وإن لم يكن في الآية فهو في معنى ما ذكر فيها من الوجه الذي ~~ذكرنا وهذا الذي ذكر من تحريم النظر في هذه الآية إلا ما خص منه إنما هو ~~مقصور على الحرائر دون الإماء وذلك لأن الإماء لسائر الأجنبيين بمنزلة ~~الحرائر لذوي محارمهن فيما يحل النظر إليه فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر ~~الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها كما يجوز لذوي المحرم النظر إلى ذات ~~محرمه لأنه لا خلاف أن للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وروي أن عمر كان يضرب ~~الإماء ويقول اكشفن رؤسكن ولا تتشبهن بالحرائر PageV05P174 فدل على أنهن ~~بمنزلة ذوات المحارم ولا خلاف أيضا أنه يجوز للأمة أن تسافر بغير محرم فكان ~~سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر حين جاز لهم السفر بهن ألا ترى إلى ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ~~سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج فلما جاز للأمة أن تسافر بغير محرم ~~علمنا أنها بمنزلة الحرة لذوي محرمها فيما يستباح النظر إليه منها وقوله لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم ~~أو زوج دال على اختصاص ذي المحرم باستباحة النظر منها إلى كل ما لا يحل ~~للأجنبي وهو ما وصفنا بديا وروى منذر الثوري أن محمد بن الحنفية كان يمشط ~~أمه وروى أبو البختري أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم ~~وهي تمشط وعن ابن الزبير مثله في ذات محرم منه وروي عن إبراهيم أنه لا بأس ~~أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وأخته وخالته وعمته وكره الساقين قال أبو بكر لا ~~فرق بينهما في مقتضى الآية وروى هشام عن الحسن في المرأة تضع خمارها عند ~~أخيها قال ms2215 والله مالها ذلك وروى سفيان عن ليث عن طاوس أنه كره أن ينظر إلى ~~شعر ابنته وأخته وروى جرير عن مغيرة عن الشعبي أنه كره أن يسدد الرجل النظر ~~إلى شعر ابنته وأخته قال أبو بكر وهذا عندنا محمول على الحال التي يخاف ~~فيها أن تشتهى لأنه لو حمل على الحال التي يأمن فيها الشهوة لكان خلاف ~~الآية والسنة ولكان ذو محرمها والأجنبيون سواء والآية أيضا مخصوصة في نظر ~~الرجال دون النساء لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة إلى ما يجوز ~~للرجل أن ينظر من الرجل وهو السرة فما فوقها وما تحت الركبة والمحظور عليهن ~~من بعضهن لبعض ما تحت السرة إلى الركبة وقوله تعالى أو نسائهن روي أنه أراد ~~نساء المؤمنات وقوله @QB@ أو ما ملكت أيمانهن @QE@ تأوله ابن عباس وأم سلمة ~~وعائشة أن للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته قالت عائشة وإلى شعر غير مولاته ~~روي أنها كانت تمتشط والعبد ينظر إليها وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن ~~سيرين وابن المسيب أن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته وهو مذهب أصحابنا إلا ~~أن يكون ذا محرم وتأولوا قوله أو ما ملكت أيمانهن على الإماء لأن العبد ~~والحر في التحريم سواء فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها فإن ذلك ~~تحريم عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه ولا يبيح له ذلك النظر إلى شعر ~~أختها وكمن عنده أربع PageV05P175 نسوة سائر النساء محرمات عليه في الحال ~~ولا يجوز له أن يستبيح النظر إلى شعورهن فلما لم يكن تحريمها على عبدها في ~~الحال تحريما مؤبدا كان العبد بمنزلة سائر الأجنبيين وأيضا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يسافر سفرا فوق ~~ثلاث إلا مع ذي محرم والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن تسافر بها وإذا ~~لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي فإن قيل هذا ~~يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر ملك اليمين ms2216 في هذا الموضع قيل له ليس كذلك لأنه ~~قد ذكر النساء في الآية بقوله أو نسائهن وأراد بهن الحرائر المسلمات فجاز ~~أن يظن ظان أن الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر مولاتهن وإلى ما يجوز ~~للحرة النظر إليه منها فأبان تعالى أن الأمة والحرة في ذلك سواء وإنما خص ~~نساءهن بالذكر في هذا الموضع لأن جميع من ذكر قبلهن هم الرجال بقوله @QB@ ~~ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن @QE@ إلى أخر ما ذكر فكان جائزا أن يظن ظان ~~أن الرجال مخصوصون بذلك إذا كانوا ذوي محارم فأبان تعالى إباحة النظر إلى ~~هذه المواضع من نسائهن سواء كن ذوات محارم أو غير ذوات محارم ثم عطف على ~~ذلك الإماء بقوله أو ما ملكت أيمانهن لئلا يظن ظان أن الإباحة مقصورة على ~~الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله أو نسائهن يقتضي الحرائر دون الإماء ~~كما كان قوله وأنكحوا الأيامى منكم على الحرائر دون المماليك وقوله شهيدين ~~من رجالكم الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله أو نسائهن على الحرائر ثم عطف ~~عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر وقوله تعالى @QB@ أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال @QE@ روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ~~قالوا الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء وقال عكرمة هو ~~العنين وقال مجاهد وطاوس وعطاء والحسن هو الأبله وقال بعضهم هو الأحمق الذي ~~لا أرب له في النساء وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان يدخل على أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة قالت فدخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى هذا يعلم ~~ما ههنا لا يدخلن عليكن فحجبوه وروى هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعنده مخنث فأقبل على أخي أم ~~سلمة فقال يا عبد الله لو فتح الله لكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان ms2217 ~~فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان PageV05P176 فقال لا أرى هذا يعرف ما ههنا لا ~~يدخل عليكم فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه ~~من غير أولي الإربة فلم علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من ~~أولي الإربة فحجبه وقوله تعالى @QB@ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء @QE@ قال مجاهد هم الذين لا يدرون ما هن من الصغر وقال قتادة الذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم قال أبو بكر قول مجاهد أظهر لأن معنى أنهم لم يظهروا ~~على عورات النساء إنهم لا يميزون بين عورات النساء والرجال لصغرهم وقلة ~~معرفتهم بذلك وقد أمر الله تعالى الطفل الذي قد عرف عورات النساء ~~بالاستئذان في الأوقات الثلاثة بقوله @QB@ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم @QE@ وأراد به الذي عرف ذلك واطلع على عورات ~~النساء والذي لا يؤمر بالاستئذان أصغر من ذلك وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع فلم يأمر بالتفرقة قبل العشر وأمر بها في العشر لأنه قد عرف ذلك في ~~الأكثر الأعم ولا يعرفه قبل ذلك في الأغلب وقوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن روى أبو الأحوص عن عبدالله قال هو الخلخال وكذلك ~~قال مجاهد إنما نهيت أن تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال وذلك قوله ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن قال أبو بكر قد عقل من معنى اللفظ النهي عن إبداء الزينة ~~وإظهارها لورود النص في النهي عن سماع صوتها إذ كان إظهار الزينة أولى ~~بالنهي مما يعلم به الزينة فإذا لم يجز بأخفى الوجهين لم يجز بأظهرهما وهذا ~~يدل على صحة القول بالقياس على المعاني التي قد علق الأحكام بها وقد تكون ~~تلك المعاني تارة جلية بدلالة فحوى الخطاب عليها وتارة خفية يحتاج إلى ~~الإستدلال عليها بأصول أخر سواها وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع ~~صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان ms2218 صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت ~~خلخالها ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت ~~والمرأة منهية عن ذلك وهو يدل أيضا على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذ كان ~~ذلك أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة # | باب الترغيب في النكاح # قال الله عز وجل @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ~~@QE@ الآية قال PageV05P177 أبو بكر ظاهره يقتضي الإيجاب إلا أنه قد قامت ~~الدلالة من إجماع السلف وفقهاء الأمصار على أنه لم يرد بها الإيجاب وإنما ~~هو استحباب ولو كان ذلك واجبا لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن السلف مستفيضا شائعا لعموم الحاجة إليه فلما وجدنا عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال ~~والنساء فلم ينكروا ترك تزويجهم ثبت أنه لم يرد الإيجاب ويدل على أنه لم ~~يرد الإيجاب أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه ولا ~~تزويجها بغير أمرها وأيضا مما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه ~~لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى فدل على أنه مندوب في ~~الجميع ولكن دلالة الاية واضحة في وقوع العقد الموقوف إذ لم يخصص بذلك ~~الأولياء دون غيرهم وكل أحد من الناس مندوب إلى تزويج الأيامى المحتاجين ~~إلى النكاح فإن تقدم من المعقود عليهم أمر فهو نافذ وكذلك إن كانوا ممن ~~يجوز عقدهم عليهم مثل المجنون والصغير فهو نافذ أيضا وإن لم يكن لهم ولاية ~~ولا أمر فعقدهم موقوف على إجازة من يملك ذلك العقد فقد اقتضت الآية جواز ~~النكاح على إجازة من يملكها فإن قيل هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه ~~الأولياء دون النساء وإن عقودهن على أنفسهن غير جائزة قيل له كذلك لأن ~~الآية لم تخص الأولياء بهذا الأمر دون غيرهم وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس ~~في العقد على الأيامى ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء وهو في ~~الرجال لم يرد ms2219 به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخبار كثيرة في الترغيب في النكاح منها ما رواه ابن عجلان ~~عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة حق ~~على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح ~~الذي يريد العفاف وروى إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال قال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء وقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ~~فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وعن شداد بن أوس أنه قال ~~لأهله زوجوني فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله أعزب ~~وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خلاد عن سفيان عن ~~عبدالرحمن بن زياد عن عبدالله بن يزيد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة وحدثنا عبدالباقي ~~قال حدثنا بشر قال حدثنا PageV05P178 سعيد بن منصور قال حدثنا سفيان عن ~~إبراهيم بن ميسرة عن عبيد بن سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح قال إبراهيم بن ميسرة ولا أقول لك ~~إلا ما قال عمر لأبي الزوائد ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور فإن قيل ~~قوله تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ عمومه يقتضي تزويج الأب ابنته ~~البكر الكبيرة ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج البنت الكبيرة بغير ~~رضاها لكان جائزا له تزويجها بغير رضاها لعموم الآية قيل له معلوم أن قوله ~~وأنكحوا الأيامى منكم لا يختص بالنساء دون الرجال لأن الرجل يقال له أيم ~~والمرأة يقال لها أيمة وهو اسم للمرأة التي لا زوج لها والرجل الذي لا ~~امرأة له قال الشاعر % فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي % وإن كنت أفتى منكم ~~أتأيم % # | وقال آخر % ذريني ms2220 على أيم منكم وناكح % # وقال عمر بن الخطاب ما رأيت مثل من يجلس أيما بعد هذه الآية وأنكحوا ~~الأيامى منكم التمسوا الغنا في الباه فلما كان هذا الاسم شاملا للرجال ~~والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في ~~النساء أيضا وأيضا قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر بقوله ~~البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر وذلك ~~على الوجوب فلا يجوز تزويجها إلا بإذنها وأيضا فإن حديث محمد بن عمرو عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح ~~اليتيمة إلا بإذنها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها وإنما أراد ~~به البكر لأن البكر هي التي يكون سكوتها رضا وحديث ابن عباس في فتاة بكر ~~زوجها أبوها بغير أمرها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أجيزي ما صنع أبوك وقد بينا هذه المسألة فيما سلف قوله ~~تعالى @QB@ والصالحين من عبادكم وإمائكم @QE@ فيه دلالة على أن للمولى أن ~~يزوج عبده وأمته بغير رضاهما وأيضا لا خلاف أنه غير جائز للعبد والأمة أن ~~يتزوجا بغير إذن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما عبد تزوج ~~بغير إذن مواليه فهو عاهر فثبت أن العبد والأمة لا يملكان ذلك فوجب أن يملك ~~المولى منهما ذلك كسائر العقود التي لا يملكانها ويملكها المولى عليهما ~~وقوله تعالى @QB@ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله @QE@ خبر والمخبر ~~الله تعالى ولا محالة على ما يخبر به فلا يخلو ذلك من أحد وجهين إما أن ~~يكون خاصا في بعض المذكورين دون بعض إذ قد وجدنا من PageV05P179 يتزوج ولا ~~يستغني بالمال وإما أن يكون المراد بالغنى العفاف فإن كان المراد خاصا فهو ~~في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون أو يكون عاما فيكون ~~المعنى وقوع الغنى بملك البضع والإستغناء به عن تعديه إلى المحظور فلا ~~دلالة فيه ms2221 إذا على أن العبد يملك وقد بينا مسألة ملك العبد في سورة النحل # | باب المكاتبة # قال الله تعالى @QB@ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا @QE@ روي عن عطاء قال ما أراه إلا واجبا وهو قول عمرو بن ~~دينار وروي عن عمر أنه أمر أنسا بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ~~فرفع عليه الدرة وضربه وقال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وحلف عليه ~~ليكاتبنه وقال الضحاك إن كان للمملوك مال فعزيمة على مولاه أن يكاتبه وروى ~~الحجاج عن عطاء قال إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب إنما هو تعليم وكذلك قوله ~~الشعبي قال أبو بكر هذا ترغيب عند عامة أهل العلم وليس بإيجاب وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وما روي عن عمر ~~في قصة سيرين يدل على ذلك أيضا لأنها لو كانت واجبة لحكم بها عمر عليه ولم ~~يكن يحتاج أن يحلف على أنس لمكاتبته ولم يكن أنس أيضا يمتنع من شيء واجب ~~عليه فإن قيل لو لم يكن يراها واجبة لما رفع عليه الدرة ولم يضربه قيل لأن ~~عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق للرعية فكان يأمرهم بما لهم فيه الحظ ~~في الدين وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة ويدل على أنها ليست ~~على الوجوب أنه موكول إلى غالب ظن المولى أن فيهم خيرا فلما كان المرجع فيه ~~للمولى لم يلزمه الإجبار عليه وقوله إن علمتم فيهم خيرا روى عكرمة بن عمار ~~عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا إن علمتم لهم حرفة ولا تدعوهم كلا على الناس وذكر ابن جريج عن عطاء إن ~~علمتم فيهم خيرا قال ما نراه إلا المال ثم تلا قوله تعالى @QB@ كتب عليكم ~~إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا @QE@ قال الخير المال فيما نرى قال وبلغني ~~عن ابن عباس يعني بالخير المال وروى ابن سيرين ms2222 عن عبيدة إن علمتم فيهم خيرا ~~قال إذا صلى وعن إبراهيم وفاء وصدقا وقال مجاهد مالا وقال الحسن صلاحا في ~~الدين قال أبو بكر الأظهر أنه أراد الصلاح فينتظم ذلك الوفاء والصدق وأداء ~~الأمانة لأن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به ~~الصلاح في PageV05P180 الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيرا لأنه ~~إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال وأيضا فإن العبد لا مال له فلا يجوز ~~أن يتأول عليه وما روي عن عبيدة إذا صلى فلا معنى له لأنه جائز مكاتبة ~~اليهودي والنصراني بالآية وإن لم تكن لهم صلاة وقوله تعالى وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم اختلف أهل العلم في المكاتب هل يستحق على مولاه أن يضع عنه ~~شيئا من كتابته فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري إن وضع ~~عنه شيئا فهو حسن مندوب إليه وإن لم يفعل لم يجبر عليه وقال الشافعي هو على ~~الوجوب وروي عن ابن سيرين في قوله @QB@ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم @QE@ ~~قال كان يعجبهم أن تدعو له طائفة من مكاتبته قال أبو بكر ظاهر قوله كان ~~يعجبهم أنه أراد به الصحابة وكذلك قول إبراهيم كانوا يكرهون وكانوا يقولون ~~الظاهر من قول التابعي إذا قال ذلك أنه أراد به الصحابة فقول ابن سيرين يدل ~~على أن ذلك كان عند الصحابة على الندب لا على الإيجاب لأنه لا يجوز أن يقال ~~في الإيجاب كان يعجبهم وروى يونس عن الحسن وإبراهيم وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم قال حث عليه مولاه وغيره وروى مسلم بن أبي مريم عن غلام عثمان ~~بن عفان قال كاتبني عثمان ولم يحط عني شيئا قال أبو بكر ويحتمل أن يريد ~~بقوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ما ذكره في آية الصدقات من قوله وفي ~~الرقاب وقد روى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني عملا يدخلني ~~الجنة قال أعتق النسمة وفك الرقبة قال أليسا واحدا ms2223 قال عتق النسمة أن تنفرد ~~بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها وهذا يدل على أن قوله وفي الرقاب قد ~~اقتضى إعطاء المكاتب فاحتمل أن يكون قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ~~دفع الصدقات الواجبات وأفاد بذلك جواز دفع الصدقة إلى المكاتب وإن كان ~~مولاه غنيا ويدل عليه أنه أمر بإعطائه من مال الله وما أطلق عليه هذه ~~الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب وهذا يدل على أنه ~~أراد مالا هو ملك لمن أمر بإيتائه وإن سبيله الصدقة وذلك الصدقات الواجبة ~~في الأموال ويدل عليه قوله من مال الله الذي آتاكم وهو الذي قد صح ملكه ~~للمالك وأمر بإخراج بعضه ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى ~~لا يثبت له على عبده دين صحيح وعلى قول من يوجب حط بعض الكتابة ينبغي أن ~~يسقط بعد عقد الكتابة وذلك خلاف موجب الآية من وجوه أحدها أنه إذا سقط لم ~~يحصل مالا لله قد آتاه المولى PageV05P181 والثاني أن ما أتاه فهو الذي ~~يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه وما سقط عقيب العقد لا يمكنه التصرف فيه ولم ~~يحصل له عليه بل لا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه إياه وأيضا لو ~~كان الإيتاء واجبا لكان وجوبه متعلقا بالعقد فيكون العقد هو الموجب له وهو ~~المسقط وذلك مستحيل لأنه إذا كان العقد يوجبه وهو بعينه مسقط استحال وجوبه ~~لتنافي الإيجاب والإسقاط فإن قيل ليس يمتنع ذلك في الأصول لأن الرجل إذا ~~زوج أمته من عبده يجب عليه المهر بالعقد ثم يسقط في الثاني قيل له ليس كذلك ~~لأنه ليس الموجب له هو المسقط له إذا كان الذي يوجبه هو العقد والذي يسقطه ~~هو حصول ملكه للمولى في الثاني فالموجب له غير المسقط وكذلك من اشترى أباه ~~فعتق عليه فالموجب للملك هو الشرى والموجب للعتاق حصول الملك مع النسب ولم ~~يكن الموجب له هو المسقط وقد حكى عن الشافعي أن الكتابة ليست بواجبة وأن ~~يضع ms2224 عنه بعد الكتابة واجب أقل ما يقع عليه اسم شيء ولو مات المولى قبل أن ~~يضع عنه وضع الحاكم عنه أقل ما يقع عليه اسم شيء قال أبو بكر فلو كان الحط ~~واجبا لما احتاج أن يضع عنه بل يسقط القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم ~~صار للمدين عليه مثله أنه يصير قصاصا ولو كان كذلك لحصلت الكتابة مجهولة ~~لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء ~~وذلك غير جائز وجملة ذلك أن الإيتاء لو كان فرضا لسقط ثم لا يخلو من أن ~~يكون ذلك القدر معلوما أو مجهولا فإن كان معلوما فالواجب أن تكون الكتابة ~~بما بقي فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف درهم والكتابة أربعة آلاف درهم وذلك فاسد ~~من وجهين أحدهما أنه لا يصح الإشهاد على الكتابة بأربعة آلاف درهم ومع ذلك ~~فلا معنى لذكر شيء لا يثبت وأيضا فإنه يعتق بأقل مما شرط وهذا فاسد لأن ~~أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها وأيضا فإن الشافعي قال المكاتب عبد ~~ما بقي عليه درهم فالواجب إذا أن لا يسقط شيء ولو كان الإيتاء مستحقا لسقط ~~وإن كان الإيتاء مجهولا فالواجب أن يسقط ذلك القدر فتبقى الكتابة على مال ~~مجهول فإن قيل روى عطاء السائب عن أبي عبدالرحمن أنه كاتب غلاما له فترك له ~~ربع مكاتبته وقال إن عليا كان يأمرنا بذلك ويقول هو قول الله وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم وروي عن مجاهد أنه قال تعطيه ربعا من جميع مكاتبته تعجله ~~من مالك قيل له هذا يدل على أنهم لم يروا ذلك PageV05P182 واجبا وأنه على ~~وجه الندب لأنه لو كان واجبا عندهم لسقط بعد عقد الكتابة هذا القدر إذ كان ~~المكاتب مستحقا له ولم يكن المولى يحتاج إلى أن يعطيه شيئا فإن قيل قد يجوز ~~أن يجب عليه مال الكتابة مؤجلا ويستحق هو على المولى أن يعطيه من ماله ~~مقدار الربع فلا يصير قصاصا بل يستحق على المولى ms2225 تعجيله فيكون مال الكتابة ~~إلى أجله كمن له على رجل دين مؤجل فيصير للمدين على الطالب دين حال فلا ~~يصير قصاصا له قيل له إن الله تعالى لم يفرق بين الكتابة الحالة والمؤجلة ~~وكذلك من روى عنه من السلف الحط لم يفرقوا بين الحالة والمؤجلة ولم يفرق ~~أيضا بين أن يحل مال الكتابة المؤجل وبين أن لا يحل فيما ذكروا من الحط ~~والإيتاء فعلمنا أنه لم يرد به الإيجاب إذ لم يجعله قصاصا إذا كانت حالة أو ~~كانت مؤجلة فحلت وأوجب الإيتاء في الحالين والإيتاء هو الإعطاء وما يصير ~~قصاصا لا يطلق فيه الإعطاء ومما يدل من جهة السنة على ما وصفنا ما روى يونس ~~والليث عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت جاءتني بريرة فقالت يا عائشة إني ~~قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني ولم تكن قضت من ~~كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك ~~جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ~~ويكون ولاؤك لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ~~منها ابتاعي واعتقي فإنما الولاء لمن اعتق وذكر الحديث وروى مالك عن هشام ~~بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحوه فلما لم تكن قضت من كتابتها شيئا وأرادت ~~عائشة أن تؤدي عنها كتابتها كلها وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليها ولم يقل أنها تستحق أن يحط ~~عنها بعض كتابتها أو أن يعطيها المولى شيئا من ماله ثبت أن الحط من الكتابة ~~على الندب لا على الإيجاب لأنه لو كان واجبا لأنكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولقال لها ولم تدفعي إليهم مالا يجب لهم عليها ويدل عليه أيضا ما روى ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أن جويرية جاءت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني وقعت في ms2226 سهم ثابت بن قيس بن شماس ~~أولا بن عم له فكاتبته فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على ~~كتابتي فقال فهل لك في خير من ذلك فقالت وما هو يا رسول الله فقال أقضي عنك ~~كتابتك وأتزوجك قالت نعم قد فعلت ففي هذا الحديث أنه بذل لجويرية أداء جميع ~~كتابتها عنها إلى مولاها ولو كان الحط واجبا لكان الذي يقصد إليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالأداء PageV05P183 عنها باقي كتابتها وقد روى عن عمر ~~وعثمان والزبير ومن قدمنا قولهم من السلف أنهم لم يكونوا يرون الحط واجبا ~~ولا يروى عن نظرائهم خلافه وما روي عن علي فيه فقد بينا أنه يدل على أنه ~~رآه ندبا لا إيجابا ويدل عليه ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني عبدالصمد قال حدثنا همام قال حدثنا عباس ~~الجريري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب ~~على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد فلو كان الحط واجبا لأسقط ~~عنه بقدره وفي ذلك دلالة على أنه غير مستحق والله أعلم # | باب الكتابة الحالة # قال الله تعالى قكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا فاقتضى ذلك جوازها حالة ~~ومؤجلة لإطلاقه ذلك من غير شرط الأجل والاسم يتناولها في حال التعجيل ~~والتأجيل كالبيع والإجارة وسائر العقود فواجب جوازها حالة لعموم اللفظ وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد تجوز الكتابة ~~الحالة فإن إداها حين طلبها المولى منه وإلا رد في الرق وقال ابن القاسم عن ~~مالك في رجل قال كاتبوا عبدي على ألف ولم يضرب لها أجلا أنها تنجم على ~~المكاتب على قدر ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته قال فالكتابة عند الناس ~~منجمة ولا تكون حالة إن أبى ذلك السيد وقال الليث إنما جعل التنجيم ms2227 على ~~المكاتب رفقا بالمكاتب ولم يجعل ذلك رفقا بالسيد وقال المزني عن الشافعي لا ~~تجوز الكتابة على أقل من نجمين قال أبو بكر قد ذكرنا دلالة الآية على ~~جوازها حالة وأيضا لما كان مال الكتابة بدلا عن الرقبة كان بمنزلة أثمان ~~الأعيان المبيعة فتجوز عاجلة وآجلة وأيضا لا يختلفون في جواز العتق على مال ~~حال فوجب أن تكون الكتابة مثله لأنه يدل على العتق في الحالين إلا أن في ~~أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر معجل فوجب أن لا يختلف حكمهما ~~في جوازهما على بدل عاجل فإن قيل العبد لا يملك فيحتاج بعد الكتابة إلى مدة ~~يمكنه الكسب فيها فوجب أن لا تجوز إلا مؤجلة إذ كانت تقتضي الأداء ومتى ~~امتنع الأداء لم تصح الكتابة قيل له هذا غلط لأن عقد الكتابة يوجب ثبوت ~~المال في ذمته للمولى ويصير بها المكاتب في يد نفسه ويملك اكتسابه وتصرفه ~~وهو بمنزلة سائر الديون الثابتة في الذمم التي يجوز العقد PageV05P184 ~~عليها ولو كانت هذه علة صحيحة لوجب أن لا يجوز العتق على مال حال لأنه لم ~~يكن مالكا لشيء قبل العقد وإن جاز ذلك لأنه يملك في المستقبل بعد العتق ~~فكذلك المكاتب يملك إكسابه بعقد الكتابة ولوجب أيضا أن لا يجوز شرى الفقير ~~لابنه بثمن حال لأنه لا يملك شيئا وأن يعتق عليه إذا ملكه فلا يقدر على ~~الأداء فإن قلت إنه يملك أن يستقرض قلنا في المكاتب مثله # | باب الكتابة من غير ذكر الحرية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك بن أنس إذا كاتبه على ألف درهم ~~ولم يقل إن أديت فأنت حر فهو جائز ويعتق بالأداء وقال المزني عن الشافعي ~~إذا كاتبه على مائة دينار إلى عشر سنين كذا كذا نجما فهو جائز ولا يعتق حتى ~~يقول في الكتابة إذا أديت هذا فأنت حر ويقول بعد ذلك إن قولي قد كاتبتك كان ~~معقودا على أنك إذا أديت فأنت حر قال أبو بكر قوله تعالى @QB@ فكاتبوهم إن ~~علمتم ms2228 فيهم خيرا @QE@ يقتضي جوازها من غير شرط الحرية ويتضمن الحرية لأن ~~الله تعالى لم يقل فكاتبوهم على شرط الحرية فدل على أن اللفظ يتضمنها كلفظ ~~الخلع في تضمنه للطلاق ولفظ البيع فيما يتضمن من التمليك والإجارة فيما ~~يقتضيه من تمليك المنافع والنكاح في اقتضائه تمليك منافع البضع ويدل عليه ~~أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواقي فهو رقيق فأجاز ~~الكتابة مطلقة على هذا الوجه من غير شرط حرية فيها وإذا صحت الكتابة مطلقة ~~من غير شرط حرية وجب أن يعتق بالأداء لأن صحة الكتابة تقتضي وقوع العتق ~~بالأداء # | باب المكاتب متى يعتق # قال أبو بكر حكى أبو جعفر الطحاوي عن بعض أهل العلم أنه حكى عن ابن عباس ~~أن المكاتب يعتق بعقد الكتابة وتكون الكتابة دينا عليه قال أبو جعفر لم نجد ~~لذلك إسنادا ولم يقل به أحد نعلمه قال وقد روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما ~~بقي عليه دية عبد ورواه أيضا يحيى ابن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس وقال ~~ابن عمر وزيد ين ثابث وعائشة وأم سلمة PageV05P185 وإحدى الروايتين عن عمر ~~أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وروي عن عمر أنه إذا أدى النصف فهو غريم ~~ولا رق عليه وقال ابن مسعود إذا أدى ثلثا أو ربعا فهو غريم وهو قول شريح ~~وروى إبراهيم عن عبدالله أنه إذا أدى قيمة رقبته فهو غريم قال أبو بكر ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبدالله قال ~~حدثنا أبو بدر قال حدثنا سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم ومن ~~جهة النظر أن الأداء لما كان ms2229 مشروطا في العتق وجب أن لا يعتق إلا بأداء ~~الجميع كالعتق المعلق على شرط لا يقع إلا بوجود كمال الشرط ألا ترى أنه إذا ~~قال إذا كلمت فلانا وفلانا فأنت حر أن العتق لا يقع إلا بكلامهما ويدل عليه ~~أنه لما كان مال الكتابة بدلا من العتق لم يخل ذلك من أحد وجهين إما أن ~~يوقع العتق بنفس العقد وذلك خلاف السنة والنظر على ما بينا أو أن يوقعه بعد ~~الأداء فيكون بمنزلة البياعات التي لا يستحق تسليمها إلا بأداء جميع الثمن ~~فثبت حين لم يقع بالعقد أنه لا يقع إلا بأداء الجميع واختلفوا في المكاتب ~~إذا مات وترك وفاء فقال علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن الزبير تؤدى ~~كتابته بعد موته ويعتق وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد وابن أبي ~~ليلى وابن شبرمة وعثمان البتي والثوري والحسن ابن صالح وقالوا إن فضل شيء ~~فهو ميراث لورثته فإن لم يترك وفاء وترك ولدا وافى كتابته سعوا فيما على ~~أبيهم من النجوم وقال مالك والليث إن ترك ولدا قد دخلوا في كتابته سعوا ~~فيها على النجوم وعتق المكاتب وولده وإن لم يترك من دخل في كتابته فقد مات ~~عبدا لا تؤدى كتابته من ماله وجميع ماله للمولى وقال الشافعي إذا مات وقد ~~بقي عليه درهم فقد مات عبدا لا يلحقه عتق بعد ذلك وروي عن ابن عمر أن جميع ~~ماله لسيده ولا تؤدى منه كتابته قال أبو بكر لا تخلوا الكتابة من أن تكون ~~في معنى الأيمان المعقودة على شروط يبطلها موت المولى أو العبد أيهما كان ~~مثل أن يقول إن دخلت الدار فأنت حر ثم يموت المولى أو العبد فيبطل اليمين ~~ولا يعتق بالشرط أو أن تكون في معنى عقود البياعات التي لا تبطلها الشروط ~~فلما كان موت المولى لا يبطل الكتابة ويعتق بالأداء إلى الورثة وجب أن لا ~~يبطله موت العبد أيضا ما دام الأداء ممكنا وهو أن يترك وفاء فتؤدى كتابته ~~من ماله ويحكم ms2230 بعتقه قبل الموت بلا فصل فإن قيل لا يصح PageV05P186 عتق ~~الميت وقد علمنا أنه مات عبدا لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم قيل له إذا ~~مات وترك وفاء فحكمه موقوف مراعى فإن أديت كتابته حكمنا بأنه كان حرا قبل ~~الموت بلا فصل كما أن الميت لا يصح منه إيقاع عتق بعد الموت ثم إذا مات ~~المولى فأدى المكاتب الكتابة حكمنا بعتق موقع من جهة الميت ويكون الولاء له ~~وليس يمتنع في الأصول نظائر ذلك من كون الشيء مراعى على معنى متى وجد حكم ~~بوقوعه بحال متقدمة مثل من جرح رجلا فيكون حكم جراحته مراعى فلو مات الجارح ~~ثم مات المجروح من الجراحة حكمنا بأنه كان قاتلا يوم الجراحة مع استحالة ~~وقوع القتل منه بعد موته وكما أن رجلا لو حفر بئرا في طريق المسلمين ثم مات ~~فوقعت فيها دابة لحقه ضمانها وصار بمنزلة جنايته قبل الموت من بعض الوجوه ~~فلو كان ترك عبدا فأعتقه الوارث ثم وقعت فيها دابة ضمن الوارث قيمة العبد ~~وحكمنا في باب الضمان بأن الجناية كانت موجودة يوم الموت ولو أن رجلا مات ~~وترك حملا فوضعته لأقل من سنتين بيوم ورثه وإن كان معلوما أنه كان نطفة وقت ~~موته ولم يكن ولدا ثم قد حكمنا له بحكم الولد حين وضعته ولو أن رجلا مات ~~وترك ابنين وألف درهم وعليه دين ألف درهم أنهما لا يرثانه فإن مات أحد ~~الابنين عن ابن ثم أبرأ الغريم من الدين أخذ ابن الميت منها حصته ميراثا عن ~~أبيه ومعلوم أن الابن لم يكن مالكا له يوم الموت ولكنه جعل في حكم المالك ~~لتقدم سببه كذلك المكاتب يحكم بعتقه عند الأداء قبل الموت بلا فصل ألا ترى ~~أن المقتول خطأ لا تجب ديته إلا بعد الموت وهو لا يملك بعد الموت شيئا ~~فجعلت الدية في حكم ما هو مالكه في باب كونها ميراثا لورثته وأنه يقضي منها ~~دينه وتنفذ منها وصاياه قوله تعالى @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن ms2231 تحصنا @QE@ روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال كان عبدالله بن أبي ~~يقول لجاريته اذهبي فابغينا شيئا فأنزل الله تعالى @QB@ ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء @QE@ الآية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ومن يكرههن الآية قال ~~لهن غفور رحيم قال أبو بكر أخبر تعالى أن المكرهة على الزنا مغفور لها ما ~~فعلته على وجه الأكراه كما بين تعالى في آية أخرى أن الإكراه على الكفر ~~يزيل حكمه إذا أظهره المكره عليه بلسانه وإنما قال إن أردن تحصنا لو أرادت ~~الزنا ولم ترد التحصن ثم فعلته على ما ظهر من الإكراه وهي مريدة له كانت ~~آثمة بهذه الإرادة وكان حكم الإكراه زائلا عنها في PageV05P187 الباطن وإن ~~كان ثابتا في الظاهر وكذلك من أكره على الكفر وهو يأباه في الظاهر إلا أنه ~~فعله مريدا له لا على وجه الأكراه كان كافرا وكذلك قال أصحابنا فيمن أكره ~~على أن يقول الله ثالث ثلاثة على أن يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فخطر ~~بباله أن يقوله على وجه الحكاية عن الكفار أو أن يعتقد شتم محمد آخر غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصرف قصده ونيته إلى ذلك واعتقد أن يقوله على ~~الوجه الذي أكره عليه كان كافرا قوله تعالى الله نور السموات والأرض روي عن ~~ابن عباس في إحدى الروايتين وعن أنس هادى أهل السموات والأرض وعن ابن عباس ~~أيضا وأبي العالية والحسن منور السموات والأرض بنجومها وشمسها وقمرها وقوله ~~تعالى مثل نوره قال أبي بن كعب والضحاك الضمير عائد على المؤمن في قوله ~~نوره بمعنى مثل النور الذي في قلبه بهداية الله تعالى وقال ابن عباس عائد ~~على اسم الله بمعنى مثل نور الله الذي هدى به المؤمن وعن ابن عباس أيضا مثل ~~نوره وهو طاعته وقال ابن عباس وابن جريج المشكاة الكوة التي لا منفذ لها ~~وقيل إن المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو مثل الكوة وعن أبي بن ~~كعب قال هو مثل ضربه الله تعالى لقلب ms2232 المؤمن فالمشكاة صدره والمصباح القرآن ~~والزجاجة قلبه قال فهو بين أربع خلال إن أعطى شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم ~~عدل وإن قال صدق وقال نور على نور فهو ينقلب على خمسة أنوار فكلامه نور ~~وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة ~~وقيل نور على نور أي نور الهدى إلى توحيده على نور الهدى بالقرآن الذي أتى ~~به من عنده وقال زيد بن أسلم نور على نور يضيء بعضه بعضا قوله تعالى في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها الآية قيل إن معناه إن ~~المصابيح المقدم ذكرها في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو وقيل توقد في بيوت أذن الله أن ترفع وقال ابن عباس هذه البيوت ~~هي المساجد وكذلك قال الحسن ومجاهد وقال مجاهد أن ترفع أن تعظم بذكره لأنها ~~مواضع الصلوات والذكر وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن صلاة ~~الضحى فقال إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ في بيوت أذن ~~الله أن ترفع قال أبو بكر يجوز أن يكون المراد الأمرين جميعا من رفعها ~~بالبناء ومن تعظيمها جميعا لأنها مبنية لذكر الله والصلاة وهذا PageV05P188 ~~يدل على أنه يجب تنزيهها من العقود فيها لأمور الدنيا مثل البيع والشراء ~~وعمل الصناعات ولغو الحديث الذي لا فائدة فيه والسفه وما جرى مجرى ذلك وقد ~~ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ~~ورفع أصواتكم وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم وضعوا على ~~أبوابها المطاهر وقوله تعالى @QB@ يسبح له فيها بالغدو والآصال @QE@ قال ~~ابن عباس والضحاك يصلى له فيها بالغداة والعشي وقال ابن عباس كل تسبيح في ~~القرآن صلاة وقوله تعالى @QB@ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~@QE@ روي عن الحسن في هذه الآية والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق فإذا ~~حضر حق من حقوق الله بدأوا بحق ms2233 الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم وعن ~~عطاء قال شهود الصلاة المكتوبة وقال مجاهد عن ذكر الله قال عن مواقيت ~~الصلاة ورأى ابن مسعود أقواما يتجرون فلما حضرت الصلاة قاموا إليها قال هذا ~~من الذين قال الله تعالى فيهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقوله ~~تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض فإن التسبيح هو التنزيه ~~لله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات فجميع ما خلقه الله منزه له من جهة ~~الدلالة عليه والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة الإعتقاد والوصف له بما ~~يليق به وتنزيهه عما لا يجوز عليه وقوله تعالى كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~يعني صلاة من يصلي منهم فالله يعلمها وقال مجاهد الصلاة للإنسان والتسبيح ~~لكل شيء وقوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء قيل إن من الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من ~~السماء والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال التي في السماء والثالثة ~~لتبيين الجنس إذ كان جنس تلك الجبال جنس البرد وقوله تعالى والله خلق كل ~~دابة من ماء قيل إن أصل الخلق من ماء ثم قلب إلى النار فخلق منه الجن ثم ~~إلى الريح فخلقت الملائكة منها ثم إلى الطين فخلق آدم منه وذكر الذي يمشي ~~على رجلين والذي يمشي على أربع ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع لأنه ~~كالذي يمشي على أربع في رأي العين فترك ذكره لأن العبرة تكفي بذكر الأربع # | باب لزوم الإجابة لمن دعي إلى الحاكم # قال الله تعالى @QB@ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون @QE@ وهذا يدل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم ~~فعليه إجابته والمصير معه إليه لأن قوله PageV05P189 تعالى وإذا دعوا إلى ~~الله معناه إلى حكم الله ويدل على أن من أتى الحاكم فادعى على غيره حقا أن ~~على الحاكم أن يعد به ويحضره ويحول بينه ms2234 وبين تصرفه وإشغاله وقد حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم الحربي قال حدثنا عبدالله بن شبيب قال ~~حدثنا أبو بكر ابن شيبة قال حدثنا فليح قال حدثني محمد بن جعفر عن يحبى بن ~~سعيد وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن الأغر الجهني قال جئت أستعدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل لي عليه شطر تمر فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر اذهب معه فخذله حقه وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا ~~حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا رجاء الحافظ قال حدثنا شاهين قال حدثنا ~~روح بن عطاء عن أبيه عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال حدثنا عبدالرحمن بن صالح قال حدثنا يحيى ~~عن أبي الأشهب عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعي إلى ~~حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا محمد ابن بشر أخو خطاب قال حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا حاتم عن ~~عبدالله بن محمد بن سجل عن أبيه عن أبي حدرد قال كان ليهودي على أربعة ~~دراهم فاستعدى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لي على هذا أربعة ~~دراهم وقد غلبني عليها فقال أعطه حقه قلت والذي بعثك بالحق نبيا ما أصبحت ~~أقدر عليها قال أعطه حقه فأعدت عليه فقال أعطه حقه فخرجت معه السوق فكانت ~~على رأسي عمامة وعلى بردة متزر بها فاتزرت بالعمامة وقال اشتر البرد ~~فاشتراه بأربعة دراهم فهذه الأخبار مواطئة لما دلت عليه الآية وقوله تعالى ~~@QB@ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا @QE@ تأكيد لما تقدم ذكره من وجوب الإجابة إلى الحكم ~~إذا دعوا إليه وجعل ذلك من صفات المؤمنين ودل على أن من ms2235 دعي إلى ذلك فعليه ~~الإجابة بالقول بديا بأن يقول سمعنا وأطعنا ثم يصير معه إلى الحاكم وقوله ~~تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة ~~معروفة روي عن مجاهد قال هذه طاعة معروفة منكم بالقول لا بالاعتقاد بخير عن ~~كذبهم فيما أقسموا عليه وقيل إن المعنى طاعة وقول معروف أمثل من هذا القسم ~~وقوله تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض @QE@ فيه الدلالة على صحة نبوة النبي = لأنه قصر ذلك على قوم ~~بأعيانهم بقوله الذين آمنوا PageV05P190 منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض فوجد مخبره على ما أخبر به فيهم وفيه الدلالة على صحة إمامة ~~الخلفاء الأربعة لأن الله استخلفهم في الأرض ومكن لهم كما جاء الوعد ولا ~~يدخل فيهم معاوية لأنه لم يكن مؤمنا في ذلك الوقت # | باب استئذان المماليك والصبيان # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم الاية وروي ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر ~~وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبدالرحمن @QB@ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~@QE@ قالا هو في النساء خاصة وفي الرجال يستأذنون على كل حال بالليل ~~والنهار قال أبو بكر أنكر بعضهم هذا التأويل قال لأن النساء لا يطلق فيهن ~~الذين إذا انفردن وإنما يقال اللاتي كما قال تعالى واللائي يئسن من المحيض ~~قال أبو بكر هذا يجوز إذا عبر بلفظ المماليك كما أن النساء إذا عبر عنهن ~~بالأشخاص وكذلك جائز أن تذكر الإناث إذا عبرت عنهن بلفظ المماليك دون ~~النساء ودون الإماء لأن التذكير والتأنيث يتبعان اللفظ كما تقول ثلاث ملاحف ~~فإذا عبرت بالأزر ذكرت فقلت ثلاثة أزر فالظاهر أن المراد الذكور والإناث من ~~المماليك وليس العبيد لأن العبيد مأمورين بالاستئذان في كل وقت ما يوجب ~~الاقتصار بالأمر في العورات الثلاث على الإماء دونهم إذ كانوا مأمورين به ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن السرح والصباح بن ~~سفيان وابن عبدة وهذا ms2236 حديثه قال أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ~~ابن عباس قال سمعته يقول لم يأمر بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر ~~جاريتي هذه تستأذن علي وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~القعنبي قال حدثنا عبدالعزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمر وعن عكرمة أن نفرا ~~من أهل العراق قالوا يا ابن عباس كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما ~~أمرنا ولا يعمل بها أحد قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات الآية إلى قوله ~~عليم حكيم قال ابن عباس إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ~~ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل على ~~الرجل وأهله فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم PageV05P191 ~~الله بالستور والخير فلم أر أحد يعمل بذلك بعد قال أبو بكر وفي بعض ألفاظ ~~حديث ابن عباس هذا وهو حديث سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو فلما أتى ~~الله بالخير واتخذوا الستور والحجاب رأى الناس أن ذلك قد كفاهم من ~~الاستئذان الذي أمروا به فأخبر ابن عباس أن الأمر بالاستئذان في هذه الآية ~~كان متعلقا بسبب فلما زال السبب زال الحكم وهذا يدل على أنه لم ير الآية ~~منسوخة وإن مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وقال الشعبي أيضا إنها ليست ~~بمنسوخة وهذا نحو ما فرض الله تعالى من الميراث بالموالاة بقوله تعالى @QB@ ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم @QE@ فكانوا يتوارثون بذلك فلما أوجب ~~التوارث بالنسب جعل ذوي الأنساب أولى من مولى الموالاة ومتى فقد النسب عاد ~~ميراث المعاقدة والولاء وقال جابر بن زيد في قوله ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم أبناءهم الذين عقلوا ولم يبلغوا الحلم ~~من الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل صلاة الفجر وحين يقيلون ~~ويخلون وبعد صلاة العشاء وهي العتمة فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن ~~الذين ms2237 من قبلهم إخوانهم إذا كانوا رجالا ونساء لا يدخلون على آبائهم الا ~~بإذن ساعة يدخلون أي ساعة كانت وروي ابن جريج عن مجاهد ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم قال عبيدكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات قال من ~~أحراركم وروي عن عطاء مثله وأنكر بعضهم هذا التأويل لأن العبد البالغ ~~بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته فكيف يجمع إلى الصبيان الذين ~~هم غير مكلفين قال فالأظهر أن يكون المراد العبيد الصغار والإماء وصغارنا ~~الذين لم يبلغوا الحلم وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ليستأذنكم الذين ~~لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم وقال سعيد ابن جبير والشعبي هذا مما ~~تهاون به الناس وما نسخت وقال أبو قلابة ليس بواجب وهو كقوله تعالى وأشهدوا ~~إذا تبايعتم وقال القاسم بن محمد يستأذن عند كل عورة ثم هو طواف بعدها يعني ~~أنه يستأذن عند أوقات الخلوة والتفضل في الثياب وطرحها وهو طواف بعدها ~~لأنها أوقات الستر ولا يستطيع الخادم والغلام والصبي الامتناع من الدخول ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة أنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات يعني أنه لا يستطاع الامتناع منها وروي أن رجلا قال لعمر استأذن ~~على أمي قال نعم وكذلك قال ابن عباس وابن مسعود PageV05P192 # ( فصل ) قوله تعالى والذين لم يبلغوا الحلم منكم يدل على بطلان قول من ~~جعل حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك لأن الله تعالى لم يفرق ~~بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى ~~يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم ولم يفرق بين من بلغ خمس ~~عشرة سنة وبين من لم يبلغها وأما حديث ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجز وعرض عليه يوم الخندق وله خمس ~~عشرة سنة ms2238 فأجازه فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس وأحد في سنة ثلاث ~~فكيف يكون بينهما سنة ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ ~~لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويجاز غير البالغ لقوته على القتال وطاقته لحمل ~~السلاح كما أجاز رافع بن خديج ورد سمرة بن جندب فلما قيل له إنه يصرعه ~~أمرهما فتصارعا فصرعه سمرة فأجازه ولم يسأله عن سنه وأيضا فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يسأل ابن عمر عن مبلغ سنه في الأول ولا في الثاني وإنما ~~اعتبر حاله في قوته وضعفه فاعتبار السن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه ~~في وقت ورده في وقت ساقط وقد اتفق الفقهاء على ان الاحتلام بلوغ واختلفوا ~~إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة لا يكون الغلام بالغا حتى ~~يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة وقال أبو يوسف ~~ومحمد والشافعي في الغلام والجارية خمس عشرة سنة وذهبوا فيه إلى حديث ابن ~~عمر وقد بينا أنه لا دلالة فيه على أنها حد البلوغ ويدل عليه أنه لم يسأله ~~عن الاحتلام ولا عن السن ولما ثبت بما وصفنا أن الخمس عشرة ليست ببلوغ ~~وظاهر قوله والذين لم يبلغوا الحلم منكم ينفي أيضا أن تكون الخمس عشرة ~~بلوغا على الحد الذي بينا صار طريق إثبات حد البلوغ بعد ذلك الاجتهاد لأنه ~~حد بين الصغر والكبر الذين قد عرفنا طريقهما وهو واسطة بينهما فكان طريقه ~~الاجتهاد وليس يتوجه على القائل بما وصفنا سؤال كالمجتهد في تقويم ~~المستهلكات وأروش الجنايات التي لا توقيف في مقاديرها ومهور الأمثال ونحوها ~~فإن قيل فلا بد من أن يكون اعتباره لهذا المقدار دون غيره لضرب من الترجيح ~~على غيره يوجب تغليب ذلك في رأيه دون ما عداه من المقادير قيل له قد علمنا ~~أن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان طريقه العادات فقد تجوز ~~الزيادة فيه والنقصان منه وقد وجدنا من بلغ في ms2239 اثنتي عشرة سنة وقد بينا ~~PageV05P193 أن الزيادة على المعتاد من الخمس عشرة جائزة كالنقصان عنه فجعل ~~أبو حنيفة الزيادة على المعتاد كالنقصان عنه وهي ثلاث سنين كما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما جعل المعتاد من حيض النساء ستا أو سبعا بقوله لحمنة ~~بنت جحش تحيضين في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر اقتضى ~~ذلك أن يكون العادة ستا ونصفا لأنه جعل السابع مشكوكا فيه بقوله ستا أو ~~سبعا ثم قد ثبت عندنا أن النقصان عن المعتاد ثلاث ونصف لإن أقل الحيض عندنا ~~ثلاث وأكثره عشرة فكانت الزيادة على المعتاد بإزاء النقصان منه وجب أن يكون ~~كذلك اعتبار الزيادة على المعتاد فيما وصفنا وقد حكي عن أبي حنيفة تسع عشرة ~~سنة للغلام وهو محمول على استكمال ثماني عشرة والدخول في التاسع عشرة ~~واختلف في الإثبات هل يكون بلوغا فلم يجعله أصحابنا بلوغا والشافعي يجعله ~~بلوغا وظاهر قوله والذين لم يبلغوا الحلم منكم ينفي أن يكون الإثبات بلوغا ~~ذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة بلوغا وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم وعن ~~الصبي حتى يحتلم وهذا خبر منقول من طريق الاستفاضة قد استعمله السلف والخلف ~~في رفع حكم القلم عن المجنون والنائم والصبي واحتج من جعله بلوغا بحديث ~~عبدالملك بن عمير عن عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من ~~أنبت من بني قريظة واستحيى من لم ينبت قال فنظروا إلي فلم أكن أنبت ~~فاستبقاني وهذا حديث لا يجوز إثبات الشرع بمثله إذ كان عطية هذا مجهولا لا ~~يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية والخبر في نفي البلوغ ~~إلا بالإحتلام ومع ذلك فهو مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت ~~عليه المواسي وفي بعضها من أخضر أزره ومعلوم أن لا يبلغ هذه الحال إلا وقد ~~تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه المواسي إلا وهو رجل كبير فجعل الإنبات ~~وجرى المواسي عليه كناية ms2240 عن بلوغ القدر الذي ذكرنا في السن وهي ثماني عشرة ~~وأكثر وروي عن عقبة بن عامر وأبي بصرة الغفاري أنهما قسما في الغنيمة لمن ~~نبت وهذا لا دلالة فيه على أنهما رأيا الإنبات بلوغا لإن القسمة جائزة ~~للصبيان على وجه الرضخ وقد روي عن قوم من السلف شيء في اعتبار طول الإنسان ~~ولم يأخذ به أحد من الفقهاء وروى محمد بن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر ~~بغلام قد سرق فأمره فشبر فنقص أنملة فخلى عنه وروى قتادة عن خلاس عن علي ~~قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ~~وإذا استعانه رجل بغير إذن أهله لم يبلغ خمسة أشبار PageV05P194 فهو ضامن ~~وروى ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن ابن الزبير أتى بوصيف لعمر بن أبي ربيعة ~~قد سرق فقطعه ثم حدث أن عمر كتب إليه في غلام من أهل العراق فكتب إليه أن ~~أشبره فشبره فنقص أنملة فسمى نميلة قال أبو بكر وهذه أقاويل شاذة بأسانيد ~~ضعيفة تبعد أن تكون من أقاويل السلف إذ الطول والقصر لا يدلان على بلوغ ولا ~~نفيه لأنه قد يكون قصيرا وله عشرون سنة وقد يكون طويلا ولم يبلغ خمس عشرة ~~سنة ولم يحتلم وقوله @QB@ والذين لم يبلغوا الحلم منكم @QE@ / يدل على أن ~~من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح وإن لم يكن ~~من أهل التكليف على جهة التعليم كما أمرهم الله تعالى بالاستئذان في هذه ~~الأوقات وقد روى عن عبدالملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الغلام سبع سنين فمروه بالصلاة ~~وإذا بلغ عشرا فاضربوه عليها وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ~~واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهم في المضاجع وعن ابن مسعود قال ~~حافظوا على أبنائكم في الصلاة وروى ms2241 نافع عن ابن عمر قال يعلم الصبي الصلاة ~~إذا عرف يمينه من شماله وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال ~~كان علي بن الحسين يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب ~~والعشاء جميعا فيقال له يصلون الصلاة لغير وقتها فيقول هذا خير من أن ~~يتناهوا عنها وروى هشام بن عروة إنه كان يأمر بنيه بالصلاة إذا عقلوها ~~وبالصوم إذا طاقوه وروى أبو إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال إذا ~~بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم قال ~~أبو بكر إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل ~~عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه وكذلك يجنب شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ~~وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يؤمر بذلك في الصغر وخلى وسائر شهواته ~~وما يؤثره ويختاره يصعب عليه بعد البلوغ الإقلاع عنه وقال الله تعالى @QB@ ~~قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ روي في التفسير أدبوهم وعلموهم وكما ينهى عن ~~اعتقاد الكفر والشرك وإظهاره وإن لم يكن مكلفا كذلك حكم الشرائع وقوله ~~تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم الآية يعني أن الأطفال إذا بلغوا الحلم ~~فعليهم الاستئذان في سائر الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم وهم المذكورون ~~في قوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ~~وفيه PageV05P195 دلالة على أن الاحتلام بلوغ وقوله ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض يعني بعد هذه العورات الثلاث جائز ~~للإماء والذين لم يبلغوا الحلم أن يدخلوا بغير استئذان إذ كانت الأوقات ~~الثلاث هي حال التكشف والخلوة وما بعدها حال الستر والتأهب لدخول هؤلاء ~~الذين يشق عليهم الاستئذان في كل وقت لكثرة دخولهم وخروجهم وهو معنى طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض # | في اسم صلاة العشاء # قوله تعالى ومن بعد صلاة العشاء روي عن عبدالرحمن بن عوف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا تغلبكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن ms2242 الله تعالى ~~قال ومن بعد صلاة العشاء وإن الأعراب يسمونها العتمة وإنما العتمة عتمة ~~الإبل للحلاب وقوله تعالى @QB@ والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~@QE@ الآية قال ابن مسعود ومجاهد والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هن اللاتي ~~لا يردنه وثيابهن جلابيبهن وقال إبراهيم وابن جبير الرداء وقال الحسن ~~الجلباب والمنطق وعن جابر بن زيد يضعن الخمار والرداء قال أبو بكر لا خلاف ~~في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للإجنبي النظر إليه كشعر الشابة وأنها إن ~~صلت مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها فغير جائز أن يكون المراد ~~وضع الخمار بحضرة الأجنبي فإن قيل إنما أباح الله تعالى لها بهذه الآية أن ~~تضع خمارها في الخلوة بحيث لا يراها أحد قيل له فإذا لا معنى لتخصيص ~~القواعد بذلك إذ كان للشابة أن تفعل ذلك في خلوة وفي ذلك دليل على أنه إنما ~~أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس وأباح لها ~~بذلك كشف وجهها ويدها لأنها لا تشتهي وقال تعالى وأن يستعففن خير لهن فأباح ~~له وضع الجلباب وأخبر أن الاستعفاف بأن لا تضع ثيابها أيضا بين يدي الرجال ~~خير لها وقوله تعالى ليس على الأعمى حرج الآية قال أبو بكر قد اختلف السلف ~~في تأويله وسبب نزوله فحدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا جعفر بن محمد ~~ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبدالله بن صالح عن معاوية بن ~~صالح عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج قال لما نزلت ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل قال المسلمون إن الله تعالى قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا ~~بالباطل PageV05P196 وإن الطعام من أفضل أموالنا ولا يحل لأحد أن يأكل عند ~~أحد فكف الناس عن ذلك فأنزل الله تعالى ليس على الأعمى حرج الآية فهذا أحد ~~التأويلات وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ms2243 أبو عبيد ~~قال حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال كان رجال زمنى ~~وعميان وعرجان وأولو حاجة يستتبعهم رجال إلى بيوتهم فإن لم يجدوا لهم طعاما ~~ذهبوا إلى بيوت آبائهم ومن معهم فكره المستتبعون ذلك فنزلت لا جناح عليكم ~~الآية وأحل لهم الطعام حيث وجدوه من ذلك فهذا تأويل ثان وحدثنا جعفر بن ~~محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن ~~مهدي عن ابن المبارك عن معمر قال قلت للزهري ما بال الأعمى والأعرج والمريض ~~ذكروا ههنا فقال أخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن المسلمين كانوا ~~إذا غزوا خلفوا زمناهم في بيوتهم ودفعوا إليهم المفاتيح وقالوا قد أحللنا ~~لكم أن تأكلوا منها فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب فنزلت ~~هذه الآية رخصة لهم فهذا تأويل ثالث وروي فيه تأويل رابع وهو ما روى سفيان ~~عن قيس بن مسلم عن مقسم قال كانوا يمتنعون أن يأكلوا مع الأعمى والمريض ~~والأعرج لأنه لا ينال ما ينال الصحيح فنزلت هذه الآية وقد أنكر بعض أهل ~~العلم هذا التأويل لأنه لم يقل ليس عليكم حرج في مؤاكلة الأعمى وإنما أزال ~~الحرج عن الأعمى ومن ذكر معه في الأكل فهذا في الأعمى إذا أكل من مال غيره ~~على أحد الوجوه المذكورة عن السلف وإن كان تأويل مقسم محتملا على بعد في ~~الكلام وتأويل ابن عباس ظاهره لأن قوله تعالى @QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم @QE@ 6 ولم يكن هذا تجارة وامتنعوا ~~من الأكل فأنزل الله إباحة ذلك وأما تأويل مجاهد فهو سائغ من وجهين أحدهما ~~أنه قد كانت العادة عندهم بذل الطعام لأقربائهم ومن معهم فكان جريان العادة ~~به كالنطق به فأباح الله للأعمى ومن ذكر معه إذا استتبعوا أن يأكلوا من ~~بيوت من اتبعوهم وبيوت آبائهم والثاني أن ذلك فيمن كان به ضرورة إلى الطعام ~~وقد كانت الضيافة واجبة في ذلك الزمان ms2244 لأمثالهم فكان ذلك القدر مستحقا من ~~مالهم لهؤلاء فلذلك أبيح لهم أن يأكلوا منه مقدار الحاجة بغير إذن وقال ~~قتادة إن أكلت من بيت صديقك بغير إذنه فلا بأس لقوله أو صديقكم وروي أن ~~أعرابيا دخل على الحسن فرأى سفرة معلقة فأخذها وجعل يأكل منها فبكى ~~PageV05P197 الحسن فقيل له ما يبكيك فقال ذكرت بما صنع هذا إخوانا لي مضوا ~~يعني أنهم كانوا ينبسطون في مثل ذلك ولا يستأذنون وهذا أيضا على ما كانت ~~العادة قد جرت به منهم في مثله وقوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم يعني والله أعلم من البيوت التي هم سكانها وهم عيال غيرهم فيها مثل ~~أهل الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله فيأكل من بيته ونسبها إليهم ~~لأنهم سكانها وإن كانوا في عيال غيرهم وهو صاحب المنزل لأنه لا يجوز أن ~~يكون المراد الإباحة للرجل أن يأكل من مال نفسه إذ كان ظاهر الخطاب ~~وابتداؤه في إباحة الأكل للإنسان من مال غيره وقال الله @QB@ أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم @QE@ فأباح الأكل ~~من بيوت هؤلاء الأقرباء ذوي المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم ~~وفقد التمانع في أمثاله ولم يذكر الأكل في بيوت الأولاد لأن قوله تعالى ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم قد أفاده لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وقال إن أطيب ما أكل الرجل من ~~كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ~~ذكر بيوت الأولاد إذ كانت منسوبة إلى الآباء وقوله تعالى أو ما ملكتم ~~مفاتحه أو صديقكم روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أو ما ملكتم مفاتحه ~~قال هو الرجل يؤكل الرجل بصنعته يرخص له أن يأكل من ذلك الطعام والثمر ~~ويشرب من ذلك اللبن وعن عكرمة في قوله أو ما ملكتم مفاتحه قال إذا ملك ~~المفتاح فهو جائز ولا بأس أن يطعم ms2245 الشيء اليسير وروى سعيد عن قتادة في قوله ~~@QB@ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج @QE@ قال كان الرجل لا يضيف ~~أحدا ولا يأكل من بيت غيره تأثما من ذلك وكان أول من رخص الله له في ذلك ثم ~~رخص للناس عامة فقال ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إلى قوله أو ما ~~ملكتم مفاتحه مما عندك يا ابن آدم أو صديقكم ولو دخلت على صديق فأكلت من ~~طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالا قال أبو بكر وهذا أيضا مبني على ما جرت ~~العادة بالإذن فيه فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به وهو مثل ما تتصدق به ~~المرأة من بيت زوجها بالكسرة ونحوها من غير استئذانها إياه لأنه متعارف ~~أنهم لا يمنعون من مثله كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان إلى طعامهما ~~ويتصدقان باليسير مما في أيديهما فيجوز بغير إذن المولى وقوله أوصديقكم ~~PageV05P198 روى الأعمش عن نافع عن ابن عمر قال لقد رأيتني وما الرجل ~~المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم وروى عبدالله الرصافي عن محمد ~~بن علي قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى أحدهم أنه أحق ~~بالدينار والدرهم من أخيه وروى إسحاق بن كثير قال حدثنا الرصافي قال كنا ~~عند أبي جعفر يوما فقال هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ ماله ~~قلنا لا قال ما أنتم بإخوان قال أبو بكر قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ~~ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ~~ودخولها من غير إذنهم فلا يكون ماله محرزا منهم فإن قيل فينبغي أن لا يقطع ~~إذا سرق من صديقه لأن في الآية إباحة الأكل من طعامه قيل له من أراد سرقة ~~ماله لا يكون صديقا له وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وبقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم ~~إلا بطيبة من نفسه قال أبو بكر ms2246 ليس في ذلك ما يوجب نسخه لأن هذه الآية فيمن ~~ذكر فيها وقوله @QB@ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم @QE@ في سائر الناس غيرهم ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه ~~وقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا روى سعيد عن قتادة ~~قال كان هذا الحي من كنانة بني خزيمة يرى أحدهم أنه محرم عليه أن لا يأكل ~~وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من ~~يؤاكله ويشاربه فأنزل الله @QB@ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ~~@QE@ وروى الوليد بن مسلم قال حدثنا وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إنا نأكل ولا نشبع قال فلعلكم ~~تفترقون قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك ~~لكم فيه وقال ابن عباس جميعا أو أشتاتا المعنى يأكل مع الفقير في بيته وقال ~~أبو صالح كان إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا إلا معه وقيل إن الرجل كان ~~يخاف إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه فامتنعوا لأجل ذلك من ~~الاجتماع على الطعام قال أبو بكر هذا تأويل محتمل وقد دل على هذا المعنى ~~قوله @QB@ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ~~@QE@ فأباح لهم أن يخلطوا طعام اليتيم بطعامهم فيأكلوه جميعا ونحوه قوله ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق ~~منه فكان الورق لهم جميعا والطعام بينهم فاستجازوا أكله فكذلك قوله ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا يجوز أن يكون PageV05P199 مراده أن يأكلوا ~~جميعا طعاما بينهم وهي المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار وقوله تعالى ~~@QB@ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم @QE@ تحية روى معمر عن الحسن ~~فسلموا على أنفسكم يسلم بعضكم على بعض كقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وروى ~~معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال هو المسجد إذا دخلته ms2247 فقل السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين وقال نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دخل بيتا ~~ليس فيه أحد قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا كان فيه أحد ~~قال السلام عليكم وإذا دخل المسجد قال بسم الله السلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال الزهري فسلموا على أنفسكم إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك ~~فهم أحق من سلمت عليه وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين فإنه كان يأمر بذلك حدثنا أن الملائكة ترد عليه قال