######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007370 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007370 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7370 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7370 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد علي شاهين #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1415هـ/1994م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم ### | مدخل # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي رضي الله عنه: قد قدمنا في صدر هذا ~~الكتاب مقدمة 1 تشتمل على ذكر جمل مما لا يسع جهله من أصول التوحيد، وتوطئة ~~لما يحتاج إليه من معرفة طرق استنباط معاني القرآن واستخراج دلائله وأحكام ~~ألفاظه، وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء اللغوية والعبارات ~~الشرعية; إذ كان أولى العلوم بالتقديم معرفة توحيد الله وتنزيهه عن شبه ~~خلقه وعما نحله المفترون من ظلم عبيده، والآن حتى انتهى بنا القول إلى ذكر ~~أحكام القرآن ودلائله. والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه ويزلفنا لديه، ~~إنه ولي ذلك والقادر عليه. # باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر: الكلام فيها من وجوه: أحدها: معنى الضمير الذي فيها. ~~والثاني: هل هي من القرآن في افتتاحه؟ والثالث: هل هي من الفاتحة أم لا؟ ~~والرابع: هل هي من أوائل السور؟ والخامس: هل هي آية تامة أم ليست بآية ~~تامة؟ والسادس: قراءتها في الصلاة. والسابع: تكرارها في أوائل السور في ~~الصلاة. والثامن: الجهر بها. والتاسع: ذكر ما في مضمرها من الفوائد وكثرة ~~المعاني. # فنقول: إن فيها ضمير فعل لا يستغني الكلام عنه; لأن الباء مع سائر حروف ~~الجر لا بد أن يتصل بفعل إما مظهر مذكور، وإما مضمر محذوف، والضمير في هذا ~~الموضع ينقسم إلى معنيين: خبر وأمر، فإذا كان الضمير خبرا كان معناه: أبدأ ~~بسم الله، فحذف هذا الخبر وأضمر; لأن القارئ مبتدئ، فالحال المشاهدة منبئة ~~عنه، مغنية عن ذكره، وإذا كان أمرا كان معناه: ابدءوا بسم الله، واحتماله ~~لكل واحد من المعنيين على وجه واحد. وفي نسق تلاوة السورة دلالة على أنه ~~أمر، وهو قوله تعالى: {إياك نعبد} . ومعناه: قولوا إياك، كذلك ابتداء ~~الخطاب في معنى قوله: {بسم الله} [علق: 1] . وقد PageV01P005 # ورد الأمر بذلك في مواضع من القرآن مصرحا وهو قوله تعالى: {اقرأ باسم ~~ربك} فأمر في افتتاح لقراءة بالتسمية كما أمر ms0001 أمام القراءة بتقديم ~~الاستعاذة، وهو إذا كان خبرا فإنه يتضمن معنى الأمر; لأنه لما كان معلوما ~~أنه خبر من الله بأنه يبدأ باسم الله ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرك ~~بافتتاحه; لأنه إنما أخبرنا به لنفعل مثله، ولا يبعد أن يكون الضمير لهما ~~جميعا، فيكون الخبر والأمر جميعا مرادين، لاحتمال اللفظ لهما فإن قال قائل: ~~لو صرح بذكر الخبر لم يجز أن يريد به المعنيين جميعا من الأمر والخبر، كذلك ~~يجب أن يكون حكم الضمير في انتفاء إرادة الأمرين، قيل له: إذا أظهر صيغة ~~الخبر امتنع أن يريدهما لاستحالة كون لفظ واحد أمرا وخبرا في حال واحد; ~~لأنه متى أراد بالخبر الأمر كان اللفظ مجازا، وإذا أراد به حقيقة الخبر كان ~~حقيقة، وغير جائز أن يكون اللفظ الواحد مجازا حقيقة، لأن الحقيقة هي اللفظ ~~المستعمل في موضعه، والمجاز ما عدل به عن موضعه إلى غيره، ويستحيل كونه ~~مستعملا في موضعه ومعدولا به عنه في حال واحد; فلذلك امتنع إرادة الخبر ~~والأمر بلفظ واحد. # وأما الضمير فغير مذكور، وإنما هو متعلق بالإرادة ولا يستحيل إرادتهما ~~معا عند احتمال اللفظ لإضمار كل واحد منهما، فيكون معناه حينئذ: أبدأ بسم ~~الله على معنى الخبر، وابدءوا أنتم أيضا به اقتداء بفعلي وتبركا به غير أن ~~جواز إرادتهما لا يوجب عند الإطلاق إثباتهما إلا بدلالة; إذ ليس هو عموم ~~لفظ مستعمل على مقتضاه وموجبه. وإنما الذي يلزم حكم اللفظ إثبات ضمير محتمل ~~لكل واحد من الوجهين. وتعيينه في أحدهما موقوف على الدلالة كذلك قولنا في ~~نظائره نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه" لأن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا ويحتمل ~~المأثم لم يمتنع إرادة الأمرين بأن لا يلزمه شيء، ولا مأثم عليه عند الله ~~لاحتمال اللفظ لهما وجواز إرادتهما، إلا أنه مع ذلك ليس بعموم لفظ ~~فينتظمهما، فاحتجنا في إثبات المراد إلى دلالة من غيره، وليس يمتنع قيام ~~الدلالة على إرادة أحدهما بعينه أو ms0002 إرادتهما جميعا. # وقد يجيء من الضمير المحتمل لأمرين ما لا يصح إرادتهما معا، نحو ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات". معلوم أن ~~حكمه متعلق بضمير يحتمل جواز العمل ويحتمل أفضليته. 1فمتى أراد الجواز ~~امتنعت إرادة الأفضلية; لأن إرادة الجواز تنفي ثبوت حكمه مع عدم النية، ~~وإرادة الأفضلية تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة مع إثبات النقصان فيه ~~ونفي الأفضلية، ويستحيل أن يريد نفي الأصل ونفي الكمال الموجب PageV01P006 # للنقصان في حال واحد. وهذا مما لا يصح فيه إرادة المعنيين من نفي الأصل ~~وإثبات النقص، ولا يصح قيام الدلالة على إرادتهما. # قال أبو بكر: وإذا ثبت اقتضاؤه لمعنى الأمر انقسم ذلك إلى فرض ونفل ~~فالفرض هو ذكر الله عند افتتاح الصلاة في قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى ~~وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14-15] فجعله مصليا عقيب الذكر، فدل على أنه ~~أراد ذكر التحريمة وقال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: ~~8] . قيل إن المراد به ذكر الافتتاح. روي عن الزهري في قوله تعالى: ~~{وألزمهم كلمة التقوى} [الفتح: 26] قال: هي بسم الله الرحمن الرحيم; وكذلك ~~هو في الذبيحة فرض، وقد أكده بقوله: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: ~~36] وقوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} [الأنعام: ~~121] . وهو في الطهارة والأكل والشرب وابتداء الأمور نفل. فإن قال قائل هلا ~~أوجبتم التسمية على الوضوء بمقتضى الظاهر لعدم الدلالة على خصوصه مع ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" ~~قيل له: الضمير ليس بظاهر، فيعتبر عمومه، وإنما ثبت منه ما قامت الدلالة ~~عليه; وقوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" على جهة نفي الفضيلة ~~لدلائل قامت عليه. # PageV01P007 # باب القول في أنها من القرآن # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين أن {بسم الله الرحمن الرحيم} من ~~القرآن في قوله تعالى: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[النمل: ms0003 30] . وروي أن جبريل عليه السلام أول ما أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن قال له: اقرأ قال: "ما أنا بقارئ" قال له: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} . وروى أبو قطن عن المسعودي عن الحارث العكلي أن النبي عليه ~~السلام كتب في أوائل الكتب: باسمك اللهم، حتى نزل {بسم الله مجراها ~~ومرساها} [هود: 41] فكتب: بسم الله، ثم نزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] فكتب فوقه: الرحمن، فنزلت قصة سليمان فكتبها ~~حينئذ. ومما سمعنا في سنن أبي داود، قال: قال الشعبي ومالك وقتادة وثابت إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة ~~النمل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يكتب بينه وبين سهيل ~~بن عمرو كتاب الهدنة بالحديبية قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم" فقال له سهيل: باسمك اللهم، فإنا لا نعرف الرحمن ~~إلى أن سمح بها بعد. فهذا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من ~~القرآن، ثم أنزلها الله تعالى في سورة النمل. # PageV01P007 # القول في أنها من فاتحة الكتاب # قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا; فعدها قراء ~~الكوفيين آية منها ولم يعدها قراء البصريين وليس عن أصحابنا رواية منصوصة ~~في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر ~~بها، وهذا يدل على أنها ليست منها عندهم لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر ~~بها كما جهر بسائر آي السور قال الشافعي: هي آية منها، وإن تركها أعاد ~~الصلاة، وتصحيح أحد هذين القولين موقوف على الجهر والإخفاء، على ما سنذكره ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P008 # القول في هل هي من أوائل السور # قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها، ~~على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر ~~بها ولأنها ms0004 إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها; إذ ليس من ~~قول أحد أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها ~~آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو ~~في أنها آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدها أحد آية من سائر ~~السور. ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديث سفيان بن عيينة عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ~~ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: ~~حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: مجدني عبدي أو أثنى علي عبدي، ~~وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: فوض إلي عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول عبدي: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} إلى آخرها، قال: لعبدي ما سأل" فلو كانت من فاتحة الكتاب ~~لذكرها فيما ذكر من آي السورة، فدل ذلك على أنها ليست منها. # ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة ~~فاتحة الكتاب وجعلها نصفين، فانتفى بذلك أن تكون {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~آية منها من وجهين: أحدهما: أنه لم يذكرها في القسمة; الثاني أنها لو صارت ~~في القسمة لما كانت نصفين، بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأن ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} ثناء على الله تعالى لا شيء للعبد فيه. فإن قال ~~قائل: إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة، قيل # PageV01P008 # له: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه إذا كانت آية غيرها 1 فلا بد من ~~ذكرها، ولو جاز ما ذكرت لجاز الاقتصار بالقرآن على ما في السورة منها ~~دونها. ووجه آخر، وهو أن قوله بسم الله فيه ثناء على الله، وهو مع ms0005 ذلك اسم ~~مختص بالله تعالى لا يسمى به غيره، فالواجب لا محالة أن يكون مذكورا في ~~القسمة; إذ لم يتقدم له ذكر فيما قسم من آي السورة. # وقد روي هذا الخبر على غير هذا الوجه، وهو ما حدثنا به محمد بن بكر، قال: ~~حدثنا أبو داود، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه ~~سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ~~فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل يقول العبد: {الحمد لله رب ~~العالمين} فيقول الله: حمدني عبدي، فيقول: {الرحمن الرحيم} يقول الله: أثنى ~~علي عبدي، يقول العبد: {مالك يوم الدين} يقول الله: مجدني عبدي، وهذه الآية ~~بيني وبين عبدي، يقول العبد: {إياك نعبد وإياك نستعين} يقول الله: فهذه ~~بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل" فذكر في هذا الحديث في {مالك يوم الدين} ~~أنه بيني وبين عبدي نصفين هذا غلط من راويه; لأن قوله تعالى: {مالك يوم ~~الدين} ثناء خالص لله تعالى لا شيء للعبد فيه كقوله: {الحمد لله رب ~~العالمين} . وإنما جعل قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} بينه وبين العبد لما ~~انتظم من الثناء على الله تعالى ومن مسألة العبد ألا ترى أن سائر الآي ~~بعدها من قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} جعلها للعبد خاصة; إذ ليس ~~فيه ثناء على الله، وإنما هو مسألة من العبد لما ذكر ومن جهة أخرى أن قوله: ~~{مالك يوم الدين} لو كان بينه وبين العبد، وكذلك قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} لما كان نصفين على قول من يعد {بسم الله الرحمن الرحيم} آية بل كان ~~يكون لله تعالى أربع 2 وللعبد ثلاث. # ومما يدل على أن البسملة ليست من أوائل السور وإنما هي للفصل بينها ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: ~~أخبرنا هشيم عن عوف الأعرابي عن يزيد القاري، قال: سمعت ms0006 ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى ~~براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني، فجعلتموهما في السبع ~~الطوال، ولم تكتبوا بينهما PageV01P009 # سطر {بسم الله الرحمن الرحيم} ؟ قال عثمان: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما ينزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له فيقول: "ضع هذه الآية في ~~السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وينزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، ~~وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من ~~القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في ~~السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر {بسم الله الرحمن الرحيم} فأخبر عثمان أن ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} لم يكن من السورة، وأنه إنما كان يكتبها في فصل ~~السورة بينها وبين غيرها لا غير. # وأيضا فلو كانت من السور ومن فاتحة الكتاب لعرفته الكافة بتوقيف من النبي ~~عليه السلام أنها منها كما عرفت مواضع سائر الآي من سورها ولم يختلف فيها، ~~وذلك أن سبيل العلم بمواضع الآي كهو بالآي نفسها، فلما كان طريق إثبات ~~القرآن نقل الكافة دون نقل الآحاد وجب أن تكون كذلك حكم مواضعه وترتيبه. ~~ألا ترى أنه غير جائز لأحد إزالة ترتيب آي القرآن ولا نقل شيء منه عن موضعه ~~إلى غيره، فإن فاعل ذلك بمنزلة من رام إزالته ورفعه فلو كانت {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} من أوائل السور لعرفت الكافة موضعها منها كسائر الآي ~~وكموضعها من سورة النمل فلما لم نرهم نقلوا ذلك إلينا من طريق التواتر ~~الموجب للعلم لم يجز لنا إثباتها في أوائل السور فإن قال قائل: قد نقلوا ~~إلينا جميع ما في المصحف على أنه القرآن، وذلك كاف في إثباتها من السور في ~~مواضعها المذكورة في المصحف، قيل له: إنما نقلوا إلينا كتبها في أوائلها ~~ولم ينقلوا إلينا أنها منها; وإنما الكلام بيننا وبينكم في أنها من هذه ~~السورة التي هي ms0007 مكتوبة في أوائلها، ونحن نقول بأنها من القرآن أثبتت في هذه ~~المواضع لا على أنها من السور. وليس إيصالها بالسورة في المصحف وقراءتها ~~معها موجبين أن يكون منها; لأن القرآن كله بعضه متصل ببعض، وما قبل {بسم ~~الله الرحمن الرحيم} متصل بها، ولا يجب من أجل ذلك أن يكون الجميع سورة ~~واحدة فإن قال قائل: لما نقل إلينا المصحف وذكروا أن ما فيه هو القرآن على ~~نظامه وترتيبه، فلو لم تكن من أوائل السور مع النقل المستفيض لبينوا ذلك ~~وذكروا أنها ليست من أوائلها لئلا تشتبه. قيل له: هذا يلزم من يقول إنها ~~ليست من القرآن، فأما من أعطى القول بأنها منه فهذا السؤال ساقط عنه. فإن ~~قيل: ولو لم تكن منها لعرفته الكافة حسب ما ألزمت من يقول: إنها منها. قيل ~~له: لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من السورة أنه ليس منها، كما ليس عليهم ~~نقل ما ليس من القرآن أنه ليس منه. وإنما عليهم نقل ما هو من السورة أنه ~~منها، كما عليهم نقل ما هو من القرآن أنه منه فإذا لم يرد النقل المستفيض ~~بكونها من السور واختلف فيه لم يجز لنا إثباتها كإثبات القرآن نفسه. # PageV01P010 # ويدل أيضا على أنها ليست من أوائل السور ما حدثنا محمد بن جعفر بن أبان، ~~قال: حدثنا محمد بن أيوب، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثني يحيى بن سعيد عن ~~شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: {تبارك الذي ~~بيده الملك} " واتفق القراء وغيرهم أنها ثلاثون آية سوى {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين آية، وذلك خلاف قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ويدل عليه أيضا اتفاق جميع قراء الأمصار وفقهائهم على أن ~~سورة الكوثر ثلاث آيات، وسورة الإخلاص أربع آيات; فلو كانت منها لكانت أكثر ~~مما عدوا. # فإن قال قائل: إنما عدوا سواها; لأنه لا إشكال ms0008 فيها عندهم، قيل له: فكان ~~لا يجوز لهم أن يقولوا: "سورة الإخلاص أربع آيات وسورة الكوثر ثلاث آيات". ~~والثلاث والأربع إنما هي بعض السورة; ولو كان ذلك لوجب أن يقولوا في ~~الفاتحة إنها ست آيات. # قال أبو بكر رحمه الله: وقد روى عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي جلال 1 ~~عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " ~~{الحمد لله رب العالمين} سبع آيات إحداهن {بسم الله الرحمن الرحيم} " وشك ~~بعضهم في ذكر أبي هريرة في الإسناد، وذكر أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد بن ~~جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي عليه ~~السلام قال: "إذا قرأتم {الحمد لله رب العالمين} فاقرءوا {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} فإنها إحدى آياتها". # قال أبو بكر: ثم لقيت نوحا فحدثني به عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله، ~~ولم يرفعه. ومثل هذا الاختلاف في السند والرفع يدل على أنه غير مضبوط في ~~الأصل، فلم يثبت به توقيف عن النبي عليه السلام ومع ذلك فجائز أن يكون ~~قوله: "فإنها إحدى آياتها" من قول أبي هريرة لأن الراوي قد يدرج كلامه في ~~الحديث من غير فصل بينهما لعلم السامع الذي حضره بمعناه، وقد وجد مثل ذلك ~~كثيرا في الأخبار، فغير جائز فيما كان هذا وصفه أن يعزى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالاحتمال، وجائز أن يكون أبو هريرة قال ذلك من جهة أنه سمع ~~النبي عليه السلام يجهر بها، وظنها من السورة; لأن أبا هريرة قد روى الجهر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا لو ثبت هذا الحديث عاريا من الاضطراب ~~في السند والاختلاف في الرفع وزوال الاحتمال في كونه من قول أبي هريرة لما ~~جاز لنا إثباتها من السورة; إذ كان طريق إثباتها نقل الأمة على ما بين ~~آنفا. PageV01P011 # فصل # وأما القول في أنها آية أو ليست بآية، فإنه لا خلاف أنها ليست بآية تامة ms0009 ~~في سورة النمل، وأنها هناك بعض آية، وأن ابتداء الآية من قوله تعالى: {إنه ~~من سليمان} [النمل: 30] . ومع ذلك فكونها ليست آية تامة في سورة النمل لا ~~يمنع أن تكون آية في غيرها لوجودنا مثلها في القرآن ألا ترى أن قوله: ~~{الرحمن الرحيم} في أضعاف الفاتحة هو آية تامة، وليست بآية من قوله: {بسم ~~الله الرحمن الرحيم} عند الجميع، وكذلك قوله: {الحمد لله رب العالمين} هو ~~آية تامة في الفاتحة، وهي بعض آية في قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين} [يونس: 10] . وإذا كان كذلك احتمل أن تكون بعض آية في ~~فصول السور واحتمل أن تكون آية على حسب ما ذكرنا، وقد دللنا على أنها ليست ~~من الفاتحة، فالأولى أن تكون أية تامة من القرآن من غير سورة النمل; لأن ~~التي في سورة النمل ليست بآية تامة. # والدليل على أنها آية تامة حديث ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضي الله عنها ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة فعدها آية وفي لفظ آخر أن ~~النبي عليه السلام كان يعد {بسم الله الرحمن الرحيم} آية فاصلة رواه الهيثم ~~بن خالد عن أبي عكرمة عن عمرو بن هارون عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة عن ~~النبي عليه السلام. وروى أيضا أسباط عن السدي عن عبد خير عن علي أنه كان ~~يعد {بسم الله الرحمن الرحيم} آية وعن ابن عباس مثله. وروى عبد الكريم عن ~~أبي أمية البصري عن ابن أبي بردة عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية أو سورة لم تنزل على نبي بعد ~~سليمان صلى الله عليه وسلم غيري" فمشى واتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، ~~وأخرج إحدى رجليه من أسكفة الباب وبقيت الرجل الأخرى، ثم أقبل علي بوجهه، ~~فقال: "بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ " فقلت: {ببسم الله الرحمن ~~الرحيم} قال: ثم خرج. # قال أبو بكر: فثبت بما ذكرنا أنها آية; ms0010 إذ لم تعارض هذه الأخبار أخبار ~~غيرها في نفي كونها آية، فإن قال قائل: يلزمك على ما أصلت أن لا تثبتها آية ~~بأخبار الآحاد حسب ما قلته في نفي كونها آية من أوائل السور، قيل له: لا ~~يجب ذلك من قبل أنه ليس على النبي عليه السلام توقيف الأمة على مقاطع الآي # PageV01P012 # ومقاديرها، ولم يتعبد بمعرفتها فجائز إثباتها آية بخبر الواحد 1. وأما ~~موضعها من السور فهو كإثباتها من القرآن، سبيله النقل المتواتر، ولا يجوز ~~إثباتها بأخبار الآحاد ولا بالنظر والمقاييس كسائر السور وكموضعها من سورة ~~النمل ألا ترى أنه قد كان يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف على موضع ~~الآي على ما روى ابن عباس عن عثمان، وقد قدمنا ذكره، ولم يوجد عن النبي ~~عليه السلام توقيف في سائر الآي على مبادئها ومقاطعها فثبت أنه غير مفروض ~~علينا مقادير الآي، فإذ قد ثبت أنها آية فليست تخلو من أن تكون آية في كل ~~موضع هي مكتوبة فيه من القرآن. وإن لم تكن من أوائل السور، أو أن تكون آية ~~منفردة كررت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك ~~باسم الله تعالى فالأولى أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه، لنقل الأمة ~~أن جميع ما في المصحف من القرآن، ولم يخصوا شيئا منه من غيره. وليس وجودها ~~مكررة في هذه المواضع مخرجها من أن تكون من القرآن لوجودنا كثيرا منه ~~مذكورا على وجه التكرار، ولا يخرجه ذلك من أن تكون كل آية منها، وكل لفظة ~~من القرآن في الموضع المذكور فيه نحو قوله {الحي القيوم} في سورة البقرة، ~~ومثله في سورة آل عمران، ونحو قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} كل آية منها ~~مفردة في موضعها من القرآن لا على معنى تكرار آية واحدة وكذلك {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} وقول النبي عليه السلام إنها آية يقتضي أن تكون آية في كل ~~موضع ذكرت فيه. # فصل # وأما قراءتها في الصلاة فإن أبا حنيفة ms0011 وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن ~~صالح وأبا يوسف ومحمدا وزفر والشافعي كانوا يقولون بقراءتها في الصلاة بعد ~~الاستعاذة قبل فاتحة الكتاب، واختلفوا في تكرارها في كل ركعة وعند افتتاح ~~السورة; فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرؤها في كل ركعة مرة واحدة عند ~~ابتداء قراءة فاتحة الكتاب، ولا يعيدها مع السورة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. ~~وقال محمد والحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إذا قرأها في أول ركعة عند ابتداء ~~القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة PageV01P013 # حتى يسلم، وإن قرأها مع كل سورة فحسن قال الحسن: وإن كان مسبوقا فليس ~~عليه أن يقرأها فيما يقضي; لأن الإمام قد قرأها في أول صلاته، وقراءة ~~الإمام له قراءة. قال أبو بكر: وهذا يدل من قوله على أنه كان يرى {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} من القرآن في ابتداء القراءة، وأنها ليست مفردة على وجه ~~التبرك فقط حسب إثباتها في ابتداء الأمور والكتب، ولا منقولة عن مواضعها من ~~القرآن. # وروى هشام عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن قراءة {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} قبل فاتحة الكتاب وتجديدها قبل السورة التي بعد فاتحة الكتاب، فقال ~~أبو حنيفة: يجزيه قراءتها قبل الحمد وقال أبو يوسف: يقرأها في كل ركعة قبل ~~القراءة مرة واحدة ويعيدها في الأخرى أيضا قبل فاتحة الكتاب وبعدها إذا ~~أراد أن يقرأ سورة قال محمد: فإن قرأ سورا كثيرة وكانت قراءته يخفيها قرأها ~~عند افتتاح كل سورة، وإن كان يجهر بها لم يقرأها; لأنه في الجهر يفصل بين ~~السورتين بسكتة قال أبو بكر: وهذا من قول محمد يدل على أن قراءة {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} إنما هي للفصل بين السورتين أو لابتداء القراءة، وأنها ليست ~~من السور، ولا دلالة فيه على أنه كان لا يراها آية وأنها ليست من القرآن. ~~وقال الشافعي: هي من أول كل سورة فيقرأها عند ابتداء كل سورة. # قال أبو بكر: وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنها تقرأ في كل ركعة ms0012 وعن ~~إبراهيم قال: إذا قرأتها في أول كل ركعة أجزأك فيما بقي. وقال مالك بن أنس: ~~لا يقرؤها في المكتوبة سرا ولا جهرا، وفي النافلة إن شاء قرأ وإن شاء ترك. ~~والدليل على أنها تقرأ في سائر الصلوات حديث أم سلمة وأبي هريرة أن النبي ~~عليه السلام كان يقرأ في الصلاة: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب ~~العالمين} . وروى أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يسرون {بسم الله الرحمن الرحيم} "، وقال في ~~بعضها: "يخفون"، وفي بعضها: "كانوا لا يجهرون" ومعلوم أن ذلك كان في الفرض; ~~لأنهم إنما كانوا يصلون خلفه في الفرائض لا في التطوع; إذ ليس من سنة ~~التطوع فعلها في جماعة، وقد روي عن عائشة وعبد الله بن المغفل وأنس بن ~~مالك: " أن النبي عليه السلام كان يفتتح القراءة ب {الحمد لله رب العالمين} ~~"، وهذا إنما يدل على ترك الجهر بها ولا دلالة فيه على تركها رأسا فإن قال ~~قائل: روى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، قال: "كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح ب {الحمد لله رب العالمين} ولم ~~يسكت"، قيل له: ليس لمالك فيه دليل من قبل أنه إن ثبت أنه لم يقرأها في ~~الثانية فإنما ذلك حجة لمن يقتصر عليها في أول ركعة، فأما أن يكون دليلا ~~على تركها رأسا فلا. وقد روي قراءتها في أول الصلاة عن علي وعمر وابن عباس ~~وابن عمر من غير # PageV01P014 # معارض لهم من الصحابة فثبت بذلك قراءتها في الفرض والنفل لما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من غير معارض لهم، وعلى أنه لا فرق ~~بين الفرض والنفل لا في الإثبات ولا في النفي كما لا يختلفان في سائر سنن ~~الصلاة. وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة في اقتصاره على قراءتها في أول ركعة ~~دون سائر الركعات وسورها فهو لما ثبت أنها ليست من أوائل السور; ms0013 وإن كانت ~~آية في موضعها على وجه الفصل بين السورتين أمرنا بالابتداء بها تبركا ثم ~~ثبت أنها مقروءة في أول الصلاة بما قدمناه، وكانت حرمة الصلاة حرمة واحدة ~~وجميع أفعالها مبنية على التحريمة، صار جميع الصلاة كالفعل الواحد الذي ~~يكتفى بذكر اسم الله تعالى في ابتدائه ولا يحتاج إلى إعادته وإن طال، ~~كالابتداء بها في أوائل الكتب، وكما لم تعد عند ابتداء الركوع والسجود ~~والتشهد وسائر أركان الصلاة، كذلك حكمها مع ابتداء السورة والركعات. # ويدل على أنها موضوعة للفصل ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، ~~قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: "كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} ". وهذا يدل على أن موضوعها للفصل بين السورتين، وأنها ليست من ~~السور، ولا يحتاج إلى تكرارها عند كل سورة فإن قال قائل: إذا كانت موضوعة ~~للفصل بين السورتين فينبغي أن يفصل بينهما بقراءتها على حسب موضوعها قيل ~~له: لا يجب ذلك; لأن الفصل قد عرف بنزولها. وإنما يحتاج في الابتداء بها ~~تبركا; وقد وجد ذلك في ابتداء الصلاة، ولا صلاة هناك مبتدأة فيقرأ من ~~أجلها، فلذلك جاز الاقتصار بها على أولها. وأما من قرأها في كل ركعة فوجه ~~قوله: أن كل ركعة لها قراءة مبتدأة لا ينوب عنها القراءة في التي قبلها فمن ~~حيث احتيج إلى استئناف القراءة فيها صارت كالركعة الأولى، فلما كان المسنون ~~فيها قراءتها في الركعة الأولى; كان كذلك حكم الثانية; إذ كان فيها ابتداء ~~قراءة، ولا يحتاج إلى إعادتها عند كل سورة لأنها فرض واحد، وكان حكم السورة ~~في الركعة الواحدة حكم ما قبلها لأنها دوام على فعل قد ابتدأه، وحكم الدوام ~~حكم الابتداء كالركوع إذا أطاله، وكذلك السجود وسائر أفعال الصلاة الدوام ~~على الفعل الواحد منها حكمه حكم الابتداء، حتى إذا كان الابتداء فرضا كان ~~ما بعده في حكمه. # وأما من رأى إعادتها عند كل سورة ms0014 فإنهم فريقان: أحدهما: من لم يجعلها من ~~السورة، والآخر من جعلها من أوائلها فأما من جعلها من أوائلها فإنه رأى ~~إعادتها كما يقرأ سائر آي السورة. وأما من لم يرها من السورة فإنه يجعل كل ~~سورة كالصلاة المبتدأة فيبتدئ فيها بقراءتها كما فعلها في أول الصلاة; ~~لأنها كذلك في المصحف، كما لو ابتدأ # PageV01P015 # قراءة السورة في غير الصلاة بدأ بها، فكذلك إذا قرأ قبلها سورة غيرها. ~~وقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت علي سورة ~~آنفا" ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم قرأ {إنا أعطيناك الكوثر} ~~[الكوثر: 1] إلى آخرها حتى ختمها. وروى أبو بردة عن أبيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} ~~[الحجر: 1] فهذا يدل على أنه عليه السلام قد كان يبتدئ قراءة السورة في غير ~~الصلاة بها، وكان سبيلها أن يكون كذلك حكمها في الصلاة. وقد روى عبد الله ~~بن دينار عن ابن عمر أنه كان يفتتح أم القرآن ب {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~ويفتتح السورة ب {بسم الله الرحمن الرحيم} . وروى جرير عن المغيرة، قال: ~~أما إبراهيم فقرأ في صلاة المغرب: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} ~~[الفيل: 1] حتى إذا ختمها وصل بخاتمتها {لإيلاف قريش} [قريش: 1] ولم يفصل ~~بينهما ب {بسم الله الرحمن الرحيم} . # فصل # أما الجهر بها فإن أصحابنا والثوري قالوا: يخفيها. وقال ابن أبي ليلى: إن ~~شاء جهر وإن شاء أخفى. وقال الشافعي: يجهر بها. وهذا الاختلاف إنما هو في ~~الإمام إذا صلى صلاة يجهر فيها بالقراءة. وقد روي عن الصحابة فيها اختلاف ~~كثير; فروى عمر بن ذر عن أبيه، قال: صليت خلف ابن عمر فجهر ب {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} وروى حماد عن إبراهيم، قال: كان عمر يخفيها ثم يجهر بفاتحة ~~الكتاب وروى عنه أنس مثل ذلك قال إبراهيم: كان عبد الله بن مسعود وأصحابه ~~يسرون قراءة {بسم الله الرحمن الرحيم} لا يجهرون بها وروى أنس ms0015 أن أبا بكر ~~وعمر كانا يسران {بسم الله الرحمن الرحيم} ، وكذلك روى عنه عبد الله بن ~~المغفل. وروى المغيرة عن إبراهيم، قال: جهر الإمام ب {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} في الصلاة بدعة. وروى جرير عن عاصم الأحول، قال: ذكر لعكرمة الجهر ~~ب {بسم الله الرحمن الرحيم} في الصلاة، فقال: أنا إذا أعرابي وروى أبو يوسف ~~عن أبي حنيفة، قال: بلغني عن ابن مسعود، قال: الجهر في الصلاة ب {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} . وروى حماد بن زيد عن كثير، قال: سئل الحسن عن الجهر ب ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} في الصلاة، فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب. واختلفت ~~الرواية عن ابن عباس، فروى شريك عن عاصم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ~~جهر بها; وهذا يحتمل أن يكون في غير الصلاة. وروى عبد الملك بن أبي حسين عن ~~عكرمة عن ابن عباس في الجهر ب {بسم الله الرحمن الرحيم} قال: ذلك فعل ~~الأعراب وروي عن علي أنه عدها آية، وأنه قال: هي تمام السبع المثاني، ولم ~~يثبت عنه الجهر بها في الصلاة. وقد روى أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد عن أبي ~~وائل، قال: كان عمر وعلي لا يجهران ب {بسم الله # PageV01P016 # الرحمن الرحيم} ولا بالتعوذ ولا بآمين. وروي عن ابن عمر أنه جهر بها في ~~الصلاة فهؤلاء الصحابة مختلفون فيها على ما بينا. # وروى أنس وعبد الله بن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ~~وعثمان كانوا يسرون، وفي بعضها: كانوا يخفون; وجعله عبد الله بن المغفل ~~حدثا في الإسلام وروى أبو الجوزاء عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة ب {الحمد لله رب العالمين} ~~ويختمها بالتسليم. # حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي رحمه الله قال: حدثنا ~~الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام عن محمد بن جابر ~~عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله، قال: "ما جهر رسول الله صلى الله عليه ms0016 ~~وسلم في صلاة مكتوبة ب {بسم الله الرحمن الرحيم} ولا أبو بكر ولا عمر". فإن ~~قال قائل: إذا كان عندك أنها آية من القرآن في موضعها فالواجب الجهر بها ~~كالجهر بالقراءة في الصلوات التي يجهر فيها بالقرآن; إذ ليس في الأصول ~~الجهر ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة. قيل له: إذا لم تكن من فاتحة ~~الكتاب على ما بينا، وإنما هي على وجه الابتداء بها تبركا، جاز أن لا يجهر ~~بها ألا ترى أن قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} ~~[الأنعام: 79] الآية هو من القرآن، ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به، مع ~~الجهر بسائر القراءة، كذلك ما وصفناه. # قال أبو بكر: وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخفائها يدل ~~على أنها ليست من الفاتحة; إذ لو كانت منها لجهر بها كجهره بسائرها فإن ~~احتج محتج بما روى نعيم المجمر أنه صلى وراء أبي هريرة فقرأ {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} ثم لما سلم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبما روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يصلي في بيتها فيقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب ~~العالمين} ، وبما روى جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي وعمار أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يجهر ب {بسم الله الرحمن الرحيم} . قيل له: أما حديث ~~نعيم المجمر عن أبي هريرة فلا دلالة فيه على الجهر بها; لأنه إنما ذكر أنه ~~قرأها، ولم يقل إنه جهر بها وجائز أن لا يكون جهر بها وإن قرأها، وكان علم ~~الراوي بقراءتها إما من جهة أبي هريرة بإخباره إياه بذلك أو من جهة أنه ~~سمعها لقربه منه وإن لم يجهر بها كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ في الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحيانا، ولا خلاف أنه لم يكن يجهر بها. # وقد روى عبد الواحد بن زياد، قال: ms0017 حدثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا ~~أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: "كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا نهض في # PageV01P017 # الثانية استفتح ب {الحمد لله رب العالمين} ولم يسكت", وهذا يدل على أنه ~~لم يكن عنده أنها من فاتحة الكتاب; وإذا لم يكن منها لم يجهر بها; لأن كل ~~من لا يعدها آية منها لا يجهر بها. وأما حديث أم سلمة، فروى الليث عن عبد ~~الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن معلى أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا ففي هذا الخبر أنها ~~نعتت قراءة النبي عليه السلام وليس فيه ذكر قراءتها في الصلاة ولا دلالة ~~فيه على جهر ولا إخفاء لأن أكثر ما فيه أنه قرأها; ونحن كذلك نقول أيضا، ~~ولكنه لا يجهر بها وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بكيفية ~~قراءته فأخبرت بذلك ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ غير جاهر بها، فسمعته لقربها ~~منه; ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض; ~~لأنه عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفردا بل كان يصليها في جماعة وجائز ~~عندنا للمنفرد والمتنفل أن يقرأ كيف شاء من جهر أو إخفاء. # وأما حديث جابر عن أبي الطفيل فإن جابرا ممن لا تثبت به حجة لأمور حكيت ~~عنه تسقط روايته، منها أنه كان يقول بالرجعة على ما حكي، وكان يكذب في كثير ~~مما يرويه; وقد كذبه قوم من أئمة السلف، وقد روى أبو وائل عن علي رضي الله ~~عنه أنه كان لا يجهر بها; ولو كان الجهر ثابتا عنده لما خالفه إلى غيره، ~~وعلى أنه لو تساوت الأخبار في الجهر والإخفاء عن النبي عليه السلام كان ~~الإخفاء أولى من وجهين: أحدهما: ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، منهم ~~أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن المغفل وأنس بن مالك، وقول إبراهيم: ~~الجهر بها بدعة؛ إذ ms0018 كان متى روي عن النبي عليه السلام خبران متضادان وظهر ~~عمل السلف بأحدهما كان الذي ظهر عمل السلف به أولى بالإثبات. والوجه الآخر: ~~أن الجهر بها لو كان ثابتا لورد النقل به مستفيضا متواترا كوروده في سائر ~~القراءة; فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت; إذ ~~الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها كهي إلى معرفة مسنون الجهر في سائر فاتحة ~~الكتاب فإن احتج بما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا ~~الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: ~~حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن ~~معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ولم يكبر ~~إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: أي معاوية سرقت ~~الصلاة، أين {بسم الله الرحمن الرحيم} . وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ ~~فصلى بهم صلاة أخرى فقال فيها ذلك الذي عابوا عليه; قال فقد عرف المهاجرون ~~والأنصار الجهر بها قيل له: لو كان ذلك كما ذكرت لعرفه أبو بكر # PageV01P018 # وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن المغفل وابن عباس ومن روينا عنهم ~~الإخفاء دون الجهر، ولكان هؤلاء أولى بعلمه لقوله عليه السلام: "ليليني ~~منكم أولو الأحلام والنهى". وكان هؤلاء أقرب إليه في حال الصلاة من غيرهم ~~من القوم المجهولين الذين ذكرت، وعلى أن ذلك ليس باستفاضة لأن الذي ذكرت من ~~قول المهاجرين والأنصار إنما رويته من طريق الآحاد، ومع ذلك فليس فيه ذكر ~~الجهر، وإنما فيه أنه لم يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} ونحن أيضا ننكر ترك ~~قراءتها، وإنما كلامنا في الجهر والإخفاء أيهما أولى، والله أعلم. # فصل والأحكام التي يتضمنها قوله {بسم الله الرحمن الرحيم} : الأمر ~~باستفتاح الأمور للتبرك بذلك، والتعظيم لله عز وجل به، وذكرها على الذبيحة ~~شعار وعلم من أعلام الدين وطرد الشيطان; لأنه روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إذا سمى الله العبد ms0019 على طعامه لم ينل منه الشيطان معه وإذا ~~لم يسمه نال منه معه"، وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم ~~بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم، وهو مفزع ~~للخائف، ودلالة من قائله على انقطاعه إلى الله تعالى ولجوئه إليه، وأنس ~~للسامع، وإقرار بالألوهية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله تعالى، وعياذة ~~به، وفيه اسمان من أسماء الله تعالى المخصوصة به لا يسمى بهما غيره، وهما ~~الله والرحمن. # PageV01P019 # باب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة # قال أصحابنا جميعا رحمهم الله: يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من ~~الأوليين، فإن ترك قراءة فاتحة الكتاب، وقرأ غيرها فقد أساء، ويجزيه صلاته. ~~وقال مالك بن أنس: إذا لم يقرأ أم القرآن في الركعتين أعاد وقال الشافعي: ~~أقل ما يجزي فاتحة الكتاب، فإن ترك منها حرفا وخرج من الصلاة أعاد. # قال أبو بكر: روى الأعمش عن خيثمة عن عباد بن ربعي، قال: قال عمر: لا ~~تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا. وروى ابن علية عن ~~الجريري عن ابن بريدة عن عمران بن حصين، قال: لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا وروى معمر عن أيوب عن أبي العالية، قال: سألت ~~ابن عباس عن القراءة في كل ركعة، قال: اقرأ منه ما قل أو كثر وليس من ~~القرآن شيء قليل وروي عن الحسن وإبراهيم والشعبي أن من نسي قراءة فاتحة ~~الكتاب وقرأ غيرها لم يضر، وتجزيه. وروى # PageV01P019 # وكيع عن جرير بن حازم عن الوليد بن يحيى أن جابر بن زيد قام يصلي ذات يوم ~~فقرأ: {مدهامتان} [الرحمن: 64] ثم ركع. # قال أبو بكر: وما روي عن عمر وعمران بن حصين في أنها لا تجزي إلا بفاتحة ~~الكتاب وآيتين محمول على جواز التمام لا على نفي الأصل; إذ لا خلاف بين ~~الفقهاء في جوازها بقراءة فاتحة الكتاب وحدها. والدليل على جوازها مع ترك ~~الفاتحة، وإن كان مسيئا، قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] ومعناه قراءة ms0020 الفجر في صلاة الفجر، ~~لاتفاق المسلمين على أنه لا فرض عليه في القراءة وقت صلاة الفجر إلا في ~~الصلاة; والأمر على الإيجاب حتى تقوم دلالة الندب، فاقتضى الظاهر جوازها ~~بما قرأ فيها من شيء; إذ ليس فيه تخصيص لشيء منه دون غيره. ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] والمراد به القراءة ~~في الصلاة بدلالة قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} ~~[المزمل: 20] إلى قوله {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ولم تختلف ~~الأمة أن ذلك في شأن الصلاة في الليل. وقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن} عموم عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ ~~ويدل على أن المراد به جميع الصلاة من فرض ونفل حديث أبي هريرة ورفاعة بن ~~رافع في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الصلاة حين لم يحسنها ~~فقال له: "ثم اقرأ ما تيسر من القرآن". وأمره بذلك عندنا إنما صدر عن ~~القرآن; لأنا متى وجدنا للنبي صلى الله عليه وسلم أمرا يواطئ حكما مذكورا ~~في القرآن وجب أن يحكم بأنه إنما حكم بذلك عن القرآن، كقطعه السارق وجلده ~~الزاني ونحوها ثم لم يخصص نفلا من فرض فثبت أن مراد الآية عام في الجميع ~~فهذا الخبر يدل على جوازها بغير فاتحة الكتاب من وجهين: أحدهما: دلالته على ~~أن مراد الآية عام في جميع الصلوات. والثاني أنه مستقل بنفسه في جوازها ~~بغيرها، وعلى أن نزول الآية في شأن صلاة الليل لو لم يعاضده الخبر لم يمنع ~~لزوم حكمها في غيرها من الفرائض والنوافل من وجهين: أحدهما: أنه إذا ثبت ~~ذلك في صلاة الليل فسائر الصلوات مثلها، بدلالة أن الفرض والنفل لا يختلفان ~~في حكم القراءة، وأن ما جاز في النفل جاز في الفرض مثله، كما لا يختلفان في ~~الركوع والسجود وسائر أركان الصلاة فإن قال قائل: هما مختلفان عندك; لأن ~~القراءة في الأخريين غير واجبة عندك في الفرض، وهي واجبة في النفل إذا ~~صلاها ms0021 قيل له: هذا يدل على أن النفل آكد في حكم القراءة من الفرض، فإذا جاز ~~النفل مع ترك فاتحة الكتاب فالفرض أحرى أن يجوز. والوجه الآخر: أن أحدا لم ~~يفرق بينهما، ومن أوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب في أحدهما أوجبها في # PageV01P020 # الآخر، ومن أسقط فرضها في أحدهما أسقطه في الآخر فلما ثبت عندنا بظاهر ~~الآية جواز النفل بغيرها وجب أن يكون كذلك حكم الفرض. # فإن قال قائل: فما الدلالة على جواز تركها بالآية؟ قيل له: لأن قوله: ~~{فاقرأوا ما تيسر من القرآن} يقتضي التخيير، وهو بمنزلة قوله: اقرأ ما شئت ~~ألا ترى أن من قال لرجل: بع عبدي هذا بما تيسر، أنه مخير له في بيعه له بما ~~رأى. وإذا ثبت أن الآية تقتضي التخيير لم يجز لنا إسقاطه والاقتصار على شيء ~~معين وهو فاتحة الكتاب; لأن فيه نسخ ما اقتضته الآية من التخيير فإن قال ~~قائل: هو بمنزلة قوله: {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ووجوب الاقتصار ~~به على الإبل والبقر والغنم مع وقوع الاسم على غيرها من سائر ما يهدى ~~ويتصدق به فلم يكن فيه نسخ الآية. قيل له: إن خياره باق في ذبحه أيها شاء ~~من الأصناف الثلاثة، فلم يكن فيه رفع حكمها من التخيير ولا نسخه، وإنما فيه ~~التخصيص، ونظير ذلك ما لو ورد أثر في قراءة آية دون ما هو أقل منها لم يلزم ~~منه نسخ الآية; لأن خياره باق في أن يقرأ أيها شاء من آي القرآن فإن قال ~~قائل: قوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} يستعمل فيما عدا فاتحة الكتاب، ~~فلا يكون فيه نسخ لها، قيل له: لا يجوز ذلك من وجوه: أحدها أنه جعل الأمر ~~بالقراءة عبارة عن الصلاة فيها، فلا يجوز أن تكون عبادة إلا وهي من أركانها ~~التي لا تصح إلا بها. الثاني: أن ظاهره يقتضي التخيير في جميع ما يقرأ في ~~الصلاة، فلا يجوز تخصيصه في بعض ما يقرأ فيها دون غيرها. الثالث: أن قوله: ~~{فاقرأوا ما تيسر} أمر، وحقيقته ms0022 ومقتضاه الواجب، فلا يجوز صرفه إلى الندب ~~من القراءة دون الواجب منها. # ومما يدل على ما ذكرنا من جهة الأثر ما حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ~~أبو داود، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد عن إسحاق بن أبي طلحة عن ~~علي بن يحيى بن خلاد عن عمر، أن رجلا دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على ~~النبي عليه السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وقال له: "ارجع ~~فصل فإنك لم تصل" فرجع الرجل فصلى كما كان يصلي ثم جاء إلى النبي عليه ~~السلام فرد عليه، ثم قال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل" حتى فعل ذلك ثلاث مرات ~~فقال عليه السلام: "إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء ~~مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم ~~يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله" وذكر الحديث. وحدثنا محمد بن ~~بكر، قال: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد عن ~~عبد الله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أن رجلا دخل ~~المسجد فصلى، ثم جاء فسلم، وذكر نحوه، ثم قال: "إذا قمت إلى الصلاة # PageV01P021 # فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع" وذكر الحديث. # قال أبو بكر: قال في الحديث الأول: ثم اقرأ ما شئت وفي الثاني: ما تيسر ~~فخيره في القراءة بما شاء. ولو كانت قراءة فاتحة الكتاب فرضا لعلمه إياها ~~مع علمه بجهر الرجل بأحكام الصلاة; إذ غير جائز الاقتصار في تعليم الجاهل ~~على بعض فروض الصلاة دون بعض، فثبت بذلك أن قراءتها ليست بفرض وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع، قال: حدثنا أحمد بن علي الجزار، قال: حدثنا عامر بن سيار، ~~قال: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان حدثنا سفيان عن أبي نضرة عن أبي ~~سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة يقرأ ~~فيها فاتحة الكتاب أو ms0023 غيرها من القرآن". وقد حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا وهب بن بقية عن مخلد عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى ~~بن خلاد عن رفاعة بن رافع بهذه القصة، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن ~~تقرأ" وذكر تمام الحديث، فذكر فيه قراءة أم القرآن وغيرها، وهذا غير مخالف ~~للأخبار الأخر; لأنه محمول على أنه يقرأ بما تيسر; إذ غير جائز حمله على ~~تعيين الفرض فيها لما فيه من نسخ التخيير المذكور في غيره. ومعلوم أن أحد ~~الخبرين غير منسوخ بالآخر; إذ كانا في قصة واحدة فإن قال قائل: لما ذكر في ~~أحد الخبرين التخيير فيما يقرأ، وذكر في الآخر الأمر بقراءة فاتحة الكتاب ~~من غير تخيير، وأثبت التخيير فيما عداها بقوله: "وبما شاء الله أن يقرأ" ~~بعد فاتحة الكتاب، ثبت بذلك أن التخيير المذكور في الأخبار الأخر إنما هو ~~فيما عدا فاتحة الكتاب، وأن ترك ذكر فاتحة الكتاب إنما هو إغفال من بعض ~~الرواة، ولأن في خبرنا زيادة، وهو الأمر بقراءة فاتحة الكتاب بلا تخيير. ~~قيل له: غير جائز حمل الخبر الذي فيه التخيير مطلقا على الخبر المذكور فيه ~~فاتحة الكتاب على ما ادعيت، لإمكان استعمالهما من غير تخصيص، بل الواجب أن ~~نقول: التخيير المذكور في الخبر المطلق حكمه ثابت في الخبر المقيد بذكر ~~فاتحة الكتاب، فيكون التخيير عاما في فاتحة الكتاب وغيرها، كأنه قال: اقرأ ~~بأم القرآن إن شئت وبما سواها، فيكون في ذلك استعمال زيادة التخيير في ~~فاتحة الكتاب، دون تخصيصه في بعض القراءة دون بعض ويدل عليه أيضا ما حدثنا ~~محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا ~~عيسى عن جعفر بن ميمون البصري، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة، ~~قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخرج فناد في المدينة أنه لا ~~صلاة إلا بقرآن، ms0024 ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". وقوله: "لا صلاة إلا بالقرآن" ~~يقتضي جوازها بما قرأ به من شيء. وقوله: "ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". يدل ~~أيضا على جوازها بغيرها، لأنه لو كان # PageV01P022 # فرض القراءة متعينا بها لما قال: "ولو بفاتحة الكتاب فما زاد" ولقال: ~~بفاتحة الكتاب. # ومما يدل على ما ذكرنا حديث ابن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ~~عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما صلاة لم يقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" ورواه مالك وابن جريج عن العلاء عن أبي ~~السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~واختلافهما في السند على هذا الوجه لا يوهنه، لأنه قد روي أنه قد سمع من ~~أبيه ومن أبي السائب جميعا فلما قال: "فهي خداج" والخداج الناقصة، دل ذلك ~~على جوازها مع النقصان لأنها لو لم تكن جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان; ~~لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها; إذ لا يجوز الوصف بالنقصان لما لم يثبت ~~منه شيء. ألا ترى أنه لا يقال للناقة إذا حالت فلم تحمل: إنها قد أخدجت، ~~وإنما يقال: أخدجت وخدجت، إذا ألقت ولدها ناقص الخلقة أو وضعته لغير تمام ~~في مدة الحمل; فأما ما لم تحمل فلا توصف بالخداج فثبت بذلك جواز الصلاة ~~بغير فاتحة الكتاب; إذ النقصان غير ناف للأصل، بل يقتضي ثبوت الأصل حتى يصح ~~وصفها بالنقصان وقد روى أيضا عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة عن النبي ~~عليه السلام قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" فأثبتها ~~ناقصة، وإثبات النقصان يوجب ثبوت الأصل على ما وصفنا. وقد روي أيضا عن ~~النبي عليه السلام: "إن الرجل ليصلي الصلاة يكتب له نصفها خمسها عشرها" فلم ~~يبطل جزء بنقصانها. # فإن قال قائل: قد روى هذا الحديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي السائب ~~مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0025 ~~"من صلى صلاة ولم يقرأ فيها شيئا من القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير ~~تمام" وهذا الحديث يعارض حديث مالك وابن عيينة في ذكرهما فاتحة الكتاب دون ~~غيرها، وإذا تعارضا سقطا، فلم يثبت كونها ناقصة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب. قيل له: لا يجوز أن يعارض مالك وابن عيينة بمحمد بن عجلان، بل ~~السهو والإغفال أجوز عليه منهما، فلا يعترض على روايتهما به وعلى أنه ليس ~~فيه تعارض; إذ جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قالهما جميعا، قال ~~مرة: وذكر فاتحة الكتاب، وذكر مرة أخرى القراءة مطلقة. وأيضا فجائز أن يكون ~~المراد بذكر الإطلاق ما قيده في خبر هذين فإن قال قائل: إذا جوزت أن يكون ~~النبي عليه السلام قد قال الأمرين، فحديث محمد بن عجلان يدل على جواز ~~الصلاة بغير قراءة رأسا; لإثباته إياها ناقصة مع عدم القراءة رأسا. قيل له: ~~نحن نقبل هذا السؤال، ونقول كذلك: يقتضي ظاهر الخبرين; إلا أن الدلالة قامت ~~على أن ترك القراءة يفسدها، فحملناه على معنى الخبر الآخر. # PageV01P023 # قال أبو بكر: وقد رويت أخبار أخر في قراءة فاتحة الكتاب يحتج بها من ~~يراها فرضا فمنها حديث العلاء بن عبد الرحمن عن عائشة وعن أبي السائب مولى ~~هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال: "يقول الله تعالى: ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها، لي، ونصفها لعبدي فإذا قال ~~العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله تعالى: حمدني عبدي" وذكر الحديث. ~~قالوا: فلما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب دل على أنها من فروضها، كما ~~أنه لما عبر عن الصلاة بالقرآن في قوله: {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] وأراد ~~قراءة صلاة الفجر دل على أنها من فروضها، وكما عبر عنها بالركوع فقال: ~~{واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] دل على أنه من فروضها. قيل له: لم تكن ~~العبارة عنهما لما ذكرت موجبا لفرض القراءة والركوع فيها دون ما تناوله من ~~لفظ الأمر المقتضي للإيجاب، وليس في قوله: "قسمت ms0026 الصلاة بيني وبين عبدي" ~~أمر، وإنما أكثر ما فيه الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب، وذلك غير مقتض ~~للإيجاب، لأن الصلاة تشتمل على النوافل والفروض. وقد أفاد النبي عليه ~~السلام بهذا الحديث نفي إيجابها; لأنه قال في آخره: "فمن لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج" فأثبتها ناقصة مع عدم قراءتها. ومعلوم أنه لم يرد نسخ أول ~~كلامه بآخره، فدل ذلك على أن قول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين وذكر فاتحة الكتاب لا يوجب أن يكون قراءتها فرضا فيها. وهذا كما روى ~~شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع ابن ~~العمياء عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن أبي وادعة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتبأس وتمسكن ~~وتقنع لربك، وتقول اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج" ولم يوجب ذلك أن يكون ما ~~سماه صلاة من هذه الأفعال فرضا فيها. # ومما يحتج به المخالفون أيضا حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وبما حدثنا محمد بن ~~بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا جعفر عن أبي ~~عثمان عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن ~~لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد قال أبو بكر: قوله عليه السلام: "لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب" يحتمل نفي الأصل ونفي الكمال، وإن كان ظاهره عندنا ~~على نفي الأصل حتى تقوم الدلالة على أن المراد نفي الكمال. ومعلوم أنه غير ~~جائز إرادة الأمرين جميعا; لأنه متى أراد نفي الأصل لم يثبت منه شيء، وإذا ~~أراد نفي الكمال، وإثبات النقصان فلا محالة بعضه ثابت، وإرادتهما معا ~~منتفية مستحيلة. والدليل على أنه لم يرد نفي الأصل أن إثبات ذلك إسقاط ~~التخيير في قوله تعالى: {فاقرأوا ما # PageV01P024 # تيسر من القرآن} [المزمل: 20] وذلك نسخ، وغير جائز ms0027 نسخ القرآن بأخبار ~~الآحاد. ويدل عليه أيضا ما رواه أبو حنيفة وأبو معاوية وابن فضيل وأبو ~~سفيان عن أبي نضرة عن سعيد عن النبي عليه السلام، قال: "لا تجزي صلاة لمن ~~لم يقرأ في كل ركعة ب الحمد لله وسورة في الفريضة وغيرها". إلا أن أبا ~~حنيفة قال معها غيرها. وقال معاوية لا صلاة، ومعلوم أنه لم يرد نفي الأصل ~~وإنما مراده نفي الكمال لاتفاق الجميع على أنها مجزية بقراءة فاتحة الكتاب، ~~وإن لم يقرأ معها غيرها فثبت أنه أراد نفي الكمال وإيجاب النقصان، وغير ~~جائز أن يريد به نفي الأصل ونفي الكمال لتضادهما واستحالة إرادتهما جميعا ~~بلفظ واحد. # فإن قال قائل: هذا حديث غير حديث عبادة وأبي هريرة، وجائز أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال مرة "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" فأوجب بذلك ~~قراءتها وجعلها فرضا فيها، وقال مرة أخرى ما ذكره سعيد من قراءة فاتحة ~~الكتاب وشيء معها، وأراد به نفي الكمال إذا لم يقرأ مع فاتحة الكتاب غيرها. ~~قيل له: ليس معك تاريخ الحديثين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في ~~حالين، ويحتاج إلى دلالة في إثبات كل واحد من الخبرين في الحالين ولمخالفك ~~أن يقول: لما لم يثبت أن النبي عليه السلام قال ذلك في وقتين، وقد ثبت ~~اللفظان جميعا، جعلتهما حديثا واحدا ساق بعض الرواة لفظه على وجهه وأغفل ~~بعضهم بعض ألفاظه، وهو ذكر السورة، فهما متساويان حينئذ، ويثبت الخبر ~~بزيادة في حالة واحدة، ويكون لقول خصمك مزية على قولك، وهو أن كل ما لم ~~يعرف تاريخه فسبيله أن يحكم بوجودهما معا. وإذا ثبت أنه قالهما في وقت واحد ~~بزيادة السورة، فمعلوم أنه مع ذكر السورة لم يرد نفي الأصل، وإنما أراد ~~إثبات النقص، حملناه على ذلك، ويكون ذلك كقوله عليه السلام: "لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، ولا إيمان لمن ~~لا أمانة له" وكقوله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ms0028 ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم} [التوبة: 12-13] فنفاها بدءا وأثبتها ثانيا; لأنه أراد ~~نفي الكمال لا نفي الأصل، أي: لا أيمان لهم وافية فيفون بها. # فإن قال قائل: فهلا استعملت الأخبار على ظواهرها واستعملت التخيير ~~المذكور في الآية فيما عدا فاتحة الكتاب قيل له: لو انفردت الأخبار عن ~~الآية، لما كان فيها ما يوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب، لما بينا من أن فيها ~~ما لا يحتمل إلا إثبات الأصل مع تركها، واحتمال سائر الأخبار الأخر لنفي ~~الأصل ونفي الكمال. وعلى أن هذه الأخبار لو كانت موجبة لتعيين فرض القراءة ~~فيها لما جاز الاعتراض بها على الآية وصرفها عن الواجب إلى النفل فيما عدا ~~الكتاب; لما ذكرناه في أول المسألة فارجع إليه فإنك تجده كافيا إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P025 # فصل # قال أبو بكر: وقراءة فاتحة الكتاب مع ما ذكرنا من حكمها تقتضي أمر الله ~~تعالى إيانا بفعل الحمد، وتعليم لنا كيف نحمده وكيف الثناء عليه وكيف ~~الدعاء له؟ ودلالة على أن تقديم الحمد والثناء على الله تعالى على الدعاء ~~أولى وأحرى بالإجابة; لأن السورة مفتتحة بذكر الحمد ثم بالثناء على الله، ~~وهو قوله: {الحمد لله رب العالمين} إلى {مالك يوم الدين} ثم الاعتراف ~~بالعبادة له وإفرادها له دون غيره بقوله: {إياك نعبد} ثم الاستعانة به في ~~القيام بعبادته في سائر ما بنا الحاجة إليه من أمور الدنيا والدين، وهو ~~قوله: {وإياك نستعين} ثم الدعاء بالتثبيت على الهداية التي هدانا لها من ~~وجوب الحمد له واستحقاق الثناء والعبادة; لأن قوله: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} هو دعاء للهداية والتثبيت عليها في المستقبل، إذ غير جائز ذلك في ~~الماضي; وهو التوفيق عما ضل عنه الكفار من معرفة الله وحمده والثناء عليه، ~~فاستحقوا لذلك غضبه وعقابه. والدليل على أن قوله تعالى: {الحمد لله رب ~~العالمين} مع أنه تعليم لنا الحمد، هو أمر لنا به، قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} فاعلم أن الأمر بقول الحمد مضمر في ابتداء السورة، وهو مع ما ذكرنا ~~رقية وعوذة وشفاء، لما ms0029 حدثنا به عبد الباقي، قال: حدثنا معاذ بن المثنى، ~~قال: حدثنا سعيد بن المعلى، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جعفر بن ~~إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد، قال: كنا في سرية فمررنا بحي من العرب ~~فقالوا: سيد لنا لدغته العقرب، فهل فيكم راق؟ قال: قلت: أنا، ولم أفعل حتى ~~جعلوا لنا جعلا، جعلوا لنا شاة قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات، ~~فبرأ; فأخذت الشاة، ثم قلت: حتى نأتي النبي عليه السلام فأتيناه فأخبرناه، ~~فقال: "علمت أنها رقية حق اضربوا لي معكم بسهم". # ولهذه السورة أسماء منها أم الكتاب لأنها ابتداؤه قال الشاعر: # الأرض معقلنا وكانت أمنا # فسمى الأرض أما لنا لأنه منها ابتدأنا الله تعالى، وهي أم القرآن، وإحدى ~~العبارتين تغني عن الأخرى; لأنه إذا قيل: أم الكتاب فقد علم أن المراد كتاب ~~الله تعالى الذي هو القرآن; فقيل تارة أم القرآن وتارة أم الكتاب، وقد رويت ~~العبارة باللفظين جميعا عن النبي عليه السلام وكذلك فاتحة الكتاب وهي السبع ~~المثاني، قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن السبع المثاني، فقال: السبع ~~المثاني هي أم القرآن وإنما أراد بالسبع أنها سبع آيات، ومعنى المثاني أنها ~~تثنى في كل ركعة، وذلك من سننها، وليس من سنة القرآن إعادته في كل ركعة. # PageV01P026 # ومن سورة البقرة # قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ~~يتضمن الأمر بالصلاة والزكاة; لأنه جعلهما من صفات المتقين ومن شرائط ~~التقوى; كما جعل الإيمان بالغيب، وهو الإيمان بالله وبالبعث والنشور وسائر ~~ما لزمنا اعتقاده عن طريق الاستدلال، من شرائط التقوى فاقتضى ذلك إيجاب ~~الصلاة والزكاة المذكورتين في الآية. # وقد قيل في إقامة الصلاة وجوه: منها إتمامها من تقويم الشيء وتحقيقه، ~~ومنه قوله: {وأقيموا الوزن بالقسط} [الرحمن: 9] . وقيل يؤدونها على ما فيها ~~من قيام وغيره، فعبر عنها بالقيام; لأن القيام من فروضها، وإن كانت تشتمل ~~على فروض غيره، كقوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] والمراد ~~الصلاة التي فيها القراءة، وقوله تعالى: {وقرآن ms0030 الفجر} [الإسراء: 78] ~~المراد القراءة في صلاة الفجر، وكقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ~~[المرسلات: 48] وقوله: {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] وقوله: {واركعوا مع ~~الراكعين} [البقرة: 43] فذكر ركنا من أركانها الذي هو من فروضها، ودل به ~~على أن ذلك فرض فيها وعلى إيجاب ما هو من فروضها، فصار قوله: {يقيمون ~~الصلاة} موجبا للقيام فيها ومخبرا به عن فرض الصلاة ويحتمل {يقيمون الصلاة} ~~يديمون فروضها في أوقاتها، كقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} [النساء: 103] أي فرضا في أوقات معلومة لها، ونحوه قوله ~~تعالى: {قائما بالقسط} [آل عمران: 18] يعني يقيم القسط ولا يفعل غيره ~~والعرب تقول في الشيء الراتب الدائم: قائم، وفي فاعله: مقيم يقال: فلان ~~يقيم أرزاق الجند. وقيل: هو من قول القائل: قامت السوق، إذا حضر أهلها; ~~فيكون معناه الاشتغال بها عن غيرها ومنه: قد قامت الصلاة، وهذه الوجوه على ~~اختلافها تجوز أن تكون مرادة بالآية وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} في فحوى ~~الخطاب دلالة على أن المراد المفروض من النفقة، وهي الحقوق الواجبة لله ~~تعالى من الزكاة وغيرها، كقوله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت} [المنافقون: 10] وقوله: {وأنفقوا في سبيل # PageV01P027 # الله} [البقرة: 195] وقوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله} [التوبة: 34] . والذي يدل على أن المراد المفروض منها أنه قرنها ~~إلى الصلاة المفروضة وإلى الإيمان بالله وكتابه، وجعل هذا الإنفاق من شرائط ~~التقوى ومن أوصافها. ويدل على أن المراد المفروض من الصلاة والزكاة أن لفظ ~~الصلاة إذا أطلق غير مقيد بوصف أو شرط يقتضي الصلوات المعهودة المفروضة ~~كقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] و {حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ونحو ذلك فلما أراد بإطلاق اللفظ الصلاة ~~المفروضة كان فيه دلالة على أن المراد بالإنفاق ما فرض عليه منه ولما مدح ~~هؤلاء بالإنفاق مما رزقهم الله دل ذلك على أن إطلاق اسم الرزق إنما يتناول ~~المباح منه دون المحظور، وأن ما اغتصبه وظلم فيه غيره لم يجعله الله له ~~رزقا; لأنه لو ms0031 كان رزقا له لجاز إنفاقه وإخراجه إلى غيره على وجه الصدقة ~~والتقرب به إلى الله تعالى، ولا خلاف بين المسلمين أن الغاصب محظور عليه ~~الصدقة بما اغتصبه، وكذلك قال النبي عليه السلام: "لا تقبل صدقة من غلول". ~~والرزق الحظ في اللغة، قال الله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} ~~[الواقعة: 82] أي حظكم من هذا الأمر التكذيب به، وحظ الرجل هو نصيبه، وما ~~هو خالص له دون غيره ولكنه في هذا الموضع هو ما منحه الله تعالى عباده، وهو ~~المباح الطيب. # وللرزق وجه آخر، وهو ما خلقه الله تعالى من أقوات الحيوان; فجائز إضافة ~~ذلك إليه; لأنه جعله قوتا وغذاء. وقوله تعالى في شأن المنافقين وإخباره ~~عنهم بإظهار الإيمان للمسلمين من غير عقيدة وإظهار الكفر لإخوانهم من ~~الشياطين في قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين} وقوله: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون} إلى قوله: {وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن مستهزئون} يحتج به في استتابة الزنديق الذي اطلع منه على إسرار الكفر ~~متى أظهر الإيمان; لأن الله تعالى أخبر عنهم بذلك، ولم يأمر بقتلهم، وأمر ~~النبي عليه السلام بقبول ظاهرهم دون ما علمه هو تعالى من حالهم وفساد ~~اعتقادهم وضمائرهم. ومعلوم أن نزول هذه الآيات بعد فرض القتال; لأنها نزلت ~~بالمدينة، وقد كان الله تعالى فرض قتال المشركين بعد الهجرة ولهذه الآية ~~نظائر في سورة براءة وسورة محمد عليه السلام وغيرهما في ذكر المنافقين ~~وقبول ظاهرهم دون حملهم على أحكام سائر المشركين الذين أمرنا بقتالهم وإذا ~~انتهينا إلى مواضعها ذكرنا أحكامها واختلاف الناس في الزنديق واحتجاج من ~~يحتج بها في ذلك، وهو يظهر من قوله عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا # PageV01P028 # بحقها، وحسابهم على الله" وأنكر على أسامة بن زيد حين قتل في بعض السرايا ~~رجلا قال: لا إله إلا الله، حين حمل عليه ms0032 ليطعنه، فقال: "هلا شققت عن قلبه" ~~يعني أنه محمول على حكم الظاهر دون عقد الضمير، ولا سبيل لنا إلى العلم به. # قال أبو بكر: وقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين} يدل على أن الإيمان ليس هو الإقرار دون الاعتقاد; لأن الله ~~تعالى قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان ونفى عنهم سمته بقوله: {وما هم بمؤمنين} ~~. ويروى عن مجاهد أنه قال: في أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، ~~وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين. والنفاق اسم ~~شرعي جعل سمة لمن يظهر الإيمان ويسر الكفر، خصوا بهذا الاسم للدلالة على ~~معناه وحكمه، وإن كانوا مشركين إذ كانوا مخالفين لسائر المبادين بالشرك في ~~أحكامهم. وأصله في اللغة من نافقاء اليربوع، وهو الجحر الذي يخرج منه إذا ~~طلب; لأن له أجحرة 1 يدخل بعضها عند الطلب ثم يراوغ الذي يريد صيده فيخرج ~~من جحر آخر قد أعده. # وقوله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا} هو مجاز في اللغة; لأن الخديعة ~~في الأصل هي الإخفاء; وكأن المنافق أخفى الإشراك وأظهر الإيمان على وجه ~~الخداع والتمويه والغرور لمن يخادعه والله تعالى لا يخفى عليه شيء ولا يصح ~~أن يخادع في الحقيقة. وليس يخلو هؤلاء القوم الذين وصفهم الله تعالى بذلك ~~من أحد وجهين: إما أن يكونوا عارفين بالله تعالى، قد علموا أنه لا يخادع ~~بتساتر شيء، أو غير عارفين، فذلك أبعد; إذ لا يصح أن يقصده لذلك، ولكنه ~~أطلق ذلك عليهم; لأنهم عملوا عمل المخادع، ووبال الخداع راجع عليهم، فكأنهم ~~إنما يخادعون أنفسهم وقيل: إن المراد: يخادعون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحذف ذكر النبي عليه السلام كما قال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} ~~[الأحزاب:57] والمراد يؤذون أولياء الله وأي الوجهين كان فهو مجاز وليس ~~بحقيقة، ولا يجوز استعماله إلا في موضع يقوم الدليل عليه. وإنما خادعوا ~~رسول الله تقية لتزول عنهم أحكام سائر المشركين الذين أمر النبي عليه ~~السلام والمؤمنون بقتلهم; وجائز أن يكونوا ms0033 أظهروا الإيمان للمؤمنين ~~ليوالوهم كما يوالي المؤمنون بعضهم بعضا ويتواصلون فيما بينهم; وجائز أن ~~يكونوا يظهرون لهم الإيمان ليفشوا إليهم أسرارهم فينقلوا ذلك إلى أعدائهم، ~~وكذلك قول الله تعالى: {الله يستهزئ بهم} مجاز; وقد قيل فيه وجوه: أحدها ~~على جهة مقابلة الكلام بمثله، وإن لم يكن في معناه، كقوله تعالى: ~~PageV01P029 # {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] . والثانية ليست بسيئة بل حسنة، ~~ولكنه لما قابل بها السيئة أجرى عليها اسمها وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] . والثاني ليس باعتداء. ~~وقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] والأول ~~ليس بعقاب، وإنما هو على مقابلة اللفظ بمثله ومزاوجته وتقول العرب: الجزاء ~~بالجزاء، والأول ليس بجزاء، ومنه قول الشاعر: # ألا لا يجهلن أحد علينا # ... # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ومعلوم أنه لم يمتدح بالجهل، ولكنه جرى على عادتهم في ازدواج الكلام ~~ومقابلته. وقيل: إن ذلك أطلقه الله تعالى على طريق التشبيه; وهو أنه لما ~~كان وبال الاستهزاء راجعا عليهم ولاحقا لهم كان كأنه استهزأ بهم. وقيل: لما ~~كانوا قد أمهلوا في الدنيا ولم يعاجلوا بالعقوبة والقتل كسائر المشركين ~~وأخر عقابهم فاغتروا بالإمهال كانوا كالمستهزأ بهم. # PageV01P030 # مطلب في أن عقوبة الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، وإنما هي على ما ~~يعلمه الله تعالى من المصالح فيها # ولما كانت أجرام المنافقين أعظم من أجرام سائر الكفار المبادين بالكفر; ~~لأنهم جمعوا الاستهزاء والمخادعة بقوله: {يخادعون الله} وقولهم {إنما نحن ~~مستهزئون} وذلك زيادة في الكفر، وكذلك أخبر الله تعالى أنهم {في الدرك ~~الأسفل من النار} ، ومع ما أخبر بذلك من عقابهم وما يستحقونه في الآخرة، ~~خالف بين أحكامهم في الدنيا وأحكام سائر المظهرين للشرك في رفع القتل عنهم ~~بإظهارهم الإيمان وأجراهم مجرى المسلمين في التوارث وغيره. ثبت أن عقوبات ~~الدنيا ليست موضوعة على مقادير الأجرام، وإنما هي على ما يعلم الله من ~~المصالح فيها وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه فأوجب رجم الزاني المحصن ولم ~~يزل عنه الرجم بالتوبة ألا ترى ms0034 إلى قوله عليه السلام في ماعز بعد رجمه وفي ~~الغامدية بعد رجمها: "لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". والكفر ~~أعظم من الزنا، ولو كفر رجل ثم تاب قبلت توبته، وقال تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] وحكم في القاذف بالزنا ~~بجلد ثمانين ولم يوجب على القاذف بالكفر الحد، وهو أعظم من الزنا، وأوجب ~~على شارب الخمر الحد، ولم يوجب على شارب الدم وآكل الميتة فثبت بذلك أن ~~عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، ولأنه لما كان جائزا في ~~العقل أن لا يوجب في الزنا والقذف والسرقة حدا رأسا ويكل أمرهم إلى عقوبات ~~الآخرة، جاز أن يخالف بينها فيوجب في بعضها أغلظ مما يوجب في بعض، ولذلك ~~قال أصحابنا: لا # PageV01P030 # يجوز إثبات الحدود من طريق المقاييس. وإنما طريق إثباتها التوقيف أو ~~الاتفاق، وما ذكره الله تعالى من أمر المنافقين في هذه الآية وإقرارهم من ~~غير أمر لنا بقتالهم أصل فيما ذكرنا ولأن الحدود والعقوبات التي أوجبها من ~~فعل الإمام ومن قام بأمور الشريعة جارية مجرى ما يفعله هو تعالى من الآلام ~~على وجه العقوبة فلما جاز أن لا يعاقب المنافق في الدنيا بالآلام من جهة ~~الأمراض والأسقام والفقر والفاقة، بل يفعل به أضداد ذلك، ويكون عقابه ~~المستحق بكفره ونفاقه مؤجلا إلى الآخرة، جاز أن لا يتعبدنا بقتله في الدنيا ~~وتعجيل عقوبة كفره ونفاقه. # وقد غبر النبي عليه السلام بمكة بعد ما بعثه الله تعالى ثلاث عشرة سنة ~~يدعو المشركين إلى الله وتصديق رسله غير متعبد بقتالهم، بل كان مأمورا ~~بدعائهم في ذلك بألين القول وألطفه. فقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وقال: {وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] وقال: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ~~ذو حظ عظيم} [فصلت: 34 – 35] في نظائر ذلك من الآيات التي فيها الأمر ~~بالدعاء ms0035 إلى الدين بأحسن الوجوه. ثم فرض القتال بعد الهجرة لعلمه تعالى ~~بالمصلحة من كلا الحالين بما تعبد به، فجاز من أصل ما وصفنا أن يكون الأمر ~~بالقتل والقتال خاصا في بعض الكفار وهم المجاهرون بالكفر دون من يظهر ~~الإيمان ويسر الكفر، وإن كان المنافق أعظم جرما من غيره. # وقوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} يعني والله أعلم قرارا، كقوله: ~~{الذي جعل لكم الأرض قرارا} [غافر: 64] وقوله: {ألم نجعل الأرض مهادا} ~~[النبأ: 6] فسماها فراشا; والإطلاق لا يتناولها، وإنما يسمى به مقيدا، ~~كقوله تعالى: {والجبال أوتادا} [النبأ: 7] وإطلاق اسم الأوتاد لا يفيد ~~الجبال، وقوله: {الشمس سراجا} [نوح: 16] ولذلك قال الفقهاء: إن من حلف لا ~~ينام على فراش فنام على الأرض لا يحنث، وكذلك لو حلف لا يقعد في سراج فقعد ~~في الشمس; لأن الأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء. وليس في ~~العادة إطلاق هذا الاسم للأرض والشمس. وهذا كما سمى الله تعالى الجاحد له ~~كافرا، وسمى الزارع كافرا، والشاك السلاح كافرا، ولا يتناولهما هذا الاسم ~~في الإطلاق، وإنما يتناول الكافر بالله تعالى، ونظائر ذلك من الأسماء ~~المطلقة والمقيدة كثيرة، ويجب اعتبارها في كثير من الأحكام، فما كان في ~~العادة مطلقا فهم على إطلاقه، والمقيد فيها على تقييده، ولا يتجاوز به ~~موضعه. # PageV01P031 # وفي هذه الآية دلالة على توحيد الله تعالى، وإثبات الصانع الذي لا يشبهه ~~شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء، وهو ارتفاع السماء ووقوفها بغير عمد، ثم ~~دوامها على طول الدهر غير متزايلة ولا متغيرة، كما قال تعالى: {وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا} [الأنبياء: 32] . وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير ~~سند 1 فيه أعظم الدلالة على التوحيد وعلى قدرة خالقها، وأنه لا يعجزه شيء، ~~وفيها. تنبيه وحث على الاستدلال بها على الله وتذكير بالنعمة. # وقوله تعالى: {فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} نظير قوله: {هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا} وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} ~~[الجاثية: 13] وقوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ms0036 والطيبات من ~~الرزق} [الأعراف: 32] يحتج بجميع ذلك في أن الأشياء على الإباحة مما لا ~~يحظره العقل، فلا يحرم منه شيء إلا ما قام دليله. # وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} فيه أكبر دلالة على صحة نبوة ~~نبينا عليه السلام من وجوه: أحدها أنه تحداهم بالإتيان بمثله، وقرعهم ~~بالعجز عنه مع ما هم عليه من الأنفة والحمية، وأنه كلام موصوف بلغتهم، وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم تعلم اللغة العربية، وعنهم أخذ، فلم ~~يعارضه منهم خطيب، ولا تكلفه شاعر، مع بذلهم الأموال والأنفس في توهين ~~أمره، وإبطال حججه، وكانت معارضته لو قدروا عليها أبلغ الأشياء في إبطال ~~دعواه وتفريق أصحابه عنه; فلما ظهر عجزهم عن معارضته دل ذلك على أنه من عند ~~الله الذي لا يعجزه شيء، وأنه ليس في مقدور العباد مثله، وإنما أكبر ما ~~اعتذروا به أنه من أساطير الأولين، وأنه سحر، فقال تعالى: {فليأتوا بحديث ~~مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 34] وقال: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} ~~[هود: 13] فتحداهم بالنظم دون المعنى في هذه الصورة، وأظهر عجزهم عنه فكانت ~~هذه معجزة باقية لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم إلى قيام الساعة، أبان ~~الله تعالى بها نبوة نبيه وفضله بها على سائر الأنبياء; لأن سائر معجزات ~~الأنبياء تقضت بانقضائهم، وإنما يعلم كونها معجزة من طريق الأخبار. وهذه ~~معجزة باقية بعده، كل من اعترض عليها بعد قرعناه بالعجز عنه، PageV01P032 # فتبين له حينئذ موضع الدلالة على تثبيت النبوة، كما كان حكم من كان في ~~عصره من لزوم الحجة به وقيام الدلالة عليه. # والوجه الآخر من الدلالة أنه معلوم عند المؤمنين بالنبي عليه السلام وعند ~~الجاحدين لنبوته أنه كان من أتم الناس عقلا، وأكملهم خلقا، وأفضلهم رأيا، ~~فما طعن عليه أحد في كمال عقله ووفور حلمه وصحة فهمه وجودة رأيه، وغير جائز ~~على من كان هذا وصفه أن يدعي أنه نبي الله قد أرسله إلى ms0037 خلقه كافة، ثم جعل ~~علامة نبوته ودلالة صدقه كلاما يظهره ويقرعهم به، مع علمه بأن كل واحد منهم ~~يقدر على مثله، فيظهر حينئذ كذبه وبطلان دعواه، فدل ذلك على أنه لم يتحداهم ~~بذلك ولم يقرعهم بالعجز عنه إلا وهو من عند الله لا يقدر العباد على مثله. # الثالث: قوله تعالى في نسق التلاوة: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فأخبر ~~أنهم لا يعارضونه ولا يقع ذلك منهم، وذلك إخبار بالغيب ووجد مخبره على ما ~~هو به ولا تتعلق هذه بإعجاز النظم، بل هي قائمة بنفسها في تصحيح نبوته; ~~لأنه إخبار بالغيب، كما لو قال لهم: الدلالة على صحة قولي أنكم مع صحة ~~أعضائكم وسلامة جوارحكم لا يقع من أحد منكم أن يمس رأسه وأن يقوم من موضعه ~~فلم يقع ذلك منهم، مع سلامة أعضائهم وجوارحهم، وتقريعهم به مع حرصهم على ~~تكذيبه، كان ذلك دليلا على صحة نبوته; إذ كان مثل ذلك لا يصح إلا كونه من ~~قبل القادر الحكيم الذي صرفهم عن ذلك في تلك الحال. # قال أبو بكر: وقد تحدى الله الخلق كلهم من الجن والإنس بالعجز عن الإتيان ~~بمثل القرآن بقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . فلما ~~ظهر عجزهم قال: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13] فلما عجزوا قال: ~~{فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور:34] . فتحداهم بالإتيان بمثل ~~أقصر سورة منه، فلما ظهر عجزهم عن ذلك وقامت عليهم الحجة وأعرضوا عن طريق ~~المحاجة وصمموا على القتال والمغالبة أمر الله نبيه بقتالهم وقيل في قوله ~~تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله} : إنه أراد به أصنامهم وما كانوا ~~يعبدونهم من دون الله; لأنهم كانوا يزعمون أنها تشفع لهم عند الله. وقيل ~~إنه أراد جميع من يصدقكم ويوافقكم على قولكم، وأفاد بذلك عجز الجميع عنه في ~~حال الاجتماع والانفراد، كقوله: {لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ms0038 بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . # فقد انتظمت فاتحة الكتاب من ابتدائها إلى حيث انتهينا إليه من سورة ~~البقرة الأمر # PageV01P033 # والتبدئة بسم الله تعالى، وتعليمنا حمده والثناء عليه، والدعاء له، ~~والرغبة إليه في الهداية إلى الطريق المؤدي إلى معرفته إلى جنته ورضوانه ~~دون طريق المستحقين لغضبه والضالين عن معرفته، وشكره على نعمته، ثم ابتدأ ~~في سورة البقرة بذكر المؤمنين ووصفهم، ثم ذكر الكافرين وصفتهم، ثم ذكر ~~المنافقين ونعتهم وتقريب أمرهم إلى قلوبنا بالمثل الذي ضربه بالذي استوقد ~~نارا وبالبرق الذي يضيء في الظلمات من غير بقاء ولا ثبات، وجعل ذلك مثلا ~~لإظهارهم الإيمان، وأن الأصل الذي يرجعون إليه وهم ثابتون عليه هو الكفر، ~~كظلمة الليل والمطر اللذين يعرض في خلالهما برق يضيء لهم ثم يذهب فيبقون في ~~ظلمات لا يبصرون ثم ابتدأ بعد انقضاء ذكر هؤلاء بإقامة الدلالة على التوحيد ~~بما لا يمكن أحدا دفعه: من بسطه الأرض وجعلها قرارا ينتفعون بها، وجعل ~~معايشهم وسائر منافعهم وأقواتهم منها، وإقامتها على غير سند; إذ لا بد أن ~~يكون لها نهاية لما ثبت من حدوثها، وأن ممسكها ومقيمها كذلك هو الله خالقها ~~وخالقكم المنعم عليكم بما جعل لكم فيها من أقواتكم وسائر ما أخرج من ثمارها ~~لكم; إذ لا يجوز أن يقدر على مثل ذلك إلا القادر الذي لا يعجزه ولا يشبهه ~~شيء، فحث على الاستدلال بدلائله، ونبههم على نعمه، ثم عقب ذلك بالدلالة على ~~نبوة النبي عليه السلام بما أظهر من عجزهم عن الإتيان بمثل سورة من القرآن، ~~ودعاهم في ذلك كله إلى عبادة الله تعالى وحده المنعم علينا بهذه النعم، ~~فقال: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} يعني والله أعلم تعلمون أن ما ~~تدعونه آلهة لا تقدر على شيء من ذلك، وأن الله هو المنعم عليكم به دونها، ~~وهو الخالق لها وقيل في معنى قوله: {وأنتم تعلمون} إنكم تعلمون الفصل بين ~~الواجب وغير الواجب. ويكون معناه أن الله تعالى قد جعل لكم من العقل ما ~~يمكنكم به الوصول إلى معرفة ذلك فوجب ms0039 تكليفكم ذلك; إذ غير جائز في العقل ~~إباحة الجهل بالله تعالى مع إزاحة العلة والتمكن من المعرفة فلما قرر جميع ~~ذلك عندهم بدلائله الدالة عليه عطف عليه بذكر الوعيد بقوله: {فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} ثم عقب ~~بذكر ما وعد المؤمنين في الآخرة بقوله: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} إلى آخر ما ذكر. # PageV01P034 # مطلب في أمر اله تعالى باستعمال الحجج العقلية والاستدلال بها # قال أبو بكر رحمه الله: وقد تضمنت هذه الآية مع ما ذكرنا من التنبيه على ~~دلائل التوحيد وإثبات النبوة الأمر باستعمال حجج العقول والاستدلال ~~بدلائلها، وذلك مبطل لمذهب من نفى الاستدلال بدلائل الله تعالى واقتصر على ~~الخبر بزعمه في معرفة الله # PageV01P034 # والعلم بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم; لأن الله تعالى لم يقتصر فيما دعا ~~الناس إليه من معرفة توحيده وصدق رسوله على الخبر دون إقامة الدلالة على ~~صحته من جهة عقولنا. وقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} يدل على أن البشارة هي الخبر السار، ~~والأظهر والأغلب أن إطلاقه يتناول من الأخبار ما يحدث عنده الاستبشار ~~والسرور وإن كان قد يجري على غيره مقيدا كقوله {فبشرهم بعذاب أليم} [آل ~~عمران: 21] وكذلك قال أصحابنا فيمن قال: أي عبد بشرني بولادة فلانة فهو حر ~~فبشروه جماعة واحدا بعد واحد; أن الأول يعتق دون غيره لأن البشارة حصلت ~~بخبره دون غيره. ولم يكن هذا عندهم بمنزلة ما لو قال: أي عبد أخبرني ~~بولادتها; فأخبروه واحدا بعد واحد أنهم يعتقون جميعا; لأنه عقد اليمين على ~~خبر مطلق فيتناول سائر المخبرين، وفي البشارة عقدها على خبر مخصوص بصفة وهو ~~ما يحدث عنده السرور والاستبشار ويدل على أن موضوع هذا الخبر ما وصفنا. ~~قولهم: رأيت البشر في وجهه; يعني الفرح والسرور قال الله في صفة وجوه أهل ~~الجنة {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة} [عبس: 38 - 39] فأخبر عما ظهر في ~~وجوههم ms0040 من آثار السرور والفرح بذكر الاستبشار، ومنه سموا الرجل بشيرا ~~تفاؤلا منهم إلى الإخبار بالخير دون الشر وسموا ما يعطى البشير على هذا ~~الخبر بشرى، وهذا يدل على أن الإطلاق يتناول الخبر المفيد سرورا فلا ينصرف ~~إلى غيره إلا بدلالة، وأنه متى أطلق في الشر فإنما يراد به الخبر فحسب، ~~وكذلك قوله تعالى {فبشرهم بعذاب أليم} معناه أخبرهم ويدل على ما وصفنا من ~~أن البشير هو المخبر الأول فيما ذكرنا من حكم اليمين قولهم: "ظهرت لنا ~~تباشير هذا الأمر" يعنون أوله، ولا يقولون ذلك في الشر وفيما يغم. وإنما ~~يقولونه فيما يسر ويفرح ومن الناس من يقول إن أصله فيما يسر ويغم; لأن ~~معناه ما يظهر أولا في بشرة الوجه من سرور أو غم، إلا أنه كثر فيما يسر ~~فصار الإطلاق أخص به منه بالشر. # وقوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} يدل على أنه علم الأسماء كلها لآدم، أعني ~~الأجناس بمعانيها لعموم اللفظ في ذكر الأسماء وقوله: {ثم عرضهم على ~~الملائكة} فيه دلالة على أنه أراد أسماء ذريته على ما روي عن الربيع بن ~~أنس، إلا أنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد أنه علمه أسماء جميع الأشياء وظاهر ~~اللفظ يوجب ذلك. # فإن قيل: لما قال {عرضهم} دل على أنه أسماء من يعقل; لأن "هم" إنما يطلق ~~فيما يعقل دون ما لا يعقل. # PageV01P035 # قيل له: لما أراد ما يعقل وما لا يعقل جاز تغليب اسم ما يعقل، كقوله ~~تعالى: {خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع} [النور: 45] لما دخل في الجملة من يعقل أجرى ~~الجميع مجرى واحدا. # وهذه الآية تدل على أن أصول اللغات كلها توقيف من الله تعالى لآدم عليه ~~السلام عليها على اختلافها، وأنه علمه إياها بمعانيها إذ لا فضيلة في معرفة ~~الأسماء دون المعاني. وهي دلالة على شرف العلم وفضيلته; لأنه تعالى لما ms0041 ~~أراد إعلام الملائكة فضيلة آدم علمه الأسماء بمعانيها حتى أخبر الملائكة ~~بها ولم تكن الملائكة علمت منها ما علمه آدم فاعترفت له بالفضل في ذلك. # ومن الناس من يقول إن لغة آدم وولده كانت واحدة إلى زمان الطوفان، فلما ~~أغرق الله تعالى أهل الأرض وبقي من نسل نوح من بقي وتوفي نوح عليه السلام ~~وتوالدوا وكثروا، أرادوا بناء صرح ببابل يمتنعون به من الطوفان; إذ كان ~~بلبل الله ألسنتهم فنسي كل فرقة منهم اللسان الذي كان عليه، وعلمها الله ~~الألسنة التي توارثها بعد ذلك ذريتهم، وتفرقوا في البلدان وانتشروا في ~~الأرض. # ومن الناس من يأبى ذلك ويقول: لا يجوز أن ينسى إنسان كامل العقل جميع ~~لغته التي كان يتكلم بها بالأمس، وإنهم قد كانوا عارفين بجميع اللغات إلى ~~أن تفرقوا، فاقتصر كل أمة منهم على اللسان الذي هم عليه اليوم وتركوا سائر ~~الألسنة التي كانوا عرفوها ولم تأخذها عنهم أولادهم ونسلهم، فلذلك لم يعرف ~~من نشأ بعدهم سائر اللغات. # PageV01P036 # باب السجود لغير الله تعالى # قال الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} ، روى شعبة عن ~~قتادة: أن الطاعة كانت لله تعالى في السجود لآدم، أكرمه الله بذلك، وروى ~~معمر عن قتادة في قوله: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: "كانت تحيتهم ~~السجود". وليس يمتنع أن يكون ذلك السجود عبادة لله تعالى وتكرمة وتحية لآدم ~~عليه السلام وكذلك سجود إخوة يوسف عليهم السلام وأهله له، وذلك لأن العبادة ~~لا تجوز لغير الله تعالى، والتحية والتكرمة جائزان لمن يستحق ضربا من ~~التعظيم. # ومن الناس من يقول: إن السجود كان لله، وآدم كان بمنزلة القبلة لهم وليس ~~هذا بشيء; لأنه يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة. وظاهر ~~ذلك # PageV01P036 # يقتضي أن يكون آدم مفضلا مكرما; فذلك كظاهر الحمد إذا وقع لمن يستحق ذلك ~~يحمل على الحقيقة ولا يحمل على ما يطلق من ذلك مجازا، كما يقال: أخلاق فلان ~~محمودة ومذمومة; لأن حكم اللفظ أن يكون محمولا على بابه وحقيقته. ms0042 # ويدل على أن الأمر بالسجود قد كان أراد به تكرمة آدم عليه السلام وتفضيله ~~على قول إبليس فيما حكى الله عنه: {أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا ~~الذي كرمت علي} [الإسراء: 61 - 62] فأخبر إبليس أن امتناعه كان من السجود ~~لأجل ما كان من تفضيل الله وتكرمته بأمره إياه بالسجود له، ولو كان الأمر ~~بالسجود له على أنه نصب قبلة للساجدين من غير تكرمة له ولا فضيلة لما كان ~~لآدم في ذلك حظ ولا فضيلة تحسد، كالكعبة المنصوبة للقبلة وقد كان السجود ~~جائزا في شريعة آدم عليه السلام للمخلوقين، ويشبه أن يكون قد كان باقيا إلى ~~زمان يوسف عليه السلام فكان فيما بينهم لمن يستحق ضربا من التعظيم ويراد ~~إكرامه وتبجيله بمنزلة المصافحة والمعانقة فيما بيننا وبمنزلة تقبيل اليد. ~~وقد روي عن النبي عليه السلام في إباحة تقبيل اليد أخبار، وقد روي الكراهة; ~~إلا أن السجود لغير الله تعالى على وجه التكرمة والتحية منسوخ بما روت ~~عائشة وجابر بن عبد الله وأنس، أن النبي عليه السلام قال: "ما ينبغي لبشر ~~أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من ~~عظم حقه عليها" لفظ حديث أنس بن مالك. # قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به} . ~~قيل إن فائدة قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} وإن كان الكفر قبيحا من الأول ~~والآخر منهيا عنه الجميع أن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره فيكون أعظم ~~لمأثمه وجرمه، كقوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ~~[العنكبوت: 13] وقوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] وروي عن ~~النبي عليه السلام: "إن على ابن آدم القاتل كفلا من الإثم في كل قتيل ظلما; ~~لأنه أول من سن القتل"، وقال عليه السلام: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة". # قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا ms0043 الزكاة واركعوا مع الراكعين} لا يخلو ~~من أن يكون راجعا إلى صلاة معهودة وزكاة معلومة وقد عرفها، أو أن يكون ~~متناولا صلاة مجملة وزكاة مجملة موقوفة على البيان، إلا أنا قد علمنا الآن ~~أنه قد أريد بهما فيما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكوات ~~الواجبة، إما لأنه كان ذلك معلوما عند المخاطبين في حال ورود الخطاب، أو أن ~~يكون كان ذلك مجملا ورد بعده بيان المراد # PageV01P037 # فحصل ذلك معلوما. وأما قوله: {واركعوا مع الراكعين} فإنه يفيد إثبات فرض ~~الركوع في الصلاة، وقيل إنه إنما خص الركوع لأن أهل الكتاب لم يكن لهم ركوع ~~في صلاتهم فنص على الركوع فيها ويحتمل أن يكون قوله: {واركعوا} عبارة عن ~~الصلاة نفسها كما عبر عنها بالقراءة في قوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} ~~[المزمل: 20] . وقوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: ~~78] والمعنى صلاة الفجر; فينتظم وجهين من الفائدة: أحدهما: إيجاب الركوع; ~~لأنه لم يعبر عنها بالركوع إلا وهو من فرضها، والثاني: الأمر بالصلاة مع ~~المصلين. # فإن قيل: قد تقدم ذكر الصلاة في قوله: {وأقيموا الصلاة} فغير جائز أن ~~يريد بعطف الركوع عليها الصلاة بعينها. # قيل له: هذا جائز إذا أريد بالصلاة المبدوء بذكرها الإجمال دون صلاة ~~معهودة فيكون حينئذ قوله: {واركعوا مع الراكعين} إحالة لهم على الصلاة التي ~~بينها بركوعها وسائر فروضها وأيضا لما كانت صلاة أهل الكتاب بغير ركوع وكان ~~في اللفظ احتمال رجوعه إلى تلك الصلاة بين أنه لم يرد الصلاة التي يتعبد ~~بها أهل الكتاب بل التي فيها الركوع. وقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة} ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب ~~معاصيه وفعل الصلاة المفروضة، وقد روى سعيد عن قتادة أنهما معونتان على ~~طاعة الله تعالى وفعل الصلاة لطف في اجتناب معاصيه وأداء فرائضه، كقوله: ~~{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ويحتمل أن يريد به ~~الصبر والصلاة المندوب إليهما لا المفروضين، وذلك نحو صوم التطوع وصلاة ~~النفل; إلا أن الأظهر أن المراد المفروض منهما ms0044 لأن ظاهر الأمر بالإيجاب ولا ~~يصرف إلى غيره إلا بدلالة. # وقوله تعالى: {وإنها لكبيرة} فيه رد الضمير على واحد مع تقدم ذكر اثنين، ~~كقوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] وقال: {وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: 11] وقول الشاعر: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب. # PageV01P038 # مطلب يحتج بقوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} الآية على أن الأذكار توقيفية ~~لا يجوز تغييرها # قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} يحتج بها فيما ورد ~~من التوقيف في الأذكار والأقوال بأنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها إلى ~~غيرها. وربما احتج به # PageV01P038 # علينا المخالف في تجويزنا تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح، وفي ~~تجويز القراءة بالفارسية على مذهب أبي حنيفة، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة، ~~والبيع بلفظ التمليك، وما جرى مجرى ذلك وهذا لا يلزمنا فيما ذكرنا لأن قوله ~~تعالى: {فبدل الذين ظلموا} إنما هو في القوم الذين قيل لهم: {وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة} يعني حط عنا ذنوبنا قال الحسن وقتادة: قال ابن عباس: ~~أمروا أن يستغفروا. وروي عنه أيضا أنهم أمروا أن يقولوا: هذا الأمر حق، كما ~~قيل لكم وقال عكرمة: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله فقالوا بدل هذا حنطة ~~حمراء تجاهلا واستهزاء وروي عن ابن عباس وغيره من الصحابة وعن الحسن: إنما ~~استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى الذي أمروا به; إذ كانوا ~~مأمورين بالاستغفار والتوبة فصاروا إلى الإصرار والاستهزاء. فأما من غير ~~اللفظ مع اتفاق المعنى فلم تتناوله الآية; إذ كانت الآية إنما تضمنت ~~الحكاية عن فعل قوم غيروا اللفظ والمعنى جميعا فألحق بهم الذم بهذا القول ~~وإنما يشاركهم في الذم من يشاركهم في الفعل مثلا بمثل، فأما من غير اللفظ ~~وأتى بالمعنى فلم تتضمنه الآية، وإنما نظير فعل القوم إجازة من يجيز المتعة ~~مع قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المعارج: 30] ، فقصر ~~استباحة البضع على هذين الوجهين، فمن استباحه بلفظ المتعة مع مخالفة النكاح ~~وملك ms0045 اليمين من جهة اللفظ والمعنى فهذا الذي يجوز أن يلحقه الذم بحكم ~~الآية. # وقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا} إلى ~~قوله: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا ~~اضربوه ببعضها} إلى آخر الآية، قال أبو بكر: في هذه الآيات وما اشتملت عليه ~~من قصة المقتول وذبح البقرة ضروب من الأحكام والدلائل على المعاني الشريفة: ~~فأولها: أن قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا} وإن كان مؤخرا في التلاوة فهو ~~مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة; لأن الأمر بذبح البقرة ~~إنما كان سببه قتل النفس وقد قيل فيه وجهان: أحدهما: أن ذكر القتل وإن كان ~~مؤخرا في التلاوة فهو مقدم في النزول، والآخر: أن ترتيب نزولها على حسب ~~ترتيب تلاوتها ونظامها وإن كان مقدما في المعنى لأن الواو لا توجب الترتيب، ~~كقول القائل: "اذكر; إذ أعطيت ألف درهم زيدا; إذ بنى داري" والبناء مقدم ~~على العطية والدليل على أن ذكر البقرة مقدم في النزول قوله تعالى: {فقلنا ~~اضربوه ببعضها} . فدل على أن البقرة قد ذكرت قبل ذلك ولذلك أضمرت ونظير ذلك ~~قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام بعد ذكر الطوفان وانقضائه: {قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه ~~إلا قليل} [هود: 40] . ومعلوم أن ذلك كان قبل هلاكهم; لأن تقديم الكلام ~~وتأخيره إذا كان بعضه معطوفا على # PageV01P039 # بعض بالواو غير موجب ترتيب المعنى على ترتيب اللفظ، وقوله: {إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة} قد دل على جواز ورود الأمر بذبح البقرة بقرة مجهولة ~~غير معروفة ولا موصوفة ويكون المأمور مخيرا في ذبح أدنى ما يقع الاسم عليه. # وقد تنازع معناه الفريقان من نفاة العموم ومن مثبتيه، واحتج به كل واحد ~~من الفريقين لمذهبه، فأما القائلون بالعموم فاحتجوا به من جهة وروده مطلقا ~~فكان ذلك أمرا لازما في كل واحد من آحاد ما تناوله العموم، وأنهم لما ~~تعنتوا رسول ms0046 الله صلى الله عليه وسلم في المراجعة مرة بعد أخرى شدد الله ~~عليهم التكليف وذمهم على مراجعته بقوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} . وروى ~~الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفس محمد بيده لو اعترضوا ~~أدنى بقرة فذبحوها لأجزت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم". وروي نحو ذلك ~~عن ابن عباس وعبيدة وأبي العالية والحسن ومجاهد. # واحتج من أبى القول بالعموم بأن الله تعالى لم يعنفهم على المراجعة بدءا، ~~ولو كان قد لزمهم تنفيذ ذلك على ما ادعيتموه من اقتضاء عموم اللفظ لورد ~~النكير في بدء المراجعة، وهذا ليس بشيء; لأن النكير ظاهر عليهم في اللفظ من ~~وجهين: أحدهما: تغليظ المحنة عليهم وهذا ضرب من النكير كما قال الله تعالى: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 16] . ~~والثاني: قوله: {وما كادوا يفعلون} وهذا يدل على أنهم كانوا تاركين للأمر ~~بدءا وأنه قد كان عليهم المسارعة إلى فعله. # فقد حصلت الآية على معان: # أحدها: وجوب اعتبار عموم اللفظ فيما يمكن استعماله. # والثاني: أن الأمر على الفور وأن على المأمور المسارعة إلى فعله على حسب ~~الإمكان حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير 1. # والثالث: جواز ورود الأمر بشيء مجهول الصفة مع تخيير المأمور في فعل ما ~~يقع الاسم عليه منه. # والرابع: وجوب الأمر وأنه لا يصار إلى الندب إلا بدلالة; إذ لم يلحقهم ~~الذم إلا بترك الأمر المطلق من غير ذكر وعيد. PageV01P040 # والخامس: جواز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه; ذلك أن زيادة هذه ~~الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها; لأن قوله تعالى: {إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة} اقتضى ذبح بقرة أيها كانت وعلى أي وجه شاءوا، وقد ~~كانوا متمكنين من ذلك. فلما قالوا: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} ~~فقال: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} نسخ ~~التخيير الذي أوجبه الأمر الأول في ذبح البقرة الموصوفة بهذه الصفة وذبح ~~غيرها، وقصروا على ما كان ms0047 منها بهذه الصفة وقيل لهم {فافعلوا ما تؤمرون} ~~فأبان أنه كان عليهم أن يذبحوا من غير تأخير على هذه الصفة أي لون كانت ~~وعلى أي حال كانت من ذلول أو غيرها، فلما قالوا: {قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها} نسخ التخيير الذي كان في ذبح أي لون شاءوا منها وبقي التخيير ~~في الصفة الأخرى من أمرها، فلما راجعوا نسخ ذلك أيضا وأمروا بذبحها على ~~الصفة التي ذكر واستقر الفرض عليها بعد تغليظ المحنة وتشديد التكليف. # وهذا الذي ذكرنا في أمر النسخ دل أن الزيادة في النص بعد استقرار حكمه ~~يوجب نسخه; لأن جميع ما ذكرنا من الأوامر الواردة بعد مراجعة القوم إنما ~~كان زيادة في نص كان قد استقر حكمه فأوجب نسخه. ومن الناس من يحتج بهذه ~~القصة في جواز نسخ الفرض قبل مجيء وقته; لأنه قد كان معلوما أن الفرض عليهم ~~بدءا قد كان بقرة معينة فنسخ ذلك عنهم قبل مجيء وقت الفعل وهذا غلط; لأن كل ~~فرض من ذلك قد كان وقت فعله عقيب ورود الأمر في أول أحوال الإمكان واستقر ~~الفرض عليهم وثبت ثم نسخ قبل الفعل، فلا دلالة فيه إذا على جواز النسخ قبل ~~مجيء وقت الفعل، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. # PageV01P041 # مطلب دل قوله تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} على جواز الاجتهاد # والسادس: دلالة قوله: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} على جواز الاجتهاد ~~واستعمال غالب الظن في الأحكام; إذ لا يعلم أنها بين البكر والفارض إلا من ~~طريق الاجتهاد. # والسابع: استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون في الباطن خلافه بقوله: {مسلمة ~~لا شية فيها} يعني والله أعلم مسلمة من العيوب بريئة منها، وذلك لا نعلمه ~~من طريق الحقيقة وإنما نعلمه من طريق الظاهر مع تجويز أن يكون بها عيب ~~باطن. # والثامن: ما حكى الله عنهم في المراجعة الأخيرة: {وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون} لما # PageV01P041 # قرنوا الخبر بمشيئة الله وفقوا لترك المراجعة بعدها ولوجود ما أمروا به، ~~وقد ms0048 روي أنهم لو لم يقولوا "إن شاء الله" لما اهتدوا لها أبدا ولدام الشر ~~بينهم، وكذلك قوله: {وما كادوا يفعلون} فأعلمنا الله ذلك لنطلب نجاح الأمور ~~عند الإخبار عنها في المستقبل بذكر الاستثناء الذي هو مشيئة الله، وقد نص ~~الله تعالى لنا في غير هذا الموضع على الأمر به في قوله: {ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} [الكهف: 23 – 24] ففيه استعانة بالله ~~وتفويض الأمر إليه والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته وأنه مالكه والمدبر له. # والتاسع: دلالة قوله: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} ~~على أن المستهزئ يستحق سمة الجهل، لانتفاء موسى عليه السلام أن يكون من أهل ~~الجهل بنفيه الاستهزاء عن نفسه. ويدل أيضا على أن الاستهزاء بأمر الدين من ~~كبائر الذنوب وعظائمها، لولا ذلك لم يبلغ مأثمه النسبة إلى الجهل وذكر محمد ~~بن مسعر أنه تقدم إلى عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي قال: وعلي جبة صوف ~~وكان عبيد الله كثير المزح، قال: فقال له: أصوف نعجة جبتك أم صوف كبش؟ فقلت ~~له: لا تجهل أبقاك الله قال: وأنى وجدت المزاح جهلا؟ فتلوت عليه: {أتتخذنا ~~هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} قال: فأعرض واشتغل بكلام آخر. # وفيه دلالة على أن موسى عليه السلام لم يكن متعبدا بقتل من ظهر منه ~~الكفر، وإنما كان مأمورا بالنظر بالقول; لأن قولهم لنبي الله {أتتخذنا ~~هزوا} كفر وهو كقولهم لموسى {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] ~~ويدل أيضا على أن كفرهم هذا لم يوجب فرقة بين نسائهم وبينهم; لأنه لم يأمر ~~بفراقهن ولا تقرير نكاح بينهم وبينهن. # وقوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} يدل على أن ما يسره العبد من ~~خير وشر ودام ذلك منه أن الله سيظهره، وهو كما روي عن النبي عليه السلام: ~~"إن عبدا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابا لأظهر الله له ذلك على ألسنة ~~الناس وكذلك المعصية". وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: ms0049 "قل ~~لبني إسرائيل يخفوا لي أعمالهم وعلي أن أظهرها". # وقوله تعالى: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} عام والمراد خاص; لأن كلهم ما ~~علموا بالقاتل بعينه ولذلك اختلفوا وجائز أن يكون قوله: {والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون} عاما في سائر الناس لأنه كلام مستقل بنفسه وهو عام فيهم وفي ~~غيرهم وفي هذه القصة سوى ما ذكرنا حرمان ميراث المقتول، روى أبو أيوب عن ~~ابن سيرين عن # PageV01P042 # عبيدة السلماني: "أن رجلا من بني إسرائيل كان له ذو قرابة وهو وارثه، ~~فقتله ليرثه، ثم ذهب فألقاه على باب قوم آخرين وذكر قصة البقرة وذكر بعدها: ~~فلم يورث بعدها قاتل". # وقد اختلف في ميراث القاتل. وروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب ~~أنه لا ميراث له سواء كان القتل عمدا أو خطأ، وأنه لا يرث من ديته ولا من ~~سائر ماله وهو قول أبي حنيفة والثوري وأبي يوسف ومحمد وزفر إلا أن أصحابنا ~~قالوا: إن كان القاتل صبيا أو مجنونا ورث وقال عثمان البتي: قاتل الخطإ يرث ~~دون قاتل العمد وقال ابن شبرمة: لا يرث قاتل الخطإ وقال ابن وهب عن مالك: ~~لا يرث القاتل عمدا من دية من قتل شيئا ولا من ماله، وإن قتله خطأ ورث من ~~ماله ولم يرث من ديته. وروي مثله عن الحسن ومجاهد والزهري، وهو قول ~~الأوزاعي وقال المزني عن الشافعي: إذا قتل الباغي العادل أو العادل الباغي ~~لا يتوارثان لأنهما قاتلان. # قال أبو بكر: لم يختلف الفقهاء في أن قاتل العمد لا يرث المقتول إذا كان ~~بالغا عاقلا بغير حق، واختلف في قاتل الخطإ على الوجوه التي ذكرنا وقد ~~حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عنبسة بن لقيط الضبي قال: ~~حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج والمثنى ويحيى بن ~~سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ليس للقاتل من الميراث شيء". # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا ms0050 موسى بن زكريا التستري قال: حدثنا سليمان ~~بن داود قال: حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عن عمر بن الخطاب عن النبي عليه السلام قال: "ليس للقاتل شيء". # وروى الليث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري عن حميد بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القاتل لا ~~يرث". # وروى يزيد بن هارون قال: حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "القاتل عمدا لا يرث من أخيه ولا من ذي قرابته شيئا ~~ويرث أقرب الناس إليه نسبا بعد القاتل". # وروى حصن بن ميسرة قال: حدثني عبد الرحمن بن حرملة عن عدي الجذامي قال: ~~قلت: يا رسول الله كانت لي امرأتان فاقتتلتا فرميت إحداهما؟ فقال: "اعقلها ~~ولا ترثها". # فثبت بهذه الأخبار حرمان القاتل ميراثه من سائر مال المقتول، وأنه لا فرق ~~في ذلك بين العامد والمخطئ لعموم لفظ النبي عليه السلام فيه. وقد استعمل ~~الفقهاء هذا الخبر وتلقوه بالقبول فجرى مجرى التواتر كقوله عليه السلام: ~~"لا وصية لوارث" وقوله: # PageV01P043 # "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" و "إذا اختلف البيعان فالقول ~~ما قاله البائع أو يترادان" وما جرى مجرى ذلك من الأخبار التي مخرجها من ~~جهة الإفراد وصارت في حيز التواتر لتلقي الفقهاء لها بالقبول من استعمالهم ~~إياها فجاز تخصيص آية المواريث بها ويدل على تسوية حكم العامد والمخطئ في ~~ذلك ما روي عن علي وعمر وابن عباس من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم ~~وغير جائز فيما كان هذا وصفه من قول الصحابة في شيوعه واستفاضته أن يعترض ~~عليه بقول التابعين ولما وافق مالك على أنه لا يرث من ديته وجب أن يكون ذلك ~~حكم سائر ماله من وجوه. أحدها: أن ديته ماله وميراث عنه بدليل أنه تقضى ~~منها ديونه وتنفذ منها وصاياه ويرثها سائر ورثته على فرائض الله تعالى كما ~~يرثون سائر ms0051 أمواله، فلما اتفقوا على أنه لا يرث من ديته كان ذلك حكم سائر ~~ماله في الحرمان كما أنه إذا ورث من سائر ماله ورث من ديته، فمن حيث كان ~~حكم سائر ماله حكم ديته في الاستحقاق وجب أن يكون حكم سائر ماله حكم ديته ~~في الحرمان; إذ كان الجميع مستحقا على سهام ورثته وأنه مبدوء به في الدين ~~على الميراث ومن جهة أخرى أنه لما ثبت أنه لا يرث من ديته لما اقتضاه الأثر ~~وجب أن يكون حكم سائر ماله كذلك; لأن الأثر لم يفصل في وروده بين شيء من ~~ذلك، وقال مالك: إنما ورث قاتل الخطإ من سائر ماله سوى الدية لأنه لا يتهم ~~أن يكون قتله ليرثه وهذه العلة موجودة في ديته; لأنها من التهمة أبعد. ~~فواجب على مقتضى علته أن يرث من ديته ومن جهة أخرى أنهم لا يختلفون في قاتل ~~العمد وشبه العمد أنه لا يرث سائر ماله كما لا يرث من ديته إذا وجبت، فوجب ~~أن يكون ذلك حكم قاتل الخطإ لاتفاقهما في حرمان الميراث من ديته وأيضا إذا ~~كان قتل العمد وشبه العمد إنما حرما الميراث للتهمة في إحراز الميراث بقتله ~~فهذا المعنى موجود في قتل الخطإ; لأنه يجوز أن يكون إنما أظهر رمي غيره وهو ~~قاصد به قتله لئلا يقاد منه ولا يحرم الميراث، فلما كانت التهمة موجودة من ~~هذا الوجه وجب أن يكون في معنى العمد وشبهه وأيضا توريثه بعض الميراث دون ~~بعض خارج من الأصول; لأن فيها أن من ورث بعض تركة ورث جميعها ومن حرم بعضها ~~حرم جميعها. وإنما قال أصحابنا: إن الصبي والمجنون لا يحرمان الميراث ~~بالقتل من قبل أنهما غير مكلفين، وحرمان الميراث على وجه العقوبة في الأصول ~~فأجري قاتل الخطإ مجراه وإن لم يستحق العقاب بقتل الخطإ تغليظا لأمر الدم، ~~ويجوز أن يكون قد قصد القتل برميه أو بضربه وأنه أوهم أنه قاصد لغيره فأجري ~~في ذلك مجرى من علم منه ذلك، والصبي والمجنون على أي وجه ms0052 كان منهما ذلك لا ~~يستحقان الدم، قال النبي عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى ~~ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم". # PageV01P044 # قال أبو بكر رحمه الله: فظاهر هذا الخبر يقتضي سقوط حكم قتله رأسا من ~~سائر الوجوه، ولولا قيام الدلالة لما وجبت الدية أيضا. # فإن قيل: فإنه يحرم النائم الميراث إذا انقلب على صبي فقتله؟ قيل له: هو ~~مثل قاتل الخطإ يجوز أن يكون أظهر أنه نائم ولم يكن نائما في الحقيقة وأما ~~قول الشافعي في العادل إذا قتل الباغي حرم الميراث، فلا وجه له; لأنه قتله ~~بحق وقد كان الباغي مستحقا للقتل، فغير جائز أن يحرم الميراث ولا نعلم ~~خلافا أن من وجب له القود على إنسان فقتله قودا أنه لا يحرم الميراث وأيضا ~~فلو كان قتل العادل الباغي يحرمه الميراث لوجب أنه إذا كان محاربا فاستحق ~~القتل حدا أن لا يكون ميراثه لجماعة المسلمين; لأن الإمام قام مقام الجماعة ~~في إجراء الحكم عليه فكأنهم قتلوه، فلما كان المسلمون هم المستحقين لميراث ~~من ذكرنا أمره وإن كان الإمام قام مقامهم في قتله ثبت بذلك أن من قتل بحق ~~لا يحرم قاتله ميراثه، وقال أصحابنا في حافر البئر وواضع الحجر في الطريق ~~إذا عطب به إنسان: إنه لا يحرم الميراث; لأنه غير قاتل في الحقيقة; إذ لم ~~يكن فاعلا للقتل ولا لسبب اتصل بالمقتول، والدليل على ذلك أن القتل على ~~ثلاثة أوجه: عمد، وخطأ، وشبه العمد، وحافر البئر وواضع الحجر خارج عن ذلك. ~~فإن قيل: حفر البئر ووضع الحجر سبب للقتل كالرامي والجارح أنهما قاتلان ~~لفعلهما السبب قيل له: الرمي وما تولد منه من مرور السهم هو فعله وبه حصل ~~القتل، وكذلك الجرح فعله فصار قاتلا به لاتصال فعله بالمقتول; وعثار الرجل ~~بالحجر ووقوعه في البئر ليس من فعله فلا يجوز أن يكون به قاتلا، وقوله ~~تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ms0053 يعلمون} يدل على أن العالم بالحق المعاند فيه ~~أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الصلاح من الجاهل، لأن قوله تعالى: ~~{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد ~~العلم به. # وقوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} ، قيل في معنى ~~معدودة: إنها قليلة، كقوله: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} [يوسف: 20] أي ~~قليلة. وقال ابن عباس وقتادة في قوله: {أياما معدودة} إنها أربعون يوما ~~مقدار ما عبدوا العجل، وقال الحسن ومجاهد: سبعة أيام وقال تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات} ~~[البقرة: 183 – 184] ، فسمى أيام الصوم في هذه الآية معدودات وأيام الشهر ~~كله. # وقد احتج شيوخنا لأقل مدة الحيض وأكثره أنها ثلاثة وعشرة بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها" وفي بعض الألفاظ: ~~"دعي الصلاة أيام حيضك" # PageV01P045 # واستدلوا بذلك على أن مدة الحيض تسمى أياما وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة; ~~لأن ما دون الثلاثة يقال يوم أو يومان وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر ~~يوما، وإنما يتناول هذا الاسم ما بين الثلاثة إلى العشرة، فدل ذلك على ~~مقدار أقله وأكثره فمن الناس من يعترض على هذا الاستدلال بقوله: {أياما ~~معدودات} ، وهي أيام الشهر، وقوله: {إلا أياما معدودة} وقد قيل فيه أربعون ~~يوما وهذا عندنا لا يقدح في استدلالهم; لأن قوله تعالى: {أياما معدودات} ~~[البقرة: 184] جائز أن يريد به أياما قليلة كقوله: {دراهم معدودة} [يوسف: ~~42] يعني قليلة، ولم يرد به تحديد العدد وتوقيت مقداره، وإنما المراد به ~~أنه لم يفرض عليهم من الصوم ما يشتد ويصعب ويحتمل أن يريد به وقتا مبهما ~~كقولهم: أيام بني أمية، وأيام الحجاج، ولا يراد به تحديد الأيام وإنما ~~المراد به زمان ملكهم وقوله عليه السلام: "دعي الصلاة أيام أقرائك" قد أريد ~~به لا محالة تحديد الأيام، إذ لا بد من أن يكون للحيض وقت معين مخصوص لا ~~يتجاوزه ولا يقصر عنه، فمتى أضيف ذكر الأيام إلى عدد ms0054 مخصوص يتناول ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة. # قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون} قد عقل منه استحقاق النار بما يكسب من السيئة وإحاطتها فكان ~~الجزاء مستحقا بوجود الشرطين غير مستحق بوجود أحدهما، وهذا يدل على أن من ~~عقد اليمين على شرطين في عتاق أو طلاق أو غيرهما أنه يحنث بوجود أحدهما دون ~~وجود الآخر. # قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا} يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا أو ~~مؤمنين; لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى. # وقوله: {وذي القربى} يدل على وجوب صلة الرحم والإحسان إلى اليتامى ~~والمساكين. {وقولوا للناس حسنا} روي عن أبي جعفر محمد بن علي: "وقولوا ~~للناس حسنا كلهم". # قال أبو بكر: وهذا يدل على أنهم كانوا متعبدين بذلك في المسلم والكافر ~~وقد قيل: إن ذلك على معنى قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ، والإحسان المذكور في الآية ~~إنما هو الدعاء إليه والنصح فيه لكل أحد وروي عن ابن عباس وقتادة أنها ~~منسوخة بالأمر بالقتال. وقد قال تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم} [النساء: 148] . وقد أمر الله تعالى بلعن الكفار والبراءة منهم ~~والإنكار على أهل المعاصي، وهذا مما لا # PageV01P046 # يختلف فيه شرائع الأنبياء عليهم السلام، فدل ذلك على أن المأمور به من ~~القول الحسن أحد وجهين: إما أن يكون خاصا في المسلمين ومن لا يستحق اللعن ~~والنكير، وإن كان عاما فهو الدعاء إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وذلك كله حسن وأخبرنا الله تعالى أنه كان أخذ الميثاق على بني ~~إسرائيل بما ذكر، والميثاق هو العقد المؤكد إما بوعيد أو بيمين، وهو نحو ~~أمر الله الصحابة بمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على شرائطها المذكورة. # وقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم} يحتمل وجهين: أحدهما: أن لا يقتل ms0055 بعضكم بعضا كقوله تعالى: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وكذلك إخراجهم من ديارهم، وكقوله: {وقاتلوا ~~وقتلوا} [آل عمران: 195] . والآخر: أن لا يقتل كل واحد نفسه، إما بأن يباشر ~~ذلك كما يفعله الهند وكثير ممن يغلب عليه اليأس من الخلاص من شدة هو فيها، ~~أو بأن يقتل غيره فيقتل به فيكون في معنى قتل نفسه واحتمال اللفظين ~~المعنيين يوجب أن يكون عليهما جميعا وهذا الذي أخبر الله به من حكم شريعة ~~التوراة مما كان يكتمه اليهود لما عليهم في ذلك من الوكس ويلزمهم في ذلك من ~~الذم، فأطلع الله نبيه عليه وجعله دلالة وحجة عليهم في جحدهم نبوته; إذ لم ~~يكن عليه السلام ممن قرأ الكتب ولا عرف ما فيها إلا بإعلام الله تعالى ~~إياه، وكذلك جميع ما حكى الله بعد هذه الآيات عنهم من قوله: {وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا} وسائر ما ذمهم هو توقيف منه له على ما كانوا ~~يكتمون وتقريع لهم على ظلمهم وكفرهم وإظهار قبائحهم، وجميعه دلالة على ~~نبوته عليه السلام. # وقوله تعالى: {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} دال على أن فداء أساراهم كان واجبا عليهم، وكان ~~إخراج فريق منهم من ديارهم محرما عليهم، فإذا أسر بعضهم عدوهم كان عليهم أن ~~يفادوهم، فكانوا في إخراجهم كافرين ببعض الكتاب لفعلهم ما حظره الله عليهم ~~وفي مفاداتهم مؤمنين ببعض الكتاب بقيامهم بما أوجبه الله عليهم. # وهذا الحكم من وجوب مفاداة الأسارى ثابت علينا; روى الحجاج بن أرطاة عن ~~الحكم عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين ~~والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. ~~وروى منصور عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أطعموا الطعام وأفشوا السلام وعودوا المريض وفكوا العاني" ~~فهذان الخبران يدلان على فكاك الأسير; لأن العاني هو # PageV01P047 # الأسير. وقد روى عمران بن حصين وسلمة بن الأكوع: "أن النبي عليه السلام ms0056 ~~فدى أسارى من المسلمين بالمشركين". وروى الثوري عن عبد الله بن شريك عن بشر ~~بن غالب قال: سئل الحسين بن علي عليهما السلام: على من فدي الأسير؟ قال: ~~على الأرض التي يقاتل عنها. # قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} روي أن النبي عليه السلام قال: "لو أن اليهود ~~تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا". وقال ابن عباس: ~~"لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا". # وقيل: في تمني الموت وجهان: أحدهما: قول ابن عباس أنهم تحدوا بأن يدعوا ~~بالموت على أي الفريقين كان كاذبا وقال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: ~~لما قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وقالوا نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، قيل لهم: فتمنوا الموت فمن كان بهذه الصفة فالموت خير له من ~~الحياة في الدنيا فتضمنت الآية معنيين: أحدهما: إظهار كذبهم وتبكيتهم به، ~~والثاني: الدلالة على نبوة النبي عليه السلام، وذلك أنه تحداهم بذلك كما ~~أمر الله تعالى تحدي النصارى بالمباهلة، فلولا علمهم بصدقه صلى الله عليه ~~وسلم وكذبهم لسارعوا إلى تمني الموت ولسارع النصارى إلى المباهلة، لا سيما ~~وقد أخبر الفريقين أنهم لو فعلوا ذلك لنزل الموت والعذاب بهم، وكان يكون في ~~إظهارهم التمني والمباهلة تكذيب له ودحض لحجته إذا لم ينزل بهم ما أوعدهم، ~~فلما أحجموا عن ذلك مع التحدي والوعيد مع سهولة هذا القول دل ذلك على علمهم ~~بصحة نبوته بما عرفوه من كتبهم من نعته وصفته كما قال تعالى: {ولن يتمنوه ~~أبدا بما قدمت أيديهم} . # وفيه دلالة أخرى على صحة نبوته، وهو إخبارهم أنهم لا يتمنون الموت مع خفة ~~التمني وسهولته على المتلفظ وسلامة ألسنتهم، فكان ذلك بمنزلة لو قال لهم: ~~الدلالة على صحة نبوتي أن أحدا منكم لا يمس رأسه مع صحة جوارحه، وأنه إن مس ~~أحد منكم رأسه فأنا ms0057 مبطل فلا يمس أحد منهم رأسه مع شدة عداوتهم له وحرصهم ~~على تكذيبه ومع سلامة أعضائهم وصحة جوارحهم; فيعلم بذلك أنه من عند الله ~~تعالى من وجهين: أحدهما: أن عاقلا لا يتحدى أعداءه بمثله مع علمه بجواز ~~وقوع ذلك منهم والثاني: أنه إخبار بالغيب; إذ لم يتمن واحد منهم الموت، ~~وكون مخبره على ما أخبر به. وهذا كقوله حين تحداهم بالقرآن وقرعهم بالإتيان ~~بسورة مثله وإخباره أنهم لا يفعلون بقوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} ~~[البقرة: 24] . # PageV01P048 # فإن قال قائل: إنهم لم يتمنوا لأنهم لو تمنوا لكان ذلك ضميرا مغيبا علمه ~~عن الناس وكان يمكنه أن يقول: إنكم قد تمنيتم 1 بقلوبكم؟ قيل له: هذا يبطل ~~من وجهين: أحدهما: أن للتمني صيغة معروفة عند العرب وهو قول القائل: ليت ~~الله غفر لي، وليت زيدا قدم; وما جرى هذا المجرى، وهو أحد أقسام الكلام ~~ومتى قال ذلك قائل كان ذلك عندهم متمنيا من غير اعتبار لضميره واعتقاده، ~~كقولهم في الخبر والاستخبار والنداء ونحو ذلك من أقسام الكلام والتحدي ~~بتمني الموت إنما توجه إلى العبارة التي في لغتهم أنها تمن والوجه الآخر ~~أنه يستحيل أن يتحداهم عند الحاجة والتكذيب والتوقيف على علمهم بصحة نبوته ~~وبهتهم ومكابرتهم في أمره فيتحداهم بأن يتمنوا ذلك بقلوبهم مع علم الجميع ~~بأن التحدي بالضمير لا يعجز عنه أحد فلا يدل على صحة مقاله ولا فسادها، وأن ~~المتحدى بذلك يمكنه أن يقول قد تمنيت بقلبي ذلك ولا يمكن لخصمه إقامة ~~الدليل على كذبه وأيضا فلو انصرف ذلك إلى التمني بالقلب دون العبارة ~~باللسان لقالوا: قد تمنينا ذلك بقلوبنا; فكانوا مساوين له فيه ويسقط بذلك ~~دلالته على كذبهم وعلى صحة نبوته، فلما لم يقولوا ذلك لأنهم لو قالوه لنقل ~~كما لو عارضوا القرآن بأي كلام كان لنقل، فعلم أن التحدي وقع بالتمني ~~باللفظ والعبارة دون الضمير والاعتقاد. PageV01P049 # باب السحر وحكم الساحر # قال الله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان} إلى آخر القصة. # قال أبو بكر: ms0058 الواجب أن نقدم القول في السحر لخفائه على كثير من أهل ~~العلم فضلا عن العامة، ثم نعقبه بالكلام في حكمه في مقتضى الآية في المعاني ~~والأحكام، فنقول: إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في اللغة لما لطف وخفي سببه، ~~والسحر عندهم بالفتح وهو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، قال لبيد: # أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب # قيل: فيه وجهان: نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع، والآخر: نغذى، وأي ~~الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال آخر: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # PageV01P049 # وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول، ويحتمل أيضا أنه أراد ~~بالمسحر أنه ذو سحر. # والسحر الرئة وما يتعلق بالحلقوم، وهذا يرجع إلى معنى الخفاء، ومنه قول ~~عائشة: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وقوله تعالى: ~~{قالوا إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153 – 185] يعني من المخلوق الذي ~~يطعم ويسقى، ويدل عليه قوله تعالى: {وما أنت إلا بشر مثلنا} [الشعراء: 154] ~~، وكقوله تعالى: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: ~~7] ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا وإنما يذكر السحر في مثل هذه المواضع لضعف هذه ~~الأجساد ولطافتها ورقتها وبها مع ذلك قوام الإنسان، فمن كان بهذه الصفة فهو ~~ضعيف محتاج. وهذا هو معنى السحر في اللغة، ثم نقل هذا الاسم إلى كل أمر خفي ~~سببه وتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد ~~أفاد ذم فاعله وقد أجري مقيدا فيما يمتدح ويحمد كما روي: "إن من البيان ~~لسحرا". # حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا إبراهيم الحراني قال: حدثنا سليمان بن حرب ~~قال: حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال: قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم، فقال لعمرو: ~~"خبرني عن الزبرقان! " فقال: مطاع في ناديه، شديد العارضة مانع لما وراء ~~ظهره فقال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه فقال عمرو: إنه زمر ~~المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم ms0059 الخال يا رسول الله صدقت فيهما أرضاني ~~فقلت أحسن ما علمت، وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت فقال عليه السلام: "إن من ~~البيان لسحرا". # وحدثنا إبراهيم الحراني قال: حدثنا مصعب بن عبد الله قال: حدثنا مالك بن ~~أنس عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قدم رجلان فخطب أحدهما فعجب الناس ~~لذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرا". قال: ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ~~قال: حدثنا سعيد بن محمد قال: حدثنا أبو تميلة قال: حدثنا أبو جعفر النحوي ~~عبد الله بن ثابت قال: حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من البيان لسحرا، وإن من ~~العلم جهلا، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيالا". قال صعصعة بن صوحان: ~~صدق نبي الله أما قوله: "إن من البيان لسحرا". فالرجل يكون عليه الحق وهو ~~ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وأما قوله: "من ~~العلم جهلا" فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهله ذلك. وأما قوله: "إن ~~من الشعر # PageV01P050 # حكما" فهي هذه الأمثال والمواعظ التي يتعظ بها الناس وأما قوله: "إن من ~~القول عيالا" فعرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده فسمى النبي ~~عليه السلام بعض البيان سحرا; لأن صاحبه بين أن ينبئ عن حق فيوضحه ويجليه ~~بحسن بيانه بعد أن كان خفيا; فهذا من السحر الحلال الذي أقر النبي عليه ~~السلام عمرو بن الأهتم عليه ولم يسخطه منه. # وروي أن رجلا تكلم بكلام بليغ عند عمر بن عبد العزيز فقال عمر: "هذا ~~والله السحر الحلال". وبين أن يصور الباطل في صورة الحق ببيانه ويخدع ~~السامعين بتمويهه ومتى أطلق فهو اسم لكل أمر مموه باطل لا حقيقة له ولا ~~ثبات، قال الله تعالى: {سحروا أعين الناس} [الأعراف: 166] يعني موهوا عليهم ~~حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم ms0060 تسعى وقال: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه: ~~166] فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا وقد قيل: ~~إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم ~~محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا وجعلوا آزاجا وملئوها ~~نارا، فلما طرحت عليه وحمي الزئبق حركها; لأن من شأن الزئبق إذا أصابته ~~النار أن يطير، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقته والعرب تقول ~~لضرب من الحلي مسحور أي مموه على من رآه مسحور به عينه فما كان من البيان ~~على حق ويوضحه فهو من السحر الحلال، وما كان منه مقصودا به إلى تمويه ~~وخديعة وتصوير باطل في صورة الحق فهو من السحر المذموم. # فإن قيل: إذا كان موضوع السحر التمويه والإخفاء; فكيف يجوز أن يسمى ما ~~يوضح الحق وينبئ عنه سحرا، وهو إنما أظهر بذلك ما خفي ولم يقصد به إلى ~~إخفاء ما ظهر وإظهاره غير حقيقة؟ قيل له: سمي ذلك سحرا من حيث كان الأغلب ~~في ظن السامع أنه لو ورد عليه المعنى بلفظ مستنكر غير مبين لما صادف منه ~~قبولا ولا أصغى إليه، ومتى سمع المعنى بعبارة مقبولة عذبة لا فساد فيها ولا ~~استنكار وقد تأتى لها بلفظه وحسن بيانه بما لا يتأتى له الغبي الذي لا بيان ~~له أصغى إليه وسمعه وقبله، فسمى استمالته للقلوب بهذا الضرب من البيان سحرا ~~كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إلى ما موه به ولبسه، فمن هذا الوجه سمي ~~البيان سحرا لا من الوجه الذي ظننت ويجوز أن يكون إنما سمى البيان سحرا لأن ~~المقتدر على البيان ربما قبح بيانه بعض ما هو حسن وحسن عنده بعض ما هو قبيح ~~فسماه لذلك سحرا، كما سمى ما موه به صاحبه وأظهر على غير حقيقة سحرا. # قال أبو بكر رحمه الله: واسم السحر إنما أطلق على البيان مجازا لا حقيقة # PageV01P051 # والحقيقة ما وصفنا، ولذلك صار عند الإطلاق إنما يتناول كل أمر مموه ms0061 قد ~~قصد به الخديعة والتلبيس وإظهار ما لا حقيقة له ولا ثبات. # وإذ قد بينا أصل السحر في اللغة وحكمه عند الإطلاق والتقييد فلنقل في ~~معناه في التعارف والضروب الذي يشتمل عليها هذا الاسم وما يقصد به كل فريق ~~من منتحليه والغرض الذي يجري إليه مدعوه، فنقول وبالله التوفيق: # إن ذلك ينقسم إلى أنحاء مختلفة: فمنها سحر أهل بابل الذين ذكرهم الله ~~تعالى في قوله: {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت} وكانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة ويعتقدون ~~أن حوادث العالم كلها من أفعالها وهم معطلة لا يعترفون بالصانع الواحد ~~المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم وهم الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم ~~خليله صلوات الله عليه فدعاهم إلى الله تعالى وحاجهم بالحجاج الذي بهرهم به ~~وأقام عليهم به الحجة من حيث لم يمكنهم دفعه ثم ألقوه في النار فجعلها الله ~~تعالى بردا وسلاما، ثم أمره الله تعالى بالهجرة إلى الشام. وكان أهل بابل ~~وإقليم العراق والشام ومصر والروم على هذه المقالة إلى أيام بيوراسب الذي ~~تسميه العرب الضحاك وإن أفريدون وكان من أهل دنباوند استجاش عليه بلاده ~~وكاتب سائر من يطيعه وله قصص طويلة حتى أزال ملكه وأسره وجهال العامة ~~والنساء عندنا يزعمون أن أفريدون حبس بيوراسب في جبل دنباوند العالي على ~~الجبال، وأنه حي هناك مقيد، وأن السحرة يأتونه هناك فيأخذون عنه السحر، ~~وأنه سيخرج فيغلب على الأرض، وأنه هو الدجال الذي أخبر به النبي عليه ~~السلام وحذرناه، وأحسبهم أخذوا ذلك عن المجوس وصارت مملكة إقليم بابل للفرس ~~فانتقل بعض ملوكهم إليها في بعض الأزمان فاستوطنوها. ولم يكونوا عبدة أوثان ~~بل كانوا موحدين مقرين بالله وحده، إلا أنهم مع ذلك يعظمون العناصر ~~الأربعة: الماء، والنار، والأرض، والهواء; لما فيها من منافع الخلق وأن بها ~~قوام الحيوان وإنما حدثت المجوسية فيهم بعد ذلك في زمان "كشتاسب" حين دعاه ~~"زرادشت" فاستجاب له على شرائط وأمور يطول شرحها، وإنما عرضنا في هذا ~~الموضع الإبانة عما كانت ms0062 عليه سحرة بابل. ولما ظهرت الفرس على هذا الإقليم ~~كانت تتدين بقتل السحرة وإبادتها، ولم يزل ذلك فيهم ومن دينهم بعد حدوث ~~المجوسية فيهم وقبله إلى أن زال عنهم الملك وكانت علوم أهل بابل قبل ظهور ~~الفرس عليهم الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم، وكانوا يعبدون أوثانا قد ~~عملوها على أسماء الكواكب السبعة وجعلوا لكل واحد منها هيكلا فيه صنمه ~~ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقة ذلك للكوكب ~~الذي يطلبون منه بزعمهم فعل # PageV01P052 # خير أو شر، فمن أراد شيئا من الخير والصلاح بزعمه يتقرب إليه بما يوافق ~~المشترى من الدخن والرقى والعقد والنفث عليها، ومن طلب شيئا من الشر والحرب ~~والموت والبوار لغيره تقرب بزعمه إلى زحل بما يوافقه من ذلك، ومن أراد ~~البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمه إلى المريخ بما يوافقه من ذلك من ذبح بعض ~~الحيوانات وجميع تلك الرقى بالنبطية تشتمل على تعظيم تلك الكواكب إلى ما ~~يريدون من خير أو شر ومحبة وبغض، فيعطيهم ما شاءوا من ذلك، فيزعمون أنهم ~~عند ذلك يفعلون ما شاءوا في غيرهم من غير مماسة ولا ملامسة سوى ما قدموه من ~~القربات للكوكب الذي طلبوا ذلك منه; فمن العامة من يزعم أنه يقلب الإنسان ~~حمارا أو كلبا ثم إذا شاء أعاده، ويركب البيضة والمكنسة والخابية، ويطير في ~~الهواء فيمضي من العراق إلى الهند وإلى ما شاء من البلدان ثم يرجع من ~~ليلته. وكانت عوامهم تعتقد ذلك لأنهم كانوا يعبدون الكواكب، وكل ما دعا إلى ~~تعظيمها اعتقدوه وكانت السحرة تحتال في خلال ذلك بحيل تموه بها على العامة ~~إلى اعتقاد صحته بأن يزعم أن ذلك لا ينفذ ولا ينتفع به أحد ولا يبلغ ما ~~يريد إلا من اعتقد صحة قولهم وتصديقهم فيما يقولون ولم تكن ملوكهم تعترض ~~عليهم في ذلك، بل كانت السحرة عندها بالمحل الأجل لما كان لها في نفوس ~~العامة من محل التعظيم والإجلال، ولأن الملوك في ذلك الوقت كانت تعتقد ما ~~تدعيه السحرة للكواكب، إلى أن زالت تلك ms0063 الممالك ألا ترى أن الناس في زمن ~~فرعون كانوا يتبارون بالعلم والسحر والحيل والمخاريق ولذلك بعث إليهم موسى ~~عليه السلام بالعصا والآيات التي علمت السحرة أنها ليست من السحر في شيء ~~وأنها لا يقدر عليها غير الله تعالى؟ فلما زالت تلك الممالك وكان من ملكهم ~~بعد ذلك من الموحدين يطلبونهم ويتقربون إلى الله تعالى بقتلهم، وكانوا ~~يدعون عوام الناس وجهالهم سرا كما يفعله الساعة كثير ممن يدعي ذلك مع ~~النساء والأحداث والأغمار والجهال الحشو وكانوا يدعون من يعملون له ذلك إلى ~~تصديق قولهم والاعتراف بصحته والمصدق لهم بذلك يكفر من وجوه: أحدها: ~~التصديق بوجوب تعظيمه الكواكب وتسميتها آلهة والثاني: اعترافه بأن الكواكب ~~تقدر على ضره ونفعه. والثالث: أن السحرة تقدر على مثل معجزات الأنبياء ~~عليهم السلام فبعث الله إليهم ملكين يبينان للناس حقيقة ما يدعون وبطلان ما ~~يذكرون، ويكشفان لهم ما به يموهون، ويخبرانهم بمعاني تلك الرقى وأنها شرك ~~وكفر وبحيلهم التي كانوا يتوصلون بها إلى التمويه على العامة ويظهرون لهم ~~حقائقها وينهونهم عن قبولها والعمل بها بقوله: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} ~~فهذا أصل سحر بابل، ومع ذلك فقد كانوا يستعملون سائر وجوه السحر والحيل ~~التي نذكرها ويموهون بها على العامة ويعزونها إلى فعل الكواكب لئلا يبحث ~~عنها ويسلمها لهم. # PageV01P053 # فمن ضروب السحر كثير من التخييلات التي مظهرها على خلاف حقائقها. # فمنها ما يعرفه الناس بجريان العادة بها وظهورها. # ومنها ما يخفى ويلطف ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا من تعاطى معرفة ~~ذلك; لأن كل علم لا بد أن يشتمل على جلي وخفي وظاهر وغامض. فالجلي منه ~~يعرفه كل من رآه وسمعه من العقلاء، والغامض الخفي لا يعرفه إلا أهله ومن ~~تعاطى معرفته وتكلف فعله والبحث عنه، وذلك نحو ما يتخيل راكب السفينة إذا ~~سارت في النهر فيرى أن الشط بما عليه من النخل والبنيان سائر معه، وكما يرى ~~القمر في مهب الشمال يسير للغيم في مهب الجنوب، وكدوران الدوامة فيها ~~الشامة فيراها كالطوق المستدير في أرجائها، وكذلك يرى ms0064 هذا في الرحى إذا ~~كانت سريعة الدوران، وكالعود في طرفه الجمرة إذا أداره مديره رأى تلك النار ~~التي في طرفه كالطوق المستدير، وكالعنبة التي يراها في قدح فيه ماء كالخوخة ~~والإجاصة عظما، وكالشخص الصغير يراه في الضباب عظيما جسيما، وكبخار الأرض ~~الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته وارتفعت صغرت، وكما يرى ~~المردى في الماء منكسرا أو معوجا، وكما يرى الخاتم إذا قربته من عينك في ~~سعة حلقة السوار، ونظائر ذلك كثيرة من الأشياء التي تتخيل على غير حقائقها ~~فيعرفها عامة الناس. # ومنها ما يلطف فلا يعرفه إلا من تعاطاه وتأمله كخيط السحارة الذي يخرج ~~مرة أحمر ومرة أصفر ومرة أسود، ومن لطيف ذلك ودقيقه ما يفعله المشعوذون من ~~جهة الحركات وإظهار التخييلات التي تخرج على غير حقائقها حتى يريك عصفورا ~~معه أنه قد ذبحه ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه وإبانة رأسه، وذلك لخفة حركته، ~~والمذبوح غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان قد خبأ أحدهما وأظهر الآخر، ~~ويخبئ لخفة الحركة المذبوح ويظهر الذي نظيره. ويظهر أنه قد ذبح إنسانا وأنه ~~قد بلع سيفا وأدخله في جوفه، وليس لشيء منه حقيقة. # ومن نحو ذلك ما يفعله أصحاب الحركات للصور المعمولة من صفر أو غيره فيرى ~~فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر، وينصرف بحيل قد أعدت لذلك وكفارس من ~~صفر على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه ~~أحد ولا يتقدم إليه. # وقد ذكر الكلبي أن رجلا من الجند خرج ببعض نواحي الشام متصيدا ومعه كلب ~~له # PageV01P054 # وغلام فرأى ثعلبا فأغرى به الكلب فدخل الثعلب ثقبا في تل هناك ودخل الكلب ~~خلفه فلم يخرج، فأمر الغلام أن يدخل فدخل وانتظره صاحبه فلم يخرج، فوقف ~~متهيئا للدخول، فمر به رجل فأخبره بشأن الثعلب والكلب والغلام وأن واحدا ~~منهم لم يخرج وأنه متأهب للدخول، فأخذ الرجل بيده فأدخله إلى هناك، فمضيا ~~إلى سرب طويل حتى أفضى بهما إلى بيت قد فتح له ضوء ms0065 من موضع ينزل إليه ~~بمرقاتين، فوقف به على المرقاة الأولى حتى أضاء البيت حينا ثم قال له: انظر ~~فنظر فإذا الكلب والرجل والثعلب قتلى، وإذا في صدر البيت رجل واقف مقنع في ~~الحديد وفي يده سيف، فقال له الرجل: أترى هذا لو دخل إليه هذا المدخل ألف ~~رجل لقتلهم كلهم فقال: وكيف؟ قال: لأنه قد رتب وهندم على هيئة متى وضع ~~الإنسان رجله على المرقاة الثانية للنزول تقدم الرجل المعمول في الصدر ~~فضربه بالسيف الذي في يده، فإياك أن تنزل إليه فقال: فكيف الحيلة في هذا؟ ~~قال: ينبغي أن تحفر من خلفه سربا يفضي بك إليه، فإن وصلت إليه من تلك ~~الناحية لم يتحرك فاستأجر الجندي أجراء وصناعا حتى حفروا سربا من خلف التل ~~فأفضوا إليه، فلم يتحرك، وإذا رجل معمول من صفر أو غيره قد ألبس السلاح ~~وأعطي السيف فقلعه، ورأى بابا آخر في ذلك البيت ففتحه فإذا هو قبر لبعض ~~الملوك ميت على سرير هناك وأمثال ذلك كثيرة جدا. # ومنها الصور التي يصورها مصورو الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بين ~~الإنسان وبينها، ومن لم يتقدم له علم أنها صورة لا يشك في أنها إنسان، وحتى ~~تصورها ضاحكة أو باكية، وحتى يفرق فيها بين الضحك من الخجل والسرور وضحك ~~الشامت. # فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل وخفيها وما ذكرناه قبل من جليها وكان ~~سحر سحرة فرعون من هذا الضرب على النحو الذي بينا من حيلهم في العصي ~~والحبال والذي ذكرناه من مذاهب أهل بابل في القديم وسحرهم ووجوه حيلهم بعضه ~~سمعناه من أهل المعرفة بذلك وبعضه وجدناه في الكتب قد نقلت حديثا من ~~النبطية إلى العربية، منها كتاب في ذكر سحرهم وأصنافه ووجوهه، وكلها مبنية ~~على الأصل الذي ذكرناه من قربانات الكواكب وتعظيمها وخرافات معها لا تساوي ~~ذكرها ولا فائدة فيها. # وضرب آخر من السحر: وهو ما يدعونه من حديث الجن والشياطين وطاعاتهم لهم ~~بالرقى والعزائم. ويتوصلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمة أمور ومواطأة قوم ~~قد أعدوهم ms0066 لذلك، وعلى ذلك كان يجري أمر الكهان من العرب في الجاهلية، وكانت ~~أكثر مخاريق الحلاج من باب المواطآت ولولا أن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاء ~~ذلك # PageV01P055 # لذكرت منها ما يوقف على كثير من مخاريقه ومخاريق أمثاله. # وضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على ~~الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء الله تعالى، فإنهم ~~يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن لمن شاءوا فتصدقهم العامة على اغترار ~~بما يظهرون من انقياد الجن لهم بأسماء الله تعالى التي كانت تطيع بها ~~سليمان بن داود عليه السلام وأنهم يخبرونهم بالخبايا وبالسرق وقد كان ~~المعتضد بالله مع جلالته وشهامته ووفور عقله اغتر بقول هؤلاء، وقد ذكره ~~أصحاب التواريخ، وذلك أنه كان يظهر في داره التي كان يخلو فيها بنسائه ~~وأهله شخص في يده سيف في أوقات مختلفة، وأكثره وقت الظهر، فإذا طلب لم يوجد ~~ولم يقدر عليه ولم يوقف له على أثر مع كثرة التفتيش وقد رآه هو بعينه ~~مرارا، فأهمته نفسه ودعا بالمعزمين فحضروا وأحضروا معهم رجالا ونساء وزعموا ~~أن فيهم مجانين وأصحاء، فأمر بعض رؤسائهم بالعزيمة، فعزم على رجل منهم زعم ~~أنه كان صحيحا فجن وتخبط وهو ينظر إليه. وذكروا له أن هذا غاية الحذق بهذه ~~الصناعة; إذ أطاعته الجن في تخبيط الصحيح وإنما كان ذلك من المعزم بمواطأة ~~منه لذلك الصحيح على أنه متى عزم عليه جنن نفسه وخبط فجاز ذلك على المعتضد، ~~فقامت نفسه منه وكرهه، إلا أنه سألهم عن أمر الشخص الذي يظهر في داره، ~~فخرقوا عليه بأشياء علقوا قلبه بها من غير تحصيل لشيء من أمر ما سألهم عنه، ~~فأمرهم بالانصراف وأمر لكل واحد منهم ممن حضر بخمسة دراهم ثم تحرز المعتضد ~~بغاية ما أمكنه وأمر بالاستيثاق من سور الدار حيث لا يمكن فيه حيلة من تسلق ~~ونحوه، وبطحت في أعلى السور خوابي لئلا يحتال بإلقاء المعاليق التي يحتال ~~بها اللصوص; ثم لم يوقف لذلك الشخص على خبر إلا ظهوره ms0067 له الوقت بعد الوقت، ~~إلى أن توفي المعتضد. # وهذه الخوابي المبطوحة على السور وقد رأيتها على سور الثريا التي بناها ~~المعتضد فسألت صديقا لي كان قد حجب للمقتدر بالله عن أمر هذا الشخص، وهل ~~تبين أمره؟ فذكر لي أنه لم يوقف على حقيقة هذا الأمر إلا في أيام المقتدر، ~~وأن ذلك الشخص كان خادما أبيض يسمى يقق، وكان يميل إلى بعض الجواري اللاتي ~~في داخل دور الحرم، وكان قد اتخذ لحى على ألوان مختلفة، وكان إذا لبس بعض ~~تلك اللحى لا يشك من رآه أنها لحيته، وكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية ~~منها ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح حيث يقع نظر ~~المعتضد. فإذا طلب دخل بين الشجر الذي في البستان أو في بعض تلك الممرات أو ~~العطفات، فإذا غاب عن أبصار طالبيه نزع اللحية وجعلها في كمه أو حوزته ~~ويبقى السلاح معه كأنه بعض الخدم الطالبين # PageV01P056 # للشخص، ولا يرتابون به ويسألونه هل رأيت في هذه الناحية أحدا فإنا قد ~~رأيناه صار إليها؟ فيقول: ما رأيت أحدا وكان إذا وقع مثل هذا الفزع في ~~الدار خرجت الجواري من داخل الدور إلى هذا الموضع فيرى هو تلك الجارية ~~ويخاطبها بما يريد، وإنما كان غرضه مشاهدة الجواري، وكلامها، فلم يزل دأبه ~~إلى أيام المقتدر ثم خرج إلى البلدان وصار إلى طرسوس وأقام بها إلى أن مات، ~~وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ووقف على احتياله فهذا خادم قد احتال بمثل ~~هذه الحيلة الخفية التي لم يهتد لها أحد مع شدة عناية المعتضد، وأعياه ~~معرفتها والوقوف عليها ولم تكن صناعته الحيل والمخاريق، فما ظنك بمن قد جعل ~~هذا صناعة ومعاشا؟. # وضرب آخر من السحر وهو السعي بالنميمة والوشاية بها والبلاغات، والإفساد ~~والتضريب من وجوه خفية لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس. وقد حكي أن ~~امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين فصارت إلى الزوجة فقالت لها: إن زوجك معرض ~~وقد سحر وهو مأخوذ عنك وسأسحره لك حتى ms0068 لا يريد غيرك ولا ينظر إلى سواك، ~~ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها، ~~فإن بها يتم الأمر فاغترت المرأة بقولها وصدقتها ثم ذهبت إلى الرجل وقالت ~~له: إن امرأتك قد علقت رجلا وقد عزمت على قتلك وقد وقفت على ذلك من أمرها ~~فأشفقت عليك ولزمني نصحك، فتيقظ ولا تغتر فإنها عزمت على ذلك بالموسى، ~~وستعرف ذلك منها، فما في أمرها شك فتناوم الرجل في بيته، فلما ظنت امرأته ~~أنه قد نام عمدت إلى موسى حاد وهوت به لتحلق من حلقه ثلاث شعرات، ففتح ~~الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه فلم يشك في أنها أرادت قتله، ~~فقام إليها فقتلها وقتل وهذا كثير لا يحصى. # وضرب آخر من السحر، وهو الاحتيال في إطعامه بعض الأدوية المبلدة المؤثرة ~~في العقل والدخن المسدرة المسكرة، نحو دماغ الحمار إذا طعمه إنسان تبلد ~~عقله وقلت فطنته مع أدوية كثيرة هي مذكورة في كتب الطب، ويتوصلون إلى أن ~~يجعلوه في طعام حتى يأكله فتذهب فطنته ويجوز عليه أشياء مما لو كان تام ~~الفطنة لأنكرها، فيقول الناس: إنه مسحور. وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله ~~مخاريق وحيل لا حقيقة لما يدعون لها أن الساحر والمعزم لو قدرا على ما ~~يدعيانه من النفع والضرر من الوجوه التي يدعون وأمكنهما الطيران والعلم ~~بالغيوب وأخبار البلدان النائية والخبيئات والسرق والإضرار بالناس من غير ~~الوجوه التي ذكرنا، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز والغلبة على ~~البلدان بقتل الملوك بحيث لا يبدأهم مكروه، ولما مسهم السوء ولا # PageV01P057 # امتنعوا عمن قصدهم بمكروه، ولاستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس فإذا لم ~~يكن كذلك وكان المدعون لذلك أسوأ الناس حالا وأكثرهم طمعا واحتيالا وتوصلا ~~لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقرا وإملاقا علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك ~~ورؤساء الحشون والجهال من العامة من أسرع الناس إلى التصديق بدعاوى السحرة ~~والمعزمين وأشدهم نكيرا على من جحدها، ويروون في ذلك أخبارا مفتعلة متخرصة ~~يعتقدون صحتها، ms0069 كالحديث الذي يروون أن امرأة أتت عائشة فقالت: إني ساحرة ~~فهل لي توبة؟ فقالت: وما سحرك؟ قالت: سرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ~~ببابل لطلب علم السحر فقالا لي: يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر ~~الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك الرماد فذهبت لأبول عليه ~~ففكرت في نفسي فقلت لا فعلت وجئت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا: ما رأيت؟ ~~فقلت: ما رأيت شيئا; فقالا: اذهبي فبولي عليه فذهبت وفعلت فرأيت كأن فارسا ~~قد خرج من فرجي مقنعا بالحديد حتى صعد إلى السماء، فجئتهما فأخبرتهما ~~فقالا: ذلك إيمانك خرج عنك وقد أحسنت السحر فقلت: وما هو؟ فقالا: لا تريدين ~~شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان فصورت في نفسي حبا من حنطة، فإذا أنا بالحب. ~~فقلت له: انزرع فانزرع وخرج من ساعته سنبلا، فقلت له: انطحن وانخبز إلى آخر ~~الأمر حتى صار خبزا وإني كنت لا أصور في نفسي شيئا إلا كان فقالت لها ~~عائشة: ليست لك توبة فيروي القصاص والمحدثون الجهال مثل هذا للعامة، فتصدقه ~~وتستعيده وتسأله أن يحدثها بحديث ساحرة ابن هبيرة، فيقول لها: إن ابن هبيرة ~~أخذ ساحرة فأقرت له بالسحر، فدعا الفقهاء فسألهم عن حكمها، فقالوا: القتل ~~فقال ابن هبيرة: لست أقتلها إلا تغريقا قال: فأخذ رحى البذر فشدها في رجلها ~~وقذفها في الفرات، فقامت فوق الماء مع الحجر، فجعلت تنحدر مع الماء، فخافوا ~~أن تفوتهم، فقال ابن هبيرة: من يمسكها وله كذا وكذا؟ فرغب رجل من السحرة ~~كان حاضرا فيما بذله فقال: أعطوني قدح زجاج فيه ماء فجاءوه به، فقعد على ~~القدح ومضى إلى الحجر فشق الحجر بالقدح فتقطع الحجر قطعة قطعة، فغرقت ~~الساحرة فيصدقونه ومن صدق هذا فليس يعرف النبوة ولا يؤمن أن تكون معجزات ~~الأنبياء عليهم السلام من هذا النوع وأنهم كانوا سحرة. وقال الله تعالى ~~{ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] . # وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع، وذلك أنهم زعموا أن ~~النبي عليه السلام ms0070 سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال فيه: "إنه يتخيل لي أني ~~أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله" وأن امرأة يهودية سحرته في جف طلعة ~~ومشط ومشاقة، حتى # PageV01P058 # أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة ~~البئر، فاستخرج وزال عن النبي عليه السلام ذلك العارض وقد قال الله تعالى ~~مكذبا للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال جل من ~~قائل: {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الفرقان: 8] . # ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطغام واستجرارا لهم إلى ~~القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام والقدح فيها، وأنه لا فرق بين ~~معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد والعجب ممن يجمع بين ~~تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل ~~السحرة مع قوله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] فصدق هؤلاء من ~~كذبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله. # وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا منها بأن ذلك يعمل في ~~الأجساد. وقصدت به النبي عليه السلام; فأطلع الله نبيه على موضع سرها وأظهر ~~جهلها فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته، لأن ذلك ضره وخلط عليه ~~أمره ولم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد في ~~الحديث ولا أصل له. # والفرق بين معجزات الأنبياء وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات، أن معجزات ~~الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ~~ازددت بصيرة في صحتها، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ~~ظهر عجزهم عنها; ومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة والتلطف ~~لإظهار أمور لا حقيقة لها، وما يظهر منها على غير حقيقتها، يعرف ذلك ~~بالتأمل والبحث ومتى شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ويأتي بمثل ما ~~أظهره سواه. # قال أبو بكر: قد ذكرنا في معنى السحر وحقيقته ما يقف الناظر على جملته ~~وطريقته، ولو استقصينا ذلك من وجوه ms0071 الحيل لطال واحتجنا إلى استئناف كتاب ~~لذلك، وإنما الغرض في هذا الموضع بيان معنى السحر وحكمه والآن حيث انتهى ~~بنا القول إلى ذكر قول الفقهاء فيه وما تضمنته الآية من حكمه وما يجري على ~~مدعي ذلك من العقوبات على حسب منازلهم في عظم المأثم وكثرة الفساد، والله ~~أعلم بالصواب. # PageV01P059 # باب اختلاف الفقهاء في حكم الساحر وقول السلف فيه # حدثنا عبد الباقي، حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~رجاء قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبد الله قال: "من أتى ~~كاهنا أو عرافا # PageV01P059 # أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد عليه السلام". وروى ~~عبد الله عن نافع عن ابن عمر: أن جارية لحفصة سحرتها فوجدوا سحرها واعترفت ~~بذلك، فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فبلغ ذلك عثمان فأنكره، فأتاه ابن ~~عمر فأخبره أمرها; وكان عثمان إنما أنكر ذلك; لأنها قتلت بغير إذنه وذكر ~~ابن عيينة عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة يقول: كنت كاتبا لجزي بن معاوية ~~فأتى كتاب عمر أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر. وروى أبو عاصم ~~عن الأشعث عن الحسن قال: "يقتل الساحر ولا يستتاب". وروى المثنى بن الصباح ~~عن عمرو بن شعيب: أن عمر بن الخطاب أخذ ساحرا فدفنه إلى صدره ثم تركه حتى ~~مات. وروى سفيان عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد قال: كان قيس بن سعد أميرا ~~على مصر فجعل يفشو سره، فقال: من هذا الذي يفشي سري؟ فقالوا: ساحر ههنا ~~فدعاه، فقال له: إذا نشرت الكتاب علمنا ما فيه، فأما ما دام مختوما فليس ~~نعلمه; فأمر به فقتل وروى أبو إسحاق الشيباني عن جامع بن شداد عن الأسود بن ~~هلال قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن هؤلاء العرافين كهان العجم، ~~فمن أتى كاهنا يؤمن له بما يقول فهو بريء مما أنزل على محمد عليه الصلاة ~~والسلام. وروى مبارك عن الحسن أن جندبا 1 قتل ساحرا وروى ms0072 يونس عن الزهري ~~قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر أهل الكتاب; لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سحره رجل من اليهود يقال له ابن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال ~~لها زينب فلم يقتلهما. وعن عمر بن عبد العزيز قال: "يقتل الساحر". # قال أبو بكر: اتفق هؤلاء السلف على وجوب قتل الساحر، ونص بعضهم على كفره ~~واختلف فقهاء الأمصار في حكمه على ما نذكره; فروى ابن شجاع عن الحسن بن ~~زياد عن أبي حنيفة أنه قال في الساحر: يقتل إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ~~ولا يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه، ~~وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر فوصفوا ذلك بصفة يعلم أنه سحر قتل ولا ~~يستتاب. وإن أقر فقال: كنت أسحر وقد تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل، وكذلك ~~لو شهد عليه أنه كان مرة ساحرا وأنه ترك منذ زمان لم يقتل إلا أن يشهدوا ~~أنه الساعة ساحر وأقر بذلك فيقتل، وكذلك العبد المسلم والذمي والحر الذمي ~~من أقر منهم أنه ساحر فقد حل دمه فيقتل ولا يقبل توبته، وكذلك لو شهد على ~~عبد أو ذمي أنه ساحر ووصفوا ذلك بصفة يعلم أنه PageV01P060 # سحر لم تقبل توبته ويقتل، وإن أقر العبد أو الذمي أنه كان ساحرا وترك ذلك ~~منذ زمان قبل ذلك، وكذلك لو شهدوا عليه أنه كان مرة ساحرا ولم يشهدوا أنه ~~الساعة ساحر لم يقتل، وأما المرأة فإذا شهدوا عليها أنها ساحرة أو أقرت ~~بذلك لم تقتل وحبست وضربت حتى يستيقن لهم تركها للسحر، وكذلك الأمة والذمية ~~إذا شهدوا أنها ساحرة أو أقرت بذلك لم تقتل وحبست حتى يعلم منها ترك ذلك ~~كله وهذا كله قول أبي حنيفة. # قال ابن شجاع: فحكم في الساحر والساحرة حكم المرتد والمرتدة; إلا أن يجيء ~~فيقر بالسحر أو يشهد عليه بذلك أنه عمله، فإنه جعل ذلك بمنزلة الثبات على ~~الردة. # وحكى محمد بن شجاع عن أبي علي الرازي قال: سألت أبا ms0073 يوسف عن قول أبي ~~حنيفة في الساحر "يقتل ولا يستتاب" لم لم يكن ذلك بمنزلة المرتد؟ فقال: ~~الساحر قد جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد. والساعي بالفساد إذا قتل ~~قتل. # PageV01P061 # مطلب في أن ثبوت السحر يكون إما باقتصاص الأثر وتتبعه وإما بالإخبار # قال: فقلت لأبي يوسف: ما الساحر؟ قال: الذي يقتص له من العمل مثل ما فعلت ~~اليهود بالنبي عليه الصلاة والسلام وبما جاءت به الأخبار إذا أصاب به قتلا، ~~فإذا لم يصب به قتلا لم يقتل; لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يقتله; إذ كان لم يصب به قتلا. # قال أبو بكر: ليس فيما ذكر بيان معنى السحر الذي يستحق فاعله القتل، ولا ~~يجوز أن يظن بأبي يوسف أنه اعتقد في السحر ما يعتقده الحشو من إيصالهم ~~الضرر إلى المسحور من غير مماسة ولا سقي دواء; وجائز أن يكون سحر اليهود ~~للنبي عليه السلام على جهة إرادتهم التوصل إلى قتله بإطعامه، وأطلعه الله ~~على ما أرادوا، كما سمته زينب اليهودية في الشاة المسمومة فأخبرته الشاة ~~بذلك، فقال: "إن هذه الشاة لتخبرني أنها مسمومة". # قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر قتل ولا يستتاب; لأن ~~المسلم إذا ارتد باطنا لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام قال إسماعيل بن ~~إسحاق: فأما ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك، إلا أن يضر المسلمين ~~فيقتل لنقض العهد وقال الشافعي: إذا قال الساحر: أنا أعمل عملا لأقتل فأخطئ ~~وأصيب وقد مات هذا الرجل من عملي; ففيه الدية وإن قال: عملي يقتل المعمول ~~به وقد تعمدت قتله; قتل به قودا، وإن قال: مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه ~~لمات منه ثم تكون الدية. # PageV01P061 # قال أبو بكر: فلم يجعل الشافعي الساحر كافرا بسحره وإنما جعله جانيا ~~كسائر الجناة وما قدمنا من قول السلف يوجب أن يكون مستحقا للقتل باستحقاق ~~سمة السحر، فدل ذلك على أنهم رأوه كافرا، وقول الشافعي في ذلك خارج عن قول ~~جميعهم; ms0074 إذ لم يعتبر أحد منهم قتله لغيره بعمله السحر في إيجاب قتله. # قال أبو بكر: وقد بينا فيما سلف معاني السحر وضروبه; وأما الضرب الأول ~~الذي ذكرنا من سحر أهل بابل في القديم ومذاهب الصابئين فيه، وهو الذي ذكره ~~الله تعالى في قوله: {وما أنزل على الملكين} فيما يرى والله أعلم، فإن ~~القائل به والمصدق به والعامل به كافر; وهو الذي قال أصحابنا فيه عندي إنه ~~لا يستتاب، والدليل على أن المراد بالآية هذا الضرب من السحر، ما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا نطير قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا ~~يحيى بن سعيد القطان عن عبد الله بن الأخنس قال: حدثنا الوليد بن عبد الله ~~عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر". وهذا يدل على معنيين: أحدهما: ~~أن المراد بالآية هو السحر الذي نسبه عاملوه إلى النجوم، وهو الذي ذكرناه ~~من سحر أهل بابل والصابئين; لأن سائر ضروب السحر الذي ذكرنا ليس لها تعلق ~~بالنجوم عند أصحابها والثاني: أن إطلاق لفظ السحر المذموم يتناول هذا الضرب ~~منه; وهذا يدل على أن المتعارف عند السلف من السحر هو هذا الضرب منه ومما ~~يدعي فيه أصحابها المعجزات، وإن لم يعلقوا ذلك بفعل النجوم دون غيرها من ~~الوجوه التي ذكرنا; وأنه هو المقصود بقتل فاعله; إذ لم يفرقوا فيه بين عامل ~~السحر بالأدوية والنميمة والسعاية والشعوذة وبين غيره ومعلوم عند الجميع أن ~~هذه الضروب من السحر لا توجب قتل فاعلها إذا لم يدع فيه معجزة لا يمكن ~~العباد فعلها; فدل ذلك على أن إيجابهم قتل الساحر إنما كان لمن ادعى بسحره ~~معجزات لا يجوز وجود مثلها إلا من الأنبياء عليهم السلام دلالة على صدقهم ~~وذلك ينقسم إلى معنيين: أحدهما: ما بدأنا بذكره من سحر أهل بابل; والآخر: ~~ما يدعيه المعزمون وأصحاب النيرنجيات من خدمة الشياطين لهم والفريقان جميعا ~~كافران; أما الفريق ms0075 الأول فلأن في سحره تعظيم الكواكب واعتقادها آلهة، وأما ~~الفريق الثاني فلأنها وإن كانت معترفة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~فإنها حيث أجازت أن تخبرها الجن بالغيوب وتقدر على تغيير فنون الحيوان ~~والطيران في الهواء والمشي على الماء وما جرى مجرى ذلك فقد جوزت وجود مثل ~~أعلام الأنبياء عليهم السلام مع الكذابين المتخرصين. ومن كان كذلك فإنه لا ~~يعلم صدق الأنبياء عليهم السلام لتجويزه كون مثل هذه الأعلام مع غيرهم، فلا ~~يأمن أن يكون جميع من ظهرت على يده متخرصا # PageV01P062 # كذابا فإنما كفر هذه الطائفة من هذا الوجه، وهو جهله بصدق الأنبياء عليهم ~~السلام. # والأظهر من أمر الساحر الذي رأت الصحابة قتله من غير بحث منهم عن حاله ~~ولا بيان لمعاني سحره أنه الساحر المذكور في قوله تعالى: {يعلمون الناس ~~السحر وما أنزل على الملكين} وهو الساحر الذي بدأنا بذكره عند ذكرنا ضروب ~~السحر، وهو سحر أهل بابل في القديم، وعسى أن يكون هو الأغلب الأعم في ذلك ~~الوقت; ولا يبعد أن يكون في ذلك الوقت من يتعاطى سائر ضروب السحر الذي ~~ذكرنا وكانوا يجرون في دعواهم الإخبار بالغيوب وتغيير صور الحيوان على ~~منهاج سحرة بابل، وكذلك كهان العرب، يشمل الجميع اسم الكفر لظهور هذه ~~الدعاوى منهم وتجويزهم مضاهاة الأنبياء في معجزاتهم وعلى أي وجه كان معنى ~~السحر عند السلف فإنه لم يحك عن أحد إيجاب قتل الساحر من طريق الجناية على ~~النفوس، بل إيجاب قتله باعتقاده عمل السحر من غير اعتبار منهم لجنايته على ~~غيره، فأما ما يفعله المشعوذون وأصحاب الحركات والخفة بالأيدي، وما يفعله ~~من يتعاطى ذلك بسقي الأدوية المبلدة للعقل أو السموم القاتلة. ومن يتعاطى ~~ذلك بطريق السعي بالنمائم والوشاية والتضريب والإفساد; فإنهم إذا اعترفوا ~~بأن ذلك حيل ومخاريق، حكم من يتعاطى مثلها من الناس لم يكن كافرا وينبغي أن ~~يؤدب ويزجر عن ذلك. # والدليل على أن الساحر المذكور في الآية مستحق لاسم الكفر قوله تعالى: ~~{واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان} ms0076 أي على عهد ~~سليمان، روي ذلك عن المفسرين وقوله {لتتلو} معناه تخبر وتقرأ. # ثم قوله تعالى: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} يدل على أن ما ~~أخبرت به الشياطين وادعته من السحر على سليمان كان كفرا، فنفاه الله عن ~~سليمان وحكم بكفر الشياطين الذين تعاطوه وعملوه، ثم عطف على ذلك قوله ~~تعالى: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} فأخبر عن الملكين أنهما يقولان لمن يعلمانه ~~ذلك: لا تكفر بعمل هذا السحر واعتقاده فثبت أن ذلك كفر إذا عمل به واعتقده. # ثم قال: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} يعني، والله ~~أعلم: من استبدل السحر بدين الله ما له في الآخرة من خلاق، يعني من نصيب ثم ~~قال: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر؛ ~~لأنه جعل الإيمان في مقابلة # PageV01P063 # فعل السحر وهذا يدل على أن الساحر كافر. وإذا ثبت كفره فإن كان مسلما قبل ~~ذلك أو قد ظهر منه الإسلام في وقت فقد كفر بفعل السحر فاستحق القتل بقوله ~~عليه السلام: "من بدل دينه فاقتلوه" وإنما قال أبو حنيفة ولا نعلم أحدا من ~~أصحابنا خالفه فيما ذكره الحسن عنه: إنه يقتل ولا يستتاب فأما ما روي عن ~~أبي يوسف في فرق أبي حنيفة بين الساحر وبين المرتدين، فإن الساحر قد جمع ~~إلى كفره السعي بالفساد في الأرض. # فإن قال قائل: فأنت لا تقتل الخناق والمحاربين إلا إذا قتلوا، فهلا قلت ~~مثله في الساحر قيل له: يفترقان من جهة أن الخناق والمحارب لم يكفرا قبل ~~القتل ولا بعده فلم يستحقا القتل; إذ لم يتقدم منهما سبب يستحقان به القتل، ~~وأما الساحر فقد كفر بسحره قتل به أو لم يقتل، فاستحق القتل بكفره ثم لما ~~كان مع كفره ساعيا في الأرض بالفساد كان وجوب قتله حدا فلم ms0077 يسقط بالتوبة ~~كالمحارب إذا استحق القتل لم يسقط ذلك عنه بالتوبة; فهو مشبه للمحارب الذي ~~قتل في أن قتله حدا لا تزيله عنه التوبة، ويفارق المرتد من جهة أن المرتد ~~يستحق القتل بإقامته على الكفر فحسب فمتى انتقل عنه زال عنه الكفر والقتل. ~~ولما وصفنا من ذلك لم يفرقوا بين الساحر من أهل الذمة ومن المسلمين، كما لا ~~يختلف حكم المحارب من أهل الذمة والإسلام فيما يستحقونه بالمحاربة; ولذلك ~~لم تقتل المرأة الساحرة; لأن المرأة من المحاربين عندهم لا تقتل حدا وإنما ~~تقتل قودا. # ووجه آخر لقول أبي حنيفة في ترك استتابة الساحر، وهو ما ذكره الطحاوي ~~قال: حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه أدخلها ~~في أماليه عليهم قال: قال أبو حنيفة: "اقتلوا الزنديق سرا فإن توبته لا ~~تعرف". ولم يحك أبو يوسف خلافه ويصح بناء مسألة الساحر عليه; لأن الساحر ~~يكفر سرا فهو بمنزلة الزنديق فالواجب أن لا تقبل توبته. # فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يقتل الساحر من أهل الذمة; لأن كفره ظاهر ~~وهو غير مستحق للقتل لأجل الكفر قيل له: الكفر الذي أقررناه عليه هو ما ~~أظهره لنا، وأما الكفر الذي صار إليه بسحره فإنه غير مقر عليه ولم نعطه ~~الذمة على إقراره عليه، ألا ترى أنه لو سألنا إقراره على السحر بالجزية لم ~~نجبه إليه ولم نجز إقراره عليه؟ ولا فرق بينه وبين الساحر من أهل الملة ~~وأيضا، فلو أن الذمي الساحر لم يستحق القتل بكفره لاستحقه بسعيه في الأرض ~~بالفساد كالمحاربين على النحو الذي ذكرنا، وقولهم في ترك قبول توبة ~~الزنديق، يوجب أن لا يستتاب الإسماعيلية وسائر الملحدين الذين قد علم منهم ~~اعتقاد الكفر كسائر الزنادقة وأن يقتلوا مع إظهارهم التوبة. # ويدل على وجوب قتل الساحر ما حدثنا به ابن قانع: حدثنا بشر بن موسى قال: # PageV01P064 # حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن ~~بن جندب أن النبي عليه السلام قال: "حد ms0078 الساحر ضربه بالسيف". وقصة جندب في ~~قتله الساحر بالكوفة عند الوليد بن عقبة مشهورة وقوله عليه السلام: "حد ~~الساحر ضربه بالسيف" قد دل على معنيين: أحدهما: وجوب قتله; والثاني: أنه حد ~~لا يزيله التوبة كسائر الحدود إذا وجبت، ولما ذكرنا من قتله على وجه قتل ~~المحارب قالوا فيما حدثنا الحسن بن زياد: إنه إذا قال كنت ساحرا وقد تبت ~~أنه لا يقتل، كمن أقر أنه كان محاربا وجاء تائبا أنه لا يقتل; لقوله تعالى ~~في شأن المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم} [المائدة: 34] فاستثنى التائب قبل القدرة عليه من جملة من ~~أوجب عليه الحد المذكور في الآية ويستدل بظاهر قوله تعالى: {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} [المائدة: 33] إلى آخر ~~الآية، على وجوب قتل الساحر حدا; لأنه من أهل السعي في الأرض بالفساد لعمله ~~السحر واستدعائه الناس إليه وإفساده إياهم مع ما صار إليه من الكفر. # وأما مالك بن أنس فإنه أجرى الساحر مجرى الزنديق، فلم يقبل توبته كما لا ~~يقبل توبة الزنديق، ولم يقتل ساحر أهل الذمة; لأنه غير مستحق للقتل بكفره ~~وقد أقررناه عليه، فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين فيكون ذلك عنده نقضا ~~للعهد. فيقتل كما يقتل الحربي وقد بينا موافقة الساحر الذمي للزنديق من قبل ~~أنه استحدث كفرا سرا، لا يجوز إقراره عليه بجزية ولا غيرها، فلا فرق بينه ~~وبين الساحر ممن ينتحل ملة الإسلام; ومن جهة أخرى أنه في معنى المحارب فلا ~~يختلف حكم أهل الذمة ومنتحلي الذمة. # وأما مذهب الشافعي فقد بينا خروجه عن أقاويل السلف; لأن أحدا منهم لم ~~يعتبر قتله بسحره وأوجبوا قتله على الإطلاق بحصول الاسم له، وهو مع ذلك لا ~~يخلو من أحد وجهين في ذكره قتل الساحر بغيره: إما أن يجيز على الساحر قتل ~~غيره من غير مباشرة ولا اتصال سبب إليه على حسب ما يدعيه السحرة، وذلك فظيع ~~شنيع ولا يجيزه أحد من أهل العلم بالله ms0079 ورسوله من فعل السحرة لما وصفنا من ~~مضاهاته أعلام الأنبياء عليهم السلام أو أن يكون إنما أجاز ذلك من جهة سقي ~~الأدوية ونحوها، فإن كان هذا أراد فإن من احتال في إيصال دواء إلى إنسان ~~حتى شربه فإنه لا يلزمه دية; إذ كان هو الشارب له والجاني على نفسه، كمن ~~دفع إلى إنسان سيفا فقتل به نفسه، وإن كان إنما أوجره إياه من غير اختيار ~~لشربه، فإن هذا لا يكاد يقع إلا في حال الإكراه والنوم ونحوه فإن كان أراد ~~ذلك فإن هذا يستوي فيه الساحر وغيره ثم قوله: "إذا قال الساحر قد أخطئ ~~وأصيب # PageV01P065 # وقد مات هذا الرجل من عملي ففيه الدية فإنه لا معنى له; لأن رجلا لو جرح ~~رجلا بحديدة قد يموت المجروح من مثله وقد لا يموت، لكان عليه فيه القصاص; ~~فكان الواجب على قوله إيجاب القصاص كما يجب في الحديدة وقوله: قد يموت وقد ~~لا يموت ليس بعلة في زوال القصاص لوجودها في الجارح بحديدة بعد أن يقر ~~الساحر أنه قد مات من عمله. # فإن قيل: فقد جعله بمنزلة شبه العمد والضرب بالعصا واللطمة التي قد تقتل ~~وقد لا تقتل قيل له: ولم صار بالقتل بالعصا واللطمة أشبه منه بالحديدة؟. ~~فإن فرق بينهما من جهة أن هذا سلاح وذاك ليس بسلاح، لزمه في كل ما ليس ~~بسلاح أن لا يقتص منه، ويلزمه حينئذ اعتبار السلاح دون غيره في إيجاب ~~القود. # وقول الشافعي: وإن قال مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه لمات منه مخالف في ~~النظر لأحكام الجنايات; لأن من جرح رجلا فلم يزل صاحب فراش حتى مات، لزمه ~~حكم جنايته وكان محكوما بحدوث الموت عند الجراحة ولا يحتاج إلى أيمان ~~الأولياء في موته منها، فكذلك يلزمه مثله في الساحر إذا أقر أن المسحور مرض ~~من سحره. # فإن قيل: كذلك نقول في المريض من الجراحة إذا لم يزل صاحب فراش حتى مات ~~أنهم إذا اختلفوا لم يحكم بالقتل حتى يقسم أولياء المجروح قيل له: فينبغي ~~أن ms0080 تقول مثله لو ضربه بالسيف ووالى بين الضرب حتى قتله من ساعته، فقال ~~الجارح: مات من علة كانت به قبل الضربة الثانية، أو قال: اخترمه الله تعالى ~~ولم يمت من ضربتي; أن تقسم الأولياء وهذا لا يقوله أحد; وكذلك ما وصفنا. # قال أبو بكر: قد تكلمنا في معنى السحر واختلاف الفقهاء بما فيه الكفاية ~~في حكم الساحر، ونتكلم الآن في معاني الآية ومقتضاها، فنقول: إن قوله ~~تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} فقد روي فيه عن ابن ~~عباس أن المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان بن داود عليهما السلام ~~وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم وروي مثله عن ابن جريج وابن إسحاق وقال ~~الربيع بن أنس والسدي: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان. وقال ~~بعضهم: أراد الجميع، من كان منهم في زمن سليمان ومن كان منهم في عصر النبي ~~عليه السلام; لأن متبعي السحر من اليهود لم يزالوا منذ عهد سليمان إلى أن ~~بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فوصف الله هؤلاء اليهود الذين لم ~~يقبلوا القرآن ونبذوه وراء ظهورهم مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهو يريد شياطين الجن ~~والإنس. ومعنى تتلو: تخبر وتقرأ، وقيل: تتبع; لأن التالي تابع وقوله: {على ~~ملك سليمان} قيل فيه: على عهده، وقيل فيه: على ملكه، وقيل فيه: # PageV01P066 # تكذب عليه; لأنه إذا كان الخبر كذبا قيل تلا عليه. وإذا كان صدقا قيل: ~~تلا عنه، وإذا أبهم جاز فيه الأمران جميعا; قال الله تعالى: {أم تقولون على ~~الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80] . وكانت اليهود تضيف السحر إلى سليمان ~~وتزعم أن ملكه كان به، فبرأه الله تعالى من ذلك; ذكر ذلك عن ابن عباس وسعيد ~~بن جبير وقتادة، وقال محمد بن إسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من ~~محمد يزعم أن سليمان كان نبيا؟ والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله تعالى: ~~{وما كفر سليمان} . وقيل: ms0081 إن اليهود إنما أضافت السحر إلى سليمان توصلا ~~منهم إلى قبول الناس ذلك منهم ولتجوزه عليهم، وكذبوا عليه في ذلك وقيل: إن ~~سليمان جمع كتب السحر ودفنها تحت كرسيه أو في خزانته لئلا يعمل به الناس، ~~فلما مات ظهر عليه، فقالت الشياطين: بهذا كان يتم ملكه; وشاع ذلك في اليهود ~~وقبلته وأضافته إليه وجائز أن يكون المراد شياطين الإنس، وجائز أن يكون ~~الشياطين دفنوا السحر تحت كرسي سليمان في حياته من غير علمه، فلما مات وظهر ~~نسبوه إلى سليمان، وجائز أن يكون الفاعلون لذلك شياطين الإنس استخرجوه بعد ~~موته وأوهموا الناس أن سليمان كان فعل ذلك ليوهموهم ويخدعوهم به. # قوله تعالى: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} قد قرئ بنصب ~~اللام وخفضها; فمن قرأها بنصبها جعلهما من الملائكة، ومن قرأها بخفضها ~~جعلهما من غير الملائكة. وقد روي عن الضحاك أنهما كانا علجين من أهل بابل. # والقراءتان صحيحتان غير متنافيتين; لأنه جائز أن يكون الله أنزل ملكين في ~~زمن هذين الملكين لاستيلاء السحر عليهما واغترارهما وسائر الناس بقولهما ~~وقبولهم منهما، فإذا كان الملكان مأمورين بإبلاغهما وتعريفهما وسائر الناس ~~معنى السحر ومخاريق السحرة وكفرها جاز أن نقول في إحدى القراءتين: {وما ~~أنزل على الملكين} اللذين هما من الملائكة، بأن أنزل عليهما ذلك. ونقول في ~~القراءة الأخرى: وما أنزل على الملكين من الناس; لأن الملكين كانا مأمورين ~~بإبلاغهما وتعريفهما، كما قال الله تعالى في خطاب رسوله: {ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] . وقال في موضع آخر: {قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا} [البقرة: 136] فأضاف الإنزال تارة إلى الرسول عليه السلام ~~وتارة إلى المرسل إليهم وإنما خص الملكين بالذكر وإن كانا مأمورين بتعريف ~~الكافة; لأن العامة كانت تبعا للملكين، فكان أبلغ الأشياء في تقرير معاني ~~السحر والدلالة على بطلانه تخصيص الملكين به ليتبعهما الناس. كما قال لموسى ~~وهارون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} ~~[طه: 44] وقد كانا عليهما السلام رسولين إلى رعاياه كما أرسلا إليه، ms0082 ولكنه ~~خصه بالمخاطبة; لأن ذلك أنفع # PageV01P067 # في استدعائه واستدعاء رعيته إلى الإسلام وكذلك كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى كسرى وقيصر وخصهما بالذكر دون رعاياهما وإن كان رسولا إلى كافة ~~الناس، لما وصفناه من أن الرعية تبع للراعي. وكذلك قال عليه السلام في ~~كتابه لكسرى: "أما بعد فأسلم تسلم وإلا فعليك إثم المجوس" وقال لقيصر: ~~"أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين" يعني أنك إذا آمنت تبعتك الرعية، وإن ~~أبيت لم تستجب الرعية إلى الإسلام خوفا منك فهم تبع لك في الإسلام والكفر ~~فلذلك والله أعلم خص الملكين من أهل بابل بإرسال الملكين إليهما كما قال ~~الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75] . # فإن قيل: فكيف يكون الملائكة مرسلا إليهم ومنزلا عليهم؟ قيل له: هذا جائز ~~شائع; لأن الله تعالى قد يرسل الملائكة بعضهم إلى بعض كما يرسلهم إلى ~~الأنبياء، كثف أجسامهم وجعلهم كهيئة بني آدم لئلا ينفروا منهم، قال الله ~~تعالى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} [الأنعام: 9] يعني هيئة الرجل. # وقوله تعالى: {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين} معناه والله ~~أعلم أن الله أرسل الملكين ليبينا للناس معاني السحر ويعلموهم أنه كفر وكذب ~~وتمويه لا حقيقة له حتى يجتنبوه، كما بين الله على ألسنة رسله سائر ~~المحظورات والمحرمات ليجتنبوه ولا يأتوه; فلما كان السحر كفرا وتمويها ~~وخداعا وكان أهل ذلك الزمان قد اغتروا به وصدقوا السحرة فيما ادعوه لأنفسهم ~~به، بين ذلك للناس على لسان هذين الملكين ليكشفا عنهم غمة الجهل ويزجراهم ~~عن الاغترار به، كما قال تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد: 10] يعني، والله ~~أعلم: بينا سبيل الخير والشر ليجتبي الخير ويجتنب الشر وكما قيل لعمر بن ~~الخطاب: فلان لا يعرف الشر. قال: أجدر أن يقع فيه. ولا فرق بين بيان معاني ~~السحر والزجر عنه، وبين بيان سائر ضروب الكفر وتحريم الأمهات والأخوات ~~وتحريم الزنا والربا وشرب الخمر ونحوه; لأن الغرض لما بينا في اجتناب ~~المحظورات والمقبحات كهو في بيان الخير; إذ لا يصل إلى فعله ms0083 إلا بعد العلم ~~به; كذلك اجتباء الطاعات والواجبات، فمن حيث وجبت وجب بيان الشر ليجتنبه; ~~إذ لا يصل إلى تركه واجتنابه إلا بعد العلم به ومن الناس من يزعم أن قوله: ~~{وما أنزل على الملكين} معناه أن الشياطين كذبوا على ما أنزل على الملكين ~~كما كذبوا على سليمان، وأن السحر الذي يتلوه هؤلاء لم ينزل عليهما. وزعم أن ~~قوله تعالى: {فيتعلمون منهما} معناه: من السحر والكفر; لأن قوله: {ولكن ~~الشياطين كفروا} يتضمن الكفر فرجع الضمير إليهما، كقوله تعالى: {سيذكر من ~~يخشى ويتجنبها الأشقى} [الأعلى: 10 – 11] أي يتجنب الأشقى الذكرى قال: ~~وقوله: {وما يعلمان من أحد} # PageV01P068 # معناه أن الملكين لا يعلمان ذلك أحدا ومع ذلك لا يقتصران على أن لا ~~يعلماه حتى يبالغا في نهيه فيقولا: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} . # والذي حمله على هذا التأويل استنكاره أن ينزل الله على الملكين السحر مع ~~ذمه السحر والساحر; وهذا الذي ذهب إليه لا يوجب; لأن المذموم من يعمل ~~بالسحر لا من يبينه للناس ويزجرهم عنه، كما أن على كل من علم من الناس معنى ~~السحر أن يبينه لمن لا يعلم وينهاه عنه ليجتنبه; وهذا من الفروض التي ~~ألزمنا إياها الله تعالى إذا رأينا من اختدع به وتموه عليه أمره. # قوله تعالى: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} فإن الفتنة ما يظهر به حال الشيء ~~في الخير والشر، تقول العرب: "فتنت الذهب" إذا عرضته على النار لتعرف ~~سلامته أو غشه والاختبار كذلك أيضا; لأن الحال تظهر فتصير كالمخبرة عن ~~نفسها. والفتنة: العذاب، في غير هذا الموضع، ومنه قوله تعالى: {ذوقوا ~~فتنتكم} [الذاريات: 14] فلما كان الملكان يظهران حقيقة السحر ومعناه قالا ~~{إنما نحن فتنة} . # وقال قتادة: {إنما نحن فتنة} : بلاء وهذا سائغ أيضا; لأن أنبياء الله ~~تعالى ورسله فتنة لمن أرسلوا إليهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا ويجوز أن يريد: ~~إنا فتنة وبلاء; لأن من يعلم ذلك منهما يمكنه استعمال ذلك في الشر ولا يؤمن ~~وقوعه فيه، فيكون ذلك محنة كسائر العبادات، وقولهما: {فلا تكفر} يدل ms0084 على أن ~~عمل السحر كفر; لأنهما يعلمانه إياه لئلا يعمل به; لأنهما علماه ما السحر ~~وكيف الاحتيال ليتجنبه، ولئلا يتموه على الناس أنه من جنس آيات الأنبياء ~~صلوات الله عليهم فيبطل الاستدلال بها. وقوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه} يحتمل التفريق من وجهين: أحدهما: أن يعمل به ~~السامع فيكفر فيقع به الفرقة بينه وبين زوجته إذا كانت مسلمة بالردة، ~~والوجه الآخر: أن يسعى بينهما بالنميمة والوشاية والبلاغات الكاذبة ~~والإغراء والإفساد وتمويه الباطل حتى يظن أنه حق فيفارقها. # وقوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} ; الإذن هنا العلم ~~فيكون اسما إذا كان مخففا، وإذا كان محركا كان مصدرا، كما يقول: حذر الرجل ~~حذرا فهو حذر; فالحذر الاسم; والحذر المصدر، ويجوز أيضا أن يكون مما يقال ~~على وجهين كشبه وشبه ومثل ومثل، وقيل فيه {إلا بإذن الله} أي: بتخليته، ~~وقال الحسن: "من شاء الله منعه فلم يضره السحر ومن شاء خلى بينه وبينه ~~فضره". # قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} قيل معناه: ~~من # PageV01P069 # استبدل السحر بدين الله ما له في الآخرة من خلاق، وهو النصيب من الخير، ~~وقال الحسن: "ما له من دين" وهذا يدل على أن العمل بالسحر وقبوله كفر. ~~وقوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} قيل: باعوا به أنفسهم، كقول الشاعر: # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه # يعني: بعته، وهذا أيضا يؤكد أن قبوله والعمل به كفر، وكذلك قوله: {ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا} يقتضي ذلك أيضا. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قال قطرب: هي كلمة ~~أهل الحجاز على وجه الهزء. وقيل: إن اليهود كانت تقولها كما قال الله في ~~موضع آخر: {ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا ~~في الدين} [النساء: 46] . وكانوا يقولون ذلك عن مواطأة بينهم يريدون الهزء، ~~كما قال الله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} [المجادلة: 8] ~~; لأنهم كانوا يقولون السام عليك ms0085 يوهمون بذلك أنهم يسلمون عليه، فأطلع الله ~~نبيه عليه السلام على ذلك من أمرهم ونهى المسلمين أن يقولوا مثله. وقوله: ~~{وراعنا} وإن كان يحتمل المراعاة والانتظار، فإنه لما احتمل الهزء على ~~النحو الذي كانت اليهود تطلقه نهوا عن إطلاقه لما فيه من احتمال المعنى ~~المحظور إطلاقه، وجائز أن يكون الإطلاق مقتضيا لمعنى الهزء وإن احتمل ~~الانتظار، ومثله موجود في اللغة، ألا ترى أن اسم الوعد يطلق على الخير ~~والشر؟ قال الله تعالى: {وعدها الله الذين كفروا} [الحج: 72] وقال تعالى: ~~{ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] ومتى أطلق عقل به الخير دون الشر; فكذلك ~~قوله {وراعنا} فيه احتمال الأمرين، وعند الإطلاق يكون بالهزء أخص منه ~~بالانتظار وهذا يدل على أن كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى ~~يقيد بما يفيد الخير، ويدل على أن الهزء محظور في الدين، وكذلك اللفظ ~~المحتمل له ولغيره هو محظور; والله أعلم بمعاني كتابه. # PageV01P070 # باب في نسخ القرآن بالسنة وذكر وجوه النسخ # قال الله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} قال قائلون: ~~"النسخ هو الإزالة" وقال آخرون: "هو الإبدال" قال الله تعالى: {فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] أي يزيله ويبطله ويبدل مكانه آيات محكمات. ~~وقيل: هو النقل، من قوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] ~~وهذا الاختلاف إنما هو في موضوعه في أصل اللغة، ومهما كان في أصل اللغة ~~معناه فإنه في إطلاق الشرع إنما هو # PageV01P070 # بيان مدة الحكم والتلاوة، والنسخ قد يكون في التلاوة مع بقاء الحكم ويكون ~~في الحكم مع بقاء التلاوة دون غيره. # قال أبو بكر: زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقه أنه لا نسخ في شريعة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد ~~به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب; قال: ~~لأن نبينا عليه السلام آخر الأنبياء وشريعته ثابتة باقية إلى أن تقوم ~~الساعة. وقد كان هذا الرجل ذا حظ من البلاغة وكثير ms0086 من علم اللغة، غير محظوظ ~~من علم الفقه وأصوله، وكان سليم الاعتقاد غير مظنون به غير ظاهر أمره; ~~ولكنه بعد من التوفيق بإظهار هذه المقالة; إذ لم يسبقه إليها أحد، بل قد ~~عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه ونقل ذلك ~~إلينا نقلا لا يرتابون به ولا يجيزون فيه التأويل كما قد عقلت أن في القرآن ~~عاما وخاصا ومحكما ومتشابها، فكان دافع وجود النسخ في القرآن والسنة كدافع ~~خاصه وعامه ومحكمه ومتشابهه; إذ كان ورود الجميع ونقله على وجه واحد فارتكب ~~هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل ~~الأمة مع تعسف المعاني واستكراهها وما أدري ما الذي ألجأه إلى ذلك. وأكثر ~~ظني فيه أنه إنما أتى به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك واستعمال رأيه فيه ~~من غير معرفة منه بما قد قال السلف فيه ونقلته الأمة وكان ممن روي فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" والله ~~يغفر لنا وله وقد تكلمنا في أصول الفقه في وجوه النسخ وما يجوز فيه وما لا ~~يجوز بما يغني ويكفي. # وأما: {أو ننسها} قيل إنه من النسيان، وننسأها من التأخير، يقال: نسأت ~~الشيء: أخرته، والنسيئة: الدين المتأخر. ومنه قوله تعالى: {إنما النسيء ~~زيادة في الكفر} [التوبة: 37] يعني تأخير الشهور، فإذا أريد به النسيان، ~~فإنما هو أن ينسيهم الله تعالى التلاوة حتى لا يقرءوا ذلك، ويكون على أحد ~~وجهين: إما أن يؤمروا بترك تلاوته فينسوه على الأيام، وجائز أن ينسوه دفعة ~~ويرفع من أوهامهم، ويكون ذلك معجزة للنبي عليه السلام. وأما معنى قراءة أو ~~ننسأها فإنما هو بأن يؤخرها فلا ينزلها وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في ~~المصلحة أو يكون أصلح للعباد منها، ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي ~~فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتقدم فيقوم مقامها في المصلحة. # وأما قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} فإنه روي عن ابن ms0087 عباس وقتادة: "بخير ~~منها لكم في التسهيل والتيسير" كالأمر بأن لا يولى واحد من عشرة في القتال ~~ثم قال: {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: 66] أو مثلها كالأمر بالتوجه إلى ~~الكعبة بعدما كان إلى بيت # PageV01P071 # المقدس وروي عن الحسن: بخير منها في الوقت في كثرة الصلاح أو مثلها. فحصل ~~من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو في المصلحة ولم يقل ~~أحد منهم: خير منها في التلاوة; إذ غير جائز أن يقال إن بعض القرآن خير من ~~بعض في معنى التلاوة والنظم; إذ جميعه معجز كلام الله. # قال أبو بكر: وقد احتج بعض الناس في امتناع جواز نسخ القرآن بالسنة; لأن ~~السنة على أي حال كانت لا تكون خيرا من القرآن وهذا إغفال من قائله من ~~وجوه: أحدها: أنه غير جائز أن يكون المراد: بخير منها في التلاوة والنظم ~~لاستواء الناسخ والمنسوخ في إعجاز النظم والآخر اتفاق السلف على أنه لم يرد ~~النظم; لأن قولهم فيه على أحد المعنيين إما التخفيف أو المصلحة. وذلك قد ~~يكون بالسنة كما يكون بالقرآن ولم يقل أحد منهم إنه أراد التلاوة، فدلالة ~~هذه الآية على جواز نسخ القرآن بالسنة أظهر من دلالتها على امتناع جوازه ~~بها وأيضا فإن حقيقة ذلك إنما تقتضي نسخ التلاوة، وليس للحكم في الآية ذكر; ~~لأنه قال تعالى: {ما ننسخ من آية} والآية إنما هي اسم للتلاوة، وليس في نسخ ~~التلاوة ما يوجب نسخ الحكم، وإذا كان كذلك جاز أن يكون معناه: ما ننسخ من ~~تلاوة آية أو ننسها نأت بخير منها لكم من محكم من طريق السنة أو غيرها. وقد ~~استقصينا القول في هذه المسألة في أصول الفقه بما فيه كفاية، فمن أرادها ~~فليطلبها هناك إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} روى معمر عن قتادة في ~~هذه الآية قال: نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . ~~وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد ~~بن اليمان ms0088 قال: قرئ على أبي عبيد وأنا أسمع قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {لست عليهم ~~بمصيطر} [الغاشية: 22] وقوله تعالى: {وما أنت عليهم بجبار} [ق: 45] وقوله ~~تعالى: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] وقوله تعالى: {قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] . قال: نسخ هذا كله قوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وقوله تعالى: {قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون} [التوبة: 29] الآية، ومثله قوله تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ~~ولم يرد إلا الحياة الدنيا} وقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: ~~125] {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} وقوله تعالى: {وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] يعني والله أعلم متاركة. فهذه # PageV01P072 # الآيات كلها أنزلت قبل لزوم فرض القتال، وذلك قبل الهجرة; وإنما كان ~~الغرض الدعاء إلى الدين حينئذ بالحجاج والنظر في معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما أظهره الله على يده، وأن مثله لا يوجد مع غير الأنبياء، ~~ونحوه قوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} [سبأ: 46] وقوله تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24] وقوله تعالى: {أولم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى فأنى تؤفكون} [طه: 133] {أفلا تعقلون} [البقرة: 44] {فأنى ~~تصرفون} [يونس: 32] ونحوها من الآي التي فيها الأمر بالنظر في أمر النبي ~~عليه السلام وما أظهره الله تعالى له من أعلام النبوة والدلائل الدالة على ~~صدقه ثم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال بعد قطع العذر في ~~الحجاج وتقريره عندهم حين استقرت آياته ومعجزاته عند الحاضر والبادي ~~والداني والقاصي بالمشاهدة والأخبار المستفيضة التي لا يكذب مثلها وسنذكر ~~فرض القتال عند مصيرنا إلى الآيات الموجبة له إن شاء الله تعالى. # وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها ms0089 أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} روى معمر عن قتادة قال: هو ~~بخت نصر، خرب بيت المقدس وأعان على ذلك النصارى. وقوله تعالى: {أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} قال: هم النصارى لا يدخلونها إلا مسارقة، ~~فإن قدر عليهم عوقبوا لهم في الدنيا خزي، قال: {يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: "هم النصارى خربوا ~~بيت المقدس". # قال أبو بكر: ما روي في خبر قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه; لأنه لا ~~خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين أن عهد بخت نصر كان قبل مولد المسيح ~~عليه السلام بدهر طويل، والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون، فكيف ~~يكونون مع بخت نصر في تخريب بيت المقدس، والنصارى إنما استفاض دينهم في ~~الشام والروم في أيام قسطنطين الملك وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور؟ ~~وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان وكان من ينتحل النصرانية منهم ~~مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم. ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم ~~بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه؟ ومن ~~الناس من يقول: إن الآية إنما هي في شأن المشركين حيث منعوا المسلمين من ~~ذكر الله في المسجد الحرام، وإن سعيهم في خرابه إنما هو منعهم من عمارته ~~بذكر الله وطاعته. # قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على منع أهل الذمة دخول المساجد من ~~وجهين، # PageV01P073 # أحدهما: قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} والمنع ~~يكون من وجهين: أحدهما: بالقهر والغلبة، والآخر: الاعتقاد والديانة والحكم; ~~لأن من اعتقد من جهة الديانة المنع من ذكر الله في المساجد فجائز أن يقال ~~فيه قد منع مسجدا أن يذكر فيه اسمه، فيكون المنع هاهنا معناه الحظر، كما ~~جائز أن يقال منع الله الكافرين من الكفر والعصاة من المعاصي بأن حظرها ~~عليهم وأوعدهم على فعلها; فلما كان اللفظ منتظما للأمرين وجب استعماله على ~~الاحتمالين. وقوله: {أولئك ms0090 ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} يدل على أن ~~على المسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها، ~~والوجه الثاني: قوله: {وسعى في خرابها} وذلك يكون أيضا من وجهين: أحدهما: ~~أن يخربها بيده، والثاني: اعتقاده وجوب تخريبها; لأن دياناتهم تقتضي ذلك ~~وتوجبه ثم عطف عليه قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} وذلك ~~يدل على منعهم منها على ما بينا. # ويدل على مثل دلالة هذه الآية قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله} [التوبة: 17] وعمارتها تكون من وجهين: أحدهما: بناؤها ~~وإصلاحها، والثاني: حضورها ولزومها، كما تقول: فلان يعمر مجلس فلان; يعني ~~يحضره ويلزمه. وقال النبي عليه السلام: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد ~~فاشهدوا له بالإيمان"، وذلك لقوله عز وجل {إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله} فجعل حضوره المساجد عمارة لها وأصحابنا يجيزون لهم دخول المساجد، ~~وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. # ومما يدل على أنه عام في سائر المساجد وأنه غير مقصور على بيت المقدس ~~خاصة أو المسجد الحرام خاصة، إطلاقه ذلك في المساجد فلا يخص شيء منه إلا ~~بدلالة. # فإن قيل: جائز أن يقال لكل موضع من المسجد مسجد كما يقال لكل موضع من ~~المجلس مجلس، فيكون الاسم واقعا على جملته تارة وعلى كل موضع سجود فيه ~~أخرى؟ قيل له: لا تنازع بين أهل اللسان أنه لا يقال للمسجد الواحد مساجد ~~كما لا يقال إنه مسجدان، وكما لا يقال للدار الواحدة إنها دور; فثبت أن ~~الإطلاق لا يتناوله وإن سمي موضع السجود مسجدا، وإنما يقال ذلك مقيدا غير ~~مطلق وحكم الإطلاق فيما يقتضيه ما وصفنا، وعلى أنك لا تمتنع من إطلاق ذلك ~~في جميع المساجد وإنما تريد تخصيصه ببعضها دون بعض وذلك غير مسلم لك بغير ~~دلالة. # قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} روى أبو ~~أشعث السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه ~~قال: كنا مع ms0091 # PageV01P074 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل ~~رجل منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي عليه السلام فأنزل الله ~~تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} . وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن ~~أبيه: أن قوما خرجوا في سفر فصلوا فتاهوا عن القبلة، فلما فرغوا تبين لهم ~~أنهم كانوا على غير القبلة، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "تمت صلاتكم". وروى ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، عن رجل سأل ابن عمر ~~عمن يخطئ القبلة في السفر ويصلي، قال: {فأينما تولوا فثم وجه الله} وحدثنا ~~أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال: حدثنا محمد بن سليمان الواسطي قال: ~~حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي عبيد الله ~~بن الحسن: قال عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ~~جابر بن عبد الله قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، ~~فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هاهنا ~~قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطا; وقالت طائفة: القبلة هاهنا قبل الجنوب، ~~وخطوا خطوطا; فلما أصبحنا وطلعت الشمس وأصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما ~~قفلنا من سفرنا سألنا النبي عليه السلام عن ذلك فسكت، فأنزل الله: {فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} أي حيث كنتم. # قال أبو بكر: ففي هذه الأخبار أن سبب نزول الآية كان صلاة هؤلاء الذين ~~صلوا لغير القبلة اجتهادا. # وروي عن ابن عمر في خبر آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ~~راحلته وهو مقبل من مكة نحو المدينة حيث توجهت، وفيه أنزلت: {فأينما تولوا ~~فثم وجه الله} . وروى معمر عن قتادة في قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~قال: هي القبلة الأولى ثم نسختها الصلاة إلى المسجد الحرام وقيل فيه: إن ~~اليهود أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة بعدما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي إلى ms0092 بيت المقدس، فأنزل الله ذلك ومن الناس من يقول: إن النبي عليه ~~السلام كان مخيرا في أن يصلي إلى حيث شاء وإنما كان توجه إلى بيت المقدس ~~على وجه الاختيار لا على وجه الإيجاب حتى أمر بالتوجه إلى الكعبة، وكان ~~قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} في وقت التخيير قبل الأمر بالتوجه إلى ~~الكعبة. # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم فيمن صلى في سفر مجتهدا إلى جهة ثم تبين ~~أنه صلى لغير القبلة; وقال أصحابنا جميعا والثوري: إن وجد من يسأله فيعرفه ~~جهة القبلة فلم يفعل لم تجز صلاته، وإن لم يجد من يعرفه جهتها فصلاها ~~باجتهاده أجزأته صلاته، سواء صلاها مستدبر القبلة أو مشرقا أو مغربا عنها. ~~وروي نحو قولنا عن مجاهد وسعيد بن المسيب وإبراهيم وعطاء والشعبي. وقال ~~الحسن والزهري وربيعة وابن أبي # PageV01P075 # سلمة: يعيد في الوقت، فإذا فات الوقت لم يعد; وهو قول مالك رواه ابن وهب ~~عنه وروى أبو مصعب عنه: "إنما يعيد في الوقت إذا صلاها مستدبر القبلة أو ~~شرق أو غرب، وإن تيامن قليلا أو تياسر قليلا فلا إعادة عليه". وقال ~~الشافعي: من اجتهد فصلى إلى المشرق ثم رأى القبلة في المغرب استأنف، فإن ~~كانت شرقا ثم رأى أنه منحرف فتلك جهة واحدة وعليه أن ينحرف ويعتد بما مضى. # قال أبو بكر ظاهر الآية يدل على جوازها إلى أي جهة صلاها وذلك أن قوله: ~~{فأينما تولوا فثم وجه الله} معناه: فثم رضوان الله; وهو الوجه الذي أمرتم ~~بالتوجه إليه كقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9] يعني ~~لرضوانه ولما أراده منا، وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] يعني ~~ما كان لرضاه وإرادته، وقد روي في حديث عامر بن ربيعة وجابر اللذين قدمنا ~~أن الآية في هذا أنزلت. # فإن قيل: روي أنها نزلت في التطوع على الراحلة، وروي أنها نزلت في بيان ~~القبلة قيل له: لا يمتنع أن يتفق هذه الأحوال كلها في وقت واحد ويسأل النبي ~~عليه السلام عنها فينزل الله تعالى الآية ms0093 ويريد بها بيان حكم جميعها، ألا ~~ترى أنه لو نص على كل واحدة منها بأن يقول: إذا كنتم عالمين بجهة القبلة ~~ممكنين من التوجه إليها فذلك وجه الله فصلوا إليها. وإذا كنتم خائفين أو في ~~سفر فالوجه الذي يمكنكم التوجه إليه فهو وجه الله، وإذا اشتبهت عليكم ~~الجهات فصليتم إلى أي جهة كانت فهي وجه الله؟ وإذا لم تتناف إرادة جميع ذلك ~~وجب حمل الآية عليه، فيكون مراد الله تعالى بها جميع هذه المعاني على الوجه ~~الذي ذكرنا، لا سيما وقد نص حديث جابر وعامر بن ربيعة أن الآية نزلت في ~~المجتهد إذا أخطأ، وأخبر فيه أن المستدبر للقبلة والمتياسر والمتيامن عنها ~~سواء; لأن فيه بعضهم صلى إلى ناحية الشمال والآخر إلى ناحية الجنوب وهاتان ~~جهتان متضادتان. ويدل على جوازها أيضا حديث رواه جماعة عن أبي سعيد مولى ~~بني هاشم قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين المشرق ~~والمغرب قبلة". وهذا يقتضي إثبات جميع الجهات قبلة، إذ كان قوله: "ما بين ~~المشرق والمغرب" كقوله: جميع الآفاق; ألا ترى أن قوله: {رب المشرق والمغرب} ~~أنه أراد به جميع الدنيا؟ وكذلك هو في معقول خطاب الناس متى أريد الإخبار ~~عن جميع الدنيا ذكر المشرق والمغرب فيشمل اللفظ جميعها وأيضا ما ذكرنا من ~~قول السلف يوجب أن يكون إجماعا لظهوره واستفاضته من غير خلاف من أحد من ~~نظرائهم عليهم ويدل عليه أيضا أن من غاب عن مكة فإنما صلاته إلى الكعبة لا ~~تكون إلا عن اجتهاد; لأن أحدا لا يوقن بالجهة التي يصلي إليها في محاذاة # PageV01P076 # الكعبة غير منحرف عنها، وصلاة الجميع جائزة; إذ لم يكلف غيرها، فكذلك ~~المجتهد في السفر قد أدى فرضه إذ لم يكلف غيرها ومن أوجب الإعادة فإنما ~~يلزمه فرضا آخر، وغير جائز إلزامه فرضا بغير دلالة; فإن ألزمونا عليه ~~بالثوب يصلى فيه ثم تعلم نجاسته أو الماء يتطهر به ms0094 ثم يعلم أنه نجس. قيل ~~لهم: لا فرق بينهم في أن كلا منهم قد أدى فرضه، وإنما ألزمناه بعد العلم ~~فرضا آخر بدلالة قامت عليه ولم تقم دلالة على إلزام المجتهد في جهة القبلة ~~فرضا آخر; لأن الصلاة تجوز إلى غير جهة القبلة من غير ضرورة وهي صلاة النفل ~~على الراحلة. ومعلوم أنه لا ضرورة به; لأنه ليس عليه فعلها، فلما جازت إلى ~~غير القبلة من غير ضرورة فإذا صلى الفرض إلى غير جهتها على ما كلف لم يكن ~~عليه عند التبين غيرها ولما لم تجز الصلاة في الثوب النجس إلا لضرورة ولم ~~تجز الطهارة بماء نجس بحال، لزمته الإعادة ومن جهة أخرى وهي أن المجتهد ~~بمنزلة صلاة المتيمم إذا عدم الماء، فلا يلزمه الإعادة; لأن الجهة التي ~~توجه إليها قد قامت له مقام القبلة كالتيمم قائم مقام الوضوء، ولم يوجد ~~للمصلي في الثوب النجس والمتطهر بماء نجس ما يقوم مقام الطهارة فهو بمنزلة ~~المصلي بغير تيمم ولا ماء، ويدل على ذلك وهو أصل يرد إليه مسألتنا صلاة ~~الخائف لغير القبلة، ويبنى عليها من وجهين: أحدهما: أنها جهة لم يكلف غيرها ~~في الحال. والثاني: قيام هذه الجهة مقام القبلة فلا إعادة عليه كالمتيمم ~~ويدل على أن المراد من قوله تعالى: {فثم وجه الله} الصلاة لغير القبلة، أنه ~~معلوم أن مقدار مساحة الكعبة لا يتسع لصلاة الناس الغائبين عنها حتى يكون ~~كل واحد منهم مصليا لمحاذاتها، ألا ترى أن الجامع مساحته أضعاف مساحة ~~الكعبة وليس جميع من يصلي فيه محاذيا لسمتها وقد أجيزت صلاة الجميع؟ فثبت ~~أنهم إنما كلفوا التوجه إلى الجهة التي هي في ظنهم أنها محاذية الكعبة، لا ~~محاذاتها بعينها وهذا يدل على أن كل جهة قد أقيمت مقام جهة الكعبة في حال ~~العذر. # فإن قيل: إنما جازت صلاة الجميع في الأصل الذي ذكرت; لأن كل واحد منهم ~~يجوز أن يكون هو المحاذي للكعبة دون من بعد منه ولم يظهر في الثاني توجهه ~~إلى غير جهة الكعبة، فأجزأته صلاته ms0095 من أجل ذلك. وليست هذه نظير مسألتنا، من ~~قبل أن المجتهد في مسألتنا قد تبين أنه صلى إلى غيرها، قيل له: لو كان هذا ~~الاعتبار سائغا في الفرق بينهما لوجب أن لا تجيز صلاة الجميع; لأنه إذا كان ~~محاذاة الكعبة مقدار عشرين ذراعا إذا كان مسامتها، ثم قد رأينا أهل الشرق ~~والغرب قد أجزأتهم صلاتهم، مع العلم بأن الذين حاذوها هم القليل الذين يقصر ~~عددهم عن النسبة إلى الجميع لقلتهم، وجائز مع ذلك أن يكون ليس فيهم من ~~يحاذي الكعبة حين لم يغادرها ثم أجزأت صلاة الجميع، # PageV01P077 # ولم يعتبر حكم الأعم الأكثر مع تعلق الأحكام في الأصول بالأعم الأكثر; ~~ألا ترى أن الحكم في كل من في دار الإسلام ودار الحرب يتعلق بالأعم الأكثر ~~دون الأخص الأقل حتى صار من في دار الإسلام محظورا قتله، مع العلم بأن فيها ~~من يستحق القتل من مرتد وملحد وحربي; ومن في دار الحرب يستباح قتله مع ما ~~فيها من مسلم تاجر أو أسير؟ وكذلك سائر الأصول على هذا المنهاج يجرى حكمها، ~~ولم يكن للأكثر الأعم حكم في بطلان الصلاة مع العلم بأنهم على غير محاذاة ~~الكعبة، ثبت أن الذي كلف كل واحد منهم في وقته هو ما عنده أنه جهة الكعبة ~~وفي اجتهاده في الحال التي يسوغ الاجتهاد فيها، وأن لا إعادة على واحد منهم ~~في الثاني. # فإن قيل: فأنت توجب الإعادة على من صلى باجتهاده مع إمكان المسألة عنها ~~إذا تبين له خلافها. # قيل له: ليس هذا موضع الاجتهاد مع وجود من يسأله عنها. وإنما أجزنا فيما ~~وصفنا صلاة من اجتهد في الحال التي يسوغ الاجتهاد فيها، وإذا وجد من يسأله ~~عن جهة الكعبة لم يكلف فعل الصلاة باجتهاده وإنما كلف المسألة عنها ويدل ~~على ما ذكرنا أنه معلوم أنه من غاب عن حضرة النبي عليه السلام فإنما يؤدي ~~فرضه باجتهاده مع تجويزه أن يكون ذلك الفرض فيه نسخ وقد ثبت أن أهل قباء ~~كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فأتاهم آت فأخبرهم ms0096 أن القبلة قد حولت، ~~فاستداروا في صلاتهم إلى الكعبة وقد كانوا قبل ذلك مستدبرين لها; لأن من ~~استقبل بيت المقدس وهو بالمدينة فهو مستدبر للكعبة، ثم لم يؤمروا بالإعادة ~~حين فعلوا بعض الصلاة إلى بيت المقدس مع ورود النسخ; إذ الأغلب أنهم ~~ابتدءوا الصلاة بعد النسخ; لأن النسخ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~بالمدينة، ثم سار المخبر إلى قباء بعد النسخ وبينهما نحو فرسخ فهذا يدل على ~~أن ابتداء صلاتهم كان بعد النسخ لامتناع أن يطول مكثهم في الصلاة هذه ~~المدة، ولو كان ابتداؤها قبل النسخ كانت دلالته قائمة; لأنهم فعلوا بعض ~~الصلاة إلى بيت المقدس بعد النسخ. # فإن قيل: إنما جاز ذلك; لأنهم ابتدءوها قبل النسخ وكان ذلك فرضهم ولم يكن ~~عليهم فرض غيره. قيل له: وكذلك المجتهد فرضه ما أداه إليه اجتهاده ليس عليه ~~فرض غيره. # فإن قيل: إذا تبين أنه صلى إلى غير الكعبة كان بمنزلة من اجتهد في حكم ~~حادثة ثم وجد النص فيه، فيبطل اجتهاده مع النص قيل له: ليس هذا كما ظننت; ~~لأن النص في جهة الكعبة إنما هو في حال معاينتها أو العلم بها، وليست ~~للصلاة جهة واحدة يتوجه إليها المصلي، بل سائر الجهات للمصلين على حسب ~~اختلاف أحوالهم، فمن شاهد # PageV01P078 # الكعبة أو علم بها وهو غائب عنها ففرضه الجهة التي يمكنه التوجه إليها ~~وليست الكعبة جهة فرضه، ومن اشتبهت عليه الجهة ففرضه ما أداه إليه اجتهاده; ~~فقولك إنه صار من الاجتهاد إلى النص خطأ; لأن جهة الكعبة لم تكن فرضه في ~~حال الاجتهاد، وإنما النص في حال إمكان التوجه إليها والعلم بها وأيضا فقد ~~كان له الاجتهاد مع العلم بالكعبة والجهل بجهتها، فلو كان بمنزلة النص لما ~~ساغ الاجتهاد، مع العلم بأن لله تعالى نصا على الحكم، كما لا يسوغ الاجتهاد ~~مع العلم أن لله تعالى نصا على الحكم في حادثة. # وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات ~~والأرض} قال أبو بكر: فيه دلالة ms0097 على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده; لأنه ~~نفى الولد بإثبات الملك بقوله تعالى: {بل له ما في السماوات والأرض} يعني ~~ملكه وليس بولده; وهو نظير قوله: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [مريم: 92 -93] فاقتضى ذلك عتق ~~ولده عليه إذا ملكه وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد ~~إذا ملكه ولده، فقال عليه السلام: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه" فدلت الآية على عتق الولد إذا ملكه أبوه، واقتضى خبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عتق الوالد إذا ملكه ولده وقال بعض الجهال: إذا ملك ~~أباه لم يعتق عليه حتى يعتقه لقوله: فيشتريه فيعتقه وهذا يقتضي عتقا ~~مستأنفا بعد الملك فجهل حكم اللفظ في اللغة والعرف جميعا; لأن المعقول منه ~~فيشتريه فيعتقه بالشرى; إذ قد أفاد أن شراه موجب لعتقه; وهذا كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، ومشتر نفسه ~~فمعتقها" يريد أنه معتقها بالشرى لا باستئناف عتق بعده. # قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} ; اختلف المفسرون، ~~فقال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك. وقال الحسن: "ابتلاه بقتل ولده والكواكب". ~~وروى طاوس عن ابن عباس قال: ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد ~~فالخمسة في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس; ~~وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر ~~الغائط والبول بالماء. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عشر من ~~الفطرة" 1 وذكر هذه الأشياء إلا أنه قال مكان الفرق: "إعفاء اللحية" ولم ~~يذكر فيه تأويل الآية. ورواه عمار وعائشة وأبو هريرة على اختلاف منهم في ~~الزيادة والنقصان، كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها; إذ هي ~~المشهورة، وقد نقلها الناس قولا وعملا وعرفوها من PageV01P079 # سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر فيه من تأويل الآية مع ما ~~قدمنا من اختلاف السلف فيه فجائز أن يكون ms0098 الله تعالى ابتلى إبراهيم بذلك ~~كله، ويكون مراد الآية جميعه، وأن إبراهيم عليه السلام أتم ذلك كله ووفى به ~~وقام به على حسب ما أمره الله تعالى به من غير نقصان; لأن ضد الإتمام ~~النقص، وقد أخبر الله بإتمامهن وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~العشر الخصال في الرأس والجسد من الفطرة، فجائز أن يكون فيها مقتديا ~~بإبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا} [النحل: 123] وبقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~[الأنعام: 90] . # PageV01P080 # مطلب في الحث على نظافة البدن والثياب # وهذه الخصال قد ثبتت من سنة إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم وهي تقتضي أن يكون التنظيف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب ~~مأمورا بها. ألا ترى أن الله تعالى لما حظر إزالة التفث والشعر في الإحرام ~~أمر به عند الإحلال بقوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] ومن نحو ذلك ما ~~روي عن النبي عليه السلام في غسل يوم الجمعة "أن يستاك وأن يمس من طيب ~~أهله" فهذه كلها خصال مستحسنة في العقول محمودة مستحبة في الأخلاق ~~والعادات، وقد أكدها التوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد حدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا محمد بن عمر بن حيان التمار قال: حدثنا أبو الوليد وعبد ~~الرحمن بن المبارك قالا: حدثنا قريش بن حيان العجلي قال: حدثنا سليمان بن ~~فروخ أبو واصل قال: أتيت أبا أيوب فصافحته فرأى في أظفاري طولا فقال: جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء، فقال: "يجيء أحدكم ~~يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأنها أظفار الطير يجتمع فيها الخباثة والتفث؟ ~~" وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال: حدثنا عبد الملك ~~بن مروان الحذاء قال: حدثنا الضحاك بن زيد الأهوازي عن إسماعيل بن خالد عن ~~قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال: قلنا يا رسول الله إنك تهم 1 ~~قال: "وما لي لا أهم ورفغ أحدكم بين ms0099 أظفاره وأنامله". وقد روي عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ~~قبل أن يروح إلى الجمعة. وحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا عثمان بن PageV01P080 # أبي شيبة، عن وكيع، عن الأوزاعي، عن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ~~بن عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا شعثا قد ~~تفرق شعره فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ " ورأى رجلا آخر عليه ~~ثياب وسخة فقال: "أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه؟ " حدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن عقبة السدوسي قال: حدثنا أبو ~~أمية بن يعلى قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "خمس لم ~~يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر: المرآة والمكحلة ~~والمشط والمدرى 1 والسواك". # وقد روي أنه وقت في ذلك أربعين يوما; حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسين ~~بن المثنى عن معاذ قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا صدقة الدقيقي ~~قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس بن مالك قال: "وقت لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حلق العانة وقص الشارب ونتف الإبط أربعين يوما". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنور; حدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا إدريس الحداد قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا كامل بن العلاء قال: ~~حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أم سلمة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا اطلى ولي مغابنه بيده". حدثنا عبد الباقي: حدثنا مطير: حدثنا إبراهيم ~~بن المنذر: حدثنا معن بن عيسى عمن حدثه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس قال: "اطلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلاه رجل فستر عورته بثوب ~~وطلى الرجل سائر جسده، فلما فرغ قال له النبي عليه السلام: "اخرج عني" ثم ~~طلى النبي صلى الله ms0100 عليه وسلم عورته بيده". # وقد روى حبيب بن أبي ثابت عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يتنور، فإذا كثر شعره حلقه". وهذا يحتمل أن يريد به أن عادته كانت الحلق، ~~وأن ذلك كان الأكثر الأعم ليصح الحديثان، وأما ما ذكر من توقيت الأربعين في ~~الحديث المتقدم فجائز أن تكون الرخصة في التأخير مقدرة بذلك وأن تأخيرها ~~إلى ما بعد الأربعين محظور يستحق فاعله اللوم لمخالفة السنة، لا سيما في قص ~~الشارب وقص الأظفار. # قال أبو بكر: ذكر أبو جعفر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ~~ومحمد في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير عنه وإن كان معه ~~حلق بعض الشعر; قال: وقال ابن الهيثم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة قال ~~مالك: PageV01P081 # وتفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء الشارب الإطار، وكان يكره ~~أن يؤخذ من أعلاه، وإنما كان يوسع في الإطار منه فقط وذكر عنه أشهب قال: ~~وسألت مالكا عمن أحفى شاربه قال: أرى أن يوجع ضربا، ليس حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الإحفاء كان يقول ليس يبدي 1 حرف الشفتين الإطار ثم قال: ~~لم يحلق شاربه، هذه بدع تظهر في الناس، كان عمر إذا حزبه أمر نفخ فجعل يفتل ~~شاربه. وسئل الأوزاعي عن الرجل يحلق رأسه، فقال: أما في الحضر لا يعرف إلا ~~في يوم النحر، وهو في العرف وكان عبدة بن أبي لبابة يذكر فيه فضلا عظيما. ~~وقال الليث: لا أحب أن يحلق أحد شاربه حتى يبدو الجلد، وأكرهه; ولكن يقص ~~الذي على طرف الشارب، وأكره أن يكون طويل الشارب وقال إسحاق بن أبي ~~إسرائيل: سألت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن حلق الرأس فقال: ~~أما بمكة فلا بأس به; لأنه بلد الحلق، وأما في غيره من البلدان فلا. # قال أبو جعفر: ولم نجد في ذلك عن الشافعي شيئا منصوصا; وأصحابه الذين ~~رأيناهم: المزني والربيع، كانا يحفيان شواربهما، فدل على أنهما أخذا ms0101 ذلك عن ~~الشافعي. # وقد روت عائشة وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفطرة عشرة"، ~~منها قص الشارب. وروى المغيرة بن شعبة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ~~من شواربه على سواك". وهذا جائز مباح، وإن كان غيره أفضل، وجائز أن يكون ~~فعله لعدم آلة الإحفاء في الوقت، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجز شاربه; وهذا يحتمل الإحفاء، وروى عبد الله بن ~~عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحفوا الشارب ~~وأعفوا اللحى". وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى" وهذا يحتمل الإحفاء ~~أيضا وروى عمر بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى" وهذا يدل على أن مراده بالخبر الأول ~~الإحفاء، والإحفاء يقتضي ظهور الجلد بإزالة الشعر، كما يقال رجل حاف، إذا ~~لم يكن في رجله شيء ويقال حفيت رجله وحفيت الدابة; إذا أصاب أسفل رجلها وهن ~~من الحفاء قال: وروي عن أبي سعيد الخدري وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن ~~سعد وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون ~~شواربهم وقال إبراهيم بن محمد بن خطاب: رأيت ابن عمر يحلق شاربه كأنه ~~ينتفه. وقال بعضهم: حتى يرى بياض الجلد. PageV01P082 # قال أبو بكر: ولما كان التقصير مسنونا في الشارب عند الجميع كان الحلق ~~أفضل; قال النبي عليه السلام: "رحم الله المحلقين" ثلاثا; ودعا للمقصرين ~~مرة، فجعل حلق الرأس أفضل من التقصير، وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل ~~شاربه إذا غضب فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله ثم يحلقه كما ترى ~~كثيرا من الناس يفعله. # وقوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} فإن الإمام من يؤتم به في أمور ~~الدين من طريق النبوة، وكذلك سائر الأنبياء أئمة عليهم السلام لما ألزم ms0102 ~~الله تعالى الناس من اتباعهم والائتمام بهم في أمور دينهم; فالخلفاء أئمة; ~~لأنهم رتبوا في المحل الذي يلزم الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم، ~~والقضاة والفقهاء أئمة أيضا، ولهذا المعنى الذي يصلي بالناس يسمى إماما; ~~لأن من دخل في صلاته لزمه الاتباع له والائتمام به. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به; فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد ~~فاسجدوا" وقال: "لا تختلفوا على إمامكم" فثبت بذلك أن اسم الإمامة مستحق ~~لمن يلزم اتباعه والاقتداء به في أمور الدين أو في شيء منها وقد يسمى بذلك ~~من يؤتم به في الباطل، إلا أن الإطلاق لا يتناوله، قال الله تعالى: ~~{وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص: 41] فسموا أئمة; لأنهم أنزلوهم ~~بمنزلة من يقتدى بهم في أمور الدين وإن لم يكونوا أئمة يجب الاقتداء بهم ~~كما قال الله تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون} [هود: 101] وقال: ~~{وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} [طه: 97] يعني في زعمك واعتقادك وقال ~~النبي عليه السلام: "أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلون" والإطلاق إنما ~~يتناول من يجب الائتمام به في دين الله تعالى وفي الحق والهدى. ألا ترى أن ~~قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} قد أفاد ذلك من غير تقييد، وأنه لما ~~ذكر أئمة الضلال قيده بقوله: {يدعون إلى النار} [البقرة: 221] . # وإذا ثبت أن اسم الإمامة يتناول ما ذكرناه، فالأنبياء عليهم السلام في ~~أعلى رتبة الإمامة، ثم الخلفاء الراشدون بعد ذلك، ثم العلماء والقضاة ~~العدول ومن ألزم الله تعالى الاقتداء بهم، ثم الإمامة في الصلاة ونحوها، ~~فأخبر الله تعالى في هذه الآية عن إبراهيم عليه السلام أنه جاعله للناس ~~إماما وأن إبراهيم سأله أن يجعل من ولده أئمة بقوله: {ومن ذريتي} لأنه عطف ~~على الأول فكان بمنزلة واجعل من ذريتي أئمة. ويحتمل أن يريد بقوله: {ومن ~~ذريتي} مسألته تعريفه هل يكون من ذريتي أئمة؟ فقال تعالى في جوابه: {لا ~~ينال عهدي الظالمين} فحوى ذلك معنيين أنه سيجعل من ذريته أئمة إما ms0103 على وجه ~~تعريفه ما سأله أن يعرفه إياه، وإما على وجه إجابته إلى ما سأل لذريته إذا ~~كان قوله: {ومن ذريتي} مسألته أن يجعل من ذريته أئمة، وجائز أن يكون أراد ~~الأمرين جميعا، # PageV01P083 # وهو مسألته أن يجعل من ذريته أئمة وأن يعرفه ذلك، وأنه إجابة إلى مسألته; ~~لأنه لو لم يكن منه إجابة إلى مسألته لقال: ليس في ذريتك أئمة وقال: لا ~~ينال عهدي من ذريتك أحد فلما قال: {لا ينال عهدي الظالمين} دل على أن ~~الإجابة قد وقعت له في أن في ذريته أئمة، ثم قال: {لا ينال عهدي الظالمين} ~~فأخبر أن الظالمين من ذريته لا يكونون أئمة ولا يجعلهم موضع الاقتداء بهم ~~وقد روي عن السدي في قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} أنه النبوة. وعن ~~مجاهد: أنه أراد أن الظالم لا يكون إماما، وعن ابن عباس أنه قال: لا يلزم ~~الوفاء بعهد الظالم، فإذا عقد عليك في ظلم فانقضه. وقال الحسن: ليس لهم عند ~~الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة. # قال أبو بكر: جميع ما روي من هذه المعاني يحتمله اللفظ، وجائز أن يكون ~~جميعه مرادا لله تعالى، وهو محمول على ذلك عندنا، فلا يجوز أن يكون الظالم ~~نبيا ولا خليفة لنبي ولا قاضيا، ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين ~~من مفت أو شاهد أو مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا فقد أفادت الآية ~~أن شرط جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح، وهذا ~~يدل أيضا على أن أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين ~~لدلالة الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين; لأن ~~عهد الله هو أوامره، فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم وهو ما أودعهم من ~~أمور دينه وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقبوله منهم والاقتداء بهم فيه. ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو ms0104 مبين} يعني أقدم إليكم الأمر به; وقال تعالى: {الذين قالوا إن الله ~~عهد إلينا} ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما هو ما يتقدم به ~~إليهم ليحملوا الناس عليه ويحكموا به فيهم وذلك لأن عهد الله إذا كان إنما ~~هو أوامره لم يخل قوله: {لا ينال عهدي الظالمين} من أن يريد أن الظالمين ~~غير مأمورين أو أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر ~~الله تعالى وأحكامه ولا يؤمنون عليها; فلما بطل الوجه الأول لاتفاق ~~المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم وأنهم ~~إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم أوامر الله، ثبت الوجه الآخر وهو أنهم غير ~~مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في ~~الدين، فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة، وأن ~~من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته. وكذلك ~~قال النبي عليه السلام: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". ودل أيضا على أن ~~الفاسق لا يكون حاكما، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل ~~شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، # PageV01P084 # ولا فتياه إذا كان مفتيا، وأنه لا يقدم للصلاة، وإن كان لو قدم واقتدى به ~~مقتد كانت صلاته ماضية فقد حوى قوله: {لا ينال عهدي الظالمين} هذه المعاني ~~كلها. # ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته وأنه ~~يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه، وذكر ذلك عن بعض المتكلمين وهو ~~المسمى زرقان وقد كذب في ذلك وقال بالباطل، وليس هو أيضا ممن تقبل حكايته ~~ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما ~~العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما; كما لا تقبل شهادته ولا ~~خبره لو روى خبرا عن النبي عليه السلام وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ~~وأحكامه غير نافذة وكيف يجوز أن ms0105 يدعى ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن ~~هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع من ذلك وحبس فلج ابن هبيرة ~~وجعل يضربه كل يوم أسواطا. فلما خيف عليه قال له الفقهاء: فتول شيئا من ~~أعماله أي شيء كان حتى يزول عنك هذا الضرب فتولى له عد أحمال التبن الذي ~~يدخل، فخلاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك فأبى، فحبسه حتى عد له اللبن ~~الذي كان يضرب لسور مدينة بغداد. # وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي: ~~احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة فلم ~~نحتمله، وكان من قوله: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، ~~فإن لم يؤتمر له فبالسيف، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسأله ~~إبراهيم الصائغ وكان من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار ونساكهم عن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: هو فرض وحدثه بحديث عن عكرمة عن ابن ~~عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ~~ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتل". فرجع ~~إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر عليه ~~ظلمه وسفكه الدماء بغير حق، فاحتمله مرارا ثم قتله. وقضيته في أمر زيد بن ~~علي مشهورة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ~~معه وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقال لأبي إسحاق ~~الفزاري حين قال له: لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل؟ قال: ~~مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك. وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة، وهذا إنما ~~أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام، فمن كان هذا مذهبه في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق؟ فإنما جاء غلط من غلط في ~~ذلك، إن لم يكن ms0106 تعمد الكذب من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله # PageV01P085 # من العراقيين، أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام ~~جائر أن أحكامه نافذة وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم فساقا ~~وظلمة، وهذا مذهب صحيح ولا دلالة فيه على أن من مذهبه إمامة الفاسق، وذلك ~~لأن القاضي إذا كان عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام وكانت ~~له يد وقدرة على من امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها، ولا اعتبار في ~~ذلك بمن ولاه; لأن الذي ولاه إنما هو بمنزلة سائر أعوانه. وليس شرط أعوان ~~القاضي أن يكونوا عدولا; ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على ~~الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من ~~قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟ ~~وعلى هذا تولى شريح وقضاة التابعين القضاء من قبل بني أمية، وقد كان شريح ~~قاضيا بالكوفة إلى أيام الحجاج، ولم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا ~~أكفر ولا أفجر من عبد الملك، ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من ~~الحجاج وكان عبد الملك أول من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، صعد المنبر فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان ~~ولا بالخليفة المصانع يعني معاوية وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في ~~أنفسكم; والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه ~~وكانوا يأخذون الأرزاق من بيوت أموالهم وقد كان المختار الكذاب يبعث إلى ~~ابن عباس ومحمد ابن الحنفية وابن عمر بأموال، فيقبلونها، وذكر محمد بن ~~عجلان عن القعقاع قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابن عمر ارفع إلي ~~حوائجك فكتب إليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن اليد العليا ~~خير من اليد السفلى" وأحسب أن اليد العليا يد المعطي وأن اليد السفلى يد ~~الآخذ، وإني لست سائلك ms0107 شيئا ولا رادا عليك رزقا رزقنيه الله منك، والسلام. # وقد كان الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من ~~أيدي هؤلاء الظلمة، لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم، وإنما ~~كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي قوم فجرة. وكيف يكون ذلك على وجه ~~موالاتهم وقد ضربوا وجه الحجاج بالسيف، وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل ~~هم خيار التابعين وفقهاؤهم فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ~~بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم ~~خالعون لعبد الملك بن مروان لاعنون لهم متبرئون منهم وكذلك كان سبيل من ~~قبلهم مع معاوية حين تغلب على الأمر بعد قتل علي عليه السلام وقد كان الحسن ~~والحسين يأخذان العطاء وكذلك من كان في ذلك العصر من الصحابة وهم غير ~~متولين له بل متبرئون منه على السبيل التي كان عليها علي # PageV01P086 # عليه السلام إلى أن توفاه الله تعالى إلى جنته ورضوانه. فليس إذا في ~~ولاية القضاء من قبلهم ولا أخذ العطاء منهم دلالة على توليتهم واعتقاد ~~إمامتهم. # وربما احتج بعض أغبياء الرفضة بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} في ~~رد إمامة أبي بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه; لأنهما كانا ظالمين حين ~~كانا مشركين في الجاهلية وهذا جهل مفرط; لأن هذه السمة إنما تلحق من كان ~~مقيما على الظلم، فأما التائب منه فهذه السمة زائلة عنه، فلا جائز أن يتعلق ~~به حكم; لأن الحكم إذا كان معلقا بصفة فزالت الصفة زال الحكم، وصفة الظلم ~~صفة ذم، فإنما يلحقه ما دام مقيما عليه، فإذا زال عنه زالت الصفة عنه; كذلك ~~يزول عنه الحكم الذي علق به من نفي نيل العهد في قوله تعالى: {لا ينال عهدي ~~الظالمين} ألا ترى أن قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} [هود: 113] ~~إنما هو نهي عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم؟ وكذلك قوله تعالى: {ما ~~على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] إنما هو ما أقاموا على الإحسان ms0108 فقوله: ~~{لا ينال عهدي الظالمين} لم ينف به العهد عمن تاب عن ظلمه; لأنه في هذه ~~الحالة لا يسمى ظالما كما لا يسمى موسوما من تاب من الكفر كافرا. ومن تاب ~~من الفسق فاسقا، وإنما يقال: كان كافرا، وكان فاسقا، وكان ظالما; والله ~~تعالى لم يقل: لا ينال عهدي من كان ظالما وإنما نفى ذلك عمن كان موسوما ~~بسمة الظالم، والاسم لازم له باق عليه. قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة ~~للناس وأمنا} أما البيت فإنه يريد بيت الله الحرام، واكتفى بذكر البيت ~~مطلقا لدخول الألف واللام عليه; إذ كانا يدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، ~~وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس، فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ~~وقوله: {مثابة للناس} روي عن الحسن أن معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام. ~~وعن ابن عباس ومجاهد: أنه لا ينصرف عنه أحد وهو يرى أنه قد قضى وطرا منه، ~~فهم يعودون إليه، وقيل فيه: إنهم يحجون إليه فيثابون عليه. # قال أبو بكر: قال أهل اللغة: أصله من ثاب يثوب مثابة وثوابا: إذا رجع; ~~قال بعضهم: إنما أدخل الهاء عليه للمبالغة لما كثر من يثوب إليه، كما يقال: ~~نسابة وعلامة وسيارة وقال الفراء: هو كما قيل المقامة والمقام. وإذا كان ~~اللفظ محتملا لما تأوله السلف من رجوع الناس إليه في كل عام، ومن قول من ~~قال إنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يحب العود إليه ومن أنهم يحجون إليه ~~فيثابون; فجائز أن يكون المراد ذلك كله. ويشهد لقول من قال إنهم يحبون ~~العود إليه بعد الانصراف قوله تعالى: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} ~~[إبراهيم: 37] وقد نص هذا اللفظ على فعل الطواف; إذ كان البيت # PageV01P087 # مقصودا ومثابة للطواف ولا دلالة فيه على وجوبه، وإنما يدل على أنه يستحق ~~الثواب بفعله. # وربما احتج موجبو العمرة بهذه الآية، فقالوا: إذا كان الله تعالى قد جعله ~~مثابة للناس يعودون إليه مرة بعد أخرى فقد اقتضى العود إليه للعمرة بعد ~~الحج. # وليس هذا بشيء; لأنه ms0109 ليس في اللفظ دليل الإيجاب، وإنما فيه أنه جعل لهم ~~العود إليه ووعدهم الثواب عليه، وهذا إنما يقتضي الندب لا الإيجاب; ألا ترى ~~أن القائل: لك أن تعتمر ولك أن تصلي، لا دلالة فيه على الوجوب وعلى أنه لم ~~يخصص العود إليه بالعمرة دون الحج؟ ومع ذلك فإن الحج فيه طواف القدوم وطواف ~~الزيارة وطواف الصدر، ويحصل بذلك كله العود إليه مرة بعد أخرى، فإذا فعل ~~ذلك فقد قضى عهدة اللفظ. فلا دلالة فيه إذا على وجوب العمرة. # وأما قوله تعالى: {وأمنا} فإنه وصف البيت بالأمن، والمراد جميع الحرم كما ~~قال الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] والمراد الحرم لا الكعبة ~~نفسها; لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد; وكقوله: {والمسجد الحرام ~~الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] قال ابن عباس: "وذلك ~~أن الحرم كله مسجد". وكقوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] والمراد والله أعلم منعهم من الحج ~~وحضورهم مواضع النسك، ألا ترى إلى قوله عليه السلام حين بعث بالبراءة مع ~~علي رضي الله عنه: "وأن لا يحج بعد العام مشرك" منبئا عن مراد الآية؟ وقوله ~~تعالى في آية أخرى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] وقال ~~حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: {رب اجعل هذا بلدا آمنا} يدل ذلك على أن ~~وصفه البيت بالأمن اقتضى جميع الحرم; ولأن حرمة الحرم لما كانت متعلقة ~~بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت لوقوع الأمن به وحظر القتال والقتل فيه; ~~وكذلك حرمة الأشهر الحرم متعلقة بالبيت، فكان أمنهم فيها لأجل الحج وهو ~~معقود بالبيت. # وقوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} إنما هو حكم منه بذلك لا ~~خبر. وكذلك قوله تعالى: {رب اجعل هذا بلدا آمنا} {ومن دخله كان آمنا} [آل ~~عمران: 97] كل هذا من طريق الحكم، لا على وجه الإخبار بأن من دخله لم يلحقه ~~سوء; لأنه لو كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به; لأن أخبار الله تعالى لا ms0110 ~~بد من وجودها على ما أخبر به، وقد قال في موضع آخر: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] فأخبر ~~بوقوع القتل فيه; فدل أن الأمر المذكور # PageV01P088 # إنما هو من قبل حكم الله تعالى بالأمن فيه وأن لا يقتل العائذ به واللاجئ ~~إليه. وكذلك كان حكم الحرم منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا. # وقد كانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك للحرم وتستعظم القتل فيه على ما ~~كان بقي في أيديهم من شريعة إبراهيم عليه السلام; حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: ~~حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لما فتح ~~الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله ~~والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا ~~يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها" فقال العباس: يا ~~رسول الله إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا. فقال صلى الله عليه وسلم: "إلا ~~الإذخر". # حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد وطاوس، عن ابن عباس في هذه القصة: ولا ~~يختلى خلاها. وقال: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، لم تحل لأحد ~~قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار". # وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن ~~فيها دم وإن الله أحلها لي ساعة من نهار ولم يحلها للناس". وأخبر النبي ~~عليه السلام أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض وحظر فيها سفك الدماء، ~~وأن حرمتها باقية إلى يوم القيامة. وأخبر ms0111 أن من تحريمها تحريم صيدها وقطع ~~الشجر والخلا. # فإن قال قائل: ما وجه استثنائه الإذخر من الحظر عند مسألة العباس وقد ~~أطلق قبل ذلك حظر الجميع ومعلوم أن النسخ قبل التمكين من الفعل لا يجوز؟ ~~قيل له: يجوز أن يكون الله تعالى خير نبيه عليه السلام في إباحة الإذخر ~~وحظره عند سؤال من يسأله إباحته، كما قال تعالى: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ~~فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] فخيره في الإذن عند المسألة ومع ما حرمد ~~الله تعالى من حرمتها بالنص والتوقيف، فإن من آياتها ودلالاتها على توحيد ~~الله تعالى واختصاصه لها ما يوجب تعظيمها ما يشاهد فيها من أمن الصيد فيها ~~وذلك أن سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض ويجتمع فيها الظبي والكلب فلا ~~يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد ~~هو إلى النفور والهرب وذلك دلالة على توحيد الله سبحانه وتعالى. وعلى تفضيل ~~إسماعيل عليه السلام وتعظيم شأنه، وقد روي عن جماعة من الصحابة حظر صيد # PageV01P089 # الحرم وشجره ووجوب الجزاء على قتله أو قطعه # قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} يدل على لزوم ركعتي الطواف، ~~وذلك لأن قوله تعالى: {مثابة للناس} لما اقتضى فعل الطواف ثم عطف عليه ~~قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وهو أمر ظاهره الإيجاب، دل ذلك على ~~أن الطواف موجب للصلاة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ~~أنه أراد به صلاة الطواف; وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~قوله: "استلم النبي صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم ~~تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} فجعل المقام ~~بينه وبين البيت وصلى ركعتين". فلما تلا عليه السلام عند إرادته الصلاة خلف ~~المقام: {واتخذوا ms0112 من مقام إبراهيم مصلى} دل على أن المراد بالآية فعل ~~الصلاة بعد الطواف، وظاهره أمر فهو على الوجوب. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاهما عند البيت; وهو ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن عمر القواريري ~~قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثنا السائب عن محمد المخزومي قال: حدثني ~~محمد بن عبد الله بن السائب عن أبيه، أنه كان يقود ابن عباس فيقيمه عند ~~الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحجر مما يلي الباب فيقول ابن عباس: ~~أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هاهنا فيقوم فيصلي. فدلت هذه ~~الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها تارة ~~عند المقام وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب. # وروى عبد الرحمن القاري عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصبح، ثم ركب وأناخ بذي ~~طوى، فصلى ركعتي طوافه. وعن ابن عباس أنه صلاها في الحطيم، وعن الحسن وعطاء ~~أنه إن لم يصل خلف المقام أجزأ. # وقد اختلف السلف في المراد بقوله تعالى {مقام إبراهيم} فقال ابن عباس: ~~"الحج كله مقام إبراهيم". وقال عطاء: مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار. ~~وقال مجاهد: "الحرم كله مقام إبراهيم". وقال السدي: مقام إبراهيم هو الحجر ~~الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع إبراهيم ~~رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر، ~~فوضعته تحت الشق الآخر فغسلته فغابت رجله أيضا فيه، فجعله الله من شعائره ~~فقال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وروي نحوه عن الحسن وقتادة والربيع ~~بن أنس. # PageV01P090 # والأظهر أن يكون هو المراد; لأن الحرم يسمى على الإطلاق مقام إبراهيم، ~~وكذلك سائر المواضع التي تأوله غيرهم عليها مما ذكرناه، ويدل على أنه هو ~~المراد ما روى حميد عن أنس قال: قال عمر: قلت يا رسول الله: لو اتخذت من ~~مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله ms0113 تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ثم ~~صلى فدل على أن مراد الله تعالى بذكر المقام هو الحجر. ويدل عليه أمره ~~تعالى إيانا بفعل الصلاة، وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا سائر المواضع الذي ~~تأوله عليها من ذكرنا قوله، وهذا المقام دلالة على توحيد الله ونبوة ~~إبراهيم; لأنه جعل للحجر رطوبة الطين حتى دخلت قدمه فيه، وذلك لا يقدر عليه ~~إلا الله; وهو مع ذلك معجزة لإبراهيم عليه السلام فدل على نبوته. # وقد اختلف في المعنى المراد بقوله {مصلى} فقال فيه مجاهد: مدعى وجعله من ~~الصلاة; إذ هي الدعاء لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} ~~[الأحزاب: 56] . وقال الحسن: أراد به قبلة. وقال قتادة والسدي: أمروا أن ~~يصلوا عنده. وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ; لأن لفظ الصلاة إذا أطلق تعقل ~~منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود، ألا ترى أن مصلى المصر هو الموضع الذي ~~يصلى فيه صلاة العيد؟ وقال النبي عليه السلام لأسامة بن زيد: "المصلى ~~أمامك" يعني به موضع الصلاة المفعولة، وقد دل عليه أيضا فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد تلاوته الآية. وأما قول من قال قبلة فذلك يرجع إلى معنى ~~الصلاة; لأنه إنما يجعله المصلي بينه وبين البيت فيكون قبلة له، وعلى أن ~~الصلاة فيها الدعاء، فحمله على الصلاة أولى; لأنها تنتظم سائر المعاني التي ~~تأولوا عليها الآية. # قوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود} قال قتادة وعبيد بن عمير ومجاهد وسعيد بن جبير: ~~طهرا من الشرك وعبادة الأوثان التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد ~~إبراهيم عليه السلام. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما كان فتح ~~مكة دخل المسجد فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان فأمر بكسرها وجعل يطعن ~~فيها بعود في يده ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} . ~~وقيل فيه: طهراه من فرث ودم كان المشركون يطرحونه عنده وقال السدي: {طهرا ~~بيتي} : ابنياه على الطهارة كما قال الله تعالى: ms0114 {أفمن أسس بنيانه على تقوى ~~من الله ورضوان خير} [التوبة: 109] الآية. # قال أبو بكر: وجميع ما ذكر يحتمله اللفظ غير منافيه، فيكون معناه: ~~"ابنياه على تقوى الله وطهراه مع ذلك من الفرث والدم ومن الأوثان أن تجعل ~~فيه أو تقربه". # وأما "الطائفين" فقد اختلف في مراد الآية منه، فروى جويبر عن الضحاك قال: # PageV01P091 # {للطائفين} من جاء من الحجاج {والعاكفين} : أهل مكة وهم القائمون. وروى ~~عبد الملك عن عطاء قال: العاكفون: من انتابه من أهل الأمصار والمجاورين. ~~وروى أبو بكر الهذلي قال: إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا ~~فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود وروى ابن فضيل عن ~~عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: {طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع ~~السجود} قال: الطواف قبل الصلاة. # قال أبو بكر: قول الضحاك: "من جاء من الحجاج فهو من الطائفين" راجع أيضا ~~إلى معنى الطواف بالبيت; لأن من يقصد البيت فإنما يقصده للطواف به، إلا أنه ~~قد خص به الغرباء، وليس في الآية دلالة التخصيص; لأن أهل مكة والغرباء في ~~فعل الطواف سواء. # فإن قيل: فإنما تأوله الضحاك على الطائف الذي هو طارئ كقوله تعالى: {فطاف ~~عليها طائف من ربك} [القلم: 19] وقوله: {إذا مسهم طائف من الشيطان} ~~[الأعراف: 201] قيل له: إنه وإن أراد ذلك فالطواف مراد لا محالة; لأن ~~الطارئ إنما يقصده للطواف فجعله هو خاصا في بعضهم دون بعض، وهذا لا دلالة ~~له فيه، فالواجب إذا حمله على فعل الطواف، فيكون قوله: {والعاكفين} من ~~يعتكف فيه; وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: الاعتكاف المذكور في قوله: {وأنتم ~~عاكفون في المساجد} فخص البيت في هذا الموضع. والوجه الآخر: المقيمون بمكة ~~اللائذون به، إذا كان الاعتكاف هو اللبث، وقيل في العاكفين: المجاورون، ~~وقيل: أهل مكة، وذلك كله يرجع إلى معنى اللبث والإقامة في الموضع. # قال أبو بكر: وهو على قول من تأول قوله الطائفين على الغرباء يدل على أن ~~الطواف للغرباء أفضل من الصلاة; وذلك; لأن قوله ذلك قد ms0115 أفاد لا محالة ~~الطواف للغرباء; إذ كانوا إنما يقصدونه للطواف، وأفاد جواز الاعتكاف فيه ~~بقوله {والعاكفين} وأفاد فعل الصلاة فيه أيضا وبحضرته، فخص الغرباء ~~بالطواف، فدل على أن فعل الطواف للغرباء أفضل من فعل الصلاة والاعتكاف الذي ~~هو لبث من غير طواف، وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء: أن الطواف لأهل ~~الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل; فتضمنت الآية معاني، منها: فعل ~~الطواف في البيت وهو قربة إلى الله تعالى يستحق فاعله الثواب، وأنه للغرباء ~~أفضل من الصلاة وفعل الاعتكاف في البيت وبحضرته بقوله {والعاكفين} . وقد دل ~~أيضا على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا; إذ لم تفرق الآية بين ~~شيء منها، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في ~~البيت. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه صلى في البيت يوم فتح ~~مكة" فتلك الصلاة لا محالة كانت # PageV01P092 # تطوعا; لأنه صلاها حين دخل ضحى ولم يكن وقت صلاة. وقد دل أيضا على جواز ~~الجوار بمكة; لأن قوله: {والعاكفين} يحتمله إذا كان اسما للبث، وقد يكون ~~ذلك من المجاز; على أن عطاء وغيره قد تأوله على المجاورين، ودل أيضا على أن ~~الطواف قبل الصلاة لما تأوله عليه ابن عباس على ما قدمناه. # فإن قيل: ليس في تقديم الطواف على الصلاة في اللفظ دلالة على الترتيب; ~~لأن الواو لا توجبه، قيل له: قد اقتضى اللفظ فعل الطواف والصلاة جميعا، ~~وإذا ثبت طواف مع صلاة فالطواف لا محالة مقدم عليها من وجهين: أحدهما: فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والثاني: اتفاق أهل العلم على تقديمه عليها. # فإن اعترض معترض على ما ذكرنا من دلالة الآية على جواز فعل الصلاة في ~~البيت، وزعم أنه لا دلالة في اللفظ عليه; لأنه لم يقل والركع السجود في ~~البيت وكما لم يدل على جواز فعل الطواف في جوف البيت وإنما دل على فعله ~~خارج البيت كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه ~~قيل ms0116 له: ظاهر قوله تعالى: {طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} قد ~~اقتضى فعل ذلك في البيت كما دل على جواز فعل الاعتكاف في البيت، وإنما خرج ~~منه الطواف في كونه مفعولا خارج البيت بدليل الاتفاق. ولأن الطواف بالبيت ~~إنما هو بأن يطوف حواليه خارجا منه; ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه; ~~والله سبحانه إنما أمرنا بالطواف به لا بالطواف فيه بقوله تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} [الحج: 29] ومن صلى داخل البيت يتناوله الإطلاق بفعل الصلاة ~~فيه وأيضا لو كان المراد التوجه إليه لما كان لذكر تطهير البيت للركع ~~والسجود وجه; إذ كان حاضرو البيت والناءون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، ~~ومعلوم أن تطهيره إنما هو لحاضريه، فدل على أنه لم يرد به التوجه إليه دون ~~فعل الصلاة فيه; ألا ترى أنه أمر بتطهير نفس البيت للركع السجود وأنت متى ~~حملته على الصلاة خارجا كان التطهير لما حول البيت؟ وأيضا إذا كان اللفظ ~~محتملا للأمرين فالواجب حمله عليهما، فيكونان جميعا مرادين، فيجوز في البيت ~~وخارجه. # فإن قيل: كما قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] كذلك ~~قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ~~[البقرة: 144] وذلك يقتضي فعلها خارج البيت فيكون متوجها إلى شطره، قيل له: ~~لو حملت اللفظ على حقيقته فعلى قضيتك أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الحرام; ~~لأنه قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] ومتى كان فيه فعلى ~~قولك لا يكون متوجها إليه. # PageV01P093 # فإن قال: أراد بالمسجد الحرام البيت نفسه، لاتفاق الجميع على أن التوجه ~~إلى المسجد الحرام لا يوجب جواز الصلاة إذا لم يكن متوجها إلى البيت. قيل ~~له: فمن كان في جوف البيت هو متوجه شطر البيت; لأن شطره ناحيته، ولا محالة ~~أن من كان فيه فهو متوجه إلى ناحيته; ألا ترى أن من كان خارج البيت فتوجه ~~إليه فإنما يتوجه إلى ناحية منه دون جميعه. وكذلك من كان في البيت فهو ~~متوجه شطره، ففعله مطابق لظاهر الآيتين جميعا ms0117 من قوله تعالى: {طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود} وقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} [البقرة: 144] إذ من كان في البيت فهو متوجه إلى ناحية من البيت ~~ومن المسجد جميعا. # قال أبو بكر: والذي تضمنته الآية من الطواف عام في سائر ما يطاف من الفرض ~~والواجب والندب; لأن الطواف عندنا على هذه الأنحاء الثلاثة، فالفرض هو طواف ~~الزيارة بقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] والواجب هو طواف ~~الصدر، ووجوبه مأخوذ من السنة بقوله عليه السلام: "من حج البيت فليكن آخر ~~عهده بالبيت الطواف" والمسنون والمندوب إليه وليس بواجب طواف القدوم للحج ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا، فأما طواف الزيارة فإنه ~~لا ينوب عنه شيء، يبقى الحاج محرما من النساء حتى يطوفه، وأما طواف الصدر ~~فإن تركه يوجب دما إذا رجع الحاج إلى أهله ولم يطفه، وأما طواف القدوم فإن ~~تركه لا يوجب شيئا; والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P094 # باب ذكر صفة الطواف # قال أبو بكر رحمه الله تعالى: كل طواف بعده سعي ففيه رمل في الثلاثة ~~الأشواط الأول، وكل طواف ليس بعده سعي بين الصفا والمروة فلا رمل فيه، ~~فالأول مثل طواف القدوم إذا أراد السعي بعده، وطواف الزيارة إذا لم يسع بين ~~الصفا والمروة حين قدم، فإن كان قد سعى حين قدم عقيب طواف القدوم فلا رمل ~~فيه وطواف العمرة فيه رمل; لأن بعده سعيا بين الصفا والمروة وقد رمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا. رواه جابر بن عبد الله وابن عباس في ~~رواية عطاء عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك روى ابن عمر: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رمل في الثلاثة الأشواط من الحجر إلى الحجر". وروي نحو ~~ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عمر من قولهم مثل ذلك، وروى أبو الطفيل عن ابن ~~عباس: "أن النبي رمل من الركن اليماني ثم مشى إلى الركن الأسود". وكذلك ~~رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ms0118 وسلم. والنظر يدل على ما رواه ~~الأولون من قبل اتفاق الأولين جميعا على تساوي الأربع الأواخر في المشي ~~فيهن، كذلك يجب أن يستوي الثلاث الأول في الرمل فيهن في جميع الجوانب; # PageV01P094 # إذ ليس في الأصول اختلاف حكم جوانبه في المشي ولا الرمل في سائر أحكام ~~الطواف. # وقد اختلف السلف في بقاء سنة الرمل، فقال قائلون: إنما كان ذلك سنة حين ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرائيا 1 به للمشركين إظهارا للتجلد والقوة ~~في عمرة القضاء; لأنهم قالوا: قد أوهنتهم حمى يثرب; فأمرهم بإظهار الجلد ~~لئلا يطمع فيهم. وقال زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ~~فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر ~~وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال أبو الطفيل: قلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رمل بالبيت وأنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قد رمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وليس بسنة. # قال أبو بكر: ومذهب أصحابنا أنه سنة ثابتة لا ينبغي تركها، وإن كان النبي ~~عليه السلام أمر به بديا لإظهار الجلد والقوة مراءاة للمشركين; لأنه قد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع ولم يكن هناك مشركون; وقد ~~فعله أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر وغيرهم; فثبت بقاء حكمه وليس تعلقه ~~بديا بالسبب المذكور مما يوجب زوال حكمه حيث زال السبب. ألا ترى أنه قد روي ~~أن سبب رمي الجمار أن إبليس لعنه الله عرض لإبراهيم عليه السلام بموضع ~~الجمار فرماه، ثم صار الرمي سنة باقية مع عدم ذلك السبب؟ وروي أن سبب السعي ~~بين الصفا والمروة أن أم إسماعيل عليه السلام صعدت الصفا تطلب الماء ثم ~~نزلت فأسرعت المشي في بطن الوادي لغيبة الصبي عن عينها، ثم لما صعدت من ~~الوادي رأت الصبي فمشت على هينتها وصعدت المروة تطلب الماء، فعلت ذلك سبع ~~مرات، ms0119 فصار السعي بينهما سنة، وإسراع المشي في الوادي سنة مع زوال السبب ~~الذي فعل من أجله، فكذلك الرمل في الطواف. # وقال أصحابنا: يستلم الركن الأسود واليماني دون غيرهما. وقد روي ذلك عن ~~ابن عمر عن النبي عليه السلام وروي أيضا عن ابن عباس عنه، وقال ابن عمر حين ~~أخبر بقول عائشة إن الحجر بعضه من البيت: إني لأظن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من ~~وراء الحجر إلا لذلك. وقال يعلى بن أمية: طفت مع عمر بن الخطاب، فلما كنت ~~عند الركن الذي يلي الحجر أخذت أستلمه فقال: ما طفت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قلت: بلى قال فرأيته يستلمه؟ قلت: لا قال: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . PageV01P095 # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا} الآية; يحتمل ~~وجهين: أحدهما: معنى "مأمون فيه" كقوله تعالى: {في عيشة راضية} [الحاقة: ~~21] يعني مرضية. والثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله تعالى: {واسأل ~~القرية} [يوسف: 82] معناه: أهلها; وهو مجاز; لأن الأمن والخوف لا يلحقان ~~البلد وإنما يلحقان من فيه. # وقد اختلف في الأمن المسئول في هذه الآية، فقال قائلون: سأل الأمن من ~~القحط والجدب; لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع، ولم يسأله الأمن من ~~الخسف والقذف; لأنه كان آمنا من ذلك قبل، وقد قيل: إنه سأل الأمرين جميعا. # قال أبو بكر: هو كقوله تعالى: {مثابة للناس وأمنا} . وقوله: {ومن دخله ~~كان آمنا} [آل عمران: 67] . وقوله: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا} والمراد والله أعلم بذلك الأمن من القتل، وذلك أنه قد سأله مع رزقهم ~~من الثمرات: {رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات} وقال عقيب ~~مسألة الأمن في قوله تعالى: {رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام} [إبراهيم: 35] ، ثم قال في سياق القصة: {ربنا إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك ms0120 المحرم} إلى قوله: {وارزقهم من الثمرات} ~~[إبراهيم: 37] فذكر مع مسألته الأمن وأن يرزقهم من الثمرات، فالأولى حمل ~~معنى مسألة الأمن على فائدة جديدة غير ما ذكره في سياق القصة ونص عليه من ~~الرزق. # فإن قال قائل: إن حكم الله تعالى بأمنها من القتل قد كان متقدما لعهد ~~إبراهيم عليه السلام لقول النبي عليه السلام: "إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار" يعني القتال فيها; فسأله إدامة هذا الحكم فيها وتبقيته على ألسنة ~~رسله وأنبيائه بعده. # ومن الناس من يقول إنها لم تكن حرما ولا أمنا قبل مسألة إبراهيم عليه ~~السلام، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن إبراهيم عليه ~~السلام حرم مكة وإني حرمت المدينة". والأخبار المروية عن النبي عليه السلام ~~في أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وأنها لم تحل لأحد قبلي ~~ولا تحل لأحد بعدي، أقوى وأصح من هذا الخبر، ومع ذلك فلا دلالة فيه أنه لم ~~تكن حراما قبل ذلك; لأن إبراهيم عليه السلام حرمها بتحريم الله تعالى إياها ~~قبل ذلك فاتبع أمر الله تعالى فيها. ولا دلالة فيه على نفي تحريمها قبل عهد ~~إبراهيم من غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة، والوجه الأول يمنع # PageV01P096 # من اصطلام أهلها ومن الخسف بهم والقذف الذي لحق غيرها وبما جعل في النفوس ~~من تعظيمها والهيبة لها، والوجه الثاني بالحكم بأمنها على ألسنة رسله، ~~فأجابه الله تعالى إلى ذلك. # قوله تعالى: {ومن كفر} قد تضمن استجابته لدعوته وإخباره أنه يفعل ذلك ~~أيضا بمن كفر منهم في الدنيا، وقد كانت دعوة إبراهيم خاصة لمن آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر، فدلت الواو التي في قوله: {ومن كفر} على إجابة دعوة ~~إبراهيم وعلى استقبال الأخبار بمتعة من كفر قليلا، ولولا الواو لكان كلاما ~~منقطعا من الأول غير دال على استجابة دعوته فيما سأله، وقيل في معنى ~~{فأمتعه} أنه إنما يمتعه ms0121 بالرزق الذي يرزقه إلى وقت مماته. وقيل: "أمتعه ~~بالبقاء في الدنيا" وقال الحسن: أمتعه بالرزق والأمن إلى خروج محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيقتله إن قام على كفره أو يجليه عنها. فتضمنت الآية حظر ~~قتل من لجأ إليه من وجهين: أحدهما: قوله: {رب اجعل هذا بلدا آمنا} مع وقوع ~~الاستجابة له، والثاني: قوله: {ومن كفر فأمتعه قليلا} لأنه قد نفى قتله ~~بذكر المتعة إلى وقت الوفاة. # {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} الآية. قواعد البيت: ~~أساسه، وقد اختلف في بناء إبراهيم عليه السلام هل بناه على قواعد قديمة أو ~~أنشأها هو ابتداء؟ فروى معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ~~{القواعد من البيت} قال: القواعد التي كانت قبل ذلك قواعد البيت. وروي نحوه ~~عن عطاء وروى منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: خلق الله البيت قبل ~~الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته. وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن الملائكة كانت تحج البيت قبل آدم، ثم حجه آدم عليه ~~السلام". وروي عن مجاهد وعمرو بن دينار: أن إبراهيم عليه السلام أنشأه بأمر ~~الله إياه، وقال الحسن: "أول من حج البيت إبراهيم". # واختلف في الباني منهما للبيت، فقال ابن عباس: كان إبراهيم يبني وإسماعيل ~~يناوله الحجارة وهذا يدل على جواز إضافة فعل البناء إليهما وإن كان أحدهما ~~معنيا فيه، ومن أجل ذلك قلنا في قوله عليه السلام لعائشة: "لو قد مت قبلي ~~لغسلتك ودفنتك" يعني أعنت في غسلك. وقال السدي وعبيد بن عمير: هما بنياه ~~جميعا. وقيل في رواية شاذة: إن إبراهيم عليه السلام وحده رفعها وكان ~~إسماعيل صغيرا في وقت رفعها; وهو غلط; لأن الله تعالى قد أضاف الفعل ~~إليهما، وذلك يطلق عليهما إذا رفعاه جميعا، أو رفع أحدهما وناوله الآخر ~~الحجارة، والوجهان الأولان جائزان، والوجه الثالث لا يجوز، ولما قال تعالى: ~~{طهرا بيتي للطائفين} وقال في آية أخرى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: ~~29] اقتضى ms0122 ذلك الطواف بجميع البيت. # PageV01P097 # وروى هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # "إن أهل الجاهلية اقتصروا في بناء الكعبة، فادخلي الحجر وصلي عنده". ~~ولذلك طاف النبي عليه السلام وأصحابه حول الحجر ليحصل اليقين بالطواف بجميع ~~البيت; ولذلك أدخله ابن الزبير في البيت لما بناه حين احترق، ثم لما جاء ~~الحجاج أخرجه منه. # قوله تعالى: {ربنا تقبل منا} معناه: يقولان ربنا تقبل فحذف لدلالة الكلام ~~عليه، كقوله تعالى: {والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} يعني: يقولون ~~أخرجوا أنفسكم. والتقبل: هو إيجاب الثواب على العمل، وقد تضمن ذلك كون بناء ~~المساجد قربة; لأنهما بنياه لله تعالى فأخبرا باستحقاق الثواب به; وهو ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له به ~~بيتا في الجنة". # قوله تعالى: {وأرنا مناسكنا} يقال: إن أصل النسك في اللغة الغسل، يقال ~~منه: نسك ثوبه إذا غسله، وقد أنشد فيه بيت شعر: # ولا ينبت المرعى سباخ عراعر ... ولو نسكت بالماء ستة أشهر # وفي الشرع: اسم للعبادة، يقال: رجل ناسك، أي: عابد. وقال البراء بن عازب: ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى فقال: "إن أول نسكنا في هذا اليوم ~~الصلاة ثم الذبح". فسمى الصلاة نسكا، والذبيحة على وجه القربة تسمى نسكا، ~~قال الله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] يعني ذبح ~~شاة، ومناسك الحج: ما يقتضيه من الذبح وسائر أفعاله، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين دخل مكة: "خذوا عني مناسككم" والأظهر من معنى قوله: {وأرنا ~~مناسكنا} سائر أعمال الحج; لأن الله تعالى أمرهما ببناء البيت للحج، وقد ~~روى ابن أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر عن النبي عليه ~~السلام قال: "أتى جبريل إبراهيم عليهما السلام فراح به إلى مكة ثم منى" ~~وذكر أفعال الحج على نحو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، قال: ~~ثم أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه ms0123 وسلم {أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} ~~[النحل: 123] . وكذلك أرسل النبي عليه السلام إلى قوم بعرفات وقوف خلفه وهو ~~واقف بها فقال: "كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه ~~السلام". # قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} يدل على لزوم ~~اتباع إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه. وأفاد بذلك أن من رغب عن ملة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فهو راغب عن ملة إبراهيم; إذ كانت ملة النبي عليه ~~السلام منتظمة لملة إبراهيم وزائدة عليها. # PageV01P098 # باب ميراث الجد # قال الله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من # PageV01P098 # بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا} ~~فسمى الجد والعم كل واحد منهما أبا، وقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام: ~~{واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [يوسف: 38] ، وقد احتج ابن عباس ~~بذلك في توريث الجد دون الإخوة. وروى الحجاج عن عطاء عن ابن عباس قال: "من ~~شاء لاعنته عند الحجر الأسود أن الجد أب والله ما ذكر الله جدا ولا جدة إلا ~~أنهم الآباء {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} ". # واحتجاج ابن عباس في توريث الجد دون الإخوة وإنزاله منزلة الأب في ~~الميراث عند فقده يقتضي جواز الاحتجاج بظاهر قوله تعالى: {وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} [النساء: 11] في استحقاقه الثلثين دون الإخوة كما يستحق الأب ~~دونهم إذا كان باقيا; ودل ذلك على أن إطلاق اسم الأب يتناول الجد، فاقتضى ~~ذلك أن لا يختلف حكمه وحكم الأب في الميراث; إذ لم يكن أب; وهو مذهب أبي ~~بكر الصديق في آخرين من الصحابة، قال عثمان: قضى أبو بكر أن الجد أب، وأطلق ~~اسم الأبوة عليه. وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي ~~بقول زيد بن ثابت في الجد أنه بمنزلة الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث ~~فيعطى الثلث ولم ينقص منه شيئا. وقال ابن أبي ليلى بقول علي بن أبي طالب ~~عليه السلام ms0124 في الجد أنه بمنزلة أحد الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس، ~~فيعطى السدس ولم ينقص منه شيئا. # وقد ذكرنا اختلاف الصحابة فيه في شرح مختصر الطحاوي. والحجاج للفرق ~~المختلفين فيه إلا أن الحجاج بالآية فيه من وجهين: أحدهما: ظاهر تسمية الله ~~تعالى إياه أبا، والثاني: احتجاج ابن عباس بذلك وإطلاقه أن الجد أب، وكذلك ~~أبو بكر الصديق; لأنهما من أهل اللسان لا يخفى عليهما حكم الأسماء من طريق ~~اللغة; وإن كانا أطلقاه من جهة الشرع فحجته ثابتة; إذ كانت أسماء الشرع ~~طريقها التوقيف، ومن يدفع الاحتجاج بهذا الظاهر يقول: إن الله تعالى قد سمى ~~العم أبا في الآية لذكره إسماعيل فيها وهو عمه ولا يقوم مقام الأب، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ردوا علي أبي" يعني العباس وهو عمه. # قال أبو بكر: ويعترض عليه من جهة أن الجد إنما سمي أبا على وجه المجاز ~~لجواز انتفاء اسم الأب عنه; لأنك لو قلت للجد إنه ليس بأب لكان ذلك نفيا ~~صحيحا، وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال. ومن جهة أخرى أن الجد ~~إنما سمي أبا بتقييد، والإطلاق لا يتناوله، فلا يصح الاحتجاج فيه بعموم لفظ ~~الأبوين في الآية، ومن جهة أخرى أن الأب الأدنى في قوله تعالى: {وورثه ~~أبواه} [النساء: 11] مراد بالآية فلا # PageV01P099 # جائز أن يراد به الجد; لأنه مجاز ولا يتناول الإطلاق للحقيقة والمجاز في ~~لفظ واحد. # قال أبو بكر: فأما دفع الاحتجاج بعموم لفظ الأب في إثبات الجد أبا من حيث ~~سمي العم أبا في الآية مع اتفاق الجميع على أنه لا يقوم مقام الأب بحال، ~~فإنه مما لا يعتمد; لأن إطلاق اسم الأب إن كان يتناول الجد والعم في اللغة ~~والشرع فجائز اعتبار عمومه في سائر ما أطلق فيه، فإن خص العم بحكم دون الجد ~~لا يمنع ذلك بقاء حكم العموم في الجد ويختلفان أيضا في المعنى من قبل أن ~~الأب إنما سمي بهذا الاسم; لأن الابن منسوب إليه بالولادة، وهذا المعنى ~~موجود في ms0125 الجد، وإن كانا يختلفان من جهة أخرى أن بينه وبين الجد واسطة وهو ~~الأب، ولا واسطة بينه وبين الأب; والعم ليست له هذه المنزلة; إذ لا نسبة ~~بينه وبينه من طريق الولاد. ألا ترى أن الجد وإن بعد في المعنى بمعنى من ~~قرب في إطلاق الاسم وفي الحكم جميعا; إذ لم يكن من هو أقرب منه، فكان للجد ~~هذا الضرب من الاختصاص، فجائز أن يتناول إطلاق اسم الأب، ولما لم يكن للعم ~~هذه المزية لم يسم به مطلقا، ولا يعقل منه أيضا إلا بتقييد، والجد مساو ~~للأب في معنى الولاد فجائز أن يتناوله اسم الأب وأن يكون حكمه عند فقده ~~حكمه، وأما من دفع ذلك من جهة أن تسمية الجد باسم الأب مجاز، وأن الأب ~~الأدنى مراد بالآية، فغير جائز إرادة الجد به لانتفاء أن يكون اسم واحد ~~مجازا حقيقة; فغير واجب من قبل أنه جائز أن يقال إن المعنى الذي من أجله ~~سمي الأب بهذا الاسم وهو النسبة إليه من طريق الولاد موجود في الجد. ولم ~~يختلف المعنى الذي من أجله قد سمي كل واحد منهما، فجاز إطلاق الاسم عليهما ~~وإن كان أحدهما أخص به من الآخر كالإخوة يتناول جميعهم هذا الاسم لأب كانوا ~~أو لأب وأم، ويكون الذي للأب والأم أولى بالميراث وسائر أحكام الأخوة من ~~الذين للأب والاسم فيهما جميعا حقيقة وليس يمتنع أن يكون الاسم حقيقة في ~~معنيين وإن كان الإطلاق إنما يتناول أحدهما دون الآخر، ألا ترى أن اسم ~~النجم يقع على كل واحد من نجوم السماء حقيقة، والإطلاق عند العرب يتناول ~~النجم الذي هو الثريا؟ يقول القائل منهم: فعلت كذا وكذا والنجم على قمة ~~الرأس; يعني الثريا ولا تعقل العرب بقولها طلع النجم عند الإطلاق غير ~~الثريا; وقد سموا هذا الاسم لسائر نجوم السماء على الحقيقة، فكذلك اسم الأب ~~لا يمتنع عند المحتج بما وصفنا أن يتناول الأب والجد على الحقيقة وإن اختص ~~الأب به في بعض الأحوال، ولا يكون في استعمال اسم الأب ms0126 في الأب الأدنى ~~والجد إيجاب كون لفظة واحدة حقيقة مجازا. # فإن قيل: لو كان اسم الأب مختصا بالنسبة من طريق الولاد للحق الأم هذا ~~الاسم لوجود الولاد فيها، فكان الواجب أن تسمى الأم أبا، وكانت الأم أولى ~~بذلك من الأب # PageV01P100 # والجد لوجود الولادة حقيقة منها قيل له: لا يجب ذلك; لأنهم قد خصوا الأم ~~باسم دونه ليفرقوا بينها وبينه وإن كان الولد منسوبا إلى كل واحد منهما ~~بالولاد، وقد سمى الله تعالى الأم أبا حين جمعها مع الأب فقال تعالى: ~~{ولأبويه لكل واحد منهما السدس} [النساء: 11] . # ومما يحتج لأبي بكر الصديق وللقائلين بقوله أن الجد يجتمع له الاستحقاق ~~بالنسبة والتعصيب معا. ألا ترى أنه لو تركا بنتا وجدا كان للبنت النصف ~~وللجد السدس وما بقي بالنسبة والتعصيب، كما لو ترك بنتا وأبا يستحق بالنسبة ~~والتعصيب معا في حال واحدة؟ فوجب أن يكون بمنزلته في استحقاق الميراث دون ~~الإخوة والأخوات ووجه آخر: وهو أن الجد يستحق بالتعصيب من طريق الولاد، ~~فوجب أن يكون بمنزلة الأب في نفي مشاركة الإخوة، إذ كانت الإخوة إنما ~~تستحقه بالتعصيب منفردا عن الولادة، ووجه آخر في نفي الشركة بينه وبين ~~الإخوة على وجه المقاسمة، وهو أن الجد يستحق السدس مع الابن كما يستحقه ~~الأب معه، فلما لم يستحق الإخوة مع الأب بهذه العلة وجب أن لا يجب لهم ذلك ~~مع الجد. # فإن قيل: الأم تستحق السدس مع الابن ولم ينتف بذلك توريث الإخوة معها قيل ~~له: إنما نصف بهذه العلة لنفي الشركة بينه وبين الإخوة على وجه المقاسمة، ~~وإذا انتفت الشركة بينهم وبينه في المقاسمة إذا انفردوا معه سقط الميراث; ~~لأن كل من ورثهم معه يوجب القسمة بينه وبينهم إذا لم يكن غيرهم على اعتبار ~~منهم في الثلث أو السدس، وأما الأم فلا تقع بينها وبين الإخوة مقاسمة بحال، ~~ونفي القسمة لا ينفي ميراثهم، ونفي مقاسمة الإخوة للجد إذا انفردوا يوجب ~~إسقاط ميراثهم معه; إذ كان من يورثهم معه إنما يورثهم بالمقاسمة وإيجاب ~~الشركة بينهم وبينه. ms0127 فلما سقط المقاسمة بما وصفنا سقط ميراثهم معه; إذ ليس ~~فيه إلا قولان: قول من يسقط معه ميراثهم رأسا، وقول من يوجب المقاسمة، فلما ~~بطلت المقاسمة بما وصفنا ثبت سقوط ميراثهم معه. # فإن قال قائل: الجد يدلي بابنه وهو أبو الميت، والأخ يدلي بأبيه، فوجبت ~~الشركة بينهما كمن ترك أباه وابنه قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أنه ~~لو صح هذا الاعتبار لما وجبت المقاسمة بين الجد والأخ، بل كان الواجب أن ~~يكون للجد السدس وللأخ ما بقي، كمن ترك أبا وابنا، للأب السدس والباقي ~~للابن. والوجه الآخر: أنه يوجب أن يكون الميت إذا ترك جد أب وعما أن يقاسمه ~~العم; لأن جد الأب يدلي بالجد الأدنى، والعم أيضا يدلي به; لأنه ابنه، فلما ~~اتفق الجميع على سقوط ميراث العم مع جد الأب مع وجود العلة التي وصفت دل ~~على انتقاضها وفسادها ويلزمه أيضا على هذا # PageV01P101 # الاعتلال أن ابن الأخ يشارك الجد في الميراث; لأنه يقول: أنا ابن ابن ~~الأب، والجد أب الأب، ولو ترك أبا وابن ابن كان للأب السدس وما بقي لابن ~~الابن. # قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون} يدل على ثلاثة معان: أحدها: أن الأبناء لا يثابون على طاعة ~~الآباء ولا يعذبون على ذنوبهم. وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد ~~المشركين بذنوب الآباء، ويبطل مذهب من يزعم من اليهود أن الله تعالى يغفر ~~لهم ذنوبهم بصلاح آبائهم. وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك من ~~الآيات، نحو قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] {ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] وقال: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم} [النور: 54] . وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~قال لأبي رمثة ورآه مع ابنه "أهو ابنك؟ " فقال: نعم قال: "أما إنه لا يجني ~~عليك ولا تجني عليه". وقال عليه السلام: "يا بني هاشم لا يأتيني الناس ~~بأعمالهم وتأتون ms0128 بأنسابكم فأقول لا أغني عنكم من الله شيئا" وقال: "من بطأ ~~به عمله لم يسرع به نسبه". # قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} إخبار بكفاية الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم أمر أعدائه، فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم، فوجد ~~مخبره على ما أخبر به، وهو نحو قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} ~~[المائدة: 67] فعصمه منهم وحرسه من غوائلهم وكيدهم وهو دلالة على صحة ~~نبوته; إذ غير جائز اتفاق وجود مخبره على ما أخبر به في جميع أحواله إلا ~~وهو من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة; إذ غير جائز وجود مخبر أخبار ~~المتخرصين والكاذبين على حسب ما يخبرون، بل أكثر أخبارهم كذب وزور يظهر ~~بطلانه لسامعيه، وإنما يتفق لهم ذلك في الشاذ النادر إن اتفق. # قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها} قال أبو بكر: لم يختلف المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي بمكة إلى بيت المقدس وبعد الهجرة مدة من الزمان، فقال ابن عباس ~~والبراء بن عازب: كان التحويل إلى الكعبة بعد مقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لسبعة عشر شهرا. وقال قتادة: "لستة عشر" وروي عن أنس بن مالك أنه تسعة ~~أشهر أو عشرة أشهر، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة وقد نص الله في ~~هذه الآيات على أن الصلاة كانت إلى غير الكعبة ثم حولها إليها بقوله تعالى: ~~{سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} الآية، ~~وقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه} وقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها} . فهذه الآيات كلها # PageV01P102 # دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يصلي إلى غير الكعبة وبعد ~~ذلك حوله إليها وهذا يبطل قول من يقول: ليس في شريعة النبي ناسخ ولا منسوخ. # ثم اختلف في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان ms0129 فرضا ~~لا يجوز غيره أو كان مخيرا في توجهه إليها وإلى غيرها. فقال الربيع بن أنس ~~كان مخيرا في ذلك وقال ابن عباس: كان الفرض التوجه إليه بلا تخيير. وأي ~~الوجهين كان فقد كان التوجه فرضا لمن يفعله; لأن التخيير لا يخرجه من أن ~~يكون فرضا ككفارة اليمين أيها كفر به فهو الفرض، وكفعل الصلاة في أول الوقت ~~وأوسطه وآخره. # وحدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية ~~بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن شأن ~~القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره ~~الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود بذلك، فاستقبله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ~~قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ويدعو الله تعالى وينظر إلى السماء، فأنزل ~~الله {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] الآية وذكر القصة فأخبر ~~ابن عباس أن الفرض كان التوجه إلى بيت المقدس وأنه نسخ بهذه الآية وهذا لا ~~دلالة فيه على قول من يقول: إن الفرض كان التوجه إليه بلا تخيير; لأنه جائز ~~أن يكون كان الفرض على وجه التخيير وورد النسخ على التخيير وقصروا على ~~التوجه إلى الكعبة بلا تخيير، وقد روي أن النفر الذين قصدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة كان فيهم البراء بن ~~معرور، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه وأبى الآخرون وقالوا: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا له، فقال: "قد كنت على قبلة يعني بيت ~~المقدس لو ثبت عليها أجزأك" ولم يأمره باستئناف الصلاة. فدل على أنهم كانوا ~~مخيرين وإن كان اختار التوجه إلى بيت المقدس. # فإن قيل: قال ابن عباس: إن ذلك أول ما نسخ من ms0130 القرآن الأمر بالتوجه إلى ~~بيت المقدس. قيل له جائز أن يكون المراد من القرآن المنسوخ التلاوة. وجائز ~~أن يكون قوله: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها} وكان نزول ذلك قبل النسخ وفيه إخبار بأنهم على قبلة غيرها، وجائز أن ~~يريد أول ما نسخ من القرآن فيكون مراده الناسخ من القرآن دون المنسوخ. وروى ~~ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قال ~~الله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: ~~115] ثم أنزل الله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها} إلى قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} # PageV01P103 # وهذا الخبر يدل على معنيين: أحدهما: أنهم كانوا مخيرين في التوجه إلى حيث ~~شاءوا. والثاني: أن المنسوخ من القرآن هذا التخيير المذكور في هذه الآية ~~بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} وقوله تعالى: {سيقول السفهاء من ~~الناس} قيل فيه: إنه أراد بذكر السفهاء هاهنا اليهود فإنهم الذين عابوا ~~تحويل القبلة، وروي ذلك عن ابن عباس والبراء بن عازب. وأرادوا به إنكار ~~النسخ; لأن قوما منهم لا يرون النسخ. وقيل إنهم قالوا: يا محمد ما ولاك عن ~~قبلتك التي كنت عليها؟ ارجع إليها نتبعك ونؤمن بك وإنما أرادوا فتنته. فكان ~~إنكار اليهود لتحويله عن القبلة الأولى إلى الثانية على أحد هذين الوجهين ~~وقال الحسن: لما حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة من بيت ~~المقدس قال مشركو العرب: يا محمد رغبت عن ملة آبائك ثم رجعت إليها آنفا، ~~والله لترجعن إلى دينهم. وقد بين الله تعالى المعنى الذي من أجله نقلهم ~~الله تعالى عن القبلة الأولى إلى الثانية بقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة ~~التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} . # وقيل: إنهم كانوا أمروا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من ~~المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة، فلما هاجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ms0131 المدينة كانت اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت ~~المقدس، فنقلوا إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما تميزوا من المشركين بمكة ~~باختلاف القبلتين، فاحتج تعالى على اليهود في إنكارها النسخ بقوله تعالى: ~~{قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وجه الاحتجاج به أنه ~~إذا كان المشرق والمغرب لله فالتوجه إليهما سواء لا فرق بينهما في العقول، ~~والله تعالى يخص بذلك أي الجهات شاء على وجه المصلحة في الدين والهداية إلى ~~الطريق المستقيم. ومن جهة أخرى أن اليهود زعمت أن الأرض المقدسة أولى ~~بالتوجه إليها; لأنها من مواطن الأنبياء عليهم السلام وقد شرفها تعالى ~~وعظمها، فلا وجه للتولي عنها. فأبطل الله قولهم ذلك بأن المواطن من المشرق ~~والمغرب لله تعالى يخص منها ما يشاء في كل زمان على حسب ما يعلم من المصلحة ~~فيه للعباد; إذ كانت المواطن بأنفسها لا تستحق التفضيل وإنما توصف بذلك على ~~حسب ما يوجب الله تعالى تعظيمها لتفضيل الأعمال فيها. # قال أبو بكر: هذه الآية يحتج بها من يجوز نسخ السنة بالقرآن; لأن النبي ~~عليه السلام كان يصلي إلى بيت المقدس، وليس في القرآن ذكر ذلك، ثم نسخ بهذه ~~الآية. ومن يأبى ذلك يقول ذكر ابن عباس أنه نسخ قوله تعالى: {فأينما تولوا ~~فثم وجه الله} [البقرة: 115] فكان التوجه إلى حيث كان من الجهات في مضمون ~~الآية، ثم نسخ بالتوجه إلى الكعبة. # PageV01P104 # قال أبو بكر: وقوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ليس بمنسوخ عندنا، بل ~~هو مستعمل الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير جهة الكعبة وفي الخائف وفي ~~الصلاة على الراحلة. وقد روى ابن عمر وعامر بن ربيعة: أنها نزلت في المجتهد ~~إذا تبين أنه صلى إلى غير جهة الكعبة، وعن ابن عمر أيضا: أنه فيمن صلى على ~~راحلته. ومتى أمكننا استعمال الآية من غير إيجاب نسخ لها لم يجز لنا الحكم ~~بنسخها. وقد تكلمنا في هذه المسألة في الأصول بما يغني ويكفي. # وفي هذه الآية حكم آخر، وهو ما روى حماد بن ms0132 سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو البيت المقدس فنزلت: {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام} فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أمرتم ~~أن توجهوا وجوهكم شطر المسجد الحرام" فحولت بنو سلمة وجوهها نحو البيت وهم ~~ركوع وقد روى عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ~~بينما الناس في صلاة الصبح بقباء; إذ جاءهم رجل فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها ~~فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة، وكان وجه الناس إلى الشام. وروى إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن البراء قال: "لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ~~بعد نزول قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} مر رجل صلى مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم على نفر من الأنصار وهم يصلون نحو بيت المقدس فقال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى إلى الكعبة فانحرفوا قبل أن يركعوا ~~وهم في صلاتهم". # قال أبو بكر: وهذا خبر صحيح مستفيض في أيدي أهل العلم قد تلقوه بالقبول ~~فصار في حيز التواتر الموجب للعلم، وهو أصل في المجتهد إذا تبين له جهة ~~القبلة في الصلاة أنه يتوجه إليها ولا يستقبلها 1، وكذلك الأمة إذا أعتقت ~~في الصلاة أنها تأخذ قناعها وتبني وهو أصل في قبول خبر الواحد في أمر ~~الدين; لأن الأنصار قبلت خبر الواحد المخبر لهم بذلك فاستداروا إلى الكعبة ~~بالنداء في تحويل القبلة. ومن جهة أخرى أمر النبي عليه السلام المنادي ~~بالنداء في تحويل القبلة، ولولا أنهم لزمهم قبول خبر الواحد لم يكن لأمر ~~النبي عليه السلام بالنداء وجه ولا فائدة. # فإن قال قائل: من أصلكم أن ما يثبت من طريق يوجب العلم لا يجوز قبول خبر ~~الواحد في رفعه، وقد كان القوم متوجهين إلى بيت المقدس بتوقيف من النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم عليه ثم تركوه إلى غيره ms0133 بخبر الواحد قيل له:; لأنهم ~~لم يكونوا على يقين من بقاء الحكم PageV01P105 # الأول بعد غيبتهم عن حضرته، لتجويزهم ورود النسخ، فكانوا في بقاء الحكم ~~الأول على غالب الظن دون اليقين، فلذلك قبلوا خبر الواحد في رفعه. # فإن قال قائل: هلا أجزتم للمتيمم البناء على صلاته إذا وجد الماء كما بنى ~~هؤلاء عليها بعد تحويل القبلة قيل له: هو مفارق لما ذكرت، من قبل أن تجويز ~~البناء للمتيمم لا يوجب عليه الوضوء ويجيز له البناء بالتيمم مع وجود ~~الماء، والقوم حين بلغهم تحويل القبلة استداروا إليها ولم يبقوا على الجهة ~~التي كانوا متوجهين إليها، فنظير القبلة أن يؤمر المتيمم بالوضوء والبناء، ~~ولا خلاف أن المتيمم إذا لزمه الوضوء لم يجز البناء عليه. ومن جهة أخرى إن ~~أصل الفرض للمتيمم إنما هو الطهارة بالماء والتراب بدل منه، فإذا وجد الماء ~~عاد إلى أصل فرضه، كالماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه فلا يبني، فكذلك ~~المتيمم. ولم يكن أصل فرض المصلين إلى بيت المقدس حين دخلوا فيها الصلاة ~~إلى الكعبة، وإنما ذلك فرض لزمهم في الحال. وكذلك الأمة إذا أعتقت في ~~الصلاة لم يكن عليها قبل ذلك فرض الستر، وإنما هو فرض لزمها في الحال، ~~فأشبهت الأنصار حين علمت بتحويل القبلة. وكذلك المجتهد فرضه التوجه إلى ~~الجهة التي أداه إليها اجتهاده لا فرض عليه غير ذلك بقوله: {فأينما تولوا ~~فثم وجه الله} [البقرة: 115] ، فإنما انتقل من فرض إلى فرض ولم ينتقل من ~~بدل إلى أصل الفرض. # وفي الآية حكم آخر، وهو: أن فعل الأنصار في ذلك على ما وصفنا أصل في أن ~~الأوامر والزواجر إنما يتعلق أحكامها بالعلم. ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن ~~أسلم في دار الحرب ولم يعلم أن عليه صلاة ثم خرج إلى دار الإسلام: إنه لا ~~قضاء عليه فيما ترك; لأن ذلك يلزم من طريق السمع، وما لم يعلمه لا يتعلق ~~عليه حكمه كما لم يتعلق حكم التحويل على الأنصار قبل بلوغهم الخبر، وهو أصل ~~في أن الوكالات والمضاربات ms0134 ونحوهما من أوامر العباد لا ينسخ شيء منها إذا ~~فسخها من له الفسخ إلا بعد علم الآخر بها. وكذلك لا يتعلق حكم الأمر بها ~~على من لم يبلغه، ولذلك قالوا: لا يجوز تصرف الوكيل قبل العلم بالوكالة. ~~والله أعلم بالصواب. # PageV01P106 # باب القول في صحة الإجماع # قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} . قال أهل ~~اللغة: الوسط: العدل، وهو الذي بين المقصر والغالي. وقيل: هو الخيار ~~والمعنى واحد; لأن العدل هو الخيار، قال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم # PageV01P106 # وقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} معناه كي تكونوا، ولأن تكونوا ~~كذلك. وقيل في الشهداء: إنهم يشهدون على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق ~~فيها في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: {وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: ~~69] . وقيل فيه: إنهم يشهدون للأنبياء عليهم السلام وعلى أممهم المكذبين ~~بأنهم قد بلغوهم لإعلام النبي عليه السلام إياهم وقيل: لتكونوا حجة فيما ~~تشهدون كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد بمعنى حجة دون كل واحد منها. # قال أبو بكر: وكل هذه المعاني يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون بأجمعها مراد ~~الله تعالى، فيشهدون على الناس بأعمالهم في الدنيا والآخرة، ويشهدون ~~للأنبياء عليهم السلام على أممهم بالتكذيب لإخبار الله تعالى إياهم بذلك ~~وهم مع ذلك حجة على من جاء بعدهم في نقل الشريعة وفيما حكموا به واعتقدوا ~~من أحكام الله تعالى. # وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجهين: أحدهما: وصفه إياها ~~بالعدالة وأنها خيار، وذلك يقتضي تصديقها والحكم بصحة قولها وناف لإجماعها ~~على الضلال. والوجه الآخر قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} بمعنى الحجة ~~عليهم، كما أن الرسول لما كان حجة عليهم وصفه بأنه شهيد عليهم، ولما جعلهم ~~الله تعالى شهداء على غيرهم فقد حكم لهم بالعدالة وقبول القول; لأن شهداء ~~الله تعالى لا يكونون كفارا ولا ضلالا، فاقتضت الآية أن يكونوا شهداء في ~~الآخرة على من شاهدوا في كل عصر بأعمالهم دون من مات قبل زمنهم، كما جعل ~~النبي ms0135 صلى الله عليه وسلم شهيدا على من كان في عصره. هذا إذا أريد بالشهادة ~~عليهم بأعمالهم في الآخرة، فأما إذا أريد بالشهادة الحجة فذلك حجة على من ~~شاهدوهم من أهل العصر الثاني وعلى من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة على جميع الأمة أولها وآخرها ولأن حجة الله ~~إذا ثبتت في وقت فهي ثابتة أبدا. ويدلك على فرق ما بين الشهادة على الأعمال ~~في الآخرة والشهادة التي هي الحجة قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] لما أراد الشهادة على ~~أعمالهم خص أهل عصره ومن شاهده بها، وكما قال تعالى حاكيا عن عيسى صلوات ~~الله عليه: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم} [المائدة: 117] . فتبين أن الشهادة بالأعمال إنما هي مخصوصة بحال ~~الشهادة، وأما الشهادة التي هي الحجة فلا تختص بها أول الأمة وآخرها في كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم. كذلك أهل كل عصر لما كانوا شهداء الله ~~من طريق الحجة وجب أن يكونوا حجة على أهل عصرهم الداخلين معهم في إجماعهم ~~وعلى من بعدهم من سائر أهل الأعصار. فهو يدل على أن أهل عصر إذا أجمعوا على ~~شيء ثم # PageV01P107 # خرج بعضهم عن إجماعهم أنه محجوج بالإجماع المتقدم; لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد شهد لهذه الجماعة بصحة قولها وجعلها حجة ودليلا، فالخارج عنها ~~بعد ذلك تارك لحكم دليله وحجته; إذ غير جائز وجود دليل الله تعالى عاريا من ~~مدلوله. # PageV01P108 # مطلب يستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم # ويستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيترك حكمه من طريق ~~النسخ، فدل ذلك على أن الإجماع في أي حال حصل من الأمة فهو حجة لله عز وجل ~~غير سائغ لأحد تركه ولا الخروج عنه. ومن حيث دلت الآية على صحة إجماع الصدر ~~الأول، فهي دالة على صحة إجماع أهل الأعصار، إذ لم يخصص ms0136 بذلك أهل عصر دون ~~عصر. ولو جاز الاقتصار بحكم الآية على إجماع الصدر الأول دون أهل سائر ~~الإعصار لجاز الاقتصار به على إجماع أهل سائر الأعصار دون الصدر الأول. # فإن قال قائل: لما قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} فوجه الخطاب إلى ~~الموجودين في حال نزوله، دل ذلك على أنهم هم المخصوصون به دون غيرهم، فلا ~~يدخلون في حكمهم إلا بدلالة قيل له: هذا غلط; لأن قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} هو خطاب لجميع الأمة: أولها وآخرها، من كان منهم موجودا ~~في وقت نزول الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] وقوله: {كتب عليكم ~~القصاص} [البقرة: 87] ونحو ذلك من الآي خطاب لجميع الأمة، كما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى جميعها: من كان منهم موجودا في عصره ومن جاء ~~بعده. قال الله تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] وما أحسب مسلما يستجيز إطلاق ~~القول بأن النبي عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى جميع الأمة أولها وآخرها، ~~وأنه لم يكن حجة عليها وشاهدا، وأنه لم يكن رحمة لكافتها. # فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} واسم الأمة ~~يتناول الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم إلى قيام ~~الساعة، فإنما حكم لجماعتها بالعدالة وقبول الشهادة، وليس فيه حكم لأهل عصر ~~واحد بالعدالة وقبول الشهادة، فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى ~~جعلتهم حجة على من بعدهم؟ قيل له: لما جعل من حكم له بالعدالة حجة على غيره ~~فيما يخبر به أو يعتقده من أحكام الله تعالى، وكان معلوما أن ذلك صفة قد ~~حصلت له في الدنيا وأخبر تعالى بأنهم شهداء على الناس، فلو اعتبر أول الأمة ~~وآخرها في كونها حجة له عليهم، لعلمنا أن المراد أهل # PageV01P108 # كل عصر; لأن ms0137 أهل كل عصر يجوز أن يسموا أمة; إذ كانت الأمة اسما للجماعة ~~التي تؤم جهة واحدة، وأهل كل عصر على حيالهم يتناولهم هذا الاسم، وليس يمنع ~~إطلاق لفظ الأمة والمراد أهل عصر، ألا ترى أنك تقول أجمعت الأمة على تحريم ~~الله تعالى الأمهات والأخوات، ونقلت الأمة القرآن. ويكون ذلك إطلاقا صحيحا ~~قبل أن يوجد آخر القوم؟ فثبت بذلك أن مراد الله تعالى بذلك أهل كل عصر. ~~وأيضا فإنما قال الله تعالى: {جعلناكم أمة وسطا} فعبر عنهم بلفظ منكر حين ~~وصفهم بهذه الصفة وجعلهم حجة، وهذا يقتضي أهل كل عصر; إذ كان قوله: ~~{جعلناكم} خطابا للجميع، والصفة لاحقة بكل أمة من المخاطبين. ألا ترى إلى ~~قوله: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} [الأعراف: 159] وجميع قوم موسى أمة ~~له وسمى بعضهم على الانفراد أمة لما وصفهم بما وصفهم به؟ فثبت بذلك أن أهل ~~كل عصر جائز أن يسموا أمة وإن كان الاسم قد يلحق أول الأمة وآخرها. # وفي الآية دلالة على أن من ظهر كفره نحو المشبهة 1 به؟ ومن صرح بالجبر ~~وعرف ذلك منه، لا يعتد به في الإجماع. وكذلك من ظهر فسقه لا يعتد به في ~~الإجماع، من نحو الخوارج والروافض. وسواء من فسق من طريق الفعل أو من طريق ~~الاعتقاد; لأن الله تعالى إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة والخير، وهذه ~~الصفة لا تلحق الكفار ولا الفساق. ولا يختلف في ذلك حكم من فسق أو كفر ~~بالتأويل أو برد النص; إذ الجميع شملهم صفة الذم ولا يلحقهم صفة العدالة ~~بحال والله أعلم. PageV01P109 # باب استقبال القبلة # قال الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} قيل: ~~إن التقلب هو التحول، وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقلب وجهه في ~~السماء; لأنه كان وعد بالتحويل إلى الكعبة، فكان منتظرا لنزول الوحي به ~~وكان يسأل الله ذلك، فأذن الله تعالى له فيه; لأن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم لا يسألون الله إلا بعد الإذن; لأنهم لا يأمنون أن ms0138 لا يكون فيه صلاح ~~ولا يجيبهم الله فيكون فتنة على قومه. فهذا هو معنى تقلب وجهه في السماء. # وقد قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يحوله الله تعالى ~~إلى الكعبة مخالفة لليهود وتميزا منهم، ويروى ذلك عن مجاهد. وقال ابن عباس: ~~"أحب ذلك; لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام". وقيل: إنه أحب ذلك استدعاء ~~للعرب إلى الإيمان، وهو معنى قوله: {فلنولينك قبلة ترضاها} # PageV01P109 # وقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} فإن أهل اللغة قد قالوا: إن الشطر ~~اسم مشترك يقع على معنيين: أحدهما: النصف، يقال: شطرت الشيء أي جعلته ~~نصفين، ويقولون في مثل لهم: "احلب حلبا لك شطره" أي نصفه. والثاني: نحوه ~~وتلقاؤه. ولا خلاف أن مراد الآية هو المعنى الثاني، قاله ابن عباس وأبو ~~العالية ومجاهد والربيع بن أنس. ولا يجوز أن يكون المراد المعنى الأول; إذ ~~ليس من قول أحد أن عليه استقبال المسجد الحرام. # واتفق المسلمون أنه لو صلى إلى جانب منه أجزأه. وفيه دلالة على أنه لو ~~أتى ناحية من البيت فتوجه إليها في صلاته أجزأه; لأنه متوجه شطره ونحوه. ~~وإنما ذكر الله تعالى التوجه إلى ناحية المسجد الحرام ومراده البيت نفسه; ~~لأنه لا خلاف أنه من كان بمكة فتوجه في صلاته نحو المسجد أنه لا يجزيه إذا ~~لم يكن محاذيا للبيت. # وقوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} خطاب لمن كان معاينا ~~للكعبة ولمن كان غائبا عنها، والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها ولمن كان ~~غائبا عنها النحو الذي هو عنده أنه نحو الكعبة وجهتها في غالب ظنه; لأنه ~~معلوم أنه لم يكلف إصابة العين; إذ لا سبيل له إليها، وقال تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] فمن لم يجد سبيلا إلى إصابة عين الكعبة ~~لم يكلفها. فعلمنا أنه إنما هو مكلف ما هو في غالب ظنه أنه جهتها ونحوها ~~دون المغيب عند الله تعالى. # وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد في أحكام الحوادث، وأن كل ~~واحد من ms0139 المجتهدين فإنما كلف ما يؤديه إليه اجتهاده ويستولي على ظنه. ويدل ~~أيضا على أن للمشتبه من الحوادث حقيقة مطلوبة كما أن القبلة حقيقة مطلوبة ~~بالاجتهاد والتحري، ولذلك صح تكليف الاجتهاد في طلبها كما صح تكليف طلب ~~القبلة بالاجتهاد; لأن لها حقيقة، ولو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح ~~تكليفنا طلبها. # قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} الوجهة قيل فيها قبلة روي ذلك عن ~~مجاهد. وقال الحسن: طريقة وهو ما شرع الله تعالى من الإسلام. وروي عن ابن ~~عباس ومجاهد والسدي: لأهل كل ملة من اليهود والنصارى وجهة. وقال الحسن: لكل ~~نبي فالوجهة واحدة وهي الإسلام وإن اختلفت الأحكام كقوله تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال قتادة: "هو صلاتهم إلى البيت المقدس ~~وصلاتهم إلى الكعبة". وقيل فيه: لكل قوم من المسلمين من أهل سائر الآفاق ~~التي جهات الكعبة وراءها أو قدامها أو عن يمينها أو عن شمالها، كأنه أفاد ~~أنه ليس جهة من جهاتها بأولى أن تكون قبلة من غيرها. وقد روي أن عبد الله ~~بن عمر كان جالسا بإزاء # PageV01P110 # الميزاب فتلا قوله تعالى: {فلنولينك قبلة ترضاها} قال: "هذه القبلة". فمن ~~الناس من يظن أنه عنى الميزاب، وليس كذلك; لأنه إنما أشار إلى الكعبة ولم ~~يرد به تخصيص جهة الميزاب دون غيرها، وكيف يكون ذلك مع قوله تعالى: ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] وقوله تعالى: {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} مع اتفاق المسلمين على أن سائر جهات الكعبة قبلة لموليها. # وقوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} يدل على أن الذي كلف به من غاب عن ~~حضرة الكعبة إنما هو التوجه إلى جهتها في غالب ظنه لا إصابة محاذاتها غير ~~زائل عنها; إذ لا سبيل له إلى ذلك وإذ غير جائز أن يكون جميع من غاب عن ~~حضرتها محاذيا لها. # وقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} يعني والله أعلم المبادرة والمسارعة إلى ~~الطاعات. وهذا يحتج به في أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها ما لم تقم ~~الدلالة على فضيلة التأخير، ms0140 نحو تعجيل الصلوات في أول أوقاتها وتعجيل ~~الزكاة والحج وسائر الفروض بعد حضور وقتها ووجود سببها ويحتج به بأن الأمر ~~على الفور، وأن جواز التأخير يحتاج إلى دلالة، وذلك أن الأمر إذا كان غير ~~موقت فلا محالة عند الجميع أن فعله على الفور من الخيرات فوجب بمضمون قوله ~~تعالى: {فاستبقوا الخيرات} إيجاب تعجيله; لأنه أمر يقتضي الوجوب. # قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} من الناس ~~من يحتج به في الاستثناء من غير جنسه. وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال ~~بعضهم: هو استثناء منقطع ومعناه: لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ~~ويضعون موضع الحجة، وهو كقوله تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} ~~[النساء: 157] معناه: لكن اتباع الظن، قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # معناه: لكن بسيوفهم فلول، وليس بعيب. # وقيل فيه: "إنه أراد بالحجة المحاجة والمجادلة، فقال: لئلا يكون للناس ~~عليكم حجاج إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجونكم بالباطل". وقال أبو عبيدة: إلا ~~هاهنا بمعنى الواو، وكأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة وإلا الذين ~~ظلموا. وأنكر ذلك الفراء وأكثر أهل اللغة، قال الفراء: لا تجيء إلا بمعنى ~~الواو إلا إذا تقدم استثناء كقول الشاعر: # ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروان # PageV01P111 # كأنه قال: ما بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان. # وقال قطرب: معناه لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا. وأنكر ~~هذا بعض النحاة. # PageV01P112 # باب وجوب ذكر الله تعالى # قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} قد تضمن الأمر بذكر الله تعالى، وذكرنا ~~إياه على وجوه. وقد روي فيه أقاويل عن السلف، قيل فيه: "اذكروني بطاعتي ~~أذكركم برحمتي"، وقيل فيه: "اذكروني بالثناء بالنعمة أذكركم بالثناء ~~بالطاعة"، وقيل: "اذكروني بالشكر أذكركم بالثواب" وقيل فيه: اذكروني ~~بالدعاء أذكركم بالإجابة. واللفظ محتمل لهذه المعاني، وجميعها مراد الله ~~تعالى لشمول اللفظ واحتماله إياه. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون الجميع مراد الله تعالى بلفظ واحد; لأنه ms0141 لفظ ~~مشترك لمعان مختلفة قيل له: ليس كذلك; لأن جميع وجوه الذكر على اختلافها ~~راجعة إلى معنى واحد. فهو كاسم الإنسان يتناول الأنثى والذكر، والأخوة ~~تتناول الإخوة المتفرقين، وكذلك الشركة ونحوها، وإن وقع على معان مختلفة ~~فإن الوجه الذي سمي به الجميع معنى واحد. وكذلك ذكر الله تعالى لما كان ~~المعنى فيه طاعته، والطاعة تارة بالذكر باللسان، وتارة بالعمل بالجوارح، ~~وتارة باعتقاد القلب، وتارة بالفكر في دلائله وحججه، وتارة في عظمته، وتارة ~~بدعائه ومسألته، جاز إرادة الجميع بلفظ واحد، كلفظ الطاعة نفسها جاز أن ~~يراد بها جميع الطاعات على اختلافها إذا ورد الأمر بها مطلقا نحو قوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] وكالمعصية يجوز أن ~~يتناول جميعها لفظ النهي. فقوله: {فاذكروني} قد تضمن الأمر بسائر وجوه ~~الذكر، ومنها سائر وجوه طاعته وهو أعم الذكر، ومنها ذكره باللسان على وجه ~~التعظيم والثناء عليه والذكر على وجه الشكر والاعتراف بنعمه. # PageV01P112 # مطلب في أن ذكر الله تعالى بالتفكر في دلائله أفضل أنواع الذكر # ومنها ذكره بدعاء الناس إليه والتنبيه على دلائله وحججه ووحدانيته وحكمته ~~وذكره بالفكر في دلائله وآياته وقدرته وعظمته، وهذا أفضل الذكر وسائر وجوه ~~الذكر مبنية عليه وتابعة له وبه يصح معناها لأن اليقين والطمأنينة به تكون، ~~قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] يعني والله أعلم ~~ذكر القلب الذي هو الفكر في دلائل # PageV01P112 # الله تعالى وحججه وآياته وبيناته، وكلما ازددت فيها فكرا ازددت طمأنينة ~~وسكونا. وهذا هو أفضل الذكر لأن سائر الأذكار إنما يصح ويثبت حكمها بثبوته. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير الذكر الخفي" حدثنا ابن ~~قانع قال: حدثنا عبد الملك بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن ~~أسامة بن زيد، عن محمد، عن عبد الرحمن، عن سعد بن مالك، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي". # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} عقيب قوله: ~~{فاذكروني أذكركم} يدل ms0142 على أن الصبر وفعل الصلاة لطف في التمسك بما في ~~العقول من لزوم ذكر الله تعالى الذي هو الفكر في دلائله وحججه وقدرته ~~وعظمته، وهو مثل قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~[العنكبوت: 45] ثم عقبه بقوله: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] والله ~~أعلم أن ذكر الله تعالى بقلوبكم وهو التفكر في دلائله أكبر من فعل الصلاة، ~~وإنما هو معونة ولطف في التمسك بهذا الذكر وإدامته. # وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون} فيه إخبار بإحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم، ولا يجوز أن يكون ~~المراد أنهم سيحيون يوم القيامة; لأنه لو كان هذا مراده لما قال: {ولكن لا ~~تشعرون} . لأن قوله: {ولكن لا تشعرون} إخبار بفقد علمنا بحياتهم بعد الموت، ~~ولو كان المراد الحياة يوم القيامة لكان المؤمنون قد شعروا به وعرفوه قبل ~~ذلك. فثبت أن المراد الحياة الحادثة بعد موتهم قبل يوم القيامة. وإذا جاز ~~أن يكون المؤمنون قد أحيوا في قبورهم قبل يوم القيامة وهم منعمون فيها جاز ~~أن يحيا الكفار في قبورهم فيعذبوا، وهذا يبطل قول من ينكر عذاب القبر. # فإن قيل له: لما كان المؤمنون كلهم منعمين بعد الموت فكيف خص المقتولين ~~في سبيل الله؟ # قيل له: جائز أن يكون اختصهم بالذكر تشريفا لهم على جهة تقديم البشارة ~~بذكر حالهم، ثم بين بعد ذلك ما يختصون به في آية أخرى وهو قوله تعالى: ~~{أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] . # PageV01P113 # مطلب في أن الإنسان هو الروح # فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء ونحن نراهم رميما في القبور بعد مرور ~~الأزمان عليهم؟ قيل له: الناس في هذا على قولين، منهم من يجعل الإنسان هو ~~الروح وهو جسم لطيف والنعيم والبؤس إنما هما له دون الجثة. ومنهم من يقول: ~~إن الإنسان # PageV01P113 # هذا الجسم الكثيف المشاهد، فهو يقول إن الله تعالى يلطف أجزاء منه بمقدار ~~ما تقوم به البنية الحيوانية ويوصل النعيم إليه وتكون تلك الأجزاء اللطيفة ~~بحيث يشاء الله ms0143 تعالى أن تكون تعذب أو تنعم على حسب ما يستحقه، ثم يفنيه ~~الله تعالى كما يفني سائر الخلق قبل يوم القيامة، ثم يحييه يوم القيامة ~~للحشر. وقد حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا ~~الحسن بن يحيى بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر عن الزهري عن كعب بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نسمة ~~المسلم طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها إلى جسده"1. # قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون} إلى قوله تعالى: {وأولئك هم المهتدون} روي عن عطاء والربيع وأنس بن ~~مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة. # قال أبو بكر: جائز والله أعلم أن يكون قدم إليهم ذكر ما علم أنه يصيبهم ~~في الله من هذه البلايا والشدائد لمعنيين: أحدهما: ليوطنوا أنفسهم على ~~الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد من الجزع وأسهل عليهم بعد الورود. ~~والثاني: ما يتعجلون به من ثواب توطين النفس. قوله تعالى: {وبشر الصابرين} ~~يعني والله أعلم على ما قدم ذكره من الشدائد، وقوله تعالى: {الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} يعني إقرارهم في تلك الحال ~~بالعبودية والملك له وأن له أن يبتليهم بما يشاء تعريضا منه لثواب الصبر ~~واستصلاحا لهم لما هو أعلم به، إذ هو تعالى غير متهم في فعل الخير والصلاح; ~~إذ كانت أفعاله كلها حكمة. ففي إقرارهم بالعبودية تفويض الأمر إليه ورضى ~~بقضائه فيما يبتليهم به; إذ لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى: {والله يقضي ~~بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء} [غافر: 20] . وقال عبد الله بن ~~مسعود: "لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى ليته ~~لم يكن". # وقوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون} إقرار بالبعث والنشور واعتراف ~~بأن الله ms0144 تعالى سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم فلا يضيع عنده أجر ~~المحسنين. # ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة الله ~~تعالى فقال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} يعني الثناء الجميل ~~والبركات والرحمة PageV01P114 # وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله تعالى، كقوله في آية أخرى: ~~{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] . # ومن المصائب والشدائد المذكورة في الآية ما هو من فعل المشركين بهم، ~~ومنها ما هو من فعل الله تعالى. فأما ما كان من فعل المشركين فهو أن العرب ~~كلها كانت قد اجتمعت على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم غير من كان ~~بالمدينة من المهاجرين والأنصار وكان خوفهم من قبل هؤلاء لقلة المسلمين ~~وكثرتهم. وأما الجوع فلقلة ذات اليد والفقر الذي نالهم. وجائز أن يكون ~~الفقر تارة من الله تعالى بأن يفقرهم بتلف أموالهم، وجائز أن يكون من قبل ~~العدو بأن يغلبوا عليه فيتلف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات يحتمل ~~الوجهين جميعا; لأن النقص من الأموال جائز أن يكون سببه العدو. وكذلك ~~الثمرات لشغلهم إياهم بقتالهم عن عمارة أراضيهم. وجائز أن يكون من فعل الله ~~تعالى بالجوائح التي تصيب الأموال والثمار. ونقص الأنفس جائز أن يكون ~~المراد به من يقتل منهم في الحرب، وأن يريد به من يميته الله منهم من غير ~~قتل. فأما الصبر على ما كان من فعل الله، فهو التسليم والرضا بما فعله ~~والعلم بأنه لا يفعل إلا الصلاح والحسن وما هو خير لهم، وأنه ما منعهم إلا ~~ليعطيهم، وأن منعه إياهم إعطاء منه لهم. وأما ما كان من فعل العدو فإن ~~المراد به الصبر على جهادهم وعلى الثبات على دين الله تعالى ولا ينكلون عن ~~الحرب ولا يزولون عن طاعة الله بما يصيبهم من ذلك، ولا يجوز أن يريد ~~بالابتلاء ما كان منهم من فعل المشركين; لأن الله تعالى لا يبتلي أحدا ~~بالظلم والكفر ولا يريده ولا يوجب الرضا به، ولو كان الله تعالى يبتلي ~~بالظلم والكفر ms0145 لوجب الرضا به كما رضيه بزعمهم حين فعله والله يتعالى عن ~~ذلك. # وقد تضمنت الآية مدح الصابرين على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على الوجوه ~~التي ذكر. والوعد بالثواب والثناء الجميل والنفع العظيم لهم في الدنيا ~~والدين، فأما في الدنيا فما يحصل له به من الثناء الجميل والمحل الجليل في ~~نفوس المؤمنين لائتماره لأمر الله تعالى ولأن في الفكر في ذلك تسلية عن ~~الهم ونفي الجزع الذي ربما أدى إلى ضرر في النفس وإلى إتلافها في حال ما ~~يعقبه ذلك في الدنيا من محمود العاقبة، وأما في الآخرة فهو الثواب الجزيل ~~الذي لا يعلم مقداره إلا الله. # قال أبو بكر: وقد اشتملت هذه الآية على حكمين: فرض، ونفل. فأما الفرض فهو ~~التسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله والصبر على أداء فرائضه لا يثنيه عنها ~~مصائب الدنيا ولا شدائدها. وأما النفل فإظهار القول ب {إنا لله وإنا إليه ~~راجعون} فإن في إظهاره فوائد جزيلة، منها فعل ما ندب الله إليه ووعده ~~الثواب عليه، ومنها أن غيره يقتدي به إذا # PageV01P115 # سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله تعالى والثبات ~~على طاعته ومجاهدة أعدائه ويحكى عن داود الطائي قال: الزاهد في الدنيا لا ~~يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله، ولا ينبغي للمسلم أن يحزن ~~للمصيبة لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثوابا والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P116 # باب السعي بين الصفا والمروة # قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما} روي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة قال: ~~"قرأت عند عائشة رضي الله عنها: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فقلت: لا ~~أبالي أن لا أفعل، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي قد طاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة إنما كان من أهل لمناة الطاغية لا يطوف ~~بهما، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بهما حتى نزلت هذه الآية، فطاف ~~رسول الله صلى ms0146 الله عليه وسلم فكانت سنة قال: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد ~~الرحمن، فقال: إن هذا لعلم، ولقد كان رجال من أهل العلم يقولون: إنما سأل ~~عن هذا الرجال الذين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة، فأحسبها نزلت في ~~الفريقين". وروي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من ~~شعائر الله} قال: كان على الصفا تماثيل وأصنام وكان المسلمون لا يطوفون ~~عليها لأجل الأصنام والتماثيل، فأنزل الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما} . # قال أبو بكر: كان السبب في نزول هذه الآية عند عائشة سؤال من كان لا يطوف ~~بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة، وعلى ما ذكر ابن عباس وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن أن ذلك كان لسؤال من كان يطوف بين الصفا والمروة، وقد كان عليهما ~~الأصنام، فتجنب الناس الطواف بهما بعد الإسلام. وجائز أن يكون سبب نزول هذه ~~الآية سؤال الفريقين. وقد اختلف في السعي بينهما، فروى هشام بن عروة عن ~~أبيه، وأيوب عن ابن أبي مليكة، جميعا عن عائشة قالت: ما أتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لامرئ حجا ولا عمرة ما لم يطف بين الصفا والمروة. وذكر أبو ~~الطفيل عن ابن عباس: أن السعي بينهما سنة وأن النبي عليه السلام فعله. وروى ~~عاصم الأحول عن أنس قال: كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه ~~الآية، والطواف بينهما تطوع. وروي عن عطاء عن ابن الزبير قال: من شاء لم ~~يطف بين الصفا والمروة. وروي عن عطاء ومجاهد: إن من تركه فلا شيء عليه. # وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك، فقال أصحابنا والثوري ومالك: إنه واجب # PageV01P116 # في الحج والعمرة وتركه يجزي عنه الدم. وقال الشافعي: لا يجزي عنه الدم ~~إذا تركه وعليه أن يرجع فيطوف. # قال أبو بكر: هو عند أصحابنا من توابع الحج يجزي عنه الدم لمن رجع إلى ~~أهله مثل الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار وطواف الصدر. والدليل على أنه ليس ~~من فروضه قوله عليه السلام في حديث الشعبي ms0147 عن عروة بن مضرس الطائي قال: ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من ~~جبل طيئ ما تركت جبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه السلام: "من ~~صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلا أو ~~نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه". فهذا القول منه عليه السلام ينفي كون السعي ~~بين الصفا والمروة فرضا في الحج من وجهين: أحدهما: إخباره بتمام حجته وليس ~~فيه السعي بينهما. والثاني: أن ذلك لو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه ~~بجهله بالحكم. # فإن قيل: لم يذكر طواف الزيارة مع كونه من فروضه قيل له: ظاهر اللفظ ~~يقتضي ذلك، وإنما أثبتناه فرضا بدلالة. # فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يكون مسنونا ويكون تطوعا، كما روي عن أنس وابن ~~الزبير قيل له: كذلك يقتضي ظاهر اللفظ، إنما أثبتناه مسنونا في توابع الحج ~~بدلالة. ومما يحتج به لوجوبه أن فرض الحج مجمل في كتاب الله; لأن الحج في ~~اللغة القصد، قال الشاعر: # يحج مأمومة في قعرها لجف # يعني أنه يقصد ثم نقل في الشرع إلى معان أخر لم يكن اسما موضوعا لها في ~~اللغة وهو مجمل مفتقر إلى البيان فمهما ورد من فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو بيان للمراد بالجملة. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد مورد ~~البيان فهو على الوجوب، فلما سعى بينهما النبي عليه السلام كان ذلك دلالة ~~الوجوب حتى تقوم دلالة الندب. ومن جهة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "خذوا عني مناسككم" وذلك أمر يقتضي إيجاب الاقتداء به في سائر أفعال ~~المناسك، فوجب الاقتداء به في السعي بينهما. وقد روى طارق بن شهاب عن أبي ~~موسى قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: "بم ~~أهللت؟ " فقلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنت طف ~~بالبيت والصفا والمروة ثم أحل! " فأمره بالسعي بينهما، وهذا أمر يقتضي ms0148 ~~الإيجاب. وقد روي فيه حديث مضطرب السند والمتن جميعا مجهول الراوي، وهو ما ~~رواه معمر عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن أبي عبيد، عن صفية بنت شيبة، ~~عن امرأة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: "كتب ~~عليكم # PageV01P117 # السعي فاسعوا" فذكرت في هذا الحديث أنها سمعته يقول ذلك بين الصفا ~~والمروة ولم تذكر اسم الراوية. وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن محيصن عن ~~عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت ~~أبي تجزأة قالت: دخلت دار أبي حسين ومعي نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يطوف بالبيت حتى إن ثوبه ليدور به وهو يقول لأصحابه: "اسعوا فإن الله ~~تعالى قد كتب عليكم السعي" فذكر في هذا الحديث أن النبي عليه السلام قال ~~ذلك وهو في الطواف، فظاهر ذلك يقتضي أن يكون مراده السعي في الطواف وهو ~~الرمي والطواف نفسه; لأن المشي يسمى سعيا، قال الله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر ~~الله} [الجمعة: 9] وليس المراد إسراع المشي، وإنما هو المصير إليه. والخبر ~~الأول الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو يسعى بين ~~الصفا والمروة لا دلالة فيه على أنه أراد السعي بينهما; إذ جائز أن يكون ~~مراده الطواف بالبيت والرمل فيه، وهو سعي لأنه إسراع المشي. وأيضا فإن ~~ظاهره يقتضي جواز أي سعي كان، وهو إذا رمل فقد سعى، ووجوب التكرار لا دلالة ~~عليه. فالأخبار الأول التي ذكرناها دالة على وجوب السعي لأنه سنة لا ينبغي ~~تركها، ولا دلالة فيها على أن من تركها لا ينوب عنه دم، والدليل على أن ~~الدم ينوب عنه لمن تركه حتى يرجع إلى أهله اتفاق السلف على جواز السعي بعد ~~الإحلال من جميع الإحرام كما يصح الرمي وطواف الصدر، فوجب أن ينوب عنه الدم ~~كما ناب عن الرمي وطواف الصدر. # فإن قيل: طواف الزيارة يفعل بعد الإحلال ولا ينوب عنه الدم قيل له: ليس ~~كذلك لأن ms0149 بقاء طواف الزيارة يوجب كونه محرما عن النساء، وإذا طاف فقد حل له ~~كل شيء بلا خلاف بين الفقهاء، وليس لبقاء السعي تأثير في بقاء شيء من ~~الإحرام كالرمي وطواف الصدر. # فإن قال قائل: فإن الشافعي يقول: إذا طاف للزيارة لم يحل من النساء وكان ~~حراما حتى يسعى بالصفا والمروة قيل له: قد اتفق الصدر الأول من التابعين ~~والسلف بعدهم أنه يحل بالطواف بالبيت; لأنهم على ثلاثة أقاويل بعد الحلق، ~~فقال قائلون: هو محرم من اللباس والصيد والطيب حتى يطوف بالبيت وقال عمر بن ~~الخطاب: هو محرم من النساء والطيب. وقال ابن عمر وغيره: هو محرم من النساء ~~حتى يطوف فقد اتفق السلف على أنه يحل من النساء بالطواف بالبيت دون السعي ~~بين الصفا والمروة. وأيضا فإن السعي بينهما لا يفعل إلا تبعا للطواف، ألا ~~ترى أن من لا طواف عليه لا سعي عليه، وأنه لا يتطوع بالسعي بينهما كما لا ~~يتطوع بالرمي؟ فدل على أنه من توابع الحج والعمرة. # فإن قيل: الوقوف بعرفة لا يفعل إلا بعد الإحرام، وطواف الزيارة لا يفعل ~~إلا بعد # PageV01P118 # الوقوف، وهما من فروض الحج قيل له: لم نقل إن من لا يفعل إلا بعد غيره ~~فهو تبع فيلزمنا ما ذكرت، وإنما قلنا: ما لا يفعل إلا على وجه التبع لأفعال ~~الحج أو العمرة فهو تابع ليس بفرض، فأما الوقوف بعرفة فإنه غير مفعول على ~~وجه التبع لغيره بل يفعل منفردا بنفسه، ولكن من شروطه شيئان: الإحرام ~~والوقت، وما كان شرطه الإحرام أو الوقت فلا دلالة على أنه مفعول على وجه ~~التبع، وكذلك ما تعلق جوازه بوقت دون غيره فلا دلالة فيه على أنه تبع فرض ~~غيره. وطواف الزيارة إنما يتعلق جوازه بالوقت. والوقوف بعرفة إنما تعلق ~~جوازه بالإحرام والوقت وليس صحته موقوفة على وقوع فعل آخر غير الإحرام، ~~فليس هو إذا تبعا لغيره. وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه مع حضور وقته ~~هو موقوف على فعل آخر غيره وهو الطواف، فدل على أنه من ms0150 توابع الحج والعمرة ~~وأنه ليس بفرض، فأشبه طواف الصدر لما كانت صحته موقوفة على طواف الزيارة ~~كان تبعا في الحج ينوب عن تركه دم. # وقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} قد دل على أنه قربة لأن ~~الشعائر هي معالم الطاعات والقرب، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام، ~~ومن ذلك قولك شعرت بكذا وكذا أي علمته. ومنه إشعار البدنة أي إعلامها ~~للقربة، وشعار الحرب علاماتها التي يتعارفون بها فالشعائر هي المعالم للقرب ~~قال الله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: ~~32] وشعائر الحج معالم نسكه، ومنه المشعر الحرام فقد دلت الآية بفحواها على ~~أن السعي بينهما قربة إلى الله تعالى في قوله: {من شعائر الله} ثم قوله: ~~{فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فقد أخبرت عائشة وغيرها أنه خرج مخرج الجواب ~~لمن سأل عنهما، وأن ظاهر هذا اللفظ لم ينف إرادة الوجوب وإن لم يدل عليه ~~وقد قامت الدلالة من غير الآية على وجوبه وهو ما قدمنا ذكره. # وقد اختلف أهل العلم في السعي في بطن الوادي، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيه أخبار مختلفة، ومذهب أصحابنا أن السعي فيه مسنون لا ينبغي ~~تركه كالرمل في الطواف. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: "أن النبي عليه ~~السلام لما تصوبت قدماه في الوادي سعى حتى خرج منه". وروى سفيان بن عيينة ~~عن صدقة قال: سئل ابن عمر: أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمل بين الصفا ~~والمروة؟ قال: كان في الناس فرملوا ولا أراهم فعلوا إلا برمله وقال نافع: ~~كان ابن عمر يسعى في بطن الوادي. وروى مسروق أن عبد الله بن مسعود سعى في ~~بطن الوادي. وروى عطاء عن ابن عباس قال: من شاء يسعى بمسيل مكة ومن شاء لم ~~يسع وإنما يعني الرمل في بطن الوادي. وروى سعيد بن جبير قال: # PageV01P119 # "رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة وقال: إن مشيت فقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms0151 يمشي، وإن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسعى". وروى عمرو عن عطاء عن ابن عباس قال: إنما سعى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الصفا والمروة ليري المشركين قوته فأتيت ابن عباس فقال سعى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي وذكر السبب الذي من أجله فعل ذلك ~~وهو إظهار الجلد والقوة للمشركين وتعلق فعله بهذا السبب لا يمنع كونه سنة ~~مع زواله على نحو ما ذكرنا في الرمل في الطواف فيما تقدم. وقد ذكرنا أن ~~السبب في رمي الجمار كان رمي إبراهيم عليه السلام إبليس لما عرض له بمنى، ~~وصار سنة بعد ذلك. وكذلك كان سبب الرمل في الوادي أن هاجر لما طلبت الماء ~~لابنها إسماعيل وجعلت تتردد بين الصفا والمروة فكانت إذا نزلت الوادي غاب ~~الصبي عن عينها، فأسرعت المشي. وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم ~~عليه السلام لما علم المناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسبقه إبراهيم، ~~فكان ذلك سبب سرعة المشي هناك. وهو سنة كنظائره مما وصفنا. والرمل في بطن ~~الوادي في الطواف بين الصفا والمروة مما قد نقلته الأمة قولا وفعلا ولم ~~يختلف في أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وإنما اختلف في كونه مسنونا ~~بعده، وظهور نقله فعلا إلى هذه الغاية دلالة على بقاء حكمه على ما قدمنا من ~~الدلالة والله تعالى أعلم. # PageV01P120 # باب طواف الراكب # قال أبو بكر: قد اختلف في طواف الراكب بينهما، فكره أصحابنا ذلك إلا من ~~عذر، وذكر أبو الطفيل أنه قال لابن عباس: إن قومك يزعمون أن الطواف بين ~~الصفا والمروة على الدابة سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ~~فقال: صدقوا وكذبوا، إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~لا يدفع عنه أحد وليست بسنة. وروى عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن ~~أم سلمة, أنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أشتكي فقال: ~~"طوفي من وراء ms0152 الناس وأنت راكبة" وكان عروة إذا رآهم يطوفون على الدواب ~~نهاهم فيتعللون بالمرض، فيقول: "خاب هؤلاء وخسروا". وروى ابن أبي مليكة عن ~~عائشة قالت: ما منعني من الحج والعمرة إلا السعي بين الصفا والمروة، وإني ~~لأكره الركوب وروي عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاء وقد اشتكى فطاف على بعير ومعه محجن كلما مر على ~~الحجر استلمه فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين". # ولما ثبت من سنة الطواف بهما السعي في بطن الوادي على ما وصفنا وكان ~~الراكب تاركا للسعي كان فعله خلاف السنة إلا أن يكون معذورا على نحو ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فيجوز. # PageV01P120 # فصل # روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وذكر حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطوافه بالبيت إلى قوله: فاستلم الحجر بعد الركعتين ثم خرج إلى الصفا حتى ~~بدا له البيت فقال: "نبدأ بما بدأ الله به" يدل على أن لفظ الآية لا يقتضي ~~الترتيب; إذ لو كان ذلك معقولا من الآية لم يحتج أن يقول: "نبدأ بما بدأ ~~الله به" فإنما بدئ بالصفا قبل المروة لقوله عليه السلام: نبدأ بما بدأ ~~الله به ونفعله كذلك مع قوله: "خذوا عني مناسككم". ولا خلاف بين أهل العلم ~~أن المسنون على الترتيب أن يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل ~~الصفا لم يعتد بذلك في الرواية المشهورة عن أصحابنا. وروي عن أبي حنيفة: ~~أنه ينبغي له أن يعيد ذلك الشوط، فإن لم يفعل فلا شيء عليه وجعله بمنزلة ~~ترك الترتيب في أعضاء الطهارة. # قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا} عقيب ذكر الطواف بهما يحتج به من يراه ~~تطوعا، وذلك لأنه معلوم رجوع الكلام إلى ما تقدم ذكره من الطواف بهما، ~~ومعلوم مع ذلك أن الطواف لا يتطوع به عند من يراه واجبا في الحج والعمرة ~~وعند من لا يراه في غيرهما فوجب أن يكون قوله: {ومن تطوع خيرا} إخبار بأن ms0153 ~~من فعله في الحج والعمرة فإنما يفعله تطوعا، إذ لم يبق موضع لفعله في ~~غيرهما لا تطوعا ولا غيره وهذا لا دلالة فيه على ما ذكروا، لأنه جائز أن ~~يكون المراد من تطوع بالحج والعمرة لتقدم ذكرهما في الخطاب في قوله تعالى: ~~{فمن حج البيت أو اعتمر} . # PageV01P121 # باب في النهي عن كتمان العلم # قال الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. ~~وقال في موضع آخر: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ~~ثمنا قليلا} [البقرة: 174] الآية وقال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] هذه الآي كلها موجبة ~~لإظهار علوم الدين وتبيينه للناس زاجرة عن كتمانها، ومن حيث دلت على لزوم ~~بيان المنصوص عليه فهي موجبة أيضا لبيان المدلول عليه منه، وترك كتمانه ~~لقوله تعالى: {يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} وذلك يشتمل على سائر ~~أحكام الله في المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع. وقوله ~~تعالى: {يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} يدل على أنه لا فرق في ذلك بين ما ~~علم من جهة النص أو الدليل; لأن في الكتاب الدلالة على أحكام الله تعالى ~~كما فيه النص عليها. وكذلك قوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} عام في ~~الجميع وكذلك ما علم من طرق # PageV01P121 # إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم قد انطوت تحت الآية; لأن في الكتاب ~~الدلالة على قبول أخبار الآحاد عنه عليه السلام فكل ما اقتضى الكتاب إيجاب ~~حكمه من جهة النص أو الدلالة فقد تناولته الآية. ولذلك قال أبو هريرة: لولا ~~آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم ثم تلا: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى} فأخبر أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى وقال شعبة عن قتادة في قوله تعالى: ~~{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية: فهذا ميثاق أخذه الله على ~~أهل العلم، فمن علم علما فليعلمه، وإياكم ms0154 وكتمان العلم فإن كتمانه هلكة. ~~ونظيره في بيان العلم وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى: {فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون} وقد روى حجاج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من ~~نار". # فإن قيل: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في ~~كتبهم من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: نزول الآية على سبب غير ~~مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته; لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب، ~~إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الاقتصار به على سببه. # ويحتج بهذه الآيات في قبول الأخبار المقصرة عن مرتبة إيجاب العلم العام ~~لمخبرها في أمور الدين، وذلك لأن قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب} وقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} [آل ~~عمران: 187] قد اقتضى النهي عن الكتمان ووقع البيان بالإظهار، فلو لم يلزم ~~السامعين قبوله لما كان المخبر عنه مبينا لحكم الله تعالى; إذ ما لا يوجب ~~حكما فغير محكوم له بالبيان، فثبت بذلك أن المنهيين عن الكتمان متى أظهروا ~~ما كتموا وأخبروا به لزم العمل بمقتضى خبرهم وموجبه. ويدل عليه قوله في ~~سياق الخطاب: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} فحكم بوقوع العلم بخبرهم. # فإن قال قائل: لا دلالة فيه على لزوم العمل به، وجائز أن يكون كل واحد ~~منهم كان منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر الخبر ~~قيل له: هذا غلط; لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ ~~عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على التقول فلا ~~يكون خبرهم موجبا للعلم فقد دلت الآثار على قبول المقصر عن المنزلة الموجبة ~~للعلم بمخبره، وعلى أن ما ادعيته لا برهان عليه، فظواهر الآي مقتضية لقبول ~~ما ms0155 أمروا به لوقوع بيان حكم الله تعالى به. وفي الآية حكم آخر، وهو أنها من ~~حيث دلت على لزوم إظهار العلم وترك # PageV01P122 # كتمانه فهي دالة على امتناع جواز أخذ الأجرة عليه; إذ غير جائز استحقاق ~~الأجر على ما عليه فعله، ألا ترى أنه لا يصح استحقاق الأجر على الإسلام؟ ~~وقد روي أن رجلا قال للنبي عليه السلام: إني أعطيت قومي مائة شاة على أن ~~يسلموا، فقال صلى الله عليه وسلم: "المائة شاة رد عليك، وإن تركوا الإسلام ~~قاتلناهم". ويدل على ذلك من جهة أخرى قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا} [البقرة: 174] ، وظاهر ذلك يمنع أخذ ~~الأجر على الإظهار والكتمان جميعا لأن قوله تعالى: {ويشترون به ثمنا قليلا} ~~[البقرة: 174] مانع أخذ البدل عليه من سائر الوجوه; إذ كان الثمن في اللغة ~~هو البدل، قال عمر بن أبي ربيعة: # إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها ... فما أصبت بترك الحج من ثمن # فثبت بذلك بطلان الإجارة على تعليم القرآن وسائر علوم الدين. # قوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} يدل على أن التوبة من ~~الكتمان إنما يكون بإظهار البيان وأنه لا يكتفى في صحة التوبة بالندم على ~~الكتمان فيما سلف دون البيان فيما استقبل. # PageV01P123 # باب لعن الكفار # قال الله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين} فيه دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافرا ~~1، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه لعنه والبراءة منه لأن قوله: ~~{والناس أجمعين} قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو ~~جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه وكذلك سبيل ~~ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح أن موت من كان كذلك أو جنونه ~~لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث هذه الحادثة. # فإن قيل: روي عن أبي العالية أن مراد الآية أن الناس يلعنونه يوم القيامة ~~كقوله تعالى: {ثم ms0156 يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} ~~[العنكبوت: 25] ! قيل له هذا تخصيص بلا دلالة ولا خلاف أنه يستحق اللعن من ~~الله تعالى والملائكة في الدنيا بالآية فكذلك من الناس وإنما يشتبه ذلك على ~~من يظن أن ذلك إخبار من الله PageV01P123 # تعالى أن الناس يلعنونه وليس كذلك بل هو إخبار باستحقاقه اللعن من الناس ~~لعنوه أو لم يلعنوه. # قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد} وصفه تعالى لنفسه بأنه واحد انتظم معاني ~~كلها مرادة بهذا اللفظ منها: أنه واحد لا نظير له ولا شبيه ولا مثل ولا ~~مساوي في شيء من الأشياء فاستحق من أجل ذلك أن يوصف بأنه واحد دون غيره. ~~ومنها: أنه واحد في استحقاق العبادة والوصف له بالإلهية لا يشاركه فيها ~~سواه. ومنها: أنه واحد ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه التجزيء والتقسيم; لأن ~~من كان ذا أبعاض وجاز عليه التجزئة والتقسيم فليس بواحد على الحقيقة ومنها: ~~أنه واحد في الوجود قديما لم يزل منفردا بالقدم لم يكن معه وجود سواه. ~~فانتظم وصفه لنفسه بأنه واحد هذه المعاني كلها. # قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية قد ~~انتظمت هذه الآية ضروبا من الدلالات على توحيد الله تعالى وأنه لا شبيه له ~~ولا نظير، وفيها أمر لنا بالاستدلال بها وهو قوله: {لآيات لقوم يعقلون} ~~يعني والله تعالى أعلم: أنه نصبها ليستدل بها ويتوصل بها إلى معرفة الله ~~تعالى وتوحيده ونفي الأشباه عنه والأمثال. وفيه إبطال لقول من زعم أنه إنما ~~يعرف الله تعالى بالخبر وأنه لا حظ للعقول في الوصول إلى معرفة الله تعالى. # فأما دلالة السموات والأرض على الله، فهو قيام السماء فوقنا على غير عمد ~~مع عظمها ساكنة غير زائلة، وكذلك الأرض تحتنا مع عظمها فقد علمنا أن لكل ~~واحد منهما منتهى من حيث كان موجودا في وقت واحد محتملا للزيادة والنقصان، ~~وعلمنا أنه لو اجتمع الخلق على إقامة حجر في الهواء من غير علاقة ولا عمد ~~لما قدروا عليه، فعلمنا أن مقيما أقام ms0157 السماء على غير عمد والأرض على غير ~~قرار، فدل ذلك على وجود الباري تعالى الخالق لهما، ودل أيضا على أنه لا ~~يشبه الأجسام وأنه قادر لا يعجزه شيء; إذ كانت الأجسام لا تقدر على مثل ~~ذلك. وإذا صح ذلك ثبت أنه قادر على اختراع الأجسام; إذ ليس اختراع الأجسام ~~واختراع الأجرام بأبعد في العقول والأوهام من إقامتها مع عظمها وكثافتها ~~على غير قرار وعمد. ومن جهة أخرى تدل على حدوث هذه الأجسام وهي امتناع جواز ~~تعريها من الأعراض المتضادة، ومعلوم أن هذه الأعراض محدثة لوجود كل واحد ~~منها بعد أن لم يكن، وما لم يوجد قبل المحدث فهو محدث، فصح بذلك حدوث هذه ~~الأجسام، والمحدث يقتضي محدثا كاقتضاء البناء للباني والكتابة للكاتب ~~والتأثير للمؤثر، فثبت بذلك أن السموات والأرض وما بينهما من آيات الله ~~دالة عليه. # وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على الله تعالى، فمن جهة أن كل واحد ~~منهما # PageV01P124 # حادث بعد الآخر، والمحدث يقتضي محدثا، فدل ذلك على محدثهما وأنه لا ~~يشبههما; إذ كل فاعل فغير مشبه لفعله، ألا ترى أن الباني لا يشبه بناءه ~~والكاتب لا يشبه كتابته؟ ومن جهة أخرى أنه لو أشبهه لجرى عليه ما يجري عليه ~~من دلالة الحدوث، فكان لا يكون هو أولى بالحدوث من محدثه. ولما صح أن محدث ~~الأجسام والليل والنهار قديم صح أنه لا يشبهها وهي تدل على أن محدثها قادر ~~لاستحالة وجود الفعل إلا من القادر. ويدل أن محدثها حي لاستحالة وجود الفعل ~~إلا من قادر حي ويدل أيضا على أنه عالم لاستحالة الفعل المحكم المتقن إلا ~~من عالم به قبل إحداثه. ولما كان اختلاف الليل والنهار جاريا على منهاج ~~واحد لا يختلف في كل صقع في الطول والقصر أزمان السنة على المقدار الذي عرف ~~منهما الزيادة والنقصان، دل على أن مخترعهما قادر على ذلك عالم; إذ لو لم ~~يكن قادرا لم يوجد منه الفعل ولو لم يكون عالما لم يكن فعله متقنا منتظما. # وأما دلالة الفلك التي تجري في ms0158 البحر على توحيد الله، فمن جهة أنه معلوم ~~أن الأجسام لو اجتمعت على أن تحدث مثل هذا الجسم الرقيق السيال الحامل ~~للفلك وعلى أن تجري الرياح المجرية للفلك لما قدرت على ذلك، ولو سكنت ~~الرياح بقيت راكدة على ظهر الماء لا سبيل لأحد من المخلوقين إلى إجرائها ~~وإزالتها، كما قال تعالى في موضع آخر: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ~~ظهره} [الشورى: 33] ، ففي تسخير الله تعالى الماء لحمل السفن وتسخيره ~~الرياح لإجرائها أعظم الدلائل على إثبات توحيد الله تعالى القديم القادر ~~العالم الحي الذي لا شبه له ولا نظير; إذ كانت الأجسام لا تقدر عليه، فسخر ~~الله الماء لحمل السفن على ظهره، وسخر الرياح لإجرائها ونقلها لمنافع خلقه، ~~ونبههم على توحيده وعظم نعمته، واستدعى منهم النظر فيها ليعلموا أن خالقهم ~~قد أنعم بها فيشكروه على نعمه ويستحقوا به الثواب الدائم في دار السلام. # قال أبو بكر: وأما دلالة إنزاله الماء على توحيده فمن قبل أنه قد علم كل ~~عاقل أن من شأن الماء النزول والسيلان وأنه غير جائز ارتفاع الماء من سفل ~~إلى علو إلا بجاعل يجعله كذلك. فلا يخلو الماء الموجود في السحاب من أحد ~~معنيين: إما أن يكون محدث أحدثه هناك في السحاب، أو رفعه من معادنه من ~~الأرض والبحار إلى هناك. وأيهما كان فدل ذلك على إثبات الواحد القديم الذي ~~لا يعجزه شيء ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ينقله إلى المواضع التي ~~يريدها بالرياح المسخرة لنقله فيه أدل دليل على توحيده وقدرته، فجعل السحاب ~~مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب حتى تسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه ~~لسائر خلقه كما قال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق # PageV01P125 # الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم} [السجدة: ~~27] ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحدة مع صاحبتها في الجو مع ~~تحريك الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض، ولولا ~~أن مدبرا حكيما عالما قادرا دبره على ms0159 هذا النحو وقدره بهذا الضرب من ~~التقدير كيف كان يجوز أن يوجد نزول الماء في السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل ~~منه السيول العظام على هذا النظام والترتيب؟ ولو اجتمع القطر في الجو ~~وائتلف لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها بعد نزولها إلى الأرض ~~فيؤدي إلى هلاك الحرث والنسل وإبادة جميع ما على الأرض من شجر وحيوان ~~ونبات، وكان يكون كما وصف الله تعالى من حال الطوفان في نزول الماء من ~~السماء في قوله تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} [القمر: 11] فيقال ~~إنه كان صبا كنحو السيول الجارية في الأرض. ففي إنشاء الله تعالى السحاب في ~~الجو وخلق الماء فيه وتصريفه من موضع إلى موضع أدل دليل على توحيده وقدرته ~~وأنه ليس بجسم ولا مشبه الأجسام; إذ الأجسام لا يمكنها فعل ذلك ولا ترومه ~~ولا تطمع فيه. # وأما دلالة إحياء الله الأرض بعد موتها على توحيده، فهي من جهة أن الخلق ~~كلهم لو اجتمعوا على إحياء شيء منها لما قدروا عليه ولما أمكنهم إنبات شيء ~~من النبات فيها، فإحياء الله تعالى الأرض بالماء وإنباته أنواع النبات فيها ~~التي قد علمنا يقينا ومشاهدة أنه لم يكن فيها شيء منه. ثم كل شيء من النبات ~~لو فكرت فيه على حياله لوجدته دالا على أنه من صنع صانع حكيم قادر عالم بما ~~قدره عليه من ترتيب أجزائه ونظمها على غاية الإحكام من أدل الدليل على أن ~~خالق الجميع واحد، وأنه قادر عالم، وأنه ليس من فعل الطبيعة على ما يدعيه ~~الملحدون في آيات الله تعالى; إذ الماء النازل من السماء على طبيعة واحدة، ~~وكذلك أجزاء الأرض والهواء ويخرج منه أنواع النبات والأزهار والأشجار ~~المثمرة والفواكه المختلفة الطعوم والألوان والأشكال، فلو كان ذلك من فعل ~~الطبيعة لوجب أن يتفق موجبها إذ المتفق لا يوجب المختلف، فدل ذلك على أنه ~~من صنع صانع حكيم قد خلقه وقدره على اختلاف أنواعه وطعومه وألوانه رزقا ~~للعباد ودلالة لهم على صنعه ونعمه. # وأما دلالة ما بث ms0160 فيها من دابة على توحيده، فهي كذلك في الدلالة أيضا في ~~اختلاف أنواعه; إذ غير جائز أن تكون الحيوانات هي المحدثة لأنفسها، لأنها ~~لا تخلو من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو معدومة، فإن كانت موجودة فوجودها ~~قد أغنى عن إحداثها، وإن كانت معدومة فإنه يستحيل إيجاد الفعل من المعدوم، ~~ومع ذلك فقد علمنا # PageV01P126 # أنها بعد وجودها غير قادرة على اختراع الأجسام وإنشاء الأجرام، فهي في ~~حال عدمها أحرى أن لا تكون قادرة عليها. وأيضا فإنه لا يقدر أحد من الحيوان ~~على الزيادة في أجزائه، فهو بنفي القدرة على إحداث جميعه أولى، فثبت أن ~~المحدث لها هو القادر الحكيم الذي لا يشبهه شيء، ولو كان محدث هذه ~~الحيوانات مشبها لها من وجه لكان حكمه حكمها في امتناع جواز وقوع إحداث ~~الأجسام. # وأما دلالة تصريف الرياح على توحيده، فهي أن الخلق لو اجتمعوا على ~~تصريفها لما قدروا عليه. ومعلوم أن تصريفها تارة جنوبا وتارة شمالا وتارة ~~صبا وتارة دبورا محدث، فعلمنا أن المحدث لتصريفها هو القادر الذي لا شبه ~~له; إذ كان معلوما استحالة إحداث ذلك من المخلوقين. # فهذه دلائل قد نبه الله تعالى العقلاء عليها وأمرهم بالاستدلال بها. وقد ~~كان الله تعالى قادرا على إحداث النبات من غير ماء ولا زراعة، وإحداث ~~الحيوانات بلا نتاج ولا زواج، ولكنه تعالى أجرى عادته في إنشاء خلقه على ~~هذا تنبيها لهم عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته، وليشعرهم في ~~كل وقت ما أغفلوه ويزعج خواطرهم للفكر فيما أهملوه. فخلق تعالى الأرض ~~والسماء ثابتتين دائمتين لا تزولان ولا تتغيران عن الحال التي جعلهما ~~وخلقهما عليها بدءا إلى وقت فنائهما، ثم أنشأ الحيوان من الناس وغيرهم من ~~الأرض، ثم أنشأ للجميع رزقا منها وأقواتا بها تبقى حياتهم، ولم يعطهم ذلك ~~الرزق جملة فيظنون أنهم مستغنون بما أعطوا بل جعل لهم قوتا معلوما في كل ~~سنة بمقدار الكفاية لئلا يبطروا ويكونوا مستشعرين للافتقار إليه في كل حال، ~~ووكل إليهم في بعض الأسباب ms0161 التي يتوصلون بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ~~ليشعرهم أن الأعمال ثمرات من الخير والشر فيكون ذلك داعيا لهم إلى فعل ~~الخير فيجتنون ثمرته واجتناب الشر ليسلموا من شر مغبته ثم تولى هو لهم من ~~إنزال الماء من السماء ما لم يكن في وسعهم وطاقتهم أن ينزلوه لأنفسهم، ~~فأنشأ سحابا في الجو وخلق فيه الماء، ثم أنزله على الأرض بمقدار الحاجة، ثم ~~أنبت لهم به سائر أقواتهم وما يحتاجون إليه لملابسهم. ثم لم يقتصر فيما ~~أنزل من السماء على منافعه في وقت منافعه حتى جعل لذلك الماء مخازن وينابيع ~~في الأرض يجتمع فيه ذلك الماء فيجري أولا فأولا على مقدار الحاجة كما قال ~~تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} [الزمر: ~~21] ولو كان على ما نزل من السماء من غير حبس له في الأرض لوقت الحاجة لسال ~~كله وكان في ذلك تلف سائر الحيوان الذي على ظهرها لعدمه الماء. فتبارك الله ~~رب العالمين # PageV01P127 # الذي جعل الأرض بمنزلة البيت الذي يأوي إليه الإنسان، وجعل السماء بمنزلة ~~السقف، وجعل سائر ما يحدثه من المطر والنبات والحيوان بمنزلة ما ينقله ~~الإنسان إلى بيته لمصالحه ثم سخر هذه الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك ~~طرقها، ومكننا من الانتفاع بها في بناء البيوت والدور لنسكن من المطر والحر ~~والبرد وتحصنا من الأعداء لم تخرجنا إلى غيرها، فأي موضع منها أردنا ~~الانتفاع به في إنشاء الأبنية مما هو موجود فيها من الحجارة والجص والطين ~~ومما يخرج منها من الخشب والحطب أمكننا ذلك وسهل علينا سوى ما أودعها من ~~الجواهر التي عقد بها منافعنا من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس ~~وغير ذلك كما قال تعالى: {وقدر فيها أقواتها} [فصلت: 10] فهذه كلها وما ~~يكثر تعداده ولا يحيط علمنا به من بركات الأرض ومنافعها. # ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان لا بد من أن تكون متناهية جعلها ~~كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة فقال تعالى: {ألم نجعل الأرض ~~كفاتا أحياء ms0162 وأمواتا} [المرسلات: 25 – 26] وقال تعالى: {إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} ~~[الكهف: 7 – 8] ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ دون ~~المؤلم ولا على الغذاء دون السم ولا على الحلو دون المر، بل مزج ذلك كله ~~ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه اللذات ولئلا تطمئن نفوسنا إليها ~~فتشتغل بها عن دار الآخرة التي خلقنا لها، فكان النفع والصلاح في الدين في ~~الذوات المؤلمة المؤذية كهو في الملذة السارة، وليشعرنا في هذه الدنيا ~~كيفية الآلام ليصح الوعيد بآلام الآخرة ولننزجر عن القبائح فنستحق النعيم ~~الذي لا يشوبه كدر ولا تنغيص. # فلو اقتصر العاقل من دلائل التوحيد على ما ذكره الله تعالى في هذه الآية ~~الواحدة لكان كافيا شافيا في إثباته وإبطال قول سائر أصناف الملحدين من ~~أصحاب الطبائع ومن الثنوية ومن يقول بالتشبيه. ولو بسطت معنى الآية وما ~~تضمنته من ضروب الدلائل لطال وكثر، وفيما ذكرنا كفاية في هذا الموضع; إذ ~~كان الغرض فيه التنبيه على مقتضى دلالة الآية بوجيز من القول دون ~~الاستقصاء. والله نسأل حسن التوفيق للاستدلال بدلائله والاهتداء بهداه ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P128 # باب إباحة ركوب البحر # وفي قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} دلالة على ~~إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع; إذ لم يخص ضربا من ~~المنافع دون # PageV01P128 # غيره. وقال تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} [يونس: 22] ، وقال: ~~{ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله} [الإسراء: 66] . ~~وقوله: {ولتبتغوا من فضله} قد انتظم التجارة وغيرها، كقوله تعالى: {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] وقال ~~تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] . # وقد روي عن جماعة من الصحابة إباحة التجارة في البحر، وقد كان عمر بن ~~الخطاب منع الغزو في البحر إشفاقا على المسلمين. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~لا يركب أحد البحر إلا ms0163 غازيا أو حاجا أو معتمرا وجائز أن يكون ذلك منه على ~~وجه المشورة والإشفاق على راكبه. وقد روي ذلك في حديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد ~~بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن مطرف، عن بشر أبي عبيد الله، عن ~~بشير بن مسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارا ~~وتحت النار بحرا" 1 وجائز أن يكون ذلك على وجه الاستحباب لئلا يغرر بنفسه ~~في طلب الدنيا وأجاز ذلك في الغزو والحج والعمرة; إذ لا غرر فيه; لأنه إن ~~مات في هذا الوجه غرقا كان شهيدا. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي: ~~حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس بن ~~مالك قال: حدثتني أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال عندهم فاستيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت يا رسول الله وما أضحكك؟ ~~قال: "رأيت قوما ممن يركب 2 ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة" قالت: قلت ~~يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: "فإنك منهم" قالت: ثم نام ~~فاستيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت يا رسول الله ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته. ~~قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: "أنت من الأولين". قال: ~~فتزوجها عبادة بن الصامت فغزا في البحر فحملها معه، فلما رجع قربت لها بغلة ~~لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها فماتت. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم ~~PageV01P129 # الجويري الدمشقي قال: حدثنا مروان قال: أخبرنا هلال بن ميمون الرملي، عن ~~يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المائد ~~في البحر الذي يصيبه ms0164 القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين" والله تعالى ~~أعلم. # PageV01P130 # باب تحريم الميتة # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله} . قال أبو بكر: الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكى، ~~وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب ~~فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له. وسنبين شرائط ~~الذكاة في موضعها إن شاء الله تعالى. والميتة وإن كانت فعلا لله تعالى وقد ~~علق التحريم بها مع علمنا بأن التحريم والتحليل والحظر والإباحة إنما ~~يتناولان أفعالنا ولا يجوز أن يتناولا فعل غيرنا; إذ غير جائز أن ينهى ~~الإنسان عن فعل غيره ولا أن يؤمر به، فإن معنى ذلك لما كان معقولا عند ~~المخاطبين جاز إطلاق لفظ التحريم والتحليل فيه وإن لم يكن حقيقة، وكان ذلك ~~دليلا على تأكيد حكم التحريم، فإنه يتناول سائر وجوه المنافع، ولذلك قال ~~أصحابنا: لا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه ولا يطعمها الكلاب والجوارح لأن ~~ذلك ضرب من الانتفاع بها، وقد حرم الله الميتة تحريما مطلقا معلقا بعينها ~~مؤكدا به حكم الحظر فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص شيء منها بدليل ~~يجب التسليم له. # وقد روي عن النبي عليه السلام تخصيص ميتة السمك والجراد من هذه الجملة ~~بالإباحة، فروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان ~~فالجراد والسمك، وأما الدمان فالطحال والكبد". وروى عمرو بن دينار عن جابر ~~في قصة جيش الخبط أن البحر ألقى إليهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر، ثم لما ~~رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هل عندكم منه شيء تطعموني؟ ~~". ولا خلاف بين المسلمين في إباحة السمك غير الطافي وفي الجراد. # ومن الناس من استدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى: {أحل ~~لكم صيد البحر وطعامه متاعا ms0165 لكم} [المائدة: 96] وبقول النبي عليه السلام في ~~حديث صفوان بن سليم الزرقي، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته". وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالثبت، وقد خالفه في سنده ~~يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الاختلاف في السند يوجب # PageV01P130 # اضطراب الحديث، وغير جائز تخصيص آية محكمة به. # وقد روى ابن زياد بن عبد الله البكائي قال: حدثنا سليمان الأعمش قال: ~~حدثنا أصحابنا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~البحر: "ذكي صيده طهور ماؤه" وهذا أضعف عند أهل النقل من الأول. وقد روي ~~فيه حديث آخر، وهو ما رواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة، وعمرو بن الحارث ~~عن بكر بن سوادة، عن أبي معاوية العلوي، عن، مسلم بن مخشي المدلجي، عن ~~الفراسي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر: "هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته" وهذا أيضا لا يحتج به لجهالة رواته، ولا يخص به ظاهر القرآن. # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أحمد ~~بن حنبل قال: حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال: حدثنا إسحاق بن حازم، عن ~~عبد الله بن مقسم، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". # قال أبو بكر: وقد اختلف في السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه ~~فكرهه أصحابنا والحسن بن حي. وقال مالك والشافعي: "لا بأس به" وقد اختلف ~~السلف فيه أيضا، فروى عطاء بن السائب عن ميسرة عن علي عليه السلام قال: # "ما طفا من ميتة البحر فلا تأكله". وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد ~~الله، وعبد ms0166 الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس: أنهما كرها الطافي. فهؤلاء ~~الثلاثة من الصحابة قد روي عنهم كراهته. وروي عن جابر بن زيد وعطاء وسعيد ~~بن المسيب والحسن وابن سيرين وإبراهيم كراهيته. وروي عن أبي بكر الصديق ~~وأبي أيوب إباحة أكل الطافي من السمك. # والذي يدل على حظر أكله ظاهر قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: ~~3] واتفق المسلمون على تخصيص غير الطافي من الجملة فخصصناه، واختلفوا في ~~الطافي فوجب استعمال حكم العموم فيه. وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا أحمد بن عبدة: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال: حدثنا ~~إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا ~~تأكلوه! ". وروى إسماعيل بن عياش قال: حدثني عبد العزيز بن عبد الله عن وهب ~~بن كيسان، ونعيم بن عبد الله المجمر عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ما جزر عنه البحر فلا تأكل 1 وما ألقى فكل، وما وجدته ~~ميتا طافيا فلا تأكله! " PageV01P131 # وقد روى ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~مثله. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا سهل ~~بن عثمان قال: حدثنا حفص، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر بن ~~عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وجدتموه حيا فكلوه، ~~وما ألقى البحر حيا فمات فكلوه، وما وجدتموه ميتا طافيا فلا تأكلوه" وحدثنا ~~ابن قانع قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان الدهقان قال: حدثنا ~~الحسين بن يزيد الطحان: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، ~~عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما صدتموه ~~وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتا طافيا ms0167 فلا تأكلوه". # فإن قيل: قد روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير ~~موقوفا على جابر قيل له: هذا لا يفسده عندنا، لأنه جائز أن يرويه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تارة ثم يرسل عنه فيفتي به، وفتياه بما رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم غير مفسد له بل يؤكده. على أن إسماعيل بن أمية فيما ~~يرويه عن أبي الزبير ليس بدون من ذكرت، وكذلك ابن أبي ذئب، فزيادتهما في ~~الرفع مقبولة على هؤلاء. # فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان ~~السمك والجراد" وذلك عموم في جميعه قيل له: يخص ما ذكرنا وروينا في النهي ~~عن الطافي، ويلزم مخالفنا على أصله في ترتيب الأخبار أن يبني العام على ~~الخاص فيستعملهما وأن لا يسقط الخاص بالعام، وعلى أن هذا خبر في رفعه ~~اختلاف، فرواه مرحوم العطار عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن ~~عمر موقوفا عليه، ورواه يحيى الحماني عن عبد الرحمن بن زيد مرفوعا، فيلزمك ~~فيه مثل ما رمت إلزامنا إياه في خبر الطافي. # فإن احتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطهور ماؤه الحل ~~ميتته" ولم يخصص الطافي من غيره. قيل له: نستعملهما جميعا ونجعلهما كأنهما ~~وردا معا، نستعمل خبر الطافي في النهي ونستعمل خبر الإباحة فيما عدا ~~الطافي. # فإن قيل: فإن من أصل أبي حنيفة في الخاص والعام أنه متى اتفق الفقهاء على ~~استعمال أحد الخبرين واختلفوا في استعمال الآخر كان ما اتفق في استعماله ~~قاضيا على ما اختلف فيه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "هو الحل ميتته" و ~~"أحلت لنا ميتتان" متفق على استعمالهما وخبر الطافي مختلف فيه، فينبغي أن ~~يقضى عليه بالخبرين الآخرين قيل له: إنما يعرف # PageV01P132 # ذلك من مذهبه وقوله فيما لم يعضده نص الكتاب، فأما إذا كان عموم الكتاب ~~معاضدا للخبر المختلف في استعماله فإنا لا نعرف قوله فيه. وجائز أن يقال ~~إنه لا يعتبر وقوع ms0168 الخلاف في استعماله بعد أن يعضده عموم الكتاب، فيستعمل ~~حينئذ مع العام المتفق على استعماله، ويكون ذلك مخصوصا منه. فإن احتجوا ~~بحديث جابر في قصة جيش الخبط وإباحة النبي عليه السلام أكل الحوت الذي ~~ألقاه البحر، فليس ذلك عندنا بطاف وإنما الطافي ما مات حتف أنفه في الماء ~~من غير سبب حادث. # ومن الناس من يظن أن كراهة الطافي من أجل بقائه في الماء حتى طفا عليه ~~فيلزموننا عليه الحيوان المذكى إذا ألقي في الماء حتى طفا عليه. وهذا جهل ~~منهم بمعنى المقالة وموضع الخلاف لأن السمك لو مات ثم طفا على الماء لأكل، ~~ولو مات حتف أنفه ولم يطف على الماء لم يؤكل، والمعنى فيه عندنا هو موته في ~~الماء حتف أنفه لا غير. وقد روى لنا عبد الباقي حديثا وقال لنا إنه حديث ~~منكر، فذكر أنه حدثه به عبيد بن شريك البزاز قال: حدثنا أبو الجماهر قال: ~~حدثنا سعيد بن بشير، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "كل ما طفا على البحر" وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن ~~يثبت ذلك بروايته، قال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إلي من أن أروي عن ~~أبان بن أبي عياش. # فإن احتج محتج بقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] ~~وأنه عموم في الطافي وغيره، قيل له: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ~~مخصوص بما ذكرنا من تحريم الميتة والأخبار الواردة في النهي عن أكل الطافي. ~~والثاني: أنه روي في التفسير في قوله تعالى: {وطعامه} [المائدة: 96] أنه ما ~~ألقاه البحر فمات، وصيده ما اصطادوا وهو حي، والطافي خارج منهما لأنه ليس ~~مما ألقاه البحر ولا مما صيد; إذ غير جائز أن يقال: اصطاد سمكا ميتا، كما ~~لا يقال: اصطاد ميتا. فالآية لم تنتظم الطافي ولم تتناوله، والله أعلم. # PageV01P133 # باب أكل الجراد # قال أصحابنا والشافعي رضي الله عنهم: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته ~~وما وجدته ميتا. وروى ابن ms0169 وهب عن مالك أنه إذا أخذه حيا ثم قطع رأسه وشواه ~~أكل، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل، وإنما هو بمنزلة ما لو وجده ~~ميتا قبل أن يصطاده فلا يؤكل، وهو قول الزهري وربيعة. وقال مالك: "وما قتله ~~مجوسي لم يؤكل". وقال الليث بن سعد: "أكره أكل الجراد ميتا، فأما الذي ~~أخذته حيا فلا بأس به". # PageV01P133 # قال أبو بكر: قول النبي عليه السلام في حديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ~~ودمان السمك والجراد" يوجب إباحته جميعه، مما وجد ميتا ومما قتله آخذه. وقد ~~استعمل الناس جميعهم هذا الخبر في إباحة أكل الجراد فوجب استعماله على ~~عمومه من غير شرط لقتل آخذه; إذ لم يشترطه النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ~~حدثنا زكريا بن يحيى بن عمارة الأنصاري قال: حدثنا فائد أبو العوام، عن أبي ~~عثمان النهدي، عن سلمان, أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجراد قال: ~~"أكثر جنود الله، لا آكله ولا أحرمه". وما لم يحرمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو مباح وترك أكله لا يوجب حظره; إذ جائز ترك أكل المباح وغير جائز ~~نفي التحريم عما هو محرم، ولم يفرق بين ما مات وبين ما قتله آخذه. وقال ~~عطاء عن جابر: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا جرادا ~~فأكلناه". وقال عبد الله بن أبي أوفى: "غزوت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره". # قال أبو بكر: ولم يفرق بين ميته وبين مقتوله، حدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا موسى بن زكريا التستري قال: حدثنا أبو الخطاب قال: حدثنا أبو عتاب: ~~حدثنا النعمان، عن عبيدة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أنها كانت تأكل ~~الجراد وتقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله. # قال أبو بكر: فهذه الآثار الواردة في الجراد لم يفرق في شيء منها بين ~~ميته وبين مقتوله. فإن ms0170 قيل: ظاهر قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} ~~[المائدة: 3] يقتضي حظر جميعها فلا يخص منها إلا ما أجمعوا عليه، وهو ما ~~يقتله آخذه، وما عداه فهو محمول على ظاهر الآية في إيجاب تحريمه قيل له: ~~تخصه الأخبار الواردة في إباحته وهي مستعملة عند الجميع في تخصيص الآية. ~~ولم تفرق هذه الأخبار بين شيء منها، فلم يجز تخصيص شيء منها ولا الاعتراض ~~عليها بالآية لاتفاق الجميع على أنها قاضية على الآية مخصصة لها. وليس ~~الجراد عندنا مثل السمك في حظرنا للطافي منه دون غيره; لأن الأخبار الواردة ~~في تخصيص السمك بالإباحة من جملة الميتة بإزائها أخبار أخر في حظر الطافي ~~منه، فاستعملناها جميعا وقضينا بالخاص منها على العام مع معاضدة الآية ~~لأخبار الحظر. وأيضا فإنه لما وافقنا مالك ومن تابعه على إباحة المقتول منه ~~دل ذلك على أنه لا فرق بينه وبين الميت من غير قتل وذلك لأن القتل ليس ~~بذكاة في حقه لأن الذكاة في الأصل على وجهين وهي فيما له دم سائل: أحدهما ~~قطع الحلقوم والأوداج في حال إمكانه، والآخر: إسالة دمه عند تعذر الذبح، ~~ألا ترى أن الصيد لا يكون مذكى بإصابته إلا أن يجرحه ويسفح دمه؟ فلما لم ~~يكن للجراد دم سائل كان قتله وموته حتف أنفه # PageV01P134 # سواء، كما كان قتل ما له دم سائل من غير سفح دمه وموته حتف أنفه سواء في ~~كونه غير مذكى. فكذلك واجب أن يستوي حكم قتل الجراد وموته حتف أنفه; إذ ليس ~~هو مما يسفح دمه. # فإن قيل: قد فرقت بين السمك الطافي وما قتله آخذه أو مات بسبب حادث، فما ~~أنكرت من فرقنا بين ما مات من الجراد وما قتل منه؟ قيل له: الجواب عن هذا ~~من وجهين: أحدهما أن هذا هو القياس في السمك لما لم يحتج في صحة ذكاته إلى ~~سفح الدم، إلا أنا تركنا القياس للآثار التي ذكرنا، ومن أصلنا تخصيص القياس ~~بالآثار. وليس معك الأثر في تخصيص بعض الجراد بالإباحة دون بعض، فوجب ~~استعمال أخبار الإباحة ms0171 في الكل والوجه الآخر: أن السمك له دم سائل فكان له ~~ذكاة من جهة القتل ولم يحتج إلى سفح دمه في شرط الذكاة، لأن دمه طاهر وهو ~~يؤكل بدمه، فلذلك شرط فيه موته بسبب حادث يقوم له مقام الذكاة في سائر ما ~~له دم سائل، وهذا المعنى غير موجود في الجراد، فلذلك اختلفا، وقد روي عن ~~ابن عمر أنه قال: الجراد كله ذكي وعن عمر وصهيب والمقداد إباحة أكل الجراد، ~~ولم يفرقوا بين شيء منه، والله أعلم. # PageV01P135 # باب ذكاة الجنين # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في جنين الناقة والبقرة وغيرهما إذا خرج ~~ميتا بعد ذبح الأم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يؤكل إلا أن يخرج حيا ~~فيذبح وهو قول حماد. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمة الله عليهم: يؤكل ~~أشعر أو لم يشعر وهو قول الثوري. وقد روي عن علي وابن عمر قالا ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه. وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا وهو قول سعيد بن ~~المسيب. وقال الأوزاعي: إذا تم خلقه فذكاة أمه ذكاته قال الله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} وقال في آخرها {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] وقال: إنما ~~{حرمت عليكم الميتة} فحرم الله الميتة مطلقا واستثنى المذكى منها وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذكاة في المقدور على ذكاته في النحر واللبة وفي ~~غير المقدور على ذكاته بسفح دمه فقوله عليه السلام: "أنهر الدم بما شئت". ~~وقوله في المعراض: "إذا خزق فكل وإذا لم يخزق فلا تأكل" فلما كانت الذكاة ~~منقسمة إلى هذين الوجهين وحكم الله بتحريم الميتة حكما عاما واستثنى منه ~~المذكى بالصفة التي ذكرنا على لسان نبيه ولم تكن هذه الصفة موجودة في ~~الجنين، كان محرما بظاهر الآية. # واحتج من أباح ذلك بأخبار رويت من طرق، منها عن أبي سعيد الخدري وأبي # PageV01P135 # الدرداء وأبي أمامة وكعب بن مالك وابن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه". وهذه الأخبار ms0172 كلها ~~واهية السند عند أهل النقل كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وبيان ضعفها ~~واضطرابها; إذ ليس في شيء منها دلالة على موضع الخلاف، وذلك لأن قوله: ~~"ذكاة الجنين ذكاة أمه" يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له، ويحتمل أن ~~يريد به إيجاب تذكيته كما تذكى أمه وأنه لا يؤكل بغير ذكاة كقوله تعالى: ~~{وجنة عرضها السماوات والأرض} [آل عمران: 133] معناه كعرض السموات والأرض، ~~وكقول القائل: "قولي قولك ومذهبي مذهبك" والمعنى قولي كقولك ومذهبي كمذهبك، ~~وقال الشاعر: # فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق # ومعناه: فعيناك كعينيها وجيدك كجيدها. وإذا احتمل اللفظ لما وصفنا ولم ~~يجز أن يكون المعنيان جميعا مرادين بالخبر لتنافيهما; إذ كان في أحد ~~المعنيين إيجاب تذكيته، فإنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه والآخر يبيح أكله ~~بذكاة أمه; إذ غير معتبر ذكاته في نفسه، لم يجز لنا أن نخصص الآية به ووجب ~~أن يكون محمولا على موافقة الآية; إذ غير جائز تخصيص الآية بخبر الواحد ~~واهي السند محتمل لموافقتها. ويدل على أن مراده إيجاب تذكيته كما تذكى الأم ~~اتفاق الجميع على أنه إذا خرج حيا وجب تذكيته ولم يجز الاقتصار على تذكية ~~الأم، فكان ذلك مرادا بالخبر فلم يجز أن يريد به مع ذلك ذكاة أمه ذكاة له ~~لتنافيهما وتضادهما; إذ كان في أحد المعنيين إيجاب تذكيته وفي الآخر نفيه. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن نريد المعنيين في حالين بأن يجب ذكاته إذا خرج ~~حيا ويقتصر على ذكاة أمه إذا خرج ميتا؟ قيل له: ليس ذكر الحالين موجودا في ~~الخبر، وهو لفظ واحد ولا يجوز أن يريد به الأمرين جميعا، لأن في إرادة أحد ~~المعنيين إثبات زيادة حرف وليس في الآخر إثبات زيادة حرف، وليس في الجائز ~~أن يكون لفظ واحد فيه حرف وغير حرف، فلذلك بطل قول من يقول بإرادتهما. # فإن قيل: إذا كان إرادة أحد المعنيين توجب زيادة حرف وهو الكاف وليس في ~~الآخر زيادة، فحمله على المعنى الذي لا ms0173 يفتقر إلى زيادة أولى; لأن حذف ~~الحرف يوجب أن يكون اللفظ مجازا، وإذا لم يكن فيه حذف شيء فهو حقيقة، وحمل ~~اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز قيل له: كون الحرف محذوفا أو ~~غير محذوف لا يزيل عنه الاحتمال; لأنه. وإن كان مجازا فهو مفهوم اللفظ ~~محتمل له، ولا فرق بين الحقيقة والمجاز فيما هو من مقتضى اللفظ، فلم يجز من ~~أجل ذلك تخصيص الآية. # فإن قال قائل: ليس في اللفظ احتمال كونه غير مذكى بذكاة الأم لأنه لا ~~يسمى # PageV01P136 # جنينا إلا في حال كونه في بطن أمه، ومتى باينها لا يسمى جنينا، والنبي ~~عليه السلام إنما أثبت له الذكاة في حال اتصاله بالأم، وذلك يوجب أن يكون ~~مذكى بتلك الحال في ذكاتها قيل له: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنه ~~جائز أن يسمى بعد الانفصال جنينا لقرب عهده من الاجتنان في بطن أمه، ولا ~~يمتنع أحد من إطلاق القول بأن الجنين لو خرج حيا ذكي كما تذكى الأم فيطلق ~~عليه اسم الجنين بعد الذكاة والانفصال. وقال حمل بن مالك: كنت بين جاريتين ~~لي فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط فألقت جنينا ميتا، فقضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة فسماه جنينا بعد الإلقاء. وإذا كان ذلك ~~كذلك جاز أن يكون مراد النبي عليه السلام: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" أنه يذكى ~~كما تذكى أمه إذا ألقته حيا. والوجه الآخر: أنه لو كان مراده كونه مذكى وهو ~~جنين لوجب أن يكون مذكى بذكاة الأم وإن خرج حيا، وأن موته بعد خروجه لا ~~يكسبه حكم الميتات كموته في بطن أمه، فلما اتفق الجميع على أن خروجه حيا ~~يمنع أن يكون ذكاة الأم ذكاته ثبت أنه لم يرد إثبات ذكاة الأم له في حال ~~اتصاله بالأم. # فإن قال قائل: إنما أراد إثبات الحكم بحال خروجه ميتا قيل له: هذه دعواك ~~لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاز أن تشترط فيه موته في حال كونه ~~جنينا وإن ms0174 لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم جاز لنا أن نشترط إيجاب ذكاته ~~خرج حيا أو ميتا، فمتى لم يوجد له ذكاة في نفسه لم يجز أكله. وعلى أنا متى ~~شرطنا إيجاب ذكاته في نفسه غير معتبر بأمه استعملنا الخبر على عمومه فجعلنا ~~إباحة الأكل معلقة بوجود الذكاة فيه في حال كونه جنينا وبعد خروجه، وحمل ~~الخبر على ذلك أولى من الاقتصار به على ما ذكرت وإثبات ضمير فيه لا ذكر له ~~في الخبر ولا دلالة عليه. # فإن قال قائل: حمل الخبر على ما ذكرت في إيجاب ذكاته إذا خرج يسقط ~~فائدته; لأن ذلك معلوم قبل وروده قيل له: ليس كذلك، من قبل أنه أفاد أنه إن ~~خرج حيا فقد وجبت ذكاته سواء مات في حال لم يقدر على ذكاته أو بقي، وبطل ~~بذلك قول من يقول إنه إن مات في وقت لا يقدر على ذكاته كان مذكى بذكاة ~~الأم. ومن جهة أخرى أنه حكم بإيجاب ذكاته وأنه إن خرج حيا لم يؤكل; إذ هو ~~غير مذكى، فإن خرج حيا ذكي، فأفاد أنه ميتة لا تؤكل، وبطل به قول من يقول ~~إنه لا يحتاج إلى ذكاة إذا خرج ميتا. # فإن احتج محتج بما ذكره زكريا بن يحيى الساجي عن بندار وإبراهيم بن محمد ~~التميمي قالا: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي ~~سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتا فقال: "إن شئتم ~~فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه ". قيل له: قد روى هذا الحديث جماعة من الثقات عن ~~يحيى بن سعيد، ولم يذكروا فيه أنه # PageV01P137 # خرج ميتا، ورواه جماعة عن مجالد منهم هشيم وأبو أسامة وعيسى بن يونس ولم ~~يذكروا فيه أنه خرج ميتا، وإنما قالوا: سئل النبي عليه السلام عن الجنين ~~يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة، فقال: "كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" ~~ورواه أيضا ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه ms0175 وسلم ~~وكذلك قال كل من يروي ذلك عن النبي عليه السلام ممن قدمنا ذكره لم يذكر ~~واحد منهم أنه خرج ميتا، ولم تجئ هذه اللفظة إلا في رواية الساجي. ويشبه أن ~~تكون هذه الزيادة من عنده فإنه غير مأمون. # فإن احتج بما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ~~[المائدة: 1] أنها الأجنة، قيل له: إنه قد روي عن ابن عباس أنها جميع ~~الأنعام، وأن قوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] الخنزير. وروي ~~عن الحسن أن بهيمة الأنعام الشاة والبعير والبقرة. والأولى أن تكون على ~~جميع الأنعام ولا تكون مقصورة على الجنين دون غيره; لأنه تخصيص بلا دلالة. ~~وأيضا فإن كان المراد الأجنة فهي على إباحتها بالذكاة كسائر الأنعام هي ~~مباحة بشرط ذكاتها، وكالجنين إذا خرج حيا هو مباح بشرط الذكاة. وأيضا فإن ~~قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] إذا ~~كان المراد ما سيتلى عليكم في المستقبل مما هو محرم في الحال، فهو مجمل لا ~~يصح الاحتجاج به; لأنه يكون بمنزلة ما لو قال: بعض الأنعام مباح وبعضه ~~محظور. ولم يبينه فلا يصح اعتبار عموم شيء منه. # فإن قال قائل: لما كان حكم الجنين حكم أمه فيمن ضرب بطن امرأة فماتت ~~وألقت جنينا ميتا ولم ينفرد بحكم نفسه، كان كذلك حكمه في الذكاة إذا مات في ~~بطن أمه بموتها، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في ~~إيجاب الغرة فيه، فكذلك جنين الحيوان إذا مات بموت أمه وخرج ميتا أكل، وإذا ~~خرج حيا لم يؤكل حتى يذكى قيل له: هذا قياس فاسد لأنه قياس حكم على حكم ~~غيره، وإنما القياس الصحيح الجمع بين المسألتين في حكم واحد بعلة توجب رد ~~إحداهما إلى الأخرى. فأما في قياس مسألة على مسألة في حكمين مختلفين فإن ~~ذلك ليس بقياس، وقد علمنا أن المسألة التي استشهدت بها إنما حكمها ضمان ~~الجنين في حال انفصاله منها حيا بعد موتها، ومسألتنا إنما هي ms0176 في إثبات ذكاة ~~الأم له في حال منعه في حال أخرى، فكيف يصح رد هذه إلى تلك؟ ومع ذلك فلو ~~ضرب بطن شاة أو غيرها فألقت جنينا ميتا لم يجب للجنين أرش ولا قيمة على ~~الضارب وإنما يجب فيه نقصان الأم إن حدث بها نقصان. وإذا لم يكن لجنين ~~البهائم بعد الانفصال حكم في حياة الأم وثبت ذلك لجنين المرأة. فكيف يجوز ~~قياس البهيمة على الإنسان وقد اختلف حكمهما في نفس ما ذكرت؟ # PageV01P138 # فإن قيل: لما كان الجنين في حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها كان ~~بمنزلة العضو منها إذا ذكيت الأم فيحل بذكاتها قيل له: غير جائز أن يكون ~~بمنزلة عضو منها لجواز خروجه حيا تارة في حياة الأم وتارة بعد موتها، ~~والعضو لا يجوز أن يثبت له حكم الحياة بعد انفصاله منها، فثبت أنه غير تابع ~~لها في حال حياتها ولا بعد موتها. # فإن قيل: الواجب أن يتبع الجنين الأم في الذكاة كما يتبع الولد الأم في ~~العتاق والاستيلاد والكتابة ونحوها قيل له: هذا غلط من الوجه الذي قدمنا في ~~امتناع قياس حكم على حكم آخر. ومن جهة أخرى أنه غير جائز إذا أعتقت الأمة ~~أن ينفصل الولد منها غير حر وهو تابع للأم في الأحكام التي ذكرت، وجائز أن ~~تذكى الأم ويخرج الولد حيا فلا يكون ذكاة الأم ذكاة له، فعلمنا أنه لا يتبع ~~الأم في الذكاة; إذ لو تبعها في ذلك لما جاز أن ينفرد بعد ذكاة الأم بذكاة ~~نفسه. # وأما مالك فإنه ذهب فيه إلى ما روي في حديث سليمان أبي عمران، عن ابن ~~البراء، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في أجنة الأنعام أن ~~ذكاتها ذكاة أمها إذا أشعرت. وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ~~ذكاة أمه. وروي عن علي وابن عمر من قولهما مثل ذلك. # فيقال له: إذا ذكر الإشعار في ms0177 هذا الخبر وأبهم في غيره من الأخبار التي ~~هي أصح منه، وهو خبر جابر وأبي سعيد وأبي الدرداء وأبي أمامة، ولم يشترط ~~فيها الإشعار، فهلا سويت بينهما; إذ لم تنف هذه الأخبار ما أوجبه خبر ~~الإشعار; إذ هما جميعا يوجبان حكما واحدا، وإنما في أحدهما تخصيص ذلك الحكم ~~من غير نفي لغيره وفي الآخر إبهامه وعمومه. ولما اتفقنا جميعا على أنه إذا ~~لم يشعر لم تعتبر فيه ذكاة الأم واعتبرت ذكاة نفسه وهو في هذه الحالة أقرب ~~أن يكون بمنزلة أعضائها منه بعد مباينته لها، وجب أن يكون ذلك حكمه إذا ~~أشعر ويكون معنى قوله: "ذكاته ذكاة أمه" على أنه يذكى كما تذكى أمه. # ويقال لأصحاب الشافعي: إذا كان قوله: "ذكاته ذكاة أمه" إذا أشعر، ينفي ~~ذكاته بأمه إذا لم يشعر، فهلا خصصت به الأخبار المبهمة; إذ كان عندكم أن ~~هذا الضرب من الدليل يخص به العموم بل هو أولى منه. ومما يحتج به على ~~الشافعي أيضا في ذلك، قوله عليه السلام: "أحلت لنا ميتتان ودمان" ودلالة ~~هذا الخبر يقتضي عنده تحريم سائر الميتات سواهما، فيلزمه أن يحمل معنى. ~~قوله: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" على موافقة دلالة هذا الخبر. # PageV01P139 # باب جلود الميتة إذا دبغت # قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} وقوله تعالى: {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما} [الأنعام: 145] ~~يقتضي تحريم الميتة بجميع أجزائها، وجلدها من أجزائها; لأنه قد حله الموت ~~بدلا من الحياة التي كانت فيه. إلا أن قوله: {على طاعم يطعمه} [الأنعام: ~~145] قد دل على الاقتصار بالتحريم على ما يتأتى فيه الأكل. وقد بين النبي ~~عليه السلام هذا المعنى في جلد الميتة بعد الدباغ بقوله: "إنما حرم أكلها ~~وإنما حرم لحمها". # وقد اختلف الفقهاء في حكم جلد الميتة بعد الدباغ، فقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبيد الله بن الحسن العنبري والأوزاعي ~~والشافعي: يجوز بيعه بعد الدباغ والانتفاع به قال الشافعي: إلا جلد ms0178 الكلب ~~والخنزير. وأصحابنا لم يفرقوا بين جلد الكلب وغيره، وجعلوه طاهرا بالدباغ ~~إلا جلد الخنزير خاصة. وقال مالك: ينتفع بجلود الميتة في الجلوس عليها ~~ويغربل عليها ولا تباع ولا يصلى عليها. وقال الليث بن سعد: لا بأس ببيع ~~جلود الميتة قبل الدباغ إذا بينت أنها ميتة. والحجة لمن طهرها وجعلها مذكاة ~~ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المتواترة من الوجوه ~~المختلفة بألفاظ مختلفة كلها يوجب طهارتها والحكم بذكاتها، فمنها حديث ابن ~~عباس قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر وحديث الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن ~~المحبق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى في غزوة تبوك على بيت بفنائه قربة ~~معلقة فاستسقى فقيل: إنها ميتة، فقال: "ذكاة الأديم دباغته". وروى سعيد بن ~~المسيب عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دباغ جلود ~~الميتة طهورها" وسماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت: كانت لنا شاة فماتت ~~فطرحناها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعلت شاتكم؟ " فقلنا: ~~رميناها، فتلا قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} [الأنعام: 145] الآية، "أفلا استمتعتم بإهابها" فبعثنا إليها ~~فسلخناها ودبغنا جلدها وجعلناه سقاء وشربنا فيه حتى صار شنا. وقالت أم ~~سلمة: مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة فقال: "ما على أهل هذه لو ~~انتفعوا بإهابها" والزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة ~~قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة لهم ميتة فقال: "ألا دبغوا إهابها ~~فانتفعوا به" فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: "إنما حرم من الميتة ~~أكلها" في غير ذلك من الأخبار، كلها يوجب طهارة جلد الميتة بعد الدباغ، ~~كرهت الإطالة بذكرها. # وهذه الأخبار كلها متواترة موجبة للعلم والعمل، قاضية على الآية من ~~وجهين: أحدهما: ورودها من الجهات المختلفة التي يمنع مثلها التواطؤ ~~والاتفاق على الوهم # PageV01P140 # والغلط. والثاني: جهة تلقي الفقهاء إياها بالقبول واستعمالهم لها. فثبت ~~بذلك ms0179 أنها مستعملة مع آية تحريم الميتة وأن المراد بالآية تحريمها قبل ~~الدباغ، وما قدمنا من دلالة قوله: {على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] أن ~~المراد بالآية فيما يتأتى فيه الأكل، والجلد بعد الدباغ خارج عن حد الأكل، ~~فلم يتناوله التحريم. # ومع ذلك فإن هذه الأخبار لا محالة بعد تحريم الميتة، لولا ذلك لما رموا ~~بالشاة الميتة ولما قالوا: إنها ميتة، ولم يكن النبي عليه السلام ليقول: ~~"إنما حرم أكلها" فدل ذلك على أن تحريم الميتة مقدم على هذه الأخبار، وأن ~~هذه الأخبار مبينة أن الجلد بعد الدباغ غير مراد بالآية. # ولما وافقنا مالك على جواز الانتفاع به بعد الدباغ فقد استعمل الأخبار ~~الواردة في طهارتها، ولا فرق في شيء منها بين افتراشها والصلاة عليها وبين ~~أن تباع أو يصلى عليها، بل في سائر الأخبار أن دباغها ذكاتها، ودباغها ~~طهورها. وإذا كانت مذكاة لم يختلف حكم الصلاة عليها وبيعها وحكم افتراشها ~~والجلوس عليها كسائر جلود الحيوان المذكاة، ألا ترى أنها قبل الدباغ باقية ~~على حكم التحريم في امتناع جواز الانتفاع بها من سائر الوجوه كالانتفاع ~~بلحومها؟ فلما اتفقنا على خروجها عن حكم الميتة بعد الدباغ فيما وصفنا ثبت ~~أنها مذكاة طاهرة بمنزلة ذكاة الأصل. ويدل على ذلك أيضا أن التحريم متعلق ~~بكونها مأكولة، وإذا خرج عن حد الأكل صار بمنزلة الثوب والخشب ونحو ذلك. ~~ويدل على ذلك أيضا موافقة مالك إيانا على جواز الانتفاع بشعر الميتة وصوفها ~~لامتناع أكله، وذلك موجود في الجلد بعد الدباغ فوجب أن يكون حكمه حكمها. # فإن قيل: إنما جاز ذلك في الشعر والصوف لأنه يؤخذ منه في حال الحياة قيل ~~له: ليس يمتنع أن يكون ما ذكرنا علة الإباحة، وكذلك ما ذكرت، فيكون للإباحة ~~علتان: إحداهما: أنه لا يتأتى فيه الأكل، والأخرى: أنه يؤخذ منه في حال ~~الحياة فيجوز الانتفاع به لأن موجبهما حكم واحد. ومتى عللناه بما وصفناه ~~وجب قياس الجلد عليه. وإذا عللته بما وصفت كان مقصور الحكم على المعلول. # وقد روى الحكم عن عبد الرحمن ms0180 بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: قرئ ~~علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ~~ولا عصب" فاحتج بذلك من حظر جلد الميتة بعد الدباغ وغير جائز معارضة ~~الأخبار الواردة في الإباحة بهذا الخبر من وجوه: أحدها: أن الأخبار التي ~~قدمناها في حيز التواتر الموجب للعلم، وحديث عبد الله بن عكيم ورد من طريق ~~الآحاد، وقد روى عاصم بن علي عن قيس بن الربيع عن # PageV01P141 # حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: ~~كتب إلينا عمر بن الخطاب أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فذكر في ~~هذا الحديث أن عمر كتب إليهم بذلك، فلا يجوز معارضة الأخبار التي قدمنا ~~بمثله. ومن جهة أخرى أنهما لو تساويا في النقل لكان خبر الإباحة أولى ~~لاستعمال الناس له وتلقيهم إياه بالقبول. ووجه آخر: وهو أن خبر عبد الله بن ~~عكيم لو انفرد عن معارضة الأخبار التي قدمنا لم يكن فيه ما يوجب تحريم ~~الجلد بعد الدباغ; لأنه قال: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وهو ~~إنما يسمى إهابا قبل الدباغ، والمدبوغ لا يسمى إهابا وإنما يسمى أديما فليس ~~إذا في هذا الخبر ما يوجب تحريمه بعد الدباغ. # وأما قول الليث بن سعد في إباحة بيع جلد الميتة قبل الدباغ فقول خارج عن ~~اتفاق الفقهاء لم يتابعه عليه أحد، ومع ذلك هو مخالف لقوله عليه السلام: ~~"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" لأنه قبل الدباغ يسمى إهابا. والبيع ~~من وجوه الانتفاع، فوجب أن يكون محظورا بقوله: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ~~ولا عصب". # قال أبو بكر: فإن قال قائل: قوله عليه السلام: "إنما حرم من الميتة ~~أكلها" يدل على أن التحريم مقصور على الأكل دون البيع قيل له: فينبغي أن ~~تجيز بيع لحمها بقوله: "إنما حرم أكلها" فإذا لم يجز بيع اللحم مع قوله: ~~"إنما حرم أكلها" كذلك حكم الجلد قبل الدباغ. # فإن ms0181 قال قائل: منعت بيع اللحم بقوله: "إنما حرم أكلها" قيل له: وامنع بيع ~~الجلد بقوله: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] لأنه لم يفرق بين الجلد ~~واللحم وإنما خص من جملته المدبوغ منه دون غيره. وأيضا فروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها ~~وأكلوا أثمانها" وإذا كان الجلد محرم الأكل قبل الدباغ كتحريم اللحم، وجب ~~أن لا يجوز بيعه كبيع اللحم نفسه وكبيع سائر المحرمات لأعيانها كالخمر ~~والدم ونحوهما. # وأما جلد الكلب فيلحقه الدباغ ويطهر إذا كان ميتة، لقوله عليه السلام: ~~"أيما إهاب دبغ فقد طهر" وقال: "دباغ الأديم ذكاته" ولم يفرق بين الكلب ~~وغيره ولأنه تلحقه الذكاة عندنا لو ذبح لكان طاهرا. فإن قيل: إذا كان نجسا ~~في حال الحياة كيف يطهر بالدباغ؟ قيل له: كما يكون جلد الميتة نجسا ويطهره ~~الدباغ لأن الدباغ ذكاته كالذبح. # وأما الخنزير فلا تلحقه الذكاة لأنه محرم العين بمنزلة الخمر والدم فلا ~~تعمل فيه # PageV01P142 # الذكاة، ألا ترى أنه لا يجوز الانتفاع به في حال الحياة والكلب يجوز ~~الانتفاع به في حال الحياة؟ فليس هو محرم العين، والله أعلم. # PageV01P143 # باب تحريم الانتفاع بدهن الميتة # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وقال: {قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: ~~145] وهذان الظاهران يحظران دهن الميتة كما أوجبا حظر لحمها وسائر أجزائها. ~~وقد روى محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر قال: لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة أتاه أصحاب الصليب 1 الذين يجمعون الأوداك فقالوا: يا رسول ~~الله إنا نجمع هذه الأوداك وهي من الميتة وعكرها وإنما هي للأدم والسفن، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها وأكلوا أثمانها" فنهاهم عن ذلك. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تحريم الله تعالى إياها على الإطلاق قد أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم ~~أكلها. وقد ذكر عن ms0182 ابن جريج عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهو ~~قول شاذ وقد ورد الأثر بتحريمه واقتضى ظاهر الآية حظره. PageV01P143 # باب الفأرة تموت في السمن # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة} وقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] لم يقتض تحريم ما ماتت فيه من المائعات، وإنما اقتضى ~~تحريم عين الميتة، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة، فلم ينتظمه لفظ التحريم. ~~ولكنه محرم الأكل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى الزهري عن سعيد ~~بن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع ~~في السمن، فقال عليه السلام: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان ~~مائعا فلا تقربوه" وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ~~وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: أن فأرة وقعت ~~في سمن فماتت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألقوها وما حولها ثم كلوه". # PageV01P143 ### | باب القول في أنها من القرآن # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين أن {بسم الله الرحمن الرحيم} من ~~القرآن في قوله تعالى: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[النمل: 30] . وروي أن جبريل عليه السلام أول ما أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن قال له: اقرأ قال: "ما أنا بقارئ" قال له: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} . وروى أبو قطن عن المسعودي عن الحارث العكلي أن النبي عليه ~~السلام كتب في أوائل الكتب: باسمك اللهم، حتى نزل {بسم الله مجراها ~~ومرساها} [هود: 41] فكتب: بسم الله، ثم نزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] فكتب فوقه: الرحمن، فنزلت قصة سليمان فكتبها ~~حينئذ. ومما سمعنا في سنن أبي داود، قال: قال الشعبي ومالك وقتادة وثابت إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة ~~النمل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يكتب بينه وبين سهيل ~~بن عمرو ms0183 كتاب الهدنة بالحديبية قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم" فقال له سهيل: باسمك اللهم، فإنا لا نعرف الرحمن ~~إلى أن سمح بها بعد. فهذا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من ~~القرآن، ثم أنزلها الله تعالى في سورة النمل. # PageV01P007 ### | القول في أنها من فاتحة الكتاب # قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا; فعدها قراء ~~الكوفيين آية منها ولم يعدها قراء البصريين وليس عن أصحابنا رواية منصوصة ~~في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر ~~بها، وهذا يدل على أنها ليست منها عندهم لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر ~~بها كما جهر بسائر آي السور قال الشافعي: هي آية منها، وإن تركها أعاد ~~الصلاة، وتصحيح أحد هذين القولين موقوف على الجهر والإخفاء، على ما سنذكره ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P008 ### | القول في هل هي من أوائل السور # قال أبو بكر: ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها، ~~على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر ~~بها ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها; إذ ليس من ~~قول أحد أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها ~~آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو ~~في أنها آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدها أحد آية من سائر ~~السور. ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب حديث سفيان بن عيينة عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ~~ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل فإذا قال: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: ~~حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} ms0184 قال: مجدني عبدي أو أثنى علي عبدي، ~~وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: فوض إلي عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} قال: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فيقول عبدي: {اهدنا ~~الصراط المستقيم} إلى آخرها، قال: لعبدي ما سأل" فلو كانت من فاتحة الكتاب ~~لذكرها فيما ذكر من آي السورة، فدل ذلك على أنها ليست منها. # ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة ~~فاتحة الكتاب وجعلها نصفين، فانتفى بذلك أن تكون {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~آية منها من وجهين: أحدهما: أنه لم يذكرها في القسمة; الثاني أنها لو صارت ~~في القسمة لما كانت نصفين، بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأن ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} ثناء على الله تعالى لا شيء للعبد فيه. فإن قال ~~قائل: إنما لم يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة، قيل # PageV01P008 ### | باب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة # قال أصحابنا جميعا رحمهم الله: يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من ~~الأوليين، فإن ترك قراءة فاتحة الكتاب، وقرأ غيرها فقد أساء، ويجزيه صلاته. ~~وقال مالك بن أنس: إذا لم يقرأ أم القرآن في الركعتين أعاد وقال الشافعي: ~~أقل ما يجزي فاتحة الكتاب، فإن ترك منها حرفا وخرج من الصلاة أعاد. # قال أبو بكر: روى الأعمش عن خيثمة عن عباد بن ربعي، قال: قال عمر: لا ~~تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا. وروى ابن علية عن ~~الجريري عن ابن بريدة عن عمران بن حصين، قال: لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا وروى معمر عن أيوب عن أبي العالية، قال: سألت ~~ابن عباس عن القراءة في كل ركعة، قال: اقرأ منه ما قل أو كثر وليس من ~~القرآن شيء قليل وروي عن الحسن وإبراهيم والشعبي أن من نسي قراءة فاتحة ~~الكتاب وقرأ غيرها لم يضر، وتجزيه. وروى # PageV01P019 ### | ومن سورة البقرة ### | مدخل # ... # ومن سورة البقرة # قوله تعالى: {الذين يؤمنون ms0185 بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ~~يتضمن الأمر بالصلاة والزكاة; لأنه جعلهما من صفات المتقين ومن شرائط ~~التقوى; كما جعل الإيمان بالغيب، وهو الإيمان بالله وبالبعث والنشور وسائر ~~ما لزمنا اعتقاده عن طريق الاستدلال، من شرائط التقوى فاقتضى ذلك إيجاب ~~الصلاة والزكاة المذكورتين في الآية. # وقد قيل في إقامة الصلاة وجوه: منها إتمامها من تقويم الشيء وتحقيقه، ~~ومنه قوله: {وأقيموا الوزن بالقسط} [الرحمن: 9] . وقيل يؤدونها على ما فيها ~~من قيام وغيره، فعبر عنها بالقيام; لأن القيام من فروضها، وإن كانت تشتمل ~~على فروض غيره، كقوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] والمراد ~~الصلاة التي فيها القراءة، وقوله تعالى: {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] ~~المراد القراءة في صلاة الفجر، وكقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ~~[المرسلات: 48] وقوله: {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] وقوله: {واركعوا مع ~~الراكعين} [البقرة: 43] فذكر ركنا من أركانها الذي هو من فروضها، ودل به ~~على أن ذلك فرض فيها وعلى إيجاب ما هو من فروضها، فصار قوله: {يقيمون ~~الصلاة} موجبا للقيام فيها ومخبرا به عن فرض الصلاة ويحتمل {يقيمون الصلاة} ~~يديمون فروضها في أوقاتها، كقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} [النساء: 103] أي فرضا في أوقات معلومة لها، ونحوه قوله ~~تعالى: {قائما بالقسط} [آل عمران: 18] يعني يقيم القسط ولا يفعل غيره ~~والعرب تقول في الشيء الراتب الدائم: قائم، وفي فاعله: مقيم يقال: فلان ~~يقيم أرزاق الجند. وقيل: هو من قول القائل: قامت السوق، إذا حضر أهلها; ~~فيكون معناه الاشتغال بها عن غيرها ومنه: قد قامت الصلاة، وهذه الوجوه على ~~اختلافها تجوز أن تكون مرادة بالآية وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} في فحوى ~~الخطاب دلالة على أن المراد المفروض من النفقة، وهي الحقوق الواجبة لله ~~تعالى من الزكاة وغيرها، كقوله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت} [المنافقون: 10] وقوله: {وأنفقوا في سبيل # PageV01P027 ### | مطلب في أن عقوبة الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، وإنما هي على ما يعلمه الله تعالى من المصالح فيها # ولما كانت أجرام المنافقين أعظم ms0186 من أجرام سائر الكفار المبادين بالكفر; ~~لأنهم جمعوا الاستهزاء والمخادعة بقوله: {يخادعون الله} وقولهم {إنما نحن ~~مستهزئون} وذلك زيادة في الكفر، وكذلك أخبر الله تعالى أنهم {في الدرك ~~الأسفل من النار} ، ومع ما أخبر بذلك من عقابهم وما يستحقونه في الآخرة، ~~خالف بين أحكامهم في الدنيا وأحكام سائر المظهرين للشرك في رفع القتل عنهم ~~بإظهارهم الإيمان وأجراهم مجرى المسلمين في التوارث وغيره. ثبت أن عقوبات ~~الدنيا ليست موضوعة على مقادير الأجرام، وإنما هي على ما يعلم الله من ~~المصالح فيها وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه فأوجب رجم الزاني المحصن ولم ~~يزل عنه الرجم بالتوبة ألا ترى إلى قوله عليه السلام في ماعز بعد رجمه وفي ~~الغامدية بعد رجمها: "لقد تاب توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". والكفر ~~أعظم من الزنا، ولو كفر رجل ثم تاب قبلت توبته، وقال تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] وحكم في القاذف بالزنا ~~بجلد ثمانين ولم يوجب على القاذف بالكفر الحد، وهو أعظم من الزنا، وأوجب ~~على شارب الخمر الحد، ولم يوجب على شارب الدم وآكل الميتة فثبت بذلك أن ~~عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، ولأنه لما كان جائزا في ~~العقل أن لا يوجب في الزنا والقذف والسرقة حدا رأسا ويكل أمرهم إلى عقوبات ~~الآخرة، جاز أن يخالف بينها فيوجب في بعضها أغلظ مما يوجب في بعض، ولذلك ~~قال أصحابنا: لا # PageV01P030 ### | مطلب في أمر اله تعالى باستعمال الحجج العقلية والاستدلال بها # قال أبو بكر رحمه الله: وقد تضمنت هذه الآية مع ما ذكرنا من التنبيه على ~~دلائل التوحيد وإثبات النبوة الأمر باستعمال حجج العقول والاستدلال ~~بدلائلها، وذلك مبطل لمذهب من نفى الاستدلال بدلائل الله تعالى واقتصر على ~~الخبر بزعمه في معرفة الله # PageV01P034 ### | باب السجود لغير الله تعالى # قال الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} ، روى شعبة عن ~~قتادة: أن الطاعة كانت لله تعالى في السجود لآدم، أكرمه الله بذلك، وروى ~~معمر عن قتادة ms0187 في قوله: {وخروا له سجدا} [يوسف: 100] قال: "كانت تحيتهم ~~السجود". وليس يمتنع أن يكون ذلك السجود عبادة لله تعالى وتكرمة وتحية لآدم ~~عليه السلام وكذلك سجود إخوة يوسف عليهم السلام وأهله له، وذلك لأن العبادة ~~لا تجوز لغير الله تعالى، والتحية والتكرمة جائزان لمن يستحق ضربا من ~~التعظيم. # ومن الناس من يقول: إن السجود كان لله، وآدم كان بمنزلة القبلة لهم وليس ~~هذا بشيء; لأنه يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة. وظاهر ~~ذلك # PageV01P036 ### | مطلب يحتج بقوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} الآية على أن الأذكار توقيفية لا يجوز تغييرها # قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} يحتج بها فيما ورد ~~من التوقيف في الأذكار والأقوال بأنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها إلى ~~غيرها. وربما احتج به # PageV01P038 ### | مطلب دل قوله تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} على جواز الاجتهاد # والسادس: دلالة قوله: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} على جواز الاجتهاد ~~واستعمال غالب الظن في الأحكام; إذ لا يعلم أنها بين البكر والفارض إلا من ~~طريق الاجتهاد. # والسابع: استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون في الباطن خلافه بقوله: {مسلمة ~~لا شية فيها} يعني والله أعلم مسلمة من العيوب بريئة منها، وذلك لا نعلمه ~~من طريق الحقيقة وإنما نعلمه من طريق الظاهر مع تجويز أن يكون بها عيب ~~باطن. # والثامن: ما حكى الله عنهم في المراجعة الأخيرة: {وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون} لما # PageV01P041 ### | باب السحر وحكم الساحر # قال الله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان} إلى آخر القصة. # قال أبو بكر: الواجب أن نقدم القول في السحر لخفائه على كثير من أهل ~~العلم فضلا عن العامة، ثم نعقبه بالكلام في حكمه في مقتضى الآية في المعاني ~~والأحكام، فنقول: إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في اللغة لما لطف وخفي سببه، ~~والسحر عندهم بالفتح وهو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، قال لبيد: # أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب ms0188 # قيل: فيه وجهان: نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع، والآخر: نغذى، وأي ~~الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال آخر: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # PageV01P049 ### | باب اختلاف الفقهاء في حكم الساحر وقول السلف فيه # حدثنا عبد الباقي، حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~رجاء قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبد الله قال: "من أتى ~~كاهنا أو عرافا # PageV01P059 ### | مطلب في أن ثبوت السحر يكون إما باقتصاص الأثر وتتبعه وإما بالإخبار # قال: فقلت لأبي يوسف: ما الساحر؟ قال: الذي يقتص له من العمل مثل ما فعلت ~~اليهود بالنبي عليه الصلاة والسلام وبما جاءت به الأخبار إذا أصاب به قتلا، ~~فإذا لم يصب به قتلا لم يقتل; لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يقتله; إذ كان لم يصب به قتلا. # قال أبو بكر: ليس فيما ذكر بيان معنى السحر الذي يستحق فاعله القتل، ولا ~~يجوز أن يظن بأبي يوسف أنه اعتقد في السحر ما يعتقده الحشو من إيصالهم ~~الضرر إلى المسحور من غير مماسة ولا سقي دواء; وجائز أن يكون سحر اليهود ~~للنبي عليه السلام على جهة إرادتهم التوصل إلى قتله بإطعامه، وأطلعه الله ~~على ما أرادوا، كما سمته زينب اليهودية في الشاة المسمومة فأخبرته الشاة ~~بذلك، فقال: "إن هذه الشاة لتخبرني أنها مسمومة". # قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر قتل ولا يستتاب; لأن ~~المسلم إذا ارتد باطنا لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام قال إسماعيل بن ~~إسحاق: فأما ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك، إلا أن يضر المسلمين ~~فيقتل لنقض العهد وقال الشافعي: إذا قال الساحر: أنا أعمل عملا لأقتل فأخطئ ~~وأصيب وقد مات هذا الرجل من عملي; ففيه الدية وإن قال: عملي يقتل المعمول ~~به وقد تعمدت قتله; قتل به قودا، وإن قال: مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه ~~لمات منه ثم تكون الدية. # PageV01P061 ### | باب في نسخ القرآن بالسنة وذكر ms0189 وجوه النسخ # قال الله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} قال قائلون: ~~"النسخ هو الإزالة" وقال آخرون: "هو الإبدال" قال الله تعالى: {فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] أي يزيله ويبطله ويبدل مكانه آيات محكمات. ~~وقيل: هو النقل، من قوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29] ~~وهذا الاختلاف إنما هو في موضوعه في أصل اللغة، ومهما كان في أصل اللغة ~~معناه فإنه في إطلاق الشرع إنما هو # PageV01P070 ### | مطلب في الحث على نظافة البدن والثياب # وهذه الخصال قد ثبتت من سنة إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم وهي تقتضي أن يكون التنظيف ونفي الأقذار والأوساخ عن الأبدان والثياب ~~مأمورا بها. ألا ترى أن الله تعالى لما حظر إزالة التفث والشعر في الإحرام ~~أمر به عند الإحلال بقوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] ومن نحو ذلك ما ~~روي عن النبي عليه السلام في غسل يوم الجمعة "أن يستاك وأن يمس من طيب ~~أهله" فهذه كلها خصال مستحسنة في العقول محمودة مستحبة في الأخلاق ~~والعادات، وقد أكدها التوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد حدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا محمد بن عمر بن حيان التمار قال: حدثنا أبو الوليد وعبد ~~الرحمن بن المبارك قالا: حدثنا قريش بن حيان العجلي قال: حدثنا سليمان بن ~~فروخ أبو واصل قال: أتيت أبا أيوب فصافحته فرأى في أظفاري طولا فقال: جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء، فقال: "يجيء أحدكم ~~يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأنها أظفار الطير يجتمع فيها الخباثة والتفث؟ ~~" وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال: حدثنا عبد الملك ~~بن مروان الحذاء قال: حدثنا الضحاك بن زيد الأهوازي عن إسماعيل بن خالد عن ~~قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال: قلنا يا رسول الله إنك تهم 1 ~~قال: "وما لي لا أهم ورفغ أحدكم بين أظفاره وأنامله". وقد روي عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى ms0190 الله عليه وسلم أنه كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ~~قبل أن يروح إلى الجمعة. وحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا عثمان بن PageV01P080 ### | باب ذكر صفة الطواف # قال أبو بكر رحمه الله تعالى: كل طواف بعده سعي ففيه رمل في الثلاثة ~~الأشواط الأول، وكل طواف ليس بعده سعي بين الصفا والمروة فلا رمل فيه، ~~فالأول مثل طواف القدوم إذا أراد السعي بعده، وطواف الزيارة إذا لم يسع بين ~~الصفا والمروة حين قدم، فإن كان قد سعى حين قدم عقيب طواف القدوم فلا رمل ~~فيه وطواف العمرة فيه رمل; لأن بعده سعيا بين الصفا والمروة وقد رمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا. رواه جابر بن عبد الله وابن عباس في ~~رواية عطاء عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك روى ابن عمر: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رمل في الثلاثة الأشواط من الحجر إلى الحجر". وروي نحو ~~ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عمر من قولهم مثل ذلك، وروى أبو الطفيل عن ابن ~~عباس: "أن النبي رمل من الركن اليماني ثم مشى إلى الركن الأسود". وكذلك ~~رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والنظر يدل على ما رواه ~~الأولون من قبل اتفاق الأولين جميعا على تساوي الأربع الأواخر في المشي ~~فيهن، كذلك يجب أن يستوي الثلاث الأول في الرمل فيهن في جميع الجوانب; # PageV01P094 ### | باب ميراث الجد # قال الله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من # PageV01P098 ### | باب القول في صحة الإجماع # قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} . قال أهل ~~اللغة: الوسط: العدل، وهو الذي بين المقصر والغالي. وقيل: هو الخيار ~~والمعنى واحد; لأن العدل هو الخيار، قال زهير: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم # PageV01P106 ### | مطلب يستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم # ويستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه ms0191 وسلم فيترك حكمه من طريق ~~النسخ، فدل ذلك على أن الإجماع في أي حال حصل من الأمة فهو حجة لله عز وجل ~~غير سائغ لأحد تركه ولا الخروج عنه. ومن حيث دلت الآية على صحة إجماع الصدر ~~الأول، فهي دالة على صحة إجماع أهل الأعصار، إذ لم يخصص بذلك أهل عصر دون ~~عصر. ولو جاز الاقتصار بحكم الآية على إجماع الصدر الأول دون أهل سائر ~~الإعصار لجاز الاقتصار به على إجماع أهل سائر الأعصار دون الصدر الأول. # فإن قال قائل: لما قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} فوجه الخطاب إلى ~~الموجودين في حال نزوله، دل ذلك على أنهم هم المخصوصون به دون غيرهم، فلا ~~يدخلون في حكمهم إلا بدلالة قيل له: هذا غلط; لأن قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} هو خطاب لجميع الأمة: أولها وآخرها، من كان منهم موجودا ~~في وقت نزول الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] وقوله: {كتب عليكم ~~القصاص} [البقرة: 87] ونحو ذلك من الآي خطاب لجميع الأمة، كما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى جميعها: من كان منهم موجودا في عصره ومن جاء ~~بعده. قال الله تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45] ، وقال تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] وما أحسب مسلما يستجيز إطلاق ~~القول بأن النبي عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى جميع الأمة أولها وآخرها، ~~وأنه لم يكن حجة عليها وشاهدا، وأنه لم يكن رحمة لكافتها. # فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} واسم الأمة ~~يتناول الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم إلى قيام ~~الساعة، فإنما حكم لجماعتها بالعدالة وقبول الشهادة، وليس فيه حكم لأهل عصر ~~واحد بالعدالة وقبول الشهادة، فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى ~~جعلتهم حجة على من بعدهم؟ قيل له: لما جعل من ms0192 حكم له بالعدالة حجة على غيره ~~فيما يخبر به أو يعتقده من أحكام الله تعالى، وكان معلوما أن ذلك صفة قد ~~حصلت له في الدنيا وأخبر تعالى بأنهم شهداء على الناس، فلو اعتبر أول الأمة ~~وآخرها في كونها حجة له عليهم، لعلمنا أن المراد أهل # PageV01P108 ### | باب استقبال القبلة # قال الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} قيل: ~~إن التقلب هو التحول، وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقلب وجهه في ~~السماء; لأنه كان وعد بالتحويل إلى الكعبة، فكان منتظرا لنزول الوحي به ~~وكان يسأل الله ذلك، فأذن الله تعالى له فيه; لأن الأنبياء صلوات الله ~~عليهم لا يسألون الله إلا بعد الإذن; لأنهم لا يأمنون أن لا يكون فيه صلاح ~~ولا يجيبهم الله فيكون فتنة على قومه. فهذا هو معنى تقلب وجهه في السماء. # وقد قيل فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يحوله الله تعالى ~~إلى الكعبة مخالفة لليهود وتميزا منهم، ويروى ذلك عن مجاهد. وقال ابن عباس: ~~"أحب ذلك; لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام". وقيل: إنه أحب ذلك استدعاء ~~للعرب إلى الإيمان، وهو معنى قوله: {فلنولينك قبلة ترضاها} # PageV01P109 ### | باب وجوب ذكر الله تعالى # قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} قد تضمن الأمر بذكر الله تعالى، وذكرنا ~~إياه على وجوه. وقد روي فيه أقاويل عن السلف، قيل فيه: "اذكروني بطاعتي ~~أذكركم برحمتي"، وقيل فيه: "اذكروني بالثناء بالنعمة أذكركم بالثناء ~~بالطاعة"، وقيل: "اذكروني بالشكر أذكركم بالثواب" وقيل فيه: اذكروني ~~بالدعاء أذكركم بالإجابة. واللفظ محتمل لهذه المعاني، وجميعها مراد الله ~~تعالى لشمول اللفظ واحتماله إياه. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون الجميع مراد الله تعالى بلفظ واحد; لأنه لفظ ~~مشترك لمعان مختلفة قيل له: ليس كذلك; لأن جميع وجوه الذكر على اختلافها ~~راجعة إلى معنى واحد. فهو كاسم الإنسان يتناول الأنثى والذكر، والأخوة ~~تتناول الإخوة المتفرقين، وكذلك الشركة ونحوها، وإن وقع على معان مختلفة ~~فإن الوجه الذي سمي به الجميع معنى واحد. وكذلك ذكر ms0193 الله تعالى لما كان ~~المعنى فيه طاعته، والطاعة تارة بالذكر باللسان، وتارة بالعمل بالجوارح، ~~وتارة باعتقاد القلب، وتارة بالفكر في دلائله وحججه، وتارة في عظمته، وتارة ~~بدعائه ومسألته، جاز إرادة الجميع بلفظ واحد، كلفظ الطاعة نفسها جاز أن ~~يراد بها جميع الطاعات على اختلافها إذا ورد الأمر بها مطلقا نحو قوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] وكالمعصية يجوز أن ~~يتناول جميعها لفظ النهي. فقوله: {فاذكروني} قد تضمن الأمر بسائر وجوه ~~الذكر، ومنها سائر وجوه طاعته وهو أعم الذكر، ومنها ذكره باللسان على وجه ~~التعظيم والثناء عليه والذكر على وجه الشكر والاعتراف بنعمه. # PageV01P112 ### | مطلب في أن ذكر الله تعالى بالتفكر في دلائله أفضل أنواع الذكر # ومنها ذكره بدعاء الناس إليه والتنبيه على دلائله وحججه ووحدانيته وحكمته ~~وذكره بالفكر في دلائله وآياته وقدرته وعظمته، وهذا أفضل الذكر وسائر وجوه ~~الذكر مبنية عليه وتابعة له وبه يصح معناها لأن اليقين والطمأنينة به تكون، ~~قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] يعني والله أعلم ~~ذكر القلب الذي هو الفكر في دلائل # PageV01P112 ### | مطلب في أن الإنسان هو الروح # فإن قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء ونحن نراهم رميما في القبور بعد مرور ~~الأزمان عليهم؟ قيل له: الناس في هذا على قولين، منهم من يجعل الإنسان هو ~~الروح وهو جسم لطيف والنعيم والبؤس إنما هما له دون الجثة. ومنهم من يقول: ~~إن الإنسان # PageV01P113 ### | باب السعي بين الصفا والمروة # قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما} روي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة قال: ~~"قرأت عند عائشة رضي الله عنها: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فقلت: لا ~~أبالي أن لا أفعل، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي قد طاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة إنما كان من أهل لمناة الطاغية لا يطوف ~~بهما، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بهما حتى نزلت هذه الآية، ms0194 فطاف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت سنة قال: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد ~~الرحمن، فقال: إن هذا لعلم، ولقد كان رجال من أهل العلم يقولون: إنما سأل ~~عن هذا الرجال الذين كانوا يطوفون بين الصفا والمروة، فأحسبها نزلت في ~~الفريقين". وروي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من ~~شعائر الله} قال: كان على الصفا تماثيل وأصنام وكان المسلمون لا يطوفون ~~عليها لأجل الأصنام والتماثيل، فأنزل الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما} . # قال أبو بكر: كان السبب في نزول هذه الآية عند عائشة سؤال من كان لا يطوف ~~بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة، وعلى ما ذكر ابن عباس وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن أن ذلك كان لسؤال من كان يطوف بين الصفا والمروة، وقد كان عليهما ~~الأصنام، فتجنب الناس الطواف بهما بعد الإسلام. وجائز أن يكون سبب نزول هذه ~~الآية سؤال الفريقين. وقد اختلف في السعي بينهما، فروى هشام بن عروة عن ~~أبيه، وأيوب عن ابن أبي مليكة، جميعا عن عائشة قالت: ما أتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لامرئ حجا ولا عمرة ما لم يطف بين الصفا والمروة. وذكر أبو ~~الطفيل عن ابن عباس: أن السعي بينهما سنة وأن النبي عليه السلام فعله. وروى ~~عاصم الأحول عن أنس قال: كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه ~~الآية، والطواف بينهما تطوع. وروي عن عطاء عن ابن الزبير قال: من شاء لم ~~يطف بين الصفا والمروة. وروي عن عطاء ومجاهد: إن من تركه فلا شيء عليه. # وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك، فقال أصحابنا والثوري ومالك: إنه واجب # PageV01P116 ### | باب طواف الراكب # قال أبو بكر: قد اختلف في طواف الراكب بينهما، فكره أصحابنا ذلك إلا من ~~عذر، وذكر أبو الطفيل أنه قال لابن عباس: إن قومك يزعمون أن الطواف بين ~~الصفا والمروة على الدابة سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ~~فقال: صدقوا وكذبوا، إنما فعل ms0195 ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان ~~لا يدفع عنه أحد وليست بسنة. وروى عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن ~~أم سلمة, أنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أشتكي فقال: ~~"طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" وكان عروة إذا رآهم يطوفون على الدواب ~~نهاهم فيتعللون بالمرض، فيقول: "خاب هؤلاء وخسروا". وروى ابن أبي مليكة عن ~~عائشة قالت: ما منعني من الحج والعمرة إلا السعي بين الصفا والمروة، وإني ~~لأكره الركوب وروي عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاء وقد اشتكى فطاف على بعير ومعه محجن كلما مر على ~~الحجر استلمه فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين". # ولما ثبت من سنة الطواف بهما السعي في بطن الوادي على ما وصفنا وكان ~~الراكب تاركا للسعي كان فعله خلاف السنة إلا أن يكون معذورا على نحو ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فيجوز. # PageV01P120 ### | باب في النهي عن كتمان العلم # قال الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. ~~وقال في موضع آخر: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ~~ثمنا قليلا} [البقرة: 174] الآية وقال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] هذه الآي كلها موجبة ~~لإظهار علوم الدين وتبيينه للناس زاجرة عن كتمانها، ومن حيث دلت على لزوم ~~بيان المنصوص عليه فهي موجبة أيضا لبيان المدلول عليه منه، وترك كتمانه ~~لقوله تعالى: {يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} وذلك يشتمل على سائر ~~أحكام الله في المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع. وقوله ~~تعالى: {يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} يدل على أنه لا فرق في ذلك بين ما ~~علم من جهة النص أو الدليل; لأن في الكتاب الدلالة على أحكام الله تعالى ~~كما فيه النص عليها. وكذلك قوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} عام في ~~الجميع وكذلك ms0196 ما علم من طرق # PageV01P121 ### | باب لعن الكفار # قال الله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين} فيه دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافرا ~~1، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه لعنه والبراءة منه لأن قوله: ~~{والناس أجمعين} قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو ~~جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه وكذلك سبيل ~~ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح أن موت من كان كذلك أو جنونه ~~لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث هذه الحادثة. # فإن قيل: روي عن أبي العالية أن مراد الآية أن الناس يلعنونه يوم القيامة ~~كقوله تعالى: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} ~~[العنكبوت: 25] ! قيل له هذا تخصيص بلا دلالة ولا خلاف أنه يستحق اللعن من ~~الله تعالى والملائكة في الدنيا بالآية فكذلك من الناس وإنما يشتبه ذلك على ~~من يظن أن ذلك إخبار من الله PageV01P123 ### | باب إباحة ركوب البحر # وفي قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} دلالة على ~~إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع; إذ لم يخص ضربا من ~~المنافع دون # PageV01P128 ### | باب تحريم الميتة # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله} . قال أبو بكر: الميتة في الشرع اسم للحيوان الميت غير المذكى، ~~وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب ~~فعل آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له. وسنبين شرائط ~~الذكاة في موضعها إن شاء الله تعالى. والميتة وإن كانت فعلا لله تعالى وقد ~~علق التحريم بها مع علمنا بأن التحريم والتحليل والحظر والإباحة إنما ~~يتناولان أفعالنا ولا يجوز أن يتناولا فعل غيرنا; إذ غير جائز أن ينهى ~~الإنسان عن فعل غيره ولا أن يؤمر به، فإن معنى ذلك لما كان معقولا عند ~~المخاطبين ms0197 جاز إطلاق لفظ التحريم والتحليل فيه وإن لم يكن حقيقة، وكان ذلك ~~دليلا على تأكيد حكم التحريم، فإنه يتناول سائر وجوه المنافع، ولذلك قال ~~أصحابنا: لا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه ولا يطعمها الكلاب والجوارح لأن ~~ذلك ضرب من الانتفاع بها، وقد حرم الله الميتة تحريما مطلقا معلقا بعينها ~~مؤكدا به حكم الحظر فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص شيء منها بدليل ~~يجب التسليم له. # وقد روي عن النبي عليه السلام تخصيص ميتة السمك والجراد من هذه الجملة ~~بالإباحة، فروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان ~~فالجراد والسمك، وأما الدمان فالطحال والكبد". وروى عمرو بن دينار عن جابر ~~في قصة جيش الخبط أن البحر ألقى إليهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر، ثم لما ~~رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هل عندكم منه شيء تطعموني؟ ~~". ولا خلاف بين المسلمين في إباحة السمك غير الطافي وفي الجراد. # ومن الناس من استدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى: {أحل ~~لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} [المائدة: 96] وبقول النبي عليه السلام في ~~حديث صفوان بن سليم الزرقي، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته". وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالثبت، وقد خالفه في سنده ~~يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الاختلاف في السند يوجب # PageV01P130 ### | باب أكل الجراد # قال أصحابنا والشافعي رضي الله عنهم: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته ~~وما وجدته ميتا. وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا أخذه حيا ثم قطع رأسه وشواه ~~أكل، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل، وإنما هو بمنزلة ما ms0198 لو وجده ~~ميتا قبل أن يصطاده فلا يؤكل، وهو قول الزهري وربيعة. وقال مالك: "وما قتله ~~مجوسي لم يؤكل". وقال الليث بن سعد: "أكره أكل الجراد ميتا، فأما الذي ~~أخذته حيا فلا بأس به". # PageV01P133 ### | باب ذكاة الجنين # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في جنين الناقة والبقرة وغيرهما إذا خرج ~~ميتا بعد ذبح الأم، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يؤكل إلا أن يخرج حيا ~~فيذبح وهو قول حماد. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمة الله عليهم: يؤكل ~~أشعر أو لم يشعر وهو قول الثوري. وقد روي عن علي وابن عمر قالا ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه. وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا وهو قول سعيد بن ~~المسيب. وقال الأوزاعي: إذا تم خلقه فذكاة أمه ذكاته قال الله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} وقال في آخرها {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] وقال: إنما ~~{حرمت عليكم الميتة} فحرم الله الميتة مطلقا واستثنى المذكى منها وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذكاة في المقدور على ذكاته في النحر واللبة وفي ~~غير المقدور على ذكاته بسفح دمه فقوله عليه السلام: "أنهر الدم بما شئت". ~~وقوله في المعراض: "إذا خزق فكل وإذا لم يخزق فلا تأكل" فلما كانت الذكاة ~~منقسمة إلى هذين الوجهين وحكم الله بتحريم الميتة حكما عاما واستثنى منه ~~المذكى بالصفة التي ذكرنا على لسان نبيه ولم تكن هذه الصفة موجودة في ~~الجنين، كان محرما بظاهر الآية. # واحتج من أباح ذلك بأخبار رويت من طرق، منها عن أبي سعيد الخدري وأبي # PageV01P135 ### | باب جلود الميتة إذا دبغت # قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} وقوله تعالى: {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما} [الأنعام: 145] ~~يقتضي تحريم الميتة بجميع أجزائها، وجلدها من أجزائها; لأنه قد حله الموت ~~بدلا من الحياة التي كانت فيه. إلا أن قوله: {على طاعم يطعمه} [الأنعام: ~~145] قد دل على الاقتصار بالتحريم على ما يتأتى فيه الأكل. وقد ms0199 بين النبي ~~عليه السلام هذا المعنى في جلد الميتة بعد الدباغ بقوله: "إنما حرم أكلها ~~وإنما حرم لحمها". # وقد اختلف الفقهاء في حكم جلد الميتة بعد الدباغ، فقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبيد الله بن الحسن العنبري والأوزاعي ~~والشافعي: يجوز بيعه بعد الدباغ والانتفاع به قال الشافعي: إلا جلد الكلب ~~والخنزير. وأصحابنا لم يفرقوا بين جلد الكلب وغيره، وجعلوه طاهرا بالدباغ ~~إلا جلد الخنزير خاصة. وقال مالك: ينتفع بجلود الميتة في الجلوس عليها ~~ويغربل عليها ولا تباع ولا يصلى عليها. وقال الليث بن سعد: لا بأس ببيع ~~جلود الميتة قبل الدباغ إذا بينت أنها ميتة. والحجة لمن طهرها وجعلها مذكاة ~~ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المتواترة من الوجوه ~~المختلفة بألفاظ مختلفة كلها يوجب طهارتها والحكم بذكاتها، فمنها حديث ابن ~~عباس قال: أيما إهاب دبغ فقد طهر وحديث الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن ~~المحبق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى في غزوة تبوك على بيت بفنائه قربة ~~معلقة فاستسقى فقيل: إنها ميتة، فقال: "ذكاة الأديم دباغته". وروى سعيد بن ~~المسيب عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دباغ جلود ~~الميتة طهورها" وسماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت: كانت لنا شاة فماتت ~~فطرحناها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعلت شاتكم؟ " فقلنا: ~~رميناها، فتلا قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} [الأنعام: 145] الآية، "أفلا استمتعتم بإهابها" فبعثنا إليها ~~فسلخناها ودبغنا جلدها وجعلناه سقاء وشربنا فيه حتى صار شنا. وقالت أم ~~سلمة: مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة فقال: "ما على أهل هذه لو ~~انتفعوا بإهابها" والزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة ~~قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة لهم ميتة فقال: "ألا دبغوا إهابها ~~فانتفعوا به" فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: "إنما حرم ms0200 من الميتة ~~أكلها" في غير ذلك من الأخبار، كلها يوجب طهارة جلد الميتة بعد الدباغ، ~~كرهت الإطالة بذكرها. # وهذه الأخبار كلها متواترة موجبة للعلم والعمل، قاضية على الآية من ~~وجهين: أحدهما: ورودها من الجهات المختلفة التي يمنع مثلها التواطؤ ~~والاتفاق على الوهم # PageV01P140 ### | باب تحريم الانتفاع بدهن الميتة # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وقال: {قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: ~~145] وهذان الظاهران يحظران دهن الميتة كما أوجبا حظر لحمها وسائر أجزائها. ~~وقد روى محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر قال: لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة أتاه أصحاب الصليب 1 الذين يجمعون الأوداك فقالوا: يا رسول ~~الله إنا نجمع هذه الأوداك وهي من الميتة وعكرها وإنما هي للأدم والسفن، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها وأكلوا أثمانها" فنهاهم عن ذلك. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تحريم الله تعالى إياها على الإطلاق قد أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم ~~أكلها. وقد ذكر عن ابن جريج عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهو ~~قول شاذ وقد ورد الأثر بتحريمه واقتضى ظاهر الآية حظره. PageV01P143 ### | باب الفأرة تموت في السمن # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة} وقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] لم يقتض تحريم ما ماتت فيه من المائعات، وإنما اقتضى ~~تحريم عين الميتة، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة، فلم ينتظمه لفظ التحريم. ~~ولكنه محرم الأكل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى الزهري عن سعيد ~~بن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع ~~في السمن، فقال عليه السلام: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان ~~مائعا فلا تقربوه" وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ~~وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ms0201 عن ميمونة: أن فأرة وقعت ~~في سمن فماتت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألقوها وما حولها ثم كلوه". # PageV01P143 ### | مطلب: الدهن المتنجس يجوز الانتفاع به بغير الأكل ويجوز بيعه بشرط بيان عيبه # وروى عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن ~~عمر، # PageV01P143 # أنه أخبره أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله رجل عن ~~فأرة وقعت في ودك لهم فقال: "أجامد هو؟ " قال: نعم قال: "اطرحوها واطرحوا ~~ما حولها وكلوا ودككم" قالوا: يا رسول الله إنه مائع قال: "فانتفعوا به ولا ~~تأكلوه" فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم جواز الانتفاع به من غير جهة ~~الأكل. وهذا يقتضي جواز بيعه لأنه ضرب من ضروب الانتفاع، ولم يخص النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا منه. وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى ~~الأشعري والحسن في آخرين من السلف جواز الانتفاع به من غير جهة الأكل، قال ~~أبو موسى: بيعوه ولا تطعموه ولا نعلم أحدا من الفقهاء منع الانتفاع به من ~~جهة الاستصباح ودبغ الجلود ونحوه. ويجوز بيعه عند أصحابنا أيضا ويبين عيبه، ~~وحكي عن الشافعي أن بيعه لا يجوز ويجوز الاستصباح به. وقد روي في حديث ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق الانتفاع من غير تخصيص منه لوجه دون ~~وجه، فدل ذلك على أن المحرم منه الأكل دون غيره، وأن بيعه جائز كما يجوز ~~بيع سائر الأشياء التي يجوز الانتفاع بها من نحو الحمار والبغل، إذ ليس ~~لهذه الأشياء حق في منع البيع، وهو مما يجوز الانتفاع به وهو غير محرم ~~العين. # فإن قيل: يجوز الانتفاع بأم الولد والمدبر ولا يجوز بيعهما قيل له: هذا ~~لا يلزم على ما ذكرنا; لأنا قيدنا المعنى بأنه لا حق لما جاز الانتفاع به ~~من ذلك في منع بيعه، فلم يمنع تحريم أكله جواز بيعه من حيث جاز الانتفاع به ~~من غير جهة الأكل ولا حق له في منع البيع. ms0202 وأما المدبر وأم الولد فإنه قد ~~ثبت لهما حق العتاق، وفي جواز بيعهما إبطال لحقهما، فلذلك منع بيعهما مع ~~إطلاق سائر وجوه الانتفاع فيهما. وليس هذا عندهم بمنزلة ودك الميتة لأنه ~~محرم العين كلحمها ممنوع الانتفاع به من سائر الوجوه، وليس ما مات فيه ~~الفأرة من المائعات بمحرم العين وإنما هو محرم الأكل لمجاورته الميتة، ~~وسائر وجوه المنافع مطلقة فيه سوى الأكل، فكان بيعه بمنزلة بيع الحمار ~~والبغل والكلب ونحوه مما يجوز الانتفاع به ولا يجوز أكله. وكذلك الرقيق 1 ~~يجوز بيعهم كسائر منافعهم. وقد دل قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمره ~~بإلقاء الفأرة وما حولها في الجامد منه على معنيين: أحدهما: أن ما كان نجسا ~~في نفسه فإنه ينجس بالمجاورة لحكمه فيما جاور الفأرة منه بالنجاسة، وأن ما ~~ينجس بالمجاورة لا ينجس ما جاوره; إذ لم يحكم بنجاسة السمن المجاور للسمن ~~النجس لأنه لو وجب الحكم بذلك لوجب الحكم بتنجيس سائر سمن الإناء بمجاورة ~~كل جزء منه لغيره. فهذا أصل قد ثبت بالسنة، وكل ذلك يدل على اختلاف مراتب ~~النجاسة في التغليظ والتخفيف وأنها ليست متساوية PageV01P144 # المنازل، فجاز من أجل ذلك أن يعتبر في بعضها أكثر من قدر الدرهم وفي ~~بعضها الكثير الفاحش على حسب قيام دلالة التخفيف والتغليظ، والله أعلم ~~بالصواب. # PageV01P145 # باب القدر يقع فيها الطير فيموت # ذكر أبو جعفر الطحاوي قال: سمعت أبا حازم القاضي يحدث عن سويد بن سعيد عن ~~علي بن مسهر قال: كنت عند أبي حنيفة رضي الله عنه فأتاه ابن المبارك بهيئة ~~خراساني، فسأله عن رجل نصب له قدرا فيها لحم على النار فمر طير فوقع فيها ~~فمات، فقال أبو حنيفة لأصحابه: ماذا ترون؟ فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم ~~يؤكل بعدما يغسل ويهراق المرق، فقال أبو حنيفة: بهذا نقول ولكن هو عندنا ~~على شريطة، فإن كان وقع فيها في حال سكونها فكما في هذه الرواية، وإن وقع ~~فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق. فقال له ابن ms0203 المبارك: ولم ~~ذلك؟ فقال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، ~~وإذا وقع في حال سكونها فمات فإن الميتة وسخت اللحم. فقال ابن المبارك وعقد ~~بيده ثلاثين 1. هذا زرين، بالفارسية، يعني المذهب. وروى ابن المبارك عن ~~عباد بن راشد عن الحسن مثل جواب أبي حنيفة رضي الله عنه ذكر أبو حنيفة رضي ~~الله عنه علة فرقه بين وقوعه في حال الغليان وحال السكون، وهو فرق ظاهر ~~وقال ابن وهب عن مالك في الدجاجة تقع في قدر اللحم وهي تطبخ فتموت فيها، ~~قال: لا أرى أن آكل تلك القدر; لأن الميتة قد اختلطت بما كان في القدر. ~~وقال الأوزاعي: يغسل اللحم ويؤكل. وقال الليث بن سعد: لا يؤكل ذلك اللحم ~~حتى يغسل مرارا ويغلى على النار حتى يذهب كل ما كان فيه. وقد روى ابن ~~المبارك عن عثمان بن عبد الله الباهلي قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس في طير ~~وقع في قدر فمات فقال: يهراق المرق ويؤكل اللحم ولم يذكر فيه حال الغليان. ~~وروى محمد بن ثوبان عن السائب بن خباب: أنه كان له قدر على النار فسقطت ~~فيها دجاجة فماتت ونضجت مع اللحم، فسألت ابن عباس فقال: اطرح الميتة وأهرق ~~المرق وكل اللحم، فإن كرهته فأرسل إلي منه عضوا أو عضوين. وهذا أيضا لا ~~دلالة فيه على حال الغليان; لأنه جائز أن يكون وقعت فيه بعد سكون الغليان ~~والمرق حار فنضجت فيه، والله سبحانه أعلم. PageV01P145 # باب منفحة الميتة ولبنها # قال أبو حنيفة: لبن الميتة وإنفحتها طاهران لا يلحقهما حكم النجاسة. وقال ~~أبو يوسف ومحمد والثوري: يكره اللبن لأنه في وعاء نجس، وكذلك الإنفحة إذا ~~كانت مائعة، فإن كانت جامدة فلا بأس. وقالوا جميعا في البيضة إذا كانت من ~~دجاجة ميتة: فلا بأس بها. وقال مالك وعبد الله بن الحسن والشافعي: لا يحل ~~اللبن في ضروع الميتة. وقال الليث بن سعد: لا تؤكل البيضة التي تخرج من ~~دجاجة ميتة. وقال عبد الله بن الحسن: أكره ms0204 أن أرخص فيها. # قال أبو بكر: اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت; لأنه لا حياة فيه. ويدل ~~عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل، فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا ~~بذكاة الأصل كسائر أعضاء الشاة. وأيضا فإن قوله: {نسقيكم مما في بطونه من ~~بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] عام في سائر الألبان، ~~فاقتضى ذلك شيئين: أحدهما: أن اللبن لا يموت ولا يحرمه موت الشاة، والثاني: ~~أنه لا ينجس بموت الشاة ولا يكون بمنزلة لبن جعل في وعاء ميت. # فإن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس ~~وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟ قيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ~~ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل ~~اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل ~~لذلك، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه. ودليل ~~آخر، وهو قوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] ~~وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: ما قدمناه آنفا في صدر المسألة في ~~اقتضائه لبن الحية ولبن الميتة، والثاني: إخباره بخروجه من بين فرث ودم هما ~~نجسان مع الحكم بطهارته، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه; لأنه موضع ~~الخلقة، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه ويدل على ذلك أيضا ما رواه ~~شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة الطائف بجبنة، فجعلوا يقرعونها بالعصا، فقال: "أين يصنع هذا؟ " ~~فقالوا: بأرض فارس، فقال: "اذكروا اسم الله عليه وكلوا". ومعلوم أن ذبائح ~~المجوس ميتة، وقد أباح عليه السلام أكلها مع العلم بأنها من صنعة أهل فارس ~~وأنهم كانوا; إذ ذاك مجوسا، ولا ينعقد الجبن إلا بإنفحة، فثبت بذلك أن ~~إنفحة الميتة طاهرة. وقد روى القاسم بن الحكم، عن ms0205 غالب بن عبد الله، عن ~~عطاء بن أبي رباح، عن ميمونة زوج النبي # PageV01P146 # صلى الله عليه وسلم قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجبن فقال: ~~"ضعي السكين واذكري اسم الله تعالى وكلي" فأباح النبي عليه السلام في هذا ~~الحديث أكل الجميع منه ولم يفصل بين ما صنع منه بإنفحة ميتة أو غيرها. وقد ~~روي عن علي وعمر وسلمان وعائشة وابن عمر وطلحة بن عبيد الله وأم سلمة ~~والحسن بن علي إباحة أكل الجبن الذي فيه إنفحة الميتة، فدل ذلك على أن ~~الإنفحة طاهرة وإن كانت من ميتة. وإذا ثبت بما وصفنا طهارة الإنفحة وإن ~~كانت من ميتة ثبت طهارة لبن الميتة وإنفحتها، ووجب أن يكون ذلك حكم البيضة ~~الخارجة من الدجاجة الميتة لأنها تبن منها في حياتها وهي طاهرة يجوز أكلها، ~~فكذلك بعد موتها; لأنها لو كانت مما يحتاج إلى ذكاة لما أباحها إلا ذكاة ~~الأصل كسائر أعضائها، لما كان شرط إباحتها الذكاة لم تحل إلا بذكاة الأصل. # PageV01P147 # باب شعر الميتة وصوفها والفراء وجلود السباع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومحمد بن صالح وعبيد الله بن الحسن: ~~يجوز الانتفاع بعظام الميتة. ولا بأس بشعر الميتة وصوفها، ولا يكون ميتة ~~لأنه يؤخذ منها في حال الحياة وقال الليث: "لا ينتفع بعصب الميتة ولا ~~بعقبها" 1، ولا أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به، ولا بأس بعظام الميتة ~~ولا الشعر ولا الصوف. # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا سليمان ~~بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا يوسف بن الشقر، قال: حدثنا الأوزاعي عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها ~~وقرنها إذا غسل بالماء". # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا الحسن ~~بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن سلمة عن ابن أبي ليلى، عن ثابت البناني، ms0206 عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني أبي أنه كان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله رجل عن الصلاة في الفراء والمساتق 2 قال: "وفى الدباغ عنكم". # وروى يحيى الحماني قال: حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، ~~عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الفراء والجبن PageV01P147 # والسمن فقال: "إن الحلال الذي أحل الله تعالى في القرآن، والحرام الذي ~~حرم الله تعالى في القرآن، وما سكت عنه فهو عفو منه". # قال أبو بكر: هذه الأخبار فيها إباحة الشعر والصوف والفراء والجبن من ~~وجهين: أحدهما: ما ذكرناه في حديث أم سلمة من النص على إباحة الشعر والصوف ~~من الميتة، وحديث ابن أبي ليلى في إباحة الفراء والمساتق. والآخر: ما ذكر ~~في حديث سلمان، وفيه الدلالة على الإباحة من وجهين: أحدهما: أنه لو كان ~~محرما لأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريم. والثاني: أن ما لم يذكر ~~بتحريم ولا تحليل فهو مباح بقوله: "وما سكت عنه فهو عفو". وليس في القرآن ~~تحريم الشعر والصوف ونحوهما، بل فيه ما يوجب الإباحة وهو قوله: {والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع} [النحل: 5] والدفء: ما يتدفأ به من شعرها ~~ووبرها وصوفها، وذلك يقتضي إباحة الجميع من الميتة والحي. وقال تعالى: {ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] فعم الجميع ~~بالإباحة من غير فصل بين المذكى منه وبين الميتة. # ومن حظر هذه الأشياء من الميتة احتج فيه بقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] وذلك يتناولها بجميع أجزائها، فإذا كان الصوف والشعر ~~والعظام ونحوها من أجزائها اقتضت الآية تحريم جميعها فيقال له: إنما المراد ~~بالآية ما يتأتى فيه الأكل، والدليل عليه قوله تعالى في الآية الأخرى: {قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] فأخبر أن ~~التحريم مقصور على ما يتأتى فيه الأكل. وقال النبي عليه السلام: "إنما حرم ~~من الميتة لحمها" وفي خبر آخر: "إنما حرم أكلها" فأبان النبي صلى ms0207 الله عليه ~~وسلم عن مراد الله تعالى بتحريم الميتة. فلما لم يكن الشعر والصوف والعظم ~~ونحوها مما ذكرنا من المأكول لم يتناولها التحريم، ومن حيث خصصنا جلد ~~الميتة المدبوغ بالإباحة للآثار الواردة فيه وجب تخصيص الشعر والصوف وما لا ~~يتأتى فيه الأكل من جملة المحرم بالآثار المروية فيها مما قدمنا ذكره. ويدل ~~عليه أيضا من جهة أخرى، وهي أن جلد الميتة لما كان خروجه عن حد الأكل ~~بالدباغ مبيحا له وجب أن يكون ذلك حكم سائر ما لا يتأتى فيه الأكل منها من ~~الشعر والصوف ونحوهما ويدل عليه أيضا أن الأخبار الواردة في إباحة الانتفاع ~~بجلود الميتة لم يذكر فيها حلق الشعر والصوف عنها، بل فيها الإباحة على ~~الإطلاق، فاقتضى ذلك إباحة الانتفاع بها بما عليها من الشعر والصوف، ولو ~~كان التحريم ثابتا في الصوف والشعر لبينه النبي عليه السلام لعلمه أن ~~الجلود لا تخلو من أجزاء الحيوان مما ليس فيه حياة وما لا حياة فيه لا ~~يلحقه حكم الموت. والدليل على أن الشعر ونحوه لا حياة فيه، أن الحيوان لا ~~يألم بقطعها، ولو # PageV01P148 # كانت فيه حياة لتألم بقطعها كما يؤلمه قطع سائر أعضائه، فدل ذلك على أن ~~الشعر والصوف والعظم والقرن والظلف والريش لا حياة فيها، فلا يلحقها حكم ~~الموت، ووجود النماء فيها لا يوجب لها حياة; لأن الشجر والنبات ينميان ولا ~~حياة فيهما ولا يلحقهما حكم الموت، فكذلك الشعر والصوف. ويدل عليه أيضا قول ~~النبي عليه السلام: "ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميت" ويبين منها الشعر ~~والصوف ولا يلحقهما حكم الموت، فلو كان مما يلحقهما حكم الموت لوجب أن لا ~~يحل بذكاة الأصل كسائر أعضاء الحيوان، فدل ذلك على أنه لا يلحقه حكم الموت ~~ولا يحتاج إلى ذكاة. # وقد روي عن الحسن ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وإبراهيم إباحة شعر ~~الميتة وصوفها. وروي عن عطاء كراهية الميتة وعظام الفيل، وعن طاوس كراهة ~~عظام الفيل. وروي عن ابن عمر أنه رأى على رجل فروا فقال: لو ms0208 أعلمه ذكيا ~~لسرني أن يكون لي منه ثوب. وذكر أنس أن عمر رأى على رجل قلنسوة ثعلب فنزعها ~~وقال: ما يدريك لعله مما لم يذك. # وقد اختلف في جلود السباع، فكرهها قوم وأباحها أصحابنا ومن قدمنا ذكره من ~~الصحابة والتابعين. وقد روى عطاء عن ابن عباس، وأبو الزبير عن جابر ومطرف ~~عن عمار إباحة الانتفاع بجلود السباع. وعن علي بن حسين والحسن وإبراهيم ~~والضحاك وابن سيرين: لا بأس بلبس جلود السباع. وعن عطاء عن عائشة في ~~الفراء: دباغها ذكاتها. # فإن قال قائل: روى قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه "نهى عن جلود السباع" وقتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال ~~لنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تعلمون أن النبي عليه السلام نهى ~~عن سروج النمور أن يركب عليها؟ قالوا: نعم. وقد تنازع أهل العلم معنى هذين ~~الحديثين، فقال قائلون: هذا نهي تحريم يقتضي تحريم لبسها على كل حال، وقال ~~آخرون: هو على وجه الكراهية والتشبه بزي العجم، كما روى أبو إسحاق عن هبيرة ~~بن يريم عن علي قال: "نهى النبي عليه السلام عن خاتم الذهب وعن لبس القسي 1 ~~وعن الثياب الحمر". وما روي عن الصحابة في إباحة لبس جلود السباع والانتفاع ~~بها يدل على أن النهي على وجه الكراهية والتشبه بالعجم. وقد تقدم ذكر حديث ~~سلمان وغيره عن النبي في إباحة لبس الفراء والانتفاع بها، وقوله عليه ~~PageV01P149 # السلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وقوله: "دباغ الأديم ذكاته" عام في جلود ~~السباع وغيرها، وهذا يدل على أن النهي عن جلود السباع ليس من جهة النجاسة ~~بل على وجه الكراهة والتشبه بالعجم. # PageV01P150 # باب تحريم الدم # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} وقال: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم} [المائدة: 3] فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ذلك ~~تحريم سائر الدماء قليلها وكثيرها، فلما قال في آية أخرى: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ms0209 أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: ~~145] دل ذلك على أن المحرم من الدم هو المسفوح دون غيره. # فإن قال قائل: قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] خاص فيما كان منه ~~على هذه الصفة، وقوله في الآيتين الأخريين عام في سائر الدماء، فوجب إجراؤه ~~على عمومه; إذ ليس في الآية ما يخصه. قيل له: قوله: {أو دما مسفوحا} ~~[الأنعام: 145] جاء فيه نفي لتحريم سائر الدماء إلا ما كان منه بهذا الوصف; ~~لأنه قال: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} إلى قوله: {أو دما ~~مسفوحا} [الأنعام: 145] وإذ كان ذلك على ما وصفنا لم يخل من أن يكون قوله: ~~{إنما حرم عليكم الميتة والدم} متأخرا عن قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: ~~145] أو أن يكونا نزلا معا. فلما عدمنا تاريخ نزول الآيتين وجب الحكم ~~بنزولهما معا، فلا يثبت حينئذ تحريم الدم إلا معقودا بهذه الصفة وهو أن ~~يكون مسفوحا. # وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسين ~~بن أبي الربيع الجرجاني: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن عكرمة قال: لولا هذه الآية: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] ~~لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ~~{أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال: حرم من الدم ما كان مسفوحا، وأما ~~اللحم يخالطه الدم فلا بأس به. وروى القاسم بن محمد عن عائشة، أنها سئلت عن ~~الدم يكون في اللحم والمذبح قالت: "إنما نهى الله عن الدم المسفوح". # ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء الدم في العروق; ~~لأنه غير مسفوح، ألا ترى أنه متى صب عليه الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه؟ وليس ~~هو بمحرم; # PageV01P150 # إذ ليس هو مسفوحا ولما وصفنا قال أصحابنا: إن دم البراغيث والبق والذباب ~~ليس بنجس وقالوا أيضا: "إن دم السمك ليس بنجس لأنه يؤكل بدمه". وقال مالك ms0210 ~~في دم البراغيث: "إذا تفاحش غسله ويغسل دم الذباب ودم السمك". وقال ~~الشافعي: "لا يفسد الوضوء 1 إلا أن تقع فيه نجاسة من دم أو بول أو غيره فعم ~~الدماء كلها. # فإن قال قائل: قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] وقوله: {أو ~~دما مسفوحا} [الأنعام: 145] يوجب تحريم دم السمك لأنه مسفوح. قيل له: هذا ~~مخصوص بقوله عليه السلام: "أحلت لي ميتتان ودمان: السمك والجراد" فلما أباح ~~السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه، وقد تلقى المسلمون هذا الخبر ~~بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه، وجب تخصيص الآية في إباحة دم ~~السمك; إذ لو كان محظورا لما حل دون إراقة دمه كالشاة وسائر الحيوان ذوات ~~الدماء، والله أعلم. PageV01P151 # باب تحريم الخنزير # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وقال تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] وقال تعالى: {قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] فنص في هذه الآيات على تحريم لحم الخنزير، ~~والأمة عقلت من تأويله ومعناه مثل ما عقلت من تنزيله، واللحم وإن كان ~~مخصوصا بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه أعظم ~~منفعته وما يبتغى منه، كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر ~~جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. ~~وكقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] فخص البيع بالنهي; لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم ~~والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدا للنهي ~~عن الاشتغال عن الصلاة، كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدا لحكم تحريمه ~~وحظرا لسائر أجزائه، فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصا ~~في لحمه. # وقد اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بشعر الخنزير، فقال أبو حنيفة ومحمد: ~~"يجوز الانتفاع للخرز". وقال أبو يوسف: ms0211 أكره الخرز به وروي عنه الإباحة. ~~وقال الأوزاعي لا بأس أن يخاط بشعر الخنزير ويجوز للخراز أن يشتريه ولا ~~يبيعه. وقال الشافعي: لا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير. # PageV01P151 # قال أبو بكر: لما كان المنصوص عليه في الكتاب من الخنزير لحمه وكان ذلك ~~تأكيدا لحكم تحريمه على ما بينا، جاز أن يقال إن التحريم قد يتناول الشعر ~~وغيره، وجائز أن يقال إن التحريم منصرف إلى ما كان فيه الحياة منه مما لم ~~يألم بأخذه منه، فأما الشعر فإنه لما لم يكن فيه حياة لم يكن من أجزاء الحي ~~فلم يلحقه حكم التحريم كما بينا في شعر الميتة، وأن حكم المذكى والميتة في ~~الشعر سواء، إلا أن من أباح الانتفاع به من أصحابنا فذكر أنه إنما أجازه ~~استحسانا، وهذا يدل على أن التحريم قد تناول الجميع عندهم بما عليه من ~~الشعر. وإنما استحسنوا إجازة الانتفاع به للخرز دون جواز بيعه وشرائه لما ~~شاهدوا المسلمين وأهل العلم يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر ~~منهم عليهم، فصار هذا عندهم إجماعا من السلف على جواز الانتفاع به، وظهور ~~العمل من العامة في شيء مع إقرار السلف إياهم عليه وتركهم النكير عليهم ~~يوجب إباحته عندهم. وهذا مثل ما قالوا في إباحة دخول الحمام من غير شرط ~~أجرة معلومة ولا مقدار معلوم لما يستعمله من الماء ولا مقدار مدة لبثه فيه; ~~لأن هذا كان ظاهرا مستفيضا في عهد السلف من غير منكر به على فاعليه، فصار ~~ذلك إجماعا منهم. وكذلك قالوا في الاستصناع إنهم أجازوه لعمل الناس، ~~ومرادهم فيه إقرار السلف الكافة على ذلك وتركهم النكير عليهم في استعماله، ~~فصار ذلك أصلا في جوازه، ونظائر ذلك كثيرة. # واختلف أهل العلم في خنزير الماء، فقال أصحابنا: "لا يؤكل". وقال مالك ~~وابن أبي ليلى والشافعي والأوزاعي: "لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر". ~~وقال الشافعي: "لا بأس بخنزير الماء". ومنهم من يسميه حمار الماء. وقال ~~الليث بن سعد: "لا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء". # قال أبو ms0212 بكر: ظاهر قوله: {ولحم الخنزير} [المائدة: 3] موجب لحظر جميع ما ~~يكون منه في البر وفي الماء لشمول الاسم له. فإن قيل: إنما ينصرف هذا إلى ~~خنزير البر لأنه الذي يسمى بهذا الاسم على الإطلاق، وخنزير الماء لا يطلق ~~عليه الاسم وإنما يسمى به مقيدا، واسمه الذي يطلق عليه في العادة حمار ~~الماء. قيل له: لا يخلو خنزير الماء من أن يكون على خلقة خنزير البر وصفته ~~أو على غير ذلك، فإن كان على هذه الخلقة فلا فرق بينهما في إطلاق الاسم ~~عليه من قبل أن كونه في الماء لا يغير حكمه إذا كان في معناه وعلى خلقته ~~إلا أن تقوم الدلالة على خصوصه، وإن كان على خلقة أخرى غيرها ومن أجلها ~~يسمى حمار الماء فكأنهم إنما أجروا اسم الخنزير على ما ليس بخنزير، ومعلوم ~~أن أحدا لم يخطئهم في التسمية، فدل ذلك على أنه خنزير على الحقيقة وأن ~~الاسم يتناوله على الإطلاق، وتسميتهم إياه حمار الماء لا يسلبه اسم ~~الخنزير; إذ جائز أن # PageV01P152 # يكونوا سموه بذلك ليفرقوا بينه وبين خنزير البر. وكذلك كلب البر سواء لا ~~فرق بينهما; إذ كان الاسم يتناول الجميع وإن خالفه في بعض أوصافه، والله ~~أعلم. # باب تحريم ما أهل به لغير الله # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله} ولا خلاف بين المسلمين أن المراد به الذبيحة إذا أهل بها لغير ~~الله عند الذبح، فمن الناس من يزعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان ~~الذين كانوا يذبحون لأوثانهم; كقوله تعالى: {وما ذبح على النصب} [المائدة: ~~3] وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء ~~ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب، وقالوا: إن الله تعالى قد أباح أكل ~~ذبائحهم مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح على ذبائحهم. وهو مذهب الأوزاعي ~~والليث بن سعد أيضا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي: ~~"لا تؤكل ذبائحهم إذا سموا عليها باسم المسيح". وظاهر قوله تعالى: {وما أهل ms0213 ~~به لغير الله} يوجب تحريمها إذا سمي عليها باسم غير الله; لأن الإهلال به ~~لغير الله هو إظهار غير اسم الله، ولم تفرق الآية بين تسمية المسيح وبين ~~تسمية غيره بعد أن يكون الإهلال به لغير الله. وقوله في آية أخرى: {وما ذبح ~~على النصب} [المائدة: 3] وعادة العرب في الذبائح للأوثان غير مانع اعتبار ~~عموم الآية فيما اقتضاه من تحريم ما سمي عليه غير الله تعالى. وقد روى عطاء ~~بن السائب عن زاذان وميسرة، أن عليا عليه السلام قال: "إذا سمعتم اليهود ~~والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فإن الله قد أحل ~~ذبائحهم" وهو يعلم ما يقولون. # وأما ما احتج به القائلون بإباحة ذلك لإباحة الله طعام أهل الكتاب مع ~~علمه بما يقولون، فليس فيه دلالة على ما ذكروا; لأن إباحة طعام أهل الكتاب ~~معقودة بشريطة أن لا يهلوا لغير الله; إذ كان الواجب علينا استعمال الآيتين ~~بمجموعهما، فكأنه قال: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ما لم يهلوا به ~~لغير الله. # فإن قال قائل: إن النصراني إذا سمى الله فإنما يريد به المسيح عليه ~~السلام، فإذا كان إرادته كذلك ولم تمنع صحة ذبيحته وهو مع ذلك مهل به لغير ~~الله، كذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله تعالى في ~~إرادته المسيح. قيل له: لا يجب ذلك; لأن الله تعالى إنما كلفنا حكم الظاهر; ~~لأن الإهلال هو إظهار القول، فإذا أظهر اسم غير الله لم تحل ذبيحته لقوله: ~~{وما أهل به لغير الله} وإذا أظهر اسم الله فغير جائز لنا حمله على اسم ~~المسيح عنده; لأن حكم الأسماء أن تكون محمولة على حقائقها ولا # PageV01P153 # تحمل على ما لا يقع الاسم عليه عندنا ولا يستحقه. ومع ذلك فليس يمتنع أن ~~تكون العبادة علينا في اعتبار إظهار الاسم دون الضمير، ألا ترى أن من أظهر ~~القول بالتوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم كان حكمه حكم المسلمين مع ~~جواز اعتقاده للتشبيه المضاد للتوحيد؟ وكذلك ms0214 قال عليه السلام: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" وقد أعلمه الله أن في القوم منافقين ~~يعتقدون غير ما يظهرون، ولم يجرهم مع ذلك مجرى سائر المشركين بل حكم لهم ~~فيما يعاملون به من أحكام الدنيا بحكم سائر المسلمين على ما ظهر من أمورهم ~~دون ما بطن من ضمائرهم. وكذلك جائز أن تكون صحة ذكاة النصراني متعلقة ~~بإظهار اسم الله تعالى، وأنه متى أظهر اسم المسيح لم تصح ذكاته، كسائر ~~المشركين إذا أظهروا على ذبائحهم أسماء أوثانهم والله أعلم. # PageV01P154 # باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة # قال الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقال في آية ~~أخرى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ~~وقال: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: ~~3] فقد ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها ~~بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم ~~إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] فاقتضى ذلك وجود الإباحة وبوجود ~~الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. # واختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فقال ~~ابن عباس والحسن ومسروق: {غير باغ} في الميتة {ولا عاد} في الأكل. وهو قول ~~أصحابنا ومالك بن أنس. وأباحوا للبغاة الخارجين على المسلمين أكل الميتة ~~عند الضرورة كما أباحوه لأهل العدل. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: "إذا لم ~~يخرج باغيا على إمام المسلمين ولم يكن سفره في معصية فله أن يأكل الميتة ~~إذا اضطر إليها، وإن كان سفره في معصية أو كان باغيا على الإمام لم يجز له ~~أن يأكل". وهو قول الشافعي. # وقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} [المائدة: 3] يوجب الإباحة للجميع من ~~المطيعين والعصاة، وقوله في الآية الأخرى: {غير باغ ولا عاد} . وقوله: {غير ~~متجانف لإثم} [المائدة: 3] لما كان محتملا أن ms0215 يريد به البغي والعدوان في ~~الأكل واحتمل البغي على الإمام أو غيره، لم يجز لنا تخصيص عموم الآية ~~الأخرى بالاحتمال، بل الواجب حمله على ما يواطئ معنى العموم من غير تخصيص. ~~وأيضا فقد اتفقوا على أنه لو لم يكن # PageV01P154 # سفره في معصية بل كان سفره لحج أو غزو أو تجارة وكان مع ذلك باغيا على ~~رجل في أخذ ماله أو عاديا في ترك صلاة أو زكاة، لم يكن ما هو عليه من البغي ~~والعدوان مانعا من استباحة الميتة للضرورة فثبت بذلك أن قوله: {غير باغ ولا ~~عاد} لم يرد به انتفاء البغي والعدوان في سائر الوجوه، وليس في الآية ذكر ~~شيء منه مخصوص فيوجب ذلك كون اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان، فلا يجوز ~~تخصيص الآية الأولى به لتعذر استعماله على حقيقته وظاهره. ومتى حملنا ذلك ~~على البغي والتعدي في الأكل استعملنا اللفظ على عمومه وحقيقته فيما أريد به ~~وورد فيه، فكان حمله على ذلك أولى من وجهين: أحدهما: أنه يكون مستعملا على ~~عمومه، والآخر: أنا لا نوجب به تخصيص قوله: {إلا ما اضطررتم إليه} ~~[المائدة: 3] وكذلك: {غير متجانف لإثم} [المائدة: 3] لا يخلو من أن يريد به ~~مجانبة سائر الآثام حتى يكون شرط الإباحة للمضطر أن يكون غير متجانف لإثم ~~أصلا في الأكل وغيره، حتى إن كان مقيما على ترك رد مظلمة درهم أو ترك صلاة ~~أو صوم لم يتب منه لا يحل له الأكل، أو أن يكون جائز له الأكل مع كونه ~~مقيما على ضرب من المعاصي بعد أن لا يكون سفره في معصية ولا خارجا على ~~إمام. وقد ثبت عند الجميع أن إقامته على بعض المعاصي لا تمنع استباحته ~~للميتة عند الضرورة، فثبت أن ذلك ليس بمراد. ثم بعد ذلك يحتاج في إثبات ~~المأثم الذي يمنع الاستباحة إلى دلالة من غير الآية. وهذا يوجب إجمال اللفظ ~~وافتقاره إلى البيان، فيؤدي ذلك إلى وقوف حكم الآية على بيان من غيرها، ~~ومتى أمكننا استعمال حكم الآية وجب علينا استعمالها، وجهة إمكان ms0216 استعمالها ~~ما وصفنا من إثبات المراد بغيا وتعديا في الأكل بأن لا يتناول منها إلا ~~بمقدار ما يمسك الرمق ويزيل خوف التلف. وأيضا قال الله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} [النساء: 29] ومن امتنع من المباح حتى مات كان قاتلا نفسه متلفا ~~لها عند جميع أهل العلم ولا يختلف في ذلك عندهم حكم العاصي والمطيع. بل ~~يكون امتناعه عن ذلك من الأكل زيادة على عصيانه، فوجب أن يكون حكمه وحكم ~~المطيع سواء في استباحة الأكل عند الضرورة، ألا ترى أنه لو امتنع من أكل ~~المباح من الطعام معه حتى مات كان عاصيا لله تعالى وإن كان باغيا على ~~الإمام خارجا في سفر معصية، والميتة عند الضرورة بمنزلة المذكى في حال ~~الإمكان والسعة. # فإن قيل: قد يمكنه الوصول إلى استباحة أكل الميتة بالتوبة، فإذا لم يتب ~~فهو الجاني على نفسه. قيل له أجل، هو كما قلت، إلا أنه غير مباح له الجناية ~~على نفسه بترك الأكل وإن لم يتب; لأن ترك التوبة لا يبيح له قتل نفسه; وهذا ~~العاصي متى ترك الأكل في حال الضرورة حتى مات كان مرتكبا لضربين من ~~المعصية: أحدهما: خروجه # PageV01P155 # في معصية، والثاني: جنايته على نفسه بترك الأكل. وأيضا فالمطيع والعاصي ~~لا يختلفان فيما يحل لهما من المأكولات أو يحرم، ألا ترى أن سائر المأكولات ~~التي هي مباحة للمطيعين هي مباحة للعصاة كسائر الأطعمة والأشربة المباحة؟ ~~وكذلك ما حرم من الأطعمة والأشربة لا يختلف في تحريمه حكم المطيعين ~~والعصاة، فلما كانت الميتة مباحة للمطيعين عند الضرورة وجب أن يكون كذلك ~~حكم العصاة فيها كسائر الأطعمة المباحة في غير حال الضرورة. # فإن قال قائل: إباحة الميتة رخصة للمضطر ولا رخصة للعاصي. قيل له: قد ~~انتظمت هذه المعارضة الخطأ من وجهين: أحدهما: قولك إباحة الميتة رخصة ~~للمضطر وذلك لأن أكل الميتة فرض على المضطر والاضطرار يزيل الحظر، ومتى ~~امتنع المضطر من أكلها حتى مات صار قاتلا لنفسه، بمنزلة من ترك أكل الخبز ~~وشرب الماء في حال الإمكان حتى مات كان عاصيا ms0217 لله جانيا على نفسه. ولا خلاف ~~في أن هذا حكم المضطر إلى الميتة غير الباغي. فقول القائل إباحة الميتة ~~رخصة للمضطر بمنزلة قوله لو قال: إن إباحة أكل الخبز وشرب الماء رخصة لغير ~~المضطر ولا يطلق هذا أحد يعقل، لأن الناس كلهم يقولون: فرض على المضطر إلى ~~الميتة أكلها، فلا فرق بينهما; ولما لم يختلف العاصي والمطيع في أكل الخبز ~~وشرب الماء كذلك في أكل الميتة عند الضرورة. وأما الوجه الثاني من الخطإ ~~فهو قولك: إنه لا رخصة للعاصي وهذه قضية فاسدة بإجماع المسلمين; لأنهم ~~رخصوا للمقيم العاصي الإفطار في رمضان إذا كان مريضا، وكذلك يرخصون له في ~~السفر التيمم عند عدم الماء، ويرخصون للمقيم العاصي أن يمسح يوما وليلة. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمقيم يوما وليلة وللمسافر ~~ثلاثة أيام ولياليها. ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع; فبان بما وصفنا ~~فساد هذه المقالة. # وقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقوله: {فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] كل واحد من هذين ~~فيه ضمير لا يستغني عنه الكلام، وذلك لأن وقوع الضرورة ليس من فعل المضطر، ~~فيكون قوله: {فلا إثم عليه} وقوله: {فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] خبرا ~~له. وقوله: {فمن اضطر} لا بد له من خبر به يتم الكلام، إذ لم يكن الحكم ~~متعلقا بنفس الضرورة، وخبره الذي يتم به الكلام ضميره وهو الأكل، فكأن ~~تقديره فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه ثم قوله: {غير باغ ولا عاد} على قول من ~~يقول {غير باغ} في الميتة {ولا عاد} في الأكل، فيكون البغي والعدوان حالا ~~للأكل، وتقديره على قول من يقول {غير باغ ولا عاد} "على المسلمين، فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد على المسلمين فأكل فلا إثم عليه" # PageV01P156 # فيكون البغي والعدوان حالا له عند الضرورة قبل أن يأكل، فلا يكون ذلك صفة ~~للأكل، وعند الأولين يكون صفة للأكل. # والحذف في هذا الموضع كالحذف في قوله: ms0218 {فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] والمعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر فحذف ~~"فأفطر". وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام} ~~[البقرة: 196] ومعناه: فحلق ففدية وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالمحذوف ~~ودلالة الخطاب عليه. وهذا يوجب أن يكون حمله على البغي والعدوان في الأكل ~~أولى منه على المسلمين، وذلك لأنه لم يتقدم للمسلمين في الآية ذكر لا ~~محذوفا ولا مذكورا كحذف الأكل، فحمله على ما في مقتضى الآية بأن يكون حالا ~~له فيه وصفة أولى من حمله على معنى لم يتضمنه اللفظ لا محذوفا ولا مذكورا. # وأما قوله: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] فلا ضمير فيه ولا حذف; ~~لأنه لفظ مستغن بنفسه; إذ هو استثناء من جملة مفهومة المعنى وهو التحريم ~~بقوله: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ~~فإنه مباح لكم وهذا اللفظ مستغن عن الضمير. ومعنى الضرورة ههنا هو خوف ~~الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل. وقد انطوى تحته معنيان: أحدهما: ~~أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة، والثاني: أن يكون غيرها موجودا ولكنه ~~أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه. وكلا المعنيين ~~مراد بالآية عندنا لاحتمالهما، وقد روي عن مجاهد أنه تأولها على ضرورة ~~الإكراه; لأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من الضرر ~~في ترك تناوله وذلك موجود في ضرورة الإكراه وجب أن يكون حكمه حكمه، ولذلك ~~قال أصحابنا فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى قتل كان عاصيا لله، ~~كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات فلم يأكل حتى مات كان عاصيا، ~~كمن ترك الطعام والشراب وهو واجدهما حتى مات فيموت عاصيا لله بتركه الأكل; ~~لأن أكل الميتة مباح في حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة، ~~والله أعلم. # PageV01P157 # باب المضطر إلى شرب الخمر # قال أبو بكر: وقد اختلف في المضطر إلى شرب ms0219 الخمر، فقال سعيد بن جبير: ~~"المطيع المضطر إلى شرب الخمر يشربها" وهو قول أصحابنا جميعا. وإنما يشرب ~~منها مقدار ما يمسك به رمقه; إذ كان يرد عطشه. وقال الحارث العكلي ومكحول: # PageV01P157 # "لا يشرب; لأنها لا تزيده إلا عطشا". وقال مالك والشافعي: لا يشرب; لأنها ~~لا تزيده إلا عطشا وجوعا. وقال الشافعي: ولأنها تذهب بالعقل. قال مالك: ~~إنما ذكرت الضرورة في الميتة ولم تذكر في الخمر. # قال أبو بكر: في قول من قال إنها لا تزيل ضرورة العطش والجوع لا معنى له ~~من وجهين: أحدهما: أنه معلوم من حالها أنها تمسك الرمق عند الضرورة، وتزيل ~~العطش، ومن أهل الذمة فيما بلغنا من لا يشرب الماء دهرا اكتفاء بشرب الخمر ~~عنه، فقولهم في ذلك غير المعقول المعلوم من حال شاربها. والوجه الآخر: أنه ~~إن كان كذلك كان الواجب أن نحيل مسألة السائل عنها ونقول: إن الضروره لا ~~تقع إلى شرب الخمر. وأما قول الشافعي في ذهاب العقل فليس من مسألتنا في شيء ~~لأنه سئل عن القليل الذي لا يذهب العقل إذا اضطر إليه وأما قول مالك إن ~~الضرورة إنما ذكرت في الميتة ولم تذكر في الخمر فإنها في بعضها مذكورة في ~~الميتة وما ذكر معها، وفي بعضها مذكورة في سائر المحرمات وهو قوله تعالى: ~~{وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] وقد فصل ~~لنا تحريم الخمر في مواضع من كتاب الله في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 269] . وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم} [الأعراف: 33] وقال: {إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] ~~وذلك يقتضي التحريم. والضرورة المذكورة في الآية منتظمة لسائر المحرمات، ~~وذكره لها في الميتة وما عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى ~~في سائر المحرمات. ومن جهة أخرى أنه إذا كان المعنى في إباحة الميتة إحياء ~~نفسه بأكلها وخوف التلف في تركها وذلك موجود في سائر المحرمات ms0220 وجب أن يكون ~~حكمها حكمها لوجود الضرورة، والله أعلم. # PageV01P158 # باب في مقدار ما يأكل المضطر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي فيما رواه عنه المزني: لا ~~يأكل المضطر من الميتة إلا مقدار ما يمسك به رمقه وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال: يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. وقال عبيد ~~الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد به جوعه. # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ~~وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فعلق الإباحة بوجود الضرورة، والضرورة هي ~~خوف # PageV01P158 # الضرر بترك الأكل إما على نفسه أو على عضو من أعضائه، فمتى أكل بمقدار ما ~~يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت الضرورة، ولا اعتبار في ذلك بسد ~~الجوعة لأن الجوع في الابتداء لا يبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه. ~~وأيضا قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فقد بينا أن المراد منه: غير ~~باغ ولا عاد في الأكل، ومعلوم أنه لم يرد الأكل منها فوق الشبع; لأن ذلك ~~محظور في الميتة وغيرها من المباحات، فوجب أن يكون المراد: غير باغ في ~~الأكل منها مقدار الشبع، فيكون البغي والتعدي واقعين في أكله منها مقدار ~~الشبع حتى يكون لاختصاصه الميتة بهذا الوصف وعقده الإباحة بهذه الشريطة ~~فائدة، وهو أن لا يتناول منها إلا مقدار زوال خوف الضرورة. ويدل على ذلك ~~أيضا أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن ~~يتناول الميتة. ثم إذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل ~~الميتة. وكذلك إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر حرم عليه أكلها; إذ ~~ليس أكل الميتة بأولى بإباحة الأكل بعد زوال الضرورة من الطعام الذي هو ~~مباح في الأصل. وقد روى الأوزاعي عن حسان بن عطية الليثي, أن رجلا سأل ~~النبي عليه السلام فقال: إنا نكون بالأرض تصيبنا المخمصة ms0221 فمتى تحل لنا ~~الميتة؟ قال: "متى ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تجدوا بها بقلا فشأنكم بها؟ ~~" فلم يبح لهم الميتة إلا إذا لم يجدوا صبوحا وهو شرب الغداء أو غبوقا وهو ~~شرب العشاء أو يجدوا بقلا يأكلونه; لأن من وجد غداء أو عشاء أو بقلا فليس ~~بمضطر. وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أن الضرورة هي المبيحة للميتة دون حال ~~المضطر في كونه مطيعا أو عاصيا; إذ لم يفرق النبي عليه السلام للسائل بين ~~حال المطيع والعاصي في إباحته بل سوى بينهما. والثاني: أن إباحة الميتة ~~مقصورة على حال خوف الضرر، والله أعلم. # PageV01P159 # باب هل في المال حق واجب سوى الزكاة # قال الله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} الآية. ~~قيل: في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق} إنه يريد به ~~اليهود والنصارى حين أنكرت نسخ القبلة، فأعلم الله تعالى أن البر إنما هو ~~في طاعة الله تعالى واتباع أمره لا في التوجه إلى المشرق والمغرب; إذ لم ~~يكن فيه اتباع أمره. وإن طاعة الله الآن في التوجه إلى الكعبة، إذا لم كان ~~التوجه إلى غيرها منسوخا. # وقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} قيل إن فيه حذفا، ~~ومعناه: إن البر بر من آمن بالله وقيل: إنه أراد به أن البار من آمن بالله، ~~كقول الخنساء: # PageV01P159 # ترتع ما رتعت 1 حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # عني مقبلة ومدبرة. # وقوله تعالى: {وآتى المال على حبه} يعني أن البار من آتى المال على حبه. ~~قيل فيه: إنه يعني حب المال، كقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون} [آل عمران: 92] وقيل: إنه يعني حب الإيتاء، وأن لا يكون متسخطا عند ~~الإعطاء. ويحتمل أن يكون أراد على حب الله تعالى كقوله تعالى: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني} [آل عمران: 31] وجائز أن يكون مراده جميع هذه الوجوه. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يدل على أنه أراد ms0222 حب ~~المال، وهو ما رواه جرير بن عبد الحميد عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، ~~عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي: صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله أي الصدقة أفضل؟ فقال: "أن تصدق وأنت صحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ~~ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان". ~~وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن زبيد، عن ~~مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {وآتى المال على حبه} قال: "أن ~~تؤتيه وأنت صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر". # وقوله تعالى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} يحتمل به أن يريد به ~~الصدقة الواجبة وأن يريد به التطوع، وليس في الآية دلالة على أنها الواجبة، ~~وإنما فيها حث على الصدقة، ووعد بالثواب عليها; لأن أكثر ما فيها أنها من ~~البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية، ونسق ~~التلاوة ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة لقوله تعالى: {وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة} فلما عطف الزكاة عليها دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة ~~قبلها. # ومن الناس من يقول: أراد به حقوقا واجبة في المال سوى الزكاة نحو وجوب ~~صلة الرحم إذا وجده ذا ضر شديد. ويجوز أن يريد من قد أجهده الجوع حتى يخاف ~~عليه التلف فيلزمه أن يعطيه ما يسد جوعته. # وقد روى شريك عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي عليه ~~السلام أنه قال: "في المال حق سوى الزكاة"، وتلا قوله تعالى: {ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} ~~الآية. وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~ذكر الإبل فقال: "إن فيها حقا" فسئل PageV01P160 # عن ذلك، فقال: "إطراق فحلها وإعارة ذلولها ومنحة سمينها". فذكر في هذين ~~الحديثين ms0223 أن في المال حقا سوى الزكاة، وبين في الحديث الأول أنه تأويل قوله ~~تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} الآية. وجائز أن يريد بقوله: "في المال ~~حق سوى الزكاة" ما يلزم من صلة الرحم بالإنفاق على ذوي المحارم الفقراء، ~~ويحكم به الحاكم عليه لوالديه وذوي محارمه إذا كانوا فقراء عاجزين عن ~~الكسب. وجائز أن يريد به ما يلزمه من طعام الجائع المضطر. وجائز أن يريد به ~~حقا مندوبا إليه لا واجبا; إذ ليس قوله: "في المال حق" يقتضي الوجوب، إذ من ~~الحقوق ما هو ندب، ومنها ما هو فرض. # وحدثنا عبد الباقي: حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدثنا كثير بن ~~عبيد: حدثنا بقية عن رجل من بني تميم يكنى أبا عبد الله، عن الضبي الشعبي، ~~عن مسروق، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نسخت الزكاة كل ~~صدقة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال: حدثنا علي ~~بن سعيد قال: حدثنا المسيب بن شريك، عن عبيد المكتب، عن عامر، عن مسروق، عن ~~علي قال: "نسخت الزكاة كل صدقة". # فإن صح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فسائر الصدقات الواجبة ~~منسوخة بالزكاة، وإن لم يصح ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~لجهالة راويه فإن حديث علي عليه السلام حسن السند، وهو يوجب أيضا إثبات نسخ ~~الصدقات التي كانت واجبة بالزكاة، وذلك لا يعلم إلا من طريق التوقيف، فيعلم ~~بذلك أن ما قاله علي هو بتوقيف من النبي عليه السلام إياه عليه، وحينئذ ~~يكون المنسوخ من الصدقات صدقات قد كانت واجبة ابتداء بأسباب من قبل من يجب ~~عليه تقتضي لزوم إخراجها ثم نسخت بالزكاة نحو قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة ~~أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8] ونحو ما روي في ~~قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] أنه منسوخ عند بعضهم ~~بالعشر ونصف العشر، فيكون المنسوخ بالزكاة مثل هذه الحقوق الواجبة في المال ~~من غير ضرورة. وأما ما ذكرنا ms0224 من الحقوق التي تلزم من نحو الإنفاق على ذوي ~~الأرحام عند العجز عن التكسب، وما يلزم من إطعام المضطر، فإن هذه فروض ~~لازمة ثابتة غير منسوخة بالزكاة. وصدقة الفطر واجبة عند سائر الفقهاء، ولم ~~تنسخ بالزكاة مع أن وجوبها ابتداء من قبل الله تعالى غير متعلق بسبب من قبل ~~العبد، فهذا يدل على أن الزكاة لم تنسخ صدقة الفطر. وقد روى الواقدي عن عبد ~~الله بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل أن تفرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة لم ~~يأمرهم، ولم ينههم، وكانوا يخرجونها". فهذا الخبر لو صح لم يدل على نسخها; ~~لأن # PageV01P161 # وجوب الزكاة لا ينفي بقاء وجوب صدقة الفطر، وعلى أن الأولى أن فرض الزكاة ~~متقدم على صدقة الفطر لأنه لا خلاف بين السلف في أن "حم السجدة" مكية، ~~وأنها من أوائل ما نزل من القرآن، وفيها وعيد تارك الزكاة عند قوله: {وويل ~~للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} [فصلت: 7] والأمر ~~بصدقة الفطر إنما كان بالمدينة، فدل ذلك على أن فرض الزكاة متقدم لصدقة ~~الفطر. وقد روي عن ابن عمر ومجاهد في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] أنها محكمة وأنه حق واجب عند القوم غير الزكاة. # وأما الحقوق التي تجب بأسباب من قبل العبد نحو الكفارات والنذور، فلا ~~خلاف أن الزكاة لم تنسخها. # واليتامى المرادون بالآية هم الصغار الفقراء الذين مات آباؤهم. والمساكين ~~مختلف فيه، وسنذكر ذلك في سورة براءة إن شاء الله تعالى. وابن السبيل روي ~~عن مجاهد أنه المسافر، وعن قتادة أنه الضيف. والقول الأول أشبه لأنه إنما ~~سمي ابن السبيل لأنه على الطريق، كما قيل للطير الإوز: ابن ماء لملازمته ~~له. قال ذو الرمة: # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # والسائلين يعني به الطالبين للصدقة، قال الله تعالى: {والذين في أموالهم ~~حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج: 24- 25] حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا ms0225 معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان قال: ~~حدثنا مصعب بن محمد قال: حدثنا يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين بن علي ~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"للسائل حق، وإن جاء على فرس". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد ~~بن شريك: حدثنا أبو الجماهر قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ~~أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطوا السائل وإن أتى ~~على فرس" والله تعالى أعلم. # PageV01P162 # باب القصاص # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} هذا كلام مكتف بنفسه غير ~~مفتقر إلى ما بعده، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه، ~~واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى؟ والقصاص هو أن يفعل ~~به مثل ما فعل به، من قولك: "اقتص أثر فلان" إذا فعل مثل فعله، قال الله ~~تعالى: {فارتدا على آثارهما # PageV01P162 # قصصا} [الكهف: 64] وقوله تعالى: {وقالت لأخته قصيه} [القصص: 11] أي اتبعي ~~أثره. # وقوله: {كتب عليكم} معناه: فرض عليكم، كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} ~~[البقرة: 183] ، و {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين} [البقرة: 180] وقد كانت الوصية واجبة. ومنه: الصلوات المكتوبات، ~~يعني بها المفروضات، فانتظمت الآية إيجاب القصاص على المؤمنين إذا قتلوا ~~لمن قتلوا من سائر المقتولين لعموم لفظ المقتولين. والخصوص إنما هو في ~~القاتلين; لأنه لا يكون القصاص مكتوبا عليهم إلا وهم قاتلون، فاقتضى وجوب ~~القصاص على كل قاتل عمدا بحديدة إلا ما خصه الدليل، سواء كان المقتول عبدا ~~أو ذميا، ذكرا أو أنثى، لشمول لفظ القتلى للجميع. # وليس توجيه الخطاب إلى المؤمنين بإيجاب القصاص عليهم في القتلى بموجب أن ~~يكون القتلى مؤمنين; لأن علينا اتباع عموم اللفظ ما لم تقم دلالة الخصوص، ~~وليس في الآية ما يوجب خصوص الحكم في بعض القتلى دون بعض. # فإن قال قائل: يدل على خصوص الحكم في القتلى ms0226 وجهان: أحدهما: في نسق ~~الآية: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} والكافر لا يكون أخا ~~للمسلم، فدل على أن الآية خاصة في قتلى المؤمنين. والثاني: قوله: {الحر ~~بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: ~~أنه إذا كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب ~~تخصيص عموم اللفظ، وذلك نحو قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} [البقرة: 228] وهو عموم في المطلقة ثلاثا وما دونها، ثم عطف قوله ~~تعالى: {فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ، ~~وقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] وهذا حكم خاص في ~~المطلق لما دون الثلاث، ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ في إيجاب ثلاثة قروء ~~من العدة على جميعهن، ونظائر هذا كثيرة في القرآن. والوجه الآخر: أن يريد ~~الإخوة من طريق النسب لا من جهة الدين، كقوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} ~~وأما قوله: {الحر بالحر والعبد بالعبد} فلا يوجب تخصيص عموم اللفظ في ~~القتلى; لأنه إذا كان أول الخطاب مكتفيا بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده لم ~~يجز لنا أن نقصره عليه. # وقوله: {الحر بالحر} إنما هو بيان لما تقدم ذكره على وجه التأكيد وذكر ~~الحال التي خرج عليها الكلام، وهو ما ذكره الشعبي وقتادة: أنه كان بين حيين ~~من العرب قتال # PageV01P163 # وكان لأحدهما طول على الآخر، فقالوا: لا نرضى إلا أن نقتل بالعبد منا ~~الحر منكم، وبالأنثى منا الذكر منكم فأنزل الله: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} مبطلا بذلك ما أرادوه، ومؤكدا عليهم فرض ~~القصاص على القاتل دون غيره; لأنهم كانوا يقتلون غير القاتل، فنهاهم الله ~~عن ذلك وهو معنى ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "من أعتى الناس على الله ~~يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول ~~الجاهلية". وأيضا فإن قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} تفسير لبعض ~~ما انتظمه عموم اللفظ، ولا يوجب ذلك تخصيص ms0227 اللفظ، ألا ترى أن قول النبي ~~عليه السلام: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل"، وذكره الأصناف الستة لم يوجب أن ~~يكون حكم الربا مقصورا عليها، ولا نفي الربا عما عداها؟ كذلك قوله: {الحر ~~بالحر} لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~ويدل على أن قوله: {الحر بالحر} غير موجب لتخصيص عموم القصاص، ولم ينف ~~القصاص عن غير المذكور اتفاق الجميع على قتل العبد بالحر والأنثى بالذكر، ~~فثبت بذلك أن تخصيص الحر بالحر لم ينف موجب حكم اللفظ في جميع القتلى. # فإن قال قائل: كيف يكون القصاص مفروضا، والولي مخير بين العفو وبين ~~القصاص؟ قيل له: لم يجعله مفروضا على الولي، وإنما جعله مفروضا على القاتل ~~للولي بقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وليس القصاص على الولي، ~~وإنما هو حق له، وهذا لا ينفي وجوبه على القاتل، وإن كان الذي له القصاص ~~مخيرا فيه. # وهذه الآية تدل على قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، والرجل بالمرأة لما ~~بينا من اقتضاء أول الخطاب إيجاب عموم القصاص في سائر القتلى، وأن تخصيصه ~~الحر بالحر ومن ذكر معه لا يوجب الاقتصار بحكم القصاص عليه دون اعتبار عموم ~~ابتداء الخطاب في إيجاب القصاص. # ونظيرها من الآي في إيجاب القصاص عاما قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] فانتظم ذلك جميع المقتولين ظلما وجعل ~~لأوليائهم سلطانا، وهو القود، لاتفاق الجميع على أن القود مراد بذلك في ~~الحر المسلم إذا قتل حرا مسلما، فكان بمنزلة قوله تعالى: فقد جعلنا لوليه ~~قودا; لأن ما حصل الاتفاق عليه من معنى الآية مراد فكأنه منصوص عليه فيها، ~~فلفظ السلطان، وإن كان مجملا فقد عرف معنى مراده من طريق الاتفاق. وقوله: ~~{ومن قتل مظلوما} هو عموم يصح اعتباره على حسب ظاهره، ومقتضى لفظه. # PageV01P164 # ونظيرها أيضا من الآي قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] فأخبر أن ذلك كان مكتوبا على بني إسرائيل. وهو عموم في إيجاب ~~القصاص في سائر المقتولين. وقد احتج أبو ms0228 يوسف بذلك في قتل الحر بالعبد، ~~وهذا يدل على أن من مذهبه أن شريعة من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة علينا ~~ما لم يثبت نسخها على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نجد في القرآن ~~ولا في السنة ما يوجب نسخ ذلك، فوجب أن يكون حكمه ثابتا علينا على حسب ما ~~اقتضاه ظاهر لفظه من إيجاب القصاص في سائر الأنفس. # ونظيره أيضا قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] ، لأن من قتل وليه يكون معتدى عليه، وذلك عموم في ~~سائر القتلى. وكذلك قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: ~~126] يقتضي عمومه وجوب القصاص في الحر والعبد والذكر والأنثى والمسلم ~~والذمي. # PageV01P165 # مسألة في قتل الحر بالعبد # قال أبو بكر: وقد اختلف الفقهاء في القصاص بين الأحرار والعبيد، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر رضي الله عنهم: "لا قصاص بين الأحرار والعبيد ~~إلا في الأنفس ويقتل الحر بالعبد والعبد بالحر" وقال ابن أبي ليلى: "القصاص ~~واجب بينهم في جميع الجراحات التي نستطيع فيها القصاص". وقال ابن وهب عن ~~مالك: "ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر، ولا ~~يقتل الحر بالعبد". وقال الليث بن سعد: "إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه، ~~ولا يقتص من الحر للعبد"، وقال: "إذا قتل العبد الحر فلولي المقتول أن يأخذ ~~بها نفس العبد القاتل فيكون له، وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح ~~القصاص إن شاء". وقال الشافعي: "من جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه في ~~الجراح، ولا يقتل الحر بالعبد، ولا يقتص له منه فيما دون النفس". # وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس، أن الآية ~~مقصورة الحكم على ذكر القتلى، وليس فيهم ذكر لما دون النفس من الجراح، ~~وسائر ما ذكرنا من عموم آي القرآن في بيان القتلى والعقوبة والاعتداء يقتضي ~~قتل الحر بالعبد، ومن حيث اتفق الجميع على قتل العبد بالحر وجب قتل الحر ms0229 ~~بالعبد; لأن العبد قد ثبت أنه مراد بالآية، والآية لم يفرق مقتضاها بين ~~العبد المقتول والقاتل، فهي عموم فيهما # PageV01P165 # جميعا. ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب} فأخبر أنه أوجب القصاص; لأن فيه حياة لنا. وذلك خطاب شامل للحر ~~والعبد; لأن صفة أولي الألباب تشملهم جميعا، فإذا كانت العلة موجودة في ~~الجميع لم يجز الاقتصار بحكمها على بعض من هي موجودة فيه دون غيره. ويدل ~~عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ~~وهو عام في العبيد والأحرار فلا يخص منه شيء إلا بدلالة. ويدل عليه من وجه ~~آخر: وهو اتفاق الجمع على أن العبد إذا كان هو القاتل فهو مراد به، كذلك ~~إذا كان مقتولا; لأنه لم يفرق بينه إذا كان قاتلا أو مقتولا. # فإن قيل: لما قال في سياق الحديث: "ويسعى بذمتهم أدناهم" وهو العبد، يدل ~~على أنه لم يرده بأول الخطاب. قيل له: هذا غلط من قبل أنه لا خلاف أن العبد ~~إذا كان قاتلا فهو مراد، ولم يمنع قوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" أن يكون ~~مرادا إذا كان قاتلا، كذلك لا يمنع إرادته إذا كان مقتولا، على أن قوله: ~~"ويسعى بذمتهم أدناهم" ليس فيه تخصيص العبد من غيره، وإنما المراد أدناهم ~~عددا، هو كقوله: واحد منهم، فلا تعلق لذلك في إيجاب اقتصار حكم أول اللفظ ~~على الحر دون العبد. وعلى أنه لو قال: ويسعى بذمتهم عبدهم، لم يوجب تخصيص ~~حكمه في مكافأة دمه لدم الحر; لأن ذلك حكم آخر استأنف له ذكرا، وخص به ~~العبد ليدل على أن غير العبد أولى بالسعي بذمتهم. فإذا كان تخصيص العبد ~~بالذكر في هذا الحكم لم يوجب أن يكون مخصوصا به دون الآخر، فلأن لا يوجب ~~تخصيص حكم القصاص أولى. # فإن قيل: قوله: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" يقتضي التماثل في الدماء، وليس ~~العبد مثلا للحر. قيل له فقد جعله النبي عليه السلام مثلا له في الدم; إذ ~~علق حكم التكافؤ منهم ms0230 بالإسلام، ومن قال ليس بمكافئ له فهو خارج على حكم ~~النبي عليه السلام مخالف بغير دلالة. ويدل عليه أيضا ما حدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا ~~سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأني رسول الله إلا في إحدى ثلاث: التارك للإسلام المفارق للجماعة، والثيب ~~الزاني، والنفس بالنفس فلم يفرق بين الحر والعبد، وأوجب القصاص في النفس ~~بالنفس". وذلك موافق لما حكى الله مما كتبه على بني إسرائيل فحوى هذا الخبر ~~معنيين، أحدهما: أن ما كان على بني إسرائيل من ذلك فحكمه باق علينا، ~~والثاني: أنه مكتف بنفسه في إيجاب القصاص عاما في سائر النفوس. ويدل عليه ~~أيضا من جهة السنة، ما حدثنا عبد الباقي بن # PageV01P166 # قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا التستري قال: حدثنا سهل بن عثمان العسكري ~~أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العمد قود إلا أن يعفو ولي ~~المقتول" فقد دل هذا الخبر على معنيين: أحدهما: إيجاب القود في كل عمد، ~~وأوجب ذلك القود على قاتل العبد. والثاني: نفى به وجوب المال; لأنه لو وجب ~~المال مع القود على وجه التخيير لما اقتصر على ذكر القود دونه. ويدل أيضا ~~عليه من جهة النظر أن العبد محقون الدم حقنا لا يرفعه مضي الوقت، وليس بولد ~~للقاتل، ولا ملك له، فأشبه الحر الأجنبي، فوجب القصاص بينهما كما يجب على ~~العبد إذا قتل حرا بهذه العلة، كذلك إذا قتله الحر لوجود العلة فيه. وأيضا ~~فمن منع أن يقاد الحر بالعبد، فإنما منعه لنقصان الرق 1 الذي فيه، ولا ~~اعتبار بالمساواة في الأنفس، وإنما يعتبر ذلك فيما دونها، والدليل على ذلك ~~أن عشرة لو قتلوا واحدا قتلوا به، ms0231 ولم تعتبر المساواة، كذلك لو أن رجلا ~~صحيح الجسم سليم الأعضاء قتل رجلا مفلوجا مريضا مدنفا مقطوع الأعضاء قتل ~~به، وكذلك الرجل يقتل بالمرأة مع نقصان عقلها ودينها، وديتها ناقصة عن دية ~~الرجل. # فثبت بذلك أن لا اعتبار بالمساواة في إيجاب القصاص في الأنفس، وأن الكامل ~~يقاد منه للناقص، وليس ذلك حكم ما دون النفس لأنهم لا يختلفون أنه لا تؤخذ ~~اليد الصحيحة بالشلاء، وتؤخذ النفس الصحيحة بالسقيمة. وروى الليث عن الحكم، ~~أن عليا وابن مسعود قالا: "من قتل عبدا عمدا فهو قود". PageV01P167 # باب قتل المولى لعبده # وقد اختلف في قتل المولى لعبده، فقال قائلون، وهم شواذ: يقتل به. وقال ~~عامة الفقهاء: لا يقتل به. فمن قتله احتج بظاهر قوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر} [المائدة: 45] على نحو ما احتججنا به في قتل ~~الحر بالحر، وقوله: {النفس بالنفس} وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} ~~[البقرة: 194] وقوله عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقد روي حديث ~~عن سمرة بن جندب عن النبي عليه السلام أنه قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن ~~جدع عبده جدعناه". # أما ظاهر الآي فلا حجة لهم فيها; لأن الله تعالى إنما جعل القصاص فيها ~~للمولى بقوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33] وولي العبد هو # PageV01P167 # مولاه في حياته، وبعد وفاته; لأن العبد لا يملك شيئا، وما يملكه فهو ~~لمولاه لا من جهة الميراث لكن من جهة الملك، فإذا كان هو الولي لم يثبت له ~~القصاص على نفسه، وليس هو بمنزلة من قتل وارثه فيجب عليه القصاص، ولا يرثه ~~لأن ما يحصل للوارث إنما ينتقل عن ملك المورث إليه، والقاتل لا يرث فوجب ~~عليه القصاص لغيره، والعبد لا يملك شيئا فينتقل إلى مولاه، ألا ترى أنه لو ~~قتل ابن العبد لم يثبت له القصاص على قاتله لأنه لا يملك؟ فكذلك لا يثبت له ~~القصاص على غيره. ومتى وجب له القود على قاتله فإنما يستحقه مولاه دونه، ~~فلم يجز من أجل ذلك إيجاب القصاص ms0232 على مولاه بقتله إياه. ويدل على أن العبد ~~لا يثبت له ذلك قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} ~~[النحل: 75] فنفى بذلك ملك العبد نفيا عاما عن كل شيء، فلم يجز أن يثبت له ~~بذلك على أحد شيء. وإذا لم يجز أن يثبت له ذلك لأجل أنه ملك لغيره، والمولى ~~إذا استحق ما يجب له فلا يجب له القود على نفسه، وليس العبد في هذا كالحر ~~لأن الحر يثبت له القصاص ثم من جهته ينتقل إلى وارثه، ولذلك يستحقونه بينهم ~~على قدر مواريثهم، فمن حرم ميراثه بالقتل لم يرثه القود فكان القود لمن ~~يرثه. # فإن قيل: ليس دم العبد في هذا الوجه كماله; لأن المولى لا يملك قتله، ولا ~~الإقرار عليه بالقتال فهو بمنزلة الأجنبي فيه. قيل له: إن كان المولى لا ~~يملك قتله، ولا الإقرار عليه به ولكنه ولي، وهو المستحق للقصاص على قاتله ~~إذا كان أجنبيا، من حيث كان مالكا لرقبته لا من جهة الميراث، ألا ترى أنه ~~المستحق للقود على قاتله دون أقربائه؟ فدل ذلك على أنه يملك القود به كما ~~يملك رقبته. فإذا كان هو القاتل لم يجز أن يستحق القود غيره عليه، فاستحال ~~من أجل ذلك وجوب القود له على نفسه. وأيضا فقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه} [البقرة: 194] لا يجوز أن يكون خطابا للمولى إذا كان هو المعتدي بقتل ~~عبده; لأنه وإن كان معتديا على نفسه بقتل عبده وإتلاف ملكه فغير جائز أن ~~يكون غيره مخاطبا باستيفاء القود منه; لأنه غير معتد عليه، والله تعالى ~~إنما أوجب الحق لمن اعتدي عليه دون غيره. # فإن قال قائل: يقيد الإمام منه كما يقيد ممن قتل رجلا لا وارث له. قيل ~~له: إنما يقوم الإمام بما ثبت من القود لكافة المسلمين إذا كانوا مستحقين ~~لميراثه، والعبد لا يورث فيثبت الحق في الاقتصاص من قاتله لكافة المسلمين، ~~ولا جائز أن يثبت ذلك للإمام ألا ترى أنه لو قتل العبد خطأ كان المولى هو ~~المستحق ms0233 لقيمته على قاتله دون سائر المسلمين، ودون الإمام، وأن الحر الذي ~~لا وارث له لو قتل خطأ كانت ديته لبيت المال؟ فكذلك القود لو ثبت على ~~المولى لما استحقه الإمام، ولكان المولى هو الذي # PageV01P168 # يستحقه، ويستحيل ثبوت ذلك له على نفسه فبطل. وأما الحديث الذي روي فيه ~~فهو معارض بضده، وهو ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا المقبري قال: حدثنا خالد ~~بن يزيد بن صفوان النوفلي قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن عباس، وعن ~~الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده ~~النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به ~~فنفى هذا الخبر ظاهر ما أثبته خبر سمرة بن جندب الذي احتجوا به، مع موافقته ~~لما ذكرنا من ظاهر الآي ومعانيها من إيجاب الله تعالى القود للمولى، ومن ~~نفيه لملك العبد بقوله: {لا يقدر على شيء} [النحل: 75] ولو انفرد خبر سمرة ~~عن معارضة الخبر الذي قدمناه لما جاز القطع به لاحتماله لغير ظاهره، وهو ~~أنه جائز أن يكون رجل أعتق عبده ثم قتله أو جدعه أو لم يقدم على ذلك، ولكنه ~~هدده به، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل عبده قتلناه" ~~يعني عبده المعتق الذي كان عبده. وهذا الإطلاق شائع في اللغة والعادة فقد ~~قال النبي عليه السلام لبلال حين أذن قبل طلوع الفجر: "ألا إن العبد نام"، ~~وقد كان حرا في ذلك الوقت، وقال علي عليه السلام: "ادعوا لي هذا العبد ~~الأبظر" 1 يعني شريحا حين قضى في ابني عم أحدهما أخ لأم بأن الميراث للأخ ~~من الأم; لأنه كان قد جرى عليه رق في الجاهلية فسماه بذلك، وقال تعالى: ~~{وآتوا اليتامى أموالهم} [النساء: 2] والمراد الذين كانوا يتامى. وقال عليه ~~السلام: "تستأمر اليتيمة في نفسها" يعني التي كانت يتيمة. ولا يمتنع أن ~~يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من قتل عبده قتلناه" ما وصفناه ~~فيمن كان عبدا فأعتق، وزال ms0234 بهذا توهم متوهم لو ظن أن مولى النعمة لا يقاد ~~بمولاه الأسفل كما لا يقاد والد بولده. وقد كان جائزا أن يسبق إلى ظن بعض ~~الناس أن لا يقاد به; لأنه عليه السلام قد جعل حق مولى النعمة كحق الوالد، ~~والدليل عليه قوله عليه السلام: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه" فجعل عتقه لأبيه كفاء لحقه ومساويا ليده عنده ونعمته لديه، ~~والله أعلم. PageV01P169 # باب القصاص بين الرجال والنساء # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال: {ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] فظاهر ما ذكر من ظواهر الآي الموجبة ~~للقصاص في الأنفس بين العبيد والأحرار موجب للقصاص بين الرجال والنساء ~~فيها. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر، ~~وابن شبرمة: "لا قصاص بين # PageV01P169 # الرجال والنساء إلا في الأنفس"، وروي عن ابن شبرمة رواية أخرى: أن بينهم ~~قصاصا فيما دون النفس. وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعي ~~والشافعي: القصاص واقع فيما بين الرجال والنساء في الأنفس وما دونها إلا أن ~~الليث قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولم يقتص منه. وقال عثمان ~~البتي: إذا قتلت امرأة رجلا قتلت به، وأخذ من مالها نصف الدية، وكذلك إن ~~أصابته بجراحة قال: وإن كان هو الذي قتلها أو جرحها فعليه القود، ولا يرد ~~عليه شيء. وقد روي عن السلف اختلاف في ذلك، فروى قتادة عن سعيد بن المسيب: ~~أن عمر قتل نفرا من أهل صنعاء بامرأة أقادهم بها. وروي عن عطاء والشعبي ~~ومحمد بن سيرين: أنه يقتل بها. واختلف عن علي عليه السلام فيها، فروى ليث ~~عن الحكم عن علي وعبد الله قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود. ~~وروي عن عطاء، والشعبي، والحسن البصري أن عليا قال: إن شاءوا قتلوه، وأدوا ~~نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل. وروى أشعث عن الحسن في امرأة ~~قتلت رجلا عمدا قال: تقتل، وترد نصف الدية. # قال أبو بكر: ms0235 ما روي عن علي من القولين في ذلك مرسل; لأن أحدا من رواته ~~لم يسمع من علي شيئا، ولو ثبتت الروايتان كان سبيلهما أن تتعارضا، وتسقطا ~~فكأنه لم يرو عنه في ذلك شيء. وعلى أن رواية الحكم في إيجاب القود دون ~~المال أولى لموافقتها لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} وسائر الآي الموجبة للقود ليس في شيء منها ذكر الدية، وهو غير جائز ~~أن يزيد في النص إلا بنص مثله; لأن الزيادة في النص توجب النسخ. حدثنا ابن ~~قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ~~قال: حدثنا حميد عن أنس بن مالك: أن الربيع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ~~ثنيتها فعرض عليهم الأرش فأبوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم ~~بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله تكسر سن الربيع؟ لا، ~~والذي بعثك بالحق فقال: "يا أنس كتاب الله القصاص" فعفا القوم، فقال عليه ~~السلام: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" فأخبر عليه السلام أن ~~الذي في كتاب الله القصاص دون المال فلا جائز إثبات المال مع القصاص. ومن ~~جهة أخرى أنه إذا لم يجب القصاص بنفس القتل فغير جائز إيجابه مع إعطاء ~~المال; لأن المال حينئذ يصير بدلا من النفس، وغير جائز قتل النفس بالمال، ~~ألا ترى أن من رضي أن يقتل، ويعطى مالا يكون لوارثه لم يصح ذلك، ولم يجز أن ~~يستحق النفس بالمال؟ فبطل أن يكون القصاص موقوفا على إعطاء المال. # وأما مذهب الحسن، وقول عثمان البتي في أن المرأة إذا كانت القاتلة قتلت، ~~وأخذ # PageV01P170 # من مالها نصف الدية، فقول يرده ظاهر الآي الموجبة للقصاص، ويوجب زيادة ~~حكم غير مذكور فيها. وقد روى قتادة عن أنس: أن يهوديا قتل جارية، وعليها ~~أوضاح لها، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بها. وروى الزهري عن ~~أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن ms0236 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن الرجل يقتل بالمرأة". وأيضا قد ثبت عن عمر بن الخطاب قتل ~~جماعة رجال بالمرأة الواحدة من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائه مع استفاضة ~~ذلك، وشهرته عنه، ومثله يكون إجماعا. # ومما يدل على قتل الرجل بها من غير بدل مال، ما قدمنا من سقوط اعتبار، ~~المساواة بين الصحيحة، والسقيمة، وقتل العاقل بالمجنون، والرجل بالصبي، ~~وهذا يدل على سقوط اعتبار المساواة في النفوس، وأما دون النفس فإن اعتبار ~~المساواة، واجب فيه، والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع أخذ اليد ~~الصحيحة بالشلاء. وكذلك لم يوجب أصحابنا القصاص بين الرجال، والنساء فيما ~~دون النفس، وكذلك بين العبيد، والأحرار; لأن ما دون النفس من أعضائها غير ~~متساوية. # فإن قال قائل: هلا قطعت يد العبد، ويد المرأة بيد الرجل كما قطعت اليد ~~الشلاء بالصحيحة قيل له: إنما سقط القصاص في هذا الموضع لاختلاف أحكامها لا ~~من جهة النقص، فصار كاليسرى لا تؤخذ باليمنى، وأوجب أصحابنا القصاص بين ~~النساء فيما دون النفس لتساوي أعضائهما من غير اختلاف في أحكامهما، ولم ~~يوجبوا القصاص فيما بين العبيد فيما دون النفس; لأن تساويهما إنما يعلم من ~~طريق التقويم، وغالب الظن. كما لا تقطع اليد من نصف الساعد; لأن الوصول إلى ~~علمه من طريق الاجتهاد. وعندهم أن أعضاء العبد حكمها حكم الأموال في جميع ~~الوجوه، فلا يلزم العاقلة منها شيء، وإنما يلزم الجاني في ماله، وليس كذلك ~~النفس لأنها تلزم العاقلة في الخطأ، وتجب فيها الكفارة ففارق الجنايات على ~~الأموال، والله أعلم. # PageV01P171 # باب قتل المؤمن بالكافر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى وعثمان البتي: "يقتل ~~المسلم بالذمي". وقال ابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: "لا يقتل". ~~وقال مالك والليث بن سعد: "إن قتله غيلة قتل به، وإلا لم يقتل". # قال أبو بكر: سائر ما قدمنا من ظواهر الآي يوجب قتل المسلم بالذمي على ما ~~بينا; إذ لم يفرق شيء منها بين المسلم، والذمي، وقوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص ms0237 في القتلى} عام في الكل، وكذلك قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى # PageV01P171 # بالأنثى} وقوله في سياق الآية: {فمن عفي له من أخيه شيء} لا دلالة فيه ~~على خصوص أول الآية في المسلمين دون الكفار; لاحتمال الأخوة من جهة النسب، ~~ولأن عطف بعض ما انتظمه لفظ العموم عليه بحكم مخصوص لا يدل على تخصيص حكم ~~الجملة على ما بيناه فيما سلف عند ذكرنا حكم الآية. وكذلك قوله تعالى: ~~{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] يقتضي عمومه قتل المؤمن ~~بالكافر; لأن شريعة من قبلنا من الأنبياء ثابتة في حقنا ما لم ينسخها الله ~~تعالى على لسان رسوله عليه السلام وتصير حينئذ شريعة للنبي عليه السلام قال ~~الله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] . ويدل ~~على أن ما في هذه الآية، وهو قوله: {النفس بالنفس} إلى آخرها هو شريعة ~~لنبينا عليه السلام قوله عليه السلام في إيجابه القصاص في السن في حديث أنس ~~الذي قدنا حين قال أنس بن النضر: لا تكسر ثنية الربيع: "كتاب الله القصاص"، ~~وليس في كتاب الله السن بالسن إلا في هذه الآية، فأبان النبي عليه السلام ~~عن موجب حكم الآية علينا، ولو لم تلزمنا شريعة من قبلنا من الأنبياء بنفس ~~ورودها لكان قوله كافيا في بيان موجب حكم هذه الآية، وأنها قد اقتضت من ~~حكمها علينا مثل ما كان على بني إسرائيل فقد دل قول النبي عليه السلام هذا ~~على معنيين: أحدهما: لزوم حكم الآية لنا، وثبوته علينا، والثاني: إخباره أن ~~ظاهر الكتاب قد ألزمنا هذا الحكم قبل إخبار النبي عليه السلام بذلك، فدل ~~ذلك على ما حكاه الله في كتابه مما شرعه لغيره من الأنبياء فحكمه ثابت ما ~~لم ينسخ، وإذا ثبت ما، وصفنا، وليس في الآية فرق بين المسلم، والكافر، وجب ~~إجراء حكمها عليهما. ويدل عليه قوله عز وجل: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وقد ثبت بالاتفاق أن السلطان المذكور في هذا ~~الموضع قد انتظم القود، وليس فيها تخصيص ms0238 مسلم من كافر فهو عليهما. ومن جهة ~~السنة ما روي عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سلمة، عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا، ومن قتل قتيلا ~~فوليه بخير النظرين بين أن يقتص أو يأخذ الدية". وروى أبو سعيد المقبري عن ~~أبي شريح الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وحديث عثمان وابن ~~مسعود، وعائشة عن النبي عليه السلام: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ~~زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس". وحديث ابن عباس أن ~~النبي عليه السلام قال: "العمد قود". وهذه الأخبار يقتضي عمومها قتل المسلم ~~بالذمي. وروى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن السلماني: أن النبي ~~عليه السلام أقاد مسلما بذمي، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته". وقد روى ~~الطحاوي عن سليمان بن شعيب قال: حدثنا يحيى بن سلام، عن محمد بن أبي حميد ~~المدني، عن محمد بن المنكدر، عن النبي عليه السلام مثله. # PageV01P172 # وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله قتل المسلم بالذمي، حدثنا ابن قانع قال: ~~حدثنا علي بن الهيثم، عن عثمان الفزاري قال: حدثنا مسعود بن جويرية قال: ~~حدثنا عبد الله بن خراش، عن واسط، عن الحسن بن ميمون، عن أبي الجنوب الأسدي ~~قال: جاء رجل من أهل الحيرة إلى علي كرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين ~~رجل من المسلمين قتل ابني، ولي بينة فجاء الشهود فشهدوا، وسأل عنهم فزكوا، ~~فأمر بالمسلم فأقعد، وأعطي الحيري سيفا وقال: أخرجوه معه إلى الجبانة ~~فليقتله، وأمكناه من السيف، فتباطأ الحيري، فقال له بعض أهله: هل لك في ~~الدية تعيش فيها، وتصنع عندنا يدا؟ قال: نعم، وغمد السيف، وأقبل إلى علي ~~فقال: لعلهم سبوك وتواعدوك؟ قال: لا، والله، ولكني اخترت الدية. فقال علي: ~~أنت أعلم قال: ثم أقبل علي على القوم فقال: أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون ~~دماؤنا كدمائهم، ودياتنا كدياتهم. # وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن ms0239 المثنى قال: حدثنا عمرو بن مرزوق ~~قال: حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة: أن رجلا من ~~المسلمين قتل رجلا من العباديين 1، فقدم أخوه على عمر بن الخطاب، فكتب عمر ~~أن يقتل، فجعلوا يقولون: يا جبير اقتل فجعل يقول: حتى يأتي الغيظ. فكتب عمر ~~أن لا يقتل، ويودى. وروي في غير هذا الحديث أن الكتاب، ورد بعد أن قتل، ~~وأنه إنما كتب أن يسأل الصلح على الدية حين كتب إليه أنه من فرسان ~~المسلمين. # وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا ابن إدريس، عن ليث عن الحكم، عن علي ~~وعبد الله بن مسعود قالا: "إذا قتل يهوديا أو نصرانيا قتل به". وروى حميد ~~الطويل عن ميمون عن مهران: أن عمر بن عبد العزيز أمر أن يقتل مسلم بيهودي ~~فقتل. فهؤلاء الثلاثة أعلام الصحابة، وقد روي عنهم ذلك، وتابعهم عمر بن عبد ~~العزيز عليه، ولا نعلم أحدا من نظرائهم خلافه. # واحتج مانعو قتل المسلم بالذمي بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" رواه قيس بن عباد، وحارثة بن قدامة، ~~وأبو جحيفة. وقيل لعلي: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد سوى ~~القرآن؟ فقال: ما عهدي إلا كتاب في قراب سيفي، وفيه: المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده. ~~وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~فتح مكة: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، وقد روى ابن عمر أيضا ~~ما حدثنا PageV01P173 # عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إدريس بن عبد الكريم الحدار قال: حدثنا ~~محمد بن الصباح: حدثنا سليمان بن الحكم: حدثنا القاسم بن الوليد، عن سنان ~~بن الحارث، عن طلحة بن مصرف عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر، ms0240 ولا ذو عهد في عهده". ولهذا ~~الخبر ضروب من التأويل كلها توافق ما قدمنا ذكره من الآي والسنن أحدها: أنه ~~قد ذكر أن ذلك كان في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلا من ~~هذيل بذحل 1 الجاهلية فقال عليه السلام: "ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو ~~موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" يعني والله ~~أعلم بالكافر الذي قتله في الجاهلية، وكان ذلك تفسيرا لقوله: "كل دم كان في ~~الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي" لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث. وقد ذكر ~~أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة، وأنه إنما كان قبل ذلك بين ~~النبي عليه السلام وبين المشركين عهود إلى مدد لا على أنهم داخلون في ذمة ~~الإسلام وحكمه. وكان قوله يوم فتح مكة "لا يقتل مؤمن بكافر" منصرفا إلى ~~الكفار المعاهدين; إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه، ويدل عليه قوله: ~~"ولا ذو عهد في عهده" كما قال تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} ~~[التوبة: 4] وقال: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] . وكان ~~المشركون حينئذ ضربين: أحدهما: أهل الحرب، ومن لا عهد بينه وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم والآخر: أهل عهد إلى مدة، ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف ~~الكلام إلى الضربين من المشركين، ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين ~~الوصفين. وفي فحوى هذا الخبر ومضمونه ما يدل على أن الحكم المذكور في نفي ~~القصاص مقصور على الحربي المعاهد دون الذمي، وذلك أنه عطف عليه قوله: "ولا ~~ذو عهد في عهده"، ومعلوم أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" غير مستقل بنفسه في ~~إيجاب الفائدة لو انفرد عما قبله، فهو إذا مفتقر إلى ضمير، وضميره ما تقدم ~~ذكره، ومعلوم أن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد المستأمن هو الحربي، فثبت ~~أن مراده مقصور على الحربي. وغير جائز أن يجعل الضمير "ولا يقتل ذو عهد في ms0241 ~~عهده" من وجهين: أحدهما: أنه لما كان القتل المبدو قتلا على وجه القصاص، ~~وكان ذلك القتل بعينه سبيله أن يكون مضمرا في الثاني، لم يجز لنا إثبات ~~الضمير قتلا مطلقا، إذا لم يتقدم في الخطاب ذكر قتل مطلق غير مقيد بصفة، ~~وهو القتل على وجه القود، فوجب أن يكون هو المنفي بقوله: "ولا ذو عهد في ~~عهده" فصار تقديره: ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو PageV01P174 # عهد في عهده بالكافر المذكور بديا. ولو أضمرنا قتلا مطلقا كنا مثبتين ~~لضمير لم يجر له ذكر في الخطاب، وهذا لا يجوز. وإذا ثبت ذلك وكان الكافر ~~الذي لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي، كان قوله: "لا يقتل مؤمن ~~بكافر" بمنزلة قوله: لا يقتل مؤمن بكافر حربي، فلم يثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفي قتل المؤمن بالذمي. والوجه الآخر: أنه معلوم أن ذكر العهد ~~يحظر قتله ما دام في عهده، فلو حملنا قوله: "ولا ذو عهد في عهده" على أنه ~~لا يقتل ذو عهد في عهده، لأخلينا اللفظ من الفائدة، وحكم كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم حمله على مقتضاه في الفائدة، وغير جائز إلغاؤه، ولا إسقاط ~~حكمه. # فإن قال قائل: قد روي في حديث أبي جحيفة عن علي عن النبي عليه السلام: ~~"لا يقتل مؤمن بكافر" ولم يذكر العهد، وهذا اللفظ ينفي قتل المؤمن بسائر ~~الكفار. قيل: هو حديث واحد قد عزاه أبو جحيفة أيضا إلى الصحيفة. وكذلك قيس ~~بن عباد، وإنما حذف بعض الرواة ذكر العهد، فأما أصل الحديث فواحد. ومع ذلك ~~فلو لم يكن في الخبر دليل على أنه حديث واحد لكان الواجب حملهما على أنهما ~~وردا معا، وذلك لأنه لم يثبت أن النبي عليه السلام قال ذلك في وقتين مرة ~~مطلقا من غير ذكر ذي العهد، وتارة مع ذكر ذي العهد. وأيضا فقد وافقنا ~~الشافعي على أن ذميا لو قتل ذميا ثم أسلم لم يسقط عنه القود، فلو كان ~~الإسلام مانعا من القصاص ابتداء لمنعه إذا ms0242 طرئ بعد وجوبه قبل استيفائه، ألا ~~ترى أنه لما لم يجب القصاص للابن على الأب إذا قتله كان ذلك حكمه إذا ورث ~~ابنه القود من غيره؟ فمنع ما عرض من ذلك من استيفائه كما منع ابتداء وجوبه. ~~وكذلك لو قتل مرتدا لم يجب القود، ولو جرحه، وهو مسلم ثم ارتد ثم مات من ~~الجراحة سقط القود، فاستوى فيه حكم الابتداء والبقاء. فلو لم يجب القتل ~~بديا لما وجب إذا أسلم بعد القتل. وأيضا لما كان المعنى في إيجاب القصاص ما ~~أراد الله تعالى من بقاء حياة الناس بقوله: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: ~~179] وكان هذا المعنى موجودا في الذمي; لأن الله تعالى قد أراد بقاءه حين ~~حقن دمه بالذمة وجب أن يكون ذلك موجبا للقصاص بينه وبين المسلم كما يوجبه ~~في قتل بعضهم بعضا. # فإن قيل: يلزمك على هذا قتل المسلم بالحربي المستأمن لأنه محظور الدم؟ ~~قيل له: ليس كذلك، بل هو مباح الدم إباحة مؤجلة، ألا ترى أنا لا نتركه في ~~دار الإسلام، ونلحقه بمأمنه والتأجيل لا يزيل عنه حكم الإباحة كالثمن ~~المؤجل لا يخرجه التأجيل عن وجوبه؟ # واحتج أيضا من منع القصاص بقوله عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" ~~قالوا: وهذا يمنع كون دم الكافر مكافئا لدم المسلم. وهذا لا دلالة فيه على ~~ما قالوا; لأن # PageV01P175 # قوله "المسلمون تتكافأ دماؤهم" لا ينفي مكافأة دماء غير المسلمين، ~~وفائدته ظاهرة، وهي إيجاب التكافؤ بين الحر والعبد والشريف والوضيع والصحيح ~~والسقيم فهذه كلها فوائد هذا الخبر وأحكامه. ومن فوائده أيضا إيجاب القود ~~بين الرجل والمرأة، وتكافؤ دمائهما، ونفي لأخذ شيء من أولياء المرأة إذا ~~قتلوا القاتل أو إعطاء نصف الدية من مال المرأة مع قتلها إذا كانت هي ~~القاتلة. # فإذا كان قوله عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" قد أفاد هذه ~~المعاني، فهو حكم مقصور على المذكور، ولا دلالة فيه على نفي التكافؤ بينهم ~~وبين غيرهم من أهل الذمة. ويدل على ذلك أنه لم يمنع تكافؤ دماء الكفار حتى ~~يقاد من بعضهم البعض ms0243 إذا كانوا ذمة لنا، فكذلك لا يمنع تكافؤ دماء المسلمين ~~وأهل الذمة. # ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على أنه يقطع إذا سرقه، ~~فوجب أن يقاد منه; لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله، ألا ترى أن العبد لا ~~يقطع في مال مولاه، ويقتل به. # واحتج الشافعي بأنه لا خلاف أنه لا يقتل بالحربي المستأمن كذلك لا يقتل ~~بالذمي، وهما في تحريم القتل سواء. وقد بينا وجوه الفرق بينهما. والذي ذكره ~~الشافعي من الإجماع ليس كما ظن; لأن بشر بن الوليد قد روى عن أبي يوسف: أن ~~المسلم يقتل بالحربي المستأمن. وأما قول مالك والليث في قتل الغيلة، فإنهما ~~يريان ذلك حدا لا قودا، والآيات التي فيها ذكر القتل لم تفرق بين قتل ~~الغيلة وغيره. وكذلك السنن التي ذكرنا، وعمومها يوجب القتل على وجه القصاص ~~لا على وجه الحد، فمن خرج عنها بغير دلالة كان محجوجا، والله أعلم. # PageV01P176 # باب قتل الوالد بولده # اختلف الفقهاء في قتل الوالد بولده، فقال عامتهم: لا يقتل، وعليه الدية ~~في ماله قال بذلك أصحابنا والأوزاعي والشافعي، وسووا بين الأب والجد. وقال ~~الحسن بن صالح بن حي: يقاد الجد بابن الابن، وكان يجيز شهادة الجد لابن ~~ابنه، ولا يجيز شهادة الأب لابنه. وقال عثمان البتي: إذا قتل ابنه عمدا قتل ~~به، وقال مالك: يقتل به وقد حكي عنه أنه إذا ذبحه قتل به، وإن حذفه بالسيف ~~لم يقتل به. # والحجة لمن أبى قتله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقتل والد بولده". وهذا خبر مستفيض ~~مشهور، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم ~~عليه، فكان بمنزلة # PageV01P176 # قوله "لا وصية لوارث"، ونحوه في لزوم الحكم به، وكان في حيز المستفيض ~~المتواتر. # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم بن الحسين قال: ~~حدثنا عبد الله بن سنان المروزي قال: حدثنا إبراهيم ms0244 بن رستم، عن حماد بن ~~سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد الأب بابنه". وحدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا خلاد بن يحيى قال: حدثنا قيس، عن ~~إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقاد الوالد بولده". وروي عن النبي عليه ~~السلام أنه قال لرجل: "أنت ومالك لأبيك" فأضاف نفسه إليه كإضافة ماله، ~~وإطلاق هذه الإضافة ينفي القود كما ينفي أن يقاد المولى بعبده لإطلاق ~~إضافته إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر، والأب وإن كان غير مالك لابنه في ~~الحقيقة فإن ذلك لا يسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة; لأن القود يسقطه ~~الشبهة، وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه. # ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطيب ما ~~أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن ~~أولادكم من كسبكم; فكلوا من كسب أولادكم" فسمى ولده كسبا له كما أن عبده ~~كسبه، فصار ذلك شبهة في سقوط القود به. # وأيضا فلو قتل عبد ابنه لم يقتل به; لأنه عليه السلام سماه كسبا له، كذلك ~~إذا قتل نفسه. وأيضا قال الله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه ~~وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك ~~على أن تشرك} [لقمان: 14 – 15] الآية، فأمر بمصاحبة الوالدين الكافرين ~~بالمعروف، وأمره بالشكر لقوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] ~~وقرن شكرهما بشكره. وذلك ينفي جواز قتله إذا قتل وليا لابنه، فكذلك إذا قتل ~~ابنه; لأن من يستحق القود بقتل الابن إنما يثبت له ذلك من جهة الابن ~~المقتول، فإذا لم يستحق ذلك المقتول لم يستحق ذلك عنه. وكذلك قوله تعالى: ~~{إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما ms0245 قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا} [الإسراء: 2] ولم يخصص حالا دون حال، بل أمره بذلك أمرا مطلقا عاما. ~~فغير جائز ثبوت حق القود عليه; لأن قتله له يضاده هذه الأمور التي أمر الله ~~تعالى بها في معاملة والده. وأيضا نهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن ~~أبي عامر الراهب عن قتل أبيه، وكان مشركا محاربا لله ولرسوله، وكان مع قريش ~~يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فلو جاز للابن # PageV01P177 # قتل أبيه في حال لكان أولى الأحوال بذلك حال من قاتل النبي عليه السلام ~~وهو مشرك، إذ ليس يجوز أن يكون أحد أولى باستحقاق العقوبة والذم والقتل ممن ~~هذه حاله، فلما نهاه عليه السلام عن قتله في هذه الحال علمنا أنه لا يستحق ~~قتله بحال. وكذلك قال أصحابنا: إنه لو قذفه لم يحد له، ولو قطع يده لم يقتص ~~منه، ولو كان عليه دين له لم يحبس به لأن ذلك كله يضاد موجب الآي التي ~~ذكرنا. # ومن الفقهاء من يجعل مال الابن لأبيه في الحقيقة كما يجعل مال العبد، ~~ومتى أخذ منه لم يحكم برده عليه. فلو لم يكن في سقوط القود به إلا اختلاف ~~الفقهاء في حكم ماله على ما وصفنا لكان كافيا في كونه شبهة في سقوط القود ~~به. وجميع ما ذكرنا من هذه الدلائل يخص آي القصاص، ويدل على أن الوالد غير ~~مراد بها، والله أعلم. # PageV01P178 # باب الرجلين يشتركان في قتل رجل # قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} ~~[النساء: 93] ، وقال تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92] . ولا خلاف أن هذا الوعيد لاحق بمن شارك غيره في القتل، وأن ~~عشرة لو قتلوا رجلا عمدا لكان كل واحد منهم داخلا في الوعيد قاتلا للنفس ~~المؤمنة. وكذلك لو قتل عشرة رجلا خطأ كان كل واحد منهم قاتلا في الحكم ~~للنفس يلزمه من الكفارة ما يلزم المنفرد بالقتل. ولا خلاف أن ما دون ms0246 النفس ~~لا يجب فيه كفارة، فيثبت أن كل واحد في حكم من أتلف جميع النفس. وقال ~~تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] فالجماعة إذا اجتمعت ~~على قتل رجل فكل واحد في حكم القاتل للنفس، ولذلك قتلوا به جميعا. وإذا كان ~~كذلك، فلو قتل اثنان رجلا أحدهما عمدا والآخر خطأ، أو أحدهما مجنون، والآخر ~~عاقل، فمعلوم أن المخطئ في حكم أخذ جميع النفس، فيثبت لجميعهما حكم الخطإ، ~~فانتفى منهما حكم العمد; إذ غير جائز ثبوت حكم الخطإ للجميع، وحكم العمد ~~للجميع. وكذلك المجنون والعاقل والصبي والبالغ، ألا ترى أنه إذا ثبت حكم ~~الخطإ للجميع وجبت الدية كاملة. وإذا ثبت حكم العمد للجميع وجب القود فيه؟ ~~ولا خلاف بين الفقهاء في امتناع وجوب دية كاملة في النفس ووجوب القود مع ~~ذلك على جهة استيفائهما جميعا، فوجب بذلك أنه متى وجب للنفس المتلفة على ~~وجه الشركة شيء من الدية أن لا يثبت معه قود على أحد; لأن وجوب القود يوجب ~~ثبوت حكم العمد في الجميع، وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب الأرش لشيء ~~منها. # PageV01P178 # وقد اختلف الفقهاء في الصبي، والبالغ، والمجنون، والعاقل، والعامد، ~~والمخطئ يقتلان رجلا، فقال أبو حنيفة، وصاحباه: لا قصاص على واحد منهما. ~~وكذلك لو كان أحدهما أبا المقتول فعلى الأب والعاقل نصف الدية في ماله، ~~والمخطئ والمجنون والصبي على عاقلته، وهو قول الحسن بن صالح. وقال مالك: ~~إذا اشترك الصبي والبالغ في قتل رجل قتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف ~~الدية. وقال الأوزاعي: على عاقلتهما الدية. وقال الشافعي: إذا قتل رجل مع ~~صبي رجلا فعلى الصبي العامد نصف الدية في ماله، وكذلك الحر والعبد إذا قتلا ~~عبدا، والمسلم والنصراني إذا قتلا نصرانيا قال: إن شركه قاتل خطأ فعلى ~~العامد نصف الدية في ماله، وجناية المخطئ على عاقلته. # قال أبو بكر: أصل أصحابنا في ذلك أنه متى اشترك اثنان في قتل رجل، ~~وأحدهما ms0247 لا يجب عليه القود فلا قود على الآخر. وما قدمناه من دلائل الآي ~~التي ذكرنا يمنع وجوب القود على أحدهما عمدا، ويجب المال على الآخر لحصول ~~حكم الخطإ للنفس المتلفة، ولا جائز أن يكون خطأ وعمدا موجبا للمال والقود ~~في حال واحدة، وهي نفس واحدة لا تتبعض، ألا ترى أنه غير جائز أن يكون بعضها ~~متلفا، وبعضها حيا؟ لأن ذلك يوجب أن يكون الإنسان حيا ميتا في حال واحدة. ~~فلما امتنع ذلك ثبت أن كل واحد من القاتلين في حكم المتلف لجميعها، فوجب ~~بذلك قسطها من الدية على من لا يجب عليه القود، فيصير حينئذ محكوما للجميع ~~بحكم الخطإ. فلا جائز مع ذلك أن يحكم بها بحكم العمد لأنه لو جاز ذلك لوجب ~~أن يكون فيهما جميع الدية. ويشبه من هذا الوجه أيضا الواطئ لجارية بينه ~~وبين غيره في سقوط الحد عنه; لأن فعله لم يتبعض في نصيبه دون نصيب شريكه، ~~فلما لم يجب عليه الحد في نصيبه منع ذلك من وجوبه في نصيب شريكه لعدم ~~التبعيض فيه. وعلى هذا قال أصحابنا في رجلين سرقا من ابن أحدهما: إنه لا ~~قطع على واحد منهما لمشاركته في انتهاك الحرز من لا يستحق القطع. # فإن قال قائل: إن تعلق حكم العمد على العامد، والصحيح والبالغ موجب عليه ~~القود بقضية استدلالك بالآي التي تلوت إذا كان قاتلا لجميع النفس متلفا ~~لجميع الحياة، ولذلك استحق الوعيد في حال الاشتراك والانفراد. وكذلك ~~الجماعة العامدون لقتل رجل أوجب على كل واحد منهم القود; إذ كان في حكم من ~~أتلف الجميع منفردا به، وهذا يوجب قتل العاقل منهما. وكذلك الصبي والبالغ، ~~وأن لا يسقط بمشاركة من لا قود عليه. قيل له: هذا غير واجب، من قبل أنه لا ~~خلاف أن المشارك الذي لا قود عليه يلزمه قسطه من الدية ولما وجب فيه الأرش ~~انتفى عنه حكم العمد في الجميع لما ذكرنا من امتناع تبعيضها في حال ~~الإتلاف، فصار الجميع في حكم الخطإ، وما لا قود فيه. ولما ms0248 كان # PageV01P179 # الواجب على الشريك الذي يستحق عليه القود قسطه من الدية دون جميعها، ثبت ~~أن الجميع قد صار في حكم الخطإ، لولا ذلك لوجب جميع الدية، ألا ترى أنهم لو ~~كانوا جميعا ممن يجب عليهم القود لأقدنا منهم جميعا، وكان كل واحد منهم في ~~حكم القاتل منفردا به؟ فلما وجب على المشارك الذي لا قود عليه قسطه من ~~الدية دل ذلك على سقوط القود، وأن النفس قد صارت في حكم الخطإ; فلذلك ~~انقسمت الدية على عددهم. ومن حيث وافقنا الشافعي في قاتلي العمد والخطإ أن ~~لا قود على العامد منهما لزمه مثل ذلك في العاقل والمجنون والصبي والبالغ; ~~لمشاركته في القتل من لا قود عليه فيه. وأيضا فوجدنا في الأصول امتناع وجوب ~~المال والقود في شخص واحد، ألا ترى أنه لو كان القاتل واحدا فوجب المال ~~انتفى وجوب القصاص؟ وكذلك الوطء إذا وجب به المهر سقط الحد، وكذلك السرقة ~~إذا وجب بها الضمان سقط القطع عندنا; لأن المال لا يجب في هذه المواضع إلا ~~مع وجود الشبهة المسقطة للقود والحد، فلما وجب المال في مسألتنا بالاتفاق ~~انتفى به وجوب القصاص. ومما يدل على أن سقوط القود فيما وصفنا أولى من ~~إيجابه: أن القود قد يتحول مالا بعد ثبوته، والمال لا يتحول قودا بوجه، ~~فكان ما لا ينفسخ إلى غيره أولى بالإثبات مما ينفسخ بعد ثبوته إلى الآخر، ~~وكان سقوط القود عن أحدهما مسقطا له عن الآخر. # فإن قيل: فأنتم تقولون في العامدين إذا قتلا رجلا ثم عفا الولي عن أحدهما ~~أن الآخر يقتل، فكذلك يجب أن تقولوا في هذه المسألة. قيل له: هذا سؤال ساقط ~~على أصل الشافعي; لأنه يلزمه أن يقيد من العامد إذا شاركه المخطئ; إذ كانت ~~الشركة لا حظ لها في نفي القود عمن يجب عليه ذلك لو انفرد، وإن كان سقوط ~~القود عن أحد قاتلي العمد بالعفو لا يسقط عن الآخر، فلما لم يلزمه ذلك في ~~المخطئ والعامد لم يلزمنا في الصبي والبالغ والمجنون والعاقل. والسؤال ms0249 ساقط ~~للآخرين أيضا من قبل أن هذا كلام في الاستيفاء، والاستيفاء لا يجب على وجه ~~الشركة; إذ له أن يقتل أحدهما قبل الآخر، وله أن يقتل من وجده منهما دون من ~~لم يجد. وأيضا مسألتنا في الوجوب ابتداء إذا وقع القتل على وجه الشركة ~~فيستحيل حينئذ أن يكون كل واحد منهما قد صار في الحكم كمتلف دون الآخر، ~~واستحال انفراد أحدهما بالحكم دون شريكه. وأيضا فالوجوب حكم غير الاستيفاء، ~~فغير جائز إلزام الاستيفاء عليه; إذ غير جائز اعتبار حال الاستيفاء بحال ~~الوجوب، ألا ترى أنه يجوز أن يكون في حال الاستيفاء تائبا وليا لله عز وجل، ~~وغير جائز أن يكون في حال القتل الموجب للقود وليا لله تعالى؟ وجائز أن ~~يتوب الزاني فيكون حق استيفاء الحد باقيا عليه، وغير جائز وجوب الحد، وهو ~~على هذه الصفة؟ # PageV01P180 # فمن اعتبر حال الوجوب بحال الاستيفاء فهو مغفل للواجب عليه. وأيضا فإنه ~~متى عفا عن أحدهما سقط حكم قتله فصار الباقي في حكم المنفرد بقتله فلزمه ~~القود، ولم يسقط عنه بسقوطه عن الآخر. وأما المجنون ومن لم يجب عليه القود ~~فحكم فعله ثابت على وجه الخطإ، وذلك موجب لحظر دم من شاركه; إذ كان حكمه ~~حكمه لاشتراكهما فيه. وإذا ثبت بما قدمنا من دلائل الكتاب والنظر سقوط ~~القود عمن شاركه من لا يجب عليه القود، جاز أن يخص بهما موجب حكم الآي ~~المذكور فيها القصاص من قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقوله: {الحر ~~بالحر} وقوله: {ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] و {النفس بالنفس} [المائدة: ~~45] وما جرى مجرى ذلك من عموم السنن الموجبة للقصاص ولأن جميع ذلك عام قد ~~أريد به الخصوص بالاتفاق، وما كان هذا سبيله فجائز تخصيصه بدلائل النظر، ~~والله الموفق. # وذكر المزني أن الشافعي احتج على محمد في منعه إيجاب القود على العامد ~~إذا شاركه صبي أو مجنون، فقال: إن كنت رفعت عنه القتل لأن القلم مرفوع ~~عنهما، وأن عمدهما خطأ، فهلا أقدت من الأجنبي إذا قتل عمدا مع الأب لأن ~~القلم ms0250 عن الأب ليس بمرفوع. وهذا ترك لأصله. قال المزني: "قد شرك الشافعي ~~محمدا فيما أنكر عليه في هذه المسألة; لأن رفع القصاص عن المخطئ والمجنون ~~واحد، وكذلك حكم من شركهم في العمد واحد". # PageV01P181 # مطلب: في أن العلل الشرعية يجب اطرادها ولا يجب انعكاسها # قال أبو بكر: ما ذكره المزني عن الشافعي إلزام في غير موضعه; لأنه ألزمه ~~عكس المعنى، وإنما الذي يلزم على هذا الأصل أن كل من كان عمده خطأ أن لا ~~يفيد المشارك له في القتل، وإن كان عامدا، فأما من ليس عمده خطأ فليس يلزمه ~~أن يخالف بينهما في الحكم بل حكمه موقوف على دليله; لأنه عكس العلة، وليس ~~يلزم من اعتل بعلة في الشرع أن يعكسها، ويوجب من الحكم عند عدمها ضد موجبها ~~عند وجودها، ألا ترى أنا إذا قلنا: وجود الغرر يمنع جواز البيع لم يلزمنا ~~على ذلك الحكم بجوازه عند عدم الغرر؟ بل جائز أن يمنع الجواز عند عدم الغرر ~~لوجود معنى آخر، وهو أن يكون مما لم يقبضه بائعه، أو شرط فيه شرطا لا يوجبه ~~العقد، أو يكون مجهول الثمن، وما جرى مجرى ذلك من المعاني المفسدة لعقود ~~البياعات. وجائز أن يجوز البيع عند زوال الغرر على حسب قيام دلالة الجواز ~~والفساد، ونظائر ذلك كثيرة في مسائل العقد لا يخفى على من له أدنى ارتياض ~~بنظر الفقه. # PageV01P181 # ومما يحتج به في ذلك: حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن ~~قتيل خطإ العمد قتيل السوط والعصا فيه الدية مغلظة" وقتيل الصبي والبالغ ~~والمجنون والعاقل والمخطئ والعامد هو خطأ العمد من وجهين أحدهما: أن النبي ~~عليه السلام فسر قتل خطإ العمد بأنه قتيل السوط والعصا، فإذا اشترك مجنون ~~معه عصا وعاقل معه سيف فهو قتيل خطإ العمد لقضية النبي عليه السلام فالواجب ~~أن لا قصاص فيه. والوجه الآخر: أن عمد الصبي والمجنون خطأ; لأن القتل لا ~~يخلو من أحد ثلاثة أوجه: إما خطأ أو عمد أو شبه عمد، فلما لم يكن ms0251 قتل الصبي ~~والمجنون عمدا وجب أن يكون في أحد الحيزين الآخرين من الخطإ أو شبه العمد، ~~وأيهما كان فقد اقتضى ظاهر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم إسقاط القود عن ~~مشاركه في القتل; لأنه قتيل خطأ أو قتيل خطإ العمد. وأيضا فإنه أوجب فيمن ~~استحق هذه التسمية دية مغلظة، ومتى وجبت الدية كاملة انتفى القود بالاتفاق. # فإن قيل: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "قتيل خطإ العمد" ~~إذا انفرد بقتله بالسوط والعصا. قيل له: مشاركة غيره فيه بالسيف لا تخرجه ~~من أن يكون قتيل السوط والعصا، وقتيل خطأ; لأن كل واحد منهما من حيث كان ~~قاتلا وجب أن يكون هو قتيلا لكل واحد منهما، فاشتمل لفظ النبي عليه السلام ~~على المعنيين، وانتفى به القصاص في الحالين. ويدل على صحة ما ذكرنا، وأنه ~~غير جائز اختلاف حكم مشاركة المجنون للعاقل والمخطئ للعامد، أن رجلا لو جرح ~~رجلا، وهو مجنون ثم أفاق وجرحه أخرى بعد الإفاقة ثم مات المجروح منهما، أنه ~~لا قود على القاتل، كما لو جرحه خطأ ثم جرحه عمدا، ومات منهما لم يجب عليه ~~القود، وكذلك لو جرحه مرتدا ثم أسلم ثم جرحه، ومات من الجراحتين لم يكن على ~~الجارح القود. وذلك يدل على معنيين: أحدهما: أن موته من جراحتين، إحداهما ~~غير موجبة للقود، والأخرى موجبة يوجب إسقاط القود، ولم يكن لانفراد الجراحة ~~التي لا شبهة فيها عن الأخرى حكم في إيجاب القود، بل كان الحكم للتي لم ~~توجب قودا، فوجب على هذا أنه إذا مات من جراحة رجلين أحدهما لو انفرد أوجبت ~~جراحته القود، والأخرى لا توجبه أن يكون حكم سقوطه أولى من حكم إيجابه ~~لحدوث الموت منهما، فكان حكم ما يوجب سقوط القود أولى من حكم ما يوجبه، ~~والعلة فيها موته من جراحتين إحداهما مما توجب القود، والأخرى مما لا ~~توجبه. والمعنى الآخر: ما قسمنا الكلام عليه بديا، هو أنه لا فرق بين ~~المخطئ والعامد وبين المجنون والعاقل عند الاشتراك، كما لم تختلف جناية ~~المجنون ms0252 في حال جنونه ثم في حال إفاقته إذا حدث الموت منهما. وجناية الخطإ ~~والعمد إذا حدث الموت منهما في سقوط القود في الحالين، كذلك ينبغي أن لا ~~يختلف حكم جناية الصحيح لمشاركة # PageV01P182 # المجنون، وحكم جناية العامد لمشاركة المخطئ، والله أعلم. # PageV01P183 # باب ما يجب لولي قتيل العمد # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال تعالى: {وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] وقال تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وقد اتفقوا أن القود مراد به. وقال ~~تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] وقال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فاقتضت هذه ~~الآيات إيجاب القصاص لا غير. # وقد اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد، فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك بن ~~أنس والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح: ليس للولي إلا القصاص، ولا يأخذ ~~الدية إلا برضى القاتل. وقال الأوزاعي والليث والشافعي: الولي بالخيار بين ~~أخذ القصاص والدية، وإن لم يرض القاتل. وقال الشافعي: فإن عفا المفلس عن ~~القصاص جاز، ولم يكن لأهل الوصاية والدين منعه; لأن المال لا يملك بالعمد ~~إلا بمشيئة المجني عليه إذا كان حيا أو بمشيئة الورثة إذا كان ميتا. # قال أبو بكر: ما تقدم ذكره من ظواهر آي القرآن بما تضمنه من بيان المراد ~~من غير اشتراك في اللفظ يوجب القصاص دون المال، وغير جائز إيجاب المال على ~~وجه التخيير إلا بمثل ما يجوز به نسخه; لأن الزيادة في نص القرآن توجب ~~نسخه. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فحظر أخذ مال ~~كل واحد من أهل الإسلام إلا برضاه على وجه التجارة. وبمثله قد ورد الأثر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه" فمتى لم يرض القاتل بإعطاء المال، ولم تطب به نفسه فماله محظور على ~~كل أحد. وروي عن ms0253 ابن عباس وقد ذكرنا سنده فيما تقدم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول". وروى سليمان بن كثير ~~قال: حدثنا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من قتل في عميا 1 أو في زحمة لم يعرف قاتله أو رميا تكون بينهم ~~بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه ~~وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فأخبر عليه PageV01P183 # السلام في هذين الحديثين أن الواجب بالعمد هو القود، ولو كان له خيار في ~~أخذ الدية لما اقتصر على ذكر القود دونها; لأنه غير جائز أن يكون له أحد ~~شيئين على وجه التخيير، ويقتصر بالبيان على أحدهما دون الآخر; لأن ذلك يوجب ~~نفي التخيير، ومتى ثبت فيه تخيير بعده كان نسخا له. # فإن قيل: قد روى ابن عيينة هذا الحديث الآخر عن عمرو بن دينار عن طاوس ~~موقوفا عليه، ولم يذكر فيه ابن عباس، ولا رفعه إلى النبي عليه السلام قيل ~~له: كان ابن عيينة حدث به مرة هكذا غير مرفوع، وحدث به مرة أخرى كما حدث ~~سليمان بن كثير، وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطإ، ومع ذلك فجائز أن ~~يكون طاوس رواه مرة عن ابن عباس عن النبي عليه السلام ومرة أفتى به، وأخبر ~~عن اعتقاده، فليس إذا في ذلك ما يوهن الحديث. # وقد تنازع أهل العلم معنى قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان} فقال قائلون: العفو ما سهل وما تيسر، قال الله ~~تعالى: {خذ العفو} [الأعراف: 199] يعني والله أعلم: ما سهل من الأخلاق. ~~وقال النبي عليه السلام: "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" يعني تيسير ~~الله وتسهيله على عباده، فقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} يعني الولي ~~إذا أعطي شيئا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف وليؤد القاتل إليه ~~بإحسان، فندبه الله تعالى ms0254 إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر ~~أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال عقيب ذكر القصاص من سورة المائدة: {فمن تصدق ~~به فهو كفارة له} [المائدة: 45] فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ~~ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني; لأنه بدأ بذكر عفو ~~الجاني بإعطاء الدية ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني بالأداء بالإحسان. # وقال بعضهم: المعنى فيه ما روي عن ابن عباس، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثنا عمرو بن دينار ~~قال: سمعت مجاهدا يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان القصاص في بني إسرائيل، ~~ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى} إلى قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} قال ابن عباس: العفو ~~أن يقبل الدية في العمد {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة} فيما كان كتب على من كان قبلكم {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم} قال: بعد قبول الدية فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على ~~بني إسرائيل من حظر قبول الدية، وأباحت للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل ~~تخفيفا من الله علينا ورحمة بنا فلو كان الأمر على ما # PageV01P184 # ادعاه مخالفنا من إيجاب التخيير لما قال فالعفو أن يقبل الدية لأن القبول ~~لا يطلق إلا فيما بذله غيره. ولو لم يكن أراد ذلك لقال: إذا اختار الولي. ~~فثبت بذلك أن المعنى كان عند جواز تراضيهما على أخذ الدية. # وقد روي عن قتادة ما يدل على أن الحكم الذي كان في بني إسرائيل من امتناع ~~قبول الدية ثابت على من قتل بعد أخذ الدية، وهو ما حدثنا عبد الله بن محمد ~~بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك} قال: ~~يقول من قتل بعد ms0255 أخذ الدية فعليه القتل لا يقبل منه الدية. وقد روي فيه ~~معنى آخر، وهو ما روى سفيان بن حسين عن ابن أشوع عن الشعبي قال: كان بين ~~حيين من العرب قتال فقتل من هؤلاء ومن هؤلاء، فقال أحد الحيين: لا نرضى حتى ~~نقتل الرجل بالمرأة، وبالرجل الرجلين، وارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القتل بواء" أي سواء فاصطلحوا ~~على الديات، ففضل لأحد الحيين على الآخر، فهو قوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص} إلى قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} قال سفيان: {فمن عفي له من ~~أخيه شيء} يعني: فمن فضل له على أخيه شيء فليؤده بالمعروف. فأخبر الشعبي عن ~~السبب في نزول الآية، وذكر سفيان أن معنى العفو ههنا الفضل وهو معنى يحتمله ~~اللفظ، قال الله تعالى: {حتى عفوا} [الأعراف: 95] يعني كثروا، وقال عليه ~~السلام: "أعفوا اللحى" فتقدير الآية على ذلك: فمن فضل له على أخيه شيء من ~~الديات التي وقع الاصطلاح عليها فليتبعه مستحق بالمعروف، وليؤد إليه ~~بإحسان. # وقد ذكر فيه معنى آخر، وهو أنهم قالوا: هو في الدم بين جماعة إذا عفا ~~بعضهم تحول نصيب الآخرين مالا. وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله ذلك، ولم ~~يذكروا أنه تأويل الآية. وهذا تأويل لفظ الآية يوافقه; لأنه قال: {فمن عفي ~~له من أخيه شيء} وهذا يقتضي وقوع العفو عن شيء من الدم لا عن جميعه، فيتحول ~~نصيب الشركاء مالا، وعليهم اتباع القاتل بالمعروف، وعليه أداؤه إليهم ~~بإحسان. # وتأوله بعضهم على أن لولي الدم أخذ المال بغير رضى القاتل. وهذا تأويل ~~يدفعه ظاهر الآية; لأن العفو لا يكون مع أخذ الدية، ألا ترى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "العمد قود إلا أن يعفو الأولياء" فأثبت له أحد ~~الشيئين: قتل أو عفو، ولم يثبت له مالا بحال؟ # فإن قال قائل: إذا عفا عن الدم ليأخذ المال كان عافيا ويتناوله لفظ ~~الآية. قيل له: إن كان الواجب أحد الشيئين فجائز أيضا أن ms0256 يكون عافيا بترك ~~المال وأخذ القود، فعلى هذا لا يخلو الولي من عفو قتل أو أخذ مال، وهذا ~~فاسد لا يطلقه أحد. ومن جهة أخرى # PageV01P185 # ينفيه ظاهر الآية، وهو أنه إذا كان الولي هو العافي بترك القود وأخذ ~~المال فإنه لا يقال له عفا له وإنما يقال له عفا عنه فيتعسف فيقيم "اللام" ~~مقام عن أو يحمله على أنه عفا عن الدم فيضمر حرفا غير مذكور، ونحن متى ~~استغنينا بالمذكور عن المحذوف لم يجز لنا إثبات الحذف. وعلى أن تأويلنا هو ~~سائغ مستعمل على ظاهره من غير إثبات ضمير فيه، وهو أن يحمل على معنى ~~التسهيل من جهة القاتل بإعطائه المال، ومن جهة أخرى يخالف ظاهرها، وهو أن ~~قوله: {من أخيه شيء} فقوله: {من} تقتضي التبعيض; لأن ذلك حقيقتها وبابها ~~إلا أن تقوم الدلالة على غيره، فيوجب هذا أن يكون العفو عن بعض دم أخيه، ~~وعند المخالف هو عفو عن جميع الدم، وتركه إلى الدية، وفيه إسقاط حكم {من} ~~ومن وجه آخر وهو قوله: {شيء} . وهذا أيضا يوجب العفو عن شيء من الدم لا عن ~~جميعه، فمن حمله على الجميع لم يوف الكلام حظه من مقتضاه وموجبه; لأنه ~~يجعله بمنزلة ما لو قال: فمن عفي له عن الدم وطولب بالدية، فأسقط حكم قوله: ~~{من} وقوله: {شيء} وغير جائز لأحد تأويل الآية على وجه يؤدي إلى إلغاء شيء ~~من لفظها ما أمكن استعماله على حقيقته، ومتى استعمل على ما ذكرنا كان ~~موافقا لظاهر الآية من غير إسقاط منه; لأنه إن كان التأويل ما ذكره الشعبي ~~من نزولها على السبب، وما فضل من بعضهم على بعض من الديات، فهو موافق للفظ ~~الآية لأنه عفي له من أخيه بمعنى أنه فضل له شيء من المال فيه التقاضي، ~~وذلك بعض من جملة وشيء منها، فتناول اللفظ على حقيقته. وإن كان التأويل أنه ~~إن سهل له بإعطاء شيء من المال فالولي مندوب إلى قبوله موعود بالثواب عليه، ~~فذلك قد يتناول أيضا للبعض بأن يبذل بعض ms0257 الدية، وذلك جزء من كل مما أتلفه. ~~وإن كان التأويل الإخبار بنسخ ما كان على بني إسرائيل من إيجاب حكم القود، ~~ومع أخذ البدل، فتأويلنا أيضا على هذا الوجه أشد ملاءمة لمعنى الآية لأنا ~~نقول: إن الآية اقتضت جواز الصلح منهما على ما يقع الاصطلاح عليه من قليل ~~أو كثير، فذكر البعض، وأفاد به حكم الكل أيضا كقوله تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] نص عليه هذا القول بعينه، وأراد به ما فوقه، ~~في نظائر لذلك في القرآن. وإن كان التأويل عفو بعض الأولياء عن نصيبه، فهو ~~أيضا يواطئ ظاهر الآية لوقوع العفو عن البعض دون الجميع. فعلى أي وجه يصرف ~~تأويل المتأولين ممن قدمنا قوله فتأويله موافق لظاهر الآية غير تأويل من ~~تأوله على أن للوالي العفو عن الجميع، وأخذ المال. وليس يمتنع أن يكون جميع ~~المعاني التي قدمنا ذكرها عن متأوليها مرادة بالآية، فيكون نزولها على سبب ~~نسخ بها ما كان على بني إسرائيل، وأبيح لنا بها أخذ قليل المال وكثيره، ~~ويكون الولي مندوبا إلى القبول إذا تسهل له القاتل بإعطاء المال، وموعودا ~~عليه بالثواب، ويكون السبب الذي نزلت عليه الآية حصول الفضل من بعض على بعض ~~في # PageV01P186 # الديات، فأمروا به بالاتباع بالمعروف، وأمر القاتل بالأداء إليهم بإحسان، ~~ويكون على اختلاف فيه بيان حكم الدم إذا عفا عنه بعض الأولياء. فهذه الوجوه ~~كلها على اختلاف معانيها تحتملها الآية، وهي مرادة من غير إسقاط شيء من ~~لفظها. # فإن قال قائل: وما تأوله المخالفون في إيجاب الدية للولي باختياره من غير ~~رضى القاتل تحتمله الآية، فوجب أن يكون مرادا; إذ ليس فيه نفي لتأويلات ~~الآخرين، ويكون قوله: {فمن عفي له} معناه أنه ترك له، من قولهم: "عفت ~~المنازل": إذا تركت حتى درست، والعفو عن الذنوب ترك العقوبة عليها، فيفيد ~~ذلك ترك القود إلى الدية. قيل له: إن كان كذلك فينبغي أن يكون لو ترك ~~الدية، وأخذ القود أن يكون عافيا; لأنه تارك لأخذ الدية، وقد يسمى ترك ~~المال ms0258 وإسقاطه عفوا، قال الله: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] فأطلق اسم العفو على الإبراء من المال. ~~ومعلوم عند الجميع امتناع إطلاق العفو على من آثر أخذ القود وترك أخذ ~~الدية، فكذلك العادل عن القود إلى أخذ الدية لا يستحق اسم العافي; إذ كان ~~إنما اختار أحد شيئين كان مخيرا في اختيار أيهما شاء; لأن من كان مخيرا بين ~~أحد شيئين فاختار أحدهما كان الذي اختاره هو حق الواجب له قد تعين عليه ~~حكمه عند فعله كأنه لم يكن غيره، ألا ترى أن من اختار التكفير بالعتق في ~~كفارة اليمين كان العتق هو كفارته كأنه لم يكن غيره، وسقط عنه حكم ما عداه ~~أن يكون من فرضه؟ كذلك هذا الولي لو كان مخيرا في أحد شيئين من قود أو مال ~~ثم اختار أحدهما لم يستحق اسم العافي لتركه أحدهما إلى الآخر. فلما كان اسم ~~العفو منتفيا عمن ذكرنا لم يجز تأويل الآية عليه وكانت المعاني التي قدمنا ~~ذكرها أولى بتأويلها. ثم ليس يخلو الواجب للولي بنفس القتل أن يكون القود ~~والدية جميعا أو القود دون الدية أو أحدهما على وجه التخيير لا جائز أن ~~يكون حق الأمرين جميعا بالاتفاق، ولا يجوز أيضا أن يكون الواجب أحدهما على ~~حسب ما يختاره الولي كما في كفارة اليمين ونحوها، لما بينا من أن الذي ~~أوجبه الله تعالى في الكتاب هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره ~~زيادة في النص، ونفي لإيجاب القصاص، ومثله عندنا يوجب النسخ، فإذا الواجب ~~هو القود لا غيره، فلا جائز له أخذ المال إلا برضى القاتل; لأن كل من له ~~قبل غيره حق يمكن استيفاءه منه لم يجز له نقله إلى بدل غيره إلا برضى من ~~عليه الحق. وعلى أن قائل هذا القول مخطئ في العبارة حين قال: الواجب هو ~~القود، وله أن يأخذ المال لأنه لم يخرجه من أن يكون مخيرا فيه; إذ قد جعل ~~له أن يستوفي القود إن ms0259 شاء، وإن شاء المال، فلو قال قائل: "الواجب هو ~~المال، وله نقله إلى القود بدلا منه" كان مساويا له، فلما فسد قول هذا ~~القائل من أن # PageV01P187 # الواجب هو المال، وله نقله إلى القود لإيجابه التخيير. كذلك قول من قال ~~الواجب هو القود، وله نقله إلى المال; إذ لم ينفك في الحالين من إيجاب ~~التخيير بنفس القتل، والله سبحانه إنما كتب على القاتل القصاص بقوله: {كتب ~~عليكم القصاص في القتلى} ولم يقل: كتب عليكم المال في القتلى، ولا: كتب ~~عليكم القصاص أو المال في القتلى. والقائل بأن الواجب هو القود، وله نقله ~~إلى المال إنما عبر عن التخيير الذي أوجبه له بغير اسمه، وأخطأ في العبارة ~~عنه. # فإن قال قائل: هذا كما تقول: إن الواجب هو القصاص، ولهما جميعا نقله إلى ~~المال بتراضيهما، ولم يكن في جواز تراضيهما على نقله إلى المال إسقاط لموجب ~~حكم الآية من القصاص. قيل له: من قبل أنا قد بينا بديا أن القصاص حق للولي ~~على القاتل من غير إثبات تخيير له بين القود وغيره، وتراضيهما على نقله إلى ~~البدل لا يخرجه من أن يكون هو الحق الواجب دون غيره لأن ما تعلق حكمه ~~بتراضيهما لا يؤمر في الأصل الذي كان واجبا من غير خيار، ألا ترى أن الرجل ~~قد يملك العبد والدار، ولغيره أن يشتريه منه برضاه، وليس في جواز ذلك نفي ~~لملك الأصل لمالكه الأول، ولا موجبا لأن يكون ملكه موقوفا على الخيار؟ ~~وكذلك الرجل يملك طلاق امرأته، ويملك الخلع، وأخذ البدل عن الطلاق. وليس في ~~ذلك إثبات ملك الطلاق له بديا، على أنه مخير في نقله إلى المال من غير رضا ~~المرأة، وأنه لو كان له أن يطلق أو يأخذ المال بديا من غير رضاها لكان ذلك ~~موجبا لكونه مالكا لأحد شيئين من طلاق أو مال، ويدل على أن الواجب بالقتل ~~هو القود لا غير حديث أنس الذي قدمنا إسناده في قصة الربيع حين كسرت ثنية ~~جارية، فقال رسول الله صلى الله عليه ms0260 وسلم: "كتاب الله القصاص" فأخبر أن ~~موجب الكتاب هو القصاص، فغير جائز لأحد إثبات شيء معه، ولا نقله إلى غيره ~~إلا بمثل ما يجوز به نسخ الكتاب. ولو سلمنا احتمال الآية لما ادعوه من ~~تأويلها في جواز أخذ المال من غير رضى القاتل في قوله: {فمن عفي له من أخيه ~~شيء} مع احتماله للوجوه التي ذكرنا، كان أكبر أحواله أن يكون اللفظ مشتركا ~~محتملا للمعاني، فيوجب ذلك أن يكون متشابها، ومعلوم أن قوله تعالى: {كتب ~~عليكم القصاص} محكم ظاهر المعنى بين المراد لا اشتراك في لفظه، ولا احتمال ~~في تأويله. وحكم المتشابه أن يحمل على معنى المحكم، ويرد إليه بقوله تعالى: ~~{منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] إلى قوله: ~~{وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] فأمر الله تعالى برد المتشابه إلى المحكم; ~~لأن وصفه للمحكم بأنه أم الكتاب يقتضي أن يكون غيره محمولا عليه، ومعناه ~~معطوفا عليه; إذ كان أم الشيء ما منه ابتداؤه وإليه مرجعه. ثم ذم من اتبع ~~المتشابه، واكتفى بما احتمله اللفظ من تأويله # PageV01P188 # من غير رد له إلى المحكم، وحمله على موافقته في معناه، وحكم عليهم بالزيغ ~~في قلوبهم بقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] . وإذا ثبت أن قوله: {كتب عليكم ~~القصاص} محكم. وقوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} متشابه وجب حمل معناه على ~~معنى المحكم من غير مخالفة له ولا إزالة لشيء من حكمه، وهو أن يكون على أحد ~~الوجوه التي ذكرنا مما لا ينفي موجب لفظ الآية من القصاص، من غير معنى آخر ~~يضم إليه، ولا عدول عنه إلى غيره. وكذلك قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] إذ كانت النفس مثلا فيما ~~يستحقه الولي وهو القود، فإذا كان المثل هو القود، وإتلاف نفسه كما أتلف ~~كان بمنزلة متلف المال الذي له مثل، ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بالتراضي ~~لقوله تعالى: {بمثل ما اعتدى عليكم} ms0261 وبدلالة الأصول عليه. # واحتج من أوجب للولي الخيار بين القود، وأخذ المال من غير رضا القاتل ~~بأخبار منها: حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة: "من قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين إما أن يقتل، وإما أن يودى"، وحديث يحيى بن سعيد عن أبي ذئب قال: ~~حدثني سعيد المقبري قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول: قال النبي عليه السلام ~~في خطبته يوم فتح مكة: "ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، ~~وإني عاقله، فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن ~~يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا" ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن ~~سفيان، عن أبي العرجاء، عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من أصيب بدم أو بخبل يعني الجراح فوليه بالخيار بين إحدى ثلاث: ~~بين العفو أو يقتص أو يأخذ الدية". وهذه الأخبار غير موجبة لما ذكروا ~~لاحتمالها أن يكون المراد أخذ الدية برضى القاتل كما قال تعالى: {فإما منا ~~بعد وإما فداء} [محمد: 4] والمعنى فداء برضى الأسير. فاكتفى بالمحذوف عن ~~ذكره لعلم المخاطبين عند ذكر المال بأنه لا يجوز إلزامه إياه بغير رضاه. ~~كذلك قوله: "أو يأخذ الدية". وقوله: "أو يودى" وكما يقول القائل لمن له دين ~~على غيره: إن شئت فخذ دينك دراهم، وإن شئت دنانير. وكما قال عليه السلام ~~لبلال حين أتاه بتمر: "أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال: لا، ولكنا نأخذ الصاع ~~منه بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: "لا تفعلوا، ولكن بع تمرك بعرض ثم ~~خذ بالعرض هذا"، ومعلوم أنه لم يرد أن يأخذ التمر بالعرض بغير رضى الآخر، ~~ويكون ذكره الدية إبانة عما نسخه الله عما كان على بني إسرائيل من امتناع ~~أخذ الدية برضى القاتل، وبغير رضاه تخفيفا عن هذه الأمة على ما روي عن ابن ~~عباس أن القصاص كان في بني إسرائيل، ولم يكن فيهم ms0262 أخذ الدية فخفف الله عن ~~هذه الأمة. # PageV01P189 # ويدل على ما وصفنا من أن المراد أخذ الدية برضى القاتل أن الأوزاعي قد ~~روى حديث أبي هريرة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه، عن النبي عليه ~~السلام وقال فيه: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل، وإما أن ~~يفادي". والمفاداة إنما تكون بين اثنين كالمقاتلة، والمضاربة، والمشاتمة، ~~ونحو ذلك، فدل على أن مراده في سائر الأخبار أخذ الدية برضى القاتل. وهذه ~~الأخبار تبطل قول من يقول: إن الواجب على القاتل هو القود، وللولي نقله إلى ~~الدية لأن في جميعها إثبات التخيير للولي بنفس القتل بين القود وأخذ الدية، ~~ولو كان الواجب هو القود لا غير، وإنما للولي نقله إلى الدية بعد ثبوته كما ~~ينقل الدين إلى العرض، والعرض إلى الدين على وجه العوض عنه، وليس هناك خيار ~~موجب بنفس القتل بل الواجب شيء واحد، وهو القود، والقائل بإيجاب القود ~~بالقتل دون غيره إلا أن ينقله الولي إلى الدية، مخالف لهذه الآثار. # وقد روى الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك في قصة الربيع، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "كتاب الله القصاص"، وذلك ينافي كون المراد ~~بالكتاب المال أو القصاص. # وقد روى علقمة بن وائل عن أبيه، وثابت البناني عن أنس: أن رجلا قتل رجلا، ~~فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى ولي المقتول ثم قال: "أتعفو؟ " ~~قال: لا. قال: "أفتأخذ الدية؟ " قال: لا قال: "أما إنك إن قتلته كنت مثله" ~~فمضى الرجل فلحقه الناس فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما ~~إنك إن قتلته كنت مثله فعفا عنه". فاحتج الموجبون للخيار بين القود والمال ~~بهذا الحديث. وهذا لا دلالة فيه على ما ذكروا، وذلك لأنه يحتمل أن يأخذ ~~الدية برضى القاتل كما قال عليه السلام لامرأة ثابت بن قيس حين جاءت تشكوه: ~~"أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. ومعلوم أن رضى ثابت قد كان مشروطا فيه، ~~وإن لم يكن ms0263 مذكورا في الخبر; لأن النبي عليه السلام لم يكن يلزم ثابتا ~~الطلاق، ولا يملكه الحديقة إلا برضاه. وجائز أن النبي عليه السلام قصد إلى ~~أن يعقد عقدا على مال فيكون موقوفا على رضى القاتل أو فسخه، وجائز أن يكون ~~أراد أن يؤدي الدية من عنده كما فعل في قتيل الخزاعي بمكة، وكما تحمل عن ~~اليهود دية عبد الله بن سهل الذي وجد قتيلا بخيبر. وقوله عليه السلام: "إن ~~قتلته كنت مثله" يحتمل معنيين: أحدهما: أنك قاتل كما أنه قاتل، لا أنك مثله ~~في المأثم; لأنه استوفى حقا له فلا يستحق اللوم عليه، والأول فعل ما لم يكن ~~له فكان آثما، فعلمنا أنه لم يرد كنت مثله في المأثم. والآخر: أنك إذا ~~قتلته فقد استوفيت حقك منه، ولا فضل لك عليه، وقد ندب الله تعالى إلى ~~الإفضال بالعفو بقوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] . # فإن قال قائل: لما كان عليه إحياء نفسه وجب أن يحكم عليه بذلك إذا اختار ~~الولي # PageV01P190 # أخذ المال. قيل له: وعلى كل أحد أن يحيي غيره إذا خاف عليه التلف، مثل أن ~~يرى إنسانا قد قصد غيره بالقتل أو خاف عليه الغرق، وهو يمكنه تخليصه، أو ~~كان معه طعام، وخاف عليه أن يموت من الجوع، فعليه إحياؤه بإطعامه، وإن كثرت ~~قيمته. وإن كان على القاتل إعطاء المال لإحياء نفسه فعلى الولي أيضا إحياؤه ~~إذا أمكنه ذلك، فوجب على هذه القضية إجبار الولي على أخذ المال إذا بذله ~~القاتل، وهذا يؤدي إلى بطلان القصاص أصلا; لأنه إذا كان على كل واحد منهما ~~إحياء نفس القاتل فعليهما التراضي على أخذ المال، وإسقاط القود. وأيضا ~~فينبغي إذا طلب الولي داره أو عبده أو ديات كثيرة أن يعطيه; لأنه لا يختلف ~~فيما يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير. فلما لم يلزمه إعطاء أكثر من ~~الدية عند القائلين بهذه المقالة كان بذلك انتقاض هذا الاعتلال وفساده. # واحتج المزني للشافعي في هذه المسألة بأنه لو صالح من حد القذف على ms0264 مال ~~أو من كفالة بنفس لبطل الحد والكفالة، ولم يستحق شيئا، ولو صالح من دم عمد ~~على مال باتفاق الجميع قبل ذلك، فدل ذلك على أن دم العمد مال في الأصل لولا ~~ذلك لما صح الصلح كما لم يصح عن حد القذف والكفالة. # قال أبو بكر: قد انتظم هذا الاحتجاج الخطأ والمناقضة، فأما الخطأ فهو أن ~~من أصلنا أن الحد لا يبطل بالصلح ويبطل المال، والكفالة بالنفس فيها ~~روايتان: إحداهما: لا تبطل أيضا، والأخرى: أنها تبطل، وأما المناقضة فهي ~~اتفاق الجميع على جواز أخذ المال على الطلاق، ولا خلاف أن الطلاق في الأصل ~~ليس بمال، وأنه ليس للزوج أن يلزمها مالا عن طلاق بغير رضاها. وعلى أن ~~الشافعي قد قال فيما حكاه المزني عنه إن عفو المحجور عليه عن الدم جائز، ~~وليس لأصحاب الوصايا والدين منعه من ذلك; لأن المال لا يملك في العمد إلا ~~باختيار المجني عليه، فلو كان الدم مالا في الأصل لثبت فيه حق الغرماء ~~وأصحاب الوصايا وهذا يدل على أن موجب العمد عنده هو القود لا غير، وأنه لم ~~يوجب له خيارا بين القتل وبين الدية. # فإن قال قائل: قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} ~~[الإسراء: 33] يوجب لوليه الخيار بين أخذ القود والمال; إذ كان اسم السلطان ~~يقع عليهما، والدليل عليه أن بعض المقتولين ظلما تجب فيه الدية، نحو قتيل ~~شبه العمد، والأب إذا قتل ابنه، وبعضهم يجب فيه القود، وذلك يقتضي أن يكون ~~جميع ذلك مرادا بالآية لاحتمال اللفظ لهما. وقد تأوله الضحاك بن مزاحم على ~~ذلك، فقال في معنى قوله: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] "إنه إن ~~شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية" فلما احتمل السلطان ما وصفنا وجب ~~إثبات سلطانه في أخذ المال كهو في أخذ القود # PageV01P191 # لوقوع الاسم عليهما ولأنه قد ثبت باتفاق الجميع أن كل واحد منهما مرادا ~~لله تعالى في حال، وحينئذ يكون تقدير الآية: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا في القود ms0265 والدية. ولما حصل الاتفاق على أنهما لا يجبان ~~مجتمعين وجب أن يكون وجوبهما على وجه التخيير، وكما احتججتم في إيجاب القود ~~بقوله: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] لاتفاق الجميع على أن القود ~~مراد، وصار كالمنصوص عليه فيه، وجعلتموه كعموم لفظ القود، فيلزمكم مثله في ~~إثبات المال لوجودنا مقتولين ظلما يكون سلطان الولي هو المال قيل له: حمله ~~على القود أولى من حمله على الدية، وذلك لأنه لما كان السلطان لفظا مشتركا ~~محتملا للمعاني كان متشابها يجب رده إلى المحكم، وحمله على معناه، وهي آية ~~محكمة في إيجاب القصاص، وهو قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} فوجب أن ~~يكون من حيث ثبت أن القود مراد بالسلطان المذكور في هذه الآية أن يكون ~~معطوفا على ما في الآية المحكمة من ذكر إيجاب القصاص. وليس معك آية محكمة ~~في إيجاب المال على قاتل العمد، فيكون معنى المتشابه محمولا عليه، فلذلك ~~وجب الاقتصار بمعنى الاسم على القود دون المال وغيره لموافقته لمعنى المحكم ~~الذي لا اشتراك فيه، ومن حمله على تخييره في أخذ الدية أو القود فلم يلجأ ~~إلى أصل له من المحكم يحمله عليه، فلذلك لم يصح إثبات التخيير مع احتمال ~~اللفظ له. # وفي فحوى الآية ما يدل على أن المراد القود دون ما سواه لأنه قال: {ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} ~~[الإسراء: 33] يعني، والله أعلم: السرف في القصاص بأن يقتل غير قاتله أو أن ~~يمثل بالقاتل فيقتله على غير الوجه المستحق من القتل. وفي ذلك دليل على أن ~~المراد بقوله: سلطانا القود. وأيضا لما ثبت أن القود مراد بالآية انتفت ~~إرادة المال; لأنه لو كان مرادا مع القود لكان الواجب هما جميعا في حالة ~~واحدة لا على وجه التخيير; إذ ليس في الآية ذكر التخيير، فلما امتنع ~~إرادتهما جميعا، وكان القود لا محالة مرادا علمنا أنه لم يرد المال، وأن ~~إيجابنا للدية في بعض المقتولين ظلما ليس عن هذه الآية، والله تعالى أعلم. ms0266 # PageV01P192 # باب العاقلة هل تعقل العمد # قال الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان} وقد قدمنا تأويل من تأوله على عفو بعض الأولياء عن نصيبه من الدم، ~~ووجوب الأرش للباقين، واحتمال اللفظ لذلك، وفيه دلالة على أن الواجب على ~~القاتل الذي لم يعف في ماله، وكذلك كل عمد فيه القود فهو على الجاني في ~~ماله، كالأب إذا قتل ابنه، # PageV01P192 # وكالجراحة فيما دون النفس، ولا يستطاع فيها القصاص نحو قطع اليد من نصف ~~الساعد، والمنقلة والجائفة، فالعامد والمخطئ إذا قتلا أن على العامد نصف ~~الدية في ماله، والمخطئ على عاقلته، وهو قول أصحابنا وعثمان البتي والثوري ~~والشافعي. وقال ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: هي على العاقلة وهو آخر قول ~~مالك. قال ابن القاسم: ولو قطع يمين رجل، ولا يمين له كانت دية اليد في ~~ماله، ولا تحملها العاقلة. وقال الأوزاعي: هو في مال الجاني فإن لم يبلغ ~~ذلك ماله حمل على عاقلته، وكذلك إذا قتلت المرأة زوجها متعمدة، ولها منه ~~أولاد فديته في مالها خاصة، فإن لم يبلغ ذلك مالها حمل على عاقلتها. # قال أبو بكر: دلالة الآية ظاهرة على أن الصلح عن دم العمد، وسقوط القود ~~بعفو بعض الأولياء يوجب الدية في مال الجاني; لأنه تعالى قال: {فمن عفي له ~~من أخيه شيء} وهو يعني القاتل إذا كان المعنى عفو بعض الأولياء، ثم قال: ~~{فاتباع بالمعروف} يعني اتباع الولي للقاتل، ثم قال: {وأداء إليه بإحسان} ~~يعني أداء القاتل، فاقتضى ذلك وجوبه في مال القاتل. وكذلك تأويل من تأوله ~~على التراضي عن الصلح على مال ففيه وجوب الأداء على القاتل دون غيره، إذ ~~ليس للعاقلة ذكر في الآية، وإنما فيها ذكر الولي والقاتل. وروى ابن أبي ~~الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: لا تعقل ~~العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا. # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن الفضل الخطيب قال: حدثنا إسماعيل ~~بن موسى ms0267 قال: حدثنا شريك عن جابر بن عامر قال: اصطلح المسلمون على أن لا ~~يعقلوا عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده في قصة قتادة بن عبد الله المدلجي الذي قتل ابنه: أن عمر جعل عليه مائة ~~من الإبل، وأعطاها إخوته، ولم يورثه منها شيئا فجعل ذلك في ماله لما كان ~~عمدا، ولما ثبت ذلك في النفس، ولم يخالف عمر فيه غيره من الصحابة كان كذلك ~~حكم ما دونها إذا سقط القصاص.، وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: ليس على ~~العاقلة عقل في عمد وإنما عليهم الخطأ وقال عروة أيضا: ما كان من صلح فلا ~~تعقله العشيرة إلا أن تشاء. وقال قتادة: كل شيء لا يقاد منه فهو في مال ~~الجاني. وقال أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: لا تعقل العاقلة صلحا ولا عمدا ~~ولا اعترافا. # قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} فيه إخبار من الله ~~تعالى في إيجاب القصاص حياة للناس وسببا لبقائهم; لأن من قصد قتل إنسان رده ~~عن ذلك علمه بأنه يقتل به. ودل على وجوب القصاص عموما بين الحر والعبد ~~والرجل والمرأة # PageV01P193 # والمسلم والذمي; إذ كان الله تعالى مريدا لتبقية الجميع، فالعلة الموجبة ~~للقصاص بين الحرين المسلمين موجودة في هؤلاء، فوجب استواء الحكم في جميعهم. ~~وتخصيصه لأولي الألباب بالمخاطبة غير ناف مساواة غيرهم لهم في الحكم; إذ ~~كان المعنى الذي حكم من أجله في ذوي الألباب موجودا في غيرهم، وإنما وجه ~~تخصيصه لهم أن ذوي الألباب هم الذين ينتفعون بما يخاطبون به، وينتهون إلى ~~ما يؤمرون به، ويزدجرون عما يزجرون عنه. وهذا كقوله تعالى: {إنما أنت منذر ~~من يخشاها} [النازعات: 45] هو منذر لجميع المكلفين، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] ونحو قوله: {هدى ~~للمتقين} [البقرة: 2] وهو هدى للجميع، وخص المتقين لانتفاعهم به، ألا ترى ~~إلى قوله في آية أخرى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ms0268 للناس} [البقرة: ~~185] ؟ فعم الجميع به. وكقوله: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} ~~[مريم: 18] لأن التقي هو الذي يعيذ من استعاذ بالله. # وقد ذكر عن بعض الحكماء أنه قال: قتل البعض إحياء الجميع. وعن غيره: ~~القتل أقل للقتل وأكثروا القتل ليقل القتل وهو كلام سائر على ألسنة ~~العقلاء، وأهل المعرفة، وإنما قصدوا المعنى الذي في قوله تعالى: {ولكم في ~~القصاص حياة} ثم إذا مثلت بينه وبينه وجدت بينهما تفاوتا بعيدا من جهة ~~البلاغة، وصحة المعنى. وذلك يظهر عند التأمل من وجوه: أحدها: أن قوله ~~تعالى: {في القصاص حياة} هو نظير قولهم: قتل البعض إحياء للجميع. والقتل ~~أقل للقتل وهو مع قلة عدد حروفه ونقصانها عما حكي عن الحكماء قد أفاد من ~~المعنى الذي يحتاج إليه، ولا يستغني عنه الكلام ما ليس في قولهم; لأنه ذكر ~~القتل على وجه العدل لذكره القصاص، وانتظم مع ذلك الغرض الذي إليه أجري ~~بإيجابه القصاص، وهو الحياة. وقولهم: القتل أقل للقتل وقتل البعض إحياء ~~الجميع والقتل أنفى للقتل إن حمل على حقيقته لم يصح معناه; لأنه ليس كل قتل ~~هذه صفته، بل ما كان منه على وجه الظلم والفساد، فليست هذه منزلته، ولا ~~حكمه. فحقيقة هذا الكلام غير مستعملة، ومجازه يحتاج إلى قرينة وبيان في أن ~~أي قتل هو إحياء للجميع. فهذا كلام ناقص البيان مختل المعنى غير مكتف بنفسه ~~في إفادة حكمه، وما ذكره الله تعالى من قوله: {ولكم في القصاص حياة} مكتف ~~بنفسه مفيد لحكمه على حقيقته من مقتضى لفظه مع قلة حروفه، ألا ترى أن قوله ~~تعالى: {في القصاص حياة} أقل حروفا من قولهم: قتل البعض إحياء للجميع ~~والقتل أقل للقتل، وأنفى للقتل؟ ومن جهة أخرى يظهر فضل بيان قوله: {في ~~القصاص حياة} على قولهم: القتل أقل للقتل، وأنفى للقتل أن في قولهم تكرار ~~اللفظ، وتكرار المعنى بلفظ غيره أحسن في حد البلاغة، # PageV01P194 # ألا ترى أنه يصح تكرار المعنى الواحد بلفظين مختلفين في خطاب واحد، ولا ~~يصح مثله بلفظ واحد نحو ms0269 قوله تعالى: {وغرابيب سود} [فاطر: 27] ونحو قول ~~الشاعر: # وألفى قولها كذبا ومينا # كرر المعنى الواحد بلفظين، وكان ذلك سائغا، ولا يصح مثله في تكرار اللفظ. ~~وكذلك قوله: {ولكم في القصاص حياة} لا تكرار فيه مع إفادته للقتل من جهة ~~القاتل، إذ كان ذكر القصاص يفيد ذلك، ألا ترى أنه لا يكون قصاصا إلا وقد ~~تقدمه قتل من المقتص منه؟ وفي قولهم ذكر للقتل وتكرار له في اللفظ، وذلك ~~نقصان في البلاغة، فهذا وأشباهه مما يظهر به للمتأمل إبانة القرآن في جهة ~~البلاغة والإعجاز من كلام البشر; إذ ليس يوجد في كلام الفصحاء من جمع ~~المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مثل ما يوجد في كلام الله تعالى. # PageV01P195 # باب كيفية القصاص # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال ~~في آية أخرى: {والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~[النحل: 126] فأوجب بهذه الآي استيفاء المثل لم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو ~~على وليه أن يفعل بالجاني أكثر مما فعل. # واختلف الفقهاء في كيفية القصاص، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: ~~على أي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف. وقال ابن القاسم عن مالك: إن قتله ~~بعصا أو بحجر أو بالنار أو بالتغريق قتله بمثله، فإن لم يمت بمثله فلا يزال ~~يكرر عليه من جنس ما قتله به حتى يموت، وإن زاد على فعل القاتل الأول. وقال ~~ابن شبرمة: نضربه مثل ضربه، ولا نضربه أكثر من ذلك، وقد كانوا يكرهون ~~المثلة ويقولون: السيف يجزي عن ذلك كله، فإن غمسه في الماء فإني لا أزال ~~أغمسه فيه حتى يموت.، وقال الشافعي: إن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات فعل ~~به مثل ذلك، وإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس، فإن لم يمت في مثل ~~تلك المدة قتل بالسيف. # قال أبو بكر: لما كان في مفهوم قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ms0270 ~~وقوله: {والجروح قصاص} استيفاء المثل من غير زيادة عليه، كان محظورا على ~~الولي استيفاء زيادة على فعل الجاني، ومتى استوفى على مذهب من ذكرنا في ~~التحريق والتغريق والرضخ بالحجارة والحبس أدى ذلك إلى أن يفعل به أكثر مما ~~فعل; لأنه إذا لم # PageV01P195 # يمت بمثل ذلك الفعل قتله بالسيف أو زاد على جنس فعله، وذلك هو الاعتداء ~~الذي زجر الله عنه بقوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} لأن الاعتداء ~~هو مجاوزة القصاص، والقصاص أن يفعل به مثل فعله سواء إن أمكن، وإن تعذر فأن ~~يقتله بأوحى وجوه القتل فيكون مقتصا من جهة إتلاف نفسه غير متعد ما جعل له. ~~وقول مالك بتكرار مثل ذلك الفعل عليه حتى يموت زائد على فعل القاتل خارج عن ~~معنى القصاص، وقول الشافعي إنه يفعل به مثل ما فعل ثم يقتله مخالف لحكم ~~الآية; لأن القصاص إن كان من جهة أن يفعل به مثل ما فعل فقد استوفى فقتله ~~بعد ذلك تعد، ومجاوزة لحد القصاص، وقال تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه} [الطلاق: 1] . وإن كان معنى القصاص هو إتلاف نفس من غير مجاوزة ~~لمقدار الفعل فهو الذي نقوله، فلا ينفك موجب القصاص على الوجه الذي ذهب ~~إليه مخالفونا من مخالفة الآية لمجاوزة حد القصاص لأن فاعل ذلك داخل في حد ~~الاعتداء الذي أوعد الله عليه. وكذلك قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} [النحل: 126] يمنع أن يجرح أكثر من جراحته أو يفعل به أكثر مما ~~فعل. ويدل على أن المراد به مثل ما فعل لا زائدا عليه اتفاق الجميع على أن ~~من قطع يد رجل من نصف الساعد أنه لا يقتص منه لعدم التيقن بالاقتصار على ~~مقدار حقه، وإن كان قد يغلب في الظن إذا اجتهد أنه قد وضع السكين في موضعه ~~من المجني عليه، ولم يكن للاجتهاد في ذلك حظ، فكيف يجوز القصاص على وجه ~~نعلم يقينا أنه مستوف ms0271 لأكثر من حقه وجان عليه بأكثر من جنايته؟ وأيضا لا ~~خلاف أنه يجوز للولي أن يقتله ولا يحرقه ولا يغرقه، وهذا يدل على أن ذلك ~~مراده بالآية، وإذا كان القتل بالسيف مرادا ثبت أن القصاص هو إتلاف نفسه ~~بأيسر وجوه القتل. وإذا ثبت أن ذلك مراده انتفت إرادة التحريق والتغريق ~~والرضخ، وما جرى مجرى ذلك; لأن وجوب الاقتصار على قتله بالسيف ينفي وقوع ~~غيره. # فإن قيل: اسم المثل في القصاص يقع على قتله بالسيف، وعلى أن يفعل به مثل ~~فعله، وله إن لم يمت أن يقتله بالسيف، وله أن يقتصر بديا على قتله بالسيف، ~~فيكون تاركا لبعض حقه، وله ذلك، قيل له: غير جائز أن يكون الرضخ والتحريق ~~مستحقا مع قتله بالسيف; لأن ذلك ينافي القصاص، وفعل المثل، ومن حيث أوجب ~~الله تعالى القصاص لا غير فغير جائز حمله على معنى ينافي مضمون اللفظ ~~وحكمه. وعلى أن الرضخ بالحجارة والتحريق والتغريق والرمي لا يمكن استيفاء ~~القصاص به; لأن القصاص إذا كان هو استيفاء المثل فليس للرضخ حد معلوم حتى ~~يعلم أنه في مقادير أجزاء رضخ القاتل # PageV01P196 # للمقتول، وكذلك الرمي والتحريق لم يجز أن يكون ذلك مرادا بذكر القصاص، ~~فوجب أن يكون المراد إتلاف نفسه بأوحى الوجوه. ويدل على هذا ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نفي القصاص في المنقلة والجائفة لتعذر ~~استيفائه على مقادير أجزاء الجناية، فكذلك القصاص بالرمي والرضخ غير ممكن ~~استيفاؤه في معنى الإيلام، وإتلاف الأجزاء التي أتلفها. # فإن قيل: لما كان المثل ينتظم معنيين، وكذلك القصاص: أحدهما إتلاف نفسه ~~كما أتلف، فيكون القصاص والمثل في هذا الوجه إتلاف نفس بنفس، والآخر: أن ~~يفعل به مثل ما فعل، استعملنا حكم اللفظ في الأمرين; لأن عمومه يقتضيهما، ~~فقلنا: نفعل به مثل ما فعل فإن مات، وإلا استوفى المثل من جهة إتلاف النفس ~~قيل له: لا يجوز أن يكون المراد بالمثل والقصاص جميع الأمرين بأن يفعل به ~~مثل ما فعل بالمقتول ثم يقتل، وإن كان يجوز أن ms0272 يكون المراد كل واحد من ~~المعنيين على الانفراد غير مجموع إلى الآخر; لأن الاسم يتناوله، وهو غير ~~مناف لحكم الآية وأما إذا جمعهما فغير جائز أن يكون مرادا على وجه الجمع; ~~لأنه يخرج عن حد القصاص والمثل بل يكون زائدا عليه، وغير جائز تأويل الآية ~~على معنى يضادها، وينفي حكمها، فلذلك امتنع إرادة القتل بالسيف بعد الرضخ ~~والتغريق والحبس والإجاعة. وقد روى سفيان الثوري عن جابر عن أبي عازب عن ~~النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا قود إلا ~~بالسيف"، وهذا الخبر قد حوى معنيين: أحدهما: بيان مراد الآية في ذكر القصاص ~~والمثل والآخر: أنه ابتداء عموم يحتج به في نفي القود بغيره. ويدل عليه ~~أيضا ما روى يحيى بن أبي أنيسة عن الزبير عن جابر، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يستقاد من الجراح حتى تبرأ"، وهذا ينفي قول المخالف لنا، ~~وذلك لأنه لو كان الواجب أن يفعل بالجاني كما فعل لم يكن لاستثنائه وجه، ~~فلما ثبت الاستثناء دل على أن حكم الجراحة معتبر بما يئول إليه حالها. # فإن قيل: يحيى بن أبي أنيسة لا يحتج بحديثه، قيل له: هذا قول جهال لا ~~يلتفت إلى جرحهم، ولا تعديلهم، وليس ذلك طريقة الفقهاء في قبول الأخبار، ~~وعلى أن علي بن المديني قد ذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال: يحيى بن أبي أنيسة ~~أحب إلي في حديث الزهري من حديث محمد بن إسحاق. # ويدل عليه أيضا ما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد ~~بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على ~~كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح" فأوجب عموم ~~لفظه أن من له قتل غيره أن يقتله بأحسن وجوه القتل، وأوحاها وأيسرها، وذلك ~~ينفي تعذيبه، والمثلة به. # PageV01P197 # ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يتخذ شيء من ~~الحيوان غرضا", فمنع بذلك ms0273 أن يقتل القاتل رميا بالسهام. # وحكي أن القسم بن معن حضر مع شريك بن عبد الله عند بعض السلاطين فقال: ما ~~تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله؟ قال: يرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية ~~الأولى؟ قال: يرمى ثانيا. قال: أفتتخذه غرضا، وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يتخذ شيء من الحيوان غرضا؟ قال شريك لم تمرق. فقال القسم: يا ~~أبا عبد الله هذا ميدان إن سابقناك فيه سبقتنا، يعني البذاء، وقام. # ويدل عليه أيضا ما روى عمران بن حصين وغيره: "أن النبي عليه السلام نهى ~~عن المثلة". # وقال سمرة بن جندب: "ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا ~~أمرنا فيها بالصدقة ونهانا عن المثلة". وهذا خبر ثابت قد تلقاه الفقهاء ~~بالقبول واستعملوه، وذلك يمنع المثلة بالقاتل، وقول مخالفينا فيه المثلة ~~به، وهو يثني عن مراد الآية في إيجاب القصاص، واستيفاء المثل، فوجب أن يكون ~~القصاص مقصورا على وجه المثلة، ويستعمل الآية على وجه لا يخالف معنى الخبر. ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثل بالعرنيين فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل ~~أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا ثم نسخ سمل الأعين بنهيه عن المثلة، فوجب ~~على هذا أن يكون معنى آية القصاص محمولا على ما لا مثلة فيه. # واحتج مخالفونا في ذلك بحديث همام عن قتادة عن أنس: "أن يهوديا رضخ رأس ~~صبي بين حجرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضخ رأسه بين حجرين". ~~وهذا الحديث لو ثبت كان منسوخا بنسخ المثلة، وذلك لأن النهي عن المثلة ~~مستعمل عند الجميع والقود على هذا الوجه مختلف فيه، ومتى، ورد عنه عليه ~~السلام خبران، واتفق الناس على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر ~~كان المتفق عليه منهما قاضيا على المختلف فيه خاصا كان أو عاما، ومع ذلك ~~فجائز أن يكون قتل اليهودي على وجه الحد كما روى شعبة عن هشام بن زيد عن ~~أنس قال: عدا يهودي على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها، ورضخ ms0274 رأسها فأتى بها ~~أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق، فقال عليه السلام: "من ~~قتلك; فلان؟ " فأشارت برأسها أي لا، ثم قال: "فلان؟ " يعني اليهودي، قالت: ~~نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين. فجائز أن ~~يكون قتله حدا لما أخذ المال وقتل، وقد كان ذلك جائزا على وجه المثلة كما ~~سمل العرنيين ثم نسخ بالنهي عن المثلة. وقد روى ابن جريج عن معمر عن أيوب ~~عن أبي قلابة عن أنس: أن رجلا من اليهود رضخ رأس جارية على حلي لها فأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجم حتى قتل فذكر في هذا # PageV01P198 # الحديث الرجم، وليس ذلك بقصاص عند الجميع، وجائز أن يكون اليهودي نقض ~~العهد ولحق بدار الحرب لقرب محال اليهود كانت حينئذ من المدينة، فأخذ بعد ~~ذلك فقتله على أنه حربي ناقض للعهد متهم بقتل صبي; لأنه غير جائز أن يكون ~~قتله بإيماء الصبية وإشارتها أنه قتلها; لأن ذلك لا يوجب قتل المدعى عليه ~~القتل عند الجميع، فلا محالة قد كان هناك سبب آخر استحق به القتل لم ينقله ~~الراوي على جهته. ويدل على صحة ما ذكرنا من أن المراد بالقصاص إتلاف نفسه ~~بأيسر الوجوه، وهو السيف اتفاق الجميع على أنه لو أوجره خمرا حتى مات لم ~~يجز أن يوجره خمرا، وقتل بالسيف. فإن قيل: لأن شرب الخمر معصية. قيل له: ~~كذلك المثلة معصية، والله أعلم. # PageV01P199 # باب القول في وجوب الوصية # قال الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} . # قال أبو بكر: لم يختلف السلف ممن روي عنه أن قوله: {خيرا} أراد به مالا، ~~واختلفوا في المقدار المراد بالمال الذي أوجب الله الوصية فيه حين كانت ~~الوصية فرضا; لأن قوله: {كتب عليكم} معناه فرض عليكم، كقوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام} [البقرة: 183] وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103] يعني فرضا موقتا. وروي عن علي ms0275 كرم الله وجهه أنه دخل ~~على مولى له في مرضه وله سبع مائة درهم أو ست مائة درهم فقال: ألا أوصي؟ ~~قال: لا، إنما قال الله تعالى: {إن ترك خيرا} وليس لك كثير مال، وروي عن ~~علي أنه قال: أربعة آلاف درهم، وما دونها نفقة. وقال ابن عباس: لا وصية في ~~ثمان مائة درهم. وقالت عائشة رضي الله عنها في امرأة أرادت الوصية فمنعها ~~أهلها، وقالوا: لها ولد، ومالها يسير، فقالت: كم ولدها؟ قالوا: أربعة، ~~قالت: فكم مالها؟ قالوا: ثلاثة آلاف، فكأنها عذرتهم، وقالت: ما في هذا ~~المال فضل. وقال إبراهيم: ألف درهم إلى خمس مائة درهم وروى همام عن قتادة ~~{إن ترك خيرا} قال: كان يقال: خير المال ألف درهم فصاعدا، وقال الزهري: هي ~~في كل ما وقع عليه اسم المال من قليل أو كثير. وكل هؤلاء القائلين فإنما ~~تأولوا تقدير المال على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب للمقادير ~~المذكورة، وكان ذلك منهم على طريق الاجتهاد فيما تلحقه هذه الصفة من المال. ~~ومعلوم في العادة أن من ترك درهما لا يقال ترك خيرا، فلما كانت هذه التسمية ~~موقوفة على العادة، وكان طريق التقدير فيها على الاجتهاد وغالب الرأي مع ~~العلم بأن القدر اليسير لا تلحقه هذه التسمية، وأن # PageV01P199 # الكثير تلحقه، فكان طريق الفصل فيها الاجتهاد، وغالب الرأي مع ما كانوا ~~عرفوا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "الثلث، والثلث كثير وأن تدع ~~ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". # واختلف الناس في الوصية المذكورة في هذه الآية هل كانت واجبة أم لا؟ فقال ~~قائلون: إنها لم تكن واجبة، وإنما كانت ندبا وإرشادا. وقال آخرون: قد كانت ~~فرضا ثم نسخت على الاختلاف منهم في المنسوخ منها، واحتج من قال: إنها لم ~~تكن واجبة بأن في سياق الآية وفحواها دلالة على نفي وجوبها، وهو قوله: ~~{الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} فلما قيل فيها {بالمعروف} وإنها على ~~المتقين دل على أنها غير واجبة من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله: ms0276 {بالمعروف} لا ~~يقتضي الإيجاب، والآخر: قوله: {على المتقين} وليس على كل أحد أن يكون من ~~المتقين، الثالث: تخصيصه للمتقين بها والواجبات لا يختلف فيها المتقون، ~~وغيرهم. # قال أبو بكر: ولا دلالة فيما ذكره هذا القائل على نفي وجوبها; لأن ~~إيجابها بالمعروف لا ينفي وجوبها; لأن المعروف معناه العدل الذي لا شطط فيه ~~ولا تقصير كقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: ~~233] ولا خلاف في وجوب هذا الرزق والكسوة وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} ~~[النساء: 19] بل المعروف هو الواجب، قال الله تعالى: {وأمر بالمعروف وانه ~~عن المنكر} [لقمان: 17] وقال: {يأمرون بالمعروف} [التوبة: 71] فذكر المعروف ~~فيما أوجب الله تعالى من الوصية لا ينفي وجوبها بل هو يؤكد وجوبها; إذ كان ~~جميع أوامر الله معروفا غير منكر. ومعلوم أيضا أن ضد المعروف هو المنكر، ~~وأن ما ليس بمعروف هو منكر، والمنكر مذموم مزجور عنه، فإذا المعروف واجب. ~~وأما قوله: {حقا على المتقين} ففيه تأكيد لإيجابها; لأن على الناس أن ~~يكونوا متقين، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} [البقرة: ~~278] ولا خلاف بين المسلمين أن تقوى الله فرض، فلما جعل تنفيذ هذه الوصية ~~من شرائط التقوى فقد أبان عن إيجابها. وأما تخصيصه المتقين بالذكر فلا ~~دلالة فيه على نفي وجوبها، وذلك لأن أقل ما فيه اقتضاء الآية وجوبها على ~~المتقين، وليس فيها نفيها عن غير المتقين، كما أنه ليس في قوله: {هدى ~~للمتقين} [البقرة: 2] نفي أن يكون هدى لغيرهم، وإذا وجبت على المتقين ~~بمقتضى الآية وجب على غيرهم، وفائدة تخصيصه المتقين بالذكر أن فعل ذلك من ~~تقوى الله، وعلى الناس أن يكونوا كلهم متقين، فإذا عليهم فعل ذلك. # ودلالة الآية ظاهرة في إيجابها، وتأكيد فرضها; لأن قوله: {كتب عليكم} ~~معناه # PageV01P200 # فرض عليكم على ما بينا فيما سلف، ثم أكد بقوله: {بالمعروف حقا على ~~المتقين} ولا شيء في ألفاظ الوجوب آكد من قول القائل: هذا حق عليك وتخصيصه ~~المتقين بالذكر على وجه التأكيد كما بيناه آنفا، مع اتفاق أهل التفسير من ~~السلف ms0277 أنها كانت واجبة بهذه الآية. # وقد روي عن النبي عليه السلام ما يدل على أنها كانت واجبة، وهو ما حدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا سليمان بن الفضل بن جبريل قال: حدثنا عبد ~~الله بن أيوب قال: حدثنا عبد الوهاب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمؤمن يبيت ثلاثا إلا ووصيته عنده". وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان ~~قال: حدثنا أيوب قال: سمعت نافعا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه ليلتان إلا ووصيته ~~عنده مكتوبة". وقد رواه هشام بن الغازي عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده ~~مكتوبة". وهذا يدل على أن الوصية قد كانت واجبة. # ثم اختلف القائلون بوجوبها بديا، فقالت منهم طائفة: جميع ما في هذه الآية ~~من إيجاب الوصية منسوخ منهم ابن عباس، حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد ~~الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: حدثنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين} قال: نسختها هذه الآية {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} ~~[البقرة: 233] . وروى ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إن ~~ترك خيرا} قال: "نسخ من ذلك من يرث ولم ينسخ من لا يرث". فاختلفت الرواية ~~عن ابن عباس في ذلك: في أحديهما أن الجميع منسوخ، وفي الأخرى أنه منسوخ ممن ~~يرث من الأقربين دون من لا يرث. # وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو الفضل المؤدب قال: حدثنا ~~أبو عبيد قال: ms0278 حدثنا أبو مهدي عن عبد الله بن المبارك عن عمارة أبي عبد ~~الرحمن قال: سمعت عكرمة يقول في هذه الآية: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين} : "نسختها الفرائض". وقال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد ~~والوصية للوالدين والأقربين فهي منسوخة. # وقالت طائفة أخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمن # PageV01P201 # يرث وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون رواه يونس وأشعث عن الحسن. ~~وروي عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى في الرجل يوصي لغير ذي ~~القرابة، وله ذو قرابة ممن لا يرثه أن ثلثي الثلث لذي القرابة، وثلث الثلث ~~لمن أوصى له وقال طاوس: يرد كله إلى ذوي القرابة. وقال الضحاك: "لا وصية ~~إلا لذي قرابة إلا أن يكون له ذو قرابة". # وقالت طائفة أخرى: "قد كانت الوصية في الجملة واجبة لذي القرابة، ولم يكن ~~على الموصي أن يوصي بها لجميعهم، بل كان له الاقتصار على الأقربين منهم، ~~فلم تكن واجبة للأبعدين، ثم نسخت الوصية للأقربين فبقي الأبعدون على ما ~~كانوا عليه من جواز الوصية لهم أو تركها". # ثم اختلف القائلون بنسخها فيما نسخت به، وقد روينا عن ابن عباس وعكرمة أن ~~آية المواريث نسختها، وذكر ابن عباس قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون} [النساء: 7] . وقال آخرون: نسخها ما ثبت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" رواه شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن ~~عثمان، عن عمرو بن خارجة، عنه عليه السلام قال: "لا وصية لوارث". وروى عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجوز لوارث ~~وصية"، وإسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: "ألا إن الله ~~قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" وحجاج بن جريج عن عطاء الخراساني عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ms0279 يجوز لوارث وصية إلا ~~أن يجيزها الورثة". وروي ذلك عن جماعة من الصحابة رواه حجاج عن أبي إسحاق ~~عن الحارث عن علي قال: "لا وصية لوارث" وعبد الله بن بدر عن ابن عمر قال: ~~"لا يجوز لوارث وصية". # وهذا الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ووروده من ~~الجهات التي وصفنا هو عندنا في حيز التواتر، لاستقامته وشهرته في الأمة، ~~وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له، وجائز عندنا نسخ القرآن بمثله، ~~إذ كان في حيز ما يوجب العلم والعمل من الآيات. فأما إيجاب الله تعالى ~~الميراث للورثة فغير موجب نسخ الوصية لجواز اجتماع الميراث والوصية معا، ~~ألا ترى أنه عليه السلام قد أجازها للوارث إذا أجازتها الورثة؟ فلم يكن ~~يستحيل اجتماع الميراث والوصية لواحد لو لم يكن إلا آية الميراث، على أن ~~الله إنما جعل الميراث بعد الوصية، فما الذي كان يمنع أن يعطى قسطه من ~~الوصية ثم يعطى الميراث بعدها. # PageV01P202 # وقال الشافعي في كتاب الرسالة: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية ~~ويحتمل أن تكون ثابتة معها، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ~~مجاهد، وهو منقطع أنه قال: "لا وصية لوارث" استدللنا بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والأقربين مع ~~الخبر المنقطع. # قال أبو بكر: قد أعطى القول باحتمال اجتماع الوصية والميراث فإذا ليس في ~~نزول آية الميراث ما يوجب نسخ الوصية للوارث، فلم تكن الوصية منسوخة ~~بالميراث لجواز اجتماعهما، والخبر لم يثبت عنده لأنه ورد من طريق منقطع، ~~وهو لا يقبل المرسل، ولو ورد من جهة الاتصال والتواتر لما قضى به على حكم ~~الآية; إذ غير جائز عنده نسخ القرآن بالسنة، فواجب أن تكون الوصية للوالدين ~~والأقربين ثابتة الحكم غير منسوخة; إذ لم يرد ما يوجب نسخها. # قال الشافعي: وحكم النبي عليه السلام في ست مملوكين أعتقهم رجل لا مال له ~~غيرهم، فجزأهم النبي عليه السلام ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة. ms0280 ~~والذي أعتقهم رجل من العرب، والعرب إنما تملك من لا قرابة بينه وبينه من ~~العجم، فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم الوصية، فدل ذلك على أن الوصية ~~لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين لأنهم ليسوا بقرابة للميت ~~وبطلت وصية الوالدين. # قال أبو بكر: هذا كلام ظاهر الاختلال منتقض على أصله، فأما اختلاله ~~فقوله: إن العرب إنما تملك من لا قرابة بينه وبينه من العجم، وهذا خطأ من ~~قبل أنه جائز أن تكون أمه أعجمية، فيكون أقرباؤه من قبل أمه عجما، فيكون ~~العتق الذي أوقعه المريض وصية لأقربائه. ومن جهة أخرى أنه لو ثبت أن آية ~~المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين فإنما نسختها لمن كان منهم وارثا، ~~فأما من لا يرث منهم فليس في إثبات الميراث لغيره ما يوجب نسخ وصيته، وأما ~~انتقاضه على أصله فإيجابه نسخ الوصية للأقربين بخبر عمران بن حصين في عتق ~~المريض لعبيده، ومن أصله أن السنة لا تنسخ القرآن. # وقد روي عن جماعة من الصدر الأول والتابعين تجويز الوصية للأجانب، وأنها ~~تنفذ على ما أوصى بها، وروي أن عمر أوصى لأمهات أولاده لكل امرأة منهن ~~بأربعة آلاف درهم. وعن عائشة وإبراهيم وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله ~~بن دينار والزهري قالوا: "تنفذ وصيته حيث جعلها". وقد حصل الاتفاق من ~~الفقهاء بعد عصر التابعين على جواز الوصايا للأجانب والأقارب. # PageV01P203 # والذي أوجب نسخ الوصية عندنا للوالدين والأقربين قوله تعالى في سياق آية ~~المواريث: {من بعد وصية يوصين بها أو دين} [النساء: 12] فأجازها مطلقة ولم ~~يقصرها على الأقربين دون غيرهم، وفي ذلك إيجاب نسخها للوالدين والأقربين ~~لأن الوصية لهم قد كانت فرضا، وفي هذه إجازة تركها لهم، والوصية لغيرهم ~~وجعل ما بقي ميراثا للورثة على سهام مواريثهم، وليس يجوز ذلك إلا، وقد نسخ ~~تلك الوصية. # فإن قيل: يحتمل أن يريد بهذه الوصية المذكورة في آية المواريث، وإيجاب ~~المواريث بعدها الوصية الواجبة للوالدين والأقربين فيكون حكمها ثابتا لمن ~~لا يرث منهم. قيل له: هذا غلط من ms0281 قبل أنه أطلق الوصية في هذا الموضع بلفظ ~~منكور يقتضي شيوعها في الجنس، إذ كان ذلك حكم النكرات، والوصية المذكورة ~~للوالدين والأقربين لفظها لفظ المعرفة، فغير جائز صرفها إليها; إذ لو ~~أرادها. لقال: "من بعد الوصية" حتى يرجع الكلام إلى المعرف المعهود من ~~الوصية التي قد علمت، كما قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم} [النور: 4] وقال في آية أخرى لما أراد الشهداء ~~المذكورين: {فإذ لم يأتوا بالشهداء} [النور: 13] فعرفهم بالألف واللام; إذ ~~كان المراد أولئك الشهداء. فلما أطلق الوصية في آية المواريث بلفظ منكور ~~ثبت أنه لم يرد بها الوصية المذكورة للوالدين والأقربين، وأنها مطلقة جائزة ~~لسائر الناس إلا ما خصته السنة أو الإجماع من الوصية للوارث أو للقاتل ~~ونحوهما، وفي ثبوت ذلك نسخ الوصية للوالدين والأقربين. # قال أبو بكر: استدل محمد بن الحسن رحمه الله على أن الوالدين ليسوا من ~~الأقرباء بقوله تعالى: {الوصية للوالدين والأقربين} ولأنهم لا يدلون بغيرهم ~~ورحمهم بأنفسهم، وسائر الأرحام سواهما إنما يدلون بغيرهم، فالأقربون من ~~يقرب إليه بغيره، وقال: إن ولد الصلب ليسوا من الأقربين أيضا، لأنه بنفسه ~~يدلي برحمه لا بواسطة بينه وبين والده ولأنه إذا لم يكن الوالدان من ~~الأقربين، والولد أقرب إلى والده من الوالد إلى ولده، فهو أحرى أن لا يكون ~~من الأقربين ولذلك قال فيمن أوصى لأقرباء بني فلان: إنه لا يدخل فيها ولده ~~ولا والده. ويدخل فيها ولد الولد والجد والإخوة ومن جرى مجراهم، لأن كلا ~~منهم يدلي إليه بواسطة غير مدل بنفسه وفي معنى الأقرباء خلاف، والله أعلم. # PageV01P204 # باب الوصية للوارث إذا أجازتها الورثة # قال أبو بكر: قد بينا نسخ الوصية للورثة بما قدمنا، وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة"، وفيه بيان ~~أن الأخبار الواردة بأن لا وصية # PageV01P204 # لوارث من غير ذكر إجازة الورثة هي محمولة على أن الورثة لم يجيزوها. ويدل ~~أيضا على أن إجازة الورثة هي محمولة على أن ms0282 إجازتهم معتبرة بعد الموت لأنهم ~~في حال حياته ليسوا بورثة، وإنما تحصل لهم هذه السمة بعد موت المورث، فمتى ~~أجاز وليس بوارث فإجازته باطلة لعموم قوله: "لا وصية لوارث" ودل على أن ~~الورثة متى أجازت الوصية لم يكن ذلك هبة مستأنفة من جهتهم فتحمل على أحكام ~~الهبات في شرط القبض والتسليم ونفي الشيوع فيما يقسم، والرجوع فيها، بل ~~تكون محمولة على أحكام الوصايا الجائزة دون الهبات من قبل مجيزيها من ~~الورثة. ودل أيضا على جواز العقود الموقوفة التي لها مجيز لأن الميت عقد ~~الوصية على مال هو للوارث في حال وقوع الوصية. وجعلها النبي عليه السلام ~~موقوفة على إجازة الوارث، فصار ذلك أصلا فيمن عقد عقد بيع أو عتق أو هبة أو ~~رهن أو إجارة على مال الغير أنه يقف على إجازة مالكه; إذ كان عقدا له مالك ~~يملك ابتداءه وإيقاعه، وقد دل أيضا على أنه; إذ أوصى بأكثر من الثلث كانت ~~موقوفة على إجازة الورثة، كما وقفها النبي على إجازتهم إذا أوصى بها لوارث ~~فهذه المعاني كلها في ضمن قوله عليه السلام: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها ~~الورثة". # وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة قبل الموت، ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن: ~~إذا أجازوه في حياته لم يجز ذلك حتى يجيزوه بعد الموت وروي نحو ذلك عن عبد ~~الله بن مسعود وشريح وإبراهيم. وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي: ليس لهم أن ~~يرجعوا فيه بعد الموت، وهي جائزة عليهم. وقال ابن القاسم عن مالك: إذا ~~استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت، مثل الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ ~~وابن العم الذين ليسوا في عياله، فإنهم ليس لهم أن يرجعوا، وأما امرأته ~~وبناته اللاتي لم يبن منه، وكل من في عياله، وإن كان قد احتلم فلهم أن ~~يرجعوا، وكذلك العم وابن العم، ومن خاف منهم إن لم يجز لحقه ضرر منه في قطع ~~النفقة إن صح، ms0283 فلهم أن يرجعوا. وروى ابن وهب عن مالك في المريض يستأذن ~~ورثته في الوصية لبعض ورثته فأذنوا له فليس لهم أن يرجعوا في شيء من ذلك، ~~ولو كان استأذنهم في الصحة فلهم أن يرجعوا إن شاءوا، وإنما يجوز إذنهم في ~~حال المرض لأنه يحجب عن ماله بحقهم فيجوز ذلك عليهم وقول الليث في ذلك كقول ~~مالك. ولا خلاف بين الفقهاء أنهم إذا أجازوه بعد الموت فليس لهم أن يرجعوا ~~فيه، وروي عن طاوس وعطاء أنهم إذا أجازوه في الحياة جاز عليهم. # قال أبو بكر: عموم قوله عليه السلام: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها ~~الورثة" ينفي # PageV01P205 # جواز الوصية في كل حال، فلما خص ذلك بقوله "إلا أن يجيزها الورثة" وهم ~~إنما يكونون ورثة على الحقيقة بعد الموت لا قبله، فالمخصوص من الجملة ~~إجازتهم بعد الموت. وما عدا ذلك فهو محمول على عموم بقية الوصية، والنظر ~~يدل على ذلك; إذ ليسوا مالكين للمال في حال الحياة فلا تعمل إجازتهم فيه ~~كما لا تجوز هبتهم ولا بيعهم، وإن حدث الموت بعده فالإجازة أبعد من ذلك، ~~ولما كان الموصى له إنما تقع الوصية له بعد الموت، فكذلك الإجازة حكمها أن ~~يكون في حال وقوع الوصية، وأن لا تعمل الإجازة قبل وقوعها. وأيضا لما كان ~~للميت إبطال الوصية في حال الحياة مع كونه مالكا، فالورثة أحرى بجواز ~~الرجوع عما أجازوه، وإذا جاز لهم الرجوع فقد علمت أن الإجازة لا تصح. # فإن قيل: لما كان حق الورثة ثابتا في ماله بالمرض ومن أجله منع ذلك في ~~المرض عن التصرف فيه بأكثر من الثلث كما منع بعد الموت وجب أن يكون حال ~~المرض حال الموت في باب لزومهم حكم الإجازة إذا أجازوا. قيل له: تصرف ~~المريض جائز عندنا في جميع ماله بالهبة، والصدقة، والعتق، وسائر معاني ~~التصرف ووجوهه، وإنما نسخ منها بعد الموت ما زاد على الثلث لثبوت حق الورثة ~~بالموت، وأما قبل ذلك فلا اعتبار بقول الوارث فيه، ألا ترى أن الوارث ليس ~~له أن ms0284 يفسخ عقوده قبل الموت، وإنما ثبت له ذلك بعد الموت عند ثبوت حقه في ~~ماله؟ فكذلك إجازته قبل موته كلا إجازة، كما لا يعمل فسخه في عقوده. وأما ~~ما فرق به مالك بين من يخشى ضررا من جهته في ترك الإجازة وبين من لا يخشى ~~ذلك منه، فلا معنى له من قبل أن خشية الضرر من جهته لا تمنع صحة عقوده، ~~وقوله: إذ ليس يكسبه ذلك حكم المكره ألا ترى أنه لو باع منه شيئا طلبه منه، ~~وقال خشيت أن تقطع عني نفقته، وجرايته بترك إجابته لم يكن ذلك عذرا في ~~إبطال البيع؟ وكذلك لو استوهبه المريض شيئا فوهبه له لم يكن ما يخافه بترك ~~إجابته مؤثرا في هبته، فكان ذلك بمنزلة من يخشى من قبله ضررا. فإذا لا ~~اعتبار لخوف الضرر في قطع النفقة والجراية في إيجاب العتق بين من هو في ~~عياله أو ليس في عياله. والله الموفق بمنه وكرمه. # PageV01P206 # باب تبديل الوصية. # قال الله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ~~قيل إن الهاء التي في قوله: {فمن بدله} عائدة على الوصية، وجائز فيها ~~التذكير; لأن الوصية، والإيصاء واحد. وأما الهاء في قوله: {إثمه} فإنما هي ~~عائدة على التبديل المدلول عليه # PageV01P206 # بقوله: {فمن بدله} . وقوله: {فمن بدله بعد ما سمعه} يحتمل أن يريد به ~~الشاهد على الوصية، فيكون معناه زجره عن التبديل، على نحو قوله تعالى: {ذلك ~~أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} [المائدة: 108] ويحتمل أن يريد الوصي ~~لأنه هو المتولي لإمضائها، والمالك لتنفيذها، فمن أجل ذلك قد أمكنه ~~تغييرها. ويبعد أن يكون ذلك عموما في سائر الناس; إذ لا مدخل لهم في ذلك، ~~ولا تصرف لهم فيه، وهو عندنا على المعنيين الأولين من الشاهد والوصي لاحتال ~~اللفظ لهما، والشاهد إذا احتيج إليه مأمور بأداء ما سمع على وجهه من غير ~~تغيير ولا تبديل، والوصي مأمور بتنفيذها على حسب ما سمعه مما تجوز الوصية ~~به. # وروي عن عطاء ومجاهد قالا: هي الوصية تصيب ms0285 الولي الشاهد.، وقال الحسن: هي ~~الوصية من سمع الوصية ثم بدلها بعدما سمعها فإنما إثمها على من بدلها. # قال أبو بكر: وجائز أن يكون الحاكم مرادا بذلك لأن له فيه ولاية وتصرفا ~~إذا رفع إليه، فيكون مأمورا بإمضائها إذا جازت في الحكم منهيا عن تبديلها، ~~وفيها الأمر بإمضائها وتنفيذها على الحق والصدق. # وقوله: {فمن بدله بعد ما سمعه} قد اقتضى جواز تنفيذ الوصي ما سمعه من ~~وصية الموصي، كان عليها شهود أو لم تكن. وهو أصل في كل من سمع شيئا فجائز ~~إمضاؤه عند الإمكان على مقتضاه وموجبه من غير حكم حاكم، ولا شهادة شهود فقد ~~دل على أن الميت متى أقر بدين لرجل بعينه عند الوصية فجائز له أن يقضيه من ~~غير علم وارث ولا حاكم ولا غيره لأن في تركه ذلك بعد السماع تبديلا لوصية ~~الموصي. # وقوله: {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} قد حوى معان: أحدها: أنه معلوم أن ~~ذلك عطف على الوصية المفروضة كانت للوالدين والأقربين، وهي لا محالة مضمرة ~~فيه، لولا ذلك لم يستقم الكلام لأن قوله: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه ~~على الذين يبدلونه} غير مستقل بنفسه في إيجاب الفائدة لما انتظم من الكناية ~~والضمير اللذين لا بد لهما من مظهر مذكور، وليس في الآية مظهر غير ما تقدم ~~ذكره في أولها، وإذا كان كذلك فقد أفادت الآية سقوط الفرض عن الموصي بنفس ~~الوصية، وأنه لا يلحقه بعد ذلك من مأثم التبديل شيء بعد موته. # وفيه دلالة على بطلان قول من أجاز تعذيب الأطفال بذنوب آبائهم، وهو نظير ~~قوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ~~. وقد دلت الآية أيضا على أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه أنه قد برئ من ~~تبعته في # PageV01P207 # الآخرة، وأن ترك الورثة قضاءه بعد موته لا يلحقه تبعة ولا إثم، وأن إثمه ~~على من بدله دون من أوصى به. # وفيه الدلالة على أن من كان عليه زكاة ماله فمات ولم يوص به ms0286 أنه قد صار ~~مفرطا مانعا مستحقا لحكم مانعي الزكاة; لأنها لو كانت قد تحولت في المال ~~حسب تحول الديون لكان بمنزلة من أوصى بها عند الموت فينجو من مأثمها، ويكون ~~حينئذ المبدل لها مستحقا لمأثمها. وكذلك حكى الله تعالى عن مانع الزكاة عند ~~الموت سؤال الرجعة في قوله: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} ~~[المنافقون: 10] فأخبر بحصول التفريط وفوات الأداء، إذ لو كان الأداء باقيا ~~على الوارث أو الوصي من ميراث الميت لكانوا هم المستحقين للوم والتعنيف في ~~تركه وكان الميت خارجا عن حكم التفريط، فدل ذلك على صحة ما وصفنا من امتناع ~~وجوب أداء زكاته من ميراثه من غير وصية منه به. # فإن قيل: هل يفترق حكم الموصي عند الله في حال تنفيذ وصيته أو تبديلها، ~~وهل يكون ما يستحقه من الثواب في الحالين سواء؟ قيل له: إن وصية الموصي قد ~~تضمنت شيئين: أحدهما: استحقاقه الثواب على الله بوصيته، والآخر: أن وصول ~~ذلك إلى الموصى له يستوجب منه الشكر لله والدعاء للموصي، وذلك لا يكون ~~ثوابا للموصي ولكن الموصي يصل إليه من دعاء الموصى له وشكره لله تعالى جزاء ~~له لا للموصي، فينتفع الموصي بذلك من وجهين: إذا أنفذت الوصية، ومتى لم ~~تنفذ كان نفعه مقصورا على الثواب الذي استحقه بوصيته دون غيرها. # فإن قيل: فمن كان عليه دين فلم يوص بقضائه وقضاه الورثة هل يبرأ الميت من ~~تبعته؟ قيل له: امتناعه من قضاء الدين قد تضمن شيئين. أحدهما: حق الله ~~تعالى، والآخر: حق الآدمي; فإذا استوفى الآدمي حقه فقد برئ من تبعته وبقي ~~من حق الآدمي ما أدخل عليه من الظلم والضرر بتأخيره، فإذا لم يتب منه كان ~~مؤاخذا به في الآخرة وبقي حق الله، وهو الظلم الواقع منه في حياته لم تكن ~~توبة منه فيه، فهو مؤاخذ به فيما بينه وبين الله تعالى; ألا ترى أن من غصب ~~من رجل مالا، وأصر ms0287 على منعه كان مكتسبا بذلك المأثم من وجهين: أحدهما: حق ~~الله بارتكاب نهيه، والآخر: حق الآدمي بظلمه له وإضراره به؟ فلو أن الآدمي ~~أخذ حقه منه من غير إرادة الغاصب لذلك لكان قد برئ من حقه وبقي حق الله ~~يحتاج إلى التوبة منه، فإذا مات غير تائب كانت تبعته باقية عليه لاحقة به. # وقوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} إنما ~~هو فيمن بدل ذلك إذا وقع على وجه الصحة والجواز والعدل، فأما إذا كانت ~~الوصية جورا # PageV01P208 # فالواجب تبديلها وردها إلى العدل، قال الله تعالى: {غير مضار وصية من ~~الله} [النساء: 12] فإنما تنفذ الوصية إذا وقعت عادلة غير جائرة. وقد بين ~~الله تعالى ذلك في الآية التي تليها. # PageV01P209 # باب الشاهد والوصي إذا علما الجور في الوصية # قال الله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه} ~~. قال أبو بكر: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{فمن خاف من موص جنفا أو إثما} قال: "هو الرجل يوصي فيجنف في وصيته فيردها ~~الولي إلى العدل والحق". وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: الجنف ~~الخطأ والإثم العمد. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وابن طاوس عن أبيه: {فمن ~~خاف من موص جنفا أو إثما} قال: "هو الموصي لابن ابنه يريد لبنيه". وروى ~~المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن في الرجل يوصي للأباعد ويترك الأقارب ~~قال: يجعل وصيته ثلاثة أثلاث: للأقارب الثلثين، وللأباعد الثلث. وروي عن ~~طاوس في الرجل يوصي للأباعد قال: ينتزع منهم فيدفع للأقارب إلا أن يكون ~~فيهم فقير. # قال أبو بكر: الجنف الميل عن الحق، وقد حكينا عن الربيع بن أنس أنه قال: ~~"الجنف الخطأ" ويجوز أن يكون مراده الميل عن الحق على وجه الخطإ، والإثم ~~ميله عنه على وجه العمد; وهو تأويل مستقيم. وتأوله الحسن على الوصية ms0288 ~~للأجنبي، وله أقرباء أن ذلك جنف وميل عن الحق; لأن الوصية كانت عنده ~~للأقارب الذين لا يرثون. وتأوله طاوس على معنيين، أحدهما: الوصية للأباعد ~~فترد إلى الأقارب، والآخر: أن من يوصي لابن ابنته يريد ابنته. وقد نسخ وجوب ~~الوصية للوالدين والأقربين: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} غير موجب أن ~~يكون هذا الحكم مقصورا على الوصية المذكورة قبلها; لأنه كلام مستقل بنفسه ~~يصح ابتداء الخطاب به غير مضمن بما قبله، فهو عام في سائر الوصايا إذا عدل ~~بها عن جهة العدل إلى الجور، منتظمة للوصية التي كانت واجبة للوالدين ~~والأقربين في حال بقاء وجوبها، وشاملة لسائر الوصايا غيرها; فمن خاف من ~~سائر الناس من موص ميلا عن الحق وعدولا إلى الجور فالواجب عليه إرشاده إلى ~~العدل والصلاح. ولا يختص بذلك الشاهد والوصي والحاكم دون سائر الناس; لأن ~~ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح # PageV01P209 # بينهم} والخوف إنما يختص بما يمكن وقوعه في المستقبل، وأما الماضي فلا ~~يكون فيه خوف؟ قيل له: يجوز أن يكون قد ظهر له من أحوال الموصي ما يغلب معه ~~على ظنه أنه يريد الجور وصرف الميراث عن الوارث، فعلى من خاف ذلك منه رده ~~إلى العدل ويخوفه ذميم عاقبة الجور أو يدخل بين الموصى له وبين الورثة على ~~وجه الصلاح. وقد قيل إن معنى قوله: {فمن خاف} أنه علم أن فيها جورا فيردها ~~إلى العدل. وإنما قال تعالى: {فلا إثم عليه} ولم يقل فعليه ردها إلى العدل ~~والصلاح ولا ذكر له فيه استحقاق الثواب; لأن أكثر أحوال الداخلين بين ~~الخصوم على وجه الإصلاح أن يسألوا كل واحد منهما ترك بعض حقه، فيسبق مع هذه ~~الحال إلى ظن المصلح أن ذلك غير سائغ له; ولأنه إنما يعمل في كثير منه على ~~غالب ظنه دون الحقيقة، فرخص الله تعالى في الإصلاح بينهم، وأزال ظن الظان ~~لامتناع جواز ذلك، فلذلك قال: {فلا إثم ms0289 عليه} في هذا الموضع، وقد وعد ~~بالثواب على مثله في غيره، فقال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114] . # وروي في تغليظ الجنف في الوصية ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الصمد بن حسان قال: حدثنا سفيان الثوري عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر" ثم قرأ: {تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] . # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قالا: ~~حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإضرار في ~~الوصية من الكبائر". # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا طاهر بن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي: حدثنا ~~يحيى بن معين قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أشعث عن شهر بن ~~حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل ~~بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل ~~النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له ~~بخير عمله فيدخل الجنة". # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبدة بن عبد الله ~~قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا نصر بن علي الحداني قال: ~~حدثني الأشعث بن جابر قال: حدثني شهر بن حوشب، أن أبا هريرة حدثه، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن # PageV01P210 # الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في ~~الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ علي أبو هريرة من ههنا: {من بعد وصية يوصى ~~بها أو دين غير مضار} حتى بلغ: {وذلك الفوز العظيم} . # فهذه الأخبار مع ما قدمنا توجب ms0290 على من علم جنفا في الوصية من موص أن يرده ~~إلى العدل إذا أمكنه ذلك. # فإن قيل: على ماذا يعود الضمير الذي في قوله: {بينهم} ؟ قيل له: لما ذكر ~~الله الموصي أفاد بفحوى الخطاب أن هناك موصى له ووارثا تنازعوا، فعاد ~~الضمير إليهم بفحوى الخطاب في الإصلاح بينهم; وأنشد الفراء: # وأدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # الخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكر الخير وحده لما في فحوى اللفظ من ~~الدلالة عليه عند ذكر الخير وغيره. # وقد قيل: إن الضمير عائد على المذكورين في ابتداء الخطاب، وهم الوالدان ~~والأقربون. وقد أفادت هذه الآية على أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من ~~وقف على جور في الوصية من جهة الخطإ أو العمد ردها إلى العدل، ودل على أن ~~قوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه} خاص في الوصية العادلة دون الجائرة. # وفيها الدلالة على جواز اجتهاد الرأي والعمل على غالب الظن; لأن الخوف من ~~الميل يكون في غالب ظن الخائف. وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح ~~مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعد أن يكون ذلك بتراضيهم. والله ~~الموفق. # PageV01P211 # باب فرض الصيام # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فالله تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه ~~الآية; لأن قوله {كتب عليكم} معناه فرض عليكم، كقوله: {كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم} وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: ~~103] يعني فرضا مؤقتا. الصيام في اللغة هو الإمساك، قال الله تعالى: {إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] يعني صمتا، فسمى ~~الإمساك عن الكلام صوما. ويقال: خيل صيام إذا كانت ممسكة عن العلف، و"صامت ~~الشمس نصف النهار" لأنها ممسكة عن السير والحركة، فهذا حكم هذا اللفظ في ~~اللغة. # PageV01P211 # وهو في الشرع: اسم للكف عن الأكل والشرب وما في معناه، وعن الجماع ms0291 في ~~نهار الصوم مع نية القربة أو الفرض. وهو لفظ مجمل مفتقر إلى البيان عند ~~وروده; لأنه اسم شرعي موضوع لمعان لم تكن معقولة في اللغة، إلا أنه بعد ~~ثبوت الفرض واستقرار أمر الشريعة قد عقل معناه الموضوع له فيها بتوقيف ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها. # وقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم} يعتوره معان ثلاثة كل واحد ~~منها مروي عن السلف; قال الحسن والشعبي وقتادة: إنه كتب على الذين من قبلنا ~~وهم النصارى شهر رمضان أو مقداره من عدد الأيام، وإنما حولوه وزادوا فيه. ~~وقال ابن عباس والربيع بن أنس والسدي: كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا ~~يحل بعد النوم مأكل ولا مشرب ولا منكح، ثم نسخ. وقال آخرون: معناه أنه كتب ~~علينا صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام، ولا دلالة فيه على مساواته في ~~المقدار بل جائز فيه الزيادة والنقصان. وروي عن مجاهد وقتادة: الذين من ~~قبلكم أهل الكتاب. وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيل ~~الصيام ثلاثة أحوال، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصوم ~~كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء، ثم إن الله تعالى فرض الصيام بقوله: {كتب ~~عليكم الصيام} وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا. # قال أبو بكر: لما لم يكن في قوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} دلالة ~~على المراد في العدد أو في صفة الصيام أو في الوقت كان اللفظ مجملا، ولو ~~علمنا وقت صيام من قبلنا وعدده كان جائزا أن يكون مراده صفة الصيام وما حظر ~~على الصائم فيه بعد النوم، فلم يكن لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في ~~احتذاء صوم من قبلنا، وقد عقبه تعالى بقوله: {أياما معدودات} وذلك جائز ~~وقوعه على قليل الأيام وكثيرها، فلما قال تعالى: في نسق التلاوة: {شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} بين بذلك عدد الأيام المعدودات ووقتها وأمر ms0292 بصومها. وقد ~~روي هذا المعنى عن ابن أبي ليلى. وروي عن ابن عباس وعطاء أن المراد بقوله ~~تعالى: {أياما معدودات} صوم ثلاثة أيام من كل شهر قبل أن ينزل رمضان، ثم ~~نسخ برمضان. # قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} قال أبو ~~بكر: ظاهره يقتضي جواز الإفطار لمن لحقه الاسم سواء كان الصوم يضر أو لا; ~~إلا أنا لا نعلم خلافا أن المريض الذي لا يضره الصوم غير مرخص له في ~~الإفطار، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا خاف أن تزداد عينه وجعا أو ~~حماه شدة أفطر. وقال مالك في الموطأ: من أجهده الصوم أفطر وقضى ولا كفارة ~~عليه، والذي سمعته أن # PageV01P212 # المريض إذا أصابه المرض وشق عليه فيه الصيام فيبلغ منه ذلك، فله أن يفطر ~~ويقضي قال مالك: وأهل العلم يرون على الحامل إذا اشتد عليها الصيام الفطر ~~والقضاء ويرون ذلك مرضا من الأمراض. وقال الأوزاعي: أي مرض إذا مرض الرجل ~~حل له الفطر، فإن لم يطق أفطر، فأما إذا أطاق وإن شق عليه فلا يفطر. وقال ~~الشافعي: إذا ازداد مرض المريض شدة زيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة ~~لم يفطر. فثبت باتفاق الفقهاء أن الرخصة في الإفطار للمريض موقوفة على ~~زيادة المرض بالصوم، وأنه ما لم يخش الضرر فعليه أن يصوم. # ويدل على أن الرخصة في الإفطار للمريض متعلقة بخوف الضرر ما روى أنس بن ~~مالك القشيري عن النبي عليه السلام: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ~~والصوم وعن الحامل والمرضع" ومعلوم أن رخصتهما موقوفة على خوف الضرر على ~~أنفسهما أو على ولديهما، فدل ذلك على أن جواز الإفطار في مثله متعلق بخوف ~~الضرر إذ الحامل والمرضع صحيحتان لا مرض بهما. وأبيح لهما الإفطار لأجل ~~الضرر. # وأباح الله تعالى للمسافر الإفطار، وليس للسفر حد معلوم في اللغة يفصل به ~~بين أقله وبين ما هو دونه، فإذا كان ذلك كذلك وقد اتفقوا على أن للسفر ~~المبيح للإفطار مقدارا معلوما في ms0293 الشرع واختلفوا فيه، فقال أصحابنا: مسيرة ~~ثلاثة أيام ولياليها وقال آخرون: مسيرة يومين وقال آخرون: مسيرة يوم ولم ~~يكن للغة في ذلك حظ; إذ ليس فيها حصر أقله بوقت لا يجوز النقصان منه; لأنه ~~اسم مأخوذ من العادة، وكل ما كان حكمه مأخوذا من العادة فغير ممكن تحديده ~~بأقل القليل; وقد قيل إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف من قولهم سفرت ~~المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح إذا أضاء، وسفرت الريح السحاب إذا قشعته ~~والمسفرة المكنسة; لأنها تسفر عن الأرض بكنس التراب، وأسفر وجهه إذا أضاء ~~وأشرق، ومنه قوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة} يعني مشرقة مضيئة; فسمي الخروج ~~إلى الموضع البعيد سفرا; لأنه يكشف عن أخلاق المسافر وأحواله; ومعلوم أنه ~~إذا كان معنى السفر ما وصفنا أن ذلك لا يتبين في الوقت اليسير واليوم ~~واليومين; لأنه قد يتصنع في الأغلب لمثل هذه المسافة فلا يظهر فيه ما يكشفه ~~البعيد من أخلاقه، فإن اعتبر بالعادة علمنا أن المسافة القريبة لا تسمى ~~سفرا والبعيدة تسمى، إلا أنهم اتفقوا على أن الثلاثة سفر صحيح فيما يتعلق ~~به من أحكام الشرع. فثبت أن الثلاث سفر وما دونها لم يثبت لعدم معنى الاسم ~~فيه وفقد التوقيف والاتفاق بتحديده. وأيضا قد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبار تقتضي اعتبار الثلاث في كونها سفرا في أحكام الشرع، فمنها حديث ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن تسافر # PageV01P213 # امرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم". واختلف الرواة عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: "ثلاثة أيام" وقال بعضهم: "يومين" ~~فهذه الألفاظ المختلفة قد رويت في حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. واختلف أيضا عن أبي هريرة، فروى سفيان عن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة ~~أيام إلا ومعها ذو محرم" وروى كثير بن زيد، عن سعيد بن أبي ms0294 سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا نساء المؤمنات لا ~~تخرج امرأة من مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم". وكل واحد من أخبار أبي سعيد ~~وأبي هريرة إنما هو خبر واحد اختلفت الرواة في لفظه، ولم يثبت أنه عليه ~~السلام قال ذلك في أحوال، فالواجب أن يكون خبر الزائد أولى وهو الثلاث; ~~لأنه متفق على استعماله وما دونها مختلف فيه فلا يثبت لاختلاف الرواة فيه. ~~وأخبار ابن عمر لا اختلاف فيها، فهي ثابتة وفيها ذكر الثلاث، ولو أثبتنا ~~ذكر أخبار أبي سعيد وأبي هريرة على اختلافها لكان أكثر أحوالها أن تتضاد، ~~وتسقط كأنها لم ترد، وتبقى لنا أخبار ابن عمر في اعتبار الثلاث من غير ~~معارض. # فإن قيل: أخبار أبي سعيد وأبي هريرة غير متعارضة; لأنا نثبت جميع ما روي ~~فيها من التوقيت، فنقول: لا تسافر يوما ولا يومين ولا ثلاثة. قيل له: متى ~~استعملت ما دون الثلاث فقد ألغيت الثلاث وجعلت ورودها وعدمها بمنزلة، فأنت ~~غير مستعمل لخبر الثلاث مع استعمالك خبر ما دونها، وإذا لم يكن إلا استعمال ~~بعضها وإلغاء البعض فاستعمال خبر الثلاث أولى لما فيه من ذكر الزيادة; ~~وأيضا قد يمكن استعمال الثلاث مع إثبات فائدة الخبر في اليوم واليومين، وهو ~~أنها متى أرادت سفر الثلاث لم تخرج اليوم ولا اليومين من الثلاث إلا مع ذي ~~محرم وقد يجوز أن يظن ظان أنه لما حد الثلاث فمباح لها الخروج يوما أو ~~يومين مع غير ذي محرم وإن أرادت سفر الثلاث، فأبان عليه السلام حظر ما ~~دونها متى أرادتها. # وإذا ثبت تقدير الثلاث في حظر الخروج إلا مع ذي محرم ثبت ذلك تقديرا في ~~إباحة الإفطار في رمضان من وجهين: أحدهما: أن كل من اعتبر في خروج المرأة ~~الثلاث اعتبرها في إباحة الإفطار، وكل من قدره بيوم أو يومين كذلك قدره في ~~الإفطار. والوجه الآخر: أن الثلاث قد تعلق بها حكم وما دونها لم يتعلق به ~~حكم في الشرع، فوجب ms0295 تقديرها في إباحة الإفطار; لأنه حكم متعلق بالوقت ~~المقدر، وليس فيما دون الثلاث حكم يتعلق به، فصار بمنزلة خروج ساعة من ~~النهار. وأيضا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في المسح للمقيم ~~يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، ومعلوم أن ذلك ورد مورد بيان ~~الحكم لجميع المسافرين; لأن ما ورد مورد البيان فحكمه أن يكون شاملا # PageV01P214 # لجميع ما اقتضى البيان من التقدير، فما من مسافر إلا وهو الذي يكون سفره ~~ثلاثا، ولو كان ما دون الثلاث سفرا في الشرع لكان قد بقي مسافر لم يتبين ~~حكمه ولم يكن اللفظ مستوعبا لجميع ما اقتضى البيان وذلك يخرجه عن حكم ~~البيان. ومن جهة أخرى أن المسافر اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه، فما ~~من مسافر إلا وقد انتظمه هذا الحكم، فثبت أن من خرج عنه فليس بمسافر يتعلق ~~بسفره حكم، وفي ذلك أوضح الدلالة على أن السفر الذي يتعلق به الحكم هو سفر ~~ثلاث وأن ما دونه لا حكم له في إفطار ولا قصر. ومن جهة أخرى أن هذا الضرب ~~من المقادير لا يؤخذ من طريق المقاييس، وإنما طريق إثباته الاتفاق ~~والتوقيف، فلما عدمنا فيما دون الثلاث الاتفاق والتوقيف وجب الوقوف عند ~~الثلاث لوجود الاتفاق فيه أنه سفر يبيح الإفطار. وأيضا لما كان لزوم فرض ~~الصوم هو الأصل واختلفوا في مدة رخصة الإفطار، لم يجز لنا عند الاختلاف ترك ~~الفرض إلا بالإجماع وهو الثلاث; لأن الفروض يحتاط لها، ولا يحتاط عليها; ~~وقد روي عن عبد الله بن مسعود وعمار وابن عمر أنه لا يفطر في أقل من ~~الثلاث. # وقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} اختلف الفقهاء من ~~السلف في تأويله، فروى المسعودي عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام على ثلاثة أحوال ثم أنزل الله: {كتب عليكم ~~الصيام} إلى قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكان من شاء صام ~~ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا وأجزى عنه، ms0296 ثم أنزل الله الآية الأخرى {شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فأثبت ~~الله تعالى صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت ~~الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. وعن عبيد الله بن مسعود وابن عمر ~~وابن عباس وسلمة بن الأكوع وعلقمة والزهري وعكرمة في قوله: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى وأطعم ~~كل يوم مسكينا، حتى نزل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . وروي فيه وجه آخر، ~~وهو ما روى عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي كرم ~~الله وجهه قال: من أتى عليه رمضان وهو مريض أو مسافر فليفطر وليطعم كل يوم ~~مسكينا صاعا، فذلك قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} . ووجه آخر، ~~وهو ما روى منصور عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها: وعلى الذين ~~يطوقونه فدية طعام مسكين قال: الشيخ الكبير الذي كان يطيق الصوم وهو شاب ~~فأدركه الكبر وهو لا يستطيع أن يصوم من ضعف، ولا يقدر أن يترك الطعام فيفطر ~~ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع. وعن سعيد بن المسيب مثله. # PageV01P215 # وكانت عائشة تقرأ: وعلى الذين يطوقونه. وروى خالد الحذاء عن عكرمة أنه ~~كان يقرأ: {وعلى الذين يطيقونه} قال إنها ليست بمنسوخة. وروى الحجاج عن أبي ~~إسحاق عن الحارث عن علي: {وعلى الذين يطيقونه} قال: الشيخ والشيخة. # قال أبو بكر: فقالت الفرقة الأولى من الصحابة والتابعين، وهم الأكثرون ~~عددا إن فرض الصوم بديا نزل على وجه التخيير لمن يطيقه بين الصيام وبين ~~الفدية، وإنه نسخ عن المطيق بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقالت ~~الفرقة الثانية: هي غير منسوخة، بل هي ثابتة على المريض والمسافر يفطران ~~ويقضيان وعليهما الفدية مع القضاء. وكان ابن عباس وعائشة وعكرمة وسعيد بن ~~المسيب يقرءونها: وعلى الذين يطوقونه فاحتمل هذا اللفظ معان، منها: ما بينه ~~ابن عباس أنه أراد الذين كانوا يطيقونه ثم كبروا فعجزوا ms0297 عن الصوم فعليهم ~~الإطعام. والمعنى الآخر: أنهم يكلفونه على مشقة فيه، وهم لا يطيقونه ~~لصعوبته، فعليهم الإطعام. ومعنى آخر; وهو أن حكم التكليف يتعلق عليهم وإن ~~لم يكونوا مطيقين للصوم فيقوم لهم الفدية مقام ما لحقهم من حكم تكليف ~~الصوم، ألا ترى أن حكم تكليف الطهارة بالماء قائم على المتيمم، وإن لم يقدر ~~عليه حتى أقيم التراب مقامه، ولولا ذلك لما كان التيمم بدلا منه. وكذلك حكم ~~تكليف الصلاة قائم على النائم والناسي في باب وجوب القضاء لا على وجه لزمه ~~بالترك، فلما أوجب تعالى عليه الفدية في حال العجز والإياس عن القضاء أطلق ~~فيه اسم التكليف بقوله: {وعلى الذين يطيقونه} إذ كانت الفدية هي ما قام ~~مقام غيره. فالقراءتان على هذا الوجه مستعملتان إلا أن الأولى، وهي قوله: ~~{وعلى الذين يطيقونه} لا محالة منسوخة لما ذكره من روينا عنه من الصحابة ~~وأخبارهم عن كيفية الفرض وصفته بديا، وأن المطيق للصوم منهم كان مخيرا بين ~~الصيام والإفطار والفدية. وليس هذا من طريق الرأي; لأنه حكاية حال شاهدوها ~~وعلموا أنها بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عليها. وفي مضمون ~~الخطاب من أوضح الدلالة على ذلك ما لو لم يكن معنا رواية عن السلف في معناه ~~لكان كافيا في الإبانة عن مراده، وهو قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} فابتدأ تعالى ببيان حكم المريض والمسافر وأوجب ~~عليهما القضاء إذا أفطرا، ثم عقبه بقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين} فغير جائز أن يكون هؤلاء هم المرضى والمسافرين; إذ قد تقدم ذكر ~~حكمهما وبيان فرضهما بالاسم الخاص لهما، فغير جائز أن يعطف عليهما بكناية ~~عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصا معينا; ومعلوم أن ما عطف عليه فهو غيره; لأن ~~الشيء لا يعطف على نفسه. ويدل على أن المراد المقيمون المطيقون للصوم، أن ~~المريض المذكور في الآية هو الذي يخاف ضرر الصوم، فكيف يعبر عنه # PageV01P216 # بإطاقة الصوم، وهو إنما رخص له لفقد الإطاقة وللضرر المخوف منه؟ ms0298 ويدل على ~~ذلك ما ذكره في نسق التلاوة من قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} وليس ~~الصوم خيرا للمريض الخائف على نفسه، بل هو في هذه الحال منهي عن الصوم. ~~ويدل على أن المريض والمسافر لم يرادا بالفدية وأنه لا فدية عليهما، أن ~~الفدية ما قام مقام الشيء، وقد نص الله تعالى على إيجاب القضاء على المريض ~~والمسافر، والقضاء قائم مقام الفرض فلا يكون الإطعام حينئذ فدية وفي ذلك ~~دلالة على أنه لم يرد بالفدية المريض والمسافر، فقوله تعالى: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} منسوخ بما قدمنا. وهذه الآية تدل على أن أصل ~~الفرض كان الصوم، وأنه جعل له العدول عنه إلى الفدية على وجه البدل عن ~~الصوم; لأن الفدية ما يقوم مقام الشيء، ولو كان الإطعام مفروضا في نفسه ~~كالصوم على وجه التخيير لما كان بدلا كما أن المكفر عن يمينه بما شاء من ~~الثلاثة الأشياء لا يكون ما كفر به منها بدلا ولا فدية عن غيرها. وإن حمل ~~معناه على قول من قال: المراد به الشيخ الكبير لم يكن منسوخا ولكن يحتاج ~~إلى ضمير، وهو وعلى الذين كانوا يطيقونه ثم عجزوا بالكبر مع اليأس عن ~~القضاء وغير جائز إثبات ذلك إلا باتفاق أو توقيف. ومع ذلك فيه إزالة اللفظ ~~عن حقيقته وظاهره من غير دلالة تدل عليه، وعلى أن في حمله على ذلك إسقاط ~~فائدة قوله: {وعلى الذين يطيقونه} لأن الذين كانوا يطيقونه بعد لزوم الفرض، ~~والذين لحقهم فرض الصوم وهم عاجزون عنه بالكبر سواء في حكمه، ويحمل معناه ~~على أن الشيخ الكبير العاجز عن الصوم الميئوس من القضاء عليه الفدية، فسقط ~~فائدة قوله: {وعلى الذين يطيقونه} إذ لم يتعلق فيه بذكر الإطاقة حكم ولا ~~معنى. وقراءة من قرأ: يطوقونه يحتمل الشيخ الميئوس منه القضاء من إيجاب ~~الفدية عليه; لأن قوله يطوقونه قد اقتضى تكليفهم حكم الصوم مع مشقة شديدة ~~عليهم في فعله وجعل لهم الفدية قائمة مقام الصوم; فهذه القراءة إذا كان ~~معناها ما وصفنا فهي ms0299 غير منسوخة بل هي ثابتة الحكم; إذ كان المراد بها ~~الشيخ الميئوس منه القضاء العاجز عن الصوم، والله الموفق بمنه وكرمه. # PageV01P217 # ذكر اختلاف الفقهاء في الشيخ الفاني # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام ~~يفطر ويطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة ولا شيء عليه غير ذلك". وقال ~~الثوري: يطعم ولم يذكر مقداره. وقال المزني عن الشافعي: يطعم مدا من حنطة ~~كل يوم. وقال ربيعة ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فحسن. # قال أبو بكر: قد ذكرنا في تأويل الآية ما روي عن ابن عباس في قراءته: ~~وعلى # PageV01P217 # الذين يطوقونه وأنه الشيخ الكبير، فلولا أن الآية محتملة لذلك لما تأولها ~~ابن عباس ومن ذكر ذلك عنه عليه، فوجب استعمال حكمها من إيجاب الفدية في ~~الشيخ الكبير. وقد روي عن علي أيضا أنه تأول قوله: {وعلى الذين يطيقونه} ~~على الشيخ الكبير. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صوم ~~فليطعم عنه وليه مكان كل يوم مسكينا" وإذا ثبت ذلك في الميت الذي عليه ~~الصيام فالشيخ أولى بذلك من الميت لعجز الجميع عن الصوم. # فإن قيل: هلا كان الشيخ كالمريض الذي يفطر في رمضان ثم لا يبرأ حتى يموت ~~ولا يلزمه القضاء؟ قيل له: لأن المريض مخاطب بقضائه في أيام أخر فإنما تعلق ~~الفرض عليه في أيام القضاء، لقوله: {فعدة من أيام أخر} فمتى لم يلحق العدة ~~لم يلزمه شيء، كمن لم يلحق رمضان وأما الشيخ فلا يرجى له القضاء في أيام ~~أخر فإنما تعلق عليه حمل الفرض في إيجاب الفدية في الحال، فاختلفا من أجل ~~ذلك. وقد ذكرنا قول السلف في الشيخ الكبير وإيجاب الفدية عليه في الحال من ~~غير خلاف أحد من نظرائهم، فصار ذلك إجماعا لا يسع خلافه. وأما الوجه في ~~إيجاب الفدية نصف صاع من بر فهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~أخو خطاف قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد المستملي ms0300 قال: حدثنا إسحاق ~~الأزرق، عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه رمضان فلم يقضه فليطعم عنه مكان كل يوم ~~نصف صاع لمسكين". وإذا ثبت ذلك في المفطر في رمضان إذا مات ثبت في الشيخ ~~الكبير من وجوه: أحدها: أنه عموم في الشيخ الكبير وغيره; لأن الشيخ الكبير ~~قد تعلق عليه حكم التكليف على ما وصفنا، فجائز بعد موته أن يقال إنه قد مات ~~وعليه صيام رمضان فقد تناوله عموم اللفظ. ومن جهة أخرى: أنه قد ثبت أن ~~المراد بالفدية المذكورة في الآية هذا المقدار، وقد أريد بها الشيخ الكبير، ~~فوجب أن يكون ذلك هو المقدار الواجب عليه. ومن جهة أخرى: أنه إذا ثبت ذلك ~~فيمن مات وعليه قضاء رمضان وجب أن يكون ذلك مقدار فدية الشيخ الكبير; لأن ~~أحدا من موجبي الفدية على الشيخ الكبير لم يفرق بينهما. وقد روي عن ابن ~~عباس وقيس بن السائب، الذي كان شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجاهلية، وعائشة وأبي هريرة وسعيد بن المسيب في الشيخ الكبير أنه يطعم عن ~~كل يوم نصف صاع بر وأوجب النبي صلى الله عليه وسلم على كعب بن عجرة إطعام ~~ستة مساكين كل مسكين نصف صاع بر وهذا يدل على أن تقدير فدية الصوم بنصف صاع ~~أولى منه بالمد لأن التخيير في الأصل قد تعلق بين الصوم والفدية في كل واحد ~~منهما. وقد روي عن ابن عمر وجماعة من التابعين عن كل يوم مد والأول أولى ~~لما رويناه عن # PageV01P218 # النبي صلى الله عليه وسلم ولما عضده قول الأكثرين عددا من الصحابة ~~والتابعين، وما دل عليه من النظر. # وقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} قد اختلف في ضمير كنايته، فقال ~~قائلون: هو عائد على الصوم وقال آخرون: إلى الفدية. والأول أصح; لأن مظهره ~~قد تقدم والفدية لم يجر لها ذكر، والضمير إنما يكون لمظهر متقدم. ومن جهة ~~أخرى أن الفدية مؤنثة والضمير ms0301 في الآية للمذكر في قوله: {يطيقونه} . وقد دل ~~ذلك على بطلان قول المجبرة القائلين بأن الله يكلف عباده ما لا يطيقون، ~~وأنهم غير قادرين على الفعل قبل وقوعه ولا مطيقين له; لأن الله قد نص على ~~أنه مطيق له قبل أن يفعله بقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية} فوصفه بالإطاقة ~~مع تركه للصوم والعدول عنه إلى الفدية، ودلالة اللفظ قائمة على ذلك أيضا ~~إذا كان الضمير هو الفدية; لأنه جعله مطيقا لها وإن لم يفعلها وعدل إلى ~~الصوم. وقوله عز وجل: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من ~~الهدى والفرقان} يدل على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله لم يهد ~~الكفار لأنه قد أخبر في هذه الآية أن القرآن هدى لجميع المكلفين، كما قال ~~في آية أخرى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] . # وقوله تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له} يجوز أن يكون ابتداء كلام غير ~~متعلق بما قبله; لأنه قائم بنفسه في إيجاب الفائدة يصح ابتداء الخطاب به، ~~فيكون حثا على التطوع بالطاعات. وجائز أن يريد به التطوع بزيادة طعام ~~الفدية; لأن المقدار المفروض منه نصف صاع، فإن تطوع بصاع أو صاعين فهو خير ~~له. وقد روي هذا المعنى عن قيس بن السائب، أنه كبر فلم يقدر على الصوم ~~فقال: "يطعم عن كل إنسان لكل يوم مدين فأطعموا عني ثلاثا". وغير جائز أن ~~يكون المراد أحد ما وقع عليه التخيير فيه من الصيام أو الإطعام; لأن كل ~~واحد منهما إذا فعله منفردا فهو فرض لا تطوع فيه، فلم يجز أن يكون واحد ~~منهما مراد الآية. وجائز أن يكون المراد الجمع بين الصيام والطعام فيكون ~~الفرض أحدهما والآخر التطوع. # وأما قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} فإنه يدل على أن أول الآية فيمن ~~يطيق الصوم من الأصحاء المقيمين غير المرضى ولا المسافرين ولا الحامل ~~والمرضع وذلك لأن المريض الذي يباح له الإفطار هو الذي يخاف ضرر الصوم، ~~وليس الصوم بخير لمن كان هذا حاله; ms0302 لأنه منهي عن تعريض نفسه للتلف بالصوم; ~~والحامل والمرضع لا تخلوان من أن يضر بهما الصوم أو بولديهما، وأيهما كان ~~فالإفطار خير لهما والصوم محظور عليهما. وإن كان لا يضر بهما ولا بولديهما ~~فعليهما الصوم وغير جائز لهما # PageV01P219 # الفطر، فعلمنا أنهما غير داخلتين في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} ~~وقوله: {وأن تصوموا خير لكم} عائد إلى من تقدم ذكره في أول الخطاب، وجائز ~~أن يكون قوله: {وأن تصوموا خير لكم} عائدا إلى المسافرين أيضا مع عوده على ~~المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام، فيكون الصوم خيرا للجميع، إذ كان ~~أكثر المسافرين يمكنهم الصوم في العادة من غير ضرر وإن كان الأغلب فيه ~~المشقة; ودلالته واضحة على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار وفيه الدلالة ~~على أن صوم يوم تطوعا أفضل من صدقة نصف صاع; لأنه في الفرض كذلك; ألا ترى ~~أنه لما خيره في الفرض بين صوم يوم وصدقة نصف صاع جعل الصوم أفضل منها؟ ~~فكذلك يجب أن يكون حكمهما في التطوع، والله الموفق. # PageV01P220 # باب الحامل والمرضع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن حي: إذا خافتا على ~~ولديهما أو على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا كفارة عليهما. وقال مالك ~~في المرضع إذا خافت على ولدها ولا يقبل الصبي من غيرها: فإنها تفطر وتقضي ~~وتطعم عن كل يوم مدا مسكينا، والحامل إذا أفطرت لا إطعام عليها; وهو قول ~~الليث بن سعد. وقال مالك: وإن خافتا على أنفسهما فهما مثل المريض. وقال ~~الشافعي: إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفارة، وإن لم ~~تقدرا على الصوم فهما مثل المريض عليهما القضاء بلا كفارة وروي عنه في ~~البويطي أن الحامل لا إطعام عليها. واختلف السلف في ذلك على ثلاثة أوجه; ~~فقال علي كرم الله وجهه: عليهما القضاء إذا أفطرتا ولا فدية عليهما، وهو ~~قول إبراهيم والحسن وعطاء وقال ابن عباس: عليهما الفدية بلا قضاء. وقال ابن ~~عمر ومجاهد: عليهما الفدية والقضاء. والحجة لأصحابنا ما حدثنا جعفر بن محمد ~~بن ms0303 أحمد الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: حدثني ~~أبو قلابة هذا الحديث، ثم قال: هل لك في صاحب الحديث الذي حدثني؟ قال: ~~فدلني عليه، فلقيته، فقال: حدثني قريب لي يقال له أنس بن مالك قال: أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل لجار لي أخذت، فوافقته وهو يأكل، ~~فدعاني إلى طعامه فقلت: إني صائم، فقال: "إذا أخبرك عن ذلك أن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع" قال: فكان يتلهف بعد ذلك ~~يقول: ألا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاني. قال ~~أبو بكر: شطر الصلاة مخصوص به المسافر; إذ لا # PageV01P220 # خلاف أن الحمل والرضاع لا يبيحان قصر الصلاة. ووجه دلالته على ما ذكرنا ~~إخباره عليه السلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ~~ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم ~~المرضع والحامل; لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره؟ فثبت بذلك ~~أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق ~~بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه ~~بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع. وفيه دلالة على ~~أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما; إذ لم ~~يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وأيضا لما كانت الحامل والمرضع يرجى ~~لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان ~~القضاء، وجب أن تكونا كالمريض والمسافر; فإن احتج القائلون بإيجاب القضاء ~~والفدية بظاهر قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} لم يصح لهم وجه ~~الدلالة منه على ما ادعوه وذلك لما روينا عن جماعة من الصحابة الذين قدمنا ~~ذكرهم أن ذلك كان فرض المقيم ms0304 الصحيح، وأنه كان مخيرا بين الصيام والفدية; ~~وبينا أن ما جرى مجرى ذلك فليس القول فيه من طريق الرأي وإنما يكون توقيفا; ~~فالحامل والمرضع لم يجر لهما ذكر فيما حكوا، فوجب أن يكون تأويلها محمولا ~~على ما ذكرنا. وقد ثبت نسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~ومن جهة أخرى لا يصح الاحتجاج لهم به، وهو قوله تعالى في سياق الخطاب {وأن ~~تصوموا خير لكم} ومعلوم أن ذلك خطاب لمن تضمنه أول الآية، وليس ذلك حكم ~~الحامل والمرضع; لأنهما إذا خافتا الضرر لم يكن الصوم خيرا لهما بل محظور ~~عليهما فعله، وإن لم تخشيا ضررا على أنفسهما أو ولديهما فغير جائز لهما ~~الإفطار، وفي ذلك دليل واضح على أنهما لم ترادا بالآية. ودل على بطلان قول ~~من تأول الآية على الحامل والمرضع من القائلين بإيجاب الفدية والقضاء أن ~~الله تعالى سمى هذا الطعام فدية، والفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه فغير ~~جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية; لأن القضاء إذا وجب فقد قام ~~مقام المتروك فلا يكون الإطعام فدية، وإن كان فدية صحيحة فلا قضاء; لأن ~~الفدية أجزأت عنه، وقامت مقامه. # فإن قيل: ما الذي يمنع أن يكون القضاء والإطعام قائمين مقام المتروك؟ قيل ~~له: لو كان مجموعهما قائمين مقام المتروك من الصوم لكان الإطعام بعض الفدية ~~ولم يكن جميعها، والله تعالى قد سمى ذلك فدية، وتأويلك يؤدي إلى خلاف مقتضى ~~الآية. وأيضا إذا كان الأصل المبيح للحامل والمرضع الإفطار والموجب عليهما ~~الفدية هو قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} وقد ذكر السلف ~~الذين قدمنا قولهما أن الواجب # PageV01P221 # كان أحد شيئين من فدية أو صيام لا على وجه الجمع، فكيف يجوز الاستدلال به ~~على إيجاب الجمع بينهما على الحامل والمرضع؟ ومن جهة أخرى أنه معلوم أن في ~~قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} حذف الإفطار، كأنه قال: ~~وعلى الذين يطيقونه إذا أفطروا فدية طعام مسكين فإذا كان الله تعالى إنما ~~اقتصر بالإيجاب ms0305 على ذكر الفدية فغير جائز إيجاب غيرها معها لما فيه من ~~الزيادة في النص، وغير جائز الزيادة في المنصوص إلا بنص مثله; وليستا ~~كالشيخ الكبير الذي لا يرجى له القضاء فهما كالمريض والمسافر. وإنما يسوغ ~~الاحتجاج بظاهر الآية لابن عباس لاقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء، ومع ~~ذلك فإن الحامل والمرضع إذا كانتا إنما تخافان على ولديهما دون أنفسهما ~~فهما تطيقان الصوم فيتناولهما ظاهر قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين} وكذلك قال ابن عباس; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان قال: حدثنا قتادة، أن عكرمة حدثه، ~~أن ابن عباس حدثه في قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: ~~أثبتت للحامل والمرضع. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن ~~جبير، عن ابن عباس {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قال: كانت رخصة ~~للشيخ الكبير والمرأة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم ~~مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. فاحتج ابن ~~عباس بظاهر الآية وأوجب الفدية دون القضاء عند خوفهما على ولديهما; إذ هما ~~تطيقان الصوم فشملهما حكم الآية. # قال أبو بكر: ومن أبى ذلك من الفقهاء ذهب إلى أن ابن عباس وغيره ذكروا أن ~~ذلك كان حكم سائر المطيقين للصوم في إيجاب التخيير بين الصوم والفدية، وهو ~~لا محالة قد يتناول الرجل الصحيح المطيق للصوم; فغير جائز أن يتناول الحامل ~~والمرضع; لأنهما غير مخيرتين; لأنهما إما أن تخافا فعليهما الإفطار بلا ~~تخيير، أو لا تخافا فعليهما الصيام بلا تخيير وغير جائز أن تتناول الآية ~~فريقين بحكم يقتضي ظاهرها إيجاب الفدية ويكون المراد في أحد الفريقين ~~التخيير بين الإطعام والصيام، وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب ~~بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولهما لفظ الآية على وجه واحد فثبت ~~بذلك أن الآية لم ms0306 تتناول الحامل والمرضع. ويدل عليه أيضا قوله في نسق ~~التلاوة: {وأن تصوموا خير لكم} وليس ذلك بحكم الحامل والمرضع إذا خافتا # PageV01P222 # على ولديهما; لأن الصيام لا يكون خيرا لهما. ويدل عليه أيضا ما قدمنا من ~~حديث أنس بن مالك القشيري في تسوية النبي صلى الله عليه وسلم بين المريض ~~والمسافر وبين الحامل والمرضع في حكم الصوم. # قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} قال أبو بكر: قد بينا فيما ~~سلف قول من قال: إن الفرض الأول كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر بقوله: {كتب ~~عليكم الصيام} وقوله تعالى: {أياما معدودات} وأنه نسخ بقوله: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} وقول من قال: إن شهر رمضان بيان للموجب بقوله: {كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} وقوله: {أياما معدودات} فيصير ~~تقديره أياما معدودات هي شهر رمضان فإن كان صوم الأيام المعدودات منسوخا ~~بقوله: {شهر رمضان} إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فقد انتظم قوله: ~~{شهر رمضان} نسخ حكمين من الآية الأولى: أحدهما: الأيام المعدودات التي هي ~~غير شهر رمضان. والآخر: التخيير بين الصيام والإطعام في قوله: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} على نحو ما قدمنا ذكره عن السلف، وإن كان قوله: ~~{شهر رمضان} بيانا لقوله: {أياما معدودات} فقد كان لا محالة بعد نزول فرض ~~رمضان التخيير ثابتا بين الصوم والفدية في أول أحوال إيجابه، فكان هذا ~~الحكم مستقرا ثابتا، ثم ورد عليه النسخ بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~إذ غير جائز ورود النسخ قبل وقت الفعل والتمكن منه. والصحيح هو القول ~~الثاني، لاستفاضة الرواية عن السلف بأن التخيير بين الصوم والفدية كان في ~~شهر رمضان، وأنه نسخ بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . # فإن قيل: في فحوى الآية دلالة على أن المراد بقوله: {أياما معدودات} غير ~~شهر رمضان; لأنه لم يرد إلا مقرونا بذكر التخيير بينه وبين الفدية، ولو كان ~~قوله: {أياما معدودات} فرضا مجملا موقوف الحكم على البيان لما كان لذكر ~~التخيير قبل ms0307 ثبوت الفرض معنى. قيل له: لا يمتنع ورود فرض مجملا مضمنا بحكم ~~مفهوم المعنى موقوف على البيان، فمتى ورد البيان بما أريد منه كان الحكم ~~المضمن به ثابتا معه، فيكون تقديره: أياما معدودات حكمها إذا بين وقتها ~~ومقدارها أن يكون المخاطبون به مخيرين بين الصوم والفدية كما قال تعالى: ~~{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: 103] فاسم الأموال عموم يصح اعتباره ~~فيما علق به من الحكم، والصدقة مجملة مفتقرة إلى البيان; فإذا ورد بيان ~~الصدقة كان اعتبار عموم اسم الأموال سائغا فيها، ولذلك نظائر كثيرة. ويحتمل ~~أن يكون قوله: {وعلى الذين يطيقونه} متأخرا في التنزيل، وإن كان مقدما في ~~التلاوة، فيكون تقدير الآيات وترتيب معانيها: {أياما معدودات} هي شهر # PageV01P223 # رمضان {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} فيكون هذا حكما ثابتا مستقرا مدة من الزمان، ثم ~~نزل قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فنسخ به التخيير بين الفدية والصوم ~~على نحو ما ذكرنا في قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] مؤخرا في اللفظ، وكان ذلك يعتوره معنيان: ~~أحدهما: أنه. وإن كان مؤخرا في التلاوة فهو مقدم في التنزيل، والثاني: أنه ~~معطوف عليه بالواو، وهي لا توجب الترتيب، فكأن الكل مذكور معا فكذلك قوله: ~~{أياما معدودات} إلى قوله: {شهر رمضان} يحتمل ما احتملته قصة البقرة. # وأما قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ففيه عدة أحكام; منها: إيجاب ~~الصيام على من شهد الشهر دون من لم يشهد، فلو كان اقتصر على قوله: {كتب ~~عليكم} إلى قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} لاقتضى ذلك لزوم الصوم ~~سائر الناس المكلفين، فلما عقب ذلك بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} بين ~~أن لزوم صوم الشهر مقصور على بعضهم دون بعض، وهو من شهد الشهر دون من لم ~~يشهده. وقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} يعتوره معان، منها: من كان شاهدا ~~يعني مقيما غير مسافر، كما يقال للشاهد، ms0308 والغائب المقيم والمسافر، فكان ~~لزوم الصوم مخصوصا به المقيمون دون المسافرين. ثم لو اقتصر على هذا لكان ~~المفهوم منه الاقتصار بوجوب الصوم عليهم دون المسافرين; إذ لم يذكروا، فلا ~~شيء عليهم من صوم ولا قضاء، فلما قال تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} بين حكم المريض والمسافر في إيجاب القضاء عليهم إذا ~~أفطروا، هذا إذا كان التأويل في قوله: {فمن شهد منكم الشهر} الإقامة في ~~الحضر. ويحتمل قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أن يكون بمعنى شاهد الشهر ~~أي علمه، ويحتمل قوله: {فمن شهد منكم الشهر} فمن شهده بالتكليف; لأن ~~المجنون، ومن ليس من أهل التكليف في حكم من ليس بموجود في انتفاء لزوم ~~الفرض عنه، فأطلق اسم شهود الشهر عليهم، وأراد به التكليف، كما قال تعالى: ~~{صم بكم عمي} [البقرة: 18 – 171] لما كانوا في عدم الانتفاع بما سمعوا ~~بمنزلة الأصم الذي لا يسمع سماهم بكما عميا، وكذلك قوله: {إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب} [ق: 37] يعني عقلا; لأن من لم ينتفع بعقله فكأنه لا قلب ~~له; إذ كان العقل بالقلب; فكذلك جائز أن يكون جعل شهود الشهر عبارة عن كونه ~~من أهل التكليف; إذ كان من ليس من أهل التكليف بمنزلة من ليس بموجود فيه في ~~باب سقوط حكمه عنه. ومن الأحكام المستفادة بقوله: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} غير ما قدمنا ذكره # PageV01P224 # تعيين فرض رمضان، فإن المراد بشهود الشهر كونه فيه من أهل التكليف، وأن ~~المجنون ومن ليس من أهل التكليف غير لازم له صوم الشهر. والله أعلم ~~بالصواب. # PageV01P225 # باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن جن رمضان كله أو بعضه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: إذا كان مجنونا في رمضان ~~كله فلا قضاء عليه، وإن أفاق في شيء منه قضاه كله. وقال مالك بن أنس فيمن ~~بلغ، وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق: "فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا ~~يقضي الصلاة". وقال عبيد الله بن الحسن في المعتوه ms0309 يفيق وقد ترك الصلاة ~~والصوم فليس عليه قضاء ذلك وقال في المجنون الذي يجن ثم يفيق أو الذي يصيبه ~~المرة ثم يفيق: أرى على هذا أن يقضي. وقال الشافعي في البويطي: "ومن جن في ~~رمضان فلا قضاء عليه، وإن صح في يوم من رمضان قبل أن تغيب الشمس كذلك لا ~~قضاء عليه". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} يمنع وجوب القضاء ~~على المجنون الذي لم يفق في شيء من الشهر; إذ لم يكن شاهد الشهر، وشهوده ~~الشهر كونه مكلفا فيه، وليس المجنون من أهل التكليف لقوله عليه السلام: ~~"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن ~~المجنون حتى يفيق". # فإن قيل: إذا احتمل قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} شهوده بالإقامة ~~وترك السفر دون ما ذكرته من شهوده بالتكليف، فما الذي أوجب حمله على ما ~~ادعيت دون ما ذكرنا من حال الإقامة؟ قيل له: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين ~~وهما غير متنافيين بل جائز إرادتهما معا، وكونهما شرطا في لزوم الصوم، وجب ~~حمله عليهما; وهو كذلك عندنا; لأنه لا يكون مكلفا بالصوم غير مرخص له في ~~تركه إلا أن يكون مقيما من أهل التكليف. ولا خلاف أن كونه من أهل التكليف ~~شرط في صحة الخطاب به، وإذا ثبت ذلك، ولم يكن المجنون من أهل التكليف في ~~الشهر لم يتوجه إليه الخطاب بالصوم، ولم يلزمه القضاء; ويدل عليه ظاهر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن ~~المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يحتلم" ورفع القلم هو إسقاط التكليف عنه ~~ويدل عليه أيضا أن الجنون معنى يستحق به الولاية عليه إذا دام به، فكان ~~بمنزلة الصغير إذا دام به الشهر كله في سقوط فرض الصوم. ويفارق الإغماء هذا ~~المعنى بعينه; لأنه لا يستحق عليه الولاية بالإغماء إن طال، وفارق المغمى ~~عليه المجنون والصغير وأشبه الإغماء النوم في باب نفي ولاية غيره عليه من ~~أجله. # فإن ms0310 قيل: لا يصح خطاب المغمى عليه كما لا يصح خطاب المجنون والتكليف # PageV01P225 # زائل عنهما جميعا، فوجب أن لا يلزمه القضاء بالإغماء. قيل له: الإغماء ~~وإن منع الخطاب بالصوم في حال وجوده فإن له أصلا آخر في إيجاب القضاء، وهو ~~قوله: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} وإطلاق اسم المريض على ~~المغمى عليه جائز سائغ. فوجب اعتبار عمومه في إيجاب القضاء عليه، وإن لم ~~يكن مخاطبا به حال الإغماء; وأما المجنون فلا يتناوله اسم المريض على ~~الإطلاق فلم يدخل فيمن أوجب الله عليه القضاء. وأما من أفاق من جنونه في ~~شيء من الشهر، فإنما ألزموه القضاء بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~وهذا قد شهد الشهر; إذ كان من أهل التكليف في جزء منه; إذ لا يخلو قوله: ~~{فمن شهد منكم الشهر} أن يكون المراد به شهود جميع الشهر أو شهود جزء منه; ~~وغير جائز أن يكون شرط لزوم الصوم شهود الشهر جميعه من وجهين: أحدهما: ~~تناقض اللفظ به، وذلك لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله، ~~ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله; لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل ~~الصوم فيه، فعلمنا أنه لم يرد شهود الشهر جميعه. والوجه الآخر: أنه لا خلاف ~~أن من طرأ عليه شهر رمضان، وهو من أهل التكليف أن عليه الصوم في أول يوم ~~منه لشهوده جزءا من الشهر، فثبت بذلك أن شرط تكليف صوم الشهر كونه من أهل ~~التكليف في شيء منه. # فإن قيل: فواجب إذا كان ذلك على ما وصفت من أن المراد إدراك جزء من الشهر ~~أن لا يلزمه إلا صوم الجزء الذي أدركه دون غيره; إذ قد ثبت أن المراد شهود ~~بعض الشهر شرطا للزوم الصوم، فيكون تقديره: فمن شهد بعض الشهر فليصم ذلك ~~البعض. # قيل له: ليس ذلك على ما ظننت، من قبل أنه لولا قيام الدلالة على أن شرط ~~لزوم الصوم شهود بعض الشهر لكان الذي يقتضيه ظاهر اللفظ استغراق الشهر ms0311 كله ~~في شرط اللزوم. فلما قامت الدلالة على أن المراد البعض دون الجميع في شرط ~~اللزوم حملناه عليه، وبقي حكم اللفظ في إيجاب الجميع; إذ كان الشهر اسما ~~لجميعه، فكان تقديره: فمن شهد منكم شيئا من الشهر فليصم جميعه. # فإن قيل: فإذا أفاق، وقد بقيت أيام من الشهر، يلزمك أن لا توجب عليه قضاء ~~ما مضى لاستحالة تكليفه صوم الماضي من الأيام، وينبغي أن يكون الوجوب ~~منصرفا إلى ما بقي من الشهر قيل له: إنما يلزمه قضاء الأيام الماضية لا ~~صومها بعينها، وجائز لزوم القضاء مع امتناع خطابه بالصوم فيما أمر به من ~~القضاء، ألا ترى أن الناسي والمغمى عليه والنائم كل واحد من هؤلاء يستحيل ~~خطابه بفعل الصوم في هذه الأحوال، ولم تكن استحالة تكليفهم فيها مانعة من ~~لزوم القضاء؟ وكذلك ناسي الصلاة والنائم عنها، فإن # PageV01P226 # الخطاب بفعل الصوم يتوجه إليه على معنيين: أحدهما: فعله في وقت التكليف، ~~والآخر: قضاؤه في وقت غيره، وإن لم يتوجه إليه الخطاب بفعله في حال الإغماء ~~والنسيان والله أعلم. # PageV01P227 # باب الغلام يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان # قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقد بينا أن المراد شهود ~~بعضه. واختلف الفقهاء في الصبي يبلغ في بعض رمضان أو الكافر يسلم، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس في الموطأ وعبيد الله بن الحسن ~~والليث والشافعي: يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا قضاء اليوم ~~الذي كان فيه البلوغ أو الإسلام. وقال ابن وهب عن مالك: أحب إلي أن يقضيه. ~~وقال الأوزاعي في الغلام إذا احتلم في النصف من رمضان: إنه يقضي ما مضى ~~منه، فإنه كان يطيق الصوم وقال في الكافر إذا أسلم: لا قضاء عليه فيما مضى. ~~وقال أصحابنا: يستحب لهما الإمساك عما يمسك عنه الصائم في اليوم الذي كان ~~فيه الاحتلام أو الإسلام. # قال أبو بكر رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} وقد بينا معناه، وأن كونه من أهل ms0312 التكليف شرط في لزومه، والصبي لم ~~يكن من أهل التكليف قبل البلوغ، فغير جائز إلزامه حكمه. وأيضا الصغر ينافي ~~صحة الصوم، لأن الصغير لا يصح صومه وإنما يؤمر به على وجه التعلم، وليعتاده ~~ويمرن عليه، ألا ترى أنه متى بلغ لم يلزمه قضاء الصلاة المتروكة ولا قضاء ~~الصيام المتروك في حال الصغر؟ فدل ذلك على أنه غير جائز إلزامه القضاء فيما ~~تركه في حال الصغر، ولو جاز إلزامه قضاء ما مضى من الشهر لجاز إلزامه قضاء ~~الصوم للعام الماضي إذا كان يطيقه، فلما اتفق المسلمون على سقوط القضاء ~~للسنة الماضية مع إطاقته للصوم، وجب أن يكون ذلك حكمه في الشهر الذي أدرك ~~في بعضه. وأما الكافر فهو في حكم الصبي من هذا الوجه لاستحالة تكليفه للصوم ~~إلا على شرط تقديم الإيمان ومنافاة الكفر لصحة الصوم، فأشبه الصبي; وليسا ~~كالمجنون الذي يفيق في بعض الشهر في إلزامه القضاء لما مضى من الشهر; لأن ~~الجنون لا ينافي صحة الصوم، بدلالة أن من جن في صيامه لم يبطل صومه; وفي ~~هذا دليل على أن الجنون لا ينافي صحة صومه، وأن الكفر ينافيها فأشبه الصغير ~~من هذا الوجه، وإن اختلفا في باب استحقاق الكافر العقاب على تركه، والصغير ~~لا يستحقه. ويدل على سقوط القضاء لما مضى عمن أسلم في بعض رمضان قوله ~~تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" و "الإسلام # PageV01P227 # يهدم ما قبله". وإنما قال أصحابنا: يمسك المسلم في بعض رمضان والصبي بقية ~~يومهما عن الأكل والشرب، من قبل أنه قد طرأ عليهما، وهما مفطران حال لو ~~كانت موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام، فواجب أن يكونا مأمورين ~~بالإمساك في مثله إذا كانا مفطرين; والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال: "من أكل فليمسك بقية ~~يومه، ومن لم يأكل فليصم" وروي أنه أمر الآكلين بالقضاء وأمرهم بالإمساك ms0313 مع ~~كونهم مفطرين; لأنهم لو لم يكونوا قد أكلوا لأمروا بالصيام، فاعتبرنا بذلك ~~كل حال تطرأ عليه في بعض النهار، وهو مفطر بما لو كانت موجودة في أوله كيف ~~يكون حكمه; فإن كان مما يلزمه بها الصوم أمر بالإمساك، وإن كان مما لا ~~يلزمه لم يؤمر به; ومن أجل ذلك قالوا في الحائض إذا طهرت في بعض النهار، ~~والمسافر إذا قدم، وقد أفطر في سفره، إنهما مأموران بالإمساك; إذ لو كانت ~~حال الطهر والإقامة موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام، وقالوا: لو ~~حاضت في بعض النهار لم تؤمر بالإمساك إذ الحيض لو كان موجودا في أول النهار ~~لم تؤمر بالصيام. # فإن قيل: فهلا أبحت لمن كان مقيما في أول النهار ثم سافر أن يفطر; لأن ~~حال السفر لو كانت موجودة في أول النهار ثم سافر كان مبيحا للإفطار، قيل ~~له: لم نجعل ما قدمنا علة للإفطار ولا للصوم، وإنما جعلناه علة لإمساك ~~المفطر، فأما إباحة الإفطار وحظره فله شرط آخر غير ما ذكرنا. # وقد حوى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أحكاما أخر غير ما ~~ذكرنا; منها: دلالته على أن من استبان له بعدما أصبح أنه من رمضان فعليه أن ~~يبتدئ صومه; لأن الآية لم تفرق بين من علمه من الليل أو في بعض النهار، وهي ~~عامة في الحالين جميعا، فاقتضى ذلك جواز ترك نية صوم رمضان من الليل; وكذلك ~~المغمى عليه والمجنون إذا أفاقا في بعض النهار ولم يتقدم لهما نية الصوم من ~~الليل فواجب عليهما أن يبتدئا الصيام في ذلك الوقت; لأنهما قد شهدا الشهر، ~~وقد جعل الله شهود الشهر شرطا للزوم الصوم. وفي الآية حكم آخر: تدل أيضا ~~على أن من نوى بصيامه في شهر رمضان تطوعا أو عن فرض آخر أنه مجزئ عن رمضان ~~لأن الأمر بفعل الصوم فيه ورد مطلقا غير مقيد بوصف ولا مخصوص بشرط نية ~~الفرض، فعلى أي وجه صام فقد قضى عهدة الآية وليس عليه غيره. وفيها حكم آخر: ~~تدل ms0314 أيضا على لزوم صوم أول يوم من رمضان لمن رأى الهلال وحده دون غيره، ~~وأنه غير جائز له الإفطار مع كون اليوم محكوما عند سائر الناس أنه من ~~شعبان. وقد روى روح بن عبادة عن هشام، وأشعث عن الحسن فيمن رأى الهلال ~~وحده: أنه لا يصوم إلا مع الإمام وروى ابن المبارك عن ابن # PageV01P228 # جريج، عن عطاء بن أبي رباح في رجل رأى هلال شهر رمضان قبل الناس بليلة: ~~لا يصوم قبل الناس ولا يفطر قبلهم، أخشى أن يكون شبه له. فأما الحسن فإنه ~~أطلق الجواب في أنه لا يصوم، وهذا يدل على أنه، وإن تيقن الرؤية من غير شك ~~ولا شبهة أنه لا يصوم، وأما عطاء، فإنه يشبه أن يكون أباح له الإفطار إذا ~~جوز على نفسه الشبهة في الرؤية، وأنه لم يكن رأى حقيقة، وإنما تخيل له ما ~~ظنه هلالا. وظاهر الآية يوجب الصوم على من رآه; إذ لم يفرق بين من رآه وحده ~~ومن رآه مع الناس. # وفيها حكم آخر: ومن الناس من يقول إنه إذا لم يكن عالما بدخول الشهر لم ~~يجزه صومه، ويحتج بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} قال: فإنما ~~ألزم الفرض على من علم به; لأن قوله: {فمن شهد} بمعنى شاهد وعلم، فمن لم ~~يعلم فهو غير مؤد لفرضه، وذلك كنحو من يصوم رمضان على شك ثم يصير إلى ~~اليقين ولا اشتباه، كالأسير في دار الحرب إذا صام شهرا فإذا هو شهر رمضان، ~~فقالوا: لا يجزئ من كان هذا وصفه; ويحكى هذا القول عن جماعة من السلف. وعن ~~مالك والشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يجزئ، والآخر: أنه لا يجزئ. وقال ~~الأوزاعي في الأسير إذا أصاب عين رمضان: أجزأه وكذلك إذا أصاب شهرا بعده. ~~وأصحابنا يجيزون صومه بعد أن يصادف عين الشهر أو بعده، ولا نعلم خلافا بين ~~الفقهاء أنه إذا تحرى شهرا وغلب على ظنه أنه رمضان ثم صار إلى اليقين ولا ~~اشتباه أنه رمضان أنه يجزيه، وكذلك إذا تحرى وقت صلاة ms0315 في يوم غيم وصلى على ~~غالب الظن ثم تيقن أنه الوقت يجزيه. # وقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وإن احتمل العلم به فغير مانع ~~من جوازه، وإن لم يعلم به، من قبل أن ذلك إنما هو شرط في لزومه ومنع ~~تأخيره، وأما نفي الجواز فلا دلالة فيه عليه، ولو كان الأمر على ما قال من ~~منع جوازه لوجب أن لا يجب على من اشتبهت عليه الشهور، وهو في دار الحرب ولم ~~يعلم برمضان القضاء; لأنه لم يشاهد الشهر، ولم يعلم به، فلما اتفق المسلمون ~~على لزوم القضاء على من لم يعلم بشهر رمضان دل ذلك على أنه ليس شرط جواز ~~صومه العلم به كما لم يكن شرط وجوب قضائه العلم به، ولما كان من وصفنا من ~~فقد علمه بالشهر شاهدا له في باب لزومه قضاءه إذا لم يصم، وجب أن يكون ~~شاهدا له في باب جواز صومه متى صادف عينه وأيضا إذا احتمل قوله تعالى: {فمن ~~شهد منكم الشهر} أن يعني به كونه من أهل التكليف في الشهر على ما تقدم ~~بيانه، فواجب أن يجزيه على أي حال شهد الشهر، وهذا شاهد للشهر من حيث كان ~~من أهل التكليف، فاقتضى ظاهر الآية جوازه وإن لم يكن عالما بدخوله. واحتج ~~أيضا من أبى جوازه عند فقد العلم بقوله عليه السلام: "صوموا # PageV01P229 # لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" قالوا: ~~فإذا كان مأمورا بفعل الصوم لرؤية متقدمة، فإنه متى لم يره أن يحكم به أنه ~~من شعبان فغير جائز له صومه مع الحكم به من شعبان; إذ كان صوم شعبان غير ~~مجزئ عن رمضان. وهذا أيضا غير مانع جوازه كما لا يمنع وجوب القضاء إذا علم ~~بعد ذلك أنه من رمضان; وإنما كان محكوما بأنه من شعبان على شرط فقد العلم، ~~فإذا علم بعد ذلك أنه من رمضان فمتى علم أنه من رمضان فهو محكوم له به من ~~الشهر وينتقض ما كنا حكمنا به بديا من أنه من ms0316 شعبان فكان حكمنا بذلك منتظرا ~~مراعى، وكذلك يكون صوم يومه ذلك مراعى; فإن استبان أنه من رمضان أجزأه وإن ~~لم يستبن له فهو تطوع. # فإن قيل: وجوب قضائه إذا أفطر فيه غير دال على جوازه إذا صامه; لأن ~~الحائض يلزمها القضاء ولم يدل وجوب القضاء على الجواز قيل له: إذا كان ~~المانع من جواز صومه فقد العلم به، فواجب أن يكون هذا المعنى بعينه مانعا ~~من لزوم قضائه إذا أفطر فيه كالمجنون والصبي; لأنك زعمت أن المانع من جوازه ~~كونه غير شاهد للشهر وغير عالم به، ومن لم يشهد الشهر فلا قضاء عليه إن كان ~~حكم الوجوب مقصورا على من شهده دون من لم يشهده، ولا يختلف على هذا الحد ~~حكم الجواز إذا صام وحكم القضاء إذا أفطر. وأما الحائض فلا يتعلق عليها حكم ~~تكليف الصوم من جهة شهودها للشهر وعلمها به; لأنها مع علمها به لا يجزيها ~~صومه، ولم يتعلق مع ذلك وجوب القضاء بإفطارها; إذ ليس لها فعل في الإفطار; ~~فلذلك لم يجب سقوط القضاء عنها من حيث لم يجزها صومها. # وفيها وجه آخر من الحكم: وهو أن من الناس من يقول: إذا طرأ عليه شهر ~~رمضان، وهو مقيم ثم سافر فغير جائز له الإفطار; ويروى ذلك عن علي كرم الله ~~وجهه وعن عبيدة وأبي مجلز. وقال ابن عباس والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم ~~والشعبي: إن شاء أفطر إذا سافر وهو قول فقهاء الأمصار. واحتج الفريق الأول ~~بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وهذا قد شهد الشهر فعليه إكمال ~~صومه بمقتضى ظاهر اللفظ، وهذا معناه عند الآخرين إلزام فرض الصوم في حال ~~كونه مقيما; لأنه قد بين حكم المسافر عقيب ذلك بقوله: {ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} ولم يفرق بين من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر ~~وبين من كان مسافرا في ابتدائه، فدل ذلك على أن قوله: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} مقصور الحكم على حال الإقامة دون حال السفر ms0317 بعدها. وأيضا لو كان ~~المعنى فيه ما ذكروا لوجب أن يجوز لمن كان مسافرا في أول الشهر ثم أقام أن ~~يفطر، لقوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر # PageV01P230 # فعدة من أيام أخر} وقد كان هذا مسافرا. وكذلك من كان مريضا في أوله ثم ~~برئ وجب أن يجوز له الإفطار بقضية ظاهرة; إذ قد حصل له اسم المسافر ~~والمريض; فلما لم يكن قوله: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~مانعا من لزوم صومه إذا أقام أو برئ في بعض الشهر، وكان هذا الحكم مقصورا ~~على حال بقاء السفر والمرض، كذلك قوله: {فمن شهد منكم الشهر} مقصور على حال ~~بقاء الإقامة، وقد نقل أهل السير وغيرهم إنشاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~السفر في رمضان في عام الفتح، وصومه في ذلك السفر، وإفطاره بعد صومه، وأمره ~~الناس بالإفطار، مع آثار مستفيضة وهي مشهورة غير محتاجة إلى ذكر الأسانيد; ~~وهذا يدل على أن مراد الله في قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~مقصور على حال بقاء الإقامة في إلزام الصوم وترك الإفطار. # وقوله تعالى: {فليصمه} قال أبو بكر رحمه الله: قد تكلمنا في معنى قوله جل ~~وعلا: {فمن شهد منكم الشهر} وما تضمنه من الأحكام وحواه من المعاني بما ~~حضر، ونتكلم الآن بمشيئة الله وعونه في معنى قوله: {فليصمه} وما حواه من ~~الأحكام وانتظمه من المعاني، فنقول: إن الصوم على ضربين: صوم لغوي وصوم ~~شرعي; فأما الصوم اللغوي فأصله الإمساك، ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب ~~دون غيرهما، بل كل إمساك فهو مسمى في اللغة صوما، قال الله تعالى: {إني ~~نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] والمراد الإمساك عن الكلام، يدل عليه قوله ~~عقيبه: {فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] . وقال الشاعر: # وخيل صيام يلكن اللجم # وقال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # وتقول العرب: "صام النهار، وصامت الشمس عند قيام الظهرة" لأنها كالممسكة ~~عن الحركة. وقال امرؤ القيس: # فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول ms0318 إذا صام النهار وهجرا # فهذا معنى اللفظ في اللغة. # وهو في الشرع يتناول ضربا من الإمساك على شرائط معلومة لم يكن الاسم ~~يتناوله في اللغة; ومعلوم أنه غير جائز أن يكون الصوم الشرعي هو الإمساك عن ~~كل شيء لاستحالة كون ذلك من الإنسان; لأن ذلك يوجب خلو الإنسان من ~~المتضادات حتى لا يكون ساكنا ولا متحركا ولا آكلا ولا تاركا ولا قائما ولا ~~قاعدا ولا مضطجعا، وهذا # PageV01P231 # محال لا يجوز ورود العبادة به; فعلمنا أن الصوم الشرعي ينبغي أن يكون ~~مخصوصا بضرب من الإمساك دون جميع ضروبه. فالضرب الذي حصل عليه اتفاق ~~المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وشرط فيه عامة فقهاء الأمصار ~~مع ذلك الإمساك عن الحقنة والسعوط والاستقاء عمدا إذا ملأ الفم، ومن الناس ~~من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء، وهو قول شاذ والجمهور على خلافه، وكذلك ~~الاستقاء. وروي عن ابن عباس أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج وهو قول ~~طاوس وعكرمة; وفقهاء الأمصار على خلافه; لأنهم يوجبون على من استقاء عمدا ~~القضاء. واختلفوا فيما وصل إلى الجوف من جراحة جائفة أو آمة، فقال أبو ~~حنيفة: والشافعي: عليه القضاء وقال أبو يوسف ومحمد: لا قضاء عليه وهو قول ~~الحسن بن صالح. وقد اختلف في ترك الحجامة هل هو من الصوم؟ فقال عامة ~~الفقهاء: الحجامة لا تفطره وقال الأوزاعي: تفطره. واختلف أيضا في بلع ~~الحصاة، فقال أصحابنا ومالك والشافعي: تفطره وقال الحسن بن صالح: لا تفطره. ~~واختلفوا في الصائم يكون بين أسنانه شيء فيأكله متعمدا، فقال أصحابنا ومالك ~~والشافعي: لا قضاء عليه وروى الحسن بن زياد عن زفر أنه قال: إذا كان بين ~~أسنانه شيء من لحم أو سويق أو خبز فجاء على لسانه منه شيء فابتلعه وهو ذاكر ~~فعليه القضاء والكفارة قال: وقال أبو يوسف: عليه القضاء ولا كفارة عليه ~~وقال الثوري: أستحب له أن يقضي. وقال الحسن بن صالح: إذا دخل الذباب جوفه ~~فعليه القضاء. وقال أصحابنا ومالك: لا قضاء عليه ولا خلاف ms0319 بين المسلمين أن ~~الحيض يمنع صحة الصوم; واختلفوا في الجنب، فقال عامة فقهاء الأمصار: لا ~~قضاء عليه وصومه تام مع الجنابة وقال الحسن بن حي مستحب له أن يقضي ذلك ~~اليوم وكان يقول: يصوم تطوعا، وإن أصبح جنبا وقال في الحائض: "إذا طهرت من ~~الليل، ولم تغتسل حتى أصبحت فعليها قضاء ذلك اليوم". # فهذه أمور منها متفق عليه في أن الإمساك عنه صوم، ومنها مختلف فيه على ما ~~بينا. فالمتفق عليه هو الإمساك عن الجماع والأكل والشرب في المأكول ~~والمشروب، والأصل فيه قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} ~~[البقرة: 187] إلى قوله {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] فأباح الجماع والأكل والشرب في ليالي ~~الصوم من أولها إلى طلوع الفجر، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل. وفي فحوى ~~هذا الكلام ومضمونه حظر ما أباحه بالليل مما قدم ذكره من الجماع والأكل ~~والشرب، فثبت بحكم الآية أن الإمساك عن هذه الأشياء الثلاثة هو من # PageV01P232 # الصوم الشرعي، ولا دلالة فيه على أن الإمساك عن غيرها ليس من الصوم، بل ~~هو موقوف على دلالته. وقد ثبت بالسنة واتفاق علماء الأمة أن الإمساك عن غير ~~هذه الأشياء من الصوم الشرعي على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ومما هو من ~~شرائط لزوم الصوم الشرعي - وإن لم يكن هو إمساكا ولا صوما - الإسلام ~~والبلوغ; إذ لا خلاف أن الصغير غير مخاطب بالصوم في أحكام الدنيا، فإن ~~الكافر، وإن كان مخاطبا به معاقبا على تركه فهو في حكم من لم يخاطب به في ~~أحكام الدنيا، فإنه لا يجب عليه قضاء المتروك منه في حال الكفر. وطهر ~~المرأة عن الحيض من شرائط تكليف صوم الشهر، وكذلك العقل والإقامة والصحة، ~~وإن وجب القضاء في الثاني. والعقل مختلف فيه على ما بينا من أقاويل أهل ~~العلم في المجنون في رمضان. # والنية من شرائط صحة سائر ضروب الصوم، وهو ms0320 على ثلاثة أنحاء: صوم مستحق ~~العين، وهو صوم رمضان ونذر يوم بعينه. وصوم التطوع، وصوم في الذمة. فالصوم ~~المستحق العين وصوم التطوع يجوز فيهما ترك النية من الليل إذا نواه قبل ~~الزوال، وما كان في الذمة فغير جائز إلا بتقدمة النية من الليل، وقال زفر: ~~يجوز صوم رمضان بغير نية. وقال مالك: يكفي للشهر كله نية واحدة. وإنما قلنا ~~إن بلع الحصاة ونحوها يوجب الإفطار وإن لم يكن مأكولا في العادة، وأنه ليس ~~بغذاء ولا دواء، من قبل أن قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: ~~187] قد انطوى تحته الأكل، فهو عموم في جميع ما أكل، ولا خلاف أنه لا يجوز ~~له بلع الحصاة مع اختلافهم في إيجاب الإفطار واتفاقهم على أن النهي عن بلع ~~الحصاة صدر عن الآية فيوجب ذلك أن يكون مرادا بها، فاقتضى إطلاق الأمر ~~بالصيام عن الأكل والشرب دخول الحصاة فيه كسائر المأكولات. فمن حيث دلت ~~الآية على وجوب القضاء في سائر المأكولات فهي دالة أيضا على وجوبه في أكل ~~الحصاة. ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أكل أو شرب ~~ناسيا فلا قضاء عليه". وهذا يدل على أن حكم سائر ما يأكله لا يختلف في وجوب ~~القضاء إذا أكله عمدا، وأما السعوط والدواء الواصل بالجائفة أو الآمة ~~فالأصل فيه حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "بالغ في ~~الاستنشاق إلا أن تكون صائما" فأمره بالمبالغة في الاستنشاق ونهاه عنها ~~لأجل الصوم، فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه ~~يفطر، لولا ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها في غير ~~الصوم. وصار ذلك أصلا عند أبي حنيفة في إيجاب القضاء في كل ما وصل إلى ~~الجوف واستقر فيه مما يستطاع الامتناع منه، سواء كان وصوله من مجرى الطعام ~~والشراب أو من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان، أو من غيرها; لأن ~~المعنى في الجميع وصوله إلى الجوف # PageV01P233 # واستقراره ms0321 فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة، ولا يلزم على ذلك الذباب ~~والدخان والغبار يدخل حلقه; لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع منه في ~~العادة، ولا يمكن التحفظ منه بإطباق الفم. # فإن قيل: فإن أبا حنيفة لا يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء. قيل له: ~~إنما لم يوجبه; لأنه كان عنده أنه لا يصل إلى المثانة; وقد روي ذلك عنه ~~منصوصا، وهذا يدل على أن عنده إن وصل إلى المثانة أفطر. وأما أبو يوسف ~~ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى الجوف من مخارق البدن التي هي خلقة في بنية ~~الإنسان. # وأما وجه إيجاب القضاء على من استقاء عمدا دون من ذرعه القيء، فإن القياس ~~أن لا يفطره الاستقاء عمدا، لأن الفطر في الأصل هو من الأكل، وما جرى مجراه ~~من الجماع كما قال ابن عباس إنه لا يفطره الاستقاء عمدا; لأن الإفطار مما ~~يدخل، وليس مما يخرج والوضوء مما يخرج، وليس مما يدخل، وكسائر الأشياء ~~الخارجة من البدن لا يوجب الإفطار بالاتفاق، فكان خروج القيء بمثابتها وإن ~~كان من فعله، إلا أنهم تركوا القياس للأثر الثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك ولا حظ للنظر مع الأثر والأثر الثابت هو حديث عيسى بن ~~يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء لم يفطر ولا قضاء عليه، ومن استقاء عمدا ~~فعليه القضاء". # فإن قيل: خبر هشام بن حسان عن ابن سيرين في ذلك غير محفوظ، وإنما الصحيح ~~من هذا الطريق في الأكل ناسيا، قيل له: قد روى عيسى بن يونس الخبرين معا عن ~~هشام بن حسان، وعيسى بن يونس هو الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه. وقد ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: روى أيضا حفص بن غياث عن هشام ~~مثله. وروى الأوزاعي عن يعيش بن الوليد أن معدان بن أبي طلحة حدثه: أن أبا ~~الدرداء حدثه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0322 قاء فأفطر", قال: فلقيت ثوبان ~~فذكرت له ذلك، فقال: صدق، وأنا صببت له وضوءه. وروى وهب بن جرير قال: حدثنا ~~أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن ~~حبيش، عن فضالة بن عبيد قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب ~~ماء، فقلت: يا رسول الله ألم تك صائما؟ فقال: "بلى ولكني قئت". وإنما تركوا ~~القياس في الاستقاء لهذه الآثار. # فإن قيل: قد روي أن القيء لا يفطر; وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم، عن رجل ~~من # PageV01P234 # أصحابه، عن رجل من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يفطر ~~من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم". قيل له: قد روى هذا الحديث محمد بن ~~أبان عن زيد بن أسلم عن أبي عبيد الله الصنابحي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من أصبح صائما فذرعه القيء فلم يفطر، ومن احتلم فلم يفطر، ~~ومن احتجم فلم يفطر". فبين هذا الحديث القيء الذي لا يوجب الإفطار، ولو لم ~~يذكره على هذا البيان لكان الواجب حمله على معناه، وأن لا يسقط أحد ~~الحديثين بالآخر وذلك لأنه متى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران ~~متضادان، وأمكن استعمالهما على غير وجه التضاد استعملناهما جميعا، ولم يلغ ~~أحدهما. وإنما قالوا: إنه إذا استقاء أقل من ملء فيه لم يفطره، من قبل أنه ~~لا يتناوله اسم القيء; ألا ترى أن من ظهر على لسانه شيء بالجشاء لا يقال ~~إنه قد تقيأ؟ وإنما يتناوله هذا الاسم عند كثرته وخروجه; وقد كان أبو الحسن ~~الكرخي رحمه الله تعالى يقول في تقدير ملء الفم: "هو الذي لا يمكنه إمساكه ~~في الفم لكثرته فيسمى حينئذ قيئا". # وأما الحجامة فإنما قالوا: إنها لا تفطر الصائم; لأن الأصل أن الخارج من ~~البدن لا يوجب الإفطار، كالبول والغائط والعرق واللبن; ولذلك لو ms0323 جرح إنسان ~~أو افتصد لم يفطره، فكانت الحجامة قياس ذلك; ولأنه لما ثبت أن الإمساك عن ~~كل شيء ليس من الصوم الشرعي، لم يجز لنا أن نلحق به إلا ما ورد به التوقيف ~~أو اتفقت الأمة عليه. وقد ورد بإباحة الحجامة للصائم آثار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن ذلك: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد بن ~~شريك البزاز قال: حدثنا أبو الجماهر قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن ~~أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء والاحتلام والحجامة". وحدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن يزيد ~~بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم ~~صائما محرما. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد ~~بن عبد الرحمن بن سهم قال: حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليماني، عن ~~المثنى بن عبد الله، عن أنس بن مالك قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صبيحة ثماني عشرة من رمضان برجل، وهو يحتجم فقال عليه السلام: "أفطر الحاجم ~~والمحجوم" ثم أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال: "إذا ~~تبيغ بأحدكم الدم فليحتجم". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن ~~حبيب أبو حصن الكوفي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال: حدثنا أبو ~~مالك عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو صائم فغشي عليه فلذلك كرهه. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود # PageV01P235 # قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت قال: قال ~~أنس: ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد. # فإن قال قائل: قد روى مكحول عن ثوبان عن النبي صلى الله ms0324 عليه وسلم قال: ~~"أفطر الحاجم والمحجوم". وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي ~~لثماني عشرة خلت من رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". قيل له: قد اختلف ~~في صحة هذا الخبر، وهو غير صحيح على مذهب أهل النقل; لأن بعضهم رواه عن أبي ~~قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وبعضهم رواه عن أبي قلابة عن شداد بن أوس; ~~ومثل هذا الاضطراب في السند يوهنه. فأما حديث مكحول فإن أصله عن شيخ من ~~الحي مجهول عن ثوبان; وعلى أنه ليس في قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" إذا ~~أشار به إلى عين دلالة على وقوع الإفطار بالحجامة لأن ذكر الحجامة في مثله ~~تعريف لهما، كقولك: أفطر القائم والقاعد، وأفطر زيد; إذا أشرت به إلى عين; ~~فلا دلالة فيه على أن القيام يفطر، وعلى أن كونه زيدا يفطره. كذلك قوله: ~~"أفطر الحاجم والمحجوم" لما أشار به إلى رجلين بأعينهما فلا دلالة فيه على ~~وقوع الفطر بالحجامة، وجائز أن يكون شاهدهما على حال توجب الإفطار من أكل ~~أو غيره فأخبره بالإفطار من غير ذكر علته، وجائز أن يكون شاهدهما على غيبة ~~منهما للناس فقال إنهما أفطرا، كما روى يزيد بن أبان عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "الغيبة تفطر الصائم" وليس المعنى فيه عند الفقهاء ~~الخروج منه، وإنما المراد منه إبطال ثوابه، فاحتمل أن يكون ذكر إفطار ~~الحاجم والمحجوم لهذا المعنى، وعلى أن الأخبار التي روينا فيها ذكر تاريخ ~~الرخصة بعد النهي. وجائز أيضا أن يكون النهي عن الحجامة كان لما يخاف من ~~الضعف، كما نهى عن الصوم في السفر حين رأى رجلا قد ظلل عليه. # وأما وجه قولهم فيمن بلع شيئا بين أسنانه لم يفطره، فهو أن ذلك بمنزلة ~~أجزاء الماء الباقية في فمه بعد غسل فمه للمضمضة، ومعلوم وصولها إلى جوفه، ~~ولا حكم لها كذلك والأجزاء الباقية في فمه هي بمنزلة ms0325 ما وصفنا، ألا ترى أن ~~من أكل بالليل سويقا أنه لا يخلو إذا أصبح من بقاء شيء من أجزائه بين ~~أسنانه، ولم يأمره أحد بتقصي إخراجها بالأخلة والمضمضة؟ فدل ذلك على أن تلك ~~الأجزاء لا حكم لها. # وأما الذباب الواصل إلى جوفه من غير إرادته، فإنما لم يفطره من قبل أن ~~ذلك في العادة غير متحفظ منه، ألا ترى أنه لا يؤمر بإطباق الفم وترك الكلام ~~خوفا من وصوله إلى جوفه؟ فأشبه الغبار والدخان يدخل إلى حلقه فلا يفطره. ~~وليس هو بمنزلة من أوجر ماء وهو صائم مكرها فيفطر، من قبل أنه ليس للعادة ~~في هذا تأثير; وإنما بينا حكم # PageV01P236 # وصول الذباب إلى جوفه معلوما على العادة في فتح الفم بالكلام، وما كان ~~مبنيا على العادة مما يشق الامتناع عنه فقد خفف الله عن العباد فيه، قال ~~الله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 87] . # وأما الجنابة فإنها غير مانعة من صحة الصوم، لقوله: {فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] فأطلق ~~الجماع من أول الليل إلى آخره، ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه ~~من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح جنبا، وقد حكم الله بصحة صيامه بقوله: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . وروت عائشة وأم سلمة: "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك". ~~وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث لا يفطرن ~~الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام" وهو يوجب الجنابة، وحكم النبي عليه ~~السلام مع ذلك بصحة صومه، فدل على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم. وقد روى ~~أبو هريرة خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أصبح جنبا فلا ~~يصومن يومه ذلك" إلا أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا علم ms0326 لي بهذا أخبرني به الفضل بن العباس"، وهذا مما يوهن ~~خبره; لأنه قال بديا: ما أنا قلت ورب الكعبة من أصبح جنبا فقد أفطر محمد ~~قال ذلك ورب الكعبة وأفتى السائل عن ذلك بالإفطار، فلما أخبر برواية عائشة ~~وأم سلمة تبرأ من عهدته وقال: لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل. وقد ~~روي عن أبي هريرة الرجوع عن فتياه بذلك; حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا ~~إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا ابن شبابة قال: حدثنا عمرو بن الهيثم قال: ~~حدثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة رجع عن الذي كان يفتي ~~من أصبح جنبا فلا يصوم. وعلى أنه لو ثبت خبر أبي هريرة احتمل أن لا يكون ~~معارضا لرواية عائشة وأم سلمة، بأن يريد: من أصبح على موجب الجنابة بأن ~~يصبح مخالطا لامرأته ومتى أمكننا تصحيح الخبرين واستعمالهما معا ~~استعملناهما على ما أمكن من غير تعارض. # فإن قيل: جائز أن يكون رواية عائشة وأم سلمة مستعملة فيما وردت بأن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دون أمته; لأنهما أضافتا ذلك إلى ~~فعله; وخبر أبي هريرة مستعمل في سائر الناس. قيل له: قد عقل أبو هريرة من ~~روايته مساواة النبي صلى الله عليه وسلم لغيره في هذا الحكم; لأنه قال حين ~~سمع رواية عائشة وأم سلمة: لا علم لي بهذا وإنما أخبرني به الفضل بن العباس ~~ولم يقل إن رواية هاتين المرأتين غير معارضة لروايتي; إذ كانت روايتهما ~~مقصورة على حال النبي صلى الله عليه وسلم وروايتي إنما هي في غيره من ~~الناس; فهذا يبطل # PageV01P237 # تأويلك. وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ~~ما خصه الله تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه بقوله تعالى: ~~{فاتبعوه} [الأنعام: 153 – 155] وقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} [الأحزاب: 21] . # فهذه الأمور التي ذكرنا مما تعبدنا فيه بالإمساك عنه في نهار رمضان، هي ~~من الصوم المراد به في قوله تعالى: {ثم ms0327 أتموا الصيام إلى الليل} وقوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فهي إذا من الصوم اللغوي والشرعي ~~جميعا. وأما ما ليس بإمساك مما وصفنا، فإنما هو من شرائطه، ولا يكون ~~الإمساك على الوجوه التي ذكرنا صوما شرعيا إلا بوجود هذه الشرائط، وذلك ~~الإسلام والبلوغ والنية وأن تكون المرأة غير حائض، فمتى عدم شيء من هذه ~~الشرائط خرج عن أن يكن صوما شرعيا. وأما الإقامة والصحة فهما شرط صحة ~~لزومه، ووجود المرض والسفر لا ينافي صحة الصوم وإنما ينافي لزوم الصوم على ~~جهة الوجوب، ولو صاما لصح صومهما. وإنما قلنا: البلوغ شرط في صحة لزومه; ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى ~~يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم" ولا خلاف أنه لا يلزمه ~~سائر العبادات، فكذلك الصوم. وقد يؤمر به المراهق على وجه التعليم ليعتاده ~~وليمرن عليه لقوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] قيل في ~~التفسير: أدبوهم وعلموهم; وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر" وليس ذلك على وجه التكليف، ~~وإنما هو على وجه التعليم والتأديب. # وأما الإسلام فإنما كان شرطا في صحة فعله لقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} [الزمر: 65] فلا يصح له قربة إلا على شرط كونه مؤمنا. # وأما العقل، فإن فقدت معه النية والإرادة فإنما ينفى عنه صحة الصوم لعدم ~~النية، فإن وجدت منه النية من الليل ثم عزب عقله لم ينف ذلك صحة صومه. ~~وإنما قلنا إن النية شرط في صحة الصوم من قبل أنه لا يكون صوما شرعيا إلا ~~بأن يكون فاعله متقربا به إلى الله عز وجل ولا تصح القربة إلا بالنية ~~والقصد لها، قال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم} [الحج: 37] فأخبر عز وجل أن شرط التقوى تحري موافقة أمره. ~~ولما كان شرط كونه متقيا فعل الصوم من المفروض لم يحصل له ذلك إلا بالنية; ~~لأن التقوى لا تحصل ms0328 له إلا بتحري موافقة أمر الله والقصد إليه; وقال تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ولا يكون إخلاص ~~الدين له إلا بقصده به إليه راغبا عن أن يريد به غيره. فهذه أصول في تعلق ~~صحة الفروض بالنيات. # PageV01P238 # ولا خلاف بين المسلمين في أن من شرط الصلاة والزكاة والحج والكفارات ~~إيجاد النية لها; لأنها فروض مقصودة لأعيانها، فكان حكم الصوم حكمها لهذه ~~العلة بعينها. # فإن قيل: جميع ما استدللت به على كون النية شرطا في الصوم وفي سائر ~~الفروض يلزمك شرط النية في الطهارة; إذ كانت فرضا من الفروض. قيل له: ليس ~~ذلك على ما ظننت; لأن الطهارة ليست فرضا مقصودا لعينها، وإنما المقصود ~~غيرها وهي شرط فيه، فقيل لنا: لا تصلوا إلا بطهارة، كما قيل: لا تصلوا إلا ~~بطهارة من نجاسة، ولا تصلوا إلا بستر العورة; فليست هذه الأشياء مفروضة ~~لأنفسها، فلم يلزم إيجاد النية لها، ألا ترى أن النية نفسها لما كانت شرطا ~~لغيرهم، ولم تكن مفروضة لنفسها صحت بغير نية توجد لها؟ فانفصل بما ذكرنا ~~حكم الفروض المقصودة لأعيانها وحكم ما جعل منها شرطا لغيره وليس هو بمفروض ~~لنفسه، فلما كانت الطهارة بالماء شرطا لغيرها، وليست أيضا ببدل عن سواها لم ~~يلزم فيها النية; ولا يلزم على هذا إيجابنا النية في التيمم; لأنه بدل عن ~~غيره فلا يكون طهورا إلا بانضمام النية إليه; إذ ليس هو طهورا في نفسه بل ~~هو بدل عن غيره. ولم يختلف الأمة في أن كل صوم واجب في الذمة فشرط صحته ~~إيجاد النية له، فوجب أن يكون كذلك حكم صوم رمضان في كون النية شرطا لصحته. ~~وشبه زفر صوم رمضان بالطهارة في إسقاط النية لهما، من قبل أن الطهارة ~~مفروضة في أعضاء بعينها فكان الصوم مشبها لها في كونه مفروضا في وقت مستحق ~~العين له. وهذا عند سائر الفقهاء ليس كذلك; لأن العلة التي ذكرها للطهارة ~~غير موجودة في الصوم; إذ جعل علة الطهارة أنها مفروضة في موضع بعينه، ms0329 وهذا ~~المعنى غير موجود في الصوم; لأنه غير موضوع في موضع بعينه، وإنما هو موضوع ~~في وقت معين لا في موضع معين. وعلى أن هذه العلة منتقضة بالطواف; لأنه ~~مفروض في موضع معين، ولو عدا رجل خلف غريم له يوم النحر حوالي البيت لم يكن ~~طائفا طواف الزيارة، وكذلك لو كان يسقي الناس هناك وبين الصفا والمروة لم ~~يجزه من الواجب. فإذا كانت هذه العلة غير موجبة للحكم في معلولها من الطواف ~~والسعي فأن لا يوجب حكمها فيما ليست فيه موجودة أولى. وعلى أن الطهارة ~~مخالفة للصوم، لما بينا من أنها غير مفروضة لنفسها، وإنما هي شرط لغيرها لا ~~على وجه البدل، فلم تجب أن تكون النية شرطا فيها، كأنه قيل: لا تصل إلا، ~~وأنت طاهر من الحدث، ومن النجاسة، ولا تصل إلا مستور العورة. وليس شرط غسل ~~النجاسة وستر العورة النية، كذلك الطهارة بالماء; وأما الصوم فإنه مفروض ~~مقصود لعينه كسائر الفروض التي ذكرنا، فوجب أن يكون شرط صحته إيجاد النية ~~له. ومعنى آخر; وهو أنا قد علمنا أن الصوم على الصوم على ضربين: منه الصوم ~~اللغوي، ومنه الصوم الشرعي. وأن أحدهما # PageV01P239 # إنما ينفصل من الآخر بالنية مع ما قدمنا من شرائطه، ومتى لم توجد له ~~النية كان صوما لغويا لا حظ فيه للشرع، فلذلك وجب اعتبار النية في صوم ~~رمضان، ألا ترى أن من أمسك في يوم من غير رمضان عما يمسك عنه الصائم، ولم ~~يكن له نية الصوم أن صومه ذلك لا يكون صوم شرع؟ وصوم التطوع مشبه لصوم ~~رمضان في جواز ترك النية له من الليل، فلما لم يكن صائما متطوعا بالإمساك ~~دون النية وجب أن يكون صوم رمضان كذلك. ويلزم زفر أن يجعل المغمى عليه ~~أياما في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب صائما لوجود الإمساك، وهذا إن التزمه ~~قائل كان قائلا قولا مستشنعا. # وإنما قلنا إنه يحتاج إلى إيجاد النية كل يوم إما من الليل أو قبل ~~الزوال، من قبل أنا قد بينا أن ms0330 صوم رمضان لا يصح إلا بنية، ومن حيث افتقر ~~إلى نية في أول الشهر وجب أن يكون اليوم الثاني مثله; لأنه يخرج بالليل من ~~الصوم، ومتى خرج منه احتاج في دخوله فيه إلى نية. وقال مالك: ما لم يكن ~~وجوبه معينا من الصيام لم يصح إلا بنية من الليل، كان وجوبه في وقت بعينه ~~كأن يعلمه ذلك الوقت صائما، واستغنى عن نية الصيام بذلك; فإذا قال: لله علي ~~أن أصوم شهرا متتابعا; فصام أول يوم أنه يجزيه باقي الأيام بغير نية; وهو ~~قول الليث بن سعد. وقال الثوري في صوم التطوع: إذا نواه في آخر النهار ~~أجزأه. قال: وقال إبراهيم النخعي: له أجر ما يستقبل وهو مذهب الحسن بن ~~صالح. وقال الثوري: يحتاج في صوم رمضان أن ينويه من الليل. وقال الأوزاعي: ~~يجزيه نية صوم رمضان بعد نصف النهار. وقال الشافعي: لا يجزي كل صوم واجب ~~رمضان وغيره إلا بنية من الليل، ويجزي صوم التطوع بنية قبل الزوال. # فأما الدلالة على بطلان قول من اكتفى بنية واحدة للشهر كله، فهو ما قدمنا ~~من افتقار صوم اليوم الثاني إلى الدخول فيه، والدخول في الصوم لا يصح إلا ~~بنية، فوجب أن يكون شرط اليوم الثاني إيجاد النية كاليوم الأول. # فإن قيل: يكتفي بالنية الأولى، وهي نية لجميع الشهر كما يجتزئ في الصلاة ~~بنية واحدة في أولها ولا يحتاج إلى تجديد النية لكل ركعة، والمعنى الجامع ~~بينهما أن الصلاة الواحدة لا تتخلل ركعاتها صلاة أخرى غيرها كما لا يتخلل ~~صيام شهر رمضان صيام من غيره. قيل له: لو جاز أن يكتفي بنية واحدة للشهر ~~لجاز أن يكتفي بها لعمره كله، فلما بطل هذا واحتاج إلى نية لأول يوم لم يجز ~~أن تكون تلك النية لسائر أيام الشهر كما لا يجوز أن تكون لسائر عمره. وأما ~~تشبيهه بالصلاة فلا معنى له; لأن الصلاة إنما اكتفي فيها بنية واحدة; لأن ~~الجميع مفعول بتحريمة واحدة. ألا ترى أنه لا يصح بعضها دون بعض فكانت ~~الركعات كلها ms0331 مبنية على تلك التحريمة؟ ألا ترى أنه متى ترك ركعة حتى # PageV01P240 # خرج منها بطلت صلاته كلها، وأنه لو ترك صوم يوم من رمضان بأن أفطر فيه لم ~~يبطل عليه صوم سائر الشهر؟ ومن جهة أخرى أنه لا يخرج من الصلاة بفعل الركعة ~~الأولى فلم يحتج إلى نية أخرى، إذ النية إنما يحتاج إليها للدخول فيها، ~~فأما الصوم، فإنه إذا دخل الليل خرج من الصوم; ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" فاحتاج ~~بعد الخروج من صوم اليوم الأول إلى الدخول في اليوم الثاني، فلم يصح له ذلك ~~إلا بالنية المتجددة. # وإنما أجاز أصحابنا ترك النية من الليل في كل صوم مستحق العين إذا نواه ~~قبل الزوال لقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وهذا قد شهد الشهر، ~~فواجب أن يكون مأمورا بصومه وواجب أن يجزيه إذا فعل، ما أمر به. ومن جهة ~~السنة، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي ~~يوم عاشوراء فقال: "من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه". وقد روي ~~أنه أمر الآكلين بالقضاء; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي ~~بن مسلم قال: حدثنا محمد بن منهال قال: حدثنا يزيد بن ربيع قال: حدثنا ~~شعبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمه قال: أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم عاشوراء فقال: "أصمتم يومكم هذا؟ " قالوا: لا قال: "فأتموا ~~يومكم هذا واقضوا" فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن صوم يوم عاشوراء كان ~~فرضا; ولذلك أمر بالقضاء من أكل، والثاني: أنه فرق بين الآكلين ومن لم يأكل ~~فأمر الآكلين بالإمساك والقضاء والذين لم يأكلوا بالصوم; فدل ذلك على أن من ~~الصوم ما كان مفروضا في وقت بعينه فجائز ترك النية من الليل; لأنه لو كان ~~شرط صحته إيجاد النية له من الليل لما أمرهم بالصيام ولكانوا حينئذ بمنزلة ~~الآكلين في باب امتناع صحة صومهم ms0332 ووجوب القضاء عليهم، فثبت بما وصفنا أنه ~~ليس شرط صحة الصوم المستحق العين وجود النية له من الليل وأنه جائز له أن ~~يبتدئ النية له في بعض النهار. # فإن قيل: إنما جاز ترك النية له من الليل لأن الفرض لم يكن تقدم قبل ذلك ~~الوقت، وإنما هو فرض مبتدأ لزمهم في بعض النهار; فلذلك أجزى له مع ترك ~~النية من الليل، وأما بعد ثبوت فرض الصوم فغير جائز إلا أن يوجد له نية من ~~الليل. قيل له: لو كان إيجاد النية من الليل من شرائط صحته لوجب أن يكون ~~عدمها مانعا صحته، كما أنه لما كان ترك الأكل من شرائط صحة الصوم كان وجوده ~~مانعا منه، وأن لا يختلف في ذلك حكم الفرض المبتدأ في بعض النهار وحكم ما ~~تقدم فرضه; فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين بالإمساك وأمرهم مع ~~ذلك بالقضاء; لأن ترك الأكل من شرط صحته، ولم يأمر تاركي النية من الليل ~~بالقضاء، وحكم لهم بصحة صومهم إذا ابتدءوه في بعض النهار، ثبت # PageV01P241 # بذلك أن إيجاد النية من الليل ليس بشرط في الصوم المستحق العين، وصار ذلك ~~أصلا في نظائره مما يوجبه الإنسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه أنه يصح ~~بنية يحدثها بالنهار قبل الزوال. # فإن قيل: فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان، فكيف يستدل بالمنسوخ على صوم ~~ثابت الحكم مفروض؟ قيل له: إنه نسخ فرضه فلم ينسخ دلالته فيما دلت عليه من ~~نظائره، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم ينسخ بذلك سائر ~~أحكام الصلاة؟ وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل، ولم ينسخ سائر أحكام الصلاة؟ ~~ولم يمنع نسخها من الاستدلال بقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} ~~[المزمل: 20] في إثبات التخيير في إيجاب القراءة بما شاء منه، وإن كان ذلك ~~نزل في شأن صلاة الليل، وإنما قالوا: إنه يجزي أن ينويه قبل الزوال، ولا ~~يجوز بعده، لما روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ms0333 ~~أهل العوالي فقال: "من تغدى منكم فليمسك ومن لم يتغد فليصم! " والغداء على ~~ما قبل الزوال. ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن يكون قال ذلك ~~بالغداة قبل الزوال، أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها قبل الزوال في ~~وقت يسمى غداة، وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداة لو كان حكم ما ~~قبل الزوال وبعده سواء، فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته لئلا يخلو كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة، وجب أن يختلف حكم نيته قبل الزوال ~~وبعده. # وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ~~السلمي البلخي قال: حدثنا عمر بن هارون، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم فيبدو له ~~فيصوم. قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول: "هل عندكم ~~من طعام؟ " فإن كان وإلا قال: "فإني إذا صائم". # فإن قيل: إذا لم يعزم النية من الليل حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض ~~النهار، فكان بمنزلة الآكل، فلا يصح له صوم يومه. قيل له: قد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ابتداء صوم التطوع في بعض النهار، واتفق الفقهاء عليه، ~~ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا من نية متقدمة مانعا من صحة صومه، ولم ~~يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع صوم التطوع; فكذلك عدم نية ~~الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ابتداء صومه، ولا يكون عدم النية ~~في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ذلك حكمه في التطوع، وأيضا فلو ~~نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب نيته مانعا من صحة صومه، ولم ~~يكن شرط بقائه استصحاب النية له; فلذلك جاز ترك النية في أول # PageV01P242 # النهار لبعض من الصوم ms0334 على حسب قيام الدلالة عليه، ولا يمنع ذلك صحة صومه. ~~ولو ترك الأكل في أول النهار ثم أكل في آخره كان ذلك مبطلا لصومه، ولم يكن ~~وجود الأكل بمنزلة عزوب النية; فاستوى حكم الأكل في الابتداء والبقاء ~~واختلف ذلك في حكم النية; فلذلك اختلفا. ولم يمتنع أن يكون غير ناو للصوم ~~في أوله ثم ينويه في بعض النهار، فيكون ما مضى من اليوم محكوما له بحكم ~~الصوم كما يحكم له بحكم الصوم مع عزوب النية. # فإن قيل: لما لم يصح له الدخول في الصلاة إلا بنية مقارنة لها، كان كذلك ~~حكم الصوم. قيل له: هذا غلط; لأنه لا خلاف بين المسلمين في جواز صوم من ~~نواه من الليل ثم نام فأصبح نائما، وأن صومه تام صحيح من غير مقارنة نية ~~الصوم بحال الدخول، ولو نوى الصلاة ثم اشتغل عنها ثم تحرم بالصلاة لم تصح ~~إلا بنية يحدثها عند إرادته الدخول; فلما لم يكن شرط الدخول في الصوم ~~مقارنة النية له عند الجميع وكان شرط الدخول في الصلاة مقارنة النية، لم ~~يجز أن يحكم له بحكم الصلاة إلا بعد وجود نية الدخول في ابتدائها، ولم يجز ~~اعتبار الصوم بالصلاة في حكم النية. وأيضا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يبتدئ صوم التطوع في بعض النهار واتفق الفقهاء على تلقي هذا ~~الخبر بالقبول واستعمالهم له، واتفقوا أيضا أنه لا يصح له الدخول في صلاة ~~التطوع إلا بنية تقارنها، فعلمنا أن نية الصوم غير معتبرة بنية الصلاة من ~~الوجه الذي ذكرت. # وأما ما كان من الصوم الواجب في الذمة غير مفروض في وقت معين، فإنه لا ~~يجوز ترك النية فيه من الليل، والأصل فيه حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "لا صيام لمن لم يعزم عليه من الليل" وكان عموم ذلك يقتضي ~~إيجاد النية من الليل لسائر ضروب الصوم، إلا أنه لما قامت الدلالة في الصوم ~~المستحق العين وصوم التطوع سلمناه للدلالة له وخصصناه من ms0335 الجملة وبقي حكم ~~اللفظ فيما عداه، ولا يختلف على ذلك صوم شهرين متتابعين وقضاء رمضان; لأن ~~صوم الشهرين المتتابعين غير مستحق العين، وأي وقت ابتدأ فيه فهو وقت فرضه، ~~فكان كسائر الصوم الواجب في الذمة. # والأحكام المستفادة من قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} إلزام صوم ~~الشهر من كان منهم شاهدا له، وشهود الشهر ينقسم إلى أنحاء ثلاثة: العلم به، ~~من قولهم: شاهدت كذا وكذا; والإقامة في الحضر، من قولك: مقيم ومسافر وشاهد ~~وغائب; وأن يكون من أهل التكليف على ما بينا. ثم أفاد من نسخ فرض أيام ~~معدودات، على قول من قال إن صوم الأيام المعدودات كان فرضا غير رمضان ثم ~~نسخ به، ونسخ به أيضا التخيير بين الفدية والصوم للصحيح المقيم، وأفاد أن ~~من رأى الهلال وحده فعليه صومه. وحكم # PageV01P243 # آخر: وهو أن من علم بالشهر بعدما أصبح، أو كان مريضا فبرأ ولم يأكل ولم ~~يشرب، أو مسافرا قدم; فعليهم صومه; إذ هم شاهدون للشهر. وأفاد أن فرض ~~الصيام مخصوص بمن شهد الشهر دون غيره، وأن من ليس من أهل التكليف أو ليس ~~بمقيم أو لم يعلم به فغير لازم له. وأفاد تعيين الشهر لهذا الفرض حتى لا ~~يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه لمن شهده. وأفاد أن مراده بعض الشهر لا ~~جميعه في شرط لزوم الصوم، وأن الكافر إذا أسلم في بعضه والصبي إذا بلغ ~~فعليهما صوم بقية الشهر. وأفاد أن من نوى بصيامه تطوعا أجزأه، لورود الأمر ~~مطلقا بفعل الصوم غير مخصوص بصفة ولا مقيد بشرط، فاقتصر جوازه على أي وجه ~~صامه. ويحتج به من يقول: إنه إذا صام وهو غير عالم بالشهر لم يجزه; ويحتج ~~به أيضا من يقول: إذا طرأ عليه شهر رمضان، وهو مقيم ثم سافر لم يفطر، لقوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} . # فهذا الذي حضرنا من ذكر فوائد قوله: {فمن شهد منكم الشهر} ولا ندفع أن ~~يكون فيه عدة فوائد غيرها لم يحط علمنا بها، وعسى أن نقف عليها في ms0336 وقت غيره ~~أو يستنبطها غيرنا. # وأما ما تضمنه قوله: {فليصمه} فهو ما قدمنا ذكره من الأمور التي أمرنا ~~بالإمساك عنها في حال الصوم، منها متفق عليه ومنها مختلف، وما قدمناه من ~~ذكر شرائطه وإن لم يكن صوما في نفسه. وقد تقدم بيان حكم المريض والمسافر ~~بعون الله وكرمه. # باب كيفية شهود الشهر # قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقال تعالى: {سألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون، ولا تصوموا حتى ~~تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" قال: وكان ابن عمر إذا ~~كان شعبان تسعا وعشرين نظر له، فإن رئي فذلك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره ~~سحاب أو قترة أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما. قال: ~~وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب. # قال أبو بكر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" موافق ~~لقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} واتفق المسلمون ~~على معنى الآية والخبر في اعتبار رؤية الهلال في إيجاب صوم رمضان، فدل ذلك ~~على أن رؤية الهلال هي شهود # PageV01P244 # الشهر. وقد دل قوله: {يسألونك عن الأهلة} على أن الليلة التي يرى فيها ~~الهلال من الشهر المستقبل دون الماضي. # وقد اختلف في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن غم عليكم فاقدروا ~~له" فقال قائلون: أراد به اعتبار منازل القمر، فإن كان في موضع القمر، لو ~~لم يحل دونه سحاب وقترة ورئي يحكم له بحكم الرؤية في الصوم والإفطار، وإن ~~كان على غير ذلك لم يحكم له بحكم الرؤية. وقال آخرون: فعدوا شعبان ثلاثين ~~يوما أما التأويل الأول فساقط الاعتبار لا محالة لإيجابه الرجوع إلى قول ~~المنجمين ومن تعاطى معرفة منازل ms0337 القمر ومواضعه، وهو خلاف قول الله تعالى: ~~{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} فعلق الحكم فيه برؤية الأهلة، ولما ~~كانت هذه عبادة تلزم الكافة لم يجز أن يكون الحكم فيه متعلقا بما لا يعرفه ~~إلا خواص من الناس ممن عسى لا يسكن إلى قولهم. والتأويل الثاني هو الصحيح، ~~وهو قول عامة الفقهاء وابن عمر راوي الخبر، وقد ذكر عنه في الحديث أنه لم ~~يكن يأخذ بهذا الحساب. # وقد بين في حديث آخر معنى قوله فاقدروا له بنص لا تأويل فيه، وهو ما ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال: حدثنا ~~شريح بن النعمان قال: حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده شهر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا ~~الهلال، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" فأوضح هذا الخبر معنى قوله: ~~"فاقدروا" بما سقط به تأويل المتأولين. ويدل على بطلان تأويلهم أيضا ما ~~رواه حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبين ~~منظره سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين" فأمر عليه السلام بعد ثلاثين مع جواز ~~الرؤية لو لم يحل بيننا وبينه سحاب أو قترة، ولم يوجب الرجوع إلى قول من ~~يقول لو لم يحل بيننا وبينه حائل من سحاب أو غيره لرأيناه. وقد روي في ذلك ~~أيضا ما هو أوضح من هذا، وهو ما حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ~~قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا أبو ~~عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"صوموا رمضان لرؤيته فإن حال بينكم غمامة أو ضبابة فأكملوا عدة شهر شعبان ~~ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان" فأوجب عد شعبان ثلاثين عند ~~حدوث الحائل بيننا وبين رؤيته من سحاب ms0338 أو نحوه. فالقائل باعتبار منازل ~~القمر وحساب المنجمين خارج عن حكم الشريعة. وليس هذا القول مما يسوغ ~~الاجتهاد فيه، لدلالة الكتاب ونص السنة وإجماع الفقهاء بخلافه، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا # PageV01P245 # ثلاثين" هو أصل في اعتبار الشهر ثلاثين، إلا أن يرى قبل ذلك الهلال، فإن ~~كل شهر غم علينا هلاله فعلينا أن نعده ثلاثين. هذا في سائر الشهور التي ~~يتعلق بها الأحكام، وإنما يصير إلى أقل من ثلاثين برؤية الهلال; ولذلك قال ~~أصحابنا: "من آجر داره عشرة أشهر وهو في بعض الشهر أنه يكون تسعة أشهر ~~بالأهلة وشهر ثلاثين يوما يكمل الشهر الأول من آخر شهر بمقدار نقصانه; لأن ~~الشهر الأول ابتداؤه بغير هلال فاستوفى له ثلاثين يوما، وسائر الشهور ~~بالأهلة فلم يعتبر غيرها وقالوا: لو آجره في أول الشهر لكانت كلها ~~بالأهلة". # وقد اختلف في الشهادة على رؤية الهلال، فقال أصحابنا جميعا تقبل في رؤية ~~هلال رمضان شهادة رجل عدل إذا كان في السماء علة، وإن لم تكن في السماء علة ~~لم يقبل إلا شهادة الجماعة الكثيرة التي يوجب خبرها العلم وقد حكي عن أبي ~~يوسف أنه حد في ذلك خمسين رجلا. وكذلك هلال شوال وذي الحجة إذا لم يكن ~~بالسماء علة، فإن كان بالسماء علة لم يقبل فيها إلا شهادة عدلين يقبل ~~مثلهما في الحقوق. وقال مالك والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن حي وعبيد ~~الله: لا يقبل في هلال رمضان وشوال إلا شهادة عدلين. وقال المزني عن ~~الشافعي: إن شهد على رؤية هلال رمضان عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه، ~~والاحتياط والقياس في ذلك أن لا يقبل إلا شاهدان، ولا أقبل على رؤية هلال ~~الفطر إلا عدلين. # قال أبو بكر: إنما اعتبر أصحابنا إذا لم يكن بالسماء علة شهادة الجمع ~~الكثير الذين يقع العلم بخبرهم; لأن ذلك فرض قد عمت الحاجة إليه، والناس ~~مأمورون بطلب الهلال، فغير جائز أن يطلبه الجمع الكثير ولا علة بالسماء مع ~~توافي هممهم وحرصهم ms0339 على رؤيته، ثم يراه النفر اليسير منهم ولا يراه الباقون ~~مع صحة أبصارهم وارتفاع الموانع عنهم، فإذا أخبر بذلك النفر اليسير منهم ~~دون كافتهم علمنا أنهم غالطون غير مصيبين، فإما أن يكونوا رأوا خيالا فظنوه ~~هلالا أو تعمدوا الكذب; إذ جواز ذلك عليهم غير ممتنع. وهذا أصل صحيح تقضي ~~العقول بصحته وعليه مبنى أمر الشريعة، والخطأ فيه يعظم ضرره ويتوصل به ~~الملحدون إلى إدخال الشبهة على الأغمار والحشو وعلى من لم يتيقن ما ذكرنا ~~من الأصل; ولذلك قال أصحابنا: ما كان من أحكام الشريعة بالناس حاجة إلى ~~معرفته فسبيل ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب للعلم، وغير جائز إثبات مثله ~~بأخبار الآحاد، نحو إيجاب الوضوء من مس الذكر ومس المرأة والوضوء مما مست ~~النار والوضوء مع عدم تسمية الله عليه فقالوا: لما كانت البلوى عامة من ~~كافة الناس بهذه الأمور ونظائرها، فغير جائز أن يكون فيه حكم الله تعالى من ~~طريق التوقيف إلا وقد بلغ # PageV01P246 # النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ووقف الكافة عليه، وإذا عرفته الكافة فغير ~~جائز عليها ترك النقل والاقتصار على ما ينقله الواحد منهم بعد الواحد; ~~لأنهم مأمورون بنقله، وهم الحجة على ذلك المنقول إليهم، وغير جائز لها ~~تضييع موضع الحجة; فعلمنا بذلك أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم ~~توقيف في هذه الأمور ونظائرها. وجائز أن يكون كان منه قول يحتمل المعاني ~~فحمله الناقلون الأفراد على الوجه الذي ظنوه دون الوجه الآخر، نحو الوضوء ~~من مس الذكر يحتمل غسل اليد على نحو قوله عليه السلام: "إذا استيقظ أحدكم ~~من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الإناء فإنه لا يدري أين باتت ~~يده". وقد بينا أصل ذلك في أصول الفقه. وبتضييع هذا الأصل دخلت الشبهة على ~~قوم في انتحالهم القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على رجل بعينه ~~واستخلفه على الأمة، وأن الأمة كتمت ذلك، وأخفته; فضلوا وأضلوا وردوا معظم ~~شرائع الإسلام، وادعوا فيه أشياء ليست لها حقيقة ولا ثبات لا من ms0340 جهة نقل ~~الجماعات ولا من جهة نقل الآحاد، وطرقوا للملحدين أن يدعوا في الشريعة ما ~~ليس منها، وسهلوا للإسماعيلية والزنادقة السبيل إلى استدعاء الضعفة ~~والأغمار إلى أمر مكتوم زعموا حين أجابوهم إلى تجويز كتمان الإمامة مع ~~عظمها في النفوس وموقعها من القلوب، فحين سمحت نفوسهم بالإجابة إلى ذلك ~~وضعوا لهم شرائع زعموا أنها من المكتوم، وتأولوها تأويلات زعموا أن ذلك ~~تأويل الإمام، فسلخوهم من الإسلام وأدخلوهم في مذهب الخرمية في حال ~~والصابئين في أخرى على حسب ما صادفوا من قبول المستجيبين لهم وسماحة أنفسهم ~~بالتسليم لهم ما ادعوه. وقد علمنا أن مجوز كتمان ذلك لا يمكنه إثبات نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا تصحيح معجزاته وكذلك سائر الأنبياء; لأن ~~مثلهم مع كثرة عددهم واختلاف هممهم وتباعد أوطانهم إذا جاز عليهم كتمان أمر ~~الإمامة فجائز عليهم أيضا التواطؤ على الكذب; إذ كان ما يجوز فيه التواطؤ ~~على الكتمان فجائز فيه التواطؤ على وضع خبر لا أصل له، فيوجب ذلك أن لا ~~نأمن أن يكون المخبرون بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم كانوا متواطئين ~~على ذلك كاذبين فيه كما تواطئوا على كتمان النص على الإمام. ومن جهة أخرى ~~أن الناقلين لمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين زعمت هذه الفرقة ~~الضالة أنها كفرت، وارتدت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بكتمانها أمر ~~الإمام، وأن الذين لم يرتدوا منهم كانوا خمسة أو ستة، وخبر هذا القدر من ~~العدد لا يوجب العلم ولا تثبت به معجزة، وخبر الجم الغفير والجمهور الكثير ~~منهم غير مقبول عندهم لجواز اجتماعهم عندهم على الكذب، فصار صحة النقل ~~مقصورة على العدد اليسير، فلزمهم دفع معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإبطال نبوته. # فإن قيل أمر الأذان والإقامة ورفع اليدين في تكبير الركوع وتكبيرات ~~العيدين وأيام # PageV01P247 # التشريق مما عمت البلوى به; وقد اختلفوا فيه، فكل من يروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيه شيئا فإنما يرويه من طريق الآحاد، فلا يخلو حينئذ ذلك ~~من أحد وجهين: ms0341 إما أن يكون لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف ~~للكافة مع عموم الحاجة إليه. وفي هذا ما يبطل أصلك الذي بنيت عليه من أن كل ~~ما بالناس إليه حاجة عامة فلا بد أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم ~~توقيف الأمة عليه، أو أن يكون قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف ~~للكافة على شيء بعينه فلم تنقله حين ورد إلينا من طريق الآحاد، وفي ذلك هدم ~~قاعدتك أيضا في اعتبار نقل الكافة فيما عمت به البلوى قيل له: هذا سؤال من ~~لم يضبط الأصل الذي بنينا عليه الكلام في المسألة، وذلك أنا قلنا ذلك فيما ~~يلزم الكافة ويكونون متعبدين فيه بفرض لا يجوز لهم تركه ولا مخالفته، وذلك ~~مثل الإمامة والفروض التي تلزم العامة، أما ما ليس بفرض فهم مخيرون في أن ~~يفعلوا ما شاءوا منه، وإنما الخلاف بين الفقهاء فيه في الأفضل منه وليس على ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيفهم على الأفضل مما خيرهم فيه; وهذا سبيل ما ~~ذكرت من أمر الأذان والإقامة وتكبير العيدين والتشريق ونحوها من الأمور ~~التي نحن مخيرون فيها، وإنما الخلاف بين الفقهاء في الأفضل منها; فلذلك جاز ~~ورود بعض الأخبار فيه من طريق الآحاد، ويحمل الأمر على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كان منه جميع ذلك تعليما منه وجه التخيير، وليس ذلك مثل ما قد ~~وقفوا عليه وحظر عليهم مجاوزته وتركه إلى غيره مع عموم بلواهم به، فالذي ~~ذكرناه من الخبر عن رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علة من الأصل الذي ~~قدمنا أن ما عمت به البلوي فسبيل وروده أخبار التواتر الموجبة للعلم; وأما ~~إذا كان بالسماء علة فإن مثله يجوز خفاؤه على الجماعة حتى لا يراه منهم إلا ~~الواحد والاثنان من خلل السحاب إذا انجاب عنه لم يستره قبل أن يتبينه ~~الآخرون; فلذلك قبل فيه خبر الواحد والاثنين ولم يشترط فيه ما يوجب العلم. # وإنما قبل أصحابنا خبر الواحد في هلال رمضان، ms0342 لما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ~~سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا ~~أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال، فأتي ~~به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله؟ " قال: نعم وشهد أنه رأى الهلال; فأمر بلالا أن ينادي في الناس، ~~فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا. قال أبو داود: وأن يقوموا، كلمة لم ~~يقلها إلا حماد بن سلمة. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد وعبد ~~الله بن عبد الرحمن السمرقندي وأنا بحديثه أتقن قالا: حدثنا مروان بن محمد، # PageV01P248 # عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، ~~عن أبيه، عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. وأيضا فإن صوم رمضان فرض ~~يلزم من طريق الدين، فإذا تعذر وجود الاستفاضة فيه وجب قبول أخبار الآحاد ~~كأخبار الآحاد المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع الذي ~~ليس من شرطه الاستفاضة، ولذلك قبلوا خبر المرأة والعبد والمحدود في القذف ~~إذا كان عدلا كما يقبل في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما ~~عاضد القياس من الآثار المروية فيه. # وأما هلال شوال وذي الحجة فإنهم لم يقبلوا فيه إلا شهادة رجلين عدلين ممن ~~تقبل شهادتهم في الأحكام، لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز قال: أخبرنا سعيد بن سليمان قال: ~~حدثنا عباد عن أبي مالك الأشجعي قال: حدثنا حسين بن الحارث الجدلي من جديلة ~~قيس، أن أمير مكة خطب ثم قال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~ننسك ms0343 لرؤية الهلال، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما فسألت ~~الحسين بن الحارث: من أمير مكة؟ فقال: لا أدري. ثم لقيني بعد ذلك فقال: هو ~~الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ~~ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومأ بيده إلى رجل. ~~قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: عبد ~~الله بن عمر; وصدق، كان أعلم بالله منه فقال: بذلك أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فقوله "أمرنا أن ننسك لرؤية الهلال" إنما هو على صلاة ~~العيد والذبح يوم النحر لوقوع اسم النسك عليهما دون صوم رمضان; لأن الصوم ~~لا يتناوله هذا الاسم مطلقا، وقد يتناول الصلاة والذبح، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] فجعل النسك غير ~~الصيام؟ والدليل على أن النسك يقع على صلاة العيد حديث البراء بن عازب، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر: "إن أول نسكنا في يومنا هذا ~~الصلاة ثم الذبح"; فسمى الصلاة نسكا. وقد سمى الله الذبح نسكا في قوله: {إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله} [الأنعام: 162] وفي قوله: {أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] فثبت بذلك أن قوله "عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن ننسك بشهادة شاهدي عدل" قد انتظم صلاة العيد للفطر والذبح يوم النحر، ~~فوجب أن لا يقبل فيه أقل من شاهدين، ومن جهة أخرى أن الاستظهار بفعل الفرض ~~أولى من الاستظهار بتركه، فاستظهروا للفطر بشهادة رجلين لأن الإمساك فيما ~~لا صوم فيه خير من الأكل في يوم الصوم. # فإن قيل: في هذا ترك الاستظهار; لأنه جائز أن يكون يوم الفطر وقد شهد به ~~شاهد، # PageV01P249 # فإذا لم تقبل شهادته واعتبرت الاستظهار برجلين فلست تأمن أن تكون صائما ~~يوم الفطر، وفيه مواقعة المحظور وضد الاحتياط. قيل له: إنما حظر علينا ~~الصوم فيه إذا علمنا أنه يوم الفطر، ms0344 فأما إذا لم يثبت عندنا أنه يوم الفطر ~~فالصيام فيه غير محظور، فإذا لم يثبت يوم الفطر ووقفنا بين فعل الصوم وتركه ~~كان فعله أحوط من تركه لما بينا حتى يثبت أنه يوم الفطر بشهادة من يقطع ~~الحقوق بشهادته. # وقوله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} يدل على النهي عن صيام يوم ~~الشك من رمضان; لأن الشاك غير شاهد للشهر; إذ هو غير عالم به، فغير جائز له ~~أن يصومه عن رمضان ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين" فحكم لليوم الذي غم ~~علينا هلاله بأنه من شعبان، وغير جائز أن يصام شعبان عن رمضان مستقبلا. ~~ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الفضل بن المخلد المؤدب ~~قال: حدثنا محمد بن ناصح قال: حدثنا بقية عن علي القرشي قال: أخبرني أحمد ~~بن عجلان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صوم يوم الدأدأة. وهو اليوم الذي يشك فيه لا يدرى من شعبان هو ~~أم من رمضان حدثنا محمد بن بكر: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن نمير قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن ~~صلة قال: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتي بشاة، فتنحى بعض القوم، ~~فقال عمار: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ~~حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، ولا تقدموا بين يديه ~~بصيام يوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم". # ومعاني هذه الآثار موافقة لدلالة قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} ولا يرى أصحابنا بأسا بأن يصومه تطوعا; ms0345 لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما حكم بأنه من شعبان فقد أباح صومه تطوعا. # وقد اختلف في الهلال يرى نهارا، فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي: ~~إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم بين رؤيته قبل ~~الزوال وبعده. وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد الله بن مسعود ~~وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعطاء وجابر بن ~~زيد. وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان: إحداهما: أنه إذا رأى الهلال قبل ~~الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة; وبه ~~أخذ أبو يوسف والثوري. وروى سفيان الثوري # PageV01P250 # عن الركين بن الربيع عن أبيه قال: كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت ~~الهلال ضحى فأخبرته، فجاء فقام تحت شجرة فنظر إليه، فلما رآه أمر الناس أن ~~يفطروا. # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} وقد كان هذا الرجل ~~مخاطبا بفعل الصوم في آخر رمضان مرادا بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فواجب أن يكون داخلا في ~~خطاب قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} لأن الله تعالى لم يخص حالا من ~~حال، فهو على سائر الأحوال سواء رأى الهلال بعد ذلك أو لم يره. ويدل عليه ~~أيضا اتفاق الجميع على أن رؤيته بعد الزوال لم يزل عنه الخطاب بإتمام الصوم ~~بل كان داخلا في حكم اللفظ، فكذلك رؤيته قبل الزوال لدخوله في عموم اللفظ. ~~ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته" ومعلوم أن مراده صوم يستقبله بعد الرؤية; والدلالة على ذلك من ~~وجهين: أحدهما: استحالة الأمر بصوم يوم ماض، والآخر اتفاق المسلمين على أنه ~~إذا رأى الهلال في آخر ليلة من شعبان كان عليه صيام ما يستقبل من الأيام. ~~فثبت أن قوله عليه السلام: "صوموا لرؤيته" إنما ms0346 هو صوم بعد الرؤية، فمن رأى ~~الهلال نهارا قبل الزوال في آخر يوم من شعبان لزمه صوم ما يستقبل دون ما ~~مضى لقصور مراد النبي صلى الله عليه وسلم على صوم يفعله بعد الرؤية. وأيضا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين" فأوجب بذلك اعتبار الثلاثين لكل شهر يخفى علينا رؤية الهلال ~~فيه، فلو احتمل الهلال الذي رأى نهارا الليلة الماضية واحتمل الليلة ~~المستقبلة لكان الاحتمال لذلك جاعله في حكم ما خفي علينا رؤيته، فواجب أن ~~يعد الشهر ثلاثين يوما بقضية قوله عليه السلام. # فإن قيل: لما قال صلى عليه السلام: "وأفطروا لرؤيته" اقتضى ظاهر الأمر ~~بالإفطار أي وقت رأى الهلال فيه، فلما اتفق الجميع على أنه مزجور عن ~~الإفطار لرؤيته بعد الزوال خصصناه منه وبقي حكم العموم في رؤيته قبل ~~الزوال. قيل له: مراده صلى الله عليه وسلم رؤيته ليلا، بدلالة أن رؤيته بعد ~~الزوال لا توجب له الإفطار; لأنه رآه نهارا، وكذلك حكمه قبل الزوال لوجود ~~هذا المعنى. وأيضا لو كان ذلك محمولا على حقيقته لاقتضى أن يكون ما بعد ~~الرؤية من ذلك اليوم من شوال وما قبله من رمضان لحصول اليقين بأن مراده ~~الإفطار لرؤية متقدمة لا لرؤية متأخرة عنه، لاستحالة أمره بالإفطار في وقت ~~قد تقدم الرؤية، فيوجب ذلك أن يكون ما بعد الرؤية من هذا اليوم من شوال، ~~وما قبلها من رمضان، فيكون الشهر تسعة وعشرين يوما، وبعض يوم. # PageV01P251 # وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم للشهر بأحد عددين من ثلاثين أو تسعة ~~وعشرين، لقوله عليه السلام: "الشهر تسعة وعشرون" وقوله: "الشهر ثلاثون" ~~واتفقت الأمة على وجوب اعتقاد معنى هذا الخبر في أن الشهر لا ينفك من أن ~~يكون على أحد العددين اللذين ذكرنا، وأن الشهور التي تتعلق بها الأحكام لا ~~تكون إلا على أحد وجهين دون أن يكون تسعا وعشرين وبعض يوم، وإنما النقصان ~~والزيادة بالكسور إنما يكون في غير الشهور الإسلامية، نحو شهور الروم التي ms0347 ~~منها ما هو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم وهو شباط إلا في السنة الكبيسة ~~فإنه يكون تسعة وعشرين يوما، ومنها ما هو واحد وثلاثون ومنها ما هو ثلاثون، ~~وليس ذلك في الشهور الإسلامية. كذلك فلما امتنع أن يكون الشهر إلا ثلاثين ~~يوما أو تسعة وعشرين يوما علمنا أنه لم يرد بقوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته" إلا أن يرى ليلا، وأنه لا اعتبار برؤيته نهارا لإيجابه كون بعض يوم ~~من هذا الشهر وبعضه من شهر غيره. وأيضا فإن الذي قال: "صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته" هو الذي قال: "فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" ورؤيته نهارا في ~~معنى ما قد غمي علينا لاشتباه الأمر في كونه لليلة الماضية أو المستقبلة، ~~وذلك يوجب عده ثلاثين. وأيضا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب أو قترة فعدوا ~~ثلاثين" رواه ابن عباس، وقد تقدم ذكر سنده; فحكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~للهلال الذي قد حال بيننا وبينه حائل من سحاب بحكم ما لم ير لو لم يكن ~~سحاب، مع العلم بأنه لو لم يكن بيننا وبينه حائل من سحاب لرئي، لولا ذلك لم ~~يكن لقوله: "فإن حال بينكم وبينه سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين" معنى; لأنه لو ~~كان يستحيل وقوع العلم لنا بأن بيننا وبينه حائلا من سحاب لما قال عليه ~~السلام: "فإن حال بينكم وبينه سحاب فعدوا ثلاثين" فيجعل ذلك شرطا لعد ~~ثلاثين مع علمه باليأس من وقوع علمنا بذلك. وإذا كان ذلك كذلك فقد اقتضى ~~هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم أنا متى علمنا أن بيننا وبين الهلال ~~حائلا من سحاب لو لم يكن لرأيناه أن نحكم لهذا اليوم بغير حكم الرؤية، ~~فاعتبار عدم الرؤية من الليل فيما رأيناه نهارا أولى، فأوجب ذلك أن يكون ~~حكم هذا اليوم حكم ما قبله ويكون من الشهر الماضي دون المستقبل لعدم الرؤية ~~من الليل، بل هو أضعف أمرا مما حال بيننا وبين ms0348 رؤيته سحاب; لأن ذلك قد يحيط ~~العلم به وهذا لا يحيط علمنا بأنه من الليلة الماضية بل أحاط العلم بأنا لم ~~نره الليلة الماضية مع عدم الحائل بيننا وبينه من سحاب أو غيره، والله ~~الموفق للصواب. # PageV01P252 # باب قضاء رمضان # قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} . # PageV01P252 # قال الشيخ أبو بكر: قد دل ما تلونا من الآية على جواز قضاء رمضان متفرقا ~~من ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوله: {فعدة من أيام أخر} قد أوجب القضاء في أيام ~~منكورة غير معينة، وذلك يقتضي جواز قضائه متفرقا إن شاء أو متتابعا; ومن ~~شرط فيه التتابع فقد خالف ظاهر الآية من وجهين: أحدهما: إيجاب صفة زائدة ~~غير مذكورة في اللفظ، وغير جائز الزيادة في النص إلا بنص مثله، ألا ترى أنه ~~لما أطلق الصوم في ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لم يلزمه التتابع; إذ ~~هو غير مذكور فيه؟ والآخر: تخصيصه القضاء في أيام غير معينة، وغير جائز ~~تخصيص العموم إلا بدلالة. والوجه الثاني: قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر} فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي ~~إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية. والوجه ~~الثالث: قوله تعالى: {ولتكملوا العدة} يعني والله أعلم قضاء عدد الأيام ~~التي أفطر فيها; وكذلك روي عن الضحاك وعبد الله بن زيد بن أسلم. فأخبر الله ~~أن الذي يريده منا إكمال عدد ما أفطر، فغير سائغ لأحد أن يشترط فيه غير هذا ~~المعنى لما فيه من الزيادة في حكم الآية، وقد بينا بطلان ذلك في مواضع. # وقد اختلف السلف في ذلك، فروي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن ~~الجراح وأنس بن مالك وأبي هريرة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء قالوا: ~~"إن شئت قضيته متفرقا وإن شئت متتابعا". وروى شريك عن أبي إسحاق عن الحارث ~~عن علي قال: ms0349 اقض رمضان متتابعا فإن فرقته أجزأك. وروى الحجاج عن أبي إسحاق ~~عن الحارث عن علي في قضاء رمضان قال: لا يفرق وجائز أن يكون ذلك على وجه ~~الاستحباب، وأنه إن فرق أجزأه، كما رواه شريك وروي عن ابن عمر في قضاء ~~رمضان: صمه كما أفطرته. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يقولون قضاء ~~رمضان متتابع. وروى مالك عن حميد بن قيس المكي قال: كنت أطوف مع مجاهد ~~فسأله رجل عن صيام من أفطر في رمضان أيتابع؟ قلت: لا فضرب مجاهد في صدري ~~وقال: إنها في قراءة أبي متتابعات. وقال عروة بن الزبير: يتابع. وقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والأوزاعي والشافعي: إن شاء تابع وإن شاء فرق. ~~وقال مالك والثوري والحسن بن صالح: يقضيه متتابعا أحب إلينا، وإن فرق ~~أجزأه. فحصل من إجماع فقهاء الأمصار جواز قضائه متفرقا، وقد قدمنا ذكر ~~دلالة الآية عليه. # وقد روى حماد عن سلمة، عن سماك بن حرب، عن هارون بن أم هانئ أو ابن بنت ~~أم هانئ: أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها فضل شرابه فشربت، ثم قالت: يا ~~رسول الله إني كنت صائمة، وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال: "إن كان من قضاء ~~رمضان فصومي يوما مكانه، # PageV01P253 # وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضيه، وإن شئت فلا تقضيه" فأمرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقضاء يوم مكانه ولم يأمرها باستئناف الصوم إن كان ذلك منه ~~فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن التتابع غير واجب. والثاني: أنه ليس بأفضل ~~من التفريق; لأنه لو كان أفضل منه لأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إليه ~~وبينه لها. # ومما يدل على ذلك من طريق النظر أن صوم رمضان نفسه غير متتابع، وإنما هو ~~في أيام متجاورة، وليس التتابع من شرط صحته، بدلالة أنه لو أفطر منه يوما ~~لم يلزمه استقبال الصوم وجاز ما صام منه غير متتابع، فإذا لم يكن أصله ~~متتابعا فقضاؤه أحرى بأن لا يكون متتابعا، ولو كان صوم رمضان متتابعا لكان ~~إذا ms0350 أفطر منه يوما لزمه التتابع، ألا ترى أنه إذا أفطر يوما من الشهرين ~~المتتابعين لزمه استئنافهما؟. # فإن قيل: قد أطلق الله تعالى صيام كفارة اليمين غير معقود بشرط التتابع، ~~وقد شرطتم ذاك فيه وزدتم في نص الكتاب. قيل له: لأنه قد ثبت أنه كان في حرف ~~عبد الله "متتابعات" وروى يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون قال: سألت ~~إبراهيم عن الصيام في كفارة اليمين فقال: كما في قراءتنا "فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات". وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان ~~أبي يقرؤها: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقد بينا ذلك مستقصى في أصول ~~الفقه. # فإن قيل: لما قال الله: {فعدة من أيام أخر} وكان الأمر عندنا جميعا على ~~الفور وجب أن يلزمه القضاء في أول أحوال الإمكان من غير تأخير، وذلك يقتضي ~~تعجيل قضائه يوما بعد يوم، وفي وجوب ذلك إلزام التتابع. قيل له: ليس كون ~~الأمر على الفور من لزوم التتابع في شيء، ألا ترى أن ذلك إنما يلزم على ~~الفور على حسب الإمكان، وأنه لو أمكنه صوم أول يوم فصامه ثم مرض فأفطر لم ~~يلزمه من كون الأمر على الفور التتابع ولا استئناف اليوم الذي أفطر فيه؟ ~~فدل ذلك على أن لزوم التتابع غير متعلق بكون الأمر بالقضاء على الفور دون ~~المهلة، وأن التتابع له صفة أخرى غيره والله أعلم. # PageV01P254 # باب في جواز تأخير قضاء رمضان # قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فأوجب ~~العدة في أيام غير معينة في الآية، فقال أصحابنا: "جائز له أن يصوم أي وقت ~~يشاء" ولا يحفظ عنهم رواية في جواز تأخيره إلى انقضاء السنة. والذي عندي ~~أنه لا يجوز تأخيره إلى أن يدخل رمضان آخر، وهو عندي على مذهبهم وذلك لأن ~~الأمر عندهم إذا كان غير موقت فهو على الفور، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. ~~وإذا كان كذلك فلو لم يكن # PageV01P254 # قضاء رمضان موقتا بالسنة لما جاز له التأخير ms0351 عن ثاني يوم الفطر، إذ غير ~~جائز أن يلحقه التفريط بالتأخير من غير علم منه بآخر وقت وجوب الفرض الذي ~~لا يجوز له تأخيره عنه، كما لا يجوز ورود العبارة بفرض مجهول عند المأمور ~~ثم يلحقه التعنيف واللوم بتركه قبل البيان لا فرق بينهما. وإذا كان كذلك، ~~وقد علمنا أن مذهبهم جواز تأخير قضاء رمضان عن أول أوقات إمكان قضائه، ثبت ~~أن تأخيره موقت بمضي السنة، فكان ذلك بمنزلة وقت الظهر لما كان أوله وآخره ~~معلومين جاز ورود العبادة بفعلها من أوله إلى آخره وجاز تأخيرها إلى الوقت ~~الذي يخاف فوتها بتركها; لأن آخر وقتها الذي يكون مفرطا بتأخيرها معلوم. # وقد روي جواز تأخيره في السنة عن جماعة من السلف; وروى يحيى بن سعيد عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة: إن كان ليكون علي الصوم من شهر ~~رمضان فما استطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. وروي عن عمر وأبي هريرة قالا: ~~لا بأس بقضاء رمضان في العشر وكذلك عن سعيد بن جبير. وقال عطاء وطاوس ~~ومجاهد: اقض رمضان متى شئت. فهؤلاء السلف قد اتفقوا على جواز تأخيره عن أول ~~أوقات إمكان قضائه. # وقد اختلف الفقهاء فيمن أخر القضاء حتى حضر رمضان آخر، فقال أصحابنا ~~جميعا: "يصوم الثاني عن نفسه ثم يقضي الأول ولا فدية عليه". وقال مالك ~~والثوري والشافعي والحسن بن صالح: إن فرط في قضاء الأول أطعم مع القضاء كل ~~يوم مسكينا. وقال الثوري والحسن بن حي: لكل يوم نصف صاع بر. وقال مالك ~~والشافعي: كل يوم مدا، وإن لم يفرط بمرض أو سفر فلا إطعام عليه. وقال ~~الأوزاعي: وإذا فرط في قضاء الأول ومرض في الآخر حتى انقضى ثم مات فإنه ~~يطعم عن الأول لكل يوم مدين: مدا لتضييعه ومدا للصيام، ويطعم عن الآخر مدا ~~لكل يوم. واتفق من تقدم ذكر قوله قبل الأوزاعي أنه إذا مرض في رمضان ثم ما ~~قبل أن يصح أنه لا يجب أن يطعم عنه. # وحدثنا عبد الباقي بن قانع ms0352 قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: ~~حدثنا إبراهيم بن إسحاق الضبي قال: حدثنا قيس عن الأسود بن قيس عن أبيه عن ~~عمر بن الخطاب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى بأسا بقضاء ~~رمضان في ذي الحجة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ~~يحيى بن إسحاق قال: حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي تميم ~~الجيشاني قال: جمعنا المجلس بطرابلس ومعنا وهيب بن معقل الغفاري وعمرو بن ~~العاص صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو: أفصل # PageV01P255 # رمضان، وقال الغفاري: لا نفرق بين رمضان، فقال عمرو: نفرق بين قضاء رمضان ~~إنما قال الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} . وحدثنا عبد الله بن عبد ربه ~~البغلاني قال: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني قال: حدثنا بقية عن سليمان بن ~~أرقم عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله علي أيام من رمضان ~~أفأفرق بينه؟ قال: "نعم أرأيت لو كان عليك دين فقضيته متفرقا أكان يجزيك؟ " ~~قال: نعم قال: "فإن الله أحق بالتجاوز والعفو". # فهذه الأخبار كلها تنبئ عن جواز تأخير قضاء رمضان عن أول وقت إمكان ~~قضائه. وقد روي عن جماعة من الصحابة إيجاب الفدية على من أخر قضاء رمضان ~~إلى العام القابل، منهم ابن عباس; روي عن يزيد بن هارون عن عمرو بن ميمون ~~بن مهران عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: مرضت رمضانين، فقال ابن ~~عباس: أستمر بك مرضك أو صححت فيما بينهما؟ قال: بل صححت فيما بينهما؟ قال: ~~أكان هذا؟ قال: لا قال: فدعه حتى يكون فقام إلى أصحابه فأخبرهم، فقالوا: ~~ارجع فأخبره أنه قد كان فرجع هو أو غيره وسأله فقال: أكان هذا؟ قال: نعم ~~قال: صم رمضانين وأطعم ثلاثين مسكينا وقد روى روح بن عبادة عن عبد الله بن ~~عمر عن نافع عن ابن عمر في رجل فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، ~~قال: يصوم الذي أدركه ms0353 ويطعم عن الأول كل يوم مدا من بر ولا قضاء عليه وهذا ~~يشبه مذهبه في الحامل أنها تطعم ولا قضاء عليها مع ذلك. وقد روي عن أبي ~~هريرة مثل قول ابن عباس وقد روي عن ابن عمر في ذلك قول آخر; روى حماد بن ~~سلمة عن أيوب وحميد عن أبي يزيد المدني، أن رجلا احتضر فقال لأخيه: إن لله ~~علي دينا وللناس علي دين فابدأ بدين الله فاقضه ثم اقض دين الناس، إن علي ~~رمضانين لم أصمهما، فسأل ابن عمر فقال: بدنتان مقلدتان فسأل ابن عباس ~~وأخبره بقول ابن عمر فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن ~~الصوم؟ أطعم عن أخيك ستين مسكينا قال أيوب: وكانوا يرون أنه قد كان صح ~~بينهما وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران قال: سمعت يحيى بن أكثم أنه يقول: ~~وجدته يعني وجوب الإطعام عن ستة من الصحابة ولم أجد لهم من الصحابة مخالفا ~~وهذا جائز أن يريد به من مات قبل القضاء. # وقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} قد دل على جواز التفريق، وعلى جواز ~~التأخير وعلى أن لا فدية عليه; لأن في إيجاب الفدية مع القضاء زيادة في ~~النص، ولا تجوز الزيادة في النص إلا بنص مثله وقد اتفقوا على أن تأخيره إلى ~~آخر السنة لا يوجب الفدية، وأن الآية إنما أوجبت قضاء العدة دون غيرها من ~~الفدية، ومعلوم أن قضاء العدة # PageV01P256 # في السنة الثانية واجب بالآية، فغير جائز أن يكون المراد في بعض ما ~~انتظمته الآية القضاء دون الفدية وفي بعضه القضاء والفدية مع دخولهما فيها ~~على وجه واحد، ألا ترى أنه غير جائز أن يكون على بعض السراق المراد بالآية ~~القطع وزيادة غرم؟ وكذلك لا يجوز أن يكون بعضهم لا يقطع إلا في عشرة وبعضهم ~~يقطع فيما دونها، كذلك لا يجوز أن يكون بعض المرادين بقوله: {فعدة من أيام ~~أخر} مخصوصا بإيجاب القضاء دون الفدية وبعضهم مراد بالقضاء والفدية. # ومن جهة أخرى غير جائز إثبات الكفارات إلا من ms0354 طريق التوقيف أو الاتفاق، ~~وذلك معدوم فيما وصفنا، فلم يجز إثبات الفدية قياسا وأيضا فإن الفدية ما ~~قام مقام الشيء وأجزأ عنه، فإنما يختص وجوبها بمن لا يجب عليه القضاء ~~كالشيخ الكبير ومن مات مفرطا قبل أن يقضي، أما اجتماع الفدية والقضاء ~~فممتنع على ما بينا في باب الحامل والمرضع، فمذهب ابن عمر في هذا أظهر في ~~إيجابه دون القضاء من مذهب من جمعهما ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي قدمنا ذكره. على أن تأخيره لا يوجب الفدية من وجهين: ~~أحدهما: أنه لم يذكر الفدية عند ذكر التفريق، ولو كان تأخيره يوجب الفدية ~~لبينه صلى الله عليه وسلم. والثاني: تشبيهه إياه بالدين، ومعلوم أن تأخير ~~الدين لا يلزمه شيئا غير قضائه، فكذلك ما شبهه به من قضاء رمضان. # فإن قيل: لما اتفقنا على أنه منهي عن تأخيره إلى العام القابل وجب أن ~~يجعل مفرطا بذلك، فيلزمه الفدية، كما لو مات قبل أن يقضيه لزمته الفدية ~~بالتفريط. قيل له: إن التفريط لا يلزمه الفدية إنما الذي يلزمه الفدية فوات ~~القضاء بعد الإمكان بالموت; والدليل على ذلك أنه لو أكل في رمضان متعمدا ~~كان مفرطا، وإذا قضاه في تلك السنة لم تلزمه الفدية عند الجميع، فدل ذلك ~~على أن حصول التفريط منه ليس بعلة لإيجاب الفدية. # وحكى علي بن موسى القمي أن داود الأصفهاني قال: يجب على من أفطر يوما من ~~رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط فخرج بذلك ~~عن اتفاق السلف والخلف معا وعن ظاهر قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} وقوله: ~~{ولتكملوا العدة} وخالف السنن التي روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك; قال علي بن موسى: فقلت له: لم قلت ذلك؟ قال: لأنه إن لم يصم اليوم ~~الثاني من شوال فمات فكل أهل العلم يقولون إنه آثم مفرط فدل ذلك على أن ~~عليه أن يصوم ذلك اليوم; لأنه لو كان موسعا له أن يصومه بعد ms0355 ذلك ما لزمه ~~التفريط إن مات من ليلته. قال: فقلت له: ما تقول في رجل وجب عليه عتق رقبة ~~فوجد رقبة تباع بثمن موافق، هل له أن يتعداها # PageV01P257 # ويشتري غيرها؟ فقال: لا فقلت: لم؟ قال: لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة ~~يجدها، فإذا وجد رقبة لزمه الفرض فيها، وإذا لزمه في أول رقبة لم يجزه ~~غيرها إذا كان واجدا لها. فقلت: فإن اشترى رقبة غيرها وهو واجد للأولى؟ ~~فقال: لا يجزيه ذلك. قلت: فإن كان عنده رقبة فوجب عليه عتق رقبة هل يجزيه ~~أن يشتري غيرها؟ قال: لا فقلت: لأن العتق صار عليه فيها دون غيرها؟ فقال: ~~نعم فقلت: فما تقول إن ماتت هل يبطل عنه العتق كما أن من نذر أن يعتق رقبة ~~بعينها فماتت يبطل نذره؟ فقال: لا بل عليه أن يعتق غيرها; لأن هذا إجماع ~~فقلت: وكذلك من وجب عليه رقبة بالإجماع أن له أن يعتق غيرها. فقال: عمن ~~تحكي هذا الإجماع؟ فقلت له: وعمن تحكي أنت الإجماع الأول؟ فقال: الإجماع لا ~~يحكى. فقلت: والإجماع الثاني أيضا لا يحكى وانقطع. # قال أبو بكر: وجميع ما قاله داود من تعيين فرض القضاء باليوم الثاني من ~~شوال وأن من وجب عليه رقبة فوجدها أنه لا يتعداها إلى غيرها خلاف إجماع ~~المسلمين كلهم، وما ادعاه على أهل العلم بأنهم يجعلونه مفرطا إذا مات، وقد ~~أخره عن اليوم الثاني فليس كما ادعى، فإن من جعل له التأخير إلى آخر السنة ~~لا يجعله مفرطا بالموت; لأن السنة كلها إلى أن يجيء رمضان ثان وقت القضاء ~~موسع له في التأخير كوقت الصلاة أنه لما كان موسعا عليه في التأخير من أوله ~~إلى آخره لم يكن مفرطا بتأخيره إن مات قبل مضي الوقت، فكذلك يقولون في قضاء ~~رمضان. # فإن قيل: لو لم يكن مفرطا لما لزمته الفدية إذا مات قبل مضي السنة ولم ~~يقضه. قيل له: ليس لزوم الفدية علما للتفريط; لأن الشيخ الكبير يلزمه ~~الفدية مع عدم التفريط، وقول داود الإجماع لا ms0356 يحكى خطأ، فإن الإجماع يحكى ~~كما تحكى النصوص، وكما يحكى الاختلاف، فإن أراد بذلك أن كل واحد من ~~المجمعين لا يحتاج إلى حكاية أقاويلهم بعد أن ينشر القول عن جماعة منهم وهم ~~حضور يسمعون ولا يخالفون، فإن ذلك على ما قال; ومع ذلك لا يجوز إطلاق القول ~~بأن الإجماع لا يحكى; لأن من الإجماع ما يحكى فيه أقاويل جماعتهم فيكون ما ~~يحكيه من إجماعهم حكاية صحيحة، ومنه ما يحكى أقاويل جماعة منهم منتشرة ~~مستفيضة مع سماع الآخرين لها وترك إظهار المخالفة، فهذا أيضا إجماع يحكى; ~~إذ كان ترك الآخرين إظهار النكير والمخالفة قائما مقام الموافقة; فهذان ~~الضربان من إجماع الخاصة والفقهاء يحكيان جميعا. وإجماع آخر، وهو ما تشترك ~~فيه الخاصة والعامة كإجماعهم على تحريم الزنا والربا ووجوب الاغتسال من ~~الجنابة والصلوات الخمس ونحوها، فهذه أمور قد علم # PageV01P258 # اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه اعتقاده والتدين ~~به; فإن عني هذا الضرب من الإجماع فقد يسوغ أن يقال: إن مثله لا يحكى، وقد ~~يسوغ أن يقال: إن هذا الضرب أيضا يحكى لعلمنا بإجماع أهل الصلاة على ~~اعتقاده والتدين به، فجائز أن يحكى عنهم اعتقادهم لذلك والتدين به وأنهم ~~مجمعون عليه، كما إذا ظهر لنا إسلام رجل وإظهار اعتقاده الإيمان أن يحكى ~~عنه أنه مسلم; وقال الله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار} [الممتحنة: 10] . وبالله التوفيق. # PageV01P259 # باب الصيام في السفر # قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في ~~السفر رخصة يسر الله بها علينا، ولو كان الإفطار فرضا لازما لزالت فائدة ~~قوله: {يريد الله بكم اليسر} فدل على أن المسافر مخير بين الإفطار وبين ~~الصوم كقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} وقوله: {فما استيسر من ~~الهدي} فكل موضع ذكر فيه اليسر ففيه الدلالة على التخيير. وروى عبد الرحيم ~~الجزري عن طاوس عن ابن ms0357 عباس قال: لا نعيب على من صام ولا على من أفطر; لأن ~~الله قال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فأخبر ابن عباس أن ~~اليسر المذكور فيه أريد به التخيير، فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه. ~~وأيضا فقال الله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ثم عطف عليه قوله: {ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فلم يوجب عليه الإفطار ولا الصوم، ~~والمسافر شاهد للشهر من وجهين: أحدهما: العلم به وحضوره، والآخر: أنه من ~~أهل التكليف، فهذا يدل على أنه من أهل الخطاب بصوم الشهر، وأنه مع ذلك مرخص ~~له في الإفطار. وقوله: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} معناه: ~~فأفطر فعدة من أيام أخر، كقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام} [البقرة: 196] المعنى: فحلق ففدية من صيام. ويدل على ~~أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه ولا قضاء عليه ~~إلا أن يفطر، فدل على أن الإفطار مضمر فيه. وإذا كان كذلك فذلك الضمير ~~بعينه هو مشروط للمسافر كهو للمريض لذكرهم جميعا في الآية على وجه العطف، ~~وإذا كان الإفطار مشروطا في إيجاب العدة فمن أوجب على المسافر القضاء إذا ~~صام فقد خالف حكم الآية. # واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم ~~المسافر غير شيء يروى عن أبي هريرة أنه قال: من صام في السفر فعليه القضاء ~~وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافا. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالخبر المستفيض الموجب # PageV01P259 # للعلم "بأنه صام في السفر" وثبت عنه أيضا إباحة الصوم في السفر، منه حديث ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ فقال عليه السلام: "إن شئت فصم وإن شئت ~~فأفطر" وروى ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ~~وأبو الدرداء ms0358 وسلمة بن المحبق صيام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر. # واحتج من أبى جواز صوم المسافر وأوجب عليه القضاء بظاهر قوله: {ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} قالوا: فالعدة واجبة في الحالين; إذ ~~ليس في الآية فرق بين الصائم والمفطر، وبما روى كعب بن عاصم الأشعري وجابر ~~بن عبد الله وأبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من البر ~~الصيام في السفر"، وبما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله الحضرمي قال: حدثنا إبراهيم بن منذر الحزامي قال: حدثنا عبد الله بن ~~موسى التيمي عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم في السفر كالمفطر في ~~الحضر"، وبما روى أنس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع". # فأما الآية فلا دلالة لهم فيها، بل هي دالة على جواز صوم المسافر لما ~~بيناه. وأما ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "ليس من البر الصيام في ~~السفر" فإنه كلام خرج عن حال مخصوصة، فهو مقصور الحكم عليها; وهي ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: ~~حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن محمد بن عمرو بن ~~الحسن، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ~~يظلل عليه والزحام عليه، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر". فجائز أن ~~يكون كل من روى ذلك فإنما حكى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في تلك ~~الحال، وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم واقتصر على حكاية قوله عليه ~~السلام. وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال ms0359 لهم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم ~~والفطر أقوى لكم فأفطروا! " فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم; ~~قال أبو سعيد: لقد رأيتني أصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وبعد ~~ذلك; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: ~~حدثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية عن ربيعة بن يزيد، أنه حدثه عن قزعة قال: ~~سألت أبا سعيد الخدري عن صيام رمضان في السفر; وذكر الحديث. فذكر أيضا في ~~هذا الحديث علة أمره بالإفطار، وأنها كانت; لأنه أقوى لهم على قتال عدوهم ~~وذلك; لأن الجهاد كان فرضا عليهم ولم يكن # PageV01P260 # فعل الصوم في السفر فرضا، فلم يكن جائزا لهم ترك الفرض لأجل الفضل. وأما ~~حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، فإن أبا سلمة ليس له سماع من أبيه، ~~فكيف يجوز ترك الأخبار المتواترة في جواز الصوم بحديث مقطوع لا يثبت عند ~~كثير من الناس؟ ومع ذلك فجائز أن يكون كلاما خرج على سبب وهو حال لزوم ~~القتال، مع العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم، فكان حكمه مقصورا على تلك ~~الحال; لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولما يؤدي إليه من ترك ~~الجهاد. وأما قوله: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل ~~والمرضع" فإنما يدل على أن الفرض لم يتعين عليه لحضور الشهر، وأن له أن ~~يفطر فيه، ولا دلالة فيه على نفي الجواز إذا صامه كما لم ينف جواز صوم ~~الحامل والمرضع. # وقال أصحابنا: "الصوم في السفر أفضل من الإفطار" وقال مالك والثوري: ~~الصوم في السفر أحب إلينا لمن قوي عليه. وقال الشافعي: إن صام في السفر ~~أجزأه. ومما يدل على أن الصوم فيه أفضل قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} إلى قوله: {وأن تصوموا خير لكم} وذلك عائد إلى ~~جميع المذكور في الآية، إذا ms0360 كان الكلام معطوفا بعضه على بعض فلا يخص شيء ~~منه إلا بدلالة، فاقتضى ذلك أن يكون صوم المسافر خيرا له من الإفطار. # فإن قيل: هو عائد على ما يليه دون ما تقدمه، وهو قوله: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} . قيل له: {كتب عليكم الصيام} خطابا للجميع من ~~المسافرين والمقيمين، فواجب أن يكون قوله: {وأن تصوموا خير لكم} خطابا ~~لجميع من شمله الخطاب في ابتداء الآية، غير جائز الاقتصار به على البعض. ~~وأيضا فقد ثبت جوازه عن الفرض بما قدمناه، وما كان كذلك فهو من الخيرات، ~~وقال الله: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] ومدح قوما فقال: {إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات} [الأنبياء: 90] فالمسارعة إلى فعل الخيرات وتقديمها ~~أفضل من تأخيرها. وأيضا فعل الفروض في أوقاتها أفضل من تأخيرها إلى غيرها. ~~وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يحج فليعجل" فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتعجيل الحج، فكذلك ينبغي أن يكون سائر الفرائض ~~المفعولة في وقتها أفضل من تأخيرها عن وقتها. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا عقبة بن مكرم قال: حدثنا أبو قتيبة قال: حدثنا ~~عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي قال: حدثني حبيب بن عبد الله قال: ~~سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من كانت له حمولة يأوي إلى # PageV01P261 # شبع فليصم رمضان حيث أدركه" وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا نصر بن المهاجر قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا عبد ~~الصمد بن حبيب قال: حدثني أبي عن سنان بن سلمة عن سلمة بن المحبق قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من أدركه رمضان في السفر ... " فذكر معناه. ~~فأمره بالصوم في السفر، وهذا على وجه الدلالة على الأفضلية لا على جهة ~~الإيجاب; لأنه لا خلاف أن الصوم في السفر غير واجب عليه. وقد روى عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك: ms0361 أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار، والله ~~أعلم. # PageV01P262 # باب من صام في السفر ثم أفطر # وقد اختلف في من صام في السفر ثم أفطر من غير عذر، فقال أصحابنا: عليه ~~القضاء ولا كفارة وكذلك لو أصبح صائما ثم سافر فأفطر، أو كان مسافرا فصام ~~وقدم فأفطر، فعليه القضاء في هذه الوجوه ولا كفارة عليه وذكر ابن وهب عن ~~مالك في الصائم في السفر إذا أفطر: عليه القضاء والكفارة وقال مرة: لا ~~كفارة. وروى ابن القاسم عن مالك أن عليه الكفارة وقال: لو أصبح صائما في ~~حضره ثم سافر فأفطر فليس عليه إلا القضاء وقال الأوزاعي: لا كفارة على ~~المسافر في الإفطار. وقال الليث: عليه الكفارة. # قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن كفارة رمضان تسقطها الشبهة، فهي بمنزلة ~~الحد; والدليل على ذلك أنها لا تستحق إلا بمأثم مخصوص كالحدود، فلما كانت ~~الحدود تسقطها الشبهة كانت كفارة رمضان بمثابتها، فإذا ثبت ذلك قلنا: إنه ~~متى أفطر في حال السفر فإن وجود هذه الحال مانع من وجوب الكفارة; لأن السفر ~~يبيح الإفطار فأشبه عقد النكاح وملك اليمين في إباحتهما الوطء وإن كانا غير ~~مبيحين لوطء الحائض، إلا أنهم متفقون على أن وجود السبب المبيح للوطء في ~~الأصل مانع من وجوب الحد. وإن لم يبح هذا الوطء بعينه، كذلك السفر وإن لم ~~يبح الإفطار بعد الدخول في الصوم فإنه يمنع وجوب الكفارة; إذ كان في الأصل ~~قد جعل سببا لإباحة الإفطار; فلذلك قلنا: إذا أفطر وهو مسافر فلا كفارة ~~عليه وقد روى ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفطر في السفر بعدما دخل في الصوم", وذلك لتعليم الناس جواز الإفطار فيه، ~~فغير جائز فيما كان هذا وصفه إيجاب الكفارة على المفطر فيه. ووجه آخر: وهو ~~أنه لما لم يكن فعل الصوم مستحقا عليه في السفر أشبه الصائم في قضاء رمضان ~~أو في صوم نذر أو كفارة، فلا تجب عليه الكفارة بإفطاره فيه; إذ كان لهبديا ~~أن ms0362 لا يصومه، ولم يكن لزوم # PageV01P262 # إتمامه بالدخول فيه موجبا عليه الكفارة عند الإفطار، فكذلك المسافر إذا ~~صام ثم أفطر، وأما إذا أصبح مقيما ثم سافر فأفطر فهو كما وصفنا من وجود ~~الحال المبيحة للإفطار وهي حال السفر، كوجود النكاح وملك اليمين في إباحة ~~الوطء وإن لم يبح وطء الحائض. # فإن قيل: فهذا لم يكن له في ابتداء النهار ترك الصوم لكونه مقيما فينبغي ~~أن يوجب عليه الكفارة; إذ كان فعل الصوم مستحقا عليه في ابتداء النهار. قيل ~~له: لا يجب ذلك; لأنه قد طرأ من الحال ما يمنع وجوب الكفارة وهو ما وصفنا، ~~وأما إذا كان مسافرا فقدم ثم أفطر فلا كفارة عليه، لأنه قد كان له أن لا ~~يصوم مبدئا فأشبه الصائم في قضاء رمضان وكفارة اليمين ونحوها. # واختلف في المسافر يفطر ثم يقدم من يومه والحائض تتطهر في بعض النهار، ~~فقال أصحابنا والحسن بن صالح والأوزاعي: عليهما القضاء ويمسكان بقية يومهما ~~عما يمسك عنه الصائم وهو قول عبيد الله بن الحسن، وقال ابن شبرمة في ~~المسافر إذا قدم ولم يأكل شيئا: إنه يصوم بقية يومه ويقضي، ولو طهرت المرأة ~~من حيضها فإنها تأكل ولا تصوم. وقال ابن القاسم عن مالك في المرأة تطهر ~~والمسافر يقدم وقد أفطر في السفر: إنه يأكل ولا يمسك وهو قول الشافعي; وروي ~~عن جابر بن زيد مثله، وروى الثوري عن عبد الله أنه قال: من أكل أول النهار ~~فليأكل آخره ولم يذكر سفيان عن نفسه خلاف ذلك وقال ابن القاسم عن مالك: لو ~~أصبح ينوي الإفطار وهو لا يعلم أنه من رمضان فإنه يكف عن الأكل والشرب ~~ويقضي، فإن أكل أو شرب بعد أن علم في يومه ذلك فلا كفارة عليه إلا أن يكون ~~أكل جرأة على ما ذكرت لك، فتجب عليه الكفارة. قال أبو بكر: لما اتفقوا على ~~أن من غم عليه هلال رمضان فأكل ثم علم به يمسك عما يمسك عنه الصائم، كذلك ~~الحائض والمسافر، والمعنى الجامع بينهما أن الحال الطارئة ms0363 عليهم بعد ~~الإفطار لو كانت موجودة في أول النهار كانوا مأمورين بالصيام، فكذلك إذا ~~طرأت عليهم وهم مفطرون أمروا بالإمساك. ويدل على صحة ذلك أيضا أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم الآكلين يوم عاشوراء بالإمساك مع إيجاب القضاء عليهم، ~~فصار ذلك أصلا في نظائره مما وصفنا، وأما قول مالك في إيجابه الكفارة عليه ~~إذا أكل جرأة على ذلك فلا معنى له; لأن هذه كفارة يختص وجوبها بإفساد الصوم ~~على وصف، وهذا الآكل لم يفسد صوما بأكله فلا تجب عليه فيه كفارة; والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P263 # باب في المسافر يصوم رمضان عن غيره # واختلف في المسافر يصوم رمضان عن واجب غيره، فقال أبو حنيفة: هو عما # PageV01P263 # نوى فإن صامه تطوعا فعنه روايتان: إحداهما: أنه عن رمضان، والأخرى: أنه ~~تطوع، وقال أبو يوسف ومحمد: هو عن رمضان في الوجهين جميعا وقال أصحابنا ~~جميعا في المقيم إذا نوى بصيامه واجبا غيره أو تطوعا: إنه عن رمضان ويجزيه ~~وقال الثوري والأوزاعي في امرأة صامت رمضان تطوعا فإذا هو من شهر رمضان: ~~أجزأها وقالا: من صام في أرض العدو تطوعا وهو لا يعلم أنه رمضان أجزى عنه ~~وقال مالك والليث: من صام في أول يوم من رمضان وهو لا يعلم أنه رمضان لم ~~يجزه. وقال الشافعي: ليس لأحد أن يصوم دينا ولا قضاء لغيره في رمضان، فإن ~~فعل لم يجزه لرمضان ولا لغيره. # قال أبو بكر: نبتدئ بعون الله تعالى بالكلام في المقيم يصوم رمضان تطوعا، ~~فنقول: الدلالة على صحة قول أصحابنا من طريق الظاهر وجوه: أحدها: قوله عز ~~وجل: {كتب عليكم الصيام} إلى قوله: {وأن تصوموا خير لكم} ولم يخصص صوما، ~~فهو على سائر ما يصومه من تطوع أو فرض في كونه مجزيا عن الفرض; لأنه لا ~~يخلو الصائم تطوعا أو واجبا غير أن يكون صوما عما نوى دون رمضان، أو يكون ~~ملغى لا حكم له بمنزلة من لم يصم، أو مجزيا عن رمضان; فلما كان وقوعه عما ~~نوى وكونه ملغى مانعين من أن ms0364 يكون هذا الصيام خيرا له بل يكون وقوعه عن ~~رمضان خيرا له، وجب أن لا يكون ملغى، ولا عما نوى من غير رمضان. ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ثم قال في نسق التلاوة: {ومن ~~كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ومعلوم عند جميع فقهاء الأمصار ~~إضمار الإفطار فيه، وأن تقديره: فأفطر فعدة من أيام أخر فإنما أوجب القضاء ~~على المسافر والمريض إذا أفطرا، فثبت بذلك أن من صام من المقيمين ولم يفطر ~~فلا قضاء عليه، إذ قد تضمنت الآية صيام الجميع من المخاطبين إلا من أفطر من ~~المرضى والمسافرين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" فاقتضى ظاهر ذلك جوازه على أي ~~وجه أوقع صومه من تطوع أو غيره. ومن جهة النظر أن صوم رمضان لما كان مستحق ~~العين في هذا الوقت أشبه طواف الزيارة في يوم النحر، فعلى أي وجه أوقعه ~~أجزأ عن الفرض، على أنه لو نواه عن غيره لم يكن عما نواه فلولا أنه قد أجزى ~~عن الفرض لوجب أن يجزيه عما نوى كصيام سائر الأيام يجزى عما نوى. # فإن قيل: إن صلاة الظهر مستحقة العين لهذا الوقت إذا بقي من الوقت مقدار ~~ما يصلي فيه الظهر، ولم يوجب ذلك جوازها بنية النفل، قيل له: وقت الظهر غير ~~مستحق العين لفعلها; لأنه يتسع لفعلها ولغيرها، ولا فرق بين أول الوقت ~~وآخره، فإذا كان فعل # PageV01P264 # التطوع في أوله لا يجزي عن الفرض كذلك في آخره، وأيضا فإنه إذا نوى ~~بصلاته في آخر الوقت تطوعا أو فرضا غيره كان كما نوى. وقد اتفقنا على أن ~~صوم عين رمضان لا يجزي عن غيره، فدل أنه مستحق العين لامتناع جواز صوم آخر ~~فيه ولأنه وقت يستغرق الفرض لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه، والظهر ~~لها وقت غير أنه إذا أخره كان جائزا له فعلها فيه. # فإن قيل: قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات ms0365 وإنما لكل امرئ ما نوى" ~~يمنع جواز صوم رمضان بنية التطوع، قيل له: أما قوله عليه السلام: "الأعمال ~~بالنيات" فلا يصح الاحتجاج به; لأن فيه ضميرا محتملا لمعان من جواز وفضيلة، ~~وهو غير مذكور في اللفظ، ومتى تنازعنا فيه احتيج إلى دلالة في إثباته، فسقط ~~الاحتجاج به، وأما قوله: "ولكل امرئ ما نوى" فإن خصمنا يوافقنا في هذه ~~المسألة أنه ليس له ما نوى من تطوع ولا فرض غيره; لأنا نقول: لا يكون تطوعا ~~ولا فرضا غير رمضان، وهو يقول: لا يكون عن رمضان ولا عما نوى; فحصل باتفاق ~~الجميع أن قوله: "ولكل امرئ ما نوى", غير مستعمل على ظاهره على هذه ~~المسألة، وأيضا قوله: "ولكل امرئ ما نوى" غير مستعمل عند الجميع على ~~حقيقته; لأنه يقتضي أن من نوى الصوم كان صائما، ومن نوى الصلاة كان مصليا، ~~وإن لم يفعل شيئا من ذلك، وقد علم أنه لا يحصل له الصلاة بمجرد النية دون ~~فعلها، وكذلك الصوم وسائر الفروض والطاعات; فثبت بذلك أن هذا اللفظ غير ~~مكتف بنفسه في إثبات حكمه إلا بقرينة; فسقط احتجاج المخالف به من وجهين: ~~أحدهما: أن الحكم متعلق بمعنى محذوف ويحتاج إلى دلالة في إثباته، وما كان ~~هذا وصفه فالاحتجاج بظاهره ساقط، والوجه الآخر: أن قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "ولكل امرئ ما نوى" يقتضي جواز صومه إذا نواه تطوعا، فإذا جاز صومه ~~وقع عن الفرض لاتفاقنا أنه إذا لم يجز عن الفرض لم يحصل له ما نوى، فوجب ~~بقضية قوله: "ولكل امرئ ما نوى", إن يحصل له ما نوى وإلا فقد ألغينا حكم ~~اللفظ رأسا، وأيضا معلوم من فحوى قوله: "ولكل امرئ ما نوى", ما يقتضيه نيته ~~من ثواب فرض أو فضيلة أو نحوها فيستحق ذلك; ولأنه غير جائز أن يكون مراده ~~وقوع الفعل; لأن الفعل حاصل موجود مع وجود النية وعدمها والنية هي التي ~~تصرف أحكامه على حسب مقتضاها وموجبها من استحقاق ثواب الفرض أو الفضيلة أو ~~الحمد أو الذم إن كانت النية ms0366 تقتضي حمده أو ذمه; وإذا كان ذلك كذلك فليس ~~يخلو القول فيها من أحد معنيين: إما أن يسقط اعتبار حكم اللفظ في دلالته ~~على جواز الصوم أو بطلانه ووجب طلب الدلالة عليه من غيره، أو أن يستعمل ~~حكمه فيما يقتضيه مضمونه من إفادة ما يتعلق به من ثواب أو حمد أو ذم; فإذا ~~وجب استعمال على # PageV01P265 # ذلك وقد توجهت نيته إلى ضرب من القرب، فواجب أن يحصل له ذلك; ثم أقل ~~أحواله في ذلك إن لم يكن ثوابه مثل ثواب ناوي الفرض أن يكون أنقص منه، ~~ونقصان الثواب لا يمنع جوازه عن الفرض. والدليل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الرجل ليصلي الصلاة فيكتب له نصفها، ربعها، خمسها، عشرها" فأخبر ~~بنقصان الثواب مع الجواز، ويدل على صحة ما ذكرنا من تعلق حكم اللفظ بالثواب ~~والعقاب أو الحمد والذم، قوله صلى الله عليه وسلم: "ولكل امرئ ما نوى، فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه". # وزعم الشافعي أن من عليه حجة الإسلام فأحرم ينوي تطوعا، أنه يجزيه من حجة ~~الإسلام، فأسقط نية التطوع وجعلها للفرض مع قوله إن فرض الحج على المهلة ~~وإنه غير مستحق الفعل في وقت معين، وذلك أبعد في الجواز من صوم رمضان لأن ~~صوم رمضان مستحق العين في وقت لا يجوز له تقديمه عليه ولا تأخيره عنه، فترك ~~ظاهر قوله على أصله "الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" ولم يلجأ فيه إلى ~~نظر صحيح يعضد مقالته; وكان الواجب على أصلهم اعتبار ما يدعونه ظاهرا من ~~هذا الخبر، وأما على أصلنا فقد بينا أن الاحتجاج به ساقط، وأوضحنا عن معناه ~~ومقتضاه وأنه يوجب جوازه عن الفرض; فسلم لنا ما استدللنا به من الظواهر ~~والنظر ولم يعترض عليه هذا الأثر. # وأما المسافر إذا صام رمضان عن واجب عليه، فإنما أجاز ذلك أبو حنيفة عما ~~نوى; لأن فعل الصوم غير مستحق عليه ms0367 في هذا الحال وهو مخير مع الإمكان من ~~غير ضرر بين فعله وتركه فأشبه سائر الأيام غير رمضان، فلما كان سائر الأيام ~~جائزا لمن صامه عما نواه فكذلك حكم رمضان للمسافر، وعلى هذا ينبغي أنه متى ~~نواه تطوعا أن يكون تطوعا على الرواية التي رويت، وهي أقيس الروايتين. # فإن قيل: على هذا يلزمه أن يجزي صوم المريض الذي يجوز له الإفطار عن غير ~~رمضان بأن نواه تطوعا أو عن واجب عليه، للعلة التي ذكرتها في المسافر؟ قيل ~~له: لا يلزم ذلك لعدم العلة التي ذكرتها في المسافر، وذلك لأن المعنى الذي ~~وجب القول في المسافر بما وصفناه وأنه مخير بين الصوم وتركه من غير ضرر ~~يلحقه وأشبه ذلك في غير رمضان، وأما المريض فليس كذلك لأنه لا يجوز له ~~الفطر إلا مع خشية زيادة العلة والضرر اللاحق بالصوم; فهو لا يخلو من أن لا ~~يضر به الصوم فعليه فعله، أو أن يضره فغير جائز له الصوم، فلما كان كذلك ~~كان فعل الصوم مستحقا عليه أو تركه من غير تخيير، فمتى صامه وقع عن الفرض; ~~إذ كانت إباحة الإفطار متعلقة بخشية الضرر، فمتى # PageV01P266 # فعل الصوم فقد زال المعنى وصار بمنزلة الصحيح فأجزى عن صوم الشهر على أي ~~وجه صام، والله أعلم. # PageV01P267 # باب في عدد قضاء رمضان # قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وهشام عن محمد، من غير خلاف من أحد من أصحابنا ~~قالوا: إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية وفي البلد رجل مريض لم يصم ~~فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما، فإن صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية وصام أهل ~~بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية فعلم بذلك من صام تسعة وعشرين يوما، فإن عليهم ~~أن يقضوا يوما وعلى المريض المفطر قضاء ثلاثين يوما وحكى بعض أصحاب مالك بن ~~أنس عنه أنه يقضي رمضان بالأهلة. وذكر عنه أشهب أنه سئل عمن مرض سنتين ثم ~~مات عن ms0368 غير قضاء: أنه يطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مدا وقال الثوري فيمن ~~مرض رمضان وكان تسعة وعشرين يوما: إنه يصوم الذي كان عليه وقال الحسن بن ~~صالح: إن مرض رجل شهر رمضان فأفطره من أوله إلى آخره ثم ابتدأ شهرا يقضيه ~~فكان هذا الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يوما أجزأه عن شهر رمضان الذي ~~أفطر وإن كان ثلاثين يوما لأنه جزاء شهر بشهر، وإن كان ابتداء القضاء على ~~غير استقبال شهر أتم ثلاثين يوما. وإن كان شهر رمضان تسعة وعشرين يوما لأن ~~الشهر لا يكون تسعة وعشرين يوما إلا شهرا من أوله إلى آخره. # قال أبو بكر: إذا كان الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما ثم أراد المريض ~~القضاء، فإنه يقضيه بعدد أيام شهر الصوم الذي أفطر فيه سواء ابتدأ بالهلال ~~أو من بعض الشهر; وذلك لقوله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر} ومعناه: فعدد من أيام أخر; يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" يعني العدد. وإذا كان الله سبحانه قد ~~أوجب عليه قضاء العدد من أيام أخر، لم يجز الزيادة عليه ولا النقصان منه، ~~سواء كان الشهر الذي يقضيه ناقصا أو تاما. # فإن قيل: إن كان الذي أفطر فيه شهرا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الشهر ~~تسعة وعشرون; الشهر ثلاثون" فأي شهر أتى به فقد قضى ما عليه لأنه شهر بشهر، ~~قيل له: لم يقل الله تعالى: فشهر من أيام أخر وإنما قال: {فعدة من أيام ~~أخر} فأوجب استيفاء عدد ما أفطر، فوجب اتباع ظاهر الآية ولم يجز العدول ~~عنها إلى معنى غير مذكور، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولتكملوا العدة} ~~يعني العدد; فإذا كان الشهر الذي أفطر فيه ثلاثين # PageV01P267 # فعليه إكمال عدده من غيره، ولو اقتصر على شهر هو تسعة وعشرون لما كان ~~مكملا للعدة; فثبت بذلك بطلان قول من اعتبر شهرا بشهر وأسقط اعتبار العدد، ~~ويدل على ذلك اتفاق الجميع ms0369 على أن إفطاره بعض رمضان يوجب قضاء ما أفطر ~~بعدده، كذلك يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في اعتبار عدده. وأما إذا صام أهل ~~مصر للرؤية تسعة وعشرين يوما وأهل مصر آخر للرؤية ثلاثين يوما، فإنما أوجب ~~أصحابنا على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم، لقوله تعالى: ~~{ولتكملوا العدة} فأوجب إكمال عدة الشهر; وقد ثبت برؤية أهل بلد أن العدة ~~ثلاثون يوما، فوجب على هؤلاء إكمالها; لأن الله لم يخصص بإكمال العدة قوما ~~دون قوم فهو عام في جميع المخاطبين، ويحتج له بقوله تعالى: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه} وقد أريد بشهود الشهر العلم به; لأن من لا يعلم به فليس عليه ~~صومه; فلما صح له العلم بأن الشهر ثلاثون يوما برؤية أهل البلد الذين رأوه ~~وجب عليه صومه. # فإن قيل: إنما هو على من علم به في أوله، قيل له: هو على من علم به في ~~أوله وبعد انقضائه، ألا ترى أن من كان في دار الحرب فلم يعلم بشهر رمضان ثم ~~علم بمضيه أن عليه أن يقضيه؟ فدل ذلك على أن الأمر قد تناول الجميع. ويدل ~~عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم ~~عليكم فعدوا ثلاثين". والذين صاموا تسعة وعشرين قد غم عليهم رؤية أولئك، ~~فكان ذلك بمنزلة الحائل بينهم وبين الرؤية، فوجب عليهم أن يعدوا ثلاثين. # فإن قيل: قوله عليه السلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" يوجب اعتبار ~~رؤية كل قوم في بلدهم دون اعتبار رؤية غيرهم في سائر البلدان، وكل قوم رأوا ~~الهلال فالفرض عليهم العمل على رؤيتهم في الصيام والإفطار بقوله عليه ~~السلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". ويدل عليه اتفاق الجميع على أن على ~~أهل كل بلد أن يصوموا لرؤيتهم وأن يفطروا لرؤيتهم، وليس عليهم انتظار رؤية ~~غيرهم من أهل سائر الآفاق; فثبت بذلك أن كلا منهم مخاطب برؤية أهل بلده دون ~~غيرهم، قيل له: معلوم أن قوله عليه السلام: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" ~~عام في أهل سائر الآفاق، ms0370 وأنه غير مخصوص بأهل بلد دون غيرهم. وإذا كان كذلك ~~فمن حيث وجب اعتبار رؤية أهل بلد في الصوم والإفطار وجب اعتبار رؤية غيرهم ~~أيضا، فإذا صاموا للرؤية تسعة وعشرين يوما وقد صام غيرهم أيضا للرؤية ~~ثلاثين، فعلى هؤلاء قضاء يوم لوجود الرؤية منهم بما يوجب صوم ثلاثين يوما، ~~وأما المحتج باتفاق الجميع على أن على كل أهل بلد من الآفاق اعتبار رؤيتهم ~~دون انتظار رؤية غيرهم، فإنما يوجب ذلك عندنا على شريطة أن لا تكون رؤية ~~غيرهم مخالفة # PageV01P268 # لرؤيتهم في حكم العدد، فكلفوا في الحال ما أمكنهم اعتباره ولم يكلفوا ما ~~لا سبيل لهم إليه في معرفته في ذلك الوقت، فمتى يتبين لهم غيره عملوا عليه ~~كما لو حال بينهم وبين منظره سحاب أو ضباب وشهد قوم من غيرهم أنهم قد رأوه ~~قبل ذلك، لزمهم العمل على ما أخبرهم به دون ما كان عندهم من الحكم بعدم ~~الرؤية. # وقد روي في ذلك حديث يحتج به المخالف في هذه المقالة، وهو ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل ~~بن جعفر قال: حدثني محمد بن أبي حرملة قال: أخبرنا كريب أن أم الفضل بنت ~~الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل ~~رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر ~~الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت ليلة ~~الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: ~~لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقلت: ~~أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا لا يدل على ما ذكر لأنه لم يحك جواب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد سئل عن هذه بعينها فأجاب به، وإنما قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويشبه أن يكون تأول فيه قوله صلى الله ms0371 عليه وسلم: "صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته" على ما قالوا; بل وجه دلالته على ما قلنا ظاهر على ~~ما قدمنا فلم يصح الاحتجاج به فيما اختلفنا. # وقد ذكر عن الحسن البصري ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا عبد الله بن معاذ قال: حدثني أبي قال: حدثني الأشعث عن الحسن في رجل ~~كان بمصر من الأمصار فصام يوم الاثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة ~~الأحد قال: لا يقضي ذلك اليوم ذلك الرجل ولا أهل مصره، إلا أن يعلموا أن ~~أهل مصر من الأمصار قد صاموا يوم الأحد فيقضوه، وليس في هذا الخبر أنهم ~~صاموا لرؤية أو لغيرها. ومسألتنا هي في أهل بلدين صام كل واحد منهم لرؤية ~~غير رؤية الآخرين. # وقد يحتج المخالف في ذلك بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا حماد في حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن ~~أبي هريرة ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيه قال: "وفطركم يوم تفطرون ~~وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع ~~موقف". وروى أبو خيثمة قال: حدثنا محمد بن الحسن المدني قال: حدثني عبد ~~الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم ~~تضحون". قالوا: وهذا يوجب أن يكون صوم كل قوم يوم صاموا وفطرهم # PageV01P269 # يوم أفطروا. وهذا قد يجوز أن يريد به ما لم يتبين غيره، ومع ذلك فلم يخصص ~~به أهل بلد دون غيرهم، فإن وجب أن يعتبر صوم من صام الأقل فيما لزمهم فهو ~~موجب صوم من صام الأكثر، فيكون ذلك صوما للجميع ويلزم من صام الأقل قضاء ~~يوم، وقد اختلف مع ذلك في صحة هذا الخبر من طريق النقل، فثبته بعضهم ولم ~~يثبته الآخرون. وقد تكلم أيضا في معناه، فقال قائلون: معناه أن الجميع إذا ms0372 ~~اتفقوا على صوم يوم فهو صومهم، وإذا اختلفوا احتاجوا إلى دلالة من غيره; ~~لأنه لم يقل صومكم يوم يصوم بعضكم وإنما قال صومكم يوم تصومون، وذلك يقتضي ~~صوم الجميع وقال آخرون: هذا خطاب لكل واحد في نفسه وإخبار بأنه متعبد بما ~~عنده دون ما هو عند غيره، فمن صام يوما على أنه من رمضان فقد أدى ما كلف ~~وليس عليه مما عند غيره شيء; لأن الله تعالى إنما كلفه بما عنده لا بما عند ~~غيره ولم يكلفه المغيب عند الله أيضا. # قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} قال أبو بكر: روي ~~عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أن اليسر الإفطار في السفر والعسر الصوم ~~فيه وفي المرض، ويحتمل ما ذكر من الإفطار في السفر لمن يجهده الصوم ويضره، ~~كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي ظلل عليه في ~~السفر وهو صائم: "ليس من البر الصيام في السفر"، فأفادت الآية أن الله يريد ~~منكم من الصوم ما تيسر لا ما تعسر وشق; لأنه صلى الله عليه وسلم قد صام في ~~السفر وأباح الصوم فيه لمن لا يضره. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان متبعا لأمر الله عاملا بما يريده منه، فدل ذلك على أن قوله: {يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} غير ناف لجواز الصوم في السفر بل هو دال على ~~أنه إن كان يضر فالله سبحانه غير مريد منه ذلك وأنه مكروه له. ويدل على أن ~~من صام في السفر أجزأه ولا قضاء عليه; لأن في إيجاب القضاء إثبات العسر; ~~ولأن لفظ اليسر يقتضي التخيير كما روي عن ابن عباس، وإذا كان مخيرا في فعل ~~الصوم وتركه فلا قضاء عليه، ويدل أيضا على أن المريض والحامل والمرضع وكل ~~من خشي ضرر الصوم على نفسه أو على الصبي، فعليه أن يفطر; لأن في احتمال ضرر ~~الصوم ومشقته ضربا من العسر، وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة ms0373 العسر بنا; ~~وهو نظير ما روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار ~~أيسرهما". # وهذه الآية أصل في أن كل ما يضر بالإنسان ويجهده ويجلب له مرضا أو يزيد ~~في مرضه، أنه غير مكلف به; لأن ذلك خلاف اليسر، نحو من يقدر على المشي إلى ~~الحج ولا يجد زادا وراحلة فقد دلت الآية أنه غير مكلف به على هذا الوجه ~~لمخالفته اليسر. وهو دال أيضا على أن من فرط في قضاء رمضان إلى القابل فلا ~~فدية عليه، لما فيه من # PageV01P270 # إثبات العسر ونفي اليسر، ويدل على أن سائر الفروض والنوافل إنما أمر ~~بفعلها أو أبيحت له على شريطة نفي العسر والمشقة الشديدة، ويدل أيضا على أن ~~له أن يقضي رمضان متفرقا; لأنه ذكر ذلك عقيب قوله: {فعدة من أيام أخر} ~~ودلالة ذلك عليه من وجهين: أحدهما: أن قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} قد اقتضى تخيير العبد في القضاء. والثاني: أن قضاءه متفرقا أولى ~~بمعنى اليسر وأبعد من العسر، وهو ينفي أيضا إيجاب التتابع لما فيه من ~~العسر، ويدل على بطلان قول من أوجب القضاء على الفور، ومنعه التأخير; لأنه ~~ينفي معنى اليسر ويثبت العسر. # وقد دلت الآية على بطلان قول أهل الجبر والقائلين بأن الله يكلف عباده ما ~~لا يطيقون; لأن تكليف العبد ما لا يطيق وما ليس معه القدرة عليه من أعسر ~~العسر، وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة العسر لعباده. ويدل على بطلان ~~قولهم من وجه آخر: وهو أنه من حمل نفسه على المشقة الشديدة التي يلحقه ضرر ~~عظيم في الصوم فاعل لما لم يرده الله منه بقضية الآية، وأهل الجبر يزعمون ~~أن كل ما فعله العبد من معصية أو كفر فإن الله مريده منه، وقد نفى الله ~~بهذا ما نسبوه إليه من إرادة المعاصي، ويدل أيضا من وجه آخر على بطلان ~~قولهم، وهو أن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أنه يريد بهم اليسر ليحمدوه ~~ويشكروه، ms0374 وأنه لم يرد منهم أن يكفروا ليستحقوا عقابه; لأن مريد ذلك غير ~~مريد لليسر بل هو مريد للعسر ولما لا يستحق الشكر والحمد عليه، فهذه الآية ~~دالة من هذه الوجوه على بطلان قول أهل الجبر وأنهم وصفوا الله تعالى بما ~~نفاه عن نفسه ولا يليق به. # قوله عز وجل: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} قال أبو بكر: ~~قد دل قوله: {ولتكملوا العدة} على معان: منها أنه متى غم علينا هلال شهر ~~رمضان فعلينا إكمال العدة ثلاثين يوما أي شهر كان، لبيان النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك على الوجه الذي بينا، فقال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ~~فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" فجعل إكمال العدة اعتبار الثلاثين عند ~~خفاء الهلال. ويدل أيضا على جواز قضاء رمضان متتابعا أو متفرقا، لإخباره أن ~~الفرض فيه إكمال العدة، وذلك يحصل به متفرقا كان أو متتابعا، ويدل على أن ~~وجوب قضائه ليس على الفور; لأنه إذا كان المقصد إكمال العدة وذلك قد يحصل ~~على أي وجه صام، فلا فرق بين فعله على الفور أو على المهلة مع حصول إكمال ~~العدة، ويدل على أنه لا فدية على من أخر قضاء رمضان وأنه ليس عليه غير ~~القضاء شيء; لأنه أخبر أن مراده منا إكمال العدة وقد وجد، وفي إيجاب الفدية ~~زيادة في النص وإثبات ما ليس هو من المقصد، ويدل على أن من أفطر في شهر ~~رمضان وهو ثلاثون يوما أنه غير جائز له أن يصوم شهرا بالهلال تسعة وعشرين ~~يوما، لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} # PageV01P271 # وذلك يقتضي استيفاء العدد، فالقائل بجواز الاقتصار على نقصان العدد مخالف ~~لحكم الآية، ويدل على أن أهل بلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما للرؤية وأهل ~~بلد آخر إذا صاموا للرؤية ثلاثين أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما أن ~~يقضوا يوما، لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة} وقد حصل عدة رمضان ثلاثين لأهل ~~ذلك البلد فعلى الآخرين أن يكملوها كما كان على أولئك إكمالها; إذ كان الله ~~لم يخصص بعضا من ms0375 كل. # وأما قوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} فإنه روي عن ابن عباس أنه كان ~~يقول: حقا على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا لله حتى يفرغوا ~~من عيدهم، وذلك لقوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} وروي ~~عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يكبر يوم الفطر إذا خرج ~~إلى المصلى وإذا قضى الصلاة قطع التكبير"، وقد روي عن علي وأبي قتادة وابن ~~عمر وسعيد بن المسيب وعروة والقاسم وخارجة بن زيد ونافع بن جبير بن مطعم ~~وغيرهم أنهم كانوا يكبرون يوم العيد إذا خرجوا إلى المصلى. وروى حنش بن ~~المعتمر عن علي أنه ركب بغلته يوم الأضحى فلم يزل يكبر حتى أتى الجبانة، ~~وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت أقود ابن عباس إلى المصلى ~~فيسمع الناس يكبرون فيقول: ما شأن الناس؟ أكبر الإمام؟ فأقول: لا، فيقول: ~~أمجانين الناس؟ فأنكر ابن عباس في هذا الخبر التكبير في طريق المصلى، وهذا ~~يدل على أن المراد عنده التكبير المذكور في الآية وهو التكبير الذي يكبره ~~الإمام في الخطبة مما يصلح أن يكبر الناس معه. وما روي عنه أنه حق على ~~المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا حتى يفرغوا من عيدهم، فليس فيه ~~دلالة على الجهر به، وجائز أن يريد به تكبيرهم في أنفسهم، وقد روي عن ابن ~~عمر أنه كان إذا خرج يوم الفطر ويوم الأضحى يكبر ويرفع صوته حتى يجيء ~~المصلى; وروي عن زيد بن أسلم أنه تأول ذلك على تكبير يوم الفطر. # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك، فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: ~~يكبر الذي يذهب إلى العيد يوم الأضحى ويجهر بالتكبير ولا يكبر يوم الفطر ~~وقال أبو يوسف: يكبر يوم الأضحى والفطر وليس فيه شيء موقت، لقوله تعالى: ~~{ولتكبروا الله على ما هداكم} وقال عمرو: سألت محمدا عن التكبير في ~~العيدين، فقال: نعم يكبر وهو قولنا. وقال الحسن بن زياد عن أبي ms0376 حنيفة: أن ~~التكبير في العيدين ليس بواجب في الطريق ولا في المصلى، وإنما التكبير ~~الواجب في صلاة العيد. وذكر الطحاوي أن ابن أبي عمران كان يحكي عن أصحابنا ~~جميعا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبروا في الطريق إلى المصلى حتى ~~يأتوه، ولم نكن نعرف ما حكاه المعلى # PageV01P272 # عنهم، وقال الأوزاعي ومالك: يكبر في خروجه إلى المصلى في العيدين جميعا ~~قال مالك: ويكبر في المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع ~~التكبير، ولا يكبر إذا رجع وقال الشافعي أحب إظهار التكبير ليلة الفطر ~~وليلة النحر وإذا عدوا إلى المصلى حتى يخرج الإمام وقال في موضع آخر: حتى ~~يفتتح الإمام الصلاة. # قال أبو بكر: تكبير الله هو تعظيمه، وذلك يكون بثلاثة معان: عقد الضمير، ~~والقول، والعمل، فعقد الضمير هو اعتقاد توحيد الله تعالى وعدله وصحة ~~المعرفة به وزوال الشكوك، وأما القول فالإقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى ~~وسائر ما مدح به نفسه، وأما العمل فعبادته بما يعبد من الأعمال بالجوارح ~~كالصلاة وسائر المفروضات، وكل ذلك غير مقبول إلا بعد تقدمة الاعتقاد له ~~بالقلب على الحد الذي وصفنا، وأن يتحرى بجميع ذلك موافقة أمر الله كما قال ~~عز وجل: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا} [الإسراء: 19] فشرط بديا تحري موافقة أمر الله بذكره إرادة الآخرة، ~~ولم يقتصر عليه حتى ذكر العمل لله وهو السعي، وعقد ذلك كله بشريطة الإيمان ~~بقوله: {وهو مؤمن} [الإسراء: 19] ثم عقبه بذكر الوعد لمن حصلت له هذه ~~الأعمال نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية وأن يوفقنا إلى ما ~~يؤدينا إلى مرضاته. # وإذا كان تكبير الله تعالى ينقسم إلى هذه المعاني التي ذكرنا، وقد علمنا ~~لا محالة أن اعتقاد التوحيد والإيمان بالله ورسله شرط في سائر القرب، وذلك ~~غير مختص بشيء من الطاعات دون غيرها، ومعلوم أيضا أن سائر المفروضات التي ~~يتعلق وجوبها بأسباب أخر غير مبنية على صيام رمضان، ثبت أن التعظيم المذكور ~~في هذه الآية ينبغي ms0377 أن يكون متعلقا بإكمال عدة رمضان، وأولى الأشياء به ~~إظهار لفظ التكبير، ثم جائز أن يكون تكبيرا يفعله الإنسان في نفسه عند رؤية ~~هلال شوال، وجائز أن يكون المراد ما تأوله كثير من السلف على أنه التكبير ~~المفعول في الخروج إلى المصلى، وجائز أن يريد به تكبيرات صلاة العيد; كل ~~ذلك يحتمله اللفظ، ولا دلالة فيه على بعض دون بعض، فأيها فعل فقد قضى عهدة ~~الآية وفعل مقتضاها، ولا دلالة في اللفظ على وجوبه; لأن قوله تعالى ~~{ولتكبروا الله} لا يقتضي الوجوب; إذ جائز أن يتناول ذلك النفل، ألا ترى ~~أنا نكبر الله أو نعظمه بما نظهره من التكبير نفلا؟ ولا خلاف بين الفقهاء ~~أن إظهار التكبير ليس بواجب، ومن كبر فإنما فعله استبراء، ومع ذلك فإنه متى ~~فعل أدنى ما يسمى تكبيرا فقد وافق مقتضى الآية، إلا أن ما روي من ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف من الصدر الأول والتابعين في تكبيرهم ~~يوم الفطر في طريق المصلى، يدل على أنه مراد الآية، فالأظهر من # PageV01P273 # ذلك أن فعله مندوب إليه ومستحب لا حتما واجبا. # والذي ذكره ابن أبي عمران هو أولى بمذهب أبي حنيفة وسائر أصحابنا، لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الزهري وإن كان مرسلا، وعن السلف، ~~فلأن ذلك موافق لظاهر الآية; إذ كانت تقتضي تحديد تكبير عند إكمال العدة، ~~والفطر أولى بذلك من الأضحى، وإذا كان ذلك عنده مسنونا في الأضحى فالفطر ~~كذلك; لأن صلاتي العيدين لا تختلفان في حكم التكبير فيهما والخطبة بعدهما ~~وسائر سننهما، فكذلك ينبغي أن تكون سنة التكبير في الخروج إليهما. # وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر; لأن فيها أن الله قد أراد ~~من المكلفين إكمال العدة واليسر وليكبروه ويحمدوه ويشكروه على نعمته، ~~وهدايته لهم إلى هذه الطاعات التي يستحقون بها الثواب الجزيل فقد أراد من ~~الجميع هذه الطاعات وفعل الشكر وإن كان فيهم من يعصيه ولا يشكره. فثبت ~~بدلالة هذه الآية أن ms0378 الله لم يرد من أحد أن يعصيه ولا أن يترك فروضه ~~وأوامره، بل أراد من الجميع أن يطيعوه ويشكروه، ومع ما دلت العقول عليه بأن ~~فاعل ما أريد منه مطيع للمريد متبع لأمره، فلو كان الله تعالى مريدا ~~للمعاصي لكان العصاة مطيعين له، فدلالة العقول موافقة لدلالة الآية، والله ~~سبحانه وتعالى الموفق للصواب. # PageV01P274 # باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام # قال الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} روي عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض الأول من ~~الصيام بقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} وأنه ~~كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأنه كان من حين يصلي العتمة يحرم عليهم ~~الطعام والشراب والجماع إلى القابلة رواه عطية عن ابن عباس وروى عكرمة عن ~~ابن عباس مثله، ولم يذكر أنه كان في الصوم الأول. وروى عطاء عن ابن عباس ~~أنه كان إذا صلى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب والجماع، وروى الضحاك ~~أنه كان يحرم ذلك عليهم من حين يصلون العتمة وعن معاذ أنه كان يحرم ذلك ~~عليهم بعد النوم وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: ثم إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام، فأصبح صائما ~~فأجهده الصوم، وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعد ما نام فذكر ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} ونسخ به تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم. # PageV01P274 # والرفث المذكور هو الجماع لا خلاف بين أهل العلم فيه واسم الرفث يقع على ~~الجماع وعلى الكلام الفاحش ويكنى به عن الجماع، قال ابن عباس في قوله: {فلا ~~رفث ولا فسوق} [البقرة: 197] إنه مراجعة النساء بذكر الجماع; قال العجاج: # عن اللغا ورفث التكلم # فأولى الأشياء بمعنى الآية هو الجماع نفسه; لأن رفث الكلام غير مباح، ~~ومراجعة النساء بذكر الجماع ليس لها حكم يتعلق بالصوم لا ms0379 فيما سلف ولا في ~~المستأنف، فعلم أن المراد هو ما كان محرما عليهم من الجماع فأبيح لهم بهذه ~~الآية ونسخ به ما تقدم من الحظر. # وقوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} بمعنى هن كاللباس لكم في ~~إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما لصاحبه; قال النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى عطفه ... تثنت عليه فكانت لباسا # ويحتمل أن يريد باللباس الستر; لأن اللباس هو ما يستر، وقد سمى الله ~~تعالى الليل لباسا; لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه، فإن كان المعنى ~~ذلك، فالمراد كل واحد منهما ستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه من الفواحش، ~~ويكون كل واحد منهما متعففا بالآخر مستترا به. # وقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} ذكر للحال التي خرج ~~عليها الخطاب واعتداد بالنعمة علينا بالتخفيف بإباحة الجماع والأكل والشرب ~~في ليالي الصوم واستدعاء لشكره عليها. # ومعنى قوله: {تختانون أنفسكم} أي يستأثر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من ~~الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم، كقوله: {تقتلون أنفسكم} ~~[البقرة: 85] يعني يقتل بعضكم بعضا. # ويحتمل أن يريد به كل واحد في نفسه بأنه يخونها، وسماه خائنا لنفسه من ~~حيث كان ضرره عائدا عليه. # ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل المستأثر له، فهو يعامل نفسه بعمل الخائن ~~لها، والخيانة هي انتقاص الحق على جهة المساترة. # وقوله تعالى: {فتاب عليكم} يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم ~~لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنكم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى {علم أن لن # PageV01P275 # تحصوه فتاب عليكم} [المزمل: 20] يعني والله أعلم: خفف عنكم، وكما قال ~~عقيب ذكر حكم قتل الخطإ: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} ~~[النساء: 92] يعني تخفيفه; لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه. # وقوله تعالى: {وعفا عنكم} يحتمل أيضا العفو عن الذنب الذي اقترفوه ~~بخيانتهم لأنفسهم، ثم لما أحدثوا التوبة منه عفا عنهم في الخيانة، ويحتمل ~~أيضا التوسعة والتسهيل بإباحة ما أباح من ذلك; لأن العفو يعبر به في اللغة ~~عن التسهيل، ms0380 كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله وآخره ~~عفو الله" يعني تسهيله وتوسعته. # وقوله تعالى: {فالآن باشروهن} إباحة للجماع المحظور كان قبل ذلك في ليالي ~~الصوم، والمباشرة هي إلصاق البشرة بالبشرة، وهي في هذا الموضع كناية عن ~~الجماع; قال زيد بن أسلم: هي المواقعة والجماع وقال في المباشرة مرة: هي ~~إلصاق الجلد بالجلد، وقال الحسن: المباشرة النكاح، وقال مجاهد: الجماع وهو ~~مثل قوله عز وجل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} . # وقوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} ، قال عبد الوهاب عن أبيه عن ابن عباس ~~قال: الولد، وعن مجاهد والحسن والضحاك والحكم مثله، وروى معاذ بن هشام قال: ~~حدثني أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس {وابتغوا ما كتب ~~الله لكم} قال ليلة القدر وقال قتادة في قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} ~~قال: "الرخصة التي كتب الله لكم". # قال أبو بكر: إذا كان المراد بقوله: {فالآن باشروهن} الجماع، فقوله: ~~{وابتغوا ما كتب الله لكم} لا ينبغي أن يكون محمولا على الجماع لما فيه من ~~تكرار المعنى في خطاب واحد، ونحن متى أمكننا استعمال كل لفظ على فائدة ~~مجددة فغير جائز الاقتصار بها على فائدة واحدة، وقد أفاد قوله: {فالآن ~~باشروهن} إباحة الجماع، فالواجب أن يكون قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} ~~على غير الجماع. # ثم لا يخلو من أن يكون المراد به ليلة القدر على ما رواه أبو الجوزاء عن ~~ابن عباس، أو الولد على ما روي عنه وعن غيره ممن قدمنا ذكره، أو الرخصة على ~~ما روي عن قتادة، فلما كان اللفظ محتملا لهذه المعاني ولولا احتماله لها ~~لما تأوله السلف عليها وجب أن يكون محمولا على الجميع، وعلى أن الكل مراد ~~الله تعالى فيكون اللفظ منتظما لطلب ليلة القدر في رمضان ولاتباع رخصة الله ~~تعالى ولطلب الولد، فيكون العبد مأجورا على ما يقصده من ذلك، ويكون الأمر ~~بطلب الولد على معنى ما روي عن # PageV01P276 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms0381 قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ~~الأمم يوم القيامة"، وكما سأل زكريا ربه أن يرزقه ولدا بقوله: {فهب لي من ~~لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 2] . # وقوله: {وكلوا واشربوا} إطلاق من حظر، كقوله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] ، وقوله: {وإذا حللتم ~~فاصطادوا} [المائدة: 2] ، ونظائر ذلك من الإباحة الواردة بعد الحظر، فيكون ~~حكم اللفظ مقصورا على الإباحة لا على الإيجاب ولا الندب. # وأما قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} قال ~~أبو بكر: قد اقتضت الآية إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يتبين الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، روي أن رجالا منهم حملوا ذلك على حقيقة ~~الخيط الأبيض والأسود وتبين أحدهما من الآخر، منهم عدي بن حاتم حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا حصين بن نمير قال ~~وحدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا ابن إدريس المعني ~~عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: {حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود} قال: أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود فوضعتهما ~~تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضحك فقال: "إن وسادك إذا لعريض طويل إنما هو الليل والنهار" قال عثمان: ~~إنما هو سواد الليل وبياض النهار. قال: وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد اليماني قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا ابن أبي مريم عن أبي غسان محمد بن مطرف قال: أخبرنا أبو حازم عن ~~سهل بن سعد قال: لما نزل قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} قال: فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط ~~أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا ~~له، فأنزل الله بعد ذلك: {من الفجر} فعلموا أنه إنما يعني ms0382 بذلك الليل ~~والنهار. # قال أبو بكر: إذا كان قوله {من الفجر} مبينا فيه فلا إلباس على أحد في ~~أنه لم يرد به حقيقة الخيط، لقوله: {من الفجر} ويشبه أن يكون إنما اشتبه ~~على عدي وغيره ممن حمل اللفظ على حقيقته قبل نزول قوله: {من الفجر} وذلك ~~لأن الخيط اسم للخيط المعروف حقيقة، وهو مجاز واستعارة في سواد الليل وبياض ~~النهار، وجائز أن يكون ذلك قد كان شائعا في لغة قريش ومن خوطبوا به ممن كان ~~بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية، وأن عدي بن حاتم ومن أشكل ~~عليه ذلك لم يكونوا عرفوا هذه اللغة لأنه ليس كل # PageV01P277 # العرب تعرف سائر لغاتها. وجائز مع ذلك أن يكونوا عرفوا ذلك اسما للخيط ~~حقيقة ولبياض النهار وسواد الليل مجازا ولكنهم حملوا اللفظ على الحقيقة، ~~فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بمراد الله تعالى منه، وأنزل ~~الله تعالى بعد ذلك: {من الفجر} فزال الاحتمال وصار المفهوم من اللفظ سواد ~~الليل وبياض النهار، وقد كان ذلك اسما لسواد الليل وبياض النهار في ~~الجاهلية، قبل الإسلام مشهورا ذلك عندهم; قال أبو داود الإيادي: # ولما أضاءت لنا ظلمة ... ولاح من الصبح خيط أنارا # وقال آخر في الخيط الأسود: # قد كاد يبدو أو بدت تباشره ... وسدف الخيط البهيم ساتره # فقد كان ذلك مشهورا في اللسان قبل نزول القرآن به وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى: الخيط الأبيض هو الصبح والخيط الأسود الليل; قال: والخيط هو اللون. # فإن قيل: كيف شبه الليل بالخيط الأسود وهو مشتمل على جميع العالم، وقد ~~علمنا أن الصبح إنما شبه بالخيط لأنه مستطيل أو مستعرض في الأفق، فأما ~~الليل فليس بينه وبين الخيط تشابه ولا مشاكلة؟ قيل له: إن الخيط الأسود هو ~~السواد الذي في الموضع قبل ظهور الخيط الأبيض فيه، وهو في ذلك الموضع مساو ~~للخيط الأبيض الذي يظهر بعده، فمن أجل ذلك سمي الخيط الأسود. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد الوقت الذي ms0383 يحرم به الأكل ~~والشرب على الصائم ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه قال: ~~سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق الذي هكذا حتى يستطير" وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا ملازم ~~بن عمرو عن عبد الله بن النعمان قال: حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد ~~فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر". فذكر في هذا الخبر الأحمر، ولا خلاف ~~بين المسلمين أن الفجر الأبيض المعترض في الأفق قبل ظهور الحمرة يحرم به ~~الطعام والشراب على الصائم; وقال عليه السلام لعدي بن حاتم: "إنما هو بياض ~~النهار وسواد الليل" ولم يذكر الحمرة. # فإن قيل: قد روي عن حذيفة قال: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان نهارا إلا أن الشمس لم تطلع"، قيل له: لا يثبت ذلك عن حذيفة وهو مع ~~ذلك من أخبار الآحاد، # PageV01P278 # فلا يجوز الاعتراض به على القرآن، قال الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب ~~بظهور الخيط الذي هو بياض الفجر. وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحا ~~لما حظرته الآية; وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم: "هو ~~بياض النهار وسواد الليل" فكيف يجوز الأكل نهارا في الصوم مع تحريم الله ~~تعالى إياه بالقرآن والسنة؟ ولو ثبت حديث حذيفة من طريق النقل لم يوجب جواز ~~الأكل في ذلك الوقت; لأنه لم يعز الأكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك الوقت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم; فكونه ~~مع النبي صلى الله عليه ms0384 وسلم في وقت الأكل لا دلالة فيه على علم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك منه وإقراره عليه، ولو ثبت أنه عليه السلام علم بذلك ~~وأقره عليه احتمل أن يكون ذلك كان في آخر الليل قرب طلوع الفجر فسماه نهارا ~~لقربه منه، كما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عمرو بن ~~محمد الناقد قال: حدثنا حماد بن خالد الخياط قال: حدثنا معاوية بن صالح عن ~~يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية قال: دعاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال: "هلم إلى الغداء ~~المبارك" فسمى السحور غداء لقربه من الغداء. كذلك لا يمتنع أن يكون حذيفة ~~سمى الوقت الذي تسحر فيه نهارا لقربه من النهار. # قال أبو بكر فقد وضح بما تلونا من كتاب الله وتوقيف نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن أول وقت الصوم هو طلوع الفجر الثاني المعترض في الأفق، وأن الفجر ~~المستطيل إلى وسط السماء هو من الليل، والعرب تسميه ذنب السرحان. وقد اختلف ~~أهل العلم في حكم الشاك في الفجر، فذكر أبو يوسف في الإملاء أن أبا حنيفة ~~قال: يدع الرجل السحور إذا شك في الفجر أحب إلي، فإن تسحر فصومه تام وهو ~~قولهم جميعا في الأصل، وقال: إن أكل فلا قضاء عليه وحكى ابن سماعة عن أبي ~~يوسف عن أبي حنيفة أنه إن أكل وهو شاك قضى يوما وقال أبو يوسف: ليس عليه في ~~الشك قضاء، وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إن كان في موضع يستبين ~~الفجر ويرى مطلعه من حيث يطلع ليس هناك علة فليأكل ما لم يستبن له الفجر، ~~وهو قول الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} وقال: وقال أبو حنيفة: إن كان في موضع لا يرى فيه الفجر ~~أو كانت مقمرة وهو يشك في الفجر فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء، وإن كان أكبر ~~رأيه ms0385 أنه أكل والفجر طالع قضى، وإلا لم يقض، وسواء كان في سفر أو حضر، وهذا ~~قول زفر وأبي يوسف، وبه نأخذ. وكذلك روي عنهم في الشك في غيبوبة الشمس على ~~هذا الاعتبار. # PageV01P279 # قال أبو بكر: وينبغي أن يكون رواية الأصل ورواية الإملاء في كراهيتهم ~~الأكل عند الشك في الفجر محمولين على ما رواه الحسن بن زياد; لأنه فسر ما ~~أجملوه في الروايتين الأخريين; ولأنها موافقة لظاهر الكتاب، وقد روي عن ابن ~~عباس أنه بعث رجلين لينظرا له طلوع الفجر في الصوم فقال أحدهما: قد طلع، ~~وقال الآخر: لم يطلع، فقال: اختلفتما فأكل، وكذلك روي عن ابن عمر وذلك في ~~حال أمكن فيها الوصول إلى معرفة طلوع الفجر من طريق المشاهدة; وقال تعالى: ~~{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فأباح الأكل إلى أن ~~يتبين، والتبين إنما هو حصول العلم الحقيقي، ومعلوم أن ذلك إنما أمروا به ~~في حال يمكنهم فيها الوصول إلى العلم الحقيقي بطلوعه. وأما إذا كانت ليلة ~~مقمرة أو ليلة غيم أو في موضع لا يشاهد مطلع الفجر، فإنه مأمور بالاحتياط ~~للصوم; إذ لا سبيل له إلى العلم بحال الطلوع، فالواجب عليه الإمساك استبراء ~~لدينه; لما حدثنا شعبة قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم السلولي قال: سمعت أبا ~~الجوزاء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: كان يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة ~~والكذب ريبة". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن ~~يونس قال: حدثنا أبو شهاب: حدثنا ابن عون عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن ~~بشير ولا أسمع أحدا بعده يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ~~الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات; وسأضرب في ذلك مثلا: إن ~~الله حمى حمى وإن حمى الله ما حرم، وإنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يخالطه، ~~وإنه من يخالط الريبة يوشك أن ms0386 يجسر". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال: أخبرنا عيسى قال: حدثنا زكريا ~~عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم; بهذا الحديث، قال: "وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، ~~فمن اتقى الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام"، ~~فهذه الأخبار تمنع من الإقدام على المشكوك فيه أنه من المباح أو المحظور، ~~فوجب استعمالها. فمن شك فلا سبيل له إلى تبين طلوع الفجر في أول ما يطلع ~~حتى يكون مستبرئا لدينه وعرضه مجتنبا للريبة غير مواقع لحمى الله تعالى، ~~فاستعملنا قوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~فيمن يمكنه معرفة طلوعه في أول أحواله; فهذا مذهب أصحابنا وحجاجه فيما ~~ذكرنا، وقال مالك بن أنس: أكره أن يأكل إذا شك في الفجر، وإن أكل فعليه ~~القضاء وقال الثوري: يتسحر الرجل ما شك حتى يرى الفجر. وقال عبيد الله بن ~~الحسن والشافعي: "إن أكل شاكا في الفجر فلا شيء عليه". # PageV01P280 # وأما قول من قال: إنه يأكل شاكا من غير اعتبار منه بحال إمكان التبين في ~~حال طلوعه أو تعذر ذلك عليه فذلك إغفال منه; لأن ضريرا لو كان في موضع ليس ~~بحضرته من يعرفه طلوع الفجر لم يجز له الإقدام على الأكل بالشك وهو لا يأمن ~~أن يكون قد أصبح، وكذلك من كان في بيت مظلم لا يأمن طلوع الفجر لم يجز له ~~الإقدام على الأكل بالشك، فإن أجاز هذا وألغى الشك لزمه إلغاء الشك في كل ~~موضع والإقدام على كل ما لا يأمن أن يكون محظورا من وطء أو غيره، وفي ~~استعمال ذلك مخالفة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب الشبهات ~~وترك الريب إلى اليقين ومخالفة إجماع المسلمين; لأنهم لا يختلفون أنه غير ~~جائز له الإقدام على وطء امرأة لا يعرفها وهو شاك في أنها زوجته، وكذلك من ~~طلق إحدى نسائه بعينها ms0387 ثلاثا ونسيها فغير جائز له الإقدام على وطء واحدة ~~منهن باتفاق الفقهاء إلا بعد العلم بأنها ليست المطلقة. # وأما القول بإيجاب القضاء على من أكل شاكا في الفجر، فإنه كما لا يبيح له ~~الإقدام على المشكوك فيه فكذلك لا يوجب عليه القضاء بالشك; لأنه إذا كان ~~الأصل براءة الذمة من الفرض فلا جائز إلزامه بالشك. # والذي تضمنته هذه الآية من الحكم من عند قوله: {أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {من الخيط الأسود من الفجر} نسخ تحريم الجماع ~~والأكل والشرب في ليالي الصوم بعد العتمة أو بعد النوم. # وفيها الدلالة على نسخ السنة بالقرآن; لأن الحظر المتقدم إنما كان ثبوته ~~بالسنة لا بالقرآن، ثم نسخ بالإباحة المذكورة في القرآن وفيها الدلالة على ~~أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم لما فيه من إباحة الجماع من أول الليل إلى ~~آخره مع العلم بأن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع ~~الفجر يصبح جنبا، ثم حكم مع ذلك بصحة صومه بقوله: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} وفيها حث على طلب الولد بقوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم} مع تأويل ~~من تأوله واحتمال الآية له وفيها الدلالة على أن ليلة القدر في رمضان لأن ~~ابن عباس قد تأوله على ذلك، فلولا أنه محتمل له لما جاز أن يتأول عليه ~~وفيها الندب إلى الترخص برخصة الله لتأويل من تأوله على ما بينا فيما سلف ~~وفيها الدلالة على أن آخر الليل إلى طلوع الفجر الثاني بقوله: {أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {حتى يتبين لكم} فثبت أن الليل ~~إلى طلوع الفجر وأن ما بعد طلوعه فهو من النهار. وفيها الدلالة على إباحة ~~الأكل والشرب والجماع إلى أن يحصل له الاستبانة واليقين بطلوع الفجر، وأن ~~الشك لا يحظر عليه ذلك; إذ غير جائز وجود الاستبانة مع الشك; وهذا فيمن يصل ~~إلى الاستبانة وقت طلوعه، وأما من لا يصل # PageV01P281 # إلى ذلك لساتر أو ضعف بصره أو نحو ذلك فغير ms0388 داخل في هذا الخطاب لما بينا ~~آنفا قبل هذا الفصل وورود لفظ الإباحة بعد الحظر دليل على أنه لم يرد به ~~الإيجاب; لأن ذلك حكم لفظ الإطلاق إذا كان وروده بعد الحظر، على نحو ما ~~ذكرنا من نظائره في قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله: {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] ومع ذلك فليس يمتنع أن يكون ~~بعض الأكل والشرب مندوبا وهو ما يكون في آخر الليل على جهة السحور وقد ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا مسدد قال: ~~حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"تسحروا فإن السحور بركة". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه ~~عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن ~~فصلا بين صيامكم وصيام أهل الكتاب أكلة السحور". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا أحمد بن عمرو الزئبقي قال: حدثنا عبد الله بن شبيل قال: حدثنا عبد ~~الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "نعم غداء المؤمن السحور وإن الله وملائكته ~~يصلون على المتسحرين" فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور، ليس ~~يمتنع أن يكون مراد الله بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر} في بعض ما انتظمه أكلة السحور، فيكون مندوبا ~~إليها بالآية. # فإن قيل: قد تضمنت الآية لا محالة الرخصة في إباحة الأكل، وهو ما كان منه ~~في أول الليل لا على وجه السحور، فكيف يجوز أن ينتظم لفظ واحد ندبا وإباحة؟ ~~قيل له: لم يثبت ذلك بظاهر الآية، وإنما استدللنا عليه بظاهر السنة، فأما ~~ظاهر اللفظ فهو إطلاق إباحة على ما بينا. # وفيها الدلالة على أن الغاية قد لا تدخل ms0389 في الحكم المقدر بها، بقوله عز ~~وجل: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} وحال التبين غير داخلة في إباحة الأكل ~~فيها ولا مرادة بها; ثم قال الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فجعل ~~الليل غاية الصيام ولم تدخل فيه، وقد دخلت في بعض المواضع وهو قوله: {ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] والغاية مرادة في إباحة ~~الصلاة بعدها، وكذلك قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] ، ~~{وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] قد دخلت الغاية في المراد; وذلك أصل في ~~أن الغاية قد تدخل في حال ولا تدخل في أخرى وأنها تحتاج إلى دلالة في إسقاط ~~حكمها أو إثباته. # وأما قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فإن عطفه على ما تقدم ذكره ~~من # PageV01P282 # إباحة الجماع والأكل والشرب يدل على أن الصوم المأمور به هو الإمساك عن ~~هذه الأمور التي ذكر إباحتها ليلا، وقد تقدم بيان ذلك مع ما يقتضيه الصوم ~~الشرعي من المعاني التي بعضها إمساك وبعضها شرط لكون الإمساك صوما شرعيا. # وفي قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} دلالة على أن من حصل مفطرا لغير ~~عذر أنه غير جائز له الأكل بعد ذلك، وأن عليه أن يمسك عما يمسك عنه الصائم; ~~لأن هذا الإمساك ضرب من الصيام; وقد روي أنه عليه السلام بعث إلى أهل ~~العوالي يوم عاشوراء فقال: "من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يأكل فليتم ~~صومه" فسمى الإمساك بعد الأكل صوما. # فإن قيل: إذا لم يكن ذلك صوما شرعيا لم يتناوله اللفظ; لأن قوله تعالى: ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل} المراد به الصوم الشرعي لا الصوم اللغوي، قيل ~~له: هذا عندنا صوم شرعي قد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم مع إيجابه ~~القضاء، ووجوب القضاء لا يخرجه من أن يكون صوما مندوبا إليه مستحقا للثواب ~~عليه. وفيه الدلالة على أن من أصبح في رمضان غير ناو للصوم أن عليه أن يتم ~~صومه ويجزيه من فرضه ما لم يفعل ما ينافي صحة الصوم من أكل أو ms0390 شرب أو جماع. # فإن قيل: الذي يقتضيه الظاهر الأمر بإتمام الصوم والإتمام يطلق فيما قد ~~صح الدخول فيه، وهو فلم يدخل فيه حتى يلحقه الخطاب بالإتمام؟ قيل له: لما ~~أصبح ممسكا عما يجب على الصائم الإمساك عنه فقد حصل له الدخول في الصوم لما ~~بينا من أن الإمساك قد يكون صوما شرعيا وإن لم يحصل به قضاء فرض ولا تطوع; ~~ويدل على أن ذلك صوم مع عدم النية اتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن من أصبح ~~في غير رمضان ممسكا عما يمسك عنه الصائم غير ناو للصوم أنه جائز له أن ~~يبتدئ نية التطوع، ويجزيه. ولو لم يكن ما مضى صوما يتعلق به حكم الصوم ~~الشرعي لما جاز أن يثبت له حكم الصوم بإيجاد النية بعده، ألا ترى أنه لو ~~أكل أو شرب ثم أراد أن ينوي صياما تطوعا لم يصح له ذلك؟ فثبت بما وصفنا صحة ~~دلالة قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} على جواز نية صيام رمضان في بعض ~~النهار; والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P283 # باب لزوم صوم التطوع بالدخول فيه # قوله عز وجل: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يدل على أن من دخل في صوم ~~التطوع لزمه إتمامه، وذلك لأن قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} عام في سائر الليالي التي يريد الناس الصوم في صبيحتها، وغير جائز ~~الاقتصار به على ليالي # PageV01P283 # صيام رمضان دون غيره لما فيه من تخصيص العموم بلا دلالة، ولما كان حكم ~~اللفظ مستعملا في إباحة الأكل والشرب في ليالي صوم التطوع ثبت أنها مرادة ~~باللفظ، فإذا كان كذلك ثم عطف عليه قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~اقتضى ذلك لزوم إتمام الصوم الذي صح له الدخول فيه تطوعا كان ذلك الصوم أو ~~فرضا، وأوامر الله تعالى على الوجوب فغير جائز لأحد دخل في صوم التطوع أو ~~الفرض الخروج منه بغير عذر; وإذا لزم المضي فيه وإتمامه بظاهر الآية فقد صح ~~عليه وجوبه، ومتى أفسده لزمه قضاؤه كسائر الواجبات. # فإن قيل: قد ms0391 روي أن الآية نزلت في صوم الفرض، فوجب أن يكون مقصور الحكم ~~عليه، قيل له: نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا اعتبار عموم اللفظ; لأن ~~الحكم عندنا للفظ لا للسبب، ولو كان الحكم في ذلك مقصورا على السبب لوجب أن ~~يكون خاصا في الذين اختانوا أنفسهم منهم، فلما اتفق الجميع على عموم الحكم ~~فيهم وفي غيرهم ممن ليس في مثل حالهم، دل ذلك على أن الحكم غير مقصور على ~~السبب وأنه عام في سائر الصيام كهو في سائر الناس في صوم رمضان. فصار بما ~~وصفنا وجه الاستدلال بقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} على لزوم ~~الصوم بالدخول فيه. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من دخل ~~في صيام التطوع أو صلاة التطوع فأفسده أو عرض له فيه ما يفسده فعليه القضاء ~~وهو قول الأوزاعي إذا أفسده وقال الحسن بن صالح: إذا دخل في صلاة التطوع ~~فأقل ما يلزمه ركعتان. وقال مالك: إن أفسده هو فعليه القضاء ولو طرأ عليه ~~ما أخرجه منه فلا قضاء عليه وقال الشافعي رحمه الله: إن أفسده ما دخل فيه ~~تطوع فلا قضاء عليه وروي عن ابن عباس وابن عمر مثل قولنا، حدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا هشيم ~~قال: حدثنا عثمان البتي عن أنس بن سيرين قال صمت يوما فأجهدت فأفطرت فسألت ~~ابن عباس وابن عمر فأمراني أن أصوم يوما مكانه. وروى طلحة بن يحيى عن مجاهد ~~قال: هو بمنزلة الصدقة يخرجها الرجل من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها ~~ولم يختلفوا في الحج والعمرة إذا أحرم بهما تطوعا ثم أفسدهما أن عليه ~~قضاءهما، وإن أحصر فيهما فقد اختلف الناس فيه أيضا، فقال أصحابنا ومن ~~تابعهم: عليه القضاء وقال مالك والشافعي: لا قضاء عليه وما قدمنا من دلالة ~~قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يوجب القضاء، سواء خرج منه بعذر أو بغير ~~عذر; لأن الآية ms0392 قد اقتضت الإيجاب بالدخول، وإذا وجب لم يختلف حكمه في إيجاب ~~القضاء إذا كان خروجه بعذر أو بغير # PageV01P284 # عذر كسائر ما أوجبه الله عليه من صيام أو صلاة أو غيرهما كالنذور، ونظير ~~هذه الآية في إيجاب القرب بالدخول فيها قوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] والابتداع قد يكون بالفعل وقد ~~يكون بالقول. ثم ذم تاركي رعايتها بعد الابتداع، فدل ذلك على أن من ابتدع ~~قربة بالدخول فيها أو بإيجابها بالقول أن عليه إتمامها; لأنه متى قطعها قبل ~~إتمامها فلم يرعها حق رعايتها، والذم لا يستحق إلا بترك الواجبات فدل ذلك ~~على أن لزومها بالدخول كهو بالنذر والإيجاب بالقول. # ويحتج في مثله أيضا بقوله: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا} [النحل: 92] جعله الله مثلا لمن عهد لله عهدا أو حلف بالله ثم لم ~~يف به ويقضيه; وهو عموم في كل من دخل في قربة، فيكون منهيا عن نقضها قبل ~~إتمامها لأنه متى نقضها فقد أفسد ما مضى منها بعد تضمن تصحيحها بالدخول ~~فيها، ويصير بمنزلة ناقضة غزلها بعد فتلها بقواها، وهذا يوجب أن كل من ~~ابتدأ في حق الله وإن كان متطوعا بديا فعليه إتمامه والوفاء به لئلا يكون ~~بمنزلة ناقضة غزلها. # فإن قيل: إنما هذه الآية فيمن نقض العهد والأيمان بعد توكيدها; لأنه قال ~~تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] ثم عطف عليه قوله: {ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} [النحل: 92] . قيل له: نزولها على سبب ~~لا يمنع اعتبار عموم لفظها، وقد بينا ذلك في مواضع، ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وقد علمنا أن أقل ما يصح في الفرض ~~من الصوم يوم كامل، وفي الصلاة ركعتان، ولا تصح النوافل ولا تكون قربة إلا ~~حسب موضوعها في الفروض، بدلالة أنه يحتاج إلى استيفاء شروطها; ألا ترى أن ~~صوم النفل مثل صوم الفرض في لزوم ms0393 الإمساك عن الجماع والأكل والشرب؟ وكذلك ~~صلاة التطوع تحتاج من القراءة والطهارة والستر إلى مثل ما شرط في الفروض، ~~ولما لم يكن في أصل الفرض ركعة واحدة ولا صوم بعض يوم، وجب أن يكون كذلك ~~حكم النفل، فمتى دخل في شيء منه ثم أفسده قبل إتمامه فقد أبطله وأبطل ثواب ~~ما فعله منه; وقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] يمنع الخروج ~~منه قبل إتمامه لنهي الله تعالى إياه عن إبطاله; وإذ ألزمه إتمامه فقد وجب ~~عليه قضاؤه إذا خرج منه قبل إتمامه معذورا كان في خروجه أو غير معذور. # ويدل عليه من جهة السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن ~~البتيراء" وهو أن يوتر الرجل بركعة فاقتضى هذا اللفظ إيجاب إتمامها، وإذا ~~وجب إتمامها فقد لزمته، # PageV01P285 # فمتى أفسدها أو فسدت عليه بغير اختياره لزمه قضاؤها كسائر الواجبات. ويدل ~~عليه حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: فذكرت ذلك لابن عباس ~~وأبي هريرة فقالا: صدق فصارت رواته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة، ~~وذلك يدل على معنيين: أحدهما: إلزامه بالدخول فيه لأنه لم يفرق بين الفرض ~~والنفل. والثاني: أنه وإن خرج منه بغير اختيار منه فإن القضاء واجب عليه، ~~ويدل عليه أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن صالح قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهاد ~~عن زميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، ~~وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول ~~الله أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا، فقال: "لا عليكما صوما مكانه يوما ~~آخر" وهذا يدل على وجوب القضاء في التطوع; لأنه لم يسألهما عن جهة صومهما، ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: ms0394 حدثنا ~~القعنبي قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها ~~قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا، فسألت ~~حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اقضيا يوما مكانه". قال عبد ~~الباقي: وحدثنا عبد الله بن أسيد الأصبهاني الأكبر قال: حدثنا أزهر بن جميل ~~قال: حدثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، عن عبد الله بن عمر، عن الزهري عن ~~عروة، عن عائشة نحوه قال عبد الباقي: وحدثنا إسحاق قال: حدثنا القعنبي عن ~~مالك عن ابن شهاب عن الزهري: أن حفصة وعائشة; وذكر نحوه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "اقضيا مكانه يوما"، وأصحاب الحديث يتكلمون في إسناد ~~هذا الحديث بأشياء يطعنون بها فيه. أحدها: ما حدثنا به عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان يحدثه عن ~~الزهري فقيل للزهري: هو من حديث عروة؟ فقال الزهري: ليس هو من حديث عروة ~~قال الحميدي: وأخبرني غير واحد عن معمر أنه قال: لو كان من حديث الزهري ما ~~نسيته. وهذا الذي ذكروه لا يبطله عندنا; لأنه جائز أن يريد الزهري بذلك أنه ~~لم يسمعه من عروة وسمعه من غير عروة; وأكثر أحواله أن يكون مرسلا عن عروة. ~~وإرساله لا يفسده عندنا، وأما قول معمر لو كان من حديث الزهري ما نسيته ~~فليس بشيء; لأن النسيان جائز عليه في حديث الزهري كجوازه في حديث غيره، ~~وأكثر أحواله أن لا يكون معمر قد سمعه من الزهري، وغير معمر قد سمعه من ~~الزهري ورواه عنه، فلا يفسده أن لا يكون معمر قد رواه عنه. وقد رواه زميل ~~مولى عروة عن عروة، ويطعنون فيه أيضا بما ذكره ابن جريج أنه قال للزهري في ~~هذا الحديث: أسمعته من # PageV01P286 # عروة؟ قال: إنما أخبرنا به رجل بباب عبد الملك، وروي في غير هذا الحديث ~~أن الرجل سليمان بن أرقم، وكيفما تصرفت به الحال فليس فيه ما يفسده على ~~مذهب الفقهاء; وما يعترض ms0395 به أصحاب الحديث من مثل هذا لا يفسد الحديث ولا ~~يقدح فيه عندهم. # وقد روى أيضا خصيف عن عكرمة عن ابن عباس: أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين، ~~فأهدي لهم طعام، فأفطرتا، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضيا يوما ~~مكانه. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا ~~محمد بن عباد قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أبي حمزة عن الحسن عن أبي سعيد ~~الخدري: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين، فأهدي لهما طعام، فدخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهما تأكلان فقال: "ألم تصبحا صائمتين؟ " قالتا: بلى قال: ~~"اقضيا يوما مكانه ولا تعودا". وقد روي من طريق آخر، وهو ما حدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا حرملة قال: حدثنا ~~ابن وهب قال: حدثنا جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عروة عن عائشة قالت: ~~أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا طعام، فأعجبنا فأفطرنا، ~~فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدرتني حفصة فسألته وهي ابنة أبيها فقال ~~عليه السلام: "صوما يوما مكانه" وروى الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة مثل ذلك. وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر هذه ~~القصة وذكر نحوها إلا أنه لم يذكر تطوعا، فهذه آثار مستفيضة قد رويت من ~~طرق، في بعضها أنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين، وفي بعضها لم يذكر التطوع، ~~وفي كلها الأمر بالقضاء. # ويدل على وجوب القضاء ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا مسدد قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن ~~سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه قيء ~~وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض" وفي هذا الحديث ما يوجب القضاء ~~على الصائم إذا استقاء عمدا; لأنه عليه السلام لم يفرق بين المتنفل وبين من ~~يصوم فرضا. # ويدل عليه من جهة ms0396 النظر اتفاق الجميع على أن المتصدق بصدقة تطوعا إذا ~~قبضها من تصدق بها عليه لا يرجع فيها، لما فيه من إبطال القربة التي حصلت ~~له بها، فكذلك الداخل في صلاة أو صوم تطوعا غير جائز له الخروج منها قبل ~~إتمامها، لما فيه من إبطال ما تقدم منه، فهو بمنزلة الصدقة المقبوضة. # فإن قيل: هو بمنزلة الصدقة التي لم تقبض; لأنه إنما امتنع من فعل باقي ~~أجزاء الصلاة والصوم بمنزلة الممتنع من تسليم الصدقة، قيل له: لو لم يكن ~~إلا كذلك لكان كما ذكرت، لكنه لما كان في الخروج منه قبل إتمامه إبطال ما ~~تقدم لم يكن له سبيل إلى # PageV01P287 # ذلك، ومتى فعله لزمه القضاء; ألا ترى أنه لا يصح صوم بعض النهار دون بعض ~~وأن من أكل في أول النهار لا يصح له صوم بقيته؟ وكذلك من صام أوله ثم أفطر ~~في باقيه فقد أخرج نفسه من حكم صوم ذلك اليوم رأسا وأبطل به حكم ما فعله ~~كالراجع في الصدقة المقبوضة، فصار كما إذا رجع في صدقة مقبوضة لزمه ردها ~~إلى المتصدق بها عليه. ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المحرم بحج أو ~~عمرة تطوعا متى أفسده لزمه القضاء وكان الدخول فيه بمنزلة الإيجاب بالقول. # فإن قيل: إنما لزمه القضاء لأن فساده لا يخرجه منه، وليس ذلك كسائر القرب ~~من الصلاة والصوم; إذ هو يخرج منهما بالإفساد، قيل له: هذا الفرق لا يمنع ~~تساويهما في جهة الإيجاب بالدخول، ولا يخلو هذا المحرم من أن يكون قد لزمه ~~الإحرام بالدخول ووجب عليه إتمامه أو لم يلزمه، فإن كان قد لزمه إتمامه ~~فالواجب عليه القضاء سواء أحصر أو أفسده بفعله; لأن ما قد وجب لا يختلف ~~حكمه في وقوع الفساد فيه بفعله أو غير فعله مثل النذر وحجة الإسلام. فمتى ~~اتفقنا على أنه متى أفسده لزمه قضاؤه وجب أن يكون ذلك حكمه إذا أحصر وتعذر ~~فعله من غير جهته كسائر الواجبات، وعلى أن السنة قد قضت ببطلان قول الخصم، ~~وهو قول ms0397 النبي صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من ~~قابل" فأوجب عليه القضاء مع وقوع المنع من قبل غيره، وإذا ثبت ذلك في الحج ~~والعمرة وجب مثله في سائر القرب التي شرط صحتها إتمامها وكان بعضها منوطا ~~ببعض، وذلك مثل الصلاة والصيام ويجب أن لا يختلف في وجوب قضائه حكم خروجه ~~منها بفعله أو غير فعله كما في سائر الواجبات. # واحتج من خالف في ذلك بحديث أم هانئ حين ناولها النبي صلى الله عليه وسلم ~~سؤره فشربته ثم قالت: إني كنت صائمة وكرهت أن أرد سؤرك; فقال النبي عليه ~~السلام: "إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت ~~فاقضي وإن شئت فلا تقضي". # وهذا حديث مضطرب السند والمتن جميعا، فأما اضطراب سنده فإن سماك بن حرب ~~يرويه مرة عمن سمع أم هانئ، ومرة يقول هارون ابن أم هانئ أو ابن ابنة أم ~~هانئ، ومرة يرويه عن ابني أم هانئ، ومرة عن ابن أم هانئ قال: أخبرني أهلنا. ~~ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يدل على قلة ضبط رواته، وأما اضطراب المتن ~~فمن قبل ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن ~~الحارث عن أم هانئ قالت: لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن ~~يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم # PageV01P288 # هانئ عن يمينه، قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته، فشرب منه ثم ~~ناوله أم هانئ، فشربت منه ثم قالت: يا رسول الله أفطرت وكنت صائمة فقال ~~لها: "أكنت تقضين شيئا؟ " قالت: لا قال: "فلا يضرك إن كان تطوعا ... " فذكر ~~في هذا الحديث أنه قال: "لا يضرك" وليس في ذلك نفي لوجوب القضاء; لأنا كذلك ~~نقول إنه لم يضرها; لأنها لم تعلم أنه لا يجوز لها الإفطار، أو علمت ذلك ~~ورأت اتباع النبي صلى الله ms0398 عليه وسلم بالشرب، والإفطار أولى من المضي فيه. # وحدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: ~~حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني جعدة رجل من قريش وهو ~~ابن أم هانئ وكان سماك بن حرب يحدثه يقول: أخبرني ابنا أم هانئ قال شعبة: ~~فلقيت أنا أفضلهما جعدة فحدثني عن أم هانئ: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها، فناولته شرابا فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله ~~إني كنت صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمين ~~نفسه أو أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" فقلت لجعدة: سمعته أنت من أم ~~هانئ؟ فقال: أخبرني أهلنا وأبو صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ، ورواه سماك ~~عمن سمع أم هانئ، وذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المتطوع ~~بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر". وروى سماك عن هارون ابن أم هانئ عن أم ~~هانئ، وقال فيه: "إن كان من قضاء رمضان فصومي يوما مكانه، وإن كان تطوعا ~~فإن شئت فصومي وإن شئت فأفطري". ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار نفي ~~القضاء، وإنما ذكر فيه أن الصائم بالخيار وأنه أمين نفسه وأن له أن يفطر في ~~التطوع، ولم يقل: لا قضاء عليك، وهذا الاختلاف في متنه يدل على أنه غير ~~مضبوط، ولو ثبتت هذه الألفاظ لم يكن فيها ما ينفي وجوب القضاء; لأن أكثر ما ~~فيها إباحة الإفطار، وإباحة الإفطار تدل على سقوط القضاء. # وقوله: "الصائم أمين نفسه، والصائم بالخيار" جائز أن يريد به من أصبح ~~ممسكا عما يمسك عنه الصائم من غير نية للصوم أنه بالخيار في أن ينوي الصوم ~~التطوع أو يفطر; والممسك عما يمسك عنه الصائم يسمى صائما كما قال عليه ~~السلام يوم عاشوراء: "من أكل فليصم بقية يومه" ومراده الإمساك عما يمسك عنه ~~الصائم، كذلك قوله: "الصائم بالخيار، والصائم أمين نفسه" هو على هذا ~~المعنى. فإن ms0399 وجد في بعض ألفاظ هذا الحديث "فإن شئت فاقض وإن شئت فلا تقض" ~~فإنما هو تأويل من الراوي لقوله: "لا يضرك، وإن شئت فأفطري، والصائم ~~بالخيار"، وإذا كان كذلك لم يثبت نفي القضاء بما ذكرت، على أنه لو ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفي إيجاب القضاء من غير احتمال # PageV01P289 # التأويل مع صحة السند واتساق المتن، لكانت الأخبار الموجبة للقضاء أولى ~~من وجوه: أحدها أنه متى ورد خبران أحدهما مبيح والآخر حاظر كان خبر الحظر ~~أولى بالاستعمال، وخبرنا حاظر لترك القضاء، وخبرهم مبيح، فكان خبرنا أولى ~~من هذا الوجه، ومن جهة أخرى أن الخبر النافي للقضاء وارد على الأصل، والخبر ~~الموجب له ناقل عنه، والخبر الناقل أولى لأنه في المعنى وارد بعده كأنه قد ~~علم تاريخه، ومن جهة أخرى، وهو أن ترك الواجب يستحق به العقاب وفعل المباح ~~لا يستحق به العقاب، فكان استعمال خبر الوجوب أولى من خبر النفي. # ومما يعارض خبر أم هانئ في إباحة الإفطار، ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو خالد عن هشام ~~عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل". قال أبو ~~داود رواه حفص بن غياث أيضا، وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل ~~إني صائم" فهذان خبران يحظران على الصائم الإفطار من غير عذر، ولم يفرق ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين الصائم تطوعا أو من فرض، ألا ترى أنه قال في ~~الخبر الأول: "وإن كان صائما فليصل" والصلاة تنافي الإفطار؟ وفرق أيضا بين ~~المفطر والصائم; فلو جاز للصائم الإفطار لقال: فليأكل. # فإن قيل: إنما أراد بالصلاة الدعاء والدعاء لا ينافي ms0400 الأكل، قيل له: بل ~~هو على الصلاة المعهودة عند الإطلاق، وهي التي بركوع وسجود، وصرفه إلى ~~الدعاء غير جائز إلا بدلالة، فلو كان المراد الدعاء لكانت دلالته قائمة على ~~أنه لا يفطر حين فرق بين المفطر والصائم بما ذكرنا، وقوله عليه السلام في ~~الحديث: "فليقل إني صائم" يدل على أن الصوم يمنعه من الأكل. وقد علمنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل إجابة الدعوة من حق المسلم كالسلام وعيادة ~~المريض وشهود الجنازة، فلما منعه الإجابة وقال: "فليقل إني صائم" دل ذلك ~~على حظر الإفطار في سائر الصيام من غير عذر. # فإن قيل: قد روي عن أبي الدرداء وجابر "أنهما كانا لا يريان بالإفطار في ~~صيام التطوع بأسا" وأن عمر بن الخطاب دخل المسجد فصلى ركعة ثم انصرف، فتبعه ~~رجل فقال: يا أمير المؤمنين صليت ركعة واحدة فقال: هو التطوع، فمن شاء زاد ~~ومن شاء نقص، قيل له: قد روينا عن ابن عباس وابن عمر إيجاب القضاء على من ~~أفطر في صيام التطوع، وأما ما روي عن أبي الدرداء وجابر فليس فيه نفي ~~القضاء وإنما فيه إباحة # PageV01P290 # الإفطار، وحديث عمر يحتمل أن يريد به من دخل في صلاة يظن أنها عليه ثم ~~ذكر أنها ليست عليه أنها تكون تطوعا وجائز أن يقطعها، ولم يجب عليه القضاء، ~~وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ما أجزأت ركعة قط". # فإن قيل: قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] يدل على ~~جواز الاقتصار على ركعة، قيل له: إنما ذلك تخييرا في القراءة لا في ركعات ~~الصلاة، والتخيير فيها لا يوجب تخييرا في سائر أركانها، فلا دلالة في ذلك ~~على حكم الركعات; وقال الشافعي: عليه في الأضحية البدل إذا استهلكها فيلزمه ~~مثله في سائر القرب. # ومن دلالات قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} على الأحكام: أن من ~~أصبح مقيما صائما ثم سافر أنه لا يجوز له الإفطار في يومه ذلك، بدلالة ظاهر ~~قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ولم ms0401 يفرق بين من سافر بعد الدخول في ~~الصوم وبين من أقام. وفيه الدلالة على أن من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظن أن ~~عليه ليلا، أو أكل قبل غروب الشمس وهو يرى أن الشمس قد غابت، ثم تبين أن ~~عليه القضاء، لقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وهذا لم يتم الصيام; لأن ~~الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وهو لم يمسك، فليس هو إذا صائم. # وقد اختلف السلف في ذلك، فقال مجاهد وجابر بن زيد والحكم: "إن صومه تام ~~ولا قضاء عليه" هذا في المتسحر الذي يظن أن عليه ليلا، وقال مجاهد: لو ظن ~~أن الشمس قد غابت فأفطر ثم علم أنها لم تغب كان عليه القضاء فرق بين ~~المتسحر وبين من أكل قبل غروب الشمس على ظن منه ثم علم; قال: لأن الله ~~تعالى قال: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فما لم ~~يتبين فالأكل له مباح، فلا قضاء عليه فيما أكل قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ~~وأما الذي أفطر على ظن منه بغيبوبة الشمس فقد كان صومه يقينا، فلم يكن ~~جائزا له الإفطار حتى يتبين له غروب الشمس، وقال محمد بن سيرين وسعيد بن ~~جبير وأصحابنا جميعا ومالك والثوري والشافعي: يقضي في الحالين إلا أن مالكا ~~قال في صوم التطوع: يمضي فيه وفي الفرض: يقضي. وروى الأعمش عن زيد بن وهب، ~~أن عمر أفطر هو والناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقال: ما تجانفنا لإثم، ~~والله لا نقضيه وروي عنه أنه قال: الخطب يسير نقضي يوما.، وظاهر قوله: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} يقضي ببطلان صيامه; إذ لم يتممه; ولم تفصل الآية ~~بين من أكل جاهلا بالوقت أو عالما به. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر} فما لم يتبين له ذلك فالأكل له مباح. قيل له: لا ~~يخلو هذا الأكل من # PageV01P291 # أحد حالين: إما أن يكون ممن أمكنه استبانة طلوع ms0402 الفجر والوصول إلى علمه ~~من جهة اليقين بأن يكون عارفا به وليس بينه وبينه حائل، فإن كان كذلك ثم لم ~~يستبن فإن هذا لا يكون إلا من تفريطه في تأمله وترك مراعاته، ومن كانت هذه ~~فغير جائز له الإقدام على الأكل، فإذا أكل فقد فعل ما لم يكن له أن يفعله; ~~إذ قد كان في وسعه وإمكانه الوصول إلى اليقين والاستبانة، ففرط فيه ولم ~~يفعله، وتفريطه غير مسقط عنه فرض الصوم، وإن كان هذا الآكل ممن لا يعرف ~~الفجر بصفته، أو بينه وبينه حائل أو قمر أو ضعف بصر أو نحو ذلك، فهذا أيضا ~~ممن لا يجوز له العمل على الظن، بل عليه أن يصير إلى اليقين ولا يأكل وهو ~~شاك، وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يسقط عنه القضاء بتركه الاحتياط للصوم. ~~وكذلك من أكل على ظن منه بغيبوبة الشمس في يوم غيم، فهو بهذه المنزلة ~~بمقتضى ظاهر قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} . # فإن قيل: لم يكلف تبين الفجر عند الله تعالى وإنما كلف ما عنده، قيل له: ~~إذا أمكنه الوصول إلى معرفة طلوع الفجر الذي هو عند الله فعليه مراعاته، ~~فمتى لم يكن هناك حائل استحال أن لا يعلمه، ومع ذلك فإنه إن غفل أبيح له ~~الأكل في حال غفلته، فإن إباحة الأكل غير مسقطة للقضاء كالمريض والمسافر ~~وهما أصل في ذلك لأنهما معذوران; والذي اشتبه عليه طلوع الفجر أو ظنه قد ~~طلع معذور في الأكل، والعذر يسقط القضاء بدلالة ما وصفنا. ويدل عليه اتفاق ~~الجميع أنه لو غم عليهم الهلال في أول ليلة من رمضان فأفطروا ثم علموا بعد ~~ذلك أنه كان من رمضان كان عليهم القضاء، فكذلك من وصفنا أمره، وكذلك الأسير ~~في دار الحرب إذا لم يعلم بشهر رمضان حتى مضى ثم علم به كان عليه القضاء، ~~ولم يكن مكلفا في حال الإفطار إلا علمه، ثم لم يكن جهله بالوقت مسقطا ~~للقضاء; فكذلك من خفي عليه طلوع الفجر وغروب الشمس. # فإن قيل: هلا ms0403 كان بمنزلة الناسي في سقوط القضاء لأنه لم يعلم في حال ~~الأكل بوجوب الصوم عليه قيل له: هذا اعتلال فاسد لوجوده فيمن غم عليه هلال ~~رمضان مع إيجاب الجميع عليه القضاء متى علم أنه من رمضان، وكذلك الأسير في ~~دار الحرب إذا لم يعلم بالشهر حتى مضى عليه القضاء عند الجميع مع جهله ~~بوجوب الصوم عليه. # وقال أصحابنا في الآكل ناسيا: "القياس أنه يجب القضاء عليه" ولكنهم تركوا ~~القياس للأثر; ولو كان ظاهر الآية ينفي صحة صوم الناسي لأنه لم يتم صومه ~~والله سبحانه قال: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} والصوم هو الإمساك ولم يوجد ~~منه ذلك، ألا ترى أنه لو نسي الصوم رأسا أنه لا خلاف أن عليه القضاء ولم ~~يكن نسيانه مسقطا القضاء عنه؟ # PageV01P292 # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هارون بن عبد الله ~~ومحمد بن العلاء المعنى قالا: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة عن ~~فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يوما في رمضان في غيم ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة: قلت ~~لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: وبد من ذلك. # وقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يوجب أيضا إبطال صوم المكره على ~~الأكل; لأنه لم يتمه على ما قدمنا، وكذلك إبطال صوم من جن فأكل في حال ~~جنونه; لأن الله تعالى حكم بصحة الصوم لمن أتمه إلى الليل، فمن وجد منه فعل ~~يحظره الصوم فهو غير متم لصومه إلى الليل فيلزمه القضاء. # وأما الوقت الذي هو نهاية الصوم ويجب به الإفطار، هو ما حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من ههنا وغابت الشمس فقد ~~أفطر الصائم". وحدثنا محمد بن بكر قال: ms0404 حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد ~~قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا سليمان الشيباني قال: سمعت عبد الله بن ~~أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الليل قد أقبل ~~من ههنا فقد أفطر الصائم". وأشار بأصبعه قبل المشرق. وروى أبو سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سقط القرص أفطر ولا خلاف في أنه إذا ~~غابت الشمس فقد انقضى وقت الصوم وجاز للصائم الأكل والشرب والجماع وسائر ما ~~حظره عليه الصوم. # وقوله عليه السلام: "إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم", يوجب أن يكون ~~مفطرا بغروب الشمس أكل أو لم يأكل لأن الصوم لا يكون بالليل ولذلك نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال لأنه يترك الطعام والشراب وهو مفطر ~~والوصال أن يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل شيئا ولا يشرب فإنه أكل أو شرب في ~~أي وقت كان شيئا قليلا فقد خرج من الوصال وقد روى ابن الهاد عن عبد الله بن ~~خباب عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن ~~الوصال، قالوا: يا رسول الله إنك تواصل فقال: "إنكم لستم كهيئتي، إني أبيت ~~لي مطعم يطعمني وساق يسقيني; فأيكم واصل فمن السحر إلى السحر". فأخبر أنه ~~إذا أكل أو شرب سحرا فهو غير مواصل، وأخبر عليه السلام أنه لا يواصل; لأن ~~الله يطعمه ويسقيه، وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~قيل له: إنك تواصل فقال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" ومن الناس من يقول: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بإباحة الوصال دون أمته، وقد أخبر ~~عليه السلام أن الله يطعمه ويسقيه، ومن كان كذلك فلم يواصل. والله أعلم ~~بالصواب. # PageV01P293 # باب الاعتكاف # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ومعنى الاعتكاف ~~في أصل اللغة هو اللبث، قال الله: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~[الأنبياء: 52] وقال تعالى: {فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 71] ، وقال ~~الطرماح: ms0405 # فباتت بنات الليل حولي عكفا ... عكوف البواكي بينهن صريع # ثم نقل في الشرع إلى معان أخر مع اللبث لم يكن الاسم يتناولها في اللغة; ~~منها الكون في المسجد، ومنها الصوم، ومنها ترك الجماع رأسا ونية التقرب إلى ~~الله عز وجل، ولا يكون معتكفا إلا بوجود هذه المعاني، وهو نظير ما قلنا في ~~الصوم إنه اسم للإمساك في اللغة ثم زيد فيه معان أخر لا يكون الإمساك صوما ~~شرعيا إلا بوجودها. وأما شرط اللبث في المسجد فإنه للرجال خاصة دون النساء، ~~وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف فالأصل فيه قوله عز وجل: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد. # وقد اختلف السلف في المسجد الذي يجوز الاعتكاف فيه على أنحاء. وروي عن ~~أبي وائل عن حذيفة أنه قال لعبد الله: رأيت ناسا عكوفا بين دارك ودار ~~الأشعري لا تعير. وقد علمت أن لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو في ~~المسجد الحرام فقال عبد الله: لعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت، وروى ~~إبراهيم النخعي أن حذيفة قال: لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن قتادة عن ~~سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي، وهذا موافق لمذهب حذيفة; لأن ~~المساجد الثلاثة هي مساجد الأنبياء عليهم السلام. وقول آخر; وهو ما روى ~~إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: لا اعتكاف إلا في المسجد ~~الحرام أو مسجد النبي عليه السلام. وروي عن عبد الله بن مسعود وعائشة ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير وأبي جعفر وعروة بن الزبير: لا اعتكاف إلا في مسجد ~~جماعة فحصل من اتفاق جميع السلف أن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد على ~~اختلاف منهم في عموم المساجد وخصوصها على الوجه الذي بينا; ولم يختلف فقهاء ~~الأمصار في جواز الاعتكاف في سائر المساجد التي تقام فيها الجماعات إلا شيء ~~يحكى عن مالك ذكره عنه ابن عبد الحكم قال: لا يعتكف ms0406 أحد إلا في المسجد ~~الجامع أو في رحاب المساجد التي تجوز فيها الصلاة. وظاهر قوله: {وأنتم ~~عاكفون في المساجد} يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، واقتصر به ~~على بعضها فعليه بإقامة # PageV01P294 # الدلالة، وتخصيصه بمساجد الجماعات لا دلالة عليه، كما أن تخصيص من خصه ~~بمساجد الأنبياء لما لم يكن عليه دليل سقط اعتباره. # فإن قيل: قوله عليه السلام: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد ~~الحرام ومسجد بيت المقدس ومسجدي هذا" يدل على اعتبار تخصيص هذه المساجد، ~~وكذلك قوله عليه السلام: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا ~~المسجد الحرام" يدل على اختصاص هذين المسجدين بالفضيلة دون غيرهما، قيل له: ~~لعمري إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيصه المساجد الثلاثة ~~في حال والمسجدين في حال دليل على تفضيلهما على سائر المساجد. وكذلك نقول ~~كما قال عليه السلام إلا أنه لا دلالة فيه على نفي جواز الاعتكاف في غيرهما ~~كما لا دلالة على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرهما، فغير جائز لنا ~~تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على تخصيصهما; وقول مالك في الرواية ~~التي رويت عنه في تخصيص مساجد الجمعات دون مساجد الجماعات لا معنى له، وكما ~~لا تمتنع صلاة الجمعة في سائر المساجد كذلك لا يمتنع الاعتكاف فيها، فكيف ~~صار الاعتكاف مخصوصا بمساجد الجمعات دون مساجد الجماعات؟ # وقد اختلف الفقهاء في موضع اعتكاف النساء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في مسجد جماعة ~~وقال مالك: تعتكف المرأة في مسجد الجماعة ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد ~~بيتها، وقال الشافعي: العبد والمرأة والمسافر يعتكفون حيث شاءوا; لأنه لا ~~جمعة عليهم. # قال أبو بكر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تمنعوا إماء ~~الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن" فأخبر أن بيتها خير لها، ولم يفرق بين ~~حالها في الاعتكاف وفي الصلاة، ولما جاز للمرأة الاعتكاف باتفاق الفقهاء ms0407 ~~وجب أن يكون ذلك في بيتها لقوله عليه السلام: "وبيوتهن خير لهن" فلو كانت ~~ممن يباح لها الاعتكاف في المسجد لكان اعتكافها في المسجد أفضل ولم يكن ~~بيوتهن خيرا لهن لأن الاعتكاف شرطه الكون في المساجد لمن يباح له الاعتكاف ~~فيه. ويدل عليه أيضا قوله عليه السلام: "صلاة المرأة في دارها أفضل من ~~صلاتها في مسجدها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها، وصلاتها في ~~مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"، فلما كانت صلاتها في بيتها أفضل من ~~صلاتها في المسجد كان اعتكافها كذلك. # ويدل على كراهة الاعتكاف في المساجد للنساء ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية ويعلى ~~بن عبيد، # PageV01P295 # عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، قالت: وإنه أراد مرة أن ~~يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمر ببنائه فضرب، فلما رأيت ذلك ~~أمرت ببنائي فضرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~ببنائه فضرب، فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال: "ما هذه آلبر تردن؟ " ~~قالت: ثم أمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخر الاعتكاف إلى ~~العشر الأول; يعني من شوال. وهذا الخبر يدل على كراهية الاعتكاف للنساء في ~~المسجد بقوله: "آلبر تردن؟ " يعني أن هذا ليس من البر، ويدل على كراهية ذلك ~~منهن أنه لم يعتكف في ذلك الشهر ونقض بناءه حتى نقضن أبنيتهن. ولو ساغ لهن ~~الاعتكاف عنده لما ترك الاعتكاف بعد العزيمة ولما جوز لهن تركه وهو قربة ~~إلى الله تعالى، وفي هذا دلالة على أنه قد كره اعتكاف النساء في المساجد. # فإن قيل: قد روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن ~~عائشة وقالت فيه: فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف فأذن لي، ~~ثم استأذنته زينب فأذن لها، فلما ms0408 صلى الفجر رأى في المسجد أربعة أبنية ~~فقال: " ما هذا؟ " فقالوا: لزينب وحفصة وعائشة فقال: "آلبر تردن؟ " فلم ~~يعتكف. فأخبرت في هذا الحديث بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ~~ليس فيه أنه أذن لهن في الاعتكاف في المسجد، ويحتمل أن يكون الإذن انصرف ~~إلى اعتكافهن في بيوتهن، ويدل عليه أنه لما رأى أبنيتهن في المسجد ترك ~~الاعتكاف حتى تركن أيضا، وهذا يدل على أن الإذن بديا لم يكن إذنا لهن في ~~الاعتكاف في المسجد، وأيضا فلو صح أن الإذن بديا انصرف إلى فعله في المسجد ~~لكانت الكراهة دالة على نسخه وكان الآخر من أمره أولى مما تقدم. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون ذلك نسخا للإذن لأن النسخ عندكم لا يجوز قبل ~~التمكن من الفعل، قيل له: قد كن مكن من الفعل لأدنى الاعتكاف; لأنه من حين ~~طلوع الفجر من ذلك اليوم إلى أن صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر فعلهن ~~ذلك فقد حصل التمكين من الاعتكاف، فلذلك جاز ورود النسخ بعده. # وأما قول الشافعي فيمن لا جمعة عليه إن له أن يعتكف حيث شاء فلا معنى له; ~~لأنه ليس للاعتكاف تعلق بالجمعة، وقد وافقنا الشافعي على جواز الاعتكاف في ~~سائر المساجد فيمن عليه جمعة ومن ليست عليه لا يختلفان في موضع الاعتكاف، ~~وإنما كره ذلك للمرأة في المسجد لأنها تصير لابثة مع الرجال في المسجد وذلك ~~مكروه لها سواء كانت معتكفة أو غير معتكفة، فأما من سواها فلا يختلف الحكم ~~فيه لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} فلم يخصص من عليه جمعة من ~~غيرهم، فلا يختلف في # PageV01P296 # الاعتكاف من عليه جمعة ومن ليست عليه لأنه نافلة ليس بفرض على أحد. # وقد اختلف الفقهاء في مدة الاعتكاف، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والشافعي: له أن يعتكف يوما وما شاء وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا في من ~~دخل في الاعتكاف من غير إيجاب، بالقول في إحدى الروايتين: هو معتكف ما دام ~~في المسجد وله أن ms0409 يخرج متى شاء بعد أن يكون صائما في مقدار لبثه فيه ~~والرواية الأخرى، وهي في غير الأصول أن عليه أن يتمه يوما. وروى ابن وهب عن ~~مالك قال: ما سمعت أن أحدا اعتكف دون عشر، ومن صنع ذلك لم أر عليه شيئا ~~وذكر ابن القاسم عن مالك أنه كان يقول: "الاعتكاف يوم وليلة" ثم رجع وقال: ~~"لا اعتكاف أقل من عشرة" أيام وقال عبيد الله بن الحسن: لا أستحب أن يعتكف ~~أقل من عشرة أيام قال أبو بكر: تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيف أو ~~اتفاق وهما معدومان، فالموجب لتحديده متحكم قائل بغير دلالة. فإن قيل: ~~تحديد العشرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر ~~من رمضان، وروي أنه اعتكف العشر الأواخر من شوال في بعض السنين، ولم يرو ~~أنه اعتكف أقل من ذلك، قيل له: لم يختلف الفقهاء أن فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم للاعتكاف ليس على الوجوب وأنه غير موجب على أحد اعتكافا، فإذا لم ~~يكن فعله للاعتكاف على الوجوب فتحديد العشرة أولى أن لا يثبت بفعله، ومع ~~ذلك فإنه لم ينف عن غيره، فنحن نقول: إن اعتكاف العشرة جائز ونفي ما دونها ~~يحتاج إلى دليل، وقد أطلق الله تعالى ذكر الاعتكاف فقال: {ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد} ولم يحده بوقت ولم يقدره بمدة، فهو على إطلاقه ~~وغير جائز تخصيصه بغير دلالة، والله أعلم. # PageV01P297 # باب الاعتكاف هل يجوز بغير صوم # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وقد بينا أن ~~الاعتكاف اسم شرعي، وما كان هذا حكمه من الأسماء فهو بمنزلة المجمل الذي ~~يفتقر إلى البيان. # وقد اختلف السلف في ذلك، فروى عطاء عن ابن عمر عن ابن عباس وعائشة قالوا: ~~المعتكف عليه الصوم، وقال سعيد بن المسيب عن عائشة: من سنة المعتكف أن ~~يصوم. وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال: لا اعتكاف ~~إلا بصوم وهو قول الشعبي وإبراهيم ومجاهد، وقال ms0410 آخرون: يصح بغير صوم; روى ~~الحكم عن علي وعبد الله، وقتادة عن الحسن وسعيد، وأبو معشر عن إبراهيم ~~قالوا: إن شاء صام وإن شاء لم يصم وروى طاوس عن ابن عباس مثله. # واختلف أيضا فقهاء الأمصار، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك # PageV01P297 # والثوري والحسن بن صالح: لا اعتكاف إلا بصوم وقال الليث بن سعد: الاعتكاف ~~في رمضان، والجوار في غير رمضان، ومن جاور فعليه ما على المعتكف من الصيام ~~وغيره، وقال الشافعي: يجوز الاعتكاف بغير صوم. # قال أبو بكر: لما كان الاعتكاف اسما مجملا لما بينا كان مفتقرا إلى ~~البيان، فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه فهو وارد مورد ~~البيان، فيجب أن يكون على الوجوب; لأن فعله إذا ورد مورد البيان فهو على ~~الوجوب إلا ما قام دليله، فلما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~اعتكاف إلا بصوم" وجب أن يكون الصوم من شروطه التي لا يصح إلا به، كفعله في ~~الصلاة لأعداد الركعات والقيام والركوع والسجود لما كان على وجه البيان كان ~~على الوجوب. # ومن جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن دينار ~~عن ابن عمر: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند ~~الكعبة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اعتكف وصم". وحدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن ~~صالح القرشي قال: حدثنا عمرو بن محمد عن عبد الله بن بديل بإسناده، نحوه، ~~وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب، فثبت بذلك أنه من شروط ~~الاعتكاف. # ويدل عليه أيضا قول عائشة رضي الله عنها: "من سنة المعتكف أن يصوم". # ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على لزومه بالنذر. فلولا ما يتضمنه ~~من الصوم لما لزم بالنذر; لأن ما ليس له ms0411 أصل في الوجوب لا يلزم بالنذر ولا ~~يصير واجبا، كما أن ما ليس له أصل في القرب لا يصير قربة وإن تقرب به، ويدل ~~عليه أن الاعتكاف لبث في مكان فأشبه الوقوف بعرفة، والكون بمنى لما كان ~~لبثا في مكان لم يصر قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه هو في نفسه قربة، ~~فالوقوف بعرفة الإحرام والكون بمنى الرمي. # فإن قيل: لو كان من شرطه الصوم لما صح بالليل لعدم الصوم فيه، قيل له: قد ~~اتفقوا على أن من شرطه اللبث في المسجد ثم لا يخرجه من الاعتكاف خروجه ~~لحاجة الإنسان وللجمعة، ولم ينف ذلك كون اللبث في المسجد شرطا فيه، كذلك من ~~شرطه الصوم وصحته بالليل مع عدم الصوم غير مانع أن يكون من شرطه، وكذلك ~~اللبث بمنى قربة لأجل الرمي، ثم يكون اللبث بالليل بها قربة لرمي يفعله في ~~غد، كذلك الاعتكاف بالليل صحيح بصوم يستقبله في غد، والله أعلم. # PageV01P298 # باب ما يجوز للمعتكف أن يفعله # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} يحتمل اللفظ ~~حقيقة المباشرة التي هي إلصاق البشرة بالبشرة من أي موضع كان من البدن ~~ويحتمل أن تكون كناية عن الجماع كما كان المسيس كناية عن الجماع، وحقيقته ~~المس باليد وبسائر الأعضاء وكما قال: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله ~~لكم} والمراد الجماع، فلما اتفق الجميع أن هذه الآية قد حظرت الجماع على ~~المعتكف وأنه مراد بها، وجب أن تنتفي إرادة المباشرة التي هي حقيقة لامتناع ~~كون لفظ واحد حقيقة مجازا. # وقد اختلف الفقهاء في مباشرة المعتكف، فقال أصحابنا: لا بأس بها إذا لم ~~تكن بشهوة وأمن على نفسه، ولا ينبغي أن يباشرها بشهوة ليلا ولا نهارا، فإن ~~فعل فأنزل فسد اعتكافه، فإن لم ينزل لم يفسد وقد أساء وقال ابن القاسم عن ~~مالك: إذا قبل امرأته فسد اعتكافه وقال المزني عن الشافعي: إن باشر فسد ~~اعتكافه وقال في موضع آخر: لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد. # قال أبو بكر: قد ms0412 بينا أن مراد الآية في المباشرة هو الوطء دون المباشرة ~~باليد والقبلة، وكذلك قال أبو يوسف، إن قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد} إنما هو على الجماع. وروي عن الحسن البصري قال: المباشرة ~~النكاح، وقال ابن عباس: إذا جامع المعتكف فسد اعتكافه. وقال الضحاك: كانوا ~~يجامعون وهم معتكفون حتى نزل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وقال ~~قتادة: كان الناس إذا اعتكفوا خرج الرجل منهم فباشر أهله ثم رجع إلى ~~المسجد، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~وهذا من قولهم يدل على أنهم عقلوا من مراد الآية الجماع دون اللمس ~~والمباشرة باليد. # ويدل على أن المباشرة لغير شهوة مباحة للمعتكف، حديث الزهري عن عروة عن ~~عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف فكانت لا ~~محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، فدل على أن المباشرة ~~لغير شهوة غير محظورة على المعتكف وأيضا لما ثبت أن الاعتكاف بمعنى الصوم ~~في باب حظر الجماع ولم يكن الصوم مانعا من المباشرة أو القبلة لغير شهوة ~~إذا أمن على نفسه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار مستفيضة، ~~وجب أن لا يمنع الاعتكاف القبلة لغير شهوة ولما كانت المباشرة والقبلة ~~لشهوة محظورتين في الصوم وجب أن يكون ذلك حكمهما في الاعتكاف، ولما كانت ~~المباشرة في الصوم إذا حدث عنها إنزال فسد الصوم وجب أن يفسد الاعتكاف; لأن # PageV01P299 # الاعتكاف والصوم قد جريا مجرى واحدا في اختصاصهما بحظر الجماع دون دواعيه ~~من الطيب ودون اللباس. # فإن قيل: المحرم إذا قبل بشهوة لزمه دم وإن لم ينزل، فهلا أفسدت الاعتكاف ~~بمثله قيل له: ليس الإحرام بأصل للاعتكاف، ألا ترى أنه ممنوع في الإحرام من ~~الجماع ودواعيه من الطيب ومحظور عليه اللبس والصيد وإزالة التفث عن نفسه ~~وليس يحظر ذلك عليه الاعتكاف؟ فثبت بذلك أن الإحرام ليس بأصل للاعتكاف، وأن ~~الإحرام أكبر حرمة فيما يتعلق به من الأحكام، فلما كان ms0413 المحرم ممنوعا من ~~الاستمتاع وقد حصل له ذلك بالمباشرة وإن لم ينزل، وجب عليه دم لحصول ~~الاستمتاع بما هو محظور عليه، فأشبه الاستمتاع بالطيب واللباس، فلزمه من ~~أجل ذلك دم. # فإن قيل: فلا يفسد اعتكافه وإن حدث عنها إنزال كما لا يفسد إحرامه، قيل ~~له: لم نجعل ما وصفنا علة في فساد الاعتكاف حتى يلزمنا علتها، وإنما أفسدنا ~~اعتكافه بالإنزال عن المباشرة كما أفسدنا صومه، وأما الإحرام فهو مخصوص في ~~إفساده بالجماع في الفرج وسائر الأمور المحظورة في الإحرام لا يفسده، ألا ~~ترى أن اللبس والطيب والصيد كل ذلك محظور في الإحرام ولا يفسده إذا وقع ~~فيه؟ فالإحرام في باب البقاء مع وجود ما يحظره أكبر من الاعتكاف والصوم; ~~ألا ترى أن بعض الأشياء التي يحظرها الصوم يفسده مثل الأكل والشرب وكذلك ~~يفسد الاعتكاف؟ فلذلك قلنا إن المباشرة في الاعتكاف إذا حدث عنها إنزال ~~أفسدته كما تفسد الصوم، ومتى لم يحدث عنها لم يكن لها تأثير في إفساد ~~الاعتكاف كما لم تؤثر في إفساد الصوم. # واختلف فقهاء الأمصار في أشياء من أمر المعتكف، فقال أصحابنا: لا يخرج ~~المعتكف من المسجد في اعتكاف واجب ليلا ولا نهارا إلا لما لا بد منه من ~~الغائط والبول وحضور الجمعة، ولا يخرج لعيادة مريض ولا لشهود جنازة قالوا: ~~ولا بأس بأن يبيع ويشتري ويتحدث في المسجد ويتشاغل بما لا مأثم فيه ويتزوج ~~وليس فيه صمت وبه قال الشافعي. وقال ابن وهب عن مالك: لا يعرض المعتكف ~~لتجارة ولا غيرها بل يشتغل باعتكافه، ولا بأس أن يأمر بصنعته ومصلحة أهله ~~وبيع ماله أو شيئا لا يشغله في نفسه. ولا بأس به إذا كان خفيفا; قال مالك: ~~ولا يكون معتكفا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف، ولا بأس بنكاح المعتكف ما لم ~~يكن الوقاع وقال ابن القاسم عن مالك: لا يقوم المعتكف إلى رجل يعزيه ~~بمصيبة، ولا يشهد نكاحا يعقد في المسجد يقوم إليه في المسجد، ولكن لو غشيه ~~ذلك في مجلسه لم أر به بأسا، ولا ms0414 يقوم إلى الناكح فيهنئه، ولا يتشاغل في ~~مجلس العلم ولا يكتب العلم في المجلس وكرهه ويشتري ويبيع إذا كان # PageV01P300 # خفيفا. وقال سفيان الثوري: المعتكف يعود المريض ويشهد الجمعة وما لا يحسن ~~به أن يصنعه في المسجد أتى أهله فصنعه، ولا يدخل سقفا إلا أن يكون ممره ~~فيه، ولا يجلس عند أهله، وليوصهم بحاجته وهو قائم أو يمشي، ولا يبيع ولا ~~يبتاع، وإن دخل سقفا بطل اعتكافه، وقال الحسن بن صالح: وإذا دخل المعتكف ~~بيتا ليس فيه طريقه أو جامع بطل اعتكافه، ويحضر الجنازة ويعود المريض ويأتي ~~الجمعة ويخرج للوضوء ويدخل بيت المريض، ويكره أن يبيع ويشتري. # قال أبو بكر: روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن عائشة ~~قالت: "إن من السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا يتبع ~~الجنازة، ولا يعود مريضا، ولا يمس امرأة ولا يباشرها". وعن سعيد بن المسيب ~~ومجاهد قالا: لا يعود المعتكف مريضا ولا يجيب دعوة ولا يشهد جنازة وروى ~~مجاهد عن ابن عباس قال: ليس على المعتكف أن يعود مريضا ولا يتبع جنازة. # فهؤلاء السلف من الصحابة والتابعين قد روي عنهم في المعتكف ما وصفنا، ~~وروي عن غيرهم خلاف ذلك. وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: ~~المعتكف يشهد الجمعة ويعود المريض ويتبع الجنازة وروي مثله عن الحسن وعامر ~~وسعيد بن جبير، وروى سفيان بن عيينة عن عمار بن عبد الله بن يسار عن أبيه ~~عن علي أنه لم ير بأسا أن يخرج المعتكف ويبتاع. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن ~~الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة ~~الإنسان", فهذا الحديث يقتضي حظر الخروج إلا لحاجة الإنسان، مما وصفنا من ~~أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف وارد مورد البيان، وفعله ms0415 إذا ورد ~~مورد البيان فهو على الوجوب، فأوجب ما ذكرنا من فعله حظر الخروج على ~~المعتكف إلا لحاجة الإنسان. وإنما يعنى به البول والغائط، ولما كان من شرط ~~الاعتكاف اللبث في المسجد، وبذلك قرنه الله تعالى عند ذكره في قوله: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وجب أن لا يخرج إلا لما لا بد منه من ~~حاجة الإنسان وقضاء فرض الجمعة; ولأنه معلوم أنه لم يعقد على نفسه اعتكافا ~~هو متنفل بإيجابه، وهو يريد ترك شهود الجمعة وهي فرض عليه، فصار حضورها ~~مستثنى من اعتكافه. # فإن قيل: أليس في قوله: {وأنتم عاكفون في المساجد} دلالة على أن من شرطه ~~دوام اللبث فيه؟ لأنه إنما ذكر في الحال التي يكونون عليه وعلق به حظر ~~الجماع إذا كانوا بهذه الصفة، ولا دلالة على حظر الخروج من المسجد في حال ~~الاعتكاف، قيل له: # PageV01P301 # هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه معلوم أن حظر الجماع على المعتكف غير ~~متعلق بكونه في المسجد لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس له أن يجامع ~~امرأته في بيته في حال الاعتكاف. وقد حكينا عن بعض السلف أن الآية نزلت ~~فيمن كان يخرج من المسجد في حال اعتكافه إلى بيته ويجامع، فلما كان ذلك ~~كذلك ثبت أن ذكر المسجد في هذا الموضع إذا لم يعلق به حظره الجماع إنما هو ~~لأن ذلك شرط الاعتكاف ومن أوصافه التي لا يصح إلا به، والوجه الآخر: أن ~~الاعتكاف لما كان أصله في اللغة اللبث في الموضع، ثم ذكر الله تعالى ~~الاعتكاف، فاللبث لا محالة مراد به وإن أضيف إليه معان أخر لم يكن الاسم ~~لها في اللغة، كما أن الصوم لما كان في اللغة هو الإمساك ثم نقل في الشرع ~~إلى معان أخر لم يخرجه ذلك من أن يكون من شرطه وأوصافه التي لا يصح إلا به. ~~فثبت أن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، فواجب على هذا أن لا يخرج إلا لما لا ~~بد منه أو لشهود الجمعة; إذ كانت فرضا، ms0416 مع ما عاضد هذه المقالة ما قدمنا من ~~السنة، ولما لم يتعين فرض شهود الجنازة وعيادة المريض لم يجز له الخروج ~~لهما. # وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فما يعرج عليه، يسأل عنه ويمضي", ~~وروى الزهري عن عمرة عن عائشة مثله من فعلها، ولما اتفق الجميع ممن ذكرنا ~~قوله أنه غير جائز للمعتكف أن يخرج فينصرف في سائر أعمال البر من قضاء ~~حوائج الناس والسعي على عياله وهو من البر، وجب أن يكون كذلك حكم عيادة ~~المريض، وكما لا يجيبه إلى دعوته كذلك عيادته لأنهما سواء في حقوق بعضهم ~~على بعض; فالكتاب والأثر والنظر يدل على صحة ما وصفنا. # فإن احتج محتج بما روى الهياج الخراساني قال: حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن ~~عن عبد الخالق عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المعتكف ~~يتبع الجنازة ويعود المريض، وإذا خرج من المسجد قنع رأسه حتى يعود إليه" ~~قيل له: هذا حديث مجهول السند، لا يعارض به حديث الزهري عن عمرة عن عائشة. ~~وأما قول من قال: إنه إن دخل سقفا بطل اعتكافه فتخصيصه السقف دون غيره لا ~~دلالة عليه، ولا فرق بين السقف وغيره من الفضاء، فإن كونه في الفضاء ~~والصحراء لا يفسد اعتكافه، فكذلك السقف مثله، وأما البيع والشراء من غير ~~إحضار السلعة والميزان فلا بأس عندهم به، وإنما أرادوا البيع بالقول فحسب ~~لا إحضار السلع والأثمان; وإنما جاز ذلك لأنه مباح، فهو كسائر كلامه في ~~الأمور المباحة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن صمت يوم ~~إلى الليل" فإذا كان الصمت محظورا فهو لا محالة مأمور بالكلام، فسائر ما ~~ينافي الصمت من مباح الكلام قد انتظمه اللفظ. # PageV01P302 # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي ~~قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ~~صفية، قالت: ms0417 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا، ~~فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ~~فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال ~~عليه السلام: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي" قالا: سبحان الله يا رسول ~~الله قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في ~~قلوبكما شيئا، أو قال: شرا" فتشاغل في اعتكافه بمحادثة صفية ومشى معها إلى ~~باب المسجد، وهذا يبطل قول من قال: لا يتشاغل بالحديث ولا يقوم فيمشي إلى ~~أملاك في المسجد، وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد ~~فيناولني رأسه من خلال الحجرة فأغسل رأسه وأرجله وأنا حائض". وقد حوى هذا ~~الخبر أحكاما: منها: إباحة غسل الرأس وهو في المسجد، ومنها جواز المباشرة ~~واللمس بغير شهوة للمعتكف، ومنها جواز غسل الرأس في حال الاعتكاف، وغسل ~~الرأس إنما هو لإصلاح البدن، فدل ذلك على أن للمعتكف أن يفعل ما فيه صلاح ~~بدنه، ودل أيضا على أنه له أن يشتغل بما فيه صلاح ماله، كما أبيح له ~~الاشتغال بإصلاح بدنه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتال المؤمن كفر ~~وسبابه فسق، وحرمة ماله كحرمة دمه". ودل أيضا على أن للمعتكف أن يتزين; لأن ~~ترجيل الرأس من الزينة، ويدل على أن من كان في المسجد فأخرج رأسه فغسله كان ~~غاسلا له في المسجد، وهو يدل على قولهم فيمن حلف لا يغسل رأس فلان في ~~المسجد أنه يحنث إن أخرج رأسه من المسجد فغسله والحالف خارج المسجد، وأنه ~~إنما يعتبر موضع المغسول لا الغاسل; لأن الغسل لا يكون إلا وهو متصل به ~~يقتضي وجود المغسول، ولذلك قالوا فيمن حلف لا يضرب فلانا في المسجد: إنه ~~يعتبر وجود المضروب ms0418 في المسجد لا الضارب. ويدل أيضا على طهارة يد الحائض ~~وسؤرها وأن حيضها لا يمنع طهارة بدنها، وهو كقوله عليه السلام: "ليس حيضك ~~في يدك"، والله أعلم. # PageV01P303 # باب ما يحله حكم الحاكم وما لا يحله # قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالأثم} . والمراد، والله أعلم: لا ~~يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: ~~29] وقوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] يعني بعضكم بعضا، وكما قال ~~عليه السلام: "أموالكم وأعراضكم # PageV01P303 # عليكم حرام" يعني أموال بعضكم على بعض، أكل المال بالباطل على وجهين: ~~أحدهما: أخذه على وجه الظلم والسرقة والخيانة والغصب وما جرى مجراه، ~~والآخر: أخذه من جهة محظورة، نحو الثمار وأجرة الغناء والقيان والملاهي ~~والنائحة وثمن الخمر والخنزير والحر وما لا يجوز أن يتملكه وإن كان بطيبة ~~نفس من مالكه; وقد انتظمت الآية حظر أكلها من هذه الوجوه كلها. ثم قوله: ~~{وتدلوا بها إلى الحكام} فيما يرفع إلى الحاكم فيحكم به في الظاهر ليحلها، ~~مع علم المحكوم له أنه غير مستحق له في الظاهر; فأبان تعالى أن حكم الحاكم ~~به لا يبيح أخذه، فزجر عن أكل بعضنا لمال بعض بالباطل، ثم أخبر أن ما كان ~~منه بحكم الحاكم فهو في حيز الباطل الذي هو محظور عليه أخذه; وقال في آية ~~أخرى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فاستثنى من الجملة ما وقع من التجارة ~~بتراض منهم به ولم يجعله من الباطل، وهذا هو في التجارة الجائزة دون ~~المحظورة. # وما تلونا من الآي أصل في أن حكم الحاكم له بالمال لا يبيح له أخذ المال ~~الذي لا يستحقه، وبمثله وردت الأخبار والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم; ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: ~~حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، ms0419 عن ~~أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان يختصمان في ~~مواريث وأشياء قد درست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أقضي ~~بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه، فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع بها قطعة ~~ظلما فإنما يقتطع قطعة من النار يأتي بها إسطاما يوم القيامة في عنقه" فبكى ~~الرجلان، فقال كل واحد منهما: يا رسول الله حقي له، فقال عليه السلام: "لا، ~~ولكن اذهبا فتوخيا للحق ثم استهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه". ومعنى هذا ~~الخبر مواطئ لما ورد به نص التنزيل في أن حكم الحاكم له بالمال لا يبيح له ~~أخذه وقد حوى هذا الخبر معاني أخر، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كان يقضي برأيه واجتهاده فيما لم ينزل به وحي لقوله عليه السلام: "أقضي ~~بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه". وقد دل ذلك أيضا على أن الذي كلف ~~الحاكم من ذلك الأمر الظاهر، وأنه لم يكلف المغيب عند الله تعالى وفيه ~~الدلالة على أن كل مجتهد فيما يسوغ فيه الاجتهاد مصيب; إذ لم يكلف غير ما ~~أداه إليه اجتهاده. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه مصيب ~~في حكمه بالظاهر وإن كان الأمر في المغيب خلافه ولم يبح مع ذلك للمقضي له ~~أخذ ما قضى له به؟ ودل أيضا على أن الحاكم جائز له أن يعطي إنسانا مالا ~~ويأمر له به وإن لم يسع المحكوم له أخذه إذا علم أنه غير مستحق، ودل أيضا ~~على جواز الصلح عن غير إقرار; لأن واحدا منهما لم يقر بالحق # PageV01P304 # وإنما بذل ماله لصاحبه، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالصلح وأن ~~يستهما عليه، والاستهام هو الاقتسام ويدل على أن القسمة في العقار وغيره ~~واجبة إذا طلبها أحدهما. ويدل أيضا على أن الحاكم يأمر بالقسمة ويدل على ~~جواز البراءة من المجاهيل أيضا; لأنه أخبر بجهالة المواريث التي قد درست ثم ~~أمرهما مع ذلك بالتحليل. ms0420 وعلى أنه لو لم يذكر فيه أنها مواريث قد درست لكان ~~يقتضي قوله: "وليحلل كل واحد منكما صاحبه" جواز البراءة من المجاهيل لعموم ~~اللفظ; إذ لم يفرق بين المجهول من ذلك والمعلوم ودل أيضا على جواز تراضي ~~الشريكين على القسمة من غير حكم الحاكم ودل أيضا على أن من له قبل رجل حق ~~فوهبه له فلم يقبله أنه لا يصح ويعود الملك إلى الواهب لأن كل واحد منهما ~~رد ما وهبه الآخر وجعل حق نفسه لصاحبه; ولما لم يفرق في ذلك بين الأعيان ~~والديون وجب أن يستوي حكم الجميع إذا رد البراءة والهبة في وجوب بطلانهما ~~ويدل أيضا على أن قول القائل: لفلان من مالي ألف درهم أنه هبة منه وليس ~~بإقرار; لأنه عليه السلام لم يجعل قول كل واحد منهما: الذي لي له إقرارا; ~~لأنه لو جعل إقرارا لجاز عليه ولم يحتاجا بعد ذلك إلى الصلح والتحليل ~~والقسمة; وكذلك قال أصحابنا فيمن قال: لفلان من مالي ألف درهم. ويدل أيضا ~~على جواز التحري والاجتهاد في موافقة الحق وإن لم يكن يقينا، لقوله عليه ~~السلام: "وتوخيا للحق" أي تحريا واجتهدا ويدل أيضا على أن الحاكم جائز له ~~أن يرد الخصوم للصلح إذا رأى ذلك، وأن لا يحملهما على مر الحكم; ولهذا قال ~~عمر: "ردوا الخصوم كي يصطلحوا". # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: ~~أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له على نحو مما أسمع منه، ~~فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من ~~النار". # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الربيع بن نافع قال: ~~حدثنا ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع مولى ms0421 أم سلمة، عن ~~أم سلمة قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث ~~لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ~~نحوه، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أما إذ فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم ~~تحالا". # وهذان الحديثان في معنى الحديث الذي قدمناه في حظر أخذ ما يحكم له به ~~الحاكم إذا علم أنه غير مستحق له; وفيهما فوائد أخر، منها: أن قوله في حديث ~~زينب # PageV01P305 # بنت أم سلمة "أقضي له على نحو مما أسمع " يدل على جواز إقرار المقر بما ~~أقر به على نفسه; لإخباره أنه يقضي بما يسمع; وكذلك قد اقتضى الحكم بمقتضى ~~ما يسمعه من شهادة الشهود واعتبار لفظهما فيما يقتضيه ويوجبه وقال في حديث ~~عبد الله بن رافع هذا: "اقتسما وتوخيا الحق ثم استهما" وهذا الاستهام هو ~~القرعة التي يقرع بها عند القسمة. وفيه دلالة على جواز القرعة في القسمة. # والذي ورد التنزيل من حظر ما حكم له به الحاكم إذا علم المحكوم له أنه ~~غير محكوم له بحق قد اتفقت الأمة عليه فيمن ادعى حقا في يدي رجل وأقام بينة ~~فقضى له، أنه غير جائز له أخذه وأن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل ذلك ~~محظورا عليه. # واختلفوا في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له ~~أنهم شهود زور، فقال أبو حنيفة: "إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما ~~يصح أن يبتدأ فهو نافذ ويكون كعقد نافذ عقداه بينهما وإن كان الشهود شهود ~~زور". وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: حكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن. ~~وقال أبو يوسف: فإن حكم بفرقة لم تحل للمرأة أن تتزوج ولا يقربها زوجها ~~أيضا. # قال أبو بكر: روي نحو قول أبي حنيفة عن علي وابن عمر والشعبي، ذكر أبو ~~يوسف عن عمرو بن المقدام عن أبيه ms0422 أن رجلا من الحي خطب امرأة وهو دونها في ~~الحسب، فأبت أن تزوجه، فادعى أنه تزوجها وأقام شاهدين عند علي، فقالت: إني ~~لم أتزوجه، قال: قد زوجك الشاهدان; فأمضى عليهما النكاح. قال أبو يوسف: ~~وكتب إلي شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق ~~امرأته بزور، ففرق القاضي بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين، قال الشعبي: ذلك ~~جائز، وأما ابن عمر فإنه باع عبدا بالبراءة، فرفعه المشتري إلى عثمان، فقال ~~عثمان: أتحلف بالله ما بعته وبه داء كتمته؟ فأبى أن يحلف; فرده عليه عثمان، ~~فباعه من غيره بفضل كثير، فاستجاز ابن عمر بيع العبد مع علمه بأن باطن ذلك ~~الحكم خلاف ظاهر، وأن عثمان لو علم منه مثل علم ابن عمر لما رده، فثبت بذلك ~~أنه كان من مذهبه أن فسخ الحاكم العقد يوجب عوده إلى ملكه وإن كان في ~~الباطن خلافه. # ومما يدل على صحة قول أبي حنيفة في ذلك حديث ابن عباس في قصة هلال بن ~~أمية ولعان النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ثم قال: "إن جاءت به على صفة ~~كيت وكيت فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على صفة أخرى فهو لشريك ابن سحماء ~~الذي رميت به" فجاءت به على الصفة المكروهة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن" ولم تبطل الفرقة الواقعة ~~بلعانهما مع علمه بكذب المرأة وصدق الزوج، فصار ذلك أصلا # PageV01P306 # في أن العقود وفسخها متى حكم بها الحاكم مما لو ابتدأ أيضا بحكم الحاكم ~~وقع. # ويدل على ذلك أيضا أن الحاكم مأمور بإمضاء الحكم عند شهادة الشهود الذين ~~ظاهرهم العدالة، ولو توقف عن إمضاء الحكم بما شهد به الشهود من عقد أو فسخ ~~عقد لكان آثما تاركا لحكم الله تعالى; لأنه إنما كلف الظاهر ولم يكلف علم ~~الباطن المغيب عند الله تعالى، وإذا مضى الحكم بالعقد صار ذلك كعقد مبتدأ ~~بينهما، وكذلك إذا حكم بالفسخ صار كفسخ فيما بينهما; وإنما ms0423 نفذ العقد ~~والفسخ إذا تراضى المتعاقدان بحكم الله عز وجل بذلك، وكذلك حكم الحاكم. # فإن قيل: فلو حكم بشهادة عبيد لم ينفذ حكمه إذا تبين مع كونه مأمورا ~~بإمضاء الحكم به، قيل له: إنما لم ينفذ حكمه من قبل أن الرق معنى يصح ثبوته ~~من طريق الحكم، وكذلك الشرك والحد في القذف، فجاز فسخ حكم الحاكم به بعد ~~وقوعه; ألا ترى أنه يصح قيام البينة به والخصومة فيه عند الحاكم؟ فلذلك جاز ~~أن لا ينفذ حكم الحاكم بشهادة هؤلاء، لوجود ما ذكرنا من المعاني التي يصح ~~إثباتها، من طريق الحكم، وأما الفسق وجرح الشهادة من قبل أنهم شهود زور، ~~فليس هو معنى يصح إثباته من طريق الحكم ولا تقبل فيه الخصومة، فلم ينفسخ ما ~~أمضاه الحاكم، فإن ألزمنا على العقد وفسخه الحكم بملك مطلق ولم نبح له أخذه ~~لم يلزمنا ذلك; لأن الحاكم عندنا إنما يحكم له بالتسليم لا بالملك; لأنه لو ~~حكم بالملك لاحتيج إلى ذكر جهة الملك في شهادة الشهود، فلما اتفق الجميع ~~على أنه تقبل شهادة الشهود من غير ذكر جهة الملك دل ذلك على أن المحكوم به ~~هو التسليم، والحكم بالتسليم ليس بسبب لنقل الملك; فلذلك كان الشيء باقيا ~~على ملك مالكه. # وقوله: {لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالأثم وأنتم تعلمون} يدل على أن ~~ذلك فيمن علم أنه أخذ ما ليس له، فأما من لم يعلم فجائز له أن يأخذه بحكم ~~الحاكم له بالمال إذا قامت بينة، وهذا يدل على أن البينة إذا قامت بأن ~~لأبيه الميت على هذا ألف درهم أو أن هذه الدار تركها الميت ميراثا، أنه ~~جائز للوارث أن يدعي ذلك ويأخذه بحكم الحاكم له به وإن لم يعلم صحة ذلك; إذ ~~هو غير عالم بأنه مبطل فيما يأخذه، والله تعالى إنما ذم العالم به إذا أخذه ~~بقوله: {لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالأثم وأنتم تعلمون} . # ومما يدل على نفاذ حكم الحاكم بما وصفنا من العقود وفسخها، اتفاق الجميع ~~على أن ما اختلف ms0424 فيه الفقهاء إذا حكم الحاكم بأحد وجوه الاختلاف نفذ حكمه ~~وقطع ما أمضاه تسويغ الاجتهاد في رده، ووسع المحكوم له أخذه ولم يسع ~~المحكوم عليه منعه. # PageV01P307 # وإن كان اعتقادهما خلافه، كنحو الشفعة بالجوار والنكاح بغير ولي ونحوهما ~~من اختلاف الفقهاء. # قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ، وإنما يسمى ~~هلالا في أول ما يرى وما قرب منه لظهوره في ذلك الوقت بعد خفائه; ومنه ~~الإهلال بالحج، وهو إظهار التلبية، واستهلال الصبي: ظهور حياته بصوت أو ~~حركة، ومن الناس من يقول: إن الإهلال هو رفع الصوت، وإن إهلال الهلال من ~~ذلك لرفع الصوت بذكره عند رؤيته، والأول أبين وأظهر. ألا ترى أنهم يقولون: ~~تهلل وجهه: إذا ظهر منه البشر والسرور، وليس هناك صوت مرفوع؟ وقال تأبط ~~شرا: # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # يعني الظاهر. # وقد اختلف أهل اللغة في الوقت الذي يسمى هلالا، فمنهم من قال: يسمى هلالا ~~لليلتين من الشهر، ومنهم من قال: يسمى لثلاث ليال ثم يسمى قمرا، وقال ~~الأصمعي: يسمى هلالا حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة، ومنهم من ~~يقول: يسمى هلالا حتى يبهر ضوءه سواد الليل، فإذا غلب ضوءه سمي قمرا. ~~قالوا: وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة، وقال الزجاج: الأكثر يسمونه ~~هلالا لابن ليلتين. # وقيل: إن سؤالهم وقع عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها، فأجابهم: ~~إنها مقادير لما يحتاج إليه الناس في صومهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل الديون ~~وغير ذلك من الأمور، فكانت هذه منافع عامة لجميعهم وبها عرفوا الشهور ~~والسنين وما لا يحصيه من المنافع والمصالح غير الله تعالى. # وفي هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، لعموم اللفظ ~~في سائر الأهلة أنها مواقيت للحج، ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج، فوجب ~~أن يكون المراد الإحرام. # وقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} لا ينفي ما قلنا; لأن قوله: {الحج أشهر ~~معلومات} فيه ضمير لا يستغني عنه الكلام، وذلك لاستحالة كون الحج أشهرا; ms0425 ~~لأن الحج هو فعل الحاج، وفعل الحاج لا يكون أشهرا; لأن الأشهر إنما هي مرور ~~الأوقات، ومرور الأوقات هو فعل الله ليس بفعل للحاج، والحج فعل الحاج; فثبت ~~أن في الكلام ضميرا لا يستغنى عنه; ثم لا يخلو ذلك الضمير من أن يكون فعل ~~الحج أو الإحرام بالحج. وليس لأحد صرفه إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا ~~بدلالة، فلما كان في اللفظ # PageV01P308 # هذا الاحتمال لم يجز تخصيص قوله تعالى: {قل هي مواقيت للناس والحج} به; ~~إذ غير جائز لنا تخصيص العموم بالاحتمال، والوجه الآخر: أنه إن كان المراد ~~إحرام الحج فليس فيه نفي لصحة الإحرام في غيرها، وإنما فيها إثبات الإحرام ~~فيها; وكذلك نقول: إن الإحرام جائز فيها بهذه الآية وجائز في غيرها بالآية ~~الأخرى; إذ ليس في إحداهما ما يوجب تخصيص الأخرى; والذي يقتضيه ظاهر اللفظ ~~أن يكون المراد أفعال الحج لا إحرامه، إلا أن فيه ضمير حرف الظرف وهو في ~~فمعناه حينئذ: الحج في أشهر معلومات وفيه تخصيص أفعال الحج في هذه الأشهر ~~دون غيرها، وكذلك قال أصحابنا فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج فطاف له وسعى ~~بين الصفا والمروة قبل أشهر الحج إن سعيه ذلك لا يجزيه وعليه أن يعيده; لأن ~~أفعال الحج لا تجزي قبل أشهر الحج فعلى هذا يكون معنى قوله: {الحج أشهر ~~معلومات} أن أفعاله في أشهر الحج معلومات. # وقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} عموم في ~~إحرام الحج لا في أفعال الحج الموجبة، وغير جائز أن يكون مراده في قوله: ~~{قل هي مواقيت للناس والحج} أهلة مخصوصة بأشهر الحج. كما لا يجوز أن تكون ~~هذه الأهلة في مواقيت الناس وآجال ديونهم وصومهم وفطرهم مخصوصة بأشهر الحج ~~دون غيرها; فلما ثبت عموم المراد في سائر الأهلة فيما تضمنه اللفظ من ~~مواقيت الناس، وجب أن يكون ذلك حكمه في الحج; لأن الأهلة المذكورة لمواقيت ~~الناس هي بعينها الأهلة المذكورة للحج، وعلى أنا لو حملناه على أفعال الحج ~~وجعلناها مقصورة المعنى على ms0426 المذكور في الآية في قوله تعالى: {الحج أشهر ~~معلومات} لأدى ذلك إلى إسقاط فائدته وإزالة حكمه وتخصيص لفظه بغير دلالة ~~توجب الاقتصار به على معنى قوله: {الحج أشهر معلومات} ، فلما وجب أن يوفى ~~كل لفظ حقه مما اقتضاه من الحكم والفائدة; وجب أن يكون محمولا على سائر ~~الأهلة وأنها مواقيت لإحرام الحج وسنتكلم في المسألة عند بلوغنا إليها إن ~~شاء الله. # وقوله: {قل هي مواقيت للناس} قد دل على أن العدتين إذا وجبتا من رجل واحد ~~يكتفى فيهما بمضيها لهما جميعا ولا تستأنف لكل واحد منهما حيضا ولا شهورا ~~غير مدة الأخرى; لأن الله تعالى لم يخصص إحداهما حين جعلها وقتا لجميع ~~الناس ببعضه دون بعض، ومضي مدة العدة هو وقت لكل واحدة منهما لقوله: {فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها} فجعل العدة حقا للزوج، ثم لما كانت العدة مرور ~~الأوقات، وقد جعل الله الأهلة وقتا للناس كلهم وجب أن يكتفى بمضي مدة واحدة ~~للعدتين; ألا # PageV01P309 # ترى أن قوله تعالى: {قل هي مواقيت للناس} قد عقل من مفهوم خطابه أنها ~~تكون مدة لإجارة جميع الناس ومحلا لجميع ديونهم، وإن كان واحد منهم لا ~~يحتاج إلى أن يختص لنفسه ببعض الأهلة دون بعض؟ كذلك مفهوم الآية في العدة ~~قد اقتضى مضي مدة واحدة لرجلين. وقد دل قوله تعالى: {قل هي مواقيت للناس} ~~على أن العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال وكانت بالشهور أنه إنما يجب ~~استيفاؤها بالأهلة ثلاثة أشهر إن كانت ثلاثة، وإن كانت عدة الوفاة فأربعة ~~أشهر بالأهلة وأن لا تعتبر عدد الأيام، وكذلك يدل على أن شهر الصوم معتبر ~~بالهلال في ابتدائه وانتهائه، وأنه إنما يرجع إلى العدد عند فقد رؤية ~~الهلال، ويدل أيضا على أن من آلى من امرأته في أول الشهر أن مضي الأربعة ~~الأشهر معتبر بالأهلة في إيقاع الطلاق دون اعتبار الثلاثين، وكذلك هذا في ~~الإجارات والأيمان وآجال الديون، متى كان ابتداؤها بالهلال كان جميعها كذلك ~~وسقط اعتبار عدد الثلاثين; وبذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم: ms0427 "صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" بالرجوع إلى اعتبار ~~العدد عند فقد الرؤية. # وأما قوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} فإنه قد قيل ~~فيه ما حدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: كان ناس ~~من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ويتحرجون من ~~ذلك، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فيبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته ~~فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، ~~فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم على حجرته فيأمر بحاجته فيخرج من بيته ~~وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل من الحديبية بالعمرة فدخل ~~حجرته، فدخل في إثره رجل من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إني أحمس" قال الزهري: وكانت الحمس لا يبالون ذلك فقال ~~الأنصاري: وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى: {وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها} . # وروى ابن عباس والبراء وقتادة وعطاء: "أنه كان قوم من الجاهلية إذا ~~أحرموا نقبوا في ظهور بيوتهم نقبا يدخلون منه ويخرجون، فنهوا عن التدين ~~بذلك وأمروا أن يأتوا البيوت من أبوابها". وقيل فيه إنه مثل ضربه الله لهم ~~بأن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، وليس يمتنع أن ~~يكون مراد الله تعالى به جميع ذلك، فيكون فيه بيان أن إتيان البيوت من ~~ظهورها ليس بقربة إلى الله تعالى، ولا هو مما شرعه ولا ندب إليه، ويكون مع ~~ذلك مثلا أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمر الله تعالى به # PageV01P310 # وندب إليه، وفيه بيان أن ما لم يشرعه قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة ولا ~~دينا بأن يتقرب به متقرب ويعتقده دينا ونظيره من السنة ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من نهيه ms0428 عن صمت يوم إلى الليل، وأنه رأى رجلا في الشمس ~~فقال: "ما شأنه؟ " فقيل: إنه نذر أن يقوم في الشمس; فأمره بأن يتحول إلى ~~الفيء، وأنه عليه السلام نهى عن الوصال لأن الليل لا صوم فيه، فنهى أن ~~يعتقد صومه وترك الأكل فيه قربة، وهذا كله أصل في أن من نذر ما ليس بقربة ~~لم يلزمه بالنذر ولا يصير قربة بالإيجاب ويدل أيضا على أن ما ليس له أصل في ~~الوجوب وإن كان قربة لا يصير واجبا بالنذر، نحو عيادة المريض وإجابة الدعوة ~~والمشي إلى المسجد والقعود فيه، والله تعالى أعلم. # PageV01P311 # باب فرض الجهاد # قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين} . # قال أبو بكر: لم تختلف الأمة أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: ~~{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 34 – 35] وقوله: {فاعف ~~عنهم واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ~~وقوله: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [آل عمران: 20] وقوله: {وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] . وروى عمرو بن دينار، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له كانت أموالهم بمكة ~~فقالوا: يا رسول الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال ~~عليه السلام: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله إلى المدينة ~~أمروا بالقتال فكفوا، فأنزل الله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ~~الناس} [النساء: 77] . وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح، ~~عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله عز وجل: {لست عليهم بمصيطر} ~~[الغاشية: 22] وقوله: {وما أنت عليهم بجبار} [ق: 5] وقوله: {فاعف عنهم ~~واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {قل للذين ms0429 آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله} [الجاثية: 14] قال: نسخ هذا كله قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {صاغرون} [التوبة: 29] . # PageV01P311 # وقد اختلف السلف في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع بن أنس وغيره ~~أن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} أول آية نزلت. وروي عن ~~جماعة آخرين، منهم أبو بكر الصديق والزهري وسعيد بن جبير: أن أول آية نزلت ~~في القتال {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] الآية; وجائز أن ~~يكون {وقاتلوا في سبيل الله} أول آية نزلت في إباحة قتال من قاتلهم، ~~والثانية في الإذن في القتال عامة لمن قاتلهم ومن لم يقاتلهم من المشركين. # وقد اختلف في معنى قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} فقال ~~الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف عنه إلى أن أمر ~~بقتال الجميع. # قال أبو بكر: وهو عنده بمنزلة قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم} وقال محمد بن جعفر بن الزبير أمر أبو بكر بقتال الشمامسة ~~لأنهم يشهدون القتال وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا، فأمر أبو بكر رضي ~~الله عنه عنه بأن لا يقاتلوا وقد قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم} فكانت الآية على تأويله ثابتة الحكم ليس فيها نسخ، وعلى ~~قول الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا مأمورين ~~بعد نزول الآية بقتال من قاتل دون من كف، سواء كان ممن يتدين بالقتال أو لا ~~يتدين. وروي عن عمر بن عبد العزيز في قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم} أنه في النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم، كأنه ذهب إلى ~~أن المراد به من لم يكن من أهل القتال في الأغلب لضعفه وعجزه; لأن ذلك حال ~~النساء والذرية; وقد ms0430 روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار شائعة النهي ~~عن قتل النساء والولدان. وروي عنه أيضا النهي عن قتل أصحاب الصوامع رواه ~~داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ~~معنى الآية على ما قال الربيع بن أنس أنه أمر فيها بقتال من قاتل والكف عمن ~~لا يقاتل، فإن قوله: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ناسخ ~~لمن يلي، وحكم الآية كان باقيا فيمن لا يلينا منهم، ثم لما نزل قوله: ~~{واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} إلى قوله: {ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام} فكان ذلك أعم من الأول الذي فيه الأمر بقتال من يلينا ~~دون من لا يلينا، إلا أن فيه ضربا من التخصيص بحظره القتال عند المسجد ~~الحرام إلا على شرط أن يقاتلونا فيه بقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} ثم أنزل الله فرض قتال ~~المشركين كافة بقوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: ~~36] وقوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: # PageV01P312 # 216] وقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] . فمن الناس من يقول إن قوله: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام} منسوخ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، ومنهم من ~~يقول: هذا الحكم ثابت، لا يقاتل في الحرم إلا من قاتل، ويؤيد ذلك ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة: "إن مكة حرام حرمها الله ~~يوم خلق السموات والأرض" فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيها، فإنما أحلت له ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة فدل ~~ذلك على أن حكم الآية باق غير منسوخ وأنه لا يحل أن نبتدئ فيها بالقتال لمن ~~لم يقاتل، وقد كان القتال محظورا في الشهر الحرام بقوله: {يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد} [البقرة: 217] ، ثم نسخ بقوله {فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ms0431 [التوبة: 5] ، ومن ~~الناس من يقول: هو غير منسوخ والحظر باق. # وأما قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} فإنه أمر ~~بقتل المشركين إذا أظفرنا بهم، وهي عامة في قتال سائر المشركين من قاتلنا ~~منهم ومن لم يقاتلنا بعد أن يكونوا من أهل القتال; لأنه لا خلاف أن قتل ~~النساء والذراري محظور، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعن قتل أهل ~~الصوامع فإن كان المراد بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ~~الأمر بقتال من قاتلنا ممن هو من أهل القتال دون من كف عنا منهم، وكان ~~قوله: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} نهيا عن قتال من لم يقاتلنا، ~~فهي لا محالة منسوخة بقوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} لإيجابه قتل من حظر ~~قتله في الآية الأولى بقوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا} إذ كان الاعتداء في هذا الموضع هو قتال من لم يقاتل. # وقوله: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} يعني والله أعلم: من مكة إن أمكنكم ~~ذلك; لأنهم قد كانوا آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج فكانوا ~~مخرجين لهم، وقد قال الله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] ، فأمرهم الله تعالى عند فرضه القتال ~~بإخراجهم إذا تمكنوا من ذلك; إذ كانوا منهيين عن القتال فيها إلا أن ~~يقاتلوهم، فيكون قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} عاما في سائر المشركين إلا ~~فيمن كان بمكة، فإنهم أمروا بإخراجهم منها إلا لمن قاتلهم، فإنه أمر ~~بقتالهم حينئذ; والدليل على ذلك قوله في نسق التلاوة: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} فثبت أن قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ~~فيمن كان بغير مكة. # PageV01P313 # وقوله: {والفتنة أشد من القتل} روي عن جماعة من السلف أن المراد بالفتنة ~~ههنا الكفر، وقيل إنهم كانوا يفتنون المؤمنين بالتعذيب ويكرهونهم على ~~الكفر، ثم عيروا المؤمنين بأن قتل واقد بن عبد الله وهو من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي وكان مشركا في الشهر الحرام، وقالوا: قد ms0432 ~~استحل محمد القتال في الشهر الحرام; فأنزل الله {والفتنة أشد من القتل} ~~يعني كفرهم وتعذيبهم المؤمنين في البلد الحرام وفي الشهر الحرام أشد وأعظم ~~مأثما من القتل في الشهر الحرام. # وأما قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} فإن ~~المراد بقوله: {حتى يقاتلوكم فيه} حتى يقتلوا بعضكم، كقوله: {ولا تلمزوا ~~أنفسكم} [الحجرات: 11] يعني بعضكم بعضا; إذ غير جائز أن يأمر بقتلهم بعد أن ~~يقتلوهم كلهم، وقد أفادت الآية حظر القتل بمكة لمن لم يقتل فيها، فيحتج بها ~~في حظر قتل المشرك الحربي إذا لجأ إليها ولم يقاتل، ويحتج أيضا بعمومها ~~فيمن قتل ولجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل; لأن الآية لم تفرق بين من قتل ~~وبين من لم يقتل في حظر قتل الجميع، فلزم بمضمون الآية أن لا نقتل من وجدنا ~~في الحرم سواء كان قاتلا أو غير قاتل إلا أن يكون قد قتل في الحرم، فحينئذ ~~يقتل بقوله: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم} . # فإن قيل: هو منسوخ بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} ، ~~قيل له: إذا أمكن استعمالها لم يثبت النسخ، لا سيما مع اختلاف الناس في ~~نسخه، فيكون قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} في غير الحرم، نظيره في حظر ~~قتل من لجأ إلى الحرم وإن كان جانيا، قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: ~~97] وقد تضمن ذلك أمنا من خوف القتل، فدل على أن المراد: من دخله وقد استحق ~~القتل أنه يأمن بدخوله، وكذلك قوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} ~~[البقرة: 125] كل ذلك دال على أن اللاجئ إلى الحرم المستحق للقتل يأمن به ~~ويزول عنه القتل بمصيره إليه ومع ذلك فإن قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين لله} إذا كان نازلا مع أول الخطاب عند قوله: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام} فغير جائز أن يكون ناسخا له لأن النسخ لا يصح إلا بعد ~~التمكن من الفعل، وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد، وإذا كان ~~الجميع مذكورا في خطاب ms0433 واحد على ما يقتضيه نسق التلاوة ونظام التنزيل، فغير ~~جائز لأحد إثبات تاريخ الآيتين وتراخي نزول إحداهما عن الأخرى إلا بالنقل ~~الصحيح. ولا يمكن أحدا دعوى نقل صحيح في ذلك; وإنما روي ذلك عن الربيع بن ~~أنس فقال: هو منسوخ بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} وقال قتادة: هو ~~منسوخ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، وجائز أن يكون ~~ذلك، # PageV01P314 # تأويلا منه ورأيا; لأن قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} لا محالة ~~نزل بعد سورة البقرة لا يختلف أهل النقل في ذلك، وليس فيه مع ذلك دلالة على ~~النسخ لإمكان استعمالهما بأن يكون قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ~~مرتبا على قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} فيصير قوله: اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم إلا عند المسجد الحرام، إلا أن يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم، ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس وأبي شريح الخزاعي وأبي ~~هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: "أيها الناس إن ~~الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد ~~بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة" وفي بعض ~~الأخبار: "فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أحلت ~~لي ساعة من نهار" فثبت بذلك حظر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا، وقد روى ~~عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ~~عن أبي شريح الخزاعي هذا الحديث، وقال فيه: "وإنما أحل لي القتال بها ساعة ~~من نهار"، ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب ~~يومئذ حين قتل رجل من خزاعة رجلا من هذيل، ثم قال: "إن أعتى الناس على الله ~~ثلاثة رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل قتل بذحل الجاهلية" وهذا ~~يدل على تحريم القتل في الحرم لمن لم يجن فيه من وجهين: أحدهما: عموم الذم ~~للقاتل في الحرم، والثاني: قد ذكر معه ms0434 قتل من لم يستحق القتل، فثبت أن ~~المراد قتل من استحق القتل فلجأ، وأن ذلك إخبار منه بأن الحرم يحظر قتل من ~~لجأ إليه. # وهذه الآي التي تلوناها في حظر قتل من لجأ إلى الحرم في أن دلالتها ~~مقصورة على حظر القتل فحسب ولا دلالة فيها على حكم ما دون النفس; لأن قوله: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} مقصور على حكم القتل; وكذلك قوله: {ومن ~~دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] وقوله: {مثابة للناس وأمنا} [البقرة: 125] ~~ظاهره الأمن من القتل، وإنما يدخل ما سواه فيه بدلالة لأن قوله: {ومن دخله} ~~[آل عمران: 97] اسم للإنسان، وقوله: {كان آمنا} [آل عمران: 97] راجع إليه، ~~فالذي اقتضت الآية أمانه هو الإنسان لا أعضاؤه، ومع ذلك فإن كان اللفظ ~~مقتضيا للنفس فما دونها، فإنما خصصنا ما دونها بدلالة وحكم اللفظ باق في ~~النفس، ولا خلاف أيضا أن من لجأ إلى الحرم وعليه دين أنه يحبس به وأن دخوله ~~الحرم لا يعصمه من الحبس، كذلك كل ما لم يكن نفسا من الحقوق فإن الحرم لا ~~يعصمه منه قياسا على الديون. # وأما قوله عز وجل: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} يعني فإن انتهوا عن ~~الكفر # PageV01P315 # فإن الله يغفر لهم; لأن قوله: {فإن انتهوا} شرط يقتضي جوابا، وهذا يدل ~~على أن قاتل العمد له توبة; إذ كان الكفر أعظم مأثما من القتل، وقد أخبر ~~الله أنه يقبل التوبة منه ويغفر له. # وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} يوجب فرض قتال ~~الكفار حتى يتركوا الكفر قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس: ~~الفتنة ههنا الشرك. وقيل: إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما ~~يؤدي إليه الفتنة. وقيل: إن الفتنة هي الاختبار، والكفر عند الاختبار إظهار ~~الفساد، وأما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة، وأصله في اللغة ينقسم إلى ~~معنيين: أحدهما: الانقياد، كقول الأعشى: # هو دان الرباب إذ كر هو الدين ... دراكا بغزوة وصيال # ثم دانت بعد الرباب وكانت ... كعذاب عقوبة الأقوال # والآخر: العادة، ms0435 من قول الشاعر: # تقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني # والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة ~~والعادة. وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب لأن ابتداء الخطاب ~~جرى بذكرهم في قوله عز وجل: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم} وذلك صفة مشركي أهل مكة الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فلم يدخل أهل الكتاب في هذا الحكم; وهذا يدل على أن مشركي العرب ~~لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، لقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ~~يعني كفرا {ويكون الدين لله} ودين الله هو الإسلام، لقوله: {إن الدين عند ~~الله الأسلام} [آل عمران: 19] . # وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} المعنى: فلا قتل إلا على ~~الظالمين. يعني والله أعلم: القتل المبدوء بذكره في قوله: {وقاتلوهم} وسمى ~~القتل الذي يستحقونه بكفرهم عدوانا لأنه جزاء الظلم فسمي باسمه، كقوله ~~تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقوله: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وإن لم يكن الجزاء اعتداء ولا سيئة. # قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} روي عن الحسن أن ~~مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنهيت عن قتالنا في الشهر ~~الحرام؟ قال: "نعم". وأراد المشركون أن يغيروه في الشهر الحرام فيقاتلوه، ~~فأنزل الله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} يعني إن ~~استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم # PageV01P316 # مثله، وروى ابن عباس والربيع بن أنس وقتادة والضحاك: أن قريشا لما ردت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد ~~الحرام في الشهر الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة، ~~فقضى عمرته وأقصه بما حيل بينه وبينه في يوم الحديبية. ويمتنع أن يكون ~~المراد الأمرين، فيكون إخبارا بما أقصه الله من الشهر الحرام الذي صده ~~المشركون عن البيت بشهر مثله في العام القابل. وقد تضمن مع ذلك إباحة ~~القتال في الشهر الحرام ms0436 إذا قاتلهم المشركون لأن لفظا واحدا لا يكون خبرا ~~وأمرا، ومتى حصل على أحد المعنيين انتفى الآخر. إلا أنه جائز أن يكون ~~إخبارا بما عوض الله نبيه من فوات العمرة في الشهر الحرام الذي صده ~~المشركون عن البيت شهرا مثله في العام القابل، وكانت حرمة الشهر الذي أبدل ~~كحرمة الشهر الذي فات; فلذلك قال: {والحرمات قصاص} ثم عقب تعالى ذلك بقوله: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فأفاد أنهم إذا ~~قاتلوهم في الشهر الحرام فعليهم أن يقاتلوهم فيه وإن لم يجز لهم أن ~~يبتدئوهم بالقتال. وسمى الجزاء اعتداء لأنه مثله في الجنس وقدر الاستحقاق ~~على ما يوجبه فسمي باسمه على وجه المجاز لأن المعتدي في الحقيقة هو الظالم. # وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} عموم ~~في أن من استهلك لغيره مالا كان عليه مثله وذلك المثل ينقسم إلى وجهين: ~~أحدهما: مثله في جنسه وذلك في المكيل والموزون والمعدود، والآخر: مثله في ~~قيمته; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما ~~وهو موسر أن عليه ضمان نصف قيمته، فجعل المثل اللازم بالاعتداء هو القيمة، ~~فصار أصلا في هذا الباب وفي أن المثل قد يقع على القيمة ويكون اسما لها. ~~ويدل على أن المثل قد يكون اسما لما ليس هو من جنسه إذا كان في وزانه ~~وعروضه في المقدار المستحق من الجزاء، أن من اعتدى على غيره بقذف لم يكن ~~المثل المستحق عليه أن يقذف بمثل قذفه بل يكون المثل المستحق عليه هو جلد ~~ثمانين، وكذلك لو شتمه بما دون القذف كان عليه التعزير وذلك مثل لما نال ~~منه، فثبت بذلك أن اسم المثل قد يقع على ما ليس من جنسه بعد أن يكون في ~~وزانه وعروضه في المقدار المستحق من طريق الجزاء. ويحتج بذلك في أن من غصب ~~ساجة فأدخلها في بنائه أن عليه قيمتها لأن القيمة قد تناولها اسم المثل، ~~فمن حيث كان الغاصب معتديا بأخذها كان ms0437 عليه مثلها لحق العموم. # فإن قيل: إذا نقصنا بناءه وأخذناها بعينها فقد اعتدينا عليه بمثل ما ~~اعتدى. قيل له: أخذ ملكه بعينه لا يكون اعتداء على الغاصب، كما أن من له ~~عند رجل وديعة فأخذها لم # PageV01P317 # يكن معتديا عليه، وإنما الاعتداء عليه أن يزيل من ملكه مثل ما أزال أو ~~يزيل يده عن مثل ما أزال عنه يد المغصوب منه، فأما أخذ ملكه بعينه فليس فيه ~~اعتداء على أحد ولا فيه أخذ المثل. ويحتج به في إيجاب القصاص فيما يمكن ~~استيفاء المماثلة والمساواة فيه دون ما لم يعلم فيه استيفاء المماثلة، وذلك ~~نحو قطع اليد من نصف الساعد والجائفة والآمة في سقوط القصاص فيها لتعذر ~~استيفاء المثل; إذ كان الله تعالى إنما أمرنا باستيفاء المثل. ويحتج به أبو ~~حنيفة فيمن قطع يد رجل وقتله أن لوليه أن يقطع يده ثم يقتله، لقوله: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فله أن يفعل به مثل ما فعل ~~بمقتضى الآية. # وقوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال ~~أبو بكر: قد قيل فيه وجوه: أحدها ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح: قال حدثنا ابن وهب عن حيوة بن شريح، ~~وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا ~~بالقسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط ~~المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي ~~بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، ~~لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، ~~فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد; قال ~~أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. ~~فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي ms0438 إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل ~~الله، وأن الآية في ذلك نزلت. وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ~~ومجاهد والضحاك. وروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الإلقاء بالأيدي ~~إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي. وقيل: هو الإسراف في ~~الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف. وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير ~~نكاية في العدو وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم أبو أيوب وأخبر فيه ~~بالسبب. وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ ~~لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف فأما حمله على الرجل الواحد يحمل ~~على حلبة العدو، فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير أن رجلا لو حمل على ~~ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان ~~لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير ~~منفعة للمسلمين. وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو # PageV01P318 # منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجزئ المسلمين ~~بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون في العدو فلا بأس بذلك إن شاء ~~الله لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر ~~بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس ~~بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورا; وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه ~~على وجه من الوجوه وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه مما يرهب ~~العدو، فلا بأس بذلك لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين. والذي قال ~~محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره; وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من ~~تأول في حديث أبي أيوب أنه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو; إذ لم ~~يكن عندهم في ذلك منفعة، وإذا كان ms0439 كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير ~~منفعة عائدة على الدين ولا على المسلمين. فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة ~~عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} [التوبة: 111] وقال: {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: ~~169] وقال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207] في ~~نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. وعلى ذلك ينبغي أن ~~يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل ~~نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى: {وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: ~~17] . وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر ~~فقتله". وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل ~~الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا عبد الله بن الجراح، عن عبد الله بن يزيد، عن موسى بن علي بن ~~رباح، عن أبيه، عن عبد العزيز بن مروان قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع" ~~وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين وإن أيقن ~~فيه بالتلف; والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P319 # باب العمرة هي فرض أم تطوع # قال الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} واختلف السلف في تأويل هذه ~~الآية، فروي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما ~~من دويرة أهلك. وقال مجاهد: إتمامهما بلوغ آخرهما ms0440 بعد الدخول فيهما وقال ~~سعيد بن جبير # PageV01P319 # وعطاء: هو إقامتهما إلى آخر ما فيهما لله تعالى لأنهما واجبان كأنهما ~~تأولا ذلك على الأمر بفعلهما، كقوله لو قال حجوا واعتمروا. وروي عن ابن عمر ~~وطاوس قالا: إتمامهما إفرادهما وقال قتادة إتمام العمرة الاعتمار في غير ~~أشهر الحج وروي عن علقمة في قوله تعالى: {والعمرة لله} قال: لا تجاوز بها ~~البيت. # وقد اختلف السلف في وجوب العمرة فروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم ~~النخعي والشعبي أنها تطوع قال مجاهد في قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~قال: ما أمرنا به فيهما. وقالت عائشة وابن عباس وابن عمر والحسن وابن ~~سيرين: هي واجبة وروي نحوه عن مجاهد. وروي عن طاوس عن أبيه قال: "العمرة ~~واجبة". # واحتج من أوجبها بظاهر قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} قالوا: واللفظ ~~يحتمل إتمامهما بعد الدخول فيهما ويحتمل الأمر بابتداء فعلهما، فالواجب ~~حمله على الأمرين، بمنزلة عموم يشتمل على مشتمل فلا يخرج منه شيء إلا ~~بدلالة. # قال أبو بكر: ولا دلالة في الآية على وجوبها، وذلك لأن أكثر ما فيها ~~الأمر بإتمامهما، وذلك إنما يقتضي نفي النقصان عنهما إذا فعلت; لأن ضد ~~التمام هو النقصان لا البطلان، ألا ترى أنك تقول للناقص إنه غير تام ولا ~~تقول مثله لما لم يوجد منه شيء؟ فعلمنا أن الأمر بالإتمام إنما اقتضى نفي ~~النقصان، ولذلك قال علي وعمر: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك يعني ~~الأبلغ في نفي النقصان الإحرام بهما من دويرة أهلك. وإذا كان على ما وصفنا ~~كان تقديره: أن لا يفعلهما ناقصين. وقوله: لا يفعلهما ناقصين لا يدل على ~~الوجوب لجواز إطلاق ذلك على النوافل، ألا ترى أنك تقول: لا تفعل الحج ~~التطوع ولا العمرة التطوع ناقصين ولا صلاة النفل ناقصة؟ فإذا كان الأمر ~~بالإتمام يقتضي نفي النقصان فلا دلالة فيه إذا على وجوبها. ويدل على صحة ~~ذلك أن العمرة التطوع والحج النفل مرادان بهذه الآية في النهي عن فعلهما ~~ناقصين، ولم يدل ذلك على وجوبهما في الأصل. ms0441 وأيضا فإن الأظهر من لفظ ~~الإتمام إنما يطلق بعد الدخول فيه، قال الله عز وجل: {وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} فأطلق عليه لفظ الإتمام بعد الدخول; قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" فأطلق لفظ الإتمام عليها بعد الدخول ~~فيها. ويدل على أن المراد إيجاب إتمامهما بعد الدخول فيهما، أن الحج ~~والعمرة النافلتين يلزمه إتمامهما بعد الدخول فيهما بالآية، فكان بمنزلة ~~قوله: أتموهما بعد الدخول فيهما فغير جائز إذا ثبت أن المراد لزوم الإتمام ~~بعد الدخول حمله على الابتداء لتضاد المعنيين، ألا ترى أنه إذا أراد به ~~الإلزام بالدخول انتفى أن يريد به الإلزام قبل الدخول؟ # PageV01P320 # لأن إلزامه قبل الدخول ناف لكونه واجبا بالدخول، ألا ترى أنه لا يجوز أن ~~يقال إن حجة الإسلام إنما تلزم الدخول وإن صلاة الظهر متعلق لزومها بالدخول ~~فيها؟ وهذا يدل على أنه غير جائز إرادة إيجابهما بالدخول وإيجابهما ابتداء ~~قبل الدخول فيهما; فثبت بما وصفنا أنه لا دلالة في هذه الآية على وجوب ~~العمرة قبل الدخول فيها. # ومما يدل على أنها ليست بواجبة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "العمرة هي الحج الأصغر". وروي عن عبد الله بن شداد ومجاهد قالا: ~~"العمرة هي الحج الأصغر". وإذا ثبت أن اسم الحج يتناول العمرة، ثم ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان ~~بن حسين، عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي، عن ابن عباس: أن الأقرع بن حابس ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة ~~واحدة؟ قال: "بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع" فلما سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم العمرة في الخبر الأول حجا وقال للأقرع "الحج مرة واحدة فمن زاد ms0442 ~~فتطوع" انتفى بذلك وجوب العمرة; إذ كانت قد تسمى حجا. # ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي ~~قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~سليمان، عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: ~~سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والحج أواجب؟ قال: "نعم" وسأله ~~عن العمرة أهي واجبة؟ قال: "لا ولأن تعتمر خير لك". ورواه أيضا عباد بن ~~كثير عن محمد بن المنكدر مثل حديث الحجاج وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا شريك وجرير وأبو ~~الأحوص عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الحج جهاد والعمرة تطوع". ويدل عليه أيضا حديث جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة" ومعناه أنه ناب عنها لأن أفعال العمرة موجودة في أفعال الحج ~~وزيادة; ولا يجوز أن يكون المراد أن وجوبها كوجوب الحج لأنه حينئذ لا تكون ~~العمرة بأولى أن تدخل في الحج من الحج بأن يدخل في العمرة; إذ هما جميعا ~~واجبان، كما لا يقال دخلت الصلاة في الحج لأنها واجبة كوجوب الحج. # ويدل عليه حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين أحرموا ~~بالحج أن يحلوا منه بعمرة، وأن سراقة بن مالك قال: أعمرتنا هذه لعامنا هذا ~~أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد" ومعلوم أن هذه كانت عمل عمرة يحلل بها من إحرام ~~الحج كما يتحلل الذي يفوته الحج # PageV01P321 # بعمل عمرة وهي غير مجزية عن فرض العمرة عند من يراها فرضا، فدل ذلك على ~~أن العمرة غير مفروضة لأنها لو كانت مفروضة لما قال: "عمرتكم هذه للأبد" ~~وفيه إخبار بأنه لا عمرة عليهم غيرها ويدل على أن ما يتحلل به من إحرام ~~الحج ليس ms0443 بعمرة أنه لو بقي الذي يفوته الحج على إحرامه حتى تحلل منه بعمرة ~~في أشهر الحرم وحج من عامه، أنه لا يكون متمتعا. # ومما يحتج به لذلك من طريق النظر بأن الفروض مخصوصة بأوقات يتعلق وجوبها ~~بوجودها كالصلاة والصيام والزكاة والحج، فلو كانت العمرة فرضا لوجب أن تكون ~~مخصوصة بوقت، فلما لم تكن مخصوصة بوقت كانت مطلقة له أن يفعلها متى شاء، ~~فأشبهت الصلاة التطوع والصوم النفل. # فإن قيل: إن الحج النفل مخصوص بوقت ولم يدل ذلك على وجوبه. قيل له: هذا ~~لا يلزم; لأنا قلنا إن من شرط الفروض التي تلزم كل أحد في نفسه كونها ~~مخصوصة بأوقات، وما ليس مخصوصا بوقت فليس بفرض، وليس يمتنع على ذلك أن يكون ~~بعض النوافل مخصوصا بوقت وبعضها مطلق غير مخصوص بوقت; فكل ما كان غير مخصوص ~~بوقت فهو نافلة وما هو مخصوص بوقت فعلى ضربين: منه فرض، ومنه نفل. # ومما يحتج به أيضا من طريق الأثر، ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الحسن بن يحيى ~~الخشني قال: حدثنا عمر بن قيس قال: حدثني طلحة بن موسى، عن عمه إسحاق بن ~~طلحة، عن طلحة بن عبد الله، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الحج ~~جهاد والعمرة تطوع". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن بحتر العطار ~~قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن سالم الأفطس، ~~عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الحج جهاد والعمرة تطوع". # واحتج من رآها واجبة بما روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان". وبما روى الحسن ~~عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم" وأمره على الوجوب. وبما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه سئل ms0444 عن الإسلام، فذكر الصلاة وغيرها ثم قال: "وأن ~~تحج وتعتمر". ويقول صبي بن معبد: وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي قال ذلك ~~لعمر فلم ينكر عليه، وقال له اجمعهما. وبحديث أبي رزين رجل من بني عامر أنه ~~قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن؟ قال: ~~"احجج عن أبيك واعتمر". # PageV01P322 # فأما حديث جابر في وجوب العمرة من طريق ابن لهيعة فهو ضعيف كثير الخطإ، ~~يقال احترقت كتبه فعول على حفظه وكان سيئ الحفظ، وإسناد حديث جابر الذي ~~رويناه في عدم وجوبها أحسن من إسناد حديث ابن لهيعة ولو تساويا لكن أكبر ~~أحوالهما أن يتعارضا فيسقطا جميعا ويبقى لنا حديث طلحة وابن عباس من غير ~~معارض. # فإن قال قائل: ليس حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر الذي رويته في ~~نفي الإيجاب بمعارض لحديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر في إيجابها; لأن حديث ~~الحجاج وارد على الأصل وحديث ابن لهيعة ناقل عنه، ومتى ورد خبران أحدهما ~~ناف والآخر مثبت فالمثبت منهما أولى، وكذلك إذا كان أحدهما موجبا والآخر ~~غير موجب; لأن الإيجاب يقتضي حظر تركه ونفيه لا حظر فيه والخبر الحاظر أولى ~~من المبيح. قيل له: هذا لا يجب من قبل أن حديث ابن لهيعة في إيجابها لو كان ~~ثابتا لورد النقل به مستفيضا لعموم الحاجة إليه ولوجب أن يعرفه كل من عرف ~~وجوب الحج; إذ كان وجوبها كوجوب الحج ومن خوطب به فهو مخاطب بها، فغير جائز ~~فيما كان هذا وصفه أن يكون وروده من طريق الآحاد مع ما في سنده من الضعف ~~ومعارضة غيره إياه. وأيضا فمعلوم أن الروايتين وردتا عن رجل واحد، فلو كان ~~خبر الوجوب متأخرا في التاريخ عن خبر نفيه لبينه جابر في حديثه، ولقال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة إنها تطوع ثم قال بعد ذلك إنها واجبة; ~~إذ غير جائز أن يكون عنده الخبران جميعا مع علمه بتاريخهما فيطلق الرواية ~~تارة بالإيجاب وتارة بضده من ms0445 غير ذكر تاريخ; فدل ذلك على أن هذين الخبرين ~~وردا متعارضين، وإنما يعتبر خبر المثبت والنافي على ما ذكرنا من الاعتبار ~~إذا وردت الروايتان من جهتين. وأما حديث سمرة وقوله فاعتمروا فإنه على ~~الندب بالدلائل التي قدمنا. فأما قوله حين سئل عن الإسلام فذكر الصلاة ~~وغيرها ثم قال: "وأن تحج وتعتمر" فإن النوافل من الإسلام، وكذلك كل ما ~~يتقرب به إلى الله تعالى لأنه من شرائعه; وقد روي أن الإسلام بضع وسبعون ~~خصلة منها إماطة الأذى عن الطريق. وأما قول صبي بن معبد لعمر: وجدت الحج ~~والعمرة مكتوبين علي وسكوت عمر عنه وتركه النكير عليه، فإنه إنما قال هما ~~مكتوبان علي ولم يقل مكتوبتان على الناس، فظاهره يقتضي أن يكون نذرهما ~~فصارا مكتوبين عليه بالنذر. وأيضا فإنه إنما قاله تأويلا منه للآية، وفيها ~~مساغ للتأويل، فلم ينكره عمر لاحتمالها له، وهو بمنزلة قول القائل بوجوب ~~العمرة فلا يستحقون النكير; إذ كان الاجتهاد سائغا فيه. وأما قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن الحج عن أبيه وقوله: "حج عن أبيك ~~واعتمر" فلا دلالة فيه على وجوبها لأنه لا خلاف أن هذا القول لم يخرج مخرج ~~الإيجاب; إذ ليس عليه أن يحج عن أبيه ولا أن يعتمر. # PageV01P323 # ومن الناس من يحتج لإيجاب العمرة بقوله تعالى: {وافعلوا الخير} [الحج: ~~77] لأنها خير، فظاهر اللفظ يقتضي إيجاب جميع الخير. وهذا يسقط من وجوه: ~~أحدها: أنه يحتاج أن يثبت أن فعل العمرة مع اعتقاد وجوبها خير لأن من لا ~~يراها واجبة فغير جائز أن يفعلها على أنها واجبة، ولو فعلها على هذا ~~الاعتقاد لم يكن ذلك خيرا، كمن صلى تطوعا واعتقد فيه الفرض. وآخر: وهو أن ~~قوله: {وافعلوا الخير} [الحج: 77] لفظ مجمل لاشتماله على المجمل الذي لا ~~يلزم استعماله بورود اللفظ، ألا ترى أنه يدخل فيه الصلاة والزكاة والصوم ~~وهذه كلها فروض مجملة؟ ومتى انتظم اللفظ ما هو مجمل فهو مجمل يحتاج في ~~إثبات حكمه إلى دليل من غيره. ووجه آخر: وهو أن ms0446 الخير بالألف واللام لفظ ~~جنس لا يمكن استغراقه، فيتناول أدنى ما يقع عليه الاسم كقولك: إن شربت ~~الماء وتزوجت النساء فإذا فعل أدنى ما يسمى به فقد قضى عهدة اللفظ. وأيضا ~~فقد علمنا مع ورود اللفظ أن المراد البعض لتعذر استيعاب الكل، فصار كقوله: ~~افعلوا بعض الخير فيحتاج إلى بيان في لزوم الأمر. # واحتج من أوجبها بأنا لم نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض، فلو ~~كانت العمرة تطوعا لكان لها أصل في الفرض. فيقال له: العمرة إنما هي الطواف ~~والسعي ولذلك أصل في الفرض. فإن قيل: لا يوجد طواف وسعي مفردا فرضا غير ~~العمرة، وإنما يوجد ذلك في الفرض تابعا. قيل له: قد يتطوع بالطواف بالبيت ~~وإن لم يكن له أصل في الفرض مفردا، فكذلك العمرة يتطوع بها إذا كانت طوافا ~~وسعيا وإن لم يكن لها أصل في الفرض. # واحتج الشافعي بأنه لما جاز الجمع بينها وبين الحج دل على أنها فرض لأنها ~~لو كانت تطوعا ما جاز أن يعمل مع عمل الحج، كما لا يجمع بين صلاتين إحداهما ~~فرض والأخرى تطوع ويجمع بين عمل أربع ركعات فرض. قال أبو بكر: وهذه قضية ~~فاسدة يبطل عليه القول بوجوب العمرة لأنه يقال له: لما جاز الجمع بينهما ~~ولم يجز بين صلاتي فرض دل على أنها ليست بفرض; وأما قوله: ويجمع بين عمل ~~أربع ركعات فإن الأربع كلها صلاة واحدة كالحج الواحد المشتمل على سائر ~~أركانه كالطواف الواحد المشتمل على سبعة أشواط، وهو مع ذلك منتقض على أصله ~~لأنه لو اعتمر ثم حج حجة الفريضة وقرن معها عمرة كانت العمرة تطوعا والحج ~~فرضا فقد صح الجمع بين الفرض والنفل في الحج والعمرة، فانتقض بذلك استدلال ~~من استدل بجواز جمعها إلى الحج على وجوبها. # واحتج الشافعي أيضا بأنه لما جعل لها ميقات كميقات الحج دل على أنها فرض. # PageV01P324 # فيقال له: إذا اعتمر عمرة الفريضة ورجع إلى أهله ثم أراد أن يرجع للعمرة ~~كان لها ميقات كميقات الحج وهي تطوع، فشرط ms0447 الميقات ليس بدلالة على الوجوب، ~~وكذلك الحج التطوع له ميقات كميقات الواجب. # واحتج أيضا بوجوب الدم على القارن ولم يبين منه وجه الدلالة على الوجوب، ~~ولكن ادعى دعوى عارية من البرهان; ومع ذلك فإنه منتقض لأنه لو قرن حجة ~~فريضة مع عمرة تطوع لكان عليه دم، فكذلك لو جمع بينهما وهما نافلتان لوجب ~~الدم. # قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} قال الكسائي وأبو عبيدة ~~وأكثر أهل اللغة: الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة، والحصر حصر العدو، ~~ويقال: أحصره المرض وحصره العدو. وحكي عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما ~~مكان الآخر، وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج وقالا: هما مختلفان في ~~المعنى، ولا يقال في المرض حصره ولا في العدو أحصره. قالا: وإنما هذا ~~كقولهم حبسه: إذا جعله في الحبس، وأحبسه: أي عرضه للحبس، وقتله: أوقع به ~~القتل، وأقتله: أي عرضه للقتل، وقبره: دفنه في القبر، وأقبره: عرضه للدفن ~~في القبر; وكذلك حصره: حبسه وأوقع به الحصر، وأحصره: عرضه للحصر. # وروى ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر عدو، فأما من ~~حبسه الله بكسر أو مرض فليس بحصر فأخبر ابن عباس أن الحصر يختص بالعدو وأن ~~المرض لا يسمى حصرا; وهذا موافق لقول من ذكرنا قولهم من أهل اللغة في معنى ~~الاسم. ومن الناس من يظن أن هذا يدل من قوله على أن المريض لا يجوز له أن ~~يحل ولا يكون محصرا; وليس في ذلك دلالة على ما ظن لأنه إنما أخبر عن معنى ~~الاسم ولم يخبر عن معنى الحكم، فأعلم أن اسم الإحصار يختص بالمرض والحصر ~~يختص بالعدو. # وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء: روي عن ابن مسعود وابن ~~عباس: "العدو والمرض سواء يبعث بدم ويحل به إذا نحر في الحرم" وهو قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري. والثاني: قول ابن عمر: إن المريض لا ~~يحل ولا يكون محصرا إلا بالعدو وهو قول مالك والليث والشافعي. والثالث: ms0448 قول ~~ابن الزبير وعروة بن الزبير: إن المرض والعدو سواء لا يحل إلا بالطواف ولا ~~نعلم لهما موافقا من فقهاء الأمصار. # قال أبو بكر: ولما ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم الإحصار يختص ~~بالمرض، وقال الله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وجب أن يكون اللفظ # PageV01P325 # مستعملا فيما هو حقيقة فيه وهو المرض، ويكون العدو داخلا فيه بالمعنى. ~~فإن قيل فقد حكي عن الفراء أنه أجاز فيهما لفظ الإحصار. قيل له لو صح ذلك ~~كانت دلالة الآية قائمة في إثباته في المرض لأنه لم يدفع وقوع الاسم على ~~المرض، وإنما أجازه في العدو، فلو وقع الاسم على الأمرين لكان عموما فيهما ~~موجبا للحكم في المريض والمحصور بالعدو جميعا. فإن قيل: لم تختلف الرواة أن ~~هذه الآية نزلت في شأن الحديبية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ممنوعين بالعدو، فأمرهم الله بهذه الآية بالإحلال من الإحرام، فدل على أن ~~المراد بالآية هو العدو قيل له لما كان سبب نزول الآية هو: العدو، ثم عدل ~~عن ذكر الحصر وهو يختص بالعدو إلى الإحصار الذي يختص بالمرض، دل ذلك على ~~أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره; ولما أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال وحل هو، دل على أنه أراد حصر العدو من ~~طريق المعنى لا من جهة اللفظ، فكان نزول الآية مفيدا للحكم في الأمرين. ولو ~~كان مراد الله تعالى تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظا يختص به دون ~~غيره; ومع ذلك لو كان اسما للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبا للاقتصار ~~بحكمه عليه، بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون السبب. # ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن ~~عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من كسر أو عرج ms0449 فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: فسألت ابن ~~عباس وأبا هريرة فقالا: صدق. ومعنى قوله "فقد حل" فقد جاز له أن يحل، كما ~~يقال: حلت المرأة للزوج، يعني جاز لها أن تتزوج. # فإن قيل: روى حماد وابن زيد عن أيوب عن عكرمة أنه قال في المحصر يبعث ~~بالهدي: فإذا بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل وقال: رضي الله سبحانه ~~بالقصاص من عباده ويأخذ منهم العدو أن عليه حجا مكان حج وإحراما مكان ~~إحرام. فزعم هذا القائل أنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما كان قال: يبعث ~~بالهدي ولقال: يحل كما روي في الخبر. وهذا القائل إنما غلط حين ظن أن ~~المعنى في قوله: حل وقوع الإحلال بنفس الإحصار; وليس هو كما ظن وإنما معناه ~~أنه جاز له أن يحل كما ذكرنا مثله فيما يطلقه الناس من قولهم: حلت المرأة ~~للأزواج يريدون به: قد جاز لها أن تحل بالتزويج. # ويدل عليه من جهة النظر أن المحصر بالعدو لما جاز له الإحلال لتعذر وصوله ~~إلى # PageV01P326 # البيت وكان ذلك موجودا في المرض، وجب أن يكون بمنزلته وفي حكمه. ألا ترى ~~أنه متى لم يتعذر وصوله إلى البيت بمنع العدو لم يجز له أن يحل؟ فدل ذلك ~~على أن المعنى فيه تعذر وصوله إلى البيت. ويدل على ذلك موافقة مخالفينا ~~إيانا على أن المرأة إذا منعها زوجها من حجة التطوع بعد الإحرام، جاز لها ~~الإحلال وكانت بمنزلة المحصر مع عدم العدو; وكذلك من حبس في دين أو غيره ~~فتعذر عليه الوصول إلى البيت كان في حكم المحصر; فكذلك المريض. ويدل عليه ~~أن سائر الفروض لا يختلف حكمها في كون المنع منها بالعدو أو المرض، ألا ترى ~~أن الخائف جائز له فعل الصلاة بالإيماء أو قاعدا إذا تعذر عليه فعلها قائما ~~كما يجوز ذلك للمريض؟ فكذلك المضي في الإحرام واجب أن لا يختلف حكمه عند ~~تعذر الوصول إلى البيت لمرض كان ذلك أو لخوف عدو، وكذلك هذا في استقبال ~~القبلة ms0450 إذا كان خائفا أو مريضا، وكذلك من عدم الماء أو كان مريضا، ومن لا ~~يجد ما يحتمل به للجهاد، ومن كان مريضا; لم يختلف حكم الإعذار في سقوط ~~الفرض، كذلك ينبغي أن لا يختلف حكمها في باب سقوط فرض المضي على الإحرام ~~وجواز الإحلال منه، والمعنى في الجميع تعذر الفعل. # فإن قيل: لما قال تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ثم عقب ذلك ~~بقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة} دل ~~ذلك من وجهين على أن المريض غير مراد بذكر الإحصار; لأنه لو كان كذلك لما ~~استأنف له ذكرا مع كونه في أول الخطاب، والوجه الآخر أنه لو كان مرادا له ~~لكان يحل بذلك الدم ولم يكن يحتاج إلى فدية. قيل له: لما قال الله تعالى: ~~{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} منعه الإحلال مع وجود الإحصار إلى ~~وقت بلوغ الهدي محله وهو ذبحه في الحرم، فأبان عن حكم المريض قبل بلوغ ~~الهدي محله، وأباح له حلق الرأس مع إيجاب الفدية. ووجه آخر: وهو أنه ليس كل ~~مرض يمنع الوصول إلى البيت، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب ~~بن عجرة: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم فأنزل الله الآية، ولم تكن هوام ~~رأسه مانعته من الوصول إلى البيت، فرخص الله له في الحلق وأمره بالفدية، ~~وكذلك المرض المذكور في الآية جائز أن يكون المرض الذي ليس معه إحصار، ~~والله سبحانه إنما جعل المرض إحصارا إذا منع الوصول إلى البيت، فليس في ~~ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض إحصارا. ووجه آخر: وهو قوله: ~~{فمن كان منكم مريضا} يجوز أن يكون عائدا إلى أول الخطاب، كما عاد إليه حكم ~~الإحصار وهو قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} ثم عطف عليه قوله: {فإن ~~أحصرتم} فبين حكمهم إذا أحصروا، ثم عقبه بقوله: {فمن كان منكم مريضا} يعني: ~~أي المحرمون بالحج # PageV01P327 # والعمرة; فبين حكمهم إذا مرضوا قبل الإحصار كما بين ms0451 حكمهم عند الإحصار; ~~فليس إذا في قوله: {فمن كان منكم مريضا} دلالة على أن المرض لا يكون ~~إحصارا. # فإن قيل: لما قال في سياق الآية: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ~~دل على أن مراده العدو المخوف; لأن الأمن يقتضي الخوف. قيل له: ما الذي ~~يمنع أن يكون المراد الأمن من ضرر المرض المخوف؟ ولم جعلته مخصوصا بالعدو ~~دون المرض والأمن والخوف موجودان فيهما؟ وقد روي عن عروة بن الزبير في ~~قوله: {فإذا أمنتم} يعني: إذا أمنت من كسرك ووجعك فعليك أن تأتي البيت. # فإن قيل: الفرق بين العدو والمرض أن المحصر بعدو إن لم يمكنه أن يتقدم ~~أمكنه الرجوع، والمرض لا يختلف حاله في التقدم والرجوع. قيل له: فهذا أحرى ~~أن يكون محصرا لتعذر الأمرين عليه، فهو أعذر ممن يمكنه الرجوع وإن تعذر ~~عليه المضي للخوف. ويقال أيضا: ما تقول في المحصر بالعدو إذا كان محيطا به ~~ولم يمكنه الرجوع ولا التقدم أليس جائزا له الإحلال بلا خلاف بين الفقهاء ~~فقد انتقضت علتك في الفرق بينهما; ومع ذلك فقد قال الشافعي في المحرمة إذا ~~منعها زوجها والمحبوس إنهما محصران وجائز لهما الإحلال وحال التقدم والرجوع ~~لهما سواء لأنهما ممنوعان من الأمرين. وزعم الشافعي أن الفرق بين المريض ~~والخائف أن الله تعالى قد أباح للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة فينتقل ~~بذلك من الخوف إلى الأمن. فيقال له: وكذلك قد أباح للمريض ترك القتال رأسا ~~بقوله: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~حرج} فكانت رخصة المريض أوسع من رخصة الخائف لأن الخائف غير معذور في ترك ~~حضور القتال والمريض معذور فيه. وإنما عذر الخائف أن يتحيز إلى فئة ولم ~~يعذر في ترك القتال رأسا، فالمريض أولى بالعذر في الإحلال من إحرامه. # قال الشافعي: فلما قال الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ثم قال في ~~شأن المحصر الخائف ما قال، وجب أن لا يزول فرض تمام الحج والعمرة إلا عن ~~الخائف. فيقال ms0452 له: الذي قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} هو الذي قال: {فإن ~~أحصرتم} وهو عموم في الخائف وغيره، فلا يخرج شيء منه إلا بدلالة، فما ~~الدلالة على تخصيصه بالخائف دون غيره؟ وقد نقضت ذلك بإطلاقك للمرأة الإحلال ~~إذا منعها زوجها وليست بخائفة، وكذلك المحبوس لا يخاف القتل. # وقال المزني: جعل الإحلال رخصة للخائف من العدو ولا يشبه به غيره، كما ~~جعل المسح على الخفين خاصا لا يشبه به القفازين. فيقال له: إن كان المعنى ~~فيه أنه # PageV01P328 # رخصة فينبغي أن لا يقاس على شيء من الرخص، فإذا رخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم الاستنجاء بالأحجار وجب أن لا يشبه به غيره في جواز الاستنجاء بالخرق ~~والخشب، ولما كان حلق الرأس من أذى رخصة وجب أن لا يشبه به الأذى في البدن ~~في إباحة الحلق والفدية، ويلزمه أن لا يشبه بالخائف المحبوس والمرأة إذا ~~منعها زوجها; وجميع ما ذكرنا ينقض اعتلاله. # فصل # قال أبو بكر رضي الله عنه: والإحصار من الحج والعمرة سواء; وحكي عن محمد ~~بن سيرين أن الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة غير ~~موقتة وأنه لا يخشى الفوات وقد تواترت الأخبار بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان محرما بالعمرة عام الحديبية وأنه أحل من عمرته بغير طواف ثم قضاها ~~في العام القابل في ذي القعدة وسميت عمرة القضاء. وقال الله تعالى: {وأتموا ~~الحج والعمرة لله} ثم قال: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وذلك حكم عائد ~~إليهما جميعا، وغير جائز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، لما فيه من تخصيص ~~حكم اللفظ بغير دلالة. # وقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي} قال أبو بكر: قد اختلف السلف في ذلك، ~~فروي عن عائشة وابن عمر أنهما قالا: "لا يكون الهدي إلا من الإبل والبقر". ~~وقال ابن عباس شاة. واختلف فقهاء الأمصار فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر ومالك والشافعي: الهدي من الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم ~~وهو قول ابن شبرمة، قال ابن شبرمة: والبدن من الإبل ms0453 خاصة. وقال أصحابنا ~~والشافعي: من الإبل والبقر. واختلفوا في السن، فقال أصحابنا والشافعي: لا ~~يجزي في الهدي من الإبل والبقر والغنم إلا الثني فصاعدا إلا الجذع من الضأن ~~فإنه يجزي. وقال مالك: لا يجزي من الهدي إلا الثني فصاعدا. وقال الأوزاعي: ~~"يهدي الذكور من الإبل، ويجوز الجذع من الإبل والبقر، ويجزي كل واحد منهما ~~عن سبعة". # قال أبو بكر: الهدي اسم لما يهدى إلى البيت على وجه التقرب به إلى الله ~~تعالى، وجائز أن يسمى به ما يقصد به الصدقة وإن لم يهد إلى البيت; قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه ~~كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة، ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة، ثم ~~الذي يليه كالمهدي بيضة" فسمى الدجاجة والبيضة هديا وإن لم يرد به إهداءه ~~إلى البيت، وإنما أراد به الصدقة وإخراجها مخرج القربة; ولذلك قال أصحابنا ~~فيمن قال: "لله علي أن أهدي ثوبي هذا أو داري هذه" أن عليه أن يتصدق به # PageV01P329 # واتفق الفقهاء على أن ما عدا هذه الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ~~ليس من الهدي المراد بقوله: {فما استيسر من الهدي} واختلفوا فيما أريد به ~~منها على ما ذكرنا; وظاهر الآية يقتضي دخول الشاة فيه لوقوع الاسم عليها; ~~ولم يختلفوا في معنى قوله: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] أن الشاة منه ~~وأنه يكون هديا في جزاء الصيد وروى إبراهيم عن الأسود عن عائشة: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أهدى غنما مرة". وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: ~~"كان فيما أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم غنم مقلدة". # فإن قيل: الرواية عن عائشة في هدي الغنم لا يصح; لأن القاسم قد روى عنها ~~أنها كانت لا ترى الغنم مما يستيسر من الهدي. قيل له: إنما معناه أنه لا ~~يصير محرما بها وأن هدي الإبل والبقر يوجب الإحرام إذا أراده وقلدهما، وأما ~~اعتبار الثني فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أبي ms0454 بردة بن ~~نيار حين ضحى قبل الصلاة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادتها، فقال: ~~عندي جذعة من المعز خير من شاتي لحم، فقال: "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد ~~بعدك" فمنع الجذع في الأضحية; والهدي مثلها، لأن أحدا لم يفرق بينهما. ~~وإنما أجازوا الجذع من الضأن لما روي عن النبي عليه السلام أنه أمر بأن ~~يضحى بالجذع من الضأن إذا فرض له ستة أشهر، وقد بينا ذلك في شرح المختصر. # وقد اختلفوا في جواز الشركة في دم الهدايا الواجبة، فقال أصحابنا ~~والشافعي: تجوز البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وقال مالك: "يجوز ذلك في ~~التطوع ولا يجزي في الواجب". وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ~~جعل يوم الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وتلك كانت واجبة لأنها ~~كانت عن إحصار. ولما اتفقوا على جوازها عن سبعة في التطوع كان الواجب مثله ~~لأنهما لا يختلفان في الجواز في سائر الوجوه; ويدل عليه قوله: {فما استيسر ~~من الهدي} ظاهره يقتضي التبعيض، فوجب أن يجزي بعض الهدي بحق الظاهر، والله ~~أعلم. # PageV01P330 # باب المحصر أين يذبح الهدي # قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} واختلف السلف ~~في المحل ما هو، فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد ~~والحسن وابن سيرين: هو الحرم وهو قول أصحابنا والثوري. وقال مالك والشافعي: ~~محله الموضع الذي أحصر فيه فيذبحه ويحل. والدليل على صحة القول الأول أن ~~المحل اسم لشيئين: يحتمل أن يراد به الوقت، ويحتمل أن يراد به المكان; ألا ~~ترى أن محل الدين هو وقته الذي تجب المطالبة به؟ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لضباعة بنت الزبير: "اشترطي في الحج وقولي: # PageV01P330 # محلي حيث حبستني" فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان. فلما كان محتملا ~~للأمرين ولم يكن هدي الإحصار في العمرة موقتا عند الجميع وهو لا محالة مراد ~~بالآية، وجب أن يكون مراده المكان، فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا ~~غير مكان الإحصار; ms0455 لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله ~~بوقوع الإحصار ولأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية، فدل ذلك على ~~أن المراد بالمحل هو الحرم لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلا للهدي ~~فإنما يجعل المحل الحرم، ومن جعل محل الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية ~~وأسقط معناها. ومن جهة أخرى، وهو أن قوله: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم} [الحج: 30] إلى قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى ~~البيت العتيق} [الحج: 33] ودلالته على صحة قولنا في المحل من وجهين: ~~أحدهما: عمومه في سائر الهدايا، والآخر: ما فيه من بيان معنى المحل الذي ~~أجمل ذكره في قوله: {حتى يبلغ الهدي محله} فإذا كان الله قد جعل المحل ~~البيت العتيق، فغير جائز لأحد أن يجعل المحل غيره. # ويدل عليه قوله في جزاء الصيد: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] فجعل ~~بلوغ الكعبة من صفات الهدي، فلا يجوز شيء منه دون وجوده فيه. كما أنه لما ~~قال في الظهار وفي القتل: {فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] فقيدهما ~~بفعل التتابع، لم يجز فعلهما إلا على هذا الوجه. وكذلك قوله: {فتحرير رقبة ~~مؤمنة} [النساء: 92] لا يجوز إلا على الصفة المشروطة. وكذلك قال أصحابنا في ~~سائر الهدايا التي تذبح: إنها لا تجوز إلا في الحرم. # ويدل عليه أيضا قوله في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار: {فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فأوجب على المحصر ~~دما ونهاه عن الحلق حتى يذبح هديه، فلو كان ذبحه في الحل جائزا لذبح صاحب ~~الأذى هديه عن الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى، فدل ذلك على أن الحل ~~ليس بمحل الهدي. # فإن قيل: هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار. قيل له: لا يجوز أن يكون ذلك ~~خطابا فيمن لا يجد الدم; لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك، ولا يكون ~~مخيرا بين الأشياء الثلاثة إلا وهو واجد لها لأنه لا يجوز التخيير بين ما ~~يجد ms0456 وبين ما لا يجد، فثبت بذلك أن محل الهدي هو الحرم دون محل الإحصار. # ومن جهة النظر، لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله الحرم وأنه لا يجزي في # PageV01P331 # غيره، وجب أن يكون كذلك حكم كل دم تعلق وجوبه بالإحرام، والمعنى الجامع ~~بينهما تعلق وجوبهما بالإحرام. # فإن قيل: قال الله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] ، وذلك في شأن الحديبية، وفيه ~~دلالة على أن النبي عليه السلام وأصحابه نحروا هديهم في غير الحرم، لولا ~~ذلك لكان بالغا محله. قيل له: هذا من أدل شيء على أن محله الحرم; لأنه لو ~~كان موضع الإحصار هو الحل محلا للهدي لما قال: {والهدي معكوفا أن يبلغ ~~محله} [الفتح: 25] ، فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ محله دل ذلك على أن ~~الحل ليس بمحل له; وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة. # فإن قيل: فإن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذبحوا الهدي في ~~الحل، فما معنى قوله: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] ؟ قيل له: ~~لما حصل أدنى منع جاز أن يقال إنهم منعوا، وليس يقتضي ذلك أن يكون أبدا ~~ممنوعا; ألا ترى أن رجلا لو منع رجلا حقة جاز أن يقال: منعه حقه كما يقال ~~حبسه، ولا يقتضي ذلك أن يكون أبدا محبوسا؟ فلما كان المشركون منعوا الهدي ~~بديا من الوصول إلى الحرم جاء إطلاق الاسم عليهم بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ ~~محله وإن أطلقوا بعد ذلك; ألا ترى أنه قد وصف المشركين بصد المسلمين عن ~~المسجد الحرام وإن كانوا قد أطلقوا لهم بعد ذلك الوصول إليه في العام ~~القابل، وقال الله عز وجل: {قالوا يا أبانا منع منا الكيل} [يوسف: 63] ~~وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر؟ فكذلك منعوا الهدي بديا، ثم لما ~~وقع الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم أطلقوه حتى ذبحه في الحرم. ~~وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ساق البدن ليذبحها بعد الطواف ms0457 بالبيت، ~~فلما منعوه من ذلك قال الله تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: ~~25] لقصوره عن الوقت المقصود فيه ذبحه. ويحتمل أن يريد به المحل المستحب ~~فيه الذبح، وهو عند المروة أو بمنى، فلما منع ذلك أطلق ما فيه ما وصفت. وقد ~~ذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في ~~الحرم، وأن مضرب النبي عليه السلام كان في الحل ومصلاه كان في الحرم، فإذا ~~أمكنه أن يصلي في الحرم فلا محالة قد كان الذبح ممكنا فيه. وقد روي أن ~~ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعث معي الهدي حتى ~~آخذ به في الشعاب والأودية فأذبحها بمكة، ففعل. وجائز أن يكون بعث معه بعضه ~~ونحر هو بعضه في الحرم، والله أعلم. # PageV01P332 # باب وقت ذبح هدي الإحصار # قال الله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ولم يختلف أهل العلم ممن أباح # PageV01P332 # الإحلال بالهدي أن ذبح هدي العمرة غير موقت وأنه له أن يذبحه متى شاء ~~ويحل. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصرين بالحديبية وكانوا ~~محرمين بالعمرة، فحلوا منها بعد الذبح، وكان ذلك في ذي القعدة. واختلفوا في ~~هدي الإحصار في الحج، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له أن يذبحه متى شاء ~~ويحل قبل يوم النحر. وقال أبو يوسف والثوري ومحمد: لا يذبح قبل يوم النحر. ~~وظاهر قوله: {فما استيسر من الهدي} يقتضي جوازه غير موقت، وفي إثبات ~~التوقيت تخصيص اللفظ، وذلك غير جائز إلا بدليل. # فإن قيل: لما قال تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} والمحل ~~اسم يقع على التوقيت، وجب أن يكون موقتا. قيل له: قد بينا أن المحل اسم ~~للموضع، وإن كان قد يقع على الوقت فقد اتفق الجميع على أن المكان مراد بذكر ~~المحل; فإذا بلغ الحرم وذبح جاز بظاهر الآية، وحينئذ يصير شرط الوقت زيادة ~~فيه لأن أكثر أحواله أن يكون الاسم لما تناولهما جميعا فواجب أن يجزي ~~بأيهما وجد لأنه جعل بلوغ المحل ms0458 غاية الإحرام، وقد وجد بذبحه في الحرم. ~~ولما قال تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] وكان هذا المحل ~~هو الحرم، ثم قال في هذه القصة بعينها: {حتى يبلغ الهدي محله} وجب أن يكون ~~هو المحل المذكور في الآية الأخرى، وهو الحرم. # ومما يدل على أنه غير موقت، أن قوله عز وجل: {فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدي} عائد إلى الحج والعمرة المبدوء بذكرهما في قوله: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} والهدي المذكور للحج هو المذكور للعمرة، واتفق الجميع على أنه ~~لم يرد به التوقيت للعمرة فكذلك الحج; إذ قد أريد باللفظ الإطلاق. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} والمراد بمحله للعمرة ~~هو الحرم دون الوقت، فصار كالمنطوق به فيه، فاقتضى ذلك جواز ذبحه في الحرم ~~أي وقت شاء في العمرة، فكذلك هو للحج. وأيضا لما كان الإطلاق قد تناول ~~العمرة لم يجز أن يكون مقيدا للحج; لأنه دخل فيهما على وجه واحد بلفظ واحد، ~~فغير جائز أن يراد في بعض ما انتظمه اللفظ الوقت وفي بعضه المكان، كما لا ~~يجوز أن يريد بقوله: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] في بعضهم سارق ~~العشرة وفي بعضهم سارق ربع دينار. # ويدل على ذلك من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" ومعناه: فقد ~~جاز له أن يحل; إذ لا خلاف أنه لا يحل بالكسر والعرج. # PageV01P333 # ويدل عليه حديث ضباعة بنت الزبير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ~~"اشترطي وقولي: إن محلي حيث حبستني" ومعنى ذلك إعلامها أن ذلك محلها، ~~بدلالة الأصول أن موجب الإحرام لا ينتفي بالشرط ثم لم يوقت المحل. # ويحتج له من جهة النظر باتفاق الجميع على أن العمرة التي تحلل بها عند ~~الفوات لا وقت لها إذا وجبت، كذلك هذا الدم لما وجب عند الإحصار وجب أن ~~يكون غير موقت; لأنه يقع به إحلال على وجه الفسخ كعمرة الفوات. # قوله تعالى: ms0459 {ولا تحلقوا رؤوسكم} هو نهي عن حلق الرأس في الإحرام للحاج ~~والمعتمر جميعا; لأنه معطوف على قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} قد اقتضى ~~حظر حلق بعضنا رأس بعض وحلق كل واحد رأس نفسه، لاحتمال اللفظ للأمرين، ~~كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] اقتضى النهي عن قتل كل واحد ~~منا لنفسه ولغيره. فيدل ذلك على أن المحرم محظور عليه حلق رأس غيره، ومتى ~~فعله لزمه الجزاء، ويدل على أن الذبح مقدم على الحلق في القران والتمتع ~~لأنه عموم في كل من عليه حلق وهدي في وقت واحد، فيحتج فيمن حلق قبل أن يذبح ~~أن عليه دما لمواقعته المحظور في تقديم الحلق على الهدي. # وقد اختلفوا في المحصر هل عليه حلق أم لا؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: لا حلق ~~عليه. وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين: يحلق، فإن لم يحلق فلا شيء عليه ~~وروي عنه أنه لا بد من الحلق. ولم يختلفوا في المرأة تحرم تطوعا بغير إذن ~~زوجها، والعبد يحرم بغير إذن مولاه، أن للزوج والمولى أن يحللاهما بغير حلق ~~ولا تقصير، وذلك بأن يفعل بهما أدنى ما يحظره الإحرام من طيب أو لبس. وهذا ~~يدل على أن الحلق غير واجب على المحصر لأن هذين بمنزلة المحصر، وقد جاز لمن ~~يملك إحلالهما أن يحللهما بغير حلق، ولو كان الحلق واجبا وهو ممكن لكان ~~عليه أن يحلل العبد بالحلق والمرأة بالتقصير. وأيضا فالحلق إنما ثبت نسكا ~~مرتبا على قضاء المناسك، ولم يثبت على غير هذا الوجه، فغير جائز إثباته ~~نسكا إلا عند قيام الدلالة; إذ قد ثبت أن الحلق في الأصل ليس بنسك; ويقاس ~~بهذه العلة على العبد والمرأة أن المولى والزوج لما جاز لهما إحلال العبد ~~والمرأة بغير حلق ولا تقصير إذا لم يفعلا سائر المناسك التي رتب عليها ~~الحلق، وجب أن يجوز لسائر المحصرين الإحلال بغير حلق لهذه العلة. # ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين أمرها برفض ~~العمرة قبل استيعاب أفعالها: "انقضي رأسك وامتشطي ms0460 ودعي العمرة واغتسلي ~~وأهلي بالحج" فلم يأمرها بالحلق ولا بالتقصير حين لم تستوعب أفعال العمرة، ~~فدل ذلك على أن من جاز له الإحلال من # PageV01P334 # إحرامه قبل قضاء المناسك فليس عليه الإحلال بالحلق. # وفيه دليل على أن الحلق مرتب على قضاء المناسك كترتيب سائر أفعال المناسك ~~بعضها على بعض، وقد احتج محمد لذلك بأنه لما سقط عنه سائر المناسك سقط ~~الحلق. ويحتمل ذلك من قوله وجهين: أحدهما: أن يكون مراده المعنى الذي ذكرنا ~~أن الحلق مرتب على قضاء المناسك، فلما سقط عنه سائر المناسك سقط الحلق. ~~ويحتمل أنه لما كان الحلق إذا وجب في الإحرام كان نسكا، وقد سقط عن المحصر ~~سائر المناسك، وجب أن يسقط عنه الحلق. فإن قيل: إنما سقط عنه سائر المناسك ~~لتعذر فعلها، والحلق غير متعذر فعليه فعله. قيل له: هذا غلط لأن المحصر لو ~~أمكنه الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار ولم يمكنه الوصول إلى البيت ولا الوقوف ~~بعرفة لا يلزمه الوقوف بالمزدلفة ولا رمي الجمار مع إمكانهما لأنهما مرتبان ~~على مناسك تتقدمهما. كذلك لما كان الحلق مرتبا على أفعال أخر، لم يكن فعله ~~قبلهما نسكا فقد سقط بما ذكرنا اعتراض السائل لوجودنا مناسك يمكنه فعلها، ~~ولم تلزمه مع ذلك عند كونه محصرا. # فإن احتج محتج لأبي يوسف بقوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ~~فجعل بلوغه محله غاية لزوال الحظر، وواجب أن يكون حكم الغاية بضد ما قبلها، ~~فيكون تقديره: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فإذا بلغ فاحلقوا ~~وذلك يقتضي وجوب الحلق. قيل له: هذا غلط; لأن الإباحة هي ضد الحظر كما أن ~~الإيجاب ضده، فليست في صرفه إلى أحد الضدين وهو الإيجاب بأولى من الآخر وهو ~~الإباحة. وأيضا فإن ارتفاع الحظر غير موجب لفعل ضده على جهة الإيجاب، وإنما ~~الذي يقتضيه زوال الحظر بقاء الشيء على ما كان عليه قبله فيكون بمنزلته قبل ~~الإحرام، فإن شاء حلق وإن شاء ترك; ألا ترى أن زوال حظر البيع بفعل الجمعة ~~وزوال حظر الصيد بالإحلال لم ms0461 يقتض إيجاب البيع ولا الاصطياد وإنما اقتضى ~~إباحتهما؟ # ويحتج لأبي يوسف بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله المحلقين" ~~ثلاثا، ودعا للمقصرين مرة، وذلك في عمرة الحديبية عند الإحصار; فدل ذلك على ~~أنه نسك، وإذا كان نسكا وجب فعله كما يجب عند قضاء المناسك لغير المحصر. ~~والجواب: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليهم الحلق والإحلال قبل ~~الطواف بالبيت، فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال توقفوا رجاء ~~أن يمكنهم الوصول وأعاد عليهم القول; ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ~~فنحر هديه وحلق رأسه، فلما رأوه كذلك حلق بعض وقصر بعض، فدعا للمحلقين ~~لمبالغتهم في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ومسارعتهم إلى أمره، ولما ~~قيل له: يا رسول الله دعوت للمحلقين ثلاثا # PageV01P335 # وللمقصرين مرة فقال: "إنهم لم يشكوا" ومعنى ذلك أنهم لم يشكوا أن الحلق ~~أفضل من التقصير، فاستحقوا من الثواب بعلمهم لذلك ما لم يستحقه الآخرون. # فإن قيل: فكيفما جرى الأمر فقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق ~~وأمره على الوجوب، ودعاؤه للفريقين من المحلقين والمقصرين دليل على أنه ~~نسك، وما ذكرته من أن القوم كرهوا الحلق قبل الوصول إلى البيت وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمرهم به، ليس بناف وجه الدلالة منه على كونه نسكا. ~~فإنه يقال: قد روى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الحديبية فقالا ~~فيه: فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلوا وانحروا" وذكر في بعض ~~الأخبار الحلق. فنستعمل اللفظين، فنقول: ما حل به من شيء فهو حلال، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "أحلوا" وقوله: "احلقوا" المقصد به الإحلال لا تعيينه ~~بالحلق دون غيره، وإنما استحقوا الثواب لإحلالهم وائتمارهم لأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان الحلق أفضل من التقصير لجدهم واجتهادهم في متابعة ~~أمره صلى الله عليه وسلم والله أعلم بالصواب. # PageV01P336 # باب ما يجب على المحصر بعد إحلاله من الحج بالهدي # قال الله تعالى بعد ما ذكر في شأن المحصر: {فمن تمتع ms0462 بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي} واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المحصر بالحج إذا حل ~~بالهدي، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد عن عبد الله بن مسعود قالا: ~~عليه عمرة وحجة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع، وإن لم ~~يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم ~~والقاسم ومحمد بن سيرين، وهو قول أصحابنا. وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: أمر الله بالقصاص أو يأخذ منكم العدوان حجة بحجة وعمرة بعمرة. وروي عن ~~الشعبي قال: عليه حجة. وإنما يوجب أبو حنيفة عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم ~~ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنه أحل من إحرامه قبل يوم النحر ثم زال ~~الإحصار فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة وذلك لأن هذه العمرة ~~إنما هي التي تلزم بالفوات لأن من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة، ~~فلما حصل حجه فائتا كان عليه عمرة للفوات، والدم الذي عليه في الإحصار إنما ~~هو للإحلال ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات، وذلك لأنه ليس في ~~الأصول عمرة يقوم مقامها دم، ألا ترى أن من نذر عمرة لم ينب عنه دم لا في ~~حال العذر ولا في حال الإمكان؟ وكذلك من يجعل العمرة فريضة لا يجعل الدم ~~نائبا عنها بحال; فلما كان الفوات قد ألزمه عمل عمرة لم يجز أن ينوب عنها ~~دم، فثبت بذلك أن الدم إنما هو للإحلال فحسب. ويدل على ذلك أن العمرة التي # PageV01P336 # تلزم بالفوات غير جائز فعلها قبل الفوات لعدم وقتها وسببها، ودم الإحصار ~~يجوز ذبحه والإحلال به قبل الفوات، باتفاق منا ومن مخالفينا، فدل ذلك على ~~أن الدم هو للإحلال لا على أنه قائم مقام العمرة. ولا يسوغ لمالك والشافعي ~~أن يجعلا دم الإحصار قائما مقام العمرة الواجبة بالفوات; لأنهما يقولان: ~~"الذي يفوته الحج عليه مع عمرة الفوات هدي" فهدي الإحصار عندهما هو الذي ~~يلزم بالفوات، فلا يقوم ms0463 مقام العمرة كما لا يقوم مقامه بعد الفوات. # فإن قيل: فأنت تجيز صوم ثلاثة أيام المتعة بعد إحرام العمرة قبل يوم ~~النحر، وهو بدل من الهدي، والهدي نفسه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. قيل له: ~~إنما جاز ذلك لوجود سبب المتعة وهو العمرة، فجاز تقديم بعض الصوم على وقت ~~ذبح الهدي، ولم يوجد للمحصر سبب للزوم العمرة لأن سببه إنما هو طلوع الفجر ~~يوم النحر قبل الوقوف بعرفة، فلذلك لم يقم الدم مقام العمرة التي تلزم ~~بالفوات. ويدل على أن الدم غير قائم مقام العمرة التي تلزم بالفوات أنه ~~يلزم المعتمر وهو لا يخشى الفوات لأنها غير موقتة; فدل ذلك على أن هذا الدم ~~لا يتعلق بالفوات وأنه موضوع لتعجيل الإحلال بدلالة أنه لم يختلف فيه حكم ~~ما يخشى فوته وحكم ما لا يخشى فوته في لزوم الدم. # فإن قيل: في حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" ولم يذكر فيه عمرة، ~~ولو كانت واجبة معه لذكرها كما ذكر وجوب قضاء الحج. قيل له: ولم يذكر دما، ~~ومع ذلك فلا يجوز له أن يحل إلا بدم; وإنما أراد عليه السلام الإخبار عن ~~الإحصار بالمرض ووجوب قضاء ما يحل فيه. # وقد ذهب عبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية سعيد بن جبير إلى أن قوله ~~عقيب ذكر حكم المحصر: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} أراد به العمرة التي تجب ~~بالإحلال من الحج إذا جمعها إلى الحج الذي أحل منه في أشهر الحج فعليه ~~الفداء. وروي عن ابن عباس قول آخر في المحصر، وهو ما رواه عبد الرزاق قال: ~~حدثنا الثوري عن ابن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال: الحبس حبس ~~العدو، فإن حبس وليس معه هدي حل مكانه، وإن كان معه هدي حل به ولم يحل حتى ~~ينحر الهدي وليس عليه حجة ولا عمرة. وقد روي عن عطاء إنكار ذلك ms0464 على رواية ~~رواها محمد بن بكر قال: أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: قال ابن ~~عباس: ليس على من حصره العدو هدي حسب أنه قال: ولا حج ولا عمرة قال ابن ~~جريج: فذكرت ذلك لعطاء قلت: هل سمعت ابن عباس يقول ليس على المحصر هدي ولا ~~قضاء إحصاره؟ قال: لا; وأنكره. وهذه رواية لعمري منكرة خلاف نص التنزيل وما ~~ورد بالنقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، # PageV01P337 # قال الله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله} . وقوله: {فما استيسر من الهدي} على أحد وجهين: أحدهما: ~~فعليه ما استيسر من الهدي، والآخر: فليهد ما استيسر من الهدي; فاقتضى ذلك ~~إيجاب الهدي على المحصر متى أراد الإحلال، ثم عقبه بقوله: {ولا تحلقوا ~~رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} فكيف يسوغ لقائل أن يقول جائز له الإحلال بغير ~~هدي مع ورود النص بإيجابه ومع نقل إحصار النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية وأمره إياهم بالذبح والإحلال. # واختلف الفقهاء في المحصر إذا لم يحل حتى فاته الحج ووصل إلى البيت، فقال ~~أصحابنا والشافعي: عليه أن يتحلل بالعمرة، ولا يصح له فعل الحج بالإحرام ~~الأول. وقال مالك: يجوز له أن يبقى حراما حتى يحج في السنة الثانية، وإن ~~شاء تحلل بعمل عمرة. والدليل على أنه غير جائز له أن يفعل بذلك الإحرام ~~الأول حجا بعد الفوات اتفاق الجميع على أن له أن يتحلل بعمل عمرة، فلولا أن ~~إحرامه قد صار بحيث لا يفعل به حجا لما جاز له التحلل منه; ألا ترى أنه غير ~~جائز له أن يتحلل منه في السنة الأولى حين أمكنه فعل الحج به؟ وفي ذلك دليل ~~على أن إحرامه قد صار بحيث لا يفعل به حجا. وأيضا فإن فسخ الحج منسوخ بقوله ~~تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} فعلمنا حين جاز له الإحلال أن موجبه في ~~هذه الحال هو عمل العمرة لا عمل الحج; لأنه لو أمكنه عمل الحج فجعله عمرة ~~بالإحلال لكان ms0465 فاسخا لحجه مع إمكان فعله، وهذا لم يكن قط إلا في السنة التي ~~حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ. وهو معنى قول عمر: متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما: ~~متعة النساء ومتعة الحج فأراد بمتعة الحج فسخه على نحو ما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم به أصحابه في حجة الوداع. # واختلفوا أيضا فيمن أحصر وهو محرم بحج تطوع أو بعمرة تطوع، فقال أصحابنا: ~~عليه القضاء سواء كان الإحصار بمرض أو عدو إذا حل منهما بالهدي. وأما مالك ~~والشافعي فلا يريان الإحصار بالمرض ويقولان: إن أحصر بعدو فحل فلا قضاء ~~عليه في الحج ولا العمرة. # والدليل على وجوب القضاء قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} وذلك ~~يقتضي الإيجاب بالدخول، ولما وجب بالدخول صار بمنزلة حجة الإسلام والنذر، ~~فيلزمه القضاء بالخروج منه قبل إتمامه سواء كان معذورا فيه أو غير معذور ~~لأن ما قد وجب لا يسقطه العذر، فلما اتفقوا على وجوب القضاء بالإفساد وجب ~~عليه مثله بالإحصار. ويدل عليه من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري: ~~"من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" ولم يفرق بين حجة الإسلام ~~والتطوع. وأيضا فإن من # PageV01P338 # ترك موجبات الإحرام لا يختلف فيه المعذور وغيره في ترك لزوم حكمه; ~~والدليل عليه أن الله تعالى قد عذر حالق رأسه من أذى ولم يخله من إيجاب ~~فدية، سواء كان ذلك في إحرام فريضة أو تطوع; فكذلك ينبغي أن يكون حكم ~~المحصر بحجة فرض أو نفل في وجوب القضاء، وواجب أيضا أن يستوي حكم إفساده ~~إياه بالجماع وخروجه منه بإحصار، كما لم يخل من إيجاب كفارة في الجنايات ~~الواقعة في الإحرام المعذور وغيره. ويدل على وجوب القضاء على المحصر وإن ~~كان معذورا اتفاق الجميع أن على المريض القضاء إذا فاته الحج وإن كان ~~معذورا في الفوات، كما يلزمه لو قصد إلى الفوات من غير عذر. والمعنى في ~~استواء حكم المعذور وغير ms0466 المعذور ما لزمه من الإحرام بالدخول وهو موجود في ~~المحصر، فوجب أن لا يسقط عنه القضاء. ويدل عليه أيضا قصة عائشة حين حاضت ~~وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكانت محرمة بعمرة، فقال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي ~~العمرة" ثم لما فرغت من الحج أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من ~~التنعيم، وقال: "هذه مكان عمرتك" فأمرها بقضاء ما رفضته من العمرة للعذر، ~~فدل ذلك على أن المعذور في خروجه من الإحرام لا يسقط عنه القضاء. ويدل عليه ~~أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية وكانوا ~~محرمين بالعمرة وقضوها في العام المقبل، سميت عمرة القضاء، ولو لم تكن لزمت ~~بالدخول ووجب القضاء لما سميت عمرة القضاء ولكانت تكون حينئذ عمرة مبتدأة، ~~وفي ذلك دليل على لزوم القضاء بالإحلال والله الموفق. # PageV01P339 # باب المحصر لا يجد هديا # قال الله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} واختلف أهل العلم في ~~المحصر لا يجد هديا، فقال أصحابنا: لا يحل حتى يجد هديا فيذبح عنه وقال ~~عطاء يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هديا وللشافعي فيه قولان: ~~أحدهما: أنه لا يحل أبدا إلا بهدي، والآخر: إذا لم يقدر على شيء حل وأهراق ~~دما إذا قدر عليه، وقيل: إذا لم يقدر أجزأه وعليه الطعام أو صيام إن لم يجد ~~ولم يقدر. # قال أبو بكر: واحتج محمد لذلك بأن هدي المتعة منصوص عليه وكذلك حكم ~~المتمتع منصوص عليه فيما يلزم من هدي أو صيام إن لم يجد هديا، والمنصوصات ~~لا يقاس بعضها على بعض، ووجه آخر وهو أنه غير جائز إثبات الكفارات بالقياس ~~فلما كان الدم مذكورا للمحصر لم يجز لنا إثبات شيء غيره قياسا لأن ذلك دم ~~جناية على وجه الكفارة لامتناع جواز إثبات الكفارة قياسا، وأيضا فإن فيه ~~ترك المنصوص عليه # PageV01P339 # بعينه لأنه قال: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} فمن أباح له ~~الحلق ms0467 قبل بلوغ الهدي محله فقد خالف النص ولا يجوز ترك النص بالقياس والله ~~أعلم. # PageV01P340 # باب إحصار أهل مكة # قال أبو بكر: روي عن عروة بن الزبير والزهري أنهما قالا: ليس على أهل مكة ~~إحصار إنما إحصارهم أن يطوفوا بالبيت وكذلك قال أصحابنا إذا أمكنهم الوصول ~~إلى البيت، وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون محرما بحج أو عمرة، فإن كان ~~معتمرا فالعمرة إنما هي الطواف والسعي وليس بمحصر عن ذلك، وإن كان حاجا فله ~~أن يؤخر الخروج إلى عرفات إلى آخر وقته لو لم يكن محصرا، فإذا فاته الوقوف ~~فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بعمرة فيكون مثل المعتمر فلا يكون محصرا; ~~والله أعلم. # PageV01P340 # باب المحرم يصيبه أذى من رأسه أو مرض # قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه} إلى آخر الآية، يعني والله أعلم: فمن كان منكم ~~مريضا من المحرمين محصرين أو غير محصرين فأصابه مرض أو أذى في رأسه ففدية ~~من صيام; فدل ذلك على أن المحصر لا يجوز له الحلق قبل بلوغ الهدي محله، ~~وأنه إذا كان مريضا أو به أذى من رأسه فحلق فعليه الفدية، وإن كان غير محصر ~~فهو في حكم المحصر الذي لم يبلغ هديه محله، فدل ذلك على التسوية بين ~~المحصرين وغير المحصرين في أن كل واحد منهم لا يجوز له الحلق في الإحرام ~~إلا على الشرط المذكور. # وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} عنى المرض الذي يحتاج فيه إلى لبس أو ~~شيء يحظره الإحرام فيفعل ذلك لدفع الأذى ويفتدي. وكذلك قوله: {أو به أذى من ~~رأسه} إنما هو على أذى يحتاج فيه إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام من حلق ~~أو تغطية، فأما إن كان مريضا أو به أذى في رأسه لا يحتاج فيه إلى حلق ولا ~~إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام فهو في هذه الحال بمنزلة الصحيح في حظر ~~ما يحظره الإحرام. # وقد روي في أخبار متظاهرة عن ms0468 كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر به في عام الحديبية والقمل تتناثر على وجهه، فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " ~~فقلت: نعم، فأمره بالفدية. فكان كثرة القمل من الأذى المراد بالآية ولو كان ~~به قروح في رأسه أو خراج فاحتاج إلى شده أو تغطيته كان ذلك حكمه في جواز ~~الفدية، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه ويحتاج إلى لبس الثياب جاز له أن ~~يستبيح ذلك ويفتدي لأن الله لم يخصص شيئا من ذلك، فهو عام في الكل. # PageV01P340 # فإن قيل: قوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} معناه: فحلق ~~ففدية من صيام. قيل له: الحلق غير مذكور وإن كان مرادا، وكذلك اللبس وتغطية ~~الرأس، كل ذلك غير مذكور وهو مراد لأن المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام ~~للعذر. وكذلك لو لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه يحتاج فيه إلى حلق الشعر ~~كان في حكم الرأس في باب الفدية; إذ كان المعنى معقولا في الجميع وهو ~~استباحة ما يحظره الإحرام في حال العذر وأما قوله تعالى: {ففدية من صيام} ~~فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام ثلاثة أيام في حديث كعب ~~بن عجرة; وهو قول جماعة السلف وفقهاء الأمصار إلا شيء روي عن الحسن وعكرمة ~~أن الصيام عشرة أيام كصيام المتعة. وأما الصدقة فإنه روي في مقدارها عن كعب ~~بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات مختلفة الظاهر، فمنها ما حدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال: حدثنا سهل بن محمد ~~قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه قال: حدثني عبد الرحمن بن الأصبهاني عن ~~عبد الله بن مغفل أن كعب بن عجرة حدثه أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~محرما فقمل رأسه ولحيته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بحلاق ~~فحلق رأسه وقال: "هل تجد نسكا؟ " قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة ~~أيام أو يطعم ستة مساكين ms0469 لكل مسكين صاعا، وأنزل الله: {ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} للمسلمين عامة، ورواه صالح بن أبي مريم عن مجاهد عن كعب بن ~~عجرة بمثل ذلك. وروى داود بن أبي هند عن عامر عن كعب بن عجرة وقال فيه: ~~"تصدق بثلاثة آصع من تمر بين كل مسكينين صاع". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد قال: حدثنا عبد العزيز بن داود قال: حدثنا ~~حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~عن كعب بن عجرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "انسك نسيكة أو صم ~~ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع من طعام لستة مساكين". فذكر في الخبر الأول ~~ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين، وفي خبر ستة آصع، وهذا أولى لأن فيه ~~زيادة. ثم قوله: "ثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين" ينبغي أن يكون المراد ~~به الحنطة; لأن هذا ظاهره والمعتاد المتعارف منه، فيحصل من ذلك أن يكون من ~~التمر ستة آصع ومن الحنطة ثلاثة آصع عدد المساكين الذين يتصدق عليهم ستة ~~بلا خلاف. # وأما النسك فإن في أخبار كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ~~أن ينسك نسيكة، وفي بعضها شاة، ولا خلاف بين الفقهاء أن أدناه شاة وإن شاء ~~جعله بعيرا أو بقرة، ولا خلاف أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة يبتدئ ~~بأيها شاء، وذلك مقتضى الآية وهو قوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وأو للتخيير هذا حقيقتها وبابها، إلا ~~أن تقوم الدلالة على غير هذا في الإثبات، وقد بيناه في مواضع. # PageV01P341 # واختلف الفقهاء في موضع الفدية من الدم والصدقة مع اتفاقهم على أن الصوم ~~غير مخصوص بموضع فإن له أن يصوم في أي موضع شاء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر: الدم بمكة والصيام والصدقة حيث شاء. وقال مالك بن أنس: الدم ~~والصدقة والصيام ms0470 حيث شاء. وقال الشافعي: الصدقة والدم بمكة والصيام حيث ~~شاء. فظاهر قول: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} يقتضي إطلاقها حيث شاء ~~المفتدي غير مخصوص بموضع لو لم يكن في غيرها من الآي دلالة على تخصيصه ~~بالحرم وهو قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] يعني الأنعام ~~التي قدم ذكرها، ثم قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] وذلك عام ~~في سائر الأنعام التي تهدى إلى البيت; فوجب بعموم هذه الآية أن كل هدي ~~متقرب به مخصوص بالحرم لا يجزي في غيره. ويدل عليه: قوله تعالى: {هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] وذلك جزاء الصيد، فصار بلوغ الكعبة صفة للهدي ولا ~~يجزئ دونها. وأيضا لما كان ذلك ذبحا تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون ~~مخصوصا بالحرم كجزاء الصيد وهدي المتعة. # فإن قيل: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: "أو اذبح شاة" ~~ولم يشترط له مكانا، وجب أن لا يكون مخصوصا بموضع. قيل له: إن كعب بن عجرة ~~أصابه ذلك وهو بالحديبية، وبعضها من الحل وبعضها من الحرم، فجائز أن يكون ~~ترك ذكر المكان اكتفاء بعلم كعب بن عجرة بأن ما تعلق من ذلك بالإحرام فهو ~~مخصوص بالحرم، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك عالمين بحكم ~~تعلق الهدايا بالحرم لما كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم يسوق البدن ~~إلى الحرم لينحرها هناك، وأما الصدقة والصوم فحيث شاء لأن الله تعالى أطلق ~~ذلك غير مقيد بذكر المكان، فغير جائز لنا تقييده بالحرم، لأن المطلق على ~~إطلاقه كما أن المقيد على تقييده. ويدل عليه أنه ليس في الأصول صدقة مخصوصة ~~بموضع لا يجوز أداؤها في غيره، فلما كانت هذه صدقة لم تجز أن تكون مخصوصة ~~بموضع لا يجوز أداؤها في غيره; لأن ذلك مخالف للأصول خارج عنها. # فإن قيل: ينبغي أن تكون الصدقة في الحرم لأن للمساكين بالحرم فيها حقا ~~كالذبائح. قيل له: الذبح لم يتعلق جوازه بالحرم لأجل حق المساكين لأنه لو ~~ذبحه ms0471 في الحرم ثم أخرجه منه وتصدق به في غير الحرم أجزأه، ومع ذلك فإنه لا ~~يختص ذلك بمساكين الحرم دون غيرهم; لأنه لو كان حقا لهم لكان لهم المطالبة ~~به، ولما لم تكن لهم المطالبة به دل على أنه ليس بحق لهم وإنما هو حق الله ~~قد لزمه إخراجه إلى المساكين على وجه القربة كالزكاة وسائر الصدقات التي لا ~~تختص بموضع دون غيره، وأيضا لما لم تكن القربة فيها إراقة الدم وجب أن لا ~~يختص بالحرم كالصيام. # PageV01P342 # وقد اختلف السلف في ذلك، فروي عن الحسن وعطاء وإبراهيم قالوا: ما كان من ~~دم فبمكة وما كان أو صدقة فحيث شاء. وعن مجاهد قال: اجعل الفدية حيث شئت. ~~وقال طاوس: النسك والصدقة بمكة والصيام حيث شئت. وروي أن عليا نحر عن ~~الحسين بعيرا، وكان قد مرض وهو محرم، وأمر بحلقه، ونحر البعير عنه بالسقيا ~~وقسمه على أهل الماء. وليس في ذلك دلالة على أنه رأى جواز الذبح في غير ~~الحرم; لأنه جائز أن يكون جعل اللحم صدقة، وذلك جائز عندنا; والله أعلم. # PageV01P343 # باب التمتع بالعمرة إلى الحج # قال الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} قال ~~أبو بكر: هذا الضرب من التمتع ينتظم معنيين: أحدهما: الإحلال والتمتع إلى ~~النساء، والآخر: جمع العمرة إلى الحج في أشهر الحج; ومعناه الارتفاق بهما ~~وترك إنشاء سفرين لهما وذلك لأن العرب في الجاهلية كانت لا تعرف العمرة في ~~أشهر الحج وتنكرها أشد الإنكار، ويروى عن ابن عباس وعن طاوس أن ذلك عندهم ~~كان من أفجر الفجور; ولذلك رجع النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن ~~يحلوا بعمرة على عادتهم كانت في ذلك، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~الحسن بن المثنى قال: حدثنا عفان قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن ~~طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر ~~الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برئ الدبر وعفا الأثر ~~وانسلخ ms0472 صفر حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة ~~رابعه مهلين بالحج أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا، فتعاظم ~~ذلك عندهم قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: "الحل كله". فمتعة الحج تنتظم ~~هذين المعنيين: إما استباحة التمتع بالنساء بالإحلال، وإما الارتفاق بالجمع ~~بين العمرة والحج في أشهر الحج والاقتصار بهما على سفر واحد بعد أن كانوا ~~لا يستحلون ذلك في الجاهلية ويفردون لكل واحد سفرا. ويحتمل التمتع بالعمرة ~~إلى الحج الانتفاع بهما بجمعهما في أشهر الحج واستحقاق الثواب بهما إذا ~~فعلا على هذا الوجه، فدل ذلك على زيادة نفع وفضيلة تحصل لفاعلهما. # والمتعة على أربعة أوجه: أحدها: القارن، والمحرم بعمرة في أشهر الحج إذا ~~حج من عامه في سفر واحد لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، والمحصر على ~~قول من لا يرى له الإحلال ولكنه يمكث على إحرامه حتى يصل إلى البيت فيتحلل ~~من حجه بعمل العمرة بعد فوت الحج، وفسخ الحج بالعمرة. # وقد اختلف في تأويل قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر ~~من # PageV01P343 # الهدي} فقال ابن مسعود وعلقمة: هو عطف على قوله: {فإن أحصرتم فما استيسر ~~من الهدي} يعني الحاج إذا أحصر فحل من إحرامه بهدي أن عليه قضاء عمرة وحجة، ~~فإن هو تمتع بهما وجمع بينهما في أشهر الحج في سفر واحد فعليه دم آخر ~~للتمتع، وإن اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى أهله ثم حج من عامه فلا دم ~~عليه. قال عبد الله بن مسعود: سفران وهدي أو هديان وسفر يعني بقوله سفران ~~وهدي أن هذا المحصر إن اعتمر بعد إحلال من الحج في أشهر الحج ورجع إلى أهله ~~ثم عاد فحج من عامه فعليه هدي واحد وهو هدي الإحصار، وذلك لأنه فعلهما في ~~سفرين; أو هديان وسفر، يعني إذا لم يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى أهله ~~فعليه هدي للتمتع، والهدي الأول للإحصار، فذلك هديان وسفر. وقال ابن عباس ~~فيما رواه ابن ms0473 جريج عن عطاء، أن ابن عباس كان يقول بجميع الآية المحصر ~~والمخلى سبيله، يعني قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} قال عطاء: وإنما ~~سميت متعة من أجل أنه اعتمر في أشهر الحج ولم تسم متعة من أجل أنه يحل أن ~~يتمتع إلى النساء. فكأن مذهب ابن عباس أن الآية قد انتظمت الأمرين: من ~~المحصرين إذا أرادوا قضاء الحج مع العمرة التي لزمت بالفوات، ومن غير ~~المحصرين ممن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج; فكان عند عبد الله بن مسعود أن ~~ذلك لما كان معطوفا على المحصرين فحكمه أن يكونوا هم المرادين به فيفيد ~~إيجاب عمرة بالفوات، ويفيد الحكم بأنه إذا جمعهما مع قضاء الحج الفائت في ~~سفر واحد في أشهر الحج فعليه دم، وإن فعلهما في سفرين فلا دم عليه. وليس ~~مذهب ابن مسعود في ذلك مخالفا لقول ابن عباس إلا أن ابن عباس قال: الآية ~~عامة في المحصرين وغيرهم; وهي مقيدة في المحصرين بما ذكره ابن مسعود ومقيدة ~~في غير المحصرين في جواز التمتع لهم وبيان حكمهم إذا تمتعوا. وقال ابن ~~مسعود: الآية في فحواها خاصة في المحصرين وإن كان غير المحصرين إذا تمتعوا ~~كانوا بمنزلتهم. # والقارن والذي يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه في سفر واحد متمتعان من ~~وجهين: أحدهما الارتفاق بالجمع بينهما في سفر واحد، والآخر: حصول فضيلة ~~الجمع; فيدل ذلك على أن ذلك أفضل من الإفراد بكل واحد منهما في سفر أو ~~تفريقهما بأن يفعل العمرة في غير أشهر الحج. وقد روي عن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه المتعة روايات ظاهرها يقتضي الاختلاف في إباحتها، ~~وإذا حصلت كان الاختلاف في الأفضل لا في الحظر والإباحة; فممن روي عنه ~~النهي عن ذلك عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو ذر والضحاك بن قيس. حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي ~~مريم، عن مالك بن # PageV01P344 # أنس، عن ابن شهاب، أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن ms0474 نوفل حدثه أنه سمع ~~سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية وهما يتذاكران التمتع ~~بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. ~~قال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى ~~عنه. قال سعد: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. وحدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو ~~عبيد قال: حدثنا حجاج، عن شعبة، عن قتادة قال: سمعت جري بن كليب يقول: رأيت ~~عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها، فأتيت عليا فقلت: إن بينكما لشرا أنت ~~تأمر بها وعثمان ينهى عنها فقال: ما بيننا إلا خير، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا ~~الدين. وقد روي عن عثمان أنه لم يكن ذلك منه على وجه النهي ولكن على وجه ~~الاختيار، وذلك لمعان أحدها: الفضيلة ليكون الحج في أشهره المعلومة له ~~ويكون العمرة في غيرها من الشهور، والثاني: أنه أحب عمارة البيت وأن يكثر ~~زواره في غيرها من الشهور، والثالث: أنه رأى إدخال الرفق على أهل الحرم ~~بدخول الناس إليهم فقد جاءت بهذه الوجوه أخبار مفسرة عنه; حدثنا جعفر بن ~~محمد المؤدب قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: ~~حدثنا أبو عبيد قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر ~~قال: قال عمر بن الخطاب: أن تفرقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير ~~أشهر الحج أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته. قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن ~~صالح، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله، عن أبيه قال: ~~كان عمر يقول: إن الله قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} وقال: {الحج أشهر ~~معلومات} فأخلصوا أشهر الحج للحج واعتمروا فيما سواها من الشهور وذلك لأن ~~من اعتمر في أشهر الحج لم تتم عمرته إلا بهدي، ومن اعتمر في غير أشهر الحج ~~تمت عمرته إلا ms0475 أن يتطوع بهدي غير واجب. فأخبر في هذا الخبر بجهة اختياره ~~للتفريق بينهما. قال أبو عبيد: وحدثنا أبو معاوية هشام عن عروة عن أبيه ~~قال: إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادة أن لا يتعطل البيت في غير ~~أشهر الحج. فذكر في هذا الخبر وجها آخر لاختياره التفريق بينهما. قال أبو ~~عبيد: وحدثنا هشيم قال: حدثنا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال: إنما نهى عمر ~~عن المتعة لمكان أهل البلد ليكون موسمان في عام فيصيبهم من منفعتهما. فذكر ~~في هذا الخبر أنه اختاره لمنفعة أهل البلد. # وقد روي عن عمر اختيار المتعة على غيرها; حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس، عن ابن عباس قال: سمعت عمر ~~يقول: "لو # PageV01P345 # اعتمرت ثم اعتمرت ثم اعتمرت ثم حججت لتمتعت ففي هذا الخبر اختياره ~~للمتعة، فثبت بذلك أنه لم يكن ما كان منه في أمر المتعة على وجه النهي، ~~وإنما كان على وجه اختيار المصلحة لأهل البلد تارة ولعمارة البيت أخرى. # وبين الفقهاء خلاف في الأفضل من إفراد كل واحد منهما أو القران أو ~~التمتع، فقال أصحابنا: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. وقال الشافعي: ~~الإفراد أفضل والقران والتمتع حسنان. وقد روى عبيد الله عن نافع عن ابن ~~عمر: لأن أعتمر في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة في شهر يجب علي فيه ~~الهدي أحب إلي من أن أعتمر في شهر لا علي فيه الهدي. وقد روى قيس بن مسلم ~~عن طارق بن شهاب قال: سألت ابن مسعود امرأة أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، ~~فقال: أسمع الله يقول: {الحج أشهر معلومات} ما أراها إلا أشهر الحج. ولا ~~دلالة في هذا الخبر على أنه كان يرى الإفراد أفضل من التمتع والقران، وجائز ~~أن يكون مراده البيان عن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالجمع بين الحج ~~والعمرة. ms0476 وقال علي كرم الله وجهه: تمام العمرة أن تحرم من حيث ابتدأت من ~~دويرة أهلك فهذا يدل على أنه أراد التمتع والقران بأن يبدأ بالعمرة من ~~دويرة أهله إلى الحج لا يلم بأهله وتأوله أبو عبيد القاسم بن سلام على أنه ~~يخرج من منزله ناويا العمرة خالصة لا يخلطها بالحج، قال: لأنه إذا أحرم بها ~~من دويرة أهله كان خلاف السنة; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت ~~المواقيت. وهذا تأويل ساقط; لأنه قد روي عن علي: تمامهما أن تحرم بهما من ~~دويرة أهلك فنص على الإحرام بهما من دويرة أهله، والذي ذكره من السنة على ~~خلاف ما ظن، لأن السنة إنما قضت بحظر مجاورتها إلا محرما لمن أراد دخول ~~مكة، فأما الإحرام بها قبل الميقات فلا خلاف بين الفقهاء فيه وروي عن ~~الأسود بن يزيد قال: خرجنا عمارا، فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال: أحلقتم ~~الشعث وقضيتم التفث أما إن العمرة من مدركم وتأوله أبو عبيد على ما تأول ~~عليه حديث علي. وإنما أراد أبو ذر أن الأفضل إنشاء العمرة من أهلك كما روي ~~عن علي تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة أنه قرن بين الحج ~~والعمرة; حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ~~صبي بن معبد: أنه كان نصرانيا فأسلم، فأراد الجهاد، فقيل له: ابدأ بالحج; ~~فأتى أبا موسى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا، ففعل، فبينما هو ~~يلبي بهما; إذ مر زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال أحدهما: هذا أضل من ~~بعيره فسمعهما صبي فكبر عليه، فلما قدم على عمر بن الخطاب # PageV01P346 # ذكر له ذلك، فقال عمر: إنهما لا يقولان شيئا هديت لسنة نبيك صلى الله ~~عليه وسلم. قال أبو عبيد: وحدثنا ابن أبي زائدة، عن الحجاج بن أرطاة، عن ~~الحسن بن سعيد، عن ms0477 ابن عباس قال: أنبأني أبو طلحة: "أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة". قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا الحجاج عن ~~شعبة قال: حدثني حميد بن هلال قال: سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول: ~~قال عمران بن الحصين: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ~~ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن بتحريمه". قال: وحدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا هشيم قال: أخبرنا حميد عن بكر بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك ~~يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة"; قال بكر: ~~فحدثت ابن عمر بذلك قال: لبى بالحج وحده; قال بكر: فلقيت أنس بن مالك ~~فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما يعدونا إلا صبياننا، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لبيك عمرة وحجا". # قال أبو بكر: وجائز أن يكون ابن عمر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"لبيك بحجة" وسمعه أنس في وقت آخر يقول: "لبيك بعمرة وحجة" وكان قارنا، ~~وجائز للقارن أن يقول مرة: لبيك بعمرة وحجة، وتارة. لبيك بحجة، وأخرى: لبيك ~~بعمرة; فليس في حديث ابن عمر نفي لما رواه أنس. # وقالت عائشة: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر أحدها مع حجة ~~الوداع وروى يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: سمعت عمر بن الخطاب ~~يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بوادي العقيق: "أتاني ~~الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل حجة وعمرة". وروي ~~"عمرة في حجة". وفي حديث جابر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~أصحابه أن يجعلوا حجهم عمرة، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي ولجعلتها عمرة". وقال لعلي: "بماذا أهللت؟ " قال: بإهلال كإهلال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إني سقت الهدي ولا أحل إلى يوم النحر". ~~فلو لم يكن هديه هدي تمتع أو قران لما ms0478 منعه الإحلال لأن هدي التطوع لا وقت ~~له يجوز ذبحه متى شاء; فدل ذلك على أن هديه كان هدي قران، ولذلك منعه ~~الإحلال لأنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. # فهذه الأخبار توجب كون النبي صلى الله عليه وسلم قارنا، ورواية من روى ~~أنه كان مفردا غير معارض لها من وجوه: أحدها: أنها ليست في وزن الأخبار ~~التي فيها ذكر القران في الاستفاضة والشيوع. والثاني: أن الراوي للإفراد ~~أكثر ما أخبر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك بحجة" وذلك لا ~~ينفي كونه قارنا; لأنه جائز للقارن أن يذكر الحج وحده تارة وتارة العمرة ~~وحدها وأخرى يذكرهما. والثالث: أنهما لو تساويا في النقل والاحتمال # PageV01P347 # لكان خبر الزائد أولى. وإذا ثبت بما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان قارنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم" فأولى الأمور ~~وأفضلها الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعله، لا سيما وقد ~~قال لهم: "خذوا عني مناسككم" وقال الله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] ~~وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب:21] ولأنه عليه ~~السلام لا يختار من الأعمال إلا أفضلها. وفي ذلك دليل على أن القران أفضل ~~من التمتع ومن الإفراد. ويدل عليه أن فيه زيادة نسك وهو الدم لأن دم القران ~~عندنا دم نسك وقربة يؤكل منه كالأضحية، بدلالة قوله: {فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29] وليس شيء من الدماء ترتب عليه هذه الأفعال إلا دم القران ~~والتمتع. ويدل عليه قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} . وقد بينا أن ~~التمتع يجوز أن يكون اسما للحج للنفع الذي يحصل له بجمعه بينهما والفضيلة ~~التي يستحقها به، ويجوز أن يكون اسما للارتفاق بالجمع من غير إحداث سفر ~~آخر، وهو عليهما جميعا، فجائز أن يكون المعنيان جميعا مرادين بالآية، ~~فينتظم القارن والمتمتع من وجهين: أحدهما: الفضيلة الحاصلة بالجمع، ~~والثاني: الارتفاق بالجمع من غير إحداث سفر ثان. # وهذه المتعة مخصوص ms0479 بها من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، لقوله: {ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ومن كان وطنه المواقيت فما دونها إلى ~~مكة فليس له متعة ولا قران وهو قول أصحابنا فإن قرن أو تمتع فهو مخطئ وعليه ~~دم ولا يأكل منه; لأنه ليس بدم متعة وإنما هو دم جناية; إذ لا متعة لمن كان ~~من أهل هذه المواضع لقوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} . ~~وقد روي عن ابن عمر أنه قال: إنما التمتع رخصة لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام. وقال بعضهم: إنما معنى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام لا دم عليهم إذا تمتعوا، ومع ذلك فلهم أن يتمتعوا بلا هدي. فظاهر ~~الآية يوجب خلاف ما قالوه; لأنه تعالى قال: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام} والمراد المتعة، ولو كان المراد الهدي لقال: ذلك على من لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام. فإن قيل: يجوز أن يكون معنى ذلك: على من لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام; لأن اللام قد تقام مقام على كما قال تعالى: ~~{لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد: 25] ومعناه: وعليهم اللعنة. قيل له: ~~لا يجوز إزالة اللفظ عن حقيقته وصرفه إلى المجاز إلا بدلالة، ولكل واحدة من ~~هذه الأدوات معنى هي موضوعة له حقيقة ف"على" حقيقتها خلاف حقيقة "اللام" ~~فغير جائز حملها عليها إلا بدلالة، وأيضا فإن التمتع لأهل سائر # PageV01P348 # الآفاق إنما هو تخفيف من الله تعالى وإزالة المشقة عنهم في إنشاء سفر لكل ~~واحد منهما وأباح لهم الاقتصار على سفر واحد في جمعهما جميعا; إذ لو منعوا ~~عن ذلك لأدى ذلك إلى مشقة وضرر، وأهل مكة لا مشقة عليهم ولا ضرر في فعل ~~العمرة في غير أشهر الحج. # ويدل عليه أن اسم التمتع يقتضي الارتفاق بالجمع بينهما وإسقاط تجديد سفر ~~العمرة على ما روي من تأويله عمن قدمنا قوله، وهو مشبه لمن أوجب على نفسه ~~المشي إلى بيت الله الحرام، فإن ركب لزمه ms0480 دم لارتفاقه بالركوب، غير أن هذا ~~الدم لا يؤكل منه ودم المتعة يؤكل منه; فاختلافهما من هذا الوجه لا يمنع ~~اتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا. وقد حكي عن طاوس أنه قال: ليس على أهل مكة ~~متعة فإن فعلوا وحجوا فعليهم ما على الناس وجائز أن يريد به أن عليهم الهدي ~~ويكون هدي جناية لا نسكا. واتفق أهل العلم السلف منهم والخلف أنه إنما يكون ~~متمتعا بأن يعتمر في شهر الحج ويحج من عامه ذلك، ولو أنه اعتمر في هذه ~~السنة ولم يحج فيها وحج في عام قابل أنه غير متمتع ولا هدي عليه. # واختلف أهل العلم في من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله وعاد فحج من ~~عامه، فقال أكثرهم: إنه ليس بمتمتع، منهم سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ~~ومجاهد وإبراهيم والحسن في إحدى الروايتين، وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء. ~~وروى أشعث عن الحسن أنه قال: من اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه فهو ~~متمتع رجع أو لم يرجع. ويدل على صحة القول الأول أن الله تعالى خص أهل مكة ~~بأن لم يجعل لهم متعة وجعلها لسائر أهل الآفاق، وكان المعنى فيه إلمامهم ~~بأهاليهم بعد العمرة مع جواز الإحلال منها، وذلك موجود في من رجع إلى أهله ~~لأنه قد حصل له إلمام بأهله بعد العمرة فكان بمنزلة أهل مكة. وأيضا فإن ~~الله جعل على المتمتع الدم بدلا من أحد السفرين اللذين اقتصر على أحدهما، ~~فإذا فعلهما جميعا لم يكن الدم قائما مقام شيء، فلا يجب. # واختلفوا أيضا فيمن لم يرجع إلى أهله وخرج من مكة حتى جاوز الميقات، فقال ~~أبو حنيفة: هو متمتع إن حج من عامه ذلك لأنه إذا لم يحصل له إلمام بأهله ~~بعد العمرة فهو بمنزلة كونه بمكة. وروي عن أبي يوسف أنه ليس بمتمتع لأن ~~ميقاته الآن في الحج ميقات أهل بلد لأن الميقات قد صار بينه وبين أهل مكة ~~فصار بمنزلة عوده إلى أهله. والصحيح هو الأول لما بينا. # واختلف أهل ms0481 العلم فيمن ينشئ العمرة في رمضان ويدخل مكة في شوال أو قبله، ~~فروى قتادة عن أبي عياض قال: "عمرته في الشهر الذي يهل فيه". وقال الحسن # PageV01P349 # والحكم: عمرته في الشهر الذي يحل فيه وروي عن إبراهيم مثله. وقال عطاء ~~وطاوس: عمرته في الشهر الذي دخل فيه الحرم وروي عن الحسن وإبراهيم رواية ~~أخرى، قالا: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه وهو قول مجاهد، وكذلك قال ~~أصحابنا: إنه يعتبر الطواف، فإن فعل أكثر الطواف في رمضان فهو غير متمتع، ~~وإن فعل أكثره في شوال فهو متمتع وذلك لأن من أصلهم أن فعل الأكثر بمنزلة ~~الكل في باب امتناع ورود الفساد عليها، فإذا تمت عمرته في رمضان فهو غير ~~جامع بينهما في أشهر الحج وبقاء الإحرام لا حكم له، ألا ترى أنه لو أحرم ~~بعمرة فأفسدها ثم حل منها ثم حج من عامه لم يكن متمتعا؟ لأن العمرة لم تتم ~~في أشهر الحج مع اجتماع إحراميهما في أشهر الحج، وكذلك لو قرن ثم وقف ~~بعرفات قبل أن يطوف لعمرته لم يكن متمتعا، فلا اعتبار إذا باجتماع ~~الإحرامين في أشهر الحج، وإنما الواجب اعتبار فعل العمرة مع الحج في أشهر ~~الحج. وكذلك قول من قال عمرته في الشهر الذي يهل فيه لا معنى له، لما بينا ~~من سقوط اعتبار الإحرام دون أفعالها، والله أعلم بالصواب. # PageV01P350 # باب ذكر اختلاف أهل العلم في حاضري المسجد الحرام # قال أبو بكر: اختلف الناس في ذلك على أربعة أوجه: فقال عطاء ومكحول: من ~~دون المواقيت إلى مكة وهو قول أصحابنا، إلا أن أصحابنا يقولون: أهل ~~المواقيت بمنزلة من دونها. وقال ابن عباس ومجاهد هم أهل الحرم وقال الحسن ~~وطاوس ونافع وعبد الرحمن الأعرج هم أهل مكة وهو قول مالك بن أنس. وقال ~~الشافعي هم من كان أهله دون ليلتين وهو حينئذ أقرب المواقيت، وما كان وراءه ~~فعليهم المتعة. # قال أبو بكر: لما كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها ~~بغير إحرام، وجب أن يكونوا بمنزلة ms0482 أهل مكة، ألا ترى أن من خرج من مكة فما ~~لم يجاوز الميقات فله الرجوع ودخولها بغير إحرام وكان تصرفهم في الميقات ~~فما دونه بمنزلة تصرفهم في مكة؟ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم ~~المتعة. ويدل على أن الحرم وما قرب منه أهله من حاضري المسجد الحرام قوله ~~تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} [التوبة: 7] وليس أهل مكة ~~منهم; لأنهم كانوا قد أسلموا حين فتحت، فإنما نزلت الآية بعد الفتح في حجة ~~أبي بكر وهم بنو مدلج وبنو الدئل، وكانت منازلهم خارج مكة في الحرم وما قرب ~~منه. # فإن قيل: كيف يكون أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام وبينهم وبينها # PageV01P350 # مسيرة عشر ليال؟ قيل له: إنهم وإن لم يكونوا من حاضري المسجد الحرام فهم ~~في حكمهم في باب جواز دخولهم مكة بغير إحرام، وفي باب أنهم متى أرادوا ~~الإحرام أحرموا من منازلهم، كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أحرموا من ~~منازلهم; فيدل ذلك على أن المعنى حاضرو المسجد الحرام ومن في حكمهم; وقال ~~الله عز وجل في شأن البدن: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] وقال ~~عليه السلام: "منى منحر وفجاج مكة منحر". فكان مراد الله تعالى بذكر البيت ~~ما قرب من مكة وإن كان خارجا منها. وقال تعالى: {والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] وهي مكة وما قرب منها. ~~فهاتان المتعتان قد بينا حكمهما، وهما القران والتمتع. وأما المتعة الثالثة ~~فإنها على قول عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير أن يحصر الحاج المفرد ~~بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة ويتمتع بحجة إلى العام المقبل ويحج، ~~فهذا المتمتع بالعمرة إلى الحج; فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى ~~على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر يوم يحلق، ويبقى على إحرامه حتى ~~يقدم مكة فيتحلل من حجه بعمل عمرة. وهذا خلاف قول الله تعالى: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ثم قال: {ولا ms0483 تحلقوا رؤوسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله} ولم يفرق بين الحج والعمرة فيما أباح من الإحلال ~~بالحلق، ولا خلاف أن هذا الحلق للإحلال من العمرة فكذلك الحج; والنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلق هو وحل وأمرهم بالإحلال. ~~ومع ذلك فإن عمل العمرة الذي يلزم بالفوات ليس بعمرة وإنما هو عمل عمرة ~~مفعول بإحرام الحج، والله سبحانه إنما قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ~~وليس الذي يفوته الحج بالمعتمر، وأيضا فإنه قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي} وهو إنما أوجب عليه الهدي ليصل به إلى الحلق يوم ~~النحر، سواء حج بعد ذلك أو لم يحج، ألا ترى أنه لو لم يحج إلا بعد عشر سنين ~~لكان الهدي قائما؟ فدل ذلك على أن المتمتع المذكور في الآية ليس هو ما ذهب ~~إليه ابن الزبير; لأن ما في الآية من ذلك إنما يتعلق الهدي فيه بفعل العمرة ~~والحج، والدم الذي يلزمه بالإحصار غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة. وهذه ~~المتعة هي الإحلال إلى النساء، إلا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين ~~العمرة والحج في أشهر الحج. وأما المتعة الرابعة فهي فسخ الحاج إذا طاف له ~~قبل يوم النحر; وما نعلم أحدا من الصحابة قال بذلك غير ابن عباس فإنه حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو ~~عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن ابن عباس ~~قال: "لا يطوف بالبيت أحد إلا أحل" قال: قلت: إنما هذا بعد المعرف، قال: ~~كان ابن عباس يراه قبل وبعد، قال: قلت: من أين كان يأخذ هذا؟ # PageV01P351 # فقال: من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، أمرهم أن ~~يحلوا، ومن قول الله: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] . قال أبو ~~عبيد: وحدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج يقول: قال ~~رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد شعبت ms0484 الناس يعني: فرقت بينهم في ~~الفتيا أنه من طاف فقد حل؟ فقال: "سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإن ~~رغمتم". # قال أبو بكر: وقد وردت آثار متواترة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه في حجة الوداع بفسخ الحج، ولم يكن معه منهم هدي ولم يحل هو عليه ~~السلام وقال: "إني سقت الهدي ولا أحل إلى يوم النحر". ثم أمرهم فأحرموا ~~بالحج يوم التروية حين أرادوا الخروج إلى منى; وهي إحدى المتعتين اللتين ~~قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ~~أنهى عنهما وأضرب عليهما متعة الحج، ومتعة النساء. وقال طارق بن شهاب عن ~~أبي موسى في قصة نهي عمر بن الخطاب عن هذه المتعة قال: فقلت يا أمير ~~المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النساء؟ فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن ~~الله يقول: {وأتموا الحج والعمرة لله} وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه عليه السلام ما حل حتى نحر الهدي. فأخبر عمر أن هذه المتعة ~~منسوخة بقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} وهذا من قوله يدل على جواز نسخ ~~السنة بالقرآن. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك كان خاصا ~~لأولئك; حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا نعيم عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه بلال بن الحارث ~~المزني قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لمن بعدنا؟ قال: "لا بل لنا ~~خاصة". وقال أبو ذر: لم يكن فسخ الحج بعمرة إلا لأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وروي عن علي وعثمان وجماعة من الصحابة إنكار فسخ الحج بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وفي قول عمر "متعتان كانتا على عهد رسول الله". وعلم ~~الصحابة بها ما يوجب أن يكونوا قد علموا من نسخها مثل علمه، لولا ms0485 ذلك ما ~~أقروه على النهي عن سنة النبي عليه السلام وعلم الصحابة من غير ثبوت النسخ. ~~وقد روي عن جابر من طرق صحيحة أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله أعمرتنا ~~هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: "هي لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة" فأخبر في هذا الحديث أن العمرة التي فسخوا بها الحج كانت خاصة في ~~تلك الحال، وأن مثلها لا يكون. وأما قوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة" فإنه مما حدثنا به جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، ~~عن أبيه، عن جابر، عن # PageV01P352 # النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عبيد: وقوله: "دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة". يفسر تفسيرين: أحدهما: أن يكون دخول العمرة في الحج هو ~~الفسخ بعينه، وذلك أنه يهل الرجل بالحج ثم يحل منه بعمرة إذا طاف بالبيت. ~~والآخر: أن يكون دخول العمرة في الحج هو المتعة نفسه، وذلك أن يفرد الرجل ~~العمرة في أشهر الحج ثم يحل منها بحج من عامه. قال أبو بكر: وكلا الوجهين ~~ملبس غير لائق باللفظ، والذي يقتضيه ظاهره أن الحج نائب عن العمرة والعمرة ~~داخلة فيه، فمن فعل الحج فقد كفاه عن العمرة، كما تقول الواحد داخل في ~~العشرة يعني أن العشرة مغنية عنه وموفية عليه فلا يحتاج إلى استئناف حكمه ~~ولا ذكره. وقد قيل في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال معنى ~~آخر، وهو ما رواه عمر بن ذر عن مجاهد في قصة إحلال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال في آخره: قلت لمجاهد: أكانوا فرضوا الحج وأمرهم أن يهلوا أو ~~ينتظرون ما يؤمرون به؟ قال: أهلوا بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وانتظروا ما يؤمرون به. وكذلك قال كل واحد من علي وأبي موسى: أهللت بإهلال ~~كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms0486 بديا. ويدل عليه قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة" فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به، وبه أمر أصحابه. ويدل عليه ~~قوله: "أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وهو وادي العقيق فقال: صل في ~~هذا الوادي المبارك وقل حجة في عمرة" فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج ينتظر ما يؤمر به، فلما بلغ الوادي أمر بحجة في عمرة; ثم أهل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالحج وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحرم بذلك، فجاز لهم مثله، فلما أحرم منهم من أحرم بالحج لم يكن إحرامه ~~صحيحا وكان موقوفا كما كان إحرام علي وأبي موسى موقوفا. ونزل الوحي وأمروا ~~بالمتعة بأن يطوفوا بالبيت ويحلوا ويعملوا عمل العمرة ويحرموا بالحج، كما ~~يؤمر من يحرم بشيء لا يسميه أنه يجعله عمرة إن شاء، وإن لم تكن تسميتهم ~~الحج تسمية صحيحة; إذ كانوا مأمورين بانتظار أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان وجه الخصوص لأولئك الصحابة أنهم أحرموا بالحج ولم يصح تعيينهم له، ~~فكانوا بمنزلة من أحرم بشيء بعينه لزمه حكمه وليس له صرفه إلى غيره. # وقد أنكر قوم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر بفسخ الحج على حال، ~~واحتجوا بما روى زيد بن هارون قال: حدثنا محمد بن عمر عن يحيى بن عبد ~~الرحمن بن حاطب أن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنواعا، فمنا من أهل بحج مفردا ومنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ~~فمن أهل بالحج مفردا لم يحل مما أحرم عليه حتى يقضي مناسك الحج. ومن أهل ~~بعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحل من حرمه # PageV01P353 # حتى يستقبل حجا. وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال: حدثني أبو عبيد قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن ~~أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول ms0487 الله صلى الله ~~عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالحج والعمرة ومنا من أهل ~~بالعمرة قالت: وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج; فأما من أهل ~~بالعمرة فطاف بالبيت وسعى وأحل، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم ~~يحل إلى يوم النحر. قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثني عبد الرحمن، عن مالك، ~~عن أبي الأسود، عن سليمان بن يسار، مثل ذلك، إلا أنه لم يذكر إهلال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقد روي عن عائشة خلاف ذلك; حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد: أن عمرة ~~بنت عبد الرحمن أخبرته أنها سمعت عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ونحن لا نرى إلا الحج، فلما قربنا أو ~~دنونا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة. ~~قالت: فأحل الناس كلهم إلا من كان معه هدي. قال: وحدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا ابن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وزاد فيه: قال يحيى: فذكرت ذلك للقاسم بن ~~محمد، فقال: جاءتك بالحديث على وجهه. وهذا هو الصحيح لما ورد فيه من الآثار ~~المتواترة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج، وقول عمر ~~بحضرة الصحابة متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى ~~عنهما وأضرب عليهما متعة النساء ومتعة الحج وهو يعني هذه المتعة، فلم يظهر ~~من أحد منهم إنكاره ولا الخلاف عليه. # ولو تعارضت أخبار عائشة لكان سبيلها أن تسقط كأنه لم يرو عنها شيء وتبقى ~~الأخبار الأخر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج من غير ~~معارض، ويكون منسوخا بقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} على ما روي عن عمر ~~رضي الله عنه. # قوله: ms0488 {فما استيسر من الهدي} قال أبو بكر: الهدي المذكور ههنا مثل الهدي ~~المذكور للإحصار; وقد بينا أن أدناه شاة، وأن من شاء جعله بقرة أو بعيرا ~~فيكون أفضل. وهذا الهدي لا يجزي إلا يوم النحر، لقوله تعالى: {فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 28 – 29] وقضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون قبل يوم النحر ~~ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هذه البدن دل على أنها بدن القران والتمتع، ~~لاتفاق الجميع على أن سائر الهدايا لا تترتب عليها هذه الأفعال وأن له أن ~~ينحرها متى شاء، فثبت أن هدي المتعة غير مجزئ # PageV01P354 # قبل يوم النحر، ويدل عليه أيضا قوله عليه السلام: "لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وقد كان عليه السلام قارنا، وقد ساق ~~الهدي وأخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما ساق الهدي، ولو جاز ذبح ~~هدي المتعة قبل يوم النحر لذبحه وحل كما أمر أصحابه، وكان لا يكون مستدركا ~~في المستدبر شيئا قد فاته. وقال لعلي حين قال أهللت بإهلال كإهلال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إني سقت الهدي وإني لا أحل إلى يوم النحر" ويدل عليه ~~قوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" وهو عليه السلام نحر بدنة يوم النحر ~~فلزم اتباعه ولم يجز تقديمه على وقته. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P355 # باب صوم التمتع # قال الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} ~~قال أبو بكر: قد اختلف في معنى قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} فروي عن ~~علي أنه قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. وقالت عائشة وابن ~~عمر: من حين أهل بالحج إلى يوم عرفة قال ابن عمر: ولا يصومهن حتى يحرم قال ~~عطاء: يصومهن في العشر حلالا إن شاء وهو قول طاوس; وقالا: لا يصومهن قبل أن ~~يعتمر قال عطاء: وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا يدري عسى يتيسر له الهدي. ~~قال أبو بكر: هذا ms0489 يدل على أن ذلك عندهما على جهة الاستحباب لا على جهة ~~الإيجاب، فيكون بمنزلة استحبابنا لمن لا يجد الماء تأخير التيمم إلى آخر ~~الوقت إذا رجا وجود الماء. وقول علي وعطاء وطاوس يدل على جواز صومهن في ~~العشر حلالا أو حراما، لأنهم لم يفرقوا بين ذلك; وأصحابنا يجيزون صومهن بعد ~~إحرامه بالعمرة ولا يجيزونه قبل ذلك، وذلك لأن الإحرام بالعمرة هو سبب ~~التمتع، قال الله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} فمتى وجد السبب جاز تقديمه ~~على وقت الوجوب، كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل لوجود ~~الجراحة. ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه، أنا قد علمنا أن ~~وجوب الهدي متعلق بوجوب تمام الحج، وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة; لأن قبل ~~ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه. وإذا كان كذلك وقد ~~جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به ~~موجبا له; إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا، ثبت جوازه بعد ~~وجود سببه وهو العمرة، ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذا فعله بعد ~~إحرام الحج، إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة. # فإن قيل: لو كان ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود # PageV01P355 # السبب. قيل له: لو لزمنا ذلك على قولنا في جوازه بعد إحرام العمرة للزمك ~~مثله في إجازتك له بعد إحرام الحج; لأنك تجيز صوم الثلاثة الأيام بعد إحرام ~~الحج ولا تجيز السبعة. # فإن قيل: فإذا كان الصيام بدلا من الهدي والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم ~~النحر فكيف جاز الصوم؟ قيل له: لا خلاف في جواز الصوم قبل يوم النحر، وقد ~~ثبت بالسنة امتناع جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر، وأحدهما ثابت بالاتفاق ~~وبدليل قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} والآخر ثابت بالسنة، فالاعتراض ~~عليهما بالنظر ساقط. وأيضا فإن الصوم يقع مراعى منتظر به شيئان: أحدهما: ~~إتمام العمرة والحج في أشهر الحج، والثاني: أن لا يجد ms0490 الهدي حتى يحل; فإذا ~~وجد المعنيان صح الصوم عن المتعة، وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون صوم المتعة ~~وصار تطوعا. وأما الهدي فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف ~~الزيارة، فلذلك اختص بيوم النحر. # فإن قيل: قال الله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} فلا يجوز ~~تقديمه على الحج قيل له: لا يخلو قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} من أحد ~~معان: إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة للحج، وما سماه النبي صلى ~~الله عليه وسلم حجا وهو الوقوف بعرفة; لأنه قال: "الحج عرفة". أو أن يريد ~~في إحرام الحج أو في أشهر الحج; لأن الله تعالى قال: {الحج أشهر معلومات} ~~وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به لأن ذلك إنما هو يوم ~~عرفة بعد الزوال ويستحيل صوم الثلاثة الأيام فيه، ومع ذلك فلا خلاف في ~~جوازه قبل يوم عرفة; فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج ~~أو في أشهر الحج، وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان لمطابقته اللفظ ~~في الآية. وأيضا قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} معلوم أن جوازه معلق ~~بوجود سببه لا بوجوبه، فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه بالعمرة وجب ~~أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية، كما أن قوله: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] لا يمنع جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة، ~~وكذلك قوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" لم يمنع جواز تعجيلها ~~لوجود سببها وهو النصاب، فكذلك قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} غير مانع ~~جواز تعجيله لأجل وجود سببه الذي به جاز فعله في الحج. # فإن قيل: لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت المبدل عنه، ولما كان الصوم ~~بدلا من الهدي لم يجز تقديمه عليه. قيل له: هذا اعتراض على الآية لأن نص ~~التنزيل قد أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر، وأيضا فإنا لم نجد ذلك فيما ms0491 ~~تقدم البدل كله على # PageV01P356 # وقت المبدل عنه، وهاهنا إنما جاز تقديم بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم ~~الثلاثة الأيام، والسبعة التي معها غير جائز تقديمها عليه لأنه تعالى قال: ~~{وسبعة إذا رجعتم} فإنما أجيز له من ذلك مقدار ما يحل به يوم النحر إذا لم ~~يجد الهدي. وأيضا فإن الصوم لما كان بدلا من الهدي وهدي العمرة يصح إيجابه ~~بعد إحرام العمرة ويتعلق به حكم التمتع في باب المنع من الإحلال إلى أن ~~يذبحه، فكذلك يجوز الصيام بدلا منه من حيث صح هديا للمتعة، ويدل أيضا على ~~صحة كونه عن المتعة أنه متى بعث بهدي المتعة ثم خرج يريد الإحرام أنه يصير ~~محرما قبل أن يلحقه، فدل ذلك على صحة هدي المتعة بالسوق، فكذلك يصح الصوم ~~بدلا منه إذا لم يجد. # فإن قيل فقد يصح هديا قبل أن يحرم بالعمرة ولا يجوز الصوم في تلك الحال. ~~قيل له قبل إحرام المتعة لم يتعلق به حكم المتعة، والدليل على ذلك أنه لا ~~تأثير له في هذه الحال في حكم الإحرام ووجوده وعدمه سواء، فلم يصح الصوم ~~معه قبل إحرام العمرة، فإذا أحرم بعمرة ثبت لها حكم الهدي في منعه الإحلال، ~~فلذلك جاز الصوم في تلك الحال كما صح هديا للمتعة. ويدل على جواز تقديم ~~الصوم على إحرام الحج أن سنة المتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية، وبذلك أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين أحلوا من إحرامهم بعمرة، ولا يكون إلا ~~وقد تقدم الصوم قبل ذلك. # PageV01P357 # باب المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر # قال الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} واختلف السلف ~~فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فقال عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس: لا يجزيه إلا الهدي وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى وهو ~~قول مالك. وقال علي بن أبي طالب: يصوم بعد أيام التشريق ms0492 وهو قول الشافعي. # قال أبو بكر: قد ثبت عن النبي عليه السلام النهي عن صوم يوم الفطر ويوم ~~النحر وأيام التشريق في أخبار متواترة مستفيضة، واتفق الفقهاء على ~~استعمالها، وأنه غير جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من ~~فرض ولا من نفل، فلم يجز صومها عن المتعة لعموم النهي عن الجميع. ولما ~~اتفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج للنهي الوارد ~~فيه، كذلك لا يجوز الصوم أيام منى، ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان ~~لقوله: {فعدة من أيام أخر} وكان الحظر المذكور في هذه الأخبار قاضيا على ~~إطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء في غيرها، وجب أن يكون ذلك # PageV01P357 # حكم صوم التمتع، وأن يكون قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} في غير ~~هذه الأيام. قال أبو بكر: وأيضا لما قال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} ولم ~~يكن صوم هذه الأيام في الحج لأن الحج فائت في هذا الوقت، لم يجز أن يصومها. # فإن قيل: لما قال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} وهذه من أيام الحج، وجب أن ~~يجوز صومهن فيها. قيل له: لا يجب ذلك من وجوه: أحدها أن نهي النبي عليه ~~السلام عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له كما خص قوله تعالى: {فعدة من ~~أيام أخر} نهيه عن صيام هذه الأيام. والثاني: أنه لو كان جائزا لا أنه من ~~أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز لأنه أخص بأفعال الحج من هذه ~~الأيام. والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم خص يوم عرفة بالحج بقوله: ~~"الحج عرفة" فقوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} يقتضي أن يكون آخرها يوم ~~عرفة. والرابع: أنه روي أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة. وروي أنه يوم النحر; ~~وقد اتفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج، فما لم يسم يوم الحج من ~~الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها; وأيضا فإن الذي يبقى ms0493 بعد يوم ~~النحر، إنما هو من توابع الحج، وهو رمي الجمار، فلا اعتبار به في ذلك، فليس ~~هو إذا من أيام الحج، فلا يكون صومها صوما في الحج. وأما القول في صومها ~~بعد أيام منى، فإن أصحابنا لم يجيزوه لقوله تعالى: {فما استيسر من الهدي ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} فجعل أصل الفرض هو الهدي ونقله إلى ~~صوم مقيد بصفة وقد فات، فوجب أن يكون الواجب هو الهدي، كقوله: {فصيام شهرين ~~متتابعين} [النساء: 92] وقوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} ، فغير جائز وقوعها عن ~~الكفارة إلا على الصفة المشروطة. # فإن قيل: أكثر ما فيه إيجاب فعله في وقت، فلا يسقطه فواته، كقوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] و {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} [البقرة: 238] وقوله: {وقرآن الفجر} وما جرى مجرى ذلك من الفروض ~~المخصوصة بأوقاتها ثم لم يكن فواتها مسقطا لها. فالجواب عن هذا من وجهين: ~~أحدهما: أن كل فرض مخصوص بوقت فإن فوات الوقت يسقطه، وإنما يحتاج إلى دلالة ~~أخرى في إيجاب فرض آخر لأن المفروض في هذا الوقت الثاني هو غير المفروض في ~~الوقت الأول، ولولا قول النبي عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها" لما وجب قضاء الصلوات إذا فاتت عن أوقاتها، وكذلك لولا ~~قوله: {فعدة من أيام أخر} لما وجب قضاء صوم رمضان بعد فواته عن وقته، ولما ~~كان صوم الثلاثة الأيام مخصوصا بوقت ومعقودا بصفة وهو فعله في الحج ثم لم ~~يفعله على الصفة المشروطة وفي الوقت المخصوص به لم يجز إيجاب قضائه وإقامة ~~غيره مقامه إلا بتوقيف. والثاني: أن صوم # PageV01P358 # الثلاثة الأيام جعل بدلا من الهدي عند عدمه بهذه الشريطة، فغير جائز ~~إثباته بدلا إلا على هذا الوصف، ألا ترى أن التيمم لما كان بدلا عن الماء ~~لم يجز لنا أن نقيم غير التراب مقام التراب عند عدمه مثل الدقيق والأشنان ~~ونحوهما؟ كذلك لما جعل الصوم بدلا عن الهدي على أن يفعله على صفة، لا يجوز ~~أن نقيم مقامه ms0494 صوما غيره على غير تلك الصفة; وليس كذلك حكم الصلوات ~~الفوائت; لأنا لم نقم القضاء بدلا منها عند عدمها وإنما هي فروض ألزمها عند ~~الفوات. # فإن قيل شرط الله تعالى صوم الظهار قبل المسيس فإن مسها لم ينتقل إلى ~~العتق، كذلك صوم هذه الأيام وإن كان مشروطا في الحج فإن فواته فيه لا يسقط ~~ولا يوجب الرجوع إلى الهدي قيل له: من قبل أن صوم الظهار مشروط قبل المسيس ~~والنهي عن المسيس قائم قبله وبعده، فالصفة التي علق بها فعل البدل موجودة، ~~فلذلك جاز، والحج الذي علق به جواز البدل الذي هو الصوم غير موجود لأن الحج ~~قد فات ففات فعل الصوم بفواته; وأيضا فإن ظاهره يقتضي سقوطه بوجود قبل ~~المسيس، ولولا قيام الدلالة من غير الآية على جوازه لما أجزناه. ومن الناس ~~من لا يوجب كفارة الظهار بعد المسيس، وأظنه مذهب طاوس، ولكنه قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهي المظاهر عن الجماع بعد المسيس حتى يكفر; ~~والله أعلم. # PageV01P359 # ذكر اختلاف الفقهاء فيمن دخل في صوم المتعة ثم وجد الهدي # قال أصحابنا: إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصوم أو بعدما صام قبل أن يحل ~~فعليه الهدي ولا يجزيه غيره وهو قول إبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي: ~~إذا دخل في الصوم ثم وجد الهدي أجزأه الصوم وليس عليه هدي وروي مثله عن ~~الحسن والشعبي. وقال عطاء: "إذا صام يوما ثم أيسر فعليه الهدي، وإن صام ~~ثلاثة أيام ثم أيسر فليس عليه هدي وليصم السبعة". # والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} ففرض الهدي قائم ~~عليه ما لم يحل أو يمضي أيام النحر التي هي مسنونة للحلق، فمتى وجده فعليه ~~أن يهدي وبطل صومه. ومعلوم أن الهدي مشروط للإحلال لأنه لا يجوز أن يحل قبل ~~ذبح الهدي، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} فمتى لم ~~يحل حتى وجد ms0495 الهدي فعليه الهدي لأن الله تعالى لم يفرق في إيجابه الهدي بين ~~حاله قبل دخوله في الصوم وبعده. ويدل على أن الهدي مشروط للإحلال قوله ~~تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس # PageV01P359 # الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} [الحج: 28] فأمرهم بقضاء التفث ~~بعد ذبح الهدي; فإذا كان كذلك وجب أن يراعى وقوع الإحلال، فإن صام رجل ثم ~~وجد الهدي لم ينتقض صومه ولم يلزمه الهدي لوجود المعنى الذي من أجله شرط ~~الهدي ثم نقل عند عدمه إلى البدل، وهو بمنزلة المتيمم إذا وجد الماء بعد ~~فراغه من الصلاة، والعاري إذا وجد ثوبا، والمظاهر إذا فرغ من الصوم ثم وجد ~~الرقبة; لأن الفرض قد سقط عنه فلا ينتقض حكم المفعول منه. وأما قبل الفراغ ~~من هذه الأشياء التي ذكرنا فإن حكم البدل مراعى، فإن تم وفرغ منه فقد وقع ~~موقع البدل وأجزى عن أصل الفرض، وإن وجد الأصل قبل الفراغ مما شرط له انتقض ~~حكمه وعاد إلى أصل فرضه، ألا ترى أن دخوله في الصلاة مراعى ومنتظر بها ~~آخرها لأن ما يفسد آخرها يفسد أولها؟ فوجب أن يكون حكم التيمم بعد دخوله في ~~الصلاة منتظرا مراعى، وكذلك صوم الظهار إذا دخل فيه فهو مراعى منتظر; ألا ~~ترى أنه لو أفطر فيه يوما انتقض كله وعاد إلى أصل فرضه؟ كذلك إذا وجد ~~الرقبة وهو في الصوم وجب أن ينتقض صومه عن الظهار ويعود إلى أصل فرضه، كما ~~لو تيمم ولم يدخل في الصلاة حتى وجد الماء انتقض تيممه لأنه وقع مراعى على ~~شريطة أن لا يجد الماء حتى يقضي به الفرض. # وزعم بعض المخالفين أنه إذا ابتدأ بصوم الظهار فقد سقط عنه فرض الرقبة ~~لصحة الجزء المفعول، وكذلك الداخل في الصلاة بالتيمم فقد سقط عنه فرض ~~الطهارة بالماء لهذه الصلاة، وكذلك إذا دخل في صوم التمتع فقد سقط عنه فرض ~~الهدي; لأن الجزء المفعول منه قد صح، وفي الحكم بصحة ذلك إسقاط فرض الأصل. ~~قال: وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في ms0496 الصلاة لأن التيمم غير ~~مفروض في نفسه وإنما هو مفروض لأجل الصلاة وهو مراعى، فمتى وجد الماء قبل ~~دخوله في الصلاة بطل تيممه، والذي في عروض التيمم بعد الدخول دخوله في ~~الصوم. وهذا الذي قاله شديد الاختلال ظاهر الفساد; لأن الفرض لم يسقط ~~بدخوله في صوم المتعة ولا في صوم الظهار ولا في الصلاة، بل دخوله مراعى ~~موقوف الحكم على آخره; والدليل عليه أنه متى أفسد باقي الصلاة فسد ما قبله، ~~وكذلك إذا فسد باقي صوم الظهار فسد ما تقدم منه، وكذلك لو دخل في صوم ~~المتعة ثم أفسده في أول يوم منه فسد; فإن كان واجدا للهدي لم يجزه الصوم ~~بالاتفاق، فقوله: لما حكمنا بصحة الجزء المفعول من البدل سقط عنه فرض الأصل ~~خطأ; لأن الحكم لم يقع بصحته، وإنما حكمه أن يكون منتظرا به آخره، فإن تم ~~مع عدم فرض الأصل ثبت حكمه، وإن وجد الأصل قبل تمامه بطل حكمه وعاد الأصل ~~إلى فرضه. ومن حيث حكم للمتيمم بحكم الانتظار إلى أن يدخل في الصلاة، وجب # PageV01P360 # أن يكون حكمه بعد الدخول في الصلاة لأن الصلاة المفعولة به منتظر بها ~~الفراغ منها، فوجب أن لا يختلف حكمه في وجود الماء قبل دخوله في الصلاة ~~وبعده; وكذلك سائر ما ذكرنا من صوم التمتع وصوم الظهار ونحوه. وقالوا جميعا ~~في الصغيرة المدخول بها إذا فارقها زوجها: إن عدتها الشهور وإنه لا يختلف ~~حكمها عند عدم الحيض في وجوب انتظار عدة الطلاق أو بعده بعد وجوب الشهور في ~~انتقالها إلى الحيض. وكذلك قالوا في الماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه ~~وهو في الصلاة أو قبلها وتساوى حكم الحالين من الابتداء والبقاء في منع ~~الصلاة ولزوم غسل الرجلين. وكذلك قال الشافعي في المستحاضة إذا زالت ~~استحاضتها وهي في الصلاة أو قبل دخولها فيها في استواء حكم الحالين في باب ~~المنع منها إلا بعد تجديد الطهارة لها. وذكر بعض أصحاب مالك أن المرأة إذا ~~طلقها زوجها طلاقا رجعيا ثم مات عنها، كانت عليها ms0497 عدة الوفاة، لأنها كانت ~~في حكم الزوجات عند الموت، قال: فلو أن رجلا كانت تحته أمة وطلقها كانت ~~عليها عدة الأمة، فإن عتقت وهي في العدة لم تنتقل عدتها إلى عدة الحرة وإن ~~كان زوجها يملك رجعتها قال: لأنه لم يحدث هناك شيء يجب به عدة كما حدث ~~الموت في المسألة التي قبلها، وهو موجب للعدة ويلزمه على هذا أن لا تنتقل ~~عدة الصغيرة إذا حاضت لأنه لم يحدث ما يوجب العدة وهو وجود الحيض كما لا ~~يجب العتق كما اقتضاه اعتلاله. # قوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} روي عن عطاء قال: إن شاء صامهن بمكة وإن ~~شاء إذا رجع إلى أهله. وروى الحسن قال: إن شاء صام في الطريق وإن شاء إذا ~~رجع إلى أهله وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال ابن عمر والشعبي: يصومهن ~~إذا رجع إلى أهله. # وقوله تعالى: {إذا رجعتم} محتمل للرجوع من منى وللرجوع إلى أهله، فهو على ~~أول الرجوعين وهو الرجوع من منى. ويدل عليه أن الله حظر صيام أيام التشريق ~~وأباح السبعة بعد الرجوع، فالأولى أن يكون المراد الوقت الذي أباح فيه ~~الصوم بعد حظره وهو انقضاء أيام التشريق. # قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} قال أبو بكر: قد قيل فيه وجوه: منها: أنها ~~كاملة في قيامها مقام الهدي فيما يستحق من الثواب، وذلك لأن الثلاثة قد ~~قامت مقام الهدي في باب جواز الإحلال بها يوم النحر قبل صيام السبعة، فكان ~~جائزا أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب، ~~فأعلمنا الله أن العشرة بكمالها هي القائمة مقامه في استحقاق ثوابه وأن ~~الحكم قد تعلق بالثلاثة في جواز الإحلال بها; وفي تلك أعظم الفوائد # PageV01P361 # في الحث على فعل السبعة والأمر بتعجيلها بعد الرجوع لاستكمال ثواب الهدي. ~~وقيل فيه: إنه أزال احتمال التخيير وأن تكون الواو فيه بمعنى أو إذ كانت ~~الواو قد تكون في معنى أو في بعض المواضع، فأزال هذا الاحتمال بقوله: {تلك ~~عشرة كاملة} وقيل: المعنى تأكيده ms0498 في نفس المخاطب والدلالة على انقطاع ~~التفصيل في العدد، كما قال الشاعر 1: # ثلاث واثنتين فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام 2 # وجعل الشافعي هذا أحد أقسام البيان، وذكر أنه من البيان الأول; ولم يجعل ~~أحد من أهل العلم ذلك من أقسام البيان لأن قوله ثلاثة وسبعة غير مفتقر إلى ~~البيان ولا إشكال على أحد فيه، فجاعله من أقسام البيان مغفل في قوله. # قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} قال أبو بكر: قد اختلف السلف في أشهر ~~الحج ما هي، فروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد: أنها شوال وذو ~~القعدة وعشر من ذي الحجة وروي عن عبد الله بن مسعود: أنها شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة. وروي عن ابن عباس وابن عمر في رواية أخرى مثله، وكذلك روي عن ~~عطاء ومجاهد. وقال قائلون: وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة، وأن ~~يكون مراد من قال وذو الحجة أنه بعضه لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض ~~الأشهر لا في جميعها لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك ~~الحج. وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله مراده أنها لما ~~كانت هذه أشهر الحج كان الاختيار عنده فعل العمرة في غيرها كما روي عن عمر ~~وغيره من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج على ما قدمنا. ~~وحكى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي ~~الحجة لأن من لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فحجه فائت. # ولا تنازع بين أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث، بقوله: ~~{أشهر معلومات} كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيام منى ثلاثة" وإنما ~~هي يومان وبعض الثالث ويقولون: حججت عام كذا وإنما الحج في بعضه، ولقيت ~~فلانا سنة كذا وإنما كان لقاؤه في بعضها، وكلمته يوم الجمعة والمراد البعض ~~وذلك من مفهوم الخطاب إذا تعذر استغراق الفعل للوقت كان المعقول ms0499 منه البعض. # قال أبو بكر: ولقول من قال إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة وجه آخر، وهو ~~شائع PageV01P362 # مستقيم، وهو ينتظم القولين من المختلفين في معنى الأشهر المعلومات; وهو ~~أن أهل الجاهلية قد كانوا ينسئون الشهور فيجعلون صفرا المحرم ويستحلون ~~المحرم على حسبما يتفق لهم من الأمور التي يريدون فيها القتال، فأبطل الله ~~تعالى النسيء وأقر وقت الحج على ما كان ابتداؤه عليه يوم خلق السموات، كما ~~قال عليه السلام يوم حجة الوداع: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ~~الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". # قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} يعني بها هذه الأشهر التي ثبت وقت ~~الحج فيها دون ما كان أهل الجاهلية عليه من تبديل الشهور وتأخير الحج ~~وتقديمه. وقد كان وقت الحج معلقا عندهم بأشهر الحج وهذه الثلاثة التي ~~يأمنون فيها واردين وصادرين، فذكر الله هذه الأشهر وأخبرنا باستقرار أمر ~~الحج وحظر بذلك تغييرها وتبديلها إلى غيرها. # وفيه وجه آخر: وهو أن الله لما قدم ذكر التمتع بالعمرة إلى الحج ورخص فيه ~~وأبطل به ما كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في هذه الأشهر، قال: {الحج ~~أشهر معلومات} فأفاد بذلك أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى الحج ~~وثبت حكمه فيها هذه الأشهر، وأن من اعتمر في غيرها ثم حج لم يكن له حكم ~~التمتع; والله أعلم. # PageV01P363 # باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج # قال أبو بكر: قد اختلف السلف في جواز الإحرام قبل أشهر الحج، فروى مقسم ~~عن ابن عباس قال: من سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج وأبو الزبير ~~عن جابر قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج وروى مثله عن طاوس وعطاء ~~ومجاهد وعمرو بن ميمون وعكرمة. وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ~~فليجعلها عمرة وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} : إن إتمامهما أن ms0500 تحرم بهما من دويرة أهلك ولم يفرق بين من كان بين ~~دويرة أهله وبين مكة مسافة بعيدة أو قريبة. فدل ذلك على أنه كان من مذهبه ~~جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وما رواه مقسم عن ابن عباس أن من سنة ~~الحج أن لا تحرم بالحج قبل أشهر الحج يدل ظاهره على أنه لم يرد بذلك حتما ~~واجبا. وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر ~~الحج، وهو قول أصحابنا جميعا ومالك والثوري والليث بن سعد. وقال الحسن بن ~~صالح بن حي: إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج جعله عمرة، فإذا أدركته أشهر ~~الحج قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه. وقال الأوزاعي: يجعلها عمرة ~~وقال الشافعي: يكون عمرة. # PageV01P363 # قال أبو بكر: قد قدمنا فيما سلف ذكر وجه الدلالة على جواز ذلك من قوله ~~تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وأن ذلك عموم في كون ~~الأهلة كلها وقتا للحج. ولما كان معلوما أنها ليست ميقاتا لأفعال الحج، وجب ~~أن يكون حكم اللفظ مستعملا في إحرام الحج، فاقتضى ذلك جوازه عند سائر ~~الأهلة; وغير جائز الاقتصار على بعضها دون بعض، لاتفاق الجميع على أن إرادة ~~الله تعالى عموم جميع الأهلة فيما جعله مواقيت للناس، وأنه لم يرد به بعض ~~الأهلة دون بعض. فمن حيث انتظم فيما جعله مواقيت للناس جميعا، وجب أن يكون ~~ذلك حكمها فيما جعله للحج منها; إذ هما جميعا قد انطويا تحت لفظ واحد. # فإن قيل: لما جعلها مواقيت للحج والحج في الحقيقة هو الأفعال الموجبة ~~بالإحرام ولم يكن الإحرام هو الحج، وجب أن يحمل على حقيقته، فتكون الأهلة ~~التي هي مواقيت للحج شوالا وذا القعدة وذا الحجة لأن هذه الأشهر هي التي ~~تصح فيها أفعال الحج لأنه لو طاف وسعى للحج قبل أشهر الحج لم يصح عند ~~الجميع، فيكون لفظ الحج مستعملا على حقيقته. # قيل له: هذا غلط لما فيه من إسقاط حكم اللفظ رأسا، وذلك لأن قوله: ~~{يسألونك عن ms0501 الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} يقتضي أن تكون الأهلة نفسها ~~ميقاتا للحج، وفروض الحج ثلاثة: الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة، ~~ومعلوم أن الأهلة ليست ميقاتا للوقوف ولا لطواف الزيارة; إذ هما غير ~~مفعولين في وقت الهلال، فلم تبق الأهلة ميقاتا إلا للإحرام دون غيره من ~~فروضه; ولو حملناه على ما ذكرت لم يكن شيء من هذه الفروض متعلقا بالأهلة ~~ولا كانت الأهلة ميقاتا لها، فيؤدي ذلك إلى إسقاط ذكر الأهلة وزوال فائدته. # فإن قيل: إذا كانت معرفة وقت الوقوف متعلقة بالهلال جاز أن يقال إن ~~الهلال ميقات له. # قيل له: ليس ذلك كما ظننت; لأن الهلال له وقت معلوم على ما قدمنا فيما ~~سلف، ولا يسمى بعد مضي ذلك الوقت هلالا، ألا ترى أنه لا يقال للقمر ليلة ~~الوقوف هلالا؟ والله تعالى إنما جعل الهلال نفسه ميقاتا للحج، وأنت إنما ~~تجعل غير الهلال ميقاتا، وفي ذلك إسقاط حكم اللفظ ودلالته، ألا ترى أنه إذا ~~جعل محل الدين هلال شهر كذا كان الهلال نفسه وقتا لثبوت حق المطالبة ووجوب ~~أدائه إليه لا ما بعده من الأيام؟ وكذلك الإجارات إذا عقدت على الأهلة ~~فإنما يعتبر فيها وقت رؤية الهلال، وذلك مفهوم من اللفظ لا يشكل مثله على ~~ذي فهم. وأما قوله إن الحج هو اسم للأفعال الموجبة بالإحرام وإن الإحرام لا ~~يسمى حجا فإن الإحرام إذا كان سببا لتلك الأفعال ولا يصح حكمها إلا به، ~~فجائز أن # PageV01P364 # يسمى باسمه، على ما بينا في أول الكتاب من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان ~~سببا أو مجاورا; فسمي الإحرام حجا على هذا الوجه. وأيضا فإنه إذا كان جائزا ~~إضمار الإحرام حتى يكون في معنى: {قل هي مواقيت للناس} ولإحرام الحج على ~~نحو قوله: {واسأل القرية} ومعناه: أهل القرية. وقوله {ولكن البر من اتقى} ~~ومعناه: ولكن البر بر من اتقى; وجب استعماله على هذا المعنى ليصح إثبات حكم ~~اللفظ في جعله الأهلة مواقيت الحج. وأيضا لما كان الحج في اللغة اسما للقصد ~~وإن كان ms0502 في الشرع قد علق به أفعال أخر يصح إطلاق الاسم عليه، لم يمتنع أن ~~يسمى الإحرام حجا; لأن أول قصد يتعلق به حكم هو الإحرام، وقبل الإحرام لا ~~يتعلق بذلك القصد حكم، فجائز من أجل ذلك أن يسمى الإحرام حجا; إذ هو أوله، ~~فيكون قوله: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} منتظما للإحرام ~~وغيره من أفعال الحج ومناسكه لو خلينا وظاهره. فلما خصت الأفعال بأوقات ~~محصورة خصصناها من الجملة وبقي حكم اللفظ في الإحرام. ويدل على أن الحج في ~~اللغة هو القصد قول الشاعر: # يحج مأمومة في قعرها لجف # يعني يقصدها ليعرف مقدارها. وليس يجب من حيث علق بالقصد أفعال أخر لا ~~يستحق القصد اسم الحج في الشرع إلا بها إسقاط اعتبار القصد فيه ألا ترى أن ~~الصوم في أصل اللغة اسم للإمساك وهو في الشرع اسم لمعان أخر معه ولم يسقط ~~مع ذلك اعتبار الإمساك في صحته؟ وكذلك الاعتكاف اسم اللبث وهو في الشرع اسم ~~لمعان أخر مع اللبث؟ فكان معنى الاسم الموضوع له معتبرا، وإن ألحقت به في ~~الشرع معان أخر لا يثبت حكم الاسم في الشرع إلا بوجودها. وكذلك الحج لما ~~كان اسما في اللغة للقصد ثم كان حكم ذلك القصد متعلقا بالإحرام وما قبله لا ~~حكم له، جاز أن يكون الإحرام مسمى بهذا الاسم كما سمي به الطواف والوقوف ~~بعرفة وأفعال المناسك، فوجب بحق العموم كون الأهلة كلها ميقاتا للإحرام. ~~وقد اقتضى العموم ذلك لسائر أفعال الحج لولا قيام الدلالة على تخصيصها ~~بأوقات محصورة دليل آخر، وهو قوله: {الحج أشهر معلومات} وقد قدمنا ذكر ~~أقاويل السلف في الأشهر، وأن منهم من قال شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ~~وقال آخرون شوال وذو القعدة وذو الحجة فحصل من اتفاقهم أن يوم النحر من ~~أشهر الحج، فوجب بعموم قوله: {أشهر معلومات} جواز الإحرام بالحج يوم النحر; ~~وإذا صح يوم النحر جاز في سائر السنة، لأن أحدا لم يفرق في جوازه بين يوم ~~النحر وبين سائر ms0503 أيام السنة. # فإن قيل: إن من قال عشر من ذي الحجة إنما أراد به عشر ليال لم يجعل يوم ~~النحر منها، لأنه يكون الحج فائتا بطلوع الفجر من يوم النحر. # PageV01P365 # قيل له: قول من قال عشرا إن كان مراده عشر ليال فإن ذكر الليالي يقتضي ~~دخول ما بإزائها من الأيام، كقوله في موضع: {ثلاث ليال سويا} وقد أراد ~~الأيام; ألا ترى إلى قوله في موضع آخر عند ذكر هذه القصة بعينها: {ثلاثة ~~أيام إلا رمزا} . وقال تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وقد روي عن علي بن ~~أبي طالب وعبد الله بن شداد وعبد الله بن أبي أوفى في آخرين: أن يوم الحج ~~الأكبر هو يوم النحر. ويستحيل أن يكون يوم النحر يوم الحج الأكبر ولا يكون ~~من أشهر الحج، ومع ذلك فإن قوله: {الحج أشهر معلومات} يقتضي ظاهره استيعاب ~~الشهور الثلاثة ولا ينقص شيء منه إلا بدلالة; فثبت بذلك أن يوم النحر من ~~أشهر الحج، وقد أباح الله الإحرام فيه بقوله: {الحج أشهر معلومات} فوجب أن ~~يصح ابتداء الإحرام فيه، وإذا صح فيه صح في سائر أيام السنة بالاتفاق. # وفي هذه الآية دلالة من وجه آخر على جواز الإحرام قبل دخول أشهر الحج، ~~وهو قوله في سياق الخطاب: {فمن فرض فيهن الحج} ومعنى فرض الحج فيهن إيجابه ~~فيهن لأن سائر الأفعال موجبة به، ولم يوقت للفرض وقتا وإنما وقته للفعل، ~~لأن الفرض المذكور في هذا الموضع هو لا محالة غير الحج الذي علقه به، وإذا ~~كان كذلك كان الوقت وقتا لأفعال المناسك وألزمه إياها بفرض غير موقت وجب أن ~~يصح فعل إحرام الحج قبل أشهر الحج يوجب أفعال المناسك. # ويدلك على ما ذكرنا أنه يصح أن يبدأ حجا بنذر قبل أشهر الحج، فيكون موجبا ~~للحج في وقته المشروط وإن كان إيجابه قبله. ومن قال لله علي أن أصوم غدا ~~كان في هذا الوقت موجبا لصوم غد قبل وجوده، فكذلك ms0504 جائز أن يقال لمن أحرم ~~بالحج قبل أشهر الحج: إنه موجب للحج في أشهر الحج، وإن كان فرضه وابتداء ~~إحرامه في غيره، فاقتضى ظاهر: قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} إيجاب فعل ~~الحج بفرض قبلهن أو فيهن; إذ كان ظاهر اللفظ يتناول الفروض في الوقتين. # ويدل عليه من جهة السنة حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من أراد الحج فليتعجل" وذلك على الإحرام وأفعاله إلا ما قام دليله مما لا ~~يجوز تقديمه على وقته. # ويدل عليه أيضا قوله في ذكر المواقيت: "هن لأهلهن ولمن مر عليهن من غير ~~أهلهن ممن أراد الحج والعمرة" وذلك عموم في جواز الإحرام بالحج في أي وقت ~~مر عليهن من السنة. # ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على بقاء إحرام الحج بكماله بعد ~~طلوع الفجر يوم النحر قبل رمي الجمار، ولو كان الإحرام بالحج لا يجوز قبل ~~أشهر الحج # PageV01P366 # لوجب أن لا يبقى بكماله في الوقت الذي لا يصح فيه ابتداء الإحرام. وفي ~~بقاء إحرامه يوم النحر قبل رمي الجمار دليل على جواز ابتدائه وذلك لأن ~~مناسك الحج محصورة بأوقات غير جائز تقديمها عليها، فلو لم يكن يوم النحر ~~وقتا للإحرام لما جاز بقاؤه فيه; ألا ترى أن الجمعة لما كانت محصورة بوقت ~~لا يجوز تقديمها عليه لم يجز أن تبقى الجمعة بعد الدخول فيها في وقت لا يصح ~~ابتداؤها فيه؟ نحو أن يدخل في الجمعة ثم يدخل وقت العصر قبل الفراغ منها، ~~فتبطل ولا يبقى حكمها بعد خروج الوقت كما لا يصح ابتداؤها فيه; فكذلك إحرام ~~الحج، لو كان محصورا بأشهر الحج لما صح بقاؤه بكماله بعد انقضائه كما لا ~~يصح عند مخالفينا ابتداؤه، فلما صح بقاؤه في يوم النحر صح ابتداؤه. # ويدل على ذلك اتفاق الجميع على جواز الإحرام بالحج في وقت يتراخى عنه ~~أفعاله ولا يصح إيقاعها فيه، فوجب أن يجوز تقديمه على أشهر الحج كما صح ~~فعله فيها; لأن موجبه من الأفعال متراخ عنه. # وأيضا لو ms0505 كان الإحرام موقتا لوجب أن يتصل به موجب أفعاله، كما أن إحرام ~~الصلاة لما كان موقتا كان موجبه من فرضه متصلا به ولم يجز تراخيه عنه. # ويحتج لذلك أيضا باتفاق الجميع على أن المتمتع هو الجامع بين أفعال ~~العمرة والحج في سفر واحد ممن ليس من حاضري المسجد الحرام، ولا يختلف حكم ~~إحرام العمرة بأن يكون في أشهر الحج أو قبله فيما يقتضيه حكم المتمتع، كذلك ~~يجب أن لا يختلف حكم إحرام الحج في كونه في أشهر الحج أو قبله. والمعنى ~~الجامع بينهما أن حكم كل واحد من موجب الإحرامين من الأفعال متعلق بوقوعه ~~في أشهر الحج، فوجب استواء حكم الإحرامين في الوجه الذي ذكرنا كما استوى ~~حكم أفعالهما في صحة وقوعهما في أشهر الحج. # واحتج من أبى تجويز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج بظاهر قوله تعالى: {الحج ~~أشهر معلومات} وقد ذكرنا وجه الدلالة منه على جوازه قبل أشهر الحج; ومع ذلك ~~فإن قوله: {الحج أشهر معلومات} حكمه متعلق بضمير لا يستغني عنه الكلام، ~~وذلك أنه معلوم أن الحج لا يكون أشهرا; لأن الحج هو فعل الحاج والأشهر هي ~~فعل الله تعالى، وغير جائز أن يكون فعل الله هو فعل العبد، فثبت أن فيه ~~ضميرا، ويحتمل أن يكون الضمير فعل الحج في أشهر معلومات، وليس في شيء منه ~~نفي لجواز إحرامه قبل أشهر الحج، إنما يفيد أن فعل الحج في هذه الأشهر وأن ~~الإحرام جائز فيها، وليس في تجويز الإحرام فيها نفي لجوازه في غيرها. # PageV01P367 # فإن قيل: قد تضمن ذلك الأمر بإحرام الحج أو أفعاله فيها، فغير جائز فعلها ~~في غيرها. # قيل له: هذا غلط لأنه ليس في اللفظ دلالة على الأمر، وإنما فيه الدلالة ~~على جوازه فيها، فأما الإيجاب فلا دلالة عليه من اللفظ; وإذا كان كذلك ~~فأكثر ما فيه تجويز إحرام الحج وأفعاله في هذه الأشهر، وليس فيه نفي لجوازه ~~في غيرها. # فإن قيل: فإذا كان الإحرام جائزا في سائر السنة فلا معنى لتوقيت الأشهر ~~له. وهذا المذهب ms0506 يؤدي إلى إسقاط فائدة التوقيت. # قيل له: ليس كذلك، بل فيه عدة فوائد، منها: أنه أفاد أن أفعال الحج ~~مخصوصة بهذه الأشهر، ألا ترى أنا نقول إنه لو كان طاف وسعى قبل أشهر الحج ~~أنه لا يعتد به ويعيده؟ ومنها: أن التمتع إنما يتعلق حكمه بفعل العمرة مع ~~الحج في هذه الأشهر، حتى لو قدم طواف العمرة على أشهر الحج وحج من عامه لم ~~يكن متمتعا، ولذلك قال أصحابنا فيمن قرن ودخل مكة قبل أشهر الحج وطاف ~~للعمرة وسعى ومضى على قرانه إنه ليس بمتمتع وليس عليه دم القران فأفادت ~~الآية أن هذه الأشهر هي التي يتعلق بها حكم التمتع إذا جمع بين العمرة ~~والحج فيها. ومع ذلك فلو كان قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} يوجب ~~الاقتصار به عليها دون غيرها من الشهور، لوجب أن نصرفه إلى أفعال الحج دون ~~إحرامه ليسلم لنا عموم قوله: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} ~~في جواز الإحرام في سائر الأهلة، ولو حملناه على الإحرام لأدى ذلك إلى ~~إسقاط فائدة قوله: {قل هي مواقيت للناس والحج} والاقتصار به على معنى قوله: ~~{الحج أشهر معلومات} ومع ذلك فلا نكون مستعملين له لأن الله قد أخبر أنه ~~جعل الأهلة وقتا للحج، ومتى قصرناه على أشهر الحج لم يتعلق حكمه بالأهلة ~~وكان متعلقا بأوقات أخر غيرها، مثل يوم عرفة للوقوف ويوم النحر للطواف ~~والرمي ونحوه. وأيضا فغير جائز أن يريد الإحرام وأفعاله، ومتى أراد الأفعال ~~انتفى الإحرام لامتناع إرادتهما بلفظ واحد; لأن أحدهما هو المقصود بعينه ~~وهو أفعال المناسك والآخر سبب له سمي باسمه على طريق المجاز، فغير جائز أن ~~يرادا جميعا بلفظ واحد; ألا ترى أن من أحرم ولم يقف فجائز أن يقال إنه لم ~~يحج ومتى وقف أطلق عليه اسم الحاج؟ وأيضا لما قال تعالى: {الحج أشهر ~~معلومات} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" وجب أن يكون ذلك ~~تعريفا للحج المذكور في قوله: {الحج أشهر معلومات} فتكون الألف واللام ~~لتعريف المعهود، ms0507 فيصير حينئذ تقدير الآية مع الخبر: الحج الذي هو الوقوف ~~بعرفة في أشهر معلومات ويكون فائدة ذكر الأشهر ما قدمنا. وأيضا لو صح إرادة ~~الوقت للإحرام وجب استعماله في الأشهر على الندب وقوله: {مواقيت للناس ~~والحج} على الجواز، حتى يوفى كل واحد من اللفظين حظه من الفائدة وقسطه من ~~الحكم. # PageV01P368 # فإن قيل: إذا أراد به الإحرام لم يجز تقديمه على وقته، ويصير بمنزلة ~~قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار} ونحو ذلك ~~من الآي التي فيها توقيت العبادات. # قيل له: قد بينا أن قوله: {الحج أشهر معلومات} لا دلالة فيه على الوجوب ~~لأنه ليس بأمر، وفيه ضمير يحتاج في إثباته إلى دلالة من غيره لاحتماله أن ~~يكون المراد جواز الحج، ويحتمل أن يريد به فضيلة الحج; فليس في ظاهر اللفظ ~~دليل على أن المراد بالتوقيت المذكور فيه لماذا هو، فلذلك لم يصح الاستدلال ~~على توقيت الإحرام بالأشهر على جهة الإيجاب. وأما الصلاة فإن الله تعالى نص ~~فيها على الأوقات المذكورة بلفظ يقتضي الإيجاب فيها من غير احتمال لغيرها ~~بقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وما جرى مجراه من الأوامر الموقتة. # ووجه آخر: وهو أنا سلمنا لهم أن ذلك وقت الإحرام لم تلزم الصلاة عليه، من ~~قبل أن تقديم إحرام الصلاة على وقتها إنما لم يجز من حيث اتصلت فروضها ~~وأركانها بالإحرام وسائر فروضها غير جائزة متراخية عن تحريمتها، فلذلك كان ~~حكم تحريمتها حكم سائر أفعالها، ولا خلاف في جواز إحرام الحج في وقت يتراخى ~~عنه سائر أفعاله، وغير جائز شيء من فروضه عقيب إحرامه، فلذلك اختلفا. # ومن جهة أخرى: وهو أن كونه منهيا عن فعل الإحرام لا يمنع صحة لزومه، وكون ~~الصلاة منهيا عنها يمنع صحة الدخول فيها. والدليل على ذلك أن من تحرم ~~بالصلاة محدثا أو غير مستقبل القبلة عامدا أو عاريا وهو يجد ثوبا، لم يصح ~~دخوله فيها، ولو أحرم بالحج وهو مخالط لامرأته أو لابس ثيابا، كان إحرامه ~~واقعا ولزمه حكمه مع مقارنة ما يفسده; ms0508 فلم يجز اعتبار أحكام إحرام الحج ~~بالصلاة. # ووجه آخر: وهو أن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها، مثل الحدث والكلام والمشي ~~وما جرى ومجرى ذلك. وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده; لأنه لو تطيب أو لبس ~~أو اصطاد لم يفسده مع كون ترك هذه الأمور فرضا فيه. # وأيضا وجدنا من فروض الحج ما يفعل بمد أشهر الحج ويكون مفعولا في وقته ~~وهو طواف الزيارة، ولم نجد شيئا من فروض الصلاة يفعل بعد خروج وقتها إلا ~~على وجه القضاء، فلم يجز أن تكون الصلاة أصلا للإحرام. ويمكن أن يجعل ذلك ~~دليلا في أصل المسألة بأن يقال: لما كان بعض فروض الحج مفعولا بعد أشهر ~~الحج ويكون ذلك وقتا له، كذلك جائز أن يكون إحرامه قبل أشهر الحج ويكون ذلك ~~وقتا; لأنه لو لم يجز تقديمه على أشهر الحج لما جاز تأخير شيء من فروضه عنه ~~كالصلاة. # PageV01P369 # فإن قيل: لما اتفق الجميع على أن من فاته الحج لا يجوز أن يفعل بإحرامه ~~ذلك حجا في القابل وكان عليه أن يتحلل بعمل عمرة، دل ذلك على أن الإحرام ~~بالحج في غير أشهر الحج يوجب عمرة وأنه غير جائز أن يفعل به حجا. قيل له ~~فقد جاز أن يبقى إحرامه كاملا بعد أشهر الحج وهو يوم النحر قبل رمي الجمار، ~~حتى زعم الشافعي أنه إن جامع يوم النحر قبل رمي الجمار فسد حجه. وقد ذكرنا ~~فيما سلف وجه الاستدلال من ذلك على جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج; إذ ~~لم يكن يوم النحر عنده من أشهر الحج وقد جاز إبقاء إحرامه بكماله فيه، فدل ~~على معنيين: أحدهما: سقوط سؤال السائل لنا واعتراضه بما ذكره; إذ قد جاز ~~وجود إحرام صحيح بالحج قبل أشهر الحج والمعنى الثاني: أنه دل على جواز ~~ابتداء إحرام الحج قبل أشهر الحج; إذ قد جاز بقاؤه فيه على ما بيناه فيما ~~سلف. # وأما قول الشافعي في أن المحرم بالحج قبل أشهر الحج يكون محرما بعمرة، ~~فإنه قول ظاهر الاختلال والفساد; لأنه ms0509 لا يخلو من أن يلزمه إحرام الحج على ~~ما عقده على نفسه أو لا يلزمه، فإن لم يلزمه كان كمن لم يحرم وبمنزلة من ~~أحرم بالظهر قبل دخول وقتها فلا يلزمه شيء ولا يكون داخلا فيها ولا في ~~غيرها; وإن يلزمه الحج فقد جاز أداء الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وإذا صح ~~إحرامه وأمكنه المضي فيه لم يجز له أن يتحلل منه بعمرة. فإن قيل: هو بمنزلة ~~من فاته الحج فيلزمه أن يتحلل بعمرة. # قيل له: ليس ذلك بعمرة وإنما هو عمل عمرة يتحلل به من إحرام الحج، ألا ~~ترى أن من فاته الحج وهو بمكة أنه غير مأمور بالخروج منها إلى الحل لأجل ما ~~لزمه من عمل العمرة؟ إذ كان وقت العمرة لمن كان بمكة الحل، ولو أراد أن ~~يبتدئ عمرة لأمر بالخروج إلى الحل; فدل ذلك على أن ما يفعله بعد الفوات ليس ~~بعمرة وإنما هو عمل عمرة يتحلل به من إحرام الحج وإحرام الحج باق مع ~~الفوات. وأيضا فالذي فاته قد لزمه إحرام الحج، وإنما احتاج إلى الإحلال منه ~~بعمل عمرة فهل يقول الشافعي إن المحرم بالحج قبل أشهر الحج قد لزمه الحج ~~ويتحلل منه بعمل عمرة ويوجب عليه قضاء الحج؟ فإذا لم يكن عنده محرما بالحج ~~فقد لزمه في ذلك شيئان: أحدهما: أنه لزمه عمرة لم يعقدها على نفسه ولم ~~ينوها، والثاني: أنه جعله بمنزلة الذي يفوته الحج بعد الإحرام، وهذا لم ~~يحرم قط به، فألزمه عمرة لا سبب لها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى" فإذا أحرم ونوى الحج فواجب أن يلزمه ~~ما نوى بقضية قوله عليه السلام: "وإنما لامرئ ما نوى". # PageV01P370 # قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} قال أبو بكر: قد اختلف السلف في تأويله، ~~فقال ابن عباس رواية والحسن وقتادة فمن أحرم وروى شريك عن أبي إسحاق عن ابن ~~عباس: {فمن فرض فيهن الحج} قال: التلبية وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود ~~وابن عمر وإبراهيم ms0510 النخعي وطاوس ومجاهد وعطاء وقالت عمرة عن عائشة: لا ~~إحرام إلا لمن أهل ولبى. # قال أبو بكر: قول من تأول قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} على من أحرم ~~لا يدل على أنه رأى الإحرام جائزا بغير تلبية; لأنه جائز أن يقول فمن أحرم ~~وشرط الإحرام أن يلبي فلم يثبت عن أحد من السلف جواز الدخول في الإحرام ~~بغير تلبية أو ما يقوم مقامها من تقليد الهدي وسوقه. وأصحابنا لا يجيزون ~~الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي وسوقه، والدليل على ذلك ~~حديث قراد بن أبي نوح قال: حدثنا نافع عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي كأنها حزينة فقال: "ما ~~لك؟ " فقالت: لا أنا قضيت عمرتي وألفاني الحج عاركا، قال: "ذلك شيء كتبه ~~الله على بنات آدم فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم" وذلك يدل على وجوب ~~التلبية; لأنها الذي يقوله المسلمون عند الإحرام وأمره عليه السلام على ~~الوجوب ويدل عليه قوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم". والتلبية من ~~المناسك، وقد فعلها عند الإحرام، ويدل عليه قوله عليه السلام: "أتاني جبريل ~~عليه السلام فقال: مر أمتك يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج" ~~فيضمن ذلك معنيين: فعل التلبية، ورفع الصوت بها، وقد اتفقوا على أن رفع ~~الصوت غير واجب، فبقي حكمه في فعل التلبية ويدل عليه أن الحج، والعمرة ~~ينتظمان أفعالا متغايرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة، فأشبهت الصلاة لما ~~تضمنت أفعالا متغايرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة كان شرط الدخول فيها ~~الذكر، كذلك الحج والعمرة واجب أن يكون الدخول فيهما بالذكر، أو ما يقوم ~~مقامه وقال أصحابنا: إذا قلد بدنة وساقها وهو يريد الإحرام فقد أحرم، وقد ~~روى ابنا جابر عن أبيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن من قلد بدنة فقد ~~أحرم". واختلف السلف في ذلك فقال ابن عمر: إذا قلد بدنة فقد أحرم، وكذلك ~~روي عن علي وقيس بن سعد وابن مسعود وابن عباس ms0511 وطاوس وعطاء ومجاهد والشعبي ~~ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وإبراهيم، وهذا على أنه قلدها ~~وساقها، وهو يريد الإحرام; لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون ~~محرما، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني قلدت الهدي فلا ~~أحل إلى يوم النحر" فأخبر أن تقليد الهدي وسوقه كان المانع له من الإحلال، ~~فدل على أن لذلك تأثيرا في الإحرام وأنه قائم مقام التلبية في باب الدخول ~~فيه # PageV01P371 # كما كان له تأثير في منع الإحلال، والدليل على أن التقليد بانفراده لا ~~يوجب الإحرام، ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يبعث ~~بهديه ويقيم فلا يحرم عليه شيء" وكذلك قالت عائشة: لا يحرم إلا من أهل ولبى ~~تعني ممن لم يسق هديه ولم يخرج معه. # قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} اختلف السلف في تأويل ~~الرفث، فقال ابن عمر: هو الجماع وروي عن ابن عباس مثله. وروي عنه أنه ~~التعريض بالنساء، وكذلك عن ابن الزبير. وروي عن ابن عباس أنه أنشد في ~~إحرامه: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننك لميسا # فقيل له في ذلك، فقال: إنما الرفث مراجعة النساء بذكر الجماع. قال عطاء: ~~الرفث الجماع فما دونه من قول الفحش. وقال عمرو بن دينار: هو الجماع فما ~~دونه من شأن النساء. # قال أبو بكر: قد قيل: إن أصل الرفث في اللغة هو الإفحاش في القول، ~~وبالفرج الجماع، وباليد الغمز للجماع. وإذا كان كذلك فقد تضمن نهيه عن ~~الرفث في الحج هذه الوجوه كلها وحصل من اتفاق جميع من روي عنه تأويله أن ~~الجماع مراد به في هذه الآية. # ويدل على أن الرفث الفحش في المنطق قوله عليه السلام: "إذا كان يوم صوم ~~أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن جهل عليه فليقل إني صائم"، والمراد فحش ~~القول. وإن كان المراد بالرفث هو التعريض بذكر النساء في الإحرام، فاللمس، ~~والجماع أولى أن يكون محظورا، كما ms0512 قال الله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما} [الإسراء: 23] عقل منه النهي عن السب، والضرب. وقد ذكر الله تعالى ~~الرفث في شأن الصوم فقال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} ولا خلاف ~~أنه أريد به الجماع، وعقل منه إباحة ما دونه، كما أن حظره الرفث في الحج ~~وهو التعريض، والمس قد عقل به حظر ما فوقه من الجماع; لأن حظر القليل يدل ~~على الكثير من جنسه. وإباحة الكثير تدل على إباحة القليل من جنسه، وقد روي ~~عن محمد بن راشد قال: خرجنا حجاجا فمررنا بالرويثة فإذا بها شيخ يقال له ~~أبو هرم قال: سمعت أبا هريرة يقول: للمحرم من امرأته كل شيء إلا الجماع ~~قال: فأهوى رجل منا إلى امرأته فقبلها; فقدمنا مكة فذكرنا ذلك لعطاء فقال: ~~قاتله الله قعد على طريق من طرق المسلمين يفتنهم بالضلالة; ثم قال للذي قبل ~~امرأته: أهرق دما. وهذا شيخ مجهول. وما ذكره قد اتفقت الأمة على خلافه، ~~وعلى أن من قبل امرأته في إحرامه بشهوة فعليه دم. وروي ذلك عن علي وابن ~~عباس وابن عمر والحسن وعطاء وعكرمة وإبراهيم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~ذلك وهو قول فقهاء # PageV01P372 # الأمصار. ولما ثبت بما ذكرنا حظر مراجعة النساء بذكر الجماع في حال ~~الإحرام، والتعريض به، واللمس وذلك كله من دواعي الجماع، دل ذلك على أن ~~الجماع ودواعيه محظورة على المحرم، وذلك دليل على حظر التطيب لهذا المعنى ~~بعينه، ولما ورد فيه من السنة. وأما الفسوق فروي عن ابن عمر قال: الفسوق ~~السباب والجدال: المراء. وقال ابن عباس: الجدال أن تجادل صاحبك حتى تغيظه، ~~والفسوق المعاصي وروي عن مجاهد: {ولا جدال في الحج} قال: قد أعلم الله ~~تعالى أشهر الحج فليس فيها شك ولا خلاف. # قال أبو بكر: جميع ما ذكر من هذه المعاني عن المتقدمين جائز أن يكون مراد ~~الله تعالى، فيكون المحرم منهيا عن السباب، والمماراة في أشهر الحج وفي غير ~~ذلك وعن الفسوق وسائر المعاصي، فتضمنت الآية الأمر بحفظ اللسان، ms0513 والفرج عن ~~كل ما هو محظور من الفسوق، والمعاصي. والمعاصي، والفسوق وإن كانت محظورة ~~قبل الإحرام فإن الله نص على حظرها في الإحرام تعظيما لحرمة الإحرام; ولأن ~~المعاصي في حال الإحرام أعظم وأكبر عقابا منها في غيرها، كما قال عليه ~~السلام: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن جهل عليه فليقل إني ~~امرؤ صائم". وقد روي أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المزدلفة إلى منى، فكان يلاحظ النساء وينظر إليهن، فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصرف وجهه بيده من خلفه وقال: "إن هذا يوم من ملك سمعه ~~وبصره غفر له" ومعلوم حظر ذلك في غير ذلك اليوم، ولكنه خص اليوم تعظيما ~~لحرمته، فكذلك المعاصي، والفسوق، والجدال، والرفث كل ذلك محظور ومراد ~~بالآية، سواء كان مما حظره الإحرام، أو كان محظورا فيه وفي غيره بعموم ~~اللفظ; ويكون تخصيصه إياها بحال الإحرام تعظيما للإحرام، وإن كانت محظورة ~~في غيره. وقد روى مسعود عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وهذا ~~موافق لدلالة الآية; وذلك لأن الله تعالى لما نهى عن المعاصي، والفسوق في ~~الحج فقد تضمن ذلك الأمر بالتوبة منها; لأن الإصرار على ذلك هو من الفسوق، ~~والمعاصي، فأراد الله تعالى أن يحدث الحاج توبة من الفسوق، والمعاصي حتى ~~يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: {ولا جدال في الحج} قد تضمن النهي عن مماراة صاحبه ورفيقه ~~وإغضابه وحظر الجدال في وقت الحج على ما كان عليه أمر الجاهلية; لأنه قد ~~استقر على وقت واحد وأبطل به النسيء الذي كان أهل الجاهلية عليه; وهو معنى ~~قوله عليه السلام: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات الأرض" ~~يعني عود الحج إلى الوقت الذي # PageV01P373 # جعله الله له، واتفق ذلك في حجة النبي عليه ms0514 السلام. # وقوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وإن كان ظاهره الخبر، فهو ~~نهي عن هذه الأفعال، وعبر بلفظ النفي عنها; لأن المنهي عنه سبيله أن يكون ~~منفيا غير مفعول وهو كقوله في الأمر: {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: ~~233] و {يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر ~~ومعناه الأمر. # وقوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} روي عن مجاهد والشعبي أن ~~أناسا من أهل اليمن كانوا لا يتزودون في حجهم حتى نزلت {وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى} وقال سعيد بن جبير: الزاد الكعك، والزيت. وقيل فيه: إن قوما ~~كانوا يرمون بأزوادهم يتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم: تزودوا من الطعام ولا ~~تطرحوا كلكم على الناس وقيل فيه: إن معناه أن تزودوا من الأعمال الصالحة، ~~فإن خير الزاد التقوى. # قال أبو بكر: لما احتملت الآية الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى، وجب ~~أن يكون عليهما; إذ لم تقم دلالة على تخصيص زاد من زاد. وذكر التزود من ~~الأعمال الصالحة في الحج; لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البر فيه ~~لمضاعفة الثواب عليه، كما نص على حظر الفسوق والمعاصي فيه، وإن كانت محظورة ~~في غيره، تعظيما لحرمة الإحرام وإخبارا أنها فيه أعظم مأثما; فجمع الزادين ~~في مجموع اللفظ من الطعام ومن زاد التقوى، ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما ~~لبقاء نفعه ودوام ثوابه. وهذا يدل على بطلان مذهب المتصوفة الذين يتسمون ~~بالمتوكلة في تركهم التزود، والسعي في المعاش. وهو يدل على أن من شرط ~~استطاعة الحج الزاد، والراحلة; لأنه خاطب بذلك من خاطبه بالحج، وعلى هذا ~~المعنى قال النبي عليه السلام حين سئل عن الاستطاعة: هي "الزاد، والراحلة". ~~والله الموفق. # PageV01P374 # باب التجارة في الحج # قال الله عقيب ذكر الحج، والتزود له: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم} يعني المخاطبين بأول الآية وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح لهم ~~التجارة فيه وروى أبو يوسف عن العلاء بن السائب عن أبي أمامة قال: قلت لابن ~~عمر: إني رجل أكري الإبل إلى مكة ms0515 أفيجزي من حجتي؟ قال: ألست تلبي فتقف ~~وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ~~ما سألتني، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} فقال: "أنتم حاج". وقال عمرو بن دينار: قال ابن عباس: كانت ~~ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في # PageV01P374 # الجاهلية، فلما كان الإسلام تركوا حتى نزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} في مواسم الحج. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتاني ~~رجل فقال: إني آجرت نفسي من قوم على أن أخدمهم ويحجون بي، فهل لي من حج؟ ~~فقال ابن عباس: هذا من الذين قال الله تعالى: {لهم نصيب مما كسبوا} ~~[البقرة: 202] وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، منهم الحسن وعطاء ومجاهد ~~وقتادة، ولا نعلم أحدا روي عنه خلاف ذلك إلا شيئا رواه سفيان الثوري عن عبد ~~الكريم عن سعيد بن جبير قال: سأله رجل أعرابي فقال: إني أكري إبلي وأنا أرد ~~الحج، أفيجزيني؟ قال: لا، ولا كرامة. وهذا قول شاذ خلاف ما عليه الجمهور ~~وخلاف ظاهر الكتاب في قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} فهذا ~~في شأن الحاج; لأن أول الخطاب فيهم، وسائر ظواهر الآي المبيحة لذلك دالة ~~على مثل ما دلت عليه هذه الآية نحو قوله: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله} [المزمل: 20] وقوله: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر} [الحج: 27] إلى قوله: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] ولم يخصص ~~شيئا من المنافع دون غيرها، فهو عام في جميعها من منافع الدنيا، والآخرة ~~وقال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ولم يخصص منه حال ~~الحج. وجميع ذلك يدل على أن الحج لا يمنع التجارة، وعلى هذا أمر الناس من ~~عصر النبي عليه السلام إلى يومنا هذا في مواسم منى ومكة في أيام الحج; ~~والله أعلم. # PageV01P375 # باب الوقوف بعرفة # قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ms0516 المشعر الحرام} ~~قال أبو بكر: قد دل ذلك على أن مناسك الحج الوقوف بعرفة، وليس في ظاهره ~~دلالة على أنه من فروضه، فلما قال في سياق الخطاب: {ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس} أبان بذلك عن فرض الوقوف ولزومه وذلك لأن أمره بالإفاضة مقتض ~~للوجوب، ولا تكون الإفاضة فرضا إلا والكون بها فرضا حتى يفيض منها; إذ لا ~~يتوصل إلى الإفاضة إلا بكونه قبلها هناك. # وقد اختلف في تأويل قوله: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} فروي عن عائشة ~~وابن عباس وعطاء والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: أنه أراد الإفاضة من عرفة، ~~قالوا: وذلك; لأن قريشا ومن دان دينها يقال لهم الحمس كانوا يقفون ~~بالمزدلفة ويقف سائر العرب بعرفات، فلما جاء الإسلام أنزل الله تعالى على ~~نبيه: {ثم أفيضوا من حيث أفاض # PageV01P375 # الناس} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ومن دان دينها أن يأتوا ~~عرفات فيقفوا بها مع الناس ويفيضوا من حيث أفاض الناس. وحكي عن الضحاك أنه ~~أراد به الوقوف بالمزدلفة وأن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام. ~~وقيل: إنه إنما قال: {الناس} وأراد إبراهيم وحده، كما قال تعالى: {الذين ~~قال لهم الناس} [آل عمران: 173] وكان رجلا واحدا. ولأن إبراهيم عليه السلام ~~لما كان الإمام المقتدى به سماه الله تعالى أمة كان بمنزلة الأمة التي تتبع ~~سنته، جاز إطلاق اسم الناس، والمراد به هو وحده. والتأويل الأول هو الصحيح ~~لاتفاق السلف عليه، والضحاك لا يزاحم به هؤلاء، فهو قول شاذ. وإنما ذكر ~~الناس هاهنا وأمر قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس; لأنهم كانوا أعظم ~~الناس، وكانت قريش ومن دان دينها قليلة بالإضافة إليهم; فلذلك قال: {من حيث ~~أفاض الناس} . # فإن قيل: لما قال: {فإذا أفضتم من عرفات} ثم عقب ذلك بقوله: {ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس} و"ثم" يقتضي الترتيب لا محالة، علمنا أن هذه الإفاضة هي ~~بعد الإفاضة من عرفات، وليس بعدها إفاضة إلا من المزدلفة وهي المشعر ~~الحرام، فكان حمله على ذلك، أولى منه على ms0517 الإفاضة من عرفة; ولأن الإفاضة من ~~عرفة قد تقدم ذكرها فلا وجه لإعادتها. قيل له: إن قوله تعالى: {ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس} عائد إلى أول الكلام، وهو الخطاب بذكر الحج وتعليم ~~مناسكه وأفعاله، فكأنه قال: يا أيها المأمورون بالحج من قريش بعد ما تقدم ~~ذكرنا له أفيضوا من حيث أفاض الناس فيكون ذلك راجعا إلى صلة خطاب ~~المأمورين، وهو كقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن} ~~[الأنعام: 154] ، والمعنى: بعد ما ذكرنا لكم أخبرنا كم أنا آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن. ويجوز أن يكون ثم بمعنى الواو فيكون تقديره: ~~وأفيضوا من حيث أفاض الناس; كما قال تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} ~~[البلد: 17] معناه: وكان من الذين آمنوا، وقوله: {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} [يونس: 46] معناه: والله شهيد. فإذا كان ذلك سائغا في اللغة ثم روي ~~عن السلف ما ذكرنا، لم يجز العدول عنه إلى غيره. وأما قولك إن ذكر عرفات قد ~~تقدم في قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} فلا يكون لقوله: {ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس} وجه فليس كذلك; لأن قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} لا دلالة فيه ~~على إيجاب الوقوف، وقوله: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} هو أمر لمن لم يكن ~~يقف بعرفة من قريش فقد أفاد به من إيجاب الوقوف ما لم يتضمنه قوله: {فإذا ~~أفضتم من عرفات} إذ لا دلالة في قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} على فرض ~~الوقوف. ومع ذلك فلو اقتصر # PageV01P376 # على قوله: {فإذا أفضتم من عرفات} لكان جائزا أن يظن ظان أنه خطاب لمن كان ~~يقف بها دون من لم يكن يرى الوقوف بها، فيكون التاركون للوقوف على جملة ~~أمرهم في الوقوف بالمزدلفة دون عرفات، فأبطل ظن الظان لذلك بقوله: {ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس} . # واتفقت الأمة مع ذلك على أن تارك الوقوف بعرفة لا حج له، ونقلته عن النبي ~~عليه السلام قولا وعملا. وروى بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر ms0518 الديلي ~~قال: سئل رسول الله: كيف الحج؟ قال: "الحج يوم عرفة، من جاء عرفة ليلة جمع ~~قبل الصبح، أو يوم جمع فقد تم حجه". وروى الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بالمزدلفة: "من صلى معنا هذه الصلاة ووقف ~~معنا هذا الموقف وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا، أو نهارا فقد تم حجه وقضى ~~تفثه". وقد روي عن ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير وجابر: إذا وقف قبل طلوع ~~الفجر فقد تم حجه، والفقهاء مجمعون على ذلك. # وقد اختلف الفقهاء في من لم يقف بعرفة ليلا، فقال سائرهم: إذا وقف نهارا ~~فقد تم حجه، وإن دفع منها قبل غروب الشمس فعليه دم عند أصحابنا إن لم يرجع ~~قبل الإمام، وقال مالك بن أنس: إن لم يرجع حتى طلع الفجر بطل حجه وأصحابه ~~يزعمون أنه قال ذلك; لأن مذهبه أن فرض الوقوف بالليل دون النهار، وأن ~~الوقوف نهارا غير مفروض وإنما هو مسنون. وروي عن ابن الزبير أن من دفع من ~~عرفات قبل غروب الشمس فسد حجه. # والدليل على صحة القول الأول قوله عليه السلام في حديث عروة بن مضرس: ~~"وأفاض من عرفة قبل ذلك ليلا، أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" فحكم بصحة ~~حجه وإتمامه بوقوفه في أحد الوقتين من ليل، أو نهار. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} و"حيث" اسم للموضع، وهو عرفات، فكان ~~بمنزلة قوله: "أفيضوا من عرفات" ولم يخصصه بليل ولا نهار، وليس فيه ذكر ~~للوقت، فاقتضى ذلك جوازه في أي وقت وقف فيه. ويدل عليه من جهة النظر أنا ~~وجدنا سائر المناسك ابتداؤها بالنهار، وإنما يدخل فيه الليل تبعا، ولم نجد ~~شيئا منها يختص بالليل حتى لا يصح فعله في غيره فقول من جعل فرض الوقوف ~~بالليل خارج عن الأصول، ألا ترى أن طواف الزيارة، والوقوف بالمزدلفة، ~~والرمي، والذبح، والحلق كل ذلك مفعول بالنهار؟ وإنما يفعل بالليل على أنه ~~يؤخر عن وقته على ms0519 وجه التبع للنهار، فوجب أن يكون ذلك حكم الوقوف بعرفة ~~وأيضا قد نقلت الأمة وقوف النبي عليه السلام نهارا إلى يومنا هذا، وأنه دفع ~~منها عند سقوط الفرض، وهذا يدل على أن وقت الوقوف هو النهار، ووقت # PageV01P377 # الغروب هو الدفع، فاستحال أن يكون الدفع هو وقت الفرض، ووقت الوقوف لا ~~يكون وقتا للفرض. وأيضا لما قيل يوم عرفة ونقلت هذه التسمية عن النبي عليه ~~السلام في أخبار كثيرة، منها: "إن الله تعالى يباهي ملائكته يوم عرفة" ~~ومنها: "إن صيام يوم عرفة يعدل صيام سنة" ولذلك أطلقت الأمة ذلك عليه، دل ~~على أن النهار وقت الفرض فيه، وأن الوقوف ليلا إنما يفعله من وقف فائتا; ~~ألا ترى أنه لما قيل يوم الجمعة، ويوم الأضحى، ويوم الفطر كانت هذه الأفعال ~~واقعة في هذه الأيام نهارا ولذلك أضيفت إليها؟ فدل ذلك على أن فرض الوقوف ~~يوم عرفة، وأنه يفعل ليلا على وجه القضاء لما فاته، كما يرمي الجمار ليلا ~~على وجه القضاء لما فاته نهارا، وكذلك الطواف، والذبح، والحلق. # واختلف في موضع الوقوف، فروى جبير بن مطعم أن النبي عليه السلام قال: "كل ~~عرفات موقف وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر". وروى جابر ~~عن النبي عليه السلام أنه قال: "كل عرفة موقف". وقال ابن عباس: "ارتفعوا عن ~~وادي عرفة، والمنبر عن مسيلة فما فوق ذلك موقف". ولم يختلف رواة الأخبار أن ~~النبي عليه السلام دفع من عرفة بعد غروب الشمس; وقد روي أن أهل الجاهلية ~~كانوا يدفعون منها إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في ~~وجوههم، وأنهم كانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس، فخالفهم النبي ~~عليه السلام ودفع من عرفات بعد الغروب ومن المزدلفة قبل الطلوع. وروى سلمة ~~بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الناس يوم عرفة فقال: "يا أيها الناس ليس البر في إيجاف الخيل ولا في ~~إيضاع الإبل ولكن سيرا حسنا جميلا، ولا توطئوا ms0520 ضعيفا ولا تؤذوا مسلما". ~~وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد قال: "كان سيرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين يدفع من عرفات العنق، غير أنه كان إذا وجد فجوة ~~نص". والله أعلم. # PageV01P378 # باب الوقوف بجمع # قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ~~ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة وتسمى جمعا. فمن الناس ~~من يقول: إن هذا الذكر هو صلاة المغرب، والعشاء اللتين يجمع بينهما ~~بالمزدلفة، والذكر الثاني في قوله: {واذكروه كما هداكم} هو الذكر المفعول ~~عند الوقوف بالمزدلفة غداة جمع، فيكون الذكر الأول غير الثاني. والصلاة ~~تسمى ذكرا، قال النبي عليه السلام: "من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها" وتلا عند ذلك قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 214] فسمى ~~الصلاة ذكرا، فعلى هذا قد اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن # PageV01P378 # تجمع مع العشاء بالمزدلفة. وروي عن أسامة بن زيد وكان رديف رسول الله من ~~عرفات إلى المزدلفة أنه قال للنبي عليه السلام في طريق المزدلفة: الصلاة ~~فقال: "الصلاة أمامك" فلما أتى المزدلفة صلاها مع العشاء الآخرة، والأخبار ~~عن النبي عليه السلام متواترة في جمع النبي عليه السلام بين المغرب، ~~والعشاء بالمزدلفة. # وقد اختلف في من صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة فقال أبو حنيفة ومحمد ~~لا تجزيه وقال أبو يوسف: تجزيه. وظاهر قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام} إذا كان المراد به الصلاة يمنع جوازها ~~قبله، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة أمامك" وحمله على ذلك ~~أولى من حمله على الذكر المفعول في حال الوقوف بجمع; لأن قوله تعالى: ~~{واذكروه كما هداكم} هو الذكر في موقف جمع، فواجب أن نحمل الذكر الأول على ~~الصلاة حتى نكون قد وفينا كل واحد من الذكرين حظه من الفائدة ولا يكون ~~تكرارا. وأيضا فإن قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} هو أمر يقتضي ~~الإيجاب، والذكر المفعول بجمع ليس بواجب عند ms0521 الجميع ومتى حمل على فعل صلاة ~~المغرب بجمع كان محمولا على مقتضاه من الوجوب، فوجب حمله عليه. # وقد اختلف أهل العلم في الوقوف بالمزدلفة، هل هو من فروض الحج أم لا، ~~فقال قائلون: هو من فروض الحج ومن فاته فلا حج له كمن فاته الوقوف بعرفة ~~وقال جمهور أهل العلم حجه تام ولا يفسده ترك الوقوف بالمزدلفة. واحتج من لم ~~يجعله من فروضه بما روي عن النبي عليه السلام في حديث عبد الرحمن بن يعمر ~~الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحج عرفة فمن وقف قبل أن ~~يطلع الفجر فقد تم حجه". وقال في بعض الأخبار: "من أدرك عرفة فقد أدرك ~~الحج، ومن فاته عرفة فقد فاته الحج" فحكم بصحة حجه بإدراك عرفة ولم يشترط ~~معه الوقوف بجمع ويدل عليه ما روى ابن عباس وابن عمر ونقله الناس، قائلين ~~له: إن النبي عليه السلام قدم ضعفة أهله بليل وفي بعض الأخبار ضعفة الناس ~~من المزدلفة ليلا وقال لهم: "لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس". فلو ~~كان الوقوف بها فرضا لما رخص لهم في تركه للضعف، كما لا يرخص في الوقوف ~~بعرفة لأجل الضعف. # فإن قيل: لأنهم كانوا وقفوا ليلا وهو وقت الوقوف بها، وروى سالم بن عمر ~~وهو أحد من روى حديث تقديم ضعفة الناس من المزدلفة: فكان يقدم ضعفة أهله من ~~المزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام بليل، فيذكرون ما بدا لهم ثم يدفعون قيل ~~له: وقت الوقوف بها بعد طلوع الفجر، وقد نقل الناس وقوف النبي عليه السلام ~~بها بعد طلوع # PageV01P379 # الفجر ولم يأمر النبي عليه السلام ضعفة أهله بالوقوف حين عجلهم منها ~~ليلا، ولو كان ذلك وقت الوقوف لأمرهم به، ولم يرخص لهم في تركه مع إمكانه ~~من غير عذر; وما روي عن ابن عمر فإنما هو من فعله ليس عن النبي عليه السلام ~~ولم يقل ابن عمر أيضا: إن هذا وقت الوقوف، وإنما كان ذلك على وجه الاستحباب ~~للذكر قبل الرجوع إلى منى. ms0522 ويدل على أن وقت الوقوف بعد طلوع الفجر أنا ~~وجدنا سائر أفعال المناسك إنما وقتها بالنهار، والليل دخل فيه على وجه ~~التبع على ما بينا. # واحتج من جعل الوقوف بها فرضا بظاهر قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام} فظاهره يقتضي الوجوب. ويحتجون أيضا بحديث ~~مطرف بن طريف عن الشعبي عن عروة بن مضرس، عن النبي عليه السلام قال: "من ~~أدرك جمعا، والإمام واقف فوقف مع الإمام ثم أفاض مع الناس فقد أدرك الحج، ~~ومن لم يدرك فلا حج له"، وبما روى يعلى بن عبيد قال: حدثنا سفيان عن بكير ~~بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واقفا بعرفات، فأقبل ناس من أهل نجد فسألوه عن الحج، فقال: "الحج يوم ~~عرفة ومن أدرك جمعا قبل الصبح فقد أدرك الحج". # فأما قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} فلا دلالة فيه على ما ذكروا ~~وذلك لأنه أمر بالذكر، وقد اتفق الجميع على أن الذكر هناك غير مفروض، فإن ~~تركه لا يوجب نقصا في الحج، وليس للوقوف ذكر في الآية، فسقط الاحتجاج به، ~~ومع ذلك فقد بينا أن المراد بهذا الذكر هو فعل صلاة المغرب هناك. وأما حديث ~~مطرف بن طريف عن الشعبي، فإنه قد رواه خمسة من الرواة غير مطرف، منهم زكريا ~~بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر وسيار وغيرهم عن الشعبي عن عروة عن ~~النبي عليه السلام ذكروا فيه أنه عليه السلام قال: "من صلى معنا هذه الصلاة ~~ووقف معنا هذا الموقف وأفاض قبل ذلك من عرفة ليلا، أو نهارا فقد تم حجه ~~وقضى تفثه" ولم يذكر منهم أحد أنه قال فلا حج له. ومع ذلك فقد اتفقوا أن ~~ترك الصلاة هناك لا يفسد الحج، وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك ~~الوقوف. # وقوله: "فلا حج له" يحتمل أن يريد به نفي الفضل لا نفي الأصل، كما قال ~~عليه السلام: "لا وضوء لمن لم يذكر ms0523 اسم الله عليه"، وكما روى عمر "من قدم ~~نفله فلا حج له". وأما حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه قد روى هذا الحديث محمد بن كثير عن سفيان عن بكير بن عطاء ~~عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه: "من ~~وقف قبل أن يطلع الفجر فقد تم حجه" فعلمنا أن المراد بذلك # PageV01P380 # الوقوف بعرفة في شرط إدراك الحج، وأن رواية من روى "من أدرك جمعا قبل ~~الصبح" وهم، وكيف لا يكون وهما وقد نقلت الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقوفه بها بعد طلوع الفجر ولم يرو عنه أنه أمر أحدا بالوقوف بها ليلا؟ ومع ~~ذلك فقد عارضته الأخبار الصحيحة التي رويت من قوله: "من صلى معنا هذه ~~الصلاة ثم وقف معنا هذا الموقف" وسائر أخبار عبد الرحمن بن يعمر أنه قال: ~~"من أدرك عرفة فقد أدرك الحج وقد تم حجه، ومن فاته عرفة فقد فاته الحج" ~~وذلك ينفي رواية من شرط معه الوقوف بالمزدلفة، وأظن الأصم وابن علية ~~القائلين بهذه المقالة. # واحتجوا فيه من طريق النظر، بأنه لما كان في الحج وقوفان واتفقنا على ~~فرضية أحدهما وهو الوقوف بعرفة، وجب أن يكون الآخر فرضا; لأن الله عز وجل ~~ذكرهما في القرآن; كما أنه لما ذكر الركوع، والسجود كانا فرضين في الصلاة. ~~فيقال له: أما قولك إنهما لما كانا مذكورين في القرآن كانا فرضين فإنه غلط ~~فاحش; لأنه يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن فرضا، وهذا خلف من القول. ~~وعلى أن الله تعالى لم يذكر الوقوف وإنما قال: {فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام} ، والذكر ليس بمفروض عند الجميع، فكيف يكون الوقوف فرضا؟ فالاحتجاج ~~به من هذا الوجه ساقط. فإن كان أوجبه قياسا على الوقوف بعرفة، فإنه يطالب ~~بالدلالة على صحة العلة الموجبة لهذا القياس، وذلك معدوم; ويقال له: أليس ~~قد طاف النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة وسعى، ثم طاف أيضا يوم ms0524 النحر ~~وطاف للصدر وأمر به؟ فهل وجب أن يكون لهذا الطواف كله حكم واحد في باب ~~الإيجاب؟ فإذا جاز أن يكون بعض الطواف ندبا وبعضه واجبا، فما ينكر أن يكون ~~حكم الوقوف كذلك فيكون بعضه ندبا وبعضه واجبا؟ قوله تعالى: {فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم} . قضاء المناسك هو فعلها على تمام، ~~ومثله قوله: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا} [النساء: 103] ~~وقوله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] ، ومنه قوله ~~عليه السلام: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" يعني افعلوه على ~~التمام. # وقوله: {فاذكروا الله كذكركم آباءكم} قد قيل فيه وجهان: أحدهما: الأذكار ~~المفعولة في سائر أحوال المناسك، كقوله: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] وهو مأمور به قبل الطلاق، على مجرى قولهم: "إذا ~~حججت فطف بالبيت، وإذا أحرمت فاغتسل، وإذا صليت فتوضأ" وقوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] وإنما هو قبل الصلاة; وكذلك ~~قوله: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله} جائز أن يريد الأذكار المسنونة ~~بعرفات والمزدلفة # PageV01P381 # وعند الرمي، والطواف. وقيل فيه: إن أهل الجاهلية كانوا يقفون عند قضاء ~~المناسك فيذكرون مآثرهم ومفاخر آبائهم، فأبدلهم الله به ذكره وشكره على ~~نعمه، والثناء عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات: "إن الله قد ~~أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، لا ~~فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" ثم تلا {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ~~[الحجرات: 13] فكان خروج الكلام على حال لأهل الجاهلية في ذكرهم آباءهم، ~~والله أعلم. # PageV01P382 # باب أيام منى والنفر فيها # قال الله عز وجل: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه} . قال أبو بكر: روى سفيان وشعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن ~~بن يعمر الديلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام منى ثلاثة ~~أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن ms0525 تأخر فلا إثم عليه". ~~واتفق أهل العلم على أن قوله بيان لمراد الآية في قوله: {أيام معدودات} ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق; وقد روي ذلك عن علي وعمر ~~وابن عباس وابن عمر وغيرهم، إلا شيء رواه ابن أبي ليلى عن المنهال عن زر عن ~~علي قال: المعدودات: يوم النحر ويومان بعده واذبح في أيها شئت. وقد قيل: إن ~~هذا وهم، والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات. وظاهر الآية ينفي ذلك ~~أيضا; لأنه قال: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} وذلك لا يتعلق بالنحر ~~وإنما يتعلق برمي الجمار المفعول في أيام التشريق. وأما المعلومات فقد روي ~~عن علي وابن عمر: أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، واذبح في أيها شئت ~~قال ابن عمر: المعدودات أيام التشريق، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ~~المعلومات: العشر، والمعدودات أيام التشريق. وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم ~~عن مقسم عن ابن عباس: المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، ~~والمعدودات يوم النحر وثلاثة أيام بعده التشريق وروى عبد الله بن موسى: ~~أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس قال: المعدوات أيام العشر، ~~والمعلومات أيام النحر فقوله: المعدودات إنها أيام العشر، لا شك في أنه خطأ ~~ولم يقل به أحد، وهو خلاف الكتاب، قال الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه} وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث. وقد روي عن ابن عباس ~~بإسناد صحيح أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول الجمهور ~~من التابعين، منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم. وقد ~~روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن المعلومات العشر، والمعدودات # PageV01P382 # أيام التشريق. وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران، عن بشر بن الوليد ~~قال: كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام المعلومات، فأملى ~~علي أبو يوسف جواب كتابه: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروي ~~عن علي وابن ms0526 عمر أنها أيام النحر، وإلى ذلك أذهب; لأنه قال: {على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام} [الحج: 28 – 34] ، وذكر شيخنا أبو الحسن الكرخي عن أحمد ~~القاري عن محمد، عن أبي حنيفة، أن المعلومات العشر; وعن محمد: أنها أيام ~~النحر الثلاثة: يوم الأضحى ويومان بعده. # قال أبو بكر: فحصل من رواية أحمد القاري عن محمد، ورواية بشر بن الوليد ~~عن أبي يوسف، أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، ولم تختلف عن أبي حنيفة ~~أن المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق; وهو قول ابن عباس ~~المشهور وقوله تعالى: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28 - 34] لا ~~دلالة فيه على أن المراد أيام النحر لاحتماله أن يريد: لما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، كقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] ، والمعنى: ~~لما هداكم. وأيضا يحتمل أن يريد بها أيام العشر; لأن فيها يوم النحر، وفيه ~~الذبح، ويكون بتكرار السنين عليه أياما. وذكر أهل اللغة أن المعدودات ~~منفصلة عن المعلومات بدلالة اللفظ على افتراقهما في باب العدد، وذلك; لأن ~~وصفها بالمعدودات دلالة التقليل، كقوله تعالى: {بخس دراهم معدودة} [يوسف: ~~20] وإنما يوصف بالعدد إذا أريد به التقليل; لأنه يكون نقيض كثرة; فهو ~~كقولك: قليل وكثير; فعرفت المعدودات بالتقليل، وقيل للأخرى معلومات فعرفت ~~بالشهرة; لأنها عشرة. ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة بعد يوم ~~النحر، وأن للحاج أن يتعجل في اليوم الثاني منها إذا رمى الجمار وينفر، وأن ~~له أن يتأخر إلى اليوم الثالث حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر. واختلف فيمن لم ~~ينفر حتى غابت الشمس من اليوم الثاني، فروي عن عمر وابن عمر وجابر بن زيد ~~والحسن وإبراهيم: أنه إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل أن ينفر فلا ينفر ~~حتى يرمي الجمار من الغد. وروي عن الحسن البصري: أن له أن ينفر في اليوم ~~الثاني إذا رمى وقت الظهر كله، فإن أدركته صلاة العصر بمنى، فليس له أن ~~ينفر إلى اليوم الثالث. وقال أصحابنا: إنه إذا لم ينفر حتى غابت الشمس فلا ms0527 ~~ينبغي له أن ينفر حتى يرمي جمرة اليوم الثالث، ولا يلزمه ذلك إلا أن يصبح ~~بمنى فحينئذ يلزمه رمي اليوم الثالث ولا يجوز تركه. ولا نعلم خلافا بين ~~الفقهاء أن من أقام بمنى إلى اليوم الثالث أنه لا يجوز له النفر حتى يرمي، ~~وإنما قالوا: إنه لا يلزمه رمي اليوم الثالث بإقامته بمنى إلى أن يمسي، من ~~قبل أن الليلة التي تلي اليوم # PageV01P383 # الثاني هي تابعة له حكمها حكمه، وليس حكمها حكم الذي بعدها، ألا ترى أنه ~~لو ترك الرمي في اليوم الأول رماه في ليلته ولم يكن مؤخرا له عن وقته؟ لأنه ~~عليه السلام رخص للرعاة أن يرموا ليلا، فكان حكم الليلة حكم اليوم الذي ~~قبلها ولم يكن حكمها حكم الذي بعدها; فلذلك قالوا: إن إقامته في اليوم ~~الثاني بمنى إلى أن يمسي بمنزلة إقامته بها نهارا، وإذا أقام حتى يصبح من ~~اليوم الثالث لزمه الرمي بلا خلاف. وهذا مما يستدل به على صحة قول أبي ~~حنيفة في تجويزه رمي اليوم الثالث قبل الزوال; إذ قد صار وقتا للزوم الرمي، ~~ويستحيل أن يكون وقتا لوجوبه ثم لا يصح فعله فيه. # وأما قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~لمن اتقى} فإنه قد قيل فيه وجهان: أحدهما: فلا إثم عليه لتكفير سيئاته ~~وذنوبه بالحج المبرور; وروي نحوه عن عبد الله بن مسعود، ومثله ما روي عن ~~النبي عليه السلام أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". ~~والوجه الثاني: أنه لا مأثم عليه في التعجيل; وروي نحوه عن الحسن وغيره، ~~وقال: {ومن تأخر فلا إثم عليه} لأنه مباح له التأخير. وقوله: {لمن اتقى} ~~يحتمل لمن اتقى ما نهى الله عنه في الإحرام بقوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج} ، وإن لم يتق فغير موعود بالثواب. # قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية قال أبو ~~بكر: فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه ms0528 من حلاوة المنطق ~~والاجتهاد في تأكيد ما يظهره، فأخبر الله تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ~~ما يعجبك ظاهره {ويشهد الله على ما في قلبه} وهذه صفة المنافقين، مثل قوله ~~تعالى: {قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] {اتخذوا أيمانهم جنة} [المجادلة: 16] ~~وقوله: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: 4] ~~فأعلم الله تعالى نبيه ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر أقوالهم، وجعله عبرة لنا في ~~أمثالهم لئلا نتكل على ظاهر أمور الناس وما يبدونه من أنفسهم. وفيه الأمر ~~بالاحتياط فيما يتعلق بأمثالهم من أمور الدين، والدنيا، فلا نقتصر فيما ~~أمرنا بائتمان الناس عليه من أمر الدين، والدنيا على ظاهر حال الإنسان دون ~~البحث عنه. وفيه دليل على أن عليه استبراء حال من يراد للقضاء والشهادة ~~والإمامة، وما جرى مجرى ذلك، في أن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل ويبحث ~~عنهم; إذ قد حذرنا الله تعالى أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين، ألا ~~ترى أنه عقبه بقوله: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل} ؟ فكان ذكر التولي في هذا الموضع إعلاما لنا أنه غير جائز الاقتصار ~~على ظاهر ما يظهره دون الاستبراء لحاله من غير جهته. # PageV01P384 # قوله تعالى: {وهو ألد الخصام} وهو وصف له بالمبالغة في شدة الخصومة، ~~والفتل للخصم بها عن حقه وإحالته إلى جانبه; ويقال: لده عن كذا إذا حبسه; ~~وعلى هذا المعنى قال النبي عليه السلام: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ~~يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه ~~فإنما أقطع له قطعة من النار"، فكان معنى قوله: {وهو ألد الخصام} أنه أشد ~~المخاصمين خصومة. # وقوله: {والله لا يحب الفساد} نص على بطلان مذهب أهل الإجبار; لأن ما لا ~~يحبه الله فهو لا يريده، وما لا يريده فهو لا يحبه; فأخبر الله تعالى في ~~هذه الآية أنه لا يحب الفساد، وهذا يوجب أن لا يفعل الفساد; لأنه لو فعله ms0529 ~~لكان مريدا له ومحبا له; وهو مثل قوله: {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر: ~~31] فنفى عن نفسه فعل الظلم; لأنه لو فعله لكان مريدا، لاستحالة أن يفعل ما ~~لا يريد. ويدل على أن محبته لكون الفعل هي إرادته له، أنه غير جائز أن يحب ~~كونه ولا يريد أن يكون، بل يكره أن يكون; وهذا هو التناقض، كما لو قال: ~~"يريد الفعل ويكرهه" لكان مناقضا مختلا في كلامه; ويدل عليه قوله تعالى: ~~{إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} [النور: ~~19] ، والمعنى: "إن الذين يريدون" فدل على أن المحبة هي الإرادة; وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله أحب لكم ثلاثا وكره لكم ~~ثلاثا: أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تناصحوا من ولاه الله ~~أمركم; وكره لكم القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"، فجعل الكراهة ~~في مقابلة المحبة، فدل أن ما أراده فقد أحبه، كما أن ما كرهه فلم يرده; إذ ~~كانت الكراهة في مقابلة الإرادة كما هي في مقابلة المحبة، فلما كانت ~~الكراهة نقيضا لكل واحدة من الإرادة، والمحبة دل على أنهما سواء. # قوله تعالى: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} فإن العزيز هو المنيع القادر ~~على أن يمنع; لأن أصل العزة الامتناع، ومنه يقال: أرض عزاز، إذا كانت ~~ممتنعة بالشدة، والصعوبة. وأما الحكيم فإنه يطلق في صفة الله تعالى على ~~معنيين: أحدهما: العالم، وإذا أريد به ذلك جاز أن يقال: لم يزل حكيما ~~والمعنى الآخر: من الفعل المتقن المحكم، وإذا أريد به ذلك لم يجز أن يقال: ~~لم يزل حكيما كما لا يجوز أن يقال لم يزل فاعلا فوصفه لنفسه بأنه حكيم يدل ~~على أنه لا يفعل الظلم، والسفه، والقبائح ولا يريدها; لأن من كان كذلك فليس ~~بحكيم عند جميع أهل العقل; وفيه دليل على بطلان قول أهل الجبر. # وقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ~~هذا من المتشابه الذي أمرنا الله ms0530 برده إلى المحكم في قوله: {هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه # PageV01P385 # آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] . وإنما كان متشابها لاحتماله حقيقة ~~اللفظ، وإتيان الله واحتماله أن يريد أمر الله ودليل آياته، كقوله في موضع ~~آخر: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام: 158] فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ما بينه في قوله: ~~{أو يأتي ربك} [الأنعام: 158] ، لأن الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان ولا ~~المجيء ولا الانتقال ولا الزوال; لأن ذلك من صفات الأجسام ودلالات الحدث. ~~وقال تعالى في آية محكمة: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، وجعل إبراهيم ~~عليه السلام ما شهده من حركات النجوم وانتقالها وزوالها دليلا على حدوثها، ~~واحتج به على قومه، فقال الله عز وجل: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه} [الأنعام: 83] يعني في حدث الكواكب، والأجسام; تعالى الله عن قول ~~المشبهة علوا كبيرا. # فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: "جاء ربك" بمعنى جاء كتابه، أو جاء رسوله، أو ~~ما جرى مجرى ذلك؟ قيل له: هذا مجاز، والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم ~~الدليل عليه، وقد قال تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] وهو ~~يريد أهل القرية، وقال: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} [الأحزاب: 57] وهو ~~يعني، أولياء الله. والمجاز إنما يستعمل في الموضع الذي يقوم الدليل على ~~استعماله فيه، أو فيما لا يشتبه معناه على السامع. # وقوله عز وجل: {وإلى الله ترجع الأمور} فيه وجهان: أحدهما: أنه لما كانت ~~الأمور كلها قبل أن يملك العباد شيئا منها له خاصة، ثم ملكهم كثيرا من ~~الأمور، ثم تكون الأمور كلها في الآخرة إليه دون خلقه، جاز أن يقول: ترجع ~~إليه الأمور. والمعنى الآخر: أن يكون بمعنى قوله: {ألا إلى الله تصير ~~الأمور} [الشورى: 53] يعني أنه لا يملكها غيره، لا على أنها لم تكن إليه ثم ~~صارت إليه، لكن على أنه لا يملكها أحد سواه، كما قال لبيد: ms0531 # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وإنما عنى أنه يصير رمادا لا على أنه كان رمادا مرة ثم رجع إلى ما كان. # قوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} الآية، قيل فيه: ~~إنهم كانوا أمة واحدة على الكفر، وإن كانوا مختلفين في مذاهبهم وجائز أن ~~يكون فيهم مسلمون إلا أنهم قليلون في نفسهم، وجائز إذا كان كذلك إطلاق اسم ~~الأمة على الجماعة لانصرافه # PageV01P386 # إلى الأعم الأكثر، وقال قتادة، والضحاك: كانوا أمة واحدة على الحق ~~فاختلفوا. # وقوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فإن عبد ~~الله بن طاوس يروي عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتوا الكتاب ~~قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، ~~ولليهود غد وللنصارى بعد غد". وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ~~النبي عليه السلام نحوه; إلا أنه قال: "هدانا الله له، يوم الجمعة لنا وغدا ~~لليهود وبعد غد للنصارى". ففي هذا الحديث أن المراد بقوله: {فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} هو يوم الجمعة; وعموم اللفظ يقتضي سائر الحق ~~الذي هدي له المؤمنون، ويكون يوم الجمعة أحدها; والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV01P387 # باب من يبدأ به في النفقة عليه # قال الله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين} الآية. فالسؤال واقع عن مقدار ما ينفق، والجواب صدر عن القليل، ~~والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة، فقال تعالى: {قل ما أنفقتم من خير} ~~فذاك يتناول القليل، والكثير لشمول اسم الخير لجميع الإنفاق الذي يطلب به ~~وجه الله، وبين فيمن تصرف إليه بقوله: {فللوالدين والأقربين} ومن ذكر في ~~الآية، وأن هؤلاء أولى من غيرهم ممن ليس هو في منزلتهم بالقرب والفقر وقد ~~بين في آية أخرى ما يجب عليه فيه النفقة، وهو قوله: {ويسألونك ماذا ينفقون ~~قل العفو} ms0532 فروي عن ابن عباس قال: ما يفضل عن أهلك، وقال قتادة: "العفو ~~الفضل". فأخبر في هذه الآية أن النفقة فيما يفضل عن نفسه وأهله وعياله; ~~وعلى هذا المعنى قال عليه السلام: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وفي خبر ~~آخر: "خير الصدقة ما أبقت غنى، وابدأ بمن تعول"، فهذا موافق لقوله: ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] . وقد روي عن النبي عليه ~~السلام أخبار في التبدئة بالأقرب في النفقة، فمنها حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول; أمك ~~وأبوك وأختك وأخوك وأدناك فأدناك"; وروى مثله ثعلبة بن زهدم وطارق عن النبي ~~عليه السلام وقد دل ذلك على معنى الآية في قوله: {قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين} وإنما المراد بها تقديم الأقرب فالأقرب في الإنفاق. ~~وروي عن الحسن البصري أن الآية في الزكاة والتطوع جميعا، وأنها ثابتة الحكم ~~غير منسوخة عليه. وقال السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة. قال أبو بكر: هي ~~ثابتة الحكم عامة في الفرض والتطوع، أما الفرض فلم يرد به الوالدين # PageV01P387 # ولا الولد، وإن سفلوا لقيام الدلالة عليه، وأما التطوع فهي عامة في ~~الجميع، ومتى أمكننا استعمالهما مع فرض الزكاة فغير جائز الحكم بنسخها، ~~وكذلك حكم سائر الآيات متى أمكن الجمع بين جميعها في أحكامها من غير إثبات ~~نسخ لها لم يجز لنا الحكم بنسخ شيء منها. وليس يمتنع أن يكون المراد به ~~النفقة على الوالدين، والأقربين إذا كانوا محتاجين، وذلك إذا كان الرجل ~~غنيا; لأن قوله تعالى: {قل العفو} [البقرة: 219] قد دل على أن النفقة إنما ~~تجب عليه فيما يفضل; فإذا كان هو وعياله محتاجين لا يفضل عنهم شيء فليس ~~عليه نفقة. # وقد دلت الآية على معان: منها أن القليل، والكثير من النفقة يستحق به ~~الثواب على الله تعالى إذا أراد بها وجه الله; وينتظم ذلك الصدقات من ~~النوافل والفروض. ومنها أن الأقرب فالأقرب، أولى بذلك، بقوله: {فللوالدين ~~والأقربين} مع بيان النبي عليه السلام ms0533 لمراد الله بقوله: "ابدأ بمن تعول ~~أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك" وفيه الدلالة على وجوب نفقة ~~الوالدين، والأقربين عليه. # فإن قيل: فينبغي أن يلزمه نفقة المساكين وابن السبيل وجميع من ذكر في ~~الآية. قيل له: قد اقتضى ظاهرها ذلك، وخصصنا بعضها من النفقة التي تستحقها ~~الأقارب بدلالة، وهم داخلون في الزكاة والتطوع. وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا سفيان عن ~~مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة قال: "دينار أعطيته في سبيل الله، ~~ودينار أعطيته مسكينا، ودينار أعطيته في رقبة، ودينار أنفقته على أهلك، فإن ~~الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظمها أجرا". وقد روي ذلك مرفوعا إلى النبي ~~عليه السلام; حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال: حدثنا ~~عاصم بن علي قال: حدثنا المسعودي عن مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد ~~الله بن زيد، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المسلم ~~إذا أنفق نفقة على أهله كانت له صدقة" فهذه الآثار موافقة لمعنى قوله: ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} وقد اختلف في المراد به، فقال ابن عباس ~~وقتادة: الفضل عن الغنى. وقال الحسن وعطاء: "الوسط من غير إسراف". وقال ~~مجاهد: "أراد به الصدقة المفروضة". # قال أبو بكر: إذا كان العفو ما فضل فجائز أن يريد به الزكاة المفروضة في ~~أنها لا تجب إلا فيما فضل عن مقدار الحاجة وحصل به الغنى، وكذلك سائر ~~الصدقات الواجبة، ويجوز أن يريد به الصدقة التطوع، فيتضمن ذلك الأمر ~~بالإنفاق على نفسه # PageV01P388 # وعياله، والأقرب فالأقرب منه، ثم بعد ذلك ما يفضل يصرفه إلى الأجانب. ~~ويحتج به في أن صدقة الفطر وسائر الصدقات لا تجب على الفقير; إذ كان الله ~~تعالى إنما أمرنا بالإنفاق ms0534 من العفو، والفاضل عن الغنى. # قوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} هذا يدل على فرض القتال; لأن ~~قوله: {كتب عليكم} بمعنى فرض عليكم، كقوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: ~~186] ثم لا يخلو القتال المذكور في الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه ~~المخاطبون، أو لم يرجع إلى معهود; لأن الألف، واللام تدخلان للجنس، أو ~~للمعهود، فإن كان المراد قتالا قد عرفوه رجع الكلام إليه، نحو قوله تعالى: ~~{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وقوله: {ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} ~~[البقرة: 191] . فإن كان كذلك، فإنما هو أمر بقتال على وصف، وهو أن نقاتل ~~المشركين إذا قاتلونا، فيكون حينئذ كلاما مبنيا على معهود قد علم حكمه مكرر ~~ذكره تأكيدا، وإن لم يكن راجعا إلى معهود فهو لا محالة مجمل مفتقر إلى ~~البيان، وذلك أنه معلوم عند وروده أنه لم يأمرنا بقتال الناس كلهم فلا يصح ~~اعتقاد العموم فيه، وما لا يصح اعتقاد العموم فيه فهو مجمل مفتقر إلى ~~البيان. وسنبين اختلاف أهل العلم في فرض الجهاد وكيفيته عند مصيرنا إلى ~~قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] إن شاء الله تعالى. # وقوله: {وهو كره لكم} معناه: مكروه لكم; أقيم فيه المصدر مقام المفعول، ~~كقولك: "فلان رضى" أي: مرضي. # وقوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام} قد تضمنت هذه الآية تحريم القتال في ~~الشهر الحرام، ونظيره في الدلالة على مثله قوله: {الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] وقوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين ~~القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] . وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ~~الليث بن سعد قال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول ~~الله ms0535 صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى، فإذا حضر ذلك ~~أقام حتى ينسلخ. # وقد اختلف في نسخ ذلك، فقالت طائفة: حكمه باق لم ينسخ; وممن قال ذلك عطاء ~~بن أبي رباح، حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن # PageV01P389 # ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما لهم إن ذلك لم يكن يحل لهم أن يغزوا في ~~الشهر الحرام ثم غزوهم بعد فيه. قال: فحلف لي ما يحل للناس أن يغزوا في ~~الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا، قال: وما نسخت. وروى سليمان بن ~~يسار وسعيد بن المسيب: أن القتال جائز في الشهر الحرام وهو قول فقهاء ~~الأمصار. والأول منسوخ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ~~وقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] ~~الآية; لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر الحرام. # وقد اختلف في السائلين عن ذلك من هم، فقال الحسن وغيره: إن الكفار سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم ~~القتال في الشهر الحرام. وقال آخرون: "المسلمون سألوا عن ذلك ليعلموا كيف ~~الحكم فيه". وقيل: إنها نزلت على سبب وهو قتل واقد بن عبد الله عمرو بن ~~الحضرمي مشركا، فقال المشركون: قد استحل محمد القتال في الشهر الحرام، وقد ~~كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر، فأعلمهم الله تعالى ~~بقاء حظر القتال في الشهر الحرام وأرى المشركين مناقضة بإقامتهم على الكفر ~~مع استعظامهم القتل في الشهر الحرام، مع أن الكفر أعظم الإجرام ومع إخراج ~~أهل المسجد الحرام منه وهم المؤمنون; لأنهم أولى بالمسجد الحرام من الكفار ~~لقوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: 18] ~~فأعلمهم الله أن الكفر بالله وبالمسجد الحرام، وهو أن الله جعل المسجد ~~للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه، فجعلوه لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، فكان ~~ذلك كفرا بالمسجد الحرام، وأخرجوا أهله منه وهم المؤمنون; لأنهم أولى به من ~~الكفار، فأعلمهم الله أن الكفار مع ms0536 هذا الإجرام أولى بالعيب من قتل رجل من ~~المشركين في الشهر الحرام. # PageV01P390 # باب تحريم الخمر # قال الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم يرد ~~غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله: {قل فيهما إثم كبير} ، ~~والإثم كله محرم بقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والأثم} فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى ~~وصفه بأنه كبير، تأكيدا لحظرها. # وقوله: {ومنافع للناس} لا دلالة فيه على إباحتها; لأن المراد منافع ~~الدنيا; وإن في سائر المحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك ~~المنافع لا تفي بضررها من # PageV01P390 # العقاب المستحق بارتكابها. فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها لا سيما ~~وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية: {وإثمهما أكبر من ~~نفعهما} يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ينبغي ~~منهما. # ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] . # وليس في هذه الآية دلالة على تحريم ما لم يسكر منها، وفيها الدلالة على ~~تحريم ما يسكر منها; لأنه إذا كانت الصلاة فرضا نحن مأمورون بفعلها في ~~أوقاتها، فكل ما أدى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت الصلاة ممنوعة في ~~حال السكر وكان شربها مؤديا إلى ترك الصلاة، كان محظورا; لأن فعل ما يمنع ~~من الفرض محظور. # ومما نزل في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى: {إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] إلى ~~قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] فتضمنت هذه الآيات ذكر تحريمها من ~~وجوه: أحدها قوله: {رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 91] وذلك لا يصح إطلاقه ~~إلا فيما كان محظورا محرما، ثم أكده بقوله: {فاجتنبوه} [المائدة: 91] وذلك ~~أمر يقتضي لزوم اجتنابه، ثم قال تعالى: {فهل أنتم منتهون} ms0537 [المائدة: 91] ~~ومعناه: فانتهوا. # فإن قيل: ليس في قوله تعالى: {فيهما إثم كبير} دلالة على تحريم القليل ~~منها; لأن مراد الآية ما يلحق من المأثم بالسكر وترك الصلاة، والمواثبة، ~~والقتال، فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من ~~التحريم، ولا دلالة فيه على تحريم القليل منها. قيل له: معلوم أن في مضمون ~~قوله: {فيهما إثم كبير} ضمير شربها; لأن جسم الخمر هو فعل الله تعالى ولا ~~مأثم فيها، وإنما المأثم مستحق بأفعالنا فيها، فإذا كان الشرب مضمرا كان ~~تقديره: في شربها وفعل الميسر إثم كبير، فيتناول ذلك شرب القليل منها، ~~والكثير، كما لو قال: حرمت الخمر لكان معقولا أن المراد به شربها، ~~والانتفاع بها، فيقتضي ذلك تحريم قليلها وكثيرها. وقد روي في ذلك حديث; ~~حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} قال: ~~الميسر: هو القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله. قال: ~~وقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} ~~[النساء: 43] قال: "كانوا لا يشربونها عند الصلاة، فإذا # PageV01P391 # صلوا العشاء شربوها، ثم إن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا ~~وتكلموا بما لا يرضي الله عز وجل، فأنزل الله: {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] ، قال: ~~فالميسر: القمار، والأنصاب: الأوثان، والأزلام: كانوا يستقسمون بها. قال: ~~وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ~~أبي ميسرة قال: قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر فنزلت: {لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] ، فقال: "اللهم بين لنا في ~~الخمر" فنزلت: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ~~فقال: اللهم بين لنا في الخمر فنزلت: {إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من ms0538 عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم ~~منتهون} [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا، إنها تذهب المال وتذهب العقل. ~~قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال: أخبر المغيرة عن أبي رزين قال: ~~شربت الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد الآية التي في النساء، ~~فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت تركوها، ثم حرمت في المائدة في ~~قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، فانتهى القوم عنها فلم يعودوا ~~فيها. # فمن الناس من يظن أن قوله: {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} لم يدل على ~~التحريم; لأنه لو كان دالا لما شربوه، ولما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولما سأل عمر البيان بعد. وليس هذا كذلك عندنا وذلك لأنه جائز أن يكونوا ~~تأولوا في قوله: {ومنافع للناس} جواز استباحة منافعها، فإن الإثم مقصور على ~~بعض الأحوال دون بعض، فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل. وأما قوله: إنها ~~لو كانت حراما لما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على شربها فإنه ليس في ~~شيء من الأخبار علم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد ~~علمه. وأما سؤال عمر رضي الله عنه: بيانا بعد نزول هذه الآية، فإنه كان ~~للتأويل فيه مساغ، وقد علم هو وجه دلالتها على التحريم، ولكنه سأل بيانا ~~يزول معه احتمال التأويل، فأنزل الله تعالى: {إنما الخمر والميسر} ~~[المائدة: 90] الآية. # ولم يختلف أهل النقل في أن الخمر قد كانت مباحة في أول الإسلام، وأن ~~المسلمين قد كانوا يشربونها بالمدينة ويتبايعون بها مع علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك وإقرارهم عليه، إلى أن حرمها الله تعالى. فمن الناس من ~~يقول: إن تحريمها على الإطلاق إنما ورد في قوله: {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} إلى قوله: {فهل أنتم ~~منتهون} [المائدة: 91] ، وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض الأحوال، وهي أوقات ~~الصلاة، بقوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] # PageV01P392 # وأن بعض منافعها قد كان مباحا وبعضها محظورا بقوله: {قل فيهما إثم كبير ms0539 ~~ومنافع للناس} إلى أن أتم تحريمها بقوله: {فاجتنبوه} [المائدة: 90] وقوله: ~~{فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] . وقد بينا ما يقتضيه ظاهر كل واحد من حكم ~~الآيات من حكم التحريم. # وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة، فقال الجمهور الأعظم من ~~الفقهاء: اسم الخمر في الحقيقة يتناول الني المشتد من ماء العنب. وزعم فريق ~~من أهل المدينة ومالك والشافعي أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر. ~~والدليل على أن اسم الخمر مخصوص بالني المشتد من ماء العنب دون غيره وأن ~~غيره إن سمي بهذا الاسم فإنما هو محمول عليه ومشبه به على وجه المجاز حديث ~~أبي سعيد الخدري قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال له: "أشربت ~~خمرا؟ " فقال: ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله، قال: "فماذا شربت؟ " قال: ~~الخليطين; قال: فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين. فنفى الشارب ~~اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه، ولو ~~كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة، أو شرع لما أقره عليه; إذ كان في نفي ~~التسمية التي علق بها حكم نفي الحكم; ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يقر أحدا على حظر مباح ولا على استباحة محظور، وفي ذلك دليل على أن اسم ~~الخمر منتف عن سائر الأشربة إلا من الني المشتد من ماء العنب; لأنه إذا كان ~~الخليطان لا يسميان خمرا مع وجود قوة الإسكار منهما علمنا أن الاسم مقصور ~~على ما وصفنا. ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~زكريا العلائي قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشير ~~الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع، فقال: "حرام الخمر بعينها، ~~والسكر من كل شراب". قال عبد الباقي: وحدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: ~~حدثنا شعيب بن واقد قال: حدثنا قيس عن قطن عن ms0540 منذر عن محمد ابن الحنفية عن ~~علي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين ~~بن إسحاق قال: حدثنا عياش بن الوليد قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا ~~سعيد بن عمارة قال: حدثنا الحارث بن النعمان قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخمر بعينها حرام، والسكر من كل ~~شراب". وقد روى عبد الله بن شداد عن ابن عباس من قوله مثل ذلك، وروي عنه ~~أيضا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد حوى هذا الخبر معاني: منها أن اسم الخمر مخصوص بشراب بعينه دون غيره، ~~وهو الذي لم يختلف في تسميته بها دون غيرها من ماء العنب، وأن غيرها من # PageV01P393 # الأشربة غير مسمى بهذا الاسم، لقوله: "والسكر من كل شراب". وقد دل أيضا ~~على أن المحرم من سائر الأشربة هو ما يحدث عنده السكر، لولا ذلك لما اقتصر ~~منها على السكر دون غيره، ولما فصل بينها وبين الخمر في جهة التحريم، ودل ~~أيضا على أن تحريم الخمر حكم مقصور عليها غير متعد إلى غيرها قياسا ولا ~~استدلالا; إذ علق حكم التحريم بعين الخمر دون معنى فيها سواها، وذلك ينفي ~~جواز القياس عليها; لأن كل أصل ساغ القياس عليه فليس الحكم المنصوص عليه ~~مقصورا عليه ولا متعلقا به بعينه، بل يكون الحكم منصوبا على بعض أوصافه مما ~~هو موجود في فروعه فيكون الحكم تابعا للوصف جاريا معه في معلولاته. # ومما يدل على أن سائر الأشربة المسكرة لا يتناولها اسم الخمر قوله صلى ~~الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عنه: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، ~~والعنبة". فقوله: "الخمر" اسم للجنس لدخول الألف، واللام عليه، فاستوعب به ~~جميع ما يسمى بهذا الاسم، فلم يبق شيء من الأشربة يسمى به إلا وقد استغرقه ~~ذلك، فانتفى بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين الشجرتين يسمى خمرا. ثم ~~نظرنا فيما يخرج منهما، هل جميع الخارج منهما مسمى باسم الخمر ms0541 أم لا؟ فلما ~~اتفق الجميع على أن كل ما يخرج منهما من الأشربة غير مسمى باسم الخمر; لأن ~~العصير والدبس، والخل ونحوه من هاتين الشجرتين ولا يسمى شيء منه خمرا، ~~علمنا أن مراده بعض الخارج من هاتين الشجرتين. وذلك البعض غير مذكور في ~~الخبر، فاحتجنا إلى الاستدلال على مراده من غيره في إثبات اسم الخمر للخارج ~~منهما، فسقط الاحتجاج به في تحريم جميع الخارج منهما وتسميته باسم الخمر. ~~ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن الخمر أحدهما، كقوله تعالى: {يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] ، {يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم} ~~[الأنعام: 130] والمراد أحدهما، فكذلك جائز أن يكون المراد في قوله: "الخمر ~~من هاتين الشجرتين" أحدهما; فإن كان المراد هما جميعا. فإن ظاهر اللفظ يدل ~~على أن المسمى بهذا الاسم هو أول شراب يصنع منهما; لأنه لما كان معلوما أنه ~~لم يرد بقوله: "من هاتين الشجرتين" بعض كل واحدة منهما; لاستحالة كون بعضها ~~خمرا، دل على أن المراد أول خارج منهما من الأشربة; لأن "من" يعتورها معان ~~في اللغة، منها التبعيض، ومنها الابتداء، كقولك: خرجت من الكوفة وهذا كتاب ~~من فلان وما جرى مجرى ذلك، فيكون معنى من في هذا الموضع على ابتداء ما يخرج ~~منهما، وذاك إنما يتناول العصير المشتد. والدبس السائل من النخل إذا اشتد، ~~ولذلك قال أصحابنا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا إنه على رطبها ~~وتمرها ودبسها; لأنهم حملوا من على ما ذكرنا من الابتداء. # PageV01P394 # قال أبو بكر: ويدل على ما ذكرنا من انتفاء اسم الخمر عن سائر الأشربة إلا ~~ما وصفنا، ما روي عن ابن عمر أنه قال: لقد حرمت الخمر يوم حرمت وما ~~بالمدينة يومئذ منها شيء وابن عمر رجل من أهل اللغة، ومعلوم أنه قد كان ~~بالمدينة السكر وسائر الأنبذة المتخذة من التمر; لأن تلك كانت أشربتهم; ~~ولذلك قال جابر بن عبد الله: نزل تحريم الخمر وما يشرب الناس يومئذ إلا ~~البسر، والتمر وقال أنس بن مالك: كنت ساقي عمومتي ms0542 من الأنصار حين نزل تحريم ~~الخمر، فكان شرابهم يومئذ الفضيخ، فلما سمعوا أراقوها. فلما نفى ابن عمر ~~اسم الخمر عن سائر الأشربة التي كانت بالمدينة، دل ذلك على أن الخمر عنده ~~كانت شراب العنب النيء المشتد، وأن ما سواها غير مسمى بهذا الاسم. ويدل ~~عليه أن العرب كانت تسمي الخمر سبيئة ولم تكن تسمي بذلك سائر الأشربة ~~المتخذة من تمر النخل; لأنها كانت تجلب إليها من غير بلادها; ولذلك قال ~~الأعشى: # وسبيئة مما يعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها # وتقول: سبأت الخمر، إذا شريتها; فنقلوا الاسم إلى المشري بعد أن كان ~~الأصل إنما هو بجلبها من موضع إلى موضع على عادتها في الاتساع في الكلام. ~~ويدل عليه أيضا قول أبي الأسود الدؤلي وهو رجل من أهل اللغة حجة فيما قال ~~منها فقال: # دع الخمر تشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا لمكانها # فإن لا تكنه أو يكنها فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها # فجعل غيرها من الأشربة أخا لها بقوله: "رأيت أخاها مغنيا لمكانها" ومعلوم ~~أنه لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها. ثم أكده بقوله: "فإن لا تكنه أو ~~يكنها فإنه أخوها" فأخبر أنها ليست هو. # فثبت بما ذكرنا من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ~~وأهل اللغة أن اسم الخمر مخصوص بما وصفنا ومقصور عليه دون غيره. # ويدل على ذلك أنا وجدنا بلوى أهل المدينة بشرب الأشربة المتخذة من التمر، ~~والبسر كانت أعم منها بالخمر، وإنما كانت بلواهم بالخمر خاصة قليلة لقلتها ~~عندهم، فلما عرف الكل من الصحابة تحريم الني المشتد واختلفوا فيما سواها. ~~وروي عن عظماء الصحابة مثل عمر وعبد الله وأبي ذر وغيرهم شرب النبيذ ~~الشديد، وكذلك سائر التابعين ومن بعدهم من أخلافهم من الفقهاء من أهل ~~العراق لا يعرفون تحريم هذه الأشربة ولا يسمونها باسم الخمر، بل ينفونه ~~عنها، دل ذلك على معنيين: أحدهما أن اسم الخمر لا # PageV01P395 # يقع عليها ولا يتناولها; لأن الجميع متفقون على ذم شارب الخمر وأن جميعها ~~محرم ms0543 محظور، والثاني: أن النبيذ غير محرم; لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمه ~~كمعرفتهم بتحريم الخمر; إذ كانت الحاجة إلى معرفة تحريمها أمس منها إلى ~~معرفة تحريم الخمر لعموم بلواهم بها دونها، وما عمت البلوى من الأحكام ~~فسبيل وروده نقل التواتر الموجب للعلم، والعمل، وفي ذلك دليل على أن تحريم ~~الخمر لم يعقل به تحريم هذه الأشربة ولا عقل الخمر اسما لها. # واحتج من زعم أن سائر الأشربة التي يسكر كثيرها خمر بما روي عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر" وبما روي عن الشعبي عن ~~النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الخمر من خمسة ~~أشياء: التمر، والعنب، والحنطة، والشعير، والعسل"، وروي عن عمر من قوله ~~نحوه. وبما روي عن عمر: "الخمر ما خامر العقل"، وبما روي عن طاوس عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مخمر خمر وكل مسكر حرام"، وبما ~~روي عن أنس قال: كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبي طلحة وما كان ~~خمرنا يومئذ إلا الفضيخ، فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الأواني وكسروها. ~~وقالوا: فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشربة خمرا، وكذلك عمر ~~وأنس، وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم الفضيخ وهو نقيع البسر; ولذلك ~~أراقوها وكسروا الأواني، ولا تخلو هذه التسمية من أن تكون واقعة على هذه ~~الأشربة من جهة اللغة أو الشرع، وأيهما كان فحجته ثابتة، والتسمية صحيحة، ~~فثبت بذلك أن ما أسكر من الأشربة كثيره فهو خمر وهو محرم بتحريم الله إياها ~~من طريق اللفظ. # والجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أن الأسماء على ضربين ضرب سمي به الشيء ~~حقيقة لنفسه وعبارة عن معناه، والضرب الآخر ما سمي به الشيء مجازا، فأما ~~الضرب الأول فواجب استعماله حيثما وجد. وأما الضرب الآخر فإنما يجب ~~استعماله عند قيام الدلالة عليه; نظير الضرب الأول قوله تعالى: {يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ms0544 والله عليم حكيم والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} ~~[النساء: 26 – 27] فأطلق لفظ الإرادة في هذه المواضع حقيقة. ونظير الضرب ~~الثاني قوله: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] فإطلاق لفظ ~~الإرادة في هذا الموضع مجاز لا حقيقة، ونحو قوله: {إنما الخمر والميسر} ~~[المائدة: 90] فاسم الخمر في هذا الموضع حقيقة فيما أطلق فيه. وقال في موضع ~~آخر: {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] فأطلق اسم الخمر في هذا الموضع ~~مجازا; لأنه إنما يعصر العنب لا الخمر. ونحو قوله: {ربنا أخرجنا من هذه # PageV01P396 # القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] فاسم القرية فيها حقيقة، وإنما أراد ~~البنيان. ثم قوله: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] مجاز; لأنه لم ~~يرد بها ما وضع اللفظ له حقيقة، وإنما أراد أهلها. وتنفصل الحقيقة من ~~المجاز بأن ما لزم مسمياته فلم ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه، وما جاز ~~انتفاؤه عن مسمياته فهو مجاز، ألا ترى أنك إذا قلت: إنه ليس للحائط إرادة ~~كنت صادقا ولو قال: إن الله لا يريد شيئا، والإنسان العاقل ليست له إرادة ~~كان مبطلا في قوله؟ وكذلك جائز أن تقول: إن العصير ليس بخمر وغير جائز أن ~~يقال: إن الني المشتد من ماء العنب ليس بخمر ونظائر ذلك كثيرة في اللغة، ~~والشرع. والأسماء الشرعية في معنى أسماء المجاز لا تتعدى بها مواضعها التي ~~سميت بها، فلما وجدنا اسم الخمر قد ينتفي عن سائر الأشربة سوى الني المشتد ~~من ماء العنب، علمنا أنها ليست بخمر في الحقيقة. # والدليل على جواز انتفاء اسم الخمر عما وصفنا حديث أبي سعيد الخدري قال: ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال: "أشربت خمرا؟ " فقال: والله ~~ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال: فماذا شربت؟ قال: شربت الخليطين; ~~فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين يومئذ. فنفى اسم الخمر عن ~~الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عليه ولم ينكره، فدل ذلك ~~على أنه ليس بخمر، وقال ابن عمر: ms0545 حرمت الخمر وما بالمدينة يومئذ منها شيء ~~فنفى اسم الخمر عن أشربة تمر النخل مع وجودها عندهم يومئذ. ويدل عليه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "الخمر من هاتين الشجرتين" وهو أصح إسنادا من ~~الأخبار التي ذكر فيها أن الخمر من خمسة أشياء; فنفى بذلك أن يكون ما خرج ~~من غيرهما خمرا، إذ كان قوله: "الخمر من هاتين الشجرتين" اسما للجنس ~~مستوعبا لجميع ما يسمى بهذا الاسم; فهذا الخبر معارض ما روي من أن الخمر من ~~خمسة أشياء، وهو أصح إسنادا منه. ويدل عليه أنه لا خلاف أن مستحل الخمر ~~كافر وأن مستحل هذه الأشربة لا تلحقه سمة الفسق، فكيف بأن يكون كافرا فدل ~~ذلك على أنها ليست بخمر في الحقيقة. ويدل عليه أن خل هذه الأشربة لا يسمى ~~خل خمر، وأن خل الخمر هو الخل المستحيل من ماء العنب الني المشتد. فإذا ثبت ~~بما ذكرنا انتفاء اسم الخمر عن هذه الأشربة، ثبت أنه ليس باسم لها في ~~الحقيقة، وأنه إن ثبت تسميتها باسم الخمر في حال فهو على جهة التشبيه بها ~~عند وجود السكر منها، فلم يجز أن يتناولها إطلاق تحريم الخمر لما وصفنا من ~~أن أسماء المجاز لا يجوز دخولها تحت إطلاق أسماء الحقائق; فينبغي أن يكون ~~قوله "الخمر من خمسة أشياء" محمولا على الحال التي يتولد منها السكر، ~~فسماها باسم الخمر في تلك الحال; لأنها قد عملت عمل الخمر في توليد السكر ~~واستحقاق الحد. ويدل عليه أن هذه التسمية إنما # PageV01P397 # تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر: الخمر ما خامر العقل وقليل النبيذ ~~لا يخامر العقل; لأن ما خامر العقل هو ما غطاه، وليس ذلك بموجود في قليل ما ~~أسكر كثيره من هذه الأشربة. وإذا ثبت بما وصفنا أن اسم الخمر مجاز في هذه ~~الأشربة، فلا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه، فلا يجوز أن ينطوي تحت ~~إطلاق تحريم الخمر; ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى فرسا لأبي طلحة ~~ركبه لفزع كان بالمدينة ms0546 فقال: وجدناه بحرا فسمى الفرس بحرا; إذ كان جوادا ~~واسع الخطو؟ ولا يعقل بإطلاق اسم البحر على الفرس الجواد. وقال النابغة ~~للنعمان بن المنذر: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك. فصح بما وصفنا أن اسم ~~الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا، وأنه مخصوص بماء العنب الني ~~المشتد حقيقة، وإنما يسمى به غيرها مجازا والله أعلم. # PageV01P398 # باب تحريم الميسر # قال الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} قال أبو ~~بكر: دلالته على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه. ويقال: إن اسم ~~الميسر في أصل اللغة إنما هو للتجزئة، وكل ما جزأته فقد يسرته; يقال ~~للجازر: الياسر; لأنه يجزئ الجزور، والميسر الجزور نفسه إذا تجزى. وكانوا ~~ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم في ذلك، ~~فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء ~~القداح; فسمي على هذا سائر ضروب القمار ميسرا. وقال ابن عباس وقتادة ~~ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد: الميسر القمار، وقال عطاء وطاوس ~~ومجاهد: حتى لعب الصبيان بالكعاب، والجوز. وروي عن علي بن زيد عن القاسم عن ~~أبي أمامة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا هذه ~~الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر" وروى سعيد بن أبي هند ~~عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله". وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل: إن أكلت ~~كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا، فارتفعا إلى علي فقال: هذا قمار; ولم يجزه. # ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار; قال ابن ~~عباس: إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال، ~~والزوجة، وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه. وقد خاطر أبو بكر ms0547 الصديق ~~المشركين حين نزلت: # PageV01P398 # {الم غلبت الروم} [الروم: 1 -2] وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "زد ~~في الخطر وأبعد في الأجل" ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار. ولا خلاف في حظره ~~إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب، والإبل، والنصال إذا كان ~~الذي يستحق واحدا إن سبق ولا يستحق الآخر إن سبق. وإن شرط أن من سبق منهما ~~أخذ ومن سبق أعطى فهذا باطل، فإن أدخلا بينهما رجلا إن سبق استحق، وإن سبق ~~لم يعط فهذا جائز، وهذا الدخيل الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم محللا. ~~وقد روى أبو هريرة عن النبي: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل". وروى ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سابق بين الخيل". وإنما خص ذلك; لأن ~~فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على الركض، وفيه استظهار وقوة على العدو، قال ~~الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} روي أنها الرمي {ومن رباط ~~الخيل} [الأنفال: 60] ، فظاهر قوله: {ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] يقتضي ~~جواز السبق بها لما فيه من القوة على العدو، وكذلك الرمي. # وما ذكره الله تعالى من تحريم الميسر وهو القمار يوجب تحريم القرعة في ~~العبيد يعتقهم المريض ثم يموت; لما فيه من القمار وإحقاق بعض، وإنجاح بعض; ~~وهذا هو معنى القمار بعينه. وليست القرعة في القسمة كذلك; لأن كل واحد ~~يستوفي نصيبه لا يحقق واحد منهم; والله أعلم. # PageV01P399 # باب التصرف في مال اليتيم # قال الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم} . قال أبو بكر: اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من ~~الأم مع بقاء الأب، وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم; إلا أن الأظهر ~~عند الإطلاق هو اليتيم من الأب، وإن كانت الأم باقية، ولا يكاد يوجد ~~الإطلاق في اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا. وكذلك سائر ما ذكر الله من ~~أحكام الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار، ولا يطلق ms0548 ذلك ~~عليهم بعد البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتم. والدليل على أن ~~اليتيم اسم للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت ~~كبيرة، أو صغيرة; قال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها; قال الشاعر يصف ناقته: # قوداء يملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب # يعني الرابية. ويقال: درة يتيمة; لأنها مفردة لا نظير لها. وكتاب لابن ~~المقفع في # PageV01P399 # مدح أبي العباس السفاح واختلاف مذاهب الخوارج وغيرهم يسمى اليتيمة; قال ~~أبو تمام: # وكثير عزة يوم بين ينسب ... وابن المقفع في اليتيمة يسهب # وإذا كان اليتيم اسما للانفراد كان شاملا لمن فقد أحد أبويه صغيرا، أو ~~كبيرا، إلا أن الإطلاق إنما يتناول ما ذكرنا من فقد الأب في حال الصغر. ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ~~ابن عباس في قوله عز وجل: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} قال: إن ~~الله تعالى لما أنزل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] كره المسلمون أن يضموا اليتامى ~~إليهم وتحرجوا أن يخالطوهم وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فأنزل ~~الله: {ويسألونك عن اليتامى} إلى قوله: {ولو شاء الله لاعنتكم} ، قال: لو ~~شاء الله لأحرجكم وضيق عليكم، ولكنه وسع ويسر فقال: {ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] . وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة"، ويروى ذلك موقوفا ~~على عمر وعن عمر وعائشة وابن عمر وشريح وجماعة من التابعين: "دفع مال ~~اليتيم مضاربة، والتجارة به". # وقد حوت هذه الآية ضروبا من الأحكام، أحدها قوله: {قل إصلاح لهم خير} فيه ~~الدلالة على جواز خلط ماله بماله، وجواز التصرف فيه بالبيع، والشرى إذا كان ~~ذلك صلاحا، وجواز دفعه مضاربة إلى غيره، وجواز أن ms0549 يعمل ولي اليتيم مضاربة ~~أيضا. وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث; لأن الإصلاح الذي ~~تضمنته الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن; ويدل على أن لولي ~~اليتيم أن يشتري من ماله لنفسه إذا كان خيرا لليتيم وذلك بأن ما يأخذه ~~اليتيم أكثر قيمة مما يخرج عن ملكه، وهو قول أبي حنيفة; ويبيع أيضا من مال ~~نفسه لليتيم; لأن ذلك من الإصلاح له. ويدل أيضا على أن له تزويج اليتيم إذا ~~كان ذلك من الإصلاح، وذلك عندنا فيمن كان ذا نسب منه دون الوصي الذي لا نسب ~~بينه وبينه; لأن الوصية نفسها لا يستحق بها الولاية في التزويج، ولكنه قد ~~اقتضى ظاهره أن للقاضي أن يزوجه ويتصرف في ماله على وجه الإصلاح. ويدل على ~~أن له أن يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين، والأدب ويستأجر له على ذلك ~~وأن يؤاجره ممن يعلمه الصناعات، والتجارات ونحوها; لأن جميع ذلك قد يقع على ~~وجه الإصلاح; ولذلك قال أصحابنا: إن كل من كان اليتيم في حجره من ذوي # PageV01P400 # الرحم لمحرم فله أن يؤاجره ليعلم الصناعات. وقال محمد: له أن ينفق عليه ~~من ماله. وقالوا إنه إذا وهب لليتيم مال فلمن هو في حجره أن يقبضه له لما ~~له فيه من الصلاح. فظاهر الآية قد اقتضى جميع ذلك كله. # وقوله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} إنما عني بالمضمرين في ~~قوله: {ويسألونك} القوام على الأيتام الكافلين لهم، وذلك ينتظم كل ذي رحم ~~محرم; لأن له إمساك اليتيم وحفظه وحياطته وحضانته. وقد انتظم قوله: {قل ~~إصلاح لهم خير} سائر الوجوه التي ذكرنا من التصرف في ماله على وجه الإصلاح، ~~والتزويج، والتقويم، والتأديب. # وقوله: {خير} قد دل على معان: منها إباحة التصرف على اليتامى من الوجوه ~~التي ذكرنا، ومنها أن ذلك مما يستحق به الثواب; لأنه سماه خيرا وما كان ~~خيرا فإنه يستحق به الثواب. ومنها أنه لم يوجبه وإنما وعد به الثواب، فدل ~~على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ms0550 ماله بالتجارة ولا هو مجبر على تزويجه; ~~لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد. # وقوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} فيه إباحة خلط ماله بماله، والتجارة، ~~والتصرف فيه، ويدل على أنه له أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر، والمناكحة ~~وأن يزوجه بنته، أو يزوج اليتيمة بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه ~~وعياله واختلط هو بهم فقد انتظم قوله: {وإن تخالطوهم} إباحة خلط ماله ~~بماله، والتصرف فيه وجواز تزويجه بعض ولده ومن يلي عليه، فيكون قد خلطه ~~بنفسه. والدليل على أن اسم المخالطة يتناول جميع ذلك قولهم: فلان خليط فلان ~~إذا كان شريكا، وإذا كان يعامله ويبايعه ويشاريه ويداينه، وإن لم يكن ~~شريكا. وكذلك يقال: قد اختلط فلان بفلان إذا صاهره وذلك كله مأخوذ من ~~الخلطة التي هي الاشتراك في الحقوق من غير تمييز بعضهم من بعض فيها. وهذه ~~المخالطة معقودة بشريطة الإصلاح من وجهين: أحدهما: تقديمه ذكر الإصلاح فيما ~~أجاب به من أمر اليتامى، والثاني: قوله عقيب ذكر المخالطة: {والله يعلم ~~المفسد من المصلح} . # وإذا كانت الآية قد انتظمت جواز خلطه مال اليتيم بماله في مقدار ما يغلب ~~في ظنه أن اليتيم يأكله على ما روي عن ابن عباس فقد دل على جواز المناهدة ~~التي يفعلها الناس في # PageV01P401 # الأسفار فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه وقد يختلف ~~أكل الناس، فإذا كان الله قد أباح في أموال الأيتام فهو في مال العقلاء ~~البالغين بطيبة أنفسهم أجوز; ونظيره في تجويزه المناهدة قوله تعالى في قصة ~~أهل الكهف: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما} ~~[الكهف: 19] فكان الورق لهم جميعا لقوله: بورقكم فأضافه إلى الجماعة وأمره ~~بالشراء ليأكلوا جميعا منه. # وقوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} قد دل على ما ذكرنا من جواز المشاركة، ~~والخلطة، على أنه يستحق الثواب بما يتحرى فيه الإصلاح من ذلك; لأن قوله: ~~{فإخوانكم} قد دل على ذلك; إذ هو مندوب إلى معونة أخيه وتحري مصالحه لقوله ~~تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} ms0551 [الحجرات: 10] وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" فقد ~~انتظم قوله: {فإخوانكم} الدلالة على الندب، والإرشاد واستحقاق الثواب بما ~~يليه منه. # وقوله: {ولو شاء الله لاعنتكم} يعني به لضيق عليكم في التكليف فيمنعكم من ~~مخالطة الأيتام، والتصرف لهم في أموالهم، ولأمركم بإفراد أموالكم عن ~~أموالهم، أو لأمركم على جهة الإيجاب بالتصرف لهم وطلب الأرباح بالتجارات ~~لهم; ولكنه وسع ويسر وأباح لكم التصرف لهم على وجه الإصلاح ووعدكم الثواب ~~عليه ولم يلزمكم ذلك على جهة الإيجاب فيضيق عليكم، تذكيرا بنعمه وإعلاما ~~منه اليسر، والصلاح لعباده. # وقوله: {فإخوانكم} يدل على أن أطفال المؤمنين هم مؤمنون في الأحكام; لأن ~~الله تعالى سماهم إخوانا لنا، والله تعالى قد قال: {إنما المؤمنون إخوة} ~~[الحجرات: 10] . والله تعالى أعلم. # PageV01P402 # باب نكاح المشركات # قال الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ~~عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: ثم استثنى أهل الكتاب فقال: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا ~~متخذي أخدان} [المائدة: 5] ، قال: عفائف غير زوان. فأخبر ابن عباس أن قوله: ~~{ولا تنكحوا # PageV01P402 # المشركات حتى يؤمن} مرتب على قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} [المائدة: 5] وأن الكتابيات مستثنيات منهن. وروي عن ابن عمر أنها ~~عامة في الكتابيات وغيرهن; حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن نافع ~~عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب وكره نكاح نسائهم. قال ~~أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال: حدثنا نافع عن ابن عمر، ~~أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية، والنصرانية قال: إن الله حرم المشركات ms0552 ~~على المسلمين قال: فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو قال: أعظم من أن تقول: ~~ربها عيسى، أو عبد من عبيد الله. فكرهه في الحديث الأول ولم يذكر التحريم، ~~وتلا في الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء، وإنما أخبر أن مذهب ~~النصارى شرك. قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا علي بن سعيد عن أبي المليح ~~عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب ~~فننكح نساءهم ونأكل طعامهم؟ قال: فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم، قال: ~~إني أقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم، قال: فأعاد علي آية التحليل ~~وآية التحريم. قال أبو بكر: عدوله بالجواب بالإباحة، والحظر إلى تلاوة ~~الآية دليل على أنه كان واقفا في الحكم غير قاطع فيه بشيء، وما ذكر عنه من ~~الكراهة يدل على أنه ليس على وجه التحريم كما يكره تزوج نساء أهل الحرب من ~~الكتابيات لا على وجه التحريم. # وقد روي عن جماعة من الصحابة، والتابعين إباحة نكاح الكتابيات; حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو ~~عبيد قال: حدثني سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن عمر ~~مولى عفرة قال: سمعت عبد الله بن علي بن السائب يقول: إن عثمان تزوج نائلة ~~بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه; وبهذا الإسناد من غير ذكر ~~نافع: أن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام. وروي عن حذيفة أيضا ~~أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ ~~فكتب إليه عمر: لا، ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن. وروي عن جماعة من ~~التابعين إباحة تزويج الكتابيات، منهم الحسن وإبراهيم والشعبي; ولا نعلم عن ~~أحد من الصحابة، والتابعين تحريم نكاحهن، وما روي عن ابن عمر فيه فلا دلالة ~~فيه على أنه رآه محرما وإنما فيه عنه الكراهة، كما روي كراهة عمر لحذيفة ~~تزويج الكتابية من غير تحريم. وقد تزوج عثمان ms0553 وطلحة وحذيفة الكتابيات، ولو ~~كان ذلك محرما عند الصحابة لظهر منهم نكير، أو خلاف، وفي ذلك دليل على ~~اتفاقهم على جوازه. # PageV01P403 # وقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} غير موجب لتحريم الكتابيات من ~~وجهين; أحدهما: أن ظاهر لفظ المشركات إنما يتناول عبدة الأوثان منهم عند ~~الإطلاق ولا يدخل فيه الكتابيات إلا بدلالة، ألا ترى إلى قوله: {ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} ~~[البقرة: 105] وقال: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} ~~[البينة: 1] ففرق بينهم في اللفظ. وظاهره يقتضي أن المعطوف غير المعطوف ~~عليه إلا أن تقوم الدلالة على شمول الاسم للجميع، وأنه أفرد بالذكر لضرب من ~~التعظيم، أو التأكيد كقوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال} [البقرة: 98] فأفردهما بالذكر تعظيما لشأنهما مع كونهما من جملة ~~الملائكة. إلا أن الأظهر أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة ~~على أنه من جنسه، فاقتضى عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم، ~~وأن يكون التحريم مقصورا على عبدة الأوثان من المشركين. والوجه الآخر: أنه ~~لو كان عموما في الجميع، لوجب أن يكون مرتبا على قوله: {والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وأن لا تنسخ إحداهما بالأخرى ما أمكن ~~استعمالهما. # فإن قيل: قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ~~إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب، كقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم} [آل عمران: 199] : {من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] . قيل له: ~~هذا خلف من القول دال على غباوة قائله، والمحتج به، وذلك من وجهين: أحدهما: ~~أن هذا الاسم إذا أطلق فإنما يتناول الكفار منهم، كقوله {من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] وقوله: {ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ ~~المطلقة، فإنما يتناول اليهود، والنصارى، ms0554 ولا يعقل به من كان من أهل الكتاب ~~فأسلم إلا بتقييد ذكر الإيمان، ألا ترى أن الله تعالى لما أراد به من أسلم ~~منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال: {ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة} [آل عمران: 113] {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم} [آل عمران: 199] ، والوجه الآخر: أنه ذكر في الآية المؤمنات، ~~وقد انتظم ذكر المؤمنات اللاتي كن من أهل الكتاب فأسلمن ومن كن مؤمنات في ~~الأصل; لأنه قال: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} [المائدة: 5] فكيف يجوز أن يكون مراده بالمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن وربما احتج بعض القائلين بهذه المقالة ~~بما روي عن علي بن أبي طلحة # PageV01P404 # قال: أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل الكتاب، فسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنهاه وقال: "إنها لا تحصنك" قال: فظاهر النهي يقتضي ~~الفساد. فيقال: إن هذا حديث مقطوع من هذا الطريق ولا يجوز الاعتراض بمثله ~~على ظاهر القرآن في إيجاب نسخه ولا تخصيصه، وإن ثبت فجائز أن يكون على وجه ~~الكراهية، كما روي عن عمر من كراهته لحذيفة تزويج اليهودية لا على وجه ~~التحريم; ويدل عليه قوله: "إنها لا تحصنك" ونفي التحصين غير موجب لفساد ~~النكاح; لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك الأمة ويجوز نكاحهما. # وقد اختلف في تزويج الكتابية الحربية، فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عباد بن ~~العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: لا تحل نساء ~~أهل الكتاب إذا كانوا حربا قال: وتلا هذه الآية: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال الحكم: ~~فحدثت به إبراهيم فأعجبه. وقال أبو بكر: يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على ~~وجه الكراهية، وأصحابنا يكرهونه من غير تحريم; وقد روي عن علي أنه كره نساء ms0555 ~~أهل الحرب من أهل الكتاب. وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} [المائدة: 5] لم يفرق فيه بين الحربيات، والذميات; وغير جائز ~~تخصيصه بغير دلالة. وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده، ولو كان وجوب ~~القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي ~~لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] . ~~فبان بما وصفنا أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح، وأن ما كرهه ~~أصحابنا لقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ~~[المجادلة: 22] ، والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى: {وجعل بينكم مودة ~~ورحمة} [الروم: 21] فلما أخبر أن النكاح سبب المودة، والرحمة ونهانا عن ~~موادة أهل الحرب، كرهوا ذلك. وقوله: {يوادون من حاد الله ورسوله} ~~[المجادلة: 22] إنما هو في أهل الحرب دون أهل الذمة; لأنه لفظ مشتق من ~~كونهم في حد ونحن في حد، وكذلك المشاقة وهو أن يكونوا في شق ونحن في شق، ~~وهذه صفة أهل الحرب دون أهل الذمة فلذلك كرهوه. ومن جهة أخرى وهو أن ولده ~~ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها، وذلك منهي عنه، قال صلى الله عليه ~~وسلم: "أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين" وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"أنا بريء من كل مسلم مع مشرك". # PageV01P405 # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] مخصصا لقوله: {والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] قاصرا لحكمه على الذميات ~~منهن دون الحربيات؟ قيل له: الآية إنما اقتضت النهي عن الوداد، والتحاب، ~~فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية، وإن كان قد يصير سببا للموادة، ~~والتحاب، فنفس العقد ليس هو الموادة، والتحاب إلا أنه يؤدي إلى ذلك ~~فاستحسنوا له غيرهن. # فإن قيل: لما قال عقيب تحريم ms0556 نكاح المشركات: {أولئك يدعون إلى النار} دل ~~على أنه لهذه العلة حرم نكاحهن، وذلك موجود في نكاح الكتابيات الذميات، ~~والحربيات منهن، فوجب تحريم نكاحهن لهذه العلة كتحريم نكاح المشركات. قيل ~~له: معلوم أن هذه ليست علة موجبة لتحريم النكاح; لأنها لو كانت كذلك لكان ~~غير جائز إباحتهن بحال، فلما وجدنا نكاح المشركات قد كان مباحا في أول ~~الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى ~~النار. دل على أن هذا المعنى ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح; وقد كانت امرأة ~~نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من أنبياء الله تعالى، قال الله تعالى: ~~{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين} [التحريم: 10] فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهما، فثبت ~~بذلك أن الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح; وإن كان الله تعالى قد قال في ~~سياق تحريم المشركات: {أولئك يدعون إلى النار} فجعله علما لبطلان نكاحهن، ~~وما كان كذلك من المعاني التي تجري مجرى العلل الشرعية، فليس فيه تأكيد ~~فيما يتعلق به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصه كتخصيص الاسم. وإذا كان قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] يجوز به تخصيص التحريم ~~الذي علق بالاسم، جاز أيضا تخصيص الحكم المنصوب على المعنى الذي أجري مجرى ~~العلل الشرعية، ونظير ذلك قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله} [المائدة: 91] فذكر ما يحدث ~~عن شرب الخمر من هذه الأمور المحظورة وأجراها مجرى العلة; وليس بواجب ~~إجراؤها في معلولاتها لأنه لو كان كذلك لوجب أن يحرم سائر البياعات ~~والمناكحات وعقود المداينات لإرادة الشيطان إيقاع العداوة والبغضاء بيننا ~~في سائرها وأن يصدنا بها عن ذكر الله، فلما لم يجب اعتبار المعنى في سائر ~~ما وجد فيه بل كان مقصور الحكم على المذكور دون غيره كان كذلك حكم سائر # PageV01P406 # العلل الشرعية المنصوص عليها ms0557 منها والمقتضية والمستدل عليها، وهذا مما ~~يستدل به على تخصيص العلل الشرعية، فوجب بما وصفنا أن يكون حكم التحريم ~~مقصورا فيما وصفنا على المشركات منهن دون غيرهن، ويكون ذكر دعائهم إيانا ~~إلى النار تأكيدا للحظر في المشركات غير متعد به إلى سواهن; لأن الشرك ~~والدعاء إلى النار هما علما تحريم النكاح وذلك غير موجود في الكتابيات. وقد ~~قيل إن ذلك في مشركي العرب المحاربين كانوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين، فنهوا عن نكاحهن لئلا يمكن بهم إلى مودة أهاليهن من المشركين ~~فيؤدي ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة الموادين الذين أمرنا ~~بترك قتالهم. إلا أنه إن كان كذلك فهو يوجب تحريم نكاح الكتابيات الحربيات ~~لوجود هذا المعنى، ولا نجد بدا من الرجوع إلى حكم معلول هذه العلة بما ~~قدمنا. # وقوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} يدل على جواز نكاح الأمة مع ~~وجود الطول إلى الحرة; لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة ~~بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها; وواجد الطول إلى ~~الحرة المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة، إذ لا فرق بينهما في العادة في ~~المهور، فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم} ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا ~~وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة، فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود ~~الطول إلى الحرة. ويدل من وجه آخر على ذلك، وهو أن النهي عن نكاح المشركات ~~عام في واجد الطول وغير واجده للغني والفقير منهم، ثم عقب ذلك بقوله: ~~{ولأمة مؤمنة خير من مشركة} فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة، فكان ~~عموما في الغني والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين. # PageV01P407 # باب الحيض # قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} ~~والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه، ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقيل ~~والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة. ولكن في فحوى ms0558 اللفظ ما يدل على ~~أن المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض، لأن الجواب ورد بقوله: {هو أذى} ~~وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. وكانت مسألة القوم عن حكمه وما ~~يجب عليهم فيه، وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا ~~يجتنبون مؤاكلة # PageV01P407 # النساء ومشاربتهن ومجالستهن في حال الحيض، فأرادوا أن يعلموا حكمه في ~~الإسلام، فأجابهم الله بقوله هذا: {هو أذى} يعني أنه نجس وقذر. ووصفه له ~~بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه; لأنهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب ~~النجاسات، فأطلق فيه لفظا عقلوا منه الأمر بتجنبه. ويدل على أن الأذى اسم ~~يقع على النجاسات قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب نعل أحدكم أذى ~~فليمسحها بالأرض وليصل فيها فإنه لها طهور" فسمى النجاسة أذى، وأيضا لما ~~كان معلوما أنه لم يرد بقوله: {قل هو أذى} الإخبار عن حاله في تأذي الإنسان ~~به; لأن ذلك لا فائدة فيه، علمنا أنه أراد الإخبار بنجاسته ولزوم اجتنابه، ~~وليس كل أذى نجاسة، قال الله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من ~~مطر} [النساء: 102] والمطر ليس بنجس، وقال: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] وإنما كان الأذى ~~المذكور في الآية عبارة عن النجاسة ومفيدا لكونه قذرا يجب اجتنابه، لدلالة ~~الخطاب عليه ومقتضى سؤال السائلين عنه. # وقد اختلف الفقهاء فيما يلزم اجتنابه من الحائض بعد اتفاقهم على أن له أن ~~يستمتع منها بما فوق المئزر، وورد به التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~روته عائشة وميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر نساءه وهن حيض ~~فوق الإزار. واتفقوا أيضا على أن عليه اجتناب الفرج منها، واختلفوا في ~~الاستمتاع منها بما تحت الإزار بعد أن يجتنب شعار الدم; فروي عن عائشة وأم ~~سلمة: أن له أن يطأها فيما دون الفرج وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن، ~~وقالا: يجتنب موضع الدم وروي مثله عن الحسن والشعبي وسعيد بن المسيب ms0559 ~~والضحاك. وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس: أن له منها ما فوق الإزار وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف والأوزاعي ومالك والشافعي. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} قد انتظم الدلالة من وجهين على حظر ما تحت الإزار: أحدهما: قوله: ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض} ظاهره يقتضي لزوم اجتنابها فيما تحت المئزر ~~وفوقه، فلما اتفقوا على إباحة الاستمتاع منها بما فوقه سلمناه للدلالة، ~~وحكم الحظر قائم فيما دونه; إذ لم تقم الدلالة عليه. والوجه الآخر قوله: ~~{ولا تقربوهن} وذلك في حكم اللفظ الأول في الدلالة على مثل ما دل عليه، فلا ~~يخص منه عند الاختلاف إلا ما قامت الدلالة عليه. ويدل عليه أيضا من جهة ~~السنة حديث يزيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمير مولى عمر بن الخطاب: أن ~~نفرا من أهل العراق سألوا عمر عما يحل لزوج # PageV01P408 # الحائض منها وغير ذلك، فقال: سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "لك منها ما فوق الإزار وليس لك ما تحته". ويدل عليه أيضا حديث ~~الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا ~~كانت حائضا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزر في فور حيضها ثم ~~يباشرها، فأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك ~~إربه؟. وروى الشيباني أيضا عن عبد الله بن شداد عن ميمونة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنه مثله. # ومن أباح له ما دون المئزر احتج بحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن ~~اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت، ~~فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جامعوهن في البيوت واصنعوا كل ~~شيء إلا النكاح". وبما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ~~"ناوليني الخمرة" فقالت: إني حائض، فقال: "ليست حيضتك ms0560 في يدك" قالوا: وهذا ~~يدل على أن كل عضو منها ليس في الحيض حكمه حكم ما كان فيه قبل الحيض في ~~الطهارة وفي جواز الاستمتاع. والجواب عن ذلك لمن رأى حظر ما دون مئزرها، أن ~~قوله في حديث أنس إنما فيه ذكر سبب نزول الآية وما كانت اليهود تفعله، ~~فأخبر عن مخالفتهم في ذلك، وأنه ليس علينا إخراجها من البيت وترك مجالستها. ~~وقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" جائز أن يكون المراد به الجماع فيما دون ~~الفرج لأنه ضرب من النكاح والمجامعة، وحديث عمر الذي ذكرناه قاض عليه متأخر ~~عنه، والدليل على ذلك أن في حديث أنس إخبارا عن حال نزول الآية، وحديث عمر ~~بعد ذلك; لأنه لم يخبر عن حال نزول الآية، وقد أخبر فيه أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عما يحل من الحائض، وذلك لا محالة بعد حديث أنس من وجهين: ~~أحدهما: أنه لم يسأل عما يحل منها إلا، وقد تقدم تحريم إتيان الحائض. ~~والثاني: أنه لو كان السؤال في حال نزول الآية عقيبها لاكتفى بما ذكره أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". وفي ذلك ~~دليل على أن سؤال عمر كان بعد ذلك. ومن جهة أخرى أنه لو تعارض حديث عمر ~~وحديث أنس لكان حديث عمر أولى بالاستعمال لما فيه من حظر الجماع فيما دون ~~الفرج، وفي ظاهر حديث أنس الإباحة، والحظر والإباحة إذا اجتمعا فالحظر ~~أولى. ومن جهة أخرى، وهو أن خبر عمر يعضده ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} ، وخبر أنس يوجب ~~تخصيصه، وما يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصه. ومن جهة أخرى، وهو ~~أن خبر أنس مجمل عام ليس فيه بيان إباحة موضع بعينه، وخبر عمر مفسر فيه ~~بيان لحكم الموضعين مما تحت الإزار وما فوقه; والله أعلم. # PageV01P409 # باب بيان معنى الحيض ومقداره # قال أبو بكر: الحيض اسم لمقدار من الدم يتعلق به أحكام، منها: تحريم ms0561 ~~الصلاة والصوم وحظر الجماع وانقضاء العدة واجتناب دخول المسجد ومس المصحف ~~وقراءة القرآن، وتصير المرأة به بالغة. فإذا تعلق بوجود الدم هذه الأحكام ~~كان له مقدار ما سمي حيضا، وإذا لم يتعلق به هذه الأحكام لم يسم حيضا، ألا ~~ترى أن الحائض ترى الدم في أيامها وبعد أيامها على هيئة واحدة فيكون ما في ~~أيامها منه حيضا لتعلق هذه الأحكام به مع وجوده، وما بعد أيامها فليس بحيض ~~لفقد هذه الأحكام مع وجوده؟ وكذلك نقول في الحامل: إنها لا تحيض، وهي قد ~~ترى الدم، ولكن ذلك الدم لما لم يتعلق به ما ذكرنا من الأحكام لم يسم حيضا، ~~فالمستحاضة قد ترى الدم السائل دهرا، ولا يكون حيضا، وإن كان كهيئة الدم ~~الذي يكون مثله حيضا إذا رأته في أيامها فالحيض اسم لدم يفيد في الشرع تعلق ~~هذه الأحكام به إذا كان له مقدار ما; والنفاس والحيض فيما يتعلق بهما من ~~تحريم الصلاة والصوم وجماع الزوج واجتناب ما يجتنبه الحائض سواء، وإنما ~~يختلفان من وجهين: أحدهما: أن مقدار مدة الحيض ليس هو مقدار مدة النفاس، ~~والثاني: أن النفاس لا تأثير له في انقضاء العدة ولا في البلوغ. وكان أبو ~~الحسن يحد الحيض بأنه الدم الخارج من الرحم الذي تكون به المرأة بالغة في ~~ابتدائه بها، وما تعتاده النساء في الوقت بعد الوقت. وإنما أراد بذلك عندنا ~~أن تكون بالغة في ابتدائه بها إذا لم يكن قد تقدم بلوغها قبل ذلك من جهة ~~السن أو الاحتلام أو الإنزال عند الجماع، فأما إذا تقدم بلوغها قبل ذلك بما ~~وصفنا ثم رأت دما، فهو حيض إذا رأته مقدار مدة الحيض وإن لم تصر بالغة في ~~ابتدائه بها. # وقد اختلف الفقهاء في مقدار مدة الحيض، فقال أصحابنا: أقل مدة الحيض ~~ثلاثة أيام وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري، وهو المشهور عن أصحابنا ~~جميعا. وقد روي عن أبي يوسف ومحمد: إذا كان يومين وأكثر اليوم الثالث فهو ~~حيض والمشهور عن محمد مثل قول أبي حنيفة. وقال ms0562 مالك: لا وقت لقليل الحيض، ~~ولا لكثيره. وحكى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك أنه كان يرى أن أكثر الحيض ~~خمسة عشر يوما; حدثنا عبد الله بن جعفر بن فارس قال: حدثنا هارون بن سليمان ~~الجزار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بذلك. وقال الشافعي: أقل الحيض يوم ~~وليلة وأكثره خمسة عشر يوما. وروى عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن ~~علي بن ثابت، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير قال: الحيض إلى ثلاثة عشر، ~~فإذا زادت فهي استحاضة. وقال عطاء: إذا زادت على خمسة عشر فهي استحاضة. وقد ~~كان # PageV01P410 # أبو حنيفة يقول بقول عطاء: إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر. ثم ~~رجع عنه إلى ما ذكرنا. # ومما يحتج به للقائلين بأن أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة، حديث القاسم عن ~~أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره ~~عشرة" فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد. ويدل عليه أيضا حديث عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك أنهما قالا: الحيض ثلاثة أيام، أربعة أيام، ~~إلى عشرة أيام، وما زاد فهو استحاضة. ويدل ذلك على ما وصفنا من وجهين: ~~أحدهما: أن القول إذا ظهر عن جماعة من الصحابة واستفاض، ولم يوجد له منهم ~~مخالف فهو إجماع وحجة على من بعدهم; وقد روي ما وصفنا عن هذين الصحابيين من ~~غير خلاف ظهر من نظرائهم عليهم، فثبتت حجته. والثاني: أن هذا الضرب من ~~المقادير التي هي حقوق الله تعالى، وعبادات محضة طريق إثباتها التوقيف أو ~~الاتفاق، مثل أعداد ركعات الصلوات المفروضات وصيام رمضان ومقادير الحدود ~~وفرائض الإبل في الصدقات، ومثله مقدار مدة الحيض والطهر، ومنه مقدار المهر ~~الذي هو مشروط في عقد النكاح والقعود قدر التشهد في آخر الصلاة، فمتى روي ~~عن صحابي فيما كان هذا وصفه قول في تحديد شيء من ذلك وإثبات مقداره فهو ~~عندنا توقيف; إذ لا سبيل إلى إثباته من طريق المقاييس. # فإن قيل: ليس ms0563 يمتنع أن يكون مقدار الحيض معتبرا بعادات النساء، فيجب ~~الرجوع إليها فيه; ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: ~~"تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر" فردها إلى ~~العادة وأثبتها ستا أو سبعا. فجائز على هذا أن يكون قول من قال بالعشرة في ~~أكثره وبالثلاث في أقله إنما صدر عن العادة عنده. قيل له: إنما الكلام ~~بيننا وبين مخالفينا في الأقل الذي لا نقص عنه، وفي الأكثر الذي لا يزاد ~~عليه، وقد اتفق الجميع على المذكور من العدد. وفي قصة حمنة هو ست أو سبع، ~~ليس بحد في ذلك، وأنه لا اعتبار به في إثبات التحديد; فسقط الاحتجاج به في ~~موضع الخلاف. وقوله لحمنة: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ~~في كل شهر" يصلح أن يكون دليلا مبتدأ لصحة قولنا، من قبل: أن قوله: "كما ~~تحيض النساء في كل شهر" لما كان مستوعبا لجنس النساء اقتضى أن يكون ذلك حكم ~~جميع النساء، وذلك ينفي أن يكون حيض امرأة أقل من ذلك; فلولا قيام دلالة ~~الإجماع على أن الحيض قد يكون ثلاثا لما جاز لأحد أن يجعل الحيض أقل من ست ~~أو سبع، فلما حصل الاتفاق على كون الثلاث حيضا خصصناه من عموم الخبر وبقي ~~حكم ما دون الثلاث منفيا بمقتضى الخبر، ويحتج بمثله في أكثر الحيض. ويدل ~~على ذلك أيضا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه # PageV01P411 # قال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن" فقيل: ما ~~نقصان دينهن؟ فقال: "تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي" فدل على أن مدة ~~الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليالي، وأقلها ثلاثة أيام وأكثرها عشرة ~~أيام. ويدل عليه حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم ~~اغتسلي وتوضئي لكل صلاة" وروى الحكم عن أبي جعفر، أن سودة قالت ms0564 للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إني أستحاض، فأمرها أن تقعد أيام حيضها، فإذا مضت توضأت ~~لكل صلاة وصلت. وفي بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة بعدد ~~الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي" وفي حديث أم سلمة عنه صلى الله ~~عليه وسلم في المرأة التي سألته أنها تهراق الدم، فقال: "لتنظر عدد الليالي ~~والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ثم ~~لتغتسل ولتصل". وروى شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن ~~جده، عنه صلى الله عليه وسلم قال: "المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها ثم ~~تغتسل وتتوضأ لكل صلاة". وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "تدع الصلاة أيام ~~أقرائها". وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت أبي حبيش والمرأة التي ~~روت قصتها أم سلمة أن تدع الصلاة أيام حيضها من غير مسألة منه لها عن مقدار ~~حيضها قبل ذلك، وجب بذلك أن تكون مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام، وهو ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة; ولو كان الحيض يكون أقل من ثلاث لما أجابها بذكر ~~الأيام والليالي، وقال في حديث عدي بن ثابت: "المستحاضة تدع الصلاة أيام ~~حيضها" وذلك لفظ عام في سائر النساء; واسم الأيام إذا أطلقت في عدد محصور ~~يقع أقله على ثلاثة وأكثره على عشرة، ولا بد من أن يكون له عدد محصور يضاف ~~إليه الأيام، فوجب أن يكون عدده ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ووجه ~~آخر: هو أنه متى تقدمت معرفة الوقت الذي أضيفت إليه الأيام فإن اسم الأيام ~~لا يتناول عددا محصورا، نظيره قول القائل أيام السنة فلا تختص بالثلاثة ولا ~~بالعشرة; وقوله: {أياما معدودات} لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة; لأنه ~~قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} فلما أضافها إلى الوقت ~~الذي قد تقررت معرفته عند المخاطبين، لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة. ~~وقوله: "تدع الصلاة أيام حيضها وأيام أقرائها" لم يتقدم عند السامعين ms0565 عدد ~~أيامها، فيكون ذكر الأيام راجعا إليها دون ما تختص به من العدد، فوجب أن ~~يكون محمولا على ما يختص به من هذا العدد، وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، ~~وإنما كان ذلك كذلك; لأن اسم الأيام قد تطلق ويراد بها وقتا مبهما، كما ~~يطلق اسم الليالي على وقت مبهم، ولا يراد به سواد الليل، فإذا تقدمت معرفة ~~الوقت المضاف إليه الأيام فذكر الأيام فيه بمعنى الوقت المبهم الذي لا يراد ~~به عدد; قال الشاعر: # PageV01P412 # ليالي تصطاد الرجال بفاحم # ولم يرد به سواد الليل دون بياض النهار. وقال آخر: # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا # وليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا # ولم يرد بذكر الأيام بياض النهار، ولا بذكر العشيات أواخره، وإنما أراد ~~وقتا قد تقررت معرفته عند المخاطب; وكقوله تعالى: {فأصبح من النادمين} ~~[المائدة: 31] ولم يرد به أول النهار دون آخره. # وقال الشاعر: # أصبحت عاذلتي معتله # ولم يرد به الصباح دون المساء. وقال لبيد: # وأمسى كأحلام النيام نعيمهم ... وأي نعيم خلته لا يزايل # ولم يرد به المساء دون الصباح، وإنما أراد وقتا مبهما. وهذا أشهر في ~~اللغة من أن يحتاج فيه إلى الإكثار من الشواهد. فلما انقسم اسم الأيام إلى ~~هذين المعنيين، قلنا فيما تقررت معرفته إذا أضيف إليه الأيام فمعناه الوقت، ~~وما كان منه حكما مبتدأ فهو محمول على ما تصح إضافة الأيام إليه، فمعناها ~~إذا عين، وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة. ووجه آخر: وهو أنه لما كان في ~~مفهوم لسان العرب أن اسم الأيام إذا أضيف إلى عدد لم يقع إلا على ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة، ولا يفارق هذا العدد اسم الأيام بحال; لأنك إذا قلت: ~~أحد عشر لم تقل أياما، وإنما تقول: أحد عشر يوما، وكذلك إذا أطلقت أيام ~~الشهر فقلت ثلاثين، لم يحسن عليه اسم الأيام، وقلت: ثلاثين يوما; فلما كان ~~اسم الأيام مع ذكر العدد المضاف لا يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى ms0566 العشرة ~~علمنا أنها حقيقة فيه محمولة على حقيقته، ولا تصرف عنه إلى غيره إلا ~~بدلالة; لأنه مجاز من حيث جاز أن ينفى عنه اسم الأيام بحال، وهو إذا عين ~~عدده أضيفت الأيام إليه. # فإن قيل: لما قال: "دعي الصلاة أيام أقرائك" فجعل الأيام، وأقلها ثلاثة ~~للأقراء، وهي جمع أقله ثلاثة، حصل لكل يوم قرء. قيل له: المراد بقوله: " ~~أيام أقرائك", حيضة واحدة، بدلالة أن من كانت عادتها في الحيض ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة، مراده ذلك لا محالة; ومعلوم أن المراد في مثلهما ~~بقوله: "أقرائك" حيضة واحدة، فكذلك من لا عادة لها. ويدل على ذلك قوله: "ثم ~~اغتسلي وتوضئي لكل صلاة" ومعلوم أن مراده: عند # PageV01P413 # مضي كل حيضة; فعلمنا أن المراد بقوله: "أيام أقرائك" أيام حيضك. وأيضا ~~قال في حديث الأعمش الذي ذكرنا: "أيام محيضك" وفي غيره: "أيام حيضك" وقال: ~~"فلتدع الصلاة الأيام والليالي التي كانت تقعد" وقال: "نقصان دينهن تمكث ~~إحداهن الأيام والليالي لا تصلي" ولم يذكر الأقراء في هذه الأخبار، وإنما ~~ذكر الحيض، فوجب بمقتضاها أن يكون الحيض أياما وأن ما لا يقع عليه اسم ~~الأيام فليس بحيض; لأنه صلى الله عليه وسلم قصد إلى بيان حكم جميع النساء ~~في الحيض. وقد حدث محمد بن شجاع قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا ~~إسرائيل، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن فاطمة بنت أبي ~~حبيش، ذكرت قصتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "مري فاطمة ~~فلتمسك كل شهر عدد أيام أقرائها ثم تغتسل" فأبان في هذا الحديث عن مراده ~~بذكر الأقراء وأنها حيضة في كل شهر; لأنه قال: "تمسك كل شهر عدد أيام ~~أقرائها" وقد أخبر في حديث آخر أن عادة النساء في كل شهر حيضة واحدة بقوله ~~لحمنة: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر". # فإن قيل: كيف يجوز أن تسمى الحيضة الواحدة أقراء، والحيضة الواحدة إنما ~~هي قرء واحد، فينبغي أن تكون الأقراء ms0567 اسما لجماعة حيض قيل له: لما كان ~~القرء اسما لدم الحيض جاز أن تسمى الحيضة الواحدة أقراء على أنها عبارة عن ~~أجزاء الدم، كما يقال ثوب أخلاق، يراد به العبارة عن كل قطعة منه; وقال ~~الشاعر: # جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منه التواق # فسمى القميص الواحد أخلاقا; لأنه أراد العبارة عن كل قطعة منه. كذلك جاز ~~أن تسمى الحيضة الواحدة أقراء عبارة بها عن أجزاء الدم. # فإن قيل: إن اسم الأيام قد يقع على يومين، فيجب أن يجعل أقل الحيض يومين ~~لوقوع الاسم عليها. قيل له: إنما يطلق اسم الأيام عليهما مجازا وحقيقتها ~~ثلاثة فما فوقها، وحكم اللفظ أن يحمل على حقيقته حتى تقوم الدلالة على جواز ~~صرفه إلى المجاز. ودليل آخر: وهو أن مدة أقل الحيض وأكثره لما لم يكن لنا ~~سبيل إلى إثبات مقدارها من طريق المقاييس، وكان طريقها التوقيف والاتفاق ~~على ما تقدم من بيانه في هذا الباب، ثم اتفق الجميع على أن الثلاث حيض ~~وكذلك العشر واختلفوا فيما دون الثلاث وفوق العشر، أثبتنا ما اتفقوا عليه ~~ولم نثبت ما اختلفوا فيه لعدم ما يوجبه من توقيف أو اتفاق. # فإن قيل فقد اتفق الجميع على أن المبتدأة تترك الصلاة في أول ما ترى الدم ~~وإن # PageV01P414 # كانت رؤيته يوما وليلة، فدل على أن اليوم والليلة حيض، ومن ادعى أن ذلك ~~الدم لم يكن حيضا احتاج إلى دلالة; لأنه قد حكم له بحكم الحيض بديا، فلا ~~ينقض هذا الحكم إلا بدلالة توجب نقضه، وهذا يوجب أن يكون الحيض يوما وليلة. ~~قيل له: وقد اتفقوا على أنها تترك الصلاة إذا رأته وقت صلاة، فينبغي أن ~~يكون ذلك دليلا على أن مدة الحيض وقت صلاة، فلما لم يدل أمرنا إياها بترك ~~الصلاة إذا رأت الدم وقت صلاة على أن أقل الحيض وقت صلاة، بل كان حكم ذلك ~~الدم مراعى منتظرا به استكمال مدة الحيض على اختلافهم فيها، كذلك اليوم ~~والليلة. # فإن قيل: لما قال الله تعالى: {ولا يحل لهن أن ms0568 يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} فقد أوجب علينا الرجوع إلى قولها حين وعظها بترك الكتمان. قيل له: ~~ليس هذا من مسألتنا في شيء، وإنما هو كلام في قبول خبرها إذا أخبرت عما خلق ~~الله في رحمها، ونحن نجعل القول قولها في ذلك; وأما الحكم بأن ذلك لدم حيض ~~أو ليس بحيض فليس ذلك إليها; لأن ذلك حكم، وليس الحكم مخلوقا في رحمها ~~فنرجع إلى قولها. # قال أبو بكر: وجميع ما قدمنا من ذلك منتظم دلالة على بطلان قول من حد ~~مقدار أقل الحيض بيوم وليلة، وعلى بطلان قول من لم يجعل لقليل الحيض ولا ~~لكثيره مقدارا معلوما، وعلى فساد قول من اعتبر عادة نسائها. ويدل على بطلان ~~قول من أسقط اعتبار المقدار في قليله وكثيره، أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ~~الحيض هو الدم الموجود منها، فيجب على هذه القضية أن لا تكون في الدنيا ~~مستحاضة لوجود الدم وكون جميعه حيضا. وقد علمنا بطلان ذلك بالسنة واتفاق ~~الأمة، فإن فاطمة بنت حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحاض فلا ~~أطهر فأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ. واستحيضت حمنة سبع سنين; فلم يقل ~~الشارع لهما إن جميع ذلك حيض، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو ~~استحاضة. فلا بد من أن يكون لما كان منه حيضا مقدار موقت، وهو ما أخبر عن ~~مقداره بذكر الأيام. ويلزم أيضا من لا يجعل لأقل الحيض ولا لأكثره مقدارا ~~معلوما، أن يجعل دم المبتدأة إذا استمر بها كله حيضا وإن رأته سنة لفقد ~~عادة الحيض منها ووجود الدم في رحمها. وهذا خلف من القول متفق على بطلانه. # فإن قيل: لما كان النفاس مثل الحيض فيما يتعلق به من الحكم ولم يكن لأقله ~~حد معلوم، فكذلك الحيض قيل له: إنما أثبتنا ذلك نفاسا بالاتفاق ولم نقس ~~عليه الحيض; إذ ليس طريق إثباته المقاييس. # وقد احتج الفريقان من مثبتي القليل والكثير من الدم حيضا وممن قدره بيوم ~~وليلة ms0569 # PageV01P415 # بقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة"; إذ كان ظاهره يقتضي القليل والكثير; ~~لأنه ليس في اللفظ توقيت، فإذا رأت الدم يوما وليلة فقد تناوله الظاهر ~~فيقال لهم: إنما يجب أن يثبت ذلك حيضا حتى يعتزلها فيه; إذ ليس في اللفظ ~~دلالة على كيفية الحيض ولا على معناه وصفته، فإذا ثبت أنه حيض حينئذ أجري ~~فيه حكم الآية والخبر، ومتى اختلفوا فيه لم يكن في هذه الآية دليل على ~~معناه، ودعوى الخصم لا تكون دليلا في المسألة. # فإن قيل: قد بين الشارع علامة دم الحيض وصفته بما يغني عن اعتبار المقدار ~~معه، بقوله: "دم الحيض هو الأسود المحتدم" فمتى وجد الدم بهذه الصفة كان ~~حيضا. قيل له: لا خلاف أن الدم الذي ليست هذه صفته قد يكون حيضا إذا رأته ~~في أيامها أو رأته وهي مبتدأة، وقد يوجد على هذه الصفة بعد أيامها أو في ~~أيامها، فيكون ما في أيامها منه حيضا وما بعد أيامها استحاضة; فغير جائز أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم جعل وجود هذه الصفة علما للحيض ودليلا عليه ~~وهي توجد مع عدمه وتعدم مع وجوده، وإنما وجه ذلك عندنا أنه علم ذلك من حال ~~امرأة بعينها وأن حيضها أبدا يكون بهذه الصفة، فأخبر عن حكمها خاصة دون ~~غيرها، فلم يجز اعتباره في غيرها. # وقد احتج الفريقان أيضا من مثبتي مقدار أقل الحيض يوما وليلة ومن نافي ~~تقديره بقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} فزعم من أسقط اعتبار ~~المقدار أنه لما وصف الحيض بكونه أذى فحيثما وجد الأذى فهو حيض بغير اعتبار ~~التوقيف، إذ ليس في الآية ذكر المقدار، ومن قال باليوم والليلة يقول: إن ~~ظاهره يقتضي وجود الأذى في اليوم والليلة حيضا وفيما دونه، وخصصنا ما دونه ~~بدلالة، فبقي حكم اللفظ في اليوم والليلة. فيقال لهم: ينبغي أن يثبت الحيض ~~أولا حتى تثبت هذه الصفة وهي كونه أذى; لأنه تعالى إنما جعل الحيض ms0570 أذى ولم ~~يجعل الأذى حيضا، وقد علمنا أنه ليس كل أذى حيضا وإن كان كل حيض أذى، كما ~~أنه ليس كل نجاسة حيضا وإن كان كل حيض نجاسة، فوجب أن يثبت الحيض حتى يكون ~~أذى. وأيضا معلوم أنه لو كان مراده أن يجعل الأذى اسم المحيض أنه لم يرد به ~~أن كل أذى حيض; لأن سائر ضروب الأذى ليست بحيض، فيحصل حينئذ المراد أذى ~~منكرا إذ يحتاج في معرفته إلى دلالة من غيره، حتى إذا حصلت لنا معرفته ~~حكمنا فيه بحكم الحيض. وأيضا فإن الأذى اسم مشترك يقع على أشياء مختلفة ~~المعاني، وما كان هذا وصفه من الأسماء فليس يجوز أن يكون عموما. # واحتج بعض من جعل أكثر الحيض خمسة عشر يوما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "ما رأيت # PageV01P416 # ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن" فقيل: وما نقصان دينهن؟ ~~فقال: "تمكث إحداهن نصف عمرها لا تصلي" قال: وهذا يدل على أن الحيض خمسة ~~عشر يوما، ويكون الطهر خمسة عشر يوما; لأنه أقل الطهر، فيكون الحيض نصف ~~عمرها; ولو كان أكثر الحيض أقل من ذلك لم توجد امرأة لا تصلي نصف عمرها. ~~فيقال له: لم يرو أحد نصف عمرها وإنما روي على وجهين: أحدهما: "شطر عمرها" ~~والآخر: "تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي" فأما ذكر نصف عمرها فلم ~~يوجد في شيء من الأخبار. وقوله: "شطر عمرها" لا دلالة فيه على أنه أراد ~~النصف; لأن الشطر هو بمنزلة قوله طائفة وبعض ونحو ذلك. قال الله تعالى: ~~{فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] وإنما أراد ناحيته وجهته، ولم ~~يرد نصفه. وقد بين مقدار ذلك الشطر في قوله صلى الله عليه وسلم: "تمكث ~~إحداهن الأيام والليالي لا تصلي" فوجب أن يكون هو المراد دون غيره. ومع ذلك ~~فإنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها; لأن ما مضى من عمرها ~~قبل البلوغ من عمرها وهو طهر بلا حيض، فلو جاز أن يكون الحيض بعد البلوغ ~~خمسة عشر يوما ms0571 إلى انقضاء عمرها وكان طهرها مع ذلك خمسة عشر، لما حصل الحيض ~~نصف عمرها; فعلمنا بطلان قول من زعم أن حيضها قد يكون نصف عمرها. # PageV01P417 # ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعي: ~~أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء. وأما مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه ~~شيئا في إحدى الروايات، وفي رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون ~~أقل من خمسة عشر. وقال الأوزاعي: قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر، ويرجع فيه ~~إلى مقدار طهر المرأة قبل ذلك. وقد حكي عن الشافعي أنه علم أن طهر المرأة ~~أقل من خمسة عشر جعل القول قولها. وذكر الطحاوي عن أبي عمران عن يحيى بن ~~أكثم أنه قال: أقل الطهر تسعة عشر يوما واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل ~~كل حيضة وطهر شهرا، والحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض ~~خمسة عشر، فوجب أن يكون عشرة وأن يكون باقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر; لأن ~~الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما. وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ~~ثلاثة عشر يوما. والدليل على أن أقله خمسة عشر يوما أنه لما كان أكثر الحيض ~~عشرة أيام، وقد جعل الله تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر، وجب أن يكون ~~الطهر أكثر منه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة: "تحيضي في علم ~~الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر" فأثبت الست أو السبع حيضا ~~وجعل في الشهر طهرا، اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم جميع # PageV01P417 # النساء ما لم تقم الدلالة على خمسة عشر يوما ولم تقم على عشرة ولا على ~~ثلاثة عشر، فلا يكون ذلك طهرا صحيحا. وأيضا لما كان الطهر من الحيض يلزم به ~~الصلوات، أشبه الإقامة، فلما كان أقل الإقامة عندنا خمسة عشر يوما ولم يكن ~~لأكثرها غاية، وجب أن يكون الطهر من الحيض ms0572 كذلك. وأيضا فإن طريق إثبات ~~مقدار الطهر التوقيت أو الاتفاق، وقد ثبت باتفاق فقهاء السلف أن خمسة عشر ~~يكون طهرا صحيحا واختلفوا فيما دونها، وقفنا عند الاتفاق ولم نثبت ما دونها ~~طهرا لعدم التوقيف والاتفاق فيه. وأما ما حكي عن يحيى بن أكثم من تقديره ~~الطهر تسعة عشر يوما، فإنه يفسد من وجوه: أحدها: أن اتفاق السلف قد سبقه في ~~كون الطهر خمسة عشر فلا يكون خلافا عليهم ولأن من تقدمه اختلفوا فيه على ~~ثلاثة أوجه: قال عطاء: خمسة عشر يوما وقال سعيد بن جبير: ثلاثة عشر يوما ~~وقال مالك في بعض الروايات: خمسة عشر وفي بعضها: عشرة ولم يقل أحد منهم ~~تسعة عشر. ويفسد من جهة أنه أثبت له مقدارا من غير توقيف ولا اتفاق، وذلك ~~غير جائز فيما هذا وصفه. وأما احتجاجه بما قدمنا ذكره فلا معنى له ولا يوجب ~~ما ذكرنا، وذلك; لأنه معلوم أن ما أقامه الله من الشهر الواحد مقام حيضة ~~وطهر غير مانع وجود حيضة وطهر في أقل من شهر; لأنه لو كان حيضها ثلاثة أيام ~~حصل لها حيضة وطهر في أقل من شهر، وإذا لم يدل إيجاب الله تعالى شهرا عن ~~حيضة وطهر على وجود حيضة وطهر في أقل منه وجاز نقصان الحيض عن عشرة حتى ~~تستوفى لها حيضة وطهر في أقل من شهر وتنقضي عدتها بالحيض في أقل من ثلاثة ~~أشهر وإن لم يجز أن تنقضي عدتها إذا كانت بالشهور في أقل من ثلاثة أشهر، لم ~~يمتنع أن ينقص الطهر بعد استيفاء الحيضة عشرا فيكون أقل من تسعة عشر يوما. ~~فبان بما وصفنا أن ما ذكره ليس بدليل على وجوب الاقتصار في أقل الطهر على ~~تسعة عشر يوما وإنما يدل ذلك على أن الطهر قد يكون هذا القدر، ولا دلالة ~~فيه على أنه لا يكون أقل منه، والله أعلم. # PageV01P418 # ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض # قال أصحابنا جميعا فيمن ترى يوما دما ويوما طهرا: إن ذلك كدم متصل وكذلك ~~قال ms0573 أبو يوسف: إذا كان الطهر بين الدمين أقل من خمسة عشر فهو كدم متصل. ~~وقال محمد: إذا كان الطهر الذي بين الدمين أقل من ثلاثة أيام فهو كدم متصل، ~~وإذا كان ثلاثة أيام أو أكثر من العشرة فإنه ينظر إلى الدمين والطهر الذي ~~بينهما، فإن كان الطهر أكثر منهما فصل بين الدمين، وإن كانا سواء أو أقل ~~فهو كدم متصل، ومتى كان الطهر أكثر من الدمين ففصل بينهما اعتبر كل واحد من ~~الدمين بنفسه، فإن كان الأول منهما ثلاثة أيام فإنه يكون حيضا، وكذلك إن لم ~~يكن الأول ثلاثا وكان الآخر منهما ثلاثا # PageV01P418 # فالآخر حيض، وإن لم يكن واحد منهما ثلاثا فليس واحد منهما بحيض. وقال ~~مالك: إذا رأت يوما دما ويوما طهرا أو يومين ثم رأت دما كذلك، فإنه تلغى ~~أيام الطهر وتضم أيام الدم بعضها إلى بعض، فإن دام بها ذلك استظهرت بثلاثة ~~أيام على أيام حيضها، فإن رأت في خلال أيام الاستظهار أيضا طهرا ألغاه حتى ~~يحصل ثلاثة أيام دم الاستظهار، وأيام الطهر تصلي وتصوم ويأتيها زوجها، ~~ويكون ما جمع من أيام الدم بعضه إلى بعض حيضة واحدة، ولا يعتد بأيام الطهر ~~في عدة من طلاق. فإذا استظهرت بثلاثة أيام بعد أيام حيضها تتوضأ لكل صلاة ~~وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها من أيام الطهر; وإنما أمرت بالغسل; لأنها لا ~~تدري لعل الدم لا يرجع إليها. وحكى الربيع عن الشافعي نحو ذلك. # قال أبو بكر: معلوم أن الحائض لا ترى الدم أبدا سائلا وكذلك المستحاضة، ~~إنما تراه في وقت وينقطع في وقت; ولا خلاف أن انقطاع دمها ساعة ونحوها لا ~~يخرجها من حكم الحيض في وقت رؤية الطهر وانقطاع الدم في مثل هذا الوقت، وأن ~~ذلك كله كدم متصل كما قالوا جميعا في انقطاعه ساعة ونحوها ولأن الطهر الذي ~~بينهما ليس بطهر صحيح عند الجميع; لأن أحدا لا يجعل الطهر الصحيح يوما ولا ~~يومين، ولم يقل أحد: إن الطهر الذي بين الحيضتين يكون أقل من عشرة أيام ms0574 على ~~ما بيناه فيما سلف. وأيضا لو كان طهر اليوم واليومين الذي بين الدمين طهرا ~~يوجب الصلاة والصوم، لوجب أن يكون كل واحد من الدمين حيضة تامة، فلما اتفق ~~الجميع على أن هذا القدر من الطهر غير معتد به في الفصل بين الدمين وجعل كل ~~واحد منهما حيضة تامة، وجب أن يسقط حكمه ويصير مع ما قبله وبعده من الدم ~~كدم متصل. # وقد اختلف في الصفرة والكدرة في أيام الحيض، فروي عن أم عطية الأنصارية ~~قالت: كنا لا نعتد بالصفرة ولا بالكدرة بعد الغسل شيئا. واتفق فقهاء ~~الأمصار على أن الصفرة في أيام الحيض حيض، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر ومالك والليث وعبيد الله بن الحسن والشافعي. واختلفوا في الكدرة، فقال ~~جميع من قدمنا ذكرهم: إنها حيض في أيام الحيض وإن لم يتقدمها دم. وقال أبو ~~يوسف: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم. وقد روي عن عائشة وأسماء بنت أبي ~~بكر قالتا: لا تصلي الحائض حتى ترى القصة البيضاء. ولم يختلفوا في أن ~~الكدرة حيض بعد الدم، فلما كان وجودها عقيب الدم دليلا على أن الكدرة من ~~اختلاط أجزاء الدم، وجب أن يكون ذلك حكمها إذا وجدت في أيام الحيض وإن لم ~~يتقدمها دم، وأن يكون الوقت المعتاد فيه الدم دلالة على أن الكدرة من ~~اختلاط أجزاء الدم بالبياض. والدليل على أن للوقت تأثيرا في ذلك، أن المرأة ~~ترى الدم في أيام حيضها وبعدها، فيكون ما رأته في أيامها حيضا وما بعد ~~أيامها # PageV01P419 # غير حيض وكان الوقت علما لكونه حيضا ودلالة عليه، فكذلك يجب أن يكون ~~الوقت دليلا على أن الكدرة من أجزاء دم الحيض وأن يكون حيضا. # وقد اختلف في حيض المبتدأة إذا رأت الدم واستمر بها، فقال أصحابنا جميعا ~~عشرة منها حيض وما زاد فهو استحاضة إلى آخر الشهر، فيكون حيضها عشرة وطهرها ~~عشرين. ولم يذكر عنهم خلاف في الأصول. وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: ~~تأخذ في الصلاة بالثلاث أقل الحيض، وفي الزوج ms0575 بالعشرة، ولا تقضي صوما عليها ~~إلا بعد العشرة، وتصوم العشر من رمضان وتقضي سبعا منها. وقال إبراهيم ~~النخعي: تقعد مثل أيام نسائها. وقال مالك: تقعد ما تقعد نحوها من النساء ثم ~~هي مستحاضة بعد ذلك. وقال الشافعي: حيضها أقل ما يكون يوما وليلة. # والدليل على صحة القول الأول اتفاق الجميع على أنها مأمورة بترك الصلاة ~~إلى أكثر الحيض على اختلافهم فيه، فصارت محكوما لها بحكم الحيض في هذه ~~الأيام ومثلها يجوز أن يكون حيضا، فوجب أن تكون العشرة كلها حيضا لوقوع ~~الحكم لها بذلك وعدم عادتها لخلافه، ألا ترى أن الكل يقولون: إن الدم لو ~~انقطع عن العشرة لكان كله حيضا؟ فثبت أن العشرة محكوم لها فيها لحكم الحيض، ~~وغير جائز نقض ذلك إلا بدلالة. وأيضا فلو كان ما زاد على الأقل مشكوكا فيه ~~بعد وجود الزيادة على الأكثر، لكان الأولى أن لا ينقض ما حكمنا به حيضا ~~بالشك، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم حكم للشهر الذي يغم الهلال في آخره ~~بثلاثين بقوله: "فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" لما كان ابتداء الشهر يقينا لم ~~يحكم بانقضائه بالشك. # فإن قيل: فمن كانت لها عادة دون العشرة فزاد الدم ردت إلى أيام عادتها ~~ولم يكن حكمنا لها بديا في الزيادة بحكم الحيض مانعا من اعتبار أيامها، ~~وكذلك من رأت الدم في أول أيامها كانت مأمورة بترك الصلاة ولو دون الثلاث، ~~فإن انقطع ما دون الثلاث حكمنا بأن ما رأته لم يكن حيضا، وإن تم ثلاثا كان ~~حيضا. قيل له: أما التي كان لها أيام معروفة فإن حكم الزيادة لم يقع إلا ~~مراعى معتبرا بانقطاعه في العشرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "المستحاضة ~~تدع الصلاة أيام أقرائها" فاقتضى ذلك كون الزيادة مراعاة، لعلمنا بأن لها ~~أياما معروفة. وأما المبتدأة فلم يكن لها قبل ذلك أيام يجب اعتبارها، فلذلك ~~كانت رؤيتها الدم في العشرة غير مراعاة، بل عندنا أن ما رأته المبتدأة في ~~العشرة فهو كالعادة يصير ذلك أياما لها في العدد ms0576 والوقت، وإذا كان كذلك لم ~~يجز أن يكون الدم الذي رأته المبتدأة في العشر مراعى بل واجب أن يحكم لها ~~فيه بحكم الحيض; إذ كان مثله يكون حيضا. وأما من رأت الدم في أول أيامها ~~وحكمنا لها فيه بحكم الحيض في باب الأمر بترك # PageV01P420 # الصلاة والصيام، ثم انقطاعه دون الثلاث يخرجه عن كونه حيضا فلأن ذلك وقع ~~مراعى في الابتداء; لعلمنا بأن لأقل الحيض مقدارا متى قصر عنه لم يكن الدم ~~الذي رأته حيضا، فمن أجل ذلك وقع مراعى. وليس لمبتدأة بعد رؤيتها للدم ~~ثلاثا حال يجب مراعاتها، فوجب أن تكون العشرة كلها حيضا لعدم الدلالة ~~الموجبة للاقتصار به على ما دونها. وأما أبو يوسف فإنه جعلها بمنزلة من كان ~~حيضها خمسا أو ستا فكانت شاكة في الستة. وقالوا جميعا: إنها تأخذ بالأقل في ~~الصلاة، وكذلك الميراث والرجعة، وتأخذ في الأزواج بالأكثر احتياطا، وكذلك ~~المبتدأة. قال أبو بكر: وليس هذا نظيرا لمسألتنا، من قبل أن هذه قد كانت ~~لها أيام معلومة، وقد تيقنا الخمسة وشككنا في الستة، فاحتطنا لها في الصلاة ~~والصوم، واحتطنا أيضا في الأزواج فلم نبحها لهم بالشك، والمبتدأة ليس لها ~~أيام يجب اعتبارها، فما رأته من الدم الذي يكون مثله حيضا فهو حيض ولا معنى ~~لردها إلى أقل الحيض; إذ ليس معنا دلالة توجب ذلك. ويفسد هذا القول أيضا من ~~جهة أن أقل الحيض ليس بعادة لها، فلا فرق بينه وبين ما زاد عليه في امتناع ~~وجوب الرد إليه، فوجب حينئذ اعتبار الأكثر لوقوع الحكم بكونه حيضا وعدم ~~الدلالة على نقض هذا الحكم. ويدل أيضا على صحة قول أبي حنيفة أن الله تعالى ~~جعل عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدلا من الحيض، فجعل مكان كل حيضة وطهر ~~شهرا. فدل ذلك على أنه إذا استمر بها الدم ولم تكن لها عادة فواجب أن ~~تستوفى لها حيضة وطهر; ومعلوم أنه ليس لأكثر الطهر حد معلوم، ولأكثر الحيض ~~مقدار معلوم، فوجب أن يستوفى لها أكثر الحيض ويكون بقية الشهر طهرا; ms0577 لأنه ~~ليس مقدار من الطهر في بقية الشهر بالاعتبار أولى من غيره، فوجب أن يكون ~~المعتبر من الطهر لبقية الشهر هو الذي يبقى بعد أكثر الحيض; ألا ترى أنك ~~إذا نقصت الحيض من العشرة احتجت أن تزيد ما نقصته منها في الطهر؟ وليس ~~زيادة الطهر بأن يكون سبعة بأولى من أن يكون خمسة أو ستة، فوجب أن يعتبر ~~أكثر الحيض ويجعل الباقي من الشهر طهرا. ويدل على وجوب استيفاء حيضة وطهر ~~في الشهر لهذه المبتدأة قوله صلى الله عليه وسلم لحمنة: "تحيضي في علم الله ~~ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر" فأخبر أن عادة النساء في كل شهر ~~حيضة وطهر. # فإن قيل: فهلا اعتبرت لها ستا أو سبعا كما قال صلى الله عليه وسلم قيل ~~له: لم نقل ذلك لوجوه أحدها: أنا لا نعلم أحدا من أهل العلم قال ذلك في ~~المبتدأة. والثاني: أن هذه كانت عادة المرأة المخاطبة بذلك أعني ستا أو ~~سبعا فلا يعتبر بها غيرها; فاستدلالنا من الخبر بما وصفنا صحيح; لأنا أردنا ~~إثبات الحيضة والطهر في الشهر المتعارف المعتاد. وأما قول من قال: إنها ~~تقعد مثل حيض نسائها فلا معنى له; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم # PageV01P421 # يرد المستحاضة إلى وقت نسائها، وإنما رد واحدة إلى عادتها فقال: "تقعد ~~أيام أقرائها" وأمر أخرى أن تقعد في علم الله ستا أو سبعا، وأمر أخرى أن ~~تغتسل لكل صلاة، ولم يقل لواحدة منهن اقعدي أيام نسائك. وأيضا فإن أيام ~~نسائها والأجنبيات ومن كان دون سنها وفوقها سواء، وقد يتفقن في السن مع ~~اختلاف عاداتهن في الحيض، فليس لنسائها في ذلك خصوصية دون غيرهن. # وقد تنازع أهل العلم في قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهن} فمن الناس من يقول: إن انقطاع الدم يوجب إباحة وطئها; ولم يفرقوا ~~في ذلك بين أقل الحيض وأكثره. ومنهم من لا يجوز وطأها إلا بعد الاغتسال في ~~أقل الحيض وأكثره، وهو مذهب الشافعي. وقال أصحابنا: "إذا انقطع ms0578 دمها ~~وأيامها دون العشرة فهي في حكم الحائض حتى تغتسل إذا كانت واجدة للماء أو ~~يمضي عليها وقت الصلاة، فإذا كان أحد هذين خرجت من الحيض وحل لزوجها وطؤها ~~وانقضت عدتها إن كانت آخر حيضة وإذا كانت أيامها عشرة ارتفع حكم الحيض بمضي ~~العشرة وتكون حينئذ بمنزلة امرأة جنب في إباحة وطء الزوج وانقضاء العدة ~~وغير ذلك". # واحتج من أباح وطأها في سائر الأحوال عند مضي أيام حيضها وانقطاع دمها ~~قبل الاغتسال بقوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} و"حتى" تقتضي أن يكون حكم ما ~~بعدها بخلافها، فذلك عموم في إباحة وطئها بانقطاع الدم كقوله تعالى: {حتى ~~مطلع الفجر} [القدر: 5] {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فكانت ~~هذه نهايات لما قدر بها، وكان حكم ما بعدها بخلافها، فكذلك قوله: {حتى ~~يطهرن} إذا قرئ بالتخفيف فمعناها انقطاع الدم. وقالوا: قد قرئ: "حتى يطهرن" ~~بالتشديد، وهو يحتمل ما يحتمله قوله: {حتى يطهرن} بالتخفيف، فيراد به ~~انقطاع الدم; إذ جائز أن يقال: طهرت المرأة وتطهرت، إذا انقطع دمها، كما ~~يقال: تقطع الحبل وتكسر الكوز، والمعنى: انقطع وانكسر، ولا يقتضي ذلك فعلا ~~من الموصوف بذلك. # واحتج من حظر وطأها في كل حال حتى تغتسل بقوله: {فإذا تطهرن فأتوهن من ~~حيث أمركم الله} فشرط في إباحته شيئين: أحدهما: انقطاع الدم، والآخر: ~~الاغتسال; لأن قوله: {فإذا تطهرن} لا يحتمل غير الغسل وهو كقول القائل: لا ~~تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار، فإذا دخلها وقعد فيها فأعطه دينارا فيعقل به ~~أن استحقاق الدينار موقوف على الدخول والقعود جميعا. وكقوله تعالى: {فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} ~~فشرط الأمرين في إحلالها للأول، # PageV01P422 # فلا تحل له بأحدهما كذلك قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن} مشروط في إباحة ~~الوطء المعنيان وهو الطهر الذي يكون بانقطاع الدم، والاغتسال. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {حتى يطهرن} إذا قرئ بالتخفيف فإنما هو انقطاع ~~الدم لا ms0579 الاغتسال; لأنها لو اغتسلت وهي حائض لم تطهر، فلا يحتمل قوله: {حتى ~~يطهرن} إلا معنى واحدا وهو انقطاع الدم الذي به يكون الخروج من الحيض، وإذا ~~قرئ بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل لما وصفنا آنفا فصارت ~~قراءة التخفيف محكمة وقراءة التشديد متشابهة، وحكم المتشابه أن يحمل على ~~المحكم ويرد إليه، فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد، وظاهرهما يقتضي ~~إباحة الوطء بانقطاع الدم الذي هو خروج من الحيض وأما قوله: {فإذا تطهرن} ~~فإنه يحتمل ما احتملته قراءة التشديد في قوله: "حتى يطهرن" من المعنيين، ~~فيكون بمنزلة قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن} ويكون كلاما ~~سائغا مستقيما، كما تقول لا تعطه حتى يدخل الدار فإذا دخلها فأعطه ويكون ~~تأكيدا لحكم الغاية، وإن كان حكمها بخلاف ما قبلها. وإذا كان للاحتمال فيه ~~مساغ على الوجه الذي ذكرنا وكان واجبا حمل الغاية على حقيقتها، فالذي ~~يقتضيه ظاهر التلاوة إباحة وطئها بانقطاع الدم الذي يخرج به من الحيض. ومن ~~جهة أخرى: فيها احتمال وهو أن يكون معنى قوله: {فإذا تطهرن} : فإذا حل لهن ~~أن يتطهرن بالماء أو التيمم، كقوله: "إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم" ~~معناه: قد حل له الإفطار، وقوله: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من ~~قابل" معناه فقد جاز له أن يحل، وكما يقال للمطلقة إذا انقضت عدتها: إنها ~~قد حلت للأزواج، ومعناه قد حل لها أن تتزوج. وعلى هذا المعنى قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت فآذنيني" وإذا احتمل ذلك لم تزل ~~الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها. وأما قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره} فإن الغاية في هذا الموضع مستعملة على حقيقتها، ونكاح ~~الزوج الثاني وهو وطؤه إياها هو الذي يرفع التحريم الواقع بالثلاث، ووطء ~~الزوج الثاني مشروط لذلك وقد ارتفع ذلك بالوطء قبل طلاقه إياها، وطلاق ~~الزوج الثاني غير مشروط في رفع التحريم الواقع بالثلاث، فإذا لا دليل ~~للشافعي في الآية على ms0580 الحد الذي ذكرنا على صحة مذهبه، ولا على نفي قول ~~مخالفيه. وأما على مذهبنا فإن الآية مستعملة على ما احتملت من التأويل على ~~حقيقتها في الحالتين اللتين يمكن استعمالهما، فنقول: إن قوله: {يطهرن} إذا ~~قرئ بالتخفيف، فهو مستعمل على حقيقته فيمن كانت أيامها عشرا، فيجوز للزوج ~~استباحة وطئها بمضي العشر، وقوله: يطهرن بالتشديد، وقوله: {فإذا تطهرن} ~~مستعملان في الغسل إذا كانت أيامها # PageV01P423 # دون العشر ولم يمض وقت الصلاة لقيام الدلالة على أن مضي وقت الصلاة يبيح ~~وطأها على ما سنبينه فيما بعد، ولا يكون فيه استعمال واحد من الفعلين على ~~المجاز، بل هما مستعملان على الحقيقة في الحالين. # فإن قيل: هلا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حال واحدة قيل له: ~~لو جعلناهما كالآيتين كان ما ذكرنا أولى من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي ~~إحداهما انقطاع غاية الدم لإباحة الوطء والأخرى تقتضي الغسل غاية لها، لكان ~~الواجب استعمالهما على حالين على أن تكون كل واحدة منهما مقرة على حقيقتها ~~فيما اقتضته من حكم الغاية، ولا يمكن ذلك إلا باستعمالهما في حالين على ~~الوجه الذي بينا، ولو استعملناهما على ما يقول المخالف كان فيه إسقاط إحدى ~~الغايتين; لأنه يقول إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى ~~تغتسل فلو جعلنا ذلك دليلا مبتدأ كان سائغا مقنعا، وإنما اعتبر أصحابنا ~~فيمن كان أيامها دون العشر فانقطع دمها بما وصفنا من قبل أنه جائز أن ~~يعاودها الدم فيكون حيضا; إذ ليس كل طهر تراه المرأة يكون طهرا صحيحا; لأن ~~الحائض ترى الدم سائلا مرة ومنقطعا مرة، فليس في انقطاعه في وقت يجوز أن ~~يكون حائضا فيه وقوع الحكم بزوال الحيض، فقالوا: إن انقطاع الدم فيمن وصفنا ~~حالها معتبر بأحد شيئين: إما باغتسال فيزول عنها حكم الحيض بالاتفاق ~~وباستباحتها الصلاة وذلك ينافي حكم الحيض، أو بمضي وقت صلاة فيلزمها فرض ~~الصلاة، ولزوم فرضها مناف لبقاء حكم الحيض; إذ غير جائز أن يلزم الحائض فرض ~~الصلاة، فإذا انتفى حكم الحيض وثبت ms0581 حكم الطهر ولم يبق إلا الاغتسال لم يمنع ~~الوطء، بمنزلة امرأة جنب جائز لزوجها وطؤها، وعلى هذا المعنى عندنا ما روي ~~عن الصحابة في اعتبار الاغتسال في انقضاء العدة. وقد روى عيسى الخياط عن ~~الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من الصحابة الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن ~~مسعود وابن عباس، قالوا: الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة ~~وروي مثله عن علي وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء. وأما إذا كانت أيامها ~~عشرة فإنه غير جائز عندنا وجود الحيض بعد العشرة، فوجب الحكم بانقضائه ~~لامتناع جواز بقاء حكمه، والله تعالى إنما منع من وطء الحائض أو ممن يجوز ~~أن تكون حائضا فأما مع ارتفاع حكم الحيض وزواله فهو غير ممنوع من وطء ~~زوجته; لأنه تعالى قال: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~وقد طهرت لا محالة، ألا ترى أنها منقضية العدة إن كانت معتدة وأن حكمها حكم ~~سائر الطاهرات ولا تأثير لوجوب الاغتسال عليها في منع وطئها على ما بينا؟ # فإن قيل: إذا انقطع دمها فيما دون العشرة فقد وجب عليها الغسل، ولزوم ~~الغسل # PageV01P424 # ينافي بقاء حكم الحيض; إذ غير جائز لزوم الغسل على الحائض كما قلت في ~~لزوم فرض الصلاة. قيل له: إذا كان الغسل من موجبات الحيض فلزومه غير مناف ~~لحكمه وبقائه، ألا ترى أن السلام لما كان من موجبات تحريمه الصلاة لم يكن ~~لزومه بانتهائه إلى آخرها نافيا لبقاء حكمها؟ وكذلك الحلق لما كان من ~~موجبات الإحرام لم يكن لزومه نافيا لبقاء إحرامه ما لم يحلق؟ كذلك الغسل ~~لما كان من موجبات الحيض لم يكن وجوبه عليها مانعا من بقاء حكم الحيض. وأما ~~الصلاة فليست من موجبات الحيض، وإنما هو حكم آخر يختص لزومه بالطاهر من ~~النساء دون الحائض، ففي لزومها نفي لحكم الحيض. وقوله تعالى: {حتى يطهرن ~~فإذا تطهرن} لما احتمل الغسل صار كقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: ~~6] ، ويدل على أن على الحائض الغسل بعد انقضاء حيضها، وقد روي ذلك عن ms0582 النبي ~~صلى الله عليه وسلم واتفقت الأمة عليه. # قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} قال أبو بكر: هو ~~إطلاق من حظر وإباحة، وليس هو على الوجوب كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وهو ~~إباحة وردت بعد حظر وقوله: {من حيث أمركم الله} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والربيع بن أنس: "يعني في الفرج" وهو الذي أمر بتجنبه في الحيض في أول ~~الخطاب في قوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض} وقال السدي والضحاك: "من قبل ~~الطهر دون الحيض" وقال ابن الحنفية: "من قبل النكاح دون الفجور". # قال أبو بكر: هذا كله مراد الله تعالى; لأنه مما أمر الله به، فانتظمت ~~الآية جميع ذلك. # قوله: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} روي عن عطاء: المتطهرين ~~بالماء للصلاة وقال مجاهد: المتطهرين من الذنوب قال أبو بكر: المتطهرين ~~بالماء أشبه; لأنه قد تقدم في الآية ذكر الطهارة، فالمراد بها الطهارة ~~بالماء للصلاة في قوله: {فإذا تطهرن فأتوهن} فالأظهر أن يكون قوله: {ويحب ~~المتطهرين} مدحا لمن تطهر بالماء للصلاة، وقال تعالى: {فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] وروي أنه مدحهم; لأنهم كانوا ~~يستنجون بالماء. # قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} الحرث: المزدرع، وجعل ~~في هذا الموضع كناية عن الجماع. وسمى النساء حرثا; لأنهن مزدرع الأولاد ~~وقوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} يدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع ~~في الفرج; لأنه موضع الحرث. # PageV01P425 # واختلف في إتيان النساء في أدبارهن، فكان أصحابنا يحرمون ذلك وينهون عنه ~~أشد النهي، وهو قول الثوري والشافعي فيما حكاه المزني. قال الطحاوي: وحكى ~~لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه حلال. وروى ~~أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني ~~يشك فيه أنه حلال يعني وطء المرأة ms0583 في دبرها، ثم قرأ {نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم} قال: فأي شيء أبين من هذا؟ وما أشك فيه قال ابن القاسم: ~~فقلت لمالك بن أنس: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب، ~~عن أبي الحباب سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمض ~~لهن؟ فقال: وما التحميض؟ فذكرت الدبر، قال: ويفعل ذلك أحد من المسلمين؟ ~~فقال مالك: فأشهد على ربيعة بن أبي عبد الرحمن يحدثني عن أبي الحباب سعيد ~~بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، فقال: لا بأس به. قال ابن القاسم: فقال رجل ~~في المجلس: يا أبا عبد الله فإنك تذكر عن سالم أنه قال كذب العبد وكذب ~~العلج على أبي يعني نافعا كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ فقال مالك: وأشهد ~~على يزيد بن رومان يحدثني عن سالم عن أبيه أنه كان يفعله. # قال أبو بكر: قد روى سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن ~~رجلا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله تعالى: {نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم} ، إلا أن زيد بن زيد بن أسلم لا يعلم له سماع من ابن ~~عمر. وروى الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عباس، عن كعب بن علقمة، عن أبي ~~النضر، أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ~~ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع: كذبوا علي إن ابن ~~عمر عرض المصحف يوما حتى بلغ: {نساؤكم حرث لكم} فقال: يا نافع هل تعلم من ~~أمر هذه الآية؟ قلت: لا قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، وكانت نساء ~~الأنصار قد أخذن عن اليهود أنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله هذه. # فهذا يدل على أن السبب غير ما ذكره زيد بن أسلم عن ابن عمر; لأن نافعا قد ~~حكي عنه غير ذلك السبب. وقال ميمون بن مهران أيضا: قال ذلك نافع ms0584 يعني تحليل ~~وطء النساء في أدبارهن بعدما كبر وذهب عقله. # قال أبو بكر: المشهور عن مالك إباحة ذلك وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة ~~لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه. وقد حكى محمد بن ~~سعيد عن أبي سليمان الجوزجاني قال: كنت عند مالك بن أنس، فسئل عن النكاح في ~~الدبر، # PageV01P426 # فضرب بيده إلى رأسه وقال: "الساعة اغتسلت منه". وقد رواه عنه ابن القاسم ~~على ما ذكرنا; وهو مذكور في الكتب الشرعية. ويروى عن محمد بن كعب القرظي: ~~أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قوله تعالى: {أتأتون الذكران من ~~العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 165] مثل ذلك إن ~~كنتم تشتهون وروي عن ابن مسعود أنه قال: "محاش النساء حرام". وقال عبد الله ~~بن عمر: وهي اللوطية الصغرى. وقد اختلف عن ابن عمر فيه، فكأنه لم يرو عنه ~~فيه شيء، لتعارض ما روي عنه فيه. وظاهر الكتاب يدل على أن الإباحة مقصورة ~~على الوطء في الفرج الذي هو موضع الحرث، وهو الذي يكون منه الولد. وقد رويت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في تحريمه رواه خزيمة بن ثابت وأبو ~~هريرة وعلي بن طلق كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تأتوا ~~النساء في أدبارهن". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "هي اللوطية الصغرى" يعني إتيان النساء في أدبارهن. وروى ~~حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل ~~على محمد". وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر، أن اليهود قالوا ~~للمسلمين: من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول; فأنزل الله تعالى: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج" وروت حفصة بنت ms0585 عبد الرحمن عن أم سلمة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في صمام واحد". وروى مجاهد عن ابن عباس ~~مثله في تأويل الآية، قال: "إنما يعني كيف شئت في موضع الولد". وروى عكرمة ~~عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى رجل ~~أتى امرأته في دبرها". وذكر ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن الذي ~~يأتي امرأته في دبرها، فقال: هذا يسألني عن الكفر وقد روي عن ابن عمر في ~~قوله: {نساؤكم حرث لكم} قال: كيف شئت إن شئت عزلا أو غير عزل رواه أبو ~~حنيفة عن كثير الرياحي الأصم عن ابن عمر، وروي نحوه عن ابن عباس. وهذا ~~عندنا في ملك اليمين وفي الحرة إذا أذنت فيه; وقد روي ذلك على ما ذكرنا من ~~مذهب أصحابنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وآخرين غيرهم. # فإن قيل: قوله عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 5 - 6] يقتضي إباحة وطئهن في الدبر، لورود ~~الإباحة مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة. قيل له: لما قال الله تعالى: {فأتوهن ~~من حيث أمركم الله} ثم قال في نسق التلاوة: {فأتوا حرثكم أنى شئتم} أبان ~~بذلك موضع المأمور به وهو موضع الحرث، ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا في ~~موضع الولد، فهو مقصور # PageV01P427 # عليه دون غيره، وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله: {إلا ~~على أزواجهم} [المؤمنون: 6] فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم ~~الحائض. # ومن يحظر ذلك يحتج بقوله: {قل هو أذى} فحظر وطء الحائض للأذى الموجود في ~~الحيض وهو القذر والنجاسة، وذلك موجود في غير موضع الولد في جميع الأحوال، ~~فاقتضى هذا التعليل حظر وطئهن إلا في موضع الولد ومن يبيحه يجيب عن ذلك بأن ~~المستحاضة يجوز وطؤها باتفاق من الفقهاء، مع وجود الأذى ms0586 هناك وهو دم ~~الاستحاضة وهو نجس كنجاسة دم الحيض وسائر الأنجاس ويجيبون أيضا على تخصيصه ~~إباحة موضع الحرث، باتفاق الجميع على إباحة الجماع فيما دون الفرج وإن لم ~~يكن موضعا للولد، فدل على أن الإباحة غير مقصورة على موضع الولد. ويجابون ~~عن ذلك بأن ظاهر الآية يقتضي كون الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج، وأنه ~~هو الذي عناه الله تعالى بقوله: {من حيث أمركم الله} إذ كان معطوفا عليه، ~~ولولا قيام دلالة الإجماع لما جاز الجماع فيما دون الفرج، ولكنا سلمناه ~~للدلالة وبقي حكم الحظر فيما لم تقم الدلالة عليه. # قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} الآية. قد قيل: فيه وجهان: ~~أحدهما: أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب ~~منه ذلك قال: قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو ~~هو مأمور به من البر والتقوى والإصلاح، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل ~~وليدع يمينه. ويروى ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وطاوس، وهو ~~نظير قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] . وروى أشعث عن ابن سيرين ~~قال حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره كانا فيمن خاض في أمر عائشة، ~~أحدهما مسطح وقد شهد بدرا، أن لا يصلهما وأن لا يصيبا منه خيرا، فنزلت هذه ~~الآية: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} [النور: 22] فكسا أحدهما وحمل الآخر وقد ~~ورد معناه في السنة أيضا. وقد روى أنس بن مالك وعدي بن حاتم وأبو هريرة عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وهذا هو معنى قوله تعالى: {ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} على التأويل الذي ذكرنا; لأن معناه على هذا ~~التأويل: أن لا يمنع بيمينه من فعل ما هو خير بل يفعل الذي هو خير ويدع ~~يمينه. والوجه الثاني: أن ms0587 يكون قوله: {عرضة لأيمانكم} يريد به كثرة الحلف، # PageV01P428 # وهو ضرب من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كل حق وباطل; لأن ~~تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها. وروي نحوه عن عائشة: من أكثر ذكر ~~شيء فقد جعله عرضة، يقول القائل: قد جعلني عرضة للوم. وقال الشاعر: # لا تجعليني عرضة اللوائم # وقد ذكر الله تعالى مكثري الحلف بقوله: {ولا تطع كل حلاف مهين} [القلم: ~~10] فالمعنى: لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء; لأن تبروا إذا حلفتم ~~وتتقوا المأثم فيها إذا قلت أيمانكم; لأن كثرتها تبعد من البر والتقوى ~~وتقرب من المآثم والجرأة على الله تعالى. فكأن المعنى: إن الله ينهاكم عن ~~كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى لما في توقي ذلك من البر والتقوى ~~والإصلاح فتكونون بررة أتقياء، لقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل ~~عمران:110] وإذا كانت الآية محتملة للمعنيين وليسا متضادين، فالواجب حملها ~~عليهما جميعا، فتكون مفيدة لحظر ابتذاله اسم الله تعالى واعتراضه باليمين ~~في كل شيء حقا كان أو باطلا، ويكون مع ذلك محظورا عليه أن يجعل يمينه عرضة ~~مانعة من البر والتقوى والإصلاح وإن لم يكثر، بل الواجب عليه أن لا يكثر ~~اليمين، ومتى حلف لم يحتجر بيمينه عن فعل ما حلف عليه إذا كان طاعة وبرا ~~وتقوى وإصلاحا، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". # قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} الآية. قال أبو بكر ~~رحمه الله: قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع، فكان المراد به معاني مختلفة ~~على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام، فقال تعالى: {لا تسمع فيها لاغية} ~~[الغاشية: 11] يعني: كلمة فاحشة قبيحة. و {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} ~~[الواقعة: 25] على هذا المعنى وقال: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} [القصص: ~~55] يعني: الكفر والكلام القبيح. وقال: {والغوا فيه} يعني: الكلام الذي لا ~~يفيد شيئا ليشغلوا السامعين عنه وقال: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} ms0588 ~~[الفرقان: 72] يعني الباطل. ويقال: لغا في كلامه يلغو، إذا أتى بكلام لا ~~فائدة فيه. # وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف، فروي عن ابن عباس أنه قال: هو ~~الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك فلا يكون. وكذلك روي عن مجاهد وإبراهيم، ~~قال مجاهد: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} : "أن تحلف على الشيء وأنت ~~تعلم" وهذا في معنى قوله: {بما كسبت قلوبكم} وقالت عائشة: "هو قول الرجل لا ~~والله وبلى والله" وروي عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ~~عندنا في النهي عن اليمين على الماضي، # PageV01P429 # رواه عنها عطاء أنها قالت: قول الرجل فعلنا والله كذا وصنعنا والله كذا ~~وروي مثله عن الحسن والشعبي. وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف على الحرام ~~فلا يؤاخذه الله بتركه. وهذا التأويل موافق لتأويل من تأول قوله: {عرضة ~~لأيمانكم} أن يمتنع باليمين من فعل مباح أو يقدم بها على فعل محظور. # وإذا كان اللغو محتملا لهذه المعاني، ومعلوم أنه لما عطف قوله: {ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت} أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور، وجب أن تكون ~~هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة وأن لا تكون الكفارة المستحقة بالحنث; لأن تلك ~~الكفارة غير متعلقة بكسب القلب، لاستواء حال القاصد بها للخير والشر وتساوي ~~حكم العمد والسهو; فعلم أن مراده: ما يستحق من العقاب بقصده إلى اليمين ~~الغموس، وهي اليمين على الماضي قال القاصد بها خلافها إلى الكذب; فينبغي أن ~~يكون اللغو هي التي لا يقصد بها إلى الكذب وهي على الماضي ويظن أنه كما حلف ~~عليه، فسماها لغوا من حيث لم يتعلق بها حكم في إيجاب كفارة ولا في استحقاق ~~عقوبة; وهي التي روي معناها عن ابن عباس وعائشة أنها قول الرجل لا والله ~~وبلى والله في عرض كلامه وهو يظن أنه صادق، فكان بمنزلة اللغو من الكلام ~~الذي لا فائدة فيه ولا حكم له. ويحتمل أن يريد به ما قال سعيد بن جبير فيمن ~~حلف على الحرام فلا يؤاخذه الله ms0589 بتركه يعني به عقاب الآخرة وإن كانت ~~الكفارة واجبة إذا حنث. وقال مسروق: كل يمين ليس له الوفاء بها فهي لغو لا ~~تجب فيها كفارة وهذا موافق لقول سعيد بن جبير، والأولى الذي قدمنا. إلا أن ~~سعيدا يوجب الكفارة ومسروقا لا يوجبها وإن حنث. وقد روي عن ابن عباس رواية ~~أخرى، وهي أن لغو اليمين ما تجب فيه الكفارة منها. وروي مثله عن الضحاك. ~~وروي عن ابن عباس أن لغو اليمين حنث النسيان. # PageV01P430 # باب الإيلاء # قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} قال أبو بكر: ~~الإيلاء في اللغة هو الحلف يقولون: آلى يؤلي إيلاء وألية; قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت # فهذا أصله في اللغة. وقد اختص في الشرع بالحلف على ترك الجماع الذي يكسب ~~الطلاق بمضي المدة، حتى إذا قيل آلى فلان من امرأته عقل به ذلك. # وقد اختلف فيما يكون به موليا على وجوه: أحدها: ما روي عن علي وابن عباس ~~رواية الحسن وعطاء: أنه إذا حلف أن لا يقربها لأجل الرضاع لم يكن موليا، ~~وإنما # PageV01P430 # يكون موليا إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار والغضب. والثاني: ما ~~روي عن ابن عباس: أن كل يمين حالت دون الجماع إيلاء; ولم يفرق بين الرضا ~~والغضب، وهو قول إبراهيم وابن سيرين والشعبي. والثالث: ما روي عن سعيد بن ~~المسيب: أنه في الجماع وغيره من الصفات، نحو أن يحلف أن لا يكلمها فيكون ~~موليا. وقد روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال: تزوجت فلقيت ابن عباس ~~فقال: بلغني أن في حلقها شيئا قال: تالله لقد خرجت وما أكلمها قال: عليك ~~بها قبل أن تمضي أربعة أشهر. فهذا يدل على موافقة قول سعيد بن المسيب، ويدل ~~على موافقة ابن عمر في أن الهجران من غير يمين هو الإيلاء والرابع: قول ابن ~~عمر أنه إن هجرها فهو إيلاء، ولم يذكر الحلف. فأما من فرق بين حلفه على ترك ~~جماعها ضرارا وبينه على ms0590 غير وجه الضرار، فإنه ذهب إلى أن الجماع حق لها ~~ولها المطالبة به وليس له منعها حقها من ذلك، فإذا حلف على ترك حقها من ~~الجماع كان موليا حتى تصل إلى حقها من الفرقة; إذ ليس له إلا إمساكها ~~بمعروف أو تسريح بإحسان. وأما إذا قصد الصلاح في ذلك، بأن تكون مرضعة فحلف ~~أن لا يجامعها لئلا يضر ذلك بالصبي، فهذا لم يقصد منع حقها ولا هو غير ممسك ~~لها بمعروف فلا يلزم التسريح بالإحسان ولا يتعلق بيمينه حكم الفرقة. # وقوله: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} يستدل به من اعتبر الضرار; لأن ~~ذلك يقتضي أن يكون مذنبا يقتضي الفيء غفرانه. وهذا عندنا لا يدل على تخصيصه ~~من كان هذا وصفه; لأن الآية قد شملت الجميع، وقاصد الضرر أحد من شمله ~~العموم، فرجع هذا الحكم إليه دون غيره. ويدل على استواء حال المطيع والعاصي ~~في ذلك أنهما يستويان في وجوب الكفارة بالحنث، كذلك يجب أن يستويا في إيجاب ~~الطلاق بمضي المدة. وأيضا سائر الأيمان المعقودة لا يختلف فيه حكم المطيع ~~والعاصي فيما يتعلق بها من إيجاب الكفارة، وجب أن يكون كذلك حكم الطلاق; ~~لأنهما جميعا يتعلقان باليمين. وأيضا لا يختلف حكم الرجعة على وجه الضرار ~~وغيره، وكذلك الإيلاء، وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك; لأن الآية لم تفرق بين ~~المطيع والعاصي فهي عامة في الجميع. وأما قول من قال إنه إذا قصد ضرارها ~~بيمين على الكلام ونحوه فلا معنى له; لأن قوله: {للذين يؤلون من نسائهم} لا ~~خلاف أنه قد أضمر فيه اليمين على ترك الجماع، لاتفاق الجميع على أن الحالف ~~على ترك جماعها مول، فترك الجماع مضمر في الآية عند الجميع فأثبتناه، وما ~~عدا ذلك من ترك الكلام ونحوه لم تقم الدلالة على إضماره في الآية فلم ~~يضمره. ويدل على ما بيناه قوله: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} ومعلوم عند ~~الجميع أن المراد بالفيء هو الجماع ولا خلاف بين السلف فيه فدل ذلك على أن # PageV01P431 # المضمر في قوله: {للذين ms0591 يؤلون من نسائهم} هو الجماع دون غيره. وأما ما ~~روي عن ابن عمر من أن الهجران يوجب الطلاق، فإنه قول شاذ، وجائز أن يكون ~~مراده إذا حلف ثم هجرها مدة الإيلاء، وهو مع ذلك خلاف الكتاب، قال الله ~~تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} والألية اليمين على ما بينا، وهجرانها ليس ~~بيمين، فلا يتعلق به وجوب الكفارة. وروى أشعث عن الحسن: أن أنس بن مالك ~~كانت عنده امرأة في خلقها سوء، فكان يهجرها خمسة أشهر وستة أشهر ثم يرجع ~~إليها ولا يرى ذلك إيلاء. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في المدة التي إذا حلف عليها يكون ~~موليا، فقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء: إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ~~ثم تركها أربعة أشهر لم يجامعها لم يكن موليا. وهو قول أصحابنا ومالك ~~والشافعي والأوزاعي. وروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم والحكم وقتادة ~~وحماد: أنه يكون موليا، إن تركها أربعة أشهر بانت وهو قول ابن شبرمة والحسن ~~بن صالح، قال الحسن بن صالح: وكذلك إن حلف أن لا يقربها في هذا البيت فهو ~~مول، فإن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن قربها في غيره قبل المدة سقط ~~الإيلاء، ولو حلف أن لا يدخل هذه الدار وفيها امرأته ومن أجلها حلف فهو ~~مول. # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} ~~والإيلاء هو اليمين وقد ثبت بما قدمنا أن ترك جماعها بغير يمين لا يكسبه ~~حكم الإيلاء، وإذا حلف على أقل من أربعة أشهر فمضت مدة اليمين كان تاركا ~~لجماعها فيما بقي من مدة الأربعة الأشهر التي هي التربص بغير يمين; وترك ~~جماعها بغير يمين لا تأثير له في إيجاب البينونة، وما دون الأربعة أشهر لا ~~يكسبه حكم البينونة; لأن الله تعالى قد جعل له تربص أربعة أشهر، فلم يبق ~~هناك معنى يتعلق به إيجاب الفرقة، فكان بمنزلة تارك جماعها بغير يمين فلا ~~يلحقه حكم الإيلاء. وأما قول الحسن بن صالح إنه إذا حلف ms0592 أن لا يقربها في ~~هذا البيت أنه يكون موليا فلا معنى له; لأن الإيلاء كل يمين في زوجة يمنع ~~جماعها أربعة أشهر لا يحنث على ما بينا، وهذه اليمين لم تمنعه جماعها هذه ~~المدة; لأنه يمكنه الوصول إلى جماعها بغير حنث بأن يقربها في غير ذلك ~~البيت. # وقد اختلف أيضا فيمن حلف على أربعة أشهر سواء، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو ~~يوسف ومحمد والثوري: هو مول، فإن لم يقربها في المدة حتى مضت بانت ~~بالإيلاء. وروى عطاء عن ابن عباس قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة ~~والسنتين، فوقت الله تعالى لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه دون ذلك فليس ~~بمول. وقال مالك والشافعي: إذا حلف على أربعة أشهر فليس بمول حتى يحلف على ~~أكثر من ذلك. قال # PageV01P432 # أبو بكر: هذا قول يدفعه ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: {للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر} فجعل هذه المدة تربصا للفيء فيها ولم يجعل له ~~التربص أكثر منها، فمن امتنع من جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم ~~الإيلاء الطلاق، ولا فرق بين الحلف على الأربعة الأشهر وبينه على أكثر ~~منها; إذ ليس له تربص أكثر من هذه المدة، ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يقتضي ~~كونه موليا في حلفه على أربعة أشهر وأقل منها وأكثر منها; لأن مدة الحلف ~~غير مذكورة في الآية، وإنما خصصنا ما دونها بدلالة وبقي حكم اللفظ في ~~الأربعة الأشهر وما فوقها. # فإن قيل: إذا حلف على أربعة أشهر سواء لم يصح تعلق الطلاق بها; لأنك توقع ~~الطلاق بمضيها ولا إيلاء هناك. قيل له: لا يمتنع; لأن مضي المدة إذا كان ~~سببا للإيقاع لم يجب اعتبار بقاء اليمين في حال وقوعه، ألا ترى أن مضي ~~الحول لما كان سببا لوجوب الزكاة فليس بواجب أن يكون الحول موجودا في حال ~~الوجوب بل يكون معدوما منقضيا؟ وأن من قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق ~~كانت هذه يمينا معقودة؟ فإن كلمته طلقت في الحال، وقد انحلت فيها اليمين، ~~وبطلت كذلك ms0593 مضي مدة الإيلاء لما كان سببا لوقوع الطلاق لم يمتنع وقوعه ~~واليمين غير موجودة. # وقوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} قال أبو بكر: الفيء في ~~اللغة هو الرجوع إلى الشيء، ومنه قوله تعالى: {حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل} [الحجرات: 9] يعني حتى ترجع من البغي إلى ~~العدل الذي هو أمر الله. وإذا كان الفيء الرجوع إلى الشيء اقتضى ظاهر اللفظ ~~أنه إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرر ثم قال لها: قد فئت إليك وقد ~~أعرضت عما عزمت عليه من هجران فراشك باليمين أن يكون قد فاء إليها، سواء ~~كان قادرا على الجماع أو عاجزا. هذا هو مقتضى ظاهر اللفظ، إلا أن أهل العلم ~~متفقون على أنه إذا أمكنه الوصول إليها لم يكن فيؤه إلا الجماع. # واختلفوا فيمن آلى وهو مريض أو بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر أو هي رتقاء ~~أو صغيرة أو هو مجبوب، فقال أصحابنا: إذا فاء إليها بلسانه ومضت المدة ~~والعذر قائم فذلك فيء صحيح ولا تطلق بمضي المدة، ولو كان محرما بالحج وبينه ~~وبين الحج أربعة أشهر لم يكن فيؤه إلا الجماع. وقال زفر: فيؤه بالقول وقال ~~ابن القاسم: إذا آلى وهي صغيرة لا تجامع مثلها لم يكن موليا حتى تبلغ ~~الوطء، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر مذ بلغت الوطء وهو رأي ابن القاسم بن ~~عمرو، ولم يروه عن مالك. وقال ابن وهب عن مالك في المولي إذا وقف عند ~~انقضاء الأربعة الأشهر ثم راجع امرأته: "إنه إن # PageV01P433 # لم يصبها حتى تنقضي عدتها فلا سبيل له إليها ولا رجعة، إلا أن يكون له ~~عذر من مرض أو سجن أو ما أشبه ذلك، فإن ارتجاعه إياها ثابت عليها وإن مضت ~~عدتها ثم تزوجها بعد ذلك، فإن لم يصبها حتى ينقضي أربعة أشهر وقف أيضا". ~~قال إسماعيل بن إسحاق: قال مالك: إن مضى الأربعة الأشهر وهو مريض أو محبوس ~~لم يوقف حتى يبرأ; لأنه لا يكلف ما لا يطيق. وقال ms0594 مالك: لو مضت أربعة أشهر ~~وهو غائب إن شاء كفر عن يمينه وسقط عنه الإيلاء. وقال إسماعيل: وإنما قال ~~ذلك في هذا الموضع; لأن الكفارة قبل الحنث جائزة عنده، وإن كان لا يستحب أن ~~يكون إلا بعد الحنث. وقال الأشجعي عن الثوري في المولي إذا كان له عذر من ~~مرض أو كبر أو حبس أو كانت حائضا أو نفساء: فليفئ بلسانه، يقول: قد فئت ~~إليك، يجزيه ذلك وهو قول الحسن بن صالح. وقال الأوزاعي: إذا آلى من امرأته ~~ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع وهو مريض أو مسافر ولا يقدر ~~على الجماع فقد فاء، فليكفر عن يمينه وهي امرأته، وكذلك إن ولدت في الأربعة ~~الأشهر أو حاضت أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه. وقال ~~الليث بن سعد: إذا مرض بعد الإيلاء ثم مضت أربعة أشهر فإنه يوقف كما يوقف ~~صحيح فإما فاء وإما طلق، ولا يؤخر إلى أن يصح. وقال المزني عن الشافعي: إذا ~~آلى المجبوب ففيؤه بلسانه وقال في الإملاء: لا إيلاء على المجبوب قال: ولو ~~كانت صبية فآلى منها استؤنفت به أربعة أشهر بعدما تصير إلى حال يمكن ~~جماعها، والمحبوس يفيء باللسان، ولو أحرم لم يكن فيؤه إلا الجماع، ولو آلى ~~وهي بكر فقال لا أقدر على افتضاضها أجل أجل العنين. # قال أبو بكر: الدليل على أنه إذا لم يقدر على جماعها في المدة كان فيؤه ~~باللسان قوله: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} وهذا قد فاء; لأن الفيء ~~الرجوع إلى الشيء، وهو قد كان ممتنعا من وطئها بالقول وهو اليمين، فإذا فاء ~~بالقول فقال قد فئت إليك فقد رجع عما منع نفسه منه بالقول إلى ضده، فتناوله ~~العموم; وأيضا لما تعذر جماعها قام القول فيه مقام الوطء في المنع من ~~البينونة. وأما تحريم الوطء بالإحرام والحيض فليس بعذر، أما الإحرام فلأنه ~~كان يفعله ولا يسقط حقها من الوطء، وأما الحيض والنفاس فإن الله جعل للمولي ~~تربص أربعة أشهر مع ms0595 علمه بوجود الحيض فيها; واتفق السلف على أن المراد ~~الفيء بالجماع في حال إمكان الجماع، فلم يجز أن ينقله عنه إلى غيره مع ~~إمكان وطئها، وتحريم الوطء لا يخرجه من إمكانه، فصار بمنزلة الإحرام ~~والظهار ونحو ذلك; لأنه منع من الوطء بتحريمه لا بالعجز وتعذره ولأن حقها ~~باق في الجماع. ويدل على ذلك أنه لو أبانها بخلع وهو مول منها لم يكن ~~التحريم الواقع موجبا لجواز فيئه # PageV01P434 # بالقول، وهو مع ذلك لو وطئها في هذا الحال بطل الإيلاء. # فإن قيل: إذا كان الفيء بالقول لا يسقط اليمين فواجب بقاؤها; إذ لا تأثير ~~للفيء بالقول في إسقاطها. قيل له: هذا غير واجب، من قبل أنه جائز بقاء ~~اليمين، وبطلان الإيلاء من جهة ما تعلق به من الطلاق، ألا ترى أنه إذا ~~طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج كانت اليمين باقية لو وطئها حنث ولم ~~يلحقها بها طلاق وإن ترك وطأها؟ وكذلك لو أن رجلا قال لامرأة أجنبية والله ~~لا أقربك لم يكن إيلاء، فإن تزوجها كانت اليمين باقية لو وطئها لزمته ~~الكفارة ولا يكون موليا في حكم الطلاق، فليس بقاء اليمين إذا علة في حكم ~~الطلاق، فجاز من أجل ذلك أن يفيء إليها بلسانه، فيسقط حكم الطلاق في هذه ~~اليمين ويبقى حكم الحنث بالوطء. وإنما شرط أصحابنا في صحة الفيء بالقول ~~وجود العذر في المدة كلها، ومتى كان الوطء مقدورا عليه في شيء من المدة لم ~~يكن فيؤه عندهم إلا الجماع، من قبل أن الفيء بالقول قائم مقام الوطء عند ~~عدمه لئلا يقع الطلاق بمضي المدة، فمتى قدر على الوطء في المدة بطل الفيء ~~بالقول، كالمتيمم إذا أقيم تيممه مقام الطهارة بالماء في إباحة الصلاة كان ~~متى وجد الماء قبل الفراغ منها بطل تيممه وعاد إلى أصل فرضه سواء كان وجوده ~~للماء في أول الصلاة أو في آخرها، كذلك القدرة على الوطء في المدة تبطل حكم ~~الفيء بالقول. وقال محمد: إذا فاء بالقول لوجود العذر في المدة ثم انقضت ~~المدة ms0596 والعذر قائم فقد بطل حكم الإيلاء منها، فكان بمنزلة من حلف على ~~أجنبية أن لا يقربها ثم تزوجها فيكون يمينه باقية; إن قربها حنث وإن ترك ~~جماعها أربعة أشهر لم تطلق. # قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} قال أبو بكر: اختلف ~~السلف في عزيمة الطلاق إذا لم يفئ على ثلاثة أوجه: فقال ابن عباس عزيمة ~~الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن ~~عفان، وقالوا: إنها تبين بتطليقة. واختلف عن علي وابن عمر وأبي الدرداء، ~~فروي عنهم مثل قول الأولين، وروي عنهم أنه يوقف بعد مضي المدة فإما أن يفيء ~~إليها وإما أن يطلقها; وهو قول عائشة وأبي الدرداء. والقول الثالث قول سعيد ~~بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمن والزهري وعطاء وطاوس، ~~قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة رجعية. وذهب أصحابنا إلى قول ابن ~~عباس ومن تابعه، فقالوا: إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفيء بانت بتطليقة; وهو ~~قول الثوري والحسن بن صالح. وقال مالك والليث والشافعي بما روي عن أبي ~~الدرداء وعائشة: إنه يوقف بعد مضي المدة فإما أن يفيء وإما أن يطلق ويكون ~~تطليقة رجعية إذا طلق. قال مالك: ولا تصح رجعته حتى # PageV01P435 # يطأها في العدة. وقال الشافعي: لو عفت عن ذلك بعد المدة كان لها بعد ذلك ~~أن تطلب ولا يؤجل في الجماع أكثر من يوم. وقال الأوزاعي بقول سعيد بن ~~المسيب وسالم ومن تابعهما أنها تطلق واحدة رجعية بمضي المدة. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} يحتمل ~~الوجوه التي حصل عليها اختلاف السلف، ولولا احتماله لها لما تأولوه عليها; ~~لأنه غير جائز تأويل اللفظ المؤول على ما لا احتمال فيه; وقد كان السلف من ~~أهل اللغة عالمين بما يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة وما لا يحتملها، ~~فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه دل ذلك على احتمال اللفظ لها. ومن جهة ~~أخرى، وهي أن هذا الاختلاف قد ms0597 كان شائعا مستفيضا فيما بينهم من غير نكير ~~ظهر من واحد منهم على غيره، فصار ذلك إجماعا منهم على توسع الاجتهاد في ~~حمله على أحد هذه الوجوه، وإذا ثبت ذلك احتجنا أن ننظر في الأولى من هذه ~~الأقاويل وأشبهها بالحق، فوجدنا ابن عباس قد قال عزيمة الطلاق انقضاء ~~الأربعة الأشهر قبل الفيء إليها فسمى ترك الفيء حتى تمضي المدة عزيمة ~~الطلاق، فوجب أن يصير ذلك اسما له; لأنه لم يخل من أن يكون قاله شرعا أو ~~لغة، وأي الوجهين كان فحجته ثابتة واعتبار عمومه واجب; إذ كانت أسماء الشرع ~~لا تؤخذ إلا توقيفا. وإذا كان هكذا، وقد علمنا أن حكم الله في المولي أحد ~~شيئين: إما الفيء وإما عزيمة الطلاق، وجب أن يكون الفيء مقصورا على الأربعة ~~الأشهر وأنه فائت بمضيها فتطلق; لأنه لو كان الفيء باقيا لما كان مضي المدة ~~عزيمة للطلاق. ومن جهة أخرى، وهو أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في الحقيقة ~~عقد القلب على الشيء، تقول: عزمت على كذا أي عقدت قلبي على فعله وإذا كان ~~كذلك وجب أن يكون مضي المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف; لأن الوقف ~~يقتضي إيقاع طلاق بالقول إما أن يوقعه الزوج وإما أن يطلقها القاضي عليه ~~على قول من يقول بالوقف; وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضي المدة لتركه ~~الفيء فيها أولى بمعنى الآية; لأن الله لم يذكر إيقاعا مستأنفا وإنما ذكر ~~عزيمة، فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها. ووجه آخر، وهو أنه لما ~~قال: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} اقتضى ذلك أحد أمرين من فيء أو عزيمة ~~طلاق لا ثالث لهما، والفيء إنما هو مراد في المدة مقصور الحكم عليها; ~~والدليل عليه قوله تعالى: {فإن فاءوا} والفاء للتعقيب يقتضي أن يكون الفيء ~~عقيب اليمين; لأنه جعل الفيء عقيب اليمين; لأنه جعل الفيء لمن له تربص ~~أربعة أشهر وإذا كان ms0598 حكم الفيء مقصورا على المدة ثم فات بمضيها وجب حصول ~~الطلاق; إذ غير جائز له أن يمنع الفيء # PageV01P436 # والطلاق جميعا. ويدل على أن المراد الفيء في المدة اتفاق الجميع على صحة ~~الفيء فيها، فدل على أنه مراد فيها، فصار تقديره: فإن فاءوا فيها وكذلك قرئ ~~في حرف عبد الله بن مسعود; فحصل الفيء مقصورا عليها دون غيرها، وتمضي المدة ~~بفوت الفيء، وإذا فات الفيء حصل الطلاق. # فإن قيل: لما قال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن ~~فاءوا} فعطف بالفاء على التربص في المدة، دل على أن الفيء مشروط بعد التربص ~~وبعد مضي المدة، وأنه متى ما فاء فإنما عجل حقا لم يكن عليه تعجيله كمن عجل ~~دينا مؤجلا. قيل له: لولا أن الفيء مراد الله تعالى لما صح وجوده فيها وكان ~~يحتاج بعد هذا الفيء إلى فيء بعد مضيها، فلما صح الفيء في هذه المدة دل على ~~أنه مراد الله بالآية، ولذلك بطل معه عزيمة الطلاق. ثم قولك إن المراد ~~بالفيء إنما هو بعد المدة مع قولك: إن الفيء في المدة صحيح كهو بعدها تبطل ~~معه عزيمة الطلاق مناقضة منك في اللفظ، كقولك: إنه مراد في المدة غير مراد ~~فيها، وقولك إنه كالدين المؤجل إذا عجله لا يزيل عنك ما وصفنا من المناقضة; ~~لأن الدين المؤجل لا يخرجه التأجيل من حكم اللزوم ولولا ذلك لما صح البيع ~~بثمن مؤجل; لأن ما تعلق ملكه من الأثمان على وقت مستقبل لا يصح عقد البيع ~~عليه. ألا ترى أنه لو قال: بعتكه بألف درهم لا يلزمك إلا بعد أربعة أشهر ~~كان البيع باطلا؟ والتأجيل الذي ذكرت لا يخرجه من أن يكون الثمن واجبا ملكا ~~للبائع، ومتى عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد; إلا أنه مخالف للفيء ~~في الإيلاء من قبل أن فوات الفيء يوجب الطلاق، وإذا كان الفيء مرادا في ~~المدة فواجب أن يكون فواته فيها موجبا للطلاق على ما بينا. وأيضا فإن قوله ~~تعالى: {فإن فاءوا} فيه ms0599 ضمير المولي المبدوء بذكره في الآية، وهو الذي له ~~تربص أربعة أشهر، والذي يقتضيه الظاهر إيقاع الفيء عقيب اليمين. ودليل آخر، ~~وهو قوله: {تربص أربعة أشهر} كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} [البقرة: 228] فلما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الأقراء، ~~وجب أن يكون كذلك حكم تربص الإيلاء من وجوه: أحدها أنا لو وقفنا المولي ~~لحصل التربص أكثر من أربعة أشهر، وذلك خلاف الكتاب، ولو غاب المولي عن ~~امرأته سنة أو سنتين ولم ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير ~~مقدر بوقت، وذلك خلاف الكتاب. والوجه الثاني: أنه لما كانت البينونة واقعة ~~بمضي المدة في تربص الأقراء وجب مثله في الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما ~~ذكر التربص في كل واحدة من المدتين. والوجه الثالث: أن كل واحدة من المدتين ~~واجبة عن قوله وتعلق بها حكم البينونة، فلما تعلقت في إحداهما بمضيها كانت ~~الأخرى مثلها للمعنى الذي ذكرناه. # PageV01P437 # فإن قيل: تأجيل العنين حولا بالاتفاق، وتخيير امرأته بعد مضي الحول إذا ~~لم يصل إليها في الحول، ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل; كذلك ما ذكرت من حكم ~~الإيلاء إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها. قيل له: ليس في الكتاب ~~ولا في السنة تقدير أجل العنين، وإنما أخذ حكمه من قول السلف; والذين قالوا ~~إنه يؤجل حولا هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق ~~قبل مضي المدة، ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها، ~~فالزائد فيها مخالف لحكمه. وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار ~~بمضيه، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء، فإن قال: أفيء لم يفرق ~~بينهما، ولو قال العنين: أنا أجامعها بعد ذلك لم يلتفت إلى قوله وفرق ~~بينهما باختيارها. # فإن قيل: لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه، فالواجب أن لا ~~يقع الطلاق. قيل له: وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه، فيجب على قول ~~المخالف أن لا توقع الفرقة حتى يفرق الحاكم. ولا يلزمنا على أصلنا; ms0600 لأن ~~الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة; إذ كان قوله لا أقربك يشبه كناية ~~الطلاق; ولما كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر ~~آخر إليه وهو مضي المدة على النحو الذي يقوله; إذ قد وجدنا من الكنايات ما ~~لا يقع فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو قول الزوج ~~لامرأته: قد خيرتك وقول: أمرك بيدك فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها. ~~فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء: إنه كناية، إلا أنه أضعف حالا من سائر ~~الكنايات، فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه. فأما ~~اللعان فلا دلالة فيه على معنى الكنايات; لأن قذفه إياها بالزنا وتلاعنهما ~~لا يصلح أن يكون عبارة عن البينونة بحال. وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء ~~من جهة أن حكمه لا يثبت إلا عند الحاكم، والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم، ~~فكذلك ما يتعلق به من الفرقة. وبهذا المعنى فارق العنين أيضا لأن تأجيله ~~متعلق بالحاكم، والإيلاء يثبت حكمه من غير حاكم، فكذلك ما يتعلق به من حكم ~~الفرقة. # واحتج من قال بالوقف بقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} ~~أنه لما قال: {سميع عليم} دل على أن هناك قولا مسموعا وهو الطلاق. قال أبو ~~بكر: وهذا جهل من قائله، من قبل أن السميع لا يقتضي مسموعا; لأن الله تعالى ~~لم يزل سميعا ولا مسموع. وأيضا قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله ~~واعلموا أن الله سميع عليم} وليس هناك قول; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاثبتوا وعليكم بالصمت" وأيضا ~~جائز أن يكون ذلك راجعا إلى أول الكلام، وهو قوله تعالى: {للذين # PageV01P438 # يؤلون من نسائهم} فأخبر أنه سامع لما تكلم به عليم بما أضمره وعزم عليه. ~~ومما يدل على وقوع الفرقة بمضي المدة أن القائلين بالوقف يثبتون هناك معاني ~~أخر غير مذكورة في الآية، إذ كانت الآية إنما اقتضت أحد شيئين من فيء أو ~~طلاق، ms0601 وليس فيها ذكر مطالبة المرأة ولا وقف القاضي الزوج على الفيء أو ~~الطلاق، فلم يجز لنا أن نلحق بالآية ما ليس فيها ولا أن نزيد فيها ما ليس ~~منها، وقول مخالفينا يؤدي إلى ذلك ولا يوجب الاقتصار على موجب حكم الآية، ~~وقولنا يوجب الاقتصار على حكم الآية من غير زيادة فيها، فكان أولى. ومعلوم ~~أيضا أن الله تعالى إنما حكم في الإيلاء بهذا الحكم لإيصال المرأة إلى حقها ~~من الجماع أو الفرقة، وهو على معنى قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] وقول من قال بالوقف يقول: إن لم يفئ أمره بالطلاق، ~~فإذا طلق لم يخل من أن يجعله طلاقا بائنا أو رجعيا، فإن جعله بائنا فإن ~~صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فيما دون الثلاث، وإن جعله رجعيا فلا حظ ~~للمرأة في ذلك; لأنه متى شاء راجعها فتكون امرأته كما كانت، فلا معنى ~~لإلزامه طلاقا لا تملك به المرأة بضعها وتصل به إلى حقها. # وأما قول مالك إنه لا يصح رجعته حتى يطأها في العدة فقول شديد الاختلال ~~من وجوه: أحدها: أنه قال: إذا طلقها طلاقا رجعيا، والطلاق الرجعي لا تكون ~~الرجعة فيه موقوفة على معنى غيرها. والثاني: أنه إذا منعه الرجعة إلا بعد ~~الوطء فقد نفى أن يكون رجعيا، وهو لو راجعها لم تكن رجعة. والثالث: أنه ~~محظور عليه الوطء بعد الطلاق عنده ولا تقع الرجعة فيه بنفس الوطء، فكيف ~~يباح له وطؤها. # وأما قول من قال إنه تقع تطليقة رجعية بمضي المدة فإنه قول ظاهر الفساد ~~من وجوه: أحدها: ما قدمنا ذكره في الفصل الذي قبل هذا. والثاني: أن سائر ~~الفرق الحادثة في الأصول بغير تصريح فإنها توجب البينونة، من ذلك فرقة ~~العنين واختيار الأمة وردة الزوج واختيار الصغيرين، فلما لم يكن منه تصريح ~~بإيقاع الطلاق وجب أن يكون بائنا. # وقد اختلف في إيلاء الذمي، فقال أصحابنا جميعا: إذا حلف بعتق أو طلاق أن ~~لا يقربها فهو مول، وإن حلف بصدقة أو حج لم يكن ms0602 موليا، وإن حلف بالله كان ~~موليا في قول أبي حنيفة ولم يكن موليا في قول صاحبيه. وقال مالك: لا يكون ~~موليا في شيء من ذلك. وقال الأوزاعي إيلاء الذمي صحيح ولم يفصل بين شيء من ~~ذلك. وقال الشافعي: الذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء. # قال أبو بكر: لما كان معلوما أن الإيلاء إنما يثبت حكمه لما يتعلق بالحنث ~~من الحق الذي يلزمه، فواجب على هذا أن يصح إيلاء الذمي إذا كان بالعتق ~~والطلاق; لأن # PageV01P439 # ذلك يلزمه كما يلزم المسلم; وأما الصدقة والصوم والحج فلا يلزمه إذا حنث; ~~لأنه لو أوجبه على نفسه لم يلزمه بإيجابه، ولأنه لا يصح منه فعل هذه القرب; ~~لأنه لا قربة له، ولذلك لم يلزمه الزكوات والصدقات الواجبة على المسلمين في ~~أموالهم في أحكام الدنيا، فوجب على هذا أن لا يكون موليا بحلفه بالحج ~~والعمرة والصدقة والصيام; إذ لا يلزمه بالجماع شيء فكان بمنزلة من لم يحلف; ~~وقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} يقتضي عموم المسلم والكافر، ولكنا ~~خصصناه بما وصفنا. وأما إذا حلف بالله تعالى، فإن أبا حنيفة جعله موليا وإن ~~لم تلزمه كفارة في أحكام الدنيا، من قبل أن حكم; تسمية الله تعالى قد تعلق ~~على الكافر كهي على المسلم، بدلالة أن إظهار الكافر تسمية الله تعالى على ~~الذبيحة يبيح أكلها كالمسلم، ولو سمى الكافر باسم المسيح لم تؤكل; فثبت حكم ~~تسميته وصار كالمسلم في حكمها، فكذلك الإيلاء; لأنه يتعلق به حكمان: ~~أحدهما: الكفارة، والآخر: الطلاق; فثبت حكم التسمية عليه في باب الطلاق. ~~ومن الناس من يزعم أن الإيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله عز وجل، وأنه لا ~~يكون بحلفه بالعتاق والطلاق والصدقة ونحوها; وهذا غلط من قائله; لأن ~~الإيلاء إذا كان هو الحلف وهو حالف بهذه الأمور ولا يصل إلى جماعها إلا ~~بعتق أو طلاق أو صدقة يلزمه، وجب أن يكون موليا كحلفه بالله; لأن عموم ~~اللفظ ينتظم الجميع; إذ كان من حلف بشيء منه فهو مول. # فصل # ومما تفيد هذه الآية من ms0603 الأحكام ما استدل به منها محمد بن الحسن على ~~امتناع جواز الكفارة قبل الحنث، فقال: لما حكم للمولي بأحد حكمين من فيء أو ~~عزيمة الطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لسقط الإيلاء بغير فيء ولا ~~عزيمة طلاق; لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث ~~شيء لم يكن موليا، وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكر ~~الله، وذلك خلاف الكتاب. والله الموفق للصواب. # PageV01P440 # باب الأقراء # قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} اختلف السلف في ~~المراد بالقرء المذكور في هذه الآية، فقال علي وعمر وعبد الله بن مسعود ~~وابن عباس وأبو موسى: هو الحيض وقالوا: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة. وروى وكيع عن عيسى الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن ~~عباس، قالوا: الرجل أحق بامرأته ما لم # PageV01P440 # تغتسل من الحيضة الثالثة وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. وقال ابن ~~عمر وزيد بن ثابت وعائشة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ~~قالت عائشة: الأقراء الأطهار. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: أنها إذا دخلت ~~في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ولا تحل للأزواج حتى تغتسل. وقال ~~أصحابنا جميعا: الأقراء الحيض وهو قول الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح. ~~إلا أن أصحابنا قد قالوا: لا تنقضي عدتها إذا كانت أيامها دون العشرة حتى ~~تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة وهو قول الحسن بن صالح، إلا أنه ~~قال: اليهودية والنصرانية في ذلك مثل المسلمة. وهذا لم يقله أحد ممن جعل ~~الأقراء الحيض غير الحسن بن صالح. وقال أصحابنا: الذمية تنقضي عدتها ~~بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، لا غسل عليها، فهي في معنى من اغتسلت فلا ~~تنتظر بعد انقطاع الدم شيئا آخر. وقال ابن شبرمة: إذا انقطع من الحيضة ~~الثالثة بطل الرجعة ولم يعتبر الغسل. وقال مالك ms0604 والشافعي: الأقراء الأطهار، ~~فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بانت وانقطعت الرجعة. # قال أبو بكر: قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من ~~الحيض ومن الأطهار من وجهين: أحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملا لهما لما ~~تأوله السلف عليهما; لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف ~~عليه المعاني من العبارات، فلما تأولها فريق على الحيض وآخرون على الأطهار ~~علمنا وقوع الاسم عليهما. ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعا بينهم ~~مستفيضا، ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه، ~~فدل ذلك على احتمال اللفظ لمعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه. ثم لا يخلو من أن ~~يكون الاسم حقيقة فيهما، أو مجازا فيهما، أو حقيقة في أحدهما مجازا في ~~الآخر; فوجدنا أهل اللغة مختلفين في معنى القرء في أصل اللغة، فقال قائلون ~~منهم: هو اسم للوقت; حدثنا بذلك أبو عمرو غلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا ~~سئل عن معنى القرء لم يزدهم على الوقت، وقد استشهد لذلك بقول الشاعر: # يا رب مولى حاسد مباغض ... علي ذي ضغن وضب فارض # له قروء كقروء الحائض # يعني: وقتا تهيج فيه عداوته. وعلى هذا تأولوا قول الأعشى: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # PageV01P441 # يعني: وقت وطئهن. ومن الناس من يتأوله على الطهر نفسه، كأنه قال: لما ضاع ~~فيها من طهر نسائك. وقال الشاعر: # كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح # يعني: لوقتها في الشتاء. وقال آخرون: هو الضم والتأليف، ومنه قوله: # تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا # ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # يعني: لم تضم في بطنها جنينا. ومنه قولهم: قريت الماء في الحوض إذا ~~جمعته، وقروت الأرض إذا جمعت شيئا إلى شيء وسيرا إلى سير. ويقولون: ما قرأت ~~الناقة سلى قط أي ما اجتمع رحمها على ولد قط. ومنه: ms0605 أقرأت النجوم إذا ~~اجتمعت في الأفق. ويقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، فهي مقرئ، ذكره الأصمعي ~~والكسائي والفراء. وحكي عن بعضهم أنه قال: هو الخروج من شيء إلى شيء وهذا ~~قول ليس عليه شاهد من اللغة ولا هو ثابت عمن يوثق به من أهلها، وليس فيما ~~ذكرنا من الشواهد ما يليق بهذا المعنى، فهو ساقط مردود. ثم يقول: وإن كانت ~~حقيقته الوقت فالحيض أولى به; لأن الوقت إنما يكون وقتا لما يحدث فيه، ~~والحيض هو الحادث، وليس الطهر شيئا أكثر من عدم الحيض، وليس هو شيء حادث، ~~فوجب أن يكون الحيض أولى بمعنى الاسم. وإن كان هو الضم والتأليف فالحيض ~~أولى به; لأن دم الحيض إنما يتألف ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال ~~الحيض، فمعناه أولى بالاسم أيضا. # فإن قيل: إنما يتألف الدم ويجتمع في أيام الطهر ثم يسيل في أيام الحيض. ~~قيل له: أحسنت إن الأمر كذلك، ودلالته قائمة على ما ذكرنا; لأنه قد صار ~~القرء اسما للدم، إلا أنك زعمت أنه يكون اسما له في حال الطهر وقلنا يكون ~~اسما له في حال الحيض، فلا مدخل إذا للطهر في تسميته بالقرء; لأن الطهر ليس ~~هو الدم. ألا ترى أن الطهر قد يكون موجودا مع عدم الدم تارة ومع وجوده أخرى ~~على أصلك؟ فإذا القرء اسم للدم وليس باسم للطهر، ولكنه لا يسمى بهذا الاسم ~~إلا بعد ظهوره; لأنه لا يتعلق به حكم إلا في هذه الحال; ومع ذلك فلا يتيقن ~~كونه في الرحم في حال الطهر فلم يجز كونه في حال الطهر أن نسميه باسم ~~القرء; لأن القرء اسم يتعلق به حكم ولا حكم له قبل سيلانه وقبل العلم ~~بوجوده. وأيضا فمن أين لك العلم باجتماع الدم في حال الطهر واحتباسه فيه ثم ~~سيلانه في وقت الحيض؟ فإن هذا قول عار من دليل يقوم عليه، ويرده ظاهر ~~الكتاب. قال الله تعالى: {ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: 34] فاستأثر # PageV01P442 # تعالى بعلم ما في الأرحام ولم يطلع عباده عليه، فمن أين ms0606 لك القضاء ~~باجتماع الدم في حال الطهر ثم سيلانه في وقت الحيض؟ وما أنكرت ممن قال إنما ~~يجتمع من سائر البدن ويسيل في وقت الحيض لا قبل ذلك ويكون أولى بالحق منك؟ ~~لأنا قد علمنا يقينا وجوده في هذا الوقت ولم نعلم وجوده في وقت قبله فلا ~~يحكم به لوقت متقدم، وإذ قد بينا وقوع الاسم عليهما وبينا حقيقة ما يتناوله ~~هذا الاسم في اللغة، فليدل على أنه اسم للحيض دون الطهر في الحقيقة وأن ~~إطلاقه على الطهر إنما هو مجاز واستعارة. وإن كان ما قدمنا من شواهد اللغة ~~وما يحتمله اللفظ من حقيقتها كافية في الدلالة على أن حقيقته تختص بالحيض ~~دون الطهر، فنقول: لما وجدنا أسماء الحقائق التي لا تنتفي عن مسمياتها بحال ~~ووجدنا أسماء المجاز قد يجوز أن تنتفي عنها في حال وتلزمها في أخرى، ثم ~~وجدنا اسم القرء غير منتف عن الحيض بحال ووجدناه قد ينتفي عن الطهر; لأن ~~الطهر موجود في الآيسة والصغيرة وليستا من ذوات الأقراء، علمنا أن اسم ~~القرء للطهر الذي بين الحيضتين مجاز وليس بحقيقة، سمي بذلك لمجاورته للحيض ~~كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب; ألا ترى أنه ~~حين جاور الحيض سمي به وحين لم يجاوره لم يسم به؟ فدل ذلك على أنه مجاز في ~~الطهر حقيقة في الحيض. # ومما يدل على أن المراد الحيض دون الطهر، أنه لما كان اللفظ محتملا ~~للمعنيين واتفقت الأمة على أن المراد أحدهما، فلو أنهما تساويا في الاحتمال ~~لكان الحيض أولاها وذلك لأن لغة النبي صلى الله عليه وسلم وردت بالحيض دون ~~الطهر بقوله: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها" وقال لفاطمة بنت أبي ~~حبيش: "فإذا أقبل قرؤك فدعي الصلاة، وإذا أدبر فاغتسلي وصلي ما بين القرء ~~إلى القرء". فكان لغة النبي صلى الله عليه وسلم أن القرء الحيض، فوجب أن لا ~~يكون معنى الآية إلا محمولا عليه; لأن القرآن لا محالة نزل بلغته صلى الله ~~عليه وسلم وهو المبين عن ms0607 الله عز وجل مراد الألفاظ المحتملة للمعاني ولم ~~يرد لغته بالطهر، فكان حمله على الحيض أولى منه على الطهر. # ويدل عليه ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~محمد بن مسعود قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مظاهر بن أسلم، عن ~~القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طلاق الأمة ~~ثنتان وقرؤها حيضتان" قال أبو عاصم: فحدثني مظاهر قال: حدثني به القاسم عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال: "وعدتها حيضتان". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: ~~حدثنا عمرو بن شبيب، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن # PageV01P443 # ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تطليق الأمة تطليقتان وعدتها ~~حيضتان" فنص على الحيضتين في عدة الأمة، وذلك خلاف قول مخالفينا; لأنهم ~~يزعمون أن عدتها طهران ولا يستوعبون لها حيضتين; وإذا ثبت أن عدة الأمة ~~حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض. وهذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق ~~الآحاد فقد اتفق أهل العلم على استعمالهما في أن عدة الأمة على النصف من ~~عدة الحرة، فأوجب ذلك صحته. ويدل عليه أيضا حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا ~~حائل حتى تستبرئ بحيضة" ومعلوم أن أصل العدة موضوع للاستبراء، فلما جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم استبراء الأمة بالحيضة دون الطهر وجب أن تكون ~~العدة بالحيض دون الطهر; إذ كل واحد منهما موضوع في الأصل للاستبراء أو ~~لمعرفة براءة الرحم من الحبل; وإن كان قد تجب العدة على الصغيرة والآيسة; ~~لأن الأصل للاستبراء، ثم حمل عليه غيره من الآيسة والصغيرة لئلا يترخص في ~~التي قاربت البلوغ وفي الكبيرة التي قد يجوز أن تحيض وترى الدم بترك العدة، ~~فأوجب على الجميع العدة احتياطا للاستبراء الذي ذكرنا. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {واللائي ms0608 يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} ~~[الطلاق: 4] فأوجب الشهور عند عدم الحيض; فأقامها مقامها، فدل ذلك على أن ~~الأصل هو الحيض; كما أنه لما قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] ~~علمنا أن الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء. ويدل عليه أن الله حصر ~~الأقراء بعدد يقتضي استيفاءه للعدة، وهو قوله تعالى: {ثلاثة قروء} واعتبار ~~الطهر فيه يمنع استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنة; لأن طلاق السنة أن ~~يوقعه في طهر لم يجامعها فيه، فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرا ~~قد مضى بعضه ثم تعتد بعده بطهرين آخرين، فهذان طهران وبعض الثالث، فلما ~~تعذر استيفاء الثلاث إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحيض الذي يمكن ~~استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله; وليس هذا كقوله تعالى: {الحج أشهر ~~معلومات} فالمراد شهران وبعض الثالث; لأنه لم يحصرها بعدد وإنما ذكرها بلفظ ~~الجمع، والأقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل منه. ألا ترى أنه لا يجوز أن ~~تقول: رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان، وجائز أن تقول: رأيت رجالا والمراد ~~رجلان؟ وأيضا فإن قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} معناه عمل الحج في أشهر ~~معلومات، ومراده في بعضها; لأن عمل الحج لا يستغرق الأشهر وإنما يقع في بعض ~~الأوقات منها فلم يحتج فيه إلى استيفاء العدد. وأما الأقراء فواجب ~~استيفاؤها للعدة، فإن كانت الأقراء الأطهار فواجب أن يستوفى العدد المذكور ~~كما يستغرق الوقت كله، فيكون جميع أوقات الطهر عدة إلى انقضاء عددها، فلم ~~يجز # PageV01P444 # الاقتصار به على ما دون العدد المذكور، فوجب أن يكون المراد الحيض إذا ~~أمكن استيفاء العدد عند إيقاع طلاق السنة. وكما لم يجز الاقتصار في عدة ~~الآيسة والصغيرة على شهرين وبعض الثالث بقوله تعالى: {فعدتهن ثلاثة أشهر} ~~كذلك لما ذكر ثلاثة قروء لم يجز أن تكون اثنتين وبعض الثالث. # فإن قيل: إذا طلقها في الطهر فبقيته قرء تام. قيل له: فينبغي أن تنقضي ~~عدتها بوجود جزء من الطهر الثالث إذا كان الجزء منه ms0609 قرءا تاما. فإن قيل: ~~القرء هو الخروج من حيض إلى طهر أو من طهر إلى حيض، إلا أنهم قد اتفقوا أنه ~~لو طلقها وهي حائض لم يكن خروجها من حيض إلى طهر معتدا به قرءا، فإذا ثبت ~~أن خروجها من حيض إلى طهر غير مراد بقي الوجه الآخر وهو خروجها من طهر إلى ~~حيض، ويمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا طلقها في الحيض. قيل له: قول ~~القائل القرء هو خروج من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر قول يفسد من وجوه: ~~أحدها: أن السلف اختلفوا في معنى قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~فقال منهم قائلون: هي الحيض. وقال آخرون: هي الأطهار. ولم يقل أحد منهم: ~~إنه خروج من حيض إلى طهر أو من طهر إلى حيض; فقول القائل بما وصفت خارج عن ~~إجماع السلف، وقد انعقد الإجماع منهم بخلافه، فهو ساقط. ومن جهة أخرى أن ~~أهل اللغة اختلفوا في معناه في أصل اللغة على ما قدمنا من أقوالهم فيه، ولم ~~يقل منهم أحد فيما ذكر من حقيقته ما يوجب احتمال خروجها من حيض إلى طهر أو ~~من طهر إلى حيض، فيفسد من هذا الوجه أيضا. ويفسد أيضا من جهة أن كل من ادعى ~~معنى لاسم من طريق اللغة فعليه أن يأتي بشاهد منها عليه أو رواية عن أهلها ~~فيه، فلما عري هذا القول من دلالة اللغة ورواية فيها سقط. ومن جهة أخرى: ~~وهي أنه لو كان القرء اسما للانتقال على الوجه الذي ذكرت لوجب أن يكون قد ~~سمي به في الأصل غيره على وجه الحقيقة ثم ينتقل من الانتقال من طهر إلى ~~حيض; إذ معلوم أنه ليس باسم موضوع له في أصل اللغة وإنما هو منقول من غيره، ~~فإذا لم يسم شيء من ضروب الانتقال بهذا الاسم علمنا أنه ليس باسم له. وأيضا ~~لو كان كذلك لوجب أن يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ثم انتقالها من ~~الحيض إلى الطهر قرءا ثانيا ثم انتقالها من الطهر ms0610 الثاني إلى الحيض قرءا ~~ثالثا، فتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الثانية; إذ ليس بحيض على أصلك اسم ~~القرء بالانتقال من الحيض إلى الطهر دون الانتقال من الطهر إلى الحيض. فإن ~~قيل: الظاهر يقتضيه، إلا أن دلالة الإجماع منعت منه. قيل له: ما أنكرت ممن ~~قال لك إن المراد الانتقال من الحيض إلى الطهر، إلا أنه إذا طلقها في الحيض ~~لم يعتد بانتقالها من الحيض إلى الطهر فيه بدلالة الإجماع، وحكم اللفظ باق ~~بعد # PageV01P445 # ذلك في سائر الانتقالات من الحيض إلى الطهر؟ فإذا لم يمكنه الانفصال مما ~~ذكرنا وتعارضا سقطا وزال الاحتجاج به. فإن قيل: اعتبار خروجها من طهر إلى ~~حيض أولى من اعتبار خروجها من حيض إلى طهر; لأن في انتقالها من طهر إلى حيض ~~دلالة على براءة رحمها من الحبل، وخروجها من حيض إلى طهر غير دال على ذلك; ~~لأنه قد يجوز أن تحبل المرأة في آخر حيضها; ويدل عليه قول تأبط شرا: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # يعني أن أمه لم تحبل به في بقية حيضها. فيقال له: قولك: إنه يجوز أن تحبل ~~به في بقية حيضها قول خطأ; لأن الحبل لا يجامعه الحيض، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة" فجعل وجود ~~الحيض علما لبراءة رحمها من الحبل، فثبت أن الحمل والحيض لا يجتمعان، ومتى ~~حملت المرأة وهي حائض ارتفع الحيض، ولا يكون الدم الموجود مع الحبل حيضا ~~وإنما يكون دم استحاضة; وإذا كان كذلك فقولك إن خروجها من الحيض إلى الطهر ~~لا دلالة فيه على براءة رحمها قول خطأ. وأما استشهاده بقول تأبط شرا فإنه ~~من العجائب، وما علم هذا الشاعر الجاهل بذلك وقد قال الله تعالى: {ويعلم ما ~~في الأرحام} [لقمان: 34] وقال تعالى: {عالم الغيب} [الأنعام: 37] يعني أنه ~~استأثر بعلم ذلك دون خلقه وأن الخلق لا يعلمون منه إلا ما علمهم، مع دلالة ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم على انتفاء اجتماع ms0611 الحيض والحبل. ومع ذلك فإن ~~ما ذكره هذا القائل دلالة على صحة قولنا; لأنه إذا كانت العدة بالأقراء ~~إنما هي لاستبراء الرحم من الحبل، والطهر لا استبراء فيه; لأن الحمل طهر، ~~وجب أن يكون الاعتبار بالحيض التي هي علم لبراءة الرحم من الحبل; إذ ليس في ~~الطهر دلالة عليه. ويدل على أن العدة بالأقراء استبراء أنها لو رأت الدم ثم ~~ظهر بها حبل كانت العدة هي الحبل، فدل ذلك على أن العدة لذوات الأقراء إنما ~~هي استبراء من الحبل، والاستبراء من الحبل إنما يكون بالحيض لا بالطهر من ~~وجهين: أحدهما: أن عدة الشهور للصغيرة والآيسة طهر صحيح وليس باستبراء، ~~والمعنى الآخر: أن الطهر مقارن للحبل، فدل على أن الاستبراء لا يقع بما ~~يقارنه وإنما يقع بما ينافيه وهو الحيض، فيكون دلالة على براءة رحمها من ~~الحبل، فوجب أن تكون العدة بالحيض دون الأطهار. # واحتج من اعتبر الأطهار بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعمر حين طلق ابنه امرأته حائضا: "مره فليراجعها ثم ليدعها ~~حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". ~~قال: فهذا يدل من وجهين على أنها بالأطهار: أحدهما: قوله بعد ذكره الطلاق ~~في الطهر: "فتلك العدة التي # PageV01P446 # أمر الله أن تطلق لها النساء" وذلك إشارة إلى الطهر دون الحيض، فدل على ~~أن العدة بالأطهار دون الحيض. والثاني: قوله تعالى: {وأحصوا العدة} ~~[الطلاق: 1] وذلك عقيب الطلاق في الطهر، فوجب أن يكون المحصى هو بقية ~~الطهر، وهو الذي يلي الطلاق. فيقال له: أما قولك "فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق لها النساء" فإن اللام قد تدخل في ذلك لحال ماضية ومستقبلة، ألا ~~ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" يعني لرؤية ماضية؟ وقال ~~تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} [الإسراء: 19] يعني الآخرة؟ ~~فاللام ههنا للاستقبال والتراخي; ويقولون: تأهب للشتاء; يعني وقتا مستقبلا ~~متراخيا عن حال التأهب، وإذا كان اللفظ محتملا للماضي والمستقبل، ومتى ~~تناول المستقبل ms0612 فليس في مقتضاه وجوده عقيب المذكور بلا فصل. وإذا كان كذلك ~~ووجدنا قوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر فيه ذكر حيضة ماضية والحيضة ~~المستقبلة معلومة وإن لم تكن مذكورة، وذلك في قوله: "مره فليراجعها ثم ~~ليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر ~~الله أن يطلق لها النساء" فاحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الحيضة الماضية، ~~فيدل ذلك على أن العدة إنما هي الحيض. وجائز أن يريد حيضة مستقبلة; إذ هي ~~معلوم كونها على مجرى العادة، فليس الطهر حينئذ بأولى بالاعتبار من الحيض; ~~لأن الحيض في المستقبل وإن لم يكن مذكورا فجائز أن يراد به إذا كان معلوما، ~~كما أنه لم يذكر طهرا بعد الطلاق وإنما ذكر طهرا قبله; ولكن الطهر لما كان ~~معلوما وجوده بعد الطلاق إذا طلقها فيه على مجرى العادة جاز عندك رجوع ~~الكلام إليه وإرادته باللفظ; ومع ذلك فجائز أن تحيض عقيب الطلاق بلا فصل، ~~فليس إذا في اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون ~~الحيض. ومع ذلك فقد دل على أنه لو طلقها في آخر الطهر فحاضت عقيب الطلاق ~~بلا فصل أن عدتها ينبغي أن تكون الحيض دون الطهر بمقتضى لفظه صلى الله عليه ~~وسلم; إذ ليس في اللفظ ذكر حيض بعد الطلاق ولا طهر، فإذا حاضت عقيب الطلاق ~~كان ذلك عدتها. ثم لم يفرق أحد في اعتبار الحيض بين وجوده عقيب الطلاق ~~ومتراخيا عنه، فأوجب ذلك أن يكون الحيض هو المعتد به من الأقراء دون الطهر. # فإن قيل: الحيضة الماضية غير جائز أن تكون مرادة بالخبر; لأن ما قبل ~~الطلاق من الحيض لا يكون عدة. قيل له: إذا كانت تعتد به بعد الطلاق جاز أن ~~يسميها عدة، كما قال تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} فسماه زوجا قبل النكاح. ~~ويلزم مخالفنا من ذلك ما لزمنا; لأنه ذكر الطهر وأمره أن يطلقها فيه ولم ~~يذكر الطهر الذي بعد الطلاق فقد سمى الطهر الذي قبله ms0613 عدة; لأنه به تعتد ~~عندك، فما أنكرت أن تسمى الحيضة التي قبل # PageV01P447 # الطلاق عدة إذ كانت بها تعتد؟ وأما قوله تعالى: {وأحصوا العدة} [الطلاق: ~~1] فإن الإحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض; لأن كل ذي عدد فالإحصاء يلحقه. # فإن قيل: إذا كان الذي يلي الطلاق هو الطهر وقد أمرنا بالإحصاء، فأوجب أن ~~ينصرف الأمر بالإحصاء إليه; لأن الأمر على الفور. قيل له: هذا غلط; لأن ~~الإحصاء إنما ينصرف إلى أشياء ذوي عدد، فأما شيء واحد قبل انضمام غيره إليه ~~فلا عبرة بإحصائه، فإذا لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في المستقبل من ~~الأقراء متراخيا عن وقت الطلاق، ثم حينئذ الطهر لا يكون أولى به من الحيض; ~~إذ كانت سمة الإحصاء تتناولهما جميعا وتلحقهما على وجه واحد. وأيضا فيلزمك ~~على هذا أن تقول إنها لو حاضت عقيب الطلاق أن تكون عدتها بالحيض للزوم ~~الإحصاء عقيبه، والذي يليه في هذه الحال الحيض، فينبغي أن يكون هو العدة. # وقال بعض المخالفين ممن صنف في أحكام القرآن: قوله تعالى: {فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] معناه: في عدتهن، كما يقول الرجل كتب لغرة الشهر، ~~معناه: في هذا الوقت. وهذا غلط; لأن في هي ظرف، واللام وإن كانت متصرفة على ~~معان فليس في أقسامها التي تتصرف عليها وتحتملها كونها ظرفا، والمعاني التي ~~تنقسم إليها لام الإضافة خمسة: منها لام الملك، كقولك: له مال ولام الفعل ~~كقولك له كلام وله حركة ولام العلة كقولك قام; لأن زيدا جاءه، وأعطاه; لأنه ~~سأله ولام النسبة كقولك له أب وله أخ ولام الاختصاص كقولك له علم وله إرادة ~~ولام الاستغاثة كقولك يا لبكر ويا لدارم ولام كي وهو قوله تعالى: {وليرضوه ~~وليقترفوا} [الأنعام: 113] ولام العاقبة، كقوله تعالى: {ليكون لهم عدوا ~~وحزنا} [القصص: 8] فهذه المعاني التي تنقسم إليها هذه اللام ليس في شيء ~~منها ما ذكره هذا القائل; وهو مع ذلك ظاهر الفساد; لأنه إذا كان قوله ~~تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] معناه: في عدتهن، فينبغي أن تكون ~~العدة موجودة حتى يطلقها فيها، كما لو قال ms0614 قائل طلقها في شهر رجب لم يجز له ~~أن يطلقها قبل أن يوجد منه شيء; فبان بذلك فساد قول هذا القائل وتناقضه. # ومما يدل على أن قوله تعالى: {وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] لا دلالة فيه ~~على أنه الطهر الذي مسنون فيه طلاق السنة، أنه لو طلقها بعد الجماع في ~~الطهر لكان مخالفا للسنة ولم يختلف حكم ما تعتد به عند الفريقين بكونه ~~جميعا من حيض أو طهر، فدل ذلك على أنه لا تعلق لإيقاع طلاق السنة في وقت ~~الطهر بكونه عدة محصاة منها; ويدل عليه أنه لو طلقها وهي حائض لكانت معتدة ~~عقيب الطلاق، ونحن مخاطبون بإحصاء # PageV01P448 # عدتها، فدل على أنه لا تعلق للزوم الإحصاء ولا لوقت طلاق السنة بكونه هو ~~المعتد به دون غيره. # وقال القائل الذي قدمنا ذكر اعتراضه في هذا الفصل: وقد اعتبرتم يعني أهل ~~العراق معاني أخر غير الأقراء، من الاغتسال أو مضي وقت الصلاة، والله تعالى ~~إنما أوجب العدة بالأقراء وليس الاغتسال ولا مضي وقت الصلاة في شيء. فيقال ~~له: لم نعتبر غير الأقراء التي هي عندنا، ولكنا لم نتيقن انقضاء الحيض ~~والحكم بمضيه إلا بأحد معنيين لمن كانت أيامها دون العشرة: وهو الاغتسال ~~واستباحة الصلاة به، فتكون طاهرا بالاتفاق على ما روي عن عمر وعلي وعبد ~~الله وعظماء السلف من بقاء الرجعة إلى أن تغتسل، أو يمضي عليها وقت الصلاة ~~فيلزمها فرضها، فيكون لزوم فرض الصلاة منافيا لبقاء حكم الحيض. وهذا إنما ~~هو كلام في مضي الحيضة الثالثة ووقوع الطهر منها، وليس ذلك من الكلام في ~~المسألة في شيء، ألا ترى أنا نقول: إن أيامها إذا كانت عشرة انقضت عدتها ~~بمضي العشرة اغتسلت أو لم تغتسل؟ لحصول اليقين بانقضاء الحيضة; إذ لا يكون ~~الحيض عندنا أكثر من عشرة، فالملزم لنا ذلك على اعتبار الحيض مغفل في ~~إلزامه واضع للأقراء في غير موضعها. # قال أبو بكر رحمه الله: وقد أفردنا لهذه المسألة كتابا واستقصينا القول ~~فيها أكثر من هذا، وفيما ذكرناه ههنا كفاية. # وهذا الذي ذكره ms0615 الله تعالى من العدة ثلاثة قروء ومراده مقصور على الحرة ~~دون الأمة، وذلك; لأنه لا خلاف بين السلف أن عدة الأمة على النصف من عدة ~~الحرة; وقد روينا عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين منهم: ~~أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة وقد روينا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" والسنة والإجماع قد دلا على ~~أن مراد الله تعالى في قوله: {ثلاثة قروء} هو الحرائر دون الإماء. # قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} روى الأعمش ~~عن أبي الضحى عن مسروق عن أبي بن كعب قال: كان من الأمانة أن اؤتمنت المرأة ~~على فرجها. وروى نافع عن ابن عمر في قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن} قال: "الحيض والحبل". وقال عكرمة: الحيض والحكم عن ~~مجاهد وإبراهيم، أحدهما: "الحمل" وقال الآخر: "الحيض". وعن علي أنه استحلف ~~امرأة أنها لم تستكمل الحيض; وقضى بذلك عثمان. # PageV01P449 # قال أبو بكر: لما وعظها بترك الكتمان دل على أن القول قولها في وجود ~~الحيض أو عدمه. وكذلك في الحبل; لأنهما جميعا مما خلق الله في رحمها، ولولا ~~أن قولها فيه مقبول لما وعظت بترك الكتمان ولا كتمان لها، فثبت بذلك أن ~~المرأة إذا قالت أنا حائض لم يحل لزوجها وطؤها، وأنها إذا قالت قد طهرت حل ~~له وطؤها. وكذلك قال أصحابنا أنه إذا قال لها أنت طالق إن حضت فقالت قد حضت ~~طلقت وكان قولها كالبينة. وفرقوا بين ذلك وبين سائر الشروط إذا علق بها ~~الطلاق، نحو قوله إن دخلت الدار أو كلمت زيدا فقالوا: لا يقبل قولها إذا لم ~~يصدقها الزوج إلا ببينة، وتصدق في الحيض والطهر; لأن الله تعالى قد أوجب ~~علينا قبول قولها في الحيض والحبل وفي انقضاء العدة وذلك معنى يخصها ولا ~~يطلع عليه غيرها، فجعل قولها كالبينة; فكذلك سائر ما تعلق من الأحكام ~~بالحيض فقولها مقبول فيه. وقالوا: لو ms0616 قال لها عبدي حر إن حضت فقالت قد حضت ~~لم تصدق; ; لأن ذلك حكم في غيرها أعني عتق العبد والله تعالى إنما جعل ~~قولها كالبينة في الحيض فيما يخصها من انقضاء عدتها ومن إباحة وطئها أو ~~حظره، فأما فيما لا يخصها ولا يتعلق بها فهو كغيره من الشروط فلا تصدق ~~عليه. ونظير هذه الآية في تصديق المؤتمن فيما اؤتمن عليه قوله تعالى: ~~{وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] ~~لما وعظه بترك البخس دل ذلك على أن القول قوله فيه، ولولا أنه مقبول القول ~~فيه لما كان موعوظا بترك البخس، وهو لو بخس لم يصدق عليه. ومنه أيضا قوله ~~تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] دل ~~ذلك على أن الشاهد إذا كتم أو أظهر كان المرجع إلى قوله فيما كتم وفيما ~~أظهر، لدلالة وعظه إياه بترك الكتمان على قبول قوله فيها. وذلك كله أصل في ~~أن كل من اؤتمن على شيء فالقول قوله فيه، كالمودع إذا قال: قد ضاعت الوديعة ~~أو قد رددتها، وكالمضارب والمستأجر وسائر المأمونين على الحقوق. ولذلك قلنا ~~إن قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ثم قوله تعالى عطفا عليه: ~~{فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: ~~282] فيه دلالة على أن الرهن ليس بأمانة; لأنه لو كان أمانة لما عطف ~~الأمانة عليه; إذ كان الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره. # ومن الناس من يقول: إن قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} إنما هو مقصور الحكم على الحبل دون الحيض; لأن الدم إنما يكون ~~حيضا إذا سال ولا يكون حيضا وهو في الرحم; لأن الحيض هو حكم يتعلق بالدم ~~الخارج فما دام في الرحم فلا حكم له ولا معنى لاعتباره ولا ائتمان المرأة ~~عليه. قال أبو بكر: هذا # PageV01P450 # صحيح إذ الدم لا يكون حيضا إلا بعد خروجه من الرحم; ولكن دلالة الآية ~~قائمة على ما ذكرنا، ms0617 وذلك; لأن وقت الحيض إنما يرجع فيه إلى قولها; إذ ليس ~~كل دم سائل حيضا وإنما يكون حيضا بأسباب أخر نحو الوقت والعادة وبراءة ~~الرحم عن الحبل; وإذا كان كذلك وكانت هذه الأمور إنما تعلم من جهتها فهي ~~إذا قالت قد حضت ثلاث حيض فالقول قولها بمقتضى الآية، وكذلك إذا قالت لم أر ~~دما ولم تنقض عدتي فالقول قولها، وكذلك إذا قالت قد أسقطت سقطا قد استبان ~~خلقه وانقضت عدتي فالقول قولها; وإنما التصديق متعلق بحيض قد وجد ودم قد ~~سال. # وفي هذه الآية دلالة على أن الحيض لا يتعلق حكمه بلون الدم; لأنه لو كان ~~كذلك لما اختصت هي بالرجوع إلى قولها دوننا; لأنها وإيانا متساوون في ~~التفرقة بين الألوان، فدل ذلك على أن دم الحيض غير متميز بلونه من لون دم ~~الاستحاضة وأنهما على صفة واحدة; ففيه دلالة على بطلان قول من اعتبر الحيض ~~بلون الدم، وإنما لم يعلم ذلك إلا من جهتها عند سقوط اعتبار لون الدم لما ~~وصفنا من أن وقت الحيض والعادة فيه ومقداره وأوقات الطهر إنما يعلم من ~~جهتها; إذ ليس كل دم حيضا، وكذلك وجود الحمل النافي لكون الدم حيضا وإسقاط ~~سقط، كل ذلك المرجع فيه إلى قولها; لأنا لا نعلمه نحن ولا نقف عليه إلا من ~~جهتها; فلذلك جعل القول فيه قولها. # وذكر هشام عن محمد أن قول المرأة مقبول في وجود الحيض، ويحكم ببلوغها إذا ~~كانت قد بلغت سنا تحيض مثلها وذلك لما ذكرنا من قوله تعالى: {ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال محمد: ولو قال صبي مراهق "قد احتلمت" ~~لم يصدق فيه حتى يعلم الاحتلام أو بلوغ سن يكون مثله بالغا فيها. ففرق بين ~~الحيض والاحتلام، والفرق بينهما أن الحيض إنما يعلم من جهتها لتعلقه ~~بالأوقات والعادة والمعاني التي لا تعلم من جهة غيرها ودلالة الآية على ~~قبول قولها فيه، وليس كذلك الاحتلام; لأنه لا يتعلق خروج المني على وجه ~~الدفق والشهوة بأسباب أخر غير ms0618 خروجه، ولا اعتبار فيه بوقت ولا عادة، فلما ~~كان كذلك لم يعتبر قوله فيه حتى نعلم يقينا صحة ما قال. ومن جهة أخرى أن دم ~~الحيض والاستحاضة لما كانا على صفة واحدة لم يجز لمن شاهد الدم أن يقضي له ~~بحكم الحيض فوجب الرجوع إلى قولها; إذ كان ذلك إنما هو شيء تعلمه هي دوننا. ~~وأما الاحتلام فلا يشتبه فيه خروج المني على أحد شاهده وهو يدرك ويعلم من ~~غير التباس منه بغيره فلذلك لم نحتج فيه إلى الرجوع إلى قوله. # وقوله تعالى: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} ليس بشرط في النهي عن ~~الكتمان، وإنما هو على وجه التأكيد وأنه من شرائط الإيمان، فعليها أن لا ~~تكتم; ومن يؤمن ومن # PageV01P451 # لا يؤمن في هذا النهي سواء، وهو كقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النور: 2] وقول مريم: {إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18] . # قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} قد تضمن ضروبا ~~من الأحكام، أحدها: أن ما دون الثلاث لا يرفع الزوجية ولا يبطلها وإخبار ~~ببقاء الزوجية معه; لأنه سماه بعلا بعد الطلاق، فدل ذلك على بقاء التوارث ~~وسائر أحكام الزوجية ما دامت معتدة، ودل على أن له الرجعة ما دامت معتدة; ~~لأنه قال: {في ذلك} يعني فيما تقدم ذكره من الثلاثة قروء. ودل على أن إباحة ~~هذه الرجعة مقصورة على حال إرادة الإصلاح ولم يرد بها الإضرار بها، وهو ~~كقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} . فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ~~{أحق بردهن في ذلك} مع بقاء الزوجية؟ وإنما يقال ذلك فيما قد زال عنه ملكه، ~~فأما فيما هو في ملكه فلا يصح أن يقال بردها إلى ملكه مع بقاء ملكه فيها؟ ~~قيل له: لما كان هناك سبب قد تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدة، جاز ~~إطلاق اسم الرد عليه ويكون ذلك بمعنى المانع من زوال الزوجية بانقضاء ~~العدة، فسماه ردا; إذ كان ms0619 رافعا لحكم السبب الذي تعلق به زوال الملك، وهو ~~كقوله تعالى: {فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} وهو ممسك لها ~~في هذه الحال; لأنها زوجته، وإنما المراد الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بعد ~~انقضاء الحيض التي لو لم تكن الرجعة لكانت مزيلة للنكاح. وهذه الرجعة وإن ~~كانت إباحتها معقودة بشريطة إرادة الإصلاح، فإنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ~~إذا راجعها مضارا في الرجعة مريدا لتطويل العدة عليها أن رجعته صحيحة. وقد ~~دل على ذلك قوله تعالى: {فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} ثم عقبه بقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} ~~فلو لم تكن الرجعة صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما لنفسه ~~بفعلها. # وقد دلت الآية أيضا على جواز إطلاق لفظ العموم في مسميات ثم يعطف عليه ~~بحكم يختص به بعض ما انتظمه العموم، فلا يمنع ذلك اعتبار عموم اللفظ فيما ~~يشمله في غير ما خص به المعطوف; لأن قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء} عام في المطلقة ثلاثا وفيما دونها لا خلاف في ذلك، ثم قوله ~~تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث، ولم يوجب ~~ذلك الاقتصار بحكم قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} على ~~ما دون الثلاث. ولذلك نظائر كثيرة في القرآن والسنة، نحو قوله تعالى: ~~{ووصينا الأنسان بوالديه # PageV01P452 # حسنا} [العنكبوت: 8] وذلك عموم في الوالدين الكافرين والمسلمين، ثم عطف ~~عليه قوله تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} [العنكبوت: ~~8] وذلك خاص في الوالدين المشركين، فلم يمنع ذلك عموم أول الخطاب في ~~الفريقين من المسلمين والكفار; والله أعلم بالصواب. # PageV01P453 # باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج # قال الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} قال ~~أبو بكر رحمه الله: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين ~~على صاحبه حقا، وأن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله ms0620 بقوله ~~تعالى: {وللرجال عليهن درجة} ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على ~~صاحبه من الحق مفسرا، وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فمما بينه الله تعالى من حق المرأة عليه قوله تعالى: {وعاشروهن ~~بالمعروف} [النساء: 19] وقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقال ~~تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقال تعالى: {الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} ~~[النساء: 34] وكانت هذه النفقة من حقوقها عليه. وقال تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] فجعل من حقها عليه أن يوفيها صداقها، وقال ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا} [النساء: 20] فجعل من حقها عليه أن لا يأخذ مما أعطاها شيئا إذا ~~أراد فراقها وكان النشوز من قبله; لأن ذكر الاستبدال يدل على ذلك. وقال ~~تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] فجعل من حقها عليه ترك إظهار الميل إلى ~~غيرها; وقد دل ذلك على أن من حقها القسم بينها وبين سائر نسائه; لأن فيه ~~ترك إظهار الميل إلى غيرها، ويدل عليه أن عليه وطأها بقوله تعالى: {فتذروها ~~كالمعلقة} [النساء: 129] يعني: لا فارغة فتتزوج ولا ذات زوج; إذ لم يوفها ~~حقها من الوطء، ومن حقها أن لا يمسكها ضرارا على ما تقدم من بيانه. وقوله ~~تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} إذا كان ~~خطابا للزوج فهو يدل على أن من حقها إذا لم يمل إليها أن لا يعضلها عن غيره ~~بترك طلاقها. فهذه كلها من حقوق المرأة على الزوج، وقد انتظمت هذه الآيات ~~إثباتها لها. # ومما بين الله من حق الزوج على المرأة قوله تعالى: {فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله} [النساء: 34] فقيل فيه: "حفظ مائه في رحمها ولا ~~تحتال في إسقاطه" ويحتمل: حفظ فراشها عليه، ويحتمل: حافظات لما في بيوتهن ~~من مال # PageV01P453 # أزواجهن ولأنفسهن; ms0621 وجائز أن يكون المراد جميع ذلك لاحتمال اللفظ له. وقال ~~تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] قد أفاد ذلك لزومها طاعته; ~~لأن وصفه بالقيام عليها يقتضي ذلك. وقال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} ~~[النساء: 34] يدل على أن عليها طاعته في نفسها وترك النشوز عليه. # وقد روي في حق الزوج على المرأة وحق المرأة عليه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبار بعضها مواطئ لما دل عليه الكتاب وبعضها زائد عليه، من ذلك ما ~~حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي وغيره قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن جابر بن عبد الله قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فقال: ~~"اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة ~~الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ~~ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وروى ليث عن عبد الملك ~~عن عطاء عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله ما حق الزوج على الزوجة؟ فذكر فيها أشياء: "لا تصدق بشيء من ~~بيته إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر" فقالت: يا رسول الله ~~ما حق الزوج على زوجته؟ قال: "لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تصوم يوما إلا ~~بإذنه". وروى مسعر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها" ثم قرأ: {الرجال قوامون على النساء} ~~[النساء: 34] الآية. # قال أبو بكر: ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب التفريق إذا أعسر ~~الزوج بنفقتها; لأن الله تعالى جعل لهن من الحق عليهم مثل الذي عليهن، فسوى ~~بينهما، فغير جائز أن يستبيح بضعها من ms0622 غير نفقة ينفقها عليها. وهذا غلط من ~~وجوه: أحدها: أن النفقة ليست بدلا عن البضع فيفرق بينهما ويستحق البضع ~~عليها من أجلها; لأنه قد ملك البضع بعقد النكاح وبدله هو المهر. والوجه ~~الثاني: أنها لو كانت بدلا لما استحقت التفريق بالآية; لأنه عقب ذلك بقوله ~~تعالى: {وللرجال عليهن درجة} فاقتضى ذلك تفضيله عليها فيما يتعلق بينهما من ~~حقوق النكاح، وأن يستبيح بضعها وإن لم يقدر على نفقتها. وأيضا فإن كانت ~~النفقة مستحقة عليه بتسليمها نفسها في بيته فقد أوجبنا لها عليه مثل ما ~~أبحنا منها له وهو فرض النفقة وإثباتها في ذمته لها، فلم تخل في هذه الحال ~~من إيجاب الحق لها كما أوجبناه له عليها. # PageV01P454 # ومما تضمنه قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} من الدلالة على ~~الأحكام إيجاب مهر المثل إذا لم يسم لها مهرا; لأنه قد ملك عليها بضعها ~~بالعقد واستحق عليها تسليم نفسها إليه، فعليه لها مثل ملكه عليها، ومثل ~~البضع هو قيمته وهي مهر المثل، كقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فقد عقل به وجوب قيمة ما يستملكه عليه ~~بما لا مثل له من جنسه، وكذلك مثل البضع هو مهر المثل. # وقوله تعالى: {بالمعروف} يدل على أن الواجب من ذلك ما لا شطط فيه ولا ~~تقصير، كما قال صلى الله عليه وسلم في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها مهرا ~~ولم يدخل بها: "لها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط" وقوله: "أيما امرأة ~~تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها ولا ~~وكس ولا شطط" فهذا هو المعنى المعروف المذكور في الآية. وقد دلت الآية أيضا ~~على أنه لو تزوجها على أنه لا مهر لها أن المهر واجب لها; إذ لم تفرق بين ~~من شرط نفي المهر في النكاح وبين من لم يشرط في إيجابه لها مثل الذي عليها. # وقوله: {وللرجال عليهن درجة} قال أبو بكر: مما فضل به الرجل على المرأة ~~ما ms0623 ذكره الله من قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ~~على بعض} [النساء: 34] فأخبر بأنه مفضل عليها بأن جعل قيما عليها. وقال ~~تعالى: {وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] فهذا أيضا مما يستحق له ~~التفضيل عليها. ومما فضل به عليها ما ألزمها الله من طاعته بقوله تعالى: ~~{فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} [النساء: 34] ومن درجات التفضيل ما ~~أباحه للزوج من ضربها عند النشوز وهجران فراشها. ومن وجوه التفضيل عليها ما ~~ملك الرجل من فراقها بالطلاق ولم تملكه. ومنها أنه جعل له أن يتزوج عليها ~~ثلاثا سواها ولم يجعل لها أن تتزوج غيره ما دامت في حباله أو في عدة منه. ~~ومنها زيادة الميراث على قسمها. ومنها أن عليها أن تنتقل إلى حيث يريد ~~الزوج وليس على الزوج اتباعها في النقلة والسكنى، وأنه ليس لها أن تصوم ~~تطوعا إلا بإذن زوجها. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ضروب أخر من التفضيل سوى ما ذكرنا، ~~منها حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو كان ذلك كان النساء ~~لأزواجهن"، وحديث خلف بن خليفة عن حفص ابن أخي أنس عن أنس، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد ~~لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها; والذي # PageV01P455 # نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة بالقيح والصديد ثم لحسته ~~لما أدت حقه". وروى الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان ~~عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح". وفي حديث حصين بن محصن عن عمة له: أنها ~~أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أذات زوج أنت؟ " فقالت: نعم قال: ~~"فأين أنت منه؟ " قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: "فانظري ms0624 أين أنت منه ~~فإنما هو جنتك أو نارك". وروى سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوم المرأة يوما وزوجها شاهد من غير ~~رمضان إلا بإذنه" وحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء أن يصمن إلا بإذن أزواجهن". فهذه ~~الأخبار مع ما تضمنته دلالة الكتاب توجب تفضيل الزوج على المرأة في الحقوق ~~التي يقتضيها عقد النكاح. # وقد ذكر في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} عن أبي ~~عثمان النهدي عن أبي بن كعب قال: لما نزلت عدة النساء في الطلاق والمتوفى ~~عنها زوجها قلنا: يا رسول الله قد بقي نساء لم تنزل عدتهن بعد الصغار ~~والكبار والحبلى فنزلت: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] ~~إلى قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . وروى عبد ~~الوهاب عن سعيد عن قتادة قال: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فجعل ~~عدة المطلقات ثلاث حيض، ثم نسخ منها التي لم يدخل بها في العدة، ونسخ من ~~الثلاثة القروء امرأتان: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم} ~~[الطلاق: 4] فهذه العجوز التي لا تحيض، {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] فهذه ~~البكر عدتها ثلاثة أشهر وليس الحيض من أمرها في شيء. ونسخ من الثلاثة ~~القروء الحامل فقال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ~~فهذه أيضا ليست من القروء في شيء، إنما أجلها أن تضع حملها. # قال أبو بكر: أما حديث أبي بن كعب فلا دلالة فيه على نسخ شيء، وإنما أكثر ~~ما فيه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن عدة الصغيرة والآيسة ~~والحبلى، فهذا يدل على أنهم علموا خصوص الآية وأن الحبلى لم تدخل فيها مع ~~جواز أن تكون مرادة بها، وكذلك الصغيرة; لأنه كان جائزا أن يشترط ثلاثة ~~قروء بعد بلوغها وإن طلقت وهي صغيرة، وأما الآيسة فقد عقل من الآية أنها لم ~~ترد بها; لأن الآيسة هي التي لا ms0625 يرجى لها حيض، فلا جائز أن يتناولها مراد ~~الآية بحال. وأما حديث قتادة، فإنه ذكر أن الآية كانت عامة في اقتضائها ~~إيجاب العدة بالأقراء في المدخول بها وغير المدخول بها، وأنه نسخ منها غير ~~المدخول بها. # PageV01P456 # وهذا ممكن أن يكون كما قال، وأما قوله ونسخ عن الثلاثة قروء امرأتان وهي ~~الآيسة والصغيرة فإنه أطلق لفظ النسخ في الآية وأراد به التخصيص، وكثيرا ما ~~يوجد عن ابن عباس وعن غيره من أهل التفسير إطلاق لفظ النسخ ومرادهم ~~التخصيص، فإنما أراد قتادة بذكر النسخ في الآيسة التخصيص لا حقيقة النسخ; ~~لأنه غير جائز ورود النسخ إلا فيما استقر حكمه وثبت، وغير جائز أن تكون ~~الآيسة مرادة بعدة الأقراء مع استحالة وجودها منها، فدل على أنه أراد ~~التخصيص. وقد يحتمل وجها على بعد عندنا، وهو أن يكون مذهب قتادة أن التي ~~ارتفع حيضها وإن كانت شابة تسمى آيسة، وأن عدتها مع ذلك الأقراء وإن طالت ~~المدة فيها; وقد روي عن عمر أن التي ارتفع حيضها من الآيسات تكون عدتها عدة ~~الآيسة وإن كانت شابة; وهو مذهب مالك. فإن كان إلى هذا ذهب في معنى الآيسة ~~فهذه جائز أن تكون مرادة بالأقراء; لأنها يرجى وجودها منها. وأما قوله ونسخ ~~من الثلاثة قروء الحامل فإن هذا أيضا جائز سائغ; لأنه لا يمتنع ورود ~~العبارة بأن عدة الحامل ثلاث حيض بعد وضع الحمل، وإن كانت ممن لا تحيض وهي ~~حامل، فجائز أن يكون عدتها ثلاثة قروء بعد وضع الحمل فنسخ بالحمل. إلا أن ~~أبي بن كعب قد أخبر أن الحامل لم. تكن مرادة بعدة الأقراء، وأنهم سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأخبر بأنه لم تنزل في الحامل والآيسة ~~والصغيرة، فأنزل الله تعالى ذلك; وليس يجوز إطلاق النسخ على الحقيقة إلا ~~فيما قد علم ثبوت حكمه وورود الحكم الناسخ له متأخرا عنه، إلا أن يطلق لفظ ~~النسخ والمراد التخصيص على وجه المجاز فلا يضيق. وأولى الأشياء بنا حمله ~~على وجه التخصيص فيكون قوله تعالى: ms0626 {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} لم يرد إلا ~~خاصا في المطلقات ذوات الحيض المدخول بهن، وأن الآيسة والصغيرة والحامل لم ~~يردن قط بالآية; إذ ليس معنا تاريخ لورود هذه الأحكام ولا علم باستقرار ~~حكمها ثم نسخه بعده، فكأن هذه الآيات وردت معا وترتبت أحكامها على ما ~~اقتضاها من استعمالها وبني العام على الخاص منها. وقد روي عن ابن عباس وجه ~~آخر من النسخ في هذه الآية، وهو ما روى الحسين بن الحسن بن عطية، عن أبيه ~~عطية، عن ابن عباس قال: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى قوله: ~~{وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته كان أحق ~~بردها وإن طلقها ثلاثا، فنسختها هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] إلى قوله: {جميلا} . ~~وعن الضحاك بن مزاحم: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} قال: {فعدتهن ~~ثلاثة أشهر} ، فنسخ، واستثنى منها فقال: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] وروي فيها ~~وجه آخر، وهو ما روى مالك عن # PageV01P457 # هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن ~~تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، ~~حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها، ثم قال: والله لا آويك إلي ~~ولا تحلين مني أبدا فأنزل الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان منهم طلق أو لم ~~يطلق. وروى شيبان عن قتادة في قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} ~~وقال: في القروء الثلاثة، ثم قال: الطلاق مرتان لكل مرة قرء، فنسخت هذه ~~الآية ما كان قبلها فجعل الله حد الطلاق ثلاثا، فجعله أحق برجعتها ما لم ~~تطلق ثلاثا. # PageV01P458 # باب عدد الطلاق # قال الله عز وجل: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو ~~بكر: قد ذكرت في معناه وجوه: أحدها ms0627 أنه بيان للطلاق الذي تثبت معه الرجعة، ~~يروى ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة. والثاني: أنه بيان لطلاق السنة المندوب ~~إليه، ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنه أمر بأنه إذا أراد أن ~~يطلقها ثلاثا فعليه تفريق الطلاق، فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر ~~بعدهما الثالثة. قال أبو بكر: فأما قول من قال: إنه بيان لما يبقى معه ~~الرجعة من الطلاق; فإنه وإن ذكر معه الرجعة عقيبه فإن ظاهره يدل على أنه ~~قصد به بيان المباح منه وأما ما عداه فمحظور، وبين مع ذلك حكمه إذا أوقعه ~~على الوجه المأمور به بذكر الرجعة عقيبه. والدليل على أن المقصد فيه الأمر ~~بتفريق الطلاق وبيان حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة، أنه ~~قال: {الطلاق مرتان} وذلك يقتضي التفريق لا محالة; لأنه لو طلق اثنتين معا ~~لما جاز أن يقال طلقها مرتين، كذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن ~~يقال أعطاه مرتين; حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه. وإذا كان هذا هكذا، ~~فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة، لأدى ~~ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرتين; إذ كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة ~~إذا طلق اثنتين، فثبت بذلك أن ذكره للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهي ~~عن الجمع بينهما في مرة واحدة. ومن جهة أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا ~~للأمرين لكان الواجب حمله على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين، وهو الأمر ~~بتفريق الطلاق متى أراد أن يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك، ~~فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين. وقوله تعالى: {الطلاق مرتان} وإن كان ظاهره ~~الخبر فإن معناه الأمر، كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} {والوالدات يرضعن أولادهن} وما جرى هذا المجرى مما هو في صيغة الخبر # PageV01P458 # ومعناه الأمر والدليل على أنه أمر وليس بخبر، أنه لو كان خبرا لوجد مخبره ~~على ما أخبر به; لأن أخبار الله لا تنفك من وجود مخبراتها; فلما وجدنا ~~الناس قد ms0628 يطلقون الواحدة والثلاث معا، ولو كان قوله تعالى: {الطلاق مرتان} ~~اسما للخبر لاستوعب جميع ما تحته، ثم وجدنا في الناس من يطلق لا على الوجه ~~المذكور في الآية، علمنا أنه لم يرد الخبر وأنه تضمن أحد معنيين: إما الأمر ~~بتفريق الطلاق متى أردنا الإيقاع، أو الإخبار عن المسنون المندوب إليه منه. ~~وأولى الأشياء حمله على الأمر; إذ قد ثبت أنه لم يرد به حقيقة الخبر; لأنه ~~حينئذ يصير بمعنى قوله طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق وذلك يقتضي الإيجاب، ~~وإنما ينصرف إلى الندب بدلالة، ويكون كما قال صلى الله عليه وسلم: "الصلاة ~~مثنى مثنى والتشهد في كل ركعتين وتمسكن وخشوع" فهذه صيغة الخبر، والمراد ~~الأمر بالصلاة على هذه الصفة. وعلى أنه إن حمل على أن المراد بيان المسنون ~~من الطلاق كانت دلالته قائمة على حظر جمع الاثنين أو الثلاث; لأن قوله: ~~{الطلاق مرتان} منتظم لجميع الطلاق المسنون، فلا يبقى شيء من مسنون الطلاق ~~إلا وقد انطوى تحت هذا اللفظ، فإذا ما خرج عنه فهو على خلاف السنة، فثبت ~~بذلك أن من جمع اثنتين أو ثلاثا في كلمة فهو مطلق لغير السنة. فانتظمت هذه ~~الآية الدلالة على معان: منها أن مسنون الطلاق التفريق بين أعداد الثلاث ~~إذا أراد أن يطلق ثلاثا. ومنها أن له أن يطلق اثنتين في مرتين. ومنها أن ما ~~دون الثلاث تثبت معه الرجعة. ومنها أنه إذا طلق اثنتين في الحيض وقعتا; لأن ~~الله قد حكم بوقوعهما. ومنها أنه نسخ هذه الآية الزيادة على الثلاث، على ما ~~روي عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يطلقون ما شاءوا من العدد ثم يراجعون، ~~فقصروا على الثلاث ونسخ به ما زاد. ففي هذه الآية دلالة على حكم العدد ~~المسنون من الطلاق، وليس فيها ذكر الوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق، وقد بين ~~الله ذلك في قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم طلاق العدة, فقال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: "ما هكذا ~~أمرك الله إنما طلاق العدة ms0629 أن تطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا وقد ~~استبان حملها" فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء; فكان طلاق ~~السنة معقودا بوصفين: أحدهما: العدد، والآخر: الوقت. فأما العدد فأن لا ~~يزيد في طهر واحد على واحدة، وأما الوقت فأن يطلقها طاهرا من غير جماع أو ~~حاملا قد استبان حملها. # وقد اختلف أهل العلم في طلاق السنة لذوات الأقراء، فقال أصحابنا: أحسن ~~الطلاق أن يطلقها إذا طهرت قبل الجماع ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، وإن أراد ~~أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة قبل الجماع وهو قول الثوري. وقال ~~أبو حنيفة: وبلغنا # PageV01P459 # عن إبراهيم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون أن ~~لا يزيدوا في الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة، وأن هذا عندهم أفضل من أن ~~يطلقها ثلاثا عند كل طهر واحدة. # وقال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والليث بن سعد والحسن بن ~~صالح والأوزاعي طلاق السنة أن يطلقها في طهر قبل الجماع تطليقة واحدة ~~ويكرهون أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار، لكنه إن لم يرد رجعتها تركها حتى ~~تنقضي عدتها من الواحدة. وقال الشافعي فيما رواه عنه المزني: لا يحرم عليه ~~أن يطلقها ثلاثا، ولو قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة وهي طاهر من غير جماع، ~~طلقت ثلاثا معا. قال أبو بكر: فنبدأ بالكلام على الشافعي في ذلك، فنقول: إن ~~دلالة الآية التي تلونا ظاهرة في بطلان هذه المقالة; لأنها تضمنت الأمر ~~بإيقاع الاثنتين في مرتين، فمن أوقع الاثنتين في مرة فهو مخالف لحكمها; ~~ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: ~~87] وظاهره يقتضي تحريم الثلاث لما فيها من تحريم ما أحل لنا من الطيبات. ~~والدليل على أن الزوجات قد تناولهن هذا العموم قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء} [النساء: 3] فوجب بحق العموم حظر الطلاق الموجب لتحريمها، ~~ولولا قيام الدلالة في إباحة إيقاع الثلاث في وقت السنة وإيقاع الواحدة ~~لغير المدخول ms0630 لاقتضت الآية حظره. ومن جهة أخرى من دلائل الكتاب، أن الله ~~تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب عليها العدة إلا مقرونا بذكر الرجعة. ~~منها قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف} وقوله تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وقوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} أو فارقوهن بمعروف; فلم يبح الطلاق ~~المبتدأ لذوات العدد إلا مقرونا بذكر الرجعة. وحكم الطلاق مأخوذ من هذه ~~الآيات، لولاها لم يكن الطلاق من أحكام الشرع، فلم يجز لنا إثباته مسنونا ~~إلا على هذه الشريطة وبهذا الوصف. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل ~~في أمرنا ما ليس منه فهو رد" وأقل أحوال هذا اللفظ حظر خلاف ما تضمنته ~~الآيات التي تلونا من إيقاع الطلاق المبتدأ مقرونا بما يوجب الرجعة. # ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر ~~الله أن يطلق لها النساء". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عنبسة قال: حدثنا يونس عن ابن شهاب قال: # PageV01P460 # أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ~~لرسول الله، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "مره فليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك ~~الطلاق للعدة كما أمر الله". فذكر سالم في رواية الزهري عنه ونافع عن ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم ~~تحيض ms0631 ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو أمسك. وروي عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ~~ابن عمر مثله. وروى يونس وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم عن ابن ~~عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم قال: "إن ~~شاء طلق وإن شاء أمسك"; والأخبار الأول أولى لما فيها من الزيادة. ومعلوم ~~أن جميع ذلك إنما ورد في قصة واحدة، وإنما ساق بعضهم لفظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم على وجهه وحذف بعضهم ذكر الزيادة إغفالا أو نسيانا، فوجب ~~استعماله بما فيه من زيادة ذكر الحيضة; إذ لم يثبت أن الشارع صلى الله عليه ~~وسلم قال ذلك عاريا من ذكر الزيادة وذكره مرة مقرونا بها; إذ كان فيه إثبات ~~القول منه في حالين، وهذا مما لا نعلمه، فغير جائز إثباته. وعلى أنه لو كان ~~الشارع صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك في حالين، لم يخل من أن يكون المتقدم ~~منهما هو الخبر الذي فيه الزيادة والآخر متأخرا عنه فيكون ناسخا له، وأن ~~يكون الذي لا زيادة فيه هو المتقدم، ثم ورد بعده ذكر الزيادة فيكون ناسخا ~~للأول بإثبات الزيادة. ولا سبيل لنا إلى العلم بتاريخ الخبرين، لا سيما وقد ~~أشار الجميع من الرواة إلى قصة واحدة; فإذا لم يعلم التاريخ وجب إثبات ~~الزيادة من وجهين: أحدهما: أن كل شيئين لا يعلم تاريخهما فالواجب الحكم ~~بهما معا ولا يحكم بتقدم أحدهما على الآخر، كالغرقى والقوم يقع عليهم ~~البيت، وكما نقول في البيعين من قبل رجل واحد: إذا قامت عليهما البينة ولم ~~يعلم تاريخهما فيحكم بوقوعهما معا فكذلك هذان الخبران وجب الحكم بهما معا; ~~إذ لم يثبت لهما تاريخ، فلم يثبت الحكم إلا مقرونا بالزيادة المذكورة فيه ~~والوجه الآخر: أنه قد ثبت أن الشارع قد ذكر الزيادة وأثبتها وأمر باعتبارها ~~بقوله: "مره فليدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء" لورودها ~~من طرق صحيحة; فإذا كانت ثابتة في وقت واحتمل أن ms0632 تكون منسوخة بالخبر الذي ~~فيه حذف الزيادة واحتمل أن تكون غير منسوخة، لم يجز لنا إثبات النسخ ~~بالاحتمال ووجب بقاء حكم الزيادة، ولما ثبت ذلك وأمر الشارع صلى الله عليه ~~وسلم بالفصل بين التطليقة الموقعة في الحيض وبين الأخرى التي أمره بإيقاعها ~~بحيضة ولم يبح له إيقاعها في الطهر الذي يلي الحيضة، ثبت إيجاب الفصل بين ~~كل تطليقتين بحيضة وأنه غير جائز له الجمع بينهما في طهر واحد; لأنه صلى ~~الله تعالى عليه وسلم كما أمره بإيقاعها في الطهر ونهاه عنها في الحيض فقد ~~أمره أيضا بأن لا يوقعها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيه، ولا فرق ~~بينهما. # PageV01P461 # فإن قيل: قد روي عن أبي حنيفة أنه إذا طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر جاز ~~له إيقاع تطليقة أخرى في ذلك الطهر فقد خالف بذلك ما أردت تأكيده من ~~الزيادة المذكورة في الخبر. قيل له: قد ذكرنا هذه المسألة في الأصول، ومنعه ~~من إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن راجعها حتى يفصل بينهما بحيضة، ~~وهذا هو الصحيح والرواية الأخرى غير معمول عليها. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النهي عن إيقاع الثلاث مجموعة بما لا مساغ للتأويل فيه، ~~وهو ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى ~~بن منصور قال: حدثنا سعيد بن زريق: أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال: ~~حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها ~~بتطليقتين أخريين عند القرأين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن ~~تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء" فأمرني رسول الله فراجعتها وقال: "إذا هي طهرت ~~فطلق عند ذلك أو أمسك" فقلت: يا رسول الله أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثا أكان ~~لي أن أراجعها؟ قال: "لا، كانت تبين وتكون معصية"، فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم نصا في هذا الحديث بكون ms0633 الثلاث معصية. # فإن قيل: لما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سائر أخبار ابن عمر ~~حين ذكر الطهر الذي هو وقت لإيقاع طلاق السنة: "ثم ليطلقها إن شاء" ولم ~~يخصص ثلاثا مما دونها، كان ذلك إطلاقا للاثنتين والثلاث معا. قيل له: لما ~~ثبت بما قدمنا من إيجابه الفصل بين التطليقتين بحيضة، ثم عطف عليه بقوله: ~~"ثم ليطلقها إن شاء" علمنا أنه إنما أراد واحدة لا أكثر منها، لاستحالة ~~إرادته نسخ ما أوجبه بديا من إيجابه الفصل بينهما وما اقتضاه ذلك من حظر ~~الجمع بين تطليقتين; إذ غير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد; لأن ~~النسخ لا يصح إلا بعد استقرار الحكم والتمكين من الفعل، ألا ترى أنه لا ~~يجوز أن يقول في خطاب واحد: قد أبحت لكم هذا الناب من السباع وقد حظرته ~~عليكم؟ لأن ذلك عبث، والله تعالى منزه عن فعل العبث. وإذا ثبت ذلك علمنا أن ~~قوله: "ثم ليطلقها إن شاء" مبني على ما تقدم من حكمه في ابتداء الخطاب، وهو ~~أن لا يجمع بين اثنتين في طهر واحد، وأيضا فلو خلا هذا اللفظ من دلالة حظر ~~الجمع بين التطليقتين في طهر واحد لما دل على إباحته لوروده مطلقا عاريا من ~~ذكر ما تقدم; لأن قوله: "ثم ليطلقها إن شاء" لم يقتض اللفظ أكثر من واحد; ~~وكذلك نقول في نظائر ذلك من الأوامر: أنه إنما يقتضي أدنى ما يتناوله الاسم ~~وإنما يصرف إلى الأكثر بدلالة، كقول الرجل لآخر طلق امرأتي أن الذي يجوز له ~~إيقاعه بالأمر إنما هو تطليقة واحدة لا أكثر منها، وكذلك قال أصحابنا فيمن ~~قال لعبده تزوج أنه يقع على امرأة واحدة، فإن تزوج # PageV01P462 # اثنتين لم يجز نكاح واحدة منهما إلا أن يقول المولى أردت اثنتين وكذلك ~~قوله: "فليطلقها إن شاء" لم يقتض إلا تطليقة واحدة، وما زاد عليها فإنما ~~يثبت بدلالة. فهذا الذي قدمناه من دلالة الكتاب والسنة على حظر جمع الثلاث ~~والاثنتين في كلمة واحدة، وقد ورد بمثله اتفاق السلف، ms0634 من ذلك ما روى الأعمش ~~عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه قال طلاق السنة أن يطلقها ~~تطليقة واحدة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى; وقال ~~إبراهيم مثل ذلك. وروى زهير عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: ~~من أراد الطلاق الذي هو الطلاق فليطلق عند كل طهر من غير جماع، فإن بدا له ~~أن يراجعها راجعها وأشهد رجلين، وإذا كانت الثانية في مرة أخرى فكذلك، فإن ~~الله تعالى يقول: {الطلاق مرتان} وروى ابن سيرين عن علي قال: "لو أن الناس ~~أصابوا حد الطلاق ما ندم أحد على امرأة يطلقها وهي طاهر من غير جماع أو ~~حاملا قد تبين حملها، فإذا بدا له أن يراجعها راجعها وإن بدا له أن يخلي ~~سبيلها خلى سبيلها". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~حميد بن مسعدة قال: حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن ~~مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال له إنه طلق امرأته ثلاثا، ~~قال: فسكت ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب ~~الأحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال: {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت ~~منك امرأتك، وإن الله تعالى قال: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] أي قبل عدتهن وعن عمران بن حصين أن رجلا قال له: إني ~~طلقت امرأتي ثلاثا؟ فقال: أثمت بربك وحرمت عليك امرأتك، وأبو قلابة قال: ~~سئل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فقال: لا أرى من فعل ~~ذلك إلا قد حرج، وروى ابن عون عن الحسن قال: كانوا ينكلون من طلق امرأته ~~ثلاثا في مقعد واحد. وروي عن ابن عمر أنه كان إذا أتي برجل طلق امرأته ~~ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق ms0635 بينهما فقد ثبت عن هؤلاء الصحابة حظر ~~جمع الثلاث، ولا يروى عن أحد من الصحابة خلافه، فصار إجماعا. # فإن قيل: قد روي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ثلاثا في مرضه وأن ذلك ~~لم يعب عليه، ولو كان جمع الثلاث محظورا لما فعله، وتركهم النكير عليه دليل ~~على أنهم رأوه سائغا له. قيل له: ليس في الحديث الذي ذكرت ولا في غيره أنه ~~طلق ثلاثا في كلمة واحدة، وإنما أراد أنه طلقها ثلاثا على الوجه الذي جوز ~~عليه الطلاق; وقد بين ذلك في أحاديث رواها جماعة عن الزهري عن طلحة بن عبد ~~الله بن عوف: أن عبد الرحمن بن # PageV01P463 # عوف طلق امرأته تماضر تطليقتين، ثم قال لها في مرضه: إن أخبرتني بطهرك ~~لأطلقنك فبين في هذا الحديث أنه لم يطلقها ثلاثا مجتمعة. وقد روي في حديث ~~فاطمة بنت قيس شبيها بهذا، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان بن يزيد العطار قال: حدثنا ~~يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس ~~حدثته: أن أبا حفص بن المغيرة طلقها، وأن خالد بن الوليد ونفرا من بني ~~مخزوم أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إن أبا حفص ~~بن المغيرة طلق امرأته ثلاثا وإنه ترك لها نفقة يسيرة فقال: "لا نفقة لها" ~~وساق الحديث. فيقول المحتج لإباحة إيقاع الثلاث معا بأنهم قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إنه طلقها ثلاثا، فلم ينكره. وهذا خبر قد أجمل فيه ما فسر ~~في غيره، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يزيد بن ~~خالد الرملي قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن ~~فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وأن أبا حفص ~~بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0636 وذكر الحديث، قال أبو داود: وكذلك رواه صالح بن كيسان وابن جريج ~~وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري، فبين في هذا الحديث ما أجمل في الحديث ~~الذي قبله أنه إنما طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهو أولى لما فيه من الإخبار ~~عن حقيقة الأمر; والأول فيه ذكر الثلاث ولم يذكر إيقاعهن معا، فهو محمول ~~على أنه فرقهن على ما ذكر في هذا الحديث الذي قبله. فثبت بما ذكرنا من ~~دلائل الكتاب والسنة واتفاق السلف أن جمع الثلاث محظور. # فإن قيل فيما قدمنا من دلالة قوله تعالى: {الطلاق مرتان} على حظر جمع ~~الاثنتين في كلمة واحدة: إنه من حيث دل على ما ذكرت فهو دليل على أن له أن ~~يطلقها في طهر واحد مرتين; إذ ليس في الآية تفريقهما في طهرين وفيه إباحة ~~تطليقتين في مرتين، وذلك يقتضي إباحة تفريق الاثنتين في طهر واحد، وإذا جاز ~~ذلك في طهر واحد جاز جمعهما بلفظ واحد; إذ لم يفرق أحد بينهما. قيل له: هذا ~~غلط من قبل أن ذلك اعتبار يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ ورفعه رأسا وإزالة ~~فائدته، وكل قول يؤدي إلى رفع حكم اللفظ فهو ساقط، وإنما صار مسقطا لفائدة ~~اللفظ وإزالة حكمه من قبل أن قوله تعالى: {الطلاق مرتان} قد اقتضى تفريق ~~الاثنتين وحظر جمعهما في لفظ واحد على ما قدمنا من بيانه، وإباحتك ~~لتفريقهما في طهر واحد يؤدي إلى إباحة جمعهما في كلمة واحدة، وفي ذلك رفع ~~حكم اللفظ; ومتى حظرنا تفريقهما وجمعهما في طهر واحد وأبحناه في طهرين، ~~فليس فيه رفع حكم اللفظ، بل فيه استعماله على الخصوص في بعض المواضع دون ~~بعض، # PageV01P464 # فلم يؤد قولنا بالتفريق في طهرين إلى رفع حكمه وإنما أوجب تخصيصه; إذ كان ~~اللفظ موجبا للتفريق; واتفق الجميع على أنه إذا أوجب التفريق فرقهما في ~~طهرين، فخصصنا تفريقهما في طهر واحد بدلالة الاتفاق مع استعمال حكم اللفظ; ~~ومتى أبحنا التفريق في طهر واحد أدى ذلك إلى رفع حكم اللفظ رأسا حتى يكون ~~ذكره للطلاق ms0637 مرتين وتركه سواء; وهذا قول ساقط مردود. # واحتج من أباح ذلك أيضا بحديث عويمر العجلاني حين لاعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينه وبين امرأته، فلما فرغا من لعانهما قال: كذبت عليها إن ~~أمسكتها هي طالق ثلاثا ففارقها قبل أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهما. قال: فلما لم ينكر الشارع صلى الله عليه وسلم إيقاع الثلاث معا، دل ~~على إباحته. وهذا الخبر لا يصح للشافعي الاحتجاج به; لأن من مذهبه أن ~~الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعان المرأة فبانت منه ولم يلحقها ~~طلاق، فكيف كان ينكر عليها طلاقا لم يقع ولم يثبت حكمه. # فإن قيل: فما وجهه على مذهبك؟ قيل له جائز أن يكون ذلك قبل أن يسن الطلاق ~~للعدة ومنع الجمع بين التطليقات في طهر واحد، فلذلك لم ينكر عليه الشارع ~~صلى الله عليه وسلم وجائز أيضا أن تكون الفرقة لما كانت مستحقة من غير جهة ~~الطلاق، لم ينكر عليه إيقاعها بالطلاق. وأما من قال سنة الطلاق أن لا يطلق ~~إلا واحدة، وهو ما حكيناه عن مالك بن أنس والليث والحسن بن حي والأوزاعي; ~~فإن الذي يدل على إباحة الثلاث في الأطهار المتفرقة قوله تعالى: {الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وفي ذلك إباحة لإيقاع الاثنتين; ولما ~~اتفقنا على أنه لا يجمعهما في طهر واحد وجب استعمال حكمهما في الطهرين، وقد ~~روي في قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} أنه للثالثة، وفي ذلك تخيير له في ~~إيقاع الثلاث قبل الرجعة; ويدل عليه قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] قد انتظم إيقاع الثلاث للعدة وذلك; ~~لأنه معلوم أن المراد لأوقات العدة كما بينه الشارع صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: "يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فتلك العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لها النساء". وإذا كان المراد به أوقات الأطهار تناول ~~الثلاث، كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] قد عقل منه ~~تكرار فعل الصلاة لدلوكها ms0638 في سائر الأيام; كذلك قوله: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] لما كان عبارة عن أوقات الأطهار اقتضى تكرار الطلاق في سائر ~~الأوقات، وأيضا لما جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الأول; لأنها طاهر من غير ~~جماع طهرا لم يوقع فيه طلاقا، جاز إيقاعه في الطهر الثاني لهذه العلة، ~~وأيضا لما اتفقوا على أنه لو # PageV01P465 # راجعها جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الثاني، وجب أن يجوز ذلك له إذا لم ~~يراجعها، لوجود المعنى الذي من أجله جاز إيقاعه في الطهر الأول; إذ لا حظ ~~للرجعة في إباحة الطلاق ولا في حظره، ألا ترى أنه لو راجعها ثم جامعها في ~~ذلك الطهر لم يجز له إيقاع الطلاق فيه ولم يكن للرجعة تأثير في إباحته؟ ~~فوجب أن يجوز له أن يطلقها في الطهر الثاني قبل الرجعة كما جاز له ذلك لو ~~لم يراجع. # فإن قيل: لا فائدة في الثانية والثالثة; لأنه إن أراد أن يبينها أمكنه ~~ذلك بالواحدة بأن يدعها حتى تنقضي عدتها، وقال تعالى: {ولا تتخذوا آيات ~~الله هزوا} [البقرة: 231] وهذا هو الفرق بينه إذا راجعها أو لم يراجعها في ~~إباحة الثانية والثالثة إذا راجع، وحظرهما إذا لم يراجع. قيل له: في إيقاع ~~الثانية والثالثة فوائد بتعجلها لو لم يوقع الثانية والثالثة لم تحصل له، ~~وهو أن تبين منه بإيقاع الثالثة قبل انقضاء عدتها، فيسقط ميراثها منه لو ~~مات ويتزوج أختها وأربعا سواها على قول من يجيز ذلك في العدة، فلم يخل في ~~إيقاع الثانية والثالثة من فوائد وحقوق تحصل له، فلم تكن لغوا مطرحا، وجاز ~~من أجلها إيقاع ما بقي من طلاقها في أوقات السنة كما يجوز ذلك لو راجعها. ~~وبالله التوفيق. # PageV01P466 # باب ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال # قال أبو بكر رحمه الله: اتفق السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار على أن ~~الزوجين المملوكين خارجان من قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق، فقال علي وعبد الله: ~~الطلاق بالنساء يعني أن المرأة إن كانت ms0639 حرة فطلاقها ثلاث حرا كان زوجها أو ~~عبدا، وأنها إن كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا; وهو قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح. وقال عثمان وزيد ~~بن ثابت وابن عباس: الطلاق بالرجال يعنون أن الزوج إن كان عبدا فطلاقه ~~اثنتان سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، وإن كان حرا فطلاقه ثلاث حرة كانت ~~الزوجة أو أمة; وهو قول مالك والشافعي. وقال ابن عمر: أيهما رق نقص الطلاق ~~برقه وهو قول عثمان البتي. وقد روى هشيم عن منصور بن زاذان عن عطاء عن ابن ~~عباس قال: الأمر إلى المولى في الطلاق أذن له العبد أو لم يأذن ويتلو هذه ~~الآية {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] روى هشام ~~عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس، أن غلاما كان لابن عباس طلق ~~امرأته تطليقتين، فقال له ابن عباس: ارجعها لا أم لك فإنه ليس لك من الأمر ~~شيء. فأبى، فقال: هي لك فاتخذها. فهذا يدل على أنه رأى طلاقه واقعا لولاه ~~لم يقل له ارجعها وقوله: هي لك يدل على أنها كانت أمة. وجائز أن يكون ~~الغلام حرا; # PageV01P466 # لأنهما إذا كانا مملوكين فلا خلاف أن رقهما ينقص الطلاق. وقد روي في ذلك ~~حديث يدل على أنه كان لا يرى طلاق العبد شيئا، ويرويه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زهير ~~بن حرب قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا علي بن المبارك قال: حدثنا يحيى ~~بن أبي كثير أن عمر بن معتب أخبره: أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره: أنه ~~استفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم أعتقا بعد ذلك، ~~هل يصلح له أن يخطبها بعد ذلك؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم. قال أبو داود: وقد سمعت أحمد بن حنبل قال: قال عبد ~~الرزاق: قال ابن ms0640 المبارك لعمر: من أبو حسن هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة قال ~~أبو داود: وأبو حسن هذا روى عنه الزهري وكان من الفقهاء. # قال أبو بكر: وهذا الحديث يرده الإجماع; لأنه لا خلاف بين الصدر الأول ~~ومن بعدهم من الفقهاء أنهما إذا كانا مملوكين أنها تحرم بالاثنتين ولا تحل ~~له إلا بعد زوج. # والذي يدل على أن الطلاق بالنساء، حديث ابن عمر وعائشة عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" وقد تقدم ذكر سنده. ~~وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة، وإن كان وروده من طريق ~~الآحاد، فصار في حيز التواتر; لأن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد ~~فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع، ولم يفرق الشارع في قوله: ~~"وعدتها حيضتان" بين من كان زوجها حرا أو عبدا، فثبت بذلك اعتبار الطلاق ~~بها دون الزوج. ودليل آخر: وهو أنه لما اتفق الجميع على أن الرق يوجب نقص ~~الطلاق كما يوجب نقص الحد، ثم كان الاعتبار في نقصان الحد برق من يقع به ~~دون من يوقعه، وجب أن يعتبر نقصان الطلاق برق من يقع به دون من يوقعه، وهو ~~المرأة. ويدل عليه أنه لا يملك تفريق الثلاث عليها على الوجه المسنون وإن ~~كان حرا إذا كانت الزوجة أمة. ألا ترى أنه إذا أراد تفريق الثلاث عليها في ~~أطهار متفرقة لم يمكنه إيقاع الثالثة بحال؟ فلو كان مالكا للجميع لملك ~~التفريق على الوجه المسنون كما لو كانت حرة، وفي ذلك دليل على أنه غير مالك ~~للثلاث إذا كانت الزوجة أمة. والله أعلم. # PageV01P467 # ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا # قال أبو بكر: قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ~~الآية، يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها، وذلك; لأن قوله: ~~{الطلاق مرتان} قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنتين بأن يقول أنت طالق أنت ~~طالق في طهر واحد; وقد # PageV01P467 # بينا أن ذلك خلاف السنة، فإذا كان في مضمون الآية الحكم ms0641 بجواز وقوع ~~الاثنتين على هذا الوجه، دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا; لأن أحدا ~~لم يفرق بينهما. وفيها الدلالة عليه من وجه آخر، وهو قوله تعالى: {فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ~~ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع ~~على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور. # فإن قيل: قدمت بديا في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه ~~والمأمور به من الطلاق، وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك، فكيف ~~تحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا ~~الوجه؟ قيل له: قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين ~~والثلاث لغير السنة، وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار، وليس ~~يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك; ألا ترى أنه لو قال طلقوا ثلاثا في ~~الأطهار وإن طلقتم جميعا معا وقعن كان جائزا؟ فإذا لم يتناف المعنيان ~~واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما. # فإن قيل: معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] وقد بين الشارع الطلاق للعدة، وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن ~~أراد إيقاع الثلاث، ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه. قيل له: نستعمل الآيتين ~~على ما تقتضيانه من أحكامهما، فنقول: إن المندوب إليه المأمور به هو الطلاق ~~للعدة على ما بينه في هذه الآية، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما ~~اقتضته الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {لطلاق مرتان} وقوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد} إذ ليس في قوله: {فطلقوهن} [الطلاق: 1] نفي لما ~~اقتضته هذه الآية الأخرى; على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة ~~دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، وهو قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] إلى قوله تعالى: {وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه} [الطلاق: 2] فلولا أنه إذا طلق لغير ms0642 العدة وقع ما كان ظالما لنفسه ~~بإيقاعه ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه. وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا ~~طلق لغير العدة، ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب: {ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا} [الطلاق: 2] يعني والله أعلم: أنه إذا أوقع الطلاق على ما أمره ~~الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة. وعلى هذا المعنى تأوله ~~ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله يقول: {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ~~ربك وبانت منك امرأتك، ولذلك قال علي بن # PageV01P468 # أبي طالب كرم الله وجهه: "لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق ~~امرأته". # فإن قيل: لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع; إذ ليس هو الطلاق ~~المأمور به، كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم ~~يقع إذا جمعهن في طهر واحد. قيل له: أما كونه عاصيا في الطلاق فغير مانع ~~صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف، ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكرا من ~~القول وزورا وحكم مع ذلك بصحة وقوعه، فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه، ~~والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق ~~امرأته، وقد نهاه الله عن مراجعتها ضرارا بقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا} فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته. وأما الفرق ~~بينه وبين الوكيل، فهو أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر، وليس يطلق ~~لنفسه ولا يملك ما يوقعه، ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق ~~وأحكامه؟ فلما لم يكن مالكا لما يوقعه وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة ~~الأمر; إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه، لم يقع متى خالف الأمر، وأما ~~الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره، فوجب أن يقع من ~~حيث كان مالكا للثلاث; وارتكاب النهي في ms0643 طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في ~~الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا، ألا ترى أنه لو وطئ أم ~~امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته؟ وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ~~ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع; إذ هو ~~موقع لما ملك. ويدل عليه من جهة السنة حديث ابن عمر الذي ذكرنا سنده حين ~~قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها فقال النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم: "لا، كانت تبين ويكون معصية" وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن ~~سعيد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، أنه طلق ~~امرأته ألبتة، فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "ما أردت ~~بالبتة؟ " قال: واحدة، قال: "الله؟ " قال: الله قال: "هو على ما أردت" فلو ~~لم تقع الثلاث إذا أرادها لما استحلفه بالله ما أراد إلا واحدة. وقد تقدم ~~ذكر أقاويل السلف فيه، وأنه يقع وهو معصية; فالكتاب والسنة وإجماع السلف ~~توجب إيقاع الثلاث معا وإن كانت معصية. # وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه قال: كان الحجاج بن أرطاة خشنا، وكان ~~يقول: طلاق الثلاث ليس بشيء. وقال محمد بن إسحاق: الطلاق الثلاث ترد إلى ~~الواحدة; واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ~~ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، ~~فسأله رسول # PageV01P469 # الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كيف طلقتها؟ " فقال: طلقتها ثلاثا; قال: ~~"في مجلس واحد؟ " قال: نعم; قال: "فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت" قال: ~~فرجعتها. وبما روى أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، أن أبا ~~الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من ms0644 خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. # وقد قيل إن هذين الخبرين منكران. وقد روى سعيد بن جبير ومالك بن الحارث ~~ومحمد بن إياس والنعمان بن أبي عياش، كلهم عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ~~ثلاثا: أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته. وقد روي حديث أبي الصهباء على غير ~~هذا الوجه، وهو أن ابن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: لو أجزناه ~~عليهم وهذا معناه عندنا أنهم إنما كانوا يطلقون ثلاثا فأجازها عليهم. وقد ~~روى ابن وهب قال: أخبرني عياش بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل بن ~~سعد: أن عويمرا العجلاني لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين ~~امرأته قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا ~~فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك عليه. # وما قدمنا من دلالة الآية والسنة والاتفاق يوجب إيقاع الطلاق في الحيض ~~وإن كان معصية; وزعم بعض الجهال ممن لا يعد خلافه أنه لا يقع إذا طلق في ~~الحيض، واحتج بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو ~~الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير ~~يسمع فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ قال طلق ابن عمر امرأته وهي ~~حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن عبد الله طلق وهي حائض فقال: فردها علي ولم يرها شيئا ~~وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". قيل له: هذا غلط فقد رواه جماعة عن ابن ~~عمر أنه اعتد بتلك التطليقة; من ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: ms0645 حدثنا القعنبي قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال: ~~حدثنا يونس بن جبير قال: سألت عبد الله بن عمر، قال: قلت رجل طلق امرأته ~~وهي حائض قال: تعرف عبد الله بن عمر؟ قلت: نعم قال: فإنه طلق امرأته وهي ~~حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: "مره فليراجعها ثم ~~ليطلقها في قبل عدتها" قال: قلت: فيعتد بها؟ قال: "فمه؟ أرأيت إن عجز ~~واستحمق" فهذا خبر ابن عمر في هذا الحديث أنه اعتد بتلك التطليقة، ومع ذلك ~~فقد روي في سائر أخبار ابن عمر أن الشارع أمره بأن يراجعها، ولو # PageV01P470 # لم يكن الطلاق واقعا لما احتاج إلى الرجعة وكانت لا تصح رجعته; لأنه لا ~~يجوز أن يقال راجع امرأته ولم يطلقها; إذ كانت الرجعة لا تكون إلا بعد ~~الطلاق، ولو صح ما روي أنه لم يره شيئا كان معناه أنه لم يبنها منه بذلك ~~الطلاق ولم تقع الزوجية. # قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو بكر: لما كانت ~~الفاء للتعقيب، وقال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} اقتضى ~~ذلك كون الإمساك المذكور بعد الطلاق، وهذا الإمساك إنما هو الرجعة; لأنه ضد ~~الطلاق، وقد كان وقوع الطلاق موجبه التفرقة عند انقضاء العدة، فسمى الله ~~الرجعة إمساكا لبقاء النكاح بها بعد مضي ثلاث حيض، ورفع حكم البينونة ~~المتعلقة بانقضاء العدة. وإنما أباح له إمساكا على وصف، وهو أن يكون ~~بمعروف، وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل فلا يقصد به ضرارها على ما ذكره في ~~قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} وإنما أباح له الرجعة على هذه ~~الشريطة، ومتى راجع بغير معروف كان عاصيا، فالرجعة صحيحة بدلالة قوله ~~تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} فلولا صحة ~~الرجعة لما كان لنفسه ظالما بها. وفي قوله تعالى: {فإمساك بمعروف} دلالة ~~على وقوع الرجعة بالجماع; لأن الإمساك عن النكاح إنما هو الجماع وتوابعه من ~~اللمس والقبلة ونحوها. والدليل عليه أن من يحرم عليه ms0646 جماعها تحريما مؤبدا ~~لا يصح له عقد النكاح عليها، فدل ذلك على أن الإمساك على النكاح مختص ~~بالجماع، فيكون بالجماع ممسكا لها، وكذلك اللمس والقبلة للشهوة والنظر إلى ~~الفرج بشهوة; إذ كانت صحة عقد النكاح مختصة باستباحة هذه الأشياء، فمتى فعل ~~شيئا من ذلك كان ممسكا لها بعموم قوله تعالى: {فإمساك بمعروف} . وأما قوله: ~~{أو تسريح بإحسان} فقد قيل فيه وجهان: أحدهما: أن المراد به الثالثة; وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث غير ثابت من طريق النقل; ومرده الظاهر ~~أيضا، وهو ما حدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن إسماعيل عن ~~أبي رزين قال: قال رجل: يا رسول الله أسمع الله يقول: {الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان} فأين الثالثة؟ "قال: التسريح بإحسان". وقد روي عن ~~جماعة من السلف منهم السدي والضحاك أنه تركها حتى تنقضي عدتها. وهذا ~~التأويل أصح; إذ لم يكن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~ثابتا، وذلك من وجوه: أحدها أن سائر المواضع الذي ذكره الله فيها عقيب ~~الطلاق الإمساك والفراق، فإنما أراد به ترك الرجعة حتى تنقضي عدتها، منه. # قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن # PageV01P471 # بمعروف} والمراد بالتسريح ترك الرجعة، إذ معلوم أنه لم يرد "فأمسكوهن ~~بمعروف أو طلقوهن" واحدة أخرى ومنه قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ولم يرد به إيقاعا مستقبلا، وإنما ~~أراد به تركها حتى تنقضي عدتها. والجهة الأخرى: أن الثالثة مذكورة في نسق ~~الخطاب في قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~فإذا كانت الثالثة مذكورة في صدر هذا الخطاب مفيدة للبينونة الموجبة ~~للتحريم إلا بعد زوج، وجب حمل قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} على فائدة ~~مجددة، وهي وقوع البينونة بالاثنتين بعد انقضاء العدة. وأيضا لما كان ~~معلوما أن المقصد فيه بيان عدد الطلاق ms0647 الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من ~~إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} هو ~~الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث; إذ لو اقتصر عليه ~~لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم ~~بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فوجب أن لا ~~يكون قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} هو الثالثة. وأيضا لو كان التسريح ~~بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: {فإن طلقها} عقيب ذلك هي ~~الرابعة; لأن الفاء للتعقيب، قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعدما تقدم ذكره، فثبت ~~بذلك أن قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} هو تركها حتى تنقضي عدتها. # قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} منتظم ~~لمعان: منها تحريمها على المطلق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، مفيد في شرط ~~ارتفاع التحريم الواقع بالطلاق الثلاث العقد والوطء جميعا; لأن النكاح هو ~~الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد، وهذا من الإيجاز واقتصار على ~~الكناية المفهمة المغنية عن التصريح. وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبار مستفيضة في أنها لا تحل للأول حتى يطأها الثاني، منها حديث الزهري عن ~~عروة عن عائشة: أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت عبد الرحمن بن ~~الزبير، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله إنها كانت ~~تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنه ~~يا رسول الله ما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق ~~عسيلتك" وروى ابن عمر وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، ولم ~~يذكرا قصة امرأة رفاعة. وهذه أخبار قد تلقاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء ~~على استعمالها، فهي عندنا في حيز التواتر. ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلا ~~شيء يروى عن ms0648 سعيد بن المسيب أنه قال: "إنها تحل للأول بنفس عقد النكاح دون ~~الوطء". ولم نعلم أحدا تابعه عليه، فهو شاذ. # PageV01P472 # وقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} غاية التحريم الموقع بالثلاث، فإذا ~~وطئها الزوج الثاني ارتفع ذلك التحريم الموقع وبقي التحريم من جهة أنها تحت ~~زوج كسائر النساء الأجنبيات، فمتى فارقها الثاني وانقضت عدتها حلت للأول. ~~وقوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} مرتب على ما أوجب من ~~العدة على المدخول بها في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} وقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} ~~[البقرة: 235] ونحوها من الآي الحاظرة للنكاح في العدة. وقوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} نص على ذكر الطلاق، ولا خلاف أن الحكم ~~في إباحتها للزوج الأول غير مقصور على الطلاق وأن سائر الفرق الحادثة ~~بينهما من نحو موت أو ردة أو تحريم بمنزلة الطلاق، وإن كان المذكور نفسه هو ~~الطلاق. وفيه الدلالة أيضا على جواز النكاح بغير ولي; لأنه أضاف التراجع ~~إليهما من غير ذكر الولي. وفيه أحكام أخر نذكرها عند ذكرنا لأحكام الخلع ~~بعد ذلك، ولكنا قدمنا ذكر الثالثة; لأنه يتصل به في المعنى بذكر الاثنتين ~~وإن تخللهما ذكر الخلع، وبالله التوفيق. # PageV01P473 # باب الخلع # قال الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله} فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما ~~أعطاها إلا على الشريطة المذكورة، وعقل بذلك أنه غير جائز له أخذ ما لم ~~يعطها وإن كان المذكور هو ما أعطاها، كما أن قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} ~~[الإسراء: 23] قد دل على حظر ما فوقه من ضرب أو شتم. وقوله تعالى: {إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله} قال طاوس: يعني فيما افترض على كل واحد منهما ~~في العشرة والصحبة. وقال القاسم بن محمد مثل ذلك. وقال الحسن: هو أن تقول ~~المرأة: والله لا أغتسل لك من جنابة. وقال أهل اللغة: إلا ms0649 أن يخافا معناه: ~~إلا أن يظنا. وقال أبو محجن الثقفي، أنشده الفراء رحمه الله تعالى: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالعراء فإنني أخاف ... إذا ما مت أن لا أذوقها # وقال آخر: # أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي # يعني: ما ظننت. # وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين: إما أن يكون أحدهما سيئ # PageV01P473 # الخلق أو جميعا، فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ألزم كل ~~واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ~~وإما أن يكون أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة، فيؤديه ~~ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه وفيما ألزم الزوج ~~من إظهار الميل إلى غيرها في قوله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة} [النساء: 129] فإذا وقع أحد هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله ~~التي حدها لهما حل الخلع. وروى جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن علي كرم ~~الله وجهه، أنه قال: كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية: إذا ~~قالت له لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة. وقال ~~المغيرة عن إبراهيم قال: لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا أن ~~تعصيه ولا تبر له قسما، وإذا فعلت ذلك وكان من قبلها حلت له الفدية، وإن ~~أبى أن يقبل منها الفدية وأبت أن تعطيه بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من ~~أهلها وذكر علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تركها إقامة حدود الله ~~استخفاف بحق الزوج وسوء خلقها، فتقول: والله لا أبر لك قسما ولا أطأ لك ~~مضجعا ولا أطيع لك أمرا، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ولا يأخذ ~~أكثر مما أعطاها شيئا ويخلي سبيلها وإن كانت الإساءة من قبلها ثم قال: {فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ms0650 مريئا} يقول: إن كان عن غير ضرار ولا ~~خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى. # وقد اختلف في نسخ هذه الآية، فروى حجاج عن عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت ~~بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته الخلع، قال: لا يحل له أن يأخذ ~~منها شيئا، قلت له: يقول الله في كتابه: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~قال: هذه نسخت بقوله: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] وروى أبو عاصم عن ابن جريج قال: ~~قلت لعطاء: أرأيت إذا كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى الخلع أيحل له؟ قال: ~~لا، إما أن يرضى فيمسك وإما أن يسرح. قال أبو بكر: وهو قول شاذ يرده ظاهر ~~الكتاب والسنة واتفاق السلف، ومع ذلك فليس في قوله: {وإن أردتم استبدال زوج ~~مكان زوج} [النساء: 20] الآية، ما يوجب نسخ قوله تعالى: {فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} لأن كل واحدة منهما مقصورة ~~الحكم على حال مذكورة فيها، فإنما حظر الخلع إذا كان النشوز من قبله وأراد ~~استبدال زوج مكان زوج غيرها، وأباحه إذا خافا أن لا يقيما حدود الله بأن ~~تكون مبغضة له أو سيئة الخلق أو كان هو سيئ الخلق ولا يقصد مع ذلك # PageV01P474 # الإضرار بها لكنهما يخافان أن لا يقيما حدود الله في حسن العشرة وتوفية ~~ما ألزمهما الله من حقوق النكاح; وهذه الحال غير تلك، فليس في إحداهما ما ~~يعترض به على الأخرى، ولا يوجب نسخها ولا تخصيصها أيضا; إذ كل واحدة ~~مستعملة فيما وردت فيه. وكذلك قوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن} [النساء: 19] إذا كان خطابا للأزواج، فإنما حظر عليهم أخذ شيء من ~~مالها إذا كان النشوز من قبله قاصدا للإضرار بها، إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة، فقال ابن سيرين وأبو قلابة: يعني أن يظهر منها على زنا. وروي عن ~~عطاء والزهري وعمرو بن شعيب أن الخلع لا يحل إلا من ms0651 الناشز. فليس في شيء من ~~هذه الآيات نسخ، وجميعها مستعمل; والله أعلم. # PageV01P475 # ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع # روي عن علي: أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول سعيد بن ~~المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير. وروي عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ~~ومجاهد وإبراهيم والحسن رواية أخرى: أنه جائز له أن يخلعها على أكثر مما ~~أعطاها ولو بعقاصها. وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا كان النشوز ~~من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد، وإن كان النشوز من قبله ~~لم يحل له أن يأخذ منها شيئا، فإن فعل جاز في القضاء. وقال ابن شبرمة: تجوز ~~المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه، وإن كانت على إضرار منه لم تجز. وقال ~~ابن وهب عن مالك: إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق عليها وأنه ظالم لها قضى ~~عليها الطلاق ورد عليها مالها. وذكر ابن القاسم عن مالك أنه جائز للرجل أن ~~يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له، وإن كان النشوز من قبل الزوج ~~حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك، ولم يكن في ذلك ضرر منه ~~لها وعن الليث نحو ذلك. وقال الثوري: إذا كان الخلع من قبلها فلا بأس أن ~~يأخذ منها شيئا، وإذا كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا. وقال ~~الأوزاعي في رجل خالع امرأته وهي مريضة: إن كانت ناشزة كان في ثلثها، وإن ~~لم تكن ناشزة رد عليها وكانت له عليها الرجعة، وإن خالعها قبل أن يدخل بها ~~على جميع ما أصدقها ولم يتبين منها نشوز أنهما إذا اجتمعا على فسخ النكاح ~~قبل أن يدخل بها، فلا أرى بذلك بأسا. وقال الحسن بن حي: إذا كانت الإساءة ~~من قبله فليس له أن يخلعها بقليل ولا كثير، وإذا كانت الإساءة من قبلها ~~والتعطيل لحقه كان له أن يخالعها على ما تراضيا عليه وكذلك قول ms0652 عثمان ~~البتي. وقال الشافعي: إذا كانت المرأة مانعة ما يجب عليها لزوجها حلت ~~الفدية للزوج، وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا على غير فراق حل له أن ~~يأكل ما طابت به نفسا وتأخذ الفراق به. # PageV01P475 # قال أبو بكر: قد أنزل الله تعالى في الخلع آيات، منها قوله تعالى: {وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] فهذا يمنع أخذ شيء منها إذا كان ~~النشوز من قبله، فلذلك قال أصحابنا: لا يحل له أن يأخذ منها في هذه الحال ~~شيئا. وقال تعالى في آية أخرى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} فأباح في هذه الآية الأخذ عند خوفهما ~~ترك إقامة حدود الله، وذلك على ما قدمنا من بغض المرأة لزوجها وسوء خلقها، ~~أو كان ذلك منهما، فيباح له أخذ ما أعطاها ولا يزداد، والظاهر يقتضي جواز ~~أخذ الجميع ولكن ما زاد مخصوص بالسنة. وقال تعالى في آية أخرى: {لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} قيل فيه: إنه خطاب للزوج وحظر به أخذ شيء مما أعطاها إلا أن ~~تأتي بفاحشة مبينة، قيل فيها إنها هي الزنا، وقيل فيها إنها النشوز من ~~قبلها، وهذه نظير قوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به} وقال تعالى في آية أخرى: {وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] وسنذكر حكمها في ~~مواضعها إن شاء الله تعالى. # وذكر الله تعالى إباحة أخذ المهر في غير هذه الآية، إلا أنه لم يذكر حال ~~الخلع، في قوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] وقال: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ms0653 ~~النكاح} [البقرة: 237] وهذه الآيات كلها مستعملة على مقتضى أحكامها، فقلنا: ~~إذا كان النشوز من قبله لم يحل له أخذ شيء منها، بقوله تعالى: {فلا تأخذوا ~~منه شيئا} [النساء: 20] وقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن} [النساء: 19] وإذا كان النشوز من قبلها، أو خافا لسوء خلقها أو ~~بغض كل واحد منهما لصاحبه أن لا يقيما، جاز له أن يأخذ ما أعطاها لا يزداد. ~~وكذلك {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ~~[النساء: 19] وقد قيل فيه: إلا أن تنشز فيجوز له عند ذلك أخذ ما أعطاها. # وأما قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ~~[النساء: 4] فهذا في غير حال الخلع، بل في حال الرضا بترك المهر بطيبة من ~~نفسها به. وقول من قال: "إنه لما جاز أخذ مالها بغير خلع فهو جائز في ~~الخلع" خطأ; لأن الله تعالى قد نص على الموضعين، في أحدهما بالحظر وهو قوله ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} [النساء: 20] وقوله تعالى: {ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن # PageV01P476 # يخافا ألا يقيما حدود الله} وفي الآخر بالإباحة وهو قوله تعالى: {فإن طبن ~~لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] فقول القائل: لما جاز ~~أن يأخذ مالها بطيبة من نفسها من غير خلع جاز في الخلع قول مخالف لنص ~~الكتاب. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخلع ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعد، عن عمرة بنت ~~عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة، عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ~~ثابت بن قيس بن الشماس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح ~~فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل; قال: "ما شأنك؟ " قالت: لا أنا ولا ~~ثابت بن قيس لزوجها ms0654 فلما جاءه ثابت بن قيس قال له: "هذه حبيبة بنت سهل" ~~فذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي; ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في ~~أهلها. وروي فيه ألفاظ مختلفة، في بعضها "خل سبيلها" وفي بعضها: "فارقها". ~~وإنما قالوا: إنه لا يسعه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، لما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا محمد بن ~~يحيى بن أبي سمينة قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ~~ابن عباس، أن رجلا خاصم امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "تردين إليه ما أخذت منه؟ " قالت: نعم وزيادة، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الزيادة فلا". وقال أصحابنا: لا يأخذ منه ~~الزيادة لهذا الخبر وخصوا به ظاهر الآية، وإنما جاز تخصيص هذا الظاهر بخبر ~~الواحد من قبل قوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به} لفظ محتمل لمعان والاجتهاد سائغ فيه. وقد روي عن السلف فيه ~~وجوه مختلفة. وكذلك قوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] محتمل لمعان على ما وصفنا، فجاز ~~تخصيصه بخبر الواحد، وهو كقوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] ~~وقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] لما كان ~~محتملا للوجوه واختلف السلف في المراد به، جاز قبول خبر الواحد في معناه ~~المراد به. وإنما قال أصحابنا إذا خلعها على أكثر مما أعطاها، أو خلعها على ~~مال والنشوز من قبله إن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه فيما بينه وبين الله ~~تعالى من قبل أنها أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". وأيضا فإن ~~النهي لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، ms0655 وإنما تعلق بمعنى # PageV01P477 # في غيره، وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها، ولو كان قد أعطاها مثل ذلك ~~لما كان ذلك مكروها، فلما تعلق النهي بمعنى في غير العقد لم يمنع ذلك جواز ~~العقد، كالبيع عند أذان الجمعة وبيع حاضر لباد، وتلقي الركبان ونحو ذلك. ~~وأيضا لما جاز العتق على قليل المال وكثيره وكذلك الصلح عن دم العمد، كان ~~كذلك الطلاق، وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر المثل وهو بدل البضع ~~كذلك جائز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها; لأنه بدل من البضع في ~~الحالين. # فإن قيل: لما كان الخلع فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما وقع عليه ~~العقد كما لا يجوز الإقالة بأكثر من الثمن. قيل له: قولك: إن الخلع فسخ ~~لعقد خطأ، وإنما هو الطلاق مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل، ومع ذلك فلا خلاف ~~أنه ليس بمنزلة الإقالة; لأنه لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز بالاتفاق، ~~والإقالة غير جائزة بأقل من الثمن، ولا خلاف أيضا في جواز الخلع بغير شيء. # وقد اختلف السلف في الخلع دون السلطان، فروي عن الحسن وابن سيرين: أن ~~الخلع لا يجوز إلا عند السلطان. وقال سعيد بن جبير: لا يكون الخلع حتى ~~يعظها، فإن اتعظت وإلا ضربها، فإن اتعظت وإلا حجرها فإن اتعظت ارتفعا إلى ~~السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها فيردان ما يسمعان إلى السلطان، ~~فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق وإن رأى أن يجمع جمع. وروي عن علي وعمر وعثمان ~~وابن عمر وشريح وطاوس والزهري في آخرين: أن الخلع جائز دون السلطان. وروى ~~سعيد عن قتادة قال: كان زياد أول من رد الخلع دون السلطان. # ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في جوازه دون السلطان; وكتاب الله يوجب ~~جوازه، وهو قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} وقال تعالى: {ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] ~~فأباح الأخذ منها بتراضيهما من غير سلطان. وقول النبي ms0656 صلى الله عليه وسلم ~~لامرأة ثابت بن قيس: "أتردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم فقال للزوج: "خذها ~~وفارقها" يدل على ذلك أيضا; لأنه لو كان الخلع إلى السلطان شاء الزوجان أو ~~أبيا إذا علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسألهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك ولا خاطب الزوج بقوله "اخلعها" بل كان يخلعها منه ويرد عليه ~~حديقته، وإن أبيا أو واحد منهما، كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم، ~~لم يقل للملاعن خل سبيلها بل فرق بينهما، كما روى سهل بن سعد: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين"، كما قال في حديث آخر: "لا سبيل لك ~~عليها" ولم يرجع ذلك إلى الزوج; فثبت بذلك # PageV01P478 # جواز الخلع دون السلطان. ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". # وقد اختلف في الخلع هل هو طلاق أم ليس بطلاق; فروي عن عمر وعبد الله ~~وعثمان والحسن وأبي سلمة وشريح وإبراهيم والشعبي ومكحول: أن الخلع تطليقة ~~بائنة وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه. وروي عن ابن عباس: أنه ليس ~~بطلاق; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو ~~الوليد قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سأل رجل طاوسا ~~عن الخلع، فقال: ليس بشيء; فقلت: لا تزال تحدثنا بشيء لا نعرفه فقال: والله ~~لقد جمع ابن عباس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع. ويقال: هذا مما أخطأ ~~فيه طاوس، وكان كثير الخطإ مع جلالته وفضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها ~~أنه روى عن ابن عباس أنه قال: من طلق ثلاثا كانت واحدة وقد روي من غير وجه ~~عن ابن عباس: أن من طلق امرأته عدد النجوم بانت منه بثلاث. قالوا: وكان ~~أيوب يتعجب من كثرة خطإ طاوس. وذكر ابن أبي نجيح عن طاوس أنه قال: الخلع ~~ليس بطلاق قال: فأنكره عليه أهل مكة، فجمع ناسا منهم واعتذر إليهم وقال: ~~إنما ms0657 سمعت ابن عباس يقول ذلك. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا أبو همام قال: حدثنا الوليد عن أبي ~~سعيد روح بن جناح قال: سمعت زمعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت سعيد بن ~~المسيب يقول: " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلع تطليقة " ويدل على ~~أنه طلاق قوله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس حين نشزت عليه امرأته: "خل ~~سبيلها" وفي بعض الألفاظ: "فارقها" بعدما قال للمرأة: "ردي عليه حديقته" ~~فقالت: قد فعلت. ومعلوم أن من قال لامرأته قد فارقتك أو قد خليت سبيلك ~~ونيته الفرقة، أنه يكون طلاقا، فدل ذلك على أن خلعه إياها بأمر الشارع كان ~~طلاقا وأيضا لا خلاف أنه لو قال لها قد طلقتك على مال أو قد جعلت أمرك إليك ~~بمال كان طلاقا، وكذلك لو قال لها قد خلعتك بغير مال يريد به الفرقة كان ~~طلاقا، كذلك إذا خلعها بمال. # فإن قيل: إذا قال بلفظ الخلع كان بمنزلة الإقالة في البيع فتكون فسخا لا ~~بيعا مبتدأ. قيل له: لا خلاف في جواز الخلع بغير مال وعلى أقل من المهر، ~~والإقالة لا تجوز بالثمن الذي كان في العقد، ولو كان الخلع فسخا كالإقالة ~~لما جاز إلا بالمهر الذي تزوجها عليه، وفي اتفاق الجميع على جوازه بغير مال ~~وبأقل من المهر دلالة على أنه طلاق بمال وأنه ليس بفسخ وأنه لا فرق بينه ~~وبين قوله قد طلقتك على هذا المال. # PageV01P479 # ومما يحتج به من يقول إنه ليس بطلاق، وإن الله تعالى لما قال: {الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ثم عقب ذلك بقوله تعالى: {ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} إلى أن قال في نسق التلاوة: {فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فأثبت الثالثة بعد الخلع، دل ذلك ~~على أن الخلع ليس بطلاق; إذ لو كان طلاقا لكانت هذه رابعة; لأنه ذكر الخلع ~~بعد التطليقتين ثم ذكر ms0658 الثالثة بعد الخلع. وهذا ليس عندنا على هذا التقدير، ~~وذلك; لأن قوله تعالى: {الطلاق مرتان} أفاد حكم الاثنين إذا أوقعهما على ~~غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة بقوله تعالى: {فإمساك بمعروف} ثم ذكر ~~حكمهما إذا كانتا على وجه الخلع وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيهما والحال ~~التي يجوز فيها أخذ المال أو لا يجوز، ثم عطف على ذلك قوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} فعاد ذلك إلى الاثنتين المقدم ~~ذكرهما على وجه الخلع تارة وعلى غير وجه الخلع أخرى; فإذا ليس فيه دلالة ~~على أن الخلع بعد الاثنتين، ثم الرابعة بعد الخلع. وهذا مما يستدل به على ~~أن المختلعة يلحقها الطلاق; لأنه لما اتفق فقهاء الأمصار على أن تقدير ~~الآية وترتيب أحكامها على ما وصفنا وحصلت الثالثة بعد الخلع وحكم الله بصحة ~~وقوعها وحرمتها عليه أبدا إلا بعد زوج، فدل ذلك على أن المختلعة يلحقها ~~الطلاق ما دامت في العدة. ويدل على أن الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق ~~التلاوة: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود ~~الله} عطفا على ما تقدم ذكره، وقوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} فأباح لهما التراجع بعد ~~التطليقة الثالثة بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف لترك إقامة حدود الله; ~~لأنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة، فدل ~~ذلك على أن هذه الثالثة مذكورة بعد الخلع. # وقوله تعالى: {إن ظنا أن يقيما حدود الله} يدل على جواز الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث; لأنه علق الإباحة بالظن. # فإن قيل: قوله تعالى {فلا تحل له من بعد} عائد على قوله: {الطلاق مرتان} ~~دون الفدية المذكورة بعدها. قيل له: هذا يفسد من وجوه: أحدها أن قوله: {ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} خطاب مبتدأ بعد ذكر الاثنتين غير ~~مرتب عليهما; لأنه معطوف عليه بالواو، وإذا ms0659 كان كذلك ثم قال عقيب ذكر ~~الفدية: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} وجب أن يكون ~~مرتبا على الفدية; لأن الفاء للتعقيب، وغير جائز ترتيبه على الاثنتين ~~المبدوء بذكرهما وترك عطفه على ما يليه إلا # PageV01P480 # بدلالة تقتضي ذلك وتوجبه، كما تقول في الاستثناء بلفظ التخصيص إنه عائد ~~على ما يليه ولا يرد على ما تقدمه إلا بدلالة; ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] أن شرط الدخول عائد على الربائب ~~دون أمهات النساء؟ إذ كان العطف بالفاء يليهن دون أمهات النساء، مع أن هذا ~~أقرب مما ذكرت من عطف قوله تعالى: {فإن طلقها} على قوله تعالى: {الطلاق ~~مرتان} دون ما يليه في الفدية; لأنك لا تجعله عطفا على ما يليه من الفدية ~~وتجعله عطفا على ما تقدم دون ما توسط بينهما من ذكر الفدية. وأيضا فإنا ~~نجعله عطفا على جميع ما تقدم من الفدية ومما تقدمها من التطليقتين على غير ~~وجه الفدية، فيكون منتظما لفائدتين: إحداهما جواز طلاقها بعد الخلع ~~بتطليقتين، والأخرى: بعد التطليقتين إذا أوقعهما على غير وجه الفدية. والله ~~أعلم. # PageV01P481 # باب المضارة في الرجعة # قال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف} . قال أبو بكر: المراد بقوله: {فبلغن أجلهن} مقاربة البلوغ ~~والإشراف عليه لا حقيقته; لأن الأجل المذكور هو العدة، وبلوغه هو انقضاؤها، ~~ولا رجعة بعد انقضاء العدة. وقد عبر عن العدة بالأجل في مواضع، منها قوله ~~تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ومعناه معنى ~~ما ذكر في هذه الآية; وقال تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] وقال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} وقال: {ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} فكان المراد بالآجال المذكورة في ~~هذه الآي هي العدد; ولما ذكره الله تعالى في قوله: {فإذا بلغن أجلهن} ~~والمراد مقاربته دون انقضائه; ونظائره ms0660 كثيرة في القرآن واللغة، قال الله ~~تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ومعناه: إذا أردتم ~~الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة; وقال تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله} [النحل: 98] معناه: إذا أردت قراءته; وقال: {وإذا قلتم ~~فاعدلوا} [الأنعام: 152] وليس المراد العدل بعد القول، ولكن قبله، يعزم على ~~أن لا يقول إلا عدلا. فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل وأراد به مقاربته دون وجود ~~نهايته; وإنما ذكر مقاربة البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف وإن كان عليه ~~ذلك في سائر أحوال بقاء النكاح; لأنه قرن إليه التسريح وهو انقضاء العدة، ~~وجمعهما في الأمر والتسريح إنما له حال واحد ليس يدوم، فخص حال بلوغ الأجل ~~بذلك لينتظم المعروف الأمرين جميعا. # PageV01P481 # وقوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} المراد به المراجعة قبل انقضاء العدة; ~~وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. # وقوله تعالى: {أو سرحوهن بمعروف} معناه تركها حتى تنقضي عدتها. وأباح ~~الإمساك بالمعروف وهو القيام بما يجب لها من حق على ما تقدم من بيانه، ~~وأباح التسريح أيضا على وجه يكون معروفا بأن لا يقصد مضارتها بتطويل العدة ~~عليها بالمراجعة، وقد بينه عقيب ذلك بقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا} ~~ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة. # ومن الناس من يحتج بهذه الآية، وبقوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ~~في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته; لأن الله تعالى ~~إنما خيره بين أحد شيئين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان; وترك الإنفاق ~~ليس بمعروف، فمتى عجز عنه تعين عليه التسريح، فيفرق الحاكم بينهما. # قال أبو بكر رحمه الله: هذا جهل من قائله والمحتج به; لأن العاجز عن نفقة ~~امرأته يمسكها بمعروف; إذ لم يكلف الإنفاق في هذا الحال، قال الله تعالى: ~~{ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] فغير جائز أن يقال: إن المعسر غير ~~ممسك بالمعروف; إذ كان ترك الإمساك بمعروف ذما، والعاجز غير مذموم ms0661 بترك ~~الإنفاق، ولو كان العاجز عن النفقة غير ممسك بمعروف لوجب أن يكون أصحاب ~~الصفة وفقراء الصحابة الذين عجزوا عن النفقة على أنفسهم فضلا عن نسائهم غير ~~ممسكين بمعروف. وأيضا فقد علمنا أن القادر على الإنفاق الممتنع منه غير ~~ممسك بمعروف، ولا خلاف أنه لا يستحق التفريق، فكيف يجوز أن يستدل بالآية ~~على وجوب التفريق على العاجز دون القادر والعاجز ممسك بمعروف والقادر غير ~~ممسك؟ وهذا خلف من القول. # قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} روي عن مسروق والحسن ومجاهد ~~وقتادة وإبراهيم: هو تطويل العدة عليها بالمراجعة إذا قاربت انقضاء عدتها ~~ثم يطلقها حتى تستأنف العدة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها، فأمر الله ~~بإمساكها بمعروف ونهاه عن مضارتها بتطويل العدة عليها. # وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} دل على وقوع الرجعة، وإن قصد ~~بها مضارتها، لولا ذلك ما كان ظالما لنفسه; إذ لم يثبت حكمها وصارت رجعته ~~لغوا لا حكم لها. # PageV01P482 # وقوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} روي عن عمرو عن الحسن عن أبي ~~الدرداء قال: كان الرجل يطلق امرأته ثم يرجع فيقول كنت لاعبا، فأنزل الله ~~تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من طلق أو حرر أو نكح فقال كنت لاعبا فهو جاد" فأخبر أبو الدرداء أن ذلك ~~تأويل الآية، وأنها نزلت فيه، فدل ذلك على أن لعب الطلاق وجده سواء. وكذلك ~~الرجعة; لأنه ذكر عقيب الإمساك أو التسريح، فهو عائد عليهما; وقد أكده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما بينه. وروى عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ~~ابن ماهك، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث جدهن جد ~~وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة". وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: ~~"أربع واجبات على كل من تكلم بهن: العتاق والطلاق والنكاح والنذر". وروى ~~جابر عن عبد الله بن لحي عن علي أنه قال: "ثلاث لا يلعب بهن: الطلاق ~~والنكاح والصدقة". وروى القاسم بن ms0662 عبد الرحمن عن عبد الله قال: "إذا تكلمت ~~بالنكاح فإن النكاح جده ولعبه سواء، كما أن جد الطلاق ولعبه سواء". وروي ~~ذلك عن جماعة من التابعين; ولا نعلم فيه خلافا بين فقهاء الأمصار. وهذا أصل ~~في إيقاع طلاق المكره; لأنه لما استوى حكم الجاد والهازل فيه، وكانا إنما ~~يفترقان مع قصدهما إلى القول من جهة وجود إرادة أحدهما لإيقاع حكم ما لفظ ~~به والآخر غير مريد لإيقاع حكمه، لم يكن للنية تأثير في دفعه، وكان المكره ~~قاصدا إلى القول غير مريد لحكمه لم يكن لفقد نية الإيقاع تأثير في دفعه; ~~فدل ذلك على أن شرط وقوعه وجود لفظ الإيقاع من مكلف; والله أعلم. # PageV01P483 # باب النكاح بغير ولي # قال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن} الآية. قوله تعالى: {فبلغن أجلهن} المراد حقيقة البلوغ بانقضاء ~~العدة. والعضل يعتوره معنيان: أحدهما: المنع، والآخر الضيق; يقال: "عضل ~~الفضاء بالجيش" إذا ضاق بهم، والأمر المعضل هو الممتنع، وداء عضال: ممتنع. ~~وفي التضييق يقال: "عضلت عليهم الأمر" إذا ضيقت، و "عضلت المرأة بولدها" ~~إذا عسر ولادها، وأعضلت; والمعنيان متقاربان; لأن الأمر الممتنع يضيق فعله ~~وزواله والضيق ممتنع أيضا. وروي أن الشعبي سئل عن مسألة صعبة فقال: "زباء ~~ذات وبر لا تنساب ولا تنقاد، ولو نزلت بأصحاب محمد لأعضلت بهم". وقوله ~~تعالى: {فلا تعضلوهن} معناه: لا تمنعوهن أو لا تضيقوا عليهن في التزويج. # وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير ولي ~~ولا # PageV01P483 # إذن وليها: أحدها إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الولي. والثاني: نهيه ~~عن العضل إذا تراضى الزوجان. # فإن قيل: لولا أن الولي يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى ~~الأجنبي الذي لا ولاية له عنه. قيل له: هذا غلط; لأن النهي يمنع أن يكون له ~~حق فيما نهي عنه فكيف يستدل به على إثبات الحق؟ وأيضا فإن الولي يمكنه أن ~~يمنعها من الخروج والمراسلة في عقد النكاح، فجائز ms0663 أن يكون النهي عن العضل ~~منصرفا إلى هذا الضرب من المنع; لأنها في الأغلب تكون في يد الولي بحيث ~~يمكنه منعها من ذلك. ووجه آخر من دلالة الآية على ما ذكرنا، وهو أنه لما ~~كان الولي منهيا عن العضل إذا زوجت هي نفسها من كفو، فلا حق له في ذلك، كما ~~لو نهي عن الربا والعقود الفاسدة لم يكن له حق فيما قد نهي عنه، فلم يكن له ~~فسخه; وإذا اختصموا إلى الحاكم فلو منع الحاكم من مثل هذا العقد كان ظالما ~~مانعا مما هو محظور عليه منعه، فيبطل حقه أيضا في الفسخ فيبقى العقد لا حق ~~لأحد في فسخه فينفذ ويجوز. # فإن قيل: إنما نهى الله سبحانه الولي عن العضل إذا تراضوا بينهم ~~بالمعروف، فدل ذلك على أنه ليس بمعروف إذا عقده غير الولي. قيل له: قد ~~علمنا أن المعروف مهما كان من شيء فغير جائز أن يكون معنى المعروف أن لا ~~يجوز عقدها لما فيه من نفي موجب الآية، وذلك لا يكون إلا على وجه النسخ; ~~ومعلوم امتناع جواز الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد; لأن النسخ لا يجوز إلا ~~بعد استقرار الحكم والتمكن من الفعل; فثبت بذلك أن المعروف المشروط في ~~تراضيهما ليس هو الولي. وأيضا فإن الباء تصحب الأبدال، فإنما انصرف ذلك إلى ~~مقدار المهر، وهو أن يكون مهر مثلها لا نقص فيه، ولذلك قال أبو حنيفة: ~~"إنها إذا نقصت من مهر المثل فللأولياء أن يفرقوا بينهما". # ونظير هذه الآية في جواز النكاح بغير ولي قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} قد ~~حوى الدلالة من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: إضافته عقد النكاح إليها في ~~قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} ، والثاني: {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} فنسب ~~التراجع. إليهما من غير ذكر الولي. ومن دلائل القرآن على ذلك قوله تعالى: ~~{فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} فجاز فعلها ms0664 ~~في نفسها من غير شرط الولي، وفي إثبات شرط الولي في صحة العقد نفي لموجب ~~الآية. # فإن قيل: إنما أراد بذلك اختيار الأزواج وأن لا يجوز العقد عليها إلا ~~بإذنها. قيل # PageV01P484 # له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: عموم اللفظ في اختيار الأزواج وفي غيره، ~~والثاني: أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها وإنما يحصل ذلك ~~بالعقد الذي يتعلق به أحكام النكاح; وأيضا فقد ذكر الاختيار مع العقد ~~بقوله: {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} . # PageV01P485 # ذكر الاختلاف في ذلك # اختلف الفقهاء في عقد المرأة على نفسها بغير ولي، فقال أبو حنيفة: "لها ~~أن تزوج نفسها كفوا وتستوفي المهر ولا اعتراض للولي عليها" وهو قول زفر ~~"وإن زوجت نفسها غير كفو فالنكاح جائز أيضا وللأولياء أن يفرقوا بينهما". ~~وروي عن عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن ~~الزبير وعبد الرحمن غائب; فهذا يدل على أن من مذهبهما جواز النكاح بغير ~~ولي، وهو قول محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. وقال أبو يوسف: "لا ~~يجوز النكاح بغير ولي، فإن سلم الولي جاز، وإن أبى أن يسلم والزوج كفو ~~أجازه القاضي" وإنما يتم النكاح عنده حين يجيزه القاضي; وهو قول محمد. وقد ~~روي عن أبي يوسف غير ذلك، والمشهور عنه ما ذكرناه. وقال الأوزاعي: "إذا ولت ~~أمرها رجلا فزوجها كفوا فالنكاح جائز، وليس للولي أن يفرق بينهما". وقال ~~ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح والشافعي: "لا نكاح إلا بولي". وقال ~~ابن شبرمة: "لا يجوز النكاح إلا بولي، وليس الوالدة بولي ولا أن تجعل ~~المرأة وليها رجلا إلا قاض من قضاة المسلمين". وقال ابن القاسم عن مالك: ~~"إذا كانت امرأة معتقة أو مسكينة أو دنية لا خطر لها، فلا بأس أن تستخلف ~~رجلا ويزوجها، ويجوز". وقال مالك: "وكل امرأة لها مال وغنى وقدر فإن تلك لا ~~ينبغي أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان" قال: وأجاز مالك للرجل أن يزوج ~~المرأة وهو من فخذها وإن كان غيره أقرب ms0665 منه إليها. وقال الليث في المرأة ~~تزوج بغير ولي: "إن غيره أحسن منه يرفع أمرها إلى السلطان، فإن كان كفؤا ~~أجازه ولم يفسخه" وذلك في الثيب، وقال في السوداء تزوج بغير ولي: "إنه ~~جائز"، قال: "والبكر إذا زوجها غير ولي والولي قريب حاضر فهذا الذي أمره ~~إلى الولي يفسخه له السلطان إن رأى لذلك وجها، والولي من قبل هذا أولى من ~~الذي أنكحها". # قال أبو بكر: وجميع ما قدمنا من دلائل الآي الموجبة لجواز عقدها تقضي ~~بصحة قول أبي حنيفة في هذه المسألة; ومن جهة السنة حديث ابن عباس، حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: حدثنا معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ~~ابن عباس، أن رسول الله # PageV01P485 # صلى الله عليه وسلم قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" قال أبو داود: وحدثنا ~~أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة قالا: حدثنا مالك، عن عبد الله بن الفضل، ~~عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الأيم أحق بنفسها من وليها". فقوله: "ليس للولي مع الثيب أمر" يسقط اعتبار ~~الولي في العقد، وقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" يمنع أن يكون له حق في ~~منعها العقد على نفسها، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بصقبه" وقوله ~~لأم الصغير: "أنت أحق به ما لم تنكحي" فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق. ~~ويدل عليه حديث الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "ما لي في النساء من أرب" فقام ~~رجل فسأله أن يزوجها، فزوجها ولم يسألها هل لها ولي أم لا، ولم يشترط الولي ~~في جواز عقدها. وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة، فقالت: ما أحد من ~~أوليائي شاهد; فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد من أوليائك شاهد ms0666 ~~ولا غائب يكرهني" فقالت لابنها وهو غلام صغير: قم فزوج أمك رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم فتزوجها صلى الله تعالى عليه وسلم بغير ولي. # فإن قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان وليها وولي المرأة التي وهبت ~~نفسها له، لقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] قيل ~~له: هو أولى بهم فيما يلزمهم من اتباعه وطاعته فيما يأمرهم به، فأما أن ~~يتصرف عليهم في أنفسهم وأموالهم فلا; ألا ترى أنه لم يقل لها حين قالت له ~~ليس أحد من أوليائي شاهد "وما عليك من أوليائك وأنا أولى بك منهم" بل قال: ~~"ما أحد منهم يكرهني"؟ وفي هذا دلالة على أنه لم يكن وليا لهن في النكاح. # ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز نكاح الرجل إذا كان جائز ~~التصرف في ماله، كذلك المرأة لما كانت جائزة التصرف في مالها وجب جواز عقد ~~نكاحها. والدليل على أن العلة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا أن الرجل إذا ~~كان مجنونا غير جائز التصرف في ماله لم يجز نكاحه، فدل على صحة ما وصفنا. # واحتج من خالف في ذلك بحديث شريك عن سماك عن ابن أبي أخي معقل بن يسار عن ~~معقل: أن أخت معقل كانت تحت رجل، فطلقها ثم أراد أن يراجعها، فأبى عليها ~~معقل، فنزلت هذه الآية: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} . وقد روي عن الحسن ~~أيضا هذه القصة، وأن الآية نزلت فيها، وأنه صلى الله عليه وسلم دعا معقلا ~~وأمره بتزويجها. وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل، لما في سنده من ~~الرجل المجهول الذي روى عنه سماك. وحديث الحسن مرسل، ولو ثبت لم ينف دلالة # PageV01P486 # الآية على جواز عقدها، من قبل أن معقلا فعل ذلك فنهاه الله عنه فبطل حقه ~~في العضل. فظاهر الآية يقتضي أن يكون ذلك خطابا للأزواج; لأنه قال: {وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} فقوله تعالى: {فلا تعضلوهن} إنما هو ~~خطاب لمن طلق; وإذا كان كذلك كان ms0667 معناه عضلها عن الأزواج بتطويل العدة ~~عليها كما قال: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} . وجائز أن يكون قوله تعالى: ~~{ولا تعضلوهن} خطابا للأولياء وللأزواج ولسائر الناس; والعموم يقتضي ذلك. # واحتجوا أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما امرأة ~~نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". وبما روي من قوله: "لا نكاح إلا بولي"، ~~وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزوج المرأة المرأة، ~~ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها". فأما الحديث ~~الأول فغير ثابت، وقد بينا علله في شرح الطحاوي; وقد روي في بعض الألفاظ: ~~"أيما امرأة تزوجت بغير إذن مواليها" وهذا عندنا على الأمة تزوج نفسها بغير ~~إذن مولاها. وقوله: "لا نكاح إلا بولي" لا يعترض على موضع الخلاف; لأن هذا ~~عندنا نكاح بولي; لأن المرأة ولي نفسها كما أن الرجل ولي نفسه; لأن الولي ~~هو الذي يستحق الولاية على من يلي عليه، والمرأة تستحق الولاية والتصرف على ~~نفسها في مالها فكذلك في بضعها. وأما حديث أبي هريرة، فمحمول على وجه ~~الكراهة لحضور المرأة مجلس الإملاك; لأنه مأمور بإعلان النكاح، ولذلك يجمع ~~له الناس، فكره للمرأة حضور ذلك المجمع; وقد ذكر أن قوله: "الزانية هي التي ~~تنكح نفسها" من قول أبي هريرة. وقد روي في حديث آخر عن أبي هريرة هذا ~~الحديث، وذكر فيه أن أبا هريرة قال: "كان يقال الزانية هي التي تنكح ~~نفسها". وعلى أن هذا اللفظ خطأ بإجماع المسلمين; لأن تزويجها نفسها ليس ~~بزنا عند أحد من المسلمين والوطء غير مذكور فيه، فإن حملته على أنها زوجت ~~نفسها ووطئها الزوج فهذا أيضا لا خلاف فيه أنه ليس بزنا; لأن من لا يجيزه ~~إنما يجعله نكاحا فاسدا يوجب المهر والعدة ويثبت به النسب إذا وطئ; وقد ~~استقصينا الكلام في هذه المسألة في شرح الطحاوي. # وقوله عز وجل: {ذلكم أزكى لكم وأطهر} يعني إذا لم تعضلوهن; لأن العضل ~~ربما أدى إلى ارتكاب المحظور منهما على غير وجه العقد; ms0668 وهو معنى قول النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: سمعت ~~عبد الله بن هرمز قال: قال رسول الله # PageV01P487 # صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا ~~تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". # PageV01P488 # باب الرضاع # قال الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} الآية. قال أبو ~~بكر: ظاهره الخبر، ولكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر; لأنه ~~لو كان خبرا لوجد مخبره، فلما كان في الوالدات من لا يرضع علم أنه لم يرد ~~به الخبر. ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر. وإذا لم يكن المراد حقيقة ~~اللفظ الذي هو الخبر، لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم ~~وأمرها به; إذ قد يرد الأمر في صيغة الخبر، كقوله: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} ، وأن يريد به إثبات حق الرضاع للأم وإن أبى الأب، أو ~~تقدير ما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما قال في آية أخرى: {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] وقال تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} دل ~~ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت، وأنها مخيرة في أن ترضع ~~أو لا ترضع; فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو أن الأب إذا أبى استرضاع ~~الأم أجبر عليه، وأن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع للحولين، فإن أبى أن ~~ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه. ثم لا يخلو بعد ذلك قوله تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} من أن يكون عموما في سائر الأمهات مطلقات كن أو ~~غير مطلقات، أو أن يكون معطوفا على ما تقدم ذكره من المطلقات مقصور الحكم ~~عليهن، فإن كان المراد سائر الأمهات المطلقات منهن والمزوجات فإن النفقة ~~الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية وكسوتها لا ms0669 للرضاع; لأنها لا تستحق ~~نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية، فتجتمع لها نفقتان إحداهما للزوجية والأخرى ~~للرضاع; وإن كانت مطلقة فنفقة الرضاع أيضا مستحقة بظاهر الآية; لأنه أوجبها ~~بالرضاع، وليست في هذه الحال زوجة ولا معتدة منه; لأنه يكون معطوفا على ~~قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ~~فتكون منقضية العدة بوضع الحمل، وتكون النفقة المستحقة أجرة الرضاع; وجائز ~~أن يكون طلقها بعد الولادة، فتكون عليها العدة بالحيض. # وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا في وجوب نفقة الرضاع ونفقة العدة معا، ففي ~~إحدى الروايتين أنها تستحقهما معا، وفي الأخرى أنها لا تستحق للرضاع شيئا ~~مع نفقة العدة. # فقد حوت الآية الدلالة على معنيين: أحدهما: أن الأم أحق برضاع ولدها في # PageV01P488 # الحولين وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه. والثاني: ~~أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان. وفي الآية دلالة على أن ~~الأب لا يشارك في نفقة الرضاع; لأن الله تعالى أوجب هذه النفقة على الأب ~~للأم وهما جميعا وارثان، ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع اشتراكهما ~~في الميراث، فصار ذلك أصلا في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره. كذلك ~~حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار والكبار الزمنى يختص هو ~~بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه، لدلالة الآية عليه. وقوله تعالى: {رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف} يقتضي وجوب النفقة والكسوة لها في حال الزوجية لشمول ~~الآية لسائر الوالدات من الزوجات والمطلقات. وقوله تعالى: {بالمعروف} يدل ~~على أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره; ~~إذ ليس من المعروف إلزام المعسر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه، ولا إلزام ~~الموسر الشيء الطفيف. ويدل أيضا على أنها على مقدار الكفاية مع اعتبار حال ~~الزوج، وقد بين ذلك بقوله عقيب ذلك: {لا تكلف نفس إلا وسعها} ، فإذا اشتطت ~~المرأة وطلبت من النفقة أكثر من المعتاد المتعارف لمثلها لم تعط، وكذلك إذا ~~قصر الزوج عن مقدار نفقة ms0670 مثلها في العرف والعادة لم يحل ذلك وأجبر على نفقة ~~مثلها. # وفي هذه الآية دلالة على جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها; لأن ما ~~أوجبه الله تعالى في هذه الآية للمطلقة هي أجرة الرضاع، وقد بين ذلك بقوله ~~تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} . # وفي هذه الآية دلالة على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث; إذ لا ~~توصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن وأكثر الرأي; إذ كان ~~ذلك معتبرا بالعادة، وكل ما كان مبنيا على العادة فسبيله الاجتهاد وغالب ~~الظن; إذ ليست العادة مقصورة على مقدار واحد لا زيادة عليه ولا نقصان. ومن ~~جهة أخرى هو مبني على الاجتهاد، وهو اعتبار حاله في إعساره ويساره ومقدار ~~الكفاية والإمكان بقوله: {لا تكلف نفس إلا وسعها} واعتبار الوسع مبني على ~~العادة. # وقوله تعالى: {لا تكلف نفس إلا وسعها} يوجب بطلان قول أهل الإجبار في ~~اعتقادهم أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون، وإكذاب لهم في نسبتهم ذلك إلى ~~الله تعالى الله عما يقولون وينسبون إليه من السفه والعبث علوا كبيرا. # قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} . روي عن الحسن ~~ومجاهد وقتادة قالوا: "هو المضارة في الرضاع". وعن سعيد بن جبير وإبراهيم ~~قالا: "إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم". # PageV01P489 # قال أبو بكر: فمعناه لا تضار والدة بولدها بأن لا تعطى إذا رضيت بأن ~~ترضعه بمثل ما ترضعه به الأجنبية، بل تكون هي أولى على ما تقدم في أول ~~الآية من قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فجعل الأم أحق برضاع ~~الولد هذه المدة، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} يعني ~~والله أعلم أنها إذا رضيت بأن ترضع بمثل ما ترضع به غيرها، لم يكن للأب أن ~~يضارها فيدفعه إلى غيرها; وهو كما قال في آية أخرى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن} [الطلاق: 6] فجعلها أولى بالرضاع، ثم قال: {وإن تعاسرتم فسترضع له ms0671 ~~أخرى} [الطلاق: 6] فلم يسقط حقها من الرضاع إلا عند التعاسر. ويحتمل أن ~~يريد به أنها لا تضار بولدها إذا لم تختر أن ترضعه بأن ينتزع منها، ولكنه ~~يؤمر الزوج بأن يحضر الظئر إلى عندها حتى ترضعه في بيتها; وكذلك قول ~~أصحابنا. ولما كانت الآية محتملة للمضارة في نزع الولد منها واسترضاع ~~غيرها، وجب حمله على المعنيين، فيكون الزوج ممنوعا من استرضاع غيرها إذا ~~رضيت هي بأن ترضعه بأجرة مثلها وهي الرزق والكسوة بالمعروف، وإن لم ترضع ~~أجبر الزوج على إحضار المرضعة حتى. ترضعه في بيتها حتى لا يكون مضارا لها ~~بولدها. وفي هذا دلالة على أن الأم أحق بإمساك الولد ما دام صغيرا، وإن ~~استغنى عن الرضاع بعدما يكون ممن يحتاج إلى الحضانة; لأن حاجته إلى الأم ~~بعد الرضاع كهي قبله، فإذا كانت في حال الرضاع أحق به، وإن كانت المرضعة ~~غيرها علمنا أن في كونه عند الأم حقا لها; وفيه حق للولد أيضا، وهو أن الأم ~~أرفق به وأحنى عليه. وذلك في الغلام عندنا إلى أن يأكل وحده ويشرب وحده ~~ويتوضأ وحده، وفي الجارية حتى تحيض; لأن الغلام إذا بلغ إلى الحد الذي ~~يحتاج فيه إلى التأديب ويعقله ففي كونه عند الأم دون الأب ضرر عليه، والأب ~~مع ذلك أقوم بتأديبه، وهي الحال التي قال فيها النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم: "مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". ~~فمن كان سنه سبعا فهو مأمور بالصلاة على وجه التعليم والتأديب; لأنه ~~يعقلها; فكذلك سائر الأدب الذي يحتاج إلى تعلمه. وفي كونه عندها في هذه ~~الحال ضرر عليه، ولا ولاية لأحد على الصغير فيما يكون فيه ضرر عليه. وأما ~~الجارية فلا ضرر عليها في كونها عند الأم إلى أن تحيض، بل كونها عندها أنفع ~~لها; لأنها تحتاج إلى آداب النساء، ولا تزول هذه الولاية عنها إلا بالبلوغ; ~~لأنها تستحقها عليها بالولادة، ولا ضرر عليها في كونها عندها; فلذلك كانت ~~أولى إلى وقت البلوغ، فإذا بلغت احتاجت إلى ms0672 التحصين والأب أقوم بتحصينها، ~~فلذلك كان أولى بها. # PageV01P490 # وبمثل دلالة القرآن على ما وصفنا ورد الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه وابن عباس، أن عليا اختصم هو وزيد بن ~~حارثة وجعفر بن أبي طالب في بنت حمزة، وكانت خالتها تحت جعفر، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة والدة" فكان في هذا ~~الخبر أنه جعل الخالة أحق من العصبة كما حكمت الآية بأن الأم أحق بإمساك ~~الولد من الأب. وهذا أصل في أن ذوات الرحم المحرم أولى بإمساك الصبي ~~وحضانته من حضانة العصبة من الرجال الأقرب فالأقرب منهم. # وقد حوى هذا الخبر معاني: منها أن الخالة لها حق الحضانة وأنها أحق به من ~~العصبة، وسماها والدة، ودل ذلك على أن كل ذات رحم محرم من الصبي فلها هذا ~~الحق الأقرب فالأقرب; إذ لم يكن هذا الحق مقصورا على الولادة. وقد روى عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله حين كان بطني له وعاء وثدي سقاء ~~وحجري له حواء أراد أبوه أن ينتزعه مني فقال: "أنت أحق به ما لم تتزوجي"، ~~وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم علي وأبو بكر وعبد الله بن مسعود ~~والمغيرة بن شعبة في آخرين من الصحابة والتابعين. وقال الشافعي: "يخير ~~الغلام إذا أكل وشرب وحده، فإن اختار الأب كان أولى به، وكذلك إن اختار ~~الأم كان عندها". وروي فيه حديث عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خير غلاما بين أبويه، فقال له: "اختر أيهما شئت". وروى عبد الرحمن بن ~~غنم قال: شهدت عمر بن الخطاب خير صبيا بين أبويه. فأما ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فجائز أن يكون بالغا; لأنه قد يجوز أن يسمى غلاما بعد ~~البلوغ. وقد روي عن علي أنه خير غلاما وقال: "لو ms0673 قد بلغ هذا يعني أخا له ~~صغيرا لخيرته". فهذا يدل على أن الأول كان كبيرا. وقد روي في حديث أبي ~~هريرة أن امرأة خاصمت زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إنه طلقني ~~وإنه يريد أن ينزع مني ابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "استهما عليه" فقال: من يحاجني في ابني؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام هذه أمك وهذا أبوك فاختر أيهما ~~شئت" فأخذ الغلام بيد أمه; وقول الأم "قد سقاني من بئر أبي عنبة" يدل على ~~أنه كان كبيرا. وقد اتفق الجميع أنه لا اختيار للصغير في سائر حقوقه، وكذلك ~~في الأبوين، قال محمد بن الحسن: "لا يخير الغلام; لأنه لا يختار إلا شر ~~الأمرين". قال أبو بكر: هو كذلك; لأنه يختار اللعب والإعراض عن تعلم الأدب ~~والخير، وقال الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} ومعلوم أن الأب أقوم ~~بتأديبه وتعليمه، وأن في كونه عند الأم ضررا عليه; لأنه ينشأ على أخلاق ~~النساء. # PageV01P491 # وأما قوله تعالى: {ولا مولود له بولده} فإنه عائد على المضار نهي الرجل ~~أن يضارها بولدها ونهي المرأة أيضا أن تضار بولده. والمضارة من جهتها قد ~~تكون في النفقة وغيرها، فأما في النفقة فأن تشتط عليه وتطلب فوق حقها، وفي ~~غير النفقة أن تمنعه من رؤيته والإلمام به. ويحتمل أن تغترب به وتخرجه عن ~~بلده فتكون مضارة له بولده، ويحتمل أن تريد أن لا يطيعه وتمتنع من تركه ~~عنده. فهذه الوجوه كلها محتملة ينطوي عليها قوله تعالى: {ولا مولود له ~~بولده} فوجب حمل الآية عليها. # قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} هو عطف على جميع المذكور قبله، من عند ~~قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} لأن الكلام كله معطوف بعضه ~~على بعض بالواو، وهي حرف الجمع، فكان الجميع مذكورا في حال واحدة النفقة ~~والكسوة، والنهي لكل واحد منهما عن مضارة الآخر على ما اعتورها من المعاني ~~التي قدمنا ذكرها. ثم قال ms0674 الله: {وعلى الوارث مثل ذلك} يعني النفقة والكسوة ~~وأن لا يضارها ولا تضاره; إذ كانت المضارة قد تكون في النفقة كما تكون في ~~غيرها، فلما قال عطفا على ذلك: {وعلى الوارث مثل ذلك} كان ذلك موجبا على ~~الوارث جميع المذكور. وقد روي عن عمر وزيد بن ثابت والحسن وقبيصة بن ذؤيب ~~وعطاء وقتادة في قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} قالوا: "النفقة". وعن ~~ابن عباس والشعبي: "عليه أن لا يضار". قال أبو بكر: قولهما "عليه أن لا ~~يضار" لا دلالة فيه على أنهما لم يريا النفقة واجبة على الوارث; لأن ~~المضارة قد تكون في النفقة كما تكون في غيرها، فعوده على المضارة لا ينفي ~~إلزامه النفقة; ولولا أن عليه النفقة ما كان لتخصيصه بالنهي عن المضارة ~~فائدة; إذ هو في ذلك كالأجنبي. ويدل على أن المراد المضارة في النفقة وفي ~~غيرها قوله تعالى عقيب ذلك: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم} فدل ذلك على أن المضارة قد انتظمت الرضاع والنفقة. # وقد اختلف السلف فيمن تلزمه نفقة الصغير، فقال عمر بن الخطاب: "إذا لم ~~يكن له أب فنفقته على العصبات"، وذهب في ذلك إلى أن الله تعالى أوجب النفقة ~~على الأب دون الأم; لأنه عصبة، فوجب أن تختص بها العصبات بمنزلة العقل. ~~وقال زيد بن ثابت: "النفقة على الرجال والنساء على قدر مواريثهم" وهو قول ~~أصحابنا. وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من أن على الوارث أن لا يضارها. وقد ~~بينا أن هذا يدل على أنه رأى على الوارث النفقة; لأن المضارة تكون فيها. ~~وقال مالك: لا نفقة على أحد إلا الأب خاصة ولا تجب على الجد وعلى ابن الابن ~~للجد، وتجب على الابن للأب. وقال الشافعي: "لا تجب نفقة الصغير على أحد من ~~قرابته إلا الوالد والولد والجد وولد الولد". # PageV01P492 # قال أبو بكر: وظاهر قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} واتفاق السلف على ما ~~وصفنا من إيجاب النفقة يقضيان بفساد هذين القولين; لأن قوله: {وعلى الوارث ~~مثل ذلك} عائد ms0675 على جميع المذكورين في النفقة والمضارة، وغير جائز لأحد ~~تخصيصه بغير دلالة. وقد ذكرنا اختلاف السلف فيمن تجب عليه من الورثة. ولم ~~يقل أحد منهم إن الأخ والعم لا تجب عليهما النفقة، وقول مالك والشافعي خارج ~~عن قول الجميع. ومن حيث وجب على الأب وهو ذو رحم محرم، وجب على من هو بهذه ~~الصفة الأقرب فالأقرب لهذه العلة. ويدل عليه قوله تعالى: {ولا على أنفسكم ~~أن تأكلوا من بيوتكم} إلى قوله تعالى: {أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم} ~~[النور: 61] فذكر ذوي الرحم المحرم وجعل لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فدل على ~~أنهم مستحقون لذلك، لولاه لما أباحه لهم. # فإن قيل: قد ذكر فيه: {أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم} [النور: 61] ولا ~~يستحقان النفقة. قيل له: هو منسوخ عنهم بالاتفاق، ولم يثبت نسخ ذوى الرحم ~~المحرم. # فإن قيل: فأوجبوا النفقة على ابن العم إذا كان وارثا قيل له: الظاهر ~~يقتضيه وخصصناه بدلالة. # فإن قيل: فإن كان قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} موجبا للنفقة على كل وارث، ~~فالواجب إيجاب النفقة على الأب والأم على قدر مواريثهما منه. قيل له: إنما ~~المراد "وعلى الوارث غير الأب" وذلك; لأنه قد تقدم ذكر الأب في أول الخطاب ~~بإيجاب جميع النفقة عليه دون الأم، ثم عطف عليه قوله: {وعلى الوارث مثل ~~ذلك} وغير جائز أن يكون مراده الأب مع سائر الورثة; لأنه يوجب نسخ ما قد ~~تقدم، وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في شيء واحد في خطاب; إذ كان النسخ ~~غير جائز إلا بعد استقرار الحكم والتمكين من الفعل. وذكر إسماعيل بن إسحاق ~~أنه إذا ولد مولود وأبوه ميت أو معدوم فعلى أمه أن ترضعه، لقوله تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} فلا يسقط عنها بسقوط ما كان يجب على الأب، فإن ~~انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شيء عليها، وإن كان يمكنها أن تسترضع فلم ~~تفعل وخافت عليه الموت وجب عليها أن تسترضع لا من جهة ما على الأب لكن من ~~جهة أن على كل واحد إعانة ms0676 من يخاف عليه إذا أمكنه. # وهذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من الاختلاف: أحدها: أنه أوجب الرضاع ~~على الأم لقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن} وأعرض عن ذكر ما يتصل به من # PageV01P493 # قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ، فإنما جعل عليها ~~الرضاع بحذاء ما أوجب لها من النفقة والكسوة، فكيف يجوز إلزامها ذلك بغير ~~بدل ومعلوم أن لزوم النفقة للأب بدلا من الرضاع يوجب أن تكون تلك المنافع ~~في الحكم حاصلة للأب ملكا باستحقاق البدل عليه، فاستحال إيجابها على الأم، ~~وقد أوجبها الله تعالى على الأب بإلزامها بدلها من النفقة والكسوة. ~~والثاني: قوله {يرضعن أولادهن} ليس فيه إيجاب الرضاع عليها، وإنما جعل به ~~الرضاع حقا لها; لأنه لا خلاف أنها لا تجبر على الرضاع إذا أبت وكان الأب ~~حيا; وقد نص الله على ذلك في قوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: ~~6] فلا يصح الاستدلال بالآية على إيجاب الرضاع عليها في حال فقد الأب، وهو ~~لم يقتض إيجابه عليها في حال حياته، وهو المنصوص عليه في الآية. ثم زعم أنه ~~إن انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شيء عليها، وإن أمكنها أن تسترضع. وهذا ~~أيضا منتقض; لأنها إن كانت منافع الرضاع مستحقة عليها للولد في حال فقد ~~الأب، فواجب أن يكون ذلك عليها في مالها إذا تعذر عليها الرضاع، كما وجب ~~على الأب استرضاعه. وإن لم تكن منافع الرضاع مستحقة عليها في مالها، فغير ~~جائز إلزامها الرضاع; وما الفرق بين لزومها منافع الرضاع وبين لزوم ذلك في ~~مالها إذا تعذر عليها؟ ثم ناقض فيه من وجه آخر، وهو أنه لم يلزمها نفقته ~~بعد انقضاء الرضاع، ويفرق بين الرضاع وبين النفقة بعد الرضاع، وهما جميعا ~~من نفقة الصغير; فمن أين أوجب الفرق بينهما؟ ولو جازت الفرقة من هذا الوجه ~~لجاز مثله في الأب، حتى يقال: إن الذي يلزمه إنما هو نفقة الرضاع، فإذا ~~انقضت مدة الرضاع فلا نفقة عليه للصغير; لأن الله تعالى إنما أوجب عليه ~~نفقتها وكسوتها للرضاع. ثم زعم ms0677 أنه إذا أمكنها أن تسترضع وخافت عليه الموت، ~~فعليها أن تسترضع على الوجه الذي يلزمها ذلك لو خافت عليه الموت. فإن كان ~~ذلك على هذا المعنى فكيف خصها بإلزامها ذلك دون جيرانها ودون سائر الناس؟ ~~وهذا كله تخليط وتشه غير مقرون بدلالة ولا مستند إلى شبهة. وقد حكي مثل ذلك ~~عن مالك أنه لا يوجب النفقة إلا على الأب للابن وعلى الابن للأب، ولا ~~يوجبها للجد على ابن الابن. وهو قول خارج عن أقاويل السلف والخلف جميعا لا ~~نعلم عليه موافقا; ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يرده، وهو قوله تعالى: {ووصينا ~~الأنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} [لقمان: 14] إلى قوله: {وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا} [لقمان: 15] والجد داخل في هذه الجملة; لأنه أب; قال الله تعالى: ~~{ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] وهو مأمور بمصاحبته بالمعروف لا خلاف في ~~ذلك، وليس من الصحبة بالمعروف تركه جائعا مع القدرة على سد جوعته. ويدل ~~عليه أيضا قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت # PageV01P494 # آبائكم} [النور: 61] فذكر بيوت هؤلاء الأقرباء ولم يذكر بيت الابن ولا ~~ابن الابن; لأن قوله: {من بيوتكم} [النور: 61] قد اقتضى ذلك، كقوله: "أنت ~~ومالك لأبيك" فأضاف إليه ملك الابن كما أضاف إليه بيت الابن واقتصر على ~~إضافة البيوت إليه. والدليل على أنه أراد بيوت الابن وابن الابن، أنه قد ~~كان معلوما قبل ذلك أن الإنسان غير محظور عليه مال نفسه، فإنه لا وجه لقول ~~القائل: لا جناح عليك في أكل مال نفسك; فدل ذلك على أن المراد بقوله: {أن ~~تأكلوا من بيوتكم} [النور: 61] هي بيوت الأبناء وأبناء الأبناء; إذ لم ~~يذكرهما جميعا كما ذكر سائر الأقرباء. # وقد اختلف موجبو النفقة على الورثة على قدر مواريثهم، فقال أصحابنا: "هي ~~على كل من كان من أهل الميراث على قدر ميراثه من الصبي إذا كان ذا رحم محرم ~~منه، ولا نفقة على من لم يكن ذا رحم محرم ms0678 من الصبي وإن كان وارثا". ولذلك ~~أوجبوا النفقة على الخال والميراث لابن العم; لأن ابن العم ليس بذي رحم ~~محرم، والخال وإن لم يكن وارثا في هذه الحال فهو من أهل الميراث ذو رحم ~~محرم وذلك; لأنه معلوم أنه لم يرد به وارثا في حال الحياة; لأن الميراث لا ~~يكون في حال الحياة، وبعد الموت لا يدرى من يرثه، وعسى أن يكون هذا الصبي ~~يرث هذا الذي عليه النفقة بموته قبله، وجائز أن يحدث له من الورثة من يحجب ~~من أوجبنا عليه. ولما كان ذلك كذلك علمنا أنه ليس المراد حصول الميراث ~~وإنما المعنى أنه ذو رحم محرم من أهل الميراث. وقال ابن أبي ليلى: "النفقة ~~واجبة على كل وارث، ذا رحم محرم كان أو غير ذي رحم محرم"، فيوجبها على ابن ~~العم دون الخال. والدليل على صحة ما ذكرنا اتفاق الجميع على أن مولى ~~العتاقة لا تجب عليه النفقة وإن كان وارثا، وكذلك المرأة لا تجب عليها نفقة ~~زوجها الصغير وهي ممن يرثه; فدل ذلك على أن كونه ذا رحم محرم شرط في إيجاب ~~النفقة. # وأما قوله عز وجل: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} فإنه لا يخلو ~~توقيت الحولين من أحد معنيين: إما أن يكون تقديرا لمدة الرضاع الموجب ~~للتحريم، أو لما يلزم الأب من نفقة الرضاع; فلما قال في نسق التلاوة بعد ~~ذكر الحولين: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} دل ~~ذلك على أن الحولين ليسا تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم; لأن الفاء ~~للتعقيب، فواجب أن يكون الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد الحولين، وإذا كان ~~الفصال معلقا بتراضيهما وتشاورهما بعد الحولين فقد دل ذلك على أن ذكر ~~الحولين ليس هو من جهة توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم وأنه جائز أن ~~يكون بعدهما رضاع. وقد روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن # PageV01P495 # ابن عباس في قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد ~~أن يتم الرضاعة} ثم قال: "فإن ms0679 أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا حرج إن ~~أرادا أن يفطماه قبل الحولين أو بعده". فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن ~~قوله تعالى: {فإن أرادا فصالا} على ما قبل الحولين وبعده. ويدل عليه قوله ~~تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} وظاهره الاسترضاع ~~بعد الحولين; لأنه معطوف على ذكر الفصال الذي علقه بتراضيهما، فأباحه لهما ~~وأباح للأب الاسترضاع بعد ذلك كما أباح لهما الفصال إذا كان فيه صلاح ~~الصبي. ودل ما وصفنا على أن ذكر الحولين إنما هو توقيت لما يلزم الأب في ~~الحكم من نفقة الرضاع ويجبره الحاكم عليه; والله أعلم. # PageV01P496 # ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع # قال أبو بكر: قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير، فروي عن عائشة ~~أنها كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير، وكانت تروي في ذلك ~~حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل ~~وهي امرأة أبي حذيفة: "أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك" وكانت عائشة إذا ~~أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس رضعات ثم يدخل ~~عليها بعد ذلك; وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقلن: لعل هذه ~~كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وقد روي أن سهلة بنت سهيل ~~قالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة". فيحتمل أن يكون ~~ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما خص أبا ~~زياد بن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن أحد بعده. وقد روت ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن رضاع الكبير لا يحرم، وهو ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: ~~أخبرنا سفيان عن أشعث بن سليم ms0680 عن أبيه عن مسروق عن عائشة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فقالت: يا رسول الله إنه أخي من ~~الرضاعة، فقال صلى الله عليه وسلم: "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من ~~المجاعة". فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغر وهي الحال ~~التي يسد اللبن فيها جوعته ويكتفي في غذائه به. وقد روي عن أبي موسى أنه ~~كان يرى رضاع الكبير; وروي عنه ما يدل على رجوعه، وهو ما روى أبو حصين عن ~~أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة، فوضعت فتورم ثديها، فجعل يمجه ~~ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: "بانت منك" فأتى ابن ~~مسعود فأخبره ففصل، فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري فقال: # PageV01P496 # "أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم" فقال ~~الأشعري: "لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم"; وهذا يدل على أنه رجع ~~عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود; إذ لولا ذلك لم يقل "لا تسألوني عن شيء ~~وهذا الحبر بين أظهركم" وكان باقيا على مخالفته وأن ما أفتى به حق. وقد روي ~~عن علي وابن عباس وعبد الله وأم سلمة وجابر بن عبد الله وابن عمر "أن رضاع ~~الكبير لا يحرم" ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع الكبير إلا شيء يروى ~~عن الليث بن سعد يرويه عنه أبو صالح "أن رضاع الكبير يحرم" وهو قول شاذ; ~~لأنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه لا يحرم، وهو ما روى الحجاج عن الحكم ~~عن أبي الشعثاء عن عائشة قالت: "يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم" وقد ~~روى حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال". وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث عائشة الذي قدمناه: "إنما الرضاعة من المجاعة"، وفي حديث ~~آخر: "ما أنبت اللحم وأنشز العظم" وهذا ينفي ms0681 كون الرضاع في الكبير. وقد روي ~~حديث عائشة الذي قدمناه في رضاع الكبير على وجه آخر، وهو ما روى عبد الرحمن ~~بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع ~~الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا. فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع ~~الكبير، فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق. # وقد اختلف فقهاء الأمصار في مدة. ذلك، فقال أبو حنيفة: "ما كان من رضاع ~~في الحولين وبعدهما بستة أشهر وقد فطم أو لم يفطم فهو يحرم، وبعد ذلك لا ~~يحرم فطم أو لم يفطم". وقال زفر بن الهذيل: "ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم ~~فهو رضاع، وإن أتى عليه ثلاث سنين". وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن ~~صالح والشافعي: "يحرم في الحولين ولا يحرم بعدهما، ولا يعتبر الفطام وإنما ~~يعتبر الوقت". وقال ابن وهب عن مالك: "قليل الرضاع وكثيره محرم في الحولين، ~~وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم قليله ولا كثيره". وقال ابن القاسم عن ~~مالك: "الرضاع حولان وشهر أو شهران بعد ذلك، ولا ينظر إلى إرضاع أمه إياه ~~إنما ينظر إلى الحولين وشهر أو شهرين" قال: "وإن فصلته قبل الحولين وأرضعته ~~قبل تمام الحولين فهو فطيم، فإن ذلك لا يكون رضاعا إذا كان قد استغنى قبل ~~ذلك عن الرضاع فلا يكون ما أرضع بعده رضاعا". وقال الأوزاعي: "إذا فطم لسنة ~~واستمر فطامه فليس بعده رضاع، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم يكن رضاعا بعد ~~الحولين". # وقد روي عن السلف في ذلك أقاويل، فروي عن علي: "لا رضاع بعد فصال"، # PageV01P497 # وعن عمر وابن عمر: "لا رضاع إلا ما كان في الصغر". وهذا يدل من قولهم على ~~ترك اعتبار الحولين; لأن عليا علق الحكم بالفصال، وعمر وابنه بالصغر من غير ~~توقيت. وعن أم سلمة أنها قالت: "إنما يحرم من الرضاع ما كان في الثدي قبل ~~الفطام"، وعن أبي هريرة: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق ms0682 الأمعاء وكان في ~~الثدي قبل الفطام" فعلق الحكم بما كان قبل الفطام وبما فتق الأمعاء، وهو ~~نحو ما روي عن عائشة أنها قالت: "إنما يحرم من الرضاعة ما أنبت اللحم ~~والدم". فهذا كله يدل على أنه لم يكن من مذهبهم اعتبار الحولين. وقد روي عن ~~عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس أنهما قالا: "لا رضاع بعد الحولين" ~~وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرضاعة من المجاعة" يدل ~~على أنه غير متعلق بالحولين; لأنه لو كان الحولان توقيتا لما قال: "الرضاعة ~~من المجاعة" ولقال: الرضاعة في الحولين، فلما لم يذكر الحولين وذكر المجاعة ~~ومعناها أن اللبن إذا كان يسد جوعته ويقوى عليه بدنه فالرضاعة في تلك ~~الحال، وذلك قد يكون بعد الحولين فاقتضى ظاهر ذلك صحة الرضاع الموجب ~~للتحريم بعد الحولين. وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~رضاع بعد فصال" وذلك يوجب أنه إذا فصل بعد الحولين أن ينقطع حكمه بعد ذلك. ~~وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرضاعة ما أنبت اللحم ~~وأنشز العظم" دلالته على نفي توقيت الحولين بمدة الرضاع لدلالة الأخبار ~~المتقدمة. وقد حكي عن ابن عباس قول: "لست أثق بصحة النقل فيه" وهو أنه ~~يعتبر ذلك بقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] فإن ولدت ~~المرأة لستة أشهر فرضاعه حولان كاملان، وإن ولدت لتسعة أشهر فأحد وعشرون ~~شهرا، وإن ولدت لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون شهرا يعتبر فيه تكملة ثلاثين شهرا ~~بالحمل والفصال جميعا; ولا نعلم أحدا من السلف والفقهاء بعدهم اعتبر ذلك. # ولما كانت أحوال الصبيان تختلف في الحاجة إلى الرضاع، فمنهم من يستغني ~~عنه قبل الحولين ومنهم من لا يستغني عنه بعد كمال الحولين، واتفق الجميع ~~على نفي الرضاع للكبير وثبوت الرضاع للصغير على ما قدمنا من الرواية فيه عن ~~السلف، ولم يكن الحولان حدا للصغير; إذ لا يمتنع أحد أن يسميه صغيرا وإن ~~أتى عليه حولان، علمنا أن الحولين ليس ms0683 بتوقيت لمدة الرضاع; ألا ترى أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما قال: "الرضاعة من المجاعة" وقال: "الرضاعة ما أنبت ~~اللحم وأنشز العظم" فقد اعتبر معنى تختلف فيه أحوال الصغار وإن كان الأغلب ~~أنهم قد يستغنون عنه بمضي الحولين؟ فسقط اعتبار الحولين في ذلك. ثم مقدار ~~الزيادة عليهما طريقه الاجتهاد; لأنه تحديد بين الحال التي يكتفي فيها ~~باللبن في غذائه وينبت عليه لحمه، وبين الانتقال إلى الحال التي يكتفي فيها ~~بالطعام ويستغني عن # PageV01P498 # اللبن; وكان عند أبي حنيفة أنه ستة أشهر بعد الحولين، وذلك اجتهاد في ~~التقدير; والمقادير التي طريقها الاجتهاد لا يتوجه على القائل بها سؤال نحو ~~تقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيت، وتقدير متعة ~~النساء بعد الطلاق وما جرى مجرى ذلك، ليس لأحد مطالبة من غلب على ظنه شيء ~~من هذه المقادير بإقامة الدلالة عليه. فهذا أصل صحيح في هذا الباب مسائله ~~فيه على منهاج واحد، ونظيره ما قال أبو حنيفة في حد البلوغ: "إنه ثماني ~~عشرة سنة، وإن المال لا يدفع إلى البالغ الذي لم يؤنس رشده إلا بعد خمس ~~وعشرين سنة" في نظائر لذلك من المسائل التي طريق إثبات المقادير فيها ~~الاجتهاد. # فإن قال قائل: وإن كان طريقه الاجتهاد فلا بد من جهة يغلب معها في النفس ~~اعتبار هذا المقدار بعينه دون غيره، فما المعنى الذي أوجب من طريق الاجتهاد ~~اعتبار ستة أشهر بعد الحولين دون سنة تامة على ما قال زفر؟ قيل له: أحد ما ~~يقال في ذلك أن الله تعالى لما قال: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: ~~15] ثم قال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] فعقل من مفهوم الخطابين كون ~~الحمل ستة أشهر، ثم جازت الزيادة عليه إلى تمام الحولين; إذ لا خلاف أن ~~الحمل قد يكون حولين، ولا يكون عندنا الحمل أكثر منهما فلا يخرج الحمل ~~المذكور في هذه الجملة من جملة الحولين، كذلك الفصال لا يخرج من جملة ~~ثلاثين شهرا; لأنهما جميعا قد انتظمتهما الجملة المذكورة في قوله تعالى: ~~{وحمله وفصاله ثلاثون ms0684 شهرا} [الأحقاف: 15] . وكان أبو الحسن يقول في ذلك: ~~لما كان الحولان هما الوقت المعتاد للفطام وقد جازت الزيادة عليه بما ~~ذكرنا، وجب أن تكون مدة الانتقال من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء ~~الطعام ستة أشهر، كما كانت مدة انتقال الولد في بطن الأم إلى غذاء الطعام ~~بالولادة ستة أشهر، وذلك أقل مدة الحمل. # فإن قال قائل: قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} نص على أن الحولين تمام الرضاع، فغير جائز أن يكون ~~بعده رضاع. قيل له إطلاق لفظ الإتمام غير مانع من الزيادة عليه، ألا ترى أن ~~الله تعالى قد جعل مدة الحمل ستة أشهر في قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~[الأحقاف: 15] وقوله تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ؟ فجعل مجموع ~~الآيتين الحمل ستة أشهر، ثم لم تمتنع الزيادة عليها، فكذلك ذكر الحولين ~~للرضاع غير مانع جواز الزيادة عليهما; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ~~أدرك عرفة فقد تم حجه" ولم تمتنع زيادة الفرض عليها. وأيضا فإن ذلك تقدير ~~لما يلزم الأب من أجرة الرضاع، وأنه غير مجبر على أكثر منهما، لإثباته # PageV01P499 # الرضاع بتراضيهما بقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا جناح عليهما} وبقوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم} فلما ثبت الرضاع بعد الحولين دل ذلك على أن حكم التحريم به غير ~~مقصور عليهما. # فإن قيل: هلا اعتبرت الفطام على ما اعتبره مالك في الحولين في حال ~~استغناء الصبي عن اللبن بالطعام، بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا رضاع بعد فصال" وبما روي عن الصحابة فيه على نحو ما قدمنا ذكره ~~مما يدل كله على اعتبار الفطام؟ قيل له: لو وجب ذلك لوجب اعتبار حال الصبي ~~بعد الحولين في حاجته إلى اللبن واستغنائه عنه; لأن من الصبيان من يحتاج ~~إلى الرضاع بعد الحولين، فلما اتفق الجميع على سقوط اعتبار ذلك بعد الحولين ~~دل على سقوط اعتباره في الحولين، ووجب أن يكون حكم ms0685 التحريم معلقا بالوقت ~~دون غيره. # فإن قال قائل: قد روي في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~رضاع بعد الحولين"؟ قيل له: المشهور عنه: "لا رضاع بعد فصال" فجائز أن يكون ~~هذا هو أصل الحديث وأن من ذكر الحولين حمله على المعنى وحده. وأيضا لو ثبت ~~هذا اللفظ احتمل أن يريد أيضا: لا رضاع على الأب بعد الحولين; على نحو ~~تأويل قوله تعالى: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} وقد تقدم ذكره. ~~وأيضا لو كان الحولان هما مدة الرضاع وبهما يقع الفصال لما قال تعالى: {فإن ~~أرادا فصالا} وهذا القول يدل من وجهين على أن الحولين ليسا توقيتا للفصال: ~~أحدهما: ذكره للفصال منكورا في قوله تعالى: {فصالا} ولو كان الحولان فصالا ~~لقال "الفصال" حتى يرجع ذكر الفصال إليهما; لأنه معهود مشار إليه، فلما ~~أطلق فيه لفظ النكرة دل على أنه لم يرد به الحولين. والوجه الآخر: تعليقه ~~الفصال بإرادتهما، وما كان مقصورا على وقت محدود لا يعلق بالإرادة والتراضي ~~والتشاور; وفي ذلك دليل على ما ذكرنا. # وقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} يدل على جواز ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي ~~إلى صلاح أمر الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنهما لا من جهة اليقين والحقيقة ~~وفيه أيضا دلالة على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما، وأنه ليس ~~لأحدهما أن يفطمه دون الآخر، لقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما ~~وتشاور} فأجاز ذلك بتراضيهما وتشاورهما. وقد روي نحو ذلك عن مجاهد. # وقد روي عن بعض السلف نسخ في هذه الآية، روى شيبان عن قتادة في قوله # PageV01P500 # تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} ثم أنزل التخفيف بعد ذلك ~~فقال تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} . # قال أبو بكر: كأنه عنده كان رضاع الحولين واجبا ثم خفف وأبيح الرضاع أقل ~~من مدة الرضاع بقوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} . # وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن ms0686 أنس مثل قول قتادة. وروى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة} ثم قال: "فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا حرج إن أرادا أن يفطما قبل الحولين أو بعدهما" والله أعلم. # PageV01P501 # ذكر عدة المتوفى عنها زوجها # قال الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا} والتربص بالشيء الانتظار به، قال الله تعالى: {فتربصوا به حتى ~~حين} [المؤمنون: 25] وقال تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ~~ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] يعني ينتظر، وقال تعالى: {أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] فأمرهن الله تعالى بأن يتربصن بأنفسهن ~~هذه المدة عن الأزواج. ألا ترى أنه عقبه بقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فلا ~~جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن} ؟ وقد كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة، ~~بقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج} [البقرة: 240] فتضمنت هذه الآية أحكاما: منها توقيت العدة ~~سنة، ومنها: أن نفقتها وسكناها كانت في تركة زوجها ما دامت معتدة بقوله ~~تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول} . ومنها: أنها كانت ممنوعة من ~~الخروج في هذه السنة فنسخ منها من المدة ما زاد على أربعة أشهر وعشرا، ونسخ ~~أيضا وجوب نفقتها وسكناها في التركة بالميراث لقوله تعالى: {أربعة أشهر ~~وعشرا} من غير إيجاب نفقة ولا سكنى، ولم يثبت نسخ الإخراج، فالمنع من ~~الخروج في العدة الثانية قائم; إذ لم يثبت نسخه. وقد حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في هذه ~~الآية يعني قوله تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} ~~[البقرة: 240] قال: كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها سنة، فنسختها ~~آية المواريث، فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج قال: وقال رسول الله ~~صلى الله عليه ms0687 وسلم: "لا وصية لوارث إلا أن يرضى # PageV01P501 # الورثة". قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد عن حميد ~~عن نافع، أنه سمع زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة وأم حبيبة: أن امرأة أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن بنتا لها توفي عنها زوجها واشتكت عينها ~~وهي تريد أن تكحلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد كانت إحداكن ~~ترمي بالبعرة عند رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشرا" قال حميد: فسألت ~~زينب: وما رميها بالبعرة؟ فقالت: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها ~~زوجها عمدت إلى شر بيت لها فجلست فيه سنة، فإذا مرت سنة خرجت فرمت ببعرة من ~~ورائها رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو عن حميد عن نافع عن زينب ~~بنت أبي سلمة، وذكرت الحديث وقالت فيه: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي ~~عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر سنة، ~~ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم ~~تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن عدة الحول منسوخة بأربعة أشهر وعشرا، وأخبر ~~ببقاء حظر الطيب عليها في العدة. وعدة الحول وإن كانت متأخرة في التلاوة ~~فهي متقدمة في التنزيل، وعدة الشهور متأخرة عنها ناسخة لها; لأن نظام ~~التلاوة ليس هو على نظام التنزيل وترتيبه. # واتفق أهل العلم على أن عدة الحول منسوخة بعدة الشهور على ما وصفنا، وأن ~~وصية النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها منسوخة إذا لم تكن حاملا. واختلفوا ~~في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها أيضا، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله ~~تعالى. ولا خلاف بين أهل العلم أيضا في أن هذه الآية خاصة في غير الحامل. # واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على ثلاثة أنحاء: فقال علي ~~وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس: ms0688 "عدتها أبعد الأجلين". وقال عمر وعبد الله ~~وزيد بن ثابت وابن عمر وأبو هريرة في آخرين: "عدتها أن تضع حملها". وروي عن ~~الحسن "أن عدتها أن تضع حملها وتطهر من نفاسها، ولا يجوز لها أن تتزوج وهي ~~ترى الدم". وأما علي فإنه ذهب إلى أن قوله تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} يوجب ~~الشهور، وقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ~~يوجب انقضاء العدة بوضع الحمل; فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما للمتوفى ~~عنها زوجها، وجعل انقضاء عدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضي الشهور. ~~وقال عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته أن قوله تعالى: {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] نزل بعد قوله: {أربعة أشهر وعشرا} . فحصل ~~بما ذكرنا اتفاق الجميع على أن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن} ~~[الطلاق: 4] عام في المطلقة والمتوفى # PageV01P502 # عنها زوجها، وإن كان مذكورا عقيب ذكر الطلاق، لاعتبار الجميع بالحمل في ~~انقضاء العدة; لأنهم قالوا جميعا: "إن مضي الشهور لا تنقضي به عدتها إذا ~~كانت حاملا حتى تضع حملها" فوجب أن يكون قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] مستعملا على مقتضاه وموجبه وغير جائز اعتبار ~~الشهور معه. ويدل على ذلك أيضا أن عدة الشهور خاصة في غير المتوفى عنها ~~زوجها. ويدل عليه أيضا أن قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} مستعمل في المطلقات غير الحوامل، وأن الأقراء غير مشروطة مع الحمل في ~~الحامل، بل كانت عدة الحامل المطلقة وضع الحمل من غير ضم الأقراء إليها. ~~وقد كان جائزا أن يكون الحمل والأقراء مجموعين عدة لها بأن لا تنقضي عدتها ~~بوضع الحمل حتى تحيض ثلاث حيض، فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل المتوفى عنها ~~زوجها هي الحمل غير مضموم إليه الشهور. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال: قلت يا رسول الله في هذه الآية حين نزلت {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] في المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: "فيهما ~~جميعا". وقد روت أم سلمة ms0689 أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ~~ليلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج. وروى منصور عن ~~إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك: "أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد ~~وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تتزوج". وهذا حديث قد ورد من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنه مع ما ~~عضده من ظاهر الكتاب. # وهذه الآية خاصة في الحرائر دون الإماء; لأنه لا خلاف بين السلف فيما ~~نعلمه وبين فقهاء الأمصار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة ~~أيام نصف عدة الحرة. وقد حكي عن الأصم أنها عامة في الأمة والحرة، وكذلك ~~يقول في عدة الأمة في الطلاق "إنها ثلاث حيض" وهو قول شاذ خارج عن أقاويل ~~السلف والخلف مخالف للسنة; لأن السلف لم يختلفوا في أن عدة الأمة من الحيض ~~والشهور على النصف من عدة الحرة; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "طلاق ~~الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" وهذا خبر قد تلقاه الفقهاء بالقبول ~~واستعملوه في تنصيف عدة الأمة، فهو في حيز التواتر الموجب للعلم عندنا. # واختلف السلف في المتوفى عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر، ~~فقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد: "عدتها منذ يوم ~~يموت، وكذلك في الطلاق من يوم طلق" وهو قول الأسود بن يزيد في آخرين، وهو ~~قول فقهاء الأمصار. وقال علي والحسن البصري وخلاس بن عمرو: "من يوم يأتيها ~~الخبر في الموت، وفي # PageV01P503 # الطلاق من يوم طلق" وهو قول ربيعة. وقال الشعبي وسعيد بن المسيب: "إذا ~~قامت البينة فالعدة من يوم يموت، وإذا لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر". ~~وجائز أن يكون مذهب علي على هذا المعنى بأن يكون قد خفي عليها وقت الموت ~~فأمرها بالاحتياط من يوم يأتيها الخبر، وذلك لأن الله تعالى نص على وجوب ~~العدة بالموت والطلاق بقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن} كما قال تعالى: ms0690 {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فأوجب ~~العدة فيهما بالموت وبالطلاق، فواجب أن تكون العدة فيهما من يوم الموت ~~والطلاق; ولما اتفقوا على أن عدة المطلقة من يوم طلق ولم يعتبروا وقت بلوغ ~~الخبر، كذلك عدة الوفاة; لأنهما جميعا سببا وجوب العدة; وأيضا فإن العدة ~~ليست هي فعلها فيعتبر فيها علمها، وإنما هي مضي الأوقات، ولا فرق بين علمها ~~بذلك وبين جهلها به. وأيضا لما كانت العدة موجبة عن الموت كالميراث، وإنما ~~يعتبر في الميراث وقت الوفاة لا وقت بلوغ خبرها، وجب أن تكون كذلك العدة ~~وأن لا يختلف فيها حكم العلم والجهل كما لا يختلف في الميراث. وأيضا فإن ~~أكثر ما في العلم أن تجتنب ما تجتنبه المعتدة من الخروج والزينة إذا علمت، ~~فإذا لم تعلم فترك اجتناب ما يلزم اجتنابه في العدة لم يكن مانعا من انقضاء ~~العدة; لأنها لو كانت عالمة بالموت فلم تجتنب الخروج والزينة لم يؤثر ذلك ~~في انقضاء العدة فكذلك إذا لم تعلم به. # قوله تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} ذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف ~~عن أبي حنيفة، أنه قال في المتوفى عنها زوجها والمعتدة من الطلاق بالشهور: ~~"إنه إن وجبت مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة كان الشهر ناقصا أو تاما، وإن ~~كانت العدة وجبت في بعض شهر لم تعمل على الأهلة واعتدت تسعين يوما في ~~الطلاق وفي الوفاة مائة وثلاثين يوما". وذكر أيضا سليمان بن شعيب عن أبيه ~~عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة بخلاف ذلك، قال: "إن كانت العدة وجبت في ~~بعض شهر فإنها تعتد بما بقي من ذلك الشهر أياما، ثم تعتد لما يمر عليها من ~~الأهلة شهورا، ثم تكمل الأيام الأول ثلاثين يوما; وإذا وجبت العدة مع رؤية ~~الهلال اعتدت بالأهلة"; وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي. وروي عن مالك في ~~الإجارة مثله. وقال ابن القاسم: وكذلك قوله في الأيمان والطلاق، وكذلك قال ~~أصحابنا في الإجارة. وروى عمر بن خالد عن زفر في الإيلاء في بعض ms0691 الشهر ~~"أنها تعتد بكل شهر يمر عليها ناقصا أو تاما" قال: وقال أبو يوسف: "تعتد ~~بالأيام حتى تستكمل مائة وعشرين يوما ولا تنظر إلى نقصان الشهر ولا إلى ~~تمامه". # قال أبو بكر: وهذا على ما حكاه سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن # PageV01P504 # أبي حنيفة في عدة الشهور، ولا خلاف بين الفقهاء في مدة العدد وأجل ~~الإيلاء والأيمان والإجارات إذا عقدت على الشهور مع رؤية الهلال، أنه تعتبر ~~الأهلة في سائر شهوره سواء كانت ناقصة أو تامة، وإذا كان ابتداء المدة في ~~بعض الشهر فهو على الخلاف الذي ذكرنا. وأما وجه من اعتبر في ذلك بقية الشهر ~~الأول بالعدد ثلاثين يوما وسائر الشهور بالأهلة ثم يكمل الشهر الآخر ~~بالأيام مع بقية الشهر الأول، فإنه ذهب إلى معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ~~ثلاثين" فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن كل شهر ابتداؤه وانتهاؤه بالهلال، ~~واحتجنا إلى اعتباره، فواجب اعتباره بالهلال ناقصا كان أو تاما، كما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره في صوم رمضان وشعبان; وكل شهر لم يكن ~~ابتداؤه وانتهاؤه بالأهلة فهو ثلاثون، وإنما ينقص بالهلال، فلما لم يكن ~~ابتداء الشهر الأول بالهلال وجب فيه استيفاء ثلاثين يوما من آخر المدة، ~~وسائر الشهور لما أمكن استيفاؤها بالأهلة وجب اعتبارها بها. وعلى قول من ~~اعتبر سائر الشهور بالأيام يقول: لما لم يكن ابتداء المدة بالهلال وجب ~~استيفاء هذا الشهر بالأيام ثلاثين يوما، فيكون انقضاؤه في بعض الشهر الذي ~~يليه ثم يكون كذلك حكم سائر الشهور. قالوا: ولا يجوز أن يجبر هذا الشهر من ~~أحد الشهور ويجعل ما بينهما شهورا بالأهلة لأن الشهور سبيلها أن تكون ~~أيامها متصلة متوالية، فوجب استيفاء شهر كامل ثلاثين يوما منذ أول المدة ~~أياما متوالية فيقع ابتداء الشهر الثاني في بعض الشهر الثاني، فتكون الشهور ~~وأيامها متوالية متصلة. ومن يعتبر الأهلة فيما يستقبل من الشهور بعد بقية ~~الشهر الأول، فإنه يحتج بما ms0692 قدمنا ذكره من أنه قد استقبل الشهر الذي يليه ~~بالهلال، فوجب أن يكون انتهاؤه بالهلال، قال الله تعالى: {فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر} [التوبة: 2] . واتفق أهل العلم بالنقل أنها كانت عشرين من ذي ~~الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر، فاعتبر الهلال فيما ~~يأتي من الشهور دون عدد الأيام، فوجب مثله في نظائره من المدة. # وقوله تعالى: {وعشرا} ظاهرها أنها الليالي والأيام مرادة معها، ولكن غلبت ~~الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ وغيره; لأن ابتداء شهور الأهلة ~~بالليالي منذ طلوع الأهلة، فلما كان ابتداؤها الليل غلبت الليالي وخصت ~~بالذكر دون الأيام وإن كانت تفيد ما بإزائها من الأيام، ولو ذكر جمعا من ~~الأيام أفادت ما بإزائها من الليالي; والدليل عليه قوله تعالى: {ثلاثة أيام ~~إلا رمزا} [آل عمران: 41] وقال تعالى في موضع آخر: {ثلاث ليال سويا} [مريم: ~~10] والقصة واحدة، فاكتفى تارة بذكر الأيام عن الليالي وتارة بذكر الليالي ~~عن الأيام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون" وفي لفظ # PageV01P505 # آخر: "تسعة وعشرون" فدل على أن كل واحد من العددين إذا أطلق أفاد ما ~~بإزائه من الآخر، ألا ترى أنه لما اختلف العددان من الليالي والأيام فصل ~~بينهما في اللفظ في قوله تعالى: {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] ~~؟ وذكر الفراء أنهم يقولون "صمنا عشرا من شهر رمضان" فيعبرون بذكر الليالي ~~عن الأيام; لأن عشرا لا تكون إلا لليالي، ألا ترى أنه لو قال عشرة أيام لم ~~يجز فيها إلا التذكير؟ وأنشد الفراء: # أقامت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا # فقال "ثلاثا" وهي الليالي، وذكر اليوم والليلة في المراد. وإذا ثبت ما ~~وصفنا كان قوله تعالى {أربعة أشهر وعشرا} مفيدا لكون المدة أربعة أشهر على ~~ما قدمنا من الاعتبار، وعشرة أيام زائدة عليها، وإن كان لفظ العدد واردا ~~بلفظ التأنيث. # PageV01P506 # ذكر الاختلاف في خروج المعتدة من بيتها # قال أصحابنا: لا تنتقل المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي ~~كانت تسكنه، وتخرج المتوفى ms0693 عنها زوجها بالنهار ولا تبيت في غير منزلها، ولا ~~تخرج المطلقة ليلا ولا نهارا إلا من عذر; وهو قول الحسن. وقال مالك: "لا ~~تنتقل المطلقة المبتوتة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها، ولا يخرجن بالنهار، ~~ولا يبتن عن بيوتهن". وقال الشافعي: "ولم يكن الإحداد في سكنى البيوت فتسكن ~~المتوفى عنها زوجها أي بيت كانت فيه جيدا أو رديا، وإنما الإحداد في ~~الزينة". # قال أبو بكر: أما المطلقة فلقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] فحظر خروجها وإخراجها في العدة إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة، وذلك ضرب من العذر، فأباح خروجها لعذر. وقد اختلف ~~في الفاحشة المذكورة في هذه الآية، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله. وأما ~~المتوفى عنها زوجها فإن الله تعالى قال في العدة الأولى: {متاعا إلى الحول ~~غير إخراج} ثم نسخ منها ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر، فبقي حكم هذه ~~العدة الثانية على ما كان عليه من ترك الخروج; إذ لم يرد لها نسخ وإنما ~~النسخ فيما زاد. # وقد وردت السنة بمثل ما دل عليه الكتاب، حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك عن سعد بن إسحاق ~~بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان ~~وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها قتله عبد له، فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P506 # أن أرجع إلى أهلي فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم" قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو ~~في المسجد دعاني فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن ~~زوجي، قالت: فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه ~~أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان أرسل ms0694 إلي وسألني عن ذلك، فأخبرته، ~~فاتبعه وقضى به. # وقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال: حدثنا موسى بن مسعود قال: حدثنا شبل ~~عن ابن أبي نجيح قال: قال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند ~~أهله فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله عز وجل: {غير إخراج} قال عطاء: إن شاءت ~~اعتدت عند أهلها وسكنت في منزلها، وإن شاءت خرجت، لقول الله تعالى: {فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن} قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى ~~فتعتد حيث شاءت. # قال أبو بكر: ليس في إيجاب الميراث ما يوجب نسخ الكون في المنزل، وقد ~~يجوز اجتماعهما، فليس في ثبوت أحدهما نفي الآخر. وقد ثبت ذلك أيضا بسنة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نسخ الحول وإيجاب الميراث; لأن عدة الفريعة ~~كانت أربعة أشهر وعشرا، وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن النقلة. وما ~~روينا من قصة الفريعة قد دل على معنيين: أحدهما: لزوم الكون في المنزل الذي ~~كانت تسكنه يوم الوفاة والنهي عن النقلة، والثاني جواز الخروج، إذ لم ينكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الخروج، ولو كان الخروج محظورا لنهاها عنه. وقد ~~روي مثل ذلك عن جماعة من السلف، منهم عبد الله بن مسعود وعمر وزيد بن ثابت ~~وأم سلمة وعثمان، أنهم قالوا: "المتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار ولا تبيت ~~عن بيتها". وروى عبد الرزاق عن ابن كثير عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد ~~فآمت نساؤهم وكن متجاورات في دار، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلن: نبيت عند إحدانا؟ فقال: "تزاورن بالنهار فإذا كان الليل فلتأو كل ~~واحدة منكن إلى بيتها". وروي عن جماعة من السلف أن المتوفى عنها زوجها تعتد ~~حيث شاءت، منهم علي وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة; وما قدمنا من دليل ~~الكتاب والسنة يوجب صحة القول الأول. # فإن قيل: قال الله تعالى: {متاعا ms0695 إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف} فهذا يدل على أن لها أن تنتقل. قيل ~~له: المعنى "فإذا خرجن بعد انقضاء العدة" كما قال في الآية الأخرى: {فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن} ويدل على أن المراد ما ~~ذكرنا أنها لو خرجت قبل انقضاء العدة لم يكن لها أن تتزوج بالاتفاق، فدل ~~ذلك على أن المراد "فإذا خرجن بعد # PageV01P507 # انقضاء العدة" وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حظر الانتقال باقيا على ~~المتوفى عنها زوجها. وإنما قالوا: إن المطلقة لا تخرج ليلا ولا نهارا لقوله ~~تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] وذلك عموم في جميعهن ~~وحظر عن خروجهن في سائر الأوقات. وخالفت المتوفى عنها زوجها من جهة أن نفقة ~~المتوفى عنها زوجها على نفسها ونفقة المطلقة على زوجها فهي مستغنية عن ~~الخروج، والله أعلم. # PageV01P508 # ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها # روي عن جماعة من الصحابة أن عليها اجتناب الزينة والطيب، منهم عائشة وأم ~~سلمة وابن عمر وغيرهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وحكاه ~~عن فقهاء المدينة; وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه. ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن ~~نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث قالت زينب: دخلت على ~~أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، ~~فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، ~~غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا" قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست ~~منه ثم ms0696 قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: وهو على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب: ~~وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول لا ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت ~~إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" قال حميد: فقلت لزينب: وما ~~ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها ~~دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى ~~بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج ~~فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. فحظر عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الاكتحال في العدة، وأخبر بالعدة التي كانت ~~تعتد إحداهن وما تجتنبه من الزينة والطيب، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر ~~وعشر" فدل بذلك على أن هذه العدة معتد بها العدة التي كانت سنة في اجتناب ~~الطيب والزينة. # PageV01P508 # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زهير قال: حدثنا يحيى ~~بن أبي بكير قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني بديل عن الحسن بن ~~مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من ~~الثياب ولا الممشقة ولا الحلية ولا تختضب ولا تكتحل". وروت أم سلمة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من ~~الثياب ولا الممشقة ms0697 ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل". وروت أم سلمة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لها وهي معتدة من زوجها: "لا تمتشطي بالطيب ولا ~~بالحناء فإنه خضاب". # قوله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} الآية. ~~قد تضمنت هذه الآية أربعة أحكام: أحدها: الحول، وقد نسخ منه ما زاد على ~~أربعة أشهر وعشرا; والثاني: نفقتها وسكناها في مال الزوج فقد نسخ بالميراث ~~على ما روي عن ابن عباس وغيره; لأن الله تعالى أوجبها لها على وجه الوصية ~~لأزواجهم كما كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين، فنسخت بالميراث وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث". ومنها الإحداد الذي دلت عليه ~~الدلالة من الآية، فحكمه باق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها ~~انتقالها عن بيت زوجها، فحكمه باق في حظره، فنسخ من الآية حكمان وبقي ~~حكمان، ولا نعلم آية اشتملت على أربعة أحكام فنسخ منها اثنان وبقي اثنان ~~غيرها. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {غير إخراج} منسوخا; لأن المراد به ~~السكنى الواجبة في مال الزوج فقد نسخ كونها في مال الزوج، فصار حظر الإخراج ~~منسوخا. إلا أن قوله تعالى: {غير إخراج} قد تضمن معنيين: أحدهما: وجوب ~~السكنى في مال الزوج، والثاني حظر الخروج والإخراج; لأنهم إذا كانوا ~~ممنوعين من إخراجها فهي لا محالة مأمورة باللبث، فإذا نسخ وجوب السكنى في ~~مال الزوج بقي حكم لزوم اللبث في البيت وقد اختلف أهل العلم في نفقة ~~المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس وجابر بن عبد الله: "نفقتها على نفسها ~~حاملا كانت أو غير حامل" وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء وقبيصة بن ~~ذؤيب. وروى الشعبي عن علي وعبد الله قالا: "الحامل إذا مات عنها زوجها ~~فنفقتها من جميع المال". وروى الحكم عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله ~~يقضون في الحامل المتوفى عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصب ~~ولدها، وإن كان قليلا فمن جميع المال. وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: ms0698 ~~"ينفق عليها من جميع المال". وقال أصحابنا جميعا: "لا نفقة لها ولا سكنى في ~~مال الميت حاملا كانت أو غير حامل". وقال ابن أبي ليلى: "هي في مال الزوج ~~بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا". وقال مالك بن أنس: "نفقتها على ~~نفسها وإن كانت حاملا ولها # PageV01P509 # السكنى إن كانت الدار للزوج، وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى ~~تنقضي عدتها، وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال ~~الزوج" هذه رواية ابن وهب عنه; وقال ابن القاسم عنه: "لا نفقة لها في مال ~~الميت ولها السكنى إن كانت الدار للميت، وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى ~~من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشتري". وقال الثوري: "إن ~~كانت حاملا أنفق عليها من جميع المال حتى تضع، فإذا وضعت أنفق على الصبي من ~~نصيبه" هذه رواية الأشجعي عنه; وروى عنه المعافى أن نفقتها من حصتها. وقال ~~الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل: "فلا نفقة لها، وإن كانت أم ولد ~~فلها النفقة من جميع المال حتى تضع". وقال الليث بن سعد في أم الولد إذا ~~كانت حاملا منه: "فإنه ينفق عليها من المال، فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها، ~~وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع به". وقال الحسن بن صالح: "للمتوفى عنها ~~زوجها النفقة من جميع المال". وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين: ~~أحدهما: "لها النفقة والسكنى" والآخر: "لا نفقة لها ولا سكنى". # قال أبو بكر: لا تخلو نفقة الحامل من أحد ثلاثة أوجه: إما أن تكون واجبة ~~على حسب وجوبها بديا حين كانت عدتها حولا في قوله تعالى {وصية لأزواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج} ، أو أن تكون واجبة على حسب وجوبها للمطلقة ~~المبتوتة، أو تجب للحامل دون غيرها لأجل الحمل. والوجه الأول باطل; لأنها ~~كانت واجبة على وجه الوصية والوصية للوارث منسوخة. والوجه الثاني لا يصح ~~أيضا، من قبل أن النفقة لم تكن واجبة في حال الحياة وإنما تجب ms0699 حالا فحالا ~~على حسب مضي الأوقات وتسليم نفسها في بيت الزوج، ولا يجوز إيجابها بعد ~~الموت من وجهين: أحدهما: أن سبيلها أن يحكم بها الحاكم على الزوج ويثبتها ~~في ذمته وتؤخذ من ماله، وليس للزوج ذمة فتثبت فيها، فلم يجز أخذها من ماله ~~إذا لم تثبت عليه، والثاني: أن ذلك الميراث قد انتقل إلى الورثة بالموت; إذ ~~لم يكن هناك دين عند الموت، فغير جائز إثباتها في مال الورثة ولا في مال ~~الزوج فتؤخذ منه. وإن كانت حاملا لم يخل إيجاب النفقة لها في مال الزوج في ~~أحد وجهين: إما أن يكون وجوبها متعلقا بكونها في العدة أو لأجل الحمل، وقد ~~بينا أن إيجابها لأجل العدة غير جائز، ولا يجوز إيجابها لأجل الحمل; لأن ~~الحمل نفسه لا يستحق نفقته على الورثة; إذ هو موسر مثلهم بميراثه، ولو ~~ولدته لم تجب نفقته على الورثة، فكيف تجب له في حال الحمل؟ فلم يبق وجه ~~يستحق به النفقة; والله أعلم. # PageV01P510 # باب التعريض بالخطبة في العدة # قال الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في # PageV01P510 # أنفسكم} الآية. وقد قيل في الخطبة إنها الذكر الذي يستدعى به إلى عقدة ~~النكاح. والخطبة بالضم: الموعظة المتسقة على ضروب من التأليف، وقد قيل ~~أيضا: إن الخطبة ما له أول وآخر كالرسالة، والخطبة للحال نحو الجلسة ~~والقعدة. وقيل في التعريض: إنه ما تضمن الكلام من الدلالة على شيء من غير ~~ذكر له، كقول القائل: ما أنا بزان; يعرض بغيره أنه زان; ولذلك رأى عمر فيه ~~الحد وجعله كالتصريح. والكناية العدول عن صريح اسمه إلى ذكر يدل عليه، ~~كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] يعني القرآن; فالهاء ~~كناية عنه. وقال ابن عباس: "التعريض بالخطبة أن يقول لها إني أريد أن أتزوج ~~امرأة من أمرها وأمرها، يعرض لها بالقول". وقال الحسن: "هو أن يقول لها: ~~إني بك لمعجب وإني فيك لراغب ولا تفوتينا نفسك". وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لفاطمة بنت قيس ms0700 وهي في العدة: "لا تفوتينا بنفسك" ثم خطبها بعد انقضاء ~~العدة على أسامة بن زيد. وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: "هو أن ~~يقول لها وهي في العدة: إنك لكريمة وإنى فيك لراغب وإن الله لسائق إليك ~~خيرا، أو نحو هذا من القول". وقال عطاء: "هو أن يقول: إنك لجميلة وإني فيك ~~لراغب وإن قضى الله شيئا كان". فكان التعريض أن يتكلم بكلام يدل فحواه على ~~رغبته فيها ولا يخطبها بصريح القول. قال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إلا ~~أن تقولوا قولا معروفا} : "أن يقول إني فيك لراغب وإني لأرجو أن نجتمع". # وقوله تعالى: {و أكننتم في أنفسكم} يعني أضمرتموه من التزويج بعد انقضاء ~~عدتها، فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها من غير إفصاح به. # وذكر إسماعيل بن إسحاق عن بعض الناس أنه احتج في نفي الحد في التعريض ~~بالقذف بأن الله تعالى لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح، كذلك ~~لا يجعل التعريض بالقذف كالتصريح. قال إسماعيل: فاحتج بما هو حجة عليه; إذ ~~التعريض بالنكاح قد فهم به مراد القائل، فإذا فهم به مراده وهو القذف حكم ~~عليه بحكم القاذف. قال: وإنما يزيل الحد عن المعرض بالقذف من يزيله; لأنه ~~لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف; إذ كان محتملا لغيره. قال: وينبغي على ~~قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف جائز مباح كما أبيح التعريض بالخطبة ~~بالنكاح. قال: وإنما اختير التعريض بالنكاح دون التصريح; لأن النكاح لا ~~يكون إلا منهما ويقتضي خطبته جوابا منها، ولا يقتضي التعريض جوابا في ~~الأغلب، فلذلك افترقا. # قال أبو بكر: الكلام الأول الذي حكاه عن خصمه في الدلالة على نفي الحد ~~بالتعريض صحيح ونقضه ظاهر الاختلال واضح الفساد. ووجه الاستدلال به على نفي # PageV01P511 # الحد بالتعريض أنه لما حظر عليه المخاطبة بعقد النكاح صريحا وأبيح له ~~التعريض به، اختلف حكم التعريض والتصريح في ذلك، على أن التعريض بالقذف ~~مخالف لحكم التصريح وغير جائز التسوية بينهما كما خالف الله بين حكمهما في ~~خطبة ms0701 النكاح وذلك; لأنه معلوم أن الحدود مما يسقط بالشبهة، فهي في حكم ~~السقوط، والنفي آكد من النكاح، فإذا لم يكن التعريض في النكاح كالتصريح وهو ~~آكد في باب الثبوت من الحد، كان الحد أولى أن لا يثبت بالتعريض من حيث دل ~~على أنه لو خطبها بعد انقضاء العدة بالتعريض لم يقع بينهما عقد النكاح فكان ~~تعريضه بالعقد مخالفا للتصريح، فالحد أولى أن لا يثبت بالتعريض. وكذلك لم ~~يختلفوا أن الإقرار في العقود كلها لا يثبت بالتعريض ويثبت بالتصريح; لأن ~~الله قد فرق بينهما في النكاح، فكان الحد أولى أن لا يثبت به. وهذه الدلالة ~~واضحة على الفرق بينهما في سائر ما يتعلق حكمه بالقول، وهي كافية مغنية من ~~جهة الدلالة على ما وصفنا; وإن أردنا رده إليه من جهة القياس لعلة تجمعهما ~~كان سائغا، وذلك أن النكاح حكمه متعلق بالقول كالقذف، فلما اختلف حكم ~~التصريح والتعريض بالخطبة بهذا المعنى ثبت حكمه بالتعريض، وإن كان حكمه ~~ثابتا بالإفصاح والتصريح كما حكم الله به في النكاح. # وأما قوله "إن التعريض بالقذف ينبغي أن يكون بمنزلة التصريح; لأنه قد عرف ~~مراده كما عرف بالتصريح" فإني أظنه نسي عند هذا القول حكم الله تعالى في ~~الفصل بين التعريض والتصريح بالخطبة إذ كان المراد مفهوما مع الفرق بينهما; ~~لأنه إن كان الحكم متعلقا بمفهوم المراد فذلك بعينه موجود في الخطبة فينبغي ~~أن يستوي حكمهما فيها، فإذا كان نص التنزيل قد فرق بينهما فقد انتقض هذا ~~الإلزام وصح الاستدلال به على ما وصفنا. وأما قوله "إن من أزال الحد عن ~~المعرض بالقذف فإنما أزاله; لأنه لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف لاحتمال ~~كلامه لغيره" فإنها وكالة لم تثبت عن الخصم وقضاء على غائب بغير بينة; وذلك ~~لأن أحدا لا يقول بأن حد القذف متعلق بإرادته وإنما يتعلق عند خصومه ~~بالإفصاح به دون غيره، فالذي يحيل به خصمه من أنه أزال الحد; لأنه لم يعلم ~~مراده، ولا يقبلونه ولا يعتمدونه. # وأما إلزامه خصمه أن يبيح التعريض بالقذف ms0702 كما يبيح التعريض بالنكاح، فإنه ~~كلام رجل غير متثبت فيما يقوله ولا ناظر في عاقبة ما يئول إليه حكم إلزامه ~~له، فنقول: إن خصمه الذي احتج به لم يجعل ما ذكره علة للإباحة حتى يلزم ~~عليه إباحة التعريض بالقذف، وإنما استدل بالآية على إيجاب الفرق بين ~~التعريض والتصريح، فأما الحظر والإباحة فموقوفان على دلالتهما من غير هذا ~~الوجه. # PageV01P512 # وأما قوله "إنما أجيز التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون ~~إلا منهما ويقتضي خطبته جوابا منها ولا يقتضي التعريض جوابا في الأغلب" ~~فإنه كلام فارغ لا معنى تحته، وهو مع ذلك منتقض; وذلك أن التعريض بالنكاح ~~والتصريح به لا يقتضي واحد منهما جوابا; لأن النهي إنما انصرف إلى خطبتها ~~لوقت مستقبل بعد انقضاء العدة بقوله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا} وذلك لا يقتضي الجواب كما لا يقتضي التعريض، ولم يجز ~~الخطاب على النهي عن العقد المقتضي للجواب حتى يفرق بينهما بما ذكر فقد بان ~~بذلك أنه لا فرق بين التعريض والتصريح في نفي اقتضاء الجواب، وهذا الموضع ~~هو الذي فرقت الآية فيه بين الأمرين، فأما العقد المقتضي للجواب فإنما هو ~~منهي عنه بقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} وإن ~~كان نهيه عن العقد نفسه فقد اقتضاه نهيه عن الإفصاح بالخطبة من جهة ~~الدلالة، كدلالة قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] على حظر ~~الشتم والضرب. # وأما وجه انتقاضه، فإنه لا خلاف أن العقود المقتضية للجواب لا تصح ~~بالتعريض، وكذلك الإقرارات لا تصح بالتعريض وإن لم تقتض جوابا من المقر له، ~~فلم يختلف حكم ما يقتضي من ذلك جوابا وما لا يقتضيه; فعلمت أن اختلافهما من ~~هذا الوجه لا يوجب الفرق بينهما. # وأما قوله تعالى: {ولكن لا تواعدوهن سرا} فإنه مختلف في المراد به، فقال ~~ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد: "مواعدة السر أن يأخذ عليها عهدا ~~أو ميثاقا أن تحبس نفسها عليه ولا تنكح زوجا غيره". وقال الحسن وإبراهيم ~~وأبو ms0703 مجلز ومحمد وجابر بن زيد: {لا تواعدوهن سرا} "الزنا". وقال زيد بن ~~أسلم: {لا تواعدوهن سرا} "لا تنكح المرأة في عدتها ثم يقول سأسره ولا يعلم ~~به، أو يدخل عليها فيقول لا يعلم بدخولي حتى تنقضي العدة". # قال أبو بكر: اللفظ محتمل لهذه المعانى كلها; لأن الزنا قد يسمى سرا; قال ~~الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع # وأراد بالسر الزنا، وصفهم بالعفة عن نساء جيرانهم. قال رؤبة يصف حمار ~~الوحش وأتانه لما كف عنها حين حملت: # قد أحصنت مثل دعاميص الرنق ... أجنة في مستكنات الحلق # فعف عن أسرارها بعد العسق # PageV01P513 # يعني: بعد اللزوق، يقال: عسق به إذا لزق به وأراد بالسر ههنا الغشيان; ~~وعقد النكاح نفسه يسمى سرا كما يسمى به الوطء ألا ترى أن الوطء والعقد كل ~~واحد منها يسمى نكاحا؟ ولذلك ساغ تأويل الآية على الوطء وعلى العقد، وعلى ~~التصريح بالخطبة لما بعد انقضاء العدة. # وأظهر الوجوه وأولاها بمراد الآية مع احتمالها لسائر ما ذكرنا، ما روي عن ~~ابن عباس ومن تابعه: وهو التصريح بالخطبة وأخذ العهد عليها أن تحبس نفسها ~~عليه ليتزوجها بعد انقضاء العدة; لأن التعريض المباح إنما هو في عقد يكون ~~بعد انقضاء العدة، وكذلك التصريح واجب أن يكون حظره من هذا الوجه بعينه، ~~ومن جهة أخرى أن ذلك معنى لم نستفده إلا بالآية، فهو مراد بها. وأما حظر ~~إيقاع العقد في العدة فمذكور باسمه في نسق التلاوة بقوله تعالى: {ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} فإذا كان ذلك مذكورا في نسق ~~الخطاب بصريح اللفظ دون التعريض وبالإفصاح دون الكناية، فإنه يبعد أن يكون ~~مراده بالكناية المذكورة بقوله {سرا} هو الذي قد أفصح به في المخاطبة. ~~وكذلك تأويل من تأوله على الزنا فيه بعد; لأن المواعدة بالزنا محظورة في ~~العدة وغيرها; إذ كان تحريم الله الزنا تحريما مبهما مطلقا غير مقيد بشرط ~~ولا مخصوص بوقت، فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة تخصيصه حظر المواعدة بالزنا ~~بكونها في العدة. وليس يمتنع أن ms0704 يكون الجميع مرادا لاحتمال اللفظ له بعد أن ~~لا يخرج منه تأويل ابن عباس الذي ذكرناه. # وقوله تعالى: {علم الله أنكم ستذكرونهن} يعني أن الله علم أنكم ستذكرونهن ~~بالتزويج لرغبتكم فيهن ولخوفكم أن يسبقكم إليهن غيركم. وأباح لهم التوصل ~~إلى المراد من ذلك بالتعريض دون الإفصاح، وهذا يدل على ما اعتبره أصحابنا ~~في جواز التوصل إلى استباحة الأشياء من الوجوه المباحة وإن كانت محظورة من ~~وجوه أخر. ونحوه ما روي عن النبي عليه السلام حين أتاه بلال بتمر جيد فقال: ~~"أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال: لا، إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين ~~بالثلاثة، فقال النبي عليه السلام: "لا تفعلوا ولكن بيعوا تمركم بعرض ثم ~~اشتروا به هذا التمر" فأرشدهم إلى التوصل إلى أخذ التمر الجيد. ولهذا الباب ~~موضع غير هذا سنذكره إن شاء الله. # وقوله تعالى: {علم الله أنكم ستذكرونهن} كقوله تعالى: {علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] وأباح لهم الأكل والجماع في ليالي ~~رمضان، علمنا أنه لو لم يبح لهم لكان فيهم من يواقع المحظور عنه، فخفف عنهم ~~رحمة منه بهم. وكذلك قوله تعالى: {علم الله أنكم ستذكرونهن} هو على هذا ~~المعنى. # PageV01P514 # قوله عز وجل: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} قيل فيه: إن ~~أصل العقدة في اللغة هو الشد، تقول: عقدت الحبل وعقدت العقد، تشبيها له ~~بعقد الحبل في التوثق; وقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح} معناه: ولا ~~تعقدوه ولا تعزموا عليه أن تعقدوه في العدة; وليس المعنى أن لا تعزموا ~~بالضمير على إيقاع العقد بعد انقضاء العدة; لأنه قد أباح إضمار عقد بعد ~~انقضاء العدة بقوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم} والإكنان في النفس هو الإضمار فيها فعلمنا أن المراد ~~بقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح} ، إنما تضمن النهي عن إيقاع العقد ~~في العدة وعن العزيمة عليه فيها. وقوله تعالى: {حتى يبلغ الكتاب أجله} يعني ~~به انقضاء العدة وذلك في مفهوم الخطاب غير محتاج إلى بيان، ألا ms0705 ترى أن ~~فريعة بنت مالك حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم أجابها بأن قال: "لا حتى ~~يبلغ الكتاب أجله" فعقلت من مفهوم خطابه انقضاء العدة ولم يحتج إلى بيان من ~~غيره؟ ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحا وهي في عدة من غيره ~~أن النكاح فاسد. # وقد اختلف السلف ومن بعدهم في حكم من تزوج امرأة في عدتها من غيره، فروى ~~ابن المبارك قال: حدثنا أشعث عن الشعبي عن مسروق قال: "بلغ عمر أن امرأة من ~~قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال: ~~لا ينكحها أبدا، وجعل الصداق في بيت المال، وفشا ذلك بين الناس فبلغ عليا ~~كرم الله وجهه فقال رحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال؟ ~~إنهما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة. قيل: فما تقول أنت فيها؟ ~~قال: لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل ~~عدتها من الأول ثم تكمل العدة من الآخر ثم يكون خاطبا. فبلغ ذلك عمر فقال: ~~يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة". وروى ابن أبي زائدة عن أشعث مثله، ~~وقال فيه: "فرجع عمر إلى قول علي". # قال أبو بكر: قد اتفق علي وعمر على قول واحد، لما روي أن عمر رجع إلى قول ~~علي. واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر: "يفرق بينهما ولها مهر مثلها، فإذا انقضت عدتها من الأول تزوجها ~~الآخر إن شاء" وهو قول الثوري والشافعي. وقال مالك والأوزاعي والليث بن ~~سعد: "لا تحل له أبدا" قال مالك والليث: "ولا بملك اليمين". # قال أبو بكر: لا خلاف بين من ذكرنا قوله من الفقهاء أن رجلا لو زنى ~~بامرأة جاز له أن يتزوجها، والزنا أعظم من النكاح في العدة، فإذا كان الزنا ~~لا يحرمها عليه تحريما مؤبدا فالوطء بشبهة أحرى أن لا يحرمها عليه. وكذلك ~~من تزوج أمة على حرة أو جمع # PageV01P515 # بين أختين ودخل بهما، ms0706 لم تحرم عليه تحريما مؤبدا، فكذلك الوطء عن عقد كان ~~في العدة لا يخلو من أن يكون وطئا بشبهة أو زنا، وأيهما كان فالتحريم غير ~~واقع به. # فإن قيل: قد يوجب الزنا والوطء بالشبهة تحريما مؤبدا عندكم كالذي يطأ أم ~~امرأته أو ابنتها فتحرم عليه تحريما مؤبدا قيل له: ليس هذا مما نحن فيه ~~بسبيل; لأن كلامنا إنما هو في وطء يوجب تحريم الموطوءة نفسها، فأما وطء ~~يوجب تحريم غيرها فإن ذلك حكم كل وطء عندنا زنا كان أو وطئا بشبهة أو ~~مباحا، وأنت لم تجد في الأصول وطئا يوجب تحريم الموطوءة، فكان قولك خارجا ~~عن الأصول وعن أقاويل السلف أيضا; لأن عمر قد رجع إلى قول علي في هذه ~~المسألة. وأما ما روي عن عمر أنه جعل المهر في بيت المال، فإنه ذهب إلى أنه ~~مهر حصل لها من وجه محظور فسبيله أن يتصدق به، فلذلك جعله في بيت المال ثم ~~رجع فيه إلى قول علي رضي الله عنه. ومذهب عمر في جعل مهرها لبيت المال; إذ ~~قد حصل لها ذلك من وجه محظور، يشبه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الشاة المأخوذة بغير إذن مالكها، قدمت إليه مشوية، فلم يكد يسيغها حين أراد ~~الأكل منها فقال: "إن هذه الشاة تخبرني أنها أخذت بغير حق" فأخبروه بذلك، ~~فقال: "أطعموها الأسارى". ووجه ذلك عندنا أنها صارت لهم بضمان القيمة، ~~فأمرهم بالصدقة بها; لأنها حصلت لهم من وجه محظور ولم يكونوا قد أدوا ~~القيمة إلى أصحابها. وقد روي عن سليمان بن يسار أن مهرها لبيت المال. وقال ~~سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري: "الصداق لها على ما روي عن علي" وفي ~~اتفاق عمر وعلي على أن لا حد عليهما دلالة على أن النكاح في العدة لا يوجب ~~الحد مع العلم بالتحريم، لأن المرأة كانت عالمة بكونها في العدة ولذلك ~~جلدها عمر وجعل مهرها في بيت المال، وما خالفهما في ذلك أحد من الصحابة; ~~فصار ذلك أصلا في أن كل ms0707 وطء عن عقد فاسد أنه لا يوجب الحد سواء كانا عالمين ~~بالتحريم أو غير عالمين به; وهذا يشهد لأبي حنيفة فيمن وطئ ذات محرم منه ~~بنكاح أنه لا حد عليه. # وقد اختلف الفقهاء في العدة إذا وجبت من رجلين، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر ومالك في رواية ابن القاسم عنه والثوري والأوزاعي: "إذا وجبت ~~عليها العدة من رجلين فإن عدة واحدة تكون لهما جميعا، سواء كانت العدة ~~بالحمل أو بالحيض أو بالشهور" وهو قول إبراهيم النخعي. وقال الحسن بن صالح ~~والليث والشافعي: "تعتد لكل واحد عدة مستقبلة". والذي يدل على صحة القول ~~الأول قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~يقتضي كون عدتها ثلاثة قروء إذا طلقها زوجها ووطئها رجل بشبهة; لأنها مطلقة ~~قد وجبت عليها عدة; ولو # PageV01P516 # أوجبنا عليها أكثر من ثلاثة قروء كنا زائدين في الآية ما ليس فيها; إذ لم ~~تفرق بين من وطئت بشبهة من المطلقات وبين غيرها. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ولم يفرق بين مطلقة قد وطئها أجنبي بشبهة ~~وبين من لم توطأ، فاقتضى ذلك أن تكون عدتها ثلاثة أشهر في الوجهين جميعا. ~~ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: ~~4] ولم يفرق بين من عليها عدة من رجل أو رجلين. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 89] لأن العدة إنما ~~هي بمضي الأوقات والأهلة والشهور، وقد جعلها الله وقتا لجميع الناس، فوجب ~~أن تكون الشهور والأهلة وقتا لكل واحد منهما لعموم الآية. ويدل عليه اتفاق ~~الجميع على أن الأول لا يجوز له عقد النكاح عليها قبل انقضاء عدتها منه، ~~فعلمنا أنها في عدة من الثاني; لأن العدة منه لا تمنع من تزويجها. # فإن قيل: منع من ذلك; لأن العدة منه تتلوها عدة من غيره. قيل له فقد يجوز ~~أن يتزوجها ثم يموت هو قبل ms0708 بلوغها موضع الاعتداد من الثاني فلا تلزمها عدة ~~من الثاني، فلو لم تكن في هذه الحال معتدة منه لما منع العقد عليها; لأن ~~عدة تجب في المستقبل لا ترفع عقدا ماضيا; ويدل عليه أن الحيض إنما هو ~~استبراء للرحم من الحبل، فإذا طلقها الأول ووطئها الثاني بشبهة قبل أن تحيض ~~ثم حاضت ثلاث حيض فقد حصل الاستبراء; ويستحيل أن يكون استبراء من حمل الأول ~~غير استبراء من حمل الثاني، فوجب أن تنقضي به العدة منهما جميعا. ويدل عليه ~~أن من طلق امرأته وأبانها ثم وطئها في العدة بشبهة، أن عليها عدتين عدة من ~~الوطء وتعتد بما بقي من العدة الأولى من العدتين، ولا فرق بين أن تكون ~~العدة من رجلين أو من رجل واحد. # فإن قيل: إن هذا حق واجب لرجل واحد والأول واجب لرجلين. قيل له: لا فرق ~~بين الرجل الواحد والرجلين; لأن الحقين إذا وجبا لرجل واحد فواجب إيفاؤهما ~~إياه جميعا كوجوبهما لرجلين في لزوم توفيتهما إياهما، ألا ترى أنه لا فرق ~~بين الرجلين والرجل الواحد في آجال الديون ومواقيت الحج والإجارات ومدد ~~الإيلاء في أن مضي الوقت الواحد يصير كل واحد منهما مستوفيا لحقه فتكون ~~الشهور التي لهذا هي بعينها للآخر؟ وقد روى أبو الزناد عن سليمان بن يسار ~~عن عمر في التي تزوجت في العدة "أنه أمرها أن تعتد منهما" وظاهر ذلك يقتضي ~~أن تكون عدة واحدة منهما. # فإن قيل: روى الزهري عن سليمان بن يسار عن عمر أنه قال: "تعتد بقية عدتها ~~من الأول ثم تعتد من الآخر". قيل له: ليس فيه أنها تعتد من الآخر عدة ~~مستقبلة، # PageV01P517 # فوجب أن يحمل معناه على بقية العدة ليوافق حديث أبي الزناد; والله أعلم. # PageV01P518 # باب متعة المطلقة # قال الله عز وجل: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن} تقديره: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة; ألا ترى ~~أنه عطف عليه قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ms0709 لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم} فلو كان الأول بمعنى: ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة أو لم تفرضوا; لما عطف عليها المفروض لها، فدل ذلك على أن معناه: "ما ~~لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة" وقد تكون "أو" بمعنى "الواو" قال الله ~~تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] معناه: "ولا كفورا". ~~وقال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[النساء: 43] والمعنى: "وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى ومسافرون". ~~وقال تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147] معناه: ~~"ويزيدون" فهذا موجود في اللغة وهي في النفي أظهر في دخولها عليه أنها ~~بمعنى الواو منه ما قدمنا من قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} ~~[الإنسان: 24] معناه: "ولا كفورا" لدخولها على النفي. وقال تعالى: {حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: ~~146] "أو" في هذه المواضع بمعنى الواو، فوجب على هذا أن يكون قوله تعالى: ~~{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} لما ~~دخلت على النفي أن تكون بمعنى الواو، فيكون شرط وجوب المتعة المعنيين جميعا ~~من عدم المسيس والتسمية جميعا بعد الطلاق. وهذه الآية تدل على أن للرجل أن ~~يطلق امرأته قبل الدخول بها في الحيض، وأنها ليست كالمدخول بها، لإطلاقه ~~إباحة الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب المتعة، فروي عن علي أنه قال: ~~"لكل مطلقة متعة"، وعن الزهري مثله. وقال ابن عمر: "لكل مطلقة متعة إلا ~~التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها"، وروي عن ~~القاسم بن محمد مثله. وقال شريح وإبراهيم والحسن: "تخير التي تطلق قبل ~~الدخول ولم يفرض على المتعة". وقال شريح وقد سألوه في متاع فقال: "لا نأبى ~~أن نكون من المتقين" فقال: إني محتاج، فقال: "لا نأبى أن نكون من ~~المحسنين". وقد روي عن الحسن وأبي ms0710 العالية: "لكل مطلقة متاع". وسئل سعيد بن ~~جبير عن المتعة على الناس كلهم؟ فقال: "لا، على المتقين". وروى ابن أبي ~~الزناد عن أبيه في كتاب البيعة: "وكانوا لا يرون # PageV01P518 # المتاع للمطلقة واجبا ولكنها تخصيص من الله وفضل". وروى عطاء عن ابن عباس ~~قال: "إذا فرض الرجل وطلق قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع". وقال محمد بن ~~علي: "المتعة للتي لم يفرض لها، والتي قد فرض لها ليس لها متعة". وذكر محمد ~~بن إسحاق عن نافع قال: "كان ابن عمر لا يرى للمطلقة متعة واجبة إلا للتي ~~أنكحت بالعوض ثم يطلقها قبل أن يدخل بها". وروى معمر عن الزهري قال: ~~"متعتان إحداهما يقضي بها السلطان والأخرى حق على المتقين: من طلق قبل أن ~~يفرض ولم يدخل أخذ بالمتعة; لأنه لا صداق عليه، ومن طلق بعدما يدخل أو يفرض ~~فالمتعة حق عليه"، وعن مجاهد نحو ذلك. فهذا قول السلف فيها. وأما فقهاء ~~الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر قالوا: "المتعة واجبة للتي ~~طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، وإن دخل بها فإنه يمتعها ولا يجبر ~~عليها" وهو قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعي، إلا أن الأوزاعي زعم أن ~~أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة وإن طلقها قبل الدخول ولم يسم ~~لها مهرا. وقال ابن أبي ليلى وأبو الزناد: "المتعة ليست واجبة إن شاء فعل ~~وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها" ولم يفرقا بين المدخول بها وبين غير ~~المدخول بها وبين من سمي لها وبين من لم يسم لها. وقال مالك والليث: "لا ~~يجبر أحد على المتعة سمى لها أو لم يسم لها دخل بها أو لم يدخل، وإنما هي ~~مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها". قال مالك: "وليس للملاعنة متعة على ~~حال من الحالات". وقال الشافعي: "المتعة واجبة لكل مطلقة ولكل زوجة إذا كان ~~الفراق من قبله أو يتم به، إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول". # قال أبو بكر: نبدأ بالكلام في إيجاب ms0711 المتعة ثم نعقبه بالكلام على من ~~أوجبها لكل مطلقة. والدليل على وجوبها قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} . وقال تعالى في آية أخرى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] ~~وقال في آية أخرى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} فقد حوت هذه ~~الآيات الدلالة على وجوب المتعة من وجوه: أحدها: قوله تعالى: {فمتعوهن} ~~[الأحزاب: 49] لأنه أمر، والأمر يقتضي الوجوب حتى تقوم الدلالة على الندب. ~~والثاني: قوله تعالى: {متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} وليس في ألفاظ ~~الإيجاب آكد من قوله "حقا عليه". والثالث: قوله تعالى: {حقا على المحسنين} ~~تأكيد لإيجابه; إذ جعلها من شرط الإحسان، وعلى كل # PageV01P519 # أحد أن يكون من المحسنين، وكذلك قوله تعالى: {حقا على المتقين} قد دل ~~قوله "حقا عليه" على الوجوب، وقوله تعالى: {حقا على المتقين} تأكيد ~~لإيجابها وكذلك قوله تعالى: {فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] ~~قد دل على الوجوب من حيث هو أمر. وقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} ~~يقتضي الوجوب أيضا; لأنه جعلها لهم، وما كان للإنسان فهو ملكه له المطالبة ~~به، كقولك "هذه الدار لزيد". # فإن قيل: لما خص المتقين والمحسنين بالذكر في إيجاب المتعة عليهم، دل على ~~أنها غير واجبة وأنها ندب; لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون ~~وغيرهم. قيل له: إنما ذكر المتقين والمحسنين تأكيدا لوجوبها، وليس تخصيصهم ~~بالذكر نفيا لإيجابها على غيرهم كما قال تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ~~وهو هدى للناس كافة، وقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ~~للناس} [البقرة: 183] فلم يكن قوله تعالى: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] ~~موجبا; لأن لا يكون هدى لغيرهم; كذلك قوله تعالى: {حقا على المتقين} و {حقا ~~على المحسنين} غير ناف أن يكون حقا على غيرهم. وأيضا فإنا نوجبها على ~~المتقين والمحسنين بالآية ونوجبها على ms0712 غيرهم بقوله تعالى: {فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] وذلك عام في الجميع بالاتفاق; لأن كل من أوجبها ~~من فقهاء الأمصار على المحسنين والمتقين أوجبها على غيرهم. ويلزم هذا ~~السائل أن لا يجعلها ندبا أيضا; لأن ما كان ندبا لا يختلف فيه المتقون ~~وغيرهم، فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من ~~المتعة وهم وغيرهم فيه سواء، فكذلك جائز تخصيص المحسنين والمتقين بالذكر في ~~الإيجاب ويكونون هم وغيرهم فيه سواء. # فإن قيل: لما لم يخصص المتقين والمحسنين في سائر الديون من الصداق وسائر ~~عقود المداينات عند إيجابها عليهم وخصهم بذلك عند ذكر المتعة، دل على أنها ~~ليست بواجبة. قيل له: إذا كان لفظ الإيجاب موجودا في الجميع، فالواجب علينا ~~الحكم بمقتضى اللفظ ثم تخصيصه بعض من أوجب عليه الحق بذكر التقوى، والإحسان ~~إنما هو على وجه التأكيد، ووجوه التأكيد مختلفة، فمنها ما يكون ذكر بتقييد ~~التقوى والإحسان، ومنها ما يكون بتخصيص لفظ الأداء نحو قوله تعالى: {وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] وقوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~وليتق الله ربه} [البقرة: 283] ، ومنها ما يكون بالأمر بالإشهاد عليه، ~~والرهن به; فكيف يستدل بلفظ التأكيد على نفي الإيجاب؟ وأيضا فإنا وجدنا عقد ~~النكاح لا يخلو من إيجاب البدل إن كان مسمى، فالمسمى وإن لم يكن فيه تسمية ~~فمهر المثل، ثم كانت حاله إذا كان فيه تسمية أن البضع # PageV01P520 # لا يخلو من استحقاق البدل له مع ورود الطلاق قبل الدخول، وفارق النكاح ~~بهذا المعنى سائر العقود; لأن عود المبيع إلى ملك البائع يوجب سقوط الثمن ~~كله، وسقوط حق الزوج عن بضعها بالطلاق قبل الدخول لا يخرجه من استحقاق بدل ~~ما وهو نصف المسمى، فوجب أن يكون ذلك حكمه إذا لم تكن فيه تسمية، والمعنى ~~الجامع بينهما ورود الطلاق قبل الدخول. وأيضا فإن مهر المثل مستحق بالعقد، ~~والمتعة هي بعض مهر المثل، فتجب كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول. # فإن قيل: مهر المثل دراهم ودنانير والمتعة إنما هي أثواب. قيل له: ms0713 المتعة ~~أيضا عندنا دراهم ودنانير لو أعطاها لم يجبر على غيرها. وهذا الذي ذكرناه ~~من أنها بعض مهر المثل يسوغ على مذهب محمد; لأنه يقول: "إذا رهنها بمهر ~~المثل رهنا ثم طلقها قبل الدخول كان رهنا بالمتعة محبوسا بها، إن هلك هلك ~~بها" وأما أبو يوسف فإنه لا يجعله رهنا بالمتعة فإن هلك هلك بغير شيء ~~والمتعة واجبة باقية عليه; فهذا يدل على أنه لم يرها بعض مهر المثل ولكنه ~~أوجبها بمقتضى ظاهر القرآن، وبالاستدلال بالأصول على أن البضع لا يخلو من ~~بدل مع ورود الطلاق قبل الدخول، وأنه لا فرق بين وجود التسمية في العقد ~~وبين عدمها; إذ غير جائز حصول ملك البضع له بغير بدل، فوجوب مهر المثل ~~بالعقد عند عدم التسمية كوجوب المسمى فيه، فوجب أن يستوي فيه حكمهما في ~~وجوب بدل البضع عند ورود الطلاق قبل الدخول وأن تكون المتعة قائمة مقام بعض ~~مهر المثل وإن لم تكن بعضه، كما تقوم القيم مقام المستهلكات. وقد قال ~~إبراهيم في المطلقة قبل الدخول وقد سمي لها أن لها نصف الصداق: "هو متعتها" ~~فكانت المتعة اسما لما يستحق بعد الطلاق قبل الدخول ويكون بدلا من البضع. # فإن قيل: إذا قامت مقام بعض مهر المثل فهو عوض من المهر، والمهر لا يجب ~~له عوض قبل الطلاق، فكذلك بعده. قيل له: لم نقل إنه بدل منه وإن قام مقامه، ~~كما لا نقول إن قيم المستهلكات أبدال لها بل كأنها هي حين قامت مقامها، ألا ~~ترى أن المشتري لا يجوز له أخذ بدل المبيع قبل القبض ببيع ولا غيره؟ ولو ~~كان استهلكه مستهلك كان له أخذ القيمة منه; لأنها تقوم مقامه كأنها هو، على ~~معنى العوض; فكذلك المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع كما يجب ~~نصف المسمى من البضع مع الطلاق. # فإن قيل: لو كانت المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع لوجب ~~اعتبارها بالمرأة كما يعتبر مهر المثل بحالها دون حال الزوج، فلما أوجب ~~الله تعالى ms0714 اعتبار المتعة بحال الرجل في قوله تعالى: {ومتعوهن على الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره} دل على أنها ليست بدلا من البضع، وإذا لم تكن بدلا ~~من البضع لم يجز أن تكون # PageV01P521 # بدلا من الطلاق; لأن البضع يحصل لها بالطلاق فلا يجوز أن تستحق بدل ما ~~يحصل لها، وهذا يدل على أنها ليست بدلا عن شيء; وإذا كان كذلك علمنا أنها ~~ليست بواجبة. قيل له: أما قولك: "في اعتبار حاله دون حالها" فليس كذلك ~~عندنا، وأصحابنا المتأخرون مختلفون فيه، فكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله ~~يقول: "يعتبر فيه حال المرأة أيضا" وليس فيه خلاف الآية; لأنا نستعمل حكم ~~الآية مع ذلك في اعتبار حال الزوج; ومنهم من يقول: "يعتبر حاله دون حالها" ~~ومن قال بهذا يلزمه سؤال هذا السائل أيضا; لأنه يقول: إن مهر المثل إنما ~~وجب اعتباره بها في الحال التي يحصل البضع للزوج إما بالدخول وإما بالموت ~~القائم مقام الدخول في استحقاق كمال المهر، فكان بمنزلة قيم المتلفات في ~~اعتبارها بأنفسها، وأما المتعة فإنها لا تجب عندنا إلا في حال سقوط حق من ~~بضعها لسبب من قبله قبل الدخول أو ما يقوم مقامه، فلم يجب اعتبار حال ~~المرأة; إذ البضع غير حاصل للزوج بل حصل لها بسبب من قبله من غير ثبوت حكم ~~الدخول، فلذلك اعتبر حاله دونها، وأيضا لو سلمنا لك أنها ليست بدلا عن شيء، ~~لم يمنع ذلك وجوبها; لأن النفقة ليست بدلا عن شيء، بدلالة أن بدل البضع هو ~~المهر وقد ملكه بعقد النكاح. والدخول والاستمتاع إنما هو تصرف في ملكه ~~وتصرف الإنسان في ملكه لا يوجب عليه بدلا ولم يمنع ذلك وجوبها، ولذلك تلزمه ~~نفقة أبيه وابنه الصغير بنص الكتاب، والإنفاق ليس بدلا عن شيء ولم يمنع ذلك ~~وجوبها، والزكوات والكفارات ليست بدلا عن شيء وهن واجبات; فالمستدل بكونها ~~غير بدل عن شيء على نفي إيجابها مغفل. وأيضا فاعتبارها بالرجل وبالمرأة ~~إنما هو كلام في تقديرها، والكلام في التقدير ليس يتعلق بالإيجاب; ولا ~~بنفيه. وأيضا ms0715 لو لم تكن واجبة لم تكن مقدرة بحال الرجل فلما قال تعالى: ~~{على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} دل على الوجوب; إذ ما ليس بواجب غير ~~معتبر بحال الرجل; إذ له أن يفعل ما شاء منه في حال اليسار والإعسار، فلما ~~قدرها بحال الرجل ولم يطلقها فيخير الرجل فيها، دل على وجوبها; وهذا يصلح ~~أن يكون ابتداء دليل في المسألة. وقال هذا القائل أيضا: لما قال تعالى: ~~{على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} اقتضى ذلك أن لا تلزم المقتر الذي لا ~~يملك شيئا، وإذا لم تلزمه لم تلزم الموسر، ومن ألزمها المقتر فقد خرج من ~~ظاهر الكتاب; لأن من لا مال له لم تقتض الآية إيجابها عليه; إذ لا مال له ~~فيعتبر قدره، فغير جائز أن نجعلها دينا عليه وأن لا يكون مخاطبا بها. قال ~~أبو بكر: هذا الذي ذكره هذا القائل إغفال منه لمعنى الآية; لأن الله تعالى ~~لم يقل "على الموسع على قدر ماله وعلى المقتر على قدر ماله" وإنما قال ~~تعالى {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} وللمقتر قدر يعتبر به، وهو ثبوته ~~في ذمته حتى يجد فيسلمه، كما قال الله تعالى: {وعلى المولود له # PageV01P522 # رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فأوجبها عليه بالمعروف. ولو كان معسرا لا يقدر ~~على شيء لم يخرج عن حكم الآية; لأن له ذمة تثبت فيها النفقة بالمعروف حتى ~~إذا وجدها أعطاها، كذلك المقتر في حكم المتعة، وكسائر الحقوق التي تثبت في ~~الذمة وتكون الذمة كالأعيان; ألا ترى أن شراء المعسر بمال في ذمته جائز ~~وقامت الذمة مقام العين في باب ثبوت البدل فيها؟ فكذلك ذمة الزوج المقتر ~~ذمة صحيحة يصح إثبات المتعة فيها كما تثبت فيها النفقات وسائر الديون. # قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على جواز النكاح بغير تسمية مهر; لأن ~~الله تعالى حكم بصحة الطلاق فيه مع عدم التسمية، والطلاق لا يقع إلا في ~~نكاح صحيح. وقد تضمنت الدلالة على أن شرطه أن لا صداق لها لا يفسد النكاح; ~~لأنها لما ms0716 لم يفرق بين من سكت عن التسمية وبين من شرط أن لا صداق، فهي على ~~الأمرين جميعا. وزعم مالك أنه إذا شرط أن لا مهر لها فالنكاح فاسد فإن دخل ~~بها صح النكاح ولها مهر مثلها. وقد قضت الآية بجواز النكاح، وشرطه أن لا ~~مهر لها ليس بأكثر من ترك التسمية، فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في العقد ~~فكذلك شرطه أن لا مهر لها. وإنما قال أصحابنا: إنها غير واجبة للمدخول بها; ~~لأنا قد بينا أن المتعة بدل من البضع، وغير جائز أن تستحق بدلين، فلما كانت ~~مستحقة بعد الدخول المسمى أو مهر المثل لم يجز أن تستحق معه المتعة. ولا ~~خلاف أيضا بين فقهاء الأمصار أن المطلقة قبل الدخول لا تستحقها على وجه ~~الوجوب إذا وجب لها نصف المهر، فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: ~~أنها لم تستحقه مع وجوب بعض المهر، فأن لا تستحقه مع وجوب جميعه أولى. ~~والثاني: أن المعنى فيه أنها قد استحقت شيئا من المهر، وذلك موجود في ~~المدخول بها. # فإن قيل: لما وجبت المتعة حين لم يجب شيء من المهر وجب أن يكون وجوبها ~~عند استحقاق المهر أولى. قيل له: فينبغي أن تستحقها إذا وجب نصف المهر ~~لوجوبها عند عدم شيء منه; وأيضا فإنما استحقتها عند فقد شيء من المهر لعلة ~~أن البضع لا يخلو من بدل قبل الطلاق وبعده، فلما لم يجب المهر وجبت المتعة، ~~ولما استحقت بدلا آخر لم يجز أن تستحقها. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} ~~وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل. قيل له: هو كذلك، إلا أن المتاع اسم ~~لجميع ما ينتفع به، قال الله تعالى: {وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم} ~~[عبس: 31 – 32] وقال تعالى: {متاع قليل ثم مأواهم جهنم} [آل عمران: 197] ~~وقال تعالى: {إنما هذه الحياة الدنيا متاع} [غافر: 39] وقال الأفوه الأودي: # PageV01P523 # إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع ms0717 به. ونحن فمتى أوجبنا ~~للمطلقات شيئا مما ينتفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة الآية، فمتعة ~~التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل ~~والمرأة، وللمدخول بها تارة المسمى وتارة مهر المثل إذا لم يكن مسمى، وذلك ~~كله متعة; وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن نوجب لها سائر ~~ضروبها; لأن قوله تعالى: {وللمطلقات متاع} إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه ~~الاسم. # فإن قيل: قوله تعالى: {وللمطلقات متاع} يقتضي إيجابه بالطلاق ولا يقع على ~~ما استحقته قبله من المهر. قيل له: ليس كذلك; لأنه جائز أن تقول "وللمطلقات ~~المهور التي كانت واجبة لهن قبل الطلاق" فليس في ذكر وجوبه بعد الطلاق ما ~~ينفي وجوبه قبله; إذ لو كان كذلك لما جاز ذكر وجوبه في الحالين مع ذكر ~~الطلاق، فيكون فائدة وجوبه بعد الطلاق إعلامنا أن مع الطلاق يجب المتاع; إذ ~~كان جائزا أن يظن ظان أن الطلاق يسقط ما وجب، فأبان عن إيجابه بعده كهو ~~قبله. وأيضا إن كان المراد متاعا وجب بالطلاق فهو على ثلاثة أنحاء: إما ~~نفقة العدة للمدخول بها، أو المتعة، أو نصف المسمى لغير المدخول بها. وذلك ~~متعلق بالطلاق; لأن النفقة تسمى متاعا على ما بينا كما قال تعالى: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} فسمى ~~النفقة والسكنى الواجبتين لها متاعا. ومما يدل على أن المتعة غير واجبة مع ~~المهر اتفاق الجميع على أنه ليس لها المطالبة بها قبل الطلاق، فلو كانت ~~المتعة تجب مع المهر بعد الطلاق لوجبت قبل الطلاق، إذ كانت بدلا من البضع ~~وليست بدلا من الطلاق، فكان يكون حكمها حكم المهر; وفي ذلك دليل على امتناع ~~وجوب المتعة والمهر. # فإن قيل: فأنتم توجبونها بعد الطلاق لمن لم يسم لها ولم يدخل بها ولا ~~توجبونها قبله، ولم يكن انتفاء وجوبها قبل الطلاق دليلا على انتفاء وجوبها ~~بعده، وكذلك قلنا في المدخول بها. قيل له: إن المتعة ms0718 بعض مهر المثل، إذ قام ~~مقام بعضه، وقد كانت المطالبة لها واجبة بالمهر قبل الطلاق; فلذلك صحت ~~ببعضه بعده; وأنت فلست تجعل المتعة بعض المهر، فلم يخل إيجابها من أن تكون ~~بدلا من البضع أو من الطلاق، فإن كانت بدلا من البضع مع مهر المثل فواجب أن ~~تستحقها قبل الطلاق، وإن لم تكن بدلا من البضع استحال وجوبها عن الطلاق في ~~حال حصول البضع لها. والله تعالى أعلم. # PageV01P524 # ذكر تقدير المتعة الواجبة # قال الله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف} وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه ~~الاجتهاد وغالب الظن، ويختلف ذلك في الأزمان أيضا; لأن الله تعالى شرط في ~~مقدارها شيئين: أحدهما: اعتبارها بيسار الرجل وإعساره، والثاني: أن يكون ~~بالمعروف مع ذلك; فوجب اعتبار المعنيين في ذلك. فإذا كان كذلك وكان المعروف ~~منهما موقوفا على عادات الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير، وجب بذلك ~~مراعاة العادات في الأزمان وذلك أصل في جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث; إذ ~~كان ذلك حكما مؤديا إلى اجتهاد رأينا. وقد ذكرنا أن شيخنا أبا الحسن رحمه ~~الله يقول: "يجب مع ذلك اعتبار حال المرأة أيضا" وذكر ذلك أيضا علي بن موسى ~~القمي في كتابه، واحتج بأن الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة بشيئين: ~~حال الرجل بيساره وإعساره، وأن يكون مع ذلك بالمعروف. قال: فلو اعتبرنا حال ~~الرجل وحده عاريا من اعتبار حال المرأة، لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين ~~إحداهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن ~~تكونا متساويتين في المتعة، فتجب لهذه الدنية كما تجب لهذه الشريفة; وهذا ~~منكر في عادات الناس وأخلاقهم غير معروف. قال: ويفسد من وجه آخر قول من ~~اعتبر حال الرجل وحده دونها، وهو أنه لو كان رجلا موسرا عظيم الشأن فتزوج ~~امرأة دنية مهر مثلها دينار، أنه لو دخل بها وجب لها مهر مثلها; إذ لم يسم ~~لها شيئا دينار واحد، ولو طلقها قبل الدخول لزمته ms0719 المتعة على قدر حاله، وقد ~~يكون ذلك أضعاف مهر مثلها، فتستحق قبل الدخول بعد الطلاق أكثر مما تستحقه ~~بعد الدخول. وهذا خلف من القول; لأن الله تعالى قد أوجب للمطلقة قبل الدخول ~~نصف ما أوجبه لها بعد الدخول، فإذا كان القول باعتبار حال الرجل دونها يؤدي ~~إلى مخالفة معنى. الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف في العادات سقط ووجب ~~اعتبار حالها معه. ويفسد أيضا من وجه آخر: وهو أنه لو تزوج رجلان موسران ~~أختين فدخل أحدهما: بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم، إذ لم يسم لها ~~مهرا; وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون المتعة لها على ~~قدر حال الرجل، وجائز أن يكون ذلك أضعاف مهر أختها فيكون ما تأخذه المدخول ~~بها أقل مما تأخذه المطلقة، وقيمة البضعين واحدة وهما متساويتان في المهر، ~~فيكون الدخول مدخلا عليها ضررا ونقصانا في البدل; وهذا منكر غير معروف. ~~فهذه الوجوه كلها تدل على اعتبار حال المرأة معه. # وقد قال أصحابنا: إنه إذا طلقها قبل الدخول ولم يسم لها وكانت متعتها ~~أكثر من # PageV01P525 # نصف مهر مثلها أنها لا تجاوز بها نصف مهر مثلها فيكون لها الأقل من نصف ~~مهر مثلها ومن المتعة; لأن الله تعالى لم يجعل المسمى. لها أكثر من نصف ~~التسمية مع الطلاق قبل الدخول، فغير جائز أن يعطيها عند عدم التسمية أكثر ~~من نصف مهر المثل; ولما كان المسمى مع ذلك أكثر من مهر المثل فلم تستحق بعد ~~الطلاق أكثر من النصف، ففي مهر المثل أولى. ولم يقدر أصحابنا لها مقدارا ~~معلوما لا يتجاوز به ولا يقصر عنه، وقالوا: "هي على قدر المعتاد المتعارف ~~عليه في كل وقت" وقد ذكر عنهم ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار، والإزار هو ~~الذي تستتر به بين الناس عند الخروج. وقد ذكر عن السلف في مقدارها أقاويل ~~مختلفة على حسب ما غلب في رأي كل واحد منهم، فروى إسماعيل بن أمية عن عكرمة ~~عن ابن عباس قال: "أعلى المتعة الخادم، ثم دون ذلك ms0720 النفقة، ثم دون ذلك ~~الكسوة". وروى إياس بن معاوية عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: أخبرني عن ~~المتعة فأخبرني على قدري فإني موسر أكسو كذا أكسو كذا; فحسبت ذلك فوجدته ~~قيمة ثلاثين درهما. وروى عمرو عن الحسن قال: "ليس في المتعة شيء يوقت على ~~قدر الميسرة" وكان حماد يقول: "يمتعها بنصف مهر مثلها". وقال عطاء: "أوسع ~~المتعة درع وخمار وملحفة". وقال الشعبي: "كسوتها في بيتها درع وخمار وملحفة ~~وجلباب". وروى يونس عن الحسن قال: "كان منهم من يمتع بالخادم والنفقة ومنهم ~~من يمتع بالكسوة والنفقة، ومن كان دون ذلك فثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة، ~~ومن كان دون ذلك متع بثوب واحد". وروى عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب قال: ~~"أفضل المتعة خمار وأوضعها ثوب". وروى الحجاج عن أبي إسحاق أنه سأل عبد ~~الله بن مغفل عنها فقال: "لها المتعة على قدر ماله". # وهذه المقادير كلها صدرت عن اجتهاد آرائهم ولم ينكر بعضهم على بعض ما صار ~~إليه من مخالفته فيه، فدل على أنها عندهم موضوعة على ما يؤديه إليه ~~اجتهاده، وهي بمنزلة تقويم المتلفات وأروش الجنايات التي ليس لها مقادير ~~معلومة في النصوص. # وقوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ~~ما فرضتم} قيل: إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها تميز بينها، والفرضة ~~العلامة في قسم الماء على خشب أو جص أو حجارة يعرف. بها كل ذي حق نصيبه من ~~الشرب، وقد سمي الشط الذي ترفأ فيه السفن فرضة لحصول الأثر فيه بالنزول إلى ~~السفن والصعود منها، ثم صار اسم الفرض في الشرع واقعا على المقدار وعلى ما ~~كان في أعلى مراتب الإيجاب من الواجبات; وقوله تعالى: {إن الذي فرض عليك ~~القرآن} معناه "أنزله وأوجب عليك أحكامه وتبليغه" وقوله تعالى عند ذكر # PageV01P526 # المواريث: {فريضة من الله} [النساء: 11] ينتظم الأمرين من معنى الإيجاب ~~لمقادير الأنصباء التي بينها لذوي الميراث; وقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} ms0721 المراد بالفرض ههنا تقدير المهر ~~وتسميته في العقد، ومنه فرائض الإبل وهي المقادير الواجبة فيها على اعتبار ~~أعدادها وأسنانها، فسمى التقدير فرضا تشبيها له بالحز الواقع في القداح ~~التي تتميز به من غيرها، وكذلك سبيل ما كان مقدرا من الأشياء فقد حصل ~~التمييز به بينه وبين غيره. # والدليل على أن المراد بقوله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة} تسمية المقدار ~~في العقد، أنه قدم ذكر المطلقة التي لم يسم لها بقوله تعالى: {لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} ثم عقبه بذكر من ~~فرض لها وطلقت بعد الدخول، فلما كان الأول على نفي التسمية كان الثاني على ~~إثباتها، فأوجب الله لها نصف المفروض بنص التنزيل. # وقد اختلف فيمن سمي لها بعد العقد ثم طلقت قبل الدخول، فقال أبو حنيفة: ~~"لها مهر مثلها" وهو قول محمد، وكان أبو يوسف يقول: "لها نصف الفرض" ثم رجع ~~إلى قولهما. وقال مالك والشافعي: "لها نصف الفرض" والدليل على أن لها مهر ~~مثلها أن موجب هذا العقد مهر المثل، وقد اقتضى وجوب مهر المثل بالعقد وجوب ~~المتعة بالطلاق قبل الدخول، فلما تراضيا على تسمية لم ينتف موجب العقد من ~~المتعة; والدليل على ذلك أن هذا الفرض لم يكن مسمى في العقد كما لم يكن مهر ~~المثل مسمى فيه وإن كان واجبا به، فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول مسقطا ~~لمهر المثل بعد وجوبه; إذ لم يكن مسمى في العقد، وجب أن يكون كذلك حكم ~~المفروض بعده; إذ لم يكن مسمى فيه. # فإن قيل: مهر المثل لم يوجبه العقد وإنما وجب بالدخول. قيل له: هذا غلط; ~~لأنه جائز استباحة البضع بغير بدل، والدليل على ذلك أنه لو شرط في العقد ~~أنه لا مهر لها لوجب لها المهر، فلما كان المهر بدلا من استباحة البضع ولم ~~يجز نفيه بالشرط وجب أن يكون من حيث استباح البضع أن يلزمه المهر. ويدل على ~~ذلك أن الدخول بعد صحة العقد إنما هو تصرف فيما قد ms0722 ملكه وتصرف الإنسان في ~~ملكه لا يلزمه بدلا; ألا ترى أن تصرف المشتري في السلعة لا يوجب عليه بدلا ~~بالتصرف؟ فدل ذلك على استحقاقها لمهر المثل بالعقد. ويدل على ذلك أيضا ~~اتفاق الجميع على أن لها أن تمنع نفسها بمهر المثل، ولو لم تكن قد استحقته ~~بالعقد كيف كان يجوز لها أن تمنع نفسها بما لم يجب بعد؟ ويدل على ذلك أيضا ~~أن لها المطالبة به، ولو خاصمته إلى القاضي لقضى به لها، # PageV01P527 # والقاضي لا يبتدئ إيجاب مهر لم تستحقه كما لا يبتدئ إيجاب سائر الديون ~~إذا لم تكن مستحقة. وذلك كله دليل على أن التي لم يفرض لها مهر قد استحقت ~~مهر المثل بالعقد وملكته على الزوج حسب ملكها للمسمى لو كانت في العقد ~~تسمية. # فإن قيل: لو كان مهر المثل واجبا بالعقد لما سقط كله بالطلاق قبل الدخول ~~كما لا يسقط جميع المسمى. قيل له: لم يسقط كله; لأن المتعة بعضه على ما ~~قدمنا، وهي بإزاء نصف المسمى لمن طلقت قبل الدخول. # وزعم إسماعيل بن إسحاق أن مهر المثل لا يجب بالعقد وإن استباح الزوج ~~البضع، قال: "لأن الزوج بإزاء الزوجة كالثمن بإزاء المبيع" فإن كان كما قال ~~فواجب أن لا يلزمه المهر بالدخول; لأن الوطء كان مستحقا لها على الزوج كما ~~استحق هو التسليم عليها; إذ ما استباحه كل واحد منهما بإزاء ما استباحه ~~الآخر، فمن أين صار الزوج مخصوصا بإيجاب المهر إذا دخل بها؟ وينبغي أن لا ~~يكون لها أن تحبس نفسها بالمهر إذا لم تستحق ذلك بالعقد، وواجب أيضا أن لا ~~تصح تسمية المهر; لأنه قد صح من جهته بما عقد عليه كما صح من جهتها، فلا ~~يلزمه المهر كما لا يلزمها له شيء; وواجب على هذا أن لا يقوم البضع عليها ~~بالدخول وبالوطء بالشبهة، وأن لا يصح أخذ البدل منها لسقوط حقه عن بضعها. ~~وهذا كله مع ما عقلت الأمة من أن الزوج يجب عليه المهر بدلا من استباحة ~~البضع، يدل على سقوط قول ms0723 هذا القائل. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث سهل بن سعد الساعدي حين قال للرجل الذي خطب إليه المرأة التي وهبت ~~نفسها له: "قد ملكتها بما معك من القرآن" يدل على أن الزوج في معنى المالك ~~لبضعها. ومن الدليل على أن الفرض الواقع بعد العقد يسقطه الطلاق قبل ~~الدخول، أن الفرض إنما أقيم مقام مهر المثل; لأنه غير جائز إيجابه مع مهر ~~المثل; ولما كان كذلك وجب أن يسقطه الطلاق قبل الدخول كما يسقط مهر المثل. ~~ومن جهة أخرى أن الفرض إنما ألحق بالعقد ولم يكن موجودا فيه، فمن حيث بطل ~~العقد بطل ما ألحق به. # فإن قيل: فالمسمى في العقد ثبوته كان بالعقد ولا يبطل ببطلانه. قيل له: ~~قد كان أبو الحسن رحمه الله يقول: "إن المسمى قد بطل، وإنما يجب نصف المهر ~~حسب وجوب المتعة" وكذلك قال إبراهيم النخعي: "هذا متعتها". # ومن الناس من يحتج بهذه الآية في أن المهر قد يكون أقل من عشرة دراهم; ~~لأن الله تعالى قال: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم} فإذا سمى درهمين في العقد وجب بقضية الآية أن لا تستحق بعد ~~الطلاق أكثر من درهم. وهذا لا يدل عندنا على ما قالوا وذلك; لأن تسمية ~~الدرهمين عندنا تسمية # PageV01P528 # العشرة; لأن العشرة لا تتبعض في العقد، وتسمية لبعضها تسمية لجميعها، كما ~~أن الطلاق لما لم يتبعض كان إيقاعه لنصف تطليقة إيقاعا لجميعها; والذي قد ~~فرض أقل من عشرة قد فرض العشرة عندنا، فيجب نصفها بعد الطلاق. وأيضا فإن ~~الذي اقتضته الآية وجوب نصف المفروض، ونحن نوجب نصف المفروض ثم نوجب ~~الزيادة إلى تمام خمسة دراهم بدلالة أخرى; والله أعلم. # PageV01P529 # ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة # قال أبو بكر: تنازع أهل العلم في معنى قوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} واختلفوا في المسيس المراد ~~بالآية، فروي عن علي وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت: ms0724 "إذا أغلق بابا وأرخى ~~سترا ثم طلقها فلها جميع المهر". وروى سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن ~~عباس قال: "لها الصداق كاملا" وهو قول علي بن الحسين وإبراهيم في آخرين من ~~التابعين. وروى فراس عن الشعبي عن ابن مسعود قال: "لها نصف الصداق وإن قعد ~~بين رجليها"، والشعبي عن ابن مسعود مرسل; وروي عن شريح مثل قول ابن مسعود. ~~وروى سفيان الثوري عن عمر عن عطاء عن ابن عباس: "إذا فرض الرجل قبل أن يمس ~~فليس لها إلا المتاع". فمن الناس من ظن أن قوله في هذا كقول عبد الله بن ~~مسعود، وليس كذلك; لأن قوله "فرض" يعني أنه لم يسم لها مهرا، وقوله "قبل أن ~~يمس" يريد قبل الخلوة; لأنه قد تأوله على الخلوة في حديث طاوس عنه، فأوجب ~~لها المتعة قبل الخلوة. # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: ~~"الخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بعد الطلاق وطئ أو لم يطأ; وهي أن ~~لا يكون أحدهما محرما أو مريضا أو لم تكن حائضا أو صائمة في رمضان أو ~~رتقاء، فإنه إن كان كذلك ثم طلقها وجب لها نصف المهر إذا لم يطأها، والعدة ~~واجبة في هذه الوجوه كلها إن طلقها فعليها العدة". وقال سفيان الثوري: "لها ~~المهر كاملا إذا خلا بها ولم يدخل بها إذا جاء ذلك من قبله، وإن كانت رتقاء ~~فلها نصف المهر". وقال مالك: "إذا خلا بها وقبلها وكشفها إن كان ذلك قريبا ~~فلا أرى لها إلا نصف المهر، وإن تطاول ذلك فلها المهر إلا أن تضع له ما ~~شاءت". وقال الأوزاعي: "إذا تزوج امرأة فدخل بها عند أهلها قبلها ولمسها ثم ~~طلقها ولم يجامعها، أو أرخى عليها سترا أو أغلق بابا فقد تم الصداق". وقال ~~الحسن بن صالح: "إذا خلا بها فلها نصف المهر; إذ لم يدخل بها، وإن ادعت ~~الدخول بعد الخلوة فالقول قولها بعد الخلوة". وقال الليث: "إذا أرخى عليها ~~سترا # PageV01P529 # فقد وجب ms0725 الصداق". وقال الشافعي: "إذا خلا بها ولم يجامعها حتى طلق فلها ~~نصف المهر ولا عدة عليها". # قال أبو بكر: مما يحتج به في ذلك من طريق الكتاب قوله عز وجل: {وآتوا ~~النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] فأوجب إيفاء الجميع، فلا يجوز إسقاط شيء ~~منه إلا بدليل; ويدل عليه قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ~~وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ~~وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 20 - 21] فيه وجهان من ~~الدلالة على ما ذكرنا، أحدهما: قوله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: ~~20 - 21] والثاني: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21] ~~وقال الفراء: "الإفضاء الخلوة، دخل بها أو لم يدخل" وهو حجة في اللغة، وقد ~~أخبر أن الإفضاء اسم للخلوة; فمنع الله تعالى أن يأخذ منه شيئا بعد الخلوة; ~~وقد دل على أن المراد هو الخلوة الصحيحة التي لا تكون ممنوعا فيها من ~~الاستمتاع; لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض، وهو الموضع الذي لا بناء ~~فيه ولا حاجز يمنع من إدراك ما فيه، فأفاد بذلك استحقاق المهر بالخلوة على ~~وصف وهي التي لا حائل بينهما ولا مانع من التسليم والاستمتاع; إذ كان لفظ ~~الإفضاء يقتضيه. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن بالمعروف} [النساء: 25] وقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة} [النساء: 24] يعني مهورهن. وظاهره يقتضي وجوب الإيتاء في ~~جميع الأحوال إلا ما قام دليله. # قال أبو بكر: ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا محمد بن شاذان قال: أخبرنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة قال: ~~حدثنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله: "من ~~كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل" وهو عندنا اتفاق ~~الصدر الأول; لأن حديث فراس عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود لا يثبته كثير ~~من الناس من طريق فراس. وحدثنا ms0726 عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى ~~قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى قال: "قضى ~~الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب المهر ~~ووجبت العدة" فأخبر أنه قضاء الخلفاء الراشدين، وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا ~~عليها بالنواجذ". # ومن طريق النظر أن المعقود عليه من جهتها لا يخلو إما أن يكون الوطء أو # PageV01P530 # التسليم، فلما اتفق الجميع على جواز نكاح المجبوب مع عدم الوطء دل ذلك ~~على أن صحة العقد غير متعلقة بالوطء; إذ لو كان كذلك لوجب أن لا يصح العقد ~~عند عدم الوطء، ألا ترى أنه لما تعلقت صحته بصحة التسليم كان من لا يصح ~~منها التسليم من ذوات المحارم لم يصح عليها العقد؟ وإذا كانت صحة العقد ~~متعلقة بصحة التسليم من جهتها فواجب أن تستحق كمال المهر بعد صحة التسليم ~~بحصول ما تعلقت به صحة العقد له، وأيضا فإن المستحق من قبلها هو التسليم ~~ووقوع الوطء إنما هو من قبل الزوج فعجزه وامتناعه لا يمنع من صحة استحقاق ~~المهر، ولذلك قال عمر رضي الله عنه في المخلو بها: "لها المهر كاملا، ما ~~ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم؟ " وأيضا لو استأجر دارا وخلى بينها وبينه ~~استحق الأجر لوجود التسليم، كذلك الخلوة في النكاح. وإنما قالوا إنها إذا ~~كانت محرمة أو حائضا أو مريضة أن ذلك لا تستحق به كمال المهر، من قبل أن ~~هناك تسليما آخر صحيحا تستحق به كمال المهر; إذ ليس ذلك تسليما صحيحا; ولما ~~لم يوجد التسليم المستحق بعقد النكاح لم تستحق كمال المهر. واحتج من أبى ~~ذلك بظاهر قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم} وقال تعالى في آية أخرى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} فعلق استحقاق كمال المهر ~~ووجوب ms0727 العدة بوجود المسيس وهو الوطء; إذ كان معلوما أنه لم يرد به وجود ~~المس باليد. والجواب عن ذلك: أن قوله تعالى: {من قبل أن تمسوهن} قد اختلف ~~الصحابة فيه على ما وصفنا، فتأوله علي وعمر وابن عباس وزيد وابن عمر على ~~الخلوة; فليس يخلو هؤلاء من أن يكونوا تأولوها من طريق اللغة أو من جهة أنه ~~اسم له في الشرع; إذ غير جائز تأويل اللفظ على ما ليس باسم له في الشرع ولا ~~في اللغة، فإن كان ذلك عندهم اسما له من طريق اللغة فهم حجة فيها; لأنهم ~~أعلم باللغة ممن جاء بعدهم، وإن كان من طريق الشرع فأسماء الشرع لا تؤخذ ~~إلا توقيفا; وإذا صار ذلك اسما لها صار تقدير الآية: وإن طلقتموهن من قبل ~~الخلوة فنصف ما فرضتم، وأيضا لما اتفقوا على أنه لم يرد به حقيقة المس ~~باليد وتأوله بعضهم على الجماع وبعضهم، على الخلوة، ومتى كان اسما للجماع ~~كان كناية عنه، وجائز أن يكون حكمه كذلك; وإذا أريد به الخلوة سقط اعتبار ~~ظاهر اللفظ، لاتفاق الجميع على أنه لم يرد حقيقة معناه وهو المس باليد، ~~ووجب طلب الدليل على الحكم من غيره; وما ذكرناه من الدلالة يقتضي أن مراد ~~الآية هو الخلوة دون الجماع، فأقل أحواله أن لا يخص به ما ذكرنا من ظواهر ~~الآي والسنة. وأيضا لو اعتبرنا حقيقة اللفظ اقتضى ذلك أن يكون لو خلا بها ~~ومسها بيده أن تستحق كمال المهر لوجود حقيقة المس، وإذا لم يخل بها ومسها ~~بيده خصصناه بالإجماع; وأيضا لو كان المراد الجماع، فليس يمتنع أن يقوم ~~مقامه # PageV01P531 # مالك واحتج به في جوازها في المشاع وقبل القبض، كان الكلام على ما ~~قدمناه. # وأما قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} فإن السلف قد اختلفوا ~~فيه، فقال علي وجبير بن مطعم ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~ومحمد بن كعب وقتادة ونافع: "هو الزوج" وكذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والثوري وابن شبرمة والأوزاعي ms0728 والشافعي، قالوا: "عفوه أن يتم ~~لها كمال المهر بعد الطلاق قبل الدخول" قالوا: وقوله تعالى: {إلا أن يعفون} ~~البكر والثيب. وقد روي عن ابن عباس في ذلك روايتان: إحداهما ما رواه حماد ~~بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: "هو الزوج" ~~وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رضي الله ~~بالعفو وأمر به، وإن عفت فكما عفت، وإن ضنت وعفا وليها جاز وإن أبت". وقال ~~علقمة والحسن وإبراهيم وعطاء وعكرمة وأبو الزناد: "هو الولي". وقال مالك بن ~~أنس: إذا طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها عن نصف الصداق، وقوله ~~تعالى: {إلا أن يعفون} : اللاتي قد دخل بهن قال: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن ~~شيء من الصداق إلا الأب وحده، لا وصي ولا غيره. وقال الليث: لأبي البكر أن ~~يضع من صداقها عند عقدة النكاح ويجوز ذلك عليها، وبعد عقدة النكاح ليس له ~~أن يضع شيئا من صداقها، ولا يجوز أيضا عفوه عن شيء من صداقها بعد الطلاق ~~قبل الدخول، ويجوز له مبارأة زوجها وهي كارهة إذا كان ذلك نظرا من أبيها ~~لها، فكما لم يجز للأب أن يضع شيئا من صداقها بعد النكاح كذلك لا يعفو عن ~~نصف صداقها بعد ذلك. وذكر ابن وهب عن مالك أن مبارأته عليها جائزة. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} متشابه ~~لاحتماله الوجهين اللذين تأولهما السلف عليهما، فوجب رده إلى المحكم وهو ~~قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا} [النساء: 4] وقال تعالى في آية أخرى: {وإن أردتم استبدال زوج ~~مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] وقال ~~تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله} [البقرة: 229] . فهذه الآيات محكمة لا احتمال فيها لغير المعنى ~~الذي اقتضته، فوجب رد الآية المتشابهة وهي قوله ms0729 تعالى: {أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} إليها; لأمر الله تعالى الناس برد المتشابه إلى المحكم، وذم ~~متبعي المتشابه من غير حمله على معنى المحكم بقوله تعالى: {فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] وأيضا لما ~~كان اللفظ محتملا للمعاني، وجب حمله على موافقة الأصول; ولا خلاف أنه غير ~~جائز للأب # PageV01P533 # هبة شيء من مالها للزوج ولا لغيره، فكذلك المهر; لأنه مالها. وقول من ~~حمله على الولي خارج عن الأصول; لأن أحدا لا يستحق الولاية على غيره في هبة ~~ماله; فلما كان قول القائلين بذلك مخالفا للأصول خارجا عنها وجب حمل معنى ~~الآية على موافقتها; إذ ليس ذلك أصلا بنفسه لاحتماله للمعاني، وما ليس بأصل ~~في نفسه فالواجب رده إلى غيره من الأصول واعتباره بها. وأيضا فلو كان ~~المعنيان جميعا في حيز الاحتمال ووجد نظائرهما في الأصول لكان في مقتضى ~~اللفظ ما يوجب أن يكون أولى بظاهر اللفظ من الولي، وذلك لأن قوله تعالى: ~~{أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} لا يجوز أن يتناول الولي بحال لا حقيقة ~~ولا مجازا; لأن قوله تعالى: {الذي بيده عقدة النكاح} يقتضي أن تكون العقدة ~~موجودة وهي في يد من هي في يده، فأما عقدة غير موجودة فغير جائز إطلاق ~~اللفظ عليها بأنها في يد أحد، فلما لم تكن هناك عقدة موجودة في يد الولي ~~قبل العقد ولا بعده وقد كانت العقدة في يد الزوج قبل الطلاق فقد تناوله ~~اللفظ بحال، فوجب أن يكون حمله على الزوج أولى منه على الولي. # فإن قيل: إنما حكم الله بذلك بعد الطلاق، وليست عقدة النكاح بيد الزوج ~~بعد الطلاق. قيل له: يحتمل اللفظ بأن يريد الذي كان بيده عقدة النكاح، ~~والولي لم يكن بيده عقدة النكاح، ولا هي في يده في الحال، فكان الزوج أولى ~~بمعنى الآية من الولي. ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة: {ولا تنسوا ~~الفضل بينكم} فندبه إلى الفضل; وقال تعالى: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} وليس ms0730 ~~في هبة مال الغير إفضال منه على غيره والمرأة لم يكن منها إفضال. وفي تجويز ~~عفو الولي إسقاط معنى الفضل المذكور في الآية، وجعله تعالى بعد العفو أقرب ~~للتقوى، ولا تقوى له في هبة مال غيره، وذلك الغير لم يقصد إلى العفو فلا ~~يستحق به سمة التقوى. وأيضا فلا خلاف أن الزوج مندوب إلى ذلك، وعفوه وتكميل ~~المهر لها جائز منه، فوجب أن يكون مرادا بها; وإذا كان الزوج مرادا انتفى ~~أن يكون الولي مرادا بها; لأن السلف تأولوه على أحد معنيين: إما الزوج، ~~وإما الولي; وإذ قد دللنا على أن الزوج مراد وجب أن تمتنع إرادة الولي. # فإن قال قائل: على ما قدمنا فيما تضمنته الآية من الندب إلى الفضل وإلى ~~ما يقرب من التقوى، وإن كان ذلك خطابا مخصوصا به المالك دون من يهب مال ~~الغير، ليس يمتنع في الأصول أن تلحق هذه التسمية للولي وإن فعل ذلك في مال ~~من يلي عليه; والدليل على ذلك أنه يستحق الثواب بإخراج صدقة الفطر عن ~~الصغير من مال الصغير، وكذلك الأضحية والختان. قيل: أغفلت موضع الحجاج مما ~~قدمناه، وذلك أنا قلنا: هو غير مستحق للثواب والفضل بالتبرع بمال الغير، ~~فعارضتنا بمن وجب عليه حق في ماله # PageV01P534 # فأخرجه عنه ولي وهو الأب، ونحن نجيز للوصي ولغير الوصي أن يخرج عنه هذه ~~الحقوق ولا نجيز عفوهم عنه، فكيف تكون الأضحية وصدقة الفطر والحقوق الواجبة ~~بمنزلة التبرع وإخراج ما لا يلزم من ملكها. # وزعم بعض من احتج لمالك أنه لو أراد الزوج لقال "إلا أن يعفون أو يعفو ~~الزوج" لما قد تقدم من ذكر الزوجين، فيكون الكلام راجعا إليهما جميعا، فلما ~~عدل عن ذلك إلى ذكر من لا يعرف إلا بالصفة علم أنه لم يرد الزوج. قال أبو ~~بكر: وهذا الكلام فارغ لا معنى تحته; لأن الله تعالى يذكر إيجاب الأحكام ~~تارة بالنصوص، وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه، وتارة ~~بلفظ يحتمل للمعاني وهو في بعضها أظهر وبه أولى، وتارة ms0731 بلفظ مشترك يتناول ~~معاني مختلفة يحتاج في الوصول إلى المراد بالاستدلال عليه من غيره; وقد وجد ~~ذلك كله في القرآن. # وقوله "لو أراد الزوج لقال أو يعفو حتى يرجع الكلام إلى الزوج دون غيره ~~ولما عدل عنه إلى لفظ محتمل" خلف من القول لا معنى له، ويقال له: لو أراد ~~الولي لقال "الولي" ولم يورد لفظا يشترك فيه الولي وغيره. # وقال هذا القائل: "إن العافي هو التارك لحقه، وهي إذا تركت النصف الواجب ~~لها فهي عافية، وكذلك الولي فإن الزوج إذا أعطاها شيئا غير واجب لها لا ~~يقال له عاف وإنما هو واهب" وهذا أيضا كلام ضعيف; لأن الذين تأولوه على ~~الزوج قالوا: إن عفوه هو إتمام الصداق لها وهم الصحابة والتابعون وهم أعلم ~~بمعاني اللغة وما تحتمله من هذا القائل. وأيضا فإن العفو في هذا الموضع ليس ~~هو قوله "قد عفوت" وإنما المعنى فيه تكميل المهر من قبل الزوج أو تمليك ~~المرأة النصف الباقي بعد الطلاق إياه، ألا ترى أن المهر لو كان عبدا بعينه ~~لكان حكم الآية مستعملا فيه والندب المذكور فيها قائما فيه، ويكون عفو ~~المرأة أن تملكه النصف الباقي لها بعد الطلاق لا بأن تقول "قد عفوت" ولكن ~~على الوجه الذي يجوز فيه عقود التمليكات؟ فكذلك العفو من قبل الزوج ليس هو ~~أن يقول "قد عفوت" لكن بتمليك مبتدأ على حسب ما تجوز التمليكات. وكذلك لو ~~كانت المرأة قد قبضت المهر واستهلكته كان عفو الزوج في هذه الحالة إبراءها ~~من الواجب عليها، ولو كان المهر دينا في ذمة الزوج كان عفوها إبراءه من ~~الباقي، فكل عفو أضيف إلى المرأة فمثله يضاف إلى الزوج. ويقال: فما تقول في ~~عفو الولي على أي صفة هو فإنا نجعل عفو الزوج على مثلها، فالاشتغال بمثل ~~ذلك لا يجدي نفعا; لأن ذلك كلام في لفظ العفو والعدول عنه وهو مع ذلك منتقض ~~على قائله، إلا أني ذكرته إبانة عن اختلال قول المخالفين ولجأهم إلى تزويق ~~الكلام بما لا دلالة فيه. # PageV01P535 # وقوله ms0732 تعالى: {إلا أن يعفون} يدل على بطلان قول من يقول "إن البكر إذا ~~عفت عن نصف الصداق بعد الطلاق أنه لا يجوز" وهو قول مالك; لأن الله تعالى ~~لم يفرق بين البكر والثيب في قوله: {إلا أن يعفون} ولما كان قوله وابتداء ~~خطابه حين قال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم} عاما في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف عليه من قوله ~~تعالى: {إلا أن يعفون} عاما في الفريقين منهما، وتخصيص الثيب بجواز العفو ~~دون البكر لا دلالة عليه. # وقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم} يوجب أن يكون إذا تزوجها على ألف درهم ~~ودفعها إليها ثم طلقها قبل الدخول وقد اشترت بها متاعا، أن يكون لها نصف ~~الألف وتضمن للزوج النصف; وقال مالك: "يأخذ الزوج نصف المتاع الذي اشترته" ~~والله تعالى إنما جعل له نصف المفروض وكذلك المرأة، فكيف يجوز أن يؤخذ منها ~~ما لم يكن مفروضا ولا هو قيمة له؟ وهو أيضا خلاف الأصول; لأن رجلا لو اشترى ~~عبدا بألف درهم وقبض البائع الألف واشترى بها متاعا ثم وجد المشتري بالعبد ~~عيبا فرد، لم يكن له على المتاع الذي اشتراه البائع سبيل، وكان المتاع كله ~~للبائع وعليه أن يرد على المشتري ألفا مثلها. فالنكاح مثله لا فرق بينهما; ~~إذ لم يقع عقد النكاح على المتاع كما لم يقع عقد البيع عليه، وإنما وقع على ~~الألف. والله تعالى أعلم. # PageV01P536 # باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فيه أمر بفعل ~~الصلاة وتأكيد وجوبها بذكر المحافظة، وهي الصلوات الخمس المكتوبات ~~المعهودات في اليوم والليلة وذلك لدخول الألف واللام عليها إشارة بها إلى ~~معهود. وقد انتظم ذلك القيام بها واستيفاء فروضها وحفظ حدودها وفعلها في ~~مواقيتها وترك التقصير فيها; إذ كان الأمر بالمحافظة يقتضي ذلك كله. وأكد ~~الصلاة الوسطى بإفرادها بالذكر مع ذكره سائر الصلوات، وذلك يدل على معنيين: ~~إما أن تكون أفضل الصلوات وأولاها بالمحافظة عليها ms0733 فلذلك أفردها بالذكر عن ~~الجملة، وإما أن تكون المحافظة عليها أشد من المحافظة على غيرها. وقد روي ~~في ذلك روايات مختلفة يدل بعضها على الوجه الأول وبعضها على الوجه الثاني، ~~فمنها ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: هي الظهر; لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يصلي بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في ~~قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ~~وفي بعض ألفاظ الحديث: "فكانت أثقل الصلوات على الصحابة فأنزل الله تعالى ~~ذلك". قال زيد بن # PageV01P536 # ثابت: "وإنما سماها وسطى; لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين". وروي عن ابن ~~عمر وابن عباس "أن الصلاة الوسطى صلاة العصر". وروي عن ابن عباس رواية أخرى ~~"أنها صلاة الفجر". وقد روي عن عائشة وحفصة وأم كلثوم أن في مصحفهن: ~~"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر". وروي عن البراء بن عازب ~~قال: نزلت "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" وقرأتها على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم نسخها الله تعالى فأنزل: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} . فأخبر البراء أن ما في مصحف هؤلاء من ذكر صلاة العصر منسوخ. وقد ~~روى عاصم عن زر عن علي قال: قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر حتى كادت ~~الشمس أن تغيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم املأ قلوب الذين ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا" قال علي: "كنا نرى أنها صلاة الفجر". وروى ~~عكرمة وسعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنها صلاة العصر" ~~وكذلك روى سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن علي من ~~قوله "أنها صلاة العصر" وكذلك عن أبي بن كعب وعن قبيصة بن ذؤيب: "المغرب". # وقيل إنما سميت صلاة العصر الوسطى; لأنها بين صلاتين من صلاة النهار ~~وصلاتين من صلاة الليل، وقيل إن أول الصلوات وجوبا كانت الفجر وآخرها ~~العشاء ms0734 الآخرة، فكانت العصر هي الوسطى في الوجوب. ومن قال إن الوسطى الظهر ~~يقول; لأنها وسطى صلاة النهار بين الفجر والعصر، ومن قال الصبح فقد قال ابن ~~عباس: "لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار" فجعلها وسطى في ~~الوقت. ومن الناس من يستدل بقوله تعالى: {والصلاة الوسطى} على نفي وجوب ~~الوتر; لأنها لو كانت واجبة لما كان لها وسطى; لأنها تكون حينئذ ستا. فيقال ~~له: إن كانت الوسطى العصر فوجهه ما قيل إنها وسطى في الإيجاب، فإن كانت ~~الظهر فلأنها بين صلاتي الفجر والعصر، فلا دلالة على نفي وجوب الوتر التي ~~هي من صلاة الليل. وأيضا فإنها وسطى الصلوات المكتوبات وليس الوتر من ~~المكتوبات وإن كانت واجبة; لأنه ليس كل واجب فرضا; إذ كان الفرض هو أعلى في ~~مراتب الوجوب. وأيضا فإن فرض الوتر زيادة وردت بعد فرض المكتوبات، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله زادكم إلى صلاتكم صلاة وهي الوتر" وإنما سميت ~~وسطى قبل وجوب الوتر. # وأما قوله عز وجل: {وقوموا لله قانتين} فإنه قد قيل في معنى القنوت في ~~أصل اللغة إنه الدوام على الشيء. وروي عن السلف فيه أقاويل، روي عن ابن ~~عباس والحسن وعطاء والشعبي: {وقوموا لله قانتين} : "مطيعين". وقال نافع عن ~~ابن عمر قال: # PageV01P537 # "القنوت طول القيام" وقرأ {أمن هو قانت آناء الليل} [الزمر: 9] . وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الصلاة طول القنوت" يعني القيام. ~~وقال مجاهد: "القنوت السكوت والقنوت الطاعة". ولما كان أصل القنوت الدوام ~~على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا، وكذلك من أطال القيام والقراءة ~~والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلو القنوت. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم "قنت شهرا يدعو فيه على حي من أحياء العرب" ~~والمراد به: أطال قيام الدعاء. وقد روى الحارث بن شبل عن أبي عمرو الشيباني ~~قال: كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ~~{وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ms0735 فاقتضى ذلك النهي عن الكلام في الصلاة. ~~وقال عبد الله بن مسعود: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الصلاة فيرد علينا قبل أن نأتي أرض الحبشة، فلما رجعت سلمت عليه فلم يرد ~~علي، فذكرت ذلك له فقال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قضى أن لا ~~تتكلموا في الصلاة". وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه بالإشارة، فلما سلم قال: "كنا نرد ~~السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك". وروى إبراهيم الهجري عن ابن عياض عن أبي ~~هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} [الأعراف: 204] . وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما ~~هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". # ففي هذه الأخبار حظر الكلام في الصلاة. # ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحا في الصلاة إلى أن حظره; واتفق ~~الفقهاء على حظره، إلا أن مالكا قال: "يجوز فيها لإصلاح الصلاة". وقال ~~الشافعي كلام السهو لا يفسدها. ولم يفرق أصحابنا بين شيء منه، وأفسدوا ~~الصلاة بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة، والدليل عليه أن ~~الآية التي تلونا من قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} ورواية من روى أنها ~~نزلت في حظر الكلام في الصلاة، مع احتماله له لو لم ترد الرواية بسبب ~~نزولها، ليس فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد وبينه إذا ~~قصد به إصلاح الصلاة أو لم يقصد; وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد به إصلاح الصلاة ~~وبين غيره ولا بين السهو والعمد منه، فهي عامة في الجميع. # فإن قيل: النهي عن الكلام في الصلاة مقصور على العامد دون الناسي ~~لاستحالة نهي الناسي. قيل له: حكم النهي قد يجوز أن يتعلق على الناسي ms0736 كهو ~~على العامد. وإنما يختلفان، في المأثم، واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام ~~التي هي فساد الصلاة وإيجاب قضائها # PageV01P538 # فلا يختلفان ألا ترى أن الناسي بالأكل والحدث والجماع في الصلاة في حكم ~~العامد فيما يتعلق عليه من أحكام هذه الأفعال من إيجاب القضاء وإفساد ~~الصلاة وإن كانا مختلفين في حكم المأثم واستحقاق الوعيد وإذا كان ذلك على ~~ما وصفنا كان حكم النهي فيما يقتضيه من إيجاب القضاء معلقا بالناسي كهو ~~بالعامد، لا فرق بينهما فيه وإن اختلفا في حكم المأثم والوعيد. فقد دلت هذه ~~الأخبار على فساد قول من فرق بين ما قصد به الإصلاح للصلاة وبين ما لم يقصد ~~به إصلاحها، وعلى فساد قول من فرق بين الناسي والعامد. ويدل على ذلك أيضا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن الحكم: "إن صلاتنا هذه لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الناس" وحقيقته الخبر، فهو محمول على حقيقته، فاقتضى ~~ذلك إخبارا من النبي صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام ~~الناس; فلو بقي مصليا بعد الكلام لكان قد صلح الكلام فيها من وجه، فثبت ~~بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة ليكون مخبره خبرا موجودا في سائر ~~ما أخبر به. ومن وجه آخر أن ضد الصلاح هو الفساد وهو يقتضيه في مقابلته، ~~فإذا لم يصلح فيها ذلك فهي فاسدة إذا وقع الكلام فيها، ولو لم يكن كذلك ~~لكان قد صلح الكلام فيها من غير إفساد، وذلك خلاف مقتضى الخبر. # واحتج الفريقان جميعا من مخالفينا الذين حكينا قولهما بحديث أبي هريرة في ~~قصة ذي اليدين، وروي من طرق، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده ~~عليها إحداهما على الأخرى يعرف في وجهه الغضب، قال: وخرج سرعان الناس ~~فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي الناس أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، فقام رجل ~~طويل اليدين كان رسول الله صلى الله ms0737 عليه وسلم يسميه ذا اليدين فقال: يا ~~رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له: "لم أنس ولم تقصر الصلاة" فقال: ~~بل نسيت فأقبل على القوم فقال: "أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعم فجاء فصلى ~~بنا الركعتين الباقيتين وسلم وسجد سجدتي السهو. فأخبر أبو هريرة بما كان ~~منه ومنهم من الكلام ولم يمتنع من البناء، وقد كان أبو هريرة متأخر ~~الإسلام. وروى يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ~~بن أبي حازم قال: أتينا أبا هريرة فقلنا: حدثنا فقال: صحبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث سنين. وقد روي عنه أنه قدم المدينة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بخيبر، فخرج خلفه وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر. قالوا: ~~فإذا كانت هذه القصة بعد إسلام أبي هريرة، ومعلوم أن نسخ الكلام كان بمكة; ~~لأن عبد الله بن مسعود لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض ~~الحبشة كان الكلام في الصلاة محظورا; لأنه سلم عليه فلم يرد عليه وأخبره ~~بنسخ الكلام في الصلاة، فثبت بذلك أن ما في حديث ذي اليدين كان بعد حظر ~~الكلام في الصلاة. # PageV01P539 # وقال أصحاب مالك: "إنما لم تفسد به الصلاة; لأنه كان لإصلاحها". وقال ~~الشافعي: "لأنه وقع ناسيا". # فيقال لهم: لو كان حديث ذي اليدين بعد نسخ الكلام لكان مبيحا للكلام فيها ~~ناسخا لحظره المتقدم له; لأنه لم يخبرهم أن جواز ذلك مخصوص بحال دون حال. ~~وقد روى سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من نابه في صلاته شيء فليقل سبحان الله، إنما التصفيق للنساء ~~والتسبيح للرجال". وروى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" فمنع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمن نابه شيء في صلاته من الكلام وأمر بالتسبيح، فلما ~~لم يكن من القوم تسبيح في قصة ذي اليدين ولا ms0738 أنكر عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم تركه، دل ذلك على أن قصة ذي اليدين كانت قبل أن يعلمهم التسبيح، ~~إذ غير جائز أن يكون قد علمهم التسبيح ثم يخالفونه إلى غيره، ولو كانوا ~~خالفوا ما أمروا به من التسبيح في مثل هذه الحال لظهر فيه النكير عليهم في ~~تركهم التسبيح المأمور به إلى الكلام المحظور. وفي هذا دليل على أن قصة ذي ~~اليدين كانت على أحد وجهين: إما قبل حظر الكلام في الصلاة، وإما أن تكون ~~بعد حظر الكلام بديا منه ثم أبيح الكلام ثم حظر بقوله: "التسبيح للرجال ~~والتصفيق للنساء" وقد كان نسخ الكلام بالمدينة بعد الهجرة، يدل عليه ما روى ~~معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر، وذكر الحديث. قال الزهري: فكان هذا قبل ~~بدر، ثم استحكمت الأمور بعده. وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى ~~نزلت: {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت. وقال أبو سعيد الخدري: "سلم رجل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه إشارة", وقال: "كنا نرد السلام في ~~الصلاة فنهينا عن ذلك". وأبو سعيد الخدري من أصاغر أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويدل على صغر سنه ما روى هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "وما علم ~~أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإنما ~~كانا غلامين صغيرين". وكان قدوم عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الحبشة إنما كان بالمدينة. وروى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي بكر ~~بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير أن عبد الله بن مسعود ومن كان معه بالحبشة ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقد روى أهل السير أن ~~عبد الله بن مسعود قتل أبا جهل يوم بدر بعدما أثخنه ابنا عفراء; وإذا كان ~~كذلك فقد أخبر عبد الله بن مسعود بحظر الكلام في الصلاة عند ms0739 قدومه من ~~الحبشة، وكان ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يريد الخروج إلى بدر. وروى عبد ~~الله بن وهب عن عبد الله بن العمري عن نافع عن ابن عمر، أنه ذكر له حديث ذي ~~اليدين فقال: "كان إسلام أبي هريرة بعدما قتل ذو اليدين" # PageV01P540 # ثبت بذلك أن ما رواه أبو هريرة كان قبل إسلامه; لأن إسلامه كان عام خيبر، ~~فثبت أن أبا هريرة لم يشهد تلك القصة وإن حدث بها، كما قال البراء: "ما كل ~~ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه، ولكنا سمعنا وحدثنا ~~أصحابنا". وروى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: "والله ما كل ما نحدثكم ~~به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا ~~يتهم بعضنا بعضا". وقد روى ابن جريج قال: أخبرني عمرو عن يحيى بن جعدة، أنه ~~أخبره عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه سمع أبا هريرة يقول: لا ورب هذا ~~البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب فليفطر، ولكن محمد قاله ورب هذا ~~البيت ثم لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم يومه ذلك قال: "لا علم لي بهذا إنما ~~أخبرني به الفضل بن العباس". فليس في روايته بحديث ذي اليدين ما يدل على ~~مشاهدته. # فإن قيل فقد روي في بعض أخباره أنه قال: "صلى بنا رسول الله". قيل له: ~~يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو منهم، كما روى مسعر بن كدام عن ~~عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف فأنتم اليوم بنو عبد الله ~~ونحن بنو عبد الله" إنما يعني أنه قال ذلك لقومه. # فإن قيل: لو كان حظر الكلام في الصلاة متقدما لبدر لما شهده زيد بن أرقم; ~~لأنه كان صغير السن وكان يتيما في حجر ms0740 عبد الله بن رواحة حين خرج إلى مؤتة، ~~ومثله لا يدرك قصة كانت قبل بدر. قيل له: إن كان زيد بن أرقم قد شهد إباحة ~~الكلام في الصلاة فإنه جائز أن يكون قد أبيح بعد الحظر ثم حظر، فكان آخر ~~أمره الحظر. وجائز أن يكون أبو هريرة أيضا قد شهد إباحة الكلام في الصلاة ~~بعد حظره ثم حظر بعد ذلك; إلا أن إخباره عن قصة ذي اليدين لا محالة لم يكن ~~عن مشاهدة; لأنه أسلم بعدها. وجائز أن يكون زيد بن أرقم أخبر عن حال ~~المسلمين في كلامهم في الصلاة إلى نزول قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} ~~ويكون معنى قوله "كنا نتكلم في الصلاة" إخبارا عن المسلمين وهو منهم، كما ~~قال النزال بن سبرة: "قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكما قال ~~الحسن: "خطبنا ابن عباس بالبصرة" وهو لم يكن بها يومئذ، إنما طرأ عليها ~~بعده. # ومما يدل على أن قصة ذي اليدين كانت في حال إباحة الكلام أن فيها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم استند إلى جذع في المسجد وأن سرعان الناس خرجوا ~~فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على القوم ~~فسألهم، فقالوا: صدق وبعض هذا الكلام كان عمدا وبعضه كان لغير إصلاح ~~الصلاة; فدل على أنها كانت في حال إباحة الكلام. وجملة الأمر في # PageV01P541 # ذلك إن كان في حال إباحة الكلام بديا قبل حظره فلا حجة للمخالف فيه، وإن ~~كان بعد حظر الكلام فليس يمتنع أن يكون أبيح بعد الحظر ثم حظر فكان آخر ~~أمره الحظر ونسخ به ما في حديث أبي هريرة. وقد بينا أن قوله: "التسبيح ~~للرجال والتصفيق للنساء" كان بعد حديث أبي هريرة; إذ لو كان متقدما لأنكر ~~عليهم ترك المأمور به من التسبيح، ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع ~~علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح، وفي ذلك دليل على أن الأمر بالتسبيح ~~ناسخ لحظر الكلام متأخر عنه، فوجب أن يكون ما في حديث أبي هريرة مختلفا في ms0741 ~~استعماله، فوجب أن تقضي عليه الأخبار الواردة في الحظر; لأن من أصلنا أنه ~~متى ورد خبران أحدهما خاص والآخر عام واتفقوا على استعمال العام واختلفوا ~~في استعمال الخاص كان الخبر المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه. # فإن قيل: قد فرقتم بين حدث الساهي والعامد، فهلا فرقتم بين سهو الكلام ~~وعمده قيل له: هذا سؤال فارغ لا يستحق الجواب، إلا أن يتبين وجه الدلالة في ~~إحدى المسألتين على الأخرى; ومع ذلك فإنه لا فرق عندنا بين حدث الساهي ~~والعامد في إفساد الصلاة بعد أن يكون من فعله، وإنما الفرق بين ما كان من ~~فعله أو سبقه من غير فعله، فأما لو سها فحك قرحة وخرج منها دم أو تقيأ فسدت ~~صلاته وإن كان ساهيا. فإن قيل فقد فرقتم بين سلام الساهي والعامد وهو كلام ~~في الصلاة، فكذلك سائر الكلام فيها. قيل له: إنما السلام ضرب من الذكر ~~مسنون به الخروج من الصلاة، فإذا قصد إليه عامدا فسدت به الصلاة كما يخرج ~~به منها في آخره، وإذا كان ساهيا فهو ذكر من الأذكار لا يخرج به من الصلاة، ~~وإنما كان ذكرا; لأنه سلام على الملائكة وعلى من حضره من المصلين، وهو لو ~~قال: السلام على ملائكة الله وجبريل وميكال، أو على نبي الله، لا تفسد ~~صلاته; فلما كان ضربا من الأذكار لم يخرج به من الصلاة إلا أن يكون عامدا ~~له. ويدل على هذا أنه موجود مثله في الصلاة لا يفسدها، وهو قوله "السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين" وإذا كان مثله قد يوجد في الصلاة ذكرا مسنونا لم يكن مفسدا لها ~~إذا وقع منه ناسيا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن صلاتنا هذه لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الناس" وما أبيح في الصلاة من الكلام فليس بداخل فيه ~~فلا تفسد به الصلاة ولم يتناوله الخبر، وإنما أفسدنا به الصلاة إذا تعمد لا ~~من حيث كان من كلام الناس المحظور في ms0742 الصلاة ولكن من جهة أنه مسنون للخروج ~~من الصلاة، فإذا عمد له فقد قصد الوجه المسنون فقطع صلاته. وأيضا لما كان ~~من شرط الصلاة الشرعية ترك الكلام فيها ومتى تعمد الكلام لم تكن صلاة عند ~~الجميع إذا لم يقصد به إلى إصلاحها، وجب أن يكون وجود الكلام فيها مخرجا ~~لها من أن تكون صلاة شرعية; # PageV01P542 # كالطهارة لما كانت من شرطها لم يختلف حكمها في ترك الطهارة سهوا أو عمدا، ~~وكذلك ترك القراءة والركوع والسجود وسائر فروضها لا يختلف حكم السهو والعمد ~~فيها; لأن الصلاة لما كانت اسما شرعيا وكان صحة هذا الاسم لها متعلقة ~~بشرائط متى عدمت زال الاسم، وكان من شروطها ترك الكلام، وجب أن يكون وجوده ~~فيها يسلبها اسم الصلاة الشرعية ولم يكن فاعلا للصلاة فلم نجزه. فإن ~~ألزمونا على ذلك الصيام وما شرط فيه من ترك الأكل وتعلق الاسم الشرعي به ثم ~~اختلف فيه حكم السهو والعمد، فإنا نقول: إن القياس فيهما سواء، ولذلك قال ~~أصحابنا: "لولا الأثر لوجب أن لا يختلف فيه حكم الأكل سهوا أو عمدا" وإذا ~~سلموا القياس فقد استمرت العلة وصحت. # قوله عز وجل: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} الآية ذكر الله تعالى في أول ~~الخطاب الأمر بالصلاة والمحافظة عليها، وذلك يدل على لزوم استيفاء فروضها ~~والقيام بحدودها لاقتضاء ذكر المحافظة لها. وأكد الصلاة الوسطى بإفرادها ~~بالذكر، لما بينا فيما سلف من فائدة ذكر التأكيد لها، ثم عطف عليه قوله ~~تعالى: {وقوموا لله قانتين} فاشتمل ذلك على لزوم السكوت والخشوع فيها وترك ~~المشي والعمل فيها، وذلك في حال الأمن والطمأنينة، ثم عطف عليه حال الخوف ~~وأمر بفعلها على الأحوال كلها ولم يرخص في تركها لأجل الخوف، فقال تعالى: ~~{فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} قوله: {فرجالا} جمع راجل; لأنك تقول: راجل ~~ورجال، كتاجر وتجار; وصاحب وصحاب، وقائم وقيام. وأمر بفعلها في حال الخوف ~~راجلا ولم يعذر في تركها، كما أمر المريض بفعلها على الحال التي يمكنه ~~فعلها من قيام وقعود وعلى جنب، وأمره بفعل ms0743 الصلاة راكبا في حال الخوف إباحة ~~لفعلها بالإيماء; لأن الراكب إنما يصلي بالإيماء لا يفعل فيها قياما ولا ~~ركوعا ولا سجودا. وقد روي عن ابن عمر في صلاة الخوف قال: "فإن كان خوفا أشد ~~من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها" قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والمذكور في هذه الآية إنما هو الخوف دون القتال، فإذا خاف وقد ~~حضره العدو جاز له فعلها كذلك، ولما أباح له فعلها راكبا لأجل الخوف ولم ~~يفرق بين مستقبل القبلة من الركبان وبين من ترك استقبالها تضمنت الدلالة ~~على جواز فعلها من غير استقبالها; لأن الله تعالى أمر بفعلها على كل حال ~~ولم يفرق بين من أمكنه استقبالها وبين من لم يمكنه; فدل على أن من لا يمكنه ~~استقبالها فجائز له فعلها على الحال التي يقدر عليها. ويدل من جهة أخرى على ~~ذلك، وهو أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة، وقد أباح تركها حين ~~أمره بفعلها راكبا، فترك القبلة أحرى بالجواز; إذ كان فعل الركوع والسجود ~~آكد من القبلة; فإذا جاز ترك الركوع والسجود فترك القبلة أحرى بالجواز. # PageV01P543 # فإن قيل على ما ذكرناه من أن الله لم يبح ترك الصلاة في حال الخوف وأمر ~~بها على الحال التي يمكن فعلها: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم ترك أربع ~~صلوات يوم الخندق حتى كان هوي من الليل ثم قضاهن على الترتيب وفي ذلك دليل ~~على جواز ترك الصلاة في حال الخوف. قيل له: إن الذي اقتضته هذه الآية الأمر ~~بالصلاة في حال الخوف بعد تقديم تأكيد فروضها; لأنه عطف على قوله تعالى: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ثم زادها تأكيدا بقوله تعالى: {وقوموا ~~لله قانتين} فأمر فيها بالدوام على الخشوع والسكون والقيام، وحظر فيها ~~التنقل من حال إلا إلى حال هي الصلاة من الركوع والسجود; ولو اقتصر على ذلك ~~لكان جائزا أن يظن ظان أن شرط الصلاة ms0744 فعلها على هذه الأوصاف، فبين حكم هذه ~~الصلوات المكتوبات في حال الخوف فقال تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ~~فأمر بفعلها في هذه الحال ولم يعذر أحدا من المكلفين في تركها. ولم يذكر ~~حال القتال; إذ ليس جميع أحوال الخوف هي أحوال القتال; لأن حضور العدو يوجب ~~الخوف وإن لم يكن قتال قائم، فإنما أمر بفعلها في هذه الحال ولم يذكر حال ~~القتال، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل يوم الخندق; لأنه كان ~~مشغولا بالقتال، والاشتغال بالقتال يمنع الصلاة; ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى" وكذلك ~~يقول أصحابنا إن الاشتغال بالقتال يفسدها. # فإن قيل: ما أنكرت من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل يوم ~~الخندق; لأنه لم يكن نزلت صلاة الخوف؟ قيل له: قد ذكر محمد بن إسحاق ~~والواقدي جميعا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق وقد صلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيها صلاة الخوف، فدل ذلك على أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الخوف إنما كان للقتال; لأنه يمنع صحتها وينافيها. # ويستدل بهذه الآية من يقول إن الخائف تجوز له الصلاة وهو ماش وإن كان ~~طالبا، لقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} . وليس هذا كذلك; لأنه ~~ليس في الآية ذكر المشي، ومع ذلك فالطالب غير خائف; لأنه إن انصرف لم يخف، ~~والله سبحانه إنما أباح ذلك للخائف، وإذا كان مطلوبا فجائز له أن يصلي ~~راكبا وماشيا إذا خاف. # وأما قوله تعالى: {فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون} لما ذكر الله تعالى حال الخوف وأمر بالصلاة على الوجه الممكن من ~~راجل وراكب ثم عطف عليه حال الأمن بقوله تعالى: {فإذا أمنتم فاذكروا الله} ~~دل ذلك على أن المراد ما تقدم بيانه في حال الخوف وهو الصلاة، فاقتضى ذلك ~~إيجاب الذكر في الصلاة; وهو نظير قوله تعالى: {فاذكروا الله قياما وقعودا} ~~[النساء: 103] ونظيره أيضا قوله تعالى: ms0745 {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] ~~وقوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان # PageV01P544 # مشهودا} [الإسراء: 78] فتضمنت هذه المخاطبة من عند قوله تعالى: {حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى} الأمر بفعل الصلاة واستيفاء فروضها وشروطها ~~وحفظ حدودها; وقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} تضمن إيجاب القيام فيها. ~~ولما كان القنوت اسما يقع على الطاعة، اقتضى أن يكون جميع أفعال الصلاة ~~طاعة وأن لا يتخللها غيرها; لأن القنوت هو الدوام على الشيء فأفاد ذلك ~~النهي عن الكلام فيها وعن المشي وعن الاضطجاع وعن الأكل والشرب وكل فعل ليس ~~بطاعة، لما تضمنه اللفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي هي من أفعال ~~الصلاة، والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها لما فيه من ترك القنوت الذي هو ~~الدوام عليها; واقتضى أيضا الدوام على الخشوع والسكون; لأن اللفظ ينطوي ~~عليه ويقتضيه، فانتظم هذا اللفظ مع قلة حروفه جميع أفعال الصلاة وأذكارها ~~ومفروضها ومسنونها، واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها. والله الموفق ~~والمعين. # PageV01P545 # باب الفرار من الطاعون # قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} قال ابن عباس: "كانوا أربعة آلاف خرجوا ~~فرارا من الطاعون فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم ~~فأحياهم الله". وروي عن الحسن أيضا أنهم فروا من الطاعون. وقال عكرمة: ~~"فروا من القتال". وهذا يدل على أن الله تعالى كره فرارهم من الطاعون; وهو ~~نظير قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~[النساء: 78] وقوله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} ~~[الجمعة: 8] وقوله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل} [الأحزاب: 16] وقوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} [الأعراف: 34] . وإذا كانت الآجال موقتة محصورة لا يقع فيها ~~تقديم ولا تأخير عما قدرها الله عليه، فالفرار من الطاعون عدول عن مقتضى ~~ذلك; وكذلك الطيرة والزجر والإيمان بالنجوم، كل ذلك فرار من قدر الله عز ~~وجل الذي ms0746 لا محيص لأحد عنه. # وقد روي عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف والصابر فيه ~~كالصابر في الزحف". وروى يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب عن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في ~~شيء فهي في الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون # PageV01P545 # بأرض لستم بها فلا تهبطوا عليه، وإذا كان وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا ~~عنه". وروي عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في الطاعون. ~~وروى الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن الحارث بن عبد ~~الله بن نوفل عن ابن عباس: أن عمر خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه ~~التجار فقالوا: الأرض سقيمة; فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ~~فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو ~~غيرك يقولها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك ~~إبل فهبطت بها واديا له عدوتان إحداهما خصيبة والأخرى جديبة ألست إن رعيت ~~الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله؟ فجاء عبد ~~الرحمن بن عوف فقال: عندي من هذا علم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا ~~تخرجوا فرارا منه". فحمد الله عمر وانصرف ففي هذه الأخبار النهي عن الخروج ~~عن الطاعون فرارا منه والنهي عن الهبوط عليه أيضا. # فإن قال قائل: إذا كانت الآجال مقدرة محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن ~~وقتها، فما وجه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول أرض بها الطاعون وهو ~~قد منع الخروج منها بديا لأجله ولا فرق بين دخولها وبين البقاء فيها؟ قيل ~~له: إنما وجه النهي أنه إذا دخلها وبها الطاعون فجائز أن ms0747 تدركه منيته وأجله ~~بها، فيقول قائل: لو لم يدخلها ما مات; فإنما نهاه عن دخولها لئلا يقال ~~هذا; وهو كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} [آل عمران: 156] فكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يدخلها، فعسى يموت فيها بأجله فيقول قوم من الجهال: لو لم ~~يدخلها لم يمت. وقد أصاب بعض الشعراء في هذا المعنى حين قال: # يقولون لي لو كان بالرمل لم تمت ... بثينة والأنباء يكذب قيلها # ولو أنني استودعتها الشمس لاهتدت ... إليها المنايا عينها ودليلها # وعلى هذا المعنى الذي قدمنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يوردن ذو عاهة على مصح" مع قوله: "لا عدوى ولا طيرة" لئلا يقال إذا أصاب ~~الصحيح عاهة بعد إيراد ذي عاهة عليه: إنما أعداه ما ورد عليه. وقيل له: يا ~~رسول الله إن النقبة تكون بمشفر البعير فتجرب لها الإبل فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "فما أعدى الأول؟ ". وقد روى هشام بن عروة عن أبيه، أن ~~الزبير استفتح مصرا فقيل له: إن هنا طاعونا; فدخلها وقال: ما جئنا إلا ~~للطعن والطاعون. وقد روي أن أبا بكر لما جهز الجيوش إلى الشام شيعهم ودعا ~~لهم وقال: "اللهم أفنهم بالطعن والطاعون". فاختلف أهل العلم في معنى ذلك، ~~فقال قائلون: لما # PageV01P546 # رآهم على حال الاستقامة والبصائر الصحيحة والحرص على جهاد الكفار خشي ~~عليهم الفتنة، وكانت بلاد الشام بلاد الطاعون مشهور ذلك بها، أحب أن يكون ~~موتهم على الحال التي خرجوا عليها قبل أن يفتتنوا بالدنيا وزهرتها. وقال ~~آخرون: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فناء أمتي بالطعن والطاعون" ~~يعني عظم الصحابة، وأخبر أن الله سيفتح البلاد بمن هذه صفته، فرجا أبو بكر ~~أن يكون هؤلاء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عن حالهم; ولذلك ~~لم يحب أبو عبيدة الخروج من الشام. ms0748 وقال معاذ: لما وقع الطاعون بالشام وهو ~~بها قال: اللهم اقسم لنا حظا منه ولما طعن في كفه أخذ يقبلها ويقول: ما ~~يسرني بها كذا وكذا وقال: لئن كنت صغيرا فرب صغير يبارك الله فيه أو كلمة ~~نحوها، يتمنى الطاعون ليكون من أهل الصفة التي وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها أمته الذين يفتح الله بهم البلاد ويظهر بهم الإسلام. # وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول من أنكر عذاب القبر وزعم أنه من القول ~~بالتناسخ; لأن الله أخبر أنه أمات هؤلاء القوم ثم أحياهم، فكذلك يحييهم في ~~القبر ويعذبهم إذا استحقوا ذلك. # وقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} هو أمر ~~بالقتال في سبيل الله. وهو يحمل; إذ ليس فيه بيان السبيل المأمور بالقتال ~~فيه، وقد بينه في مواضع غيره، وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى. # وقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} ~~إنما هو استدعاء إلى أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير بألطف الكلام ~~وأبلغه; وسماه قرضا تأكيدا لاستحقاق الثواب به; إذ لا يكون قرضا إلا والعوض ~~مستحق به. وجهلت اليهود ذلك أو تجاهلت لما نزلت هذه الآية فقالوا: إن الله ~~يستقرض منا، فنحن أغنياء وهو فقير إلينا فأنزل الله تعالى: {لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] وعرف المسلمون ~~معناه ووثقوا بثواب الله ووعده وبادروا إلى الصدقات; فروي أنه لما نزلت هذه ~~الآية جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~ألا ترى ربنا يستقرض منا مما أعطانا لأنفسنا؟ وإن لي أرضين إحداهما ~~بالعالية والأخرى بالسافلة فإني قد جعلت خيرهما صدقة. # وقوله تعالى: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا} الآية، يدل على أن الإمامة ليست وراثة لإنكار الله تعالى عليهم ما ~~أنكروه من التمليك عليهم من ليس من أهل النبوة ولا الملك وبين أن ذلك مستحق ms0749 ~~بالعلم والقوة لا بالنسب. ودل ذلك أيضا على أنه لا حظ للنسب مع العلم ~~وفضائل النفس وأنها مقدمة عليه; لأن # PageV01P547 # الله أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف منه نسبا. وذكره ~~للجسم ههنا عبارة عن فضل قوته; لأن في العادة من كان أعظم جسما فهو أكثر ~~قوة; ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة; لأن ذلك لا حظ له في القتال، بل هو ~~وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة. # قوله عز وجل: {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف} ~~يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه; لأنه قد كان ~~حظر الشرب وحظر الطعم منه إلا لمن اغترف غرفة بيده. وهذا يدل على صحة قول ~~أبي حنيفة فيمن قال: "إن شربت من الفرات فعبدي حر" أنه على أن يكرع فيه، ~~وإن اغترف منه أو شرب بإناء لم يحنث; لأن الله قد كان حظر عليهم الشرب من ~~النهر وحظر مع ذلك أن يطعم منه واستثنى من الطعم الاغتراف، فحظر الشرب باق ~~على ما كان عليه; فدل على أن الاغتراف ليس بشرب منه. # قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} روي عن الضحاك ~~والسدي وسليمان بن موسى أنه منسوخ بقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين} [التوبة: 73] . وقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . ~~وروي عن الحسن وقتادة أنها خاصة في أهل الكتاب الذين يقرون على الجزية دون ~~مشركي العرب; لأنهم لا يقرون على الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف. وقيل: إنها نزلت في بعض أبناء الأنصار، كانوا يهودا فأراد آباؤهم ~~إكراههم على الإسلام; وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقيل فيه: أي لا ~~تقولوا لمن أسلم بعد حرب إنه أسلم مكرها; لأنه إذا رضي وصح إسلامه فليس ~~بمكره. # قال أبو بكر: {لا إكراه في الدين} أمر في صورة الخبر، وجائز أن يكون نزول ~~ذلك قبل الأمر بقتال المشركين، ms0750 فكان في سائر الكفار كقوله تعالى: {ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] ~~وكقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} [المؤمنون: 96] وقوله تعالى: ~~{وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وقوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما} [الفرقان: 63] فكان القتال محظورا في أول الإسلام إلى أن قامت ~~عليهم الحجة بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فلما عاندوه بعد البيان ~~أمر المسلمون بقتالهم، فنسخ ذلك عن مشركي العرب بقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وسائر الآي الموجبة لقتال أهل الشرك، ~~وبقي حكمه على أهل الكتاب إذا أذعنوا بأداء الجزية ودخلوا في حكم أهل ~~الإسلام وفي ذمتهم. ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل من ~~مشركي العرب إلا الإسلام # PageV01P548 # أو السيف. وجائز أن يكون حكم هذه الآية ثابتا في الحال على جميع أهل ~~الكفر; لأنه ما من مشرك إلا وهو لو تهود أو تنصر لم يجبر على الإسلام ~~وأقررناه على دينه بالجزية; وإذا كان ذلك حكما ثابتا في سائر من انتحل دين ~~أهل الكتاب ففيه دلالة على بطلان قول الشافعي حين قال: "من تهود من المجوس ~~أو النصارى أجبرته على الرجوع إلى دينه أو إلى الإسلام" والآية دالة على ~~بطلان هذا القول; لأن فيها الأمر بأن لا نكره أحدا على الدين، وذلك عموم ~~يمكن استعماله في جميع الكفار على الوجه الذي ذكرنا. # فإن قال قائل فمشركو العرب الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ~~وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف قد كانوا مكرهين على الدين، ومعلوم ~~أن من دخل في الدين مكرها فليس بمسلم، فما وجه إكراههم عليه؟ قيل له: إنما ~~أكرهوا على إظهار الإسلام لا على اعتقاده; لأن الاعتقاد لا يصح منا الإكراه ~~عليه; ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله" فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ms0751 القتال إنما كان على إظهار ~~الإسلام، وأما الاعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى. ولم يقتصر بهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على القتال دون أن أقام عليهم الحجة والبرهان في ~~صحة نبوته، فكانت الدلائل منصوبة للاعتقاد وإظهار الإسلام معا; لأن تلك ~~الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه إظهاره والقتال ~~لإظهار الإسلام، وكان في ذلك أعظم المصالح، منها: أنه إذا أظهر الإسلام وإن ~~كان غير معتقد له فإن مجالسته للمسلمين وسماعه القرآن ومشاهدته لدلائل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام وتوضح عنده ~~فساد اعتقاده. ومنها: أن يعلم الله أن في نسلهم من يوقن ويعتقد التوحيد، ~~فلم يجز أن يقتلوا مع العلم بأنه سيكون في أولادهم من يعتقد الإيمان. # وقال أصحابنا فيمن أكره من أهل الذمة على الإيمان: إنه يكون مسلما في ~~الظاهر ولا يترك والرجوع إلى دينه، إلا أنه لا يقتل إن رجع إلى دينه ويجبر ~~على الإسلام من غير قتل; لأن الإكراه لا يزيل عنه حكم الإسلام إذا أسلم وإن ~~كان دخوله فيه مكرها دالا على أنه غير معتقد له; لما وصفنا من إسلام من ~~أسلم من المشركين بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها" فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إظهار الإسلام عند القتال إسلاما ~~في الحكم، فكذلك المكره على الإسلام من أهل الذمة واجب أن يكون مسلما في ~~الحكم، ولكنهم لم يقتلوا للشبهة. ولا نعلم خلافا أن أسيرا من أهل الحرب لو ~~قدم ليقتل فأسلم أنه يكون مسلما، ولم يكن إسلامه خوفا من القتل مزيلا عنه ~~حكم الإسلام، فكذلك الذمي. # PageV01P549 # فإن قال قائل: قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} يحظر إكراه الذمي على ~~الإسلام، وإذا كان الإكراه على هذا الوجه محظورا وجب أن لا يكون مسلما في ~~الحكم وأن لا يتعلق عليه حكمه; ولا يكون حكم الذمي في هذا حكم الحربي; لأن ms0752 ~~الحربي يجوز أن يكره على الإسلام لإبائه الدخول في الذمة، ومن دخل في الذمة ~~لم يجز إكراهه على الإسلام. قيل له: إذا ثبت أن الإسلام لا يختلف حكمه في ~~حال الإكراه والطوع لمن يجوز إجباره عليه، أشبه في هذا الوجه العتق والطلاق ~~وسائر ما لا يختلف فيه حكم جده وهزله. ثم لا يختلف بعد ذلك أن يكون الإكراه ~~مأمورا به أو مباحا كما لا يختلف حكم العتق والطلاق في ذلك; لأن رجلا لو ~~أكره رجلا على طلاق أو عتاق، ثبت حكمهما عليه وإن كان المكره ظالما في ~~إكراهه منهيا عنه، وكونه منهيا عنه لا يبطل حكم العتق والطلاق عندنا، كذلك ~~ما وصفنا من أمر الإكراه على الإسلام. # قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} ~~الآية. قال أبو بكر: إن إيتاء الله الملك للكافر إنما هو من جهة كثرة المال ~~واتساع الحال، وهذا جائز أن ينعم الله على الكافرين به في الدنيا، ولا ~~يختلف حكم الكافر والمؤمن في ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: {من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا} [الإسراء: 18] فهذا الضرب من الملك جائز أن يؤتيه الله الكافر، ~~وأما الملك الذي هو تمليك الأمر والنهي وتدبير أمور الناس فإن هذا لا يجوز ~~أن يعطيه الله أهل الكفر والضلال; لأن أوامر الله تعالى وزواجره إنما هي ~~استصلاح للخلق فغير جائز استصلاحهم بمن هو على الفساد مجانب للصلاح ولأنه ~~لا يجوز أن يأتمن أهل الكفر والضلال على أوامره ونواهيه وأمور دينه كما قال ~~تعالى في آية أخرى: {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] . وكانت محاجة ~~الملك الكافر لإبراهيم عليه السلام وهو النمرود بن كنعان، أنه دعاه إلى ~~اتباعه وحاجه بأنه ملك يقدر على الضر والنفع، فقال إبراهيم عليه السلام: ~~فإن ربي الذي يحيي ويميت وأنت لا تقدر على ذلك. فعدل عن موضع احتجاج ~~إبراهيم عليه السلام إلى معارضته بالإشراك في العبارة دون ms0753 حقيقة المعنى; ~~لأن إبراهيم عليه السلام حاجه بأن أعلمه أن ربه هو الذي يخلق الحياة والموت ~~على سبيل الاختراع، فجاء الكافر برجلين فقتل أحدهما وقال قد أمته وخلى ~~الآخر وقال قد أحييته; على سبيل مجاز الكلام لا على الحقيقة; لأنه كان ~~عالما بأنه غير قادر على اختراع الحياة والموت. فلما قرر عليه الحجة وعجز ~~الكافر عن معارضته بأكثر مما أورد زاده حجاجا لا يمكنه معه معارضته ولا ~~إيراد شبهة يموه بها على الحاضرين، وقد كان الكافر عالما بأن ما ذكره ليس ~~بمعارضة، لكنه أراد التمويه على أغمار أصحابه # PageV01P550 # كما قال فرعون حين آمنت السحرة عند إلقاء موسى عليه السلام العصا وتلقفها ~~جميع ما ألقوا من الحبال والعصي وعلموا أن ذلك ليس بسحر وأنه من فعل الله، ~~فأراد فرعون التمويه عليهم فقال: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا ~~منها أهلها} ; يعني تواطأتم عليه مع موسى قبل هذا الوقت حتى إذا اجتمعتم ~~أظهرتم العجز عن معارضته والإيمان به. وكان ذلك مما موه به على أصحابه. ~~وكذلك الكافر الذي حاج إبراهيم عليه السلام ولم يدعه إبراهيم عليه السلام ~~وما رام حتى أتاه بما لم يمكنه دفعه بحال ولا معارضة، فقال: {فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} فانقطع وبهت ولم يمكنه أن يلجأ إلى ~~معارضة أو شبهة. # وفي حجاج إبراهيم عليه السلام بهذا ألطف دليل وأوضح برهان لمن عرف معناه ~~وذلك أن القوم الذين بعث فيهم إبراهيم عليه السلام كانوا صابئين عبدة أوثان ~~على أسماء الكواكب السبعة، وقد حكى الله عنهم في غير هذا الموضع أنهم كانوا ~~يعبدون الأوثان ولم يكونوا يقرون بالله تعالى، وكانوا يزعمون أن حوادث ~~العالم كلها في حركات الكواكب السبعة وأعظمها عندهم الشمس ويسمونها وسائر ~~الكواكب آلهة والشمس عندهم هو الإله الأعظم الذي ليس فوقه إله، وكانوا لا ~~يعترفون بالباري جل وعز وهم لا يختلفون وسائر من يعرف مسير الكواكب أن لها ~~ولسائر الكواكب حركتين متضادتين: إحداهما من المغرب إلى المشرق وهي حركتها ~~التي تختص ms0754 بها لنفسها، والأخرى تحريك الفلك لها من المشرق إلى المغرب وبهذه ~~الحركة تدور علينا كل يوم وليلة دورة، وهذا أمر مقرر عند من يعرف مسيرها; ~~فقال له إبراهيم عليه السلام: إنك تعترف أن الشمس التي تعبدها وتسميها إلها ~~لها حركة قسر ليس هي حركة نفسها بل هي بتحريك غيرها لها يحركها من المشرق ~~إلى المغرب، والذي أدعوك إلى عبادته هو فاعل هذه الحركة في الشمس، ولو كانت ~~إلها لما كانت مقسورة ولا مجبرة. فلم يمكنه عند ذلك دفع هذه الحجاج بشبهة ~~ولا معارضة إلا قوله: {حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} وهاتان ~~الحركتان المتضادتان للشمس ولسائر الكواكب لا توجدان لها في حال واحدة، ~~لاستحالة وجود ذلك في جسم واحد في وقت واحد، ولكنها لا بد من أن تتخلل ~~إحداها سكون فتوجد الحركة الأخرى في وقت لا توجد فيه الأولى. # قال أبو بكر: فإن قيل: كيف ساغ لإبراهيم عليه السلام الانتقال عن الحجاج ~~الأول إلى غيره؟ قيل له: لم ينتقل عنه بل كان ثابتا عليه، وإنما أردفه ~~بحجاج آخر كما أقام الله الدلائل على توحيده من عدة وجوه وكل ما في السموات ~~والأرض دلائل عليه، وأيد نبيه بضروب من المعجزات كل واحدة منها لو انفردت ~~لكانت كافية مغنية. # PageV01P551 # وقد حاجهم إبراهيم عليه السلام بغير ذلك من الحجاج في قوله تعالى: {وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي} [الأنعام: 75 - 76] روي في التفسير أنه أراد تقرير ~~قومه على صحة استدلاله وبطلان قولهم، فقال: {هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين} . وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها في هياكلهم وعند أصنامهم عيدا ~~لهم، فقررهم ليلا على أمر الكوكب عند ظهوره وأفوله وحركته وانتقاله وأنه لا ~~يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من آيات الحدث، ثم كذلك في القمر، ثم ~~لما أصبح قررهم على مثله في الشمس حتى قامت الحجة عليهم، ثم كسر أصنامهم; ~~وكان من أمره ما حكاه الله ms0755 عنه. # وهذه الآية تدل على صحة المحاجة في الدين واستعمال حجج العقول والاستدلال ~~بدلائل الله تعالى على توحيده وصفاته الحسنى، وتدل على أن المحجوج المنقطع ~~يلزمه اتباع الحجة وترك ما هو عليه من المذهب الذي لا حجة له فيه. وتدل على ~~بطلان قول من لا يرى الحجاج في إثبات الدين; لأنه لو كان كذلك لما حاجه ~~إبراهيم عليه السلام وتدل على أن للمحجوج عليه أن ينظر فيما ألزم من الحجاج ~~فإذا لم يجد منه مخرجا صار إلى ما يلزمه، وتدل على أن الحق سبيله أن يقبل ~~بحجته; إذ لا فرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل ~~وإلا فلولا الحجة التي بان بها الحق من الباطل لكانت الدعوى موجودة في ~~الجميع فكان لا فرق بينه وبين الباطل، وتدل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء ~~وأن طريق معرفته ما نصب من الدلائل على توحيده; لأن أنبياء الله عليهم ~~السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه ~~وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها عليه. # قوله عز وجل: {قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام} قول هذا ~~القائل لم يكن كذبا وقد أماته الله مائة عام; لأنه أخبر عما عنده، فكأنه ~~قال: "عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم". ونظيره أيضا ما حكاه الله تعالى عن ~~أصحاب الكهف، {قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} وقد ~~كانوا لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، ولم يكونوا كاذبين فيما أخبروا عما عندهم، ~~كأنهم قالوا: "عندنا في ظنوننا أننا لبثنا يوما أو بعض يوم". ونظيره قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى ركعتين وسلم في إحدى صلاتي العشاء، فقال ~~له ذو اليدين: قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: "لم تقصر ولم أنس" وكان صلى الله ~~عليه وسلم صادقا; لأنه أخبر عما عنده في ظنه، وكان عنده أنه قد أتمها. فهذا ~~كلام سائغ جائز غير ملوم عليه قائله إذا أخبر عن اعتقاده وظنه ms0756 لا عن حقيقة ~~مخبره; ولذلك عفا الله عن الحالف بلغو اليمين، وهو فيما روي قول الرجل لمن ~~سأل: هل كان كذا وكذا؟ فيقول # PageV01P552 # على ما عنده: لا والله أو يقول: بلى والله وإن اتفق مخبره على خلافه; ~~لأنه إنما أخبر عن عقيدته وضميره; والله الموفق. # PageV01P553 # باب الامتنان بالصدقة # قال الله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى} الآية، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس} وقال تعالى: {قول معروف ~~ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} وقال تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في ~~أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون} [الروم: 39] أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم ~~تكن خالصة لله عارية من من وأذى فليست بصدقة; لأن إبطالها هو إحباط ثوابها ~~فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق; وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه ~~القربة إلى الله تعالى، فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة، فإن ~~ذلك يبطله كما قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وقال تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5] فما لم ~~يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله. ونظيره أيضا قوله تعالى: ~~{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] ومن أجل ذلك قال أصحابنا: "لا يجوز ~~الاستئجار على الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر الأفعال التي شرطها أن ~~تفعل على وجه القربة; لأن أخذ الأجر عليها يخرجها عن أن تكون قربة لدلائل ~~هذه الآيات ونظائرها". وروى عمرو عن الحسن في قوله تعالى: {لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى} قال: هو المتصدق يمن بها، فنهاه الله عن ذلك وقال: ~~ليحمد الله إذ هداه للصدقة. وعن الحسن في قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ms0757 ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم} قال: "يتثبتون أين يضعون ~~أموالهم" وعن الشعبي قال: "تصديقا ويقينا من أنفسهم". وقال قتادة: "ثقة من ~~أنفسهم". والمن في الصدقة أن يقول المتصدق: قد أحسنت إلى فلان ونعشته ~~وأغنيته; فذلك ينغصها على المتصدق بها عليه. والأذى قوله: أنت أبدا فقير ~~وقد بليت بك وأراحني الله منك; ونظيره من القول الذي فيه تعيير له بالفقر ~~فقال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} يعني والله أعلم: ~~ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الخلة على السائل، وقيل العفو عمن ظلمه خير ~~من صدقة يتبعها أذى; لأنه يستحق المأثم بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل ~~فيه السلامة من المعصية; فأخبر الله تعالى أن ترك الصدقة برد جميل # PageV01P553 # خير من صدقة يتبعها أذى وامتنان، وهو نظير قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28] والله تعالى ~~الموفق. # PageV01P554 # باب المكاسبة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} . فيه إباحة المكاسب وإخبار أن فيها طيبا. والمكاسب ~~وجهان: أحدهما: إبدال الأموال وإرباحها، والثاني إبدال المنافع. وقد نص ~~الله تعالى على إباحتها في مواضع من كتابه، نحو قوله تعالى: {وأحل الله ~~البيع} وقوله تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] وقال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} [البقرة: 198] يعني، والله أعلم: من يتجر ويكري ويحج مع ذلك. ~~وقال تعالى في إبدال المنافع: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ~~وقال شعيب عليه السلام: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من استأجر ~~أجيرا فليعلمه أجره" وقال صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب ~~خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". وقد روى الأعمش عن إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms0758 "إن أطيب ما أكل الرجل ~~من كسبه وإن ولده من كسبه". وقد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أنه من التجارات، منهم الحسن ومجاهد. # وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال; لأن قوله تعالى: {ما ~~كسبتم} ينتظمها، وإن كان غير مكتف بنفسه في المقدار الواجب فيها، فهو عموم ~~في أصناف الأموال مجمل في المقدار الواجب فيها، فهو مفتقر إلى البيان; ولما ~~ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم بذكر مقادير الواجبات فيها صح ~~الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب الحق فيه، نحو أموال التجارة. # ويحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجاب الزكاة في العروض، ويحتج به أيضا في ~~إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما اختلف فيه من الأموال، وذلك; لأن قوله تعالى: ~~{أنفقوا} المراد به الصدقة، والدليل عليه قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون} يعني: تتصدقون. ولم يختلف السلف والخلف في أن المراد به ~~الصدقة. ومن أهل العلم من قال: إن هذا في صدقة التطوع; لأن الفرض إذا أخرج ~~عنه الرديء كان الفضل باقيا في ذمته حتى يؤدى. وهذا عندنا يوجب صرف اللفظ ~~عن الوجوب إلى النفل من وجوه: # PageV01P554 # أحدها أن قوله: {أنفقوا} أمر والأمر عندنا على الوجوب حتى تقوم دلالة ~~الندب، وقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} لا دلالة فيها على أنه ندب; ~~إذ لا يختص النهي عن إخراج الرديء بالنفل دون الفرض، وأن يجب عليه إخراج ~~فضل ما بين الرديء إلى الجيد; لأنه لا ذكر له في الآية، وإنما يعلم ذلك ~~بدلالة أخرى، فلا يعترض ذلك على مقتضى الآية في إيجاب الصدقة. ومع ذلك لو ~~دلت الدلالة من الآية على أنه ليس عليه إخراج غير الرديء الذي أخرجه، لم ~~يوجب ذلك صرف حكم الآية عن الإيجاب إلى الندب; لأنه جائز أن يبتدئ الخطاب ~~بالإيجاب ثم يعطف عليه بحكم مخصوص في بعض ما اقتضاه عمومه، ولا يوجب ذلك ~~الاقتصار بحكم ابتداء الخطاب على الخصوص وصرفه عن العموم; ms0759 ولذلك نظائر ~~كثيرة قد بيناها في مواضع. # وقوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} عموم في إيجابه الحق في قليل ما ~~تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها. ويحتج به لأبي حنيفة رضي ~~الله عنه في إيجابه العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف ~~الخارجة منها مما تقصد الأرض بزراعتها. ومما يدل من فحوى الآية على أن ~~المراد بها الصدقات الواجبة قوله تعالى في نسق التلاوة: {ولستم بآخذيه إلا ~~أن تغمضوا فيه} وهذا إنما هو في الديون إذا اقتضاها صاحبها لا يتسامح ~~بالرديء عن الجيد إلا على إغماض وتساهل، فدل ذلك على أن المراد الصدقة ~~الواجبة، والله أعلم; إذ ردها إلى الإغماض في اقتضاء الدين، ولو كان تطوعا ~~لم يكن فيها إغماض; إذ له أن يتصدق بالقليل والكثير وله أن لا يتصدق; وفي ~~ذلك دليل على أن المراد الصدقة الواجبة. # وأما قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} روى الزهري عن أبي ~~أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~نوعين من التمر: الجعرور ولون الحبيق. قال: وكان ناس يخرجون شر ثمارهم في ~~الصدقة فنزلت: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} وروي عن البراء بن عازب مثل ~~ذلك، قال في قوله تعالى: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} : لو أن أحدكم ~~أهدي إليه مثل ما أعطى لما أخذه إلا على إغماض وحياء. وقال: ليس في أموالهم ~~خبيث ولكنه الدرهم القسي والزيف ولستم بآخذيه قال: لو كان لك على رجل حق لم ~~تأخذ الدرهم القسي والزيف ولم تأخذ من الثمر إلا الجيد إلا أن تغمضوا فيه، ~~تجوزوا فيه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وهو ما كتبه في ~~كتاب الصدقة وقال فيه: "ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار"1 رواه PageV01P555 # الزهري عن سالم عن أبيه. وقد قيل عن ابن عباس في قوله تعالى: {إلا أن ~~تغمضوا فيه} إلا أن تحطوا من الثمن. وعن الحسن وقتادة مثله. وقال ms0760 البراء بن ~~عازب: "إلا أن تتساهلوا فيه". وقيل: "لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في ~~الصدقة". هذه الوجوه كلها محتملة; وجائز أن يكون جميعها مراد الله تعالى ~~بأنهم لا يقبلونه في الهدية إلا بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا بتساهل ~~ومسامحة ولا يبيعون بمثله إلا بحط ووكس. # وقد اختلف أصحابنا فيمن أدى من المكيل والموزون دون الواجب في الصفة، ~~فأدى عن الجيد رديا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "لا يجب عليه أداء الفضل". ~~وقال محمد: "عليه أن يؤدي الفضل الذي بينهما". وقالوا جميعا في الغنم ~~والبقر وجميع الصدقات مما لا يكال ولا يوزن: "إن عليه أداء الفضل". فيجوز ~~أن يحتج لمحمد بهذه الآية، وقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~والمراد به الرديء منه; وقوله تعالى: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} ~~ولصاحب الحق أن لا يغمض فيه ولا يتساهل ويطالب بحقه من الجودة، فهذا يدل ~~على أن عليه أداء الفضل حتى لا يقع فيه إغماض; لأن الحق في ذلك لله تعالى ~~وقد نفى الإغماض في الصدقة بنهيه عن إعطاء الرديء فيها. وأما أبو حنيفة ~~وأبو يوسف فإنهما قالا: "كل ما لا يجوز التفاضل فيه فإن الجيد والرديء ~~حكمهما سواء في حظر التفاضل بينهما، وإن قيمته من جنسه لا يكون إلا بمثله، ~~ألا ترى أنه لو اقتضى دينا على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديئا أنه لا ~~يرجع على الغريم بشيء وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه؟ " وإنما يقول أبو ~~يوسف فيه "إنه يغرم مثل ما قبض من الغريم ويرجع بدينه" وغير ممكن مثله في ~~الصدقة; لأن الفقير لا يغرم شيئا، فلو غرمه لم تكن له مطالبة المتصدق برد ~~الجيد عليه، فلذلك لم يلزمه إعطاء الفضل. وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن ~~قصد الرديء بالإخراج وقد وجب عليه إخراج الجيد، فإنهم يقولون إنه منهي عنه، ~~ولكن لما كان حكم ما أعطى حكم الجيد فيما وصفنا أجزأ عنه; وأما ما يجوز فيه ~~التفاضل فإنه مأمور بإخراج الفضل فيه; ms0761 لأنه جائز أن تكون قيمته من جنسه ~~أكثر منه ويباع بعضه ببعض متفاضلا. وأما محمد فإنه لم يجز إخراج الرديء من ~~الجيد إلا بمقدار قيمته منه، فأوجب عليه إخراج الفضل; إذ ليس بين العبد ~~وبين سيده ربا. # وفي هذه الآية دلالة على جواز اقتضاء الرديء عن الجيد في سائر الديون; ~~لأن الله تعالى أجاز الإغماض في الديون بقوله تعالى: {إلا أن تغمضوا فيه} ~~ولم يفرق بين شيء منه، فدل ذلك على معان: منها جواز اقتضاء الزيوف التي ~~أقلها غش وأكثرها فضة عن الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا ~~يجوز أن يأخذ عنهما غيرهما، ودل # PageV01P556 # على أن حكم الرديء في ذلك حكم الجيد. وهذا يدل أيضا على جواز بيع الفضة ~~الجيدة بالرديئة وزنا بوزن; لأن ما جاز اقتضاء بعضه عن بعض جاز بيعه به; ~~ويدل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب مثلا بمثل" إنما ~~أراد المماثلة في الوزن لا في الصفة، وكذلك سائر ما ذكره معه; ويدل على ~~جواز اقتضاء الجيد عن الرديء برضا الغريم كما جاز اقتضاء الرديء عن الجيد; ~~إذ لم يكن لاختلافهما في الصفة حكم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"خيركم أحسنكم قضاء" قال جابر بن عبد الله: "قضاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وزادني". وروي عن ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي ~~قالوا: "لا بأس إذا أقرضه دراهم سودا أن يقبضه بيضا إذا لم يشترط ذلك ~~عليه". وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود "أنه كان يكره ~~إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرا منها". وهذا ليس فيه دلالة على أنه كرهه إذا ~~رضي المستقرض، وإنما لا يجوز له أن يأخذ خيرا منها إذا لم يرض صاحبه. # قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} قد قيل إن الفحشاء ~~تقع على وجوه: والمراد بها في هذا الموضع البخل. والعرب تسمي البخيل فاحشا ~~والبخل فحشا وفحشاء; قال الشاعر: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة ms0762 مال الفاحش المتشدد # يعني مال البخيل. وفي هذه الآية ذم البخيل والبخل. # قوله عز وجل: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} الآية. روي عن ابن عباس أنه ~~قال: "هذا في صدقة التطوع، فأما في الفريضة فإظهارها أفضل لئلا تلحقه ~~تهمة". وعن الحسن ويزيد بن أبي حبيب وقتادة: "الإخفاء في جميع الصدقات ~~أفضل". وقد مدح الله تعالى على إظهار الصدقة كما مدح على إخفائها في قوله ~~تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم} وجائز أن يكون قوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} ~~في صدقة التطوع، على ما روي عن ابن عباس، وجائز أن يكون في جميع الصدقات ~~الموكول أداؤها إلى أربابها من نفل أو فرض دون ما كان منها أخذه إلى ~~الإمام. إلا أن عموم اللفظ يقتضي جميعها; لأن الألف واللام هنا للجنس فهي ~~شاملة لجميعها. وهذا يدل على أن جميع الصدقات مصروفة إلى الفقراء، وأنها ~~إنما تستحق بالفقر لا غيره، وأن ما ذكر الله تعالى من أصناف من تصرف إليهم ~~الصدقة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] إنما ~~يستحق منهم من يأخذها صدقة بالفقر دون غيره، وإنما ذكر الأصناف لما يعمهم ~~من أسباب الفقر دون من لا يأخذها صدقة من المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها، ~~فإنهم لا يأخذونها صدقة # PageV01P557 # وإنما تحصل في يد الإمام صدقة للفقراء ثم يصرف إلى المؤلفة قلوبهم ~~والعاملين ما يعطون على أنه ليس بصدقة لكن عوضا من العمل ولدفع أذيتهم عن ~~أهل الإسلام أو ليستمالوا به إلى الإيمان. # ومن المخالفين من يحتج بذلك في جواز إعطاء جميع الصدقات للفقراء دون ~~الإمام، وأنهم إذا أعطوا الفقراء من صدقة المواشي سقط حق الإمام في الأخذ ~~لقوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} وذلك عام في ~~سائرها; لأن الصدقة ههنا اسم للجنس. وليس في هذا عندنا دلالة على ما ذكروا; ~~لأن أكثر ما فيه أنه خير للمعطي فليس فيه سقوط حق الإمام في الأخذ; وليس ~~كونها خيرا نافيا لثبوت ms0763 حق الإمام في الأخذ; إذ لا يمتنع أن يكون خيرا لهم ~~ويأخذها الإمام فيتضاعف الخير بأخذها ثانيا. وقد قدمنا قول من يقول إن هذا ~~في صدقة التطوع. ومن أهل العلم من يقول إن الإجماع قد حصل على أن إظهار ~~صدقة الفرض أولى من إخفائها، كما قالوا في الصلوات المفروضة، ولذلك أمروا ~~بالاجتماع عليها في الجماعات بأذان وإقامة وليصلوها ظاهرين، فكذلك سائر ~~الفروض لئلا يقيم نفسه مقام تهمة في ترك أداء الزكاة وفعل الصلاة. قالوا: ~~فهذا يوجب أن يكون قوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} ~~في التطوع خاصة، لأن ستر الطاعات النوافل أفضل من إظهارها; لأنه أبعد من ~~الرياء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبعة يظلهم الله في ~~ظل عرشه: أحدهم رجل تصدق بصدقة لم تعلم شماله ما تصدقت به يمينه" وها إنما ~~هو في التطوع دون الفرض. ويدل على أن المراد صدقة التطوع أنه لا خلاف أن ~~العامل إذا جاء قبل أن تؤدى صدقة المواشي فطالبه بأدائها أن الفرض عليه ~~أداؤها إليه، فصار إظهار أدائها في هذه الحال فرضا، وفي ذلك دليل على أن ~~المراد بقوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء} صدقة التطوع. والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P558 # باب إعطاء المشرك من الصدقة # قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم} . قال أبو بكر: ما تقدم في هذا الخطاب وما جاء في نسقه يدل على ~~أن قوله تعالى: {ليس عليك هداهم} إنما معناه في الصدقة عليهم; لأنه ابتدأ ~~الخطاب بقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} عطف عليه قوله تعالى: ~~{ليس عليك هداهم} ثم عقب ذلك بقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ~~فدل ما تقدم من الخطاب في ذلك وتأخر عنه من ذكر الصدقات أن المراد إباحة ~~الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام. وقد روي ذلك عن جماعة من ~~السلف; روي عن جعفر بن أبي # PageV01P558 # المغيرة عن سعيد بن جبير قال: قال رسول ms0764 الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تصدقوا إلا على أهل دينكم" فأنزل الله: {ليس عليك هداهم} فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "تصدقوا على أهل الأديان". وروى الحجاج عن سالم المكي عن ابن ~~الحنفية قال: "كره الناس أن يتصدقوا على المشركين، فأنزل الله: {ليس عليك ~~هداهم} فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة". قال أبو بكر: لا ندري هذا من ~~كلام من هو، أعني قوله "فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة" وجائز أن يريد ~~به من غير الزكاة وصدقات المواشي دون كفارات الأيمان ونحوها، وأيضا قوله ~~"فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة" لا يوجب تخصيص الآية; لأن فعلهم لا ~~يقتضي الوجوب، ومع ذلك فهم مخيرون بين أن يتصدقوا عليهم وبين أن لا ~~يتصدقوا. وروى الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~"كان ناس لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، فكانوا يتقون أن يتصدقوا ~~عليهم ويردونهم على الإسلام، فنزلت {ليس عليك هداهم} إلى آخر الآية". وروى ~~هشام بن عروة عن أبيه عن أم أسماء قالت: أتتني أمي في عهد قريش راغبة وهي ~~مشركة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصلها؟ قال: "نعم". # قال أبو بكر: ونظير هذه الآية في دلالتها على ما دلت عليه قوله تعالى: ~~{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] فروي عن الحسن ~~قال: "هم الأسراء من أهل الشرك". وروي عن سعيد بن جبير وعطاء قالا هم أهل ~~القبلة وغيرهم. قال أبو بكر الأول أظهر; لأن الأسير في دار الإسلام لا يكون ~~إلا مشركا. ونظيرها أيضا قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ~~في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} [الممتحنة: 8] ~~إلى آخر القصة، فأباح برهم وإن كانوا مشركين إذا لم يكونوا أهل حرب لنا، ~~والصدقات من البر، فاقتضى جواز دفع الصدقات إليهم. وظواهر هذه الآي توجب ~~جواز دفع سائرها إليهم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خص منها ~~الزكوات وصدقات المواشي وكل ما كان أخذه ms0765 من الصدقات إلى الإمام بقوله: ~~"أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" وقال لمعاذ "أعلمهم: ~~أن الله فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم" ~~فكانت الصدقات التي أخذها إلى الإمام مخصوصة من هذه الجملة، فلذلك قال أبو ~~حنيفة: "كل صدقة ليس أخذها إلى الإمام فجائز إعطاؤها أهل الذمة، وما كان ~~أخذها إلى الإمام لا يعطى أهل الذمة" فيجيز إعطاء الكفارات والنذور وصدقة ~~الفطر أهل الذمة. # فإن قيل: فزكاة المال ليس أخذها إلى الإمام ولا يجوز أن تعطى أهل الذمة؟ ~~قيل: أخذها في الأصل إلى الإمام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها، ~~وكذلك أبو بكر وعمر، فلما # PageV01P559 # كان عثمان قال للناس: "إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ~~ليزك بقيمة ماله" فجعل أرباب الأموال وكلاء له في أدائها ولم يسقط في ذلك ~~حق الإمام في أخذها. وقال أبو يوسف: كل صدقة واجبة فغير جائز دفعها إلى ~~الكفار قياسا على الزكاة. # قوله تعالى: {لفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض} الآية. يعني، والله أعلم: النفقة المذكورة بديا، والمراد بها ~~الصدقة. وروي عن مجاهد والسدي: "المراد فقراء المهاجرين". وقوله تعالى: ~~{أحصروا في سبيل الله} قيل إنهم منعوا أنفسهم التصرف في التجارة خوف العدو ~~من الكفار; وروي ذلك عن قتادة، لأن الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو ~~حاجة أو مخافة، فإذا منعه العدو قيل أحصره. # وقوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} يعني والله أعلم: الجاهل ~~بحالهم; وهذا يدل على أن ظاهر هيئتهم وبزتهم يشبه حال الأغنياء، ولولا ذلك ~~لما ظنهم الجاهل أغنياء; لأن ما يظهر من دلالة الفقر شيئان: أحدهما: بذاذة ~~الهيئة ورثاثة الحال، والآخر: المسألة; على أنه فقير فليس يكاد يحسبهم ~~الجاهل أغنياء إلا لما يظهر له من حسن البزة الدالة على الغنى في الظاهر. # وفي هذه الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ذات قيمة كثيرة لا تمنعه ~~إعطاء الزكاة، لأن الله تعالى قد ms0766 أمرنا بإعطاء الزكاة من ظاهر حال مشبه ~~لأحوال الأغنياء. ويدل على أن الصحيح الجسم جائز أن يعطى من الزكاة; لأن ~~الله تعالى أمر بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين كانوا ~~يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ولم يكونوا مرضى ولا عميانا. # وقوله عز وجل: {تعرفهم بسيماهم} فإن السيما العلامة. قال مجاهد: "المراد ~~به هنا التخشع". وقال السدي والربيع بن أنس: "هو علامة الفقر" وقال الله ~~تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح: 29] يعني علامتهم. فجائز ~~أن تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} ما يظهر في وجه ~~الإنسان من كسوف البال وسوء الحال، وإن كانت بزتهم وثيابهم وظاهر هيئتهم ~~حسنة جميلة; وجائز أن يكون الله تعالى قد جعل لنبيه علما يستدل به إذا رآهم ~~عليه على فقرهم; وإن كنا لا نعرف ذلك منهم إلا بظهور المسألة منهم أو بما ~~يظهر من بذاذة هيئتهم. # PageV01P560 # مطلب في جواز الاستدلال بالسيما والأماراة # وهذا يدل على أن لما يظهر من السيما حظا في اعتبار حال من يظهر ذلك عليه، # PageV01P560 # وقد اعتبر أصحابنا ذلك في الميت في دار الإسلام أو في دار الحرب إذا لم ~~يعرف أمره قبل ذلك في إسلام أو كفر، أنه ينظر إلى سيماه فإن كانت عليه سيما ~~أهل الكفر من شد زنار أو عدم ختان وترك الشعر على حسب ما يفعله رهبان ~~النصارى، حكم له بحكم الكفار ولم يدفن في مقابر المسلمين ولم يصل عليه، وإن ~~كان عليه سيما أهل الإسلام حكم له بحكم المسلمين في الصلاة والدفن وإن لم ~~يظهر عليه شيء من ذلك; فإن كان في مصر من الأمصار التي للمسلمين فهو مسلم، ~~وإن كان في دار الحرب فمحكوم له بحكم الكفر; فجعلوا اعتبار سيماه بنفسه ~~أولى منه بموضعه الموجود فيه، فإذا عدمنا السيما حكمنا له بحكم أهل الموضع; ~~وكذلك اعتبروا في اللقيط. ونظيره أيضا قوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل ~~فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ms0767 وهو من الصادقين} ~~[يوسف: 26 - 27] فاعتبر العلامة; ومن نحوه قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن ~~القول} [محمد: 30] وإخوة يوسف عليه السلام لطخوا قميصه بدم جعلوه علامة ~~لصدقهم، قال الله تعالى: {وجاءوا على قميصه بدم كذب} [يوسف: 18] . # وقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا} يعني والله أعلم: إلحاحا وإدامة ~~للمسألة; لأن الإلحاف في المسألة هو الاستقصاء فيها وإدامتها وهذا يدل على ~~كراهة الإلحاف في المسألة. # فإن قيل: فإنما قال الله عز وجل: {لا يسألون الناس إلحافا} فنفى عنهم ~~الإلحاف في المسألة ولم ينف عنهم المسألة رأسا؟ قيل له: في فحوى الآية ~~ومضمون المخاطبة ما يدل على نفي المسألة رأسا، وهو قوله تعالى: {يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف} فلو كانوا أظهروا المسألة ثم إن لم تكن إلحافا ~~لما حسبهم أحد أغنياء، وكذلك قوله تعالى: {من التعفف} لأن التعفف هو ~~القناعة وترك المسألة، فدل ذلك على وصفهم بترك المسألة أصلا. ويدل على أن ~~التعفف هو ترك المسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استغنى أغناه ~~الله ومن استعف أعفه الله". وإذا ثبت بما ذكرنا من دلالة الآي أن ثياب ~~الكسوة لا تمنع أخذ الزكاة وإن كانت سرية وجب أن يكون كذلك حكم المسكن ~~والأثاث والفرس والخادم لعموم الحاجة إليه، فإذا كانت الحاجة إلى هذه ~~الأشياء حاجة ماسة فهو غير غني بها; لأن الغنى هو ما فضل عن مقدار الحاجة. # واختلف الفقهاء في مقدار ما يصير به غنيا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر: "إذا فضل عن مسكنه وكسوته وأثاثه وخادمه وفرسه ما يساوي مائتي ~~درهم لم تحل له الزكاة وإن كان أقل من مائتي درهم حلت له الزكاة". وقال ~~مالك في رواية ابن # PageV01P561 # القاسم: "يعطى من الزكاة من له أربعون درهما". وروى غيره عن مالك "أنه لا ~~يعطى من له أربعون درهما". وقال الثوري والحسن بن صالح: "لا يأخذ الزكاة من ~~له خمسون درهما". وقال عبيد الله بن الحسن: "من لا يكون عنده ما يقوته أو ~~يكفيه سنة فإنه يعطى من الصدقة". وقال ms0768 الشافعي: "يعطى الرجل على قدر حاجته ~~حتى يخرجه ذلك من حد الفقر إلى حد الغنى كان ذلك تجب فيه الزكاة أو لا تجب، ~~ولا أحد في ذلك حدا" ذكره المزني والربيع; وحكي عنه أنها لا تحل للقوي ~~المكتسب وإن كان فقيرا. # والدليل على صحة ما ذكرنا من اعتبار مائتي درهم فاضلا عما يحتاج إليه ما ~~روى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب وهو يقول: "من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن ~~سأل الناس وله عدل خمس أواق سأل إلحافا" فدل ذكره لهذا المقدار أنه هو الذي ~~يخرج به من حد الفقر إلى الغنى ويوجب تحريم المسألة. ويدل عليه أيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على ~~فقرائكم" ثم قال: "في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها شيء" فجعل حد ~~الغنى مائتي درهم، فوجب اعتبارها دون غيرها; ودل على أن الذي لا يملك هذا ~~القدر يعطى من الزكاة; لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الناس صنفين: أغنياء ~~وفقراء، فجعل الغني من ملك هذا المقدار وأمر بأخذ الزكاة منه، وجعل الفقير ~~الذي يرد عليه هو الذي لا يملك هذا القدر. وقد روى أبو كبشة السلولي عن سهل ~~بن الحنظلية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل الناس ~~عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم" قلت: يا رسول الله ما ظهر غناه؟ قال: ~~"أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم". وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن ~~يسار عن رجل من بني أسد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول ~~لرجل: "من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا" والأوقية يومئذ ~~أربعون درهما. وروى محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا ms0769 ~~جاءت شينا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة" قيل: يا رسول الله وما ~~غناه؟ قال: "خمسون درهما أو حسابها من الذهب" وهذه واردة في كراهة المسألة، ~~ولا دلالة فيها على تحريم الصدقة عليه; وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستحب ترك المسألة لمن يملك ما يغديه أو يعشيه; إذ قد كان هناك من فقراء ~~المسلمين وأهل الصفة من لا يقدر على غداء ولا عشاء، فاختار النبي صلى الله ~~عليه وسلم لمن يملك هذا القدر الاقتصار على ما يملكه والتعفف بترك المسألة ~~ليصل ذلك إلى من هو أحوج منه إليه لا على وجه التحريم. ولما اتفق الجميع ~~على أن سبيل استباحة الصدقة ليست سبيل الضرورة إلى الميتة; إذ كانت الميتة ~~لا تحل إلا عند الخوف على النفس والصدقة تحل # PageV01P562 # بإجماع المسلمين لمن احتاج ولم يخف الموت إذا لم يكن عنده شيء، فوجب أن ~~يكون المبيح لها الفقر. وأيضا لما كانت هذه الأخبار مختلفة في استعمال ~~حكمها وهي في نفسها مختلفة، واتفق الجميع على استعمال الخبر الذي روينا في ~~مائتي درهم وتحريم الصدقة معها، وجب أن يكون ثابت الحكم، وما عداه إما أن ~~يكون على وجه الكراهة للمسألة أو منسوخة بخبرنا إن كان المراد بها تحريم ~~الصدقة. # PageV01P563 # باب الربا # قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس} إلى قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقال أبو بكر أصل ~~الربا في اللغة هو الزيادة، ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من ~~الأرض، ومنه الربوة من الأرض وهي المرتفعة، ومنه قولهم "أربى فلان على فلان ~~في القول أو الفعل" إذا زاد عليه. وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم ~~موضوعا لها في اللغة; ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النساء ~~ربا في حديث أسامة بن زيد، فقال: "إنما الربا في النسيئة". وقال عمر بن ~~الخطاب: "إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن" يعني الحيوان. ~~وقال ms0770 عمر أيضا: "إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي قبض قبل ~~أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة"، فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما ~~شرعيا; لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر; لأنه كان ~~عالما بأسماء اللغة; لأنه من أهلها. ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع ~~الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ~~ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي ~~الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في ~~اللغة، نحو الصلاة والصوم والزكاة; فهو مفتقر إلى البيان، ولا يصح ~~الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في ~~الشرع بذلك. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من مراد الله بالآية ~~نصا وتوقيفا. ومنه ما بينه دليلا، فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند ~~أهل العلم بالتوقيف والاستدلال. # والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان فرض الدراهم والدنانير إلى ~~أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، ولم يكونوا يعرفون ~~البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد. هذا كان المتعارف المشهور ~~بينهم، ولذلك قال الله تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله} [الروم: 39] فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا ~~في المال العين; لأنه لا عوض لها من جهة المقرض. # PageV01P563 # وقال تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] إخبارا عن ~~الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة; فأبطل الله ~~تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا أخر من البياعات وسماها ~~ربا، فانتظم قوله تعالى: {وحرم الربا} تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من ~~طريق الشرع، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم ~~أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة. # واسم الربا في الشرع يعتوره ms0771 معان: أحدها الربا الذي كان عليه أهل ~~الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون على قول ~~أصحابنا، ومالك بن أنس يعتبر مع الجنس أن يكون مقتاتا مدخرا، والشافعي ~~يعتبر الأكل مع الجنس; فصار الجنس معتبرا عند الجميع فيما يتعلق به من ~~تحريم التفاضل عند انضمام غيره إليه على ما قدمنا. والثالث: النساء، وهو ~~على ضروب: منها في الجنس الواحد من كل شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض نساء سواء ~~كان من المكيل أو من الموزون أو من غيره، فلا يجوز عندنا بيع ثوب مروي بثوب ~~مروي نساء لوجود الجنس; ومنها: وجود المعنى المضموم إليه الجنس في شرط ~~تحريم التفاضل وهو الكيل والوزن في غير الأثمان التي هي الدراهم والدنانير، ~~فلو باع حنطة بجص نساء لم يجز لوجود الكيل، ولو باع حديدا بصفر نساء لم يجز ~~لوجود الوزن، والله تعالى الموفق. # PageV01P564 # ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان # قال عمر: "إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن" ولم تكن العرب ~~تعرف ذلك ربا، فعلم أنه قال ذلك توقيفا. فجملة ما اشتمل عليه اسم الربا في ~~الشرع النساء والتفاضل على شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء. والدليل على ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد ~~والفضل ربا، والشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا" وذكر التمر والملح ~~والذهب والفضة، فسمى الفضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون ربا. وقال ~~صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد الذي رواه عنه عبد الرحمن بن ~~عباس: "إنما الربا في النسيئة" وفي بعض الألفاظ: "لا ربا إلا في النسيئة" ~~فثبت أن اسم الربا في الشرع يقع على التفاضل تارة وعلى النساء أخرى. وقد ~~كان ابن عباس يقول: "لا ربا إلا في النسيئة، ويجوز بيع الذهب بالذهب والفضة ~~بالفضة متفاضلا" ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد; ثم لما تواتر عنده الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم التفاضل في الأصناف الستة رجع ms0772 عن قوله. ~~قال جابر بن زيد: رجع ابن عباس عن قوله في الصرف وعن قوله في المتعة. وإنما ~~معنى حديث أسامة النساء في الجنسين، كما روى في حديث عبادة بن الصامت وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحنطة بالحنطة مثلا # PageV01P564 # بمثل يدا بيد" وذكر الأصناف الستة، ثم قال: "بيعوا الحنطة بالشعير كيف ~~شئتم يدا بيد" وفي بعض الأخبار: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا ~~بيد" فمنع النساء في الجنسين من المكيل والموزون وأباح التفاضل; فحديث ~~أسامة بن زيد محمول على هذا. # ومن الربا المراد بالآية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن. ~~والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبي العالية قال: ~~كنت عند عائشة فقالت لها امرأة: إني بعت زيد بن أرقم جارية لي إلى عطائه ~~بثمانمائة درهم وإنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة؟ فقالت: بئسما ~~شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن لم يتب. فقالت: يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس ~~مالي؟ فقالت: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} ~~فدلت تلاوتها لآية الربا عند قولها "أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي" أن ذلك ~~كان عندها من الربا، وهذه التسمية طريقها التوقيف. وقد روى ابن المبارك عن ~~حكم بن زريق عن سعيد بن المسيب قال: سألته عن رجل باع طعاما من رجل إلى أجل ~~فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه؟ فقال: هو ربا. ~~ومعلوم أنه أراد شراءه بأقل من الثمن الأول; إذ لا خلاف أن شراءه بمثله أو ~~أكثر منه جائز، فسمى سعيد بن المسيب ذلك ربا. وقد روي النهي عن ذلك عن ابن ~~عباس والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم والشعبي. وقال الحسن وابن سيرين في ~~آخرين: "إن باعه بنقد جاز أن يشتريه، فإن كان باعه بنسيئة لم يشتره بأقل ms0773 ~~منه إلا بعد أن يحل الأجل". وروي عن ابن عمر أنه إذا باعه ثم اشتراه بأقل ~~من ثمنه جاز; ولم يذكر فيه قبض الثمن; وجائز أن يكون مراده إذا قبض الثمن. ~~فدل قول عائشة وسعيد بن المسيب أن ذلك ربا، فعلمنا أنهما لم يسمياه ربا إلا ~~توقيفا; إذ لا يعرف ذلك اسما له من طريق اللغة فلا يسمى به إلا من طريق ~~الشرع، وأسماء الشرع توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم; والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV01P565 # ومن أبواب الربا الدين بالدين # وقد روى موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أنه نهى عن الكالئ بالكالئ" وفي بعض الألفاظ: "عن الدين ~~بالدين" وهما سواء. وقال في حديث أسامة بن زيد: "إنما الربا في النسيئة" ~~إلا أنه في العقد عن الدين بالدين وأنه معفو عنه بمقدار المجلس; لأنه جائز ~~له أن يسلم دراهم في كر حنطة وهما دين بدين، إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض ~~الدراهم بطل العقد، وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان، وإن ~~افترقا قبل التقابض بطل. # PageV01P565 # ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه # الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل فيصالحه منه على خمسمائة حالة فلا ~~يجوز. وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال: سألت ابن عمر: يكون لي على ~~الرجل الدين إلى أجل فأقول عجل لي وأضع عنك؟ فقال: "هو ربا". وروي عن زيد ~~بن ثابت أيضا النهي عن ذلك. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم. وهو قول ~~أصحابنا وعامة الفقهاء. وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي: "لا بأس بذلك". # والذي يدل على بطلان ذلك شيئان: أحدهما: تسمية ابن عمر إياه ربا، وقد ~~بينا أن أسماء الشرع توقيف. والثاني: أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان ~~قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى ~~وحرمه وقال: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} وقال تعالى: {وذروا ما بقي من ~~الربا} حظر أن يؤخذ للأجل ms0774 عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على ~~أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل، فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله ~~تعالى على تحريمه. ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له: أجلني ~~وأزيدك فيها مائة درهم; لا يجوز; لأن المائة عوض من الأجل، كذلك الحط في ~~معنى الزيادة; إذ جعله عوضا من الأجل. وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ ~~الأبدال عن الآجال; ولذلك قال أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبا فقال إن ~~خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم: "إن الشرط الثاني باطل فإن ~~خاطه غدا فله أجر مثله; لأنه جعل الحط بحذاء الأجل، والعمل في الوقتين على ~~صفة واحدة" فلم يجزه; لأنه بمنزلة بيع الأجل على النحو الذي بيناه. ومن ~~أجاز من السلف إذا قال عجل لي وأضع عنك فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعله ~~شرطا فيه، وذلك بأن يضع عنه بغير شرط ويعجل الآخر الباقي بغير شرط; وقد ~~ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد يكون ربا على حسب ما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الأصناف الستة، وأن النساء قد يكون ربا في البيع بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد" وقوله: ~~"إنما الربا في النسيئة" وأن السلم في الحيوان قد يكون ربا بقوله: "إنما ~~الربا في النسيئة" وقوله: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد" ~~وتسمية عمر إياه ربا وشرى ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن لما بينا، ~~وشرط التعجيل مع الحط. # وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل في الأصناف الستة التي ورد بها الأثر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة، وهو عندنا في حيز التواتر ~~لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله. واتفقوا أيضا في أن مضمون هذا ~~النص معني به تعلق الحكم يجب اعتباره في # PageV01P566 # غيره، واختلفوا فيه بعد اتفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه التي ذكرنا ~~فيما سلف ms0775 من هذا الباب، وأن حكم تحريم التفاضل غير مقصور على الأصناف ~~الستة. # وقد قال قوم هم شذوذ عندنا لا يعدون خلافا: إن حكم تحريم التفاضل مقصور ~~على الأصناف التي ورد فيها التوقيف دون تحريم غيرها. # ولما ذهب إليه أصحابنا في اعتبار الكيل والوزن دلائل من الأثر والنظر، ~~وقد ذكرناها في مواضع. ومما يدل عليه من فحوى الخبر قوله: "الذهب بالذهب ~~مثلا بمثل وزنا بوزن، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيلا بكيل" فأوجب استيفاء ~~المماثلة بالوزن في الموزون وبالكيل في المكيل، فدل ذلك على أن الاعتبار في ~~التحريم الكيل والوزن مضموما إلى الجنس. # ومما يحتج به المخالف من الآية على اعتبار الأكل قوله عز وجل: {الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} . وقوله ~~تعالى: {لا تأكلوا الربا} [آل عمران: 130] فأطلق اسم الربا على المأكول; ~~قالوا: فهذا عموم في إثبات الربا في المأكول. وهذا عندنا لا يدل على ما ~~قالوا من وجوه; أحدها: ما قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى ~~البيان، فلا يصح الاحتجاج بعمومه، إنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ~~ربا حتى يحرمه بالآية ولا يأكله. والثاني: أن أكثر ما فيه إثبات الربا في ~~مأكول وليس فيه أن جميع المأكولات فيها ربا، ونحن قد أثبتنا الربا في كثير ~~من المأكولات، وإذا فعلنا ذلك فقد قضينا عهدة الآية. ولما ثبت بما قدمنا من ~~التوقيف والاتفاق على تحريم بيع ألف بألف ومائة كما بطل بيع ألف بألف إلى ~~أجل، فجرى الأجل المشروط مجرى النقصان في المال، وكان بمنزلة بيع ألف بألف ~~ومائة، وجب أن لا يصح الأجل في القرض كما لا يجوز قرض ألف بألف ومائة; إذ ~~كان نقصان الأجل كنقصان الوزن، وكان الربا تارة من جهة نقصان الوزن وتارة ~~من جهة نقصان الأجل، وجب أن يكون القرض كذلك. # فإن قال قائل: ليس القرض في ذلك كالبيع; لأنه يجوز له مفارقته في القرض ~~قبل قبض البدل ولا يجوز مثله في بيع ألف بألف. ms0776 قيل له: إنما يكون الأجل ~~نقصانا إذا كان مشروطا، فأما إذا لم يكن مشروطا فإن ترك القبض لا يوجب نقصا ~~في أحد المالين; وإنما بطل البيع لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر. ألا ~~ترى أنه لا يختلف الصنفان والصنف الواحد في وجوب التقايض في المجلس أعني ~~الذهب بالفضة مع جواز التفاضل فيهما؟ فعلمنا أن الموجب لقبضهما ليس من جهة ~~أن ترك القبض موجب # PageV01P567 # للنقصان في غير المقبوض، ألا ترى أن رجلا لو باع من رجل عبدا بألف درهم ~~ولم يقبض ثمنه سنين جاز للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة، ولو كان باعه ~~بألف إلى شهر ثم حل الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحة بألف حالة حتى يبين ~~أنه اشتراه بثمن مؤجل؟ فدل ذلك على أن الأجل المشروط في العقد يوجب نقصا في ~~الثمن ويكون بمنزلة نقصان الوزن في الحكم; فإذا كان كذلك فالتشبيه بين ~~القرض والبيع من الوجه الذي ذكرنا صحيح لا يعترض عليه هذا السؤال. ويدل على ~~بطلان التأجيل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا في النسيئة" ~~ولم يفرق بين البيع والقرض، فهو على الجميع. ويدل عليه أن القرض لما كان ~~تبرعا لا يصح إلا مقبوضا، أشبه الهبة فلا يصح فيه التأجيل كما لا يصح في ~~الهبة. وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم التأجيل فيها بقوله: "من أعمر ~~عمرى فهي له ولورثته من بعده" فأبطل التأجيل المشروط في الملك. وأيضا فإن ~~قرض الدراهم عاريتها وعاريتها قرضها; لأنها تمليك المنافع; إذ لا يصل إليها ~~إلا باستهلاك عينها; ولذلك قال أصحابنا: إذا أعاره دراهم فإن ذلك قرض ولذلك ~~لم يجيزوا استئجار الدراهم; لأنها قرض، فكأنه استقرض دراهم على أن يرد عليه ~~أكثر منها; فلما لم يصح الأجل في العارية لم يصح في القرض. ومما يدل على أن ~~قرض الدراهم عارية حديث إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تدرون أي الصدقة خير؟ " قالوا: الله ورسوله ~~أعلم قال: ms0777 "خير الصدقة المنحة أن تمنح أخاك الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن ~~الشاة" والمنحة هي العارية; فجعل قرض الدراهم عاريتها; ألا ترى إلى قوله في ~~حديث آخر: "والمنحة مردودة"؟ فلما لم يصح التأجيل في العارية لم يصح في ~~القرض. وأجاز الشافعي التأجيل في القرض وبالله التوفيق ومنه الإعانة. # PageV01P568 # باب البيع # قوله عز وجل: {وأحل الله البيع} عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ ~~البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن ~~تراض منهما، وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان; ثم منه جائز ومنه فاسد ~~إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو ~~فساده. ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم ~~فقد أريد به الخصوص; لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم ~~يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على ~~المحرمات من الأشياء; وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات، وإنما خصت ~~منها بدلائل، إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم ~~الدلالة على تخصيصه. وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف # PageV01P568 # لقوله تعالى: {وأحل الله البيع} والبيع اسم للإيجاب والقبول، وليست ~~حقيقته وقوع الملك به للعاقد، ألا ترى أن البيع المعقود على شرط خيار ~~المتبايعين لم يوجب ملكا؟ وهو بيع والوكيلان يتعاقدان البيع ولا يملكان. # وقوله تعالى: {وحرم الربا} حكمه ما قدمناه من الإجمال والوقف على ورود ~~البيان، فمن الربا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية وهو ~~القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض. وفي سياق الآية ما أوجب ~~تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع} . وظن ~~الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ البيع; وليس كذلك ~~عندنا لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم العموم جار فيه، وإنما يجب ms0778 ~~الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا، فأما ما تيقنا أنه ليس بربا فغير ~~جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. # وأما قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} حكاية عن ~~المعتقدين لإباحته من الكفار، فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على ~~وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، وجهلوا ما وضع الله ~~أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا; فذمهم الله على جهلهم وأخبر عن ~~حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه. # قوله تعالى: {وأحل الله البيع} يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشتري، ~~ويحتج فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل ~~القبض، وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض ~~والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك، فاقتضى ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك ~~التقايض; وهو كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] المراد تحريم ~~الاستمتاع بهن. # ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] من وجهين: أحدهما: ما اقتضاه من ~~إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض، والآخر إباحة أكله لمشتريه قبل ~~قبض الآخر بعد الفرقة. # وأما قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى ~~الله} فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض قبل نزول ~~تحريم الربا، ولم يرد به ما لم يقبض; لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم ~~يقبض منه وإبطاله بقوله # PageV01P569 # تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين} فأبطل الله من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول ~~التحريم، ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهى فله ما سلف} وقد روي ذلك عن السدي وغيره من المفسرين. وقال ~~تعالى: {وذروا ما بقي من ms0779 الربا إن كنتم مؤمنين} فأبطل منه ما بقي مما لم ~~يقبض، ولم يبطل المقبوض. ثم قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} وهو ~~تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه ولا زيادة. ~~وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم ~~حجة الوداع بمكة وقال جابر بعرفات "إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ~~وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" فكان فعله صلى الله عليه وسلم ~~مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا ما لم يكن مقبوضا وإمضائه ~~ما كان مقبوضا. # وفيما روي في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ضروب من الأحكام: أحدها: أن ~~كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه فهو كالموجود في حال ~~وقوعه، وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب فسخه وذلك نحو ~~النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر فالبيع جائز عندنا، وإن أسلم أحدهما قبل ~~قبض الخمر بطل العقد; وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم البائع أو ~~المشتري بطل البيع لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل القبض، كما ~~أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل ~~القبض; وإن كانت الخمر مقبوضة ثم أسلما أو أحرما لم يبطل البيع كما لم يبطل ~~الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم; فهذا جائز في نظائره من المسائل ولا ~~يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ولا يبطل البيع، وللمشتري اتباع ~~الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد لأن العقد باق ~~على هيئته التي كان عليها والقيمة قائمة مقام المبيع، وإنما يعتبر المبيع ~~وللمشتري الخيار فحسب. وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد البائع وسقوط ~~القبض فيه يوجب بطلان العقد، وهو قول أصحابنا والشافعي; وقال مالك: "لا ~~يبطل والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه". ودلالة الآية ms0780 ظاهرة على أن قبض ~~المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد وذلك لأن الله تعالى ~~لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه وأمر بالاقتصار على رأس المال، ~~فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد وأنه متى طرأ على العقد ما ~~يسقطه أوجب ذلك بطلانه. وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب ~~إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ وإن كانت معقودة على فساد لأنه ~~معلوم أنه قد كان بين نزول الآية وبين خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ~~ووضعه الربا الذي # PageV01P570 # لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح، ولم يتعقبها بالفسخ ~~ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها، فدل ذلك على ~~أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام ~~لا يفسخ منها ما كان مقبوضا; وقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف} يدل على ذلك أيضا لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل ~~الإسلام. وقد قيل إن معنى قوله تعالى: {فله ما سلف} : من ذنوبه; على معنى ~~أن الله يغفرها له وليس هذا كذلك، لأن الله تعالى قد قال: {وأمره إلى الله} ~~يعني فيما يستحقه من عقاب أو ثواب; فلم يعلمنا حكمه في الآخرة. ومن جهة ~~أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ما ذكرنا، فيكون على الأمرين جميعا ~~لاحتماله لهما، فيغفر الله ذنوبه ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه وذلك ~~يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية إذا أسلموا بعد التقابض فيها لقوله ~~تعالى: {فله ما سلف وأمره إلى الله} . # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} قال أبو بكر: يحتمل ~~ذلك معنيين، أحدهما: إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له، والثاني: ~~إن لم ms0781 تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله وإن اعتقدوا تحريمه. وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس ~~فيمن أربى "أن الإمام يستتيبه، فإن تاب وإلا قتله" وهذا محمول على أن يفعله ~~مستحلا له; لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه. ~~وقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} لا يوجب إكفارهم لأن ذلك قد ~~يطلق على ما دون الكفر من المعاصي; قال زيد بن أسلم عن أبيه: إن عمر رأى ~~معاذا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله ~~بالمحاربة". فأطلق اسم المحاربة عليه وإن لم يكفر. وروى أسباط عن السدي عن ~~صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي ~~وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم: "أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم". وقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا} [المائدة: 33] والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل ~~الملة وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق. وقد دل على أنه جائز ~~إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله على من عظمت معصيته وفعلها مجاهرا بها وإن ~~كانت دون الكفر. وقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} إخبار منه بعظم ~~معصيته وأنه يستحق بها المحاربة عليها وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على ~~الإمام، فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما # PageV01P571 # يستحقه من التعزير والردع، وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي ~~أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها، وإن كان ممتنعا ~~حورب عليها هو ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا، وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم ~~الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة. وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من ~~المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا ~~كانوا ممتنعين، وهؤلاء أعظم جرما من ms0782 آكلي الربا لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة ~~المسلمين جميعا. وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ~~ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة; لأنه أعطاه بطيبة نفسه. وآخذو الضرائب في معنى ~~قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين; إذ كانوا ~~يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة، فجائز لمن علم من المسلمين ~~إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم ~~كيف أمكنه قتلهم، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ ~~الأموال. وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من ~~الصحابة إياه على شيئين: أحدهما: الكفر، والآخر: منع الزكاة وذلك لأنهم ~~امتنعوا من قبول فرض الزكاة ومن أدائها، فانتظموا به معنيين: أحدهما: ~~الامتناع من قبول أمر الله تعالى وذلك كفر، والآخر: الامتناع من أداء ~~الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا، ~~ولذلك قال: "لو منعوني عقالا" وفي بعض الأخبار: "عناقا مما كانوا يؤدونه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه". فإنما قلنا إنهم كانوا ~~كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة، لأن الصحابة سموهم أهل الردة، وهذه ~~السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا، وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم، ولو لم ~~يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة وذلك شيء لم يختلف فيه. الصدر الأول ~~ولا من بعدهم من المسلمين، أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا ~~أهل ردة. فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر، وإن كان ممتنعا ~~بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من ~~جملة أهل الملة، وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام ~~إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا، وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب ~~والحبس حتى ينتهوا. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران وكانوا ذمة ~~نصارى: "إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله"، ms0783 وروى أبو ~~عبيد القاسم بن سلام قال: حدثني أيوب الدمشقي قال: حدثني سعدان بن يحيى، عن ~~عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح الهذلي: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صالح أهل نجران، فكتب إليهم كتابا في آخره: "على أن لا تأكلوا الربا، ~~فمن أكل الربا فذمتي منه بريئة". فقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب # PageV01P572 # من الله ورسوله} عقيب قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا} هو عائد عليهما جميعا، من رد الأمر على حاله ومن الإقامة على ~~أكل الربا مع قبول الأمر. فمن رد الأمر قوتل على الردة، ومن قبل الأمر ~~وفعله محرما له قوتل على تركه إن كان ممتنعا ولا يكون مرتدا، وإن لم يكن ~~ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما يرى الإمام. # وقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما ~~أمروا به في هذه الآية فهم محاربون لله ورسوله، وفي ذلك إخبار منه بمقدار ~~عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة، وهي أن يسموا محاربين لله ورسوله; ~~وهذه السمة يعتورها معنيان: أحدهما: الكفر إذا كان مستحلا، والآخر: الإقامة ~~على أكل الربا مع اعتقاد التحريم على ما بيناه. ومن الناس من يحمله على أنه ~~إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم، ويكون إيذانا ~~لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها، كقوله تعالى: {وإما تخافن ~~من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58] ~~فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا كانوا ذوي منعة، ~~وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب وتناوله ~~الحكم المذكور فيه، فهو أولى. # قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} فيه تأويلان: أحدهما: وإن ~~كان ذو عسرة غريما لكم فنظرة إلى ميسرة، والثاني: على أن "كان" المكتفية ~~باسمها على معنى: "وإن وقع ذو عسرة أو إن وجد ذو عسرة" كقول الشاعر: ms0784 # فدى لبني شيبان رحلي وناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # معناه: إذا وجد يوم كذلك. # وقد اختلف في معنى قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} فروي عن ابن ~~عباس وشريح وإبراهيم "أنه في الربا خاصة" وكان شريح يحبس المعسر في غيره من ~~الديون. وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خيثم والضحاك "أنه في سائر ~~الديون"، وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك. وقال آخرون: "إن الذي في ~~الآية إنظار المعسر في الربا، وسائر الديون في حكمه قياسا عليه". # قال أبو بكر: لما كان قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~محتملا أن يكون شاملا لسائر الديون على ما بينا من وجه الاحتمال، ولتأويل ~~من تأوله من السلف على ذلك; إذ غير جائز أن يكونوا تأولوه على ما لا احتمال ~~فيه، وجب حمله على العموم وأن لا يقتصر به على الربا إلا بدلالة لما فيه من ~~تخصيص لفظ العموم من # PageV01P573 # غير دلالة. فإن قيل: لما كان قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة} غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم وكان متضمنا لما قبله، وجب أن يكون ~~حكمه مقصورا عليه. قيل: هو كلام مكتف بنفسه لما في فحواه من الدلالة على ~~معناه وذلك لأن ذكر الإعسار والإنظار قد دل على دين تجب المطالبة به، ~~والإنظار لا يكون إلا في حق قد ثبت وجوبه وصحت المطالبة به إما عاجلا وإما ~~آجلا، فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دين يتعلق به في حكم الإنظار إذا ~~كان ذو عسرة، كان اللفظ مكتفيا بنفسه ووجب اعتباره على عمومه ولم يجب ~~الاقتصار به على الربا دون غيره. # وزعم بعض الناس ممن نصر هذا القول الذي ذكرناه أن هذا لا يجوز أن يكون في ~~الربا، لأن الله تعالى قد أبطله، فكيف يكون منظرا به؟ قال: فالواجب أن تكون ~~الآية عامة في سائر الديون. وهذا الحجاج ليس بشيء; لأن الله تعالى إنما ~~أبطل الربا وهو الزيادة المشروطة ولم يبطل رأس ms0785 المال، لأنه قال: {وذروا ما ~~بقي من الربا} والربا هو الزيادة ثم قال: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} ثم ~~عقب ذلك بقوله: {وإن كان ذو عسرة} يعني سائر الديون، ورأس المال أحدها; ~~وإبطال ما بقي من الربا لم يبطل رأس المال، بل هو دين عليه يجب أداؤه. # فإن قيل: إذا كان الإنظار مأمورا به في رأس المال، فهو وسائر الديون ~~سواء. قيل له: إنما كلامنا فيما شمله العموم من حكم الآية، فإن كان ذلك في ~~رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق النص وإنما يتناوله من جهة العموم ~~للمعنى، فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه ورده إلى المذكور في ~~الآية بمعنى يجمعهما; وليس الكلام بينك وبين الخصم من جهة القياس، وإنما ~~اختلفتما في عموم الآية وخصوصها، والكلام في القياس ورد غير المذكور إلى ~~المذكور مسألة أخرى. وقوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} قد اقتضى ~~ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ رأس مال نفسه منه بغير ~~رضاه; لأنه تعالى جعل اقتضاءه ومطالبته من غير شرط رضى المطلوب، وهذا يوجب ~~أن من له على غيره دين فطالبه به فله أخذه منه شاء أم أبى; وبهذا المعنى ~~ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له هند: إن أبا سفيان رجل ~~شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك ~~وولدك بالمعروف" فأباح لها أخذ ما استحقته على أبي سفيان من النفقة من غير ~~رضى أبي سفيان. # وفي الآية دلالة على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ~~ظالما، ودلالتها على ذلك من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم ~~رؤوس أموالكم} # PageV01P574 # فجعل له المطالبة برأس المال، وقد تضمن ذلك أمر الذي عليه الدين بقضائه ~~وترك الامتناع من أدائه، فإنه متى امتنع منه كان له ظالما ولاسم الظلم ~~مستحقا، وإذا كان كذلك استحق العقوبة وهي الحبس. والوجه الآخر من الدلالة ~~عليه: قوله تعالى في نسق التلاوة: ms0786 {لا تظلمون ولا تظلمون} يعني والله أعلم: ~~لا تظلمون بأخذ الزيادة ولا تظلمون بالنقصان من رأس المال; فدل ذلك على أنه ~~متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالما له مستحقا للعقوبة. واتفق ~~الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبسا، لاتفاق الجميع ~~على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما دلت عليه الآية، وهو ما ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن وبر بن أبي دليلة، عن محمد بن ~~ميمون، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له، ~~وعقوبته: يحبس. وروى ابن عمر وجابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل" فجعل مطل الغني ~~ظلما، والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس، لاتفاقهم على أنه لم يرد ~~غيره. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا معاذ بن أسد قال: ~~أخبرنا النضر بن شميل قال: أخبرنا هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن ~~أبيه عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي، فقال لي: ~~"الزمه" ثم قال: "يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك؟ " وهذا يدل على ~~أن له حبس الغريم لأن الأسير يحبس; فلما سماه أسيرا له دل على أن له حبسه. ~~وكذلك قوله: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" والمراد بالعقوبة هنا الحبس لأن ~~أحدا لا يوجب غيره. # واختلف الفقهاء في الحال التي توجب الحبس، فقال أصحابنا: إذا ثبت عليه ~~شيء من الديون من أي وجه ثبت فإنه يحبس شهرين أو ثلاثة، ثم يسأل عنه فإن ~~كان موسرا تركه في الحبس أبدا حتى يقضيه، وإن كان معسرا ms0787 خلى سبيله. وذكر ~~ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة: أن المطلوب إذا قال إني معسر وأقام البينة ~~على ذلك، أو قال: فسل عني، فلا يسأل عنه أحدا، وحبسه شهرين أو ثلاثة ثم ~~يسأل عنه إلا أن يكون معروفا بالعسر، فلا يحبسه. وذكر الطحاوي عن أحمد بن ~~أبي عمران قال: كان متأخرو أصحابنا، منهم محمد بن شجاع، يقولون: "إن كل دين ~~كان أصله من مال وقع في يدي المدين كأثمان البياعات والعروض ونحوها، فإنه ~~يحبسه به، وما لم يكن أصله من مال # PageV01P575 # وقع في يده مثل المهر والجعل من الخلع والصلح من دم العمد والكفالة، لم ~~يحبسه به حتى يثبت وجوده وملاؤه". وقال ابن أبي ليلى: "يحبسه في الديون إذا ~~أخبر أن عنده مالا". وقال مالك: "لا يحبس الحر ولا العبد في الدين ولا ~~يستبرأ أمره، فإن اتهم أنه قد خبأ مالا حبسه، وإن لم يجد له شيئا لم يحبسه ~~وخلاه". وقال الحسن بن حي: "إذا كان موسرا حبس، وإن كان معسرا لم يحبس". ~~وقال الشافعي: "إذا ثبت عليه دين بيع ما ظهر ودفع ولم يحبس، فإن لم يظهر ~~حبس وبيع ما قدر عليه من مال، فإن ذكر عسره قبلت منه البينة بقوله تعالى: ~~{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} وأحلفه مع ذلك بالله ومنع غرماءه من ~~لزومه". # قال أبو بكر: إنما قال أصحابنا "إنه يحبسه في أول ما ثبت عند القاضي ~~دينه" لما دللنا عليه من الآية والأثر على كونه ظالما في الامتناع من قضاء ~~ما ثبت عليه وأنه مستحق للعقوبة متى امتنع من أداء ما وجب عليه، فالواجب ~~بقاء العقوبة عليه حتى يثبت زوالها عنه بالإعسار. فإن قيل: إنما يكون ظالما ~~إذا امتنع من أدائه مع الإمكان لأن الله تعالى لا يذمه على ما لم يقدره ~~عليه ولم يمكنه منه، ولذلك شرط النبي صلى الله عليه وسلم الوجود في استحقاق ~~العقوبة بقوله: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" وإذا كان شرط استحقاق العقوبة ~~وجود المال الذي يمكنه أداؤه ms0788 منه، فغير جائز حبسه وعقوبته إلا بعد أن يثبت ~~أنه واجد ممتنع من أداء ما وجب عليه; وليس ثبوت الدين عليه علما لإمكان ~~أدائه على الدوام; إذ جائز أن يحدث الإعسار بعد ثبوت الدين. قيل له: أما ~~الديون التي حصلت أبدالها في يده فقد علمنا يساره بأدائها يقينا ولم نعلم ~~إعساره بها، فوجب كونه باقيا على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار. ~~وأما ما كان لزمه منها من غير بدل حصل في يده يمكنه أداؤه منه، فإن دخوله ~~في العقد الذي ألزمه ذلك اعتراف منه بلزوم أدائه، وتوجه المطالبة عليه ~~بقضائه، ودعواه الإعسار به بمنزلة دعوى التأجيل للموسر فهو غير مصدق عليه; ~~ولذلك سوى أصحابنا بين الديون التي قد علم حصول أبدالها في يده وبين ما لم ~~تحصل في يده; إذ كان دخوله في العقد الموجب عليه الدين اعترافا منه بلزوم ~~الأداء وثبوت حق المطالبة للمطالب، وذلك لأن كل متعاقدين دخلا في عقد ~~فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق، وغير مصدق بعد ~~العقد واحد منهما على نفي موجبه; ومن أجل ذلك قلنا إن ذلك يقتضي اعترافا ~~منهما بصحته; إذ كان ذلك مضمنا للزوم حقوقه، وفي تصديقه على فساده نفي ما ~~لزمه بظاهر العقد; ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن مدعي الفساد منهما ~~بعد وقوع العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدق عليه وأن القول قول مدعي ~~الصحة منهما، وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من # PageV01P576 # أن من ألزم نفسه دينا بعقد عقده على نفسه أنه يلزمه أداؤه ومحكوم عليه ~~بأنه موسر به وغير مصدق على الإعسار المسقط عنه المطالبة، كما لا يصدق على ~~التأجيل بعد ثبوته عليه حالا. وإنما قال أصحابنا "إنه يحبسه في أول ما ~~يرفعه إلى القاضي إذا طلب ذلك الطالب، ولا يسأل عنه" من قبل أنه توجهت عليه ~~المطالبة بأدائه ومحكوم له باليسار في قضائه، فالواجب أن يستبرئ أمره بديا; ~~إذ جائز أن يكون له مال قد خبأه لا يقف عليه ms0789 غيره، فلا يوقف بذلك على ~~إعساره، فينبغي له أن، يحبسه استظهارا لما عسى أن يكون عنده; إذ كان في ~~الأغلب أنه إن كان عنده شيء آخر أضجره الحبس وألجأه إلى إخراجه فإذا حبسه ~~هذه المدة فقد استظهر في الغالب فحينئذ يسأل عنه; لأنه جائز أن يكون هناك ~~من يعلم يساره سرا فإذا ثبت عنده إعساره خلاه من الحبس. وقد روي عن شريح ~~أنه كان يحبس المعسر في غير الربا من الديون، فقال له معسر قد حبسه: قال ~~الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} فقال شريح: {إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] والله لا يأمرنا بشيء ثم يعذبنا ~~عليه. وقد قدمنا ذكر مذهب شريح في تأويل الآية، وأن قوله تعالى: {وإن كان ~~ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} مقصور على الربا دون غيره، وأن غيره من الديون لا ~~يختلف في الحبس فيها الموسر والمعسر. ويشتبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أنه لا ~~سبيل لنا إلى معرفة الإعسار على الحقيقة; إذ جائز أن يظهر الإعسار وحقيقة ~~أمره اليسار، فاقتصر الإنظار على رأس مال الربا الذي نزل به القرآن وحمل ما ~~عداه على موجب عقد المداينة من لزوم القضاء وتوجه المطالبة عليه بالأداء. ~~وقد بينا وجه فساد هذا القول بما قد دللنا عليه من مقتضى عموم اللفظ لسائر ~~الديون. ومع ذلك فلو كان نص التنزيل واردا في الربا دون غيره لكان سائر ~~الديون بمنزلته قياسا عليه; إذ لا فرق في حال اليسار بينهما في صحة لزوم ~~المطالبة بهما ووجوب أدائهما، فوجب أن لا يختلفا في حال الأداء في سقوط ~~الحبس فيها دونه. فأما قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها} [النساء: 58] واحتجاج شريح به في حبس المطلوب، فإن الآية إنما هي في ~~الأعيان الموجودة في يده لغيره فعليه أداؤه، وأما الديون المضمونة في ذمته ~~فإنما المطالبة بها معلقة بإمكان أدائها، فمن كان معسرا فإن الله لم يكلفه ~~إلا ما في إمكانه، قال الله تعالى: ms0790 {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل ~~الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] فإذا لم يكن مكلفا لأدائها لم يجز أن يحبس ~~بها. # فإن قيل: إن الدين من الأمانات، لقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته} وإنما يريد به الدين المذكور في قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا # PageV01P577 # تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قيل له: إن كان الدين مرادا بقوله ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] فإن ~~الأمر بذلك توجه إليه على شريطة الإمكان، لما وصفنا من أن الله تعالى لا ~~يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يتسع لفعله، وهو محكوم له من ظاهر إعساره ~~أنه غير قادر على أدائه. ولم يكن شريح ولا أحد من السلف يخفى عليهم أن الله ~~لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه، بل كانوا عالمين بذلك; ولكنه ذهب عندي والله ~~أعلم إلى أنه لم يتيقن وجود ذلك; ويجوز أن يكون قادرا على أدائه مع ظهور ~~إعساره، فلذلك حبسه. # واختلف أهل العلم في الحاكم إذا ثبت عنده إعساره وأطلقه من الحبس، هل ~~يحول بين الطالب وبين لزومه؟ فقال أصحابنا: "للطالب أن يلزمه". وذكر ابن ~~رستم عن محمد قال: "والملزوم في الدين لا يمنع من دخول منزله للغذاء ~~والغائط والبول، فإن أعطاه الذي يلزمه الغذاء وموضع الخلاء فله أن يمنعه من ~~إتيان منزله". وقال غيرهم، منهم مالك والشافعي: "ليس له أن يلزمه". وقال ~~الليث بن سعد: "يؤاجر الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته"; ولا نعلم أحدا قال ~~بمثل قوله إلا الزهري، فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال: "يؤاجر المعسر ~~بما عليه من الدين حتى يقضى عنه". # والذي يدل على أن ظهور الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة والاقتضاء، ~~حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اشترى من أعرابي بعيرا إلى أجل، فلما حل الأجل جاءه يتقاضاه، فقال: "جئتنا ~~وما عندنا شيء، ولكن أقم حتى تأتي الصدقة" ms0791 فجعل الأعرابي يقول: واغدراه فهم ~~به عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعه فإن لصاحب الحق مقالا" فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه ليس عنده شيء، ولم يمنعه الاقتضاء، وقال: "إن لصاحب ~~الحق مقالا" فدل ذلك على أن الإعسار بالدين غير مانع اقتضاءه ولزومه به. ~~وقوله: "أقم حتى تأتي الصدقة" يدل على أن النبي إنما اشترى البعير للصدقة ~~لا لنفسه لأنه لو كان اشتراه لنفسه لم يكن ليقضيه من إبل الصدقة; لأنه لم ~~يكن تحل له الصدقة; فهذا يدل على أن من اشترى لغيره يلزمه ثمن ما اشترى، ~~وأن حقوق العقد متعلقة به دون المشترى له; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يمنعه اقتضاءه ومطالبته به. وهو في معنى الحديث الذي رواه أبو رافع: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ثم قضاه من إبل الصدقة; لأن السلف ~~كان دينا على مال الصدقة. وروي في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "لصاحب الحق اليد واللسان" رواه محمد بن الحسن، وقال: "في اليد اللزوم ~~وفي اللسان الاقتضاء". وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال: أخبرنا محمد بن ~~إسحاق قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد ~~العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمر، عن # PageV01P578 # عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال له: والله ~~ما عندي شيء أقضيكه اليوم قال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل ~~يتحمل عنك قال: والله ما عندي قضاء ولا أجد من يحتمل عني قال: فجاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا لزمني فاستنظرته ~~شهرا واحدا فأبى حتى أقضيه أو آتيه بحميل، فقلت: والله ما أجد حميلا ولا ~~عندي قضاء اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تنظره شهرا ~~واحدا؟ " قال: لا قال: "أنا أحمل بها" فتحمل بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذهب الرجل فأتاه بقدر ما ms0792 وعده، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من أين أصبت هذا الذهب؟ " قال: من معدن، قال: "اذهب فلا حاجة لنا ~~فيها ليس فيها خير" فقضى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من لزومه مع حلفه بالله ما عنده ~~قضاء. # وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال: حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود ~~قال: حدثنا إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا ابن أبي عبيدة قال: ~~حدثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أعرابي ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه تمرا كان عليه، وشدد عليه الأعرابي ~~حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني فانتهره الصحابة، فقالوا له: ويحك أتدري ~~من تكلم؟ فقال لهم: إني طالب حق فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "هلا ~~مع صاحب الحق كنتم" ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: "إن كان عندك تمر ~~فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك" فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه فقال: أوفيتنا أوفى الله لك فقال: "أولئك ~~خيار الناس، إنها لا قدست أمة لا يؤخذ للضعيف منها حقه غير متعتع". فلم يكن ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يقضيه، ولم ينكر على الأعرابي مطالبته ~~واقتضاءه بذلك، بل أنكر على الصحابة انتهارهم إياه وقال: "هلا مع صاحب الحق ~~كنتم". وهذا يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون أن ينظره الطالب. ويدل ~~عليه أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن العباس المؤدب ~~قال: حدثنا عفان بن مسلم قال: حدثنا عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن ابن ~~بريدة، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر ~~معسرا فله صدقة، ومن أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة" فقلت: يا رسول الله ~~سمعتك تقول من أنظر معسرا فله صدقة ثم سمعتك تقول ms0793 له بكل يوم صدقة؟ قال: ~~"من أنظر معسرا قبل أن يحل الدين فله صدقة، ومن أنظره إذا حل الدين فله بكل ~~يوم صدقة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن علي بن عبد الملك بن ~~السراج قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي قال: حدثنا عيسى بن يونس ~~قال: حدثنا سعيد بن حجنة الأسدي قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن ~~الصامت، أنه سمع أبا اليسر يقول: قال # PageV01P579 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم ~~لا ظل إلا ظله". فقوله في الحديث الأول "من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة" ~~يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون إنظار الطالب إياه لأنه لو كان ~~منظرا بغير إنظاره لما صح القول بأن من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة; إذ ~~غير جائز أن يستحق الثواب إلا على فعله، فأما من قد صار منظرا بغير فعله ~~فإنه يستحيل أن يستحق الثواب بالإنظار. وحديث أبي اليسر يدل على ذلك أيضا ~~من وجهين: أحدهما: ما أخبر عنه من استحقاق الثواب بإنظاره، والثاني: أنه ~~جعل الإنظار بمنزلة الحط، ومعلوم أن الحط لا يقع إلا بفعله، فكذلك الإنظار. ~~وهذا كله يدل على أن قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} ينصرف على أحد وجهين: ~~إما أن يكون وقوع الإنظار هو تخليته من الحبس وترك عقوبته; إذ كان غير ~~مستحق لها; لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل مطل الغني ظلما; فإذا ~~ثبت إعساره فهو غير ظالم بترك القضاء، فأمر الله بإنظاره من الحبس، فلا ~~يوجب ذلك ترك لزومه. أو أن يكون المراد الندب والإرشاد إلى إنظاره بترك ~~لزومه ومطالبته، فلا يكون منظرا إلا بنظرة الطالب، بدلالة الأخبار التي ~~أوردناها. # فإن قال قائل: اللزوم بمنزلة الحبس لا فرق بينهما; لأنه في الحالين ممنوع ~~من التصرف. قيل له: ليس كذلك; لأن اللزوم لا يمنعه التصرف، فإنما معناه أن ~~يكون معه من قبل الطالب من يراعي أمره في كسبه وما يستفيده، ms0794 فيترك له مقدار ~~القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه، وليس في ذلك إيجاب حبس ولا عقوبة. وروى ~~مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقول لعبد من عباده: ما ~~عملت؟ قال: ما عملت لك كثير عمل أرجوك به من صلاة ولا صوم، غير أنك كنت ~~أعطيتني فضلا من مال فكنت أخالط الناس فأيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال ~~الله عز وجل: نحن أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي فغفر له" فقال ابن مسعود: ~~هكذا سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث أيضا يدل على مثل ~~ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أن الإنظار لا يقع بنفس الإعسار لأنه جمع ~~بين إنظار المعسر والتيسير على الموسر، وذلك كله مندوب إليه غير واجب. # واحتج من حال بينه وبين لزومه إذا أعسر وجعله منظرا بنفس الإعسار، بما ~~رواه الليث بن سعد، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري: أن ~~رجلا أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر ~~دينه، فقال صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ~~ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما وجدتم ليس لكم ~~إلا ذلك". فاحتج القائل بما وصفنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس لكم إلا ~~ذلك" وأن ذلك # PageV01P580 # يقتضي نفي اللزوم. فيقال له: معلوم أنه لم يرد سقوط ديونهم; لأنه لا خلاف ~~أنه متى وجد كان الغرماء أحق بما فضل عن قوته، وإذا لم ينف بذلك بقاء ~~حقوقهم في ذمته; فكذلك لا يمنع بقاء لزومهم له ليستوفوا ديونهم مما يكسبه ~~فاضلا عن قوته; وهذا هو معنى اللزوم; لأنا لا نختلف في ثبوت حقوقهم فيما ~~يكسبه في المستقبل فقد اقتضى ذلك ثبوت حق اللزوم لهم ولم ينتف ذلك بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "ليس لكم إلا ذلك" كما لم ينتف ms0795 بقاء حقوقهم فيما ~~يستفيده. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرنا من إنظار المعسر ~~وما ذكر من ترغيب الطالب في إنظاره، يدل على جوازه التأجيل في الديون ~~الحالة الواجبة عن الغصوب والبيوع. وزعم الشافعي أنه إذا كان حالا في الأصل ~~لا يصح التأجيل به وذلك خلاف الآثار التي قدمنا لأنها قد اقتضت جواز ~~تأجيله; وبين ذلك حديث ابن بريدة فيمن أجل قبل أن يحل أو بعدما حل، وقد ~~تقدم سنده. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: ~~حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن الشعبي، عن سمعان، عن سمرة بن جندب ~~قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ههنا أحد من بني فلان؟ " ~~فلم يجبه أحد، ثم قال: "ههنا أحد من بني فلان؟ " فلم يجبه أحد، ثم قال: ~~"ههنا أحد من بني فلان؟ " فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ إني لم أنوه ~~بكم إلا خيرا، إن صاحبكم مأسور بدينه" فلقد رأيته أدى عنه حتى ما أحد ~~يطالبه بشيء. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن داود ~~المهري النهدي قال: حدثنا وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، أنه سمع أبا ~~عبد الله القرشي يقول: سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول عن أبيه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه ~~عبد بعد الكبائر التي نهاه الله عنها: أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له ~~قضاء". وفي هذين الحديثين دليل على أن المطالبة واللزوم لا يسقطان عن ~~المعسر كما لم تسقط عنه المطالبة بالموت وإن لم يدع له وفاء. # فإن قيل: لا يخلو. هذا الرجل المدين إذا مات مفلسا من أن يكون مفرطا في ~~قضاء دينه أو غير مفرط; فإن كان مفرطا فإنما هو مطالب عند الله ms0796 بتفريطه ~~كسائر الذنوب التي لم يتب منها، وإن كان غير مفرط فالله تعالى لا يؤاخذه به ~~لأن الله لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. قيل له: إنما ذلك فيمن فرط في قضاء دينه ~~ثم لم يتب من تفريطه حتى مات # PageV01P581 # مفلسا، فيكون مؤاخذا به; وهذا حكم المعسر بدين الآدمي لأنا لا نعلم توبته ~~من تفريطه، فواجب أن يكون مطالبا به في الدنيا كما كان مؤاخذا به عند الله ~~تعالى. # فإن قيل: فينبغي أن تفرقوا بين المفرط في قضاء دينه المصر على تفريطه ~~وبين من لم يفرط أصلا أو فرط ثم تاب من تفريطه فتوجبون له لزوم من فرط ولم ~~يتب ولا تجعلون له ذلك فيمن لم يفرط أو فرط ثم تاب. قيل له: لو وقفنا على ~~حقيقة توبته من تفريطه أو علمنا أنه لم يكن مفرطا في قضائه لخالفنا بين ~~حكمه وحكم من ظهر تفريطه في باب اللزوم كما اختلف حكمهما عند الله تعالى، ~~ولكنا لا نعلم أنه غير مفرط في الحقيقة لجواز أن يكون له مال مخبوء وقد ~~أظهر الإعسار، وكذلك المظهر لتوبته من تفريطه مع ظهور عسرته جائز أن يكون ~~موسرا بأداء دينه ولا تكون لما أظهر حقيقة، وإذا كان كذلك فحكم اللزوم ~~والمطالبة قائم عليه كما تثبت عليه المطالبة لله تعالى بعد موته. وحديث أبي ~~قتادة أيضا يدل على ذلك، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ~~معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت فقال: "أعليه دين؟ " ~~فقالوا: نعم، ديناران، فقال: "صلوا على صاحبكم" فقال أبو قتادة الأنصاري: ~~هما علي يا رسول الله قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما ~~فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أولى بكل مؤمن من ~~نفسه، فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ms0797 ترك مالا فلورثته" فلو لم تكن المطالبة ~~قائمة عليه إذا مات مفلسا كان لا يترك الصلاة عليه إذا مات مفلسا; لأنه كان ~~يكون بمنزلة من لا دين عليه. وفي هذا دليل على أن الإعسار لا يسقط عنه ~~اللزوم والمطالبة. وقد روى إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن عبد الملك بن ~~عمير قال: كان علي بن أبي طالب إذا أتاه رجل بغريمه قال: هات بينة على مال ~~أحبسه فإن قال: فإني إذا ألزمه، قال: ما أمنعك من لزومه. وأما قول الزهري ~~والليث بن سعد في إجازتهما الحد واستيفاء الدين من أجرته، فخلاف الآية ~~والآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم; أما الآية فقوله تعالى: ~~{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ولم يقل فليؤاجر بما عليه، وسائر ~~الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في شيء منها إجارته وإنما ~~فيها لزومه أو تركه، وحديث أبي سعيد الخدري: "ليس لكم إلا ذلك" حين لم ~~يجدوا له غير ما أخذوا. # قوله عز وجل: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} يعني والله أعلم: أن ~~التصدق بالدين الذي على المعسر خير من إنظاره به; وهذا يدل على أن الصدقة ~~أفضل من القرض لأن القرض إنما هو دفع المال وتأخير استرجاعه; وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P582 # أنه قال: "قرض مرتين كصدقة مرة". وروى علقمة عن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "السلف يجرى مجرى شطر الصدقة" وروي عن عبد الله بن ~~مسعود من قوله، وعن ابن عباس مثله. وعن إبراهيم وقتادة في قوله: {وأن ~~تصدقوا خير لكم} قالا: "برأس المال". # ولما سمى الله الإبراء من الدين صدقة اقتضى ظاهره جوازه عن الزكاة لأنه ~~سمى الزكاة صدقة وهي على ذي عسرة، فلو خلينا والظاهر كان واجبا جوازه عن ~~سائر أمواله التي فيها الزكاة من عين ودين وغيره، إلا أن أصحابنا قالوا: ~~إنما سقط زكاة المبرأ منه دون غيره لأن الدين إنما هو حق ليس بعين، والحقوق ms0798 ~~لا تجرى مجرى الزكاة، مثل سكنى الدار وخدمة العبد ونحوها، وتسميته إياه ~~بالصدقة لا توجب جوازه عن الزكاة في سائر الأحوال، ألا ترى أن الله تعالى ~~قد سمى البراءة من القصاص صدقة في قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} إلى قوله: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] والمراد به ~~العفو عن القصاص; ولا نعلم خلافا بين أهل العلم أن العفو عن القصاص غير ~~مجزئ في الكفارة. وقال تعالى حاكيا عن إخوة يوسف: {وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف ~~لنا الكيل وتصدق علينا} [يوسف: 88] وهم لم يسألوه أن يتصدق عليهم بماله، ~~وإنما سألوه أن يبيعهم ولا يمنعهم الكيل لأنهم كانوا منعوا بديا; ألا ترى ~~أنهم قالوا: فأوف لنا الكيل، وهو ما اشتروه ببضاعتهم؟ فإذا كان وقوع اسم ~~الصدقة عليه لم يوجب جوازه عن الزكاة، لم يكن إطلاق اسم الصدقة على الدين ~~علة لجوازه عن الزكاة; والله تعالى أعلم. # PageV01P583 # باب عقود المداينات # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه} قال أبو بكر ذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد ~~كانا واجبين بقوله تعالى: {فاكتبوه} إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} روي ذلك عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن. وقال آخرون: "هي محكمة ~~لم ينسخ منها شيء". وروى عاصم الأحول وداود بن أبي هند عن عكرمة قال: قال ~~ابن عباس: "لا والله إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ". وقد روى شعبة عن ~~فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب ~~لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها وقد ~~قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} # PageV01P583 # [النساء: 5] ، ورجل له على رجل دين ولم يشهد عليه به". قال أبو بكر: وقد ~~روي هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وروى جويبر عن ~~الضحاك: "إن ذهب ms0799 حقه لم يؤجر وإن دعا عليه لم يجب لأنه ترك حق الله وأمره". ~~وقال سعيد بن جبير: {وأشهدوا إذا تبايعتم} يعني: وأشهدوا على حقوقكم إذا ~~كان فيها أجل أو لم يكن فيها أجل، فأشهد على حقك على كل حال. وقال ابن ~~جريج: سئل عطاء: أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم؟ قال: نعم، هو تأويل ~~قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} . وروى مغيرة عن إبراهيم قال: "يشهد لو ~~على دستجة بقل". وقد روي عن الحسن والشعبي: "إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد، ~~لقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا} " وروى ليث عن مجاهد: "أن ابن عمر كان ~~إذا باع أشهد ولم يكتب"، وهذا يدل على أنه رآه ندبا لأنه لو كان واجبا ~~لكانت الكتابة مع الإشهاد; لأنهما مأمور بهما في الآية. # قال أبو بكر: لا يخلو قوله تعالى: {فاكتبوه} إلى قوله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} وقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} من أن يكون موجبا ~~للكتابة والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها، وكان هذا حكما مستقرا ~~ثابتا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته} ، أو أن يكون نزول الجميع معا; فإن كان كذلك فغير جائز أن ~~يكون المراد بالكتابة والإشهار الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا ~~في شيء واحد، إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره. ولما لم يثبت عندنا ~~تاريخ نزول هذين الحكمين من قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} وقوله ~~تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا} وجب الحكم بورودهما معا، فلم يرد الأمر ~~بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب. وما روي عن ~~ابن عباس من أن آية الدين محكمة لم ينسخ منها شيء، لا دلالة فيه على أنه ~~رأى الإشهاد واجبا; لأنه جائز أن يريد أن الجميع ورد معا، فكان في نسق ~~التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبا، وهو قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم ~~بعضا} ms0800 . وما روي عن ابن عمر أنه كان يشهد، وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على ~~القليل; كله عندنا أنهم رأوه ندبا لا إيجابا. وما روي عن أبي موسى: "ثلاثة ~~يدعون الله فلا يستجاب لهم: أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد" فلا دلالة ~~على أنه رآه واجبا، ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة سيئة الخلق فلم ~~يطلقها؟ ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها; ~~وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل ~~الله تعالى له فيه المخرج والخلاص. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر # PageV01P584 # بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما ~~لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب. وقد ~~نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشربة والبياعات في أمصارهم من ~~غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد ~~واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ~~ندبا، وذلك منقول من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. ولو كانت ~~الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشربتها لورد النقل به متواترا ~~مستفيضا ولأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل ~~المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب ~~والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين; وقوله تعالى: {فاكتبوه} مخاطبة ~~لمن جرى ذكره في أول الآية وهو: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} ~~فإنما أمر بذلك للمتداينين. # فإن قيل: ما وجه قوله تعالى: {بدين} والتداين لا يكون إلا بدين؟ قيل له: ~~لأن قوله تعالى: {تداينتم} لفظ مشترك يحتمل أن يكون من الدين الذي هو ~~الجزاء كقوله تعالى: {مالك يوم الدين} يعني يوم الجزاء، فيكون بمعنى ~~"تجازيتم" فأزال الاشتراك عن اللفظ بقوله تعالى: {بدين} وقصره على المعاملة ~~بالدين; وجائز أن يكون على جهة التأكيد وتمكين المعنى ms0801 في النفس. # وقوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} ينتظم سائر عقود المداينات ~~التي يصح فيها الآجال، ولا دلالة على جواز التأجيل في سائر الديون، لأن ~~الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر الديون وإنما فيها الأمر ~~بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا; ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل ~~في الدين وامتناعه، ألا ترى أنها لم تقتض جواز دخول الأجل على الدين بالدين ~~حتى يكونا جميعا مؤجلين؟ وهو بمنزلة قوله: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم ~~ووزن معلوم إلى أجل معلوم" لا دلالة فيه على جواز السلم في سائر المكيلات ~~والموزونات بالآجال المعلومة، وإنما ينبغي أن يثبت جوازه في المكيل ~~والموزون المعلوم الجنس والنوع والصفة بدلالة أخرى; وإذا ثبت أنه مما يجوز ~~السلم فيه احتجنا بعد ذلك إلى أن نسلم فيه إلى أجل معلوم. وكما تدل الآية ~~على جواز عقود المداينات ولم يصح الاستدلال بعمومها في إجازة سائر عقود ~~المداينات; لأن الآية إنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صحت المداينة، كذلك لا ~~تدل على جواز شرط الأجل في سائر الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صح ~~الدين والتأجيل فيه. # وقد احتج بعضهم في جواز التأجيل في القرض بهذه الآية; إذ لم تفرق بين ~~القرض وسائر عقود المداينات، وقد علمنا أن القرض مما شمله الاسم. وليس ذلك ~~عندنا كما # PageV01P585 # ذكر; لأنه لا دلالة فيها على جواز كل دين ولا على جواز التأجيل في ~~جميعها، وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين قد ثبت فيه التأجيل، لاستحالة ~~أن يكون المراد به الإشهاد على ما لم يثبت من الديون ولا من الآجال; فوجب ~~أن يكون مراده "إذا تداينتم بدين قد ثبت فيه التأجيل فاكتبوه" فالمستدل به ~~على جواز تأجيل القرض مغفل في استدلاله. ومما يدل على أن القرض لم يدخل ~~فيها لقوله تعالى: {إذا تداينتم بدين} قد اقتضى عقد المداينة، وليس القرض ~~بعقد مداينة; إذ لا يصير دينا بالعقد دون القبض، فوجب أن يكون القرض خارجا ~~منه. # قال أبو بكر: وقوله تعالى: ms0802 {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} قد اشتمل على ~~كل دين ثابت مؤجل، سواء كان بدله عينا أو دينا، فمن اشترى دارا أو عبدا ~~بألف درهم إلى أجل كان مأمورا بالكتاب والإشهاد بمقتضى الآية. وقد دلت ~~الآية على أنها مقصورة في دين مؤجل في أحد البدلين لا فيهما جميعا، لأنه ~~تعالى قال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} ولم يقل "بدينين" فإنما أثبت ~~الأجل في أحد البدلين، فغير جائز وجود الأجل في البدلين جميعا; وقد نهى ~~النبي عن الدين بالدين. وأما إذا كانا دينين بالعقد، فهذا جائز في السلم ~~وفي الصرف، إلا أن ذلك مقصور على المجلس. ولا يمتنع أن يكون السلم مرادا ~~بالآية; لأن التأجيل في أحد البدلين، وهو السلم; وقد أمر الله تعالى ~~بالإشهاد على عقد مداينة موجب لدين مؤجل. وقد روى قتادة، عن أبي حسان، عن ~~ابن عباس قال: "أشهد أن السلم المؤجل في كتاب الله وأنزل فيه أطول آية في ~~كتاب الله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} " ~~فأخبر ابن عباس أن السلم المؤجل مما انطوى تحت عموم الآية. وعلى هذا كل دين ~~ثابت مؤجل فهو مراد بالآية، سواء كان من أبدال المنافع أو الأعيان، نحو ~~الأجرة المؤجلة في عقود الإجارات والمهر إذا كان مؤجلا وكذلك الخلع والصلح ~~من دم العمد والكتابة المؤجلة; لأن هذه ديون مؤجلة ثابتة بعقد مداينة. وقد ~~بينا أن الآية إنما اقتضت هذا الحكم في أحد البدلين إذا كان مؤجلا لا ~~فيهما، لأنه قال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل} فكل عقد انتظمته الآية فهو ~~العقد الذي ثبت به دين مؤجل، ولم تفرق بين أن يكون ذلك الدين بدلا من منافع ~~أو أعيان، فوجب أن يكون جميع المندوب إليه من الكتاب والإشهاد مرادا بها ~~هذه العقود كلها، وأن يكون ما ذكر من عدد الشهود وأوصاف الشهادة معتبرا في ~~سائرها; إذ ليس في اللفظ تخصيص شيء منه دون غيره فيوجب ذلك جواز شهادة ~~الرجل والمرأتين في النكاح إذا كان ms0803 المهر دينا مؤجلا وفي الخلع والإجارة ~~والصلح من دم العمد وسائر ما كان هذا وصفه، وغير جائز الاقتصار بهذه ~~الأحكام على بعض الديون المؤجلة دون بعض مع شمول الآية لجميعها. # PageV01P586 # وقوله تعالى: {إلى أجل مسمى} يعني: معلوما; قد روي ذلك عن جماعة من ~~السلف. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن ~~معلوم إلى أجل معلوم". # وقوله تعالى: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق ~~بين الناس أن يكتبها بالعدل بينهم; والكتاب وإن لم يكن حتما فإن سبيله إذا ~~كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط والتوثق من الأمور التي من أجلها يكتب ~~الكتاب، بأن يكون شرطا صحيحا جائزا على ما توجبه الشريعة وتقتضيه. وعليه ~~التحرز من العبارات المحتملة للمعاني وتجنب الألفاظ المشتركة وتحري تحقيق ~~المعاني بألفاظ مبينة خارجة عن حد الشركة والاحتمال والتحرز من خلاف ~~الفقهاء ما أمكن حتى يحصل للمتداينين معنى الوثيقة والاحتياط المأمور بهما ~~في الآية; ولذلك قال تعالى عقيب الأمر بالكتاب: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما ~~علمه الله} يعني والله أعلم: ما بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات ~~الثابتة الجائزة، لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد ~~المداينة; ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلا بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد ~~عليهما ما قصداه ويبطل ما تعاقداه. والكتاب وإن لم يكن حتما وكان ندبا ~~وإرشادا إلى الأحوط فإنه متى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة كما قال عز ~~وجل: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: ~~6] فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل جميعا. ومعلوم أن النفل غير واجب عليه، ~~ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة ~~وسائر أركانها. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أسلم فليسلم في كيل ~~معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" والسلم ليس بواجب، ولكنه متى أراد أن يسلم ~~فعليه استيفاء الشرائط; فكذلك كتاب الدين والإشهاد ليسا بواجبين، ms0804 ولكنه متى ~~كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به، وأن يستوفي ~~فيه شروط صحته، ليحصل المعنى المقصود بكتابته. # وقد اختلف السلف في لزوم الكاتب الكتابة، فروي عن الشعبي أنه قال: "هو ~~واجب على الكفاية. كالجهاد ونحوه". وقال السدي "واجب على الكاتب في حال ~~فراغه". وقال عطاء ومجاهد: "هو واجب". وقال الضحاك: نسختها {ولا يضار كاتب ~~ولا شهيد} . # قال أبو بكر: قد بينا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين، فكيف ~~يكون واجبا على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب له فيه؟ وعسى ~~أن يكون من رآه واجبا ذهب إلى أن الأصل واجب، فكذلك على من يحسن الكتابة أن ~~يقوم # PageV01P587 # بها لمن يجب ذلك عليه. والأصل وإن لم يكن واجبا عندنا، فإن المتداينين ~~متى قصدا إلى ما ندبهما إليه من الاستيثاق بالكتاب ولم يكونا عالمين بذلك، ~~فإنه فرض على من علم ذلك أن يبينه لهما، وليس عليه أن يكتبه ولكن يبينه حتى ~~يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه، كما لو أراد إنسان أن ~~يصوم صوما تطوعا أو يصلي صلاة تطوع ولم يعرف أحكامهما، كان على العالم بذلك ~~إذا سئل أن يبينه لسائله، وإن لم تكن هذه الصلاة والصوم فرضا; لأن على ~~العلماء بيان النوافل والمندوب إليه إذا سئلوا عنها، كما أن عليهم بيان ~~الفروض; وقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم بيان النوافل والمندوب إليه ~~كما أن عليه بيان الفروض، قال الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك} [المائدة: 67] وقال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~[النحل: 44] وفيما أنزل الله على نبيه أحكام النوافل، فكان عليه بيانها ~~لأمته كبيان الفروض. وقد نقلت الأمة عن نبيها صلى الله عليه وسلم بيان ~~المندوب إليه كما نقلت عنه بيان الفروض; وإذا كان كذلك فعلى من علم علما من ~~فرض أو نفل ثم سئل عنه أن يبينه لسائله. وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا ms0805 الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} [آل ~~عمران: 187] وقال صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار". فعلى هذا الوجه يلزم من عرف الوثائق والشروط بيانها ~~لسائلها على حسب ما يلزمه بيان سائر علوم الدين والشريعة. وهذا فرض لازم ~~للناس على الكفاية، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، فأما أن يلزمه أن ~~يتولى الكتابة بيده فهذا ما لا أعلم أحدا يقوله; اللهم إلا أن لا يوجد من ~~يكتبه، فغير ممتنع أن يقول قائل "عليه كتبه" ولو كان كتب الكتاب فرضا على ~~الكاتب لما كان الاستئجار يجوز عليه لأن الاستئجار على فعل الفروض باطل لا ~~يصح; فلما لم يختلف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على كتب كتاب الوثيقة دل ~~على أن كتبه ليس بفرض لا على الكفاية ولا على التعيين. # قوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} نهي للكاتب أن يكتب ~~على خلاف العدل الذي أمر الله به، وهذا النهي على الوجوب إذا كان المراد به ~~كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع، كما تقول: لا تصل النفل على غير طهارة ~~ولا غير مستور العورة; ليس ذلك أمرا بالصلاة النافلة ولا نهيا عن فعلها ~~مطلقا، وإنما هو نهي عن فعلها على غير شرائطها المشروطة لها; وكذلك قوله ~~تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} هو نهي عن كتبه على ~~خلاف الجائز منه; إذ ليست الكتابة في الأصل واجبة عليه; ألا ترى أن قول ~~القائل "لا تأب أن تصلي النافلة بطهارة وستر العورة" ليس فيه إيجاب منه ~~للنافلة؟ فكذلك ما وصفنا. # PageV01P588 # وقوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} ~~فيه إثبات إقرار الذي عليه الحق وإجازة ما أقر به وإلزامه إياه، لأنه لولا ~~جواز إقراره إذا أقر لم يكن إملاء الذي عليه الحق بأولى من إملاء غيره من ~~الناس فقد تضمن ذلك جواز إقرار كل مقر بحق عليه. # وقوله عز وجل: ms0806 {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} يدل على أن كل من أقر ~~بشيء لغيره فالقول قوله فيه لأن البخس هو النقص; فلما وعظه الله تعالى في ~~ترك البخس دل ذلك على أنه إذا بخس كان قوله مقبولا; وهو نظير قوله تعالى: ~~{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] لما وعظهن في ~~الكتمان دل على أن المرجع فيه إلى قولهن; وكقوله تعالى: {ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} قد دل ذلك أنهم متى كتموها كان القول ~~قولهم فيها. وكذلك وعظه الذي عليه الحق في ترك البخس دليل على أن المرجع ~~إلى قوله فيما عليه. وقد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما دل ~~عليه الكتاب، وهو قوله: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" فجعل ~~القول قول من ادعى عليه دون المدعي، وأوجب عليه اليمين; وهو معنى قوله ~~تعالى: {ولا يبخس منه شيئا} في إيجاب الرجوع إلى قوله. # واحتج بعضهم بهذه الآية على أن القول قول المطلوب في الأجل; لأن الله رد ~~الإملاء إليه ووعظه في البخس بقوله تعالى: {ولا يبخس منه شيئا} في صدقه في ~~مبلغ المال. فيقال: إنما وعظه في البخس وهو النقصان، ويستحيل وعظ المطلوب ~~في بخس الأجل ونقصانه، وهو لو أسقط الأجل كله بعد ثبوته لبطل، كما لا يوعظ ~~الطالب في نقصان ماله; إذ لو أبرأه من جميعه لصحت براءته. فلما كان ذلك ~~كذلك علمنا أن المراد بالبخس في مقدار الديون لا في الأجل، فليس إذا في ~~الآية دليل على أن القول قول المطلوب في الأجل. # فإن قيل إثبات الأجل في المال يوجب نقصانه، فلما كان القول قول المطلوب ~~في نقصان المال ومقداره وجب أن يكون القول قوله في الأجل لما فيه من بخس ~~المال ونقصانه; إذ قد تضمنت الآية تصديقه في بخسه والبخس تارة يكون بنقصان ~~المقدار وتارة بنقصان الصفة من أجل رداءة في المقر به. قيل له: لما قال ~~تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق ms0807 الله ربه ولا يبخس منه شيئا} اقتضى ~~ذلك النهي عن بخس الحق نفسه، فكان تقديره ولا يبخس من الدين شيئا ومدعي ~~الأجل غير باخس من الدين ولا ناقص له; إذ كان بخس الدين هو نقصان مقداره، ~~وليس الأجل هو الدين ولا بعضه; وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على ~~تصديقه على دعوى الأجل. ويدلك على أن الأجل ليس من الدين # PageV01P589 # أن الدين قد يحل ويبطل الأجل ويكون هو ذلك الدين، وقد يسقط الأجل ويعجل ~~الدين فيكون الذي عجل هو الدين الذي كان مؤجلا; وإذا كان ذلك كذلك ثم قال ~~تعالى: {ولا يبخس منه شيئا} يعني من الدين شيئا، لم يتناول ذلك الأجل ولم ~~يدل عليه. ومن جهة أخرى أن الأجل إنما يوجب نقصا فيه من طريق الحكم لأن ~~المقبوض بعد الأجل وقبله إذا كان على صفة واحدة فقد علمت أنه لا تأثير له ~~في نقصان المقبوض، وإنما يقال إنه نقص فيه من طريق الحكم على المجاز لا على ~~الحقيقة، وقد تناولت الآية البخس الذي هو حقيقة وهو نقصان المقدار، ونقصانه ~~في نفسه من رداءة أو غبن أو غيرهما، نحو إقراره بالدراهم السود والحنطة ~~الردية; فإن ذلك كله بخس من جهة الحقيقة لاختلاف صفات المقبوض عنه، فلم يجز ~~أن يتناول بعض الأجل الذي ليس بحقيقة فيه بل هو مجاز لأن اللفظ متى أريد به ~~الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه. # وفي هذه الآية دلالة على أن القول قول الطالب في الأجل; لأنه ابتدأ ~~الخطاب بقوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} إلى قوله ~~تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} اقتضى ذلك الإشهاد على المتداينين ~~جميعا إذا كان المال مؤجلا، فلو كان القول قول المطلوب في الأجل لما احتيج ~~إلى الإشهاد به على الطالب; وفي وجوب الإشهاد على الطالب بالتأجيل دلالة ~~على أن القول قوله وأن المطلوب غير مصدق عليه; إذ لو كان مصدقا فيه لما بقي ~~للإشهاد على الطالب موضع ولا معنى. # فإن قال قائل: إنما حكم الإشهاد مقصور على ms0808 المطلوب دون الطالب. قيل له: ~~هذا خلاف مقتضى الآية; لأنه قال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} ثم عطف ~~عليه قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} فخاطب المتداينين جميعا ~~وأمرهما بالاستشهاد، فلو جاز لقائل أن يقول: إن المطلوب مخصوص به، لجاز ~~لآخر أن يقول: هو مقصور على الطالب دون المطلوب; فلما لم يصح ذلك وجب بظاهر ~~الآية أن يكون الإشهاد عليهما جميعا وأن يكونا مندوبين إليه. وإذا ثبت ذلك ~~لم يكن للإشهاد على الطالب بالدين المؤجل حكم لأنه مقبول القول في نفيه، دل ~~ذلك على أن المرجع إلى قوله في الأجل، وإنما جعل الله الإملاء إلى المطلوب ~~إذا أحسن ذلك، وإن كان لو أملى غيره وأقر المطلوب به جاز; لأنه أثبت في ~~الإقرار وأذكر للشهود متى أرادوا أن يتذكروا الشهادة، وكان الإملاء سببا ~~للاستذكار كما أمر باستشهاد امرأتين لتذكر إحداهما الأخرى; والله تعالى ~~أعلم. # PageV01P590 # باب الحجر على السفيه # قال الله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل # PageV01P590 # هو فليملل وليه بالعدل} قد احتج كل فريق من موجبي الحجر على السفيه ومن ~~مبطليه بهذه الآية، فاحتج مثبتو الحجر للسفيه بقوله تعالى: {فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} ~~فأجاز لولي السفيه الإملاء عنه. واحتج مبطلو الحجر بما في مضمون الآية من ~~جواز مداينة السفيه بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه} إلى قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا} فأجاز مداينة السفيه وحكم بصحة إقراره في مداينته; وإنما خالف بينه ~~وبين غيره في إملاء الكتاب لقصور فهمه عن استيفاء ما له وعليه مما يقتضيه ~~شرط الوثيقة. وقالوا: إن قوله تعالى: {فليملل وليه بالعدل} إنما المراد به ~~ولي الدين; وقد روي ذلك عن جماعة من السلف، قالوا: وغير جائز أن يكون ~~المراد ولي السفيه على معنى الحجر عليه وإقراره بالدين عليه لأن إقرار ولي ~~المحجور عليه ms0809 غير جائز عليه عند أحد، فعلمنا أن المراد ولي الدين، فأمر ~~بإملاء الكتاب حتى يقر به المطلوب الذي عليه الدين. # قال أبو بكر اختلف السلف في السفيه المراد بالآية، فقال قائلون منهم: "هو ~~الصبي" روي ذلك عن الحسن في قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: ~~"الصبي والمرأة" وقال مجاهد: "النساء". وقال الشعبي: "لا تعطى الجارية ~~مالها وإن قرأت القرآن والتوراة". وهذا محمول على التي لا تقوم بحفظ المال; ~~لأنه لا خلاف أنها إذا كانت ضابطة لأمرها حافظة لمالها دفع إليها إذا كانت ~~بالغا قد دخل بها زوجها. وقد روي عن عمر أنه قال: "لا تجوز لامرأة مملكة ~~عطية حتى تحبل في بيت زوجها حولا أو تلد بطنا" وروي عن الحسن مثله. وقال ~~أبو الشعثاء: "لا تجوز لامرأة عطية حتى تلد أو يؤنس رشدها" وعن إبراهيم ~~مثله. وهذا كله محمول على أنه لم يؤنس رشدها، لأنه لا خلاف أن هذا ليس بحد ~~في استحقاق دفع المال إليها لأنها لو أحالت حولا في بيت زوجها وولدت بطونا ~~وهي غير مؤنسة للرشد ولا ضابطة لأمرها لم يدفع إليها مالها، فعلمنا أنهم ~~إنما أرادوا ذلك فيمن لم يؤنس رشدها. # وقد ذكر الله تعالى السفه في مواضع: منها ما أراد به السفه في الدين، وهو ~~الجهل به، في قوله تعالى: {ألا إنهم هم السفهاء} [البقرة: 13] وقوله تعالى: ~~{سيقول السفهاء من الناس} [البقرة: 142] فهذا هو السفه في الدين، وهو الجهل ~~والخفة، وقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء: 5] فمن الناس من ~~تأوله على أموالهم كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] يعني: ~~لا يقتل بعضكم بعضا. وقال تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] والمعنى: ~~ليقتل بعضكم بعضا. وهذا الذي # PageV01P591 # ذكره هذا القائل عدول عن حقيقة اللفظ وظاهره بغير دلالة لأن قوله تعالى: ~~{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء: 5] يشتمل على فريقين من الناس كل ~~واحد منهما مميز في اللفظ من الآخر، وأحد الفريقين هم المخاطبون بقوله ~~تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء: 5] والفريق الآخر السفهاء ~~المذكورون معهم، فلما ms0810 قال تعالى: {أموالكم} [النساء: 5] وجب أن ينصرف ذلك ~~إلى أموال المخاطبين دون السفهاء، وغير جائز أن يكون المراد السفهاء لأن ~~السفهاء لم يتوجه الخطاب إليهم بشيء وإنما توجه إلى العقلاء المخاطبين، ~~وليس ذلك كقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] وقوله تعالى: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] لأن القاتلين والمقتولين قد انتظمهم خطاب واحد ~~لم يتميز أحد الفريقين من الآخر في حكم المخاطبة، فلذلك جاز أن يكون ~~المراد: فليقتل بعضكم بعضا. # وقد قيل أن أصل السفه الخفة، ومن ذلك قول الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # يعني: استخفتها الرياح. وقال آخر: # نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنحمل الدهر مع الحامل # أي: تخف أحلامنا. # ويسمى الجاهل سفيها لأنه خفيف العقل ناقصه; فمعنى الجهل شامل لجميع من ~~أطلق عليه اسم السفيه. والسفيه في أمر الدين هو الجاهل فيه، والسفيه في ~~المال هو الجاهل لحفظه وتدبيره، والنساء والصبيان أطلق عليهم اسم السفهاء ~~لجهلهم ونقصان تمييزهم، والسفيه في رأيه الجاهل فيه والبذي اللسان يسمى ~~سفيها لأنه لا يكاد ينفق إلا في جهال الناس ومن كان خفيف العقل منهم. وإذا ~~كان اسم السفيه ينتظم هذه الوجوه رجعنا إلى مقتضى لفظ الآية في قوله تعالى: ~~{فإن كان الذي عليه الحق سفيها} فاحتمل أن يريد به الجهل بإملاء الشرط وإن ~~كان عاقلا مميزا غير مبذر ولا مفسد، وأجاز لولي الحق أن يمليه حتى يقر به ~~السفيه الذي عليه الحق، ويكون ذلك أولى بمعنى الآية; لأن الذي عليه الحق هو ~~المذكور في أول الآية بالمداينة، ولو كان محجورا عليه لما جازت مداينته. ~~ومن جهة أخرى أن ولي المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين، وإنما يجوز ~~على قول من يرى الحجر أن يتصرف عليه القاضي ببيع أو شرى، فأما وليه فلا ~~نعلم أحدا يجيز تصرف أوليائه عليه ولا إقرارهم، وفي ذلك دليل على أنه لم ~~يرد ولي السفيه وإنما أراد ولي الدين. وقد روي ذلك عن الربيع بن أنس وقاله ~~الفراء أيضا. # PageV01P592 # وأما قوله: {أو ضعيفا} فقد قيل ms0811 فيه الضعيف في عقله أو الصبي المأذون له; ~~لأن ابتداء الآية قد اقتضى أن يكون الذي عليه الحق جائز المداينة والتصرف ~~فأجاز تصرف هؤلاء كلهم، فلما بلغ إلى حال إملاء الكتاب والإشهاد ذكر من لا ~~يكمل لذلك إما لجهل بالشروط أو لضعف عقل لا يحسن معه الإملاء وإن لم يوجب ~~نقصان عقله حجرا عليه، وإما لصغر أو لحرف وكبر سن; لأن قوله تعالى: {أو ~~ضعيفا} محتمل للأمرين وينتظمهما. وذكر معهما من لا يستطيع أن يمل هو إما ~~لمرض أو كبر سن انفلت لسانه عن الإملاء أو لخرس; ذلك كله محتمل. وجائز أن ~~تكون هذه الوجوه مرادة لله تعالى لاحتمال اللفظ لها، وليس في شيء منها ~~دلالة على أن السفيه يستحق الحجر. وأيضا فلو كان بعض من يلحقه اسم السفيه ~~يستحق الحجر لم يصح الاستدلال بهذه الآية في إثبات الحجر وذلك لأنه قد ثبت ~~أن السفه لفظ مشترك ينطوي تحته معان مختلفة، منها: ما ذكرنا من السفه في ~~الدين، وذلك لا يستحق به الحجر لأن الكفار والمنافقين سفهاء وهم غير ~~مستحقين للحجر في أموالهم. ومنها: السفه الذي هو البذاء والتسرع إلى سوء ~~اللفظ، وقد يكون السفيه بهذا الضرب من السفه مصلحا لماله غير مفسده ولا ~~مبذره; وقال تعالى: {إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] قال أبو عبيدة: يريد ~~أهلكها وأوبقها. وروي عن عبد الله بن عمر حين قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إني أحب أن يكون رأسي دهينا وقميصي غسيلا وشراك نعلي جديدا، أفمن ~~الكبر هو يا رسول الله؟ قال: "لا إنما الكبر من سفه الحق وغمط الناس" وهذا ~~يشبه أن يريد: من جهل الحق لأن الجهل يسمى سفها والله تعالى أعلم. # PageV01P593 # ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه # كان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل لا لسفه ~~ولا لتبذير ولا لدين وإفلاس، وإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ~~ماله ببيع أو هبة أو غيرهما جاز تصرفه وإن لم يؤنس ms0812 منه رشد فكان فاسدا ~~ويحال بينه وبين ماله، ومع ذلك إن أقر به لإنسان أو باعه جاز ما صنع من ~~ذلك; وإنما يمنع من ماله ما لم يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ~~ماله وإن لم يؤنس منه رشد. وقول عبيد الله بن الحسن في الحجر كقول أبي ~~حنيفة. وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: "لا يحجر على حر". وروى ابن عون ~~عن محمد بن سيرين قال: "لا يحجر على حر إنما يحجر على العبد"، وعن الحسن ~~البصري مثل ذلك. وقال أبو يوسف: "إذا كان سفيها حجرت عليه وإذا فلسته ~~وحبسته حجرت عليه، ولم أجز بيعه ولا شراءه ولا إقراره بدين إلا ببينة تشهد ~~به عليه أنه كان قبل الحجر". وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة # PageV01P593 # عن محمد في الحجر بمثل قول أبي يوسف فيه، ومزيد عليه أنه إذا صار في ~~الحال التي يستحق معها الحجر صار محجورا عليه حجر القاضي عليه مع ذلك أو لم ~~يحجر. وكان أبو يوسف يقول: "لا يكون محجورا عليه بحدوث هذه الأحوال فيه حتى ~~يحجر القاضي عليه فيكون بذلك محجورا عليه". وقال محمد: "إذا بلغ ولم يؤنس ~~منه رشد لم يدفع إليه ماله ولم يجز بيعه ولا هبته وكان بمنزلة من لم يبلغ، ~~فما باع أو اشترى نظر الحاكم فيه فإن رأى إجازته أجازه، وهو ما لم يؤنس منه ~~رشد بمنزلة الصبي الذي لم يبلغ إلا أنه يجوز لوصي الأب أن يشتري ويبيع على ~~الذي لم يبلغ ولا يجوز أن يبيع ويشتري على الذي بلغ بأمر الحاكم" وذكر ابن ~~عبد الحكم وابن القاسم عن مالك قال: "ومن أراد الحجر على موليه فليحجر عليه ~~عند السلطان حتى يوقفه للناس ويسمع منه في مجلسه ويشهد على ذلك، ويرد بعد ~~ذلك ما بويع وما أدان به السفيه، فلا يلحقه ذلك إذا صلحت حاله وهو مخالف ~~للعبد، وإن مات المولى عليه وقد ادان فلا يقضى عنه وهو في موته بمنزلته في ~~حياته ms0813 إلا أن يوصي بذلك في ثلثه فيكون ذلك له; وإذا بلغ الولد فله أن يخرج ~~عن أبيه وإن كان أبوه شيخا ضعيفا إلا أن يكون الابن مولى عليه أو سفيها أو ~~ضعيفا في عقله فلا يكون له ذلك". وقال الفريابي عن الثوري في قوله تعالى: ~~{وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم} [النساء: 6] قال: "العقل والحفظ لماله" وكان يقول: "إذا اجتمع فيه ~~خصلتان إذا بلغ الحلم وكان حافظا لماله لا يخدع عنه". وحكى المزني عن ~~الشافعي في مختصره قال: "وإنما أمر الله بدفع أموال اليتامى بأمرين لم يدفع ~~إلا بهما، وهما البلوغ والرشد، والرشد الصلاح في الدين بكون الشهادة جائزة ~~مع إصلاح المال، والمرأة إذا أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم ~~تتزوج، كالغلام نكح أو لم ينكح; لأن الله تعالى سوى بينهما ولم يذكر ~~تزويجا; وإذا حجر عليه الإمام في سفهه وإفساده ماله أشهد على ذلك، فمن ~~بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله، ومتى أطلق عنه الحجر ثم عاد إلى حال ~~الحجر حجر عليه، ومتى رجع إلى حال الإطلاق أطلق عنه". # قال أبو بكر: قد بينا ما احتج به كل فريق من مبطلي الحجر ومن مثبتيه من ~~دلالة آية الدين، وقد بينا أن الأظهر من دلالتها بطلان الحجر وجواز التصرف. ~~واحتج مثبتو الحجر بما روى هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن جعفر أتى ~~الزبير فقال: إني ابتعت بيعا ثم إن عليا يريد أن يحجر علي. فقال الزبير: ~~فإني شريكك في البيع فأتى علي عثمان فسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر، ~~فقال الزبير: أنا شريكه في هذا البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه ~~الزبير قالوا: فهذا يدل على أنهم # PageV01P594 # جميعا قد رأوا الحجر جائزا، ومشاركة الزبير ليدفع الحجر عنه، وكان ذلك ~~بمحضر من الصحابة من غير خلاف ظهر من غيرهم عليهم. # قال أبو بكر: لا دلالة في ذلك على أن الزبير رأى الحجر، وإنما يدل ms0814 ذلك ~~على تسويغه لعثمان الحجر، وليس فيه ما يدل على موافقته إياه فيه; وذلك لأن ~~هذا حكم سائر المسائل المختلف فيها من مسائل الاجتهاد. وأيضا فإن الحجر على ~~وجهين: أحدهما: الحجر في منع التصرف والإقرار، والآخر: في المنع من المال; ~~وجائز أن يكون الحجر الذي رآه عثمان وعلي هو المنع من ماله; لأنه جائز أن ~~لا يكون سن عبد الله بن جعفر في ذلك الوقت خمسا وعشرين سنة، وأبو حنيفة يرى ~~أن لا يدفع إليه ماله قبل بلوغ هذه السن إذا لم يؤنس منه رشد; وهذا عبد ~~الله بن جعفر هو من الصحابة وقد أبى الحجر، فكيف يدعى فيه اتفاق الصحابة؟ ~~ويحتجون أيضا بما روى الزهري عن عروة عن عائشة: أنه بلغها أن ابن الزبير ~~بلغه أنها باعت بعض رباعها فقال: لتنتهين وإلا حجرت عليها فبلغها ذلك ~~فقالت: لله علي أن لا أكلمه أبدا قالوا: فهذا يدل على أن ابن الزبير وعائشة ~~قد رأيا الحجر، إلا أنها أنكرت عليه أن تكون هي من أهل الحجر; فلولا ذلك ~~لبينت أن الحجر لا يجوز ولردت عليه قوله. # قال أبو بكر: قد ظهر النكير منها في الحجر، وهذا يدل على أنها لم تر ~~الحجر جائزا، لولا ذلك لما أنكرته إن كان ذلك شيئا يسوغ فيه الاجتهاد. وما ~~ظهر منها من النكير يدل على أنها كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر. # فإن قيل: إنما لم تسوغ الاجتهاد في الحجر عليها فأما في الحجر مطلقا فلا، ~~ولو كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر لقالت "إن الحجر غير جائز" فتكتفي ~~بذلك في إنكارها الحجر عليها. قيل له: قد أنكرت الحجر على الإطلاق بقولها ~~"لله علي أن لا أكلمه أبدا" ودعواك أنها أنكرت الحجر عليها خاصة دون ~~إنكارها لأصل الحجر لا دلالة معها. # ومما يدل على بطلان الحجر ما حدثنا به محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رجلا ~~ذكر لرسول ms0815 الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا بايعت فقل لا خلابة" فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خلابة. ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الله ~~الأزدي وإبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي قال: حدثنا عبد الوهاب قال محمد: ~~عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرني سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رجلا على ~~عهد # PageV01P595 # رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فأتى به أهله نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان فإنه يبتاع ~~وفي عقدته ضعف فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع، فقال: يا ~~نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~كنت غير تارك البيع فقل ها وها ولا خلابة". فذكر في الحديث الأول أنه كان ~~يخدع في البيع، فلم يمنع من التصرف ولم يحجر عليه، ولو كان الحجر واجبا لما ~~تركه النبي صلى الله عليه وسلم والبيع وهو مستحق المنع منه. # فإن قال قائل فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا بايعت فقل لا ~~خلابة" فإنما أجاز له البيع على شريطة استيفاء البدل من غير معاينة. قيل ~~له: فليرض القائلون بالحجر منا على ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا ~~السفيه الذي كان يخدع في البيع; وليس أحد من الفقهاء يشترط ذلك على السفهاء ~~لا من القائلين بالحجر ولا من نفاته; لأن من يرى الحجر يقول: "يحجر عليه ~~الحاكم ويمنعه من التصرف" ولا يرون إطلاق التصرف له مع التقدمة إليه بأن ~~يقول عند البيع "لا خلابة" ومبطلو الحجر يجيزون تصرفه على سائر الأحوال فقد ~~ثبت بدلالة هذا الخبر بطلان الحجر على السفيه بعد أن يكون عاقلا. وأيضا فإن ~~جازت الثقة به في ضبط هذا الشرط وذكره عند سائر المبايعات فقد تجوز الثقة ~~به في ضبط عقود المبايعات ونفي ms0816 المغابنات عنها. واللفظ الذي في هذا الخبر ~~من قوله: "إذا بايعت فقل لا خلابة" يستقيم على مذهب محمد، فإنه يقول: "إن ~~السفيه إذا بلغ فرفع أمره إلى الحاكم أجاز من عقوده ما لم تكن فيه مغابنة ~~وضرر" فأما سائر من يرى الحجر فإنه لا يعتبر ذلك. # قال أبو بكر: ويجوز أن يقال إن مذهب محمد أيضا مخالف للأثر; لأن محمدا لا ~~يجيز بيع المحجور عليه إلا أن يرفع إلى القاضي فيجيزه فيجعله بيعا موقوفا ~~كبيع أجنبي لو باع عليه بغير أمره، والنبي؟ صلى الله عليه وسلم لم يجعل بيع ~~الرجل الذي قال له: "إذا بايعت فقل لا خلابة" موقوفا، بل جعله جائزا نافذا ~~إذا قال: "لا خلابة" فصار مذهب مثبتي الحجر مخالفا لهذا الأثر. وأما حديث ~~أنس فإنه يحتج به الفريقان جميعا; فأما مثبتو الحجر فإنهم يحتجون بأن أهله ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان فإنه ~~يبتاع وفي عقدته ضعف فلم ينكره عليهم، بل نهاه عن البيع; ولما قال: "لا ~~أصبر عن البيع" قال: "إذا بايعت فقل لا خلابة" فأطلق له البيع على شريطة ~~نفي التغابن فيه. وأما مبطلوه فإنهم يستدلون بأنه لما قال "إني لا أصبر عن ~~البيع" أطلق له النبي صلى الله عليه وسلم التصرف وقال له: "إذا بعت فقل لا ~~خلابة" فلو كان الحجر واجبا لما كان قوله "لا أصبر عن البيع" مزيلا للحجر ~~عنه; لأن أحدا من موجبي الحجر لا يرفع الحجر عنه لفقد صبره عن البيع، وكما ~~أن الصبي والمجنون المستحقين للحجر عند الجميع لو قالا "لا نصبر عن البيع" ~~لم يكن هذا القول منهما مزيلا للحجر عنهما، ولما قيل لهما "إذا بايعتما ~~فقولا لا خلابة". وفي # PageV01P596 # إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم له التصرف على الشريطة التي ذكرها دلالة ~~على أن الحجر غير واجب، وأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم له بديا عن البيع ~~وقوله: "فقل لا خلابة" على وجه النظر له والاحتياط لماله، كما تقول ms0817 لمن ~~يريد التجارة في البحر أو في طريق مخوف: "لا تغرر بمالك واحفظه" وما جرى ~~مجرى ذلك; وليس هذا بحجر، وإنما هو مشورة وحسن نظر. ومما يدل على بطلان ~~الحجر أنهم لا يختلفون أن السفيه يجوز إقراره بما يوجب الحد والقصاص، وذلك ~~مما تسقطه الشبهة، فوجب أن يكون إقراره بحقوق الآدميين التي لا تسقطها ~~الشبهة أولى. # فإن قال قائل: المريض جائز الإقرار بما يوجب الحد والقصاص ولا يجوز ~~إقراره ولا هبته إذا كان عليه دين يحيط بماله، فليس جواز الإقرار بالحد ~~والقصاص أصلا للإقرار بالمال والتصرف فيه. قيل له: إن إقرار المريض عندنا ~~بجميع ذلك جائز، وإنما نبطله إذا اتصل بمرضه الموت لأن تصرفه مراعى معتبر ~~بالموت، فإذا مات صار تصرفه واقعا في حق الغير الذي هو أولى منه به وهم ~~الغرماء والورثة، فأما تصرفه في الحال فهو جائز ما لم يطرأ الموت; ألا ترى ~~أنا لا نفسخ هبته ولا نوجب السعاية على من أعتقه من عبيده حتى يحدث الموت؟ ~~فإقراره بالحد والقصاص والمال غير متفرقين في حال الحياة. # ومما يحتج به مثبتو الحجر قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] ~~وقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] الآية. فإذا ~~كان التبذير مذموما منهيا عنه، وجب على الإمام المنع منه، وذلك بأن يحجر ~~عليه ويمنعه التصرف في ماله; وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة ~~المال يقتضي منعه عن إضاعته بالحجر عليه. وهذا لا دلالة فيه على الحجر لأنا ~~نقول: إن التبذير محظور وينهى فاعله عنه، وليس في النهي عن التبذير ما يوجب ~~الحجر لأنه إنما ينبغي أن يمنعه التبذير فأما أن يمنعه من التصرف في ماله ~~ويبطل بياعاته وإقراره وسائر وجوه تصرفه فإن هذا الموضع هو الذي فيه الخلاف ~~بيننا وبين خصومنا، وليس في الآية ما يوجب المنع من شيء منه وذلك لأن ~~الإقرار نفسه ليس من التبذير في شيء; لأنه لو كان مبذرا لوجب منع سائر ~~المقرين من إقرارهم. وكذلك البيع بالمحاباة لا تبذير فيه ms0818 لأنه لو كان مبذرا ~~لوجب أن ينهى عنه سائر الناس; وكذلك الهبة والصدقة. وإذا كان كذلك فالذي ~~تقتضيه الآية النهي عن التبذير وذم فاعله، فكيف يجوز الاستدلال بها على ~~الحجر في العقود التي لا تبذير فيها؟ وقد يصح الاستدلال لمحمد لأنه يجيز من ~~عقوده ما لا محاباة فيه ولا إتلاف لماله، إلا أن الذي في الآية إنما هو ذم ~~المبذرين والنهي عن التبذير، ومن ينفي الحجر يقول إن التبذير مذموم منهي عن ~~فعله، فأما الحجر ومنع التصرف فليس في الآية إيجابه. ألا ترى أن الإنسان # PageV01P597 # منهي عن التغرير بماله في البحر وفي الطريق المخوفة ولا يمنعه الحاكم منه ~~على وجه الحجر عليه؟ ولو أن إنسانا ترك نخله وشجره وزرعه لا يسقيها وترك ~~عقاره ودوره لا يعمرها لم يكن للإمام أن يجبره على الإنفاق عليها لئلا يتلف ~~ماله؟ كذلك لا يحجر عليه في عقوده التي يخاف فيها توى ماله. وكذلك نهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال لا دلالة فيه على الحجر كما بيناه ~~في التبذير. # ومما يدل على بطلان الحجر وجواز تصرف المحجور عليه، أن العاقل البالغ إذا ~~ظهر منه سفه وتبذير فإن الفقهاء الذين تقدم ذكر أقاويلهم من موجبي الحجر ما ~~خلا محمد بن الحسن يقول: إذا حجر عليه القاضي بطل من عقوده وإقراره ما كان ~~بعد الحجر، وإذا كان جائز التصرف قبل حجر القاضي فمعنى الحجر حينئذ أني قد ~~أبطلت ما يعقده أو ما يقر به في المستقبل. وهذا لا يصح; لأن فيه فسخ عقد لم ~~يوجد بعد، بمنزلة من قال لرجل: "كل بيع بعتنيه وعقد عاقدتنيه فقد فسخته" أو ~~"كل خيار بشريطة لي في البيع فقد أبطلته" أو تقول امرأة: "كل أمر تجعله إلي ~~في المستقبل فقد أبطلته" فهذا باطل لا يجوز فسخ العقود الموجودة في ~~المستقبل. # ومما يلزم أبا يوسف ومحمدا في هذا أنهما يجيزان تزويجه بعد الحجر بمهر ~~المثل وفي ذلك إبطال الحجر; لأنه إن كان الحجر واجبا لئلا يتلف ماله فإنه ~~قد ms0819 يصل إلى إتلافه بالتزويج وذلك بأن يتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها ثم ~~يطلقها قبل الدخول فيلزمه نصف المهر، ثم لا يزال يفعل ذلك حتى يتلف ماله; ~~فليس إذا في هذا الحجر احتراز من إتلاف المال. # وأما اشتراط الشافعي في إيناس الرشد واستحقاق دفع المال جواز الشهادة، ~~فإنه قول لم يسبقه إليه أحد، ويجب على هذا أن لا يجيز إقرارات الفساق عند ~~الحكام على أنفسهم وأن لا يجيز بيوعهم ولا أشريتهم، وينبغي للشهود أن لا ~~يشهدوا على بيع من لم تثبت عدالته، وأن لا يقبل القاضي من مدع دعواه حتى ~~تثبت عدالته، ولا يقبل عليه دعوى المدعى عليه حتى يصح عنده جواز شهادته; إذ ~~لا يجوز عنده إقرار من ليس على صفة العدالة وجواز الشهادة ولا عقوده وهو ~~محجور عليه; وهذا خلاف الإجماع. ولم يزل الناس منذ عصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى يومنا هذا يتخاصمون في الحقوق، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا أحد من السلف: لا أقبل دعاويكم ولا أسأل أحدا عن دعوى غيره إلا بعد ~~ثبوت عدالته. وقد قال الحضرمي الذي خاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنه ~~رجل فاجر بحضرته، ولم يبطل النبي صلى الله عليه وسلم خصومته ولا سأل عن ~~حاله; وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هناد قال: ~~حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل الحضرمي، # PageV01P598 # عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي; فقال ~~الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا. قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله ~~إنه فاجر ليس يبالي ما حلف ليس يتورع من شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك". ~~فلو كان الفجور يوجب الحجر لسأل صلى الله عليه وسلم عن حاله أو لأبطل ms0820 ~~خصومته لإقرار الخصم بأنه محجور عليه غير جائز الخصومة. ولا خلاف بين ~~الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف في الأملاك ونفاذ العقود ~~والإقرارات، والكفر أعظم الفسوق وهو غير موجب للحجر، فكيف يوجبه الفسق الذي ~~هو دونه؟ وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في ~~جواز التصرف والأملاك ونفاذ العقود. # قوله عز وجل: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} قال أبو بكر: لما كان ابتداء ~~الخطاب للمؤمنين في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل} ~~ثم عطف عليه قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} دل ذلك على معنيين: ~~أحدهما أن يكون من صفة الشهود; لأن الخطاب توجه إليهم بصفة الإيمان; ولما ~~قال في نسق الخطاب: {من رجالكم} كان كقوله من رجال المؤمنين، فاقتضى ذلك ~~كون الإيمان شرطا في الشهادة على المسلمين. والمعنى الآخر: الحرية وذلك لما ~~في فحوى الخطاب من الدلالة من وجهين: أحدهما قوله تعالى: {إذا تداينتم ~~بدين} إلى قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} وذلك في الأحرار دون ~~العبيد; والدليل عليه أن العبد لا يملك عقود المداينات وإذا أقر بشيء لم ~~يجز إقراره إلا بإذن مولاه، والخطاب إنما توجه إلى من يملك ذلك على الإطلاق ~~من غير إذن الغير، فدل ذلك على أن من شرط هذه الشهادة الحرية. والمعنى ~~الآخر من دلالة الخطاب: قوله تعالى: {من رجالكم} فظاهر هذا اللفظ يقتضي ~~الإحراز، كقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] يعني الأحرار، ~~ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} فلم يدخل ~~العبيد في قوله تعالى: {منكم} ؟ وفي ذلك دليل على أن من شرط هذه الشهادة ~~الإسلام والحرية جميعا، وأن شهادة العبد غير جائزة; لأن أوامر الله تعالى ~~على الوجوب وقد أمر باستشهاد الأحرار فلا يجوز غيرهم. وقد روي عن مجاهد في ~~قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} قال: "الأحرار". # فإن قيل: إن ما ذكرت إنما يدل على أن العبد غير داخل في الآية ولا دلالة ~~فيها على بطلان شهادته. قيل ms0821 له: لما ثبت بفحوى خطاب الآية أن المراد بها ~~الأحرار. وكان قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} أمرا مقتضيا ~~للإيجاب، وكان بمنزلة # PageV01P599 # قوله تعالى: "واستشهدوا رجلين من الأحرار" فغير جائز لأحد إسقاط شرط ~~الحرية; لأنه لو جاز ذلك لجاز إسقاط العدد; وفي ذلك دليل على أن الآية قد ~~تضمنت بطلان شهادة العبيد. # واختلف أهل العلم في شهادة العبيد، فروى قتادة عن الحسن عن علي قال: ~~"شهادة الصبي على الصبي والعبد على العبد جائزة". وحدثنا عبد الرحمن بن ~~سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~همام قال: سمعت قتادة يحدث "أن عليا رضي الله عنه كان يستثبت الصبيان 1 في ~~الشهادة" وهذا يوهن الحديث الأول. وروى حفص بن غياث عن المختار بن فلفل عن ~~أنس قال: "ما أعلم أحدا رد شهادة العبد". وقال عثمان البتي: "تجوز شهادة ~~العبد لغير سيده". وذكر أن ابن شبرمة كان يراها جائزة، يأثر ذلك عن شريح. ~~وكان ابن أبي ليلى لا يقبل شهادة العبيد، وظهرت الخوارج على الكوفة وهو ~~يتولى القضاء بها، فأمروه بقبول شهادة العبيد وبأشياء ذكروها له من آرائهم ~~كان على خلافها، فأجابهم إلى امتثالها فأقروه على القضاء، فلما كان في ~~الليل ركب راحلته ولحق بمكة; ولما جاءت الدولة الهاشمية ردوه إلى ما كان ~~عليه من القضاء على أهل الكوفة. وقال الزهري عن سعيد بن المسيب قال: "قضى ~~عثمان بن عفان أن شهادة المملوك جائزة بعد العتق إذا لم تكن ردت قبل ذلك". ~~وروى شعبة عن المغيرة قال: "كان إبراهيم يجيز شهادة المملوك في الشيء ~~التافه". وروى شعبة أيضا عن يونس عن الحسن مثله. وروي عن الحسن أنها لا ~~تجوز. وروي عن حفص عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال: "لا تجوز شهادة ~~العبد". وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة في إحدى الروايتين ~~ومالك والحسن بن صالح والشافعي: "لا تقبل شهادة العبيد في شيء". # قال أبو بكر: وقد قدمنا ذكر الدلالة من ms0822 الآية على أن الشهادة المذكورة ~~فيها مخصوصة بالأحرار دون العبيد، ومما يدل من الآية على نفي شهادة العبد ~~قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} فقال بعضهم: إذا دعي فليشهد، ~~وقال بعضهم: إذا كان قد أشهد، وقال بعضهم: هو واجب في الحالين. والعبد ~~ممنوع من الإجابة لحق المولى وخدمته وهو لا يملك الإجابة، فدل أنه غير ~~مأمور بالشهادة; ألا ترى أنه ليس له أن يشتغل عن خدمة مولاه بقراءة الكتاب ~~وإملائه والشهادة؟ ولما لم يدخل في خطاب الحج والجمعة لحق المولى فكذلك ~~الشهادة; إذ كانت الشهادة غير متعينة على الشهداء وإنما PageV01P600 # هي فرض كفاية، وفرض الجمعة والحج يتعين على كل أحد في نفسه، فلما لم ~~يلزمه فرض الحج والجمعة مع الإمكان لحق المولى فهو أولى أن لا يكون من أهل ~~الشهادة لحق المولى. ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {وأقيموا الشهادة ~~لله} [الطلاق: 2] وقال أيضا: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} إلى قوله ~~تعالى: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] فجعل الحاكم شاهدا لله ~~كما جعل سائر الشهود شهداء لله بقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} ~~[الطلاق: 2] فلما لم يجز أن يكون العبد حاكما، لم يجز أن يكون شاهدا; إذ ~~كان كل واحد من الحاكم والشاهد به ينفذ الحكم ويثبت. # ومما يدل على بطلان شهادة العبد قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء} [النحل: 75] وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به نفي القدرة; ~~لأن الرق والحرية لا تختلف بهما القدرة، فدل على أن مراده نفي حكم أقواله ~~وعقوده وتصرفه وملكه، ألا ترى أنه جعل ذلك مثلا للأصنام التي كانت تعبدها ~~العرب على وجه المبالغة في نفي الملك والتصرف وبطلان أحكام أقواله فيما ~~يتعلق بحقوق العباد؟ وقد روي عن ابن عباس أنه استدل بهذه الآية على أن ~~العبد لا يملك الطلاق، ولولا احتمال اللفظ لذلك لما تأوله ابن عباس عليه، ~~فدل ذلك على أن شهادة العبد كلا شهادة كعقده وإقراره وسائر تصرفاته التي هي ~~من جهة القول، ms0823 فلما كانت شهادة العبد قوله وجب أن ينتفي وجوب حكمه بظاهر ~~الآية. # ومما يدل على بطلان شهادة العبيد أن الشهادة فرض على الكفاية كالجهاد، ~~فلما لم يكن العبد من أهل الخطاب بالجهاد، ولو حضره وقاتل لم يسهم له، وجب ~~أن لا يكون من أهل الخطاب بالشهادة، ومتى شهد لم تقبل شهادته ولم يكن له ~~حكم الشهود، كما لم يثبت له حكم وإن شهد القتال في استحقاق السهم. ويدل ~~عليه أنه لو كان من أهل الشهادة لوجب أن لو شهد بها فحكم بشهادته ثم رجع ~~عنها أنه يلزمه غرم ما شهد به; لأن ذلك من حكم الشهادة كما أن نفاذ الحكم ~~بها إذا أنفذها الحاكم من حكمها، فلما لم يجز أن يلزمه الغرم بالرجوع علمنا ~~أنه ليس من أهلها وأن الحكم بشهادته غير جائز. وأيضا فإنا وجدنا ميراث ~~الأنثى على النصف من ميراث الذكر، وجعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل، فكانت ~~شهادة المرأة نصف شهادة الرجل وميراثها نصف ميراثه، فوجب أن يكون العبد من ~~حيث لم يكن من أهل الميراث رأسا أن لا يكون من أهل الشهادة; لأنا وجدنا ~~لنقصان الميراث تأثيرا في نقصان الشهادة، فوجب أن يكون نفي الميراث موجبا ~~لنفي الشهادة. وما روي عن علي بن أبي طالب في جواز شهادة العبد فإنه لا يصح ~~من طريق النقل، ولو صح كان مخصوصا في العبد إذا شهد على العبد; ولا نعلم ~~خلافا بين الفقهاء أن العبد والحر سواء فيما تجوز الشهادة فيه. # PageV01P601 # فإن قيل: لما كان خبر العبد مقبولا إذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن رقه مانعا من قبول خبره كذلك لا يمنع من قبول شهادته. قيل له: ليس ~~الخبر أصلا للشهادة فلا يجوز اعتبارها به، ألا ترى أن خبر الواحد مقبول في ~~الأحكام ولا تجوز شهادة الواحد فيها؟ وأنه يقبل فيه فلان عن فلان ولا يقبل ~~في الشهادة إلا على جهة الشهادة على الشهادة؟ وأنه يجوز قبول خبره إذا قال ~~"قال رسول الله صلى الله عليه ms0824 وسلم" ولا تجوز شهادة الشاهد إلا أن يأتي ~~بلفظ الشهادة والسماع والمعاينة لما يشهد به؟ فإن الرجل والمرأة متساويان ~~في الأخبار مختلفان في الشهادة لأن شهادة امرأتين بشهادة رجل وخبر الرجل ~~والمرأة سواء، فلا يجوز الاستدلال بقبول خبر العبد على قبول شهادته. قال ~~أبو بكر: قال محمد بن الحسن: "لو أن حاكما حكم بشهادة عبد ثم رفع إلي أبطلت ~~حكمه; لأن ذلك مما أجمع الفقهاء على بطلانه". # وقد اختلف الفقهاء في شهادة الصبيان، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر: "لا تجوز شهادة الصبيان في شيء" وهو قول ابن شبرمة والثوري والشافعي. ~~وقال ابن أبي ليلى: "تجوز شهادة بعضهم على بعض". وقال مالك: "تجوز شهادة ~~الصبيان فيما بينهم في الجراح ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز بينهم في ~~الجراح وحدها قبل أن يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا، فإن افترقوا فلا شهادة لهم ~~إلا أن يكونوا قد أشهدوا على شهادتهم قبل أن يتفرقوا، وإنما تجوز شهادة ~~الأحرار الذكور منهم ولا تجوز شهادة الجواري من الصبيان والأحرار". # قال أبو بكر: روي عن ابن عباس وعثمان وابن الزبير إبطال شهادة الصبيان، ~~وروي عن علي إبطال شهادة بعضهم على بعض، وعن عطاء مثله. وروى عبد الله بن ~~أبي ثابت قال: قيل للشعبي: إن إياس بن معاوية لا يرى بشهادة الصبيان بأسا ~~فقال الشعبي: حدثني مسروق أنه كان عند علي كرم الله وجهه; إذ جاءه خمسة ~~غلمة فقالوا: كنا ستة نتغاط في الماء فغرق منا غلام، فشهد الثلاثة على ~~الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان أن الثلاثة غرقوه، فجعل على الاثنين ~~ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسي الدية. إلا أن عبد الله بن حبيب غير ~~مقبول الحديث عند أهل العلم; ومع ذلك فإن معنى الحديث مستحيل لا يصدق مثله ~~عن علي رضي الله عنه لأن أولياء الفريق إن ادعوا على أحد الفريقين فقد ~~أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم، وإن ادعوا عليهم كلهم فهم يكذبون الفريقين ~~جميعا; فهذا غير ثابت عن علي كرم الله وجهه. # ومما يدل على بطلان ms0825 شهادة الصبيان قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى} وذلك خطاب للرجال البالغين لأن الصبيان لا ~~يملكون عقود # PageV01P602 # المداينات، وكذلك قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} لم يدخل فيه الصبي ~~لأن إقراره لا يجوز; وكذلك قوله: {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} لا ~~يصح أن يكون خطابا للصبي لأنه ليس من أهل التكليف فيلحقه الوعيد. ثم قوله: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} وليس الصبيان من رجالنا; ولما كان ابتداء ~~الخطاب بذكر البالغين كان قوله: {من رجالكم} عائدا عليهم، ثم قوله: {ممن ~~ترضون من الشهداء} يمنع أيضا جواز شهادة الصبي، وكذلك قوله: {ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا} هو نهي وللصبي أن يأبى من إقامة الشهادة وليس للمدعي ~~إحضاره لها. ثم قوله: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} غير ~~جائز أن يكون خطابا للصغار فلا يلحقهم المأثم بكتمانها، ولما لم يجز أن ~~يلحقه ضمان بالرجوع دل على أنه ليس من أهل الشهادة لأن كل من صحت شهادته ~~لزمه الضمان عند الرجوع. وأما إجازة شهادتهم في الجراح خاصة وقبل أن ~~يتفرقوا ويجيئوا، فإنه تحكم بلا دلالة وتفرقة بين من لا فرق فيه في أثر ولا ~~نظر; لأن في الأصول أن كل من جازت شهادته في الجراح فهي جائزة في غيرها. ~~وأما اعتبار حالهم قبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه لا معنى له لأنه جائز أن ~~يكون هؤلاء الشهود هم الجناة ويكون الذي حملهم على الشهادة الخوف من أن ~~يؤاخذوا به، وهذا معلوم من عادة الصبيان إذا كان منهم جناية أحالته بها على ~~غيره خوفا من أن يؤاخذ بها. وأيضا لما شرط الله في الشهادة العدالة وأوعد ~~شاهد الزور ما أوعده به ومنع من قبول شهادة الفساق ومن لا يزع عن الكذب ~~احتياطا لأمر الشهادة، فكيف تجوز شهادة من هو غير مأخوذ بكذبه وليس له حاجز ~~عن الكذب ولا حياء يردعه ولا مروءة تمنعه؟ وقد يضرب الناس المثل بكذب ~~الصبيان فيقولون: "هذا أكذب من صبي" فكيف يجوز ms0826 قبول شهادة من هذا حاله؟ فإن ~~كان إنما اعتبر حالهم قبل تفرقهم وقبل أن يعلمهم غيرهم لأنه لا يتعمد الكذب ~~دون تلقين غيره; فليس ذلك كما ظن لأنهم يتعمدون الكذب من غير مانع يمنعهم ~~وهم يعرفون الكذب كما يعرفون الصدق إذا كانوا قد بلغوا الحد الذي يقومون ~~بمعنى الشهادة والعبارة عما شهدوا; وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة، منها: ~~خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية، أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه، ومعاني ~~غير ذلك معلومة من أحوالهم، فليس لأحد أن يحكم لهم بصدق الشهادة قبل أن ~~يتفرقوا، كما لا يحكم لهم بذلك بعد التفرق. وعلى أنه لو كان كذلك وكان ~~العلم حاصلا بأنهم لا يكذبون ولا يتعمدون لشهادة الزور، فينبغي أن تقبل ~~شهادة الإناث كما تقبل شهادة الذكور، وتقبل شهادة الواحد كما تقبل شهادة ~~الجماعة; فإذا اعتبر العدد في ذلك وما يجب اعتباره في الشهادة من اختصاصها ~~في الجراح بالذكور دون الإناث، فواجب أن # PageV01P603 # يستوفى لها سائر شروطها من البلوغ والعدالة. ومن حيث أجازوا شهادة بعضهم ~~على بعض، فواجب إجازتها على الرجال لأن شهادة بعضهم على بعض ليست بآكد منها ~~على الرجال; إذ هم في حكم المسلمين عند قائل هذا القول; والله الموفق. # واختلف في شهادة الأعمى، فقال أبو حنيفة ومحمد: "لا تجوز شهادة الأعمى ~~بحال" وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وروى عمرو بن عبيد عن ~~الحسن قال: "لا تجوز شهادة الأعمى بحال"، وروي عن أشعث مثله إلا أنه قال: ~~"إلا أن تكون في شيء رآه قبل أن يذهب بصره". وروى ابن لهيعة عن أبي طعمة عن ~~سعيد بن جبير قال: "لا تجوز شهادة الأعمى". وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: ~~حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثني حجاج بن جبير بن حازم عن ~~قتادة قال شهد أعمى عند إياس بن معاوية على شهادة، فقال له إياس: لا نرد ~~شهادتك إلا أن لا تكون عدلا، ولكنك أعمى لا تبصر قال: فلم يقبلها. وقال أبو ms0827 ~~يوسف وابن أبي ليلى والشافعي: "إذا علمه قبل العمى جازت، وما علمه في حال ~~العمى لم تجز". وقال شريح والشعبي: "شهادة الأعمى جائزة". وقال مالك والليث ~~بن سعد: "شهادة الأعمى جائزة، وإن علمه في حال العمى إذا عرف الصوت في ~~الطلاق والإقرار ونحوه، وإن شهد على زنا أو حد القذف لم تقبل شهادته". # والدليل على بطلان شهادة الأعمى ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~عبد الله بن محمد بن ميمون البلخي الحافظ قال: حدثنا يحيى بن موسى يعرف ب ~~خت 1 قال: حدثنا محمد بن سليمان بن مسمول قال: حدثنا عبد الله بن سلمة بن ~~وهرام، عن أبيه، عن طاوس عن ابن عباس قال: سئل صلى الله عليه وسلم عن ~~الشهادة فقال: "ترى هذه الشمس؟ 2 فاشهد! وإلا فدع" فجعل من شرط صحة الشهادة ~~معاينة الشاهد لما شهد به، والأعمى لا يعاين المشهود عليه، فلا تجوز ~~شهادته. # ومن جهة أخرى أن الأعمى يشهد بالاستدلال فلا تصح شهادته، ألا ترى أن ~~الصوت قد يشبه الصوت وأن المتكلم قد يحاكي صوت غيره ونغمته حتى لا يغادر ~~منها شيئا ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب أنه المحكي صوته؟ فغير ~~جائز قبول شهادته على الصوت; إذ لا يرجع منه إلى يقين وإنما يبنى أمره على ~~غالب الظن. وأيضا PageV01P604 # فإن الشاهد مأخوذ عليه بأن يأتي بلفظ الشهادة، ولو عبر بلفظ غير لفظ ~~الشهادة بأن يقول "أعلم أو أتيقن" لم تقبل شهادته، فعلمت أنها حين كانت ~~مخصوصة بهذا اللفظ وهذا اللفظ يقتضي مشاهدة المشهود به ومعاينته، فلم تجز ~~شهادة من خرج من هذا الحد وشهد عن غير معاينة. # فإن قال قائل: يجوز للأعمى إقدامه على وطء امرأته إذا عرف صوتها فعلمنا ~~أنه يقين ليس بشك; ; إذ غير جائز لأحد الإقدام على الوطء بالشك. قيل له: ~~يجوز له الإقدام على وطء امرأته بغالب الظن بأن زفت إليه امرأة وقيل له هذه ~~امرأتك وهو لا يعرفها يحل له وطؤها، وكذلك جائز له قبول هدية ms0828 جارية بقول ~~الرسول، ويجوز له الإقدام على وطئها. ولولا أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو ~~بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه لأن سبيل الشهادة ~~اليقين والمشاهدة، وسائر الأشياء التي ذكرت يجوز فيها استعمال غالب الظن ~~وقبول قول الواحد; فليس ذلك إذا أصلا للشهادة. وأما إذا استشهد وهو بصير ثم ~~عمي، فإنما لم نقبله من قبل أنا قد علمنا أن حال تحمل الشهادة أضعف من حال ~~الأداء; والدليل عليه أنه جائز أن يتحمل الشهادة وهو كافر أو عبد أو صبي ثم ~~يؤديها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته، ولو أداها وهو صبي أو عبد كافر لم ~~تجز، فعلمنا أن حال الأداء أولى بالتأكيد من حال التحمل، فإذا لم يصح تحمل ~~الأعمى للشهادة وكان العمى مانعا من صحة التحمل، وجب أن يمنع صحة الأداء. ~~وأيضا لو استشهده وبينه وبينه حائل لما صحت شهادته، وكذلك لو أداها وبينهما ~~حائل لم تجز شهادته; والعمى حائل بينه وبين المشهود عليه فوجب أن لا تجوز. # وفرق أبو يوسف بينهما بأن قال: يصح أن يتحمل الشهادة بمعاينته ثم يشهد ~~عليه وهو غائب أو ميت فلا يمنع ذلك جوازها; فكذلك عمى الشاهد بمنزلة موت ~~المشهود عليه أو غيبته، فلا يمنع قبول شهادته. والجواب عن ذلك من وجهين: ~~أحدهما أنه إنما يجب اعتبار الشاهد نفسه، فإن كان من أهل الشهادة قبلناها ~~وإن لم يكن من أهل الشهادة لم نقبلها، والأعمى قد خرج من أن يكون من أهل ~~الشهادة بعماه فلا اعتبار بغيره. وأما الغائب والميت فإن شهادة الشاهد ~~عليهما صحيحة; إذ لم يعترض فيه ما يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة، وغيب ~~المشهود عليه وموته لا تؤثر في شهادة الشاهد فلذلك جازت شهادته. والوجه ~~الآخر أنا لا نجيز الشهادة على الميت والغائب إلا أن يحضر عنه خصم فتقع ~~الشهادة عليه فيقوم حضوره مقام حضور الغائب والميت، والأعمى في معنى من ~~يشهد على غير خصم حاضر فلا تصح شهادته. # فإن احتجوا بقوله تعالى: {إذا ms0829 تداينتم بدين} إلى قوله تعالى: {واستشهدوا # PageV01P605 # شهيدين من رجالكم} وقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} والأعمى قد يكون ~~مرضيا وهو من رجالنا الأحرار، فظاهر ذلك يقتضي قبول شهادته. قيل له ظاهر ~~الآية يدل على أن الأعمى غير مقبول الشهادة; لأنه قال: {واستشهدوا} والأعمى ~~لا يصح استشهاده لأن الاستشهاد هو إحضار المشهود عليه ومعاينته، وهو غير ~~معاين ولا مشاهد لمن يحضره; لأن العمى حائل بينه وبين ذلك كحائط لو كان ~~بينهما فيمنعه ذلك من مشاهدته. ولما كانت الشهادة إنما هي مأخوذة من مشاهدة ~~المشهود عليه ومعاينته على الحال التي تقتضي الشهادة إثبات الحق عليه وكان ~~ذلك معدوما في الأعمى، وجب أن تبطل شهادته. فهذه الآية لأن تكون دليلا على ~~بطلان شهادته أولى من أن تدل على إجازتها. # وقال زفر: "لا تجوز شهادة الأعمى إذا شهد بها قبل العمى أو بعده إلا في ~~النسب أن يشهد أن فلانا ابن فلان". قال أبو بكر: يشبه أن يكون ذهب في ذلك ~~إلى أن النسب قد تصح الشهادة عليه بالخبر المستفيض وإن لم يشاهده الشاهد، ~~فلذلك جائز إذا تواتر عند الأعمى الخبر بأن فلانا ابن فلان أن يشهد به عند ~~الحاكم وتكون شهادته مقبولة. ويستدل على صحة ذلك بأن الأعمى والبصير سواء ~~فيما ثبت حكمه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق التواتر وإن لم يشاهد ~~المخبرين من طريق المعاينة، وإنما يسمع أخبارهم; فكذلك جائز أن يثبت عنده ~~علم صحة النسب من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين، فتجوز إقامة الشهادة ~~به وتكون شهادته مقبولة فيه; إذ ليس شرط هذه الشهادة معاينة المشهود به. # واختلف في شهادة البدوي على القروي، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والليث والأوزاعي والشافعي: "هي جائزة إذا كان عدلا" وروي نحوه عن الزهري. ~~وروى ابن وهب عن مالك قال: "لا تجوز شهادة بدوي على قروي إلا في الجراح". ~~وقال ابن القاسم عنه: "لا تجوز شهادة بدوي على قروي في الحضر إلا في وصية ~~القروي في السفر أو في ms0830 بيع، فتجوز إذا كانوا عدولا". # قال أبو بكر: جميع ما ذكرنا من دلائل الآية على قبول شهادة الأحرار ~~البالغين يوجب التسوية بين شهادة القروي والبدوي; لأن الخطاب توجه إليهم ~~بذكر الإيمان بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} وهؤلاء من ~~جملة المؤمنين، ثم قال تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} يعني من رجال ~~المؤمنين الأحرار، وهذه صفة هؤلاء، ثم قال: {ممن ترضون من الشهداء} وإذا ~~كانوا عدولا فهم مرضيون. وقال في آية أخرى في شأن الرجعة والفراق: {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وهذه الصفة # PageV01P606 # شاملة للجميع إذا كانوا عدولا، وفي تخصيص القروي بها دون البدوي ترك ~~العموم بغير دلالة; ولم يختلفوا أنهم مرادون بقوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} وبقوله: {ممن ترضون من الشهداء} لأنهم يجيزون شهادة البدوي على ~~بدوي مثله على شرط الآية. وإذا كانوا مرادين بالآية فقد اقتضت جواز شهادتهم ~~على القروي من حيث اقتضت جواز شهادة بعضهم على بعض، ومن حيث اقتضت جواز ~~شهادة القروي على البدوي. # فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن إسحاق ~~التستري قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا نافع بن ~~يزد بن الهاد، عن محمد بن عمرو، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية" ~~فإن مثل هذا الخبر لا يجوز الاعتراض به على ظاهر القرآن، مع أنه ليس فيه ~~ذكر الفرق بين الجراح وبين غيرها ولا بين أن يكون القروي في السفر أو في ~~الحضر فقد خالف المحتج به ما اقتضاه عمومه. وقد روى سماك بن حرب عن عكرمة ~~عن ابن عباس قال شهد أعرابي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية ~~الهلال، فأمر بلالا ينادي في الناس فليصوموا غدا فقبل شهادته وأمر الناس ~~بالصيام. وجائز أن يكون حديث أبي هريرة في أعرابي شهد شهادة عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعلم النبي صلى الله عليه ms0831 وسلم خلافها مما يبطل شهادته ~~فأخبر به، فنقله الراوي من غير ذكر السبب. وجائز أن يكون قاله في الوقت ~~الذي كان الشرك والنفاق غالبين على الأعراب كما قال عز وجل: {ومن الأعراب ~~من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] فإنما منع قبول ~~شهادة من هذه صفته من الأعراب. وقد وصف الله قوما آخرين من الأعراب بعد هذه ~~الصفة ومدحهم بقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} [التوبة: 99] الآية. فمن كانت هذه صفته ~~فهو مرضي عند الله وعند المسلمين مقبول الشهادة. # ولا يخلو البدوي من أن يكون غير مقبول الشهادة على القروي، إما لطعن في ~~دينه أو جهل منه بأحكام الشهادات وما يجوز أداؤها منها مما لا يجوز; فإن ~~كان لطعن في دينه فإن هذا غير مختلف في بطلان شهادته ولا يختلف فيه حكم ~~البدوي والقروي، وإن كان لجهل منه بأحكام الشهادات فواجب أن لا تقبل شهادته ~~على بدوي مثله وأن لا تقبل شهادته في الجراح ولا على القروي في السفر، كما ~~لا تقبل شهادة القروي إذا كان بهذه الصفة، ويلزمه أن يقبل شهادة البدوي إذا ~~كان عدلا عالما بأحكام الشهادة على القروي وعلى غيره لزوال المعنى الذي من ~~أجله امتنع من قبول شهادته، وأن لا يجعل لزوم سمة البدو إياه والنسبة إليه ~~علة لرد شهادته كما لا تجعل نسبة القروي إلى القرية علة لجواز # PageV01P607 # شهادته إذا كان مجانبا للصفات المشروطة لجواز الشهادة. # قوله عز وجل: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} قال أبو بكر: أوجب بديا ~~استشهاد شهيدين، وهما الشاهدان; لأن الشهيد والشاهد واحد كما أن عليما ~~وعالما واحد وقادرا وقديرا واحد، ثم عطف عليه قوله: {فإن لم يكونا رجلين} ~~يعني إن لم يكن الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان فلا يخلو قوله: {فإن لم يكونا ~~رجلين} من أن يريد به "فإن لم يوجد رجلان فرجل وامرأتان" كقوله: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا} [النساء: 43] وكقوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} ms0832 ~~[المجادلة: 3] ثم قال: {فمن لم يجد فصيام شهرين} [المجادلة: 4] إلى قوله: ~~{فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] وما جرى مجرى ذلك في ~~الأبدال التي أقيمت مقام أصل الفرض عند عدمه. أو أن يكون مراده: "فإن لم ~~يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل وامرأتان" فأفادنا إثبات هذا الاسم للرجل ~~والمرأتين حتى يعتبر عمومه في جواز شهادتهما مع الرجل في سائر الحقوق، إلا ~~ما قام دليله; فلما اتفق المسلمون على جواز شهادة رجل وامرأتين مقام رجل ~~عند عدم الرجلين فثبت الوجه الثاني، وهو أنه أراد تسمية الرجل والمرأتين ~~شهيدين، فيكون ذلك اسما شرعيا يجب اعتباره فيما أمرنا فيه باستشهاد شهيدين، ~~إلا موضعا قام الدليل عليه فيصح الاستدلال بعمومه في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" وإثبات النكاح والحكم بشهادة رجل ~~وامرأتين; إذ قد لحق اسم شهيدين، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم النكاح ~~بشهادة شاهدين. # وقد اختلف أهل العلم في شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي: "لا تقبل شهادة النساء مع الرجال ~~لا في الحدود ولا في القصاص وتقبل فيما سوى ذلك من سائر الحقوق". وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا يحيى بن عباد قال: ~~حدثنا شعبة عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح: "أن عمر أجاز شهادة ~~رجل وامرأتين في نكاح". وروى جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبي ~~لبيد: "أن عمر أجاز شهادة النساء في طلاق". وروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن ~~محمد ابن الحنفية. عن علي رضي الله عنه قال: "تجوز شهادة النساء في العقد". ~~وروى حجاج عن عطاء: "أن ابن عمر كان يجيز شهادة النساء مع الرجل في ~~النكاح". وروي عن عطاء: "أنه كان يجيز شهادة النساء في الطلاق". وروي عن ~~عون عن الشعبي عن شريح: "أنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في عتق" وهو قول ~~الشعبي في الطلاق. وروي عن الحسن والضحاك ms0833 قالا: "لا تجوز شهادتهن إلا في ~~الدين والولد". وقال مالك: "لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في # PageV01P608 # الحدود والقصاص ولا في الطلاق ولا في النكاح ولا في الأنساب ولا في ~~الولاء ولا في الإحصان، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق". ~~وقال الثوري: "تجوز شهادتهن في كل شيء إلا الحدود" وروي عنه أنها لا تجوز ~~في القصاص أيضا. وقال الحسن بن حي: "لا تجوز شهادتهن في الحدود". وقال ~~الأوزاعي: "لا تجوز شهادة رجل وامرأتين في نكاح". وقال الليث: "تجوز شهادة ~~النساء في الوصية والعتق ولا تجوز في النكاح ولا الطلاق ولا الحدود ولا قتل ~~العمد الذي يقاد منه". وقال الشافعي: "لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في ~~غير الأموال، ولا يجوز في الوصية إلا الرجل، وتجوز في الوصية بالمال". # قال أبو بكر: ظاهر هذه الآية يقتضي جواز شهادتهن مع الرجل في سائر عقود ~~المداينات، وهي كل عقد على دين سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم ~~عمد، لأنه عقد فيه دين; إذ المعلوم أنه ليس مراد الآية في قوله تعالى: {إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى} أن يكون المعقود عليهما من البدلين دينين، ~~لامتناع جواز ذلك إلى أجل مسمى، فثبت أن المراد وجود دين عن بدل أي دين ~~كان; فاقتضى ذلك جواز شهادة النساء مع الرجل على عقد نكاح فيه مهر مؤجل إذا ~~كان ذلك عقد مداينة، وكذلك الصلح من دم العمد والخلع على مال الإجارات. فمن ~~ادعى خروج شيء من هذه العقود من ظاهر الآية لم يسلم له ذلك إلا بدلالة، إذ ~~كان العموم مقتضيا لجوازها في الجميع. # ويدل على جواز شهادة النساء في غير الأموال ما حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا أحمد بن القاسم الجوهري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي ~~معمر قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ~~حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة والولادة ليست بمال ~~وأجاز ms0834 شهادتها عليها فدل ذلك على أن شهادة النساء ليست مخصوصة بالأموال; ~~ولا خلاف في جواز شهادة النساء على الولادة وإنما الاختلاف في العدد. وأيضا ~~لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع في الشرع على الرجل والمرأتين، وقد ثبت أن ~~اسم البينة يتناول الشهيدين، وجب بعموم قوله: "البينة على المدعي واليمين ~~على المدعى عليه" القضاء بشهادة الرجل والمرأتين في كل دعوى; إذ قد شملهم ~~اسم البينة، ألا ترى أنها بينة في الأموال، فلما وقع عليها الاسم وجب بحق ~~العموم قبولها لكل مدع إلا أن تقوم الدلالة على تخصيص شيء منه؟ وإنما خصصنا ~~الحدود والقصاص لما روى الزهري قال: "مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في ~~القصاص". وأيضا لما اتفق الجميع على قبول شهادتهن مع الرجل في الديون وجب ~~قبولها في كل حق لا تسقطه # PageV01P609 # الشبهة; إذ كان الدين حقا لا يسقط بالشبهة. ومما يدل على جوازها في غير ~~الأموال من الآية، أن الله تعالى قد أجازها في الأجل بقوله: {إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قال: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} فأجاز ~~شهادتها مع الرجل على الأجل وليس بمال كما أجازها في المال. فإن قيل: الأجل ~~لا يجب إلا في المال. قيل له: هذا خطأ لأن الأجل قد يجب في الكفالة بالنفس ~~وفي منافع الأحرار التي ليست بمال، وقد يؤجله الحاكم في إقامة البينة على ~~الدم وعلى دعوى العفو منه بمقدار ما يمكن التقدم إليه، فقولك: "إن الأجل لا ~~يجب إلا في المال" خطأ، ومع ذلك فالبضع لا يستحق إلا بمال ولا يقع النكاح ~~إلا بمال، فينبغي أن تجيز فيه شهادة النساء. # قوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} قال أبو بكر: لما كانت معرفة ديانات ~~الناس وأماناتهم وعدالتهم إنما هي من طريق الظاهر دون الحقيقة; إذ لا يعلم ~~ضمائرهم ولا خبايا أمورهم غير الله تعالى، ثم قال تعالى فيما أمرنا ~~باعتباره من أمر الشهود: {ممن ترضون ms0835 من الشهداء} دل ذلك على أن أمر تعديل ~~الشهود موكول إلى اجتهاد رأينا وما يغلب في ظنوننا من عدالتهم وصلاح ~~طرائقهم. وجائز أن يغلب في ظن بعض الناس عدالة شاهد وأمانته فيكون عنده ~~رضى، ويغلب في ظن غيره أنه ليس برضى; فقوله: {ممن ترضون من الشهداء} مبني ~~على غالب الظن وأكثر الرأي. والذي بني عليه أمر الشهادة أشياء ثلاثة: أحدها ~~العدالة، والآخر نفي التهمة وإن كان عدلا، والثالث: التيقظ والحفظ وقلة ~~الغفلة. أما العدالة فأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله عز ~~وجل في الواجبات والمسنونات وصدق اللهجة والأمانة، وأن لا يكون محدودا في ~~قذف. وأما نفي التهمة فأن لا يكون المشهود له والدا ولا ولدا أو زوجا ~~وزوجة، وأن لا يكون قد شهد بهذه الشهادة فردت لتهمة. فشهادة هؤلاء غير ~~مقبولة لمن ذكرنا وإن كانوا عدولا مرضيين. وأما التيقظ والحفظ وقلة الغفلة ~~فأن لا يكون غفولا غير مجرب للأمور، فإن مثله ربما لقن الشيء فتلقنه، وربما ~~جوز عليه التزوير فشهد به. قال ابن رستم عن محمد بن الحسن في رجل أعجمي ~~صوام قوام مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به، قال: هذا شر من الفاسق في ~~شهادته. وحدثنا عبد الرحمن بن سيما المحبر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ~~قال: حدثني أبي قال: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا ابن هلال عن أشعث ~~الحداني قال: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إن إياسا رد شهادتي فقام معه إليه ~~فقال: يا ملكعان لم رددت شهادته؟ أو ما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من استقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة ~~الله وذمة رسوله"؟ فقال: أيها الشيخ أما سمعت الله يقول: {ممن ترضون من ~~الشهداء} ؟ وإن صاحبك هذا ليس # PageV01P610 # نرضاه. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الوهاب ~~قال: حدثنا السري بن عاصم بإسناد ذكره: أنه شهد عند إياس بن معاوية رجل من ~~أصحاب الحسن، فرد شهادته، فبلغ ms0836 الحسن وقال: قوموا بنا إليه قال: فجاء إلى ~~إياس فقال: يا لكع ترد شهادة رجل مسلم؟ فقال: نعم قال الله تعالى: {ممن ~~ترضون من الشهداء} وليس هو ممن أرضى. قال: فسكت الحسن، فقال خصم الشيخ: فمن ~~شرط الرضا للشهادة أن يكون الشاهد متيقظا حافظا لما يسمعه متقنا لما يؤديه. ~~وقد ذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في صفة العدل أشياء، منها أنه قال: "من ~~سلم من الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ما تجب فيه من العظائم وكان ~~يؤدي الفرائض وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلنا شهادته; لأنه ~~لا يسلم عبد من ذنب. وإن كانت ذنوبه أكثر من أخلاق البر رددنا شهادته. ولا ~~تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج يقامر عليها ولا من يلعب بالحمام ويطيرها، ~~وكذلك من يكثر الحلف بالكذب لا تجوز شهادته" قال: "وإذا ترك الرجل الصلوات ~~الخمس في الجماعة استخفافا بذلك أو مجانة أو فسقا فلا تجوز شهادته، وإن ~~تركها على تأويل وكان عدلا فيما سوى ذلك قبلت شهادته" قال: "وإن داوم على ~~ترك ركعتي الفجر لم تقبل شهادته، وإن كان معروفا بالكذب الفاحش لم أقبل ~~شهادته، وإن كان لا يعرف بذلك وربما ابتلي بشيء منه والخير فيه أكثر من ~~الشر قبلت شهادته، ليس يسلم أحد من الذنوب". قال: وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وابن أبي ليلى: شهادة أهل الأهواء جائزة إذا كانوا عدولا، إلا صنفا من ~~الرافضة يقال لهم الخطابية، فإنه بلغني أن بعضهم يصدق بعضا فيما يدعي إذا ~~حلف له ويشهد بعضهم لبعض; فلذلك أبطلت شهادتهم. وقال أبو يوسف: "أيما رجل ~~أظهر شتيمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم أقبل شهادته لأن رجلا لو كان ~~شتاما للناس والجيران لم أقبل شهادته، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم حرمة". وقال أبو يوسف: "ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد اختلفوا واقتتلوا وشهادة الفريقين جائزة؟ لأنهم اقتتلوا على تأويل، ~~فكذلك أهل الأهواء من المتأولين". قال أبو يوسف: "ومن ms0837 سألت عنه فقالوا إنا ~~نتهمه بشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أقبل هذا حتى ~~يقولوا سمعناه يشتم" قال: "فإن قالوا: نتهمه بالفسق والفجور نظن ذلك به ولم ~~نره، فإني أقبل ذلك ولا أجيز شهادته. والفرق بينهما أن الذين قالوا نتهمه ~~قد أثبتوا له الصلاح وقالوا نتهمه بالشتم فلا يقبل هذا إلا بسماع، والذين ~~قالوا نتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإني أقبل ذلك ولا أجيز ~~شهادته أثبتوا له صلاحا وعدالة". وذكر ابن رستم عن محمد أنه قال: "لا أقبل ~~شهادة الخوارج; إذ كانوا قد خرجوا يقاتلون المسلمين، وإن شهدوا" قال: قلت: ~~ولم لا تجيز شهادتهم وأنت تجيز شهادة الحرورية؟ قال: "لأنهم لا يستحلون ~~أموالنا ما لم يخرجوا، فإذا خرجوا استحلوا # PageV01P611 # أموالنا، فتجوز شهادتهم ما لم يخرجوا". وحدثنا أبو بكر مكرم بن أحمد قال: ~~حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال: سمعت محمد بن سماعة يقول: سمعت أبا يوسف ~~يقول: لا يجب على الحاكم أن يقبل شهادة بخيل، فإن البخيل يحمله شدة بخله ~~على التقصي فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن، ومن كان كذلك لم يكن عدلا. سمعت ~~حماد بن أبي سليمان يقول: سمعت إبراهيم يقول: قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: "أيها الناس كونوا وسطا لا تكونوا بخلاء ولا سفلة، فإن البخيل والسفلة ~~الذين إن كان عليهم حق لم يؤدوه، وإن كان لهم حق استقصوه". قال: وقال: ما ~~من طباع المؤمن التقصي، ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى {عرف بعضه وأعرض ~~عن بعض} . وحدثنا مكرم بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال: ~~سمعت الحماني يقول: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: "من كان ~~معه بخل لم تجز شهادته، يحمله البخل على التقصي، فمن شدة تقصيه يخاف الغبن ~~فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن، فلا يكون هذا عدلا". وقد روي نظير ذلك عن إياس ~~بن معاوية ذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن قال: قلت لإياس ~~بن ms0838 معاوية: أخبرت أنك لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا البخلاء ولا ~~التجار الذين يركبون البحر؟ قال أجل أما الذين يركبون إلى الهند حتى يغرروا ~~بدينهم ويكثروا عدوهم من أجل طمع الدنيا فعرفت أن هؤلاء لو أعطي أحدهم ~~درهمين في شهادة لم يتحرج بعد تغريره بدينه; وأما الذين يتجرون في قرى فارس ~~فإنهم يطعمونهم الربا وهم يعلمون، فأبيت أن أجيز شهادة آكل الربا; وأما ~~الأشراف فإن الشريف بالعراق إذا نابت أحدا منهم نائبة أتى إلى سيد قومه ~~فيشهد له ويشفع، فكنت أرسلت إلى عبد الأعلى عبد الله بن عامر أن لا يأتيني ~~بشهادة. # وقد روي عن السلف رد شهادة قوم ظهر منهم أمور لا يقطع فيها بفسق فاعليها، ~~إلا أنها تدل على سخف أو مجون، فرأوا رد شهادة أمثالهم، منه: ما حدثنا عبد ~~الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا محمود بن خداش قال: ~~حدثنا زيد بن الحباب قال: أخبرني داود بن حاتم البصري: "أن بلال بن أبي ~~بردة وكان على البصرة كان لا يجيز شهادة من يأكل الطين وينتف لحيته". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حماد بن محمد قال: حدثنا شريح قال: ~~حدثنا يحيى بن سليمان عن ابن جريج أن رجلا كان من أهل مكة شهد عند عمر بن ~~عبد العزيز وكان ينتف عنفقته ويخفي لحيته وحول شاربيه، فقال: ما اسمك؟ قال: ~~فلان، قال: بل اسمك ناتف ورد شهادته. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد ~~الله بن أحمد بن سعد قال: حدثنا إسحاق بن # PageV01P612 # إبراهيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن الجعد بن ذكوان قال: دعا رجل ~~شاهدا له عند شريح اسمه ربيعة، فقال: يا ربيعة فلم يجب فقال: يا ربيعة ~~الكويفر فأجاب، فقال له شريح: دعيت باسمك فلم تجب فلما دعيت بالكفر أجبت ~~فقال: أصلحك الله، إنما هو لقب، فقال له: قم وقال لصاحبه: هات غيره وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل ~~بن ms0839 إبراهيم قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ~~ابن عباس قال: "الأقلف لا تجوز شهادته". وروى حماد بن أبي سلمة عن أبي ~~المهزم عن "أبي هريرة لا تجوز شهادة أصحاب الحمر" يعني النخاسين. وروي عن ~~شريح أنه كان لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام. وروى مسعر أن رجلا شهد عند ~~شريح وهو ضيق كم القبا، فرد شهادته وقال: كيف يتوضأ وهو على هذه الحال؟. ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا سليمان بن ~~حرب قال: حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن تميم بن سلمة قال شهد رجل عند ~~شريح فقال: أشهد بشهادة الله، فقال: شهدت بشهادة الله لا أجيز لك اليوم ~~شهادة. قال أبو بكر: لما رآه تكلف من ذلك ما ليس عليه لم يره أهلا لقبول ~~شهادته. # فهذه الأمور التي ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من أجلها غير ~~مقطوع فيها بفسق فاعليها ولا سقوط العدالة، وإنما دلهم ظاهرها على سخف من ~~هذه حاله فردوا شهادتهم من أجلها لأن كلا منهم تحرى موافقة ظاهر قوله ~~تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} على حسب ما أداه إليه اجتهاده، فمن غلب في ~~ظنه سخف من الشاهد أو مجونه أو استهانته بأمر الدين أسقط شهادته. قال محمد ~~في كتاب أدب القاضي: من ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته، ولا تجوز شهادة ~~المخنث ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرها. وقد حكي عن سفيان بن عيينة أن ~~رجلا شهد عند ابن أبي ليلى فرد شهادته، قال: فقلت لابن أبي ليلى: مثل فلان ~~وحاله كذا وحال ابنه كذا ترد شهادته؟ فقال: أين يذهب بك؟ إنه فقير. فكان ~~عنده أن الفقر يمنع الشهادة; إذ لا يؤمن به أن يحمله الفقر على الرغبة في ~~المال وإقام شهادة بما لا تجوز. وقال مالك بن أنس: "لا تجوز شهادة السؤال ~~في الشيء الكثير وتجوز في الشيء التافه إذا كانوا عدولا" فشرط مالك مع ~~الفقر المسألة، ولم ms0840 يقبلها في الشيء الكثير للتهمة وقبلها في اليسير لزوال ~~التهمة. وقال المزني والربيع عن الشافعي: "إذا كان الأغلب على الرجل ~~والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب من حاله ~~المعصية وعدم المروءة رددت شهادته". وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ~~الشافعي: "إذا كان أكثر أمره # PageV01P613 # الطاعة ولم يقدم على كبيرة فهو عدل". فأما شرط المروءة فإن أراد به ~~التصاون والصمت الحسن وحفظ الحرمة وتجنب السخف والمجون فهو مصيب، وإن أراد ~~به نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة والشارة الحسنة فقد أبعد وقال ~~غير الحق لأن هذه الأمور ليست من شرائط الشهادة عند أحد من المسلمين. # قال أبو بكر: ما قدمنا من ذكر أقاويل السلف وفقهاء الأمصار واعتبار كل ~~واحد منهم في الشهادة ما حكينا عنه، يدل على أن كلا منهم بنى قبول أمر ~~الشهادة على ما غلب في اجتهاده واستولى على رأيه أنه ممن يرضى ويؤتمن ~~عليها. وقد اختلفوا في حكم من لم تظهر منه ريبة هل يسأل عنه الحاكم إذا ~~شهد؟ فروي عن عمر بن الخطاب في كتابه الذي كتبه إلى أبي موسى في القضاء: ~~"المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ~~ظنينا في ولاء أو قرابة". وقال منصور: قلت لإبراهيم: وما العدل في ~~المسلمين؟ قال: من لم تظهر منه ريبة. وعن الحسن البصري والشعبي مثله. وذكر ~~معمر عن أبيه قال: لما ولي الحسن القضاء كان يجيز شهادة المسلمين إلا أن ~~يكون الخصم يجرح الشاهد. وذكر هشيم قال: سمعت ابن شبرمة يقول: "ثلاث لم ~~يعمل بهن أحد قبلي ولن يتركهن أحد بعدي: المسألة عن الشهود، وإثبات حجج ~~الخصمين، وتحلية الشهود في المسألة". وقال أبو حنيفة: "لا أسأل عن الشهود. ~~إلا أن يطعن فيهم الخصم المشهود عليه، فإن طعن فيهم سألت عنهم في السر ~~والعلانية وزكيتهم في العلانية، إلا شهود الحدود والقصاص فإني أسأل عنهم في ~~السر وأزكيهم في العلانية". وقال محمد: "يسأل عنهم وإن لم ms0841 يطعن فيهم". وروى ~~يوسف بن موسى القطان عن علي بن عاصم عن ابن شبرمة قال: "أول من سأل في السر ~~أنا، كان الرجل يأتي القوم إذا قيل له: هات من يزكيك، فيقول: قومي يزكونني، ~~فيستحي القوم فيزكونه; فلما رأيت ذلك سألت في السر، فإذا صحت شهادته قلت: ~~هات من يزكيك في العلانية". وقال أبو يوسف ومحمد: "يسأل عنهم في السر ~~والعلانية ويزكيهم في العلانية وإن لم يطعن فيهم الخصم". وقال مالك بن أنس: ~~"لا يقضى بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السر". وقال الليث: "أدركت الناس ~~ولا تلتمس من الشاهدين تزكية وإنما كان الوالي يقول للخصم: إن كان عندك من ~~يجرح شهادتهم فأت به وإلا أجزنا شهادته عليك". وقال الشافعي: يسأل عنهم في ~~السر فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل هو هذا لا يوافق اسم ~~اسما ولا نسب نسبا. # قال أبو بكر: ومن قال من السلف بتعديل من ظهر إسلامه فإنما بنى ذلك على ~~ما كانت عليه أحوال الناس من ظهور العدالة في العامة وقلة الفساق فيهم، ~~ولأن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P614 # قد شهد بالخير والصلاح للقرن الأول والثاني والثالث; حدثنا عبد الرحمن بن ~~سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~مهدي قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم ثلاث أو أربع ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه ~~شهادته". قال: وكان أصحابنا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صبيان. وإنما ~~حمل السلف ومن قال من فقهاء الأمصار مما وصفنا أمر المسلمين في عصرهم على ~~العدالة وجواز الشهادة لظهور العدالة فيهم، وإن كان فيهم صاحب ريبة وفسق ~~كان يظهر النكير عليه ويتبين أمره; وأبو حنيفة كان في القرن الثالث الذين ~~شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخير والصلاح، فتكلم على ما كانت الحال ~~عليه، وأما ms0842 لو شهد أحوال الناس بعد لقال بقول الآخرين في المسألة عن ~~الشهود، ولما حكم لأحد منهم بالعدالة إلا بعد المسألة. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال للأعرابي الذي شهد على رؤية الهلال: "أتشهد أن ~~لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قال: نعم فأمر الناس بالصيام بخبره ولم ~~يسأل عن عدالته بعد ظهور إسلامه، لما وصفنا. فثبت بما وصفنا أن أمر التعديل ~~وتزكية الشهود وكونهم مرضيين مبني على اجتهاد الرأي وغالب الظن لاستحالة ~~إحاطة علومنا بغيب أمور الناس. وقد حذرنا الله الاغترار بظاهر حال الإنسان ~~والركون إلى قوله مما يدعيه لنفسه من الصلاح والأمانة، فقال: {ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحياة الدنيا} [البقرة: 204] الآية. ثم أخبر عن مغيب أمره ~~وحقيقة حاله فقال: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} [البقرة: 205] ~~الآية; فأعلمنا ذلك من حال بعض من يعجب ظاهر قوله. وقال أيضا في صفة قوم ~~آخرين: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} [المنافقون: 4] الآية; فحذر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم الاغترار بظاهر حال الإنسان، وأمرنا بالاقتداء به فقال: ~~{واتبعوه} [الأعراف: 158] وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] فغير جائز إذا كان الأمر على ما وصفنا الركون إلى ظاهر أمر ~~الإنسان دون التثبت في شهادته والبحث عن أمره، حتى إذا غلب في ظنه عدالته ~~قبلها. وقد وصف الله تعالى الشهود المقبولين بصفتين: إحداهما العدالة في ~~قوله تعالى: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] والأخرى أن يكونوا مرضيين لقوله: {ممن ترضون من الشهداء} ~~والمرضيون لا بد أن تكون من صفتهم العدالة. وقد يكون عدلا غير مرضي في ~~الشهادة، وهو أن يكون غمرا مغفلا يجوز عليه التزوير والتمويه، فقوله: {ممن ~~ترضون من الشهداء} قد انتظم الأمرين من العدالة والتيقظ وذكاء الفهم وشدة ~~الحفظ. وقد أطلق الله ذكر الشهادة في الزنا غير مقيد بذكر العدالة وهي من ~~شرطها العدالة والرضى جميعا، وذلك لقوله عز # PageV01P615 # وجل: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] وذلك عموم ms0843 في إيجاب ~~التثبت في سائر أخبار الفساق، والشهادة خبر، فوجب التثبت فيها إذا كان ~~الشاهد فاسقا. فلما نص الله على التثبت في خبر الفاسق وأوجب علينا قبول ~~شهادة العدول المرضيين وكان الفسق قد يعلم من جهة اليقين والعدالة لا تعلم ~~من جهة اليقين دون ظاهر الحال علمنا أنها مبنية على غالب الظن وما يظهر من ~~صلاح الشاهد وصدق لهجته وأمانته، وهذا وإن كان مبنيا على أكثر الظن فهو ضرب ~~من العلم كما قال تعالى في المهاجرات: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار} [الممتحنة: 10] وهذا هو علم الظاهر دون الحقيقة; فكذلك الحكم ~~بعدالة الشاهد طريقه العلم الظاهر دون المغيب الذي لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. وهذا أصل كبير في الدلالة على صحة القول باجتهاد الرأي في أحكام ~~الحوادث; إذ كانت الشهادات من معالم أمور الدين والدنيا، وقد عقد بها مصالح ~~الخلق في وثائقهم وإثبات حقوقهم وأملاكهم وإثبات الأنساب والدماء والفروج، ~~وهي مبنية على غالب الظن وأكثر الرأي; إذ لا يمكن أحدا من الناس إمضاء حكم ~~بشهادة شهود من طريق حقيقة العلم بصحة المشهود به. وهو يدل على بطلان القول ~~بإمام معصوم في كل زمان; واحتجاج من يحتج فيه بأن أمور الدين كلها ينبغي أن ~~تكون مبنية على ما يوجب العلم الحقيقي دون غالب الظن وأكثر الرأي، وأنه متى ~~لم يكن إمام بهذه الصفة لم يؤمن الخطأ فيها لأن الرأي يخطئ ويصيب; لأنه لو ~~كان كما زعموا لوجب أن لا تقبل شهادة الشهود إلا أن يكونوا معصومين مأمونا ~~عليهم الخطأ والزلل، فلما أمر الله تعالى بقبول شهادة الشهود إذا كانوا ~~مرضيين في ظاهر أحوالهم دون العلم بحقيقة مغيب أمورهم مع جواز الكذب والغلط ~~عليهم، ثبت بطلان الأصل الذي بنوا عليه أمر النص. فإن قالوا: الإمام يعلم ~~صدق الشهود من كذبهم. قيل لهم: فواجب أن لا يسمع شهادة الشهود غير الإمام، ~~وأن لا يكون للإمام قاض ولا أمين إلا أن يكون بمنزلته في العصمة وفي العلم ~~بمغيب أمر الشهود، ويجب أن لا ms0844 يكون أحد من أعوان الإمام إلا معصوما مأمون ~~الزلل والخطإ لما يتعلق به من أحكام الدين; فلما جاز أن يكون للإمام حكام ~~وشهود وأعوان بغير هذه الصفة ثبت بذلك جواز كثير من أمور الدين مبنيا على ~~اجتهاد الرأي وغالب الظن. # وفيما ذكرناه مما تعبدنا الله به في هذه الآية من اعتبار أحوال الشهود ~~بما يغلب في الظن من عدالتهم وصلاحهم، دلالة على بطلان قول نفاة القياس ~~والاجتهاد في الأحكام التي لا نصوص فيها ولا إجماع; لأن الدماء والفروج ~~والأموال والأنساب من الأمور التي قد عقد بها مصالح الدين والدنيا، وقد أمر ~~الله فيها بقبول شهادة الشهود الذين لا نعلم مغيب أمورهم وإنما نحكم ~~بشهاداتهم بغالب الظن وظاهر أحوالهم مع تجويز الكذب # PageV01P616 # والخطإ والزلل والسهو عليهم; فثبت بذلك تجويز الاجتهاد واستعمال غلبة ~~الرأي فيما لا نص فيه من أحكام الحوادث ولا اتفاق. # وفيه الدلالة على جواز قبول الأخبار المقصرة عن إيجاب العلم بمخبراتها من ~~أمور الديانات عن الرسول صلى الله عليه وسلم; لأن شهادة الشهود غير موجبة ~~للعلم بصحة المشهود به، وقد أمرنا بالحكم بها مع تجويز أن يكون الأمر في ~~المغيب بخلافه، فبطل بذلك قول من قال إنه غير جائز قبول خبر من لا يوجب ~~العلم بخبره في أمور الدين. # وقد دل أيضا على بطلان قول من يستدل على رد أخبار الآحاد بأنا لو قبلناها ~~لكنا قد جعلنا منزلة المخبر أعلى من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم; إذ لم ~~يجب في الأصل قبول خبر النبي إلا بعد ظهور المعجزات الدالة على صدقه; لأن ~~الله تعالى قد أمرنا بقبول شهادة الشهود الذين ظاهرهم العدالة وإن لم يكن ~~معها علم معجزة يدل على صدقهم. # وأما ما ذكرنا من اعتبار نفي التهمة عن الشهادة وإن كان الشاهد عدلا، فإن ~~الفقهاء متفقون على بعضها ومختلفون في. بعضها; فمما اتفق عليه فقهاء ~~الأمصار بطلان شهادة الشاهد لولده ووالده، إلا شيء يحكى عن عثمان البتي ~~قال: "تجوز شهادة الولد لوالديه وشهادة الأب لابنه وامرأته إذا ms0845 كانوا عدولا ~~مهذبين معروفين بالفضل، ولا يستوي الناس في ذلك" ففرق بينها لوالده وبينها ~~للأجنبي. فأما أصحابنا ومالك والليث والشافعي والأوزاعي فإنهم لا يجيزون ~~شهادة واحد منهما للآخر فقد حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله ~~بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن ~~الشعبي عن شريح قال: "لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب لابنه ولا المرأة ~~لزوجها ولا الزوج لامرأته". وروي عن إياس بن معاوية أنه أجاز شهادة رجل ~~لابنه; حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني ~~أبي قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا خالد الحذاء عن ~~إياس بن معاوية بذلك. # والذي يدل على بطلان شهادته لابنه قوله عز وجل: {ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} ولم يذكر بيوت الأبناء لأن قوله تعالى: ~~{من بيوتكم} قد انتظمها; إذ كانت منسوبة إلى الآباء فاكتفى بذكر بيوتهم عن ~~ذكر بيوت أبنائهم; وقال صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" فأضاف الملك ~~إليه; وقال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب ~~أولادكم"، فلما أضاف ملك الابن إلى الأب وأباح أكله له وسماه له كسبا كان ~~المثبت لابنه حقا بشهادته بمنزلة مثبته لنفسه، # PageV01P617 # ومعلوم بطلان شهادته لنفسه، فكذلك لابنه. وإذا ثبت ذلك في الابن كان ذلك ~~حكم شهادة الابن لأبيه; إذ لم يفرق أحد بينهما. # فإن قيل: إذا كان الشاهد عدلا فواجب قبول شهادته لهؤلاء كما تقبلها ~~لأجنبي، وإن كانت شهادته لهؤلاء غير مقبولة لأجل التهمة فغير جائز قبولها ~~للأجنبي; لأن من كان متهما في الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجائز عليه مثل ~~هذه التهمة للأجنبي. قيل له ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ~~ولأبيه تهمة فسق ولا كذب، وإنما التهمة فيه من قبل أنه يصير فيها بمعنى ~~المدعي لنفسه، ألا ترى أن أحدا من الناس وإن ظهرت أمانته وصحت ms0846 عدالته لا ~~يجوز أن يكون مصدقا فيما يدعيه لنفسه، لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل ~~مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة تشهد له بها؟ فالشاهد لابنه بمنزلة ~~المدعي لنفسه لما بينا. وكذلك قال أصحابنا: إن كل شاهد يجر بشهادته إلى ~~نفسه مغنما أو يدفع بها عن نفسه مغرما فغير مقبول الشهادة، لأنه حينئذ يقوم ~~مقام المدعي والمدعي لا يجوز أن يكون شاهدا فيما يدعيه. ولا أحد من الناس ~~أصدق من نبي الله صلى الله عليه وسلم; إذ دلت الأعلام ثم المعجزة على أنه ~~لا يقول إلا حقا وأن الكذب غير جائز عليه، مع وقوع العلم لنا بمغيب أمره ~~وموافقة باطنه لظاهره، ولم يقتصر فيما ادعاه لنفسه على دعواه دون شهادة ~~غيره حين طالبه الخصم بها، وهو قصة خزيمة بن ثابت; حدثنا عبد الرحمن بن ~~سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو اليمان ~~قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: حدثنا عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه ~~وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع ~~فرسا من أعرابي، وذكر القصة وقال: فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني ~~قد بايعتك فقال خزيمة: أنا أشهد أنك بايعته، فأقبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم على خزيمة فقال: "بم تشهد؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله; فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين. فلم يقتصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في دعواه على ما تقرر وثبت بالدلائل والأعلام أنه لا يقول إلا ~~حقا، ولم يقل للأعرابي حين قال هلم شهيدا إنه لا بينة عليه. وكذلك سائر ~~المدعين فعليهم إقامة بينة لا يجر بها إلى نفسه مغنما ولا يدفع بها عنها ~~مغرما، وشهادة الوالد لولده يجر بها إلى نفسه أعظم المغنم كشهادته لنفسه; ~~والله تعالى أعلم. # PageV01P618 # ومن هذا الباب أيضا شهادة أحد الزوجين للآخر # وقد اختلف الفقهاء فيها، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ms0847 ~~والأوزاعي والليث: "لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر". وقال الثوري: "تجوز ~~شهادة # PageV01P618 # الرجل لامرأته". وقال الحسن بن صالح: "لا تجوز شهادة المرأة لزوجها". ~~وقال الشافعي: "تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر". # قال أبو بكر: هذا نظير شهادة الوالد للولد والولد للوالد، وذلك من وجوه: ~~أحدها أنه معلوم تبسط كل واحد من الزوجين في مال الآخر في العادة وأنه ~~كالمباح الذي لا يحتاج فيه إلى الاستئذان، فما يثبته الزوج لامرأته بشهادته ~~بمنزلة ما يثبته لنفسه وكذلك ما تثبته المرأة لزوجها. ألا ترى أنه لا فرق ~~في المعتاد بين تبسطه في مال الزوج والزوجة وبينه في مال أبيه وابنه؟ ولما ~~كان كذلك وكانت شهادته لوالده وولده غير جائزة، كان كذلك حكم شهادة الزوج ~~والزوجة. وأيضا فإن شهادته لزوجته بمال توجب زيادة قيمة البضع الذي في ملكه ~~لأن مهر مثلها يزيد بزيادة مالها، فكان شاهدا لنفسه بزيادة قيمة ما هو ~~مالكه. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي لما ~~ذكر له أن عبده سرق مرة لامرأته: "عبدكم سرق مالكم، لا قطع عليه" فجعل مال ~~كل واحد منهما مضافا إليهما بالزوجية التي بينهما، فما يثبته كل واحد ~~لصاحبه فكأنه يثبته لنفسه. ومن جهة أخرى أنه كلما كثر مال الزوج كانت ~~النفقة التي تستحقها أكثر، فكأنها شاهدة لنفسها; إذ كانت مستحقة للنفقة بحق ~~الزوجية في حالي الفقر والغنى. # فإن قال قائل: فالأخت الفقيرة والأخ الزمن يستحقان للنفقة على أخيهما إذا ~~كان غنيا ولم يمنع ذلك جواز شهادتهما له. قيل له: ليست الأخوة موجبة ~~للاستحقاق لأن الغني لا يستحقها مع وجود النسب والفقير لا تجب عليه مع وجود ~~الأخوة، والزوجية سبب لاستحقاقها فقيرا كان الزوج أو غنيا، فكانت المرأة ~~مثبتة بشهادتها لنفسها زيادة النفقة مع وجود الزوجية الموجبة لها، والنسب ~~ليس كذلك لأنه غير موجب للنفقة لوجوده بينهما; فلذلك اختلفا. # PageV01P619 # ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير # وقد ذكر الطحاوي، عن محمد بن سنان، عن عيسى، عن محمد، عن أبي يوسف، ms0848 عن ~~أبي حنيفة: "أن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء وإن كان عدلا ~~استحسانا". # قال أبو بكر: روى هشام وابن رستم عن محمد "أن شهادة الأجير الخاص غير ~~جائزة لمستأجره، وتجوز شهادة الأجير المشترك له" ولم يذكر خلافا عن أحد ~~منهم; وهو قول عبيد الله بن الحسن. وقال مالك: "لا تجوز شهادة الأجير لمن ~~استأجره إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وإن كان الأجير في عياله لم تجز ~~شهادته له". وقال الأوزاعي: "لا # PageV01P619 # تجوز شهادة الأجير لمستأجره". وقال الثوري: "شهادة الأجير جائزة إذا كان ~~لا يجر إلى نفسه". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى ~~قال: حدثنا أبو عمر الحوضي قال: حدثنا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة ~~الخائن والخائنة وشهادة ذي الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت، ~~وأجازها على غيرهم". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~حفص بن عمر قال: حدثنا محمد بن راشد بإسناده مثله، إلا أنه قال: "ورد شهادة ~~القانع لأهل البيت", قال أبو بكر: قوله: "القانع لأهل البيت" يدخل فيه ~~الأجير الخاص; لأن معناه: التابع لهم، والأجير الخاص هذه صفته، وأما الأجير ~~المشترك فهو وسائر الناس في ماله بمنزلة، فلا يمنع ذلك جواز شهادته; وكذلك ~~شريك العنان تجوز شهادته له في غير مال الشركة. # وقال أصحابنا: كل شهادة ردت للتهمة لم تقبل أبدا، مثل شهادة الفاسق إذا ~~ردت لفسقه ثم تاب وأصلح فشهد بتلك الشهادة لم تقبل أبدا، ومثل شهادة أحد ~~الزوجين للآخر إذا ردت ثم شهد بها بعد زوال الزوجية لم تقبل أبدا. وقالوا: ~~لو شهد عبد بشهادة أو كافر أو صبي فردت ثم أعتق العبد أو أسلم الكافر أو ~~كبر الصبي ثم شهد بها قبلت. وقال مالك: إذا شهد الصبي أو العبد بشهادة ثم ~~ردت ثم كبر الصبي أو أعتق العبد وشهدا بها لم تقبل أبدا، ولو ms0849 لم تكن ردت ~~قبل ذلك فإنها جائزة". وروي عن عثمان بن عفان مثل قول مالك. # وإنما قال أصحابنا "إنها إذا ردت لتهمة لم تقبل أبدا" من قبل أن الحاكم ~~قد حكم بإبطالها، وحكم الحاكم لا يجوز فسخه إلا بحكم، ولا يصح فسخه بما لا ~~يثبت من جهة الحكم، فلما لم يصح الحكم بزوال التهمة التي من أجلها ردت ~~الشهادة كان حكم الحاكم بإبطال تلك الشهادة ماضيا لا يجوز فسخه أبدا. وأما ~~الرق والكفر والصغر فإن المعاني التي ردت من أجلها وحكم الحاكم بإبطالها ~~محكوم بزوالها لأن الحرية والإسلام والبلوغ كل ذلك مما يحكم به الحاكم، ~~فلما صح حكم الحاكم بزوال المعاني التي من أجلها بطلت شهادتهم وجب أن تقبل، ~~ولما لم يصح أن يحكم الحاكم بزوال التهمة لأن ذلك معنى لا تقوم به البينة ~~ولا يحكم به الحاكم، كان حكم الحاكم بإبطالها ماضيا; إذ كان ما ثبت من طريق ~~الحكم لا ينفسخ إلا من جهة الحكم. # فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرناها: من العدالة، ونفي التهمة، وقلة ~~الغفلة; هي من شرائط الشهادات، وقد انتظمها قوله تعالى: {ممن ترضون من ~~الشهداء} فانظر إلى كثرة هذه المعاني والفوائد والدلالات على الأحكام التي ~~في ضمن قوله تعالى: {ممن ترضون # PageV01P620 # من الشهداء} مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته واختصاره وظهور فوائده ~~وجميع ما ذكرنا عند ذكرنا لمعنى هذا اللفظ من أقاويل السلف والخلف واستنباط ~~كل واحد منهم ما في مضمونه وتحريهم موافقته مع احتماله لجميع ذلك، يدل على ~~أنه كلام الله ومن عنده تعالى وتقدس; إذ ليس في وسع المخلوقين إيراد لفظ ~~يتضمن من المعاني والدلالات والفوائد والأحكام ما تضمنه هذا القول مع ~~اختصاره وقلة عدد حروفه. وعسى أن يكون ما لم يحط به علمنا من معانيه مما لو ~~كتب لطال وكثر، والله نسأل التوفيق لنعلم أحكامه ودلائل كتابه، وأن يجعل ~~ذلك خالصا لوجهه. # قوله تعالى عز وجل: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} قرئ: {فتذكر ~~إحداهما الأخرى} ، بالتشديد وقرئ: {فتذكر إحداهما الأخرى} بالتخفيف. وقيل ms0850 ~~إن معناهما قد يكون واحدا، يقال: ذكرته وذكرته; وروي ذلك عن الربيع بن أنس ~~والسدي والضحاك. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو عبيد مؤمل ~~الصيرفي قال: حدثنا أبو يعلى البصري قال: حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال: ~~من قرأ: {فتذكر} مخففة أراد: تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر ومن قرأ: ~~فتذكر بالتشديد، أراد من جهة التذكير; وروي ذلك عن سفيان بن عيينة. # قال أبو بكر: إذا كان محتملا للأمرين وجب حمل كل واحدة من القراءتين على ~~معنى وفائدة مجددة، فيكون قوله تعالى: {فتذكر} بالتخفيف تجعلهما جميعا ~~بمنزلة رجل واحد في ضبط الشهادة وحفظها في إتقانها، قوله تعالى: {فتذكر} من ~~التذكير عند النسيان; واستعمال كل واحد منهما على موجب دلالتيهما أولى من ~~الاقتصار بها على موجب دلالة أحدهما. ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن" قيل: يا ~~رسول الله وما نقصان عقلهن؟ قال: "جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل" فهذا ~~موافق لمعنى من تأول: {فتذكر إحداهما الأخرى} على أنهما تصيران في ضبط ~~الشهادة وحفظها بمنزلة رجل. وفي هذه الآية دلالة على أنه غير جائز لأحد ~~إقامة شهادة وإن عرف خطه إلا أن يكون ذاكرا لها، ألا ترى أن الله تعالى ذكر ~~ذلك بعد الكتاب والإشهاد ثم قال تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} ؟ فلم يقتصر بنا على الكتاب والخط دون ذكر الشهادة، وكذلك قوله ~~تعالى: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} فدل ذلك على ~~أن الكتاب إنما أمر به لتستذكر به كيفية الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد ~~حفظها وإتقانها. وفيها الدلالة على أن الشاهد إذا قال: ليس عندي شهادة في ~~هذا الحق، ثم قال: عندي شهادة فيه; أنها مقبولة، لقوله تعالى: {أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} # PageV01P621 # فأجازها إذا ذكرها بعد نسيانها. وذكر ابن رستم عن محمد رحمه الله في رجل ~~سئل عن شهادة في أمر كان يعلمه، فقال: ليس عندي شهادة، ثم ms0851 إنه شهد بها في ~~ذلك عند القاضي، قال تقبل منه إذا كان عدلا لأنه يقول نسيتها ثم ذكرتها، ~~ولأن الحق ليس له فيجوز قوله عليه، وإنما الحق لغيره فكذلك تقبل شهادته ~~فيه. قال أبو بكر: يعني أنه ليس هذا مثل أن يقول المدعي: ليس لي عنده هذا ~~الحق، ثم يدعيه فلا تقبل دعواه له بعد إقراره لأنه أبرأه من الحق وأقر على ~~نفسه فجاز إقراره، فلا تقبل دعواه بعد ذلك لذلك الحق لنفسه لأنه قد أبطلها ~~بإقراره. وأما الشهادة فإنما هي حق للغير فلا يبطلها قوله: ليس عندي شهادة; ~~وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} يدل على صحة هذا ~~القول. # وقد اختلف الفقهاء في الشهادة على الخط، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "لا ~~يشهد بها حتى يذكرها" وهذا هو المشهور من قولهم. وروى ابن رستم قال: قلت ~~لمحمد رجل يشهد على شهادة وكتبها بخطه وختمها أو لم يختم عليها وقد عرف ~~خطه؟ قال: إذا عرف خطه وسعه أن يشهد عليها ختم عليها أو لم يختم. قال: ~~فقلت: إن كان أميا لا يقرأ فكتب غيره له؟ قال: لا يشهد حتى يحفظ ويذكرها. ~~وقال أبو حنيفة: "ما وجد القاضي في ديوانه لا يقضي به إلا أن يذكره". وقال ~~أبو يوسف: "يقضي به إذا كان في قمطره وتحت خاتمه لأنه لو لم يفعله أضر ~~بالناس" وهو قول محمد. ولا خلاف بينهم أنه لا يمضي شيئا منه إذا لم يكن تحت ~~خاتمه، وأنه لا يمضي ما وجده في ديوان غيره من القضاة إلا أن يشهد به ~~الشهود على حكم الحاكم الذي قبله. وقال ابن أبي ليلى مثل قول أبي يوسف فيما ~~يجده في ديوانه; وذكر أبو يوسف أيضا عن ابن أبي ليلى: "إذا أقر عند القاضي ~~لخصمه فلم يثبته في ديوانه ولم يقض به عليه ثم سأله المقر له به أن يقضي له ~~على خصمه، فإنه لا يقضي به عليه" في قول ابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف: "يقضي به ms0852 عليه إذا كان يذكره". وقال مالك فيمن عرف خطه ولم يذكر ~~الشهادة: "إنه لا يشهد على ما في الكتاب ولكن يؤدي شهادته إلى الحاكم كما ~~علم وليس للحاكم أن يجيزها، فإن كتب الذي عليه الحق شهادته على نفسه في ذكر ~~الحق ومات الشهود فأنكر فشهد رجلان أنه خط نفسه، فإنه يحكم عليه بالمال ولا ~~يستحلف رب المال". وذكر أشهب عنه فيمن عرف خطه ولا يذكر الشهادة "أنه ~~يؤديها إلى السلطان ويعلمه ليرى فيه رأيه". وقال الثوري: "إذا ذكر أنه شهد ~~ولا يذكر عدد الدراهم فإنه لا يشهد وإن كتبها عنده ولم يذكر إلا أنه يعرف ~~الكتاب، فإنه إذا ذكر أنه شهد وأنه قد كتبها فأرى أن يشهد على الكتاب". ~~وقال الليث: "إذا عرف أنه خط يده وكان ممن يعلم # PageV01P622 # أنه لا يشهد إلا بحق فليشهد". وقال الشافعي: "إذا ذكر إقرار المقر حكم به ~~عليه أثبته في ديوانه أو لم يثبته لأنه لا معنى للديوان إلا الذكر". وقال ~~في كتاب المزني: "إنه لا يشهد حتى يذكر". # قال أبو بكر: قد ذكرنا دلالة قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} ودلالة قوله تعالى بعد ذكر الكتاب: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} على أن من شرط جواز إقامة الشهادة ذكر الشاهد ~~لها، وأنه لا يجوز الاقتصار فيها على الخط; إذ الخط والكتاب مأمور به لتذكر ~~به الشهادة. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ~~[الزخرف: 86] فإذا لم يذكرها فهو غير عالم بها; وقوله تعالى: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} [الإسراء: 36] يدل على ذلك أيضا. ويدل عليه حديث ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع" ~~وقد تقدم ذكر سنده. وأما الخط فقد يزور عليه، وقد يشتبه على الشاهد فيظن ~~أنه خطه وليس خطه. ولما كانت الشهادة من مشاهدة الشيء وحقيقة العلم به، فمن ~~لا يذكر الشهادة فهو بخلاف هذه الصفة، فلا تجوز له ms0853 إقامة الشهادة به. وقد ~~أكد أمر الشهادة حتى صار لا يقبل فيها إلا صريح لفظها ولا يقبل ما يقوم ~~مقامها من الألفاظ، فكيف يجوز العمل على الخط الذي يجوز عليه التزوير ~~والتبديل؟ وقد روي عن أبي معاوية النخعي عن الشعبي فيمن عرف الخط والخاتم ~~ولا يذكر الشهادة: "أنه لا يشهد به حتى يذكرها". وقوله تعالى: {أن تضل ~~إحداهما} معناه: أن ينساها; لأن الضلال هو الذهاب عن الشيء، فلما كان ~~الناسي ذاهبا عما نسيه جاز أن يقال: ضل عنه، بمعنى أنه نسيه. وقد يقال ~~أيضا: ضلت عنه الشهادة وضل عنها، والمعنى واحد. والله تعالى أعلم. # PageV01P623 # باب الشاهد واليمين # اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين الطالب، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة: "لا يحكم إلا بشاهدين ولا يقبل شاهد ويمين في ~~شيء". وقال مالك والشافعي: "يحكم به في الأموال خاصة". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} يوجب بطلان القول بالشاهد ~~واليمين وذلك لأن قوله: {واستشهدوا} يتضمن الإشهاد على عقود المداينات التي ~~ابتدأ في الخطاب بذكرها، ويتضمن إقامتها عند الحاكم ولزوم الحاكم الأخذ بها ~~لاحتمال اللفظ للحالين ولأن الإشهاد على العقد إنما الغرض فيه إثباته عند ~~التجاحد فقد تضمن لا محالة # PageV01P623 # استشهاد الشاهدين أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم وإلزامه الحكم ~~به. وإذا كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب، لأنه أمر وأوامر الله على ~~الوجوب فقد ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور، كقوله تعالى: {فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] وقوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] ولم يجز الاقتصار على ما دون العدد المذكور، كذلك العدد المذكور ~~للشهادة غير جائز الاقتصار فيه على ما دونه، وفي تجويز أقل منه مخالفة ~~الكتاب كما لو أجاز مجيز أن يكون حد القذف سبعين أو حد الزنا تسعين كان ~~مخالفا للآية. وأيضا قد انتظمت الآية شيئين من أمر الشهود، أحدهما: العدد، ~~والآخر: الصفة، وهي أن يكونوا أحرارا ms0854 مرضيين، لقوله تعالى: {من رجالكم} ~~وقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} فلما لم يجز إسقاط الصفة المشروطة لهم ~~والاقتصار على ما دونها، لم يجز إسقاط العدد; إذ كانت الآية مقتضية ~~لاستيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها وهو العدد والعدالة والرضا، فغير جائز ~~إسقاط واحد منهما; والعدد أولى بالاعتبار من العدالة والرضا لأن العدد ~~معلوم من جهة اليقين، والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر لا من طريق ~~الحقيقة، فلما لم يجز إسقاط العدالة المشروطة من طريق الظاهر لم يجز إسقاط ~~العدد المعلوم من جهة الحقيقة واليقين. وأيضا فلما أراد الله الاحتياط في ~~إجازة شهادة النساء أوجب شهادة المرأتين وقال: {أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى} ثم قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ~~ترتابوا} فنفى بذلك أسباب التهمة والريب والنسيان. وفي مضمون ذلك ما ينفي ~~قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد لما فيه من الحكم بغير ما أمر به من ~~الاحتياط والاستظهار ونفي الريبة والشك، وفي قبول يمينه أعظم الريب والشك ~~وأكبر التهمة، وذلك خلاف مقتضى الآية. # ويدل على بطلان الشاهد واليمين قول الله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} ~~وقد علمنا أن الشاهد الواحد غير مقبول ولا مراد بالآية، ويمين الطالب لا ~~يجوز أن يقع عليها اسم الشاهد ولا يجوز أن يكون رضي فيما يدعيه لنفسه; ~~فالحكم بشاهد واحد ويمينه مخالف للآية من هذه الوجوه ورافع لما قصد به من ~~أمر الشهادات من الاحتياط والوثيقة على ما بين الله في هذه الآية وقصد به ~~من المعاني المقصودة بها. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة ~~على المدعي واليمين على المدعى عليه" وفرق بين اليمين والبينة، فغير جائز ~~أن تكون اليمين بينة لأنه لو جاز أن تسمى اليمين بينة لكان بمنزلة قول ~~القائل "البينة على المدعي والبينة على المدعى عليه" وقوله "البينة" اسم ~~للجنس، فاستوعب ما تحتها، فما من بينة إلا وهي التي على المدعي، فإذا لا ~~يجوز أن يكون عليه اليمين. # PageV01P624 # وأيضا لما كانت البينة لفظا ms0855 مجملا قد يقع على معان مختلفة، واتفقوا أن ~~الشاهدين والشاهد والمرأتين مرادون بهذا الخبر وأن الاسم يقع عليهم، صار ~~كقوله "الشاهدان أو الشاهد والمرأتان على المدعي" فغير جائز الاقتصار على ~~ما دونهم. وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد فإن الأمة قد تلقته ~~بالقبول والاستعمال فصار في حيز المتواتر; ويدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم" فحوى هذا الخبر ~~ضربين من الدلالة على بطلان القول بالشاهد واليمين: أحدهما: أن يمينه دعواه ~~لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد، فلو استحق بيمينه كان مستحقا بدعواه، وقد منع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. والثاني: أن دعواه لما كانت قوله ومنع النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يستحق بها شيئا، لم يجز أن يستحق بيمينه; إذ كانت ~~يمينه قوله. ويدل على ذلك حديث علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه في الحضرمي ~~الذي خاصم الكندي في أرض ادعاها في يده وجحد الكندي، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للحضرمي: "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" فنفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يستحق شيئا بغير شاهدين، وأخبر أنه لا شيء له غير ذلك. # فإن قيل: لم ينف بذلك أن يستحق بإقرار المدعى عليه، كذلك لا ينفي أن ~~يستحق بشاهد ويمين. قيل له: قد كان المدعى عليه جاحدا فبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكم ما يوجب صحة دعواه عند الجحود، فأما حال الإقرار فلم يجر لها ~~ذكر وهي موقوفة على الدلالة، وأيضا فإن ظاهره يقتضي أن لا يستحق شيئا إلا ~~ما ذكرنا في الخبر، والإقرار قد ثبت بالإجماع وجوب الاستحقاق به، فحكمنا ~~به; والشاهد واليمين مختلف فيه، فقضى قوله: "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ~~ذلك" ببطلانه. # واحتج القائلون بالشاهد واليمين بأخبار رويت مبهمة ذكر فيها قضية النبي ~~صلى الله عليه وسلم به أنا ذاكرها ومبين ما فيها: أحدها: ما حدثنا عبد ~~الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني ms0856 أبي قال: حدثنا أبو ~~سعيد قال: حدثنا سليمان قال: حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن ~~أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع ~~الشاهد". وروى عثمان بن الحكم، عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن ~~أبيه، عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وحديث آخر، وهو ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~والحسن بن علي، أن زيد بن الحباب حدثهم قال: حدثنا سيف يعني ابن سليمان ~~المكي عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب قالا: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، بإسناده ومعناه. # PageV01P625 # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي ~~قال: حدثنا عبد الله بن الحارث قال: حدثنا سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، ~~عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين ~~مع الشاهد" قال عمرو: إنما ذاك في الأموال. وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: ~~حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا خلد بن ~~أبي كريمة عن أبي جعفر: "أن رسول الله أجاز شهادة رجل مع يمين المدعي في ~~الحقوق" ورواه مالك وسفيان عن جعفر بن محمد عن. أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أنه قضى بشهادة رجل مع اليمين". # قال أبو بكر: والمانع من قبول هذه الأخبار وإيجاب الحكم بالشاهد واليمين ~~بها وجوه: أحدها: فساد طرقها، والثاني جحود المروي عنه روايتها، والثالث: ~~رد نص القرآن لها، والرابع: أنها لو سلمت من الطعن والفساد لما دلت على قول ~~المخالف، والخامس: احتمالها لموافقة الكتاب. فأما فسادها ms0857 من طريق النقل، ~~فإن حديث سيف بن سليمان غير ثابت لضعف سيف بن سليمان هذا، ولأن عمرو بن ~~دينار لا يصح له سماع من ابن عباس; فلا يصح لمخالفنا الاحتجاج به; وحدثنا ~~عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا ~~أبو سلمة الخزاعي قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ~~عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أنهم وجدوا في كتاب ~~سعد بن عبادة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد", ~~فلو كان عنده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس لذكره ولم يلجأ إلى ما وجده في ~~كتاب. وأما حديث سهيل، فإن محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري قال: حدثنا الدراوردي، عن ربيعة بن أبي ~~عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد", قال أبو داود: وزادني الربيع بن ~~سليمان المؤذن في هذا الحديث قال: أخبرنا الشافعي عن عبد العزيز قال: فذكرت ~~ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال ~~عبد العزيز: وقد كان أصابت سهيلا علة أزالت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان ~~سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا محمد بن داود الإسكندراني قال: حدثنا زياد يعني ابن يونس ~~قال: حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بإسناد أبي مصعب ومعناه; قال سليمان: ~~فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة ~~أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. # PageV01P626 # ومثل هذا الحديث لا تثبت به شريعة مع إنكار من روي عنه إياه وفقد معرفته ~~به. فإن قال قائل: يجوز أن يكون رواه ثم نسيه. قيل له: ms0858 ويجوز أن يكون قد ~~وهم بديا فيه وروى ما لم يكن سمعه، وقد علمنا أنه كان آخر أمره جحوده وفقد ~~العلم به، فهو أولى. # وأما حديث جعفر بن محمد فإنه مرسل، وقد وصله عبد الوهاب الثقفي; وقيل إنه ~~أخطأ فيه فذكر فيه جابرا، وإنما هو عن أبي جعفر محمد بن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قال أبو بكر: فهذه الأمور التي ذكرنا إحدى العلل المانعة من قبول هذه ~~الأخبار وإثبات الأحكام بها. ومن جهة أخرى، وهو ما حدثنا عبد الرحمن بن ~~سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل عن ~~سوار بن عبد الله قال: سألت ربيعة الرأي قلت: قولكم شهادة الشاهد ويمين ~~صاحب الحق؟ قال: وجدت في كتاب سعد. فلو كان حديث سهيل صحيحا عند ربيعة ~~لذكره ولم يعتمد على ما وجد في كتاب سعد. وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: ~~حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ~~معمر عن الزهري في اليمين مع الشاهد قال: هذا شيء أحدثه الناس، لا إلا ~~شاهدين. حدثنا حماد بن خالد الخياط قال: سألت ابن أبي ذئب: إيش كان الزهري ~~يقول في اليمين مع الشاهد؟ قال: كان يقول بدعة، وأول من أجازه معاوية وروى ~~محمد بن الحسن عن ابن أبي ذئب قال: سألت الزهري عن شهادة شاهد ويمين ~~الطالب، فقال: ما أعرفه، وإنها لبدعة، وأول من قضى به معاوية، والزهري من ~~أعلم أهل المدينة في وقته، فلو كان هذا الخبر ثابتا كيف كان يخفى مثله عليه ~~وهو أصل كبير من أصول الأحكام؟ وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به ~~وأنه بدعة. # وقد روي عن معاوية أنه قضى بشهادة امرأة واحدة في المال من غير يمين ~~الطالب; حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني ~~أبي قال: حدثنا عبد الرزاق وروح ومحمد بن بكر قالوا: أخبرنا ابن جريج قال: ~~أخبرني عبد الله ms0859 بن أبي مليكة، أن علقمة بن أبي وقاص أخبره أن أم سلمة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم شهدت لمحمد بن عبد الله بن زهير وإخوته أن ربيعة ~~بن أبي أمية أعطى أخاه زهير بن أبي أمية نصيبه من ربعه، ولم يشهد على ذلك ~~غيرها، فأجاز معاوية شهادتها وحدها وعلقمة حاضر ذلك من قضاء معاوية. فإن ~~كان قضاء معاوية بالشاهد مع اليمين جائزا فينبغي أن يجوز أيضا قضاؤه ~~بالشاهد من غير يمين الطالب، فاقضوا بمثله وأبطلوا حكم الكتاب والسنة. ~~وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي ~~قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: كان عطاء يقول: "لا تجوز ~~شهادة على دين ولا غيره دون شاهدين" حتى إذا كان عبد الملك بن مروان جعل مع ~~شهادة الرجل الواحد يمين # PageV01P627 # الطالب. وروى مطرف بن مازن قاضي أهل اليمن عن ابن جريج عن عطاء بن أبي ~~رباح قال: "أدركت هذا البلد يعني مكة وما يقضى فيه في الحقوق إلا بشاهدين، ~~حتى كان عبد الملك بن مروان يقضي بشاهد ويمين". وروى الليث بن سعد عن زريق ~~بن حكيم، أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله: إنك كنت تقضي بالمدينة ~~بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر: إنا قد كنا نقضي كذلك، وإنا ~~وجدنا الناس على غير ذلك، فلا تقضين إلا بشهادة رجلين أو برجل وامرأتين. # فقد أخبر هؤلاء السلف إن القضاء باليمين سنة معاوية وعبد الملك وأنه ليس ~~بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلو كان ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما خفي على علماء التابعين. فهذان الوجهان اللذان ذكرنا، أحدهما: فساد ~~السند واضطرابه، والثاني جحود سهيل له وهو العمدة فيه، وإخبار ربيعة أن ~~أصله ما وجد في كتاب سعد، وإنكار علماء التابعين وإخبارهم أنه بدعة وأن ~~معاوية وعبد الملك أول من قضى به. والوجه الثالث: إنها لو وردت من طرق ~~مستقيمة تقبل أخبار الآحاد في مثلها وعريت من ظهور ms0860 نكير السلف على رواتها ~~وإخبارهم إنها بدعة، لما جاز الاعتراض بها على نص القرآن; إذ غير جائز نسخ ~~القرآن بأخبار الآحاد. ووجه النسخ منه أن المفهوم منه الذي لا يرتاب به أحد ~~من سامعي الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو رجل وامرأتين. وفي ~~استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية والاقتصار على أقل من العدد المذكور; إذ ~~غير جائز أن ينطوي تحت ذكر العدد المذكور في الآية الشاهد واليمين، كما كان ~~المفهوم من قوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وقوله: {فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] منع الاقتصار على أقل منها في كونها حدا. # فإن قال قائل جائز أن يكون حق القاذف أقل من ثمانين، وحق الزاني أقل من ~~مائة كان مخالفا للآية; كذلك من قبل شهادة رجل واحد فقد خالف أمر الله ~~تعالى في استشهاد شاهدين. وهو مخالف لمعنى الآية كذلك من وجه آخر: وهو ما ~~أبان الله تعالى به عن المقصد في الكتاب واستشهاد الشهود في قوله: {ذلكم ~~أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} وقوله: {ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} فأخبر أن المقصد فيه ~~الاحتياط والتوثق لصاحب الحق والاستظهار بالكتاب والشهود لنفي الريبة والشك ~~والتهمة عن الشهود في قوله: {ممن ترضون من الشهداء} وفي الحكم بشاهد ويمين ~~رفع هذه المعاني كلها وإسقاط اعتبارها. فثبت بما وصفنا أن الحكم بها خلاف ~~الآية. فهذان الوجهان مما قد ظهر بهما مخالفة الحكم بالشاهد واليمين للآية. ~~وأيضا فلما كان حكم القرآن في الشاهدين والرجل والمرأتين # PageV01P628 # مستعملا ثابتا وكانت أخبار الشاهد واليمين مختلفا فيها، وجب أن يكون خبر ~~الشاهد واليمين منسوخا بالقرآن; لأنه لو كان ثابتا لاتفق على استعمال حكمه ~~كاتفاقهم على استعمال حكم القرآن. # والوجه الرابع: أن خبر الشاهد واليمين لو سلم من معارضة الكتاب وورد من ~~طرق مستقيمة لما صح الاحتجاج به في الاستحقاق بشاهد ويمين الطالب، وذلك أن ~~أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، ms0861 وهذه حكاية قضية ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ليس بلفظ عموم في إيجاب الحكم بشاهد ويمين حتى ~~يحتج به في غيره، ولم يبين لنا كيفيتها في الخبر. وفي حديث أبي هريرة: "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد", وذلك محتمل أن يريد به ~~أن وجود الشاهد الواحد لا يمنع استحلاف المدعى عليه إن استحلفه مع شهادة ~~شاهد; فأفاد أن شهادة الشاهد الواحد لا تمنع استحلاف المدعى عليه، وأن ~~وجوده وعدمه بمنزلة. وقد كان يجوز أن يظن ظان أن اليمين إنما تجب على ~~المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي شاهد أصلا، فأبطل الراوي بنقله لهذه القضية ~~ظن الظان لذلك. وأيضا فإن الشاهد قد يكون اسما للجنس، فجائز أن يكون مراد ~~الراوي أنه قضى باليمين في حال وبالبينة في حال، فلا يكون حكم الشاهد مفيدا ~~للقضاء بشهادة واحد; وهذا كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] لما كان اسما للجنس لم يكن المراد سارقا واحدا. وجائز أن ~~يكون قضى بشاهد واحد، وهو خزيمة بن ثابت الذي جعل شهادته بشهادة رجلين، ~~فاستحلف الطالب مع ذلك لأن المطلوب ادعى البراءة. # والوجه الخامس: احتماله لموافقة مذهبنا، وذلك بأن تكون القضية فيمن اشترى ~~جارية وادعى عيبا في موضع لا يجوز النظر إليه إلا لعذر، فتقبل شهادة الشاهد ~~الواحد في وجود العيب، واستحلف المشتري مع ذلك بالله ما رضي، فيكون قد قضى ~~بالرد على البائع بشهادة شاهد مع يمين الطالب وهو المشتري. وإذا كان خبر ~~الشاهد واليمين محتملا لما وصفنا; وجب حمله عليه وأن لا يزال به حكم ثابت ~~من جهة نص القرآن، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أتاكم عني ~~فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو مني، وما خالفه فليس مني" ~~وأيضا فإن القضية المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في الأموال ~~أو غيرها، وقد اتفق الفقهاء على بطلانه في غير الأموال فكذلك في الأموال. # فإن قيل: قال عمرو بن دينار في الأموال. قيل ms0862 له: هو قول عمرو بن دينار ~~ومذهبه، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها في الأموال فإذا جاز ~~أن لا يقضي في غير الأموال، وإن كانت القضية مبهمة ليس فيها بيان ذكر ~~الأموال ولا غيرها، فكذلك لا # PageV01P629 # يقضي به في الأموال إذا لم يبين كيفيتها، وليس القضاء بها في الأموال ~~بأولى منه في غيرها. # فإن قيل: إنما يقضي به فيما تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال، ~~فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد مع شهادة الآخر. قيل له: هذه دعوى لا ~~دلالة عليها، ومع ذلك فكيف صارت يمين الطالب قائمة مقام شاهد آخر دون أن ~~تقوم مقام امرأة؟ ويقال له: أرأيت لو كان المدعي امرأة، هل تقيم يمينها ~~مقام شهادة رجل؟ فإن قال: نعم، قيل له فقد صارت اليمين آكد من الشهادة لأنك ~~لا تقبل شهادة امرأة واحدة في الحقوق وقبلت يمينها وأقمتها مقام شهادة رجل ~~واحد، والله تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى من الشهداء، وإن كانت هذه ~~شاهدة أو قامت يمينها مقام شهادة رجل فقد خالفت القرآن; لأن أحدا لا يكون ~~مرضيا فيما يدعيه لنفسه. ومما يدل على تناقض قولهم، أنه لا خلاف أن شهادة ~~الكافر غير مقبولة على المسلم في عقود المداينات، وكذلك شهادة الفاسق غير ~~مقبولة، ثم إن كان المدعي كافرا أو فاسقا وشهد معه شاهد واحد استحلفوه ~~واستحق ما يدعيه بيمينه، وهو لو شهد مثل هذه الشهادة لغيره وحلف عليها ~~خمسين يمينا لم تقبل شهادته ولا أيمانه، وإذا ادعى لنفسه وحلف استحق ما ~~ادعى بقوله مع أنه غير مرضي ولا مأمون لا في شهادته ولا في أيمانه. وفي ذلك ~~دليل على بطلان قولهم وتناقض مذهبهم. # قوله عز وجل: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} روي عن سعيد بن جبير وعطاء ~~ومجاهد والشعبي وطاوس: "إذا ما دعوا لإقامتها". وعن قتادة والربيع بن أنس: ~~"إذا دعوا لإثبات الشهادة في الكتب". وقال ابن عباس والحسن: "هو على ~~الأمرين جميعا من إثباتها في الكتاب وإقامتها بعد ms0863 عند الحاكم". # قال أبو بكر: الظاهر أنه عليهما جميعا لعموم اللفظ، وهو في الابتداء على ~~إثبات الشهادة، كأنه قال: إذا دعوا لإثبات شهاداتهم في الكتاب; ولا خلاف ~~أنه ليس على الشهود الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتعاقدين أن يحضرا ~~عند الشهود، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهاداتهم في الكتاب فهذه الحال هي ~~المرادة بقوله: {إذا ما دعوا} لإثبات الشهادة، وأما إذا أثبتا شهادتهما ثم ~~دعيا لإقامتها عند الحاكم، فهذا الدعاء هو كحضورهما عند الحاكم; لأن الحاكم ~~لا يحضر عند الشاهدين ليشهدا عنده وإنما الشهود عليهم الحضور عند الحاكم. ~~فالدعاء الأول إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب، والدعاء الثاني لحضورهم ~~عند الحاكم وإقامة الشهادة عنده. وقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} يجوز أن يكون أيضا على الحالين من الابتداء والإقامة لها عند ~~الحاكم، وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} لا يدل على أن # PageV01P630 # المراد ابتداء الشهادة; لأنه ذكر بعض ما انتظمه اللفظ، فلا دلالة فيه على ~~خصوصه فيه دون غيره1. # فإن قال قائل: لما قال: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} فسماهم شهداء، دل ~~على أن المراد حال إقامتها عند الحاكم; لأنهم لا يسمون شهداء قبل أن يشهدوا ~~في الكتاب. قيل له: هذا غلط; لأن الله تعالى قال: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} فسماهما شهيدين، وأمر باستشهادهما قبل أن يشهدا; لأنه لا خلاف أن ~~حال الابتداء مرادة بهذا اللفظ، وهو كما قال تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة: 23] فسماه زوجا قبل أن تتزوج. وإنما يلزم الشاهد ~~إثبات الشهادة ابتداء، ويلزمه إقامتها على طريق الإيجاب إذا لم يجد من يشهد ~~غيره، وهو فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز وغسل الموتى ~~ودفنهم، ومتى قام به بعض سقط عن الباقين; وكذلك حكم الشهادة في تحملها ~~وأدائها. والذي يدل على أنها فرض على الكفاية أنه غير جائز للناس كل ~~الامتناع من تحمل الشهادة، ولو جاز لكل أحد أن يمتنع من تحملها لبطلت ~~الوثائق وضاعت الحقوق وكان فيه سقوط ما ms0864 أمر الله تعالى به وندب إليه من ~~التوثق بالكتاب والإشهاد، فدل ذلك على لزوم فرض إثبات الشهادة في الجملة. ~~والدليل على أن فرضها غير معين على كل أحد في نفسه اتفاق المسلمين على أنه ~~ليس على كل أحد من الناس تحملها، ويدل عليه قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد} فإذا ثبت فرض التحمل على الكفاية كان حكم الأداء عند الحاكم، كذلك ~~إذا قام بها البعض منهم سقط عن الباقين، وإذا لم يكن في الكتاب إلا شاهدان ~~فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتها بقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا} وقال: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقال: ~~{وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وقوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] وإذا كان عنهما ~~مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط الفرض عنهما لما وصفنا. # قوله عز وجل: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} يعني والله ~~أعلم: لا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل الذي جرت العادة بتأجيله ~~والكثير الذي ندب فيه الكتاب والإشهاد لأنه معلوم أنه لم يرد به القيراط ~~والدانق ونحوه; إذ ليس في العادة المداينة بمثله إلى أجل; فأبان أن حكم ~~القليل المتعارف فيه التأجيل كحكم الكثير فيما ندب إليه من الكتابة ~~والإشهاد لما ثبت أن النزر اليسير غير مراد بالآية وأن قليل ما جرت ~~PageV01P631 # به العادة فهو مندوب إلى كتابته والإشهاد فيه، وكل ما كان مبنيا على ~~العادة فطريقه الاجتهاد وغالب الظن; وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام ~~الحوادث التي لا توقيف فيها ولا اتفاق. وقوله: {إلى أجله} يعني: إلى محل ~~أجله، فيكتب ذكر الأجل في الكتاب ومحله كما كتب أصل الدين; وهذا يدل على أن ~~عليهما أن يكتبا في الكتاب صفة الدين ونقده ومقداره; لأن الأجل بعض أوصاف، ~~فحكم سائر أوصافه بمنزلته. # وقوله تعالى: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة} فيه بيان أن الغرض الذي ~~أجرى بالأمر بالكتاب واستشهاد الشهود هي الوثيقة والاحتياط للمتداينين ms0865 عند ~~التجاحد ورفع الخلاف. وبين المعنى المراد بالكتابة، فأعلمهم أن ذلك أقسط ~~عند الله، بمعنى أنه أعدل وأولى أن لا يقع فيه بينهم التظالم، وأنه مع ذلك ~~أقوم للشهادة; يعني والله أعلم: أنه أثبت لها وأوضح منها لو لم تكن مكتوبة، ~~وأنه مع ذلك أقرب إلى نفي الريبة والشك فيها. فأبان لنا جل وعلا أنه أمر ~~بالكتاب والإشهاد احتياطا لنا في ديننا ودنيانا ودفع التظالم فيما بيننا، ~~وأخبر مع ذلك أن في الكتاب من الاحتياط للشهادة ما نفى عنها الريب والشك، ~~وأنه أعدل عند الله من أن لا يكون مكتوبا فيرتاب الشاهد فلا ينفك بعد ذلك ~~من أن يقيمها على ما فيها من الارتياب والشك، فيقدم على محظور أو يتركها ~~فلا يقيمها فيضيع حق الطالب. وفي هذا دليل على أن الشهادة لا تصح إلا مع ~~زوال الريب والشك فيها، وأنه لا يجوز للشاهد إقامتها إذا لم يذكرها وإن عرف ~~خطه; لأن الله تعالى أخبر أن الكتاب مأمور به لئلا يرتاب بالشهادة، فدل ذلك ~~على أنه لا تجوز له إقامتها مع الشك فيها، فإذا كان الشك فيها يمنع صحتها ~~فعدم الذكر والعلم بها أولى أن يمنع صحتها. # قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ~~ألا تكتبوها} يعني والله أعلم: البياعات التي يستحق كل واحد منهما على ~~صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل; فأباح ترك الكتاب فيها، وذلك ~~توسعة منه جل وعز لعباده ورحمة لهم لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في المأكول ~~والمشروب والأقوات التي حاجتهم إليها ماسة في أكثر الأوقات. ثم قال تعالى ~~في نسق هذا الكلام: {وأشهدوا إذا تبايعتم} وعمومه يقتضي الإشهاد على سائر ~~عقود البياعات بالأثمان العاجلة. وإنما خص التجارات الحاضرة غير المؤجلة ~~بإباحة ترك الكتاب فيها، فأما الإشهاد فهو مندوب إليه في جميعها إلا النزر ~~اليسير الذي ليس في العادة التوثق فيها بالإشهاد، نحو شرى الخبز والبقل ~~والماء وما جرى مجرى ذلك. وقد روي عن جماعة من السلف أنهم رأوا ms0866 الإشهاد في ~~شرى البقل ونحوه، ولو كان مندوبا إليه لنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والسلف والمتقدمين، ولنقله الكافة لعموم الحاجة إليه. وفي علمنا ~~بأنهم كانوا يتبايعون الأقوات # PageV01P632 # وما لا يستغني الإنسان عن شرائه من غير نقل عنهم الإشهاد فيه دلالة على ~~أن الأمر بالإشهاد وإن كان ندبا وإرشادا فإنما هو في البياعات المعقودة على ~~ما يخشى فيه التجاحد من الأثمان الخطيرة والأبدال النفيسة لما يتعلق بها من ~~الحقوق لبعضهم على بعض من عيب إن وجده ورجوع ما يجب لمبتاعيه باستحقاق ~~مستحق لجميعه أو بعضه، وكان المندوب إليه فيما تضمنته هذه الآية الكتاب ~~والإشهاد على البياعات المعقودة على أثمان آجلة والإشهاد على البياعات ~~الحاضرة دون الكتاب. وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} قال: "إذا كان نسيئة كتب وإذا كان نقدا أشهد". وقال الحسن في ~~النقد: "إن أشهدت فهو ثقة وإن لم تشهد فلا بأس"، وعن الشعبي مثل ذلك. وقد ~~قال قوم: إن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا} وقد ~~بينا الصواب عندنا من ذلك فيما سلف. # قوله عز وجل: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} . روى يزيد بن أبي زياد عن مقسم ~~عن ابن عباس قال: "هي أن يجيء الرجل إلى الكاتب أو الشاهد فيقول: إني على ~~حاجة، فيقول: إنك قد أمرت أن تجيب; فلا يضار". وعن طاوس ومجاهد مثله. وقال ~~الحسن وقتادة: "لا يضار كاتب فيكتب ما لم يؤمر به، ولا يضار الشهيد فيزيد ~~في شهادته". وقرأ "الحسن وقتادة وعطاء: ولا يضار كاتب" بكسر الراء. وقرأ ~~عبد الله بن مسعود ومجاهد: "لا يضار" بفتح الراء. فكانت إحدى القراءتين ~~نهيا لصاحب الحق عن مضارة الكاتب والشهيد، والقراءة الأخرى فيها نهي الكاتب ~~والشهيد عن مضارة صاحب الحق. وكلاهما صحيح مستعمل، فصاحب الحق منهي عن ~~مضارة الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن حوائجهما ويلح عليهما في الاشتغال ~~بكتابه وشهادته، والكاتب والشهيد كل واحد منهما منهي عن مضارة الطالب بأن ~~يكتب الكتاب ما لم يمل ويشهد ms0867 الشهيد بما لم يستشهد. ومن مضارة الشهيد ~~للطالب القعود عن الشهادة، وليس فيها إلا شاهدان، فعليهما فرض أدائها وترك ~~مضارة الطالب بالامتناع من إقامتها، وكذلك على الكاتب أن يكتب إذا لم يجدا ~~غيره. # فإن قيل: قوله تعالى في التجارة: {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} فرق ~~بينها وبين الدين المؤجل، دلالة على أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد ~~فيه. قيل له: ليس كذلك لأن الأمر بالإشهاد على عقود المداينات المؤجلة لما ~~كان مندوبا إليه وكان تاركه تاركا لما ندب إليه من الاحتياط لماله جاز أن ~~يعطف عليه قوله: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ~~ألا تكتبوها} بأن لا تكونوا تاركين لما ندبتم إليه بترك الكتابة، كما ~~تكونون تاركين الندب والاحتياط إذا لم تكتبوا الديون # PageV01P633 # المؤجلة ولم تشهدوا عليها. ويحتمل قوله: {فليس عليكم جناح} أنه لا ضرر ~~عليكم في باب حياطة الأموال لأن كل واحد منهما يسلم ما استحق عليه بإزاء ~~تسليم الآخر. وقوله: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} عطفا على ذكر المضارة يدل ~~على أن مضارة الطالب للكاتب والشهيد ومضارتهما له فسق، لقصد كل واحد منهم ~~إلى مضارة صاحبه بعد نهي الله تعالى عنها. والله أعلم. # PageV01P634 # باب الرهن # قال الله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} يعني ~~والله أعلم: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة، ~~فأقام الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل فيها إلى التوثق بالكتاب ~~والإشهاد مقامها. وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم الكتاب والشهود; ~~وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره الرهن إلا في السفر. وكان عطاء لا يرى به ~~بأسا في الحضر. فذهب مجاهد إلى أن حكم الرهن لما كان مأخوذا من الآية وإنما ~~أباحته الآية في السفر، لم يثبت في غيره. وليس هذا عند سائر أهل العلم ~~كذلك; ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر. وقد روى ~~إبراهيم عن الأسود عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0868 اشترى من يهودي ~~طعاما إلى أجل ورهنه درعه". وروى قتادة عن أنس قال رهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله، فثبت جواز ~~الرهن في الحضر بفعله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى" {واتبعوه} [الأعراف: ~~158] وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] فدل على أن ~~تخصيص الله لحال السفر بذكر الرهن إنما هو لأن الأغلب فيها عدم الكاتب ~~والشهيد. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس وعشرين من الإبل ~~ابنة مخاض وفي ست وثلاثين ابنة لبون" لم يرد به وجود المخاض واللبن بالأم، ~~وإنما أخبر عن الأغلب الأعم من الحال، وإن كان جائزا أن لا يكون بأمها مخاض ~~ولا لبن; فكذلك ذكر السفر هو على هذا الوجه. وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين" والمراد استحكامه وجفافه لا حصوله ~~في الجرين; لأنه لو حصل في بيته أو حانوته بعد استحكامه وجفافه فسرقه سارق ~~قطع فيه، فكان ذكر الجرين على الأغلب الأعم من حاله في استحكامه; فكذلك ~~ذكره لحال السفر هو على هذا المعنى. # وقوله: {فرهان مقبوضة} يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من وجهين: ~~أحدهما: أنه عطف على ما تقدم من قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} فلما كان استيفاء العدد ~~المذكور # PageV01P634 # والصفة المشروطة للشهود واجبا، وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له ~~من الصفة، فلا يصح إلا عليها، كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف ~~المذكورة; ; إذ كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب. ~~والوجه الثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازته بهذه ~~الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها; إذ ليس ههنا أصل آخر يوجب جواز الرهن ~~غير الآية. ويدل على أنه لا يصح إلا مقبوضا أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن ~~بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة ms0869 وكان بمنزلة سائر أموال الراهن ~~التي لا وثيقة للمرتهن فيها; وإنما جعل وثيقة له ليكون محبوسا في يده ~~بدينه، فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن في ~~يده كان لغوا لا معنى فيه وهو وسائر الغرماء فيه سواء; ألا ترى أن المبيع ~~إنما يكون محبوسا بالثمن ما دام في يد البائع فإن هو سلمه إلى المشتري سقط ~~حقه وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه؟. # واختلف الفقهاء في إقرار المتعاقدين بقبض الرهن، فقال أصحابنا جميعا ~~والشافعي: "إذا قامت البينة على إقرار الراهن بالقبض والمرتهن يدعيه جازت ~~الشهادة وحكم بصحة الرهن". وعند مالك أن البينة غير مقبولة على إقرار ~~المصدق بالقبض حتى يشهدوا على معاينة القبض; فقيل: إن القياس قوله في الرهن ~~كذلك، والدليل على جواز الشهادة على إقرارهما بقبض الرهن اتفاق الجميع على ~~جواز إقراره بالبيع والغصب والقتل، فكذلك قبض الرهن; والله أعلم. # PageV01P635 # ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ولا ~~فيما لا يقسم". وقال مالك والشافعي: "يجوز فيما لا يقسم وما يقسم". وذكر ~~ابن المبارك عن الثوري في رجل يرتهن الرهن ويستحق بعضه قال: "يخرج من الرهن ~~ولكن له أن يجبر الراهن على أن يجعله رهنا، فإن مات قبل أن يجعله رهنا كان ~~بينه وبين الغرماء". وقال الحسن بن صالح: "يجوز رهن المشاع فيما لا يقسم ~~ولا يجوز فيما يقسم". # قال أبو بكر: لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا، من حيث ~~كان رهنه على جهة الوثيقة وكان في ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو ~~الوثيقة، وجب أن لا يصح رهن المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم; لأن المعنى ~~الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن للعقد وهو الشركة التي يستحق ~~بها دفع القبض للمهايأة، فلم يجز # PageV01P635 # أن يصح مع وجود ما يبطله; ألا ترى أنه متى استحق ذلك القبض بالمهايأة ~~وعاد إلى يد الشريك فقد بطل معنى الوثيقة وكان بمنزلة ms0870 الرهن الذي لم يقبض؟ ~~وليس ذلك بمنزلة عارية الرهن المقبوض إذا أعاده الراهن فلا يبطل الرهن، وله ~~أن يرده إلى يده من قبل أن هذا القبض غير مستحق، وللمرتهن أخذه منه متى ~~شاء; وإنما هو ابتدأ به من غير أن يكون ذلك القبض مستحقا بمعنى يقارن ~~العقد. وليس هذا أيضا بمنزلة هبة المشاع فيما لا يقسم فيجوز عندنا، وإن كان ~~من شرط الهبة القبض كالرهن، من قبل أن الذي يحتاج إليه في الهبة من القبض ~~لصحة الملك وليس من شرط بقاء الملك استصحاب اليد، فلما صح القبض بديا لم ~~يكن في استحقاق اليد تأثير في رفع الملك، ولما كان في استحقاق المرتهن رفع ~~معنى الوثيقة لم يصح مع وجود ما يبطله وينافيه. # فإن قيل: هلا أجزت رهنه من شريكه; إذ ليس فيه استحقاق يده في الثاني لأن ~~يده تكون باقية عليه إلى وقت الفكاك. قيل له: لأن للشريك استخدامه إن كان ~~عبدا بالمهايأة بحق ملكه، ومن فعل ذلك لم يكن يده فيه يد رهن فقد استحقت يد ~~الرهن في اليوم الثاني، فلا فرق بين الشريك وبين الأجنبي لوجود المعنى ~~الموجب لاستحقاق قبض الرهن مقارنا للعقد. # واختلف في رهن الدين، فقال سائر الفقهاء: "لا يصح رهن الدين بحال". وقال ~~ابن القاسم عن مالك في قياس قوله: إذا كان لرجل على رجل دين فبعته بيعا ~~وارتهنت منه الدين الذي له عليه فهو جائز، وهو أقوى من أن يرتهن دينا على ~~غيره لأنه حائز لما عليه قال: "ويجوز في قول مالك أن يرهن الرجل الدين الذي ~~يكون له على الرجل ويبتاع من رجل بيعا ويرهن منه الدين الذي يكون له على ~~ذلك الرجل ويقبض ذلك الحق له ويشهد له". وهذا قول لم يقل أحد به من أهل ~~العلم سواه; وهو فاسد أيضا لقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} وقبض الدين لا يصح ~~ما دام دينا لا إذا كان عليه ولا إذا كان على غيره لأن الدين هو حق لا يصح ~~فيه قبض وإنما يتأتى القبض ms0871 في الأعيان. ومع ذلك فإنه لا يخلو ذلك الدين من ~~أن يكون باقيا على حكم الضمان الأول أو منتقلا إلى ضمان الرهن، فإن انتقل ~~إلى ضمان الرهن فالواجب أن يبرأ من الفضل إذا كان الدين الذي به الرهن أقل ~~من الرهن، وإن كان باقيا على حكم الضمان الأول فليس هو رهنا لبقائه على ما ~~كان عليه. والدين الذي على الغير أبعد في الجواز لعدم الحيازة فيه والقبض ~~بحال. # وقد اختلف الفقهاء في الرهن إذا وضع على يدي عدل، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر والثوري: "يصح الرهن إذا جعلاه على يدي عدل ويكون # PageV01P636 # مضمونا على المرتهن" وهو قول الحسن وعطاء والشعبي. وقال ابن أبي ليلى ~~وابن شبرمة والأوزاعي: "لا يجوز حتى يقبضه المرتهن". وقال مالك: "إذا جعلاه ~~على يدي عدل فضياعه من الراهن". وقال الشافعي في رهن شقص السيف: "إن قبضه ~~أن يحول حتى يضعه الراهن والمرتهن على يدي عدل أو على يدي الشريك". # قال أبو بكر: قوله عز وجل: {فرهان مقبوضة} يقتضي جوازه إذا قبضه العدل; ~~إذ ليس فيه فصل بين قبض المرتهن والعدل، وعمومه يقتضي جواز قبض كل واحد ~~منهما. وأيضا فإن العدل وكيل للمرتهن في القبض، فكان القبض بمنزلة الوكالة ~~في الهبة وسائر المقبوضات بوكالة من له القبض فيها. فإن قيل: لو كان العدل ~~وكيلا للمرتهن لكان له أن يقبضه منه، ولما كان للعدل أن يمنعه إياه. قيل ~~له: هذا لا يخرجه عن أن يكون وكيلا وقابضا له وإن لم يكن له حق القبض، من ~~قبل أن الرهن لم يرض بيده وإنما رضي بيد وكيله; ألا ترى أن الوكيل بالشرى ~~هو قابض للسلعة للموكل وله أن يحبسها بالثمن ولو هلك قبل الحبس هلك من مال ~~الموكل؟ وليس جواز حبس الوكيل الرهن عن المرتهن علما لنفي الوكالة وكونه ~~قابضا له. ويدل على أن يد العدل يد المرتهن وأنه وكيله في القبض، أن ~~للمرتهن متى شاء أن يفسخ هذا الرهن ويبطل يد العدل ويرده إلى الرهن، وليس ~~للراهن ms0872 إبطال يد العدل، فدل ذلك على أن العدل وكيل للمرتهن. # فإن قيل: لو جعلا المبيع على يدي عدل لم يخرج عن ضمان البائع ولم يصح أن ~~يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه، كذلك المرتهن. قيل له: الفرق بينهما أن ~~العدل في البيع لو صار وكيلا للمشتري لخرج عن ضمان البائع، وفي خروجه من ~~ضمان بائعه سقوط حقه منه، ألا ترى أنه لو أجاز قبضه بطل حقه ولم يكن له ~~استرجاعه؟ لأن المبيع ليس له إلا قبض واحد، فمتى وجد سقط حق البائع ولم يكن ~~له أن يرده إلى يده، وكذلك إذا أودعه إياه. فلذلك لم يكن العدل وكيلا ~~للمشتري لأنه لو صار وكيلا له لصار قابضا له قبض بيع ولم يكن المشتري ~~ممنوعا منه، فكان لا معنى لقبض العدل بل يكون المشتري كأنه قبضه والبائع لم ~~يرض بذلك، فلم يجز إثباته ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري. ومن جهة ~~أخرى أنه لو قبضه للمشتري لتم البيع فيه، وفي تمام البيع سقوط حق البائع ~~فيه، فلا معنى لبقائه في يدي العدل بل يجب أن يأخذه المشتري والبائع لم يرض ~~بذلك; وليس كذلك الرهن لأن كون العدل وكيلا للمرتهن لا يوجب إبطال حق ~~الراهن، ألا ترى أن حق الراهن باق بعد قبض المرتهن؟ فكذلك بعد قبض العدل، ~~فلا فرق بين قبض العدل وقبض المرتهن; وفارق العدل في الشرى لامتناع كونه ~~وكيلا للمشتري; إذ كان يصير في معنى قبض المشتري في خروجه من ضمان البائع ~~ودخوله في # PageV01P637 # ضمانه وفي معنى تمام البيع فيه وسقوط حق البائع منه والبائع لم يرض بذلك، ~~ولا يجوز أن يكون عدلا 1 من قبل أن حق الحبس موجب له بالعقد فلا يسقط ذلك ~~أو يرضى بتسليمه إلى المشتري أو يقبض الثمن; والله أعلم. PageV01P638 # باب ضمان الرهن # قال الله تعالى: {فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} فعطف بذكر الأمانة على الرهن، فذلك يدل على أن الرهن ليس بأمانة، ~~وإذا لم يكن أمانة كان مضمونا; ms0873 إذ لو كان الرهن أمانة لما عطف عليه الأمانة ~~لأن الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره. # واختلف الفقهاء في حكم الرهن، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن ~~أبي ليلى والحسن بن صالح: "الرهن مضمون بأقل من قيمته ومن الدين". وقال ~~الثقفي عن عثمان البتي: "ما كان من رهن ذهبا أو فضة أو ثيابا فهو مضمون ~~يترادان الفضل، وإن كان عقارا أو حيوانا فهلك فهو من مال الراهن، والمرتهن ~~على حقه إلا أن يكون الراهن اشترط الضمان فهو على شرطه". وقال ابن وهب عن ~~مالك: "إن علم هلاكه فهو من مال الراهن ولا ينقص من حق المرتهن شيء، وإن لم ~~يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن وهو ضامن لقيمته، يقال له صفه فإذا وصفه حلف ~~على صفته وتسمية ماله فيه، ثم يقومه أهل البصر بذلك، فإن كان فيه فضل عما ~~سمى فيه أخذه الراهن، وإن كان أقل مما سمى الراهن حلف على ما سمى وبطل عنه ~~الفضل، وإن أبى الراهن أن يحلف أعطي المرتهن ما فضل بعد قيمة الرهن". وروى ~~عنه ابن القاسم مثل ذلك، وقال فيه: "إذا شرط أن المرتهن مصدق في ضياعه وأن ~~لا ضمان عليه فيه، فشرطه باطل وهو ضامن". وقال الأوزاعي: "إذا مات العبد ~~الرهن فدينه باق لأن الرهن لا يغلق" ومعنى قوله لا يغلق الرهن أنه لا يكون ~~بما فيه إذا علم ولكن يترادان الفضل إذا لم يعلم هلاكه. وقال الأوزاعي في ~~قوله: "له غنمه وعليه غرمه" قال: "فأما غنمه فإن كان فيه فضل رد إليه، وأما ~~غرمه فإن كان فيه نقصان وفاه إياه". وقال الليث: "الرهن مما فيه إذا هلك ~~ولم تقم بينة على ما فيه إذا اختلفا في ثمنه، فإن قامت البينة على ما فيه ~~ترادا الفضل". وقال الشافعي: "هو أمانة لا ضمان عليه فيه بحال إذا هلك، ~~سواء كان هلاكه ظاهرا أو خفيا". # PageV01P638 # قال أبو بكر: قد اتفق السلف من الصحابة والتابعين على ضمان الرهن لا نعلم ~~بينهم ms0874 خلافا فيه، إلا أنهم اختلفوا في كيفية ضمانه، واختلفت الرواية عن علي ~~رضي الله عنه فيه، فروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن علي عن علي قال: ~~"إذا كان أكثر مما رهن به فهلك فهو بما فيه لأنه أمين في الفضل، وإذا كان ~~بأقل مما رهنه به فهلك رد الراهن الفضل". وروى عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر ~~مثله; وهو قول إبراهيم النخعي. وروى الشعبي عن الحارث عن علي في الرهن إذا ~~هلك قال: "يترادان الفضل". وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي قال: "إذا ~~كان فيه فضل فأصابته جائحة فهو بما فيه، وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد ~~الفضل". فروي عن علي هذه الروايات الثلاث، وفي جميعها ضمانه; إلا أنهم ~~اختلفوا عنه في كيفية الضمان على ما وصفنا. وروي عن ابن عمر أنه قال: ~~"يترادان الفضل". وقال شريح والحسن وطاوس والشعبي وابن شبرمة: "إن الرهن ~~بما فيه". وقال شريح: "وإن كان خاتما من حديد بمائة درهم". # فلما اتفق السلف على ضمانه وكان اختلافهم إنما هو في كيفية الضمان، كان ~~قول القائل "إنه أمانة غير مضمون" خارجا عن قول الجميع، وفي الخروج عن ~~اختلافهم مخالفة لإجماعهم; وذلك أنهم لما اتفقوا على ضمانه فذلك اتفاق منهم ~~على بطلان قول القائل بنفي ضمانه، ولا فرق بين اختلافهم في كيفية ضمانه ~~وبين اتفاقهم على وجه واحد فيه بعد أن يكون قد حصل من اتفاقهم أنه مضمون، ~~فهذا اتفاق قاض بفساد قول من جعله أمانة; وقد تقدم ذكر دلالة الآية على ~~ضمانه. # ومما يدل عليه من جهة السنة حديث عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت ~~قال: سمعت عطاء يحدث أن رجلا رهن فرسا فنفق في يده، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للمرتهن: "ذهب حقك" وفي لفظ آخر: "لا شيء لك" فقوله للمرتهن ~~"ذهب حقك" إخبار بسقوط دينه لأن حق المرتهن هو دينه. وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا الحسن بن علي الغنوي وعبد الوارث بن ms0875 إبراهيم قالا: حدثنا ~~إسماعيل بن أبي أمية الزارع قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرهن بما فيه". وحدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: حدثنا ابن ~~المبارك عن مصعب بن ثابت قال: حدثنا علقمة بن مرثد عن محارب بن دثار قال: ~~"قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرهن بما فيه" والمفهوم من ذلك ~~ضمانه بما فيه من الدين، ألا ترى إلى قول شريح "الرهن بما فيه ولو خاتما من ~~حديد" وكذلك قول محارب بن دثار إنما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خاتم رهن بدين فهلك أنه بما فيه؟ وظاهر ذلك يوجب أن يكون بما فيه قل الدين ~~أو كثر، إلا أنه قد قامت الدلالة على أن مراده إذا كان الدين مثل # PageV01P639 # الرهن أو أقل، وأنه إذا كان الدين أكثر رد الفضل. ويدل على أنه مضمون ~~اتفاق الجميع على أن المرتهن أحق به بعد الموت من سائر الغرماء حتى يباع ~~فيستوفي دينه منه، فدل ذلك على أنه مقبوض للاستيفاء فقد وجب أن يكون مضمونا ~~ضمان الاستيفاء لأن كل شيء مقبوض على وجه فإنما يكون هلاكه على الوجه الذي ~~هو مقبوض به، كالمغصوب متى هلك هلك على ضمان الغصب، وكذلك المقبوض على بيع ~~فاسد أو جائز إنما يهلك على الوجه الذي حصل قبضه عليه; فلما كان الرهن ~~مقبوضا للاستيفاء بالدلالة التي ذكرنا; وجب أن يكون هلاكه على ذلك الوجه ~~فيكون مستوفيا بهلاكه لدينه على الوجه الذي يصح عليه الاستيفاء، فإذا كان ~~الرهن أقل قيمة فغير جائز أن يجعل استيفاء العدة بما هو أقل منها، وإذا كان ~~أكثر منه لم يجز أن يستوفى منه أكثر من مقدار دينه فيكون أمينا في الفضل. ~~ويدل على ضمانه اتفاق الجميع على بطلان الرهن بالأعيان، نحو الودائع ~~والمضاربة والشركة لا يصح الرهن بها لأنه لو هلك لم يكن مستوفيا للعين وصح ~~بالديون المضمونة; وفي ms0876 هذا دليل على أن الرهن مضمون بالدين فيكون المرتهن ~~مستوفيا له بهلاكه. ويدل عليه أنا لم نجد في الأصول حبسا لملك الغير لحق لا ~~يتعلق به ضمان، ألا ترى أن المبيع مضمون على البائع حتى يسلمه إلى المشتري ~~لما كان محبوسا بالثمن؟ وكذلك الشيء المستأجر يكون محبوسا في يد مستأجره ~~مضمونا بالمنافع استعمله أو لم يستعمله ويلزمه بحبسه ضمان الأجرة التي هي ~~بدل المنافع، فثبت أن حبس ملك الغير لا يخلو من تعلق ضمان. # واحتج الشافعي لكونه أمانة بحديث ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه ~~الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه" قال الشافعي: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر: إنما يوصله يحيى بن أبي أنيسة; ~~وقوله: "له غنمه وعليه غرمه" من كلام سعيد بن المسيب كما روى مالك ويونس ~~وابن أبي ذؤيب عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا يغلق الرهن" قال يونس بن زيد: قال ابن شهاب: وكان ابن المسيب يقول ~~"الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه" فأخبر ابن شهاب أن هذا قول ابن المسيب ~~لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان ابن المسيب قد روى ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قال: وكان ابن المسيب يقول ذلك، بل كان يعزيه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فاحتج الشافعي بقوله "له غنمه وعليه غرمه" بأنه ~~قد أوجب لصاحب الرهن زيادته وجعل عليه نقصانه والدين بحاله. قال أبو بكر: ~~فأما قوله: "لا يغلق الرهن" فإن إبراهيم النخعي وطاوسا ذكرا جميعا أنهم ~~كانا يرهنون ويقولون: إن جئتك بالمال إلى وقت كذا وإلا فهو لك; فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق # PageV01P640 # الرهن". وتأوله على ذلك أيضا مالك وسفيان. وقال أبو عبيد: لا يجوز في ~~كلام العرب أن يقال للرهن إذا ضاع: قد ms0877 غلق الرهن، إنما يقال غلق، إذا ~~استحقه المرتهن فذهب به; وهذا كان من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: "لا يغلق الرهن". وقال بعض أهل اللغة: إنهم يقولون ~~غلق الرهن إذا ذهب بغير شيء; قال زهير: # وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا # يعني: ذهبت بقلبه بغير شيء. ومنه قول الأعشى: # فهل يمنعني ارتياد البلاد ... من حذر الموت أن يأتين # علي رقيب له حافظ ... فقل في امرئ غلق مرتهن # فقال في البيت الثاني: "فقل في امرئ غلق مرتهن" يعني أنه يموت فيذهب بغير ~~شيء كأن لم يكن. فهذا يدل على أن قوله: "لا يغلق الرهن" ينصرف على وجهين: ~~أحدهما إن كان قائما بعينه لم يستحقه المرتهن بالدين عند مضي الأجل، ~~والثاني: عند الهلاك لا يذهب بغير شيء. وأما قوله: "له غنمه وعليه غرمه" ~~فقد بينا أنه من قول سعيد بن المسيب أدرجه في الحديث بعض الرواة، وفصله ~~بعضهم وبين أنه من قوله وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما تأوله ~~الشافعي من أن له زيادته وعليه نقصانه; فإنه تأويل خارج عن أقاويل الفقهاء ~~خطأ في اللغة، وذلك لأن الغرم في أصل اللغة هو اللزوم، قال الله تعالى: {إن ~~عذابها كان غراما} [الفرقان: 65] يعني ثابتا لازما. والغريم: الذي قد لزمه ~~الدين، ويسمى به أيضا الذي له الدين، لأن له اللزوم والمطالبة. وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم، فقيل له في ذلك، ~~فقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" فجعل الغرم هو لزوم المطالبة ~~له من قبل الآدمي وفي حديث قبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن المسألة لا تحل إلا من ثلاث فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم موجع". ~~وقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} إلى قوله: {والغارمين} [التوبة: 60] ~~وهم المدينون; وقال تعالى: {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] يعني ملزمون ~~مطالبون بديوننا. فهذا أصل الغرم في أصل اللغة; حدثنا أبو عمر غلام ms0878 ثعلب عن ~~ثعلب عن ابن الأعرابي في معنى الغرم، قال أبو عمر: "أخطأ من قال إن هلاك ~~المال ونقصانه يسمى غرما لأن الفقير الذي ذهب ماله لا يسمى غريما وإنما ~~الغريم من توجهت عليه المطالبة للآدمي بدين". وإذا كان كذلك فتأويل من ~~تأوله "وعليه غرمه" أنه نقصان خطأ وسعيد بن المسيب هو راوي الحديث، وقد ~~بينا أنه هو القائل "له غنمه وعليه غرمه" ولم يتأوله على ما قاله الشافعي; ~~لأنه من مذهبه ضمان الرهن. وذكر # PageV01P641 # عبد الرحمن بن أبي الزناد في كتاب السبعة عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، ~~وعروة والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله ~~بن عبد الله، وغيرهم أنهم قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك وعميت قيمته ويرفع ~~ذلك منهم الثقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت أن من مذهب سعيد بن ~~المسيب ضمان الرهن، فكيف يجوز أن يتأول متأول قوله "وعليه غرمه" على نفي ~~الضمان؟ فإن كان ذلك رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب على مذهب ~~الشافعي أن يقضي بتأويل الراوي على مراد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه زعم ~~أن الراوي للحديث أعلم بتأويله، فجعل قول عمرو بن دينار في الشاهد واليمين ~~أنه في الأموال حجة في أن لا يقضى في غير الأموال، وقضى بقول ابن جريج في ~~حديث القلتين أنه بقلال هجر على مراد النبي صلى الله عليه وسلم وجعل مذهب ~~ابن عمر في خيار المتبايعين ما لم يفترقا أنه على التفرق بالأبدان قاضيا ~~على مراد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك; فلزمه على هذا أن يجعل قول سعيد ~~بن المسيب قاضيا على مراد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قوله: "وعليه ~~غرمه" ثابتا عنه. وإنما معنى قوله "له غنمه" أن للراهن زيادته "وعليه غرمه" ~~يعني دينه الذي به الرهن; وهو تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق ~~الرهن" لأنهم كانوا يوجبون استحقاق ملك الرهن للمرتهن بمضي الأجل قبل ~~انقضاء الدين، ms0879 فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن" أي لا يستحقه ~~المرتهن بمضي الأجل، ثم فسره، فقال: لصاحبه يعني: للراهن غنمه يعني: ~~زيادته; فبين أن المرتهن لا يستحق غير عين الرهن لإنمائه وزيادته، وأن دينه ~~باق عليه كما كان، وهو معنى قوله "وعليه غرمه" كقوله "وعليه دينه". فإذا ~~ليس في الخبر دلالة على كون الرهن غير مضمون، بل هو دال على أنه مضمون على ~~ما بينا. # قال أبو بكر: وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن" إذا أراد به حال ~~بقائه عند الفكاك وإبطال النبي صلى الله عليه وسلم شرط استحقاق ملكه بمضي ~~الأجل، قد حوى معاني: منها أن الرهن لا تفسده الشروط الفاسدة بل يبطل الشرط ~~ويجوز هو، لإبطال النبي صلى الله عليه وسلم شرطهم وإجازته الرهن. ومنها: أن ~~الرهن لما كان شرط صحته القبض كالهبة والصدقة ثم لم تفسده الشروط وجب أن ~~يكون كذلك حكم ما لا يصح إلا بالقبض من الهبات والصدقات في أن الشروط لا ~~تفسدها، لاجتماعها في كون القبض شرطا لصحتها. وقد دل هذا الخبر أيضا على أن ~~عقود التمليكات لا تعلق على الأخطار; لأن شرطهم لملك الرهن بمضي المدة كان ~~تمليكا معلقا على خطر وعلى مجيء وقت مستقبل، فأبطل النبي صلى الله عليه ~~وسلم شرط التمليك على هذا الوجه، فصار ذلك أصلا في سائر عقود التمليكات ~~والبراءة في امتناع تعلقها على الأخطار; ولذلك قال أصحابنا فيمن قال: "إذا ~~جاء غد فقد وهبت لك العبد" أو قال: "قد بعتكه" إنه باطل لا يقع به الملك; ~~وكذلك إذا قال: "إذا جاء غد فقد أبرأتك مما لي # PageV01P642 # عليك من الدين" كان ذلك باطلا وفارق ذلك عندهم العتاق والطلاق في جواز ~~تعلقهما على الأخطار، لأن لهما أصلا آخر وهو أن الله تعالى قد أجاز الكتابة ~~بقوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] وهو أن يقول: "كاتبتك ~~على ألف درهم فإن أديت فأنت حر، وإن عجزت فأنت رقيق" وذلك عتق معلق على خطر ~~وعلى مجيء حال مستقبلة. وقال ms0880 في شأن الطلاق: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ~~ولم يفرق بين إيقاعه في الحال وبين إضافته إلى وقت السنة. ولما كان إيجاب ~~هذا العقد أعني العتق على مال، والخلع بمال مشروط للزوج يمنع الرجوع فيما ~~أوجبه قبل قبول العبد والمرأة، صار ذلك عتقا معلقا على شرط بمنزلة شروط ~~الأيمان التي لا سبيل إلى الرجوع فيها. وفي ذلك دليل على جواز تعلقهما على ~~شروط وأوقات مستقبلة. والمعنى في هذين أنهما لا يلحقهما الفسخ بعد وقوعهما، ~~وسائر العقود التي ذكرناها من عقود التمليكات يلحقها الفسخ بعد وقوعها، ~~فلذلك لم يصح تعلقها على الأخطار. ونظير دلالة قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يغلق الرهن" على ما ذكرنا، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ~~نهى عن بيع المنابذة والملامسة وعن بيع الحصاة" وهذه بياعات كان أهل ~~الجاهلية يتعاملون بها، فكان أحدهم إذا لمس السلعة أو ألقى الثوب إلى صاحبه ~~أو وضع عليه حصاة وجب البيع، فكان وقوع الملك متعلقا بغير الإيجاب والقبول ~~بل بفعل آخر يفعله أحدهما، فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم; فدل ذلك على ~~أن عقود التمليكات لا تتعلق على الأخطار. وإنما جعل أصحابنا الرهن مضمونا ~~بأقل من قيمته ومن الدين من قبل أنه لما كان مقبوضا للاستيفاء وجب اعتبار ~~ما يصح الاستيفاء به، وغير جائز أن يستوفى من عدة أقل منها ولا أكثر، فوجب ~~أن يكون أمينا في الفضل وضامنا لما نقص الرهن عن الدين. ومن جعله بما فيه ~~قل أو كثر شبهه بالمبيع إذا هلك في يد البائع أنه يهلك بالثمن قل أو كثر; ~~والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد محبوس بالدين، وليس هذا كذلك عندنا; لأن ~~المبيع إنما كان مضمونا بالثمن قل أو كثر لأن البيع ينتقض بهلاكه فسقط ~~الثمن; إذ غير جائز بقاء الثمن مع انتقاض البيع. وأما الرهن فإنه يتم ~~بهلاكه ولا ينتقض وإنما يكون مستوفيا للدين به، فوجب اعتبار ضمانه بما ~~وصفنا. # فإن قيل: إذا جاز أن يكون الفضل عن الدين أمانة، فما أنكرت أن ms0881 يكون جميعه ~~أمانة وأن لا يكون حبسه بالدين للاستيفاء موجبا لضمانه؟ لوجودنا هذا المعنى ~~في الزيادة مع عدم الضمان فيها. وكذلك ولد المرهونة المولود بعد الرهن يكون ~~محبوسا في يد المرتهن مع الأم، ولو هلك هلك بغير شيء فيه ولم يكن كونه ~~محبوسا في يد المرتهن علة لكونه مضمونا. قيل له: إن الزيادة على الدين من ~~مقدار قيمة الرهن وولد المرهونة كلاهما تابع للأصل غير جائز إفرادهما دون ~~الأصل إذا أدخلا في العقد على وجه التبع، # PageV01P643 # وإذا كان كذلك لم يجز إفرادهما بحكم الضمان لامتناع إفرادهما بالعقد ~~المتقدم قبل حدوث الولادة، وليس حكم ما يدخل في العقد على وجه التبع حكم ما ~~يفرد به. ألا ترى أن ولد أم الولد يدخل في حكم الأم ويثبت له حق الاستيلاد ~~على وجه التبع ولا يصح انفراده في الأصل بهذا الحق لا على وجه التبع؟ وكذلك ~~ولد المكاتبة يدخل في الكتابة وهو حمل مع استحالة إفراده بالعقد في تلك ~~الحال. فكذلك ما ذكرت من زيادة الرهن وولد المرهونة، لما دخلا في العقد على ~~وجه التبع لم يلزم على ذلك أن يجعل حكمهما حكم الأصل ولا أن يلحقهما بمنزلة ~~ما ابتدئ العقد عليهما. ويدل على ذلك أن رجلا لو أهدى بدنة فزادت في بدنها ~~أو ولدت، أن عليه أن يهديها بزيادتها وولدها; ولو ذهبت الزيادة وهلك الولد ~~لم يلزمه بالهلاك شيء غير ما كان عليه. وكذلك لو كان عليه بدنة وسط فأهدى ~~بدنة خيارا مرتفعة، أن هذه الزيادة حكمها ثابت ما بقي الأصل، فإن هلك قبل ~~أن ينحر بطل حكم الزيادة وعاد إلى ما كان عليه في ذمته. وكذلك لو كان بدل ~~الزيادة ولدا ولدته كان في هذه المنزلة، فكذلك ولد المرهونة وزيادتها على ~~قيمة الرهن هذا حكمها في بقاء حكمها ما داما قائمين وسقوط حكمهما إذا هلكا. ~~والله أعلم. # PageV01P644 # ذكر اختلاف الفقهاء في الانتفاع بالرهن # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد وزفر: "لا يجوز للمرتهن ~~الانتفاع بشيء من الرهن ولا ms0882 للراهن أيضا" وقالوا: "إذا آجر المرتهن الرهن ~~بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن فقد خرج من الرهن ولا يعود". وقال ~~ابن أبي ليلى: "إذا آجره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حال والغلة ~~للمرتهن قضاء من حقه". وقال ابن القاسم عن مالك: "إذا خلى المرتهن بين ~~الرهن والراهن يكريه أو يسكنه أو يعيره لم يكن رهنا، وإذا آجره المرتهن ~~بإذن الراهن لم يخرج من الرهن، وكذلك إذا أعاره المرتهن بإذن الراهن فهو ~~رهن على حاله، فإذا آجره المرتهن بإذن الراهن فالأجر لرب الأرض ولا يكون ~~الكري رهنا بحقه إلا أن يشترط المرتهن"، فإن اشترط في البيع أن يرتهن ويأخذ ~~حقه من الكري، فإن مالكا كره ذلك. وإن لم يشترط ذلك في البيع وتبرع به ~~الراهن بعد البيع فلا بأس به; وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم ~~أو شرط فيه البائع بيعه الرهن ليأخذها من حقه، فإن ذلك جائز عند مالك في ~~الدور والأرض وكرهه في الحيوان. وذكر المعافى عن الثوري أنه كره أن ينتفع ~~من الرهن بشيء ولا يقرأ في المصحف المرهون. وقال الأوزاعي غلة الرهن لصاحبه ~~ينفق عليه منها والفضل له، فإن لم تكن غلة وكان يستخدمه فطعامه بخدمته، فإن ~~لم يكن يستخدمه فنفقته على صاحبه. وقال الحسن بن صالح: "لا يستعمل الرهن ~~ولا ينتفع به إلا أن يكون دارا # PageV01P644 # يخاف خرابها فيسكنها المرتهن لا يريد الانتفاع بها وإنما يريد إصلاحها". ~~وقال ابن أبي ليلى: "إذا لبس المرتهن الخاتم للتجمل ضمن، وإن لبسه ليحوزه ~~فلا شيء عليه". وقال الليث بن سعد: "لا بأس بأن يستعمل العبد الرهن بطعامه ~~إذا كانت النفقة بقدر العمل، فإن كان العمل أكثر أخذ فضل ذلك من المرتهن". ~~وقال المزني عن الشافعي فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الرهن ~~محلوب ومركوب" أي من رهن ذات ظهر ودر لم يمنع الرهن من ظهرها ودرها، ~~وللراهن أن يستخدم العبد ويركب الدابة ويحلب الدر ويجز الصوف ويأوي بالليل ~~إلى المرتهن أو الموضوع ms0883 على يده. # قال أبو بكر: لما قال الله تعالى: {فرهان مقبوضة} فجعل القبض من صفات ~~الرهن، أوجب ذلك أن يكون استحقاق القبض موجبا لإبطال الرهن، فإذا آجره ~~أحدهما بإذن صاحبه خرج من الرهن; لأن المستأجر قد استحق القبض الذي به يصح ~~الرهن. وليس ذلك كالعارية عندنا; لأن العارية لا توجب استحقاق القبض; إذ ~~للمعير أن يرد العارية إلى يده متى شاء. واحتج من أجاز إجارته والانتفاع به ~~بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هناد، عن ابن ~~المبارك، عن زكريا، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لبن ~~الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى ~~الذي يركب ويحلب النفقة" فذكر في هذا الحديث أن وجوب النفقة لركوب ظهره ~~وشرب لبنه، ومعلوم أن الراهن إنما يلزمه نفقته لملكه لا لركوبه ولبنه; لأنه ~~لو لم يكن مما يركب أو يحلب لزمته النفقة، فهذا يدل على أن المراد به أن ~~اللبن والظهر للمرتهن بالنفقة التي ينفقها. وقد بين ذلك هشيم في حديثه، ~~فإنه رواه عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن ~~الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها، ويركب" فبين في هذا الخبر أن المرتهن هو ~~الذي تلزمه النفقة ويكون له ظهره ولبنه; وقال الشافعي: "إن نفقته على ~~الراهن دون المرتهن" فهذا الحديث حجة عليه لا له. وقد روى الحسن بن صالح عن ~~إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لا ينتفع من الرهن بشيء" فقد ترك ~~الشعبي ذلك وهو رواية عن أبي هريرة، فهذا يدل على أحد معنيين: إما أن يكون ~~الحديث غير ثابت في الأصل، وإما أن يكون ثابتا وهو منسوخ عنده، وهو كذلك ~~عندنا لأن مثله كان جائزا قبل تحريم الربا فلما حرم الربا وردت الأشياء إلى ~~مقاديرها; صار ذلك منسوخا. ألا ترى أنه جعل النفقة بدلا من اللبن قل ms0884 أو ~~كثر؟ وهو نظير ما روي في المصراة أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر، ولم ~~يعتبر مقدار اللبن الذي أخذه وذلك أيضا عندنا منسوخ بتحريم الربا. ويدل على ~~بطلان قول القائلين بإيجاب الركوب واللبن # PageV01P645 # للراهن أن الله تعالى جعل من صفات الرهن القبض كما جعل من صفات الشهادة ~~العدالة بقوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] وقوله: {ممن ترضون من ~~الشهداء} ومعلوم أن زوال هذه الصفة عن الشهادة يمنع جواز الشهادة; فكذلك ~~لما جعل من صفات الرهن أن يكون مقبوضا بقوله: {فرهان مقبوضة} وجب إبطال ~~الرهن لعدم هذه الصفة وهو استحقاق القبض، فلو كان الراهن مستحقا للقبض الذي ~~به يصح الرهن لمنع ذلك إلى يده. وأيضا لمقارنة ما يبطله، ولو صح بديا لوجب ~~أن يبطل باستحقاق قبضه وجوب رده إلى يده. وأيضا لما اتفق الجميع على أن ~~الراهن ممنوع من وطء الأمة المرهونة، والوطء من منافعها، وجب أن يكون ذلك ~~حكم سائر المنافع في بطلان حق الراهن فيها. ومن جهة أخرى أن الراهن إنما لم ~~يستحق الوطء لأن المرتهن يستحق ثبوت يده عليها، كذلك الاستخدام. # واختلف الفقهاء فيمن شرط ملك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا رهنه رهنا وقال إن جئتك ~~بالمال إلى شهر وإلا فهو بيع، فالرهن جائز والشرط باطل" وقال مالك: الرهن ~~فاسد وينقض، فإن لم ينقض حتى حل الأجل فإنه لا يكون للمرتهن بذلك الشرط ~~وللمرتهن أن يحبسه بحقه وهو أحق به من سائر الغرماء، فإن تغير في يده لم ~~يرد ولزمته القيمة في ذلك يوم حل الأجل; وهذا في السلع والحيوان وأما في ~~الدور والأرضين فإنه يردها إلى الراهن وإن تطاول إلا أن تنهدم الدار أو ~~يبنى فيها أو يغرس في الأرض، فهذا فوت ويغرم القيمة مثل البيع الفاسد وقال ~~المعافى عن الثوري في الرجل يرهن صاحبه المتاع ويقول: إن لم آتك فهو لك، ~~قال: "لا يغلق ذلك الرهن" وقال الحسن بن صالح: ليس قوله هذا ms0885 بشيء. وقال ~~الربيع عن الشافعي: لو رهنه وشرط له إن لم يأته بالحق إلى كذا فالرهن له ~~بيع، فالرهن فاسد والرهن لصاحبه الذي رهنه. # قال أبو بكر: اتفقوا أنه لا يملكه بمضي الأجل، واختلفوا في جواز الرهن ~~وفساده، وقد بينا فيما سلف أن قوله: "لا يغلق الرهن" أنه لا يملك بالدين ~~بمضي الأجل للشرط الذي شرطاه، فإنما نفى النبي صلى الله عليه وسلم غلقه ~~بذلك ولم ينف صحة الرهن الذي شرطاه، فدل ذلك على جواز الرهن وبطلان الشرط. ~~وهو أيضا قياس العمرى التي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الشرط وأجاز ~~الهبة; والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد منهما لا يصح بالعقد دون القبض. # واختلفوا أيضا في مقدار الدين إذا اختلف فيه الراهن والمرتهن، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا هلك الرهن واختلف الراهن ~~والمرتهن # PageV01P646 # في مقدار الدين فالقول قول الراهن في الدين مع يمينه" وهو قول الحسن بن ~~صالح والشافعي وإبراهيم النخعي وعثمان البتي. وقال طاوس: "يصدق المرتهن إلى ~~ثمن الرهن ويستحلف" وكذلك قول الحسن وقتادة والحكم. وقال إياس بن معاوية ~~قولا بين هذين القولين، قال: "إن كان للراهن بينة بدفعه الرهن فالقول قول ~~الراهن، وإن لم تكن له بينة فالقول قول المرتهن; لأنه لو شاء جحده الرهن، ~~ومتى أقر بشيء وليست عليه بينة فالقول قوله". وقال ابن وهب عن مالك: إذا ~~اختلفا في الدين والرهن قائم فإن كان الرهن قدر حق المرتهن أخذه المرتهن ~~وكان أولى به ويحلفه، إلا أن يشاء رب الرهن أن يعطيه حقه عليه ويأخذ رهنه. ~~وقال ابن القاسم عن مالك: "القول قول المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن لا ~~يصدق على أكثر من ذلك". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا ~~يبخس منه شيئا} فيه الدلالة على أن القول قول الذي عليه الدين لأنه وعظه في ~~البخس وهو النقصان، فيدل على أن القول قوله. وأيضا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ms0886 "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" والمرتهن هو المدعي ~~والراهن هو المدعى عليه، فالقول قوله بقضية قوله صلى الله عليه وسلم وأيضا ~~لو لم يكن رهن لكان القول قول الذي عليه الدين في مقداره بالاتفاق، كذلك ~~إذا كان به رهن لأن الرهن لا يخرجه من أن يكون مدعى عليه. # قال أبو بكر: وزعم بعض من يحتج لمالك أن قوله أشبه بظاهر القرآن، لأنه ~~قال: {فرهان مقبوضة} فأقام الرهن مقام الشهادة، ولم يأتمن الذي عليه الحق ~~حين أخذ منه وثيقة كما لم يأتمنه على مبلغه إذا أشهد عليه الشهود لأن ~~الشهود والكتاب تنبئ عن مبلغ الحق، فلم يصدق الراهن وقام الرهن مقام الشهود ~~إلى أن يبلغ قيمته، فإذا جاوز قيمته فلا وثيقة فيه والمرتهن مدع فيه ~~والراهن مدعى عليه. # قال أبو بكر: وهذا من عجيب الحجاج. وذلك أنه زعم أنه لما لم يأتمنه حتى ~~أخذ الرهن قام الرهن مقام الشهادة، وزعم مع ذلك أن ذلك موافق لظاهر القرآن، ~~وقد جعل الله تعالى القول قول الذي عليه الحق حين قال: {وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} فجعل القول قوله في الحال التي أمر ~~فيها بالإشهاد والكتاب، ولم يجعل عدم ائتمان الطالب للمطلوب مانعا من أن ~~يكون القول قول المطلوب، فكيف يكون ترك ائتمانه إياه بالتوثق منه بالرهن ~~مانعا من قبول. قول المطلوب وموجبا لتصديق الطالب على ما يدعيه والذي ذكره ~~مخالف لظاهر القرآن، والعلة التي نصبها لتصديق المرتهن في ترك ائتمانه ~~منتقضة بنص الكتاب. ثم دعواه موافقته لظاهر القرآن أعجب الأشياء وذلك لأن ~~القرآن قد قضى ببطلان قوله حين جعل القول قول المطلوب في # PageV01P647 # الحال التي لم يؤتمن فيها حتى استوثق منه بالكتاب والإشهاد، وهو فإنما ~~زعم أنه لم يأتمنه حين أخذ الرهن وجب أن يكون القول قول الطالب، ثم زعم أن ~~قوله موافق لظاهر القرآن وبنى عليه أنه لم يأتمنه وأن الرهن توثق كما أن ~~الشهادة توثق فقام الرهن مقام الشهادة. وليس ما ذكره من ms0887 المعنى من ظاهر ~~القرآن في شيء، وإنا كنا قد دللنا على أنه مخالف له، وإنما هو قياس ورد ~~لمسألة الرهن إلى مسألة الشهادة بعلة أنه لم يؤتمن في الحالين على الدين ~~الذي عليه; وهو قياس باطل من وجوه: أحدها: أن ظاهر القرآن يرده، وهو ما ~~قدمناه. والثاني: أنه منتقض باتفاق الجميع على أن من له على رجل دين فأخذ ~~منه كفيلا ثم اختلفوا في مقداره كان القول قول المطلوب فيما يلزمه ولم يكن ~~عدم الائتمان بأخذه الكفيل موجبا لتصديق الطالب مع وجود علته فيه فانتقضت ~~علته بالكفالة. والثالث: أن المعنى الذي من أجله لم يصدق الطالب إذا قامت ~~البينة، أن شهادة الشهود مقبولة محكوم فيها وهم قد شهدوا على إقراره بأكثر ~~مما ذكره وبما ادعاه المدعي فصار كإقراره عند القاضي. بالزيادة; ولا دلالة ~~في قيمة الرهن على أن الدين بمقداره; لأنه لا خلاف أنه جائز أن يرهن ~~بالقليل الكثير وبالكثير القليل ولا تنبئ قيمة الرهن عن مقدار الدين ولا ~~دلالة فيه عليه، فكيف يكون الرهن بمنزلة الشهادة ويدل على فساد قياسه هذا ~~أنهما لو اتفقا على أن الدين أقل من قيمة الرهن لم يوجب ذلك بطلان الرهن، ~~ولو أقر الطالب أن دينه أقل مما شهد به شهوده بطلت شهادة شهوده. فهذه ~~الوجوه كلها توجب بطلان ما ذكره هذا المحتج. # وقوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} . قال أبو ~~بكر: قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} كلام مكتف بنفسه، وإن كان معطوفا ~~على ما تقدم ذكره من الأمر بالإشهاد عند التبايع بقوله: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} ، فهو عموم في سائر الشهادات التي يلزم الشاهد إقامتها وأداؤها، ~~وهو نظير قوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وقوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] ~~فنهى الله تعالى الشاهد بهذه الآيات عن كتمان الشهادة التي تركها يؤدي إلى ~~تضييع الحقوق. وهو على ما بينا من إثبات الشهادة في كتب الوثائق وأدائها ~~بعد إثباتها فرض على الكفاية، فإذا ms0888 لم يكن من يشهد على الحق غير هذين ~~الشاهدين فقد تعين عليهما فرض أدائها ويلحقهما إن تخلفا عنها الوعيد ~~المذكور في الآية. وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا لوجوب أدائها، ولكنه ~~تعالى أكد الفرض فيها بقوله: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وإنما أضاف الإثم ~~إلى القلب وإن كان في الحقيقة الكاتم هو الآثم; لأن المأثم فيه إنما يتعلق ~~بعقد القلب، ولأن كتمان الشهادة إنما هو عقد # PageV01P648 # النية لترك أدائها باللسان، فعقد النية من أفعال القلب لا نصيب للجوارح ~~فيه; وقد انتظم الكاتم للشهادة المأثم من وجهين: أحدهما: عزمه على أن لا ~~يؤديها، والثاني ترك أدائها باللسان. # وقوله: {آثم قلبه} مجاز لا حقيقة، وهو آكد في هذا الموضع من الحقيقة لو ~~قال: "ومن يكتمها فإنه آثم" وأبلغ منه وأدل على الوعيد; وهو من بديع البيان ~~ولطيف الإعراب عن المعاني تعالى الله الحكيم. # قال أبو بكر: وآية الدين بما فيها من ذكر الاحتياط بالكتاب والشهود ~~المرضيين والرهن تنبيه على موضع صلاح الدين والدنيا معه، فأما في الدنيا ~~فصلاح ذات البين ونفي التنازع والاختلاف، وفي التنازع والاختلاف فساد ذات ~~البين وذهاب الدين والدنيا; قال الله عز وجل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم} [الأنفال: 46] وذلك أن المطلوب إذا علم أن عليه دينا وشهودا أو ~~كتابا أو رهنا بما عليه وثيقة في يد الطالب، قل الخلاف، علما منه أن خلافه ~~وبخسه لحق المطلوب لا ينفعه بل يظهر كذبه بشهادة الشهود عليه وفيه وثيقة ~~واحتياط للطالب، وفي ذلك صلاح لهما جميعا في دينهما ودنياهما لأن في تركه ~~بخس حق الطالب صلاح دينه وفي جحوده وبخسه ذهاب دينه إذا علم وجوبه; وكذلك ~~الطالب إذا كانت له بينة وشهود أثبتوا ما له، وإذا لم تكن له بينة وجحد ~~الطالب حمله ذلك على مقابلته بمثله والمبالغة في كيده حتى ربما لم يرض ~~بمقدار حقه دون الإضرار به في أضعافه متى أمكنه وذلك متعالم من أحوال عامة ~~الناس. وهذا نظير ما حرمه الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه ms0889 وسلم من ~~البياعات المجهولة القدر والآجال المجهولة والأمور التي كان عليها الناس ~~قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم مما كان يؤدي إلى اختلاف وفساد ذات البين ~~وإيقاع العداوة والبغضاء، ونحوه مما حرم الله تعالى من الميسر والقمار وشرب ~~الخمر وما يسكر فيؤدي إلى العداوة والبغضاء والاختلاف والشحناء، قال الله ~~تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ~~فأخبر الله تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفي الاختلاف والعداوة ولما ~~في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فمن تأدب بأدب الله وانتهى ~~إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا; قال الله تعالى: {ولو ~~أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا ~~أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66 - 68] . وفي هذه الآيات ~~التي أمر الله فيها بالكتاب والإشهاد على الدين والعقود والاحتياط فيها ~~تارة بالشهادة وتارة بالرهن، دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تضييعه، ~~وهو نظير قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} ~~[النساء: 5] وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم # PageV01P649 # يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] وقوله: {ولا تبذر تبذيرا} ~~[الإسراء: 26] الآية. فهذه الآي دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تبذيره ~~وتضييعه. وقد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم; حدثنا بعض من لا ~~أتهم في الرواية قال: أخبرنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا ~~بشر بن الفضل قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحب الله إضاعة المال ولا قيل ~~ولا قال". وحدثنا من لا أتهم قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا موسى بن ~~عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا حسن الجعفي عن محمد بن سوقة عن وراد قال: ~~كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ms0890 صلى ~~الله عليه وسلم ليس بينك وبينه أحد قال: فأملى علي وكتبت: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث. فأما ~~الثلاث التي حرم فعقوق الأمهات ووأد البنات ولا وهات1، والثلاث التي نهى ~~عنهن فقيل وقال وإلحاف السؤال وإضاعة المال". # قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} قال أبو ~~بكر: روي أنها منسوخة بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} حدثنا عبد الله ~~بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: ~~حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} قال: نسخها قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال: سمعت الزهري يقول في قوله تعالى: {وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} قال: قرأها ابن عمر وبكى قال: إنا لمأخوذون ~~بما نحدث به أنفسنا؟ فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس ~~فذكر ذلك له فقال: يرحم الله ابن عمر لقد وجد منها المسلمون نحوا مما وجد ~~حتى نزلت بعدها: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وروي عن الشعبي عن أبي ~~عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: نسختها الآية التي تليها: {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} . وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} : أنها لم تنسخ، لكن ~~الله إذا جمع الخلق يوم القيامة يقول إني أخبركم بما في أنفسكم مما لم تطلع ~~عليه ملائكتي; فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو ~~قوله: {يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} وقوله تعالى: {ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] PageV01P650 # من الشك والنفاق. وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك. وقال ms0891 عمرو بن عبيد: كان ~~الحسن يقول: هي محكمة لم تنسخ. وروي عن مجاهد أنها محكمة في الشك واليقين. # قال أبو بكر: لا يجوز أن تكون منسوخة لمعنيين: أحدهما أن الأخبار لا يجوز ~~فيها النسخ لأن نسخ مخبرها يدل على البداء والله تعالى عالم بالعواقب غير ~~جائز عليه البداء والثاني: أنه لا يجوز تكليف ما ليس في وسعها لأنه سفه ~~وعبث والله تعالى يتعالى عن فعل العبث. وإنما قول من روي عنه أنها منسوخة ~~فإنه غلط من الراوي في اللفظ، وإنما أراد بيان معناها وإزالة التوهم عن ~~صرفه إلى غير وجهه. وقد روى مقسم عن ابن عباس: أنها نزلت في كتمان الشهادة; ~~وروي عن عكرمة مثله عن غيرهما أنها في سائر الأشياء. وهذه أولى; لأنه عموم ~~مكتف بنفسه، فهو عام في الشهادة وغيرها. ومن نظائر ذلك في المؤاخذة بكسب ~~القلب قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] وقال ~~تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} ~~[النور: 19] وقال تعالى: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] أي شك. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عفا لأمتي ~~عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به". قيل له: هذا فيما ~~يلزمه من الأحكام فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا صدقته ولا هبته ~~بالنية ما لم يتكلم به، وما ذكر في الآية فيما يؤاخذ به مما بين العبد وبين ~~الله تعالى. وقد روى الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} فقال: سر عملك ~~وعلانيته يحاسبك به الله، وليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به، فإن ~~عمل به كتب له به عشر حسنات وإن هو لم يقدر يعمل به كتب له به حسنة من أجل ~~أنه مؤمن، وإن الله رضي بسر المؤمنين وعلانيتهم، وإن كان شرا حدث به نفسه ~~اطلع الله ms0892 عليه أخبر به يوم تبلى السرائر، فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه ~~الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال: {أولئك الذين ~~نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} [الأحقاف: 16] وهذا على معنى ~~قوله: "إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا ~~به". # قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فيه نص على أن الله تعالى لا ~~يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يطيقه، ولو كلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا ~~يستطيعه لكان مكلفا له ما ليس في وسعه، ألا ترى قول القائل "ليس في وسعي ~~كيت وكيت" بمنزلة قوله "لا أقدر عليه ولا أطيقه"؟ بل الوسع دون الطاقة. ولم ~~تختلف الأمة في أن الله لا يجوز أن يكلف الزمن المشي والأعمى البصر والأقطع ~~اليدين البطش لأنه لا يقدر عليه ولا # PageV01P651 # يستطيع فعله; ولا خلاف في ذلك بين الأمة. وقد وردت السنة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن من لم يستطع الصلاة قائما فغير مكلف للقيام فيها، ~~ومن لم يستطعها قاعدا فغير مكلف للقعود بل يصليها على جنب يومئ إيماء لأنه ~~غير قادر عليها إلا على هذا الوجه; ونص التنزيل قد أسقط التكليف عمن لا ~~يقدر على الفعل ولا يطيقه. وزعم قوم جهال نسبت إلى الله فعل السفه والعبث، ~~فزعموا أن كل ما أمر به أحد من أهل التكليف أو نهي عنه، فالمأمور به منه ~~غير مقدور على فعله والمنهي عنه غير مقدور على تركه. وقد أكذب الله قيلهم ~~بما نص عليه من أنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، مع ما قد دلت عليه العقول ~~من قبح تكليف ما لا يطاق وأن العالم بالقبيح المستغني عن فعله لا يقع منه ~~فعل القبيح. ومما يتعلق بذلك من الأحكام سقوط الفرض عن المكلفين فيما لا ~~تتسع له قواهم لأن الوسع هو دون الطاقة، وأنه ليس عليهم استفراغ المجهود في ~~أداء الفرض نحو ms0893 الشيخ الكبير الذي يشق عليه الصوم ويؤديه إلى ضرر يلحقه في ~~جسمه; وإن لم يخش الموت بفعله فليس عليه صومه لأن الله لم يكلفه إلا ما ~~يتسع لفعله ولا يبلغ به حال الموت. وكذلك المريض الذي يخشى ضرر الصوم وضرر ~~استعمال الماء; لأن الله قد أخبر أنه لا يكلف أحدا إلا ما اتسعت له قدرته ~~وإمكانه دون ما يضيق عليه ويعنته; وقال الله تعالى: {ولو شاء الله لاعنتكم} ~~[البقرة: 220] وقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: {عزيز عليه ما عنتم} ~~[التوبة: 128] فهذا حكم مستمر في سائر أوامر الله وزواجره ولزوم التكليف ~~فيها على ما يتسع له ويقدر عليه. # قوله عز وجل: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال أبو بكر: النسيان ~~على وجهين: أحدهما: أنه قد يتعرض الإنسان للفعل الذي يقع معه النسيان فيحسن ~~الاعتذار به إذا وقعت منه جناية على وجه السهو. والثاني: أن يكون النسيان ~~بمعنى ترك المأمور به لشبهة تدخل عليه أو سوء تأويل، وإن لم يكن الفعل نفسه ~~واقعا على وجه السهو فيحسن أن يسأل الله مغفرة الأفعال الواقعة على هذا ~~الوجه. والنسيان بمعنى الترك مشهور في اللغة، قال الله تعالى: {نسوا الله ~~فنسيهم} [التوبة: 67] يعني تركوا أمر الله تعالى فلم يستحقوا ثوابه، فأطلق ~~اسم النسيان على الله تعالى على وجه مقابلة الاسم كقوله: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [البقرة: 194] وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [الشورى: 40] . # قال أبو بكر: النسيان الذي هو ضد الذكر فإن حكمه مرفوع فيما بين العبد ~~وبين الله تعالى في استحقاق العقاب، والتكليف في مثله ساقط عنه والمؤاخذة ~~به في الآخرة غير جائزة، لأنه لا حكم له فيما يكلفه من العبادات، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد نص على لزوم حكم كثير منها مع النسيان، واتفقت الأمة ~~أيضا على حكمها; من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن # PageV01P652 # صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وتلا عند ذلك: {وأقم الصلاة لذكري} ~~[طه: 14] فدل على ms0894 أن مراد الله تعالى بقوله: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] ~~فعل المنسية منها عند الذكر. وقال تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] ~~وذلك عموم في لزومه قضاء كل منسي عند ذكره. ولا خلاف بين الفقهاء في أن ~~ناسي الصوم والزكاة وسائر الفروض بمنزلة ناسي الصلاة في لزوم قضائها عند ~~ذكرها; وكذلك قال أصحابنا في المتكلم في الصلاة ناسيا: إنه بمنزلة العامد; ~~لأن الأصل أن العامد والناسي في حكم الفروض سواء، وأنه لا تأثير للنسيان في ~~إسقاط شيء منها إلا ما ورد به التوقيف; ولا خلاف أن تارك الطهارة ناسيا ~~كتاركها عامدا في بطلان حكم صلاته. وكذلك قالوا في الأكل في نهار شهر رمضان ~~ناسيا: إن القياس فيه إيجاب القضاء; وإنهم إنما تركوا القياس فيه للأثر. ~~ومع ما ذكرنا فإن الناسي مؤد لفرضه على أي وجه فعله; إذ لم يكلفه الله في ~~تلك الحال غيره، وإنما القضاء فرض آخر ألزمه الله تعالى بالدلائل التي ~~ذكرنا، فكان تأثير النسيان في سقوط المأثم فحسب، فأما في لزوم فرض فلا. ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" مقصور على ~~المأثم أيضا دون رفع الحكم، ألا ترى أن الله تعالى قد نص على لزوم حكم قتل ~~الخطإ في إيجاب الدية والكفارة؟ فلذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~النسيان مع الخطإ، وهو على هذا المعنى. # فإن قال قائل: من أصلكم إيجاب فرض التسمية على الذبيحة، ولو تركها عامدا ~~كانت ميتة وإذا تركها ناسيا حلت وكانت مذكاة، ولم تجعلوها بمنزلة تارك ~~الطهارة ناسيا حتى صلى فيكون مأمورا بإعادتها بالطهارة قطعا، وكذلك الكلام ~~في الصلاة ناسيا. قيل له: لما بينا من أنه لم يكلف في الحال غير ما فعل على ~~وجه النسيان، والذي لزمه بعد الذكر فرض مبتدأ آخر، وكذلك نجيز في هذه ~~القضية أن لا يكون مكلفا في حال النسيان للتسمية، فصحت الذكاة، ولا تتأتى ~~بعد الذكاة فيه ذبيحة أخرى فيكون مكلفا لها كما كلف إعادة الصلاة والصوم ~~ونحوه. # قوله تعالى: {لها ما ms0895 كسبت وعليها ما اكتسبت} هو مثل قوله تعالى: {ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] وقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~وأن سعيه سوف يرى} [النجم: 39 - 40] وفيه الدلالة على أن كل أحد من ~~المكلفين فأحكام أفعاله متعلقة به دون غيره، وأن أحدا لا يجوز تصرفه على ~~غيره ولا يؤاخذ بجريرة سواه; وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة ~~حين رآه مع ابنه فقال: "هذا ابنك؟ " قال: نعم قال: "إنك لا تجني عليه ولا ~~يجني عليك". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤاخذ أحد بجريرة أبيه ولا ~~بجريرة أخيه" فهذا هو العدل الذي لا يجوز في العقول غيره. # PageV01P653 # وقوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} يحتج به في نفي الحجر ~~وامتناع تصرف أحد من قاض أو غيره على سواه ببيع مال أو منعه منه إلا ما ~~قامت الدلالة على خصوصه. ويحتج به في بطلان مذهب مالك بن أنس في أن من أدى ~~دين غيره بغير أمره أن له أن يرجع به عليه; لأن الله تعالى إنما جعل كسبه ~~له وعليه ومنع لزومه غيره. # قوله عز وجل: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} ~~قد قيل في معنى الإصر إنه الثقل. وأصله في اللغة يقال إنه العطف، ومنه ~~أواصر الرحم; لأنها تعطفه عليه; والواحد آصرة. والمأصر يقال إنه حبل يمد ~~على طريق أو نهر تحبس به المارة ويعطفون به عن النفوذ ليؤخذ منهم العشور ~~والمكس. والمعنى في قوله: {ولا تحمل علينا إصرا} يريد به عهدا وهو الأمر ~~الذي يثقل; روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وهو في معنى قوله تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] يعني من ضيق; وقوله: {يريد ~~الله بكم اليسر} [البقرة: 185] الآية، وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج} [المائدة: 6] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "جئتكم ~~بالحنيفية السمحة". وروي عنه "أن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم فشدد الله ~~عليهم". فقوله: {ولا تحمل علينا ms0896 إصرا} يعني من ثقل الأمر والنهي {كما حملته ~~على الذين من قبلنا} وهو كقوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم} [الأعراف: 157] وهذه الآية ونظائرها يحتج بها على نفي الحرج والضيق ~~والثقل في كل أمر اختلف الفقهاء فيه وسوغوا فيه الاجتهاد، فالموجب للثقل ~~والضيق والحرج محجوج بالآية، نحو إيجاب النية في الطهارة في إيجاب الترتيب ~~فيها وما جرى مجرى ذلك في نفي الضيق والحرج يجوز لنا الاحتجاج بالظواهر ~~التي ذكرناها # قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قيل فيه وجهان: أحدهما: ~~ما يشتد ويثقل من التكليف كنحو ما كلف بنو إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم; وجائز ~~أن يعبر بما يثقل أنه لا يطيقه، كقولك "ما أطيق كلام فلان ولا أقدر أن ~~أراه" ولا يراد به نفي القدرة، وإنما يريدون أنه يثقل عليه فيكون بمنزلة ~~العاجز الذي لا يقدر على كلامه ورؤيته; لبعده من قلبه وكراهته لرؤيته ~~وكلامه. وهو كما قال تعالى: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101] وقد ~~كانت لهم أسماع صحيحة، إلا أن المراد أنهم استثقلوا استماعه فأعرضوا عنه ~~وكانوا بمنزلة من لم يسمع. والوجه الثاني: أن لا يحملنا من العذاب ما لا ~~نطيقه. وجائز أن يكون المراد الأمرين جميعا والله أعلم بالصواب. # تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران. # PageV01P654 ### | باب القدر يقع فيها الطير فيموت # ذكر أبو جعفر الطحاوي قال: سمعت أبا حازم القاضي يحدث عن سويد بن سعيد عن ~~علي بن مسهر قال: كنت عند أبي حنيفة رضي الله عنه فأتاه ابن المبارك بهيئة ~~خراساني، فسأله عن رجل نصب له قدرا فيها لحم على النار فمر طير فوقع فيها ~~فمات، فقال أبو حنيفة لأصحابه: ماذا ترون؟ فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم ~~يؤكل بعدما يغسل ويهراق المرق، فقال أبو حنيفة: بهذا نقول ولكن هو عندنا ~~على شريطة، فإن كان وقع فيها في حال سكونها فكما في هذه الرواية، وإن وقع ~~فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق. فقال له ابن ms0897 المبارك: ولم ~~ذلك؟ فقال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، ~~وإذا وقع في حال سكونها فمات فإن الميتة وسخت اللحم. فقال ابن المبارك وعقد ~~بيده ثلاثين 1. هذا زرين، بالفارسية، يعني المذهب. وروى ابن المبارك عن ~~عباد بن راشد عن الحسن مثل جواب أبي حنيفة رضي الله عنه ذكر أبو حنيفة رضي ~~الله عنه علة فرقه بين وقوعه في حال الغليان وحال السكون، وهو فرق ظاهر ~~وقال ابن وهب عن مالك في الدجاجة تقع في قدر اللحم وهي تطبخ فتموت فيها، ~~قال: لا أرى أن آكل تلك القدر; لأن الميتة قد اختلطت بما كان في القدر. ~~وقال الأوزاعي: يغسل اللحم ويؤكل. وقال الليث بن سعد: لا يؤكل ذلك اللحم ~~حتى يغسل مرارا ويغلى على النار حتى يذهب كل ما كان فيه. وقد روى ابن ~~المبارك عن عثمان بن عبد الله الباهلي قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس في طير ~~وقع في قدر فمات فقال: يهراق المرق ويؤكل اللحم ولم يذكر فيه حال الغليان. ~~وروى محمد بن ثوبان عن السائب بن خباب: أنه كان له قدر على النار فسقطت ~~فيها دجاجة فماتت ونضجت مع اللحم، فسألت ابن عباس فقال: اطرح الميتة وأهرق ~~المرق وكل اللحم، فإن كرهته فأرسل إلي منه عضوا أو عضوين. وهذا أيضا لا ~~دلالة فيه على حال الغليان; لأنه جائز أن يكون وقعت فيه بعد سكون الغليان ~~والمرق حار فنضجت فيه، والله سبحانه أعلم. PageV01P145 ### | باب منفحة الميتة ولبنها # قال أبو حنيفة: لبن الميتة وإنفحتها طاهران لا يلحقهما حكم النجاسة. وقال ~~أبو يوسف ومحمد والثوري: يكره اللبن لأنه في وعاء نجس، وكذلك الإنفحة إذا ~~كانت مائعة، فإن كانت جامدة فلا بأس. وقالوا جميعا في البيضة إذا كانت من ~~دجاجة ميتة: فلا بأس بها. وقال مالك وعبد الله بن الحسن والشافعي: لا يحل ~~اللبن في ضروع الميتة. وقال الليث بن سعد: لا تؤكل البيضة التي تخرج من ~~دجاجة ميتة. وقال عبد الله بن الحسن: أكره ms0898 أن أرخص فيها. # قال أبو بكر: اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت; لأنه لا حياة فيه. ويدل ~~عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل، فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم يحل إلا ~~بذكاة الأصل كسائر أعضاء الشاة. وأيضا فإن قوله: {نسقيكم مما في بطونه من ~~بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] عام في سائر الألبان، ~~فاقتضى ذلك شيئين: أحدهما: أن اللبن لا يموت ولا يحرمه موت الشاة، والثاني: ~~أنه لا ينجس بموت الشاة ولا يكون بمنزلة لبن جعل في وعاء ميت. # فإن قيل: ما الفرق بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس ~~وبين ما إذا كان في ضرع الميتة؟ قيل: الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ~~ما جاوره بما حدث فيه خلقة. والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل ~~اللحم بما فيه من العروق مع مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل ~~لذلك، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه. ودليل ~~آخر، وهو قوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] ~~وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: ما قدمناه آنفا في صدر المسألة في ~~اقتضائه لبن الحية ولبن الميتة، والثاني: إخباره بخروجه من بين فرث ودم هما ~~نجسان مع الحكم بطهارته، ولم تكن مجاورته لهما موجبة لتنجيسه; لأنه موضع ~~الخلقة، كذلك كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه ويدل على ذلك أيضا ما رواه ~~شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة الطائف بجبنة، فجعلوا يقرعونها بالعصا، فقال: "أين يصنع هذا؟ " ~~فقالوا: بأرض فارس، فقال: "اذكروا اسم الله عليه وكلوا". ومعلوم أن ذبائح ~~المجوس ميتة، وقد أباح عليه السلام أكلها مع العلم بأنها من صنعة أهل فارس ~~وأنهم كانوا; إذ ذاك مجوسا، ولا ينعقد الجبن إلا بإنفحة، فثبت بذلك أن ~~إنفحة الميتة طاهرة. وقد روى القاسم بن الحكم، عن ms0899 غالب بن عبد الله، عن ~~عطاء بن أبي رباح، عن ميمونة زوج النبي # PageV01P146 ### | باب شعر الميتة وصوفها والفراء وجلود السباع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومحمد بن صالح وعبيد الله بن الحسن: ~~يجوز الانتفاع بعظام الميتة. ولا بأس بشعر الميتة وصوفها، ولا يكون ميتة ~~لأنه يؤخذ منها في حال الحياة وقال الليث: "لا ينتفع بعصب الميتة ولا ~~بعقبها" 1، ولا أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به، ولا بأس بعظام الميتة ~~ولا الشعر ولا الصوف. # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا سليمان ~~بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا يوسف بن الشقر، قال: حدثنا الأوزاعي عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها ~~وقرنها إذا غسل بالماء". # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا الحسن ~~بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن سلمة عن ابن أبي ليلى، عن ثابت البناني، عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني أبي أنه كان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله رجل عن الصلاة في الفراء والمساتق 2 قال: "وفى الدباغ عنكم". # وروى يحيى الحماني قال: حدثنا سيف بن هارون البرجمي، عن سليمان التيمي، ~~عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الفراء والجبن PageV01P147 ### | باب تحريم الدم # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} وقال: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم} [المائدة: 3] فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ذلك ~~تحريم سائر الدماء قليلها وكثيرها، فلما قال في آية أخرى: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: ~~145] دل ذلك على أن المحرم من الدم هو المسفوح دون غيره. # فإن قال قائل: قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] خاص فيما كان منه ms0900 ~~على هذه الصفة، وقوله في الآيتين الأخريين عام في سائر الدماء، فوجب إجراؤه ~~على عمومه; إذ ليس في الآية ما يخصه. قيل له: قوله: {أو دما مسفوحا} ~~[الأنعام: 145] جاء فيه نفي لتحريم سائر الدماء إلا ما كان منه بهذا الوصف; ~~لأنه قال: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} إلى قوله: {أو دما ~~مسفوحا} [الأنعام: 145] وإذ كان ذلك على ما وصفنا لم يخل من أن يكون قوله: ~~{إنما حرم عليكم الميتة والدم} متأخرا عن قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: ~~145] أو أن يكونا نزلا معا. فلما عدمنا تاريخ نزول الآيتين وجب الحكم ~~بنزولهما معا، فلا يثبت حينئذ تحريم الدم إلا معقودا بهذه الصفة وهو أن ~~يكون مسفوحا. # وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسين ~~بن أبي الربيع الجرجاني: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن عكرمة قال: لولا هذه الآية: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] ~~لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ~~{أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال: حرم من الدم ما كان مسفوحا، وأما ~~اللحم يخالطه الدم فلا بأس به. وروى القاسم بن محمد عن عائشة، أنها سئلت عن ~~الدم يكون في اللحم والمذبح قالت: "إنما نهى الله عن الدم المسفوح". # ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء الدم في العروق; ~~لأنه غير مسفوح، ألا ترى أنه متى صب عليه الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه؟ وليس ~~هو بمحرم; # PageV01P150 ### | باب تحريم الخنزير # قال الله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وقال تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] وقال تعالى: {قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] فنص في هذه الآيات على تحريم لحم الخنزير، ~~والأمة عقلت من ms0901 تأويله ومعناه مثل ما عقلت من تنزيله، واللحم وإن كان ~~مخصوصا بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه أعظم ~~منفعته وما يبتغى منه، كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر ~~جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر لأنه أعظم ما يقصد به الصيد. ~~وكقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] فخص البيع بالنهي; لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم ~~والمعني جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة. وإنما نص على البيع تأكيدا للنهي ~~عن الاشتغال عن الصلاة، كذلك خص لحم الخنزير بالنهي تأكيدا لحكم تحريمه ~~وحظرا لسائر أجزائه، فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصا ~~في لحمه. # وقد اختلف الفقهاء في جواز الانتفاع بشعر الخنزير، فقال أبو حنيفة ومحمد: ~~"يجوز الانتفاع للخرز". وقال أبو يوسف: أكره الخرز به وروي عنه الإباحة. ~~وقال الأوزاعي لا بأس أن يخاط بشعر الخنزير ويجوز للخراز أن يشتريه ولا ~~يبيعه. وقال الشافعي: لا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير. # PageV01P151 ### | باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة # قال الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقال في آية ~~أخرى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ~~وقال: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: ~~3] فقد ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها ~~بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم ~~إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] فاقتضى ذلك وجود الإباحة وبوجود ~~الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. # واختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فقال ~~ابن عباس والحسن ومسروق: {غير باغ} في الميتة {ولا عاد} في الأكل. وهو قول ~~أصحابنا ومالك بن أنس. وأباحوا للبغاة الخارجين على المسلمين أكل الميتة ~~عند الضرورة كما أباحوه لأهل العدل. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: "إذا ms0902 لم ~~يخرج باغيا على إمام المسلمين ولم يكن سفره في معصية فله أن يأكل الميتة ~~إذا اضطر إليها، وإن كان سفره في معصية أو كان باغيا على الإمام لم يجز له ~~أن يأكل". وهو قول الشافعي. # وقوله: {إلا ما اضطررتم إليه} [المائدة: 3] يوجب الإباحة للجميع من ~~المطيعين والعصاة، وقوله في الآية الأخرى: {غير باغ ولا عاد} . وقوله: {غير ~~متجانف لإثم} [المائدة: 3] لما كان محتملا أن يريد به البغي والعدوان في ~~الأكل واحتمل البغي على الإمام أو غيره، لم يجز لنا تخصيص عموم الآية ~~الأخرى بالاحتمال، بل الواجب حمله على ما يواطئ معنى العموم من غير تخصيص. ~~وأيضا فقد اتفقوا على أنه لو لم يكن # PageV01P154 ### | باب المضطر إلى شرب الخمر # قال أبو بكر: وقد اختلف في المضطر إلى شرب الخمر، فقال سعيد بن جبير: ~~"المطيع المضطر إلى شرب الخمر يشربها" وهو قول أصحابنا جميعا. وإنما يشرب ~~منها مقدار ما يمسك به رمقه; إذ كان يرد عطشه. وقال الحارث العكلي ومكحول: # PageV01P157 ### | باب في مقدار ما يأكل المضطر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي فيما رواه عنه المزني: لا ~~يأكل المضطر من الميتة إلا مقدار ما يمسك به رمقه وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال: يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. وقال عبيد ~~الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد به جوعه. # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ~~وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} فعلق الإباحة بوجود الضرورة، والضرورة هي ~~خوف # PageV01P158 ### | باب هل في المال حق واجب سوى الزكاة # قال الله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} الآية. ~~قيل: في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق} إنه يريد به ~~اليهود والنصارى حين أنكرت نسخ القبلة، فأعلم الله تعالى أن البر إنما هو ~~في طاعة الله تعالى واتباع أمره لا في التوجه إلى المشرق والمغرب; إذ لم ~~يكن فيه اتباع أمره. وإن طاعة ms0903 الله الآن في التوجه إلى الكعبة، إذا لم كان ~~التوجه إلى غيرها منسوخا. # وقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} قيل إن فيه حذفا، ~~ومعناه: إن البر بر من آمن بالله وقيل: إنه أراد به أن البار من آمن بالله، ~~كقول الخنساء: # PageV01P159 ### | باب القصاص # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} هذا كلام مكتف بنفسه غير ~~مفتقر إلى ما بعده، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه، ~~واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى؟ والقصاص هو أن يفعل ~~به مثل ما فعل به، من قولك: "اقتص أثر فلان" إذا فعل مثل فعله، قال الله ~~تعالى: {فارتدا على آثارهما # PageV01P162 ### | مسألة في قتل الحر بالعبد # قال أبو بكر: وقد اختلف الفقهاء في القصاص بين الأحرار والعبيد، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر رضي الله عنهم: "لا قصاص بين الأحرار والعبيد ~~إلا في الأنفس ويقتل الحر بالعبد والعبد بالحر" وقال ابن أبي ليلى: "القصاص ~~واجب بينهم في جميع الجراحات التي نستطيع فيها القصاص". وقال ابن وهب عن ~~مالك: "ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر، ولا ~~يقتل الحر بالعبد". وقال الليث بن سعد: "إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه، ~~ولا يقتص من الحر للعبد"، وقال: "إذا قتل العبد الحر فلولي المقتول أن يأخذ ~~بها نفس العبد القاتل فيكون له، وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح ~~القصاص إن شاء". وقال الشافعي: "من جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه في ~~الجراح، ولا يقتل الحر بالعبد، ولا يقتص له منه فيما دون النفس". # وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس، أن الآية ~~مقصورة الحكم على ذكر القتلى، وليس فيهم ذكر لما دون النفس من الجراح، ~~وسائر ما ذكرنا من عموم آي القرآن في بيان القتلى والعقوبة والاعتداء يقتضي ~~قتل الحر بالعبد، ومن حيث اتفق الجميع على قتل العبد بالحر وجب قتل الحر ~~بالعبد; ms0904 لأن العبد قد ثبت أنه مراد بالآية، والآية لم يفرق مقتضاها بين ~~العبد المقتول والقاتل، فهي عموم فيهما # PageV01P165 ### | باب قتل المولى لعبده # وقد اختلف في قتل المولى لعبده، فقال قائلون، وهم شواذ: يقتل به. وقال ~~عامة الفقهاء: لا يقتل به. فمن قتله احتج بظاهر قوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر} [المائدة: 45] على نحو ما احتججنا به في قتل ~~الحر بالحر، وقوله: {النفس بالنفس} وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} ~~[البقرة: 194] وقوله عليه السلام: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقد روي حديث ~~عن سمرة بن جندب عن النبي عليه السلام أنه قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن ~~جدع عبده جدعناه". # أما ظاهر الآي فلا حجة لهم فيها; لأن الله تعالى إنما جعل القصاص فيها ~~للمولى بقوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33] وولي العبد هو # PageV01P167 ### | باب القصاص بين الرجال والنساء # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال: {ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] فظاهر ما ذكر من ظواهر الآي الموجبة ~~للقصاص في الأنفس بين العبيد والأحرار موجب للقصاص بين الرجال والنساء ~~فيها. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر، ~~وابن شبرمة: "لا قصاص بين # PageV01P169 ### | باب قتل المؤمن بالكافر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى وعثمان البتي: "يقتل ~~المسلم بالذمي". وقال ابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: "لا يقتل". ~~وقال مالك والليث بن سعد: "إن قتله غيلة قتل به، وإلا لم يقتل". # قال أبو بكر: سائر ما قدمنا من ظواهر الآي يوجب قتل المسلم بالذمي على ما ~~بينا; إذ لم يفرق شيء منها بين المسلم، والذمي، وقوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى} عام في الكل، وكذلك قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى # PageV01P171 ### | باب قتل الوالد بولده # اختلف الفقهاء في قتل الوالد بولده، فقال عامتهم: لا يقتل، وعليه الدية ~~في ماله قال بذلك أصحابنا والأوزاعي والشافعي، وسووا بين الأب والجد. وقال ~~الحسن بن صالح بن ms0905 حي: يقاد الجد بابن الابن، وكان يجيز شهادة الجد لابن ~~ابنه، ولا يجيز شهادة الأب لابنه. وقال عثمان البتي: إذا قتل ابنه عمدا قتل ~~به، وقال مالك: يقتل به وقد حكي عنه أنه إذا ذبحه قتل به، وإن حذفه بالسيف ~~لم يقتل به. # والحجة لمن أبى قتله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقتل والد بولده". وهذا خبر مستفيض ~~مشهور، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم ~~عليه، فكان بمنزلة # PageV01P176 ### | باب الرجلين يشتركان في قتل رجل # قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} ~~[النساء: 93] ، وقال تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92] . ولا خلاف أن هذا الوعيد لاحق بمن شارك غيره في القتل، وأن ~~عشرة لو قتلوا رجلا عمدا لكان كل واحد منهم داخلا في الوعيد قاتلا للنفس ~~المؤمنة. وكذلك لو قتل عشرة رجلا خطأ كان كل واحد منهم قاتلا في الحكم ~~للنفس يلزمه من الكفارة ما يلزم المنفرد بالقتل. ولا خلاف أن ما دون النفس ~~لا يجب فيه كفارة، فيثبت أن كل واحد في حكم من أتلف جميع النفس. وقال ~~تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] فالجماعة إذا اجتمعت ~~على قتل رجل فكل واحد في حكم القاتل للنفس، ولذلك قتلوا به جميعا. وإذا كان ~~كذلك، فلو قتل اثنان رجلا أحدهما عمدا والآخر خطأ، أو أحدهما مجنون، والآخر ~~عاقل، فمعلوم أن المخطئ في حكم أخذ جميع النفس، فيثبت لجميعهما حكم الخطإ، ~~فانتفى منهما حكم العمد; إذ غير جائز ثبوت حكم الخطإ للجميع، وحكم العمد ~~للجميع. وكذلك المجنون والعاقل والصبي والبالغ، ألا ترى أنه إذا ثبت حكم ~~الخطإ للجميع وجبت الدية كاملة. وإذا ثبت حكم العمد للجميع وجب القود فيه؟ ~~ولا خلاف بين الفقهاء في امتناع وجوب ms0906 دية كاملة في النفس ووجوب القود مع ~~ذلك على جهة استيفائهما جميعا، فوجب بذلك أنه متى وجب للنفس المتلفة على ~~وجه الشركة شيء من الدية أن لا يثبت معه قود على أحد; لأن وجوب القود يوجب ~~ثبوت حكم العمد في الجميع، وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب الأرش لشيء ~~منها. # PageV01P178 ### | مطلب: في أن العلل الشرعية يجب اطرادها ولا يجب انعكاسها # قال أبو بكر: ما ذكره المزني عن الشافعي إلزام في غير موضعه; لأنه ألزمه ~~عكس المعنى، وإنما الذي يلزم على هذا الأصل أن كل من كان عمده خطأ أن لا ~~يفيد المشارك له في القتل، وإن كان عامدا، فأما من ليس عمده خطأ فليس يلزمه ~~أن يخالف بينهما في الحكم بل حكمه موقوف على دليله; لأنه عكس العلة، وليس ~~يلزم من اعتل بعلة في الشرع أن يعكسها، ويوجب من الحكم عند عدمها ضد موجبها ~~عند وجودها، ألا ترى أنا إذا قلنا: وجود الغرر يمنع جواز البيع لم يلزمنا ~~على ذلك الحكم بجوازه عند عدم الغرر؟ بل جائز أن يمنع الجواز عند عدم الغرر ~~لوجود معنى آخر، وهو أن يكون مما لم يقبضه بائعه، أو شرط فيه شرطا لا يوجبه ~~العقد، أو يكون مجهول الثمن، وما جرى مجرى ذلك من المعاني المفسدة لعقود ~~البياعات. وجائز أن يجوز البيع عند زوال الغرر على حسب قيام دلالة الجواز ~~والفساد، ونظائر ذلك كثيرة في مسائل العقد لا يخفى على من له أدنى ارتياض ~~بنظر الفقه. # PageV01P181 ### | باب ما يجب لولي قتيل العمد # قال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال تعالى: {وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] وقال تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وقد اتفقوا أن القود مراد به. وقال ~~تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] وقال: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فاقتضت هذه ~~الآيات إيجاب القصاص لا غير. # وقد اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد، فقال أبو حنيفة وأصحابه ms0907 ومالك بن ~~أنس والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح: ليس للولي إلا القصاص، ولا يأخذ ~~الدية إلا برضى القاتل. وقال الأوزاعي والليث والشافعي: الولي بالخيار بين ~~أخذ القصاص والدية، وإن لم يرض القاتل. وقال الشافعي: فإن عفا المفلس عن ~~القصاص جاز، ولم يكن لأهل الوصاية والدين منعه; لأن المال لا يملك بالعمد ~~إلا بمشيئة المجني عليه إذا كان حيا أو بمشيئة الورثة إذا كان ميتا. # قال أبو بكر: ما تقدم ذكره من ظواهر آي القرآن بما تضمنه من بيان المراد ~~من غير اشتراك في اللفظ يوجب القصاص دون المال، وغير جائز إيجاب المال على ~~وجه التخيير إلا بمثل ما يجوز به نسخه; لأن الزيادة في نص القرآن توجب ~~نسخه. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فحظر أخذ مال ~~كل واحد من أهل الإسلام إلا برضاه على وجه التجارة. وبمثله قد ورد الأثر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه" فمتى لم يرض القاتل بإعطاء المال، ولم تطب به نفسه فماله محظور على ~~كل أحد. وروي عن ابن عباس وقد ذكرنا سنده فيما تقدم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول". وروى سليمان بن كثير ~~قال: حدثنا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من قتل في عميا 1 أو في زحمة لم يعرف قاتله أو رميا تكون بينهم ~~بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه ~~وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فأخبر عليه PageV01P183 ### | باب العاقلة هل تعقل العمد # قال الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان} وقد قدمنا تأويل من تأوله على عفو بعض الأولياء عن نصيبه من الدم، ~~ووجوب الأرش ms0908 للباقين، واحتمال اللفظ لذلك، وفيه دلالة على أن الواجب على ~~القاتل الذي لم يعف في ماله، وكذلك كل عمد فيه القود فهو على الجاني في ~~ماله، كالأب إذا قتل ابنه، # PageV01P192 ### | باب كيفية القصاص # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال ~~في آية أخرى: {والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] وقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~[النحل: 126] فأوجب بهذه الآي استيفاء المثل لم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو ~~على وليه أن يفعل بالجاني أكثر مما فعل. # واختلف الفقهاء في كيفية القصاص، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: ~~على أي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف. وقال ابن القاسم عن مالك: إن قتله ~~بعصا أو بحجر أو بالنار أو بالتغريق قتله بمثله، فإن لم يمت بمثله فلا يزال ~~يكرر عليه من جنس ما قتله به حتى يموت، وإن زاد على فعل القاتل الأول. وقال ~~ابن شبرمة: نضربه مثل ضربه، ولا نضربه أكثر من ذلك، وقد كانوا يكرهون ~~المثلة ويقولون: السيف يجزي عن ذلك كله، فإن غمسه في الماء فإني لا أزال ~~أغمسه فيه حتى يموت.، وقال الشافعي: إن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات فعل ~~به مثل ذلك، وإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس، فإن لم يمت في مثل ~~تلك المدة قتل بالسيف. # قال أبو بكر: لما كان في مفهوم قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~وقوله: {والجروح قصاص} استيفاء المثل من غير زيادة عليه، كان محظورا على ~~الولي استيفاء زيادة على فعل الجاني، ومتى استوفى على مذهب من ذكرنا في ~~التحريق والتغريق والرضخ بالحجارة والحبس أدى ذلك إلى أن يفعل به أكثر مما ~~فعل; لأنه إذا لم # PageV01P195 ### | باب القول في وجوب الوصية # قال الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} . # قال أبو بكر: لم يختلف السلف ممن روي عنه أن ms0909 قوله: {خيرا} أراد به مالا، ~~واختلفوا في المقدار المراد بالمال الذي أوجب الله الوصية فيه حين كانت ~~الوصية فرضا; لأن قوله: {كتب عليكم} معناه فرض عليكم، كقوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام} [البقرة: 183] وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103] يعني فرضا موقتا. وروي عن علي كرم الله وجهه أنه دخل ~~على مولى له في مرضه وله سبع مائة درهم أو ست مائة درهم فقال: ألا أوصي؟ ~~قال: لا، إنما قال الله تعالى: {إن ترك خيرا} وليس لك كثير مال، وروي عن ~~علي أنه قال: أربعة آلاف درهم، وما دونها نفقة. وقال ابن عباس: لا وصية في ~~ثمان مائة درهم. وقالت عائشة رضي الله عنها في امرأة أرادت الوصية فمنعها ~~أهلها، وقالوا: لها ولد، ومالها يسير، فقالت: كم ولدها؟ قالوا: أربعة، ~~قالت: فكم مالها؟ قالوا: ثلاثة آلاف، فكأنها عذرتهم، وقالت: ما في هذا ~~المال فضل. وقال إبراهيم: ألف درهم إلى خمس مائة درهم وروى همام عن قتادة ~~{إن ترك خيرا} قال: كان يقال: خير المال ألف درهم فصاعدا، وقال الزهري: هي ~~في كل ما وقع عليه اسم المال من قليل أو كثير. وكل هؤلاء القائلين فإنما ~~تأولوا تقدير المال على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب للمقادير ~~المذكورة، وكان ذلك منهم على طريق الاجتهاد فيما تلحقه هذه الصفة من المال. ~~ومعلوم في العادة أن من ترك درهما لا يقال ترك خيرا، فلما كانت هذه التسمية ~~موقوفة على العادة، وكان طريق التقدير فيها على الاجتهاد وغالب الرأي مع ~~العلم بأن القدر اليسير لا تلحقه هذه التسمية، وأن # PageV01P199 ### | باب الوصية للوارث إذا أجازتها الورثة # قال أبو بكر: قد بينا نسخ الوصية للورثة بما قدمنا، وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة"، وفيه بيان ~~أن الأخبار الواردة بأن لا وصية # PageV01P204 ### | باب تبديل الوصية. # قال الله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ~~قيل إن الهاء التي في قوله: ms0910 {فمن بدله} عائدة على الوصية، وجائز فيها ~~التذكير; لأن الوصية، والإيصاء واحد. وأما الهاء في قوله: {إثمه} فإنما هي ~~عائدة على التبديل المدلول عليه # PageV01P206 ### | باب الشاهد والوصي إذا علما الجور في الوصية # قال الله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه} ~~. قال أبو بكر: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{فمن خاف من موص جنفا أو إثما} قال: "هو الرجل يوصي فيجنف في وصيته فيردها ~~الولي إلى العدل والحق". وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: الجنف ~~الخطأ والإثم العمد. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وابن طاوس عن أبيه: {فمن ~~خاف من موص جنفا أو إثما} قال: "هو الموصي لابن ابنه يريد لبنيه". وروى ~~المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن في الرجل يوصي للأباعد ويترك الأقارب ~~قال: يجعل وصيته ثلاثة أثلاث: للأقارب الثلثين، وللأباعد الثلث. وروي عن ~~طاوس في الرجل يوصي للأباعد قال: ينتزع منهم فيدفع للأقارب إلا أن يكون ~~فيهم فقير. # قال أبو بكر: الجنف الميل عن الحق، وقد حكينا عن الربيع بن أنس أنه قال: ~~"الجنف الخطأ" ويجوز أن يكون مراده الميل عن الحق على وجه الخطإ، والإثم ~~ميله عنه على وجه العمد; وهو تأويل مستقيم. وتأوله الحسن على الوصية ~~للأجنبي، وله أقرباء أن ذلك جنف وميل عن الحق; لأن الوصية كانت عنده ~~للأقارب الذين لا يرثون. وتأوله طاوس على معنيين، أحدهما: الوصية للأباعد ~~فترد إلى الأقارب، والآخر: أن من يوصي لابن ابنته يريد ابنته. وقد نسخ وجوب ~~الوصية للوالدين والأقربين: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} غير موجب أن ~~يكون هذا الحكم مقصورا على الوصية المذكورة قبلها; لأنه كلام مستقل بنفسه ~~يصح ابتداء الخطاب به غير مضمن بما قبله، فهو عام في سائر الوصايا إذا عدل ~~بها عن جهة العدل إلى الجور، منتظمة للوصية التي كانت واجبة ms0911 للوالدين ~~والأقربين في حال بقاء وجوبها، وشاملة لسائر الوصايا غيرها; فمن خاف من ~~سائر الناس من موص ميلا عن الحق وعدولا إلى الجور فالواجب عليه إرشاده إلى ~~العدل والصلاح. ولا يختص بذلك الشاهد والوصي والحاكم دون سائر الناس; لأن ~~ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح # PageV01P209 ### | باب فرض الصيام # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فالله تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه ~~الآية; لأن قوله {كتب عليكم} معناه فرض عليكم، كقوله: {كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم} وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: ~~103] يعني فرضا مؤقتا. الصيام في اللغة هو الإمساك، قال الله تعالى: {إني ~~نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] يعني صمتا، فسمى ~~الإمساك عن الكلام صوما. ويقال: خيل صيام إذا كانت ممسكة عن العلف، و"صامت ~~الشمس نصف النهار" لأنها ممسكة عن السير والحركة، فهذا حكم هذا اللفظ في ~~اللغة. # PageV01P211 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الشيخ الفاني # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام ~~يفطر ويطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة ولا شيء عليه غير ذلك". وقال ~~الثوري: يطعم ولم يذكر مقداره. وقال المزني عن الشافعي: يطعم مدا من حنطة ~~كل يوم. وقال ربيعة ومالك: لا أرى عليه الإطعام، وإن فعل فحسن. # قال أبو بكر: قد ذكرنا في تأويل الآية ما روي عن ابن عباس في قراءته: ~~وعلى # PageV01P217 ### | باب الحامل والمرضع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن حي: إذا خافتا على ~~ولديهما أو على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا كفارة عليهما. وقال مالك ~~في المرضع إذا خافت على ولدها ولا يقبل الصبي من غيرها: فإنها تفطر وتقضي ~~وتطعم عن كل يوم مدا مسكينا، والحامل إذا أفطرت لا إطعام عليها; وهو قول ~~الليث بن سعد. وقال مالك: ms0912 وإن خافتا على أنفسهما فهما مثل المريض. وقال ~~الشافعي: إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفارة، وإن لم ~~تقدرا على الصوم فهما مثل المريض عليهما القضاء بلا كفارة وروي عنه في ~~البويطي أن الحامل لا إطعام عليها. واختلف السلف في ذلك على ثلاثة أوجه; ~~فقال علي كرم الله وجهه: عليهما القضاء إذا أفطرتا ولا فدية عليهما، وهو ~~قول إبراهيم والحسن وعطاء وقال ابن عباس: عليهما الفدية بلا قضاء. وقال ابن ~~عمر ومجاهد: عليهما الفدية والقضاء. والحجة لأصحابنا ما حدثنا جعفر بن محمد ~~بن أحمد الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: حدثني ~~أبو قلابة هذا الحديث، ثم قال: هل لك في صاحب الحديث الذي حدثني؟ قال: ~~فدلني عليه، فلقيته، فقال: حدثني قريب لي يقال له أنس بن مالك قال: أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل لجار لي أخذت، فوافقته وهو يأكل، ~~فدعاني إلى طعامه فقلت: إني صائم، فقال: "إذا أخبرك عن ذلك أن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع" قال: فكان يتلهف بعد ذلك ~~يقول: ألا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاني. قال ~~أبو بكر: شطر الصلاة مخصوص به المسافر; إذ لا # PageV01P220 ### | باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن جن رمضان كله أو بعضه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري: إذا كان مجنونا في رمضان ~~كله فلا قضاء عليه، وإن أفاق في شيء منه قضاه كله. وقال مالك بن أنس فيمن ~~بلغ، وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق: "فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا ~~يقضي الصلاة". وقال عبيد الله بن الحسن في المعتوه يفيق وقد ترك الصلاة ~~والصوم فليس عليه قضاء ذلك وقال في المجنون الذي يجن ثم يفيق أو الذي يصيبه ~~المرة ثم يفيق: أرى على هذا أن يقضي. وقال الشافعي في البويطي: "ومن جن في ms0913 ~~رمضان فلا قضاء عليه، وإن صح في يوم من رمضان قبل أن تغيب الشمس كذلك لا ~~قضاء عليه". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} يمنع وجوب القضاء ~~على المجنون الذي لم يفق في شيء من الشهر; إذ لم يكن شاهد الشهر، وشهوده ~~الشهر كونه مكلفا فيه، وليس المجنون من أهل التكليف لقوله عليه السلام: ~~"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن ~~المجنون حتى يفيق". # فإن قيل: إذا احتمل قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} شهوده بالإقامة ~~وترك السفر دون ما ذكرته من شهوده بالتكليف، فما الذي أوجب حمله على ما ~~ادعيت دون ما ذكرنا من حال الإقامة؟ قيل له: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين ~~وهما غير متنافيين بل جائز إرادتهما معا، وكونهما شرطا في لزوم الصوم، وجب ~~حمله عليهما; وهو كذلك عندنا; لأنه لا يكون مكلفا بالصوم غير مرخص له في ~~تركه إلا أن يكون مقيما من أهل التكليف. ولا خلاف أن كونه من أهل التكليف ~~شرط في صحة الخطاب به، وإذا ثبت ذلك، ولم يكن المجنون من أهل التكليف في ~~الشهر لم يتوجه إليه الخطاب بالصوم، ولم يلزمه القضاء; ويدل عليه ظاهر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن ~~المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يحتلم" ورفع القلم هو إسقاط التكليف عنه ~~ويدل عليه أيضا أن الجنون معنى يستحق به الولاية عليه إذا دام به، فكان ~~بمنزلة الصغير إذا دام به الشهر كله في سقوط فرض الصوم. ويفارق الإغماء هذا ~~المعنى بعينه; لأنه لا يستحق عليه الولاية بالإغماء إن طال، وفارق المغمى ~~عليه المجنون والصغير وأشبه الإغماء النوم في باب نفي ولاية غيره عليه من ~~أجله. # فإن قيل: لا يصح خطاب المغمى عليه كما لا يصح خطاب المجنون والتكليف # PageV01P225 ### | باب الغلام يبلغ والكافر يسلم في بعض رمضان # قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقد بينا أن المراد شهود ~~بعضه. ms0914 واختلف الفقهاء في الصبي يبلغ في بعض رمضان أو الكافر يسلم، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس في الموطأ وعبيد الله بن الحسن ~~والليث والشافعي: يصومان ما بقي، وليس عليهما قضاء ما مضى ولا قضاء اليوم ~~الذي كان فيه البلوغ أو الإسلام. وقال ابن وهب عن مالك: أحب إلي أن يقضيه. ~~وقال الأوزاعي في الغلام إذا احتلم في النصف من رمضان: إنه يقضي ما مضى ~~منه، فإنه كان يطيق الصوم وقال في الكافر إذا أسلم: لا قضاء عليه فيما مضى. ~~وقال أصحابنا: يستحب لهما الإمساك عما يمسك عنه الصائم في اليوم الذي كان ~~فيه الاحتلام أو الإسلام. # قال أبو بكر رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} وقد بينا معناه، وأن كونه من أهل التكليف شرط في لزومه، والصبي لم ~~يكن من أهل التكليف قبل البلوغ، فغير جائز إلزامه حكمه. وأيضا الصغر ينافي ~~صحة الصوم، لأن الصغير لا يصح صومه وإنما يؤمر به على وجه التعلم، وليعتاده ~~ويمرن عليه، ألا ترى أنه متى بلغ لم يلزمه قضاء الصلاة المتروكة ولا قضاء ~~الصيام المتروك في حال الصغر؟ فدل ذلك على أنه غير جائز إلزامه القضاء فيما ~~تركه في حال الصغر، ولو جاز إلزامه قضاء ما مضى من الشهر لجاز إلزامه قضاء ~~الصوم للعام الماضي إذا كان يطيقه، فلما اتفق المسلمون على سقوط القضاء ~~للسنة الماضية مع إطاقته للصوم، وجب أن يكون ذلك حكمه في الشهر الذي أدرك ~~في بعضه. وأما الكافر فهو في حكم الصبي من هذا الوجه لاستحالة تكليفه للصوم ~~إلا على شرط تقديم الإيمان ومنافاة الكفر لصحة الصوم، فأشبه الصبي; وليسا ~~كالمجنون الذي يفيق في بعض الشهر في إلزامه القضاء لما مضى من الشهر; لأن ~~الجنون لا ينافي صحة الصوم، بدلالة أن من جن في صيامه لم يبطل صومه; وفي ~~هذا دليل على أن الجنون لا ينافي صحة صومه، وأن الكفر ينافيها فأشبه الصغير ~~من هذا الوجه، وإن اختلفا في باب ms0915 استحقاق الكافر العقاب على تركه، والصغير ~~لا يستحقه. ويدل على سقوط القضاء لما مضى عمن أسلم في بعض رمضان قوله ~~تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" و "الإسلام # PageV01P227 ### | باب قضاء رمضان # قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة} . # PageV01P252 ### | باب في جواز تأخير قضاء رمضان # قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فأوجب ~~العدة في أيام غير معينة في الآية، فقال أصحابنا: "جائز له أن يصوم أي وقت ~~يشاء" ولا يحفظ عنهم رواية في جواز تأخيره إلى انقضاء السنة. والذي عندي ~~أنه لا يجوز تأخيره إلى أن يدخل رمضان آخر، وهو عندي على مذهبهم وذلك لأن ~~الأمر عندهم إذا كان غير موقت فهو على الفور، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. ~~وإذا كان كذلك فلو لم يكن # PageV01P254 ### | باب الصيام في السفر # قال الله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في ~~السفر رخصة يسر الله بها علينا، ولو كان الإفطار فرضا لازما لزالت فائدة ~~قوله: {يريد الله بكم اليسر} فدل على أن المسافر مخير بين الإفطار وبين ~~الصوم كقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} وقوله: {فما استيسر من ~~الهدي} فكل موضع ذكر فيه اليسر ففيه الدلالة على التخيير. وروى عبد الرحيم ~~الجزري عن طاوس عن ابن عباس قال: لا نعيب على من صام ولا على من أفطر; لأن ~~الله قال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فأخبر ابن عباس أن ~~اليسر المذكور فيه أريد به التخيير، فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه. ~~وأيضا فقال الله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ثم عطف عليه قوله: {ومن كان ~~مريضا أو على سفر ms0916 فعدة من أيام أخر} فلم يوجب عليه الإفطار ولا الصوم، ~~والمسافر شاهد للشهر من وجهين: أحدهما: العلم به وحضوره، والآخر: أنه من ~~أهل التكليف، فهذا يدل على أنه من أهل الخطاب بصوم الشهر، وأنه مع ذلك مرخص ~~له في الإفطار. وقوله: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} معناه: ~~فأفطر فعدة من أيام أخر، كقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام} [البقرة: 196] المعنى: فحلق ففدية من صيام. ويدل على ~~أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه ولا قضاء عليه ~~إلا أن يفطر، فدل على أن الإفطار مضمر فيه. وإذا كان كذلك فذلك الضمير ~~بعينه هو مشروط للمسافر كهو للمريض لذكرهم جميعا في الآية على وجه العطف، ~~وإذا كان الإفطار مشروطا في إيجاب العدة فمن أوجب على المسافر القضاء إذا ~~صام فقد خالف حكم الآية. # واتفقت الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم ~~المسافر غير شيء يروى عن أبي هريرة أنه قال: من صام في السفر فعليه القضاء ~~وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافا. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالخبر المستفيض الموجب # PageV01P259 ### | باب من صام في السفر ثم أفطر # وقد اختلف في من صام في السفر ثم أفطر من غير عذر، فقال أصحابنا: عليه ~~القضاء ولا كفارة وكذلك لو أصبح صائما ثم سافر فأفطر، أو كان مسافرا فصام ~~وقدم فأفطر، فعليه القضاء في هذه الوجوه ولا كفارة عليه وذكر ابن وهب عن ~~مالك في الصائم في السفر إذا أفطر: عليه القضاء والكفارة وقال مرة: لا ~~كفارة. وروى ابن القاسم عن مالك أن عليه الكفارة وقال: لو أصبح صائما في ~~حضره ثم سافر فأفطر فليس عليه إلا القضاء وقال الأوزاعي: لا كفارة على ~~المسافر في الإفطار. وقال الليث: عليه الكفارة. # قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن كفارة رمضان تسقطها الشبهة، فهي بمنزلة ~~الحد; والدليل على ذلك أنها لا ms0917 تستحق إلا بمأثم مخصوص كالحدود، فلما كانت ~~الحدود تسقطها الشبهة كانت كفارة رمضان بمثابتها، فإذا ثبت ذلك قلنا: إنه ~~متى أفطر في حال السفر فإن وجود هذه الحال مانع من وجوب الكفارة; لأن السفر ~~يبيح الإفطار فأشبه عقد النكاح وملك اليمين في إباحتهما الوطء وإن كانا غير ~~مبيحين لوطء الحائض، إلا أنهم متفقون على أن وجود السبب المبيح للوطء في ~~الأصل مانع من وجوب الحد. وإن لم يبح هذا الوطء بعينه، كذلك السفر وإن لم ~~يبح الإفطار بعد الدخول في الصوم فإنه يمنع وجوب الكفارة; إذ كان في الأصل ~~قد جعل سببا لإباحة الإفطار; فلذلك قلنا: إذا أفطر وهو مسافر فلا كفارة ~~عليه وقد روى ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفطر في السفر بعدما دخل في الصوم", وذلك لتعليم الناس جواز الإفطار فيه، ~~فغير جائز فيما كان هذا وصفه إيجاب الكفارة على المفطر فيه. ووجه آخر: وهو ~~أنه لما لم يكن فعل الصوم مستحقا عليه في السفر أشبه الصائم في قضاء رمضان ~~أو في صوم نذر أو كفارة، فلا تجب عليه الكفارة بإفطاره فيه; إذ كان لهبديا ~~أن لا يصومه، ولم يكن لزوم # PageV01P262 ### | باب في المسافر يصوم رمضان عن غيره # واختلف في المسافر يصوم رمضان عن واجب غيره، فقال أبو حنيفة: هو عما # PageV01P263 ### | باب في عدد قضاء رمضان # قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وهشام عن محمد، من غير خلاف من أحد من أصحابنا ~~قالوا: إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية وفي البلد رجل مريض لم يصم ~~فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما، فإن صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية وصام أهل ~~بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية فعلم بذلك من صام تسعة وعشرين يوما، فإن عليهم ~~أن يقضوا يوما وعلى المريض المفطر قضاء ثلاثين يوما وحكى بعض أصحاب مالك بن ~~أنس عنه أنه يقضي رمضان بالأهلة. وذكر ms0918 عنه أشهب أنه سئل عمن مرض سنتين ثم ~~مات عن غير قضاء: أنه يطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مدا وقال الثوري فيمن ~~مرض رمضان وكان تسعة وعشرين يوما: إنه يصوم الذي كان عليه وقال الحسن بن ~~صالح: إن مرض رجل شهر رمضان فأفطره من أوله إلى آخره ثم ابتدأ شهرا يقضيه ~~فكان هذا الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يوما أجزأه عن شهر رمضان الذي ~~أفطر وإن كان ثلاثين يوما لأنه جزاء شهر بشهر، وإن كان ابتداء القضاء على ~~غير استقبال شهر أتم ثلاثين يوما. وإن كان شهر رمضان تسعة وعشرين يوما لأن ~~الشهر لا يكون تسعة وعشرين يوما إلا شهرا من أوله إلى آخره. # قال أبو بكر: إذا كان الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما ثم أراد المريض ~~القضاء، فإنه يقضيه بعدد أيام شهر الصوم الذي أفطر فيه سواء ابتدأ بالهلال ~~أو من بعض الشهر; وذلك لقوله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر} ومعناه: فعدد من أيام أخر; يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" يعني العدد. وإذا كان الله سبحانه قد ~~أوجب عليه قضاء العدد من أيام أخر، لم يجز الزيادة عليه ولا النقصان منه، ~~سواء كان الشهر الذي يقضيه ناقصا أو تاما. # فإن قيل: إن كان الذي أفطر فيه شهرا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الشهر ~~تسعة وعشرون; الشهر ثلاثون" فأي شهر أتى به فقد قضى ما عليه لأنه شهر بشهر، ~~قيل له: لم يقل الله تعالى: فشهر من أيام أخر وإنما قال: {فعدة من أيام ~~أخر} فأوجب استيفاء عدد ما أفطر، فوجب اتباع ظاهر الآية ولم يجز العدول ~~عنها إلى معنى غير مذكور، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولتكملوا العدة} ~~يعني العدد; فإذا كان الشهر الذي أفطر فيه ثلاثين # PageV01P267 ### | باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام # قال الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {ثم ~~أتموا الصيام إلى ms0919 الليل} روي عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض الأول من ~~الصيام بقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} وأنه ~~كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأنه كان من حين يصلي العتمة يحرم عليهم ~~الطعام والشراب والجماع إلى القابلة رواه عطية عن ابن عباس وروى عكرمة عن ~~ابن عباس مثله، ولم يذكر أنه كان في الصوم الأول. وروى عطاء عن ابن عباس ~~أنه كان إذا صلى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب والجماع، وروى الضحاك ~~أنه كان يحرم ذلك عليهم من حين يصلون العتمة وعن معاذ أنه كان يحرم ذلك ~~عليهم بعد النوم وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: ثم إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام، فأصبح صائما ~~فأجهده الصوم، وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعد ما نام فذكر ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} ونسخ به تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم. # PageV01P274 ### | باب لزوم صوم التطوع بالدخول فيه # قوله عز وجل: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يدل على أن من دخل في صوم ~~التطوع لزمه إتمامه، وذلك لأن قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} عام في سائر الليالي التي يريد الناس الصوم في صبيحتها، وغير جائز ~~الاقتصار به على ليالي # PageV01P283 ### | باب الاعتكاف # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ومعنى الاعتكاف ~~في أصل اللغة هو اللبث، قال الله: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~[الأنبياء: 52] وقال تعالى: {فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 71] ، وقال ~~الطرماح: # فباتت بنات الليل حولي عكفا ... عكوف البواكي بينهن صريع # ثم نقل في الشرع إلى معان أخر مع اللبث لم يكن الاسم يتناولها في اللغة; ~~منها الكون في المسجد، ومنها الصوم، ومنها ترك الجماع رأسا ونية التقرب إلى ~~الله عز وجل، ولا يكون معتكفا إلا بوجود هذه المعاني، وهو نظير ما قلنا في ~~الصوم إنه ms0920 اسم للإمساك في اللغة ثم زيد فيه معان أخر لا يكون الإمساك صوما ~~شرعيا إلا بوجودها. وأما شرط اللبث في المسجد فإنه للرجال خاصة دون النساء، ~~وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف فالأصل فيه قوله عز وجل: {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد. # وقد اختلف السلف في المسجد الذي يجوز الاعتكاف فيه على أنحاء. وروي عن ~~أبي وائل عن حذيفة أنه قال لعبد الله: رأيت ناسا عكوفا بين دارك ودار ~~الأشعري لا تعير. وقد علمت أن لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو في ~~المسجد الحرام فقال عبد الله: لعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت، وروى ~~إبراهيم النخعي أن حذيفة قال: لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد ~~الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن قتادة عن ~~سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي، وهذا موافق لمذهب حذيفة; لأن ~~المساجد الثلاثة هي مساجد الأنبياء عليهم السلام. وقول آخر; وهو ما روى ~~إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: لا اعتكاف إلا في المسجد ~~الحرام أو مسجد النبي عليه السلام. وروي عن عبد الله بن مسعود وعائشة ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير وأبي جعفر وعروة بن الزبير: لا اعتكاف إلا في مسجد ~~جماعة فحصل من اتفاق جميع السلف أن من شرط الاعتكاف الكون في المسجد على ~~اختلاف منهم في عموم المساجد وخصوصها على الوجه الذي بينا; ولم يختلف فقهاء ~~الأمصار في جواز الاعتكاف في سائر المساجد التي تقام فيها الجماعات إلا شيء ~~يحكى عن مالك ذكره عنه ابن عبد الحكم قال: لا يعتكف أحد إلا في المسجد ~~الجامع أو في رحاب المساجد التي تجوز فيها الصلاة. وظاهر قوله: {وأنتم ~~عاكفون في المساجد} يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ، واقتصر به ~~على بعضها فعليه بإقامة # PageV01P294 ### | باب الاعتكاف هل يجوز بغير صوم # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وقد بينا أن ~~الاعتكاف اسم شرعي، وما ms0921 كان هذا حكمه من الأسماء فهو بمنزلة المجمل الذي ~~يفتقر إلى البيان. # وقد اختلف السلف في ذلك، فروى عطاء عن ابن عمر عن ابن عباس وعائشة قالوا: ~~المعتكف عليه الصوم، وقال سعيد بن المسيب عن عائشة: من سنة المعتكف أن ~~يصوم. وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال: لا اعتكاف ~~إلا بصوم وهو قول الشعبي وإبراهيم ومجاهد، وقال آخرون: يصح بغير صوم; روى ~~الحكم عن علي وعبد الله، وقتادة عن الحسن وسعيد، وأبو معشر عن إبراهيم ~~قالوا: إن شاء صام وإن شاء لم يصم وروى طاوس عن ابن عباس مثله. # واختلف أيضا فقهاء الأمصار، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك # PageV01P297 ### | باب ما يجوز للمعتكف أن يفعله # قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} يحتمل اللفظ ~~حقيقة المباشرة التي هي إلصاق البشرة بالبشرة من أي موضع كان من البدن ~~ويحتمل أن تكون كناية عن الجماع كما كان المسيس كناية عن الجماع، وحقيقته ~~المس باليد وبسائر الأعضاء وكما قال: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله ~~لكم} والمراد الجماع، فلما اتفق الجميع أن هذه الآية قد حظرت الجماع على ~~المعتكف وأنه مراد بها، وجب أن تنتفي إرادة المباشرة التي هي حقيقة لامتناع ~~كون لفظ واحد حقيقة مجازا. # وقد اختلف الفقهاء في مباشرة المعتكف، فقال أصحابنا: لا بأس بها إذا لم ~~تكن بشهوة وأمن على نفسه، ولا ينبغي أن يباشرها بشهوة ليلا ولا نهارا، فإن ~~فعل فأنزل فسد اعتكافه، فإن لم ينزل لم يفسد وقد أساء وقال ابن القاسم عن ~~مالك: إذا قبل امرأته فسد اعتكافه وقال المزني عن الشافعي: إن باشر فسد ~~اعتكافه وقال في موضع آخر: لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد. # قال أبو بكر: قد بينا أن مراد الآية في المباشرة هو الوطء دون المباشرة ~~باليد والقبلة، وكذلك قال أبو يوسف، إن قوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد} إنما هو على الجماع. وروي عن الحسن البصري قال: ms0922 المباشرة ~~النكاح، وقال ابن عباس: إذا جامع المعتكف فسد اعتكافه. وقال الضحاك: كانوا ~~يجامعون وهم معتكفون حتى نزل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وقال ~~قتادة: كان الناس إذا اعتكفوا خرج الرجل منهم فباشر أهله ثم رجع إلى ~~المسجد، فنهاهم الله عن ذلك بقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~وهذا من قولهم يدل على أنهم عقلوا من مراد الآية الجماع دون اللمس ~~والمباشرة باليد. # ويدل على أن المباشرة لغير شهوة مباحة للمعتكف، حديث الزهري عن عروة عن ~~عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف فكانت لا ~~محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، فدل على أن المباشرة ~~لغير شهوة غير محظورة على المعتكف وأيضا لما ثبت أن الاعتكاف بمعنى الصوم ~~في باب حظر الجماع ولم يكن الصوم مانعا من المباشرة أو القبلة لغير شهوة ~~إذا أمن على نفسه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار مستفيضة، ~~وجب أن لا يمنع الاعتكاف القبلة لغير شهوة ولما كانت المباشرة والقبلة ~~لشهوة محظورتين في الصوم وجب أن يكون ذلك حكمهما في الاعتكاف، ولما كانت ~~المباشرة في الصوم إذا حدث عنها إنزال فسد الصوم وجب أن يفسد الاعتكاف; لأن # PageV01P299 ### | باب ما يحله حكم الحاكم وما لا يحله # قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالأثم} . والمراد، والله أعلم: لا ~~يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: ~~29] وقوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] يعني بعضكم بعضا، وكما قال ~~عليه السلام: "أموالكم وأعراضكم # PageV01P303 ### | باب فرض الجهاد # قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين} . # قال أبو بكر: لم تختلف الأمة أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: ~~{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: ms0923 34 – 35] وقوله: {فاعف ~~عنهم واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ~~وقوله: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [آل عمران: 20] وقوله: {وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] . وروى عمرو بن دينار، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له كانت أموالهم بمكة ~~فقالوا: يا رسول الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال ~~عليه السلام: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله إلى المدينة ~~أمروا بالقتال فكفوا، فأنزل الله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ~~الناس} [النساء: 77] . وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا أبو الفضل ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح، ~~عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله عز وجل: {لست عليهم بمصيطر} ~~[الغاشية: 22] وقوله: {وما أنت عليهم بجبار} [ق: 5] وقوله: {فاعف عنهم ~~واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله} [الجاثية: 14] قال: نسخ هذا كله قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {صاغرون} [التوبة: 29] . # PageV01P311 ### | باب العمرة هي فرض أم تطوع # قال الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} واختلف السلف في تأويل هذه ~~الآية، فروي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما ~~من دويرة أهلك. وقال مجاهد: إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما وقال ~~سعيد بن جبير # PageV01P319 ### | باب المحصر أين يذبح الهدي # قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} واختلف السلف ~~في المحل ما هو، فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد ~~والحسن وابن سيرين: هو الحرم وهو قول أصحابنا والثوري. وقال مالك والشافعي: ~~محله الموضع الذي أحصر فيه فيذبحه ويحل. والدليل على صحة القول الأول أن ~~المحل اسم لشيئين: يحتمل أن يراد به الوقت، ويحتمل أن ms0924 يراد به المكان; ألا ~~ترى أن محل الدين هو وقته الذي تجب المطالبة به؟ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لضباعة بنت الزبير: "اشترطي في الحج وقولي: # PageV01P330 ### | باب وقت ذبح هدي الإحصار # قال الله تعالى: {فما استيسر من الهدي} ولم يختلف أهل العلم ممن أباح # PageV01P332 ### | باب ما يجب على المحصر بعد إحلاله من الحج بالهدي # قال الله تعالى بعد ما ذكر في شأن المحصر: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي} واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المحصر بالحج إذا حل ~~بالهدي، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد عن عبد الله بن مسعود قالا: ~~عليه عمرة وحجة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع، وإن لم ~~يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم ~~والقاسم ومحمد بن سيرين، وهو قول أصحابنا. وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: أمر الله بالقصاص أو يأخذ منكم العدوان حجة بحجة وعمرة بعمرة. وروي عن ~~الشعبي قال: عليه حجة. وإنما يوجب أبو حنيفة عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم ~~ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنه أحل من إحرامه قبل يوم النحر ثم زال ~~الإحصار فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة وذلك لأن هذه العمرة ~~إنما هي التي تلزم بالفوات لأن من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة، ~~فلما حصل حجه فائتا كان عليه عمرة للفوات، والدم الذي عليه في الإحصار إنما ~~هو للإحلال ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات، وذلك لأنه ليس في ~~الأصول عمرة يقوم مقامها دم، ألا ترى أن من نذر عمرة لم ينب عنه دم لا في ~~حال العذر ولا في حال الإمكان؟ وكذلك من يجعل العمرة فريضة لا يجعل الدم ~~نائبا عنها بحال; فلما كان الفوات قد ألزمه عمل عمرة لم يجز أن ينوب عنها ~~دم، فثبت بذلك أن الدم إنما هو للإحلال فحسب. ويدل على ذلك أن العمرة التي # PageV01P336 ### | باب ms0925 المحصر لا يجد هديا # قال الله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} واختلف أهل العلم في ~~المحصر لا يجد هديا، فقال أصحابنا: لا يحل حتى يجد هديا فيذبح عنه وقال ~~عطاء يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هديا وللشافعي فيه قولان: ~~أحدهما: أنه لا يحل أبدا إلا بهدي، والآخر: إذا لم يقدر على شيء حل وأهراق ~~دما إذا قدر عليه، وقيل: إذا لم يقدر أجزأه وعليه الطعام أو صيام إن لم يجد ~~ولم يقدر. # قال أبو بكر: واحتج محمد لذلك بأن هدي المتعة منصوص عليه وكذلك حكم ~~المتمتع منصوص عليه فيما يلزم من هدي أو صيام إن لم يجد هديا، والمنصوصات ~~لا يقاس بعضها على بعض، ووجه آخر وهو أنه غير جائز إثبات الكفارات بالقياس ~~فلما كان الدم مذكورا للمحصر لم يجز لنا إثبات شيء غيره قياسا لأن ذلك دم ~~جناية على وجه الكفارة لامتناع جواز إثبات الكفارة قياسا، وأيضا فإن فيه ~~ترك المنصوص عليه # PageV01P339 ### | باب إحصار أهل مكة # قال أبو بكر: روي عن عروة بن الزبير والزهري أنهما قالا: ليس على أهل مكة ~~إحصار إنما إحصارهم أن يطوفوا بالبيت وكذلك قال أصحابنا إذا أمكنهم الوصول ~~إلى البيت، وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون محرما بحج أو عمرة، فإن كان ~~معتمرا فالعمرة إنما هي الطواف والسعي وليس بمحصر عن ذلك، وإن كان حاجا فله ~~أن يؤخر الخروج إلى عرفات إلى آخر وقته لو لم يكن محصرا، فإذا فاته الوقوف ~~فقد فاته الحج وعليه أن يتحلل بعمرة فيكون مثل المعتمر فلا يكون محصرا; ~~والله أعلم. # PageV01P340 ### | باب المحرم يصيبه أذى من رأسه أو مرض # قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه} إلى آخر الآية، يعني والله أعلم: فمن كان منكم ~~مريضا من المحرمين محصرين أو غير محصرين فأصابه مرض أو أذى في رأسه ففدية ~~من صيام; فدل ذلك على أن المحصر لا يجوز له الحلق قبل ms0926 بلوغ الهدي محله، ~~وأنه إذا كان مريضا أو به أذى من رأسه فحلق فعليه الفدية، وإن كان غير محصر ~~فهو في حكم المحصر الذي لم يبلغ هديه محله، فدل ذلك على التسوية بين ~~المحصرين وغير المحصرين في أن كل واحد منهم لا يجوز له الحلق في الإحرام ~~إلا على الشرط المذكور. # وقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} عنى المرض الذي يحتاج فيه إلى لبس أو ~~شيء يحظره الإحرام فيفعل ذلك لدفع الأذى ويفتدي. وكذلك قوله: {أو به أذى من ~~رأسه} إنما هو على أذى يحتاج فيه إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام من حلق ~~أو تغطية، فأما إن كان مريضا أو به أذى في رأسه لا يحتاج فيه إلى حلق ولا ~~إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام فهو في هذه الحال بمنزلة الصحيح في حظر ~~ما يحظره الإحرام. # وقد روي في أخبار متظاهرة عن كعب بن عجرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر به في عام الحديبية والقمل تتناثر على وجهه، فقال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " ~~فقلت: نعم، فأمره بالفدية. فكان كثرة القمل من الأذى المراد بالآية ولو كان ~~به قروح في رأسه أو خراج فاحتاج إلى شده أو تغطيته كان ذلك حكمه في جواز ~~الفدية، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه ويحتاج إلى لبس الثياب جاز له أن ~~يستبيح ذلك ويفتدي لأن الله لم يخصص شيئا من ذلك، فهو عام في الكل. # PageV01P340 ### | باب التمتع بالعمرة إلى الحج # قال الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} قال ~~أبو بكر: هذا الضرب من التمتع ينتظم معنيين: أحدهما: الإحلال والتمتع إلى ~~النساء، والآخر: جمع العمرة إلى الحج في أشهر الحج; ومعناه الارتفاق بهما ~~وترك إنشاء سفرين لهما وذلك لأن العرب في الجاهلية كانت لا تعرف العمرة في ~~أشهر الحج وتنكرها أشد الإنكار، ويروى عن ابن عباس وعن طاوس أن ذلك عندهم ~~كان من أفجر الفجور; ولذلك رجع النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن ~~يحلوا بعمرة على عادتهم ms0927 كانت في ذلك، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~الحسن بن المثنى قال: حدثنا عفان قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا عبد الله بن ~~طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر ~~الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برئ الدبر وعفا الأثر ~~وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة ~~رابعه مهلين بالحج أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا، فتعاظم ~~ذلك عندهم قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: "الحل كله". فمتعة الحج تنتظم ~~هذين المعنيين: إما استباحة التمتع بالنساء بالإحلال، وإما الارتفاق بالجمع ~~بين العمرة والحج في أشهر الحج والاقتصار بهما على سفر واحد بعد أن كانوا ~~لا يستحلون ذلك في الجاهلية ويفردون لكل واحد سفرا. ويحتمل التمتع بالعمرة ~~إلى الحج الانتفاع بهما بجمعهما في أشهر الحج واستحقاق الثواب بهما إذا ~~فعلا على هذا الوجه، فدل ذلك على زيادة نفع وفضيلة تحصل لفاعلهما. # والمتعة على أربعة أوجه: أحدها: القارن، والمحرم بعمرة في أشهر الحج إذا ~~حج من عامه في سفر واحد لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، والمحصر على ~~قول من لا يرى له الإحلال ولكنه يمكث على إحرامه حتى يصل إلى البيت فيتحلل ~~من حجه بعمل العمرة بعد فوت الحج، وفسخ الحج بالعمرة. # وقد اختلف في تأويل قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر ~~من # PageV01P343 ### | باب ذكر اختلاف أهل العلم في حاضري المسجد الحرام # قال أبو بكر: اختلف الناس في ذلك على أربعة أوجه: فقال عطاء ومكحول: من ~~دون المواقيت إلى مكة وهو قول أصحابنا، إلا أن أصحابنا يقولون: أهل ~~المواقيت بمنزلة من دونها. وقال ابن عباس ومجاهد هم أهل الحرم وقال الحسن ~~وطاوس ونافع وعبد الرحمن الأعرج هم أهل مكة وهو قول مالك بن أنس. وقال ~~الشافعي هم من كان أهله دون ليلتين وهو حينئذ أقرب المواقيت، وما كان وراءه ~~فعليهم المتعة. # قال أبو بكر: لما ms0928 كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها ~~بغير إحرام، وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة، ألا ترى أن من خرج من مكة فما ~~لم يجاوز الميقات فله الرجوع ودخولها بغير إحرام وكان تصرفهم في الميقات ~~فما دونه بمنزلة تصرفهم في مكة؟ فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم ~~المتعة. ويدل على أن الحرم وما قرب منه أهله من حاضري المسجد الحرام قوله ~~تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} [التوبة: 7] وليس أهل مكة ~~منهم; لأنهم كانوا قد أسلموا حين فتحت، فإنما نزلت الآية بعد الفتح في حجة ~~أبي بكر وهم بنو مدلج وبنو الدئل، وكانت منازلهم خارج مكة في الحرم وما قرب ~~منه. # فإن قيل: كيف يكون أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام وبينهم وبينها # PageV01P350 ### | باب صوم التمتع # قال الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} ~~قال أبو بكر: قد اختلف في معنى قوله: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} فروي عن ~~علي أنه قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة. وقالت عائشة وابن ~~عمر: من حين أهل بالحج إلى يوم عرفة قال ابن عمر: ولا يصومهن حتى يحرم قال ~~عطاء: يصومهن في العشر حلالا إن شاء وهو قول طاوس; وقالا: لا يصومهن قبل أن ~~يعتمر قال عطاء: وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا يدري عسى يتيسر له الهدي. ~~قال أبو بكر: هذا يدل على أن ذلك عندهما على جهة الاستحباب لا على جهة ~~الإيجاب، فيكون بمنزلة استحبابنا لمن لا يجد الماء تأخير التيمم إلى آخر ~~الوقت إذا رجا وجود الماء. وقول علي وعطاء وطاوس يدل على جواز صومهن في ~~العشر حلالا أو حراما، لأنهم لم يفرقوا بين ذلك; وأصحابنا يجيزون صومهن بعد ~~إحرامه بالعمرة ولا يجيزونه قبل ذلك، وذلك لأن الإحرام بالعمرة هو سبب ~~التمتع، قال الله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} فمتى وجد السبب جاز تقديمه ~~على وقت الوجوب، كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل لوجود ms0929 ~~الجراحة. ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه، أنا قد علمنا أن ~~وجوب الهدي متعلق بوجوب تمام الحج، وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة; لأن قبل ~~ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه. وإذا كان كذلك وقد ~~جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به ~~موجبا له; إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا، ثبت جوازه بعد ~~وجود سببه وهو العمرة، ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذا فعله بعد ~~إحرام الحج، إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة. # فإن قيل: لو كان ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود # PageV01P355 ### | باب المتمتع إذا لم يصم قبل يوم النحر # قال الله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} واختلف السلف ~~فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فقال عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس: لا يجزيه إلا الهدي وهو ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى وهو ~~قول مالك. وقال علي بن أبي طالب: يصوم بعد أيام التشريق وهو قول الشافعي. # قال أبو بكر: قد ثبت عن النبي عليه السلام النهي عن صوم يوم الفطر ويوم ~~النحر وأيام التشريق في أخبار متواترة مستفيضة، واتفق الفقهاء على ~~استعمالها، وأنه غير جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من ~~فرض ولا من نفل، فلم يجز صومها عن المتعة لعموم النهي عن الجميع. ولما ~~اتفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج للنهي الوارد ~~فيه، كذلك لا يجوز الصوم أيام منى، ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان ~~لقوله: {فعدة من أيام أخر} وكان الحظر المذكور في هذه الأخبار قاضيا على ~~إطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء في غيرها، وجب أن يكون ذلك # PageV01P357 ### | ذكر اختلاف الفقهاء فيمن دخل في صوم المتعة ms0930 ثم وجد الهدي # قال أصحابنا: إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصوم أو بعدما صام قبل أن يحل ~~فعليه الهدي ولا يجزيه غيره وهو قول إبراهيم النخعي. وقال مالك والشافعي: ~~إذا دخل في الصوم ثم وجد الهدي أجزأه الصوم وليس عليه هدي وروي مثله عن ~~الحسن والشعبي. وقال عطاء: "إذا صام يوما ثم أيسر فعليه الهدي، وإن صام ~~ثلاثة أيام ثم أيسر فليس عليه هدي وليصم السبعة". # والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} ففرض الهدي قائم ~~عليه ما لم يحل أو يمضي أيام النحر التي هي مسنونة للحلق، فمتى وجده فعليه ~~أن يهدي وبطل صومه. ومعلوم أن الهدي مشروط للإحلال لأنه لا يجوز أن يحل قبل ~~ذبح الهدي، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} فمتى لم ~~يحل حتى وجد الهدي فعليه الهدي لأن الله تعالى لم يفرق في إيجابه الهدي بين ~~حاله قبل دخوله في الصوم وبعده. ويدل على أن الهدي مشروط للإحلال قوله ~~تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس # PageV01P359 ### | باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج # قال أبو بكر: قد اختلف السلف في جواز الإحرام قبل أشهر الحج، فروى مقسم ~~عن ابن عباس قال: من سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج وأبو الزبير ~~عن جابر قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج وروى مثله عن طاوس وعطاء ~~ومجاهد وعمرو بن ميمون وعكرمة. وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ~~فليجعلها عمرة وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} : إن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولم يفرق بين من كان بين ~~دويرة أهله وبين مكة مسافة بعيدة أو قريبة. فدل ذلك على أنه كان من مذهبه ~~جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وما رواه مقسم عن ابن عباس أن من سنة ~~الحج أن لا تحرم بالحج قبل أشهر الحج ms0931 يدل ظاهره على أنه لم يرد بذلك حتما ~~واجبا. وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر ~~الحج، وهو قول أصحابنا جميعا ومالك والثوري والليث بن سعد. وقال الحسن بن ~~صالح بن حي: إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج جعله عمرة، فإذا أدركته أشهر ~~الحج قبل أن يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه. وقال الأوزاعي: يجعلها عمرة ~~وقال الشافعي: يكون عمرة. # PageV01P363 ### | باب التجارة في الحج # قال الله عقيب ذكر الحج، والتزود له: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم} يعني المخاطبين بأول الآية وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح لهم ~~التجارة فيه وروى أبو يوسف عن العلاء بن السائب عن أبي أمامة قال: قلت لابن ~~عمر: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزي من حجتي؟ قال: ألست تلبي فتقف ~~وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ~~ما سألتني، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} فقال: "أنتم حاج". وقال عمرو بن دينار: قال ابن عباس: كانت ~~ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في # PageV01P374 ### | باب الوقوف بعرفة # قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ~~قال أبو بكر: قد دل ذلك على أن مناسك الحج الوقوف بعرفة، وليس في ظاهره ~~دلالة على أنه من فروضه، فلما قال في سياق الخطاب: {ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس} أبان بذلك عن فرض الوقوف ولزومه وذلك لأن أمره بالإفاضة مقتض ~~للوجوب، ولا تكون الإفاضة فرضا إلا والكون بها فرضا حتى يفيض منها; إذ لا ~~يتوصل إلى الإفاضة إلا بكونه قبلها هناك. # وقد اختلف في تأويل قوله: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} فروي عن عائشة ~~وابن عباس وعطاء والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: أنه أراد الإفاضة من عرفة، ~~قالوا: وذلك; لأن قريشا ومن دان دينها يقال لهم الحمس كانوا يقفون ~~بالمزدلفة ويقف سائر العرب بعرفات، فلما جاء الإسلام أنزل الله تعالى على ~~نبيه: ms0932 {ثم أفيضوا من حيث أفاض # PageV01P375 ### | باب الوقوف بجمع # قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ~~ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة وتسمى جمعا. فمن الناس ~~من يقول: إن هذا الذكر هو صلاة المغرب، والعشاء اللتين يجمع بينهما ~~بالمزدلفة، والذكر الثاني في قوله: {واذكروه كما هداكم} هو الذكر المفعول ~~عند الوقوف بالمزدلفة غداة جمع، فيكون الذكر الأول غير الثاني. والصلاة ~~تسمى ذكرا، قال النبي عليه السلام: "من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها" وتلا عند ذلك قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 214] فسمى ~~الصلاة ذكرا، فعلى هذا قد اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن # PageV01P378 ### | باب أيام منى والنفر فيها # قال الله عز وجل: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه} . قال أبو بكر: روى سفيان وشعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن ~~بن يعمر الديلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام منى ثلاثة ~~أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". ~~واتفق أهل العلم على أن قوله بيان لمراد الآية في قوله: {أيام معدودات} ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق; وقد روي ذلك عن علي وعمر ~~وابن عباس وابن عمر وغيرهم، إلا شيء رواه ابن أبي ليلى عن المنهال عن زر عن ~~علي قال: المعدودات: يوم النحر ويومان بعده واذبح في أيها شئت. وقد قيل: إن ~~هذا وهم، والصحيح عن علي أنه قال ذلك في المعلومات. وظاهر الآية ينفي ذلك ~~أيضا; لأنه قال: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} وذلك لا يتعلق بالنحر ~~وإنما يتعلق برمي الجمار المفعول في أيام التشريق. وأما المعلومات فقد روي ~~عن علي وابن عمر: أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده، واذبح في أيها شئت ~~قال ابن عمر: المعدودات أيام التشريق، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: ~~المعلومات: العشر، والمعدودات أيام التشريق. وقد روى ابن أبي ms0933 ليلى عن الحكم ~~عن مقسم عن ابن عباس: المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، ~~والمعدودات يوم النحر وثلاثة أيام بعده التشريق وروى عبد الله بن موسى: ~~أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس قال: المعدوات أيام العشر، ~~والمعلومات أيام النحر فقوله: المعدودات إنها أيام العشر، لا شك في أنه خطأ ~~ولم يقل به أحد، وهو خلاف الكتاب، قال الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه} وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث. وقد روي عن ابن عباس ~~بإسناد صحيح أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول الجمهور ~~من التابعين، منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم. وقد ~~روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن المعلومات العشر، والمعدودات # PageV01P382 ### | باب من يبدأ به في النفقة عليه # قال الله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين} الآية. فالسؤال واقع عن مقدار ما ينفق، والجواب صدر عن القليل، ~~والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة، فقال تعالى: {قل ما أنفقتم من خير} ~~فذاك يتناول القليل، والكثير لشمول اسم الخير لجميع الإنفاق الذي يطلب به ~~وجه الله، وبين فيمن تصرف إليه بقوله: {فللوالدين والأقربين} ومن ذكر في ~~الآية، وأن هؤلاء أولى من غيرهم ممن ليس هو في منزلتهم بالقرب والفقر وقد ~~بين في آية أخرى ما يجب عليه فيه النفقة، وهو قوله: {ويسألونك ماذا ينفقون ~~قل العفو} فروي عن ابن عباس قال: ما يفضل عن أهلك، وقال قتادة: "العفو ~~الفضل". فأخبر في هذه الآية أن النفقة فيما يفضل عن نفسه وأهله وعياله; ~~وعلى هذا المعنى قال عليه السلام: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وفي خبر ~~آخر: "خير الصدقة ما أبقت غنى، وابدأ بمن تعول"، فهذا موافق لقوله: ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] . وقد روي عن النبي عليه ~~السلام أخبار في التبدئة بالأقرب في النفقة، فمنها حديث ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير ms0934 من اليد السفلى وابدأ بمن تعول; أمك ~~وأبوك وأختك وأخوك وأدناك فأدناك"; وروى مثله ثعلبة بن زهدم وطارق عن النبي ~~عليه السلام وقد دل ذلك على معنى الآية في قوله: {قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين} وإنما المراد بها تقديم الأقرب فالأقرب في الإنفاق. ~~وروي عن الحسن البصري أن الآية في الزكاة والتطوع جميعا، وأنها ثابتة الحكم ~~غير منسوخة عليه. وقال السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة. قال أبو بكر: هي ~~ثابتة الحكم عامة في الفرض والتطوع، أما الفرض فلم يرد به الوالدين # PageV01P387 ### | باب تحريم الخمر # قال الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم يرد ~~غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله: {قل فيهما إثم كبير} ، ~~والإثم كله محرم بقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والأثم} فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى ~~وصفه بأنه كبير، تأكيدا لحظرها. # وقوله: {ومنافع للناس} لا دلالة فيه على إباحتها; لأن المراد منافع ~~الدنيا; وإن في سائر المحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك ~~المنافع لا تفي بضررها من # PageV01P390 ### | باب تحريم الميسر # قال الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} قال أبو ~~بكر: دلالته على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه. ويقال: إن اسم ~~الميسر في أصل اللغة إنما هو للتجزئة، وكل ما جزأته فقد يسرته; يقال ~~للجازر: الياسر; لأنه يجزئ الجزور، والميسر الجزور نفسه إذا تجزى. وكانوا ~~ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم في ذلك، ~~فكل من خرج له قدح نظروا إلى ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء ~~القداح; فسمي على هذا سائر ضروب القمار ميسرا. وقال ابن عباس وقتادة ~~ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ومجاهد: الميسر القمار، وقال عطاء وطاوس ~~ومجاهد: حتى لعب الصبيان بالكعاب، والجوز. وروي عن علي بن ms0935 زيد عن القاسم عن ~~أبي أمامة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا هذه ~~الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر" وروى سعيد بن أبي هند ~~عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله". وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل: إن أكلت ~~كذا وكذا بيضة فلك كذا وكذا، فارتفعا إلى علي فقال: هذا قمار; ولم يجزه. # ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار; قال ابن ~~عباس: إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال، ~~والزوجة، وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه. وقد خاطر أبو بكر الصديق ~~المشركين حين نزلت: # PageV01P398 ### | باب التصرف في مال اليتيم # قال الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم} . قال أبو بكر: اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من ~~الأم مع بقاء الأب، وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم; إلا أن الأظهر ~~عند الإطلاق هو اليتيم من الأب، وإن كانت الأم باقية، ولا يكاد يوجد ~~الإطلاق في اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا. وكذلك سائر ما ذكر الله من ~~أحكام الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار، ولا يطلق ذلك ~~عليهم بعد البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتم. والدليل على أن ~~اليتيم اسم للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت ~~كبيرة، أو صغيرة; قال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها; قال الشاعر يصف ناقته: # قوداء يملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب # يعني الرابية. ويقال: درة يتيمة; لأنها مفردة لا نظير لها. وكتاب لابن ~~المقفع في # PageV01P399 ### | باب نكاح المشركات # قال الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ms0936 ~~عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن} قال: ثم استثنى أهل الكتاب فقال: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا ~~متخذي أخدان} [المائدة: 5] ، قال: عفائف غير زوان. فأخبر ابن عباس أن قوله: ~~{ولا تنكحوا # PageV01P402 ### | باب الحيض # قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} ~~والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه، ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقيل ~~والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة. ولكن في فحوى اللفظ ما يدل على ~~أن المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض، لأن الجواب ورد بقوله: {هو أذى} ~~وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. وكانت مسألة القوم عن حكمه وما ~~يجب عليهم فيه، وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا ~~يجتنبون مؤاكلة # PageV01P407 ### | باب بيان معنى الحيض ومقداره # قال أبو بكر: الحيض اسم لمقدار من الدم يتعلق به أحكام، منها: تحريم ~~الصلاة والصوم وحظر الجماع وانقضاء العدة واجتناب دخول المسجد ومس المصحف ~~وقراءة القرآن، وتصير المرأة به بالغة. فإذا تعلق بوجود الدم هذه الأحكام ~~كان له مقدار ما سمي حيضا، وإذا لم يتعلق به هذه الأحكام لم يسم حيضا، ألا ~~ترى أن الحائض ترى الدم في أيامها وبعد أيامها على هيئة واحدة فيكون ما في ~~أيامها منه حيضا لتعلق هذه الأحكام به مع وجوده، وما بعد أيامها فليس بحيض ~~لفقد هذه الأحكام مع وجوده؟ وكذلك نقول في الحامل: إنها لا تحيض، وهي قد ~~ترى الدم، ولكن ذلك الدم لما لم يتعلق به ما ذكرنا من الأحكام لم يسم حيضا، ~~فالمستحاضة قد ترى الدم السائل دهرا، ولا يكون حيضا، وإن كان كهيئة الدم ~~الذي يكون مثله حيضا إذا رأته في أيامها فالحيض اسم لدم يفيد في الشرع تعلق ~~هذه الأحكام به إذا كان له مقدار ما; والنفاس والحيض فيما يتعلق بهما من ~~تحريم الصلاة والصوم وجماع ms0937 الزوج واجتناب ما يجتنبه الحائض سواء، وإنما ~~يختلفان من وجهين: أحدهما: أن مقدار مدة الحيض ليس هو مقدار مدة النفاس، ~~والثاني: أن النفاس لا تأثير له في انقضاء العدة ولا في البلوغ. وكان أبو ~~الحسن يحد الحيض بأنه الدم الخارج من الرحم الذي تكون به المرأة بالغة في ~~ابتدائه بها، وما تعتاده النساء في الوقت بعد الوقت. وإنما أراد بذلك عندنا ~~أن تكون بالغة في ابتدائه بها إذا لم يكن قد تقدم بلوغها قبل ذلك من جهة ~~السن أو الاحتلام أو الإنزال عند الجماع، فأما إذا تقدم بلوغها قبل ذلك بما ~~وصفنا ثم رأت دما، فهو حيض إذا رأته مقدار مدة الحيض وإن لم تصر بالغة في ~~ابتدائه بها. # وقد اختلف الفقهاء في مقدار مدة الحيض، فقال أصحابنا: أقل مدة الحيض ~~ثلاثة أيام وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري، وهو المشهور عن أصحابنا ~~جميعا. وقد روي عن أبي يوسف ومحمد: إذا كان يومين وأكثر اليوم الثالث فهو ~~حيض والمشهور عن محمد مثل قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا وقت لقليل الحيض، ~~ولا لكثيره. وحكى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك أنه كان يرى أن أكثر الحيض ~~خمسة عشر يوما; حدثنا عبد الله بن جعفر بن فارس قال: حدثنا هارون بن سليمان ~~الجزار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بذلك. وقال الشافعي: أقل الحيض يوم ~~وليلة وأكثره خمسة عشر يوما. وروى عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن ~~علي بن ثابت، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير قال: الحيض إلى ثلاثة عشر، ~~فإذا زادت فهي استحاضة. وقال عطاء: إذا زادت على خمسة عشر فهي استحاضة. وقد ~~كان # PageV01P410 ### | ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعي: ~~أقل الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء. وأما مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه ~~شيئا في إحدى الروايات، وفي رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون ~~أقل ms0938 من خمسة عشر. وقال الأوزاعي: قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر، ويرجع فيه ~~إلى مقدار طهر المرأة قبل ذلك. وقد حكي عن الشافعي أنه علم أن طهر المرأة ~~أقل من خمسة عشر جعل القول قولها. وذكر الطحاوي عن أبي عمران عن يحيى بن ~~أكثم أنه قال: أقل الطهر تسعة عشر يوما واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل ~~كل حيضة وطهر شهرا، والحيض في العادة أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض ~~خمسة عشر، فوجب أن يكون عشرة وأن يكون باقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر; لأن ~~الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما. وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ~~ثلاثة عشر يوما. والدليل على أن أقله خمسة عشر يوما أنه لما كان أكثر الحيض ~~عشرة أيام، وقد جعل الله تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر، وجب أن يكون ~~الطهر أكثر منه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة: "تحيضي في علم ~~الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر" فأثبت الست أو السبع حيضا ~~وجعل في الشهر طهرا، اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم جميع # PageV01P417 ### | ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض # قال أصحابنا جميعا فيمن ترى يوما دما ويوما طهرا: إن ذلك كدم متصل وكذلك ~~قال أبو يوسف: إذا كان الطهر بين الدمين أقل من خمسة عشر فهو كدم متصل. ~~وقال محمد: إذا كان الطهر الذي بين الدمين أقل من ثلاثة أيام فهو كدم متصل، ~~وإذا كان ثلاثة أيام أو أكثر من العشرة فإنه ينظر إلى الدمين والطهر الذي ~~بينهما، فإن كان الطهر أكثر منهما فصل بين الدمين، وإن كانا سواء أو أقل ~~فهو كدم متصل، ومتى كان الطهر أكثر من الدمين ففصل بينهما اعتبر كل واحد من ~~الدمين بنفسه، فإن كان الأول منهما ثلاثة أيام فإنه يكون حيضا، وكذلك إن لم ~~يكن الأول ثلاثا وكان الآخر منهما ثلاثا # PageV01P418 ### | باب الإيلاء # قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص ms0939 أربعة أشهر} قال أبو بكر: ~~الإيلاء في اللغة هو الحلف يقولون: آلى يؤلي إيلاء وألية; قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت # فهذا أصله في اللغة. وقد اختص في الشرع بالحلف على ترك الجماع الذي يكسب ~~الطلاق بمضي المدة، حتى إذا قيل آلى فلان من امرأته عقل به ذلك. # وقد اختلف فيما يكون به موليا على وجوه: أحدها: ما روي عن علي وابن عباس ~~رواية الحسن وعطاء: أنه إذا حلف أن لا يقربها لأجل الرضاع لم يكن موليا، ~~وإنما # PageV01P430 ### | باب الأقراء # قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} اختلف السلف في ~~المراد بالقرء المذكور في هذه الآية، فقال علي وعمر وعبد الله بن مسعود ~~وابن عباس وأبو موسى: هو الحيض وقالوا: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة. وروى وكيع عن عيسى الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن ~~عباس، قالوا: الرجل أحق بامرأته ما لم # PageV01P440 ### | باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج # قال الله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} قال ~~أبو بكر رحمه الله: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين ~~على صاحبه حقا، وأن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله بقوله ~~تعالى: {وللرجال عليهن درجة} ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على ~~صاحبه من الحق مفسرا، وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فمما بينه الله تعالى من حق المرأة عليه قوله تعالى: {وعاشروهن ~~بالمعروف} [النساء: 19] وقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقال ~~تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} وقال تعالى: {الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} ~~[النساء: 34] وكانت هذه النفقة من حقوقها عليه. وقال تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] فجعل من حقها ms0940 عليه أن يوفيها صداقها، وقال ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا} [النساء: 20] فجعل من حقها عليه أن لا يأخذ مما أعطاها شيئا إذا ~~أراد فراقها وكان النشوز من قبله; لأن ذكر الاستبدال يدل على ذلك. وقال ~~تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة} [النساء: 129] فجعل من حقها عليه ترك إظهار الميل إلى ~~غيرها; وقد دل ذلك على أن من حقها القسم بينها وبين سائر نسائه; لأن فيه ~~ترك إظهار الميل إلى غيرها، ويدل عليه أن عليه وطأها بقوله تعالى: {فتذروها ~~كالمعلقة} [النساء: 129] يعني: لا فارغة فتتزوج ولا ذات زوج; إذ لم يوفها ~~حقها من الوطء، ومن حقها أن لا يمسكها ضرارا على ما تقدم من بيانه. وقوله ~~تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} إذا كان ~~خطابا للزوج فهو يدل على أن من حقها إذا لم يمل إليها أن لا يعضلها عن غيره ~~بترك طلاقها. فهذه كلها من حقوق المرأة على الزوج، وقد انتظمت هذه الآيات ~~إثباتها لها. # ومما بين الله من حق الزوج على المرأة قوله تعالى: {فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله} [النساء: 34] فقيل فيه: "حفظ مائه في رحمها ولا ~~تحتال في إسقاطه" ويحتمل: حفظ فراشها عليه، ويحتمل: حافظات لما في بيوتهن ~~من مال # PageV01P453 ### | باب عدد الطلاق # قال الله عز وجل: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} قال أبو ~~بكر: قد ذكرت في معناه وجوه: أحدها أنه بيان للطلاق الذي تثبت معه الرجعة، ~~يروى ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة. والثاني: أنه بيان لطلاق السنة المندوب ~~إليه، ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنه أمر بأنه إذا أراد أن ~~يطلقها ثلاثا فعليه تفريق الطلاق، فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر ~~بعدهما الثالثة. قال أبو بكر: فأما قول من قال: إنه بيان لما يبقى معه ~~الرجعة من الطلاق; فإنه وإن ذكر معه الرجعة عقيبه فإن ظاهره يدل ms0941 على أنه ~~قصد به بيان المباح منه وأما ما عداه فمحظور، وبين مع ذلك حكمه إذا أوقعه ~~على الوجه المأمور به بذكر الرجعة عقيبه. والدليل على أن المقصد فيه الأمر ~~بتفريق الطلاق وبيان حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة، أنه ~~قال: {الطلاق مرتان} وذلك يقتضي التفريق لا محالة; لأنه لو طلق اثنتين معا ~~لما جاز أن يقال طلقها مرتين، كذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن ~~يقال أعطاه مرتين; حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه. وإذا كان هذا هكذا، ~~فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة، لأدى ~~ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرتين; إذ كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة ~~إذا طلق اثنتين، فثبت بذلك أن ذكره للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهي ~~عن الجمع بينهما في مرة واحدة. ومن جهة أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا ~~للأمرين لكان الواجب حمله على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين، وهو الأمر ~~بتفريق الطلاق متى أراد أن يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك، ~~فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين. وقوله تعالى: {الطلاق مرتان} وإن كان ظاهره ~~الخبر فإن معناه الأمر، كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} {والوالدات يرضعن أولادهن} وما جرى هذا المجرى مما هو في صيغة الخبر # PageV01P458 ### | باب ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال # قال أبو بكر رحمه الله: اتفق السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار على أن ~~الزوجين المملوكين خارجان من قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق، فقال علي وعبد الله: ~~الطلاق بالنساء يعني أن المرأة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث حرا كان زوجها أو ~~عبدا، وأنها إن كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا; وهو قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح. وقال عثمان وزيد ~~بن ثابت وابن عباس: الطلاق بالرجال يعنون أن الزوج إن كان عبدا فطلاقه ~~اثنتان سواء كانت ms0942 الزوجة حرة أو أمة، وإن كان حرا فطلاقه ثلاث حرة كانت ~~الزوجة أو أمة; وهو قول مالك والشافعي. وقال ابن عمر: أيهما رق نقص الطلاق ~~برقه وهو قول عثمان البتي. وقد روى هشيم عن منصور بن زاذان عن عطاء عن ابن ~~عباس قال: الأمر إلى المولى في الطلاق أذن له العبد أو لم يأذن ويتلو هذه ~~الآية {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] روى هشام ~~عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس، أن غلاما كان لابن عباس طلق ~~امرأته تطليقتين، فقال له ابن عباس: ارجعها لا أم لك فإنه ليس لك من الأمر ~~شيء. فأبى، فقال: هي لك فاتخذها. فهذا يدل على أنه رأى طلاقه واقعا لولاه ~~لم يقل له ارجعها وقوله: هي لك يدل على أنها كانت أمة. وجائز أن يكون ~~الغلام حرا; # PageV01P466 ### | ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا # قال أبو بكر: قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ~~الآية، يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها، وذلك; لأن قوله: ~~{الطلاق مرتان} قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنتين بأن يقول أنت طالق أنت ~~طالق في طهر واحد; وقد # PageV01P467 ### | باب الخلع # قال الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله} فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما ~~أعطاها إلا على الشريطة المذكورة، وعقل بذلك أنه غير جائز له أخذ ما لم ~~يعطها وإن كان المذكور هو ما أعطاها، كما أن قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} ~~[الإسراء: 23] قد دل على حظر ما فوقه من ضرب أو شتم. وقوله تعالى: {إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله} قال طاوس: يعني فيما افترض على كل واحد منهما ~~في العشرة والصحبة. وقال القاسم بن محمد مثل ذلك. وقال الحسن: هو أن تقول ~~المرأة: والله لا أغتسل لك من جنابة. وقال أهل اللغة: إلا أن يخافا معناه: ~~إلا أن يظنا. وقال ms0943 أبو محجن الثقفي، أنشده الفراء رحمه الله تعالى: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالعراء فإنني أخاف ... إذا ما مت أن لا أذوقها # وقال آخر: # أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي # يعني: ما ظننت. # وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين: إما أن يكون أحدهما سيئ # PageV01P473 ### | ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع # روي عن علي: أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول سعيد بن ~~المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير. وروي عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ~~ومجاهد وإبراهيم والحسن رواية أخرى: أنه جائز له أن يخلعها على أكثر مما ~~أعطاها ولو بعقاصها. وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا كان النشوز ~~من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد، وإن كان النشوز من قبله ~~لم يحل له أن يأخذ منها شيئا، فإن فعل جاز في القضاء. وقال ابن شبرمة: تجوز ~~المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه، وإن كانت على إضرار منه لم تجز. وقال ~~ابن وهب عن مالك: إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق عليها وأنه ظالم لها قضى ~~عليها الطلاق ورد عليها مالها. وذكر ابن القاسم عن مالك أنه جائز للرجل أن ~~يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له، وإن كان النشوز من قبل الزوج ~~حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك، ولم يكن في ذلك ضرر منه ~~لها وعن الليث نحو ذلك. وقال الثوري: إذا كان الخلع من قبلها فلا بأس أن ~~يأخذ منها شيئا، وإذا كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا. وقال ~~الأوزاعي في رجل خالع امرأته وهي مريضة: إن كانت ناشزة كان في ثلثها، وإن ~~لم تكن ناشزة رد عليها وكانت له عليها الرجعة، وإن خالعها قبل أن يدخل بها ~~على جميع ما أصدقها ولم يتبين منها ms0944 نشوز أنهما إذا اجتمعا على فسخ النكاح ~~قبل أن يدخل بها، فلا أرى بذلك بأسا. وقال الحسن بن حي: إذا كانت الإساءة ~~من قبله فليس له أن يخلعها بقليل ولا كثير، وإذا كانت الإساءة من قبلها ~~والتعطيل لحقه كان له أن يخالعها على ما تراضيا عليه وكذلك قول عثمان ~~البتي. وقال الشافعي: إذا كانت المرأة مانعة ما يجب عليها لزوجها حلت ~~الفدية للزوج، وإذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا على غير فراق حل له أن ~~يأكل ما طابت به نفسا وتأخذ الفراق به. # PageV01P475 ### | باب المضارة في الرجعة # قال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف} . قال أبو بكر: المراد بقوله: {فبلغن أجلهن} مقاربة البلوغ ~~والإشراف عليه لا حقيقته; لأن الأجل المذكور هو العدة، وبلوغه هو انقضاؤها، ~~ولا رجعة بعد انقضاء العدة. وقد عبر عن العدة بالأجل في مواضع، منها قوله ~~تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ومعناه معنى ~~ما ذكر في هذه الآية; وقال تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] وقال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} وقال: {ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} فكان المراد بالآجال المذكورة في ~~هذه الآي هي العدد; ولما ذكره الله تعالى في قوله: {فإذا بلغن أجلهن} ~~والمراد مقاربته دون انقضائه; ونظائره كثيرة في القرآن واللغة، قال الله ~~تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ومعناه: إذا أردتم ~~الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة; وقال تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله} [النحل: 98] معناه: إذا أردت قراءته; وقال: {وإذا قلتم ~~فاعدلوا} [الأنعام: 152] وليس المراد العدل بعد القول، ولكن قبله، يعزم على ~~أن لا يقول إلا عدلا. فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل وأراد به مقاربته دون وجود ~~نهايته; وإنما ذكر مقاربة البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف وإن كان عليه ~~ذلك في سائر أحوال بقاء النكاح; لأنه قرن إليه التسريح وهو انقضاء العدة، ~~وجمعهما في الأمر والتسريح إنما له حال واحد ليس ms0945 يدوم، فخص حال بلوغ الأجل ~~بذلك لينتظم المعروف الأمرين جميعا. # PageV01P481 ### | باب النكاح بغير ولي # قال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن} الآية. قوله تعالى: {فبلغن أجلهن} المراد حقيقة البلوغ بانقضاء ~~العدة. والعضل يعتوره معنيان: أحدهما: المنع، والآخر الضيق; يقال: "عضل ~~الفضاء بالجيش" إذا ضاق بهم، والأمر المعضل هو الممتنع، وداء عضال: ممتنع. ~~وفي التضييق يقال: "عضلت عليهم الأمر" إذا ضيقت، و "عضلت المرأة بولدها" ~~إذا عسر ولادها، وأعضلت; والمعنيان متقاربان; لأن الأمر الممتنع يضيق فعله ~~وزواله والضيق ممتنع أيضا. وروي أن الشعبي سئل عن مسألة صعبة فقال: "زباء ~~ذات وبر لا تنساب ولا تنقاد، ولو نزلت بأصحاب محمد لأعضلت بهم". وقوله ~~تعالى: {فلا تعضلوهن} معناه: لا تمنعوهن أو لا تضيقوا عليهن في التزويج. # وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير ولي ~~ولا # PageV01P483 ### | ذكر الاختلاف في ذلك # اختلف الفقهاء في عقد المرأة على نفسها بغير ولي، فقال أبو حنيفة: "لها ~~أن تزوج نفسها كفوا وتستوفي المهر ولا اعتراض للولي عليها" وهو قول زفر ~~"وإن زوجت نفسها غير كفو فالنكاح جائز أيضا وللأولياء أن يفرقوا بينهما". ~~وروي عن عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن ~~الزبير وعبد الرحمن غائب; فهذا يدل على أن من مذهبهما جواز النكاح بغير ~~ولي، وهو قول محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. وقال أبو يوسف: "لا ~~يجوز النكاح بغير ولي، فإن سلم الولي جاز، وإن أبى أن يسلم والزوج كفو ~~أجازه القاضي" وإنما يتم النكاح عنده حين يجيزه القاضي; وهو قول محمد. وقد ~~روي عن أبي يوسف غير ذلك، والمشهور عنه ما ذكرناه. وقال الأوزاعي: "إذا ولت ~~أمرها رجلا فزوجها كفوا فالنكاح جائز، وليس للولي أن يفرق بينهما". وقال ~~ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح والشافعي: "لا نكاح إلا بولي". وقال ~~ابن شبرمة: "لا يجوز النكاح إلا بولي، وليس الوالدة بولي ولا أن تجعل ~~المرأة وليها رجلا ms0946 إلا قاض من قضاة المسلمين". وقال ابن القاسم عن مالك: ~~"إذا كانت امرأة معتقة أو مسكينة أو دنية لا خطر لها، فلا بأس أن تستخلف ~~رجلا ويزوجها، ويجوز". وقال مالك: "وكل امرأة لها مال وغنى وقدر فإن تلك لا ~~ينبغي أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان" قال: وأجاز مالك للرجل أن يزوج ~~المرأة وهو من فخذها وإن كان غيره أقرب منه إليها. وقال الليث في المرأة ~~تزوج بغير ولي: "إن غيره أحسن منه يرفع أمرها إلى السلطان، فإن كان كفؤا ~~أجازه ولم يفسخه" وذلك في الثيب، وقال في السوداء تزوج بغير ولي: "إنه ~~جائز"، قال: "والبكر إذا زوجها غير ولي والولي قريب حاضر فهذا الذي أمره ~~إلى الولي يفسخه له السلطان إن رأى لذلك وجها، والولي من قبل هذا أولى من ~~الذي أنكحها". # قال أبو بكر: وجميع ما قدمنا من دلائل الآي الموجبة لجواز عقدها تقضي ~~بصحة قول أبي حنيفة في هذه المسألة; ومن جهة السنة حديث ابن عباس، حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: حدثنا معمر، عن صالح بن كيسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ~~ابن عباس، أن رسول الله # PageV01P485 ### | باب الرضاع # قال الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} الآية. قال أبو ~~بكر: ظاهره الخبر، ولكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر; لأنه ~~لو كان خبرا لوجد مخبره، فلما كان في الوالدات من لا يرضع علم أنه لم يرد ~~به الخبر. ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر. وإذا لم يكن المراد حقيقة ~~اللفظ الذي هو الخبر، لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم ~~وأمرها به; إذ قد يرد الأمر في صيغة الخبر، كقوله: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} ، وأن يريد به إثبات حق الرضاع للأم وإن أبى الأب، أو ~~تقدير ما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما قال في آية أخرى: {فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن ms0947 أجورهن} [الطلاق: 6] وقال تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} دل ~~ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت، وأنها مخيرة في أن ترضع ~~أو لا ترضع; فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو أن الأب إذا أبى استرضاع ~~الأم أجبر عليه، وأن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع للحولين، فإن أبى أن ~~ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه. ثم لا يخلو بعد ذلك قوله تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} من أن يكون عموما في سائر الأمهات مطلقات كن أو ~~غير مطلقات، أو أن يكون معطوفا على ما تقدم ذكره من المطلقات مقصور الحكم ~~عليهن، فإن كان المراد سائر الأمهات المطلقات منهن والمزوجات فإن النفقة ~~الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية وكسوتها لا للرضاع; لأنها لا تستحق ~~نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية، فتجتمع لها نفقتان إحداهما للزوجية والأخرى ~~للرضاع; وإن كانت مطلقة فنفقة الرضاع أيضا مستحقة بظاهر الآية; لأنه أوجبها ~~بالرضاع، وليست في هذه الحال زوجة ولا معتدة منه; لأنه يكون معطوفا على ~~قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ~~فتكون منقضية العدة بوضع الحمل، وتكون النفقة المستحقة أجرة الرضاع; وجائز ~~أن يكون طلقها بعد الولادة، فتكون عليها العدة بالحيض. # وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا في وجوب نفقة الرضاع ونفقة العدة معا، ففي ~~إحدى الروايتين أنها تستحقهما معا، وفي الأخرى أنها لا تستحق للرضاع شيئا ~~مع نفقة العدة. # فقد حوت الآية الدلالة على معنيين: أحدهما: أن الأم أحق برضاع ولدها في # PageV01P488 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع # قال أبو بكر: قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير، فروي عن عائشة ~~أنها كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير، وكانت تروي في ذلك ~~حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت سهيل ~~وهي امرأة أبي حذيفة: "أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك" وكانت عائشة إذا ~~أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه خمس ms0948 رضعات ثم يدخل ~~عليها بعد ذلك; وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقلن: لعل هذه ~~كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. وقد روي أن سهلة بنت سهيل ~~قالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة". فيحتمل أن يكون ~~ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما خص أبا ~~زياد بن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن أحد بعده. وقد روت ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن رضاع الكبير لا يحرم، وهو ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: ~~أخبرنا سفيان عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فقالت: يا رسول الله إنه أخي من ~~الرضاعة، فقال صلى الله عليه وسلم: "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من ~~المجاعة". فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغر وهي الحال ~~التي يسد اللبن فيها جوعته ويكتفي في غذائه به. وقد روي عن أبي موسى أنه ~~كان يرى رضاع الكبير; وروي عنه ما يدل على رجوعه، وهو ما روى أبو حصين عن ~~أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة، فوضعت فتورم ثديها، فجعل يمجه ~~ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: "بانت منك" فأتى ابن ~~مسعود فأخبره ففصل، فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري فقال: # PageV01P496 ### | ذكر عدة المتوفى عنها زوجها # قال الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا} والتربص بالشيء الانتظار به، قال الله تعالى: {فتربصوا به حتى ~~حين} [المؤمنون: 25] وقال تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ~~ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] يعني ينتظر، وقال تعالى: {أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون} ms0949 [الطور: 30] فأمرهن الله تعالى بأن يتربصن بأنفسهن ~~هذه المدة عن الأزواج. ألا ترى أنه عقبه بقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فلا ~~جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن} ؟ وقد كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة، ~~بقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج} [البقرة: 240] فتضمنت هذه الآية أحكاما: منها توقيت العدة ~~سنة، ومنها: أن نفقتها وسكناها كانت في تركة زوجها ما دامت معتدة بقوله ~~تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول} . ومنها: أنها كانت ممنوعة من ~~الخروج في هذه السنة فنسخ منها من المدة ما زاد على أربعة أشهر وعشرا، ونسخ ~~أيضا وجوب نفقتها وسكناها في التركة بالميراث لقوله تعالى: {أربعة أشهر ~~وعشرا} من غير إيجاب نفقة ولا سكنى، ولم يثبت نسخ الإخراج، فالمنع من ~~الخروج في العدة الثانية قائم; إذ لم يثبت نسخه. وقد حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في هذه ~~الآية يعني قوله تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} ~~[البقرة: 240] قال: كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها سنة، فنسختها ~~آية المواريث، فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج قال: وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث إلا أن يرضى # PageV01P501 ### | ذكر الاختلاف في خروج المعتدة من بيتها # قال أصحابنا: لا تنتقل المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي ~~كانت تسكنه، وتخرج المتوفى عنها زوجها بالنهار ولا تبيت في غير منزلها، ولا ~~تخرج المطلقة ليلا ولا نهارا إلا من عذر; وهو قول الحسن. وقال مالك: "لا ~~تنتقل المطلقة المبتوتة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها، ولا يخرجن بالنهار، ~~ولا يبتن عن بيوتهن". وقال الشافعي: "ولم يكن الإحداد في سكنى البيوت فتسكن ~~المتوفى عنها زوجها أي بيت كانت فيه جيدا أو رديا، وإنما الإحداد في ~~الزينة". # قال أبو بكر: أما المطلقة فلقوله تعالى: {لا تخرجوهن ms0950 من بيوتهن ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] فحظر خروجها وإخراجها في العدة إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة، وذلك ضرب من العذر، فأباح خروجها لعذر. وقد اختلف ~~في الفاحشة المذكورة في هذه الآية، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله. وأما ~~المتوفى عنها زوجها فإن الله تعالى قال في العدة الأولى: {متاعا إلى الحول ~~غير إخراج} ثم نسخ منها ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر، فبقي حكم هذه ~~العدة الثانية على ما كان عليه من ترك الخروج; إذ لم يرد لها نسخ وإنما ~~النسخ فيما زاد. # وقد وردت السنة بمثل ما دل عليه الكتاب، حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك عن سعد بن إسحاق ~~بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان ~~وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها قتله عبد له، فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P506 ### | ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها # روي عن جماعة من الصحابة أن عليها اجتناب الزينة والطيب، منهم عائشة وأم ~~سلمة وابن عمر وغيرهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وحكاه ~~عن فقهاء المدينة; وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه. ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حميد بن ~~نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث قالت زينب: دخلت على ~~أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، ~~فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، ~~غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر ms0951 أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا" قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست ~~منه ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: وهو على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب: ~~وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول لا ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت ~~إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" قال حميد: فقلت لزينب: وما ~~ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها ~~دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى ~~بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج ~~فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. فحظر عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الاكتحال في العدة، وأخبر بالعدة التي كانت ~~تعتد إحداهن وما تجتنبه من الزينة والطيب، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر ~~وعشر" فدل بذلك على أن هذه العدة معتد بها العدة التي كانت سنة في اجتناب ~~الطيب والزينة. # PageV01P508 ### | باب التعريض بالخطبة في العدة # قال الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في # PageV01P510 ### | باب متعة المطلقة # قال الله عز وجل: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن} تقديره: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة; ألا ترى ~~أنه عطف عليه قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من ms0952 قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم} فلو كان الأول بمعنى: ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة أو لم تفرضوا; لما عطف عليها المفروض لها، فدل ذلك على أن معناه: "ما ~~لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة" وقد تكون "أو" بمعنى "الواو" قال الله ~~تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] معناه: "ولا كفورا". ~~وقال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[النساء: 43] والمعنى: "وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى ومسافرون". ~~وقال تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147] معناه: ~~"ويزيدون" فهذا موجود في اللغة وهي في النفي أظهر في دخولها عليه أنها ~~بمعنى الواو منه ما قدمنا من قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} ~~[الإنسان: 24] معناه: "ولا كفورا" لدخولها على النفي. وقال تعالى: {حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: ~~146] "أو" في هذه المواضع بمعنى الواو، فوجب على هذا أن يكون قوله تعالى: ~~{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} لما ~~دخلت على النفي أن تكون بمعنى الواو، فيكون شرط وجوب المتعة المعنيين جميعا ~~من عدم المسيس والتسمية جميعا بعد الطلاق. وهذه الآية تدل على أن للرجل أن ~~يطلق امرأته قبل الدخول بها في الحيض، وأنها ليست كالمدخول بها، لإطلاقه ~~إباحة الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب المتعة، فروي عن علي أنه قال: ~~"لكل مطلقة متعة"، وعن الزهري مثله. وقال ابن عمر: "لكل مطلقة متعة إلا ~~التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها"، وروي عن ~~القاسم بن محمد مثله. وقال شريح وإبراهيم والحسن: "تخير التي تطلق قبل ~~الدخول ولم يفرض على المتعة". وقال شريح وقد سألوه في متاع فقال: "لا نأبى ~~أن نكون من المتقين" فقال: إني محتاج، فقال: "لا نأبى أن نكون من ~~المحسنين". ms0953 وقد روي عن الحسن وأبي العالية: "لكل مطلقة متاع". وسئل سعيد بن ~~جبير عن المتعة على الناس كلهم؟ فقال: "لا، على المتقين". وروى ابن أبي ~~الزناد عن أبيه في كتاب البيعة: "وكانوا لا يرون # PageV01P518 ### | ذكر تقدير المتعة الواجبة # قال الله تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف} وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه ~~الاجتهاد وغالب الظن، ويختلف ذلك في الأزمان أيضا; لأن الله تعالى شرط في ~~مقدارها شيئين: أحدهما: اعتبارها بيسار الرجل وإعساره، والثاني: أن يكون ~~بالمعروف مع ذلك; فوجب اعتبار المعنيين في ذلك. فإذا كان كذلك وكان المعروف ~~منهما موقوفا على عادات الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير، وجب بذلك ~~مراعاة العادات في الأزمان وذلك أصل في جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث; إذ ~~كان ذلك حكما مؤديا إلى اجتهاد رأينا. وقد ذكرنا أن شيخنا أبا الحسن رحمه ~~الله يقول: "يجب مع ذلك اعتبار حال المرأة أيضا" وذكر ذلك أيضا علي بن موسى ~~القمي في كتابه، واحتج بأن الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة بشيئين: ~~حال الرجل بيساره وإعساره، وأن يكون مع ذلك بالمعروف. قال: فلو اعتبرنا حال ~~الرجل وحده عاريا من اعتبار حال المرأة، لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين ~~إحداهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن ~~تكونا متساويتين في المتعة، فتجب لهذه الدنية كما تجب لهذه الشريفة; وهذا ~~منكر في عادات الناس وأخلاقهم غير معروف. قال: ويفسد من وجه آخر قول من ~~اعتبر حال الرجل وحده دونها، وهو أنه لو كان رجلا موسرا عظيم الشأن فتزوج ~~امرأة دنية مهر مثلها دينار، أنه لو دخل بها وجب لها مهر مثلها; إذ لم يسم ~~لها شيئا دينار واحد، ولو طلقها قبل الدخول لزمته المتعة على قدر حاله، وقد ~~يكون ذلك أضعاف مهر مثلها، فتستحق قبل الدخول بعد الطلاق أكثر مما تستحقه ~~بعد الدخول. وهذا خلف من القول; لأن الله تعالى قد أوجب للمطلقة قبل الدخول ~~نصف ما ms0954 أوجبه لها بعد الدخول، فإذا كان القول باعتبار حال الرجل دونها يؤدي ~~إلى مخالفة معنى. الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف في العادات سقط ووجب ~~اعتبار حالها معه. ويفسد أيضا من وجه آخر: وهو أنه لو تزوج رجلان موسران ~~أختين فدخل أحدهما: بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم، إذ لم يسم لها ~~مهرا; وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون المتعة لها على ~~قدر حال الرجل، وجائز أن يكون ذلك أضعاف مهر أختها فيكون ما تأخذه المدخول ~~بها أقل مما تأخذه المطلقة، وقيمة البضعين واحدة وهما متساويتان في المهر، ~~فيكون الدخول مدخلا عليها ضررا ونقصانا في البدل; وهذا منكر غير معروف. ~~فهذه الوجوه كلها تدل على اعتبار حال المرأة معه. # وقد قال أصحابنا: إنه إذا طلقها قبل الدخول ولم يسم لها وكانت متعتها ~~أكثر من # PageV01P525 ### | ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة # قال أبو بكر: تنازع أهل العلم في معنى قوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} واختلفوا في المسيس المراد ~~بالآية، فروي عن علي وعمر وابن عمر وزيد بن ثابت: "إذا أغلق بابا وأرخى ~~سترا ثم طلقها فلها جميع المهر". وروى سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن ~~عباس قال: "لها الصداق كاملا" وهو قول علي بن الحسين وإبراهيم في آخرين من ~~التابعين. وروى فراس عن الشعبي عن ابن مسعود قال: "لها نصف الصداق وإن قعد ~~بين رجليها"، والشعبي عن ابن مسعود مرسل; وروي عن شريح مثل قول ابن مسعود. ~~وروى سفيان الثوري عن عمر عن عطاء عن ابن عباس: "إذا فرض الرجل قبل أن يمس ~~فليس لها إلا المتاع". فمن الناس من ظن أن قوله في هذا كقول عبد الله بن ~~مسعود، وليس كذلك; لأن قوله "فرض" يعني أنه لم يسم لها مهرا، وقوله "قبل أن ~~يمس" يريد قبل الخلوة; لأنه قد تأوله على الخلوة في حديث طاوس عنه، فأوجب ~~لها المتعة قبل الخلوة. # واختلف فقهاء ms0955 الأمصار في ذلك أيضا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: ~~"الخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بعد الطلاق وطئ أو لم يطأ; وهي أن ~~لا يكون أحدهما محرما أو مريضا أو لم تكن حائضا أو صائمة في رمضان أو ~~رتقاء، فإنه إن كان كذلك ثم طلقها وجب لها نصف المهر إذا لم يطأها، والعدة ~~واجبة في هذه الوجوه كلها إن طلقها فعليها العدة". وقال سفيان الثوري: "لها ~~المهر كاملا إذا خلا بها ولم يدخل بها إذا جاء ذلك من قبله، وإن كانت رتقاء ~~فلها نصف المهر". وقال مالك: "إذا خلا بها وقبلها وكشفها إن كان ذلك قريبا ~~فلا أرى لها إلا نصف المهر، وإن تطاول ذلك فلها المهر إلا أن تضع له ما ~~شاءت". وقال الأوزاعي: "إذا تزوج امرأة فدخل بها عند أهلها قبلها ولمسها ثم ~~طلقها ولم يجامعها، أو أرخى عليها سترا أو أغلق بابا فقد تم الصداق". وقال ~~الحسن بن صالح: "إذا خلا بها فلها نصف المهر; إذ لم يدخل بها، وإن ادعت ~~الدخول بعد الخلوة فالقول قولها بعد الخلوة". وقال الليث: "إذا أرخى عليها ~~سترا # PageV01P529 ### | باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فيه أمر بفعل ~~الصلاة وتأكيد وجوبها بذكر المحافظة، وهي الصلوات الخمس المكتوبات ~~المعهودات في اليوم والليلة وذلك لدخول الألف واللام عليها إشارة بها إلى ~~معهود. وقد انتظم ذلك القيام بها واستيفاء فروضها وحفظ حدودها وفعلها في ~~مواقيتها وترك التقصير فيها; إذ كان الأمر بالمحافظة يقتضي ذلك كله. وأكد ~~الصلاة الوسطى بإفرادها بالذكر مع ذكره سائر الصلوات، وذلك يدل على معنيين: ~~إما أن تكون أفضل الصلوات وأولاها بالمحافظة عليها فلذلك أفردها بالذكر عن ~~الجملة، وإما أن تكون المحافظة عليها أشد من المحافظة على غيرها. وقد روي ~~في ذلك روايات مختلفة يدل بعضها على الوجه الأول وبعضها على الوجه الثاني، ~~فمنها ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: هي الظهر; لأن رسول الله صلى الله ~~عليه ms0956 وسلم كان يصلي بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في ~~قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ~~وفي بعض ألفاظ الحديث: "فكانت أثقل الصلوات على الصحابة فأنزل الله تعالى ~~ذلك". قال زيد بن # PageV01P536 ### | باب الفرار من الطاعون # قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} قال ابن عباس: "كانوا أربعة آلاف خرجوا ~~فرارا من الطاعون فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم ~~فأحياهم الله". وروي عن الحسن أيضا أنهم فروا من الطاعون. وقال عكرمة: ~~"فروا من القتال". وهذا يدل على أن الله تعالى كره فرارهم من الطاعون; وهو ~~نظير قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~[النساء: 78] وقوله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} ~~[الجمعة: 8] وقوله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل} [الأحزاب: 16] وقوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} [الأعراف: 34] . وإذا كانت الآجال موقتة محصورة لا يقع فيها ~~تقديم ولا تأخير عما قدرها الله عليه، فالفرار من الطاعون عدول عن مقتضى ~~ذلك; وكذلك الطيرة والزجر والإيمان بالنجوم، كل ذلك فرار من قدر الله عز ~~وجل الذي لا محيص لأحد عنه. # وقد روي عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف والصابر فيه ~~كالصابر في الزحف". وروى يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب عن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في ~~شيء فهي في الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون # PageV01P545 ### | باب الامتنان بالصدقة # قال الله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى} الآية، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء ms0957 الناس} وقال تعالى: {قول معروف ~~ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} وقال تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في ~~أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون} [الروم: 39] أخبر الله تعالى في هذه الآيات أن الصدقات إذا لم ~~تكن خالصة لله عارية من من وأذى فليست بصدقة; لأن إبطالها هو إحباط ثوابها ~~فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق; وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه ~~القربة إلى الله تعالى، فغير جائز أن يشوبه رياء ولا وجه غير القربة، فإن ~~ذلك يبطله كما قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وقال تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5] فما لم ~~يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله. ونظيره أيضا قوله تعالى: ~~{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] ومن أجل ذلك قال أصحابنا: "لا يجوز ~~الاستئجار على الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر الأفعال التي شرطها أن ~~تفعل على وجه القربة; لأن أخذ الأجر عليها يخرجها عن أن تكون قربة لدلائل ~~هذه الآيات ونظائرها". وروى عمرو عن الحسن في قوله تعالى: {لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى} قال: هو المتصدق يمن بها، فنهاه الله عن ذلك وقال: ~~ليحمد الله إذ هداه للصدقة. وعن الحسن في قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم} قال: "يتثبتون أين يضعون ~~أموالهم" وعن الشعبي قال: "تصديقا ويقينا من أنفسهم". وقال قتادة: "ثقة من ~~أنفسهم". والمن في الصدقة أن يقول المتصدق: قد أحسنت إلى فلان ونعشته ~~وأغنيته; فذلك ينغصها على المتصدق بها عليه. والأذى قوله: أنت أبدا فقير ~~وقد بليت بك وأراحني الله منك; ونظيره من القول الذي فيه تعيير له بالفقر ~~فقال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} يعني والله أعلم: ~~ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الخلة على ms0958 السائل، وقيل العفو عمن ظلمه خير ~~من صدقة يتبعها أذى; لأنه يستحق المأثم بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل ~~فيه السلامة من المعصية; فأخبر الله تعالى أن ترك الصدقة برد جميل # PageV01P553 ### | باب المكاسبة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} . فيه إباحة المكاسب وإخبار أن فيها طيبا. والمكاسب ~~وجهان: أحدهما: إبدال الأموال وإرباحها، والثاني إبدال المنافع. وقد نص ~~الله تعالى على إباحتها في مواضع من كتابه، نحو قوله تعالى: {وأحل الله ~~البيع} وقوله تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] وقال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم} [البقرة: 198] يعني، والله أعلم: من يتجر ويكري ويحج مع ذلك. ~~وقال تعالى في إبدال المنافع: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ~~وقال شعيب عليه السلام: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من استأجر ~~أجيرا فليعلمه أجره" وقال صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب ~~خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". وقد روى الأعمش عن إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أطيب ما أكل الرجل ~~من كسبه وإن ولده من كسبه". وقد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أنه من التجارات، منهم الحسن ومجاهد. # وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال; لأن قوله تعالى: {ما ~~كسبتم} ينتظمها، وإن كان غير مكتف بنفسه في المقدار الواجب فيها، فهو عموم ~~في أصناف الأموال مجمل في المقدار الواجب فيها، فهو مفتقر إلى البيان; ولما ~~ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم بذكر مقادير الواجبات فيها صح ~~الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب الحق فيه، نحو أموال التجارة. # ويحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجاب الزكاة في العروض، ويحتج به ms0959 أيضا في ~~إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما اختلف فيه من الأموال، وذلك; لأن قوله تعالى: ~~{أنفقوا} المراد به الصدقة، والدليل عليه قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون} يعني: تتصدقون. ولم يختلف السلف والخلف في أن المراد به ~~الصدقة. ومن أهل العلم من قال: إن هذا في صدقة التطوع; لأن الفرض إذا أخرج ~~عنه الرديء كان الفضل باقيا في ذمته حتى يؤدى. وهذا عندنا يوجب صرف اللفظ ~~عن الوجوب إلى النفل من وجوه: # PageV01P554 ### | باب إعطاء المشرك من الصدقة # قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم} . قال أبو بكر: ما تقدم في هذا الخطاب وما جاء في نسقه يدل على ~~أن قوله تعالى: {ليس عليك هداهم} إنما معناه في الصدقة عليهم; لأنه ابتدأ ~~الخطاب بقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} عطف عليه قوله تعالى: ~~{ليس عليك هداهم} ثم عقب ذلك بقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ~~فدل ما تقدم من الخطاب في ذلك وتأخر عنه من ذكر الصدقات أن المراد إباحة ~~الصدقة عليهم وإن لم يكونوا على دين الإسلام. وقد روي ذلك عن جماعة من ~~السلف; روي عن جعفر بن أبي # PageV01P558 ### | مطلب في جواز الاستدلال بالسيما والأماراة # وهذا يدل على أن لما يظهر من السيما حظا في اعتبار حال من يظهر ذلك عليه، # PageV01P560 ### | باب الربا # قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس} إلى قوله: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وقال أبو بكر أصل ~~الربا في اللغة هو الزيادة، ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من ~~الأرض، ومنه الربوة من الأرض وهي المرتفعة، ومنه قولهم "أربى فلان على فلان ~~في القول أو الفعل" إذا زاد عليه. وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم ~~موضوعا لها في اللغة; ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النساء ~~ربا في حديث أسامة بن زيد، فقال: "إنما الربا في النسيئة". وقال عمر ms0960 بن ~~الخطاب: "إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن" يعني الحيوان. ~~وقال عمر أيضا: "إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي قبض قبل ~~أن يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة"، فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما ~~شرعيا; لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر; لأنه كان ~~عالما بأسماء اللغة; لأنه من أهلها. ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع ~~الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا وهو ربا في الشرع، وإذا كان ذلك على ~~ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي ~~الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في ~~اللغة، نحو الصلاة والصوم والزكاة; فهو مفتقر إلى البيان، ولا يصح ~~الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في ~~الشرع بذلك. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من مراد الله بالآية ~~نصا وتوقيفا. ومنه ما بينه دليلا، فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند ~~أهل العلم بالتوقيف والاستدلال. # والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان فرض الدراهم والدنانير إلى ~~أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، ولم يكونوا يعرفون ~~البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد. هذا كان المتعارف المشهور ~~بينهم، ولذلك قال الله تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله} [الروم: 39] فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا ~~في المال العين; لأنه لا عوض لها من جهة المقرض. # PageV01P563 ### | ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان # قال عمر: "إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن" ولم تكن العرب ~~تعرف ذلك ربا، فعلم أنه قال ذلك توقيفا. فجملة ما اشتمل عليه اسم الربا في ~~الشرع النساء والتفاضل على شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء. والدليل على ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة ms0961 مثلا بمثل يدا بيد ~~والفضل ربا، والشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا" وذكر التمر والملح ~~والذهب والفضة، فسمى الفضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون ربا. وقال ~~صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد الذي رواه عنه عبد الرحمن بن ~~عباس: "إنما الربا في النسيئة" وفي بعض الألفاظ: "لا ربا إلا في النسيئة" ~~فثبت أن اسم الربا في الشرع يقع على التفاضل تارة وعلى النساء أخرى. وقد ~~كان ابن عباس يقول: "لا ربا إلا في النسيئة، ويجوز بيع الذهب بالذهب والفضة ~~بالفضة متفاضلا" ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد; ثم لما تواتر عنده الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم التفاضل في الأصناف الستة رجع عن قوله. ~~قال جابر بن زيد: رجع ابن عباس عن قوله في الصرف وعن قوله في المتعة. وإنما ~~معنى حديث أسامة النساء في الجنسين، كما روى في حديث عبادة بن الصامت وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحنطة بالحنطة مثلا # PageV01P564 ### | ومن أبواب الربا الدين بالدين # وقد روى موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أنه نهى عن الكالئ بالكالئ" وفي بعض الألفاظ: "عن الدين ~~بالدين" وهما سواء. وقال في حديث أسامة بن زيد: "إنما الربا في النسيئة" ~~إلا أنه في العقد عن الدين بالدين وأنه معفو عنه بمقدار المجلس; لأنه جائز ~~له أن يسلم دراهم في كر حنطة وهما دين بدين، إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض ~~الدراهم بطل العقد، وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان، وإن ~~افترقا قبل التقابض بطل. # PageV01P565 ### | ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه # الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل فيصالحه منه على خمسمائة حالة فلا ~~يجوز. وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال: سألت ابن عمر: يكون لي على ~~الرجل الدين إلى أجل فأقول عجل لي وأضع عنك؟ فقال: "هو ربا". وروي عن زيد ~~بن ثابت أيضا النهي عن ms0962 ذلك. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم. وهو قول ~~أصحابنا وعامة الفقهاء. وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي: "لا بأس بذلك". # والذي يدل على بطلان ذلك شيئان: أحدهما: تسمية ابن عمر إياه ربا، وقد ~~بينا أن أسماء الشرع توقيف. والثاني: أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان ~~قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى ~~وحرمه وقال: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} وقال تعالى: {وذروا ما بقي من ~~الربا} حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على ~~أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل، فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله ~~تعالى على تحريمه. ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له: أجلني ~~وأزيدك فيها مائة درهم; لا يجوز; لأن المائة عوض من الأجل، كذلك الحط في ~~معنى الزيادة; إذ جعله عوضا من الأجل. وهذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ ~~الأبدال عن الآجال; ولذلك قال أبو حنيفة فيمن دفع إلى خياط ثوبا فقال إن ~~خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم: "إن الشرط الثاني باطل فإن ~~خاطه غدا فله أجر مثله; لأنه جعل الحط بحذاء الأجل، والعمل في الوقتين على ~~صفة واحدة" فلم يجزه; لأنه بمنزلة بيع الأجل على النحو الذي بيناه. ومن ~~أجاز من السلف إذا قال عجل لي وأضع عنك فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعله ~~شرطا فيه، وذلك بأن يضع عنه بغير شرط ويعجل الآخر الباقي بغير شرط; وقد ~~ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد يكون ربا على حسب ما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الأصناف الستة، وأن النساء قد يكون ربا في البيع بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد" وقوله: ~~"إنما الربا في النسيئة" وأن السلم في الحيوان قد يكون ربا بقوله: "إنما ~~الربا في النسيئة" وقوله: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد" ~~وتسمية عمر إياه ms0963 ربا وشرى ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن لما بينا، ~~وشرط التعجيل مع الحط. # وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل في الأصناف الستة التي ورد بها الأثر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة، وهو عندنا في حيز التواتر ~~لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله. واتفقوا أيضا في أن مضمون هذا ~~النص معني به تعلق الحكم يجب اعتباره في # PageV01P566 ### | باب البيع # قوله عز وجل: {وأحل الله البيع} عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ ~~البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن ~~تراض منهما، وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان; ثم منه جائز ومنه فاسد ~~إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو ~~فساده. ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم ~~فقد أريد به الخصوص; لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم ~~يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على ~~المحرمات من الأشياء; وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات، وإنما خصت ~~منها بدلائل، إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم ~~الدلالة على تخصيصه. وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف # PageV01P568 ### | باب عقود المداينات # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه} قال أبو بكر ذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد ~~كانا واجبين بقوله تعالى: {فاكتبوه} إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} روي ذلك عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن. وقال آخرون: "هي محكمة ~~لم ينسخ منها شيء". وروى عاصم الأحول وداود بن أبي هند عن عكرمة قال: قال ~~ابن عباس: "لا والله إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ". وقد روى شعبة عن ~~فراس عن الشعبي عن أبي ms0964 بردة عن أبي موسى قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب ~~لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها وقد ~~قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} # PageV01P583 ### | باب الحجر على السفيه # قال الله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل # PageV01P590 ### | ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه # كان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل لا لسفه ~~ولا لتبذير ولا لدين وإفلاس، وإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ~~ماله ببيع أو هبة أو غيرهما جاز تصرفه وإن لم يؤنس منه رشد فكان فاسدا ~~ويحال بينه وبين ماله، ومع ذلك إن أقر به لإنسان أو باعه جاز ما صنع من ~~ذلك; وإنما يمنع من ماله ما لم يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ~~ماله وإن لم يؤنس منه رشد. وقول عبيد الله بن الحسن في الحجر كقول أبي ~~حنيفة. وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: "لا يحجر على حر". وروى ابن عون ~~عن محمد بن سيرين قال: "لا يحجر على حر إنما يحجر على العبد"، وعن الحسن ~~البصري مثل ذلك. وقال أبو يوسف: "إذا كان سفيها حجرت عليه وإذا فلسته ~~وحبسته حجرت عليه، ولم أجز بيعه ولا شراءه ولا إقراره بدين إلا ببينة تشهد ~~به عليه أنه كان قبل الحجر". وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة # PageV01P593 # ومن هذا الباب أيضا ### | شهادة أحد الزوجين للآخر # وقد اختلف الفقهاء فيها، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والأوزاعي والليث: "لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر". وقال الثوري: "تجوز ~~شهادة # PageV01P618 # ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير # وقد ذكر الطحاوي، عن محمد بن سنان، عن عيسى، عن محمد، عن أبي يوسف، عن ~~أبي حنيفة: "أن ### | شهادة الأجير # غير جائزة لمستأجره في شيء وإن كان عدلا استحسانا". # قال أبو بكر: روى هشام وابن رستم عن محمد "أن شهادة ms0965 الأجير الخاص غير ~~جائزة لمستأجره، وتجوز شهادة الأجير المشترك له" ولم يذكر خلافا عن أحد ~~منهم; وهو قول عبيد الله بن الحسن. وقال مالك: "لا تجوز شهادة الأجير لمن ~~استأجره إلا أن يكون مبرزا في العدالة، وإن كان الأجير في عياله لم تجز ~~شهادته له". وقال الأوزاعي: "لا # PageV01P619 ### | باب الشاهد واليمين # اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين الطالب، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة: "لا يحكم إلا بشاهدين ولا يقبل شاهد ويمين في ~~شيء". وقال مالك والشافعي: "يحكم به في الأموال خاصة". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} يوجب بطلان القول بالشاهد ~~واليمين وذلك لأن قوله: {واستشهدوا} يتضمن الإشهاد على عقود المداينات التي ~~ابتدأ في الخطاب بذكرها، ويتضمن إقامتها عند الحاكم ولزوم الحاكم الأخذ بها ~~لاحتمال اللفظ للحالين ولأن الإشهاد على العقد إنما الغرض فيه إثباته عند ~~التجاحد فقد تضمن لا محالة # PageV01P623 ### | باب الرهن # قال الله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} يعني ~~والله أعلم: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة، ~~فأقام الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل فيها إلى التوثق بالكتاب ~~والإشهاد مقامها. وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم الكتاب والشهود; ~~وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره الرهن إلا في السفر. وكان عطاء لا يرى به ~~بأسا في الحضر. فذهب مجاهد إلى أن حكم الرهن لما كان مأخوذا من الآية وإنما ~~أباحته الآية في السفر، لم يثبت في غيره. وليس هذا عند سائر أهل العلم ~~كذلك; ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر. وقد روى ~~إبراهيم عن الأسود عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي ~~طعاما إلى أجل ورهنه درعه". وروى قتادة عن أنس قال رهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله، ms0966 فثبت جواز ~~الرهن في الحضر بفعله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى" {واتبعوه} [الأعراف: ~~158] وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] فدل على أن ~~تخصيص الله لحال السفر بذكر الرهن إنما هو لأن الأغلب فيها عدم الكاتب ~~والشهيد. وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس وعشرين من الإبل ~~ابنة مخاض وفي ست وثلاثين ابنة لبون" لم يرد به وجود المخاض واللبن بالأم، ~~وإنما أخبر عن الأغلب الأعم من الحال، وإن كان جائزا أن لا يكون بأمها مخاض ~~ولا لبن; فكذلك ذكر السفر هو على هذا الوجه. وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين" والمراد استحكامه وجفافه لا حصوله ~~في الجرين; لأنه لو حصل في بيته أو حانوته بعد استحكامه وجفافه فسرقه سارق ~~قطع فيه، فكان ذكر الجرين على الأغلب الأعم من حاله في استحكامه; فكذلك ~~ذكره لحال السفر هو على هذا المعنى. # وقوله: {فرهان مقبوضة} يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من وجهين: ~~أحدهما: أنه عطف على ما تقدم من قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} فلما كان استيفاء العدد ~~المذكور # PageV01P634 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ولا ~~فيما لا يقسم". وقال مالك والشافعي: "يجوز فيما لا يقسم وما يقسم". وذكر ~~ابن المبارك عن الثوري في رجل يرتهن الرهن ويستحق بعضه قال: "يخرج من الرهن ~~ولكن له أن يجبر الراهن على أن يجعله رهنا، فإن مات قبل أن يجعله رهنا كان ~~بينه وبين الغرماء". وقال الحسن بن صالح: "يجوز رهن المشاع فيما لا يقسم ~~ولا يجوز فيما يقسم". # قال أبو بكر: لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا، من حيث ~~كان رهنه على جهة الوثيقة وكان في ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو ~~الوثيقة، وجب أن لا يصح رهن المشاع ms0967 فيما يقسم وفيما لا يقسم; لأن المعنى ~~الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن للعقد وهو الشركة التي يستحق ~~بها دفع القبض للمهايأة، فلم يجز # PageV01P635 ### | باب ضمان الرهن # قال الله تعالى: {فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته} فعطف بذكر الأمانة على الرهن، فذلك يدل على أن الرهن ليس بأمانة، ~~وإذا لم يكن أمانة كان مضمونا; إذ لو كان الرهن أمانة لما عطف عليه الأمانة ~~لأن الشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره. # واختلف الفقهاء في حكم الرهن، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن ~~أبي ليلى والحسن بن صالح: "الرهن مضمون بأقل من قيمته ومن الدين". وقال ~~الثقفي عن عثمان البتي: "ما كان من رهن ذهبا أو فضة أو ثيابا فهو مضمون ~~يترادان الفضل، وإن كان عقارا أو حيوانا فهلك فهو من مال الراهن، والمرتهن ~~على حقه إلا أن يكون الراهن اشترط الضمان فهو على شرطه". وقال ابن وهب عن ~~مالك: "إن علم هلاكه فهو من مال الراهن ولا ينقص من حق المرتهن شيء، وإن لم ~~يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن وهو ضامن لقيمته، يقال له صفه فإذا وصفه حلف ~~على صفته وتسمية ماله فيه، ثم يقومه أهل البصر بذلك، فإن كان فيه فضل عما ~~سمى فيه أخذه الراهن، وإن كان أقل مما سمى الراهن حلف على ما سمى وبطل عنه ~~الفضل، وإن أبى الراهن أن يحلف أعطي المرتهن ما فضل بعد قيمة الرهن". وروى ~~عنه ابن القاسم مثل ذلك، وقال فيه: "إذا شرط أن المرتهن مصدق في ضياعه وأن ~~لا ضمان عليه فيه، فشرطه باطل وهو ضامن". وقال الأوزاعي: "إذا مات العبد ~~الرهن فدينه باق لأن الرهن لا يغلق" ومعنى قوله لا يغلق الرهن أنه لا يكون ~~بما فيه إذا علم ولكن يترادان الفضل إذا لم يعلم هلاكه. وقال الأوزاعي في ~~قوله: "له غنمه وعليه غرمه" قال: "فأما غنمه فإن كان فيه فضل رد إليه، وأما ~~غرمه فإن كان فيه نقصان وفاه ms0968 إياه". وقال الليث: "الرهن مما فيه إذا هلك ~~ولم تقم بينة على ما فيه إذا اختلفا في ثمنه، فإن قامت البينة على ما فيه ~~ترادا الفضل". وقال الشافعي: "هو أمانة لا ضمان عليه فيه بحال إذا هلك، ~~سواء كان هلاكه ظاهرا أو خفيا". # PageV01P638 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الانتفاع بالرهن # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد وزفر: "لا يجوز للمرتهن ~~الانتفاع بشيء من الرهن ولا للراهن أيضا" وقالوا: "إذا آجر المرتهن الرهن ~~بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن فقد خرج من الرهن ولا يعود". وقال ~~ابن أبي ليلى: "إذا آجره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حال والغلة ~~للمرتهن قضاء من حقه". وقال ابن القاسم عن مالك: "إذا خلى المرتهن بين ~~الرهن والراهن يكريه أو يسكنه أو يعيره لم يكن رهنا، وإذا آجره المرتهن ~~بإذن الراهن لم يخرج من الرهن، وكذلك إذا أعاره المرتهن بإذن الراهن فهو ~~رهن على حاله، فإذا آجره المرتهن بإذن الراهن فالأجر لرب الأرض ولا يكون ~~الكري رهنا بحقه إلا أن يشترط المرتهن"، فإن اشترط في البيع أن يرتهن ويأخذ ~~حقه من الكري، فإن مالكا كره ذلك. وإن لم يشترط ذلك في البيع وتبرع به ~~الراهن بعد البيع فلا بأس به; وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم ~~أو شرط فيه البائع بيعه الرهن ليأخذها من حقه، فإن ذلك جائز عند مالك في ~~الدور والأرض وكرهه في الحيوان. وذكر المعافى عن الثوري أنه كره أن ينتفع ~~من الرهن بشيء ولا يقرأ في المصحف المرهون. وقال الأوزاعي غلة الرهن لصاحبه ~~ينفق عليه منها والفضل له، فإن لم تكن غلة وكان يستخدمه فطعامه بخدمته، فإن ~~لم يكن يستخدمه فنفقته على صاحبه. وقال الحسن بن صالح: "لا يستعمل الرهن ~~ولا ينتفع به إلا أن يكون دارا # PageV01P644 ### | المجلد الثاني ### | سورة آل عمران ### | مدخل # ... # سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر ms0969 متشابهات} إلى آخر القصة. قال الشيخ أبو بكر: قد بينا في صدر الكتاب ~~معنى المحكم والمتشابه, وأن كل واحد منهما ينقسم إلى معنيين: أحدهما: يصح ~~وصف القرآن بجميعه, والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض; قال الله ~~تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] وقال تعالى: {الر تلك آيات الكتاب ~~الحكيم} [يونس: 1] فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالإحكام; وقال تعالى: ~~{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] فوصف جميعه ~~بالمتشابه, ثم قال في موضع آخر: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات} فوصف ههنا بعضه بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه; ~~والإحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل بهما القرآن كل ~~قول. وأما موضع الخصوص في قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب} فإن ~~المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل عند سامعه إلا معنى واحدا, ~~وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه. إلا أن هذا المعنى لا محالة قد انتظمه لفظ ~~الإحكام المذكور في هذه الآية, وهو الذي جعل أما للمتشابه الذي يرد إليه ~~ويحمل معناه عليه. وأما المتشابه الذي عم به جميع القرآن في قوله تعالى: ~~{كتابا متشابها} [الزمر: 23] فهو التماثل ونفى الاختلاف والتضاد عنه. وأما ~~المتشابه المخصوص به بعض القرآن فقد ذكرنا أقاويل السلف فيه; وما روي عن ~~ابن عباس "أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ" فهذا عندنا هو أحد ~~أقسام المحكم والمتشابه; لأنه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه ~~غيرهما. وجائز أن يسمى الناسخ محكما لأنه ثابت الحكم, والعرب تسمي البناء ~~الوثيق محكما, ويقولون في العقد الوثيق الذي لا يمكن حله محكما, فجائز أن ~~يسمى الناسخ محكما; إذ كانت صفته الثبات والبقاء, ويسمى المنسوخ متشابها من ~~حيث أشبه في التلاوة المحكم, وخالفه في # PageV02P003 # ثبوت الحكم فيشتبه على التالي حكمه في ثبوته ونسخه, فمن هذا الوجه جائز ~~أن يسمى المنسوخ متشابها. وأما قول من قال: إن المحكم هو الذي لم تتكرر ~~ألفاظه والمتشابه هو ms0970 الذي تتكرر ألفاظه; فإن اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه ~~الحكمة فيه على السامع, وهذا سائغ عام في جميع ما يشتبه فيه. وجه الحكمة ~~فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له وجهه; فهذا مما يجوز فيه إطلاق اسم ~~المتشابه. وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على السامع, وهذا فهو المحكم الذي ~~لا تشابه فيه على قول هذا القائل, فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه ~~وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز. وأما ما روي عن جابر بن عبد الله أن المحكم ما ~~يعلم تعيين تأويله والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله, كقوله تعالى: ~~{يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [الأعراف: 187] وما جرى مجرى ذلك, فإن ~~إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه; لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه ~~فيه, وقد أحكم بيانه, وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه ~~فجائز أن يسمى بهذا الاسم. فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روي فيه, ~~ولولا احتمال اللفظ لما ذكروا لما تأولوه عليه. وما ذكرناه من قول من قال: ~~إن المحكم هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين, فهو ~~أحد الوجوه الذي ينتظمها هذا الاسم; لأن المحكم من هذا القسم سمي محكما ~~لإحكام دلالته وإيضاح معناه وإبانته. والمتشابه منه سمي بذلك; لأنه أشبه ~~المحكم من وجه واحتمل معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى المحكم فسمي ~~متشابها من هذا الوجه. فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من ~~المعانى احتجنا إلى معرفة المراد منهما بقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} مع علمنا بما في ~~مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب رد المتشابه إلى المحكم وحمله على معناه ~~دون حمله على ما يخالفه; لقوله تعالى في صفة المحكمات: {هن أم الكتاب} ~~والأم هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه, فسماها أما, فاقتضى ذلك بناء ~~المتشابه عليها ورده ms0971 إليها. ثم أكد ذلك بقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فوصف متبع المتشابه من ~~غير حمله له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه, وأعلمنا أنه مبتغ للفتنة, وهي ~~الكفر والضلال في هذا الموضع كما قال تعالى: {والفتنة أشد من القتل} ~~[البقرة: 191] يعني والله أعلم: الكفر; فأخبر أن متبع المتشابه وحامله على ~~مخالفة المحكم في قلبه زيغ يعني الميل عن الحق يستدعي غيره بالمتشابه إلى ~~الضلال والكفر. فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو ~~اللفظ المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه. ثم نظرنا ~~بعد ذلك في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في ~~أقسام # PageV02P004 # المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال اللفظ, فوجدنا قول من ~~قال بأنه الناسخ والمنسوخ, فإنه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما ~~على من حصل له العلم بتاريخهما, وعلم يقينا أن المنسوخ متروك الحكم, وأن ~~الناسخ ثابت الحكم, فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السامع العالم بتاريخ ~~الحكمين اللذين لا احتمال فيهما لغير النسخ. وإن اشتبه على السامع من حيث ~~إنه لم يعلم التاريخ, فهذا ليس أحد اللفظين أولى بكونه محكما من الآخر ولا ~~بكونه متشابها منه; إذ كل واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون ~~منسوخا; فهذا لا مدخل له في قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات} . وأما قول من قال: "إن المحكم ما لم يتكرر لفظه والمتشابه ~~ما تكرر لفظه" فهذا أيضا لا مدخل له في هذه الآية; لأنه لا يحتاج إلى رده ~~إلى المحكم, وإنما يحتاج إلى تدبره بعقله وحمله على ما في اللغة من تجويزه. ~~وأما قول من قال: "إن المحكم ما علم وقته وتعيينه والمتشابه ما لا يعلم ~~تعيين تأويله, كأمر الساعة وصغائر الذنوب التي آيسنا الله من وقوع علمنا ~~بها في الدنيا" وإن هذا الضرب أيضا منها خارج عن حكم هذه الآية; لأنا ms0972 لا ~~نصل إلى علم معنى المتشابه برده إلى المحكم. فلم يبق من الوجوه التي ذكرنا ~~من أقسام المحكم والمتشابه مما يجب بناء أحدهما على الآخر, وحمله على معناه ~~إلا الوجه الأخير الذي قلنا, وهو أن يكون المتشابه اللفظ المحتمل للمعاني, ~~فيجب حمله على المحكم الذي لا احتمال فيه, ولا اشتراك في لفظه من نظائر ما ~~قدمنا في صدر الكتاب, وبينا أنه ينقسم إلى وجهين من العقليات والسمعيات. ~~وليس يمتنع أن تكون الوجوه التي ذكرناها عن السلف على اختلافها يتناولها ~~الاسم على ما روي عنهم فيه لما بينا من وجوهها, ويكون الوجه الذي يجب حمله ~~على المحكم هو هذا الوجه الأخير لامتناع إمكان حمل سائر وجوه المتشابه على ~~المحكم على ما تقدم من بيانه; ثم يكون قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله} معناه تأويل جميع المتشابه حتى لا يستوعب غيره علمها, فنفى إحاطة ~~علمنا بجميع معاني المتشابهات من الآيات ولم ينف بذلك أن نعلم نحن بعضها ~~بإقامته لنا الدلالة عليه كما قال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء} [البقرة: 255] . لأن في فحوى الآية ما قد دل على أنا نعلم بعض ~~المتشابه برده إلى المحكم, وحمله على معناه على ما بينا من ذلك, ويستحيل أن ~~تدل الآية على وجوب رده إلى المحكم. وتدل أيضا على أنا لا نصل إلى علمه ~~ومعرفته; فإذا ينبغي أن يكون قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} غير ~~ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه, فمما لا يجوز وقوع العلم لنا به وقت الساعة ~~والذنوب الصغائر. ومن الناس من يجوز ورود لفظ مجمل في حكم يقتضي البيان, ~~ولا يبينه أبدا, فيكون في حيز المتشابه الذي لا نصل إلى العلم به. # PageV02P005 # وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم} فمنهم من جعل تمام الكلام عند قوله تعالى: {والراسخون في العلم} ~~وجعل الواو التي في قوله: {والراسخون في العلم} للجمع, كقول القائل: لقيت ~~زيدا, وما جرى مجراه. ومنهم من جعل ms0973 تمام الكلام عند قوله: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله} وجعل الواو للاستقبال وابتداء خطاب غير متعلق بالأول. فمن قال ~~بالقول الأول جعل الراسخين في العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين ~~بجميعه, وقد روي نحوه عن عائشة والحسن. وقال مجاهد فيما رواه ابن أبي نجيح ~~في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} يعني شكا {ابتغاء الفتنة} : ~~الشبهات بما هلكوا, لكن الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنا به. ~~وروي عن ابن عباس: ويقول الراسخون في العلم; وكذلك روي عن عمر بن عبد ~~العزيز, وقد روي عن ابن عباس أيضا: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم} يعلمونه قائلين آمنا به; وعن الربيع بن أنس مثله. والذي يقتضيه ~~اللفظ على ما فيه من الاحتمال أن يكون تقديره: {وما يعلم تأويله إلا الله} ~~يعني تأويل جميع المتشابه على ما بينا, والراسخون في العلم يعلمون بعضه ~~قائلين {آمنا به كل من عند ربنا} يعني ما نصب لهم من الدلالة عليه في بنائه ~~على المحكم ورده إليه وما لم يجعل لهم سبيلا إلى علمه من نحو ما وصفنا. ~~فإذا علموا تأويل بعضه, ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ~~ربنا, وما أخفى عنا علم ما غاب عنا علمه إلا لعلمه تعالى بما فيه من ~~المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا, وما أعلمنا وما يعلمناه إلا ~~لمصلحتنا ونفعنا; فيعترفون بصحة الجميع والتصديق بما علموا منه وما لم ~~يعلموه. # ومن الناس من يظن أنه لا يجوز إلا أن يكون منتهى الكلام وتمامه عند قوله ~~تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} , وأن" الواو" للاستقبال دون الجمع; ~~لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به ويستأنف ذكر الواو لاستئناف ~~الخبر. وقال من ذهب إلى القول الأول: هذا سائغ في اللغة, وقد وجد مثله في ~~القرآن, وهو قوله تعالى في بيان قسم الفيء: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول} [الحشر: 7] إلى قوله تعالى: {شديد العقاب} [الحشر: 4] ~~ثم تلاه بالتفصيل, ms0974 وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا} إلى قوله ~~تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10] وهم لا محالة داخلون في ~~استحقاق الفيء كالأولين, والواو فيه للجمع, ثم قال تعالى: {يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان} [الحشر: 10] معناه: قائلين ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا. كذلك قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون} معناه: ~~والراسخون في # PageV02P006 # العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه, قائلين: ربنا ~~آمنا به; فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في حيزه, وقد وجد مثله في ~~الشعر, قال يزيد بن مفرغ الحميري: # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه # فالريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في الغمامه # والمعنى: والبرق يبكي شجوه لامعا في الغمامة. وإذا كان ذلك سائغا في ~~اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى المحكم, ~~فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه. ومن جهة ~~أخرى أن "الواو" لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ~~ومقتضاها, ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة, ولا دلالة معنا توجب ~~صرفها عن الحقيقة, فوجب استعمالها على الجمع. # فإن قيل: إذا كان استعمال المحكم مقيدا بما في العقل, وقد يمكن كل مبطل ~~أن يدعي ذلك لنفسه فيبطل فائدة الاحتجاج بالمحكم. قيل له: إنما هو مقيد بما ~~هو في تعارف العقول, فيكون اللفظ مطابقا لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة, ~~ولا يحتاج في استعمال حكم العقل فيه إلى مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى ~~مراده على الوجه الذي هو ثابت في عقول العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا ~~عليها, فما كان كذلك فهو المحكم الذي لا يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه ~~وحقيقته, فأما العادات الفاسدة فلا اعتبار بها. # فإن قيل: كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه دون ما أحكم؟ قيل ~~له: نحو ما روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد نجران لما حاجوا ms0975 ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه؟ ~~فقال: بلى فقالوا: حسبنا فأنزل الله {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} ثم أنزل الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران:59] فصرفوا قوله: "كلمة الله" إلى ما ~~يقولونه في قدمه مع الله وروحه, صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه كروح ~~الإنسان. وإنما أراد الله تعالى بقوله: "كلمته" أنه بشر به في كتب الأنبياء ~~المتقدمين, فسماه كلمة من حيث قدم البشارة به, وسماه روحه; لأن الله تعالى ~~خلقه من غير ذكر بل أمر جبريل عليه السلام فنفخ في جيب مريم عليها السلام, ~~وأضافه إلى نفسه تعالى تشريفا له, كبيت الله وسماء الله, وأرضه ونحو ذلك. ~~وقيل إنه سماه روحا كما سمى القرآن روحا بقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا} [الشورى: 52] # PageV02P007 # وإنما سماه روحا من حيث كان فيه حياة الناس في أمور دينهم; فصرف أهل ~~الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال. وقال ~~قتادة: أهل الزيغ المتبعون للمتشابه منه هم الحرورية والسبئية. # قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} . روي عن ابن ~~عباس وقتادة وابن إسحاق: أنه لما هلكت قريش يوم بدر, جمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما نزل بقريش ~~من الانتقام, فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون القتال, ~~لئن حاربتنا لتعرفن أنا الناس فأنزل الله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} . وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما فيها من الإخبار عن غلبة المؤمنين المشركين, ~~فكان على ما أخبر به., ولا يكون ذلك على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به عن ~~الغير في الأمور المستقبلة فوجد مخبره على ما أخبر به من غير خلف, وذلك لا ~~يكون إلا من عند الله ms0976 تعالى العالم بالغيوب, إذ ليس في وسع أحد من الخلق ~~الإخبار بالأمور المستقبلة ثم يتفق مخبر إخباره على ما أخبر به من غير خلف ~~لشيء منه. # وقوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله} ~~الآية. روي عن ابن مسعود والحسن أن ذلك خطاب للمؤمنين, وأن المؤمنين هي ~~الفئة الرائية للمشركين مثليهم رأي العين, فرأوهم مثلي عدتهم, وقد كانوا ~~ثلاثة أمثالهم; لأن المشركين كانوا نحو ألف رجل والمسلمون ثلاثمائة وبضعة ~~عشر, فقللهم الله تعالى في أعين المسلمين لتقوية قلوبهم. وقال آخرون: قوله: ~~{قد كان لكم} آية مخاطبة للكفار الذين ابتدأ بذكرهم في قوله: {قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} وقوله: {قد كان لكم} آية معطوف عليه وتمام ~~له, والمعنى فيه أن الكافرين رأوا المؤمنين مثليهم, وأراهم الله تعالى كذلك ~~في رأي العين ليجنب قلوبهم ويرهبهم فيكون أقوى للمؤمنين عليهم, وذلك أحد ~~أبواب النصر للمسلمين والخذلان للكافرين. وفي هذه الآية الدلالة من وجهين ~~على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما: غلبة الفئة القليلة العدد ~~والعدة للكثيرة العدد والعدة, وذلك على خلاف مجرى العادة; لما أمدهم الله ~~به من الملائكة. والثاني: أن الله تعالى قد كان وعدهم إحدى الطائفتين, ~~وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة وقال: ~~"هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان" وكان كما وعد الله, وأخبر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات} قال الحسن: "زينها الشيطان; لأنه لا # PageV02P008 # أحد أشد ذما لها من خالقها". وقال بعضهم: زينها الله بما جعل في الطباع ~~من المنازعة إليها كما قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} ~~[الكهف: 7] . وقال آخرون: "زين الله ما يحسن منه وزين الشيطان ما يقبح ~~منه". # وقوله تعالى {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} الآية. روي عن أبي عبيدة بن الجراح ~~أنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد عذابا ms0977 يوم القيامة؟ قال "رجل قتل ~~نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~فبشرهم بعذاب أليم} ثم قال: "يا أبا عبيدة, قتلت بنو إسرائيل ثلاثة, ~~وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من ~~عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا ~~من آخر النهار في ذلك اليوم, وهو الذي ذكر الله تعالى". # وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل, وأنه منزلة شريفة يستحق ~~بها الثواب الجزيل; لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر. وروى أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وفي بعض الروايات: "يقتل ~~عليه". وروى أبو حنيفة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان ~~جائر فقتل". قال عمرو بن عبيد: لا نعلم عملا من أعمال البر أفضل من القيام ~~بالقسط يقتل عليه. # وإنما قال الله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} وإن كان الإخبار عن أسلافهم, ~~من قبل أن المخاطبين من الكفار كانوا راضين بأفعالهم, فأجملوا معهم في ~~الإخبار بالوعيد لهم. وهذا كقوله تعالى: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل} [البقرة: 91] وقوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن ~~لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} [آل عمران:183] فنسب القتل إلى ~~المخاطبين; لأنهم رضوا بأفعال أسلافهم وتولوهم عليها, فكانوا مشاركين لهم ~~في استحقاق العذاب كما شاركوهم في الرضا بقتل الأنبياء عليهم السلام. # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله} الآية. روي عن ابن عباس أنه أراد اليهود حين دعوا إلى التوراة ms0978 وهي ~~كتاب الله وسائر # PageV02P009 # الكتب التي فيها البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الموافقة ~~على ما في هذه الكتب من صحة نبوته كما قال تعالى في آية أخرى: {قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] فتولى فريق من أهل الكتاب ~~عن ذلك لعلمهم بما فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته. ولولا ~~أنهم علموا ذلك لما أعرضوا عند الدعاء إلى ما في كتبهم, وفريق منهم آمنوا" ~~وصدقوا لعلمهم بصحة نبوته ولما عرفوه من التوراة وكتب الله من نعته وصفته. ~~وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم; لأنهم لولا ~~أنهم كانوا عالمين بما ادعاه مما في كتبهم من نعته وصفته وصحة نبوته لما ~~أعرضوا عن ذلك بل كانوا يسارعون إلى الموافقة على ما في كتبهم حتى يتبينوا ~~بطلان دعواه, فلما أعرضوا, ولم يجيبوا إلى ما دعاهم إليه دل ذلك على أنهم ~~كانوا عالمين بما في كتبهم من ذلك. وهو نظير ما تحدى الله تعالى به العرب ~~من الإتيان بمثل سورة من القرآن فأعرضوا عن ذلك وعدلوا إلى القتال ~~والمحاربة, لعلمهم بالعجز عن الإتيان بمثلها; وكما دعاهم إلى المباهلة في ~~قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءناونساءكم} [آل عمران: ~~61] إلى قوله تعالى: {ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} [آل عمران: ~~61] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو حضروا وباهلوا لأضرم الله تعالى ~~عليهم الوادي نارا, ولم يرجعوا إلى أهل, ولا ولد". وهذه الأمور كلها من ~~دلائل النبوة وصحة الرسالة. وروي عن الحسن وقتادة أنما أراد بقوله تعالى: ~~{يدعون إلى كتاب الله} إلى القرآن; لأن ما فيه يوافق ما في التوراة في أصول ~~الدين والشرع والصفات التي قد تقدمت بها البشارة في الكتب المتقدمة. # والدعاء إلى كتاب الله تعالى في هذه الآية يحتمل معاني: جائز أن يكون ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا, ويحتمل أن يكون أمر إبراهيم ~~عليه السلام وأن دينه الإسلام, ويحتمل أن يريد ms0979 به بعض أحكام الشرع من حد أو ~~غيره, كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه ذهب إلى بعض مدارسهم, ~~فسألهم عن حد الزاني, فذكروا الجلد والتحميم وكتموا الرجم, حتى وقفهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم على آية الرجم بحضرة عبد الله بن سلام وإذا كانت هذه ~~الوجوه محتملة لم يمتنع أن يكون الدعاء قد وقع إلى جميع ذلك; وفيه الدلالة ~~على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته; لأنه دعاه إلى كتاب الله تعالى ~~ونظيره أيضا قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون} [النور:48] . # قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء} قيل في قوله تعالى: {مالك الملك} إنه صفة لا يستحقها إلا الله تعالى ~~من أنه مالك كل ملك, وقيل مالك أمر الدنيا والآخرة, وقيل مالك العباد وما ~~ملكوا, وقال # PageV02P010 # مجاهد أراد بالملك ههنا النبوة. وقوله: {تؤتي الملك من تشاء} يحتمل ~~وجهين: أحدهما: ملك الأموال والعبيد, وذلك مما يجوز أن يؤتيه الله تعالى ~~للمسلم والكافر. والآخر أمر التدبير وسياسة الأمة, فهذا مخصوص به المسلم ~~العدل دون الكافر ودون الفاسق, وسياسة الأمة وتدبيرها متعلقة بأوامر الله ~~تعالى ونواهيه, وذلك لا يؤتمن الكافر عليه, ولا الفاسق, ولا يجوز أن تجعل ~~إلى من هذه صفته سياسة المؤمنين; لقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} ~~[البقرة: 124] . # فإن قيل: قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك} [البقرة: 258] فأخبر أنه آتى الكافر الملك. قيل له: يحتمل أن ~~يريد به المال إن كان المراد إيتاء الكافر الملك, وقد قيل: إنه أراد به: ~~آتى إبراهيم الملك, يعني النبوة وجواز الأمر والنهي في طريق الحكمة. # وقوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} الآية. ~~فيه نهي عن اتخاذ الكافرين أولياء; لأنه جزم الفعل, فهو إذا نهي وليس بخبر. ~~قال ابن عباس نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن يلاطفوا الكفار; ~~ونظيرها من الآي قوله ms0980 تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} ~~[آل عمران: 118] وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} [المجادلة: 22] ~~الآية. وقال تعالى {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68] ~~وقال تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ~~[النساء: 140] , وقال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} ~~[هود: 113] وقال تعالى: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة ~~الدنيا} [لنجم:29] وقال تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} [لأعراف: 199] . وقال ~~تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73] ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض} [المائدة: 51] وقال تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131] فنهى بعد النهي عن ~~مجالستهم وملاطفتهم عن النظر إلى أموالهم, وأحوالهم في الدنيا. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مر بإبل لبني المصطلق, وقد عبست1 بأبوالها من ~~السمن, فتقنع بثوبه ومضى لقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم} [طه: 131] وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~PageV02P011 # دوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1] . وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" فقيل: لم يا ~~رسول الله؟ فقال: لا تراءى ناراهما" 1. وقال: "أنا بريء من كل مسلم أقام ~~بين المشركين". فهذه الآي والآثار دالة على أنه ينبغي أن يعامل الكفار ~~بالغلظة والجفوة دون الملاطفة والملاينة, ما لم تكن حال يخاف فيها على تلف ~~نفسه أو تلف بعض أعضائه أو ضررا كبيرا يلحقه في نفسه, فإنه إذا خاف ذلك جاز ~~له إظهار الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد. # والولاء ينصرف على وجهين: أحدهما: من يلي أمور من يرتضي فعله بالنصرة ~~والمعونة والحياطة, وقد يسمى بذلك المعان المنصور. قال الله تعالى: {الله ~~ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] يعني أنه يتولى نصرهم ms0981 ومعونتهم. والمؤمنون ~~أولياء الله بمعنى أنهم معانون بنصرة الله. قال الله تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس:62] . # PageV02P012 # مطلب: في بيان معنى التقية وحكمها # وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} يعني أن تخافوا تلف النفس وبعض ~~الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها. وهذا هو ظاهر ما ~~يقتضيه اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم, وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين} قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في ~~دينه. وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} : إلا أن تكون بينهم وبينه ~~قرابة فيصله لذلك; فجعل التقية صلة لقرابة الكافر. وقد اقتضت الآية جواز ~~إظهار الكفر عند التقية, وهو نظير قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} [النحل: 106] وإعطاء التقية في مثل ذلك ~~إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب, بل ترك التقية أفضل, قال أصحابنا ~~فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل: إنه أفضل ممن أظهر. وقد أخذ ~~المشركون خبيب بن عدي, فلم يعط التقية حتى قتل, فكان عند المسلمين أفضل من ~~عمار بن ياسر حين أعطى التقية, وأظهر # PageV02P012 # الكفر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "كيف وجدت قلبك؟ " ~~قال: مطمئنا بالإيمان, فقال صلى الله عليه وسلم: "وإن عادوا فعد" وكان ذلك ~~على وجه الترخيص. وروي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: أتشهد ~~أني رسول الله؟ قال: نعم فخلاه, ثم دعا بالآخر وقال: أتشهد أن محمدا رسول ~~الله؟ قال: نعم قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: إني أصم, قالها ثلاثا; فضرب ~~عنقه, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما هذا المقتول ms0982 فمضى ~~على صدقه ويقينه, وأخذ بفضيلة فهنيئا له, وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا ~~تبعة عليه". وفي هذا دليل على أن إعطاء التقية رخصة, وأن الأفضل ترك ~~إظهارها. وكذلك قال أصحابنا في كل أمر كان فيه إعزاز الدين, فالإقدام عليه ~~حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة في العدول عنه, ألا ترى أن من بذل نفسه ~~لجهاد العدو فقتل كان أفضل ممن انحاز؟ وقد وصف الله أحوال الشهداء بعد ~~القتل وجعلهم أحياء مرزوقين, فكذلك بذل النفس في إظهار دين الله تعالى وترك ~~إظهار الكفر أفضل من إظهار التقية فيه. # وفي هذه الآية, ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على المسلم في ~~شيء, وأنه إذا كان له ابن صغير مسلم بإسلام أمه فلا ولاية له عليه في تصرف, ~~ولا تزويج, ولا غيره. ويدل على أن الذمي لا يعقل جناية المسلم, وكذلك ~~المسلم لا يعقل جنايته; لأن ذلك من الولاية والنصرة والمعونة. # وقوله تعالى: {وآل إبراهيم وآل عمران} روي عن ابن عباس والحسن أن آل ~~إبراهيم هم المؤمنون الذين على دينه; وقال الحسن: "وآل عمران المسيح عليه ~~السلام; لأنه ابن مريم بنت عمران; وقيل: آل عمران هم آل إبراهيم, كما قال ~~{ذرية بعضها من بعض} وهم موسى وهارون ابنا عمران. وجعل أصحابنا الآل, وأهل ~~البيت واحدا فيمن يوصي لآل فلان أنه بمنزلة قوله: لأهل بيت فلان, فيكون لمن ~~يجمعه وإياه الجد الذي ينسبون إليه من قبل الآباء نحو قولهم آل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته, هما عبارتان عن معنى واحد; قالوا: إلا أن يكون ~~من نسب إليه الآل هو بيت ينسب إليه, مثل قولنا: آل العباس وآل علي, والمعني ~~فيه أولاد العباس, وأولاد علي الذين ينسبون إليهما بالآباء; وهذا محمول على ~~المتعارف المعتاد. # وقوله عز وجل {ذرية بعضها من بعض} روي عن الحسن وقتادة: بعضها من بعض في ~~التناصر في الدين, كما قال تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} ~~[التوبة: 67] يعني في الاجتماع على الضلال {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} ms0983 [التوبة: 71] في الاجتماع على الهدى. وقال بعضهم {ذرية بعضها ~~من بعض} # PageV02P013 # في التناسل; لأن جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم عليهم ~~السلام. # PageV02P014 # مطلب: فيمن نذر أن ينشيء ابنه الصغير في عبادة الله وأن يعلمه القرآن ~~وعلوم الدين # قوله عز وجل: {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} روي ~~عن الشعبي أنه قال: "مخلصا للعبادة", وقال مجاهد: "خادما للبيعة". وقال ~~محمد بن جعفر بن الزبير: "عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله تعالى". والتحرير ~~ينصرف على وجهين: أحدهما: العتق, من الحرية. والآخر: تحرير الكتاب, وهو ~~إخلاصه من الفساد والاضطراب. وقوله: {إني نذرت لك ما في بطني محررا} إذا ~~أرادت مخلصا للعبادة أنها تنشئه على ذلك وتشغله بها دون غيرها, وإذا أرادت ~~به أنها تجعله خادما للبيعة أو عتيقا لطاعة الله تعالى فإن معاني جميع ذلك ~~متقاربة, كان نذرا من قبلها نذرته لله تعالى بقولها: نذرته ثم قالت: {فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم} والنذر في مثل ذلك صحيح في شريعتنا أيضا بأن ~~ينذر الإنسان أن ينشئ ابنه الصغير على عبادة الله وطاعته, وأن لا يشغله ~~بغيرهما, وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين. وجميع ذلك نذور صحيحة; لأن ~~في ذلك قربة إلى الله تعالى. وقولها: {نذرت لك} يدل على أنه يقتضي الإيجاب, ~~وأن من نذر لله تعالى قربة يلزمه الوفاء بها. ويدل على أن النذور تتعلق على ~~الأخطار وعلى أوقات مستقبلة; لأنه معلوم أن قولها: {نذرت لك ما في بطني ~~محررا} أرادت به بعد الولادة وبلوغ الوقت الذي يجوز في مثله أن يخلص لعبادة ~~الله تعالى. ويدل أيضا على جواز النذر بالمجهول; لأنها نذرته وهي لا تدري ~~ذكر هو أم أنثى. # PageV02P014 # مطلب: للأم ضرب من الولاية على الولد في تعليمه وتأديبه إلى آخره # ويدل على أن للأم ضربا من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه ~~وتربيته, لولا أنها تملك ذلك لما نذرته في ولدها. ويدل أيضا على أن للأم ~~تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة, ms0984 وإن لم يسمه الأب; لأنها قالت: {وإني ~~سميتها مريم} وأثبت الله تعالى لولدها هذا الاسم. # وقوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن} المراد به, والله أعلم: رضيها ~~للعبادة في النذر الذي نذرته بالإخلاص للعبادة في بيت المقدس, ولم يقبل ~~قبلها أنثى في هذا المعنى. # قوله تعالى {وكفلها زكريا} إذا قرئ بالتخفيف كان معناه أنه تضمن مؤنتها, ~~كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" ~~, وأشار بإصبعيه, يعني به من # PageV02P014 # يضمن مؤنة اليتيم. وإذا قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى كفله إياها ~~وضمنه مؤنتها, وأمره بالقيام بها. والقراءتان صحيحتان, بأن يكون الله تعالى ~~كفله إياها فتكفل بها. # قوله تعالى: {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} الهبة: تمليك الشيء من غير ~~ثمن, ويقولون: قد تواهبوا الأمر بينهم. وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه ~~المجاز; لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة; إذ لم يكن تمليك شيء. وقد كان ~~الولد حرا لا يقع فيه تمليك, ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد ~~من عبادة الله تعالى ووراثته النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة. كما سمى ~~الله تعالى بذل النفس للجهاد في الله شراء بقوله: {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] وهو تعالى مالك ~~الجميع من الأنفس والأموال قبل أن جاهدوا وبعده, وسمى ذلك شراء; لما وعدهم ~~عليه من الثواب الجزيل. وقد يقول القائل: هب لي جناية فلان, ولا تمليك فيه, ~~وإنما أراد إسقاط حكمها. # وقوله تعالى: {وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} يدل على أن غير الله ~~تعالى يجوز أن يسمى بهذا الاسم; لأن الله تعالى سمى يحيى سيدا, والسيد هو ~~الذي تجب طاعته وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين ~~أقبل سعد بن معاذ للحكم بينه وبين بني قريظة: "قوموا إلى سيدكم"; وقال صلى ~~الله عليه وسلم للحسن: "إن ابني هذا سيد" ; وقال لبني سلمة: "من سيدكم يا ~~بني سلمة؟ " قالوا: ms0985 الحر بن قيس على بخل فيه, قال: "وأي داء أدوى من البخل ~~ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح" فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته ~~يجوز أن يسمى سيدا. وليس السيد هو المالك فحسب; لأنه لو كان كذلك لجاز أن ~~يقال سيد الدابة" وسيد الثوب" كما يقال سيد العبد" وقد روي أن وفد بني عامر ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: "أنت سيدنا وذو الطول علينا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "السيد هو الله تكلموا بكلامكم, ولا ~~يستهوينكم الشيطان". وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل السادة من بني ~~آدم, ولكنه رآهم متكلفين لهذا القول, فأنكره عليهم, كما قال: "إن أبغضكم ~~إلي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون" , فكره لهم تكلف الكلام على وجه ~~التصنع., وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقولوا للمنافق ~~سيدا فإنه إن يك سيدا فقد هلكتم" , فنهى أن يسمى المنافق سيدا; لأنه لا تجب ~~طاعته. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيلا} [الأحزاب:67] فسموهم سادات وهو ضلال. قيل له: لأنهم ~~أنزلوهم منزلة من تجب طاعته, وإن لم يكن مستحقا لها, فكانوا عندهم وفي ~~اعتقادهم ساداتهم, كما قال تعالى: # PageV02P015 # {فما أغنت عنهم آلهتهم} [هود: 101] ولم يكونوا آلهة, ولكنهم سموهم آلهة ~~فأجرى الكلام على ما كان في زعمهم واعتقادهم. # قوله تعالى: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا} يقال إنه طلب آية لوقت الحمل ليعجل السرور به, فأمسك على لسانه فلم ~~يقدر أن يكلم الناس إلا بالإيماء; يروى ذلك عن الحسن والربيع بن أنس ~~وقتادة. وقال في هذه الآية: {ثلاثة أيام} وفي موضع آخر في سورة مريم في هذه ~~القصة بعينها: {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] عبر تارة بذكر الأيام وتارة ~~بذكر الليالي, وفي هذا دليل على أن أحد العددين من الجميع عند الإطلاق يعقل ~~به مقداره من الوقت الآخر, فيعقل من ثلاثة أيام ثلاث ليال معها ومن ms0986 ثلاث ~~ليال ثلاثة أيام, ألا ترى أنه لما أراد التفرقة بينهما أفرد كل واحد منهما ~~بالذكر فقال: {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] لأنه لو اقتصر على ~~العدد الأول عقل الملائكة مثله من الوقت الآخر. # قوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نساء العالمين} # قيل في قوله: {اصطفاك} : "اختارك بالتفضيل على نساء العالمين في زمانهم" ~~يروى ذلك عن الحسن وابن جريج. وقال غيرهما: "معناه أنه اختارك على نساء ~~العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح" وقال الحسن ومجاهد: "وطهرك من الكفر ~~بالإيمان". قال أبو بكر: هذا سائغ, كما جاز إطلاق اسم النجاسة على الكافر; ~~لأجل الكفر في قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} والمراد نجاسة الكفر, فكذلك ~~يكون {وطهرك} بطهارة الإيمان. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~المؤمن ليس بنجس" , يعني به نجاسة الكفر, وهو كقوله تعالى: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] والمراد طهارة ~~الإيمان والطاعات. وقيل: إن المراد" وطهرك من سائر الأنجاس من الحيض ~~والنفاس وغيرهما". # PageV02P016 # مطلب: في أن إطلال الغمامة عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة ~~إرهاصا له # وقد اختلف في وجه تطهير الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية; لأن الله تعالى ~~قال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} [يوسف: 109] فقال قائل: ~~"كان ذلك معجزة لزكريا عليه السلام". وقال آخرون: "على وجه إرهاص نبوة ~~المسيح, كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم قبل المبعث". # قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} قال سعيد: ~~"أخلصي لربك". وقال قتادة: "أديمي الطاعة". وقال مجاهد" أطيلي قيام ~~الصلاة", وأصل القنوت الدوام على الشيء, وأشبه هذه الوجوه بالحال الأمر ~~بإطالة القيام في # PageV02P016 # الصلاة" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الصلاة طول ~~القنوت" يعني طول القيام. ويدل عليه قوله عطفا على ذلك: {واسجدي واركعي} ~~فأمرت بالقيام والركوع والسجود وهي أركان الصلاة, ولذلك لم يكن هذا ms0987 موضع ~~سجدة عند سائر أهل العلم كسائر مواضع السجود; لأجل ذكر السجود فيها; لأنه ~~قد ذكر مع السجود القيام والركوع, فكان أمرا بالصلاة, وفي هذا دلالة على ~~أن" الواو" لا توجب الترتيب; لأن الركوع مقدم على السجود في المعنى, وقدم ~~السجود ههنا في اللفظ. # قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} قال أبو ~~بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{إذ يلقون أقلامهم} قال: "تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا". ~~ويقال: إن الأقلام ههنا القداح التي يتساهم عليها, وإنهم ألقوها في جرية ~~الماء, فاستقبل قلم زكريا عليه السلام جرية الماء مصعدا وانحدرت أقلام ~~الآخرين معجزة لزكريا عليه السلام فقرعهم1 يروى ذلك عن الربيع بن أنس. ففي ~~هذا التأويل أنهم تساهموا عليها حرصا على كفالتها. ومن الناس من يقول: إنهم ~~تدافعوا كفالتها لشدة الأزمة والقحط في زمانها حتى وفق لها زكريا خير ~~الكفلاء. والتأويل الأول أصح; لأن الله تعالى قد أخبر أنه كفلها زكريا, ~~وهذا يدل على أنه كان حريصا على كفالتها. ومن الناس من يحتج بذلك على جواز ~~القرعة في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت, ولا مال له غيرهم. وليس هذا من ~~عتق العبيد في شيء; لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز في مثله, ولا ~~يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية, وقد كان عتق الميت نافذا في ~~الجميع فلا يجوز نقله عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل ~~الحرية عمن وقعت عليه. # وإلقاء الأقلام يشبه القرعة في القسمة وفي تقديم الخصوم إلى الحاكم, وهو ~~نظير ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين ~~نسائه" وذلك لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة, وكذلك ~~كان حكم كفالة مريم عليها السلام, وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية ms0988 ~~عمن وقعت عليه. PageV02P017 # مطلب: في تحقيق معنى البشارة # قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح} . # PageV02P017 # البشارة هي خبر على وصف, وهو في الأصل لما يسر لظهور السرور في بشرة ~~وجهه; إذ بشر, والبشرة هي ظاهر الجلد فأضافت الملائكة البشارة إلى الله ~~تعالى وكان الله هو مبشرها, وإن كانت الملائكة خاطبوها. وكذلك قال أصحابنا ~~فيمن قال: "إن بشرت فلانا بقدوم فلان فعبدي حر" فقدم, وأرسل إليه رسولا ~~يخبره بقدومه, فقال له الرسول: " إن فلانا يقول لك قد قدم فلان" أنه يحنث ~~في يمينه; لأن المرسل هو المبشر دون الرسول. ولأجل ما ذكرنا من تضمن ~~البشارة إحداث السرور قال أصحابنا: وإن المبشر هو المخبر الأول, وإن الثاني ~~ليس بمبشر; لأنه لا يحدث بخبره سرور وقد تطلق البشارة ويراد بها الخبر ~~فحسب, كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] . # قوله تعالى: {بكلمة منه} قد قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لما خلقه ~~الله تعالى من غير والد كما قال الله تعالى: {خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} فلما كان خلقه على هذا الوجه من غير والد أطلق عليه اسم الكلمة ~~مجازا كما قال: {وكلمته ألقاها إلى مريم} [النساء: من الآية171] . والوجه ~~الثاني: أنه لما بشر به في الكتب القديمة أطلق عليه الاسم. والوجه الثالث: ~~أن الله يهدي به كما يهدي بكلمته. # PageV02P018 # مطلب: في المباهلة وما رواه أصحاب السير في شأنها # قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم} الاحتجاج المتقدم لهذه الآية على النصارى في قولهم إن المسيح هو ~~ابن الله وهم وفد نجران وفيهم السيد والعاقب قالا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: هل رأيت ولدا من غير ذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم} ; روي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقال قبل ذلك فيما حكى عن ~~المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} إلى قوله تعالى: {وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه} وهذا موجود في الإنجيل; ms0989 لأن فيه: "إني ذاهب إلى أبي, وأبيكم ~~وإلهي وإلهكم "; والأب السيد في تلك اللغة, ألا تراه قال: وأبي, وأبيكم؟ ~~فعلمت أنه لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة, فلما قامت الحجة عليهم بما ~~عرفوه واعترفوا به, وأبطل شبهتهم في قولهم إنه ولد من غير ذكر بأمر آدم ~~عليه السلام دعاهم حينئذ إلى المباهلة فقال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية; فنقل رواة السير ~~ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد الحسن ~~والحسين وعلي وفاطمة رضي الله عنهم, ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى ~~المباهلة, فأحجموا عنها وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ~~نارا, ولم يبق نصراني, ولا نصرانية إلى يوم القيامة. # وفي هذه الآيات دحض شبه النصارى في أنه إله أو ابن الإله; وفيه دلالة على # PageV02P018 # صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم; لأنهم لولا أنهم عرفوا يقينا أنه نبي ~~ما الذي كان يمنعهم من المباهلة؟ فلما أحجموا وامتنعوا عنها دل على أنهم قد ~~كانوا عرفوا صحة نبوته بالدلائل المعجزات وبما وجدوا من نعته في كتب ~~الأنبياء المتقدمين. وفيه الدلالة على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم; لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور المباهلة وقال: ~~"تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم" , ولم يكن هناك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بنون غيرهما, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن رضي الله ~~عنه: "إن ابني هذا سيد" وقال حين بال عليه أحدهما وهو صغير: "لا تزرموا ~~ابني" وهما من ذريته أيضا, كما جعل الله تعالى عيسى من ذرية إبراهيم عليهما ~~السلام بقوله تعالى: {ومن ذريته داود وسليمان} [الأنعام: 84] إلى قوله ~~تعالى: {وزكريا ويحيى وعيسى} [الأنعام: 85] وإنما نسبته إليه من جهة أمه; ~~لأنه لا أب له. # PageV02P019 # مطلب: في أن ولد البنت هل ينسب إلى قوم أبيه أو أمه # ومن الناس من يقول إن هذا مخصوص في الحسن والحسين ms0990 رضي الله عنهما أن ~~يسميا ابني النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما, وقد روي في ذلك خبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدل على خصوص إطلاق اسم ذلك فيهما دون غيرهما من ~~الناس; لأنه روي عنه أنه قال "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ~~ونسبي" ; وقال محمد فيمن أوصى لولد فلان, ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن ~~وولد ابنة: "إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة". وقد روى الحسن بن زياد ~~عن أبي حنيفة أن ولد الابنة يدخلون فيه. وهذا يدل على أن قوله تعالى وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مخصوص به الحسن والحسين في جواز نسبتهما ~~على الإطلاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس لما ورد فيه ~~من الأثر, وأن غيرهما من الناس إنما ينسبون إلى الآباء وقومهم دون قوم ~~الأم, ألا ترى أن الهاشمي إذا استولد جارية رومية أو حبشية أن ابنه يكون ~~هاشميا منسوبا إلى قوم أبيه دون أمه؟ وكذلك قال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... نوهن أبناء الرجال الأباعد # فنسبة الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالبنوة على الإطلاق مخصوص بهما لا يدخل فيه غيرهما; هذا هو الظاهر ~~المتعالم من كلام الناس فيمن سواهما; لأنهم ينسبون إلى الأب وقومه دون قوم ~~الأم. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله} الآية. قوله تعالى: {كلمة سواء} يعني والله أعلم: كلمة عدل ~~بيننا وبينكم نتساوى جميعا فيها; إذ كنا جميعا عباد الله, ثم فسرها بقوله ~~تعالى: {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله} وهذه هي الكلمة التي تشهد العقول # PageV02P019 # بصحتها; إذ كان الناس كلهم عبيد الله لا يستحق بعضهم على بعض العبادة, ~~ولا يجب على أحد منهم طاعة غيره إلا فيما كان طاعة لله تعالى. وقد شرط الله ~~تعالى في طاعة نبيه صلى ms0991 الله عليه وسلم ما كان منها معروفا, وإن كان الله ~~تعالى قد علم أنه لا يأمر إلا بالمعروف; لئلا يترخص أحد في إلزام غيره طاعة ~~نفسه إلا بأمر الله تعالى قال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~في قصة المبايعات: {ولا يعصينك في معروف فبايعهن} [الممتحنة: 12] فشرط ~~عليهن ترك عصيان النبي صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي يأمرهن به ~~تأكيدا; لئلا يلزم أحدا طاعة غيره إلا بأمر الله وما كان منه طاعة لله ~~تعالى. # وقوله تعالى: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أي لا يتبعه في ~~تحليل شيء, ولا تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه, وهو نظير قوله تعالى: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: ~~31] وقد روى عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن ~~حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب, فقال: "ألق ~~هذا الوثن عنك" ثم قرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ~~[التوبة: 31] قلت: يا رسول الله ما كنا نعبدهم قال: "أليس كانوا يحلون لهم ~~ما حرم الله عليهم فيحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه؟ " ~~قال:" فتلك عبادتهم"; وإنما وصفهم الله تعالى بأنهم اتخذوهم أربابا; لأنهم ~~أنزلوهم منزلة ربهم وخالقهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله, ~~ولم يحلله. ولا يستحق أحد أن يطاع بمثله إلا الله تعالى الذي هو خالقهم, ~~والمكلفون كلهم متساوون في لزوم عبادة الله واتباع أمره وتوجيه العبادة ~~إليه دون غيره. # PageV02P020 # مطلب: في الجواب عن إشكال من قال: إن القرآن نزل بعد إبراهيم عليه السلام ~~مكيف يكون مسلما # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} إلى قوله تعالى: {أفلا ~~تعقلون} . روي عن ابن عباس والحسن والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران ~~اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام ~~فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا, وقالت النصارى: ما كان ms0992 إلا نصرانيا; ~~فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والأنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} فاليهودية والنصرانية ~~حادثتان بعد إبراهيم, فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا, وقد قيل إنهم سموا ~~بذلك; لأنهم من ولد يهوذا, والنصارى سموا بذلك; لأن أصلهم من ناصرة قرية ~~بالشام; ومع ذلك فإن اليهود ملة محرفة عن ملة موسى عليه السلام, والنصرانية ~~ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السلام; فلذلك قال تعالى: {وما أنزلت التوراة ~~والأنجيل # PageV02P020 # إلا من بعده} فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ملة حادثة بعده؟!. # فإن قيل: فينبغي أن لا يكون حنيفا مسلما; لأن القرآن نزل بعده. قيل له: ~~لما كان معنى الحنيف الدين المستقيم; لأن الحنف في اللغة هو الاستقامة ~~والإسلام ههنا هو الطاعة لله تعالى والانقياد لأمره, وكل أحد من أهل الحق ~~يصح وصفه بذلك فقد علمنا بأن الأنبياء المتقدمين إبراهيم ومن قبله قد كانوا ~~بهذه الصفة, فلذلك جاز أن يسمى إبراهيم حنيفا مسلما, وإن كان القرآن نزل ~~بعده. لأن هذا الاسم ليس بمختص بنزول القرآن دون غيره, بل يصح صفة جميع ~~المؤمنين به, واليهودية والنصرانية صفة حادثة لمن كان على ملة حرفها ~~منتحلوها من شريعة التوراة والإنجيل, فغير جائز أن ينسب إليها من كان ~~قبلها. # PageV02P021 # مطلب: في وجوب المحاجة في الدين # وفي هذه الآيات دليل على وجوب المحاجة في الدين وإقامة الحجة على ~~المبطلين, كما احتج الله تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر ~~المسيح عليه السلام وأبطل بها شبهتهم وشغبهم. # وقوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم} أوضح دليل على صحة الاحتجاج للحق; لأنه لو كان الحجاج كله ~~محظورا لما فرق بين المحاجة بالعلم وبينها إذا كانت بغير علم. وقيل في قوله ~~تعالى: {حاججتم فيما لكم به علم} : فيما وجدوه في كتبهم, وأما ما ليس لهم ~~به علم فهو شأن إبراهيم في قولهم إنه كان يهوديا أو نصرانيا. # قوله تعالى: {ومن ms0993 أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} معناه: تأمنه ~~على قنطار; لأن "الباء" و "على" تتعاقبان في هذا الموضع, كقولك: مررت بفلان ~~ومررت عليه. وقال الحسن في القنطار: "هو ألف مثقال ومائتا مثقال". وقال أبو ~~نضرة: ملء مسك ثور ذهبا". وقال مجاهد: "سبعون ألفا". وقال أبو صالح: "مائة ~~رطل". فوصف الله تعالى بعض أهل الكتاب بأداء الأمانة في هذا الموضع, ويقال ~~إنه أراد به النصارى ومن الناس من يحتج بذلك في قبول شهادة بعضهم على بعض; ~~لأن الشهادة ضرب من الأمانة, كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت ~~شهادته فكذلك الكتابي من حيث كان منهم موصوفا بالأمانة دل على جواز قبول ~~شهادته على الكفار. # فإن قيل: فهذا يوجب جواز قبول شهادتهم على المسلمين; لأنه وصفه بأداء ~~الأمانة إلى المسلمين إذا ائتمنوه عليها. قيل له: كذلك يقتضي ظاهر الآية, ~~إلا أنا خصصناه # PageV02P021 # بالإنفاق. وأيضا فإنما دلت على جواز شهادتهم للمسلمين; لأن أداء أمانتهم ~~حق لهم, فأما جوازه عليهم فلا دلالة في الآية عليه. # وقوله تعالى: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه ~~قائما} قال مجاهد وقتادة: "إلا ما دمت عليه قائما بالتقاضي". وقال السدي: ~~إلا ما دمت قائما على رأسه بالملازمة له". واللفظ محتمل للأمرين من التقاضي ~~ومن الملازمة وهو عليهما جميعا; وقوله تعالى: {إلا ما دمت عليه قائما} ~~بالملازمة أولى منه بالتقاضي من غير ملازمة, وقد دلت الآية على أن للطالب ~~ملازمة المطلوب بالدين. # وقوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} روي عن قتادة ~~والسدي أن اليهود قالت: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل; لأنهم ~~مشركون, وزعموا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وقيل: إنهم قالوا ذلك في سائر من ~~يخالفهم في دينهم ويستحلون أموالهم; لأنهم يزعمون أن على الناس جميعا ~~اتباعهم, وادعوا ذلك على الله أنه أنزله عليهم; فأخبر الله تعالى عن كذبهم ~~في ذلك بقوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} أنه كذب. # قوله تعالى: {إن ms0994 الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} . روى ~~الأعمش عن سفيان عن عبد الله قال: قال رسول الله: "من حلف على يمين يقتطع ~~بها مال امرئ مسلم, وهو فاجر فيها لقي الله وهو عليه غضبان". وقال الأشعث ~~بن قيس: في نزلت, كان بيني وبين رجل خصومة, فخاصمته إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ألك بينة؟ قلت: لا, قال: فيمينه قلت: إذا يحلف; فذكر مثل ~~قول عبد الله, فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله} الآية. وروى مالك عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن ~~أبي أمامة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق مسلم بيمينه ~~حرم الله عليه الجنة, وأوجب له النار" قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول ~~الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك". وروى الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف على يمين صبر1 ليقتطع بها مال ~~أخيه لقي الله وهو عليه غضبان". # وظاهر الآية وهذه الآثار تدل على أنه لا يستحق أحد بيمينه مالا هو في ~~الظاهر لغيره, وكل من في يده شيء يدعيه لنفسه فالظاهر أنه له حتى يستحقه ~~غيره. وقد منع PageV02P022 # ظاهر الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره في الظاهر ~~ولولا يمينه لم يستحقه; لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند الله دون ~~ما هو عندنا في الظاهر; إذ كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق الظاهر ~~دون الحقيقة; وفي ذلك دليل على بطلان قول القائلين برد اليمين; لأنه يستحق ~~بيمينه ما كان ملكا لغيره في الظاهر. وفيه الدلالة على أن الأيمان ليست ~~موضوعة للاستحقاق, وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة; وروى العوام بن حوشب قال: ~~حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: أقام رجل سلعة فحلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم أعط بها ms0995 ليوقع فيها مسلما, ~~فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله} الآية. وروي عن الحسن وعكرمة أنها نزلت ~~في قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله, وإن ~~ادعوا أنه {ليس علينا في الأميين سبيل} . # قوله تعالى: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} إلى قوله تعالى: ~~{وما هو من عند الله} يدل على أن المعاصي ليست من عند الله, ولا من فعله; ~~لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده, وقد نفى الله نفيا عاما كون المعاصي ~~من عنده, ولو كانت من فعله لكانت من عنده من آكد الوجوه, فكان لا يجوز ~~إطلاق النفي بأنه ليس من عنده. فإن قيل فقد يقال إن الإيمان من عند الله, ~~ولا يقال إنه من عنده من كل الوجوه, كذلك الكفر والمعاصي. قيل له: لأن ~~إطلاق النفي يوجب العموم وليس كذلك إطلاق الإثبات, ألا ترى أنك لو قلت: "ما ~~عند زيد طعام" كان نفيا لقليله وكثيره, ولو قلت: "عنده طعام" ما كان عموما ~~في كون جميع الطعام عنده؟ # قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قيل في معنى البر ~~ههنا وجهان: أحدهما: "الجنة" وروي ذلك عن عمرو بن ميمون والسدي. وقيل فيه: ~~البر بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر, والنفقة ههنا إخراج ما يحب في سبيل ~~الله من صدقة أو غيرها. وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال: لما نزلت: ~~{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} و {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} ~~قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى. ولو ~~استطعت أن أسره ما أعلنته; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعله في ~~قرابتك أو في أقربائك". وروى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي عمر ~~وابن حماس عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال: خطرت هذه الآية: ~~{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فتذكرت ما أعطاني الله, فلم أجد ms0996 ~~شيئا أحب إلي من جاريتي أميمة, فقلت: هي حرة لوجه الله; فلولا أن أعود في ~~شيء فعلته لله لنكحتها, فأنكحتها نافعا وهي أم ولده. حدثنا عبد الله بن # PageV02P023 # محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر عن أيوب وغيره, أنها حين نزلت: {لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون} جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها, فقال: يا رسول الله ~~هذه في سبيل الله فحمل النبي صلى الله عليه وسلم عليها أسامة بن زيد فكأن ~~زيدا أوجد في نفسه, فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه قال: أما ~~الله تعالى فقد قبلها. وروي عن الحسن أنه قال: "هو الزكاة الواجبة وما فرض ~~الله تعالى في الأموال". # قال أبو بكر: عتق ابن عمر للجارية على تأويل الآية يدل على أنه رأى كل ما ~~أخرج على وجه القربة إلى الله فهو من النفقة المراد بالآية. ويدل أيضا على ~~أن ذلك كان عنده عاما في الفروض والنوافل; وكذلك فعل أبي طلحة وزيد بن ~~حارثة يدل على أنهم لم يروا ذلك مقصورا على الفرض دون النفل, ويكون حينئذ ~~معنى قوله تعالى: {لن تنالوا البر} على أنكم لن تنالوا البر الذي هو في ~~أعلى منازل القرب {حتى تنفقوا مما تحبون} على وجه المبالغة في الترغيب فيه; ~~لأن الإنفاق مما يحب يدل على صدق نيته, كما قال تعالى: {لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] . وقد يجوز إطلاق ~~مثله في اللغة وإن لم يرد به نفي الأصل وإنما يريد به نفي الكمال, كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان, ولكن المسكين الذي لا يجد ما ينفق, ولا يفطن له فيتصدق ~~عليه", فأطلق ذلك على وجه المبالغة في الوصف له بالمسكنة لا على نفي ~~المسكنة عن غيره على الحقيقة. # قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه} . قال ms0997 أبو بكر: هذا يوجب أن يكون جميع المأكولات قد كان مباحا لبني ~~إسرائيل إلى أن حرم إسرائيل ما حرمه على نفسه. وروي عن ابن عباس والحسن أنه ~~أخذه وجع عرق النسا فحرم أحب الطعام إليه إن شفاه الله على وجه النذر, وهو ~~لحوم الإبل. وقال قتادة حرم العروق". وروي أن إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم عليه السلام نذر إن برئ من عرق النسا أن يحرم أحب الطعام ~~والشراب إليه, وهو لحوم الإبل, وألبانها. وكان سبب نزول هذه الآية أن ~~اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل; لأنهم لا يرون ~~النسخ جائزا, فأنزل الله هذه الآية وبين أنها كانت مباحة لإبراهيم وولده ~~إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه, وحاجهم بالتوراة, فلم يجسروا على إحضارها ~~لعلمهم بصدق ما أخبر أنه فيها; وبين بذلك بطلان قولهم في إباء النسخ; إذ ما ~~جاز أن يكون مباحا في وقت ثم حظر جازت إباحته بعد حظره وفيه الدلالة على ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه صلى الله عليه وسلم # PageV02P024 # كان أميا لا يقرأ الكتب, ولم يجالس أهل الكتاب, فلم يعرف سرائر كتب ~~الأنبياء المتقدمين إلا بإعلام الله إياه. # وهذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه صار محظورا عليه وعلى بني ~~إسرائيل, يدل عليه قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه} فاستثنى ذلك مما أحله تعالى لبني إسرائيل ثم حظره ~~إسرائيل على نفسه, فدل على أنه صار محظورا عليه وعليهم. # فإن قيل: كيف يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه شيئا وهو لا يعلم موقع ~~المصلحة في الحظر والإباحة; إذ كان علم المصالح في العبادات لله تعالى ~~وحده؟ قيل: هذا جائز بأن يأذن الله له فيه, كما يجوز الاجتهاد في الأحكام ~~بإذن الله تعالى فيكون ما يؤدي إليه الاجتهاد حكما لله تعالى. وأيضا فجائز ~~للإنسان أن يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ويحرم جاريته بالعتق, فكذلك جائز ~~أن يأذن الله له في تحريم الطعام, إما ms0998 من جهة النص أو الاجتهاد. وما حرمه ~~إسرائيل على نفسه لا يخلو من أن يكون تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك أو ~~توقيفا من الله له في إباحة التحريم له إن شاء. وظاهر الآية يدل على أن ~~تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك لإضافة الله تعالى التحريم إليه, ولو كان ~~ذلك عن توقيف لقال: "إلا ما حرم الله على بني إسرائيل" فلما أضاف التحريم ~~إليه دل ذلك على أنه قد كان جعل إليه إيجاب التحريم من طريق الاجتهاد. وهذا ~~يدل على أنه جائز أن يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الأحكام ~~كما جاز لغيره, والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك لفضل رأيه وعلمه بوجوه ~~المقاييس واجتهاد الرأي, وقد بينا ذلك في أصول الفقه. # قال أبو بكر: قد دلت الآية على أن تحريم إسرائيل لما حرمه من الطعام على ~~نفسه قد كان واقعا, ولم يكن موجب لفظه شيئا غير التحريم, وهذا المعنى هو ~~منسوخ بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حرم مارية على نفسه, وقيل إنه حرم العسل; فلم يحرمهما الله تعالى عليه وجعل ~~موجب لفظه كفارة يمين بقوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك} [التحريم: 1] إلى قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} [التحريم: 2] فجعل في التحريم كفارة يمين إذا استباح ما حرم ~~بمنزلة الحلف أن لا يستبيحه. وكذلك قال أصحابنا فيمن حرم على نفسه جارية أو ~~شيئا من ملكه أنه لا يحرم عليه, وله أن يستبيحه بعد التحريم وتلزمه كفارة ~~يمين, بمنزلة من حلف أن لا يأكل هذا الطعام; إلا أنهم خالفوا بينه وبين ~~اليمين من وجه, وهو أن القائل: "والله لا أكلت هذا الطعام" لا يحنث إلا ~~بأكل جميعه, ولو قال: "قد حرمت هذا الطعام على نفسي حنث بأكل جزء منه; لأن ~~الحالف لما حلف عليه بلفظ التحريم فقد قصد إلى # PageV02P025 # الحنث بأكل الجزء منه. بمنزلة قوله: "والله ms0999 لا آكل شيئا منه "; لأن ما ~~حرمه الله تعالى من الأشياء فتحريمه شامل لقليله وكثيره, وكذلك المحرم له ~~على نفسه عاقد لليمين على كل جزء منه أن لا يأكل. # قوله عز وجل: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} قال ~~مجاهد وقتادة: "لم يوضع قبله بيت على الأرض". وروي عن علي والحسن أنهما ~~قالا: "هو أول بيت وضع للعبادة". وقد اختلف في بكة, فقال الزهري: "بكة ~~المسجد ومكة الحرم كله", وقال مجاهد: "بكة هي مكة". ومن قال هذا القول ~~يقول: قد تبدل الباء من الميم, كقوله سبد رأسه وسمده إذا حلقه. وقال أبو ~~عبيدة: "بكة هي بطن مكة". وقيل إن البك الزحم, من قولك: بكه يبكه بكا إذا ~~زاحمه, وتباك الناس بالموضع إذا ازدحموا; فيجوز أن يسمى بها البيت لازدحام ~~الناس فيه للتبرك بالصلاة, ويجوز أن يسمى به ما حول البيت من المسجد ~~لازدحام الناس فيه للطواف. # قوله تعالى: {وهدى للعالمين} يعني بيانا ودلالة على الله لما أظهر فيه من ~~الآيات التي لا يقدر عليها غيره, وهو أمن الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي ~~في الحرم, فلا الكلب يهيج الظبي, ولا الظبي يتوحش منه; وفي ذلك دلالة على ~~توحيد الله وقدرته. وهذا يدل على أن المراد بالبيت ههنا البيت وما حوله من ~~الحرم; لأن ذلك موجود في جميع الحرم. وقوله: {مباركا} يعني أنه ثابت الخير ~~والبركة; لأن البركة هي ثبوت الخير ونموه وتزيده, والبرك هو الثبوت, يقال: ~~برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله. وفي هذه الآية ترغيب في الحج إلى البيت ~~الحرام بما أخبر عنه من المصلحة فيه والبركة ونمو الخير وزيادته مع اللطف ~~في الهداية إلى التوحيد والديانة. # قوله تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} قال أبو بكر: الآية في مقام ~~إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى; ليكون ~~ذلك دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة إبراهيم عليه السلام. ومن ~~الآيات فيه ما ذكرنا من أمن الوحش, وأنسه ms1000 فيه مع السباع الضارية المتعادية, ~~وأمن الخائف في الجاهلية فيه {ويتخطف الناس من حولهم} وإمحاق الجمار على ~~كثرة الرامي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا مع أن حصى الجمار ~~إنما تنقل إلى موضع الرمي من غيره, وامتناع الطير من العلو عليه وإنما يطير ~~حوله لا فوقه, واستشفاء المريض منها به, وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته, ~~وقد كانت العادة بذلك جارية, ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا لإخرابه ~~بالطير الأبابيل. فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها, وفي جميع ~~ذلك دليل على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله; لأن هذه الآيات موجودة في ~~الحرم, ومقام إبراهيم ليس في البيت إنما هو خارج البيت, والله أعلم. # PageV02P026 # باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجني فيه # قال الله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} . قال أبو بكر: لما كانت الآيات ~~المذكورة عقيب قوله: {إن أول بيت وضع للناس} موجودة في جميع الحرم, ثم قال: ~~{ومن دخله كان آمنا} وجب أن يكون مراده جميع الحرم, وقوله: {ومن دخله كان ~~آمنا} يقتضي أمنه على نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو جنى بعد دخوله, إلا ~~أن الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها. ~~ومعلوم أن قوله: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر وإن كان في صورة الخبر, كأنه ~~قال: هو آمن في حكم الله تعالى وفيما أمر به, كما نقول: هذا مباح وهذا ~~محظور; والمراد أنه كذلك في حكم الله وما أمر به عباده, وليس المراد أن ~~مبيحا يستبيحه, ولا أن معتقدا للحظر يحظره, وإنما هو بمنزلة قوله في ~~المباح:"افعله على أن لا تبعة عليك فيه, ولا ثواب" وفي المحظور: "لا تفعله ~~فإنك تستحق العقاب به". وكذلك قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر لنا ~~بإيمانه وحظر دمه, ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] فأخبر بجواز ~~وقوع القتل فيه, وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا؟ ms1001 ولو كان قوله ~~تعالى: {ومن دخله كان آمنا} خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره, فثبت بذلك أن ~~قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر لنا بإيمانه ونهي لنا عن قتله. ثم ~~لا يخلو ذلك من أن يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق ~~أو أن نؤمنه من قتل قد استحقه بجنايته, فلما كان حمله على الإيمان من قتل ~~غير مستحق عليه بل على وجه الظلم, تسقط فائدة تخصيص الحرم به; لأن الحرم ~~وغيره في ذلك سواء; إذ كان علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أو ~~من قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك, علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قبل ~~مستحق, فظاهره يقتضي أن نؤمنه من المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي ~~غيره, إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم ~~قتل. قال الله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] ففرق بين الجاني في الحرم وبين الجاني ~~في غيره إذا لجأ إليه. # PageV02P027 # مطلب في حكم الجاني في غير الحرم إذا التجأ إليه # وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه, فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم ~~لم يقتص منه ما دام فيه, ولكنه لا يبايع, ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم ~~فيقتص منه, وإن قتل # PageV02P027 # أي الحرم قتل, وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخل الحرم ~~اقتص منه". وقال مالك والشافعي: "يقتص منه في الحرم ذلك كله". قال أبو بكر: ~~روي عن ابن عباس وابن عمر وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس والشعبي ~~فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل. قال ابن عباس: "ولكنه لا يجالس, ~~ولا يؤوى, ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل, وإن فعل ذلك في الحرم أقيم ~~عليه". وروى ms1002 قتادة عن الحسن أنه قال: "لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في ~~غيره أن يقام عليه", قال: وكان الحسن يقول: {ومن دخله كان آمنا} : "كان هذا ~~في الجاهلية, لو أن رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى ~~يخرج من الحرم, فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة, من أصاب الحد في غيره ثم ~~لجأ إليه أقيم عليه الحد". وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا: "إذا أصاب حدا ~~في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم أخرج عن الحرم حتى يقام عليه" وعن مجاهد ~~مثله. وهذا يحتمل أن يريد به أن يضطر إلى الخروج بترك مجالسه وإيوائه ~~ومبايعته ومشاراته, وقد روي ذلك عن عطاء مفسرا, فجائز أن يكون ما روي عنه ~~وعن الحسن في إخراجه من الحرم على هذا الوجه. وقد ذكرنا دلالة قوله تعالى: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] على مثل ~~ما دل عليه قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} في موضعه, وبينا وجه دلالة ذلك ~~على أن دخول الحرم يحظر قتل من لجأ إليه إذا لم تكن جنايته في الحرم. وأما ~~ما ذكرنا من قول السلف فيه يدل على أنه اتفاق منهم على حظر قتل من قتل في ~~غير الحرم ثم لجأ إليه; لأن الحسن روي عنه فيه قولان متضادان: أحدهما: ~~رواية قتادة عنه أنه يقتل, والآخر رواية هشام بن حسان في أنه لا يقتل في ~~الحرم ولكنه يخرج منه فيقتل., وقد بينا أنه يحتمل قوله: "يخرج فيقتل" أنه ~~يضيق عليه في ترك المبايعة والمشاراة والأكل والشرب حتى يضطر إلى الخروج, ~~فلم يحصل للحسن في هذا قول لتضاد الروايتين, وبقي قول الآخرين من الصحابة ~~والتابعين في منع القصاص في الحرم بجناية كانت منه في غير الحرم. ولم يختلف ~~السلف ومن بعدهم من الفقهاء أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذا بجنايته يقام ~~عليه ما يستحقه من قتل أو غيره. # فإن قيل: قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] وقوله: ~~{النفس ms1003 بالنفس} [المائدة: 45] وقوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا} [الإسراء: 33] يوجب عمومه القصاص في الحرم على من جنى فيه أو في ~~غيره. قيل له: قد دللنا على أن قوله: {ومن دخله كان آمنا} قد اقتضى وقوع ~~الأمن من القتل بجناية كانت منه في غيره, وقوله: {كتب عليكم القصاص} ~~[البقرة: 178] وسائر # PageV02P028 # الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا من الأمن بدخول الحرم, ويكون ذلك ~~مخصوصا من آي القصاص, وأيضا فإن قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} وارد في ~~إيجاب القصاص لا في حكم الحرم, وقوله: {ومن دخله كان آمنا} وارد في حكم ~~الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه, فيجرى كل واحد منهما على بابه, ويستعمل ~~فيما ورد فيه, ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم. ومن جهة أخرى أن إيجاب ~~القصاص لا محالة متقدم لإيجاب أمانه بالحرم; لأنه لو لم يكن القصاص واجبا ~~قبل ذلك استحال أن يقال هو آمن ما لم يجن, ولم يستحق عليه, فدل ذلك على أن ~~الحكم بأمنه بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص. ومن جهة الأثر حديث ابن ~~عباس وأبي شريح الكعبي, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم ~~مكة, ولم تحل; لأحد قبلي, ولا لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار", ~~فظاهر ذلك يقتضي حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه; إلا أن الجاني فيه لا ~~خلاف فيه أنه يؤخذ بجنايته, فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه. وروى ~~حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه ~~قال: " إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله أو قتل في الحرم ~~أو قتل بذحل الجاهلية" , وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه, فلا يخص ~~منه شيء إلا بدلالة. # وأما ما دون النفس فإنه يؤخذ به; لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم ~~حبس به; لقوله صلى الله عليه وسلم: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" , والحبس ~~في الدين ms1004 عقوبة, فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس, فكل حق وجب فيما دون ~~النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في الدين. وأيضا لا خلاف ~~بين الفقهاء أنه مأخوذ بما يجب عليه فيما دون النفس, وكذلك لا خلاف أن ~~الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها, ولا خلاف أيضا أنه إذا ~~جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في الحرم أنه لا يبايع, ~~ولا يشارى, ولا يؤوى حتى يخرج, ولما ثبت عندنا أنه لا يقتل وجب استعمال ~~الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه. فهذه الوجوه كلها لا ~~خلاف فيها, وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم, وقد ~~دللنا عليه; وما عدا ذلك فهو محمول على ما حصل عليه الاتفاق. # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال: حدثنا ~~يعقوب بن حميد قال: حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسكن مكة سافك ~~دم ولا آكل ربا ولا مشاء بنميمة". وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم ~~يؤو, ولم يجالس, ولم يبايع, ولم يشار # PageV02P029 # ولم يطعم, ولم يسق حتى يخرج; لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يسكنها سافك ~~دم". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا ~~داود بن عمرو قال: حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن ~~عباس قال: "إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس, ولم يبايع, ولم يؤو واتبعه ~~طالبه يقول له اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم". # ونظير قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} قوله عز وجل: {أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] وقوله: {أولم نمكن ~~لهم حرما آمنا} [القصص: 57] وقوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} ~~[البقرة: 125] فهذه الآي متقاربة المعاني ms1005 في الدلالة على حظر قتل من لجأ ~~إليه وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله. ولما عبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر ~~الحرم دل على أن الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه. ~~ولما لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت; لأن الله تعالى وصفه بالأمن ~~فيه, وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه. فإن قيل: من قتل في البيت لم يقتل ~~فيه ومن قتل في الحرم قتل فيه, فليس الحرم كالبيت. قيل له: لما جعل الله ~~حكم الحرم حكم البيت فيما عظم من حرمته, وعبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر ~~الحرم, اقتضى ذلك التسوية بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه, وقد قامت ~~الدلالة في حظر القتل في البيت فخصصناه, وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه ظاهر ~~القرآن من إيجاب التسوية بينهما; والله تعالى أعلم. # PageV02P030 # باب فرض الحج # قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} قال أبو ~~بكر: هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه. والذي يقتضيه ~~من حكم السبيل أن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك; إذ كانت استطاعة ~~السبيل إليه هي إمكان الوصول إليه, كقوله تعالى: {فهل إلى خروج من سبيل} ~~[غافر: 11] يعني: من وصول و {هل إلى مرد من سبيل} [الشورى: 44] يعني: من ~~وصول, وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود ~~الزاد والراحلة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من ملك زادا وراحلة يبلغه بيت الله, ولم يحج فلا عليه أن ~~يموت يهوديا أو نصرانيا" , وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: {ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن ~~محمد بن عباد عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز ~~وجل: {ولله على # PageV02P030 # الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} قال: ms1006 "السبيل إلى الحج الزاد ~~والراحلة". وروى يونس عن الحسن: لما نزلت هذه الآية: {ولله على الناس حج ~~البيت} الآية قال رجل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "زاد وراحلة". # وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: "السبيل الزاد والراحلة", ولم يحل ~~بينه وبينه أحد وقال سعيد بن جبير: "هو الزاد والراحلة". قال أبو بكر: ~~فوجود الزاد والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى ومن شرائط وجوب الحج, ~~وليست الاستطاعة مقصورة على ذلك; لأن المريض والخائف والشيخ الذي لا يثبت ~~على الراحلة والزمنى وكل من تعذر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل ~~إلى الحج, وإن كان واجدا للزاد والراحلة; فدل ذلك على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يرد بقوله: "الاستطاعة الزاد والراحلة" أن ذلك جميع شرائط ~~الاستطاعة, وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول: "إن من أمكنه المشي إلى بيت ~~الله, ولم يجد زادا وراحلة فعليه الحج" فبين صلى الله عليه وسلم أن لزوم ~~فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي, وأن من لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمشي ~~الذي يشق ويعسر فلا حج عليه. # فإن قيل: فينبغي أن لا يلزم فرض الحج إلا من كان بينه وبين مكة مسافة ~~ساعة إذا لم يجد زادا وراحلة, وأمكنه المشي. قيل له: إذا لم يلحقه في المشي ~~مشقة شديدة فهذه أيسر أمرا من الواجد للزاد والراحلة إذا بعد وطنه من مكة, ~~ومعلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لأن لا يشق عليه ويناله ما يضر من ~~المشي. فإذا كان من أهل مكة وما قرب منها ممن لا يشق عليه المشي في ساعة من ~~نهار فهذا مستطيع للسبيل بلا مشقة, وإذا كان لا يصل إلى البيت إلا بالمشقة ~~الشديدة فهو الذي خفف الله عنه, ولم يلزمه الفرض إلا على الشرط المذكور ~~ببيان النبي صلى الله عليه وسلم; قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} [الحج 78] يعني: من ضيق. وعندنا أن وجود المحرم للمرأة من شرائط ~~الحج; لما روي عن ms1007 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج". وروى ~~عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" فقال رجل: يا رسول الله إني قد ~~اكتتبت في غزوة كذا, وقد أرادت امرأتي أن تحج؟ فقال رسول الله: "احجج مع ~~امرأتك". وهذا يدل على أن قوله: "لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" قد ~~انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه, أحدها: أن السائل عقل منه ذلك, ~~ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج, ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك عليه, فدل على أن مراده صلى الله عليه وسلم عام في الحج وغيره من ~~الأسفار. والثاني: قوله "حج مع امرأتك" وفي # PageV02P031 # ذلك إخبار منه بإرادة سفر الحج في قوله: "لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو ~~محرم". والثالث: أمره إياه بترك الغزو للحج مع امرأته, ولو جاز لها الحج ~~بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو وهو فرض للتطوع, وفي هذا دليل أيضا ~~على أن حج المرأة كان فرضا, ولم يكن تطوعا; لأنه لو كان تطوعا لما أمره ~~بترك الغزو الذي هو فرض لتطوع المرأة. ومن وجه آخر, وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يسأله عن حج المرأة أفرض هو أم نفل; وفي ذلك دليل على تساوي ~~حكمهما في امتناع خروجها بغير محرم, فثبت بذلك أن وجود المحرم للمرأة من ~~شرائط الاستطاعة, ولا خلاف أن من شرط استطاعتها أن لا تكون معتدة; لقوله ~~تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة} [الطلاق: 1] ~~فلما كان ذلك معتبرا في الاستطاعة وجب أن يكون نهيه للمرأة أن تسافر بغير ~~محرم معتبرا فيها. # ومن شرائطه ما ذكرنا من إمكان ثبوته على الراحلة وذلك لما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن الحسن بن ms1008 أبي عباد قال: حدثنا محمد بن ~~مصعب قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس: أن ~~امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقالت: يا رسول ~~الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن ~~يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم حجي عن أبيك". فأجاز صلى الله ~~عليه وسلم للمرأة أن تحج عن أبيها, ولم يلزم الرجل الحج بنفسه; فثبت بذلك ~~أن من شرط الاستطاعة إمكان الوصول إلى الحج. وهؤلاء وإن لم يلزمهم الحج ~~بأنفسهم إذا كانوا واجدين للزاد والراحلة, فإن عليهم أن يحجوا غيرهم عنهم, ~~أعني المريض والزمن والمرأة إذا حضرتهم الوفاة فعليهم أن يوصوا بالحج, وذلك ~~أن وجود ما يمكن به الوصول إلى الحج في ملكهم يلزمهم فرض الحج في أموالهم ~~إذا لم يمكنهم فعله بأنفسهم. لأن فرض الحج يتعلق بمعنيين: أحدهما: بوجود ~~الزاد والراحلة وإمكان فعله بنفسه, فعلى من كانت هذه صفته الخروج. والمعنى ~~الآخر: أن يتعذر فعله بنفسه لمرض أو كبر سن أو زمانة أو; لأنها امرأة لا ~~محرم لها, ولا زوج يخرج معها; فهؤلاء يلزمهم الحج بأموالهم عند الإياس ~~والعجز عن فعله بأنفسهم. فإذا أحج المريض أو المرأة عن أنفسهما ثم لم يبرأ ~~المريض, ولم تجد المرأة محرما حتى ماتا أجزأهما, وإن برئ المريض ووجدت ~~المرأة محرما لم يجزهما. وقول الخثعمية للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن أبي ~~أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة" وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إياها بالحج عنه, يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله ~~وإن لم يثبت على الراحلة; لأنها أخبرته أن فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ ~~كبير, فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قولها ذلك; فهذا # PageV02P032 # يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله, وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياها بفعل الحج الذي أخبرت أنه قد لزمه يدل على لزومه ms1009 أيضا. # وقد اختلف في حج الفقير, فقال أصحابنا والشافعي: "لا حج عليه وإن حج ~~أجزأه من حجة الإسلام". وحكي عن مالك: "أن عليه الحج إذا أمكنه المشي". ~~وروي عن ابن الزبير والحسن: "أن الاستطاعة ما تبلغه كائنا ما كان". وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الاستطاعة "الزاد والراحلة" يدل على أن لا ~~حج عليه, فإن هو وصل إلى البيت مشيا فقد صار بحصوله هناك مستطيعا بمنزلة ~~أهل مكة; لأنه معلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لمن بعد من مكة, فإذا ~~حصل هناك فقد استغنى عن الزاد والراحلة للوصول إليه, فيلزمه الحج حينئذ, ~~فإذا فعله كان فاعلا فرضا. # واختلف في العبد إذا حج هل يجزيه من حجة الإسلام, فقال أصحابنا: "لا ~~يجزيه". وقال الشافعي: "يجزيه". والدليل على صحة قولنا ما حدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: ~~حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن سليم قال: حدثنا أبو إسحاق عن الحارث ~~عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك زادا وراحلة تبلغه ~~إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" , وذلك أن ~~الله تعالى يقول: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين} ; فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شرط لزوم ~~الحج ملك الزاد والراحلة, والعبد لا يملك شيئا فليس هو إذا من أهل الخطاب ~~بالحج. وسائر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستطاعة ~~أنها الزاد والراحلة هي على ملكهما على ما بين في حديث علي رضي الله عنه. ~~وأيضا فمعلوم من مراد النبي صلى الله عليه وسلم في شرطه الزاد والراحلة أن ~~يكون ملكا للمستطيع, وأنه لم يرد به زادا وراحلة في ملك غيره; وإذا كان ~~العبد لا يملك بحال لم يكن من أهل الخطاب بالحج, فلم يجزه حجه. # فإن قيل: ليس الفقير من أهل الخطاب ms1010 بالحج; لعدم ملك الزاد والراحلة, ولو ~~حج جاز حجه; كذلك العبد. قيل له: إن الفقير من أهل الخطاب; لأنه ممن يملك, ~~والعبد ممن لا يملك; وإنما سقط الفرض عن الفقير; لأنه غير واجد لا لأنه ليس ~~ممن يملك, فإذا وصل إلى مكة فقد استغنى عن الزاد والراحلة وصار بمنزلة سائر ~~الواجدين الواصلين إليها بالزاد والراحلة. والعبد إنما سقط عنه الخطاب به ~~لا لأنه لا يجد لكن; لأنه لا يملك, وإن ملك فلم يدخل في خطاب الحج فلذلك لم ~~يجزه, وصار من هذا الوجه بمنزلة الصغير الذي لم يخاطب بالحج لا; لأنه لا ~~يجد ولكنه ليس من أهل الخطاب بالحج; لأن من شرط الخطاب به أن يكون ممن يملك ~~كما أن من شرطه أن يكون ممن يصح خطابه # PageV02P033 # به. وأيضا فإن العبد لا يملك منافعه وللمولى منعه من الحج باتفاق, ومنافع ~~العبد هي ملك للمولى; فإذا فعل بها الحج صار كحج فعله المولى فلا يجزيه من ~~حجة الإسلام. ويدل عليه أن العبد لا يملك منافعه أن المولى هو المستحق ~~لأبدالها إذا صارت مالا, وأن له أن يستخدمه ويمنعه من الحج, فإذا أذن له ~~فيه صار معيرا له ملك المنافع فهي متلفة على ملك المولى فلا يجزئ العبد; ~~وليس كذلك الفقير; لأنه يملك منافع نفسه, وإذا فعل بها الحج أجزاه; لأنه قد ~~صار من أهل الاستطاعة. # فإن قيل: للمولى منع العبد من الجمعة, وليس العبد من أهل الخطاب بها وليس ~~عليه فرضها, ولو حضرها وصلاها أجزأته; فهلا كان الحج كذلك قيل له: إن فرض ~~الظهر قائم على العبد ليس للمولى منعه منها, فمتى فعل الجمعة فقد أسقط بها ~~فرض الظهر الذي كان العبد يملك فعله من غير إذن المولى, فصار كفاعل الظهر; ~~فلذلك أجزأه, ولم يكن على العبد فرض آخر يملك فعله فأسقط بفعل الحج حتى ~~نحكم بجوازه ونجعله في حكم ما هو مالكه; فلذلك اختلفا. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حج العبد ما حدثنا عبد الباقي بن ms1011 ~~قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا يحيى بن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن ~~أيوب عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لو أن صبيا حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن استطاع إليها ~~سبيلا ولو أن أعرابيا حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة إن استطاع إليها ~~سبيلا ولو أن مملوكا حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن استطاع إليها ~~سبيلا". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد قال: ~~حدثنا محمد بن المنهال قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا شعبة عن الأعمش ~~عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما ~~صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه ~~أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى". فأوجب النبي ~~صلى الله عليه وسلم على العبد أن يحج حجة أخرى, ولم يعتد له بالحجة التي ~~فعلها في حال الرق, وجعله بمنزلة الصبي. # فإن قيل فقد قال مثله في الأعرابي, وهو مع ذلك يجزيه الحجة المفعولة قبل ~~الهجرة. قيل له: كذلك كان حكم الأعرابي في حال ما كانت الهجرة فرضا; لأنه ~~يمتنع أن يقول ذلك بعد نسخ فرض الهجرة, فلما قال صلى الله عليه وسلم: "لا ~~هجرة بعد الفتح" نسخ الحكم المتعلق به من وجوب إعادة الحج بعد الهجرة; إذ ~~لا هجرة هناك واجبة. وقد روي نحو قولنا في حج العبد عن ابن عباس والحسن ~~وعطاء. # قال أبو بكر: والذي يقتضيه ظاهر قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ~~حجة # PageV02P034 # واحدة; إذ ليس فيه ما يوجب تكرارا; فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية. ~~وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة ms1012 قالا: حدثنا يزيد بن ~~هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان: قال أبو داود هو الدؤلي عن ~~ابن عباس: أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول ~~الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال: "بل مرة واحدة فمن زاد فتطوع". # قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} . روى وكيع عن فطر بن ~~خليفة عن نفيع أبي داود قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه ~~الآية: {ومن كفر} قال: "هو إن حج لا يرجو ثوابه, وإن حبس لا يخاف عقابه". ~~وروى مجاهد من قوله مثله. وقال الحسن: "من كفر بالحج", وقد دلت هذه الآية ~~على بطلان مذهب أهل الجبر; لأن الله تعالى جعل من وجد زادا وراحلة مستطيعا ~~للحج قبل فعله, ومن مذهب هؤلاء أن من لم يفعل الحج لم يكن مستطيعا له قط; ~~فواجب على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا لم يحج; إذ كان الله تعالى ~~إنما ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط; إذ لم يحج; ففي نص ~~التنزيل واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من صحة ~~البدن ووجود الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها ~~عوجا وأنتم شهداء} . قال زيد بن أسلم: "نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون ~~بين الأوس والخزرج بذكرهم الحروب التي كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين ~~بالعصبية وحمية الجاهلية". وعن الحسن: "أنها نزلت في اليهود والنصارى جميعا ~~في كتمانهم صفته في كتبهم". # فإن قيل: قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا حجة على غيرهم, فلا يصح لكم ~~الاحتجاج بقوله: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] في صحة إجماع ~~الأمة وثبوت حجته. قيل له: إنه جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب, وأنتم شهداء ~~على غيركم, وقال هناك: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] كما قال: ~~{ويكون الرسول عليكم شهيدا} ms1013 [البقرة: 143] فأوجب ذلك تصديقهم وصحة إجماعهم. ~~وقال في هذه الآية: {وأنتم شهداء} ومعناه غير معنى قوله: {شهداء على الناس} ~~وقد قيل في معناه وجهان. أحدهما: {وأنتم شهداء} أنكم عالمون ببطلان قولكم ~~في صدكم عن دين الله تعالى وذلك في أهل الكتاب منهم. والثاني: أن يريد ~~بقوله: {شهداء} عقلاء, كما قال الله تعالى: {أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: ~~37] يعني: وهو عاقل; # PageV02P035 # لأنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} . روي عن عبد ~~الله والحسن وقتادة في قوله {حق تقاته} : "هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا ~~يكفر ويذكر فلا ينسى". وقيل إن معناه اتقاء جميع معاصيه. وقد اختلف في ~~نسخه; فروي عن ابن عباس وطاوس أنها محكمة غير منسوخة, وعن قتادة والربيع بن ~~أنس والسدي أنها منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: ~~16] ; فقال بعض أهل العلم: لا يجوز أن تكون منسوخة; لأن معناه اتقاء جميع ~~معاصيه, وعلى جميع المكلفين اتقاء جميع المعاصي. ولو كان منسوخا لكان فيه ~~إباحة بعض المعاصي, وذلك لا يجوز. وقيل: إنه جائز أن يكون منسوخا بأن يكون ~~معنى قوله {حق تقاته} القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن, وترك ~~التقية فيها, ثم نسخ ذلك في حال التقية والإكراه, ويكون قوله تعالى: {ما ~~استطعتم} فيما لا تخافون فيه على أنفسكم, يريد: فيما لا يكون فيه احتمال ~~الضرب والقتل; لأنه لا يطلق نفي الاستطاعة فيما يشق على الإنسان فعله. كما ~~قال تعالى: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} [الكهف: 101] ومراده مشقة ذلك عليهم. # قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} . روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في معنى الحبل ههنا: "أنه القرآن" وكذلك روي عن عبد الله ~~وقتادة والسدي. وقيل: إن المراد به دين الله. وقيل: بعهد الله; لأنه سبب ~~النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من غرق أو نحوه. ويسمى الأمان الحبل; ~~لأنه سبب النجاة, وذلك في قوله تعالى: {إلا بحبل من الله ms1014 وحبل من الناس} ~~يعني به الأمان. إلا أن قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا} أمر بالاجتماع ~~ونهي عن الفرقة, وأكده بقوله: {ولا تفرقوا} معناه التفرق عن دين الله الذي ~~أمروا جميعا بلزومه والاجتماع عليه. وروي نحو ذلك عن عبد الله وقتادة. وقال ~~الحسن: "ولا تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقد يحتج به فريقان ~~من الناس: أحدهما: نفات القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث, مثل النظام, ~~وأمثاله من الرافضة. والآخر من يقول بالقياس والاجتهاد, ويقول مع ذلك: إن ~~الحق واحد من أقاويل المختلفين في مسائل الاجتهاد, ويخطئ من لم يصب الحق ~~عنده; صلى الله على محمد: {ولا تفرقوا} . فغير جائز أن يكون التفرق ~~والاختلاف دينا لله تعالى مع نهي الله تعالى عنه. وليس هذا عندنا كما ~~قالوا; لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء: منها ما لا يجوز الخلاف فيه, ~~وهو الذي دلت العقول على حظره في كل حال أو على إيجابه في كل حال; فأما ما ~~جاز أن يكون تارة واجبا وتارة محظورا وتارة مباحا, فإن الاختلاف في # PageV02P036 # ذلك سائغ يجوز ورود العبادة به, كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم ~~والصلاة, واختلاف حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام. وما جرى مجرى ~~ذلك. فمن حيث جاز ورود النص باختلاف أحكام الناس فيه فيكون بعضهم متعبدا ~~بخلاف ما تعبد به الآخر, لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف ~~الذي يجوز ورود النص بمثله; ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ~~ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف, فما جاز مثله في النص ~~جاز في الاجتهاد. وقد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المتلفات, ~~وأروش كثير من الجنايات فلا يلحق واحدا منها لوم, ولا تعنيف; وهذا حكم ~~مسائل الاجتهاد. ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك ~~الحظ الأوفر, ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون ~~يسوغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته من غير لوم, ولا تعنيف فقد حصل منهم ~~الاتفاق ms1015 على تسوية هذا الضرب من الاختلاف. وقد حكم الله تعالى بصحة إجماعهم ~~وثبوت حجته في مواضع كثيرة من كتابه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال "اختلاف أمتي رحمة" وقال: "لا تجتمع أمتي على ضلال" ; فثبت بذلك أن ~~الله تعالى لم ينهنا بقوله: {ولا تفرقوا} عن هذا الضرب من الاختلاف. وأن ~~النهي منصرف إلى أحد وجهين: إما في النصوص أو فيما قد أقيم عليه دليل عقلي ~~أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا; وفي فحوى الآية ما يدل على أن المراد هو ~~الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه, وما يجوز ورود العبادة ~~بالاختلاف فيه, وهو قوله تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم} يعني بالإسلام. وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم ~~المنهي عنه في الآية هو في أصول الدين والإسلام لا في فروعه, والله أعلم. # PageV02P037 # باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # مطلب: في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية # قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} قال أبو بكر: قد حوت هذه الآية معنيين. أحدهما: وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والآخر: أنه فرض على الكفاية ليس بفرض ~~على كل أحد في نفسه إذا قام به غيره. لقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} ~~وحقيقته تقتضي البعض دون البعض, فدل على أنه فرض الكفاية إذا قام به بعضهم ~~سقط عن الباقين. ومن الناس من يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج ~~الكلام مخرج الخصوص في قوله: # PageV02P037 # {ولتكن منكم أمة} مجازا, كقوله تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم} [الأحقاف: ~~31] ومعناه: "ذنوبكم". والذي يدل على صحة هذا القول أنه إذا قام به بعضهم ~~سقط عن الباقين, كالجهاد وغسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم, ولولا ~~أنه فرض على الكفاية لما سقط عن الآخرين بقيام بعضهم به. وقد ذكر الله ~~تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع أخر من كتابه, فقال عز ~~وجل: {كنتم ms1016 خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل ~~عمران: 110] وقال فيما حكى عن لقمان: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17] وقال ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] . وقال ~~عز وجل: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا ~~يفعلون} [المائدة:78-79] فهذه الآي ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر, وهي على منازل: أولها تغييره باليد إذا أمكن, فإن لم ~~يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده فعليه إنكاره بلسانه, فإن ~~تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه. كما حدثنا عبد الله بن جعفر بن ~~أحمد بن فارس قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: ~~حدثنا شعبة قال: أخبرني قيس بن مسلم قال: سمعت طارق بن شهاب قال: قدم مروان ~~الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال: خالفت السنة كانت الخطبة بعد الصلاة; ~~قال: ترك ذلك يا أبو فلان قال شعبة: وكان لحانا فقام أبو سعيد الخدري فقال: ~~أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه, قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فلينكره بلسانه فإن لم يستطع ~~فلينكره بقلبه وذاك أضعف الإيمان". وحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد, وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن ~~أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى ~~منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن ~~لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان". فأخبر النبي ms1017 صلى الله عليه وسلم أن ~~إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان, ودل على أنه إذا لم ~~يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه, ثم إذا لم يمكنه ذلك فليس عليه ~~أكثر من إنكاره بقلبه. وحدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يونس بن حبيب ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن جرير ~~البجلي عن أبيه, # PageV02P038 # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي هم ~~أكثر, وأعز ممن يعمله ثم لم يغيروا إلا عمهم الله منه بعقاب". وحدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: ~~حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني ~~إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا ~~يحل لك, ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما ~~فعلوا ذلك ضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: {لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ~~[المائدة:78] إلى قوله: {فاسقون} [المائدة: 80] . ثم قال: "كلا والله ~~لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على ~~الحق أطرا وتقصرنه على الحق قصرا". قال أبو داود: حدثنا خلف بن هشام قال: ~~حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم عن أبي ~~عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, وزاد فيه: "أو ~~ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ليلعننكم كما لعنهم". فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن من شرط النهي عن المنكر أن ينكره ثم لا يجالس المقيم على ~~المعصية, ولا يؤاكله, ولا يشاربه. وكان ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ms1018 ذلك بيانا لقوله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} [المائدة: ~~80] فكانوا بمؤاكلتهم إياهم ومجالستهم لهم تاركين للنهي عن المنكر لقوله ~~تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [المائدة: 79] مع ما أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم من إنكاره بلسانه إلا أن ذلك لم ينفه مع مجالسته ~~ومؤاكلته ومشاربته إياه. قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أيضا ~~ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا وهب بن بقية قال: ~~أخبرنا خالد عن إسماعيل عن قيس قال: قال أبو بكر بعد أن حمد الله تعالى ~~وأثنى عليه: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: ~~{عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] وإنا سمعنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على ~~يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا ابن المبارك عن ~~عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثني أبو أمية ~~الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه ~~الآية: {عليكم أنفسكم} فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا, سألت عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ~~حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك يعني بنفسك ودع # PageV02P039 # عنك العوام فإن من ورائكم أيام الصبر الصبر فيه1 كقبض على الجمر للعامل ~~فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله". قال: وزادني غيره: قال: يا رسول ~~الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". وفي هذه الأخبار دلالة على أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما حالان: حال يمكن فيها تغيير المنكر ~~وإزالته, ففرض على من أمكنه إزالة ذلك بيده أن يزيله; وإزالته باليد تكون ~~على وجوه: منها أن لا يمكنه إزالته ms1019 إلا بالسيف, وأن يأتي على نفس فاعل ~~المنكر فعليه أن يفعل ذلك. كمن رأى رجلا قصده أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ~~مال أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك, وعلم أنه لا ينتهي إن أنكره بالقول أو ~~قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله; لقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى ~~منكرا فليغيره بيده" , فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا ~~المنكر فعليه أن يقتله فرضا عليه. وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه ~~عنه بغير سلاح انتهى عنه لم يجز له الإقدام على قتله, وإن غلب في ظنه أنه ~~إن أنكره بالدفع بيده أو بالقول امتنع عليه, ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه, ~~ولم يمكنه إزالة هذا المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له ~~فعليه أن يقتله. PageV02P040 # مطلب في من غصب متاع رجل يسعه قتله حتى يستنقذ المتاع منه # وقد ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل: "وسعك قتله حتى تستنقذ ~~المتاع وترده إلى صاحبه" وكذلك قال أبو حنيفة في السارق إذا أخذ المتاع: ~~"وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع". قال محمد: وقال أبو حنيفة في ~~اللص الذي ينقب البيوت: "يسعك قتله" وقال في رجل يريد قلع سنك, قال "فلك أن ~~تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه" وهذا الذي ذكرناه يدل عليه ~~قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] فأمر ~~بقتالهم. ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه ~~من البغي والمنكر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده" يوجب ذلك أيضا; لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ~~ذلك, فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله. وكذلك قلنا في ~~أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس: إن دماءهم مباحة ~~وواجب على المسلمين قتلهم. ولكل واحد من الناس أن ms1020 يقتل من قدر عليه منهم من ~~غير إنذار منه له, ولا التقدم إليهم بالقول; لأنه معلوم من حالهم أنهم غير ~~قابلين إذا كانوا مقدمين على ذلك مع العلم بحظره, ومتى أنذرهم من يريد ~~الإنكار عليهم امتنعوا منه # PageV02P040 # حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر, فجائز قتل من كان منهم مقيما ~~على ذلك, وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل; إلا أن ~~عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم. وكذلك حكم سائر من كان ~~مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ~~ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده, وإن لم يستطع ~~فلينكره بلسانه, وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ~~ويتركوه, فإن لم يرج ذلك, وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم ~~بأنه منكر عليهم وسعه السكوت عنهم بعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم; لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه". ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم يستطع" قد فهم منه أنهم إذا لم يزولوا ~~عن المنكر فعليه إنكاره بقلبه سواء كان في تقية أو لم يكن; لأن قوله: "إن ~~لم يستطع" معناه أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في هذه الحال. ~~وقد روي عن ابن مسعود في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} [المائدة: 105] : مر بالمعروف وانه عن المنكر ما قبل منك, فإذا لم ~~يقبل منك فعليك نفسك. وحديث أبي ثعلبة الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ~~ذلك; لأنه قال صلى الله عليه وسلم: "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ~~حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك نفسك ودع عنك العوام" يعني والله أعلم: إذا لم يقبلوا ذلك واتبعوا ~~أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم وعليك نفسك ودع أمر العوام, وأباح ~~ترك النكير بالقول ms1021 فيمن هذه حاله. وروي عن عكرمة أن ابن عباس قال له: قد ~~أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت, فقلت له: أنا ~~أعرفك ذلك, اقرأ الآية الثانية قوله تعالى: {أنجينا الذين ينهون عن السوء} ~~[لأعراف: 165] قال: فقال لي: أصبت وكساني حلة. فاستدل ابن عباس بذلك على أن ~~الله أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه, فجعل الممسكين عن إنكار المنكر ~~بمنزلة فاعليه في العذاب. وهذا عندنا على أنهم كانوا راضين بأعمالهم غير ~~منكرين لها بقلوبهم, وقد نسب الله تعالى قتل الأنبياء المتقدمين إلى من كان ~~في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود الذين كانوا متوالين لأسلافهم ~~القاتلين لأنبيائهم, بقوله: {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ~~فلم قتلتموهم} [آل عمران: 183] وبقوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] فأضاف القتل إليهم وإن لم يباشروه, ولم يقتلوه; ~~إذ كانوا راضين بأفعال القاتلين; فكذلك ألحق الله تعالى من لم ينه عن السوء ~~من أصحاب السبت بفاعليه; إذ كانوا به راضين ولهم عليه متوالين. فإذا كان ~~منكرا للمنكر بقلبه, ولا يستطيع تغييره على غيره فهو غير داخل في وعيد ~~فاعله, بل هو # PageV02P041 # ممن قال الله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ~~[المائدة: 105] # وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي قال: حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال: حدثنا ~~الحماني قال: سمعت ابن المبارك يقول: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ ~~بكى حتى ظننا أنه سيموت, فخلوت به فقال: كان والله رجلا عاقلا, ولقد كنت ~~أخاف عليه هذا الأمر; قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني, وكان ~~شديد البذل لنفسه في طاعة الله وكان شديد الورع, كنت ربما قدمت إليه الشيء ~~فيسألني عنه, ولا يرضاه, ولا يذوقه وربما رضيه فأكله, فسألني عن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر, إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى ~~فقال لي: مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه; فقلت: ولم؟ قال: ~~دعاني ms1022 إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له إن قام به رجل وحده قتل, ~~ولم يصلح للناس أمر, ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم ~~مأمونا على دين الله لا يحول. قال: وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي ~~الغريم الملح كلما قدم علي تقاضاني, فأقول له: هذا أمر لا يصلح بواحد ما ~~أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء, وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض; ~~لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده أشاط ~~بدمه وعرض نفسه للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه. وإذا قتل الرجل لم ~~يجترئ غيره أن يعرض نفسه ولكنه ينتظر فقد قالت الملائكة: {أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 30] ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم, فكلمه بكلام غليظ ~~فأخذه, فاجتمع عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه, ثم عاوده فزجره, ~~ثم عاوده ثم قال: ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك ولأجاهدنك ~~بلساني ليس لي قوة بيدي, ولكن يراني الله, وأنا أبغضك فيه فقتله. # قال أبو بكر: لما ثبت بما قدمنا ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبينا أنه ~~فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين, وجب أن لا يختلف في لزوم ~~فرضه البر والفاجر; لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروض غيره, ~~ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات؟ فكذلك من لم ~~يفعل سائر المعروف, ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر غير ساقط عنه. وقد روى طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح ~~عن أبي هريرة قال: اجتمع نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~رسول الله أرأيت إن عملنا بالمعروف حتى لا يبقى من ms1023 المعروف شيء # PageV02P042 # إلا عملناه وانتهينا عن المنكر حتى لم يبق شيء من المنكر إلا انتهينا ~~عنه, أيسعنا أن لا نأمر بالمعروف, ولا ننهى عن المنكر؟ قال: "مروا بالمعروف ~~وإن لم تعملوا به كله, وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله" , فأجرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجرى سائر ~~الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات. ولم يدفع أحد من ~~علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال أصحاب ~~الحديث, فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بالسلاح, وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه إلى ~~حمل السلاح وقتال الفئة الباغية, مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى: ~~{فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] وما يقتضيه اللفظ ~~من وجوب قتالها بالسيف وغيره. وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم ~~والجور وقتل النفس التي حرم الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو ~~باليد بغير سلاح, فصاروا شرا على الأمة من أعدائها المخالفين لها; لأنهم ~~أقعدوا الناس عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور. ~~حتى أدى ذلك إلى تغلب الفجار بل المجوس, وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور ~~وشاع الظلم وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذاهب ~~الثنوية والخرمية والمزدكية1 والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والإنكار على السلطان الجائر; والله المستعان. # وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عباد ~~الواسطي قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسرائيل قال: حدثنا محمد بن ~~جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر". وحدثنا محمد بن ~~عمر قال: أخبرني أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب المروزي قال: سمعت أبا عمارة ~~قال: سمعت الحسن ms1024 بن رشيد يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: أنا حدثت إبراهيم ~~الصائغ عن عكرمة عن ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم "سيد الشهداء ~~حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". # قوله تعالى: {وما الله يريد ظلما للعالمين} ; قد اقتضى ذلك نفي إرادة ~~الظلم من كل وجه, فلا يريد هو أن يظلمهم, ولا يريد أيضا ظلم بعضهم لبعض; ~~لأنهما سواء في منزلة القبح. ولو جاز أن يريد ظلم بعضهم لجاز أن يريد ظلمه ~~لهم, ألا ترى أنه لا فرق في PageV02P043 # العقول بين من أراد ظلم نفسه لغيره وبين من أراد ظلم إنسان لغيره, وأنهما ~~سواء في القبح؟ فكذلك ينبغي أن تكون إرادته للظلم منتفية منه ومن غيره. # قوله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} قيل في معنى قوله: {كنتم} وجوه: روي عن الحسن أنه يعني فيما تقدمت ~~البشارة والخبر به من ذكر الأمم في الكتب المتقدمة, قال الحسن: نحن آخرها, ~~وأكرمها على الله. وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده: أنه سمع, النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس} قال: أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها, وأكرمها على ~~الله تعالى. فكان معناه: كنتم خير أمة أخبر الله بها أنبياءه فيما أنزل ~~إليهم من كتبه وقيل: إن دخول" كان" وخروجها بمنزلة" إلا" بمقدار دخولها ~~لتأكيد وقوع الأمر لا محالة; إذ هو بمنزلة ما قد كان في الحقيقة كما قال ~~تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] {وكان الله عليما حكيما} ~~[النساء: 17] والمعنى الحقيقي وقوع ذلك. وقيل: {كنتم خير أمة} بمعنى حدثتم ~~خير أمة, فيكون" خير أمة" بمعنى الحال. وقيل: {كنتم خير أمة} في اللوح ~~المحفوظ, وقيل: كنتم منذ أنتم, ليدل أنهم كذلك من أول أمرهم. # وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة ms1025 من وجوه. أحدها: كنتم خير أمة, ~~ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى غير ضالين. ~~والثاني: إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف فيما أمروا به فهو أمر الله تعالى; ~~لأن المعروف هو أمر الله. والثالث: أنهم ينكرون المنكر, والمنكر هو ما نهى ~~الله عنه, ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى; فثبت بذلك أن ما أنكرته ~~الأمة فهو منكر وما أمرت به فهو معروف وهو حكم الله تعالى وفي ذلك ما يمنع ~~وقوع إجماعهم على ضلال, ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هو حكم الله تعالى. # قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} الآية, فيه الدلالة على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم; لأنه أخبر عن اليهود الذين كانوا أعداء المؤمنين وهم ~~حوالي المدينة بنو النضير وقريظة وبنو قينقاع ويهود خيبر, فأخبر الله تعالى ~~أنهم لا يضرونهم إلا أذى من جهة القول, وأنهم متى قاتلوهم ولوا الأدبار; ~~فكان كما أخبر, وذلك من علم الغيب. # قوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس} وهو يعني به اليهود المتقدم ذكرهم. فيه الدلالة على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم; لأن هؤلاء # PageV02P044 # اليهود صاروا كذلك من الذلة والمسكنة إلا أن يجعل المسلمون لهم عهد الله ~~وذمته; لأن الحبل في هذا الموضع هو العهد والأمان. # قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون} قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: "لما أسلم عبد الله بن ~~سلام وجماعة معه قالت اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا, فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية". قال الحسن: قوله: {قائمة} يعني عادلة وقال ابن عباس وقتادة ~~والربيع بن أنس: "ثابتة على أمر الله تعالى", وقال السدي" قائمة بطاعة الله ~~تعالى". وقوله {وهم يسجدون} قيل فيه إنه السجود المعروف في الصلاة وقال ~~بعضهم"معناه يصلون; لأن القراءة لا تكون في السجود, ولا في الركوع" فجعلوا ~~الواو حالا هو قول الفراء, وقال الأولون: الواو ms1026 ههنا للعطف, كأنه قال: ~~يتلون آيات الله آناء الليل وهم مع ذلك يسجدون. # قوله تعالى {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} صفة لهؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب; لأنهم آمنوا بالله ورسوله ~~ودعوا الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم والإنكار على من خالفه ~~فكانوا ممن قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} في الآية ~~المتقدمة;, وقد بينا ما دل عليه القرآن من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. فإن قيل فهل تجب إزالة المنكر من طريق اعتقاد المذاهب الفاسدة على ~~وجه التأويل كما وجب في سائر المناكير من الأفعال؟ قيل له: هذا على وجهين: ~~فمن كان منهم داعيا إلى مقالته فيضل الناس بشبهته فإنه تجب إزالته عن ذلك ~~بما أمكن. ومن كان منهم معتقدا ذلك في نفسه غير داع إليها فإنما يدعى إلى ~~الحق بإقامة الدلالة على صحة قول الحق وتبين فساد شبهته ما لم يخرج على أهل ~~الحق بسيفه ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن الإمام فإن خرج داعيا إلى مقالته ~~مقاتلا عليها فهذا الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر ~~الله تعالى. # وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان قائما على المنبر بالكوفة يخطب ~~فقال الخوارج من ناحية المسجد: لا حكم إلا لله, فقطع خطبته وقال: "كلمة حق ~~يراد بها باطل, أما إن لهم عندنا ثلاثا أن لا نمنعهم حقهم من الفيء ما كانت ~~أيديهم مع أيدينا, ولا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه, ولا نقاتلهم ~~حتى يقاتلونا". فأخبر أنه لا يجب قتالهم حتى يقاتلونا وكان ابتدأهم علي كرم ~~الله وجهه بالدعاء حين نزلوا حروراء وحاجهم حتى رجع بعضهم وذلك أصل في سائر ~~المتأولين من أهل المذاهب الفاسدة أنهم ما لم يخرجوا داعين إلى مذاهبهم لم ~~يقاتلوا, وأقروا على ما هم عليه ما لم يكن ذلك المذهب كفرا, فإنه غير جائز ~~إقرار أحد من الكفار على كفره إلا بجزية. وليس يجوز # PageV02P045 # إقرار من كفر بالتأويل على ms1027 الجزية; لأنه بمنزلة المرتد لإعطائه بديا جملة ~~التوحيد والإيمان بالرسول, فمتى نقض ذلك بالتفصيل صار مرتدا. # ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب, كذلك كان يقول أبو الحسن, فتجوز ~~عنده مناكحاتهم, ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم وتؤكل ذبائحهم; لأنهم ~~منتحلون بحكم القرآن. وإن لم يكونوا مستمسكين به, كما أن من انتحل ~~النصرانية أو اليهودية فحكمه حكمهم, وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم; ~~وقال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] وقال محمد في ~~الزيادات:"لو أن رجلا دخل في بعض الأهواء التي يكفر أهلها, كان في وصاياه ~~بمنزلة المسلمين, يجوز منها ما يجوز من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل ~~من وصاياهم". وهذا يدل على موافقة المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض ~~الوجوه. # ومن الناس من يجعلهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأقروا على نفاقهم مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم. # ومن الناس من يجعلهم كأهل الذمة; ومن أبى ذلك ففرق بينهما بأن المنافقين ~~لو وقفنا على نفاقهم لم نقرهم عليه, ولم نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. ~~وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية, وغير جائز أخذ الجزية من الكفار المتأولين ~~المنتحلين للإسلام, ولا يجوز أن يقروا بغير جزية, فحكمهم في ذلك متى وقفنا ~~على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز إقراره عليه, وأجري عليه أحكام ~~المرتدين, ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على إطلاق لفظ عسى أن يكون غلطه ~~فيه دون الاعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب لنا عن اعتقاده بما يوجب ~~تكفيره, فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من الاستتابة فإن تاب وإلا قتل; ~~والله أعلم. # PageV02P046 # باب الاستعانة بأهل الذمة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} الآية. ~~قال أبو بكر بطانة الرجل خاصته الذين يستنبطون أمره ويثق بهم في أمره; فنهى ~~الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين, وأن ~~يستعينوا بهم في خواص أمورهم, وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال: ms1028 ~~{لا يألونكم خبالا} يعني: لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد ~~أموركم; لأن الخبال هو الفساد. ثم قال: {ودوا ما عنتم} قال السدي: "ودوا ~~ضلالكم عن دينكم" وقال ابن جريج: "ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على ~~المشقة فيه"; لأن أصل العنت المشقة, فكأنه أخبر عن # PageV02P046 # محبتهم لما يشق عليكم, وقال الله تعالى: {ولو شاء الله لاعنتكم} [البقرة: ~~220] وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور ~~المسلمين من العمالات والكتبة. وقد روي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب ~~رجلا من أهل الذمة, فكتب إليه يعنفه, وتلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم} , أي لا تردوهم إلى العز بعد أن أذلهم الله تعالى. وروى ~~أبو حيان التيمي عن فرقد بن صالح عن أبي دهقانة قال: قلت لعمر بن الخطاب: ~~إن ههنا رجلا من أهل الحيرة لم نر رجلا أحفظ منه, ولا أخط منه بقلم, فإن ~~رأيت أن تتخذه كاتبا قال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. وروى هلال ~~الطائي عن وسق الرومي قال: كنت مملوكا لعمر فكان يقول لي أسلم فإنك إن ~~أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين, فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم ~~من ليس منهم; فأبيت, فقال: لا إكراه في الدين; فلما حضرته الوفاة أعتقني ~~فقال: اذهب حيث شئت. # PageV02P047 # مطلب: قوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} وأن المخصوص بالذكر ~~لا يدل على نفي ما عداه # وقوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} قيل في معنى {أضعافا ~~مضاعفة} وجهان: أحدهما: المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل أجل قسط من ~~زيادة على المال. والثاني: ما يضاعفون به أموالهم. وفي هذا دلالة على أن ~~المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه; لأنه لو كان كذلك لوجب أن ~~يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا ~~مضاعفة, فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم ~~في ذلك, ويلزمهم ms1029 في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى: {وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] إذ لم يبق لها حكم في الاستعمال. # وقوله تعالى: {وجنة عرضها السماء والأرض} , قيل: كعرض السموات والأرض; ~~وقال في آية أخرى: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} [الحديد: 21] وكما قال: ~~{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] أي إلا كبعث نفس واحدة. ~~ويقال: إنما خص العرض بالذكر دون الطول; لأنه يدل على أن الطول أعظم, ولو ~~ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم; وهذا يحتج به في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم "ذكاة الجنين ذكاة أمه" معناه: كذكاة أمه. # PageV02P047 # مطلب: في قول عمر رضي الله عنه "من خاف الله لم يشف غيظه # وقوله تعالى: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن # PageV02P047 # الناس} قال ابن عباس: {في السراء والضراء} في العسر واليسر; يعني في حال ~~قلته وكثرته. وقيل: في حال السرور والغم لا يقطعه شيء من ذلك عن إنفاقه في ~~وجوه البر; فمدح المنفقين في هاتين الحالتين ثم عطف عليه الكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس, فمدح من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه. وقال عمر بن ~~الخطاب: "من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد, ولولا ~~يوم القيامة لكان غير ما ترون". وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما موعود ~~بالثواب عليهما من الله تعالى. # قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} فيه حض ~~على الجهاد من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله تعالى, وفيه التسلية عما ~~يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه بإذن الله تعالى; لأنه قد ~~تقدم ذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل} الآية. # وقوله تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} قيل فيه: "من عمل للدنيا ~~وفر حظه المقسوم له فيها من غير أن يكون له حظ في الآخرة" روي ذلك عن ابن ~~إسحاق. وقيل: إن ms1030 معناه: "من أراد بجهاده ثواب الدنيا لم يحرم حظه من ~~الغنيمة". وقيل: "من تقرب إلى الله بعمل النوافل وليس هو ممن يستحق الجنة ~~بكفره أو بما يحبط عمله جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في ~~الآخرة"; وهو نظير قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء:18] . # قوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} . قال ابن عباس والحسن: ~~"علماء وفقهاء" وقال مجاهد وقتادة: "جموع كثيرة". # قوله تعالى: {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا} ~~فإنه قيل في الوهن بأنه انكسار الجسد ونحوه, والضعف نقصان القوة. وقيل في ~~الاستكانة: إنها إظهار الضعف, وقيل فيه: إنه الخضوع; فبين تعالى أنهم لم ~~يهنوا بالخوف ولا ضعفوا لنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع; وقال ابن ~~إسحاق: "فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم ~~في الجهاد عن دينهم". وفي هذه الآية الترغيب في الجهاد في سبيل الله والحض ~~على سلوك طريق العلماء من صحابة الأنبياء والأمر بالاقتداء بهم في الصبر ~~على الجهاد. # وقوله تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} الآية. ~~فيه حكاية دعاء الربيين من أتباع الأنبياء المتقدمين وتعليم لنا لأن نقول ~~مثل قولهم عند حضور القتال, فينبغي للمسلمين أن يدعوا بمثله عند معاينة ~~العدو; لأن الله تعالى حكى ذلك # PageV02P048 # عنهم على وجه المدح لهم والرضا بقولهم لنفعل مثل فعلهم ونستحق من المدح ~~كاستحقاقهم. # قوله تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} . قال قتادة ~~والربيع بن أنس وابن جريج ثواب الدنيا الذي أوتوه هو النصر على عدوهم حتى ~~قهروهم وظفروا بهم, وثواب الآخرة الجنة". وهذا دليل على أنه يجوز اجتماع ~~الدنيا والآخرة لواحد; روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "من عمل لدنياه ~~أضر بآخرته, ومن عمل لآخرته أضر بدنياه, وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام". # قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا ms1031 الرعب بما أشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا} فيه دليل على بطلان التقليد; لأن الله تعالى حكم ببطلان ~~قولهم إذ لم يكن معهم برهان عليه, والسلطان ههنا هو البرهان, ويقال: إن أصل ~~السلطان القوة; فسلطان الملك قوته والسلطان الحجة لقوتها على قمع الباطل ~~وقهر المبطل بها, والتسليط على الشيء التقوية عليه مع الإغراء به, وفيه ~~الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر به من إلقاء الرعب ~~في قلوب المشركين فكان كما أخبر به; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نصرت ~~بالرعب حتى إن العدو ليرعب مني وهو على مسيرة شهر". # قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} فيه إخبار بتقدم ~~وعد الله تعالى لهم بالنصر على عدوهم ما لم يتنازعوا ويختلفوا, فكان كما ~~أخبر به يوم أحد ظهروا على عدوهم وهزموهم وقتلوا منهم, وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر الرماة بالمقام في موضع وأن لا يبرحوا, فعصوا وخلوا ~~مواضعهم حين رأوا هزيمة المشركين وظنوا أنه لم يبق لهم باقية واختلفوا ~~وتنازعوا, فحمل عليهم خالد بن الوليد من ورائهم فقتلوا من المسلمين من ~~قتلوا بتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصيانهم. وفي ذلك دليل على ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم; لأنهم وجدوا موعود الله كما وعد قبل ~~العصيان, فلما عصوا وكلوا إلى أنفسهم. وفيه دليل على أن النصر من الله في ~~جهاد العدو مضمون باتباع أمره والاجتهاد في طاعته, وعلى هذا جرت عادة الله ~~تعالى للمسلمين في نصرهم على أعدائهم. وقد كان المسلمون من الصدر الأول ~~إنما يقاتلون المشركين بالدين ويرجون النصر عليهم وغلبتهم به لا بكثرة ~~العدد; ولذلك قال الله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} . فأخبر أن هزيمتهم إنما كانت لتركهم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإخلال بمراكزهم التي رتبوا فيها. # وقال تعالى: {من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} . وإنما أتوا من قبل ~~من ms1032 كان يريد الدنيا منهم; قال عبد الله بن مسعود: ما ظننت أن أحدا ممن قاتل ~~مع # PageV02P049 # النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى أنزل الله تعالى: {منكم من ~~يريد الدنيا} . وعلى هذا المعنى كان الله قد فرض على العشرين أن لا يفروا ~~من مائتين بقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ~~[الأنفال: 65] لأنه في ابتداء الإسلام كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~مخلصين لنية الجهاد لله تعالى ولم يكن فيهم من يريد الدنيا, وكانوا يوم بدر ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا رجالة قليلي العدة والسلاح وعدوهم ألف فرسان ~~ورجالة بالسلاح الشاك, فمنحهم الله أكتافهم ونصرهم عليهم حتى قتلوا كيف ~~شاءوا وأسروا كيف شاءوا. ثم لما خالطهم بعد ذلك من لم يكن له مثل بصائرهم ~~وخلوص ضمائرهم خفف الله تعالى عن الجميع فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله} [لأنفال: من 66] ومعلوم أنه لم يرد ضعف قوى الأبدان ولا ~~عدم السلاح; لأن قوى أبدانهم كانت باقية وعددهم أكثر وسلاحهم أوفر; وإنما ~~أراد به أنه خالطهم من ليس له قوة البصيرة مثل ما للأولين; فالمراد بالضعف ~~ههنا ضعف النية; وأجرى الجميع مجرى واحدا في التخفيف; إذ لم يكن من المصلحة ~~تمييز ذوي البصائر منهم بأعيانهم وأسمائهم من أهل ضعف اليقين وقلة البصيرة, ~~ولذلك قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوم اليمامة حين انهزم الناس: ~~"أخلصونا أخلصونا" يعنون المهاجرين والأنصار # PageV02P050 # مطلب: في قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة} وذكر ما فيه من ~~دلائل النبوة # قوله تعالى:. {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم} ~~قال طلحة وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وقتادة والربيع بن أنس: كان ~~ذلك يوم أحد بعد هزيمة من انهزم من المسلمين وتوعدهم المشركون بالرجوع, ~~فكان من ثبت من المسلمين تحت الحجف متأهبين للقتال, فأنزل الله تعالى ~~الأمنة على المؤمنين, ms1033 فناموا دون المنافقين الذين أرعبهم الخوف لسوء الظن; ~~قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فنمنا حتى اصطفقت الحجف من النعاس, ~~ولم يصب المنافقين ذلك بل أهمتهم أنفسهم, فقال بعض أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: سمعت وأنا بين النائم واليقظان معتب بن قشير وناسا من المنافقين ~~يقولون: هل لنا من الأمر من شيء; وهذا من لطف الله تعالى للمؤمنين وإظهار ~~أعلام النبوة في مثل تلك الحال التي العدو فيها مطل عليهم. وقد انهزم عنهم ~~كثير من أعوانهم وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين فينامون وهم مواجهون العدو ~~في الوقت الذي يطير فيه النعاس عمن شاهده ممن لا يقاتل فكيف بمن حضر القتال ~~والعدو قد أشرعوا فيهم الأسنة وشهروا سيوفهم لقتلهم واستيصالهم. وفي ذلك ~~أعظم الدلائل وأكبر الحجج # PageV02P050 # في صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه: أحدها: وقوع الأمنة مع ~~استعلاء العدو من غير مدد آتاهم ولا نكاية في العدو ولا انصرافهم عنهم ولا ~~قلة عددهم, فينزل الله تعالى على قلوبهم الأمنة, وذلك في أهل الإيمان ~~واليقين خاصة. والثاني: وقوع النعاس عليهم في مثل تلك الحال التي يطير في ~~مثلها النعاس عمن شاهدها بعد الانصراف والرجوع, فكيف يكون حال المشاهدة ~~وقصد العدو نحوهم لاستيصالهم وقتلهم. والثالث: تمييز المؤمنين من المنافقين ~~حتى خص المؤمنين بتلك الأمنة والنعاس دون المنافقين, فكان المؤمنون في غاية ~~الأمن والطمأنينة والمنافقون في غاية الهلع والخوف والقلق والاضطراب; ~~فسبحان الله العزيز العليم الذي لا يضيع أجر المحسنين. # قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} قيل: إن "ما" ههنا صلة, معناه: ~~فبرحمة من الله, روي ذلك عن قتادة; كما قال: {قال عما قليل ليصبحن نادمين} ~~[المؤمنون:40] وقوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] . واتفق ~~أهل اللغة على ذلك, وقالوا: معناها التأكيد وحسن النظم, كما قال الأعمش: # فاذهبي ما إليك1 أدركني الحلم ... عداني عن هيجكم إشفاقي # وفي ذلك دليل على بطلان قول من نفى أن يكون في القرآن مجاز; لأن ذكر" ما" ~~ههنا مجاز وإسقاطها لا يغير ms1034 المعنى. # قوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} يدل على وجوب ~~استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى, كما ~~قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن} [النحل: 125] لموسى وهارون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} ~~[طه:44] . # قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} . اختلف الناس في معنى أمر الله تعالى ~~إياه بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي, من الصحابة, فقال ~~قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق: "إنما أمره بها تطييبا لنفوسهم ورفعا ~~من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله ويرجع إلى رأيه". وقال سفيان بن عيينة: ~~"أمره بالمشاورة لتقتدي به أمته فيها ولا تراها منقصة كما مدحهم الله تعالى ~~بأن أمرهم شورى بينهم" وقال الحسن والضحاك: "جمع لهم بذلك الأمرين جميعا, ~~في المشاورة ليكون لإجلال PageV02P051 # الصحابة ولتقتدي الأمة به في المشاورة". وقال بعض أهل العلم: "إنما أمره ~~بالمشاورة فيما لم ينص له فيه على شيء بعينه" فمن القائلين بذلك من يقول: ~~إنما هو في أمور الدنيا خاصة وهم الذين يأبون أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول شيئا من أمور الدين من طريق الاجتهاد, وإنما هو في أمور الدنيا ~~خاصة, فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يستعين بآرائهم في ذلك ~~ويتنبه بها على أشياء من وجوه التدبير ما جائز أن يفعلها لولا المشاورة ~~واستشارة آراء الصحابة; وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه, وأشار عليه السعدان سعد بن ~~معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة ~~لينصرفوا فقبل منهم, وخرق الصحيفة, في أشياء من نحو هذا من أمور الدنيا. ~~وقال آخرون: كان مأمورا بمشاورتهم في أمور الدين والحوادث التي لا توقيف ~~فيها عن الله تعالى, وفي أمور الدنيا أيضا مما طريقه الرأي وغالب الظن; وقد ~~شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان ذلك من أمور الدين, ms1035 وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا شاورهم فأظهروا آراءهم ارتأى معهم وعمل بما أداه إليه اجتهاده, ~~وكان في ذلك ضروب من الفوائد: أحدها: إعلام الناس أن ما لا نص فيه من ~~الحوادث فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد وغالب الظن. والثاني: إشعارهم بمنزلة ~~الصحابة رضي الله عنهم وأنهم أهل الاجتهاد وجائز اتباع آرائهم; إذ رفعهم ~~الله إلى المنزلة التي يشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم ويرضى اجتهادهم ~~وتحريهم لموافقة النصوص من أحكام الله تعالى. والثالث: أن باطن ضمائرهم ~~مرضي عند الله تعالى لولا ذلك لم يأمره بمشاورتهم, فدل ذلك على يقينهم وصحة ~~إيمانهم وعلى منزلتهم مع ذلك من العلم وعلى تسويغ الاجتهاد في أحكام ~~الحوادث التي لا نصوص فيها لتقتدي به الأمة بعده صلى الله عليه وسلم في ~~مثله. وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم ورفع ~~أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله; لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا ~~استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شووروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه, ثم ~~لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منه بالقبول بوجه, لم يكن في ذلك تطييب ~~نفوسهم ولا رفع لأقدارهم بل فيه إيحاشهم في إعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ~~ولا معمول عليها. فهذا تأويل ساقط لا معنى له, فكيف يسوغ تأويل من تأوله ~~لتقتدي به الأمة مع علم الأمة عند هذا القائل بأن هذه المشورة لم تفد شيئا ~~ولم يعمل فيها بشيء أشاروا به فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها فواجب ~~على الأمة أيضا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل وأن لا تنتج ~~المشورة رأيا صحيحا ولا قولا معمولا; لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه ~~المقالة كانت على هذا الوجه, فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها تنتج رأيا ~~صريحا وقولا معمولا عليه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم, وإذ قد # PageV02P052 # بطل هذا فلا بد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدة تستفاد بها وأن يكون ~~للنبي صلى الله عليه ms1036 وسلم معهم طريق من الارتئاء والاجتهاد, فجائز حينئذ أن ~~توافق آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يوافق رأي بعضهم رأيه ~~وجائز أن يخالف رأي جميعهم فيعمل صلى الله عليه وسلم حينئذ برأيه, ويكون ~~فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنفين في اجتهادهم بل كانوا مأجورين فيه ~~لفعلهم ما أمروا به, ويكون عليهم حينئذ ترك آرائهم واتباع رأي النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ولا بد من أن تكون مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فيما لا نص ~~فيه; إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات, ولا يقول لهم ما رأيكم في الظهر ~~والعصر والزكاة وصيام رمضان؟ ولما لم يخص الله تعالى أمر الدين من أمور ~~الدنيا في أمره صلى الله عليه وسلم بالمشاورة وجب أن يكون ذلك فيهما جميعا ~~ولأنه معلوم أن مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدنيا إنما كانت ~~تكون في محاربة الكفار ومكابدة العدو, وإن لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ~~تدبير في أمر دنياه ومعاشه يحتاج فيه إلى مشاورة غيره لاقتصاره صلى الله ~~عليه وسلم من الدنيا على القوت والكفاف الذي لا فضل فيه, وإذا كانت مشاورته ~~لهم في محاربة العدو ومكابدة الحروب فإن ذلك من أمر الدين, ولا فرق بين ~~اجتهاد الرأي فيه وبينه في أحكام سائر الحوادث التي لا نصوص فيها; وفي ذلك ~~دليل على صحة القول باجتهاد الرأي في أحكام الحوادث وعلى أن كل مجتهد مصيب ~~وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجتهد رأيه فيما لا نص فيه. ويدل ~~على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم ويعمل بما يغلب في رأيه فيما لا نص فيه ~~قوله تعالى في نسق ذكر المشاورة: {فإذا عزمت فتوكل على الله} ولو كان فيما ~~شاور فيه شيء منصوص قد ورد التوقيف به من الله لكانت العزيمة فيه متقدمة ~~للمشاورة; إذ كان ورود النص موجبا لصحة العزيمة قبل المشاورة, وفي ذكر ~~العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة ms1037 وأنه لم يكن فيها نص ~~قبلها. # قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} قرئ: "يغل" برفع الياء, ومعناه يخان. ~~وخص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإن كانت خيانة سائر الناس محظورة, ~~تعظيما لأمر خيانته على خيانة غيره, كما قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] وإن كان الرجس كله محظورا ونحن ~~مأمورون باجتنابه; وروي هذا التأويل عن الحسن. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~في قوله تعالى: "يغل" برفع الياء: "إن معناه يخون فينسب إلى الخيانة" وقال: ~~"نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخذها, فأنزل الله هذه الآية". # ومن قرأ: {يغل} بنصب الياء, معناه: يخون, والغلول الخيانة في الجملة, إلا ~~أنه قد صار الإطلاق فيها يفيد الخيانة في المغنم. # PageV02P053 # وقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الغلول حتى أجراه مجرى الكبائر, ~~وروى قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "من ~~فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والغلول والدين". وروى ~~عبد الله بن عمر: أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال ~~له كركرة فمات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو في النار فذهبوا ينظرون ~~فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أدوا ~~الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة". والأخبار في أمر تغليظ ~~الغلول كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد روي في إباحة أكل الطعام وأخذ علف الدواب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة والتابعين أخبار مستفيضة, قال عبد الله بن أبي أوفى: "أصبنا ~~طعاما يوم خيبر, فكان الرجل منا يأتي فيأخذ منه ما يكفيه ثم ينصرف". وعن ~~سلمان: "أنه أصاب يوم المدائن أرغفة حوارى وجبنا وسكينا فجعل يقطع من ~~الجبنة ويقول: كلوا بسم ms1038 الله". وقد روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب ~~دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه, ولا يحل لامرئ يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه" وهذا ~~محمول على الحال التي يكون فيها مستغنيا عنه, فأما إذا احتاج إليه فلا بأس ~~به عند الفقهاء; وقد روي عن البراء بن مالك: "أنه ضرب رجلا من المشركين يوم ~~القيامة, فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به". # قوله تعالى: {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله ~~أو ادفعوا} قال السدي وابن جريج في قوله: {أو ادفعوا} : "إن معناه بتكثير ~~سوادنا إن لم تقاتلوا معنا" وقال أبو عون الأنصاري: "معناه ورابطوا بالقيام ~~على الخيل إن لم تقاتلوا". قال أبو بكر: وفي هذا دلالة على أن فرض الحضور ~~لازم لمن كان في حضوره نفع في تكثير السواد والدفع وفي القيام على الخيل ~~إذا احتيج إليهم. # وقوله تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ; قيل فيه وجهان: ~~أحدهما: تأكيد لكون القول منهم; إذ قد يضاف الفعل إلى غير فاعله إذا كان ~~راضيا به على وجه المجاز, كما قال تعالى: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} ~~[البقرة: 72] وإنما قتل غيرهم ورضوا به, وقوله تعالى: {فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل} [البقرة: 91] ونحو ذلك. والثاني: أنه فرق بذكر الأفواه بين ~~قول اللسان وقول الكتاب. # وقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون} . زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة, قالوا: لأنه ~~لو جاز أن ترد # PageV02P054 # عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ. قال أبو ~~بكر: وقال الجمهور: "إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم ~~بقدر استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق, ثم يعيدهم في ~~الآخرة ويدخلهم الجنة"; لأنه أخبر أنهم أحياء, وذلك يقتضي أنهم ms1039 أحياء في ~~هذا الوقت ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال ~~فائدته; لأن أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل ~~الجنة, إذ الجنة لا يكون فيها ميت. ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم ~~فرحون على الحال بقوله تعالى: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} . ويدل عليه ~~قوله تعالى: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} وهم في الآخرة قد ~~لحقوا بهم. وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور ~~خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة تحت ~~العرش"; وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء, وليس ذلك ~~من مذهب أصحاب التناسخ في شيء; لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في ~~خلق مختلفة, وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله: ~~{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ~~ثم أحياهم} [البقرة: 243] وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى عليه السلام ~~فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء. # وقوله تعالى: {عند ربهم يرزقون} معناه: حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا ~~نفع إلا ربهم عز وجل. وليس يعني به قرب المسافة; لأن الله تعالى لا يجوز ~~عليه القرب والبعد بالمسافة; إذ هو من صفة الأجسام. وقيل: عند ربهم من حيث ~~يعلمهم هو دون الناس. # قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} الآية. روي عن ~~ابن عباس وقتادة وابن إسحاق: "إن الذين قالوا كانوا ركبا وبينهم أبو سفيان ~~ليحبسوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم". وقال السدي: "هو ~~أعرابي ضمن له جعلا على ذلك"; فأطلق الله تعالى اسم الناس على الواحد على ~~قول من تأوله على أنه كان رجلا واحدا, فهذا على أنه أطلق ms1040 لفظ العموم وأراد ~~به الخصوص. قال أبو بكر: لما كان الناس اسما للجنس وكان من المعلوم أن ~~الناس كلهم لم يقولوا ذلك, تناول ذلك أقلهم وهو الواحد منهم; لأنه لفظ ~~الجنس, وعلى هذا قال أصحابنا فيمن قال: إن كلمت الناس فعبدي حر: إنه على ~~كلام الواحد منهم; لأنه لفظ الجنس, ومعلوم أنه لم يرد به استغراق الجنس ~~فيتناول الواحد منهم. # PageV02P055 # وقوله تعالى: {فاخشوهم فزادهم إيمانا} فيه إخبار بزيادة يقينهم عند زيادة ~~الخوف والمحنة; إذ لم يبقوا على الحال الأولى بل ازدادوا عند ذلك يقينا ~~وبصيرة في دينهم, وهو كما قال تعالى في الأحزاب: {ولما رأى المؤمنون ~~الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ~~إيمانا وتسليما} [الأحزاب:22] فازدادوا عند معاينة العدو إيمانا وتسليما ~~لأمر الله تعالى والصبر على جهادهم. وفي ذلك أتم ثناء على الصحابة رضي الله ~~عنهم وأكمل فضيلة, وفيه تعليم لنا أن نقتدي بهم ونرجع إلى أمر الله والصبر ~~عليه والاتكال عليه, وأن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل, وأنا متى فعلنا ذلك ~~أعقبنا ذلك من الله النصر والتأييد وصرف كيد العدو وشرهم مع حيازة رضوان ~~الله وثوابه بقوله تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله} . # وقوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} إلى قوله: ~~{سيطوقون ما بخلوا به} قال السدي: "بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله وأن يؤدوا ~~الزكاة", وقال ابن عباس: هو في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس". وهو ~~بالزكاة أولى, كقوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] إلى قوله: ~~{يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم} [التوبة: 35] وقوله ~~تعالى: {سيطوقون ما بخلوا به} يدل على ذلك أيضا. # وروى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة ~~وبكنزه فيحمى بها جبينه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده". وقال ms1041 مسروق: ~~"يجعل الحق الذي منعه حية فيطوقها فيقول: ما لي وما لك؟ فتقول الحية: أنا ~~مالك". وقال عبد الله: "يطوق ثعبانا في عنقه له أسنان فيقول: أنا مالك الذي ~~بخلت به". # قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} , قد ~~تقدم نظيرها في سورة البقرة, وقد روي في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والسدي: وإن المراد به اليهود" وقال غيرهم: "المراد به اليهود والنصارى" ~~وقال الحسن وقتادة: "المراد به كل من أوتي علما فكتمه" قال أبو هريرة: لولا ~~آية من كتاب الله تعالى ما حدثتكم به, ثم تلا قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب} فيعود الضمير في قوله: {لتبيننه} في قول الأولين على ~~النبي صلى الله عليه وسلم; لأنهم كتموا صفته وأمره, وفي قوله الآخرين على ~~الكتاب, فيدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما في كتب الله ~~عز وجل. # قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي # PageV02P056 # الألباب} . الآيات التي فيها من جهات: أحدها: تعاقب الأعراض المتضادة ~~عليها مع استحالة وجودها عارية منها, والأعراض محدثة, وما لم يسبق المحدث ~~فهو محدث. وقد دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها; لأن الفاعل لا يشبه ~~فعله. وفيه الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شيء; إذ كان خالقها وخالق ~~الأعراض المضمنة بها وهو قادر على أضدادها; إذ ما ليس بقادر يستحيل منه ~~الفعل. ويدل على أن فاعلها قديم لم يزل; لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم, ~~لولا ذلك لاحتاج الفاعل إلى فاعل آخر إلى ما لا نهاية له. ويدل على أن ~~صانعها عالم من حيث استحال وجود الفعل المتقن المحكم إلا من عالم به قبل أن ~~يفعله. ويدل على أنه حكيم عدل; لأنه مستغن عن فعل القبيح عالم بقبحه فلا ~~تكون أفعاله إلا عدلا وصوابا. ويدل على أنه لا يشبهها; لأنه لو أشبهها لم ~~يخل من أن يشبهها من جميع الوجوه أو من بعضها, فإن أشبهها ms1042 من جميع الوجوه ~~فهو محدث مثلها, وإن أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من ذلك ~~الوجه; لأن حكم المشبهين واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم الحدوث ~~من ذلك الوجه. ويدل وقوف السموات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا يشبهها, ~~لاستحالة وقوفها من غير عمد من جسم مثلها. إلى غير ذلك من الدلائل المضمنة ~~بها. ودلالة الليل والنهار على الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود ~~كل واحد منهما بعد أن لم يكن موجودا, ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على ~~إيجادها ولا على الزيادة والنقصان فيها, وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا ~~محدثين لاستحالة وجود حادث لا محدث له, فوجب أن يكون محدثهما ليس بجسم ولا ~~مشبه للأجسام لوجهين: أحدهما: أن الأجسام لا تقدر على إحداث مثلها. ~~والثاني: أن المشبه للجسم يجري عليه ما يجري عليه من حكم الحدوث, فلو كان ~~فاعلهما حادثا لاحتاج إلى محدث, ثم كذلك يحتاج الثاني إلى الثالث إلى ما لا ~~نهاية له, وذلك محال, فلا بد من إثبات صانع قديم لا يشبه الأجسام; والله ~~أعلم. # PageV02P057 # باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} . قال ~~الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: "اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم ~~وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله" وقال محمد بن كعب القرظي: اصبروا ~~على دينكم وصابروا وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم". وقال زيد بن أسلم: "اصبروا ~~على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه". وقال أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن: "ورابطوا بانتظار الصلاة # PageV02P057 # بعد الصلاة". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في انتظار ~~الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط". وقال تعالى: {ومن رباط الخيل ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم} [لأنفال: 60] . وروى سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال "رباط يوم في سبيل الله أفضل من صيام شهر ومن قيامه, ومن مات فيه وقي ~~فتنة القبر ونما له عمله إلى يوم القيامة". وروى عثمان ms1043 عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام ~~نهارها". والله الموفق. # PageV02P058 # سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} . قال الحسن ~~ومجاهد وإبراهيم: "هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم" وقال ابن عباس ~~وقتادة والسدي والضحاك: "اتقوا الأرحام أن تقطعوها". وفي الآية دلالة على ~~جواز المسألة بالله تعالى, وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل بالله فأعطوه". وروى معاوية بن سويد بن ~~مقرن عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع, ~~منها إبرار القسم"; وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من سألكم بالله فأعطوه". وأما قوله: {والأرحام} ففيه تعظيم لحق الرحم ~~وتأكيد للنهي عن قطعها, قال الله تعالى في موضع آخر: {فهل عسيتم إن توليتم ~~أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد:22] فقرن قطع الرحم إلى الفساد ~~في الأرض, وقال تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} قيل في الإل: إنه ~~القرابة; وقال تعالى: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ~~والجار ذي القربى} [النساء: 36] . # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم حرمة الرحم ما يواطئ ما ~~ورد به التنزيل, روى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله: ~~أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها ~~بتته". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثني خالي ~~حيان بن بشر قال: حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال: حدثني ناصح عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة ms1044 الرحم ما من عمل عصي ~~الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا صالح المري قال: ~~حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر # PageV02P059 # ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه". وحدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن ~~الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح", ~~قال الحميدي: الكاشح العدو. ورواه أيضا سفيان عن الزهري عن أيوب بن بشير عن ~~حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصدقة على ذي الرحم ~~الكاشح". وروت حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "الصدقة على المسلمين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان; ~~لأنها صدقة وصلة". # قال أبو بكر: فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب ~~بها, وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة على ذي الرحم اثنتين صدقة وصلة, ~~وأخبر باستحقاق الثواب لأجل الرحم سوى ما يستحقه بالصدقة, فدل على أن الهبة ~~لذي الرحم المحرم لا يصح الرجوع فيها ولا فسخها أبا كان الواهب أو غيره; ~~لأنها قد جرت مجرى الصدقة في أن موضوعها القربة واستحقاق الثواب بها, ~~كالصدقة لما كان موضوعها القربة وطلب الثواب لم يصح الرجوع فيها, كذلك ~~الهبة لذي الرحم المحرم; ولا يصح للأب بهذه الدلالة الرجوع فيما وهبه للابن ~~كما لا يجوز لغيره من ذوي الرحم المحرم, إذ كانت بمنزلة الصدقة, إلا أن ~~يكون الأب محتاجا فيجوز له أخذه كسائر أموال الابن. # فإن قيل: لم يفرق الكتاب والسنة فيما أوجبه من صلة الرحم بين ذي الرحم ~~المحرم وغيره, فالواجب أن لا يرجع فيما ms1045 وهبه لسائر ذوي أرحامه وإن لم يكن ~~ذا رحم محرم كابن العم والأباعد من أرحامه. قيل له: لو اعتبرنا كل من بينه ~~وبينه نسب لوجب أن يشترك فيه بنو آدم عليه السلام كلهم; لأنهم ذوو أنسابه ~~ويجمعهم نوح النبي عليه السلام وقبله آدم عليه السلام وهذا فاسد فوجب أن ~~يكون الرحم الذي يتعلق به هذا الحكم هو ما يمنع عقد النكاح بينهما إذا كان ~~أحدهما رجلا والآخر امرأة; لأن ما عدا ذلك لا يتعلق به حكم, وهو بمنزلة ~~الأجنبيين; وقد روى زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يخطب بمنى وهو يقول: "أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك ~~فأدناك" , فذكر ذوي الرحم المحرم في ذلك, فدل على صحة ما ذكرنا. وهو مأمور ~~مع ذلك بمن بعد رحمه أن يصله, وليس في تأكيد من قرب كما يأمر بالإحسان إلى ~~الجار, ولا يتعلق بذلك حكم في التحريم ولا في منع الرجوع في الهبة, فكذلك ~~ذوو رحمه الذين ليسوا بمحرم فهو مندوب إلى الإحسان إليهم ولكنه لما لم ~~يتعلق به حكم التحريم كانوا بمنزلة الأجنبيين; والله أعلم بالصواب. # PageV02P060 # باب دفع أموال الأيتام إليهم بأعيانها ومنع الوصي من استهلاكها # قال الله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} . ~~روي عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن ~~يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله, فشكوا ذلك إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] . قال أبو بكر: وأظن ذلك غلطا من الراوي; ~~لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ; إذ لا خلاف بين أهل ~~العلم أن اليتيم لا يجب إعطاؤه ماله قبل البلوغ, وإنما غلط الراوي بآية ~~أخرى وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ms1046 قال: لما ~~أنزل الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] الآية, انطلق من ~~كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل من طعامه ~~فيحبس له حتى يأكله أو يفسد, فاشتد ذلك عليهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم ~~بشرابهم" فهذا هو الصحيح في ذلك; وأما قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} ~~فليس من هذا في شيء; لأنه معلوم أنه لم يرد به إيتاءهم أموالهم في حال ~~اليتم, وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد, وأطلق اسم الأيتام ~~عليهم لقرب عهدهم باليتيم كما سمى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله ~~تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] والمعنى مقاربة ~~البلوغ; ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق الآية: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم} والإشهاد عليه لا يصح قبل البلوغ, فعلم أنه أراد بعد ~~البلوغ. وسماهم يتامى لأحد معنيين: إما لقرب عهدهم بالبلوغ, أو لانفرادهم ~~عن آبائهم, مع أن العادة في أمثالهم ضعفهم عن التصرف لأنفسهم والقيام ~~بتدبير أمورهم على الكمال حسب تصرف المتحنكين الذين قد جربوا الأمور ~~واستحكمت آراؤهم; وقد روى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ~~اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: "إذا أونس منه الرشد انقطع عنه يتمه" ~~وفي بعض الألفاظ: "إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد", ~~فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يستحكم رأيه ولم ~~يؤنس منه رشده, فجعل بقاء ضعف الرأي موجبا لبقاء اسم اليتيم عليه. # واسم اليتيم قد يقع على المنفرد عن أبيه وعلى المرأة المنفردة عن زوجها, ~~قال # PageV02P061 # النبي صلى الله عليه وسلم: "تستأمر اليتيمة في نفسها", وهي لا تستأمر إلا ~~وهي بالغة; وقال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى ms1047 # إلا أنه معلوم أنه إذا صار شيخا أو كهلا لا يسمى يتيما وإن كان ضعيف ~~العقل ناقص الرأي, فلا بد من اعتبار قرب العهد بالصغر. والمرأة الكبيرة ~~المسنة تسمى يتيمة من جهة انفرادها عن زوج, والرجل الكبير المسن لا يسمى ~~يتيما من جهة انفراده عن أبيه, وإنما كان كذلك; لأن الأب يلي على الصغير ~~ويدبر أمره ويحوطه فيكنفه, فسمي الصغير يتيما لانفراده عن أبيه الذي هذه ~~حاله, فما دام على حال الضعف ونقصان الرأي يسمى يتيما بعد البلوغ. وأما ~~المرأة فإنما سميت يتيمة لانفرادها عن الزوج الذي هي في حباله وكنفه, فهي ~~وإن كبرت فهذا الاسم لازم لها; لأن وجود الزوج لها في هذه الحال بمنزلة ~~الأب للصغير في أنه هو الذي يلي حفظها وحياطتها, فإذا انفردت عمن هذه حاله ~~معها سميت يتيمة كما سمي الصغير يتيما لانفراده عمن يدبر أمره ويكنفه ~~ويحفظه, ألا ترى إلى قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] ~~كما قال: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] فجعل الرجل قيما على ~~امرأته كما جعل ولد اليتيم قيما عليه. وقد روى علي بن أبي طالب وجابر بن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يتم بعد حلم", وهذا هو ~~الحقيقة في اليتم, وبعد البلوغ يسمى يتيما مجازا لما وصفنا. # وما ذكرنا من دلالة اسم اليتيم على الضعيف على ما روي عن ابن عباس يدل ~~على صحة قول أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أنها جائزة ~~للفقراء من اليتامى; لأن اسم اليتيم يدل على ذلك. ويدل عليه ما حدثنا عبد ~~الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الحسن في قوله عز وجل: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما} قال: السفهاء ابنك السفيه وامرأتك ~~السفيهة, قال: وقوله: {قياما} قيام عيشك. وقد ذكر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "اتقوا الله في الضعيفين اليتيم والمرأة", فسمى اليتيم ms1048 ~~ضعيفا. # ولم يشرط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم, وظاهره يقتضي ~~وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ أونس منه الرشد أو لم يؤنس, إلا أنه قد شرطه في ~~قوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم} فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بينه وبين خمس وعشرين سنة, ~~فإذا بلغوا ولم يؤنس منه رشد وجب دفع المال إليه لقوله تعالى: {وآتوا ~~اليتامى أموالهم} فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره, وفيما ~~قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد, لاتفاق # PageV02P062 # أهل العلم أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه ~~وهذا وجه سائغ من قبل أن فيه استعمال كل واحدة من الآيتين على مقتضى ~~ظواهرهما على فائدتهما, ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال كان فيه ~~إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا, وهو قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} من ~~غير شرط لإيناس الرشد فيه; لأن الله تعالى أطلق إيجاب دفع المال من غير ~~قرينة, ومتى وردت آيتان: إحداهما: خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب ~~الحكم. والأخرى: عامة غير مضمنة بقرينة وأمكننا استعمالهما على فائدتهما لم ~~يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى. ولما ثبت ~~بما ذكرنا وجوب دفع المال إليه لقوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} وقال ~~في نسق التلاوة: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} دل ذلك على أنه ~~جائز الإقرار بالقبض; إذ كان قوله: {فأشهدوا عليهم} قد تضمن جواز الإشهاد ~~على إقرارهم بقبضها, وفي ذلك دلالة على نفي الحجر وجواز التصرف; لأن ~~المحجور عليه لا يجوز إقراره, ومن وجب الإشهاد عليه فهو جائز الإقرار. # وأما قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} فإنه روي عن مجاهد وأبي ~~صالح: "الحرام بالحلال" أي لا تجعل بدل رزقك الحلال حراما تتعجل بأن تستهلك ~~مال اليتيم فتنفقه أو تتجر فيه لنفسك أو تحبسه وتعطيه غيره, فيكون ما تأخذه ~~من مال اليتيم خبيثا حراما وتعطيه مالك الحلال الذي رزقك الله ms1049 تعالى; ولكن ~~آتوهم أموالهم بأعيانها" وهذا يدل على أن ولي اليتيم لا يجوز له أن يستقرض ~~مال اليتيم من نفسه ولا يستبدل فيحبسه لنفسه ويعطيه غيره, وليس فيه دلالة ~~على أنه لا يجوز له التصرف فيه بالبيع والشرى لليتيم; لأنه إنما حظر عليه ~~أن يأخذه لنفسه ويعطي اليتيم غيره. وفيه الدلالة على أنه ليس له أن يشتري ~~من مال اليتيم لنفسه بمثل قيمته سواء; لأنه قد حظر عليه استبدال مال اليتيم ~~لنفسه, فهو عام في سائر وجوه الاستبدال إلا ما قام دليله وهو أن يكون ما ~~يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه على قول أبي حنيفة, لقوله تعالى: {ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] . وقال سعيد بن ~~المسيب والزهري والضحاك والسدي في قوله: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} قال: ~~"لا تجعلوا الزائف بدل الجيد والمهزول بدل السمين". # وأما قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} فإنه روي عن مجاهد ~~والسدي: "لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم مضيفين لها إلى أموالكم", فنهوا عن ~~خلطها بأموالهم على وجه الاستقراض لتصير دينا في ذمته فيجوز لهم أكلها وأكل ~~أرباحها. # قوله تعالى: {إنه كان حوبا كبيرا} . قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: # PageV02P063 # "إثما كبيرا". وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها; لأن الأمر بدفعها مطلق ~~متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها, ويدل على أن من له ~~عند غيره مال فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه, لقوله تعالى: ~~{فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} والله الموفق. # PageV02P064 # باب تزويج الصغار # قال الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} . روى الزهري عن عروة قال: قلت لعائشة: قوله ~~تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية؟ فقالت: يا ابن أختي هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى ~~من صداقها, فنهوا أن ينكحوهن إلا أن ms1050 يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من ~~النساء قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية فيهن, فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتاب} إلى قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] ~~قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي ~~قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} . وقوله في الآية الأخرى: ~~{وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في ~~حجره حين تكون قليلة المال والجمال, فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها ~~وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. قال أبو بكر: وروي ~~عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى} . وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويل غير هذا, وهو ما ~~حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله ~~تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~يقول: وما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي ~~خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن. وروي عن مجاهد: وإن خفتم ألا تقسطوا ~~فحرجتم من أكل أموالهم, وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا طيبا ~~مثنى وثلاث ورباع. وروي فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة ~~قال: "كان الرجل من قريتي تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله ~~فيميل على مال الأيتام, فنزلت: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية. # وقد اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجد الصغيرين, فقال أبو حنيفة" ~~لكل # PageV02P064 # من كان من أهل الميراث من القرابات أن يزوج الأقرب فالأقرب, فإن كان ~~المزوج الأب أو الجد فلا خيار لهم بعد البلوغ, وإن كان غيرهما فلهم الخيار ~~بعد البلوغ". وقال أبو ms1051 يوسف ومحمد: "لا يزوج الصغيرين إلا العصبات الأقرب ~~فالأقرب"; قال أبو يوسف: "ولا خيار لهما بعد البلوغ" وقال محمد: "لهما ~~الخيار إذا زوجهما غير الأب والجد". وذكر ابن وهب عن مالك في تزويج الرجل ~~يتيمه إذا رأى له الفضل والصلاح والنظر: "أن ذلك جائز له عليه". وقال ابن ~~القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته وهي صغيرة: "إنه لا يجوز, ويزوج الوصي ~~وإن كره الأولياء, والوصي أولى من الولي, غير أنه لا يزوج الثيب إلا برضاها ~~ولا ينبغي أن يقطع عنها الخيار الذي جعل لها في نفسها, ويزوج الوصي بنيه ~~الصغار وبناته الصغار ولا يزوج البنات الكبار إلا برضاهن". وقول الليث في ~~ذلك كقول مالك, وكذلك قال يحيى بن سعيد وربيعة إن الوصي أولى. وقال الثوري: ~~"لا يزوج العم ولا الأخ الصغيرة, والأموال إلى الأوصياء, والنكاح إلى ~~الأولياء". وقال الأوزاعي: "لا يزوج الصغيرة إلا الأب". وقال الحسن بن ~~صالح: "لا يزوج الوصي إلا أن يكون وليا". وقال الشافعي: "لا يزوج الصغار من ~~الرجال والنساء إلا الأب أو الجد إذا لم يكن أب, ولا ولاية للوصي على ~~الصغيرة". # قال أبو بكر: روى جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: قال عمر: "من كان في ~~حجره تركة1 لها عوار فليضمها إليه فإن كانت رغبة فليزوجها غيره". وروي عن ~~علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في ~~آخرين جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة. وروي عن ابن عباس وعائشة في ~~تأويل الآية ما ذكرنا وأنها في اليتيمة فتكون في حجر وليها فيرغب في مالها ~~وجمالها ولا يقسط لها في صداقها, فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى ~~سننهن في الصداق. ولما كان ذلك عندهما تأويل الآية دل على أن جواز ذلك من ~~مذهبهما أيضا, ولا نعلم أحدا من السلف منع ذلك, والآية تدل على ما تأولها ~~عليه ابن عباس وعائشة; لأنهما ذكرا أنها في اليتيمة تكون في حجر وليها ~~فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في الصداق ms1052 فنهوا أن ينكحوهن أو يقسطوا ~~لهن في الصداق وأقرب الأولياء الذي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها ~~هو ابن العم فقد تضمنت الآية جواز تزويج ابن العم اليتيمة التي في حجره. ~~PageV02P065 # فإن قيل: لم جعلت هذا التأويل أولى من تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ~~ذكرت مع احتمال الآية للتأويلات كلها؟ قيل له: ليس يمتنع أن يكون المراد ~~المعنيين جميعا لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعا, ومع ~~ذلك فإن ابن عباس وعائشة قد قالا: إن الآية نزلت في ذلك, وذلك لا يقال ~~بالرأي وإنما يقال توقيفا فهو أولى; لأنهما ذكرا سبب نزولها والقصة التي ~~نزلت فيها, فهو أولى. # فإن قيل: يجوز أن يكون المراد الجد. قيل له: إنما ذكرا أنها نزلت في ~~اليتيمة التي في حجره ويرغب في نكاحها, والجد لا يجوز له نكاحها, فعلمنا أن ~~المراد ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء. # فإن قيل: إن الآية إنما هي في الكبيرة; لأن عائشة قالت: إن الناس استفتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى: ~~{ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء} [النساء: من 127] يعني قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى} قال: فلما قال: {في يتامى النساء} دل على أن المراد الكبار منهن ~~دون الصغار; لأن الصغار لا يسمين نساء. قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: ~~أن قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} حقيقته تقتضي اللاتي لم يبلغن, ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد بلوغ الحلم", ولا يجوز صرف ~~الكلام عن حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة, والكبيرة تسمى يتيمة على وجه ~~المجاز, وقوله تعالى: {في يتامى النساء} لا دلالة فيه على ما ذكرت; لأنهن ~~إذا كن من جنس النساء جازت إضافتهن إليهن, وقد قال الله تعالى: {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} والصغار والكبار داخلات فيهن, وقال: {ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء} [النساء: ms1053 22] والصغار والكبار مرادات به, وقال: {وأمهات ~~نسائكم} [النساء: 23] ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمها تحريما مؤبدا; فليس ~~إذا في إضافة اليتامى إلى النساء دلالة على أنهن الكبار دون الصغار. والوجه ~~الآخر: أن هذا التأويل الذي ذكره ابن عباس وعائشة لا يصح في الكبار; لأن ~~الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها بأقل من مهر مثلها جاز النكاح, وليس لأحد أن ~~يعترض عليها, فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي يتصرف عليهن في التزويج من هن ~~في حجره. ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر ~~بن حزم وعبد الله بن الحارث ومن لا أتهم عن عبد الله بن شداد قال: كان الذي ~~زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ابنها سلمة, فزوجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنت حمزة وهما صبيان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا, فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "هل جزيت سلمة بتزويجه إياي أمه؟ ", وفيه الدلالة ~~على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: أنه زوجهما وليس بأب ولا # PageV02P066 # جد, فدل على أن تزويج غير الأب والجد جائز للصغيرين. والثاني: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك وقد قال الله تعالى: {واتبعوه} [الأنعام: ~~153-155] فعلينا اتباعه, فيدل على أن للقاضي تزويج الصغيرين, وإذا جاز ذلك ~~للقاضي جاز لسائر الأولياء; لأن أحدا لم يفرق بينهما. ويدل عليه أيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" , فأثبت النكاح إذا كان ~~بولي, والأخ وابن العم أولياء, والدليل عليه أنها لو كانت كبيرة كانوا ~~أولياء في النكاح. ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن الأب والجد ~~إذا لم يكونا من أهل الميراث بأن كانا كافرين أو عبدين لم يزوجا, فدل على ~~أن هذه الولاية مستحقة بالميراث, فكل من كان من أهل الميراث فله أن يزوج ~~الأقرب فالأقرب; ولذلك قال أبو حنيفة: "إن للأم ومولى الموالاة أن يزوجوا ~~إذا لم يكن أقرب منهم; لأنهم من أهل الميراث". # فإن قيل: لما ms1054 كان في النكاح مال وجب أن لا يجوز عقد من لا يجوز تصرفه في ~~المال. قيل له: إن المال يثبت في النكاح من غير تسمية فلا اعتبار فيه ~~بالولاية في المال, ألا ترى أن عند من لا يجيز النكاح بغير ولي فللأولياء ~~حق في التزويج وليست لهم ولاية في المال على الكبيرة؟ ويلزم مالكا والشافعي ~~أن لا يجيزا تزويج الأب لابنته البكر الكبيرة; إذ لا ولاية له عليها في ~~المال, فلما جاز عند مالك والشافعي لأب البكر الكبيرة تزويجها بغير رضاها ~~مع عدم ولايته عليها في المال دل ذلك على أنه لا اعتبار في استحقاق الولاية ~~في عقد النكاح بجواز التصرف في المال, ولا ثبت بما ذكرنا من دلالة الآية ~~جواز تزويج ولي الصغيرة إياها من نفسه دل على أن لولي الكبيرة أن يزوجها من ~~نفسه برضاها. ويدل أيضا على أن العاقد للزوج والمرأة يجوز أن يكون واحدا, ~~بأن يكون وكيلا لهما كما جاز لولي الصغيرة أن يزوجها من نفسه, فيكون الموجب ~~للنكاح والقابل له واحدا. ويدل على أنه إذا كان وليا لصغيرين جاز له أن ~~يزوج أحدهما من صاحبه. فالآية دالة من هذه الوجوه على بطلان مذهب الشافعي ~~في قوله: "وإن الصغيرة لا يزوجها غير الأب والجد" وفي قوله: "إنه لا يجوز ~~لولي الكبيرة أن يتزوجها برضاها بغير محضر منها" ويدل على بطلان قوله في ~~أنه لا يجوز أن يكون رجل واحد وكيلا لهما جميعا في عقد النكاح عليهما. ~~وإنما قال أصحابنا: إنه لا يجوز للوصي تزويج الصغيرة, من قبل قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي", والوصي ليس بولي لها, ألا ترى أن ~~قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] فلو وجب لها ~~قود لم يكن الوصي لها وليا في ذلك ولم يستحق الولاية فيه؟ فثبت أن الوصي لا ~~يقع عليه اسم الولي, فواجب أن لا يجوز تزويجه إياها; إذ ليس بولي لها. # فإن قيل: فواجب على هذا أن لا يكون الأخ. أو ms1055 العم وليا للصغيرة; لأنهما ~~لا # PageV02P067 # يستحقان الولاية في القصاص. قيل له: لم نجعل عدم الولاية في القصاص علة ~~في ذلك حتى يلزمنا عليها, وإنما بينا أن ذلك الاسم لا يتناول ولا يقع عليه ~~من جهة ما يستحق من التصرف في المال, وأما الأخ والعم فهما وليان; لأنهما ~~من العصبات, وأحد لا يمتنع من إطلاق اسم الولي على العصبات, قال الله ~~تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] . قيل: إنه أراد به بني ~~أعمامه وعصباته, فاسم الولي يقع على العصبات ولا يقع على الوصي; فلما قال ~~صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" أنتفى بذلك جواز تزويج الوصي ~~للصغيرة; إذ ليس بولي, وقال صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها" وفي لفظ آخر: "بغير إذن مواليها, فنكاحها باطل" فقد اقتضى بطلان ~~نكاح المجنونة والبكر الكبيرة إذا زوجها الوصي أو تزوجت بإذن الوصي دون إذن ~~الولي لحكم النبي صلى الله عليه وسلم ببطلان نكاحها إذ كانت متزوجة بغير ~~إذن ولي. وأيضا فإن هذه الولاية في النكاح مستحقة بالميراث لما دللنا عليه, ~~وليس الوصي من أهل الميراث, فلا ولاية له. وأيضا فإن السبب الذي به يستحق ~~الولاية في النكاح هو النسب, وذلك لا يصح النقل فيه ولا يستحقه الوصي لعدم ~~السبب الذي به يستحق الولاية, وليس التصرف في المال بعد الموت كالتصرف في ~~النكاح; لأن المال يصح النقل فيه والنكاح لا يصح النقل فيه إلى غير ~~الزوجين, فلم يجز أن يكون للوصي ولاية فيه, وليس الوصي كالوكيل في حال حياة ~~الأب; لأن الوكيل يتصرف بأمر الموكل وأمره باق لجواز تصرفه وأمر الميت ~~منقطع فيما لا يصح فيه النقل وهو النكاح, فلذلك اختلفا. # فإن قيل: فإن الحاكم يزوج عندكم الصغيرين مع عدم الميراث والولاية من ~~طريق النسب. قيل له: إن الحاكم قائم مقام جماعة المسلمين فيما يتصرف فيه من ~~ذلك, وجماعة المسلمين هم من أهل ميراث الصغيرين وهم باقون, فاستحق الولاية ~~من حيث هو كالوكيل لهم وهو من أهل ميراثه; ms1056 لأنه لو مات ولا وارث له من ذوي ~~أنسابه ورثه المسلمون. # وفي هذه الآية دلالة أيضا على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة من حيث دلت ~~على جواز تزويج سائر الأولياء, إذ كان هو أقرب الأولياء, ولا نعلم في جواز ~~ذلك خلافا بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئا رواه بسر بن الوليد ~~عن ابن شبرمة أن تزويج الآباء على الصغار لا يجوز, وهو مذهب الأصم. ويدل ~~على بطلان هذا المذهب سوى ما ذكرنا من دلالة هذه الآية قوله تعالى: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن} [الطلاق: 4] فحكم بصحة طلاق الصغيرة التي لم تحض, والطلاق لا يقع إلا ~~في نكاح صحيح, فتضمنت الآية جواز تزويج الصغيرة. # PageV02P068 # ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت ست سنين, ~~زوجها إياه أبو بكر الصديق رضي الله عنه; وقد حوى هذا الخبر معنيين: ~~أحدهما: جواز تزويج الأب الصغيرة, والآخر أن لا خيار لها بعد البلوغ; لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يخيرها بعد البلوغ. # وأما قوله تعالى: {ما طاب لكم من النساء} , فإن مجاهدا قال: "معناه ~~انكحوا نكاحا طيبا". وعن عائشة والحسن وأبي مالك: "ما أحل لكم". وقال ~~الفراء: أراد بقوله تعالى: {ما طاب} المصدر, كأنه قال: فانكحوا من النساء ~~الطيب, أي الحلال, قال: ولذلك جاز أن يقول "ما" ولم يقل "من". # وأما قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} فإنه إباحة للثنتين إن شاء وللثلاث ~~إن شاء وللرباع إن شاء, على أنه مخير في أن يجمع في هذه الأعداد من شاء; ~~قال: فإن خاف أن لا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث, فإن خاف أن لا يعدل ~~اقتصر من الثلاث على الاثنتين, فإن خاف أن لا يعدل بينهما اقتصر على ~~الواحدة. وقيل: إن" الواو" ههنا بمعنى" أو" كأنه قال: مثنى أو ثلاث أو ~~رباع. وقيل أيضا فيه: إن" الواو" على حقيقتها ولكنه على وجه البدل, كأنه ~~قال: وثلاث بدلا من مثنى, ورباع ms1057 بدلا من ثلاث, لا على الجمع بين الأعداد ~~ومن قال هذا قال: إنه لو قيل: إن" أو" لجاز أن لا يكون الثلاث لصاحب المثنى ~~ولا الرباع لصاحب الثلاث, فأفاد ذكر" الواو" إباحة الأربع لكل أحد ممن دخل ~~في الخطاب, وأيضا فإن المثنى داخل في الثلاث والثلاث في الرباع; إذ لم يثبت ~~أن كل واحد من الأعداد مراد مع الأعداد الأخر على وجه الجمع, فتكون تسعا; ~~وهذا كقوله تعالى: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها} [فصلت: 9-10] إلى قوله: ~~{وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] والمعنى: في أربعة أيام ~~باليومين المذكورين بديا, ثم قال: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت: 12] ~~ولولا أن ذلك كذلك لصارت الأيام كلها ثمانية, وقد علم أن ذلك ليس كذلك ~~لقوله تعالى: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف: 54] فكذلك ~~المثنى داخل في الثلاث والثلاث في الرباع, فجميع ما أباحته الآية من العدد ~~أربع لا زيادة عليها. # وهذا العدد إنما هو للأحرار دون العبيد في قول أصحابنا والثوري والليث ~~والشافعي وقال مالك: "للعبد أن يتزوج أربعا". والدليل على أن الآية في ~~الأحرار دون العبيد قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} [النساء: 3] إنما هو ~~مختص بالأحرار; لأن العبد لا يملك عقد النكاح لاتفاق الفقهاء أنه لا يجوز ~~له أن يتزوج إلا بإذن المولى وأن المولى أملك بالعقد عليه منه بنفسه; لأن ~~المولى لو زوجه وهو كاره لجاز عليه ولو تزوج هو # PageV02P069 # بغير إذن الولي لم يجز نكاحه; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" , وقال الله تعالى {ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] فلما كان العبد لا يملك عقد النكاح لم ~~يكن من أهل الخطاب بالآية, فوجب أن تكون الآية في الأحرار. وأيضا لا ~~يختلفون أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح المقدرة كالطلاق والعدة, فلما ~~كان العدد من حقوق النكاح وجب أن ms1058 يكون للعبد النصف مما للحر. وقد روي عن ~~ستة من الصحابة أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين, ولا يروى عن أحد من نظرائهم ~~خلافه فيما نعلمه. وقد روى سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة قال: قال ~~عمر بن الخطاب: "ينكح العبد اثنتين ويطلق اثنتين وتعتد الأمة حيضتين, فإن ~~لم تحض فشهر ونصف". وروى الحسن وابن سيرين عن عمر وعبد الرحمن بن عوف: "أن ~~العبد لا يحل له أكثر من امرأتين". وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال: ~~"لا يجوز للعبد أن ينكح فوق اثنتين". وروى حماد عن إبراهيم أن عمر وعبد ~~الله قالا: "لا ينكح العبد أكثر من اثنتين", وشعبة عن الحكم عن الفضل بن ~~عباس قال: "يتزوج العبد اثنتين", وابن سيرين قال: قال عمر: أيكم يعلم ما ~~يحل للعبد من النساء؟ فقال رجل من الأنصار: أنا, فقال عمر: كم؟ قال: ~~اثنتين, فسكت; ومن يشاور عمر ويرضى بقوله فالظاهر أنه صحابي. وروى ليث عن ~~الحكم قال: "اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ~~يجمع من النساء فوق اثنتين فقد ثبت بإجماع أئمة الصحابة ما ذكرناه, ولا ~~نعلم أحدا من نظرائهم قال: إنه يتزوج أربعا, فمن خالف ذلك كان محجوجا ~~بإجماع الصحابة. وقد روي نحو قولنا عن الحسن وإبراهيم وابن سيرين وعطاء ~~والشعبي. # فإن قيل: روى يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن أبي الدرداء قال: "يتزوج العبد ~~أربعا" وهو قول مجاهد والقاسم وسالم وربيعة الرأي. قيل له إسناد حديث أبي ~~الدرداء فيه رجل مجهول وهو أبو وهب, ولو ثبت لم يجز الاعتراض به على قول ~~الأئمة الذين ذكرنا أقاويلهم واستفاض ذلك عنهم; وقد ذكر الحكم وهو من جلة ~~فقهاء التابعين إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد لا ~~يتزوج أكثر من اثنتين. # وأما قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} فإن معناه والله أعلم: ~~العدل في القسم بينهن, لما قال تعالى في آية أخرى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا ms1059 ~~بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129] والمراد ميل ~~القلب, والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف أن لا يفعل إظهار الميل بالفعل, فأمره ~~الله تعالى بالاقتصار على الواحدة إذا خاف إظهار الميل والجور ومجانبة ~~العدل. # وقوله عطفا على ما تقدم من إباحة العدد المذكور بعقد النكاح: {أو ما ملكت # PageV02P070 # أيمانكم} يقتضي حقيقته وظاهره إيجاب التخيير بين أربع حرائر وأربع إماء ~~بعقد النكاح, فيوجب ذلك تخييره بين تزويج الحرة والأمة; وذلك لأن قوله ~~تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} كلام غير مستقل بنفسه بل هو مضمن بما قبله, ~~وفيه ضمير لا يستغنى عنه, وضميره ما تقدم ذكره مظهرا في الخطاب, وغير جائز ~~لنا إضمار معنى لم يتقدم له ذكر إلا بدلالة من غيره, فلم يجز لنا أن نجعل ~~الضمير في قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} الوطء, فيكون تقديره: قد أبحت ~~لكم وطء ملك اليمين; لأنه ليس في الآية ذكر الوطء وإنما الذي في أول الآية ~~ذكر العقد; لأن قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} لا خلاف أن المراد به ~~العقد, فوجب أن يكون قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} ضميره, أو فانكحوا ~~ما ملكت أيمانكم, وذلك النكاح هو العقد, فالضمير الراجع إليه أيضا هو العقد ~~دون الوطء. # فإن قيل: لما صلح أن يكون النكاح اسما للوطء ثم عطف عليه قوله: {أو ما ~~ملكت أيمانكم} صارت كقوله: فانكحوا ما ملكت أيمانكم, فيكون معناه الوطء في ~~هذا الموضع وإن كان معناه العقد في أول الخطاب. قيل له: لا يجوز هذا; لأنه ~~إذا كان ضميره ما تقدم ذكره بديا في أول الخطاب فوجب أن يكون بعينه ومعناه ~~المراد به ضميرا فيه, فإذا كان النكاح المذكور هو العقد فكأنه قيل: فاعقدوا ~~عقدة النكاح فيما طاب لكم, فإذا أضمره في ملك اليمين كان الضمير هو العقد; ~~إذ لم يجز للوطء ذكر من جهة المعنى ولا من طريق اللفظ, فامتنع من أجل ذلك ~~إضمار الوطء فيه وإن كان اسم النكاح قد يتناوله. ومن جهة أخرى أنه ms1060 لما لم ~~يكن في الآية ذكر النكاح إلا ما تقدم في أولها وثبت أن المراد به العقد لم ~~يجز أن يكون ضمير ذلك اللفظ بعينه وطئا لامتناع أن يكون لفظ واحد مجازا ~~حقيقة; لأن أحد المعنيين يتناوله اللفظ مجازا والآخر حقيقة, ولا يجوز أن ~~ينتظمهما لفظ واحد, فوجب أن يكون ضميره عقد النكاح المذكور بديا في الآية. # فإن قيل: الذي يدل على أن ضميره هو الوطء دون العقد إضافته لملك اليمين ~~إلى المخاطبين, ومعلوم استحالة تزوجه بملك يمينه ويجوز له وطء ملك يمينه, ~~فعلمنا أن المراد الوطء دون العقد. قيل له: لما أضاف ملك اليمين إلى ~~الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير, كقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ~~[النساء: 25] فأضاف عقد النكاح على ملك أيمانهم إليهم, والخطاب متوجه إلى ~~كل واحد منهم في إباحة تزويج ملك غيره, كذلك قوله تعالى: {أو ما ملكت ~~أيمانكم} محمول على هذا المعنى; فليس إذا فيما ذكرت دليل على وجوب إضمار لا ~~ذكر له في الخطاب, فوجب أن يكون ضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو عقد النكاح. # PageV02P071 # وفيما وصف دليل على اقتضاء الآية التخيير بين تزوج الأمة والحرة لمن ~~يستطيع أن يتزوج حرة; لأن التخيير لا يصح إلا فيما يمكنه فعل كل واحد منهما ~~على حاله فقد حوت هذه الآية الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع وجود ~~الطول إلى الحرة, أحدهما: عموم قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~وذلك شامل للحرائر والإماء لوقوع اسم النساء عليهن. والثاني: قوله تعالى: ~~{أو ما ملكت أيمانكم} وذلك يقتضي التخيير بينهن وبين الحرائر في التزويج, ~~وقد قدمنا دلالة قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221] على ~~ذلك في سورة البقرة. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] وذلك عموم شامل للحرائر والإماء, وغير جائز ~~تخصيصه إلا بدلالة. # وأما قوله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} ms1061 فإن ابن عباس والحسن ومجاهدا ~~وأبا رزين والشعبي وأبا مالك وإسماعيل وعكرمة وقتادة قالوا: "يعني لا ~~تميلوا عن الحق". وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك الغفاري: "ذلك أدنى ~~ألا تعولوا: أن لا تميلوا". وأنشد عكرمة شعرا لأبي طالب: # بميزان صدق لا يخس شعيرة ... ووزان قسط وزنه غير عائل # قال: غير مائل. قال أهل اللغة أصل العول المجاوزة للحد, فالعول في ~~الفريضة مجاوزة حد السهام المسماة, والعول الميل الذي هو خلاف العدل لخروجه ~~عن حد العدل, وعال يعول إذا جار, وعال يعيل إذا تبختر, وعال يعيل إذا ~~افتقر, حكى لنا ذلك أبو عمر غلام ثعلب. وقال الشافعي في قوله تعالى: {ذلك ~~أدنى ألا تعولوا} معناه: أن لا يكثر من تعولون; قال: هذا يدل على أن على ~~الرجل نفقة امرأته. وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا ~~خلاف بين السلف وكل من روي عنه تفسير هذه الآية أن معناه: أن لا تميلوا وأن ~~لا تجوروا, وأن هذا الميل هو خلاف العدل الذي أمر الله به من القسم بين ~~الناس. والثاني: خطأه في اللغة; لأن أهل اللغة لا يختلفون في أنه لا يقال ~~في كثرة العيال" عال يعول" ذكره المبرد وغيره من أئمة اللغة, وقال أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى: أن لا تعولوا, قال: أن لا تجوروا, يقال: علت علي أي ~~جرت. والثالث: أن في الآية ذكر الواحدة أو ملك اليمين, والإماء في العيال ~~بمنزلة النساء, ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين, ~~فعلمنا أنه لم يرد كثرة العيال وأن المراد نفي الجور والميل بتزوج امرأة ~~واحدة; إذ ليس معها من يلزمه القسم بينه وبينها; إذ لا قسم للإماء بملك ~~اليمين; والله أعلم. # PageV02P072 # باب هبة المرأة المهر لزوجها # قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} . روي عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} قالا: "فريضة", كأنهما ذهبا إلى ms1062 نحلة الدين وأن ذلك فرض فيه. ~~وروي عن أبي صالح في قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال: "كان ~~الرجل إذا زوج موليته أخذ صداقها فنهوا عن ذلك", فجعله خطابا للأولياء أن ~~لا يحبسوا عنهن المهور إذا قبضوها. إلا أن معنى النحلة يرجع إلى ما ذكره ~~قتادة في أنها فريضة, وهذا على معنى ما ذكره الله عقيب ذكر المواريث {فريضة ~~من الله} . قال بعض أهل العلم: إنما سمي المهر نحلة والنحلة في الأصل ~~العطية والهبة في بعض الوجوه; لأن الزوج لا يملك بدله شيئا; لأن البضع في ~~ملك المرأة بعد النكاح هو قبله, ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها ~~دون الزوج؟ فإنما سمي المهر نحلة; لأنه لم يعتض من قبلها عوضا يملكه, فكان ~~في معنى النحلة التي ليس بإزائها بدل; وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد ~~النكاح هو الاستباحة لا الملك. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في قوله ~~تعالى: {نحلة} يعني: بطيبة أنفسكم, يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون ~~ولكن آتوهن ذلك وأنفسكم به طيبة وإن كان المهر لهن دونكم. قال أبو بكر: ~~فجائز على هذا المعنى أن يكون إنما سماه نحلة; لأن النحلة هي العطية وليس ~~يكاد يفعلها الناحل إلا متبرعا بها طيبة بها نفسه, فأمروا بإيتاء النساء ~~مهورهن بطيبة من أنفسهم كالعطية التي يفعلها المعطي بطيبة من نفسه. # ويحتج بقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} في إيجاب كمال المهر ~~للمخلو بها لاقتضاء الظاهر له, وأما قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} فإنه يعني عن المهر, لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن ~~عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن ~~طابت نفسها بتركه. قال قتادة في هذه الآية: "ما طابت به نفسها من غير كره ~~فهو حلال". وقال علقمة لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء. فتضمنت الآية ~~معاني: منها أن المهر لها وهي المستحقة له لا حق للولي فيه. ومنها أن على ~~الزوج أن يعطيها بطيبة ms1063 من نفسه. ومنها جواز هبتها المهر للزوج والإباحة ~~للزوج في أخذه بقوله تعالى: {فكلوه هنيئا مريئا} . ومنها تساوي حال قبضها ~~للمهر وترك قبضها في جواز هبتها للمهر; لأن قوله تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} يدل على المعنيين, ويدل أيضا على جواز هبتها للمهر قبل القبض أن ~~الله تعالى لم يفرق بينهما. # PageV02P073 # فإن قيل: قوله تعالى: {فكلوه هنيئا مريئا} يدل على أن المراد فيما تعين ~~من المهر, إما أن يكون عرضا بعينه فقبضته أو لم تقبضه أو دراهم قد قبضتها, ~~فأما دين في الذمة فلا دلالة في الآية على جواز هبتها له; إذ لا يقال لما ~~في الذمة كله هنيئا مريئا. قيل له: ليس المراد في ذلك مقصورا على ما يتأتى ~~فيه الأكل دون ما لا يتأتى; لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خاصا في المهر ~~إذا كان شيئا مأكولا, وقد عقل من مفهوم الخطاب أنه غير مقصور على المأكول ~~منه دون غيره; لأن قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} عام في المهور ~~كله سواء كانت من جنس المأكول أو من غيره, وقوله تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} شامل لجميع الصدقات المأمور بإيتائها. فدل أنه لا اعتبار بلفظ الأكل ~~في ذلك وأن المقصد فيه جواز استباحته بطيبة من نفسها; وقال الله تعالى: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] وقال تعالى: {ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] وهو عموم في النهي عن سائر وجوه ~~التصرف في مال اليتيم من الديون والأعيان المأكول وغير المأكول, وشامل ~~للنهي في أخذ أموال الناس إلا على وجه التجارة عن تراض, وليس المأكول بأولى ~~بمعنى الآية من غيره. وإنما خص الأكل بالذكر; لأنه معظم ما يبتغى له ~~الأموال, إذ به قوام بدن الإنسان, وفي ذكره للأكل دلالة على ما دونه, وهذا ~~كقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] فخص البيع بالذكر وإن كان ما عداه من سائر ما يشغله عن ~~الصلاة بمثابته في النهي; لأن الاشتغال بالبيع من أعظم ms1064 أمورهم في السعي في ~~طلب معايشهم, فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه وأنه أولى بالنهي; إذ قد نهاهم ~~عما هم إليه أحوج والحاجة إليه أشد. وكما قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] فخص اللحم بذكر التحريم وسائر أجزائه ~~مثله; لأنه معظم ما يراد منه وينتفع به, فكان في تحريمه أعظم منافعه دلالة ~~على ما دونه, فكذلك قوله تعالى: {فكلوه هنيئا مريئا} قد اقتضى جواز هبتها ~~للمهر من أي جنس كان عينا أو دينا قبضته أو لم تقبضه. ومن جهة أخرى أنه إذا ~~جازت هبتها للمهر إذا كان مقبوضا معينا فكذلك حكمه إذا كان دينا; لأنه قد ~~ثبت جواز تصرفها في مالها, فلا يختلف حكم العين والدين فيه; ولأن أحدا لم ~~يفرق بينهما. وقد دلت هذه الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت ~~هبة المرأة للمهر وهو دين, ويدل أيضا على أن من وهب لإنسان دينا له عليه أن ~~البراءة قد وقعت بنفس الهبة; لأن الله تعالى قد حكم بصحته وأسقطه عن ذمته. ~~ويدل على أن من وهب لإنسان مالا فقبضه وتصرف فيه أنه جائز له ذلك وإن لم ~~يقل بلسانه قد قبلت; لأن الله تعالى قد أباح له أكل ما وهبه من غير شرط ~~القبول, بل يكون التصرف فيه # PageV02P074 # بحضرته حين وهبه قبولا. ويدل على أنها لو قالت" قد طبت لك نفسا عن مهري" ~~وأرادت الهبة والبراءة أن ذلك جائز لقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} . # وقد اختلف الفقهاء في هبة المرأة مهرها لزوجها, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد والشافعي: "إذا بلغت المرأة واجتمع لها عقلها ~~جاز لها التصرف في مالها بالهبة أو غيرها بكرا كانت أو ثيبا". وقال مالك: ~~"لا يجوز أمر البكر في مالها ولا ما وضعت عن زوجها من الصداق وإنما ذلك إلى ~~أبيها في العفو عن زوجها, ولا يجوز لغير الأب من أوليائها ذلك" قال: "وبيع ~~المرأة ذات الزوج ms1065 دارها وخادمها جائز وإن كره الزوج إذا أصابت وجه البيع, ~~فإن كانت فيه محاباة كان من ثلث مالها, وإن تصدقت أو وهبت أكثر من الثلث لم ~~يجز من ذلك قليل ولا كثير" قال مالك: "والمرأة الأيم إذا لم يكن لها زوج في ~~مالها كالرجل في ماله سواء". وقال الأوزاعي: "لا تجوز عطية المرأة حتى تلد ~~وتكون في بيت زوجها سنة". وقال الليث: "لا يجوز عتق المرأة ذات الزوج ولا ~~صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد لها منه لصلة رحم أو غير ذلك مما ~~يتقرب به إلى الله تعالى". # قال أبو بكر: الآية قاضية بفساد هذه الأقوال شاهدة بصحة قول أصحابنا الذي ~~قدمنا, لقوله عز وجل: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ولم ~~يفرق فيه بين البكر والثيب ولا بين من أقامت في بيت زوجها سنة أو لم تقم, ~~وغير جائز الفرق بين البكر والثيب في ذلك إلا بدلالة تدل على خصوص حكم ~~الآية في الثيب دون البكر; وأجاز مالك هبة الأب والله تعالى أمرنا بإعطائها ~~جميع الصداق إلا أن تهب هي شيئا منه له, فالآية قاضية ببطلان هبة الأب; ~~لأنه مأمور بإيتاء جميع الصداق إلا أن تطيب نفسها بتركه, ولم يشرط الله ~~تعالى طيبة نفس الأب, فمنع ما أباحه الله له بطيبة نفسها من مهرها وأجاز ما ~~حظره الله تعالى من منع شيء من مهرها إلا بطيبة نفسها بهبة الأب. وهذا ~~اعتراض على الآية من وجهين بغير دلالة: أحدهما: منعها الهبة مع اقتضاء ظاهر ~~الآية لجوازها. والثاني: جواز هبة الأب مع أمر الله الزوج بإعطائها الجميع ~~إلا أن تطيب نفسا بتركه. ويدل على ذلك قوله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] فمنع أن يأخذ منها ~~شيئا مما أعطاها إلا برضاها بالفدية فقد شرط رضا المرأة ولم يفرق مع ذلك ~~بين البكر ms1066 والثيب. ويدل عليه حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود, أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال للنساء: "تصدقن ولو من حليكن", وفي حديث ابن عباس: # PageV02P075 # أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ثم خطب ثم أتى النساء ~~فأمرهن أن يتصدقن, ولم يفرق في شيء منه بين البكر والثيب; ولأن هذا حجر ولا ~~يصح الحجر على من هذه صفته, والله أعلم. # PageV02P076 # باب دفع المال إلى السفهاء # قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} ~~قال أبو بكر: قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية, فقال ابن عباس: "لا ~~يقسم الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد; إذ هم عيال له, والمرأة ~~من أسفه السفهاء"; فتأول ابن عباس الآية على ظاهرها ومقتضى حقيقتها; لأن ~~قوله تعالى: {أموالكم} يقتضي خطاب كل واحد منهم بالنهي عن دفع ماله إلى ~~السفهاء لما في ذلك من تضييعه, لعجز هؤلاء عن القيام بحفظه وتثميره, وهو ~~يعني به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ المال. ويدل ذلك أيضا على ~~أنه لا ينبغي له أن يوكل في حياته بماله ويجعله في يد من هذه صفته, وأن لا ~~يوصي به إلى أمثالهم. ويدل أيضا على أن ورثته إذا كانوا صغارا أنه لا ينبغي ~~أن يوصي بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم. وفيه الدلالة على النهي عن ~~تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به, لقوله تعالى: {التي جعل الله ~~لكم قياما} فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال, فمن رزقه الله منه شيئا ~~فعليه إخراج حق الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه, وفي ذلك ترغيب ~~من الله تعالى لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير. وقد ذكر الله تعالى ~~ذلك في مواضع من كتابه العزيز, منه قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 26-27] وقوله تعالى: {ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء:29] ~~وقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا ms1067 لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67] وما ~~أمر الله تعالى به من حفظ الأموال وتحصين الديون بالشهادات والكتاب والرهن ~~على ما بينا فيما سلف. وقد قيل في قوله تعالى: {التي جعل الله لكم قياما} ~~يعني أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من يضيعها. والوجه الثاني من ~~التأويل: ما روي عن سعيد بن جبير أنه أراد: لا تؤتوا السفهاء أموالهم, ~~وإنما أضافها إليهم كما قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ~~يعني: لا يقتل بعضكم بعضا, وقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ~~وقوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] يريد: من ~~يكون فيها. وعلى هذا التأويل يكون السفهاء محجورا عليهم فيكونون ممنوعين من ~~أموالهم إلى أن يزول السفه. # PageV02P076 # وقد اختلف في معنى السفهاء ههنا, فقال ابن عباس: "السفيه من ولدك وعيالك" ~~وقال: "المرأة من أسفه السفهاء". وقال سعيد بن جبير والحسن والسدي والضحاك ~~وقتادة: "النساء والصبيان". وقال بعض أهل العلم: "كل من يستحق صفة سفيه في ~~المال من محجور عليه وغيره". وروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ~~قال: "ثلاثة يدعون الله لا يستجاب لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم ~~يطلقها, ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم} ورجل داين رجلا فلم يشهد عليه". وروي عن مجاهد: "أن السفهاء ~~النساء". وقيل إن أصل السفه خفة الحلم, ولذلك سمي الفاسق سفيها; لأنه لا ~~وزن له عند أهل الدين والعلم, ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله; وليس ~~السفه في هؤلاء صفة ذم ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى, وإنما سموا سفهاء ~~لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ المال. # فإن قيل: لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال, وقد أراد بشير ~~أن يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا; لأنه لم ~~يعط سائر بنيه مثله, فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء السفهاء أموالنا؟ ~~قيل له: ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال, وإنما المعنى فيه ms1068 أن نجعل ~~الأموال في أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها, وجائز للإنسان أن يهب الصغير ~~والمرأة كما يهب الكبير العاقل ولكنه يقبضه له من يلي عليه ويحفظ ماله ولا ~~يضيعه, وإنما منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في أيدي الصغار ~~والنساء التي لا يكملن بحفظها وتدبيرها. # وقوله عز وجل: {وارزقوهم فيها واكسوهم} يعني وارزقوهم من هذه الأموال; ~~لأن "في" ههنا بمعنى "من" إذ كانت حروف الصفات تتعاقب فيقوم بعضها مقام ~~بعض, كما قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} وهو بمعنى "مع" ~~فنهانا الله عن دفع الأموال إلى السفهاء الذين لا يقومون بحفظها وأمرنا بأن ~~نرزقهم منها ونكسوهم. فإن كان مراد الآية النهي عن إعطائهم مالنا على ما ~~اقتضى ظاهرها ففي ذلك دليل على وجوب نفقة الأولاد السفهاء والزوجات لأمره ~~إيانا بالإنفاق عليهم من أموالنا; وإن كان تأويلها ما ذهب إليه القائلون ~~بأن مرادها أن لا نعطيهم أموالهم وهم سفهاء, فإنما فيه الأمر بالإنفاق ~~عليهم من أموالهم. وهذا يدل على الحجر من وجهين: أحدهما: منعهم من أموالهم. ~~والثاني: إجازته تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم وشرى أقواتهم وكسوتهم. # وقوله تعالى: {وقولوا لهم قولا معروفا} , قال مجاهد وابن جريج: {قولا ~~معروفا} عدة جميلة بالبر والصلة على الوجه الذي يجوز ويحسن. ويحتمل أن يريد ~~به إجمال المخاطبة لهم وإلانة القول فيما يخاطبون به, كقوله تعالى: {فأما ~~اليتيم فلا # PageV02P077 # تقهر} [الضحى:9] وكقوله: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل ~~لهم قولا ميسورا} [الإسراء:28] وقد قيل: إنه جائز أن يكون القول المعروف ~~ههنا التأديب والتنبيه على الرشد والصلاح والهداية للأخلاق الحسنة, ويحتمل ~~أن يريد به: إذا أعطيتموهم الرزق والكسوة من أموالكم أن تجملوا لهم القول ~~ولا تؤذوهم بالتذمر عليهم والاستخفاف بهم, كما قال تعالى: {وإذا حضر القسمة ~~أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا} يعني ~~والله أعلم إجمال اللفظ وترك التذمر والامتنان; وكما قال تعالى: {لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] . وجائز أن تكون هذه المعاني كلها ~~مرادة بقوله تعالى: ms1069 {وقولوا لهم قولا معروفا} والله أعلم. # PageV02P078 # باب دفع المال إلى اليتيم # قال الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي: "يعني ~~اختبروهم في عقولهم ودينهم". قال أبو بكر: أمرنا باختبارهم قبل البلوغ; ~~لأنه قال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} فأخبر أن بلوغ النكاح ~~بعد الابتلاء; لأن" حتى غاية مذكورة بعد الابتلاء, فدلت الآية من وجهين على ~~أن هذا الابتلاء قبل البلوغ. وفي ذلك دليل على جواز الإذن للصغير الذي يعقل ~~في التجارة; لأن الابتلاء لا يكون إلا باستبراء حاله في العلم بالتصرف وحفظ ~~المال ومتى أمر بذلك كان مأذونا في التجارة. # وقد اختلف الفقهاء في إذن الصبي في التجارة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح: جائز للأب أن يأذن لابنه الصغير ~~في التجارة إذا كان يعقل الشرى والبيع, وكذلك وصي الأب أو الجد إذا لم يكن ~~وصي أب ويكون بمنزلة العبد المأذون له". وقال ابن القاسم عن مالك: "لا أرى ~~إذن الأب, والوصي للصبي في التجارة جائزا, وإن لحقه في ذلك دين لم يلزم ~~الصبي منه شيء". وقال الربيع عن الشافعي في كتابه في الإقرار: وما أقر به ~~الصبي من حق الله تعالى أو الآدمي أو حق في مال أو غيره فإقراره ساقط عنه ~~سواء كان الصبي مأذونا له في التجارة أذن له أبوه أو وليه من كان أو حاكم, ~~ولا يجوز للحاكم أن يأذن له, فإن فعل فإقراره ساقط عنه, وكذلك شراؤه وبيعه ~~مفسوخ". # قال أبو بكر: ظاهر الآية يدل على جواز الإذن له في التجارة لقوله تعالى: ~~{وابتلوا اليتامى} والابتلاء هو اختبارهم في عقولهم ومذاهبهم وحزمهم فيما ~~يتصرفون فيه, فهو # PageV02P078 # عام في سائر هذه الوجوه, وليس لأحد أن يقتصر بالاختبار على وجه دون وجه ~~فيما يحتمله اللفظ, والاختبار في استبراء حاله في المعرفة بالبيع والشرى ~~وضبط أموره وحفظ ماله لا يكون إلا بإذن له في التجارة, ومن قصر ms1070 الابتلاء ~~على اختبار عقله بالكلام دون التصرف في التجارة وحفظ المال فقد خص عموم ~~اللفظ بغير دلالة. # فإن قيل: الذي يدل على أنه لم يرد الإذن له في التصرف في حال الصغر قوله ~~تعالى في نسق التلاوة: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} وإنما ~~أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد, ولو جاز الإذن له في ~~التجارة في صغره لجاز دفع المال إليه في حال الصغر, والله تعالى إنما أمر ~~بدفع المال إليه بعد البلوغ وإيناس الرشد. قيل له: ليس الإذن له في التجارة ~~من دفع المال إليه في شيء; لأن الإذن هو أن يأمره بالبيع والشرى, وذلك ممكن ~~بغير مال في يده كما يأذن للعبد في التجارة من غير مال يدفعه إليه; فنقول: ~~إن الآية اقتضت الأمر بابتلائه, ومن الابتلاء الإذن له في التجارة وإن لم ~~يدفع إليه مالا, ثم إذا بلغ وقد أونس منه رشده دفع المال إليه, ولو كان ~~الابتلاء لا يقتضي اختباره بالإذن له في التصرف في الشرى والبيع وإنما هو ~~اختبار عقله من غير استبراء حال في ضبطه وعلمه بالتصرف لما كان للابتلاء ~~وجه قبل البلوغ; فلما أمر بذلك قبل البلوغ علمنا أن المراد اختبار أمره ~~بالتصرف, ولأن اختبار صحة عقله لا ينبئ عن ضبطه لأموره وحفظه لماله وعلمه ~~بالبيع والشرى, ومعلوم أن الله تعالى أمر بالاحتياط له في استبراء أمره في ~~حفظ المال والعلم بالتصرف, فوجب أن يكون الابتلاء المأمور به قبل البلوغ ~~مأمورا بذلك لا لاختبار صحة عقله فحسب. وأيضا فإن لم يجز الإذن له في ~~التجارة قبل البلوغ; لأنه محجور عليه فالابتلاء إذا ساقط من هذا الوجه, فلا ~~يخلو بعد البلوغ متى أردنا التوصل إلى إيناس رشده من أن نختبره بالإذن له ~~في التجارة أو لا نختبره بذلك, فإن وجب اختباره فقد أجزت له التصرف وهو ~~عندك محجور عليه بعد البلوغ إلى إيناس الرشد, فإن جاز الإذن له في التجارة ~~وهو محجور عليه بعد البلوغ فقد أخرجته من الحجر وإن ms1071 لم يخرج من الحجر وهو ~~ممنوع من ماله بعد البلوغ وهو مأذون له, فهلا أذنت له قبل البلوغ في ~~التجارة لاستبراء حاله كما يستبرأ حاله بالإذن بعد البلوغ مع بقاء الحجر ~~إلى إيناس الرشد وإن لم يستبرأ حاله بعد البلوغ بالإذن فكيف يعلم إيناس ~~الرشد منه؟ فقول المخالف لا يخلو من ترك الابتلاء أو دفع المال قبل إيناس ~~الرشد. # ويدل على جواز الإذن للصغير في التجارة ما روي: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر عمر بن أبي سلمة وهو صغير بتزويج أم سلمة إياه, وروى عبد الله بن ~~شداد: أنه أمر سلمة بن أبي سلمة بذلك وهو صغير, وفي ذلك دليل على جواز ~~الإذن له في التصرف الذي يملكه # PageV02P079 # عليه غيره من بيع أو شرى; ألا ترى أنه يقتضي جواز توكيل الأب إياه بشرى ~~عبد للصغير أو بيع عبد له؟ هذا هو معنى الإذن له في التجارة. وأما تأويل من ~~تأول قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} على اختبارهم في عقولهم ودينهم, فإن ~~اعتبار الدين في دفع المال غير واجب باتفاق الفقهاء; لأنه لو كان رجلا ~~فاسقا ضابطا لأموره عالما بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله ~~لأجل فسقه, فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك غير واجب; وإن كان رجلا ذا دين ~~وصلاح إلا أنه غير ضابط لماله يغبن في تصرفه كان ممنوعا من ماله عند ~~القائلين بالحجر لقلة الضبط وضعف العقل, فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك لا ~~معنى له. # وأما قوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح} فإن ابن عباس ومجاهدا والسدي ~~قالوا: "هو الحلم" وهو بلوغ حال النكاح من الاحتلام. # PageV02P080 # مطلب في تفسير الرشد # وأما قوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشدا} فإن ابن عباس قال: "فإن علمتم ~~منهم ذلك". وقيل: إن أصل الإيناس هو الإحساس, حكي عن الخليل. وقال الله ~~تعالى: {إني آنست نارا} [طه: 10] يعني أحسستها وأبصرتها. # وقد اختلف في معنى الرشد ههنا, فقال ابن عباس والسدي: "الصلاح في العقل" ~~وحفظ المال". وقال الحسن وقتادة: "الصلاح ms1072 في العقل والدين". وقال إبراهيم ~~النخعي ومجاهد: "العقل". وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{فإن آنستم منهم رشدا} قال: "إذا أدرك بحلم وعقل ووقار". # قال أبو بكر: إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأوله عليه, ~~ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منكورا ولم يشرط سائر ضروب الرشد, اقتضى ~~ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا ~~من الحجر عليه; فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل ~~البالغ, وهو مذهب إبراهيم ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة; وقد بينا هذه المسألة ~~في سورة البقرة. # وقوله تعالى: {فادفعوا إليهم أموالهم} يقتضي وجوب دفع المال إليهم بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد على ما بينا, وهو نظير قوله تعالى: {وآتوا اليتامى ~~أموالهم} وهذه الشريطة معتبرة فيها أيضا, وتقديره: وآتوا اليتامى أموالهم ~~إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا. # PageV02P080 # مطلب في أن السرف مجاوزة حد المباح إلى المحظور من إفراط أو تقصير # وأما قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} فإن السرف ~~مجاوزة حد المباح إلى المحظور, فتارة يكون السرف في التقصير وتارة في ~~الإفراط لمجاوزة حد الجائز في الحالين. # وقوله تعالى: {وبدارا} قال ابن عباس وقتادة والحسن والسدي: "مبادرة" ~~والمبادرة الإسراع في الشيء, فتقديره النهي عن أكل أموالهم مبادرة أن ~~يكبروا فيطالبوا بأموالهم. وفيها دلالة على أنه إذا صار في حد الكبر استحق ~~المال إذا كان عاقلا من غير شرط إيناس الرشد; لأنه إنما شرط إيناس الرشد ~~بعد البلوغ, وأفاد بقوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} أنه ~~لا يجوز له إمساك ماله بعدما يصير في حد الكبر, ولولا ذلك لما كان لذكر ~~الكبر ههنا معنى; إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده, ~~فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو ~~حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة; لأن مثله يكون جدا, ومحال أن يكون ~~جدا ولا ms1073 يكون في حد الكبار. والله أعلم. # PageV02P081 # باب أكل ولي اليتيم من ماله # قال الله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} ~~. قال أبو بكر: قد اختلف السلف في تأويله, فروى معمر عن الزهري عن القاسم ~~بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما لهم أموال, وهو ~~يستأذنه أن يصيب منها, فقال ابن عباس: ألست تهنأ جرباءها؟ قال: بلى, قال: ~~ألست تبغي ضالتها؟ قال: بلى, قال: ألست تلوط حياضها؟ قال: بلى, قال: ألست ~~تفرط عليها يوم ورودها؟ قال: بلى, قال: فاشرب من لبنها غير ناهك في الحلب ~~ولا مضر بنسل. وروى الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس قال: "الوصي إذا احتاج ~~وضع يده مع أيديهم ولا يكتسي عمامة". فشرط في الحديث الأول عمله في مال ~~اليتيم في إباحة الأكل, ولم يشرط في حديث عكرمة. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن ~~أبي حبيب قال: حدثني أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني أنه سأل أناسا من ~~الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} فقالوا: فينا نزلت, إن الوصي ~~كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم. وقد طعن في هذا الحديث من ~~جهة سنده, ويفسد أيضا من جهة أنه لو أبيح لهم الأكل لأجل عملهم لما # PageV02P081 # اختلف فيه الغني والفقير, فعلمنا أن هذا التأويل ساقط. وأيضا في حديث ابن ~~عباس إباحة الأكل دون أن يكتسي منه عمامة, ولو كان ذلك مستحقا لعمله لما ~~اختلف فيه حكم المأكول والملبوس, فهذا أحد الوجوه التي تأولت عليه الآية ~~وهو أن يقتصر على الأكل فحسب إذا عمل لليتيم. وقال آخرون: "يأخذه قرضا ثم ~~يقضيه". وروى شريك عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال: "إني أنزلت ~~مال الله تعالى مني بمنزلة اليتيم, إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت ~~بالمعروف وقضيت". وروي عن عبيدة السلماني وسعيد بن جبير وأبي العالية وأبي ms1074 ~~وائل ومجاهد مثل ذلك, وهو أن يأخذ قرضا ثم يقضيه إذا وجد. وقول ثالث: قال ~~الحسن وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح ومكحول: "إنه يأخذ منه ما يسد الجوعة ~~ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد". وقول رابع: وهو ما روي عن الشعبي أنه ~~بمنزلة الميتة يتناوله عند الضرورة, فإذا أيسر قضاه وإذا لم يوسر فهو في ~~حل. وقول خامس: وهو ما روى مقسم عن ابن عباس: {فليستعفف} قال: بغناه {ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف} قال: فلينفق على نفسه من ماله حتى لا يصيب من ~~مال اليتيم شيئا; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا منجاب بن الحارث قال حدثنا أبو عامر الأسدي قال: حدثنا ~~سفيان عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعنى ذلك. وقد روى عكرمة ~~عنه أنه يقضي. وروي عن ابن عباس أنه منسوخ. وقال مجاهد في رواية أخرى: ~~فليأكل بالمعروف من مال نفسه ولا رخصة له في مال اليتيم وهو قول الحكم. # قال أبو بكر: فحصل الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه; وروي عن ابن عباس ~~أربع روايات على ما ذكرنا: أحدها: أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من ~~لبنها, والثانية: أنه يقضي, والثالثة: لا ينفق من مال اليتيم شيئا ولكنه ~~يقوت على نفسه من ماله حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم, والرابعة: أنه منسوخ. ~~والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه قرضا ولا غيره غنيا كان أو ~~فقيرا, ولا يقرضه غيره أيضا. وقد روى إسماعيل بن سالم عن محمد قال: أما نحن ~~فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئا قرضا ولا غيره, ولم يذكر خلافا. ~~وروى محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن رجل عن ابن مسعود قال: "لا يأكل ~~الوصي من مال اليتيم قرضا ولا غيره", وهو قول أبي حنيفة; وذكر الطحاوي أن ~~مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ قرضا إذا احتاج ثم يقضيه, كما روي عن عمر ومن ~~تابعه. وروى بشر ms1075 بن الوليد عن أبي يوسف: "أنه لا يأكل من مال اليتيم إذا ~~كان مقيما, فإن خرج لتقاضي دين لهم أو إلى ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ~~ويركب, فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى اليتيم" قال: وقال أبو يوسف: وقوله ~~تعالى: # PageV02P082 # {فليأكل بالمعروف} يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] . قال أبو ~~بكر: جعل أبو يوسف الوصي في هذه الحال كالمضارب في جواز النفقة من ماله في ~~السفر. وقال ابن عبد الحكم عن مالك: "ومن كان له يتيم فخلط نفقته بماله فإن ~~كان الذي يصيب اليتيم أكثر مما يصيب وليه من نفقته فلا بأس, وإن كان الفضل ~~لليتيم فلا يخلطه" ولم يفرق بين الغني والفقير. وقال المعافى عن الثوري: ~~"يجوز لولي اليتيم أن يأكل طعام اليتيم ويكافئه عليه"; وهذا يدل على أنه ~~كان يجيز له أن يستقرض من ماله. وقال الثوري: "لا يعجبني أن ينتفع من ماله ~~بشيء وإن لم يكن على اليتيم فيه ضرر, نحو اللوح يكتب فيه". وقال الحسن بن ~~حي: "يستقرض الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه ثم يقضيه, ويأكل الوصي من ~~مال اليتيم بقدر عمله فيه إذا لم يضر بالصبي". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} وقال تعالى: ~~{فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا} وقال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده} [الأنعام: 152] وقال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ~~[النساء: 10] وقال تعالى: {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} [النساء: 127] وقال ~~تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] . وهذه الآي محكمة حاظرة لمال اليتيم على وليه في حال الغنى ~~والفقر, وقوله تعالى: {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} متشابه محتمل للوجوه ~~التي ذكرنا; فأولى الأشياء بها حملها على موافقة الآي ms1076 المحكمة, وهو أن يأكل ~~من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال اليتيم; لأن الله تعالى قد أمرنا ~~برد المتشابه إلى المحكم ونهانا عن اتباع المتشابه من غير رد له إلى ~~المحكم. قال الله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} ~~[آل عمران: 7] وتأويل من تأوله على جواز أخذ مال اليتيم قرضا أو غير قرض ~~مخالف لمعنى المحكم, ومن تأوله على غير ذلك فقد رده إلى المحكم وحمله على ~~معناه فهو أولى. وقد روي أن: قوله تعالى {فليأكل بالمعروف} منسوخ رواه ~~الحسن بن أبي الحسن بن عطية عن عطية أبيه عن ابن عباس: {ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف} نسختها الآية التي تليها: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما} . وروى عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس مثله. وروى عيسى بن عبيد ~~الكندي عن عبيد الله بن عمر بن مسلم عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: # PageV02P083 # {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} منسوخ بقوله تعالى: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما} # فإن قيل: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا ~~متأثل مالك بماله" وروى عمرو بن دينار عن الحسن العوفي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "يأكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف غير متأثل منه مالا". ~~قيل له: غير جائز الاعتراض بهذين الخبرين على ما ذكرنا من الآي المقتضية ~~لحظر مال اليتيم; فإن صح ذلك فهو محمول على الوجه الذي يجوز, وهو أن يعمل ~~في مال اليتيم مضاربة فيأخذ منه مقدار ربحه, وهذا جائز عندنا, وقد روي عن ~~جماعة من السلف نحو ذلك. # فإن قيل: فإن جاز أن يأخذ ربح مال اليتيم إذا عمل به مضاربة, فلم لا يجوز ~~أن يأكل من ماله إذا عمل فيه كما روي عن ابن عباس ms1077 في إحدى الروايات عنه أنه ~~إذا كان يهنأ جرباء الإبل ويبغي ضالتها ويلوط حياضها جاز له أن يشرب من ~~لبنها غير مضر بنسل ولا ناهك حلبا؟ وكما روي عن الحسن أن الوصي كان إذا عمل ~~في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم; قيل له: لأنه لا يخلو الوصي إذا أعان في ~~الإبل وعمل في النخل من أحد وجهين: إما أن يأخذه على وجه الأجرة لعمله, أو ~~على غير وجه الأجرة والعوض من العمل, فإن كان يأخذه على وجه الأجرة فذلك ~~يفسد من أربعة أوجه: أحدها: أن الذين أباحوا ذلك له إنما أباحوه في حال ~~الفقر; إذ لا خلاف أن الغني لا يجوز له أخذه, وهو نص الكتاب في قوله تعالى: ~~{ومن كان غنيا فليستعفف} واستحقاق الأجرة لا يختلف فيه الغني والفقير, فبطل ~~أن يكون أجرة من هذا الوجه. والوجه الثاني: أن الوصي لا يجوز له أن يستأجر ~~نفسه لليتيم. والوجه الثالث: أن الذين أباحوا ذلك لم يشرطوا له شيئا ~~معلوما, والإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة. والوجه الرابع: أن من أباح ذلك ~~له لم يجعله أجرة, فبطل أن يكون ذلك أجرة, وليس هو بمنزلة ربح المضاربة إذا ~~عمل به الوصي; لأن الربح الذي يستحقه من المال لم يكن قط مالا لليتيم, ألا ~~ترى أن ما يشرطه رب المال للمضارب من الربح لم يكن قط ملكا لرب المال, ولو ~~كان ملكا لرب المال مشروطا للمضارب بدلا من عمله لوجب أن يكون مضمونا عليه ~~كالأجرة التي هي مستحقة من مال المستأجر بدلا من عمل الأجير هي مضمونة على ~~المستأجر؟ فلما لم يكن الربح المشروط للمضارب مضمونا على رب المال ثبت أنه ~~لم يكن قط ملكا لرب المال, وأنه إنما حدث على ملك المضارب ويدل على ذلك أن ~~مريضا لو دفع مالا مضاربة وشرط للمضارب تسعة أعشار الربح وهو أكثر من ربح ~~مثله, أن ذلك جائز, ولم # PageV02P084 # يحتسب بالمشروط للمضارب من ذلك من مال المريض إن مات من مرضه, وأن ذلك ~~ليس بمنزلة ms1078 ما لو استأجره بأكثر من أجرة مثله فيكون ذلك من الثلث; فليس إذا ~~في أخذه ربح المضاربة أخذ شيء من مال اليتيم. # فإن قيل: هلا كان الوصي في ذلك كسائر العمال والقضاة الذين يعملون ~~ويأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين فكذلك الوصي إذا عمل لليتيم جاز له ~~أخذ رزقه بقدر عمله. قيل له: لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا يجوز له أخذ ~~شيء من مال اليتيم لأجل عمله إذا كان غنيا, وقد حظر ذلك عليه نص التنزيل في ~~قوله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف} ولا خلاف مع ذلك أن القضاة والعمال ~~جائز لهم أخذ أرزاقهم مع الغنى; فلو كان ما أخذه ولي اليتيم من ماله يجري ~~مجرى رزق القضاة والعمال جاز له أن يأخذه في حال الغنى, فدل ذلك على أن ولي ~~اليتيم لا يستحق رزقا من ماله; ولا خلاف أيضا أن القاضي لا يجوز له أن يأخذ ~~من مال اليتيم شيئا وإليه القيام بأمر الأيتام, فثبت بذلك أن سائر الناس ~~ممن لهم الولاية على الأيتام لا يجوز لهم أخذ شيء من أموالهم لا قرضا ولا ~~غيره كما لا يأخذه القاضي فقيرا كان أو غنيا. # فإن قيل: فما الفرق بين رزق القاضي والعامل وبين أخذ ولي اليتيم من ماله ~~مقدار الكفاية وبين أخذ الأجرة؟ قيل له: إن الرزق ليس بأجرة لشيء وإنما هو ~~شيء جعله الله له ولكل من قام بشيء من أمور المسلمين, ألا ترى أن الفقهاء ~~لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا شيئا يجوز أخذ الأجرة عليه؟ لأن اشتغالهم ~~بالفتيا وتفقيه الناس فرض, ولا جائز لأحد أخذ الأجرة على الفروض, والمقاتلة ~~وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة, وكذلك الخلفاء; وقد كان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم سهم من الخمس والفيء وسهم من الغنيمة إذا حضر القتال, وغير ~~جائز لأحد أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يأخذ الأجر على شيء ~~مما يقوم به من أمور الدين, وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى: {قل ما ~~أسألكم عليه ms1079 من أجر وما أنا من المتكلفين} ### | [ص:86] # {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] فثبت بذلك ~~أن الرزق ليس بأجرة. ويدلك على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين والأيتام ~~في بيت المال الحقوق ولا يأخذونها بدلا من شيء, فأخذ الأجرة للقاضي ولمن ~~قام بشيء من أمور الدين غير جائز, وقد منع القاضي أن يقبل الهدية. وسئل عبد ~~الله بن مسعود عن قوله تعالى: {أكالون للسحت} [المائدة: 42] أهو الرشا؟ ~~قال: "لا, ذاك كفر إنما هو هدايا العمال"; وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "هدايا الأمراء غلول". فالقاضي ممنوع من أخذ الأجرة على شيء ~~من أمر القضاء ومحظور عليه قبول الهدايا; وتأولها السلف على أنها السحت ~~المذكور في كتاب الله تعالى. وولي اليتيم لا يخلو فيما # PageV02P085 # يأخذه من مال اليتيم من أن يأخذه أجرة أو على سبيل رزق القاضي والعامل, ~~ومعلوم أن الأجرة إنما تكون على عمل معلوم ومدة معلومة وأجر معلوم, وينبغي ~~أن يتقدم له عقد إجارة ويستوي فيها الغني والفقير, ومن يجيز له أخذ شيء من ~~مال اليتيم على وجه القرض أو على جهة غير القرض فإنه لا يجعله أجرة كما ~~ذكرنا ولاختلاف حكم الغني والفقير عندهم فيه; فثبت أنه ليس بأجرة ولا يجوز ~~له أن يأخذه على حسب ما يأخذه القضاة من الأرزاق لاستواء حال الغني والفقير ~~من القضاء فيما يأخذونه من الأرزاق, واختلاف الغني والفقير عند مجيزي أخذ ~~ذلك من مال اليتيم ولأن الرزق إنما يجب في بيت مال المسلمين لا في مال أحد ~~بعينه من الناس. فالمشبه لولي اليتيم فيما يجيز له أخذ شيء من ماله بالقاضي ~~والأجير فيما يأخذ أنه مغفل للواجب عليه. # ويدل على أن ولي اليتيم لا يحل له أخذ شيء من ماله قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غنائم خيبر: "لا يحل لي مما أفاء الله عليكم مثل هذه" يعني ~~وبرة أخذها من بعيره "إلا الخمس والخمس مردود فيكم". فإذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms1080 فيما يتولاه من مال المسلمين كما ذكرنا, فالوصي فيما يتولاه ~~من مال اليتيم أحرى أن يكون كذلك. وأيضا لما كان دخول الوصي في الوصية على ~~وجه التبرع من غير شرط أجرة, كان بمنزل المستبضع فلا أجرة له ولا يحل له ~~أخذ شيء منه قرضا ولا غيره كما لا يجوز ذلك للمستبضع. # وقوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} . قال أبو بكر: ~~الآية التي تقدم ذكرها في أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلي ~~عليهم غيرهم في حفظ أموالهم والتصرف عليهم فيما يعود نفعه عليهم وهم وصي ~~الأب أو الجد إن لم يكن وصي أب, أو وصي الجد إن لم يكن أحد من هؤلاء, أو ~~أمين حاكم عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا; وكذلك شرط الأوصياء والجد ~~والأب وكل من يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه إلا أن يكون عدلا ~~مأمونا. فأما الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشي من الحكام والأوصياء ~~والأمناء غير المأمونين فإن واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير ~~ولا خلاف في ذلك نعلمه, ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين في أن القاضي إذا ~~فسق بأخذ الرشا أو ميل إلى هوى وترك الحكم أنه معزول غير جائز الحكم؟ فكذلك ~~حكم الله فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصي أو أمين أو حاكم, ~~فغير جائز ثبوت ولايته في ذلك إلا على شرط العدالة وصحة الأمانة. وقد أمر ~~الله أولياء الأيتام بالإشهاد عليهم بعد البلوغ بما يدفعون إليهم من ~~أموالهم; وفي ذلك ضروب من الأحكام: أحدها: الاحتياط لكل واحد من اليتيم ~~ووالي ماله, فأما اليتيم فلأنه إذا قامت عليه البينة بقبض المال كان أبعد ~~من أن يدعي ما ليس له, وأما الوصي فلأن يبطل دعوى # PageV02P086 # اليتيم بأنه لم يدفعه إليه, كما أمر الله تعالى بالإشهاد على البيوع ~~احتياطا للمتبايعين. ووجه آخر في الإشهاد: وهو أنه يظهر أداء أمانته وبراءة ~~ساحته, كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة ms1081 في ~~حديث عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجد لقطة ~~فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب" , فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول ~~عنه التهمة; والله الموفق # PageV02P087 # ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادعى ~~بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه: "إنه يصدق" وكذلك لو قال: أنفقت ~~عليه في صغره, صدق في نفقة مثله, وكذلك لو قال: هلك المال; وهو قول سفيان ~~الثوري. وقال مالك: "لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم" وهو قول ~~الشافعي, قال: "لأن الذي زعم أنه دفعه إليه غير الذي ائتمنه كالوكيل بدفع ~~المال إلى غيره لا يصدق إلا ببينة" وقال الله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم} . # قال أبو بكر: وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين ولا مصدق ~~فيه; لأن الإشهاد مندوب إليه في الأمانات كهو في المضمونات, ألا ترى أنه ~~يصح الإشهاد على رد الأمانات من الودائع كما يصح في أداء المضمونات من ~~الديون؟ فإذا ليس في الأمر بالإشهاد دلالة على أنه غير مصدق فيه إذا لم ~~يشهد. # فإن قيل: إذا كان مصدقا في الرد فما معنى الإشهاد مع قبول قوله بغير ~~بينة؟ قيل له: فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط له في زوال ~~التهمة عنه في أن لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده, وفيه الاحتياط لليتيم في ~~أن لا يدعي ما يظهر كذبه فيه, وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصي إذا كانت له ~~بينة في دفعه إليه; ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول ~~الوصي مع يمينه, وإذا أشهد فلا يمين عليه. فهذه المعاني كلها مضمنة ~~بالإشهاد وإن كان أمانة في يده. # ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه ~~وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه, ms1082 فهو بمنزلة ~~الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات, فوجب أن يكون مصدقا على ~~الرد كما يصدق على رد الوديعة. والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه ~~على الهلاك لم يضمنه, كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم ~~يضمنه. وأما قول الشافعي: "إنه لما لم يأتمنهم الأيتام لم يصدقوا". فقول ~~ظاهر الاختلال بعيد من معاني الفقه منتقض # PageV02P087 # فاسد; لأنه لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا ~~قال لليتيم: قد دفعته إليك; لأنه لم يأتمنه. وكذلك يلزمه أن يقول في الأب ~~إذا قال بعد بلوغ الصغير: "قد دفعت إليك مالك" أن لا يصدقه; لأنه لم ~~يأتمنه, ويلزمه أيضا أن يوجب عليهم الضمان إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد ~~هلك; لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه. وأما تشبيهه إياه بالوكيل بدفع ~~المال إلى غيره فتشبيه بعيد, ومع ذلك فلا فرق بينهما من الوجه الذي صدقنا ~~فيه الوصي; لأن الوكيل مصدق أيضا في براءة نفسه غير مصدق في إيجاب الضمان ~~ودفعه إلى غيره, وإنما لم يقبل قوله على المأمور بالدفع إليه, فأما في ~~براءة نفسه فهو مصدق كما صدقنا الوصي على الرد بعد البلوغ. وأيضا فإن الوصي ~~في معنى من يتصرف على اليتيم بإذنه, ألا ترى أنه يجوز تصرفه عليه في البيع ~~والشرى كجواز تصرف أبيه؟ فإذا كان إمساك الوصي المال بائتمان الأب له عليه ~~وإذن الأب جائز على الصغير صار كأنه ممسك له بعد البلوغ بإذنه, فلا فرق ~~بينه وبين المودع. وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~الآية. قال أبو بكر: قد انتظمت هذه الجملة عموما ومجملا, فأما العموم ~~فقوله: "للرجال وللنساء" وقوله تعالى: {مما ترك الوالدان والأقربون} فذلك ~~عموم في إيجاب الميراث للرجال والنساء من الوالدين والأقربين, فدل من هذه ~~الجهة على إثبات مواريث ذوي الأرحام; لأن أحدا لا يمتنع أن يقول: إن العمات ~~والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين, فوجب بظاهر الآية إثبات ~~ميراثهم. إلا أنه ms1083 لما كان قوله {نصيب} مجملا غير مذكور المقدار في الآية ~~امتنع استعمال حكمه إلا بورود بيان من غيره. إلا أن الاحتجاج بظاهر الآية ~~في إثبات ميراث لذوي الأرحام سائغ, وهذا مثل قوله تعالى: {خذ من أموالهم ~~صدقة} [التوبة: 103] وقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: ~~141] عطفا على ما قدم ذكره من الزرع والثمرة. فهذه ألفاظ قد اشتملت على ~~العموم والمجمل, فلا يمنع ما فيها من الإجمال من الاحتجاج بعمومها متى ~~اختلفنا فيما انتظمه لفظ العموم, وهو أصناف الأموال الموجب فيها, وإن لم ~~يصح الاحتجاج بما فيها من المجمل عند اختلافنا في المقدار الواجب; كذلك متى ~~اختلفنا في الورثة المستحقين للميراث ساغ الاحتجاج بعموم قوله تعالى: ~~{للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية; ومتى اختلفنا في المقدار ~~الواجب لكل واحد منهم احتجنا في إثباته إلى بيان من غيره. # فإن قيل: لما قال: {نصيبا مفروضا} ولم يكن لذوي الأرحام نصيب مفروض # PageV02P088 # علمنا أنهم لم يدخلوا في مراد الآية. قيل له: ما ذكرت لا يخرجهم من حكمها ~~وكونهم مرادين بها; لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب ~~مفروض لكل واحد منهم, وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من ~~هذا الوجه; وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا ~~مفروضا غير مذكور المقدار في الآية; لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد ~~في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها ~~بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر; ~~كذلك قد ورد بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب ~~وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء, فلم يجز ~~إسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها. ثم إذا استحقوا الميراث بها كان ~~المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام ~~فيهم, فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا ms1084 في البعض, وما اختلفوا ~~فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه. # فإن قيل: قد روي عن قتادة وابن جريج أن الآية نزلت على سبب, وهو أن أهل ~~الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث فنزلت الآية, وقال غيرهما: إن ~~العرب كانت لا تورث إلا من طاعن بالرمح وذاد عن الحريم والمال, فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية إبطالا لحكمهم, فلا يصح اعتبار عمومها في غير ما وردت فيه. ~~قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن السبب الذي ذكرت غير مقصور على الأولاد ~~وذوي السهام من القرابات الذين بين الله حكمهم في غيرها, وإنما السبب أنهم ~~كانوا يورثون الذكور دون الإناث, وجائز أن يكونوا قد كانوا يورثون ذوي ~~الأرحام من الرجال دون الإناث; فليس فيما ذكرت إذا دليل على أن السبب كان ~~توريث الأولاد ومن ذكرهم الله تعالى من ذوي السهام في آية المواريث. ومن ~~جهة أخرى أنها لو نزلت على سبب خاص لم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ, بل الحكم ~~للعموم دون السبب عندنا, فنزولها على سبب ونزولها مبتدأة من غير سبب سواء. ~~وأيضا فإن الله قد ذكر مع الأولاد غيرهم من الأقربين في قوله تعالى: {مما ~~ترك الوالدان والأقربون} فعلمنا أنه لم يرد به ميراث الأولاد دون سائر ~~الأقربين. ويحتج بهذه الآية في توريث الإخوة والأخوات مع الجد كنحو ~~احتجاجنا بها في توريث ذوي الأرحام. # وقوله تعالى: {نصيبا مفروضا} يعني والله أعلم: معلوما مقدرا. ويقال إن ~~أصل الفرض الحز في القداح علامة لها يميز بينها, والفرضة العلامة في قسم ~~الماء يعرف بها كل ذي حق نصيبه من الشرب; فإذا كان أصل الفرض هذا ثم نقل ~~إلى المقادير المعلومة # PageV02P089 # في الشرع أو إلى الأمور الثابتة اللازمة. وقد قيل: إن أصل الفرض الثبوت, ~~ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضا لثبوته; والفرض في الشرع ينقسم إلى ~~هذين المعنيين, فمتى أريد به الوجوب كان المفروض في أعلى مراتب الإيجاب. ~~وقد اختلف في معنى الفرض والواجب في الشرع من ms1085 بعض الوجوه, وإن كان كل مفروض ~~واجبا من حيث كان الفرض يقتضي فارضا وموجبا له وليس كذلك الواجب; لأنه قد ~~يجب من غير إيجاب موجب له, ألا ترى أنه جائز أن يقال: إن ثواب المطيعين ~~واجب على الله في حكمته ولا يجوز أن يقال إنه فرض عليه؟ ; إذ كان الفرض ~~يقتضي فارضا, وقد يكون واجبا في الحكمة غير مقتض موجبا. وأصل الوجوب في ~~اللغة هو السقوط, يقال: وجبت الشمس إذا سقطت, ووجب الحائط إذا سقط, وسمعت ~~وجبة يعني سقطة, وقال الله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] يعني ~~سقطت; فالفرض في أصل اللغة أشد تأثيرا من الواجب, وكذلك حكمهما في الشرع; ~~إذ كان الحز الواقع ثابت الأثر وليس كذلك الوجوب. # قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى} الآية. قال سعيد بن ~~المسيب وأبو مالك وأبو صالح: "هي منسوخة بالميراث". وقال ابن عباس وعطاء ~~والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد والزهري: "إنها محكمة ليست بمنسوخة". وروى ~~عطية عن ابن عباس: "يعني عند قسمة الميراث, وذلك قبل أن ينزل القرآن, فأنزل ~~الله تعالى بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة فيما سمى ~~المتوفى". ففي هذه الرواية عن ابن عباس أنها كانت واجبة عند قسمة الميراث ~~ثم نسخت بالميراث, وجعلت ذلك في وصية الميت لهم. وروى عكرمة عنه: "أنها ~~ليست بمنسوخة, وهي في قسمة الميراث ترضخ لهم, فإن كان في المال تقصير اعتذر ~~إليهم", فهو قوله تعالى: {وقولوا لهم قولا معروفا} وروى الحجاج عن أبي ~~إسحاق: أن أبا موسى الأشعري وعبد الرحمن بن أبي بكر كانا يعطيان من حضر من ~~هؤلاء. وقال قتادة عن الحسن قال: قال أبو موسى: "هي محكمة". وروى أشعث عن ~~ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن قال: "ولي أبي ميراثا, فأمر بشاة فذبحت ثم ~~صنعت, ولما قسم ذلك الميراث أطعمهم ثم تلا: {وإذا حضر القسمة أولو القربى ~~واليتامى} الآية". وروى محمد بن سيرين عن عبيدة مثله, وقال: "لولا هذه ~~الآية لكانت هذه الشاة من مالي"1 وذكر أنه ms1086 كان من مال PageV02P090 # يتيم قد وليه. وروى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: ~~"هذه الآية يتهاون بها الناس, وقال: هما وليان أحدهما يرث والآخر لا يرث, ~~والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم ويعطيهم, والذي لا يرث هو الذي أمر أن ~~يقول لهم قولا معروفا ويقول هذا المال لقوم غيب أو لأيتام صغار ولكم فيه حق ~~ولسنا نملك أن نعطي منه شيئا, فهذا القول المعروف; قال: هي محكمة وليست ~~بمنسوخة". فحمل سعيد بن جبير قوله: {فارزقوهم} على أنهم يعطون أنصباءهم من ~~الميراث والقول المعروف للآخرين, فكانت فائدة الآية عنده إن حضر بعض الورثة ~~وفيهم غائب أو صغير أنه يعطى الحاضر نصيبه من الميراث ويمسك نصيب الغائب ~~والصغير; فإن صح هذا التأويل فهو حجة لقول من يقول في الوديعة "إذا كانت ~~بين رجلين وغاب أحدهما أن للحاضر أن يأخذ نصيبه ويمسك المودع نصيب الغائب" ~~وهو قول أبي يوسف ومحمد; وأبو حنيفة يقول: "لا يعطى أحد المودعين شيئا إذا ~~كانا شريكين فيه حتى يحضر الآخر". وروى عطاء عن سعيد بن جبير: {وقولوا لهم ~~قولا معروفا} قال: "يقول عدة جميلة إن كان الورثة صغارا, يقول أولياء ~~الورثة لهؤلاء الذين لا يرثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين: إن هؤلاء ~~الورثة صغار فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم ويتبعوا فيه وصية ربهم". # فحصل اختلاف السلف في ذلك على أربعة أوجه: قال سعيد بن المسيب وأبو مالك ~~وأبو صالح: إنها منسوخة بالميراث. والثاني: رواية عكرمة عن ابن عباس وقول ~~عطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد: أنها ثابتة الحكم غير منسوخة وهي في ~~الميراث. والثالث, وهو قول ثالث عن ابن عباس: أنها في وصية الميت لهؤلاء ~~منسوخة عن الميراث; وروي نحوه عن زيد بن أسلم قال زيد بن أسلم: "هذا شيء ~~أمر به الموصي في الوقت الذي يوصي فيه"; واستدل بقوله تعالى: {وليخش الذين ~~لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} قال: يقول له من حضره: اتق الله وصلهم وبرهم ~~وأعطهم. والرابع: قول ms1087 سعيد بن جبير في رواية أبي بشر عنه أن قوله: ~~{فارزقوهم منه} هو الميراث نفسه {وقولوا لهم قولا معروفا} لغير أهل ~~الميراث. فأما الذين قالوا: إنها منسوخة فإنه كان عندهم على الوجوب قبل ~~نزول الميراث, فلما نزلت المواريث وجعل لكل وارث نصيب معلوم صار ذلك ~~منسوخا. وأما الذين قالوا إنها ثابتة الحكم فإنه محمول عندنا على أنهم ~~رأوها ندبا واستحبابا لا حتما وإيجابا; لأنها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة ~~المواريث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم لنقل وجوب ~~ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث لعموم الحاجة إليه, فلما لم يثبت ~~وجوب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة دل ذلك على أنه ~~استحباب ليس بإيجاب; وما روي عن # PageV02P091 # عبد الرحمن وعبيدة وأبي موسى في ذلك فجائز أن يكون الورثة كانوا كبارا, ~~فذبح الشاة من جملة المال بإذنهم; وما روي في هذا الحديث أن عبيدة قسم ~~ميراث أيتام فذبح شاة, فإن هذا على أنهم كانوا يتامى فكبروا; لأنهم لو ~~كانوا صغارا لم تصح مقاسمتهم. وتدل على أنه ندب ما روى عطاء عن سعيد بن ~~جبير: أن الوصي يقول لهؤلاء الحاضرين من أولي القربى وغيرهم: إن هؤلاء ~~الورثة صغار, ويعتذرون إليهم بمثله, ولو كانوا مستحقين له على الإيجاب لوجب ~~إعطاؤهم صغارا كان الورثة أو كبارا. وأيضا فإن الله تعالى قد قسم المواريث ~~بين الورثة وبين نصيب كل واحد منهم في آية المواريث ولم يجعل فيها لهؤلاء ~~شيئا, وما كان ملكا لغيره فغير جائز إزالته إلى غيره إلا بالوجوه التي حكم ~~الله بإزالته بها لقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"دماؤكم وأموالكم عليكم حرام" وقال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه" ; وهذا كله يوجب أن يكون إعطاء هؤلاء الحاضرين عند القسمة استحبابا ~~لا إيجابا. # وأما قوله تعالى: {وقولوا لهم قولا معروفا} فقد روي عن ابن عباس أنه ms1088 إذا ~~كان في المال تقصير اعتذر إليهم. وعن سعيد بن جبير قال: يعطى الميراث أهله ~~وهو معنى قوله تعالى: {فارزقوهم منه} في هذه الرواية ويقول لمن لا يرث: إن ~~هذا المال لقوم غيب ولأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطي منه ~~شيئا". فمعناه عنده ضرب من الاعتذار إليهم. وقال بعض أهل العلم: إذا أعطوهم ~~عند القسمة شيئا لا يمن عليهم ولا ينتهرهم ولا يسيء اللفظ فيما يخاطبهم به, ~~لقوله تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} [البقرة: 263] ~~وقوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} [الضحى:9-10] . # قوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم} ~~الآية. اختلف السلف في تأويله, فروي عن ابن عباس رواية وعن سعيد بن جبير ~~والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي قالوا: "هو الرجل يحضره الموت فيقول ~~له من يحضره: اتق الله أعطهم صلهم برهم, ولو كانوا هم الذين يوصون لأحبوا ~~أن يبقوا لأولادهم", قال حبيب بن أبي ثابت: فسألت مقسما عن ذلك, فقال: لا, ~~ولكنه الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره: اتق الله وأمسك عليك مالك, ولو ~~كانوا ذوي قرابته لأحبوا أن يوصي لهم. فتأوله الأولون على نهي الحاضرين عن ~~الحض على الوصية, وتأوله مقسم على نهي من يأمره بتركها. وقال الحسن في ~~رواية أخرى: "هو الرجل يكون عند الميت فيقول أوص بأكثر من الثلث من مالك". ~~وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال # PageV02P092 # في ولاية مال اليتيم وحفظه: "إن عليهم أن يعملوا فيه ويقولوا بمثل ما يجب ~~أن يعمل ويقال في أموال أيتامهم وضعاف ذريتهم بعد موتهم". وجائز أن تكون ~~هذه المعاني التي تأول السلف عليها الآية مرادة بها; إلا أن ما نهي عنه من ~~الأمر بالوصية أن النهي عنها إذا قصد المشير بذلك إلى الإضرار بالورثة أو ~~بالموصى لهم مما لا يرضاه هو لنفسه لو كان مكان هؤلاء, وذلك بأن يكون ~~المريض قليل المال له ذرية ضعفاء فيأمره الذي يحضره باستغراق الثلث للوصية, ~~ولو ms1089 كان هو مكانه لم يرض بذلك وصية له لأجل ورثته. وهذا يدل على أن المستحب ~~له إذا كان له ورثة ضعفاء وهو قليل المال أن لا يوصي بشيء ويتركه لهم أو ~~يوصي لهم بأقل من الثلث وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حين قال ~~أوصي بجميع مالي؟ فقال: "لا" إلى أن رده إلى الثلث فقال: "الثلث والثلث ~~كثير, إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" ; ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الورثة إذا كانوا فقراء فترك الوصية ~~ليستغنوا به أفضل من فعلها. وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه كان يقول: ~~"الأفضل لمن له مال كثير الوصية بما يريد أن يوصي به على وجه القربة من ثلث ~~ماله, والأفضل لمن ليس له مال كثير أن لا يوصي منه بشيء وأن يبقيه لورثته ~~والنهي منصرف أيضا إلى من يأمره من الحاضرين بأن يوصي بأكثر من الثلث, على ~~ما روي عن الحسن; لأن ذلك لا يجوز أن يفعله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الثلث كثير" ولنهيه سعدا عن الوصية بأكثر من الثلث وجائز أن يكون ما قاله ~~مقسم مرادا بأن يقول الحاضر: لا توص بشيء ولو كان من ذوي قرابته لأحب أن ~~يوصي له, فيشير عليه بما لا يرضاه لنفسه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم معنى ذلك, حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم قال: ~~حدثنا هدبة قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير". ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال: حدثنا سهل بن ~~عثمان قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن يزحزح عن النار ويدخل ~~الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا ms1090 إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب ~~أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه". قال أبو بكر: فهذا معنى قوله ~~تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا} فنهاه عز وجل أن يشير على غيره ويأمره بما لا ~~يرضاه لنفسه ولأهله ولورثته, وأمر الله تعالى بأن يقول الحاضرون قولا سديدا ~~وهو العدل والحق الذي لا خلل فيه ولا فساد في إجحاف بوارث أو حرمان لذي ~~قرابة. # وقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية. روي عن ابن ~~عباس # PageV02P093 # وسعيد بن جبير ومجاهد: "أنه لما نزلت هذه الآية عزل من كان في حجره يتيم ~~طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه حتى فسد, حتى أنزل الله تعالى: {وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] فرخص لهم في ~~الخلطة على وجه الإصلاح". قال أبو بكر: قد خص الله تعالى الأكل بالذكر, ~~وسائر الأموال غير المأكول منها محظور إتلافه من مال اليتيم كحظر المأكول ~~منه; ولكنه خص الأكل بالذكر; لأنه أعظم ما يبتغى له الأموال, وقد بينا ذلك ~~ونظائره فيما قد سلف. # وقوله تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} روي عن السدي: "أن لهب النار ~~يخرج من فمه ومسامعه وأنفه وعينيه يوم القيامة, يعرفه كل من رآه أنه أكل ~~مال اليتيم". وقيل: "إنه كالمثل; لأنهم يصيرون به إلى جهنم فتمتلئ بالنار ~~أجوافهم". # ومن جهال الحشو وأصحاب الحديث من يظن أن قوله تعالى: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما} منسوخ بقوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} ~~[البقرة220] وقد أثبته بعضهم في الناسخ والمنسوخ; لما روي أنه لما نزلت هذه ~~الآية عزلوا طعام اليتيم وشرابه حتى نزل قوله تعالى: {وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم} [البقرة220] . وهذا القول من قائله يدل على جهله بمعنى النسخ ~~وبما يجوز نسخه مما لا يجوز, ولا خلاف بين المسلمين أن أكل مال اليتيم ظلما ~~محظور وأن الوعيد المذكور في الآية قائم فيه على اختلاف منهم في إلحاق ~~الوعيد به في ms1091 الآخرة لا محالة أو جواز الغفران, فأما النسخ فلا يجيزه عاقل ~~في مثله; وجهل هذا الرجل أن الظلم لا تجوز إباحته بحال, فلا يجوز نسخ حظره, ~~وإنما عزل من كان في حجره يتيم من الصحابة طعامه عن طعامه; لأنه خاف أن ~~يأكل من مال اليتيم ما لا يستحقه فتلحقه صفة الظلم ويصير من أهل الوعيد في ~~الآية واحتاطوا بذلك, فلما نزل قوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} ~~[البقرة220] زال عنهم الخوف في الخلطة بعد أن يقصدوا الإصلاح بها; وليس فيه ~~إباحة لأكل مال اليتيم ظلما حتى يكون ناسخا لقوله تعالى: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما} والله أعلم. # PageV02P094 # باب الفرائض # قال أبو بكر: قد كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين: أحدهما النسب والآخر ~~السبب فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون الصغار ولا الإناث وإنما ~~يورثون من قاتل على الفرس وحاز الغنيمة, روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~في آخرين منهم, إلى أن أنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله ~~يفتيكم فيهن} [النساء: 127] إلى قوله تعالى: {والمستضعفين من الولدان} ~~[النساء: 127] وأنزل الله تعالى # PageV02P094 # قوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} . وقد كانوا مقرين ~~بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في الجاهلية في ~~المناكحات والطلاق والميراث إلى أن نقلوا عنه إلى غيره بالشريعة, قال ابن ~~جريج: قلت لعطاء: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر الناس على ما ~~أدركهم من طلاق أو نكاح أو ميراث؟ قال: لم يبلغنا إلا ذلك. وروى حماد بن ~~زيد عن ابن عون عن ابن سيرين قال: "توارث المهاجرون والأنصار بنسبهم الذي ~~كان في الجاهلية". وقال ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: ما كان من نكاح أو ~~طلاق في الجاهلية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك إلا ~~الربا, "فما أدرك الإسلام من ربا لم يقبض رد إلى البائع رأس ماله وطرح ~~الربا". وروى حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير ms1092 قال: "بعث الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا بشيء أو ~~ينهوا عنه, وإلا فهم على ما كانوا عليه من أمر جاهليتهم", وهو على ما روي ~~عن ابن عباس أنه قال: "الحلال ما أحل الله تعالى والحرام ما حرم الله ~~تعالى, وما سكت عنه فهو عفو". فقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما لا يحظره العقل على ما كانوا عليه, وقد كانت العرب متمسكة ~~ببعض شرائع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام, وقد كانوا أحدثوا أشياء منها ~~ما يحظره العقل نحو الشرك وعبادة الأوثان ودفن البنات وكثير من الأشياء ~~المقبحة في العقول, وقد كانوا على أشياء من مكارم الأخلاق وكثير من ~~المعاملات التي لا تحظرها العقول, فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم داعيا ~~إلى التوحيد وترك ما تحظره العقول من عبادة الأوثان ودفن البنات والسائبة ~~والوصيلة والحامي وما كانوا يتقربون به إلى أوثانهم, وتركهم فيما لم يكن ~~العقل يحظره من المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث على ~~ما كانوا عليه; فكان ذلك جائزا منهم; إذ ليس في العقل حظره ولم تقم حجة ~~السمع عليهم بتحريمه, فكان أمر مواريثهم على ما كانوا عليه من توريث الذكور ~~المقاتلة منهم دون الصغار ودون الإناث إلى أن أنزل الله تعالى آي المواريث. ~~وكان السبب الذي يتوارثون به شيئين, أحدهما: الحلف والمعاقدة, والآخر: ~~التبني; ثم جاء الإسلام فتركوا برهة من الدهر على ما كانوا عليه ثم نسخ, ~~فمن الناس من يقول إنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة بنص التنزيل ثم ~~نسخ. وقال شيبان عن قتادة في قوله تعالى: {والذين عقدت1 أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] قال: "كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي ~~دمك وهدمي هدمك2 وترثني وأرثك PageV02P095 # وتطلب بي وأطلب بك" قال: "فورثوا السدس في الإسلام من جميع الأموال ثم ~~يأخذ أهل الميراث ميراثهم, ثم نسخ بعد ذلك فقال الله تعالى: {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] وروى الحسن بن عطية ~~عن ms1093 أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] : "كان الرجل ~~في الجاهلية يحلف له الرجل فيكون تابعا له, فإذا مات صار الميراث لأهله ~~وأقاربه وبقي تابعه ليس له شيء, فأنزل الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] فكان يعطى من ميراثه". وقال عطاء عن سعيد بن ~~جبير في قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] : ~~وذلك أن الرجل في الجاهلية وفي الإسلام كان يرغب في خلة الرجل فيعاقده ~~فيقول: ترثني وأرثك, وأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت, ~~فلما نزلت هذه الآية في قسمة الميراث ولم يذكر أهل العقد جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله نزلت قسمة الميراث ولم يذكر أهل ~~العقد وقد كنت عاقدت رجلا فمات؟ فنزلت: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~إن الله كان على كل شيء شهيدا} [النساء: 33] . # فأخبر هؤلاء السلف أن ميراث الحليف قد كان حكمه ثابتا في الإسلام من طريق ~~السمع لا من جهة إقرارهم على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية. وقال بعضهم: ~~لم يكن ذلك ثابتا بالسمع من طريق الشرع وإنما كانوا مقرين على ما كانوا ~~عليه من أمر الجاهلية إلى أن نزلت آية المواريث فأزالت ذلك الحكم; حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو ~~عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ~~{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] قال: "كان حلفاء في ~~الجاهلية فأمروا أن يعطوهم نصيبهم من المشورة والعقل والنصر ولا ميراث ~~لهم". قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا معاذ عن ابن عون عن عيسى بن الحارث ~~عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} ~~قال: "نزلت هذه الآية في العصبات, كان الرجل يعاقد الرجل يقول: ترثني ~~وأرثك, فنزلت: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} . قال: وحدثنا أبو ms1094 عبيد ~~قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن إبراهيم عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] ~~قال: كان الرجل يقول ترثني وأرثك, فنسختها: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى # PageV02P096 # أوليائكم معروفا} [الأنفال: 75] قال: إلا أن توصوا لأوليائهم الذين ~~عاقدوهم وصية". # فذكر هؤلاء أن ما كان من ذلك في الجاهلية نسخ بقوله تعالى: {وأولوا ~~الأرحام} [الأنفال: 75] وأن قوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] إنما ~~أريد به الوصية أو المشورة والنصر من غير ميراث; وأولى الأشياء بمعنى الآية ~~تثبيت التوارث بالحلف; لأن قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] يقتضي نصيبا ثابتا لهم, والعقل والمشورة والوصية ليست ~~بنصيب ثابت, وهو مثل قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنساء نصيب} المفهوم من ظاهره إثبات نصيب من الميراث, كذلك قوله تعالى: ~~{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] قد اقتضى ظاهره إثبات ~~نصيب لهم قد استحقوه بالمعاقدة; والمشورة يستوي فيها سائر الناس فليست إذا ~~بنصيب, فالعقل إنما يجب على حلفائه وليس هو بنصيب له, والوصية إن لم تكن ~~مستحقة واجبة فليست بنصيب; فتأويل الآية على النصيب المسمى له في عقد ~~المحالفة أولى وأشبه بمفهوم الخطاب مما قال الآخرون. وهذا عندنا ليس ~~بمنسوخ, وإنما حدث وارث آخر هو أولى منهم كحدوث ابن لمن له أخ لم يخرج الأخ ~~من أن يكون من أهل الميراث, إلا أن الابن أولى منه, وكذلك أولو الأرحام ~~أولى من الحليف, فإذا لم يكن رحم ولا عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له; ~~وكذلك أجاز أصحابنا الوصية بجميع المال لمن لا وارث له. # وأما الميراث بالدعوة والتبني فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب ~~إليه دون أبيه من النسب ويرثه, وقد كان ذلك حكما ثابتا في الإسلام, وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة وكان يقال له زيد بن محمد حتى ~~أنزل الله تعالى: {ما ms1095 كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] وقال ~~تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم} [الأحزاب: 37] وقال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] . وقد ~~كان أبو حذيفة بن عتبة تبنى سالما, فكان يقال له سالم بن أبي حذيفة, إلى أن ~~أنزل الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} رواه الزهري عن عروة عن عائشة; فنسخ ~~الله تعالى الدعوة بالتبني ونسخ ميراثه. حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: حدثنا وأبو عبيد قال: حدثنا عبد ~~الله بن صالح عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب في ~~قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] قال ابن ~~المسيب: # PageV02P097 # "إنما أنزل الله تعالى ذلك في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثونهم, فأنزل ~~الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب من الوصية ورد الميراث إلى الموالي من ~~ذوي الرحم والعصبة, وأبى الله أن يجعل للمدعين ميراثا ممن ادعاهم, ولكن جعل ~~لهم نصيبا من الوصية, فكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليه ~~أمرهم". # قال أبو بكر: وجائز أن يكون المراد بقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] منتظما للحلف والتبني جميعا; إذ كل واحد منهما ~~يثبت بالعقد; فهذا الذي ذكرنا كان من مواريث الجاهلية وبقي في الإسلام, ~~بعضها بالإقرار عليه إلى أن نقلوا عنه وبعضه بنص ورد في إثباته إلى أن ورد ~~ما أوجب نقله. # وأما مواريث الإسلام فإنها معقودة بشيئين: أحدهما نسب, والآخر سبب ليس ~~بنسب; فأما المستحق بالنسب فما نص الله تعالى عليه في كتابه وبين رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بعضه وأجمعت الأمة على بعضه وقامت الدلالة على بعض, وأما ~~السبب الذي ورث به في الإسلام فبعضه ثابت وبعضه منسوخ الحكم. فمن الأسباب ~~التي ورث بها في الإسلام ما ذكرنا في عقد المحالفة وميراث الأدعياء, وقد ~~ذكرنا حكمه ونسخ ما روي نسخه ms1096 وأن ذلك عندنا ليس بنسخ وإنما جعل وارث أولى ~~من وارث. # وكان من الأسباب التي أوجب الله تعالى به الميراث الهجرة; حدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله ~~تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] قال: "كان المهاجر لا ~~يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن, ولا يرث الأعرابي المهاجر, فنسختها: ~~{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] . وقال بعضهم: نسخها قوله ~~تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] وكانوا ~~يتوارثون بالأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم". وروى ~~هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين الزبير بن ~~العوام وبين كعب بن مالك, فارتث كعب يوم أحد, فجاء به الزبير يقوده بزمام ~~راحلته, ولو مات كعب عن الضح والريح1 لورثه الزبير, حتى أنزل الله تعالى: ~~{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض PageV02P098 # في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [لأنفال: 75] . وروى ابن جريج عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان المهاجرون والأنصار يرث الرجل الرجل ~~الذي آخى بينه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أخيه, فلما نزلت هذه ~~الآية: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] نسخت, ~~ثم قال تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] من النصر, ~~والرفادة". فذكر ابن عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى: {والذين عقدت ~~أيمانكم} أريد به معاقدة الأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهم. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ما لكم من ولايتهم من شيء} ~~[الأنفال: 72] إن المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة والإسلام, فكان الرجل ~~يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه, فنسخ الله تعالى ذلك ms1097 بقوله {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} . [لأنفال: 75] وروى ~~جعفر بن سليمان عن الحسن قال: كان الأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا ~~وإن كان ذا قربى ليحثهم بذلك على الهجرة, فلما كثر المسلمون أنزل الله ~~تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين} . [لأنفال: 75] فنسخت هذه الآية تلك, {إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] فرخص الله للمسلم أن يوصي لقرابته من اليهود ~~والنصارى والمجوس من الثلث وما دونه, {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الأحزاب: ~~6] قال: مكتوبا. # فجملة ما حصل عليه التوارث بالأسباب في أول الإسلام التبني والحلف ~~والهجرة والمؤاخاة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ ~~الميراث بالتبني والهجرة والمؤاخاة; وأما الحلف فقد بينا أنه جعلت القرابة ~~أولى منه ولم ينسخ إذا لم تكن قرابة, وجائز أن يجعل له جميع ماله أو بعضه ~~ومن الأسباب التي عقد بها التوارث في الإسلام ولاء العتاقة والزوجية وولاء ~~الموالاة, وهو عندنا يجري مجرى الحلف, وإنما يثبت حكمه إذا لم يكن وارث من ~~ذي رحم أو عصبة. فجميع ما انعقدت عليه مواريث الإسلام السبب والنسب, والسبب ~~كان على أنحاء مختلفة: منها المعاقدة بالحلف والتبني, والأخوة التي آخى ~~بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والهجرة والزوجية وولاء العتاقة وولاء ~~الموالاة, فأما إيجاب الميراث بالحلف والتبني والأخوة التي آخى بينهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بها فمنسوخ مع وجود العصبات وذوي الأرحام, وولاء ~~العتاقة والموالاة والزوجية هي أسباب ثابتة يستحق بها الميراث على الترتيب ~~المشروط لذلك. وأما النسب الذي يستحق به الميراث فينقسم إلى أنحاء ثلاثة: ~~ذوو السهام والعصبات وذوو الأرحام, وسنبين ذلك في موضعه. # فأما الآيات الموجبة لميراث ذوي الأنساب من ذوي السهام والعصبات وذوي # PageV02P099 # الأرحام, فقوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} وقوله تعالى: {وما يتلى عليكم في الكتاب ~~في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ms1098 تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان} [النساء: 127] نسخ بهما في رواية عن ابن عباس ~~وغيره من السلف ما كان عليه الأمر في توريث الرجال المقاتلة دون الذكور ~~الصغار والإناث. # وقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} فيه بيان للنصيب المفروض في قوله ~~تعالى: {للرجال نصيب} إلى قوله تعالى: {نصيبا مفروضا} والنصيب المفروض هو ~~الذي بين مقداره في قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} . وقد روي عن ابن ~~عباس أنه قرأ: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين} [البقرة: 180] فقال: قد نسخ هذا قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون} . وقال مجاهد: "كان الميراث للولد وكانت الوصية ~~للوالدين والأقربين, فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب, فجعل للولد الذكر مثل ~~حظ الأنثيين, وجعل لكل واحد من الأبوين السدس مع الولد". قال ابن عباس: وقد ~~كان الرجل إذا مات وخلف زوجته اعتدت سنة كاملة في بيته ينفق عليها من ~~تركته, وهو قوله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بالربع أو الثمن. ~~وقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] نسخ به ~~التوارث بالحلف وبالهجرة وبالتبني على النحو الذي بينا; وكذلك قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} هي آية محكمة غير منسوخة, وهي موجبة لنسخ الميراث ~~بهذه الأسباب التي ذكرنا; لأنه جعل الميراث للمسمين فيها, فلا يبقى لأهل ~~هذه الأسباب شيء, وذلك موجب لسقوط حقوقهم في هذه الحال. وروى محمد بن عبد ~~الله بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة من الأنصار ببنتين لها ~~فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد ولم يدع لهما ~~عمهما مالا إلا أخذه, فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تنكحان أبدا إلا ~~ولهما مال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقضي الله في ذلك فنزلت سورة ~~النساء: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} الآية, فقال صلى ~~الله عليه وسلم: ادع لي ms1099 المرأة وصاحبها فقال لعمهما: "أعطهما الثلثين وأعط ~~أمهما الثمن وما بقي فلك". قال أبو بكر: قد حوى هذا الخبر معان: منها أن ~~العم قد كان يستحق الميراث دون البنتين على عادة أهل الجاهلية في توريث ~~المقاتلة دون النساء والصبيان, ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين ~~سألته المرأة بل أقر الأمر على ما كان عليه وقال لها: "يقضي الله في ذلك" ~~ثم لما نزلت الآية أمر العم بدفع # PageV02P100 # نصيب البنتين والمرأة إليهن; وهذا يدل على أن العم لم يأخذ الميراث بديا ~~من جهة التوقيف بل على عادة أهل الجاهلية في المواريث; لأنه لو كان كذلك ~~لكان إنما يستأنف فيما يحدث بعد نزول الآية وما قد مضى على حكم منصوص متقدم ~~لا يعترض عليه بالنسخ, فدل على أنه أخذه على حكم الجاهلية التي لم ينقلوا ~~عنها. وروى سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: ~~مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فأتاني وقد أغمي علي, ~~فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رش علي من وضوئه فأفقت فقلت: يا ~~رسول الله كيف تقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث: ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} . # قال أبو بكر: ذكر في الحديث الأول قصة المرأة مع بنتيها وذكر في هذا ~~الحديث أن جابرا سأله عن ذلك, وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا; سألته ~~المرأة فلم يجبها منتظرا للوحي ثم سأله جابر في حال مرضه, فنزلت الآية وهي ~~ثابتة الحكم مثبتة للنصيب المفروض في قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون} الآية. # ولم يختلف أهل العلم في أن المراد بقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ~~أولاد الصلب, وأن ولد الولد غير داخل مع ولد الصلب, وأنه إذا لم يكن ولد ~~الصلب فالمراد أولاد البنين دون أولاد البنات, فقد انتظم اللفظ أولاد الصلب ~~وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب, وهذا يدل على صحة قول أصحابنا ms1100 فيمن ~~أوصى لولد فلان أنه لولده لصلبه, فإن, لم يكن له ولد لصلبه فهو لولد ابنه. # وقوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} قد أفاد أنه إن كان ذكرا وأنثى ~~فللذكر سهمان وللأنثى سهم, وأفاد أيضا أنهم إذا كانوا جماعة ذكورا وإناثا ~~أن لكل ذكر سهمين ولكل أنثى سهما, وأفاد أيضا أنه إذا كان مع الأولاد ذوو ~~سهام نحو الأبوين والزوج والزوجة أنهم متى أخذوا سهامهم كان الباقي بعد ~~السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين وذلك; لأن قوله تعالى: {للذكر ~~مثل حظ الأنثيين} اسم للجنس يشتمل على القليل والكثير منهم, فمتى ما أخذ ~~ذوو السهام سهامهم كان الباقي بينهم على ما كانوا يستحقونه لو لم يكن ذو ~~سهم. # وقوله عز وجل: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف} فنص على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة ولم ينص على فرض ~~الابنتين; لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما, وذلك لأنه قد أوجب ~~للبنت الواحدة مع الابن الثلث, وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ ~~الثلث مع الأنثى أولى, وقد احتجنا إلى بيان حكم ما فوقهما; فلذلك نص على ~~حكمه. وأيضا لما قال الله # PageV02P101 # تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} فلو ترك ابنا وبنتا كان للابن سهمان ثلثا ~~المال وهو حظ الأنثيين, فدل ذلك على أن نصيب الابنتين الثلثان; لأن الله ~~تعالى جعل نصيب الابن مثل نصيب البنتين وهو الثلثان. ويدل على أن للبنتين ~~الثلثين أن الله تعالى أجرى الإخوة والأخوات مجرى البنات وأجرى الأخت ~~الواحدة مجرى البنت الواحدة, فقال تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] ثم قال: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] ~~فجعل حظ الأختين كحظ ما فوقهما وهو الثلثان كما جعل حظ الأخت كحظ البنت. ~~وأوجب لهم إذا كانوا ذكورا وإناثا للذكر مثل حظ الأنثيين, فوجب أن تكون ~~الابنتان كالأختين في ms1101 استحقاق الثلثين لمساواتهما لهما في إيجاب المال ~~بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم يكن غيرهم, كما في مساواة الأخت للبنت ~~إذا لم يكن غيرها في استحقاق النصف بالتسمية. وأيضا البنتان أولى بذلك; إذ ~~كانتا أقرب إلى الميت من الأختين, وإذا كانت الأخت بمنزلة البنت فكذلك ~~البنتان في استحقاق الثلثين; ويدل على ذلك حديث جابر في قصة المرأة التي ~~أعطى النبي صلى الله عليه وسلم فيها البنتين الثلثين والمرأة الثمن والعم ~~ما بقي. ولم يخالف في ذلك أحد إلا شيئا روي عن ابن عباس أنه. جعل للبنتين ~~النصف كنصيب الواحدة واحتج بقوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك} , وليس في ذلك دليل على أن للابنتين النصف وإنما فيه نص على أن ما ~~فوق ابنتين فلهن الثلثان, فإن كان القائل بأن للابنتين الثلثين مخالفا ~~للآية فإن الله تعالى قد جعل للابنة النصف إذا كانت وحدها, وأنت جعلت ~~للابنتين النصف وذلك خلاف الآية, فإن لم تلزمه مخالفة الآية حين جعل ~~للابنتين النصف وإن كان الله قد جعل للواحدة النصف فكذلك لا تلزم مخالفيه ~~مخالفة الآية في جعلهم للابنتين الثلثين; لأن الله تعالى لم ينف بقوله ~~تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} أن يكون للابنتين ~~الثلثان وإنما نص على حكم ما فوقهما, وقد دل على حكمهما في فحوى الآية على ~~النحو الذي بينا وما ذكرناه من دلالة حكم الأختين على حكم الابنتين على ما ~~ذكرنا. وقد قيل إن قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين} أن ذكر" فوق" ههنا ~~صلة للكلام, كقوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] . # قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له} يوجب ~~ظاهره أن يكون لكل واحد منهما السدس مع الولد ذكرا كان الولد أو أنثى; لأن ~~اسم الولد ينتظمهما, إلا أنه لا خلاف إذا كان الولد بنتا لا تستحق أكثر من ~~النصف لقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} فوجب أن تعطى النصف بحكم ~~النص, # PageV02P102 # ويكون ms1102 للأبوين لكل واحد السدس بنص التنزيل, ويبقى السدس يستحقه الأب ~~بالتعصيب; فاجتمع ههنا للأب الاستحقاق بالتسمية وبالتعصيب جميعا; وإن كان ~~الولد ذكرا فللأبوين السدسان بحكم النص; والباقي للابن; لأنه أقرب تعصيبا ~~من الأب. وقال تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فأثبت ~~الميراث للأبوين بعموم اللفظ ثم فصل نصيب الأم وبين مقداره بقوله: {فلأمه ~~الثلث} ولم يذكر نصيب الأب فاقتضى ظاهر اللفظ للأب الثلثين; إذ ليس هناك ~~مستحق غيره وقد أثبت الميراث لهما بديا وقد كان ظاهر اللفظ يقتضي المساواة ~~لو اقتصر على قوله تعالى: {وورثه أبواه} دون تفصيل نصيب الأم, فلما قصر ~~نصيب الأم على الثلاث علم أن المستحق للأب الثلثان. # قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} قال علي وعبد الله بن مسعود ~~وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وسائر أهل العلم: "إذا ترك ~~أخوين وأبوين فلأمه السدس وما بقي فلأبيه" وحجبوا الأم عن الثلث إلى السدس ~~كحجبهم لها بثلاثة إخوة. وقال ابن عباس: "للأم الثلث" وكان لا يحجبها إلا ~~بثلاثة من الإخوة والأخوات. وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ~~"إذا ترك أبوين وثلاثة إخوة فللأم السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه ~~وما بقي فللأب". وروي عنه: "أنه إن كان الإخوة من قبل الأم فالسدس لهم ~~خاصة, وإن كانوا من قبل الأب والأم أو من قبل الأب لم يكن لهم شيء وكان ما ~~بعد السدس للأب". والحجة للقول الأول أن اسم الإخوة قد يقع على الاثنين كما ~~قال تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وهما قلبان; ~~وقال تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} ### | [ص:21] # ثم قال تعالى: {خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22] فأطلق لفظ الجمع على ~~اثنين; وقال تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ~~فلو كان أخا وأختا كان حكم الآية جاريا فيهما وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "اثنان فما فوقهما ms1103 جماعة" , ولأن الاثنين إلى الثلاثة ~~في حكم الجمع أقرب منهما إلى الواحد; لأن لفظ الجمع موجود فيهما نحو قولك: ~~"قاما وقعدا وقاموا وقعدوا" كل ذلك جائز في الاثنين والثلاثة1 ولا يجوز ~~مثله في الواحد, فلما كان الاثنان في حكم اللفظ أقرب إلى الثلاثة منهما إلى ~~الواحد وجب إلحاقهما بالثلاثة دون الواحد. وقد روى عبد الرحمن بن أبي ~~الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه, أنه كان يحجب الأم PageV02P103 # بالأخوين, فقالوا له: يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول: {فإن كان له إخوة} ~~وأنت تحجبها بالأخوين فقال: إن العرب تسمي الأخوين إخوة. فإذا كان زيد بن ~~ثابت قد حكى عن العرب أنها تسمي الأخوين إخوة, فقد ثبت أن ذلك اسم لهما ~~فيتناولهما اللفظ. وأيضا قد ثبت أن حكم الأختين حكم الثلاث في استحقاق ~~الثلثين بنص التنزيل في قوله تعالى: {وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك} وكذلك حكم الأختين من الأم حكم الثلاث في استحقاق الثلث دون حكم ~~الواحدة, فوجب أن يكون حكمهما حكم الثلاث في حجب الأم عن الثلث إلى السدس; ~~إذ كان حكم كل واحد من ذلك حكما متعلقا بالجمع فاستوى فيه حكم الاثنين ~~والثلاث وروي عن قتادة أنه قال: "إنما يحجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع ~~الأب; لأنه يقوم بنكاحهم والنفقة عليهم دون الأم" وهذه العلة إنما هي ~~مقصورة على الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأب, فأما الإخوة من الأم ~~فليس إلى الأب شيء من أمرهم وهم يحجبون أيضا كما يحجب الإخوة من الأب ~~والأم, ولا خلاف بين الصحابة في ثلاثة إخوة وأبوين أن للأم السدس وما بقي ~~فللأب; إلا شيئا يروى عن ابن عباس. وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه عن ابن عباس: "أن للأم السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه وما ~~بقي فللأب, وكان لا يحجب بمن لا يرث, فلما حجب الأم بالإخوة ورثهم". وهو ~~قول شاذ وظاهر القرآن خلافه; لأنه تعالى قال: {وورثه أبواه فلأمه ms1104 الثلث} ثم ~~قال تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} عطفا على قوله تعالى: {وورثه ~~أبواه} تقديره: وورثه أبواه وله إخوة; وذلك يمنع أن يكون للإخوة شيء. # قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} . الدين مؤخر في اللفظ وهو ~~مبتدأ به في المعنى على الوصية; لأن" أو" لا توجب الترتيب وإنما هي لأحد ~~شيئين, فكأنه قيل: من بعد أحد هذين. وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ~~"ذكر الله الوصية قبل الدين وهي بعده" يعني أنها مقدمة في اللفظ مؤخرة في ~~المعنى. # قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} الآية. هذا نص متفق على تأويله ~~كاتفاقهم على تنزيله, وأن الولد الذكر والأنثى في ذلك سواء يحجب الزوج عن ~~النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن إذا كان الولد من أهل الميراث. ~~ولم يختلفوا أيضا أن ولد الابن بمنزلة ولد الصلب في حجب الزوج والمرأة عن ~~النصيب الأكثر إلى الأقل إذا لم يكن ولد الصلب. # قوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} قيل إن ~~معناه: لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا والله يعلمه فاقسموه ~~على # PageV02P104 # ما بينه; إذ هو عالم بالمصالح. وقيل إن معناه: آباؤكم وأبناؤكم متقاربون ~~في النفع حتى لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا, إذ كنتم تنتفعون بآبائكم في حال ~~الصغر وتنتفعون بأبنائكم عند الكبر, ففرض ذلك في أموالكم للآباء والأبناء ~~علما منه بمصالح الجميع. وقيل: لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة فينتفع ولده ~~بماله, أم الولد أقرب وفاة فينتفع الأب والأم بماله, ففرض في مواريثكم ما ~~فرض علما منه وحكما. # وقد اختلف السلف في الحجب بمن لا يرث, وهو أن يخلف الحر المسلم أبوين ~~حرين مسلمين وأخوين كافرين أو مملوكين أو قاتلين, فقال علي وعمر وزيد: ~~"للأم الثلث وما بقي فللأب, وكذلك المسلمة إذا تركت زوجا وابنا كافرا أو ~~مملوكا أو قاتلا, أو الرجل ترك امرأة وابنا كذلك أنهم لا يحجبون الزوج ولا ~~المرأة عن نصيبهما الأكثر ms1105 إلى الأقل" وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~ومالك والثوري والشافعي. وقال عبد الله بن مسعود: "يحجبون وإن لم يرثوا". ~~وقال الأوزاعي والحسن بن صالح: "المملوك والكافر لا يرثان ولا يحجبان ~~والقاتل لا يرث ويحجب". # قال أبو بكر: لا خلاف أن الأب الكافر لا يحجب ابنه من ميراث جده وأنه ~~بمنزلة الميت, فكذلك في حكم حجب الأم والزوج والزوجة. واحتج من حجب بظاهر ~~قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} ولم ~~يفرق بين الكافر والمسلم. فيقال له: فلم حجبت به الأم دون الأب والله تعالى ~~إنما حجبهما جميعا بالولد بقوله تعالى: {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن ~~كان له ولد} ؟ فإن جاز أن لا يحجب الأب وجعلت قوله تعالى: {إن كان له ولد} ~~على ولد يجوز الميراث, فكذلك حكمه في الأم. # قوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم} إلى قوله تعالى: {فلهن الثمن مما ~~تركتم} . قد دل على أنهن إذا كن أربعا يشتركن في الثمن, وهذا لا خلاف فيه ~~بين أهل العلم. # وقد اختلف السلف في ميراث الأبوين مع الزوج والزوجة, فقال علي وعمر وعبد ~~الله بن مسعود وعثمان وزيد: "للزوجة الربع وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب, ~~وللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب". وقال ابن عباس: "للزوج ~~والزوجة ميراثهما وللأم الثلث كاملا وما بقي فللأب" وقال: "لا أجد في كتاب ~~الله تعالى ثلث ما بقي" وعن ابن سيرين مثل قول ابن عباس; وروي أنه تابعه في ~~المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين, لتفضيله الأم على الأب. ~~والصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على القول الأول, إلا ما ~~حكينا عن ابن عباس وابن سيرين وظاهر القرآن يدل # PageV02P105 # عليه; لأنه قال: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} فجعل ~~الميراث بينهما أثلاثا كما جعله أثلاثا بين الابن والبنت في قوله تعالى: ~~{للذكر مثل حظ الأنثيين} وجعله بين الأخ والأخت أثلاثا بقوله تعالى: {وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونساء ms1106 فللذكر مثل حظ الأنثيين} ثم لما سمى للزوج والزوجة ~~ما سمى لهما وأخذا نصيبهما كان الباقي بين الابن والبنتين على ما كان قبل ~~دخولهما, وكذلك بين الأخ والأخت, وجب أن يكون أخذ الزوج والزوجة نصيبهما ~~موجبا للباقي بين الأبوين على ما استحقاه أثلاثا قبل دخولهما; وأيضا هما ~~كشريكين بينهما مال إذا استحق منه شيء كان الباقي بينهما على ما استحقاه ~~بديا; والله أعلم بالصواب # PageV02P106 # باب ميراث أولاد الابن # قال أبو بكر رضي الله عنه: قد بينا أن قوله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} قد أريد به أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب; إذ لا ~~خلاف أن من ترك بني ابن وبنات ابن أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~بحكم الآية, وكذلك لو ترك بنت ابن كان لها النصف وإن كن جماعة كان لهن ~~الثلثان على سهام ميراث ولد الصلب, فثبت بذلك أن أولاد الذكور مرادون ~~بالآية. # واسم الولد يتناول أولاد الابن كما يتناول أولاد الصلب, قال الله تعالى: ~~{يا بني آدم} ولا يمتنع أحد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم من ولد ~~هاشم ومن ولد عبد المطلب, فثبت بذلك أن اسم الأولاد يقع على ولد الابن وعلى ~~ولد الصلب جميعا; إلا أن أولاد الصلب يقع عليهم هذا الاسم حقيقة ويقع على ~~أولاد الابن مجازا, ولذلك لم يرادوا في حال وجود أولاد الصلب ولم يشاركوهم ~~في سهامهم, وإنما يستحقون ذلك في أحد حالين: إما أن يعدم ولد الصلب رأسا ~~فيقومون مقامهم, وإما أن لا يحوز ولد الصلب الميراث فيستحقون بعض الفضل أو ~~جميعه, فإما أن يستحقوا من أولاد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه ~~ولد الصلب بعضهم مع بعض فليس كذلك. # فإن قيل: لما كان الاسم يتناول ولد الصلب حقيقة وولد الابن مجازا لم يجز ~~أن يرادوا بلفظ واحد لامتناع كون لفظ واحد حقيقة ومجازا. قيل له: إنهم لم ~~يرادوا بلفظ واحد في حال واحدة متى وجد أولاد الصلب, فإن ولد الابن لا ~~يستحقون ms1107 الميراث معهم بالآية وليس يمتنع أن يراد ولد الصلب في حال وجودهم ~~وولد الابن في حال عدم ولد الصلب, فيكون اللفظ مستعملا في حالين في إحداهما ~~هو حقيقة وفي الأخرى هو مجاز ولو أن رجلا قال: "قد أوصيت بثلث مالي لولد ~~فلان وفلان" وكان لأحدهما # PageV02P106 # أولاد لصلبه ولم يكن للآخر ولد لصلبه وكان له أولاد ابن, كانت الوصية ~~لولد فلان لصلبه ولأولاد أولاد فلان, ولم يمتنع دخول أولاد بنيه في الوصية ~~مع أولاد الآخر لصلبه وإنما يمتنع دخول ولد فلان لصلبه وولد ولده معه, فأما ~~ولد غيره لغير صلبه فغير ممتنع دخوله مع أولاد الآخر لصلبه; فكذلك قوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} يقتضي ولد الصلب لكل واحد من المذكورين ~~إذا كان ولا يدخل معه ولد الابن, ومن ليس له ولد لصلبه وله ولد ابن دخل في ~~اللفظ ولد ابنه. وإنما جاز ذلك; لأن قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ~~خطاب لكل واحد من الناس, فكان كل واحد منهم مخاطبا به على حياله; فمن له ~~منهم ولد لصلبه تناوله اللفظ على حقيقته ولم يتناول ذلك ولد ابنه, ومن ليس ~~له ولد لصلبه وله ولد ابن فهو مخاطب بذلك على حياله, فيتناول ولد ابنه. # فإن قيل: إن اسم الولد يقع على كل واحد من ولد الصلب وولد الابن حقيقة لم ~~يبعد; إذ كان الجميع منسوبين إليه من جهة ولادته, ونسبه متصل به من هذا ~~الوجه فيتناول الجميع, كالأخوة لما كان اسما لاتصال النسب بينه وبينه من ~~جهة أحد أبويه شمل الاسم الجميع وكان عموما فيهم جميعا, سواء كانوا لأب وأم ~~أو لأب أو لأم. ويدل عليه أن قوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم} قد عقل به حليلة ابن الابن كما عقل حليلة ابن الصلب فإذا ترك بنتا ~~وبنت ابن فللبنت النصف بالتسمية ولبنت الابن السدس وما بقي للعصبة. فإن ترك ~~بنتين وبنت ابن وابن ابن, فللبنتين الثلثان والباقي لابن الابن وبنت الابن ~~بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وكذلك لو كانت ms1108 بنتين وبنات ابن وابن ابن ابن ~~أسفل منهن كان للبنات الثلثان وما بقي فبين بنات الابن ومن هو أسفل منهن من ~~بني ابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا قول أهل العلم جميعا من الصحابة ~~والتابعين, إلا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يجعل الباقي لابن ~~الابن وإن سفل ولا يعطي بنات الابن شيئا إذا استكمل البنات الثلثين, وإنما ~~كان يجعل لبنات الابن تكملة الثلثين مثل أن يترك بنتا وبنات ابن فيكون ~~للبنت النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين, فإن كان معهن ابن ابن لم ~~يعط بنات الابن أكثر من السدس; وكذلك قوله في الأخوات من الأب مع الأخوات ~~من الأب والأم; وذهب في ذلك إلى أن إناث ولد الابن لو كن وحدهن لم يأخذن ~~شيئا بعد استيفاء البنات الثلثين, فكذلك إذا كان لهن أخ لم يكن لهن شيء, ~~ألا ترى أنه لو كان ابن عم مع إحداهن لم يأخذن شيئا. وليس هذا عند الجماعة ~~كذلك; لأن بنات الابن يأخذن تارة بالفرض وتارة بالتعصيب, وأخوهن ومن هو ~~أسفل منهن يعصبهن, كبنات الصلب يأخذن تارة بالفرض وتارة # PageV02P107 # بالتعصيب; فلو انفرد البنات لم يأخذن أكثر من الثلثين وإن كثرن, ولو كان ~~معهن أخ لهن وهن عشر كان لهن خمسة أسداس المال, فيأخذن في حال كون الأخ ~~معهن أكثر مما يأخذن في حال الانفراد; فكذلك حكم بنات الابن إذا استوفى ~~بنات الصلب الثلثين لم يبق لهن فرض, فإن كان معهن أخ صرن عصبة معه ووجب ~~قسمة الثلث الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وكذلك قالوا في بنتين وبنت ~~ابن وأخت, أن للبنتين الثلثين والباقي للأخت ولا شيء لبنت الابن; لأنها لو ~~أخذت في هذه الحال التي ليس معها ذكر كانت مستحقة بفرض البنات, والبنات قد ~~استوعبن الثلثين, فلم يبق من فرض البنات شيء تأخذه, فكانت الأخت أولى; ~~لأنها عصبة مع البنات, فما تأخذه الأخت في هذه الحال فإنما تأخذه بالتعصيب; ~~فإذا كان مع بنت الابن أخ لها كان الباقي بعد ms1109 الثلثين بينهما للذكر مثل حظ ~~الأنثيين ولا شيء للأخت. # وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن عامر ~~بن زرارة قال: حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن ابن قيس الأودي عن هزيل بن ~~شرحبيل الأودي قال: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فسألهما ~~عن بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم, فقالا: "للبنت النصف وللأخت النصف ولم يورثا ~~بنت الابن شيئا وأت ابن مسعود فإنه سيتابعنا" فأتاه الرجل فسأله وأخبره ~~بقولهما, فقال: "لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين, ولكن "أقضي فيها بقضاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لابنته النصف ولابن الابن السدس تكملة ~~الثلثين, وما بقي فللأخت من الأب والأم". فهذا السدس تأخذه بنت الابن ~~بالفرض لا بالتعصيب لم يختلفوا فيه إلا ما روي عن أبي موسى الأشعري وسلمان ~~بن ربيعة وهو الآن اتفاق. ثم لم يخالفهم عبد الله لو كان معها أخ أن للبنت ~~النصف وما بقي فبين بنت الابن وابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين, وأنها لا ~~تعطى السدس في هذه الحال كما أعطيت إذا لم يكن معها أخ; ففي هذا دليل على ~~أن بنت الابن تستحق تارة بالفرض وتارة بالتعصيب مع إخوتها كفرائض بنات ~~الصلب. ومن قول عبد الله في بنت وبنات ابن وابن ابن أن للبنت النصف وما بقي ~~فبين بنات الابن وابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين ما لم تزد أنصباء بنات ~~الابن على السدس فلا يعطيهن أكثر من السدس; فلم يعتبر الفرض على حدة في هذه ~~الحال ولا التعصيب على حدة, ولكنه اعتبر التسمية في منع الزيادة على السدس ~~واعتبر المقاسمة في النقصان, وهو خلاف القياس والله أعلم بالصواب. # PageV02P108 # باب الكلالة # قال الله عز وجل: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل # PageV02P108 # واحد منهما السدس} . قال أبو بكر: الميت نفسه يسمى كلالة وبعض من يرثه ~~يسمى كلالة وقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة} يدل على أن الكلالة ms1110 ههنا ~~اسم الميت والكلالة حاله وصفته, ولذلك انتصب وروى السميط بن عمير أن عمر ~~رضي الله عنه قال: "أتى علي زمان وما أدري ما الكلالة, وإنما الكلالة ما ~~خلا الولد والوالد" وروي عاصم الأحول عن الشعبي قال: قال أبو بكر رضي الله ~~عنه: "الكلالة ما خلا الولد والوالد" فلما طعن عمر رضي الله عنه قال: "رأيت ~~أن الكلالة من لا ولد له ولا والد, وإني لأستحيي الله أن أخالف أبا بكر1; ~~هو ما عدا الوالد والولد". وروى طاوس عن ابن عباس قال: "كنت آخر الناس عهدا ~~بعمر بن الخطاب فسمعته يقول: القول ما قلت, قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة من ~~لا ولد له". وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد قال: ~~سألت ابن عباس عن الكلالة فقال: "من لا ولد له ولا والد" قال: قلت: فإن ~~الله تعالى يقول في كتابه: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت} [النساء: 176] ~~فغضب وانتهرني. # فظاهر الآية وقول من ذكرناهم من الصحابة يدل على أن الميت نفسه يسمى ~~كلالة; لأنهم قالوا: "الكلالة من لا والد له ولا ولد" وقال بعضهم: "الكلالة ~~من لا ولد له" وهذه صفة الموروث الميت; لأنه معلوم أنهم لم يريدوا أن ~~الكلالة هو الوارث الذي لا ولد له ولا والد, إذ كان وجود الولد والوالد ~~للوارث لا يغير حكم ميراثه من موروثه وإنما يتغير حكم الميراث بوجود هذه ~~الصفة للميت المورث. # والذي يدل على أن اسم الكلالة قد يقع على بعض الوارثين, ما رواه شعبة عن ~~محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: "أتاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعودني وأنا مريض, فقلت: يا رسول الله كيف الميراث فإنما يرثني كلالة؟ ~~فنزلت آية الفرائض"; وهذا الحرف تفرد به شعبة في رواية محمد بن المنكدر; ~~فأخبر جابر أن الكلالة ورثته ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وروى ~~ابن عون عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال: حدثنا ms1111 رجل من بني سعد: ~~"أن سعدا مرض بمكة فقال: يا رسول الله ليس لي وارث إلا كلالة"; فأخبر في ~~هذا الخبر أيضا أن الكلالة هم الورثة وحديث سعد متقدم لحديث جابر; لأن مرضه ~~كان بمكة وليس فيه ذكر الآية, فقال قوم: كان في حجة الوداع, وقال قوم: كان ~~في عام الفتح; ويقال إن الصحيح أنه كان في عام الفتح, وحديث جابر كان ~~بالمدينة في PageV02P109 # آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وروى شعبة عن أبي إسحاق, عن البراء ~~قال: "آخر آية نزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وآخر سورة نزلت ~~براءة". قال يحيى بن آدم: وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~للذي سأله عن الكلالة: "يكفيك آية الصيف" وهي قوله تعالى: {يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] لأنها نزلت في الصيف ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتجهز إلى مكة, ونزلت عليه آية الحج: {ولله على الناس حج ~~البيت} [آل عمران: 97] وهي آخر آية نزلت بالمدينة, ثم خرج إلى مكة فنزلت ~~عليه بعرفة يوم عرفة: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] الآية, ثم نزلت ~~عليه من الغد يوم النحر: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] ~~هذه الآية, ثم لم ينزل عليه شيء بعدها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد نزولها; هكذا سمعنا. قال يحيى: وفي حديث آخر أن رجلا سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة, فقال: "من مات وليس له ولد ولا والد ~~فورثته كلالة". # قال أبو بكر: ولم يذكر تاريخ الأخبار والآي; لأن الحكم يتغير فيما ذكرنا ~~بالتاريخ, ولكنه لما جرى ذكر الآي والأخبار اتصل ذلك بها, وإنما أردنا بذلك ~~أن نبين أن اسم الكلالة يتناول الميت تارة وبعض الورثة تارة أخرى. # وقد اختلف السلف في الكلالة, فروى جرير عن أبي إسحاق الشيباني عن عمرو بن ~~مرة عن سعيد بن المسيب, أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كيف يورث الكلالة؟ قال: "أوليس ms1112 قد بين الله تعالى ذلك؟ " ثم قرأ: ~~{وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} إلى آخر الآية, فأنزل الله تعالى: ~~{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] إلى آخرها; قال: فكأن ~~عمر لم يفهم, فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب ~~نفس فسليه عنها فرأت منه طيب نفس فسألته عنها, فقال: "أبوك كتب لك هذا؟ ما ~~أرى أباك يعلمها أبدا"; قال: فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها أبدا وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. # PageV02P110 # مطلب: في قول عمر: "ثلاث لأن يكون بينهن لنا أحب إلي من الدنميا وما ~~فيها". # وروى سفيان عن عمرو بن مرة عن مرة قال: قال عمر: "ثلاث لأن يكون بينهن ~~لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا" وروى قتادة عن ~~سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة قال: قال عمر: ما سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة, حتى طعن بأصبعه في ~~صدري ثم قال: "يكفيك آية الصيف" # PageV02P110 # وروي عن عمر أنه قال عند موته: "اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا". # فهذه الأخبار التي ذكرنا تدل على أنه لم يقطع فيها بشيء وأن معناها ~~والمراد بها كان ملتبسا عليه. # قال سعيد بن المسيب: كان عمر كتب كتابا في الكلالة, فلما حضرته الوفاة ~~محاه وقال: "ترون فيه رأيكم "; فهذه إحدى الروايات عن عمر, وروي عنه أنه ~~قال: "الكلالة من لا ولد له ولا والد" وروي عنه أن الكلالة من لا ولد له. ~~وروي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عباس في إحدى الروايتين: "أن الكلالة ما ~~عدا الوالد والولد" وروى محمد بن سالم عن الشعبي عن ابن مسعود أنه قال: ~~"الكلالة ما خلا الوالد والولد" وعن زيد بن ثابت مثله وروي عن ابن عباس ~~رواية أخرى: "أن الكلالة ما خلا الولد". # قال أبو بكر: اتفقت الصحابة على أن الولد ليس من الكلالة, واختلفوا في ~~الوالد, ms1113 فقال الجمهور: "الوالد خارج من الكلالة". وقال ابن عباس في إحدى ~~الروايتين مثله, وفي رواية أخرى أن الكلالة ما عدا الولد. فلما اختلف السلف ~~فيهما على هذه الوجوه وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها فوكله ~~إلى حكم الآية وما في مضمونها, وهي قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة} [النساء: 176] وقد كان عمر رجلا من أهل اللسان لا يخفى عليه ما ~~طريق معرفته اللغة; ثبت أن معنى اسم الكلالة غير مفهوم من اللغة وأنه من ~~متشابه الآي التي أمرنا الله تعالى بالاستدلال على معناه بالمحكم ورده ~~إليه; ولذلك لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم عمر عن سؤاله في معنى الكلالة ~~ووكله إلى استنباطه والاستدلال عليه. وفي ذلك ضروب من الدلالة على المعاني. ~~أحدها: أن بمسألته إياه لم يلزمه توقيفه على معناها من طريق النص; لأنه لو ~~كان واجبا عليه توقيفه على معناها لما أخلاه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~بيانها وذلك أنه لم يكن أمر الكلالة في الحال التي سأل عنها حادثة تلزمه ~~تنفيذ حكمها في الحال, ولو كان كذلك لما أخلاه من بيانها, وإنما سأله سؤال ~~مستفهم مسترشد لمعنى الآية من طريق النص, ولم يكن على النبي صلى الله عليه ~~وسلم توقيف الناس على جليل الأحكام ودقيقها; لأن منها ما هو مذكور باسمه ~~وصفته ومنها ما هو مدلول عليه بدلالة مفضية إلى العلم به لا احتمال فيه ~~ومنها ما هو موكول إلى اجتهاد الرأي, فرد النبي صلى الله عليه وسلم عمر إلى ~~اجتهاده; وهذا يدل على أنه رآه من أهل الاجتهاد, وأنه ممن قال الله تعالى: ~~{لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] وفيه الدلالة على تسويغ اجتهاد ~~الرأي في الأحكام وأنه أصل يرجع إليه في أحكام الحوادث والاستدلال على ~~معاني الآي المتشابهة وبنائها على المحكم; واتفاق الصحابة أيضا على تسوية ~~الاجتهاد في استخراج معاني الكلالة يدل على ذلك, ألا ترى أن بعضهم قال: "هو ~~من لا # PageV02P111 # ولد له ولا والد" وقال بعضهم: "من لا ms1114 ولد له" وأجاب عمر بأجوبة مختلفة ~~ووقف فيها في بعض الأحوال ولم ينكر بعضهم على بعض الكلام فيها بما أداه ~~إليه اجتهاده؟ وفي ذلك دليل على اتفاقهم على تسويغ الاجتهاد في الأحكام. # PageV02P112 # مطلب: في قوله عليه السلام: "من قال في القوآن برأيهى فأصاب فقد أخطأ" # ويدل على أن ما روى أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: {من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ;} إنما هو فيمن ~~قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول, وأن ~~من استدل على حكمه واستنبط معناه فحمله على المحكم المتفق على معناه فهو ~~ممدوح مأجور ممن قال الله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: ~~83] . # وقد تكلم أهل اللغة في معنى الكلالة, قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ~~"الكلالة كل من لم يرثه أب ولا ابن فهو عند العرب كلالة, مصدر من تكلله ~~النسب أي تعطف النسب عليه" قال أبو عبيدة: "من قرأها يورث بالكسر أراد من ~~ليس بولد ولا والد". قال أبو بكر والذي قرأه بالكسر الحسن وأبو رجاء ~~العطاردي. # قال أبو بكر: وقد قيل إن الكلالة في أصل اللغة هو الإحاطة, فمنه الإكليل ~~لإحاطته بالرأس, ومنه الكل لإحاطته بما يدخل عليه; فالكلالة في النسب من ~~أحاط بالولد والوالد من الإخوة والأخوات وتكللهما وتعطف عليهما, والولد ~~والوالد ليسا بكلالة; لأن أصل النسب وعموده الذي إليه ينتهي هو الولد ~~والوالد, ومن سواهما فهو خارج عنهما وإنما يشتمل عليهما بالانتساب عن غير ~~جهة الولادة ممن نسب إليه كالإكليل المشتمل على الرأس وهذا يدل على صحة قول ~~من تأولها على من عدا الوالد والولد وأن الولد إذا لم يكن من الكلالة كذلك ~~الوالد; لأن نسبة كل واحد منهما إلى الميت من طريق الولادة وليس كذلك ~~الإخوة والأخوات; لأن نسب كل واحد منهما لا يرجع إلى الميت من طريق ولاد ~~بينهما ويشبه أن يكون من تأوله على من عدا الولد وأخرج الولد وحده من ~~الكلالة, ms1115 أن الولد من الوالد وكأنه بعضه وليس الوالد من الولد كما ليس الأخ ~~والأخت ممن ينسب إليه بالأخوة, فاعتبر من قال ذلك الكلالة بمن لا ينسب إليه ~~بأنه منه وبعضه, فأما من كانت نسبته إلى الميت من حيث هو منه فليس بكلالة. # وقد كان اسم الكلالة مشهورا في الجاهلية, قال عامر بن الطفيل: # فإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب # فما سودتني عامر عن كلالة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # PageV02P112 # وهذا يدل على أنه رأى الجد الذي انتسبوا إليه كلالة, وأخبر مع ذلك أن ~~سيادته ليست من طريق النسب والكلالة لكنه بنفسه ساد ورأس. وقال بعضهم: كلت ~~الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت, وحمل فلان على فلان ثم كل عنه إذا تباعد, ~~والكلال هو الإعياء; لأنه قد يبعد عليه تناول ما يريده; وأنشد الفرزدق: # ورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # يعني: ورثتموها بالآباء لا بالأخوة والعمومة. # وذكر الله تعالى الكلالة في موضعين من كتابه: أحدهما: قوله تعالى: ~~{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك} [النساء: 176] إلى آخر الآية, فذكر ميراث الإخوة والأخوات عند ~~عدم الولد وسماهم كلالة; وعدم الوالد مشروط فيها وإن لم يكن مذكورا لقوله ~~تعالى في أول السورة: {وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس} فلم يجعل للإخوة ميراثا مع الأب, فخرج الوالد من الكلالة كما خرج ~~الولد; لأنه لم يورثهم مع الأب كما لم يورثهم مع الابن, والبنت أيضا ليست ~~بكلالة فإن ترك ابنة أو ابنتين وإخوة وأخوات لأب وأم أو لأب فالبنات لسن ~~بكلالة, ومن ورث معهما كلالة. وقال تعالى في أول السورة: {وإن كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك ~~فهم شركاء في الثلث} فهذه الكلالة هي الأخ والأخت لأم لا يرثان مع والد ولا ~~ولد ذكرا كان ms1116 أو أنثى. وقد روي أن في قراءة سعد بن أبي وقاص: "وإن كان رجل ~~يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت لأم" فلا خلاف مع ذلك أن المراد بالأخ ~~والأخت ههنا إذا كانا لأم دونهما إذا كان لأب وأم أو لأب. وقد روي عن طاوس ~~عن ابن عباس: "أن الكلالة ما عدا الولد, وورث الإخوة من الأم مع الأبوين ~~السدس, وهو السدس الذي حجبت الأم عنه", وهو قول شاذ, وقد بينا ما روي عنه ~~أنها ما عدا الوالد والولد; ولا خلاف أن الإخوة والأخوات من الأم يشتركون ~~في الثلث ولا يفضل منهم ذكر على أنثى. # وقد اختلفوا في الجد هل يورث كلالة, فقال قائلون: "لم يورث كلالة". وقال ~~آخرون: "بل هو كلالة" وهو قول من يورث الإخوة والأخوات مع الجد, والأولى أن ~~يكون خارجا من الكلالة لثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا يختلفون أن ابن الابن ~~خارج عن الكلالة; لأنه منسوب إلى الميت بالولاد, فواجب على هذا خروج الجد ~~منها; إذ كانت النسبة بينهما من طريق الولاد. ومن جهة أخرى: أن الجد هو أصل ~~النسب كالأب وليس بخارج عنه, فوجب أن يكون خارجا عن الكلالة; إذ كانت ~~الكلالة ما تكلل على النسب وتعطف عليه ممن ليس أصل النسب متعلقا به. ~~والثالث: أنهم لا يختلفون أن قوله # PageV02P113 # تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت} لم يدخل فيه ~~الجد وأنه خارج عنه لا يرث معه الإخوة من الأم كما لا يرثون مع الابن ~~والبنت, فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب في خروجه عن الكلالة; وهذا يدل ~~على أن الجد بمنزلة الأب في نفي مشاركة الإخوة والأخوات إياه في الميراث. # فإن قيل: هذا لا يدل على ما ذكرته من قبل أن البنت خارجة عن الكلالة ولا ~~يرث معها الإخوة والأخوات من الأم ويرث معها الإخوة والأخوات من الأب ~~والأم, فكذلك الجد. قيل له: لم نجعل ما ذكرناه علة للمسألة فيلزمنا ما ~~وصفت, وإنما قلنا إنه لما لم ms1117 يتناوله اسم الكلالة كالأب والابن اقتضى ظاهر ~~الآية أن يكون ميراث الإخوة والأخوات عند عدمه إلا أن تقوم الدلالة على ~~توريثهم معه, والبنت وإن كانت خارجة عن الكلالة فقد قامت الدلالة على توريث ~~الإخوة والأخوات من الأب معها, فخصصناها من الظاهر وبقي حكم اللفظ فيما ~~سواها ممن يشتمله اسم الكلالة; والله أعلم. # PageV02P114 # باب العول # روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: أول من ~~أعال الفرائض عمر بن الخطاب لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضا قال: ~~والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر; وكان امرأ ورعا فقال: ما أجد ~~شيئا هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص; وأدخل على كل ذي حق ما دخل ~~عليه من عول الفريضة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي في بنتين وأبوين ~~وامرأة قال: "صار ثمنها تسعا", وكذلك رواه الحكم بن عتيبة عنه, وهو قول عبد ~~الله وزيد بن ثابت. وقد روي أن العباس بن عبد المطلب أول من أشار على عمر ~~بالعول, قال عبيد الله بن عبد الله: قال ابن العباس: أول من أعال الفرائض ~~عمر بن الخطاب وأيم الله لو قدم من قدم الله لما عالت فريضة فقيل له: وأيها ~~التي قدم الله وأيها التي أخر؟ قال: كل فريضة لم تزل عن فريضة إلا إلى ~~فريضة فهي التي قدم الله, وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها ما بقي ~~فهي التي أخر الله تعالى; فأما التي قدم الله تعالى فالزوج والزوجة والأم; ~~لأنهم لا يزولون من فرض إلا إلى فرض, والبنات والأخوات نزلن من فرض إلى ~~تعصيب مع البنتين والإخوة فيكون لهن ما بقي مع الذكور, فنبدأ بأصحاب السهام ~~ثم يدخل الضرر على الباقين وهم الذين يستحقون ما بقي إذا كانوا عصبة. قال ~~عبيد الله بن عبد الله: فقلنا له: فهلا راجعت فيه عمر فقال: إنه كان امرأ ~~مهيبا ورعا; قال ابن عباس: ولو كلمت فيه عمر لرجع. وقال الزهري: ms1118 لولا أنه ~~تقدم ابن عباس إمام عدل فأمضى أمرا # PageV02P114 # فمضى وكان امرأ ورعا ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم. وروى ~~محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس ذكر ~~الفرائض وعولها فقال: أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال قسمه نصفا ~~ونصفا وثلثا؟ فهذا النصف وهذا النصف فأين موضع الثلث؟ قال عطاء: فقلت لابن ~~عباس: يا ابن عباس إن هذا لا يغني عنك ولا عني شيئا, لو مت أو مت قسم ~~ميراثنا على ما عليه القوم من خلاف رأيك ورأيي. قال: فإن شاءوا فلندع ~~أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين, ما جعل الله في مال نصفا ونصفا وثلثا. # والحجة للقول الأول أن الله تعالى قد سمى للزوج النصف وللأخت من الأب ~~والأم النصف وللإخوة من الأم الثلث, ولم يفرق بين حال اجتماعهم وانفرادهم, ~~فوجب استعمال نص الآية في كل موضع على حسب الإمكان; فإذا انفردوا واتسع ~~المال لسهامهم قسم بينهم عليها, وإذا اجتمعوا وجب استعمال حكم الآية في ~~التضارب بها, ومن اقتصر على بعض وأسقط بعضا أو نقص نصيب بعض ووفى الآخرين ~~كمال سهامهم فقد أدخل الضيم على بعضهم مع مساواته للآخرين في التسمية. فأما ~~ما قاله ابن عباس من تقديم من قدم الله تعالى وتأخير من أخر, فإنما قدم ~~بعضا وأخر بعضا وجعل له الباقي في حال التعصيب, فأما حال التسمية التي لا ~~تعصيب فيها فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر, ألا ترى أن الأخت منصوص ~~على فرضها بقوله تعالى: {وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] كنصه على ~~فرض الزوج والأم والإخوة من الأم, فمن أين وجب تقديم هؤلاء عليها في هذه ~~الحالة وقد نص الله تعالى على فرضها في هذه الحال كما نص على فرض الذين ~~معها؟ وليس يجب; لأن الله أزال فرضها إلى غير فرض في موضع أن يزيل فرضها في ~~الحال التي نص عليه ms1119 فيها; فهذا القول أشنع في مخالفة الآي التي فيها سهام ~~المواريث من القول بإثبات نصف ونصف وثلث على وجه المضاربة بها. ولذلك نظائر ~~في المواريث من الأصول أيضا, قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين} فلو ترك الميت ألف درهم وعليه دين لرجل ألف درهم ولآخر خمسمائة ولآخر ~~ألف, كانت الألف المتروكة مقسومة بينهم على قدر ديونهم, وليس يجوز أن يقال ~~له لم يكن استيفاء ألفين وخمسمائة من ألف استحال الضرب بها; وكذلك لو أوصى ~~رجل بثلث ماله لرجل وبسدسه لآخر ولم تجز ذلك الورثة تضاربا في الثلث بقدر ~~وصاياهم, فيضرب أحدهما بالسدس والآخر بالثلث مع استحالة استيفاء النصف من ~~الثلث; وكذلك الابن يستحق جميع المال لو انفرد وللبنت النصف لو # PageV02P115 # انفردت, فإذا اجتمعا ضرب الابن بجميع المال والبنت بالنصف فيكون المال ~~بينهما أثلاثا, وهكذا سبيل العول في الفرائض عند تدافع السهام, والله أعلم. # PageV02P116 # باب المشركة # اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المشركة وهي أن تخلف ~~المورثة زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها, فقال علي بن أبي ~~طالب وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري: "للزوج النصف وللأم ~~السدس وللأخوين من الأم الثلث, وسقط الإخوة والأخوات من الأب والأم". وروى ~~سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: سئل علي عن الإخوة ~~من الأم فقال: "أرأيتم لو كانوا مائة أكنتم تزيدونهم على الثلث؟ " قالوا: ~~لا, قال: "فأنا لا أنقصهم منه شيئا"; وجعل الإخوة والأخوات من الأب والأم ~~عصبة في هذه الفريضة وقد حالت السهام دونهم. وقال عمر بن الخطاب وعبد الله ~~بن مسعود وزيد بن ثابت: "للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين من الأم الثلث, ~~ثم يرجع الإخوة من الأب والأم على الإخوة من الأم فيشاركونهم فيكون الثلث ~~الذي أخذوه بينهم سواء" وروى معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن ~~الحكم بن مسعود الثقفي قال: "شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب ms1120 والأم ~~مع الإخوة من الأم في الثلث, فقال له رجل: قضيت عام الأول بخلاف هذا قال: ~~كيف قضيت؟ قال: جعلته للإخوة من الأم ولم تعط الإخوة من الأب والأم شيئا, ~~قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا". وروي أن عمر كان لا يشرك بينهم ~~حتى احتج الإخوة من الأب والأم فقالوا: يا أمير المؤمنين لنا أب وليس لهم ~~أب ولنا أم كما لهم, فإن كنتم حرمتمونا بأبينا فورثونا بأمنا كما ورثتم ~~هؤلاء بأمهم واحسبوا أن أبانا كان حمارا, أليس قد تراكضنا في رحم واحدة؟ ~~فقال عمر عند ذلك: صدقتم فأشرك بينهم وبين الإخوة من الأم في الثلث. وذهب ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إلى قول علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ومن تابعه في ترك الشركة بينهم; والدليل على صحة القول الأول ~~قوله تعالى {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} فنص على فرض الإخوة ~~من الأم وهو الثلث, وبين أيضا حكم الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى: ~~{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] إلى قوله تعالى: {وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] فلم يجعل ~~الله لهم فرضا مسمى وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب للذكر مثل حظ ~~الأنثيين; ولا خلاف أنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وإخوة وأخوات لأب وأم ~~أن # PageV02P116 # للزوج النصف وللأم السدس وللأخ من الأم السدس وما بقي وهو السدس بين ~~الإخوة والأخوات من الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يدخلوا مع الأخ ~~من الأم في نصيبه, فلما كانوا مع ذوي السهام إنما يستحقون باقي المال ~~بالتعصيب لا بالفرض لم يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من الأم في فرضهم; لأن ~~ظاهر الآية ينفي ذلك; إذ كانت الآية إنما أوجبت لهم ما يأخذونه للذكر مثل ~~حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالفرض, فمن أعطاهم بالفرض فهو ms1121 خارج عن حكم الآية; ~~ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما ~~أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر" فجعل للعصبة بقية المال بعد أخذ ذوي السهام ~~سهامهم, فمن أشركهم مع ذوي السهام وهم عصبة فقد خالف الأثر. # فإن قيل: لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا يحرموا بالأب. قيل له: هذا ~~غلط; لأنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وإخوة وأخوات لأب وأم أخذ الأخ من ~~الأم السدس كاملا وأخذ الإخوة والأخوات من الأب والأم السدس الباقي بينهم, ~~وعسى يصيب كل واحد منهم أقل من العشر, ولم يكن لواحد منهم أن يقول قد ~~حرمتموني بالأب مع اشتراكنا في الأم, بل كان نصيب الأخ من الأم أوفر من ~~نصيب كل واحد منهم, فدل ذلك على معنيين: أحدهما: انتقاض العلة بالاشتراك في ~~الأم. والثاني: أنهم لم يأخذوا بالفرض وإنما أخذوا بالتعصيب. ويدل على فساد ~~ذلك أيضا أنها لو تركت زوجا وأختا لأب وأم وأختا وأخا لأب أن للزوج النصف ~~وللأخت من الأب والأم النصف ولا شيء للأخ والأخت من الأب; لأنهما عصبة, فلا ~~يدخل مع ذوي السهام. ولم يجز أن يجعل من الأب بمنزلة من لم يكن حتى تستحق ~~الأخت من الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال الانفراد عن الأخ, وإنما ~~التعصيب أخرجها عن السدس الذي. كانت تستحقه, كذلك التعصيب يخرج الإخوة من ~~الأب والأم عن الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم; والله أعلم. # PageV02P117 # ذكر اختلاف السلف في ميراث الأخت مع البنت # لم يختلف عن علي وعمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل في ~~رجل خلف بنتا وأختا لأب وأم وعصبة أن للبنت النصف وما بقي فللأخت, فجعلوها ~~عصبة مع البنات. وقال عبد الله بن عباس وابن الزبير: "للبنت النصف وما بقي ~~فللعصبة وإن بعد نسبهم, ولا حظ للأخت في الميراث مع البنت"; وروي أن ابن ~~الزبير رجع عن ذلك بعد أن قضى به وروي أنه قيل لعبد الله بن عباس: إن ms1122 عليا ~~وعبد الله وزيدا كانوا يجعلون الأخوات مع البنات عصبة فيورثونهن فاضل ~~المال, فقال: أأنتم أعلم أم الله؟ # PageV02P117 # يقول الله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} ~~[النساء: 176] وأنتم تجعلون لها مع الولد النصف. # قال أبو بكر: مما يحتج به للقول الأول قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو ~~كثر نصيبا مفروضا} فظاهره يقتضي توريث الأخت مع البنت; لأن أخاها الميت هو ~~من الأقربين, وقد جعل الله ميراث الأقربين للرجال والنساء. ويحتج فيه بحديث ~~أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم أن للبنت النصف ولبنت الابن ~~السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت, فأعطى للأخت بقية المال بعد السهام ~~وجعلها عصبة مع البنت. وأما احتجاج من يحتج في ذلك بأن الله تعالى إنما جعل ~~لها النصف إذا لم يكن ولد, ولا يجوز أن يجعل لها النصف مع الولد; فإنه غير ~~لازم من قبل أن الله تعالى نص على سهمها عند عدم الولد ولم ينف ميراثها مع ~~وجوده, وتسميته لها النصف عند عدم الولد لا دلالة فيه على سقوط حقها إذا ~~كان هناك ولد; إذ لم يذكر هذه الحال بنفي الميراث ولا بإيجابه, فهو موقوف ~~على دليله. ومع ذلك فإن معناه: إن امرؤ هلك وليس له ولد ذكر; بدلالة قوله ~~تعالى في نسق التلاوة: {وهو يرثها} يعني الأخ يرث الأخت {إن لم يكن لها ~~ولد} معناه عند الجميع: إن لم يكن لها ولد ذكر إذ لا خلاف بين الصحابة أنها ~~إذا تركت ولدا أنثى وأخا أن للبنت النصف والباقي للأخ, والولد المذكور ~~هاهنا هو المذكور بديا في أول الآية. وأيضا قال الله تعالى: {ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} ومعناه عند الجميع: إن كان له ولد ~~ذكر; لأنه لا خلاف بين ms1123 الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء أنه لو ترك ابنة ~~وأبوين أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي للأب, فيأخذ الأب في هذه ~~الحال مع الولد الأنثى أكثر من السدس, وأن قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} على أنه ولد ذكر, وكذلك لو ترك أبا ~~وبنتا كان للبنت النصف وللأب النصف; فقد أخذ في هاتين المسألتين أكثر من ~~السدس مع الولد. # قال أبو بكر: وشذت طائفة من الأمة فزعمت أنه إذا ترك بنتا وأختا كان ~~المال كله للبنت, وكذلك البنت والأخ. وهذا قول خارج عن ظاهر التنزيل واتفاق ~~الأمة, قال الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن ~~كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} فنص على ~~سهم البنت وسهم ما فوق الثنتين, وجعل لها إذا انفردت النصف وإذا ضامها ~~غيرها الثلثين لهما جميعا; فغير جائز أن تعطى أكثر منه إلا بدلالة. # PageV02P118 # فإن قيل: إذا كان ذكر النصف والثلثين غير دال على نفي ما فوقهما على ما ~~ذكرت فليس إذا في الظاهر نفي ما زاد وإنما تحتاج إلى أن تطالب خصمك بإقامة ~~الدلالة على أن الزيادة مستحقة. قيل له: لما كان قوله تعالى: {يوصيكم الله ~~في أولادكم} أمرا باعتبار السهام المذكورة; إذ كانت الوصية أمرا, أوجب ذلك ~~اعتبار كل فرض مقدر في الآية على حياله ممنوعا من الزيادة والنقصان فيه, ~~فاقتضى ذلك وجوب الاقتصار على المقادير المذكورة لمن سميت له غير زائدة ولا ~~ناقصة, ولم يقل بذلك من حيث خصه بالذكر دون ما تقدم من الأمر باعتبارها في ~~ابتداء الخطاب, فلذلك منعنا الزيادة عليها إلا بدلالة. # وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} يدل على وجوب ~~توريث الأخ مع البنت, ويدل عليه حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأولى عصبة ذكر" , فواجب بمجموع ~~الآية والخبر أنا إذا أعطينا البنت النصف أن نعطي الباقي الأخ; لأنه أولى ~~عصبة ms1124 ذكر. # PageV02P119 # مطلب: اختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم # واختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم, فقال علي وزيد: "للأخ من الأم ~~السدس وما بقي فبينهما نصفان" وهو قول فقهاء الأمصار. وقال عمر وعبد الله: ~~"المال للأخ من الأم", وقالا: "ذو السهم أحق ممن لا سهم له" وإليه كان يذهب ~~شريح والحسن. ولم يختلفوا في أخوين لأم أحدهما ابن عم أن لهما الثلث بنسب ~~الأم وما بقي فلابن العم خاصة, ولم يجعلوا ابن العم أحق بجميع الميراث ~~لاجتماع السهم والتسمية له دون الآخر, كذلك حكم ابني العم إذا كان أحدهما ~~أخا لأم فغير جائز أن يجعل أولى بالميراث من أجل اختصاصه بالسهم والتعصيب. ~~وشبه عمر وعبد الله ذلك بالأخ لأب وأم وأخ لأب أنه أولى بالميراث, وليس هذا ~~عند الآخرين مشبها لهذه المسألة من قبل أن نسبهما من جهة واحدة وهي الأخوة, ~~فاعتبر فيها أقربهما إليه, وهو الذي اجتمع له قرابة الأب والأم, ولا يستحق ~~بقرابته من الأم سهم الأخ من الأم بل إنما يؤكد ذلك حكم الأخوة; وليس كذلك ~~ابنا العم إذا كان أحدهما أخا لأم; لأنك تريد أن تؤكد بالأخوة من جهة الأم ~~ما ليس بأخوة, وإنما هو سبب آخر غيرها فلم يجز أن تؤكده بها ويدلك على هذا ~~أن نسبته من جهة أنه ابن العم لا يسقط سهمه من جهة أنه أخ لأم بل يرث بأنه ~~أخ لأم سهم الأخ من الأم وإن كان ابن عم, ألا ترى أن الميتة لو تركت أختين ~~لأب وأم وزوجا وأخا لأم هو ابن عم أن للأختين الثلثين وللزوج النصف وللأخ ~~من الأم السدس ولم يسقط سهمه من جهة أنه ابن عم؟ ولو تركت زوجا وأما وأختا ~~لأم وإخوة لأب وأم كان للزوج النصف وللأم السدس وللأخت من الأم السدس وما ~~بقي فللإخوة من الأب والأم, # PageV02P119 # ولم يستحق الإخوة من الأب والأم سهم الأخوة من الأم لمشاركتهم للأخ من ~~الأم في نسبها, بل إنما استحقوا بالتعصيب فكانت قرابتهم بالأب ms1125 والأم مؤكدة ~~لتعصيبهم فلا يستحقون بها أن يكونوا من ذوي السهام, وقرابة ابن العم بنسبه ~~من جهة الأم لا تخرجه من أن يكون من ذوي السهام فيما يستحقه من سهم الأخ من ~~الأم; وليس لهذا تأثير في تأكيد التعصيب; لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا ~~يستحق أبدا إلا بالتعصيب, كما لا يأخذ الإخوة من الأب والأم إلا بالتعصيب ~~ولا يأخذون بقرابتهم من الأم سهم الأخوة من الأم, والله أعلم. # PageV02P120 # باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية # قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} وروي عن الحارث عن علي ~~قال: "تقرءون الوصية قبل الدين, وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قضى بالدين ~~قبل الوصية". قال أبو بكر وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين; وذلك لأن معنى ~~قوله: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} أن الميراث بعد هذين, وليست" أو" في ~~هذا الموضع لأحدهما بل قد تناولتهما جميعا, وذلك لأن قوله: {من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين} مستثنى عن الجملة المذكورة في قسمة المواريث, ومتى دخلت ~~"أو" على النفي صارت في معنى" الواو" كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا} [الإنسان: 24] وقال تعالى: {حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] فكانت" أو" في هذه ~~المواضع بمنزلة" الواو" فكذلك قوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} ~~لما كان في معنى الاستثناء كأنه قال: إلا أن تكون هناك وصية أو دين فيكون ~~الميراث بعدهما جميعا. وتقديم الوصية على الدين في الذكر غير موجب للتبدئة ~~بها على الدين; لأن "أو" لا توجب الترتيب, وإنما ذكر الله تعالى ذلك بعد ~~ذكر الميراث إعلاما لنا أن سهام المواريث جارية في التركة بعد قضاء الدين ~~وعزل حصة الوصية, ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام الورثة معتبرة ~~بعد الثلث فيكون للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين؟ وكذلك سهام سائر أهل ~~الميراث جارية في الثلثين دون الثلث الذي فيه الوصية. فجمع ms1126 تعالى بين ذكر ~~الدين والوصية ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة ~~بعد الدين وإن كانت الوصية مخالفة للدين من جهة الاستيفاء; لأنه لو هلك من ~~المال شيء لدخل النقصان على أصحاب الوصايا كما يدخل على الورثة, وليس كذلك ~~الدين; لأنه لو هلك من المال شيء استوفي الدين كله من الباقي وإن استغرقه ~~وبطل حق الموصى له والورثة جميعا, فالموصى له شريك الورثة من وجه ويأخذ ~~شبها من الغريم من وجه آخر, وهو أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد # PageV02P120 # الوصية كاعتبارها بعد الدين. وليس المراد بقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى ~~بها أو دين} أن الموصى له يعطى وصيته قبل أن يأخذ الورثة أنصباءهم, بل ~~يعطون كلهم معا كأنه أحد الورثة في هذا الوجه, وما هلك من المال قبل القسمة ~~فهو ذاهب منهم جميعا. # PageV02P121 # باب مقدار الوصية الجائزة # قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} ظاهره يقتضي جواز الوصية ~~بقليل المال وكثيره; لأنها منكورة لا تختص ببعض دون بعض; إلا أنه قد قامت ~~الدلالة من غير هذه الآية على أن المراد بها الوصية ببعض المال لا بجميعه, ~~وهو: قوله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر} فأطلق إيجاب الميراث فيه من غير ~~ذكر الوصية, فلو اقتضى قوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} الوصية ~~بجميع المال لصار قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~منسوخا بجواز الوصية بجميع المال, فلما كان حكم هذه الآية ثابتا في إيجاب ~~الميراث وجب استعمالها مع آية الوصية, فوجب أن تكون الوصية مقصورة على بعض ~~المال والباقي للورثة حتى نكون مستعملين لحكم الآيتين ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا} يعني في منع الرجل الوصية بجميع ماله على ما ~~تقدم من بيان تأويله; فيدل على جواز الوصية ببعض المال لاحتمال اللفظ ~~للمعنيين. ms1127 وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تلقتها الأمة بالقبول ~~والاستعمال في الاقتصار بجواز الوصية على الثلث, منها ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: ~~حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: مرض أبي مرضا شديدا قال ~~ابن أبي خلف بمكة مرضا أشفى منه, فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي, أفأتصدق بالثلثين؟ ~~قال: "لا" قال: فبالشطر؟ "قال: "لا" قال: فبالثلث؟ قال: "لثلث والثلث كثير ~~وإنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فإنك لن ~~تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" قلت: يا رسول ~~الله أتخلف عن هجرتي؟ قال "إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله ~~لا تزداد به إلا رفعة ودرجة, لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك ~~آخرون" ثم قال: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم", لكن ~~البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. # قال أبو بكر: قد حوى هذا الخبر ضروبا من الأحكام والفوائد, منها: أن ~~الوصية # PageV02P121 # غير جائزة في أكثر من الثلث. والثاني: أن المستحب النقصان عن الثلث, ~~ولذلك قال بعض الفقهاء: أستحب النقصان عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"والثلث كثير". والثالث: أنه إذا كان قليل المال وورثته فقراء أن الأفضل أن ~~لا يوصي بشيء, لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس" وفي ذلك أيضا دليل على جواز الوصية بجميع ~~المال إذا لم يكن له وارث; لأنه أخبر أن الوصية بأكثر من الثلث ممنوعة لأجل ~~الورثة وفيه الدلالة على أن الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث; ~~لأن سعدا قال: أتصدق بجميع مالي؟ فقال: "لا" إلى أن رده ms1128 إلى الثلث; وقد ~~رواه جرير عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد قال: عادني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض, فقال: أوصيت؟ قلت: نعم قال: بكم؟ ~~قلت: بمالي كله في سبيل الله, قال: فما تركت لولدك؟ قال: هم أغنياء, قال: ~~أوص بالعشر فما زلت أناقصه ويناقصني حتى قال: أوص بالثلث والثلث كثير. قال ~~أبو عبد الرحمن: فنحن نستحب أن ننقص من الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"والثلث كثير". فذكر في هذا الحديث أنه قال: "أوصيت بمالي كله" وهذا لا ~~ينفي ما روي في الحديث الأول من الصدقة في المرض; لأنه جائز أن يكون لما ~~منعه الوصية بأكثر من الثلث ظن أن الصدقة جائزة في المرض فسأله عنها, فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم أن حكم الصدقة حكم الوصية في وجوب الاقتصار بها على ~~الثلث, وهو نظير حديث عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند ~~موته, وفيه: "إن الرجل مأجور في النفقة على أهله" وهذا يدل على أن من وهب ~~لامرأته هبة لم يجز له الرجوع فيها; لأنها بمنزلة الصدقة; لأنه قد استوجب ~~بها الثواب من الله تعالى; وهو نظير ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إذا أعطى الرجل امرأته عطية فهي له صدقة". # وقول سعد: "أتخلف عن هجرتي" عنى به أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر ~~منها إلى المدينة, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى المهاجرين أن ~~يقيموا بعد النفر أكثر من ثلاث, فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتخلف ~~بعده حتى ينفع الله به أقواما ويضر به آخرين; وكذلك كان, فإنه بقي بعده صلى ~~الله عليه وسلم وفتح الله على يده بلاد العجم وأزال به ملك الأكاسرة; وذلك ~~من علوم الغيب الذي لا يعلمه غير الله تعالى. حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا أبو عبد الله عبيد الله بن حاتم العجلي قال: حدثني عبد الأعلى ~~بن واصل قال: حدثنا إسماعيل بن ms1129 صبيح قال: حدثنا مبارك بن حسان قال: حدثنا ~~نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حاكيا عن الله تعالى ~~أنه قال: "يا ابن آدم اثنتان ليست لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبا في مالك ~~حين أخذت بكظمك1 لأطهرك وأزكيك, وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء PageV02P122 # أجلك". ففي هذا الحديث أيضا أن له بعض المال عند الموت لا جميعه. وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن شيبة قال: حدثنا محمد بن صالح بن ~~النطاح قال: حدثنا عثمان قال: سمعت طلحة بن عمرو قال: حدثنا عطاء عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم ~~في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم". قال أبو بكر: فهذه الأخبار الموجبة ~~للاقتصار بالوصية على الثلث عندنا في حيز التواتر الموجب للعلم لتلقي الناس ~~إياها بالقبول, وهي مبينة لمراد الله تعالى في الوصية المذكورة في الكتاب ~~أنها مقصورة على الثلث. # وقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} يدل على أن من ليس عليه دين ~~لآدمي ولم يوص بشيء أن جميع ميراثه لورثته, وأنه إن كان عليه حج أو زكاة لم ~~يجب إخراجه إلا أن يوصي به, وكذلك الكفارات والنذور. # فإن قيل: إن الحج دين, وكذلك كل ما يلزمه الله تعالى من القرب في المال ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها: ~~"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ؟ " قالت: نعم, قال: "فدين ~~الله أحق بالقضاء". قيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سماه دين ~~الله تعالى ولم يسمه بهذا الاسم إلا مقيدا فلا يتناوله الإطلاق, وقول الله ~~تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} إنما اقتضى التبدئة بما يسمى به دينا ~~على الإطلاق, فلا ينطوي تحته ما لا يسمى به إلا مقيدا; لأن في اللغة والشرع ~~أسماء مطلقة وأسماء مقيدة, فلا يتناول المطلق إلا ما يقع الاسم عليه على ~~الإطلاق, فإذا ms1130 لم تتناول الآية ما كان من حق الله تعالى من الديون لما ~~وصفنا, اقتضى قوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} أنه إذا لم يوص لم ~~يكن عليه دين لآدمي أن يستحق الوارث جميع تركته. وحديث سعد يدل على ذلك ~~أيضا; لأنه قال: أتصدق بمالي؟ وفي لفظ آخر: أوصي بمالي؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير" ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحج ولا الزكاة ونحوهما من حقوق الله تعالى, ومنع الصدقة والوصية إلا بثلث ~~المال; فثبت بذلك أنه إذا أوصى بهذه الحقوق كانت من الثلث. # PageV02P123 # مطلب: في الوضية بالزكاة والنذور وسائر الحقوق الواجبة لا تجوز إلا من ~~الثلث # ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~تعالى جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم" وحديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاكيا عن الله تعالى: "جعلت لك نصيبا في ~~مالك حين أخذت بكظمك" يدل جميع ذلك على # PageV02P123 # أن وصيته بالزكاة والنذور وسائر القرب وإن كانت واجبة لا تجوز إلا من ~~الثلث, والله أعلم. # PageV02P124 # باب الوصية للوارث # حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ~~قال: حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث" وروى عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية ~~لوارث إلا أن تجيزها الورثة". ونقل أهل السير خطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع وفيها: "أن لا وصية لوارث" فورد نقل ذلك مستفيضا ~~كاستفاضة وجوب الاقتصار بالوصية على الثلث دون ما زاد, لا فرق بينهما من ~~طريق نقل الاستفاضة واستعمال الفقهاء له وتلقيهم إياه بالقبول. وهذا عندنا ~~في حيز المتواتر الموجب للعلم والنافي للريب والشك. وقوله في حديث عمرو بن ~~خارجة: "إلا ms1131 أن تجيزها الورثة" يدل على أنها إذا أجازتها فهي جائزة, وتكون ~~وصية من قبل الموصي لا تكون هبة من قبل الوارث; لأن الهبة من قبل الوارث ~~ليست بإجازة من قبل الموروث. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن عبد ~~الصمد قال: حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية ~~لوارث إلا أن تشاء الورثة". # قال أبو بكر: وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة ~~في حياته أو أوصى لبعض ورثته فأجازه الباقون في حياته, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر. والحسن بن زياد والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن ~~والشافعي: "لا يجوز ذلك حتى يجيزوها بعد الموت". وقال ابن أبي ليلى وعثمان ~~البتي: "ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت وهي جائزة عليهم". وقال ابن ~~القاسم عن مالك: إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل الولد الذي قد ~~بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله فإنه ليس لهم أن يرجعوا, ~~فأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن وكل من في عياله وإن كان قد احتلم فلهم ~~أن يرجعوا, وكذلك العم وابن العم ومن خاف منهم أنه إن لم يجز لحقه ضرر منه ~~في قطع النفقة إن صح, فلهم أن يرجعوا". وقول الليث في هذا كقول مالك. قال ~~أبو بكر: وإن أجازوها بعد الموت جازت عند جميع الفقهاء. قال أبو بكر: لما ~~لم يكن لهم فسخها في الحياة كذلك لا تعمل إجازتهم; لأنهم لم يستحقوا بعد ~~شيئا; والله أعلم. # PageV02P124 # باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا لم يكن له وارث ~~فأوصى بجميع ماله جاز" وهو قول شريك بن عبد الله. وقال مالك والأوزاعي ~~والحسن بن صالح: "لا تجوز وصيته إلا من الثلث". # قال أبو بكر: قد بينا دلالة قوله تعالى: {والذين ms1132 عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف, وهو أن يحالفه على أنه ~~إن مات ورثه ما يسمي له من ميراثه من ثلث أو أكثر, وقد كان ذلك حكما ثابتا ~~في صدر الإسلام وفرضه الله تعالى بقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] ثم أنزل الله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون} وقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ~~وقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] ~~فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء, ولم يبطل بذلك ميراث الحلفاء أصلا بل ~~جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل الابن أولى من الأخ. فإذا لم يكن ذوو ~~الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ما كان عليه حكم التوارث في الحلف. ~~وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد الوصية بقوله تعالى: {من بعد ~~وصية يوصين بها أو دين} وقال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~وقد بينا أن ظاهر قوله تعالى: {من بعد وصية يوصين بها أو دين} يقتضي جواز ~~الوصية بجميع المال, لولا قيام دلالة الإجماع والسنة على منع ذلك ووجوب ~~الاقتصار بها على الثلث وإيجاب نصيب الرجال والنساء من الأقربين, فمتى عدم ~~من وجب به تخصيص الوصية في بعض المال وجب استعمال اللفظ في جواز الوصية ~~بجميع المال على ظاهره ومقتضاه; ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~سعد: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" فأخبر ~~أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الورثة. ويدل عليه حديث الشعبي ~~وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن مسعود: "ليس من حي من العرب ~~أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان, فإذا كان ذلك ~~فليضع ماله حيث أحب", ولا يعلم له مخالف من الصحابة وأيضا فإنه لا يخلو من ~~لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من جهة الميراث أو من ms1133 جهة ~~أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى, فلما جاز أن يستحقه الرجل مع ~~ابنه ومع أبيه والبعيد عن القريب علمنا أنه غير مستحق لهم على وجه الميراث; ~~لأن الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من جهة الأبوة. وأيضا لو ~~كان ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم; لأن سبيل الميراث أن لا يخص به بعض ~~الورثة دون # PageV02P125 # بعض وأيضا لو كان ميراثا لوجب أن يكون لو كان الميت رجلا من همدان ولا ~~يعرف له وارث أن يستحق ميراثه أهل قبيلته; لأنهم أقرب إليه من غيرهم, فلما ~~كان إنما يستحقه بيت المال للمسلمين وللإمام أن يصرفه إلى من شاء من الناس ~~ممن يراه أهلا له, دل ذلك على أن المسلمين لا يأخذونه ميراثا, وإذا لم ~~يأخذوه ميراثا وإنما كان للإمام صرفه إلى حيث يرى; لأنه لا مالك له, فمالكه ~~أولى بصرفه إلى من يرى. ومن جهة أخرى أنهم إذا لم يأخذوه ميراثا أشبه الثلث ~~الذي يوصي به الميت ولا ميراث فيه, فله أن يصرفه إلى من شاء, فكذلك بقية ~~المال إذا لم يستحقه الوارث كان له صرفه إلى من شاء ويدل عليه ما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا ~~سفيان قال: حدثنا أيوب قال: سمعت نافعا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه الليلتان إلا ~~ووصيته عنده مكتوبة" فلم يفرق بين الوصية ببعض المال أو بجميعه, وظاهره ~~يقتضي جواز الوصية بجميع المال; وقد قامت الدلالة على وجوب الاقتصار على ~~بعضه إذا كان له وارث, فإذا لم يكن له وارث فهو على ظاهر مقتضاه في جوازها ~~بالجميع; والله أعلم. # PageV02P126 # باب الضرار في الوصية # قال الله تعالى: {غير مضار وصية من الله} قال أبو بكر: الضرار في الوصية ~~على وجوه: منها أن يقر في وصيته بمال أو ببعضه لأجنبي أو يقر على نفسه بدين ~~لا حقيقة ms1134 له زبا للميراث عن وارثه ومستحقه. ومنها أن يقر باستيفاء دين له ~~على غيره في مرضه لئلا يصل إلى وارثه ومنها أن يبيع ماله من غيره في مرضه ~~ويقر باستيفاء ثمنه. ومنها أن يهب ماله في مرضه أو يتصدق بأكثر من ثلثه في ~~مرضه إضرارا منه بورثته. ومنها أن يتعدى فيوصي بأكثر مما تجوز له الوصية به ~~وهو الزيادة على الثلث. فهذه الوجوه كل من المضارة في الوصية, وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في فحوى قوله لسعد: "الثلث والثلث كثير إنك ~~إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري قال: حدثنا عبد الصمد بن ~~حسان قال: حدثنا سفيان الثوري عن داود يعني ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر" ثم قرأ: {تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله} قال: "في الوصية" {ومن يعص الله ورسوله} قال: "في الوصية". # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قالا: ~~حدثنا حميد بن زادويه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا عمر بن ~~المغيرة عن داود بن # PageV02P126 # أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الإضرار في الوصية من الكبائر". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا طاهر بن عبد ~~الرحمن بن إسحاق القاضي قال: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر عن أشعث عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى ~~حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بغير عمله فيدخل الجنة". قال أبو ~~بكر: ومصداقه في كتاب الله فيما تأوله ابن عباس في قوله تعالى: {تلك حدود ~~الله ومن يطع الله ورسوله} ms1135 قال: "في الوصية" {ومن يعص الله ورسوله} قال: ~~"في الوصية". # PageV02P127 # باب من يحرم الميراث مع وجود النسب # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين أن قوله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} وما عطف عليه من قسمة الميراث خاص في بعض المذكورين دون بعض, فبعض ~~ذلك متفق عليه وبعضه مختلف فيه, فما اتفق عليه أن الكافر لا يرث المسلم وأن ~~العبد لا يرث وأن قاتل العمد لا يرث; وقد بينا ميراث هؤلاء في سورة البقرة ~~ما أجمعوا عليه منه وما اختلفوا فيه. واختلف في ميراث المسلم من الكافر ~~وميراث المرتد, فأما ميراث المسلم من الكافر فإن الأئمة من الصحابة متفقون ~~على نفي التوارث بينهما, وهو قول عامة التابعين وفقهاء الأمصار. وروى شعبة ~~عن عمرو بن أبي حكيم عن ابن باباه1 عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي ~~قال: كان معاذ بن جبل باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه مسلما, ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص". ~~PageV02P127 # مطلب: في قول مسروق: ما أحدث في الإسلام قضية أعجب من قضية قضاها معاوية # وروى ابن شهاب عن داود بن أبي هند قال: قال مسروق: ما أحدث في الإسلام ~~قضية أعجب من قضية قضاها معاوية قال: كان يورث المسلم من اليهودي والنصراني ~~ولا يورث اليهودي والنصراني من المسلم, قال: فقضى بها أهل الشام; قال داود: ~~فلما قدم عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول. وروى هشيم عن مجالد عن ~~الشعبي: أن # PageV02P127 # معاوية كتب بذلك إلى زياد يعني توريث المسلم من الكافر فأرسل زياد إلى ~~شريح فأمره بذلك, وكان شريح قبل ذلك لا يورث المسلم من الكافر, فلما أمره ~~زياد بما أمره قضى بقوله, فكان شريح إذا قضى بذلك قال: هذا قضاء أمير ~~المؤمنين. وقد روى الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن ~~زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وفي ~~لفظ: "لا يرث ms1136 المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين". ~~فهذه الأخبار تمنع توريث المسلم من الكافر والكافر من المسلم, ولم يرو عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خلافه, فهو ثابت الحكم في إسقاط التوارث بينهما. # PageV02P128 # مطلب: تأويل لا يقضى به على النص # وأما حديث معاذ فإنه لم يعن هذه المقالة, وإنما تأول فيها قوله: "الإيمان ~~يزيد ولا ينقص" والتأويل لا يقضى به على النص والتوقيف وإنما يرد التأويل ~~إلى المنصوص عليه ويحمل على موافقته دون مخالفته. وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "الإيمان يزيد ولا ينقص" يحتمل أن يريد به من أسلم ترك على إسلامه ~~ومن خرج عن الإسلام رد إليه; وإذا احتمل ذلك واحتمل ما تأوله معاذ وجب حمله ~~على موافقة خبر أسامة في منع التوارث, إذ غير جائز رد النص بالتأويل ~~والاحتمال. والاحتمال أيضا لا تثبت به حجة; لأنه مشكوك فيه وهو مفتقر في ~~إثبات حكمه إلى دلالة من غيره, فسقط الاحتجاج به. وأما قول مسروق: "ما أحدث ~~في الإسلام قضية أعجب من قضية قضى بها معاوية في توريث المسلم من الكافر" ~~فإنه يدل على بطلان هذا المذهب لإخباره أنها قضية محدثة في الإسلام, وذلك ~~يوجب أن يكون قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر; وإذا ثبت أن ~~من قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر وأن معاوية لا يجوز أن ~~يكون خلافا عليهم, بل هو ساقط القول معهم. ويؤيد ذلك أيضا قول داود بن أبي ~~هند: إن عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول; والله أعلم. # PageV02P128 # باب ميراث المرتد # اختلف السلف في ميراث المرتد الذي اكتسبه في حال الإسلام قبل الردة على ~~أنحاء ثلاثة: فقال علي وعبد الله وزيد بن ثابت والحسن البصري وسعيد بن ~~المسيب وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وعمر بن عبد العزيز وحماد والحكم وأبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري ms1137 والأوزاعي وشريك: "يرثه ~~ورثته من المسلمين إذا مات أو قتل على ردته". وقال ربيعة وعمر بن عبد ~~العزيز وابن أبي ليلى ومالك والشافعي: # PageV02P128 # "ميراثه لبيت المال". وقال قتادة وسعيد بن أبي عروبة: "إن كان له ورثة ~~على دينه الذي ارتد إليه فميراثه لهم دون ورثته من المسلمين" ورواه قتادة ~~عن عمر بن عبد العزيز; والصحيح عن عمر أن ميراثه لورثته من المسلمين. ثم ~~اختلفوا فيما اكتسبه في حال الردة إذا قتل أو مات مرتدا, فقال أبو حنيفة ~~والثوري: "ما اكتسبه بعد الردة فهو فيء". وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد ~~والأوزاعي في إحدى الروايتين: "ما اكتسبه بعد الردة أيضا فهو لورثته ~~المسلمين". # قال أبو بكر: ظاهر قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} يقتضي توريث ~~المسلم من المرتد; إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد. فإن قيل: يخصه ~~حديث أسامة بن زيد: "لا يرث المسلم الكافر" كما خص توريث الكافر من المسلم, ~~وهو وإن كان من أخبار الآحاد فقد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه في منع ~~توريث الكافر من المسلم, فصار في حيز المتواتر; ولأن آية المواريث خاصة ~~بالاتفاق, وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص مثلها قيل له: في بعض ألفاظ حديث ~~أسامة: "لا يتوارث أهل ملتين لا يرث المسلم الكافر" فأخبر أن المراد إسقاط ~~التوارث بين أهل ملتين, وليست الردة بملة قائمة; لأنه وإن ارتد إلى ~~النصرانية أو اليهودية فغير مقر عليها, فليس هو محكوما له بحكم أهل الملة ~~التي انتقل إليها, ألا ترى أنه وإن انتقل إلى ملة الكتابي أنه لا تؤكل ~~ذبيحته وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها؟ فثبت بذلك أن الردة ليست بملة, وحديث ~~أسامة مقصور في منع التوارث بين أهل ملتين; وقد بين ذلك في حديث مفسر, وهو ~~ما رواه هشيم عن الزهري قال: حدثنا علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن ~~أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين ~~شتى, لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" فدل ms1138 ذلك على أن مراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك هو منع التوارث بين أهل ملتين وأيضا فإن أبا ~~حنيفة من أصله أن ملك المرتد يزول بالردة, فإذا قتل أو مات انتقل إلى ~~الوارث; ومن أجل ذلك لا يجيز تصرف المرتد في ماله الذي اكتسبه في حال ~~الإسلام, وإذا كان هذا أصله فهو لم يورث مسلما من كافر; لأن ملكه زال عنه ~~في آخر الإسلام, وإنما ورث مسلما ممن كان مسلما. # فإن قيل: فإذا يكون قد ورثته منه وهو حي. قيل له: ليس يمتنع توريث الحي, ~~قال الله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} [الأحزاب: 27] وكانوا ~~أحياء; وعلى أنا إنما نقلنا المال إلى الورثة بعد الموت, فليس فيه توريث ~~الحي. ويقال للسائل عن ذلك: وأنت إذا جعلت ماله لبيت المال فقد ورثت منه ~~جماعة المسلمين وهو كافر وورثتهم منه وهو حي إذا لحق بدار الحرب مرتدا. ~~وأيضا فإن المسلمين إذا كانوا إنما # PageV02P129 # يستحقون ماله بالإسلام فقد اجتمع للورثة القرابة والإسلام, وجب أن يكونوا ~~أولى بماله لاجتماع السببين لهم وانفراد المسلمين بأحدهما دون الآخر, ~~والسببان اللذان اجتمعا للورثة هو الإسلام وقرب النسب, وأشبه سائر الموتى ~~من المسلمين لما كان ماله مستحقا للمسلمين كان من اجتمع له قرب النسب مع ~~الإسلام أولى ممن بعد نسبه منه وإن كان له إسلام. # فإن قال قائل: هذه العلة توجب توريثه من مال الذمي قيل له: لا يجب ذلك; ~~لأن مال الذمي بعد موته غير مستحق بالإسلام, لاتفاق الجميع على أن ورثته من ~~أهل الذمة أولى به من المسلمين, واتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن مال ~~المرتد مستحق بالإسلام, فمن قائل يقول: يستحقه جماعة المسلمين, وآخرين ~~يقولون: يستحقه ورثته من المسلمين; فلما كان ماله مستحقا بالإسلام أشبه مال ~~المسلم الميت لما كان مستحقا بالإسلام كان من اجتمع له الإسلام وقرب النسب ~~أولى من جماعة المسلمين. # فإن قيل: فلو مات ذمي وترك مالا ولا وارث له من أهل دينه وله قرابة ~~مسلمون كان ماله لجماعة المسلمين ولم ms1139 يكن أقاربه من المسلمين أولى به ~~لاجتماع السببين لهم من الإسلام والنسب. قيل له: إن مال الذمي غير مستحق ~~بالإسلام; والدليل عليه أنه لو كانت له ورثة من أهل الذمة لم يستحق ~~المسلمون ماله, وما استحق من مال الذمي بالإسلام لا يكون ورثته من أهل ~~الذمة أولى به منهم بل يكونون هم أولى كمواريث المسلمين, فدل ذلك على أن ~~مال الذمي وإن جعل لبيت المال إذا لم يكن له وارث فليس هو مستحقا بالإسلام ~~وإنما هو مال لا مالك له وجده الإمام في دار الإسلام; كاللقطة التي لا يعرف ~~مستحقها فتصرف في وجوه القرب إلى الله تعالى. # فإن قيل: فقد قال أبو حنيفة فيما اكتسبه المرتد في حال ردته: "إنه فيء ~~لبيت المال" وهذا ينقض الاعتلال ويدل على أصل المسألة للمخالف. قيل له: لا ~~يلزم ذلك ولا دلالة فيه على قول المخالف وذلك لأن ما اكتسبه في حال الردة ~~هو بمنزلة مال الحربي ولا يملكه ملكا صحيحا, ومتى جعلناه في بيت المال بعد ~~موته أو قبله فإنما يصير ذلك المال مغنوما كسائر أموال الحرب إذا ظفرنا ~~بها, وما يؤخذ على وجه الغنيمة فليس بمستحق لبيت المال لأجل الإسلام; لأن ~~الغنائم ليست بمستحقة لغانميها بالإسلام, والدليل عليه أن الذمي متى شهد ~~القتال استحق أن يرضخ له من الغنيمة. فثبت بذلك أن مال الحربي ومال المرتد ~~الذي اكتسبه في الردة مغنوم غير مستحق بالإسلام, فلم يعتبر فيه قرب النسب ~~والإسلام كما اعتبرنا في ماله الذي اكتسبه في حال الإسلام; لأن ذلك المال ~~كان ملكه فيه صحيحا إلى أن ارتد ثم زال ملكه عنه بالردة, فمن يستحقه من ~~الناس # PageV02P130 # فإنما يستحقه بالميراث والمواريث يعتبر فيها الإسلام وقرب النسب إذا كان ~~ملكا لمسلم إلى أن زال عنه بالردة الموجبة لزوال ملكه كما يزول بالموت, فلم ~~يلزم عليه حكم ماله المكتسب في حال الردة. ولا يجوز أيضا أن يكون أصلا ~~للمال المكتسب في حال الإسلام; لأن ملكه فيه كان صحيحا إلى أن زال عنه ~~الموت, ms1140 والمال المكتسب في حال الردة بمنزلة مال الحربي ملكه فيه غير صحيح; ~~لأنه اكتسبه وهو مباح الدم, فمتى حصل في يد المسلمين صار مغنوما, بمنزلة ~~حربي دخل إلينا بغير أمان فأخذناه مع ماله أن ماله يكون غنيمة, فكذلك مال ~~المرتد الذي اكتسبه في حال الردة. # فإن احتج محتج بحديث البراء بن عازب قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه ~~الراية فقلت: إلى أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وهذا يدل على أن مال المرتد فيء. ~~قيل له: إنما فعل ذلك; لأن الرجل كان محاربا مع استحلاله لذلك حربيا فكان ~~ماله مغنوما; لأن الراية إنما تعقد للمحاربة; وقد روى معاوية بن قرة عن ~~أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه ~~أن يضرب عنقه ويخمس ماله, وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما ~~بالمحاربة ولذلك أخذ منه الخمس. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون مال المرتد مغنوما؟ قيل له: أما ما اكتسبه في ~~حال الردة فهو كذلك, وأما ما اكتسبه في حال الإسلام فغير جائز أن يكون ~~مغنوما, من قبل أن ما كان يغنم من الأموال سبيله أن يكون ملك مالكه غير ~~صحيح فيه قبل الغنيمة, كمال الحربي ومال المرتد قبل الردة قد كان ملكه فيه ~~صحيحا, فغير جائز أن يغنم كما لا يغنم أموال سائر المسلمين إذا كانت ~~أملاكهم فيه صحيحة, وزواله عن المرتد بالردة كزواله بالموت فمتى انقطع حقه ~~عنه بالقتل أو بالموت أو اللحاق بدار الحرب استحقه ورثته دون سائر ~~المسلمين; لأن سائر المسلمين إن استحقوه بالإسلام لا على أنه غنيمة كانت ~~ورثته أولى به لاجتماع الإسلام والقرابة لهم, وإن استحقوه بأنه غنيمة لم ~~يصح ذلك لما بينا من أن شرط الغنيمة أن يكون مال المغنوم غير صحيح الملك في ~~الأصل. # واختلف السلف فيمن أسلم قبل قسمة الميراث, فقال علي بن أبي طالب في مسلم ~~مات ms1141 فلم يقسم ميراثه حتى أسلم ابن له كافر أو كان عبدا فأعتق: "إنه لا شيء ~~له", وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وأبي الزناد ~~وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك والأوزاعي والشافعي. وروي عن عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان أنهما قالا: "من أسلم على ميراث قبل أن يقسم شارك في ~~الميراث", وهو مذهب الحسن وأبي الشعثاء; وشبهوا ذلك بالمواريث التي كانت في ~~الجاهلية, ما # PageV02P131 # طرأ عليه الإسلام منها قبل القسمة قسم على حكم الإسلام ولم يعتبر وقت ~~الموت; وليس هذا عند الأولين كذلك; لأن حكم المواريث قد استقر في الشرع على ~~وجوه معلومة, وقال الله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وقال: {إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] فأوجب لها الميراث ~~بالموت, وحكم لها بالنصف وللزوج بالنصف بحدوث الموت من غير شرط القسمة, ~~والقسمة إنما تجب فيما قد ملك, فلا حظ للقسمة في استحقاق الميراث; لأن ~~القسمة تبع للملك; ولما كان ذلك كذلك وجب أن لا يزول ملك الأخت عنه بإسلام ~~الابن كما لا يزول ملكها عنه بعد القسمة. وأما مواريث الجاهلية فإنها لم ~~تقع على حكم الشرع, فلما طرأ الإسلام حملت على أحكام الشرع; إذ لم يكن ما ~~وقع قبل ورود الشرع مستقرا ثابتا, فعفي لهم عما قد اقتسموه وحمل ما لم يقسم ~~منها على حكم الشرع كما عفي لهم عن الربا المقبوض, وحمل بعد ورود تحريم ~~الربا ما لم يكن مقبوضا على حكم الشرع, فأبطل وأوجب عليهم رد رأس المال, ~~ومواريث الإسلام قد ثبتت واستقر حكمها ولا يجوز ورود النسخ عليها فلا ~~اعتبار فيها بالقسمة ولا عدمها, كما أن عقود الربا لو أوقعت في الإسلام بعد ~~تحريم الربا واستقرار حكمه لا يختلف فيه حكم المقبوض منها وغير المقبوض في ~~بطلان الجمع. # PageV02P132 # مطلب: في حكم ردة الوارث بعد موت مورثه # وأيضا لا خلاف نعلمه بين المسلمين أن من ورث ميراثا فمات قبل القسمة أن ~~نصيبه من ms1142 الميراث لورثته, وكذلك لو ارتد لم يبطل ميراثه الذي استحقه وأنه ~~لا يكون بمنزلة من كان مرتدا وقت الموت, فكذلك من أسلم أو أعتق بعد الموت ~~قبل القسمة فلا حظ له في الميراث, والله أعلم. # PageV02P132 # باب حد الزانيين # قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} الآية. قال أبو بكر: لم يختلف السلف في أن ذلك كان حد الزانية في بدء ~~الإسلام وأنه منسوخ غير ثابت الحكم; حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} إلى قوله: {سبيلا} , قال: ~~وقال في المطلقات: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة} [الطلاق: 1] قال: هذه الآيات قبل أن # PageV02P132 # تنزل سورة النور في الجلد نسختها هذه الآية: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] قال: والسبيل الذي جعله لها الجلد ~~والرجم, قال: فإذا جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج وترجم بالحجارة; ~~قال: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله تعالى: {والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما} قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت, ~~وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وبالضرب بالنعال, قال: فنزلت: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] . # PageV02P133 # مطلب في أن رجم المحصن ثبت بالسنة # قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم قال: فهو ~~سبيلها الذي جعله الله لها; يعني قوله تعالى: {حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا} . قال أبو بكر: فكان حكم الزانية في بدء الإسلام ما أوجب ~~من حدها بالحبس إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا, ولم يكن ~~عليها في ذلك الوقت شيء غير هذا, وليس ms1143 في الآية فرق بين البكر والثيب; فهذا ~~يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب. # وقوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم فآذوهما} , فإنه روي عن الحسن وعطاء: ~~"أن المراد الرجل والمرأة". وقال السدي: "البكرين من الرجال والنساء". وروي ~~عن مجاهد: "أنه أراد الرجلين الزانيين". وهذا التأويل الأخير يقال إنه لا ~~يصح; لأنه لا معنى للتثنية ههنا; إذ كان الوعد والوعيد إنما يجيئان بلفظ ~~الجمع; لأنه لكل واحد منهم, أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الشامل ~~لجميعهم; وقول الحسن صحيح وتأويل السدي محتمل أيضا, فاقتضت الآيتان ~~بمجموعهما أن حد المرأة كان الأذى والحبس جميعا إلى أن تموت, وحد الرجل ~~التعيير والضرب بالنعال; إذ كانت المرأة مخصوصة في الآية الأولى بالحبس ~~ومذكورة مع الرجل في الآية الثانية بالأذى فاجتمع لها الأمران جميعا, ولم ~~يذكر للرجال إلا الأذى فحسب. ويحتمل أن تكون الآيتان نزلتا معا فأفردت ~~المرأة بالحبس وجمعا جميعا في الأذى, وتكون فائدة إفراد المرأة بالذكر ~~إفرادها بالحبس إلى أن تموت وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل, وجمعت مع الرجل ~~في الأذى لاشتراكهما فيه ويحتمل أن يكون إيجاب الحبس للمرأة متقدما للأذى, ~~ثم زيد في حدها وأوجب على الرجل الأذى, فاجتمع للمرأة الأمران وانفرد الرجل ~~بالأذى دونها فإن كان كذلك فإن الإمساك في البيوت إلى الموت أو السبيل قد ~~كان حدها, فإذا ألحق به الأذى صار منسوخا; لأن الزيادة في النص بعد استقرار ~~حكمه توجب النسخ; إذ كان الحبس في ذلك الوقت جميع حدها, ولما وردت الزيادة ~~صار بعض حدها, فهذا يوجب أن يكون كون # PageV02P133 # الإمساك حدا منسوخا. وجائز أن يكون الأذى حدا لهما جميعا بديا ثم زيد في ~~حد المرأة الحبس إلى الموت أو السبيل الذي يجعله الله لها, فيوجب ذلك نسخ ~~الأذى في المرأة أن يكون حدا; لأنه صار بعضه بعد نزول الحبس; فهذه الوجوه ~~كلها محتملة. # فإن قيل: هل يحتمل أن يكون الحبس منسوخا بإسقاط حكمه والاقتصار على الأذى ~~إذا كان نازلا بعده؟ قيل له: لا يجوز نسخه على ms1144 جهة رفع حكمه رأسا; إذ ليس ~~في إيجاب الأذى ما ينفي الحبس لجواز اجتماعهما; ولكنه يكون نسخه من طريق ~~أنه يصير بعض الحد بعد أن كان جميعه, وذلك ضرب من النسخ. # PageV02P134 # مطلب الزيادة في النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ # وقد قيل في ترتيب الآيتين وجهان: أحدهما: ما روي عن الحسن أن قوله تعالى: ~~{والذان يأتيانها منكم فآذوهما} نزلت قبل قوله تعالى: {والذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما} ثم أمر أن توضع في التلاوة بعده, فكان الأذى حدا لهما جميعا, ~~ثم الحبس للمرأة مع الأذى. وذلك يبعد من وجه; لأن قوله تعالى: {والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما} " الهاء" التي في قوله: {يأتيانها} كناية لا بد لها ~~من مظهر متقدم مذكور في الخطاب أو معهود معلوم عند المخاطب, وليس في قوله ~~تعالى: {والذان يأتيانها منكم} دلالة من الحال على أن المراد الفاحشة فوجب ~~أن تكون كناية راجعة إلى الفاحشة التي تقدم ذكرها في أول الآية; إذ لو لم ~~تكن كناية عنها لم يستقم الكلام بنفسه في إيجاب الفائدة وإعلام المراد, ~~وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] وقوله ~~تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر:1] لأن من مفهوم ذكر الإنزال ~~أنه القرآن, وفي مفهوم قوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة} أنها الأرض, ~~فاكتفى بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد عن ذكر المكني عنه; فالذي يقتضيه ~~ظاهر الخطاب أن يكون ترتيب معاني الآيتين على حسب ترتيب اللفظ فإما أن ~~تكونا نزلتا معا وإما أن يكون الأذى نازلا بعد الحبس إن كان المراد بالأذى ~~من أريد بالحبس من النساء. والوجه الثاني: ما روي عن السدي أن قوله تعالى: ~~{والذان يأتيانها منكم} إنما كان حكما في البكرين خاصة, والأولى في الثيبات ~~دون الأبكار. إلا أن هذا قول يوجب تخصيص اللفظ بغير دلالة, وذلك غير سائغ ~~لأحد مع إمكان استعمال اللفظين على حقيقة مقتضاهما; وعلى أي وجه تصرف وجوه ~~الاحتمال في حكم الآيتين وترتيبهما فإن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين ms1145 ~~عن الزانيين. # وقد اختلف السلف في معنى السبيل المذكور في هذه الآية, فروي عن ابن عباس: ~~أن السبيل الذي جعله لهن الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن" وعن قتادة مثل # PageV02P134 # ذلك. وروي عن مجاهد في بعض الروايات: {أو يجعل الله لهن سبيلا} : "أو ~~يضعن ما في بطونهن"; وهذا لا معنى له; لأن الحكم كان عاما في الحامل ~~والحائل, فالواجب أن يكون السبيل مذكورا لهن جميعا. # PageV02P135 # مطلب: دلالة تكفي عن ذكر مرجع الضمير # واختلف أيضا فيما نسخ هذين الحكمين, فقال قائلون: نسخ بقوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وقد كان ~~قوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم} في البكرين, فنسخ ذلك عنهما بالجلد ~~المذكور في هذه الآية, وبقي حكم الثيب من النساء الحبس فنسخ بالرجم. وقال ~~آخرون: نسخ بحديث عبادة بن الصامت وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة ~~عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا, البكر ~~بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم". وهذا هو الصحيح ~~وذلك لأن قوله: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" يوجب أن يكون بيانا ~~للسبيل المذكور في الآية, ومعلوم أنه لم يكن بين قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين الحبس والأذى واسطة حكم, وأن آية الجلد التي في سورة النور لم ~~تكن نزلت حينئذ; لأنها لو كانت نزلت كان السبيل متقدما لقوله: "خذوا عني قد ~~جعل الله لهن سبيلا" ولما صح أن يقول ذلك; فثبت بذلك أن الموجب لنسخ الحبس ~~والأذى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت, وأن آية ~~الجلد نزلت بعده. وفي ذلك دليل على نسخ القرآن بالسنة; إذ نسخ بقول: " خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا" ما أوجب الله من الحبس والأذى بنص ms1146 التنزيل. # فإن قيل: فقوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم} وما ذكر في الآيتين من ~~الحبس والأذى كان في البكرين دون الثيبين. قيل له: لم يختلف السلف في أن ~~حكم المرأة الثيب كان الحبس, وإنما قال السدي إن الأذى كان في البكرين ~~خاصة; وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل المذكور في آية الحبس ~~وذلك لا محالة في الثيب, فأوجب أن يكون منسوخا بقوله: "الثيب بالثيب الجلد ~~والرجم", فلم يخل الحبس من أن يكون منسوخا في جميع الأحوال بغير القرآن, ~~وهي الأخبار التي فيها إيجاب رجم المحصن; فمنها حديث عبادة الذي ذكرنا, ~~وحديث عبد الله وعائشة وعثمان حين كان محصورا فاستشهد أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" , وقصة ماعز ~~والغامدية ورجم النبي صلى الله عليه وسلم إياهما قد نقلته الأمة لا يتمارون ~~فيه. # PageV02P135 # مطلب: في انكار الخوارج الرجم # فإن قيل: هذه الخوارج بأسرها تنكر الرجم, ولو كان ذلك منقولا من جهة ~~الاستفاضة الموجبة للعلم لما جهلته الخوارج. قيل له: إن سبيل العلم بمخبر ~~هذه الأخبار السماع من ناقليها وتعرفه من جهتهم, والخوارج لم تجالس فقهاء ~~المسلمين ونقلة الأخبار منهم وانفردوا عنهم غير قابلين لأخبارهم; فلذلك ~~شكوا فيه ولم يثبتوه وليس يمتنع أن يكون كثير من أوائلهم قد عرفوا ذلك من ~~جهة الاستفاضة ثم جحدوا محاملة منهم على ما سبقوا إلى اعتقاده من رد أخبار ~~من ليس على مقالتهم, وقلدهم الأتباع ولم يسمعوا من غيرهم فلم يقع لهم العلم ~~به, أو الذين عرفوه كانوا عددا يسيرا يجوز على مثلهم كتمان ما عرفوه ~~وجحدوه, ولم يكونوا صحابة فيكونوا قد عرفوه من جهة المعاينة أو بكثرة ~~السماع من المعاينين له, فلما خلوا من ذلك لم يعرفوه; ألا ترى أن فرائض ~~صدقات المواشي منقولة من جهة النقل المستفيض الموجب للعلم ولا يعرفها إلا ~~أحد رجلين إما فقيه قد سمعها ms1147 فثبت عنده العلم بها من جهة الناقلين لها وإما ~~رجل صاحب مواش تكثر بلواه بوجوبها فيتعرفها ليعلم ما يجب عليه فيها؟ ومثله ~~أيضا إذا كثر سماعه وقع له العلم بها, وإن لم يسمعها إلا من جهة الآحاد لم ~~يعلمها; وهذا سبيل الخوارج في جحودهم الرجم وتحريم تزويج المرأة على عمتها ~~وخالتها وما جرى مجرى ذلك مما اختص أهل العدل بنقله دون الخوارج والبغاة. # وقد تضمنت هاتان الآيتان أحكاما: منها استشهاد أربعة من الشهداء على ~~الزنا. ومنها الحبس للمرأة والأذى للرجل والمرأة جميعا. ومنها سقوط الأذى ~~والتعبير عنهما بالتوبة, لقوله تعالى: {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ~~وهذه التوبة إنما كانت مؤثرة في إسقاط الأذى دون الحبس, وأما الحبس فكان ~~موقوفا على ورود السبيل, وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السبيل وهو ~~الجلد والرجم, ونسخ جميع ما ذكر في الآية إلا ما ذكر من استشهاد أربعة ~~شهود, فإن اعتبار عدد الشهود باق في الحد الذي نسخ به الحدان الأولان وهو ~~الجلد والرجم. وقد بين الله ذلك في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] # PageV02P136 # مطلب في جواز تعمد النظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما # وقال تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون} [النور:13] فلم ينسخ اعتبار العدد ولم ينسخ ~~الاستشهاد أيضا, وهذا # PageV02P136 # يوجب جواز إحضار الشهود والنظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما; لأن ~~الله تعالى أمر بالاستشهاد على الزنا وذلك لا يكون إلا بتعمد النظر فدل ذلك ~~على أن تعمد النظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما لا يسقط شهادته; وكذلك ~~فعل أبو بكر مع شبل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد في قصة المغيرة بن شعبة, ~~وذلك موافق لظاهر الآية. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن} الآية; روى الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ~~"كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ms1148 من ولي نفسها, إن شاء بعضهم ~~تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها, فنزلت هذه الآية في ذلك", ~~وقال الحسن ومجاهد: "كان الرجل إذا مات وترك امرأته قال وليه: ورثت امرأته ~~كما ورثت ماله, فإن شاء تزوجها بالصداق الأول وإن شاء زوجها وأخذ صداقها" ~~قال مجاهد: "وذلك إذا لم يكن ابنها" قال أبو مجلز: فكان بالميراث أولى من ~~ولي نفسها. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "كانوا في أول الإسلام ~~إذا مات الرجل يقوم أقرب الناس منه فيلقي على امرأته ثوبا فيرث نكاحها, ~~فمات أبو عامر زوج كبشة بنت معن, فجاء ابن عامر من غيرها وألقى عليها ثوبا ~~فلم يقربها ولم ينفق عليها, فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ~~{لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن} أن تؤتوهن الصداق الأول". ~~وقال الزهري: "كان يحبسها من غير حاجة إليها حتى تموت فيرثها فنهوا عن ~~ذلك". # وقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال ابن عباس ~~وقتادة والسدي والضحاك: "هو أمر للأزواج بتخلية سبيلها إذا لم يكن له فيها ~~حاجة ولا يمسكها إضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها". وقال الحسن: "هو نهي ~~لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزوج على ما كان عليه أمر الجاهلية". وقال ~~مجاهد: "هو نهي لوليها أن يعضلها". # قال أبو بكر: الأظهر هو تأويل ابن عباس; لأن قوله تعالى: {لتذهبوا ببعض ~~ما آتيتموهن} وما ذكر بعده يدل عليه; لأن قوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} ~~يريد به المهر حتى تفتدي كأنه يعضلها أو يسيء إليها لتفتدي منه ببعض مهرها. # وقوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} , قال الحسن وأبو قلابة ~~والسدي: "هو الزنا وإنه إنما تحل له الفدية إذا اطلع منها على ريبة". وقال ~~ابن عباس والضحاك وقتادة: "هي النشوز, فإذا نشزت حل له أن يأخذ منها ~~الفدية". وقد بينا في سورة البقرة أمر الخلع وأحكامه. # PageV02P137 # مطلب فيما تضمنه قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} من حقوق الورأة على ~~الزوج # وقوله تعالى: ms1149 {وعاشروهن بالمعروف} أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف, ~~ومن المعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة والقسم وترك أذاها بالكلام ~~الغليظ والإعراض عنها والميل إلى غيرها وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ~~ذنب وما جرى مجرى ذلك, وهو نظير قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] . # PageV02P138 # مطلب: في كراهة الطلاق وقوله عليه السلام: "أبغض الحلال عند الله الطلاق" # وقوله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا} يدل على أنه مندوب إلى إمساكها مع كراهة لها; وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يوافق معنى ذلك, حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا كثير بن عبيد قال: حدثنا محمد بن خالد عن معروف بن واصل عن ~~محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال ~~إلى الله تعالى الطلاق". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~خالد بن يزيد النيلي قال: حدثنا مهلب بن العلاء قال: حدثنا شعيب بن بيان عن ~~عمران القطان عن قتادة عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب ~~الذواقين والذواقات". فهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم موافق لما ~~دلت عليه الآية من كراهة الطلاق والندب إلى الإمساك بالمعروف مع كراهته ~~لها, وأخبر الله تعالى أن الخيرة ربما كانت لنا في الصبر على ما نكره بقوله ~~تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وهو كقوله تعالى: ~~{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: ~~216] . # وقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا} ~~الآية, قد اقتضت هذه الآية إيجاب المهر لها تمليكا صحيحا ومنع الزوج أن ~~يأخذ منها شيئا مما أعطاها, وأخبر أن ذلك سالم لها سواء استبدل بها أو ~~أمسكها, وأنه محظور عليه أخذ شيء منه إلا بما أباح ms1150 الله تعالى به أخذ مال ~~الغير في قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وظاهره يقتضي حظر ~~أخذ شيء منه بعد الخلوة, فيحتج به في إيجاب كمال المهر إذا طلق بعد الخلوة ~~لعموم اللفظ في حظر الأخذ في كل حال إلا ما خصه الدليل; وقد خص قوله تعالى: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] إذا طلق قبل الخلوة في سقوط نصف المهر; # PageV02P138 # لأنه لا خلاف أن ذلك مراد إذا طلق قبل الخلوة. وقد اختلف في الخلوة هل هي ~~المسيس المراد بالآية أو المسيس الجماع؟ واللفظ محتمل للأمرين; لأن عليا ~~وعمر وغيرهما من الصحابة قد تأولوه عليها, وتأوله عبد الله بن مسعود على ~~الجماع, فلا يخص عموم قوله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئا} بالاحتمال. # PageV02P139 # مطلب: فيما تضمنه قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} من الأحكام # وقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} يدل على أن من ~~وهب لامرأته هبة لا يجوز له الرجوع فيها; لأنها مما آتاها, وعموم اللفظ قد ~~حظر أخذ شيء مما آتاها من غير فرق بين المهر وغيره ويحتج فيمن خلع امرأته ~~على مال وقد أعطاها صداقها أنه لا يرجع عليها بشيء من الصداق الذي أعطاها ~~عينا كان أو عرضا على ما قاله أبو حنيفة في ذلك. ويحتج به فيمن أسلف امرأته ~~نفقتها لمدة ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ميراثها بشيء مما أعطاها ~~لعموم اللفظ; لأنه جائز أن يريد أن يتزوج بأخرى بعد موتها مستبدلا بها مكان ~~الأولى, فظاهر اللفظ قد تناول هذه الحال. # فإن قيل: لما عقب ذلك قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} ~~دل على أن المراد بأول الخطاب فيما أعطاها هو المهر دون غيره; إذ كان هذا ~~المعنى إنما يختص بالمهر دون ما سواه. قيل له: ليس يمتنع أن يكون أول ~~الخطاب عموما في جميع ما انتظمه الاسم, ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه ~~ولا يوجب ذلك خصوص ms1151 اللفظ الأول, وقد بينا نظائر ذلك في مواضع. وهذه الآية ~~أيضا تدل على أنه إذا دخل بها ثم وقعت الفرقة من قبلها بمعصية أو غير معصية ~~أن مهرها واجب لا يبطله وقوع الفرقة من قبلها. وفائدة تخصيص الله تعالى حال ~~الاستبدال بالنهي عن أخذ شيء مما أعطاها مع شمول الحظر لسائر الأحوال إزالة ~~توهم من يظن أن ذلك جائز عند حصول البضع لها وسقوط حق الزوج عنه بطلاقها ~~وأن الثانية قد قامت مقام الأولى فتكون أولى بالمهر الذي أعطاها فنص على ~~حظر الأخذ في هذه الحال, ودل به على عمومه في سائر الأحوال إذا لم يبح له ~~أخذ شيء مما أعطاها في الحال التي يسقط حقه عن بضعها, فهو أولى أن لا يأخذ ~~منها شيئا مع بقاء حقه في استباحة بضعها وكونه أملك بها من نفسها. وأكد ~~الله تعالى حظر أخذ شيء مما أعطى بأن جعله ظلما كالبهتان, وهو الكذب الذي ~~يباهت به مخبره ويكابر به من يخاطبه, وهذا أقبح ما يكون من الكذب وأفحشه; ~~فشبه أخذ ما أعطاها بغير حق بالبهتان في قبحه فسماه بهتانا وإثما. # قوله عز وجل: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا} . # PageV02P139 # مطلب: في قول الفراء أن الإفضاء هو الخلوة # قال أبو بكر: ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول. وقول ~~الفراء حجة فيما يحكيه من اللغة, فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة فقد ~~منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق; لأن قوله تعالى: {وإن ~~أردتم استبدال زوج} قد أفاد الفرقة والطلاق, والإفضاء مأخوذ من الفضاء, وهو ~~المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه, فسميت الخلوة إفضاء لزوال ~~المانع من الوطء والدخول. ومن الناس من يقول: إن الفضاء السعة, وأفضى: إذا ~~صار في المتسع مما يقصده. وجائز على هذا الوضع أيضا أن تسمى الخلوة إفضاء ~~لوصوله بها إلى مكان الوطء واتساع ذلك بالخلوة, وقد كان يضيق عليه الوصول ~~إليها قبل الخلوة, فسميت ms1152 الخلوة إفضاء لهذا المعنى, فأخبر تعالى أنه غير ~~جائز له أخذ شيء مما أعطاها مع إفضاء بعضهم إلى بعض, وهو الوصول إلى مكان ~~الوطء وبذلها ذلك له وتمكينها إياه من الوصول إليها. فظاهر هذه الآية يمنع ~~الزوج أخذ شيء مما أعطاها إذا كان النشوز من قبله; لأن قوله تعالى: {وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج} يدل على أن الزوج هو المريد للفرقة دونها, ~~ولذلك قال أصحابنا: إن النشوز إذا كان من قبله يكره له أن يأخذ شيئا من ~~مهرها, وإذا كان من قبلها فجائز له ذلك لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فقيل عن ابن عباس: إن الفاحشة ~~هي النشوز, وقال غيره: "هي الزنا". ولقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ومن الناس من يقول إنها ~~منسوخة بقوله: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} . وذلك غلط; لأن قوله ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قد أفاد حال كون النشوز من قبله, ~~وقوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] إنما فيه ~~ذكر حال أخرى غير الأولى, وهي الحال التي يكون النشوز منها وافتدت فيها ~~المرأة منه, فهذه حال غير تلك وكل واحدة من الحالين مخصوصة بحكم دون ~~الأخرى. # PageV02P140 # مطلب: في قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} # وقوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال الحسن وابن سيرين وقتادة ~~والضحاك والسدي: هو قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . ~~قال قتادة: "وكان يقال للناكح في صدر الإسلام: الله عليك لتمسكن بمعروف أو ~~لتسرحن بإحسان". وقال مجاهد: "كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج". وقال ~~غيره: هو قول # PageV02P140 # النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله تعالى" ; والله أعلم بالصواب. # PageV02P141 # باب ما يحرم من النساء # قال الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} . قال أبو بكر: ~~أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب قال: الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد ms1153 عن ~~البصريين أن النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين, تقول العرب: ~~"أنكحنا الفرا فسنرى" هو مثل ضربوه للأمر يتشاورون فيه ويجتمعون عليه ثم ~~ينظر عن ماذا يصدرون فيه, معناه: جمعنا بين الحمار وأتانه. # PageV02P141 # مطلب: في النكاح يطلق على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازا # قال أبو بكر: إذا كان اسم النكاح في حقيقة اللغة موضوعا للجمع بين ~~الشيئين, ثم وجدناهم قد سموا الوطء نفسه نكاحا من غير عقد كما قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها # يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد, وقال الآخر: # ومن أيم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عم وخال تلهف # وهذا يعني المسبية أيضا; ومنه قول الآخر أيضا: # فنكحن1 أبكارا وهن بأمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار # وهو يعني الوطء أيضا; ولا يمتنع أحد من إطلاق اسم النكاح على الوطء. وقد ~~تناول الاسم العقد أيضا, قال الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] والمراد به العقد دون الوطء, وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أنا من نكاح ولست من سفاح" ; فدل بذلك على معنيين: ~~أحدهما: أن اسم النكاح يقع على العقد, والثاني: دلالته على أنه قد يتناول ~~الوطء من غير عقد, لولا ذلك لاكتفى بقوله: أنا من نكاح, إذ كان السفاح لا ~~يتناول اسم النكاح بحال, فدل قوله: "ولست من سفاح" بعد PageV02P141 # تقديم ذكر النكاح أن النكاح يتناول له الأمرين, فبين صلى الله عليه وسلم ~~أنه من العقد الحلال لا من النكاح الذي هو سفاح. ولما ثبت بما ذكرنا أن ~~الاسم ينتظم الأمرين جميعا من العقد والوطء, وثبت بما ذكرنا من حكم هذا ~~الاسم في حقيقة اللغة وأنه اسم للجمع بين الشيئين والجمع إنما يكون بالوطء ~~دون العقد; إذ العقد لا يقع به جمع; لأنه قول منهما جميعا لا يقتضي جمعا في ~~الحقيقة, ثبت أن اسم النكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد, وأن العقد إنما سمي ~~نكاحا; لأنه سبب يتوصل به إلى الوطء, تسمية الشيء باسم غيره إذا كان ms1154 منه ~~بسبب أو مجاورا له, مثل الشعر الذي يولد الصبي وهو على رأسه يسمى عقيقة ثم ~~سميت الشاة التي تذبح عنه عند حلق ذلك الشعر عقيقة, وكالراوية التي هي اسم ~~للجمل الذي يحمل المزادة ثم سميت المزادة راوية لاتصالها به وقربها منه. ~~وقال أبو النجم: # تمشي من الردة1 مشي الحفل ... مشي الروايا بالمزاد الأثقل # ونحوه الغائط, هو اسم للمكان المطمئن من الأرض ويسمى به ما يخرج من ~~الإنسان مجازا; لأنهم كانوا يقصدون الغائط لقضاء الحاجة ونظائر ذلك كثيرة; ~~فكذلك النكاح اسم للوطء حقيقة على مقتضى موضوعه في أصل اللغة ويسمى العقد ~~باسمه مجازا; لأنه يتوصل به إليه وهو سببه ويدل على أنه سمي باسم العقد ~~مجازا أن سائر العقود من البياعات والهبات لا يسمى منها شيء نكاحا وإن كان ~~قد يتوصل به إلى استباحة وطء الجارية; إذ لم تختص هذه العقود بإباحة الوطء; ~~لأن هذه العقود تصح فيمن يحظر عليه وطؤها كأخته من الرضاعة ومن النسب وأم ~~امرأته ونحوها; وسمي العقد المختص بإباحة الوطء نكاحا; لأن من لا يحل له ~~وطؤها لا يصح نكاحها, فثبت بذلك أن اسم النكاح حقيقة للوطء مجاز في العقد, ~~فوجب إذا كان هذا على ما وصفنا أن يحمل قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء} على الوطء, فاقتضى ذلك تحريم من وطئها أبوه من النساء ~~عليه; لأنه لما ثبت أن النكاح اسم للوطء لم يختص ذلك بالمباح منه دون ~~المحظور كالضرب والقتل, والوطء نفسه لا يختص عند الإطلاق بالمباح منه دون ~~المحظور بل هو على الأمرين حتى تقوم الدلالة على تخصيصه. وكان أبو الحسن ~~يقول: إن قوله تعالى: {ما نكح آباؤكم} مراده الوطء دون العقد من حيث اللفظ ~~حقيقة فيه, ولم يرد به العقد لاستحالة كون لفظ واحد مجازا حقيقة في حال ~~واحدة, وإنما أوجبنا التحريم بالعقد بغير الآية PageV02P142 # وقد اختلف أهل العلم في إيجاب تحريم الأم والبنت بوطء الزنا, فروى سعيد ~~بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين ms1155 في رجل زنى بأم امرأته: ~~"حرمت عليه امرأته", وهو قول الحسن وقتادة; وكذلك قول سعيد بن المسيب ~~وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ومجاهد وعطاء وإبراهيم وعامر وحماد وأبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي ولم يفرقوا بين وطء الأم قبل ~~التزوج أو بعده في إيجاب تحريم البنت. وروى عكرمة عن ابن عباس في الرجل ~~يزني بأم امرأته بعد ما يدخل بها قال: "تخطى حرمتين1 ولم تحرم عليه امرأته" ~~وروي عنه أنه قال: "لا يحرم الحرام الحلال". وذكر الأوزاعي عن عطاء أنه كان ~~يتأول قول ابن عباس" لا يحرم حرام حلالا" على الرجل يزني بالمرأة ولا ~~يحرمها عليه زناه; وهذا يدل على أن قول ابن عباس الذي رواه عكرمة في أن ~~الزنا بالأم لا يحرم البنت لم يكن عند عطاء كذلك; لأنه لو كان ثابتا عنده ~~لما احتاج إلى تأويل قوله: "لا يحرم الحرام الحلال". وقال الزهري وربيعة ~~ومالك والليث والشافعي: "لا تحرم أمها ولا بنتها بالزنا". وقال عثمان البتي ~~في الرجل يزني بأم امرأته قال: "حرام لا يحرم حلالا, ولكنه إن زنى بالأم ~~قبل أن يتزوج البنت أو زنى بالبنت قبل أن يتزوج الأم فقد حرمت" ففرق بين ~~الزنا بعد التزويج وقبله. # واختلف الفقهاء أيضا في الرجل يلوط بالرجل هل تحرم عليه أمه وابنته؟ فقال ~~أصحابنا: "لا تحرم عليه" وقال عبد الله بن الحسين: "هو مثل وطء المرأة بزنا ~~في تحريم الأم والبنت" وقال: "من حرم بهذا من النساء حرم من الرجال". وروى ~~إبراهيم بن إسحاق قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يلعب بالغلام أيتزوج ~~أمه؟ قال: لا. وقال: كان الحسن بن صالح يكره أن يتزوج الرجل بامرأة قد لعب ~~بابنها وقال الأوزاعي في غلامين يلوط أحدهما بالآخر فتولد للمفعول به جارية ~~قال: "لا يتزوجها الفاعل". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} قد أوجب ~~تحريم نكاح امرأة قد وطئها أبوه بزنا أو غيره; إذ كان الاسم يتناوله حقيقة ~~فوجب حمله عليها, ms1156 وإذا ثبت ذلك في وطء الأب ثبت مثله في وطء أم المرأة أو ~~ابنتها في إيجاب تحريم المرأة; لأن أحدا لم يفرق بينهما ويدل على ذلك قوله ~~تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} والدخول ~~بها اسم للوطء, وهو عام في جميع ضروب الوطء من مباح أو محظور ونكاح أو ~~سفاح, فوجب تحريم البنت بوطء كان منه قبل تزوج الأم لقوله تعالى: {اللاتي ~~دخلتم بهن} ويدل على أن الدخول بها PageV02P143 # اسم للوطء وأنه مراد بالآية وأن اسم الدخول لا يختص بوطء نكاح دون غيره, ~~أنه لو وطئ الأم بملك اليمين حرمت عليه البنت تحريما مؤبدا بحكم الآية, ~~وكذلك لو وطئها بنكاح فاسد. فثبت أن الدخول لما كان اسما للوطء لم يختص ~~فيما علق به من الحكم بوطء بنكاح دون ما سواه من سائر ضروب الوطء ويدل عليه ~~من جهة النظر أن الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد; لأنا لم نجد وطئا ~~مباحا إلا وهو موجب للتحريم, وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم وهو ~~العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت ولو وطئها حرمت, فعلمنا أن وجود الوطء ~~علة لإيجاب التحريم, فكيفما وجد ينبغي أن يحرم مباحا كان الوطء أو محظورا ~~لوجود الوطء; لأن التحريم لم يخرجه من أن يكون وطئا صحيحا, فلما اشتركا في ~~هذا المعنى وجب أن يقع به تحريم وأيضا لا خلاف أن الوطء بشبهة وبملك اليمين ~~يحرمان مع عدم النكاح. وهذا يدل على أن الوطء يوجب التحريم على أي وجه وقع, ~~فوجب أن يكون وطء الزنا محرما لوجود الوطء الصحيح. # فإن قيل: إن الوطء بملك اليمين وبشبهة إنما تعلق بهما التحريم لما يتعلق ~~بهما من ثبوت النسب, والزنا لا يثبت به النسب فلا يتعلق به حكم التحريم قيل ~~له: ليس لثبوت النسب تأثير في ذلك; لأن الصغير الذي لا يجامع مثله لو جامع ~~امرأته حرمت عليه أمها وبنتها ولم يتعلق بوطئه ثبوت النسب, ومن عقد على ~~امرأة نكاحا تعلق بعقد النكاح ثبوت ms1157 النسب قبل الوطء حتى لو جاءت بولد قبل ~~الدخول وبعد العقد بستة أشهر لزمه ولم يتعلق بالعقد تحريم البنت; فإذا كنا ~~وجدنا الوطء مع عدم ثبوت النسب به يوجب التحريم والعقد مع تعلق ثبوت النسب ~~به لا يوجب التحريم, علمنا أنه لا حظ لثبوت النسب في ذلك وأن الذي يجب ~~اعتباره هو الوطء لا غير. وأيضا لا خلاف بيننا وبينهم أنه لو لمس أمته ~~لشهوة حرمت عليه أمها وابنتها, وليس للمس حظ في ثبوت النسب, فدل على أن حكم ~~التحريم ليس بموقوف على النسب وأنه جائز ثبوته مع ثبوت النسب وجائز ثبوته ~~أيضا مع عدم ثبوت النسب. # ويدل على صحة قول أصحابنا أنا وجدنا الله تعالى قد غلظ أمر الزنا بإيجاب ~~الرجم تارة وبإيجاب الجلد أخرى وأوعد عليه بالنار ومنع إلحاق النسب به, ~~وذلك كله تغليظ لحكمه, فوجب أن يكون بإيجاب التحريم أولى; إذ كان إيجاب ~~التحريم ضربا من التغليظ ألا ترى أن الله تعالى لما حكم ببطلان حج من جامع ~~امرأته قبل الوقوف بعرفة كان الزاني أولى ببطلان الحج; لأن بطلان الحج ~~تغليظ لتحريم الجماع فيه؟ كذلك لما حكم الله بإيجاب تحريم الأم والبنت ~~بالوطء الحلال وجب أن يكون الزنا أولى بإيجاب التحريم تغليظا لحكمه. # PageV02P144 # وقد زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على قاتل الخطإ كان قاتل ~~العمد به أولى, إذ كان حكم العمد أغلظ من حكم الخطإ; ألا ترى أن الوطء لم ~~يختلف حكمه أن يكون بزنا أو غيره فيما تعلق به من فساد الحج والصوم ووجوب ~~الغسل؟ فكذلك ينبغي أن يستويا في حكم التحريم. فإن قيل: الوطء المباح يتعلق ~~به الحكم في إيجاب المهر ولا يتعلق ذلك بالزنا. قيل له: قد تعلق بالزنا من ~~إيجاب الرجم أو الجلد ما هو أغلظ من إيجاب المال, وعلى أن المال والحد ~~يتعاقبان على الوطء; لأنه متى وجب الحد لم يجب المهر ومتى وجب المهر لم يجب ~~الحد, فكل واحد منهما يخلف الآخر, فإذا وجب الحد فذلك قائم مقام ms1158 المال فيما ~~تعلق بالوطء من الحكم, فلا فرق بينهما من هذا الوجه. # فإن احتج محتج بما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن الليث الجزري ~~قال: حدثنا إسحاق بن بهلول قال: حدثنا عبد الله بن نافع المدني قال: حدثنا ~~المغيرة بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة الزهري عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن ~~عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يتبع المرأة حراما ~~أينكح أمها؟ أو يتبع الأم حراما أينكح ابنتها؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح" ; وبما رواه إسحاق ~~بن محمد الفروي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال: "لا ~~يحرم الحرام الحلال". وروى عمر بن حفص عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يفسد الحرام ~~الحلال". فإن هذه الأخبار باطلة عند أهل المعرفة ورواتها غير مرضيين, أما ~~المغيرة بن إسماعيل فمجهول لا يعرف لا يجوز ثبوت شريعة بروايته لا سيما في ~~اعتراضه على ظاهر القرآن, وإسحاق بن محمد الفروي مطعون في روايته, وكذلك ~~عمر بن حفص, ولو ثبت لم يدل على قول المخالف; لأن الحديث الأول إنما ذكر ~~فيه الرجل يتبع المرأة وليس فيه ذكر الوطء, فكان قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يحرم إلا ما كان بنكاح" جوابا عما سأله عن اتباع المرأة, وذلك إنما ~~يكون بأن يتبعها نفسه فيكون منه نظر إليها أو مراودتها على الوطء. وليس فيه ~~إثبات الوطء, فأخبر صلى الله عليه وسلم أن مثل ذلك لا يوجب تحريما وأنه لا ~~يقع بمثله التحريم إلا أن يكون. بينهما عقد نكاح وليس فيه للوطء ذكر; ~~وقوله: "لا يحرم الحرام الحلال" إنما هو فيما سئل عنه من اتباع المرأة من ~~غير وطء, وأما حديث ابن عمر وقوله: "لا يحرم الحرام الحلال" فجائز أن يكون ~~في هذه القصة بعينها إن صحت, فكان جوابا ms1159 لما سئل عنه من النظر والمراودة من ~~غير جماع, وتكون فائدته إزالة توهم من يظن أن النظر بانفراده يحرم لما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زنا العينين النظر وزنا الرجلين ~~المشي" # PageV02P145 # فكان جائزا أن يظن ظان أن النظر بانفراده يحرم كما يحرم الوطء لتسمية ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياه زنا, فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ~~يحرم وأن التحريم إذا لم تكن ملامسة إنما يتعلق بالعقد وإن لم يكن مسيس; ~~وإذا احتمل هذا الخبر ما وصفنا زال الاعتراض به. وعلى أنهم متفقون أن ~~التحريم غير مقصور على النكاح ولا على الوطء المباح; لأنه لا خلاف أن من ~~وطئ أمته حائضا أن هذا وطء حرام في غير نكاح وأنه يوجب التحريم, فبطل أن ~~يكون حكم التحريم مقصورا على النكاح ولا على وطء مباح; وكذلك لو وطئ جارية ~~بينه وبين غيره أو جاريته وهي مجوسية كان واطئا وطئا حراما في غير نكاح ~~موجب للتحريم; وهذا يدل على أن الحديث إن ثبت فليس بعموم في نفي إيجاب ~~التحريم بوطء حرام. وأيضا قد حرم الله تعالى امرأة المظاهر عليه بالظهار, ~~وقد سماه منكرا من القول وزورا, ولم يكن هذا القول محرما مانعا من وقوع ~~تحريم الوطء به. وأيضا فإن قوله: "الحرام لا يحرم الحلال" لا يصح الاحتجاج ~~به لوروده مطلقا من وجه صحيح غير متعلق بسبب من وجهين: أحدهما: أن الحرام ~~والحلال إنما هو حكم الله تعالى بالتحريم والتحليل, وقد علمنا حقيقة أن حكم ~~الله تعالى بالتحريم في شيء وبالتحليل في غيره ليس يتعلق به حكم آخر في ~~إيجاب تحريم أو تحليل إلا بدلالة; فهذا اللفظ إذا حمل على حقيقته لم يكن له ~~تعلق بمسألتنا; لأنا كذلك نقول إن حكم الله تعالى بالتحريم لا يوجب تحريم ~~مباح بنفس ورود الحكم إلا أن يقوم الدليل على إيجاب تحريم غيره من حيث حرم ~~هو, وفائدته حينئذ أن ما قد حكم الله تعالى بتحليله نصا فهو مقر على ما حكم ms1160 ~~به من تحليله. وإذا حكم بتحريم شيء آخر لم يجز الاعتراض على المحكوم ~~بتحليله بديا بتحريم غيره من طريق القياس فمنع تحريم المباح بالقياس, ودل ~~بذلك على بطلان قول من يجيز النسخ بالقياس; هذا الذي تقتضيه حقيقة اللفظ إن ~~صح, فهذا أحد الوجهين اللذين ذكرنا والوجه الآخر: أن يكون المراد بقوله: ~~"الحرام لا يحرم الحلال" أن فعل الحرام لا يحرم الحلال, فإن كان هذا أراد ~~فلا محالة أن في اللفظ ضميرا يجب اعتباره دون اعتبار حقيقة معنى اللفظ, فلا ~~يصح له الاحتجاج به من وجهين: أحدهما: أن الضمير ليس بمذكور يعتبر عمومه ~~فيسقط الاحتجاج بعمومه, إذ الضمير ليس بمذكور حتى يكون لفظ عموم فيما تحته ~~من المسميات, فلا يصح لأحد الاحتجاج بعموم ضمير غير مذكور والوجه الآخر: ~~أنه لا يصح اعتبار العموم فيه, من قبل أنه لا يصح اعتقاد العموم في مثله ~~لاتفاق المسلمين على إيجاب تحريم الحرام الحلال وهو الوطء بنكاح فاسد ووطء ~~الأمة الحائض والطلاق الثلاث في الحيض والظهار والخمر إذا خالطت الماء ~~والردة تبطل النكاح وتحرمها على الزوج وغير ذلك من الأفعال المحرمة للحلال, ~~فقوله صلى الله عليه وسلم: "الحرام لا يحرم الحلال" لو ورد بلفظ عموم لما ~~صح اعتقاد العموم فيه, وكان مفهوما مع وروده # PageV02P146 # أنه أراد: بعض الأفعال المحرمة لا يحرم الحلال, فيحتاج إلى دلالة في ~~إثبات حكمه كسائر الألفاظ المجملة. وأيضا لو نص النبي صلى الله عليه وسلم ~~على ما ادعيت من ضميره فقال إن فعل الحرام لا يحرم الحلال, لما دل على ما ~~ذكرت; لأنا كذلك نقول إن فعل الحرام لا يحرم الحلال فيكون ذلك محمولا على ~~حقيقته ولا دلالة فيه أن الله لا يحرم الحلال عند وقوع فعل حرام, فإن قيل: ~~معناه أن الله لا يحرم الحلال بفعل الحرام. قيل له: فإذا قوله: "الحرام لا ~~يحرم الحلال" إذا كان المراد به ما ذكرت مجاز ليس بحقيقة فيحتاج إلى دلالة ~~في إثبات حكمه; إذ لا يجوز استعمال المجاز إلا عند قيام الدلالة عليه ms1161 # PageV02P147 # مطلب" في مناظر جرت بين الإمام الشافعي مع بعض الناس في قوله: "إن الحرام ~~لا يحرم الحلال ", وفيما انتقده المصنف من اجوبة الإمام الشافعي # وذكر الشافعي أن مناظرة جرت بينه وبين بعض الناس فيها أعجوبة لمن تأملها, ~~قال الشافعي: قال لي قائل: لم قلت إن الحرام لا يحرم الحلال؟ قلت: قال الله ~~تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وقال: {وحلائل أبنائكم الذين ~~من أصلابكم} وقال: {وأمهات نسائكم} إلى قوله: {اللاتي دخلتم بهن} أفلست تجد ~~التنزيل إنما يحرم ما سمي بالنكاح أو الدخول والنكاح؟ قال: بلى, قال: قلت: ~~أفيجوز أن يكون الله حرم بالحلال شيئا وحرمه بالحرام والحرام ضد الحلال ~~والنكاح مندوب إليه مأمور به, وحرم الزنا فقال: {ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء:32] # قال أبو بكر: تلا الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول وآية تحريم الزنا, ~~وهذان الحكمان غير مختلف فيهما, أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا, ~~وليس في ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة; لأن إباحة النكاح والدخول ~~وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما كما لم ينف إيجاب ~~التحريم بالوطء بملك اليمين, وتحريم الله تعالى للزنا لا يفيد أن التحريم ~~لا يقع إلا به, فإذا ليس في ظاهر تلاوة الآيتين نفي لتحريم النكاح بوطء ~~الزنا; لأن آية الزنا إنما فيها تحريم الزنا وليس تحريم الزنا عبارة عن نفي ~~إيجابه لتحريم النكاح ولا في إيجاب التحريم بالنكاح والدخول نفي لإيجابه ~~بغيرهما, فإذا لا دلالة فيما تلاه من الآيتين على موضع الخلاف ولا جوابا ~~للسائل الذي سأله عن الدلالة على صحة قوله. # ثم قال: "الحرام ضد الحلال" فلما قال له السائل: فرق بينهما, قال: "قلت: ~~قد فرق الله بينهما; لأن الله ندب إلى النكاح وحرم الزنا"; فجعل فرق الله ~~بينهما في التحليل والتحريم دليلا على السائل, والسائل لم يشكل عليه إباحة ~~النكاح وتحريم الزنا وإنما # PageV02P147 # سأله عن وجه الدلالة من الآية على ما ذكر, فلم يبين وجهها واشتغل بأن هذا ~~محرم وهذا ms1162 حلال, فإن كان هذا السائل من عمى القلب بالمحل الذي لم يعرف بين ~~النكاح وبين الزنا فرقا من وجه من الوجوه فمثله لا يستحق الجواب; لأنه مئوف ~~العقل; إذ العاقل لا ينزل نفسه بهذه المنزلة من التجاهل. وإن كان قد عرف ~~الفرق بينهما من جهة أن أحدهما محظور والآخر مباح وإنما سأله أن يفرق ~~بينهما في امتناع جواز اجتماعهما في إيجاب تحريم النكاح, فإن الشافعي لم ~~يجبه عن ذلك ولم يزده على تلاوة الآيتين في الإباحة والحظر وأن الحلال ضد ~~الحرام; إذ ليس في كون الحلال ضد الحرام ما يمنع اجتماعهما في إيجاب ~~التحريم ألا ترى أن الوطء بالنكاح الفاسد هو حرام ووطء الحائض حرام بنص ~~التنزيل واتفاق المسلمين وهو ضد الوطء الحلال وهما متساويان في إيجاب ~~التحريم, والطلاق في الحيض محظور وفي الطهر قبل الجماع مباح وهما متساويان ~~فيما يتعلق بهما من إيجاب التحريم؟ فإن كان عند الشافعي أن القياس ممتنع في ~~الضدين فواجب أن لا يجتمعا أبدا في حكم واحد, ومعلوم أن في الشريعة اجتماع ~~الضدين في حكم واحد وأن كونهما ضدين لا يمنع اجتماعهما في أحكام كثيرة, ألا ~~ترى أن ورود النص جائز بمثله وما جاز ورود النص به ساغ فيه القياس عند قيام ~~الدلالة عليه؟ فإذا لم يكن ممتنعا في العقل ولا في الشرع اجتماع الضدين في ~~حكم واحد فقوله: "إن الحلال ضد الحرام" ليس بموجب للفرق بينهما من حيث سأله ~~السائل ويدل على أن ذلك غير ممتنع أن الله تعالى قد نهى المصلي عن المشي في ~~الصلاة وعن الاضطجاع فيها من غير ضرورة, والمشي والاضطجاع ضدان وقد اجتمعا ~~في النهي. ولا يحتاج في ذلك إلى الإكثار; إذ ليس يمتنع أحد من إجازته; فلم ~~يحصل من قول الشافعي: "إنهما ضدان" معنى يوجب الفرق بينهما. # ثم حكي عن السائل أنه قال: أجد جماعا وجماعا فأقيس أحدهما بالآخر, قال: ~~"قلت: وجدت جماعا حلالا حمدت به ووجدت جماعا حراما رجمت به أفرأيته يشبهه؟ ~~" قال: ما يشبهه, فهل توضحه بأكثر ms1163 من هذا؟ قال أبو بكر: فقد سلم له السائل ~~أنه ما يشبهه, فإن كان مراده أنه لا يشبهه من حيث افترقا فهذا ما لا ينازع ~~فيه, وإن كان أراد لا يشبهه من حيث رام الجمع بينهما من جهة إيجاب التحريم ~~فإنه لم يأت بدليل ينفي الشبه بينهما من هذه الجهة, وليس في الدنيا قياس ~~إلا وهو تشبيه للشيء بغيره من بعض الوجوه دون جميعها, فإن كان افتراق ~~الشيئين من وجه يوجب الفرق بينهما من سائر الوجوه فإن في ذلك إبطال القياس ~~أصلا; إذ ليس يجوز وجود القياس فيما اشتبها فيه من سائر الوجوه; فقد بان أن ~~ما قاله الشافعي وما سلمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل ~~عنه. # PageV02P148 # ثم قال له السائل: هل توضحه بأكثر من هذا؟ قال: "نعم, أفتجعل الحلال الذي ~~هو نعمة قياسا على الحرام الذي هو نقمة؟ " وهذا هو تكرار للمعنى الأول ~~بزيادة النعمة والنقمة, والسؤال قائم عليه لم يجب بما تقتضيه مطالبة السائل ~~بيان وجه الدلالة في منع هذا القياس, وهو قد جعل هذا الحرام الذي هو نقمة ~~وهو وطء الحائض والجارية المجوسية والوطء بالنكاح الفاسد بمنزلة الحلال ~~الذي هو نعمة في إيجاب التحريم, فانتقض ما ذكره وادعاه من غير دلالة أقامها ~~عليه. # وحكى عن السائل أنه قال: إن صاحبنا قال: يوجدكم أن الحرام يحرم الحلال؟ ~~قال: "قلت له: أفيما اختلفنا فيه من النساء؟ " قال: لا, ولكن في غيره من ~~الصلاة والمشروب والنساء قياس عليه, قال: "قلت: أفتجيز لغيرك أن يجعل ~~الصلاة قياسا على النساء؟ " قال: أما في شيء فلا. قال أبو بكر: فمنع ~~الشافعي بهذا أن يقيس تحريم الحرام الحلال من غير النساء على النساء مع ~~إطلاقه القول بديا أنه إنما لم يجز قياس الزنا على الوطء المباح; لأنه حرام ~~وهو ضد الحلال والحلال نعمة والحرام نقمة, من غير تقييد لذلك بأن هذه ~~القضية في منع القياس مقصورة على النساء دون غيرهن, وإطلاقه الاعتلال ~~بالفرق الذي ذكر يلزمه إجراؤه في ms1164 سائر ما وجد فيه, فإذا لم يفعل ذلك فقد ~~ناقض. ثم يقال له: فإذا جاز تحريم الحرام الحلال في غير النساء هلا جاز ~~مثله في النساء مع كون أحدهما ضدا للآخر وكون أحدهما نعمة والآخر نقمة, كما ~~كان الوطء بملك اليمين مثل الوطء بالنكاح في إيجاب التحريم مع كون ملك ~~اليمين ضدا للنكاح ألا ترى أن ملك اليمين والنكاح لا يجتمعان لرجل واحد؟. # وحكى عن السائل أنه قال له: إن الصلاة حلال والكلام فيها حرام فإذا تكلم ~~فيها فسدت عليه صلاته فقد أفسد الحلال بالحرام, قال: "قلت له: زعمت أن ~~الصلاة فاسدة والصلاة لا تكون فاسدة, ولكن الفاسد فعله لا هي, ولكن لا تجزي ~~عنك الصلاة; لأنك لم تأت بها كما أمرت". قال أبو بكر: ما ظننت أن أحدا ممن ~~ينتدب لمناظرة خصم يبلغ به الإفلاس من الحجاج إلى أن يلجأ إلى مثل هذا مع ~~سخافة عقل السائل وغباوته, وذلك; لأن أحدا لا يمتنع من إطلاق القول بفساد ~~صلاته إذا فعل فيها ما يوجب بطلانها ككما لا يمتنع من إطلاق القول بفساد ~~النكاح إذا وجد فيه ما يبطله, فإن كان الذي أوجب الفرق بينهما أنه لا يطلق ~~اسم الفساد على الصلاة مع بطلانها مع إطلاق الناس كلهم ذلك فيها فإنه لا ~~يعوز خصمه أن يقول مثل ذلك في النكاح: إني لا أقول إن نكاحه يفسد والنكاح ~~لا يكون فاسدا وإنما فعله وهو الزنا هو الفاسد فأما النكاح فلم يفسد ولكن ~~المرأة بانت منه وخرجت من حباله; فهما سواء من هذا الوجه. ثم يقال له: أحسب ~~أنا قد سلمنا لك # PageV02P149 # ما ادعيت من امتناع اسم الفساد على الصلاة التي قد بطلت, أليس السؤال ~~قائما عليك في المعنى; إذ سلمنا لك الاسم؟ وهو أن يقال لك: ما أنكرت أنه ~~لما جاز خروج المتكلم من الصلاة ولم تجز عنه لأجل الكلام المحظور وجب أن ~~يكون كذلك حكم المرأة فلا يبقى نكاحها بعد وطء أمها بزنا كما لم تبق الصلاة ~~بعد الكلام فتبين منه ms1165 امرأته وتخرج من حباله كما خرج من الصلاة؟ ويلزم ~~الشافعي على هذا أن لا يطلق في شيء من البيوع أنه فاسد وكذلك سائر العقود, ~~وإنما يقال فيها إنها غير مجزية ولا موجبة للملك; وهذا إنما هو منع ~~للعبارة, وإنما الكلام على المعاني لا على العبارات والأسامي. # وذكر الشافعي عن سائله أنه قال: إن صاحبنا قال: الماء حلال والخمر حرام ~~فإذا صب الماء في الخمر حرم الماء. قال: "قلت له: أرأيت إن صببت الماء في ~~الخمر أما يكون الماء الحلال مستهلكا في الحرام؟ قال: بلى, قلت: أتجد ~~المرأة محرمة على كل أحد كما تجد الخمر محرمة على كل أحد؟ قال: لا, قلت: ~~أتجد المرأة وبنتها مختلطتين كاختلاط الماء والخمر؟ قال: لا, قلت: أفتجد ~~القليل من الخمر إذا صب في كثير الماء نجس؟ قال: لا, قلت: أفتجد قليل الزنا ~~والقبلة واللمس للشهوة لا يحرم ويحرم كثيره؟ قال: لا, قال: فلا يشبه أمر ~~النساء الخمر والماء". قال أبو بكر: وهذا أيضا من طريق الفروق, والذي ذكر ~~في تحريم الخمر للماء يحكى عن الشافعي أنه احتج به على يحيى بن معين حين ~~قال: "الحرام لا يحرم الحلال" وهو إلزام صحيح على من ينفي التحريم لهذه ~~العلة لوجودها فيه; إذ لم تكن العلة في منع تحريم الحرام الحلال أنهما غير ~~مختلطين وأن قليل الزنا يحرم, وإنما كانت علته أن الحرام ضد الحلال وأن ~~الحلال نعمة والحرام نقمة, ولم نره احتج بغيره في جميع ما ناظر به السائل, ~~والفروق التي ذكرها إنما هي فروق من وجوه أخر تزيد علته انتقاضا لوجودها مع ~~عدم الحكم; وعلى أنه إن كان التحريم مقصورا على الاختلاط وتعذر تمييز ~~المحظور من المباح فينبغي أن لا يحرم الوطء المباح لعدم الاختلاط, وكذلك ~~الوطء بالنكاح الفاسد وسائر ضروب الوطء الذي علق به التحريم, إذ كانت ~~المرأة متميزة عن أم فهما غير مختلطتين, فإذا جاز أن يقع التحريم بهذه ~~الوجوه مع عدم الاختلاط فما أنكر مثله في الزنا وقد بينا في صدر المسألة ~~دلالة ms1166 قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وقوله تعالى: ~~{اللاتي دخلتم بهن} على وقوع التحريم بالزنا, فلم يحصل من كلام الشافعي ~~دلالة في هذه المسألة ولا شبهة على ما سئل عنه. # ثم حكى الشافعي عن سائله هذا لما فرق له بين الماء والخمر وبين النساء ~~بما ذكر أنه لا يشبه أمر النساء الخمر والماء, قال الشافعي: "فقلت له: وكيف ~~قبلت هذا منه؟ # PageV02P150 # فقال: ما بين لنا أحد بيانك لنا, ولو علم صاحبنا به لظننت أنه لا يقيم ~~على قوله ولكن غفل وضعف عن كلامه, قال: "فرجع عن قولهم وقال الحق عندي في ~~قولكم ولم يصنع صاحبنا شيئا". ولا ندري من كان هذا السائل ولا من صاحبهم ~~الذي قال لو علم صاحبنا بهذه الفروق لظن أنه لا يقيم على قوله, وقد بان عمى ~~قلب هذا السائل بتسليمه للشافعي جميع ما ادعاه من غير مطالبة له بوجه ~~الدلالة على المسألة فيما ذكر; وجائز أن يكون رجلا عاميا لم يرتض بشيء من ~~الفقه, إلا أنه قد انتظم بذلك شيئين: أحدهما: الجهل والغباوة بما وقفنا ~~عليه من مناظرته وتسليمه ما لا يجوز تسليمه ومطالبته للمسئول بالفروق التي ~~لا توجب فرقا في معاني العلل والمقايسات, ثم انتقاله بمثل ذلك إلى مذهبه ~~على ما زعم وتركه لقول أصحابه والآخر: قلة العقل, وذلك أنه ظن أن صاحبه لو ~~سمع بمثل ذلك رجع عن قوله, فقضى بالظن على غيره فيما لا يعلم حقيقته. # وسرور الشافعي بمناظرة مثله وانتقاله إلى مذهبه يدل على أنهما كانا ~~متقاربين في المناظرة, وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدئ والمغفل العامي ~~لما أثبت مناظرته إياه في كتابه, ولو كلم بذلك المبتدئون من أحداث أصحابنا ~~لما خفي عليهم عوار هذا الحجاج وضعف السائل والمسئول فيه. # وقد ذكر الشافعي أنه قال لمناظره: "جعلت الفرقة إلى المرأة بتقبيلها ابن ~~زوجها والله لم يجعل الفرقة إليها؟ قال: فقال: فأنت تزعم أنها تحرم على ~~زوجها إذا ارتدت؟ قال: قلت: وأقول إن رجعت وهي في العدة فهما ms1167 على النكاح, ~~أفتزعم أنت في التي تقبل ابن زوجها مثله؟ قال: لا" قال أبو بكر: فأنكر على ~~خصمه وقوع التحريم من قبل المرأة, ثم قال هو بها وجعل إليها الرجعة كما جعل ~~إليها التحريم. ثم قال الشافعي: "فأقول إن مضت العدة فرجعت إلى الإسلام كان ~~لزوجها أن ينكحها, أفتزعم في التي تقبل ابن زوجها مثله؟ قال: والمرتدة تحرم ~~على الناس كلهم حتى تسلم, وتقبيل ابن الزوج ليس كذلك". قال أبو بكر: فناقض ~~على أصله فيما أنكره على خصمه; ثم أخذ في ذكر الفروق على النحو الذي مضى من ~~كلامه, ولم أذكر ذلك; لأن في مثله شبهة على من ارتاض بشيء من النظر ولكن ~~لأبين مقادير علوم مخالفي أصحابنا ومحلهم من النظر. # وأما ما حكي عن عثمان البتي في فرقه بين الزنا بأم المرأة بعد التزويج ~~وقبله فلا معنى له; لأن ما يوجب تحريما مؤبدا لا يختلف في إيجابه ذلك بعد ~~التزويج وقبله, والدليل عليه أن الرضاع لما كان موجبا للتحريم المؤبد لم ~~يختلف حكمه في إيجابه ذلك قبل التزويج وبعده, إنما قال أصحابنا: إن فعل ذلك ~~بالرجل لا يحرم عليه أمه ولا بنته, من قبل أن هذه الحرمة إنما هي متعلقة ~~بمن يصح عقد النكاح عليها ويجوز أن تملك به, # PageV02P151 # فيكون الوطء المحرم فيها بمنزلة الوطء الحلال في إيجاب التحريم, فلما لم ~~يصح وجود ذلك في الرجل على الوجه المباح ولا يجوز أن يملك ذلك بالعقد منه ~~لم يتعلق به حكم التحريم ألا ترى أنه لو لمس الرجل بشهوة لا يتعلق به حكم ~~في إيجاب تحريم الأم والبنت؟ واللمس بمنزلة الوطء في المرأة عند الجميع ~~فيما يتعلق به حكم التحريم, فلما اتفق الجميع على أن اللمس لا حكم له في ~~الرجل في حكم تحريم الأم والبنت كان كذلك ما سواه من الوطء وفي ذلك الدلالة ~~من وجهين على صحة ما ذكرنا, أحدهما: أن لمس الرجل للرجل لشهوة لما لم يكن ~~مما يصح أن يملك بعقد النكاح ولم يتعلق به تحريم ms1168 كان كذلك حكم الوطء; إذ لا ~~يصح أن يملك بعقد النكاح. والثاني: أن اللمس عند الجميع في المرأة حكمه حكم ~~الوطء, ألا ترى أن الجميع متفقون على أن لمس المرأة الزوجة يحرم بنتها كما ~~يحرمها الوطء؟ وكذلك لمس الجارية بملك اليمين يوجب من التحريم ما يوجبه ~~الوطء, وكذلك من حرم بوطء الزنا حرم باللمس; فلما لم يكن لمس الرجل موجبا ~~للتحريم وجب أن يكون كذلك حكم وطئه لاستوائهما في المرأة. # قال أبو بكر: واتفق أصحابنا والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي أن ~~اللمس لشهوة بمنزلة الجماع في تحريم أم المرأة وبنتها, فكل من حرم بالوطء ~~الحرام أوجبه باللمس إذا كان لشهوة, ومن لم يوجبه بالوطء الحرام. لم يوجبه ~~باللمس لشهوة, ولا خلاف أن اللمس المباح في الزوجة وملك اليمين يوجب تحريم ~~الأم والبنت إلا شيئا يحكى عن ابن شبرمة أنه قال: "لا تحرم باللمس وإنما ~~تحرم بالوطء الذي يوجب مثله الحد", وهو قول شاذ قد سبقه الإجماع بخلافه. # واختلف الفقهاء في النظر هل يحرم أم لا, فقال أصحابنا جميعا: "إذا نظر ~~إلى فرجها لشهوة كان ذلك بمنزلة اللمس في إيجاب التحريم, ولا يحرم النظر ~~للشهوة إلى غير الفرج". وقال الثوري: "إذا نظر إلى فرجها متعمدا حرمت عليه ~~أمها وابنتها" ولم يشترط أن يكون لشهوة. وقال مالك: "إذا نظر إلى شعر ~~جاريته أو صدرها أو ساقها أو شيء من محاسنها تلذذا حرمت عليه أمها ~~وابنتها". وقال ابن أبي ليلى والشافعي: "النظر لا يحرم ما لم يلمس". # قال أبو بكر: روى جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هانئ قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها". ~~وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: "لا ينظر الله إلى رجل نظر ~~إلى فرج امرأة وابنتها" وروى الأوزاعي عن مكحول "أن عمر جرد جارية له, ~~فسأله إياها بعض ولده, فقال: إنها لا تحل لك". وروى حجاج عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه ms1169 عن جده: "أنه جرد جارية # PageV02P152 # ثم سأله إياها بعض ولده, فقال: إنها لا تحل لك". وروى المثنى عن عمرو بن ~~شعيب عن ابن عمر أنه قال: "أيما رجل جرد جارية له فنظر إليه منها يريد ذلك ~~الأمر فإنها لا تحل لابنه". وعن الشعبي قال: كتب مسروق إلى أهله قال: ~~"انظروا جاريتي فلانة فبيعوها فإني لم أصب منها إلا ما حرمها علي ولدي من ~~اللمس والنظر" وهو قول الحسن والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم. فاتفق هؤلاء ~~السلف على إيجاب التحريم بالنظر واللمس, وإنما خص أصحابنا النظر إلى الفرج ~~في إيجاب التحريم دون النظر إلى سائر البدن لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها" فخص النظر ~~إلى الفرج بإيجاب التحريم دون النظر إلى سائر البدن; وكذلك روي عن ابن ~~مسعود وابن عمر ولم يرو عن غيرهما من السلف خلافه, فثبت بذلك أن النظر إلى ~~الفرج مخصوص بإيجاب التحريم دون غيره. وكان القياس أن لا يقع تحريم بالنظر ~~إلى الفرج كما لا يقع بالنظر إلى غيره من سائر البدن, إلا أنهم تركوا ~~القياس فيه للأثر واتفاق السلف, ولم يوجبوه بالنظر إلى غير الفرج وإن كان ~~لشهوة على ما يقتضيه القياس. ألا ترى أن النظر لا يتعلق به حكم في سائر ~~الأصول؟ ألا ترى أنه لو نظر وهو محرم أو صائم فأمنى لا يفسد صومه ولو كان ~~الإنزال عن لمس فسد صومه ولزمه دم لإحرامه؟ فعلمت أن النظر من غير لمس لا ~~يتعلق به حكم; فلذلك قلنا: إن القياس أن لا يحرم النظر شيئا, إلا أنهم ~~تركوا القياس في النظر إلى الفرج خاصة لما ذكرنا. # ويحتج لمذهب ابن شبرمة بظاهر قوله تعالى: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم} , واللمس ليس بدخول, فلا يحرم. والجواب عنه أنه ليس بممتنع أن ~~يريد الدخول أو ما يقوم مقامه, كما قال تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما ~~أن يتراجعا} [البقرة: 230] فذكر الطلاق ms1170 ومعناه الطلاق أو ما يقوم مقامه, ~~ويكون دلالته ما ذكرنا من قول السلف واتفاقهم من غير مخالف لهم على إيجاب ~~التحريم باللمس. ولا خلاف بين أهل العلم أن عقد النكاح على امرأة يوجب ~~تحريمها على الابن. وروي ذلك عن الحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم وعطاء وسعيد ~~بن المسيب. # وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} , فإنه روي عن عطاء: {إلا ما كان في ~~الجاهلية} قال أبو بكر: يحتمل أن يريد: إلا ما كان في الجاهلية فإنكم لا ~~تؤاخذون به, ويحتمل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرون عليه, وتأوله بعضهم على ~~ذلك; وهذا خطأ; لأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا على عقد ~~نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية. وقد روى البراء: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث أبا بردة بن نيار إلى رجل عرس بامرأة أبيه وفي بعض الألفاظ: ~~"نكح امرأة أبيه" أن يقتله ويأخذ ماله. وقد كان نكاح امرأة الأب مستفيضا # PageV02P153 # زنا; لأن المجوس وسائر المشركين المولودين على مناكحاتهم التي هي فاسدة ~~في الإسلام لا يسمون أولاد زنا والزنا اسم لوطء في غير ملك, ولا نكاح ولا ~~شبهة عن واحد منهما فأما إذا صدر عن عقد فإن ذلك لا يسمى زنا سواء كان ~~العقد فاسدا أو صحيحا. # وقوله تعالى: {ومقتا وساء سبيلا} يعني أنه مما يبغضه الله تعالى ويبغضه ~~المسلمون, وذلك تأكيد لتحريمه وتقبيحه وتهجين فاعله وبين أنه طريق سوء; ~~لأنه يؤدي إلى جهنم. # قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} إلى آخر الآية. حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة قال: حدثنا سنيد بن داود ~~قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: ~~قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى قوله تعالى: {وبنات الأخت} قال: حرم ~~الله هذه السبع من النسب ومن الصهر سبع, ثم قال: {كتاب الله عليكم وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم} ما وراء هذا النسب, ثم قال: {وأمهاتكم اللاتي ms1171 أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة} إلى قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم} يعني السبي. قال أبو بكر: قوله: {حرمت عليكم} عموم في جميع ما ~~يتناوله الاسم حقيقة, ولا خلاف أن الجدات وإن بعدن محرمات, واكتفى بذكر ~~الأمهات; لأن اسم الأمهات يشملهن كما أن اسم الآباء يتناول الأجداد وإن ~~بعدوا, وقد عقل من قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} تحريم ~~ما نكح الأجداد, وإن كان للجد اسم خاص لا يشاركه فيه الأب الأدنى فإن الاسم ~~العام وهو الأبوة ينتظمهم جميعا; وكذلك قوله تعالى: {وبناتكم} قد يتناول ~~بنات الأولاد وإن سفلن; لأن الاسم يتناولهن كما يتناول اسم الآباء الأجداد, ~~وقوله تعالى {وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} , فأفرد ~~بنات الأخ وبنات الأخت بالذكر; لأن اسم الأخ والأخت لا يتناولهن كما يتناول ~~اسم البنات بنات الأولاد; فهؤلاء السبع المحرمات بنص التنزيل من جهة النسب. ~~ثم قال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم ~~وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف} وقال قبل ذلك: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} فهؤلاء, السبع المحرمات من جهة الصهر. وقد عقل من قوله تعالى: ~~{وبنات الأخ وبنات الأخت} من سفل منهن كما عقل من قوله تعالى: {أمهاتكم} من ~~علا منهن; ومن قوله تعالى: {وبناتكم} من سفل # PageV02P155 # منهن, وعقل من قوله تعالى: {وعماتكم} تحريم عمات الأب والأم. وكذلك قوله ~~تعالى: {وخالاتكم} عقل منه تحريم خالات الأم والأب كما عقل تحريم أمهات ~~الأب وإن علون. وخص تعالى العمات والخالات بالتحريم دون أولادهن, ولا خلاف ~~في جواز نكاح بنت العمة وبنت الخالة وقال تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة} , ومعلوم أن هذه السمة إنما هي مستحقة بالرضاع, أعني ~~سمة الأمومة والأخوة; فلما علق هذه السمة بفعل الرضاع اقتضى ذلك استحقاق ~~اسم الأمومة والأخوة بوجود الرضاع, وذلك يقتضي التحريم ms1172 بقليل الرضاع لوقوع ~~الاسم عليه. # فإن قيل: قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} بمنزلة قول القائل: ~~وأمهاتكم اللاتي أعطينكم وأمهاتكم اللاتي كسونكم, فنحتاج إلى أن نثبت أنها ~~أم بهذه الصفة حتى يثبت الرضاع; لأنه لم يقل: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم. قيل ~~له: هذا غلط من قبل أن الرضاع هو الذي يكسبها سمة الأمومة, فلما كان الاسم ~~مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم متعلقا به, واسم الرضاع في الشرع واللغة ~~يتناول القليل والكثير, فوجب أن تصير أما بوجود الرضاع لقوله تعالى: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} , وليس كذلك الذي ذكرت من قول القائل وأمهاتكم ~~اللاتي كسونكم; لأن اسم الأمومة غير متعلق بوجود الكسوة كتعلقه بوجود ~~الرضاع, فلذلك احتجنا إلى حصول الاسم والفعل المتعلق به; وكذلك قوله تعالى: ~~{وأخواتكم من الرضاعة} يقتضي ظاهره كونها أختا بوجود الرضاع; إذ كان اسم ~~الأخوة مستفادا بوجود الرضاع لا بمعنى آخر سواه. ويدل على أن ذلك مفهوم ~~الخطاب ومقتضى القول, ما رواه عبد الوهاب بن عطاء عن أبي الربيع عن عمرو بن ~~دينار قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إن ابن الزبير يقول: لا بأس بالرضعة ~~والرضعتين, فقال ابن عمر: "قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير قال الله ~~تعالى: {وأخواتكم من الرضاعة} فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بقليل ~~الرضاع. # PageV02P156 # مطلب اختلف السلف في التحريم بقليل الرضاع # واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع, فروي عن عمر وعلي وابن ~~عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم والزهري والشعبي: ~~"قليل الرضاع وكثيره يحرم في الحولين" وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث قال الليث: "اجتمع المسلمون على أن ~~قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم". وقال ابن الزبير ~~والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان". وقال ~~الشافعي: "لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات". # PageV02P156 # قال أبو بكر: وقد ذكرنا في سورة البقرة الكلام في مدة الرضاع والاختلاف ~~فيها, وقد قدمنا ذكر دلالة الآية على ms1173 إيجاب التحريم بقليل الرضاع, وغير ~~جائز لأحد إثبات تحديد الرضاع الموجب للتحريم إلا بما يوجب العلم من كتاب ~~أو سنة منقولة من طريق التواتر, ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص ~~حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع; لأنها آية محكمة ظاهرة المعنى ~~بينة المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق, وما كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه ~~بخبر الواحد ولا بالقياس. ويدل عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إنما الرضاعة من المجاعة", رواه مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم; ولم يفرق بين القليل والكثير, فهو محمول عليهما جميعا. ويدل ~~عليه أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة التواتر والاستفاضة ~~أنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" رواه علي وابن عباس وعائشة ~~وحفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه أهل العلم بالقبول والاستعمال; ~~فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب وكان معلوما ~~أن النسب متى ثبت من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر, كذلك الرضاع ~~يجب أن يكون هذا حكمه في إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة لتسوية النبي صلى ~~الله عليه وسلم بينهما فيما علق بهما من حكم التحريم. # واحتج من اعتبر خمس رضعات بما روت عائشة وابن الزبير وأم الفضل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان" وبما روي عن عائشة ~~أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات, فنسخن بخمس ~~معلومات, فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن". # قال أبو بكر: وهذه الأخبار لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر قوله تعالى: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} لما بينا أن ما لم يثبت ~~خصوصه من ظواهر القرآن وكان ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بأخبار ~~الآحاد, فهذا أحد الوجوه التي تسقط الاعتراض بهذا الخبر ووجه آخر وهو ما ~~حدث أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا الحضرمي ms1174 قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال: ~~حدثنا أبو خالد عن حجاج عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل ~~عن الرضاع فقلت: إن الناس يقولون لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان قال: "قد كان ~~ذاك, فأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم". وروى محمد بن شجاع قال: حدثنا ~~إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن طاوس قال: "اشترطت عشر رضعات ثم قيل الرضعة ~~الواحدة تحرم"; فقد عرف ابن عباس وطاوس خبر العدد في الرضاع وأنه منسوخ ~~بالتحريم بالرضعة الواحدة وجائز أن يكون التحديد كان مشروطا في رضاع ~~الكبير, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رضاع الكبير وهو # PageV02P157 # منسوخ عند فقهاء الأمصار, فجائز أن يكون تحديد الرضاع كان في رضاع ~~الكبير, فلما نسخ سقط التحديد; إذ كان مشروطا فيه. وأيضا يلزم الشافعي ~~إيجاب التحريم بثلاث رضعات لدلالة قوله: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" على ~~إيجاب التحريم فيما زاد على أصله في المخصوص بالذكر وأما حديث عائشة فغير ~~جائز اعتقاد صحته على ما ورد, وذلك لأنها ذكرت أنه كان فيما أنزل من القرآن ~~عشر رضعات فنسخن بخمس, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو مما ~~يتلى; وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم, فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة, فإذا لم توجد به التلاوة ~~ولم يجز النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل ذلك من أحد وجهين: ~~إما أن يكون الحديث مدخولا في الأصل غير ثابت الحكم, أو يكون إن كان ثابتا ~~فإنما نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان منسوخا فالعمل به ~~ساقط. وجائز أن يكون ذلك كان تحديدا لرضاع الكبير, وقد كانت عائشة تقول به ~~في إيجاب التحريم في رضاع الكبير دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم; ~~وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير, فسقط حكم التحديد المذكور في ~~حديث عائشة هذا. ومع ذلك لو ms1175 خلا من هذه المعاني التي ذكرنا من الاستحالة ~~والاحتمال لما جاز الاعتراض به على ظاهر القرآن; إذ هو من أخبار الآحاد. ~~ومما يدل على ما ذكرنا من سقوط اعتبار التحديد أن الرضاع يوجب تحريما ~~مؤبدا, فأشبه الوطء الموجب لتحريم الأم والبنت والعقد الموجب للتحريم ~~كحلائل الأبناء وما نكح الآباء, فلما كان القليل من ذلك ككثيره فيما يتعلق ~~به من حكم التحريم وجب أن يكون ذلك حكم الرضاع في إيجاب التحريم بقليله. # PageV02P158 # مطلب: اختلف أهل لعلم في لبن الفحل # واختلف أهل العلم في لبن الفحل, وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ~~وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به صبيا; فإن من قال بتحريم لبن الفحل ~~يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل وإن كانوا من غيرها, ومن لا يعتبره لا يوجب ~~تحريما بينه وبين أولاده من غيرها. فممن قال بلبن الفحل ابن عباس وروى ~~الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت هذه ~~غلاما وهذه جارية, هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: "لا, اللقاح ~~واحد", وهو قول القاسم وسالم وعطاء وطاوس. وذكر الخفاف عن سعيد عن ابن ~~سيرين قال: "كرهه قوم ولم ير به قوم بأسا, ومن كرهه كان أفقه من الذين لم ~~يروا به بأسا" وذكر عباد بن منصور. قال: قلت للقاسم بن محمد: امرأة أبي ~~أرضعت جارية من الناس بلبان إخوتي من أبي أتحل لي؟ قال: "لا, أبوك أبوها" ~~فسألت طاوسا والحسن فقالا مثل ذلك, وسألت مجاهدا فقال: "اختلف فيه # PageV02P158 # فقهاء فلست أقول فيه شيئا" وسألت محمد بن سيرين فقال مثل قول مجاهد وسألت ~~يوسف بن ماهك فذكر حديث أبي قعيس. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي: "لبن الفحل يحرم". وقال سعيد بن ~~المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وسليمان بن ~~يسار: "إن لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجال" وروي مثله عن رافع بن ~~خديج. # والدليل على ms1176 صحة القول الأول حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن ~~عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء ليستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد ~~أن نزل الحجاب, قالت فأبيت أن آذن له, فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبرته, قال: "ليلج عليك فإنه عمك" قلت: إنما أرضعتني المرأة. ولم يرضعني ~~الرجل قال: "ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك" وكان أبو القعيس زوج المرأة ~~التي أرضعت عائشة. ويدل عليه من جهة النظر أن سبب نزول اللبن هو ماء الرجل ~~والمرأة جميعا; لأن الحمل منهما جميعا, فوجب أن يكون الرضاع منهما كما كان ~~الولد منهما وإن اختلف سببهما. # فإن قيل: قد روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها ~~كانت تدخل عليها من أرضعته أخواتها وبنات أخيها ولا تدخل عليها من أرضعته ~~نساء إخوتها. قيل له: هذا غير مخالف لما ورد في لبن الفحل; إذ كان لها أن ~~تأذن لمن شاءت من محارمها وتحجب من شاءت. ويدل عليه أيضا من جهة النظر أن ~~البنت محرمة على الجد وإن لم تكن من مائه; لأنه كان سبب حدوث الأب الذي هو ~~من مائه, كذلك الرجل لما كان هو سبب نزول اللبن من المرأة وجب أن يتعلق به ~~التحريم وإن لم يكن اللبن منه; إذ كان هو سببه كما يتعلق به التحريم من جهة ~~الأم. والمنصوص عليه في التنزيل من الرضاع الأمهات والأخوات من الرضاعة, ~~إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض الموجب للعلم ~~أنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" واتفق الفقهاء على استعماله; ~~والله أعلم. # PageV02P159 # باب أمهات النساء والربائب # قال الله تعالى: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن} ولم تختلف الأمة أن الربائب لا يحرمن بالعقد على الأم ~~حتى يدخل بها أو يكون منه ما يوجب التحريم من اللمس والنظر على ما بيناه ~~فيما سلف, وهو نص التنزيل في قوله تعالى: {فإن لم تكونوا دخلتم ms1177 بهن فلا ~~جناح عليكم} . # واختلف السلف في أمهات النساء, هل يحرمن بالعقد دون الدخول؟ فروى # PageV02P159 # حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس أن عليا قال في رجل طلق امرأته قبل الدخول ~~بها: "فله أن يتزوج أمها, وإن تزوج أمها ثم طلقها قبل الدخول يتزوج بنتها ~~تجريان مجرى واحدا"; وأهل النقل يضعفون حديث خلاس عن علي; ويروى عن جابر بن ~~عبد الله مثل ذلك, وهو قول مجاهد وابن الزبير. وعن ابن عباس روايتان: ~~إحداهما ما يرويه ابن جريج عن أبي بكر بن حفص عن عمرو بن مسلم بن عويمر بن ~~الأجدع عنه: أن أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول, والأخرى ما يرويه عكرمة ~~عنه: أنها تحرم بنفس العقد. وقال عمر وعبد الله بن مسعود وعمران بن حصين ~~ومسروق وعطاء والحسن وعكرمة: "تحرم بالعقد دخل بها أو لم يدخل". # PageV02P160 # مطلب: افتى ابن مسعود بحل التزويج بأم المرأة قيل الدخول بها ثم رجع عن ~~ذلك # وروى أبو أسامة عن سفيان عن أبي فروة عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله ~~بن مسعود أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت ~~قال: "لا بأس أن يتزوج أمها" فلما أتى المدينة رجع فأفتاهم فنهاهم وقد ولدت ~~أولادا. وروى إبراهيم عن شريح أن ابن مسعود كان يقول بقول علي ويفتي به, ~~يعني في أمهات النساء, فحج فلقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذاكرهم ذلك فكرهوا. أن يتزوجها, فلما رجع ابن مسعود نهى من كان أفتاه ~~بذلك, وكانوا أحياء من بني فزارة أفتاهم بذلك وقال: "إني سألت أصحابي ~~فكرهوا ذلك". # وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال في رجل طلق امرأته قبل ~~الدخول فأراد أن يتزوج أمها, قال: "إن طلقها قبل الدخول يتزوج أمها, وإن ~~ماتت لم يتزوج أمها", وأصحاب الحديث يضعفون حديث قتادة هذا عن سعيد بن ~~المسيب عن زيد ويقولون: إن أكثر ما يرويه قتادة عن سعيد بن المسيب بينه ~~وبينه رجال, وإن رواياته ms1178 عن سعيد مخالفة لروايات أكثر أصحاب سعيد الثقات; ~~وقال عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن سعيد بن المسيب: أحب إلي من قتادة عن ~~سعيد. وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن زيد بن ثابت خلاف رواية قتادة. ~~ويقال إن حديث يحيى وإن كان مرسلا فهو أقوى من حديث قتادة عن سعيد قال أبو ~~بكر: وهذا الذي ذكرناه طريقة أصحاب الحديث, والفقهاء لا يعتبرون ذلك في ~~قبول الأخبار وردها, وإنما ذكرنا ذلك ليعرف به مذهب القوم فيه دون اعتباره ~~والعمل عليه; ويشبه أن يكون زيد بن ثابت إنما فرق بين الموت والطلاق في ~~التحريم; لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ألا ترى ~~أنه يجب في نصف المهر ولا تجب عليها العدة؟ وأما الموت # PageV02P160 # فلما كان في حكم الدخول في باب استحقاق كمال المهر ووجوب العدة جعله كذلك ~~في حكم التحريم. والدليل على أن أمهات النساء يحرمن بالعقد قوله تعالى: ~~{وأمهات نسائكم} هي مبهمة عامة كقوله: {وحلائل أبنائكم} وقوله: {ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء} , فغير جائز تخصيصه إلا بدلالة. # وقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~حكم مقصور على الربائب دون أمهات النساء, وذلك من وجوه: أحدها أن كل واحدة ~~من الجملتين مكتفية بنفسها في إيجاب الحكم المذكور فيها, أعني قوله تعالى: ~~{وأمهات نسائكم} وقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن} وكل كلام اكتفى بنفسه من غير تضمين له بغيره ولا حمله عليه وجب ~~إجراؤه على مقتضى لفظه دون تعليقه بغيره, فلما كان قوله: {وأمهات نسائكم} ~~جملة مكتفية بنفسها يقتضي عمومها تحريم أمهات النساء مع وجود الدخول وعدمه, ~~وكان قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~جملة قائمة بنفسها على ما فيها من شرط الدخول, لم يجز لنا بناء إحدى ~~الجملتين على الأخرى بل الواجب إجراء المطلق منهما على إطلاقه والمقيد على ~~تقييده وشرطه, إلا أن تقوم الدلالة على أن إحداهما مبنية ms1179 على الأخرى محمولة ~~على شرطها. وأخرى: وهي أن قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} يجري هذا ~~الشرط مجرى الاستثناء, تقديره: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم إلا ~~اللاتي لم تدخلوا بهن; لأن فيه إخراج بعض ما انتظمه العموم, فلما كان ذلك ~~في معنى الاستثناء وكان من حكم الاستثناء عوده إلى ما يليه إلا أن تقوم ~~الدلالة على رجوعه إلى ما تقدم, وجب أن يكون حكمه مقصورا على الربائب ولم ~~يجز رده إلى ما تقدمه إلا بدلالة. وأخرى: وهي أن شرط الدخول تخصيص لعموم ~~اللفظ, وهو لا محالة مستعمل في الربائب ورجوعه إلى أمهات النساء مشكوك فيه, ~~وغير جائز تخصيص العموم بالشك, فوجب أن يكون عموم التحريم في أمهات النساء ~~مقرا على بابه. وأخرى: وهي أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء ~~مظهرا; لأنه لا يستقيم أن يقال: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن; ~~لأن أمهات نسائنا لسن من نسائنا والربائب من نسائنا; لأن البنت من الأم ~~وليست الأم من البنت, فلما لم يستقم الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط ~~لم يصح إضماره فيه, فثبت بذلك أن قوله: {من نسائكم} إنما هو من وصف الربائب ~~دون أمهات النساء وأيضا فلو جعلنا قوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} نعتا ~~لأمهات النساء وجعلنا تقديره: وأمهات نسائكم من # PageV02P161 # نسائكم اللاتي دخلتم بهن لخرج الربائب من الحكم وصار حكم الشرط في أمهات ~~النساء دونهن, وذلك خلاف نص التنزيل, فثبت أن شرط الدخول مقصور على الربائب ~~دون أمهات النساء. # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا ~~قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل ~~له نكاح ابنتها, وإن لم يدخل بها فلينكح ابنتها; وأيما رجل نكح امرأة فدخل ~~بها أو لم ms1180 يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها". # وقد حكي عن السلف اختلاف في حكم الربيبة, فذكر ابن جريج قال: أخبرني ~~إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن مالك بن أوس عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~أنه قال في الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر ثم فارق الأم ~~بعد الدخول: "إنه جائز له أن يتزوج الربيبة". ونسب عبد الرزاق إبراهيم هذا ~~فقال: إبراهيم بن عبيد في غير هذا الحديث, وهو مجهول لا تثبت بمثله مقالة; ~~ومع ذلك فإن أهل العلم ردوه ولم يتلقه أحد منهم بالقبول. وقد ذكر قتادة عن ~~خلاس عن علي أن الربيبة والأم تجريان مجرى واحدا, وهو خلاف هذا الحديث; لأن ~~الأم لا محالة تحرم بالدخول بالبنت وقد جعل الربيبة مثلها, فاقتضى تحريم ~~البنت بالدخول بالأم سواء كانت في حجره أو لم تكن. وذكر في حديث إبراهيم ~~هذا أن عليا احتج في ذلك بأن الله تعالى قال: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ~~فإذا لم تكن في حجره لم تحرم. وحكاية هذا الحجاج يدل على وهي الحديث وضعفه; ~~لأن عليا لا يحتج بمثله وذلك; لأنا قد علمنا أن قوله: {وربائبكم} لم يقتض ~~أن تكون تربية زوج الأم لها شرطا في التحريم, وأنه متى لم يربها لم تحرم, ~~وإنما سميت بنت المرأة ربيبة; لأن الأعم الأكثر أن زوج الأم يربيها; ثم ~~معلوم أن وقوع الاسم على هذا المعنى لم يوجب كون تربيته إياها شرطا في ~~التحريم, كذلك قوله: {في حجوركم} كلام خرج على الأعم الأكثر من كون الربيبة ~~في حجر الزوج; وليست هذه الصفة شرطا في التحريم كما أن تربية الزوج إياها ~~ليست شرطا فيه, وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم "في خمس وعشرين من ~~الإبل بنت مخاض وفي ست وثلاثين بنت لبون" وليس كون المخاض أو اللبن بالأم ~~شرطا في المأخوذ وإنما ذكره; لأن الأغلب أنها إذا دخلت في السنة الثانية ~~كان بأمها مخاض وإذا دخلت في الثالثة كان بأمها لبن; فإنما ms1181 أجرى الكلام على ~~غالب الحال, كذلك قوله تعالى: {في حجوركم} على هذا الوجه. # قال أبو بكر: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم من ذكر ممن لا يعتق عليه ~~بملك اليمين, وأن الأم والأخت من الرضاعة محرمتان بملك اليمين كما هما ~~بالنكاح, وكذلك # PageV02P162 # أم المرأة وابنتها إذا دخل بالأم وأن كل واحدة منهما محرمة عليه تحريما ~~مؤبدا إذا وطئ الأخرى; وكذلك لا خلاف أنه لا يجوز له الجمع بين أم وبنت ~~بملك اليمين. وروي ذلك عن عمر وابن عباس وابن عمر وعائشة ولا خلاف أيضا أن ~~الوطء بملك اليمين يحرم ما يحرمه الوطء بالنكاح فيما يتعلق به تحريم مؤبد. # قوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} قال عطاء بن أبي رباح: ~~نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوج امرأة زيد ونزلت: {وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] و {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} ~~[الأحزاب: 40] , قال: وكان يقال له زيد بن محمد. # PageV02P163 # مطلب: الحلية اسم يختص بالزوجة دون المملوكة بملك اليمين # قال أبو بكر: حليلة الابن هي زوجته, ويقال إنما سميت حليلة; لأنها تحل ~~معه في فراش, وقيل: لأنه يحل له منها الجماع بعقد النكاح, والأمة إن استباح ~~فرجها بالملك لا تسمى حليلة ولا تحرم على الأب ما لم يطأها, وعقد نكاح ~~الابن عليها يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا, وهذا يدل على أن الحليلة اسم ~~يختص بالزوجة دون ملك اليمين. ولما علق حكم التحريم بالتسمية دون ذكر الوطء ~~اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء; لأنا لو شرطنا الوطء لكان فيه ~~زيادة في النص, ومثلها يوجب النسخ; لأنها تبيح ما حظرته الآية, وهذا لا ~~خلاف فيه بين المسلمين. # قال أبو بكر: وقوله تعالى: {الذين من أصلابكم} قد تناول عند الجمع تحريم ~~حليلة ولد الولد على الجد, وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب ~~الجد; لأن إطلاق الآية قد اقتضاه عند الجميع, وفيه دلالة على أن ولد الولد ~~منسوب إلى الجد بالولادة. وهذه الآية في ms1182 تخصيصها حليلة الابن من الصلب في ~~معنى قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] لما ~~تضمنه من إباحة تزويج حليلة الابن من جهة التبني. وقوله: {في أزواج ~~أدعيائهم} يدل على أن حليلة الابن هي زوجته; لأنه عبر في هذا الموضع عنهن ~~باسم الأزواج وفي الآية الأولى بذكر الحلائل. # قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال أبو بكر: قد ~~اقتضى ذلك تحريم الجمع بين الأختين في سائر الوجوه لعموم اللفظ; والجمع على ~~وجوه: منها أن يعقد عليهما جميعا معا فلا يصح نكاح واحدة منهما; لأنه جامع ~~بينهما, وليست إحداهما بأولى بجواز نكاحها من الأخرى, ولا يجوز تصحيح ~~نكاحهما مع تحريم الله # PageV02P163 # تعالى الجمع بينهما, وغير جائز تخيير الزوج في أن يختار أيتهما شاء من ~~قبل أن العقدة وقعت فاسدة مثل النكاح في العدة أو هي تحت زوج, فلا يصح ~~أبدا. ومن الجمع أن يتزوج إحداهما ثم يتزوج الأخرى بعدها, فلا يصح نكاح ~~الثانية; لأن الجمع بها حصل وعقدها وقع منهيا عنه وعقد الأولى وقع مباحا, ~~فيفرق بينه وبين الثانية. ومن الجمع أيضا أن يجمع بين وطئهما بملك اليمين, ~~فيطأ إحداهما ثم يطأ الأخرى قبل إخراج الموطوءة الأولى من ملكه; فهذا ضرب ~~من الجمع, وقد كان فيه خلاف بين السلف ثم زال وحصل الإجماع على تحريم الجمع ~~بينهما بملك اليمين. # PageV02P164 # مطلب: سئل علي عن وطء أختين بملك اليمين فقال: "أحلتهما آية وحرمهما آية" ~~إلى آخره # وروي عن عثمان وابن عباس أنهما أباحا ذلك وقالا: "أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية" وقال عمر وعلي وابن مسعود والزبير وابن عمر وعمار وزيد بن ثابت: "لا ~~يجوز الجمع بينهما بملك اليمين", وقال الشعبي: سئل علي عن ذلك فقال: ~~"أحلتهما آية وحرمتهما آية" فإذا أحلتهما آية وحرمتهما آية فالحرام أولى. ~~وروى عبد الرحمن المقري قال: حدثنا موسى بن أيوب الغافقي قال: حدثني عمي ~~إياس بن عامر قال: سألت علي ms1183 بن أبي طالب عن الأختين بملك اليمين وقد وطئ ~~إحداهما هل يطأ الأخرى؟ فقال: "أعتق الموطوءة حتى يطأ الأخرى" وقال: "ما ~~حرم الله من الحرائر شيئا إلا حرم من الإماء مثله إلا عدد الأربع" وروي عن ~~عمار مثل ذلك. قال أبو بكر: أحلتهما آية, يعنون به قوله تعالى: {والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وقوله: "حرمتهما آية" قوله تعالى: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين} , فروي عن عثمان الإباحة. وروي عنه أنه ذكر التحريم ~~والتحليل وقال: "لا آمر به ولا أنهى عنه". وهذا القول منه يدل على أنه كان ~~ناظرا فيه غير قاطع بالتحليل والتحريم فيه, فجائز أن يكون قال فيه بالإباحة ~~ثم وقف فيه, وقطع علي فيه بالتحريم; وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن ~~الحظر والإباحة إذا اجتمعا فالحظر أولى إذا تساوى سبباهما, وكذلك يجب أن ~~يكون حكمهما في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم; ومذهب ~~أصحابنا يدل على أن ذلك قولهم, وقد بيناه في أصول الفقه وقد روى إياس بن ~~عامر أنه قال لعلي: إنهم يقولون إنك تقول أحلتهما آية وحرمتهما آية؟ فقال: ~~"كذبوا" وهذا يحتمل أن يريد به نفي المساواة في مقتضى الآيتين وإبطال مذهب ~~من يقول بالوقف فيه على ما روي عن عثمان; لأنه قال في رواية الشعبي: ~~"أحلتهما آية وحرمتهما آية" والتحريم أولى, وإنكاره أن يكون أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية إنما هو على جهة أن آيتي التحليل والتحريم غير متساويتين في ~~مقتضاهما, وأن التحريم أولى من التحليل. ومن جهة أخرى أن إطلاق القول بأنه ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية من غير تقييد هو قول منكر لاقتضاء حقيقته أن يكون ~~شيء واحد مباحا محظورا في حال # PageV02P164 # واحدة, فجائز أن يكون علي رضي الله عنه أنكر إطلاق القول بأنه أحلتهما ~~آية وحرمتهما آية من هذا الوجه, وأنه إذا كان مقيدا بالقطع على أحد الوجهين ~~كان سائغا جائزا على ما روي عنه في الخبر الآخر # PageV02P165 # مطلب لذا تساوى سببا الحظر والإباحة رجح بينهما الحظر # ومما يدل ms1184 على أن التحريم أولى لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما أن فعل ~~المحظور يستحق به العقاب وترك المباح لا يستحق به العقاب, والاحتياط ~~الامتناع مما لا يأمن استحقاق العقاب به, فهذه قضية واجبة في حكم العقل. ~~وأيضا فإن الآيتين غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل, وغير جائز ~~الاعتراض بإحداهما على الأخرى; إذ كل واحدة منهما ورودها في سبب غير سبب ~~الأخرى وذلك لأن قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} وارد في حكم التحريم ~~كقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم} {وأمهات نسائكم} وسائر من ذكر في الآية ~~تحريمها. وقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وارد في ~~إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب; وأفاد وقوع الفرقة وقطع العصمة ~~فيما بينهما, فهو مستعمل فيما ورد فيه من إيقاع الفرقة بين المسبية وبين ~~زوجها وإباحتها لمالكها, فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين ~~الأختين; إذ كل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الأخرى, فيستعمل حكم ~~كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه. ويدل على ذلك أنه لا خلاف بين ~~المسلمين في أنها لم تعترض على حلائل الأبناء وأمهات النساء وسائر من ذكر ~~تحريمهن في الآية, وأنه لا يجوز وطء حليلة الابن ولا أم المرأة بملك ~~اليمين, ولم يكن قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} موجبا لتخصيصهن لوروده ~~في سبب غير سبب الآية الأخرى; كذلك ينبغي أن يكون حكمه في اعتراضه على ~~تحريم الجمع. وامتناع علي رضي الله عنه ومن تابعه في ذلك من الصحابة من ~~الاعتراض بقوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} على تحريم الجمع بين الأختين ~~يدل على أن حكم الآيتين إذا وردتا في سببين: إحداهما في التحليل والأخرى في ~~التحريم, أن كل واحدة منهما تجري على حكمها في ذلك السبب ولا يعترض بها على ~~الأخرى, وكذلك ينبغي أن يكون حكم الخبرين إذا وردا عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في مثل ذلك, وقد بينا ذلك في أصول الفقه. وأيضا لا نعلم خلافا بين ~~المسلمين في ms1185 حظر الجمع بين الأختين إحداهما بالنكاح والأخرى بملك اليمين, ~~نحو أن تكون عنده امرأة بنكاح فيشتري أختها أنه لا يجوز له وطؤهما جميعا; ~~وهذا يدل على أن تحريم الجمع قد انتظم ملك اليمين كما انتظم النكاح, وعموم ~~قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} يقتضي تحريم جمعهما على سائر الوجوه, ~~وهو موجب لتحريم تزويج المرأة وأختها تعتد منه لما فيه من الجمع بينهما في ~~استحقاق نسب ولديهما وفي إيجاب # PageV02P165 # النفقة المستحقة بالنكاح والسكنى لهما, وذلك كله من ضروب الجمع فوجب أن ~~يكون محظورا منتفيا بتحريمه الجمع بينهما. # فإن قيل: قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} مقصور على النكاح دون ~~غيره. قيل له: هذا غلط, لاتفاق فقهاء الأمصار على تحريم الجمع بينهما بملك ~~اليمين على ما بيناه; وليس ملك اليمين بنكاح, فعلمنا أن تحريم الجمع غير ~~مقصور على النكاح. وأيضا فإن اقتصارك بالتحريم على النكاح دون غيره من سائر ~~ضروب الجمع تخصيص بغير دلالة, وذلك غير سائغ لأحد. وقد اختلف السلف وفقهاء ~~الأمصار في ذلك, فروي عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبيدة السلماني وعطاء ~~ومحمد بن سيرين ومجاهد في آخرين من التابعين: "أنه لا يتزوج المرأة في عدة ~~أختها, وكذلك لا يتزوج الخامسة وإحدى الأربع تعتد منه", فبعضهم أطلق العدة ~~وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح وروي عن ~~عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخلاس: "له أن يتزوج أختها إذا كانت عدتها ~~من طلاق بائن" وهو قول مالك والأوزاعي والليث والشافعي واختلف عن سعيد بن ~~المسيب والحسن وعطاء, فروي عن كل واحد منهم روايتان, إحداهما أنه يتزوجها, ~~والأخرى أنه لا يتزوجها; وقال قتادة: رجع الحسن عن قوله أنه يتزوجها في عدة ~~أختها. وما قدمنا من دلالة الآية وعمومها في تحريم الجمع كاف في إيجاب ~~التحريم ما دامت الأخت معتدة منه. ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على ~~تحريم الجمع بين وطء الأختين بملك اليمين, والمعنى فيه أن إباحة الوطء حكم ~~من أحكام النكاح ms1186 وإن لم يكن نكاح ولا عقد, فواجب على ذلك تحريم الجمع ~~بينهما في حكم من أحكام النكاح, فلما كان استلحاق النسب ووجوب النفقة ~~والسكنى من أحكام النكاح وجب أن يكون ممنوعا من الجمع بينهما فيه. # فإن قيل: كيف يكون جامعا بينهما مع ارتفاع الزوجية وكونها أجنبية منه, ~~ولو كان قد طلقها ثلاثا ثم وطئها في العدة وجب عليه الحد؟ وهذا يدل على ~~أنها بمنزلة الأجنبية منه فلا تمنع تزويج أختها قيل له: لا يختلفان في وجوب ~~الحد; لأنه كما يجب عليه الحد كذلك يجب عليها بوطئه إياها, ومع ذلك لا يجوز ~~لها أن تتزوج وتجمع إلى حقوق نكاح الأول زوجا آخر; ولم يكن وجوب الحد عليها ~~بمطاوعتها إياه على الوطء مبيحا لها نكاح زوج آخر, بل كانت في المنع من زوج ~~ثان بمنزلة من هي في حياله, وكذلك الزوج لا يجوز له جمع أختها في هذه الحال ~~مع بقاء حقوق النكاح وإن كان وطؤه إياها موجبا للحد. ودليل آخر, وهو أنه ~~لما كان تحريم نكاح الأخت من طريق الجمع, ووجدنا تحريم نكاح زوج آخر إذا ~~كانت عند زوج من طريق الجمع, ثم وجدنا العدة تمنع من # PageV02P166 # الجمع ما يمنع نفس النكاح, وجب أن يكون الزوج ممنوعا من تزويج أختها في ~~عدتها كما منع ذلك في حال بقاء نكاحها; إذ كانت العدة تمنع من الجمع ما ~~يمنعه نفس النكاح كما جرت العدة مجرى النكاح في باب منعها من نكاح زوج آخر ~~حتى تنقضي عدتها. فإن قيل: هذا يوجب أن يكون الرجل في العدة إذا منعته من ~~تزويج الأخت حتى تنقضي عدتها. # قيل له: ليس تحريم النكاح مقصورا على العدة حتى إذا منعناه من نكاح أختها ~~فقد جعلناه في العدة ألا ترى أنه ممنوع من تزوج أختها إذا كانت معتدة منه ~~من طلاق رجعي ولم يوجب ذلك أن يكون الرجل في العدة؟ وكذلك قبل الطلاق كل ~~واحد منهما ممنوع من عقد نكاح على الأخت أو لزوج آخر, وليس واحد منهما في ~~العدة. ms1187 # وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} . قال أبو بكر: قد ذكرنا معنى قوله: إلا ما ~~قد سلف عند ذكر قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف} واختلاف المختلفين في تأويله واحتماله لما قيل فيه. وقال تعالى عند ~~ذكر تحريم الجمع بين الأختين: {إلا ما قد سلف} وهو في هذا الموضع يحتمل من ~~المعاني ما احتمله الأول; وفيه احتمال لمعنى آخر لا يحتمله الأول, وهو أن ~~يكون معناه أن العقود المتقدمة على الأختين لا تنفسخ ويكون له أن يختار ~~إحداهما; ويدل عليه حديث أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن ~~أبيه قال: أسلمت وعندي أختان, فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "طلق ~~إحداهما" وفي بعض الألفاظ: "طلق أيتهما شئت" , فلم يأمره بمفارقتهما إن كان ~~العقد عليهما معا, ولم يأمره بمفارقة الآخرة منهما إن كان تزوجهما في ~~عقدين, ولم يسأله عن ذلك; فدل ذلك على بقاء نكاحه عليهما بقوله: "طلق ~~أيتهما شئت" ودل ذلك على أن العقد عليهما كان صحيحا قبل نزول التحريم وأنهم ~~كانوا مقرين على ما كانوا عليه من عقودهم قبل قيام حجة السمع ببطلانها. # واختلف أهل العلم في الكافر يسلم تحته أختان أو خمس أجنبيات, فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف والثوري: "يختار الأوائل منهن إن كن خمسا, وإن كانتا أختين ~~اختار الأولى, وإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن". وقال محمد ~~بن الحسن ومالك والليث والأوزاعي والشافعي: "يختار من الخمس أربعا أيتهن ~~شاء ومن الأختين أيتهما شاء" إلا أن الأوزاعي روي عنه في الأختين أن الأولى ~~امرأته ويفارق الآخرة. وقال الحسن بن صالح: "يختار الأربع الأوائل, فإن لم ~~يدر أيتهن الأولى طلق كل واحدة حتى تنقضي عدتها ثم يتزوج أربعا". والدليل ~~على صحة القول الأول قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} وذلك خطاب لجميع ~~المكلفين, فكان عقد الكافر على الأختين بعد نزول التحريم كعقد المسلم في ~~حكم الفساد, فوجب التفريق بينه وبين الآخرة لوقوع # PageV02P167 # عقدها على فساد بنص ms1188 التنزيل, كما يفرق بينهما لو نكحها بعد الإسلام لقوله ~~تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} والجمع واقع بالثانية وإن كان تزوجهما في ~~عقدة واحدة فهي فاسدة فيهما جميعا لوقوعها منهيا عنها بظاهر النص. # PageV02P168 # مطلب: النهي عندنا يقتضي الفساد # فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: وقوع العقدة منهيا عنها, والنهي ~~عندنا يقتضي الفساد. والثاني: أنه منع الجمع بينهما بحال. فلو أبقينا عقده ~~عليهما بعد الإسلام كنا مثبتين لما نفاه الله تعالى من الجمع, فدل ذلك على ~~بطلان العقد الذي وقع به الجمع. ومن جهة النظر أنه لما لم يجز أن يبتدئ ~~المسلم عقدا على أختين ولم يجز أيضا أن يبقى له عقد على أختين وإن لم تكونا ~~أختين في حال العقد, كمن تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة فاستوى حكم الابتداء ~~والبقاء في نفي الجمع بينهما, أشبه نكاح ذوات المحارم في استواء حال البقاء ~~والابتداء فيهما. فلما لم يختلف العقد على ذوات المحارم في وقوعه في حال ~~الكفر وحال الإسلام ووجب التفريق متى طرأ عليه الإسلام وكان بمنزلة ابتداء ~~العقد بعد الإسلام, وجب مثله في نكاح الأختين وأكثر من أربع نسوة; وكما لم ~~يختلف حكم البقاء والابتداء فيهما كما لم يختلف في ذوات المحارم, وجب الحكم ~~بفساده بعد الإسلام كما قلنا في ذوات المحارم. # واحتج من خيره بعد الإسلام بحديث فيروز الديلمي الذي قدمناه, وبما روى ~~ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان ~~نسوة, فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "أختار منهن أربعا" وبما روى ~~معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر, أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "خذ منهن أربعا". فأما حديث فيروز فإن ~~في لفظه ما يدل على صحة العقد وكان قبل نزول التحريم; لأنه قال: "أيتهما ~~شئت" وهذا يدل على بقاء العقد عليهما بعد الإسلام. وحديث الحارث بن قيس ~~يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول التحريم, فكان صحيحا ms1189 إلى أن طرأ التحريم, ~~فلزمه اختيار الأربع منهن ومفارقة سائرهن, كرجل له امرأتان فطلق إحداهما ~~ثلاثا فيقال له: اختر أيتهما شئت; لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم. ~~فإن قيل: لو كان ذلك يختلف لسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت العقد. ~~قيل له: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك فاكتفى بعلمه عن ~~مسألته. # وأما حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه في قصة غيلان فإنه مما لا يشك ~~أهل النقل فيه أن معمرا1 أخطأ فيه بالبصرة, وأن أصل هذا الحديث مقطوع من ~~حديث PageV02P168 # الزهري, رواه مالك عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: "اختر منهن أربعا", ورواه عقيل بن ~~خالد عن ابن شهاب قال: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة. وكيف يجوز أن يكون عنده عن سالم عن ~~أبيه فيجعله بلاغا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد ويقال: إنه إنما جاء الغلط ~~من قبل أن معمرا كان عنده عن الزهري حديثان في قصة غيلان, أحدهما هذا وهو ~~بلاغ عن عثمان بن محمد بن أبي سويد, والآخر حديثه عن سالم عن أبيه أن غيلان ~~بن سلمة طلق نساءه في زمن عمر وقسم ماله بين ورثته فقال له عمر: "لئن لم ~~تراجع نساءك ثم مت لأورثهن ثم لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال", فأخطأ ~~معمر وجعل إسناد هذا الحديث لحديث إسلامه مع النسوة. # PageV02P169 # فصل # قال أبو بكر: والمنصوص على تحريمه في الكتاب هو الجمع بين الأختين, وقد ~~وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها, رواه علي ~~وابن عباس وجابر وابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة ~~وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها ms1190 ولا على بنت أختها" وفي بعضها: "لا ~~الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى". على اختلاف بعض الألفاظ مع ~~اتفاق المعنى; وقد تلقاها الناس بالقبول مع تواترها واستفاضتها. وهي من ~~الأخبار الموجبة للعلم والعمل, فوجب استعمال حكمها مع الآية. # PageV02P169 # مطلب: شذت طائفة من الخوارجى بإباحة الجمع ببين غير الأختين من المحارم # وشذت طائفة من الخوارج بإباحة الجمع بين من عدا الأختين لقوله تعالى: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} وأخطأت في ذلك وضلت عن سواء السبيل; لأن الله ~~تعالى كما قال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه} وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بين من ذكرنا, فوجب أن يكون ~~مضموما إلى الآية, فيكون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} مستعملا فيمن ~~عدا الأختين وعدا من بين النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بينهن. وليس ~~يخلو قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} من أن يكون نزل قبل حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتحريم من حرم الجمع بينهن أو معه أو بعده, وغير جائز ~~أن يكون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} بعد الخبر; لأن قوله تعالى: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} مرتب على تحريم من ذكر تحريمهن منهن; لأن قوله: ~~{ما وراء ذلكم} المراد به ما وراء من تقدم ذكر تحريمهن, وقد كان قبل تحريم ~~الجمع بين # PageV02P169 # الأختين جميع ذلك مباحا. فعلمنا أن تحريم من ذكر تحريم الجمع بينهن في ~~الخبر لم يكن قبل تحريم الجمع بين الأختين; وإذا امتنع أن يكون الخبر قبل ~~الآية لم يخل من أن يكون معها أو بعدها, فإن كان معها فلم ترد الآية إلا ~~خاصة فيمن عدا ما ذكر في الخبر تحريم جمعهن, وعلمنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ذلك عقيب تلاوة الآية وبين مراد الله تعالى بها, فلم يعقل ~~السامعون للآية حكما إلا خاصا على ما بيناه. وإن كان حكم الآية استقر على ~~مقتضى عموم لفظها ثم ورد الخبر, فإن ms1191 هذا لا يكون إلا على وجه النسخ, ونسخ ~~القرآن جائز بمثله لتواتره واستفاضته وكونه في حيز الأخبار الموجبة للعلم ~~والعمل, فإن لم يثبت عندنا تاريخ الآية والخبر مع حصول اليقين بأنه غير ~~منسوخ بالآية; لأنه لم يرد قبلها على ما بينا آنفا, وجب استعماله مع الآية. ~~وأولى الأشياء أن يكون الآية والخبر وردا معا; لأنه ليس عندنا علم ~~بتاريخهما, وغير جائز لنا الحكم بتأخره عن الآية ونسخ بعض أحكام الآية به; ~~لأن ذلك لا يكون إلا بعد استقرار حكمها, وليس عندنا علم باستقرار حكم الآية ~~على عمومها ثم ورد النسخ عليها بالخبر, فوجب الحكم بورودهما معا; ولأن ~~الآية والخبر إذا لم يعلم تاريخهما وجب الحكم بهما معا, كالغرقى والقوم ~~الذين يقع عليهم البيت إذا لم يعلم موت أحدهم متقدما على الآخر حكمنا ~~بموتهم جميعا معا; والله أعلم # PageV02P170 # باب تحريم نكاح ذوات الأزواج # قال الله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} عطفا على من ~~حرم من النساء من عند قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} فروى سفيان عن حماد ~~عن إبراهيم عن عبد الله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: ~~ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين وقال علي بن أبي طالب: "ذوات الأزواج ~~من المشركين". وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "كل ذات زوج إتيانها زنا ~~إلا ما سبيت". # قال أبو بكر: اتفق هؤلاء على أن المراد بقوله تعالى: {والمحصنات من ~~النساء} ذوات الأزواج منهن وأن نكاحها حرام ما دامت ذات زوج, واختلفوا في ~~قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} , فتأوله علي وابن عباس في رواية, وعمر ~~وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر: أن الآية إنما وردت في ذوات الأزواج من ~~السبايا أبيح وطؤهن بملك اليمين, ووجب بحدوث السبي عليها دون زوجها وقوع ~~الفرقة بينهما; وكانوا يقولون: إن بيع الأمة لا يكون طلاقا ولا يبطل ~~نكاحها. وتأوله ابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن ~~عباس في رواية عكرمة: أنه في جميع ms1192 ذوات الأزواج من السبايا وغيرهم; وكانوا ~~يقولون: بيع الأمة طلاقها. وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا # PageV02P170 # أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن ميسرة قال: حدثنا يزيد بن زريع ~~قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد ~~الخدري: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس, فلقوا عدوا ~~فقاتلوهم وظهروا عليهم فأصابوا منهم سبايا لهن أزواج من المشركين, فكان ~~المسلمون يتحرجون من غشيانهن, فأنزل الله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ~~ما ملكت أيمانكم} أي هن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. وقد ذكر أن أبا علقمة ~~هذا رجل جليل من أهل العلم, وقد روى عنه يعلى بن عطاء, وروى هو هذا الحديث ~~عن أبي سعيد, وله أحاديث عن أبي هريرة وهذا حديث صحيح السند قد أخبر فيه ~~بسبب نزول الآية وأنها في السبايا, وتأولها ابن مسعود ومن وافقه على جميع ~~النساء ذوات الأزواج إذا ملكن حل وطؤهن لمالكهن ووقعت الفرقة بينهن وبين ~~أزواجهن. # فإن قيل: أنتم لا تعتبرون السبب وإنما تراعون حكم اللفظ إن كان عاما فهو ~~على عمومه حتى تقوم دلالة الخصوص فهلا اعتبرت ذلك في هذه الآية وجعلتها على ~~العموم في سائر من يطرأ عليه الملك من النساء ذوات الأزواج فينتظم السبايا ~~وغيرهن قيل له: الدلالة ظاهرة في الآية على خصوصها في السبابا, وذلك لأنه ~~قال: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} , فلو كان حدوث الملك ~~موجبا لإيقاع الفرقة لوجب أن تقع الفرقة بينها وبين زوجها إذا اشترتها ~~امرأة أو أخوها من الرضاعة لحدوث الملك. # فإن قيل: جائز أن يقال ذلك في سائر ما طرأ عليهن الملك, سواء كان حدوث ~~الملك سببا لإباحة الوطء أو لم يكن بأن تملكها امرأة أو رجل لا يحل له ~~وطؤها قيل له: فشأن الآية إنما هو فيمن حدث له ملك اليمين فأباحت له وطأها; ~~لأنه استثناء بملك اليمين من حظر وطء المحصنات من النساء, فواجب على ذلك ~~أنه إذا ms1193 لم يستبح المالك وطأها بملك اليمين أن تكون الزوجية قائمة بينها ~~وبين زوجها بحكم الآية, وإذا وجب ذلك بحكم الآية وجب أن يكون قوله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} خاصا في السبايا, ويكون السبب ~~الموجب للفرقة اختلاف الدارين لا حدوث الملك ويدل على أن حدوث الملك لا ~~يوجب الفرقة ما روى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أنها اشترت بريرة ~~فأعتقتها وشرطت لأهلها الولاء, فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "الولاء لمن أعتق" وقال لها: "يا بريرة اختاري فالأمر إليك" ; ورواه ~~سماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة مثله. وروى قتادة عن عكرمة ~~عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا, فقضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها أن "الولاء لمن أعطى الثمن" وخيرها # PageV02P171 # فإن قيل: فقد روى ابن عباس في أمر بريرة ما روى, ثم قال بعد ذلك: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "بيع الأمة طلاقها" فينبغي أن يقضي قوله هذا على ~~ما رواه; لأنه لا يجوز أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه. ~~قيل له: قد روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في السبايا وأن بيع الأمة لا ~~يوقع فرقة بينها وبين زوجها, فجائز أن يكون الذي ذكرت عنه من أن بيع الأمة ~~طلاقها كان يقول قبل أن تثبت عنده قصة بريرة وتخيير النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياها بعد الشرى, فلما سمع بقصة بريرة رجع عن قوله. وأيضا يحتمل أن ~~يريد بقوله: "بيع الأمة طلاقها " إذا اشتراها الزوج ولا يبقى النكاح مع ~~الملك. والنظر يدل على أن بيع الأمة ليس بطلاق ولا يوجب الفرقة; وذلك; لأن ~~الطلاق لا يملكه غير الزوج ولا يصح إلا بإيقاعه أو بسبب من قبله, فلما لم ~~يكن من الزوج في ذلك سبب وجب أن لا يكون طلاقا. ويدل أيضا على ذلك أن ملك ~~اليمين لا ينافي النكاح; لأن الملك موجود قبل البيع غير ms1194 ناف للنكاح, فكذلك ~~ملك المشتري لا ينافيه. # فإن قيل: لما طرأ ملك المشتري ولم يكن منه رضا بالنكاح وجب أن ينفسخ. قيل ~~له: هذا غلط; لأنه قد ثبت أن الملك لا ينافي النكاح, والمعنى الذي ذكرت إن ~~كان معتبرا فإنما يوجب للمشتري خيارا في فسخ النكاح, وليس هذا قول أحد; لأن ~~عبد الله بن مسعود ومن تابعه يوجبون فسخ النكاح بحدوث الملك. # PageV02P172 # مطلب: في حكم الزوجين الحربيين إذا سبيا معا # واختلف الفقهاء في الزوجين إذا سبيا معا, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر: "إذا سبي الحربيان معا وهما زوجان فهما على النكاح, وإن سبي أحدهما ~~قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام فقد وقعت الفرقة" وهو قول الثوري وقال ~~الأوزاعي: "إذا سبيا جميعا فما كانا في المقاسم فهما على النكاح, فإذا ~~اشتراهما رجل فإن شاء جمع بينهما وإن شاء فرق بينهما فاتخذها لنفسه أو ~~زوجها غيره بعدما يستبرئها بحيضة" وهو قول الليث بن سعد. وقال الحسن بن ~~صالح: "إذا سبيت ذات زوج استبرئت بحيضتين; لأن زوجها أحق بها إذا جاء في ~~عدتها, وغير ذات الأزواج بحيضة". وقال مالك والشافعي: "إذا سبيت بانت من ~~زوجها سواء كان معها زوجها أو لم يكن". قال أبو بكر: قد ثبت أن حدوث الملك ~~غير موجب للفرقة بدلالة الأمة المبيعة والموروثة, فوجب أن لا تقع الفرقة ~~بالسبي نفسه; لأنه ليس فيه أكثر من حدوث الملك. ودليل آخر, وهو أن حدوث ~~الرق عليها لا يمنع ابتداء العقد, فلأن لا يمنع بقاءه أولى; لأن البقاء هو ~~آكد في ثبوت النكاح معه من الابتداء ألا ترى أنه قد يمنع الابتداء ما لا ~~يمنع البقاء وهو حدوث العدة عليها من وطء بشبهة يمنع ابتداء العقد ولا يمنع ~~بقاء العقد # PageV02P172 # المتقدم؟ فإن احتجوا بحديث أبي سعيد الخدري في قصة سبايا أوطاس وسبب نزول ~~الآية عليها وهو قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} لم يفرق ~~بين من سبيت مع زوجها أو وحدها. قيل له: روى حماد قال: أخبرنا الحجاج ms1195 عن ~~سالم المكي عن محمد بن علي قال: "لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال ~~وأخذت النساء, فقال المسلمون: كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فأخبر أن الرجال لحقوا بالجبال ~~وأن السبايا كن منفردات عن الأزواج والآية فيهن نزلت. وأيضا لم يأسر النبي ~~صلى الله عليه وسلم في غزاة حنين من الرجال أحدا فيما نقل أهل المغازي, ~~وإنما كانوا من بين قتيل أو مهزوم. وسبى النساء, ثم جاءه الرجال بعدما وضعت ~~الحرب أوزارها فسألوه أن يمن عليهم بإطلاق سباياهم, فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" وقال للناس: "من رد ~~عليهم فذاك ومن تمسك بشيء منهن فله خمس فرائض في كل رأس" وأطلق الناس ~~سباياهم, فثبت بذلك أنه لم يكن مع السبايا أزواجهن. # فإن احتجوا بعموم قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} لم ~~يخصص من معهن أزواجهن والمنفردات منهن. قيل له: قد اتفقنا على أنه لم يرد ~~عموم الحكم في إيجاب الفرقة بالملك; لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة ~~بشرى الأمة وهبتها بالميراث وغيره من وجوه الأملاك الحادثة, فلما لم يكن ~~ذلك كذلك علمنا أن الفرقة لم تتعلق بحدوث الملك وكان ذلك دليلا على مراد ~~الآية, وذلك; لأنه إذا لم يخل مراد الله تعالى في المعنى الموجب للفرقة في ~~المسبية من أحد وجهين: إما اختلاف الدارين بهما, أو حدوث الملك, ثم قامت ~~دلالة السنة واتفاق الخصم معنا على نفي إيجاب الفرقة بحدوث الملك, قضى ذلك ~~على مراد الآية بأنه اختلاف الدارين, وأوجب ذلك خصوص الآية في المسبيات دون ~~أزواجهن. # PageV02P173 # مطلب: إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة أو ذمية # ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بينهما # ويدل على أن المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين, أنهما لو خرجا ~~مسلمين أو ذميين لم تقع بينهما فرقة; لأنهما لم تختلف بهما الداران, فدل ~~ذلك على أن المعنى الموجب للفرقة بين المسبية وزوجها إذا ms1196 كانت منفردة ~~اختلاف الدارين بهما; ويدل عليه أن الحربية إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية ~~ثم لم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف, وقد حكم الله تعالى بذلك في ~~المهاجرات في قوله: {ولا جناح عليكم أن # PageV02P173 # تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} [الممتحنة: 10] ثم قال: {ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر} [الممتحنة: 10] . # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} يقتضي إباحة الوطء بملك ~~اليمين لوجود الملك, إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي عنه ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا شريك ~~عن قيس بن وهب عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري, أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ~~حيضة". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور ~~قال: حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ~~أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: قام فينا خطيبا ~~فقال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول يوم حنين: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع ~~غيره حتى يستبرئها بحيضة". قال أبو داود: ذكر الاستبراء هاهنا وهم من أبي ~~معاوية, وهو صحيح في حديث أبي سعيد. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا مسكين قال: حدثنا شعبة عن يزيد بن خمير ~~عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي الدرداء, أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان في غزوة, فرأى امرأة مجحا1 فقال: لعل صاحبها ألم بها؟ ~~قالوا: نعم, قال: "لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره, كيف يورثه وهو ~~لا يحل له وكيف يستخدمه2 وهو لا يحل له". فهذه الأخبار تمنع من استحدث ملكا ~~في جارية ms1197 أن يطأها حتى يستبرئها إن كانت حائلا, وحتى تضع حملها إن كانت ~~حاملا; وليس بين فقهاء الأمصار خلاف في وجوب استبراء المسبية على ما ذكرنا; ~~إلا أن الحسن بن صالح قال: "عليها العدة حيضتين إذا كان لها زوج في دار ~~الحرب" وقد ثبت بحديث أبي سعيد إلى ذكرنا الاستبراء بحيضة واحدة, وليس هذا ~~الاستبراء بعدة; لأنها لو كانت عدة لفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ذوات ~~الأزواج منهن وبين من ليس لها زوج منهن; لأن العدة لا تجب إلا عن فراش, ~~فلما سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين من كان لها فراش وبين من لم يكن لها ~~فراش دل ذلك على أن هذه الحيضة ليست بعدة. PageV02P174 # فإن قيل: قد ذكر في حديث أبي سعيد الذي ذكرت: "إذا انقضت عدتهن" فجعل ذلك ~~عدة. قيل له: يجوز أن تكون هذه اللفظة من كلام الراوي تأويلا منه للاستبراء ~~أنه عدة, وجائز أن تكون العدة لما كان أصلها استبراء الرحم أجري اسم العدة ~~على الاستبراء على وجه المجاز. # قال أبو بكر: وقد روي في قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم} تأويل آخر: روى زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: "ذوات ~~الأزواج" ورجع ذلك إلى قوله: حرم الله الزنا. وروى معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه في قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: ~~"فزوجتك مما ملكت يمينك" يقول: حرم الله تعالى الزنا, لا يحل لك أن تطأ ~~امرأة إلا ما ملكت يمينك. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: {والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: "نهي عن الزنا". وعن عطاء بن السائب قال: ~~"كل محصنة عليك حرام إلا امرأة تملكها بنكاح". قال أبو بكر: وكأن تأويلها ~~عند هؤلاء أن ذوات الأزواج حرام إلا على أزواجهن; وليس يمتنع أن يكون ذلك ~~من مراد الله تعالى بالآية لاحتمال اللفظ له, وذلك لا يمنع إرادة المعاني ~~التي تأولها الصحابة عليها من إباحة وطء السبايا اللاتي لهن ms1198 أزواج حربيون ~~فيكون محمولا على الأمرين, والأظهر أن ملك اليمين هي الأمة دون الزوجات; ~~لأن الله قد فرق بينهما, فقال الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 5 و6] فجعل ملك اليمين غير ~~الزوجات; والإطلاق إنما يتناول الإماء المملوكات دون الزوجات, وهي كذلك في ~~الحقيقة; لأن الزوج لا يملك من زوجته شيئا وإنما له منها استباحة الوطء ~~ومنافع بضعها في ملكها دونه, ألا تري أنها لو وطئت بشبهة وهي تحت زوج كان ~~المهر لها دونه؟ فدل ذلك على أنه لا يملك من زوجته شيئا, فوجب أن يحمل قوله ~~تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} على من يملكها في الحقيقة وهي المسبية. # قوله تعالى: {كتاب الله عليكم} روي عن عبيدة قال: "أربع" وإنما نصب" كتاب ~~الله "; لأنهم يقولون: إن معنى {كتاب الله عليكم} أي كتب الله عليكم ذلك; ~~وقيل: معناه حرم ذلك كتابا من الله عليكم; وهذا تأكيد لوجوبه وإخبار منه ~~لنا بفرضه; لأن الكتاب هو الفرض. # قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} . روي عن عبيدة السلماني والسدي: ~~"أحل لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح". وقال عطاء: ~~"أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم". وقال قتادة: {ما وراء ذلكم} : ~~"ما ملكت # PageV02P175 # أيمانكم". وقيل: "ما وراء ذوات المحارم وما وراء الزيادة على الأربع أن ~~تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين" قال أبو بكر: هو عام فيما عدا المحرمات ~~في الآية وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P176 # باب المهور # قال الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} فعقد ~~الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع هو مال; فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن ~~بدل البضع واجب أن يكون ما يستحق به تسليم مال. والثاني: أن يكون المهر ما ~~يسمى أموالا. وذلك; لأن هذا خطاب لكل أحد في إباحة ما وراء ذلك أن يبتغي ~~البضع بما يسمى أموالا, كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} خطاب ~~لكل أحد في تحريم أمهاته ms1199 وبناته عليه, وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز أن ~~يكون المهر الشيء التافه الذي لا يسمى أموالا. # واختلف الفقهاء في مقدار المهر, فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لا ~~مهر أقل من عشرة دراهم", وهو قول الشعبي وإبراهيم في آخرين من التابعين, ~~وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد. وقال أبو سعيد الخدري ~~والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء: "يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره". وتزوج ~~عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب, فقال بعض الرواة: قيمتها ثلاثة ~~دراهم وثلث, وقال آخرون: النواة عشرة أو خمسة. وقال مالك: "أقل المهر ربع ~~دينار". وقال ابن أبي ليلى والليث والثوري والحسن بن صالح والشافعي: "يجوز ~~بقليل المال وكثيره ولو درهم". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} ~~يدل على أن ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا وأن شرطه أن يسمى أموالا, هذا ~~مقتضى الآية وظاهرها, ومن كان له درهم أو درهمان لا يقال عنده أموال, فلم ~~يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر. فإن قيل: ومن عنده عشرة دراهم لا يقال ~~عنده أموال وقد أجزتها مهرا قيل له: كذلك يقتضي الظاهر, لكن أجزناها ~~بالاتفاق, وجائز تخصيص الآية بالإجماع; وأيضا قد روى حرام بن عثمان عن ابني ~~جابر عن أبيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا مهر أقل من عشرة ~~دراهم". وقال علي بن أبي طالب: "لا مهر أقل من عشرة دراهم". ولا سبيل إلى ~~معرفة هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى من طريق الاجتهاد ~~والرأي, وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق; وتقديره العشرة مهرا دون ما هو ~~أقل منها يدل على أنه # PageV02P176 # قاله توقيفا, وهو نظير ما روي عن أنس في أقل الحيض أنه ثلاثة أيام وأكثره ~~عشرة, وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي في أكثر النفاس أنه أربعون يوما; أن ~~ذلك توقيف; إذ لا يقال في مثله من طريق الرأي; وكذلك ما روي عن ms1200 علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه إذا قعد في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته, ~~فدل تقديره للفرض بمقدار التشهد أنه قاله من طريق التوقيف. # وقد احتج بعض أصحابنا لاعتبار العشرة أن البضع عضو لا تجوز استباحته إلا ~~بمال فأشبه القطع في السرقة, فلما كانت اليد عضوا لا تجوز استباحته إلا ~~بمال وكان المقدار الذي يستباح به عشرة على أصلهم, فكذلك المهر يعتبر به. ~~وأيضا لما اتفق الجميع على أنه لا تجوز استباحة البضع بغير بدل واختلفوا ~~فيما تجوز استباحته به من المقدار, وجب أن يكون باقيا على الحظر في منع ~~استباحته إلا بما قام دليل جوازه, وهو العشرة المتفق عليها وما دونها مختلف ~~فيه, فالبضع باق على حكم الحظر. وأيضا لما لم تجز استباحته إلا ببدل كان ~~الواجب أن يكون البدل الذي به يصح قيمة البضع هو مهر المثل وأن لا يحط عنه ~~شيء إلا بدلالة, ألا ترى أنه لو تزوجها على غير مهر لكان الواجب لها مهر ~~مثلها؟ وفي ذلك دليل على أن عقد النكاح يوجب مهر المثل, فغير جائز إسقاط ~~شيء من موجبه إلا بدلالة, وقد قامت دلالة الإجماع على جواز إسقاط ما زاد ~~على العشرة واختلفوا فيما دونه, فوجب أن يكون واجبا بإيجاب العقد له; إذ لم ~~تقم الدلالة على إسقاطه. # فإن قيل: لما قال الله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] اقتضى ذلك إيجاب نصف الفرض قليلا ~~كان أو كثيرا. قيل له: لما ثبت بما ذكرنا أن المهر لا يكون أقل من عشرة ~~دراهم كانت تسميتة لبعض العشرة تسمية لها, كسائر الأشياء التي لا تتبعض ~~تكون تسميته لبعضها تسمية لجميعها, كالطلاق والنكاح ونحوهما, وإذا كانت ~~العشرة لا تتبعض في العقد صارت تسميته لبعضها تسمية لجميعها, فإذا طلقها ~~قبل الدخول وجب لها نصف العشرة; لأن العشرة هي الفرض ألا ترى أنه لو طلق ~~امرأته نصف تطليقة كان مطلقا لها تطليقة كاملة, ولو طلق نصفها ms1201 كان مطلقا ~~لجميعها؟ وكذلك لو عفا عن نصف دم عمد كان عافيا عن جميعه؟ فلما كان ذلك ~~كذلك وجب أن تكون تسميته لخمسة تسمية للعشرة لقيام الدلالة على أن العشرة ~~لا تتبعض في عقد النكاح, فمتى أوجبنا بعد الطلاق خمسة كان ذلك نصف الفرض. ~~وأيضا فإنا نوجب نصف المفروض فلسنا مخالفين لحكم الآية, ونوجب الزيادة إلى ~~تمام الخمسة بدلالة أخرى, وإنما كان يكون مذهبنا خلاف الآية لو # PageV02P177 # لم نوجب نصف الفرض, فأما إذا أوجبناه وأوجبنا زيادة عليه بدلالة أخرى ~~فليس في ذلك مخالفة للآية. # واحتج من أجاز أن يكون المهر أقل من عشرة بحديث عامر بن ربيعة: أن امرأة ~~جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تزوجت رجلا على نعلين, فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: ~~نعم, فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبحديث أبي الزبير عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق ~~أو طعاما فقد استحل". وبحديث الحجاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة ~~الطائفي عن عبد الرحمن بن السلماني قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "أنكحوا الأيامى منكم" فقالوا: يا رسول الله وما العلائق بينهما؟ ~~قال: "ما تراضى به الأهلون". وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "من استحل بدرهمين فقد استحل" وأن عبد الرحمن بن عوف تزوج على وزن ~~نواة من ذهب وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" أولم ولو بشاة" ولم ~~ينكر ذلك عليه. وبحديث أبي حازم عن سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم قد وهبت نفسي لك يا رسول الله, فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "ما لي بالنساء من حاجة" فقال له رجل: زوجنيها فقال: هل ~~عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: إزاري هذا. فقال: إن أعطيتها إزارك جلست ~~ولا إزار لك , إلى أن قال: ms1202 "التمس ولو خاتما من حديد" ; فأجاز أن يكون ~~المهر خاتما من حديد, وخاتم من حديد لا يساوي عشرة. # والجواب عن إجازته النكاح على نعلين أن النعلين قد يجوز أن تساويا عشرة ~~دراهم أو أكثر, فلا دلالة فيه على موضع الخلاف; لأنه تزوجها على نعلين ثم ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون قيمتها عشرة أو أكثر, وليس ~~بعموم لفظ في إباحة التزويج على نعلين أي نعلين كانتا, فلا دلالة فيه على ~~قول المخالف. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بجواز النكاح, وجواز ~~النكاح لا يدل على أنه هو المهر لا غيره; لأنه لو تزوجها على غير مهر لكان ~~النكاح جائزا; ولم يدل جواز النكاح على أن لا شيء لها, كذلك جواز النكاح ~~على نعلين قيمتهما أقل من عشرة دراهم لا دلالة فيه على أنه لا يجب غيرهما. ~~وأما قوله: "من استحل بدرهمين أو بكف دقيق فقد استحل" فإنه إخبار عن ملك ~~البضع, لا دلالة فيه على أنه لا يجب غيره. وكذلك حديث عبد الرحمن في تزوجه ~~على وزن نواة من ذهب, وعلى أنه قد روي في الخبر أن قيمتها كانت خمسة أو ~~عشرة. وأما قوله: " العلائق ما تراضى به الأهلون" فإنه محمول على ما يجوز ~~مثله في الشرع, ألا ترى أنهم لو تراضوا بخمر أو خنزير أو شغار لما جاز ~~تراضيهما؟ كذلك في حكم التسمية يكون مرتبا على ما ثبت حكمه في الشرع من ~~تسمية العشرة. وأما حديث سهل بن سعد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره # PageV02P178 # بتعجيل شيء لها, وعلى ذلك كان مخرج كلامه; لأنه لو أراد ما يصح به العقد ~~من التسمية لاكتفى بإثباته في ذمته ما يجوز به العقد عن السؤال عما يعجل, ~~فدل ذلك على أنه لم يرد به ما يصح مهرا ألا ترى أنه لما لم يجد شيئا قال: ~~"زوجتكها بما معك من القرآن" وما معه من القرآن لا يكون مهرا؟ فدل ذلك على ~~صحة ما ذكرنا. # واختلف الفقهاء فيمن ms1203 تزوج امرأة على خدمته سنة, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف: "إذا تزوج امرأة على خدمته سنة فإن كان حرا فلها مهر مثلها, وإن كان ~~عبدا فلها خدمته سنة" وقال محمد: "لها قيمة خدمته إن كان حرا". وقال مالك: ~~"إذا تزوجها على أن يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر أو أقل ويكون ذلك صداقها فإنه ~~يفسخ النكاح إن لم يدخل بها, وإن دخل بها ثبت النكاح". وقال الأوزاعي: "إذا ~~تزوجها على أن يحجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فهو ضامن لنصف حجها من ~~الحملان والكسوة والنفقة". وقال الحسن بن صالح والشافعي: "النكاح جائز على ~~خدمته إذا كان وقتا معلوما". وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "إذا تزوجها ~~على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا ولها مهر مثلها" وهو قول مالك ~~والليث; وقال الشافعي: "يكون ذلك مهرا لها, فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها ~~بنصف أجرة التعليم إن كان قد علمها" وهي رواية المزني وحكى الربيع عنه أنه ~~يرجع عليها بنصف مهر مثلها. قال أبو بكر: قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} قد اقتضى أن يكون بدل البضع ما يستحق به تسليم ~~مال; لأن قوله: {أن تبتغوا بأموالكم} يحتمل معنيين: أحدهما: تمليك المال ~~بدلا من البضع, والآخر: تسليمه لاستيفاء منافعه, فدل ذلك على أن المهر الذي ~~يملك به البضع إما أن يكون مالا أو منافع في مال يستحق بها تسليمه إليها; ~~إذ كان قوله: {أن تبتغوا بأموالكم} يشتمل عليهما ويقتضيهما. # PageV02P179 # طلب: في أن المنافع لا تكون مهرا # ويدل على أن المهر حكمه أن يكون مالا قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وذلك لأن ~~قوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء:4] أمر يقتضي ظاهره الإيجاب, ~~ودل بفحواه على أن المهر ينبغي أن يكون مالا من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{وآتوا} [النساء:4] معناه: أعطوا, والإعطاء إنما يكون في الأعيان دون ~~المنافع; إذ المنافع لا يتأتى فيها الإعطاء على الحقيقة; ms1204 والثاني: قوله: ~~{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وذلك لا يكون ~~في المنافع وإنما هو في المأكول أو فيما يمكن صرفه بعد # PageV02P179 # الإعطاء إلى المأكول; فدلت هذه الآية على أن المنافع لا تكون مهرا. # فإن قيل: فهذا يوجب أن لا تكون خدمة العبد مهرا. قيل له: كذلك اقتضى ظاهر ~~الآية ولولا قيام الدلالة لما جاز, ويدل عليه نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن نكاح الشغار, وهو أن يزوجه أخته على أن يزوجه أخته أو يزوجه أمته على أن ~~يزوجه أمته وليس بينهما مهر, وهذا أصل في أن المهر لا يصح إلا أن يستحق به ~~تسليم مال, فلما أبطل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون منافع البضع مهرا; ~~لأنها ليست بمال دل ذلك على أن كل ما شرط من بدل البضع مما لا يستحق به ~~تسليم مال لا يكون مهرا, وكذلك قال أصحابنا لو تزوجها على عفو من دم عمد أو ~~على طلاق فلانة أن ذلك ليس بمهر مثل منافع البضع إذا جعلها مهرا, وقد قال ~~الشافعي: "إنه إذا سمى في الشغار لإحداهما مهرا أن النكاح جائز ولكل واحدة ~~منهما مهر مثلها" ولم يجعل البضع مهرا في الحال التي أجاز النكاح فيها, ~~ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار; فدل ذلك على معنيين: ~~أحدهما: أنه إذا كان الشغار في الأمتين كان المهر منافع البضع; لأن المهر ~~إنما يستحقه المولى, فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون منافع البضع ~~بدلا في النكاح. والثاني: إذا كان الشغار في الحرتين, وهو أن يقول: "أزوجك ~~أختي على أن تزوجني أختك أو أزوجك بنتي على أن تزوجني بنتك" فيكون هذا عقدا ~~عاريا من ذكر المهر لواحدة من المرأتين; لأنه شرط المنافع لغير المنكوحة ~~وهو الولي, فالشغار في أحد الوجهين يكون عقد نكاح عاريا عن تسمية بدل ~~للمنكوحة, وفي الوجه الآخر يكون بدل البضع منافع بضع آخر, فأبطل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك أن يكون بدلا ms1205 فصار أصلا في أن بدل البضع شرطه أن يستحق ~~به تسليم مال. # فإن قيل: إن منافع بضع الأمة حق في مال, فهلا كانت كالتزويج على خدمة ~~العبد قيل له: لأن خدمة العبد يستحق بها تسليم مال وهو رقبة العبد, ~~كالمستأجر له يستحق تسليم العبد إليه للخدمة, وزوج الأمة لا يستحق تسليمها ~~إليه بعقد النكاح; لأن للمولى أن لا يبوئها بيتا; وقوله تعالى: {أن تبتغوا ~~بأموالكم} قد اقتضى أن يستحق عليه بعقد النكاح تسليم مال بدلا من البضع. # وأما التزويج على تعليم سورة من القرآن فإنه لا يصح مهرا من وجهين: ~~أحدهما: ما ذكرنا من أنه لا يستحق به تسليم مال كخدمة الحر. والوجه الآخر: ~~أن تعليم القرآن فرض على الكفاية, فكل من علم إنسانا شيئا من القرآن فإنما ~~قام بفرض; وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"بلغوا عني ولو آية" فكيف يجوز أن يجعل عوضا للبضع, ولو جاز ذلك لجاز ~~التزويج على تعليم الإسلام؟ وهذا باطل; لأن ما أوجب الله تعالى على الإنسان ~~فعله فهو متى فعله فرضا فلا يستحق أن يأخذ عليه شيئا من # PageV02P180 # أعراض الدنيا, ولو جاز ذلك لجاز للحكام أخذ الرشى على الحكم, وقد جعل ~~الله ذلك سحتا محرما. # فإن احتج محتج بحديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد وهبت نفسي لك فقال رجل زوجنيها, إلى أن قال: "هل معك من ~~القرآن شيء" قال: نعم, سورة كذا, فقال عليه السلام: "قد زوجتكها بما معك من ~~القرآن"; وبما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن ~~حفص بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج ~~الباهلي عن عسل عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة بنحو قصة سهل بن سعد في ~~أمر المرأة, وقال فيه: "ما تحفظ من القرآن؟ " قال: سورة البقرة أو التي ~~تليها, قال: "قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك". ms1206 قيل له: معناه لما معك من ~~القرآن, كما قال تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون} [غافر:75] ومعناه: لما كنتم تفرحون وأيضا كون القرآن معه لا ~~يوجب أن يكون بدلا, والتعليم ليس له ذكر في هذا الخبر, فعلمنا أن مراده: ~~أني زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك من القرآن; وهو كما روى عبد الله بن ~~عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: إني آمنت ~~بهذا الرجل وشهدت أنه رسول الله فإن تابعتني تزوجتك, قال: فأنا على ما أنت ~~عليه; فتزوجته, فكان صداقها الإسلام. ومعناه أنها تزوجته لأجل إسلامه; لأن ~~الإسلام لا يكون صداقا لأحد في الحقيقة. وأما حديث إبراهيم بن طهمان فإنه ~~ضعيف السند, وقد روى هذه القصة مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد, فلم يذكر ~~أنه قال: "علمها" ولم يعارض بحديث إبراهيم بن طهمان, ولو صح هذا الحديث لم ~~يكن فيه دلالة على أنه جعل تعليم القرآن مهرا لأنه جائز أن يكون أمره ~~بتعليمها القرآن ويكون المهر ثابتا في ذمته; إذ لم يقل: إن تعليم القرآن ~~مهر لها # PageV02P181 # مطلب: في قوله {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} الآية # فإن قيل: قال الله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فجعل منافع الحر بدلا من البضع. قيل له: لم ~~يشرط المنافع للمرأة وإنما شرطها لشعيب النبي عليه السلام وما شرط للأب لا ~~يكون مهرا, فالاحتجاج به باطل في مسألتنا وأيضا لو صح أنها كانت مشروطة لها ~~وأنه إنما أضافها إلى نفسه لأنه هو المتولي للعقد, أو لأن مال الولد منسوب ~~إلى الوالد كقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" فهو منسوخ بالنهي ~~عن الشغار. # وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} يدل على أن عتق الأمة لا يكون صداقا ~~لها; إذ # PageV02P181 # كانت الآية مقتضية لكون بدل البضع ما يستحق به تسليم مال إليها, وليس في ~~العتق تسليم مال وإنما فيه ms1207 إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال ~~إليها ألا ترى أن الرق الذي كان المولى يملكه لا ينتقل إليها وإنما يتلف به ~~ملكه؟ فإذا لم يحصل لها به مال أو لم تستحق به تسليم مال إليها لم يكن ~~مهرا. # PageV02P182 # مطلب: في أنه عليه السلام كان له أن يتزوج بغير مهر # وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها; فلأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج بغير مهر, وكان مخصوصا به دون ~~الأمة, قال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] فكان صلى الله عليه ~~وسلم مخصوصا بجواز ملك البضع بغير بدل كما كان مخصوصا بجواز تزويج التسع ~~دون الأمة. # قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] يدل أيضا على أن العتق لا يكون صداقا من ~~وجوه: أحدها: أنه قال: {وآتوهن} [النساء:4] وذلك أمر يقتضي الإيجاب, وإعطاء ~~العتق لا يصح. والثاني: قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} والعتق ~~لا يصح فسخه بطيب نفسها عن شيء منه. والثالث: قوله تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} وذلك محال في العتق. # قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} . قال أبو بكر: يحتمل قوله تعالى: ~~{محصنين غير مسافحين} وجهين: أحدهما: الحكم بكونهم محصنين بعقد النكاح ~~والإخبار عن حالهم إذا نكحوا. والثاني: أن يكون الإحصان شرطا في الإباحة ~~المذكورة في قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ; فإن كان المراد الوجه ~~الأول فإطلاق الإباحة عموم يصح اعتباره فيما انتظمه إلا ما قام دليله, وإن ~~أراد الوجه الثاني كان إطلاق الإباحة مجملا لأنه معقود بشريطة حصول الإحصان ~~به, والإحصان لفظ مجمل مفتقر إلى البيان, فلا يصح حينئذ الاحتجاج به, ~~والأولى حمله على الإخبار عن حصول الإحصان بالتزويج لإمكان استعماله, وذلك ~~لأنه متى ورد لفظ يحتمل أن يكون عموما يمكننا استعمال ظاهره ويحتمل أن يكون ~~مجملا موقوف ms1208 الحكم على البيان, فالواجب حمله على معنى العموم دون الإجمال ~~لما فيه من استعمال حكمه عند وروده, فعلينا المصير إليه; وغير جائز حمله ~~على وجه يسقط عنا استعماله إلا بورود بيان من غيره, وفي نسق التلاوة وفحوى ~~الآية ما يوجب أن يكون ذكر الإحصان إخبارا عن كونه محصنا بالنكاح وذلك لأنه ~~قال: {محصنين غير مسافحين} والسفاح هو الزنا, فأخبر أن # PageV02P182 # الإحصان المذكور هو ضد الزنا وهو العفة, وإذا كان المراد بالإحصان في هذا ~~الموضع العفاف فقد حصل على وجه لا يكون مجملا; لأن تقديره: وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم عفة غير زنا; وهذا لفظ ظاهر المعنى بين ~~المراد, فيوجب ذلك معنيين: أحدهما: إطلاق لفظ الإباحة وكونه عموما, والآخر: ~~الإخبار بأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا محصنين غير مسافحين, والإحصان لفظ مشترك ~~متى أطلق لم يكن عموما كسائر الألفاظ المشتركة; وذلك لأنه اسم يقع على معان ~~مختلفة وأصله المنع ومنه سمي الحصن لمنعه من صار فيه من أعدائه, ومنه الدرع ~~الحصينة أي المنيعة, والحصان بالكسر الفحل من الأفراس لمنعه راكبه من ~~الهلاك, والحصان بالنصب العفيفة من النساء لمنعها فرجها من الفساد; قال ~~حسان في عائشة رضي الله عنهما: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # وقال الله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات} [النور: 23] يعني ~~العفائف والإحصان في الشرع اسم يقع على معان مختلفة غير ما كان الاسم لها ~~في اللغة, فمنها الإسلام, قال الله تعالى: {فإذا أحصن} , روي: فإذا أسلمن; ~~ويقع على التزويج; لأنه قد روي في التفسير أيضا أن معناه: فإذا تزوجن. وقال ~~تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ومعناه: ~~ذوات الأزواج. ويقع على العفة في قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات} ~~[النور: 23] ويقع على الوطء بنكاح صحيح في إحصان الرجم. والإحصان في الشرع ~~يتعلق به حكمان: أحدهما: في إيجاب الحد على قاذفه في قوله تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات} [النور: 4] فهذا يعتبر فيه العفاف والحرية والإسلام والعقل ~~والبلوغ, فما لم يكن ms1209 على هذه الصفة لم يجب على قاذفه الحد لأنه لا حد على ~~قاذف المجنون والصبي الزاني والكافر والعبد; فهذه الوجوه من الإحصان معتبرة ~~في إيجاب الحد على القاذف والحكم الآخر هو الإحصان الذي يتعلق به إيجاب ~~الرجم إذا زنى, وهذا الإحصان يشتمل على الإسلام والعقل والبلوغ والحرية ~~والنكاح الصحيح مع الدخول بها وهما على هذه الصفة, فإن عدم شيء من هذه ~~الخلال لم يكن عليه الرجم إذا زنى. والسفاح هو الزنا, قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أنا من نكاح ولست من سفاح". وقال مجاهد والسدي في قوله تعالى: ~~{غير مسافحين} قالا: "غير زانين". ويقال إن أصله من سفح الماء وهو صبه, ~~ويقال: سفح دمعه وسفح دم فلان وسفح الجبل أسفله, لأنه موضع مصب الماء, ~~وسافح الرجل إذا زنى لأنه صب ماءه من غير أن يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب ~~ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح, فسمي مسافحا لأنه لم يكن له من فعله هذا ~~غير صب الماء, وقد أفاد ذلك نفي نسب # PageV02P183 # الولد المخلوق من مائه منه وأنه لا يلحق به ولا تجب على المرأة العدة منه ~~ولا تصير فراشا ولا يجب عليه مهر ولا يتعلق بذلك الوطء شيء من أحكام ~~النكاح; هذه المعاني كلها في مضمون هذا اللفظ, والله أعلم بالصواب. # PageV02P184 # باب المتعة # قال الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} قال أبو ~~بكر: هو عطف على ما تقدم ذكره من إباحة نكاح ما وراء المحرمات في قوله ~~تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ثم قال: {فما استمتعتم به منهن} يعني: ~~دخلتم بهن, {فآتوهن أجورهن فريضة} كاملة, وهو كقوله تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] وقوله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: ~~20] . والاستمتاع هو الانتفاع, وهو ههنا كناية عن الدخول, قال الله تعالى: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] يعني ~~تعجلتم الانتفاع بها, وقال: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة: 69] يعني: بحظكم ~~ونصيبكم من الدنيا; فلما حرم الله تعالى من ذكر تحريمه في قوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} ms1210 وعنى به نكاح الأمهات ومن ذكر معهن, ثم عطف عليه قوله: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} اقتضى ذلك إباحة النكاح فيمن عدا المحرمات ~~المذكورة, ثم قال: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} يعني والله أعلم: نكاحا ~~تكونوا به محصنين عفائف {غير مسافحين} ثم عطف عليه حكم النكاح إذا اتصل به ~~الدخول بقوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} فأوجب على الزوج كمال ~~المهر. وقد سمى الله المهر أجرا في قوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن} فسمى المهر أجرا, وكذلك الأجور المذكورة في هذه الآية هي المهور. ~~وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان, كما سمي بدل ~~منافع الدار والدابة أجرا. # PageV02P184 # مطلب: في دليل قول أبي حنيفة من استأجر امرأة فزنى بها لا حد عليه # وفي تسمية الله المهر أجرا دليل على صحة قول أبي حنيفة فيمن استأجر امرأة ~~فزنى بها أنه لا حد عليه; لأن الله تعالى قد سمى المهر أجرا, فهو كمن قال: ~~"أمهرك كذا "; وقد روي نحوه عن عمر بن الخطاب. ومثل هذا يكون نكاحا فاسدا; ~~لأنه بغير شهود; وقال تعالى في آية أخرى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن} [الممتحنة: 10] وقد كان ابن عباس يتأول قوله تعالى: {فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} على متعة النساء; وروي عنه فيها أقاويل, ~~روي أنه كان يتأول الآية على إباحة # PageV02P184 # المتعة. ويروى أن في قراءة أبي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل ~~مسمى فآتوهن أجورهن وروي عنه أنه لما قيل له إنه قد قيل فيها الأشعار قال: ~~هي كالمضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير, فأباحها في هذا القول عند ~~الضرورة. وروي عن جابر بن زيد أن ابن عباس نزل عن قوله في الصرف وقوله في ~~المتعة. وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن بكير عن الليث عن بكير بن عبد الله بن ~~الأشج عن عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن ms1211 المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ ~~فقال ابن عباس: لا سفاح ولا نكاح, قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله ~~تعالى, قلت له: هل لها من عدة؟ قال: نعم, عدتها حيضة, قلت: هل يتوارثان؟ ~~قال: لا. وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء ~~عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن} قال: ~~نسختها {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ; ~~وهذا يدل على رجوعه عن القول بالمتعة وقد روي عن جماعة من السلف أنها زنا; ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل ويونس عن ابن شهاب عن عبد ~~الملك بن المغيرة بن نوفل عن ابن عمر أنه سئل عن المتعة فقال: "ذلك ~~السفاح". وروي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان نكاح المتعة بمنزلة ~~الزنا". # فإن قيل: لا يجوز أن تكون المتعة زنا; لأنه لم يختلف أهل النقل أن المتعة ~~قد كانت مباحة في بعض الأوقات أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبح ~~الله تعالى الزنا قط. قيل له: لم تكن زنا في وقت الإباحة, فلما حرمها الله ~~تعالى جاز إطلاق اسم الزنا عليها, كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "الزانية هي التي تنكح نفسها بغير بينة, وأيما عبد تزوج بغير إذن ~~مولاه فهو عاهر"; وإنما معناه التحريم لا حقيقة الزنا; وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "العينان تزنيان والرجلان تزنيان, فزنا العين النظر وزنا ~~الرجلين المشي, ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه" ; فأطلق اسم الزنا في هذه ~~الوجوه على وجه المجاز; إذ كان محرما; فكذلك من أطلق اسم الزنا على المتعة ~~فإنما أطلقه على وجه المجاز وتأكيد التحريم. وحدثنا جعفر بن محمد قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن شعبة ~~عن قتادة ms1212 قال: سمعت أبا نضرة يقول: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن ~~الزبير ينهى عنها; قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار ~~الحديث, تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما قام عمر قال: إن ~~الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء, فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله ~~وانتهوا عن نكاح هذه النساء, لا أوتى برجل # PageV02P185 # نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته" فذكر عمر الرجم في المتعة; وجائز أن يكون ~~على جهة الوعيد والتهديد لينزجر الناس عنها. وقال: وحدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: "رحم ~~الله عمر, ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم الله بها أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا"1. # فالذي حصل من أقاويل ابن عباس القول بإباحة المتعة في بعض الروايات من ~~غير تقييد لها بضرورة ولا غيرها. والثاني: أنها كالميتة تحل بالضرورة. ~~والثالث: أنها محرمة; وقد قدمنا ذكر سنده وقوله أيضا إنها منسوخة. ومما يدل ~~على رجوعه عن إباحتها ما روى عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث ~~أن بكير بن الأشج حدثه: أن أبا إسحاق مولى بني هاشم حدثه: أن رجلا سأل ابن ~~عباس فقال: كنت في سفر ومعي جارية لي ولي أصحاب فأحللت جاريتي لأصحابي ~~يستمتعون منها؟ فقال: "ذاك السفاح" فهذا أيضا يدل على رجوعه. # وأما احتجاج من احتج فيها بقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن} وأن في قراءة أبي: "إلى أجل مسمى" فإنه لا يجوز إثبات الأجل في ~~التلاوة عند أحد من المسلمين, فالأجل إذا غير ثابت في القرآن, ولو كان فيه ~~ذكر الأجل لما دل أيضا على متعة النساء; لأن الأجل يجوز أن يكون داخلا على ~~المهر, فيكون تقديره: فما دخلتم به منهن بمهر إلى أجل مسمى فآتوهن مهورهن ~~عند حلول الأجل. # وفي فحوى الآية من الدلالة على أن المراد النكاح ms1213 دون المتعة ثلاثة أوجه: ~~أحدها أنه عطف على إباحة النكاح في قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} , ~~وذلك إباحة لنكاح من عدا المحرمات لا محالة; لأنهم لا يختلفون أن النكاح ~~مراد بذلك, فوجب أن يكون ذكر الاستمتاع بيانا لحكم المدخول بها بالنكاح في ~~استحقاقها لجميع الصداق. والثاني: قوله تعالى: {محصنين} والإحصان لا يكون ~~إلا في نكاح صحيح; لأن الواطئ بالمتعة لا يكون محصنا ولا يتناوله هذا ~~الاسم, فعلمنا أنه أراد النكاح. والثالث: قوله تعالى: {غير مسافحين} فسمى ~~الزنا سفاحا لانتفاء أحكام النكاح عنه من ثبوت النسب ووجوب العدة وبقاء ~~الفراش, إلى أن يحدث له قطعا; ولما كانت هذه المعاني موجودة في المتعة كانت ~~في معنى الزنا, ويشبه أن يكون من سماها سفاحا ذهب PageV02P186 # إلى هذا المعنى; إذ كان الزاني إنما سمي مسافحا لأنه لم يحصل له من وطئها ~~فيما يتعلق بحكمه إلا على سفح الماء باطلا من غير استلحاق نسب به; فمن حيث ~~نفى الله تعالى بما أحل من ذلك وأثبت به الإحصان اسم السفاح وجب أن لا يكون ~~المراد بالاستمتاع هو المتعة إذ كانت في معنى السفاح, بل المراد به النكاح. ~~وقوله تعالى: {غير مسافحين} شرط في الإباحة المذكورة. وفي ذلك دليل على ~~النهي عن المتعة; إذ كانت المتعة في معنى السفاح من الوجه الذي ذكرنا. # قال أبو بكر: فكان الذي شهر عنه إباحة المتعة من الصحابة عبد الله بن ~~عباس واختلفت الروايات عنه مع ذلك, فروي عنه إباحتها بتأويل الآية, وقد ~~بينا أنه لا دلالة في الآية على إباحتها, بل دلالات الآية ظاهرة في حظرها ~~وتحريمها من الوجوه التي ذكرنا. ثم روي عنه أنه جعلها بمنزلة الميتة ولحم ~~الخنزير والدم وأنها لا تحل إلا لمضطر; وهذا محال لأن الضرورة المبيحة ~~للمحرمات لا توجد في المتعة, وذلك لأن الضرورة المبيحة للميتة والدم هي ~~التي يخاف معها تلف النفس إن لم يأكل. وقد علمنا أن الإنسان لا يخاف على ~~نفسه ولا على شيء من أعضائه التلف بترك الجماع وفقده, ms1214 وإذا لم تحل في حال ~~الرفاهية والضرورة لا تقع إليها فقد ثبت حظرها واستحال قول القائل إنها تحل ~~عند الضرورة كالميتة والدم, فهذا قول متناقض مستحيل; وأخلق بأن تكون هذه ~~الرواية عن ابن عباس وهما من رواتها; لأنه كان رحمه الله أفقه من أن يخفى ~~عليه مثله; فالصحيح إذا ما روي عنه من حظرها وتحريمها وحكاية من حكى عنه ~~الرجوع عنها. # والدليل على تحريمها قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون} [المؤمنون: 5, 7] فقصر إباحة الوطء على أحد هذين الوجهين وحظر ما ~~عداهما بقوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} والمتعة خارجة ~~عنهما فهي إذا محرمة. # فإن قيل: ما أنكرت أن تكون المرأة المستمتع بها زوجة وأن المتعة غير ~~خارجة عن هذين الوجهين اللذين قصر الإباحة عليهما؟ قيل له: هذا غلط; لأن ~~اسم الزوجة إنما يقع عليها ويتناولها إذا كانت منكوحة بعقد نكاح, وإذا لم ~~تكن المتعة نكاحا لم تكن هذه زوجة. فإن قيل: ما الدليل على أن المتعة ليست ~~بنكاح؟ قيل له: الدليل على ذلك أن النكاح اسم يقع على أحد معنيين: وهو ~~الوطء والعقد, وقد بينا فيما سلف أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد, وإذا ~~كان الاسم مقصورا في إطلاقه على أحد هذين المعنيين وكان إطلاقه في العقد ~~مجازا على ما ذكرنا ووجدناهم أطلقوا الاسم على عقد تزويج مطلق أنه # PageV02P187 # نكاح ولم نجدهم أطلقوا اسم النكاح على المتعة فلا يقولون إن فلانا تزوج ~~فلانة إذا شرط التمتع بها, لم يجز لنا إطلاق اسم النكاح على المتعة,; إذ ~~المجاز لا يجوز إطلاقه إلا أن يكون مسموعا من العرب أو يرد به الشرع, فلما ~~عدمنا إطلاق اسم النكاح على المتعة في الشرع واللغة جميعا وجب أن تكون ~~المتعة ما عدا ما أباحه الله وأن يكون فاعلها عاديا ظالما لنفسه مرتكبا لما ~~حرمه الله وأيضا فإن النكاح له شرائط قد اختص بها متى ms1215 فقدت لم يكن نكاحا; ~~منها أن مضي الوقت لا يؤثر في عقد النكاح ولا يوجب رفعه, والمتعة عند ~~القائلين بها توجب رفع النكاح بمضي المدة. ومنها أن النكاح فراش. يثبت به ~~النسب من غير دعوة, بل لا ينتفي الولد المولود على فراش النكاح إلا ~~باللعان; والقائلون بالمتعة لا يثبتون النسب منه, فعلمنا أنها ليست بنكاح ~~ولا فراش. ومنها أن الدخول بها على النكاح يوجب العدة عند الفرقة, والموت ~~يوجب العدة دخل بها أو لم يدخل, قال الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] والمتعة لا ~~توجب عدة الوفاة, وقال تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] ولا ~~توارث عندهم في المتعة. فهذه هي أحكام النكاح التي يختص بها, إلا أن يكون ~~هناك رق أو كفر يمنع التوارث; فلما لم يكن في المتعة مانع من الميراث من ~~أحدهما بكفر أو رق ولا سبب يوجب الفرقة ولا مانع من ثبوت النسب مع كون ~~الرجل ممن يستفرش ويلحقه الأنساب لفراشه, ثبت بذلك أنها ليست بنكاح; فإذا ~~خرجت عن أن تكون نكاحا أو ملك يمين كانت محرمة بتحريم الله إياها في قوله: ~~{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] . # فإن قيل: انقضاء المدة الموجبة للبينونة هو الطلاق. قيل له: إن الطلاق لا ~~يقع إلا بصريح لفظ أو كناية, ولم يكن منه واحد منهما, فكيف يكون طلاقا ومع ~~ذلك فيجب على أصل هذا القائل أن لا تبين لو انقضت المدة وهي حائض; لأن ~~القائلين بإباحة المتعة لا يرون طلاق الحائض جائزا, فلو كانت البينونة ~~الواقعة بمضي المدة طلاقا لوجب أن لا يقع في حال الحيض, فلما أوقعوا ~~البينونة الواقعة بمضي الوقت وهي حائض دل ذلك على أنه ليس بطلاق وإن كانت ~~تبين بغير طلاق, ولا سبب من قبل الزوج يوجب الفرقة, ثبت أنها ليست بنكاح. # فإن قيل على ما ذكرنا من نفي النسب والعدة والميراث: ليس انتفاء هذه ~~الأحكام بمانع من أن تكون نكاحا; لأن الصغير لا يلحق ms1216 به نسب ويكون نكاحه ~~صحيحا, والعبد لا يرث والمسلم لا يرث الكافر ولم يخرجه انتفاء هذه الأحكام ~~عنه من أن يكون نكاحا. قيل له: إن نكاح الصغير قد تعلق به ثبوت النسب إذا ~~صار ممن يستفرش ويتمتع, # PageV02P188 # وأنت لا تلحقه نسب ولدها مع الوطء الذي يجوز أن يلحق به النسب في النكاح, ~~والعبد والكافر إنما لم يرثا للرق والكفر وهما يمنعان التوارث بينهما, وذلك ~~غير موجود في المتعة لأن كل واحد منهما من أهل الميراث من صاحبه; فإذا لم ~~يكن بينهما ما يقطع الميراث ثم لم يرث مع وجود المتعة علمنا أن المتعة ليست ~~بنكاح لأنها لو كانت نكاحا لأوجبت الميراث مع وجود سببه من غير مانع له من ~~قبلهما. وأيضا قد قال ابن عباس: إنها ليس بنكاح ولا سفاح; فإذا كان ابن ~~عباس قد نفى عنها اسم النكاح وجب أن لا تكون نكاحا; لأن ابن عباس لم يكن ~~ممن يخفى عليه أحكام الأسماء في الشرع واللغة, فإذا كان هو القائل بالمتعة ~~من الصحابة ولم يرها نكاحا ونفى عنها الاسم ثبت أنها ليست بنكاح. # ومما يوجب تحريمها من جهة السنة ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ~~ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية; وقال فيه غير ~~مالك: إن عليا قال لابن عباس: "إنك امرؤ تياه, إنما المتعة إنما كانت رخصة ~~في أول الإسلام نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر وعن لحوم ~~الحمر الإنسية". وروي هذا الحديث من طرق عن الزهري, رواه سفيان بن عيينة ~~وعبيد الله بن عمر في آخرين. وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري عن أبي ~~هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك: "إن الله تعالى حرم ~~المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث". وروى ms1217 عبد الواحد بن زياد قال: ~~حدثنا أبو عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أذن في متعة النساء عام أوطاس ثم نهى عنها" وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي قال: حدثنا محمد بن جعفر بن موسى ~~قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا أبو حنيفة عن نافع عن ابن عمر قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وما كنا ~~مسافحين. قال أبو بكر: قوله: "وما كنا مسافحين" يحتمل وجوها: أحدها: أنهم ~~لم يكونوا مسافحين حين أبيحت لهم المتعة, يعني أنها لو لم تبح لم يكونوا ~~ليسافحوا, ونفى بذلك قول من قال إنها أبيحت للضرورة كالميتة والدم ثم نهي ~~عنها بعد. والثاني: أنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك بعد النهي فيكونوا مسافحين, ~~ويحتمل أنهم لم يكونوا في حال الإباحة مسافحين بالتمتع; إذ كانت مباحة. وقد ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد ~~الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز ~~فتذاكرنا متعة النساء, فقال له رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد # PageV02P189 # على أبي أنه حدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حجة ~~الوداع. وروى عبد العزيز بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده: أن ذلك كان عام ~~الفتح; ورواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن ~~الربيع بن سبرة عن أبيه مثله, وذكر أنه كان عام الفتح; ورواه أنس بن عياض ~~الليثي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه ~~مثله, وقال: "كان في حجة الوداع". فلم تختلف الرواة في التحريم, واختلفوا ~~في التاريخ, فسقط التاريخ كأنه ورد غير مؤرخ, وثبت التحريم لاتفاق الرواة ~~عليه. ورواه أبو حنيفة عن الزهري عن محمد بن عبد الله عن سبرة الجهني: أن ~~رسول الله صلى ms1218 الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم فتح مكة. وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا ابن ناجية قال: حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال: ~~حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: حدثنا صدقة عن عبيد الله بن علي عن إسماعيل بن ~~أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج النساء اللاتي ~~استمتعنا بهن معنا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هن حرام إلى يوم ~~القيامة". # فإن قيل: هذه الأخبار متضادة لأن في حديث سبرة الجهني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أباحها لهم في حجة الوداع, وقال بعضهم: عام الفتح, وفي حديث علي ~~وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر, وخيبر كانت قبل ~~الفتح وقبل حجة الوداع, فكيف تكون مباحة عام الفتح أو في حجة الوداع وقد ~~حرمت قبل ذلك عام خيبر؟ قيل له: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن حديث ~~سبرة مختلف في تاريخه, فقال بعضهم: عام الفتح, وقال بعضهم: في حجة الوداع; ~~وفي كلا الحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحها في تلك السفرة ثم ~~حرمها, فلما اختلفت الرواة في تاريخه سقط التاريخ وحصل الخبر غير مؤرخ, فلا ~~يضاد حديث علي وابن عمر الذي اتفقا على تاريخه أنه حرمها يوم خيبر والوجه ~~الآخر أنه جائز أن يكون حرمها يوم خيبر ثم أحلها في حجة الوداع أو في فتح ~~مكة ثم حرمها, فيكون التحريم المذكور في حديث علي وابن عمر منسوخا بحديث ~~سبرة الجهني, ثم تكون الإباحة منسوخة بما في حديث سبرة أيضا; لأن ذلك غير ~~ممتنع. # فإن قيل: روى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود قال: ~~كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء, فقلنا: يا رسول ~~الله ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل, ثم قال: ~~{لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية. قيل له: هذه ~~المتعة هي ms1219 التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر الأخبار التي ~~ذكرنا, ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت, وليس في حديث ابن ~~مسعود ذكر التاريخ, فأخبار الحظر قاضية عليها لأن فيها ذكر الحظر بعد # PageV02P190 # الإباحة; وأيضا لو تساويا لكان الحظر أولى لما بيناه في مواضع; وأما ~~تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية عند إباحة المتعة, وهو قوله تعالى: ~~{لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] فإنه يحتمل أن يريد به ~~النهي عن الاستخصاء وتحريم النكاح المباح, ويحتمل المتعة في حال ما كانت ~~مباحة. وقد روي عن عبد الله أنها منسوخة بالطلاق والعدة والميراث; ويدل ~~عليه أنه قد علم أنها قد كانت مباحة في وقت, فلو كانت الإباحة باقية لورد ~~النقل بها مستفيضا متواترا لعموم الحاجة إليه ولعرفتها الكافة كما عرفتها ~~بديا ولما اجتمعت الصحابة على تحريمها لو كانت الإباحة باقية, فلما وجدنا ~~الصحابة منكرين لإباحتها موجبين لحظرها مع علمهم بديا بإباحتها دل ذلك على ~~حظرها بعد الإباحة ألا ترى أن النكاح لما كان مباحا لم يختلفوا في إباحته؟ ~~ومعلوم أن بلواهم بالمتعة لو كانت مباحة كبلواهم بالنكاح فالواجب إذا أن ~~يكون ورود النقل في بقاء إباحتها من طريق الاستفاضة. ولا نعلم أحدا من ~~الصحابة روي عنه تجريد القول في إباحة المتعة غير ابن عباس وقد رجع عنه حين ~~استقر عنده تحريمها بتواتر الأخبار من جهة الصحابة; وهذا كقوله في الصرف ~~وإباحته الدرهم بالدرهمين يدا بيد, فلما استقر عنده تحريم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إياه وتواترت عنده الأخبار فيه من كل ناحية رجع عن قوله وصار إلى ~~قول الجماعة, فكذلك كان سبيله في المتعة. # ويدل على أن الصحابة قد عرفت نسخ إباحة المتعة, ما روي عن عمر أنه قال في ~~خطبته: "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما ~~وأعاقب عليهما" وقال في خبر آخر: "لو تقدمت فيها لرجمت", فلم ينكر هذا ~~القول عليه منكر, لا سيما ms1220 في شيء قد علموا إباحته وأخباره بأنهما كانتا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن ~~يكونوا قد علموا بقاء إباحتها فاتفقوا معه على حظرها, وحاشاهم من ذلك لأن ~~ذلك يوجب أن يكونوا مخالفين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عيانا, وقد ~~وصفهم الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر; فغير جائز منهم التواطؤ على مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولأن ذلك يؤدي إلى الكفر وإلى الانسلاخ من الإسلام; لأن من علم إباحة النبي ~~صلى الله عليه وسلم للمتعة ثم قال هي محظورة من غير نسخ لها فهو خارج من ~~الملة. فإذا لم يجز ذلك علمنا أنهم قد علموا حظرها بعد الإباحة ولذلك لم ~~ينكروه, ولو كان ما قال عمر منكرا ولم يكن النسخ عندهم ثابتا لما جاز أن ~~يقاروه على ترك النكير عليه; وفي ذلك دليل على إجماعهم على نسخ المتعة; إذ ~~غير جائز حظر ما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طريق النسخ. # ومما يدل على تحريم المتعة من طريق النظر, أنا قد علمنا أن عقد النكاح ~~وإن كان # PageV02P191 # واقعا على استباحة منافع البضع, فإن استحقاق تلك المنافع بعقد النكاح ~~بمنزلة العقود على المملوكات من الأعيان وأنه مخالف لعقود الإجارات الواقعة ~~على منافع الأعيان ألا ترى أن عقد النكاح يصح مطلقا من غير شرط مدة مذكورة ~~له وأن عقود الإجارات لا تصح إلا على مدد معلومة أو على عمل معلوم؟ فلما ~~كان ذلك حكم العقد على منافع البضع أشبه عقود البياعات وما جرى مجراها إذا ~~عقدت على الأعيان, فلا يصح وقوعه موقتا كما لا يصح وقوع التمليكات في ~~الأعيان المملوكة موقتة, ومتى شرط فيه التوقيت لم يكن نكاحا فلا تصح ~~استباحة البضع كما لا يصح البيع إذا شرط فيه توقيت الملك, وكذلك الهبات ~~والصدقات; ولا يملكه بشيء من هذه العقود ملكا موقتا; وكذلك منافع البضع لما ~~جرت مجرى الأعيان المملوكة لم ms1221 يصح فيها التوقيت. # ومما يحتج به القائلون بإباحة المتعة اتفاق الجميع على أنها قد كانت ~~مباحة في وقت من الزمان ثم اختلفنا في الحظر, فنحن ثابتون على ما حصل ~~الاتفاق عليه ولا نزول عنه بالاختلاف. فيقال لهم: الأخبار التي بها تثبت ~~الإباحة بها يثبت الحظر; وذلك لأن كل خبر ذكر فيه إباحة المتعة ذكر فيه ~~حظرها, فمن حيث تثبت الإباحة وجب أن يثبت الحظر وإن لم يثبت الحظر لم تثبت ~~الإباحة; إذ كانت الجهة التي بها تثبت الإباحة بها ورد الحظر. وأيضا فإن ~~قول القائل: "إنا لما اتفقنا على كذا ثم اختلفنا فيه لم نزل عن الإجماع ~~بالاختلاف" قول فاسد; لأن الموضع الذي فيه الخلاف ليس هو موضع الإجماع, ~~فإذا لم يكن إجماعا فلا بد من دلالة يقيمها على صحة دعواه. وأيضا فإن كون ~~الشيء مباحا في وقت غير موجب بقاء إباحته فيما يجوز فيه النسخ, وقد دللنا ~~على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ظاهر الكتاب والسنة وإجماع السلف. # قال أبو بكر: قد ذكرنا في المتعة وحكمها في التحريم ما فيه بلاغ لمن نصح ~~نفسه, ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما بينا; وقد اتفق فقهاء الأمصار ~~مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون فيه. # واختلف الفقهاء فيمن تزوج امرأة أياما معلومة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي: "إذا تزوج امرأة عشرة أيام ~~فهو باطل ولا نكاح بينهما". وقال زفر: "النكاح جائز والشرط باطل". وقال ~~الأوزاعي: "إذا تزوج امرأة ومن نيته أن يطلقها وليس ثم شرط فلا خير في هذا, ~~هذا متعة". # قال أبو بكر: لا خلاف بينهم وبين زفر أن عقد النكاح لا يصح بلفظ المتعة, ~~وأنه لو قال: "أتمتع بك عشرة أيام" أن ذلك ليس بنكاح, وإنما الخلاف إذا ~~عقده بلفظ النكاح # PageV02P192 # فقال: "أتزوجك عشرة أيام" فجعله زفر نكاحا صحيحا وأبطل الشرط فيه; لأن ~~النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة, كما لو قال: "أتزوجك على أن أطلقك بعد ~~عشرة أيام" كان النكاح جائزا ms1222 والشرط باطلا; وإنما الخلاف بينهم وبين زفر في ~~أن هذا نكاح أو متعة؟ فقال الجمهور: هذا متعة وليس بنكاح. والدليل على صحة ~~هذا القول أن النكاح إلى أجل هو متعة وإن لم يلفظ بالمتعة ما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون قال: حدثنا أبو نعيم ~~قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة الجهني أن ~~أباه أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حتى ~~نزلوا عسفان; وذكر قصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالإحلال ~~بالطواف إلا من كان معه هدي; قال: فلما أحللنا قال: "استمتعوا من هذه ~~النساء" والاستمتاع التزويج عندنا, فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلا أن ~~نضرب بيننا وبينهن أجلا, فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~افعلوا. فخرجت أنا وابن عمي وأنا أشب منه ومعي برد ومعه برد, فأتينا امرأة ~~فأعجبها برده وأعجبها شبابي, فقالت: برد كبرد وهذا أشب; وكان بيني وبينها ~~عشر فبت عندها ليلة ثم أصبحت فخرجت إلى المسجد, فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الركن والمقام يقول: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في ~~الاستمتاع من هذه النساء, ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة, فمن ~~بقي عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا". فأخبر سبرة ~~في هذا الحديث أن الاستمتاع كان التزويج, وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~رخص لهم في توقيت المدة فيه ثم نهى عنه بعد الإباحة; فثبت بذلك أن النكاح ~~إلى أجل هو متعة. ويدل على ذلك أيضا حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن ~~أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وليس لنا نساء, فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص ~~لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل, ثم قرأ: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله ms1223 لكم} ~~[المائدة: 87] فأخبر عبد الله بن مسعود أن المتعة كانت نكاحا إلى أجل. ويدل ~~على ذلك حديث جابر عن عمر بن الخطاب وقد تقدم سنده في باب المتعة, أنه قال: ~~"إن الله كان يحل لرسوله ما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله واتقوا ~~نكاح هذه النساء; لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته". فأخبر عمر أن ~~النكاح إلى أجل هو متعة; وإذا ثبت له هذا الاسم وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن المتعة انتظم ذلك تحريم النكاح إلى أجل لدخوله تحت الاسم. ~~وأيضا لما كانت المتعة اسما للنفع القليل كما قال تعالى: {إنما هذه الحياة ~~الدنيا متاع} [غافر: 39] يعني نفعا قليلا, وسمى الواجب بعد الطلاق متعة ~~بقوله: {فمتعوهن} [الأحزاب: 49] , وقال: {وللمطلقات متاع بالمعروف} ~~[البقرة: 241] لأنه أقل من المهر, علمنا أن ما أطلق عليه اسم المتعة أو ~~المتاع فقد أريد به التقليل وأنه نزر يسير بالإضافة إلى ما # PageV02P193 # يقتضيه العقد ويوجبه, فسمي ما يعطى بعد الطلاق مما لا يوجب بنفس العقد ~~متاعا ومتعة لقلته بالإضافة إلى المهر المستحق بالعقد. وسمي النكاح الموقت ~~متعة لقصر مدته وقلة الانتفاع به بالإضافة إلى ما يقتضيه العقد من بقائه ~~مؤبدا إلى أن يفرق بينهما الموت أو سبب حادث يوجب التفريق, فوجب أن لا ~~يختلف على ذلك في إطلاق اسم المتعة أن يكون بلفظ المتعة أو بلفظ النكاح بعد ~~أن يكون موقتا لأن اسم المتعة يتناولهما من الوجه الذي ذكرنا. وأيضا لا ~~يخلو العاقد عقد النكاح على عشرة أيام من أن يجعله موقتا على ما شرط أو ~~يبطل الشرط ويجعله مؤبدا; فإن جعله موقتا كان متعة بلا خلاف, وإن جعله ~~مؤبدا لم يصح ذلك من قبل أن ما بعد الوقت ليس عليه عقد فلا يجوز له أن ~~يستبيح بضعها بلا عقد ألا ترى أن من اشترى صبرة من طعام على أنها عشرة ~~أقفزة أو قال: "قد اشتريت منك عشرة أقفزة من هذه الصبرة" أن العقد واقع على ~~عشرة أقفزة دون ما ms1224 عداها؟ فكذلك إذا عقد النكاح على عشرة أيام فما بعد ~~العشرة ليس عليه عقد نكاح, فغير جائز استباحة بضعها فيه بالعقد, ولا يجوز ~~أن يجعله موقتا فيكون صريح المتعة, فوجب بذلك إفساد العقد. وليس هذا بمنزلة ~~قوله: "قد تزوجتك على أن أطلقك بعد عشرة أيام" فيجوز النكاح ويبطل الشرط; ~~لأنه عقد النكاح مؤبدا وشرط فيه قطعه بالطلاق ألا ترى أنه إذا لم يطلق كان ~~النكاح باقيا؟ فعلمت أن النكاح قد وقع على وجه التأبيد, وإنما شرط قطعه ~~بالطلاق, وذلك شرط فاسد, والنكاح لا تفسده الشروط, فيبطل الشرط ويجوز ~~العقد. وليس كذلك إذا تزوجها عشرة أيام; لأن ما بعد العشرة ليس عليه عقد ~~ألا ترى أنه لو استأجر دارا عشرة أيام كان العقد واقعا على عشرة أيام وما ~~بعدها ليس عليها عقد, ولو سكنها بعد العشرة كان غاصبا ساكنا لها على غير ~~وجه العقد ولا أجر عليه, ولو قال: "آجرتك هذه الدار على أن أفسخ العقد بعد ~~عشرة أيام" كانت إجارة فاسدة مؤبدة ما سكن منها من المدة في العشرة وبعد ها ~~يلزمه أجر المثل؟ فكذلك النكاح إذا عقد على عشرة فليس على ما بعد العشرة ~~عقد. # فإن قيل: فلو قال: "قد تزوجتك على أنك طالق بعد عشرة أيام". كان النكاح ~~موقتا; لأنه يبطل بعد مضي العشرة. قيل له: ليس هذا نكاحا موقتا بل هو مؤبد, ~~وإنما قطعه بالطلاق; ولا فرق بين ذكر الطلاق مع العقد وإيقاعه بعد المدة; ~~لأن النكاح قد وقع بديا مؤبدا, وإنما أوقع طلاقا لوقت مستقبل, فلا يوجب ذلك ~~توقيت العقد. # قوله تعالى: {فآتوهن أجورهن فريضة} معناه المهور, فسمى المهر أجرا لأنه ~~بدل منافع البضع. ويدل على أن المراد المهر أنه ذكره لمن كان محصنا بالنكاح ~~في قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} , ~~وكقوله تعالى: # PageV02P194 # {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات} , فذكر ~~الإحصان عقيب ذكر النكاح وسمى المهر أجرا. وقوله: {فريضة} تأكيد لوجوبه ~~وإسقاط للظن وتوهم التأويل فيه; ms1225 إذ كان الفرض ما هو في أعلى مراتب الإيجاب; ~~والله أعلم بالصواب. # PageV02P195 # باب الزيادة في المهور # قال الله تعالى بعد ذكر المهر: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة} , والفريضة ههنا التسمية والتقدير, كفرائض المواريث والصدقات, وقد ~~بينا ذلك فيما سلف. وروي عن الحسن في قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة} أنه ما تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره ~~أو هبة جميعه وفي هذه الآية دلالة على جواز الزيادة في المهر لقوله تعالى: ~~{فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} وهو عموم في الزيادة والنقصان والتأخير ~~والإبراء, وهو بالزيادة أخص منه بغيرها; لأنه علقه بتراضيهما, والبراءة ~~والحط والتأخير لا يحتاج في وقوعه إلى رضى الرجل, والزيادة لا تصح إلا ~~بقبولهما; فلما علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد الزيادة. ولا ~~يجوز الاقتصار به على البراءة والحط والتأجيل; لأن عموم اللفظ يقتضي جواز ~~الجميع, فلا يخص بغير دلالة; ولأن الاقتصار به على ما ذكرت يسقط فائدة ذكر ~~تراضيهما جميعا وإضافة ذلك إليهما, وغير جائز إسقاط حكم اللفظ والاقتصار به ~~على ما يجعل وجوده وعدمه سواء. # وقد اختلف الفقهاء في الزيادة في المهر, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ~~"الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها, ~~وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد". وقال ~~زفر بن الهذيل والشافعي: "الزيادة بمنزلة هبة مستقبلة" إذا قبضتها جازت في ~~قولهما جميعا, وإن لم تقبضها بطلت. وقال مالك بن أنس: "تصح الزيادة, فإن ~~طلقها قبل الدخول رجع نصف ما زادها إليه وهي بمنزلة مال وهبه لها يقوم به ~~عليه, وإن مات عنها قبل أن تقبض فلا شيء لها منه لأنها عطية لم تقبض". # قال أبو بكر: قد ذكرنا وجه دلالة الآية على جواز الزيادة; ومما يدل على ~~جواز الزيادة أن عقد النكاح في ملكهما, والدليل على ذلك أنه جائز له أن ~~يخلعها على البضع فيأخذ ms1226 منها بدله فهما مالكان للتصرف في البضع, فلما كان ~~العقد في ملكهما وجب أن تجوز الزيادة فيه كما جازت في ابتداء عقد النكاح من ~~حيث كانا مالكين للعقد;; إذ كان الملك هو التصرف وتصرفهما جائز فيه. ويدل ~~عليه اتفاق الجميع على أنه إذا قبضها # PageV02P195 # جاز, فلا يخلو بعد الإقباض من أن تكون هبة مستقبلة على ما قال زفر ~~والشافعي أو زيادة في المهر لاحقة بالعقد على ما ذكرنا, وغير جائز أن تكون ~~هبة مستقبلة; لأنهما لم يدخلا فيها على أنها هبة وإنما أوجباها على أنها ~~بدل من البضع لاحقة بالعقد, ولا يجوز لنا أن نلزمهما عقدا لم يعقداه على ~~أنفسهما لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "المسلمون عند شروطهم", فإذا عقدا على أنفسهما عقدا لم يجز لنا ~~إلزامهما عقدا غيره بظاهر الآية والسنة; إذ كانت الآية إنما اقتضت إيجاب ~~الوفاء بنفس العقد الذي عقده لا بغيره; لأن إلزامه عقدا غيره لا يكون وفاء ~~بالعقد الذي عقده, وكذلك قوله: " المسلمون عند شروطهم" يقتضي الوفاء ~~بالشرط, وليس في إسقاط الشرط وإلزامهما معنى غيره الوفاء بالشرط; فدلت ~~الآية والسنة معا على بطلان قول المخالف من وجهين: أحدهما: اقتضاء عمومهما ~~لإيجاب الوفاء بالعقد والشرط, والآخر: ما انتظمنا من امتناع إلزام عقد أو ~~شرط غير ما عقداه; ولما بطل إلزامهما الهبة بعد القبض وصح التمليك دل على ~~أنها ملكت من جهة الزيادة. # ويدل على أنه غير جائز أن يجعلها هبة, أنها متى كانت زيادة كانت مضمونة ~~على المرأة بالقبض; لأنها بدل من البضع, وإذا كانت هبة لم تكن مضمونة ~~عليها, وإذا كانت زيادة سقطت بالطلاق قبل الدخول, وإذا كانت هبة لم يؤثر ~~الطلاق فيها, وإذا دخلا فيها على عقد يوجب الضمان لم يجز لنا إلزامهما. ~~عقدا لا ضمان فيه ألا ترى أنهما إذا تعاقدا عقد بيع لم يجز إلزامهما عقد ~~هبة ولو تعاقدا عقد إقالة لم يلزمهما عقد بيع مستقبل؟ وفي ذلك دليل على أنه ~~غير جائز إثبات الهبة بعقد الزيادة, ms1227 وإذا لم تكن هبة وقد صح التمليك كانت ~~زيادة لاحقة بالعقد بدلا من البضع مع التسمية. وأما قول مالك في جعله إياها ~~هبة, ثم قوله: "إنه إذا طلقها قبل الدخول رجع إليه نصف الزيادة" فإنه قول ~~غير منتظم; لأنها إن كانت هبة فلا تعلق لها بعقد النكاح ولا بالمهر ولا ~~تأثير للطلاق في رجوع شيء منها إليه, وإن كانت زيادة في المهر فغير جائز ~~بطلانها بالموت. وإنما قال أصحابنا: "إنه إذا طلقها قبل الدخول بطلت ~~الزيادة كلها" من قبل أن الزيادة لما لم تكن موجودة في العقد وإنما كانت ~~ملحقة به, وجب أن يكون بقاؤها موقوفا على سلامة العقد أو الدخول بالمرأة ~~ألا ترى أن الزيادة في البيع إنما تلحق به على شرط بقاء العقد وأنه متى بطل ~~العقد بطلت الزيادة؟ فكذلك الزيادة في المهر. # PageV02P196 # مطلب: المهر المسمى يبطل قبل الدخول زإنما يجب نصف المسمى لها على معنى ~~المتعة # فإن قيل: التسمية الموجودة في العقد إنما يبطل بعضها بورود الطلاق عليها ~~قبل # PageV02P196 # الدخول, فهلا كانت الزيادة كذلك; إذ كانت إذا صحت ولحقت به كانت بمنزلة ~~وجودها فيه فلا فرق بينهما وبين المسمى فيه قيل له: عندنا أن المسمى في ~~العقد يبطل كله أيضا إذا طلق قبل الدخول لبطلان العقد المسمى فيها كهلاك ~~المبيع قبل القبض, وإنما يجب النصف على جهة الاستقبال كالمتعة. وقد روي عن ~~إبراهيم النخعي أنه قال فيمن طلق قبل الدخول وقد سمى لها: "إن نصف المسمى ~~هو متعتها" وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي وعلى هذا المعنى قالوا في ~~شاهدين شهدا على رجل بطلاق امرأته قبل الدخول وهو يجحد ثم رجعا: "إنهما ~~يضمنان للزوج نصف المهر الذي غرم "; لأن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع المهر ~~والنصف الذي يلزمه في التقدير كأنه دين مستأنف ألزماه بشهادتهما, فعلى هذا ~~لا يختلف حكم الزيادة والتسمية في سقوطهما بالطلاق قبل الدخول. # فإن قيل: هذا التأويل يؤدي إلى مخالفة قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ms1228 ما فرضتم} [البقرة: 237] لأنك قلت إن ~~الجميع يسقط ويجب النصف على وجه الاستئناف. قيل له: ليس في الآية نفي لأن ~~يكون النصف الواجب بعد الطلاق مهرا على وجه الاستئناف, وإنما فيه وجوب نصف ~~المفروض غير مقيد بوصف ولا شرط, ونحن نوجب النصف أيضا, فليس فيما ذكرنا من ~~وجوبه في التقدير على وجه الاستئناف على أنه متعتها مخالفة للآية. ويدل على ~~أن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع الزيادة, أنا قد علمنا أن العقد إذا خلا من ~~التسمية يوجب مهر المثل; إذ غير جائز أن يملك البضع بلا بدل; ثم إذا رد ~~الطلاق قبل الدخول أسقطه; إذ لم يكن مسمى في العقد, كذلك الزيادة لما لم ~~تكن مسماة في العقد وجب أن يسقطها الطلاق قبل الدخول وإن كانت قد وجبت ~~بإلحاقها بالعقد, والله أعلم. # PageV02P197 # باب نكاح الإماء. مطلب: تخصيص الحكم بشيء في اللفظ لا يدل على نفيه عما ~~عداه # قال الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ~~ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} قال أبو بكر: الذي اقتضته هذه الآية ~~إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات; لأنه لا ~~خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن لأن تخصيص هذه ~~الحال بذكر الإباحة فهذا لا يدل على حظر ما عداها, كقوله تعالى: {ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء31] لا دلالة فيه على إباحة القتل عند ~~زوال هذه الحال, وقوله # PageV02P197 # تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] لا يدل على ~~إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة, وقوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر ~~لا برهان له به} [المؤمنون: 117] ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له ~~برهان على صحة القول بأن مع الله إلها آخر تعالى الله على ذلك; وقد بينا ~~ذلك في أصول الفقه. فإذا ليس في قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} ~~الآية, إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله, ولا دلالة فيه على حكم من ms1229 ~~وجد طولا إلى الحرة لا بحظر ولا إباحة. # وقد اختلف السلف في معنى الطول, فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة والسدي أنهم قالوا: "هو الغنى". وروي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم ~~قالوا: "إذا هوي الأمة فله أن يتزوجها وإن كان موسرا إذا خاف أن يزني بها". ~~فكان معنى الطول عند هؤلاء في هذا الموضع أن لا ينصرف قلبه عنها بنكاح ~~الحرة لميله إليها ومحبته لها, فأباحوا له في هذه الحال نكاحها. والطول ~~يحتمل الغنى والقدرة ويحتمل الفضل, قال الله تعالى: {شديد العقاب ذي الطول} ~~[غافر: 3] , قيل فيه: ذو الفضل, وقيل: ذو القدرة; والفضل والغنى يتقاربان ~~في المعنى فاحتمل الطول المذكور في الآية الغنى والقدرة, واحتمل الفضل ~~والسعة. فإذا كان معناه الغنى احتمل وجهين: أحدهما: حصول الغنى له بكون ~~الحرة تحته, والثاني: غنى المال وقدرته على تزوج حرة. وإذا كان معناه الفضل ~~احتمل إرادة الغنى; لأن الفضل يوجب ذلك, والثاني: اتساع قلبه لتزوج الحرة ~~والانصراف عن الأمة, وأنه إن لم يتسع قلبه لذلك وخشي الإقدام من نفسه على ~~محظور جاز له أن يتزوجها وإن كان موسرا على ما روي عن عطاء وجابر بن زيد ~~وإبراهيم هذه الوجوه كلها تحتملها الآية. # وقد اختلف السلف في ذلك, فروي عن ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير والشعبي ~~ومكحول: "لا يتزوج الأمة إلا أن لا يجد طولا إلى الحرة". وروي عن مسروق ~~والشعبي قالا: "نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا ~~لمضطر". وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب رواية ~~وإبراهيم والحسن رواية والزهري قالوا: "ينكح الأمة وإن كان موسرا". وعن ~~عطاء وجابر بن زيد: "أنه إن خشي أن يزني بها تزوجها". وروي عن عطاء: "أنه ~~يتزوج الأمة على الحرة". وعن عبد الله بن مسعود قال: "لا يتزوج الأمة على ~~الحرة إلا المملوك". وقال عمر وعلي وسعيد بن المسيب ومكحول في آخرين: "لا ~~يتزوج الأمة على الحرة". وقال إبراهيم: "يتزوج الأمة على الحرة ms1230 إذا كان له ~~منها ولد" وقال: "إذا تزوج أمة وحرة في عقد واحد بطل نكاحهما جميعا". وقال ~~ابن عباس ومسروق: "إذا تزوج حرة فهو طلاق الأمة". # PageV02P198 # وقال إبراهيم رواية: "يفرق بينه وبين الأمة إلا أن يكون له منها ولد". ~~وقال الشعبي: "إذا وجد الطول إلى الحرة بطل نكاح الأمة". وروى مالك عن يحيى ~~بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: "لا تنكح الأمة على الحرة إلا أن تشاء ~~الحرة ويقسم للحرة يومين وللأمة يوما". قال أبو بكر: وهذا يدل على أنه كان ~~لا يرى تزويج الأمة على الحرة جائزا إن لم ترض الحرة. # واختلفوا فيمن يجوز أن يتزوج من الإماء. فروي عن ابن عباس أنه قال: "لا ~~يتزوج من الإماء أكثر من واحدة". وقال إبراهيم ومجاهد والزهري: "يجمع أربع ~~إماء إن شاء". فاختلف السلف في نكاح الأمة على هذه الوجوه; واختلف فقهاء ~~الأمصار في ذلك أيضا, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد: ~~"للرجل أن يتزوج أمة إذا لم تكن تحته حرة وإن وجد طولا إلى الحرة, ولا ~~يتزوجها إذا كانت تحته حرة". وقال سفيان الثوري: "إذا خشي على نفسه في ~~المملوكة فلا بأس بأن يتزوجها وإن كان موسرا". وقال مالك والليث والأوزاعي ~~والشافعي: "الطول المال; فإذا وجد طولا إلى الحرة لا يتزوج أمة, وإن لم يجد ~~طولا لم يتزوجها أيضا حتى يخشى العنت على نفسه". واتفق أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي والشافعي أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة وتحته حرة, ولا يفرقون بين ~~إذن الحرة في ذلك وغير إذنها. وقال ابن وهب عن مالك: "لا بأس بأن يتزوج ~~الرجل الأمة على الحرة والحرة بالخيار". وقال ابن القاسم عنه في الأمة تنكح ~~على الحرة: "أرى أن يفرق بينهما" ثم رجع وقال" تخير الحرة إن شاءت أقامت ~~وإن شاءت فارقت". قال: وسئل مالك عن رجل تزوج أمة وهو ممن يجد طولا إلى ~~الحرة, قال: "أرى أن يفرق بينهما" "فقيل له: إنه يخاف العنت, قال: "السوط ~~يضرب به" ثم خففه بعد ms1231 ذلك, قال: وقال مالك: "إذا تزوج العبد أمة على حرة ~~فلا خيار للحرة لأن الأمة من نسائه". وقال عثمان البتي: "لا بأس أن يتزوج ~~الرجل الأمة على الحرة". # والدليل على جواز نكاح الأمة وإن قدر على تزوج الحرة إذا لم تكن تحته, ~~قول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] قد حوت هذه الآية ~~الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع القدرة على نكاح الحرة: أحدهما: ~~إباحة النكاح على الإطلاق في جميع النساء من العدد المذكور من غير تخصيص ~~لحرة من أمة. والثاني: قوله تعالى في نسق الخطاب: {أو ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 3] , ومعلوم أن قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] غير مكتف ~~بنفسه في إفادة الحكم وأنه مفتقر إلى ضمير وضميره هو ما تقدم ذكره مظهرا في ~~الخطاب وهو عقد النكاح, فكان تقديره: فاعقدوا نكاحا على # PageV02P199 # ما طاب لكم من النساء أو على ما ملكت أيمانكم; وغير جائز إضمار الوطء ~~فيه; إذ لم يتقدم له ذكر فثبت بدلالة هذه الآية أنه مخير بين تزويج الأمة ~~أو الحرة. # فإن قيل: قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] إباحة ~~معقودة بشرط, وهي أن تكون مما طاب لنا, فدل على أنه مما طاب حتى يجوز ~~العقد; وهو إذا كان كذلك كان بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان. قيل له: ~~قوله تعالى: {ما طاب لكم} [النساء: 3] يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه ~~ما استطبتموه, فيكون مفيدا للتخيير, كقول القائل: "اجلس ما طاب لك في هذه ~~الدار وكل ما طاب لك من هذا الطعام" فيفيد تخييره في فعل ما شاء منه. ~~والوجه الآخر: ما حل لكم. فإن كان المراد الوجه الأول فقد اقتضى تخييره في ~~نكاح من شاء وذلك عموم في الحرائر والإماء, وإن كان معناه ما حل لكم, فإنه ~~قد عقبه بيان ما طاب لكم منها, وهو قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة ms1232 أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] , فقد خرج بذلك عن حيز ~~الإجمال إلى حيز العموم, واستعمال العموم واجب كيف تصرفت الحال. وعلى أنها ~~لو كانت محتملة للعموم والإجمال جميعا لكان حملها على معنى العموم أولى ~~لإمكان استعماله, ومتى أمكننا استعمال حكم اللفظ على وجه فعلينا استعماله; ~~ويدل عليه قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} وذلك ~~عموم في الحرائر والإماء. ويدل عليه قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] , والإحصان اسم ~~يقع على الإسلام وعلى العقد, يدل عليه قوله تعالى: {فإذا أحصن} روي عن بعض ~~السلف: "فإذا أسلمن" وقال بعضهم: "فإذا تزوجن". ومعلوم أنه لم يرد به ~~التزويج في هذا الموضع, فثبت أنه أراد العفاف, وذلك عموم في الحرائر ~~والإماء. وقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] هو عموم أيضا في تزوج الإماء الكتابيات, ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] , ~~وذلك عموم يوجب جواز نكاح الإماء كما اقتضى جواز نكاح الحرائر. ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة: 221] , ~~ومحال أن يخاطب بذلك إلا من قدر على نكاح المشركة الحرة, ومن وجد طولا إلى ~~الحرة المشركة فهو يجد طولا إلى الحرة المسلمة, فاقتضى ذلك جواز نكاح الأمة ~~مع وجود الطول إلى الحرة المسلمة كما اقتضاه مع وجوده إلى الحرة المشركة. ~~ويدل عليه من طريق النظر أن القدرة على نكاح امرأة لا تحرم نكاح أخرى, # PageV02P200 # كالقدرة على تزويج البنت لا يحرم تزويج الأم, والقدرة على نكاح المرأة لا ~~يحرم نكاح أختها; فوجب على هذا أن لا تمنع قدرته على نكاح الحرة من تزويج ~~الأمة بل الأمة أيسر أمرا في ذلك من الأختين والأم والبنت; والدليل عليه ~~جواز اجتماع الحرة والأمة تحته عند جميع فقهاء الأمصار وامتناع اجتماع الأم ~~والبنت والأختين تحته, فلما لم يكن إمكان ms1233 تزويج البنت الذي هو أغلظ حكما ~~مانعا من الأم الحرة والأمة وجب أن لا يكون لإمكان تزوج الحرة تأثير في منع ~~نكاح الأمة. # واحتج من خالف في ذلك بقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} إلى قوله ~~تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم} , وأنه أباح نكاح ~~الأمة بشرط عدم الطول إلى الحرة وخشية العنت, فلا تجوز استباحته إلا بوجود ~~الشرطين جميعا; وهذه الآية قاضية على ما تلوت من الآي لما فيها من بيان حكم ~~الأمة في التزويج. قيل له: ليس في هذه الآية حظر نكاح الأمة في حال وجود ~~الطول إلى الحرة. وإنما فيها إباحته في حال عدم الطول إليها, وسائر الآي ~~التي تلونا يقتضي إباحة نكاحها في سائر الأحوال, فليس في أحدهما ما يوجب ~~تخصيص الأخرى لورودهما جميعا في حكم الإباحة, وليس في واحدة منهما حظر, فلا ~~يجوز أن يقال إن هذه مخصصة لها; والجميع وارد في حكم واحد. # فإن قيل: هذا كقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] فكان مقتضى جميع ~~ذلك امتناع جوازه مع وجود ما قبله. قيل له: لأنه جعل الفرض بديا عتق رقبة, ~~فاقتضى ذلك أن يكون الفرض هو العتق لا غير, فلما نقله عند عدم الرقبة إلى ~~الصيام اقتضى ذلك أن لا يجزي غيره إذا عدم الرقبة, فلما قال: {فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] كان حكم الكفارة مقصورا على المذكور في ~~الآية على ما اقتضته من الترتيب, وليس معك آية تحظر نكاح الإماء حتى إذا ~~ذكرت إباحتهن بشرط وحال كان عدم الشرط والحال موجبا لحظرهن, بل سائر الآي ~~الواردة في إباحة النكاح ليس فيها فرق بين الحرائر والإماء, فليس إذا في ~~قوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} دلالة على حظرهن ~~عند وجود الطول إلى الحرائر. # وذكر إسماعيل بن إسحاق هذه الآية ms1234 وذكر اختلاف السلف فيها, ثم ذكر قول ~~أصحابنا في تجويزهم نكاح الأمة مع القدرة على تزويج الحرة, فقال: وهذا قول ~~تجاوز فساده ولا يحتمل التأويل; لأنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي ~~أبيحت. قال أبو # PageV02P201 # بكر: قوله: "لا يحتمل التأويل" خلاف الإجماع وذلك لأن الصحابة قد اختلفوا ~~فيه. وقد حكينا أقاويلهم, ولولا خشية الإطالة لذكرنا أسانيدها; ولو كان لا ~~يحتمل التأويل لما قال به من قال من السلف; إذ غير جائز لأحد تأويل آية على ~~معنى لا تحتمله, وقد ظهر هذا الاختلاف في السلف فلم ينكر بعضهم على بعض ~~القول فيها على الوجوه التي اختلفوا فيها, ولو كان هذا القول غير محتمل ولا ~~يسوغ التأويل فيه لأنكره من لم يقل به منهم على قائليه, فإذا كان هذا القول ~~مستفيضا فيهم من غير نكير ظهر من أحد منهم على قائليه فقد حصل بإجماعهم ~~تسويغ الاجتهاد فيه واحتمال الآية للتأويل الذي تأولته; فقد بان بما وصفنا ~~أن إنكاره لاحتمال التأويل غير صحيح. وأما قوله: "إنه محظور في الكتاب إلا ~~من الجهة التي أبيحت" فإنه لا يخلو من أن يريد أنه محظور فيه نصا أو دليلا, ~~فإن ادعى نصا طولب بتلاوته وإظهاره ولا سبيل له إلى ذلك, وإن ادعى على ذلك ~~دليلا طولب بإيجاده وذلك معدوم, فلم يحصل من قوله إلا على هذه الدعوى لنفسه ~~والتعجب من قول خصمه, اللهم إلا أن يزعم أن تخصيصه الإباحة بهذه الحال ~~والشرط دليل على حظر ما عداه, فإن كان إلى هذا ذهب فإن هذا دليل يحتاج إلى ~~دليل, وما نعلم أحدا استدل بمثله قبل الشافعي ولو كان هذا دليلا لكانت ~~الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسألة ونظائرها من المسائل ~~مع كثرة ما اختلفوا فيه من أحكام الحوادث التي لم يخل كثير منها من إمكان ~~الاستدلال عليها بهذا الضرب كما استدلوا عليها بالقياس والاجتهاد وسائر ~~ضروب الدلالات, وفي تركهم الاستدلال بمثله دليل على أن ذلك لم يكن عندهم ~~دليلا على شيء; فإذا لم ms1235 يحصل إسماعيل من قوله: "هو محظور في الكتاب" على ~~حجة ولا شبهة. وقد حكى داود الأصبهاني أن إسماعيل سئل عن النص ما هو؟ فقال: ~~النص ما اتفقوا عليه, فقيل له: فكل ما اختلفوا فيه من الكتاب فليس بنص؟ ~~فقال: القرآن كله نص, فقيل له: فلم اختلف أصحاب محمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن كله نص؟ فقال داود: ظلمه السائل, ليس مثله يسأل عن هذه ~~المسألة, هو أقل من أن يبلغ علمه هذا الموضع. فإن كانت حكاية داود عنه ~~صحيحة فإن ذلك لا يليق بإنكاره على القائلين بإباحة نكاح الأمة مع إمكان ~~تزوج الحرة; لأنه حكي عنه أنه قال مرة: "ما اتفقوا عليه فهو نص" وقال مرة: ~~"القرآن كله نص" وليس في القرآن ما يخالف قولنا ولا اتفقت الأمة أيضا على ~~خلافه. وفي حكاية داود هذا عن إسماعيل عهدة1 وهو غير أمين ولا ثقة فيما ~~يحكيه وغير مصدق على إسماعيل خاصة لأنه كان نفاه من بغداد وقذفه بالعظائم, ~~وما أظن تعجب إسماعيل من قولنا إلا من جهة أنه كان يعتقد في مثله أنه دلالة ~~PageV02P202 # على حظر ما عدا المذكور; وقد بينا أن ذلك ليس بدليل واستقصينا القول فيه ~~في أصول الفقه. # ومما يدل على صحة قولنا أن خوف العنت وعدم الطول ليسا بضرورة; لأن ~~الضرورة ما يخاف فيها تلف النفس, وليس في فقد الجماع تلف النفس, وقد أبيح ~~له نكاح الأمة, فإذا جاز نكاح الأمة في غير ضرورة فلا فرق بين وجود الطول ~~وعدمه; إذ عدم الطول ليس بضرورة في التزوج; إذ لا تقع لأحد ضرورة إلى ~~التزوج إلا أن يكره عليه بما يوجب تلف النفس أو بعض الأعضاء. ويدل على أن ~~الإباحة المذكورة في الآية غير معقودة بضرورة قوله في نسق الخطاب: {وأن ~~تصبروا خير لكم} وما اضطر إليه الإنسان من ميتة أو لحم خنزير أو نحوه لا ~~يكون الصبر عليه خيرا له; لأنه لو صبر عليه حتى مات كان عاصيا وأيضا فليس ~~النكاح بفرض حتى تعتبر فيه الضرورة, ms1236 وأصله تأديب وندب; وإذا كان كذلك وقد ~~جاز في غير الضرورة وجب أن يجوز في حال وجود الطول كما جاز في حال عدمه. # وقوله تعالى: {بعضكم من بعض} في نسق التلاوة قيل فيه: إن كلكم من آدم, ~~وقيل فيه: كلكم مؤمنون. يدل على أنه أراد المساواة بينهم في النكاح, وهذا ~~يدل على وجوب التسوية بين الحرة والأمة إلا فيما تقوم فيه دلالة التفضيل. ~~وأما من قال: "إن نكاح الحرة طلاق للأمة" فقوله واه ضعيف لا مساغ له في ~~النظر; لأنه لو كان كما ذكر لوجب أن يكون الطول إلى الحرة فاسخا لنكاح ~~الأمة كما قال الشعبي كالمتيمم إذا وجد الماء ينتقض تيممه توضأ أو لم ~~يتوضأ. # PageV02P203 # مطلب: في تأويل أبي يوسف قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} # وقد روي عن أبي يوسف أنه تأول قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} على ~~عدم الحرة في ملكه وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته. وهذا تأويل سائغ; لأن ~~من ليس عنده حرة فهو غير مستطيع للطول إليها; إذ لا يصل إليها ولا يقدر على ~~وطئها, فكان وجود الطول عنده هو ملك وطء الحرة. وهو أولى بمعنى الآية من ~~تأويل من تأوله على القدرة على تزوجها; لأن القدرة على المال لا توجب له ~~ملك الوطء إلا بعد النكاح, فوجود الطول بحال ملك الوطء أخص منه بوجود المال ~~الذي به يتوصل إلى النكاح. ويدل عليه أنا وجدنا لملك وطء الزوجة تأثيرا في ~~منع نكاح أخرى, ولم نجد هذه المزية لوجود المال, فإذا لا حظ لوجود المال في ~~منع نكاح الأمة; فتأويل أبي يوسف الآية على ملك وطء الحرة أصح من تأويل من ~~تأولها على ملك المال. # PageV02P203 # فإن قيل: وجود ثمن رقبة الظهار كوجود الرقبة في ملكه, فهلا كان وجود مهر ~~الحرة كوجود نكاحها قيل له: هذا خطأ منتقض من وجوه: أحدها: أنك لم تعقده ~~بمعنى يوجب الجمع بينهما وبدلالة يدل بها على صحة المعنى, وما خلا من ذلك ~~من دعوى الخصم فهو ms1237 ساقط غير مقبول. والثاني: أن ذلك يوجب أن يكون وجود مهر ~~امرأة في ملكه كوجود نكاحها في منع تزويج أمها أو أختها, فلما لم يكن ذلك ~~كذلك بان به فساد ما ذكرت; وعلى أن الرقبة ليست عروضا1 للنكاح لأن الرقبة ~~فرض عليه عتقها, وغير جائز له الانصراف عنها مع وجودها, وجائز للرجل أن لا ~~يتزوج مع الإمكان; فلما كان كذلك كان وجود ثمن الرقبة في ملكه كوجودها; إذ ~~كانت فرضا هو مأمور بعتقها على حسب الإمكان, وليس النكاح بفرض فيلزمه ~~التوصل إليه لوجود المهر, فليس إذا لوجود المهر في ملكه تأثير في منع نكاح ~~الأمة وكان واجده بمنزلة من لم يجد. وإنما قال أصحابنا إنه لا يتزوج الأمة ~~على الحرة لما روى الحسن ومجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ~~تنكح الأمة على الحرة" , ولولا ما ورد من الأثر لم يكن تزويج الأمة على ~~الحرة محظورا; إذ ليس في القرآن ما يوجب حظره والقياس يوجب إباحته, ولكنهم ~~اتبعوا الأثر في ذلك والله تعالى أعلم. PageV02P204 # باب نكاح الأمة الكتابية # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم فيه, فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن عبد ~~العزيز وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم كراهة ذلك, وهو قول الثوري. وقال ~~أبو ميسرة في آخرين: "يجوز نكاحها", وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وزفر. وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز; ويشبه ~~أن يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب, كما ~~يكره بيع العبد المسلم من الكافر. وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن ~~سعد: "لا يجوز النكاح". والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في ~~الباب الذي قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة, ~~ودلالتها على جواز نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة. ومما ~~يختص منها بالدلالة على هذه المسألة قوله عز وجل: {والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . وروى جرير ms1238 عن ليث عن مجاهد في قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] قال: "العفائف". ~~وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي: {والمحصنات من الذين أوتوا # PageV02P204 # الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] قال: "إحصانها أن تغتسل من الجنابة وتحصن ~~فرجها من الزنا. فثبت بذلك أن اسم الإحصان قد يتناول الكتابية, قال تعالى: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فاستثنى ملك اليمين من ~~المحصنات, فدل على أن الاسم يقع عليهن لولا ذلك لما استثناهن, وقال تعالى: ~~{فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة} فأطلق اسم الإحصان في هذا الموضع على الإماء ~~ولما ثبت أن اسم المحصنات يقع على الكتابيات من الحرائر والإماء وأطلق الله ~~نكاح الكتابيات المحصنات بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} [المائدة: 5] كان عاما في الحرائر والإماء منهن. # فإن احتجوا بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] وكانت ~~هذه مشركة, وقال في آية أخرى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} , فكانت إباحة نكاح ~~الإماء مقصورة على المسلمات منهن دون الكتابيات, وجب أن يكون نكاح الإماء ~~الكتابيات باقيا على حكم الحظر. قيل له: إطلاق اسم المشركات لا يتناول ~~الكتابيات وإنما يقع على عبدة الأوثان دون غيرهم; لأن الله تعالى قد فرق ~~بينهما في قوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} ~~[البينة: 1] فعطف المشركين على أهل الكتاب, وهذا يدل على أن إطلاق الاسم ~~إنما يتناول عبدة الأوثان دون غيرهم فلم يعم الكتابيات, فغير جائز الاعتراض ~~به في حظر نكاح الإماء الكتابيات. وأيضا فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن ~~قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] قاض على ~~قوله: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] وذلك لأنهم لا يختلفون في جواز ~~نكاح الحرائر الكتابيات, فليس يخلو حينئذ قوله: {ولا تنكحوا المشركات} ~~[البقرة: 221] من أن يكون عاما في إطلاقه للكتابيات والوثنيات أو أن يكون ~~إطلاقه مقصورا على الوثنيات دون الكتابيات; فإن كان الإطلاق إنما يتناول ~~الوثنيات دون الكتابيات فالسؤال عنها ساقط ms1239 فيه; إذ ليس بناف فيه لنكاح ~~الكتابيات, وإن كان الإطلاق ينتظم الصنفين جميعا لو حملناه على ظاهره فقد ~~اتفقوا أنه مرتب على قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] لاتفاق الجميع على استعماله معه في الحرائر منهن. وإذا كان ~~كذلك لم يخل من أن تكون الآيتان نزلتا معا, أو أن تكون إباحة نكاح ~~الكتابيات متأخرة عن حظر نكاح المشركات, أو أن يكون حظر نكاح المشركات ~~متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات. فإن كانتا نزلتا معا فهما مستعملتان جميعا ~~على جهة ترتيب حظر نكاح المشركات على إباحة نكاح الكتابيات, أو أن يكون # PageV02P205 # نكاح الكتابيات نازلا بعده فيكون مستعملا أيضا, أو أن يكون حظر نكاح ~~المشركات متأخرا عن إباحة نكاح الكتابيات, فإن كان كذلك فإنه ورد مرتبا على ~~إباحة نكاح الكتابيات; فالإباحة مستعملة في الأحوال كلها كيف تصرفت الحال ~~وعلى أنه لا خلاف أن قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] نزل بعد تحريمه نكاح المشركات; لأن آية تحريم المشركات في ~~سورة البقرة, وإباحة نكاح الكتابيات في سورة المائدة وهي نزلت بعدها, فهي ~~قاضية على تحريم المشركات إن كان إطلاق اسم المشركات يتناول الكتابيات. ثم ~~لما لم تفرق الآية المبيحة لنكاح الكتابيات بين الحرائر منهن وبين الإماء ~~واقتضى عمومها الفريقين منهن, وجب استعمالها فيهما جميعا وأن لا يعترض ~~بتحريم نكاح المشركات عليهن كما لم يجز الاعتراض به على الحرائر منهن. وأما ~~تخصيص الله تعالى المؤمنات من الإماء في قوله: {من فتياتكم المؤمنات} فقد ~~بينا في المسألة المتقدمة أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن ما عدا المخصوص ~~حكمه بخلافه. # فإن قيل: لا يصح الاحتجاج بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} [المائدة: 5] في إباحة النكاح وذلك لأن الإحصان اسم مشترك يتناول ~~معاني مختلفة, وليس بعموم فيجرى على مقتضى لفظه بل هو مجمل موقوف الحكم على ~~البيان, فما ورد به البيان من توقيف أو اتفاق صرنا إليه وكان حكم الآية ~~مقصورا عليه, وما لم يرد به بيان فهو على ms1240 إجماله لا يصح الاحتجاج بعمومه; ~~فلما اتفق الجميع على أن الحرائر من الكتابيات مرادات به استعملنا حكم ~~الآية فيهن, ولما لم تقم الدلالة على إرادة الإماء الكتابيات احتجنا في ~~إثباتها إلى دليل من غيرها. قيل له: لما روي عن جماعة من السلف في قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] أنهن العفائف منهن; إذ كان ~~اسم الإحصان يقع على العفة, وجب اعتبار عموم اللفظ في جميع العفائف; إذ قد ~~ثبت أن العفة مرادة بهذا الإحصان, وما عدا ذلك من ضروب الإحصان لم تقم ~~الدلالة على أنها مرادة وقد اتفقوا على أنه ليس من شرط هذا الإحصان استكمال ~~شرائطه كلها, فما وقع عليه الاسم واتفق الجميع أنه مراد أثبتناه, وما عداه ~~يحتاج مثبته شرطا في الإباحة إلى دلالة # فإن قيل: اسم الإحصان يقع على الحرية, فما أنكرت أن يكون المراد بقوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] الحرائر منهن؟ ~~قيل له: لما كان معلوما أنه لم يرد بذكر الإحصان في هذا الموضع استيفاء ~~شرائطه, لم يجز لأحد أن يقتصر بمعنى الإحصان فيه على بعض ما يقع عليه الاسم ~~دون بعض, بل إذا تناوله # PageV02P206 # الاسم من وجه وجب اعتبار عمومه فيه, فلما كانت الأمة قد يتناولها اسم ~~الإحصان على الإطلاق في بعض الوجوه من طريق العفة أو غيرها جاز اعتبار عموم ~~اللفظ فيه, وإذا جاز لك أن تقتصر باسم الإحصان على الحرية دون غيرها فجائز ~~لغيرك أن يقتصر به على العفاف دون غيره, وغير جائز لنا إجمال حكم اللفظ مع, ~~إمكان استعماله على العموم; وقد أطلق الله اسم الإحصان على الأمة فقال ~~تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~فقال بعضهم: أراد: فإذا أسلمن, وقال بعضهم: فإذا تزوجن; فكان اعتبار هذا ~~العموم سائغا في إيجاب الحد عليهن. وقد قال في الآية: {والمحصنات من ~~المؤمنات} [المائدة: 5] ولم يرد به حصول جميع شرائط الإحصان وإنما أراد به ~~العفائف منهن, وحرم ذوات الأزواج بقوله: {والمحصنات من النساء ms1241 إلا ما ملكت ~~أيمانكم} فكان عموما في تحريم ذوات الأزواج إلا ما استثناهن; فكذلك قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] لا يمنع ذكر ~~الإحصان فيه من اعتبار عمومه فيمن يقع عليه الاسم من جهة العفاف على ما روي ~~عن السلف. ومن جهة النظر أنه لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء الأمة ~~الكتابية بملك اليمين, وكل من جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بملك النكاح ~~على الوجه الذي يجوز عليه نكاح الحرة المنفردة, ألا ترى أن المسلمة لما جاز ~~وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بالنكاح, وأن الأخت من الرضاعة وأم المرأة ~~وحليلة الابن وما نكح الآباء لما لم يجز وطؤهن بملك اليمين حرم وطؤهن ~~بالنكاح؟ فلما اتفق الجميع على جواز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين وجب ~~جواز وطئها بالنكاح على الوجه الذي يجوز فيه وطء الحرة المنفردة. # فإن قيل: قد يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ولا يجوز بالنكاح كما ~~إذا كانت تحته حرة. قيل له: لم نجعل ما ذكرنا علة لجواز نكاحها في سائر ~~الأحوال, وإنما جعلناه علة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ألا ~~ترى أن الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين ويجوز نكاحها منفردة, ولو ~~كانا تحته حرة لما جاز نكاحها لأنه لم يجز نكاحها من طريق جمعها إلى الحرة ~~كما لا يجوز نكاحها لو كانت أختها تحته وهي أمة؟ فعلتنا صحيحة مستمرة جارية ~~في معلولاتها غير لازم عليها ما ذكرت; إذ كانت منصوبة للجواز نكاحها منفردة ~~غير مجموعة إلى غيرها; وبالله التوفيق. # PageV02P207 # باب نكاح الأمة بغير إذن مولاها # قال الله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} . قال أبو بكر: قد اقتضى ذلك ~~بطلان نكاح الأمة إلا أن يأذن سيدها وذلك لأن قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن ~~أهلهن} يدل # PageV02P207 # على كون الإذن شرطا في جواز النكاح وإن لم يكن النكاح واجبا, وهو مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم" ; أن السلم ليس بواجب, ولكنه إذا اختار ms1242 أن يسلم فعليه استيفاء هذه ~~الشرائط, كذلك النكاح وإن لم يكن حتما فعليه إذا أراد أن يتزوج الأمة أن لا ~~يتزوجها إلا بإذن سيدها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى ~~في نكاح العبد; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: ~~أخبرنا معلى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا القاسم بن عبد الواحد عن عبد ~~الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~تزوج العبد بغير إذن مولاه فهو عاهر". حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن ~~الخطابي قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا الحسن بن صالح عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر". وروى عبيد ~~الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: "نكاح العبد بغير إذن سيده زنا". وروى ~~هشيم عن يونس عن نافع: "أن مملوكا لابن عمر تزوج بغير إذنه فضربهما وفرق ~~بينهما وأخذ كل شيء أعطاها". وقال الحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي: ~~"إذا تزوج العبد بغير إذن مولاه فالأمر إلى المولى إن شاء أجاز وإن شاء ~~رد". وقال عطاء: "نكاح العبد بغير إذن سيده ليس بزنا ولكنه أخطأ السنة". ~~وروى قتادة عن خلاس: "أن غلاما لأبي موسى تزوج بغير إذنه, فرفع ذلك إلى ~~عثمان, ففرق بينهما وأعطاها الخمسين وأخذ ثلاثة أخماس". # قال أبو بكر: واتفق من ذكرنا قوله من السلف أنه لا حد عليهما, وإنما روي ~~الحد عن ابن عمر, وجائز أن يكون جلدهما تعزيرا لا حدا فظن الراوي أنه حد. ~~واتفق علي وعمر في المتزوجة في العدة أنه لا حد عليها, ولا نعلم أحدا من ~~الصحابة خالفهما في ذلك. والعبد الذي تزوج بغير إذن مولاه أيسر أمرا من ~~المتزوجة في العدة; لأن ذلك نكاح تلحقه الإجازة عند عامة التابعين وفقهاء ~~الأمصار, ونكاح المعتدة ms1243 لا تلحقه إجازة عند أحد; وتحريم نكاح المعتدة منصوص ~~عليه في الكتاب في قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله} [البقرة: 235] وتحريم نكاح العبد من جهة خبر الواحد والنظر. # فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم في العبد يتزوج بغير إذن مولاه: ~~"هو عاهر" , وقد قال صلى الله عليه وسلم: "وللعاهر الحجر". قيل له: لا خلاف ~~أن العبد غير مراد بقوله: "وللعاهر الحجر" لأنه لا يرجم إذا زنى, وإنما ~~سماه عاهرا على المجاز والتشبيه بالزنى لإقدامه على وطء محظور; وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان والرجلان تزنيان" وذلك مجاز, ~~فكذلك قوله # PageV02P208 # في العبد. وأيضا فقد قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" ولم ~~يذكر الوطء, ولا خلاف أنه لا يكون عاهرا بالتزوج; فدل أن إطلاقه ذلك كان ~~على وجه المجاز تشبيها له بالعاهر. # وقوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} يدل على أن للمرأة أن تزوج أمتها; ~~لأن قوله: {أهلهن} المراد به الموالي; لأنه لا خلاف أنه لا يجوز لها أن ~~تتزوج بغير إذن مولاها, وأنه لا اعتبار بإذن غير المولى إذا كان المولى ~~بالغا عاقلا جائز التصرف في ماله. وقال الشافعي: "لا يجوز للمرأة أن تزوج ~~أمتها وإنما توكل غيرها بالتزويج" وهو قول يرده ظاهر الكتاب; لأن الله ~~تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج وبين عقد غيرها بإذنها. ويدل على أنها إذا ~~أذنت لا مرأة أخرى في تزويجها أنه جائز لأنها تكون منكوحة بإذنها, وظاهر ~~الآية مقتض لجواز نكاحها بإذن مولاها, فإذا وكل مولاها أو مولاتها امرأة ~~بتزويجها وجب أن يجوز ذلك; لأن ظاهر الآية قد أجازه, ومن منع ذلك فإنما خص ~~الآية بغير دلالة. وأيضا فإن كانت هي لا تملك عقد النكاح عليها فغير جائز ~~توكيلها غيرها به; لأن توكيل الإنسان إنما يجوز فيما يملكه فأما ما لا ~~يملكه فغير جائز توكيل غيره به في العقود التي تتعلق أحكامها بالموكل دون ~~الوكيل, وقد يصح عندنا توكيل من لا يصح عقده إذا ms1244 عقد في العقود التي تتعلق ~~أحكامها بالوكيل دون الموكل وهي عقود البياعات والإجارات, فأما عقد النكاح ~~إذا وكل به فإنما يتعلق حكمه بالموكل دون الوكيل ألا ترى أن الوكيل بالنكاح ~~لا يلزمه المهر ولا تسليمه البضع؟ فلو لم تكن المرأة مالكة لعقد النكاح لما ~~صح توكيلها به لغيرها; إذ كانت أحكام العقود غير متعلقة بالوكيل, فلما صح ~~توكيلها به مع تعلق أحكامه بها دون الوكيل دل على أنها تملك العقد. وهذا ~~أيضا دليل على أن الحرة تملك عقد النكاح على نفسها كما جاز توكيلها على ~~غيرها به وهو وليها. # وقوله تعالى: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} يدل على وجوب مهرها إذا نكحها سمى ~~لها مهرا أو لم يسم; لأنه لم يفرق بين من سمى وبين من لم يسم في إيجابه ~~المهر. ويدل على أنه قد أريد به مهر المثل قوله تعالى: {بالمعروف} وهذا ~~إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف ~~كقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] . # وقوله تعالى: {وآتوهن أجورهن} يقتضي ظاهره وجوب دفع المهر إليها, والمهر ~~واجب للمولى دونها; لأن المولى هو المالك للوطء الذي أباحه للزوج بعقد ~~النكاح فهو المستحق لبدله, كما لو آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق ~~للأجرة دونها, كذلك المهر; ومع ذلك فإن الأمة لا تملك شيئا فلا تستحق قبض ~~المهر. ومعنى الآية على أحد # PageV02P209 # وجهين: إما أن يكون المراد إعطاءهن المهر بشرط إذن المولى فيه, فيكون ~~الإذن المذكور بديا مضمرا في إعطائها المهر كما كان مشروطا في التزويج, ~~فيكون تقديره: فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بإذنهن; فيدل ذلك على أنه ~~غير جائز إعطاؤهن المهر إلا بإذن المولى, وهو كقوله تعالى: {والحافظين ~~فروجهم والحافظات} [الأحزاب: 35] والمعنى: والحافظات فروجهن وقوله تعالى: ~~{والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب: 35] ومعناه: والذاكرات الله ~~وتكون دلالة هذا الضمير ما في الآية من نفي ملكها لتزويجها نفسها وأن ~~المولى أملك بذلك منها; وقوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء} [النحل: 75] فنفى ملكه ms1245 نفيا عاما; وفيه الدلالة على أن الأمة لا ~~تستحق مهرها ولا تملكه. والوجه الآخر أن يكون أضاف الإعطاء إليهن والمراد ~~المولى, كما لو تزوج صبية صغيرة أو أمة صغيرة بإذن الأب والمولى جاز أن ~~يقال أعطهما مهريهما, ويكون المراد إعطاء الأب أو المولى ألا ترى أنه يصح ~~أن يقال لمن عليه دين ليتيم قد مطله به إنه مانع لليتيم حقه وإن كان اليتيم ~~لا يستحق قبضه ويقال أعط اليتيم حقه؟ وقال تعالى: {وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل} [الإسراء: 26] وقد انتظم ذلك الصغار والكبار من أهل ~~هذه الأصناف; وإعطاء الصغار إنما يكون بإعطاء أوليائهم فكذلك جائز أن يكون ~~المراد بقوله: {وآتوهن} إيتاء من يستحق ذلك من مواليهن. # وزعم بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها وأن المولى إذا ~~آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجر دونها, واحتج للمهر بقوله تعالى: ~~{وآتوهن أجورهن} وقد بينا وجه ذلك ومعناه, وعلى أنه إن كان المهر يجب لها ~~لأنه بدل بضعها فكذلك يجب أن تكون الأجرة لها لأنه بدل منافعها. ومن حيث ~~كان المولى هو المالك لمنافعها كما كان مالكا لبضعها, فمن استحق الأجرة ~~دونها فواجب أن يستحق قبض المهر دونها لأنه بدل ملك المولى لا ملكها لأنها ~~لا تملك منافع بضعها ولا منافع بدنها, والمولى هو العاقد في الحالين وبه ~~تمت الإجارة والنكاح, فلا فرق بينهما. وحكى هذا القائل أن بعض العراقيين ~~أجاز أن يزوج المولى أمته عبده بغير صداق; وهذا خلاف الكتاب زعم. قال أبو ~~بكر: ما أشد إقدام مخالفينا على الدعاوى على الكتاب والسنة ومن راعى كلامه ~~وتفقد ألفاظه قلت دعاويه بما لا سبيل له إلى إثباته; فإن كان هذا القائل ~~إنما أراد أنهم أجازوا أن يزوج أمته عبده بغير تسمية مهر, فإن كتاب الله ~~تعالى قد حكم بجواز ذلك في قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] فحكم بصحة الطلاق في نكاح لا ~~مهر فيه مسمى. فدعواه # PageV02P210 # أن ذلك ms1246 خلاف الكتاب قد أكذبها الكتاب, وإن كان مراده أنهم قالوا إنه لا ~~يثبت مهر ويستبيح بضعها بغير بدل فهذا ما لا نعلم أحدا من العراقيين قاله; ~~فحصل هذا القائل على معنيين باطلين: أحدهما: دعواه على الكتاب, وقد بينا أن ~~الكتاب بخلاف ما قال. والثاني دعواه على بعض العراقيين ولم يقل أحد منهم ~~ذلك, بل قولهم في ذلك أنه إذا زوج أمته من عبده وجب لها المهر بالعقد ~~لامتناع استباحة البضع بغير بدل, ثم يسقط في الثاني حين يستحقه المولى ~~لأنها لا تملك والمولى هو الذي يملك مالها ولا يثبت للمولى على عبده دين, ~~فههنا حالان: إحداهما حال العقد يثبت فيها المهر على العبد, والحال الثانية ~~هي حال انتقاله إلى المولى بعد العقد, فيسقط, كما أن رجلا لو كان له على ~~آخر مال فقضاه إياه كان لما قبضه حالان: إحداهما حال قبضه فيملكه مضمونا ~~بمثله ثم يصير قصاصا بماله عليه, وكما يقول في الوكيل في الشرى إن المشترى ~~انتقل إليه بالعقد ولا يملكه وينتقل في الثاني ملكه إلى الموكل, ولذلك ~~نظائر كثيرة لا يفهمها إلا من ارتاض المعاني الفقهية وجالس أهل فقه هذا ~~الشأن وأخذ عنهم. # قوله تعالى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} يعني والله أعلم: ~~فانكحوهن محصنات غير مسافحات; وأمر بأن يكون العقد عليها بنكاح صحيح وأن لا ~~يكون وطؤها على وجه الزنا; لأن الإحصان ههنا النكاح والسفاح الزنا. {ولا ~~متخذات أخدان} يعني: لا يكون وطؤها على حسب ما كانت عليه عادة أهل الجاهلية ~~في اتخاذ الأخدان; قال ابن عباس: "كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من الزنا ~~ويستحلون ما خفي منه "; والخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا, فنهى الله ~~تعالى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وزجر عن الوطء إلا عن نكاح صحيح أو ~~ملك يمين. # PageV02P211 # مطلب: الفتاة تطلق على الأمة ولو عجوزا # وسمى الله الإماء الفتيات بقوله: {من فتياتكم المؤمنات} والفتاة اسم ~~للشابة, والعجوز الحرة لا تسمى فتاة, والأمة الشابة والعجوز كل واحدة منهما ~~تسمى ms1247 فتاة; ويقال إنها سميت فتاة وإن كانت عجوزا لأنها إذا كانت أمة لا ~~توقر توقير الكبيرة. والفتوة حال الغرة والحداثة; والله أعلم بالصواب. # PageV02P211 # باب حد الأمة والعبد # قال الله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} . قال أبو بكر: قرئ فإذا أحصن" بفتح الألف, وقرئ بضم الألف "; ~~فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة أن: {أحصن} بالضم معناه ~~تزوجن. وعن # PageV02P211 # عمر وابن مسعود والشعبي وإبراهيم: "أحصن" بالفتح, قالوا: معناه أسلمن; ~~وقال الحسن: "يحصنها الزوج ويحصنها الإسلام". # واختلف السلف في حد الأمة متى يجب, فقال من تأول قوله {فإذا أحصن} بالضم ~~على التزويج: إن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت ما لم تتزوج" وهو مذهب ~~ابن عباس والقائلين بقوله. ومن تأول قوله: "فإذا أحصن" بالفتح على الإسلام, ~~جعل عليها الحد إذا أسلمت وزنت وإن لم تتزوج, وهو قول ابن مسعود والقائلين ~~بقوله. وقال بعضهم: تأويل من تأوله على أسلمن بعيد; لأن ذكر الإيمان قد ~~تقدم لهن بقوله: {من فتياتكم المؤمنات} قال: فيبعد أن يقال: "من فتياتكم ~~المؤمنات فإذا آمن". وليس هذا كما ظن لأن قوله: {من فتياتكم المؤمنات} إنما ~~هو في شأن النكاح, وقد استأنف ذكر حكم آخر غيره وهو الحد, فجاز استئناف ذكر ~~الإسلام, فيكون تقديره: "فإذا كن مسلمات فأتين بفاحشة فعليهن" هذا لا يدفعه ~~أحد; ولو كان ذلك غير سائغ لما تأوله عمر وابن مسعود والجماعة الذين ذكرنا ~~قولهم عليه. وليس يمتنع أن يكون الأمران جميعا من الإسلام والنكاح مرادين ~~باللفظ, لاحتماله لهما وتأويل السلف الآية عليهما. # وليس الإسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد عليها حتى إذا لم تحصن لم يجب, ~~لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة ~~عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد ~~بن خالد الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم ~~تحصن, ms1248 قال: "إن زنت فاجلدوها, ثم إن زنت فاجلدوها, ثم إن زنت فاجلدوها, ثم ~~إن زنت فبيعوها ولو بضفير" والضفير الحبل. وفي حديث سعيد المقبري عن أبيه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كل مرة: "فليقم عليها ~~كتاب الله تعالى" فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الحد عليها مع عدم ~~الإحصان. # فإن قيل: فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله: {فإذا أحصن} وهي محدودة في ~~حال الإحصان وعدمه؟ قيل له: لما كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون ~~مسلمة متزوجة, أخبر الله تعالى أنهن وإن أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس ~~عليهن أكثر من نصف حد الحرة, ولولا ذلك لكان يجوز أن يتوهم افتراق حالها في ~~حكم وجود الإحصان وعدمه, فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم وإذا كانت غير ~~محصنة فنصف الحد, فأزال الله تعالى توهم من يظن ذلك وأخبر أنه ليس عليها ~~إلا نصف الحد في جميع الأحوال; فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدها. ولما ~~أوجب عليها نصف حد الحرة مع الإحصان علمنا أنه أراد الجلد; إذ الرجم لا ~~ينتصف; وقوله تعالى: {فعليهن نصف # PageV02P212 # ما على المحصنات من العذاب} أراد به الإحصان من جهة الحرية لا الإحصان ~~الموجب للرجم; لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال عليها نصف الرجم لأنه لا ~~يتبعض. # PageV02P213 # مطلب: إذا علقت الحكام بمعنان فحيث وجدت فالحكم ثابت # وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت, وعقلت الأمة من ذلك ~~أن العبد بمثابتها; إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا من الظاهر وهو ~~الرق وهو موجود في العبد. وكذلك قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} ~~[النور: 4] خص المحصنات بالذكر وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه الآية ~~إذا قذفوا, إذ كان المعنى في المحصنة العفة والحرية والإسلام, فحكموا للرجل ~~بحكم النساء بالمعنى. وهذا يدل على أن الأحكام إذا علقت بمعان فحيثما وجدت ~~فالحكم ثابت حتى تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض. # PageV02P213 # فصل # قوله تعالى: ms1249 {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن} يدل على جواز عطف ~~الواجب على الندب; لأن النكاح ندب ليس بفرض, وإيتاء المهر واجب; ونحوه قوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ثم قال: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] ويصح عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى: ~~{إن الله يأمر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] فالعدل واجب ~~والإحسان ندب. # قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك وعطية العوفي: هو الزنا. وقال آخرون: هو الضرر الشديد في دين ~~أودنيا, من قوله تعالى: {ودوا ما عنتم} [آل عمران: 118] . وقوله: {لمن خشي ~~العنت منكم} راجع إلى قوله: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} , ~~وهذا شرط إلى المندوب إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة ~~لئلا يكون ولده عبدا لغيره, فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو ~~مباح لا كراهة فيه لا في الفعل ولا في الترك. ثم عقب ذلك بقوله تعالى: {وأن ~~تصبروا خير لكم} فأبان عن موضع الندب, والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا; ~~فكانت دلالة الآية مقتضية لكراهية نكاح الأمة إذا لم يخش العنت, ومتى خشي ~~العنت فالنكاح مباح إذا لم تكن تحته حرة. والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي ~~العنت, لقوله: {وأن تصبروا خير لكم} . وإنما ندب الله تعالى إلى ترك نكاح ~~الأمة رأسا مع خوف العنت لأن الولد المولود على فراش النكاح # PageV02P213 ### | مطلب: في بيان معنى التقية وحكمها # وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} يعني أن تخافوا تلف النفس وبعض ~~الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها. وهذا هو ظاهر ما ~~يقتضيه اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم, وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين} قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في ~~دينه. وقوله تعالى: {إلا ms1250 أن تتقوا منهم تقاة} : إلا أن تكون بينهم وبينه ~~قرابة فيصله لذلك; فجعل التقية صلة لقرابة الكافر. وقد اقتضت الآية جواز ~~إظهار الكفر عند التقية, وهو نظير قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} [النحل: 106] وإعطاء التقية في مثل ذلك ~~إنما هو رخصة من الله تعالى وليس بواجب, بل ترك التقية أفضل, قال أصحابنا ~~فيمن أكره على الكفر فلم يفعل حتى قتل: إنه أفضل ممن أظهر. وقد أخذ ~~المشركون خبيب بن عدي, فلم يعط التقية حتى قتل, فكان عند المسلمين أفضل من ~~عمار بن ياسر حين أعطى التقية, وأظهر # PageV02P012 ### | مطلب: فيمن نذر أن ينشيء ابنه الصغير في عبادة الله وأن يعلمه القرآن وعلوم الدين # قوله عز وجل: {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} روي ~~عن الشعبي أنه قال: "مخلصا للعبادة", وقال مجاهد: "خادما للبيعة". وقال ~~محمد بن جعفر بن الزبير: "عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله تعالى". والتحرير ~~ينصرف على وجهين: أحدهما: العتق, من الحرية. والآخر: تحرير الكتاب, وهو ~~إخلاصه من الفساد والاضطراب. وقوله: {إني نذرت لك ما في بطني محررا} إذا ~~أرادت مخلصا للعبادة أنها تنشئه على ذلك وتشغله بها دون غيرها, وإذا أرادت ~~به أنها تجعله خادما للبيعة أو عتيقا لطاعة الله تعالى فإن معاني جميع ذلك ~~متقاربة, كان نذرا من قبلها نذرته لله تعالى بقولها: نذرته ثم قالت: {فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم} والنذر في مثل ذلك صحيح في شريعتنا أيضا بأن ~~ينذر الإنسان أن ينشئ ابنه الصغير على عبادة الله وطاعته, وأن لا يشغله ~~بغيرهما, وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين. وجميع ذلك نذور صحيحة; لأن ~~في ذلك قربة إلى الله تعالى. وقولها: {نذرت لك} يدل على أنه يقتضي الإيجاب, ~~وأن من نذر لله تعالى قربة يلزمه الوفاء بها. ويدل على أن النذور تتعلق على ~~الأخطار وعلى أوقات مستقبلة; لأنه معلوم أن قولها: {نذرت لك ما في بطني ~~محررا} أرادت به بعد ms1251 الولادة وبلوغ الوقت الذي يجوز في مثله أن يخلص لعبادة ~~الله تعالى. ويدل أيضا على جواز النذر بالمجهول; لأنها نذرته وهي لا تدري ~~ذكر هو أم أنثى. # PageV02P014 ### | مطلب: للأم ضرب من الولاية على الولد في تعليمه وتأديبه إلى آخره # ويدل على أن للأم ضربا من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه ~~وتربيته, لولا أنها تملك ذلك لما نذرته في ولدها. ويدل أيضا على أن للأم ~~تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة, وإن لم يسمه الأب; لأنها قالت: {وإني ~~سميتها مريم} وأثبت الله تعالى لولدها هذا الاسم. # وقوله تعالى: {فتقبلها ربها بقبول حسن} المراد به, والله أعلم: رضيها ~~للعبادة في النذر الذي نذرته بالإخلاص للعبادة في بيت المقدس, ولم يقبل ~~قبلها أنثى في هذا المعنى. # قوله تعالى {وكفلها زكريا} إذا قرئ بالتخفيف كان معناه أنه تضمن مؤنتها, ~~كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" ~~, وأشار بإصبعيه, يعني به من # PageV02P014 ### | مطلب: في أن إطلال الغمامة عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة إرهاصا له # وقد اختلف في وجه تطهير الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية; لأن الله تعالى ~~قال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} [يوسف: 109] فقال قائل: ~~"كان ذلك معجزة لزكريا عليه السلام". وقال آخرون: "على وجه إرهاص نبوة ~~المسيح, كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم قبل المبعث". # قوله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} قال سعيد: ~~"أخلصي لربك". وقال قتادة: "أديمي الطاعة". وقال مجاهد" أطيلي قيام ~~الصلاة", وأصل القنوت الدوام على الشيء, وأشبه هذه الوجوه بالحال الأمر ~~بإطالة القيام في # PageV02P016 ### | مطلب: في تحقيق معنى البشارة # قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح} . # PageV02P017 ### | مطلب: في المباهلة وما رواه أصحاب السير في شأنها # قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم} الاحتجاج المتقدم لهذه الآية على النصارى في قولهم إن المسيح هو ms1252 ~~ابن الله وهم وفد نجران وفيهم السيد والعاقب قالا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: هل رأيت ولدا من غير ذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم} ; روي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقال قبل ذلك فيما حكى عن ~~المسيح: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} إلى قوله تعالى: {وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه} وهذا موجود في الإنجيل; لأن فيه: "إني ذاهب إلى أبي, وأبيكم ~~وإلهي وإلهكم "; والأب السيد في تلك اللغة, ألا تراه قال: وأبي, وأبيكم؟ ~~فعلمت أنه لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة, فلما قامت الحجة عليهم بما ~~عرفوه واعترفوا به, وأبطل شبهتهم في قولهم إنه ولد من غير ذكر بأمر آدم ~~عليه السلام دعاهم حينئذ إلى المباهلة فقال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية; فنقل رواة السير ~~ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد الحسن ~~والحسين وعلي وفاطمة رضي الله عنهم, ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى ~~المباهلة, فأحجموا عنها وقال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ~~نارا, ولم يبق نصراني, ولا نصرانية إلى يوم القيامة. # وفي هذه الآيات دحض شبه النصارى في أنه إله أو ابن الإله; وفيه دلالة على # PageV02P018 ### | مطلب: في أن ولد البنت هل ينسب إلى قوم أبيه أو أمه # ومن الناس من يقول إن هذا مخصوص في الحسن والحسين رضي الله عنهما أن ~~يسميا ابني النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما, وقد روي في ذلك خبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدل على خصوص إطلاق اسم ذلك فيهما دون غيرهما من ~~الناس; لأنه روي عنه أنه قال "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ~~ونسبي" ; وقال محمد فيمن أوصى لولد فلان, ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن ~~وولد ابنة: "إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة". وقد روى الحسن بن زياد ~~عن أبي حنيفة أن ولد الابنة ms1253 يدخلون فيه. وهذا يدل على أن قوله تعالى وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مخصوص به الحسن والحسين في جواز نسبتهما ~~على الإطلاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس لما ورد فيه ~~من الأثر, وأن غيرهما من الناس إنما ينسبون إلى الآباء وقومهم دون قوم ~~الأم, ألا ترى أن الهاشمي إذا استولد جارية رومية أو حبشية أن ابنه يكون ~~هاشميا منسوبا إلى قوم أبيه دون أمه؟ وكذلك قال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... نوهن أبناء الرجال الأباعد # فنسبة الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالبنوة على الإطلاق مخصوص بهما لا يدخل فيه غيرهما; هذا هو الظاهر ~~المتعالم من كلام الناس فيمن سواهما; لأنهم ينسبون إلى الأب وقومه دون قوم ~~الأم. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله} الآية. قوله تعالى: {كلمة سواء} يعني والله أعلم: كلمة عدل ~~بيننا وبينكم نتساوى جميعا فيها; إذ كنا جميعا عباد الله, ثم فسرها بقوله ~~تعالى: {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله} وهذه هي الكلمة التي تشهد العقول # PageV02P019 ### | مطلب: في الجواب عن إشكال من قال: إن القرآن نزل بعد إبراهيم عليه السلام مكيف يكون مسلما # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} إلى قوله تعالى: {أفلا ~~تعقلون} . روي عن ابن عباس والحسن والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران ~~اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام ~~فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا, وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا; ~~فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والأنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} فاليهودية والنصرانية ~~حادثتان بعد إبراهيم, فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا, وقد قيل إنهم سموا ~~بذلك; لأنهم من ولد يهوذا, والنصارى سموا بذلك; لأن أصلهم من ناصرة قرية ~~بالشام; ومع ذلك ms1254 فإن اليهود ملة محرفة عن ملة موسى عليه السلام, والنصرانية ~~ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السلام; فلذلك قال تعالى: {وما أنزلت التوراة ~~والأنجيل # PageV02P020 ### | مطلب: في وجوب المحاجة في الدين # وفي هذه الآيات دليل على وجوب المحاجة في الدين وإقامة الحجة على ~~المبطلين, كما احتج الله تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في أمر ~~المسيح عليه السلام وأبطل بها شبهتهم وشغبهم. # وقوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم} أوضح دليل على صحة الاحتجاج للحق; لأنه لو كان الحجاج كله ~~محظورا لما فرق بين المحاجة بالعلم وبينها إذا كانت بغير علم. وقيل في قوله ~~تعالى: {حاججتم فيما لكم به علم} : فيما وجدوه في كتبهم, وأما ما ليس لهم ~~به علم فهو شأن إبراهيم في قولهم إنه كان يهوديا أو نصرانيا. # قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} معناه: تأمنه ~~على قنطار; لأن "الباء" و "على" تتعاقبان في هذا الموضع, كقولك: مررت بفلان ~~ومررت عليه. وقال الحسن في القنطار: "هو ألف مثقال ومائتا مثقال". وقال أبو ~~نضرة: ملء مسك ثور ذهبا". وقال مجاهد: "سبعون ألفا". وقال أبو صالح: "مائة ~~رطل". فوصف الله تعالى بعض أهل الكتاب بأداء الأمانة في هذا الموضع, ويقال ~~إنه أراد به النصارى ومن الناس من يحتج بذلك في قبول شهادة بعضهم على بعض; ~~لأن الشهادة ضرب من الأمانة, كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت ~~شهادته فكذلك الكتابي من حيث كان منهم موصوفا بالأمانة دل على جواز قبول ~~شهادته على الكفار. # فإن قيل: فهذا يوجب جواز قبول شهادتهم على المسلمين; لأنه وصفه بأداء ~~الأمانة إلى المسلمين إذا ائتمنوه عليها. قيل له: كذلك يقتضي ظاهر الآية, ~~إلا أنا خصصناه # PageV02P021 ### | باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجني فيه # قال الله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} . قال أبو بكر: لما كانت الآيات ~~المذكورة عقيب قوله: {إن أول بيت وضع للناس} موجودة في جميع الحرم, ثم ms1255 قال: ~~{ومن دخله كان آمنا} وجب أن يكون مراده جميع الحرم, وقوله: {ومن دخله كان ~~آمنا} يقتضي أمنه على نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو جنى بعد دخوله, إلا ~~أن الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها. ~~ومعلوم أن قوله: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر وإن كان في صورة الخبر, كأنه ~~قال: هو آمن في حكم الله تعالى وفيما أمر به, كما نقول: هذا مباح وهذا ~~محظور; والمراد أنه كذلك في حكم الله وما أمر به عباده, وليس المراد أن ~~مبيحا يستبيحه, ولا أن معتقدا للحظر يحظره, وإنما هو بمنزلة قوله في ~~المباح:"افعله على أن لا تبعة عليك فيه, ولا ثواب" وفي المحظور: "لا تفعله ~~فإنك تستحق العقاب به". وكذلك قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر لنا ~~بإيمانه وحظر دمه, ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] فأخبر بجواز ~~وقوع القتل فيه, وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا؟ ولو كان قوله ~~تعالى: {ومن دخله كان آمنا} خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره, فثبت بذلك أن ~~قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} هو أمر لنا بإيمانه ونهي لنا عن قتله. ثم ~~لا يخلو ذلك من أن يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق ~~أو أن نؤمنه من قتل قد استحقه بجنايته, فلما كان حمله على الإيمان من قتل ~~غير مستحق عليه بل على وجه الظلم, تسقط فائدة تخصيص الحرم به; لأن الحرم ~~وغيره في ذلك سواء; إذ كان علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أو ~~من قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك, علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قبل ~~مستحق, فظاهره يقتضي أن نؤمنه من المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي ~~غيره, إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم ~~قتل. قال الله تعالى: {ولا تقاتلوهم ms1256 عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] ففرق بين الجاني في الحرم وبين الجاني ~~في غيره إذا لجأ إليه. # PageV02P027 ### | مطلب في حكم الجاني في غير الحرم إذا التجأ إليه # وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه, فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم ~~لم يقتص منه ما دام فيه, ولكنه لا يبايع, ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم ~~فيقتص منه, وإن قتل # PageV02P027 ### | باب فرض الحج # قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} قال أبو ~~بكر: هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه. والذي يقتضيه ~~من حكم السبيل أن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك; إذ كانت استطاعة ~~السبيل إليه هي إمكان الوصول إليه, كقوله تعالى: {فهل إلى خروج من سبيل} ~~[غافر: 11] يعني: من وصول و {هل إلى مرد من سبيل} [الشورى: 44] يعني: من ~~وصول, وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود ~~الزاد والراحلة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من ملك زادا وراحلة يبلغه بيت الله, ولم يحج فلا عليه أن ~~يموت يهوديا أو نصرانيا" , وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: {ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن ~~محمد بن عباد عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز ~~وجل: {ولله على # PageV02P030 ### | باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # مطلب: في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية # قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} قال أبو بكر: قد حوت هذه الآية معنيين. أحدهما: وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والآخر: أنه فرض على الكفاية ليس بفرض ~~على كل أحد في نفسه ms1257 إذا قام به غيره. لقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} ~~وحقيقته تقتضي البعض دون البعض, فدل على أنه فرض الكفاية إذا قام به بعضهم ~~سقط عن الباقين. ومن الناس من يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج ~~الكلام مخرج الخصوص في قوله: # PageV02P037 ### | مطلب في من غصب متاع رجل يسعه قتله حتى يستنقذ المتاع منه # وقد ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل: "وسعك قتله حتى تستنقذ ~~المتاع وترده إلى صاحبه" وكذلك قال أبو حنيفة في السارق إذا أخذ المتاع: ~~"وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع". قال محمد: وقال أبو حنيفة في ~~اللص الذي ينقب البيوت: "يسعك قتله" وقال في رجل يريد قلع سنك, قال "فلك أن ~~تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه" وهذا الذي ذكرناه يدل عليه ~~قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] فأمر ~~بقتالهم. ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه ~~من البغي والمنكر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده" يوجب ذلك أيضا; لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ~~ذلك, فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله. وكذلك قلنا في ~~أصحاب الضرائب والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس: إن دماءهم مباحة ~~وواجب على المسلمين قتلهم. ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من ~~غير إنذار منه له, ولا التقدم إليهم بالقول; لأنه معلوم من حالهم أنهم غير ~~قابلين إذا كانوا مقدمين على ذلك مع العلم بحظره, ومتى أنذرهم من يريد ~~الإنكار عليهم امتنعوا منه # PageV02P040 ### | باب الاستعانة بأهل الذمة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} الآية. ~~قال أبو بكر بطانة الرجل خاصته الذين يستنبطون أمره ويثق بهم في أمره; فنهى ~~الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين, وأن ~~يستعينوا بهم في خواص ms1258 أمورهم, وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال: ~~{لا يألونكم خبالا} يعني: لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد ~~أموركم; لأن الخبال هو الفساد. ثم قال: {ودوا ما عنتم} قال السدي: "ودوا ~~ضلالكم عن دينكم" وقال ابن جريج: "ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على ~~المشقة فيه"; لأن أصل العنت المشقة, فكأنه أخبر عن # PageV02P046 ### | مطلب: قوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} وأن المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه # وقوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} قيل في معنى {أضعافا ~~مضاعفة} وجهان: أحدهما: المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل أجل قسط من ~~زيادة على المال. والثاني: ما يضاعفون به أموالهم. وفي هذا دلالة على أن ~~المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه; لأنه لو كان كذلك لوجب أن ~~يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا ~~مضاعفة, فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم ~~في ذلك, ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى: {وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] إذ لم يبق لها حكم في الاستعمال. # وقوله تعالى: {وجنة عرضها السماء والأرض} , قيل: كعرض السموات والأرض; ~~وقال في آية أخرى: {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} [الحديد: 21] وكما قال: ~~{ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] أي إلا كبعث نفس واحدة. ~~ويقال: إنما خص العرض بالذكر دون الطول; لأنه يدل على أن الطول أعظم, ولو ~~ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم; وهذا يحتج به في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم "ذكاة الجنين ذكاة أمه" معناه: كذكاة أمه. # PageV02P047 ### | مطلب: في قول عمر رضي الله عنه "من خاف الله لم يشف غيظه # وقوله تعالى: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن # PageV02P047 ### | مطلب: في قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة} وذكر ما فيه من دلائل النبوة # قوله تعالى:. {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم} ms1259 ~~قال طلحة وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وقتادة والربيع بن أنس: كان ~~ذلك يوم أحد بعد هزيمة من انهزم من المسلمين وتوعدهم المشركون بالرجوع, ~~فكان من ثبت من المسلمين تحت الحجف متأهبين للقتال, فأنزل الله تعالى ~~الأمنة على المؤمنين, فناموا دون المنافقين الذين أرعبهم الخوف لسوء الظن; ~~قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فنمنا حتى اصطفقت الحجف من النعاس, ~~ولم يصب المنافقين ذلك بل أهمتهم أنفسهم, فقال بعض أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: سمعت وأنا بين النائم واليقظان معتب بن قشير وناسا من المنافقين ~~يقولون: هل لنا من الأمر من شيء; وهذا من لطف الله تعالى للمؤمنين وإظهار ~~أعلام النبوة في مثل تلك الحال التي العدو فيها مطل عليهم. وقد انهزم عنهم ~~كثير من أعوانهم وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين فينامون وهم مواجهون العدو ~~في الوقت الذي يطير فيه النعاس عمن شاهده ممن لا يقاتل فكيف بمن حضر القتال ~~والعدو قد أشرعوا فيهم الأسنة وشهروا سيوفهم لقتلهم واستيصالهم. وفي ذلك ~~أعظم الدلائل وأكبر الحجج # PageV02P050 ### | باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} . قال ~~الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: "اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم ~~وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله" وقال محمد بن كعب القرظي: اصبروا ~~على دينكم وصابروا وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم". وقال زيد بن أسلم: "اصبروا ~~على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه". وقال أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن: "ورابطوا بانتظار الصلاة # PageV02P057 ### | سورة النساء ### | مدخل # ... # سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} . قال الحسن ~~ومجاهد وإبراهيم: "هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم" وقال ابن عباس ~~وقتادة والسدي والضحاك: "اتقوا الأرحام أن تقطعوها". وفي الآية دلالة على ~~جواز المسألة بالله تعالى, وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل بالله فأعطوه". وروى معاوية بن سويد ms1260 بن ~~مقرن عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع, ~~منها إبرار القسم"; وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من سألكم بالله فأعطوه". وأما قوله: {والأرحام} ففيه تعظيم لحق الرحم ~~وتأكيد للنهي عن قطعها, قال الله تعالى في موضع آخر: {فهل عسيتم إن توليتم ~~أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد:22] فقرن قطع الرحم إلى الفساد ~~في الأرض, وقال تعالى: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} قيل في الإل: إنه ~~القرابة; وقال تعالى: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ~~والجار ذي القربى} [النساء: 36] . # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعظيم حرمة الرحم ما يواطئ ما ~~ورد به التنزيل, روى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله: ~~أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها ~~بتته". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثني خالي ~~حيان بن بشر قال: حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال: حدثني ناصح عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم ما من عمل عصي ~~الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا صالح المري قال: ~~حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر # PageV02P059 ### | باب دفع أموال الأيتام إليهم بأعيانها ومنع الوصي من استهلاكها # قال الله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} . ~~روي عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن ms1261 ~~يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله, فشكوا ذلك إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] . قال أبو بكر: وأظن ذلك غلطا من الراوي; ~~لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ; إذ لا خلاف بين أهل ~~العلم أن اليتيم لا يجب إعطاؤه ماله قبل البلوغ, وإنما غلط الراوي بآية ~~أخرى وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما ~~أنزل الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] الآية, انطلق من ~~كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل من طعامه ~~فيحبس له حتى يأكله أو يفسد, فاشتد ذلك عليهم, فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم ~~بشرابهم" فهذا هو الصحيح في ذلك; وأما قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} ~~فليس من هذا في شيء; لأنه معلوم أنه لم يرد به إيتاءهم أموالهم في حال ~~اليتم, وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد, وأطلق اسم الأيتام ~~عليهم لقرب عهدهم باليتيم كما سمى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله ~~تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] والمعنى مقاربة ~~البلوغ; ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق الآية: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم} والإشهاد عليه لا يصح قبل البلوغ, فعلم أنه أراد بعد ~~البلوغ. وسماهم يتامى لأحد معنيين: إما لقرب عهدهم بالبلوغ, أو لانفرادهم ~~عن آبائهم, مع أن العادة في أمثالهم ضعفهم عن التصرف لأنفسهم والقيام ~~بتدبير أمورهم على الكمال حسب تصرف المتحنكين الذين قد جربوا الأمور ~~واستحكمت آراؤهم; وقد روى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس ms1262 يسأله عن ~~اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: "إذا أونس منه الرشد انقطع عنه يتمه" ~~وفي بعض الألفاظ: "إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد", ~~فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يستحكم رأيه ولم ~~يؤنس منه رشده, فجعل بقاء ضعف الرأي موجبا لبقاء اسم اليتيم عليه. # واسم اليتيم قد يقع على المنفرد عن أبيه وعلى المرأة المنفردة عن زوجها, ~~قال # PageV02P061 ### | باب تزويج الصغار # قال الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} . روى الزهري عن عروة قال: قلت لعائشة: قوله ~~تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية؟ فقالت: يا ابن أختي هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى ~~من صداقها, فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من ~~النساء قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية فيهن, فأنزل الله: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم في الكتاب} إلى قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] ~~قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي ~~قال فيها: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} . وقوله في الآية الأخرى: ~~{وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في ~~حجره حين تكون قليلة المال والجمال, فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها ~~وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن. قال أبو بكر: وروي ~~عن ابن عباس نحو تأويل عائشة في قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى} . وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع تأويل غير هذا, وهو ما ~~حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله ~~تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا ms1263 في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~يقول: وما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي ~~خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن. وروي عن مجاهد: وإن خفتم ألا تقسطوا ~~فحرجتم من أكل أموالهم, وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا طيبا ~~مثنى وثلاث ورباع. وروي فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة ~~قال: "كان الرجل من قريتي تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله ~~فيميل على مال الأيتام, فنزلت: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} الآية. # وقد اختلف الفقهاء في تزويج غير الأب والجد الصغيرين, فقال أبو حنيفة" ~~لكل # PageV02P064 ### | باب هبة المرأة المهر لزوجها # قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} . روي عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} قالا: "فريضة", كأنهما ذهبا إلى نحلة الدين وأن ذلك فرض فيه. ~~وروي عن أبي صالح في قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال: "كان ~~الرجل إذا زوج موليته أخذ صداقها فنهوا عن ذلك", فجعله خطابا للأولياء أن ~~لا يحبسوا عنهن المهور إذا قبضوها. إلا أن معنى النحلة يرجع إلى ما ذكره ~~قتادة في أنها فريضة, وهذا على معنى ما ذكره الله عقيب ذكر المواريث {فريضة ~~من الله} . قال بعض أهل العلم: إنما سمي المهر نحلة والنحلة في الأصل ~~العطية والهبة في بعض الوجوه; لأن الزوج لا يملك بدله شيئا; لأن البضع في ~~ملك المرأة بعد النكاح هو قبله, ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها ~~دون الزوج؟ فإنما سمي المهر نحلة; لأنه لم يعتض من قبلها عوضا يملكه, فكان ~~في معنى النحلة التي ليس بإزائها بدل; وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد ~~النكاح هو الاستباحة لا الملك. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في قوله ~~تعالى: {نحلة} يعني: بطيبة أنفسكم, يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون ~~ولكن آتوهن ذلك وأنفسكم به طيبة وإن كان ms1264 المهر لهن دونكم. قال أبو بكر: ~~فجائز على هذا المعنى أن يكون إنما سماه نحلة; لأن النحلة هي العطية وليس ~~يكاد يفعلها الناحل إلا متبرعا بها طيبة بها نفسه, فأمروا بإيتاء النساء ~~مهورهن بطيبة من أنفسهم كالعطية التي يفعلها المعطي بطيبة من نفسه. # ويحتج بقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} في إيجاب كمال المهر ~~للمخلو بها لاقتضاء الظاهر له, وأما قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} فإنه يعني عن المهر, لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن ~~عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن ~~طابت نفسها بتركه. قال قتادة في هذه الآية: "ما طابت به نفسها من غير كره ~~فهو حلال". وقال علقمة لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء. فتضمنت الآية ~~معاني: منها أن المهر لها وهي المستحقة له لا حق للولي فيه. ومنها أن على ~~الزوج أن يعطيها بطيبة من نفسه. ومنها جواز هبتها المهر للزوج والإباحة ~~للزوج في أخذه بقوله تعالى: {فكلوه هنيئا مريئا} . ومنها تساوي حال قبضها ~~للمهر وترك قبضها في جواز هبتها للمهر; لأن قوله تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} يدل على المعنيين, ويدل أيضا على جواز هبتها للمهر قبل القبض أن ~~الله تعالى لم يفرق بينهما. # PageV02P073 ### | باب دفع المال إلى السفهاء # قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} ~~قال أبو بكر: قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية, فقال ابن عباس: "لا ~~يقسم الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد; إذ هم عيال له, والمرأة ~~من أسفه السفهاء"; فتأول ابن عباس الآية على ظاهرها ومقتضى حقيقتها; لأن ~~قوله تعالى: {أموالكم} يقتضي خطاب كل واحد منهم بالنهي عن دفع ماله إلى ~~السفهاء لما في ذلك من تضييعه, لعجز هؤلاء عن القيام بحفظه وتثميره, وهو ~~يعني به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ المال. ويدل ذلك أيضا على ~~أنه لا ينبغي له أن يوكل في حياته بماله ويجعله في يد من هذه ms1265 صفته, وأن لا ~~يوصي به إلى أمثالهم. ويدل أيضا على أن ورثته إذا كانوا صغارا أنه لا ينبغي ~~أن يوصي بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم. وفيه الدلالة على النهي عن ~~تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به, لقوله تعالى: {التي جعل الله ~~لكم قياما} فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال, فمن رزقه الله منه شيئا ~~فعليه إخراج حق الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه, وفي ذلك ترغيب ~~من الله تعالى لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير. وقد ذكر الله تعالى ~~ذلك في مواضع من كتابه العزيز, منه قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 26-27] وقوله تعالى: {ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء:29] ~~وقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67] وما ~~أمر الله تعالى به من حفظ الأموال وتحصين الديون بالشهادات والكتاب والرهن ~~على ما بينا فيما سلف. وقد قيل في قوله تعالى: {التي جعل الله لكم قياما} ~~يعني أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من يضيعها. والوجه الثاني من ~~التأويل: ما روي عن سعيد بن جبير أنه أراد: لا تؤتوا السفهاء أموالهم, ~~وإنما أضافها إليهم كما قال الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ~~يعني: لا يقتل بعضكم بعضا, وقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] ~~وقوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] يريد: من ~~يكون فيها. وعلى هذا التأويل يكون السفهاء محجورا عليهم فيكونون ممنوعين من ~~أموالهم إلى أن يزول السفه. # PageV02P076 ### | باب دفع المال إلى اليتيم # قال الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي: "يعني ~~اختبروهم في عقولهم ودينهم". قال أبو بكر: أمرنا باختبارهم قبل البلوغ; ~~لأنه قال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} فأخبر أن بلوغ النكاح ~~بعد الابتلاء; لأن" حتى غاية مذكورة بعد الابتلاء, فدلت الآية من وجهين على ~~أن هذا الابتلاء ms1266 قبل البلوغ. وفي ذلك دليل على جواز الإذن للصغير الذي يعقل ~~في التجارة; لأن الابتلاء لا يكون إلا باستبراء حاله في العلم بالتصرف وحفظ ~~المال ومتى أمر بذلك كان مأذونا في التجارة. # وقد اختلف الفقهاء في إذن الصبي في التجارة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح: جائز للأب أن يأذن لابنه الصغير ~~في التجارة إذا كان يعقل الشرى والبيع, وكذلك وصي الأب أو الجد إذا لم يكن ~~وصي أب ويكون بمنزلة العبد المأذون له". وقال ابن القاسم عن مالك: "لا أرى ~~إذن الأب, والوصي للصبي في التجارة جائزا, وإن لحقه في ذلك دين لم يلزم ~~الصبي منه شيء". وقال الربيع عن الشافعي في كتابه في الإقرار: وما أقر به ~~الصبي من حق الله تعالى أو الآدمي أو حق في مال أو غيره فإقراره ساقط عنه ~~سواء كان الصبي مأذونا له في التجارة أذن له أبوه أو وليه من كان أو حاكم, ~~ولا يجوز للحاكم أن يأذن له, فإن فعل فإقراره ساقط عنه, وكذلك شراؤه وبيعه ~~مفسوخ". # قال أبو بكر: ظاهر الآية يدل على جواز الإذن له في التجارة لقوله تعالى: ~~{وابتلوا اليتامى} والابتلاء هو اختبارهم في عقولهم ومذاهبهم وحزمهم فيما ~~يتصرفون فيه, فهو # PageV02P078 ### | مطلب في تفسير الرشد # وأما قوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشدا} فإن ابن عباس قال: "فإن علمتم ~~منهم ذلك". وقيل: إن أصل الإيناس هو الإحساس, حكي عن الخليل. وقال الله ~~تعالى: {إني آنست نارا} [طه: 10] يعني أحسستها وأبصرتها. # وقد اختلف في معنى الرشد ههنا, فقال ابن عباس والسدي: "الصلاح في العقل" ~~وحفظ المال". وقال الحسن وقتادة: "الصلاح في العقل والدين". وقال إبراهيم ~~النخعي ومجاهد: "العقل". وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{فإن آنستم منهم رشدا} قال: "إذا أدرك بحلم وعقل ووقار". # قال أبو بكر: إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأوله عليه, ~~ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منكورا ولم يشرط سائر ضروب ms1267 الرشد, اقتضى ~~ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا ~~من الحجر عليه; فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل ~~البالغ, وهو مذهب إبراهيم ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة; وقد بينا هذه المسألة ~~في سورة البقرة. # وقوله تعالى: {فادفعوا إليهم أموالهم} يقتضي وجوب دفع المال إليهم بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد على ما بينا, وهو نظير قوله تعالى: {وآتوا اليتامى ~~أموالهم} وهذه الشريطة معتبرة فيها أيضا, وتقديره: وآتوا اليتامى أموالهم ~~إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا. # PageV02P080 ### | مطلب في أن السرف مجاوزة حد المباح إلى المحظور من إفراط أو تقصير # وأما قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} فإن السرف ~~مجاوزة حد المباح إلى المحظور, فتارة يكون السرف في التقصير وتارة في ~~الإفراط لمجاوزة حد الجائز في الحالين. # وقوله تعالى: {وبدارا} قال ابن عباس وقتادة والحسن والسدي: "مبادرة" ~~والمبادرة الإسراع في الشيء, فتقديره النهي عن أكل أموالهم مبادرة أن ~~يكبروا فيطالبوا بأموالهم. وفيها دلالة على أنه إذا صار في حد الكبر استحق ~~المال إذا كان عاقلا من غير شرط إيناس الرشد; لأنه إنما شرط إيناس الرشد ~~بعد البلوغ, وأفاد بقوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} أنه ~~لا يجوز له إمساك ماله بعدما يصير في حد الكبر, ولولا ذلك لما كان لذكر ~~الكبر ههنا معنى; إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده, ~~فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه. وجعل أبو ~~حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة; لأن مثله يكون جدا, ومحال أن يكون ~~جدا ولا يكون في حد الكبار. والله أعلم. # PageV02P081 ### | باب أكل ولي اليتيم من ماله # قال الله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} ~~. قال أبو بكر: قد اختلف السلف في تأويله, فروى معمر عن الزهري عن القاسم ~~بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما لهم أموال, ms1268 وهو ~~يستأذنه أن يصيب منها, فقال ابن عباس: ألست تهنأ جرباءها؟ قال: بلى, قال: ~~ألست تبغي ضالتها؟ قال: بلى, قال: ألست تلوط حياضها؟ قال: بلى, قال: ألست ~~تفرط عليها يوم ورودها؟ قال: بلى, قال: فاشرب من لبنها غير ناهك في الحلب ~~ولا مضر بنسل. وروى الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس قال: "الوصي إذا احتاج ~~وضع يده مع أيديهم ولا يكتسي عمامة". فشرط في الحديث الأول عمله في مال ~~اليتيم في إباحة الأكل, ولم يشرط في حديث عكرمة. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن ~~أبي حبيب قال: حدثني أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني أنه سأل أناسا من ~~الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} فقالوا: فينا نزلت, إن الوصي ~~كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم. وقد طعن في هذا الحديث من ~~جهة سنده, ويفسد أيضا من جهة أنه لو أبيح لهم الأكل لأجل عملهم لما # PageV02P081 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادعى ~~بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه: "إنه يصدق" وكذلك لو قال: أنفقت ~~عليه في صغره, صدق في نفقة مثله, وكذلك لو قال: هلك المال; وهو قول سفيان ~~الثوري. وقال مالك: "لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم" وهو قول ~~الشافعي, قال: "لأن الذي زعم أنه دفعه إليه غير الذي ائتمنه كالوكيل بدفع ~~المال إلى غيره لا يصدق إلا ببينة" وقال الله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم} . # قال أبو بكر: وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين ولا مصدق ~~فيه; لأن الإشهاد مندوب إليه في الأمانات كهو في المضمونات, ألا ترى أنه ~~يصح الإشهاد على رد الأمانات من الودائع كما يصح في أداء المضمونات من ~~الديون؟ فإذا ليس في الأمر بالإشهاد دلالة على أنه ms1269 غير مصدق فيه إذا لم ~~يشهد. # فإن قيل: إذا كان مصدقا في الرد فما معنى الإشهاد مع قبول قوله بغير ~~بينة؟ قيل له: فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط له في زوال ~~التهمة عنه في أن لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده, وفيه الاحتياط لليتيم في ~~أن لا يدعي ما يظهر كذبه فيه, وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصي إذا كانت له ~~بينة في دفعه إليه; ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول ~~الوصي مع يمينه, وإذا أشهد فلا يمين عليه. فهذه المعاني كلها مضمنة ~~بالإشهاد وإن كان أمانة في يده. # ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه ~~وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه, فهو بمنزلة ~~الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات, فوجب أن يكون مصدقا على ~~الرد كما يصدق على رد الوديعة. والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه ~~على الهلاك لم يضمنه, كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم ~~يضمنه. وأما قول الشافعي: "إنه لما لم يأتمنهم الأيتام لم يصدقوا". فقول ~~ظاهر الاختلال بعيد من معاني الفقه منتقض # PageV02P087 ### | باب الفرائض # قال أبو بكر: قد كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين: أحدهما النسب والآخر ~~السبب فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون الصغار ولا الإناث وإنما ~~يورثون من قاتل على الفرس وحاز الغنيمة, روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~في آخرين منهم, إلى أن أنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله ~~يفتيكم فيهن} [النساء: 127] إلى قوله تعالى: {والمستضعفين من الولدان} ~~[النساء: 127] وأنزل الله تعالى # PageV02P094 ### | باب ميراث أولاد الابن # قال أبو بكر رضي الله عنه: قد بينا أن قوله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} قد أريد به أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب; إذ لا ~~خلاف أن من ترك بني ابن وبنات ابن أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~بحكم ms1270 الآية, وكذلك لو ترك بنت ابن كان لها النصف وإن كن جماعة كان لهن ~~الثلثان على سهام ميراث ولد الصلب, فثبت بذلك أن أولاد الذكور مرادون ~~بالآية. # واسم الولد يتناول أولاد الابن كما يتناول أولاد الصلب, قال الله تعالى: ~~{يا بني آدم} ولا يمتنع أحد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم من ولد ~~هاشم ومن ولد عبد المطلب, فثبت بذلك أن اسم الأولاد يقع على ولد الابن وعلى ~~ولد الصلب جميعا; إلا أن أولاد الصلب يقع عليهم هذا الاسم حقيقة ويقع على ~~أولاد الابن مجازا, ولذلك لم يرادوا في حال وجود أولاد الصلب ولم يشاركوهم ~~في سهامهم, وإنما يستحقون ذلك في أحد حالين: إما أن يعدم ولد الصلب رأسا ~~فيقومون مقامهم, وإما أن لا يحوز ولد الصلب الميراث فيستحقون بعض الفضل أو ~~جميعه, فإما أن يستحقوا من أولاد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه ~~ولد الصلب بعضهم مع بعض فليس كذلك. # فإن قيل: لما كان الاسم يتناول ولد الصلب حقيقة وولد الابن مجازا لم يجز ~~أن يرادوا بلفظ واحد لامتناع كون لفظ واحد حقيقة ومجازا. قيل له: إنهم لم ~~يرادوا بلفظ واحد في حال واحدة متى وجد أولاد الصلب, فإن ولد الابن لا ~~يستحقون الميراث معهم بالآية وليس يمتنع أن يراد ولد الصلب في حال وجودهم ~~وولد الابن في حال عدم ولد الصلب, فيكون اللفظ مستعملا في حالين في إحداهما ~~هو حقيقة وفي الأخرى هو مجاز ولو أن رجلا قال: "قد أوصيت بثلث مالي لولد ~~فلان وفلان" وكان لأحدهما # PageV02P106 ### | باب الكلالة # قال الله عز وجل: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل # PageV02P108 ### | مطلب: في قول عمر: "ثلاث لأن يكون بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها # ... # مطلب: في قول عمر: "ثلاث لأن يكون بينهن لنا أحب إلي من الدنميا وما ~~فيها". # وروى سفيان عن عمرو بن مرة عن مرة قال: قال عمر: "ثلاث لأن يكون بينهن ~~لنا أحب إلي من الدنيا ms1271 وما فيها: الكلالة والخلافة والربا" وروى قتادة عن ~~سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة قال: قال عمر: ما سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة, حتى طعن بأصبعه في ~~صدري ثم قال: "يكفيك آية الصيف" # PageV02P110 ### | مطلب: في قوله عليه السلام: "من قال في القوآن برأيهى فأصاب فقد أخطأ" # ويدل على أن ما روى أبو عمران الجوني عن جندب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: {من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ;} إنما هو فيمن ~~قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول, وأن ~~من استدل على حكمه واستنبط معناه فحمله على المحكم المتفق على معناه فهو ~~ممدوح مأجور ممن قال الله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: ~~83] . # وقد تكلم أهل اللغة في معنى الكلالة, قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ~~"الكلالة كل من لم يرثه أب ولا ابن فهو عند العرب كلالة, مصدر من تكلله ~~النسب أي تعطف النسب عليه" قال أبو عبيدة: "من قرأها يورث بالكسر أراد من ~~ليس بولد ولا والد". قال أبو بكر والذي قرأه بالكسر الحسن وأبو رجاء ~~العطاردي. # قال أبو بكر: وقد قيل إن الكلالة في أصل اللغة هو الإحاطة, فمنه الإكليل ~~لإحاطته بالرأس, ومنه الكل لإحاطته بما يدخل عليه; فالكلالة في النسب من ~~أحاط بالولد والوالد من الإخوة والأخوات وتكللهما وتعطف عليهما, والولد ~~والوالد ليسا بكلالة; لأن أصل النسب وعموده الذي إليه ينتهي هو الولد ~~والوالد, ومن سواهما فهو خارج عنهما وإنما يشتمل عليهما بالانتساب عن غير ~~جهة الولادة ممن نسب إليه كالإكليل المشتمل على الرأس وهذا يدل على صحة قول ~~من تأولها على من عدا الوالد والولد وأن الولد إذا لم يكن من الكلالة كذلك ~~الوالد; لأن نسبة كل واحد منهما إلى الميت من طريق الولادة وليس كذلك ~~الإخوة والأخوات; لأن نسب كل واحد منهما لا يرجع إلى الميت من طريق ولاد ~~بينهما ويشبه ms1272 أن يكون من تأوله على من عدا الولد وأخرج الولد وحده من ~~الكلالة, أن الولد من الوالد وكأنه بعضه وليس الوالد من الولد كما ليس الأخ ~~والأخت ممن ينسب إليه بالأخوة, فاعتبر من قال ذلك الكلالة بمن لا ينسب إليه ~~بأنه منه وبعضه, فأما من كانت نسبته إلى الميت من حيث هو منه فليس بكلالة. # وقد كان اسم الكلالة مشهورا في الجاهلية, قال عامر بن الطفيل: # فإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب # فما سودتني عامر عن كلالة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # PageV02P112 ### | باب العول # روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: أول من ~~أعال الفرائض عمر بن الخطاب لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضا قال: ~~والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر; وكان امرأ ورعا فقال: ما أجد ~~شيئا هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص; وأدخل على كل ذي حق ما دخل ~~عليه من عول الفريضة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي في بنتين وأبوين ~~وامرأة قال: "صار ثمنها تسعا", وكذلك رواه الحكم بن عتيبة عنه, وهو قول عبد ~~الله وزيد بن ثابت. وقد روي أن العباس بن عبد المطلب أول من أشار على عمر ~~بالعول, قال عبيد الله بن عبد الله: قال ابن العباس: أول من أعال الفرائض ~~عمر بن الخطاب وأيم الله لو قدم من قدم الله لما عالت فريضة فقيل له: وأيها ~~التي قدم الله وأيها التي أخر؟ قال: كل فريضة لم تزل عن فريضة إلا إلى ~~فريضة فهي التي قدم الله, وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها ما بقي ~~فهي التي أخر الله تعالى; فأما التي قدم الله تعالى فالزوج والزوجة والأم; ~~لأنهم لا يزولون من فرض إلا إلى فرض, والبنات والأخوات نزلن من فرض إلى ~~تعصيب مع البنتين والإخوة فيكون لهن ما بقي مع الذكور, فنبدأ بأصحاب السهام ~~ثم يدخل الضرر على ms1273 الباقين وهم الذين يستحقون ما بقي إذا كانوا عصبة. قال ~~عبيد الله بن عبد الله: فقلنا له: فهلا راجعت فيه عمر فقال: إنه كان امرأ ~~مهيبا ورعا; قال ابن عباس: ولو كلمت فيه عمر لرجع. وقال الزهري: لولا أنه ~~تقدم ابن عباس إمام عدل فأمضى أمرا # PageV02P114 ### | باب المشركة # اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المشركة وهي أن تخلف ~~المورثة زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها, فقال علي بن أبي ~~طالب وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري: "للزوج النصف وللأم ~~السدس وللأخوين من الأم الثلث, وسقط الإخوة والأخوات من الأب والأم". وروى ~~سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: سئل علي عن الإخوة ~~من الأم فقال: "أرأيتم لو كانوا مائة أكنتم تزيدونهم على الثلث؟ " قالوا: ~~لا, قال: "فأنا لا أنقصهم منه شيئا"; وجعل الإخوة والأخوات من الأب والأم ~~عصبة في هذه الفريضة وقد حالت السهام دونهم. وقال عمر بن الخطاب وعبد الله ~~بن مسعود وزيد بن ثابت: "للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين من الأم الثلث, ~~ثم يرجع الإخوة من الأب والأم على الإخوة من الأم فيشاركونهم فيكون الثلث ~~الذي أخذوه بينهم سواء" وروى معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن ~~الحكم بن مسعود الثقفي قال: "شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم ~~مع الإخوة من الأم في الثلث, فقال له رجل: قضيت عام الأول بخلاف هذا قال: ~~كيف قضيت؟ قال: جعلته للإخوة من الأم ولم تعط الإخوة من الأب والأم شيئا, ~~قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا". وروي أن عمر كان لا يشرك بينهم ~~حتى احتج الإخوة من الأب والأم فقالوا: يا أمير المؤمنين لنا أب وليس لهم ~~أب ولنا أم كما لهم, فإن كنتم حرمتمونا بأبينا فورثونا بأمنا كما ورثتم ~~هؤلاء بأمهم واحسبوا أن أبانا كان حمارا, أليس قد تراكضنا في رحم واحدة؟ ~~فقال عمر عند ذلك: صدقتم ms1274 فأشرك بينهم وبين الإخوة من الأم في الثلث. وذهب ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إلى قول علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ومن تابعه في ترك الشركة بينهم; والدليل على صحة القول الأول ~~قوله تعالى {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} فنص على فرض الإخوة ~~من الأم وهو الثلث, وبين أيضا حكم الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى: ~~{يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] إلى قوله تعالى: {وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] فلم يجعل ~~الله لهم فرضا مسمى وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب للذكر مثل حظ ~~الأنثيين; ولا خلاف أنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وإخوة وأخوات لأب وأم ~~أن # PageV02P116 ### | ذكر اختلاف السلف في ميراث الأخت مع البنت # لم يختلف عن علي وعمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل في ~~رجل خلف بنتا وأختا لأب وأم وعصبة أن للبنت النصف وما بقي فللأخت, فجعلوها ~~عصبة مع البنات. وقال عبد الله بن عباس وابن الزبير: "للبنت النصف وما بقي ~~فللعصبة وإن بعد نسبهم, ولا حظ للأخت في الميراث مع البنت"; وروي أن ابن ~~الزبير رجع عن ذلك بعد أن قضى به وروي أنه قيل لعبد الله بن عباس: إن عليا ~~وعبد الله وزيدا كانوا يجعلون الأخوات مع البنات عصبة فيورثونهن فاضل ~~المال, فقال: أأنتم أعلم أم الله؟ # PageV02P117 ### | مطلب: اختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم # واختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم, فقال علي وزيد: "للأخ من الأم ~~السدس وما بقي فبينهما نصفان" وهو قول فقهاء الأمصار. وقال عمر وعبد الله: ~~"المال للأخ من الأم", وقالا: "ذو السهم أحق ممن لا سهم له" وإليه كان يذهب ~~شريح والحسن. ولم يختلفوا في أخوين لأم أحدهما ابن عم أن لهما الثلث بنسب ~~الأم وما ms1275 بقي فلابن العم خاصة, ولم يجعلوا ابن العم أحق بجميع الميراث ~~لاجتماع السهم والتسمية له دون الآخر, كذلك حكم ابني العم إذا كان أحدهما ~~أخا لأم فغير جائز أن يجعل أولى بالميراث من أجل اختصاصه بالسهم والتعصيب. ~~وشبه عمر وعبد الله ذلك بالأخ لأب وأم وأخ لأب أنه أولى بالميراث, وليس هذا ~~عند الآخرين مشبها لهذه المسألة من قبل أن نسبهما من جهة واحدة وهي الأخوة, ~~فاعتبر فيها أقربهما إليه, وهو الذي اجتمع له قرابة الأب والأم, ولا يستحق ~~بقرابته من الأم سهم الأخ من الأم بل إنما يؤكد ذلك حكم الأخوة; وليس كذلك ~~ابنا العم إذا كان أحدهما أخا لأم; لأنك تريد أن تؤكد بالأخوة من جهة الأم ~~ما ليس بأخوة, وإنما هو سبب آخر غيرها فلم يجز أن تؤكده بها ويدلك على هذا ~~أن نسبته من جهة أنه ابن العم لا يسقط سهمه من جهة أنه أخ لأم بل يرث بأنه ~~أخ لأم سهم الأخ من الأم وإن كان ابن عم, ألا ترى أن الميتة لو تركت أختين ~~لأب وأم وزوجا وأخا لأم هو ابن عم أن للأختين الثلثين وللزوج النصف وللأخ ~~من الأم السدس ولم يسقط سهمه من جهة أنه ابن عم؟ ولو تركت زوجا وأما وأختا ~~لأم وإخوة لأب وأم كان للزوج النصف وللأم السدس وللأخت من الأم السدس وما ~~بقي فللإخوة من الأب والأم, # PageV02P119 ### | باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية # قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} وروي عن الحارث عن علي ~~قال: "تقرءون الوصية قبل الدين, وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قضى بالدين ~~قبل الوصية". قال أبو بكر وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين; وذلك لأن معنى ~~قوله: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} أن الميراث بعد هذين, وليست" أو" في ~~هذا الموضع لأحدهما بل قد تناولتهما جميعا, وذلك لأن قوله: {من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين} مستثنى عن الجملة المذكورة في قسمة المواريث, ومتى دخلت ~~"أو" ms1276 على النفي صارت في معنى" الواو" كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا} [الإنسان: 24] وقال تعالى: {حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] فكانت" أو" في هذه ~~المواضع بمنزلة" الواو" فكذلك قوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} ~~لما كان في معنى الاستثناء كأنه قال: إلا أن تكون هناك وصية أو دين فيكون ~~الميراث بعدهما جميعا. وتقديم الوصية على الدين في الذكر غير موجب للتبدئة ~~بها على الدين; لأن "أو" لا توجب الترتيب, وإنما ذكر الله تعالى ذلك بعد ~~ذكر الميراث إعلاما لنا أن سهام المواريث جارية في التركة بعد قضاء الدين ~~وعزل حصة الوصية, ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام الورثة معتبرة ~~بعد الثلث فيكون للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين؟ وكذلك سهام سائر أهل ~~الميراث جارية في الثلثين دون الثلث الذي فيه الوصية. فجمع تعالى بين ذكر ~~الدين والوصية ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة ~~بعد الدين وإن كانت الوصية مخالفة للدين من جهة الاستيفاء; لأنه لو هلك من ~~المال شيء لدخل النقصان على أصحاب الوصايا كما يدخل على الورثة, وليس كذلك ~~الدين; لأنه لو هلك من المال شيء استوفي الدين كله من الباقي وإن استغرقه ~~وبطل حق الموصى له والورثة جميعا, فالموصى له شريك الورثة من وجه ويأخذ ~~شبها من الغريم من وجه آخر, وهو أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد # PageV02P120 ### | باب مقدار الوصية الجائزة # قال الله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} ظاهره يقتضي جواز الوصية ~~بقليل المال وكثيره; لأنها منكورة لا تختص ببعض دون بعض; إلا أنه قد قامت ~~الدلالة من غير هذه الآية على أن المراد بها الوصية ببعض المال لا بجميعه, ~~وهو: قوله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر} فأطلق إيجاب الميراث فيه من غير ~~ذكر الوصية, فلو اقتضى قوله تعالى: {من ms1277 بعد وصية يوصى بها أو دين} الوصية ~~بجميع المال لصار قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~منسوخا بجواز الوصية بجميع المال, فلما كان حكم هذه الآية ثابتا في إيجاب ~~الميراث وجب استعمالها مع آية الوصية, فوجب أن تكون الوصية مقصورة على بعض ~~المال والباقي للورثة حتى نكون مستعملين لحكم الآيتين ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا} يعني في منع الرجل الوصية بجميع ماله على ما ~~تقدم من بيان تأويله; فيدل على جواز الوصية ببعض المال لاحتمال اللفظ ~~للمعنيين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تلقتها الأمة بالقبول ~~والاستعمال في الاقتصار بجواز الوصية على الثلث, منها ما حدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: ~~حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: مرض أبي مرضا شديدا قال ~~ابن أبي خلف بمكة مرضا أشفى منه, فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي, أفأتصدق بالثلثين؟ ~~قال: "لا" قال: فبالشطر؟ "قال: "لا" قال: فبالثلث؟ قال: "لثلث والثلث كثير ~~وإنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فإنك لن ~~تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" قلت: يا رسول ~~الله أتخلف عن هجرتي؟ قال "إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله ~~لا تزداد به إلا رفعة ودرجة, لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك ~~آخرون" ثم قال: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم", لكن ~~البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة. # قال أبو بكر: قد حوى هذا الخبر ضروبا من الأحكام والفوائد, منها: أن ~~الوصية # PageV02P121 ### | مطلب: في الوضية بالزكاة والنذور وسائر الحقوق الواجبة لا تجوز إلا ms1278 من الثلث # ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~تعالى جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم" وحديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاكيا عن الله تعالى: "جعلت لك نصيبا في ~~مالك حين أخذت بكظمك" يدل جميع ذلك على # PageV02P123 ### | باب الوصية للوارث # حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ~~قال: حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية ~~لوارث" وروى عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية ~~لوارث إلا أن تجيزها الورثة". ونقل أهل السير خطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع وفيها: "أن لا وصية لوارث" فورد نقل ذلك مستفيضا ~~كاستفاضة وجوب الاقتصار بالوصية على الثلث دون ما زاد, لا فرق بينهما من ~~طريق نقل الاستفاضة واستعمال الفقهاء له وتلقيهم إياه بالقبول. وهذا عندنا ~~في حيز المتواتر الموجب للعلم والنافي للريب والشك. وقوله في حديث عمرو بن ~~خارجة: "إلا أن تجيزها الورثة" يدل على أنها إذا أجازتها فهي جائزة, وتكون ~~وصية من قبل الموصي لا تكون هبة من قبل الوارث; لأن الهبة من قبل الوارث ~~ليست بإجازة من قبل الموروث. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن عبد ~~الصمد قال: حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية ~~لوارث إلا أن تشاء الورثة". # قال أبو بكر: وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة ~~في حياته أو أوصى لبعض ورثته فأجازه الباقون في حياته, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر. والحسن بن زياد والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن ~~والشافعي: "لا يجوز ذلك حتى ms1279 يجيزوها بعد الموت". وقال ابن أبي ليلى وعثمان ~~البتي: "ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت وهي جائزة عليهم". وقال ابن ~~القاسم عن مالك: إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل الولد الذي قد ~~بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله فإنه ليس لهم أن يرجعوا, ~~فأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن وكل من في عياله وإن كان قد احتلم فلهم ~~أن يرجعوا, وكذلك العم وابن العم ومن خاف منهم أنه إن لم يجز لحقه ضرر منه ~~في قطع النفقة إن صح, فلهم أن يرجعوا". وقول الليث في هذا كقول مالك. قال ~~أبو بكر: وإن أجازوها بعد الموت جازت عند جميع الفقهاء. قال أبو بكر: لما ~~لم يكن لهم فسخها في الحياة كذلك لا تعمل إجازتهم; لأنهم لم يستحقوا بعد ~~شيئا; والله أعلم. # PageV02P124 ### | باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: "إذا لم يكن له وارث ~~فأوصى بجميع ماله جاز" وهو قول شريك بن عبد الله. وقال مالك والأوزاعي ~~والحسن بن صالح: "لا تجوز وصيته إلا من الثلث". # قال أبو بكر: قد بينا دلالة قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف, وهو أن يحالفه على أنه ~~إن مات ورثه ما يسمي له من ميراثه من ثلث أو أكثر, وقد كان ذلك حكما ثابتا ~~في صدر الإسلام وفرضه الله تعالى بقوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} [النساء: 33] ثم أنزل الله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون} وقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ~~وقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] ~~فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء, ولم يبطل بذلك ميراث الحلفاء أصلا بل ~~جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل الابن أولى من الأخ. فإذا لم يكن ذوو ~~الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ما كان عليه حكم التوارث في الحلف. ms1280 ~~وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد الوصية بقوله تعالى: {من بعد ~~وصية يوصين بها أو دين} وقال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} ~~وقد بينا أن ظاهر قوله تعالى: {من بعد وصية يوصين بها أو دين} يقتضي جواز ~~الوصية بجميع المال, لولا قيام دلالة الإجماع والسنة على منع ذلك ووجوب ~~الاقتصار بها على الثلث وإيجاب نصيب الرجال والنساء من الأقربين, فمتى عدم ~~من وجب به تخصيص الوصية في بعض المال وجب استعمال اللفظ في جواز الوصية ~~بجميع المال على ظاهره ومقتضاه; ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~سعد: "إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" فأخبر ~~أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الورثة. ويدل عليه حديث الشعبي ~~وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن مسعود: "ليس من حي من العرب ~~أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان, فإذا كان ذلك ~~فليضع ماله حيث أحب", ولا يعلم له مخالف من الصحابة وأيضا فإنه لا يخلو من ~~لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من جهة الميراث أو من جهة ~~أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى, فلما جاز أن يستحقه الرجل مع ~~ابنه ومع أبيه والبعيد عن القريب علمنا أنه غير مستحق لهم على وجه الميراث; ~~لأن الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من جهة الأبوة. وأيضا لو ~~كان ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم; لأن سبيل الميراث أن لا يخص به بعض ~~الورثة دون # PageV02P125 ### | باب الضرار في الوصية # قال الله تعالى: {غير مضار وصية من الله} قال أبو بكر: الضرار في الوصية ~~على وجوه: منها أن يقر في وصيته بمال أو ببعضه لأجنبي أو يقر على نفسه بدين ~~لا حقيقة له زبا للميراث عن وارثه ومستحقه. ومنها أن يقر باستيفاء دين له ~~على غيره في مرضه لئلا يصل إلى وارثه ومنها أن ms1281 يبيع ماله من غيره في مرضه ~~ويقر باستيفاء ثمنه. ومنها أن يهب ماله في مرضه أو يتصدق بأكثر من ثلثه في ~~مرضه إضرارا منه بورثته. ومنها أن يتعدى فيوصي بأكثر مما تجوز له الوصية به ~~وهو الزيادة على الثلث. فهذه الوجوه كل من المضارة في الوصية, وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في فحوى قوله لسعد: "الثلث والثلث كثير إنك ~~إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن الحسن المصري قال: حدثنا عبد الصمد بن ~~حسان قال: حدثنا سفيان الثوري عن داود يعني ابن أبي هند عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر" ثم قرأ: {تلك حدود الله ومن يطع ~~الله ورسوله} قال: "في الوصية" {ومن يعص الله ورسوله} قال: "في الوصية". # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قالا: ~~حدثنا حميد بن زادويه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا عمر بن ~~المغيرة عن داود بن # PageV02P126 ### | باب من يحرم الميراث مع وجود النسب # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين أن قوله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} وما عطف عليه من قسمة الميراث خاص في بعض المذكورين دون بعض, فبعض ~~ذلك متفق عليه وبعضه مختلف فيه, فما اتفق عليه أن الكافر لا يرث المسلم وأن ~~العبد لا يرث وأن قاتل العمد لا يرث; وقد بينا ميراث هؤلاء في سورة البقرة ~~ما أجمعوا عليه منه وما اختلفوا فيه. واختلف في ميراث المسلم من الكافر ~~وميراث المرتد, فأما ميراث المسلم من الكافر فإن الأئمة من الصحابة متفقون ~~على نفي التوارث بينهما, وهو قول عامة التابعين وفقهاء الأمصار. وروى شعبة ~~عن عمرو بن أبي حكيم عن ابن باباه1 عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي ~~قال: كان معاذ بن جبل باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخاه مسلما, ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ms1282 "الإسلام يزيد ولا ينقص". ~~PageV02P127 ### | مطلب: في قول مسروق: ما أحدث في الإسلام قضية أعجب من قضية قضاها معاوية # وروى ابن شهاب عن داود بن أبي هند قال: قال مسروق: ما أحدث في الإسلام ~~قضية أعجب من قضية قضاها معاوية قال: كان يورث المسلم من اليهودي والنصراني ~~ولا يورث اليهودي والنصراني من المسلم, قال: فقضى بها أهل الشام; قال داود: ~~فلما قدم عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول. وروى هشيم عن مجالد عن ~~الشعبي: أن # PageV02P127 ### | مطلب: تأويل لا يقضى به على النص # وأما حديث معاذ فإنه لم يعن هذه المقالة, وإنما تأول فيها قوله: "الإيمان ~~يزيد ولا ينقص" والتأويل لا يقضى به على النص والتوقيف وإنما يرد التأويل ~~إلى المنصوص عليه ويحمل على موافقته دون مخالفته. وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "الإيمان يزيد ولا ينقص" يحتمل أن يريد به من أسلم ترك على إسلامه ~~ومن خرج عن الإسلام رد إليه; وإذا احتمل ذلك واحتمل ما تأوله معاذ وجب حمله ~~على موافقة خبر أسامة في منع التوارث, إذ غير جائز رد النص بالتأويل ~~والاحتمال. والاحتمال أيضا لا تثبت به حجة; لأنه مشكوك فيه وهو مفتقر في ~~إثبات حكمه إلى دلالة من غيره, فسقط الاحتجاج به. وأما قول مسروق: "ما أحدث ~~في الإسلام قضية أعجب من قضية قضى بها معاوية في توريث المسلم من الكافر" ~~فإنه يدل على بطلان هذا المذهب لإخباره أنها قضية محدثة في الإسلام, وذلك ~~يوجب أن يكون قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر; وإذا ثبت أن ~~من قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر وأن معاوية لا يجوز أن ~~يكون خلافا عليهم, بل هو ساقط القول معهم. ويؤيد ذلك أيضا قول داود بن أبي ~~هند: إن عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول; والله أعلم. # PageV02P128 ### | باب ميراث المرتد # اختلف السلف في ميراث المرتد الذي اكتسبه في حال الإسلام قبل الردة على ~~أنحاء ثلاثة: فقال علي وعبد الله وزيد بن ثابت ms1283 والحسن البصري وسعيد بن ~~المسيب وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وعمر بن عبد العزيز وحماد والحكم وأبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والأوزاعي وشريك: "يرثه ~~ورثته من المسلمين إذا مات أو قتل على ردته". وقال ربيعة وعمر بن عبد ~~العزيز وابن أبي ليلى ومالك والشافعي: # PageV02P128 ### | مطلب: في حكم ردة الوارث بعد موت مورثه # وأيضا لا خلاف نعلمه بين المسلمين أن من ورث ميراثا فمات قبل القسمة أن ~~نصيبه من الميراث لورثته, وكذلك لو ارتد لم يبطل ميراثه الذي استحقه وأنه ~~لا يكون بمنزلة من كان مرتدا وقت الموت, فكذلك من أسلم أو أعتق بعد الموت ~~قبل القسمة فلا حظ له في الميراث, والله أعلم. # PageV02P132 ### | باب حد الزانيين # قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} الآية. قال أبو بكر: لم يختلف السلف في أن ذلك كان حد الزانية في بدء ~~الإسلام وأنه منسوخ غير ثابت الحكم; حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} إلى قوله: {سبيلا} , قال: ~~وقال في المطلقات: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة} [الطلاق: 1] قال: هذه الآيات قبل أن # PageV02P132 ### | مطلب في أن رجم المحصن ثبت بالسنة # قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم قال: فهو ~~سبيلها الذي جعله الله لها; يعني قوله تعالى: {حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا} . قال أبو بكر: فكان حكم الزانية في بدء الإسلام ما أوجب ~~من حدها بالحبس إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا, ولم يكن ~~عليها في ذلك الوقت شيء غير هذا, وليس في الآية فرق بين البكر والثيب; فهذا ~~يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب. # وقوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم فآذوهما} , فإنه ms1284 روي عن الحسن وعطاء: ~~"أن المراد الرجل والمرأة". وقال السدي: "البكرين من الرجال والنساء". وروي ~~عن مجاهد: "أنه أراد الرجلين الزانيين". وهذا التأويل الأخير يقال إنه لا ~~يصح; لأنه لا معنى للتثنية ههنا; إذ كان الوعد والوعيد إنما يجيئان بلفظ ~~الجمع; لأنه لكل واحد منهم, أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الشامل ~~لجميعهم; وقول الحسن صحيح وتأويل السدي محتمل أيضا, فاقتضت الآيتان ~~بمجموعهما أن حد المرأة كان الأذى والحبس جميعا إلى أن تموت, وحد الرجل ~~التعيير والضرب بالنعال; إذ كانت المرأة مخصوصة في الآية الأولى بالحبس ~~ومذكورة مع الرجل في الآية الثانية بالأذى فاجتمع لها الأمران جميعا, ولم ~~يذكر للرجال إلا الأذى فحسب. ويحتمل أن تكون الآيتان نزلتا معا فأفردت ~~المرأة بالحبس وجمعا جميعا في الأذى, وتكون فائدة إفراد المرأة بالذكر ~~إفرادها بالحبس إلى أن تموت وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل, وجمعت مع الرجل ~~في الأذى لاشتراكهما فيه ويحتمل أن يكون إيجاب الحبس للمرأة متقدما للأذى, ~~ثم زيد في حدها وأوجب على الرجل الأذى, فاجتمع للمرأة الأمران وانفرد الرجل ~~بالأذى دونها فإن كان كذلك فإن الإمساك في البيوت إلى الموت أو السبيل قد ~~كان حدها, فإذا ألحق به الأذى صار منسوخا; لأن الزيادة في النص بعد استقرار ~~حكمه توجب النسخ; إذ كان الحبس في ذلك الوقت جميع حدها, ولما وردت الزيادة ~~صار بعض حدها, فهذا يوجب أن يكون كون # PageV02P133 ### | مطلب الزيادة في النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ # وقد قيل في ترتيب الآيتين وجهان: أحدهما: ما روي عن الحسن أن قوله تعالى: ~~{والذان يأتيانها منكم فآذوهما} نزلت قبل قوله تعالى: {والذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما} ثم أمر أن توضع في التلاوة بعده, فكان الأذى حدا لهما جميعا, ~~ثم الحبس للمرأة مع الأذى. وذلك يبعد من وجه; لأن قوله تعالى: {والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما} " الهاء" التي في قوله: {يأتيانها} كناية لا بد لها ~~من مظهر متقدم مذكور في الخطاب أو معهود معلوم عند المخاطب, وليس في قوله ~~تعالى: {والذان يأتيانها منكم} ms1285 دلالة من الحال على أن المراد الفاحشة فوجب ~~أن تكون كناية راجعة إلى الفاحشة التي تقدم ذكرها في أول الآية; إذ لو لم ~~تكن كناية عنها لم يستقم الكلام بنفسه في إيجاب الفائدة وإعلام المراد, ~~وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] وقوله ~~تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر:1] لأن من مفهوم ذكر الإنزال ~~أنه القرآن, وفي مفهوم قوله تعالى: {ما ترك على ظهرها من دابة} أنها الأرض, ~~فاكتفى بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد عن ذكر المكني عنه; فالذي يقتضيه ~~ظاهر الخطاب أن يكون ترتيب معاني الآيتين على حسب ترتيب اللفظ فإما أن ~~تكونا نزلتا معا وإما أن يكون الأذى نازلا بعد الحبس إن كان المراد بالأذى ~~من أريد بالحبس من النساء. والوجه الثاني: ما روي عن السدي أن قوله تعالى: ~~{والذان يأتيانها منكم} إنما كان حكما في البكرين خاصة, والأولى في الثيبات ~~دون الأبكار. إلا أن هذا قول يوجب تخصيص اللفظ بغير دلالة, وذلك غير سائغ ~~لأحد مع إمكان استعمال اللفظين على حقيقة مقتضاهما; وعلى أي وجه تصرف وجوه ~~الاحتمال في حكم الآيتين وترتيبهما فإن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين ~~عن الزانيين. # وقد اختلف السلف في معنى السبيل المذكور في هذه الآية, فروي عن ابن عباس: ~~أن السبيل الذي جعله لهن الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن" وعن قتادة مثل # PageV02P134 ### | مطلب: دلالة تكفي عن ذكر مرجع الضمير # واختلف أيضا فيما نسخ هذين الحكمين, فقال قائلون: نسخ بقوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وقد كان ~~قوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم} في البكرين, فنسخ ذلك عنهما بالجلد ~~المذكور في هذه الآية, وبقي حكم الثيب من النساء الحبس فنسخ بالرجم. وقال ~~آخرون: نسخ بحديث عبادة بن الصامت وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة ~~عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي ms1286 عن عبادة بن الصامت قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا, البكر ~~بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم". وهذا هو الصحيح ~~وذلك لأن قوله: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" يوجب أن يكون بيانا ~~للسبيل المذكور في الآية, ومعلوم أنه لم يكن بين قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين الحبس والأذى واسطة حكم, وأن آية الجلد التي في سورة النور لم ~~تكن نزلت حينئذ; لأنها لو كانت نزلت كان السبيل متقدما لقوله: "خذوا عني قد ~~جعل الله لهن سبيلا" ولما صح أن يقول ذلك; فثبت بذلك أن الموجب لنسخ الحبس ~~والأذى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت, وأن آية ~~الجلد نزلت بعده. وفي ذلك دليل على نسخ القرآن بالسنة; إذ نسخ بقول: " خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا" ما أوجب الله من الحبس والأذى بنص التنزيل. # فإن قيل: فقوله تعالى: {والذان يأتيانها منكم} وما ذكر في الآيتين من ~~الحبس والأذى كان في البكرين دون الثيبين. قيل له: لم يختلف السلف في أن ~~حكم المرأة الثيب كان الحبس, وإنما قال السدي إن الأذى كان في البكرين ~~خاصة; وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل المذكور في آية الحبس ~~وذلك لا محالة في الثيب, فأوجب أن يكون منسوخا بقوله: "الثيب بالثيب الجلد ~~والرجم", فلم يخل الحبس من أن يكون منسوخا في جميع الأحوال بغير القرآن, ~~وهي الأخبار التي فيها إيجاب رجم المحصن; فمنها حديث عبادة الذي ذكرنا, ~~وحديث عبد الله وعائشة وعثمان حين كان محصورا فاستشهد أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" , وقصة ماعز ~~والغامدية ورجم النبي صلى الله عليه وسلم إياهما قد نقلته الأمة لا يتمارون ~~فيه. # PageV02P135 ### | مطلب: في انكار الخوارج الرجم # فإن قيل: هذه ms1287 الخوارج بأسرها تنكر الرجم, ولو كان ذلك منقولا من جهة ~~الاستفاضة الموجبة للعلم لما جهلته الخوارج. قيل له: إن سبيل العلم بمخبر ~~هذه الأخبار السماع من ناقليها وتعرفه من جهتهم, والخوارج لم تجالس فقهاء ~~المسلمين ونقلة الأخبار منهم وانفردوا عنهم غير قابلين لأخبارهم; فلذلك ~~شكوا فيه ولم يثبتوه وليس يمتنع أن يكون كثير من أوائلهم قد عرفوا ذلك من ~~جهة الاستفاضة ثم جحدوا محاملة منهم على ما سبقوا إلى اعتقاده من رد أخبار ~~من ليس على مقالتهم, وقلدهم الأتباع ولم يسمعوا من غيرهم فلم يقع لهم العلم ~~به, أو الذين عرفوه كانوا عددا يسيرا يجوز على مثلهم كتمان ما عرفوه ~~وجحدوه, ولم يكونوا صحابة فيكونوا قد عرفوه من جهة المعاينة أو بكثرة ~~السماع من المعاينين له, فلما خلوا من ذلك لم يعرفوه; ألا ترى أن فرائض ~~صدقات المواشي منقولة من جهة النقل المستفيض الموجب للعلم ولا يعرفها إلا ~~أحد رجلين إما فقيه قد سمعها فثبت عنده العلم بها من جهة الناقلين لها وإما ~~رجل صاحب مواش تكثر بلواه بوجوبها فيتعرفها ليعلم ما يجب عليه فيها؟ ومثله ~~أيضا إذا كثر سماعه وقع له العلم بها, وإن لم يسمعها إلا من جهة الآحاد لم ~~يعلمها; وهذا سبيل الخوارج في جحودهم الرجم وتحريم تزويج المرأة على عمتها ~~وخالتها وما جرى مجرى ذلك مما اختص أهل العدل بنقله دون الخوارج والبغاة. # وقد تضمنت هاتان الآيتان أحكاما: منها استشهاد أربعة من الشهداء على ~~الزنا. ومنها الحبس للمرأة والأذى للرجل والمرأة جميعا. ومنها سقوط الأذى ~~والتعبير عنهما بالتوبة, لقوله تعالى: {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ~~وهذه التوبة إنما كانت مؤثرة في إسقاط الأذى دون الحبس, وأما الحبس فكان ~~موقوفا على ورود السبيل, وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السبيل وهو ~~الجلد والرجم, ونسخ جميع ما ذكر في الآية إلا ما ذكر من استشهاد أربعة ~~شهود, فإن اعتبار عدد الشهود باق في الحد الذي نسخ به الحدان الأولان وهو ~~الجلد والرجم. وقد بين الله ذلك ms1288 في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] # PageV02P136 ### | مطلب في جواز تعمد النظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما # وقال تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون} [النور:13] فلم ينسخ اعتبار العدد ولم ينسخ ~~الاستشهاد أيضا, وهذا # PageV02P136 ### | مطلب فيما تضمنه قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} من حقوق الورأة على الزوج # وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف, ~~ومن المعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة والقسم وترك أذاها بالكلام ~~الغليظ والإعراض عنها والميل إلى غيرها وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ~~ذنب وما جرى مجرى ذلك, وهو نظير قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] . # PageV02P138 ### | مطلب: في كراهة الطلاق وقوله عليه السلام: "أبغض الحلال عند الله الطلاق" # وقوله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا} يدل على أنه مندوب إلى إمساكها مع كراهة لها; وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يوافق معنى ذلك, حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا كثير بن عبيد قال: حدثنا محمد بن خالد عن معروف بن واصل عن ~~محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال ~~إلى الله تعالى الطلاق". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~خالد بن يزيد النيلي قال: حدثنا مهلب بن العلاء قال: حدثنا شعيب بن بيان عن ~~عمران القطان عن قتادة عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب ~~الذواقين والذواقات". فهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم موافق لما ~~دلت عليه الآية من كراهة الطلاق والندب إلى الإمساك بالمعروف مع كراهته ~~لها, وأخبر الله تعالى أن الخيرة ربما كانت لنا في الصبر على ما نكره بقوله ~~تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وهو ms1289 كقوله تعالى: ~~{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: ~~216] . # وقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا} ~~الآية, قد اقتضت هذه الآية إيجاب المهر لها تمليكا صحيحا ومنع الزوج أن ~~يأخذ منها شيئا مما أعطاها, وأخبر أن ذلك سالم لها سواء استبدل بها أو ~~أمسكها, وأنه محظور عليه أخذ شيء منه إلا بما أباح الله تعالى به أخذ مال ~~الغير في قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} وظاهره يقتضي حظر ~~أخذ شيء منه بعد الخلوة, فيحتج به في إيجاب كمال المهر إذا طلق بعد الخلوة ~~لعموم اللفظ في حظر الأخذ في كل حال إلا ما خصه الدليل; وقد خص قوله تعالى: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} ~~[البقرة: 237] إذا طلق قبل الخلوة في سقوط نصف المهر; # PageV02P138 ### | مطلب: فيما تضمنه قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} من الأحكام # وقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} يدل على أن من ~~وهب لامرأته هبة لا يجوز له الرجوع فيها; لأنها مما آتاها, وعموم اللفظ قد ~~حظر أخذ شيء مما آتاها من غير فرق بين المهر وغيره ويحتج فيمن خلع امرأته ~~على مال وقد أعطاها صداقها أنه لا يرجع عليها بشيء من الصداق الذي أعطاها ~~عينا كان أو عرضا على ما قاله أبو حنيفة في ذلك. ويحتج به فيمن أسلف امرأته ~~نفقتها لمدة ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ميراثها بشيء مما أعطاها ~~لعموم اللفظ; لأنه جائز أن يريد أن يتزوج بأخرى بعد موتها مستبدلا بها مكان ~~الأولى, فظاهر اللفظ قد تناول هذه الحال. # فإن قيل: لما عقب ذلك قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} ~~دل على أن المراد بأول الخطاب فيما أعطاها هو المهر دون غيره; إذ كان هذا ~~المعنى إنما يختص بالمهر دون ما سواه. قيل له: ليس يمتنع أن يكون أول ~~الخطاب عموما في ms1290 جميع ما انتظمه الاسم, ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه ~~ولا يوجب ذلك خصوص اللفظ الأول, وقد بينا نظائر ذلك في مواضع. وهذه الآية ~~أيضا تدل على أنه إذا دخل بها ثم وقعت الفرقة من قبلها بمعصية أو غير معصية ~~أن مهرها واجب لا يبطله وقوع الفرقة من قبلها. وفائدة تخصيص الله تعالى حال ~~الاستبدال بالنهي عن أخذ شيء مما أعطاها مع شمول الحظر لسائر الأحوال إزالة ~~توهم من يظن أن ذلك جائز عند حصول البضع لها وسقوط حق الزوج عنه بطلاقها ~~وأن الثانية قد قامت مقام الأولى فتكون أولى بالمهر الذي أعطاها فنص على ~~حظر الأخذ في هذه الحال, ودل به على عمومه في سائر الأحوال إذا لم يبح له ~~أخذ شيء مما أعطاها في الحال التي يسقط حقه عن بضعها, فهو أولى أن لا يأخذ ~~منها شيئا مع بقاء حقه في استباحة بضعها وكونه أملك بها من نفسها. وأكد ~~الله تعالى حظر أخذ شيء مما أعطى بأن جعله ظلما كالبهتان, وهو الكذب الذي ~~يباهت به مخبره ويكابر به من يخاطبه, وهذا أقبح ما يكون من الكذب وأفحشه; ~~فشبه أخذ ما أعطاها بغير حق بالبهتان في قبحه فسماه بهتانا وإثما. # قوله عز وجل: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا} . # PageV02P139 ### | مطلب: في قول الفراء أن الإفضاء هو الخلوة # قال أبو بكر: ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول. وقول ~~الفراء حجة فيما يحكيه من اللغة, فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة فقد ~~منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق; لأن قوله تعالى: {وإن ~~أردتم استبدال زوج} قد أفاد الفرقة والطلاق, والإفضاء مأخوذ من الفضاء, وهو ~~المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه, فسميت الخلوة إفضاء لزوال ~~المانع من الوطء والدخول. ومن الناس من يقول: إن الفضاء السعة, وأفضى: إذا ~~صار في المتسع مما يقصده. وجائز على هذا الوضع أيضا أن تسمى الخلوة إفضاء ~~لوصوله بها إلى ms1291 مكان الوطء واتساع ذلك بالخلوة, وقد كان يضيق عليه الوصول ~~إليها قبل الخلوة, فسميت الخلوة إفضاء لهذا المعنى, فأخبر تعالى أنه غير ~~جائز له أخذ شيء مما أعطاها مع إفضاء بعضهم إلى بعض, وهو الوصول إلى مكان ~~الوطء وبذلها ذلك له وتمكينها إياه من الوصول إليها. فظاهر هذه الآية يمنع ~~الزوج أخذ شيء مما أعطاها إذا كان النشوز من قبله; لأن قوله تعالى: {وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج} يدل على أن الزوج هو المريد للفرقة دونها, ~~ولذلك قال أصحابنا: إن النشوز إذا كان من قبله يكره له أن يأخذ شيئا من ~~مهرها, وإذا كان من قبلها فجائز له ذلك لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فقيل عن ابن عباس: إن الفاحشة ~~هي النشوز, وقال غيره: "هي الزنا". ولقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ومن الناس من يقول إنها ~~منسوخة بقوله: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} . وذلك غلط; لأن قوله ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قد أفاد حال كون النشوز من قبله, ~~وقوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] إنما فيه ~~ذكر حال أخرى غير الأولى, وهي الحال التي يكون النشوز منها وافتدت فيها ~~المرأة منه, فهذه حال غير تلك وكل واحدة من الحالين مخصوصة بحكم دون ~~الأخرى. # PageV02P140 ### | مطلب: في قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} # وقوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال الحسن وابن سيرين وقتادة ~~والضحاك والسدي: هو قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . ~~قال قتادة: "وكان يقال للناكح في صدر الإسلام: الله عليك لتمسكن بمعروف أو ~~لتسرحن بإحسان". وقال مجاهد: "كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج". وقال ~~غيره: هو قول # PageV02P140 ### | باب ما يحرم من النساء # قال الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} . قال أبو بكر: ~~أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب قال: الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن ~~البصريين أن ms1292 النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين, تقول العرب: ~~"أنكحنا الفرا فسنرى" هو مثل ضربوه للأمر يتشاورون فيه ويجتمعون عليه ثم ~~ينظر عن ماذا يصدرون فيه, معناه: جمعنا بين الحمار وأتانه. # PageV02P141 ### | مطلب: في النكاح يطلق على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازا # قال أبو بكر: إذا كان اسم النكاح في حقيقة اللغة موضوعا للجمع بين ~~الشيئين, ثم وجدناهم قد سموا الوطء نفسه نكاحا من غير عقد كما قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها # يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد, وقال الآخر: # ومن أيم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى على عم وخال تلهف # وهذا يعني المسبية أيضا; ومنه قول الآخر أيضا: # فنكحن1 أبكارا وهن بأمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار # وهو يعني الوطء أيضا; ولا يمتنع أحد من إطلاق اسم النكاح على الوطء. وقد ~~تناول الاسم العقد أيضا, قال الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] والمراد به العقد دون الوطء, وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أنا من نكاح ولست من سفاح" ; فدل بذلك على معنيين: ~~أحدهما: أن اسم النكاح يقع على العقد, والثاني: دلالته على أنه قد يتناول ~~الوطء من غير عقد, لولا ذلك لاكتفى بقوله: أنا من نكاح, إذ كان السفاح لا ~~يتناول اسم النكاح بحال, فدل قوله: "ولست من سفاح" بعد PageV02P141 ### | مطلب" في مناظر جرت بين الإمام الشافعي مع بعض الناس في قوله: "إن الحرام لا يحرم الحلال", # ... # شائعا في الجاهلية, فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا منهم على ~~ذلك النكاح لنقل واستفاض, فلما لم ينقل ذلك دل على أن المراد بقوله: {إلا ~~ما قد سلف} : فإنكم غير مؤاخذين به وذلك; لأنهم قبل ورود الشرع بخلاف ما هم ~~عليه كانوا مقرين على أحكامهم, فأعلمهم الله تعالى أنهم غير مؤاخذين فيما ~~لم تقم عندهم حجة السمع بتركه, فلا احتمال في قوله: {إلا ما قد سلف} في هذا ~~الموضع إلا ما ذكرنا; وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} عند ms1293 ذكر الجمع بين ~~الأختين يحتمل غير ما ذكرنا ههنا, وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله ~~تعالى. ومعنى: {إلا ما قد سلف} ههنا استثناء منقطع كقوله: "لا تلق فلانا ~~إلا ما لقيت" يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه. # وقوله: {إنه كان فاحشة} هذه الهاء كناية عن النكاح; وقد قيل فيه وجهان: ~~أحدهما: النكاح بعد النهي فاحشة, ومعناه هو فاحشة, ف "كان" في هذا الموضع ~~ملغاة وهو موجود في كلامهم, قال الشاعر: # فإنك لو رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام # فأدخل" كان" وهي ملغاة غير معتد بها; لأن القوافي مجرورة. وقال الله ~~تعالى: {وكان الله عليما حكيما} [النساء: 17] والله عليم حكيم. ويحتمل أن ~~يريد به أن ما كان منه في الجاهلية فهو فاحشة فلا تفعلوا مثله, وهذا لا ~~يكون إلا بعد قيام حجة السمع عليهم بتحريمه, ومن قال هذا جعل قوله تعالى: ~~{إلا ما قد سلف} فإنه يسلم منه بالإقلاع عنه والتوبة منه. # قال أبو بكر: والأولى حمله على أنه فاحشة بعد نزول التحريم; لأن ذلك مراد ~~عند الجميع لا محالة, ولم تقم الدلالة على أن حجة السمع قد كانت قامت عليهم ~~بتحريمه من جهة الرسل المتقدمين فيستحقون اللوم عليه; ويدل عليه قوله ~~تعالى: {إلا ما قد سلف} وظاهره يقتضي نفي المؤاخذة بما سلف منه. # فإن قيل: هذا يدل على أن من عقد نكاحا على امرأة أبيه ووطئها كان وطؤه ~~زنا موجبا للحد; لأنه سماها فاحشة, وقال الله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه ~~كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء:32] قيل له: الفاحشة لفظ مشترك يقع على ~~كثير من المحظورات, وقد روي في قوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} أن ~~خروجها من بيته فاحشة. وروي أن الفاحشة في ذلك أن تستطيل بلسانها على أهل ~~زوجها, وقيل فيها: إنها الزنا. فالفاحشة اسم يتناول مواقعة المحظور, وليس ~~يختص بالزنا دون غيره حتى إذا أطلق فيه اسم الفاحشة كان زنا, وما كان من ~~وطء عن عقد فاسد فإنه لا يسمى # PageV02P145 ### | مطلب اختلف ms1294 السلف في التحريم بقليل الرضاع # واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع, فروي عن عمر وعلي وابن ~~عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم والزهري والشعبي: ~~"قليل الرضاع وكثيره يحرم في الحولين" وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث قال الليث: "اجتمع المسلمون على أن ~~قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم". وقال ابن الزبير ~~والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان". وقال ~~الشافعي: "لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات". # PageV02P156 ### | مطلب: اختلف أهل لعلم في لبن الفحل # واختلف أهل العلم في لبن الفحل, وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ~~وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به صبيا; فإن من قال بتحريم لبن الفحل ~~يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل وإن كانوا من غيرها, ومن لا يعتبره لا يوجب ~~تحريما بينه وبين أولاده من غيرها. فممن قال بلبن الفحل ابن عباس وروى ~~الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت هذه ~~غلاما وهذه جارية, هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: "لا, اللقاح ~~واحد", وهو قول القاسم وسالم وعطاء وطاوس. وذكر الخفاف عن سعيد عن ابن ~~سيرين قال: "كرهه قوم ولم ير به قوم بأسا, ومن كرهه كان أفقه من الذين لم ~~يروا به بأسا" وذكر عباد بن منصور. قال: قلت للقاسم بن محمد: امرأة أبي ~~أرضعت جارية من الناس بلبان إخوتي من أبي أتحل لي؟ قال: "لا, أبوك أبوها" ~~فسألت طاوسا والحسن فقالا مثل ذلك, وسألت مجاهدا فقال: "اختلف فيه # PageV02P158 ### | باب أمهات النساء والربائب # قال الله تعالى: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن} ولم تختلف الأمة أن الربائب لا يحرمن بالعقد على الأم ~~حتى يدخل بها أو يكون منه ما يوجب التحريم من اللمس والنظر على ما بيناه ~~فيما سلف, وهو نص التنزيل في قوله تعالى: {فإن لم تكونوا دخلتم ms1295 بهن فلا ~~جناح عليكم} . # واختلف السلف في أمهات النساء, هل يحرمن بالعقد دون الدخول؟ فروى # PageV02P159 ### | مطلب: افتى ابن مسعود بحل التزويج بأم المرأة قيل الدخول بها ثم رجع عن ذلك # وروى أبو أسامة عن سفيان عن أبي فروة عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله ~~بن مسعود أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت ~~قال: "لا بأس أن يتزوج أمها" فلما أتى المدينة رجع فأفتاهم فنهاهم وقد ولدت ~~أولادا. وروى إبراهيم عن شريح أن ابن مسعود كان يقول بقول علي ويفتي به, ~~يعني في أمهات النساء, فحج فلقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذاكرهم ذلك فكرهوا. أن يتزوجها, فلما رجع ابن مسعود نهى من كان أفتاه ~~بذلك, وكانوا أحياء من بني فزارة أفتاهم بذلك وقال: "إني سألت أصحابي ~~فكرهوا ذلك". # وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال في رجل طلق امرأته قبل ~~الدخول فأراد أن يتزوج أمها, قال: "إن طلقها قبل الدخول يتزوج أمها, وإن ~~ماتت لم يتزوج أمها", وأصحاب الحديث يضعفون حديث قتادة هذا عن سعيد بن ~~المسيب عن زيد ويقولون: إن أكثر ما يرويه قتادة عن سعيد بن المسيب بينه ~~وبينه رجال, وإن رواياته عن سعيد مخالفة لروايات أكثر أصحاب سعيد الثقات; ~~وقال عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن سعيد بن المسيب: أحب إلي من قتادة عن ~~سعيد. وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن زيد بن ثابت خلاف رواية قتادة. ~~ويقال إن حديث يحيى وإن كان مرسلا فهو أقوى من حديث قتادة عن سعيد قال أبو ~~بكر: وهذا الذي ذكرناه طريقة أصحاب الحديث, والفقهاء لا يعتبرون ذلك في ~~قبول الأخبار وردها, وإنما ذكرنا ذلك ليعرف به مذهب القوم فيه دون اعتباره ~~والعمل عليه; ويشبه أن يكون زيد بن ثابت إنما فرق بين الموت والطلاق في ~~التحريم; لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ألا ترى ~~أنه يجب في نصف المهر ms1296 ولا تجب عليها العدة؟ وأما الموت # PageV02P160 ### | مطلب: الحلية اسم يختص بالزوجة دون المملوكة بملك اليمين # قال أبو بكر: حليلة الابن هي زوجته, ويقال إنما سميت حليلة; لأنها تحل ~~معه في فراش, وقيل: لأنه يحل له منها الجماع بعقد النكاح, والأمة إن استباح ~~فرجها بالملك لا تسمى حليلة ولا تحرم على الأب ما لم يطأها, وعقد نكاح ~~الابن عليها يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا, وهذا يدل على أن الحليلة اسم ~~يختص بالزوجة دون ملك اليمين. ولما علق حكم التحريم بالتسمية دون ذكر الوطء ~~اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء; لأنا لو شرطنا الوطء لكان فيه ~~زيادة في النص, ومثلها يوجب النسخ; لأنها تبيح ما حظرته الآية, وهذا لا ~~خلاف فيه بين المسلمين. # قال أبو بكر: وقوله تعالى: {الذين من أصلابكم} قد تناول عند الجمع تحريم ~~حليلة ولد الولد على الجد, وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب ~~الجد; لأن إطلاق الآية قد اقتضاه عند الجميع, وفيه دلالة على أن ولد الولد ~~منسوب إلى الجد بالولادة. وهذه الآية في تخصيصها حليلة الابن من الصلب في ~~معنى قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] لما ~~تضمنه من إباحة تزويج حليلة الابن من جهة التبني. وقوله: {في أزواج ~~أدعيائهم} يدل على أن حليلة الابن هي زوجته; لأنه عبر في هذا الموضع عنهن ~~باسم الأزواج وفي الآية الأولى بذكر الحلائل. # قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} قال أبو بكر: قد ~~اقتضى ذلك تحريم الجمع بين الأختين في سائر الوجوه لعموم اللفظ; والجمع على ~~وجوه: منها أن يعقد عليهما جميعا معا فلا يصح نكاح واحدة منهما; لأنه جامع ~~بينهما, وليست إحداهما بأولى بجواز نكاحها من الأخرى, ولا يجوز تصحيح ~~نكاحهما مع تحريم الله # PageV02P163 ### | مطلب: سئل علي عن وطء أختين بملك اليمين فقال: "أحلتهما آية وحرمهما آية" إلى آخره # وروي عن عثمان وابن ms1297 عباس أنهما أباحا ذلك وقالا: "أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية" وقال عمر وعلي وابن مسعود والزبير وابن عمر وعمار وزيد بن ثابت: "لا ~~يجوز الجمع بينهما بملك اليمين", وقال الشعبي: سئل علي عن ذلك فقال: ~~"أحلتهما آية وحرمتهما آية" فإذا أحلتهما آية وحرمتهما آية فالحرام أولى. ~~وروى عبد الرحمن المقري قال: حدثنا موسى بن أيوب الغافقي قال: حدثني عمي ~~إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب عن الأختين بملك اليمين وقد وطئ ~~إحداهما هل يطأ الأخرى؟ فقال: "أعتق الموطوءة حتى يطأ الأخرى" وقال: "ما ~~حرم الله من الحرائر شيئا إلا حرم من الإماء مثله إلا عدد الأربع" وروي عن ~~عمار مثل ذلك. قال أبو بكر: أحلتهما آية, يعنون به قوله تعالى: {والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وقوله: "حرمتهما آية" قوله تعالى: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين} , فروي عن عثمان الإباحة. وروي عنه أنه ذكر التحريم ~~والتحليل وقال: "لا آمر به ولا أنهى عنه". وهذا القول منه يدل على أنه كان ~~ناظرا فيه غير قاطع بالتحليل والتحريم فيه, فجائز أن يكون قال فيه بالإباحة ~~ثم وقف فيه, وقطع علي فيه بالتحريم; وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن ~~الحظر والإباحة إذا اجتمعا فالحظر أولى إذا تساوى سبباهما, وكذلك يجب أن ~~يكون حكمهما في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم; ومذهب ~~أصحابنا يدل على أن ذلك قولهم, وقد بيناه في أصول الفقه وقد روى إياس بن ~~عامر أنه قال لعلي: إنهم يقولون إنك تقول أحلتهما آية وحرمتهما آية؟ فقال: ~~"كذبوا" وهذا يحتمل أن يريد به نفي المساواة في مقتضى الآيتين وإبطال مذهب ~~من يقول بالوقف فيه على ما روي عن عثمان; لأنه قال في رواية الشعبي: ~~"أحلتهما آية وحرمتهما آية" والتحريم أولى, وإنكاره أن يكون أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية إنما هو على جهة أن آيتي التحليل والتحريم غير متساويتين في ~~مقتضاهما, وأن التحريم أولى من التحليل. ومن جهة أخرى أن إطلاق القول بأنه ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية ms1298 من غير تقييد هو قول منكر لاقتضاء حقيقته أن يكون ~~شيء واحد مباحا محظورا في حال # PageV02P164 ### | مطلب لذا تساوى سببا الحظر والإباحة رجح بينهما الحظر # ومما يدل على أن التحريم أولى لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما أن فعل ~~المحظور يستحق به العقاب وترك المباح لا يستحق به العقاب, والاحتياط ~~الامتناع مما لا يأمن استحقاق العقاب به, فهذه قضية واجبة في حكم العقل. ~~وأيضا فإن الآيتين غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل, وغير جائز ~~الاعتراض بإحداهما على الأخرى; إذ كل واحدة منهما ورودها في سبب غير سبب ~~الأخرى وذلك لأن قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} وارد في حكم التحريم ~~كقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم} {وأمهات نسائكم} وسائر من ذكر في الآية ~~تحريمها. وقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} وارد في ~~إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب; وأفاد وقوع الفرقة وقطع العصمة ~~فيما بينهما, فهو مستعمل فيما ورد فيه من إيقاع الفرقة بين المسبية وبين ~~زوجها وإباحتها لمالكها, فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين ~~الأختين; إذ كل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الأخرى, فيستعمل حكم ~~كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه. ويدل على ذلك أنه لا خلاف بين ~~المسلمين في أنها لم تعترض على حلائل الأبناء وأمهات النساء وسائر من ذكر ~~تحريمهن في الآية, وأنه لا يجوز وطء حليلة الابن ولا أم المرأة بملك ~~اليمين, ولم يكن قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} موجبا لتخصيصهن لوروده ~~في سبب غير سبب الآية الأخرى; كذلك ينبغي أن يكون حكمه في اعتراضه على ~~تحريم الجمع. وامتناع علي رضي الله عنه ومن تابعه في ذلك من الصحابة من ~~الاعتراض بقوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} على تحريم الجمع بين الأختين ~~يدل على أن حكم الآيتين إذا وردتا في سببين: إحداهما في التحليل والأخرى في ~~التحريم, أن كل واحدة منهما تجري على حكمها في ذلك السبب ولا يعترض بها على ~~الأخرى, وكذلك ينبغي أن ms1299 يكون حكم الخبرين إذا وردا عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في مثل ذلك, وقد بينا ذلك في أصول الفقه. وأيضا لا نعلم خلافا بين ~~المسلمين في حظر الجمع بين الأختين إحداهما بالنكاح والأخرى بملك اليمين, ~~نحو أن تكون عنده امرأة بنكاح فيشتري أختها أنه لا يجوز له وطؤهما جميعا; ~~وهذا يدل على أن تحريم الجمع قد انتظم ملك اليمين كما انتظم النكاح, وعموم ~~قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} يقتضي تحريم جمعهما على سائر الوجوه, ~~وهو موجب لتحريم تزويج المرأة وأختها تعتد منه لما فيه من الجمع بينهما في ~~استحقاق نسب ولديهما وفي إيجاب # PageV02P165 ### | مطلب: النهي عندنا يقتضي الفساد # فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا: أحدهما: وقوع العقدة منهيا عنها, والنهي ~~عندنا يقتضي الفساد. والثاني: أنه منع الجمع بينهما بحال. فلو أبقينا عقده ~~عليهما بعد الإسلام كنا مثبتين لما نفاه الله تعالى من الجمع, فدل ذلك على ~~بطلان العقد الذي وقع به الجمع. ومن جهة النظر أنه لما لم يجز أن يبتدئ ~~المسلم عقدا على أختين ولم يجز أيضا أن يبقى له عقد على أختين وإن لم تكونا ~~أختين في حال العقد, كمن تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة فاستوى حكم الابتداء ~~والبقاء في نفي الجمع بينهما, أشبه نكاح ذوات المحارم في استواء حال البقاء ~~والابتداء فيهما. فلما لم يختلف العقد على ذوات المحارم في وقوعه في حال ~~الكفر وحال الإسلام ووجب التفريق متى طرأ عليه الإسلام وكان بمنزلة ابتداء ~~العقد بعد الإسلام, وجب مثله في نكاح الأختين وأكثر من أربع نسوة; وكما لم ~~يختلف حكم البقاء والابتداء فيهما كما لم يختلف في ذوات المحارم, وجب الحكم ~~بفساده بعد الإسلام كما قلنا في ذوات المحارم. # واحتج من خيره بعد الإسلام بحديث فيروز الديلمي الذي قدمناه, وبما روى ~~ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان ~~نسوة, فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن "أختار منهن أربعا" وبما روى ~~معمر عن الزهري عن ms1300 سالم عن ابن عمر, أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "خذ منهن أربعا". فأما حديث فيروز فإن ~~في لفظه ما يدل على صحة العقد وكان قبل نزول التحريم; لأنه قال: "أيتهما ~~شئت" وهذا يدل على بقاء العقد عليهما بعد الإسلام. وحديث الحارث بن قيس ~~يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول التحريم, فكان صحيحا إلى أن طرأ التحريم, ~~فلزمه اختيار الأربع منهن ومفارقة سائرهن, كرجل له امرأتان فطلق إحداهما ~~ثلاثا فيقال له: اختر أيتهما شئت; لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم. ~~فإن قيل: لو كان ذلك يختلف لسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت العقد. ~~قيل له: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك فاكتفى بعلمه عن ~~مسألته. # وأما حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه في قصة غيلان فإنه مما لا يشك ~~أهل النقل فيه أن معمرا1 أخطأ فيه بالبصرة, وأن أصل هذا الحديث مقطوع من ~~حديث PageV02P168 ### | فصل # قال أبو بكر: والمنصوص على تحريمه في الكتاب هو الجمع بين الأختين, وقد ~~وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها, رواه علي ~~وابن عباس وجابر وابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة ~~وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها ولا على بنت أختها" وفي بعضها: "لا ~~الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى". على اختلاف بعض الألفاظ مع ~~اتفاق المعنى; وقد تلقاها الناس بالقبول مع تواترها واستفاضتها. وهي من ~~الأخبار الموجبة للعلم والعمل, فوجب استعمال حكمها مع الآية. # PageV02P169 ### | مطلب: شذت طائفة من الخوارجى بإباحة الجمع ببين غير الأختين من المحارم # وشذت طائفة من الخوارج بإباحة الجمع بين من عدا الأختين لقوله تعالى: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} وأخطأت في ذلك وضلت عن سواء السبيل; لأن الله ~~تعالى كما قال: {وأحل لكم ms1301 ما وراء ذلكم} قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه} وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بين من ذكرنا, فوجب أن يكون ~~مضموما إلى الآية, فيكون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} مستعملا فيمن ~~عدا الأختين وعدا من بين النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بينهن. وليس ~~يخلو قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} من أن يكون نزل قبل حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتحريم من حرم الجمع بينهن أو معه أو بعده, وغير جائز ~~أن يكون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} بعد الخبر; لأن قوله تعالى: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} مرتب على تحريم من ذكر تحريمهن منهن; لأن قوله: ~~{ما وراء ذلكم} المراد به ما وراء من تقدم ذكر تحريمهن, وقد كان قبل تحريم ~~الجمع بين # PageV02P169 ### | باب تحريم نكاح ذوات الأزواج # قال الله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} عطفا على من ~~حرم من النساء من عند قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} فروى سفيان عن حماد ~~عن إبراهيم عن عبد الله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} قال: ~~ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين وقال علي بن أبي طالب: "ذوات الأزواج ~~من المشركين". وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "كل ذات زوج إتيانها زنا ~~إلا ما سبيت". # قال أبو بكر: اتفق هؤلاء على أن المراد بقوله تعالى: {والمحصنات من ~~النساء} ذوات الأزواج منهن وأن نكاحها حرام ما دامت ذات زوج, واختلفوا في ~~قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} , فتأوله علي وابن عباس في رواية, وعمر ~~وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر: أن الآية إنما وردت في ذوات الأزواج من ~~السبايا أبيح وطؤهن بملك اليمين, ووجب بحدوث السبي عليها دون زوجها وقوع ~~الفرقة بينهما; وكانوا يقولون: إن بيع الأمة لا يكون طلاقا ولا يبطل ~~نكاحها. وتأوله ابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن ~~عباس في رواية عكرمة: أنه في جميع ذوات ms1302 الأزواج من السبايا وغيرهم; وكانوا ~~يقولون: بيع الأمة طلاقها. وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا # PageV02P170 ### | مطلب: في حكم الزوجين الحربيين إذا سبيا معا # واختلف الفقهاء في الزوجين إذا سبيا معا, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر: "إذا سبي الحربيان معا وهما زوجان فهما على النكاح, وإن سبي أحدهما ~~قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام فقد وقعت الفرقة" وهو قول الثوري وقال ~~الأوزاعي: "إذا سبيا جميعا فما كانا في المقاسم فهما على النكاح, فإذا ~~اشتراهما رجل فإن شاء جمع بينهما وإن شاء فرق بينهما فاتخذها لنفسه أو ~~زوجها غيره بعدما يستبرئها بحيضة" وهو قول الليث بن سعد. وقال الحسن بن ~~صالح: "إذا سبيت ذات زوج استبرئت بحيضتين; لأن زوجها أحق بها إذا جاء في ~~عدتها, وغير ذات الأزواج بحيضة". وقال مالك والشافعي: "إذا سبيت بانت من ~~زوجها سواء كان معها زوجها أو لم يكن". قال أبو بكر: قد ثبت أن حدوث الملك ~~غير موجب للفرقة بدلالة الأمة المبيعة والموروثة, فوجب أن لا تقع الفرقة ~~بالسبي نفسه; لأنه ليس فيه أكثر من حدوث الملك. ودليل آخر, وهو أن حدوث ~~الرق عليها لا يمنع ابتداء العقد, فلأن لا يمنع بقاءه أولى; لأن البقاء هو ~~آكد في ثبوت النكاح معه من الابتداء ألا ترى أنه قد يمنع الابتداء ما لا ~~يمنع البقاء وهو حدوث العدة عليها من وطء بشبهة يمنع ابتداء العقد ولا يمنع ~~بقاء العقد # PageV02P172 ### | مطلب: إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة أو ذمية # ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بينهما # ويدل على أن المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين, أنهما لو خرجا ~~مسلمين أو ذميين لم تقع بينهما فرقة; لأنهما لم تختلف بهما الداران, فدل ~~ذلك على أن المعنى الموجب للفرقة بين المسبية وزوجها إذا كانت منفردة ~~اختلاف الدارين بهما; ويدل عليه أن الحربية إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية ~~ثم لم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف, وقد حكم الله تعالى بذلك في ~~المهاجرات في قوله: {ولا جناح ms1303 عليكم أن # PageV02P173 ### | باب المهور # قال الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} فعقد ~~الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع هو مال; فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن ~~بدل البضع واجب أن يكون ما يستحق به تسليم مال. والثاني: أن يكون المهر ما ~~يسمى أموالا. وذلك; لأن هذا خطاب لكل أحد في إباحة ما وراء ذلك أن يبتغي ~~البضع بما يسمى أموالا, كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} خطاب ~~لكل أحد في تحريم أمهاته وبناته عليه, وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز أن ~~يكون المهر الشيء التافه الذي لا يسمى أموالا. # واختلف الفقهاء في مقدار المهر, فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لا ~~مهر أقل من عشرة دراهم", وهو قول الشعبي وإبراهيم في آخرين من التابعين, ~~وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد. وقال أبو سعيد الخدري ~~والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء: "يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره". وتزوج ~~عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب, فقال بعض الرواة: قيمتها ثلاثة ~~دراهم وثلث, وقال آخرون: النواة عشرة أو خمسة. وقال مالك: "أقل المهر ربع ~~دينار". وقال ابن أبي ليلى والليث والثوري والحسن بن صالح والشافعي: "يجوز ~~بقليل المال وكثيره ولو درهم". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} ~~يدل على أن ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا وأن شرطه أن يسمى أموالا, هذا ~~مقتضى الآية وظاهرها, ومن كان له درهم أو درهمان لا يقال عنده أموال, فلم ~~يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر. فإن قيل: ومن عنده عشرة دراهم لا يقال ~~عنده أموال وقد أجزتها مهرا قيل له: كذلك يقتضي الظاهر, لكن أجزناها ~~بالاتفاق, وجائز تخصيص الآية بالإجماع; وأيضا قد روى حرام بن عثمان عن ابني ~~جابر عن أبيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا مهر أقل من عشرة ~~دراهم". وقال علي بن أبي طالب: "لا مهر أقل من عشرة دراهم". ولا ms1304 سبيل إلى ~~معرفة هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى من طريق الاجتهاد ~~والرأي, وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق; وتقديره العشرة مهرا دون ما هو ~~أقل منها يدل على أنه # PageV02P176 ### | طلب: في أن المنافع لا تكون مهرا # ويدل على أن المهر حكمه أن يكون مالا قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وذلك لأن ~~قوله: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء:4] أمر يقتضي ظاهره الإيجاب, ~~ودل بفحواه على أن المهر ينبغي أن يكون مالا من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{وآتوا} [النساء:4] معناه: أعطوا, والإعطاء إنما يكون في الأعيان دون ~~المنافع; إذ المنافع لا يتأتى فيها الإعطاء على الحقيقة; والثاني: قوله: ~~{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وذلك لا يكون ~~في المنافع وإنما هو في المأكول أو فيما يمكن صرفه بعد # PageV02P179 ### | مطلب: في قوله {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} الآية # فإن قيل: قال الله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فجعل منافع الحر بدلا من البضع. قيل له: لم ~~يشرط المنافع للمرأة وإنما شرطها لشعيب النبي عليه السلام وما شرط للأب لا ~~يكون مهرا, فالاحتجاج به باطل في مسألتنا وأيضا لو صح أنها كانت مشروطة لها ~~وأنه إنما أضافها إلى نفسه لأنه هو المتولي للعقد, أو لأن مال الولد منسوب ~~إلى الوالد كقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" فهو منسوخ بالنهي ~~عن الشغار. # وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} يدل على أن عتق الأمة لا يكون صداقا ~~لها; إذ # PageV02P181 ### | مطلب: في أنه عليه السلام كان له أن يتزوج بغير مهر # وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها; فلأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج بغير مهر, وكان مخصوصا به دون ~~الأمة, قال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك ms1305 من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] فكان صلى الله عليه ~~وسلم مخصوصا بجواز ملك البضع بغير بدل كما كان مخصوصا بجواز تزويج التسع ~~دون الأمة. # قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] يدل أيضا على أن العتق لا يكون صداقا من ~~وجوه: أحدها: أنه قال: {وآتوهن} [النساء:4] وذلك أمر يقتضي الإيجاب, وإعطاء ~~العتق لا يصح. والثاني: قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} والعتق ~~لا يصح فسخه بطيب نفسها عن شيء منه. والثالث: قوله تعالى: {فكلوه هنيئا ~~مريئا} وذلك محال في العتق. # قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} . قال أبو بكر: يحتمل قوله تعالى: ~~{محصنين غير مسافحين} وجهين: أحدهما: الحكم بكونهم محصنين بعقد النكاح ~~والإخبار عن حالهم إذا نكحوا. والثاني: أن يكون الإحصان شرطا في الإباحة ~~المذكورة في قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ; فإن كان المراد الوجه ~~الأول فإطلاق الإباحة عموم يصح اعتباره فيما انتظمه إلا ما قام دليله, وإن ~~أراد الوجه الثاني كان إطلاق الإباحة مجملا لأنه معقود بشريطة حصول الإحصان ~~به, والإحصان لفظ مجمل مفتقر إلى البيان, فلا يصح حينئذ الاحتجاج به, ~~والأولى حمله على الإخبار عن حصول الإحصان بالتزويج لإمكان استعماله, وذلك ~~لأنه متى ورد لفظ يحتمل أن يكون عموما يمكننا استعمال ظاهره ويحتمل أن يكون ~~مجملا موقوف الحكم على البيان, فالواجب حمله على معنى العموم دون الإجمال ~~لما فيه من استعمال حكمه عند وروده, فعلينا المصير إليه; وغير جائز حمله ~~على وجه يسقط عنا استعماله إلا بورود بيان من غيره, وفي نسق التلاوة وفحوى ~~الآية ما يوجب أن يكون ذكر الإحصان إخبارا عن كونه محصنا بالنكاح وذلك لأنه ~~قال: {محصنين غير مسافحين} والسفاح هو الزنا, فأخبر أن # PageV02P182 ### | باب المتعة # قال الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} قال أبو ~~بكر: هو عطف على ما تقدم ذكره من إباحة نكاح ما وراء المحرمات في قوله ~~تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ثم قال: {فما ms1306 استمتعتم به منهن} يعني: ~~دخلتم بهن, {فآتوهن أجورهن فريضة} كاملة, وهو كقوله تعالى: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] وقوله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: ~~20] . والاستمتاع هو الانتفاع, وهو ههنا كناية عن الدخول, قال الله تعالى: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] يعني ~~تعجلتم الانتفاع بها, وقال: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة: 69] يعني: بحظكم ~~ونصيبكم من الدنيا; فلما حرم الله تعالى من ذكر تحريمه في قوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} وعنى به نكاح الأمهات ومن ذكر معهن, ثم عطف عليه قوله: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} اقتضى ذلك إباحة النكاح فيمن عدا المحرمات ~~المذكورة, ثم قال: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} يعني والله أعلم: نكاحا ~~تكونوا به محصنين عفائف {غير مسافحين} ثم عطف عليه حكم النكاح إذا اتصل به ~~الدخول بقوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} فأوجب على الزوج كمال ~~المهر. وقد سمى الله المهر أجرا في قوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن} فسمى المهر أجرا, وكذلك الأجور المذكورة في هذه الآية هي المهور. ~~وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان, كما سمي بدل ~~منافع الدار والدابة أجرا. # PageV02P184 ### | مطلب: في دليل قول أبي حنيفة من استأجر امرأة فزنى بها لا حد عليه # وفي تسمية الله المهر أجرا دليل على صحة قول أبي حنيفة فيمن استأجر امرأة ~~فزنى بها أنه لا حد عليه; لأن الله تعالى قد سمى المهر أجرا, فهو كمن قال: ~~"أمهرك كذا "; وقد روي نحوه عن عمر بن الخطاب. ومثل هذا يكون نكاحا فاسدا; ~~لأنه بغير شهود; وقال تعالى في آية أخرى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن} [الممتحنة: 10] وقد كان ابن عباس يتأول قوله تعالى: {فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} على متعة النساء; وروي عنه فيها أقاويل, ~~روي أنه كان يتأول الآية على إباحة # PageV02P184 ### | باب الزيادة في المهور # قال الله تعالى بعد ذكر المهر: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة} , والفريضة ههنا التسمية والتقدير, كفرائض المواريث والصدقات, وقد ms1307 ~~بينا ذلك فيما سلف. وروي عن الحسن في قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة} أنه ما تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره ~~أو هبة جميعه وفي هذه الآية دلالة على جواز الزيادة في المهر لقوله تعالى: ~~{فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} وهو عموم في الزيادة والنقصان والتأخير ~~والإبراء, وهو بالزيادة أخص منه بغيرها; لأنه علقه بتراضيهما, والبراءة ~~والحط والتأخير لا يحتاج في وقوعه إلى رضى الرجل, والزيادة لا تصح إلا ~~بقبولهما; فلما علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد الزيادة. ولا ~~يجوز الاقتصار به على البراءة والحط والتأجيل; لأن عموم اللفظ يقتضي جواز ~~الجميع, فلا يخص بغير دلالة; ولأن الاقتصار به على ما ذكرت يسقط فائدة ذكر ~~تراضيهما جميعا وإضافة ذلك إليهما, وغير جائز إسقاط حكم اللفظ والاقتصار به ~~على ما يجعل وجوده وعدمه سواء. # وقد اختلف الفقهاء في الزيادة في المهر, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ~~"الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها, ~~وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد". وقال ~~زفر بن الهذيل والشافعي: "الزيادة بمنزلة هبة مستقبلة" إذا قبضتها جازت في ~~قولهما جميعا, وإن لم تقبضها بطلت. وقال مالك بن أنس: "تصح الزيادة, فإن ~~طلقها قبل الدخول رجع نصف ما زادها إليه وهي بمنزلة مال وهبه لها يقوم به ~~عليه, وإن مات عنها قبل أن تقبض فلا شيء لها منه لأنها عطية لم تقبض". # قال أبو بكر: قد ذكرنا وجه دلالة الآية على جواز الزيادة; ومما يدل على ~~جواز الزيادة أن عقد النكاح في ملكهما, والدليل على ذلك أنه جائز له أن ~~يخلعها على البضع فيأخذ منها بدله فهما مالكان للتصرف في البضع, فلما كان ~~العقد في ملكهما وجب أن تجوز الزيادة فيه كما جازت في ابتداء عقد النكاح من ~~حيث كانا مالكين للعقد;; إذ كان الملك هو التصرف وتصرفهما جائز فيه. ويدل ~~عليه اتفاق ms1308 الجميع على أنه إذا قبضها # PageV02P195 ### | مطلب: المهر المسمى يبطل قبل الدخول زإنما يجب نصف المسمى لها على معنى المتعة # فإن قيل: التسمية الموجودة في العقد إنما يبطل بعضها بورود الطلاق عليها ~~قبل # PageV02P196 ### | باب نكاح الإماء. مطلب: تخصيص الحكم بشيء في اللفظ لا يدل على نفيه عما عداه # قال الله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ~~ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} قال أبو بكر: الذي اقتضته هذه الآية ~~إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات; لأنه لا ~~خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن لأن تخصيص هذه ~~الحال بذكر الإباحة فهذا لا يدل على حظر ما عداها, كقوله تعالى: {ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء31] لا دلالة فيه على إباحة القتل عند ~~زوال هذه الحال, وقوله # PageV02P197 ### | مطلب: في تأويل أبي يوسف قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} # وقد روي عن أبي يوسف أنه تأول قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} على ~~عدم الحرة في ملكه وأن وجود الطول هو كون الحرة تحته. وهذا تأويل سائغ; لأن ~~من ليس عنده حرة فهو غير مستطيع للطول إليها; إذ لا يصل إليها ولا يقدر على ~~وطئها, فكان وجود الطول عنده هو ملك وطء الحرة. وهو أولى بمعنى الآية من ~~تأويل من تأوله على القدرة على تزوجها; لأن القدرة على المال لا توجب له ~~ملك الوطء إلا بعد النكاح, فوجود الطول بحال ملك الوطء أخص منه بوجود المال ~~الذي به يتوصل إلى النكاح. ويدل عليه أنا وجدنا لملك وطء الزوجة تأثيرا في ~~منع نكاح أخرى, ولم نجد هذه المزية لوجود المال, فإذا لا حظ لوجود المال في ~~منع نكاح الأمة; فتأويل أبي يوسف الآية على ملك وطء الحرة أصح من تأويل من ~~تأولها على ملك المال. # PageV02P203 ### | باب نكاح الأمة الكتابية # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم فيه, فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن عبد ~~العزيز وأبي بكر بن عبد الله بن ms1309 أبي مريم كراهة ذلك, وهو قول الثوري. وقال ~~أبو ميسرة في آخرين: "يجوز نكاحها", وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وزفر. وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز; ويشبه ~~أن يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب, كما ~~يكره بيع العبد المسلم من الكافر. وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن ~~سعد: "لا يجوز النكاح". والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في ~~الباب الذي قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة, ~~ودلالتها على جواز نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة. ومما ~~يختص منها بالدلالة على هذه المسألة قوله عز وجل: {والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . وروى جرير عن ليث عن مجاهد في قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] قال: "العفائف". ~~وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي: {والمحصنات من الذين أوتوا # PageV02P204 ### | باب نكاح الأمة بغير إذن مولاها # قال الله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} . قال أبو بكر: قد اقتضى ذلك ~~بطلان نكاح الأمة إلا أن يأذن سيدها وذلك لأن قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن ~~أهلهن} يدل # PageV02P207 ### | مطلب: الفتاة تطلق على الأمة ولو عجوزا # وسمى الله الإماء الفتيات بقوله: {من فتياتكم المؤمنات} والفتاة اسم ~~للشابة, والعجوز الحرة لا تسمى فتاة, والأمة الشابة والعجوز كل واحدة منهما ~~تسمى فتاة; ويقال إنها سميت فتاة وإن كانت عجوزا لأنها إذا كانت أمة لا ~~توقر توقير الكبيرة. والفتوة حال الغرة والحداثة; والله أعلم بالصواب. # PageV02P211 ### | باب حد الأمة والعبد # قال الله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} . قال أبو بكر: قرئ فإذا أحصن" بفتح الألف, وقرئ بضم الألف "; ~~فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة أن: {أحصن} بالضم معناه ~~تزوجن. وعن # PageV02P211 ### | مطلب: إذا علقت الحكام بمعنان فحيث وجدت فالحكم ثابت # وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت, وعقلت الأمة من ذلك ~~أن العبد ms1310 بمثابتها; إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا من الظاهر وهو ~~الرق وهو موجود في العبد. وكذلك قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} ~~[النور: 4] خص المحصنات بالذكر وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه الآية ~~إذا قذفوا, إذ كان المعنى في المحصنة العفة والحرية والإسلام, فحكموا للرجل ~~بحكم النساء بالمعنى. وهذا يدل على أن الأحكام إذا علقت بمعان فحيثما وجدت ~~فالحكم ثابت حتى تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض. # PageV02P213 ### | فصل # قوله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن} يدل على جواز عطف ~~الواجب على الندب; لأن النكاح ندب ليس بفرض, وإيتاء المهر واجب; ونحوه قوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ثم قال: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] ويصح عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى: ~~{إن الله يأمر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] فالعدل واجب ~~والإحسان ندب. # قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك وعطية العوفي: هو الزنا. وقال آخرون: هو الضرر الشديد في دين ~~أودنيا, من قوله تعالى: {ودوا ما عنتم} [آل عمران: 118] . وقوله: {لمن خشي ~~العنت منكم} راجع إلى قوله: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} , ~~وهذا شرط إلى المندوب إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة ~~لئلا يكون ولده عبدا لغيره, فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو ~~مباح لا كراهة فيه لا في الفعل ولا في الترك. ثم عقب ذلك بقوله تعالى: {وأن ~~تصبروا خير لكم} فأبان عن موضع الندب, والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا; ~~فكانت دلالة الآية مقتضية لكراهية نكاح الأمة إذا لم يخش العنت, ومتى خشي ~~العنت فالنكاح مباح إذا لم تكن تحته حرة. والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي ~~العنت, لقوله: {وأن تصبروا خير لكم} . وإنما ندب الله تعالى إلى ترك نكاح ~~الأمة رأسا مع خوف العنت لأن الولد المولود على فراش النكاح # PageV02P213 ### | مطلب البيان من الله تعالى على وجهين # وقوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم ms1311 ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم} يعني والله أعلم: يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى معرفته. والبيان ~~من الله تعالى على وجهين: أحدهما بالنص والآخر بالدلالة, ولا تخلو حادثة ~~صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكم إما بنص وإما بدليل, وهو نظير قوله: {ثم ~~إن علينا بيانه} [القيامة:19] , وقوله: {هذا بيان للناس} [آل عمران: 138] , ~~وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] . # وقوله: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} من الناس من يقول: "إن هذا يدل على ~~أن ما حرمه علينا وبين لنا تحريمه من النساء في الآيتين اللتين قبل هذه ~~الآية كان محرما على الذين كانوا من قبلنا من أمم الأنبياء المتقدمين". ~~وقال آخرون: "لا دلالة فيه على اتفاق الشرائع وإنما معناه أنه يهديكم سنن ~~الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم وإن كانت ~~العبادات والشرائع مختلفة في أنفسها, إلا أنها وإن كانت مختلفة في أنفسها ~~فهي متفقة في باب المصالح". وقال آخرون: "يبين لكم سنن الذين من قبلكم من ~~أهل الحق وغيرهم لتجتنبوا الباطل وتحبوا الحق". # وقوله تعالى: {ويتوب عليكم} يدل على بطلان مذهب أهل الإجبار; لأنه أخبر ~~أنه يريد أن يتوب علينا, وزعم هؤلاء أنه يريد من المصرين الإصرار ولا يريد ~~منهم التوبة والاستغفار. # قوله تعالى: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} فقال قائلون: "المراد به كل ~~مبطل; لأنه يتبع شهوة نفسه فيما وافق الحق أو خالفه ولا يتبع الحق في ~~مخالفة الشهوة". وقال مجاهد: "أراد به الزنا". وقال السدي: "اليهود ~~والنصارى". # PageV02P214 # وقوله: {أن تميلوا ميلا عظيما} يعني به العدول عن الاستقامة بالاستكثار ~~من المعصية; وتكون إرادتهم للميل على أحد وجهين: إما لعداوتهم, أو للأنس ~~بهم والسكون إليهم في الإقامة على المعصية; فأخبر الله تعالى أن إرادته لنا ~~خلاف إرادة هؤلاء. وقد دلت الآية على أن القصد في اتباع الشهوة مذموم, إلا ~~أن يوافق الحق فيكون حينئذ غير مذموم في اتباع شهوته; إذ كان قصده اتباع ~~الحق. ولكن من كان هذا سبيله ms1312 لا يطلق عليه أنه متبع لشهوته; لأن مقصده فيه ~~اتباع الحق وافق شهوته أو خالفها. # قوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} . التخفيف هو ~~تسهيل التكليف وهو خلاف التثقيل وهو نظير قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] , وقوله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] , وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج} [الحج: 78] , وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] ; فنفى الضيق والثقل والحرج عنا في هذه ~~الآيات. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جئتكم بالحنيفية السمحة" ~~وذلك لأنه وإن حرم علينا ما ذكر تحريمه من النساء فقد أباح لنا غيرهن من ~~سائر النساء تارة بنكاح وتارة بملك يمين, وكذلك سائر المحرمات قد أباح لنا ~~من جنسها أضعاف ما حظر فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال. # PageV02P215 # مطلب: في معنى المراد من قول ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما ~~حرم عليكم" # وعلى هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم ~~فيما حرم عليكم" يعني أنه لم يقتصر بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة ~~وغنى عن المحرمات بما أباحه لنا من الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما ~~حرم في أمور دنيانا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ما خير بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما". # وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء ~~وسوغوا فيه الاجتهاد, وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن ~~الله يكلف العباد ما لا يطيقون; لإخباره بأنه يريد التخفيف عنا, وتكليف ما ~~لا يطاق غاية التثقيل, والله أعلم بمعاني كتابه. # PageV02P215 # باب التجارات وخيار البيع # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} . قال أبو بكر: قد انتظم هذا العموم النهي ~~عن أكل مال الغير # PageV02P215 # بالباطل وأكل مال ms1313 نفسه بالباطل وذلك لأن قوله تعالى: {أموالكم} يقع على ~~مال الغير ومال نفسه, كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} قد اقتضى النهي عن ~~قتل غيره وقتل نفسه; فكذلك قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ~~نهي لكل أحد عن أكل مال نفسه ومال غيره بالباطل. وأكل مال نفسه بالباطل ~~إنفاقه في معاصي الله; وأكل مال الغير بالباطل قد قيل فيه وجهان: أحدهما: ~~ما قال السدي وهو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم, وقال ابن عباس ~~والحسن: أن يأكله بغير عوض, فلما نزلت هذه الآية كان الرجل يتحرج أن يأكل ~~عند أحد من الناس إلى أن نسخ ذلك بالآية التي في النور: {ليس على الأعمى ~~حرج} [الفتح: 17] إلى قوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} ~~[النور: 61] الآية. قال أبو بكر: يشبه أن يكون مراد ابن عباس والحسن أن ~~الناس تحرجوا بعد نزول الآية أن يأكلوا عند أحد لا على أن الآية أوجبت ذلك; ~~لأن الهبات والصدقات لم تكن محظورة قط بهذه الآية, وكذلك الأكل عند غيره ~~اللهم إلا أن يكون المراد الأكل عند غيره بغير إذنه, فهذا لعمري قد تناولته ~~الآية. وقد روى الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال: "هي محكمة ما نسخت ولا ~~تنسخ إلى يوم القيامة" وروى الربيع عن الحسن قال: "ما نسخها شيء من ~~القرآن". # ونظير ما اقتضته الآية من النهي عن أكل مال الغير قوله تعالى: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] , وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". وعلى ~~أن النهي عن أكل مال الغير معقود بصفة, وهو أن يأكله بالباطل; وقد تضمن ذلك ~~أكل أبدال العقود الفاسدة كأثمان البياعات الفاسدة, وكمن اشترى شيئا من ~~المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به نحو البيض والجوز, فيكون أكل ثمنه أكل مال ~~بالباطل; وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقرد والخنزير والذباب ~~والزنابير وسائر ما لا منفعة فيه, فالانتفاع بأثمان جميع ms1314 ذلك أكل مال ~~بالباطل, وكذلك أجرة النائحة والمغنية, وكذلك ثمن الميتة والخمر والخنزير. ~~وهذا يدل على أن من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه وعليه ~~رده إلى مشتريه, وكذلك قال أصحابنا إنه إذا تصرف فيه فربح فيه وقد كان عقد ~~عليه بعينة1 وقبضه أن عليه أن يتصدق به; لأنه ربح حصل له من وجه محظور; ~~وقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} منتظم لهذه المعاني كلها ~~ونظائرها من العقود المحرمة. # فإن قيل: هل اقتضى ظاهر الآية تحريم أكل الهبات والصدقات والإباحة للمال ~~من PageV02P216 # صاحبه؟ قيل له: كل ما أباحه الله تعالى من العقود وأطلقه من جواز أكل مال ~~الغير بإباحته إياه فخارج عن حكم الآية; لأن الحظر في أكل المال مقيد ~~بشريطة وهي أن يكون أكل مال بالباطل, وما أباحه الله تعالى وأحله فليس ~~بباطل بل هو حق; فنحتاج أن ننظر إلى السبب الذي يستبيح أكل هذا المال, فإن ~~كان مباحا فليس بباطل ولم تتناوله الآية, وإن كان محظورا فقد اقتضته الآية. # وأما قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} اقتضى إباحة سائر ~~التجارات الواقعة عن تراض. والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود ~~بها طلب الأرباح قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله} [الصف: 10, 11] فسمى الإيمان ~~تجارة على وجه المجاز تشبيها بالتجارات المقصود بها الأرباح. وقال تعالى: ~~{يرجون تجارة لن تبور} [فاطر: 29] . كما سمى بذل النفوس لجهاد أعداء الله ~~تعالى شرى, قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله} [التوبة: 111] فسمى بذل النفوس شراء ~~على وجه المجاز. وقال الله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة ~~من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] فسمى ذلك ~~بيعا وشراء على وجه المجاز تشبيها بعقود الأشربة والبياعات التي تحصل بها ~~الأعواض. كذلك سمى الإيمان بالله تعالى تجارة لما استحق به ms1315 من الثواب ~~الجزيل والأبدال الجسيمة, فتدخل في قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} عقود البياعات والإجارات والهبات المشروطة فيها الأعواض; لأن المبتغى ~~في جميع ذلك في عادات الناس تحصيل الأعواض لا غير. # ولا يسمى النكاح تجارة في العرف والعادة, إذ ليس المبتغى منه في الأكثر ~~الأعم تحصيل العوض الذي هو مهر, وإنما المبتغى فيه أحوال الزوج من الصلاح ~~والعقل والدين والشرف والجاه ونحو ذلك, فلم يسم تجارة لهذا المعنى; وكذلك ~~الخلع والعتق على مال ليس يكاد يسمى شيء من ذلك تجارة. ولما ذكرنا من ~~اختصاص اسم التجارة بما وصفنا, قال أبو حنيفة ومحمد: "إن المأذون له في ~~التجارة لا يزوج أمته وعبده ولا يكاتب ولا يعتق على مال ولا يتزوج هو أيضا ~~وإن كانت أمة لا تزوج نفسها; لأن تصرفه مقصور على التجارة وليست هذه العقود ~~من التجارة"; وقالوا: "إنه يؤاجر نفسه وعبيده وما في يده من أموال التجارة; ~~إذ كانت الإجارة من التجارة"; وكذلك قالوا في المضارب وشريك العنان; لأن ~~تصرفهما مقصور على التجارة دون غيرها. ولم يختلف الناس أن البيوع من ~~التجارات. # PageV02P217 # واختلف أهل العلم في لفظ البيع كيف هو, قال أصحابنا: "إذا قال الرجل بعني ~~عبدك هذا بألف درهم فقال قد بعتك لم يقع البيع حتى يقبل الأول" ولا يصح ~~عندهم إيجاب البيع ولا قبوله إلا بلفظ الماضي, ولا يقع بلفظ الاستقبال لأن ~~قوله" بعني" إنما هو سوم وأمر بالبيع وليس بإيقاع للعقد, والأمر بالبيع ليس ~~ببيع. وكذلك قوله: "أشتري منك" ليس بشرى وإنما هو إخبار بأنه يشتريه; لأن ~~الألف للاستقبال. وكذلك قول البائع" اشتر مني" وقوله: "أبيعك" ليس ذلك بلفظ ~~العقد, وإنما هو إخبار بأنه سيعقد أو أمر به. وقالوا في النكاح: "القياس أن ~~يكون مثله" إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إذا قال: "زوجني بنتك" فقال: "قد ~~زوجتك" أنه يكون نكاحا ولا يحتاج الزوج بعد ذلك إلى قبول, لحديث سهل بن سعد ~~في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ms1316 يقبلها, فقال ~~له رجل: زوجنيها فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يعطيها, إلى أن قال ~~له: "زوجتكها بما معك من القرآن" فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ~~"زوجنيها" مع قوله: "زوجتكها" عقدا واقعا; ولأخبار أخر قد رويت في ذلك; ~~ولأنه ليس المقصد في النكاح الدخول فيه على وجه المساومة, والعادة في مثله ~~أنهم لا يفرقون فيه بين قوله: "زوجني" وبين قوله: "قد زوجتك" فلما جرت ~~العادة في النكاح بما وصفنا كان قوله: "قد تزوجتك" وقوله: "زوجيني نفسك" ~~سواء. # ولما كانت العادة في البيع دخولهم فيه على وجه السوم بديا كان ذلك سوما ~~ولم يكن عقدا, فحملوه على القياس. وقد قال أصحابنا فيما جرت به العادة ~~بأنهم يريدون به إيجاب التمليك وإيقاع العقد إنه يقع به العقد, وهو أن ~~يساومه على شيء ثم يزن له الدراهم ويأخذ المبيع, فجعلوا ذلك عقدا لوقوع ~~تراضيهما به وتسليم كل واحد منهما إلى صاحبه ما طلبه منه وذلك لأن جريان ~~العادة بالشيء كالنطق به; إذ كان المقصد من القول الإخبار عن الضمير ~~والاعتقاد فإذا علم ذلك بالعادة مع التسليم للمعقود عليه أجروا ذلك مجرى ~~العقد, وكما يهدي الإنسان لغيره فيقبضه فيكون قبولا للهبة; ونحر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بدنات ثم قال: "من شاء فليقتطع" فقام الاقتطاع في ذلك مقام ~~القبول للهبة في إيجاب التمليك. فهذه الوجوه التي ذكرناها هي طرق التراضي ~~المشروط في قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} . # وقال مالك بن أنس: إذا قال: "بعني هذا بكذا" فقال: "قد بعتك" فقد تم ~~البيع. وقال الشافعي: لا يصح النكاح حتى يقول: "قد زوجتكها" ويقول الآخر: ~~"قد قبلت تزويجها" أو يقول الخاطب: "زوجنيها" ويقول الولي: "قد زوجتكها" ~~فلا يحتاج في هذا إلى قول الزوج قد قبلت. # PageV02P218 # فإن قيل على ما ذكرنا من قول أصحابنا في المتساومين إذا تساوما على ~~السلعة ثم وزن المشتري الثمن وسلمه إليه وسلم البائع السلعة إليه أن ذلك ~~بيع وهو تجارة عن تراض, غير جائز أن يكون ms1317 هذا بيعا; لأن لعقد البيع صيغة ~~وهي الإيجاب والقبول بالقول, وذلك معدوم فيما وصفت; وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أنه نهى عن بيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة وما ~~ذكرتموه في معنى هذه البياعات التي أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~لوقوعها بغير لفظ البيع. قيل له: ليس هذا كما ظننت, وليس ما أجازه أصحابنا ~~مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن بيع الملامسة هو وقوع العقد ~~باللمس والمنابذة وقوع العقد بنبذه إليه, وكذلك بيع الحصاة هو أن يضع عليه ~~حصاة; فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع البيع, فهذه بيوع معقودة على ~~المخاطرة ولا تعلق لهذه الأسباب التي علقوا وقوع البيع بها بعقد البيع. ~~وأما ما أجازه أصحابنا فهو أن يتساوما على ثمن يقف البيع عليه ثم يزن له ~~المشتري الثمن ويسلم البائع إليه المبيع, وتسليم المبيع والثمن من حقوق ~~البيع وأحكامه, فلما فعلا موجب العقد من التسليم صار ذلك رضى منهما بما وقف ~~عليه العقد من السوم ولمس الثوب ووضع الحصاة ونبذه ليس من موجبات العقد ولا ~~من أحكامه, فصار العقد معلقا على خطر فلا يجوز, وصار ذلك أصلا في امتناع ~~وقوع البياعات على الأخطار, وذلك أن يقول: "بعتكه إذا قدم زيد وإذا جاء غد" ~~ونحو ذلك. # وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} عموم في إطلاق سائر ~~التجارات وإباحتها, وهو كقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] في ~~اقتضاء عمومه, لإباحة سائر البيوع إلا ما خصه التحريم; لأن اسم التجارة أعم ~~من اسم البيع لأن اسم التجارة ينتظم عقود الإجارات والهبات الواقعة على ~~الأعواض والبياعات. فيضمن قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ~~معنيين: أحدهما: نهي معقود بشريطة محتاجة إلى بيان في إيجاب حكمه, وهو قوله ~~تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} لأنه يحتاج إلى أن يثبت أنه أكل ~~مال باطل حتى يتناوله حكم اللفظ. والمعنى الثاني: إطلاق سائر التجارات, وهو ~~عموم في جميعها لا إجمال فيه ولا شريطة, فلو خلينا وظاهره ms1318 لأجزنا سائر ما ~~يسمى تجارة, إلا أن الله تعالى قد خص منها أشياء بنص الكتاب وأشياء بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فالخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ~~المحرمات في الكتاب لا يجوز بيعها لأن إطلاق لفظ التحريم يقتضي سائر وجوه ~~الانتفاع, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" وقال في الخمر: "إن الذي حرمها حرم بيعها ~~وأكل ثمنها" ولعن بائعها ومشتريها. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع الغرر وبيع العبد الآبق وبيع ما لم يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان # PageV02P219 # ونحوها من البياعات المجهولة والمعقودة على غرر, جميع ذلك مخصوص من ظاهر ~~قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} . # وقد قرئ قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} بالنصب والرفع, فمن ~~قرأها بالنصب كان تقديره: إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض, فتكون ~~التجارة الواقعة عن تراض مستثناة من النهي عن أكل المال; إذ كان أكل المال ~~بالباطل قد يكون من جهة التجارة ومن غير جهة التجارة, فاستثنى التجارة من ~~الجملة وبين أنها ليست أكل المال بالباطل. ومن قرأها بالرفع كان تقديره: ~~إلا أن تقع تجارة, كقول الشاعر: # فدى لبني شيبان رحلي وناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # يعني: إذا حدث يوم كذلك. # وإذا كان معناه على هذا كان النهي عن أكل المال بالباطل على إطلاقه لم ~~يستثن منه شيء, وكان ذلك استثناء منقطعا بمنزلة: لكن إن وقعت تجارة عن تراض ~~فهو مباح. # وقد دلت هذه الآية على بطلان قول القائلين بتحريم المكاسب لإباحة الله ~~التجارة الواقعة عن تراض, ونحوه قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: ~~275] وقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله} [الجمعة: 10] وقوله تعالى {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] , فذكر الضرب في الأرض ~~للتجارة وطلب المعاش مع الجهاد في سبيل الله, فدل ذلك على أنه مندوب إليه; ms1319 ~~والله تعالى أعلم وبالله التوفيق. # PageV02P220 # باب خيار المتبايعين # اختلف أهل العلم في خيار المتبايعين, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد ومالك بن أنس: "إذا عقد بيع بكلام فلا خيار لهما وإن ~~لم يتفرقا" وروي نحوه عن عمر بن الخطاب. وقال الثوري والليث وعبيد الله بن ~~الحسن والشافعي: "إذا عقدا فهما بالخيار ما لم يتفرقا". وقال الأوزاعي: ~~"هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا في بيوع ثلاثة: بيع مزايدة الغنائم والشركة ~~في الميراث والشركة في التجارة, فإذا صافقه فقد وجب وليسا فيه بالخيار". ~~ووقت الفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه; وقال الليث: "التفرق أن ~~يقوم أحدهما". وكل من أوجب الخيار يقول: إذا خيره في المجلس فاختار فقد وجب ~~البيع. وروي خيار المجلس عن ابن عمر. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن # PageV02P220 # تراض منكم} يقتضي جواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل الافتراق, إن كانت ~~التجارة إنما هي الإيجاب والقبول في عقد البيع, وليس التفرق والاجتماع من ~~التجارة في شيء ولا يسمى ذلك تجارة في شرع ولا لغة, فإذا كان الله قد أباح ~~أكل ما اشترى بعد وقوع التجارة عن تراض فمانع ذلك بإيجاب الخيار خارج عن ~~ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة1] , فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على ~~نفسه وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما على نفسه فيلزمه الوفاء به; وفي إثبات ~~الخيار نفي للزوم الوفاء به وذلك خلاف مقتضى الآية. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] إلى قوله ~~تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] , ثم أمر عند عدم الشهود بأخذ ~~الرهن وثيقة بالثمن, وذلك مأمور به عند عقده البيع قبل التفرق; لأنه قال ~~تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] فأمر ms1320 ~~بالكتابة عند عقده المداينة, وأمر بالكتابة بالعدل, وأمر الذي عليه الدين ~~بالإملاء; وفي ذلك دليل على أن عقده المداينة قد أثبت الدين عليه بقوله ~~تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: ~~282] فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه قبل الافتراق لما قال: ~~{وليملل الذي عليه الحق} [البقرة: 282] , ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء ~~عليه; لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته, وفي إيجاب الله ~~تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} ~~[البقرة: 282] دليل على نفي الخيار وإيجاب البتات. ثم قال تعالى: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] تحصينا للمال واحتياطا للبائع ~~من جحود المطلوب أو موته قبل أدائه. ثم قال تعالى: {ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ~~ترتابوا} [البقرة: 282] , ولو كان لهما الخيار قبل الفرقة لم يكن في ~~الإشهاد احتياط ولا كان أقوم للشهادة; إذ لا يمكن للشاهد إقامة الشهادة ~~بثبوت المال. ثم قال: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] و"إذا" هي ~~للوقت, فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة, ثم ~~أمر برهن مقبوض في السفر بدلا من الاحتياط بالإشهاد في الحضر. وفي إثبات ~~الخيار إبطال الرهن إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد, فدلت الآية ~~بما تضمنته من الأمر بالإشهاد على عقد المداينة وعلى التبايع والاحتياط في ~~تحصين المال تارة بالإشهاد وتارة بالرهن أن العقد قد أوجب ملك المبيع ~~للمشتري وملك الثمن للبائع بغير خيار لهما; إذ كان إثبات الخيار نافيا ~~لمعاني الإشهاد والرهن ونافيا لصحة الإقرار بالدين. # PageV02P221 # فإن قيل: الأمر بالإشهاد والرهن ينصرف إلى أحد المعنيين: إما أن يكون ~~الشهود حاضرين العقد ويفترقان بحضرتهم فتصح حينئذ شهادتهم على صحة البيع ~~ولزوم الثمن, وإما أن يتعاقدا فيما بينهما عقد مداينة ثم يفترقان ويقران ~~عند الشهود بعد ذلك فيشهد الشهود على إقرارهما به أو يرهنه بالدين رهنا ~~فيصح. قيل له: أول ms1321 ما في ذلك أن الوجهين جميعا خلاف الآية وفيهما إبطال ما ~~تضمنته من الاحتياط بالإشهاد والرهن وذلك لأن الله تعالى قال: {إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] إلى قوله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين} [البقرة: 282] , فأمر بالإشهاد على عقد المداينة عند وقوعه بلا ~~تراخ احتياطا لهما, وزعمت أنت أنه يشهد بعد الافتراق, وجائز أن تهلك السلعة ~~قبل الافتراق فيبطل الدين, أو يجحده إلى أن يفترقا ويشهدا, وجائز أن يموت ~~فلا يصل البائع إلى تحصين ماله بالإشهاد, وقال الله تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] فندب إلى الإشهاد على التبايع عند وقوعه, ولم يقل: ~~"إذا تبايعتم وتفرقتم" وموجب الخيار مثبت في الآية من التفرق ما ليس فيها, ~~وغير جائز أن يزاد في حكم الآية ما ليس فيها. وإن تركا الإشهاد إلى بعد ~~الافتراق كان في ذلك ترك الاحتياط الذي من أجله ندب إلى الإشهاد, وعسى أن ~~يموت المشتري قبل الإشهاد أو يجحده فيصير حينئذ إيجاب الخيار مسقطا لمعنى ~~الاحتياط وتحصين المال بالإشهاد, وفي ذلك دليل على وقوع البيع بالإيجاب ~~والقبول بتاتا لا خيار فيه لواحد منهما. # فإن قيل: فلو شرطا في البيع ثبوت الخيار لثلاث كان الإشهاد عليه صحيحا مع ~~شرط الخيار, ولم يكن ما تلوت من آية الدين وكتب الكتاب والإشهاد والرهن ~~مانعا وقوعه على شرط الخيار وصحة الإشهاد عليه, فكذلك إثبات خيار المجلس لا ~~ينفي صحة الشهادة والرهن. قيل له: الآية بما فيها من الإشهاد لم تتضمن ~~البيع المشروط فيه الخيار وإنما تضمنت بيعا باتا, وإنما أجزنا شرط الخيار ~~بدلالة خصصناه بها من جملة ما تضمنته الآية في المداينات واستعملنا حكمها ~~في البياعات العارية من شرط الخيار, فليس فيما أجزنا من البيع المعقود على ~~شرط الخيار ما يمنع استعمال حكم الآية بما انتظمته من الاحتياط بالإشهاد ~~والرهن وصحة إقرار العاقد في البياعات التي لم يشرط فيها خيار, والبيع ~~المعقود على شرط الخيار خارج عن حكم الآية غير مراد بها لما وصفنا حتى يسقط ~~الخيار ويتم البيع, فحينئذ يكونان مندوبين إلى ms1322 الإشهاد على الإقرار دون ~~التبايع; ولو أثبتنا الخيار في كل بيع وتم البيع على حسب ما يذهب إليه ~~مخالفونا لم يبق للآية موضع يستعمل فيه حكمها على حسب مقتضاها وموجبها. ~~وأيضا فإن إثبات الخيار إنما يكون مع عدم الرضى بالبيع ليرتئي في إبرام ~~البيع أو فسخه, فإذا تعاقدا عقد البيع من غير شرط # PageV02P222 # الخيار فكل واحد منهما راض بتمليك ما عقد عليه لصاحبه, فلا معنى لإثبات ~~الخيار فيه مع وجود الرضى به, ووجود الرضى مانع من الخيار ألا ترى أنه لا ~~خلاف بين المثبتين لخيار المجلس أنه إذا قال لصاحبه "اختر" فاختاره ورضي به ~~أن ذلك مبطل لخيارهما؟ وليس في ذلك أكثر من رضاهما بإمضاء البيع, والرضى ~~موجود منهما بنفس المعاقدة, فلا يحتاجان إلى رضى ثان; لأنه لو جاز أن يشترط ~~بعد رضاهما به بديا بالعقد رضى آخر لجاز أن يشترط رضى ثان وثالث, وكان لا ~~يمنع رضاهما به من إثبات خيار ثالث ورابع, فلما بطل هذا صح أن رضاهما ~~بالبيع هو إبطال للخيار وإتمام للبيع. وإنما صح خيار الشرط في البيع لأنه ~~لم يوجد من المشروط له الخيار رضى بإخراج شيئه من ملكه حين شرط لنفسه ~~الخيار, ومن أجل ذلك جاز إثبات الخيار فيه. # فإن قيل: فأنت قد أثبت خيار الرؤية وخيار العيب مع وجود الرضى بالبيع, ~~ولم يمنع رضاهما من إثبات الخيار على هذا الوجه, فكذلك لا يمنع رضاهما به ~~من إثبات خيار المجلس. قيل له: ليس خيار الرؤية وخيار العيب من خيار المجلس ~~في شيء; وذلك لأن خيار الرؤية لا يمنع وقوع الملك لكل واحد منهما فيما عقد ~~له صاحبه من جهته لوجود الرضى من كل واحد منهما به, فليس لهذا الخيار تأثير ~~في نفي الملك, بل الملك واقع مع وجود الخيار لأجل وجود الرضى من كل واحد ~~منهما به, وخيار المجلس على وقوع القائلين به مانع من وقوع الملك لكل واحد ~~منهما فيما ملكه إياه صاحبه مع وجود الرضى من كل واحد منهما بتمليكه إياه, ~~ولا ms1323 فرق بين الرضى به بديا بإيجابه له العقد وبينه إذا قال: "قد رضيت ~~فاختر" ورضي به صاحبه; فلا فرق بين البيع فيما فيه خيار الرؤية وخيار العيب ~~وبين ما ليس فيه واحد من الخيارين في باب وقوع الملك به, وإنما يختلفان بعد ~~ذلك في خيار غير ناف للملك, وإنما هو لأجل جهالة صفات المبيع عنده أو لفوت ~~جزء منه موجب له بالعقد. # ويدل على أن الرضى بالعقد هو الموجب للملك اتفاق الجميع على وقوع الملك ~~لكل واحد منهما بعد الافتراق وبطلان الخيار به, وقد علمنا أنه ليس في ~~الفرقة دلالة على الرضى ولا على نفيه; لأن حكم الفرقة والبقاء في المجلس ~~سواء في نفي دلالته على الرضى, فعلمنا أن الملك إنما وقع بالرضى بديا ~~بالعقد لا بالفرقة. وأيضا فإنه ليس في الأصول فرقة يتعلق بها تمليك وتصحيح ~~العقد, بل في الأصول أن الفرقة إنما تؤثر في فسخ كثير من العقود, من ذلك ~~الفرقة عن عقد الصرف قبل القبض وعن السلم قبل القبض لرأس المال وعن الدين ~~قبل تعيين أحدهما, فلما وجدنا الفرقة في الأصول في كثير من العقود إنما ~~تأثيرها في إبطال العقد دون جوازه ولم نجد في الأصول فرقة # PageV02P223 # مؤثرة في تصحيح العقد وجوازه ثبت أن اعتبار خيار المجلس ووقوع الفرقة في ~~تصحيح العقد خارج عن الأصول مع ما فيه من مخالفة ظاهر الكتاب. وأيضا قد ثبت ~~بالسنة واتفاق الأمة أن من شرط صحة عقد الصرف افتراقهما عن مجلس العقد عن ~~قبض صحيح, فإن كان خيار المجلس ثابتا في عقد الصرف مع التقابض والعقد لم ~~يتم ما بقي الخيار, فإذا افترقا لم يجز أن يصح بالافتراق ما من شأنه أن ~~يبطله الافتراق قبل صحته, فإذا كانا قد افترقا عنه ولما يصح بعد لم يجز أن ~~يصح بالافتراق فيكون الموجب لصحته هو الموجب لبطلانه. ويدل على نفي خيار ~~المجلس قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه" فأحل له المال بطيبة من نفسه, ms1324 وقد وجد ذلك بعقد البيع, فوجب بمقتضى ~~الخبر أن يحل له; ودلالة الخبر على ذلك كدلالة قوله تعالى: {إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم} . ويدل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ~~الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري, فأباح بيعه إذا جرى ~~فيه الصاعان ولم يشترط فيه الافتراق, فوجب على ذلك أن يجوز بيعه إذا اكتاله ~~من بائعه في المجلس الذي تعاقدا فيه; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ~~ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" فلما أجاز بيعه بعد القبض ولم يشرط فيه ~~الافتراق, فوجب بقضية الخبر أنه إذا قبضه في المجلس أن يجوز بيعه, وذلك ~~ينفي خيار البائع لأن ما للبائع فيه خيار لا يجوز تصرف المشتري فيه. ويدل ~~عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدا وله مال فماله ~~للبائع إلا أن يشترط المبتاع, ومن باع نخلا وله ثمرة فثمرته للبائع إلا أن ~~يشترط المبتاع" , فجعل الثمرة ومال العبد للمشتري بالشرط من غير ذكر ~~التفريق, ومحال أن يملكها المشتري قبل ملك الأصل المعقود عليه; فدل ذلك على ~~وقوع الملك للمشتري بنفس العقد. ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث أبي هريرة: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه"; ~~واتفق الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى استئناف عتق بعد الشرى, وأنه متى صح له ~~الملك عتق عليه, فالنبي صلى الله عليه وسلم أوجب عتقه بالشرى من غير شرط ~~الفرقة. ويدل عليه من جهة النظر أن المجلس قد يطول ويقصر, فلو علقنا وقوع ~~الملك على خيار المجلس لأوجب بطلانه لجهالة مدة الخيار الذي علق عليه وقوع ~~الملك, ألا ترى أنه لو باعه بيعا باتا وشرطا الخيار لهما بمقدار قعود فلان ~~في مجلسه كان البيع باطلا لجهالة مدة الخيار الذي تعلقت عليه صحة العقد؟ # واحتج القائلون بخيار المجلس بما روي عن ابن عمر وأبي برزة وحكيم بن حزام ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms1325 قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا". ~~وروي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تبايع ~~المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بائعه ما لم # PageV02P224 # يفترقا أو يكون بيعهما عن خيار فإذا كان عن خيار فقد وجب" وكان ابن عمر ~~إذا بايع الرجل ولم يخيره وأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع. فاحتج ~~القائلون بهذه المقالة بظاهر قوله: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا" وابن ~~عمر هو راوي الحديث, وقد عقل من مراد النبي صلى الله عليه وسلم فرقة ~~الأبدان. # قال أبو بكر: فأما ما روي من فعل ابن عمر فلا دلالة فيه على أنه من مذهبه ~~لأنه جائز أن يكون خاف أن يكون بائعه ممن يرى الخيار في المجلس فيحذر منه ~~بذلك حذرا مما لحقه في البراءة من العيوب, حتى خوصم إلى عثمان فحمله على ~~خلاف رأيه ولم يجز البراءة إلا أن يبينه لمبتاعه. وقد روي عن ابن عمر ما ~~يدل على موافقته, وهو ما روى ابن شهاب عن حمزة بن عبد الله عن أبيه قال: ~~"ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع", وهذا يدل على أنه يرى أن المبيع ~~كان يدخل في ملك المشتري بالصفقة ويخرج عن ملك البائع, وذلك ينفي الخيار. # PageV02P225 # مطلب: في قوله عليه السلام: "المتبايعان بالخيار" # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا", وفي ~~بعض الألفاظ: "البائعان بالخيار ما لم يفترقا", فإن حقيقته تقتضي حال ~~التبايع وهي حال السوم, فإذا أبرما البيع وتراضيا فقد وقع البيع, فليسا ~~متبايعين في هذه الحال في الحقيقة كما أن المتضاربين والمتقايلين إنما ~~يلحقهما هذا الاسم في حال التضارب والتقايل, وبعد انقضاء الفعل لا يسميان ~~به على الإطلاق وإنما يقال كانا متقايلين ومتضاربين; وإذا كانت حقيقة معنى ~~اللفظ ما وصفنا لم يصح الاستدلال في موضع الخلاف به. # فإن قيل: هذا التأويل يودي إلى إسقاط فائدة الخبر; لأنه غير مشكل على أحد ~~أن المتساومين قبل وجود التراضي بالعقد ms1326 هما على خيارهما في إيقاع العقد أو ~~تركه. قيل له: بل فيه أعظم الفوائد, وهو أنه قد كان جائزا أن يظن ظان أن ~~البائع إذا قال للمشتري "قد بعتك" أن لا يكون له رجوع فيه قبل قبول ~~المشتري, كالعتق على مال والخلع على مال أنه ليس للمولى ولا للزوج الرجوع ~~فيه قبل قبول العبد والمرأة; فأبان النبي صلى الله عليه وسلم حكم البيع في ~~إثبات الخيار لكل واحد منهما في الرجوع قبل قبول الآخر وأنه مفارق للعتق ~~والخلع. # فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى المتساومان متبايعين قبل وقوع العقد بينهما؟ ~~قيل له: جائز إذا قصدا إلى البيع بإظهار السوم فيه كما نسمي القاصدين إلى ~~القتل متقاتلين وإن لم يقع منهما قتل بعد, وكما قيل لولد إبراهيم عليه ~~السلام المأمور بذبحه: الذبيح # PageV02P225 # لقربه من الذبح وإن لم يذبح; وقال تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] والمعنى فيه مقاربة البلوغ ألا ترى ~~أنه قال في آية أخرى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} ~~[البقرة: 232] وأراد به حقيقة البلوغ. فجائز على هذا أن يسمى المتساومان ~~متبايعين إذا قصدا إيقاع العقد على النحو الذي بينا, والذي لا يختل على أحد ~~أنهما بعد وقوع البيع منهما لا يسميان متبايعين على الحقيقة كسائر الأفعال ~~إذا انقضت زال عن فاعليها الأسماء المشتقة لها من أفعالهم, إلا في أسماء ~~المدح والذم على ما بينا في صدر هذا الكتاب; وإنما يقال كانا متبايعين ~~وكانا متقايلين وكانا متضاربين. # ويدل على أن هذا الاسم ليس بحقيقة لهما بعد إيقاع العقد أنه قد يصح منهما ~~الإقالة والفسخ بعد العقد وهما في الحقيقة متقايلان في حال فعل الإقالة, ~~وغير جائز أن يكونا متقايلين متفاسخين ومتبايعين في حال واحدة, فدل ذلك على ~~أن إطلاق اسم المتبايعين عليهما إنما يتناول حال السوم وإيقاع العقد حقيقة, ~~وأن هذا الاسم إنما يلحقهما بعد انقضاء العقد على معنى أنهما كانا متبايعين ~~وذلك مجاز, وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على الحقيقة وهي حال ms1327 التبايع, وهو ~~أن يقول: "قد بعتك" فأطلق اسم البيع من قبل نفسه قبل قبول الآخر, فهذه هي ~~الحال التي هما متبايعان فيها وهي حال ثبوت الخيار لكل واحد منهما. فللبائع ~~الخيار في الفسخ قبل قبول الآخر وللمشتري الخيار في القبول قبل الافتراق. ~~ويدلك على أن المراد هذه الحال قوله: "المتبايعان" وإنما البائع أحدهما وهو ~~صاحب السلعة, فكأنه قال: إذا قال البائع قد بعت فهما بالخيار قبل الافتراق; ~~لأنه معلوم أن المشتري ليس ببائع, فثبت أن المراد: إذا باع البائع قبل قبول ~~المشتري. # وقد اختلف الفقهاء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان ~~بالخيار ما لم يفترقا" فروي عن محمد بن الحسن أن معناه: إذا قال البائع قد ~~بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قبلت, قال: وهو قول أبي حنيفة. وعن أبي ~~يوسف: "هما المتساويان, فإذا قال بعتك بعشرة فللمشتري خيار القبول في ~~المجلس وللبائع خيار الرجوع فيه قبل قبول المشتري, ومتى قام أحدهما قبل ~~قبول البيع بطل الخيار الذي كان لهما ولم تكن لواحد منهما إجازته". فحمله ~~محمد على الافتراق بالقول وذلك سائغ, قال الله تعالى: {وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة:4] , ويقال: تشاور ~~القوم في كذا فافترقوا عن كذا, يراد به الاجتماع على قول والرضى به وإن ~~كانوا مجتمعين في المجلس. ويدل على أن المراد الافتراق بالقول, ما حدثنا ~~محمد بن بكر البصري قال: # PageV02P226 # حدثنا أبو داود قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص, أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار, ~~ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". وقوله: "المتبايعان بالخيار ~~ما لم يتفرقا" هو على الافتراق بالقول ألا ترى أنه قال: "ولا يحل له أن ~~يفارقه خشية أن يستقيله"؟ وهذا هو افتراق الأبدان بعد الافتراق بالقول وصحة ~~وقوع العقد به, ms1328 والاستقالة هو مسألة الإقالة; وهذا يدل من وجهين على نفي ~~الخيار بعد وقوع العقد: أحدهما: أنه لو كان له خيار المجلس لما احتاج إلى ~~أن يسأله الإقالة بل كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه, والثاني: أن ~~الإقالة لا تكون إلا بعد صحة العقد وحصول ملك كل واحد منهما فيما عقد عليه ~~من قبل صاحبه, فهذا أيضا يدل على نفي الخيار وصحة البيع. وقوله: "ولا يحل ~~له أن يفارقه" يدل على أنه مندوب إلى إقالته إذا سأله إياها ما داما في ~~المجلس مكروه له أن لا يجيبه إليها, وأن حكمه في ذلك بعد الافتراق مخالف له ~~إذا لم يفارقه في أنه لا يكره له ترك إجابته إلى الإقالة بعد الفرقة ويكره ~~له قبلها. ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن أحمد ~~الأزدي قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة قال: حدثنا هشيم عن يحيى ~~بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"البيعان لا بيع بينهما إلا أن يفترقا إلا بيع الخيار". وحدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز بن ~~مسلم القسملي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يفترقا" , فأخبر عليه السلام أن كل ~~بيعين لا بيع بينهما إلا بعد الافتراق, وهذا يدل على أنه أراد بنفيه البيع ~~بينهما في حال السوم وذلك لأنهما لو كانا قد تبايعا لم ينف النبي صلى الله ~~عليه وسلم تبايعهما مع صحة العقد ووقوعه فيما بينهما; لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ينفي ما قد أثبت; فعلمنا أن المراد المتساومان اللذان قد قصدا ~~إلى التبايع وأوجب البائع البيع للمشتري وقصد المشتري إلى شرائه منه بأن ~~قال له "بعني" فنفى أن يكون بينهما بيع حتى يفترقا بالقول والقبول; إذ لم ~~يكن قوله "بعني" قبولا للعقد ولا ms1329 من ألفاظ البيع وإنما هو أمر به, فإذا قال ~~"قد قبلت" وقع البيع; فهذا هو الافتراق الذي أراده النبي صلى الله عليه ~~وسلم على القول الذي قدمنا ذكر نظائره في إطلاق ذلك في اللسان. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم عن نفيه البيع ~~حال إيقاع البيع بالإيجاب والقبول؟ وإنما نفى أن يكون بينهما بيع لما لهما ~~فيه من خيار المجلس. قيل له: هذا غلط, من قبل أن ثبوت الخيار لا يوجب نفي ~~اسم البيع عنه ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت بينهما البيع ~~إذا شرطا فيه الخيار بعد الافتراق ولم يكن ثبوت الخيار فيه # PageV02P227 # موجبا لنفي اسم البيع عنه; لأنه قال: "كل بيعين فلا بيع بينهما حتى ~~يفترقا إلا بيع الخيار"؟ فجعل بيع الخيار بيعا, فلو أراد بقوله: "كل بيعين ~~فلا بيع بينهما حتى يفترقا" حال وقوع الإيجاب والقبول لما نفى البيع بينهما ~~لأجل خيار المجلس كما لم ينفه إذا كان فيه خيار مشروط بل أثبته وجعله بيعا; ~~فدل ذلك على أن قوله: "كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا" إنما أراد به ~~المتساويين في البيع. وأفاد ذلك أن قوله: "اشتر مني" أو قول المشتري "بعني" ~~ليس ببيع حتى يفترقا بأن يقول البائع "قد بعت" ويقول المشتري "قد اشتريت" ~~فيكونا قد افترقا وتم البيع, ووجب أن لا يكون فيه خيار مشروط فيكون ذلك ~~بيعا, وإن لم يفترقا بأبدانهما بعد حصول الافتراق فيهما بالإيجاب والقبول. ~~وأكثر أحوال ما روي من قوله: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا" احتماله ~~لما وصفنا ولما قال مخالفنا; وغير جائز الاعتراض على ظاهر القرآن بالاحتمال ~~بل الواجب حمل الحديث على موافقة القرآن ولا يحمل على ما يخالفه. # ويدل من جهة النظر على ما وصفنا اتفاق الجميع على أن النكاح والخلع ~~والعتق على مال والصلح من دم العمد إذا تعاقداه بينهما صح بالإيجاب والقبول ~~من غير خيار يثبت لواحد منهما, والمعنى فيه الإيجاب والقبول فيما يصح العقد ~~عليه ms1330 من غير خيار مشروط. # وقوله عز وجل: {ولا تقتلوا أنفسكم} قال عطاء والسدي: "لا يقتل بعضكم ~~بعضا". قال أبو بكر: هو نظير قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم1 عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] ومعناه: يقتلوا بعضكم. وتقول العرب: قتلنا ~~ورب الكعبة, إذا قتل بعضهم. وقيل: إنما حسن ذلك; لأنهم أهل دين واحد فهم ~~كالنفس الواحدة, فلذلك قال: {ولا تقتلوا أنفسكم} وأراد قتل بعضكم بعضا وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمنين كالنفس الواحدة إذا ألم بعضه ~~تداعى سائره بالحمى والسهر وقال: المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا" فكان ~~تقديره: ولا يقتل بعضكم بعضا في أكل أموالكم بالباطل ولا غيره مما هو محرم ~~عليكم, وهو كقوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] ~~. ويحتمل: ولا تقتلوا أنفسكم في طلب المال وذلك بأن يحمل نفسه على الغرر ~~المؤدي إلى التلف. ويحتمل: ولا تقتلوا أنفسكم في حال غضب أو ضجر. وجائز أن ~~تكون هذه المعاني كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها. PageV02P228 # وقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا} فإنه قيل فيما ~~عاد إليه هذا الوعيد وجوه: أحدها: أنه عائد على أكل المال بالباطل وقتل ~~النفس بغير حق, فيستحق الوعيد بكل واحدة من الخصلتين. وقال عطاء: "في قتل ~~النفس المحرمة خاصة". وقيل: إنه عائد على فعل كل ما نهي عنه من أول السورة. ~~وقيل: من عند قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} ~~[النساء: 19] لأن ما قبله مقرون بالوعيد, والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل ~~المال بالباطل وقتل النفس المحرمة. وقيد الوعيد بقوله: {عدوانا وظلما} ~~ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد ~~التعمد والعصيان. وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما; لأنه يحسن مع ~~اختلاف اللفظ, كقول عدي بن زيد: # وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا # والكذب هو المين; وحسن العطف لاختلاف اللفظين. وكقول بشر بن حازم: # فما وطئ الحصى مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها ms1331 # والاحتذاء هو لبس النعل. وكما تقول: بعدا وسحقا, ومعناهما واحد, وحسن ~~لاختلاف اللفظ والله أعلم. # PageV02P229 # باب النهي عن التمني # قال الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} . روى سفيان ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله يغزو الرجال ~~ولا تغزو النساء ويذكر الرجال ولا تذكر النساء؟ فأنزل الله تعالى: {ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} الآية, ونزلت: {إن المسلمين ~~والمسلمات} [الأحزاب: 35] وروى قتادة عن الحسن قال: "لا يتمن أحد المال وما ~~يدريه لعل هلاكه في ذلك المال". وقال سعيد عن قتادة في قوله: {ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم على بعض} قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة ~~شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي ~~نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, قالت النساء: لو كان أنصباؤنا في ~~الميراث كأنصباء الرجال وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في ~~الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فأنزل الله تعالى: {للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} يقول: المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها ~~كما يجزى الرجل; قال: {واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما} ~~ونهى الله عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض; لأن الله تعالى لو علم أن ~~المصلحة له في إعطائه ما أعطى # PageV02P229 # الآخر لفعل, ولأنه لا يمنع من بخل ولا عدم وإنما يمنع ليعطي ما هو أكثر ~~منه. وقد تضمن ذلك النهي عن الحسد وهو تمني زوال النعمة عن غيره إليه, وهو ~~مثل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يخطب ~~الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها ~~لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله هو رازقها" , فنهى صلى الله عليه وسلم أن ~~يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد ركنت إليه ورضيت به, وأن يسوم على سومه ~~كذلك; فما ظنك ms1332 بمن يتمنى أن يجعل له ما قد صار لغيره وملكه وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها" , يعني أن ~~تسعى في إسقاط حقها وتحصيله لنفسها. وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه ~~الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار, ورجل آتاه الله القرآن فهو ~~يقوم به آناء الليل والنهار". # PageV02P230 # مطلب: التمني على وجهين محظور وغير محظور # قال أبو بكر: والتمني على وجهين: أحدهما: أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة ~~غيره عنه, فهذا الحسد, وهو التمني المنهي عنه. والآخر: أن يتمنى أن يكون له ~~مثل ما لغيره من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره, فهذا غير محظور إذا قصد ~~به وجه المصلحة, وما يجوز في الحكمة. ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما ~~يستحيل وقوعه, مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا أو تتمنى حال الخلافة ~~والإمامة ونحوها من الأمور التي قد علم أنها لا تكون ولا تقع. # وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} قيل فيه ~~وجوه: أحدها: أن لكل واحد حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في أمره ~~ولطف له فيه حتى استحقه وبلغ علو المنزلة به, فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير, ~~فإن لكل منهم حظه ونصيبه غير مبخوس ولا منقوص والآخر: أن لكل أحد جزاء ما ~~اكتسب فلا يضيعه بتمني ما لغيره محبطا لعمله. وقيل فيه: إن لكل فريق من ~~الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعم الدنيا, فعليه أن يرضى بما قسم الله ~~له. # وقوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} قيل فيه: إن معناه إن احتجتم إلى ما ~~لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله, لا بأن تتمنوا ما لغيركم; ~~إلا أن هذه المسألة تغني إن تكن معقودة بشريطة المصلحة, والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV02P230 # باب العصبة # قال الله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ms1333 والأقربون} . قال ~~ابن عباس # PageV02P230 # ومجاهد وقتادة: "الموالي ههنا العصبة". وقال السدي: "الموالي الورثة". ~~وقيل: إن أصل المولى من ولي الشيء يليه, وهو اتصال الولاية في التصرف. قال ~~أبو بكر: المولى لفظ مشترك ينصرف على وجوه: فالمولى المعتق; لأنه ولي نعمة ~~في عتقه; ولذلك سمي مولى النعمة. والمولى العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه ~~به في إنعامه عليه, وهذا كما يسمى الطالب غريما; لأن له اللزوم والمطالبة ~~بحقه ويسمى المطلوب غريما لتوجه المطالبة عليه وللزوم الدين إياه. والمولى ~~العصبة, والمولى الحليف; لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين. والمولى ابن ~~العم; لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما. والمولى الولي; لأنه يلي ~~بالنصرة. وقال تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم} [محمد:11] # أي يليهم بالنصرة ولا ناصر للكافرين يعتد بنصرته. ويروى للفضل بن العباس: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تظهرن لنا ما كان فونا # فسمى بني العم موالي. والمولى مالك العبد; لأنه يليه بالملك والتصرف ~~والولاية والنصرة والحماية. فاسم المولى ينصرف على هذه الوجوه, وهو اسم ~~مشترك لا يصح اعتبار عمومه; ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى لمواليه وله موال ~~أعلى وموال أسفل: إن الوصية باطلة لامتناع دخولهما تحت اللفظ في حال واحدة, ~~وليس أحدهما بأولى من الآخر, فبطلت الوصية. وأولى الأشياء بمعنى المولى ~~ههنا العصبة لما روى إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أولى بالمؤمنين, من مات وترك مالا ~~فماله للموالي العصبة, ومن ترك كلا أو ضياعا1 فأنا وليه". وروى معمر عن ابن ~~طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقسموا ~~المال بين أهل الفرائض, فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر". وروي: "فلأولى ~~عصبة ذكر" ; وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية الموالي عصبة. ~~وقوله: "فلأولى عصبة ذكر" ما يدل على أن المراد بقوله: {ولكل جعلنا موالي ~~مما ترك الوالدان والأقربون} هم العصبات, ولا خلاف ms1334 بين الفقهاء أن ما فضل ~~عن سهام ذوي السهام فهو لأقرب العصبات إلى الميت. والعصبات هم الرجال الذين ~~تتصل قرابتهم إلى الميت بالبنين والآباء, مثل الجد والإخوة من الأب ~~والأعمام وأبنائهم, وكذلك من بعد منهم بعد أن يكون الذي يصل بينهم البنون ~~والآباء, إلا الأخوات فإنهن عصبة مع البنات خاصة:. وإنما يرث من العصبات ~~الأقرب فالأقرب ولا ميراث للأبعد مع الأقرب; ولا خلاف أن من لا يتصل نسبه ~~بالميت إلا من PageV02P231 # قبل النساء أنه ليس بعصبة. ومولى العتاقة عصبة للعبد المعتق ولأولاده, ~~وكذلك أولاد المعتق الذكور منهم يكونون عصبة للعبد المعتق إذا مات أبوهم, ~~ويصير ولاؤه لهم دون الإناث من ولده. ولا يكون أحد من النساء عصبة بالولاء ~~إلا ما أعتقت أو أعتق من أعتقت. وإنما صار مولى العتاقة عصبة بالسنة, ويجوز ~~أن يكون مرادا بقوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} ~~إذ كان عصبة ويعقل عنه كما يعقل عنه بنو أعمامه. # فإن قيل: الميت ليس هو من أقرباء مولى العتاقة ولا من والديه. قيل له: ~~إذا كان معه وارث من ذوي نسبة من الميت نحو البنت والأخت, جاز دخوله معهم ~~في هذه الفريضة, فيستحق بأصل السهام له إن لم يكن هو من أقرباء الميت; إذ ~~كان في الورثة ممن يجوز أن يقال فيه إنه مما ترك الوالدان والأقربون, فيكون ~~بعض الورثة قد ورث الوالدين والأقربين. # واختلف أهل العلم في ميراث المولى الأسفل من الأعلى, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والشافعي وسائر أهل العلم: "لا يرث المولى ~~الأسفل من المولى الأعلى". وحكى أبو جعفر الطحاوي عن الحسن بن زياد قال: ~~"يرث المولى الأسفل من الأعلى" وذهب فيه إلى حديث رواه حماد بن سلمة وحماد ~~بن زيد ووهب بن خالد ومحمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ~~ابن عباس عن ابن عباس: أن رجلا أعتق عبدا له, فمات المعتق ولم يترك إلا ~~المعتق, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه ms1335 للغلام المعتق. قال أبو ~~جعفر: وليس لهذا الحديث معارض فوجب إثبات حكمه. قال أبو بكر: يجوز أن يكون ~~دفعه إليه لا على وجه الميراث لكنه لحاجته وفقره; لأنه كان مالا لا وارث له ~~فسبيله أن يصرف إلى ذوي الحاجة والفقراء. # فإن قيل: لما كانت الأسباب التي يجب بها الميراث هي الولاء والنسب ~~والنكاح, وكان ذوو الأنساب يتوارثون وكذلك الزوجان وجب أن يكون الولاء من ~~حيث أوجب الميراث للأعلى من الأسفل أن يوجبه للأسفل من الأعلى. قال أبو ~~بكر: هذا غير واجب; لأنا قد وجدنا في ذوي الأنساب من يرث غيره ولا يرثه هو ~~إذا مات; لأن امرأة لو تركت أختا أو ابنة وابن أخيها كان للبنت النصف ~~والباقي لابن الأخ, ولو كان مكانها مات ابن الأخ وخلف بنتا أو أختا وعمته ~~لم ترث العمة شيئا, فقد ورثها ابن الأخ في الحال التي لا ترثه هي, والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P232 # باب ولاء الموالاة # قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} روى طلحة بن # PageV02P232 # مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم} قال: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى الله ~~بينهم, فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} نسخت; ثم ~~قرأ: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} , قال: من النصر والرفادة, ويوصي ~~له, وقد ذهب الميراث. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم} قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر, ~~فأنزل الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] , ~~يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم وصية, فهو لهم جائز من ثلث ~~مال الميت, فذلك المعروف. وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ~~{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} قال: كان الرجل يعاقد الرجل في ~~الجاهلية فيموت فيرثه, فعاقد أبو بكر رجلا فمات فورثه. وقال سعيد ms1336 بن ~~المسيب: هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثونهم, فأنزل الله فيهم أن ~~يجعل لهم من الوصية, ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة. # قال أبو بكر: قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكما ثابتا في ~~الإسلام, وهو الميراث بالمعاقدة والموالاة; ثم قال قائلون: إنه منسوخ ~~بقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] . وقال ~~آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل, ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي ~~المعاقدة, فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات وهو باق لهم إذا فقد الأقرباء ~~على الأصل الذي كان عليه. # واختلف الفقهاء في ميراث موالي الموالاة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر: "من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه ~~له". وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: "ميراثه للمسلمين". ~~وقال يحيى بن سعيد: "إذا جاء من أرض العدو فأسلم على يده فإن ولاءه لمن ~~والاه, ومن أسلم من أهل الذمة على يدي رجل من المسلمين فولاؤه للمسلمين ~~عامة". وقال الليث بن سعد: "من أسلم على يدي رجل فقد والاه وميراثه للذي ~~أسلم على يده إذا لم يدع وارثا غيره" # قال أبو بكر: الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب ~~إليه أصحابنا; لأنه كان حكما ثابتا في أول الإسلام, وحكم الله به في نص ~~التنزيل, ثم قال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين} [الأحزاب: 6] فجعل ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي, ~~فمتى فقد ذوو الأرحام # PageV02P233 # وجب ميراثهم بقضية الآية; إذ كانت إنما نقلت ما كان لهم إلى ذوي الأرحام ~~إذا وجدوا, فإذا لم يوجدوا فليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها, فهي ~~ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام. # وقد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بثبوت هذا الحكم وبقائه عند ~~عدم ذوي الأرحام, وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ms1337 داود قال: حدثنا ~~يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار الدمشقي قالا: حدثنا يحيى بن حمزة عن ~~عبد العزيز بن عمر قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن ~~قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ما السنة في الرجل ~~يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته", ~~فقوله: "هو أولى الناس بمماته" يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه; إذ ليس بعد ~~الموت بينهما ولاية إلا في الميراث, وهو في معنى قوله تعالى: {ولكل جعلنا ~~موالي} يعني ورثة. وقد روي نحو قول أصحابنا في ذلك عن عمر وابن مسعود ~~والحسن وإبراهيم. وروى معمر عن الزهري أنه سئل عن رجل أسلم فوالى رجلا هل ~~بذلك بأس؟ قال: لا بأس به, قد أجاز ذلك عمر بن الخطاب. وروى قتادة عن سعيد ~~بن المسيب قال: "من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره وحل لهم ميراثه". وقال ~~ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "إذا أسلم الكافر على يدي رجل مسلم بأرض العدو أو ~~بأرض المسلمين فميراثه للذي أسلم على يديه". وقد روى أبو عاصم النبيل عن ~~ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم: "على ~~كل بطن عقوله" وقال: "لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم", وقد حوى هذا الخبر ~~معنيين: أحدهما: جواز الموالاة; لأنه قال: "إلا بإذنهم" فأجاز الموالاة ~~بإذنهم. والثاني: أن له أن يتحول بولاية إلى غيره, إلا أنه كرهه إلا بإذن ~~الأولين; ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام في ذلك إلا في ولاء الموالاة; ~~لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه; وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"الولاء لحمة كلحمة النسب". # فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة عن زكريا ~~عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال: قال رسول ms1338 الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام, وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام ~~إلا شدة" قال: فهذا يوجب بطلان حلف الإسلام ومنع التوارث به. قيل له: يحتمل ~~أن يريد به نفي الحلف في الإسلام على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في ~~الجاهلية وذلك; لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول: "هدمي هدمك ودمي ~~دمك وترثني وأرثك" وكان في هذا # PageV02P234 # الحلف أشياء قد حظرها الإسلام, وهو أنه كان يشرط أن يحامي عليه ويبذل دمه ~~دونه ويهدم ما يهدمه فينصره على الحق والباطل; وقد أبطلت الشريعة هذا الحلف ~~وأوجبت معونة المظلوم على الظالم حتى يتنصف منه وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا ~~غيرها. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} [النساء: 135] , فأمر الله تعالى بالعدل ~~والقسط في الأجانب والأقارب وأمر بالتسوية بين الجميع في حكم الله تعالى, ~~فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من معونة القريب والحليف على غيره ظالما ~~كان أو مظلوما. # PageV02P235 # مطلب: في معنى قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قالوا: ~~يا رسول الله هذا يعينه مظلوما فكيف يعينه ظالما؟ قال: "أن ترده عن الظلم ~~فذلك معونة منك له". # وكان في حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "لا حلف في الإسلام" التحالف على النصرة والمحاماة من غير ~~نظر في دين أو حكم وأمر باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على ~~نفسه, ونفى أيضا أن يكون الحليف أولى بالميراث من الأقارب; فهذا معنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام". وأما قوله: " وأيما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" فإنه يحتمل أن الإسلام قد زاده شدة ~~وتغليظا في المنع منه وإبطاله, فكأنه قال: إذا لم يجز ms1339 الحلف في الإسلام مع ~~ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم فحلف الجاهلية أبعد من ذلك. # قال أبو بكر: وعلى نحو ما ذكرنا من التوارث بالموالاة قال أصحابنا فيمن ~~أوصى بجميع ماله ولا وارث له إنه جائز, وقد بينا ذلك فيما سلف وذلك; لأنه ~~لما جاز له أن يجعل ميراثه لغيره بعقد الموالاة ويزويه عن بيت المال, جاز ~~له أن يجعله لمن شاء بعد موته بالوصية; إذ كانت الموالاة إنما تثبت بينهما ~~بعقده وإيجابه وله أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه, فأشبهت الوصية التي ~~تثبت بقوله وإيجابه ومتى شاء رجع فيها; إلا أنها تخالف الوصية من وجه, وهو ~~أنه وإن كان يأخذه بقوله فإنه يأخذه على وجه الميراث ألا ترى أنه لو ترك ~~الميت ذا رحم كان أولى بالميراث من مولى الموالاة؟ ولم يكن في الثلث بمنزلة ~~من أوصى لرجل بماله فيجوز له منه الثلث بل لا يعطى شيئا إذا كان له وارث من ~~قرابة أو ولاء عتاقة, فولاء الموالاة يشبه الوصية بالمال من وجه إذا لم يكن ~~له وارث, ويفارقها من وجه على نحو ما بينا والله أعلم. # PageV02P235 # باب ما يجب على المرأة من طاعة زوجها # قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~وبما أنفقوا من أموالهم} . روى يونس عن الحسن أن رجلا جرح امرأته, فأتى ~~أخوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~القصاص فأنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} الآية, فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "أردنا أمرا وأراد الله غيره". وروى جرير بن حازم عن الحسن قال: ~~لطم رجل امرأته, فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله ~~عليه وسلم: عليكم القصاص فأنزل الله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه} [طه: 114] , ثم أنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} . # قال أبو بكر: الحديث الأول يدل على أن لا قصاص بين الرجال والنساء فيما ~~دون النفس, وكذلك روي عن ms1340 الزهري. والحديث الثاني جائز أن يكون لطمها; لأنها ~~نشزت عليه, وقد أباح الله تعالى ضربها عند النشوز بقوله: {واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} . فإن قيل: لو كان ضربه إياها ~~لأجل النشوز لما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم القصاص. قيل له: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك قبل نزول هذه الآية التي فيها إباحة الضرب ~~عند النشوز; لأن قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} إلى قوله: ~~{واضربوهن} نزل بعد, فلم يوجب عليهم بعد نزول الآية شيئا, فتضمن قوله: ~~{الرجال قوامون على النساء} قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ ~~والصيانة لما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي وبما ألزمه ~~الله تعالى من الإنفاق عليها. فدلت الآية على معان: أحدها: تفضيل الرجل على ~~المرأة في المنزلة وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها, وهذا يدل على أن ~~له إمساكها في بيته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن ~~معصية. ودلت على وجوب نفقتها عليه بقوله: {وبما أنفقوا من أموالهم} وهو ~~نظير قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وقوله ~~تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] , وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وقوله تعالى: {وبما أنفقوا من ~~أموالهم} منتظم للمهر والنفقة; لأنهما جميعا مما يلزم الزوج لها. # قوله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} يدل على أن في ~~النساء الصالحة; وقوله: {قانتات} , روي عن قتادة: "مطيعات لله تعالى ~~ولأزواجهن" وأصل القنوت مداومة الطاعة, ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. ~~وقوله: {حافظات للغيب بما حفظ الله} , قال عطاء وقتادة: "حافظات لما غاب ~~عنه أزواجهن من ماله وما # PageV02P236 # يجب من رعاية حاله وما يلزم من صيانة نفسها له". قال عطاء في قوله: {بما ~~حفظ الله} : "أي بما حفظهن الله في مهورهن وإلزام الزوج من النفقة عليهن". ~~وقال آخرون: {بما حفظ الله} : "إنهن إنما صرن صالحات قانتات حافظات بحفظ ~~الله إياهن من معاصيه وتوفيقه وما أمدهن به ms1341 من ألطافه ومعونته" وروى أبو ~~معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها ~~خلفتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرجال قوامون ~~على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} الآية والله الموفق. # PageV02P237 # باب النهي عن النشوز # قال الله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن} . قيل في معنى ~~تخافون معنيان: أحدهما: يعلمون; لأن خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه, ~~فجاز أن يوضع مكان" يعلم" "يخاف" كما قال أبو محجن الثقفي: # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # ويكون خفت بمعنى ظننت, وقد ذكره الفراء. وقال محمد بن كعب: "هو الخوف ~~الذي هو خلاف الأمن, كأنه قيل: تخافون نشوزهن بعلمكم بالحال المؤذنة به". ~~وأما النشوز, فإن ابن عباس وعطاء والسدي قالوا: "أراد به معصية الزوج فيما ~~يلزمها من طاعته", وأصل النشوز الترفع على الزوج بمخالفته, مأخوذ من نشز ~~الأرض وهو الموضع المرتفع منها. وقوله تعالى: {فعظوهن} , يعني خوفوهن بالله ~~وبعقابه. وقوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} قال ابن عباس وعكرمة والضحاك ~~والسدي: "هجر الكلام". وقال سعيد بن جبير: "هجر الجماع". وقال مجاهد ~~والشعبي وإبراهيم: "هجر المضاجعة". # وقوله: {واضربوهن} , قال ابن عباس: "إذا أطاعته في المضجع فليس له أن ~~يضربها". وقال مجاهد: "إذا نشزت عن فراشه يقول لها اتقي الله وارجعي". ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وغيرهما قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: "اتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله, وإن لكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح, ولهن عليكم ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وروى ms1342 ابن جريج عن عطاء قال: "الضرب غير المبرح ~~بالسواك # PageV02P237 # ونحوه". وقال سعيد عن قتادة: "ضربا غير شائن". ذكر لنا أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "مثل المرأة مثل الضلع متى ترد إقامتها تكسرها, ولكن ~~دعها تستمتع بها". وقال الحسن: {واضربوهن} قال: "ضربا غير مبرح وغير مؤثر". ~~وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: ~~حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: {فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع} قال: "إذا خاف نشوزها وعظها, فإن قبلت وإلا هجرها في ~~المضجع, فإن قبلت وإلا ضربها ضربا غير مبرح" ثم قال: {فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا} قال: لا تعللوا عليهن بالذنوب. # PageV02P238 # باب الحكمين كيف يعملان # قال الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها} . وقد اختلف في المخاطبين بهذه الآية من هم, فروي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك: "أنه السلطان الذي يترافعان إليه" وقال السدي: "الرجل والمرأة". ~~قال أبو بكر: قوله: {واللاتي تخافون نشوزهن} هو خطاب للأزواج لما في نسق ~~الآية من الدلالة عليه, وهو قوله: {واهجروهن في المضاجع} , وقوله: {وإن ~~خفتم شقاق بينهما} الأولى أن يكون خطابا للحاكم الناظر بين الخصمين والمانع ~~من التعدي والظلم وذلك; لأنه قد بين أمر الزوج وأمره بوعظها وتخويفها بالله ~~ثم بهجرانها في المضجع إن لم تنزجر ثم بضربها إن أقامت على نشوزها, ثم لم ~~يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم ~~ويتوجه حكمه عليهما. وروى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت سعيد بن جبير عن ~~الحكمين, فغضب وقال: "ما ولدت; إذ ذاك"; فقلت: إنما أعني حكمي شقاق, قال: ~~"إذا كان بين الرجل وامرأته درء1 وتدارؤ بعثوا حكمين فأقبلا على الذي جاء ~~التدارؤ من قبله فوعظاه, فإن أطاعهما وإلا أقبلا على الآخر, فإن سمع منهما ~~وأقبل إلى الذي يريدان وإلا حكما بينهما, فما حكما من شيء فهو جائز". وروى ~~عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب عن ms1343 سعيد بن جبير في المختلعة: "يعظها فإن انتهت ~~وإلا هجرها وإلا ضربها, فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان, فيبعث حكما ~~من أهلها وحكما من أهله, فيقول الحكم الذي من أهلها يفعل كذا ويفعل كذا, ~~ويقول الحكم الذي من أهله تفعل به كذا وتفعل به كذا, فأيهما كان أظلم رده ~~إلى السلطان وأخذ فوق يده, وإن كانت ناشزا أمروه أن يخلع". # قال أبو بكر: وهذا نظير العنين والمجبوب والإيلاء في باب أن الحاكم هو ~~الذي PageV02P238 # يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما بما يوجبه حكم الله, فإذا اختلفا وادعى ~~النشوز وادعت هي عليه ظلمه وتقصيره في حقوقها, حينئذ بعث الحاكم حكما من ~~أهله وحكما من أهلها ليتوليا النظر فيما بينهما ويردا إلى الحاكم ما يقفان ~~عليه من أمرهما. وإنما أمر الله تعالى بأن يكون أحد الحكمين من أهلها ~~والآخر من أهله لئلا تسبق الظنة إذا كانا أجنبيين بالميل إلى أحدهما, فإذا ~~كان أحدهما من قبله والآخر من قبلها زالت الظنة وتكلم كل واحد منهما عمن هو ~~من قبله. ويدل أيضا قوله: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} على أن ~~الذي من أهله وكيل له, والذي من أهلها وكيل لها, كأنه قال: فابعثوا رجلا من ~~قبله ورجلا من قبلها; فهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن للحكمين أن يجمعا ~~إن شاءا وإن شاءا فرقا بغير أمرهما. # وزعم إسماعيل بن إسحاق أنه حكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر ~~الحكمين. قال أبو بكر: هذا تكذب عليهم, وما أولى بالإنسان حفظ لسانه لا ~~سيما فيما يحكيه عن العلماء, قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد} [ق:18] ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعنيه. وأمر ~~الحكمين في الشقاق بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب, فكيف يجوز أن يخفى ~~عليهم مع محلهم من العلم والدين والشريعة ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن ~~يكونا وكيلين لهما, أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج؟ وكذا روي عن علي ms1344 ~~بن أبي طالب. وروى ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: أتى عليا ~~رجل وامرأته مع كل واحد منهما فئام من الناس, فقال علي: ما شأن هذين؟ ~~قالوا: بينهما شقاق, قال: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما} , فقال علي: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن ~~رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا. فقالت المرأة: ~~رضيت بكتاب الله, فقال الرجل: أما الفرقة فلا, فقال علي: كذبت والله لا ~~تنفلت مني حتى تقر كما أقرت. فأخبر علي أن قول الحكمين إنما يكون برضا ~~الزوجين فقال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج; وذلك لأنه ~~لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم ~~على طلاقها قبل تحكيم الحكمين. وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها ~~الحاكم على خلع ولا على رد مهرها; فإذا كان كذلك حكمهما قبل بعث الحكمين ~~فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتهما من غير رضى الزوج وتوكيله ~~ولا إخراج المهر عن ملكها من غير رضاها; فلذلك قال أصحابنا: إنهما لا يجوز ~~خلعهما إلا برضى الزوجين, فقال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى ~~الزوجين; لأن الحاكم لا يملك ذلك فكيف # PageV02P239 # يملكه الحكمان؟ وإنما الحكمان وكيلان لهما أحدهما وكيل المرأة والآخر ~~وكيل الزوج في الخلع أو في التفريق بغير جعل إن كان الزوج قد جعل إليه ذلك. # قال إسماعيل: "الوكيل ليس بحكم ولا يكون حكما إلا ويجوز أمره عليه وإن ~~أبى". وهذا غلط منه; لأن ما ذكر لا ينفي معنى الوكالة; لأنه لا يكون وكيلا ~~أيضا إلا ويجوز أمره عليه فيما وكل به. فجواز أمر الحكمين عليهما لا ~~يخرجهما عن حد الوكالة, وقد يحكم الرجلان حكما في خصومة بينهما ويكون ~~بمنزلة الوكيل لهما فيما يتصرف به عليهما, فإذا حكم بشيء لزمهما, بمنزلة ~~اصطلاحهما على أن الحكمين في شقاق الزوجين ليس يغادر أمرهما من معنى ~~الوكالة شيئا; ms1345 وتحكيم الحكم في الخصومة بين رجلين يشبه حكم الحاكم من وجه ~~ويشبه الوكالة من الوجه الذي بينا. والحكمان في الشقاق إنما يتصرفان بوكالة ~~محضة كسائر الوكالات. # قال إسماعيل: "والوكيل لا يسمى حكما". وليس ذلك كما ظن; لأنه إنما سمي ~~ههنا الوكيل حكما تأكيدا للوكالة التي فوضت إليه. وأما قوله: "إن الحكمين ~~يجوز أمرهما على الزوجين وإن أبيا" فليس كذلك, ولا يجوز أمرهما عليهما إذا ~~أبيا; لأنهما وكيلان, وإنما يحتاج الحاكم أن يأمرهما بالنظر في أمرهما ~~ويعرف أمور المانع من الحق منهما حتى ينقلا إلى الحاكم ما عرفاه من أمرهما, ~~فيكون قولهما مقبولا في ذلك إذا اجتمعا, وينهى الظالم منهما عن ظلمه; فجائز ~~أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما, وجائز أن يكونا سميا بذلك; ~~لأنهما إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكولا إلى رأيهما وتحريهما للصلاح ~~سميا حكمين; لأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء ~~بالحق والعدل, فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما وأنفذا على الزوجين حكما من ~~جمع أو تفريق مضى ما أنفذاه فسميا حكمين من هذا الوجه. فلما أشبه فعلهما ~~فعل الحاكم في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح وسميا ~~حكمين, ويكونان مع ذلك وكيلين لهما; إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على ~~الزوجين من خلع أو طلاق إلا بأمرهما. # وزعم أن عليا إنما ظهر منه النكير على الزوج; لأنه لم يرض بكتاب الله, ~~قال: "ولم يأخذه بالتوكيل وإنما أخذه بعدم الرضا بكتاب الله"; وليس هذا على ~~ما ذكر; لأن الرجل لما قال: "أما الفرقة فلا" قال علي: "كذبت أما والله لا ~~تنفلت مني حتى تقر كما أقرت" فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة ~~وأمره بأن يوكل بالفرقة, وما قال الرجل لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه, ~~وإنما قال لا أرضى بالفرقة بعد رضى المرأة بالتحكيم; وفي هذا دليل على أن ~~الفرقة عليه غير نافذة إلا بعد توكيله بها. قال: "ولما # PageV02P240 # قال: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله ms1346 بينهما} علمنا أن الحكمين يمضيان أمرهما ~~وأنهما إن قصدا الحق وفقهما الله للصواب من الحكم. قال: وهذا لا يقال ~~للوكيلين; لأنه لا يجوز لواحد منهما أن يتعدى ما أمر به". والذي ذكره لا ~~ينفي معنى الوكالة; لأن الوكيلين إذا كانا موكلين بما رأيا من جمع أو تفريق ~~على جهة تحري الصلاح والخير فعليهما الاجتهاد فيما يمضيانه من ذلك, وأخبر ~~الله أنه يوفقهما للصلاح إن صلحت نياتهما, فلا فرق بين الوكيل والحكم; إذ ~~كل من فوض إليه أمر يمضيه على جهة تحري الخير والصلاح, فهذه الصفة التي ~~وصفه الله بها لاحقة به. قال: وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وأبي سلمة وطاوس ~~وإبراهيم قالوا: "ما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز", وهذا عندنا كذلك ~~أيضا. ولا دلالة فيه على موافقة قوله; لأنهم لم يقولوا إن فعل الحكمين في ~~التفريق والخلع جائز بغير رضى الزوجين, بل جائز أن يكون مذهبهم أن الحكمين ~~لا يملكان التفريق إلا برضى الزوجين بالتوكيل ولا يكونان حكمين إلا بذلك, ~~ثم ما حكما بعد ذلك من شيء فهو جائز; وكيف يجوز للحكمين أن يخلعا بغير رضاه ~~ويخرجا المال عن ملكها وقد قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء:4] وقال الله تعالى: ~~{ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~[البقرة: 229] , وهذا الخوف المذكور ههنا هو المعني بقوله تعالى: {فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها} وحظر الله على الزوج أخذ شيء مما أعطاها إلا ~~على شريطة الخوف منهما ألا يقيما حدود الله, فأباح حينئذ أن تفتدي بما شاءت ~~وأحل للزوج أخذه فكيف يجوز للحكمين أن يوقعا خلعا أو طلاقا من غير رضاهما ~~وقد نص الله على أنه لا يحل له أخذ شيء مما أعطى إلا بطيبة من نفسها ولا أن ~~تفتدي به فالقائل بأن للحكمين أن يخلعا ms1347 بغير توكيل من الزوج مخالف لنص ~~الكتاب. وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فمنع كل أحد أن يأكل ~~مال غيره إلا برضاه. وقال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] , فأخبر تعالى أن الحاكم وغيره سواء ~~في أنه لا يملك أخذ مال أحد ودفعه إلى غيره. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" , وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة من النار", فثبت ~~بذلك أن الحاكم لا يملك أخذ مالها ودفعه إلى زوجها, ولا يملك إيقاع طلاق ~~على الزوج بغير توكيله ولا رضاه; وهذا حكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة في ~~أنه لا يجوز للحاكم في غير ذلك من الحقوق إسقاطه ونقله عنه إلى غيره من غير ~~رضا من هو له, فالحكمان إنما يبعثان للصلح بينهما وليشهدا على # PageV02P241 # الظالم منهما كما روى سعيد عن قتادة في قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق ~~بينهما} الآية, قال: "إنما يبعث الحكمان ليصلحا, فإن أعياهما أن يصلحا شهدا ~~على الظالم بظلمه, وليس بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك" وكذلك روي عن ~~عطاء. # قال أبو بكر: وفي فحوى الآية ما يدل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا, وهو ~~قوله تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ولم يقل: إن يريدا فرقة, ~~وإنما يوجه الحكمان ليعظا الظالم منهما وينكرا عليه ظلمه وإعلام الحاكم ~~بذلك ليأخذ هو على يده, فإن كان الزوج هو الظالم أنكرا عليه ظلمه وقالا له ~~لا يحل لك أن تؤذيها لتخلع منك, وإن كانت هي الظالمة قالا لها قد حلت لك ~~الفدية, وكان في أخذها معذورا لما يظهر للحكمين من نشوزها, فإذا جعل كل ~~واحد منهما إلى الحكم الذي من قبله ما له من التفريق والخلع; كانا مع ما ~~ذكرنا من أمرهما وكيلين جائز لهما أن يخلعا إن رأيا وأن ms1348 يجمعا إن رأيا ذلك ~~صلاحا, فهما في حال شاهدان, وفي حال مصلحان وفي حال آمران بمعروف وناهيان ~~عن منكر ووكيلان في حال إذا فوض إليهما الجمع والتفريق. وأما قول من قال ~~إنهما يفرقان ويخلعان من غير توكيل من الزوجين, فهو تعسف خارج عن حكم ~~الكتاب والسنة, والله أعلم بالصواب. # PageV02P242 # باب الخلع دون السلطان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والشافعي: ~~"يجوز الخلع بغير سلطان" وروي مثله عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم. ~~وقال الحسن وابن سيرين: "لا يجوز الخلع إلا عند السلطان". والذي يدل على ~~جوازه عند غير سلطان قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} [النساء: 4] اقتضى ظاهره جواز أخذه ذلك منها على وجه الخلع وغيره. ~~وقال تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ولم يشترط ذلك ~~عند السلطان. وكما جاز عقد النكاح وسائر العقود عند السلطان وعند غيره, ~~كذلك يجوز الخلع; إذ لا اختصاص في الأصول لهذه العقود بكونها عند السلطان; ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P242 # باب بر الوالدين # قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} ~~فقرن تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما, ~~كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} ~~[لقمان: 14] , وكفى بذلك دلالة # PageV02P242 # على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما. وقال تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] إلى آخر القصة وقال ~~تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] . وقال في الوالدين ~~الكافرين: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] . وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين ~~واليمين الغموس, والذي نفس محمد بيده لا يحلف أحد وإن كان على مثل جناح ~~البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة". # قال أبو بكر: ms1349 فطاعة الوالدين واجبة في المعروف لا في معصية الله, فإنه لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور ~~قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح ~~حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا من اليمن هاجر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل لك أحد باليمن"؟ قال: أبواي, قال: أذنا ~~لك؟ قال: لا, قال: "ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا ~~فبرهما". ومن أجل ذلك قال أصحابنا: لا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا ~~قام بجهاد العدو من قد كفاه الخروج, قالوا: فإن لم يكن بإزاء العدو من قد ~~قام بفرض الخروج فعليه الخروج بغير إذن أبويه, وقالوا في الخروج في التجارة ~~ونحوها فيما ليس فيه قتال: لا بأس به بغير إذنهما; لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما منعه من الجهاد إلا بإذن الأبوين إذا قام بالفرض غيره, لما فيه ~~من التعرض للقتل وفجيعة الأبوين به, فأما التجارات والتصرف في المباحات ~~التي ليس فيها تعرض للقتل فليس للأبوين منعه منها; فلذلك لم يحتج إلى ~~استئذانهما. ومن أجل ما أكد الله تعالى من تعظيم حق الأبوين قال أصحابنا: ~~لا ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان محاربا للمسلمين, لقوله تعالى: ~~{فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] وقوله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] , ~~فأمر تعالى بمصاحبتهما بالمعروف في الحال التي يجاهدانه فيها على الكفر, ~~ومن المعروف أن لا يشهر عليهما سلاحا ولا يقتلهما إلا أن يضطر إلى ذلك بأن ~~يخاف أن يقتله إن ترك قتله, فحينئذ يجوز قتله; لأنه إن لم يفعل ذلك كان قد ~~قتل نفسه بتمكينه غيره منه, وهو منهي عن تمكين غيره من قتله كما هو منهي عن ~~قتل نفسه, فجاز له حينئذ من أجل ذلك قتله وقد ms1350 روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا. وقال ~~أصحابنا في المسلم يموت أبواه وهما كافران: # PageV02P243 # إنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما; لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمره ~~الله بها. # فإن قال قائل: ما معنى قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} وما ضميره؟ قيل ~~له: يحتمل: استوصوا بالوالدين إحسانا, ويحتمل: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. # وقوله تعالى: {وبذي القربى} أمر بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة, على ~~نحو ما ذكره في أول السورة في قوله تعالى: {والأرحام} , فبدأ تعالى في أول ~~الآية بتوحيده وعبادته; إذ كان ذلك هو الأصل الذي به يصح سائر الشرائع ~~والنبوات وبحصوله يتوصل إلى سائر مصالح الدين, ثم ذكر تعالى ما يجب للأبوين ~~من الإحسان إليهما وقضاء حقوقهما وتعظيمهما, ثم ذكر الجار ذا القربى وهو ~~قريبك المؤمن الذي له حق القرابة وأوجب له الدين الموالاة والنصرة, ثم ذكر ~~الجار الجنب وهو البعيد منك نسبا إذا كان مؤمنا فيجتمع حق الجوار وما أوجبه ~~له الدين بعصمة الملة وذمة عقد النحلة. وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والضحاك قالوا: "الجار ذو القربى القريب في النسب". وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار, وحق ~~القرابة وحق الإسلام, وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام, وجار له حق ~~الجوار: المشرك من أهل الكتاب". # وقوله تعالى: {والصاحب بالجنب} روي فيه عن ابن عباس في إحدى الروايتين ~~وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: "أنه الرفيق في السفر" ~~وروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى: "أنه الزوجة", ورواية ~~أخرى عن ابن عباس: "أنه المنقطع إليك رجاء خيرك". وقيل: "هو جار البيت ~~دانيا كان نسبه أو نائيا إذا كان مؤمنا". # قال أبو بكر: لما كان اللفظ محتملا لجميع ذلك وجب حمله عليه وأن لا يخص ~~منه شيء بغير دلالة, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما زال ~~جبريل يوصيني بالجار ms1351 حتى ظننت أنه سيورثه". وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ~~نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره, ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليصمت". وروى عبيد الله الوصافي عن أبي جعفر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما آمن من أمسى شبعان وأمسى جاره جائعا". وروى عمر بن ~~هارون الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من أشراط الساعة سوء # PageV02P244 # الجوار وقطيعة الأرحام وتعطيل الجهاد} . وقد كانت العرب في الجاهلية تعظم ~~الجوار وتحافظ على حفظه وتوجب فيه ما توجب في القرابة, قال زهير: # وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء # يريد بالرجل المنادي من كان معك في النادي, وهو مجلس الحي. وقال بعض أهل ~~العلم: معنى الصاحب بالجنب أنه الجار الذي يلاصق داره داره وإن الله خصه ~~بالذكر تأكيدا لحقه على الجار غير الملاصق. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن عثمان القرشي وراق أحمد بن يونس قال: حدثنا ~~إسماعيل بن مسلم قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي ~~العلاء الأزدي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا, فإن أقربهما ~~بابا أقربهما جوارا, وإذا سبق أحدهما فابدأ بالذي سبق". وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أن أربعين دارا جوار". وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا الحسن بن شبيب المعمري قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا يوسف ~~بن السفر عن الأوزاعي عن يونس عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن كعب بن ~~مالك عن أبيه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني نزلت ~~بمحلة بني فلان وإن أشدهم ms1352 لي أذى أقربهم من جواري, فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا أن يأتوا باب المسجد فيقوموا على بابه ~~فيصيحوا ثلاثا ألا إن أربعين دارا جوار ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه ~~قال: قلت للزهري: يا أبا بكر أربعين دارا؟ قال: أربعين هكذا وأربعين هكذا. ~~وقد جعل الله الاجتماع في مدينة جوارا, قال الله تعالى: {لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا} [الأحزاب:60] فجعل تعالى اجتماعهم معه في المدينة ~~جوارا. # والإحسان الذي ذكره الله تعالى يكون من وجوه: منها المواساة للفقير منهم ~~إذا خاف عليه الضرر الشديد من جهة الجوع والعري, ومنها حسن العشرة وكف ~~الأذى عنه والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه وما يتبع ذلك من مكارم الأخلاق ~~وجميل الفعال. ومما أوجب الله تعالى من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى ~~جنبه; والله الموفق. # PageV02P245 # ذكر الخلاف في الشفعة بالجوار # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "الشريك في المبيع أحق من الشريك في ~~الطريق, ثم الشريك في الطريق أحق من الجار الملازق, ثم الجار الملازق ~~بعدهما" وهو قول ابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح. وقال مالك والشافعي: ~~"لا شفعة إلا # PageV02P245 # في مشاع, ولا شفعة في بئر لا بياض لها1 ولا تحتمل القسم". وقد روي وجوب ~~الشفعة للجار عن جماعة من السلف, روي عن عمر وعن أبي بكر بن أبي حفص بن عمر ~~قال: قال شريح: "كتب إلي عمر أن أقضي بالشفعة للجار". وروى عاصم عن الشعبي ~~عن شريح قال: "الشريك أحق من الخليط2 والخليط أحق من الجار, والجار أحق ممن ~~سواه". وروى أيوب عن محمد قال: "كان يقال: الشريك أحق من الخليط, والخليط ~~أحق ممن سواه". وقال إبراهيم: "إذا لم يكن شريك فالجار أحق بالشفعة" وقال ~~طاوس مثل ذلك. وقال إبراهيم بن ميسرة: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: "إذا ~~حدت الحدود فلا شفعة", قال طاوس: "الجار أحق". # والذي يدل على وجوب الشفعة ms1353 للجار ما روى حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن ~~عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرض ليس ~~لأحد فيها شريك إلا الجار؟ فقال: "الجار أحق بسقبه3 ما كان". وروى سفيان عن ~~إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "الجار أحق بسقبه" وروى أبو حنيفة قال: حدثنا عبد الكريم عن ~~المسور بن مخرمة عن رافع بن خديج قال: عرض سعد بيتا له, فقال: خذه فإني قد ~~أعطيت به أكثر مما تعطيني ولكنك أحق به; لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "الجار أحق بسقبه". وروى أبو الزبير عن جابر قال: "قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة بالجوار". وروى عبد الملك بن أبي سليمان ~~عن, عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بسقبه ~~ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا". وروى ابن أبي ليلى عن نافع ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بسقبه ما ~~كان". وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"جار الدار أحق بشفعة الجار" ; وقتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "جار الدار أحق بالدار". وروى سفيان عن منصور عن الحكم قال: حدثني ~~من سمع عليا وعبد الله يقولان: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار, ~~ويونس عن الحسن قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار. # فاتفق هؤلاء الجماعة على الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وما نعلم ~~أحدا دفع هذه الأخبار مع شيوعها واستفاضتها في الأمة, فمن عدل عن القول بها ~~كان تاركا للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P246 # واحتج من أبى ذلك بما روى أبو عاصم النبيل قال: حدثنا مالك عن الزهري عن ~~سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن ms1354 أبي هريرة قال: قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم, فإذا وقعت الحدود فلا شفعة; ~~وكذلك رواه عن مالك أبو قتيلة المدني وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون. ~~وهذا الحديث رواه هؤلاء موصولا عن أبي هريرة وأصله عن سعيد بن المسيب ~~مقطوع, رواه معن ووكيع والقعنبي وابن وهب كلهم عن مالك عن الزهري عن سعيد ~~بن المسيب من غير ذكر أبي هريرة, وكذلك هو في موطأ مالك. ولو ثبت موصولا ~~لما جاز الاعتراض به على الأخبار التي رواها نحو عشرة من الصحابة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في إيجاب الشفعة للجار; لأنها في حيز المتواتر المستفيض ~~الذي لا تجوز معارضته بأخبار الآحاد. ولو ثبت من وجوه يجوز أن يعارض به ما ~~قدمنا ذكره لم يكن فيه ما ينفي أخبار إيجاب الشفعة للجار وذلك لأن أكثر ما ~~فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم, ثم قال: ~~فإذا وقعت الحدود فلا شفعة , فأما قوله: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالشفعة فيما لم يقسم فإنه متفق على استعماله في إيجاب الشفعة للشريك, ومع ~~ذلك فهو حكاية قضية من النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها, وليس بعموم لفظ ~~ولا حكاية قول منه. وأما قوله: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" فإنه يحتمل أن ~~يكون من كلام الراوي, إذ ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله, ولا ~~أنه قضى به; وإذا احتمل أن تكون رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتمل ~~أن يكون من قول الراوي أدرجه في الحديث, كما وجد ذلك في كثير من الأخبار, ~~لم يجز لنا إثباته عن النبي صلى الله عليه وسلم; إذ غير جائز لأحد أن يعزى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقالة بالشك والاحتمال; فهذا وجه منع ~~الاعتراض به على ما ذكرنا. # واحتجوا أيضا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن محمد ~~المردف قال: حدثنا عبيد الله بن عمر ms1355 القواريري قال: حدثنا عبد الواحد بن ~~زياد قال: حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد ~~الله قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم, فإذا ~~وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وهذا لا دلالة فيه على نفي الشفعة ~~بالجوار من وجهين: أحدهما: أنه إنما نفى وجوب الشفعة إذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق, فأفاد بذلك نفي الشفعة لغير الجار الملاصق; لأن صرف الطرق ينفي ~~الملاصقة; لأن بينه وبين جاره طريقا. والثاني: أنه متى حملناه على حقيقته ~~كان الذي يقتضيه اللفظ نفي الشفعة عند وقوع الحدود وصرف الطرق, ووقوع ~~الحدود وصرف الطرق إنما هو القسمة, فكأنه إنما أفاد أن القسمة لا شفعة ~~فيها, كما قال أصحابنا إنه لا شفعة في قسمة; وكذلك الحديث الأول محمول على ~~ذلك أيضا. وأيضا فقد روى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # PageV02P247 # "الجار أحق بصقبه1 ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا". فهذان ~~الخبران قد رويا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير جائز أن نجعلهما ~~متعارضين مع إمكان استعمالهما جميعا; وقد يمكننا استعمالهما على الوجه الذي ~~ذكرنا, ومخالفونا يجعلونهما متعارضين ويسقطون أحدهما بالآخر. PageV02P248 # مطلب: إذا خرج الكلام على سبب فلا مفهوم له عند الفقهاء # وأيضا جائز أن يكون ذلك كلاما خرج على سبب, فنقل الراوي لفظ النبي صلى ~~الله عليه وسلم وترك نقل السبب, نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار والآخر ~~شريك, فيحكم بالشفعة للشريك دون الجار; وقال: فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ~~لصاحب النصيب المقسوم مع الجار; كما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا ربا إلا في النسيئة" وهو عند سائر الفقهاء كلام خارج ~~على سبب اقتصر فيه راويه على نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر ~~السبب, وهو أن يكون سئل عن النوعين المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع ms1356 ~~أحدهما بالآخر, فقال صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة" يعني ~~فيما سئل عنه; كذلك ما ذكرنا. وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة بالجوار ~~وأخبار نفيها, لكانت أخبار الإيجاب أولى من أخبار النفي; لأن الأصل أنها ~~غير واجبة حتى يرد الشرع بإيجابها, فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل وخبر ~~إثباتها ناقل عنه وارد بعده فهو أولى. # فإن قيل: يحتمل أن يريد بالجار الشريك. قيل له: هذه الأخبار التي رويناها ~~أكثرها ينفي هذا التأويل; لأن فيها أن جار الدار أحق بشفعة داره, والشريك ~~لا يسمى جار الدار; وحديث جابر قال فيه: "ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان ~~طريقهما واحدا" وغير جائز أن يكون هذا في الشريك في المبيع. وأيضا فإن ~~الشريك لا يسمى جارا; لأنه لو استحق اسم الجوار بالشركة لوجب أن يكون كل ~~شريكين في شيء جارين, كالشريكين في عبد واحد ودابة واحدة, فلما لم يستحق ~~اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك على أن الشريك لا يسمى جارا, ~~وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك ويتميز ملك كل واحد عن ~~ملك صاحبه. وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة; لأنها تقتضي حصول ~~الجوار بالقسمة. والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء لا توجب الشفعة ~~لعدم حصول الجوار بها عند القسمة, فدل ذلك على أن الشركة في العقار إنما ~~تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة, وإن كان الشريك أحق ~~من الجار # PageV02P248 # لمزية حصلت له مع تعلق حق الجوار بالقسمة. والدليل عليه أن الشركة في ~~سائر الأشياء لا توجب الشفعة لعدم حصول الجوار بها, كما أن الأخ من الأب ~~والأم أولى بالميراث من الأخ من الأب, وإن كانت الأخوة من جهة الأب يستحق ~~بها التعصيب والميراث إذا لم يكن أخ لأب وأم, ومعلوم أن القرابة من جهة ~~الأم لا يستحق بها التعصيب; إذ لم تكن هناك قرابة من جهة الأب, إلا أنها ~~أكدت تعصيب القرابة من الأب; كذلك الشريك إنما ms1357 يستحق الشفعة بالشركة; لما ~~تعلق بها من حصول الجوار عند القسمة, والشريك أولى من الجار لمزية حصلت له ~~كما وصف بالتعصيب, ويكون المعنى الذي يتعلق به وجوب الشفعة هو الجوار. ~~وأيضا لما كان المعنى الذي به وجبت الشفعة بالشركة هو دوام التأذي بالشريك, ~~وكان ذلك موجودا في الجوار; لأنه يتأذى به في الإشراف عليه ومطالعة أموره ~~والوقوف على أحواله وجب أن تكون له الشفعة لوجود المعنى الذي من أجله وجبت ~~الشفعة للشريك; وهذا المعنى غير موجود في الجار غير الملاصق; لأن بينه ~~وبينه طريقا يمنعه التشرف عليه والاطلاع على أموره. # وأما قوله تعالى: {وابن السبيل} , فإنه روي عن مجاهد والربيع بن أنس أنه ~~المسافر; وقال قتادة والضحاك: "هو الضيف". قال أبو بكر: ومعناه صاحب ~~الطريق; وهذا كما يقال لطير الماء: ابن ماء, قال الشاعر: # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # ومن تأوله على الضيف فقوله سائغ أيضا; لأن الضيف كالمجتاز غير المقيم, ~~فسمي ابن السبيل تشبيها بالمسافر المجتاز, وهو كما يقال: عابر السبيل. وقال ~~الشافعي: "ابن السبيل هو الذي يريد السفر وليس معه نفقته" وهذا غلط; لأنه ~~ما لم يصر في الطريق لا يسمى ابن السبيل كما لا يسمى مسافرا ولا عابر سبيل. # وقوله عز وجل: {وما ملكت أيمانكم} يعني الإحسان المأمور به في أول الآية. ~~وروى سليمان التيمي عن قتادة عن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره وما ~~يقبض بها لسانه, وروته أيضا أم سلمة. وروى الأعمش عن طلحة بن مصرف عن أبي ~~عمارة عن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الغنم ~~بركة والإبل عز لأهلها, والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة, ~~والمملوك أخوك فأحسن إليه فإن وجدته مغلوبا فأعنه". وروى مرة الطيب1 عن أبي ~~بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة" ~~قيل: PageV02P249 # يا رسول الله ms1358 أليس قد حدثتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأتباعا؟ ~~قال: "بلى, فأكرموهم ككرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون". وروى الأعمش عن ~~المعرور بن سويد قال: مررت على أبي ذر وهو بالربذة, فسمعته يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "المماليك هم إخوانكم ولكن الله تعالى خولكم ~~إياهم, فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون". # PageV02P250 # مطلب: في معنى البخل لغة وشرعا # قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله ~~من فضله} . قيل في معنى البخل في اللغة: إنه مشقة الإعطاء, وقيل: البخل منع ~~ما لا ينفع منعه ولا يضر بذله. وقيل: البخل منع الواجب, ونظيره الشح, ~~ونقيضه الجود. وقد عقل من معناه في أسماء الدين أنه منع الواجب. ويقال: إنه ~~لا يصح إطلاقه في الدين إلا على جهة أن فاعله قد أتى كبيرة بالمنع قال الله ~~تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو ~~شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] فأطلق الوعيد على ~~من بخل بحق الله الذي أوجبه في ماله. وأما قوله تعالى: {ويكتمون ما آتاهم ~~الله من فضله} فإنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي أنها نزلت في اليهود ~~إذ بخلوا بما أعطوا من الرزق. وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: هو فيمن كان بهذه الصفة وفيمن كتم نعم الله وأنكرها, وذلك ~~كفر بالله تعالى. # قال أبو بكر: الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر, وأصل الكفر ~~إنما هو من تغطية نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها. وهذا يدل على أنه جائز ~~للإنسان أن يتحدث بنعم الله عنده, لا على جهة الفخر بل على جهة الاعتراف ~~بالنعمة والشكر للمنعم, وهو كقوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى:11] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر, وأنا أفصح العرب ولا ~~فخر" فأخبر بنعم الله عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه الافتخار. ~~وقال صلى الله عليه ms1359 وسلم: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم خيرا منه, ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه ~~الافتخار. وقال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} . [لنجم: 32] ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يمدح رجلا فقال: "لو ~~سمعك لقطعت ظهره". ورأى المقداد رجلا يمدح عثمان PageV02P250 # في وجهه فحثا في وجهه التراب وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب". وقد روي: "إياكم ~~والتمادح فإنه الذبح". فهذا إذا كان على وجه الفخر فقد كره, وأما أن يتحدث ~~بنعم الله عنده أو يذكرها غيره بحضرته فهذا نرجو أن لا يضر; إلا أن أصلح ~~الأشياء لقلب الإنسان أن لا يغتر بمدح الناس له ولا يعتد به. # وقوله تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر} معناه والله أعلم: أنه أعد للذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل والذين ينفقون أموالهم رياء الناس عذابا مهينا; وفي ذلك دليل على أن ~~كل ما يفعله العبد لغير وجه الله فإنه لا قربة فيه ولا يستحق عليه الثواب; ~~لأن ما يفعل على وجه الرياء فإنما يريد به عوضا من الدنيا كالذكر الجميل ~~والثناء الحسن, فصار ذلك أصلا في أن كل ما أريد به عوض من أعواض الدنيا أنه ~~ليس بقربة, كالاستئجار على الحج وعلى الصلاة وسائر القرب, أنه متى استحق ~~عليه عوضا يخرج بذلك عن باب القربة. وقد علمنا أن هذه الأشياء سبيلها أن لا ~~تفعل إلا على وجه القربة فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يستحق عليها الأجرة وأن ~~الإجارة عليها باطلة # قوله تعالى: {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله} يدل على بطلان مذهب أهل الجبر; لأنهم لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان ~~بالله والإنفاق لما جاز أن يقال ذلك فيهم; لأن عذرهم واضح وهو أنهم غير ~~ممكنين مما دعوا إليه ولا قادرين عليه, كما لا ms1360 يقال للأعمى: "ماذا عليه لو ~~أبصر" ولا يقال للمريض: "ماذا عليه لو كان صحيحا"; وفي ذلك أوضح دليل على ~~أن الله قطع عذرهم من فعل ما كلفهم من الإيمان وسائر الطاعات وأنهم ممكنون ~~من فعلها. # وقوله تعالى: {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا} , فأخبر الله عنهم أنهم لا يكتمون1 الله هناك شيئا من ~~أحوالهم وما عملوه, لعلمهم بأن الله مطلع عليهم عالم بأسرارهم, فيقرون بها ~~ولا يكتمونها. وقيل: يجوز أن يكون المراد أنهم لا يكتمون أسرارهم هناك كما ~~كانوا يكتمونها في الدنيا. فإن قيل: قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون والله ~~ربنا ما كنا مشركين قيل له: فيه وجوه: أحدها: أن الآخرة مواطن فموطن لا ~~تسمع فيه إلا همسا أي صوتا خفيا, وموطن يكذبون فيه فيقولون ما كنا نعمل من ~~سوء والله ربنا ما كنا مشركين, وموطن يعترفون فيه بالخطإ ويسألون الله أن ~~يردهم إلى الدنيا; وروي ذلك عن الحسن وقال ابن عباس: PageV02P251 # إن قوله تعالى: {ولا يكتمون الله حديثا} داخل في التمني بعدما نطقت ~~جوارحهم بفضيحتهم وقيل: إن معناه أنه لا يعتد بكتمانهم; لأنه ظاهر عند الله ~~لا يخفى عليه منه شيء, فكان تقديره أنهم غير قادرين هناك على الكتمان; لأن ~~الله يظهره. وقيل: إنهم لم يقصدوا الكتمان; لأنهم إنما أخبروا على ما ~~توهموا, ولا يخرجهم ذلك من أن يكونوا قد كتموا, والله تعالى أعلم. # PageV02P252 # لصلاة المغرب فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:1] فالتبس عليه ~~فأنزل الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} . وحدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس, في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس} [البقرة: 219] , وقال في سورة النساء: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون} ثم نسختها هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا ~~إنما ms1361 الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] الآية. قال أبو عبيد: ~~وحدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: ~~219] قال: وقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون} قال: "كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها". قال ~~أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال ~~عمر: اللهم بين لنا في الخمر فنزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} , وذكر الحديث. قال أبو عبيد: وحدثنا هشيم قال: أخبرنا ~~مغيرة عن أبي رزين قال: "شربت الخمر بعد الآية التي في سورة البقرة والتي ~~في سورة النساء, وكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت الصلاة تركوها, ~~ثم حرمت في المائدة". # قال أبو بكر: فأخبر هؤلاء أن المراد السكر من الشراب, وأخبر ابن عباس ~~وأبو رزين أنهم تركوا شربها بعد نزول الآية عند الصلاة وشربوها في غير ~~أوقات الصلوات; ففي هذا دلالة على أنهم عقلوا من قوله تعالى: {لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى} النهي عن شربها في الحال التي يكونون فيها سكارى عند ~~لزوم فرض الصلاة, وهذا يدل على أن قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} إنما أفاد النهي عن شربها في أوقات الصلوات, وكان معناه: لا يكن ~~منكم شرب تصيرون به إلى حال السكر عند أوقات الصلوات فتصلوا وأنتم سكارى ~~وذلك أنهم لما كانوا متعبدين بفعل الصلوات في أوقاتها منهيين عن تركها, قال ~~تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} , وقد علمنا أنه لم ينسخ بذلك فرض ~~الصلاة, كان في مضمون هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند أوقات الصلوات, ~~كما أنه لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يقبل الله صلاة بغير طهور". وكما قال تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ms1362 ~~تغتسلوا} , كان ذلك نهيا عن ترك الطهارة ولم يكن نهيا عن فعل الصلاة. ولم ~~يوجب كون الإنسان جنبا أو محدثا # PageV02P253 # سقوط فرض الصلاة; وإنما نهي عن فعلها في هذه الحال, وهو مأمور مع ذلك ~~بتقديم الطهارة لها; كذلك النهي عن الصلاة في حال السكر إنما دل على حظر ~~شرب يوجب السكر قبل الصلاة, وفرض الصلاة قائم عليه. فهذا التأويل يدل على ~~ما روي عن ابن عباس وأبي رزين, وظاهر الآية وفحواها يقتضي ذلك على الوجه ~~الذي بينا. وهذا التأويل لا ينافي ما قدمنا ذكره عن السلف في حظر الصلاة ~~عند السكر; لأنه جائز أن يكونوا نهوا عن شرب يقتضي كونه سكران عند حضور ~~الصلاة, فيكون ذلك حظرا قائما, فإن اتفق أن يشرب حتى أنه كان سكران عند ~~حضور الصلاة كان منهيا عن فعلها مأمورا بإعادتها في حال الصحو, أو يكون ~~النهي مقصورا على فعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في جماعة; وهذه ~~المعاني كلها صحيحة جائزة يحتملها لفظ الآية. # وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} يدل على أن السكران الذي منع من ~~الصلاة هو الذي قد بلغ به السكر إلى حال لا يدري ما يقول, وأن السكران الذي ~~يدري ما يقول لم يتناوله النهي عن فعل الصلاة; وهذا يشهد للتأويل الذي ~~ذكرنا من أن النهي إنما انصرف إلى الشرب لا إلى فعل الصلاة; لأن السكران ~~الذي لا يدري ما يقول لا يجوز تكليفه في هذه الحال كالمجنون والنائم والصبي ~~الذي لا يعقل, والذي يعقل ما يقول لم يتوجه إليه النهي; لأن في الآية إباحة ~~فعل الصلاة إذا علم ما يقول; وهذا يدل على أن الآية إنما حظرت عليه الشرب ~~لا فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يعلم ما يقول فيه; إذ غير جائز تكليف ~~السكران الذي لا يعقل. وهي تدل أيضا على أن السكر الذي يتعلق به الحكم هو ~~الذي لا يعقل صاحبه ما يقول, وهذا يدل على صحة قول أبي حنيفة في السكر ~~الموجب للحد" أنه ms1363 هو الذي لا يعرف فيه الرجل من المرأة" ومن لا يعقل ما ~~يقول لا يعرف الرجل من المرأة. # وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} يدل على فرض القراءة في الصلاة; ~~لأنه منعه من الصلاة لأجل عدم إقامة القراءة فيها, فلولا أنها من أركانها ~~وفروضها لما منع من الصلاة لأجلها. # فإن قيل: لا دلالة في ذلك على وجوب القراءة فيها; وذلك لأن قوله تعالى: ~~{حتى تعلموا ما تقولون} قد دل على أنه ممنوع منها في الحال التي لا يعلم ما ~~يقول, ولم يذكر القراءة وإنما ذكر نفي العلم بما يقول, وهذا على سائر ~~الأقوال والكلام, ومن صار بهذه الحال من السكر لم يصح له إحضار نية الصلاة ~~ولا فعل سائر أركانها, فإنما منع من الصلاة من كانت هذه; لأنه لا تصح منه ~~نية الصلاة ولا سائر أفعالها, ومع ذلك فلا يعلم أنه طاهر غير محدث. قيل له: ~~هذا على ما ذكرت في أن من كانت هذه # PageV02P254 # حاله فلا يصح منه فعل الصلاة على سائر شرائطها, إلا أن اختصاصه القول ~~بالذكر دون غيره من أمور الصلاة وأحوالها يدل على أن المراد به قول مفعول ~~في الصلاة وأنه متى كان من السكر على حال لم يمكنه إقامة القراءة فيها لم ~~يصح له فعلها لأجل عدم القراءة, وأن وجود القراءة فيها من فروضها وشرائطها, ~~وهذا مثل قوله: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] في إفادته أن في الصلاة ~~قياما مفروضا, ومثل قوله: {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] في دلالته ~~على فرض الركوع في الصلاة. # وأما قوله عز وجل: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} فإن أهل العلم ~~قد تنازعوا تأويله, فروى المنهال بن عمرو عن زر عن علي رضي الله عنه في ~~قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} : "إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون ما ~~تتيممون به وتصلون". وروى قتادة عن أبي مجلز عن ابن عباس مثله, وعن مجاهد ~~مثله. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "هو الممر في المسجد". وروى عطاء ~~بن يسار عن ms1364 ابن عباس مثله في تأويل الآية, وكذلك روي عن سعيد بن المسيب ~~وعطاء وعمرو بن دينار في آخرين من التابعين. # واختلف السلف في مرور الجنب في المسجد, فروي عن جابر قال: "كان أحدنا يمر ~~في المسجد مجتازا وهو جنب". وقال عطاء بن يسار: "كان رجال من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضئون ثم يأتون المسجد فيتحدثون ~~فيه". وقال سعيد بن المسيب: "الجنب لا يجلس في المجلس ويجتاز" وكذلك روي عن ~~الحسن. وما روي في ذلك عن عبد الله فإن الصحيح فيه ما تأوله شريك عن عبد ~~الكريم الجزري عن أبي عبيدة: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} قال: "الجنب يمر في ~~المسجد ولا يجلس", ورواه معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة عن عبد الله; ~~ويقال إن أحدا لم يرفعه إلى عبد الله غير معمر وسائر الناس وقفوه. # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن بن زياد: "لا يدخله إلا طاهرا سواء أراد القعود فيه أو الاجتياز", ~~وهو قول مالك بن أنس والثوري. وقال الليث: "لا يمر فيه إلا أن يكون بابه ~~إلى المسجد". وقال الشافعي: "يمر فيه ولا يقعد". # والدليل على أن الجنب لا يجوز له أن يجتاز في المسجد ما حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد ~~قال: حدثنا أفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة رضي ~~الله عنها تقول: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة ~~في المسجد, فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد" ثم دخل ولم يصنع, القوم ~~شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة, فخرج # PageV02P255 # إليهم بعد فقال: "وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" ~~ولم يفرق فيه بين الاجتياز وبين القعود, فهو عليهما سواء. والثاني: أنه ~~أمرهم بتوجيه البيوت الشارعة لئلا يجتازوا في المسجد إذا أصابتهم جنابة; ~~لأنه لو أراد القعود لم يكن لقوله: "وجهوا هذه ms1365 البيوت فإني لا أحل المسجد ~~لحائض ولا جنب" معنى; لأن القعود منهم بعد دخول المسجد لا تعلق له بكون ~~البيوت شارعة إليه, فدل على أنه إنما أمر بتوجيه البيوت لئلا يضطروا عند ~~الجنابة إلى الاجتياز في المسجد; إذ لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي شارعة ~~إلى المسجد. وقد روى سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب: "أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه ~~وهو جنب, إلا علي بن أبي طالب فإنه كان يدخله جنبا ويمر فيه; لأن بيته كان ~~في المسجد فأخبر في هذا الحديث بحظر النبي صلى الله عليه وسلم الاجتياز كما ~~حظر عليهم القعود. # PageV02P256 # مطلب: ورد من بعض الخصوصيات لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم # وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح, وقول الراوي: "لأنه كان ~~بيته في المسجد" ظنا منه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر في الحديث ~~الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم ~~في المسجد, وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره, كما خص ~~جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء, وكما خص حنظلة بغسل ~~الملائكة له حين قتل جنبا, وخص دحية الكلبي بأن جبريل كان ينزل على صورته, ~~وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل; فثبت بذلك أن سائر ~~الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين. وأما ما روى جابر: ~~"كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب" فلا حجة فيه; لأنه لم يخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره عليه, وكذلك ما روي عن عطاء بن ~~يسار: "كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة ~~فيتوضئون ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه" لا دلالة فيه للمخالف; لأنه ليس ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه بعد علمه بذلك منهم ولأنه جائز ms1366 ~~أن يكون ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحظر عليهم ذلك; ولو ~~ثبت جميع ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روي ما وصفنا لكان خبر الحظر ~~أولى; لأنه طارئ على الإباحة لا محالة فهو متأخر عنها ولما ثبت باتفاق ~~الفقهاء حظر القعود فيه لأجل الجنابة تعظيما لحرمة المسجد وجب أن يكون كذلك ~~حكم الاجتياز تعظيما للمسجد; ولأن العلة في حظر القعود فيه هو الكون فيه ~~جنبا وذلك موجود في الاجتياز, # PageV02P256 # وكما أنه لما كان محظورا عليه القعود في ملك غيره بغير إذنه كان حكم ~~الاجتياز فيه حكم القعود فكان الاجتياز بمنزلة القعود, كذلك القعود في ~~المسجد لما كان محظورا وجب أن يكون كذلك الاجتياز اعتبارا بما ذكرنا; ~~والعلة في الجميع حظر الكون فيه. # وأما قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} وتأويل من تأوله ~~على إباحة الاجتياز في المسجد, فإن ما روي عن علي وابن عباس في تأويله أن ~~المراد المسافر الذي لا يجد الماء فيتيمم, أولى من تأويل من تأوله على ~~الاجتياز في المسجد وذلك لأن قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~نهي عن فعل الصلاة نفسها في هذه الحال لا عند المسجد; لأن ذلك حقيقة اللفظ ~~ومفهوم الخطاب, وحمله على المسجد عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن ~~تجعل الصلاة عبارة عن موضعها, كما يسمى الشيء باسم غيره للمجاورة أو لأنه ~~تسبب منه, كقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات} [الحج: 40] يعني به ~~مواضع الصلوات. ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته لم يجز صرفه عنها إلى ~~المجاز إلا بدلالة, ولا دلالة توجب صرف ذلك عن الحقيقة وفي نسق التلاوة ما ~~يدل على أن المراد حقيقة الصلاة, وهو قوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} ~~وليس للمسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند السكر, وفي الصلاة ~~قراءة مشروطة, فمنع من أجل العذر عن إقامتها عن فعل الصلاة; فدل ذلك على أن ~~المراد حقيقة الصلاة, فيكون تأويل من تأوله عليها موافقا ms1367 لظاهرها وحقيقتها. # وقوله تعالى: {إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} فإن معناه المسافر; لأن ~~المسافر يسمى عابر سبيل, ولولا أنه يطلق عليه هذا الاسم; لما تأوله عليه ~~علي وابن عباس; إذ غير جائز لأحد تأويل الآية على ما لا يقع عليه الاسم. ~~وإنما سمي المسافر عابر سبيل; لأنه على الطريق, كما يسمى ابن السبيل; فأباح ~~الله تعالى له في حال السفر أن يتيمم ويصلي وإن كان جنبا, فدلت الآية على ~~معنيين: أحدهما: جاز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به, والثاني: ~~أن التيمم لا يرفع الجنابة; لأنه سماه جنبا مع كونه متيمما; فهذا التأويل ~~أولى من تأويل من حمله على الاجتياز في المسجد. # وقوله تعالى: {حتى تغتسلوا} غاية لإباحة الصلاة, ولا خلاف أن الغاية في ~~هذا الموضع داخلة في الحظر إلى أن يستوعبها بوجود الاغتسال, وأنه لا تجوز ~~له الصلاة وقد بقي من غسله شيء في حال وجود الماء وإمكان استعماله من غير ~~ضرر يخافه; فهذا دليل على أن الغاية قد تدخل في الجملة التي قبلها; وقال ~~الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] والغاية خارجة من ~~الجملة; لأنه بدخول أول الليل يخرج من الصوم; لأن" إلى" غاية كما أن" حتى" ~~غاية. وهذا أصل في أن الغاية قد يجوز دخولها # PageV02P257 # في الكلام تارة وخروجها أخرى, وحكمها موقوف على الدلالة في دخولها أو ~~خروجها. وسنذكر أحكام الجنابة ومعناها وحكم المريض والمسافر في سورة ~~المائدة إذا انتهينا إليها إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: {آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها} يدل ~~على قول أصحابنا في قول الرجل لامرأته أنت طالق قبل قدوم فلان, أنها تطلق ~~في الحال قدم فلان أو لم يقدم. وحكي عن بعضهم أنها لا تطلق حتى يقدم; لأنه ~~لا يقال إنه قبل قدوم فلان وما قدم. والصحيح ما قال أصحابنا, وهذه الآية ~~تدل عليه; لأنه قال الله تعالى: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ms1368 وجوها} فكان الأمر بالإيمان صحيحا قبل ~~طمس الوجوه ولم يوجد الطمس أصلا, وكان ذلك إيمانا قبل طمس الوجوه وما وجد; ~~وهو نظير قوله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [القصص: 3] فكان ~~الأمر بالعتق للرقبة أمرا صحيحا وإن لم يوجد المسيس. # فإن قيل: إن هذا وعيد من الله لليهود ولم يسلموا ولم يقع ما توعدوا به. ~~قيل له: إن قوما من هؤلاء اليهود أسلموا, منهم عبد الله بن سلام وثعلبة بن ~~سعية وزيد بن سعنة وأسد بن سعية وأسد بن عبيد ومخيريق في آخرين منهم, وإنما ~~كان الوعيد العاجل معلقا بترك جميعهم الإسلام; ومحتمل أن يريد به الوعيد في ~~الآخرة; إذ لم يذكر في الآية تعجيل العقوبة في الدنيا إن لم يسلموا. # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} . قال الحسن وقتادة ~~والضحاك: "هو قول اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه, وقالوا: لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" وروي عن عبد الله أنه قال: "هو تزكية ~~الناس بعضهم بعضا لينال بها شيئا من الدنيا". # PageV02P258 # مطلب: في بيان التزكية المنهي عنها # قال أبو بكر: وهذا يدل على أن النهي عن التزكية من هذا الوجه, وقال الله: ~~{فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] , وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب} . # قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} . روي عن ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك والسدي وعكرمة: "أن المراد بالناس ههنا هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة". وقال قتادة: "العرب". وقال آخرون: "النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه"; وهذا أولى; لأن أول الخطاب في ذكر اليهود, وقد كانوا ~~قبل ذلك يقرءون في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P258 # وصفته وحال نبوته, وكانوا يوعدون العرب بالقتل عند مبعثه; لأنهم زعموا ~~أنهم لا يتبعونه, وكانوا يظنون أنه يكون من بني إسرائيل, فلما بعثه الله ~~تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا الكفر به وجحدوا ما عرفوه. قال ~~الله ms1369 تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به} [البقرة: 89] , وقال الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] فكانت ~~عداوة اليهود للعرب ظاهرة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حسدا منهم لهم ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا منهم; فالأظهر من معنى الآية ~~حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللعرب. والحسد هو تمني زوال النعمة عن ~~صاحبها; ولذلك قيل: إن كل أحد تقدر أن ترضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه ~~إلا زوالها; والغبطة غير مذمومة; لأنها تمني مثل النعمة من غير زوالها عن ~~صاحبها بل مع سرور منه ببقائها عليه. # قوله تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} قيل فيه: إن الله ~~تعالى يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت; والقائلون بهذا هم الذين ~~يقولون إن الجلد ليس بعض الإنسان, وكذلك اللحم والعظم, وإن الإنسان هو ~~الروح اللابس لهذا البدن. ومن قال إن الجلد هو بعض الإنسان وإن الإنسان هو ~~هذا الشخص بكماله, فإنه يقول إن الجلود تجدد بأن ترد إلى الحال التي كانت ~~عليها غير محترقة, كما يقال لخاتم كسر ثم صيغ خاتم آخر: هذا الخاتم غير ذاك ~~الخاتم, وكما يقال لمن قطع قميصه قباء: هذا اللباس غير ذاك اللباس. وقال ~~بعضهم: التبديل إنما هو للسرابيل التي قد ألبسوها; وهو تأويل بعيد; لأن ~~السرابيل لا تسمى جلودا; والله تعالى أعلم. # PageV02P259 # باب ما أوجب الله تعالى من أداء الأمانات # قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} اختلف أهل ~~التفسير في المأمورين بأداء الأمانة في هذه الآية من هم, فروي عن زيد بن ~~أسلم ومكحول وشهر بن حوشب أنهم ولاة الأمر. وقال ابن جريج: "إنها نزلت في ~~عثمان بن طلحة, أمر بأن ترد عليه مفاتيح الكعبة". وقال ابن عباس وأبي بن ~~كعب والحسن وقتادة: "هو في كل مؤتمن على شيء "; وهذه أولى; لأن قوله تعالى: ~~{إن الله ms1370 يأمركم} خطاب يقتضي عمومه سائر المكلفين فغير جائز الاقتصار به ~~على بعض الناس دون بعض إلا بدلالة; وأظن من تأوله على ولاة الأمر ذهب إلى ~~قوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} لما كان خطابا لولاة ~~الأمر كان ابتداء الخطاب منصرفا إليهم; وليس ذلك كذلك; إذ لا يمتنع أن يكون ~~أول الخطاب عموما في سائر الناس وما عطف عليه # PageV02P259 # خاصا في ولاة الأمر على ما ذكرنا في نظائره في القرآن وغيره. # قال أبو بكر: ما اؤتمن عليه الإنسان فهو أمانة, فعلى المؤتمن عليها ردها ~~إلى صاحبها; فمن الأمانات الودائع وعلى مودعيها ردها إلى من أودعه إياها, ~~ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أنه لا ضمان على المودع فيها إن هلكت. وقد روي ~~عن بعض السلف فيه الضمان, ذكر الشعبي عن أنس قال: "استحملني رجل بضاعة ~~فضاعت من بين ثيابي, فضمنني عمر بن الخطاب". وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا حامد بن محمد قال: حدثنا شريح قال: حدثنا ابن إدريس عن هشام بن ~~حسان عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: "استودعت ستة آلاف درهم, فذهبت, ~~فقال لي عمر: ذهب لك معها شيء؟ قلت: لا, فضمنني". وروى حجاج عن أبي الزبير ~~عن جابر: أن رجلا استودع متاعا فذهب من بين متاعه, فلم يضمنه أبو بكر رضي ~~الله عنه وقال: هي أمانة. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من استودع وديعة فلا ضمان عليه". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم قال: حدثنا محمد بن ~~عون قال: حدثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن نبيه الحجبي عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضمان على راع ~~ولا على مؤتمن". # قال أبو بكر: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ms1371 ضمان على مؤتمن" يدل على نفي ~~ضمان العارية; لأن العارية أمانة في يد المستعير;; إذ كان المعير قد ائتمنه ~~عليها; ولا خلاف بين الفقهاء في نفي ضمان الوديعة إذا لم يتعد فيه المودع. ~~وما روي عن عمر في تضمين الوديعة فجائز أن يكون المودع اعترف بفعل يوجب ~~الضمان عنده, فلذلك ضمنه. # واختلف الفقهاء في ضمان العارية بعد اختلاف من السلف فيه, فروي عن عمر ~~وعلي وجابر وشريح وإبراهيم: "أن العارية غير مضمونة". وروي عن ابن عباس ~~وأبي هريرة: "أنها مضمونة". وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن ~~زياد: "هي غير مضمونة إذا هلكت" وهو قول ابن شبرمة والثوري والأوزاعي. وقال ~~عثمان البتي: "المستعير ضامن لما استعاره إلا الحيوان والعقل; فإن اشترط ~~عليه في الحيوان والعقل الضمان فهو ضامن". وقال مالك: "لا يضمن الحيوان في ~~العارية ويضمن الحلي والثياب ونحوها". وقال الليث: "لا ضمان في العارية ~~ولكن أبا العباس أمير المؤمنين قد كتب إلي بأن أضمنها فالقضاء اليوم على ~~الضمان ": وقال الشافعي: "كل عارية مضمونة" # قال أبو بكر: والدليل على نفي ضمانها عند الهلاك إذا لم يتعد فيها أن ~~المعير قد # PageV02P260 # ائتمن المستعير عليها حين دفعها إليه, وإذا كان أمينا لم يلزمه ضمانها; ~~لأنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ضمان على مؤتمن" وذلك ~~عموم في نفي الضمان عن كل مؤتمن. وأيضا لما كانت مقبوضة بإذن مالكها لا على ~~شرط الضمان لم يضمنها كالوديعة. وأيضا قد اتفق الجميع على نفي ضمان الثوب ~~المستأجر مع شرط بذل المنافع إذا لم يشترط عليه ضمان بدل المقبوض, فالعارية ~~أولى أن لا تكون مضمونة; إذ ليس فيها ضمان مشروط بوجه. ومن جهة أخرى أن ~~المقبوض على وجه الإجارة مقبوض لاستيفاء المنافع ولم يكن مضمونا, فوجب أن ~~لا تضمن العارية; إذ كانت مقبوضة لاستيفاء المنافع. وأيضا لما كانت الهبة ~~غير مضمونة على الموهوب له; لأنها مقبوضة بإذن مالكها لا على شرط ضمان ~~البدل وهي معروف وتبرع وجب أن تكون العارية ms1372 كذلك; إذ هي معروف وتبرع. وأيضا ~~قد اتفق الجميع على أن العارية لو نقصت بالاستعمال لم يضمن النقصان, فإذا ~~كان الجزء منها غير مضمون مع حصول القبض عليه وجب أن لا يضمن الكل; لأن ما ~~تعلق ضمانه بالقبض لا يختلف فيه حكم الكل والبعض, كالغصب والمقبوض ببيع ~~فاسد; فلما اتفق الجميع على أن الجزء الفائت بالنقصان غير مضمون وجب أن لا ~~يضمن الجميع كالودائع وسائر الأمانات. # وقد اختلف في ألفاظ حديث صفوان بن أمية في العارية, فذكر بعضهم فيه ~~الضمان ولم يذكره بعضهم. وروى شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة ~~عن أمية عن صفوان بن أمية عن أبيه قال: استعار النبي صلى الله عليه وسلم من ~~صفوان أدراعا من حديد يوم حنين, فقال له: يا محمد مضمونة فقال: مضمونة فضاع ~~بعضها, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئت غرمناها لك" فقال: لا, ~~أنا أرغب في الإسلام من ذلك يا رسول الله. ورواه إسرائيل عن عبد العزيز بن ~~رفيع عن ابن أبي مليكة عن صفوان بن أمية, قال: استعار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعا فضاع بعضها, فقال: "إن شئت غرمناها لك" ~~فقال: لا يا رسول الله. فوصله شريك وذكر فيه الضمان وقطعه إسرائيل ولم يذكر ~~الضمان. وروى قتادة عن عطاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان ~~بن أمية دروعا يوم حنين, فقال له: أمؤداة يا رسول الله العارية؟ فقال: ~~"نعم". وروى جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان ~~قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو حنينا; وذكر الحديث من غير ~~ذكر ضمان. ويقال إنه ليس في رواة هذا الحديث أحفظ ولا أتقن ولا أثبت من ~~جرير بن عبد الحميد, ولم يذكر الضمان, ولو تكافأت الرواة فيه حصل مضطربا. ~~وقد روي في أخبار أخر من طريق أبي أمامة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "العارية ms1373 مؤداة". وإن صح ذكر الضمان في حديث صفوان فإن معناه ضمان ~~الأداء, كما # PageV02P261 # روي في بعض ألفاظ حديث صفوان أنه قال: "هي مضمونة حتى أؤديها إليك", وكما ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الفريابي قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ~~الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هند: أن أول ما ضمنت العارية أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصفوان: "أعرنا سلاحك وهي علينا ضمان حتى ~~نأتيك بها" , فثبت بذلك أنه إنما شرط له ضمان الرد وذلك لأن صفوان كان ~~حربيا كافرا في ذلك الوقت, فظن أنه يأخذها على جهة استباحة ماله كسائر ~~أموال الحربيين, ولذلك قال له: أغصبا تأخذها يا محمد؟ فقال: "لا, بل عارية ~~مضمونة حتى أؤديها إليك وعارية مؤداة"; فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه يأخذها على أنها عارية مؤداة وأنه ليس يأخذها على سبيل ما تؤخذ عليه ~~أموال أهل الحرب; وهو كقول القائل: أنا ضامن لحاجتك, يعني القيام بها ~~والسعي فيها حتى يقضيها; قال الشاعر يصف ناقة: # بتلك أسلي حاجة إن ضمنتها ... وأبرئ هما كان في الصدر داخلا # قال أهل اللغة في قوله: "إن ضمنتها" يعني إن هممت بها وأردتها. # وأيضا فإنا نسلم للمخالف صحة الخبر بما روي فيه من الضمان, ونقول: إنه لا ~~دلالة فيه على موضع الخلاف وذلك لأنه قال: "عارية مضمونة" فجعل الأدراع ~~التي قبضها مضمونة, وهذا يقتضي ضمان عينها بالرد لا ضمان قيمتها,; إذ لم ~~يقل أضمن قيمتها; وغير جائز صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدلالة. ~~وأيضا فيما ادعى المخالف إثبات ضمير في اللفظ لا دلالة عليه وهو ضمان ~~القيمة, ولا يجوز إثباته إلا بدلالة; ويدل على أنها لم تكن مضمونة ضمان ~~القيمة عند الهلاك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فقد منها أدراعا قال ~~لصفوان: "إن شئت غرمناها لك", فلو كان ضمان القيمة قد حصل عليه لما قال: ~~"إن شئت غرمناها لك" وهو غارم, فدل ذلك على أن الغرم لم يجب بالهلاك ms1374 وإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يغرمها إذا شاء ذلك صفوان متبرعا ~~بالغرم ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استقرض من عبد الله بن ~~ربيعة ثلاثين ألفا في هذه الغزاة أيضا ثم أراد أن يردها إلى عبد الله أبى ~~عبد الله أن يقبلها فقال له: "خذها فإن جزاء القرض الوفاء والحمد "؟ فلو ~~كان الغرم لازما فيما فقد من الأدراع لما قال: "إن شئت غرمناها لك". ويدل ~~على أنه لم يكن ضامنا لقيمة ما فقد أنه قال: لا, فإن في قلبي اليوم من ~~الإيمان ما لم يكن قبل; وفي ذلك دليل على أنها لم تكن مضمونة القيمة; لأن ~~ما كان مضمونا لا يختلف حكمه في الإيمان والكفر. وقال بعض شيوخنا: إن صفوان ~~لما كان حربيا جاز أن يشرط له ذلك; إذ قد يجوز فيما بيننا وبين أهل الحرب ~~من الشروط ما لا يجوز فيما بيننا بعضنا لبعض ألا ترى أنه يجوز أن يرتهن ~~منهم الأحرار ولا يجوز مثله فيما بيننا؟ وكان # PageV02P262 # أبو الحسن الكرخي يأبى هذا التأويل ويقول: لا يصح شرط الضمان لأهل الحرب ~~فيما ليس بمضمون ألا ترى أنه لو شرطنا لهم ضمان الودائع والمضاربات ونحوها ~~لم يصح؟. # واحتج من قال بضمان العارية بما رواه شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة ~~عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما ~~أخذت حتى تؤديه" ولا دلالة في هذا الحديث أيضا على موضع الخلاف; لأنه إنما ~~أوجب رد المأخوذ بعينه وليس فيه ذكر ضمان القيمة عند هلاكه, ونحن نقول إن ~~عليه رد العارية, فهذا لا خلاف فيه ولا تعلق له أيضا بموضع الخلاف; والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # PageV02P263 # باب ما أمر الله تعالى به من الحكم بالعدل # قال الله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} , وقال تعالى: ~~{إن الله يأمر بالعدل والأحسان} [النحل: 90] , وقال تعالى: {وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى} [الأنعام: 152] . وحدثنا عبد الباقي بن قانع ms1375 قال: ~~حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال: حدثنا عبيد بن حباب الحلي قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ~~قال: قال ثابت الأعرج: أخبرني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا ~~استرحمت رحمت". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عبد ~~الرحمن المقري عن كهمس بن الحسن عن عبد الله الأسلمي قال: شتم رجل ابن ~~عباس, فقال له ابن عباس: "إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية ~~من كتاب الله تعالى فلوددت بالله أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم, وإني ~~لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضى إليه ~~أبدا, وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح به وما لي ~~من سائمة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن ~~حميد عن الحسن قال: "إن الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى, ~~وأن يخشوه ولا يخشوا الناس, وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قرأ: {يا ~~داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: ~~26] الآية; وقال الله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا} إلى قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] . # PageV02P263 # باب في طاعة أولي الأمر # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} . قال أبو بكر: اختلف في تأويل أولي الأمر, فروي عن جابر بن ~~عبد الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد: "أنهم أولو الفقه والعلم", ~~وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة: "أنهم ms1376 أمراء السرايا". ويجوز أن يكونوا ~~جميعا مرادين بالآية; لأن الاسم يتناولهم جميعا; لأن الأمراء يلون أمر ~~تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو, والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز ~~مما لا يجوز, فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان ~~العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون; وهو نظير قوله ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الانبياء: 7] . ومن الناس ~~من يقول: إن الأظهر من أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء; لأنه قدم ذكر الأمر ~~بالعدل; وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة, ثم عطف ~~عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا ~~عدولا مرضيين وليس بممتنع أن يكون ذلك أمرا بطاعة الفريقين من أولي الأمر ~~وهم أمراء السرايا والعلماء; إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب ~~الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء دون غيرهم. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أطاع أميري فقد أطاعني". وروى الزهري عن ~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالخيف من منى فقال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها, فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا ~~يغل1 عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله تعالى" وقال بعضهم: "وطاعة ذوي ~~الأمر" وقال بعضهم: "والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين, فإن ~~دعوتهم تحيط من وراءهم". والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي الأمر ~~الأمراء. وقوله تعالى عقيب ذلك: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء; لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ~~ثم قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , فأمر أولي الأمر ~~برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم; إذ كانت ~~العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم; لأنهم لا يعرفون كيفية ms1377 الرد ~~إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث فثبت أنه خطاب ~~للعلماء. PageV02P264 # مطلب: في إبطال قول الرافضة يشترط أن يكون الإمام معصوما # واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول الرافضة في الإمامة بقوله تعالى: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} , قال: فليس يخلو أولو ~~الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي يدعونه, فإن كان ~~المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام, والفقهاء والأمراء يجوز ~~عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا بطاعتهم. وهذا يبطل أصل ~~الإمامة فإن شرط الإمام عندهم أن يكون معصوما لا يجوز عليه الغلط والخطأ ~~والتبديل والتغيير; ولا يجوز أن يكون المراد الإمام; لأنه قال في نسق ~~الخطاب: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , فلو كان هناك إمام ~~مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف والتنازع, فلما أمر ~~برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دل ذلك على ~~بطلان قولهم في الإمامة, ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال: فردوه إلى ~~الإمام; لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل الكتاب والسنة, فلما ~~أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى ~~الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض الطاعة في أحكام الحوادث ~~المتنازع فيها, وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها إلى نظائرها من الكتاب ~~والسنة. # وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وهذا تأويل فاسد; لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي طالب ~~رجل واحد. وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في أيام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا أمراء وقد كان على المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية, وكذلك ~~حكمهم بعد النبي ms1378 صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم ما لم تكن ~~معصية. # PageV02P265 # مطلب: قي بيان مراد من قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} # وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} روي عن مجاهد ~~وقتادة وميمون بن مهران والسدي: "إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم". قال أبو بكر: وذلك عموم في وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم. والرد ~~إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ~~ومعناه, والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره به من طريق ~~القياس والنظائر; وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعا, فوجب إذا تنازعنا في ~~شيء رده إلى نص # PageV02P265 # الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصا على حكمه في الكتاب والسنة, ~~وإن لم نجد فيه نصا منهما وجب رده إلى نظيره منهما; لأنا مأمورون بالرد في ~~كل حال; إذ لم يخصص الله تعالى الأمر بالرد إليهما في حال دون حال. وعلى أن ~~الذي يقتضيه فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نص فيه وذلك لأن ~~المنصوص عليه الذي لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من الصحابة مع ~~علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه, فظاهر ذلك يقتضي ~~رد المتنازع فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة. # فإن قيل: إنما المراد بذلك ترك التنازع والتسليم لما في كتاب الله وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: إن ذلك خطاب للمؤمنين; لأنه قال تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} , فإن كان تأويله ما ~~ذكرت فإن معناه: اتبعوا كتاب الله وسنة نبيه وأطيعوا الله ورسوله; وقد ~~علمنا أن كل من آمن ففي اعتقاده للإيمان اعتقاد لالتزام حكم الله وسنة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة قوله تعالى: {فردوه ~~إلى الله والرسول} وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر به في أول الآية, وهو قوله ms1379 ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فغير جائز حمل معنى قوله تعالى: ~~{فردوه إلى الله والرسول} على ما قد أفاده بديا في أول الخطاب, ووجب حمله ~~على فائدة مجددة وهو رد غير المنصوص عليه وهو الذي وقع فيه التنازع إلى ~~المنصوص عليه; وعلى أنا نرد جميع المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة بحق ~~العموم ولا نخرج منه شيئا بغير دليل. # PageV02P266 # مطلب: يجوز الاجتهاد في حالين مع وجوده صلى الله عليه وسلم # فإن قيل: لما كانت الصحابة مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي ~~والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل كان عليهم ~~التسليم له واتباع أمره دون تكلف الرد من طريق القياس, ثبت أن المراد ~~استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه. قيل له: هذا ~~غلط وذلك; لأن استعمال الرأي والاجتهاد ورد الحوادث إلى نظائرها من المنصوص ~~قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حالين ولم يكن يجوز في ~~حال; فأما الحالان اللتان كانتا يجوز فيهما الاجتهاد في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته, كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " ~~قال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة نبي ~~الله, قال: فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ~~لا آلو, قال: فضرب بيده على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول # PageV02P266 # رسول الله لما يرضي رسول الله"; فهذه إحدى الحالين اللتين كان يجوز ~~الاجتهاد فيهما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. والحال الأخرى: أن يأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد بحضرته ورد الحادثة إلى نظيرها ليستبرئ ~~في اجتهاده وهل هو موضع لذلك, ولكن إن أخطأ وترك طريق النظر أعلمه وسدده, ~~وكان ms1380 يعلمهم وجوب الاجتهاد في أحكام الحوادث بعده. فالاجتهاد بحضرته على ~~هذا الوجه سائغ, كما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أسلم بن سهل قال: ~~حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله قال: حدثنا أبي عن حفص بن سليمان عن كثير ~~بن شنظير عن أبي العالية عن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "اقض بينهما يا عقبة" قلت: يا رسول الله أقضي بينهما ~~وأنت حاضر قال: "اقض بينهما فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة ~~واحدة" ; فأباح له النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد بحضرته على الوجه ~~الذي ذكرنا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وعقبة بن عامر بالاجتهاد ~~صدر عندنا عن الآية, وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} لأنا متى وجدنا من النبي صلى الله عليه وسلم حكما مواطئا لمعنى قد ~~ورد به القرآن حملناه على أنه حكم به عن القرآن وأنه لم يكن حكما مبتدأ من ~~النبي صلى الله عليه وسلم كنحو قطعه السارق وجلده الزاني وما جرى مجراهما; ~~فقول القائل" إن الاجتهاد في أحكام الحوادث لم يكن سائغا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإن رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة كان واجبا حينئذ, ~~فدل على أن المراد به ترك الاختلاف والتنازع والتسليم للمنصوص عليه في ~~الكتاب والسنة" غير صحيح. وأما الحال التي لم يكن يسوغ الاجتهاد فيها في ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو أن يجتهد بحضرته على جهة إمضاء الحكم ~~والاستبداد بالرأي لا على الوجه الذي قدمناه, فهذا لعمري اجتهاد مطرح لا ~~حكم له, ولم يكن يسوغ ذلك لأحد, والله أعلم. # PageV02P267 # باب وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} , وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} , وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} , وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا ms1381 يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فأكد جل وعلا بهذه ~~الآيات وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأبان أن طاعته طاعة الله, ~~وأفاد بذلك أن معصيته معصية الله; وقال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] , فأوعد على ~~مخالفة أمر الرسول, وجعل مخالف أمر الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به ~~والشاك فيه خارجا من الإيمان بقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} # PageV02P267 # قيل في الحرج ههنا إنه الشك, روي ذلك عن مجاهد. وأصل الحرج الضيق, وجائز ~~أن يكون المراد التسليم من غير شك في وجوب تسليمه ولا ضيق صدر به بل ~~بانشراح صدر وبصيرة ويقين. # وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو ~~من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم, وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه ~~الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم; ~~لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه ~~فليس من أهل الإيمان. # فإن قيل: إذا كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى فهلا ~~كان أمر الرسول أمر الله تعالى قيل له: إنما كانت طاعته طاعة الله ~~بموافقتها إرادة كل واحد منهما أوامره, وأما الأمر فهو قول القائل" افعل" ~~ولا يجوز أن يكون أمرا واحدا لآمرين كما لا يكون فيه قول واحد من قائلين ~~ولا فعل واحد من فاعلين. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا} قيل: الثبات الجماعات, واحدها ثبة. وقيل: الثبة عصبة منفردة من عصب. ~~فأمرهم الله بأن ينفروا فرقا فرقة بعد فرقة, فرقة في جهة وفرقة في جهة, أو ~~ينفروا جميعا من غير تفرق; ms1382 وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة. ~~وقوله تعالى: {خذوا حذركم} معناه: خذوا سلاحكم, فسمى السلاح حذرا; لأنه ~~يتقى به الحذر; ويحتمل: احذروا عدوكم بأخذ سلاحكم, كقوله تعالى: {وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم} [النساء: 102] فانتظمت هذه الآية الأمر بأخذ السلاح لقتال ~~العدو على حال افتراق العصب أو اجتماعها بما هو أولى في التدبير. والنفور ~~هو الفزع, نفر ينفر نفورا إذا فزع, ونفر إليه إذا فزع من أمر إليه; ~~والمعنى: انفروا إلى قتال عدوكم; والنفر جماعة تفزع إلى مثلها, والنفير إلى ~~قتال العدو, والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما ينوب من الأمور التي ~~يختلف فيها; ويقال إن أصلها أنهم كانوا يسألون الحاكم: أينا أعز نفرا؟. # وقد روي في هذه الآية نسخ; روى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} قال: "عصبا وفرقا". وقال في ~~براءة: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] الآية, وقال: {إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] الآية. قال: فنسخ هذه الآيات قوله تعالى: ~~{وما كان المؤمنون لينفروا كافة # PageV02P268 # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] وتمكث طائفة منهم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فالماكثون مع النبي صلى الله عليه وسلم هم ~~الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزوات لعلهم ~~يحذرون ما نزل من قضاء الله في كتابه وحدوده. # قوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} . قيل: {في سبيل الله} ~~في طاعة الله; لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه, ~~وقيل: دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته, فيكون تقديره: في نصرة ~~دين الله تعالى. وقيل في الطاغوت إنه الشيطان, قاله الحسن والشعبي. وقال ~~أبو العالية: "هو الكاهن". وقيل: "كل ما عبد من دون الله". # وقوله تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} الكيد هو السعي في فساد الحال ~~على جهة الاحتيال والقصد لإيقاع الضرر قال الحسن: "إنما قال: {إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا} لأنه كان أخبرهم أنهم يستظهرون عليهم, فلذلك كان ~~ضعيفا". ms1383 وقيل: إنما سماه ضعيفا لضعف نصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله ~~للمؤمنين. # قوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} , فإن ~~الاختلاف على ثلاثة أوجه: اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد ~~الآخر, واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا; وهذان ~~الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن, وهو إحدى دلالات إعجازه; لأن كلام ~~سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن ~~يختلف اختلاف التفاوت. والثالث: اختلاف التلاؤم, وهو أن يكون الجميع ~~متلائما في الحسن, كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام ~~في الناسخ والمنسوخ. فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه ~~من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به. # قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم} قال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى: "هم أهل العلم والفقه", ~~وقال السدي: "الأمراء والولاة". قال أبو بكر: يجوز أن يريد به الفريقين من ~~أهل الفقه والولاة لوقوع الاسم عليهم جميعا. فإن قيل: أولوا الأمر من يملك ~~الأمر بالولاية على الناس, وليست هذه صفة أهل العلم. قيل له: إن الله تعالى ~~لم يقل" من يملك الأمر بالولاية على الناس" وجائز أن يسمى الفقهاء أولي ~~الأمر لأنهم يعرفون أوامر الله ونواهيه ويلزم غيرهم قبول قولهم فيها, فجائز ~~أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه كما قال في آية أخرى: {ليتفقهوا # PageV02P269 # في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] , ~~فأوجب الحذر بإنذارهم وألزم المنذرين قبول قولهم, فجاز من أجل ذلك إطلاق ~~اسم أولي الأمر عليهم; والأمراء أيضا يسمون بذلك لنفاذ أمورهم على من يلون ~~عليه. # وقوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} , فإن الاستنباط هو ~~الاستخراج, ومنه استنباط المياه والعيون; فهو اسم لكل ما استخرج حتى تقع ~~عليه رؤية العيون أو معرفة القلوب; والاستنباط في الشرع نظير الاستدلال ~~والاستعلام. # PageV02P270 # مطلب: فيما دلت عليه هذه الآية من وجوب القول بالقياس # وفي هذه ms1384 الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام ~~الحوادث; وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حياته إذا كانوا بحضرته وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلى الله ~~عليه وسلم; وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى ~~استنباطه, فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه ومنها ما هو مودع ~~في النص قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه فقد حوت هذه ~~الآية معاني: منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه بل مدلول عليه. ~~ومنها أن على العلماء استنباطه والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من ~~المنصوص. ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ومنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها ~~بدلائلها; لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول, وإلى أولي الأمر, ثم قال: ~~{لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول; وفي ذلك ~~دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال. # فإن قيل: ليس هذا استنباطا في أحكام الحوادث, إنما هو في الأمن والخوف من ~~العدو, لقوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فإنما ذلك في ~~شأن الأراجيف التي كان المنافقون يرجفون بها, فأمرهم الله بترك العمل بها ~~ورد ذلك إلى الرسول, وإلى الأمراء حتى لا يفتوا1 في أعضاد المسلمين إن كان ~~شيء يوجب الخوف, وإن كان شيئا يوجب الأمن لئلا يأمنوا فيتركوا الاستعداد ~~للجهاد والحذر من الكفار; فلا دلالة في ذلك على جواز الاستنباط في أحكام ~~الحوادث. قيل له: قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} ليس ~~بمقصور على أمر العدو; لأن الأمن والخوف قد يكونان فيما PageV02P270 # يتعبدون به من أحكام الشرع فيما يباح ويحظر وما يجوز وما لا يجوز, ذلك ~~كله من الأمن والخوف; فإذا ليس في ms1385 ذكره الأمن والخوف دلالة على وجوب ~~الاقتصار به على ما ينفق من الأراجيف بالأمن والخوف في أمر العدو, بل جائز ~~أن يكون عاما في الجميع, وحظر به على العامي أن يقول في شيء من حوادث ~~الأحكام ما فيه حظر أو إباحة أو إيجاب أو غير ذلك, وألزمهم رده إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم ليستنبطوا حكمه بالاستدلال عليه بنظائره من المنصوص. ~~وأيضا فلو سلمنا لك أن نزول الآية مقصور على الأمن والخوف من العدو; لكانت ~~دلالته قائمة على ما ذكرنا; لأنه إذا جاز استنباط تدبير الجهاد ومكايد ~~العدو بأخذ الحذر تارة والإقدام في حال والإحجام في حال أخرى, وكان جميع ~~ذلك مما تعبدنا الله به ووكل الأمر فيه إلى آراء أولي الأمر واجتهادهم فقد ~~ثبت وجوب الاجتهاد في أحكام الحوادث من تدبير الحروب ومكايد العدو وقتال ~~الكفار, فلا فرق بينه وبين الاجتهاد والاستدلال على النظائر من سائر ~~الحوادث من العبادات وفروع الشريعة, إذا كان جميع ذلك من أحكام الله تعالى, ~~ويكون المانع من الاجتهاد والاستنباط في مثله كمن أباح الاستنباط في البيوع ~~خاصة ومنعه في المناكحات أو أباحه في الصلاة ومنعه في المناسك, وهذا خلف من ~~القول. # فإن قيل: ليس الاستنباط مقصورا على القياس واجتهاد الرأي دون الاستدلال ~~بالدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا. قيل له: الدليل الذي لا ~~يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا لا يقع بين أهل اللغة فيه تنازع; إذ كان ~~أمرا معقولا في اللفظ, فهذا ليس باستنباط بل هو في مفهوم الخطاب, وذلك ~~عندنا نحو قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] أنه دلالة على ~~النهي عن الضرب والشتم والقتل ونحوه, وهذا لا يقع في مثله خلاف; فإن أردت ~~بالدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هذا الضرب من دلائل الخطاب فإن هذا ~~لا تنازع فيه ولا يحتاج فيه إلى استنباط. وإن أردت بالدليل تخصيص الشيء ~~بالذكر فيكون دلالة على أن ما عداه فحكمه بخلافه, فإن هذا ليس بدليل, وقد ~~بيناه في أصول ms1386 الفقه; ولو كان هذا ضربا من الدليل لما أغفلته الصحابة ~~ولاستدلت به على أحكام الحوادث, ولو فعلوا هذا لاستفاض ذلك عنهم وظهر, فلما ~~لم ينقل ذلك عنهم دل على سقوط قولك. وأيضا لو كان هذا ضربا من الاستدلال لم ~~يمنع ذلك إيجاب الاستنباط فيما لا طريق إليه إلا من جهة الرأي والقياس; إذ ~~ليس يوجد في كل حادثة هذا الضرب من الدلالة, وقد أمرنا باستنباط سائر ما لا ~~نص فيه فما لم نجد فيه من الحوادث هذا الضرب من الدليل, فعلينا استنباط ~~حكمه من طريق القياس والاجتهاد; إذ لا سبيل لنا إليه إلا من هذه الجهة. # PageV02P271 # فإن قيل: لما قال تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ولم يكن دليل ~~القياس مفضيا بنا إلى العلم بمدلوله; إذ كان القائس يجوز على نفسه الخطأ ~~ولا يجوز القطع بأن ما أداه إليه قياسه واجتهاده هو الحق عند الله, علمنا ~~أنه لم يرد الاستنباط من طريق القياس والاجتهاد. قيل له: قوله: "إن القائس ~~لا يقطع بأن قياسه هو الحق عند الله" خطأ لا نقول به وذلك أن ما كان طريقه ~~الاجتهاد فإن المجتهد ينبغي له أن يقطع بأن ما أداه إليه اجتهاده هو الحق ~~عند الله, وهذا عندنا علم منه بأن هذا حكم الله عليه, فاستنباطه حكم ~~الحوادث من طريق الاجتهاد يوجب العلم بصحة موجبه وما أداه إليه اجتهاده. ~~وهذه الآية أيضا تدل على بطلان قول القائلين بالإمامة; لأنه لو كان كل شيء ~~من أحكام الدين منصوصا عليه لعرفه الإمام ولزال موضع الاستنباط وسقط الرد ~~إلى أولي الأمر, بل كان الواجب الرد إلى الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله ~~من جهة النص. # قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} قال أهل ~~اللغة: التحية الملك, ومنه قول الشاعر: # أسير به إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بجند # يعني: على ملكه. ومعنى قوله: "حياك الله" أي" ملكك الله". ويسمى السلام ~~تحية أيضا; لأنهم كانوا يقولون حياك الله فأبدلوا منه بعد الإسلام بالسلام ~~وأقيم ms1387 مقام قولهم حياك الله. قال أبو ذر: كنت أول من حيا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بتحية الإسلام فقلت: السلام عليك ورحمة الله. وقال النابغة: # يحيون بالريحان يوم السباسب1 # يعني أنهم يعطون الريحان. ويقال لهم" حياكم الله" والأصل فيه ما ذكرنا من ~~أنه ملكك الله; فإذا حملنا قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها} على حقيقته أفاد أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فله الرجوع فيه ما ~~لم يثب منه, فهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن وهب لغير ذي رحم أن له ~~الرجوع فيها ما لم يثب منها, فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها; لأنه أوجب ~~أحد شيئين من ثواب أو رد لما جيء به. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع في الهبة ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ~~ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن PageV02P272 # زيد أن عمرو بن شعيب حدثه عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء قيأه, ~~فإذا استرد الواهب فليوقف وليعرف1 بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب". وقد ~~روى أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن ~~عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل ~~أحق بهبته ما لم يثب منها". وروى ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يحل لرجل يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها. إلا الوالد2 فيما ~~يعطي ولده, ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع ~~قاء ثم عاد في قيئه" وهذا الخبر يدل على معنيين: أحدهما: صحة الرجوع في ~~الهبة, والآخر: كراهته وأنه من لؤم الأخلاق ودناءتها في العادات وذلك لأنه ~~شبه الراجع في الهبة بالكلب يعود في ms1388 قيئه. وهو يدل من وجهين على ما ذكرنا: ~~أحدهما: أنه شبهه بالكلب إذا عاد في قيئه, ومعلوم أنه ليس بمحرم على الكلب, ~~فما شبهه به فهو مثله. والثاني: أنه لو كان الرجوع في الهبة لا يصح بحال ~~لما شبه الراجع بالكلب العائد في القيء, لأنه لا يجوز تشبيه ما لا يقع بحال ~~بما قد صح وجوده. وهذا يدل أيضا على صحة الرجوع في الهبة مع استقباح هذا ~~الفعل وكراهته. وقد روي الرجوع في الهبة لغير ذي الرحم المحرم عن علي وعمر ~~وفضالة بن عبيد من غير خلاف من أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وقد روي عن ~~جماعة من السلف أن ذلك في رد السلام, منهم جابر بن عبد الله. وقال الحسن: ~~"السلام تطوع ورده فريضة" وذكر الآية. # ثم اختلف في. أنه خاص في أهل الإسلام أو عام في أهل الإسلام وأهل الكفر, ~~فقال عطاء: "هو في أهل الإسلام خاصة". وقال ابن عباس وإبراهيم وقتادة: "هو ~~عام في الفريقين" وقال الحسن: "تقول للكافر وعليكم ولا تقل ورحمة الله لأنه ~~لا يجوز الاستغفار للكفار". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"لا تبدءوا اليهود بالسلام فإن بدءوكم فقولوا وعليكم". وقال أصحابنا رد ~~السلام فرض على الكفاية, إذا سلم على جماعة فرد واحد منهم أجزأ. وأما قوله ~~تعالى: {بأحسن منه} إذا أريد به رد السلام فهو الزيادة في الدعاء, وذلك إذا ~~قال: "السلام عليكم" يقول هو: "وعليكم السلام PageV02P273 # ورحمة الله" وإذا قال: "السلام عليكم ورحمة الله" قال هو: "وعليكم السلام ~~ورحمة الله وبركاته". # قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} روي عن ~~ابن عباس: "أنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين ~~على المسلمين" وروي مثله عن قتادة. وقال الحسن ومجاهد: "نزلت في قوم قدموا ~~المدينة فأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك". وقال زيد بن ~~ثابت: "نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~وقالوا لو ms1389 نعلم قتالا لاتبعناكم". وفي نسق الآية دلالة على خلاف هذا ~~التأويل الأخير وأنهم من أهل مكة, وهو قوله تعالى: {فلا تتخذوا منهم أولياء ~~حتى يهاجروا في سبيل الله} . # وقوله تعالى: {أركسهم} قال ابن عباس: "ردهم". وقال قتادة: "أركسهم ~~أهلكهم". وقال غيرهم: "أركسهم نكسهم". قال الكسائي: "أركسهم وركسهم بمعنى" ~~وإنما المعنى ردهم في حكم الكفر من الصغار والذلة, وقيل من السبي والقتل; ~~لأنهم أظهروا الارتداد بعدما كانوا على النفاق. وإنما وصفوا بالنفاق وقد ~~أظهروا الارتداد عن الإسلام لأنهم نسبوا إلى ما كانوا عليه قبل من إضمار ~~الكفر, قاله الحسن. وقال النحويون: هذا يحسن مع علم التعريف وهو الألف ~~واللام, كما تقول: "هذه العجوز هي الشابة" يعني هي التي كانت شابة, ولا ~~يجوز" هذه شابة". فأبان تعالى للمسلمين بهذه الآية عن أحوال هذه الطائفة من ~~المنافقين أنهم يظهرون لكم الإسلام وإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا الكفر ~~والردة, ونهى المسلمين عن أن يحسنوا بهم الظن وأن يجادلوا عنهم. # قوله تعالى: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} يعني هذه الطائفة ~~أخبر بذلك عن ضمائرهم واعتقاداتهم لئلا يحسن المؤمنون بهم الظن وليعتقدوا ~~معاداتهم والبراءة منهم. # وقوله تعالى: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} يعني ~~والله أعلم: حتى يسلموا ويهاجروا; لأن الهجرة بعد الإسلام, وأنهم وإن ~~أسلموا لم تكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة, وهو كقوله تعالى: {اما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] وهذا في حال ما كانت ~~الهجرة فرضا; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم أقام ~~بين أظهر المشركين, وأنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك قيل: ولم يا رسول ~~الله؟ قال: لا تراءى ناراهما". فكانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة فنسخ فرض ~~الهجرة. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا # PageV02P274 # عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح ms1390 مكة: "لا هجرة ولكن ~~جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا". حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا مؤمل بن الفضل قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء ~~بن يزيد عن أبي سعيد الخدري: أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الهجرة, فقال: "ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل؟ " قال: نعم, قال: ~~"فهل تؤدي صدقتها؟ " قال: نعم, قال: "فاعمل من وراء البحار فإن الله لن ~~يترك من عملك شيئا" فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ترك الهجرة. وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن ~~إسماعيل بن أبي خالد قال: حدثنا عامر قال: أتى رجل عبد الله بن عمرو فقال: ~~أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, والمهاجر ~~من هجر ما نهى الله عنه". وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام ~~في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما. # وقوله تعالى: {فخذوهم واقتلوهم} فإنه روي عن ابن عباس: "فإن تولوا عن ~~الهجرة". قال أبو بكر: يعني والله أعلم: فإن تولوا عن الإيمان والهجرة; لأن ~~قوله تعالى: {حتى يهاجروا في سبيل الله} قد انتظم الإيمان والهجرة جميعا, ~~وقوله: {فإن تولوا} راجع إليهما; ولأن من أسلم حينئذ ولم يهاجر لم يجب قتله ~~في ذلك الوقت, فدل على أن المراد: فإن تولوا عن الإيمان والهجرة فخذوهم ~~واقتلوهم. # وقوله تعالى: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} , قال أبو ~~عبيد: يصلون بمعنى ينتسبون إليهم, كما قال الأعشى: # إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم # وقال زيد الخير: # إذا اتصلت تنادي يا لقيس ... وخصت بالدعاء بني كلاب # قال أبو بكر: الانتساب يكون بالرحم ويكون بالحلف وبالولاء, وجائز أن يدخل ~~فيه أيضا رجل في عهدهم على حسب ما كان بين رسول الله ms1391 صلى الله عليه وسلم ~~وبين قريش من الموادعة فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودخلت بنو كنانة في عهد قريش. وقيل إن الآية منسوخة; حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~{إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} إلى قوله تعالى: # PageV02P275 # {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} , وفي قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم} [الممتحنة: 8] قال: ثم نسخت هذه الآيات: {براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة:1] إلى قوله: {ونفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} [التوبة: 11] . وقال السدي في قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق} : إلا الذين يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه ~~مثل ما لهم". وقال الحسن: "هؤلاء بنو مدلج, كان بينهم وبين قريش عهد وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش عهد, فحرم الله تعالى من بني مدلج ~~ما حرم من قريش". # PageV02P276 # مطلب: إذا عقد الإمام عهدا بينه زبين قوم يدخل من كان في حيزهم وأهل ~~نصرتهم # قال أبو بكر: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار فلا محالة ~~يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء بعد أن ~~يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم, وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في ~~العهد ما لم يشرط, ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين فهو ~~داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش. # وأما قول من قال: "إن ذلك منسوخ" فإنما أراد أن معاهدة المشركين ~~وموادعتهم منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] , ~~فهو كما قال; لأن الله أعز الإسلام وأهله, فأمروا أن لا يقبلوا من مشركي ~~العرب ms1392 إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] فهذا حكم ثابت في مشركي العرب, فنسخ به ~~الهدنة والصلح وأقرهم على الكفر وأمرنا في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا ~~أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: {"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] فغير جائز للإمام أن يقر أحدا من أهل سائر الأديان على الكفر ~~من غير جزية. وأما مشركو العرب فقد كانوا أسلموا في زمن الصحابة ورجع من ~~ارتد منهم إلى الإسلام بعدما قتل من قتل منهم, فهذا وجه صحيح في نسخ معاهدة ~~أهل الكفر على غير جزية والدخول في الذمة على أن تجري عليهم أحكامنا فكان ~~ذلك حكما ثابتا بعدما أعز الله الإسلام وأظهر أهله على سائر المشركين, ~~فاستغنوا بذلك عن العهد والصلح. إلا أنه إن احتيج إلى ذلك في وقت لعجز ~~المسلمين عن مقاومتهم أو خوف منهم على أنفسهم أو # PageV02P276 # ذراريهم, جاز لهم مهادنة العدو ومصالحته من غير جزية يؤدونها إليهم; لأن ~~حظر المعاهدة والصلح إنما كان بسبب قوتهم على العدو واستعلائهم عليهم, وقد ~~كانت الهدنة جائزة مباحة في أول الإسلام, إنما حظرت لحدوث هذا السبب, فمتى ~~زال السبب وعاد الأمر إلى الحال التي كان المسلمون عليها من خوفهم العدو ~~على أنفسهم عاد الحكم الذي كان من جواز الهدنة; وهذا نظير ما ذكرنا من نسخ ~~التوارث بالحلف والمعاقدة بذوي الأرحام, فمتى لم يترك وارثا عاد حكم ~~التوارث بالمعاقدة. # قوله عز وجل: {أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} قال ~~الحسن والسدي: "ضاقت صدورهم على أن يقاتلوكم" والحصر الضيق, ومنه الحصر في ~~القراءة لأنه ضاقت عليه المذاهب فلم يتوجه لقراءته, ومنه المحصور في حبس أو ~~نحوه. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال هلال بن عويمر الأسلمي: "هو الذي ~~حصر صدره أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه وبينه وبين رسول ms1393 الله صلى الله ~~عليه وسلم حلف". # قال أبو بكر: ظاهره يدل على أن الذين حصرت صدورهم كانوا قوما مشركين ~~محالفين للنبي صلى الله عليه وسلم ضاقت صدورهم أن يكونوا مع قومهم على ~~المسلمين لما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من العهد وأن يقاتلوا مع ~~المسلمين ذوي أرحامهم وأنسابهم, فأمر الله تعالى المسلمين بالكف عن هؤلاء ~~إذا اعتزلوهم فلم يقاتلوا المسلمين وإن لم يقاتلوا المشركين مع المسلمين. ~~ومن الناس من يقول إن هؤلاء كانوا قوما مسلمين كرهوا قتال قومهم من ~~المشركين لما بينهم وبينهم من الرحم, وظاهر الآية وما روي في تفسيرها يدل ~~على خلاف ذلك; لأن المسلمين لم يقاتلوا المسلمين قط في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن قعدوا عن القتال معهم ولا كانوا قط مأمورين بقتال أمثالهم. # وقوله تعالى: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} يعني إن قاتلتموهم ~~ظالمين لهم; يدل على أنهم لم يكونوا مسلمين. # وقوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا} يقتضي أن يكونوا مشركين, إذ ليس ذلك من صفات أهل ~~الإسلام; فدل ذلك على أن هؤلاء كانوا قوما مشركين بينهم وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم حلف, فأمر الله تعالى نبيه أن يكف عنهم إذا اعتزلوا قتال ~~المسلمين والمشركين وأن لا يكلفهم قتال قومهم من أهل الشرك أيضا. والتسليط ~~المذكور في الآية له وجهان: أحدهما: تقوية قلوبهم ليقاتلوكم, والثاني إباحة ~~القتال لهم في الدفع عن أنفسهم. # قوله تعالى: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} , قال ~~مجاهد: # PageV02P277 # "نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ~~ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا, ~~فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا يصلحوا". وذكر أسباط عن السدي قال: "نزلت في ~~نعيم بن مسعود الأشجعي, وكان يأمن في المسلمين والمشركين فينقل الحديث بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين, فقال: {ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم} . وظاهر الآية ms1394 يدل على أنهم كانوا يظهرون الإيمان ~~إذا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم إذا رجعوا إلى قومهم أظهروا ~~الكفر, لقوله تعالى: {كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} , والفتنة ههنا ~~الشرك; وقوله: {أركسوا فيها} يدل على أنهم قبل ذلك كانوا مظهرين للإسلام, ~~فأمر الله تعالى المؤمنين بالكف عن هؤلاء أيضا إذا اعتزلونا وألقوا إلينا ~~السلم, وهو الصلح, كما أمرنا بالكف عن الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ~~ميثاق وعن الذين جاءونا وقد حصرت صدورهم; وكما قال في آية أخرى: {لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} ~~[الممتحنة: 8] وكما قال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: ~~190] , فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا, ثم نسخ ذلك ~~بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] على ما قدمنا من ~~الرواية عن ابن عباس. # ومن الناس من يقول إن هذه الآيات غير منسوخة وجائز للمسلمين ترك قتال من ~~لا يقاتلهم من الكفار, إذ لم يثبت أن حكم هذه الآيات في النهي عن قتال من ~~اعتزلنا وكف عن قتالنا منسوخ. وممن حكي عنه أن فرض الجهاد غير ثابت ابن ~~شبرمة وسفيان الثوري, وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. إلا أن هذه ~~الآيات فيها حظر قتال من كف عن قتالنا من الكفار, ولا نعلم أحدا من الفقهاء ~~يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا ~~في حظره فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ~~ذكرنا والله الموفق للصواب. # PageV02P278 # باب قتل الخطإ # قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} . قال أبو بكر: ~~قد اختلف في معنى" كان" ههنا, فقال قتادة: "معناه ما كان له ذلك في حكم ~~الله وأمره". وقال آخرون: "ما كان له سبب جواز قتل". وقال آخرون: "ما كان ~~له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن". # PageV02P278 # مطلب: في معنى الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ms1395 خطأ} وفيه فوائد شريفة # واختلف أيضا في معنى "إلا" فقال قائلون: هو استثناء منقطع بمعنى لكن قد ~~يقتله خطأ, فإذا وقع ذلك فحكمه كيت وكيت, وهو كما قال النابغة: # وقفت فيها أصيلالا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # وقال آخرون: هو استثناء صحيح قد أفاد أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال, ~~وهو أن يرى عليه سيما المشركين أويجده في حيزهم فيظنه مشركا فجائز له قتله ~~وهو خطأ; كما روي عن الزهري عن عروة بن الزبير: أن حذيفة بن اليمان قاتل مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه ~~من العدو وكروا عليه بأسيافهم, فطفق حذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله ~~حتى قتلوه, فقال عند ذلك: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فبلغت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فزادت حذيفة عنده خيرا. ومن الناس من يقول معناه: ولا خطأ; ~~لأن قتل المؤمن غير مباح بحال قتال فغير جائز أن يكون الاستثناء محمولا على ~~حقيقته. وهذا ليس بشيء من وجهين: أحدهما: أن" إلا" لم توجد بمعنى" ولا". ~~والثاني: ما أنكره من امتناع إباحة قتل الخطإ موجود في حظره لأن الخطأ إن ~~كان لا تصح إباحته لأنه غير معلوم عنده أنه خطأ, فكذلك لا يصح حظره ولا ~~النهي عنه. وقال آخرون: قد تضمن قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ} إيجاب العقاب لقاتله لاقتضاء إطلاق النهي لذلك وأفاد بذلك استحقاق ~~المأثم, ثم قال: {إلا خطأ} فإنه لا مأثم على فاعله, إنما أدخل الاستثناء ~~على ما تضمنه اللفظ من استحقاق المأثم وأخرج منه قاتل الخطإ, والاستثناء ~~مستعمل في موضعه على هذا القول غير معدول به عن وجهه, إنما دخل على المأثم ~~المستحق بالقتل وأخرج قاتل الخطإ منه ولم يدخل على فعل القاتل فيكون مبيحا ~~لما حظره بلفظ الجملة. # قال أبو بكر: وهذا وجه صحيح سائغ; وتأويل من تأوله على إباحة قتل الخطإ ~~فيمن ms1396 يظنه مشركا فإنه معلوم أنه لم يصح له ذلك إلا على الصفة المشروطة إن ~~كان ذلك إباحة, وهو أن يكون ذلك خطأ عند القاتل, وإذا كان قتل المسلم الذي ~~في حيز العدو قصد بالقتل لا يكون خطأ عند القاتل, وإنما عنده أنه قتل عمد ~~مأمور به, فغير جائز أن يكون ذلك مراد الآي; لأن الإباحة على قول هذا ~~القائل لم يوجد شرطها وهو أن يكون # PageV02P279 # قتل خطأ عند القاتل. ألا ترى أنه إذا قال" لا تقتله عمدا" اقتضى النهي ~~قتلا بهذه الصفة عند القاتل, وإذا قال" لا تقتله بالسيف" فإنما حظر عليه ~~قتلا بهذه الصفة؟ فكذلك قوله: {إلا خطأ} إذا كان قد اقتضى إباحة قتل الخطإ ~~فواجب أن يكون شرط الإباحة أن يكون عنده أنه خطأ, وذلك محال لا يجوز وقوعه; ~~لأن الخطأ هو الذي لا يعلم القاتل أنه مخطئ فيه, والحال التي لا يعلمها لا ~~يجوز أن يتعلق بها حظر ولا إباحة. # وقال أصحابنا: القتل على أنحاء أربعة عمد, وخطأ, وشبه عمد, وما ليس بعمد ~~ولا خطأ ولا شبه عمد. فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح مع العلم بحال المقصود به. ~~والخطأ على ضربين: أحدهما: أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلما, والثاني: ~~أن يظنه مشركا لأنه في حيز أهل الشرك أو عليه لباسهم; فالأول خطأ في الفعل ~~والثاني خطأ في القصد. وشبه العمد ما تعمد ضربه بغير سلاح من حجر أو عصا; ~~وقد اختلف الفقهاء في ذلك وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما ما ليس ~~بعمد ولا شبه عمد ولا خطأ, فهو قتل الساهي والنائم; لأن العمد ما قصد إليه ~~بعينه, والخطأ أيضا الفعل فيه مقصود إلا أنه يقع الخطأ تارة في الفعل وتارة ~~في القصد, وقتل الساهي غير مقصود أصلا فليس هو في حيز الخطإ ولا العمد, إلا ~~أن حكمه حكم الخطإ في الدية والكفارة. # قال أبو بكر: وقد ألحق بحكم القتل ما ليس بقتل في الحقيقة لا عمدا ولا ~~غير عمد, وذلك نحو حافر ms1397 البئر وواضع الحجر في الطريق إذا عطب به إنسان; هذا ~~ليس بقاتل في الحقيقة; إذ ليس له فعل في قتله; لأن الفعل منا إما أن يكون ~~مباشرة أو متولدا, وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل في العاثر بالحجر ~~والواقع في البئر لا مباشرة ولا تولدا, فلم يكن قاتلا في الحقيقة; ولذلك ~~قال أصحابنا: إنه لا كفارة عليه. وكان القياس أن لا تجب عليه الدية, ولكن ~~الفقهاء متفقون على وجوب الدية فيه. قال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} ولم يذكر في الآية من عليه الدية ~~من القاتل أو العاقلة. # وقد وردت آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطإ ~~على العاقلة, واتفق الفقهاء عليه; منها ما روي الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ~~ابن عباس قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ~~أن يعقلوا معاقلهم ويفكوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين. وروى ابن ~~جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كتب على كل ~~بطن عقوله, ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل بغير إذنه" وروى مجالد عن ~~الشعبي عن جابر: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما ~~زوج وولد, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة ~~القاتلة وترك زوجها # PageV02P280 # وولدها, فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا, ميراثها لزوجها وولدها"; قال: وكانت حبلى, فألقت جنينا, فخاف ~~عاقلة القاتلة أن يضمنهم, فقالوا: يا رسول الله لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا ~~استهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا سجع الجاهلية" فقضى في ~~الجنين غرة عبدا أو أمة. وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين عبدا أو أمة, فقال الذي قضي عليه ~~العقل: أنودي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ms1398 ولا استهل فمثل ذلك يطل; فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا لقول الشاعر, فيه غرة عبد أو أمة". وروى ~~عبد الواحد بن زياد عن مجالد عن الشعبي عن جابر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جعل في الجنين غرة على عاقلة القاتل. وروى الأعمش عن إبراهيم: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل العقل على العصبة. وعن إبراهيم قال: ~~اختصم علي والزبير في ولاء موالي صفية إلى عمر, فقضى بالميراث للزبير ~~والعقل على علي رضي الله عنه. وروي عن علي وعمر في قوم أجلوا عن قتيل أن ~~الدية على بيت المال, وعن عمر في قتيل وجد بين وداعة وحي آخر أنه قضى ~~بالدية على العاقلة فقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~إيجاب دية الخطإ على العاقلة واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه. # فإن قيل: قال الله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى} [الأنعام: 164] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤخذ الرجل ~~بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه" , وقال لأبي رمثة وابنه: إنه "لا يجني عليك ~~ولا تجني عليه" , والعقول أيضا تمنع أخذ الإنسان بذنب غيره. قيل له: أما ~~قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: ~~164] فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة; لأن الآية إنما نفت أن ~~يؤخذ الإنسان بذنب غيره, وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب ~~الجاني, إنما الدية عندنا على القاتل وأمر هؤلاء القوم بالدخول معه في ~~تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته, وقد أوجب الله في ~~أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه ~~المواساة, وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك, وأمر ببر الوالدين; وهذه ~~كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين; فكذلك أمرت العاقلة بتحمل ~~الدية عن قاتل الخطإ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه, وإنما يلزم كل ms1399 ~~رجل منهم ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم ويجعل ذلك في أعطياتهم إذا كانوا من ~~أهل الديوان ومؤجلة ثلاث سنين; فهذا مما ندبوا إليه من مكارم الأخلاق. وقد ~~كان تحمل الديات مشهورا في العرب قبل الإسلام, وكان ذلك مما يعد من جميل ~~أفعالهم ومكارم أخلاقهم; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم # PageV02P281 # مكارم الأخلاق", فهذا فعل مستحسن في العقول مقبول في الأخلاق والعادات; ~~وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا ~~بجريرة أخيه" "ولا يجني عليك ولا تجني عليه". لا ينفي وجوب الدية على ~~العاقلة على هذا النحو الذي ذكرناه من معنى الآية من غير أن يلام على فعل ~~الغير أو يطالب بذنب سواه. # ولوجوب الدية على العاقلة وجوه سائغة مستحسنة في العقول: أحدها: أنه جائز ~~أن يتعبد الله بديا بإيجاب المال عليهم لهذا الرجل من غير قتل كان منه, كما ~~أوجب الصدقات في مال الأغنياء للفقراء. والثاني: أن موضوع الدية على ~~العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة, ولذلك أوجبها أصحابنا على أهل ديوانه ~~دون أقربائه لأنهم أهل نصرته ألا ترى أنهم يتناصرون على القتال والحماية ~~والذب عن الحريم؟ فلما كانوا متناصرين في القتال والحماية أمروا بالتناصر ~~والتعاون على تحمل الدية ليتساووا في حملها كما تساووا في حماية بعضهم بعضا ~~عند القتال. والثالث: أن في إيجاب الدية على العاقلة زوال الضغينة والعداوة ~~من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك, وهو داع إلى الألفة وصلاح ذات البين ألا ~~ترى أن رجلين لو كانت بينهما عداوة فتحمل أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ~~ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة وصلاح ذات البين؟ كما لو قصده إنسان بضرر ~~فعاونه وحماه عنه انسلت سخيمة قلبه وعاد إلى سلامة الصدر والموالاة ~~والنصرة. والرابع: أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل عنه القاتل إذا جنى أيضا, ~~فلم يذهب حمله للجناية عنه ضياعا بل كان له أثر محمود يستحق مثله عليه إذا ~~وقعت منه جناية. فهذه وجوه كلها مستحسنة في العقول غير ms1400 مدفوعة, وإنما يؤتى ~~الملحد المتعلق بمثله من ضيق عقله وقلة معرفته وإعراضه عن النظر والفكر; ~~والحمد لله على حسن هدايته وتوفيقه. # ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب دية الخطإ في ثلاث سنين, قال أصحابنا: "كل ~~دية وجبت من غير صلح فهي في ثلاث سنين". وروى أشعث عن الشعبي والحكم عن ~~إبراهيم قالا: "أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب وفرض فيه الدية كاملة في ~~ثلاث سنين وثلثي الدية في سنتين والنصف في سنتين وما دون ذلك في عامه". قال ~~أبو بكر: استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه أحد من السلف واتفق فقهاء الأمصار ~~عليه فصار إجماعا لا يسع خلافه. # واختلف فقهاء الأمصار في العاقلة من هم, فقال أبو حنيفة وسائر أصحابنا: ~~"الدية في قتل الخطإ على العاقلة في ثلاث سنين من يوم يقضى بها, والعاقلة ~~هم أهل ديوانه إن كان من أهل الديوان يؤخذ ذلك من أعطياتهم حتى يصيب الرجل ~~منهم من الدية كلها # PageV02P282 # ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم, فإن أصابه أكثر من ذلك ضم إليهم أقرب ~~القبائل في النسب من أهل الديوان, وإن كان القاتل ليس من أهل الديوان فرضت ~~الدية على عاقلته الأقرب فالأقرب في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي, ~~فيؤخذ في كل سنة ثلث الدية عند رأس كل حول ويضم إليهم أقرب القبائل منهم في ~~النسب حتى يصيب الرجل منهم من الدية ثلاثة دراهم أو أربعة". قال محمد بن ~~الحسن: "ويعقل عن الحليف حلفاؤه ولا يعقل عنه قومه". وقال عثمان البتي: ~~"ليس أهل الديوان أولى بها من سائر العاقلة". وقال ابن القاسم عن مالك: ~~"الدية على القبائل على الغني على قدره ومن دونه على قدره حتى يصيب الرجل ~~منها مائة درهم ونصفا" وحكي عنه أن ذلك يؤخذ من أعطياتهم. وقال الثوري: ~~"تجعل الدية ثلثا في العام الذي أصيب فيه الرجل ولكن تكون عند الأعطية على ~~الرجال". وقال الحسن بن صالح: "العقل على رءوس الرجال في أعطية المقاتلة" ~~وقال الليث: "العقل على القاتل وعلى القوم الذين ms1401 يأخذ معهم العطاء ولا يكون ~~على قومه منه شيء, وإن لم يكن فيهم من يحمل العقل ضم إلى ذلك أقرب القبائل ~~إليهم". وروى المزني في مختصره عن الشافعي: "أن العقل على ذوي الأنساب دون ~~أهل الديوان والحلفاء على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم من بني جده ثم من ~~بني جد أبيه, فإن عجزوا عن البعض حمل الموالي المعتقون الباقي, فإن عجزوا ~~عن بعض ولهم عواقل عقلتهم عواقلهم, فإن لم يكن لهم ذو نسب ولا مولى من أعلى ~~حمل على الموالي من أسفل, ويحمل من كثر ماله نصف دينار ومن كان دونه ربع ~~دينار ولا يزاد على هذا ولا ينقص منه". # قال أبو بكر: حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب على كل بطن ~~عقوله وقال: لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم يدل على سقوط اعتبار الأقرب ~~فالأقرب, وأن القريب والبعيد من الجاني سواء في ذلك. وروي عن عمر أنه قال ~~لسلمة بن نعيم حين قتل مسلما وهو يظنه كافرا: "إن عليك وعلى قومك الدية" ~~ولم يفرق بين القريب والبعيد منهم, وهذا يدل على تساوي القريب والبعيد, ~~ويدل أيضا على التسوية بينهم فيما يلزم كل واحد منهم من غير اعتبار الغني ~~والفقير, ويدل على أن القاتل يدخل في العقل مع العاقلة لأنه قال: "عليك ~~وعلى قومك الدية". وكان أهل الجاهلية يتعاقلون بالنصرة, ثم جاء الإسلام ~~فجرى الأمر فيه كذلك, ثم جعل عمر الدواوين فجمع بها الناس وجعل أهل كل راية ~~وجند يدا واحدة وجعل عليهم قتال من يليهم من الأعداء, فصاروا يتناصرون ~~بالرايات والدواوين وعليها يتعاقلون, وإذا لم يكن من أهل الديوان فعلى ~~القبائل لأن التناصر في هذه الحال بالقبائل; فالمعنى الذي تعاقلوا به في ~~الجاهلية والإسلام معنى واحد وهو النصرة, فإذا # PageV02P283 # كانت في الجاهلية النصرة بالرايات والدواوين تعاقلوا بها لأنهم في هذه ~~الحال أخص بالنصرة من القبيلة, فإذا فقدت الرايات تناصروا بالقبائل وبها ~~يتعاقلون أيضا. والدليل على أن العقل تابع للنصرة أن النساء لا يدخلن في ~~العقل ms1402 لعدم النصرة فيهن, فدل ذلك على صحة اعتبار النصرة في العقل. وأما ~~العقل بالحلف فإن سعد بن إبراهيم روى عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده ~~الإسلام إلا شدة" فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم حلف الجاهلية, وقد كان ~~الحلف عندهم كالقرابة في النصرة والعقل, ثم أكده الإسلام. وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مولى القوم من أنفسهم وحليفهم منهم". وقد ~~كانت ظهرت خيل للنبي صلى الله عليه وسلم على رجل من المشركين, فربطه إلى ~~سارية من سواري المسجد, فقال: علام أحبس؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"بجريرة حلفائك". # فإن قيل فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم حلف الإسلام بقوله: "لا حلف في ~~الإسلام". قيل له: معناه نفي التوارث به مع ذوي الأرحام لأنهم كانوا يورثون ~~الحليف دون ذوي الأرحام, فأما حكم الحلف في العقل والنصرة فباق ثابت; وكذلك ~~الولاء ثابت يعقل به, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار ~~المتقدمة. # وإنما ألزم أصحابنا كل واحد ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم لاتفاق الجميع ~~على لزومه هذا القدر, وما زاد مختلف فيه لم تقم الدلالة عليه فلم يلزم. ~~ويدخل القاتل معهم في العقل, وهو قول أصحابنا ومالك وابن شبرمة والليث ~~والشافعي. وقال الحسن بن صالح والأوزاعي: "لا يدخل فيه". وروي عن عمر بن ~~الخطاب وعمر بن عبد العزيز: "أنه يعقل معهم" وما روي عن أحد من السلف ~~خلافه. ومن جهة النظر أن الدية إنما تلزم القاتل والعاقلة تعقل عنه على جهة ~~المواساة والنصرة, فواجب أن لا يلزم العاقلة إلا المتيقن; وقد اتفقوا على ~~أن ما عدا حصة الواحد منهم لازم للعاقلة واختلفوا في المقدار الذي هو نصيب ~~أحدهم هل تحمله العاقلة, فواجب أن لا يكون لازما لعدم الدلالة على لزومه ~~العاقلة. ومن جهة أخرى أن العاقلة إنما تعقل عنه, فعقله عن نفسه أولى, ~~فينبغي أن يدخل معهم. وأيضا ms1403 لو كان غيره هو الجاني لدخل مع سائر العاقلة ~~للتخفيف عنهم, فإذا كان هو الجاني فهو أولى بالدخول معهم للتخفيف عنهم ~~لأنهم متساوون في التناصر والمواساة. # قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} . قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن بن زياد والأوزاعي والشافعي: "يجزي في كفارة القتل الصبي إذا كان ~~أحد أبويه مسلما" وهو قول عطاء. وروي عن ابن عباس والحسن وإبراهيم والشعبي: ~~"لا يجزي # PageV02P284 # إلا من صام وصلى". ولم يختلفوا في جوازه في رقبة الظهار. ويدل على صحة ~~القول الأول قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} , وهذه رقبة مؤمنة لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه" ~~فأثبت له حكم الفطرة عند الولادة, فوجب جوازه بإطلاق اللفظ. ويدل عليه أن ~~قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ} منتظم للصبي كما يتناول الكبير, فوجب أن ~~يتناوله عموم قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} , ولم يشرط الله عليها ~~الصيام والصلاة فلا تجوز الزيادة فيه; لأن الزيادة في النص موجب النسخ; ولو ~~أن عبدا أسلم فأعتقه مولاه عن كفارته قبل حضور وقت الصلاة والصيام كان ~~مجزيا عن الكفارة لحصول اسم الإيمان, فكذلك الصبي إذا كان داخلا في إطلاق ~~اسم الإيمان. # فإن قيل: العبد المعتق بعد إسلامه لا يجزي إلا أن يكون قد صام وصلى. قيل ~~له: لا يختلف المسلمون في إطلاق اسم الإيمان على العبد الذي أسلم قبل حضور ~~وقت الصلاة أو الصوم, فمن أين شرطت مع الإيمان فعل الصلاة والصوم والله ~~سبحانه لم يشرطهما؟ ولم زدت في الآية ما ليس فيها وحظرت ما أباحته من غير ~~نص يوجب ذلك وفيه إيجاب نسخ القرآن؟ وأيضا لما كان حكم الصبي حكم الرجل في ~~باب التوارث والصلاة عليه ووجوب الدية على قاتله, وجب أن يكون حكمه حكمه في ~~جوازه عن الكفارة, إذ كانت رقبة تامة لها حكم الإيمان. # فإن قيل: قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} يقتضي حقيقة رقبة بالغة معتقدة ~~للإيمان لا من لها حكم الإيمان من غير اعتقاد, ولا خلاف ms1404 مع ذلك أيضا أن ~~الرقبة التي هذه صفتها مرادة بالآية; فلا يدخل فيها من لا تلحقه هذه السمة ~~إلا على وجه المجاز وهو الطفل الذي لا اعتقاد له. قيل له: لا خلاف بين ~~السلف أن غير البالغ جائز في كفارة الخطإ إذا كان قد صام وصلى, ولم يشرط ~~أحد وجود الإيمان منه حقيقة ألا ترى أن من له سبع سنين مأمور بالصلاة على ~~وجه التعليم وليس له اعتقاد صحيح للإيمان؟ فثبت بذلك سقوط اعتبار وجود ~~حقيقة الإيمان للرقبة; ولما ثبت ذلك باتفاق السلف علمنا أن الاعتبار فيه ~~بمن لحقته سمة الإيمان على أي وجه سمي, والصبي بهذه الصفة إذا كان أحد ~~أبويه مسلما, فوجب جوازه عن الكفارة. # PageV02P285 # مطلب: تصح البراءة ما لم يردها المبرأ # تصح البراءة ما لم يردها المبرأ. قوله تعالى: {إلا أن يصدقوا} قال أبو ~~بكر: يعني والله أعلم إلا أن يبرئ أولياء القتيل من الدية; فسمي الإبراء ~~منها صدقة. وفيه دليل على أن من كان له على آخر دين # PageV02P285 # فقال: "قد تصدقت به عليك" أن ذلك براءة صحيحة وأنه لا يحتاج في صحة هذه ~~البراءة إلى قبول المبرأ منه; ولذلك قال أصحابنا: إن البراءة واقعة ما لم ~~يردها المبرأ منه. وقال زفر: "لا يبرئ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة ~~وكذلك الصدقة" وجعله بمنزلة هبة الأعيان. وظاهر الآية يدل على صحة قول ~~أصحابنا لأنه لم يشرط القبول ولأن الدين حق فيصح إسقاطه كالعفو عن دم العمد ~~والعتق ولا يحتاج إلى قبول وقال أصحابنا: "إذا رد المبرأ منه البراءة من ~~الدين عاد الدين" وقال غيرهم: "لا يعود" وجعلوه كالعتق والعفو عن دم العمد. ~~والدليل على صحة قولنا أن البراءة من الدين يلحقها الفسخ ألا ترى أنه لو ~~صالحه على ثوب برئ فإن هلك الثوب قبل القبض بطلت البراءة وعاد الدين؟ ~~والعتق والعفو عن الدم لا ينفسخان بحال. ويدل أيضا على وقوع البراءة من ~~الدين بلفظ التمليك أن الصدقة من ألفاظ التمليك, وقد حكم بصحة البراءة بها, ~~وأنه ms1405 ليس بمنزلة الأعيان إذا ملكها غيره بلفظ الإبراء, فلا يملك, مثل أن ~~يقول: "قد أبرأتك من هذا العبد" فلا يملكه وإن قبل البراءة, وإذا قال: "قد ~~تصدقت بما لي عليك من الدين, أو قد وهبت لك ما لي عليك" صحت البراءة. ويدل ~~على ذلك أن من له على غيره دين وهو غني فقال: "قد تصدقت به عليك" برئ منه; ~~لأن الله تعالى لم يفرق بين الغني والفقير في ذلك. ويدل على أن الأهل يعبر ~~به عن الأولياء والورثة; لأن قوله {فدية مسلمة إلى أهله} معناه: إلى ورثته. ~~وقال محمد بن الحسن فيمن أوصى لأهل فلان: "إن القياس أن يكون ذلك لزوجاته, ~~إلا أني قد تركت القياس وجعلته لكل من كان في عياله" قال أبو بكر: الأهل ~~اسم يقع على الزوجة وعلى جميع من يشتمل عليه منزله وعلى أتباع الرجل ~~وأشياعه, قال الله تعالى: {إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك} [العنكبوت: 33] ~~فكان ذلك على جميع أهل منزله من أولاده وغيرهم, وقال: {فنجيناه وأهله ~~أجمعين} [الشعراء:170] ويقع على من اتبعه في دينه كقوله: {ونوحا إذ نادى من ~~قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الأنبياء:76] فسمى أتباعه ~~في دينه أهله; وقال في ابنه: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 46] ~~. فاسم الأهل يقع على معاني مختلفة, وقد يطلق اسم الأهل ويراد به الآل وهو ~~قراباته من قبل الأب, كما يقال آل النبي وأهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم" وهما سواء. # PageV02P286 # باب شبه العمد # قال أبو بكر أصل أبي حنيفة في ذلك أن العمد ما كان بسلاح أو ما يجري ~~مجراه, # PageV02P286 # مثل الذبح بليطة قصبة أو شقة العصا أو بكل شيء له حد يعمل عمل السلاح أو ~~بحرقه بالنار; فهذا كله عنده عمد محض فيه القصاص; ولا نعلم في هذه الجملة ~~خلافا بين الفقهاء. وقال أبو حنيفة: "ما سوى ذلك من القتل بالعصا والحجر ~~صغيرا كان أو كبيرا فهو شبه العمد, وكذلك التغريق في الماء; وفيه الدية ~~مغلظة على العاقلة ms1406 وعليه الكفارة" ولا يكون التغليظ عنده إلا في أسنان ~~الإبل خاصة دون عددها. ولي فيما دون النفس شبه عمد بل بأي شيء ضربه فعليه ~~القصاص إذا أمكن, وإن لم يكن فعليه أرشه مغلظا إذا كان من الإبل بقسط ما ~~يجب. وأصل أبي يوسف ومحمد أن شبه العمد ما لا يقتل مثله كاللطمة الواحدة ~~والضربة الواحدة بالسوط, ولو كرر ذلك حتى صار جملته مما يقتل كان عمدا وفيه ~~القصاص بالسيف, وكذلك إذا غرقه بحيث لا يمكنه الخلاص منه; وهو قول عثمان ~~البتي, إلا أنه يجعل دية شبه العمد في ماله. وقال ابن شبرمة: "وما كان من ~~شبه العمد فهو عليه في ماله, يبدأ بماله فيؤخذ حتى لا يترك له شيء, فإن لم ~~يتم كان ما بقي من الدية على عاقلته". وقال ابن وهب عن مالك: "إذا ضربه ~~بعصا أو رماه بحجر أو ضربه عمدا فهو عمد وفيه القصاص, ومن العمد أن يضربه ~~في نائرة تكون بينهما ثم ينصرف عنه وهو حي ثم يموت, فتكون فيه القسامة". ~~وقال ابن القاسم عن مالك: "شبه العمد باطل, إنما هو عمد أو خطأ". وقال ~~الأشجعي عن الثوري: "شبه العمد أن يضربه بعصا أو بحجر أو بيده فيموت ففيه ~~الدية مغلظة ولا قود فيه, والعمد ما كان بسلاح وفيه القود, والنفس يكون ~~فيها العمد وشبه العمد والخطأ, والجراحة لا يكون فيها إلا خطأ أو عمد". ~~وروى الفضل بن دكين عن الثوري قال: "إذا حدد عودا أو عظما فجرح به بطن حر ~~فهذا شبه عمد ليس فيه قود". قال أبو بكر: هذا قول شاذ وأهل العلم على ~~خلافه. وقال الأوزاعي عن شبه العمد: "الدية في ماله, فإن لم يكن تماما فعلى ~~العاقلة; وشبه العمد أن يضربه بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت, فإن ثنى ~~بالعصا فمات مكانه فهو عمد يقتل به, والخطأ على العاقلة". وقال الحسن بن ~~صالح: "إذا ضربه بعصا ثم علا فقتله مكانه من الضربة الثانية فعليه القصاص, ~~وإن علا الثانية فلم يمت منها ثم ms1407 مات بعدها فهو شبه العمد لا قصاص فيه وفيه ~~الدية على العاقلة والخطأ على العاقلة". وقال الليث: "العمد ما تعمده ~~إنسان, فإن ضربه بأصبعه فمات من ذلك دفع إلى ولي المقتول والخطأ فيه على ~~العاقلة". وهذا يدل على أن الليث كان لا يرى شبه العمد وإنما يكون خطأ أو ~~عمدا. وقال المزني في مختصره عن الشافعي: "إذا عمد رجل بسيف أو حجر أو سنان ~~رمح أو ما يشق بحده فضرب به أو رمى به الجلد أو اللحم فجرحه جرحا كبيرا أو ~~صغيرا فمات فعليه القود, وإن شدخه بحجر أو تابع عليه الخنق ووالى بالسوط ~~عليه حتى مات أو طبق عليه مطبقا بغير طعام ولا شراب أو ضربه بسوط في شدة حر ~~أو برد مما # PageV02P287 # الأغلب أنه يموت منه فمات فعليه القود, وإن ضربه بعمود أو بحجر لا يشدخ ~~أو بحد سيف ولم يجرح أو ألقاه في بحر قريب البر وهو يحسن العوم أو ما ~~الأغلب أنه لا يموت بمثله فمات فلا قود فيه وفيه الدية مغلظة على العاقلة". # والدليل على ثبوت شبه العمد ما روى هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ~~ربيعة بن جوشن عن عقبة بن أوس السدوسي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة, فقال في خطبته:"ألا إن قتيل ~~خطإ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه الدية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون ~~خلفة في بطونها أولادها". وروى إبراهيم عن عبيد بن نضلة الخزاعي عن المغيرة ~~بن شعبة: أن امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط فقتلتها, فقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها ~~بالغرة. وروى يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن ~~أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ~~وما في بطنها, فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ~~جنينها عبد أو وليدة, وقضى ms1408 بدية المرأة على عاقلتها ففي أحد هذين الحديثين ~~أنها ضربتها بعمود فسطاط وفي الآخر أنها ضربتها بحجر. وقد روى أبو عاصم عن ~~ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب ~~نشد الناس قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين, فقام حمل بن مالك ~~بن النابغة فقال: إنني كنت بين امرأتين لي, وإن إحداهما ضربت الأخرى بمسطح ~~فقتلتها وجنينها, فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وأن ~~تقتل مكانها. وروى الحجاج بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ~~ابن عباس عن عمر مثله; فذكر أبو عاصم والحجاج عن ابن جريج أنه أمر بقتل ~~المرأة. وروى هذا الحديث هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن ابن دينار ~~وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار بإسناده, ولم يذكرا فيه أنه أمر أن تقتل, ~~وذكر أبو عاصم والحجاج أنه أمر أن تقتل المرأة, فاضطرب حديث ابن عباس في ~~هذه القصة. وروى سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن حمل بن مالك قال: كانت له ~~امرأتان فرجمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب قلبها وهي حامل فألقت جنينا ~~فماتت, فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالدية على عاقلة القاتلة وقضى في الجنين بغرة عبد أو أمة. فكان ~~حديث حمل بن مالك في إيجاب القود على المرأة مختلفا متضادا; وروي في بعض ~~أخبار ابن عباس في هذه القصة بعينها القصاص ولم يذكره في بعضها; قال حمل بن ~~مالك وهو صاحب القصة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عاقلة ~~القاتلة" فتضادت الأخبار في قصة حمل بن مالك وسقطت وبقي حديث المغيرة بن ~~شعبة وأبي هريرة في نفي القصاص من غير معارض. # PageV02P288 # وقد روى أبو معاوية عن حجاج عن قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "قتيل السوط والعصا شبه العمد". وإثبات شبه العمد ms1409 ضرب من ~~القتل دون الخطإ فيه اتفاق السلف عندنا لا خلاف بينهم فيه, وإنما الاختلاف ~~بينهم في كيفية شبه العمد; فأما أن يقول مالك: "لا أعرف إلا خطأ أو عمدا" ~~فإن هذا قول خارج عن أقاويل السلف كلهم. وروى شريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن ~~ضمرة عن علي قال: "شبه العمد بالعصا والحجر الثقيل وليس فيهما قود". وروي ~~عن عمر بن الخطاب أنه قال: "يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل آكلة اللحم وهي ~~العصا ثم يقول لا قود علي لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته", فكان هذا عنده ~~من العمد; لأن مثله يقتل في الغالب على ما قال أبو يوسف ومحمد. # ومما يبين إجماع الصحابة على شبه العمد وأنه قسم ثالث ليس بعمد محض ولا ~~خطأ محض اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسنان الإبل في ~~الخطإ, ثم اختلافهم في أسنان شبه العمد وأنها أغلظ من الخطإ; منهم علي وعمر ~~وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبو موسى والمغيرة بن ~~شعبة, كل هؤلاء أثبت أسنان الإبل في شبه العمد أغلظ منها في الخطإ على ما ~~سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى; فثبت بذلك شبه العمد. ولما ثبت شبه ~~العمد بما قدمنا من الآثار واتفاق السلف بعد اختلاف منهم في كيفيته, احتجنا ~~أن نعتبر شبه العمد, فوجدنا عليا قال: "شبه العمد بالعصا والحجر العظيم" ~~ومعلوم أن شبه العمد اسم شرعي لا سبيل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف; إذ ~~ليس في اللغة هذا الاسم لضرب من القتل; فعلمنا أن عليا لم يسم القتل بالحجر ~~العظيم شبه العمد إلا توقيفا, ولم يذكر الحجر العظيم إلا والصغير والكبير ~~متساويان عنده في سقوط القود به. ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا المعمري قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الرقي قال: حدثنا ~~ابن المبارك عن سليمان التيمي وخالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن ~~أوس عن عبد الله بن ms1410 عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتيل خطإ العمد ~~قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" ~~فقد حوى هذا الخبر معاني: منها إثباته قتيل خطإ العمد قسما غير العمد وغير ~~الخطإ وهو شبه العمد, ومنها إيجابه الدية في قتيل السوط والعصا من غير فرق ~~بين ما يقتل مثله وبين ما لا يقتل مثله وبين من يوالي الضرب حتى يقتله وبين ~~من يقتل بضربة واحدة, ومنها أنه جمع بين السوط والعصا والسوط لا يقتل مثله ~~في الغالب والعصا يقتل مثلها في الأكثر, فدل على وجوب التسوية بين ما يقتل ~~وبين ما لا يقتل. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا عقبة بن مكرم # PageV02P289 # قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين عن ~~إبراهيم ابن بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "كل شيء سوى الحديدة خطأ ولكل خطأ أرش". وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن محمد العسكري قال: حدثنا ~~محمد بن المثنى قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الضبعي قال: حدثنا سفيان الثوري ~~وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "كل شيء خطأ إلا السيف وفي كل خطأ أرش". وأيضا لما ~~اتفقوا على أنه لو جرحه بسكين صغيرة لم يختلف حكمها وحكم الكبيرة في وجوب ~~القصاص فوجب أن لا يختلف حكم الصغير والكبير من الحجر والخشب في سقوطه; ~~وهذا يدل على أن الحكم في إيجاب القصاص متعلق بالآلة, وهي أن تكون سلاحا أو ~~يعمل عمل السلاح. # فإن قيل: على ما روينا من قوله صلى الله عليه وسلم: "قتيل خطإ العمد" أن ~~العمد لا يكون خطأ ولا الخطأ عمدا, وهذا يدل على فساد الحديث. قيل: ليس ~~كذلك; لأنه سماه خطأ العمد لأنه خطأ في ms1411 الحكم عمد في الفعل, وذلك معنى صحيح ~~لأنه دل به على التغليظ من حيث هو عمد وعلى سقوط القود من حيث هو في حكم ~~الخطإ. # فإن قيل: قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] وقوله: ~~{النفس بالنفس} [المائدة: 45] وسائر الآي التي فيها إيجاب القصاص يوجبه على ~~القاتل بالحجر العظيم. قيل له: لا خلاف أن هذه الآية إنما أوجبت القصاص في ~~العمد, وهذا ليس بعمد; ومع ذلك فإن الآية وردت في إيجاب القصاص في الأصل ~~والآثار التي ذكرنا واردة فيما يجب فيه القصاص, فكل واحد منهما مستعمل فيما ~~ورد فيه لا يعترض بأحدهما على الآخر. وأيضا قال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~شبه العمد قتيل خطإ العمد, فلما أطلق عليه اسم الخطإ وجب أن تكون فيه ~~الدية. # فإن احتجوا بحديث ابن عباس في قصة المرأتين قتلت إحداهما الأخرى بمسطح ~~فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليها القصاص. قيل له: قد بينا اضطراب ~~الحديث وما عارضه من رواية حمل بن مالك في إيجاب الدية دون القود, ولو ثبت ~~القود أيضا فإن ذلك إنما كان في شيء بعينه ليس بعموم في جميع من قتل بمسطح, ~~وجائز أن يكون كان فيه حديد وأصابها الحديد دون الخشب, فمن أجله أوجب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه القود. # فإن احتجوا بما روي أن يهوديا رضخ رأس جارية بالحجارة فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن يرضخ رأسه. قيل له جائز أن يكون كان لها مروة, وهي التي ~~لها حد يعمل عمل # PageV02P290 # السكين, فلذلك أوجب النبي صلى الله عليه وسلم قتله. وأيضا روى عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس: أن يهوديا قتل جارية من ~~الأنصار على حلي لها وألقاها في نهر ورضخ رأسها بالحجارة, فأتي به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت, فرجم حتى مات. ولا خلاف أن ~~الرجم لا يجب ms1412 على وجه القود, وجائز أن يكون اليهودي مستأمنا فقتل الجارية ~~ولحق بأرضه فأخذ وهو حربي لقرب منازلهم من المدينة فقتله على أنه محارب ~~حربي ورجمه, كما سمل أعين العرنيين الذين استاقوا الإبل وقتلوا الراعي وقطع ~~أيديهم وأرجلهم وتركهم حتى ماتوا, ثم نسخ القتل على وجه المثلة. # PageV02P291 # فصل # وأما ما دون النفس فإنه ليس فيه شبه العمد من جهة الآلة, ويجب فيه القصاص ~~بحجر شجه أو بحديد, وفيه شبه العمد من جهة التغليظ إذا تعذر فيه القصاص; ~~وإنما لم يثبت فيما دون النفس شبه العمد لأن الله تعالى قال: {والجروح ~~قصاص} [المائدة: 45] وقال: {والسن بالسن} [المائدة: 45] , ولم يفرق بين ~~وقوعها بحديد أو غيره. والأثر إنما ورد في إثبات خطإ العمد في القتل, وذلك ~~اسم شرعي لا يجوز إثباته إلا من طريق التوقيف, ولم يرد فيما دون النفس ~~توقيف في شبه العمد فيه, وأثبتوا فيه التغليظ إذا لم يمكن فيه القصاص; لأنه ~~بمنزلة شبه العمد حين كان عمدا في الفعل. وقد روي عن عمر نضر الله وجهه" ~~أنه قضى على قتادة المدلجي حين حذف ابنه بالسيف فقتله بمائة من الإبل مغلظة ~~"; حين كان عمدا سقط فيه القصاص, كذلك فيما دون النفس إذا كان عمدا قد سقط ~~فيه القصاص إيجاب قسطه من الدية مغلظا; ومع ذلك فلا نعلم خلافا بين الفقهاء ~~في إيجاب القصاص في الجراحات التي يمكن القصاص فيها بأي شيء جرح. قال أبو ~~بكر: قد ذكرنا الخطأ وشبه العمد وبينا العمد في سورة البقرة; والله أعلم. # PageV02P291 # باب مبلغ الدية من الإبل # قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الدية وأنها مائة ~~من الإبل, فمنها حديث سهل بن أبي حثمة في القتيل الموجود بخيبر وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وداه بمائة من الإبل. وروى سفيان بن عيينة عن علي بن ~~زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة فقال: "ألا إن قتيل خطإ العمد بالسوط والعصا فيه ms1413 الدية ~~مغلظة مائة من الإبل أربعون خلفة في بطونها أولادها". وفي كتاب عمرو بن حزم ~~الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي النفس مائة من الإبل". ~~وروى عمرو بن دينار عن طاوس قال: فرض رسول الله دية الخطإ مائة من الإبل ~~وذكر علي بن موسى القمي قال: حدثنا # PageV02P291 # يعقوب بن شيبة قال: حدثنا قيس بن حفص قال: حدثنا الفضل بن سليمان النميري ~~قال: حدثنا غالب بن ربيعة بن قيس النميري قال: أخبرني قرة بن دعموص النميري ~~قال: أتيت أنا وعمي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن لي عند ~~هذا دية أبي فمره أن يعطينيها قال: "أعطه دية أبيه" وكان قتل في الجاهلة, ~~قلت: يا رسول الله هل لأمي فيها حق؟ قال: نعم وكانت ديته مائة من الإبل فقد ~~حوى هذا الخبر أحكاما: منها أن المسلم والكافر في الدية سواء لأنه أخبر أنه ~~قتل في الجاهلية. ومنها أن المرأة ترث من دية زوجها. ومنها أن الدية مائة ~~من الإبل; ولا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار في ذلك, والله أعلم. # PageV02P292 # باب أسنان الإبل في دية الخطإ # قال أبو بكر: اختلف السلف في ذلك, فروى علقمة والأسود عن عبد الله بن ~~مسعود في دية الخطإ أخماسا: "عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض ~~وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون". وعن عمر بن الخطاب أخماسا أيضا. وروى ~~عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطإ أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس ~~وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون أربعة أسنان مثل ~~أسنان الزكاة". وقال عثمان وزيد بن ثابت: "في الخطإ ثلاثون بنات لبون ~~وثلاثون جذعة وعشرون بنو لبون وعشرون بنات مخاض" وروي عنهما مكان الجذاع ~~الحقاق. # قال أبو بكر: واتفق فقهاء الأمصار أصحابنا ومالك والشافعي أن دية الخطإ ~~أخماس, إلا أنهم اختلفوا في الأسنان من كل صنف, فقال أصحابنا جميعا: عشرون ~~بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة" وقال ms1414 ~~مالك والشافعي: "عشرون بنات مخاض وعشرون بنو لبون وعشرون بنات لبون وعشرون ~~حقة وعشرون جذعة". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود بن ~~توبة التمار قال: حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدثنا أبو معاوية قال: ~~حدثنا حجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطإ أخماسا. واتفاق الفقهاء ~~على استعمال هذا الخبر في الأخماس يدل على صحته; ولم يبين فيه كيفية ~~الأسنان, فروى منصور عن إبراهيم عن ابن مسعود في دية الخطإ أخماسا وذكر ~~الأسنان مثل قول أصحابنا, فهذا يدل على أن الأخماس التي رواها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانت على هذا الوجه; لأنه غير جائز أن يروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه إلى غيره. # فإن قيل: خشف بن مالك مجهول. قيل له استعمال الفقهاء لخبره في إثبات # PageV02P292 # الأخماس يدل على صحته واستقامته. وأيضا فإن قول من جعل في الخطإ مكان بني ~~لبون بني مخاض أولى; لأن بني لبون بمنزلة بنات مخاض, لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون" فيصير بمنزلة من أوجب أربعين بنات ~~مخاض إذا أوجب عشرين بني لبون وعشرين بنات مخاض. وأيضا فإن بني لبون فوق ~~بني مخاض, ولا يجوز إثبات زيادة ما بين بني لبون وبنات مخاض إلا بتوقيف. ~~وأيضا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدية مائة من الإبل" يقتضي جواز ~~ما يقع عليه الاسم, فلا تثبت الزيادة إلا بدلالة, ومذهب أصحابنا أقل ما قيل ~~فيه فهو ثابت. وما زاد فلم تقم عليه دلالة فلا يثبت. وأيضا قد ثبت مثل قول ~~أصحابنا عن عبد الله بن مسعود في كيفية الأسنان ولم يرو عن أحد من الصحابة ~~ممن قال بالأخماس خلافة; وقول مالك والشافعي لا يروى عن أحد من الصحابة ~~وإنما يروى عن سليمان بن يسار, فكان قول أصحابنا أولى لاتفاق الجميع من ms1415 ~~فقهاء الأمصار على إثبات الأخماس وثبوت كيفيتها على الوجه الذي يذهب إليه ~~أصحابنا عن عبد الله بن مسعود. # فإن قيل إيجاب بني لبون أولى من بني مخاض لأنها تؤخذ في الزكاة ولا تؤخذ ~~بنو مخاض. قيل له: ابن اللبون يؤخذ في الزكاة على وجه البدل, وكذلك ابن ~~مخاض يؤخذ عندنا على وجه البدل, فلا فرق بينهما. وأيضا فإن الديات غير ~~معتبرة بالزكاة, ألا ترى أنه يجب عند المخالف أربعون خلفة في شبه العمد ولا ~~يجب مثلها في الزكاة؟ والله أعلم. # PageV02P293 # باب أسنان الإبل في شبه العمد # روي عن عبد الله بن مسعود في شبه العمد أرباعا خمس وعشرون بنات مخاض وخمس ~~وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة, وهي مثل أسنان الإبل ~~في الزكاة". وروي عن علي وعمر وأبي موسى والمغيرة بن شعبة: "في شبه العمد ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة". ~~وعن عثمان وزيد بن ثابت: "ثلاثون بنات لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة ~~خلفة". وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي: "في شبه العمد ثلاث وثلاثون ~~حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها, كلها خلفة". # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "دية شبه العمد ~~أرباع" على ما روي عن عبد الله بن مسعود. وقال محمد دية شبه العمد أثلاث: ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة, ~~والخلفة هي الحوامل" وهو قول سفيان الثوري. وروي مثله عن عمر وزيد بن ثابت ~~ومن قدمنا ذكره # PageV02P293 # من السلف. وروى ابن القاسم عن مالك: "أن الدية المغلظة في الرجل يحذف ~~ابنه بالسيف فيقتله فتكون عليه الدية مغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ~~وأربعون خلفة وهي حالة" قال: "والجد إذا قتل ولد ولده على هذا الوجه فهو ~~مثل الأب, فإن قطع يد الولد وعاش ففيه نصف الدية مغلظة "; وقال مالك: "تغلظ ~~على أهل الورق والذهب أيضا, وهو أن ينظر إلى قيمة ms1416 الثلاثين من الحقة ~~والثلاثين من الجذعة والأربعين من الخلفة فيعرف كم قيمتهن, ثم ينظر إلى دية ~~الخطإ أخماسا من الأسنان عشرين بنت مخاض وعشرين ابن لبون وعشرين بنات لبون ~~وعشرين حقة وعشرين جذعة, ثم ينظر كم فضل ما بين دية الخطإ والدية المغلظة ~~فيزاد في الرقة على قدر ذلك" قال: "وهو على قدر الزيادة والنقصان في سائر ~~الأزمان, وإن صارت دية التغليظ ضعفي دية الخطإ زيد عليه من الورق بقدر ~~ذلك". وقال الثوري في دية شبه العمد من الورق: "يزاد عليها بقدر ما بين دية ~~الخطإ إلى دية شبه العمد في أسنان الإبل" نحو ما قال مالك, وهو قول الحسن ~~بن صالح. # قال أبو بكر: لما ثبت أن دية الخطإ أخماس بما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبما قدمنا من الحجاج, ثم اختلفوا في شبه العمد فجعله بعضهم أرباعا ~~وبعضهم أثلاثا, كان قول من قال بالأرباع أولى; لأن في الأثلاث زيادة تغليظ ~~لم تقم عليها دلالة, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدية مائة من الإبل" ~~يوجب جواز الكل, والتغليظ بالأرباع متفق عليه, والزيادة عليها غير ثابتة, ~~فظاهر الخبر ينفيها فلم نثبتها. وأيضا فإن في إثبات الخلفات وهي الحوامل ~~إثبات زيادة عدد فلا يجوز; لأنها تصير أكثر من مائة لأجل الأولاد. فإن قيل: ~~في حديث القاسم بن ربيعة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في قتيل ~~خطإ العمد مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها". # وقد احتججتم به في إثبات شبه العمد, فهلا أثبتم الأسنان قيل له: أثبتنا ~~به شبه العمد لاستعمال الصحابة إياه في إثبات شبه العمد, ولو كان ذلك ثابتا ~~لكان مشهورا, ولو كان كذلك لما اختلفوا فيه كما لم يختلفوا في إثبات شبه ~~العمد; وليس يمتنع أن يشتمل خبر على معاني فيثبت بعضها ولا يثبت بعض إما ~~لأنه غير ثابت في الأصل أو لأنه منسوخ, وأما التغليظ في الورق والذهب فإنه ~~لا يخلو أصل الدية من أن يكون واجبا من ms1417 الإبل وأن الورق والذهب مأخوذان ~~عنها على أنهما قيمة لها, أو أن تكون الدية في الأصل واجبة في أحد الأصناف ~~الثلاثة من الدراهم والدنانير والإبل, لا على أن بعضها بدل من بعض, فإن ~~كانت الإبل هي الدية وإنما تؤخذ الدراهم والدنانير بدلا منها; فلا اعتبار ~~بما ذكره مالك من إيجاب فضل ما بين دية الخطإ إلى الدية المغلظة, وإنما ~~الواجب أن يقال إن عليه قيمة الإبل على أسنان # PageV02P294 # التغليظ, وكذلك دية الخطإ ينبغي أن تعتبر فيها قيمة الإبل على أسنان ~~الخطإ وأن لا تعتبر الدراهم والدنانير في الديات مقدارا محدودا, فلا يقال ~~إن الدية من الدراهم عشرة آلاف ولا اثنا عشر ألفا ولا من الذهب ألف دينار, ~~بل ينظر في سائر الأزمان إلى قيمة الإبل فإن كانت ستة آلاف أوجب ذلك من ~~الدراهم بغير زيادة, وإن كانت خمسة عشر ألفا أوجب ذلك, وكذلك قيمتها من ~~الدنانير. فلما قال السلف في الدية أحد قولين إما عشرة آلاف وإما اثنا عشر ~~ألفا وقالوا إنها من الدنانير ألف دينار, حصل الاتفاق من الجميع على أن ~~الزيادة على هذه المقادير والنقصان منها غير سائغ, وفي ذلك دليل على أن ~~الدراهم والدنانير هي ديات بأنفسها لا بدلا من غيرها; وإذا كان كذلك لم يجز ~~التغليظ فيها من وجهين: أحدهما: أن إثبات التغليظ طريقه التوقيف أو ~~الاتفاق, ولا توقيف في إثبات التغليظ في الدراهم والدنانير ولا اتفاق. ~~والثاني: أن التغليظ في الإبل إنما هو من جهة الأسنان لا من جهة زيادة ~~العدد; وفي إثبات التغليظ من جهة زيادة الوزن في الورق والذهب خروج عن ~~الأصول. ووجه آخر يدل على أن الدراهم والدنانير ليست على وجه القيمة عن ~~الإبل, وهو أنه معلوم أن القاضي يقضي على العاقلة إذا كانت من أهل الورق ~~بالورق, وإذا كانت من أهل الذهب بالدنانير; فلو كانت الإبل هي الواجبة ~~والدراهم والدنانير بدل منها لما جاز أن يقضي القاضي فيها بالدراهم ~~والدنانير على أن تؤديها في ثلاث سنين; لأنه دين بدين, فلما جاز ms1418 ذلك دل على ~~أنها ديات بأنفسها ليست أبدالا عن غيرها. ويدل على أن التغليظ غير جائز في ~~الدراهم والدنانير أن عمر رضي الله عنه جعل الدية من الذهب ألف دينار من ~~الورق ما اختلف عنه فيه, فروى عنه أهل المدينة: "اثنا عشر ألفا" وروى عنه ~~أهل العراق" عشرة آلاف" ولم يفرق في ذلك في دية شبه العمد والخطإ وذلك ~~بمحضر من الصحابة من غير خلاف من أحد منهم عليه; فدل على أن اعتبار التغليظ ~~فيها ساقط, ويدل عليه أيضا أن الصحابة قد اختلفت في كيفية التغليظ في أسنان ~~الإبل لما كان التغليظ فيها واجبا, ولو كان التغليظ في الورق والذهب واجبا ~~لاختلفوا فيه حسب اختلافهم في الإبل; فلما لم يذكر عنهم خلاف في ذلك وإنما ~~روي عنهم في الذهب ألف دينار وفي الدراهم عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفا من ~~غير زيادة ولا نقصان, ثبت بإجماعهم على ذلك نفي التغليظ في غير الإبل. # فإن قيل على ما ذكرنا من الأصول لو كان من الإبل لكان قضاء القاضي عليهم ~~بالدية من الدراهم يوجب أن يكون دينا بدين: إن هذا كما يقولون فيمن تزوج ~~امرأة على عبد وسط" إنه إن جاء بالقيمة دراهم قبلت منه" ولم يكن ذلك بيع ~~دين بدين. قيل له: القاضي عندنا لا يقضي عليه بالدراهم إذا تزوجها على عبد ~~ولكنه يقول له: "إن شئت # PageV02P295 # فأعطها عبدا وسطا وإن شئت قيمته دراهم" فليس فيما قلنا بيع دين بدين, ~~والدية يقضي بها القاضي على العاقلة دراهم ولا يقبل منهم الإبل إذا قضى ~~بذلك; وعلى أنه إنما تعتبر قيمة العبد في وقت ما يعطي قيمته دراهم, والإبل ~~لا تعتبر قيمتها إذا أراد القضاء بالدراهم سواء نقصت قيمتها أو زادت. # PageV02P296 # مطلب: في دية المقتول في الحرم والشهر الحرام # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المقتول في الحرم والشهر الحرام, فقال ~~أبو حنيفة ومحمد وزفر وابن أبي ليلى ومالك: "القتل في الحرم والشهر الحرام ~~كهو في غيره فيما يجب من الدية والقود". وسئل الأوزاعي ms1419 عن القتل في الشهر ~~الحرام والحرم هل تغلظ الدية فيه؟ قال: "بلغنا أنه إذا قتل في الحرم أو ~~الشهر الحرام زيد على العقل ثلثه ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل". وذكر ~~المزني عن الشافعي في مختصره, وذكر تغليظ الدية في شبه العمد وقال: "الدية ~~في هذا على العاقلة, وكذلك الجراح, وكذلك التغليظ في النفس والجراح في ~~الشهر الحرام والبلد الحرام وذوي الرحم" وروي عن عثمان أنه قضى في دية ~~امرأة قتلت بمكة بدية وثلث وروى إبراهيم عن الأسود أن رجلا أصيب عند البيت, ~~فسأل عمر عليا, فقال له علي: "ديته من بيت المال" فلم ير فيه علي أكثر من ~~الدية, ولم يخالفه عمر. وقال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} وهو عام في الحل والحرم, ولما كانت الكفارة في ~~الحرم كهي في الحل لا فرق بينهما وإن كان ذلك كله حقا لله تعالى, وجب أن ~~تكون الدية كذلك; إذ الدية حق لآدمي ولا تعلق لها بالحرم ولا بالشهر ~~الحرام; لأن حرمة الحرم والشهر الحرام إنما هي حق لله تعالى, فلو كان لحرمة ~~الحرم والأشهر تأثير في إلزام الغرم لكان تأثيره في الكفارة التي هي حق ~~الله تعالى أولى. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن قتيل ~~خطإ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل" ولم يفرق بين الحل والحرم. ~~وقد اختلف التابعون في ذلك, فروي عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي ~~بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار: ~~"الدية في الحرم كهي في غيره, وكذلك الشهر الحرام". وروي عن القاسم بن محمد ~~وسالم بن عبد الله: "أن من قتل في الحرم زيد على ديته مثل ثلثها" والله ~~أعلم. # PageV02P296 # باب الدية من غير الإبل # قال أبو حنيفة: "الدية من الإبل والدراهم والدنانير, فمن الدراهم عشرة ~~آلاف درهم ومن الدنانير ألف دينار". وأبو حنيفة لا يرى الدية إلا من الإبل ms1420 ~~والورق والذهب # PageV02P296 # وقال مالك والشافعي: "من الورق اثنا عشر ألفا ومن الذهب ألف دينار". وقال ~~مالك: "أهل الذهب أهل الشام ومصر, وأهل الورق أهل العراق, وأهل الإبل أهل ~~البوادي". وقال مالك: "ولا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ومن أهل الذهب إلا ~~الذهب ومن أهل الورق إلا الورق". وقال أبو يوسف ومحمد: "الدية من الورق ~~عشرة آلاف وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الإبل مائة بعير وعلى أهل ~~البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى أهل الحلل مائتا حلة ~~يمانية, ولا يؤخذ من الغنم والبقر في الدية إلا الثني فصاعدا, ولا تؤخذ من ~~الحلل إلا اليمانية قيمة كل حلة خمسون درهما فصاعدا". وروي عن ابن أبي ليلى ~~عن الشعبي عن عبيدة السلماني عن عمر: "أنه جعل الدية على أهل الذهب ألف ~~دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل ~~الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل الإبل مائة من الإبل". # قال أبو بكر: الدية قيمة النفس, وقد اتفق الجميع على أن لها مقدارا ~~معلوما لا يزاد عليه ولا ينقص منه, وأنها غير موكولة إلى اجتهاد الرأي كقيم ~~المتلفات ومهور المثل ونحوهما; وقد اتفق الجميع على إثبات عشرة آلاف ~~واختلفوا فيما زاد, فلم يجز إثباته إلا بتوقيف. وقد روى هشيم عن يونس عن ~~الحسن أن عمر بن الخطاب قوم الإبل في الدية مائة من الإبل, قوم كل بعير ~~بمائة وعشرين درهما اثني عشر ألف درهم; وقد روي عنه في الدية عشرة آلاف. ~~وجائز أن يكون من روى اثني عشر ألفا على أنها وزن ستة فتكون عشرة آلاف وزن ~~سبعة. وذكر الحسن في هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق قيمة الإبل لا أنه ~~أصل في الدية, وفي غير هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق وروى عكرمة عن ~~أبي هريرة في الدية عشرة آلاف درهم. # فإن احتج محتج بما روى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ms1421 عكرمة ~~عن ابن عباس, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدية اثنا عشر ألفا" وبما ~~روى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عمر قضى في الدية باثني عشر ألفا, وروى نافع ~~بن جبير عن ابن عباس مثله, والشعبي عن الحارث عن علي مثله. قيل له: أما ~~حديث عكرمة فإنه يرويه ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه ابن عباس; ويقال إن محمد بن مسلم غلط في ~~وصله وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك احتمل أن يريد بها اثني عشر ألف درهم وزن ~~ستة, وإذا احتمل ذلك لم يجز إثبات الزيادة بالاحتمال ويثبت عشرة آلاف ~~بالاتفاق. وأيضا قد اتفق الجميع على أنها من الذهب ألف دينار, وقد جعل في ~~الشرع كل عشرة دراهم قيمة لدينار, ألا ترى أن الزكاة في عشرين مثقالا وفي ~~مائتي درهم فجعلت مائتا الدرهم نصابا بإزاء العشرين دينارا؟ كذلك ينبغي أن ~~يجعل بإزاء كل دينار # PageV02P297 # من الدية عشرة دراهم وإنما لم يجعل أبو حنيفة الدية من غير الأصناف ~~الثلاثة من قبل أن الدية لما كانت قيمة النفس كان القياس أن لا تكون إلا من ~~الدراهم والدنانير كقيم سائر المتلفات, إلا أنه لما جعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قيمتها من الإبل اتبع الأثر فيها ولم يوجبها من غيرها; والله ~~أعلم. # PageV02P298 # باب ديات أهل الكفر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن ~~بن صالح دية الكافر مثل دية المسلم اليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد ~~والذمي سواء". وقال مالك بن أنس دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ~~ودية المجوسي ثمانمائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك". وقال الشافعي ~~دية اليهودي والنصراني ثلث الدية ودية المجوسي ثمانمائة والمرأة على النصف" # قال أبو بكر: الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله عز وجل: {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} إلى ~~قوله: {وإن كان من ms1422 قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} والدية اسم ~~لمقدار معلوم من المال بدلا من نفس الحر; لأن الديات قد كانت متعالمة ~~معروفة بينهم قبل الإسلام وبعده, فرجع الكلام إليها في قوله في قتل المؤمن ~~خطأ ثم لما عطف عليه قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله} كانت هذه الدية هي الدية المذكورة بديا; إذ لو لم تكن كذلك ~~لما كانت دية; لأن الدية اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ولا ينقص. ~~وقد كانوا قبل ذلك يعرفون مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق بين دية ~~المسلم والكافر فوجب أن تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت للمسلم, ~~وأن يكون قوله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} راجعا إليها, كما عقل من دية ~~المسلم أنها المعتاد المتعارف عندهم, ولولا أن ذلك كذلك لكان اللفظ مجملا ~~مفتقرا إلى البيان, وليس الأمر كذلك. # فإن قيل: فقوله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} لا يدل على أنها مثل دية ~~المسلم, كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن ~~تكون دية كاملة لها. قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى إنما ~~ذكر الرجل في الآية فقال: {ومن قتل مؤمنا خطأ} ثم قال: {وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} , فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم ~~كمال الدية كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في ~~مقدار الدية. والوجه الآخر: أن دية # PageV02P298 # المرأة لا يطلق عليها اسم الدية وإنما يتناولها الاسم مقيدا ألا ترى أنه ~~يقال دية المرأة نصف الدية وإطلاق اسم الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد ~~وهو كمالها؟. # فإن قيل: قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق} يحتمل أن يريد ~~به: وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق; فاكتفى بذكر ~~الإيمان للقتيلين الأولين عن إعادته في القتيل الثالث. قيل له: هذا غلط من ~~وجوه: أحدها: أنه قد تقدم ms1423 في أول الخطاب ذكر القتيل المؤمن خطأ وحكمه, وذلك ~~عموم يقتضي سائر المؤمنين إلا ما خصه الدليل, فغير جائز إعادة ذكر المؤمن ~~بذلك الحكم في سياق الآية مع شمول أول الآية له ولغيره, فعلمنا أنه لم يرد ~~المؤمن ممن كان بيننا وبينهم ميثاق. والثاني: لما لم يقيده بذكر الإيمان ~~وجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكفار من قوم بيننا وبينهم ميثاق, وغير ~~جائز تخصيصه بالمؤمنين دون الكافرين بغير دلالة. والثالث: أن إطلاق القول ~~بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهدا مثلهم, ألا ترى أن قول القائل: "إن ~~هذا الرجل من أهل الذمة" يفيد أنه ذمي مثلهم؟ وظاهر قوله تعالى: {وإن كان ~~من قوم بينكم وبينهم ميثاق} يوجب أن يكون معاهدا مثلهم ألا ترى أنه لما ~~أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين قال: {فإن كان من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} فقيده بذكر الإيمان؟ لأنه لو أطلقه ~~لكان المفهوم منه أنه كافر مثلهم. والرابع: أنه لو كان كما قال هذا القائل ~~لما كانت الدية مسلمة إلى أهله; لأن أهله كفار لا يرثونه. فهذه الوجوه كلها ~~تقتضي المساواة وفساد هذا التأويل. # ويدل على صحة قول أصحابنا أيضا ما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: {فإن جاءوك فاحكم بينهم} [المائدة: ~~42] الآية, قال: "كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة قتيلا أدوا نصف ~~الدية, وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا الدية إليهم, قال: فسوى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بينهم في الدية". قال أبو بكر: لما قال: "أدوا ~~الدية" ثم قال: "سوى بينهم في الدية" دل ذلك على أنه راجع إلى الدية ~~المعهودة المبدوء بذكرها; لأنه لو كان رد بني النضير إلى نصفها لقال: سوى ~~بينهم في نصف الدية, ولم يقل: سوى بينهم في الدية. ويدل عليه أيضا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "في النفس مائة من الإبل" وهو عام في الكافر ms1424 ~~والمسلم. وروى مقسم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى ~~العامريين وكانا مشركين دية الحرين المسلمين. وروى محمد بن عبدوس قال: ~~حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا أبو بكر قال: سمعت نافع عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنه "ودى ذميا دية مسلم". وهذان الخبران يوجبان مساواة ~~الكافر للمسلم في الدية; لأنه معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وداهما ~~بما في الآية في قوله عز وجل: {وإن # PageV02P299 # كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} فدل على أن المراد ~~من الآية دية المسلم. وأيضا لما لم يكن مقدار الدية مبينا في الكتاب, كان ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم واردا مورد البيان, وفعله صلى الله عليه وسلم ~~إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب. وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن أبي ~~الهيثم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا "دية ~~المعاهد دية الحر المسلم". وروى إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال: "كان أبو ~~بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية ~~المسلم". وروى سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن ~~عبد الله بن الحكم أخبره: أن رفاعة بن السموأل يهودي قتل بالشام, فجعل عمر ~~ديته ألف دينار". وروى محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن ~~مسعود قال دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين" وهو قول علقمة وإبراهيم ومجاهد ~~وعطاء والشعبي. وروى الزهري عن سالم عن أبيه: "أن مسلما قتل كافرا من أهل ~~العقد, فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم". فهذه الأخبار وما ذكرنا من ~~أقاويل السلف مع موافقتها لظاهر الآية توجب مساواة الكافر للمسلم في ~~الديات. وقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال دية اليهودي ~~والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة". قال سعيد: "وقضى عثمان ~~في دية المعاهد بأربعة آلاف". قال أبو بكر: وقد روي عنهما ms1425 خلاف ذلك وقد ~~ذكرناه. # واحتج المخالف بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح قال في خطبته: ودية الكافر نصف دية المسلم ~~وبما روى عبد الله بن صالح قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ~~أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دية ~~المجوس ثمانمائة". قيل له: قد علمنا حضور هؤلاء الصحابة الذين ذكرنا عنهم ~~مقدار الدية خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة, فلو كان ذلك ثابتا لعرفه ~~هؤلاء ولما عدلوا عنه إلى غيره. وأيضا قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال "دية المعاهد مثل دية المسلم" وأنه ودى العامريين دية الحرين المسلمين; ~~وهذا أولى لما فيه من الزيادة, ولو تعارض الخبران لكان ما اقتضاه ظاهر ~~الكتاب وما ورد به النقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أن ~~الدية مائة من الإبل من غير فصل فيه بين المسلم والكافر أولى فوجب تساويهما ~~في الديات. وأما حديث عقبة بن عامر في دية المجوسي فإنه حديث واه لا يحتج ~~بمثله; لأن ابن لهيعة ضعيف لا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه. # فإن قيل: قوله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} عطفا على ما ذكر في دية ~~المسلم لا يدل على تساوي الديتين, كما لو قال: من قتل عبدا فعليه قيمته ومن ~~استهلك ثوبا فعليه قيمته, لم يدل على تساوي القيمتين. قيل له: الفرق بينهما ~~أن الدية اسم لمقدار من # PageV02P300 # المال بدلا من نفس الحر كانت معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل, ~~فمتى أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا القدر, فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا ~~المعنى, وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة ~~قد اقتضى ذلك أيضا; والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # PageV02P301 # باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا # قال الله تعالى: {فإن ms1426 كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} ~~روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فإن كان من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن} قال: "يكون الرجل مؤمنا وقومه كفارا فلا دية له ولكن عتق ~~رقبة مؤمنة". قال أبو بكر: هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل ~~أن يهاجر إلينا; لأنه غير جائز أن يكون مراده في المؤمن في دار الإسلام إذا ~~قتل وله أقارب كفار لأنه لا خلاف بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت ~~المال, وأن كون أقربائه كفارا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث ~~لا يرثونه. # وروى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس: {فإن كان من قوم عدو لكم} ~~الآية, قال: "كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم, ثم يرجع إلى ~~قومه فيكون فيهم فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غزاة, فيعتق الذي يصيبه ~~رقبة". قال أبو بكر: إذا أسلم في دار الإسلام لم تسقط ديته برجوعه إلى دار ~~الحرب كسائر المسلمين; لأن ما بينه وبين المشركين من القرابة لا تأثير له ~~في إسقاط قيمة دمه, كسائر أهل دار الإسلام إذا دخلوا دار الحرب بأمان, على ~~القاتل الدية. وروي عن أبي عياض مثل ما روي عن ابن عباس. وقال قتادة: "هو ~~المسلم يكون في المشركين فيقتله المؤمن ولا يدري ففيه عتق رقبة وليس فيه ~~دية". وهذا على أن يقتل قبل الهجرة إلى دار الإسلام. وروى مغيرة عن ~~إبراهيم: {فإن كان من قوم عدو لكم} قال: "هو المؤمن يقتل وقومه مشركون ليس ~~بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد, فعليه تحرير رقبة, وإن كان بينهم ~~وبين النبي عليه السلام عهد أدى ديته إلى قرابته الذين بينهم وبين النبي ~~عليه السلام عهد". قال أبو بكر: وهذا لا معنى له, من قبل أن أقرباءه لا ~~يرثونه لأنهم كفار وهو مسلم فكيف يأخذون ديته وإن كان قومه أهل حرب وهو من ~~أهل دار الإسلام ms1427 فالدية واجبة لبيت المال كمسلم قتل في دار الإسلام ولا ~~وارث له. # وقد اختلف فقهاء الأمصار فيمن قتل في دار الحرب وهو مؤمن قبل أن يهاجر, ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في الرواية المشهورة ومحمد في الحربي يسلم. ~~فيقتله مسلم # PageV02P301 # مستأمن قبل أن يخرج فلا شيء عليه إلا الكفارة في الخطإ, وإن كانا ~~مستأمنين دخلا دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فعليه الدية في العمد والخطإ ~~والكفارة في الخطإ خاصة, وإن كانا أسيرين فلا شيء على القاتل إلا الكفارة ~~في الخطإ, في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: "عليه الدية في العمد ~~والخطإ". وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الحربي يسلم في دار الحرب ~~فيقتله رجل مسلم قبل أن يخرج إلينا أن عليه الدية استحسانا, ولو وقع في بئر ~~حفرها أو وقع عليه ميزاب عمله لم يضمن شيئا. وهذا خلاف المشهور من قوله ~~وخلاف القياس أيضا. وقال مالك: وإذا أسلم في دار الحرب فقتل قبل أن يخرج ~~إلينا فعلى قاتله الدية والكفارة إن كان خطأ قال: وقوله تعالى: {فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} إنما كان في صلح النبي صلى الله ~~عليه وسلم أهل مكة; لأن من لم يهاجر لم يورث; لأنهم كانوا يتوارثون ~~بالهجرة; قال الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] فلم يكن لمن لم يهاجر ورثة يستحقون ميراثه, ~~فلم تجب الدية; ثم نسخ ذلك بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله} [الأنفال: 75] . وقال الحسن بن صالح: "من أقام في أرض العدو وإن ~~انتحل الإسلام وهو يقدر على التحول إلى المسلمين فأحكامه أحكام المشركين, ~~وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم يحكم فيه ~~بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه". وقال الحسن: "إذا لحق الرجل بدار ~~الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام". وقال الشافعي: ~~"إذا قتل المسلم مسلما في دار الحرب في ms1428 الغارة أو الحرب وهو لا يعلمه مسلما ~~فلا عقل فيه ولا قود وعليه الكفارة, وسواء كان المسلم أسيرا أو مستأمنا أو ~~رجلا أسلم هناك; وإن علمه مسلما فقتله فعليه القود. # قال أبو بكر: لا يخلو قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة} من أن يكون المراد به الحربي الذي يسلم فيقتل قبل أن يهاجر ~~على ما قاله أصحابنا, أو المسلم الذي له قرابات من أهل الحرب; لأن قوله ~~تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم} يحتمل المعنيين جميعا بأن يكون من أهل دار ~~الحرب وبأن يكون ذا نسب من أهل الحرب, فلو خلينا والظاهر لأسقطنا دية من ~~قتل في دار الإسلام من المسلمين إذا كان ذا قرابة من أهل الحرب لاقتضاء ~~الظاهر ذلك, فلما اتفق المسلمون على أن كونه ذا قرابة من أهل الحرب لا يسقط ~~حكم دمه في إيجاب الدية أو القود إذا قتل في دار الإسلام دل ذلك على أن ~~المراد: من كان مسلما من أهل دار الحرب لم يهاجر إلى دار الإسلام, فيكون ~~الواجب على قاتله خطأ الكفارة دون الدية; لأن الله تعالى إنما أوجب # PageV02P302 # فيه الكفارة ولم يوجب الدية; وغير جائز أن يزاد في النص إلا بنص مثله; إذ ~~كانت الزيادة في النص توجب النسخ. # فإن قيل: هلا أوجبت الدية بقوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} قيل له: غير جائز أن يكون هذا المؤمن مرادا ~~بالمؤمن المذكور في أول الآية; لأن فيها إيجاب الدية والرقبة, فيمتنع أن ~~نعطفه عليه ونشرط كونه من أهل دار الحرب ونوجب فيه الرقبة وهو قد أوجبها ~~بديا مع الدية في ابتداء الخطاب. وأيضا فإن قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن} استئناف كلام لم يتقدم له ذكر في الخطاب; لأنه لا يجوز أن يقال: ~~"أعط هذا رجلا وإن كان رجلا فأعطه" هذا كلام فاسد لا يتكلم به حكيم, فثبت ~~أن هذا المؤمن المعطوف على الأول غير داخل ms1429 في أول الخطاب. # ويدل عليه من جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن ~~عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم, فاعتصم ناس ~~منهم بالسجود, فأسرع فيهم القتل, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر ~~لهم بنصف العقل, وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" ~~قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما". وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا محمد بن علي بن شعيب قال: حدثنا ابن عائشة قال: حدثنا حماد ~~بن سلمة عن الحجاج عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة أو قال: ~~لا ذمة له" ; قال ابن عائشة: هو الرجل يسلم فيقيم معهم فيغزون, فإن أصيب ~~فلا دية له لقوله عليه السلام فقد برئت منه الذمة. وقوله: "أنا بريء منه" ~~يدل على أن لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم, ولما أمر لهم بنصف ~~العقل في الحديث الأول كان ذلك على أحد وجهين: إما أن يكون الموضع الذي قتل ~~فيه كان مشكوكا في أنه من دار الحرب أو من دار الإسلام, أو أن يكون النبي ~~عليه السلام تبرع به; لأنه لو كان جميعه واجبا لما اقتصر على نصفه. # وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا شيبان ~~قال: حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة قال: حدثنا حميد بن هلال قال: أتاني ~~أبو العالية وصاحب لي, فانطلقنا حتى أتينا بشر بن عاصم الليثي, فقال أبو ~~العالية حدث هذين فقال بشر: حدثني عقبة بن مالك الليثي وكان من رهطه قال: ~~بعث رسول الله سرية فأغارت على قوم, فشذ رجل من القوم واتبعه رجل من السرية ~~ومعه السيف # PageV02P303 # شاهره, فقال الشاذ: إني مسلم, فضربه فقتله, فنما ms1430 الحديث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا, فقال القاتل: يا رسول الله ما قال ~~إلا تعوذا من القتل, فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا تعرف ~~المساءة في وجهه, وقال: "إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات". قال ~~أبو بكر: فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان المقتول ولم يوجب على ~~قاتله الدية; لأنه كان حربيا لم يهاجر بعد إسلامه. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا ~~يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: حدثنا أسامة بن زيد قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات1 فنذروا بنا فهربوا, ~~فأدركنا رجلا, فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله, فضربناه حتى قتلناه, ~~فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من لك بلا إله إلا الله يوم ~~القيامة؟ " فقلت: يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح, قال: "أفلا شققت ~~عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم ~~القيامة؟ فما زال يقولها حتى أني وددت أني لم أسلم إلا يومئذ". وهذا الحديث ~~أيضا يدل على ما قلنا لأنه لم يوجب عليه شيئا. وهو حجة على الشافعي في ~~إيجابه القود على قاتل المسلم في دار الحرب إذا علم أنه مسلم; لأن النبي ~~عليه السلام قد أخبر بإسلام هذا الرجل ولم يوجب على أسامة دية ولا قودا. ~~وأما قول مالك إن قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم} إنما كان حكما لمن ~~أسلم ولم يهاجر وهو منسوخ بقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله} [الأنفال: 75] فإنه دعوى لنسخ حكم ثابت في القرآن بلا دلالة, ~~وليس في نسخ التوارث بالهجرة وإثباته بالرحم ما يوجب نسخ هذا الحكم, بل هو ~~حكم ثابت بنفسه لا تعلق له بالميراث. وعلى أنه في حال ما كان التوارث ~~بالهجرة قد كان من ms1431 لم يهاجر من القرابات يرث بعضهم بعضا, وإنما كانت الهجرة ~~قاطعة للميراث بين المهاجر وبين من لم يهاجر, فأما من لم يهاجر فقد كانوا ~~يتوارثون بأسباب أخر, فلو كان الأمر على ما قاله مالك لوجب أن تكون دية ~~واجبة لمن لم يهاجر من أقربائه; لأنه معلوم أنه لم يكن ميراث من لم يهاجر ~~مهملا لا مستحق له, فلما لم يوجب الله تعالى له دية قبل الهجرة لا ~~للمهاجرين ولا لغيرهم علمنا أنه كان مبقى على حكم الحرب لا قيمة لدمه; ~~وقوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم} يفيد أنه ما لم يهاجر فهو من أهل ~~دار الحرب باق على حكمه الأول في أن لا قيمة لدمه وإن كان دمه محظورا; إذ ~~كانت النسبة إليهم قد تصح بأن يكون من بلدهم وإن لم يكن بينه وبينهم رحم ~~بعد أن يجمعهم في الوطن بلد أو قرية أو صقع, فنسبه الله إليهم بعد ~~PageV02P304 # الإسلام; إذ كان من أهل ديارهم, ودل ذلك على أن لا قيمة لدمه. # وأما قول الحسن بن صالح في أن المسلم إذا لحق بدار الحرب فهو مرتد, فإنه ~~خلاف الكتاب والإجماع; لأن الله تعالى قال: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] فجعلهم مؤمنين مع ~~إقامتهم في دار الحرب بعد إسلامهم, وأوجب علينا نصرتهم بقوله: {وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر} [لأنفال: 72] ولو كان ما قال صحيحا لوجب ~~أن لا يجوز للتجار دخول دار الحرب بأمان وأن يكونوا بذلك مرتدين, وليس هذا ~~قول أحد. # فإن احتج محتج بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل ~~وعبدان المروزي قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن ~~عن أبيه عن أبي إسحاق عن الشعبي عن جرير قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إذا أبق العبد إلى المشركين فقد حل دمه" فإن هذا محمول عندنا ~~على أنه قد لحق بهم مرتدا عن الإسلام; لأن إباق العبد لا يبيح ms1432 دمه, واللحاق ~~بدار الحرب كدخول التاجر إليها بأمان فلا يبيح دمه. # PageV02P305 # مطلب: في حكم دم المسلم وماله إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا # وأما قول الشافعي في أن من أصاب مسلما في دار الحرب وهو لا يعلمه مسلما ~~فلا شيء عليه, وإن علم بإسلامه أقيد به; فإنه متناقض من قبل أنه إذا ثبت أن ~~لدمه قيمة لم يختلف حكم العمد والخطإ في وجوب بدله في العمد وديته في ~~الخطإ, فإذا لم يجب في الخطإ شيء كذلك حكم العبد فيه. ولما ثبت بما قدمنا ~~أنه لا قيمة لدم المقيم في دار الحرب بعد إسلامه قبل الهجرة إلينا وكان ~~مبقى على حكم الحرب وإن كان محظور الدم أجروه أصحابنا مجرى الحربي في إسقاط ~~الضمان عن متلف ماله; لأن دمه أعظم حرمة من ماله, ولا ضمان على متلف نفسه. ~~فماله أحرى أن لا يجب فيه ضمان, وأن يكون كمال الحربي من هذا الوجه; ولذلك ~~أجاز أبو حنيفة مبايعته على سبيل ما يجوز مبايعة الحربي من بيع الدرهم ~~بالدرهمين في دار الحرب. وأما الأسير في دار الحرب فإن أبا حنيفة أجراه ~~مجرى الذي أسلم هناك قبل أن يهاجر وذلك لأن إقامته هناك لا على وجه الأمان ~~وهو مقهور مغلوب, فلما استويا من هذا الوجه استوى حكمهما في سقوط الضمان عن ~~قاتلهما; والله أعلم. # PageV02P305 # ذكر أقسام القتل وأحكامه # قال أبو بكر: القتل ينقسم إلى أربعة أنحاء: واجب, ومباح, ومحظور, وما ليس # PageV02P305 # بواجب ولا محظور ولا مباح. فأما الواجب فهو قتل أهل الحرب المحاربين لنا ~~قبل أن يصيروا في أيدينا بالأسر أو بالأمان أو العهد, وذلك في الرجال منهم ~~دون النساء اللاتي لا يقاتلن ودون الصغار الذين لا يقاتلون, وقتل المحاربين ~~إذا خرجوا ممتنعين وقتلوا وصاروا في يد الإمام قبل التوبة, وقتل أهل البغي ~~إذا قاتلونا, وقتل من قصد إنسانا محظور الدم بالقتل فعلينا قتله, وقتل ~~الساحر والزاني المحصن رجما, وكل قتل وجب على وجه الحد; فهذه ضروب القتل ~~الواجب. وأما المباح فهو القتل ms1433 الواجب لولي الدم على وجه القود, فهو مخير ~~بين القتل والعفو, فالقتل ههنا مباح ليس بواجب; وكذلك قتل أهل الحرب إذا ~~صاروا في أيدينا, فالإمام مخير بين القتل والاستبقاء, وكذلك من دخل دار ~~الحرب وأمكنه القتل والأسر فهو مخير بين أن يقتل وبين أن يأسر. وأما ~~المحظور فإنه ينقسم إلى أنحاء: منها ما يجب فيه القود, وهو قتل المسلم عمدا ~~في دار الإسلام العاري من الشبهة, فعلى القاتل القود في ذلك; ومنها ما تجب ~~فيه الدية دون القود, وهو قتل شبه العمد وقتل الأب ابنه وقتل الحربي ~~المستأمن والمعاهد وما يدخله الشبهة فيسقط القود وتجب الدية; ومنها ما لا ~~يجب فيه شيء, وهو قتل المسلم في دار الحرب قبل أن يهاجر وقتل الأسير في دار ~~الحرب من المسلمين على قول أبي حنيفة وقتل المولى لعبده; هذه ضروب من القتل ~~محظورة ولا يجب على القاتل فيها شيء غير التعزير. وأما ما ليس بواجب ولا ~~مباح ولا محظور فهو قتل المخطئ والساهي والنائم والمجنون والصبي, وقد بينا ~~حكمه فيما سلف. # قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة} قال ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري: "هو الرجل من أهل ~~الذمة يقتل خطأ فتجب على قاتله الدية والكفارة", وهو قول أصحابنا. وقال ~~إبراهيم والحسن وجابر بن زيد: "أراد وإن كان المؤمن المقتول من قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق فدية وتحرير رقبة, وكانوا لا يوجبون الكفارة على قاتل الذمي" ~~وهو مذهب مالك. وقد بينا فيما سلف أن ظاهر الآية مقتض أن يكون المقتول ~~المذكور في الآية كافرا ذا عهد وأنه غير جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة, ~~ويدل عليه أنه لما أراد مؤمنا من أهل دار الحرب ذكر الإيمان فقال: {فإن كان ~~من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} فوصفه بالإيمان; لأنه لو أطلق ~~لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم عدو لنا; ويدل عليه أن الكافر المعاهد ~~تجب على قاتله الدية, وذلك مأخوذ من الآية, ms1434 فوجب أن يكون المراد الكافر ~~المعاهد; والله أعلم. # PageV02P306 # باب القتل العمد هل فيه كفارة # قال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} فنص على إيجاب ~~الكفارة في قتل الخطإ; وذكر قتل العمد في قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] , وقال: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] , وخصه ~~بالعمد; فلما كان كل واحد من القتيلين مذكورا بعينه ومنصوصا على حكمه لم ~~يجز لنا أن نتعدى ما نص الله تعالى علينا فيهما,; إذ غير جائز قياس ~~المنصوصات بعضها على بعض; وهذا قول أصحابنا جميعا. وقال الشافعي: "على قاتل ~~العمد الكفارة"; ومع ذلك ففي إثبات الكفارة في العمد زيادة في حكم النص, ~~وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ; وأيضا فغير جائز ~~إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق. وأيضا لما نص الله ~~على حكم كل واحد من القتيلين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل في ~~أمرنا ما ليس منه فهو رد" فموجب الكفارة على العامد مدخل في أمره ما ليس ~~منه. # فإن قيل: لما وجبت الكفارة في الخطإ فهي في العمد أوجب; لأنه أغلظ. قيل ~~له: ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها; لأن المخطئ ~~غير آثم, فاعتبار المأثم فيه ساقط; وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سجود السهو على الساهي, ولا يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ. # فإن احتجوا بحديث ضمرة عن إبراهيم بن عبلة عن العريف بن الديلي عن واثلة ~~بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب ~~يعني النار بالقتل, فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من ~~النار". قيل له رواه ابن المبارك وهانئ بن عبد الرحمن بن أخي إبراهيم بن ~~أبي عبلة هذا الحديث عن أبي عبلة, فلم يذكر أنه أوجب بالقتل; وهؤلاء أثبت ~~من ضمرة بن ربيعة. ومع ذلك لو ثبت الحديث على ما رواه ضمرة لم يدل على قول ~~المخالف من وجوه: أحدها: ms1435 أنه تأويل من الراوي في قوله: "أوجب النار بالقتل" ~~لأنه قال: يعني بالقتل. والثاني: أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة, ~~فلما لم يشرط لهم الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل; وأيضا ~~فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه, ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه; وأيضا فإن ~~عتق الغير عن القاتل لا يجزيه عن الكفارة. # قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} جعل الله من صفة رقبة القتل الإيمان, ~~ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة, وهذا يدل على أنه عتق الرقبة ~~المؤمنة أفضل من الكافرة; لأن هذه الصفة قد صارت شرطا في الفرض, وكذلك من ~~نذر أن يعتق رقبة # PageV02P307 # مؤمنة لم تجزه الكافرة لأنه أوجبها مقرونة بصفة هي قربة وفي ذلك دليل على ~~أن الصدقة على المسلمين أفضل منها على الكفار الذميين وإن كانت تطوعا, ~~وكذلك جعل الله التتابع في صوم كفارة القتل صفة زائدة, ولا خلاف أنه لا ~~يجزي إلا بهذه الصفة مع الإمكان; وكذلك قال أصحابنا فيمن أوجب صوم شهر ~~متتابع أنه لا يجزيه التفريق لإيجابه إياه بصفة هي قربة, فوجبت حين أوجبها ~~كما وجب المنذور من الصوم. # قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} . قال أبو بكر: لم يختلف ~~الفقهاء أنه إذا صام بالأهلة أنه لا يعتبر فيه النقصان, وأنها إن كانت ~~ناقصة أو تامة أجزأته, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته ~~وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين", فأمر باعتبار الشهور بالأهلة ~~وأمر عند عدم الرؤية باعتبار الثلاثين; وإن ابتدأ صيام الشهرين من بعض ~~الشهر اعتبر الشهر الثاني بالهلال وبقية الشهر الأول بالعدد تمام ثلاثين, ~~وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه لا ~~يعتبر الأهلة إلا أن يكون ابتداء صومه بالهلال, وروي نحوه عن الحسن البصري. ~~والأول أصح; لأنه قد روي في معنى قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} ~~[التوبة: 2] . أنها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وبقية من ربيع ~~الآخر, فاعتبر ms1436 الكسر بالأيام على التمام وسائر الشهور بالأهلة; وقوله: ~~{فصيام شهرين متتابعين} معلوم أنه كلفنا التتابع على حسب الإمكان, وفي ~~العادة أن المرأة لا تخلو من حيض في كل شهر, ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لحمنة بنت جحش: "تحيضي1 في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في ~~كل شهر", فأخبر أن عادة النساء حيضة في كل شهر; فإذا كان تكليف صوم التتابع ~~على حسب الإمكان وكانت المرأة إذا كان عليها صوم شهرين متتابعين لم يكن في ~~وسعها في العادة أن تصوم شهرين لا حيض فيهما سقط حكم أيام الحيض ولم يقطع ~~حكم التتابع وصارت أيام الحيض بمنزلة الليل الذي لا يقطع التتابع; وهو قول ~~الشافعي2, وروي عن إبراهيم أنها تستقبل. وقال أصحابنا: "إذا مرض في الشهرين ~~فأفطر استقبل" وقال مالك: "يصل ويجزيه" وفرقوا بين الحيض والمرض لأنه يمكنه ~~في العادة صيام شهرين متتابعين بلا مرض ولا يمكنها ذلك بلا حيض. ووجه آخر, ~~وهو PageV02P308 # أن حدوث المرض لا يوجب الإفطار بل الإفطار بفعله, والحيض ينافي الصوم لا ~~بفعلها, فأشبه الليل ولم يقطع التتابع. # قوله تعالى {توبة من الله} قيل فيه: إن معناه اعملوا بما أوجبه الله ~~للتوبة من الله; أي ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم. وقيل إنه ~~خاص في سبب القتل, فأمر بالتوبة منه. وقيل معناه توسعة ورحمة من الله, كما ~~قال: {فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة: 187] والمعنى: وسع عليكم وسهل عليكم. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} الآية. روي أن سبب نزول هذه الآية أن سرية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا ومعه غنيمات له, فقال: السلام عليكم لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله, فقتله رجل من القوم; فلما رجعوا أخبروا. ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: لم قتلته وقد أسلم؟ فقال: إنما قالها ~~متعوذا من القتل, فقال: "هلا شققت عن قلبه وحمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ديته ms1437 إلى أهله ورد عليهم غنيماته". قال ابن عمر وعبد الله بن أبي ~~حدرد: القاتل محلم بن جثامة قتل عامر بن الأضبط الأشجعي. وروي أن القاتل ~~مات بعد أيام, فلما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات, فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الدم ~~عنده" ثم أمر أن يلقى عليه الحجارة. وهذه القصة مشهورة لمحلم بن جثامة, وقد ~~ذكرنا حديث أسامة بن زيد أنه قتل في سرية رجلا قال لا إله إلا الله, فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " "قتلته بعدما قال لا إله إلا الله فقال: إنما ~~قالها تعوذا, فقال: هلا شققت عن قلبه من لك بلا إله إلا الله؟ وذكرنا أيضا ~~حديث عقبة بن مالك الليثي في هذا المعنى وأن الرجل قال: إني مسلم, فقتله, ~~فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا". ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ~~حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن ~~الخيار عن المقداد بن الأسود, أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن ~~لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة فقال ~~أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تقتله" فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي, قال: "لا تقتله فإن ~~قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي ~~قال". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا أبو ~~النضر هاشم بن القاسم قال: حدثنا المسعودي عن قتادة عن أبي مجلز عن أبي ~~عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شرع أحدكم الرمح إلى ~~الرجل فإن كان سنانه عند ثغرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرجع عنه الرمح" ~~وقال أبو عبيدة: ms1438 "جعل الله تعالى هذه الكلمة أمنة المسلم وعصمة ماله ودمه, ~~وجعل الجزية أمنة # PageV02P309 # الكافر وعصمة ماله ودمه"; وهو نظير ما روي في آثار متواترة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~وفي بعضها: وأن محمدا رسول الله صلي فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله" رواه عمر وجرير بن عبد الله وابن عمر وأنس بن ~~مالك وأبو هريرة. وقالوا لأبي بكر الصديق حين أراد قتل العرب لما امتنعوا ~~من أداء الزكاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فقال ~~أبو بكر: إلا بحقها, وهذا من حقها"; فاتفقت الصحابة على صحة هذا الخبر, وهو ~~في معنى قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} , فحكم ~~الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام, وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين ~~وإن كان في المغيب على خلافه. # وهذا مما يحتج به في قبول توبة الزنديق متى أظهر الإسلام; لأن الله تعالى ~~لم يفرق بين الزنديق وغيره إذا أظهر الإسلام; وهو يوجب أن من قال لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله, أو قال إني مسلم, أنه يحكم له بحكم الإسلام; لأن ~~قوله تعالى: {لمن ألقى إليكم السلام} إنما معناه: لمن استسلم فأظهر ~~الانقياد لما دعي إليه من الإسلام وإذا قرئ" السلام" فهو إظهار تحية ~~الإسلام, وقد كان ذلك علما لمن أظهر به الدخول في الإسلام; وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للرجل الذي قتل الرجل الذي قال أسلمت والذي قال لا إله إلا ~~الله: "قتلته بعدما أسلم؟ " فحكم له بالإسلام بإظهار هذا القول. # وقال محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير: "لو أن يهوديا أونصرانيا قال ~~أنا مسلم لم يكن بهذا القول مسلما; لأن كلهم يقولون نحن مسلمون ونحن مؤمنون ~~يقولون إن ديننا هو الإيمان وهو الإسلام, فليس في هذا دليل على ms1439 الإسلام ~~منهم". وقال محمد: "ولو أن رجلا من المسلمين حمل على رجل من المشركين ~~ليقتله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كان هذا مسلما, ~~وإن رجع عن هذا ضرب عنقه; لأن هذا هو الدليل على الإسلام". # PageV02P310 # مطلب: في بيان المراد من قوله عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إلله إلا الله" # قال أبو بكر: لم يجعل اليهودي مسلما بقوله: "أنا مسلم أو مؤمن"; لأنهم ~~كذلك يقولون, ويقولون الإيمان والإسلام هو ما نحن عليه; فليس في هذا القول ~~دليل على إسلامه, وليس اليهودي والنصراني بمنزلة المشركين الذين كانوا في ~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم # PageV02P310 # كانوا عبدة أوثان, فكان إقرارهم بالتوحيد وقول القائل منهم إني مسلم وإني ~~مؤمن تركا لما كان عليه ودخولا في الإسلام, فكان يقتصر منه على هذا القول ~~لأنه كان لا يسمح به إلا وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به. ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" وإنما أراد المشركين بهذا ~~القول دون اليهود; لأن اليهود قد كانوا يقولون: "لا إله إلا الله" وكذلك ~~النصارى يطلقون ذلك وإن ناقضوا بعد ذلك في التفصيل فيثبتونه ثلاثة; فعلمنا ~~أن قول: "لا إله إلا الله" إنما كان علما لإسلام مشركي العرب لأنهم كانوا ~~لا يعترفون بذلك إلا استجابة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقا له ~~فيما دعاهم إليه. ألا ترى إلى قوله تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون} [الصافات:35] واليهود والنصارى يوافقون المسلمين على ~~إطلاق هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة النبي, فمتى أظهر منهم مظهر ~~الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو مسلم. # وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في اليهودي والنصراني إذا قال: "أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ولم يقل إني داخل في الإسلام ولا برئ ~~من اليهودية ولا ms1440 من النصرانية, لم يكن بذلك مسلما. وأحسب أني قد رأيت عن ~~محمد مثل هذا, إلا أن الذي ذكره محمد في السير الكبير خلاف ما رواه الحسن ~~بن زياد, ووجه ما رواه الحسن بن زياد أن من هؤلاء من يقول إن محمدا رسول ~~الله ولكنه رسول إليكم, ومنهم من يقول إن محمدا رسول الله ولكنه لم يبعث ~~بعد وسيبعث; فلما كان فيهم من يقول ذلك في حال إقامته على اليهودية أو ~~النصرانية لم يكن في إظهاره لذلك ما يدل على إسلامه حتى يقول إني داخل في ~~الإسلام أو يقول إني بريء من اليهودية أو النصرانية; فقوله عز وجل: {ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} لو خلينا وظاهره لم يدل على أن ~~فاعل ذلك محكوم له بالإسلام; لأنه جائز أن يكون المراد أن لا تنفوا عنه ~~الإسلام ولا تثبتوه ولكن تثبتوا في ذلك حتى تعلموا منه معنى ما أراد بذلك. ~~ألا ترى أنه قال: {إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا} فالذي يقتضيه ظاهر اللفظ الأمر بالتثبت والنهي عن ~~نفي سمة الإيمان عنه, وليس في النهي عن نفي سمة الإيمان عنه إثبات الإيمان ~~والحكم به ألا ترى أنا متى شككنا في إيمان رجل لا نعرف لم يجز لنا أن نحكم ~~بإيمانه ولا بكفره ولكن نتثبت حتى نعلم؟ وكذلك لو أخبرنا مخبر بخبر لا نعلم ~~صدقه من كذبه لم يجز لنا أن نكذبه, ولا يكون تركنا لتكذيبه تصديقا منا له; ~~كذلك ما وصف من مقتضى الآية ليس فيه إثبات إيمان ولا كفر وإنما فيه الأمر ~~بالتثبت حتى نتبين إلا أن الآثار التي قد ذكرنا قد # PageV02P311 # أوجبت له الحكم بالإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: "أقتلت مسلما؟ وقتلته ~~بعد ما أسلم؟ " وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فأثبت لهم حكم الإسلام ~~بإظهار كلمة التوحيد; وكذلك قوله في حديث عقبة بن مالك الليثي: ms1441 "إن الله ~~تعالى أبى علي أن أقتل مؤمنا", فجعله مؤمنا بإظهار هذه الكلمة; وروي أن ~~الآية نزلت في مثل ذلك, فدل ذلك على أن مراد الآية إثبات الإيمان له في ~~الحكم بإظهار هذه الكلمة. وقد كان المنافقون يعصمون دماءهم وأموالهم بإظهار ~~هذه الكلمة مع علم الله تعالى باعتقادهم الكفر وعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بنفاق كثير منهم, فدل ذلك على أن قوله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا} قد اقتضى الحكم لقائله بالإسلام. # قوله تعالى: {تبتغون عرض الحياة الدنيا} يعني به الغنيمة. وإنما سمى متاع ~~الدنيا عرضا لقلة بقائه, على ما روي في الرجل الذي قتل الذي أظهر الإسلام ~~وأخذ ما معه. # قوله تعالى: {إذا ضربتم في سبيل الله} يعني به السير فيها وقوله تعالى: ~~"فتثبتوا" قرئ بالياء والنون, وقيل إن الاختيار التبين لأن التثبت إنما هو ~~للتبين, والتثبت إنما هو سبب له. # وقوله تعالى: {كذلك كنتم من قبل} قال الحسن: "كفارا مثلهم" وقال سعيد بن ~~جبير: "كنتم مستخفين بدينكم بين قومكم كما استخفوا. # وقوله تعالى: {فمن الله عليكم} يعني بإسلامكم, كقوله تعالى: {بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان} [الحجرات: 17] , وقيل: فمن الله عليكم بإعزازكم ~~حتى أظهرتم دينكم. # قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية; يعني ~~به تفضيل المجاهدين على القاعدين والحض على الجهاد ببيان ما للمجاهدين من ~~منزلة الثواب التي ليست للقاعدين عن الجهاد; ودل به على أن شرف الجزاء على ~~قدر شرف العمل, فذكر بديا أنهما غير متساويين, ثم بين التفضيل بقوله: {فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} . # مطلب: في أن الأغلب على كلمة "غير" أن تكون صفة لا استثناء وفي الفرق بين ~~المعنيين # وقد قرئ "غير" بالرفع والنصب, فالرفع على أنها نعت للقاعدين, والنصب على ~~الحال; ويقال إن الاختيار فيها الرفع, لأن الصفة أغلب على "غير" من معنى ~~الاستثناء # PageV02P312 # وإن كان كلاهما جائزا; والفرق بين" غير" إذا كانت صفة وبينها إذا كانت ~~استثناء كأنها في الاستثناء توجب ms1442 إخراج بعض من كل, نحو" جاءني القوم غير ~~زيد" وليست كذلك في الصفة; لأنك تقول: "جاءني رجل غير زيد" و" غير" ههنا ~~صفة وفي الأول استثناء, وإن كانت في الحالين مخصصة على حد النفي. # وقوله تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى} يعني والله أعلم المجاهدين ~~والقاعدين من المؤمنين. وهذا دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية وليس على ~~كل أحد بعينه; لأنه وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين وإن كان ثواب ~~المجاهدين أشرف وأجزل, ولو لم يكن القعود عن الجهاد مباحا إذا قامت به ~~طائفة لما وعد القاعدين الثواب, وفي ذلك دليل على ما ذكرنا أن فرض الجهاد ~~غير معين على كل أحد في نفسه. # وقوله تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} {درجات منه} ~~ذكر ههنا: {درجات منه} وذكر في أول الآية: {درجة} , فإنه روي عن ابن جريج ~~أن الأول على أهل الضرر فضلوا عليهم درجة واحدة, والثاني على غير أهل الضرر ~~فضلهم عليهم درجات كثيرة وأجرا عظيما. وقيل إن الأول على الجهاد بالنفس ~~ففضلوا درجة واحدة, والآخر الجهاد بالنفس والمال ففضلوا درجات كثيرة. وقيل ~~إنه أراد بالأول درجة المدح والتعظيم وشرف الدين, وأراد بالآخر درجات ~~الجنة. # فإن قيل: هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل ~~الله من أجل معنى الاستثناء فيها؟ قيل له: لا دلالة فيها على التساوي; لأن ~~الاستثناء ورد من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه, فاستثنى ~~أولي الضرر; إذ ليسوا مأمورين بالجهاد لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين. # قوله عز وجل: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} ~~الآية. قيل فيه تقبض أرواحهم عند الموت. وقال الحسن: تحشرهم إلى النار. ~~وقيل: إنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا ~~وإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولا يهاجرون إلى المدينة, فبين الله ~~تعالى بما ذكر أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وبتركهم الهجرة. وهذا ~~يدل على فرض الهجرة في ذلك الوقت, لولا ذلك لما ذمهم ms1443 على تركها; ويدل أيضا ~~على أن الكفار مكلفون بشرائع الإسلام معاقبون على تركها; لأن الله قد ذم ~~هؤلاء المنافقين على ترك الهجرة, وهذا نظير قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول ~~من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} [النساء: ~~115] فذمهم على ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك الإيمان. ودل ذلك ~~على صحة حجة الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على # PageV02P313 # تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على ~~النهي عن المقام بين أظهر المشركين, لقوله تعالى: {ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها} وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض ~~الإسلام وروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي أن الآية نزلت في قوم من ~~أهل مكة تخلفوا عن الهجرة وأعطوا المشركين المحبة وقتل قوم منهم ببدر على ~~ظاهر الردة, ثم استثنى منهم الذين أقعدهم الضعف بقوله: {إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} يعني طريقا ~~إلى المدينة دار الهجرة. # وقوله تعالى: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} قال الحسن: عسى من الله ~~واجبة وقيل: إنها بمنزلة الوعد; لأنه لا يخبر بذلك عن شك وقيل: إنما هذا ~~على شك العباد, أي كونوا أنتم على الرجاء والطمع. # قوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} ; ~~قيل في المراغم إنه أراد متسعا لهجرته; لأن الرغم أصله الذل, تقول: فعلت ~~ذلك على الرغم من فلان, أي فعلته على الذل والكره. والرغام التراب; لأنه ~~يتيسر لمن رامه مع احتقاره وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب إذلالا له; ~~فقال تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} أي ~~يجد في الأرض متسعا سهلا, كما قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك:15] فمراغم وذلول ~~متقاربان في المعنى. وقيل في المراغم إنه ما يرغم ms1444 به من كان يمنعه من ~~الهجرة. وأما قوله تعالى: {وسعة} , فإنه روي عن ابن عباس والربيع بن أنس ~~والضحاك: أنه السعة في الرزق. وروي عن قتادة: أنه السعة في إظهار الدين لما ~~كان يلحقهم من تضييق المشركين عليهم في أمر دينهم حتى يمنعوهم من إظهاره. # وقوله عز وجل: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله} فيه إخبار بوجوب أجر من هاجر إلى الله ورسوله وإن لم تتم هجرته, وهذا ~~يدل على أن من خرج متوجها لفعل شيء من القرب أن الله يجازيه بقدر نيته ~~وسعيه وإن اقتطع دونه, كما أوجب الله أجر من خرج مهاجرا وإن لم تتم هجرته. ~~وفيه ما يدل على صحة قول أبي يوسف ومحمد فيمن خرج يريد الحج ثم مات في بعض ~~الطريق وأوصى أن يحج عنه أنه يحج عنه من الموضع الذي مات فيه, وكذلك الحاج ~~عن الميت أو عمن ليس عليه فرض الحج بنفسه أنه يحج عنه من حيث مات الذي قصد # PageV02P314 # للحج; لأن الله قد كتب له بمقدار ما كان له من الخروج والنفقة, فلما كان ~~ذلك محتسبا للأول كان الذي وجب أن يقضي عنه ما بقي. # PageV02P315 # مطلب: فيمن قال: "إن خرجت من داري إلا إلى الصلاة فعبدي حر" فخرج إليها ~~ثم لم يصل وتوجه إلى حاجة اخرى لم يحنث # وفيه الدلالة على أن من قال: "إن خرجت من داري إلا إلى الصلاة أو إلى ~~الحج فعبدي حر" فخرج يريد الصلاة أو الحج ثم لم يصل ولم يحج وتوجه إلى حاجة ~~أخرى أنه لا يحنث في يمينه; لأن خروجه بديا كان للصلاة أوللحج لمقارنة ~~النية له, كما كان خروج من خرج مهاجرا قربة وهجرة لمقارنة النية واقتطاع ~~الموت له عن الوصول إلى دار الهجرة لم يبطل حكم الخروج على الوجه الذي وجد ~~بديا عليه, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات ms1445 ولكل ~~امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ~~فأخبر أن أحكام الأفعال متعلقة بالنيات, فإذا كان خروجه على نية الهجرة كان ~~مهاجرا, وإذا كان على نية الغزو كان غازيا. # واستدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من ~~الغنيمة لورثته. وهذه الآية لا تدل على ما قالوا; لأن كونها غنيمة متعلق ~~بحيازتها; إذ لا تكون غنيمة إلا بعد الحيازة; وقال الله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] , فمن مات قبل أن يغنم فهو ~~لم يغنم شيئا فلا سهم له; وقوله تعالى {فقد وقع أجره على الله} لا دلالة ~~فيه على وجوب سهمه; لأنه لا خلاف أنه لو خرج غازيا من بيته فمات في دار ~~الإسلام قبل أن يدخل دار الحرب أنه لا سهم له, وقد وجب أجره على الله كما ~~وجب أجر الذي خرج مهاجرا ومات قبل بلوغه دار هجرته والله أعلم. # PageV02P315 # باب صلاة السفر # قال الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فأباح الله تعالى القصر المذكور في ~~هذه الآية بمعنيين: أحدهما: السفر وهو الضرب في الأرض, والآخر: الخوف. ~~واختلف السلف في معنى القصر المذكور فيها ما هو؟ فروي عن ابن عباس قال: فرض ~~الله تعالى صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين والخوف ركعة على لسان ~~نبيكم عليه السلام. وروى يزيد # PageV02P315 # الفقير عن جابر قال صلاة الخوف ركعة ركعة". وروي عن مجاهد أنه قصر العدد ~~من أربع إلى ثنتين. وروى ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال: "قصرها في ~~الخوف والقتال والصلاة في كل حال راكبا وماشيا, فأما صلاة النبي عليه ~~السلام وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر". وروي عن ابن عباس رواية ~~أخرى غير ما قدمنا في القصر, وهي أنه قال: "إنما هو قصر حدود ms1446 الصلاة وأن ~~تكبر وتخفض رأسك وتومئ إيماء". # قال أبو بكر: وأولى المعاني وأشبهها بظاهر الآية ما روي عن ابن عباس ~~وطاوس في أنه قصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء وترك ~~القيام إلى الركوع, وجائز أن يسمى المشي في الصلاة قصرا; إذ كان مثله في ~~غير الخوف يفسدها. وما روي عن ابن عباس وجابر في أن صلاة الخوف ركعة فمحمول ~~على أن الذي يصليه المأموم مع الإمام ركعة; لأنه يجعل الناس طائفتين فيصلي ~~بالتي معه ركعة ثم يمضون إلى تجاه العدو, ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي ~~بها ركعة ويسلم بتلك, فيصير لكل طائفة من المأمومين ركعة ركعة مع الإمام, ~~ثم يقضون ركعة ركعة; فيكون ما روي عن ابن عباس في أنه قصر في صفة الصلاة ~~غير مخالف لقوله: إن صلاة الخوف ركعة; لأن الآثار قد تواترت في فعل النبي ~~عليه السلام لصلاة الخوف مع اختلافها, وكلها موجبة للركعتين وليس في شيء ~~منها أنه صلاها ركعة, إلا أنها لكل طائفة ركعة مع الإمام والقضاء لركعة دون ~~الاقتصار على واحدة. ولو كانت صلاة الخوف ركعة واحدة لما اختلف حكم النبي ~~عليه السلام وحكم المأمومين فيها, فلما نقل ابن عباس وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى ركعتين, علمنا أن فرض صلاة الخائف كفرض غيره وأن ما روي ~~من أنه كان للقوم ركعة ركعة على معنى أنها كانت ركعة ركعة مع النبي عليه ~~السلام وأنهم قضوا ركعة ركعة على ما روي في سائر الأخبار. والدليل على أن ~~القصر المذكور في الآية هو القصر في صفة الصلاة أو المشي والاختلاف فيها ~~على النحو الذي قدمنا ذكره دون أعداد ركعاتها وأن مذهب ابن عباس في القصر ~~ما وصف دون نقصان عدد الركعات, ما روى مجاهد أن رجلا جاء إلى ابن عباس ~~فقال: إني وصاحب لي خرجنا في سفر فكنت أتم وكان صاحبي يقصر, فقال ابن عباس: ~~أنت الذي تقصر وصاحبك الذي كان يتم. فأخبر ابن عباس أن القصر ليس في عدد ~~الركعات, ms1447 وأن الركعتين في السفر ليستا بقصر. ويدل على ذلك ما روى سفيان عن ~~زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: صلاة السفر ركعتان ~~وصلاة الفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه السلام, وقد ~~دخل في ذلك صلاة الخوف في السفر; لأنه ذكر جميع هذه الصلوات وأخبر أنها ~~تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فثبت بذلك أن القصر ~~المذكور في الآية هو على ما وصف دون أعداد ركعات الصلاة. # PageV02P316 # فإن قيل: روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد ~~أمنا وقال الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا} ؟ فقال: عجبت مما عجبت منه, فسألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". فهذا يدل على أن ~~القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات وأن ذلك كان مفهوما عندهم ~~من معنى الآية. قيل له: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين من أعداد ركعات ~~الصلاة ومن صفتها على الوجه الذي بينا لم يمتنع أن يكون قد سبق في وهم عمر ~~ويعلى بن أمية ما ذكر, وأن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القصر في ~~حال الأمن لا على أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن قصر الآية هو في ~~العدد فأجابه بما وصف; ولكنه جائز أن يكون قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~كيف نقصر وقد أمنا, من غير أن يذكر له تأويل الآية; لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كان يقصر في مغازيه, ثم قصر في الحج في حال الأمن وزوال ~~القتال, فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". يعني أن الله قد ~~أسقط عنكم في السفر فرض الركعتين في حال الخوف والأمن جميعا. وقد روى عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر أنها تمام غير قصر, فجائز أن ~~يكون ظن بديا أن ms1448 قصر الخوف هو في عدد الركعات, فلما سمعه يقول: "صلاة السفر ~~ركعتان تمام غير قصر" علم أن قصر الآية إنما هو في صفة الصلاة لا في عدد ~~الركعات. وإذا صح بما وصف أن المراد بالقصر ما ذكرنا لم تكن في الآية دلالة ~~على فرض المسافر ولا على أنه مخير بين الإتمام والقصر; إذ لا ذكر له في ~~الآية. # وقد اختلف الفقهاء في فرض المسافر, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "فرض ~~المسافر ركعتان إلا صلاة المغرب فإنها ثلاث, فإن صلى المسافر أربعة ولم ~~يقعد في الاثنين فسدت صلاته, وإن قعد فيهما مقدار التشهد تمت صلاته, بمنزلة ~~من صلى الفجر أربعة بتسليمة" وهو قول الثوري وقال حماد بن أبي سليمان: "إذا ~~صلى أربعا أعاد" وقال الحسن بن صالح: "إذا صلى أربعا متعمدا أعاد إذا كان ~~ذلك منه الشيء اليسير, فإذا طال في سفره وكثر لم يعد" قال: "وإذا افتتح ~~الصلاة على أن يصلي أربعا استقبل الصلاة حتى يبتدئها بالنية على ركعتين", ~~وإن صلى ركعتين وتشهد, ثم بدا له أن يتم فصلى أربعا أعاد, وإن نوى أن يصلي ~~أربعا بعد ما افتتح الصلاة على ركعتين, ثم بدا له فسلم في الركعتين أجزته". ~~وقال مالك: "إذا صلى المسافر أربعا فإنه يعيد ما دام في الوقت, فإذا مضى ~~الوقت فلا إعادة عليه" قال: "ولو أن مسافرا افتتح المكتوبة ينوي أربعا فلما ~~صلى ركعتين بدا له فسلم, أنه لا يجزيه, ولو صلى مسافر بمسافرين فقام في ~~الركعتين فسبحوا به فلم يرجع فإنهم يقعدون ويتشهدون ولا يتبعونه". وقال ~~الأوزاعي: # PageV02P317 # "يصلي المسافر ركعتين فإن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها ويسجد ~~سجدتي السهو". وقال الشافعي: "ليس للمسافر أن يصلي ركعتين إلا أن ينوي ~~القصر مع الإحرام, فإذا أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا". # قال أبو بكر: قد بينا أنه ليس في الآية حكم القصر في أعداد الركعات, ولم ~~يختلف الناس في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره كلها في حال الأمن ~~والخوف, ms1449 فثبت أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه ~~لمراد الله تعالى, قال عمر بن الخطاب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~القصر في حال الأمن, فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". ~~وصدقة الله علينا هي إسقاطه عنا, فدل ذلك على أن الفرض ركعتان; وقوله: ~~"فاقبلوا صدقته" يوجب ذلك; لأن الأمر للوجوب, فإذا كنا مأمورين بالقصر ~~فالإتمام منهي عنه. وقال عمر بن الخطاب: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر ~~على لسان نبيكم" فأخبر أن الفرض ركعتان وأنه ليس بقصر بل هو تمام, كما ذكر ~~صلاة الفجر والجمعة والأضحى والفطر وعزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فصار ذلك بمنزلة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة السفر ركعتان تمام ~~غير قصر" وذلك ينفي التخيير بين القصر والإتمام. وروي عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع. وروى ~~علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال: حججت مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة, وأقام بمكة ثماني عشرة لا ~~يصلي إلا ركعتين, وقال لأهل مكة: "صلوا أربعا فإنا قوم سفر". وقال ابن عمر: ~~صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين, وصحبت أبا ~~بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم ~~الله تعالى, وقد قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] . وروى بقية بن الوليد قال: حدثنا أبان بن عبد الله عن خالد ~~بن عثمان عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "صلاة المسافر ركعتان حتى يئوب إلى أهله أو يموت". وقال عبد الله بن ~~مسعود: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين, ومع أبي بكر ركعتين, ~~ومع عمر ركعتين. وقال مورق العجلي: سئل ابن عمر عن الصلاة في ms1450 السفر, فقال: ~~"ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر". فهذه أخبار متواترة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة في فعل الركعتين في السفر لا زيادة عليهما, وفي ذلك ~~الدلالة من وجهين على أنهما فرض المسافر: أحدهما: أن فرض الصلاة مجمل في ~~الكتاب مفتقر إلى البيان, وفعل النبي عليه السلام إذا ورد على وجه البيان ~~فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب, وفي فعله صلاة السفر ركعتين بيان منه أن ~~ذلك مراد الله, كفعله لصلاة الفجر وصلاة الجمعة وسائر الصلوات. والوجه ~~الثاني: لو # PageV02P318 # كان مراد الله الإتمام أو القصر على ما يختاره المسافر لما جاز للنبي ~~عليه السلام أن يقتصر بالبيان على أحد الوجهين دون الآخر, وكان بيانه ~~للإتمام في وزن بيانه للقصر, فلما ورد البيان إلينا من النبي عليه السلام ~~في القصر دون الإتمام دل ذلك على أنه مراد الله دون غيره ألا ترى أنه لما ~~كان مراد الله في رخصة المسافر في الإفطار أحد شيئين من إفطار أو صوم ورد ~~البيان من النبي عليه السلام تارة بالإفطار وتارة بالصوم؟ وأيضا لما صلى ~~عثمان بمنى أربعا أنكرت عليه الصحابة ذلك, فقال عبد الله بن مسعود: صليت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين, ثم ~~تفرقت بكم الطرق, فلوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان; وقال ابن عمر: ~~صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر; وقال عثمان: أنا إنما أتممت; لأني ~~تأهلت بهذا البلد وسمعت النبي عليه السلام يقول: "من تأهل ببلد فهو من ~~أهله", فلم يخالفهم عثمان في منع الإتمام وإنما اعتذر بأنه قد تأهل بمكة ~~فصار من أهلها; وكذلك قولنا في أهل مكة إنهم لا يقصرون. وقال ابن عباس: ~~"فرض الله تعالى الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربعا" وقالت عائشة: ~~"أول ما فرضت الصلاة ركعتان ركعتان ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ~~على ما كانت عليه", فأخبرت أن فرض المسافر في الأصل ركعتان وفرض المقيم ~~أربع كفرض صلاة الفجر وصلاة الظهر, ms1451 فغير جائز الزيادة عليها كما لا تجوز ~~الزيادة على سائر الصلوات. ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على أن ~~للمسافر ترك الأخريين لا إلى بدل ومتى فعلهما فإنما يفعلهما على وجه ~~الابتداء, فدل على أنهما نفل; لأن هذه صورة النفل وهو أن يكون مخيرا بين ~~فعله وتركه, وإذا تركه تركه لا إلى بدل. # واحتج من خيره بين القصر والإتمام بما روي عن عائشة قالت: قصر رسول الله ~~عليه السلام وأتم, وهذا صحيح, ومعناه أنه قصر في الفعل وأتم في الحكم, كقول ~~عمر: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه السلام. واحتج ~~أيضا من قال بالتخيير أنه لو دخل في صلاة مقيم لزمه الإتمام, فدل على أنه ~~مخير في الأصل. وهذا فاسد; لأن الدخول في صلاة الإمام يغير الفرض, ألا ترى ~~أن المرأة والعبد فرضهما يوم الجمعة أربع ولو دخلا في الجمعة صليا ركعتين ~~ولم يدل ذلك على أنهما مخيران قبل الدخول بين الأربع والركعتين؟ وقد ~~استقصينا الكلام في هذه المسألة في مواضع من كتبنا. # واختلفوا أيضا في المسافر يدخل في صلاة المقيم, فقال أصحابنا والشافعي ~~والأوزاعي: "يصلي صلاة مقيم وإن أدركه في التشهد" وهو قول الثوري. وقال ~~مالك: "وإذا لم يدرك معه ركعة صلى ركعتين". والذي يدل على القول الأول قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ما # PageV02P319 # أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وفي بعض الألفاظ: "وما فاتكم فاقضوا" ~~فأمر النبي عليه السلام بقضاء الفائت من صلاة الإمام, والذي فاته أربع ~~ركعات فعليه قضاؤها; وأيضا قد صح له الدخول في آخر صلاته ويلزمه سهوه ~~وانتفى عنه سهو نفسه لأجل إمامه, كذلك لزمه حكم صلاته في الإتمام. وأيضا لو ~~نوى المسافر الإقامة في هذه الحال لزمه الإتمام كذلك دخوله مع الإمام, ~~ويكون دخوله معه في التشهد كدخوله في أولها, كما كانت نية الإقامة في ~~التشهد كهي في أولها والله أعلم. # PageV02P320 # فصل # قال أبو بكر: وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن صلاة سائر ~~المسافرين ركعتان ms1452 في أي شيء كان سفرهم من تجارة أو غيرها وذلك; لأن الآثار ~~المروية فيه لم تفرق بين شيء من الأسفار. وقد روى الأعمش عن إبراهيم أن ~~رجلا كان يتجر إلى البحرين, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: كم أصلي؟ فقال: ~~"ركعتين". وعن ابن عباس وابن عمر: "أنهما خرجا إلى الطائف فقصرا الصلاة". ~~وروي عن عبد الله بن مسعود قال: "لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد". وعن ~~عطاء قال: "لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله". # فإن قيل: لم يقصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حج أو جهاد. قيل له: ~~لأنه لم يسافر إلا في حج أو جهاد; وليس في ذلك دليل على أن القصر مخصوص ~~بالحج والجهاد, وقول عمر صلاة السفر ركعتان على لسان نبيكم عموم في سائر ~~الأسفار, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته" عام أيضا في سائر الأسفار, وكذلك قوله لأهل مكة "أتموا فإنا ~~قوم سفر" ولم يقل" في حج" دليل على أن حكم القصر عام في جميع المسافرين. ~~ولما كان ذلك حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه كالمسح ~~على الخفين ثلاثا. ومن يتأول قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة} على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع الأسفار ~~إذا كان خائفا من العدو, ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف إذا كان سفره في غير ~~جهة القربة وجب مثله في سائر الأسفار; لأن أحدا لم يفرق بينهما, وقد بينا ~~أن القصر ليس هو في عدد الركعات. # والذي ذكرناه في القصر في جميع الأسفار بعد أن يكون السفر ثلاثا هو قول ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي. وقال مالك: "إن خرج إلى الصيد وهو معاشه قصر, ~~وإن خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر". وقال الشافعي: "إذا سافر في معصية لم ~~يقصر ولم يمسح مسح السفر". قال أبو بكر: قد بينا أن ذلك في شأن المضطر ms1453 في ~~سورة البقرة. # PageV02P320 # مطلب: الملاح يقصر في السفينة إذا كان مسافرا # وقد اختلف في الملاح هل يقصر في السفينة؟ فقال أصحابنا: "يقصر إذا كان في ~~سفر حتى يصير إلى قريته فيتم" وهو قول مالك والشافعي. وقال الأوزاعي: "إذا ~~كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ينتهي إلى حيث أكراها, فإذا ~~انتهى أتم الصلاة". وقال الحسن بن صالح: "إذا كانت السفينة بيته وليس له ~~منزل غيرها فهو فيها بمنزلة المقيم يتم". # قال أبو بكر: كون الملاح مالكا للسفينة لا يخرجه من حكم السفر, كالجمال ~~مالك للجمال التي ينتقل بها من موضع إلى موضع فلا يخرجه ذلك من حكم السفر. ~~وقد بينا الكلام في مدة السفر في سورة البقرة عند أحكام الصوم. وشرط ~~أصحابنا فيه ثلاثة أيام ولياليها, وهو قول الثوري والحسن بن صالح. وقال ~~مالك: "ثمانية وأربعون ميلا فإن لم تكن فيها أميال فمسيرة يوم وليلة للقفل" ~~وهو قول الليث, وقال الأوزاعي: "يوم تام". وقال الشافعي: "ستة وأربعون ميلا ~~بالهاشمي". وروي عن ابن عمر: "ثلاثة أيام", وروي عن ابن عباس: "يوم وليلة". # واختلفوا في المدة التي يتم فيها الصلاة, فقال أصحابنا والثوري: "إذا نوى ~~إقامة خمسة عشر يوما أتم, وإن كان أقل قصر". وقال مالك والليث والشافعي: ~~"إذا نوى إقامة أربع أتم". وقال الأوزاعي: "إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما ~~أتم وإن نوى أقل قصر". وقال الحسن بن صالح: "إن مر المسافر بمصره الذي فيه ~~أهله وهو منطلق ماض في سفره قصر فيه الصلاة ما لم يقم به عشرا, وإن أقام به ~~عشرا أو بغيره أتم الصلاة". قال أبو بكر: وروي عن ابن عباس وجابر: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة الرابعة من ذي الحجة فكان مقامه إلى وقت ~~خروجه أكثر من أربع وكان يقصر الصلاة فدل على سقوط اعتبار الأربع. وأيضا ~~روى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن مجاهد عن ابن عباس وابن عمر قالا: "إذا قدمت ~~بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها ms1454 خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها, وإن ~~كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها "; ولم يرو عن أحد من السلف خلاف ذلك فثبتت ~~حجته. # فإن قيل: روى عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: "من أجمع على أربع ~~وهو مسافر أتم الصلاة". قيل له: روى هشيم عن داود بن أبي هند عن سعيد بن ~~المسيب قال: "إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما أو ليلة أتم الصلاة وما كان ~~من دون ذلك فليقصر", وإن جعلنا الروايتين متعارضتين سقطتا وصار كأنه لم يرو ~~عنه شيء, ولو ثبتت الرواية عنه من غير معارضة لما جاز أن يكون خلافا على ~~ابن عباس وابن عمر; وأيضا # PageV02P321 # مدة الإقامة والسفر لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس وإنما طريقها ~~التوقيف أو الاتفاق, وقد حصل الاتفاق في خمسة عشر يوما وما دونها مختلف ~~فيه, فيثبت الخمسة عشر أنها إقامة صحيحة ولم يثبت ما دونها; وكذلك السلف قد ~~اتفقوا على الثلاث أنها سفر صحيح يتعلق بها حكم القصر والإفطار واختلفوا ~~فيما دونها فلم يثبت, والله أعلم. # PageV02P322 # باب صلاة الخوف # قال الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} ~~الآية. قال أبو بكر: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على ~~ضروب مختلفة; واختلف فقهاء الأمصار فيها, فقال أبو حنيفة ومحمد تقوم طائفة ~~مع الإمام وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين, ثم ينصرفون إلى مقام ~~أصحابهم, ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ~~ويسلم وينصرفون إلى مقام أصحابهم, ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو فيقضون ~~ركعة بغير قراءة ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو, ثم تأتي الطائفة ~~الأخرى فيقضون ركعة وسجدتين بقراءة". وقال ابن أبي ليلى: "إذا كان العدو ~~بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين, فيكبر ويكبرون ويركع ويركعون جميعا ~~معه, وسجد الإمام والصف الأول, ويقوم الصف الآخر في وجوه العدو, فإذا قاموا ~~من السجود سجد الصف المؤخر, فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر ~~وتأخر الصف ms1455 المقدم, فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك, وإن كان العدو في ~~دبر القبلة قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف الآخر مستقبل العدو, ~~فيكبر ويكبرون جميعا ويركع ويركعون جميعا, ثم يسجد الصف الذي مع الإمام ~~سجدتين, ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو, ثم يجيء الآخرون فيسجدون ويصلي ~~بهم الإمام جميعا الركعة الثانية, فيركعون جميعا ويسجد الصف الذي معه, ثم ~~ينقلبون إلى وجه العدو, ويجيء الآخرون فيسجدون معه ويفرغون, ثم يسلم الإمام ~~وهم جميعا". # قال أبو بكر: وروي عن أبي يوسف في صلاة الخوف ثلاث روايات, إحداها مثل ~~قول أبي حنيفة ومحمد, والأخرى مثل قول ابن أبي ليلى إذا كان العدو في ~~القبلة, وإذا كان في غير القبلة فمثل قول أبي حنيفة. والثالثة أنه لا تصلي ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد وإنما تصلى بإمامين ~~كسائر الصلوات. وروي عن سفيان الثوري مثل قول أبي حنيفة. وروي أيضا مثل قول ~~ابن أبي ليلى وقال: "إن فعلت كذلك جاز" وقال مالك: "يتقدم الإمام بطائفة ~~وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ويقوم قائما وتتم الطائفة التي ~~معه لأنفسها ركعة أخرى, ثم يتشهدون ويسلمون, ثم يذهبون إلى مكان # PageV02P322 # الطائفة التي لم تصل فيقومون مكانهم, وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ~~ركعة وسجدتين, ثم يتشهدون ويسلم ويقومون فيتمون لأنفسهم الركعة التي بقيت" ~~قال ابن القاسم: كان مالك يقول: "لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية ~~لأنفسها, ثم يسلم بهم" لحديث يزيد بن رومان; ثم رجع إلى حديث القاسم1 وفيه ~~أن الإمام يسلم, ثم تقوم الطائفة الثانية فيقضون. وقال الشافعي مثل قول ~~مالك, إلا أنه قال: "الإمام لا يسلم حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها, ثم ~~يسلم بهم". وقال الحسن بن صالح مثل قول أبي حنيفة, إلا أنه قال: "الطائفة ~~الثانية إذا صلت مع الإمام وسلم الإمام قضت لأنفسها الركعة التي لم يصلوها ~~مع الإمام, ثم تنصرف وتجيء الطائفة الأولى فتقضي بقية صلاتها". # قال أبو بكر: أشد هذه الأقاويل موافقة لظاهر الآية قول أبي حنيفة ms1456 ومحمد ~~وذلك لأنه تعالى قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم ~~معك} , وفي ضمن ذلك أن طائفة منهم بإزاء العدو; لأنه قال: {وليأخذوا ~~أسلحتهم} , وجائز أن يكون مراده الطائفة التي بإزاء العدو وجائز أن يريد به ~~الطائفة المصلية; والأولى أن يكون الطائفة التي بإزاء العدو; لأنها تحرس ~~هذه المصلية; وقد عقل من ذلك أنهم لا يكونون جميعا مع الإمام لأنهم لو ~~كانوا مع الإمام لما كانت طائفة منهم قائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم بل ~~يكونون جميعا معه, وذلك خلاف الآية. # ثم قال تعالى: {فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} وعلى مذهب مالك يقضون ~~لأنفسهم ولا يكونون من ورائهم إلا بعد القضاء. وفي الآية الأمر لهم بأن ~~يكونوا بعد السجود من ورائهم, وذلك موافق لقولنا. # ثم قال: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} فدل ذلك على معنيين: ~~أحدهما: أن الإمام يجعلهم طائفتين في الأصل: طائفة معه, وطائفة بإزاء العدو ~~على ما قال أبو حنيفة; لأنه قال: {ولتأت طائفة أخرى} وعلى مذهب مخالفنا هي ~~مع الإمام لا تأتيه. والثاني: قوله: {لم يصلوا فليصلوا معك} , وذلك يقتضي ~~نفي كل جزء من الصلاة, ومخالفنا يقول: يفتتح الجميع الصلاة مع الإمام ~~فيكونون حينئذ بعد الافتتاح فاعلين لشيء من الصلاة; وذلك خلاف الآية فهذه ~~الوجوه التي ذكرنا من معنى الآية موافقة لمذهب أبي حنيفة ومحمد. وقولنا ~~موافق للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وللأصول, وذلك لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا ~~سجد PageV02P323 # فاسجدوا" وقال: "إني امرؤ قد بدنت1 فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود". ~~ومن مذهب المخالف أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإمام. ~~وفي الأصول أن المأموم مأمور بمتابعة الإمام لا يجوز له الخروج منها قبله; ~~وأيضا جائز أن يلحق الإمام سهو يلزم المأموم ولا يمكن الخارجين من صلاته ~~قبل فراغه أن يسجدوا. ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى, وهي اشتغال ~~المأموم بقضاء صلاته والإمام قائم ms1457 أو جالس تارك لأفعال الصلاة, فيحصل به ~~مخالفة الإمام في الفعل وترك الإمام لأفعال الصلاة لأجل المأموم, وذلك ~~ينافي معنى الاقتداء والائتمام ومنع الإمام من الاشتغال بالصلاة لأجل ~~المأموم; فهذان وجهان أيضا خارجان من الأصول. # فإن قيل: جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصة بجواز انصراف الطائفة الأولى ~~قبل الإمام كما جاز المشي فيها. قيل له: المشي له نظير في الأصول, وهو ~~الراكب المنهزم. يصلي وهو سائر بالاتفاق; فكان لما ذكرنا أصل متفق عليه, ~~فجاز أن لا تفسد صلاة الخوف. وأيضا قد ثبت عندنا أن الذي سبقه الحدث في ~~الصلاة ينصرف ويتوضأ ويبني, قد وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم; روى ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قاء أو ~~رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته" , والرجل يركع ~~ويمشي إلى الصف فلا تبطل صلاته; وركع أبو بكر حين دخل المسجد ومشى إلى ~~الصف, فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "زادك الله حرصا ولا تعد" ~~ولم يأمره باستئناف الصلاة, فكان للمشي في الصلاة نظائر في الأصول وليس ~~للخروج من الصلاة قبل فراغ الإمام نظير, فلم يجز فعله. وأيضا فإن المشي ~~فيها اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي, ولما قامت به الدلالة سلمناه لها, ~~وما عدا ذلك فواجب حمله على موافقة الأصول حتى تقوم الدلالة على جواز خروجه ~~عنها. # ومما يدل من جهة السنة على ما وصف ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن سالم ~~عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة ~~والطائفة الأخرى مواجهة العدو, ثم انصرفوا وقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك ~~فصلى بهم ركعة أخرى, ثم سلم عليهم, ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء ~~فقضوا ركعتهم; قال أبو داود: وكذلك رواه نافع وخالد بن معدان عن ابن عمر عن ~~النبي; وقال أبو داود: ms1458 وكذلك قول مسروق PageV02P324 # ويوسف بن مهران عن ابن عباس, وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه ~~فعله. وقول ابن عمر: "فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة" على أنهم قضوا على وجه ~~يجوز القضاء, وهو أن ترجع الثانية إلى مقام الأولى وجاءت الأولى فقضت ركعة ~~وسلمت ثم جاءت الثانية فقضت ركعة وسلمت. وقد بين ذلك في حديث خصيف عن أبي ~~عبيدة عن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في حرة بني سليم ~~صلاة الخوف, قام فاستقبل القبلة وكان العدو في غير القبلة, فصف معه صفا ~~وأخذ صف السلاح واستقبلوا العدو, فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف ~~الذي معه, ثم ركع وركع الصف الذي معه, ثم تحول الصف الذين صفوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح, وتحول الآخرون فقاموا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم, فركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعوا وسجد وسجدوا, ثم سلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذهب الذين صلوا معه وجاء الآخرون فقضوا ركعة ~~فلما فرغوا أخذوا السلاح, وتحول الآخرون وصلوا ركعة; فكان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ركعة; فبين في هذا الحديث انصراف الطائفة ~~الثانية قبل قضاء الركعة الأولى, وهو معنى ما أجمله ابن عمر في حديثه. وقد ~~روي في حديث عبد الله بن مسعود من رواية ابن فضيل عن خصيف عن أبي عبيدة عن ~~عبد الله: أن الطائفة الثانية قضت ركعة لأنفسها قبل قضاء الطائفة الأولى ~~الركعة التي بقيت عليها, والصحيح ما ذكرناه أولا; لأن الطائفة الأولى قد ~~أدركت أول الصلاة والثانية لم تدرك, فغير جائز للثانية الخروج من صلاتها ~~قبل الأولى; ولأنه لما كان من حكم الطائفة الأولى أن تصلي الركعتين في ~~مقامين فكذلك حكم الثانية أن تقضيهما في مقامين لا في مقام واحد لأن سبيل ~~صلاة الخوف أن تكون مقسومة بين الطائفتين على التعديل بينهما فيها. # واحتج مالك بحديث رواه عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات مرسلا عن النبي ms1459 ~~صلى الله عليه وسلم وذكر فيه أن الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن ~~يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا لم يروه أحد إلا يزيد بن رومان; ~~وقد خولف فيه فروى شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات ~~عن سهل بن أبي حثمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف ~~فصف صفا خلفه وصف مصاف العدو, فصلى بهم ركعة, ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك, ~~فصلى بهم ركعة, ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة. ففي هذا الحديث أن الطائفة ~~الأولى لم تقض الركعة الثانية إلا بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صلاته; وهذا أولى لما قدمناه من دلائل الأصول عليه. وقد روى يحيى بن ~~سعيد عن القاسم عن صالح مثل رواية يزيد بن رومان. وفي حديث مالك عن يزيد بن ~~رومان أن تلك الصلاة إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات ~~الرقاع; وقد روى يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن جابرقال: # PageV02P325 # كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع, فصلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بطائفة منهم, ثم انصرفوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين; ~~فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وكل طائفة ركعتين; وهذا يدل على ~~اضطراب حديث يزيد بن رومان. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على وجوه أخر, فاتفق ابن ~~مسعود وابن عباس وابن عمر وجابر وحذيفة وزيد بن ثابت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهون العدو, ثم صلى ~~بالطائفة الأخرى ركعة, وأن أحدا منهم لم يقض بقية صلاته قبل فراغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروي صالح بن خوات على ما قد اختلف عنه فيه مما قدمنا ~~ذكره. وروى أبو عياش الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف نحو ~~المذهب الذي حكيناه عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف إذا كان العدو ms1460 في القبلة. ~~وروى أيوب وهشام عن أبي الزبير عن جابر هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم; وكذلك رواه داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس, وكذلك عبد الملك عن ~~عطاء بن جابر, وكذلك قتادة عن الحسن عن حطان عن أبي موسى من فعله. ورواه ~~عكرمة بن خالد عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك هشام بن عروة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس وجابر ما قدمنا ذكره قبل ~~هذا, واختلفت الرواية عنهما فيها. # وروي فيها نوع آخر, وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري قال: حدثنا حيوة بن ~~شريح وابن لهيعة قالا: أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن ~~مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم; قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة عام ~~غزوة نجد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى صلاة العصر فقامت معه طائفة ~~وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة, فكبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابلي العدو, ثم ركع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه, ثم سجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابلي العدو, ثم ~~قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو ~~فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائم كما هو, ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه, ثم أقبلت الطائفة التي كانت ~~مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه, ~~ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعا; ms1461 فكان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة. # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم نوع آخر من صلاة الخوف, وهو ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: # PageV02P326 # حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ~~الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوف ~~الظهر, فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو, فصلى ركعتين, ثم سلم, فانطلق ~~الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم, ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ~~ثم سلم; فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا ولأصحابه ركعتين ~~ركعتين, وبذلك كان يفتي الحسن. قال أبو داود: وكذلك رواه يحيى بن أبي كثير ~~عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك رواه ~~سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال أبو بكر: وقد قدمنا قبل ذلك أن ابن عباس وجابرا رويا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه صلى بكل طائفة ركعة ركعة فكان لرسول الله ركعتان ولكل ~~طائفة ركعة وأن هذا محمول عندنا على أنه كان ركعة في جماعة وفعلها مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم; فذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف إذا كان العدو في ~~القبلة إلى حديث أبي عياش الزرقي الذي ذكرناه. # وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى هذه الصلوات على الوجوه ~~التي وردت بها الروايات وذلك; لأنها لم تكن صلاة واحدة فتتضاد الروايات ~~فيها وتتنافى, بل كانت صلوات في مواضع مختلفة; بعسفان في حديث أبي عياش ~~الزرقي, وفي حديث جابر ببطن النخل; ومنها حديث أبي هريرة في غزوة نجد وذكر ~~فيه أن الصلاة كانت بذات الرقاع, وصلاها في حرة بني سليم. ويشبه أن يكون قد ~~صلى في بعض هذه المواضع عدة صلوات; لأن في بعض حديث جابر الذي يقول فيه: ~~"إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ms1462 بكل طائفة ركعتين ذكر أنه كان بذات ~~الرقاع, وفي حديث صالح بن خوات أيضا أنه صلاها بذات الرقاع; وهما مختلفان ~~كل واحد منهما ذكر فيه من صفة صلاته خلاف صفة الأخرى; وكذلك حديث أبي عياش ~~الزرقي ذكر أنه صلاها بعسفان, وذكر ابن عباس أيضا أنه صلاها بعسفان; فروي ~~تارة نحو حديث أبي عياش وتارة على خلافه. واختلاف هذه الآثار يدل على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى هذه الصلوات على اختلافها على حسب ورود ~~الروايات بها وعلى ما رآه النبي احتياطا في الوقت من كيد العدو وما هو أقرب ~~إلى الحذر والتحرز على ما أمر الله تعالى به من أخذ الحذر في قوله: ~~{وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة} , ولذلك كان الاجتهاد سائغا في جميع أقاويل ~~الفقهاء على اختلافها; لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلا أن ~~الأولى عندنا ما وافق ظاهر الكتاب والأصول. وجائز أن يكون الثابت الحكم ~~منها واحدا والباقي منسوخ, وجائز أن يكون الجميع ثابتا غير منسوخ توسعة ~~وترفيها لئلا يحرج من ذهب إلى بعضها, ويكون الكلام في الأفضل منها كاختلاف ~~الروايات في # PageV02P327 # الترجيع في الأذان وفي تثنية الإقامة وتكبيرات العيدين والتشريق ونحو ذلك ~~مما الكلام فيه بين الفقهاء في الأفضل; فمن ذهب إلى وجه منها فغير معنف ~~عليه في اختياره, وكان الأولى عندنا ما وافق ظاهر الآية والأصول. وفي حديث ~~جابر وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين, فجائز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مقيما حين صلاها كذلك, ويكون ~~قولهما" إنه سلم في الركعتين" المراد به تسليم التشهد وذلك لأن ظاهر الكتاب ~~ينفيه على الوجه الذي يقتضيه ظاهر الخبر; لأن الله تعالى قال: {فلتقم طائفة ~~منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} وظاهر الخبر ~~يوجب أن يكونوا مصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد السجود على الحال ~~التي كانوا عليها ms1463 قبله. # فإن قيل: كيف يكون مقيما في بادية وهي ذات الرقاع وليست موضع إقامة ولا ~~هي بالقرب من المدينة؟ قيل له جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~من المدينة لم ينو سفر ثلاث وإنما نوى في كل موضع يبلغ إليه سفر يوم أو ~~يومين, فيكون مقيما عندنا; إذ لم ينشئ سفر ثلاث وإن كان في البادية; ويحتمل ~~أن يكون فعلها في الوقت الذي يعاد الفرض فيه, وذلك منسوخ عندنا; وعلى أنه ~~لو كان كذلك لم تكن صلاة خوف وإنما هي صلاة على هيئة سائر الصلوات, ولا ~~خلاف أن صلاة الخوف مخالفة لسائر الصلوات المفعولة في حال الأمن. # وأما القول الذي روي عن أبي يوسف في أنه لا تصلى بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف وأنه ينبغي أن تصلى عند الخوف بإمامين; فإنه ذهب فيه إلى ~~ظاهر قول الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فخص هذه الصلاة ~~بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم, وأباح لهم فعلها معه على هذا الوجه ~~ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه التي مثلها لا يوجد في الصلاة خلف غيره; فغير ~~جائز بعده لأحد أن يصليها إلا بإمامين; لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي ~~خلف الأول, فلا يحتاج إلى مشي واختلاف واستدبار القبلة مما هو مناف للصلاة. ~~قال أبو بكر: فأما تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب بها بقوله: ~~{وإذا كنت فيهم} ليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره; لأن الذي ~~قال: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} هو الذي قال: {واتبعوه} [سبأ:20] , ~~فإذا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل فعلا فعلينا اتباعه فيه على ~~الوجه الذي فعله, ألا ترى أن قوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: ~~103] لم يوجب كون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من الأئمة ~~بعده؟ وكذلك قوله: {إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} [الممتحنة: 12] وكذلك قوله: ~~{وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] وقوله: {فإن جاءوك فاحكم ~~بينهم} # PageV02P328 # [المائدة: 42] فيه تخصيص ms1464 النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة, والأئمة ~~بعده مرادون بالحكم معه. وأما إدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة المشي في الصلاة واستدبار القبلة ~~والأفعال التي تركها من فروض الصلاة; لأنه لما كان معلوما أن فعل الصلاة ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضا, فغير جائز أن يكونوا أمروا بترك ~~الفرض لأجل إدراك الفضل, فلما كان هذا على ما وصفنا بطل اعتلاله بذلك وصح ~~أن فعل صلاة الخوف على, الوجه الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز ~~بعده كما جاز معه. # وقد روى جماعة من الصحابة جواز فعل صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وحذيفة وسعيد بن ~~العاص وعبد الرحمن بن سمرة في آخرين منهم, من غير خلاف يحكى عن أحد منهم, ~~ومثله يكون إجماعا لا يسع خلافه. والله أعلم. # PageV02P329 # باب الاختلاف في صلاة المغرب # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي ~~والشافعي: "يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة" إلا أن ~~مالكا والشافعي يقولان: "يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم, ثم يصلي ~~بالطائفة الثانية ركعة أخرى, ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ~~ركعتين" وقال الشافعي: "إن شاء الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى ~~لأنفسهم, وإن شاء كان قائما, ويسلم الإمام بعد فراغ الطائفة الثانية". وقال ~~الثوري: "يقوم صف خلفه وصف موازي العدو, فيصلي بهم ركعة, ثم يذهبون إلى ~~مقام أولئك ويجيء هؤلاء, فيصلي بهم ركعة ويجلسون, فإذا قام ذهب هؤلاء إلى ~~مصاف أولئك وجاء أولئك فركعوا وسجدوا والإمام قائم; لأن قراءة الإمام لهم ~~قراءة, وجلسوا, ثم قاموا يصلون مع الإمام الركعة الثالثة, فإذا جلسوا وسلم ~~الإمام ذهبوا إلى مصاف أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين", وذهب في ذلك إلى ~~أن عليه التعديل بين الطائفتين في الصلاة, فيصلي بكل واحدة ركعة; وقد ترك ~~هذا المعنى حين جعل للطائفة الأولى أن ms1465 تصلي مع الإمام الركعة الأولى ~~والثالثة والطائفة الثانية إنما صلت الركعة الثانية معه. وقال الثوري: "إنه ~~إذا كان مقيما فصلى بهم الظهر, أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ~~ركعتين" فلم يقسم الصلاة بينهم على أن تصلي كل طائفة منهم معه ركعة على ~~حيالها; ومذهب الثوري هذا مخالف للأصول من وجه آخر, وذلك أنه أمر الإمام أن ~~يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة الأولى من الركعة الثانية, وذلك خلاف الأصول ~~على ما بينا فيما سلف من مذهب مالك والشافعي; والله أعلم بالصواب. # PageV02P329 # ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "لا يصلي في حال القتال, فإن قاتل ~~في الصلاة فسدت صلاته" وقال مالك والثوري: "يصلي إيماء إذا لم يقدر على ~~الركوع والسجود". وقال الحسن بن صالح: "إذا لم يقدر على الركوع من القتال ~~كبر بدل كل ركعة تكبيرة". وقال الشافعي: "لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ~~ويطعن الطعنة, فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته". # قال أبو بكر: الدليل على أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد صلى صلاة الخوف في مواضع على ما قدمنا ذكره, ولم يصل يوم الخندق ~~أربع صلوات حتى كان هوي1 من الليل, ثم قال: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ~~كما شغلونا عن الصلاة الوسطى" , ثم قضاهن على الترتيب. فأخبر أن القتال ~~شغله عن الصلاة, ولو كانت الصلاة جائزة في حال القتال لما تركها كما لم ~~يتركها في حال الخوف في غير قتال. وقد كانت الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل ~~الخندق; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذات الرقاع صلاة الخوف; وقد ذكر ~~محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق, فثبت بذلك أن ~~القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه. وأيضا فلما كان القتال فعلا ~~ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف, كان حكمه في الخوف كهو في غيره, مثل ~~الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر ms1466 الأفعال المنافية للصلاة; وإنما أبيح له ~~المشي فيها; لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل حال على ما بيناه فيما سلف, ~~ولأنهم متفقون على أن المشي لا يفسدها, فسلمناه للإجماع, وما عداه من ~~الأفعال المنافية للصلاة فهو محمول على أصله. # وقوله تعالى: {فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} يحتمل أن يكون ~~المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام, ويحتمل أن تكون الطائفة ~~التي بإزاء العدو; لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو, وضميرها ~~ظاهر في نسق الآية في قوله: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} . ومن ~~وجه آخر يدل على ما ذكرنا, وهو أنه أمر الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ ~~السلاح, ولم يقل فليأخذوا حذرهم; لأن في وجه العدو طائفة غير مصلية حامية ~~لها قد كفت هذه أخذ الحذر, ثم قال تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} وفي ذلك دليل من وجهين على أن قوله: ~~{فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} إنما أريد PageV02P330 # به الطائفة التي مع الإمام: أحدهما: أنه لما ذكر الطائفة الثانية قال: ~~{وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} , ولو كانوا مأمورين بأخذ السلاح بديا لاكتفى ~~بذكرها بديا لهم. والوجه الثاني: قوله: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} , فجمع ~~لهم بين الأمرين من أخذ الحذر والسلاح جميعا; لأن الطائفة الأولى قد صارت ~~بإزاء العدو وهي في الصلاة, وذلك أولى بطمع العدو فيهم; إذ قد صارت ~~الطائفتان جميعا في الصلاة, فدل ذلك على أن قوله: {وليأخذوا وأسلحتهم} إنما ~~أريد به الطائفة الأولى; وهذا أيضا يدل على أن الطائفة التي تقف بإزاء ~~العدو بديا غير داخلة في الصلاة, وأنها إنما تدخل في الصلاة بعد مجيئها في ~~الركعة الثانية ولذلك أمرت بأخذ الحذر والسلاح جميعا لأن الطائفة التي في ~~وجه العدو في الصلاة فيشتد طمع العدو فيها لعلمهم باشتغالها بالصلاة. ألا ~~ترى أن خالد بن الوليد قال لأصحابه بعسفان1 بعدما صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الظهر: "دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم, فإذا ~~صلوها حملنا ms1467 عليهم" فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الخوف; ولذلك أمرهم الله ~~بأخذ الحذر والسلاح جميعا, والله أعلم. ولما جاز أخذ السلاح في الصلاة وذلك ~~عمل فيها دل على أن العمل اليسير معفو عنه فيها. # قوله تعالى: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون ~~عليكم ميلة واحدة} إخبار عما كان عزم عليه المشركون من الإيقاع بالمسلمين ~~إذا اشتغلوا بالصلاة, فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وأمر ~~المسلمين بأخذ الحذر منهم. # قوله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن ~~تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} فيه إباحة وضع السلاح لما فيه من المشقة في حال ~~المرض والوحل والطين; وسوى الله تعالى بين أذى المطر والمرض ورخص فيهما ~~جميعا في وضع السلاح, وهذا يدل على أن من كان في وحل وطين فجائز له أن يصلي ~~بالإيماء كما يجوز ذلك له في حال المرض إذا لم يمكنه الركوع والسجود; إذ ~~كان الله تعالى قد سوى بين أذى المطر والمرض فيما وصفنا, وأمر مع ذلك بأخذ ~~الحذر من العدو وأن لا يغفلوا عنه فيكون سلاحهم بالقرب منهم بحيث يمكنهم ~~أخذه إن حمل عليهم العدو. # قوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} ~~. قال أبو بكر: أطلق الله تعالى الذكر في غير هذا الموضع وأراد به الصلاة ~~في قوله: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] ~~يروى أن عبد الله بن PageV02P331 # مسعود رأى الناس يصيحون في المسجد فقال: ما هذا النكر؟ قالوا: أليس الله ~~يقول: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] ؟ ~~فقال: إنما يعني بهذه الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا, وإن لم ~~تستطع فصل على جنبك. وروي عن الحسن: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم} [آل عمران: 191] : هذه رخصة من الله للمريض أن يصلي قاعدا وإن لم ~~يستطع فعلى جنبه. # PageV02P332 # مطلب: الذكر على وجهين أفضلهما القلبي وهو الفكر في عظمة الله تعالى ~~وجلاله إلى آخره # فهذا ms1468 الذكر المراد به نفس الصلاة; لأن الصلاة ذكر الله تعالى, وفيها أيضا ~~أذكار مسنونة ومفروضة. وأما الذكر الذي في قوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة} ~~فليس هو الصلاة, ولكنه على أحد وجهين: إما الذكر بالقلب, وهو الفكر في عظمة ~~الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل ~~صنعه. والذكر الثاني: الذكر باللسان بالتعظيم والتسبيح والتقديس; وروي عن ~~ابن عباس قال: "لم يعذر أحد في ترك الذكر إلا مغلوبا على عقله", والذكر ~~الأول أشرفهما وأعلاهما منزلة. والدليل على أنه لم يرد بهذا الذكر الصلاة ~~أنه أمر به بعد الفراغ منها بقوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم} . # وقوله تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين} فإنه روي عن الحسن ومجاهد وقتادة: "فإذا رجعتم إلى الوطن في دار ~~الإقامة فأتموا الصلاة من غير قصر". وقال السدي وغيره: "فعليكم أن تتموا ~~ركوعها وسجودها غير مشاة ولا ركبان". قال أبو بكر: من تأول القصر المذكور ~~في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~على أعداد الركعات, جعل قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} على إتمام ~~الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها ~~بالإيماء أو على إباحة المشي فيها, جعل قوله تعالى: {فأقيموا الصلاة} أمرا ~~بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف, والله أعلم. # PageV02P332 # باب مواقيت الصلاة # قال الله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} . روي عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن للصلاة وقتا كوقت الحج". وعن ابن عباس ~~ومجاهد وعطية: "مفروضا". وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: "موقوتا منجما, ~~كلما مضى نجم جاء نجم آخر". وعن زيد بن أسلم مثل ذلك. # PageV02P332 # قال أبو بكر: قد انتظم ذلك إيجاب الفرض ومواقيته; لأن قوله تعالى: ~~{كتابا} معناه فرضا, وقوله: {موقوتا} معناه أنه مفروض في أوقات معلومة ~~معينة, فأجمل ذكر الأوقات في هذه الآية وبينها في مواضع أخر من الكتاب ms1469 من ~~غير ذكر تحديد أوائلها وأواخرها, وبين على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحديدها ومقاديرها. فمما ذكر الله في الكتاب من أوقات الصلاة قوله: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] ذكر ~~مجاهد عن ابن عباس: {لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] قال: "إذا زالت الشمس عن ~~بطن السماء لصلاة الظهر" {إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] قال: "بدو الليل ~~لصلاة المغرب". وكذلك روي عن ابن عمر في دلوكها أنه زوالها. وروى أبو وائل ~~عن عبد الله بن مسعود قال: "إن دلوكها غروبها" وعن أبي عبد الرحمن السلمي ~~نحوه. # قال أبو بكر: لما تأولوا الآية على المعنيين من الزوال ومن الغروب دل على ~~احتمالها لهما لولا ذلك لما تأوله السلف عليهما; والدلوك في اللغة: الميل, ~~فدلوك الشمس ميلها, وقد تميل تارة للزوال وتارة للغروب; وقد علمنا أن ~~دلوكها هو أول الوقت وغسق الليل نهايته وغايته; لأنه قال: {إلى غسق الليل} ~~[الإسراء: 78] و "إلى" غاية, ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل; لأن ~~بينهما وقت العصر, فالأظهر أن يكون المراد بالدلوك ههنا هو الغروب وغسق ~~الليل ههنا هو اجتماع الظلمة; لأن وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهاية ~~له; واحتمال الزوال مع ذلك قائم; لأن ما بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت ~~هذه الصلوات وهي الظهر والعصر والمغرب, فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق ~~الليل لا ينفك من أن يكون وقتا لصلاة, فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب. ~~ويحتمل أن يراد به العتمة أيضا; لأن الغاية قد تدخل في الحكم كقوله تعالى: ~~{وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] والمرافق داخلة فيها, وقوله: {حتى ~~تعلموا} [النساء: 43] والغسل داخل في شرط الإباحة; فإن حمل المعنى على ~~الزوال انتظم أربع صلوات. ثم قال: {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] وهو صلاة ~~الفجر, فتنتظم الآية الصلوات الخمس; وهذا معنى قد دل عليه إفراده صلاة ~~الفجر بالذكر; إذ كان بينها وبين صلاة الظهر وقت ليس من أوقات الصلوات ~~المفروضة, فأبان تعالى أن من وقت الزوال إلى وقت العتمة ms1470 وقتا لصلوات مفعولة ~~فيه, وأفرد الفجر بالذكر; إذ كان بينها وبين الظهر فاصلة وقت ليس من أوقات ~~الصلوات. فهذه الآية يحتمل أن يريد بها بيان وقت صلاتين إذا كان المراد ~~بالدلوك الغروب وهو وقت المغرب والفجر بقوله تعالى: {وقرآن الفجر} ~~[الإسراء: 78] , ويحتمل أن يريد بها الصلوات الخمس # PageV02P333 # على الوجه الذي بينا, ويحتمل أن يريد بها الظهر والمغرب والفجر وذلك لأنه ~~جائز أن يريد بقوله: {إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] أقم الصلاة مع غسق ~~الليل, كقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] ومعناه: ~~مع أموالكم; ويكون غسق الليل حينئذ وقتا لصلاة المغرب. ويجوز أن يريد به ~~وقت صلاة العتمة; وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول: "دلوك ~~الشمس حين تزول إلى غسق الليل حين تجب الشمس"; قال: وقال ابن مسعود: "دلوك ~~الشمس: حين تجب, إلى غسق: الليل حين يغيب الشفق". وعن عبد الله أيضا أنه ~~لما غربت الشمس قال: "هذا غسق الليل", وعن أبي هريرة: "غسق الليل غيبوبة ~~الشمس", وقال الحسن: "غسق الليل صلاة المغرب والعشاء", وقال إبراهيم ~~النخعي: "غسق الليل العشاء الآخرة". وعن أبي جعفر: "غسق الليل انتصافه". ~~وروى مالك عن داود بن الحصين قال: أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول: ~~"غسق الليل اجتماع الليل وظلمته". فهذه الآية فيها احتمال للوجوه التي ~~ذكرنا من مواقيت الصلوات. # وقال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] , روى ~~عمرو عن الحسن في قوله تعالى: {طرفي النهار} [هود: 114] قال: "صلاة الفجر, ~~والأخرى الظهر والعصر" {وزلفا من الليل} [هود: 114] قال: "المغرب والعشاء". ~~فعلى هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس. وروى يونس عن الحسن: {وأقم ~~الصلاة طرفي النهار} [هود: 114] قال: "الفجر والعصر". وروى ليث عن الحكم عن ~~أبي عياض قال: قال ابن عباس: "جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: {فسبحان الله ~~حين تمسون} [الروم: 17] المغرب والعشاء {وحين تصبحون} [الروم: 17] الفجر ~~{وعشيا} [الروم: 18] العصر {وحين تظهرون} [الروم: 18] الظهر". وعن الحسن ~~مثله. وروى أبو رزين عن ابن عباس: {وسبح بحمد ms1471 ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب} [ق: 39] قال: "الصلاة المكتوبة" وقال: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} [طه: 130] ~~. وهذه الآية منتظمة لأوقات الصلوات أيضا. # فهذه الآيات كلها فيها ذكر أوقات الصلوات من غير تحديد لها, إلا فيما ذكر ~~من الدلوك فإنه جعله أول وقت لتلك الصلاة, ووقت الزوال والغروب معلومان, ~~وقوله تعالى: {إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] ليس فيه بيان نهاية الوقت بلفظ ~~غير محتمل للمعاني, وقوله: {حين تمسون} [الروم: 17] إن أراد به المغرب كان ~~معلوما, وكذلك {تصبحون} [الروم: 17] لأن وقت الصبح معلوم, وقوله: {طرفي ~~النهار} [هود: # PageV02P334 # 114] لا دلالة فيه على تحديد الوقت لاحتماله أن يريد الظهر والعصر وذلك ~~لأن وسط النهار هو وقت الزوال, فما كان منه في النصف الآخر فهو طرف, وكذلك ~~ما كان منه في النصف الأول فهو طرف. وجائز أن يريد به العصر; لأن آخر ~~النهار من طرفه; والأولى أن يكون المراد العصر دون الظهر; لأن طرف الشيء ~~إما أن يكون ابتداءه أو نهايته وآخره ويبعد أن يكون ما قرب من الوسط طرفا; ~~إلا أن الحسن في رواية عمرو قد تأوله على الظهر والعصر جميعا وقد روى عنه ~~يونس أنه العصر, وهو أشبه بمعنى الآية, ألا ترى أن طرف الثوب ما يلي نهايته ~~ولا يسمى ما قرب من وسطه طرفا؟ فهذه الآي دالة على أعداد الصلوات. وقوله ~~تعالى: {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] الآية, يدل على أنها وتر; لأن ~~الشفع لا وسط له, وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلت ~~الأمة عنه قولا وفعلا فرض الصلوات الخمس. وقد روى أنس بن مالك وعبادة بن ~~الصامت في حديث المعراج عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه "أمر بخمسين ~~صلاة, وأنه لم يزل يسأل ربه التخفيف حتى استقرت على خمس", وهذا عندنا كان ~~فرضا موقوفا على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم كذلك; لأنه لا يجوز نسخ ~~الفرض قبل التمكن من الفعل, وقد بيناه في أصول الفقه; ms1472 ولا خلاف بين ~~المسلمين في فرض الصلوات الخمس. وقال جماعة من السلف بوجوب الوتر, وهو قول ~~أبي حنيفة, وليس هو بفرض عنده وإن كان واجبا; لأن الفرض ما كان في أعلى ~~مراتب الإيجاب. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار متواترة في بيان ~~تحديد أوقات الصلوات, واتفقت الأمة في بعضها واختلفت في بعض. # PageV02P335 # وقت الفجر # فأما أول وقت الفجر فلا خلاف فيه أنه من حين يطلع الفجر الثاني الذي ~~يعترض في الأفق; وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الفجر أن يقول1 هكذا ~~وجمع كفه حتى يقول هكذا ومد أصبعيه السبابتين". وروى قيس بن طلق عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع ~~المصعد, فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر". وروى سفيان عن عطاء عن ابن ~~عباس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الفجر فجران فجر يحل فيه ~~الطعام وتحرم فيه الصلاة, وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام". وروى ~~نافع بن جبير في PageV02P335 # حديث المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن جبريل عليه السلام أمه ~~عند البيت, فصلى الفجر في اليوم الأول حين برق الفجر وحرم الطعام والشراب ~~على الصائم, فهذا أول وقت الفجر; وقد تواترت به الآثار واتفق عليه فقهاء ~~الأمصار. # وأما آخر وقتها فهو إلى طلوع الشمس عند سائر الفقهاء; وذكر ابن القاسم عن ~~مالك أنه قال: "وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة, وآخر وقتها إذا ~~أسفر" ويحتمل أن يكون مراده الوقت المستحب وكراهة التأخير إلى بعد الإسفار, ~~لا على معنى أنها تكون فائتة إذا أخرها إلى بعد الإسفار قبل طلوع الشمس. ~~وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وقت الفجر ~~ما لم تطلع الشمس" وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن للصلاة ms1473 أولا وآخرا, وإن أول وقت الفجر حين ~~يطلع الفجر, وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس". وروى أبو هريرة أيضا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من صلاة الفجر قبل أن تطلع ~~الشمس فقد أدرك" , فألزم النبي صلى الله عليه وسلم مدرك هذا القدر من الوقت ~~جميع الصلاة, مثل الحائض تطهر والصبي يبلغ والكافر يسلم; فثبت أن وقت الفجر ~~إلى طلوع الشمس. # PageV02P336 # وقت الظهر # وأما أول وقت الظهر فهو من حين تزول الشمس; ولا خلاف بين أهل العلم فيه. ~~وقال الله تعالى: {وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 18] وقال: {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} [الإسراء: 78] , وقد بينا أن دلوك الشمس تحتمل الزوال والغروب جميعا ~~وهو عليهما, فتنتظم الآية الأمر بصلاة الظهر والمغرب وبيان أول وقتيهما. ~~ومن جهة السنة حديث ابن عباس وأبي سعيد وجابر وعبد الله بن عمر وبريدة ~~الأسلمي وأبي هريرة وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر المواقيت ~~حين أمه جبريل, وأنه صلى الظهر حين زالت الشمس; وفي بعضها ابتداء اللفظ من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول وقت الظهر إذا زالت الشمس" وهي ~~أحاديث مشهورة كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها; فصار أول وقت ~~الظهر معلوما من جهة الكتاب والسنة واتفاق الأمة. # وأما آخر وقتها فقد اختلف فيه الفقهاء, فروي عن أبي حنيفة فيه ثلاث ~~روايات: إحداهن: أن يصير الظل أقل من قامتين. والأخرى, وهي رواية الحسن بن ~~زياد: أن يصير ظل كل شيء مثله. والثالثة: أن يصير الظل قامتين, وهي رواية ~~الأصل. وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح والثوري ~~والشافعي: "هو أن يصير ظل كل شيء مثله". وحكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر ~~إلى غروب الشمس. # PageV02P336 # ويحتج لقول من قال بالمثلين في آخر وقت الظهر بظاهر قوله: {طرفي النهار} ~~[هود: 114] وذلك يقتضي فعل العصر بعد المثلين; لأنه كلما كان أقرب إلى وقت ~~الغروب فهو أولى باسم الطرف, وإذا كان وقت العصر من المثلين فما ms1474 قبله من ~~وقت الظهر, لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت ~~العصر". ويحتج أيضا لهذا القول بظاهر قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] . وقد بينا أن الدلوك يحتمل الزوال, فإذا ~~أريد به ذلك اقتضى ظاهره امتداد الوقت إلى الغروب, إلا أنه ثبت أن ما بعد ~~المثلين ليس بوقت للظهر, فوجب أن يثبت إلى المثلين بالظاهر. ويحتج فيه من ~~جهة السنة بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أجلكم في أجل من ~~مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس, ومثلكم ومثل أهل الكتابين ~~قبلكم كرجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي ما بين غدوة إلى نصف النهار على ~~قيراط؟ فعملت اليهود ثم قال من يعمل لما بين نصف النهار إلى العصر على ~~قيراط؟ فعملت النصارى, ثم قال من يعمل لما بين العصر إلى المغرب على ~~قيراطين؟ فعملتم أنتم فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: كنا أكثر عملا وأقل ~~عطاء قال هل نقصتم من جعلكم شيئا؟ قالوا: لا, قال فإنما هو فضلي أوتيه من ~~أشاء". # PageV02P337 # مطلب: في بيان قوله عليه السلام: "يبعثت أنا والساعة" وأن ذلك مقدر بنصف ~~السبع من مدة الدنيا # ودلالة هذا الخبر على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: قوله: "أجلكم في أجل من ~~مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" وإنما أراد بذلك الإخبار عن ~~قصر الوقت; وقال صلى الله عليه وسلم "بعثت أنا والساعة كهاتين" وجمع بين ~~السبابة والوسطى, وفي خبر آخر: كما بين هذه وهذه", فأخبر فيه أن الذي بقي ~~من مدة الدنيا كنقصان السبابة عن الوسطى, وقد قدر ذلك بنصف السبع, فثبت ~~بذلك حين شبه عليه السلام أجلنا في أجل من مضى قبلنا بوقت العصر في قصر ~~مدته أنه لا ينبغي أن يكون من المثل; لأنه لو كان كذلك لكان أكثر من ذلك, ~~فدل ذلك على أن ms1475 وقت العصر بعد المثلين. والوجه الآخر من دلالة الخبر: المثل ~~الذي ضربه عليه السلام لنا ولأهل الكتابين بالعمل في الأوقات المذكورة, ~~وأنهم غضبوا فقالوا: كنا أكثر عملا وأقل عطاء; فلو كان وقت العصر في المثل ~~لما كانت النصارى أكثر عملا من المسلمين, بل كان يكون المسلمون أكثر عملا; ~~لأن ما بين المثل إلى الغروب أكثر مما بين الزوال إلى المثل فثبت بذلك أن ~~وقت العصر أقصر من وقت الظهر # PageV02P337 # فإن قيل: إنما أراد أن وقتي الفريقين جميعا أطول من وقت المسلمين. قيل ~~له: هذا غلط; لأنه أخبر عن كل واحد من الفريقين بذلك على حياله دون الإخبار ~~عنهما مجموعين ألا ترى أنهم قالوا: كنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ وليسا ~~بمجموعهما أقل عطاء; لأن عطاءهما جميعا هو مثل عطاء المسلمين. ويدل عليه ~~حديث عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن ~~جبريل أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله, فقال: قم فصل الظهر ~~فأخبر أن جبريل أتاه بعد المثل فأمره بفعل الظهر; فلو كان ما بعد المثل من ~~وقت العصر لكان قد أخر الظهر عن وقتها. # فإن قيل: في حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله, وهذا يوجب أن يكون ~~وقت العصر بعد المثل. قيل له: أما حديث ابن عباس فإنه أخبر فيه عن إمامة ~~جبريل عند باب البيت وذلك قبل الهجرة, وفيه أنه صلى الظهر من اليوم الثاني ~~لوقت العصر بالأمس, وذلك يوجب أن يكون وقت الظهر ووقت العصر واحدا فيما ~~صلاهما في اليومين. # فإن قيل: إنما أراد أنه ابتدأ العصر في وقت فراغه من الظهر من الأمس. قيل ~~له: في حديث ابن مسعود أن جبريل أتاه حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم ~~الأول فقال: قم فصل العصر, وأنه أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء ~~مثله فقال: قم ms1476 فصل الظهر; فأخبر أن مجيئه إليه وأمره إياه بالصلاة كان بعد ~~المثل, وهذا يسقط تأويل من تأوله. وإذا كان ذلك كذلك وقد روى عبد الله بن ~~عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وقت الظهر ما لم ~~يحضر وقت العصر" وفي حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" , ثبت بذلك أن ما في ~~حديث ابن عباس وابن مسعود على النحو الذي ذكرنا منسوخ, وأنه كان قبل ~~الهجرة, وعلى أنه لو كان ثابت الحكم لوجب أن يكون الفعل الآخر ناسخا للأول, ~~وأن يكون الآخر منهما ثابتا; والآخر من الفعلين أنه فعل الظهر في اليوم ~~الثاني بعد المثل وذلك يقتضي أن يكون ما بعد المثل من وقت الظهر. وفي حديث ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله السائل عن مواقيت الصلاة: ~~أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس مرتفعة قبل أن تدخلها الصفرة, وكذلك ~~في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى ~~العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة; ولا يقال هذا فيمن صلاها حين ~~يصير الظل مثله. وقد ذكر أيضا في حديث ابن مسعود: أنه صلى العصر في اليوم ~~الأول والشمس بيضاء مرتفعة. رواه جماعة من كبار أصحاب الزهري عن عروة, منهم ~~مالك والليث وشعيب ومعمر وغيرهم, ورواه أيوب عن عتبة عن أبي بكر بن عمرو بن ~~حزم عن # PageV02P338 # عروة, فذكر فيه مقادير الفيء على نحو ما قدمنا. فحديث ابن مسعود يروى على ~~هذين الوجهين, فذكر في أحدهما أنه جاءه جبريل عليه السلام حين صار ظل كل ~~شيء مثله فقال: قم فصل الظهر, وفي اليوم الثاني جاءه حين صار ظل كل شيء ~~مثله فقال: قم فصل العصر. وحديث الزهري عن عروة لم يذكر فيه مقدار الفيء ~~وذكر أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة لم تدخلها صفرة. # وقد رويت أخبار في تعجيل العصر ms1477 قد يحتج بها من يقول بالمثل, وفيها احتمال ~~لما قالوه ولغيره, فلا تثبت بمثلها حجة في إثبات المثل دون غيره, إذ لا حجة ~~في المحتمل; منها حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~العصر, ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيجدهم لم يصلوا العصر, قال الزهري: ~~والعوالي على الميلين والثلاثة. وروى أبو واقد الليثي قال: حدثنا أبو أروى ~~قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة, ثم أمشي إلى ذي ~~الحليفة قبل أن تغرب الشمس. وفي حديث أسامة بن زيد عن الزهري عن عروة عن ~~بشير بن أبي مسعود عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة ~~أميال قبل غروب الشمس. وروي عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن يظهر الفيء وفي لفظ آخر: لم يفئ الفيء ~~بعد. ليس في هذه الأخبار ذكر تحديد الوقت, وما ذكر من المضي إلى العوالي ~~وذي الحليفة فليس يمكن الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت; لأنه على قدر ~~الإبطاء والسرعة في المشي. وقد كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله تعالى يستدل ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" على ~~أن ما بعد المثل وقت للظهر; لأن الإبراد لا يكون عند المثل بل أشد ما يكون ~~الحر في الصيف عندما يصير ظل كل شيء مثله. ومن قال بالمثل يجيب عن ذلك بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهجير عند الزوال والفيء قليل في ذلك ~~الوقت, فكان منهم من يصلي في الشمس أو بالقرب منها; وكذلك قال خباب: شكونا ~~إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا, ثم قال: "أبردوا بالظهر" فأمرهم أن ~~يصلوها بعدما يفيء الفيء, فهذا هو الإبراد المأمور به عند من قال بالمثل. # وأما ما حكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى ms1478 غروب الشمس, فإنه قول ترده ~~الأخبار المروية في المواقيت; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في اليومين ~~في حديث ابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي موسى وغيرهم في أول ~~الوقت وآخره, ثم قال: "ما بين هذين وقت" , وفي حديث عبد الله بن عمر وأبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر" , ~~وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة: "وآخر وقت الظهر حين يدخل # PageV02P339 # وقت العصر" , فغير جائز لأحد أن يجعل وقت العصر وقتا للظهر مع إخبار ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر. وقد نقل ~~الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأوقات عملا وقولا, كما نقلوا وقت ~~الفجر ووقت العشاء والمغرب, وعقلوا بتوقيفه صلى الله عليه وسلم أن كل صلاة ~~منها مخصوصة بوقت غير وقت الأخرى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي قتادة: "التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى". ولا خلاف ~~أن تارك الظهر لغير عذر حتى يدخل وقت العصر مفرط; فثبت أن للظهر وقتا ~~مخصوصا, وكذلك العصر, وأن وقت كل واحدة منهما غير وقت الأخرى, ولو كان ~~الوقتان جميعا وقتا للصلاتين لجاز أن يصلى العصر في وقت الظهر من غير عذر ~~ولما كان للجمع بعرفة خصوصية; وفي امتناع جواز ذلك لغير عذر عند الجميع ~~دلالة على أن كل واحدة من الصلاتين منفردة بوقتها. # فإن احتجوا بقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ~~[الإسراء: 78] وأن الدلوك هو الزوال, وجعل ذلك كله وقتا للظهر إلى غروب ~~الشمس; لأنه روي في غسق الليل عن جماعة من السلف أنه الغروب. قيل له: ظاهره ~~يقتضي إباحة فعل هذه الصلاة من وقت الزوال إلى غسق الليل, وقد اتفق الجميع ~~على أن ذلك ليس بمراد وأنه غير مخير في فعل الظهر من وقت الزوال إلى الليل, ~~فثبت أن المراد صلاة أخرى يفعلها وهي إما العصر وإما المغرب, والمغرب أشبه ~~بمعنى ms1479 الآية لاتصال وقتها بغسق الليل الذي هو اجتماع الظلمة; فيكون تقدير ~~الآية: أقم الصلاة لزوال الشمس, وأقمها أيضا إلى غسق الليل; وهي صلاة أخرى ~~غير الأولى, فلا دلالة في الآية على أن وقت الظهر إلى غروب الشمس وقد وافق ~~الشافعي مالكا في هذا المعنى أيضا من وجه, وذلك أنه يقول: "من أسلم قبل ~~غروب الشمس لزمته الظهر والعصر جميعا, وكذلك الحائض إذا طهرت والصبي إذا ~~بلغ "; وذهب إلى أنه وإن لم يكن وقت اختيار فهو وقت الضرورة والعذر; لأنه ~~يجوز على أصله الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض ونحوه بأن يؤخر الظهر ~~إلى وقت العصر أو يعجل العصر فيصليها في وقت الظهر معها, فجعل من أجل ذلك ~~الوقت وقتا لهما في حال العذر والضرورة. فإن كان هذا اعتبارا صحيحا فإنه ~~يلزمه أن يقول في المرأة إذا حاضت في أول وقت الظهر أن تلزمها صلاة الظهر ~~والعصر جميعا, كما أنها إذا طهرت في آخر وقت العصر لزمتها صلاة الظهر ~~والعصر جميعا, وقد أدركت هذه التي حاضت في وقت الظهر من الوقت ما يجوز لها ~~فيه الجمع بين الصلاتين للعذر; وهذا لا يقوله أحد, فثبت بذلك أن وقت العصر ~~غير وقت الظهر في سائر الأحوال وأنه لا تلزم أحدا صلاة الظهر بإدراكه وقت ~~العصر دون وقت الظهر. # PageV02P340 # وقت العصر # قال أبو بكر: أما أول وقت العصر فهو على ما ذكرنا من خروج وقت الظهر على ~~اختلافهم فيه, والصحيح من قولهم أنه ليس بين وقت الظهر ووقت العصر واسطة ~~وقت من غيرهما; وما روي عن أبي حنيفة من أن آخر وقت الظهر أن يصير الظل أقل ~~من قامتين وأول وقت العصر إذا صار الظل قامتين, فهو رواية شاذة, وهي أيضا ~~مخالفة للآثار الواردة في أن وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر; وفي بعض ~~ألفاظ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وآخر وقت الظهر حين ~~يدخل وقت العصر" وفي حديث أبي قتادة: "التفريط في الصلاة أن يتركها حتى ~~يدخل وقت ms1480 الأخرى". والصحيح من مذهب أبي حنيفة أحد قولين: إما المثلان وإما ~~المثل, وأن بخروج وقت الظهر يدخل وقت العصر. # واتفق فقهاء الأمصار أن آخر وقت العصر غروب الشمس, ومن الناس من يقول: إن ~~آخر وقتها حين تصفر الشمس, ويحتج فيه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة عند غروب الشمس. قال أبو بكر: والدليل على أن آخر وقتها الغروب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من فاته العصر حتى غابت الشمس فكأنما وتر أهله ~~وماله" , فجعل فواتها بالغروب وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك" , وهذا يدل ~~على أن وقتها إلى الغروب. # فإن احتج محتج بحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "آخر وقت العصر حين تصفر الشمس" , فإن هذا عندنا على كراهة ~~التأخير وبيان الوقت المستحب, كما روي في حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "آخر وقت العشاء الآخرة نصف ~~الليل" ومراده الوقت المستحب; لأنه لا خلاف أن ما بعد نصف الليل إلى طلوع ~~الفجر من وقت العشاء الآخرة, وأن مدركه بالاحتلام أو الإسلام يلزمه فرضها. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولما ~~فاته من وقتها خير له من أهله وماله". فقد يكون وقت يلزم به مدركه الفرض ~~ويكره له تأخيرها إليه ألا ترى أنه يكره الإسفار بصلاة الفجر بمزدلفة ولم ~~تخرجه كراهة التأخير إليه من أن يكون وقتا لها؟ فكذلك الأخبار التي فيها ~~تقدير آخر الوقت باصفرار الشمس واردة على فوات فضيلة الوقت الذي جعلها ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيرا له من أهله وماله. # PageV02P341 # وقت المغرب # أول وقت المغرب من حين تغرب الشمس لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك, وقال # PageV02P341 # الله عز وجل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] وهو يقع على الغروب ~~لما بيناه فيما ms1481 سلف وقال تعالى: {وزلفا من الليل} [هود: 114] وهو ما قرب ~~منه من النهار, وهو أول أوقاته والله أعلم. وقال تعالى: {فسبحان الله حين ~~تمسون} [الروم: 17] قيل فيه إنه وقت المغرب. وفي أخبار المواقيت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس وجابر وأبي سعيد وغيرهم: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى المغرب في اليومين جميعا حين غابت الشمس. وقال سلمة بن ~~الأكوع: كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توارت ~~بالحجاب. # وقد ذهب شواذ من الناس إلى أن أول وقت المغرب حين يطلع النجم, واحتجوا ~~بما روى أبو تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة العصر فقال: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم ~~فضيعوها, فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين, ولا صلاة بعدها حتى يطلع ~~الشاهد; والشاهد النجم". وهذا حديث شاذ لا تعارض به الأخبار المتواترة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أول وقت المغرب أنه حين تغيب الشمس; وقد روى ~~ذلك أيضا عن جماعة من الصحابة منهم عمر وعبد الله وعثمان وأبو هريرة. ~~ويحتمل أن يكون خبر أبي بصرة في ذكر طلوع الشاهد غير مخالف لهذه الأخبار ~~وذلك; لأن النجم قد يرى في بعض الأوقات بعد غروب الشمس قبل اختلاط الظلام, ~~فلما كان الغالب في ذلك أنه لا يكاد يخلو من أن يرى بعض النجوم بعد غروب ~~الشمس جعل ذلك عبارة عن غيبوبة الشمس. وأيضا فلو كان الاعتبار برؤية النجم ~~لوجب أن تصلى قبل الغروب إذا رئي النجم; لأن بعض النجوم قد يرى في بعض ~~الأوقات قبل الغروب, ولا خلاف أنه غير جائز فعلها قبل الغروب مع رؤية ~~الشاهد, فسقط بذلك اعتبار طلوع الشاهد. # وأما آخر وقت المغرب فإن أهل العلم مختلفون فيه, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والحسن بن صالح: "لوقت المغرب أول وآخر ~~كسائر الصلوات". وقال الشافعي: "ليس للمغرب إلا وقت واحد". ثم ms1482 اختلف من قال ~~بأن له أولا وآخرا في آخر وقتها, فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح: ~~"آخر وقتها أن يغيب الشفق". ثم اختلفوا في الشفق, فقال أبو حنيفة: "الشفق ~~البياض". وقال أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى ومالك والثوري والحسن بن صالح ~~والشافعي: "الشفق الحمرة". وقال مالك: "وقت المغرب والعشاء إلى طلوع ~~الفجر". # قال أبو بكر: وقد اختلف السلف أيضا في الشفق ما هو, فقال بعضهم: "هو ~~البياض" وقال بعضهم: "الحمرة". فممن قال إنه الحمرة ابن عباس وابن عمر # PageV02P342 # وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس. حدثنا أبو يعقوب يوسف بن شعيب المؤذن ~~قال: حدثنا أبو عمران موسى بن القاسم العصار والحسين بن الفرج البزاز قالا: ~~حدثنا هشام بن عبيد الله قال: حدثنا هياج عمن ذكر عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس قال: "الشفق الحمرة". قال هشام: وحدثنا أبو سفيان عن العمري عن نافع ~~عن ابن عمر قال: "الشفق الحمرة". قال هشام: وحدثنا أبو سفيان عن العمري عن ~~نافع عن ابن عمر قال: "كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس يصليان العشاء إذا ~~غابت الحمرة ويريانها الشفق". فهؤلاء الذين روي عنهم الحمرة. وممن روي عنه ~~أن الشفق البياض عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعمر بن عبد العزيز; حدثنا ~~يوسف بن شعيب قال: حدثنا موسى بن القاسم والحسين بن الفرج قالا: حدثنا هشام ~~بن عبيد الله قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عنبسة بن سعيد الكلاعي ~~قال: حدثني قتادة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كتب: "إن أول وقت ~~العشاء مغيب الشفق", ومغيبه إذا اجتمع البياض من الأفق فينقطع, فذلك أول ~~وقتها. قال هشام: حدثنا أبو عثمان عن خالد بن يزيد عن إسماعيل بن عبيد الله ~~عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: "الشفق البياض".قال هشام: وحدثنا ~~محمد بن الحسن عمن ذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: "الشفق البياض". # PageV02P343 # فصل # وأما الدلالة على أن لوقت المغرب أولا وآخرا وأنه غير مقدر بفعل ms1483 الصلاة ~~فحسب, قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] , ~~وقد ذكرنا من قال من السلف إنه الغروب واحتمال اللفظ له, فاقتضت الآية أن ~~يكون لوقت المغرب أول وآخر; لأن قوله تعالى: {إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] ~~غاية; وقد روي عن ابن عباس أن غسق الليل اجتماع الظلمة, فثبت بدلالة الآية ~~أن وقت المغرب من حين الغروب إلى اجتماع الظلمة, وفي ذلك ما يقضي ببطلان ~~قول من جعل لها وقتا واحدا مقدرا بفعل الصلاة. وروى الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول وقت المغرب حين تسقط ~~الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق" وفي حديث أبي بكرة عن أبي موسى عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن مواقيت الصلاة, فذكر ~~الحديث وقال فيه: وصلى المغرب في اليوم الأول حين وقعت الشمس وآخرها في ~~اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق, ثم قال: الوقت فيما بين هذين. وفي ~~حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال: صل معنا فأقام المغرب حين غابت ~~الشمس, ثم صلى المغرب في اليوم # PageV02P343 # الثاني قبل أن يغيب الشفق; وكذلك في حديث جابر. فثبت بذلك أن لوقت المغرب ~~أولا وآخرا. # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن ~~كثير قال: حدثنا همام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". وروى عروة بن ~~الزبير عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~صلاة المغرب بأطول الطول1 وهي: المص. وهذا يدل على امتداد الوقت, ولو كان ~~الوقت مقدرا بفعل ثلاث ركعات لكان من قرأ: "المص" قد أخرها عن وقتها. # فإن قيل: روي في حديث ابن عباس وأبي سعيد: أن النبي صلى ms1484 الله عليه وسلم ~~صلى المغرب في اليومين جميعا في وقت واحد بعد غروب الشمس. قيل له: هذا لا ~~يعارض ما ذكرنا; لأنه جائز أن يكون فعله كذلك ليبين الوقت المستحب; وفي ~~الأخبار التي رويناها بيان أول الوقت وآخره, وإخبار منه بأن ما بين هذين ~~وقت, فهو أولى; لأن فيه استعمال الخبرين, ومع ذلك فإن فعله لها في اليومين ~~في وقت واحد لو انفرد عما يعارضه من الأخبار التي ذكرنا لم تكن فيه دلالة ~~على أن لا وقت لها غيره, كما لم يدل فعله للعصر في اليومين قبل اصفرار ~~الشمس على أنه لا وقت لها غيره, وكفعله للعشاء الآخرة في اليومين قبل نصف ~~الليل لم يدل على أن ما بعد نصف الليل ليس بوقت لها. ومن جهة النظر أن سائر ~~الصلوات المفروضات لما كان لأوقاتها أول وآخر ولم تكن أوقاتها مقدرة بفعل ~~الصلاة وجب أن يكون المغرب كذلك; فقول من جعل الوقت مقدرا بفعل الصلاة خارج ~~عن الأصول مخالف للأثر والنظر جميعا. ومما يلزم الشافعي في هذا أنه يجيز ~~الجمع بين المغرب والعشاء في وقت واحد إما لمرض أو سفر كما يجيزه بين الظهر ~~والعصر, فلو كان بينهما وقت ليس منهما لما جاز الجمع بينهما, كما لا يجوز ~~الجمع بين الفجر والظهر إذا كان بينهما وقت ليس منهما. # فإن قيل: ليس علة الجمع تجاور الوقتين; لأنه لا يجمع المغرب إلى العصر مع ~~تجاور الوقتين. قيل له: لم نلزمه أن يجعل تجاور الوقتين علة للجمع, وإنما ~~ألزمناه PageV02P344 # المنع من الجمع إذا لم يكن الوقتان متجاورين; لأن كل صلاتين بينهما وقت ~~ليس منهما لا يجوز الجمع بينهما والله أعلم بالصواب. # PageV02P345 # ذكر القول في الشفق والاحتجاج له # قال أبو بكر: لما اختلف الناس في الشفق, فقال منهم قائلون: "هو الحمرة" ~~وقال آخرون: "البياض". علمنا أن الاسم يتناولهما ويقع عليهما في اللغة لولا ~~ذلك لما تأولوه عليهما; إذ كانوا عالمين بمعاني الأسماء اللغوية والشرعية ~~ألا ترى أنهم لما اختلفوا في معنى القرء فتأوله بعضهم على ms1485 الحيض وبعضهم على ~~الطهر ثبت بذلك أن الاسم يقع عليهما؟ وإنما نحتاج بعد ذلك إلى أن نستدل على ~~المراد منهما بالآية. وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب قال: سئل ثعلب عن الشفق ما ~~هو؟ فقال: البياض; فقال له السائل: الشواهد على الحمرة أكثر, فقال ثعلب: ~~إنما يحتاج إلى الشاهد ما خفي فأما البياض فهو أشهر في اللغة من أن يحتاج ~~إلى الشاهد. # قال أبو بكر: ويقال إن أصل الشفق الرقة, ومنه يقال ثوب شفق, ومنه الشفقة ~~وهي رقة القلب. وإذا كان أصله كذلك فالبياض أخص به; لأنه عبارة عن الأجزاء ~~الرقيقة الباقية من ضياء الشمس, وهو في البياض أرق منه في الحمرة; ويشهد ~~لمن قال بالحمرة قول أبي النجم: # حتى إذا الشمس اجتلاها المجتلي ... بين سماطي شفق مهول1 # فهي على الأفق كعين الأحول # ومعلوم أنه أراد الحمرة; لأنه وصفها عند الغروب. # ومما يحتج به للبياض قوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} [الانشقاق:16] , قال ~~مجاهد: "هو النهار". ويدل عليه قوله: {والليل وما وسق} [الانشقاق:17] فأقسم ~~بالليل والنهار, فهذا يوجب أن يكون الشفق البياض; لأن أول النهار هو طلوع ~~بياض الفجر, وهذا يدل على أن الباقي من البياض بعد غروب الشمس هو الشفق ~~ومما يستدل به على أن المراد البياض قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] , وقد بينا أن الدلوك اسم يقع على الغروب, ثم ~~جعل غسق الليل غايته. وروي عن ابن عباس في غسق الليل: "أنه اجتماع الظلمة" ~~وذلك لا يكون إلا مع غيبوبة البياض لأن البياض ما دام باقيا فالظلمة متفرقة ~~في الأفق فثبت بذلك أن وقت المغرب إلى غيبوبة البياض, فثبت أن المراد ~~البياض. PageV02P345 # فإن قيل: روي عن ابن مسعود وأبي هريرة أن غسق الليل هو غروب الشمس. قيل ~~له: المشهور عن ابن مسعود أن دلوك الشمس هو غروبها, ومحال إذا كان الدلوك ~~عنده الغروب أن يكون غسق الليل غروب الشمس أيضا; لأن الله تعالى قال: {أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] فجعل الدلوك أول الوقت وغسق الليل ms1486 آخره, ~~ويستحيل أن يكون ما جعله ابتداء هو الذي جعله غاية وإذا كان ذلك كذلك ~~فالراوي عن ابن مسعود أن غسق الليل هو غروب الشمس غالط في روايته, ومع ذلك ~~فقد روي عن ابن مسعود رواية مشهورة أن دلوك الشمس غروبها وأن غسق الليل حين ~~يغيب الشفق; وهذه الرواية مستقيمة على ما ثبت عنه من تأويل الآية. وقد روى ~~ليث عن مجاهد عن ابن عباس: "أن دلوك الشمس حين تزول إلى غسق الليل حين تجب ~~الشمس", وهذا غير بعيد على ما ثبت عنه في تأويل الدلوك أنه الزوال; إلا أنه ~~قد روى عنه مالك عن داود بن الحصين قال: أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان ~~يقول: "غسق الليل اجتماع الليل وظلمته", وهذا ينفي أن يكون غسق الليل وقت ~~الغروب, من قبل أن وقت الغروب لا يكون ظلمة مجتمعة. وقد روي عن أبي جعفر في ~~غسق الليل أنه انتصافه, وعن إبراهيم: غسق الليل العشاء الآخرة. # وأولى هذه المعاني بلفظ الآية اجتماع الظلمة وذهاب البياض وذلك; لأنه لو ~~كان غسق الليل هو غروب الشمس لكانت الغاية المذكورة للوقت هي وجود الليل ~~فحسب, فيصير تقدير الآية: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى الليل; وتسقط معه ~~فائدة ذكر الغسق مع الليل. ولما وجب حمل كل لفظ منه على فائدة مجددة وجب أن ~~يكون غسق الليل قد أفاد ما لم يفدناه لو قال: إلى الليل; فتكون الفائدة فيه ~~اجتماع الظلمة دون وجود الليل عاريا من اجتماعها. # ومما يستدل به على أن الشفق هو البياض حديث بشير بن أبي مسعود عن أبيه: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء اليوم الأول حين اسود الأفق وربما ~~أخرها حتى يجتمع الناس, فأخبر عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل ~~أوقاتها, وأخبر عنها في أواخرها, وذكر في أول وقت العشاء الآخرة اسوداد ~~الأفق; ومعلوم أن بقاء البياض يمنع إطلاق الاسم عليه بذلك. فثبت أن أول وقت ~~العشاء الآخرة غيبوبة البياض. ومن يأبى هذا القول يقول: إن ms1487 قوله: "حين اسود ~~الأفق" لا ينفي بقاء البياض; لأنه إنما أخبر عن اسوداد أفق من الآفاق لا عن ~~جميعها, ولو أراد غيبوبة البياض لقال: حين اسودت الآفاق; وليس يمتنع أن ~~يبقى البياض وتكون سائر الآفاق غير موضع البياض مسودة. ويحتج القائلون ~~بالبياض أيضا # PageV02P346 # بحديث الزهري عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي العشاء الآخرة حين يستوي الأفق, وربما أخرها حتى يجتمع الناس; وهذا ~~اللفظ يحتمل من المعنى ما احتمله قوله في الحديث الأول" حين اسود الأفق". # ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما روى ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن ~~عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم عن وقت الصلاة فقال: صل معي. فصلى في اليوم الأول العشاء الآخرة قبل ~~غيبوبة الشفق. قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل غيبوبة الحمرة, فوجب أن يكون ~~أراد البياض; ولا تكون رواية من روى أنه صلاها بعدما غاب الشفق معارضة ~~لحديث جابر هذا, من قبل أن معناه: بعدما غاب الشفق الذي هو الحمرة; إذ كان ~~الاسم يقع عليهما جميعا ليتفق الحديثان ولا يتضادا, ومن يجعل الشفق البياض ~~يجعل خبر جابر منسوخا على نحو ما روي في خبر ابن عباس في المواقيت أنه صلى ~~الظهر في اليوم الثاني وقت العصر بالأمس. ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول وقت المغرب إذا غربت الشمس ~~وآخره غيبوبة الشفق". وفي بعض أخبار عبد الله بن عمر: "إذا غابت الشمس فهو ~~وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق" وفي لفظ آخر: "وقت المغرب ما لم يسقط ثور ~~الشفق"1 قالوا: فالواجب حمله على أولهما وهو الحمرة; ومن يقول بالبياض يجيب ~~عن هذا بأن ظاهر ذلك يقتضي غيبوبة جميعه وهو بالبياض, فيدل ذلك على اعتبار ~~البياض دون الحمرة; لأنه غير جائز أن يقال قد غاب الشفق إلا بعد غيبوبة ~~جميعه, كما لا يقال غابت الشمس ms1488 إلا بعد غيبوبة جميعها دون بعضها. ولمن قال ~~بالحمرة أن يقول: إن البياض والحمرة ليسا شفقا واحدا بل هما شفقان فيتناول ~~الاسم أولهما غيبوبة; كما أن الفجر الأول والثاني هما فجران وليسا فجرا ~~واحدا, فيتناولهما إطلاق الاسم معا كذلك الشفق. ومما يحتج به للقائلين ~~بالبياض, حديث النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~العشاء لسقوط القمر الليلة الثالثة, وظاهر ذلك يقتضي غيبوبة البياض. قال ~~أبو بكر: وهذا لا يعتمد عليه; لأن ذلك يختلف في الصيف والشتاء ولا يمتنع ~~بقاء البياض بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة, وجائز أن يكون قد غاب قبل ~~سقوطه. PageV02P347 # مطلب: فيما ذكره الخليل بن أحمد من تردد الشفق الأبيض في الآفاق وعدم ~~مغيبه # قال أبو بكر: وحكى1 ابن قتيبة عن الخليل بن أحمد قال: راعيت البياض ~~فرأيته لا يغيب ألبتة وإنما يستدير حتى يرجع إلى مطلع الفجر. قال أبو بكر: ~~وهذا غلط; والمحنة بيننا وبينهم; وقد راعيته في البوادي في ليالي الصيف ~~والجو نقي والسماء مصحية فإذا هو يغيب قبل أن يمضي من الليل ربعه بالتقريب, ~~ومن أراد أن يعرف ذلك فليجرب حتى يتبين له غلط هذا القول. # ومما يستدل به على أن المراد بالشفق البياض, أنا وجدنا قبل طلوع الشمس ~~حمرة وبياضا قبلها وكانا جميعا من وقت صلاة واحدة; إذ كانا جميعا من ضياء ~~الشمس دون ظهور جرمها; كذلك يجب أن تكون الحمرة والبياض جميعا بعد غروبها ~~من وقت صلاة واحدة, للعلة التي ذكرناها. PageV02P348 # وقت العشاء الآخرة # وأول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق على اختلافهم فيه إلى أن يذهب ~~نصف الليل في الوقت المختار, وفي رواية أخرى: حتى يذهب ثلث الليل; ويكره ~~تأخيرها إلى بعد نصف الليل, ولا تفوت إلا بطلوع الفجر الثاني. وقال الثوري ~~والحسن بن صالح: "وقت العشاء إذا سقط الشفق إلى ثلث الليل, والنصف أبعده". ~~قال أبو بكر: ويحتمل أن يكونا أرادا الوقت المستحب; لأنه لا خلاف بين ~~الفقهاء أنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر ms1489 وأن من أدرك أو أسلم قبل طلوع الفجر ~~أنه تلزمه العشاء الآخرة, وكذلك المرأة إذا طهرت من الحيض. # قوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون} الآية هو حث ~~على # PageV02P348 # الجهاد وأمر به ونهي عن الضعف عن طلبهم ولقائهم; لأن الابتغاء هو الطلب, ~~يقال: بغيت وابتغيت إذا طلبت, والوهن ضعف القلب والجبن الذي يستشعره ~~الإنسان عند لقاء العدو. واستدعاهم إلى نفي ذلك واستشعار الجرأة والإقدام ~~عليهم بقوله: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون} , فأخبر أنهم يساوونكم فيما ~~يلحق من الألم بالقتال وأنكم تفضلونهم فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون, ~~فأنتم أولى بالإقدام والصبر على ألم الجراح منهم; إذ ليس لهم هذا الرجاء ~~وهذه الفضيلة. # قوله تعالى: {وترجون من الله ما لا يرجون} قيل: فيه وجهان: أحدهما: ما ~~وعدكم الله من النصر إذا نصرتم دينه, والآخر ثواب الآخرة ونعيم الجنة; ~~فدواعي المسلمين على التصبر على القتال واحتمال ألم الجراح أكثر من دواعي ~~الكفار. وقيل فيه: {وترجون من الله ما لا يرجون} : تؤملون من ثواب الله ما ~~لا يؤملون, روي ذلك عن الحسن وقتادة وابن جريج. وقال آخرون: وتخافون من ~~الله ما لا يخافون, كما قال تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح:13] ~~يعني لا تخافون لله عظمة. وبعض أهل اللغة يقول: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف ~~إلا مع النفي وذلك حكم لا يقبل إلا بدلالة. # قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} الآية. فيه إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما عرفه الله من ~~الأحكام والتعبد. # PageV02P349 # مطلب: في قصة اليهودي الذي اتهم بسرقة الدرع # قوله تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيما} روي أنه نزل في رجل سرق درعا, فلما ~~خاف أن تظهر عليه رمى بها في دار يهودي, فلما وجدت الدرع أنكر اليهودي أن ~~يكون أخذها, وذكر السارق أن اليهودي أخذها, فأعان قوم من المسلمين هذا ~~الآخذ على اليهودي, فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قولهم, فأطلعه ~~الله على الآخذ ms1490 وبرأ اليهودي منه ونهاه عن مخاصمة اليهودي وأمره بالاستغفار ~~مما كان منه من معاونته الذين كانوا يتكلمون عن السارق. وهذا يدل على أنه ~~غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة ~~أمره; لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره بالاستغفار منه. وهذه ~~الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة عن الخونة إلى آخر ما ذكر كله تأكيد ~~للنهي عن معونة من لا يعلمه محقا. وقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} ربما احتج به من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا ~~من طريق الاجتهاد, وإن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص, وإنه ~~كقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3, 4] وليس ~~في الآيتين دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول # PageV02P349 # شيئا من طريق الاجتهاد وذلك; لأنا نقول: إن ما صدر عن اجتهاد فهو مما ~~أراه الله وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله, فليس في الآية دلالة على ~~نفي الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام. وقد قيل في قوله ~~تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيما} : إنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم دفع عنهم, وجائز أن يكون هم بالدفع عنهم ميلا منه إلى المسلمين دون ~~اليهودي; إذ لم يكن عنده أنهم غير محقين; وإذا كان ظاهر الحال وجود الدرع ~~عند اليهودي فكان اليهودي أولى بالتهمة والمسلم أولى ببراءة الساحة, فأمره ~~الله تعالى بترك الميل إلى أحد الخصمين والدفع عنه وإن كان مسلما والآخر ~~يهوديا, فصار ذلك أصلا في أن الحاكم لا يكون له ميل إلى أحد الخصمين على ~~الآخر وإن كان أحدهما ذا حرمة له والآخر على خلافه. وهذا يدل أيضا على أن ~~وجود السرقة في يد إنسان لا يوجب الحكم عليه بها; لأن الله تعالى نهاه عن ~~الحكم على اليهودي بوجود السرقة عنده; إذ كان جاحدا أن يكون هو ms1491 الآخذ. وليس ~~ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه, ثم أخذه ~~بالصاع واحتبسه عنده; لأنه إنما حكم عليهم بما كان عندهم أنه جائز, وكانوا ~~يسترقون السارق, فاحتبسه عنده; وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولم يسترقه, ولا ~~قال إنه سرق, وإنما قال ذلك رجل غيره ظنه سارقا. وقد نهى الله عن الحكم ~~بالظن والهوى بقوله: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: ~~12] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث". ~~وقوله: {ولا تكن للخائنين خصيما} , وقوله: {ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم} جائز أن يكون صادف ميلا من النبي صلى الله عليه وسلم على اليهودي ~~بوجود الدرع المسروقة في داره, وجائز أن يكون هم بذلك, فأعلمه الله براءة ~~ساحة اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق. ~~وقد كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه, فجائز أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم أظهر معاونته لما ظهر من هذه الطائفة من ~~الشهادة ببراءته وأنه ليس ممن يتهم بمثله, فأعلمه الله باطن أمورهم بقوله: ~~{ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك} بمسألتهم معونة هذا ~~الخائن. وقد قيل إن هذه الطائفة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن ~~وسرقته, ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع ~~في داره. # فإن قيل: كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه, ~~وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن؟ قيل له: لا يكون الحكم بظاهر ~~الحال ضلالا وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم, فإنما اجتهدوا أن ~~يضلوه عن هذا المعنى. # PageV02P350 # قوله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما} فإنه قد قيل في الفرق بين الخطيئة ~~والإثم1: إن الخطيئة قد ms1492 تكون من غير تعمد, والإثم ما كان عن عمد; فذكرهما ~~جميعا ليبين حكمهما, وأنه سواء كان عن تعمد أو غير تعمد فإنه إذا رمى به ~~بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا, إذ غير جائز له رمي غيره بما لا يعلمه ~~منه. # قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة} الآية. قال أهل ~~اللغة: النجوى هو الإسرار; فأبان تعالى أنه لا خير في كثير مما يتسارون به ~~إلا أن يكون ذلك أمرا بصدقة أو أمرا بمعروف أو إصلاح بين الناس, وكل أعمال ~~البر معروف لاعتراف العقول بها; لأن العقول تعترف بالحق من جهة إقرارها به ~~والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه. ومن جهة أخرى سمى ~~أعمال البر معروفا, وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير لملابستهم إياه ~~وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير; لأنهم لا يلابسونه ولا ~~يعلمون به, فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا. حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا عبد ~~السلام أبو الخليل عن عبيدة الهجيمي قال: قال أبو جري2 جابر بن سليم: ركبت ~~قعودي, ثم انطلقت إلى مكة فأنخت قعودي بباب المسجد, فإذا النبي صلى الله ~~عليه وسلم جالس عليه بردان من صوف فيهما طرائق حمر, فقلت: السلام عليك يا ~~رسول الله فقال: وعليك السلام قلت: إنا معشر أهل البادية فينا الجفاء ~~فعلمني كلمات ينفعني الله بها فقال: ادن ثلاثا فدنوت فقال: أعد علي فأعدت ~~عليه, فقال: "اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه ~~منبسط وأن تفرغ من فضل دلوك في إناء المستسقي, وإن امرؤ سبك بما يعلم منك3 ~~فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا, ولا تسبن شيئا ~~مما خولك الله" قال أبو جري: والذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا ~~بعيرا. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن محمد ms1493 بن مسلم الدقاق ~~قال: حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا سعيد بن مسلمة عن جعفر عن أبيه عن ~~جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنع المعروف إلى من هو أهله ~~وإلى من ليس أهله, فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت ~~PageV02P351 # أهله". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ~~الحماني والحسين بن إسحاق قالا: حدثنا شيبان قال: حدثنا عيسى بن شعيب قال: ~~حدثنا حفص بن سليمان عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ل معروف صدقة وأول أهل الجنة دخولا أهل ~~المعروف, صنائع المعروف تقي مصارع السوء" وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا ~~معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد الأعرابي قالا: حدثنا محمد بن كثير قال: ~~حدثنا سفيان الثوري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري يعني عبد الله عن أبيه عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نكم لا تسعون الناس بأموالكم ~~ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". # PageV02P352 # مطلب: وأما الصدقة على الوجوه # وأما الصدقة فعلى وجوه: منها: الصدقة بالمال على الفقراء فرضا تارة ونفلا ~~أخرى ومنها: معونة المسلم بالجاه والقول, كما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "كل معروف صدقة" وقال صلى الله عليه وسلم: "على كل سلامى من ~~ابن آدم صدقة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ~~ضمضم؟ " قالوا: ومن أبو ضمضم؟ قال "رجل ممن كان قبلكم كان إذا خرج من بيته ~~قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من شتمه, فجعل احتماله أذى الناس صدقة ~~بعرضه عليهم". # قوله عز وجل: {أو إصلاح بين الناس} هو نظير قوله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [لحجرات: 9] وقوله: {فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [لحجرات: 9] وقال: {فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [النساء: 128] وقال تعالى: {إن ~~يريدا ms1494 إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: 35] . حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ " ~~قالوا: بلى يا رسول الله قال "إصلاح ذات البين, وفساد ذات البين الحالقة" ~~1. وإنما قيد الكلام بشرط فعله ابتغاء مرضاة الله لئلا يتوهم أن من فعله ~~للترؤس على الناس والتأمر عليهم يدخل في هذا الوعد. # قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} الآية. فإن ~~مشاقة PageV02P352 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مباينته ومعاداته بأن يصير في شق غير الشق ~~الذي هو فيه, وكذلك قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله} [المجادلة: ~~5] هو أن يصير في حد غير حد الرسول, وهو يعني مباينته في الاعتقاد ~~والديانة. وقال: {من بعد ما تبين له الهدى} تغليظا في الزجر عنه وتقبيحا ~~لحاله وتبيينا للوعيد فيه; إذ كان معاندا بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة ~~على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى ~~مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد, فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه ~~الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم. # وقوله: {نوله ما تولى} إخبار عن براءة الله منه وأنه يكله إلى ما تولى من ~~الأوثان واعتضد به, ولا يتولى الله نصره ومعونته. # قوله تعالى: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} التبتيك التقطيع, يقال: ~~بتكه يبتكه تبتيكا, والمراد به في هذا الموضع شق أذن البحيرة; روي ذلك عن ~~قتادة وعكرمة والسدي. # وقوله: {ولأمنينهم} يعني والله أعلم: أنه يمنيهم طول البقاء في الدنيا ~~ونيل نعيمها ولذاتها ليركنوا إلى ذلك ويحرصوا عليه ويؤثروا الدنيا على ~~الآخرة, ويأمرهم أن يشقوا آذان الأنعام ويحرموا على أنفسهم وعلى الناس بذلك ~~أكلها, وهي البحيرة التي كانت العرب تحرم أكلها. # وقوله: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} فإنه روي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: عن ~~ابن عباس ms1495 رواية إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك والسدي: دين الله بتحريم ~~الحلال وتحليل الحرام. ويشهد له قوله تعالى: {لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم} [الروم: 30] . والثاني: ما روي عن أنس وابن عباس رواية شهر بن حوشب ~~وعكرمة وأبي صالح: "أنه الخصاء". والثالث: ما روي عن عبد الله والحسن: "أنه ~~الوشم". وروى قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة, وعن طاوس ~~وعروة مثله وروي عن ابن عمر أنه نهى عن الإخصاء, وقال: "ما أنهى إلا في ~~الذكور". وقال ابن عباس: "إخصاء البهيمة مثلة" ثم قرأ: {ولآمرنهم فليغيرن ~~خلق الله} . وروى عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الجمل. # قوله تعالى: {واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} هو نظير ~~قوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] , وهذا ~~يوجب أن كل ما ثبت من ملة إبراهيم عليه السلام فعلينا اتباعه. # فإن قيل: فواجب أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي شريعة إبراهيم ~~عليه السلام. قيل # PageV02P353 # له: إن ملة إبراهيم داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ملة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم زيادة على ملة إبراهيم; فوجب من أجل ذلك اتباع ملة ~~إبراهيم, إذ كانت داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم. فكان متبع ملة ~~النبي صلى الله عليه وسلم متبعا لملة إبراهيم. # وقيل في الحنيف: إنه المستقيم, فمن سلك طريق الاستقامة فهو على الحنيفية. ~~وإنما قيل للمعوج الرجل" أحنف" تفاؤلا, كما قيل للمهلكة مفازة وللديغ ~~سليما. # وقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} فإنه قد قيل فيه وجهان: أحدهما: ~~الاصطفاء بالمحبة والاختصاص بالأسرار دون من ليس له تلك المنزلة. والثاني: ~~أنه من الخلة, وهي الحاجة, فخليل الله المحتاج إليه المنقطع إليه بحوائجه; ~~فإذا أريد به الوجه الأول جاز أن يقال إن إبراهيم خليل الله والله تعالى ~~خليل إبراهيم, وإذا أريد به الوجه الثاني لم يجز أن يوصف الله بأنه خليل ms1496 ~~إبراهيم وجاز أن يوصف إبراهيم بأنه خليل الله. # وقوله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} قال أبو بكر: ~~روي أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا ~~يقسط لها في صداقها, فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق. # وقوله تعالى: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء} يعني به ما ~~ذكره في أول السورة من قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقد بيناه في موضعه, والله الموفق. # PageV02P354 # باب مصالحة المرأة وزوجها # قال الله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} . قيل في معنى النشوز إنه الترفع عليها لبغضه ~~إياها, مأخوذ من نشز الأرض وهي المرتفعة. وقوله: {أو إعراضا} يعني لموجدة ~~أو أثرة, فأباح الله لهما الصلح, فروي عن علي وابن عباس أنه أجاز لهما أن ~~يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها بأن تجعله لغيرها. وقال عمر: "ما ~~اصطلحا عليه من شيء فهو جائز". وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خشيت ~~سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني ~~وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت هذه الآية: {وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا} الآية; فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز" وقال هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد طلاقها ~~ويتزوج غيرها فتقول: أمسكني ولا تطلقني, ثم تزوج وأنت في حل من النفقة ~~والقسمة لي, فذلك قوله تعالى: {فلا جناح عليهما} إلى قوله تعالى: {والصلح # PageV02P354 # خير} . وعن عائشة من طرق كثيرة: أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقسم به لها. # قال أبو بكر: فهذه الآية دالة على وجوب القسم بين النساء إذا كان تحته ~~جماعة, وعلى وجوب الكون عندها إذا لم تكن عنده إلا واحدة وقضى كعب بن ms1497 سور ~~بأن لها يوما من أربعة أيام بحضرة عمر, فاستحسنه عمر وولاه قضاء البصرة. ~~وأباح الله أن تترك حقها من القسم وأن تجعله لغيرها من نسائه, وعموم الآية ~~يقتضي جواز اصطلاحهما على ترك المهر والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق ~~الزوجية, إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ما وجب من النفقة للماضي, فأما ~~المستقبل فلا تصح البراءة منه; وكذلك لو أبرأت من الوطء لم يصح إبراؤها ~~وكان لها المطالبة بحقها منه; وإنما يجوز بطيب نفسها بترك المطالبة بالنفقة ~~وبالكون عندها, فأما أن تسقط ذلك في المستقبل بالبراءة منه فلا. ولا يجوز ~~أيضا أن يعطيها عوضا على ترك حقها من القسم أو الوطء; لأن ذلك أكل مال ~~بالباطل, أو ذلك حق لا يجوز أخذ العوض عنه; لأنه لا يسقط مع وجود السبب ~~الموجب له وهو عقد النكاح, وهو مثل أن تبرئ الرجل من تسليم العبد المهر فلا ~~يصح لوجود ما يوجبه وهو العقد. فإن قيل فقد أجاز أصحابنا أن يخلعها على ~~نفقة عدتها فقد أجازوا البراءة من نفقة لم تجب بعد مع وجود السبب الموجب ~~لها وهي العدة. # قيل له: لم يجيزوا البراءة من النفقة, ولا فرق بين المختلعة والزوجة في ~~امتناع وقوع البراءة من نفقة لم تجب بعد; ولكنه إذا خالعها على نفقة العدة ~~فإنما جعل الجعل مقدار نفقة العدة, والجعل في الخلع يجوز فيه هذا القدر من ~~الجهالة, فصار ذلك في ضمانها بعقد الخلع, ثم ما يجب لها بعد من نفقة العدة ~~في المستقبل يصير قصاصا بماله عليها وقد دلت الآية على جواز اصطلاحهما من ~~المهر على ترك جميعه أو بعضه أو على الزيادة عليه; لأن الآية لم تفرق بين ~~شيء من ذلك وأجازت الصلح في سائر الوجوه. # وقوله تعالى: {والصلح خير} قال بعض أهل العلم: "يعني خير من الإعراض ~~والنشوز "; وقال آخرون: "من الفرقة". وجائز أن يكون عموما في جواز الصلح في ~~سائر الأشياء إلا ما خصه الدليل, ويدل على جواز الصلح عن إنكار والصلح من ~~المجهول. ms1498 # وقوله تعالى: {وأحضرت الأنفس الشح} . قال ابن عباس وسعيد بن جبير: "الشح ~~على أنصبائهن من أزواجهن وأموالهن"; وقال الحسن: "تشح نفس كل واحد من الرجل ~~والمرأة بحقه قبل صاحبه". والشح البخل, وهو الحرص على منع الخير. # PageV02P355 # قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} الآية; روي ~~عن أبي عبيدة قال: "يعني المودة وميل الطباع" وكذلك روي عن ابن عباس والحسن ~~وقتادة. # وقوله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل} يعني والله أعلم إظهاره بالفعل حتى ~~ينصرف عنها إلى غيرها, يدل عليه قوله: {فتذروها كالمعلقة} , قال ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة: "لا أيم ولا ذات زوج". وقد روى قتادة ~~عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم ~~القيامة وأحد شقيه ساقط" ; وهذا الخبر يدل أيضا على وجوب القسم بينهما ~~بالعدل وأنه إذا لم يعدل فالفرقة أولى, لقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] , فقال تعالى بعد ذكره ما يجب لها من العدل في ~~القسم وترك إظهار الميل عنها إلى غيرها: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} ~~تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا ~~قصدا الفرقة, تخوفا من ترك حقوق الله التي أوجبها; وأخبر أن رزق العباد ~~كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق ~~للحمد عليه; وبالله التوفيق. # PageV02P356 # باب ما يجب على الحاكم من العدل بين الخصوم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم} الآية; روى قابوس عن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} قال: "هو الرجلان ~~يجلسان إلى القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه عن الآخر". وحدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران الدينوري ms1499 قال: حدثنا أحمد بن ~~يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا عباد بن كثير بن أبي عبد الله عن عطاء بن ~~يسار عن أم سلمة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي بالقضاء ~~بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد ~~الخصمين ما لم يرفع على الآخر". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} قد أفاد الأمر بالقيام ~~بالحق والعدل, وذلك موجب على كل أحد إنصاف الناس من نفسه فيما يلزمه لهم ~~وإنصاف المظلوم من ظالمه ومنع الظالم من ظلمه; لأن جميع ذلك من القيام ~~بالقسط, ثم أكد ذلك بقوله: {شهداء لله} يعني والله أعلم: فيما إذا كان ~~الوصول إلى القسط من طريق الشهادة; فتضمن ذلك الأمر بإقامة الشهادة على ~~الظالم المانع من الحق للمظلوم صاحب # PageV02P356 # الحق لاستخراج حقه منه وإيصاله إليه, وهو مثل قوله تعالى: {ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] , وتضمن أيضا الأمر ~~بالاعتراف والإقرار لصاحب الحق بحقه, بقوله تعالى: {ولو على أنفسكم} لأن ~~شهادته على نفسه هو إقراره بما عليه لخصمه, فدل ذلك على جواز إقرار المقر ~~على نفسه لغيره وأنه واجب عليه أن يقر إذا طالبه صاحب الحق. # وقوله تعالى: {أو الوالدين والأقربين} فيه أمر بإقامة الشهادة على ~~الوالدين والأقربين ودل على جواز شهادة الإنسان على والديه وعلى سائر ~~أقربائه; لأنهم والأجنبيين في هذا الموضع بمنزلة, وإن كان الوالدان إذا شهد ~~عليهما أولادهما ربما أوجب ذلك حبسهما, وأن ذلك ليس بعقوق ولا يجب أن يمتنع ~~من الشهادة عليهما لكراهتهما لذلك; لأن ذلك منع لهما من الظلم وهو نصرة ~~لهما كما قال صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فقيل: يا ~~رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: ترده عن الظلم فذلك نصر ~~منك إياه", وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق". وهذا يدل على أنه إنما تجب عليه طاعة الأبوين فيما يحل ويجوز, ~~وأنه لا ms1500 يجوز له أن يطيعهما في معصية الله تعالى; لأن الله قد أمره بإقامة ~~الشهادة عليهما مع كراهتهما لذلك. # وقوله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} أمر لنا بأن لا ~~ننظر إلى فقر المشهود عليه بذلك إشفاقا منا عليه, فإن الله أولى بحسن النظر ~~لكل أحد من الأغنياء والفقراء وأعلم بمصالح الجميع, فعليكم إقامة الشهادة ~~عليهم بما عندكم. # وقوله تعالى: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} يعني لا تتركوا العدل اتباعا ~~للهوى والميل إلى الأقرباء, وهو نظير قوله تعالى: {إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: 26] وفي ذلك دليل على أن ~~على الشاهد إقامة الشهادة على الذي عليه الحق وإن كان عالما بفقره, وأنه لا ~~يجوز له الامتناع من إقامتها خوفا من أن يحبسه القاضي لفقد علمه بعدمه. # وقوله تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا} فإنه يحتمل ما روي عن ابن عباس: "أنه ~~في القاضي يتقدم إليه الخصمان فيكون ليه وإعراضه على أحدهما". واللي هو ~~الدفع ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" , يعني ~~مطله ودفع الطالب عن حقه. فإذا أريد به القاضي كان معناه دفعه الخصم عما ~~يجب له من العدل والتسوية ويحتمل أن يريد به الشاهد في أنه مأمور بإقامة ~~الشهادة وأن لا يدفع صاحب الحق عنها ويمطله بها ويعرض عنه إذا طالبه ~~بإقامتها, وليس يمتنع أن يكون أمرا للحاكم والشاهد جميعا # PageV02P357 # لاحتمال اللفظ لهما, فيفيد ذلك الأمر بالتسوية بين الخصوم في المجلس ~~والنظر والكلام وترك إسرار أحدهما والخلوة به, كما روي عن علي كرم الله ~~وجهه قال: {نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضيف أحد الخصمين دون ~~الآخر} . # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} قيل فيه: يا أيها ~~الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء آمنوا بالله وبمحمد وما أتى به من ~~عند الله; لأنهم من حيث آمنوا بالمتقدمين من الأنبياء لما كان معهم من ~~الآيات فقد ألزمهم الإيمان بمحمد صلى الله ms1501 عليه وسلم لهذه العلة بعينها. ~~ومن جهة أخرى أن في كتب الأنبياء المتقدمين البشارة بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فمن حيث آمنوا بهم وصدقوا بما أخبروا به عن الله تعالى, وقد أخبروهم ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعليهم الإيمان به وهم محجوجون بذلك. وقيل: ~~إنه خطاب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر لهم بالمداومة على ~~الإيمان والثبات عليه; والله أعلم. # PageV02P358 # باب استتابة المرتد # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا} قال قتادة: "يعني به أهل الكتابين من اليهود والنصارى; آمن اليهود ~~بالتوراة, ثم كفروا بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا ~~بمخالفته, وآمن النصارى بالإنجيل, ثم كفروا بمخالفته وكذلك آمنوا بعيسى ~~عليه السلام ثم كفروا بمخالفته, ثم ازدادوا كفرا بمخالفة الفرقان ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال مجاهد: "هي في المنافقين: آمنوا ثم ارتدوا, ثم آمنوا ~~ثم ارتدوا, ثم ماتوا على كفرهم". وقال آخرون هم طائفة من أهل الكتاب قصدت ~~تشكيك أهل الإسلام, وكانوا يظهرون الإيمان به والكفر به, وقد بين الله ~~أمرهم في قوله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران:72] . # PageV02P358 # مطلب: في الخلاف في قبول نوبة الزنديق # قال أبو بكر: هذا يدل على أن المرتد الذي تاب تقبل توبته وأن توبة المرتد ~~مقبولة; إذ لم تفرق بين الزنديق وغيره من الكفار وقبول توبته بعد الكفر مرة ~~بعد أخرى والحكم بإيمانه متى أظهر الإيمان. واختلف الفقهاء في استتابة ~~المرتد والزنديق, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "في الأصل لا يقتل ~~المرتد حتى يستتاب, ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه". وذكر بشر ~~بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يظهر الإسلام قال أبو حنيفة: ~~"أستتيبه كالمرتد, فإن أسلم خليت سبيله وإن أبى قتلته", وقال أبو يوسف كذلك ~~زمانا, فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: "أرى # PageV02P358 # إذا أتيت بزنديق آمر بضرب عنقه ms1502 ولا أستتيبه, فإن تاب قبل أن أقتله ~~خليته". وذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف قال: "إذا زعم الزنديق ~~أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته". وذكر محمد في السير عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة: "أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه, إلا أن يطلب ~~أن يؤجل فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام" ولم يحك خلافا. قال أبو جعفر الطحاوي: ~~وحدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه أدخلها في ~~أماليه عليهم قال: قال أبو حنيفة: "اقتل الزنديق سرا فإن توبته لا تعرف", ~~ولم يحك أبو يوسف خلافه. وقال أبو القاسم عن مالك: "المرتد يعرض عليه ~~الإسلام ثلاثا فإن أسلم وإلا قتل, وإن ارتد سرا قتل ولم يستتب كما يقتل ~~الزنادقة, وإنما يستتاب من أظهر دينه الذي ارتد إليه" قال مالك: "يقتل ~~الزنادقة ولا يستتابون, والقدرية1 يستتابون" فقيل لمالك: فكيف يستتاب ~~القدرية؟ قال: "يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه فإن فعلوا وإلا قتلوا وإن أقر ~~القدرية بالعلم لم يقتلوا". وروى مالك عن زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "من غير دينه فاضربوا عنقه" ; قال مالك: هذا فيمن ترك ~~الإسلام ولم يقر به, لا فيمن خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا من ~~النصرانية إلى اليهودية; قال مالك: وإذا رجع المرتد إلى الإسلام فلا ضرب ~~عليه, وحسن أن يترك المرتد ثلاثة أيام ويعجبني. وقال الحسن بن صالح: ~~"يستتاب المرتد وإن تاب مائة مرة". وقال الليث: "الناس لا يستتيبون من ولد ~~في الإسلام إذا شهد عليه بالردة, ولكنه يقتل تاب من ذلك أو لم يتب إذا قامت ~~البينة العادلة". وقال الشافعي: "يستتاب المرتد ظاهرا والزنديق, وإن لم يتب ~~قتل". # وفي الاستتابة ثلاثا قولان: أحدهما: حديث عمر, والآخر أنه لا يؤخر; لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأناة; وهذا ظاهر الخبر. قال أبو ~~بكر: روى سفيان عن جابر عن الشعبي قال: "يستتاب المرتد ثلاثا" ثم قرأ: ms1503 {إن ~~الذين آمنوا ثم كفروا} الآية; وروي عن عمر أنه أمر باستتابته ثلاثا. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" ولم يذكر ~~فيه استتابته; إلا أنه يجوز أن يكون محمولا على أنه قد استحق القتل, وذلك ~~لا يمنع دعاءه إلى الإسلام والتوبة لقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة} [النحل125] الآية, وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى ~~الله على بصيرة PageV02P359 # أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] , فأمر بالدعاء إلى دين الله تعالى ولم يفرق ~~بين المرتد وبين غيره, فظاهره يقتضي دعاء المرتد إلى الإسلام كدعاء سائر ~~الكفار, ودعاؤه إلى الإسلام هو الاستتابة; وقال تعالى: {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] , وقد تضمن ذلك الدعاء إلى ~~الإيمان; ويحتج بذلك أيضا في استتابة الزنديق لاقتضاء عموم اللفظ له, وكذلك ~~قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} لم يفرق فيه بين ~~الزنديق وغيره, فظاهره يقتضي قبول إسلامه. # فإن قيل: قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38] لا دلالة فيه على زوال القتل عنه; لأنا نقول هو مغفور له ~~ذنوبه ويجب مع ذلك قتله كما يقتل الزاني المحصن وإن كان تائبا ويقتل قاتل ~~النفس مع التوبة. قيل له: قوله تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38] يقتضي غفران ذنوبه وقبول توبته; لأن توبته لو لم تكن مقبولة ~~لما كانت ذنوبه مغفورة, وفي ذلك دليل على صحة استتابته وقبولها منه في ~~أحكام الدنيا والآخرة. وأيضا فإن قتل الكافر إنما هو مستحق بإقامته على ~~الكفر, فإذا انتقل عنه إلى الإيمان فقد زال المعنى الذي من أجله وجب قتله ~~وعاد إلى حظر دمه ألا ترى أن المرتد ظاهرا متى أظهر الإسلام حقن دمه؟ كذلك ~~الزنديق. وقد روي عن ابن عباس في المرتد الذي لحق بمكة وكتب إلى قومه: سلوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فأنزل الله: {كيف يهدي ms1504 الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا} [آل عمران: 89] فكتبوا بها إليه, فرجع فأسلم; فحكم له بالتوبة بما ~~ظهر من قوله, فوجب استعمال ذلك والحكم له بما يظهر منه دون ما في قلبه. ~~وقوله من قال: إني لا أعرف توبته إذا كفر سرا, فإنا لا نؤاخذ باعتبار حقيقة ~~اعتقاده; لأن ذلك لا نصل إليه, وقد حظر الله علينا الحكم بالظن بقوله ~~تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] , وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث" , وقال تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] , وقال: {إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} [الممتحنة: 10] ومعلوم أنه لم يرد ~~حقيقة العلم بضمائرهن واعتقادهن, وإنما أراد ما ظهر من إيمانهن بالقول وجعل ~~ذلك علما, فدل على أنه لا اعتبار بالضمير في أحكام الدنيا وإنما الاعتبار ~~بما يظهر من القول, وقال تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا} [النساء: 94] وذلك عموم في جميع الكفار; وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله, فقال: إنما ~~قالها متعوذا, قال: "هلا شققت عن قلبه". وروى الثوري عن أبي إسحاق # PageV02P360 # عن حارثة بن مضرب, أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحد من العرب ~~إحنة, وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة; فأرسل إليهم عبد ~~الله, فجاء بهم واستتابهم, غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" فأنت اليوم لست برسول, ~~أين ما كنت تظهر من الإسلام؟ قال: كنت أتقيكم به; فأمر به قرظة بن كعب فضرب ~~عنقه بالسوق, ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق. فهذا ~~مما يحتج به من لم يقبل توبة الزنديق, وذلك لأنه استتاب القوم وقد كانوا ~~مظهرين لكفرهم, وأما ابن النواحة فلم يستتبه; لأنه أقر أنه كان ms1505 مسرا للكفر ~~مظهرا للإيمان على وجه التقية; وقد كان قتله إياه بحضرة الصحابة; لأن في ~~الحديث أنه شاور الصحابة فيهم. وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: ~~أخذ بالكوفة رجال يؤمنون بمسيلمة الكذاب, فكتب فيهم إلى عثمان, فكتب عثمان: ~~"اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن قالها وتبرأ من دين مسيلمة فلا تقتلوه, ومن لزم دين ~~مسيلمة فاقتله" فقبلها رجال منهم ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا. # قوله تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين} قيل في معنى قوله {أولياء من دون المؤمنين} أنهم ~~اتخذوهم أنصارا وأعضادا لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة بعداوتهم للمسلمين ~~بالمخالفة جهلا منهم بدين الله; وهذا من صفة المنافقين المذكورين في الآية, ~~وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار على غيرهم من ~~الكفار; إذ كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب; وبذلك قال أصحابنا. ~~وقوله: {أيبتغون عندهم العزة} يدل على صحة هذا الاعتبار, وأن الاستعانة ~~بالكفار لا تجوز, إذ كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار, وكان حكم ~~الكفر هو الغالب. # فإن قيل: إذا كانت الآية في شأن المنافقين, وهم كفار فكيف يجوز الاستدلال ~~به على المؤمنين؟ قيل له: لأنه قد ثبت أن هذا الفعل محظور فلا يختلف حكمه ~~بعد ذلك أن يكون من المؤمنين أو من غيرهم; لأن الله تعالى متى ذم قوما على ~~فعل فذلك الفعل قبيح لا يجوز لأحد من الناس فعله إلا أن تقوم الدلالة عليه. ~~وقيل إن أصل العزة هو الشدة, ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة" عزاز" وقيل: ~~قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه, ومنه قول القائل" عز علي كذا" ~~إذا اشتد عليه, وعز الشيء إذا قل; لأنه يشتد مطلبه; وعازه في الأمر إذا ~~شاده فيه, وشاة عزوز إذا كانت تحلب بشدة لضيق أحاليلها, والعزة القوة ~~منقولة عن الشدة, والعزيز القوي المنيع; فتضمنت الآية النهي عن ms1506 اتخاذ # PageV02P361 # الكفار أولياء وأنصارا والاعتزاز بهم والالتجاء إليهم للتعزز بهم. وقد ~~حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الدوري قال: ~~حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي عن ~~الحسن بن الحر عن يعقوب بن عتبة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من اعتز بالعبيد أذله الله تعالى"; ~~وهذا محمول على معنى الآية فيمن اعتز بالكفار والفساق ونحوهم, فأما أن يعتز ~~بالمؤمنين فذلك غير مذموم, قال الله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ~~[المنافقون: 8] . # وقوله تعالى: {أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} تأكيد للنهي عن ~~الاعتزاز بالكفار وإخبار بأن العزة لله دونهم وذلك منصرف على وجوه: أحدها ~~امتناع إطلاق العزة إلا لله عز وجل; لأنه لا يعتد بعزة أحد مع عزته لصغرها ~~واحتقارها في صفة عزته. والآخر: أنه المقوي لمن له القوة من جميع خلقه, ~~فجميع العزة له; إذ كان عزيزا لنفسه معزا لكل من نسب إليه شيء من العزة. ~~والآخر: أن الكفار أذلاء في حكم الله فانتفت عنهم صفة العزة وكانت لله ولمن ~~جعلها له في الحكم وهم المؤمنون, فالكفار وإن حصل لهم ضرب من القوة والمنعة ~~فغير مستحقين لإطلاق اسم العزة لهم. # قوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها} فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله, فقال ~~تعالى: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} و" حتى" ههنا تحتمل ~~معنيين: أحدهما: أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار ~~الكفر والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم, والثاني: أنهم كانوا ~~إذا رأوا هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله, فقال: لا تقعدوا معهم ~~لئلا يظهروا ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم; والأول أظهر. وروي ~~عن الحسن أن ما اقتضته الآية من إباحة المجالسة إذا خاضوا في حديث غيره ~~منسوخ بقوله: {فلا تقعد بعد ms1507 الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68] قيل: ~~إنه يعني مشركي العرب, وقيل: أراد به المنافقين الذين ذكروا في هذه الآية, ~~وقيل: بل هي عامة في سائر الظالمين. # وقوله: {إنكم إذا مثلهم} قد قيل فيه وجهان: أحدهما: في العصيان وإن لم ~~تبلغ معصيتهم منزلة الكفر, والثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر ~~أمركم, والرضا بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر, ولكن من قعد معهم ~~ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر, وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم. وفي ~~هذه الآية دلالة على # PageV02P362 # وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه ~~إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها. # PageV02P363 # مطلب: ينبغي التباعد عن المنكر إذا لم يكن في ذلك ترك حق عليه # فإن قيل: فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير بحيث لا ~~يراه ولا يسمعه؟ قيل له: قد قيل في هذا أنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا لم ~~يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه, من نحو ترك الصلاة في الجماعة ~~لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي, وترك حضور الجنازة لما معه من ~~النواح, وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب; فإذا لم يكن هناك شيء ~~من ذلك فالتباعد عنهم أولى, وإذا كان هناك حق يقوم به لم يلتفت إلى ما هناك ~~من المنكر وقام بما هو مندوب إليه من حق بعد إظهاره لإنكاره وكراهته وقال ~~قائلون: إنما نهى الله عن مجالسة هؤلاء المنافقين ومن يظهر الكفر ~~والاستهزاء بآيات الله; لأن في مجالستهم تأنيسا لهم ومشاركتهم فيما يجري في ~~مجلسهم. وقد قال أبو حنيفة في رجل يكون في الوليمة فيحضر هناك اللهو ~~واللعب: إنه لا ينبغي له أن يخرج, وقال: لقد ابتليت به مرة. وروي عن الحسن ~~أنه حضر هو وابن سيرين جنازة وهناك نواح, فانصرف ابن سيرين, فذكر ذلك للحسن ~~فقال: إنا كنا متى رأينا باطلا وتركنا حقا أسرع ذلك في ديننا ms1508 لم نرجع. ~~وإنما لم ينصرف لأن شهود الجنازة حق قد ندب إليه وأمر به فلا يتركه لأجل ~~معصية غيره, وكذلك حضور الوليمة قد ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجز أن يترك لأجل المنكر الذي يفعله غيره إذا كان كارها له وقد حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الغداني قال: ~~حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن ~~نافع قال سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي: ~~يا نافع هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا, فرفع أصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. وهذا هو الاختيار لئلا ~~تساكنه نفسه ولا تعتاد سماعه فيهون عنده أمره, فأما أن يكون واجبا فلا. # قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} روي عن علي ~~وابن عباس قالا: "سبيلا في الآخرة". وعن السدي: "ولن يجعل الله لهم عليهم ~~حجة, يعني فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون ~~لا حجة لهم فيه". ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج; لأن ~~عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلا في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من ~~الخروج, وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح كما قال تعالى: {الرجال ~~قوامون على النساء} [النساء: 34] , فاقتضى قوله # PageV02P363 # تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} وقوع الفرقة بردة ~~الزوج وزوال سبيله عليها; لأنه ما دام النكاح باقيا فحقوقه ثابتة وسبيله ~~باق عليها. # فإن قيل: إنما قال: {على المؤمنين} فلا تدخل النساء فيه. قيل له إطلاق ~~لفظ التذكير يشتمل على المؤنث والمذكر, كقوله: {إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] وقد أراد به الرجال والنساء, وكذلك ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} [البقرة: 278] ونحوه من ~~الألفاظ. ويحتج بظاهره أيضا في الكافر الذمي إذا أسلمت امرأته أنه يفرق ~~بينهما إن لم ms1509 يسلم, وفي الحربي كذلك أيضا, فإنه لا يجوز إقرارها تحته أبدا. ~~ويحتج به أصحاب الشافعي في إبطال شري الذمي للعبد المسلم; لأنه بالملك ~~يستحق السبيل عليه. وليس ذلك كما قالوا; لأن الشرى ليس هو السبيل المنفي ~~بالآية; لأن الشرى ليس هو الملك, والملك إنما يتعقب الشرى, وحينئذ يملك ~~السبيل عليه; فإذا ليس في الآية نفي الشرى إنما فيها نفي السبيل. فإن قيل: ~~إذا كان الشرى هو المؤدي إلى حصول السبيل, وجب أن يكون منتفيا كما كان ~~السبيل منتفيا. قيل له: ليس الأمر كذلك; لأنه ليس يمتنع أن يكون السبيل ~~عليه منتفيا ويكون الشرى المؤدي إلى حصول السبيل جائزا, وإنما أردت نفي ~~الشرى بالآية نفسها, فإن ضممت إلى الآية معنى آخر في نفي الشرى فقد عدلت عن ~~الاحتجاج بها وثبت بذلك أن الآية غير مانعة صحة الشرى; وأيضا فإنه لا يستحق ~~بصحة الشرى السبيل عليه; لأنه ممنوع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع ~~وإخراجه عن ملكه, فلم يحصل له ههنا سبيل عليه. # وقوله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} قيل فيه وجهان: ~~أحدهما: يخادعون نبي الله والمؤمنين بما يظهرون من الإيمان لحقن دمائهم ~~ومشاركة المسلمين في غنائمهم والله تعالى يخادعهم بالعقاب على خداعهم, فسمى ~~الجزاء على الفعل باسمه على مزاوجة الكلام, كقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] . والآخر: أنهم يعملون عمل المخادع لمالكه بما ~~يظهرون من الإيمان ويبطنون خلافه, وهو يعمل عمل المخادع بما أمر به من قبول ~~إيمانهم, مع علمهم بأن الله عليم بما يبطنون من كفرهم. # وقوله تعالى: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} قيل فيه: إنما سماه قليلا; ~~لأنه لغير وجهه, فهو قليل في المعنى وإن كثر الفعل منهم. وقال قتادة: "إنما ~~سماه قليلا لأنه على وجه الرياء, فهو حقير غير متقبل منهم بل هو وبال ~~عليهم". وقيل: إنه أراد إلا يسيرا من الذكر, نحو ما يظهرونه للناس دون ما ~~أمروا به من ذكر الله في كل حال أمر به المؤمنين # PageV02P364 # في قوله تعالى: {فاذكروا الله ms1510 قياما وقعودا وعلى جنوبكم} [النساء: 103] , ~~وأخبر أيضا أنهم يقومون إلى الصلاة كسالى مراءاة للناس, والكسل هو التثاقل ~~عن الشيء للمشقة فيه مع ضعف الدواعي إليه, فلما لم يكونوا معتقدين للإيمان ~~لم يكن لهم داع إلى الصلاة إلا مراءاة للناس خوفا منهم. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أتريدون} فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة ~~والمعونة على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته, والله ولي ~~المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته. واقتضت الآية النهي عن الاستنصار ~~بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة بهم, وهو يدل على أن الكافر ~~لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره. ويدل على أنه لا تجوز ~~الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية, وهو نظير ~~قوله: {لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران: 118] وقد كره أصحابنا توكيل ~~الذمي في الشرى والبيع ودفع المال إليه مضاربة; وهذه الآية دالة على صحة ~~هذا القول. # قوله تعالى: {وأخلصوا دينهم لله} يدل على أن كل ما كان من أمر الدين على ~~منهاج القرب, فسبيله أن يكون خالصا لله سالما من شوب الرياء أو طلب عرض من ~~الدنيا أو ما يحبطه من المعاصي; وهذا يدل على امتناع جواز أخذ شيء من أعراض ~~الدنيا على ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة من نحو الصلاة والأذان ~~والحج. # قوله عز وجل: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال ابن ~~عباس وقتادة: "إلا أن يدعو على ظالمه", وعن مجاهد رواية: "إلا أن يخبر بظلم ~~ظالمه له". وقال الحسن والسدي: "إلا أن ينتصر من ظالمه". وذكر الفرات بن ~~سليمان قال: سئل عبد الكريم عن قول الله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم} قال: هو الرجل يشتمك فتشتمه, ولكن إن افترى عليك فلا ~~تفتر عليه. وهو مثل قوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه} [الشورى: 41] . وروى ابن ms1511 ~~عيينة عن ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر عن مجاهد في قوله: {لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} قال: "ذاك في الضيافة, إذا جئت ~~الرجل فلم يضفك فقد رخص أن تقول فيه". قال أبو بكر: إن كان التأويل كما ذكر ~~فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة, وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم "الضيافة ثلاثة أيام1 فما زاد فهو صدقة" , وجائز أن يكون ~~فيمن لا PageV02P365 # يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه, فهذا مذموم يجوز أن يشكى. وفي هذه ~~الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن كان ظاهره الستر ~~والصلاح; لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يحب ذلك, وما لا يحب فهو الذي لا ~~يريده, فعلينا أن نكرهه وننكره; وقال: {إلا من ظلم} فما لم يظهر لنا ظلمه ~~فعلينا إنكار سوء القول فيه. # قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} قال ~~قتادة: "عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم" وفي ذلك دليل على ~~جواز تغليظ المحنة عليهم بالتحريم الشرعي عقوبة لهم على ظلمهم; لأن الله ~~تعالى قد أخبر في هذه الآية أنه حرم عليهم طيبات بظلمهم وصدهم عن سبيل ~~الله; والذي حرم عليهم ما بينه تعالى في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم} [الأنعام: 146] . وقوله: ~~{وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} يدل على أن الكفار ~~مخاطبون بالشرائع مكلفون بها مستحقون للعقاب على تركها; لأن الله تعالى قد ~~ذمهم على أكل الربا وأخبر أنه عاقبهم عليه. # قوله تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم} روي عن قتادة أن" لكن" ههنا ~~استثناء, وقيل: إن" إلا" و" لكن" قد تتفقان في الإيجاب بعد النفي أو النفي ~~بعد الإيجاب وتطلق" إلا" ويراد بها" لكن" كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا ms1512 إلا خطأ} [النساء: 92] ومعناه: لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة; ~~فأقيمت" إلا" في هذا الموضع مقام" لكن". وتنفصل" لكن" من" إلا" بأن" إلا" ~~لإخراج بعض من كل, ولكن قد تكون بعد الواحد نحو قولك: ما جاءني زيد لكن ~~عمرو, وحقيقة" لكن" الاستدراك و" إلا" للتخصيص. # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} روي عن الحسن أنه خطاب ~~لليهود والنصارى; لأن النصارى غلت في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى ~~اتخذوه إلها, واليهود غلت فيه فجعلوه لغير رشدة, فغلا الفريقان جميعا في ~~أمره. والغلو في الدين هو مجاوزة حد الحق فيه. وروي عن ابن عباس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سأله أن يناوله حصيات لرمي الجمار, قال: فناولته إياها ~~مثل حصا الخذف1 فجعل يقلبهن بيده PageV02P366 # ويقول "بمثلهن بمثلهن إياكم والغلو في الدين, فإنما هلك من قبلكم بالغلو ~~في دينهم" ; ولذلك قيل دين الله بين المقصر والغالي. # قوله تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} قيل في وصف المسيح بأنه ~~كلمة الله ثلاثة أوجه: أحدها ما روي عن الحسن وقتادة أنه كان عيسى بكلمة ~~الله, وهو قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] لا على سبيل ما أجرى العادة به ~~من حدوثه من الذكر والأنثى جميعا. والثاني: أنه يهتدى به كما يهتدى بكلمة ~~الله. والثالث: ما تقدم من البشارة به في الكتب المتقدمة التي أنزلها الله ~~تعالى على أنبيائه. وأما قوله تعالى: {وروح منه} فلأنه كان بنفخة جبريل ~~بإذن الله, والنفخ يسمى روحا, كقول ذي الرمة1: # فقلت له ارفعها إليك وأحييها ... # بروحك واقتته لها قيتة قدرا # أي بنفخك. وقيل: إنما سماه روحا; لأنه يحيي الناس به كما يحيون بالأرواح; ~~ولهذا المعنى سمى القرآن روحا في قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} ~~[الشورى: 52] . وقيل: لأنه روح من الأرواح كسائر أرواح الناس, وأضافه الله ~~تعالى إليه تشريفا له, كما يقال: بيت الله, وسماء الله. # قوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} قيل فيه: إنه بمعنى: لئلا تضلوا, ~~فحذف" لا" كما تحذف مع القسم ms1513 في قولك: والله أبرح قاعدا, أي لا أبرح; قال ~~الشاعر: # تالله يبقى على الأيام ذو حيد2 # معناه: لا يبقى. وقيل: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا, كقوله تعالى: ~~{واسأل القرية} يعني أهل القرية. PageV02P367 # سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # مطلب: في عقود الجاهلية وعقود الاسلام # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} روي عن ابن عباس ومجاهد ~~ومطرف والربيع والضحاك والسدي وابن جريج والثوري قالوا: "العقود في هذا ~~الموضع أراد بها العهود". وروى معمر عن قتادة قال: "هي عقود الجاهلية ~~الحلف". وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا حلف ~~في الإسلام وأما حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة". وروى ابن عيينة ~~عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا; فقيل له: قد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم:"لا حلف في الإسلام وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا ~~شدة" فقال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في ~~دارنا. قال ابن عيينة: "إنما آخى بين المهاجرين والأنصار". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~[النساء: 33] فلم يختلف المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون ~~بالحلف دون النسب وهو معنى قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~[النساء: 33] إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أولى من الحليف بقوله: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} ~~[الأنفال:75] فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتا صحيحا. وأما ~~قوله: "لا حلف في الإسلام" فإنه جائز أن يريد به الحلف على الوجوه التي كان ~~عليها الحلف في الجاهلية, وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف. وقد ~~كان حلف الجاهلية على وجوه: منها الحلف في التناصر, فيقول أحدهما لصاحبه ~~إذا حالفه: "دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك" فيتعاقدان الحلف على أن ينصر ~~كل واحد منهما صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق ms1514 كان ذلك أو بباطل; ومثله لا يجوز ~~في الإسلام; لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن ~~يزوي # PageV02P368 # ميراثه عن ذوي أرحامه ويجعله لحليفه; فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز ~~مثله في الإسلام. وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع, وكانوا يدفعون ~~إلى ضرورة; لأنهم كانوا نشرا1 لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع ~~القوي عن الضعيف, فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من ~~بعض, وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله, ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى ~~الجوار وهو أن يجير الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ~~ينداه2 مكروه منهم; فجائز أن يكون أراد بقوله: "لا حلف في الإسلام" هذا ~~الضرب من الحلف. وقد كانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام لكثرة أعدائهم ~~من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين, فلما أعز الله الإسلام ~~وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم, أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم باستغنائهم عن التحالف; لأنهم قد صاروا كلهم يدا واحدة على أعدائهم من ~~الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: ~~71] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون يد على من سواهم" وقال: ~~"ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله, والنصيحة لولاة الأمر, ولزوم ~~جماعة المسلمين, فإن دعوتهم تحيط من وراءهم". فزال التناصر بالحلف وزال ~~الجوار, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: "ولعلك أن تعيش ~~حتى ترى المرأة تخرج من القادسية إلى اليمن بغير جوار" ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام." وأما قوله: "وما كان من حلف في ~~الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة" فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو ~~مجوز في العقول مستحسن فيها, نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبد المطلب, ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحب أن لي بحلف حضرته ms1515 حمر النعم في دار ~~ابن جدعان وأني أغدر به: هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما ~~بل بحر صوفة, ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت وهو حلف الفضول". وقيل إن ~~الحلف كان على منع المظلوم, وعلى التأسي في المعاش, فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل النبوة وأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام ~~لأجاب; لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك, وهو شيء مستحسن في العقول, بل ~~واجب فيها قبل ورود الشرع; فعلمنا أن قوله: "لا حلف في الإسلام" إنما أراد ~~به الذي لا تجوزه العقول ولا تبيحه الشريعة. وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: حضرت حلف المطيبين وأنا غلام, وما أحب أن PageV02P369 # أنكثه وأن لي حمر النعم". وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا ~~عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه. وأما قوله: "وما كان في ~~الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة" فهو نحو حلف المطيبين وحلف الفضول, وكل ~~ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوزه الشريعة. # والعقد في اللغة هو الشد, تقول: عقدت الحبل, إذا شددته. واليمين على ~~المستقبل تسمى عقدا, قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] والحلف يسمى عقدا, قال الله ~~تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] . وقال أبو عبيدة ~~في قوله: {أوفوا بالعقود} قال: "هي العهود والأيمان". وروي عن جابر في ~~قوله: {أوفوا بالعقود} قال: "هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد" وزاد ~~زيد بن أسلم من قبله: "وعقد الشركة وعقد اليمين". وروى وكيع عن موسى بن ~~عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: "العقود ستة عقد الإيمان, وعقد ~~النكاح, وعقدة العهد, وعقدة الشرى والبيع, وعقدة الحلف". # وقال أبو بكر: العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو أو يعقد على غيره ~~فعله على وجه إلزامه إياه; لأن العقد إذا كان في أصل اللغة الشد ثم ms1516 نقل إلى ~~الأيمان, والعقود عقود المبايعات ونحوها, فإنما أريد به إلزام الوفاء بما ~~ذكره في إيجابه عليه, وهذا إنما يتناول منه ما كان منتظرا مراعى في ~~المستقبل من الأوقات, فيسمى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات ~~عقودا; لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه, والوفاء به, وسمي ~~اليمين على المستقبل عقدا; لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من ~~فعل أو ترك والشركة والمضاربة ونحوها تسمى أيضا عقودا لما وصفنا من اقتضائه ~~الوفاء بما شرطه على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه, وكذلك ~~العهد والأمان; لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها, وكذلك كل شرط شرطه ~~إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد, وكذلك النذور, وإيجاب ~~القرب وما جرى مجرى ذلك. وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه ~~وإنما هو على شيء ماض قد وقع فإنه لا يسمى عقدا ألا ترى أن من طلق امرأته ~~فإنه لا يسمى طلاقه عقدا؟ ولو قال لها: "إذا دخلت الدار فأنت طالق" كان ذلك ~~عقدا ليمين؟ ولو قال: "والله لقد دخلت الدار أمس" لم يكن عاقدا لشيء؟ ولو ~~قال: "لأدخلنها غدا" كان عاقدا؟ ويدلك على ذلك أنه لا يصح إيجابه في الماضي ~~ويصح في المستقبل لو قال: "علي أن أدخل الدار أمس" كان لغوا من الكلام ~~مستحيلا, ولو قال: "علي أن أدخلها غدا" كان إيجابا مفعولا. # PageV02P370 # فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل, واليمين على المستقبل إنما كانت ~~عقدا; لأن الحالف قد أكد على نفسه أن يفعل ما حلف عليه بذلك, وذلك معدوم في ~~الماضي; ألا ترى أن من قال: "والله لأكلمن زيدا" فهو مؤكد على نفسه بذلك ~~كلامه؟ وكذلك لو قال: "والله لا كلمت زيدا" كان مؤكدا به نفي كلامه ملزما ~~نفسه به ما حلف عليه من نفي أو إثبات; فسمي من أجل التأكيد الذي في اللفظ ~~عقدا تشبيها بعقد الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به, ومن أجله كان النذر ~~عقدا ويمينا; ms1517 لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكدا على نفسه أن يفعله أو ~~يتركه. ومتى صرف الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقدا كما لا يكون ذلك إيجابا ~~وإلزاما ونذرا, وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد ~~والإلزام. ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى المستقبل دون الماضي, أن ~~ضد العقد هو الحل, ومعلوم أن ما قد وقع لا يتوهم له حل عما وقع عليه بل ~~يستحيل ذلك فيه, فلما لم يكن الحل ضدا لما وقع في الماضي علم أنه ليس بعقد; ~~لأنه لو كان عقدا لكان له ضد من الحل يوصف به كالعقد على المستقبل. # PageV02P371 # مطلب: شرط انعقاد البر إمكان البر إمكانا عقليا # فإن قيل: قوله "إن دخلت الدار فأنت طالق" و "أنت طالق إذا جاء غد" هو عقد ~~ولا يلحقه الانتقاض والفسخ. قيل له جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود ~~الشرط فهو مما يوصف بضده. من الحل, ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال: "إن لم ~~أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حر" وليس في الكوز ماء, إن يمينه لا ~~تنعقد ولم يكن ذلك عقدا; لأنه ليس له نقيض من الحل, ولو قال: "إن لم أصعد ~~السماء فعبدي حر حنث بعد انعقاد يمينه; لأن لهذا العقد نقيضا من الحل", وإن ~~كنا قد علمنا أنه لا يبر فيه; لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول, وإذا ~~كان صعود السماء معنى متوهما معقولا, وكذلك تركه معقول جائز, وشرب ما ليس ~~بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقدا. # وقد اشتمل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} على إلزام ~~الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم ~~من سائر الناس, وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان; وهو نظير قوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] ~~وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40] وعهد الله تعالى ~~أوامره ونواهيه. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أوفوا ms1518 بالعقود} أي ~~بعقود الله فيما حرم وحلل; وعن الحسن قال: "يعني عقود الدين". واقتضى أيضا ~~الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات, وجميع # PageV02P371 # ما يتناوله اسم العقود, فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحة نذر ~~ولزومه صح الاحتجاج بقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} لاقتضاء عمومه جواز ~~جميعها من الكفالات والإجارات والبيوع وغيرها. ويجوز الاحتجاج به في جواز ~~الكفالة بالنفس, وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار; لأن الآية لم تفرق بين ~~شيء منها. وقوله صلى الله عليه وسلم: "والمسلمون عند شروطهم" في معنى قول ~~الله تعالى: {أوفوا بالعقود} وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع ما يشرط ~~الإنسان على نفسه ما لم تقم دلالة تخصصه. # PageV02P372 # مطلب: النذر على ثلاثة أنحاء # فإن قيل: هل يجب على كل من عقد على نفسه يمينا أو نذرا أو شرطا لغيره ~~الوفاء بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه؟ قيل له: أما ~~النذور فهي على ثلاثة أنحاء: منها نذر قربة, فيصير واجبا بنذره بعد أن كان ~~فعله قربة غير واجب, لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} , وقوله تعالى: {وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] وقوله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: ~~7] , وقوله تعالى: {"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:3] , وقوله تعالى: {"ومنهم من عاهد ~~الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله ~~بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 75, 76] فذمهم على ترك الوفاء ~~بالمنذور نفسه; وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "أوف بنذرك" ~~حين نذر أن يعتكف يوما في الجاهلية, وقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر ~~نذرا سماه فعليه أن يفي به, ومن نذر نذرا ولم يسمه1 فعليه كفارة يمين" ; ~~فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء به بعينه وقسم آخر: وهو ما ~~كان مباحا غير قربة, فمتى نذره لا يصير واجبا ولا يلزمه فعله, فإذا أراد به ~~يمينا فعليه كفارة يمين إذا لم يفعله, مثل ms1519 قوله: "لله علي أن أكلم زيدا ~~وأدخل هذه الدار وأمشي إلى السوق" فهذه أمور مباحة لا تلزم بالنذر; لأن ما ~~ليس له أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب, كما أن ما ليس له أصل في ~~الوجوب لا يصير واجبا بالنذر; فإن أراد به اليمين كان يمينا وعليه الكفارة ~~إذا حنث. والقسم الثالث: نذر المعصية, نحو أن يقول: "لله علي أن أقتل فلانا ~~أو أشرب الخمر أو أغصب فلانا ماله" فهذه أمور هي معاص لله تعالى لا يجوز له ~~الإقدام عليها لأجل النذر وهي باقية على ما كانت عليه من الحظر, وهذا يدل ~~على ما ذكرنا في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات PageV02P372 # أنها لا تصير واجبة بالنذر, كما أن ما كان محظورا لا يصير مباحا ولا ~~واجبا بالنذر, وتجب فيه كفارة يمين إذا أراد يمينا وحنث, لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا نذر في معصية الله" وكفارته كفارة يمين, فالنذر ينقسم إلى ~~هذه الأنحاء. # وأما الأيمان فإنها تعقد على هذه الأمور من قربة أو مباح أو معصية, فإذا ~~عقدها على قربة لم تصر واجبة باليمين, ولكنه يؤمر بالوفاء به فإن لم يف به ~~وحنث لزمته الكفارة; وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد ~~الله بن عمرو: "بلغني أنك قلت والله لأصومن الدهر؟ " فقال: نعم, قال: "فلا ~~تفعل ولكن صم من كل شهر ثلاثة أيام" فقال: إني أطيق أكثر من ذلك; إلى أن ~~رده إلى أن يصوم يوما ويفطر يوما, فلم يلزمه صوم الدهر باليمين; فدل ذلك ~~على أن اليمين لا يلزم بها المحلوف عليه; ولذلك قال أصحابنا فيمن قال: ~~"والله لأصومن غدا" ثم لم يصمه: فلا قضاء عليه وعليه كفارة يمين. والقسم ~~الآخر من الأيمان: هو أن يحلف على مباح أن يفعله فلا يلزمه فعله كما لا ~~يلزمه فعل القربة المحلوف عليها, فإن شاء فعل المحلوف عليه وإن شاء ترك, ~~فإن حنث لزمته الكفارة. والقسم الثالث: أن يحلف على معصية, فلا يجوز له أن ~~يفعلها ms1520 بل عليه أن يحنث في يمينه ويكفر عنها, لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" ~~, وقال: "إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي هو خير ~~وكفرت عن يميني" وقال الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] , روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق ~~حين حلف أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة لما كان منه من الخوض في أمر عائشة ~~رضي الله عنها فأمره الله تعالى بالرجوع إلى الإنفاق عليه. # قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} قيل في الأنعام إنها الإبل والبقر ~~والغنم, وقال بعضهم: الإطلاق يتناول الإبل وإن كانت منفردة, ويتناول البقر ~~والغنم إذا كانت مع الإبل, ولا تتناولهما منفردة عن الإبل; وقد روي عن ~~الحسن القول الأول. وقيل: إن الأنعام تقع على هذه الأصناف الثلاثة وعلى ~~الظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر; لأنه أخذ من نعومة الوطء; ويدل ~~على هذا القول استثناؤه الصيد منها بقوله في نسق التلاوة: {غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم} . ويدل على أن الحافر غير داخل في الأنعام قوله تعالى: ~~{والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل:5] ثم عطف عليه ~~قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} [النحل: 8] فلما استأنف ~~ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها. وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال في # PageV02P373 # جنين البقرة: "إنها بهيمة الأنعام" وهو كذلك; لأن البقرة من الأنعام. ~~وإنما قال {بهيمة الأنعام} وإن كانت الأنعام كلها من البهائم; لأنه بمنزلة ~~قوله: "أحل لكم البهيمة التي هي الأنعام" فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن ~~كانت هي, كما تقول نفس الإنسان. # PageV02P374 # مطلب: كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لغيرهم من سائر المكلفين ~~إلا أن يخص بعضهم دليل # ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء ms1521 بالعقود المذكورة في ~~الآية; وليس كذلك; لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا أخرجه ~~مخرج المجازاة, ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} . ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على ~~المؤمنين دون غيرهم, بل الإباحة عامة لجميع المكلفين كفارا كانوا أو ~~مؤمنين, كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ~~وهو حكم عام في المؤمنين والكفار مع ورود اللفظ خاصا بخطاب المؤمنين. وكذلك ~~كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين, كما أن كل ما ~~أوجبه وفرضه فهو فرض على جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل; وكذلك قلنا: ~~إن الكفار مستحقون للعقاب على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان. د # فإن قيل: إذا كان ذبح البهائم محظورا إلا بعد ورود السمع به, فمن لم ~~يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في ~~حظره عليه باق على الأصل, وقائل هذا القول يقول إن ذبح البهائم محظور على ~~الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في ذبحها, وإن كان أكل ما ذبحه أهل ~~الكتاب مباحا لنا. وزعم هذا القائل أن للملحد أن يأكل بعد الذبح وليس له أن ~~يذبح. وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك; لأنه لو كان أهل الكتاب عصاة ~~بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاة, مثل المجوسي لما كان ~~ممنوعا من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبحه ذكاة, وفي ذلك دليل على أن ~~الكتابي غير عاص في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا. وأما قوله: "إنه إذا ~~لم يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم ~~حظر الذبح قائم عليه" فليس كذلك; لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة ~~السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في إباحة ذبح البهائم. وأيضا فإن ذلك لا ~~يمنع صحة ذكاته; لأن رجلا لو ترك ms1522 التسمية على الذبيحة عامدا لكان عندنا ~~عاصيا بذلك, وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها, ولم يكن كون ~~الذابح عاصيا مانعا صحة ذكاته. # PageV02P374 # قوله عز وجل: {إلا ما يتلى عليكم} روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ~~والسدي: {إلا ما يتلى عليكم} : "يعني قوله: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ~~ما حرم في القرآن". وقال آخرون: "إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم ~~حرم". فكأنه قال على هذا التأويل: إلا ما يتلى عليكم في نسق هذا الخطاب. ~~قال أبو بكر: يحتمل قوله: {إلا ما يتلى عليكم} مما قد حصل تحريمه, على نحو ~~ما روي عن ابن عباس; فإذا أريد به ذلك لم يكن اللفظ مجملا; لأن ما قد حصل ~~تحريمه قبل ذلك هو معلوم, فيكون قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} عموما في ~~إباحة جميعها إلا ما خصه الآي التي فيها تحريم ما حرم منها, وجعل هذه ~~الإباحة مرتبة على آي الحظر وهو قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} . ويحتمل ~~أن يريد بقوله: {إلا ما يتلى عليكم} : إلا ما يبين حرمته; فيكون مؤذنا ~~بتحريم بعضها علينا في وقت ثان, فلا يسلب ذلك الآية حكم العموم أيضا. ~~ويحتمل أن يريد أن بعض بهيمة الأنعام محرم عليكم الآن تحريما يرد بيانه في ~~الثاني, فهذا يوجب إجمال قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} لاستثنائه ~~بعضها, فهو مجهول المعنى عندنا, فيكون اللفظ مشتملا على إباحة وحظر على وجه ~~الإجمال, ويكون حكمه موقوفا على البيان. وأولى الأشياء بنا إذا كان في ~~اللفظ احتمال لما وصفنا من الإجمال والعموم حمله على معنى العموم لإمكان ~~استعماله, فيكون المستثنى منه ما ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها. ~~فإن قيل: قوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} يقتضي تلاوة مستقبلة لا تلاوة ~~ماضية, وما قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تلي علينا فوجب حمله على تلاوة ترد ~~في الثاني قيل له: يجوز أن يريد به ما قد تلي علينا ويتلى في الثاني; لأن ~~تلاوة القرآن غير مقصورة على حال ms1523 ماضية دون مستقبلة, بل علينا تلاوته في ~~المستقبل كما تلوناه في الماضي, فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة ~~في المستقبل; وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانة عن بقاء حكم المحرمات ~~قبل ذلك من بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ, ولو أطلق اللفظ من غير استثناء ~~مع تقدم نزول تحريم كثير من بهيمة الأنعام لأوجب ذلك نسخ التحريم وإباحة ~~الجميع منها. # قوله تعالى: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} . قال أبو بكر: فمن الناس من ~~يحمله على معنى: إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم; فيكون المستثنى ~~بقوله: {إلا ما يتلى عليكم} هو الصيد الذي حرمه على المحرمين. وهذا تأويل ~~يؤدي إلى إسقاط حكم الاستثناء الثاني, وهو قوله: {غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم} ويجعله بمنزلة قوله: إلا ما يتلى عليكم, وهو تحريم الصيد على المحرم; ~~وذلك تعسف في التأويل. ويوجب ذلك أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة ~~الأنعام مقصورا على الصيد, وقد علمنا أن # PageV02P375 # الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة; فهذا تأويل لا وجه له. ثم ~~لا يخلو من أن يكون قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} مستثنى مما يليه من ~~الاستثناء, فيصير بمنزلة قوله: إلا ما يتلى عليكم إلا محلي الصيد وأنتم ~~حرم; ولو كان كذلك لوجب أن يكون موجبا لإباحة الصيد في الإحرام; لأنه ~~استثناء من المحظور; إذ كان مثل قوله: {إلا ما يتلى عليكم} سوى الصيد مما ~~قد بين وسيبين تحريمه في الثاني, أو أن يكون معناه: أوفوا بالعقود غير محلي ~~الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} روي عن السلف فيه ~~وجوه: فروي عن ابن عباس: "أن الشعائر مناسك الحج". وقال مجاهد الصفا ~~والمروة والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر" وقال عطاء فرائض الله التي حدها ~~لعباده". وقال الحسن دين الله كله لقوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب} [الحج: 32] أي دين الله". وقيل: إنها أعلام الحرم ms1524 نهاهم أن ~~يتجاوزوها غير محرمين إذا أرادوا دخول مكة. وهذه الوجوه كلها في احتمال ~~الآية. والأصل في الشعائر أنها مأخوذة من الإشعار وهي الإعلام من جهة ~~الإحساس, ومنه مشاعر البدن وهي الحواس. والمشاعر أيضا هي المواضع التي قد ~~أشعرت بالعلامات; وتقول: قد شعرت به, أي علمته; وقال تعالى: {لا يشعرون} ~~[البقرة: 12] يعني: لا يعلمون. ومنه الشاعر لأنه يشعر بفطنته لما لا يشعر ~~به غيره. وإذا كان الأصل على ما وصفنا فالشعائر العلامات واحدها شعيرة, وهي ~~العلامة التي يشعر بها الشيء ويعلم; فقوله تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} قد ~~انتظم جميع معالم دين الله, وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من فرائض دينه ~~وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها, فينتظم ذلك ~~جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها; فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم ~~إلا محرما, وحظر استحلاله بالقتال فيه, وحظر قتل من لجأ إليه, ويدل أيضا ~~على وجوب السعي بين الصفا والمروة; لأنهما من شعائر الله على ما روي عن ~~مجاهد; لأن الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم عليه السلام وقد طاف النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهما, فثبت أنهما من شعائر الله. # وقوله عز وجل: {ولا الشهر الحرام} , روي عن ابن عباس وقتادة أن إحلاله هو ~~القتال فيه, قال الله تعالى في سورة البقرة: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] وقد بينا أنه منسوخ, وذكرنا قول من ~~روي عنه ذلك وأن قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] نسخه. وقال ~~عطاء: "حكمه ثابت, والقتال في الشهر الحرام محظور". وقد اختلف في المراد ~~بقوله: {ولا الشهر الحرام} فقال قتادة: # PageV02P376 # "معناه الأشهر الحرم". وقال عكرمة: "هو ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب". ~~وجائز أن يكون المراد بقوله: {ولا الشهر الحرام} هذه الأشهر كلها, وجائز أن ~~يكون الذي يقتضيه اللفظ واحدا منها. وبقية الشهور معلوم حكمها من جهة دلالة ~~اللفظ إذ كان جميعها في حكم واحد منها, فإذا بين حكما واحدا منها فقد دل ~~على ms1525 حكم الجميع. # قوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد} أما الهدي فإنه يقع على كل ما يتقرب ~~به من الذبائح والصدقات قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المبكر إلى الجمعة ~~كالمهدي بدنة, ثم الذي يليه كالمهدي بقرة, ثم الذي يليه كالمهدي شاة, ثم ~~الذي يليه كالمهدي دجاجة, ثم الذي يليه كالمهدي بيضة" , فسمى الدجاجة ~~والبيضة هديا, وأراد به الصدقة. وكذلك قال أصحابنا فيمن قال: "ثوبي هذا ~~هدي" أن عليه أن يتصدق به. إلا أن الإطلاق إنما يتناول أحد هذه الأصناف ~~الثلاثة من الإبل والبقر والغنم إلى الحرم وذبحه فيه, قال الله تعالى: {فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ولا خلاف بين السلف والخلف من ~~أهل العلم أن أدناه شاة; وقال تعالى: {من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة} [المائدة: 95] , وقال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر ~~من الهدي} [البقرة: 196] وأقله شاة عند جميع الفقهاء; فاسم الهدي إذا أطلق ~~يتناول ذبح أحد هذه الأصناف الثلاثة في الحرم. # وقوله: {ولا الهدي} أراد به النهي عن إحلال الهدي الذي قد جعل للذبح في ~~الحرم, وإحلال استباحته لغير ما سيق إليه من القربة; وفيه دلالة على حظر ~~الانتفاع بالهدي إذا ساقه صاحبه إلى البيت أو أوجبه هديا من جهة نذر أو ~~غيره, وفيه دلالة على حظر الأكل من الهدايا نذرا كان أو واجبا من إحصار أو ~~جزاء صيد. وظاهره يمنع جواز الأكل من هدي المتعة والقران لشمول الاسم له, ~~إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على جواز الأكل منه. # وأما قوله عز وجل: {ولا القلائد} فإن معناه: لا تحلوا القلائد. وقد روي ~~في تأويل القلائد وجوه عن السلف, فقال ابن عباس: "أراد الهدي المقلد". قال ~~أبو بكر: هذا يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد, والذي يقلد ~~الإبل والبقر, والذي لا يقلد الغنم, فحظر تعالى إحلال الهدي مقلدا وغير ~~مقلد. وقال مجاهد: "كانوا إذا أحرموا يقلدون أنفسهم والبهائم من لحاء شجر ~~الحرم, فكان ذلك أمنا لهم, ms1526 فحظر الله تعالى استباحة ما هذا وصفه وذلك منسوخ ~~في الناس وفي البهائم غير الهدايا". وروي نحوه عن قتادة في تقليد الناس ~~لحاء شجر الحرم. وقال بعض أهل العلم: "أراد به قلائد الهدي بأن يتصدقوا بها ~~ولا ينتفعوا بها". وروي عن الحسن أنه قال: "يقلد الهدي # PageV02P377 # بالنعال, فإذا لم توجد فالجفاف1 تقور ثم يجعل في أعناقها ثم يتصدق بها". ~~وقيل: هو صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي. # قال أبو بكر: قد دلت الآية على أن تقليد الهدي قربة, وأنه يتعلق به حكم ~~كونه هديا وذلك بأن يقلده ويريد أن يهديه فيصير هديا بذلك, وإن لم يوجبه ~~بالقول, فمتى وجد على هذه الصفة فقد صار هديا لا تجوز استباحته والانتفاع ~~به إلا بأن يذبحه ويتصدق به. وقد دل أيضا على أن قلائد الهدي يجب أن يتصدق ~~بها لاحتمال اللفظ لها, وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في البدن ~~التي نحر بعضها بمكة وأمر عليا بنحر بعضها, وقال له: "تصدق بجلالها وخطمها ~~ولا تعط الجزار منها شيئا, فإنا نعطيه من عندنا". وذلك دليل على أنه لا ~~يجوز ركوب الهدي ولا حلبه ولا الانتفاع بلبنه; لأن قوله: {ولا الهدي ولا ~~القلائد} قد تضمن ذلك كله. وقد ذكر الله القلائد في غير هذا الموضع بما دل ~~به على القربة فيها وتعلق الأحكام بها, وهو قوله تعالى: {جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] ~~فلولا ما تعلق بالهدي والقلائد من الحرمات والحقوق التي هي لله تعالى ~~كتعلقها بالشهر الحرام وبالكعبة لما ضمها إليهما عند الإخبار عما فيها من ~~المنافع وصلاح الناس وقوامهم. وروى الحكم عن مجاهد قال: لم تنسخ من المائدة ~~إلا هاتان الآيتان: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد} [المائدة: 2] نسختها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ~~5] {فإن جاءوك فاحكم بينهم} [المائدة: 42] الآية نسختها: {وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله} [المائدة: 49] . قال أبو بكر: يريد به نسخ تحريم القتال في ~~الشهر الحرام ونسخ ms1527 القلائد التي كانوا يقلدون بها أنفسهم وبهائمهم من لحاء ~~شجر الحرم ليأمنوا به, ولا يجوز أن يريد نسخ قلائد الهدي; لأن ذلك حكم ثابت ~~بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بعدهم. # وروى مالك بن مغول عن عطاء في قوله تعالى: {ولا القلائد} قال: كانوا ~~يقلدون لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا, فنزلت: {لا تحلوا شعائر الله} ~~قال أبو بكر: يجوز أن يكون حظر الله انتهاك حرمة من يفعل ذلك على ما كان ~~عليه أهل الجاهلية; لأن الناس كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ما كانوا عليه من الأمور التي لا يحظرها العقل, إلى أن نسخ الله ~~منها ما شاء فنهى الله عن استحلال حرمة من تقلد بلحاء شجر PageV02P378 # الحرم, ثم نسخ ذلك من قبل أن الله قد أمن المسلمين حيث كانوا بالإسلام. ~~وأما المشركون فقد أمر الله بقتلهم حتى يسلموا بقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] , فصار حظر قتل المشرك الذي تقلد بلحاء ~~شجر الحرم منسوخا, والمسلمون قد استغنوا عن ذلك, فلم يبق له حكم, وبقي حكم ~~قلائد الهدي ثابتا. # وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسين بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن بيان عن ~~الشعبي قال: لم تنسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا شعائر الله} . وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسين بن أبي ~~الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام} الآية, قال: منسوخ; كان الرجل في ~~الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد, وإذا ~~رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد, وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت, ~~فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت, فنسخها قوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . وروى يزيد ms1528 بن زريع عن سعيد ~~عن قتادة في قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر ~~الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] : حواجز جعلها الله بين الناس في ~~الجاهلية, وكان الرجل إذا لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم ~~يقربه, وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناوله ولم يقربه, ~~وكان الرجل إذا لقي الهدي مقلدا وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم ~~يقربه, وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر تمنعه من الناس, وكان ~~إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لحاء شجر الحرم فمنعت الناس عنه. ~~وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد الله قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] قال: كان المسلمون ~~والمشركون يحجون البيت جميعا, فنهى الله تعالى المؤمنين أن يمنعوا أحدا أن ~~يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر, ثم أنزل الله بعد هذا: {إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] , وقال ~~تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} ~~[التوبة: 17] . وقد روى إسحاق بن يوسف عن ابن عون قال: سألت الحسن هل نسخ ~~من" المائدة شيء؟ فقال: # PageV02P379 # لا. وهذا يدل على أن قوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} إنما أريد به ~~المؤمنون عند الحسن; لأنه إن كان قد أريد به الكفار فذلك منسوخ بقوله: {فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] . وقوله أيضا: {ولا ~~الشهر الحرام} حظر القتال فيه منسوخ بما قدمنا إلا أن يكون عند الحسن هذا ~~الحكم ثابتا على نحو ما روي عن عطاء. # قوله تعالى: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} روي عن ابن عمر أنه قال: أريد ~~به الربح في التجارة, وهو نحو ms1529 قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم} [البقرة: 198] . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~التجارة في الحج, فأنزل الله تعالى ذلك; وقد ذكرناه فيما تقدم. وقال مجاهد ~~في قوله تعالى: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} : "الأجر والتجارة". # قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} . قال مجاهد وعطاء في آخرين: "هو ~~تعليم, إن شاء صاد وإن شاء لم يصد". قال أبو بكر: هو إطلاق من حظر بمنزلة ~~قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ~~[الجمعة: 10] لما حظر البيع بقوله: {وذروا البيع} [الجمعة: 9] عقبه ~~بالإطلاق بعد الصلاة بقوله: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ~~[الجمعة: 10] . # وقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} قد تضمن إحراما متقدما; لأن الإحلال ~~لا يكون إلا بعد الإحرام, وهذا يدل على أن قوله: {ولا الهدي ولا القلائد ~~ولا آمين البيت الحرام} قد اقتضى كون من فعل ذلك محرما, فيدل على أن سوق ~~الهدي وتقليده يوجب الإحرام. ويدل قوله: {ولا آمين البيت الحرام} على أنه ~~غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام,; إذ كان قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~قد تضمن أن يكون من أم البيت الحرام فعليه إحرام يحل, منه ويحل له الاصطياد ~~بعده. وقوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} قد أراد به الإحلال من الإحرام والخروج ~~من الحرم أيضا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حظر الاصطياد في الحرم ~~بقوله: "ولا ينفر صيدها" , ولا خلاف بين السلف والخلف فيه, فعلمنا أنه قد ~~أراد به الخروج من الحرم والإحرام جميعا. وهو يدل على جواز الاصطياد لمن حل ~~من إحرامه بالحلق, وأن بقاء طواف الزيارة عليه لا يمنع الاصطياد, لقوله ~~تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} وهذا قد حل; إذ كان هذا الحلق واقعا للإحلال. # وقوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تعتدوا} قال ابن عباس وقتادة: "لا يجرمنكم: لا يحملنكم". وقال أهل اللغة: ~~يقال جرمني زيد على بغضك أي حملني عليه. وقال الفراء: لا يكسبنكم, يقال: ~~جرمت ms1530 على أهلي أي # PageV02P380 # كسبت لهم, وفلان جريمة أهله أي كاسبهم; قال الشاعر: # جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا1 # ويقال: جرم يجرم جرما, إذا قطع. # وقوله تعالى: {شنآن قوم} قرئ بفتح النون وسكونها, فمن فتح النون جعله ~~مصدرا من قولك: "شنئته أشنأه شنآنا" والشنآن البغض فكأنه قال ولا يجرمنكم ~~بغض قوم; وكذلك روي عن ابن عباس وقتادة قالا عداوة قوم". ومن قرأ بسكون ~~النون فمعناه بغيض قوم2, فنهاهم الله بهذه الآية أن يتجاوزوا الحق إلى ~~الظلم والتعدي, لأجل تعدي الكفار بصدهم المسلمين عن المسجد الحرام; ومثله ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من ~~خانك". # وقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} يقتضي ظاهره إيجاب التعاون على ~~كل ما كان طاعة لله تعالى; لأن البر هو طاعات الله. وقوله تعالى: {ولا ~~تعاونوا على الأثم والعدوان} نهي عن معاونة غيرنا على معاصي الله تعالى. # قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} الآية. الميتة ما ~~فارقته الروح بغير تذكية مما شرط علينا الذكاة في إباحته. وأما الدم ~~فالمحرم منه هو المسفوح لقوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] وقد بينا ذلك ~~في سورة البقرة. والدليل أيضا على أن المحرم منه هو المسفوح اتفاق المسلمين ~~على إباحة الكبد والطحال وهما دمان, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت ~~لي ميتتان ودمان" يعني بالدمين الكبد والطحال; فأباحهما وهما دمان; إذ ليسا ~~بمسفوح, فدل على إباحة كل ما ليس بمسفوح من الدماء. # فإن قيل: لما حصر المباح منه بعدد دل على حظر ما عداه. قيل: هذا غلط; لأن ~~الحصر بالعدد لا يدل على أن ما عداه حرمه بخلافه, ومع ذلك فلا خلاف أن مما ~~عداه من الدماء ما هو المباح وهو الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح ~~وما يبقى منه في العروق, فدل على أن حصره الدمين بالعدد وتخصيصهما بالذكر ms1531 ~~لم يقتض حظر جميع ما عداهما من الدماء. وأيضا أنه لما قال: {أو دما مسفوحا} ~~[الأنعام: 145] ثم قال: PageV02P381 # {والدم} كانت الألف واللام للمعهود, وهو الدم المخصوص بالصفة, وهو أن ~~يكون مسفوحا; وقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لي ميتتان ودمان" إنما ورد ~~مؤكدا لمقتضى قوله عز وجل {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] إذ ليسا بمسفوحين; ولو لم ~~يرد لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار بالتحريم على المسفوح منه دون ~~غيره وأن الكبد والطحال غير محرمين. # وقوله تعالى: {ولحم الخنزير} فإنه قد تناول شحمه وعظمه وسائر أجزائه, ألا ~~ترى أن الشحم المخالط للحم قد اقتضاه اللفظ; لأن اسم اللحم يتناوله؟ ولا ~~خلاف بين الفقهاء في ذلك, وإنما ذكر اللحم; لأنه معظم منافعه; وأيضا فإن ~~تحريم الخنزير لما كان مبهما اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة والدم, ~~وقد ذكرنا حكم شعره وعظمه فيما تقدم. # قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} فإن ظاهره يقتضي تحريم ما سمي عليه ~~غير الله; لأن الإهلال هو إظهار الذكر والتسمية, وأصله استهلال الصبي إذا ~~صاح حين يولد, ومنه إهلال المحرم; فينتظم ذلك تحريم ما سمي عليه الأوثان ~~على ما كانت العرب تفعله, وينتظم أيضا تحريم ما سمي عليه اسم غير الله أي ~~اسم كان, فيوجب ذلك أنه لو قال عند الذبح: "باسم زيد أو عمرو" أن يكون غير ~~مذكى, وهذا يوجب أن يكون ترك التسمية عليه موجبا تحريمها وذلك لأن أحدا لا ~~يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة وبين ترك التسمية رأسا. # قوله تعالى: {والمنخنقة} فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي والضحاك أنها ~~التي تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت, ومن نحوه حديث عباية بن رفاعة عن ~~رافع بن خديج, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذكوا بكل شيء إلا السن ~~والظفر" ; وهذا عندنا على السن والظفر غير المنزوعين; لأنه يصير في معنى ~~المخنوق. # وأما قوله تعالى: {والموقوذة} فإنه روي ms1532 عن ابن عباس والحسن وقتادة ~~والضحاك والسدي أنها المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت, يقال فيه: وقذه يقذه ~~وقذا وهو وقيذ إذا ضربه حتى يشفي على الهلاك. ويدخل في الموقوذة كل ما قتل ~~منها على غير وجه الذكاة, وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد ~~بن أسلم عن ابن عمر, أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة: "تلك الموقوذة". ~~وروى شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن المغفل, أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ~~ولكنها تكسر السن وتفقأ العين". ونظير ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا جرير عن منصور عن # PageV02P382 # إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله أرمي بالمعراض ~~فأصيب أفآكل؟ قال: "إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب فخرق فكل, وإن ~~أصاب بعرضه فلا تأكل". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن ~~أحمد قال: حدثنا هشيم عن مجالد وزكريا وغيرهما, عن الشعبي, عن عدي بن حاتم ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض, فقال: "ما أصاب ~~بحده فخرق فكل, وما أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل" , فجعل ما أصاب ~~بعرضه من غير جراحة موقوذة وإن لم يكن مقدورا على ذكاته, وفي ذلك دليل على ~~أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم وإن لم يكن مقدورا على ذبحه ~~واستيفاء شروط الذكاة فيه; وعموم قوله: {والموقوذة} عام في المقدور على ~~ذكاته وفي غيره مما لا يقدر على ذكاته. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد ~~بن محمد بن النضر قال: حدثنا معاوية بن عمر قال: حدثنا زائدة قال: حدثنا ~~عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "يا أيها ~~الناس هاجروا ولا تهجروا1, وإياكم والأرنب يحذفها أحدكم بالعصا أو الحجر ~~يأكلها, ولكن ليذك لكم الأسل ms1533 الرماح2 والنبل". # وأما قوله تعالى: {والمتردية} فإنه روي عن ابن عباس والحسن والضحاك ~~وقتادة قالوا: "هي الساقطة من رأس جبل أو في بئر فتموت". وروى مسروق عن عبد ~~الله بن مسعود قال: "إذا رميت صيدا من على جبل فمات فلا تأكله فإني أخشى أن ~~يكون التردي هو الذي قتله, وإذا رميت طيرا فوقع في ماء فمات فلا تطعمه فإني ~~أخشى أن يكون الغرق قتله". قال أبو بكر: لما وجد هناك سببا آخر وهو التردي ~~وقد يحدث عنه الموت حظر أكله, وكذلك الوقوع في الماء. وقد روي نحو ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن ~~محمد بن إسماعيل قال: حدثنا ابن عرفة قال: حدثنا ابن المبارك عن عاصم ~~الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم, أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الصيد فقال: "إذا رميت بسهمك وسميت فكل إن قتل إلا أن تصيبه في الماء فلا ~~تدري أيهما قتله". ونظيره ما روي عنه صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب أنه ~~قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل, وإن خالطه كلب آخر فلا تأكل" , ~~فحظر صلى الله عليه وسلم أكله إذا وجد مع الرمي سبب آخر يجوز حدوث الموت ~~منه مما لا يكون ذكاة, وهو الوقوع في الماء ومشاركة كلب آخر معه. وكذلك قول ~~عبد الله في الذي يرمي الصيد وهو على الجبل فيتردى إنه لا يؤكل PageV02P383 # لاجتماع سبب الحظر والإباحة في تلفه, فجعل الحكم للحظر دون الإباحة. ~~وكذلك لو اشترك مجوسي ومسلم في قتل صيد أو ذبحه لم يؤكل. وجميع ما ذكرنا ~~أصل في أنه متى اجتمع سبب الحظر وسبب الإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة. # PageV02P384 # مطلب: إذا اجتمع سبب الجظر والإباحو كان الحكم للحظر دون الإباحة # وأما قوله تعالى: {والنطيحة} فإنه روي عن الحسن والضحاك وقتادة والسدي ~~أنها المنطوحة حتى تموت. وقال بعضهم: هي الناطحة حتى تموت. قال أبو بكر: هو ~~عليهما جميعا, فلا فرق بين أن ms1534 تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح ~~غيرها لها. وأما قوله: {وما أكل السبع} فإن معناه: ما أكل منه السبع حتى ~~يموت, فحذف; والعرب تسمي ما قتله السبع وأكل منه أكيلة السبع, ويسمون ~~الباقي منه أيضا أكيلة السبع; قال أبو عبيدة: {وما أكل السبع} مما أكل ~~السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته. وجميع ما تقدم ذكره في الآية ~~بالنهي عنه قد أريد به الموت من ذلك. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون جميع ذلك ~~فحرمه الله تعالى, ودل بذلك على أن سائر الأسباب التي يحدث عنها الموت ~~للأنعام محظور أكلها بعد أن لا يكون من فعل آدمي على وجه التذكية. # وأما قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} فإنه معلوم أن الاستثناء راجع إلى بعض ~~المذكور دون جميعه; لأن قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به} لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه, وأن ذلك لا يجوز أن ~~تلحقه الذكاة, وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه, وقد ثبت أنه لم ~~يعد إلى ما قبل المنخنقة; فكان حكم العموم فيه قائما وكان الاستثناء عائدا ~~إلى المذكور من عند قوله: {والمنخنقة} , لما روي ذلك عن علي وابن عباس ~~والحسن وقتادة وقالوا كلهم: "ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب ~~يتحرك فأكله جائز". وحكي عن بعضهم أنه قال: الاستثناء عائد إلى قوله: {وما ~~أكل السبع} دون ما تقدم; لأنه يليه; وليس هذا بشيء, لاتفاق السلف على ~~خلافه; ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى ~~شاة من جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح ~~الأكل, وكذلك النطيحة وما ذكر معها, فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع ~~المذكور من عند قوله: {والمنخنقة} وإنما قوله: {وما أكل السبع} فإنه ~~استثناء منقطع بمنزلة قوله: "لكن ما ذكيتم" كقوله: {فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس} [يونس: # PageV02P384 # 98] ومعناه: لكن قوم يونس; وقوله: ms1535 {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا ~~تذكرة لمن يخشى} [طه: 1, 3] معناه: لكن تذكرة لمن يخشى; ونظائره في القرآن ~~كثيرة. # وقد اختلف الفقهاء في ذكاة الموقوذة ونحوها, فذكر محمد في الأصل في ~~المتردية: إذا أدركت ذكاتها قبل أن تموت أكلت, وكذلك الموقوذة والنطيحة وما ~~أكل السبع. وعن أبي يوسف في الإملاء: أنه إذا بلغ به ذلك إلى حال لا يعيش ~~في مثله لم يؤكل وإن ذكي قبل الموت. وذكر ابن سماعة عن محمد: أنه إن كان ~~يعيش منه اليوم ونحوه أو دونه فذكاها حلت, وإن كان لا يبقى إلا كبقاء ~~المذبوح لم يؤكل وإن ذبح; واحتج بأن عمر كانت به جراحة متلفة وصحت عهوده ~~وأوامره, ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود. وقال مالك: "إذا ~~أدركت ذكاتها وهي حية تطرف أكلت". وقال الحسن بن صالح: "إذا صارت بحال لا ~~تعيش أبدا لم تؤكل وإن ذبحت". وقال الأوزاعي: "إذا كان فيها حياة فذبحت ~~أكلت, والمصيودة1 إذا ذبحت لم تؤكل". وقال الليث: "إذا كانت حية وقد أخرج ~~السبع ما في جوفها أكلت إلا ما بان عنها". وقال الشافعي في السبع إذا شق ~~بطن الشاة ونستيقن أنها تموت: إن لم تذك فذكيت فلا بأس بأكلها. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} يقتضي ذكاتها ما دامت حية, فلا ~~فرق في ذلك بين أن تعيش من مثله أو لا تعيش, وأن تبقى قصير المدة أو ~~طويلها; وكذلك روي عن علي وابن عباس أنه إذا تحرك شيء منها صحت ذكاتها. ولم ~~يختلفوا في الأنعام إذا أصابتها الأمراض المتلفة التي قد تعيش معها مدة ~~قصيرة أو طويلة أن ذكاتها بالذبح, فكذلك المتردية ونحوها; والله أعلم. ~~PageV02P385 # باب في شرط الذكاة # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} اسم شرعي يعتوره معان: منها ~~موضع الذكاة وما يقطع منه, ومنها الآلة, ومنها الدين, ومنها التسمية في حال ~~الذكر وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة عليه. فأما السمك فإن ذكاته ~~بحدوث الموت فيه عن سبب ms1536 من خارج, وما مات حتف أنفه فغير مذكى; وقد بينا ذلك ~~فيما تقدم من الكلام في # PageV02P385 # الطافي في سورة البقرة. فأما موضع الذكاة في الحيوان المقدور على ذبحه ~~فهو اللبة وما فوق ذلك إلى اللحيين. وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: "لا ~~بأس بالذبح في الحلق كله أسفل الحلق وأوسطه وأعلاه". وأما ما يجب قطعه فهو ~~الأوداج, وهي أربعة: الحلقوم, والمريء, والعرقان اللذان بينهما الحلقوم ~~والمريء, فإذا فرى المذكي ذلك أجمع فقد أكمل الذكاة على تمامها وسنتها, فإن ~~قصر عن ذلك ففرى من هذه الأربعة ثلاثة فإن بشر بن الوليد روى عن أبي يوسف ~~أن أبا حنيفة قال: "إذا قطع أكثر الأوداج أكل, وإذا قطع ثلاثة منها أكل من ~~أي جانب كان" وكذلك قال أبو يوسف ومحمد, ثم قال أبو يوسف بعد ذلك: "لا تأكل ~~حتى تقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين". وقال مالك بن أنس والليث: "يحتاج ~~أن يقطع الأوداج والحلقوم وإن ترك شيئا منها لم يجزه" ولم يذكر المريء. ~~وقال الثوري: "لا بأس إذا قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم". وقال الشافعي: ~~"أقل ما يجزي من الذكاة قطع الحلقوم والمريء, وينبغي أن يقطع الودجين وهما ~~العرقان وقد يسلان من البهيمة والإنسان ثم يحييان, فإن لم يقطع العرقان ~~وقطع الحلقوم والمريء جاز". # وإنما قلنا إن موضع الذكاة النحر واللبة لما روى أبو قتادة الحراني عن ~~حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الذكاة فقال: "في اللبة والحلق, ولو طعنت في فخذها أجزأ عنك" , ~~وإنما يعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو طعنت في فخذها أجزأ عنك" فيما لا ~~تقدر على ذبحه. # قال أبو بكر: ولم يختلفوا أنه جائز له قطع هذه الأربعة, وهذا يدل على أن ~~قطعها مشروط في الذكاة, ولولا أنه كذلك لما جاز له قطعها; إذ كان فيه زيادة ~~ألم بما ليس هو شرطا في صحة الذكاة; فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع. إلا ~~أن أبا حنيفة ms1537 قال: "إذا قطع الأكثر جاز مع تقصيره عن الواجب فيه; لأنه قد ~~قطع الأكثر والأكثر في مثلها يقوم مقام الكل, كما أن قطع الأكثر من الأذن ~~والذنب بمنزلة قطع الكل في امتناع جوازه عن الأضحية" وأبو يوسف جعل شرط صحة ~~الذكاة قطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين, ولم يفرق أبو حنيفة بين قطع ~~العرقين وأحد شيئين من الحلقوم والمريء وبين قطع هذين مع أحد العرقين; إذ ~~كان قطع الجميع مأمورا به في صحة الذكاة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن ~~المبارك عن معمر عن عمرو بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى: ~~وأبي هريرة, قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان زاد ~~ابن عيسى في حديثه: وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا يفرى الأوداج ثم تترك ~~حتى تموت; وهذا الحديث يدل # PageV02P386 # على أن عليه قطع الأوداج. وروى أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن ~~رفاعة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل ما أنهر الدم ~~وأفرى الأوداج ما خلا السن والظفر". وروى إبراهيم عن أبيه عن حذيفة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذبحوا بكل ما أفرى الأوداج وهراق الدم ~~ما خلا السن والظفر". فهذه الأخبار كلها توجب أن يكون فري الأوداج شرطا في ~~الذكاة, والأوداج اسم يقع على الحلقوم والمريء والعرقين اللذين عن جنبيهما. # PageV02P387 # فصل # وأما الآلة فإن كل ما فرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس به والذكاة صحيحة, ~~غير أن أصحابنا كرهوا الظفر المنزوع والعظم والقرن والسن لما روي فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما غير ذلك فلا بأس به; ذكر ذلك في الجامع ~~الصغير. وقال أبو يوسف في الإملاء: "لو أن رجلا ذبح بليطة ففرى الأوداج ~~وأنهر الدم فلا بأس بذلك, وكذلك لو ذبح بعود, وكذلك لو نحر بوتد أو بشظاظ ~~أو بمروة لم ms1538 يكن بذلك بأس; فأما العظم والسن والظفر فقد نهي أن يذكى بها, ~~وجاءت في ذلك أحاديث وآثار, وكذلك القرن عندنا والناب" قال: "ولو أن رجلا ~~ذبح بسنه أو بظفره فهي ميتة لا تؤكل" وقال في الأصل: "إذا ذبح بسن نفسه أو ~~بظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح". وقال مالك بن أنس: "كل ما بضع من عظم أو ~~غيره ففرى الأوداج فلا بأس به". وقال الثوري: "كل ما فرى الأوداج فهو ذكاة ~~إلا السن والظفر". وقال الأوزاعي: "لا يذبح بصدف البحر". وكان الحسن بن ~~صالح يكره الذبح بالقرن والسن والظفر والعظم. وقال الليث: "لا بأس بأن يذبح ~~بكل ما أنهر الدم إلا العظم والسن والظفر". واستثنى الشافعي الظفر والسن. # قال أبو بكر: الظفر والسن المنهي عن الذبيحة بهما, إذا كانتا قائمتين في ~~صاحبهما وذلك; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الظفر: "إنها مدى ~~الحبشة" وهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع. وقال ابن ~~عباس: "ذلك الخنق". وعن أبي بشر قال: سألت عكرمة عن الذبيحة بالمروة, قال: ~~"إذا كانت حديدة لا تثرد الأوداج فكل" فشرط في ذلك أن لا تثرد1 الأوداج, ~~وهو أن لا تفريها, ولكنه يقطعها قطعة قطعة, والذبح بالظفر والسن غير ~~المنزوع يثرد ولا يفري فلذلك لم تصح الذكاة بهما, وأما إذا كانا منزوعين ~~ففريا الأوداج فلا بأس; وإنما كره أصحابنا منها ما كان بمنزلة السكين ~~الكالة, PageV02P387 # ولهذا المعنى كرهوا الذبح بالقرن والعظم وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم ~~قال: حدثنا شعبة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس ~~قال: "خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا" قال غير مسلم: "فأحسنوا القتلة, ~~وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح, وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" فكانت كراهتهم ~~للذبح بسن منزوع أو عظم أو قرن أو نحو ذلك ms1539 من جهة كلالة لما يلحق البهيمة ~~من الألم الذي لا يحتاج إليه في صحة الذكاة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن ~~حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن ~~أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ قال: "أمرر الدم1 ~~بما شئت واذكر اسم الله". وفي حديث نافع عن كعب بن مالك عن أبيه: أن جارية ~~سوداء ذكت شاة بمروة, فذكر ذلك كعب للنبي, فأمرهم بأكلها. وروى سليمان بن ~~يسار عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وفي حديث رافع بن ~~خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~عليه فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر". PageV02P388 # فصل # وهذا الذي ذكرناه فيما كان من الحيوان مقدورا على ذبحه, فيعتبر في ذكاته ~~ما وصفنا من موضع الذكاة ومن الآلة على النحو الذي بينا. وأما الذي لا نقدر ~~منه على ذبحه, فإن ذكاته إنما تكون بإصابته بما يجرح ويسيل الدم أو بإرسال ~~كلب أو طير فيجرحه دون ما يصدم أو يهشم مما لا حد له يجرحه; ولا يختلف في ~~ذلك عندنا حكم ما يكون أصله ممتنعا مثل الصيد وما ليس بممتنع في الأصل من ~~الأنعام ثم يتوحش ويمتنع أو يتردى في موضع لا نقدر فيه على ذكاته. وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين, أحدهما: في الصيد إذا أصيب بما لا يجرحه ~~من الآلة, فقال أصحابنا ومالك والثوري: "إذا أصابه بعرض المعراض لم يؤكل ~~إلا أن يدرك ذكاته". وقال الثوري: "وإن رميته بحجر أو بندقة كرهته إلا أن ~~تذكيه, ولا فرق عند أصحابنا بين المعراض والحجر والبندقة". وقال الأوزاعي ~~في صيد المعراض: "يؤكل خزق أو لم يخزق" قال: "وكان أبو الدرداء وفضالة بن ~~عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا". وقال ms1540 # PageV02P388 # الحسن بن صالح: "إذا خزق الحجر فكل والبندقة لا تخزق". وقال الشافعي: "إن ~~خزق المرمي برميه أو قطع بحده أكل, وما جرح بثقله فهو وقيذ; وفيما نالته ~~الجوارح فقتلته فيه قولان: أحدهما: أنه لا يؤكل حتى يجرح لقوله تعالى: {من ~~الجوارح مكلبين} . والآخر أنه حل". قال أبو بكر: ولم يختلف أصحابنا ومالك ~~والشافعي في الكلب إذا قتل الصيد بصدمته لم يؤكل. وأما الموضع الآخر: فما ~~ليس بممتنع في الأصل, مثل البعير والبقر إذا توحش أو تردى في بئر, فقال ~~أصحابنا: "إذا لم يقدر على ذبحه فإنه يقتل كالصيد ويكون مذكى" وهو قول ~~الثوري والشافعي. وقال مالك والليث: "لا يؤكل إلا أن يذبح على شرائط ~~الذكاة". وروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والأسود ومسروق ~~مثل قول أصحابنا, وقد تقدم ذكر الآثار المؤيدة لقول أصحابنا في الصيد أن ~~شرط ذكاته أن يجرحه بما له حد, ومنه ما ذكر في المعراض أنه إن أصاب بحده ~~أكل وإن أصاب بعرضه لم يؤكل فإنه وقيذ, لقوله تعالى: {والموقوذة} , فكل ما ~~لا يجرح من ذلك فهو وقيذ محرم بظاهر الكتاب والسنة. وفي حديث قتادة عن عقبة ~~بن صهبان عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم: نهي عن الخذف ~~وقال: "إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" ~~فدل ذلك على أن الجراحة في مثله لا تذكى; إذ ليس له حد, وإنما الجراحة التي ~~لها حكم في الذكاة هي ما يقع بما له حد, ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في المعراض: "إن أصابه بحده فخزق فكل وإن أصابه بعرضه فلا تأكل" ~~ولم يفرق بين ما يجرح ولا يجرح؟ فدل ذلك على اعتبار الآلة, وأن سبيلها أن ~~يكون لها حد في صحة الذكاة بها. وكذلك قوله في الخذف: "إنها لا تصيد الصيد" ~~يدل على سقوط اعتبار جراحته في صحة الذكاة إذا لم يكن له حد. # وأما البعير ونحوه إذا توحش أو تردى ms1541 في بئر, فإن الذي يدل على أنه بمنزلة ~~الصيد في ذكاته ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: ~~حدثنا سفيان عن عمرو بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع ~~بن خديج قال: ند علينا بعير فرميناه بالنبل, ثم سألنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا ند منها شيء ~~فاصنعوا به ذلك وكلوه" ; وقال سفيان: وزاد إسماعيل بن مسلم: فرميناه بالنبل ~~حتى رهصناه1. فهذا يدل على إباحة أكله إذا قتله النبل لإباحة النبي صلى ~~الله عليه وسلم من غير شرط ذكاة غيره. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن ~~أبيه أنه قال: يا رسول الله PageV02P389 # أما تكون الذكاة إلا في اللبة والنحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لو طعنت ~~في فخذها لأجزأ عنك" وهذا على الحال التي لا يقدر فيها على ذبحها; إذ لا ~~خلاف أن المقدور على ذبحه لا يكون ذلك ذكاته. ويدل على صحة قولنا من طريق ~~النظر اتفاق الجميع على أن رمي الصيد يكون ذكاة له إذا قتله, ثم لا يخلو ~~المعنى الموجب لكون ذلك ذكاة من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك الجنس الصيد; ~~أو لأنه غير مقدور على ذبحه, فلما اتفقوا على أن الصيد إذا صار في يده حيا ~~لم تكن ذكاته إلا بالذبح كذكاة ما ليس من جنس الصيد, دل ذلك على أن هذا ~~الحكم لم يتعلق بجنسه وإنما تعلق بأنه غير مقدور على ذبحه في حال امتناعه, ~~فوجب مثله في غيره إذا صار بهذه الحال لوجود العلة التي من أجلها كان ذلك ~~ذكاة للصيد. # PageV02P390 # مطلب: في حكم الصيد إذا انقطع قطعتين # واختلف الفقهاء في الصيد يقطع بعضه, فقال أصحابنا والثوري وهو قول ~~إبراهيم ومجاهد: "إذا قطعه بنصفين أكلا جميعا, وإن قطع الثلث مما يلي الرأس ~~أكل, فإن قطع الثلث الذي يلحق ms1542 العجز أكل الثلثان الذي يلي الرأس ولا يؤكل ~~الثلث الذي يلي العجز". وقال ابن أبي ليلى والليث: "إذا قطع منه قطعة فمات ~~الصيد مع الضربة أكلهما جميعا". وقال مالك: "إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل, ~~وإن قطع فخذه لم يأكل الفخذ وأكل الباقي". وقال الأوزاعي: "إذا أبان عجزه ~~لم يأكل ما انقطع منه ويأكل سائره, وإن قطعه بنصفين أكله كله". وقال ~~الشافعي: "إن قطعه قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى, وإن قطع ~~يدا أو رجلا أو شيئا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ~~ما لم يبن منه ولم يؤكل ما بان وفيه الحياة, ولو مات من القطع الأول أكلهما ~~جميعا". # قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا عبد الرحمن بن دينار عن زيد ~~بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" , وهذا إنما يتناول قطع القليل ~~منه من غير موضع الذكاة وذلك; لأنه لا خلاف أنه لو ضرب عنق الصيد فأبان ~~رأسه كان الجميع مذكى, فثبت بذلك أن المراد ما بان منها من غير موضع ~~الذكاة, وذلك إنما يتناول الأقل منه; لأنه إذا قطع النصف أو الثلث الذي يلي ~~الرأس فإنه يقطع العروق التي يحتاج إلى قطعها للذكاة, وهي الأوداج والحلقوم ~~والمريء فيكون الجميع مذكى, وإذا قطع الثلث مما يلي الذنب فإنه لا يصادف ~~قطع العروق التي يحتاج إليها في شرط الذكاة فيكون ما بان منه ميتة لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما بان من البهيمة وهي # PageV02P390 # حية فهو ميتة" وذلك لأنه لا محالة إنما يحدث الموت بعد القطع فقد بان ذلك ~~العضو منها وهي حية فهو ميتة, وما يلي الرأس كله مذكى كما لو قطع رجلها أو ~~جرحها في غير موضع الذكاة ولم يبن منها شيئا, ms1543 فيكون ذلك ذكاة لها لتعذر قطع ~~موضع الذكاة. # PageV02P391 # فصل # وأما الدين فأن يكون الرامي أو المصطاد مسلما أو كتابيا, وسنذكر ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. وأما التسمية فهي أن يذكر اسم الله تعالى عند ~~الذبح أو عند الرمي أو إرسال الجوارح والكلب إذا كان ذاكرا, فإن كان ناسيا ~~لم يضره ترك التسمية; وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. # PageV02P391 # مطلب: في الفرق بين الصنم والنصب # وأما قوله تعالى: {وما ذبح على النصب} فإنه روي عن مجاهد وقتادة وابن ~~جريج أن النصب أحجار منصوبة كانوا يعبدونها ويقربون الذبائح لها فنهى الله ~~عن أكل ما ذبح على النصب; لأنه مما أهل به لغير الله. والفرق بين النصب ~~والصنم أن الصنم يصور وينقش, وليس كذلك النصب; لأن النصب حجارة منصوبة ~~والوثن كالنصب سواء. ويدل على أن الوثن اسم يقع على ما ليس بمصور أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم حين جاءه وفي عنقه صليب: "ألق هذا ~~الوثن من عنقك" فسمى الصليب وثنا, فدل ذلك على أن النصب والوثن اسم لما نصب ~~للعبادة وإن لم يكن مصورا ولا منقوشا. وهذه ذبائح قد كان أهل الجاهلية ~~يأكلونها, فحرمها الله تعالى مع ما حرم من الميتة ولحم الخنزير وما ذكر في ~~الآية مما كان المشركون يستبيحونه. وقد قيل إنها المرادة بالاستثناء ~~المذكور في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} . # قوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} قيل في الاستقسام وجهان: أحدهما: ~~طلب علم ما قسم له بالأزلام, والثاني: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح ~~كقسم اليمين. والاستقسام بالأزلام أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم ~~سفرا أو غزوا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح وهي الأزلام, وهي ~~على ثلاثة أضرب: منها ما كتب عليه: أمرني ربي" ومنها ما كتب عليه: "نهاني ~~ربي" ومنها غفل لا كتابة عليه يسمى: "المنيح". فإذا خرج" أمرني ربي" مضى في ~~الحاجة, وإذا خرج: "نهاني ربي" قعد عنها, وإذا ms1544 خرج الغفل أجالها ثانية. قال ~~الحسن: كانوا يعمدون إلى ثلاثة قداح; نحو ما وصفنا. وكذلك قال سائر أهل ~~العلم بالتأويل. وواحد الأزلام" زلم" وهي القداح فحظر الله تعالى ذلك, وكان ~~من فعل أهل الجاهلية, وجعله فسقا بقوله: {ذلكم فسق} وهذا # PageV02P391 # يدل على بطلان القرعة في عتق العبيد; لأنها في معنى ذلك بعينه; إذ كان ~~فيه اتباع ما أخرجته القرعة من غير استحقاق; لأن من أعتق عبديه أو عبيدا له ~~عند موته ولم يخرجوا من الثلث فقد علمنا أنهم متساوون في استحقاق الحرية, ~~ففي استعمال القرعة إثبات حرية غير مستحقة وحرمان من هو مساو له فيها, كما ~~يتبع صاحب الأزلام ما يخرجه الأمر والنهي لا سبب له غيره. # فإن قيل: قد جازت القرعة في قسمة الغنائم وغيرها في إخراج النساء. قيل ~~له: إنما القرعة فيها لتطييب نفوسهم وبراءة للتهمة من إيثار بعضهم بها, ولو ~~اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة; وأما الحرية الواقعة على واحد منهم فغير ~~جائز نقلها عنه إلى غيره, وفي استعمال القرعة نقل الحرية عمن وقعت عليه ~~إخراجه منها مع مساواته لغيره فيها. # قوله عز وجل: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} قال ابن عباس والسدي: ~~"يئسوا أن يرتدوا راجعين إلى دينهم". وقد اختلف في اليوم, فقال مجاهد: هو ~~يوم عرفة عام حجة الوداع. {فلا تخشوهم} أن يظهروا عليكم; عن ابن جريج. وقال ~~الحسن: "ذلك اليوم يعني به: {اليوم أكملت لكم دينكم} وهو زمان النبي صلى ~~الله عليه وسلم كله". قال ابن عباس: "نزلت يوم عرفة وكان يوم الجمعة". قال ~~أبو بكر: اسم اليوم يطلق على الزمان, كقوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} إنما ~~عنى به وقتا مبهما. # قوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} فإن الاضطرار هو الضرر ~~الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع منه; والمعنى ههنا من ~~إصابة ضر الجوع, وهذا يدل على إباحة ذلك عند الخوف على نفسه أو على بعض ~~أعضائه; وقد بين ذلك في قوله تعالى: {في ms1545 مخمصة} قال ابن عباس والسدي ~~وقتادة: "المخمصة المجاعة". فأباح الله عند الضرورة أكل جميع ما نص على ~~تحريمه في الآية, ولم يمنع ما عرض من قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} مع ما ~~ذكر معه من عود التخصيص إلى ما تقدم ذكره من المحرمات, فالذي تضمنه الخطاب ~~في أول السورة في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} إباحة الأنعام. {إلا ما ~~يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} فيه بيان إباحة الصيد في حال الإحلال ~~وغير داخل في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} , ثم بين ما حرم علينا في ~~قوله: {حرمت عليكم الميتة} إلى آخر ما ذكر, ثم خص من ذلك حال الضرورة وأبان ~~أنها غير داخلة في التحريم, وذلك عام في الصيد في حال الإحرام وفي جميع ~~المحرمات, فمتى اضطر إلى شيء منها حل له أكله بمقتضى الآية. # PageV02P392 # وقوله تعالى: {غير متجانف لإثم} قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد ~~والسدي: "غير معتمد عليه" فكأنه قال: غير معتمد بهواه إلى إثم, وذلك بأن ~~يتناول منه بعد زوال الضرورة. # PageV02P393 # مطلب: اسم الطيبات يطلق على الجلال وعلى المستلذ # وقوله عز وجل {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} اسم الطيبات ~~يتناول معنيين: أحدهما: الطيب المستلذ, والآخر: الحلال وذلك لأن ضد الطيب ~~هو الخبيث, والخبيث حرام, فإذا الطيب حلال; والأصل فيه الاستلذاذ, فشبه ~~الحلال به في انتفاء المضرة منهما جميعا; وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات} [المؤمنون: 51] يعني الحلال, وقال: {ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] فجعل الطيبات في مقابلة الخبائث, والخبائث ~~هي المحرمات; وقال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وهو ~~يحتمل: ما حل لكم, ويحتمل: ما استطبتموه. # PageV02P393 # مطلب: يحتج بظاهر هذه الآية في إباحة جميع المستلذات إلا ما خصه الدليل # فقوله: {قل أحل لكم الطيبات} جائز أن يريد به ما استطبتموه واستلذذتموه ~~مما لا ضرر عليكم في تناوله من طريق الدين, فيرجع ذلك إلى معنى الحلال الذي ~~لا تبعة على متناوله, وجائز أن يحتج بظاهره في إباحة ms1546 جميع الأشياء المستلذة ~~إلا ما خصه الدليل. # PageV02P393 ### | مطلب: في معنى المراد من قول ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" # وعلى هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم ~~فيما حرم عليكم" يعني أنه لم يقتصر بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة ~~وغنى عن المحرمات بما أباحه لنا من الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما ~~حرم في أمور دنيانا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ما خير بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما". # وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء ~~وسوغوا فيه الاجتهاد, وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن ~~الله يكلف العباد ما لا يطيقون; لإخباره بأنه يريد التخفيف عنا, وتكليف ما ~~لا يطاق غاية التثقيل, والله أعلم بمعاني كتابه. # PageV02P215 ### | باب التجارات وخيار البيع # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} . قال أبو بكر: قد انتظم هذا العموم النهي ~~عن أكل مال الغير # PageV02P215 ### | باب خيار المتبايعين # اختلف أهل العلم في خيار المتبايعين, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد ومالك بن أنس: "إذا عقد بيع بكلام فلا خيار لهما وإن ~~لم يتفرقا" وروي نحوه عن عمر بن الخطاب. وقال الثوري والليث وعبيد الله بن ~~الحسن والشافعي: "إذا عقدا فهما بالخيار ما لم يتفرقا". وقال الأوزاعي: ~~"هما بالخيار ما لم يتفرقا إلا في بيوع ثلاثة: بيع مزايدة الغنائم والشركة ~~في الميراث والشركة في التجارة, فإذا صافقه فقد وجب وليسا فيه بالخيار". ~~ووقت الفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه; وقال الليث: "التفرق أن ~~يقوم أحدهما". وكل من أوجب الخيار يقول: إذا خيره في المجلس فاختار فقد وجب ~~البيع. وروي خيار المجلس عن ابن عمر. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن # PageV02P220 ### | مطلب: في قوله عليه السلام: ms1547 "المتبايعان بالخيار" # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا", وفي ~~بعض الألفاظ: "البائعان بالخيار ما لم يفترقا", فإن حقيقته تقتضي حال ~~التبايع وهي حال السوم, فإذا أبرما البيع وتراضيا فقد وقع البيع, فليسا ~~متبايعين في هذه الحال في الحقيقة كما أن المتضاربين والمتقايلين إنما ~~يلحقهما هذا الاسم في حال التضارب والتقايل, وبعد انقضاء الفعل لا يسميان ~~به على الإطلاق وإنما يقال كانا متقايلين ومتضاربين; وإذا كانت حقيقة معنى ~~اللفظ ما وصفنا لم يصح الاستدلال في موضع الخلاف به. # فإن قيل: هذا التأويل يودي إلى إسقاط فائدة الخبر; لأنه غير مشكل على أحد ~~أن المتساومين قبل وجود التراضي بالعقد هما على خيارهما في إيقاع العقد أو ~~تركه. قيل له: بل فيه أعظم الفوائد, وهو أنه قد كان جائزا أن يظن ظان أن ~~البائع إذا قال للمشتري "قد بعتك" أن لا يكون له رجوع فيه قبل قبول ~~المشتري, كالعتق على مال والخلع على مال أنه ليس للمولى ولا للزوج الرجوع ~~فيه قبل قبول العبد والمرأة; فأبان النبي صلى الله عليه وسلم حكم البيع في ~~إثبات الخيار لكل واحد منهما في الرجوع قبل قبول الآخر وأنه مفارق للعتق ~~والخلع. # فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى المتساومان متبايعين قبل وقوع العقد بينهما؟ ~~قيل له: جائز إذا قصدا إلى البيع بإظهار السوم فيه كما نسمي القاصدين إلى ~~القتل متقاتلين وإن لم يقع منهما قتل بعد, وكما قيل لولد إبراهيم عليه ~~السلام المأمور بذبحه: الذبيح # PageV02P225 ### | باب النهي عن التمني # قال الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} . روى سفيان ~~عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله يغزو الرجال ~~ولا تغزو النساء ويذكر الرجال ولا تذكر النساء؟ فأنزل الله تعالى: {ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} الآية, ونزلت: {إن المسلمين ~~والمسلمات} [الأحزاب: 35] وروى قتادة عن الحسن قال: "لا يتمن أحد المال وما ~~يدريه لعل هلاكه في ذلك المال". وقال ms1548 سعيد عن قتادة في قوله: {ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم على بعض} قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة ~~شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي ~~نصيبه وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين, قالت النساء: لو كان أنصباؤنا في ~~الميراث كأنصباء الرجال وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء في ~~الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فأنزل الله تعالى: {للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} يقول: المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها ~~كما يجزى الرجل; قال: {واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما} ~~ونهى الله عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض; لأن الله تعالى لو علم أن ~~المصلحة له في إعطائه ما أعطى # PageV02P229 ### | مطلب: التمني على وجهين محظور وغير محظور # قال أبو بكر: والتمني على وجهين: أحدهما: أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة ~~غيره عنه, فهذا الحسد, وهو التمني المنهي عنه. والآخر: أن يتمنى أن يكون له ~~مثل ما لغيره من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره, فهذا غير محظور إذا قصد ~~به وجه المصلحة, وما يجوز في الحكمة. ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما ~~يستحيل وقوعه, مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا أو تتمنى حال الخلافة ~~والإمامة ونحوها من الأمور التي قد علم أنها لا تكون ولا تقع. # وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} قيل فيه ~~وجوه: أحدها: أن لكل واحد حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في أمره ~~ولطف له فيه حتى استحقه وبلغ علو المنزلة به, فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير, ~~فإن لكل منهم حظه ونصيبه غير مبخوس ولا منقوص والآخر: أن لكل أحد جزاء ما ~~اكتسب فلا يضيعه بتمني ما لغيره محبطا لعمله. وقيل فيه: إن لكل فريق من ~~الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعم الدنيا, فعليه أن يرضى بما قسم الله ~~له. # وقوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} قيل فيه: إن ms1549 معناه إن احتجتم إلى ما ~~لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله, لا بأن تتمنوا ما لغيركم; ~~إلا أن هذه المسألة تغني إن تكن معقودة بشريطة المصلحة, والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV02P230 ### | باب العصبة # قال الله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} . قال ~~ابن عباس # PageV02P230 ### | باب ولاء الموالاة # قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} روى طلحة بن # PageV02P232 ### | مطلب: في معنى قوله: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قالوا: ~~يا رسول الله هذا يعينه مظلوما فكيف يعينه ظالما؟ قال: "أن ترده عن الظلم ~~فذلك معونة منك له". # وكان في حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "لا حلف في الإسلام" التحالف على النصرة والمحاماة من غير ~~نظر في دين أو حكم وأمر باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على ~~نفسه, ونفى أيضا أن يكون الحليف أولى بالميراث من الأقارب; فهذا معنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام". وأما قوله: " وأيما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" فإنه يحتمل أن الإسلام قد زاده شدة ~~وتغليظا في المنع منه وإبطاله, فكأنه قال: إذا لم يجز الحلف في الإسلام مع ~~ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم فحلف الجاهلية أبعد من ذلك. # قال أبو بكر: وعلى نحو ما ذكرنا من التوارث بالموالاة قال أصحابنا فيمن ~~أوصى بجميع ماله ولا وارث له إنه جائز, وقد بينا ذلك فيما سلف وذلك; لأنه ~~لما جاز له أن يجعل ميراثه لغيره بعقد الموالاة ويزويه عن بيت المال, جاز ~~له أن يجعله لمن شاء بعد موته بالوصية; إذ كانت الموالاة إنما تثبت بينهما ~~بعقده وإيجابه وله أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه, فأشبهت الوصية التي ~~تثبت بقوله وإيجابه ومتى شاء رجع فيها; إلا أنها تخالف الوصية من وجه, وهو ~~أنه وإن كان يأخذه بقوله فإنه يأخذه على وجه الميراث ms1550 ألا ترى أنه لو ترك ~~الميت ذا رحم كان أولى بالميراث من مولى الموالاة؟ ولم يكن في الثلث بمنزلة ~~من أوصى لرجل بماله فيجوز له منه الثلث بل لا يعطى شيئا إذا كان له وارث من ~~قرابة أو ولاء عتاقة, فولاء الموالاة يشبه الوصية بالمال من وجه إذا لم يكن ~~له وارث, ويفارقها من وجه على نحو ما بينا والله أعلم. # PageV02P235 ### | باب ما يجب على المرأة من طاعة زوجها # قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~وبما أنفقوا من أموالهم} . روى يونس عن الحسن أن رجلا جرح امرأته, فأتى ~~أخوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~القصاص فأنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} الآية, فقال صلى الله ~~عليه وسلم: "أردنا أمرا وأراد الله غيره". وروى جرير بن حازم عن الحسن قال: ~~لطم رجل امرأته, فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله ~~عليه وسلم: عليكم القصاص فأنزل الله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه} [طه: 114] , ثم أنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} . # قال أبو بكر: الحديث الأول يدل على أن لا قصاص بين الرجال والنساء فيما ~~دون النفس, وكذلك روي عن الزهري. والحديث الثاني جائز أن يكون لطمها; لأنها ~~نشزت عليه, وقد أباح الله تعالى ضربها عند النشوز بقوله: {واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} . فإن قيل: لو كان ضربه إياها ~~لأجل النشوز لما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم القصاص. قيل له: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك قبل نزول هذه الآية التي فيها إباحة الضرب ~~عند النشوز; لأن قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} إلى قوله: ~~{واضربوهن} نزل بعد, فلم يوجب عليهم بعد نزول الآية شيئا, فتضمن قوله: ~~{الرجال قوامون على النساء} قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ ~~والصيانة لما فضل الله به الرجل على المرأة في العقل والرأي وبما ألزمه ~~الله تعالى ms1551 من الإنفاق عليها. فدلت الآية على معان: أحدها: تفضيل الرجل على ~~المرأة في المنزلة وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها, وهذا يدل على أن ~~له إمساكها في بيته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن ~~معصية. ودلت على وجوب نفقتها عليه بقوله: {وبما أنفقوا من أموالهم} وهو ~~نظير قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وقوله ~~تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7] , وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وقوله تعالى: {وبما أنفقوا من ~~أموالهم} منتظم للمهر والنفقة; لأنهما جميعا مما يلزم الزوج لها. # قوله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} يدل على أن في ~~النساء الصالحة; وقوله: {قانتات} , روي عن قتادة: "مطيعات لله تعالى ~~ولأزواجهن" وأصل القنوت مداومة الطاعة, ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. ~~وقوله: {حافظات للغيب بما حفظ الله} , قال عطاء وقتادة: "حافظات لما غاب ~~عنه أزواجهن من ماله وما # PageV02P236 ### | باب النهي عن النشوز # قال الله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن} . قيل في معنى ~~تخافون معنيان: أحدهما: يعلمون; لأن خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه, ~~فجاز أن يوضع مكان" يعلم" "يخاف" كما قال أبو محجن الثقفي: # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # ويكون خفت بمعنى ظننت, وقد ذكره الفراء. وقال محمد بن كعب: "هو الخوف ~~الذي هو خلاف الأمن, كأنه قيل: تخافون نشوزهن بعلمكم بالحال المؤذنة به". ~~وأما النشوز, فإن ابن عباس وعطاء والسدي قالوا: "أراد به معصية الزوج فيما ~~يلزمها من طاعته", وأصل النشوز الترفع على الزوج بمخالفته, مأخوذ من نشز ~~الأرض وهو الموضع المرتفع منها. وقوله تعالى: {فعظوهن} , يعني خوفوهن بالله ~~وبعقابه. وقوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} قال ابن عباس وعكرمة والضحاك ~~والسدي: "هجر الكلام". وقال سعيد بن جبير: "هجر الجماع". وقال مجاهد ~~والشعبي وإبراهيم: "هجر المضاجعة". # وقوله: {واضربوهن} , قال ابن عباس: "إذا أطاعته في المضجع فليس له أن ~~يضربها". وقال مجاهد: "إذا نشزت عن فراشه يقول لها ms1552 اتقي الله وارجعي". ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وغيرهما قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب بعرفات في بطن الوادي فقال: "اتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله, وإن لكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح, ولهن عليكم ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وروى ابن جريج عن عطاء قال: "الضرب غير المبرح ~~بالسواك # PageV02P237 ### | باب الحكمين كيف يعملان # قال الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها} . وقد اختلف في المخاطبين بهذه الآية من هم, فروي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك: "أنه السلطان الذي يترافعان إليه" وقال السدي: "الرجل والمرأة". ~~قال أبو بكر: قوله: {واللاتي تخافون نشوزهن} هو خطاب للأزواج لما في نسق ~~الآية من الدلالة عليه, وهو قوله: {واهجروهن في المضاجع} , وقوله: {وإن ~~خفتم شقاق بينهما} الأولى أن يكون خطابا للحاكم الناظر بين الخصمين والمانع ~~من التعدي والظلم وذلك; لأنه قد بين أمر الزوج وأمره بوعظها وتخويفها بالله ~~ثم بهجرانها في المضجع إن لم تنزجر ثم بضربها إن أقامت على نشوزها, ثم لم ~~يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم ~~ويتوجه حكمه عليهما. وروى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت سعيد بن جبير عن ~~الحكمين, فغضب وقال: "ما ولدت; إذ ذاك"; فقلت: إنما أعني حكمي شقاق, قال: ~~"إذا كان بين الرجل وامرأته درء1 وتدارؤ بعثوا حكمين فأقبلا على الذي جاء ~~التدارؤ من قبله فوعظاه, فإن أطاعهما وإلا أقبلا على الآخر, فإن سمع منهما ~~وأقبل إلى الذي يريدان وإلا حكما بينهما, فما حكما من شيء فهو جائز". وروى ~~عبد الوهاب قال: حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير في المختلعة: "يعظها فإن انتهت ~~وإلا هجرها وإلا ضربها, فإن ms1553 انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان, فيبعث حكما ~~من أهلها وحكما من أهله, فيقول الحكم الذي من أهلها يفعل كذا ويفعل كذا, ~~ويقول الحكم الذي من أهله تفعل به كذا وتفعل به كذا, فأيهما كان أظلم رده ~~إلى السلطان وأخذ فوق يده, وإن كانت ناشزا أمروه أن يخلع". # قال أبو بكر: وهذا نظير العنين والمجبوب والإيلاء في باب أن الحاكم هو ~~الذي PageV02P238 ### | باب الخلع دون السلطان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والشافعي: ~~"يجوز الخلع بغير سلطان" وروي مثله عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم. ~~وقال الحسن وابن سيرين: "لا يجوز الخلع إلا عند السلطان". والذي يدل على ~~جوازه عند غير سلطان قوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} [النساء: 4] اقتضى ظاهره جواز أخذه ذلك منها على وجه الخلع وغيره. ~~وقال تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ولم يشترط ذلك ~~عند السلطان. وكما جاز عقد النكاح وسائر العقود عند السلطان وعند غيره, ~~كذلك يجوز الخلع; إذ لا اختصاص في الأصول لهذه العقود بكونها عند السلطان; ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P242 ### | باب بر الوالدين # قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} ~~فقرن تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما, ~~كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} ~~[لقمان: 14] , وكفى بذلك دلالة # PageV02P242 ### | ذكر الخلاف في الشفعة بالجوار # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "الشريك في المبيع أحق من الشريك في ~~الطريق, ثم الشريك في الطريق أحق من الجار الملازق, ثم الجار الملازق ~~بعدهما" وهو قول ابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح. وقال مالك والشافعي: ~~"لا شفعة إلا # PageV02P245 ### | مطلب: إذا خرج الكلام على سبب فلا مفهوم له عند الفقهاء # وأيضا جائز أن يكون ذلك كلاما خرج على سبب, فنقل الراوي لفظ النبي صلى ~~الله عليه وسلم وترك نقل السبب, نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار ms1554 والآخر ~~شريك, فيحكم بالشفعة للشريك دون الجار; وقال: فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ~~لصاحب النصيب المقسوم مع الجار; كما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا ربا إلا في النسيئة" وهو عند سائر الفقهاء كلام خارج ~~على سبب اقتصر فيه راويه على نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر ~~السبب, وهو أن يكون سئل عن النوعين المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع ~~أحدهما بالآخر, فقال صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة" يعني ~~فيما سئل عنه; كذلك ما ذكرنا. وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة بالجوار ~~وأخبار نفيها, لكانت أخبار الإيجاب أولى من أخبار النفي; لأن الأصل أنها ~~غير واجبة حتى يرد الشرع بإيجابها, فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل وخبر ~~إثباتها ناقل عنه وارد بعده فهو أولى. # فإن قيل: يحتمل أن يريد بالجار الشريك. قيل له: هذه الأخبار التي رويناها ~~أكثرها ينفي هذا التأويل; لأن فيها أن جار الدار أحق بشفعة داره, والشريك ~~لا يسمى جار الدار; وحديث جابر قال فيه: "ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان ~~طريقهما واحدا" وغير جائز أن يكون هذا في الشريك في المبيع. وأيضا فإن ~~الشريك لا يسمى جارا; لأنه لو استحق اسم الجوار بالشركة لوجب أن يكون كل ~~شريكين في شيء جارين, كالشريكين في عبد واحد ودابة واحدة, فلما لم يستحق ~~اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك على أن الشريك لا يسمى جارا, ~~وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك ويتميز ملك كل واحد عن ~~ملك صاحبه. وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة; لأنها تقتضي حصول ~~الجوار بالقسمة. والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء لا توجب الشفعة ~~لعدم حصول الجوار بها عند القسمة, فدل ذلك على أن الشركة في العقار إنما ~~تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة, وإن كان الشريك أحق ~~من الجار # PageV02P248 ### | مطلب: في معنى البخل لغة وشرعا # قوله تعالى: {الذين ms1555 يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله ~~من فضله} . قيل في معنى البخل في اللغة: إنه مشقة الإعطاء, وقيل: البخل منع ~~ما لا ينفع منعه ولا يضر بذله. وقيل: البخل منع الواجب, ونظيره الشح, ~~ونقيضه الجود. وقد عقل من معناه في أسماء الدين أنه منع الواجب. ويقال: إنه ~~لا يصح إطلاقه في الدين إلا على جهة أن فاعله قد أتى كبيرة بالمنع قال الله ~~تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو ~~شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] فأطلق الوعيد على ~~من بخل بحق الله الذي أوجبه في ماله. وأما قوله تعالى: {ويكتمون ما آتاهم ~~الله من فضله} فإنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي أنها نزلت في اليهود ~~إذ بخلوا بما أعطوا من الرزق. وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: هو فيمن كان بهذه الصفة وفيمن كتم نعم الله وأنكرها, وذلك ~~كفر بالله تعالى. # قال أبو بكر: الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر, وأصل الكفر ~~إنما هو من تغطية نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها. وهذا يدل على أنه جائز ~~للإنسان أن يتحدث بنعم الله عنده, لا على جهة الفخر بل على جهة الاعتراف ~~بالنعمة والشكر للمنعم, وهو كقوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى:11] وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر, وأنا أفصح العرب ولا ~~فخر" فأخبر بنعم الله عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه الافتخار. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم خيرا منه, ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه ~~الافتخار. وقال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} . [لنجم: 32] ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يمدح رجلا فقال: "لو ~~سمعك لقطعت ظهره". ورأى المقداد رجلا يمدح عثمان PageV02P250 ### | باب الجنب ms1556 يمر في المسجد # ... # لصلاة المغرب فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:1] فالتبس عليه ~~فأنزل الله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} . وحدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس, في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس} [البقرة: 219] , وقال في سورة النساء: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون} ثم نسختها هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] الآية. قال أبو عبيد: ~~وحدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: ~~219] قال: وقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون} قال: "كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها". قال ~~أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال ~~عمر: اللهم بين لنا في الخمر فنزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} , وذكر الحديث. قال أبو عبيد: وحدثنا هشيم قال: أخبرنا ~~مغيرة عن أبي رزين قال: "شربت الخمر بعد الآية التي في سورة البقرة والتي ~~في سورة النساء, وكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت الصلاة تركوها, ~~ثم حرمت في المائدة". # قال أبو بكر: فأخبر هؤلاء أن المراد السكر من الشراب, وأخبر ابن عباس ~~وأبو رزين أنهم تركوا شربها بعد نزول الآية عند الصلاة وشربوها في غير ~~أوقات الصلوات; ففي هذا دلالة على أنهم عقلوا من قوله تعالى: {لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى} النهي عن شربها في الحال التي يكونون فيها سكارى عند ~~لزوم فرض الصلاة, وهذا يدل على أن قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} إنما أفاد النهي عن شربها في أوقات الصلوات, وكان معناه: لا يكن ~~منكم شرب ms1557 تصيرون به إلى حال السكر عند أوقات الصلوات فتصلوا وأنتم سكارى ~~وذلك أنهم لما كانوا متعبدين بفعل الصلوات في أوقاتها منهيين عن تركها, قال ~~تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} , وقد علمنا أنه لم ينسخ بذلك فرض ~~الصلاة, كان في مضمون هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند أوقات الصلوات, ~~كما أنه لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يقبل الله صلاة بغير طهور". وكما قال تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا} , كان ذلك نهيا عن ترك الطهارة ولم يكن نهيا عن فعل الصلاة. ولم ~~يوجب كون الإنسان جنبا أو محدثا # PageV02P253 ### | مطلب: ورد من بعض الخصوصيات لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم # وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح, وقول الراوي: "لأنه كان ~~بيته في المسجد" ظنا منه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر في الحديث ~~الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم ~~في المسجد, وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره, كما خص ~~جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء, وكما خص حنظلة بغسل ~~الملائكة له حين قتل جنبا, وخص دحية الكلبي بأن جبريل كان ينزل على صورته, ~~وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل; فثبت بذلك أن سائر ~~الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين. وأما ما روى جابر: ~~"كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب" فلا حجة فيه; لأنه لم يخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره عليه, وكذلك ما روي عن عطاء بن ~~يسار: "كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة ~~فيتوضئون ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه" لا دلالة فيه للمخالف; لأنه ليس ~~فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه بعد علمه بذلك منهم ولأنه جائز ~~أن ms1558 يكون ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحظر عليهم ذلك; ولو ~~ثبت جميع ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روي ما وصفنا لكان خبر الحظر ~~أولى; لأنه طارئ على الإباحة لا محالة فهو متأخر عنها ولما ثبت باتفاق ~~الفقهاء حظر القعود فيه لأجل الجنابة تعظيما لحرمة المسجد وجب أن يكون كذلك ~~حكم الاجتياز تعظيما للمسجد; ولأن العلة في حظر القعود فيه هو الكون فيه ~~جنبا وذلك موجود في الاجتياز, # PageV02P256 ### | مطلب: في بيان التزكية المنهي عنها # قال أبو بكر: وهذا يدل على أن النهي عن التزكية من هذا الوجه, وقال الله: ~~{فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] , وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: {إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب} . # قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} . روي عن ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك والسدي وعكرمة: "أن المراد بالناس ههنا هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة". وقال قتادة: "العرب". وقال آخرون: "النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه"; وهذا أولى; لأن أول الخطاب في ذكر اليهود, وقد كانوا ~~قبل ذلك يقرءون في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P258 ### | باب ما أوجب الله تعالى من أداء الأمانات # قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} اختلف أهل ~~التفسير في المأمورين بأداء الأمانة في هذه الآية من هم, فروي عن زيد بن ~~أسلم ومكحول وشهر بن حوشب أنهم ولاة الأمر. وقال ابن جريج: "إنها نزلت في ~~عثمان بن طلحة, أمر بأن ترد عليه مفاتيح الكعبة". وقال ابن عباس وأبي بن ~~كعب والحسن وقتادة: "هو في كل مؤتمن على شيء "; وهذه أولى; لأن قوله تعالى: ~~{إن الله يأمركم} خطاب يقتضي عمومه سائر المكلفين فغير جائز الاقتصار به ~~على بعض الناس دون بعض إلا بدلالة; وأظن من تأوله على ولاة الأمر ذهب إلى ~~قوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} لما كان خطابا لولاة ~~الأمر كان ابتداء الخطاب ms1559 منصرفا إليهم; وليس ذلك كذلك; إذ لا يمتنع أن يكون ~~أول الخطاب عموما في سائر الناس وما عطف عليه # PageV02P259 ### | باب ما أمر الله تعالى به من الحكم بالعدل # قال الله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} , وقال تعالى: ~~{إن الله يأمر بالعدل والأحسان} [النحل: 90] , وقال تعالى: {وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى} [الأنعام: 152] . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال: حدثنا عبيد بن حباب الحلي قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ~~قال: قال ثابت الأعرج: أخبرني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا ~~استرحمت رحمت". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عبد ~~الرحمن المقري عن كهمس بن الحسن عن عبد الله الأسلمي قال: شتم رجل ابن ~~عباس, فقال له ابن عباس: "إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية ~~من كتاب الله تعالى فلوددت بالله أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم, وإني ~~لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضى إليه ~~أبدا, وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح به وما لي ~~من سائمة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن ~~حميد عن الحسن قال: "إن الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى, ~~وأن يخشوه ولا يخشوا الناس, وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قرأ: {يا ~~داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} [ص: ~~26] الآية; وقال الله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا} إلى قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا ms1560 قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] . # PageV02P263 ### | باب في طاعة أولي الأمر # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} . قال أبو بكر: اختلف في تأويل أولي الأمر, فروي عن جابر بن ~~عبد الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد: "أنهم أولو الفقه والعلم", ~~وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة: "أنهم أمراء السرايا". ويجوز أن يكونوا ~~جميعا مرادين بالآية; لأن الاسم يتناولهم جميعا; لأن الأمراء يلون أمر ~~تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو, والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز ~~مما لا يجوز, فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان ~~العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون; وهو نظير قوله ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الانبياء: 7] . ومن الناس ~~من يقول: إن الأظهر من أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء; لأنه قدم ذكر الأمر ~~بالعدل; وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة, ثم عطف ~~عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا ~~عدولا مرضيين وليس بممتنع أن يكون ذلك أمرا بطاعة الفريقين من أولي الأمر ~~وهم أمراء السرايا والعلماء; إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب ~~الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء دون غيرهم. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أطاع أميري فقد أطاعني". وروى الزهري عن ~~محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالخيف من منى فقال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها, فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا ~~يغل1 عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله تعالى" وقال بعضهم: "وطاعة ذوي ~~الأمر" وقال بعضهم: "والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين, فإن ~~دعوتهم تحيط من وراءهم". والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي الأمر ~~الأمراء. وقوله تعالى عقيب ms1561 ذلك: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء; لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ~~ثم قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , فأمر أولي الأمر ~~برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم; إذ كانت ~~العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم; لأنهم لا يعرفون كيفية الرد ~~إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث فثبت أنه خطاب ~~للعلماء. PageV02P264 ### | مطلب: في إبطال قول الرافضة يشترط أن يكون الإمام معصوما # واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول الرافضة في الإمامة بقوله تعالى: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} , قال: فليس يخلو أولو ~~الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي يدعونه, فإن كان ~~المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام, والفقهاء والأمراء يجوز ~~عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا بطاعتهم. وهذا يبطل أصل ~~الإمامة فإن شرط الإمام عندهم أن يكون معصوما لا يجوز عليه الغلط والخطأ ~~والتبديل والتغيير; ولا يجوز أن يكون المراد الإمام; لأنه قال في نسق ~~الخطاب: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , فلو كان هناك إمام ~~مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف والتنازع, فلما أمر ~~برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دل ذلك على ~~بطلان قولهم في الإمامة, ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال: فردوه إلى ~~الإمام; لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل الكتاب والسنة, فلما ~~أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى ~~الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض الطاعة في أحكام الحوادث ~~المتنازع فيها, وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها إلى نظائرها من الكتاب ~~والسنة. # وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وهذا تأويل فاسد; لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي طالب ms1562 ~~رجل واحد. وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في أيام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا أمراء وقد كان على المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية, وكذلك ~~حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم ما لم تكن ~~معصية. # PageV02P265 ### | مطلب: قي بيان مراد من قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} # وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} روي عن مجاهد ~~وقتادة وميمون بن مهران والسدي: "إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم". قال أبو بكر: وذلك عموم في وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم. والرد ~~إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ~~ومعناه, والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره به من طريق ~~القياس والنظائر; وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعا, فوجب إذا تنازعنا في ~~شيء رده إلى نص # PageV02P265 ### | مطلب: يجوز الاجتهاد في حالين مع وجوده صلى الله عليه وسلم # فإن قيل: لما كانت الصحابة مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي ~~والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل كان عليهم ~~التسليم له واتباع أمره دون تكلف الرد من طريق القياس, ثبت أن المراد ~~استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه. قيل له: هذا ~~غلط وذلك; لأن استعمال الرأي والاجتهاد ورد الحوادث إلى نظائرها من المنصوص ~~قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حالين ولم يكن يجوز في ~~حال; فأما الحالان اللتان كانتا يجوز فيهما الاجتهاد في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإحداهما في ms1563 حال غيبتهم عن حضرته, كما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن فقال له: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " ~~قال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة نبي ~~الله, قال: فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ~~لا آلو, قال: فضرب بيده على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول # PageV02P266 ### | باب وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} , وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} , وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} , وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فأكد جل وعلا بهذه ~~الآيات وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأبان أن طاعته طاعة الله, ~~وأفاد بذلك أن معصيته معصية الله; وقال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] , فأوعد على ~~مخالفة أمر الرسول, وجعل مخالف أمر الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به ~~والشاك فيه خارجا من الإيمان بقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} # PageV02P267 ### | مطلب: فيما دلت عليه هذه الآية من وجوب القول بالقياس # وفي هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام ~~الحوادث; وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حياته إذا كانوا بحضرته وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلى الله ~~عليه وسلم; وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى ~~استنباطه, فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه ومنها ما هو مودع ~~في النص قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه فقد حوت هذه ~~الآية معاني: منها أن في أحكام ms1564 الحوادث ما ليس بمنصوص عليه بل مدلول عليه. ~~ومنها أن على العلماء استنباطه والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من ~~المنصوص. ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث. ومنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها ~~بدلائلها; لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول, وإلى أولي الأمر, ثم قال: ~~{لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول; وفي ذلك ~~دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال. # فإن قيل: ليس هذا استنباطا في أحكام الحوادث, إنما هو في الأمن والخوف من ~~العدو, لقوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فإنما ذلك في ~~شأن الأراجيف التي كان المنافقون يرجفون بها, فأمرهم الله بترك العمل بها ~~ورد ذلك إلى الرسول, وإلى الأمراء حتى لا يفتوا1 في أعضاد المسلمين إن كان ~~شيء يوجب الخوف, وإن كان شيئا يوجب الأمن لئلا يأمنوا فيتركوا الاستعداد ~~للجهاد والحذر من الكفار; فلا دلالة في ذلك على جواز الاستنباط في أحكام ~~الحوادث. قيل له: قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} ليس ~~بمقصور على أمر العدو; لأن الأمن والخوف قد يكونان فيما PageV02P270 ### | مطلب: إذا عقد الإمام عهدا بينه زبين قوم يدخل من كان في حيزهم وأهل نصرتهم # قال أبو بكر: إذا عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار فلا محالة ~~يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء بعد أن ~~يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم, وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في ~~العهد ما لم يشرط, ومن شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين فهو ~~داخل فيهم إذا عقد العهد على ذلك كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش. # وأما قول من قال: "إن ذلك منسوخ" فإنما أراد أن معاهدة المشركين ~~وموادعتهم منسوخة بقوله: {فاقتلوا ms1565 المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] , ~~فهو كما قال; لأن الله أعز الإسلام وأهله, فأمروا أن لا يقبلوا من مشركي ~~العرب إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] فهذا حكم ثابت في مشركي العرب, فنسخ به ~~الهدنة والصلح وأقرهم على الكفر وأمرنا في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا ~~أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: {"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] فغير جائز للإمام أن يقر أحدا من أهل سائر الأديان على الكفر ~~من غير جزية. وأما مشركو العرب فقد كانوا أسلموا في زمن الصحابة ورجع من ~~ارتد منهم إلى الإسلام بعدما قتل من قتل منهم, فهذا وجه صحيح في نسخ معاهدة ~~أهل الكفر على غير جزية والدخول في الذمة على أن تجري عليهم أحكامنا فكان ~~ذلك حكما ثابتا بعدما أعز الله الإسلام وأظهر أهله على سائر المشركين, ~~فاستغنوا بذلك عن العهد والصلح. إلا أنه إن احتيج إلى ذلك في وقت لعجز ~~المسلمين عن مقاومتهم أو خوف منهم على أنفسهم أو # PageV02P276 ### | باب قتل الخطإ # قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} . قال أبو بكر: ~~قد اختلف في معنى" كان" ههنا, فقال قتادة: "معناه ما كان له ذلك في حكم ~~الله وأمره". وقال آخرون: "ما كان له سبب جواز قتل". وقال آخرون: "ما كان ~~له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن". # PageV02P278 ### | مطلب: تصح البراءة ما لم يردها المبرأ # تصح البراءة ما لم يردها المبرأ. قوله تعالى: {إلا أن يصدقوا} قال أبو ~~بكر: يعني والله أعلم إلا أن يبرئ أولياء القتيل من الدية; فسمي الإبراء ~~منها صدقة. وفيه دليل على أن من كان له على آخر دين # PageV02P285 ### | باب شبه العمد # قال أبو بكر أصل أبي حنيفة في ذلك أن العمد ما كان بسلاح أو ما يجري ~~مجراه, # PageV02P286 ### | فصل # وأما ما ms1566 دون النفس فإنه ليس فيه شبه العمد من جهة الآلة, ويجب فيه القصاص ~~بحجر شجه أو بحديد, وفيه شبه العمد من جهة التغليظ إذا تعذر فيه القصاص; ~~وإنما لم يثبت فيما دون النفس شبه العمد لأن الله تعالى قال: {والجروح ~~قصاص} [المائدة: 45] وقال: {والسن بالسن} [المائدة: 45] , ولم يفرق بين ~~وقوعها بحديد أو غيره. والأثر إنما ورد في إثبات خطإ العمد في القتل, وذلك ~~اسم شرعي لا يجوز إثباته إلا من طريق التوقيف, ولم يرد فيما دون النفس ~~توقيف في شبه العمد فيه, وأثبتوا فيه التغليظ إذا لم يمكن فيه القصاص; لأنه ~~بمنزلة شبه العمد حين كان عمدا في الفعل. وقد روي عن عمر نضر الله وجهه" ~~أنه قضى على قتادة المدلجي حين حذف ابنه بالسيف فقتله بمائة من الإبل مغلظة ~~"; حين كان عمدا سقط فيه القصاص, كذلك فيما دون النفس إذا كان عمدا قد سقط ~~فيه القصاص إيجاب قسطه من الدية مغلظا; ومع ذلك فلا نعلم خلافا بين الفقهاء ~~في إيجاب القصاص في الجراحات التي يمكن القصاص فيها بأي شيء جرح. قال أبو ~~بكر: قد ذكرنا الخطأ وشبه العمد وبينا العمد في سورة البقرة; والله أعلم. # PageV02P291 ### | باب مبلغ الدية من الإبل # قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الدية وأنها مائة ~~من الإبل, فمنها حديث سهل بن أبي حثمة في القتيل الموجود بخيبر وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وداه بمائة من الإبل. وروى سفيان بن عيينة عن علي بن ~~زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة فقال: "ألا إن قتيل خطإ العمد بالسوط والعصا فيه الدية ~~مغلظة مائة من الإبل أربعون خلفة في بطونها أولادها". وفي كتاب عمرو بن حزم ~~الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وفي النفس مائة من الإبل". ~~وروى عمرو بن دينار عن طاوس قال: فرض رسول الله دية الخطإ مائة من الإبل ~~وذكر علي بن موسى القمي ms1567 قال: حدثنا # PageV02P291 ### | باب أسنان الإبل في دية الخطإ # قال أبو بكر: اختلف السلف في ذلك, فروى علقمة والأسود عن عبد الله بن ~~مسعود في دية الخطإ أخماسا: "عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض ~~وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون". وعن عمر بن الخطاب أخماسا أيضا. وروى ~~عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطإ أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس ~~وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون أربعة أسنان مثل ~~أسنان الزكاة". وقال عثمان وزيد بن ثابت: "في الخطإ ثلاثون بنات لبون ~~وثلاثون جذعة وعشرون بنو لبون وعشرون بنات مخاض" وروي عنهما مكان الجذاع ~~الحقاق. # قال أبو بكر: واتفق فقهاء الأمصار أصحابنا ومالك والشافعي أن دية الخطإ ~~أخماس, إلا أنهم اختلفوا في الأسنان من كل صنف, فقال أصحابنا جميعا: عشرون ~~بنات مخاض وعشرون بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة" وقال ~~مالك والشافعي: "عشرون بنات مخاض وعشرون بنو لبون وعشرون بنات لبون وعشرون ~~حقة وعشرون جذعة". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود بن ~~توبة التمار قال: حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدثنا أبو معاوية قال: ~~حدثنا حجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية في الخطإ أخماسا. واتفاق الفقهاء ~~على استعمال هذا الخبر في الأخماس يدل على صحته; ولم يبين فيه كيفية ~~الأسنان, فروى منصور عن إبراهيم عن ابن مسعود في دية الخطإ أخماسا وذكر ~~الأسنان مثل قول أصحابنا, فهذا يدل على أن الأخماس التي رواها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانت على هذا الوجه; لأنه غير جائز أن يروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه إلى غيره. # فإن قيل: خشف بن مالك مجهول. قيل له استعمال الفقهاء لخبره في إثبات # PageV02P292 ### | باب أسنان الإبل في شبه العمد # روي عن عبد الله بن مسعود في شبه العمد أرباعا خمس وعشرون ms1568 بنات مخاض وخمس ~~وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة, وهي مثل أسنان الإبل ~~في الزكاة". وروي عن علي وعمر وأبي موسى والمغيرة بن شعبة: "في شبه العمد ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة". ~~وعن عثمان وزيد بن ثابت: "ثلاثون بنات لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة ~~خلفة". وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي: "في شبه العمد ثلاث وثلاثون ~~حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها, كلها خلفة". # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "دية شبه العمد ~~أرباع" على ما روي عن عبد الله بن مسعود. وقال محمد دية شبه العمد أثلاث: ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة, ~~والخلفة هي الحوامل" وهو قول سفيان الثوري. وروي مثله عن عمر وزيد بن ثابت ~~ومن قدمنا ذكره # PageV02P293 ### | مطلب: في دية المقتول في الحرم والشهر الحرام # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المقتول في الحرم والشهر الحرام, فقال ~~أبو حنيفة ومحمد وزفر وابن أبي ليلى ومالك: "القتل في الحرم والشهر الحرام ~~كهو في غيره فيما يجب من الدية والقود". وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر ~~الحرام والحرم هل تغلظ الدية فيه؟ قال: "بلغنا أنه إذا قتل في الحرم أو ~~الشهر الحرام زيد على العقل ثلثه ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل". وذكر ~~المزني عن الشافعي في مختصره, وذكر تغليظ الدية في شبه العمد وقال: "الدية ~~في هذا على العاقلة, وكذلك الجراح, وكذلك التغليظ في النفس والجراح في ~~الشهر الحرام والبلد الحرام وذوي الرحم" وروي عن عثمان أنه قضى في دية ~~امرأة قتلت بمكة بدية وثلث وروى إبراهيم عن الأسود أن رجلا أصيب عند البيت, ~~فسأل عمر عليا, فقال له علي: "ديته من بيت المال" فلم ير فيه علي أكثر من ~~الدية, ولم يخالفه عمر. وقال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} ms1569 وهو عام في الحل والحرم, ولما كانت الكفارة في ~~الحرم كهي في الحل لا فرق بينهما وإن كان ذلك كله حقا لله تعالى, وجب أن ~~تكون الدية كذلك; إذ الدية حق لآدمي ولا تعلق لها بالحرم ولا بالشهر ~~الحرام; لأن حرمة الحرم والشهر الحرام إنما هي حق لله تعالى, فلو كان لحرمة ~~الحرم والأشهر تأثير في إلزام الغرم لكان تأثيره في الكفارة التي هي حق ~~الله تعالى أولى. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن قتيل ~~خطإ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل" ولم يفرق بين الحل والحرم. ~~وقد اختلف التابعون في ذلك, فروي عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي ~~بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار: ~~"الدية في الحرم كهي في غيره, وكذلك الشهر الحرام". وروي عن القاسم بن محمد ~~وسالم بن عبد الله: "أن من قتل في الحرم زيد على ديته مثل ثلثها" والله ~~أعلم. # PageV02P296 ### | باب الدية من غير الإبل # قال أبو حنيفة: "الدية من الإبل والدراهم والدنانير, فمن الدراهم عشرة ~~آلاف درهم ومن الدنانير ألف دينار". وأبو حنيفة لا يرى الدية إلا من الإبل ~~والورق والذهب # PageV02P296 ### | باب ديات أهل الكفر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن ~~بن صالح دية الكافر مثل دية المسلم اليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد ~~والذمي سواء". وقال مالك بن أنس دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ~~ودية المجوسي ثمانمائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك". وقال الشافعي ~~دية اليهودي والنصراني ثلث الدية ودية المجوسي ثمانمائة والمرأة على النصف" # قال أبو بكر: الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله عز وجل: {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} إلى ~~قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} والدية اسم ~~لمقدار معلوم من المال بدلا من نفس الحر; لأن الديات قد ms1570 كانت متعالمة ~~معروفة بينهم قبل الإسلام وبعده, فرجع الكلام إليها في قوله في قتل المؤمن ~~خطأ ثم لما عطف عليه قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله} كانت هذه الدية هي الدية المذكورة بديا; إذ لو لم تكن كذلك ~~لما كانت دية; لأن الدية اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ولا ينقص. ~~وقد كانوا قبل ذلك يعرفون مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق بين دية ~~المسلم والكافر فوجب أن تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت للمسلم, ~~وأن يكون قوله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} راجعا إليها, كما عقل من دية ~~المسلم أنها المعتاد المتعارف عندهم, ولولا أن ذلك كذلك لكان اللفظ مجملا ~~مفتقرا إلى البيان, وليس الأمر كذلك. # فإن قيل: فقوله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} لا يدل على أنها مثل دية ~~المسلم, كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن ~~تكون دية كاملة لها. قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى إنما ~~ذكر الرجل في الآية فقال: {ومن قتل مؤمنا خطأ} ثم قال: {وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} , فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم ~~كمال الدية كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في ~~مقدار الدية. والوجه الآخر: أن دية # PageV02P298 ### | باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا # قال الله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} ~~روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فإن كان من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن} قال: "يكون الرجل مؤمنا وقومه كفارا فلا دية له ولكن عتق ~~رقبة مؤمنة". قال أبو بكر: هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل ~~أن يهاجر إلينا; لأنه غير جائز أن يكون مراده في المؤمن في دار الإسلام إذا ~~قتل وله أقارب كفار لأنه لا خلاف ms1571 بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت ~~المال, وأن كون أقربائه كفارا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث ~~لا يرثونه. # وروى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس: {فإن كان من قوم عدو لكم} ~~الآية, قال: "كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم, ثم يرجع إلى ~~قومه فيكون فيهم فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غزاة, فيعتق الذي يصيبه ~~رقبة". قال أبو بكر: إذا أسلم في دار الإسلام لم تسقط ديته برجوعه إلى دار ~~الحرب كسائر المسلمين; لأن ما بينه وبين المشركين من القرابة لا تأثير له ~~في إسقاط قيمة دمه, كسائر أهل دار الإسلام إذا دخلوا دار الحرب بأمان, على ~~القاتل الدية. وروي عن أبي عياض مثل ما روي عن ابن عباس. وقال قتادة: "هو ~~المسلم يكون في