أبو ~~بكر لما كان اللفظ محتملا لسائر الوجوه تأوله السلف عليها وجب أن يكون ~~الجميع مرادا بعموم اللفظ وقوله تعالى تحية من عند الله مباركة طيبة يعني ~~إن السلام تحية من الله لأن الله أمر به وهي مباركة طيبة لأنه دعاء بالسلام ~~فيبقى أثره ومنفعته وفيه الدلالة على أن قوله @QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها @QE@ قد أريد به السلام وقوله تعالى وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه قال الحسن وسعيد بن جبير في الجهاد ~~وقال عطاء في كل أمر جامع وقال مكحول في الجمعة والقتال وقال الزهري الجمعة ~~وقال قتادة كل أمر هو طاعة لله قال أبو بكر هو في جميع ذلك لعموم اللفظ ~~وقال سعيد عن قتادة إذا كانوا معه على أمر جامع الآية قال كان الله أنزل ~~قبل ذلك في سورة براءة عفا الله عنك لم أذنت لهم فرخص له في هذه السورة ~~فأذن لمن شئت منهم فنسخت هذه الآية التي في سورة براءة وقد قيل إنه لا معنى ~~للإستئذان للمحدث في الجمعة لأنه لا وجه لمقامه ولا يجوز للإمام منعه فلا ~~معنى للإستئذان فيه وإنما هو فيما يحتاج الإمام فيه إلى معونتهم في القتال ~~أو الرأي وقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا روي عن ~~ابن عباس قال يعني احذروا إذا أسخطتموه دعاءه عليكم فإن دعاءه مجاب ليس ~~كدعاء غيره ms2248 وقال مجاهد وقتادة ادعوه بالخضوع والتعظيم نحو يا رسول الله يا ~~نبي الله ولا تقولوا يا محمد كما يقول بعضكم لبعض قال أبو بكر هو على ~~الأمرين جميعا لاحتمال اللفظ لهما وقوله تعالى @QB@ قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا @QE@ يعني به المنافقين الذين كانوا PageV05P200 ~~ينصرفون عن أمر جامع من غير استئذان يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به لئلا يراه ~~النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم معناه فليحذر الذين يخالفون أمره ودخل ~~عليه حرف الجر لجواز ذلك في اللغة كقوله فبما نقضهم ميثاقهم معناه فبما ~~نقضهم ميثاقهم والهاء في أمره يحتمل أن يكون ضميرا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ويحتمل أن يكون ضميرا لله تعالى والأظهر أنها لله لأنه يليه وحكم ~~الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها وفيه دلالة على أن أوامر الله ~~على الوجوب لأنه ألزم للوم والعقاب يخالفه الأمر وذلك يكون على وجهين ~~أحدهما أن لا يقبله فيخالفه بالرد له والثاني أن لا يفعل المأمور به وإن ~~كان مقرا بوجوبه عليه ومعتقدا للزومه فهو على الأمرين جميعا ومن قصره على ~~أحد الوجهين دون الآخر خصه بغير دلالة ومن الناس من يحتج به في أن أفعال ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب وذلك أنه جعل الضمير في أمره للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وفعله يسمى أمره كما قال تعالى وما أمر فرعون برشيد ~~يعني أفعاله وأقواله وهذا ليس كذلك عندنا لأن اسم الله تعالى فيه بعد اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله @QB@ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا @QE@ وهو الذي تليه الكناية فينبغي أن يكون راجعا إليه دون غيره آخر ~~سورة النور # | ومن سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ الطهور على وجه ~~المبالغة في الوصف له بالطهارة وتطهير غيره فهو طاهر مطهر كما يقال رجل ~~ضروب وقتول أي يضرب ويقتل وهو مبالغة ms2249 في الوصف له بذلك والوضوء يسمى طهورا ~~لأنه طهر من الحدث المانع من الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور أي بما يطهر وقال النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا فسماه طهورا من حيث استباح به الصلاة وقام مقام الماء ~~فيه وقد اختلف في حكم الماء على ثلاثة أنحاء أحدها إذا خالط الماء غيره من ~~الأشياء الطاهرة والثاني إذا خالطته نجاسة والثالث الماء المستعمل فقال ~~أصحابنا إذا لم تخالطه نجاسة ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم الماء ~~لأجل الغلبة ولم يستعمل لطهارة البدن فالوضوء به جائز فإن غلب عليه غيره ~~حتى يزيل عنه اسم الماء مثل المرق وماء الباقلاء والخل ونحوه فإن الوضوء به ~~غير جائز وما طبخ بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون فالوضوء به ~~PageV05P201 جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي وكذلك إن وقع ~~فيه زعفران أو شيء مما يصبغ بصبغه وغير لونه فالوضوء به جائز لأجل غلبة ~~الماء وقال مالك لا يتوضأ بالماء الذي يبل فيه الخبز وقال الحسن بن صالح ~~إذا توضأ بزردج أو نشاسبتح أو بخل أجزأه وكذلك كل شيء غير لونه وقال ~~الشافعي إذا بل فيه خبزا وغير ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف ~~إلى ما خالطه وخرج منه فلا يجوز التطهر به وكذلك الماء الذي غلب عليه ~~الزعفران أو الأشنان وكثير من أصحابه يشرط فيه أن يكون بعض الغسل بغير ~~الماء قال أبو بكر الأصل فيه قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق إلى قوله فلم تجدوا ماء فيه الدلالة من وجهين على قولنا أحدهما أن ~~قوله فاغسلوا عموم في سائر المائعات بجواز إطلاق اسم الغسل فيها والثاني ~~قوله تعالى فلم تجدوا ماء ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا فيه ماء ~~وإن خالطه غيره وإنما أباح الله تعالى التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأن ~~قوله ماء اسم منكر يتناول كل ms2250 جزء منه وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه ~~غيره لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيه وأباح الوضوء بسؤر الهرة ~~وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما وأيضا لا خلاف في جواز الوضوء بماء ~~المد والسيل مع تغير لونه بمخالطة الطين له وما يكون في الصحارى من الحشيش ~~والنبات ومن أجل مخالطة ذلك له يرى متغيرا إلى السواد تارة وإلى الحمرة ~~والصفرة أخرى فصار ذلك أصلا في جميع ما خالطه الماء إذا لم يغلب عليه ~~فيسلبه اسم الماء فإن قيل إذا كان الماء المنفرد عن غيره لو استعمله ~~للطهارة ولم يكفه ثم اختلط به غيره فكفاه بالذي خالطه نحو ماء الورد ~~والزعفران فقد حصل بعض وضوئه بما لا تجوز الطهارة به مما لو أفرده لم يطهر ~~فلا فرق بين اختلاطه بالماء وبين إفراده بالغسل قيل له هذا غلط من وجوه ~~أحدها أن ما خالطه من هذه الأشياء الطاهرة التي يجوز استعماله لغير الطهارة ~~إذا كان قليلا سقط حكمه وكان الحكم لما غلب ألا ترى أن اللبن الذي خالطه ~~ماء يسير لا يزول عنه اسم اللبن وأن من شرب من حب قد وقعت فيه قطرة من خمر ~~لا يقال له شارب خمر ولم يجب عليه الحد لأن ذلك الجزء قد صار مستهلكا فيه ~~فسقط حكمه كذلك الماء إذا كان هو الغالب والجزء الذي خالطه إذا كان يسيرا ~~سقط حكمه ومن جهة أخرى أنه إن كانت العلة ما ذكرت فينبغي أن يجوز ~~PageV05P202 إذا كان الماء الذي استعمله لو انفرد عما خالطه كان كافيا ~~لطهارته إذ لا فرق بين انفراد الماء في الاستعمال وبين اختلاطه بما لا يوجب ~~تنجيسه فإذا كان لو استعمل الماء منفردا عما خالطه من اللبن وماء الورد ~~ونحوه وكان طهورا وجب أن يكون ذلك حكمه إذا خالطه غيره لأن مخالطة غيره له ~~لا تخرجه من أن يكون مستعملا للماء المفروض به الطهارة فهذا الذي ms2251 ذكرته يدل ~~على بطلان قولك وهدم أصلك وأيضا فينبغي أن تجيزه إذ أكثر غسل أعضائه بذلك ~~الماء لأنه قد استعمل من الماء في أعضاء الوضوء ما لو انفرد نفسه كان كافيا ~~فإن قيل قال الله تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ فجعل الماء ~~المنزل من السماء طهورا فإذا خالطه غيره فليس هو المنزل من السماء بعينه ~~فلا يكون طهورا قيل له مخالطة غيره له لا تخرجه من أن يكون الماء هو المنزل ~~من السماء ألا ترى أن اختلاف الطين بماء السيل لم يخرجه من أن يكون الماء ~~الذي فيه هو المنزل بعينه وإن لم يكن وقت نزوله من السماء مخالطا للطين ~~وكذلك ماء البحر لم ينزل من السماء على هذه الهيئة والوضوء به جائز لأن ~~الغالب عليه هو الماء المنزل من السماء فهو إذا مع اختلاط غيره به متطهر ~~بالماء الذي أنزله الله من السماء وسماه طهورا فإن قيل فيجب على هذا جواز ~~الوضوء بالماء الذي خالطته نجاسة يسيرة لأنه لم يخرج بمخالطة النجاسة إياه ~~من أن يكون هذا الماء هو المنزل من السماء قيل له الماء المخالط للنجاسة هو ~~باق بحاله لم يصر نجس العين فلو لم يكن هناك إلا مخالطة غيره له لما منعنا ~~الوضوء به ولكنا منعنا الطهارة به مع كونه ماء منزلا من السماء من قبل أنه ~~لا نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة واستعمال النجاسة محظور ~~فإنما منعنا استعمال النجاسة وليس بمحظور علينا استعمال الأشياء الطاهرة ~~وإن خالطت الماء فإذا حصل معه استعمال الماء للطهارة جاز كمن توضأ بماء ~~القراح ثم مسح وجهه بماء الورد أو بماء الزعفران فلا يبطل ذلك طهارته وقد ~~أجاز الشافعي الوضوء بما ألقي فيه كافور وعنبر وهو يوجد منه ريحه وبما ~~خالطه ورد يسير وإن وقع مثله من النجاسة في أقل من قلتين لم يجز استعماله ~~فليس قياس النجاسة قياس الأشياء الطاهرة إذا خالطت الماء فإن قيل يلزمك أن ~~تجيز الوضوء بالماء الذي يخالطه ما يغلب عليه شيء ms2252 من الأشياء الطاهرة إذا ~~كان الماء لو انفرد كفاء لوضوئه لأنه لو انفرد جاز ولأنه هو المنزل من ~~السماء في حال المخالطة وإن غلب عليه غيره حتى سلبه إطلاق اسم الماء قيل له ~~لا يجب ذلك من قبل أن PageV05P203 غلبة غيره عليه ينقله إلى حكمه ويسقط حكم ~~القليل معه بدلالة أن قطرة من خمر لو وقعت في حق ماء فشرب منه إنسان لم يقل ~~إنه شارب خمر ولا يجب عليه الحد ولو أن خمرا صب فيها ماء فمزجت به فكان ~~الخمر هو الغالب لإطلاق الناس عليه أنه شارب خمر وكان حكمه في وجوب الحد ~~عليه حكم شاربها صرفا غير ممزوجة وأما ماء الورد وماء الزعفران وعصارة ~~الريحان والشجر فلم يمنع الوضوء به من أجل مخالطة غيره ولكن لأنه ليس ~~بالماء المفروض به الطهارة ولا يتناوله الاسم إلا بتقييد كما سمى الله ~~تعالى المني ماء بقوله ألم نخلقكم من ماء مهين وقال والله خلق كل دابة من ~~ماء وليس هو من الماء المفروض به الطهارة في شيء وأما مذهب الحسن بن صالح ~~في إجازته الوضوء بالخل ونحوه فإنه يلزمه إجازته بالمرق وبعصير العنب لو ~~خالطه شيء يسير من ماء ولو جاز ذلك لجاز الوضوء بسائر المائعات من الأدهان ~~وغيرها وهذا خلاف الإجماع ولو جاز ذلك لجاز التيمم بالدقيق والأشنان قياسا ~~على التراب # فصل وأما الماء الذي خالطته نجاسة فإن مذهب أصحابنا فيه إن كل ما تيقنا ~~فيه جزء من النجاسة أو غلب في الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا ~~الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والماء الراكد والجاري لأن ماء البحر لو ~~وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري ~~وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ~~فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى ~~الطرف الآخر وليس هذا كلاما في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز ~~استعماله ms2253 وبعضها لا يجوز استعماله ولذلك قالوا لا يجوز استعمال الماء الذي ~~في الناحية التي فيها النجاسة وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في الماء ~~الذي حلته نجاسة فروي عن حذيفة أنه سئل عن غدير يطرح فيه الميتة والحيض ~~فقال توضؤا فإن الماء لا يخبث وقال ابن عباس في الجنب يدخل الحمام إن الماء ~~لا يجنب وقال أبو هريرة رواية في الماء ترده السباع والكلاب فقال الماء لا ~~يتنجس وقال ابن المسيب أنزل الله الماء طهورا لا ينجسه شيء وقال الحسن ~~والزهري في البول في الماء لا ينجس ما لم يغيره بريح أو لون أو طعم وقال ~~عطاء وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى الماء لا ينجسه شيء وكذلك روي عن القاسم ~~وسالم وأبي العالية وهو قول ربيعة وقال أبو هريرة رواية لا يخبث ~~PageV05P204 أربعين دلوا شيء وهو قول سعيد بن جبير في رواية وقال عبدالله ~~بن عمر إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وروي عن ابن عباس أنه قال ~~الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غربا وهو قول محمد بن كعب ~~القرظي وقال مسروق والنخعي وابن سيرين إذا كان الماء كرا لم ينجسه شيء وقال ~~سعيد بن جبير رواية الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال ~~مجاهد إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء وقال عبيد بن عمير لو أن قطرة من ~~مسكر قطرت في قربة من الماء لحرم ذلك الماء على أهله وقال مالك والأوزاعي ~~لا يفسد الماء بالنجاسة إلا أن يتغير طعمه أو ريحه وقد ذكر عن مالك مسائل ~~في موت الدجاجة في البئر أنها تنزف إلا أن تغلبهم ويعيد الصلاة من توضأ به ~~ما دام في الوقت وهذا عنده استحباب وكذلك يقول أصحابه أن كل موضع يقول فيه ~~مالك أنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب وقال في الحوض إذا اغتسل فيه ~~جنب أفسده وهذا ايضا عنده استحباب ترك استعماله وإن توضأ به أجزأه وكره ~~الليث للجنب ms2254 أن يغتسل في البئر وقال الحسن بن صالح لا بأس أن يغتسل الجنب ~~في الماء الراكد الكثير القائم في النهر والسبخة وكره الوضوء بالماء ~~بالفلاة إذا كان أقل من قدر الكر وروي نحوه عن علقمة وابن سيرين والكر ~~عندهم ثلاثة آلاف رطل ومائتا رطل وقال الشافعي إذا كان الماء قلتين بقلال ~~هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه وإن كان أقل يتنجس بوقوع النجاسة ~~اليسيرة والذي يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ~~والنجاسات لا محالة من الخبائث وقال إنما حرم عليكم الميتة والدم وقال في ~~الخمر رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين ~~فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما كان لا يستبرئ من البول ~~والآخر كان يمشي بالنميمة فحرم الله هذه الأشياء تحريما مبهما ولم يفرق بين ~~حال انفرادها واختلاطها بالماء فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا فيه جزءا من ~~النجاسة ويكون جهة الحظر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة من طريق ~~الماء المباح في الأصل لأنه متى اجتمع في شيء جهة الحظر وجهة الإباحة فجهة ~~الحظر أولى ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مائة جزء ~~وللآخر جزء واحد إن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة وأنه غير جائز ~~لواحد منهما وطؤها فإن قيل لم غلبت جهة الحظر في النجاسة على جهة الإيجاب ~~في استعمال الماء الذي قد حلته نجاسة إذا لم تجد PageV05P205 ماء غيره ~~ومعلوم أن استعماله في هذه الحال واجب إذا لزمه فرض أداء الصلاة وإنما ~~اجتمع ههنا جهة الحظر وجهة الإيجاب قيل له قولك أنه قد اجتمع فيه جهة الحظر ~~وجهة الإيجاب خطأ لأنه إنما يجب استعمال الماء الذي لا نجاسة فيه فأما ما ~~فيه نجاسة فلم يلزمه استعماله فإن قيل إنما يلزمه اجتناب النجاسة إذا كانت ~~متجردة بنفسها فأما إذا كانت مخالطة للماء فليس عليه اجتنابها قيل له عموم ~~ما ذكرنا من الآي والسنن قاض بلزوم اجتنابها ms2255 في حالة الإنفراد والإختلاط ~~ومن ادعى تخصيص شيء منه لم يجز له ذلك إلا بدلالة وأيضا فإذا كان واجدا ~~لماء غيره لم تخالطه نجاسة فليس بواجب عليه استعمال الماء الذي فيه النجاسة ~~وأكثر ما فيه عند مخالفنا جواز استعماله على وجه الإباحة وما ذكرناه من ~~لزوم اجتناب النجاسة يوجب الحظر والإباحة والحظر متى اجتمعا فالحكم للحظر ~~على ما بينا وإذا صح ذلك وكان واجدا لماء غيره وجب أن يكون ذلك حكمه إذا لم ~~يجد غيره لوجهين أحدهما لزوم استعمال الآي الحاظرة لاستعمال النجاسات فثبت ~~بذلك أن الحظر قد تناولها في حال اختلاطها به كهو في حال انفرادها والثاني ~~أن أحدا لم يفرق بين حال وجود ماء غيره وبينه إذا لم يجد غيره فإذا صح لنا ~~ذلك في حال وجود ماء غيره كانت الحال الأخرى مثله لاتفاق الجميع على امتناع ~~الفصل بينهما ووجه آخر يوجب أن يكون لزوم اجتناب النجاسة أولى من وجوب ~~استعمال الماء الذي هي فيه لعموم قوله فاغسلوا إذا لم يجد ماء غيره وهو أن ~~تحريم استعمال النجاسة متعلق بعينها ألا ترى أنه ما من نجاسة إلا وعلينا ~~اجتنابها وترك استعمالها إذا كانت منفردة والماء الذي لا نجد غيره لم يتعين ~~فيه لزوم الاستعمال ألا ترى أنه لو أعطاه إنسان ماء غيره أو غصبه فتوضأ به ~~كانت طهارته صحيحة فلما لم يتعين فرض طهارته بذلك وتعين على حظر استعمال ~~النجاسة صار للزوم اجتناب النجاسة مزية على وجوب استعمال الماء الذي لا يجد ~~غيره إذا كانت فيه النجاسة فوجب أن يكون العموم الموجب لاجتنابها أولى ~~وأيضا لا نعلم خلافا بين الفقهاء في سائر المائعات إذا خالطه اليسير من ~~النجاسة كاللبن والأدهان والخل ونحوه أن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير ~~وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه والدلالة من هذا الأصل على ما ذكرناه من ~~وجهين أحدهما لزوم اجتناب النجاسات بالعموم الذي قدمنا في حالي المخالطة ~~والانفراد والآخر أن حكم الحظر وهو النجاسات كان أغلب من حكم الإباحة وهو ~~الذي ms2256 خالطه من الأشياء PageV05P206 الطاهرة ولا فرق في ذلك بين أن يكون ~~الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره إذ كان عموم الآي والسنن شاملة له وإذ كان ~~المعنى وجود النجاسة فيه حظر استعماله ويدل على صحة قولنا من جهة السنة ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من ~~جنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسل فيه من جنابة ومعلوم أن البول القليل في الماء ~~الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته ومنع النبي صلى الله عليه وسلم ~~منه فإن قيل إنما منع البول القليل لأنه لو أبيح لكل أحد لكثر حتى يتغير ~~طعمه أو لونه أو رائحته فيفسد قيل له ظاهر نهيه يقتضي أن يكون القليل منهيا ~~عنه لنفسه لا لغيره وفي حمله على أنه ليس بمنهي عنه لنفسه وإنما منع لئلا ~~يفسد لغيره إثبات معنى غير مذكور في اللفظ ولا دلالة عليه وإسقاط حكم ~~المذكور في نفسه وعلى أنه متى حمل على ذلك زالت فائدته وسقط حكمه لعلمنا ~~بأن ما غير من النجاسات طعم الماء أو لونه أو رائحته محظورا استعماله بغير ~~هذا الخبر من النصوص والإجماع فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكمه رأسا وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة ~~فمنع البائل الإغتسال فيه بعد البول قبل أن يصير إلى حال التغير ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثا قبل ~~أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده فأمر بغسل اليد احتياطا من ~~نجاسة أصابته من موضع الإستنجاء ومعلوم أن مثلها إذا حلت الماء لم يغيره ~~ولولا أنها تفسده لما كان للأمر بالإحتياط منها معنى وحكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلاب بقوله طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن ~~يغسل سبعا وهو لا يغيره فإن قيل قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم إلى قوله تعالى ~~فلم تجدوا ماء وقوله تعالى ms2257 @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ ~~يدل من وجهين على جواز استعماله وإن كانت فيه نجاسة أحدهما عموم قوله تعالى ~~حتى تغتسلوا أن ذلك يقتضي جوازه بماء حلته النجاسة وبما لم تحله والوجه ~~الآخر قوله تعالى فلم تجدوا ماء ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا ماء ~~إذا كانت فيه نجاسة يسيرة لم تغيره وهذا يعارض ما استدللتم به من عموم الآي ~~والأخبار في حظر استعماله ماء خالطته نجاسة قيل له لو تعارض العمومان لكان ~~ما ذكرنا أولى من تضمنه من الحظر والإباحة والحظر متى اجتمعا كان الحكم ~~للحظر وعلى أن ما ذكرنا من حظر استعمال النجاسة قاض على ما ذكرت من العموم ~~فوجب أن يكون الغسل مأمورا بماء لا نجاسة فيه ألا ترى أنه إذا غيرته كان ~~محظورا وعموم إيجاب الحظر مستعمل فيه PageV05P207 دون عموم الأمر بالغسل ~~وكما قضى حظره لاستعمال النجاسات على قوله @QB@ لبنا خالصا سائغا للشاربين ~~@QE@ فإن كان ما حله منها يسيرا كذلك واجب أن يقضى على قوله تعالى فاغسلوا ~~وقوله فلم تجدوا ماء واحتج من أباح ذلك بقوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا وقوله وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وقوله صلى الله عليه ~~وسلم هو الطهور ماؤه والحل ميتته وصفه إياه بالتطهير يقتضي تطهير ما لاقاه ~~فيقال له معنى قوله طهورا يعتوره معنيان أحدهما رفع الحدث وإباحة الصلاة به ~~والآخر إزالة الأنجاس فأما نجاسة موجودة فيه لم تزلها عن نفسه فكيف يكون ~~مطهرا لها وعلى هذا القول ينبغي أن يكون معنى قوله طهورا أنه يجعل النجاسة ~~غير نجاسة وهذا محال لأن ما حله من أجزاء الدم والخمر وسائر الخبائث لا ~~يخرج من أن يكون أنجاسا كما أنها إذا ظهرت فيه لم يخرج من أن يكون أعيانها ~~نجسة ولم يكن لمجاورة الماء إياها حكم في تطهيرها فإن قيل إذا كان الماء ~~غالبا فلم يظهر فيه فالحكم للماء كما لو وقعت فيه قطرة من لبن أو غيره من ~~المائعات لم يزل عنه حكم ms2258 الماء لوجود الغلبة ولأن تلك الأجزاء مغمورة ~~مستهلكة فحكم النجاسة إذا حلت الماء حكم سائر المائعات إذا خالطته قيل له ~~هذا خطأ لأن المائعات كلها لا يختلف حكما فيما تخالطها من الأشياء الطاهرة ~~وإن الحكم للغالب منها دون المستهلكات المغمورة مما خالطها وقد اتفقنا على ~~أن مخالطة النجاسة اليسيرة لسائر المائعات غير الماء تفسدها ولم يكن للغلبة ~~معها حكم بل كان الحكم لها دون الغالب عليها من غيرها فكذلك الماء فإن كان ~~الماء إنما يكون مطهرا للنجاسة لمجاورته لها فواجب أن يطهرها بالمجاورة وإن ~~لم يكن غامرا لها وإن كان إنما يصير مطهرا لها من أجل غموره لها وغلبته ~~عليها فقد يكون سائر المائعات إذا خالطتها نجاسة غامرة لها وغالبة عليها ~~وكان الحكم مع ذلك للنجاسة دون ما غمرها ويدل على صحة قولنا ما اتفقوا عليه ~~من تحريم استعماله عند ظهور النجاسة فيه فالمعنى أنه لا نصل إلى استعماله ~~إلا باستعمال جزء من النجاسة وأيضا العلم بوجود النجاسة فيه كمشاهدتنا لها ~~كما أن علمنا بوجودها في سائر المائعات كمشاهدتنا لها بظهورها وكالنجاسة في ~~الثوب والبدن العلم بوجودها كمشاهدتها واحتج من خالف في ذلك بحديث أبي سعيد ~~الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر بضاعة وهي تطرح فيه عذرة ~~الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب فقال إن الماء طهور لا ينجسه شيء وبحديث ~~أبي بصرة عن جابر وأبي سعيد الخدري قالا كنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفر فانتهينا إلى غدير فيه PageV05P208 جيفة فكففنا وكف الناس حتى ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء ~~فاستقينا وارتوينا وبما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الماء طهور لا ينجسه شيء والجواب عن ذلك أنه قد حكي عن الواقدي أن بئر ~~بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين فهذا يدل على أنه كان جاريا حاملا لما ~~يقع فيه من الأنجاس وينفله وجائز أن يكون سئل عنها بعد ما ms2259 نظفت من الأخباث ~~فأخبر بطهارتها بعد ا لنزح وأما قصة الغدير فجائز أن تكون الجيفة كانت في ~~جانب منه فأباح صلى الله عليه وسلم الوضوء من الجانب الآخر وهذا يدل على ~~صحة قول أصحابنا في اعتبار الغدير وأما حديث ابن عباس فإن أصله ما رواه ~~سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~في جفنة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له إني ~~كنت جنبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الماء لا يجنب والمراد أن ~~إدخال الجنب يده فيه لا ينجسه فجائز أن يكون الراوي سمع ذلك فنقل المعنى ~~عنده اللفظ ويدل على أن معناه ما وصفنا أن من مذهب ابن عباس الحكم بتنجيس ~~الماء بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره وقد روى عطاء وابن سيرين أن زنجيا ~~مات في بئر زمزم فأمر ابن عباس بنزحها وروى حماد عن إبراهيم عن ابن عباس ~~قال إنما ينجس الحوض أن تقع فيه فتغتسل وأنت جنب فأما إذا أخذت بيدك تغتسل ~~فلا بأس ولو صح أيضا هذا اللفظ احتمل أن يكون في قصة بئر بضاعة فحذف ذكر ~~السبب ونقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن قوله الماء طهور لا ~~ينجسه شيء لا دلالة فيه على جواز استعماله وإنما كلامنا في جواز استعماله ~~بعد حلول النجاسة فيه فليس يجوز الاعتراض به على موضع الخلاف لأنا نقول إن ~~الماء طهور لا ينجسه شيء ومع ذلك لا يجوز استعماله إذا حلته نجاسة ولم يقل ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فاستعملوه حتى تحتج ~~به لقولك فإن قيل هذا الذي ذكرت يؤدي إلى إبطال فائدته قيل له قد سقط ~~استدلالك بالظاهر إذا وصرت إلى أن تستدل بغيره وهو أن حمله على غير مذهبك ~~تخلية من الفائدة ونحن نبين أن فيه ضروبا من الفوائد غير ما ادعيت من جواز ~~استعماله بعد حلول النجاسة فيه فنقول إنه ms2260 أفاد الماء لا ينجس بمجاورته ~~للنجاسة ولا يصير في حكم أعيان النجاسات واستفدنا به أن الثوب والبدن إذا ~~أصابتهما نجاسة فأزيلت بموالاة صب الماء عليها أن الباقي من الماء الذي في ~~الثوب ليس هو في حكم الماء الذي جاوره عين النجاسة فيلحقه حكمها لأنه إنما ~~جاور ما ليس PageV05P209 بنجس في نفسه وإنما يلحقه حكم النجاسة بمجاورته ~~لها ولولا قوله صلى الله عليه وسلم لكان جائزا أن يظن ظان أن الماء المجاور ~~للنجاسة قد صار في حكم عين النجاسة فينجس ما جاوره فلا يختلف حينئذ حكم ~~الماء الثاني والثالث إلى العاشر وأكثر من ذلك في كون جميعه نجاسا فأبطل ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا الظن وأفاد أن الماء الذي لحقه حكم النجاسة ~~من جهة المجاورة لا يكون في معنى أعيان النجاسات وأفادنا أيضا أن البئر إذا ~~ماتت يه فأرة فأخرجت أن حكم النجاسة إنما لحق ما جاور الفأرة دون ما جاور ~~هذا الماء وإن الفأرة تجعله بمنزلة أعيان النجاسات فلذلك حكمنا بتطهير بعض ~~ما بها فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرت لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم ~~الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه معنى لأن الماء المجاور ~~للنجاسة ليس نجس في نفسه مع ظهور النجاسة فيه قيل له هذا أيضا معنى صحيح ~~غير ما ادعيت واستفدنا به فائدة أخرى غير ما استفدناه بالخبر الذي اقتصر ~~فيه على قوله الماء طهور لا ينجسه شيء عاريا من ذكر الاستثناء وذلك لأنه ~~إخبار عن حال غلبة النجاسة وسقوط حكم الماء معها فيصير الجميع في حكم أعيان ~~النجاسات وأفاد بذلك أن الحكم للغالب كما تقول في الماء إذا مازجه اللبن أو ~~الخل أن الحكم للأغلب منهما وقد تكلمنا في هذه المسألة وفي مسئلة القلتين ~~في مواضع فأغنى عن إعادته ههنا # فصل وأما الماء المستعمل فإن أصحابنا والشافعي لا يجيزون الوضوء به على ~~اختلاف منهم في الماء المستعمل ما هو وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به على ms2261 ~~كراهة من مالك له والدليل على صحة القول الأول ما روى أبو عوانة عن داود بن ~~عبدالله الأودي عن حميد بن عبدالرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل وضوء ~~المرأة و تغتسل المرأة بفضل وضوء الرجل وليفترقا وفضل الطهور يتناول شيئين ~~ما يسيل من أعضاء المغتسل والآخر ما يبقى في الإناء بعد الغسل وعمومه ~~ينتظمهما فاقتضى ذلك النهي عن الوضوء بالماء المستعمل لأنه فضل طهور وأيضا ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من ~~جنابة وروى بكير بن عبدالله بن الأشج عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم ~~وهو جنب ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا بني ~~عبدالمطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس وعن عمر أنه قال لأسلم حين أكل ~~من تمر الصدقة أرأيت PageV05P210 لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه فدل تشبيه ~~الصدقة حين حرمها عليهم بغسالة أيدي الناس أن غسالة أيدي الناس لا يجوز ~~استعمالها ومن جهة النظر أن الماء إذا أزيل به الحدث مشبه للماء الذي أزيل ~~به النجاسة من حيث استباح الصلاة بهما فلما لم تجز الطهارة بالماء الذي ~~أزيل به النجاسة كذلك ما أزيل به الحدث ومن جهة أخرى وهي أن الاستعمال قد ~~أكسبه إضافة سلبه بها إطلاق الاسم فصار بمنزلة الماء الذي امتنع فيه إطلاق ~~اسم الماء بمخالطة غيره له والمستعمل أولى بذلك من جهة ما تعلق به من الحكم ~~في زوال الحدث أوحصول قربة فإن قيل فلو استعمله للتبرد لم يمنع ذلك جواز ~~استعماله للطهارة كذلك إذا استعمله للطهارة قيل له استعماله للتبرد لم يمنع ~~إطلاق الاسم فيه إذ لم يتعلق به حكم فهو كاستعماله في غسل ثوب طاهر واحتج ~~من أجاز ذلك بقوله تعالى @QB@ وأنزلنا من ms2262 السماء ماء طهورا @QE@ وقوله ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به قال فذلك يقتضي جواز الوضوء به من ~~وجهين أحدهما أنه لما لم يكن نجسا ولم تجاوره نجاسة وجب بقاؤه على الحال ~~الأولى والثاني أن قوله طهورا يقتضي جواز التطهير به مرة بعد أخرى فيقال له ~~إن بقاءه على الحالة الأولى بعد الطهارة هو موضع الخلاف وما ذكرت من العموم ~~فإنما هو فيما لم يستعمل فيبقى على إطلاقه فأما ما يتناوله الاسم مقيدا فلم ~~يتناوله العموم وأما قولك أن كونه طهورا يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد ~~أخرى فليس كذلك لأن ذلك إنما يذكر على جهة المبالغة في الوصف له بالطهارة ~~أو التطهير ولا دلالة فيه على التكرار كما يقال رجل ضروب بالسيف ويراد ~~المبالغة في الوصف بالضرب وليس المقتضى فيه تكرار الفعل ويقال رجل أكول إذا ~~كان يأكل كثيرا وإن كان أكله في مجلس واحد ولا يراد به تكرار الأكل وقد ~~بينا ذلك في مواضع أيضا وقوله تعالى @QB@ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله ~~نسبا وصهرا @QE@ يجوز أن يريد به الماء الذي خلق منه أصل الحيوان في قوله ~~وجعلنا من الماء كل شيء حي وقوله والله خلق كل دابة من ماء ويجوز أن يريد ~~به النطفة التي خلق منها ولد آدم وقوله فجعله نسبا وصهرا قال طاوس الرضاعة ~~من الصهر وقال الضحاك رواية النسب الرضاع والصهر الختونة وقال الفراء النسب ~~الذي لا يحل نكاحه والصهر النسب الذي يحل نكاحه كبنات العم وقيل إن النسب ~~ما رجع إلى ولادة قريبة والصهر خلطة تشبه القرابة وقال الضحاك النسب ~~PageV05P211 سبعة أصناف ذكروا في قوله حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وبنات ~~الأخت والصهر خمسة أصناف ذكروا في قوله وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إلى قوله ~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم قال أبو بكر والتعارف في الأصهار أنهم كل ~~ذي رحم محرم من نساء من أضيف إليه ذلك ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى الأصهار ~~فلان إنه لكل ذي رحم محرم لنساء فلان وهو المتعارف من ms2263 مفهوم كلام الناس قال ~~والأختان أزواج البنات وكل ذات محرم من المضاف إليه الختن وكل ذي رحم محرم ~~من الأزواج أيضا وقد يستعمل الصهر في موضع الختن فيسمون الختن صهرا قال ~~الشاعر % سميتها إذ ولدت تموت % والقبر صهر ضامن زميت % # | فأقام الصهر مقام الختن وهو محمول على المتعارف من ذلك قوله تعالى @QB@ ~~وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة @QE@ الآية روى شمر بن عطية عن ابن سلمة ~~قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين فاتتني الصلاة فقال ~~أبدل ما فاتك من ليلك في نهارك فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا وروى يونس عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وعبدالله ~~بن عتبة أنهما أخبرا عن عبدالرحمن بن عبدالقاري قال سمعت عمر بن الخطاب ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نام عن جزئه أو عن شيء منه فقرأه ~~فيما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل وقال الحسن ~~جعل الليل والنهار خلفة جعل أحدهما خلفة للآخر إن فات من النهار شيء أدركه ~~بالليل وكذلك لو فات من الليل قال أبو بكر هذا في نحو قوله @QB@ وأقم ~~الصلاة لذكري @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها وقد روي عن مجاهد في قوله خلفة أحدهما ~~أسود والآخر أبيض وقيل يذهب أحدهما ويجيء الآخر وقوله تعالى @QB@ وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا @QE@ روى ابن أبي نجيح عن مجاهد هونا ~~قال بالوقار والسكينة وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما قال سدادا وعن ~~الحسن أيضا يمشون على الأرض هونا حلماء لا يجهلون على أحاد وإن جهل عليهم ~~حلموا قد براهم الخوف كأنهم القداح هذا نهارهم ينتشرون به في الناس والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما قال هذا ليلهم إذا دخل يراوحون بين أطرافهم فهم ~~بينهم وبين ربهم وعن ابن عباس يمشون على الأرض هونا قال بالتواضع لا ~~يتكبرون وقوله ms2264 PageV05P212 تعالى @QB@ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا @QE@ روى ابن أبي نجيح عن مجاهد والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا قال من أنفق درهما في معصية الله فهو مسرف ولم يقتروا البخل منع حق ~~الله وكان بين ذلك قواما قال القصد والإنفاق في طاعة الله عز وجل وقال ابن ~~سيرين السرف إنفاقه في غير حق وقوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر الآية روى الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله قال جاء رجل فقال يا رسول ~~الله أي الذنب أكبر قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال ثم أي قال أن تقتل ~~ولدك خشية أن يطعم معك قال ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك قال فأنزل الله ~~تصديق ذلك في كتابه والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله أثاما قوله ~~تعالى والذين لا يشهدون الزور عن أبي حنيفة الزور الغنا وعن ابن عباس في ~~قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال يشتري المغنية وعن عبدالله ~~بن مسعود مثله وعن مجاهد قال ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال الغناء وكل ~~لعب ولهو وروى ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ~~ورنة شيطان وصوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان وروى عبيدالله بن زحر عن ~~بكر بن سوادة عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إن الله حرم علي الخمر والكوبة والغناء قال محمد بن الحنفية أيضا في قوله ~~لا يشهدون الزور أن لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا قال أبو بكر يحتمل أن يريد به الغنا على ما تأولوه ~~عليه ويحتمل أيضا القول بما لا علم للقائل به وهو على الأمرين لعموم اللفظ ~~قوله تعالى @QB@ وإذا مروا باللغو مروا كراما @QE@ قال سعيد بن جبير ms2265 ومجاهد ~~إذا أوذوا مروا كراما صفحوا وروى أبو مخزوم عن سنان إذا مروا باللغة مروا ~~كراما قال إذا مروا بالرفث كنوا وقال الحسن اللغو كله المعاصي قال السدي هي ~~مكية قال أبو بكر يعني أنه قبل الأمر بقتال المشركين وقوله تعالى إن عذابها ~~كان غراما قيل لازما ملحا دائما ومنه الغريم لملازمته والحاجة وأنه لمغرم ~~بالنساء أي ملازم لهن لا يصبر عنهن وقال الأعشى % إن يعاقب يكن غراما وإن ~~يع % ط جزيلا فإنه لا يبالي % # وقال بشر بن أبي حازم PageV05P213 % يوم النساء ويوم الجفا % ركانا عذابا ~~وكان غراما % # | قال لنا أبو عمر غلام ثعلب أصل الغرم اللزوم في اللغة وذكر نحوا مما ~~قدمنا ويسمى الدين غرما ومغرما لأنه يقتضي اللزوم والمطالبة فيقال للطالب ~~الغريم لأن له اللزوم وللمطلوب غريم لأنه يثبت عليه اللزوم وعلى هذا قوله ~~صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه يعني دينه الذي ~~هو مرهون به وزعم الشافعي أن الغرم الهلاك قال أبو عمر وهذا خطأ في اللغة ~~وروي عن الحسن أنه قال ليس غريم إلا مفارقا غريمه غير جهنم فإنها لا تفارق ~~غريمها قوله تعالى قرة أعين قال الحسن قرة الأعين في الدنيا وهو أن يرى ~~العبد من زوجته ومن أخيه طاعة الله تعالى وقال والله ما شيء أقر لعين ~~المسلم من أن يرى ولده أو والده أو ولد ولده أو أخاه حميما مطيعا لله تعالى ~~وعن سلمة بن كهيل أقربهم عينا أن يطيعوك وروى أبو أسامة عن الأحوص بن حكيم ~~عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رزق ~~إيمانا وحسن خلق فذاك إمام المتقين وقال مجاهد والحسن واجعلنا للمتقين ~~إماما نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا وقوله تعالى قل ما يعبؤا بكم ~~ربي لولا دعاؤكم قال مجاهد ما يصنع بكم ربي وهو لا يحتاج إليكم لولا دعاؤه ~~إياكم إلى طاعته لتنتفعوا أنتم بذلك آخر سورة الفرقان # ومن سورة الشعراء $ بسم الله ms2266 الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ واجعل لي لسان صدق في الآخرين @QE@ قال الثناء الحسن ~~فاليهود تقر بنبوته وكذلك النصارى وأكثر الأمم وقيل اجعل من ولدي من يقوم ~~بالحق ويدعو إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به وقوله تعالى ~~إلا من أتى الله بقلب سليم قيل إنما سأل سلامة القلب لأنه إذا سلم القلب ~~سلم سائر الجوارح من الفساد إذ الفساد بالجوارح لا يكون إلا عن قصد فاسد ~~بالقلب فإن اجتمع مع ذاك جهل فقد عدم السلامة من وجهين وروى النعمان بن ~~بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأعلم مضغة إذا صلحت صلح البدن ~~كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وقوله تعالى وإنه لتنزيل رب ~~العالمين إلى قوله وإنه لفي زبر الأولين أخبر عن القرآن بأنه تنزيل رب ~~العالمين ثم أخبر أنه في زبر الأولين ومعلوم أنه لم يكن في زبر الأولين ~~بهذه اللغة فهذا مما يحتج به في أن نقله PageV05P214 إلى لغة أخرى لا يخرجه ~~من أن يكون قرآنا لإطلاق اللفظ بأنه في زبر الأولين مع كونه فيها بغير ~~اللغة العربية وقوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون روى سفيان عن سلمة بن ~~كهيل عن مجاهد في قوله والشعراء يتبعهم الغاوون قال عصاة الجن وروى خصيف عن ~~مجاهد @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون @QE@ قال الشاعران يتهاجيان فيكون لهذا ~~أتباع ولهذا أتباع من الغواة فذم الله الشعراء الذين صفتهم ما ذكر وهم ~~الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون وشبهه بالهائم على وجهه في كل ~~واد يعن له لما يغلب عليه من الهوى غير مفكر في صحة ما يقول ولا فساده ولا ~~في عاقبة أمره وقال ابن عباس وقتادة في كل واد يهيمون في كل لغوة يخوضون ~~يمدحون ويذمون يعنون الأباطيل وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا ومعناه الشعر ~~المذموم الذي ذم الله قائله في هذه الآية لأنه قد استثنى ms2267 المؤمنين منهم ~~بقوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ~~ما ظلموا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحسان اهجهم ومعك روح ~~القدس وذلك موافق لقوله وانتصروا من بعد ما ظلموا كقوله تعالى @QB@ ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل @QE@ وقوله لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم وروى أبي بن كعب وعبدالله بن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إن من الشعر لحكمة آخر سورة الشعر # | ومن سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج @QE@ من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر وليس ~~فيه دلالة على ما ذكروا لأنه شرط منافعه لشعيب عليه السلام ولم يشرط لها ~~مهرا فهو بمنزلة من تزوج امرأة بغير مهر مسمى وشرط لوليها منافع الزوج مدة ~~معلومة فهذا إنما يدل على جواز عقد من غير تسمية مهر وشرطه للمولى ذلك يدل ~~على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد وجائز أن يكون قد ~~كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة فإن كان كذلك فهذا ~~منسوخ بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على أنه قد كان جائزا في تلك ~~الشريعة أن يشرط للولي منفعة ويحتج به في جواز الزيادة في العقود لقوله ~~تعالى فإن PageV05P215 أتممت عشرا فمن عندك قال ابن عباس قضى موسى أتم ~~الأجلين وأوفاهما قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه الآية قال مجاهد ~~كان ناس من أهل الكتاب أسلموا فآذاهم المشركون فصفحوا عنهم يقولون سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين قال أبو بكر هذا سلام متاركة وليس بتحية وهو نحو ~~قوله وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله واهجرني مليا وقال إبراهيم ~~سلام عليك سأستغفر لك ربي ومن الناس من يظن أن هذا يجوز على جواز ابتداء ~~الكافر بالسلام وليس كذلك لما وصفنا من أن السلام ms2268 ينصرف على معنيين أحدهما ~~المسالمة التي هي المتاركة والثاني التحية التي هي دعاء بالسلامة والأمن ~~نحو تسليم المسلمين بعضهم على بعض وقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمن على ~~المؤمن ست أحدهما أن يسلم عليه إذا لقيه وقوله تعالى وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها وقوله تحيتهم فيها سلام وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الكفار لا تبدؤهم بالسلام وأنه إذا سلم عليكم أهل الكتاب ~~فقولوا وعليكم قوله فوكزه موسى فقضى عليه وقال تعالى وقتلت نفسا فأخبر أنه ~~قتله بوكزه ثم قال رب إني ظلمت نفسي فقال بعضهم هذا يدل على أن القتل ~~باللطمة عمد لولا ذلك لم يقل إني ظلمت نفسي على الإطلاق وهذا خطأ لأنه يجوز ~~أن يقول ظلمت نفسي بإقدامي على الوكز من غير توقيف ولا دلالة فيه على أن ~~القتل عمد إذ الظلم لا يختص بالقتل دون الظلم وكان صغيرة وقوله تعالى فلما ~~قضى موسى الأجل وسار بأهله يستدل به بعضهم على أن للزوج أن يسافر بامرأته ~~وينقلها إلى بلد آخر ويفرق بينها وبين أبويها ولا دلالة فيه عندي على ذلك ~~لأنه جائز أن يكون فعل برضاها آخر سورة القصص # | ومن سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا روى أبو عبيدة عن عبدالله قال ~~قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الصلوات لوقتهن قلت ثم مه قال الجهاد ~~في سبيل الله قلت ثم مه قال بر الوالدين وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر والآية والخبر يدلان ~~معا على انه لا يجوز للرجل أن يقتل أباه وإن كان مشركا ونهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر عن قتل أبيه وكان مشركا ويدل على أنه ~~PageV05P216 لا يقتص للولد من الوالد قوله تعالى @QB@ إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر @QE@ روى ابن مسعود وابن عباس تأمر بالمعروف وتنهى عن ~~المنكر وقال ابن مسعود الصلاة لا ms2269 تنفع إلا من أطاعها قال أبو بكر يعني ~~القيام بموجبات الصلاة من الإقبال عليها بالقلب والجوارح وإنما قيل تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر لأنها تشتمل على أفعال وأذكار لا يتخللها غيرها من أمور ~~الدنيا وليس شيء من الفروض بهذه المنزلة فهي تنهى عن المنكر وتدعو إلى ~~المعروف بمعنى أن ذلك مقتضاها وموجبها لمن قام بحقها وعن الحسن قال من لم ~~تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وقيل إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قيل له إن فلانا يصلي بالليل ويسرق بالنهار فقال لعل صلاته ~~تنهاه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حبب إلي من دنياكم ثلاث ~~النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وروي عن بعض السلف قال لم تكن ~~الصلاة قرة عينه ولكنه كان إذا دخل الصلاة يرى فيها ما تقر عينه قوله تعالى ~~ولذكر الله أكبر قال ابن عباس وابن مسعود وسلمان ومجاهد ذكر الله إياكم ~~برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته وروي عن سلمان أيضا وأم الدرداء وقتادة ~~ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله وقال السدي ذكر الله في الصلاة أكبر من ~~الصلاة وقوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قال قتادة هي ~~منسوخة بقوله وقاتلوا المشركين ولا مجادلة أشد من السيف قال أبو بكر يعني ~~أن ذلك كان قبل الأمر بالقتال وقوله تعالى إلا الذين ظلموا منهم يعني والله ~~أعلم إلا الذين ظلموكم في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم وهو نحو ~~قوله @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم @QE@ وقال مجاهد إلا الذين ظلموا منهم بمنع الجزية وقيل إلا الذين ~~ظلموا منهم بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم آخر سورة العنكبوت # | ومن سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند ~~الله @QE@ روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله وما آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس هو ms2270 الرجل يهب الشيء يريد أن يثاب أفضل منه فذلك الذي لا يربو عند ~~الله ولا يؤجر صاحبه فيه ولا إثم عليه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ~~وعن سعيد بن جبير قال هو الرجل يعطي PageV05P217 ليثاب عليه وروى عبدالوهاب ~~عن خالد عن عكرمة وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس قال الربا ربوان ~~فربا حلال وربا حرام فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس به ما هو أفضل ~~منه وروى زكريا عن الشعبي @QB@ وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس @QE@ ~~قال كان الرجل يسافر مع الرجل فيخف له ويخدمه فيجعل له من ربح ماله ليجزيه ~~بذلك وروى عبدالعزيز بن أبي رواد عن الضحاك وما آتيتم من ربا ليربو في ~~أموال الناس قال هو الربا الحلال يهدي ليثاب أفضل منه فذلك لا له ولا عليه ~~ليس فيه أجر وليس عليه فيه إثم وروى منصور عن إبراهيم ولا تمنن تستكثر قال ~~لا تعط لتزداد قال أبو بكر يجوز أن يكون ذلك خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه كان في أعلى مراتب مكارم الأخلاق كما حرم عليه الصدقة وقد روي عن ~~الحسن في قوله تعالى ولا تمنن تستكثر لا تستكثر عملك فتمن به على ربك وقوله ~~تعالى الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة يعني أنه خلقكم ضعفاء حملا في بطون الأمهات ثم أطفالا لا تملكون ~~لأنفسكم نفعا ولا ضرا ثم جعلكم أقوياء ثم أعطاكم من الاستطاعة والعقل ~~والدراية للتصرف في اختلاف المنافع ودفع المضار ثم جعلكم ضعفاء في حال ~~الشيخوخة كقوله تعالى @QB@ ومن نعمره ننكسه في الخلق @QE@ وقوله ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا فيبقى مسلوب القوى والفهم ~~كالصبي بل حاله دون حال الصبي لأن الصبي في زيادة من القوى والفهم من حين ~~البلوغ وكمال حال الإنسانية وهذا يزداد على البقاء ضعفا وجهلا ولذلك سماه ~~الله تعالى أرذل العمر وجعل الشيب قرينا ms2271 للضعف بقوله ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة وهو كقوله تعالى حاكيا عن نبيه زكريا عليه السلام رب إني وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا آخر سورة الروم # | ومن سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى حملته أمه وهنا على وهن قال الضحاك ضعفا على ضعف يعني ضعف ~~الولد على ضعف الأم وقيل بل المعنى فيه شدة الجهد وفصاله في عامين يعني في ~~انقضاء عامين وفي آية أخرى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فحصل بمجموع الآيتين ~~أن أقل مدة PageV05P218 الحمل ستة أشهر وبه استدل ابن عباس على مدة أقل ~~الحمل واتفق أهل العلم عليه وقوله تعالى @QB@ يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك @QE@ يعني والله أعلم اصبر على ~~ما أصابك من الناس في الأمر بالمعروف وظاهره يقتضي وجوب الصبر وإن خاف على ~~النفس إلا أن الله تعالى قد أباح إعطاء التقية في حال الخوف في آي غيرها قد ~~بيناها وقد اقتضت الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى ~~ولا تصعر خدك للناس قال ابن عباس ومجاهد معناه لا تعرض بوجهك عن الناس ~~تكبرا وقال إبراهيم هو التشدق ومعناه يرجع إلى الأول لأن المتشدق في الكلام ~~متكبر وقيل إن أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤسها حتى يلوي وجوهها ~~وأعناقها فيشبه بها الرجل الذي يلوي عنقه عن الناس قال الشاعر % وكنا إذا ~~الجبار صعر خده % أقمنا له من ميله فتقوما % # | قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه إلى قوله وإن جاهداك على ~~أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا أبان ~~تعالى بذلك أن أمره بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين ~~والكفار لقوله تعالى @QB@ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم @QE@ ~~وأكده بقوله وصاحبهما في الدنيا معروفا وفي ذلك دليل على أنه لا يستحق ~~القود على أبيه وأنه لا يحد له إذا قذفه ولا يحبس له بدين عليه وأن عليه ms2272 ~~نفقتهما إذا احتاجا إليه إذ كان جميع ذلك من الصحبة بالمعروف وفعل ضده ~~ينافي مصاحبتهما بالمعروف ولذلك قال اصحابنا إن الأب لا يحبس بدين ابنه ~~وروي عن أبي يوسف أنه يحبسه إذا كان متمردا وقوله تعالى واتبع سبيل من أناب ~~إلي يدل على صحة إجماع المسلمين لأمر الله تعالى إيانا باتباعهم وهو مثل ~~قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين وقوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا المرح ~~البطر وإعجاب المرء بنفسه وازدراء الناس والإستهانة بهم فنهى الله عنه إذ ~~لا يفعل ذلك إلا جاهل بنفسه وأحواله وابتداء أمره ومنتهاه قال الحسن أنى ~~لابن آدم الكبر وقد خرج من سبيل البول مرتين وقوله تعالى إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور قال مجاهد هو المتكبر والفخور الذي يفتخر بنعم الله تعالى على ~~الناس استصغارا لهم وذلك مذموم لأنه إنما يستحق عليه الشكر لله على نعمه لا ~~التوصل بها إلى معاصيه وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر نعم الله أنه ~~سيد ولد آدم ولا PageV05P219 فخر فأخبر أنه إنما ذكرها شكرا لا افتخارا على ~~نحو قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث قوله تعالى واقصد في مشيك قال يزيد بن ~~أبي حبيب هو السرعة قال أبو بكر يجوز أن يكون تأوله على ذلك لأن المختال في ~~مشيته لا يسرع فيها فسرعة المشي تنافي الخيلاء والتكبر وقوله تعالى @QB@ ~~واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير @QE@ فيه أمر بخفض الصوت لأنه ~~أقرب إلى التواضع كقوله تعالى إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ورفع ~~الصوت على وجه ابتهار الناس وإظهار الإستخفاف بهم مذموم فأبان عن قبح هذا ~~الفعل وأنه لا فضيلة فيه لأن الحمير ترفع أصواتها وهو أنكر الأصوات قال ~~مجاهد في قوله أنكر الأصوات أقبحها كما يقال هذا وجه منكر فذكر الله تعالى ~~ذلك وأدب العباد تزهيدا لهم في رفع الصوت وقوله تعالى إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام مفهوم هذا الخطاب الإخبار بما ~~يعلمه هو دون خلقه ms2273 وأن أحدا لا يعلمه إلا بإعلامه إياه وفي ذلك دليل على أن ~~حقيقة وجود الحمل غير معلومة عندنا وإن كانت قد يغلب على الظن وجوده وهذا ~~يوجب أن يكون نافي حمل امرأته من نفسه غير قاذف لها وقد بينا ذلك فيما سلف ~~قوله تعالى @QB@ واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا @QE@ يدل على أن أحدا لا يستحق عند الله فضيلة بشرف أبيه ولا ~~بنسبه لأنه لم يخصص أحدا بذلك دون أحد وبذلك ورد الأثر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه وقال يا بني ~~عبدالمطلب لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم فأقول إني لا أغني ~~عنكم من الله شيئا وقوله لا يجزي والد عن ولده معناه لا يغني يقال جزيت عنك ~~إذا أغنيت عنك آخر سورة لقمان # ومن سورة السجدة $ بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر ~~عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل في قوله @QB@ تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع @QE@ قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت ~~يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ~~ويباعدني من النار قال لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله ~~PageV05P220 عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب من الخير الصوم جنة ~~والصدقة تطفئ الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع حتى بلغ جزاء بما كانوا يعملون ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده ~~وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأسه الإسلام وعموده الصلاة وذروة ~~سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت ms2274 بلى يا رسول ~~الله فأخذ بلسانه فقال أكفف عليك هذا قلت يا رسول الله إنما لمؤاخذون بما ~~نتكلم به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم ~~إلا حصائد ألسنتهم وحدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال حدثنا عبدالرزاق عن معمر قال تلا قتادة @QB@ فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين @QE@ قال قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن ~~عبدالله قال للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر ثم تلا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وروي عن ~~مجاهد وعطاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع قالا العشاء الآخرة وقال الحسن ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء وقال الضحاك في ~~قوله @QB@ يدعون ربهم خوفا وطمعا @QE@ إنهم يذكرون الله بالدعاء والتعظيم ~~وقال قتادة خوفا من عذاب الله وطمعا في رحمة الله مما رزقناهم ينفقون في ~~طاعة الله آخر سورة السجدة # | ومن سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه @QE@ روي عن ابن عباس ~~رواية إنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وعن مجاهد وقتادة مثله ~~وعن ابن عباس أيضا كان المنافقون يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم قلبان ~~فأكذبهم الله تعالى وقال الحسن كان رجل يقول لي نفس تأمرني ونفس تنهاني ~~فأنزل الله فيه هذا وروي عن مجاهد أيضا أن رجلا من بني فهر قال في جوفي ~~قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد فكذبه الله عز وجل وذكر أبو ~~جعفر الطحاوي أنه لم يرو في تفسيرها غير ما ذكرنا قال وحكى PageV05P221 ~~الشافعي عن بعض أهل التفسير ممن لم يسمه في احتجاجه على محمد في نفي أن ~~يكون الولد من رجلين أنه أريد بها ms2275 ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام ~~قال أبو بكر اللفظ غير محتمل لما ذكر لأن القلب لا يعبر به عن الأب لا ~~مجازا ولا حقيقة ولا ذلك اسم له في الشريعة فتأويل الآية على هذا المعنى ~~خطأ من وجوه وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~جارية مجحا فقال لمن هذه الجارية فقالوا لفلان فقال أيطؤها قالوا نعم قال ~~لقد هممت أن ألعنه لعنة رجل يدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له أم ~~كيف يسترقه وقد غذاه في سمعه وبصره فقوله قد غذاه في سمعه وبصره يدل على أن ~~الولد يكون من ماء رجلين وقد روي عن علي وعمر إثبات نسب الولد من رجلين ولا ~~يعرف عن غيرهما من الصحابة خلافه وقوله تعالى @QB@ وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم @QE@ قال أبو بكر كانوا يظاهرون من نسائهم فيقولون ~~أنت علي كظهر أمي فأخبر الله تعالى أنها لا تصير بمنزلة أمه في التحريم ~~وجعل هذا القول منكرا من القول وزورا بقوله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وألزمه بذلك تحريما ترفعه الكفارة وأبطل ما أوجبه المظاهر من ~~جعله إياها كالأم لأن تحريمها تحريما مؤبدا وقوله تعالى وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم قيل إنه نزل في زيد بن حارثة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~تبناه فكان يقال له زيد بن محمد وروي ذلك عن مجاهد وقتادة وغيرهما قال أبو ~~بكر هذا يوجب نسخ السنة بالقرآن لأن الحكم الأول كان ثابتا بغير القرآن ~~ونسخه بالقرآن وقوله تعالى ذلك قولكم بأفواهكم يعني أنه لا حكم له وإنما هو ~~قول لا معنى له ولا حقيقة وقوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن ~~لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم فيه إباحة إطلاق اسم الأخوة ~~وحظر إطلاق اسم الأبوة من غير جهة النسب ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لعبده ~~هو أخي لم يعتق إذا قال لم أرد به الأخوة من النسب ms2276 لأن ذلك يطلق في الدين ~~ولو قال هو ابني عتق لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم إنه غير أبيه فالجنة ~~عليه حرام وقوله تعالى @QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم @QE@ به روى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به قال قيل هذا النهي في ~~هذا أو في غيره ولكن ما تعمدت قلوبكم والعمد ما آثرته بعد البيان في النهي ~~في هذا أو في غيره وحدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق PageV05P222 قال حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن ~~قتادة في قوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به قال قتادة لو دعوت ~~رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه ليس عليك بأس وسمع عمر بن الخطاب رجلا ~~وهو يقول اللهم اغفر لي خطاياي فقال استغفر الله في العمد فأما الخطأ فقد ~~تجوز عنك قال يقول ما أخاف عليكم الخطأ ولكني أخاف عليكم العمد وما أخاف ~~عليكم المقاتلة ولكني أخاف عليكم التكاثر وما أخاف عليكم أن تزدروا أعمالكم ~~ولكني أخاف عليكم أن تستكثروها وقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن الزهري في قوله النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم قال أخبرني أبو سلمة عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا ~~فإلي وإن ترك مالا فهو لورثته وقيل في معنى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~أنه أحق بأن يختار ما دعا إليه من غيره ومما تدعوه إليه أنفسهم وقيل إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يحكم في الإنسان بما لا يحكم به في نفسه ~~لوجوب طاعته لأنها مقرونة بطاعة الله تعالى قال أبو بكر الخبر الذي قدمنا ~~لا ينافي ما ms2277 عقبناه به من المعنى ولا يوجب الاقتصار بمعناه على قضاء الدين ~~المذكور فيه وذلك لأنه جائز أن يكون مراده إنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم في ~~أن يختاروا ما أدعوهم إليه دون ما تدعوهم أنفسهم إليه وأولى بهم في الحكم ~~عليهم ولزومهم اتباعه وطاعته ثم أخبر بعد ذلك بقضاء ديونهم وقوله تعالى ~~وأزواجه أمهاتهم قيل فيه وجهان أحدهما أنهم كأمهاتهم في وجوب الإجلال ~~والتعظيم والثاني تحريم نكاحهن وليس المراد أنهن كالأمهات في كل شيء لأنه ~~لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن يتزوج بناتهن لأنهن يكن أخوات للناس ~~وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم بناته ولو كن أمهات في الحقيقة ورثن ~~المؤمنين وقد روي في حرف عبدالله وهو أب لهم ولو صح ذلك كان معناه أنه ~~كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم كما قال تعالى @QB@ لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ ~~وقوله تعالى إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا روي عن محمد بن الحنفية ~~أنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني وعن الحسن أن تصلوا ~~أرحامكم وقال عطاء هو المؤمن والكافر بينهما قرابة إعطاؤه له PageV05P223 ~~أيام حياته ووصيته له وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله إلا ~~أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا قال إلا أن يكون لك ذو قرابة ليس على دينك ~~فتوصي له بشيء هو وليك في النسب وليس وليك في الدين وقوله تعالى لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة من الناس من يحتج به في وجوب أفعال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولزوم التأسي به فيها ومخالفو هذه الفرقة يحتجون به أيضا في ~~نفي إيجاب أفعاله فأما الأولون فإنهم ذهبوا إلى أن التأسي به هو الإقتداء ~~به وذلك عموم في القول والفعل جميعا فلما قال تعالى لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر دل على أنه واجب إذ جعله شرطا للإيمان ms2278 كقوله تعالى واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين ونحوه من الألفاظ المقرونة إلى الإيمان فيدل على ~~الوجوب واحتج الآخرون بأن قوله @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~@QE@ يقتضي ظاهره الندب دون الإيجاب لقوله تعالى لكم مثل قول القائل لك أن ~~تصلي ولك أن تتصدق لا دلالة فيه على الوجوب بل يدل ظاهره على أن له فعله ~~وتركه وإنما كان يدل على الإيجاب لو قال عليكم التأسي بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أبو بكر والصحيح أنه لا دلالة فيه على الوجوب بل دلالته على الندب ~~أظهر منها على الإيجاب لما ذكرنا ومع ذلك ورد بصيغة الأمر لما دل على ~~الوجوب في أفعاله صلى الله عليه وسلم لأن التأسي به هو أن نفعل مثل ما فعل ~~ومتى خالفناه في اعتقاد الفعل أو في معناه لم يكن ذلك تأسيا به ألا ترى أنه ~~إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به وإذا فعل صلى ~~الله عليه وسلم فعلا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم ~~أنه فعله على ذلك فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه ~~لا من جهة هذه الآية إذ ليس فيها دلالة على الوجوب لكن من جهة ما أمرنا ~~الله تعالى باتباعه في غير هذه الآية وقوله تعالى ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله قيل إنه وعدهم أنهم إذا لقوا ~~المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم كقوله تعالى ليظهره على الدين كله وقال ~~قتادة الذي وعدهم في قوله أ م حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم الآية وقوله تعالى وما زادهم إلا إيمانا وتسليما إخبار عن ~~صفتهم في حال المحنة وأنهم ازدادوا عندها يقينا وبصيرة وذلك صفة أهل ~~البصائر في الإيمان بالله وقوله تعالى فمنهم من قضى نحبه قيل إن النحب ~~النذر أي قضى نذره PageV05P224 الذي نذره فيما عاهد الله عليه وقال الحسن ~~قضى نحبه مات على ما عاهد ms2279 الله عليه ويقال إن النحب الموت والنحب المد في ~~السير يوما وليلة وقال مجاهد قضى نحبه عهده قال أبو بكر لما كان النحب قد ~~يجوز أن يكون المراد به العهد والنذر وقد مدحهم الله على الوفاء به بعينه ~~دل ذلك على أن من نذر قربة فعليه الوفاء به بعينه دون كفارة اليمين وقوله ~~تعالى وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم قيل في الصياصي أنها ~~الحصون التي كانوا يمتنعون بها وأصل الصيصة قرن البقرة وبها تمتنع وتسمى ~~بها شوكة الديك لأنه بها يمتنع فسميت الحصون صياصي على هذا المعنى وروي أن ~~المراد بها بنو قريظة كانوا نقضوا العهد وعاونوا الأحزاب وقال الحسن هم بنو ~~النضير وسائر الرواة على أنهم بنو قريظة وظاهر الآية يدل عليه لأنه قال ~~تعالى فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ولم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم بني ~~النضير ولا أسرهم وإنما أجلاهم عن بلادهم وقوله تعالى @QB@ وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها @QE@ يعني به أرض بني قريظة وعلى تأويل ~~من تأوله على بني النضير فالمراد أرض بني النضير وقوله تعالى وأرضا لم ~~تطؤها قال الحسن أرض فارس والروم وقال قتادة مكة وقال يزيد بن رومان خيبر ~~قال أبو بكر من الناس من يحتج به في أن الأرضين العنوية التي يظهر عليها ~~الإمام يملكها الغانمون ولا يجوز للإمام أن يقر أهلها عليها على أنها ملك ~~لهم لقوله وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وظاهره يقتضي ~~إيجاب الملك لهم ولادلالة فيه على ما ذكروا لأن ظاهره قوله وأورثكم لا يختص ~~بإيجاب الملك دون الظهور والغلبة وثبوت اليد ومتى وجد أحد هذه الأشياء فقد ~~صح معنى اللفظ قال الله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~ولم يرد بذلك الملك وأيضا فلو صح أن المراد الملك كان ذلك في أرض بني قريظة ~~في قوله وأورثكم أرضهم وأما قوله وأرضا لم تطؤها فإنه يقتضي أرضا واحدة لا ~~جميع الأرضين فإن كان المراد خيبر فقد ملكها المسلمون وإن ms2280 كان المراد أرض ~~فارس والروم لقد ملك المسلمون بعض أرض فارس والروم فقد وجد مقتضى الآية ولا ~~دلالة فيه على أن سبيلهم أن يملكوا جميعها إذ كان قوله وأرضا لم تطؤها لم ~~يتناول إلا أرضا واحدة فلا دلالة فيه على قول المخالف وقوله تعالى ~~PageV05P225 @QB@ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها @QE@ الآية حدثنا عبدالله بن محمد المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت لما نزلت ~~وإن كنتن تردن الله ورسوله دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بي فقال ~~يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ~~قالت قد علم الله تعالى إن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه قالت فقرأ علي يا ~~أيها النبي قل لأزواجك الآية فقلت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ~~ورسوله والدار الآخرة وروى غير الجرجاني عن عبدالرزاق قال معمر فأخبرني ~~أيوب أن عائشة قالت يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني أختارك قال إنما بعثت ~~معلما ولم أبعث متعنتا قال أبو بكر اختلف الناس في معنى تخيير الآية فقال ~~قائلون وهم الحسن وقتادة إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة لأنه قال @QB@ إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها @QE@ إلى قوله وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة وقال آخرون بل كان تخييرا للطلاق على شريطة أنهن إذا اخترن ~~الدنيا وزينتها كن مختارات للطلاق لأنه تعالى قال @QB@ إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا @QE@ فجعل اختيارهن ~~للدنيا اختيارا للطلاق ويستدلون عليه أيضا بما روى مسروق عن عائشة أنها ~~سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفكان طلاقا وفي بعض الأخبار فاخترناه فلم يعده طلاقا قالوا ولم يثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيرهن إلا الخيار المأمور به في الآية ويدل عليه ~~ما قدمناه من حديث عروة عن عائشة أنها لما نزلت الآية ms2281 قال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري ~~أبويك قالت قد علم الله أن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه ثم تلا عليها ~~الآية قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فقالوا هذا الخبر أيضا قد ~~حوى الدلالة من وجوه على أنه خيرهن بين الدنيا والآخرة وبين اختيارهن ~~الطلاق أو البقاء على النكاح لأنه قال لها لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري ~~أبويك ومعلوم أن الاستئمار لا يقع في اختيار الدنيا على الآخرة فثبت أن ~~الاستئمار إنما أريد به في الفرقة أو الطلاق أو النكاح وقولها إن أبوي لم ~~يكونا يأمرانني بفراقه وقولها إني أريد الله ورسوله فهذه الوجوه كلها تدل ~~على أن الآية قد اقتضت التخيير بين الطلاق والنكاح واحتج من قال لم يكن ~~تخيير طلاق بقوله تعالى @QB@ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا @QE@ PageV05P226 فإنما أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يطلقهن إذا اخترن الدنيا ولم يوجب ذلك وقوع طلاق باختيارهن ~~كما يقول القائل لامرأته إن اخترت كذا طلقتك يريد به استئناف إيقاع بعد ~~اختيارها لما ذكره قال أبو بكر قد اقتضت الآية لا محالة تخييرهن بين الفراق ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم لأن قوله وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة قد دل على إضمار اختيارهن فراق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها إذ كان النسق الآخر من الاختيار هو اختيار ~~النبي صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة فثبت أن الاختيار الآخر إنما هو ~~اختيار فراقه ويدل عليه قوله فتعالين أمتعكن والمتعة إنما هي بعد اختيارهن ~~للطلاق وقوله وأسرحكن إنما المراد إخراجهن من بيوتهن بعد الطلاق كما قال ~~تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن إلى قوله سراحا جميلا فذكر المتعة ~~بعد الطلاق وأراد بالتسريح إخراجها من بيته وقد اختلف السلف فيمن خير ~~امرأته فقال علي رضي الله عنه إن اختارت زوجها ms2282 فواحدة رجعية وإن اختارت ~~نفسها فواحدة بائنة وذلك في رواية زادان عنه وروى أبو جعفر عن علي أنها إذا ~~اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة وقال عمرو وعبدالله ~~رضي الله عنهما في الخيار وأمرك بيدك إن اختارت نفسها فواحدة رجعية وإن ~~اختارت زوجها فلا شيء وقال زيد بن ثابت في الخيار إن اختارت زوجها فلا شيء ~~وإن اختارت نفسها فثلاث وقال في أمرك بيدك إن اختارت نفسها فواحدة رجعية ~~واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إن ~~اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة إذا أراد الزوج الطلاق ~~ولا يكون ثلاثا وإن نوى وقالوا في أمرك بيدك مثل ذلك إلا أن ينوي ثلاثا ~~فيكون ثلاثا وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي في الخيار إن اختارت ~~زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة يملك بها الرجعة وقال مالك في ~~الخيار إنه ثلاث إذا اختارت نفسها وإن طلقت نفسها واحدة لم يقع شيء وقال في ~~أمرك بيدك إذا قالت أردت واحدة فهي واحدة يملك الرجعة ولا يصدق في الخيار ~~أنه أراد واحدة ولو قال اختاري تطليقة فطلقت نفسها فهي واحدة رجعية وقال ~~الليث في الخيار إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فهي بائنة وقال ~~الشافعي في اختاري وأمرك بيدك ليس بطلاق إلا أن PageV05P227 يريد الزوج ولو ~~أراد طلاقها فقالت قد اخترت نفسي فإن أرادت طلاقا فهو طلاق وإن لم ترده ~~فليس بطلاق قال أبو بكر التخيير في نفسه ليس بطلاق لا صريح ولا كناية ولذلك ~~قال أصحابنا إنه لا يكون ثلاثا وإن أرادهن ويدل عليه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خير نساءه فاخترنه فلم يكن ذلك طلاقا ولأن الخيار لا يختص ~~بالطلاق دون غيره فلا دلالة فيه عليه وليس هو عندكم كقوله اعتدي أن يكون ~~طلاقا إذا نوى لأن العدة من موجب الطلاق فالطلاق مدلول عليه باللفظ وإنما ~~جعلوا الخيار طلاقا إذا اختارت نفسها بالاتفاق وبأنه معلوم أن ms2283 تخيير النبي ~~صلى الله عليه وسلم نساءه لما كان بين الفراق والبقاء على النكاح إنهن لو ~~اخترن أنفسهن لوقعت الفرقة لولا ذلك لم يكن للتخيير معنى وتشبيها له أيضا ~~بسائر الخيارات التي تحدث في النكاح كخيار امرأة العنين والمجبوب فيقع به ~~الطلاق إذا اختارت الفرقة ومن أجل ذلك لم يجعلوه ثلاثا لأن الخيارات ~~الحادثة في الأصول لا تقع بها ثلاث # فصل قال أبو بكر ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب الخيار وفي ~~التفريق لامرأة العاجز عن النفقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير بين ~~الدنيا والآخرة فاختار الفقر والآخرة أمر الله بتخير نسائه فقال تعالى @QB@ ~~يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها @QE@ الآية ~~قال أبو بكر لا دلالة فيها على ما ذكروا وذلك لأن الله علق اختيار النبي ~~صلى الله عليه وسلم لفراقهن بإرادتهن الحياة الدنيا وزينتها ومعلوم أن من ~~أراد من نسائنا الحياة الدنيا وزينتها لم يوجب ذلك تفريقا بينها وبين زوجها ~~فلما كان السبب الذي من أجله أوجب الله التخيير المذكور في الآية غير موجب ~~للتخيير في نساء غيره فلا دلالة فيه على التفريق بين امرأة العاجز عن ~~النفقة وبينه وأيضا فإن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للآخرة دون الدنيا ~~وإيثاره للفقر دون الغنى لم يوجب أن يكون عاجزا عن نفقة نسائه لأن الفقير ~~قد يقدر على نفقة نسائه مع كونه فقيرا ولم يدع أحد من الناس ولا روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان عاجزا عن نفقة نسائه بل كان يدخر لنسائه قوت ~~سنة فالمستدل بهذه الآية على ما ذكر مغفل لحكمها قوله تعالى @QB@ يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين @QE@ قيل في تضعيف ~~عذابهن وجهان أحدهما أنه لما كانت نعم الله عليهن أكثر منها على غيرهن ~~بكونهن أزواجا للنبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي في بيوتهن وتشريفهن ~~بذلك كان PageV05P228 كفرانها منهن أعظم وأجدر بعظم العقاب لأن النعمة كلما ~~عظمت كان ms2284 كفرانها أعظم فيما يستحق به من العقاب إذ كان استحقاق العقاب على ~~حسب كفران النعمة ألا ترى أن من لطم أباه استحق من العقوبة أكثر مما يستحقه ~~من لطم أجنبيا لعظم نعمة أبيه عليه وكفرانه لها بلطمته ويدل على هذا ~~التأويل قوله تعالى في نسق التلاوة واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة فدل على أن تضعيف العذاب عليهن بالمعصية لأجل عظم النعمة عليهن ~~بتلاوة آيات الله في بيوتهن ومن أجل ذلك عظمت طاعاتهن أيضا بقوله ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين لأن الطاعة في استحقاق ~~الثواب بها بإزاء المعصية في استحقاق العقاب بها والوجه الآخر أن في ~~إتيانهن المعاصي أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لما يلحق من العار والغم ~~ومعلوم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أعظم جرما ممن آذى غيره ~~وقال تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ثم ~~قال والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا ولما عظم الله تعالى طاعات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأوجب بها الأجر مرتين دل بذلك على أن أجر العامل العالم أفضل وثوابه أعظم ~~من العامل غير العالم وقوله تعالى @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة @QE@ قد دل على ذلك قوله تعالى @QB@ فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض @QE@ قيل فيه أن لا تلين القول للرجال على وجه يوجب الطمع ~~فيهن من أهل الريبة وفيه الدلالة على أن ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن ~~إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن ويستدل به على رغبتهن فيهم ~~والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال وفيه ~~الدلالة على أن المرأة منهية عن الأذان وكذلك قال أصحابنا وقال الله تعالى ~~في آية أخرى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فإذا كانت منهية ~~عن إسماع صوت خلخالها فكلامها إذا كانت شابة تخشى ms2285 من قبلها الفتنة أولى ~~بالنهي عنه وقوله تعالى وقرن في بيوتكن روى هشام عن محمد بن سيرين قال قيل ~~لسودة بنت زمعة ألا تخرجين كما تخرج أخوتك قالت والله لقد حججت واعتمرت ثم ~~أمرني الله أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها ~~وقيل إن معنى وقرن في بيوتكن كن أهل وقار وهدوء وسكينة يقال وقر فلان في ~~منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن به وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات ~~بلزوم PageV05P229 البيوت منهيات عن الخروج وقوله تعالى ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~قال كانت المرأة تتمشى بين أيدي القوم فذلك تبرج الجاهلية وقال سعيد عن ~~قتادة ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى يعني إذا خرجتن من بيوتكن قال كانت ~~لهن مشية وتكسر وتغنج فنهاهن الله عن ذلك وقيل هو إظهار المحاسن للرجال ~~وقيل في الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام والجاهلية الثانية حال من عمل في ~~الإسلام بعمل أولئك فهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم صيانة لهن وسائر نساء المؤمنين مرادات بها وقوله تعالى @QB@ ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ روي عن أبي سعيد الخدري ~~أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين وقال عكرمة في أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة ومن قال بذلك يحتج بأن ابتداء الآية ونسقها في ذكر ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله @QB@ واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة @QE@ وقال بعضهم في أهل بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي ازواجه لاحتمال اللفظ للجميع وقوله تعالى وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم فيه الدلالة ~~على أن أوامر الله وأوامر رسوله على الوجوب لأنه قد نفى بالآية أن تكون لنا ~~الخيرة في ترك أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن ms2286 على ~~الوجوب لكنا مخيرين بين الترك والفعل وقد نفت الآية التخيير وقوله تعالى ~~ومن يعص الله ورسوله في نسق ذكر الأوامر يدل على ذلك أيضا وأن تارك الأمر ~~عاص لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقد انتظمت الآية الدلالة على ~~وجوب أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم من وجهين أحدهما أنها ~~نفت التخيير معهما والثاني أن تارك الأمر عاص لله ورسوله وقوله تعالى @QB@ ~~وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه @QE@ الآية روى سفيان بن عيينة ~~عن علي بن زيد قال قال لي علي بن الحسين ما كان الحسين يقول في قوله تعالى ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه قال قلت كان يقول إنها كانت تعجبه وأنه قال ~~لزيد اتق الله وأمسك عليك زوجك قال لا ولكن الله أعلم نبيه أن زينب ستكون ~~من أزواجه فلما جاءه زيد يشكو منها قال له اتق الله وأمسك عليك زوجك قال ~~الله @QB@ وتخفي في نفسك ما الله مبديه @QE@ وقيل إن زيدا قد كان يخاصم ~~امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودام الشر بينهما حتى ظن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها فأضمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه إن طلقها زيد تزوجها وهي زينب بنت جحش وكانت بنت عمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم = PageV05P230 فأراد أن يضمها إليه صلة لرحمها وإشفاقا ~~عليها فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه وقوله لزيد اتق الله أمسك عليك ~~زوجك وأراد أن يكون باطنه وظاهره عند الناس سواء كما قال في قصة عبدالله بن ~~سعد حين قيل له هلا أومأت إلينا بقتله فقال ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين وأيضا فإن ذلك لم يكن مما يجب إخفاؤه لأنه مباح جائز والله تعالى ~~عالم به وهو أحق بأن يخشى من الناس وقد أباحه الله تعالى فالناس أولى بأن ~~لا يخشوا في إظهاره وإعلانه وهذه القصة نزلت في زيد بن حارثة وكان ممن أنعم ~~الله عليه بالإسلام وأنعم النبي صلى ms2287 الله عليه وسلم عليه بالعتق ولذلك قيل ~~للمعتق مولى نعمه وقوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم الآية قد حوت هذه الآية أحكاما أحدها ~~الإبانة عن علة الحكم في إباحة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وإن ذلك قد ~~اقتضى إباحته للمؤمنين فدل على إثبات القياس في الأحكام واعتبار المعاني في ~~إيجابها والثاني أن النبوة من جهة التبني لا تمنع جواز النكاح والثالث أن ~~الأمة مساوية للنبي صلى الله عليه وسلم في الحكم إلا ما خصه الله تعالى به ~~لأنه أخبر أنه أحل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون المؤمنون مساوين له ~~قوله عز وجل هو الذي يصلي عليكم وملائكته فإن الصلاة من الله هي الرحمة ومن ~~العباد الدعاء قال الأعشى % عليك مثل الذي صليت فاغتمضي % نوما فإن لجنب ~~المرء مضطجعا % # | وروى معمر عن الحسن في قوله تعالى @QB@ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~@QE@ قال إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام هل يصلي ربك فكان ذلك كبر ~~في صدره فسأله فأوحى الله إليه أن أخبرهم أني أصلي وإن صلاتي رحمتي سبقت ~~غضبي فإن قيل من أصلكم إنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان ~~وقد جاء في القرآن اشتمال لفظ الصلاة على معنى الرحمة والدعاء جميعا قيل له ~~هذا يجوز عندنا في الألفاظ المجملة والصلاة اسم مجمل مفتقر إلى البيان فلا ~~يمتنع إرادة المعاني المختلفة فيما كان هذا سبيله قال قتادة في قوله وسبحوه ~~بكرة وأصيلا صلاة الضحى وصلاة العصر وقوله تعالى وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا سمى النبي صلى الله عليه وسلم سراجا منيرا تشبيها له بالسراج ~~الذي به يستنار الأشياء في الظلمة لأنه بعث صلى الله عليه وسلم وقد طبقت ~~على الأرض ظلمة الشرك فكان كالسراج الذي يظهر في الظلمة وكما سمى القرآن ~~نورا وهدى وروحا وسمى جبريل عليه السلام روحا لأن PageV05P231 الروح بها ~~يحيى الحيوان وذلك كله مجاز واستعارة وتشبيه وقوله تعالى تحيتهم يوم يلقونه ms2288 ~~سلام قال قتادة تحية أهل الجنة السلام قال أبو بكر هو مثل قوله @QB@ دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام @QE@ # باب الطلاق قبل النكاح $ # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ~~قال أبو بكر قد تنازع أهل العلم في دلالة هذه الاية في صحة إيقاع طلاق ~~المرأة بشرط التزويج وهو أن يقول إن تزوجت امرأة فهي طالق فقال قائلون قد ~~اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه إذ كانت موجبة لصحة الطلاق بعد ~~النكاح وهذا القائل مطلق قبل النكاح وقال آخرون دلالتها ظاهرة في صحة هذا ~~القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح لأنها حكمت بصحة وقوع الطلاق ~~بعد النكاح ومن قال لأجنبية إذا تزوجتك فأنت طالق فهو مطلق بعد النكاح فوجب ~~بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه وهذا القول هو الصحيح وذلك لأنه ~~لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد أو في حال ~~الإضافة ووجود الشرط فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته إذا بنت مني ~~وصرت أجنبية فأنت طالق أنه موقع للطلاق في حال الإضافة لا في حال القول ~~وأنه بمنزلة من أبان امرأته ثم قال لها أنت طالق فسقط حكم لفظه ولم يعتبر ~~حال العقد مع وجود النكاح فيها صح أن الاعتبار بحال الإضافة دون حال العقد ~~فإن القائل للأجنبية إذا تزوجتك فأنت طالق موقع للطلاق بعد الملك وقد اقتضت ~~الآية إيقاع الطلاق لمن طلق بعد الملك وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ضروب ~~من الأقاويل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إذا قال كل امرأة أتزوجها ~~فهي طالق أو قال كل مملوك أملكه فهو حر إن من تزوج تطلق ومن ملك من ~~المماليك يعتق ولم يفرقوا بين من عم أو خص وقال ابن أبي ليلى إذا عم لم يقع ~~وإن سمى شيئا بعينه أو جماعة إلى أجل وقع ms2289 وكذلك قول مالك وذكر عن مالك أيضا ~~أنه إذا ضرب لذلك أجلا يعلم أنه لا يبلغه فقال إن تزوجت امرأة إلى كذا وكذا ~~سنة لم يلزمه شيء ثم قال مالك ولو قال كل عبد أشتريه فهو حر فلا شيء عليه ~~وقال الثوري إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه ما قال وهو PageV05P232 ~~قول عثمان البتي وقال الأوزاعي فمن قال لامرأته كل جارية أتسرى بها عليك ~~فهي حرة فتسرى عليها جارية فإنها تعتق وقال الحسن بن صالح إذا قال كل مملوك ~~أملكه فهو حر فليس بشيء ولو قال أشتريه أو أرثه أو نحو ذلك عتق إذا ملك ~~بذلك الوجه لأنه خص ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فليس بشيء ولو قال ~~من بني فلان أو من أهل الكوفة أو آل كذا لزمه قال الحسن لا نعلم أحدا منذ ~~وضعت الكوفة أفتى بغير هذا وقال الليث فيما خص أنه يلزمه في الطلاق والعتق ~~وقال الشافعي لا يلزمه من ذلك شيء لا إذا خص ولا إذا عم وقد اختلف السلف ~~أيضا في ذلك روي عن ياسين الزيات عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن ~~عبدالرحمن أن عمر بن الخطاب قال في رجل قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق قال ~~هو كما قال وروى مالك عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي أنه سأل القاسم بن ~~محمد عن رجل طلق امرأته قبل أن يتزوجها فقال القاسم إن رجلا خطب امرأة فقال ~~هي علي كظهر أمي إن تزوجتها فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها حتى ~~يكفر كفارة الظهار وروى الثوري عن محمد بن قيس عن إبراهيم عن الأسود أنه ~~قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها ناسيا فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له ~~فألزمه الطلاق وهو قول النخعي والشعبي ومجاهد وعمر بن عبدالعزيز وقال ~~الشعبي إذا سمى امرأة بعينها أو قال إن تزوجت من بني فلان فهو كما قال وإذا ~~قال كل امرأة أتزوجها فليس بشيء وقال سعيد بن المسيب إذا ms2290 قال إن تزوجت ~~فلانة فهي طالق فليس بشيء وقال القاسم بن سالم وعمر بن عبدالعزيز هو جائز ~~عليه وروي عن ابن عباس في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق إنه ليس بشيء ~~وروي عن عائشة وجابر في آخرين من التابعين قالوا لا طلاق قبل نكاح ولا ~~دلالة في هذا اللفظ على مخالفة قول أصحابنا لأن عندنا أن من قال إن تزوجت ~~امرأة فهي طالق أنه مطلق بعد النكاح وما قدمنا من دلالة الآية على صحة ~~قولنا كاف في الاحتجاج على المخالف وتصحيح المقالة ويدل عليه قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ اقتضى ظاهره إلزام كل عاقد ~~موجب عقده ومقتضاه فلما كان هذا القائل عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد ~~النكاح وجب أن يلزمه حكمه ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم المسلمون عند ~~شروطهم أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه عند وجود شرطه ويدله ~~عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن النذر لا يصح إلا في ملك وإن من ~~قال إن رزقني الله ألف درهم فلله علي PageV05P233 أن أتصدق بمائة منها أنه ~~ناذر في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن مالكا في الحال فكذلك الطلاق ~~والعتق إذا أضافهما إلى الملك كان مطلقا ومعتقا في الملك ويدل عليه أن من ~~قال لجاريته إن ولدت ولدا فهو حر فحملت بعد ذلك وولدت أنه يعتق وإن لم يكن ~~مالكا في حال القول لأن الولد مضاف إلى الأم التي هو مالكها كذلك إذا أضاف ~~العتق إلى الملك فهو معتق في الملك وإن لم يكن له ملك موجود في الحال وأيضا ~~قد اتفق الجميع على أنه إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلتها ~~مع بقاء النكاح أنها تطلق ويكون يمنزلة ما لو قال لها في تلك الحال أنت ~~طالق ولو أبانها ثم دخلها كان بمنزلة ما لو قال لها في تلك الحال أنت طالق ~~فلا تطلق فدل ذلك على أن الحالف يصير ms2291 كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت فوجب ~~أن يكون القائل كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج بمنزلة من تزوج ثم قال لها ~~أنت طالق فإن قيل لو كان هذه صحيحا لوجب أنه لو حلف ثم جن فوجد شرط اليمين ~~أن لا يحنث لأنه بمنزلة المتكلم بالجواب في ذلك الوقت قيل له لا يجب ذلك ~~لأن المجنون لا قول له وقوله وسكوته بمنزلة فلما لم يصح قوله لم يصح إيقاعه ~~ابتداء ولما كان قوله قبل الجنون صحيحا لزمه حكمه في حال الجنون ومع ذلك ~~فإن المجنون قد يصح طلاق امرأته وعتق عبده لأنه لو كان مجنونا أو عنينا ~~لفرق بينه وبينها وكان طلاقا ولو ورث أباه عتق عليه كالنائم لا يصح منه ~~ابتداء الإيقاع ويلزمه حكمه بسبب يوجبه مثل أن يكون قد وكل بعتق عبده أو ~~طلاق امرأته فطلق وهو نائم فإن قيل قد روي عن علي ومعاذ بن جبل وجابر بن ~~عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا طلاق قبل نكاح قيل له أسانيدها ~~مضطربة لا يصح من جهة النقل ولو صح من جهة النقل لم يدل على موضع الخلاف ~~لأن من ذكرنا مطلق بعد النكاح وأيضا فإنه نفى بذلك إيقاع طلاق قبل النكاح ~~ولم ينف العقد فلما كان قوله لا طلاق قبل نكاح حقيقته نفي الإيقاع والعقد ~~على الطلاق ليس بطلاق لم يتناوله اللفظ من وجهين أحدهما أن إطلاق ذلك في ~~العقد مجاز لا حقيقة لأن من عقد يمينا على طلاق لإيقاع أنه قد طلق مالم يقع ~~وحكم اللفظ حمله على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز والثاني أنهم لم ~~يختلفوا أنه مستعمل في الحقيقة فغير جائز أن يراد به المجاز لأن لفظا واحدا ~~لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد روي عن الزهري في قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا طلاق قبل نكاح إنما هو أن يذكر للرجل المرأة فيقال له تزوجها ~~فيقول هي طالق البتة فهذا ليس PageV05P234 بشيء فأما من قال إن تزوجت فلانة ~~فهي طالق ms2292 البتة فإنما طلقها حين تزوجها وكذلك في الحرية وقد قيل فيه إنه إن ~~أراد العقد فهو الرجل يقول لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق ثم يتزوجها ~~فتدخل الدار فلا تطلق وإن كان الدخول في حال النكاح قال أبو بكر لا فرق بين ~~من خص أو عم لأنه إن كان إذا خص فهو مطلق في الملك وكذلك حكمه إذا عم وإن ~~كان إذا عم غير مطلق في ملك فكذلك في حال الخصوص فإن قيل إذا عم فقد حرم ~~جميع النساء عل نفسه كالمظاهر لما حرم امرأته تحريما مبهما لم يثبت حكمه ~~قيل له هذا غلط من وجوه أحدها إن المظاهر إنما قصد تحريم امرأة بعينها ومن ~~أصل المخالف أنه إذا عين وخص وقع طلاقه وإنما لا يوقعه إذا عم فواجب على ~~أصله أن لا يقع طلاقه وإن خص كما لم تحرم المظاهر منها تحريما مبهما وأيضا ~~فإن الله تعالى لم يبطل حكم ظهاره وتحريمه بل حرمها عليه بهذا القول وأثبت ~~عليه حكم ظهاره وأيضا إن الحالف بطلاق من يتزوج من النساء غير محرم للنساء ~~على نفسه لأنه لم يوجب بذلك تحريم النكاح وإنما أوجب طلاقا بعد صحة النكاح ~~ووقع استباحة البضع وايضا فإنه إذا قال كل امرأة تزوجها فهي طالق متى ~~ألزمناه ما عقد عليه من الطلاق لم يكن تحريم المرأة مبهما بل إنما تطلق ~~واحدة ويجوز له أن يتزوجها ثانيا ولا يقع شيء فهذه الوجوه كلها تنبئ عن ~~إغفال هذا السائل في سؤاله ذلك وأنه لا تعلق له بالمسألة قال أبو بكر ومن ~~الناس من يقول إذا قال إن تزوجتها فهي طالق وإن اشتريته فهو حر انه لا يقع ~~إلا أن يقول إذا صح نكاحي لك فأنت طالق بعد ذلك وإذا ملكتك بالشرى فأنت حر ~~وذهب إلى أنه إذا جعل النكاح والشرى شرطا للطلاق والعتاق فسبيل ذلك البضع ~~وملك الرقبة أن يقعا بعد العقد وهذه هي حال إيقاع الطلاق والعتق فيرد الملك ~~والطلاق والعتاق معا فلا يقعان لأن الطلاق والعتاق ms2293 لا يقعان إلا في ملك ~~مستقر قبل ذلك قال أبو بكر وهذا لا معنى له لأن القائل إذا تزوجتك فأنت ~~طالق وإذا اشتريتك فأنت حر معلوم من فحوى كلامه أنه أراد به إيقاع الطلاق ~~بعد صحة النكاح وإيقاع العتاق بعد صحة الملك فيكون بمنزلة القائل إذا ملكتك ~~بالنكاح أو ملكتك بالشرى فلما كان الملك بالنكاح والشرى في مضمون اللفظ صار ~~ذلك كالنطق به فإن قيل لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون القائل إن اشتريت عبدا ~~فامرأتي طالق فاشترى عبدا لغيره أن لا تطلق امرأته لأن في مضمون لفظه الملك ~~كأنه قال إن ملكت بالشرى قيل له لا يجب ذلك لأن اللفظ PageV05P235 إنما ~~الملك يتضمن فيما يوقع طلاقه أو عتقه فأما في غيرهما فهو محمول على حكم ~~اللفظ من غير تضمين له بوقوع ملك ولا غيره وقوله تعالى من قبل أن تمسوهن قد ~~بينا في سورة البقرة أن الخلوة مرادة بالمسيس وإن نفي العدة متعلق بنفي ~~الخلوة والجماع جميعا وفيما قدمنا ما يغني عن الإعادة وقوله تعالى فمتعوهن ~~إن كان من لم يسم لها مهرا فهو على الوجوب كقوله تعالى @QB@ أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن @QE@ وإن كان المراد المدخول بها فهو ندب غير واجب وقد حدثنا ~~عبدالله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~الآية قال التي نكحت ولم يبين لها ولم يفرض لها فليس لها صداق وليس عدة ~~وقال قتادة عن سعيد هي منسوخة بقوله في البقرة فنصف ما فرضتم وقوله تعالى ~~وسرحوهن بعد ذكر الطلاق قبل الدخول يشبه أن يكون المراد به إخراجها من بيته ~~أو من حباله لأنه مذكور بعد الطلاق فالأظهر أن هذا التسريح ليس بطلاق ولكنه ~~بيان أنه لا سبيل له عليها وأن عليه تخليتها من يده وحباله وبالله التوفيق # | باب ما أحل الله تعالى لرسوله من النساء # قال الله تعالى @QB@ يا أيها النبي إنا أحللنا ms2294 لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن @QE@ الآية قال أبو بكر قد انتظمت الآية ضروب النكاح الذي أباحه ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فمنها قوله اللاتي آتيت أجورهن يعني ~~من تزوج منهن بمهر مسمى وأعطاهن ومنها ما ملكت اليمين بقوله وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك مثل ريحانة وصفية وجويرية ثم أعتقهما وتزوجهما وذلك مما ~~أفاء الله عليه من الغنيمة وذكر تعالى بعد ذلك ما أحل له من أقاربه فقال ~~وبنات عمك وبنات عماتك ثم ذكر ما أحل له من النساء بغير مهر فقال @QB@ ~~وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي @QE@ وأخبر أنه مخصوص بذلك دون أمته وأنه ~~وأمته سواء فيمن تقدم ذكرهن وقوله تعالى اللاتي هاجرن معك قال أبو يوسف لا ~~دلالة فيه على أن اللاتي لم يهاجرن كن محرمات عليه وهذا يدل على أنه لم يكن ~~يرى أن المخصوص بالذكر يدل على أن ما عداه بخلافه وروى داود بن أبي هند عن ~~محمد بن أبي موسى عن زياد عن أبي بن كعب قال قلت له أرأيت لو هلك نساء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أكان له أن ينكح قال وما PageV05P236 يمنعه أحل ~~الله له ضروبا من النساء فكان يتزوج منهن ما شاء ثم تلا يا أيها النبي إنا ~~أحللنا لك أزواجك الآية وهذا يدل على أن تخصيص الله تعالى للمذكورات ~~بالإباحة لم يوجب عليه حظر من سواهن عند أبي بن كعب لأنه أخبر أنهن لو هلكن ~~لكان له أن يتزوج غيرهن وقد روي عن أم هانئ خلاف ذلك روى إسرائيل عن السدي ~~عن أبي صالح عن أم هانئ قالت خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت ~~إليه بعذر فأنزل الله إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله اللاتي هاجرن معك قالت ~~فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت مع الطلقاء فإن صح هذا الحديث فإن ~~مذهب أم هانئ أن تخصيصه للمهاجرات منهن قد أوجب حظر من لم تهاجر ويحتمل أن ~~تكون قد علمت حظرهن بغير ms2295 دلالة الآية وإن الآية إنما فيها إباحة من هاجرت ~~منهن ولم تعرض لمن لم تهاجر بحظر ولا إباحة إلا أنها قد علمت من جهة أخرى ~~حظرهن قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي الآية فيها نص على ~~إباحة عقد النكاح بلفظ الهبة للنبي صلى الله عليه وسلم واختلف أهل العلم في ~~عقد النكاح بلفظ الهبة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح يصح النكاح بلفظ الهبة ولها ما سمي ~~لها وإن لم يسم شيئا فلها مهر مثلها وذكر ابن القاسم عن مالك قال الهبة لا ~~تحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح ~~وإنما وهبها له ليحصنها أو ليكفيها فلا أرى بذلك بأسا وقال الشافعي لا يصح ~~النكاح بلفظ الهبة وقد تنازع أهل العلم حكم هذه الآية فقال قائلون كان عقد ~~النكاح بلفظ الهبة مخصوصا به النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى في نسق ~~التلاوة خالصة لك من دون المؤمنين وقال آخرون بل كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته في عقد النكاح بلفظ الهبة سواء وإنما خصوصية النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانت في جواز استباحة البضع بغير بدل وقد روي نحو ذلك عن مجاهد ~~وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وهذ هو الصحيح لدلالة الآية والأصول ~~عليه فأما دلالة الآية على ذلك فمن وجوه أحدها قوله @QB@ وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ ~~فلما أخبر في هذه الآية إن ذلك كان خالصا له دون المؤمنين مع إضافة لفظ ~~الهبة إلى المرأة دل ذلك على أن ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ~~إنما هو استباحة البضع بغير بدل لأنه لو كان المراد اللفظ لما شاركه فيه ~~غيره لأن ما كان مخصوصا به وخالصا له فغير جائز أن تقع بينه وبين ~~PageV05P237 غيره فيه شركة حتى يساويه فيه ms2296 إذ كانت مساواتهما في الشركة ~~تزيل معنى الخلوص والتخصيص فلما أضاف لفظ الهبة إلى المرأة فقال وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي فأجاز العقد منها بلفظ الهبة علمنا أن التخصيص ~~لم يقع في اللفظ وإنما كان في المهر فإن قيل قد شاركه في جواز تمليك البضع ~~بغير بدل ولم يمنع ذلك خلوصها له فكذلك في لفظ العقد قيل له هذا غلط لأن ~~الله أخبر أنها خالصة له وإنما جعل الخلوص فيما هو له وإسقاط المراة المهر ~~في العقد ليس هو لها ولكنه عليها فلم يخرجه ذلك من أن يكون ما جعل له خالصا ~~لم تشركه فيه المرأة ولا غيره والوجه الثاني من دلالة الآية قوله تعالى إن ~~أراد النبي أن يستنكحها فسمى العقد بلفظ الهبة نكاحها فوجب أن يجوز لكل أحد ~~لقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وأيضا لما جاز هذا ~~العقد للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به وجب أن ~~يجوز لنا فعل مثله إلا أن تقوم الدلالة على أنه كان مخصوصا باللفظ دون أمته ~~وقد حصل له معنى الخلوص المذكور في الآية من جهة إسقاط المهر فوجب أن يكون ~~ذلك مقصورا عليه وما عداه فغير محمول على حكمه إلا أن تقوم الدلالة على أنه ~~مخصوص به ومما يدل على أن خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في الصداق ~~ما حدثنا عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن بشر ~~قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تعير النساء اللاتي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألا تستحي أن تعرض نفسها ~~بغير صداق فانزل الله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء إلى قوله ~~فلا جناح عليك قالت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني ~~أرى ربك يسارع في هواك ويدل على جوازه بلفظ الهبة ما حدثنا عن محمد بن علي ~~بن زيد الصائغ قال ms2297 حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن قال ~~حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت يا رسول الله جئت لأهب نفسي لك فنظر إليها فصعد البصر وصوبه ثم ~~طأطأ رأسه فقام رجل من الصحابة فقال يا رسول الله إن لم تك لك بها حاجة ~~فزوجنيها وذكر الحديث إلى قوله فقال معي سورة كذا وسورة كذا فقال اذهب فقد ~~ملكتكها بما معك من القرآن ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك ~~والهبة من ألفاظ التمليك فوجب أن يجوز بها عقد النكاح ولأنه إذا ثبت بلفظ ~~التمليك بالسنة ثبت بلفظ الهبة إذ لم PageV05P238 يفرق أحد بينهما فإن قيل ~~قد روي أنه قال قد زوجتك بما معك من القرآن قيل له يجوز أن يكون ذكر مرة ~~التزويج ثم ذكر لفظ التمليك ليبين أنهما سواء في جواز عقد النكاح بهما ~~وأيضا لما أشبه عقد النكاح عقود التمليكات في إطلاقه من غير ذكر الوقت وكان ~~التوقيت يفسده وجب أن يجوز بلفظ التمليك والهبة كجواز سائر الأشياء ~~المملوكة وهذا أصل في جواز سائر ألفاظ التمليك ولا يجوز بلفظ الإباحة لأن ~~لذلك أصلا آخر يمنع جوازه وهو المتعة التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعنى المتعة إباحة التمتع بها فكل ما كان من ألفاظ الإباحة لم ينعقد به ~~عقد النكاح قياسا على المتعة وكل ما كان من ألفاظ التمليك ينعقد به النكاح ~~قياسا على سائر عقود التمليكات لشبهه بها من الوجوه التي ذكرنا وقد اختلف ~~في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فروي عن ابن عباس ~~رواية وعكرمة أنها ميمونة بنت الحارث وقال علي بن الحسن هي أم شريك الدوسية ~~وعن الشعبي أنها امرأة من الأنصار وقيل إنها زينب بنت خزيمة الأنصارية قوله ~~تعالى @QB@ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم @QE@ قال قتادة فرض أن لا ~~ينكح امرأة إلا بولي وشاهدين وصداق ولا ينكح الرجل إلا أربعا وقال ms2298 مجاهد ~~وسعيد بن جبير أربع قال أبو بكر وقوله وما ملكت أيمانهم يعني ما أباح لهم ~~بملك اليمين كما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله لكيلا يكون عليك حرج ~~يرجع والله أعلم إلى قوله إنا أحللنا لك أزواجك وما ذكر بعده فيما أباحه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يضيق عليه لأن الحرج الضيق فأخبر تعالى ~~بتوسعته على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أباحه له وعلى المؤمنين فيما ~~أطلقه لهم قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء حدثنا عبدالله ~~بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن ~~معمر عن منصور عن أبي رزين في قوله ترجي من تشاء منهن المرجات ميمونة وسودة ~~وصفية وجويرية وأم حبيبة وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب سواء في القسم ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بينهن وحدثنا عبدالله بن محمد بن ~~إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن ~~الزهري في قوله تعالى ترجي من تشاء منهن قال كان ذلك حين أنزل الله أن ~~يخيرهن قال الزهري وما علمنا رسول الله أرجى منهن أحدا ولقد آواهن كلهن حتى ~~مات صلى الله عليه وسلم قال معمر وقال قتادة جعله الله في حل أن يدع من شاء ~~منهن ويؤوي إليه من شاء يعني قسما وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم ~~قال PageV05P239 معمر وأخبرنا من سمع الحسن يقول كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو يدعها ففي ذلك نزلت ترجي من تشاء منهن قال أبو بكر وروى زكريا ~~عن الشعبي ترجي من تشاء منهن قال نساء كن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأرجى بعضهن ودخل ببعض منهن أم شريك لم تتزوج بعده وقال مجاهد ~~ترجي من تشاء منهن قال ترجيهن من غير طلاق ولا تأتيهن وروى عاصم الأحول عن ~~معاذة ms2299 العدوية عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذننا في ~~يوم إحدانا بعد ما أنزل @QB@ ترجي من تشاء منهن @QE@ فقالت لها معاذة فما ~~كنت تقولين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن قالت كنت أقول إن كان ~~ذلك إلي لم أوثر على نفسي أحدا قال أبو بكر وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقسم بين نسائه ولم يذكر فيه تخصيص واحدة منهن بإخراجها من ~~القسم حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن عبدالله بن يزيد الخطمي عن عائشة قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما ~~أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك قال أبو داود يعني القلب وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا عبدالرحمن يعني ~~ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قالت عائشة ابن أختي كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندها وكان قل ~~يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى ~~التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن ~~يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله يومي لعائشة فقبل ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قالت نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي ~~أشباهها أراه قال @QB@ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا @QE@ وروي عن عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن نساءه في مرضه أن يكون عند عائشة فأذن ~~له وهذا يدل على أنه قد كان يقسم لجميعهن وهو أصح من حديث أبي رزين الذي ~~ذكر فيه أنه أرجى جماعة من نسائه ثم لم يقسم لهن وظاهر الآية يقتضي تخير ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ms2300 إرجاء من شاء منهن وإيواء من شاء فليس يمتنع ~~أن يختار إيواء الجميع إلا سودة فإنها رضيت بأن تجعل يومها لعائشة قوله ~~تعالى ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك يعني والله أعلم في إيواء من أرجى ~~منهن أباح له بذلك أن يعتزل من شاء منهن ويؤوي من شاء وأن يوؤي منهن من شاء ~~بعد الاعتزال وقوله تعالى PageV05P240 ذلك أدنى أن تقر أعينهن يعني والله ~~أعلم إذا علمن بعد الإرجاء أن لك أن تؤوي وترد إلى القسم وهذه الآية تدل ~~على أن القسم بينهن لم يكن واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان ~~مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من شاء منهن قوله تعالى لا يحل لك النساء ~~من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج روى ليث عن مجاهد قال يعني من بعدما سمي ~~لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة وعن مجاهد أيضا في قوله إلا ~~ما ملكت يمينك قال لا بأس أن تتسرى اليهودية والنصرانية وروى سعيد عن قتادة ~~@QB@ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج @QE@ قال لما خيرهن ~~فاخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة وهو قول الحسن وروي غير ذلك وهو ما روى إسرائيل عن السدي عن عبدالله ~~بن شداد لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج قال ذلك لو ~~طلقهن لم يحل له أن يستبدل قال وكان ينكح ما شاء بعد ما نزلت هذه الآية قال ~~فنزلت هذه الآية وعنده تسع نسوة ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية ~~بنت الحارث قال أبو بكر ظاهر الآية يفيد تحريم سائر النساء على النبي صلى ~~الله عليه وسلم سوى من كن تحته وقت نزولها وقد روى ابن جريج عن عطاء عن ~~عبيد بن عمير عن عائشة قالت ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حل له ~~النساء قال أبو بكر وهذا يوجب ms2301 أن تكون الآية منسوخة وليس في القرآن ما يوجب ~~نسخها فهي إذا منسوخة بالسنة ويحتج به في جواز نسخ القرآن بالسنة فإن قيل ~~قوله لا يحل لك النساء من بعد خبر والخبر لا يجوز النسخ في مخبره قيل له ~~إنه وإن كان في صورة الخبر فهو نهي يجوز ورود النسخ عليه وهو بمنزلة ما لو ~~قال لا تتزوج بعدهن النساء فيجوز نسخه قوله تعالى ولو أعجبك حسنهن يدل على ~~جواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبية إذ لا يعجبه حسنها إلا وقد نظر إليها # | باب ذكر حجاب النساء # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه @QE@ حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي عثمان ~~واسمه الجعد بن دينار عن أنس قال لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ~~أهدت إليه أم سليم حيسا في تور من حجارة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~اذهب فادع من PageV05P241 لقيت من المسلمين فدعوت له من لقيت فجعلوا يدخلون ~~فيأكلون ويخرجون فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه ~~وقال فيه ما شاء الله أن يقول ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته فأكلوا حتى ~~شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث فأنزل الله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه إلى قوله وقلوبهن وروى بشر بن المفضل عن حميد الطويل عن أنس ~~ذكر حديث بناء النبي صلى الله عليه وسلم بزينب ووليمته فلما طعم القوم وكان ~~مما يفعل إذا أصبح ليلة بنائه دنا من حجر أمهات المؤمنين فسلم عليهن وسلمن ~~عليه ودعا لهن ودعون له فلما انصرف وأنا معه إلى بيته بصر برجلين قد جرى ~~بينهما الحديث من ناحية البيت فانصرف عن بيته فلما رأى الرجلان انصراف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بيته وثبا ms2302 خارجين فأخبر أنهما قد خرجا فرجع حتى ~~دخل بيته فأرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب وروى حماد بن زيد عن ~~أسلم العلوي عن أنس قال لما نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت أدخل فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءك يا أنس قال أبو بكر فانتظمت الآية ~~أحكاما منها النهي عن دخول بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذن ~~وإنهم إذا أذن لهم لا يقعدون انتظارا لبلوغ الطعام ونضجه وإذا أكلوا لا ~~يقعدون للحديث وروي عن مجاهد غير ناظرين إناه قال متحينين حين نضجه ولا ~~مستأنسين لحديث بعد أن يأكلوا وقال الضحاك غير ناظرين إناه قال نضجه قوله ~~تعالى @QB@ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب @QE@ قد تضمن حظر ~~رؤية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن ~~لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله بالحجاب الذي ~~أوجبه هذا السبب قوله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله يعني بما بين ~~في هذه الآية من إيجاب الإستئذان وترك الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم ~~وبين نسائه وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه ~~فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والإقتداء به إلا ما خصه ~~الله به دون أمته وقد روى معمر عن قتادة أن رجلا قال لو قبض النبي صلى الله ~~عليه وسلم لتزوجت عائشة فأنزل الله تعالى @QB@ وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله @QE@ قال أبو بكر ما ذكره قتادة هو أحد ما انتظمته الآية وروى عيسى بن ~~يونس عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة أنه قال لامرأته إن سرك أن تكوني ~~زوجتي في الجنة إن جمع الله بيننا فيها فلا تزوجي بعدي فإن PageV05P242 ~~المرأة لآخر أزواجها ولذلك حرم الله على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يتزوجن بعده وروى حميد الطويل عن أنس قال سألت أم حبيبة زوج النبي صلى الله ms2303 ~~عليه وسلم المرأة منا يكون لها زوجان فتموت فتدخل الجنة هي وزوجها لأيهما ~~تكون قال يا أم حبيبة لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا فتكون زوجته في ~~الجنة يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة قوله تعالى لا جناح ~~عليهن في آبائهن ولا أبنائهن الآية قال قتادة رخص لهؤلاء أن لا يجتنبن منهم ~~قال أبو بكر ذوي المحارم منهن وذكر نساءهن والمعنى والله أعلم الحرائر ولا ~~ما ملكت أيمانهن يعني الإماء لأن العبد والحر لا يختلفان فيما يباح لهم من ~~النظر إلى النساء قوله تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ~~أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما @QE@ الصلاة من الله هي الرحمة ~~ومن العباد الدعاء وقد تقدم ذكره وروي عن أبي العالية إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي قال صلاة الله عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة عليه ~~بالدعاء قال أبو بكر يعني والله أعلم إخبار الله الملائكة برحمته لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وتمام نعمه عليه فهو معنى قوله صلاته عند الملائكة وروي عن ~~الحسن هو الذي يلي عليكم وملائكته إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام ~~هل يصلي ربك فكان ذلك كبر في صدره فأوحى الله إليه أن أخبرهم أني أصلي وإن ~~صلاتي إن رحمتي سبقت غضبي وقوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه @QE@ ~~قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب ~~وهو فرض عندنا فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدى ~~فرضه وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم متى فعله ~~الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه وزعم الشافعي أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرض في الصلاة وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل العلم ~~فيما نعلمه وهو خلاف الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لفرضها في ~~الصلاة منها حديث ابن مسعود حين علمه التشهد فقال إذا فعلت هذا أو قلت هذا ~~فقد ms2304 تمت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وقوله ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت ~~وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة ~~وقعد فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته وحديث معاوية بن الحكم السلمي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ~~إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن ولم يذكر الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في شرح مختصر الطحاوي ~~PageV05P243 وقوله وسلموا تسليما يحتج به أصحاب الشافعي في إيجاب فرض ~~السلام في آخر الصلاة ولا دلالة فيه على ما ذكروا لأنه لم يذكر الصلاة فهو ~~على نحو ما ذكرنا في الصلاة عليه ويحتجون به أيضا في فرض التشهد لأن فيه ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ولا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه إذ ~~لم يذكر السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يريد به تأكيد ~~الفرض في الصلاة عليه بتسليمهم لأمر الله إياهم بها كقوله ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما قال أبو بكر قد ذكر الله تعالى في ~~كتابه اسمه وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم فأفرد نفسه بالذكر ولم يجمع ~~الاسمين تحت كناية واحدة نحو قوله والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل ~~ترضوهما لأن اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خطب بين يديه رجل فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن ~~يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم فبئس خطيب القوم أنت ~~لقوله ومن يعصهما فإن قيل فقد قال الله تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي @QE@ فجمع اسمه واسم ملائكته في الضمير قيل له إنما أنكرنا ~~جمعهما في كناية يكون اسما لهما نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم فأما ~~الفعل الذي ليس باسم ولاكناية عنه وإنما فيه الضمير ms2305 فلا يمتنع ذلك فيه وقد ~~قيل أيضا في هذا الموضع أن قوله يصلون ضمير الملائكة دون اسم الله تعالى ~~وصلاة الله على النبي مفهومة من الآية من جهة المعنى كقوله انفضوا إليها رد ~~الكناية إلى التجارة دون اللهو لأنه مفهوم من جهة المعنى وكذلك قوله والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله المذكور في ضمير النفقة هو ~~الفضة والذهب مفهوم من جهة المعنى قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~يعني يؤذون أولياء الله ورسوله وذلك لأن الله لا يجوز أن يلحقه الأذى فأطلق ~~ذلك مجازا لأن المعنى مفهوم عند المخاطبين كما قال واسئل القرية والمعنى ~~أهل القرية وقوله تعالى @QB@ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا @QE@ قد قيل إنه أراد من أضمر ذكره في الآية الأولى من أولياء الله ~~فأظهر ذكرهم بعد الضمير وبين أنهم المرادون بالضمير وأخبر عن احتمالهم ~~البهتان والاسم اللذين بهما يستحقون ما ذكر في الآية الأولى من اللعن ~~والعذاب قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن روي عن عبدالله قال الجلباب الرداء وقال ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد يتجلببن ليعلم أنهن حرائر ولا يعرض لهن فاسق وروى محمد بن سيرين عن ~~عبيدة يدنين PageV05P244 عليهن من جلابيبهن قال تقنع عبيدة وأخرج إحدى ~~عينيه وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن قال كن إماء بالمدينة يقال لهن كذا ~~وكذا يخرجن فيتعرض بهن السفهاء فيؤذونهن وكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون ~~أنها أمة فيتعرضون لها فيؤذونها فأمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من ~~جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين وقال ابن عباس ومجاهد ~~تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء وحدثنا عبدالله بن محمد ~~قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي خيثم عن صفية ~~بنت شيبة عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الاية @QB@ يدنين عليهن من جلابيبهن ~~@QE@ خرج نساء ms2306 من الأنصار كان على رؤسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها قال ~~أبو بكر في هذه الآية دلالة على ان المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن ~~الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن وفيها ~~دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى ونساء ~~المؤمنين ظاهره أنه أراد الحرائر وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء ~~اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر ~~من الإماء وقد روي عن عمر أنه كان يضرب الإماء ويقول اكشفن رؤسكن ولا تشبهن ~~بالحرائر قوله تعالى @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة @QE@ الآية حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن ~~قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة أن ناسا من المنافقين أرادوا أن ~~يظهروا نفاقهم فنزلت @QB@ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم @QE@ أي لنحرشنك وقال ابن عباس لنغرينك ~~بهم لنسلطنك عليهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا بالنفي عنها قال أبو بكر ~~في هذه الآية دلالة على أن الإرجاف بالمؤمنين والإشاعة بما يغمهم ويؤذيهم ~~يستحق به التعزير والنفي إذا أصر عليه ولم ينته عنه وكان قوم من المنافقين ~~وآخرون ممن لا بصيرة لهم في الدين وهم الذين في قلوبهم مرض وهو ضعف اليقين ~~يرجفون باجتماع الكفار والمشركين وتعاضدهم ومسيرهم إلى المؤمنين فيعظمون ~~شأن الكفار بذلك عندهم ويخوفونهم فأنزل الله تعالى فيهم وأخبر تعالى ~~باستحقاقهم النفي والقتل إذا لم ينتهوا عن ذلك فأخبر تعالى أن ذلك سنة الله ~~وهو الطريقة المأمور بلزومها واتباعها وقوله تعالى ولن PageV05P245 تجد ~~لسنة الله تبديلا يعني والله أعلم أن احدا لا يقدر على تغيير سنة الله ~~وإبطالها آخر سورة الأحزاب # | ومن سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى اعملوا آل داود شكرا روي عن عطاء بن يسار قال تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ms2307 ~~ثم قال ثلاث ومن أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود العدل في الغضب ~~والرضا والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية قوله تعالى ~~@QB@ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل @QE@ يدل على أن عمل التصاوير ~~كان مباحا وهو محظور في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لما روي عنه أنه ~~قال لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة وقال من صور صورة كلف يوم القيامة أن ~~يحييها وإلا فالنار وقال لعن الله المصورين وقد قيل فيه إن المراد من شبه ~~الله تعالى بخلقه آخر سورة سبأ # | ومن سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عكرمة قال ذكر عند ابن عباس بقطع الصلاة الكلب والحمار فقرأ إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فما الذي يقطع هذا وروى سالم عن سعيد ~~بن جبير الكلم الطيب يرفعه العمل الصالح قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما ~~طريا وتستخرجون حلية تلبسونها الحلية ههنا اللؤلؤ وما يتحلى به مما يخرج من ~~البحر واختلف الفقهاء في المرأة تحلف أن لا تلبس حليا فقال أبو حنيفة ~~اللؤلؤ وحده ليس بحلي إلا أن يكون معه ذهب لقوله تعالى ومما يوقدون عليه في ~~النار ابتغاء حلية أو متاع وهذا في الذهب دون اللؤلؤ إذ لا توقد عليه وقوله ~~حلية تلبسونها إنما سماه حلية في حال اللبس وهو لا يلبس وحده في العادة ~~إنما يلبس مع الذهب ومع ذلك فإن إطلاق لفظ الحلية عليه في القرآن لا يوجب ~~حمل اليمين عليه والدليل عليه قوله تأكلون لحما طريا وأراد به السمك ولو ~~حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وكذلك قوله وجعل الشمس سراجا ومن ~~حلف لا يقعد في سراج وقعد في الشمس لا يحنث قوله تعالى @QB@ إنما يخشى الله ~~من عباده العلماء @QE@ فيه الإبانة عن فضيلة العلم وأن به يتوصل إلى خشية ~~الله وتقواه لأن من PageV05P246 عرف توحيد الله وعدله بدلائله أوصله ذلك ~~إلى خشية الله وتقواه إذ كان من لا يعرف الله ولا يعرف ms2308 عدله وما قصد له ~~بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقيه وقوله في آية أخرى يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية إلى قوله ذلك لمن خشي ربه خبر إن خير البرية من خشي ~~ربه وأخبر في الآية أن العلماء بالله هم الذين يخشونه فحصل بمجموع الآيتين ~~أن أهل العلم بالله هم خير البرية وإن كانوا على طبقات في ذلك ثم وصف أهل ~~العلم بالله الموصوفين بالخشية منه فقال إن الذين يتلون كتاب الله واقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور فكان ذلك في ~~صفة الخاشعين لله العاملين بعلمهم وقد ذكر في آية أخرى المعرض عن موجب علمه ~~فقال واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان ~~من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه إلى آخر ~~القصة فهذه صفة العالم غير العامل والأول صفة العالم المتقي لله وأخبر عن ~~الأولين بأنهم واثقون بوعد الله وثوابه على أعمالهم بقوله تعالى يرجون ~~تجارة لن تبور قوله تعالى الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن روى بعض السلف قال ~~من شأن المؤمن الحزن في الدنيا ألا تراهم حين يدخلون الجنة يقولون الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الدنيا ~~سجن المؤمن قيل لبعض النساك ما بال أكثر النساك محتاجين إلى ما في يد غيرهم ~~قال لأن الدنيا سجن المؤمن وهل يأكل المسجون إلا من يد المطلق قوله تعالى ~~وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب روي عن الحسن والضحاك قالا ~~ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر معمر آخر وقال الشعبي لا ينقص من عمره لا ~~ينقضي ما ينقص منه وقتا بعد وقت وساعة بعد ساعة والعمر هو مدة الأجل التي ~~كتبها الله لخلقه فهو عالم بما ينقص منها بمضي الأوقات والأزمان قوله تعالى ~~@QB@ أولم نعمركم ما ms2309 يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير @QE@ روي عن ابن عباس ~~ومسروق أن العمر الذي ذكر الله به أربعون سنة وعن ابن عباس رواية وعن علي ~~ستون سنة وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق عن معمر قال أخبرني رجل من غفار عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد أعذر الله عبدا أحياه حتى بلغ ستين ~~أو سبعين سنة لقد أعذر PageV05P247 الله إليه حدثنا عبدالله قال حدثنا ~~الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن أبي خيثم عن مجاهد عن ابن عباس قال ~~العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم ستون سنة وبإسناده عن مجاهد مثله من قوله ~~تعالى وجاءكم النذير روي عن بعض أهل التفسير أن النذير محمد صلى الله عليه ~~وسلم وروي أنه الشيب قال أبو بكر ويجوز أن يكون المراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسائر ما أقام الله من الدلائل على توحيده وتصديق رسله ووعده ووعيده ~~وما يحدث في الإنسان من حين بلوغه إلى آخر عمره من التغير والإنتقال من حال ~~إلى حال من غير صنع له فيه ولا اختيار منه له فيكون حدثا شابا ثم كهلا ثم ~~شيخا وما ينقلب فيه فيما بين ذلك من مرض وصحة وفقر وغناء وفرح وحزن ثم ما ~~يراه في غيره وفي سائر الاشياء من حوادث الدهر التي لا صنع للمخلوقين فيها ~~وكل ذلك داع له إلى الله ونذير له إليه كما قال تعالى @QB@ أولم ينظروا في ~~ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء @QE@ فأخبر أن في جميع ما خلق ~~دلالة عليه ورادا للعباد إليه آخر سورة فاطر # | ومن سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن ~~عبدالله بن عمر في قوله والشمس تجري لمستقر لها قال الشمس تطلع فيراها بنو ~~آدم ms2310 حتى إذا كان يوم غربت فتحبس ما شاء الله ثم يقال أطلعي من حيث غربت فهو ~~يوم لا ينفع نفسا إيمانها الآية قال معمر وبلغني عن أبي موسى الأشعري أنه ~~قال إذا كانت الليلة التي تطلع فيها الشمس من حيث تغرب قام المتهجدون ~~لصلاتهم فصلوا حتى يملوا ثم يعودون إلى مضاجعهم يفعلون ذلك ثلاث مرات ~~والليل كما هو والنجوم واقفة لا تسري حتى يخرج الرجل إلى أخيه ويخرج الناس ~~بعضهم إلى بعض قال أبو بكر فكان معنى قوله لمستقر لها على هذا التأويل ~~وقوفها عن السير في تلك الليلة إلى أن تطلع من مغربها قال معمر وبلغني أن ~~بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر قيل له وما الآيات قال زعم قتادة قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها والدجال ~~والدخان ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة قيل له هل بلغك أي الآيات ~~أول قال PageV05P248 طلوع الشمس من مغربها وقد بلغني أن رجالا يقولون ~~الدجال وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقوم الساعة على أحد يقول لا إله إلا الله وروى قتادة لمستقر ~~لها قال لوقت واحد لها لا تعدوه قال أبو بكر يعني أنها استقرت على سير واحد ~~وعلى مقدار واحد لا تختلف وقيل لمستقر لها لا بعد منازلها في الغروب قوله ~~تعالى @QB@ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر @QE@ حدثنا عبدالله بن محمد ~~قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن ~~الحسن في قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر قال ذاك ليلة الهلال قال ~~أبو بكر يعني والله أعلم أنها لا تدركه فتستره بشعاعها حتى تمنع رؤيته ~~لأنهما مسخران مقسوران على ما رتبهما الله عليه لا يمكن واحدا منهما أن ~~يتغير عن ذلك وقال أبو صالح لا يدرك أحدهما ضوء الآخر وقيل لا ms2311 الشمس ينبغي ~~لها أن تدرك القمر حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانها وقيل لا تدركه في سرعة ~~السير وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق عن معمر قال وبلغني أن عكرمة قال لكل واحد منهما سلطان للقمر ~~سلطان الليل وللشمس النهار فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل ولا الليل سابق ~~النهار يقول لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون نهارا فإن ~~قيل هذا يدل على أن ابتداء الشهر نهار لا ليل لأنه قال @QB@ ولا الليل سابق ~~النهار @QE@ فإذا لم يسبق الليل النهار واستحال اجتماعهما معا وجب أن يكون ~~النهار سابقا لليل فيكون ابتداء الشهور من النهار لا من الليل قيل له ليس ~~تأويل الآية ما ذهبت إليه وإنما معناها أحد الوجوه التي تقدم ذكرها عن ~~السلف ولم يقل أحد منهم أن معناها أن ابتداء الشهور من النهار فهذا تأويل ~~ساقط بالإجماع وأيضا فلما كانت الشهور التي تتعلق بها أحكام الشرع هي شهور ~~الأهلة والهلال أول ما يظهر فإنما يظهر ليلا ولا يظهر ابتداء النهار وجب أن ~~يكون ابتداؤها من الليل ولا خلاف بين أهل العلم أن أول ليلة من شهر رمضان ~~هي من رمضان وأن أول ليلة من شوال هي من شوال فثبت بذلك أن ابتداء الشهور ~~من الليل ألا ترى أنهم يبتدؤن بصلاة تراويح في أول ليلة منه وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت فيه ~~الشياطين وجميع ذلك يدل على أن ابتداء الشهور من أول الليل وقد قال أصحابنا ~~PageV05P249 فيمن قال لله علي اعتكاف شهر أنه يبتدئ به من الليل لأن ابتداء ~~الشهور من الليل قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ~~روي عن الضحاك وقتادة أنه أراد سفينة نوح قال أبو بكر فنسب الذرية إلى ~~المخاطبين لأنه من جنسهم كأنه قال ذرية الناس وقوله تعالى @QB@ وخلقنا لهم ~~من مثله ما يركبون @QE@ قال ابن عباس السفن ms2312 بعد سفينة نوح وروي عن ابن عباس ~~رواية أخرى وعن مجاهد أن الإبل سفن البر قوله تعالى ومن نعمره ننكسه في ~~الخلق قال قتادة نصيره إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي في غروب العلم ~~وضعف القوى وقال غيره نصيره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى ~~النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى قال أبو بكر ومثله قوله تعالى ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر وسماه أرذل العمر لأنه لا يرجى له بعده عود من ~~النقصان إلى الزيادة ومن الجهل إلى العلم كما يرجى مصير الصبي من الضعف إلى ~~القوة ومن الجهل إلى العلم ونظيره قوله تعالى ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ~~قوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق ~~قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر في قوله @QB@ ~~وما علمناه الشعر وما ينبغي له @QE@ قال بلغني أن عائشة سئلت هل كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر فقالت لا إلا ببيت أخي بني ~~قيس بن طرفة % ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا % ويأتيك بالأخبار من لم تزود ~~% # | قال فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول يأتيك من لم تزود بالأخبار ~~فقال أبو بكر ليس هكذا يا رسول الله قال إني لست بشاعر ولا ينبغي لي قال ~~أبو بكر لم يعط الله نبيه صلى الله عليه وسلم العلم بإنشاء الشعر لم يكن قد ~~علمه الشعر لأنه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده وإنما لم يعط ذلك ~~لئلا تدخل به الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن أنه قوي على ذلك بما في ~~طبعه من الفطنة للشعر وإذا كان التأويل أنه لم يعطه الفطنة لقول الشعر لم ~~يمتنع على ذلك أن ينشد شعرا لغيره إلا أنه لم يثبت من وجه صحيح أنه تمثل ~~بشعر لغيره وإن كان قد روي أنه قال % هل أنت إلا أصبع دميت % وفي سبيل الله ~~ما لقيت ms2313 % # وقد روي أن القائل لذلك بعض الصحابة وأيضا فإن من أنشد شعرا لغيره أو قال ~~بيتا أو بيتين لم يسم شاعرا أو لا يطلق عليه أنه قد علم الشعر أو قد تعلمه ~~ألا ترى أن من PageV05P250 لا يحسن الرمي قد يصيب في بعض الأوقات برميته ~~ولا يستحق بذلك أن يسمى راميا ولا أنه تعلم الرمي فكذلك من أنشد شعرا لغيره ~~وأنشأ بيتا ونحوه لم يسم شاعرا قوله تعالى @QB@ قال من يحيي العظام وهي ~~رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ فيه من أوضح الدليل على أن من قدر ~~على الابتداء كان أقدر على الإعادة إذ كان ظاهر الأمر أن إعادة الشيء أيسر ~~من ابتدائه فمن قدر على الإنشاء ابتداء فهو على الإعادة أقدر فيما يجوز ~~عليه البقاء وفيه الدلالة على وجوب القياس والاعتبار لأنه ألزمهم قياس ~~النشأة الثانية على الأولى وربما احتج بعضهم بقوله تعالى قال من يحيي ~~العظام وهي رميم على أن العظم فيه حياة فيجعله حكم الموت بموت الأصل ويكون ~~ميتة وليس كذلك لأنه إنما سماه حيا مجازا إذ كان عضوا يحيى الأرض بعد موتها ~~ومعلوم أنه لا حياة فيها آخر سورة يس # | ومن سورة والصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر @QE@ إلى قوله وفديناه بذبح عظيم قال أبو بكر ظاهره يدل على ~~أنه كان مأمورا بذبحه فجائز أن يكون الأمر إنما تضمن معالجة الذبح لا ذبحا ~~يوجب الموت وجائز أن يكون الأمر حصل على شريطة التخلية والتمكن منه وعلى أن ~~لا يفديه بشيء وأنه إن فدى منه بشيء كان قائما مقامه والدليل على أن ظاهره ~~قد اقتضى الأمر قوله افعل ما تؤمر وقوله وفديناه بذبح عظيم فلو لم يكن ~~ظاهره قد اقتضى الأمر بالذبح لما قال افعل ما تؤمر ولم يكن الذبح فداء عن ~~ذبح متوقع وروي أن إبراهيم عليه السلام كان نذر إن رزقه الله ولدا ذكرا أن ~~يجعله ذبيحا لله ms2314 فأمر بالوفاء به وروي أن الله تعالى ابتدأ بالأمر بالذبح ~~على نحو ما قدمنا وجائز أن يكون الأمر ورد بذبح ابنه وذبح فوصل الله أوداجه ~~قبل خروج الروح وكانت الفدية لبقاء حياته قال أبو بكر وعلى أي وجه تصرف ~~تأويل الآية قد تضمن الأمر بذبح الولد إيجاب شاة في العاقبة فلما صار موجب ~~هذا اللفظ إيجاب شاة في المتعقب في شريعة إبراهيم عليه السلام وقد أمر الله ~~باتباعه بقوله تعالى @QB@ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا @QE@ ~~وقال أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وجب على من نذر ذبح ولده شاة وقد ~~اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في ذلك PageV05P251 فروى عكرمة عن ابن ~~عباس في الرجل يقول هو ينحر ابنه قال كبش كما فدى إبراهيم إسحاق وروى سفيان ~~عن منصور عن الحكم عن علي في رجل نذر أن ينحر ابنه قال يهدي بدنة أو ديته ~~شك الرواي وعن مسروق مثل قول ابن عباس وروى شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال ~~يحج ويهدي بدنة وروى داود بن أبي هند عن عامر في رجل حلف أن ينحر ابنه قال ~~قال بعضهم مائة من الإبل وقال بعضهم كبش كما فدى إسحاق قال أبو بكر قال أبو ~~حنيفة ومحمد عليه ذبح شاة وقال أبو يوسف لا شيء عليه وقال أبو حنيفة لو نذر ~~ذبح عبده لم يكن عليه شيء وقال محمد عليه ذبح شاة وظاهر الآية يدل على قول ~~أبي حنيفة في ذبح الولد لأن هذا اللفظ قد صار عبارة عن إيجاب شاة في شريعة ~~إبراهيم عليه السلام فوجب بقاء حكمه ما لم يثبت نسخه وذهب أبو يوسف إلى ~~حديث أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم وروى الحسن ~~عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في معصية وكفارته ~~كفارة يمين قال أبو بكر لا يلزم ms2315 القائلين بالقول الأول وذلك لأن قوله علي ~~ذبح ولدي لما صار عبارة عن إيجاب ذبح شاة صار بمنزلة ما لو قال علي ذبح شاة ~~ولم يكن ذلك معصية وإنما لم يوجب أبو حنيفة على الناذر ذبح عبده شيئا لأن ~~هذا اللفظ ظاهره معصية ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة فكان نذر معصية ~~وقد قالوا جميعا فيمن قال لله علي أن أقتل ولدي أنه لا شيء عليه لأن هذا ~~اللفظ ظاهره معصية ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة وقد روى يزيد بن ~~هارون عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال كنت عند ابن عباس فجاءته ~~امرأة فقالت إني نذرت أن انحر ابني قال لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك فقال ~~رجل عند ابن عباس إنه لا وفاء لنذر في معصية فقال ابن عباس مه قال الله ~~تعالى في الظهار ما سمعت وأوجب فيه ما ذكره قال أبو بكر وليس ذلك بمخالف ~~لما قدمنا من قول ابن عباس في إيجابه كبشا لأنه جائز أن يكون من مذهبه ~~إيجابهما جميعا إذا أراد بالنذر اليمين كما قال أبو حنيفة ومحمد فيمن قال ~~لله علي أن أصوم غدا فلم يفعل وأراد اليمين أن عليه كفارة اليمين والقضاء ~~جميعا وقد اختلف في الذبيح من ولدي إبراهيم عليهم السلام فروي عن علي وابن ~~مسعود وكعب والحسن وقتادة أنه إسحاق وعن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب ~~ومحمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل وروي عن النبي PageV05P252 ص = القولان ~~جميعا ومن قال هو إسماعيل يحتج بقوله عقيب ذكر الذبح وبشرناه بإسحاق نبيا ~~فلما كانت البشارة بعد الذبح دل على أنه إسماعيل واحتج الآخرون بأنه ليس ~~ببشارة بولادته وإنما هي بشارة بنبوته لأنه قال وبشرناه بإسحاق نبيا قوله ~~تعالى فساهم فكان من المدحضين احتج به بعض الأغمار في إيجاب القرعة في ~~العبيد يعتقهم المريض وذلك إغفال منه وذلك لأنه عليه السلام ساهم في طرحه ~~في البحر وذلك لا يجوز عند أحد من الفقهاء ms2316 كما لا تجوز القرعة في قتل من ~~خرجت عليه وفي أخذ ماله فدل على أنه خاص فيه عليه السلام دون غيره قوله ~~تعالى @QB@ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ قال ابن عباس بل يزيدون ~~قيل إن معنى أو ههنا الإبهام كأنه قال أرسلناه إلى أحد العددين وقيل هو على ~~شك المخاطبين إذ كان الله تعالى لا يجوز عليه الشك آخر سورة والصافات # | ومن سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يسبحن بالعشي والإشراق روي عن معمر عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق وروى القاسم عن زيد بن أرقم قال خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال إن صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى وروى شريك عن زيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي هريرة ~~قال أوصاني خليلي بثلاث ونهاني عن ثلاث أوصاني بصلاة الضحى والوتر قبل ~~النوم وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونهاني عن نقر كنقر الديك والتفات ~~كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب وروى عطية عن أبي سعيد الخدري قال كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا ~~يصليها وروي عن عائشة وأم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى وعن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها وقال ابن عمر هي من أحب ما ~~أحدث الناس إلي وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن صلاة الضحى فقال ~~إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ @QB@ في بيوت أذن الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال @QE@ قوله تعالى إنا ~~سخرنا الجبال معه قيل إنه سخرها معه فكانت تسير معه وجعل ذلك تسبيحا ~~PageV05P253 منها لله تعالى لأن التسبيح لله هو تنزيهه عما لا يليق به فلما ~~كان سيرها دلالة على ms2317 تنزيه الله جعل ذلك تسبيحا منها له قوله تعالى وهل ~~أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن عمرو ~~بن عبيد عن الحسن في قوله وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب قال جزأ ~~داود الدهر أربعة أيام يوما لنسائه ويوما لقضائه ويوما يخلو فيه لعبادة ربه ~~ويوما لبني إسرائيل يسألونه وذكر الحديث قال أبو بكر وهذا يدل على أن ~~القاضي لا يلزمه الجلوس للقضاء في كل يوم وأنه جائز له الاقتصار على يوم من ~~أربعة أيام ويدل على أنه لا يجب على الزوج الكون عند امرأته في كل يوم وأنه ~~جائز له أن يقسم لها يوما من أربعة أيام وقال أبو عبيدة المحراب صدر المجلس ~~ومنه محراب المسجد وقيل إن المحراب الغرفة وقوله تعالى إذ تسوروا المحراب ~~يدل على ذلك والخصم اسم يقع على الواحد وعلى الجماعة وإنما فزع منهم داود ~~لأنهم دخلوا عليه في موضع صلاته على صورة الآدميين بغير إذن فقالوا @QB@ لا ~~تخف خصمان بغى بعضنا على بعض @QE@ ومعناه أرأيت إن جاءك خصمان فقالا بغى ~~بعضنا على بعض وإنما كان فيه هذا الضمير لأنه معلوم أنهما كانا من الملائكة ~~ولم يكن من بعضهم بغي على بعض والملائكة لا يجوز عليهم الكذب فعلمنا أنهما ~~كلماه بالمعاريض التي تخرجهما من الكذب مع تقريب المعنى بالمثل الذي ضرباه ~~وقولهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة هو على معنى ما قدمنا من ضمير أرأيت ~~إن كان له تسع وتسعون نعجة وأراد بالنعاج النساء وقد قيل إن داود كان له ~~تسع وتسعون امرأة وأن أوريا بن حنان لم تكن له امرأة وقد خطب امرأة فخطبها ~~داود مع علمه بأن أوريا خطبها وتزوجها وكان فيه شيآن مما سبيل الأنبياء ~~التنزه عنه أحدهما خطبته على خطبة غيره والثاني إظهار الحرص على التزويج مع ~~كثرة من عنده من النساء ولم يكن عنده أن ذلك معصية فعاتبه الله ms2318 تعالى عليها ~~وكانت صغيرة وفطن حين خاطبه الملكان بأن الأولى كان به أن لا يخطب المرأة ~~التي خطبها غيره وقوله ولي نعجة واحدة يعني خطبت امرأة واحدة قد كان ~~التراضي منا وقع بتزويجها وما روي في أخبار القصاص من أنه نظر إلى المرأة ~~فرآها متجردة فهويها وقدم زوجها للقتل فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء لأن ~~الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بأنها معاص إذ لا يدرون لعلها كبيرة ~~تقطعهم عن ولاية الله PageV05P254 تعالى ويدل على صحة التأويل الأول أنه ~~قال وعزني في الخطاب فدل ذلك على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة ولم ~~يكن قد تقدم تزويج الآخر وقوله تعالى فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يدل على ~~أن للخصم أن يخاطب الحاكم بمثله وقوله تعالى لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه من غير أن يسئل الخصم عن ذلك يدل على أنه أخرج الكلام مخرج الحكاية ~~والمثل على ما بينا وأن داود قد كان عرف ذلك من فحوى كلامه لولا ذلك لما ~~حكم بظلمه قبل أن يسئله فيقر عنده أو تقوم عليه البينة به وقوله تعالى وإن ~~كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض وهو يعني الشركاء يدل على أن العادة ~~في أكثر الشركاء الظلم والبغي ويدل عليه أيضا قوله @QB@ إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم @QE@ قوله تعالى وظن داود أنما فتناه يدل على ~~أنه عليه السلام لم يقصد المعصية بديا وإن كلام الملكين أوقع له الظن بأنه ~~قد أتى معصية وإن الله تعالى قد شدد عليه المحنة بها لأن الفتنة في هذا ~~الموضع تشديد التعبد والمحنة فحيئنذ علم أن ما أتاه كان معصية واستغفر منها ~~وقوله تعالى وخر راكعا وأناب روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سجد في ص وليست من العزائم وروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجدة ص سجدها داود توبة ونحن ~~نسجدها شكرا وروى الزهري ms2319 عن السائب بن يزيد أنه رأى عمر سجد في ص وروى ~~عثمان وابن عمر مثله وقال مجاهد قلت لابن عباس من أين أخذت سجدة ص قال فتلا ~~علي @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ ه فكان داود سجد فيها ~~فلذلك سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم وروى مسروق عن ابن مسعود أنه كان ~~لا يسجد فيها ويقول هي توبة نبي وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعلها اقتداء بداود لقوله فبهداهم اقتده يدل على ~~أنه رأى فعلها واجبا لأن الأمر على الوجوب وهو خلاف رواية عكرمة عنه أنها ~~ليست من عزائم السجود ولما سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما سجد في ~~غيرها من مواضع السجود دل على أنه لا فرق بينها وبين سائر مواضع السجود ~~وأما قول عبدالله أنها ليس بسجدة لأنها توبة نبي فإن كثيرا من مواضع السجود ~~إنما هو حكايات عن قوم مدحوا بالسجود نحو قوله تعالى @QB@ إن الذين عند ربك ~~لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون @QE@ وهو موضع السجود للناس ~~بالاتفاق وقوله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى PageV05P255 ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ونحوها من الآي التي فيها حكاية سجود قوم فكانت ~~مواضع السجود وقوله وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون يقتضي لزوم فعله عند ~~سماع القرآن فلو خلينا والظاهر أوجبناه في سائر القرآن فمتى اختلفنا في ~~موضع منه فإن الظاهر يقتضي وجوب فعله إلا أن تقوم الدلالة على غيره وأجاز ~~أصحابنا الركوع عن سجود التلاوة وذكر محمد بن الحسن أنه قد روي في تأويل ~~قوله تعالى وخر راكعا أن معناه خر ساجدا فعبر بالركوع عن السجود فجاز أن ~~ينوب عنه إذ صار عبارة عنه قوله تعالى وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب روى أشعث ~~عن الحسن قال العلم بالقضاء وعن شريح قال الشهود والأيمان وعن أبي حصين عن ~~أبي عبدالرحمن السلمي قال فصل الخطاب قال الخصوم قال أبو بكر الفصل بين ~~الخصوم بالحق وهذا ms2320 يدل على أن فصل القضاء واجب على الحاكم إذا خوصم إليه ~~وأنه غير جائز له إهمال الحكم وهو يبطل قول من يقول إن الناكل عن اليمين ~~يحبس حتى يقرأ ويحلف لأن فيه إهمال الحكم وترك الفصل وروى الشعبي عن زياد ~~أن فصل الخطاب أما بعد وليس زياد ممن يعتد به في الأقاويل ولكنه قد روى ~~وعسى أن يكون ذهب إلى أنه فصل بين الدعاء في صدر الكتاب وبين الخطاب ~~المقصود به الكتاب قوله تعالى @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى @QE@ حدثنا عبدالباقي بن قانع قال ~~حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ~~عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد بن سلمة عن الحسن قال إن الله ~~أخذ على الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا ~~يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قرأ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى الآية وقرأ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا إلى قوله فلا تخشوا الناس واخشون وروى ~~سليمان بن حرب عن حماد بن أبي سلمة عن حميد قال لما استقضى إياس بن معاوية ~~أتاه الحسن فبكى إياس فقال له الحسن ما يبكيك يا أبا وائلة قال بلغني أن ~~القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ~~ورجل مال به الهوى فهو في النار ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة قال الحسن ~~إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله وكلا ~~آتينا حكما وعلما فأثنى على سليمان ولم يذم داود ثم قال PageV05P256 الحسن ~~إن الله أخذ على الحكام ثلاثا وذكر نحو الحديث الأول قال أبو بكر قد بين في ~~حديث أبي بريدة معنى ما ذكر في الحديث الذي رواه إياس بن معاوية أن القاضي ~~إذا أخطأ فهو في ms2321 النار وهو ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود ~~السجستاني قال حدثنا محمد بن حسان السمني قال حدثنا خلف بن خليفة عن أبي ~~هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القضاة ثلاثة ~~واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ~~ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في ~~النار فأخبر أن الذي في النار من المخطئين هو الذي تقدم على القضاء بجهل ~~قوله تعالى @QB@ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد @QE@ إلى قوله بالسوق ~~والأعناق قال مجاهد صفوان الفرس رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ~~وذاك من عادة الخيل والجياد السراع من الخيل يقال فرس جواد إذا جاء بالركض ~~قوله تعالى إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي يحتمل وجهين أحدهما إني أحببت حب ~~الخير الذي ينال بهذا الخيل فشغلت به عن ذكر ربي وهو الصلاة التي كان ~~يفعلها في ذلك الوقت ويحتمل إني أحببت حب الخير وهو يريد به الخيل نفسها ~~فسماها خيرا لما ينال بها من الخير بالجهاد في سبيل الله وقتال أعدائه ~~ويكون قوله عن ذكر ربي معناه أن ذلك من ذكري لربي وقيامي بحقه في اتخاذ هذا ~~الخيل قوله تعالى حتى توارت بالحجاب روي عن ابن مسعود حتى توارت الشمس ~~بالحجاب قال أبو بكر وهو كقول لبيد % حتى إذا لقيت يدا في كافر % وأجن ~~عورات الثغور ظلامها % # | وكقول حاتم % أماوي ما يغني الثراء عن الفتى % إذا حشرجت يوما وضاق بها ~~الصدر % # فأضمر النفس في قوله حشرجت وقال غير ابن مسعود حتى توارت الخيل بالحجاب ~~وقوله تعالى ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق روي عن ابن عباس أنه جعل ~~يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبالها وهذا كما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا هارون بن عبدالله قال حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني قال ~~أخبرنا محمد بن المهاجر قال حدثني ms2322 عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي وكانت له ~~صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها ~~وأعجازها أو قال أكفالها وقلدوها ولا PageV05P257 تقلدوها الأوتار فجائز أن ~~يكون سليمان إنما مسح أعرافها وعراقيبها على نحو ما ندب إليه نبينا صلى ~~الله عليه وسلم وقد روي عن الحسن أنه كشف عراقيبها وضرب أعناقها وقال لا ~~تشغليني عن عبادة ربي مرة أخرى والتأويل الأول أصح والثاني جائز ومن تأوله ~~على الوجه الثاني يستدل به على إباحة لحوم الخيل إذ لم يكن ليتلفها بلا نفع ~~وليس كذلك لأنه جائز أن يكون محرم الأكل وتعبد الله بإتلافه ويكون المنفعة ~~في تنفيذ الأمر دون غيره ألا ترى أنه كان جائز أن يميته الله تعالى ويمنع ~~الناس من الانتفاع بأكله فكان جائزا أن يتعبد بإتلافه ويحظر الانتفاع بأكله ~~بعده وقوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث روي عن ابن عباس أن ~~امرأة أيوب قال لها إبليس إن شفيته تقولين لي أنت شفيته فأخبرت بذلك أيوب ~~فقال إن شفاني الله ضربتك مائة سوط فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة ~~قال عطاء وهي للناس عامة وحدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن ~~بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله @QB@ ~~وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث @QE@ فأخذ عودا فيه تسعة وتسعون عودا ~~والأصل تمام المائة فضرب به امرأته وذلك أن امرأته أرادها الشيطان على بعض ~~الأمر فقال لها قولي لزوجك يقول كذا وكذا فقالت له قل كذا وكذا فحلف حينئذ ~~أن يضربها فضربها تحلة ليمينه وتخفيفا على امرأته قال أبو بكر وفي هذه ~~الآية دلالة على أن من حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه ضربة ~~واحدة أنه يبر في يمينه إذا أصابه جميعها لقوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب ~~به ولا تحنث والضغث هو ملء الكف من الخشب أو السياط أو الشماريخ ونحو ذلك ~~فأخبر الله تعالى أنه إذا ms2323 فعل ذلك فقد بر في يمينه لقوله ولا تحنث وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إذا ضربه ضربة ~~واحدة بعد أن يصيبه كل واحدة منه فقد بر في يمينه وقال مالك والليث لا يبر ~~وهذا القول خلاف الكتاب لأن الله تعالى قد أخبر أن فاعل ذلك لا يحنث وقد ~~روي عن مجاهد أنه قال هي لأيوب خاصة وقال عطاء للناس عامة قال أبو بكر ~~دلالة الآية ظاهرة على صحة القول الأول من وجهين أحدهما أن فاعل ذلك يسمى ~~ضاربا لما شرط من العدد وذلك يقتضي البر في يمينه والثاني أنه لا يحنث ~~لقوله ولا تحنث وزعم بعض من يحتج لمذهب مالك أن ذلك لأيوب خاصة لأنه قال ~~فاضرب به ولا PageV05P258 تحنث فلما أسقط عنه الحنث كان بمنزلة من جعلت ~~عليه الكفارة فأداها أو بمنزلة من لم يحلف على شيء وهذا حجاج ظاهر السقوط ~~لا يحتج بمثله من يعقل ذلك لتناقضه واستحالته ومخالفته لظاهر الكتاب وذلك ~~لأن الله تعالى أخبر أنه إذا فعل ذلك لم يحنث واليمين تتضمن شيئين حنثا أو ~~برا فإذا أخبر الله أنه لا يحنث فقد أخبر بوجود البر إذ ليس بينهما واسطة ~~فتناقضه واستحالته من جهة أن قوله هذا يوجب أن كل من بر في يمينه بأن يفعل ~~المحلوف عليه كان بمنزلة من جعلت عليه الكفارة على قضيته لسقوط الحنث ولو ~~كان لأيوب خاصة وكان عبادة تعبد بها دون غيره كان الله أن يسقط عنه الحنث ~~ولا يلزمه شيئا وإن لم يضربها بالضغث فلا معنى على قوله لضربها بالضغث إذ ~~لم يحصل به بر في اليمين وزعم هذا القائل أن لله تعالى أن يتعبد بما شاء في ~~الأوقات وفيما تعبدنا به ضرب الزاني قال ولو ضربه ضربة واحدة بشماريخ لم ~~يكن حدا قال أبو بكر أما ضرب الزاني بشماريخ فلا يجوز إذا كان صحيحا سليما ~~وقد يجوز إذا كان عليلا يخاف عليه لأنه لو أفرد كل ضربة لم يجز إذا كان ms2324 ~~صحيحا ولو جمع أسواطا فضربه بها وأصابه كل أحد منها وأعيد عليه ما وقع عليه ~~من الأسواط وإن كانت مجتمعة فلا فرق بين حال الجمع والتفريق وأما في المرض ~~فجائز أن يقتصر من الضرب على شماريخ أو درة أو نحو ذلك فيجوز أن يجمعه أيضا ~~فيضربه به ضربة وقد روي في ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن ~~شهاب قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدة على ~~عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه ~~يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا إلي النبي صلى الله عليه وسلم فإني قد ~~وقعت على جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ~~ما رأينا أحدا به من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما ~~هو إلا جلد على عظم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له شماريخ ~~مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة ورواه بكير بن عبدالله بن الأشج عن أبي ~~أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد وقال فيه فخذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه ~~بها ضربة واحدة ففعلوا وهو سعيد بن سعد بن عبادة وقد أدرك النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبو أمامة بن سهل بن حنيف هذا ولد في حياة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم = PageV05P259 # فصل وفي هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا لولا ذلك لم ~~يكن أيوب ليحلف عليه ويضربها ولما أمره الله تعالى بضربها بعد حلفه والذي ~~ذكره الله في القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزا بقوله واللاتي ~~تخافون نشوزهن إلى قوله واضربوهن وقد دلت قصة أيوب على أن له ضربها تأديبا ~~لغير نشوز وقوله تعالى ms2325 الرجال قوامون على النساء فما روي من القصة فيه يدل ~~على مثل دلالة قصة أيوب لأنه روي أن رجلا لطم امرأته على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأراد أهلها القصاص فأنزل الله الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم وفي الآية دليل على أن ~~للرجل أن يحلف ولا يستثني لأن أيوب حلف ولم يستثن ونظيره من سنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم قوله في قصة الأشعريين حين استحملوه فقال والله لا أحملكم ~~ولم يستثن ثم حملهم وقال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي ~~هو خير وليكفر عن يمينه وفيها دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها ثم فعل المحلوف عليه أن عليه الكفارة لأنه لو لم تجب كفارة لترك أيوب ~~ما حلف عليه ولم يحتج إلى أن يضربها بالضغث وهو خلاف قول من قال لا كفارة ~~عليه إذا فعل ما هو خير وقد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليأت الذي هو خير وذلك كفارته وفيها دليل ~~على أن التعزير يجاوز به الحد لأن في الخبر أنه حلف أن يضربها مائة فأمره ~~الله تعالى بالوفاء به إلا أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين وفيها دليل على أن اليمين إذا كانت ~~مطلقة فهي على المهلة وليست على الفور لأنه معلوم أن أيوب لم يضرب امرأته ~~في فور صحته ويدل على أن من حلف على ضرب عبده أنه لا يبر إلا أن يضربه بيده ~~لقوله وخذ بيدك ضغثا إلا أن أصحابنا قالوا فيمن لا يتولى الضرب بيده إن أمر ~~غيره بضربه لا يحنث للعرف وفيها دليل على أن الإستثناء لا يصح إلا أن يكون ~~متصلا باليمين لأنه لو صح الإستثناء متراخيا عنها لأمر بالإستثناء ولم يؤمر ~~بالضرب وفيها دليل على جواز الحيلة ms2326 في التوصل إلى ما يجوز فعله ودفع ~~المكروه بها عن نفسه وعن غيره لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به ~~من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر آخر سورة ص PageV05P260 # | ومن سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها @QE@ ثم راجعة إلى ~~صلة الكلام كأنه قال خلقكم من نفس واحدة ثم أخبر أنه جعل منها زوجها لأنه ~~لا يصح رجوعها إلى المخلوقين من الأولاد على معنى الترتيب لأن الوالدين قبل ~~الولد وهو مثل قوله ثم الله شهيد على ما يفعلون وقوله ثم آتينا موسى الكتاب ~~تماما ونحو ذلك آخر سورة الزمر # | ومن سورة المؤمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يا هامان ابن لي صرحا روى سفيان عن منصور عن إبراهيم في قوله ~~يا هامان ابن لي صرحا قال بني بالآجر وكانوا يكرهون أن يبنو بالآجر ~~ويجعلونه في قبورهم وقوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم روى الثوري عن ~~الأعمش ومنصور عن سبيع الكندي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ادعوني أستجب لكم الآية وقوله ~~تعالى النار يعرضون عليها هذه الآية تدل على عذاب القبر لقوله تعالى ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب فدل على أن المراد @QB@ النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا @QE@ قبل القيامة آخر سورة المؤمن # | ومن سورة حم السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا فيه بيان أن ذلك ~~أحسن قول ودل بذلك على لزوم فرض الدعاء إلى الله إذ لا جائز أن يكون النفل ~~أحسن من الفرض فلو لم يكن الدعاء إلى الله فرضا وقد جعله من أحسن قول اقتضى ~~ذلك أن يكون النفل أحسن من الفرض وذلك ممتنع وقوله تعالى إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا الآية قيل إن الملائكة تتنزل عليهم عند الموت ~~فيقولون لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب الله ms2327 خوفه ولا تحزن على الدنيا ولا ~~على أهلها فيذهب الله خوفه وأبشر بالجنة وروي ذلك عن زيد بن أسلم وقال غيره ~~إنما يقولون له ذلك في القيام عند الخروج من القبر فيرى تلك الأهوال ~~PageV05P261 فيقول له الملائكة لا تخف ولا تحزن فإنما يراد بهذا غيرك ~~ويقولون له نحن أولياؤك في الحياة الدنيا فلا يفارقونه تأنيسا له إلى أن ~~يدخل الجنة وقال أبو العالية إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قال ~~أخلصوا له الدين والعمل والدعوة قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم قال بعض أهل العلم ذكر الله العدو فأخبر ~~بالحيلة فيه حتى تزول عداوته ويصير كأنه ولي فقال تعالى ادفع بالتي هي أحسن ~~الآية قال وأنت ربما لقيت بعض من ينطوي لك على عداوة وضغن فتبدأه بالسلام ~~أو تبسم في وجهه فيلين لك قلبه ويسلم لك صدره قال ثم ذكر الله الحاسد فعلم ~~أن لا حيلة عندنا فيه ولا في استملاك سخيمته واستخراج ضغينته فقال تعالى قل ~~أعوذ برب الفلق إلى قوله ومن شر حاسد إذا حسد فأمر بالتعوذ منه حين علم أن ~~لا حيلة عندنا في رضاه قوله تعالى واسجدوا لله الذي خلقهن الآية قال أبو ~~بكر اختلف في موضع السجود من هذه السورة فروي عن ابن عباس ومسروق وقتادة ~~أنه عند قوله وهم لا يسأمون وروي عن أصحاب عبدالله والحسن وأبي عبدالرحمن ~~أنه عند قوله @QB@ إن كنتم إياه تعبدون @QE@ قال أبو بكر الأولى أنها عند ~~آخر الآيتين لأنه تمام الكلام ومن جهة أخرى أن السلف لما اختلفوا كان فعله ~~بالآخر منهما أولى لاتفاق الجميع على جواز فعلها بأخراهما واختلافهم في ~~جوازها بأولاهما قوله تعالى @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا @QE@ الآية يدل ~~على أنه لو جعله أعجميا كان أعجميا فكان يكون قرآنا أعجميا وأنه إنما كان ~~عربيا لأن الله أنزله بلغة العرب وهذا يدل على أن نقله إلى لغة العجم لا ~~يخرجه ذلك من أن يكون قرآنا آخر سورة حم السجدة ms2328 # | ومن سورة حم عسق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب @QE@ فيه الدلالة على بطلان الإستئجار على ما سبيله أن لا يفعل إلا ~~على وجه القربة لإخباره تعالى بأن من يريد حرث الدنيا فلا حظ له في الآخرة ~~فيخرج ذلك من أن يكون قربة فلا يقع موقع الجواز وقوله تعالى قل لا أسئلكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي ~~معناه إلا أن تودوني لقرابتي منكم قالوا كل PageV05P262 قريش كانت بينه ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة وقال علي بن الحسن وسعيد بن جبير ~~إلا أن تودوا قرابتي وقال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا التقرب إلى ~~الله والتودد بالعمل الصالح وقوله تعالى والذين استجابوا لربهم واقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان ~~وإقامة الصلاة ويدل على أنا مأمورون بها قوله تعالى والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون روي عن إبراهيم النخعي في معنى الآية قال كانوا يكرهون ~~للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق وقال السدي هم ينتصرون معناه ~~ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا عليهم قال أبو بكر قد ندبنا الله في مواضع ~~من كتابه إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس فمنه قوله وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~وقوله تعالى في شأن القصاص فمن تصدق به فهو كفارة له وقوله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأحكام هذه الآي ثابتة غير منسوخة ~~وقوله @QB@ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون @QE@ يدل ظاهره على أن ~~الانتصار في هذا الموضع أفضل ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الإستجابة لله تعالى ~~وإقامة الصلاة وهو محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون ~~للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ الفساق عليهم فهذا فيمن تعدى وبغى وأصر ~~على ذلك والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا وقد قال ~~عقيب هذه الآية @QB@ ولمن ms2329 انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل @QE@ ~~ومقتضى ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به وقد عقبه بقوله ولمن صبر وغفر إن ~~ذلك لمن عزم الأمور فهو محمول على الغفران عن غير المصر فأما المصر على ~~البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها وحدثنا عبدالله ~~بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قوله تعالى ~~ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل قال فبما يكون بين الناس من ~~القصاص فأما لو ظلمك رجل لم يحل لك أن تظلمه آخر سورة حم عسق # | ومن سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # | في التسمية عند الركوب # قوله تعالى @QB@ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~@QE@ حدثنا عبدالله PageV05P263 ابن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة أنه شهد عليا ~~كرم الله وجهه حين ركب فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى ~~قال الحمد لله ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ثم قال ~~حمدا لله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين قال رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل الذي فعلت وقال مثل الذي قلت ثم ضحك فقيل ~~له مم تضحك يا نبي الله قال العبد أو قال عجب للعبد إذا قال لا إله إلا أنت ~~ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب ~~إلا هو وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا عبدالرزاق عن ~~معمر عن ابن طاووس عن أبيه أنه كان إذا ركب قال بسم الله ثم قال هذا منك ~~وفضلك علينا الحمد لله ربنا ثم يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ms2330 وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذروة سنام كل بعير شيطان فإذا ~~ركبتموها فقولوا كما أمركم الله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~وروي عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر أن ابن مسعود قال إذا ركب ~~الدابة فلم يذكر اسم الله عليه ردفه الشيطان فقال له تغن فإن لم يحسن قال ~~له تمن # | فصل في إباحة لبس الحلي للنساء # قال أبو العالية ومجاهد رخص للنساء في الذهب ثم قرأ أو من ينشأ في الحلية ~~وروى نافع عن سعيد عن أبي هند عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لبس الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها وروى شريك عن ~~العباس بن زريح عن البهي عن عائشة قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~وهو يمص الدم عن شجة بوجه أسامة ويمجه لو كان أسامة جارية لحليناه لو كان ~~أسامة جارية لكسوناه لتنفقه وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين عليهما أسورة من ذهب فقال أتحبان أن ~~يسوركما الله بأسورة من نار قالتا لا قال فأديا حق هذا وقالت عائشة لا بأس ~~بلبس الحلي إذا أعطى زكاته وكاتب عمر إلى أبي موسى أن مر من قبلك من نساء ~~المؤمنين أن يصدقن من الحلي وروى أبو حنيفة عن عمرو بن دينار أن عائشة حلت ~~أخواتها الذهب وأن ابن PageV05P264 عمر حلى بناته الذهب وقد روى خصيف عن ~~مجاهد عن عائشة قالت لما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب ~~قلنا يا رسول الله أو نربط المسك بشيء من الذهب قال أفلا تربطونه بالفضة ثم ~~تلطخونه بشيء من زعفران فيكون مثل الذهب وروى جرير عن مطرف عن أبي هريرة ~~قال كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة فقالت يا رسول ~~الله سواران من ذهب فقال ms2331 النبي صلى الله عليه وسلم سواران من نار فقالت ~~قرطان من ذهب قال قرطان من نار قالت طوق من ذهب قال طوق من نار قالت يا ~~رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده فقال ما يمنعكن أن ~~تجعلن قرطين من فضة تصفرينه بعنبر أو زعفران فإذا هو كالذهب قال أبو بكر ~~الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~أظهر وأشهر من أخبار الحذر ودلالة الآية ظاهرة في إباحته للنساء وقد استفاض ~~لبس الحلي للنساء منذ لدن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى يومنا هذا ~~من غير نكير من أحد عليهن ومثل ذلك لا يعترض عليه بأخبار الآحاد قوله تعالى ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون يعني ~~أن الكفار قالوا لو شاء الله ما عبدنا الأصنام ولا الملائكة وإنا إنما ~~عبدناهم لأن الله قد شاء منا ذلك فأكذبهم الله في قيلهم هذا وأخبر أنهم ~~يخرصون ويكذبون بهذا القول في أن الله تعالى لم يشأ كفرهم ونظيره قوله ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذي من قبلهم أخبر فيه أنهم مكذبون لله ولرسوله بقولهم لو شاء ~~الله ما أشركنا وأبان به أن الله قد شاء أن لا يشركوا وهذا كله يبطل مذهب ~~الجبر الجهمية قوله تعالى @QB@ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ إلى ~~قوله قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فيه الدلالة على إبطال ~~التقليد لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ينتظم معنيين ~~أحدهما أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع ~~عدم العلم بصحة المقالة والثاني أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن ~~يكون الشاهد عالما بها ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms2332 رأيت ~~مثل الشمس فاشهد وإلا فدع وقوله تعالى وإنه لعلم للساعة حدثنا عبدالله بن ~~محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى ~~وإنه لعلم للساعة قال نزول عيسى بن مريم عليه السلام علم الساعة ~~PageV05P265 وناس يقولون القرآن علم للساعة آخر سورة الزخرف # | ومن سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا ~~معمر عن قتادة في قوله تعالى @QB@ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله @QE@ قال نسخها قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قوله ~~تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه حدثنا عبدالله بن محمد قال أخبرنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال ~~لا يهوى شيئا إلا ركبه لا يخاف الله قال أبو بكر وقد روي في بعض الأخبار أن ~~الهوى إله يعبد وتلا قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه يعني يطيعه كطاعة ~~الإله وعن سعيد بن جبير قال كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حينا من الدهر ~~فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر وقال الحسن اتخذ إلهه ~~هواه يعني لا يعرف إلهه بحجة عقله وإنما يعرفه بهواه قوله تعالى @QB@ ~~وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر @QE@ قيل ~~هو على التقديم والتأخير أي نحيا ونموت من غير رجوع وقيل نموت ويحيا ~~أولادنا كما يقال ما مات من خلف ابنا مثل فلان وقوله وما يهلكنا إلا الدهر ~~فإنه حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله وما يهلكنا إلا الدهر قال قال ذلك مشركو قريش ~~قالوا ما يهلكنا إلا الدهر يقولون إلا العمر قال أبو بكر هذا قول زنادقة ~~قريش الذين كانوا ينكرون الصانع الحكيم وإن الزمان ومضي الأوقات هو الذي ~~يحدث هذه الحوادث والدهر اسم يقع على زمان العمر كما قال قتادة يقال فلان ~~يصوم الدهر يعنون ms2333 عمره كله ولذلك قال أصحابنا إن من حلف لا يكلم فلانا ~~الدهر أنه على عمره كله وكان ذلك عندهم بمنزلة قوله والله لا أكلمك الأبد ~~وأما قوله لا أكلمك دهرا فإن ذلك عند أبي يوسف ومحمد على ستة أشهر ولم يعرف ~~أبو حنيفة معنى دهرا فلم يجب فيه بشيء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حديث في بعض ألفاظه لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فتأوله أهل العلم على ~~أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة والبلايا النازلة والمصائب ~~المتلفة إلى الدهر فيقولون فعل الدهر بنا وصنع بنا ويسبون الدهر كما ~~PageV05P266 قد جرت عادة كثير من الناس بأن يقولوا اساء بنا الدهر ونحو ذلك ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا فاعل هذه الأمور فإن الله هو ~~فاعلها ومحدثها وأصل هذا الحديث ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ~~وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار قال ابن السرح عن ابن المسيب ~~مكان سعيد فقوله وأنا الدهر منصوب بأنه ظرف للفعل كقوله تعالى أنا أبدأ ~~بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وكقول القائل أنا اليوم بيدي الأمر أفعل كذا ~~وكذا ولو كان مرفوعا كان الدهر اسما لله تعالى وليس كذلك لأن أحدا من ~~المسلمين لا يسمي الله بهذا الاسم وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن ~~قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إن الله يقول لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر ~~أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما فهذان هما أصل الحديث في ذلك والمعنى ما ~~ذكرنا وإنما غلط بعض الرواة فنقل المعنى عنده فقال لا تسبوا الدهر فإن الله ~~هو الدهر وأما قوله في الحديث الأول يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ms2334 فإن الله ~~تعالى لا يلحقه الأذى ولا المنافع والمضار وإنما هو مجاز معناه يؤذي ~~أوليائي لأنهم يعلمون أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي ينسبها الجهال ~~إلى الدهر فيتأذون بذلك كما يتأذون بسماع سائر ضروب الجهل والكفر وهو كقوله ~~@QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ ومعناه يؤذون أولياء الله آخر سورة ~~حم الجاثية # | ومن سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا روي أن عثمان أمر برجم امرأة قد ~~ولدت لستة أشهر فقال له علي قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال ~~وفصاله في عامين وروي أن عثمان سأل الناس عن ذلك فقال له ابن عباس مثل ذلك ~~وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس وروي عن ابن عباس أن كل ما زاد في ~~الحمل نقص من الرضاع فإذا كان الحمل تسعة أشهر فالرضاع واحد وعشرون شهرا ~~وعلى هذا القياس جميع ذلك وروي عن ابن عباس أن الرضاع حولان في جميع الناس ~~ولم يفرقوا بين من زاد PageV05P267 حمله أو نقص وهو مخالف للقول الأول وقال ~~مجاهد في قوله وما تغيض الأرحام وما تزداد ما نقص عن تسعة أشهر أو زاد ~~عليها قوله تعالى حتى إذا بلغ أشده روي عن ابن عباس وقتادة أشده ثلاث ~~وثلاثون سنة وقال الشعبي هو بلوغ الحلم وقال الحسن أشده قيام الحجة عليه ~~وقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها روى الزهري عن ~~ابن عباس قال قال عمر فقلت يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع ~~على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال أفي شك أنت يا ابن ~~الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا وحدثنا عبدالله بن ~~محمد قال حدثنا الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر في قوله @QB@ أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم @QE@ الدنيا قال إن عمر بن الخطاب قال لو شئت أن أذهب ~~طيباتي في حياتي لأمرت بجدي سمين يطبخ باللبن وقال معمر قال قتادة قال عمر ~~لو شئت ms2335 أن أكون أطيبكم طعاما وألينكم ثيابا لفعلت ولكني أستبقي طيباتي وعن ~~عبدالرحمن بن أبي ليلى قال قدم على عمر بن الخطاب ناس من أهل العراق فقرب ~~إليهم طعامه فرآهم كأنهم يتعذرون في الأكل فقال يا أهل العراق لو شئت أن ~~يدهمق لي كما يدهمق لكم لفعلت ولكن نستبقي من دنيانا لآخرتنا أما سمعتم ~~الله يقول أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال أبو بكر هذا محمول على أنه ~~رأى ذلك أفضل لا على أنه لا يجوز غيره لأن الله قد أباح ذلك فلا يكون أكله ~~فاعلا محظورا قال الله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق آخر سورة الأحقاف # | ومن سورة محمد صلى الله عليه وسلم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب @QE@ قال أبو ~~بكر قد اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان وهو نظير قوله تعالى ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض حدثنا جعفر بن محمد بن ~~الحكم قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ~~تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض قال ذلك يوم بدر ~~والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم PageV05P268 أنزل الله ~~تعالى بعد هذا في الأسارى فإما منا بعد وإما فداء فجعل الله النبي ~~والمؤمنين في الأسارى بالخيار إن شاؤا قتلوهم وإن شاؤا استعبدوهم وإن شاؤا ~~فادوهم شك أبو عبيد في وإن شاؤا استعبدوهم وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو مهدي وحجاج ~~كلاهما عن سفيان قال سمعت السدي يقول في قوله فإما منا بعد وإما فداء قال ~~هي منسوخة نسخها قوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم قال أبو بكر أما قوله ~~فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب وقوله ms2336 @QB@ ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض @QE@ وقوله @QB@ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم @QE@ فإنه جائز أن يكون حكما ثابتا غير منسوخ وذلك لأن الله تعالى ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإثخان بالقتل وحظر عليه الأسر إلا بعد ~~إذلال المشركين وقمعهم وكان ذلك في وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم ~~من المشركين فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الإستبقاء ~~فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون ~~في أول الإسلام أما قوله فإما منا بعد وإما فداء ظاهره يقتضي أخذ شيئين إما ~~من وإما فداء وذلك ينفي جواز القتل وقد اختلف السلف في ذلك حدثنا جعفر بن ~~محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج ~~عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير وقال من عليه أو فاده ~~وحدثنا جعفر قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو عبيد قال أخبرنا هشيم قال أخبرنا ~~أشعث قال سألت عطاء عن قتل الأسير فقال من عليه أو فاده قال وسألت الحسن ~~قال يصنع به ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى بدر يمن عليه أو ~~يفادي به وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله فأبى أن ~~يقتله وتلا قوله فإما منا بعد وإما فداء وروي أيضا عن مجاهد ومحمد بن سيرين ~~كراهة قتل الأسير وقد روينا عن السدي ان قوله فإما منا بعد وإما فداء منسوخ ~~بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وروي مثله عن ابن جريج حدثنا جعفر قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال هي منسوخة وقال قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا قال أبو بكر اتفق ~~فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافا فيه وقد تواترت ~~الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله الأسير ms2337 منها قتله عقبة بن أبي ~~معيط والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعد ~~ما أسر وقتل PageV05P269 بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ فحكم ~~فيهم بالقتل وسبى الذرية ومن على الزبير بن باطا من بينهم وفتح خيبر بعضها ~~صلحا وبعضها عنوة وشرط على ابن أبي الحقيق أن لا يكتم شيئا فلما ظهر على ~~خيانته وكتمانه قتله وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة ~~وعبدالله بن سعد بن أبي سرح وآخرين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين ~~بأستار الكعبة ومن على أهل مكة ولم يغنم أموالهم وروي عن صالح بن كيسان عن ~~محمد بن عبدالرحمن عن أبيه عبدالرحمن بن عوف أنه سمع أبا بكر الصديق يقول ~~وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته سريحا أو أطلقته ~~نجيحا وعن أبي موسى انه قتل دهقان السوس بعد ما أعطاه الأمان على قوم سماهم ~~ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله فهذه آثار متواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه واتفق فقهاء ~~الأمصار على ذلك وإنما اختلفوا في فدائه فقال أصحابنا جميعا لا يفادى ~~الأسير بالمال ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا حربا وقال أبو حنيفة لا ~~يفادون بأسرى المسلمين أيضا ولا يردون حربا أبدا وقال أبو يوسف ومحمد لا ~~بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين وهو قول الثوري والأوزاعي وقال ~~الأوزاعي لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم ~~المسلمون وقال المزني عن الشافعي للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم ~~أو يفادى بهم فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا ~~بقوله @QB@ فإما منا بعد وإما فداء @QE@ وظاهره يقتضي جوازه بالمال ~~وبالمسلمين وبأن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسارى بدر بالمال ويحتجون ~~للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي ~~المهلب عن عمران ms2338 بن حصين قال أسرت ثقيف رجلين من اصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم واسر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة فمر ~~به على النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثق فأقبل إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال علام أحبس قال بجريرة حلفائك فقال الأسير إني مسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح ثم مضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا فأقبل فقال إني جائع فأطعمني ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه حاجتك ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما وروى ابن علية عن أيوب عن أبي ~~قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى ~~رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل ولم يذكر PageV05P270 ~~إسلام الأسير وذكره في الحديث الأول ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا ~~الوجه لأن المسلم لا يرد أهل الحرب وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط ~~في صلح الحديبية لقريش أن من جاء منهم مسلما رده عليهم ثم نسخ ذلك ونهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال أنا بريء من ~~كل مسلم مع مشرك وقال من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة ة وأما ~~ما في الآية من ذكر المن أو الفداء وما روي في أسارى بدر فإن ذلك منسوخ ~~بقوله @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ وقد روينا ~~ذلك عن السدي وابن جريج وقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر إلى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فتضمنت ~~الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية والفداء بالمال أو ~~بغيره ينافي ذلك ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد ~~سورة ms2339 محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا ~~للفداء المذكور في غيرها قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها قال الحسن حتى ~~يعبد الله ولا يشرك به غيره وقال سعيد بن جبير خروج عيسى بن مريم عليه ~~السلام فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويلقى الذئب الشاة فلايعرض لها ولا تكون ~~عداوة بين اثنين وقال الفراء آثامها وشركها حتى لا يكون إلا مسلم أو مسالم ~~قال أبو بكر فكان معنى الآية على هذا التأويل إيجاب القتال إلى أن لا يبقى ~~من يقاتل وقوله تعالى @QB@ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله ~~معكم @QE@ روي عن مجاهد لا تضعفوا عن القتال وتدعوا إلى الصلح وحدثنا ~~عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن ~~قتادة في قوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم قال لا تكونوا أول ~~الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها وأنتم الأعلون قال أنتم أولى بالله منهم قال ~~أبو بكر فيه الدلالة على امتناع جواز طلب الصلح من المشركين وهو بيان لما ~~أكد فرضه من قتال مشركي العرب حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب ومشركي العجم ~~حتى يسلموا أو يعطوا الجزية والصلح على غير إعطاء الجزية خارج عن مقتضى ~~الآيات الموجبة لما وصفنا فأكد النهي عن الصلح بالنص عليه في هذه الآية ~~وفيه الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا وإنما ~~فتحها عنوة لأن الله قد نهاه عن الصلح في هذه الآية وأخبر أن PageV05P271 ~~المسلمين هم الأعلون الغالبون ومتى دخلها صلحا برضاهم فهم متساوون إذ كان ~~حكم ما يقع بتراضي الفريقين فهما متساويان فيه ليس أحدهما بأولى بأن يكون ~~غالبا على صاحبه من الآخر وقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم يحتج به في أن كل ~~من دخل في قربة لا يجوز له الخروج منها قبل إتمامها لما فيه من إبطال عمله ~~نحو الصلاة والصوم والحج وغيره آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم # | ومن سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز ms2340 وجل @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا @QE@ روي أنه أراد فتح مكة ~~وقال قتادة قضينا لك قضاء مبينا والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر لأن ~~القضاء لا يتناوله الإطلاق وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه فتحها ~~عنوة إذ كان الصلح لا يطلق عليه اسم الفتح وإن كان قد يعبر مقيدا لأن من ~~قال فتح بلد كذا عقل به الغلبة والقهر دون الصلح ويدل عليه قوله في نسق ~~التلاوة وينصرك الله نصرا عزيزا وفيه الدلالة على أن المراد فتح مكة وأنه ~~دخلها عنوة ويدل عليه قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح لم يختلفوا أن ~~المراد فتح مكة ويدل عليه قوله تعالى إنا فتحنا لك وقوله تعالى هو الذي ~~أنزل السكينة في قلوب المؤمنين وذكره ذلك في سياق القصة يدل على ذلك لأن ~~المعنى سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي بها قاتلوا عن دين الله حتى ~~فتحوا مكة وقوله تعالى @QB@ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد @QE@ روي أن المراد فارس والروم وروي أنهم بنو حنيفة فهو دليل على ~~صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى ~~قتال بني حنيفة ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم وقد ألزمهم الله اتباع ~~طاعة من يدعوهم إليه بقوله تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا ~~حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما فأوعدهم الله على ~~التخلف عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء فدل على صحة إمامتهما إذ كان المتولي عن ~~طاعتهما مستحقا للعقاب فإن قيل قد روى قتادة أنهم هوازن وثقيف يوم حنين قيل ~~له لا يجوز أن يكون الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ويدل على أن المراد بالدعاة لهم غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يدع PageV05P272 هؤلاء القوم بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقوله ms2341 تعالى ~~@QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة @QE@ فيه الدلالة ~~على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ~~بالحديبية وصدق بصائرهم فهم قوم بأعيانهم قال ابن عباس كانوا ألفين وخمس ~~مائة وقال جابر ألفا وخمس مائة فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة ~~أولياء الله إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم ~~كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان وقد أكد ذلك بقوله فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم أخبر أنه علم من قلوبهم صحة البصيرة وصدق النية وأن ما ~~أبطنوه مثل ما أظهروه وقوله تعالى فأنزل السكينة عليهم يعني الصبر بصدق ~~نياتهم وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية وهو مثل قوله إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما وقوله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~الآية روي عن ابن عباس أنها نزلت في قصة الحديبية وذلك أن المشركين قد ~~كانوا بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين فأتى بهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أسرى فخلى سبيلهم وروي أنها نزلت في فتح مكة حين دخلها النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنوة فإن كانت نزلت في فتح مكة فدلالتها ظاهرة على أنها ~~فتحت عنوة لقوله تعالى من بعد أن أظفركم عليهم ومصالحتهم لا ظفر فيها ~~للمسلمين فاقتضى ذلك أن يكون فتحها عنوة وقوله تعالى والهدي معكوفا أن يبلغ ~~محله يحتج به من يجيز ذبح هدي الإحصار في غير الحرم لإخباره بكونه محبوسا ~~عن بلوغ محله ولو كان قد بلغ الحرم وذبح فيه لما كان محبوسا عن بلوغ المحل ~~وليس هذا كما ظنوا لأنه قد كان ممنوعا بديا عن بلوغ المحل ثم لما وقع الصلح ~~زال المنع فبلغ محله وذبح في الحرم وذلك لأنه إذا حصل المنع في أدنى وقت ~~فجائز أن يقال قد منع كما قال تعالى @QB@ قالوا يا أبانا منع منا الكيل ~~@QE@ وإنما منع في وقت وأطلق في وقت آخر وفي الآية دلالة على أن ms2342 المحل هو ~~الحرم لأنه قال والهدي معكوفا أن يبلغ محله فلو كان محله غير الحرم لما كان ~~معكوفا عن بلوغه فوجب أن يكون المحل في قوله ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله هو الحرم # | باب رمي حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا بأس برمي حصون المشركين ~~PageV05P273 وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين ولا بأس بأن يحرقوا ~~الحصون ويقصدوا به المشركين وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي ~~المشركون وإن اصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة وقال ~~الثوري فيه الكفارة ولا دية فيه وقال مالك لا تحرق سفينة الكفار إذا كان ~~فيها اسارى من المسلمين لقوله تعالى لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما إنما صرف النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لما كان فيهم من ~~المسلمين ولو تزيل الكفار عن المسلمين لعذب الكفار وقال الأوزاعي إذا تترس ~~الكفار بأطفال المسلمين لم يرموا لقوله ولولا رجال مؤمنون الآية قال ولا ~~يحرق المركب فيه أسارى المسلمين ويرمى الحصن بالمنجنيق وإن كان فيه أسارى ~~مسلمون فإن أصاب أحدا من المسلمين فهو خطأ وإن جاؤا يتترسون بهم رمي وقصد ~~العدو وهو قول الليث بن سعد وقال الشافعي لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى ~~أو أطفال ومن أصيب فلا شيء فيه ولو تترسوا ففيه قولان أحدهما يرمون والآخر ~~لا يرمون إلا أن يكونوا ملتحمين فيضرب المشرك ويتوقى المسلم جهده فإن أصاب ~~في هذه الحال مسلما فإن علمه مسلما فالدية مع الرقبة وإن لم يعلمه مسلما ~~فالرقبة وحدها قال أبو بكر نقل أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر ~~أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء ~~والولدان وقد علم صلى الله عليه وسلم أنه قد يصيبهم وهو لا يجوز تعمد ~~بالقتل فدل على أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم إذ كان ~~القصد فيه المشركين دونهم وروى الزهري ms2343 عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس ~~عن الصعب بن جثامة قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الديار من ~~المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال هم منهم وبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسامة بن زيد فقال أغر على هؤلاء يا بني صباحا وحرق وكان ~~يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزونهم فإن أذنوا للصلاة أمسكوا عنهم وإن لم ~~يسمعوا أذانا أغاروا وعلى ذلك مضى الخلفاء الراشدون ومعلوم أن من أغار على ~~هؤلاء لا يخلو من أن يصيب من ذراريهم ونسائهم المحظور قتلهم فكذلك إذا كان ~~فيهم مسلمون وجب أن لا يمنع ذلك من شن الغارة عليهم ورميهم بالنشاب وغيره ~~وإن خيف عليه إصابة المسلم فإن قيل إنما جاء ذلك لأن ذراري المشركين منهم ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصعب بن جثامة قيل له لا يجوز ~~أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم في ذراريهم أنهم منهم في الكفر لأن ~~الصغار لا يجوز أن يكونوا PageV05P274 كفارا في الحقيقة ولا يستحقون القتل ~~ولا العقوبة لفعل آبائهم في باب سقوط الدية والكفارة وأما احتجاج من يحتج ~~بقوله @QB@ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات @QE@ الآية في منع رمي الكفار ~~لأجل من فيهم من المسلمين فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف وذلك ~~لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم ~~يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم وذلك ~~إنما تدل إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم ~~مع العلم بأن فيهم مسلمين لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم لأجل المسلمين وجائز ~~أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير فإذا لا دلالة فيها على حظر الإقدام ~~فإن قيل في فحوى الآية ما يدل على الحظر وهو قوله لم تعلموهم أن تطؤهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم ~~إياهم قيل له قد اختلف أهل التأويل ms2344 في معنى المعرة ههنا فروي عن ابن إسحاق ~~أنه غرم الدية وقال غيره الكفارة وقال غيرهما الغم باتفاق قتل المسلم على ~~يده لأن المؤمن يغم لذلك وإن لم يقصده وقال آخرون العيب وحكي عن بعضهم أنه ~~قال المعرة الإثم وهذا باطل لأنه تعالى قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم ~~منا لقوله تعالى @QB@ لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~@QE@ ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه ولم يضع الله عليه دليلا قال الله تعالى ~~@QB@ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم @QE@ فعلمنا أنه ~~لم يرد المأثم ويحتمل أن يكون ذلك كان خاصا في أهل مكة لحرمة الحرم ألا ترى ~~أن المستحق للقتل إذ لجأ إليها لم يقتل عندنا وكذلك الكافر الحربي إذا لجأ ~~إلى الحرم لم يقتل وإنما يقتل من انتهك حرمة الحرم بالجناية فيه فمنع ~~المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية لحرمة الحرم ويحتمل أن يريد ولولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنات قد علم أنهم سيكونون من أولاد هؤلاء الكفار إذ لم ~~يقتلوا فمنعنا قتلهم لما في معلومه من حدوث أولادهم مسلمين وإذا كان في علم ~~الله أنه إذا أبقاهم كان لهم أولاد مسلمون أبقاهم ولم يأمر بقتلهم وقوله لو ~~تزيلوا على هذا التأويل لو كان هؤلاء المؤمنون الذين في أصلابهم قد ولدوهم ~~وزايلوهم لقد كان أمر بقتلهم وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار ~~مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين لأن ~~القصد في الحالين رمي المشركين دونهم ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة ~~كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من PageV05P275 المسلمين الذين في الحصن ~~لم يكن فيه دية ولا كفارة ولا أنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون ~~المسلمين في تلك الجهة فصاروا في الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب شيء ~~وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره ~~والأظهر منه ما يصيبه ms2345 من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن على يده على ما جرت ~~به العادة ممن يتفق على يده ذلك وقول من تأوله على العيب محتمل أيضا لأن ~~الإنسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطأ على يده وإن لم يكن ذلك على ~~وجه العقوبة قوله تعالى إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية قيل إنه لما ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب صلح الحديبية أمر علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه فكتبه وأملى عليه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه ~~محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فأبت قريش أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم ~~ومحمد رسول الله وقالوا نكتب باسمك اللهم ومحمد بن عبدالله ومنعوه دخول مكة ~~فكانت أنفتهم من الإقرار بذلك من حمية الجاهلية وقوله تعالى وألزمهم كلمة ~~التقوى روي عن ابن عباس قال لا إله إلا الله وعن قتادة مثله وقال مجاهد ~~كلمة الإخلاص وحدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق ~~عن معمر عن الزهري في قوله وألزمهم كلمة التقوى قال بسم الله الرحمن الرحيم ~~قوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ~~ومقصرين @QE@ قال أبو بكر المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين ~~متقربين بالإحرام فلما ذكر معه الحلق والتقصير دل على أنهما قربة في ~~الإحرام وأن الإحلال بهما يقع لولا ذلك ما كان للذكر ههنا وجه وروى جابر ~~وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ~~وهذا أيضا يدل على أنهما قربة ونسك عند الإحلال من الإحرام آخر سورة الفتح # | ومن سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل لا تقدموا بين يدي الله ورسوله حدثنا عبدالله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله إن ناسا كانوا يقولون لولا أنزل ~~في كذا قال معمر وكان الحسن يقول هم قوم ذبحوا قبل أن ms2346 يصلي النبي = فأمرهم ~~أن يعيدوا الذبح قال أبو بكر وروي عن مسروق أنه دخل على عائشة فأمرت ~~الجارية أن تسقيه فقال إني صائم وهو PageV05P276 اليوم الذي يشك فيه فقالت ~~قد نهي عن هذا وتلت @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله @QE@ في صيام ولا غيره قال أبو بكر اعتبرت عموم الآية في النهي عن ~~مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه قال أبو بكر يحتج بهذه الآية في ~~امتناع جواز مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم الفروض على أوقاتها ~~وتأخيرها عنها في تركها وقد يحتج بها من يوجب أفعال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن في ترك ما فعله تقدما بين يديه كما أن في ترك أمره تقدما بين يديه ~~وليس ذلك كما ظنوا لأن التقدم بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ففعله ~~غيره فأما مالم يثبت أنه مراد منه فليس في تركه تقديم بين يديه ويحتج به ~~نفاة القياس أيضا ويدل ذلك على جهل المحتج به لأن ما قامت دلالته فليس في ~~فعله تقدم بين يديه وقد قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على وجوب القول ~~بالقياس في فروع الشرع فليس فيه إذا تقدم بين يديه قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي @QE@ فيه أمر بتعظيم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتوقيره وهو نظير قوله تعالى لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه وروي أنها نزلت في قوم كانوا إذ سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن شيء قالوا فيه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا لما كان في رفع ~~الصوت على الإنسان في كلامه ضرب من ترك المهابة والجرأة نهى الله عنه إذ ~~كنا مأمورين لتعظيمه وتوقيره وتهييبه وقوله تعالى @QB@ ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض @QE@ زيادة على رفع الصوت وذلك أنه نهى عن أن تكون ~~مخاطبتنا له كمخاطبة بعضنا لبعض بل على ms2347 ضرب من التعظيم تخالف به مخاطبات ~~الناس فيما بينهم وهو كقوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ~~وقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وروي أنها نزلت ~~في قوم من بني تميم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه من خارج الحجرة ~~وقالوا اخرج إلينا يا محمد فذمهم الله تعالى بذلك وهذه الآيات وإن كانت ~~نازلة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب الفرق بينه وبين الأمة فيه ~~فإنه تأديب لنا فيمن يلزمنا تعظيمه من والد وعالم وناسك وقائم بأمر الدين ~~وذي سن وصلاح ونحو ذلك إذ تعظيمه بهذا الضرب من التعظيم في ترك الجهر دفع ~~الصوت عليه وترك عليه والتمييز بينه وبين غيره ممن ليس في مثل حاله وفي ~~النهي عن ندائه من وراء الباب والمخاطبة له بلفظ الأمر لأن الله قد ذم ~~هؤلاء القوم بندائهم إياه من وراء الحجرة وبمخاطبته بلفظ الأمر في قولهم ~~اخرج إلينا حدثنا عبدالله بن محمد PageV05P277 قال حدثنا الحسن الجرجاني ~~قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن الزهري أن ثابت بن قيس قال يا رسول الله ~~لقد خشيت أن أكون قد هلكت لما نزلت هذه الآية لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي نهانا الله ان نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت ونهى الله ~~المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ونهانا الله عن الخيلاء ~~وأجدني أحب الجمال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ثابت أما ترضى أن ~~تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة ~~الكذاب # | باب حكم خبر الفاسق # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة @QE@ الآية حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ قال بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى ms2348 بني المصطلق فأتاهم الوليد فخرجوا يتلقونه ~~ففرق ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارتدوا فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا فإذا هم يؤذنون ~~ويصلون فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيرا فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره قال وقال معمر فتلا قتادة لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم قال فأنتم أسخف رأيا وأطيش أحلاما فاتهم رجل رأيه وانتصح كتاب الله ~~وروي عن الحسن قال والله لئن كانت نزلت في رجل يعني قوله إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء قال أبو بكر مقتضى ~~الآية إيجاب التثبت في خبر الفاسق والنهي عن الإقدام على قبوله والعمل به ~~إلا بعد التبين والعلم بصحة مخبره وذلك لأن قراءة هذه الاية على وجهين ~~فتثبتوا من التثبت وفتبينوا كلتاهما يقتضي النهي عن قبول خبره إلا بعد ~~العلم بصحته لأن قوله فتثبتوا فيه أمر بالتثبت لئلا يصيب بجهالة فاقتضى ذلك ~~النهي عن الإقدام إلا بعد العلم لئلا يصيب قوما بجهالة وأما قوله فتبينوا ~~فإن التبين هو العلم فاقتضى أن لا يقدم بخبره إلا بعد العلم فاقتضى ذلك ~~النهي عن قبول شهادة الفاسق مطلقا إذ كان كل شهادة خبرا وكذلك سائر أخباره ~~فلذلك قلنا شهادة الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق وكذلك أخباره في ~~الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان من أمر الدين يتعلق به من ~~إثبات شرع أو حكم أو إثبات حق على إنسان واتفق أهل العلم على جواز قبول خبر ~~PageV05P278 الفاسق في أشياء فمنها أمور المعاملات يقبل فيها خبر الفاسق ~~وذلك نحو الهدية إذا قال إن فلانا أهدى إليك هذا يجوز له قبوله وقبضه ونحو ~~قوله وكلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه ونحو الإذن في الدخول إذا ~~قال له قائل ادخل لا تعتبر فيه العدالة وكذلك جميع أخبار المعاملات ويقبل ~~في جميع ذلك خبر الصبي والعبد والذمي ms2349 وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر ~~بريرة فيما أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتصدق عليها فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم هي لها صدقة ولنا هدية فقبل قولها في أنه تصدق به عليها ~~وأن ملك المتصدق قد زال إليها ويقبل قول الفاسق وشهادته من وجه آخر وهو من ~~كان فسقه من جهة الدين باعتقاد مذهب وهم أهل الأهواء فساق وشهادتهم مقبولة ~~وعلى ذلك جرى أمر السلف في قبول أخبار أهل الأهواء في رواية الأحاديث ~~وشهادتهم ولم يكن فسقهم من جهة التدين مانعا من قبول شهادتهم وتقبل أيضا ~~شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وقد بيناه فيما سلف من هذا الكتاب فهذه ~~الوجوه الثلاثة يقبل فيها خبر الفاسق وهو مستثنى من جملة قوله تعالى إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا لدلائل قد قامت عليه فثبت أن مراد الآية في ~~الشهادات وإلزام الحقوق أو إثبات أحكام الدين والفسق التي ليست من جهة ~~الدين والإعتقاد وفي هذه الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم إذ ~~لو كان يوجب العلم بحال لما احتيج فيه إلى التثبت ومن الناس من يحتج به في ~~جواز قبول خبر الواحد العدل ويجعل تخصيصه الفاسق بالتثبت في خبره دليلا على ~~أن التثبت في خبر العدل غير جائز وهذا غلط لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل ~~على أن ما عداه فحكمه بخلافه # | باب قتال أهل البغي # قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~@QE@ حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق عن معمر عن الحسن أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى ~~اضطربوا بالنعال والأيدي فأنزل الله فيهم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما قال معمر قال قتادة وكان رجلان بينهما حق تدارء فيه فقال ~~أحدهما لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته وقال الآخر بيني وبينك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي وروي عن سعيد بن ~~جبير والشعبي قالا كان ms2350 قتالهم بالعصي والنعال وقال مجاهد هم الأوس والخزرج ~~كان بينهم قتال PageV05P279 بالعصا قال أبو بكر قد اقتضى ظاهر الآية الأمر ~~بقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وهو عموم في سائر ضروب القتال ~~فإن فاءت إلى الحق بالقتال بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره وإن لم ~~تفئ بذلك قوتلت بالسيف على ما تضمنه ظاهر الآية وغير جائز لأحد الاقتصار ~~على القتال بالعصي دون السلاح مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق ~~وذلك أحد ضروب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان فأمر بإزالة المنكر باليد ولم يفرق بين ~~السلاح وما دونه فظاهره يقتضي وجوب إزالته بأي شيء أمكن وذهب قوم من الحشو ~~إلى أن قتال أهل البغي إنما يكون بالعصي والنعال وما دون السلاح وأنهم لا ~~يقاتلون بالسيف واحتجوا بما روينا من سبب نزول الآية وقتال القوم الذين ~~تقاتلوا بالعصي والنعال وهذا لا دلالة فيه على ما ذكروا لأن القوم تقاتلوا ~~بما دون السلاح فأمر الله تعالى بقتال الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه ~~بما دون السلاح وكذلك نقول متى ظهر لنا قتال من فئة على وجه البغي قابلناه ~~بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى الحق وليس في نزول الآية على حال قتال ~~الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن يكون الأمر بقتالنا إياهم مقصورا على ما ~~دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ للقتال بسلاح وغيره ألا ترى أنه لو قال من ~~قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح لم يتناقص القول به فكذلك أمره إيانا ~~بقتالهم إذ كان عمومه يقتضي القتال بسلاح وغيره وجب أن يجري على عمومه ~~وأيضا قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفئة الباغية بالسيف ومعه من ~~كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم وكان محقا في قتاله لهم لم يحالف ~~فيه أحد إلا الفئة الباغية التي قابلته وأتباعها وقال النبي ms2351 صلى الله عليه ~~وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية وهذا خبر مقبول من طريق التواتر حتى أن ~~معاوية لم يقدر على جحده لما قال له عبدالله بن عمر فقال إنما قتله من جاء ~~به فطرحه بين أسنتنا رواه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الحجاز وأهل الشام ~~وهو علم من أعلام النبوة لأنه خبر عن غيب لا يعلم إلا من جهة علام الغيوب ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب قتال الخوارج وقتلهم أخبار ~~كثيرة متواترة منها حديث أنس وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم PageV05P280 من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه ~~هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا ~~منه في شيء من قتلهم كان أولى بالله منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال ~~التحليق وروى الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال سمعت عليا يقول إذا ~~حدثتكم بشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء فتخطفني ~~الطير أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيننا فإن الحرب خدعة وإن ~~سمعته صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء ~~الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية فإن لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر من ~~قتلهم يوم القيامة ولم يختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب ~~قتال الفئة الباغية بالسيف إذا لم يردعها غيره ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال ~~الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنها لقتلوهم وسبوا ذراريهم ~~ونساءهم واصطلموهم فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر قيل له لم ~~يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال ms2352 الفئة الباغية وجائز أن يكون قعودهم عنه ~~لأنهم رأوا الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود ~~عنه لذلك ألا ترى أنهم قد قعدوا عن قتال الخوارج لا على أنهم لم يروا ~~قتالهم واجبا لكنه لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة ~~قتالهم فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة ~~القائم فيها خير من الماشي والقاعد فيها خير من القائم قيل له إنما أراد به ~~الفتنة التي يقتتل الناس فيها على طلب الدنيا وعلى جهة العصبية والحمية من ~~غير قتال مع إمام تجب طاعته فأما إذا ثبت أن إحدى الفئتين باغية والأخرى ~~عادلة مع الإمام فإن قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسبا في ~~قتالهم فإن قالوا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد قتلته وهو قد ~~قال لا إله إلا الله إنما يردد ذلك مرارا فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله ~~إلا الله ولا يقتل قيل له لأنهم كانوا يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله كما قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فكانوا ~~إذا أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع الأصنام واعتقاد ~~التوحيد ونظير ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم القتال لأنهم إنما ~~يقاتلون على إقامتهم على قتال أهل العدل فمتى كفوا عن القتال ترك قتالهم ~~كما PageV05P281 يقاتل المشركون على إظهار الإسلام فمتى أظهروه زال عنهم ~~ألا ترى أن قطاع الطريق والمحاربين يقاتلون ويقتلون مع قولهم لا إله إلا ~~الله # | باب ما يبدأ به أهل البغي # قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~@QE@ قال أبو بكر أمرا عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهم وهو أن يدعوا ~~إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي وقوله تعالى ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى يعني والله ms2353 أعلم إن رجعت إحداهما إلى الحق ~~وأرادت الصلاح وأدامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال ثم إن ~~أبت الرجوع قوتلت وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بدأ بدعاء الفئة ~~الباغية إلى الحق واحتج عليهم فلما أبوا القبول قاتلهم وفي هذه الآية دلالة ~~على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم يقاتلوا لأنه قال فإن ~~بغت إحداهما على الآخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإنما أمر ~~بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه مع الخوارج وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم عبدالله بن عباس ~~فدعاهم فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت طائفة ~~على أمرها فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من نواحي المسجد وقالت لا ~~حكم إلا لله فقال علي رضي الله عنه كلمة حق يراد بها باطل أما إن لهم ثلاثا ~~أن لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه وأن لا نمنعهم حقهم من الفيء ~~ما دامت أيديهم مع أيدينا وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا # | باب الأمر فيما يؤخذ من أموال البغاة # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك فقال محمد في الأصل لا يكون غنيمة ~~ويستعان بكراعهم وسلاحهم على حربهم فإذا وضعت الحرب أوزارها رد المال عليهم ~~ويرد الكراع أيضا عليهم إذا لم يبق من البغاة أحد وما استهلك فلا شيء فيه ~~وذكر إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف قال ما وجد في أيدي أهل البغي من كراع ~~أو سلاح فهو فيء يقسم ويخمس وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه ~~وقال مالك ما استهلكه الخوارج PageV05P282 من دم أو مال ثم تابوا لم يؤخذوا ~~به وما كان قائما بعينه رد وهو قول الأوزاعي والشافعي وقال الحسن بن صالح ~~إذا قوتل اللصوص المحاربون فقتلوا وأخذ ما معهم فهو غنيمة لمن ms2354 قاتلهم بعد ~~إخراج الخمس إلا أن يكون شيء يعلم أنهم سرقوه من الناس قال أبو بكر واختلفت ~~الرواية عن علي كرم الله وجهه في ذلك فروى فطر بن خليفة عن منذر بن يعلى عن ~~محمد بن الحنفية قال قسم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يوم الجمل فياهم ~~بين أصحابه ما قوتل به من الكراع والسلاح فاحتج من جعله غنيمة بهذا الحديث ~~وهذا ليس فيه دلالة على أنه غنيمة لأنه جائز أن يكون قسم ما حصل في يده من ~~كراع أو سلاح ليقاتلوا به قبل أن تضع الحرب أوزارها ولم يملكهم ذلك على ما ~~قال محمد في الأصل وقد روى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عبدالله بن الدولي ~~عن ابن عباس أن الخوارج نقموا على علي رضي الله عنه أنه لم يسب ولم يغنم ~~فحاجهم بأن قال لهم أفتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما تستحلون من ~~غيرها فلئن فعلتم لقد كفرتم وروى أبو معاوية عن الصلت بن بهرام عن أبي وائل ~~قال سألته أخمس علي رضي الله عنه أموال أهل الجمل قال لا وقال الزهري وقعت ~~الفتنة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون وأجمعوا أن كل دم أريق ~~على وجه التأويل أو مال استهلك على وجه التأويل فلا ضمان فيه ويدل على أنه ~~لا تغنم أموالهم التي ليست معهم مما تركوه في ديارهم لا تغنم وإن قتلوا ~~كذلك ما معهم منها ألا ترى أن أهل الحرب لا يختلف فيما يغنم من أموالهم ما ~~منعهم وما تركوه منها في ديارهم إن ما حصل في أيدينا منها مغنوم وأنه لا ~~خلاف أنه لا تسبى ذراريهم ونساؤهم ولا تملك رقابهم فكذلك لا تغنم أموالهم ~~فإن قيل مشركو العرب لا تملك رقابهم وتغنم أموالهم قيل لأنهم يقتلون إذا ~~أسروا إن لم يسلموا وتسبى ذراريهم ونساؤهم فلذلك غنمت أموالهم والخوارج إذا ~~لم تبق لهم منعة لا يقتل أسراهم ولا تسبى ذراريهم بحال فكذلك لا تغنم ~~أموالهم # | باب الحكم في أسرى أهل ms2355 البغي وجرحاهم # روى كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة قال الله ورسوله ~~أعلم قال لا يجهز على جرحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها وروى عطاء بن ~~السائب عن أبي البختري وعامر قالا لما ظهر علي رضي الله عنه على أهل الجمل ~~قال لا تتبعوا مدبرا ولا تذففوا على جريح وروى PageV05P283 شريك عن السدي ~~عن عبد خير قال قال علي رضي الله عنه يوم الجمل لا تقتلوا أسيرا ولا تجهزوا ~~على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن قال أبو بكر هذا حكم علي رضي الله عنه في ~~البغاة ولا نعلم له مخالفا من السلف وقال أصحابنا إذا لم تبق لأهل البغي ~~فئة فإنه لا يجهز على جريح ولا يقتل أسير ولا يتبع مدبر فإذا كانت لهم فئة ~~فإنه يقتل الأسير إن رأى ذلك الإمام ويجهز على الجريح ويتبع المدبر وقول ~~علي رضي الله عنه محمول على أنه لم تبق لهم فئة لأن هذا القول إنما كان منه ~~في أهل الجمل ولم تبق لهم فئة بعد الهزيمة والدليل عليه أنه أسر ابن بثرى ~~والحرب قائمة فقتله يوم الجمل فدل ذلك على أن مراده في الأخبار الأول إذا ~~لم تبق لهم فئة # | باب في قضايا البغاة # قال أبو يوسف في البرمكي لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل ~~البغي ولا شهادته ولا حكمه قال أبو بكر وكذلك قال محمد وقال لو أن الخوارج ~~ولوا قاضيا منهم فحكم ثم رفع إلى حاكم أهل العدل لم يمضه إلا أن يوافق رأيه ~~فيستأنف القضاء فيه قال ولو ولوا قاضيا من أهل العدل بقضية أنفذها من رفعت ~~إليه كما يمضى قضاء أهل العدل وقال مالك فيما حكم به أهل البغي تكشف ~~أحكامهم فما كان منها مستقيما أمضي وقال الشافعي إذا غلب الخوارج على مدينة ~~فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد ms2356 عليهم ولا يرد من قضاء ~~قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم وإن كان غير مأمون برأيه على استحلال ~~دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه قال أبو بكر إذا قاتلوا وظهر بغيهم ~~على أهل العدل فقد وجب قتلهم وقتالهم فغير جائز قبول شهادة من هذه سبيله ~~لأن إظهار البغي وقتالهم لأهل العدل هو فسق من جهة الفعل وظهور الفسق من ~~جهة الفعل يمنع قبول الشهادة كشارب الخمر والزاني والسارق فإن قيل فأنت ~~تقبل شهادتهم فهلا أمضيت أحكامهم قيل له قد قال محمد بن الحسن إنهم إنما ~~تقبل شهادتهم مالم يقاتلوا ولم يخرجوا على أهل العدل فأما إذا قاتلوا فإني ~~لا أقبل شهادتهم فقد سوى بين القضاء وبين الشهادة ولم يذكر في ذلك خلافا ~~بين أصحابنا وهذا سديد والعلة فيه ما ذكرنا فإن قيل فقد قالوا إن الخوارج ~~إذا ظهروا وأخذوا صدقات المواشي والثمار إنه لا يعاد على أربابها فجعلوا ~~أخذهم بمنزلة أخذ أهل العدل قيل له إن الزكاة لا تسقط عنهم بأخذ هؤلاء ~~لأنهم قالوا إن على أرباب PageV05P284 الأموال إعادتها فيما بينهم وبين ~~الله تعالى وإنما أسقطوا به حق الإمام في الأخذ لأن حق الإمام إنما يثبت في ~~الأخذ لأجل حمايته أهل العدل فإذا لم يحمهم من البغاة لم يثبت حقه في الأخذ ~~وكان ما أخذه البغاة بمنزلة أخذه في باب سقوط حقه في الأخذ ألا ترى أن ~~أصحابنا قالوا لو مر رجل من أهل العدل على عاشر أهل البغي بمال فعشره أنه ~~لا يحتسب له الإمام بذلك ويأخذ منه العشر إذا مر به على عاشر أهل العدل ~~فعلمت أن المعنى في سقوط حق الإمام في الأخذ لا عل معنى أنهم جعلوا حكمهم ~~كأحكام أهل العدل وإنما أجازوا قضاء قاضي البغاة إذا كان القاضي من أهل ~~العدل من قبل أن الذي يحتاج إليه في صحة نفاذ القضاء هو أن يكون القاضي ~~عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ قضائه وحمل الناس عليه بيد قوية سواء كان المولى ~~له ms2357 عدلا أو باغيا ألا ترى أنه لو لم يكن ببلد سلطان فاتفق أهله على أن ولوا ~~رجلا منهم القضاء كان جائزا وكانت أحكامه نافذة عليهم فكذلك الذي ولاه ~~البغاة القضاء إذا كان هو في نفسه عدلا نفذت أحكامه ويحتج من يجيز مجاوزة ~~الحد بالتعزير بقوله تعالى فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله فأمر بقتالهم إلى أن يرجعوا إلى الحق فدل على أن ~~التعزير يجب إلى أن يعلم إقلاعه عنه وتوبته إذ كان التعزير للزجر والردع ~~وليس له مقدار معلوم في العادة كما أن قتال البغاة لما كان الردع وجب فعله ~~أن يرتدعوا وينزجروا قال أبو بكر إنما اقتصر من لم يبلغ بالتعزير الحد على ~~ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو ~~من المعتدين وقوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ ~~يعني أنهم إخوة في الدين كقوله تعالى فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين ومواليكم وفي ذلك دليل على جواز إطلاق لفظ الأخوة بين المؤمنين من ~~جهة الدين وقوله تعالى فأصلحوا بين أخويكم يدل على أن من رجا صلاح ما بين ~~متعاديين من المؤمنين أن عليه الإصلاح بينهما وقوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا يسخر قوم من قوم نهى الله بهذه الآية عن عيب من لا يستحق أن يعاب ~~على وجه الإحتقار له لأن ذلك هو معنى السخرية وأخبر أنه وإن كان أرفع حالا ~~منه في الدنيا فنسي أن يكون المسخور منه خيرا عند الله وقوله تعالى ولا ~~تلمزوا أنفسكم وروي عن ابن عباس وقتادة لا يطعن بعضكم على بعض قال أبو بكر ~~هو كقوله ولا تقتلوا أنفسكم لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه بقتله أخاه قاتل ~~نفسه وكقوله فسلموا على PageV05P285 أنفسكم يعني يسلم بعضكم على بعض واللمز ~~العيب يقال لمزه إذا عابه وطعن عيه قال الله تعالى @QB@ ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات @QE@ قال زياد الأعجم % إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ms2358 % وإن تغيبت ~~الهامز اللمزه % % ما كنت أخشى وإن كان الزمان به % حيف على الناس ان ~~يغتابني عنزه % # | وإنما نهى بذلك عن عيب من لا يستحق وليس بمعيب فإن من كان معيبا فاجرا ~~فعيبه بما فيه جائز وروي أنه لما مات الحجاج قال الحسن اللهم أنت أمته ~~فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق ~~فيها عنان في سبيل الله يرحل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى ~~تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف ~~أو يزيدون لا يقول له لا قائل الصلاة أيها الرجل ثم قال الحسن هيهات والله ~~حال دون ذلك السيف والسوط وقوله تعالى @QB@ ولا تنابزوا بالألقاب @QE@ روى ~~حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن أن أبا ذر كان عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان بينه وبين رجل منازعة فقال له أبو ذر يا ابن اليهودية فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أما ترى ما ههنا ما شيء أحمر ولا أسود وما أنت أفضل منه إلا ~~بالتقوى قال ونزلت هذه الآية ولا تنابزوا بالألقاب وقال قتادة في قوله ~~تعالى ولا تنابزوا بالألقاب قال لا تقل لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق ~~حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن ~~الحسن قال كان اليهودي والنصراني يسلم فقال له يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ~~ذلك حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا وهيب عن داود عن عامر قال حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال فينا نزلت ~~هذه الآية في بني سلمة ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~قال قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ~~ثلاثة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول ~~الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية ولا ms2359 تنابزوا بالألقاب وهذا ~~يدل على أن اللقب المكروه هو ما يكرهه صاحبه ويفيد ما للموصوف به لأنه ~~بمنزلة السباب والشتيمة فأما الأسماء والأوصاف الجارية غير هذا المجرى فغير ~~مكروهة لم يتناولها النهي لأنها بمنزلة أسماء الأشخاص والأسماء المشتقة من ~~أفعال وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن يزيد بن خيثم عن محمد بن كعب قال ~~حدثني محمد بن خيثم المحاربي عن PageV05P286 عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي ~~بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع فلما نزل بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا وصالح فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ~~ضمرة ووادعهم فقال لي علي رضي الله عنه هل لك أن تأتي هؤلاء من بني مدلج ~~يعملون في عير لهم ننظر كيف يعملون فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا ~~النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فما أنبهنا إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء ~~فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يا أبا تراب لما عليه من ~~التراب فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال ألا أخبركم بأشقى رجلين قلنا من هما ~~يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا ~~ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه حتى تبل منه هذه ووضع يده ~~على لحيته وقال سهل بن سعد ما كان اسم أحب إلى علي رضي الله عنه أن يدعى به ~~من أبي تراب فمثل هذا لا يكره إذ ليس فيه ذم ولا يكرهه صاحبه وحدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال حدثنا شريك عن ~~عاصم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ذا الأذنين وقد غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم اسماء قوم فسمى العاص عبدالله وسمى شهابا هشاما ~~وسمى حربا سلما وفي جميع ذلك دليل على ms2360 أن المنهي من الألقاب ما ذكرنا دون ~~غيره وقد روي أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا يعني الصغر قال أبو بكر فلم يكن ~~ذلك غيبة لأنه لم يرد به ذم المذكور ولا غيبته وقوله تعالى اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن بعض الظن إثم اقتضت الآية النهي عن بعض الظن لا عن جميعه لأن ~~قوله كثيرا من الظن يقتضي البعض وعقبه بقوله إن بعض الظن إثم فدل على أنه ~~لم ينه عن جميعه وقال في آية أخرى إن الظن لا يغني من الحق شيئا وقال @QB@ ~~وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا @QE@ فالظن على أربعة أضرب محظور ومأمور ~~به ومندوب إليه ومباح فإن الظن المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى حدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى ومحمد بن حبان التمار قالا ~~حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول لا يموتن أحدكم إلا ~~وهو يحسن الظن بالله عز وجل وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا أبو سعيد ~~يحيى بن منصور الهروي قال حدثنا سويد بن نصر قال حدثنا ابن المبارك عن هشام ~~بن الغازي عن حبان بن أبي PageV05P287 النصر قال سمعت وائلة بن الأسقع يقول ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ~~ما شاء وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل ~~قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن واسع عن شتير يعني ابن نهار عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حسن الظن من العبادة وهو مرفوع في ~~حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث موسى بن إسماعيل فحسن الظن بالله فرض ~~وسوء الظن به محظور منهي عنه وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم ~~العدالة محظور ms2361 مزجور عنه وهو من الظن المحظور المنهي عنه وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته وقمت فانقلبت ~~فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار ~~فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~على رسلكما إنها صفية بنت حيي قالا سبحان الله يا رسول الله قال إن الشيطان ~~يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال سوءا ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عبدالرحمن ~~قال حدثنا وهيب قال حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث فهذا من الظن المحظور ~~وهو ظنه بالمسلم سوءا من غير سبب يوجبه وكل ظن فيما له سبيل إلى معرفته مما ~~تعبد بعلمه فهو محظور لأنه لما كان متعبدا تعبد بعلمه ونصب له الدليل عليه ~~فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا للمأمور به وأما ما لم ينصب له ~~عليه دليل يوصله إلى العلم به وقد تعبد بتنفيذ الحكم فيه فالإقتصار على ~~غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة ~~العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد ~~بمقاديرها توقيف فهذه وما كان من نظائرها قد تعبدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب ~~الظن وأما الظن المباح فالشاك في الصلاة أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه فلو غلب ظنه كان مباحا وإن عدل عنه إلى ~~البناء على اليقين كان جائزا ونحوه ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~أنه قال لعائشة إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا بالعالية وإنك ms2362 لم تكوني ~~حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو مال الوارث وإنما هو أخواك وأختاك قال فقلت إنما ~~هي أسماء فقال ألقي في روعي أن PageV05P288 ذا بطن خارجة جارية فاستجاز هذا ~~الظن لما وقع في قلبه وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل ~~قال حدثنا هشام بن عمار عن عبدالرحمن بن سعد عن عبدالله بن سعيد عن أبيه عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ظننتم فلا تحققوا فهذا ~~من الظن الذي يعرض بقلب الإنسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي أن ~~يحققه وأما الظن المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم هو مندوب إليه ~~مثاب عليه فإن قيل إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا ~~قيل له لا يجب ذلك لأن بينهما واسطة وهو أن لا يظن به شيئا فإذا أحسن الظن ~~به فقد فعل مندوبا إليه قوله تعالى ولا تجسسوا حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ~~ولا تحسسوا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال أتى ابن مسعود ~~فقيل هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبدالله إنا قد نهينا عن التجسس ولكن ~~إن يظهر لنا شيء نأخذ به وعن مجاهد لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ~~ستر الله فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة ~~والستر ودل به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن وقال تعالى @QB@ لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين @QE@ فإذا ~~وجب تكذيب القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ذلك النهي عن تحقيق المظنون ~~وعن إظهاره ونهى عن التجسس بل أمر بالستر على ms2363 أهل المعاصي مالم يظهره منهم ~~إصرار حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى بن ~~فارس قال حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد قال أبو داود ونسبه لنا زهير ~~بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث قال الوليد بن أبي هشام ~~عن زيد بن زائد عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يبلغني أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر لكم وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا ~~عبدالمبارك عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن عقبة بن ~~عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأى عورة فسترها كان كمن أحيى ~~موءودة وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال ~~حدثنا الليث عن عقيل PageV05P289 عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة ~~أخيه فإن الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب ~~يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وجميع ما أمرنا الله به ~~من ذلك يؤدي إلى صلاح ذات البين وفي صلاح ذات البين صلاح أمر الدنيا والدين ~~قال الله تعالى @QB@ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم @QE@ وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن يزيد بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ~~قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة وقوله ~~تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ~~العنبي قال ms2364 حدثنا عبدالعزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنه ~~قيل يا رسول الله ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في ~~أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة قالت قلت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حسبك من صفية كيت وكيت قال غير مسدد نعني قصيرة فقال لقد قلت ~~كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته قالت وحكيت له إنسانا آخر فقال ما أحب أني ~~حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا الحسن ابن علي قال حدثنا عبدالرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو ~~الزبير أن عبدالرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة ~~يقول جاء الأسلمي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أربع مرات ~~أنه أصاب امرأة حراما وذكر الحديث إلى قوله فما تريد بهذا القول قال أريد ~~أن تطهرني فأمر به فرجم فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه ~~يقول أحدهما لصاحبه انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم ~~رجم الكلب فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال أين ~~فلان وفلان فقال نحن ذان يا رسول الله قال انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار ~~فقالا يا نبي الله من يأكل من هذا قال فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من ~~الأكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبدالله PageV05P290 قال حدثنا ~~يزيد بن مرة سنة ثلاث عشر ومائتين قال حدثنا ابن عون أن ناسا أتوا ابن ~~سيرين فقالوا إنا ننال منك فاجعلنا في حل فقال ms2365 لا أحل لكم ما حرم الله ~~عليكم وروى الربيع بن صبيح أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد إني أرى أمرا ~~أكرهه قال وما ذاك يا ابن أخي قال أرى أقواما يحضرون مجلسك يحفظون عليك سقط ~~كلامك ثم يحكونك ويعيبونك فقال يا ابن أخي لا يكبرن هذا عليك أخبرك بما هو ~~أعجب قال وما ذاك يا عم قال أطمعت نفسي في جوار الرحمن وحلول الجنان ~~والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء ولم أطمع نفسي في السلامة من الناس ~~أنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم فإذا لم يسلم خالقهم فالمخلوق ~~أجدر أن لا يسلم حدثنا عبدالباقي بن قانع قال أخبرنا الحارث ابن أبي أسامة ~~قال حدثنا داود بن المجبر قال حدثنا عنبسة بن عبدالرحمن قال حدثني خالد بن ~~يزيد اليمامي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة ~~الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته وقوله تعالى @QB@ أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه @QE@ تأكيد لتقبيح الغيبة والزجر عنه من وجوه أحدهما أن ~~لحم الإنسان محرم الأكل فكذلك الغيبة والثاني النفوس تعاف أكل لحم الإنسان ~~من جهة الطبع فلتكن الغيبة عندكم بمنزلته في الكراهة ولزوم اجتنابه من جهة ~~موجب العقل إذا كانت دواعي العقل أحق بالاتباع من دواعي الطبع ولم يقتصره ~~على ذكر الإنسان الميت حتى جعله أخاه وهذا أبلغ ما يكون في التقبيح والزجر ~~فهذا كله إنما هو في المسلم الذي ظاهره العدالة ولم يظهر منه ما يوجب ~~تفسيقه كما يجب علينا تكذيب قاذفه بذلك فإن كان المقذوف بذلك مهتوكا فاسقا ~~فإن ذكر ما فيه من الأفعال القبيحة غير محظور كما لا يجب على سامعه النكير ~~على قائله ووصفه بما يكرهه على ضربين أحدهما ذكر أفعاله القبيحة والآخر وصف ~~خلقته وإن كان مشينا على جهة الاحتقار له وتصغيره لا على جهة ذمه بها ولا ~~عيب صانعها على نحو ما روينا عن الحسن في وصفه الحجاج بقبح الخلقة وقد يجوز ~~وصف قوم في الجملة ببعض ms2366 ما إذا وصف به إنسان بعينه كان غيبة محظورة ثم لا ~~يكون غيبة إذا وصف به الجملة على وجه التعريف كما روى أبو حازم عن أبي ~~هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ~~تزوجت امرأة قال هل نظرت إليها فإن في أعين الأنصار شيئا فإنه لم يكن غيبة ~~وجعل وصف عائشة الرجل بالقصر في الحديث الذي قدمنا غيبة لأن ذلك كان من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجه PageV05P291 التعريف لا على جهة العيب ~~وهو كما روي عنه أنه قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه صغار ~~العيون فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة فلم يكن ذلك غيبة وإنما كان ~~تعريفا لهم صفة القوم قوله تعالى @QB@ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا @QE@ روي عن مجاهد وقتادة الشعوب النسب الأبعد ~~والقبائل الأقرب فيقال بني فلان وفلان وقوله تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم @QE@ بدأ بذكر الخلق من ذكر وأنثى وهما آدم وحواء ثم جعلهم شعوبا ~~يعني متشعبين متفرقين في الأنساب كالأمم المتفرقة نحو العرب وفارس والروم ~~والهند ونحوهم ثم جعلهم قبائل وهم أخص من الشعوب نحو قبائل العرب وبيوتات ~~العجم ليتعارفوا بالنسبة كما خالف بين خلقهم وصورهم ليعرف بعضهم بعضا ودل ~~بذلك على أنه لا فضل لبعضهم على بعض من جهة النسب إذ كانوا جميعا من أب وأم ~~واحدة ولأن الفضل لا يستحق بعمل غيره فبين الله تعالى ذلك لنا لئلايفخر ~~بعضنا على بعض بالنسب وأكد ذلك بقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~فأبان أن الفضيلة والرفعة إنما تستحق بتقوى الله وطاعته وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خطبته أنه قال إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتعظمها ~~بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم لا فضل لعربي ~~على عجمي إلا بالتقوى وقال ابن عباس وعطاء إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا ~~أعظمكم بيتا آخر سورة الحجرات # ومن سورة ق $ بسم ms2367 الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج حدثنا عبدالله بن ~~محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر ~~عن قتادة في قوله فهم في أمر مريج قال من ترك الحق مرج عليه رأيه والتبس ~~عليه دينه وقوله تعالى وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب روى جرير ~~بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب وروي عن ابن عباس وقتادة أن المراد صلاة الفجر وصلاة ~~العصر وقوله تعالى ومن الليل فسبحه قال مجاهد PageV05P292 صلاة الليل قال ~~أبو بكر يجوز أن يريد صلاة المغرب والعتمة وقوله تعالى وأدبار السجود قال ~~علي وعمر والحسن بن علي وابن عباس والحسن البصري ومجاهد والنخعي والشعبي ~~وأدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر وعن ابن ~~عباس مثله وعن مجاهد عن ابن عباس وأدبار السجود إذا وضعت جبهتك على الأرض ~~أن تسبح ثلاثا قال أبو بكر اتفق من ذكرنا قوله بديا أن قوله وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب أراد به الصلاة وكذلك @QB@ ومن الليل فسبحه ~~@QE@ هو صلاة الليل وهي العتمة والمغرب فوجب أن يكون قوله وأدبار السجود هو ~~الصلاة لأن فيه ضمير فسبحه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح في ~~دبر كل صلاة ولم يذكر أنه تفسير الآية وروى محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح ~~عن زيد بن ثابت قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسبح في دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين فأتى رجل من ~~الأنصار في المنام فقال أمركم محمد صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا في دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدوا ثلاثا وثلاثين وتكبروا أربعا وثلاثين فلو ~~جعلتموها خمسا وعشرين خمسا وعشرين فاجعلوا فيها التهليل فذكر ذلك ms2368 للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال افعلوا وروى سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قالوا ~~يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم قال كيف ذاك قالوا ~~صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا ~~أموال فقال أنا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون به من بعدكم لا ~~يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون الله في دبر كل صلاة ~~عشرا وتحمدون الله عشرا وتكبرون عشرا وروى نحوه عن أبي ذر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أنه قال تسبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمد ثلاثا ~~وثلاثين وتكبر أربعا وثلاثين كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ~~وقال وتكبر أربعا وثلاثين وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في آخر صلاته عند انصرافه سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين قال أبو بكر ~~فإن حمل معنى الآية على الوجوب كان قوله @QB@ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~@QE@ على صلاة الفجر وقبل الغروب على صلاة الظهر والعصر وكذلك روي عن الحسن ~~ومن الليل فسبحه صلاة العتمة والمغرب فتكون الآية منتظمة للصلوات الخمس ~~وعبر عن الصلاة بالتسبيح لأن التسبيح تنزيه لله عما لا يليق PageV05P293 به ~~والصلاة تشتمل على قراءة القرآن وأذكار هي تنزيه لله تعالى آخر سورة ق # | ومن سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون @QE@ قال ابن عباس ~~وإبراهيم والضحاك الهجوع النوم وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانوا ~~أقل ليلة تمر عليهم إلا صلوا فيها وقال قتادة عن الحسن لا ينامون فيها إلا ~~قليلا وقال مطرف بن عبدالله أقل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها إما من ~~أولها وإما من أوسطها وقال مجاهد كانوا لا ينامون كل الليل وروى قتادة عن ~~أنس قال كانوا ينتفلون بين المغرب ms2369 والعشاء وروى أبو حيوة عن الحسن قال ~~كانوا يطيلون الصلاة بالليل وإذا سجدوا استغفروا وروى عن قتادة قال كانوا ~~لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها كأنه جعل هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم ~~لصلاة العتمة قال أبو بكر قد كانت صلاة الليل فرضا فنسخ فرضها بما نزل في ~~سورة المزمل ورغب فيها في هذه السورة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبار في فضلها والترغيب فيها وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو ~~الله فيها بخير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه وذلك في كل ليلة وقال ~~أبو مسلم قلت لأبي ذر أي صلاة الليل أفضل قال سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال نصف الليل وقليل فاعله وروى عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن ~~عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله ~~تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويصلي ثلث الليل وينام سدس الليل وروي ~~عن الحسن كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال ما يرقدون وبالأسحار هم ~~يستغفرون قال مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة ~~والاستغفار وقوله تعالى @QB@ وفي أموالهم حق @QE@ قال أبو بكر اختلف السلف ~~في تأويله فقال ابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد هو حق سوى الزكاة واجب في ~~المال وقال ابن عباس من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق وقال ابن ~~سيرين وفي أموالهم حق معلوم قال الصدقة حق معلوم وروى حجاج عن الحكم عن ابن ~~عباس قال نسخت الزكاة كل صدقة والحجاج عن أبي جعفر مثله واختلف الرواة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فروي عنه ما يحتج به كل واحد من الفريقين ~~فروى طلحة بن عبيد الله قصة الرجل الذي PageV05P294 سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عما عليه فذكر الصلاة والزكاة والصيام فقال هل على شيء غير هذا ms2370 ~~قال لا وروى عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك فيه وروى دراج عن أبي الهيثم ~~عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أديت زكاة ~~مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك فهذه الأخبار يحتج بها من تأول حقا ~~معلوما على الزكاة وأنه لا حق على صاحب المال غيرها واحتج ابن سيرين بأن ~~الزكاة حق معلوم وسائر الحقوق التي يوجبها مخالفوه ليست بمعلومة واحتج من ~~أوجب فيه حقا سوى الزكاة بما روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفي المال حق سوى الزكاة فتلاليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب الآية فذكر الزكاة في نسق التلاوة بعد قوله وآتى ~~المال على حبه ويحتجون أيضا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها في عسرها ويسرها إلإ برز لها بقاع قرقر ~~تطأه بأخفافها وذكر البقر والغنم فقال أعرابي يا أبا هريرة وما حقها قال ~~تمنح الغزيرة وتعطى الكريمة وتحمل على الظهر وتسقى اللبن وفي حديث أبي ~~الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله وما حقها ~~قال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل ~~الله وروى الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال انتهيت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني مقبلا قال هم الأخسرون ورب ~~الكعبة فقلت يا رسول الله من هم قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا ~~وهكذا حثا عن يمينه وعن شماله وبين يديه ما من رجل يموت ويترك إبلا لم يؤد ~~زكاتها إلا جاءته يوم القيامة تنطحه بقرونها وتطأه بأخفافها كلما بعدت ~~أخراها أعيدت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس قال أبو بكر هذه الأخبار كلها ~~مستعملة وفي ms2371 المال حق سوى الزكاة باتفاق المسلمين منه ما يلزم من النفقة ~~على والديه إذا كانا فقيرين وعلى ذوي أرحامه وما يلزم من إطعام المضطر وحمل ~~المنقطع به وما جرى مجرى ذلك من الحقوق اللازمة عند ما يعرض من هذه الآحوال ~~وقوله تعالى للسائل والمحروم قال ابن عباس رواية عائشة وابن المسيب ومجاهد ~~رواية عطاء وأبو العالية والنخعي وعكرمة المحروم المحارف وقال الحسن ~~المحروم الذي يطلب فلا يرزق وقال ابن عباس رواية ومجاهد المحروم الذي ليس ~~له في الإسلام سهم وفي لفظ آخر الذي ليس له في الغنيمة شيء وقال عكرمة الذي ~~لا ينمو PageV05P295 له مال وقال الزهري وقتادة المحروم المسكين المتعفف ~~وقال عمر بن عبدالعزيز المحروم الكلب قال أبو بكر من تأوله على الكلب فإنه ~~لا يجوز أن يكون المراد عنده بحق معلوم الزكاة لأن إطعام الكلب لا يجزى من ~~الزكاة فينبغي أن يكون المراد عنده حقا غير الزكاة فيكون في إطعام الكلب ~~قربة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن في كل ذي كبد حرى أجرا وإن ~~رجلا سقى كلبا فغفر الله له والأظهر في قوله حق معلوم أنه الزكاة لأن ~~الزكاة واجبة لا محالة وهي حق معلوم فوجب أن يكون مرادا بالآية إذ جائز أن ~~ينطوي تحتها ويكون اللفظ عبارة عنها ثم جائز أن يكون جميع ما تأول السلف ~~عليه المحروم مرادا بالآية في جواز إعطائه الزكاة وهو يدل على أن الزكاة ~~إذا وضعت في صنف واحد أجزأ لأنه اقتصر على السائل والمحروم دون الأصناف ~~المذكورة في آية الصدقات وفرق الله تعالى في الآية بين السائل والمحروم لأن ~~الفقير قد يحرم نفسه بتركه المسألة وقد يحرمه الناس بترك إعطائه فإذا لم ~~يسأل فقد حرم نفسه بترك المسألة فسمي محروما من هذا الوجه لأنه يصير محروما ~~من وجهين من قبل نفسه ومن قبل الناس وقد روي عن الشعبي أنه قال أعياني أن ~~أعلم ما المحروم آخر سورة الذاريات # | ومن سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ms2372 @QB@ وسبح بحمد ربك حين تقوم @QE@ قال ابن مسعود وأبو الأحوص ~~ومجاهد حين تقوم من كل مكان سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب ~~إليك وروى علي بن هاشم قال سئل الأعمش أكان إبراهيم يستحب إذا قام من مجلسه ~~أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك قال ما كان ~~يستحب أن يجعل ذلك سنة وقال الضحاك عن عمر يعني به افتتاح الصلاة قال أبو ~~بكر يعني به قوله سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك إلى آخره وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك بعد التكبير وقال أبو الجوزاء ~~حين تقوم من منامك قال أبو بكر يجوز أن يكون عموما في جميع ما روي من هذه ~~التأويلات قوله تعالى وإدبار النجوم روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنه ~~ركعتا الفجر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ركعتي الفجر ~~منها حديث سعد بن هشام عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها PageV05P296 وروى عبيد بن عمير عن ~~عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع إلى شيء من النوافل ~~إسراعه إلى ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة وروى أيوب عن عطاء أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال الركعتان قبل صلاة الفجر واجبتان على كل مسلم وروي عنه أنه ~~قال لا تدعوهما فإن فيهما الرغائب وقال لا تدعوهما وإن طرقتكم الخيل آخر ~~سورة الطور # | ومن سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وما ينطق عن الهوى يحتج به من لا يجيز أن يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحوادث من جهة اجتهاد الرأي بقوله إن هو إلا وحي يوحى وليس ~~كما ظنوا لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي جاز أن ينسب موجبه وما أدى ~~إليه أنه عن وحي وقوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى روي عن ~~ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع قالوا ms2373 رأى جبريل في صورته التي خلقه الله ~~عليها مرتين وروي عن ابن عباس أنه رأى ربه بقلبه وهذا يرجع إلى معنى العلم ~~وعن ابن مسعود والضحاك سدرة المنتهى في السماء السادسة وإليها ينتهي ما ~~يعرج إلى السماء وقيل سميت سدرة المنتهى لأنه يتنهي إليها أرواح الشهداء ~~وقال الحسن جنة المأوى هي التي يصير إليها أهل الجنة وفي هذه الآية دلالة ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد إلى السماء وإلى الجنة بقوله تعالى ~~@QB@ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى @QE@ وقوله ~~تعالى إلا اللمم قال ابن عباس رواية لم أر أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا ~~أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى ~~وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة أنه ~~النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فهو الزنا ووجب ~~الغسل وعن أبي هريرة أيضا أن اللمم النكاح وعنه أيضا أن اللمة من الزنا ثم ~~يتوب فلا يعود وقال ابن عباس رواية اللمم ما بين الحدين حد الدنيا وحد ~~الآخرة وقال ابن عباس أيضا رواية هو الذي يلم بالمرأة وقال عطاء اللمم ما ~~دون الجماع وقال مجاهد أن تصيب الذنب ثم تتوب وروى عمرو بن دينار عن عطاء ~~عن ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إن تغفر تغفر جما وأي ~~عبد لك لا الما ويقال إن اللمم هو الهم بالخطيئة من جهة حديث النفس بها من ~~غير عزم عليها وقيل إن اللمم PageV05P297 مقاربة الشيء من غير دخول فيه ~~يقال ألم بالشيء إلماما إذا قاربه وقيل إن اللمم الصغير من الذنوب لقوله ~~تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وقوله تعالى لا تزر ~~وازرة وزر أخرى هو كقوله ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكقوله ولا ~~تكسب كل نفس ms2374 إلا عليها وقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى في معنى ذلك ~~ويحتج به في امتناع جواز تصرف الأنسان على غيره في إبطال الحجر على الحر ~~العاقل البالغ وقوله تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا ~~تمنى قال أبوبكر لما كان قوله الذكر والإنثى اسم للجنس استوعب الجميع وهذا ~~يدل على انه لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى وإن الخنثى وإن اشتبه علينا ~~أمره لا يخلو من أحدهما وقد قال محمد بن الحسن إن الخنثى المشكل إنما يكون ~~ما دام صغيرا فإذا بلغ فلا بد من أن تظهر فيه علامة ذكر أو أنثى وهذه الآية ~~تدل على صحة قوله آخر سورة النجم # | ومن سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر @QE@ دلالة على صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله لا يقلب العادات بمثله إلا ليجعله دلالة ~~على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وروى انشقاق القمر عشرة من الصحابة ~~منهم عبدالله بن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم في ~~آخرين كرهت ذكر أسانيدها للإطالة فإن قيل معناها سينشق في المستقبل عند ~~قيام الساعة لأنه لو كان قد انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لما خفي ~~على أهل الآفاق قيل له هذا فاسد من وجهين أحدهما أنه خلاف ظاهر اللفظ ~~وحقيقته والآخر انه قد تواتر الخبر به عن الصحابة ولم يدفعه منهم أحد وأما ~~قوله إنه لو كان ذلك قد وقع لما خفي على أهل الآفاق فإنه جائز أن يستره ~~الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا ~~يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق لنفسه فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إياهم واحتجاجه عليهم قوله تعالى @QB@ ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم @QE@ الآية تدل على جواز المهايأة على الماء لأنهم جعلوا شرب ~~الماء يوما للناقة ويوما لهم ويدل أيضا على أن المهايأة قسمة المنافع لأن ms2375 ~~الله تعالى قد سمى ذلك قسمة وإنما هي مهايأة على الماء لا قسمة الأصل واحتج ~~محمد بن الحسن بذلك في جواز المهايأة على الماء على هذا الوجه وهذا يدل من ~~قوله على PageV05P298 أنه كان يرى شرائع من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة ~~مالم يثبت نسخها آخر سورة القمر # | ومن سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ والحب ذو العصف والريحان @QE@ روي عن ابن عباس وقتادة ~~والضحاك أن العصف التبي وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك الريحان الورق وعن ابن ~~عباس أيضا أن الريحان الحب وقال الحسن هو الريحان الذي يشم قال أبو بكر لا ~~يمتنع أن يكون جميع ذلك مرادا لوقوع الاسم عليه والظاهر من الريحان أنه ~~المشموم ولما عطف الريحان على الحب ذي العصف والعصف هو ساقه دل على أن ~~الريحان ما يخرج من الأرض وله رائحة مستلذة قبل أن يصير له ساق وذلك نحو ~~الضيمران والنمام والآس الذي يخرج ورقه ريحانا قبل أن يصير ذا ساق لأن ~~العطف يقتضي ظاهره أن المعطوف غير المعطوف عليه وقوله تعالى يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان مراده من أحدهما لأنه إنما يخرج من الملح دون العذب وهو ~~كقوله يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم وإنما أرسل من الإنس وقال ~~ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك المرجان صغار اللؤلؤ وقيل المرجان المختلط ~~من الجواهر من مرجت أي خلطت وقيل إنه ضرب من الجواهر كالقضبان يخرج من ~~البحر وقيل إنما قال يخرج منهما لأن العذب والملح يلتقيان فيكون العذب ~~لقاحا للملح كما يقال يخرج الولد من الذكر والأنثى وإنما تلده الأنثى وقال ~~ابن عباس إذا جاء القطر من السماء تفتحت الأصداف فكان من ذلك اللؤلؤ وقوله ~~تعالى @QB@ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان @QE@ روى أنها تحمر وتذوب ~~كالدهن روى أن سماء الدنيا من حديد فإذا كان يوم القيامة صارت من الخضرة ~~إلى الاحمرار من حر جهنم كالحديد إذا أحمي بالنار وقوله تعالى فيومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جان قيل فيه لا يسأل ms2376 سؤال استفهام لكن سؤال تقرير ~~وتوقيف وقيل فيه لا يسأل في أول أحوال حضورهم يوم القيامة لما يلحقهم من ~~الدهش والذهول ثم يسألون في وقت آخر وقوله تعالى @QB@ فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان @QE@ يحتج به لأبي حنيفة في أن الرطب والرمان ليس من الفاكهة لأن ~~الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره هذا هو ظاهر الكلام ومفهومه إلا ~~أن تقوم الدلالة على أنه انفرد بالذكر وإن كان من جنسه لضرب من التعظيم ~~وغيره كقوله PageV05P299 تعالى @QB@ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال @QE@ آخر سورة الرحمن # | ومن سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون روي عن ~~سلمان أنه قال لا يمس القرآن إلا المطهرون فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين ~~لم يكن على وضوء وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال فقال لأخته أعطوني ~~الكتاب الذي كنتم تقرأون فقالت إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم ~~فاغتسل أو توضأ فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه وذكر الحديث وعن سعد إنه أمر ~~ابنه بالوضوء لمس المصحف وعن ابن عمر مثله وكره الحسن والنخعي مس المصحف ~~إلى غير وضوء وروي عن حماد أن المراد القرآن الذي في اللوح المحفوظ يمسه ~~إلا المطهرون يعني الملائكة وقال أبو العالية في قوله لا يمسه إلا المطهرون ~~قال هو في كتاب مكنون ليس أنتم من أصحاب الذنوب وقال سعيد بن جبير وابن ~~عباس المطهرون الملائكة وقال قتادة لا يمسه عند الله إلا المطهرون فأما في ~~الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق قال أبو بكر إن حمل اللفظ على ~~حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون ~~الملائكة وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عموما فينا وهذا ~~أولى لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار متظاهرة أنه كتب في ~~كتابه لعمرو بن حزم ولا يمس القرآن إلا طاهر فوجب أن يكون نهيه ذلك ms2377 بالآية ~~إذ فيها احتمال له آخر سورة الواقعة # | ومن سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح @QE@ الآية روي عن ~~الشعبي قال فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وفيه أنزلت هذه الآية قالوا ~~يا رسول الله أفتح هو قال نعم عظيم وقال سعيد عن قتادة هو فتح مكة قال أبو ~~بكر أبان عن فضيلة الإنفاق قبل الفتح على ما بعده لعظم عناء النفقة فيه ~~وكثرة الانتفاع به ولأن الإنفاق في ذلك الوقت كان أشد على النفس لقلة ~~المسلمين وكثرة الكفار مع شدة المحنة والبلاء وللسبق إلى الطاعة ~~PageV05P300 ألا ترى إلى قوله الذين اتبعوه في ساعة العسرة وقوله والسابقون ~~الأولون فهذه الوجوه كلها تقتضي تفضيلها وقوله تعالى فطال عليهم الأمد ~~الآية يدل على أن كثرة المعاصي ومساكنتها وألفها تقسي القلب وتبعد من ~~التوبة وهو نحو قوله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقوله تعالى ~~@QB@ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم @QE@ ~~روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مؤمن شهيد لهذه ~~الآية وجعل قوله والشهداء صفة لمن تقدم ذكره من المؤمنين وهو قول عبدالله ~~ومجاهد وقال ابن عباس ومسروق وأبو الضحى والضحاك هو ابتداء كلام وخبره لهم ~~أجرهم ونورهم وقوله تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها الآية قال أبو بكر أخبر عما ابتدعوه من القرب والرهبانية ثم ذمهم ~~على ترك رعايتها بقوله فما رعوها حق رعايتها والابتداع قد يكون بالقول وهو ~~ما ينذره ويوجبه على نفسه وقد يكون بالفعل بالدخول فيه وعمومه يتضمن ~~الأمرين فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها ~~وإتمامها فوجب على ذلك أن من دخل في صلاة أو صوم أو حج أو غيرها من القرب ~~فعليه إتمامها إلا وهي واجبة عليه فيجب عليه القضاء إذا أفسدها وروي عن أبي ~~أمامة الباهلي قال كان ناس من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها ms2378 الله ~~عليهم ابتغوا بها رضوان الله فلم يرعوها حق رعايتها فعابهم الله بتركها ~~فقال ورهبانية ابتدعوها الآية آخر سورة الحديد # | ومن سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها @QE@ إلى قوله ~~وإن الله لعفو غفور روى سفيان عن خالد عن أبي قلابة قال كان طلاقهم في ~~الجاهلية الإيلاء والظهار فلما جاء الإسلام جعل الله في الظهار ما جعل فيه ~~وجعل في الإيلاء ما جعل فيه وقال عكرمة كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل ~~الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية وأما المجادلة التي كانت ~~في المرأة فإن عبدالله بن محمد حدثنا قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي إسحاق في قوله قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها في امرأة يقال لها خويلة وقال عكرمة بنت ثعلبة زوجها ~~أوس بن PageV05P301 الصامت قالت إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه وهو يومئذ يغسل رأسه فقالت ~~انظر جعلني الله فداك يا نبي الله قال ما أراك إلا قد حرمت عليه فأعادت ذلك ~~مرارا فأنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى قوله ثم يعودون ~~لما قالوا قال قتادة حرمها ثم يريد أن يعود لها فيطأها فتحرير رقبة من قبل ~~أن يتماسا قال أبو بكر قوله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه ~~يحتمل أن يريد به تحريم الطلاق على ما كان عليه حكم الظهار ويحتمل أن يريد ~~به تحريم الظهار والأولى أن يكون المراد بجميع الطلاق لأن حكم الظهار مأخوذ ~~من الآية والآية نزلت بعد هذا القول فثبت أن مراده تحريم الطلاق ورفع ~~النكاح وهذا يوجب أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا في الشريعة قبل نزول آية ~~الظهار وإن كان قبل ذلك من حكم أهل الجاهلية فإن قيل إن كان النبي صلى الله ~~عليه ms2379 وسلم قد حكم فيها بالطلاق بقوله ما أراك إلا قد حرمت فكيف حكم فيها ~~بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه وإنما ~~النسخ يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي قيل له لم يحكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإنما علق القول فيه فقال ما أراك إلا قد حرمت ~~فلم يقطع بالتحريم وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه قبل ذلك أنه سينسخ ~~هذا الحكم وينقله من الطلاق إلى تحريم الظهار الآن فجوز النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل الله الآية فلم يثبت الحكم فيه فلما نزلت الآية حكم فيها ~~بموجبها وقوله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا يعني والله أعلم ~~في تشبيهها بظهر الأم لأن الإستمتاع بالأم محرم تحريما مؤبدا وهي لا تحرم ~~عليه بهذا القول تحريما مؤبدا فكان ذلك منكرا من القول وزورا وقوله تعالى ~~الذين يظاهرون منكم من نسائهم وذلك خطاب للمؤمنين يدل على أن الظهار مخصوص ~~به المؤمنون دون أهل الذمة فإن قيل فقد قال الله تعالى والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا ولم يخصص المذكورين في الثانية قيل له ~~المذكورون في الآية الثانية هم المذكورون في الآية الأولى فوجب أن يكون ~~خاصا في المسلمين دون غيرهم وأما قوله ثم يعودون لما قالوا فقد اختلف الناس ~~فيه فروى معمر عن طاوس عن أبيه ثم يعودون لما قالوا قال الوطء فإذا حنث ~~فعليه الكفارة وهذا تأويل مخالف للآية لأنه قال @QB@ فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا @QE@ وقد روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال إذا تكلم بالظهار ~~لزمه وروي عن ابن عباس PageV05P302 أنه إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له ~~حتى يكفر وروي عن ابن شهاب وقتادة إذا أراد جماعها لم يقربها حتى يكفر وقد ~~اختلف فقهاء الأمصار في معنى العود فقال أصحابنا والليث بن سعد الظهار يوجب ~~تحريما لا يرفعه إلا الكفارة ومعنى العود عندهم استباحة وطئها فلا يفعله ~~إلا بكفارة يقدمها ms2380 وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف لو وطئها ثم ماتت لم يكن ~~عليه كفارة وقال الثوري إذا ظاهره بها لم تحل له إلا بعد الكفارة وإن طلقها ~~ثم تزوجها لم يطأها حتى يكفر وهذا موافق لقول أصحابنا وقال ابن وهب عن مالك ~~إذا أجمع بعد الظهار على إمساكها وإصابتها فقد وجبت عليه الكفارة فإن طلقها ~~بعد الظهار ولم يجمع على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه وإن تزوجها بعد ~~ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة الظهار وذكر ابن القاسم عنه أنه إذا ظاهر منه ~~ثم وطئها ثم ماتت فلا بد من الكفارة لأنه وطئ بعد الظهار وقال أشهب عن مالك ~~إذا أجمع بعد الظهار على إمساكها وإصابتها وطلب الكفارة فماتت امرأته فعليه ~~الكفارة وقال الحسن إذا أجمع رأي المظاهر على أن يجامع امرأته فقد لزمته ~~الكفارة وإن أراد تركها بعد ذلك لأن العود هو الإجماع على مجامعتها وقال ~~عثمان البتي فيمن ظاهر من امرأته ثم طلقها قبل أن يطأها قال أرى عليه ~~الكفارة راجعها أو لم يراجعها وإن ماتت لم يصل إلى ميراثها حتى يكفر وقال ~~الشافعي إن أمكنه أن يطلقها بعد الظهار فلم يطلق فقد وجبت الكفارة ماتت أو ~~عاشت وحكي عن بعض من لا يعد خلافا أن العود أن يعيد القول مرتين قال أبو ~~بكر روت عائشة وأبو العالية أن آية الظهار نزلت في شأن خولة حين ظاهر منها ~~زوجها أوس بن الصامت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة فقال لا أجد ~~فقال صم شهرين متتابعين قال لو لم آكل في اليوم ثلاث مرات كاد أن يغشى على ~~بصري فأمره بالإطعام وهذا يدل على بطلان قول من اعتبر العزم على إمساكها ~~ووطئها لأنه لم يسئله عن ذلك وبطلان قول من اعتبر إرادة الجماع لأنه لم ~~يسئله وبطلان قول من اعتبر الطلاق لأنه لم يقل هل طلقتها وبطلان قول من ~~اعتبر إعادة القول لأنه لم يسئله هل أعدت القول مرتين فثبت قول أصحابنا وهو ~~أن لفظ الظهار ms2381 يوجب تحريما ترفعه الكفارة ومعنى قوله تعالى ثم يعودون لما ~~قالوا يحتمل وجهين أحدهما ذكر الحال الذي خرج عليه الخطاب وهو أنه قد كان ~~من عادتهم في الجاهلية الظهار فقال @QB@ الذين يظاهرون منكم من نسائهم @QE@ ~~قبل هذه الحال ثم يعودون لما قالوا والمعنى ويعودون PageV05P303 بعد ~~الإسلام إلى ذلك كما قال تعالى فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد ومعناه والله ~~شهيد فيكون نفس القول عود إلى العادة التي كانت لهم في ذلك كما قال حتى عاد ~~كالعرجون القديم والمعنى حتى صار كذلك وكما قال أمية بن أبي الصلت % هذي ~~المكارم لا قعبان من لبن % شيبا بماء فعادا بعد أبوالا % # | معناه صارا كذلك لأنهما في الثدي لم يكونا كذلك وكما قال لبيد % وما ~~المرء إلا كالشهاب وضوئه % يحور رمادا بعد إذ هو ساطع % # ويحور يرجع وإنما معناه ههنا يصير رمادا كذلك ثم يعودون لما قالوا إنهم ~~يصيرون إلى حال الظهار الذي كان يكون مثله منهم في الجاهلية والوجه الآخر ~~أنه معلوم أن حكم الله في الظهار إيجاب تحريم الوطء موقتا بالكفارة فإذا ~~كان الظهار مخصوصا بتحريم الوطء دون غيره ولا تأثير له في رفع النكاح وجب ~~أن يكون العود هو العود إلى استباحة ما حرمه بالظهار فيكون معناه يعودون ~~للمقول فيه كقوله عليه السلام العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه وإنما هو ~~عائد في الموهوب وكقولنا اللهم أنت رجاؤنا أي من رجونا وقال تعالى @QB@ ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ يعني الموقن به وقال الشاعر % أخبر من ~~لاقيت إن قد وفيتم % ولو شئت قال المنبأون أساؤا % % وإني لراجيكم على بطء ~~سعيكم % كما في بطون الحاملات رجاء % # | يعني مرجوا وكذلك قوله ثم يعودون لما قالوا معناه لما حرموا فيستبيحونه ~~فعليهم الكفارة قبل الاستباحة ويبطل قول من اعتبر البقاء على النكاح من ~~وجهين أحدهما أن الظهار لا يوجب تحريم العقد والإمساك فيكون العود إمساكها ~~على النكاح لأن العود لا محالة قد اقتضى عودا إلى حكم معنى قد تقدم إيجابه ~~فلا يجوز أن يكون للإمساك على ms2382 النكاح فيه تأثير والثاني إنه قال ثم يعودون ~~وثم يقتضي التراخي ومن جعل العود البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب ~~القول بلا تراخ وذلك خلاف مقتضى الآية وأما من جعل العود العزيمة على الوطء ~~فلا معنى لقوله أيضا لأن موجب القول هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة ~~والعزيمة على المحظور وإن كانت محظورة فإنما تعلق حكمها بالوطء فالعزيمة ~~على الإنفراد لا حكم لها وأيضا لا حظ للعزيمة في سائر الأصول ولا ~~PageV05P304 تتعلق بها الأحكام ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق ~~بالعزيمة فلا اعتبار بها وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عفا لأمتي ~~عما حدثت أنفسها مالم يتكلموا به أو يعملوا به فإن قيل هلا كان العود إعادة ~~القول مرتين لأن اللفظ يصلح أن يكون عبارة عنه كما قال الله تعالى ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه ومعناه لفعلوا مثل ما نهوا عنه قيل له هذا خطأ من ~~وجهين أحدهما أن إجماع السلف والخلف جميعا قد انعقد بأن هذا ليس بمراد ~~فقائله خارج عن نطاق الإجماع والثاني أنه يجعل قوله ثم يعودون لما قالوا ~~تكرارا للقول واللفظ مرتين والله تعالى لم يقل ثم يكررون القول مرتين ففيه ~~إثبات معنى لا يقتضيه اللفظ ولا يجوز أن يكون عبارة عنه وإن حملته على أنه ~~عائد لمثل القول ففيه إضمار لمثل ذلك القول وذلك لا يجوز إلا بدلالة ~~فالقائل بذلك خارج عن الإجماع ومخالف لحكم الآية ومقتضاها فإن قيل وأنت إذا ~~حملته على تحريم الوطء وأن تقديم الكفارة لاستباحة الوطء فقد زلت عن الظاهر ~~قيل له إذا كان الظهار قد أوجب تحريم الوطء فالذي يستبيحه منه هو الذي حرمه ~~بالقول فجاز أن يكون ذلك عودا لما قال إذ هو مستبيح لذلك الوطء الذي حرمه ~~بعينه وكان عودا لما قال من إيجاب التحريم ومن جهة أخرى أن الوطء إذا كان ~~مستحقا بعقد النكاح وحكم الوطء الثاني كالأول في أنه مستحق بسبب واحد ثم ~~حرمه بالظهار جاز أن يكون الإقدام على ms2383 استباحته عودا لما حرم فكان هذا ~~المعنى مطابقا للفظ فإن قيل إن كانت الإستباحة هي الموجبة للكفارة فليس ~~يخلو ذلك من أن يكون العزيمة على الإستباحة وعلى الإقدام على الوطء أو ~~إيقاع الوطء فإن كان المراد الأول فهذا يلزمك إيجاب الكفارة بنفس العزيمة ~~قبل الوطء كما قال مالك والحسن بن صالح وإن كان المراد إيقاع الوطء فواجب ~~أن لا تلزمه الكفارة إلا بعد الوطء وهذا خلاف الآية وليس هو قولك أيضا قيل ~~له المعنى في ذلك هو ما قد بينا من الإقدام على استباحة الوطء فقيل له إذا ~~أردت الوطء وعدت لإستباحة ما حرمته فلا تطأ حتى تكفر لا أن الكفارة واجبة ~~ولكنها شرط في رفع التحريم كقوله تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم @QE@ يعني فقدم الإستعاذة قبل القراءة وقوله إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا والمعنى إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فقدموا الغسل ~~وكقوله إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة وكقوله إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن PageV05P305 لعدتهن والمعنى إذا أردتم ذلك قال أبو بكر قد ~~ثبت بما قدمنا أن الظهار لا يوجب كفارة وإنما يوجب تحريم الوطء ولا يرتفع ~~إلا بالكفارة فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه وإن ماتت أو عاشت فلا شيء ~~عليه إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط موقتا بأداء الكفارة وأنه متى لم ~~يكفر فالوطء محظور عليه فإن وطىء سقط الظهار والكفارة وذلك لأنه علق حكم ~~الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوطء لقوله من قبل أن يتماسا ~~فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة بالآية لأن كل فرض محصور ~~بوقت أو معلق على شرط فإنه متى فات الوقت وعدم الشرط لم يجب باللفظ الأول ~~واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني فهذا حكم الظهار إذا ~~وقع المسيس قبل التكفير إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~رجلا ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم سأل النبي صلى الله عليه ms2384 وسلم ~~فقال له استغفر الله ولا تعد حتى تكفر فصار التحريم الذي بعد الوطء واجبا ~~بالسنة وقد اختلف السلف فيمن وطئ ما الذي يجب عليه من الكفارة بعده فقال ~~الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم وابن المسيب ليس عليه إلا كفارة واحدة وكذلك ~~قول مجاهد وطاوس وابن سيرين في آخرين وقد روي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ~~ذؤيب والزهري وقتادة عليه كفارتان قال وروي عن ابن عباس أن رجلا قال يا ~~رسول الله ظاهرت من امرأتي فجامعتها قبل أن أكفر فقال استغفر الله ولا تعد ~~حتى تكفر فلم يوجب عليه كفارتين بعد الوطء واختلف الفقهاء في توقيت الظهار ~~فقال أصحابنا والثوري والشافعي إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم بطل الظهار ~~بمضي اليوم وقال ابن أبي ليلى ومالك والحسن بن صالح هو مظاهر أبدا قال أبو ~~بكر تحريم الظهار لا يقع إلا موقتا بأداء الكفارة فإذا وقته المظاهر وجب ~~توقيته لأنه لو كان مما لا يتوقت لما انحل ذلك التحريم بالتكفير كالطلاق ~~فأشبه الظهار اليمين التي يحلها الحنث فوجب توقيته كما يتوقت اليمين وليس ~~كالطلاق لأنه لا يحله شيء فإن قيل تحريم الطلاق الثلاث يقع مؤقتا بالزوج ~~الثاني ولا يتوقت بتوقيت الزوج إذا قال أنت طالق اليوم قيل له إن الطلاق لا ~~يتوقت بالزوج الثاني وإنما يستفيد الزوج الأول بالزوج الثاني إذا تزوجها ~~بعد ثلاث تطليقات مستقبلات والثلاث الأول واقعة على ما كانت وإنما استفاد ~~طلاقا غيرها فليس في الطلاق توقيت بحال والظهار موقت لا محالة بالتكفير ~~فجاز توقيته بالشرط واختلفوا في الظهار هل يدخل PageV05P306 عليه إيلاء ~~فقال أصحابنا والحسن بن صالح والثوري في إحدى الروايتين والأوزاعي لا يدخل ~~الإيلاء على المظاهر وإن طال تركه إياها وروى ابن وهب عن مالك لا يدخل على ~~حر إيلاء في ظهار إلا أن يكون مضارا لا يريد أن يفيء من ظهاره وأما العبد ~~فلا يدخل على ظهاره إيلاء وقال ابن القاسم عنه يدخل الإيلاء على الظهار إذا ~~كان مضارا ومما يعلم به ضراره ms2385 أن يقدر على الكفارة فلا يكفر فإنه إذا علم ~~ذلك وقف مثل المولى فإما كفر وإما طلقت عليه امرأته وروي عن الثوري أن ~~الإيلاء يدخل على الظهار قال أبو بكر ليس الظهار كناية عن الطلاق ولا صريحا ~~فلا يجوز إثبات الطلاق به إلا بتوقيف وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أدخل على أمرنا ما ليس منه فهو رد ومن أدخل الإيلاء على المظاهر فقد أدخل ~~عليه ما ليس منه وأيضا نص الله على حكم المولى بالفيء أو عزيمة الطلاق ونص ~~على حكم المظاهر بإيجاب كفارة قبل المسيس فحكم كل واحد منهما منصوص عليه ~~فغير جائز حمل أحدهما على الآخر إذ من حكم المنصوصات أن لا يقاس بعضها على ~~بعض وإن كل واحد منها مجرى على بابه ومحمول على معناه دون غيره وأيضا فإن ~~معنى الإيلاء وقوع الحنث ووجوب الكفارة بالوطء في المدة ولا تتعلق كفارة ~~الظهار بالوطء فليس هو إذا في معنى الإيلاء ولا في حكمه وأيضا فإن المولى ~~سواء قصد الضرار أو لم يقصد لا يختلف حكمه وقد اتفقنا أنه متى لم يقصد ~~الضرار بالظهار لم يلزمه حكم الإيلاء بمضي المدة فوجب أن لا يلزمه وإن قصد ~~الضرار فإن قيل لم يعتبر ذلك في الإيلاء لأن نفس الإيلاء ينبئ عن قصد ~~الضرار إذ هو حلف على الإمتناع من الوطء في المدة قيل له الظهار قصد إلى ~~الضرار من حيث حرم وطأها إلا بكفارة يقدمها عليه فلا فرق بينهما فيما ~~يقتضيانه من المضارة واختلف السلف ومن بعدهم فقهاء الأمصار في الظهار من ~~الأمة فروى عبدالكريم عن مجاهد عن ابن عباس قال من شاء باهلته أنه ليس من ~~أمة ظهار وهذا قول إبراهيم والشعبي وابن المسيب وهو قول أصحابنا والشافعي ~~وروي عن ابن جبير والنخعي وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار قالوا هو ظهار وهو ~~قول مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن صالح وقالوا يكون مظاهرا من ~~أمته كما هو من زوجته وقال الحسن إن كان يطأها فهو مظاهر وإن كان ms2386 لا يطأها ~~فليس بظهار قال أبو بكر قال الله تعالى @QB@ والذين يظاهرون من نسائهم @QE@ ~~وهذا اللفظ ينصرف من الظهار إلى الحرائر دون الإماء والدليل PageV05P307 ~~عليه قوله تعالى أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن فكان المفهوم من قوله أو ~~نسائهن الحرائر لولا ذلك ما صح عطف قوله أو ما ملكت أيمانهن عليه لأن الشيء ~~لا يعطف على نفسه وقال تعالى وأمهات نسائكم فكان على الزوجات دون ملك ~~اليمين فلما كان حكم الظهار مأخذوا من الآية وكان مقتضاها مقصورا على ~~الزوجات دون ملك اليمين لم يجز إيجابه في ملك اليمين إذ لا مدخل للقياس في ~~إثبات ظهار في غير ما ورد فيه ووجه آخر ما بينا فيما سلف أنهم قد كانوا ~~يطلقون بلفظ الظهار فأبدل الله تعالى به تحريما ترفعه الكفارة فلما لم يصح ~~طلاق الأمة لم يصح الظهار منها ووجه آخر وهو أن الظهار يوجب تحريما من جهة ~~القول يوجب الكفارة والأمة لا يصح تحريمها من جهة القول فأشبه سائر ~~المملوكات من الطعام والشراب متى حرمها بالقول لم تحرم ألا ترى أنه لو حرم ~~على نفسه طعاما أو شرابا لم يحرم ذلك عليه وإنما يلزمه إذا أكل أو شرب ~~كفارة يمين فكذلك ملك اليمين وجب أن لا يصح الظهار منها إذ لا يصح تحريمها ~~من جهة القول # في الظهار بغير الأم $ # واختلفوا فيمن قال لامرأته أنت علي كظهر أختي أو ذات محرم منه فقال ~~أصحابنا هو مظاهر وإن قال كظهر فلانة وليست بمحرم منه لم يكن مظاهرا وهو ~~قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعي وقال مالك وعثمان البتي يصح الظهار ~~بالمحرم والأجنبية وللشافعي قولان أحدهما أن الظهار لا يصح إلا بالأم ~~والآخر أنه يصح بذوات المحارم قال أبو بكر لما صح الظهار بالأم وكانت ذوات ~~المحارم كالأم في التحريم وجب أن يصح الظهار بهن إذ لا فرق بينهن في جهة ~~التحريم ألا ترى أن الظهار بالأم من الرضاعة صحيح مع عدم النسب لوجود ~~التحريم فكذلك سائر ذوات المحارم وروي نحو قول ms2387 أصحابنا عن جابر بن زيد ~~والحسن وإبراهيم وعطاء وقال الشعبي إن الله تعالى لم ينس أن يذكر البنات ~~والأخوات والعمات إنما الظهار من الأم وأيضا لما قال تعالى @QB@ والذين ~~يظاهرون من نسائهم @QE@ اقتضى ظاهره الظهار بكل ذات محرم إذ لم يخصص الأم ~~دون غيرها ومن قصرها على الأم فقد خص بلا دليل فإن قيل لما قال تعالى ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم دل على أنه أراد الظهار بالأم قيل له ~~إنما ذكر الأمهات لأنهن مما اشتمل عليهن حده الآية وذلك لا ينفي أن يكون ~~قوله والذين يظاهرون من نسائهم PageV05P308 عموما في سائر من أوقع التشبيه ~~بظهرها من سائر ذوات المحارم وأيضا فإن ذلك يدل على صحة الظهار من سائر ~~ذوات المحارم لأنه قد نبه على المعنى الذي من أجله ألزمه حكم الظهار وهو ~~قوله ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا فأخبر أنه ألزمهم هذا الحكم لأنهن لسن بأمهاتهم وإن قولهم هذا ~~منكر من القول وزور فاقتضى ذلك إيجاب هذا الحكم في الظهار بسائر ذوات ~~المحارم لأنه إذا ظاهر بأجنبية فليست هي أخته ولاذات محرم منه وهذا القول ~~منكر من القول وزورا لأنه يملك بضع امرأته وهي مباحة له وذوات المحارم ~~محرمات عليه تحريما مؤبدا فإن قيل يلزمك على هذا إيجاب الظهار بالأجنبية ~~لعموم الآية ولدلالة فحواها على جواز الظهار بسائر ذوات المحارم إذ لم تفرق ~~الآية بين شيء منهن ولأن تشبهها بالأجنية منكر من القول وزور قيل له لا يجب ~~ذلك لأن الأجنبية لما كانت قد تحل له بحال لم يكن قوله أنت علي كظهر ~~الأجنبية مفيدا للتحريم في سائر الأوقات لجواز أن يملك بضع الأجنبية فتكون ~~مثلها وفي حكمها وأيضا لا خلاف أن التحريم بالأمتعة وسائر الأموال لا يصح ~~بأن يقول أنت علي كمتاع فلان أو ولا كمال فلان لأن ذلك قد يملكه بحال ~~فيستبيحه واختلفوا في الظهار بغير الظهر فقال أصحابنا إذا قال أنت علي كيد ~~أمي ms2388 أو كرأسها أو ذكر شيئا يحل له النظر إليه منها لم يكن مظاهرا وإن قال ~~كبطنها أو كفخذها ونحو ذلك كان مظاهرا لأنه لا يحل له النظر إليه كالظهر ~~وقال ابن القاسم قياس قول مالك أن يكون مظاهرا بكل شيء من الأم وقال الثوري ~~والشافعي إذا قال أنت علي كرأس أمي أو كيدها فهو مظاهر لأن التلذذ بذلك ~~منها محرم قال أبو بكر نص الله تعالى على حكم الظهار وهو أن يقول أنت علي ~~كظهر أمي والظهر مما لا يستبيح النظر إليه فوجب أن يكون سائر ما لا يستبيح ~~النظر إليه في حكمه وما يجوز له أن يستبيح النظر إليه فليس فيه دلالة على ~~تحريم الزوجة بتشبيهها به إذ ليس تحريمها من الأم مطلقا فوجب أن لا يصح ~~الظهار به إذ كان الظهار يوجب تحريما وأيضا لما جاز له استباحة النظر إلى ~~هذه الأعضاء أشبه سائر الأشياء التي يجوز أن يستبيح النظر إليها مثل ~~الأموال والأملاك واختلفوا فيما يحرمه الظهار فقال الحسن للمظاهر أن يجامع ~~فيما دون الفرج وقال عطاء يجوز أن يقبل أو يباشر لأنه قال من قبل أن يتماسا ~~وقال الزهري وقتادة PageV05P309 من قبل أن يتماسا الوقاع نفسه وقال أصحابنا ~~لا يقرب المظاهر ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها لشهوة حتى يكفر وقال ~~مالك مثل ذلك وقال لا ينظر إلى شعرها ولا صدرها حتى يكفر لأن ذلك لا يدعوه ~~إلى خير وقال الثوري يأتيها فيما دون الفرج وإنما نهي عن الجماع وقال ~~الأوزاعي يحل له فوق الإزار كالحائض وقال الشافعي يمنع القبلة والتلذذ ~~احتياطا قال أبو بكر لما قال تعالى من قبل أن يتماسا كان ذلك عموما في حظر ~~جميع ضروب المسيس من لمس بيد أو غيرها وأيضا لما قال والذين يظاهرون من ~~نسائهم فألزمه حكم التحريم لتشبيهه بظهرها وجب أن يكون ذلك التحريم عاما في ~~المباشرة والجماع كما أن مباشرة ظهر الأم ومسه محرم عليه وأيضا حدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ms2389 حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا إسماعيل قال ~~حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن ~~يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال فاعتزلها حتى تكفر ورواه ~~معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحوه وقال لا تقربها حتى تكفر وذلك يمنع المسيس والقبلة # | في ظهار المرأة من زوجها # قال أصحابنا لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو قول مالك والثوري والليث ~~والشافعي وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن علي بن صالح عن الحسن بن زياد ~~أنها إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أمي أو كظهر أخي كانت مظاهرة من زوجها ~~قال علي فسئلت محمد بن الحسن فقال ليس عليها شيء فأتيت أبا يوسف فذكرت له ~~قوليهما فقال هذان شيخا الفقه أخطأ هو تحريم عليها كفارة يمين كقولها أنت ~~علي حرام وقال الأوزاعي هي يمين تكفرها وقال الحسن بن صالح تعتق رقبة وتكفر ~~بكفارة الظهار فإن لم تفعل وكفرت يمينا رجونا أن يجزيها وروى مغيرة عن ~~إبراهيم قال خطب مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فقالت هو عليها كظهر أبيها ~~إن تزوجته فلما ولي الإمارة أرسل إليها فأرسلت تسئل والفقهاء يومئذ ~~بالمدينة كثير فأفتوها أن تعتق رقبة وتتزوجه وقال إبراهيم لو كانت عنده ~~يعني عند زوجها يوم قالت ذلك ما كان عليها عتق رقبة ولكنها كانت تملك نفسها ~~حين قالت ما قالت وروي عن الأوزاعي أنها إذا قالت إن تزوجته فهو علي كظهر ~~أبي كانت مظاهرة ولو قالت وهي تحت زوج كان عليها كفارة يمين قال أبو بكر لا ~~يجوز أن PageV05P310 تكون عليها كفارة يمين لأن الرجل لا تلزمه بذلك كفارة ~~يمين وهو الأصل فكيف يلزمها ذلك كما أن قول الرجل أنت طالق لا يكون غير ~~طالق كذلك ظهارها لا يلزمها به شيء ولا يصح منها ظهار بهذا القول لأن ~~الظهار يوجب تحريما بالقول وهي لا تملك ذلك كما لا تملك ms2390 الطلاق إذ كان ~~موضوعا لتحريم يقع بالقول واختلفوا فيمن قال أنت علي كظهر أبي فقال أصحابنا ~~والأوزاعي والشافعي ليس بشيء وقال مالك هو مظاهر قال أبو بكر إنما حكم الله ~~تعالى بالظهار فيمن شبهها بظهر الأم ومن جرى مجراها من ذوات المحارم التي ~~لا يجوز له أن يستبيح النظر إلى ظهرها بحال وهو يجوز له النظر إلى ظهر أبيه ~~والأب والأجنبي في ذلك سواء ولو قال أنت علي كظهر الأجنبي لم يكن شيئا ~~فكذلك ظهر الأب واختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أصحابنا والشافعي عليه لكل ~~ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار فتكون عليه كفارة واحدة ~~وقال مالك من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة ~~وإن ظاهر ثم كفر ثم ظاهر فعليه الكفارة أيضا وقال الأوزاعي عليه كفارة ~~واحدة وإن كان في مقاعد شتى قال أبو بكر الأصل أن الظهار لما كان سببا ~~لتحريم ترفعه الكفارة إن تجب بكل ظهار كفارة إلا أنهم قالوا إذا أراد ~~التكرار في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة لاحتمال اللفظ لما أراد من التكرار ~~فإن قيل قوله والذين يظاهرون من نسائهم يقتضي إيجاب كفارة واحدة وإن ظاهر ~~مرارا لأن اللفظ لا يختص بالمرة الواحدة دون المرار الكثير قيل له لما كانت ~~الكفارة في رفع التحريم متعلقة بحرمة اللفظ أشبه اليمين فمتى حلف مرارا ~~لزمته لكل يمين كفارة إذا حنث ولم يكن قوله @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~@QE@ موجبا للاقتصار بالأيمان الكثيرة على كفارة واحدة واختلفوا في المظاهر ~~هل يجبر على التكفير فقال أصحابنا لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر ~~وذكر الطحاوي عن عباد بن العوام عن سفيان بن حسين قال سألت الحسن وابن ~~سيرين عن رجل ظاهر من امرأته فلم يكفر تهاونا قال تستعدي عليه قال وسألت ~~أبا حنيفة فقال تستعدي عليه وقال مالك عليها أن تمنعه نفسها ويحول الإمام ~~بينه وبينها وقول الشافعي يدل على أنه يحكم عليه بالتكفير قال أبو بكر قال ~~أصحابنا يجبر ms2391 على جماع المرأة فإن أبى ضربته رواه هشام وهذا يدل على أنه ~~يجبر على التكفير ليوفيها حقها من الجماع واختلفوا في الرقبة الكافرة عن ~~الظهار فقال PageV05P311 عطاء ومجاهد وإبراهيم وإحدى الروايتين عن الحسن ~~يجزي الكافر وهو قول أصحابنا والثوري والحسن بن صالح وروي عن الحسن أنه لا ~~يجزي في شيء من الكفارات إلا الرقبة المؤمنة وهو قول مالك والشافعي قال أبو ~~بكر ظاهر قوله فتحرير رقبة يقتضي جواز الكافرة وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم للمظاهر أعتق رقبة ولم يشترط الإيمان ولا يجوز قياسها على كفارة القتل ~~لامتناع جواز قياس المنصوص بعضه على بعض ولأن في إيجاب زيادة في النص وذلك ~~عندنا يوجب النسخ واختلفوا في جواز الصوم مع وجود رقبة للخدمة فقال أصحابنا ~~إذا كانت عنده رقبة للخدمة ولا شيء له غيرها أو كان عنده دراهم ثمن رقبة ~~ليس له غيرها لم يجزه الصوم وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وقال الليث ~~والشافعي من له خادم لا يملك غيره فله أن يصوم قال الله فتحرير رقبة @QB@ ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين @QE@ فأوجب الرقبة بديا على واجدها ونقله ~~إلى الصوم عند عدمها فلما كان هذا واجدا لها لم يجزه غيره فإن قيل هو ~~بمنزلة من معه ماء يخاف على نفسه العطش فيجوز له التيمم قيل له لأنه مأمور ~~في هذه الحال باستبقاء الماء وهو محظور عليه استعماله وليس بمحظور عليه عند ~~الجميع عتق هذه الرقبة فعلمنا أنه واجد واختلفوا في عتق أم الولد والمدبر ~~والمكاتب ونحوهم في الكفارة فقال أصحابنا لا يجوز عتق أم الولد والمدبر ~~والمكاتب إذا كان قد أدى شيئا عن الكتابة ولا المدبر فإن لم يكن أدى شيئا ~~أجزأه وإن اشترى أباه ينوي به عن كفارته جاز وكذلك كل ذي رحم محرم ولو قال ~~كل عبد أشتريه فهو حر ثم اشترى عبدا ينويه عن كفارته لم يجزه وقال زفر لا ~~يجزي المكاتب وإن لم يكن أدى شيئا وقال مالك لا يجزى المكاتب ولا المدبر ~~ولا أم الولد ms2392 ولا معتق إلى سنين عن الكفارة ولا الولد والوالد وقال ~~الأوزاعي لا يجزى المكاتب ولا المدبر ولا أم الولد وقال عثمان البتي يجزي ~~المدبر وأم الولد في كفارة الظهار واليمين وقال الليث يجزي أن يشتري أباه ~~فيعتقه بالكفارة التي عليه وقال الشافعي لا يجزي من إذا اشتراه عتق عليه ~~ويجزي المدبر ولا يجزي المكاتب وإن لم يؤدي شيئا ويجزي المعتق إلى سنين ولا ~~تجزي أم الولد قال أبو بكر أما أم الولد والمدبر فإنهما لا يجزيان من قبل ~~أنهما قد استحقا العتق من غير جهة الكفارة ألا ترى أن ما ثبت لهما من حق ~~العتاق يمنع بيعهما ولا يصح فسخ ذلك عنهما فمتى أعتقهما فإنما عجل عتقا ~~مستحقا وليس كذلك من قال له المولى أنت حر PageV05P312 بعد شهر أو سنة لأنه ~~لم يثبت له حق بهذا القول يمنع بيعه ألا ترى أنه يجوز له أن يبيعه وأما ~~المكاتب فإنه وإن لم يجز بيعه فإن الكتابة يلحقها الفسخ وإنما لا يجوز بيعه ~~كما لا يجوز بيع الآبق والعبد المرهون والمستأجر فلا يمنع ذلك جواز عتقه عن ~~الكفار فإذا أعتق المكاتب قبل أن يؤدي شيئا فقد أسقط المال فصار كمن أعتق ~~عبدا غير مكاتب وإن كان قد أدى شيئا لم يجز من قبل أن الأداء لا ينفسخ ~~بعتقه فقد حصل له عن عتقه بدل فلا يجزي عن الكفارة وأما إذا اشترى أباه ~~فإنه يجزي إذا نوى لأن قبوله للشرى بمنزلة قوله أنت حر والدليل عليه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه ومعلوم أن معناه يعتقه بشرائه إياه فجعل شراه بمنزلة قوله أنت حر ~~فأجزأ بمنزلة من قال لعبده أنت حر واختلفوا في مقدار الطعام فقال أصحابنا ~~والثوري لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر أو شعير وقال مالك مد بمد هشام ~~وهو مدان إلا ثلثا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من الحنطة وأما ~~الشعير فإن كان طعام أهل بلده ms2393 فهو مثل الحنطة وكذلك التمر وإن لم يكونا ~~طعام أهل البلد أطعمهم من كل واحد منهما وسطا من شبع الشعير والتمر وقال ~~الشافعي لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات حنطة أو شعير أو أرز أو تمر ~~أو أقط وذلك بمد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتبر مدا حدث بعده حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن ~~سليمان الأنباري قالا حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن ~~عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال كنت امرأ أصيب من النساء وذكر ~~قصة ظهاره من امرأته وإنه جامع امرأته وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~حرر رقبة فقلت والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال ~~فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فأطعم وسقا ~~من تمر بين ستين مسكينا قلت والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشين وما لنا ~~طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا ~~وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فإن قيل روى إسماعيل بن جعفر عن محمد بن ~~أبي حرملة عن عطاء بن يسار أن خولة بنت مالك بن ثعلبة ظاهر منها زوجها أوس ~~بن الصامت فقال النبي صلى الله عليه وسلم مريه فليذهب إلى فلان فإن عنده ~~شطر وسق فليأخذه صدقة عليه ثم يتصدق به على ستين مسكينا وروى عبدالله بن ~~إدريس عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبدالله بن حنظلة عن يوسف بن عبدالله بن ~~PageV05P313 سلام عن خولة أن زوجها ظاهر منها فذكرت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فأمره أن يتصدق بخمسة عشر صاعا على ستين مسكينا قيل له قد روينا حديث ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء وأنه أمره بأن يطعم وسقا من تمر ~~ستين مسكينا وهذا أولى لأنه زائد على خبرك وأيضا فجائز أن يكون ms2394 النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعانه بهذا القدر ولا دلالة فيه على أن ذلك جميع الكفارة ~~وقد بين ذلك في حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن يزيد بن زيدان زوج خولة ظاهر ~~منها وذكر الحديث فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا وهذا ~~يدل على أنه أعانه ببعض الكفارة وقد روي ذلك أيضا في حديث يوسف بن عبدالله ~~بن سلام رواه يحيى بن زكريا عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبدالله عن يوسف ~~بن عبدالله بن سلام قال حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أعان زوجها حين ظاهر منها بعذق من تمر وأعانته هي بعذق آخر ~~وذلك ستون صاعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق به واختلفوا في ~~المظاهر هل يجامع قبل أن يطعم فقال أصحابنا ومالك والشافعي لا يجامع حتى ~~يطعم إذا كان فرضه الطعام روى زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري أنه إذا أراد ~~أن يطأها قبل أن يطعم لم يكن آثما وروى المعافى والأشجعي عن الثوري أنه لا ~~يقربها حتى يطعم قال النبي صلى الله عليه وسلم للمظاهر بعد ما ذكر عجزه عن ~~الصيام ثم لا يقربها حتى يكفر وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجماع محظور ~~عليه قبل عتق الرقبة وجب بقاء حظره إذا عجز إذ جائز أن يجد الرقبة قبل ~~الإطعام فيكون الوطء واقعا قبل العتق # | باب كيف يحيى أهل الكتاب # قال الله تعالى @QB@ وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله @QE@ روى سعيد ~~عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه ~~إذ أتى عليهم يهودي فسلم عليهم فردوا عليه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل تدرون ما قال قالوا سلم يا نبي الله قال قال سام عليكم أي تسامون ~~دينكم وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب ~~فقولوا عليكم أي عليك ما قلت وحدثنا ms2395 عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق بن ~~الحسين قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقيم المشركين في الطريق فلا ~~تبدؤهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه قال أبو بكر قد روي في حديث أنس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون بقولهم السام إنكم تسامون دينكم وروي ~~أنهم PageV05P314 يريدون به الموت لأن السام اسم من أسماء الموت قال أبو ~~بكر ذكر هشام عن محمد عن أبي حنيفة قال نرى أن نرد على المشرك السلام ولا ~~نرى أن نبدأه وقال محمد وهو قول العامة من فقهائنا وحدثنا عبدالباقي قال ~~حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة عن منصور عن ~~إبراهيم عن علقمة قال صحبنا عبدالله في سفر ومعنا أناس من الدهاقين قال ~~فأخذوا طريقا غير طريقنا فسلم عليهم فقلت لعبدالله أليس هذا تكره قال إنه ~~حق الصحبة قال أبو بكر ظاهره يدل على أن عبدالله بدأهم بالسلام لأن الرد لا ~~يكره عند أحد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلموا عليكم فقولوا ~~وعليكم قال أبو بكر وإنما كره الابتداء لأن السلام من تحية أهل الجنة فكره ~~أن يبدأ به الكافر إذ ليس من أهلها ولا يكره الرد على وجه المكافأة قال ~~الله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وحدثنا عبدالباقي ~~قال حدثنا الحسن بن المثنى قال حدثنا عثمان قال حدثنا عبدالواحد قال حدثنا ~~سليمان الأعمش قال قلت لإبراهيم اختلف إلي طبيب نصراني أسلم عليه قال نعم ~~إذا كانت لك إليه حاجة فسلم عليه وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا @QE@ قال قتادة كانوا يتنافسون في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لهم تفسحوا وقال ابن عباس هو مجلس القتال ~~قال قتادة وإذا قيل انشزوا قال إذا دعيتم إلى خير وقيل انشزوا أي ارتفعوا ~~في المجلس ولهذا ذكر أهل ms2396 العلم لأنهم أحق بالرفعة وهذا يدل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد كان يرفع مجلس أهل العلم على غيرهم ليبين للناس ~~فضلهم ومنزلتهم عنده وكذلك يجب أن يفعل بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ ~~وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فرتب أولي الأحلام والنهى في أعلى المراتب إذ ~~جعلهم في المرتبة التي تلي النبوة وقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة روى ليث عن مجاهد قال قال علي إن في كتاب الله لآية ما ~~عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان عندي دينار فصرفته فكنت إذا ~~ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم وروى علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس قال إن المسلمين أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل ~~حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن نبيه فلما نزلت إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة كف كثير من المسلمين عن المسئلة فأنزل الله ~~@QB@ أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات @QE@ PageV05P315 الآية فوسع ~~لهم قال أبو بكر قد دلت الآية على أحكام ثلاثة أحدها تقديم الصدقة أمام ~~مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لمن يجد والثاني الرخصة في المناجاة لمن ~~لا يجد الصدقة بقوله فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم فهذا يدل على أن ~~المسئلة كانت مباحة لمن لم يجد الصدقة والثالث وجوب الصدقة أمام المسئلة ~~بقوله أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله ~~عليكم حدثنا عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن مجاهد في قوله إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة الآية قال علي رضي الله عنه ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت ~~وما كانت إلا ساعة وقوله تعالى لا تجد ms2397 قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله قال أبو بكر المحادة أن يكون كل واحد منهما في ~~حد وحيز غير حد صاحبه وحيزه فظاهره يقتضي أن يكون المراد أهل الحرب لأنهم ~~في حد غير حدنا فهو يدل على كراهة مناكحة أهل الحرب وإن كانوا من أهل ~~الكتاب لأن المناكحة توجب المودة قال الله تعالى @QB@ ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة @QE@ آخر سورة ~~المجادلة # | ومن سورة الحشر # بسم ا لله الرحمن الرحيم # قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~قال مجاهد وقتادة أول الحشر جلاء بني النضير من اليهود فمنهم من خرج إلى ~~خيبر ومنهم من خرج إلى الشام وقال الزهري قاتلهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام وعلى أن لهم ما أقلت الإبل ~~من شيء إلا الحلقة والحلقة السلاح قال أبو بكر قد انتظم ذلك معنيين أحدهما ~~مصالحة أهل الحرب على الجلاء عن ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ولا دخول في ~~الذمة ولا أخذ جزية وهذا الحكم منسوخ عندنا إذا كان بالمسلمين قوة على ~~قتالهم على الإسلام أو أداء الجزية وذلك لأن الله قد أمر بقتال الكفار حتى ~~يسلموا أو يؤدوا الجزية قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى ~~قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقال فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم وإدخالهم في الذمة أو ~~الإسلام أن يجلوهم ولكنه لو عجز PageV05P316 المسلمون عن مقاومتهم في ~~إدخالهم في الإسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم على الجلاء عن بلادهم ~~والمعنى الثاني جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من المال لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة وترك لهم ما أقلت الإبل ~~وذلك مجهول وقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار فيه أمر بالاعتبار ~~والقياس في أحكام الحوادث ضرب من الاعتبار فوجب استعماله ms2398 بظاهر الآية وقوله ~~تعالى ما قطعتم من لينة قال ابن عباس وقتادة كل نخلة لينة سوى العجوة وقال ~~مجاهد وعمرو بن ميمون كل نخلة لينة وقيل اللينة كرام النخل وروى ابن جريج ~~عن مجاهد ما قطعتم من لينة النخلة نهي بعض المهاجرين عن قطع النخل وقال ~~إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى وبتحليل من قطعها من ~~الإثم قال أبو بكر صوب الله الذين قطعوا والذين أبوا وكانوا فعلوا ذلك من ~~طريق الاجتهاد وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب وقد روي عن الزهري عن عروة عن ~~أسامة بن زيد قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أغر على ابني ~~صباحا وحرق وروى قتادة عن أنس قال لما قاتل أبو بكر أهل الردة قتل وسبي ~~وحرق وروى عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال لما تحصن بنو النضير أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخلهم وتحريقه فقالوا يا أبا القاسم ما ~~كنت ترضى بالفساد فأنزل الله ما قطعتم من لينة الآية وروى عثمان بن عطاء عن ~~أبيه قال لما وجه أبو بكر الجيش إلى الشام كان فيما أوصاهم به ولا تقطع ~~شجرة مثمرة قال أبو بكر تأوله محمد بن الحسن على أنهم قد علموا أن الله ~~سيغنمهم إياها وتصير للمسلمين بوعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بفتح ~~الشام فأراد عليهم أن تبقى للمسلمين وأما جيش المسلمين إذا غزوا أرض الحرب ~~وأرادوا الخروج فإن الأولى أن يحرقوا شجرهم وزروعهم وديارهم وكذلك قال ~~أصحابنا في مواشيهم إذا لم يمكنهم إخراجها ذبحت ثم أحرقت وأما ما رجوا أن ~~يصير فيأ للمسلمين فإنهم إن تركوه ليصير للمسلمين جاز وإن أحرقوه غيظا ~~للمشركين جاز استدلالا بالآية وبما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أموال ~~بني النضير وقوله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من ~~خيل الآية الفيء الرجوع ومنه الفيء في الإيلاء في قوله فإن فاؤا وأفاءه ~~عليه إذا رده عليه ms2399 والفيء في مثل هذا الموضع ما صار للمسلمين من أموال أهل ~~الشرك فالغنيمة فيء والجزية فيء والخراج فيء لأن جميع ذلك مما ملكه الله ~~المسلمين من أموال أهل الشرك والغنيمة وإن كانت فيأ فإنها تختص بمعنى لا ~~يشاركها فيه PageV05P317 سائر وجوه الفيء لأنها ما أخذ من أموال أهل الحرب ~~عنوة بالقتال فمنها ما يجري فيه سهام الغانمين بعد إخراج الخمس لله عز وجل ~~وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال كانت أموال ~~بني النضير فيأ مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ~~ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان ينفق منها على ~~أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله قال أبو ~~بكر فهذا من الفيء الذي جعل الأمر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يكن لأحد فيه حق إلا من جعله له النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله ويجعل الباقي في الكراع والسلاح ~~وذلك لما بينه الله في كتابه وهو أن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب ~~ولم يأخذوه عنوة وإنما أخذوه صلحا وكذلك كان حكم فدك وقرى عرينة فيما ذكره ~~الزهري وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة الصفي وهو ما كان ~~يصطفيه من جملة الغنيمة قيل أن يقسم المال وكان له أيضا سهم من الخمس فكان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من الفيء هذه الحقوق يصرفها في نفقة عياله ~~والباقي في نوائب المسلمين ولم يكن لأحد فيها حق إلا من يختار هو صلى الله ~~عليه وسلم أن يعطيه وفي هذه الآية دلالة على أن كل مال من أموال أهل الشرك ~~لم يغلب عليه المسلمون عنوة وإنما أخذ صلحا أنه لا يوضع في بيت مال ~~المسلمين ويصرف على الوجوه التي يصرف فيها الخراج والجزية لأنه بمنزلة ما ~~صار للنبي صلى الله عليه وسلم من ms2400 أموال بني النضير حين لم يوجف المسلمون ~~عليه وقوله تعالى @QB@ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~@QE@ الآية قال أبو بكر بين الله حكم مالم يوجف عليه المسلمون من الفيء ~~فجعله للنبي صلى الله عليه وسلم على ما قدمنا من بيانه ثم ذكر حكم الفيء ~~الذي أوجف المسلمون عليه فجعله لهؤلاء الأصناف وهم الأصناف الخمس المذكورون ~~في غيرها وظاهره يقتضي أن لا يكون للغانمين شيء منه إلا من كان منهم من هذه ~~الأصناف وقال قتادة كانت الغنائم في صدر الإسلام لهؤلاء الأصناف ثم نسخ ~~بقوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه قال أبو بكر لما فتح عمر رضي ~~الله عنه العراق سأله قوم من الصحابة قسمته بين الغانمين منهم الزبير وبلال ~~وغيرهما فقال إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم واحتج عليهم بهذه ~~الآية إلى قوله والذين جاؤا من بعدهم وشاور عليا وجماعة من الصحابة في ذلك ~~فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها ويضع عليها الخراج ففعل ذلك ~~ووافقته الجماعة عند احتجاجه بالآية وهذا PageV05P318 يدل على أن هذه الآية ~~غير منسوخة وأنها مضمومة إلى آية الغنيمة في الأرضين المفتتحة فإن رأى ~~قسمتها أصلح للمسلمين وأرد عليهم قسم وإن رأى إقرار أهلها عليها وأخذ ~~الخراج منهم فيها فعل لأنه لو لم تكن هذه الآية ثابتة الحكم في جواز أخذ ~~الخراج منها حتى يستوي الآخر والأول فيها لذكروه له وأخبروه بنسخها فلما لم ~~يحاجوه بالنسخ دل على ثبوت حكمها عندهم وصحة دلالتها لديهم على ما استدل به ~~عليه فيكون تقدير الآيتين بمجموعهما واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله ~~خمسه في الأموال سوى الأرضين وفي الأرضين إذا اختار الإمام ذلك وما أفاء ~~الله على رسوله من الأرضين فلله وللرسول إن اختار تركها على ملك أهلها ~~ويكون ذكر الرسول ههنا لتفويض الأمر عليه في صرفه إلى من رأى فاستدل عمر ~~رضي الله عنه من الآية بقوله كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وقوله ms2401 ~~والذين جاؤوا من بعدهم وقال لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم ~~ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شيء وقد جعل لهم فيها الحق بقوله والذين ~~جاؤا من بعدهم فلما استقر عنده حكم دلالة الآية وموافقة كل الصحابة على ~~إقرار أهلها عليها ووضع الخراج بعث عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان فمسحا ~~الأرضين ووضعا الخراج على الأوضاع المعلومة ووضعا الجزية على الرقاب ~~وجعلاهم ثلاث طبقات اثني عشر وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين ثم لم يتعقب ~~فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة بالفسخ فصار ذلك اتفاقا واختلف أهل ~~العلم في أحكام الأرضين المفتتحة عنوة فقال أصحابنا والثوري إذا افتتحها ~~الإمام عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها وأهلها وأموالهم بين الغانمين بعد ~~إخراج الخمس وإن شاء أقر أهلها عليها وجعل عليها وعليهم الخراج ويكون ملكا ~~لهم ويجوز بيعهم وشراؤهم لها وقال مالك ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز ~~وما افتتتح عنوة فإنه لا يشترى منهم أحد لأن أهل الصلح من أسلم منهم كان ~~أحق بأرضه وماله وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم منهم أحرز له ~~إسلامه نفسه وأرضه للمسلمين لأن بلادهم قد صارت فيأ للمسلمين وقال الشافعي ~~ما كان عنوة فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين فمن طاب نفسا عن حقه ~~للإمام أن يجعلها وقفا عليهم ومن لم يطب نفسا فهو أحق بماله قال أبو بكر لا ~~تخلوا الأرض المفتتحة عنوة من أن تكون للغانمين لا يجوز للإمام صرفها عنهم ~~بحال إلا بطيبة من أنفسهم أو أن PageV05P319 يكون الإمام مخيرا بين إقرار ~~أهلها على أملاكهم فيها ووضع الخراج عليها وعلى رقاب أهلها على ما فعله عمر ~~رضي الله عنه في أرض السواد فلما اتفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر ~~فيما فعله في أرض السواد بعد خلاف من بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين عن ~~رقابها دل ذلك على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين ولا رقاب أهلها إلا ~~بأن يختار الإمام ذلك لهم لأن ذلك ms2402 لو كان ملكا لهم لما عدل عنهم بها إلى ~~غيرهم ولنازعوه في احتجاجه بالآية في قوله @QB@ كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم @QE@ وقوله والذين جاؤا من بعدهم فلما سلم له الجميع رأيه ~~عند احتجاجه بالآية دل على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار ~~الإمام ذلك لهم وأيضا لا يختلفون أن للإمام أن يقتل الأسرى من المشركين ولا ~~يستبقيهم ولو كان ملك الغانمين قد ثبت فيهم لما كان له إتلافه عليهم كما لا ~~يتلف عليهم سائر أموالهم فلما كان له أن يقتل الأسرى وله أن يستبقيهم ~~فيقسمهم بينهم ثبت أن الملك لا يحصل للغانمين بإحراز الغنيمة في الرقاب ~~والأرضين إلا أن يجعلها الإمام لهم ويدل على ذلك أيضا ما روى الثوري عن ~~يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفا لنوائبه وحاجته ونصفا بين المسلمين قسمها ~~بينهم على ثمانية عشر سهما فلو كان الجميع ملكا للغانمين لما جعل نصفه ~~لنوائبه وحاجته وقد فتحها عنوة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح ~~مكة عنوة ومن على أهلها فأقرهم على أملاكهم فقد حصل بدلالة الآية وإجماع ~~السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين أو تركها ملكا لأهلها ووضع ~~الخراج عليها ويدل عليه حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها ~~ودينارها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم كما بدأتم شهد على ذلك لحم أبي ~~هريرة ودمه فأخبر صلى الله عليه وسلم عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله ~~تعالى في الأرضين وإنهم يعودون إلى حال أهل الجاهلية في منعها وذلك يدل على ~~صحة قول عمر رضي الله عنه في السواد وإن ما وضعه هو من حقوق الله تعالى ~~التي يجب أداؤها فإن قيل ليس فيما ذكرت من فعل عمر في السواد إجماع لأن ~~حبيب بن أبي ثابت وغيره قد ms2403 رووا عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال دخلنا على ~~علي رضي الله عنه بالرحبة فقال لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد ~~بينكم قيل له الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه أشار على عمر PageV05P320 رضي ~~الله عنه بترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه ومع ذلك فإنه لا يجوز أن يصح ~~عن علي ما ذكرت لأنه لا يخلوا من خاطبهم علي بذلك من أن يكونوا هم الذين ~~فتحوا السواد فاستحقوا ملكه وقسمته بينهم من غير خيار للإمام فيه أو أن ~~يكون المخاطبون به غير الذين فتحوه أو خاطب به الجيش وهم أخلاط منهم من شهد ~~فتح السواد ومنهم من لم يشهده وغير جائز أن يكون الخطاب لمن لم يشهد فتحه ~~لأن أحدا لا يقول ان الغنيمة تصرف إلى غير الغانمين ويخرج منها الغانمون ~~وأن يكونوا أخلاطا فيهم من شهد الفتح واستحق الغنيمة وفيهم من لم يشهده ~~وهذا مثل الأول لأن من لم يشهد الفتح لا يجوز أن يسهم له وتقسم الغنيمة ~~بينه وبين الذين شهدوه أو أن يكون خاطب به من شهد الفتح دون غيره فإن كان ~~كذلك وكانوا هم المستحقين له دون غيرهم من غير خيار للإمام فيه فغير جائز ~~أن يجعل حقهم لغيرهم لأن بعضهم يضرب وجوه بعض إذ كان أتقى لله من أن يترك ~~حقا يجب عليه القيام به إلى غيره لما وصفت وعلى أنه لم يخصص بهذا الخطاب ~~الذين فتحوه دون غيرهم وفي ذلك دليل على فساد هذه الرواية وقد اختلف الناس ~~بعد ثبوت هذا الأصل الذي ذكرنا وصحة الرواية عن عمر في كافة الصحابة عل ترك ~~قسمة السواد وإقرار أهله عليه فقال قائلون أقرهم على أملاكهم وترك أموالهم ~~في أيديهم ولم يسترقهم وهو الذي ذكرناه من مذهب أصحابنا وقال آخرون إنما ~~أقرهم على أرضهم على أنهم وأرضهم فيء للمسلمين وأنهم غير ملاك لها وقال ~~آخرون أقرهم على أنهم أحرار والأرضون موقوفة على مصالح المسلمين قال أبو ~~بكر ولم يختلفوا أن من أسلم من أهل ms2404 السواد كان حرا وأنه ليس لأحد أن يسترقه ~~وقد روي عن علي رضي الله عنه أن دهقانا أسلم على عهده فقال له إن أقمت في ~~أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك وإن تحولت عنها فنحن أحق بها ~~وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه في دهقانة نهر الملك حين أسلمت فلو كانوا ~~عبيدا لما زال عنهم الرق بالإسلام فإن قيل فقد قالا إن تحولت عنها فنحن أحق ~~بها قيل له إنما أراد بذلك أنك إن عجزت عن عمارتها عمرناها نحن وزرعناها ~~لئلا تبطل الحقوق التي قد وجبت للمسلمين في رقابها وهو الخراج وكذلك يفعل ~~الإمام عندنا بأراضي العاجزين عن عمارتها ولما ثبت بما وصفنا أن من أسلم من ~~أهل السواد فهو حر ثبت أن أراضيهم على إملاكهم كما كانت رقابهم مبقاة على ~~أصل الحرية ومن حيث جاز للإمام عند مخالفينا أن يقطع حق PageV05P321 ~~الغانمين عن رقابها ويجعلها موقوفة على المسلمين بصرف خراجها إليهم جاز ~~إقرارها على أملاك أهلها ويصرف خراجها إلى المسلمين إذ لا حق للمسلمين في ~~نفي ملك ملاكها عنها بعد أن لا يحصل للمسلمين ملكها وإنما حقهم في الحالين ~~في خراجها لا في رقابها بأن يتملكوها وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح ~~قال سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه المسلمون حتى يأخذوه عنوة بالقتال وأن ~~الفيء ما صولحوا عليه قال الحسن فأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في ~~أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج فلما ظهر ~~المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من الدهاقين على حالهم ~~ووضعوا الجزية على رؤوس الرجال ومسحوا ما كان في أيديهم من الأرضين ووضعوا ~~عليهم الخراج وقبضوا على كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافي للإمام قال أبو ~~بكر كأنه ذهب إلى أن النبط لما كانوا أحرارا في مملكة أهل فارس فكانت ~~أملاكهم ثابتة في أراضيهم ثم ظهر المسلمون على أهل فارس وهم الذين قاتلوا ~~المسلمين ولم يقاتلهم النبط كانت ms2405 أراضيهم ورقابهم على ما كانت عليه في أيام ~~الفرس لأنهم لم يقاتلوا المسلمين فكانت أرضوهم ورقابهم في معنى ما صولح ~~عليه وأنهم إنما كانوا يملكون أراضيهم ورقابهم لو قاتلوهم وهذا وجه كان ~~يحتمله الحال لولا أن محاجة عمر لأصحابه الذين سألوه قسمة السواد كانت من ~~غير هذا الوجه وإنما احتج بدلالة الكتاب دون ما ذكره الحسن فإن قيل إنما ~~دفع عمر السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإجارة والأجرة ~~تسمى خراجا قال النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان ومراده أجرة العبد ~~المشترى إذا رد بالعيب قال أبو بكر هذا غلط من وجوه أحدها أن عمر لم يستطب ~~نفوس القوم في وضع الخراج وترك القسمة وإنما شاور الصحابة وحاج من طلب ~~القسمة بما أوضح به قوله ولو كان قد استطاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان ~~بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة فإن قيل قد نقل ذلك وذكر ما رواه إسماعيل ~~بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال كنا ربع الناس فأعطانا عمر ربع السواد ~~فأخذناه ثلاث سنين ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك فقال عمر والله لولا أني ~~قاسم مسؤل لكنتم على ما قسم لكم فأرى أن تردوه على المسلمين ففعل فأجازه ~~عمر ثمانين دينارا فأتته امرأة فقالت يا أمير المؤمنين إن قومي صالحوك على ~~أمر ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبا وتحملني على جمل ذلول وتعطيني قطيفة حمراء ~~قال ففعل قال أبو بكر ليس فيه دليل على PageV05P322 أنه كان ملكهم رقاب ~~الأرضين وجائز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر بهم على ~~أعطياتهم دون الخراج ليكونوا أسوة لسائر الناس وكيف يكون ذلك باستطابة منه ~~لنفوسهم وقد أخبر عمر أنه رأى رده على المسلمين وأظهر أنه لا يسعه غيره لما ~~كان عنده أنه صلح للمسلمين وأما أمر المرأة فإنه أعطاها من بيت المال لأنه ~~قد كان جائزا له أن يفعله من أخذ ما كان في أيديهم من السواد وأما قوله ms2406 إن ~~الخراج أجرة ففاسد من وجوه أحدها أنه لا خلاف أن الإجارات لا تجوز إلا على ~~مدة معلومة إذا وقعت على المدة وأيضا فإن أهلها لم يخلوا من أن يكونوا ~~عبيدا أو أحرارا فإن كانوا عبيدا فإن إجارة المولى من عبده لا تجوز وإن ~~كانوا أحرارا فكيف جاز أن تترك رقابهم على أصل الحرية ولا تترك أراضيهم على ~~أملاكهم وأيضا لو كانوا عبيدا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم لأنه لا خلاف أن ~~العبيد لا جزية عليهم وأيضا لا خلاف أن إجارة النخل والشجر غير جائزة وقد ~~أخذ عمر الخراج من النخل والشجر فدل على أنه ليس بأجرة وقد اختلف الفقهاء ~~في شرى أرض الخراج واستئجارها فقال أصحابنا لا بأس بذلك وهو قول الأوزاعي ~~وقال مالك أكره استئجار أرض الخراج وكره شريك شرى أرض الخراج وقال لا تجعل ~~في عنقك صغارا وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن سليمان بن بكار قال سأل ~~رجل المعافى بن عمران عن الزرع في أرض الخراج فنهاه عن ذلك فقال له قائل ~~فإنك تزرع أنت فيها فقال يا ابن أخي ليس في الشر قدوة وقال الشافعي لا بأس ~~بأن يكتري المسلم ارض خراج كما يكتري دوابهم قال والحديث الذي جاء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل ~~المسجد الحرام إنما هو خراج الجزية قال أبو بكر روي عن عبدالله بن مسعود ~~أنه اشترى أرض خراج وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا قال عبدالله وبراذان ما براذان وبالمدينة ~~ما بالمدينة وذلك أنه كانت له ضيعة لبراذان وراذان من أرض الخراج وروي أن ~~الحسن والحسين ابني علي رضي الله عنهم اشتروا من أرض السواد فهذا يدل على ~~معنيين أحدهما أنها أملاك لأهلها والثاني أنه غير مكره للمسلم شراها وروي ~~عن علي وعمر رضي الله عنهما فيمن أسلم من أهل الخراج أنه إن أقام على أرضه ~~أخذ ms2407 منه الخراج وروي عن ابن عباس أنه كره شرى أرض أهل الذمة وقال لا تجعل ~~ما جعل الله في عنق هذا الكافر في عنقك وقال ابن عمر مثل ذلك PageV05P323 ~~وقال لا تجعل في عنقك الصغار قال أبو بكر وخراج الأرض ليس بصغار لأنا لا ~~نعلم خلافا بين السلف أن الذمي إذا كانت له أرض خراج فأسلم أنه يؤخذ الخراج ~~من أرضه ويسقط عن رأسه فلو كان صغارا لسقط بالإسلام وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم منعت العراق قفيزها ودرهمها يدل على أنه واجب على المؤمنين لأنه ~~أخبر عما يمنع المسلمون من حق الله في المستقبل ألا ترى أنه قال وعدتم كما ~~بدأتم والصغار لا يجب على المسلمين وإنما يجب على الكفار للمسلمين وقوله ~~تعالى @QB@ والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~@QE@ يعني والله أعلم أن ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~وللذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يعني الأنصار وقد كان إسلام ~~المهاجرين قبل إسلام الأنصار ولكنه أراد الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل ~~هجرة المهاجرين وقوله تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا قال الحسن ~~يعني أنهم لا يحسدون المهاجرين على فضل آتاهم الله تعالى وقيل لا يجدون في ~~أنفسهم ضيقا لما ينفقونه عليهم وقوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة الخصاصة الحاجة فأثنى عليهم بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ~~ينفقونه عليهم وإن كانوا هم محتاجين إليه فإن قيل روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن رجلا قال له معي دينار فقال أنفقه على نفسك فقال معي دينار ~~آخر فقال أنفقه على عيالك فقال معي دينار آخر قال تصدق به وأن رجلا جاء ~~ببيضة من ذهب فقال يا رسول الله تصدق بهذه فإني ما أملك غيرها فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه من الشق الآخر فأعرض عنه إلى أن أعاد ~~القول فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورماه بها فلو أصابته لعقرته ثم ~~قال ms2408 يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس إنما الصدقة ~~عن ظهر غنى وإن رجلا دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل ~~بحال بذاذة فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فطرح قوم ثيابا ودراهم ~~فأعطاه ثوبين ثم حثهم على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فأنكره النبي صلى ~~الله عليه وسلم ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس والأمر بالإنفاق ~~على النفس ثم الصدقة بالفضل قيل له إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~لأنه لم يثق منه بالصبر على الفقر وخشي أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه ~~ألا ترى أنه قال يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس ~~فإنما كره الإيثار لمن كانت هذه حاله فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم ~~بالإيثار على النفس فلم يكونوا بهذه PageV05P324 الصفة بل كانوا كما قال ~~الله تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس فكان الإيثار منهم ~~أفضل من الإمساك والإمساك ممن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار وقد ~~روى محارب بن دثار عن ابن عمر قال أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأس شاة فقال إن فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا به فبعث إليه فلم ~~يزل يبعث به واحدا إلى آخر حتى تداولها تسعة أهل أبيات حتى رجعت إلى الأول ~~فنزلت ومن يوق شح نفسه الآية وروى الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن ~~هلال قال جاء رجل إلى عبدالله فقال يا أبا عبدالرحمن قد خفت أن تصيبني هذه ~~الآية ومن يوق شح نفسه فوالله ما أقدر على أن أعطي شيئا أطيق منعه فقال ~~عبدالله هذا البخل وبئس الشيء البخل ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حق ~~وروي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ومن يوق شح نفسه قال إدخال الحرام ومنع ~~الزكاة آخر سورة الحشر # | ومن سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ms2409 عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة @QE@ روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى كفار ~~قريش يتنصح لهم فيه فأطلع الله نبيه على ذلك فدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أنت كتبت هذا الكتاب قال نعم قال وما حملك على ذلك قال أما والله ~~ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكني كنت امرأ غريبا في قريش وكان لي بمكة مال ~~وبنون فأردت أن أدفع بذلك عنهم فقال عمر ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا ابن الخطاب أنه قد شهد بدرا وما ~~يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ~~حدثنا بذلك عبدالله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري في قوله يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء عن عروة بن الزبير بمعنى ما قدمنا قال أبو بكر ~~ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له ليدفع به عن ~~ولده وماله كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية ويستبيح إظهار كلمة الكفر ~~ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا يوجب الإكفار ولو كان ~~ذلك يوجب الإكفار لاستبابه النبي صلى الله عليه وسلم فلما لم يستتبه وصدقه ~~على ما قال علم أنه ما كان مرتدا PageV05P325 وإنما قال عمر ائذن لي فأضرب ~~عنقه لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل فإن قيل قد أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه إنما منع عمر من قتله لأنه شهد بدرا وقال ما يدريك لعل الله قد ~~اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فجعل العلة المانعة من ~~قتله كونه من أهل بدر وقيل له ليس كما ظننت لأن كونه من أهل بدر لا يمنع أن ~~يكون كافرا مستحقا للنار إذا كفر وإنما معناه ما يدريك لعل الله قد علم ms2410 أن ~~أهل بدر وإن أذنبوا لا يموتون إلا على التوبة ومن علم الله منه وجود التوبة ~~إذا أمهله فغير جائز أن يأمر بقتله أو يفعل ما يقتطعه به عن التوبة فيجوز ~~أن يكون مراده أن أهل بدر وإن أذنبوا فإن مصيرهم إلى التوبة والإنابة وفي ~~هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار ~~الكفر وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه لأن الله نهى المؤمنين عن مثل ما ~~فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله وكذلك قال أصحابنا إنه لو قال لرجل لأقتلن ~~ولدك أو لتكفرن إنه لا يسعه إظهار الكفر ومن الناس من يقول فيمن له على رجل ~~مال فقال لا أقر لك حتى تحط عني بعضه فحط عنه بعضه أنه لا يصح الحط عنه ~~وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة الإكراه على الحط وهو فيما أظن مذهب ابن ~~أبي ليلى وما ذكرناه يدل على صحة قولنا ويدل على أن الخوف على المال والأهل ~~لا يبيح التقية أن الله فرض الهجرة على المؤمنين ولم يعذرهم في التخلف لأجل ~~أموالهم وأهلهم فقال قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~الآية وقال قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها وقوله تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~الآية وقوله والذين معه قيل فيه الأنبياء وقيل الذين آمنوا معه فأمر الله ~~الناس بالتأسي بهم في إظهار معاداة الكفار وقطع الموالاة بيننا وبينهم ~~بقوله @QB@ إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا @QE@ فهذا حكم قد تعبد المؤمنون به وقوله إلا ~~قول إبراهيم لأبيه يعني في أن لا يتأسوا به في الدعاء للأب الكافر وإنما ~~فعل إبراهيم ذلك لأنه أظهر له الإيمان ووعده إظهاره فأخبر الله تعالى أنه ~~منافق فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه فأمر الله تعالى بالتأسي بإبراهيم ~~في كل أموره إلا في الاستغفار للأب الكافر ms2411 وقوله تعالى ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا قال قتادة يعني بإظهارهم علينا فيروا أنهم على حق PageV05P326 ~~وقال ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنوننا # | باب صلة الرحم المشرك # قال الله تعالى @QB@ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين @QE@ ~~الآية روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أم لها مشركة جاءتني أأصلها قال نعم صليها قال أبو بكر وقوله ~~أن تبروهم وتقسطوا إليهم عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة إذ ليس هم ~~من أهل قتالنا فيه النهي عن الصدقة على أهل الحرب لقوله إنما ينهاكم الله ~~عن الذين قاتلوكم في الدين وقد روي فيه غير ذلك حدثنا عبدالله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم قال نسخها قوله ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات الآية روى الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان مما شرط سهيل بن عمرو على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا ~~رددته علينا فرد أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال ~~إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم ~~بنت عقبة بن أبي معيط من خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي ~~عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها فأنزل الله ~~فيهن إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية يا أيها النبي إذا جاءك ~~المؤمنات يبايعنك قالت فمن أقر بهذه الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد ms2412 بايعتك كلاما يكلمها به والله ما مست يده يد امرأة من أهل ~~المبايعة وروى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عمر بن الخطاب قال لقد صالح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة يوم الحديبية وجعل لهم أن من لحق ~~بالكفار من المسلمين لم يردوه ومن لحق بالمسلمين من الكفار يردونه وروى ~~الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان في الصلح يوم الحديبية أن من أسلم من ~~أهل مكة فهو رد إليهم ونزلت سورة الممتحنة بعد الصلح فكان من أسلم من ~~نسائهم تسأل ما أخرجك فإن كانت خرجت هربا من زوجها ورغبة عنه ردت وإن كانت ~~خرجت رغبة في الإسلام أمسكت وردت على زوجها ما أنفق قال أبو بكر لا يخلو ~~PageV05P327 الصلح من أن يكون كان خاصا في الرجال دون النساء على الوجه ~~الذي ذكر من رد من جاء منهم مسلما إليهم أو أن يكون وقع بديا عاما ثم نسخ ~~عن النساء وهذا أظهر الوجهين وذلك جائز عندنا وإن لم يرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحدا من النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكن من الفعل وإن لم ~~يقع الفعل وقوله يا أيها الذين آمنوا خطاب للمؤمنين والمراد به النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا هاجرن إليه لأنه هو الذي يتولى امتحانهن دون المؤمنين ~~وقد أريد به سائر المؤمنين عند غيبة النبي صلى الله عليه وسلم عن حضرتهم ~~وقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات المراد به العلم الظاهر لا حقيقة اليقين ~~لأن ذلك لا سبيل لنا إليه وهو مثل قول أخوة يوسف إن ابنك سرق وما شهدنا إلا ~~بما علمنا يعنون العلم الظاهر لأنه لم يكن سرق في الحقيقة ألا ترى إلى قوله ~~وما كنا للغيب حافظين وإنما حكموا عليه بالسرقة من جهة الظاهر لما وجدوا ~~الصواع في رحله وهو مثل شهادة الشهود الذين ظاهرهم العدالة قد تعبدنا الله ~~بالحكم بها من طريق الظاهر وحمل شهادتهما على الصحة وكذلك قبول أخبار ~~الآحاد عن النبي صلى الله عليه ms2413 وسلم من هذا الطريق وقد ألزمنا الله بهذه ~~الآية قبول قول من أظهر لنا الإيمان والحكم بصحة ما أخبر به عن نفسه فيما ~~بيننا وبينه وهذا أصل في تصديق كل من أخبر عما لا يطلع عليه غيره من حاله ~~مثل المرأة إذا أخبرت عن حيضها وطهرها وحبلها ومثل الرجل يقول لامرأته أنت ~~طالق إذا حضت أو قال إذا طهرت فيكون قولها مقبولا فيه وقال عطاء بن أبي ~~رباح وتلا هذه الاية إذا جاءكم المؤمنات فقال عطاء ما علمنا إيمانهن إلا ~~بما ظهر من قولهن وقال قتادة امتحانهن ما خرجن إلا للدين والرغبة في ~~الإسلام وحب الله تعالى ورسوله # | باب وقوع الفرقة باختلاف الدارين # قال الله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن ~~حل لهم ولا هم يحلون لهن @QE@ الآية قال أبو بكر في هذه الآية ضروب من ~~الدلالة على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين واختلاف الدارين أن ~~يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب والآخر من أهل دار الإسلام وذلك لأن ~~المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام وزوجها باق على كفره ~~من أهل دار الحرب فقد اختلفت بهما الداران وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما ~~بقوله فلا ترجعوهن إلى الكفار PageV05P328 ولو كانت الزوجية باقية لكان ~~الزوج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد ويدل عليه أيضا قوله لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن وقوله وآتوهم ما أنفقوا يدل عليه أيضا لأنه أمر برد مهرها ~~على الزوج ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر لأنه لا يجوز ~~أن يستحق البضع وبدله ويدل عليه قوله ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج ويدل ~~عليه قوله @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ والعصمة المنع فنهانا أن ~~نمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربي واختلف أهل العلم في الحربية تخرج ~~إلينا مسلمة فقال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في ~~دار ms2414 الحرب قد وقعت الفرقة فيما بينهم ولا عدة عليها وقال أبو يوسف ومحمد ~~عليها العدة وإن أسلم الزوج لم تحل له إلا بنكاح مستقبل وهو قول الثوري ~~وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض ~~فقد وقعت الفرقة ولا فرق عند الشافعي بين دار الحرب وبين دار الإسلام لا ~~حكم للدار عنده قال أبو بكر روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن علي قال إذا ~~أسلمت اليهودية والنصرانية قبل زوجها فهو أحق بها ما داموا في دار الهجرة ~~وروى الشيباني عن السفاح بن مطر عن داود بن كردوس قال كان رجل من بني تغلب ~~نصراني عنده امرأة من بني تميم نصرانية فأسلمت المرأة وأبى الزوج أن يسلم ~~ففرق عمر بينهما وروى ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد في النصراني تسلم امرأته ~~قالوا إن أسلم معها فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما وروى قتادة عن مجاهد ~~قال إذا أسلم وهي في عدتها فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما وروى حجاج عن ~~عطاء مثله وعن الحسن وابن المسيب مثله وقال إبراهيم إن أبى أن يسلم فرق ~~بينهما وروى عباد بن العوام عن خالد بن عكرمة عن ابن عباس قال إذا أسلمت ~~النصرانية قبل زوجها فهي أملك لنفسها قال أبو بكر حصل اختلاف السلف في ذلك ~~على ثلاثة أنحاء فقال علي رضي الله عنه هو أحق بها ما داموا في دار الهجرة ~~وهذا معناه عندنا إذا كانا في دار واحدة ومتى اختلفت بهما الدار فصار ~~أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام بانت وقال عمر رضي الله عنه إذا ~~أسلمت وأبى الزوج الإسلام فرق بينهما وهذا أيضا على أنهما في دار الإسلام ~~وقال آخرون ممن ذكرنا قوله هي امرأته ما دامت في العدة فإذا انقضت العدة ~~وقعت الفرقة وقال ابن عباس تقع الفرقة بإسلامها واتفق فقهاء الأمصار على ~~أنها لا تبين PageV05P329 منه بإسلامها إذا كانا في دار واحدة واختلفوا في ~~وقت وقوع الفرقة إذا اسلمت ولم ms2415 يسلم الزوج فقال أصحابنا إن كانا ذميين لم ~~تقع الفرقة حتى يعرض الإسلام عليه فإن أسلم وإلا فرق بينهما وهو معنى ما ~~روي عن علي وعمر وقالوا إن كانا حربيين في دار الحرب فأسلمت فهي امرأته ما ~~لم تحض ثلاث حيض فإذا حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم فرق بينهما ويجوز أن يكون ~~من روي عنه من السلف اعتبار الحيض إنما أرادوا به الحربيين في دار الحرب ~~وقال أصحابنا إذا أسلم أحد الحربيين وخرج إلينا ايهما كان وبقي الآخر في ~~دار الحرب فقد وقعت الفرقة باختلاف الدارين وقد ذكرنا وجوه دلائل الآية على ~~صحة هذا القول ومن الدليل على ذلك قوله @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ~~ملكت أيمانكم @QE@ قال أبو سعيد الخدري نزلت في سبايا أوطاس كان لهن أزواج ~~في الشرك وأباحهن لهم بالسبي وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال كل ذات زوج فإتيانها زنا إلا ~~ما سبيت وقال النبي صلى الله عليه وسلم في السبايا لا توطأ حامل حتى تضع ~~ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة واتفق الفقهاء على جواز وطء المسبية بعد ~~الإستبراء وإن كان لها زوج في دار الحرب إذا لم يسب زوجها معها فلا يخلو ~~وقوع الفرقة من أن يتعلق بإسلامها أو باختلاف الدارين على الحد الذي بينا ~~أو بحدوث الملك عليها وقد اتفق الجميع على أن إسلامها لا يوجب الفرقة في ~~الحال وثبت أيضا أن حدوث الملك لا يرفع النكاح بدلالة أن الأمة التي لها ~~زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة وكذلك إذا مات رجل عن أمة لها زوج لم يكن ~~انتقال الملك إلى الوارث رافعا للنكاح فلم يبق وجه لإيقاع الفرقة إلا ~~اختلاف الدارين فإن قيل اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة لأن المسلم إذا دخل ~~دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع ~~الفرقة بينه وبين زوجته وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج ms2416 أحدهما ~~إلى دار الإسلام لم تقع الفرقة فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في ~~إيجاب الفرقة قيل له ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه وإنما معناه أن ~~يكون أحدهما من أهل دار الإسلام إما بالإسلام أو بالذمة والآخر من أهل دار ~~الحرب فيكون حربيا كافرا فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن ~~كان أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام فإن احتج المخالف لنا ~~بما روى يونس عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ~~PageV05P330 قال رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن ~~الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي ~~زوجها بمكة مشركا ثم ردها عليه بالنكاح الأول وهذا يدل على أنه لا تأثير ~~لاختلاف الدارين في إيقاع الفرقة فيقال لا يصح الاحتجاج به للمخالف من وجوه ~~أحدها أنه قال ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول لأنه لا خلاف بين الفقهاء ~~أنها لا ترد إليه بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض ومعلوم أنه ليس في ~~العادة أنها لا تحيض ثلاث في ست سنين فسقط احتجاج المخالف به من هذا الوجه ~~ووجه آخر وهو ما روى خالد عن عكرمة عن ابن عباس في اليهودية تسلم قبل زوجها ~~أنها أملك لنفسها فكان من مذهبه أن الفرقة قد وقعت بإسلامها وغير جائز أن ~~يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما قد رواه عنه والوجه الثالث أن عمرو بن ~~شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على ~~ابن العاص بنكاح ثان فهذا يعارض حديث داود بن الحصين وهو مع ذلك أولى لأن ~~حديث ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم ولم يعلم ~~حدوث عقد ثان وفي حديث عمرو بن شعيب الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه ~~فهو أولى لأن الأول إخبار عن ظاهر الحال والثاني إخبار عن ms2417 معنى حادث قد ~~علمه وهذ مثل ما نقوله في رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ~~ميمونة وهو محرم وحديث يزيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حلال فقلنا حديث ابن ~~عباس أولى لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول وحديث ~~زوج بريرة أنه كان حرا حين أعتقت ورواية من روى أنه كان عبدا فكان الأول ~~أولى لإخباره عن حال حادثة علمها وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول ولم يعلم ~~حدوث حال أخرى # فصل وإنما قال أبو حنيفة في المهاجرة إنه لا عدة عليها من الزوج الحربي ~~لقوله تعالى ولا جناح عليكم أن تنكحوهن فاباح نكاحها من غير ذكر عدة وقال ~~في نسق التلاوة ولا تمسكوا بعصم الكوافر والعصمة المنع فحظر الامتناع من ~~نكاحها لأجل زوجها الحربي والكوافر يجوز أن يتناول الرجال وظاهره في هذا ~~الموضع الرجال لأنه في ذكر المهاجرات وأيضا أباح النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطء المسبية بعد الاستبراء ليس بعدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عدة ~~الأمة حيضتان والمعنى فيها وقوع الفرقة باختلاف الدارين وقوله تعالى @QB@ ~~واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا @QE@ قال معمر عن الزهري يعني رد ~~الصداق واسئلوا أهل PageV05P331 الحرب مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم ~~وليسئلوا هم أيضا مهر من صارت إلينا مسلمة منهم وقال الزهري فأما المؤمنون ~~فأقروا بحكم الله وأما المشركون فأبوا أن يقروا فأنزل الله @QB@ وإن فاتكم ~~شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~@QE@ فأمر المسلمون أن يردوا الصداق إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج ~~مسلم أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته إن كان في أيديهم مما يردون وأن ~~يردوا إلى المشركين وروى خصيف عن مجاهد في قوله تعالى واسئلوا ما أنفقتم من ~~الغنيمة أن يعوض منها وروى زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال كانت زينب ~~امرأة عبدالله بن مسعود ممن ذكر الله في القرآن واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ~~ما أنفقوا خرجت إلى المؤمنين ms2418 وروى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق وإن فاتكم ~~شيء من أزواجكم إلى الكفار قال ليس بينكم وبينهم عهد فعاقبتم وأصبتم غنيمة ~~فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قالوا عوضوا زوجها مثل الذي ذهب ~~منه وروى سعيد عن قتادة مثله وزاد يعطى من جميع الغنيمة ثم يقسمون غنيمتهم ~~وقال ابن إسحاق عن الزهري قال إن فات أحدكم أهله إلى الكفار ولم يأت من ~~الكفار من تأخذون منه مثل ما أخذ منكم فعوضوهم من فيء إن أصبتموه وجائز أن ~~تكون هذه الرواية عن الزهري غير مخالفة لما قدمنا من أنهم يعوضون من صداق ~~إن وجب عليهم رده إلى الكفار وإنه إنما يجب رده من صداق وجب للكفار إذا كان ~~هناك صداق قد وجب رده عليهم وإذا لم يكن صداق رد عليهم من الغنيمة وهذه ~~الأحكام في رد المهر وأخذه من الكفار تعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد ~~وجب رده على أهل الحرب منسوخ عند جماعة أهل العلم غير ثابت الحكم إلا شيئا ~~روي عن عطاء فإن عبدالرزاق روى عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت لو أن ~~امرأة من أهل الشرك جاءت المسلمين فأسلمت أيعوض زوجها منها شيئا لقوله ~~تعالى في الممتحنة وآتوهم ما أنفقوا قال إنما كان ذلك بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبين أهل عهده قلت فجاءت امرأة الآن من أهل عهد قال نعم يعاض ~~فهذا مذهب عطاء في ذلك وهو خلاف الإجماع فإن قيل ليس في القرآن ولا في ~~السنة ما يوجب نسخ هذه الأحكام فمن أين وجب نسخها قيل له يجوز أن يكون ~~منسوخا بقوله تعالى @QB@ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم وبقول PageV05P332 النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وقوله تعالى ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن قال ابن عباس لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وقيل إنه قد ~~دخل فيه قذف أهل الإحصان والكذب على الناس وقذفهم بالباطل ms2419 وما ليس فيهم ~~وسائر ضروب الكذب وظاهر الآية يقتضي جميع ذلك وقوله تعالى ولا يعصينك في ~~معروف روى معمر عن ثابت عن أنس قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على ~~النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله إن نساء أسعدننا في ~~الجاهلية فنساعدهن في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في ~~الإسلام ولا شغار في الإسلام ولا جلب في الإسلام ولا جنب في الإسلام ومن ~~انتهب فليس منا وروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ ولا يعصينك في معروف @QE@ قال النوح وروى هشام عن حفصة عن أم ~~عطية قالت أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح وهو قوله تعالى ولا يعصينك في ~~معروف وروى عطاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نهيت عن صوتين ~~أحمقين صوت لعب ولهو ومزامير شيطان عند نغمة وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق ~~جيوب ورنة شيطان قال أبو بكر هو عموم في جميع طاعة الله لأنها كلها معروف ~~وترك النوح أحد ما أريد بالآية وقد علم الله أن نبيه لا يأمر إلا بمعروف ~~إلا أنه شرط في النهي عن عصيانه إذا أمرهن بالمعروف لئلا يترخص أحد في طاعة ~~السلاطين إذا لم تكن طاعة الله تعالى إذ كان الله تعالى قد شرط في طاعة ~~أفضل البشر فعل المعروف وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أطاع مخلوقا في ~~معصية الخالق سلط الله عليه ذلك المخلوق وفي لفظ آخر عاد حامده من الناس ~~ذاما وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة في قوله تعالى @QB@ يا ~~أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك @QE@ لأن بيعة من أسلم كان مخصوصا ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم وعم المؤمنين بذكر الممتحنة في قوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات @QE@ لأنه لم يكن ~~يختص بها النبي صلى ms2420 الله عليه وسلم دون غيره ألا ترى إنا نمتحن المهاجرة ~~الآن والله أعلم بالصواب آخر سورة الممتحنة # | ومن سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون @QE@ PageV05P333 قال أبو بكر يحتج ~~به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة وأوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء ~~به إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم الله فاعل ذلك ~~وهذا فيما لم يكن معصية فأما المعصية فإن إيجابها في القول لا يلزمه الوفاء ~~بها وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ~~وإنما يلزم ذلك فيما عقده على نفسه مما يتقرب به إلى الله عز وجل مثل ~~النذور وفي حقوق الآدميين العقود التي يتعاقدونها وكذلك الوعد بفعل يفعله ~~في المستقبل وهو مباح فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان فأما قول القائل إني ~~سأفعل كذا فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله تعالى وأن يكون في ~~عقد ضميره الوفاء به ولا جائز له أن يعدوا في ضميره أن لا يفي به لأن ذلك ~~هو المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه وإن كان في عقد ضميره الوفاء ~~به ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به ~~أم لا فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف الوعد فيه وهو يدل ~~على أن من قال إن فعلت كذا فأنا أحج أو أهدي أو أصوم فإن ذلك بمنزلة ~~الإيجاب بالنذر لأن ترك فعله يؤديه إلى أن يكون قائلا ما لم يفعل وروي عن ~~ابن عباس ومجاهد أنها نزلت في قوم قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله ~~تعالى لسارعنا إليه فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه وقال قتادة نزلت في ~~قوم كانوا يقولون جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا وقال الحسن نزلت في المنافقين ~~وسماهم بالإيمان ms2421 لإظهارهم له وقوله تعالى ليظهره على الدين كله من دلائل ~~النبوة لأنه أخبر بذلك والمسلمون في ضعف وقلة وحال خوف مستذلون مقهورون ~~فكان مخبره على ما أخبر به لأن الأديان التي كانت في ذلك الزمان اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية والصابئة وعباد الأصنام من السند وغيرهم فلم تبق من ~~أهل هذه الأديان أمة إلا وقد ظهر عليهم المسلمون فقهروهم وغلبوهم على جميع ~~بلادهم أو بعضها وشردوهم إلى أقاصي بلادهم فهذا هو مصداق هذه الآية التي ~~وعد الله تعالى رسوله فيها إظهاره على جميع الأديان وقد علمنا أن الغيب لا ~~يعلمه إلا الله عز وجل ولا يوحي به إلا إلى رسله فهذه دلالة واضحة على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن قيل كيف يكون ذلك إظهارا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على جميع الأديان وإنما حدث بعد موته قيل له إنما وعد الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أن يظهر دينه على سائر الأديان لأنه قال هو الذي ~~ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله يعني دين PageV05P334 ~~الحق وعلى أنه لو أراد رسوله لكان مستقيما لأنه إذا أظهر دينه ومن آمن به ~~على سائر الأديان فجائز أن يقال قد أظهر نبيه صلى الله عليه وسلم كما أن ~~جيشا لو فتحوا بلدا عنوة جاز أن يقال إن الخليفة فتحه وإن لم يشهد القتال ~~إذ كان بأمره وتجهيزه للجيش فعلوا وقوله تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم إلى قوله وفتح قريب وهذا أيضا من دلائل النبوة لوعده من أمر ~~بالنصر والفتح وقد وجد ذلك لمن آمن منهم والله الموفق آخر سورة الصف # | ومن سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ قيل إنما ~~سموا أميين لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة وأراد الأكثر الأعم ~~وإن كان فيهم القليل ممن يكتب ويقرأ وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر ~~هكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال إنا نحن أمة أمية لا ms2422 نحسب ولا نكتب وقال ~~تعالى رسولا منهم لأنه كان أميا وقال تعالى الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي وقيل إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم لأن ~~الكتابة إنما تكون بالإستفادة والتعلم دون الحال التي يجري عليها المولود ~~وأما وجه الحكمة في جعل النبوة في أمي إنه ليوافق ما تقدمت به البشارة في ~~كتب الأنبياء السالفة ولأنه أبعد من توهم الإستعانة على ما أتى به من ~~الحكمة بالكتابة فهذان وجهان من الدلالة في كونه أميا على صحة النبوة ومع ~~أن حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم وذلك إلى مساواته لو كان ذلك ~~ممكنا فيه فدل عجزهم عما أتى به على مساواته لهم في هذا الوجه على أنه من ~~قبل الله عز وجل وقوله تعالى @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~@QE@ الآية وروي أنه أراد اليهود الذين أمروا بتعلم التوراة والعمل بها ~~فتعلموها ثم لم يعملوا بها فشبههم الله بالحمار الذي يحمل الكتب وهي ~~الأسفار إذ لم ينتفعوا بما حملوه كما لا ينتفع الحمار بالكتب التي حملها ~~وهو نحو قوله إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وقوله واتل عليهم نبأ ~~الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها إلى قوله كمثل الكلب وقوله تعالى قل يا ~~أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس إلى قوله والله ~~عليم بالظالمين روي أن اليهود زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس فأنزل ~~الله هذه الآية PageV05P335 وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إن ~~تمنوه ماتوا فقامت الحجة عليهم بها من وجهين أحدهما أنهم لو كانوا صادقين ~~فيما ادعوه من المنزلة عند الله لتمنوا الموت لأن دخول الجنة مع الموت خير ~~من البقاء في الدنيا والثاني إنه أخبر أنهم لا يتمنونه فوجد مخبره على ما ~~أخبر به فهذا واضح من دلائل النبوة وقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله @QE@ الآية قال أبو بكر ~~يفعل في يوم ms2423 الجمعة جماعة صلوات كما يفعل في سائر الأفعال ولم يبين في ~~الآية أنها هي واتفق المسلمون على أن المراد الصلاة التي إذا فعلها مع ~~الإمام جمعة لم يلزمه فعل الظهر معها وهي ركعتان بعد الزوال على شرائط ~~الجمعة واتفق الجميع أيضا على أن المراد بهذا النداء هو الأذان ولم يبين في ~~الآية كيفيته وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن زائد ~~الذي رأى في المنام الأذان ورآه عمر أيضا كما رآه ابن زيد وعلمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا محذورة وذكر فيه الترجيع وقد ذكرنا ذلك عند قوله تعالى ~~وإذا ناديتم إلى الصلاة وروي عن ابن عمر والحسن في قوله إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة قال إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة وروى الزهري عن ~~السائب بن زيد قال ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ~~يؤذن إذا قعد على المنبر ثم يقيم إذا نزل ثم أبو بكر كذلك ثم عمر كذلك فلما ~~كان عثمان وفشا الناس وكثروا زاد النداء الثالث وقد روي عن جماعة من السلف ~~إنكار الأذان الأول قبل خروج الإمام روى وكيع قال حدثنا هشام بن الغار قال ~~سألت نافعا عن الأذان الأول يوم الجمعة قال قال ابن عمر بدعة وكل بدعة ~~ضلالة وإن رآه الناس حسنا وروى منصور عن الحسن قال النداء يوم الجمعة الذي ~~يكون عند خروج الإمام والذي قبل محدث وروى عبدالرزاق عن ابن جريج عن عطاء ~~قال إنما كان أذان يوم الجمعة فيما مضى واحدا ثم الإقامة وأما الأذان الأول ~~الذي يؤذن به الآن قبل خروج الإمام وجلوسه على المنبر فهو باطل أول من ~~أحدثه الحجاج وأما أصحابنا فإنهم إنما ذكروا أذانا واحدا إذا قعد الإمام ~~على المنبر فإذا نزل أقام على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأما وقت الجمعة فإنه بعد الزوال وروى أنس ~~وجابر وسهل بن سعد وسلمة بن ms2424 الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~الجمعة إذا زالت الشمس وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة قال ~~صلى بنا عبدالله بن مسعود وأصحابه الجمعة ضحى ثم قال إنما فعلت ذلك مخافة ~~الحر عليكم PageV05P336 وروي عن عمر وعلي أنهما رضي الله عنهما صلياها بعد ~~الزوال ولما قال عبدالله إني قدمت مخافة الحر عليكم علمنا أنه فعلها على ~~غير الوجه المعتاد المتعارف بينهم ومعلوم أن فعل الفروض قبل أوقاتها لا ~~يجوز لحر ولا لبرد إذا لم يوجد أسبابها ويحتمل أن يكون فعلها في أول وقت ~~الظهر الذي هو أقرب أوقات الظهر إلى الضحى فسماه الراوي ضحى لقربه منه كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر تعال إلى الغداء المبارك فسماه ~~غداء لقربه من الغداء وكما قال حذيفة تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان نهارا والمعنى قريب من النهار ولما اختلف الفقهاء في الذي يلزم ~~من الفرض بدخول الوقت فقال قائلون فرض الوقت الجمعة والظهر بدل منها وقال ~~آخرون فرض الوقت الظهر والجمعة بدل منه استحال أن يفعل البدل إلا في وقت ~~يصح فيه فعل المبدل عنه وهو الظهر ولما ثبت أن وقتها بعد الزوال ثبت أن وقت ~~النداء لها بعد الزوال كسائر الصلوات وقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله قرأ ~~عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير فامضوا إلى ذكر الله قال عبدالله لو قرأت ~~فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي قال أبو بكر يجوز أن يكون أراد التفسير لا نص ~~القراءة كما قال ابن مسعود للأعجمي الذي كان يلقنه @QB@ إن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم @QE@ فكان يقول طعام اليتيم فلما أعياه قال له طعام الفاجر ~~وإنما أراد إفهامه المعنى وقال الحسن ليس يريد به العدو وإنما السعي بقلبك ~~ونيتك وقال عطاء السعي الذهاب وقال عكرمة السعي العمل قال أبو عبيدة فاسعوا ~~أجيبوا وليس من العدو قال أبو بكر الأولى أن يكون المراد بالسعي ههنا إخلاص ~~النية والعمل وقد ذكر الله السعي في ms2425 مواضع من كتابه ولم يكن مراده سرعة ~~المشي منها قوله ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وإذا تولى سعى في الأرض ~~@QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ وإنما أراد العمل وروى العلاء بن ~~عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة والوقار ~~فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ولم يفرق بين الجمعة وغيرها واتفق فقهاء ~~الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته # فصل واتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في ~~غيره لأنهم مجمعون على أن الجمعة لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب فقال ~~أصحابنا هي مخصوصة بالأمصار ولا تصح في السواد وهو قول الثوري وعبيدالله بن ~~الحسن PageV05P337 وقال مالك تصح الجمعة في كل قرية فيها بيوت متصلة وأسواق ~~متصلة يقدمون رجلا يخطب ويصلي بهم الجمعة إن لم يكن لهم إمام وقال الأوزاعي ~~لا جمعة إلا في مسجد جماعة مع الإمام وقال الشافعي إذا كانت قرية مجتمعة ~~البناء والمنازل وكان أهلها لا يظعنون عنها إلا ظعن حاجة وهم أربعون رجلا ~~حرا بالغا غير مغلوب على عقله وجبت عليهم الجمعة قال أبو بكر روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع وروي عن علي ~~مثله وأيضا لو كانت الجمعة جائزة في القرى لورد النقل به متواترا كوروده في ~~فعلها في الأمصار لعموم الحاجة إليه وأيضا لما اتفقوا على امتناع جوازها في ~~البوادي لأنها ليست بمصر وجب مثله في السواد وروي انه قيل للحسن إن الحجاج ~~أقام الجمعة بالأهواز فقال لعن الله الحجاج يترك الجمعة في الأمصار ويقيمها ~~في حلاقيم البلاد فإن قيل روي عن ابن عمر أن الجمعة تجب على من أواه الليل ~~وإن أنس بن مالك كان بألطف فربما جمع وربما لم يجمع وقيل من الطف إلى ~~البصرة أقل من أربع فراسخ وأقل من مسيرة نصف يوم قيل له ms2426 إنما هذا كلام فيما ~~حكمه حكم المصر فرأى ابن عمر أن ما قرب من المصر فحكمه حكمه وتجب على أهله ~~الجمعة وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يرون الجمعة إلا في الأمصار أو ما حكمه ~~حكم الأمصار والجمعة ركعتان نقلتها الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا ~~وعملا وقال عمر صلاة السفر ركعتان وصلاة الفجر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان ~~تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وإنما قصرت الجمعة لأجل ~~الخطبة # | باب وجوب خطبة الجمعة # قال الله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فاقتضى ذلك وجوب السعي ~~إلى الذكر ودل على أن هناك ذكرا واجبا يجب السعي إليه وقال ابن المسيب ~~فاسعوا إلى ذكر الله موعظة الإمام وقال عمر في الحديث الذي قدمنا إنما قصرت ~~الجمعة لأجل الخطبة وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب ~~المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف ~~واستمعوا الخطبة فالمهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي ~~بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم الذي يليه ~~كالمهدي بيضة ويدل على أن المراد بالذكر ههنا هو الخطبة أن الخطبة هي التي ~~PageV05P338 تلي النداء وقد أمر بالسعي إليه فدل على أن المراد الخطبة وقد ~~روي عن جماعة من السلف أنه إذا لم يخطب صلى أربعا منهم الحسن وابن سيرين ~~وطاوس وابن جبير وغيرهم وهو قول فقهاء الأمصار واختلف أهل العلم فيمن لم ~~يدرك الخطبة وأدرك الصلاة أو بعضها فروي عن عطاء بن أبي رباح في الرجل ~~تفوته الخطبة يوم الجمعة إنه يصلي الظهر أربعا وروى سفيان عن ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد وعطاء وطاوس قالوا من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا وقال ~~ابن عون ذكر لمحمد بن سيرين قول أهل مكة إذا لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى ~~أربعا قال ms2427 ليس هذا بشيء قال أبو بكر ولا خلاف بين فقهاء الأمصار والسلف ما ~~خلا عطاء ومن ذكرنا قوله إن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى ولم ~~يخالفهم عطاء وغيره أنه لو شهد الخطبة فذهب يتوضأ ثم جاء فأدرك مع الإمام ~~ركعة أنه يصلي ركعتين فلما لم يمنعه فوات الركعة من فعل الجمعة كانت الخطبة ~~أولى وأحرى بذلك وروى الأوزاعي عن عطاء أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف ~~إليها ثلاثا وهذا يدل على أنه فاتته الخطبة وركعة منها وروي عن عبدالله بن ~~مسعود وابن عمر وأنس والحسن وابن المسيب والنخعي والشعبي إذا أدرك ركعة من ~~الجمعة أضاف إليها أخرى وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى ومن ~~فاتته الركعتان يصلي أربعا واختلف السلف وفقهاء الأمصار فيمن أدرك الإمام ~~في التشهد فروى أبو وائل عن عبدالله بن مسعود قال من أدرك التشهد فقد أدرك ~~الصلاة وروى ابن جريج عن عبدالكريم عن معاذ بن جبل قال إذا دخل في صلاة ~~الجمعة قبل التسليم وهو جالس فقد أدرك الجمعة وروي عن الحسن وإبراهيم ~~والشعبي قالوا من لم يدرك الركوع يوم الجمعة صلى أربعا وقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف إذا أدركهم في التشهد صلى ركعتين وقال زفر ومحمد يصلي أربعا وذكر ~~الطحاوي عن ابن أبي عمران عن محمد بن سماعة عن محمد أنه قال يصلي أربعا ~~يقعد في الثنتين الأوليين قدر التشهد فإن لم يقعد قدر التشهد أمرته أن يصلي ~~الظهر أربعا وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي يصلي أربعا إلا أن ~~مالكا قال إذا قام يكبر تكبيرة أخرى وقال الثوري إذا أدرك الإمام جالسا لم ~~يسلم صلى أربعا ينوي الظهر وأحب إلي أن يستفتح الصلاة وقال عبدالعزيز بن ~~أبي سلمة إذا أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد قعد بغير تكبير فإذا سلم ~~الإمام قام فكبر ودخل في الصلاة نفسه PageV05P339 وإن قعد مع الإمام ms2428 بتكبير ~~سلم إذا فرغ الإمام ثم قام فكبر للظهر وقال الليث إذا أدرك ركعة مع الإمام ~~يوم الجمعة وعنده أن الإمام قد خطب فإنما يصل إليها ركعة أخرى ثم يسلم فإن ~~أخبره الناس أن الإمام لم يخطب وأنه صلى أربعا صلى ركعتين وسجد سجدتي السهو ~~قال أبو بكر لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فاقضوا وجب على مدرك الإمام في تشهد الجمعة اتباعه فيه والقعود معه ولما ~~كان مدركا لهذا الجزء من الصلاة وجب عليه قضاء الفائت منها بظاهر قوله صلى ~~الله عليه وسلم وما فاتكم فاقضوا والفائت منها هي الجمعة فوجب أن يقضى ~~ركعتين وأيضا لما كان مدرك المقيم في التشهد لزمه الإتمام إذا كان مسافرا ~~وكان بمنزلة مدركه في التحريمة وجب مثله في الجمعة إذ الدخول في كل واحدة ~~من الصلاتين بغير الفرض فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى وفي بعض الأخبار وإن أدركهم جلوسا ~~صلى أربعا قيل له أصل الحديث من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فقال الزهري ~~وهو راوي الحديث ما أرى الجمعة إلا من الصلاة فذكر الجمعة إنما هو من كلام ~~الزهري والحديث إنما يدور على الزهري مرة يرويه عن سعيد بن المسيب ومرة عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة وقد قال حين روى الحديث في صلاة مطلقة أرى الجمعة من ~~الصلاة فلو كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الجمعة لما قال ما ~~أرى الجمعة إلا من الصلاة وعلى أن قوله من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك لا ~~دلالة فيه أنه إذا لم يدرك ركعة صلى أربعا كذلك قوله من أدرك ركعة من ~~الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى وأما ما روي وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا فإنه ~~لم يثبت أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون من كلام بعض ~~الرواة أدرجه في الحديث ولو صح عن ms2429 النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه وإن ~~أدركهم جلوسا وقد سلم الإمام ولم يختلف الفقهاء أن وجوب الجمعة مخصوص ~~بالأحرار البالغين المقيمين دون النساء والعبيد والمسافرين والعاجزين وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربعة لا جمعة عليهم العبد والمرأة ~~والمريض والمسافر وأما الأعمى فإن أبا حنيفة قال لا جمعة عليه وجعله بمنزلة ~~المقعد لأنه لا يقدر على الحضور بنفسه إلا بغيره وقال أبو يوسف ومحمد عليه ~~الجمعة وفرقا بينه وبين المقعد لأن الأعمى بمنزلة من لا يهتدي الطريق فإذا ~~هدي سعى بنفسه والمقعد لا يمكنه السعي بنفسه ويحتاج إلى من يحمله وفرق أبو ~~حنيفة بين الأعمى وبين من لا يعرف الطريق لأن الذي لا يعرف وهو بصير إذا ~~أرشد اهتدى بنفسه والأعمى لا يهتدي بنفسه ولا يعرفه PageV05P340 بالإرشاد ~~والدلالة ويحتج لأبي يوسف ومحمد بحديث أبي رزين عن أبي هريرة أن ابن أم ~~مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني ضرير شاسع الدار وليس لي ~~قائد يلازمني أفلي رخصة أن لا آتي المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا وفي خبر حصين بن عبدالرحمن عن عبدالله بن شداد عن ابن أم مكتوم ~~نحوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتسمع الإقامة قال نعم قال فأتها ~~واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من المأمومين أبو حنيفة وزفر ومحمد ~~والليث ثلاثة سوى الإمام وروي عن أبي يوسف اثنان سوى الإمام وبه قال الثوري ~~وقال الحسن بن صالح إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه وصلى به ~~أجزأهما واما مالك فلم يجد فيه شيئا واعتبر الشافعي أربعين رجلا قال أبو ~~بكر روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة فقدم عير ~~فنفر الناس إليه وبقي معه اثنا عشر رجلا فأنزل الله تعالى @QB@ وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها @QE@ ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم يذكر رجوع القوم فوجب أن ms2430 يكون قد صلى ~~باثني عشر رجلا ونقل أهل السير أن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن ~~عمير بأمر النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر رجلا وذلك قبل الهجرة فبطل ~~بذلك اعتبار الأربعين وأيضا الثلاثة جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في ~~كونهما جمعا صحيحا وما دون الثلاثة مختلف في كونه جمعا صحيحا فوجب الاقتصار ~~على الثلاثة وإسقاط اعتبار ما زاد وقوله تعالى وذروا البيع قال أبو بكر ~~اختلف السلف في وقت النهي عن البيع فروي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار أن ~~البيع يحرم بزوال الشمس وقال مجاهد والزهري يحرم بالنداء وقد قيل إن اعتبار ~~الوقت في ذلك أولى إذ كان عليهم الحضور عند دخول الوقت فلا يسقط ذلك عنهم ~~تأخير النداء ولما لم يكن للنداء قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء ~~الذي بعد الزوال إنما هو بعد ما قد وجب إتيان الصلاة واختلفوا في جواز ~~البيع عند نداء الصلاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي البيع ~~يقع مع النهي وقال مالك البيع باطل قال أبو بكر قال الله تعالى لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وظاهره يقتضي وقوع الملك ~~للمشتري في سائر الأوقات لوقوعه عن تراض فإن قيل قال الله تعالى وذروا ~~البيع قيل له نستعملها فنقول يقع محظورا عليه عقد البيع في ذلك الوقت لقوله ~~وذروا البيع ويقع الملك بحكم PageV05P341 الآية الأخرى والخبر الذي رويناه ~~وأيضا لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو ~~الإشتغال عن الصلاة وجب أن لا يمنع وقوعه وصحته كالبيع في آخر وقت صلاة ~~يخاف فوتها إن اشتغل به وهو منهي عنه ولا يمنع ذلك صحته لأن النهي تعلق ~~باشتغاله عن الصلاة وأيضا هو مثل تلقي الجلب وبيع حاضر لباد والبيع في ~~الأرض المغصوبة ونحوها كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه وقد ms2431 روى عبدالعزيز ~~الدراوروي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم من يبيع في المسجد فقولوا ~~لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا رد الله ~~عليك وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى أن يباع في المسجد وأن يشترى فيه وأن تنشد فيه ضالة أو ~~تنشد فيه الأشعار ونهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وروى عبدالرزاق قال ~~حدثنا محمد بن مسلم عن عبدربه بن عبيدالله عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع ~~أصواتكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم وخصومتكم وجمروها يوم ~~جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع ~~في المسجد ولو باع فيه جاز لأن النهي تعلق بمعنى في غير العقد # | باب السفر يوم الجمعة # قال أصحابنا لا بأس به قبل الزوال وبعده إذا كان يخرج من مصره قبل خروج ~~وقت الظهر حكاه محمد في السير بلا خلاف وقال مالك لا أحب له أن يخرج بعد ~~طلوع الفجر وليس بحرام وبعد الزوال لا ينبغي أن يسافر حتى يصلي الجمعة وكان ~~الأوزاعي والليث والشافعي يكرهون السفر يوم الجمعة حتى يصلي وروى حماد بن ~~سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجه ابن رواحة وجعفرا وزيد بن حارثة فتخلف ابن ~~رواحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلفك قال الجمعة يا رسول الله ~~أجمع ثم أروح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغدوة في سبيل الله أو ~~روحة خير من الدنيا وما فيها قال فراح منطلقا وروى سفيان الثوري عن الأسود ~~بن قيس عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال لا ms2432 تحبس الجمعة عن سفر ولا نعرف أحدا ~~من الصحابة خالفه وروى يحيى بن سعيد عن نافع أن ابنا لعبدالله بن عمر كان ~~بالعقيق على رأس أميال من المدينة PageV05P342 فأتى ابن عمر غداة الجمعة ~~فأخبر بشكواه فانطلق إليه وترك الجمعة وقال عبيدالله بن عمر خرج سالم من ~~مكة يوم الجمعة وروي عن عطاء والقاسم بن محمد أنهما كرها أن يخرج يوم ~~الجمعة في صدر النهار وعن الحسن وابن سيرين قالا لا بأس بالسفر يوم الجمعة ~~مالم تحضر الجمعة وروى إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن النخعي قال إذا أراد ~~الرجل السفر يوم الخميس فليسافر غدوة إلى أن يرتفع النهار فإن أقام إلى ~~العشي فلا يخرج حتى يصلي الجمعة وروي عن عطاء عن عائشة قالت إذا أدركتك ~~ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تجمع فهذا مذهب عائشة وإبراهيم قال الله تعالى ~~@QB@ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها @QE@ فأباح السفر في ~~سائر الأوقات ولم يخصصه بوقت دون وقت فإن قيل هذا واضح في ليلة الجمعة ويوم ~~الجمعة قبل الزوال وإباحة السفر فيهما والواجب أن يكون منهيا عنه بعد ~~الزوال لأنه قد صار من أهل الخطاب بحضورها لقوله تعالى @QB@ إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ قيل له لا خلاف ~~أن الخطاب بذلك لم يتوجه إلى المسافرين وفرض الصلاة عندنا يتعلق بآخر الوقت ~~فإذا خرج وصار مسافرا في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن من أهل الخطاب بفعل ~~الجمعة وقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله قال الحسن والضحاك هو إذن ورخصة قال أبو بكر لما ذكر بعد الحظر كان ~~الظاهر أنه إباحة وإطلاق من حظر كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقيل ~~وابتغوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء لله وقيل وابتغوا من فضل الله ~~بالتصرف في التجارة ونحوها وهو إباحة أيضا وهو أظهر الوجهين لأنه قد حظر ~~البيع في صدر الآية كما أمر بالسعي إلى الجمعة قال أبو بكر ظاهر قوله ms2433 ~~وابتغوا من فضل الله إباحة للبيع الذي حظر بديا وقال الله تعالى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فكان ~~المعنى يبتغون من فضل الله بالتجارة والتصرف ويدل على أنه إنما أراد ذلك ~~أنه قد عقبه بذكر الله فقال واذكروا الله كثيرا وفي هذه الآية دلالة على ~~إباحة السفر بعد صلاة الجمعة لأنه قال فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله وقوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها روي عن جابر بن ~~عبدالله والحسن قالا رأوا عير طعام قدمت المدينة وقد أصابتهم مجاعة وقال ~~جابر اللهو المزامير وقال مجاهد الطبل قل ما عند الله من الثواب على سماع ~~الخطبة وحضور الموعظة خير من اللهو ومن التجارة PageV05P343 قوله تعالى ~~وتركوك قائما يدل على أن الخطبة قائما روى الأعمش عن إبراهيم أن رجلا سأل ~~علقمة أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال ألست تقرأ ~~القرآن وتركوك قائما وروى حصين عن سالم عن جابر قال قدمت عير من الشام يوم ~~الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فانصرف الناس ينظرون وبقي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلا فنزلت الآية وتركوك قائما وروى ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فجاءت ~~عير فخرج الناس إليها حتى بقي اثني عشر رجلا فنزلت هذه الآية قال أبو بكر ~~اختلف ابن فضيل وابن إدريس في الحديث الأول عن حصين فذكر ابن فضيل أنه قال ~~كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ابن إدريس أنه قال كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب ويحتمل أن يريد بقوله نصلي أنهم قد حضروا للصلاة ~~منتظرين لها لأن من ينتظر الصلاة فهو في الصلاة وحدثنا عبدالله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن في قوله تعالى ~~@QB@ انفضوا إليها وتركوك قائما @QE@ قال إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء ~~سعر ms2434 فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها ~~فخرجوا إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قائم كما هو قال الله تعالى وتركوك ~~قائما قال النبي صلى الله عليه وسلم لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي ~~عليهم نارا آخر سورة الجمعة # | ومن سورة المنافقين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله @QE@ ~~إلى قوله اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله قال أبو بكر هذا يدل على ~~أن قوله أشهد يمين لأن القوم قالوا نشهد فجعله الله يمينا بقوله اتخذوا ~~أيمانهم جنة وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي أشهد ~~وأقسم وأعزم وأحلف كلها أيمان وقال زفر إذا قال أقسم لأفعلن فهو يمين ولو ~~قال أشهد لأفعلن لم يكن يمينا وقال مالك إن أراد بقوله أقسم أي أقسم بالله ~~فهو يمين وإلا فلا شيء وكذلك أحلف قال ولو قال أعزم لم يكن يمينا إلا أن ~~يقول أعزم بالله ولو قال علي نذر أو قال نذر لله فهو على ما نوى وإن لم تكن ~~له نية فكفارته كفارة يمين وقال الشافعي أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين ~~إن أرادها وإن أراد الموعد فليست بيمين وأشهد بالله إن نوى اليمين فيمين ~~وإن لم ينو يمينا فليست PageV05P344 بيمين وأعزم بالله إن أراد يمينا فهو ~~يمين وذكر الربيع عن الشافعي إذا قال أقسم أو أشهد أو أعزم ولم يقل بالله ~~فهو كقوله والله وإن قال أحلف بالله فلا شيء عليه إلا أن ينوي اليمين قال ~~أبو بكر لا يختلفون أن أشهد بالله يمين فكذلك أشهد من وجهين أحدهما أن الله ~~حكى عن المنافقين أنهم قالوا نشهد إنك لرسول الله ثم جعل هذا الإطلاق يمينا ~~من غير أن يقرنه باسم الله وقال تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله فعبر ~~عن اليمين بالشهادة على الإطلاق والثاني أنه لما أخرج ذلك مخرج القسم وجب ~~أن لا يختلف حكمه في حذف اسم الله تعالى وفي إظهاره ms2435 وقد ذكر الله تعالى ~~القسم في كتابه فأظهر تارة الاسم وحذفه أخرى والمفهوم باللفظ في الحالين ~~واحد بقوله وأقسموا بالله جهد أيمانهم وقال في موضع آخر إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين فحذفه تارة اكتفاء بعلم المخاطبين بإضماره وأظهره أخرى وروى الزهري ~~عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس إن أبا بكر عبر عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم رؤيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبت بعضا وأخطأت بعضا ~~فقال أبو بكر أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقسم وروي أنه قال والله لتخبرني فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوله أقسمت عليك يمينا فمن الناس من يكره القسم لقوله لا تقسم ومنهم ~~من لا يرى به بأسا وأنه إنما قال لا تقسم لأن عبارة الرؤيا ظن قد يقع فيها ~~الخطأ وهذا يدل أيضا على أنه ليس على من أقسم عليه غيره أن يبر قسمه لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يخبره لما أقسم عليه ليخبره ويدل أيضا على أن من علم ~~تأويل رؤيا فليس عليه الإخبار به لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخبر بتأويل ~~هذه الرؤيا وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال كان أبو بكر قد ~~استعمل عمر على الشام فلقد رأيتني وأنا أشد الإبل بأقتابها فلما أراد أن ~~يرتحل قال له الناس تدع عمر ينطلق إلى الشام والله إن عمر ليكفيك الشام وهو ~~ههنا قال أقسمت عليك لما أقمت وروي عن ابن عباس أنه قال للعباس فيما خاصم ~~فيه عليا من أشياء تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيثاره أقسمت عليك ~~لما سلمته لعلي وقد روى البراء قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإبرار القسم وهذا يدل على إباحة القسم وأنه يمين وهذا على وجه الندب لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر لما قال أقسمت عليك وعن ابن مسعود ~~وابن عباس وعلقمة وإبراهيم وأبي العالية والحسن ms2436 القسم يمين وقال الحسن وأبو ~~العالية أقسمت وأقسمت بالله سواء PageV05P345 # | باب من فرط في زكاة ماله # قال الله تعالى @QB@ وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~@QE@ الآية روى عبدالرزاق قال حدثنا سفيان عن أبي حباب عن أبي الضحى عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له مال تجب فيه الزكاة ومال ~~يبلغه بيت الله ثم لم يحج ولم يزك سأل الرجعة وتلا قوله تعالى وأنفقوا مما ~~رزقناكم الاية وقد روي ذلك موقوفا على ابن عباس إلا أن دلالة الآية ظاهرة ~~على حصول التفريط بالموت لأنه لو لم يكن مفرطا ووجب أداؤها من ماله بعد ~~موته فكانت قد تحولت إلى المال فلزم الورثة إخراجها فلما سأل الرجعة علمنا ~~أن الأداء فائت وأنه لا يتحول إلى المال ولا يؤخذ من تركته بعد موته إلا أن ~~يتبرع به الورثة آخر سورة المنافقين # | ومن سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن @QE@ ~~قال أبو بكر يحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوها أحدها اكتفاء بعلم المخاطبين ~~بأن ماخوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لهم إذ كانوا مأمورين ~~بالاقتداء به إلا ما خص به دونهم فخصه بالذكر ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة ~~إذ كان خطابه خطابا للجماعة والثاني أن تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا ~~طلقتم النساء والثالث على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع ~~كقوله تعالى إلى فرعون وملائه وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن قال أبو بكر روي ~~عن ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته في الحيض فذكر ذلك عمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر من حيضتها ثم تحيض ~~حيضة أخرى فإذا طهرت فليفارقها قبل أن يجامعها أو يمسكها فإنها العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لها النساء رواه نافع عن ابن عمر وروى ابن جريج عن أبي ~~الزبير أنه سمع ابن عمر يقول قرأ النبي صلى ms2437 الله عليه وسلم فطلقوهن في قبل ~~عدتهن قال طاهرا من غير جماع وروى وكيع عن سفيان عن محمد بن عبدالرحمن مولى ~~أبي طلحة عن سالم عن ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض فذكر ذلك عمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها ثم يطلقها وهي حامل أو غير ~~حامل وفي لفظ آخر فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها قال ~~أبو بكر بين النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله في قوله PageV05P346 تعالى ~~فطلقوهن لعدتهن وإن وقت الطلاق المأمور به أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو ~~حاملا قد استبان حملها وبين أيضا أن السنة في الإيقاع من وجه آخر وهو أن ~~يفصل بين التطليقتين بحيضة بقوله يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة ~~أخرى ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء فدل ذلك على أن الجمع بين التطليقتين في طهر ~~واحد ليس من السنة وما نعلم أحدا أباح طلاقها في الطهر بعد الجماع إلا شيئا ~~رواه وكيع عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال إذا طلقها وهي طاهر فقد ~~طلقها للسنة وإن كان قد جامعها وهذا القول خلاف السنة الثابتة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخلاف إجماع الأمة إلا أنه قد روي عنه ما يدل على أنه أراد ~~الحامل وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال ~~إذا طلقها حاملا فقد طلقها للسنة وإن كان قد جامعها فيشبه أن يكون هذا أصل ~~الحديث وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن منتظم ~~للواحدة وللثلاث مفرقة في الأطهار لأن إدخال اللام يقتضي ذلك كقوله تعالى ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قد انتظم فعلها مكررا عند الدلوك فدل ~~ذلك على معنيين أحدهما إباحة الثلاث مفرقة في الأطهار وإبطال قول من قال ~~إيقاع الثلاث في الأطهار المتفرقة ليس من السنة وهو مذهب مالك والأوزاعي ~~والحسن بن صالح والليث والثاني تفريقها في الأطهار وحظر ms2438 جمعها في طهر واحد ~~لأن قوله لعدتهن يقتضي ذلك لا فعل الجميع في طهر واحد كقوله تعالى لدلوك ~~الشمس لم يقتض فعل صلاتين في وقت واحد وإنما اقتضى فعل الصلاة مكررة في ~~الأوقات وقول أصحابنا إن طلاق السنة من وجهين أحدهما في الوقت وهو أن ~~يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها والآخر من جهة العدد ~~وهو أن لا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة والوقت مشروط لمن يطلق في ~~العدة لأن من لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها مباح في الحيض ~~لقوله تعالى @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة @QE@ فاباح طلاقها في كل حال من طهر أو حيض وقد بينا بطلان قول ~~من قال إن جمع الثلاث في طهر واحد من السنة ومن منع إيقاع الثلاث في ~~الأطهار المتفرقة في سورة البقرة فإن قيل لما جاز طلاق الحامل بعد الجماع ~~كذلك الحائل يجوز طلاقها في الطهر بعد الجماع قيل له لا حظ للنظر مع الأثر ~~واتفاق السلف ومع ذلك فإن الفرق بينهما واضح وهو أنه إذا طهرت PageV05P347 ~~من حيضتها ثم جامعها لا ندري لعلها قد حملت من الوطء وعسى أن لا يريد ~~طلاقها إن كانت حاملا فيلحقه الندم وإذا لم يجامعها بعد الطهر فإن وجد ~~الحيض علم براءة الرحم فيطلقها وهو على بصيرة من طلاقها قوله تعالى وأحصوا ~~العدة يعني والله أعلم العدة التي أوجبها الله بقوله تعالى @QB@ والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ وبقوله واللائي يئسن من المحيض إلى قوله ~~واللائي يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن لأن جميع ذلك عدد ~~للمطلقات على حسب اختلاف الأحوال المذكورة لهن فيكون إحصاؤها لمعان أحدها ~~لما يريد من رجعة وإمساك أو تسريح وفراق والثاني مراعاة حالها في بقائها ~~على الحال التي طلقت عليها من غير حدوث حال يوجب انتقال عدتها إليها ~~والثالث لكي إذا بانت يشهد على فراقها ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن ~~يجوز له ms2439 جمعها إليها ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضائها وذكر بعض من صنف ~~في أحكام القرآن أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون إن طلاق السنة واحدة وإن من ~~طلاق السنة أيضا إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة فذكروا ~~أن الأول هو السنة والثاني أيضا سنة فكيف يكون شيء وخلافه سنة ولو جاز ذلك ~~لجاز أن يكون حراما حلالا ولو قال إن الثاني رخصة كان أشبه قال أبو بكر ~~وهذا كلام من لا تعلق له بمعرفة أصول العبادات ولا يجوز وروده منها مما لا ~~يجوز ولا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادات بمثله إذ جائز أن يكون ~~السنة في الطلاق أن يخير بن إيقاع الواحدة في طهر والاقتصار عليها وبين أن ~~يطلق بعدها في الطهر الثاني والثالث وجميع ذلك مندوب إليه ويكون مع ذلك أحد ~~الوجهين أحسن من الآخر كما قال تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ثم قال وأن يستعففن خير لهن وخير ~~الله الحانث في يمينه بين أحد أشياء ثلاثة وأيها فعل كان فرضه وقوله ولو ~~جاز ذلك لجاز أن يكون حلالا حراما يوجب نفي التخيير في شيء من السنن ~~والفروض كما امتنع أن يكون شيء واحد حراما حلالا وعوار هذا القول وفساده ~~أظهر من أن يحتاج إلى الإطناب في الرد على قائله وروي نحو قولنا بعينه عن ~~ابن مسعود وجماعة من التابعين وقوله تعالى @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن @QE@ فيه نهي للزوج عن إخراجها ونهي لها من الخروج وفيه دليل على ~~وجوب السكنى لها ما دامت في العدة لأن بيوتهن التي نهى الله عن إخراجها ~~منها هي PageV05P348 البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق فأمر بتبقيتها في ~~بيتها ونسبها إليها بالسكنى كما قال وقرن في بيوتكن وإنما البيوت كانت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولهذه الآية قال أصحابنا لا يجوز له أن يسافر بها ~~حتى يشهد على رجعتها ومنعوها من السفر في العدة قال أبو بكر ms2440 ولا خلاف نعلمه ~~بين أهل العلم في أن على الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعي وأنه غير ~~جائز له إخراجها من بيتها وقوله تعالى إلا أن يأتين بفاحشة مبينة روي عن ~~ابن عمر قال خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة وقال ابن عباس إلا أن تبذوا على ~~أهله فإذا فعلت ذلك حل لهم أن يخرجوها وقال الضحاك الفاحشة المبينة عصيان ~~الزوج وقال الحسن وزيد بن أسلم أن تزني فتخرج للحد وقال قتادة إلا أن تنشز ~~فإذا فعلت حل إخراجها قال أبو بكر هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ وجائز أن ~~يكون جميعها مرادا فيكون خروجها فاحشة وإذا زنت أخرجت للحد وإذا بذت على ~~أهله أخرجت أيضا وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس بالإنتقال ~~حين بذت على أحمائها فأما عصيان الزوج والنشوز فإن كان في البذاء وسوء ~~الخلق اللذين يتعذر المقام معها فيه فجائز أن يكون مرادا وإن كانت إنما عصت ~~زوجها في شيء غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها وما ذكرنا من التأويل ~~المراد يدل على جواز انتقالها للعذر لأنه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار ~~التي وصفنا قوله تعالى @QB@ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ يدل على ~~أنه إذا طلق لغير السنة وقع طلاقه وكان ظالما لنفسه بتعديه حدود الله لأنه ~~ذكر ذلك عقيب طلاق العدة فأبان أن من طلق لغير العدة فطلاقه واقع لأنه لو ~~لم يقع طلاقه لم يكن ظالما لنفسه ويدل على أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه ~~لنفسه قوله تعالى عقيبه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني أن يحدث ~~له ندم فلا ينفعه لأنه قد طلق ثلاثا وهو يدل أيضا على بطلان قول الشافعي في ~~أن إيقاع الثلاث في كلمة واحدة من السنة لأن الله جعله ظالما لنفسه حين طلق ~~ثلاثا وترك اعتبار ما عسى أن يلحقه من الندم بإبانتها وحكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على ابن عمر بطلاقه إياها في الحيض وأمره بمراجعتها لأن الطلاق ms2441 ~~الأول كان خطأ فأمره بالرجعة ليقطع أسباب الخطأ ويبتدئه على السنة وزعم قوم ~~أن الطلاق في حال الحيض لا يقع وقد بينا بطلان هذا القول في سورة البقرة من ~~جهة الكتاب والسنة وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق في الحيض وذكره ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالمراجعة قال قلت فيعتد بها قال فمه ~~أرأيت إن عجز PageV05P349 واستمحق فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا ابن ~~جريج قال أخبرنا أبو الزبير أنه سمع عبدالرحمن بن أيمن مولى عروة يسئل ابن ~~عمر وأبو الزبير يسمع فقال كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا قال طلق ~~عبدالله بن عمر امرأته وحي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل ~~عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبدالله بن عمر طلق امرأته وهي ~~حائض فقال عبدالله فردها علي ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك ~~قال ابن عمر فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن @QE@ فقال المحتج فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا ~~وذلك يدل على أن الطلاق لم يقع فيقال له ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم ~~يحكم بالطلاق بل دلالته ظاهرة على وقوعه لأنه قال وردها علي وهو يعني ~~الرجعة وقوله ولم يرها شيئا يعني أنه لم يبنها منه وقد روى حديث ابن عمر ~~عنه عن أنس بن سيرين وابن جبير وزيد بن أسلم ومنصور عن أبي وائل كلهم يقول ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر وقوله تعالى ~~@QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف @QE@ يعني به ~~مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقة لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء ~~العدة ولم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونا بذكر الرجعة ~~بقوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ms2442 ذلك أمرا يعني أن يبدو له فيراجعها وقوله ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف قال في سورة البقرة فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف # | باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة # قال الله تعالى @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@ فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار ~~الزوج وقد روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبي قلابة أنه إذا رجع ولم ~~يشهد فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك قال أبو بكر لما جعل له الإمساك أو ~~الفراق ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد ~~بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة ولم يختلف الفقهاء في أن المراد ~~بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح ~~وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم ~~يكن شرطا في صحتها كذلك الرجعة وأيضا لما كانت الفرقة حقا PageV05P350 له ~~وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له ~~وجب أن تجوز بغير إشهاد وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة ~~احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم ~~يعلم الطلاق والفراق فلا يؤمن التجاحد بينهما ولم يكن معنى الاحتياط فيهما ~~مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا وإن ~~أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين ~~ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئا يروى ~~عن عطاء فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال الطلاق والنكاح والرجعة ~~بالبينة وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا ~~على أن الرجعة لا تصح بغير شهود ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد ~~في وقوع الطلاق بغير بينة وقد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا ms2443 ~~إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة وقوله تعالى وأقيموا الشهادة لله فيه أمر ~~بإقامة الشهادات عند الحكام على الحقوق كلها لأن الشهادة هنا اسم للجنس وإن ~~كان مذكورا بعد الأمر بإشهاد ذوي عدل على الرجعة لأن ذكرها بعده لا يمنع ~~استعمال اللفظ على عمومه فانتظم ذلك معنيين أحدهما الأمر بإقامة الشهادة ~~والآخر أن إقامة الشهادة حق لله تعالى وأفاد بذلك تأكيده والقيام به # | باب عدة الآيسة والصغيرة # قال الله تعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن @QE@ قال أبو بكر قد اقتضت الآية إثبات الإياس ~~لمن ذكرت في الآية من النساء بلا ارتياب وقوله تعالى إن ارتبتم غير جائز أن ~~يكون المراد به الارتياب في الإياس لأنه قد أثبت حكم من ثبت إياسها في أول ~~الآية فوجب أن يكون الارتياب غير غير الإياس واختلف أهل العلم في الريبة ~~المذكورة في الآية فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال قال أبي بن كعب يا رسول ~~الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات ~~الأحمال فأنزل الله تعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~@QE@ فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في عدد من ذكر من ~~PageV05P351 الصغار والكبار وأولات الأحمال وأن ذكر الارتياب في الاية إنما ~~هو على وجه ذكر السبب الذي نزل عليه الحكم فكان بمعنى واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واختلف السلف ومن بعدهم من ~~فقهاء الأمصار في التي يرتفع حيضها فروى ابن المسيب عن عمر رضي الله عنه ~~قال أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها فإنه ينتظر بها ~~تسعة أشهر فإن استبان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر بثلاثة ~~أشهر ثم حلت وعن ابن عباس في التي ارتفع حيضها سنة قال تلك الريبة وروى ~~معمر عن قتادة عن ms2444 عكرمة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ريبة عدتها ~~ثلاثة أشهر وروى سفيان عن عمرو عن طاوس مثله وروي عن علي وعثمان وزيد بن ~~ثابت أن عدتها ثلاث حيض وروى مالك عن يحيى بن سعد عن محمد بن يحيى بن حبان ~~أنه قال وكان عند جده حبان امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق الأنصارية وهي ~~ترضع فمرت به سنة ثم هلك ولم تحض فقالت أنا أرثه ولم أحض فاختصما إلى عثمان ~~فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال هذا عمل ابن عمك هو أشار ~~علينا بذلك يعني علي بن أبي طالب وروى ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب ~~بهذه القصة قال وبقيت تسعة أشهر لا تحيض وذكر القصة فشاور عثمان عليا وزيدا ~~فقالا ترثه لأنها ليست من القواعد اللائي قد يئسن من المحيض ولا من الأبكار ~~اللائي لم يحضن وهي عنده على حيضتها ما كانت من قليل أو كثير وهذا يدل من ~~قولهما أن قوله تعالى إن ارتبتم ليس على ارتياب المرأة ولكنه على ارتياب ~~الشاكين في حكم عددهن وأنها لا تكون آيسة حتى تكون من القواعد اللاتي لا ~~يرجى حيضهن وروي عن ابن مسعود مثل ذلك واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا ~~فقال أصحابنا في التي يرتفع حيضها لا بأس منه في المستأنف إن عدتها الحيض ~~حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة ~~أشهر وهو قول الثوري والليث والشافعي قال مالك تنتظر تسعة أشهر فإن لم تحض ~~فيهن اعتدت ثلاثة أشهر فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر استقبلت الحيض ~~فإن مضت بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر وقال ابن القاسم عن ~~مالك إذا حاضت المطلقة ثم ارتابت فإنما تعتد بالتسعة الأشهر من يوم رفعت ~~حيضتها لا من يوم طلقت قال مالك في قوله تعالى إن ارتبتم معناه إن لم تدروا ~~ما تصنعون PageV05P352 في أمرها وقال الأوزاعي في رجل طلق امرأته وهي شابة ~~فارتفعت حيضتها فلم ms2445 تر شيئا ثلاثة أشهر فإنها تعتد سنة قال أبو بكر أوجب ~~الله بهذه الآية عدة الآيسة ثلاثة أشهر واقتضى ظاهر اللفظ أن تكون هذه ~~العدة لمن قد ثبت إياسها من الحيض من غير ارتياب كما كان قوله واللائي لم ~~يحضن لمن ثبت أنها لم تحض وكقوله وأولات الأحمال أجلهن لمن قد ثبت حملها ~~فكذلك قوله واللائي يئسن لمن قد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها دون من يشك في ~~إياسها ثم لا يخلو قوله إن ارتبتم من أحد وجوه ثلاثة إما أن يكون المراد ~~الارتياب في أنها آيسة وليست بآيسة أو الارتياب في أنها حامل أو غير حامل ~~أو ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة والصغيرة وغير جائز أن يكون المراد ~~الارتياب في أنها آيسة أو غير آيسة لأنه تعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها ~~أنها آيسة والمشكوك فيها لا تكون آيسة لاستحالة مجامعة اليأس للرجاء إذ هما ~~ضدان لا يجوز اجتماعهما حتى تكون آيسة من المحيض مرجوا ذلك منها فبطل أن ~~يكون المعنى الارتياب في اليأس ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن المسنة ~~التي قد تيقن إياسها من الحيض مرادة بالآية والارتياب المذكور راجع إلى ~~جميع المخاطبين وهو في التي قد تيقن إياسها ارتياب المخاطبين في العدة فوجب ~~أن يكون في المشكوك في إياسها مثله لعموم اللفظ في الجميع وأيضا فإذا كانت ~~عادتها وهي شابة أنها تحيض في كل سنة مرة فهذه غير مرتاب في إياسها بل قد ~~تيقن أنها من ذوات الحيض فكيف يجوز أن تكون عدتها سنة مع العلم بأنها غير ~~آيسة وأنها من ذوات الحيض وتراخي ما بين الحيضتين من المدة لا يخرجها من أن ~~تكون من ذوات الحيض فالموجب عليها عدة الشهور مخالف للكتاب لأن الله تعالى ~~جعل عدة ذوات الإقراء الحيض بقوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء @QE@ ولم يفرق بين من طالت مدة حيضتها أو قصرت ولا يجوز أيضا أن ~~يكون المراد الارتياب في الإياس من الحمل لأن اليأس من الحيض هو الإياس ms2446 من ~~الحبل وقد دللنا على بطلان قول من رد الارتياب إلى الحيض فلم يبق إلا الوجه ~~الثالث وهو ارتياب المخاطبين على ما روي عن أبي بن كعب حين سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين شك في عدة الآيسة والصغيرة وأيضا لو كان المراد ~~الارتياب في الإياس لكان توجيه الخطاب إليهن أولى من توجيهه إلى الرجال لأن ~~الحيض إنما يتوصل إلى معرفته من جهتها ولذلك كانت مصدقة فيه فكان يقول إن ~~ارتبتن أو ارتبن PageV05P353 فلما خاطب الرجال بذلك دونهن علم أنه أراد ~~ارتياب المخاطبين في العدة وقوله تعالى واللائي لم يحضن يعني واللائي لم ~~يحضن عدتهن ثلاثة أشهر لأنه كلام لا يستقل بنفسه فلا بد له من ضمير وضميره ~~ما تقدم ذكره مظهرا وهو العدة بالشهور # | باب عدة الحامل # قال الله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ قال أبو ~~بكر لم يختلف السلف والخلف بعدهم أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها ~~واختلف السلف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وابن عباس تعتد ~~الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو ~~مسعود البدري وأبو هريرة عدتها الحمل فإذا وضعت حلت للأزواج وهو قول فقهاء ~~الأمصار قال أبو بكر روى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال من شاء لاعنته ~~ما نزلت وأولات الأحمال أجلهن إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها قال أبو بكر ~~قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين أحدهما إثبات تاريخ نزول الآية وأنها ~~نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها والثاني أن الآية مكتفية بنفسها في ~~إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة بما قبلها من ذكر المطلقة فوجب اعتبار ~~الحمل في الجميع من المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن وأن لا يجعل الحكم ~~مقصورا على المطلقات لأنه تخصيص عموم بلا دلالة ويدل على أن المتوفى عنها ~~زوجها داخلة في الآية مرادة بها اتفاق الجميع على أن مضي شهور المتوفى عنها ~~زوجها لا يوجب انقضاء عدتها دون وضع الحمل فدل على أنها ms2447 مرادة بها فوجب ~~اعتبار الحمل فيها دون غيره ولو جاز اعتبار الشهور لأنها مذكورة في آية ~~أخرى لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المطلقة لأنها مذكورة في قوله تعالى ~~@QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ وفي سقوط اعتبار الحيض مع ~~الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل وقد روى منصور عن إبراهيم عن ~~الأسود عن أبي السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها ~~بثلاثة وعشرين فتشوفت للنكاح فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن ~~تفعل فقد خلا أجلها وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال ~~اختلف ابن عباس وأبو هريرة في ذلك فأرسل ابن عباس كريبا إلى أم سلمة فقالت ~~إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأن تتزوج وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن ~~PageV05P354 سبيعة أنها وضعت بعد موت زوجها بشهرين فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تزوجي وجعل أصحابنا عدة امرأة الصغير من الوفاة الحمل إذا ~~مات عنها زوجها وهي حامل لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~ولم يفرق بين امرأة الصغير والكبير ولا بين من يلحقه بالنسب أو لا يلحقه # | باب السكنى للمطلقة # قال الله تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم @QE@ الآية قال أبو ~~بكر اتفق الجميع من فقهاء الأمصار وأهل العراق ومالك والشافعي على وجوب ~~السكنى للمبتوتة وقال ابن أبي ليلى لا سكنى للمبتوتة إنما هي للرجعية قال ~~أبو بكر قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن قد انتظم الرجعية والمبتوتة والدليل على ~~ذلك أن من بقي من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد طلاقها ~~بالآية وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم يطلقها طاهرا من غير جماع أو ~~حاملا قد استبان حملها ولم يفرق بين التطليقة الأولى وبين الثالثة فإذا كان ~~قوله فطلقوهن لعدتهن قد تضمن البائن ثم قال أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ~~وجب ذلك ms2448 للجميع من البائن والرجعي فإن قيل لما قال تعالى لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا وقال فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~دل ذلك على أنه أراد الرجعي قيل له هذا أحد ما انتظمته الآية ولا دلالة فيه ~~على أن أول الخطاب في الرجعي دون البائن وهو مثل قوله والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء وهو عموم في البائن والرجعي ثم قوله وبعولتهن أحق بردهن ~~إنما هو حكم خاص في الرجعي ولم يمنع أن يكون قوله تعالى والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء عاما في الجميع واحتج ابن أبي ليلى بحديث فاطمة بنت قيس ~~وسنتكلم فيه عند ذكر نفقة المبتوتة إن شاء الله تعالى واختلف فقهاء الأمصار ~~في نفقة المبتوتة فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح لكل مطلقة السكنى ~~والنفقة ما دامت في العدة حاملا كانت أو غير حامل وروي مثله عن عمر وابن ~~مسعود وقال ابن أبي ليلى لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة وروي عنه أن لها السكنى ~~ولا نفقة لها وقال عثمان البتي لكل مطلقة السكنى والنفقة وإن كانت غير حامل ~~وكان يرى أنها تنتقل إن شاءت وقال مالك للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا ~~أن تكون حاملا وروي عنه أن عليه نفقة الحامل المبتوتة إن PageV05P355 كان ~~موسرا وإن كان معسرا فلا نفقة لها عليه وقال الأوزاعي والليث والشافعي ~~للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا قال الله تعالى @QB@ ~~أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن @QE@ وقد تضمنت ~~هذه الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة أوجه أحدها أن السكنى ~~لما كانت حقا في مال وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد ~~تناولت المبتوتة والرجعية فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذ كانت السكنى حقا في ~~مال وهي بعض النفقة والثاني قوله ولا تضاروهن والمضارة تقع في النفقة كهي ~~في السكنى والثالث قوله لتضيقوا عليهن والتضييق قد يكون في النفقة أيضا ~~فعليه أن ينفق عليها ولا يضيق عليها ms2449 فيها وقوله تعالى @QB@ وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن @QE@ قد انتظم المبتوتة والرجعية ثم لا تخلو هذه النفقة ~~من أن يكون وجوبها لأجل الحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته فلما اتفق ~~الجميع على أن النفقة واجبة للرجعية بالآية لا للحمل بل لأنها محبوسة عليه ~~في بيته وجب أن تستحق المبتوتة النفقة لهذه العلة إذ قد علم ضمير الآية في ~~علية استحقاق النفقة للرجعية فصار كقوله فأنفقوا عليهن لعلة أنها محبوسة ~~عليه في بيته لأن الضمير الذي تقوم الدلالة عليه بمنزلة المنطوق به ومن جهة ~~أخرى وهي أن نفقة الحامل لا تخلو من أن تكون مستحقة للحمل أو لأنها محبوسة ~~عليه في بيته فلو كانت مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال أن ينفق ~~عليها من ماله كما أن نفقة الصغير في مال نفسه فلما اتفق الجميع على أن ~~الحمل إذا كان له مال كانت نفقة أمه على الزوج لا في مال الحمل دل على أن ~~وجوب النفقة متعلق بكونها محبوسة في بيته وأيضا كان يجب أن تكون في الطلاق ~~الرجعي نفقة الحامل في مال الحمل إذا كان له مال كما أن نفقته بعد الولادة ~~من ماله فلما اتفق الجميع على أن نفقتها في الطلاق الرجعي لم تجب في مال ~~الحمل وجب مثله في البائن وكان يجب أن تكون نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ~~في نصيب الحمل من الميراث فإن قيل فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب ~~النفقة قيل له قد دخلت فيه المطلقة الرجعية ولم يمنع نفي النفقة لغير ~~الحامل فكذلك في المبتوتة وإنما ذكر الحمل لأن مدته قد تطول وتقصر فأراد ~~إعلامنا وجوب النفقة مع طول مدة الحمل التي هي في العدة أطول من مدة الحيض ~~ومن جهة النظر أن الناشزة إذا خرجت من بيت زوجها لا تستحق النفقة مع بقاء ~~الزوجية لعدم تسليم نفسها PageV05P356 في بيت الزوج ومتى عادت إلى بيته ~~استحقت النفقة فثبت أن المعنى الذي تستحق به النفقة هو تسليم نفسها في ms2450 بيت ~~الزوج فلما اتفقنا ومن أوجب السكنى على وجوب السكنى وصارت بها مسلمة لنفسها ~~في بيت زوجها وجب أن تستحق النفقة وأيضا لما اتفق الجميع على أن المطلقة ~~الرجعية تستحق النفقة في العدة وجب أن تستحقها المبتوتة والمعنى فيها أنها ~~معتدة من طلاق وإن شئت قلت أنها محبوسة عليه بحكم عقد صحيح وإن شئت قلت ~~إنها مستحقة للسكنى فأي هذه المعاني اعتللت به صح القياس عليها ومن جهة ~~السنة ما روى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن الشعبي أن فاطمة بنت ~~قيس طلقها زوجها طلاقا بائنا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة ~~لك ولا سكنى قال فأخبرت بذلك النخعي فقال قال عمر بن الخطاب وأخبر بذلك ~~فقال لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول ~~امرأة لعلها أوهمت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى ~~والنفقة وروى سفيان عن سلمة عن الشعبي عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه لم يجعل لها حين طلقها زوجها ثلاثا سكنى ولا نفقة فذكرت ذلك ~~لإبراهيم فقال قد رفع ذلك إلى عمر فقال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ~~لقول امرأة لها السكنى والنفقة فقد نص هذان الخبران على إيجاب النفقة ~~والسكنى وفي الأول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى ~~والنفقة ولو لم يقل ذلك كان قوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا يقضي أن يكون ~~ذلك نصا من النبي صلى الله عليه وسلم في إيجابهما واحتج المبطلون للسكنى ~~والنفقة ومن نفى النفقة دون السكنى بحديث فاطمة بنت قيس هذا وهذا حديث قد ~~ظهر من السلف النكير على راويه ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعريها من نكير ~~السلف أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس في الحديث الأول الذي قدمناه ~~وروى القاسم بن محمد أن مروان ذكر لعائشة حديث فاطمة بنت قيس فقال لا يضرك ~~أن لا تذكر حديث فاطمة بنت ms2451 قيس وقالت في بعضه ما لفاطمة خير في أن تذكر هذا ~~الحديث يعني قولها لا سكنى لك ولا نفقة وقال ابن المسيب تلك امرأة فتنت ~~الناس استطالت على أحمائها بلسانها فأمرت بالانتقال وقال أبو سلمة أنكر ~~الناس عليها ما كانت تحدث به وروى الأعرج عن أبي سلمة أن فاطمة كانت تحدث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لها اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ~~قال وكان محمد بن أسامة يقول كان أسامة إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئا رماها ~~بما كان في يده فلم يكن ينكر عليها هذا النكير إلا وقد علم بطلان ما روته ~~وروى PageV05P357 عمار بن رزيق عن أبي إسحاق قال كنت عند الأسود بن يزيد في ~~المسجد فقال الشعبي حدثتني فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لها لا سكنى لك ولا نفقة قال فرماه الأسود بحصا ثم قال ويلك اتخذت بمثل هذا ~~قد رفع إلى عمر فقال لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا تدري ~~لعلها كذبت قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن وروى الزهري قال أخبرني ~~عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن فاطمة بنت قيس أفتت بنت أخيها وقد طلقها ~~زوجها بالانتقال من بيت زوجها فانكر ذلك مروان فأرسل إلى فاطمة يسئلها عن ~~ذلك فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاها بذلك فأنكر ذلك مروان ~~وقال قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن قالت فاطمة إنما هذا ~~في الرجعي لقوله تعالى @QB@ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف @QE@ فقال مروان لم أسمع بهذا الحديث من أحد قبلك ~~وسآخذ بالعصمة التي وجدت الناس عليها فقد ظهر من هؤلاء السلف النكير على ~~فاطمة في روايتها لهذا الحديث ومعلوم أنهم كانوا لا ينكرون روايات الأفراد ~~بالنظر والمقايسة فلو أنهم قد علموا خلافه من السنة ومن ظاهر الكتاب لما ~~أنكروه عليها وقد استفاض خير فاطمة في الصحابة فلم يعمل به ms2452 منهم أحد إلا ~~شيئا روي عن ابن عباس رواه الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس أنه كان ~~يقول في المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها لا نفقة لهما وتعتدان حيث شاءتا ~~فهذا الذي ذكرنا في رد خبر فاطمة بنت قيس من جهة ظهور النكير من السلف ~~عليها وفي روايتها ومعارضة حديث عمر إياه يلزم الفريقين من نفاة السكنى ~~والنفقة وممن نفى النفقة وأثبت السكنى وهو لمن نفى النفقة دون السكنى ألزم ~~لأنهم قد تركوا حديثها في نفي السكنى لعلة أوجبت ذلك فتلك العلة بعينها هي ~~الموجبة لترك حديثها في نفي النفقة فإن قيل إنما لم يقبل حديثها في نفي ~~السكنى لمخالفته لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم قيل له ~~قد احتجت هي في أن ذلك في المطلقة الرجعية ومع ذلك فإن جاز عليها الوهم ~~والغلط في روايتها حدثنا مخالفا للكتاب فكذلك سبيلها في النفقة وللحديث ~~عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبها فيما روته من نفي السكنى والنفقة وذلك ~~لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها فأمروها بالانتقال وكانت سبب ~~النقلة وقال الله تعالى @QB@ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة @QE@ وقد روي عن ابن عباس في تأويله PageV05P358 إن تستطيل ~~على أهله فيخرجوها فلما كان سبب النقلة من جهتها كانت بمنزلة الناشزة فسقطت ~~نفقتها وسكناها جميعا فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط ~~السكنى وهذا يدل على صحة أصلنا الذي قدمنا في أن استحقاق النفقة متعلق ~~باستحقاق السكنى فإن قيل ليست النفقة كالسكنى لأن السكنى حق الله تعالى لا ~~يجوز تراضيهما على إسقاطها والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها لسقطت قيل له ~~لا فرق بينهما من الوجه الذي وجب قياسها عليها وذلك لأن السكنى فيها معنيان ~~أحدهما حق لله تعالى وهو كونها في بيت الزوج والآخر حق لها وهو ما يلزم في ~~المال من أجرة البيت إن لم يكن له ولو رضيت بأن تعطي هي الأجرة وتسقطها عن ~~الزوج جاز فمن ms2453 حيث هي حق في المال قد استويا واختلفوا في نفقة الحامل ~~المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وشريح وأبو العالية ~~والشعبي وإبراهيم نفقتها من جميع المال وقال ابن عباس وجابر وابن الزبير ~~والحسن وابن المسيب وعطاء لا نفقة لها في مال الزوج بل هي على نفسها واختلف ~~فقهاء الأمصار أيضا في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا سكنى ~~لها ولا نفقة في مال الميت حاملا كانت أو غير حامل وقال ابن أبي ليلى ~~نفقتها في مال الزوج بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا وقال مالك ~~نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ولها السكنى إن كانت الدار للزوج وإن كان ~~عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى ينقضي عدتها وإن كانت في بيت بكراء ~~فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج هذه رواية ابن وهب وقال ابن القاسم ~~عن مالك لا نفقة لها في مال الزوج الميت ولها السكنى إن كانت الدار للميت ~~وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى ~~على المشتري وقال الأشجعي عن الثوري إذا كانت حاملا أنفق عليها من جميع ~~المال حتى تضع فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه وروى المعافى عنه أن ~~نفقتها من حصتها وقال الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل فلا نفقة لها ~~وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع المال حتى تضع وقال الليث في أم الولد ~~إذا كانت حاملا منه فإنه ينفق عليها من جميع المال فإن ولدت كان ذلك في حظ ~~ولدها وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع به وقال الحسن بن صالح للمتوفى عنها ~~زوجها بالنفقة من جميع المال وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين ~~أحدهما لها السكنى والنفقة والآخر لا سكنى لها ولا نفقة قال أبو بكر قد ~~اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى PageV05P359 عنها زوجها غير الحامل ولا ~~سكنى فوجب أن تكون الحامل مثلها لاتفاق الجميع على أن هذه ms2454 النفقة غير ~~مستحقة للحمل ألا ترى أن أحدا منهم لم يوجبها في نصيب الحمل من الميراث ~~وإنما قالوا فيه قولين قائل يجعل نفقتها من نصيبها وقائل يجعل النفقة من ~~جميع مال الميت ولم يوجبها أحد في حصة الحمل فلما تجب النفقة لأجل الحمل ~~ولم يجز أن تكون مستحقة لأجل كونها في العدة لأنها لو وجبت للعدة لوجبت ~~لغير الحامل فلم يبق وجه تستحق به النفقة وأيضا لما لم تستحق السكنى في مال ~~الزوج بدلائل قد قامت عليه لم تستحق النفقة وأيضا فإن النفقة إذا وجبت ~~فإنما تجب حالا فحالا فلما مات الزوج انتقل ميراثه إلى الورثة وليس للزوج ~~مال في هذه الحال وإنما هو مال الوارث فلا يجوز إيجابها عليهم فإن قيل تصير ~~بمنزلة الدين قيل له الدين الذي يثبت في ميراث المتوفى إنما يثبت بأحد ~~وجهين إما أن يكون ثابتا على الميت في حياته أو يتعلق وجوبه بسبب كان من ~~الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البئر إذا وقع فيها إنسان بعد موته ~~والنفقة خارجة عن الوجهين فلا يجوز إيجابها في ماله لعدم السبب الذي به ~~تعلق وجوب النفقة وعدم ماله بزواله إلى الورثة ألا ترى أن النكاح قد بطل ~~بالموت وإن ملك الميت قد زال إلى الورثة فلم يبق لإيجاب النفقة وجه ألا ترى ~~أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه العلة فإن قيل قال الله تعالى وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن وهو عموم في المتوفى عنها زوجها والمطلقة كما كان قوله ~~وأولات الأحمال أجهلن أن يضعن حملهن عموما في الصنفين قيل له هذا غلط من ~~قبل أن قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم خطاب للأزواج وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن @QE@ خطاب لهم وقد زال عنهم ~~الخطاب بالموت ولا جائز أن يكون ذلك خطابا لغير الأزواج فلم تقتض الآية ~~إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها بحال وقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن قد انتظم الدلالة على أحكام منها أنها إذا رضيت ms2455 بأن ترضعه بأجر ~~مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها لأمر الله إياه بإعطاء الأجر إذا أرضعت ~~ويدل على أن الأم أولى بحضانة الولد من كل أحد ويدل على أن الأجرة إنما ~~تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد لأنه أوجبها بعد الرضاع بقوله فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقد دل على أن لبن المرأة وإن كان عينا فقد أجري ~~مجرى المنافع التي تستحق بعقود الإجارات ولذلك لم يجز أصحابنا بيع لبن ~~المرأة PageV05P360 كما لا يجوز عقد البيع على المنافع وفارق لبن المرأة ~~بذلك لبن سائر الحيوان ألا ترى أنه لا يجوز استئجار شاة لرضاع صبي لأن ~~الأعيان لا تستحق بعقود الإجارات كاستئجار النخل والشجر وقوله تعالى ~~وأتمروا بينكم بمعروف يعني والله أعلم لا تشترط المرأة على الزوج فيما ~~تطلبه من الأجرة ولا يقصر الزوج لها عن المقدار المستحق وقوله تعالى وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى قيل إنه إذا طلبت المرأة أكثر من أجر مثلها ورضيت ~~غيرها بأن تأخذه بأجر مثلها فلزوج أن يسترضع الأجنبية ويكون ذلك في بيت ~~الأم لأنها أحق بإمساكه والسكون عنده قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته يدل ~~على أن النفقة تفرض عليه على قدر إمكانه وسعته وأن نفقة المعسر أقل من نفقة ~~الموسر وقوله تعالى @QB@ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله @QE@ قيل ~~معناه من ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله يعني والله أعلم أنه لا يكلف ~~نفقة الموسر في هذه الحال بل على قدر إمكانه ينفق وقوله تعالى لا يكلف الله ~~نفسا إلا ما آتاها فيه بيان أن الله لا يكلف أحدا مالا يطيق وهذا وإن كان ~~قد علم بالعقل إذ كان تكليف مالا يطاق قبحا وسفها فإن الله ذكره في الكتاب ~~تأكيدا لحكمه في العقل وقد تضمن معنى آخر من جهة الحكم وهو الإخبار بأنه ~~إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه الله الإنفاق في هذه الحال وإذا لم يكلف ~~الإنفاق في هذه الحال لم يجز التفريق بينه وبين امرأته ms2456 لعجزه عن نفقتها وفي ~~ذلك دليل على بطلان قول من فرق بين العاجز عن نفقة امرأته وبينها فإن قيل ~~فقد آتاه الطلاق فعليه أن يطلق قيل له قد بين به أنه لم يكلفه النفقة في ~~هذه الحال فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجلها لأن فيه إيجابه التفريق ~~بشيء لم يجب وأيضا فإنه أخبر أنه لم يكلفه من الإنفاق إلا ما آتاه والطلاق ~~ليس من الإنفاق فلم يدخل في اللفظ وأيضا إنما أراد أنه لا يكلفه مالا يطيق ~~ولم يرد أنه يكلفه كل ما يطيق لأن ذلك مفهوم من خطاب الآية وقوله تعالى ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا يدل على أنه لا يفرق بينهما من أجل عجزه عن النفقة ~~لأن العسر يرجى له اليسر آخر سورة الطلاق # | ومن سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك @QE@ روي في ~~سبب نزول الآية PageV05P361 وجوه أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يشرب ويأكل عند زينب فتواطأت عائشة وحفصة على أن تقولا له نجد منك ريح ~~المغافير قال بل شربت عندها عسلا ولن أعود له فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك وقيل إنه شرب عند حفصة وقيل عند سودة وأنه حرم العسل وفي ~~بعض الروايات والله لا أذوقه وقيل إنه أصاب مارية القبطية في بيت حفصة ~~فعلمت به فجزعت منه فقال لها ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها قالت بلى ~~فحرمها وقال لا تذكري ذلك لأحد فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه وأنزل عليه ~~يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية رواه محمد بن إسحاق عن الزهري ~~عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب بذلك قال أبو بكر ~~وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا من تحريم مارية وتحريم العسل إلا أن ~~الأظهر أنه حرم مارية وإن الآية فيها نزلت لأنه قال تبتغي مرضات أزواجك ~~وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه ms2457 وفي ترك قرب مارية رضاهن فروي في العسل ~~أنه حرمه وروي أنه حلف أن لا يشربه وأما مارية فكان الحسن يقول حرمها وروى ~~الشعبي عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى وحرم فقيل له الحرام ~~حلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم وقال مجاهد وعطاء حرم ~~جاريته وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة وأما قول من قال إنه حرم ~~وحلف أيضا فإن ظاهر الآية لا يدل عليه وإنما فيها التحريم فقط فغير جائز أن ~~يلحق بالآية ما ليس فيها فوجب أن يكون التحريم يمينا لإيجاب الله تعالى ~~فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم ومن الناس من يقول لا فرق بين التحريم ~~واليمين لأن اليمين تحريم للمحلوف عليه والتحريم أيضا يمين وهذا عند ~~أصحابنا يختلف في وجه ويتفق في وجه آخر فالوجه الذي يوافق اليمين فيه ~~التحريم أن الحنث فيهما يوجب كفارة اليمين والوجه الذي يختلفان فيه إنه لو ~~حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه لم يحنث ولو قال قد حرمت هذا الرغيف ~~على نفسي فأكل منه اليسير حنث ولزمته الكفارة لأنهم شبهوا تحريمه الرغيف ~~على نفسه بمنزلة قوله والله لا أكلت من هذا الرغيف شيئا تشبيها بسائر ما ~~حرمه الله من الميتة والدم أنه اقتضى تحريم القليل منه والكثير واختلف ~~السلف في الرجل يحرم امرأته فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت ~~وابن عمر أن الحرام يمين وهو قول الحسن وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء ~~وطاوس PageV05P362 وروي عن ابن عباس رواية مثله وروي عنه غير ذلك وعن علي ~~بن أبي طالب وزيد بن ثابت رواية وابن عمر رواية وأبي هريرة وجماعة من ~~التابعين قالوا هي ثلاث وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان ~~يقول في الحرام بمنزلة الظهار وروى منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ~~النذر والحرام إذا لم يسم مغلظة فتكون عليه رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو ~~إطعام ms2458 ستين مسكينا وروى ابن جبير عن ابن عباس أيضا إذا حرم الرجل امرأته ~~فهي يمين يكفرها أما لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا محمول على أنه إذا لم ~~تكن له نية فهو بمنزلة يمين وأنه إن أراد الظهار كان ظهارا وقال مسروق ما ~~أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن ما أبالي حرمت ~~امرأتي أو ماء فراتا قال أبو بكر وليس فيه دلالة على أنهم لم يروه يمينا ~~لأنه لا جائز أن يكون قولهما في تحريم الثريد والماء أنه يمين فكأنهما لم ~~يريا ذلك طلاقا وكذلك نقول أنه ليس بطلاق إلا أن ينويه فلم تظهر مخالفة ~~هذين لمن ذكرنا قولهم من الصحابة واتفاقهم على أن هذا القول ليس بلغو وإنه ~~إما أن يكون يمينا أو طلاقا أو ظهارا واختلف فقهاء الأمصار في الحرام فقال ~~أصحابنا إن نوى الطلاق فواحدة بائنة أن لا ينوي ثلاثا وإن لم ينو طلاقا فهو ~~يمين وهو مول وذكر ابن سماعة عن محمد أنه إن نوى ظهارا لم يكن ظهارا لأن ~~الظهار أصله بحرف التشبيه وروى ابن شجاع عن أبي يوسف في اختلاف زفر وأبي ~~يوسف أنه إن نوى ظهارا كان ظهارا وقال ابن أبي ليلى هي ثلاث ولا أسئله عن ~~نيته وقال مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم الحرام لا يكون يمينا في شيء إلا ~~أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق وهو ثلاث إلا أن ينوي واحدة أو اثنتين فيكون ~~على ما نوى وقال الثوري إن نوى ثلاثا فثلاث وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وإن ~~نوى يمينا فهي يمين يكفرها وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فليس بشيء هي كذبة ~~وقال الأوزاعي هو على ما نوى وإن ينو شيئا فهو يمين وقال عثمان البتي هو ~~بمنزلة الظهار وقال الشافعي ليس بطلاق حتى ينوي فإذا نوى فهو طلاق على ما ~~أراد من عدده وإن أراد تحريمها بلا طلاق فعليه كفارة يمين وليس بمول قال ~~أبو بكر قد جعل أصحابنا التحريم يمينا ms2459 إذا لم تقارنه نية الطلاق إذا حرم ~~امرأته فيكون بمنزلة قوله لها والله لا أقربك فيكون موليا وأما إذا حرم غير ~~امرأته من المأكول والمشروب وغيرهما فإنه بمنزلة قوله والله PageV05P363 لا ~~آكل منه ووالله لا أشرب منه ونحو ذلك لقوله تعالى لم تحرم ما أحل الله لك ~~ثم قال قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فجعل التحريم يمينا فصارت اليمين في ~~مضمون لفظ التحريم ومقتضاه في حكم الشرع فإذا أطلق كان محمولا على اليمين ~~إلا أن ينوي غيرها فيكون ما نوى فإذا حرم امرأته وأراد الطلاق كان طلاقا ~~لاحتمال اللفظ له وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل غيره فإنه متى أراد به ~~الطلاق كان طلاقا والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لركانة حين طلق ~~امرأته البتة بالله ما أردت إلا واحدة فتضمن ذلك معنيين أحدهما أن كل لفظ ~~يحتمل الثلاث ويحتمل غيرها فإنه متى أراد الثلاث كان ثلاثا لولا ذلك لم ~~يستحلفه عليها والثاني أنه لم يلزمه الثلاث بوجود اللفظ وجعل القول قوله ~~لاحتمال فيه فصار ذلك أصلا في أن كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره إنا لا نجعله ~~طلاقا إلا بمقارنة الدلالة لإرادة الطلاق ومما يدل على أن اللفظ المحتمل ~~للطلاق يجوز إيقاع الطلاق به وإن لم يكن طلاقا في نفسه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لسودة اعتدي ثم راجعها فأوقع الطلاق بقوله اعتدي لاحتماله له ~~ولا نعلم أحدا من السلف منع إيقاع الطلاق بلفظ التحريم ومن قال منهم هو ~~يمين فإنما أراد به عندنا إذا لم تكن له نية الطلاق ولم تقارنه دلالة الحال ~~وزعم مالك ان من حرم على نفسه شيئا غير امرأته أنه لا يلزمه بذلك شيء وإن ~~ذلك ليس بيمين وقد ذكرنا ما اقتضى قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك من كونه يمينا لقوله تعالى @QB@ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم @QE@ ~~وأنه لا يجوز إسقاط موجب هذا اللفظ من كون الحرام يمينا برواية من روى أن ~~النبي صلى ms2460 الله عليه وسلم حلف أن لا يشرب العسل إذ غير جائز الاعتراض على ~~حكم القرآن بخبر الواحد ولأن من روى اليمين يجوز أن يكون إنما عنى به ~~التحريم وحده إذ كان التحريم يمينا ويدل من جهة النظر على أن التحريم يمين ~~أن المحرم للشيء على نفسه قد اقتضى لفظه إيجاب الامتناع عنه كالأشياء ~~المحرمة وذلك في معنى النذر وقول القائل لله علي أن لا أفعل ذلك فلما كان ~~النذر يمينا بالسنة واتفاق الفقهاء وجب أن يكون تحريم الشيء بمنزلة النذر ~~فتجب فيه كفارة يمين إذا حنث كما تجب في النذر وقوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ روي عن علي في قوله قوا أنفسكم ~~وأهليكم قال علموا أنفسكم وأهليكم الخير وقال الحسن تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم ~~قال أبو بكر وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين ~~PageV05P364 والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب وهو مثل قوله تعالى وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم @QB@ ~~وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ ويدل على أن للأقرب فالأقرب منا مزية في لزومنا ~~تعليمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته ومعلوم ان الراعي كما عليه حفظ من استرعى ~~وحمايته والتماس مصالحه فكذلك عليه تأديبه وتعليمه وقال صلى الله عليه وسلم ~~فالرجل راع على أهله وهو مسؤل عنهم والأمير راع على رعيته وهو مسؤل عنهم ~~وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال حدثنا ~~محمد بن عبدالله بن حفص قال حدثنا محمد بن موسى السعدي عن عمرو بن دينار ~~قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما نحل ~~والد ولدا خيرا من أدب حسن وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا الحضرمي قال حدثنا ~~جبارة قال حدثنا محمد بن الفضل عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم حق الولد على والده ms2461 أن يحسن اسمه ويحسن أدبه وحدثنا ~~عبدالباقي قال حدثنا عبدالله بن موسى بن أبي عثمان قال حدثنا يحيى بن معين ~~قال حدثنا محمد بن ربيعة قال حدثنا محمد بن الحسن بن عطية قال حدثنا محمد ~~بن عبدالرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ ~~أولادكم سبع سنين فعلموهم الصلاة وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها ~~وفرقوا بينهم في المضاجع وقوله تعالى @QB@ يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم @QE@ قال الحسن أكثر من كان يصيب ~~الحدود في ذلك الزمان المنافقون فأمر أن يغلظ عليهم في إقامة الحد وقيل ~~جهاد المنافقين بالقول وجهاد الكفار بالحرب قال أبو بكر فيه الدلالة على ~~وجوب الغلظة على الفريقين من الكفار والمنافقين ونهى عن مقارنتهم ومعاشرتهم ~~وروي عن ابن مسعود قال إذا لم تقدروا أن تنكروا على الفاجر فألقوه بوجه ~~مكفهر وقوله تعالى فخانتاهما قال ابن عباس كانتا منافقتين ما زنت امرأة نبي ~~قط وكانت خيانتهما أن امرأة نوح عليه السلام كانت تقول للناس إنه مجنون ~~وكانت امرأة لوط عليه السلام تدل على الضيف آخر سورة التحريم # | ومن سورة نون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين قيل من يحلف بالله كاذبا وسماه مهينا ~~PageV05P365 لاستجازته الكذب والحلف عليه والحلاف اسم لمن أكثر الحلف بحق ~~أو باطل وقد نهى الله عن ذلك بقوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقوله ~~تعالى هماز مشاء بنميم يعني وقاعا في الناس عائبا لهم بما ليس فيهم وقوله ~~مشاء بنميم يعني ينقل الكلام من بعض إلى بعض على وجه التضريب بينهم وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قتات يعني النمام وقوله تعالى @QB@ ~~عتل بعد ذلك زنيم @QE@ قيل في العتل أنه الفظ الغليظ والزنيم الدعي وحدثنا ~~عبدالباقي بن قانع قال حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال حدثنا الوليد بن ~~عتبة قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان عن ~~عثمان بن عمير البجلي ms2462 عن شهر بن حوشب عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم قلت وما الجواظ ~~قال كل جماع قلت وما الجعظري قال الفظ الغليظ قلت وما العتل الزنيم قال رحب ~~الجوف آخر سورة نون # | ومن سورة سأل سائل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ الذين هم على صلاتهم دائمون @QE@ روى أبو سلمة عن عائشة ~~قالت كان أحب الصلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ديم عليه وقرأت ~~الذين هم على صلاتهم دائمون وعن ابن مسعود قال دائمون على مواقيتها وعن ~~عمران بن حصين في الآية قال الذي لا يلتفت في صلاته وقوله تعالى للسائل ~~والمحروم روي عن ابن عباس الذي يسئل والمحروم الذي لا يستقيم له تجارة وقال ~~أبو قلابة المحروم من ذهب ماله وقال الحسن بن محمد بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم سرية فغنمت فجاء آخرون بعد ذلك فنزلت في أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المحروم من حرم وصيته قال ~~أبو بكر قد ذكرنا فيما تقدم معنى المحروم واختلافهم فيه آخر سورة سأل سائل # | ومن سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا @QE@ روى زرارة بن ~~أوفى عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة انبئيني عن قيام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالت أما تقرأ هذه السورة يا أيها PageV05P366 المزمل قم الليل ~~إلا قليلا قلت بلى قالت فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة فقام ~~النبي = وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني عشر ~~شهرا ثم أنزل التخفيف في آخر السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة وقال ~~ابن عباس لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحو قيامهم في شهر رمضان حتى ~~نزل آخرها وكان بين نزول أولها وآخرها نحو سنة وقوله تعالى ورتل القرآن ~~ترتيلا قال ابن عباس بينه تبيينا وقال طاوس ms2463 بينه حتى تفهمه وقال مجاهد ورتل ~~القرآن ترتيلا قال وال بعضه على إثر بعض على تؤدة قال أبو بكر لا خلاف بين ~~المسلمين في نسخ فرض قيام الليل وأنه مندوب إليه مرغب فيه وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في الحث عليه والترغيب فيه روى ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف ~~الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما وروي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثماني ~~ركعات حتى إذا انفجر عمود الصبح أوتر بثلاث ركعات ثم سبح وكبر حتى إذا ~~انفجر الفجر صلى ركعتي الفجر وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وقوله تعالى @QB@ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ~~@QE@ قال ابن عباس وابن الزبير إذا نشأت قائما فهي ناشئة الليل كله وقال ~~مجاهد الليل كله إذا قام يصلي فهو ناشئة وما كان بعد العشاء فهو ناشئة وعن ~~الحسن مثله وقال في قوله تعالى أشد وطأ وأقوم قيلا قال أجهد للبدن وأثبت في ~~الخير وقال مجاهد وأقوم قيلا قال أثبت قراءة وقوله تعالى واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا قال مجاهد أخلص إليه إخلاصا وقال قتادة أخلص إليه الدعاء ~~والعبادة وقيل الإنقطاع إلى الله وتأميل الخير منه دون غيره ومن الناس من ~~يحتج به في تكبيرة الافتتاح لأنه ذكر في بيان الصلاة فيدل على جواز ~~الافتتاح بسائر أسماء الله تعالى وقوله تعالى سبحا طويلا قال قتادة فراغا ~~طويلا وقوله تعالى هي أشد وطأ قال مجاهد واطأ اللسان القلب مواطأة ووطاء ~~ومن قرأ وطاء قال معناه هي أشد من عمل النهار وقوله تعالى إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه إلى قوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن قال أبو بكر قد انتظمت هذه الآية معاني أحدها أنه نسخ ms2464 به قيام الليل ~~المفروض كان بديا والثاني دلالتها على لزوم فرض القراءة في الصلاة بقوله ~~تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن والثالث دلالتها على جواز PageV05P367 ~~الصلاة بقليل القراءة والرابع أنه من ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها ~~أجزأه وقد بينا ذلك فيما سلف فإن قيل إنما نزل ذلك في صلاة الليل وهي ~~منسوخة قيل له إنما نسخ فرضها ولم ينسخ شرائطها وسائر أحكامها وأيضا فقد ~~أمرنا بالقراءة بعد ذكر التسبيح بقوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر منه @QE@ ~~فإن قيل فإنما أمر بذلك في التطوع فلا يجوز الإستدلال به على وجوبها في ~~الصلاة المكتوبة قيل إذا ثبت وجوبها في التطوع فالفرض مثله لأن أحدا لم ~~يفرق بينهما وأيضا فإن قوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن يقتضي الوجوب ~~لأنه أمر والأمر على الوجوب ولا موضع يلزم قراءة القرآن إلا في الصلاة فوجب ~~أن يكون المراد القراءة في الصلاة فإن قيل إذا كان المراد به بالقراءة في ~~صلاة التطوع والصلاة نفسها ليست بفرض فكيف يدل على فرض القراءة قيل له إن ~~صلاة التطوع وإن لم تكن فرضا فإن عليه إذا صلاها أن لا يصليها إلا بقراءة ~~ومتى دخل فيها صارت القراءة فرضا كما أن عليه استيفاء شرائطها من الطهارة ~~وستر العورة وكما أن الإنسان ليس عليه عقد السلم وسائر عقود البياعات ومتى ~~قصد إلى عقدها فعليه أن لا يعقدها إلا على ما أباحته الشريعة ألا ترى إلى ~~قوله صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم وليس عليه عقد السلم ولكنه متى قصد إلى عقده فعليه أن يعقده بهذه ~~الشرائط فإن قيل إنما المراد بقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن الصلاة ~~نفسها فلا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها قيل له هذا غلط لأن فيه صرف ~~الكلام عن حقيقة معناه إلى المجاز وهذا لا يجوز إلا بدلالة وعلى أنه لو ~~أسلم لك ما ادعيت كانت دلالته قائمة على فرض القراءة لأنه لم يعبر عن ~~الصلاة ms2465 بالقراءة إلا وهي من أركانها كما قال تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا ~~يركعون قال مجاهد أراد به الصلاة وقال واركعوا مع الراكعين والمراد به ~~الصلاة فعبر عن الصلاة بالركوع لأنه من أركانها آخر سورة المزمل # | ومن سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ولا تمنن تستكثر قال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وقتادة والضحاك ~~لا تعط عطية لتعطى أكثر منها وقال الحسن والربيع بن أنس لا تمنن حسناتك على ~~الله مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله وقال آخرون لا تمنن بما أعطاك الله ~~من النبوة والقرآن PageV05P368 مستكثرا به الأجر من الناس وعن مجاهد أيضا ~~لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك قال أبو بكر هذه المعاني كلها يحتملها ~~اللفظ وجائز أن يكون جميعها مرادا به فالوجه حمله على العموم في سائر وجوه ~~الاحتمال وقوله تعالى وثيابك فطهر يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات ~~للصلاة وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس لأن تطهيرها لا يجب إلا للصلاة ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى عمارا يغسل ثوبه فقال مم تغسل ~~ثوبك فقال من نخامة فقال إنما يغسل الثوب من الدم والبول والمني وقال عائشة ~~أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل المني من الثوب إذا كان رطبا وزعم ~~بعضهم أن المراد بذلك ما روي عن أبي رزين قال عملك أصلحه وقال إبراهيم ~~وثيابك فطهر من الإثم وقال عكرمة أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة وهذا كله ~~مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا بدلالة واحتج هذا الرجل بانه لا يجوز أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من البول وما ~~أشبهه قال أبو بكر وهذ كلام شديد الاختلال والفساد والتناقض لأن في الآية ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الأوثان بقوله تعالى والرجز فاهجر ~~ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان هاجرا للأوثان قبل النبوة وبعدها وكان ~~مجتنبا للآثام والعذرات في الحالين فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء ms2466 وإن ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك تاركا لها فتطهير الثياب لأجل الصلاة ~~مثله وقال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ ولا تدع مع ~~الله إلها آخر @QE@ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع مع الله إلها قط فهذا ~~يدل على تناقض قول هذا الرجل وفساده وزعم أنه من أول ما نزل الله من القرآن ~~قبل كل شيء من الشرائع من وضوء أو صلاة أو غيرها وإنما يدل على أنها ~~الطهارة من أوثان الجاهلية وشركها والأعمال الخبيثة وقد نقض بهذا ما ذكره ~~بديا من أنه لم يكن يحتاج إلى أن يؤمر بتطهير الثياب من النجاسة أفتراه ظن ~~أنه كان يحتاج إلى أن يوصى بترك الأوثان فإذا لم يكن يحتاج إلى ذلك لأنه ~~كان تاركا لها وقد جاز أن يخاطب بتركها فكذلك طهارة الثوب وأما قوله إن ذلك ~~من أول ما نزل فما في ذلك ما يمنع أمره بتطهير الثياب لصلاة يفرضها عليه ~~وقد روي عن عائشة ومجاهد وعطاء أن أول ما نزل من القرآن @QB@ اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق @QE@ آخر سورة المدثر PageV05P369 # | ومن سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة روي عن ابن عباس أنه قال شاهد ~~على نفسه وقيل معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة جوارحه شاهدة عليه ~~يوم القيامة قوله تعالى ولو ألقى معاذيره قال ابن عباس لو اعتذر وقبل شهادة ~~نفسه عليه أولى من اعتذاره قال أبو بكر لما احتمل اللفظ هذه المعاني وجب ~~حمله عليها إذ لا تنافي في هذا ويدل على أن قوله مقبول على نفسه إذ جعله ~~الله حجة على نفسه وشاهدا عليها ولما عبر عن كونه شاهدا على نفسه بأنه على ~~نفسه بصيرة دل على تأكيد أمر شهادته على نفسه وثبوتها فيوجب ذلك جواز عقوده ~~وإقراره وجميع ما اعترف بلزوم نفسه آخر سورة القيامة # | ومن سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ ويطعمون الطعام على حبه @QE@ إلى قوله تعالى ms2467 وأسيرا عن ~~أبي وائل أنه أمر بأسرى من المشركين فأمر من يطعمهم ثم قرأ ويطعمون الطعام ~~على حبه الآية وقال قتادة كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن ~~تطعمه وعن الحسن وأسيرا قال كانوا مشركين وقال مجاهد الأسير المسجون وقال ~~ابن جبير وعطاء ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا قال هم أهل ~~القبلة وغيرهم قال أبو بكر الأظهر الأسير المشرك لأن المسلم المسجون لا ~~يسمى أسيرا على الإطلاق وهذه الآية تدل على أن في إطعام الأسير قربة ويقتضي ~~ظاهره جواز إعطائه من سائر الصدقات إلا أن أصحابنا لا يجيزون إعطاءه من ~~الزكاة وصدقات المواشي وما كان أخذه منها إلى الإمام ويجيز أبو حنيفة ومحمد ~~جواز إعطائه من الكفارات ونحوها وأبو يوسف لا يجيز دفع الصدقة الواجبة إلا ~~إلى المسلم وقد بيناه فيما سلف آخر سورة الإنسان # | ومن سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى @QB@ ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا @QE@ قال الشعبي ~~يعني أنه جعل PageV05P370 ظهرها للأحياء وبطنها للأموات والكفات الضمام ~~فأراد أنها تضمهم في الحالين وروى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد ألم نجعل ~~الأرض كفاتا قال تكفت الميت فلا يرى منه شيء وأحياء قال الرجل في بيته لا ~~يرى من عمله شيء قال أبو بكر وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن ~~شعره وسائر ما يزايله وهذا يدل على أن شعره وشيئا من بدنه لا يجوز بيعه ولا ~~التصرف فيه لأن الله قد أوجب دفنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله ~~الواصلة وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها فمنع الإنتفاع به وهو معنى ما دلت ~~عليه الآية وهذه الآية نظير قوله تعالى ثم أماته فأقبره يعني أنه جعل له ~~قبرا وروي في تأويل الآية غير ذلك وعن ابن مسعود أنه أخذ قملة فدفنها في ~~المسجد في الحصى ثم قال الله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وعن ~~أبي أمامة مثله وأخذ عبيد بن عمير قملة عن ابن عمر فطرحها في ms2468 المسجد قال ~~أبو بكر هذا التأويل لا ينفي الأول وعمومه يقتضي الجميع آخر سورة المرسلات # | ومن سورة إذا السماء انشقت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فلا أقسم بالشفق قال مجاهد الشفق النهار ألا تراه قال الله ~~تعالى والليل وما وسق وقال عمر بن عبدالعزيز الشفق البياض وقال أبو جعفر ~~محمد بن علي الشفق السواد الذي يكون إذا ذهب البياض قال أبو بكر الشفق في ~~الأصل الرقة ومنه ثوب شفق إذا كان رقيقا ومنه الشفقة وهو رقة القلب وإذا ~~كان هذا أصله فهو البياض أولى منه بالحمرة لأن أجزاء الضياء رقيقة في هذه ~~الحال وفي وقت الحمرة أكثف وقوله تعالى وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ~~يستدل به على وجوب سجدة التلاوة لذمه لتارك السجود عند سماع التلاوة وظاهره ~~يقتضي إيجاب السجود عند سماع سائر القرآن إلا أنا خصصنا منه ما عدا مواضع ~~السجود واستعملناه في مواضع السجود بعموم اللفظ ولأنا لو لم نستعمله على ~~ذلك كنا قد ألغينا حكمه رأسا فإن قيل إنما أراد به الخضوع لأن اسم السجود ~~يقع على الخضوع قيل له هو كذلك إلا أنه خضوع على وصف وهو وضع الجبهة على ~~الأرض كما أن الركوع والقيام والصيام والحج وسائر العبادات خضوع ولا يسمى ~~سجودا لأنه خضوع على صفة إذا خرج عنها لم يسم به آخر سورة إذا السماء انشقت ~~PageV05P371 # | ومن سورة سبح اسم ربك الأعلى # بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى @QB@ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه ~~فصلى @QE@ روي عن عمر بن عبدالعزيز وأبي العالية قالا أدى زكاة الفطر ثم ~~خرج إلى الصلاة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإخراج صدقة ~~الفطر قبل الخروج إلى المصلى وقال ابن عباس السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل ~~الصلاة قال أبو بكر ويستدل بقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى على جواز افتتاح ~~الصلاة بسائر الأذكار لأنه لما ذكر عقيب ذكر اسم الله الصلاة متصلا به إذ ~~كانت الفاء للتعقيب بلا تراخ دل على أن ms2469 المراد افتتاح الصلاة آخر سورة سبح # | ومن سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فك رقبة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل علمني ~~عملا يدخلني الجنة قال اعتق النسمة وفك الرقبة قال أليسا سواء يا رسول الله ~~فقال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها قال أبو ~~بكر قد اقتضى ذلك جواز إعطاء المكاتب من الصدقات لأنه معونة في ثمنه وهو ~~نحو قوله في شأن الصدقات وفي الرقاب وقوله تعالى ذي مسغبة ذي مجاعة وقوله ~~تعالى أو مسكينا ذا متربة قال ابن عباس المتربة بقعة التراب أي هو مطروح في ~~التراب لا يواريه عن الأرض شيء وعن ابن عباس أيضا رواية المتربة شدة الحاجة ~~من قولهم ترب الرجل إذا افتقر وقوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا معناه ~~وكان من الذين آمنوا فصارت ثم ههنا بمعنى الواو آخر سورة البلد # | ومن سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر قيل لا تقهره بظلمه وأخذ ماله وخص ~~اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله فغلظ في أمره لتغليظ العقوبة على ظالمه ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا ظلم من لا ناصر له غير ~~الله وقوله تعالى وأما السائل فلا تنهر فيه نهي عن إغلاظ القول له لأن ~~الإنتهار هو الزجر وإغلاظ القول وقد أمر في آية أخرى بحسن PageV05P372 ~~القول له وهو قوله تعالى @QB@ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ~~فقل لهم قولا ميسورا @QE@ وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه قد أريد به جميع المكلفين آخر السورة # | ومن سورة ألم نشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا @QE@ حدثنا عبدالله ~~بن محمد المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن ~~معمر عن الحسن في قوله تعالى إن مع العسر يسرا قال خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2470 يوما وهو مسرور يضحك وهو يقول لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر يسرين إن ~~مع العسر يسرا قال أبو بكر يعني أن العسر المذكور بديا هو المثنى به آخرا ~~لأنه معرف بالألف واللام فيرجع إلى المعهود المذكور واليسر الثاني غير ~~الأول لأنه منكور ولو أراد الأول لعرفه بالألف واللام وقوله تعالى فإذا ~~فرغت فانصب قال ابن عباس إذا فرغت من فرضك فانصب إلى ما رغبك تعالى فيه من ~~العمل وقال الحسن فإذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب إلى ربك في العبادة وقال ~~قتادة فإذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك في الدعاء وقال مجاهد فإذا فرغت من ~~أمر دنياك فانصب إلى عبادة ربك وهذه المعاني كلها محتملة والوجه حمل اللفظ ~~عليها فيكون كلها جميعها مرادا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~المراد به جميع المكلفين آخر السورة # | ومن سورة ليلة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة القدر @QE@ إلى قوله ليلة القدر خير ~~من ألف شهر قيل إنما هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وذلك لما يقسم ~~فيها من الخير الكثير الذي لا يكون مثله في ألف شهر فكانت أفضل من ألف شهر ~~لهذا المعنى وإنما وجه تفضيل الأوقات والأماكن بعضها على بعض لما يكون فيها ~~من الخير الجزيل والنفع الكثير واختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ليلة القدر متى تكون واختلف الصحابة فيها فروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها ليلة ثلاث وعشرين رواه ابن عباس وروى أبو سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال التمسوها في العشر الأواخر واطلبوها في كل ~~وتر وعن ابن مسعود قال PageV05P373 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~تسع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وعن ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر وروي ~~أنه قال في سبع وعشرين حدثنا محمد بن بكر ms2471 البصري قال أخبرنا أبو داود قال ~~حدثنا حميد بن زنجويه النسائي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد ~~بن جعفر بن أبي كثير قال أخبرنا موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عمر قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال ~~هي في كل رمضان وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن ~~حرب ومسدد قالا حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر قال قلت لأبي بن كعب ~~أخبرني عن ليلة القدر يا أبا المنذر فإن صاحبنا يعني عبدالله بن مسعود سئل ~~عنها فقال من يقم الحول يصبها فقال رحم الله أبا عبدالرحمن والله لقد علم ~~أنها في رمضان ولكن كره أن يتكلوا والله إنها في رمضان ليلة سبع وعشرين قال ~~أبو بكر هذه الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة فتكون في سنة في بعض الليالي ~~وفي سنة أخرى في غيرها وفي سنة أخرى في العشر الأواخر من رمضان وفي سنة في ~~العشر الأوسط وفي سنة في العشر الأول وفي سنة في غير رمضان ولم يقل ابن ~~مسعود من يقم الحول يصيبها إلا من طريق التوقيف إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من ~~الله تعالى إلى نبيه فثبت بذلك أن ليلة القدر غير مخصوصة بشهر من السنة ~~وأنها قد تكون في سائر السنة ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق ~~في ليلة القدر أنها لا تطلق حتى يمضي حول لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك ~~ولم يثبت أنها مخصوصة بوقت فلا يحصل اليقين بوقوع الطلاق بمضي حول آخر ~~السورة # | ومن سورة لم يكن الذين كفروا # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء @QE@ ~~فيه أمر بإخلاص العبادة له وهو أن لا يشرك فيها غيره لأن الإخلاص ضد ~~الإشراك وليس له تعلق بالنية لا في وجودها ولا في فقدها فلا يصح الإستدلال ~~به في إيجاب النية ms2472 لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة ~~ونفي الإشراك فيها آخر السورة PageV05P374 # | ومن سورة أرأيت الذي يكذب بالدين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون قال ابن عباس يؤخرونها عن وقتها ~~وكذلك قال مصعب بن سعد عن سعد وروى مالك بن دينار عن الحسن قال يسهون عن ~~ميقاتها حتى يفوت وروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال هم المنافقون يؤخرونها ~~عن وقتها يراؤن بصلاتهم إذا صلوا وقال أبو العالية هو الذي لا يدري أعلى ~~شفع انصرف أو على وتر قال أبو بكر يشهد لهذا التأويل ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن ~~سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا غرار في الصلاة ولا تسليم ومعناه أنه لا ينصرف منها على ~~غرار وهو شاك فيها ونظيره ما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليصل ركعة أخرى وإن كان قد ~~تمت صلاته فالركعة والسجدتان له نافلة وروي عن مجاهد ساهون قال لاهون قال ~~أبو بكر كأنه أراد أنهم يسهون للهوهم عنها فإنما استحقوا اللوم لتعرضهم ~~للسهو لقلة فكرهم فيها إذ كانوا مرائين في صلاتهم لأن السهو الذي ليس من ~~فعله لا يستحق العقاب عليه وقوله تعالى يدع اليتيم قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة يدفعه عن حقه وقوله تعالى ويمنعون الماعون قال علي وابن عباس رواية ~~ابن عمر وابن المسيب الماعون الزكاة وروى الحارث عن علي الماعون منع الفأس ~~والقدر والدلو وكذلك قال ابن مسعود عن ابن عباس رضي الله عنهما رواية أخرى ~~العارية وقال ابن المسيب الماعون المال وقال أبو عبيدة كل ما فيه منفعة فهو ~~الماعون قال أبو بكر يجوز أن يكون جميع ما روي فيه مرادا لأن عارية هذه ~~الآلات قد تكون واجبة في ms2473 حال الضرورة إليها ومانعها مذموم مستحق للذم وقد ~~يمنعها المانع لغير ضرورة فينبئ ذلك عن لؤم ومجانبة أخلاق المسلمين وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق آخر السورة # | ومن سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ قال الحسن صلاة يوم النحر ونحر ~~البدن وقال PageV05P375 عطاء ومجاهد صل الصبح بجمع وانحر البدن بمنى قال ~~أبو بكر وهذا التأويل يتضمن معنيين أحدهما إيجاب صلاة الضحى والثاني وجوب ~~الأضحية وقد ذكرناه فيما سلف وروى حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن أبيه عن ~~علي فصل لربك وانحر قال وضع اليد اليمنى على الساعد الأيسر ثم وضعه على ~~صدره وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس فصل لربك وانحر قال وضع اليمين على ~~الشمال عند النحر في الصلاة وروي عن عطاء أنه رفع اليدين في الصلاة وقال ~~الفراء يقال استقبل القبلة بنحرك فإن قيل يبطل التأويل الأول حديث البراء ~~بن عازب قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى إلى البقيع ~~فبدأ فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وقال إن أول نسكنا في يومنا هذا أن ~~نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ومن ذبح قبل ذلك ~~فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء فسمى صلاة العيد والنحر سنة ~~فدل على أنه لم يؤمر بهما في الكتاب قيل له ليس كما ظننت لأن ما سنه الله ~~وفرضه لجائز أن نقول هذا سنتنا وهذا فرضنا كما نقول هذا ديننا وإن كان الله ~~فرضه علينا وتأويل من تأوله على حقيقة نحر البدن أولى لأنه حقيقة اللفظ ~~ولأنه لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره لأن من قال نحر فلان اليوم عقل منه نحر ~~البدن ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار ويدل على أن المراد الأول اتفاق ~~الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر وقد روي عن علي وأبي هريرة وضع اليمين ~~على اليسار أسفل السرة وقد روي عن النبي صلى ms2474 الله عليه وسلم أنه كان يضع ~~يمينه على شماله في الصلاة من وجوه كثيرة آخر السورة # | ومن سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى لكم دينكم ولي دين قال أبو بكر هذه الآية وإن كانت خاصة في ~~بعض الكفار دون بعض لأن كثيرا منهم قد أسلموا وقد قال ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد فإنها قد دلت على أن الكفر كله ملة واحدة لأن من لم يسلم منهم مع ~~اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية ثم جعل دينهم دينا واحدا ودين الإسلام دينا ~~واحدا فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة آخر السورة PageV05P376 # | ومن سورة إذا جاء نصر الله # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح @QE@ روي أنه فتح مكة وهذا يدل ~~على أنها فتحت عنوة لأن إطلاق اللفظ يقتضيه ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد ~~وقوله تعالى @QB@ فسبح بحمد ربك @QE@ واستغفره روى أبو الضحى عن مسروق عن ~~عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده ~~سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن وروى الأعمش عن مسلم عن ~~مسروق عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن ~~يموت سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك قالت قلت يا رسول الله ما هذه ~~الكلمات التي أراك قد أحدثتها قال جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها ~~إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخرها آخر السورة # | ومن سورة تبت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ما أغنى عنه ماله وما كسب روي عن ابن عباس وما كسب يعني ولده ~~وسماهم ابن عباس الكسب الخبيث وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أفضل ما ~~أكل الرجل من كسبه وأن ولده من كسبه قال أبو بكر هو كقوله أنت ومالك لأبيك ~~وهو يدل على صحة استيلاد الأب لجارية ابنه وأنه مصدق عليه وتصير أم ولده ~~ويدل على أن الوالد لا يقتل بولده لأنه سماه كسبا ms2475 له كما لا يقاد لعبده ~~الذي هو كسبه وقوله تعالى @QB@ سيصلى نارا ذات لهب @QE@ إحدى الدلالات على ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بأنه وامرأته سيموتان على ~~الكفر ولا يسلمان فوجد مخبره على ما أخبر به وقد كان هو وامرأته سمعا بهذه ~~السورة ولذلك قالت امرأته إن محمدا هجانا فلو أنهما قالا قد أسلمنا وأظهرا ~~ذلك وإن لم يعتقداه لكانا قد ردا هذا القول ولكان المشركون يجدون متعلقا ~~ولكن الله علم أنهما لا يسلمان إلا بإظهاره ولا باعتقاده فأخبر بذلك وكان ~~مخبره على ما أخبر به وهذا نظير قوله لو قال إنكما لا تتكلمان اليوم فلم ~~يتكلما مع ارتفاع الموانع وصحة الآلة فيكون ذلك من أظهر الدلالات على صحة ~~نبوته وإنما ذكر الله أبا لهب PageV05P377 بكنيته وذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم باسمه وكذلك زيد وكل من ذكره في الكتاب فإنما ذكرهم بالإسم دون الكنية ~~لأن أبا لهب كان اسمه عبدالعزى وغير جائز تسميته بهذا الإسم فلذلك عدل عن ~~اسمه إلى كنيته آخر السورة # | ومن سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي ~~قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ~~أبيه عن عقبة بن عامر قال بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول يا عقبة تعوذ بهما ~~فما تعوذ متعوذ بمثلهما قال وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة وروي عن جعفر بن ~~محمد قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرقاه بالمعوذتين وقالت ~~عائشة أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من العين وروى الشعبي ~~عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رقية إلا من عين أو حمى ~~وعن أنس عن النبي صلى ms2476 الله عليه وسلم مثله وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ~~أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش ~~عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبدالله عن زينب ~~امرأة عبدالله عن عبدالله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ~~الرقى والتمائم والتولة شرك قالت قلت لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف ~~فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت فقال عبدالله إنما ذلك ~~عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاهما كف عنهما إنما يكفيك أن تقولي كما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي ~~لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وقوله تعالى ومن شر النفاثات في ~~العقد قال أبو صالح النفاثات في العقد السواحر وروى معمر عن قتادة أنه تلا ~~@QB@ ومن شر النفاثات في العقد @QE@ قال إياكم وما يخالط السحر من هذه ~~الرقى قال أبو بكر النفاثات في العقد السواحر ينفثن على العليل ويرقونه ~~بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم للكواكب ويطعمن العليل الأدوية الضارة والسموم ~~القاتلة ويحتالون في التوصل إلى ذلك ثم يزعمن أن ذلك من رقاهن هذا لمن أردن ~~ضرره PageV05P378 وتلفه وأما من يزعمن أنهن يردن نفعه فينفثن عليه ويوهمن ~~أنهن ينفعن بذلك وربما يسقينه بعض الأدوية النافعة فينفق للعليل خفة الوجع ~~فالرقية المنهي عنها هي رقية الجاهلية لما تضمنته من الشرك والكفر وأما ~~الرقية بالقرآن وبذكر الله تعالى فإنها جائزة وقد أمر بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وندب إليها وكذلك قال أصحابنا في التبرك بالرقية بذكر الله وإنما ~~أمر الله تعالى بالإستعاذة من شر النفاثات في العقد لأن من صدق بأنهن ينفعن ~~بذلك كان ذلك ضررا عليه في الدين من حيث يعتقد جواز نفعها وضررها بتلك ~~الرقية ومن جهة أخرى شرهن فيما يحتلن من سقي السموم والأدوية الضارة وقوله ~~تعالى ومن شر حاسد إذا حسد حدثنا عبدالله بن محمد ms2477 قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى ومن شر حاسد ~~إذا حسد قال يقول من شر عينيه ونفسه قال أبو بكر قد روت عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي من العين وروى ابن عباس وأبو هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال العين حق والأخبار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بصحة العين متظاهرة حدثنا ابن قانع قال حدثنا القاسم بن زكريا قال ~~حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا أبو إبراهيم السقاء عن ليث عن طاوس عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق فلو كان شيء يسبق ~~القدر لسبقته العين فإذا استغسلتم فاغسلوا قال أبو بكر زعم بعض الناس أن ~~ضرر العين إنما هو من جهة شيء ينفصل من العائن فيتصل بالمعين وهذا هو شر ~~وجهل وإنما العين في الشيء المستحسن عند العائن فيتفق في كثير من الأوقات ~~ضرر يقع بالمعين ويشبه أن يكون الله تعالى إنما يفعل ذلك عند إعجاب الإنسان ~~بما يراه تذكيرا له لئلا يركن إلى الدنيا ولا يعجب بشيء منها وهو نحو ما ~~روي أن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تسبق فجاء أعرابي ~~على قعود له فسابق بها فسبقها فشق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال صلى الله عليه وسلم حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ~~وكذلك أمر العائن عند إعجابه بما يراه أن يذكر الله وقدرته فيرجع إليه ~~ويتوكل عليه قال الله تعالى @QB@ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله @QE@ فأخبر بهلاك جنته عند إعجابه بها بقوله فقال ودخل جنته ~~وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا إلى قوله تعالى ولولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله أي لتبقى عليك نعم الله تعالى إلى ~~وقت وفاتك وحدثنا PageV05P379 عبدالباقي قال ms2478 حدثنا إسماعيل بن الفضل قال ~~حدثنا العباس بن أبي طالب قال حدثنا حجاج قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن ~~ثمامة عن أنس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى شيئا أعجبه فقال ~~الله الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره شيء تم بحمد الله والله ~~الموفق PageV05P380 ms2479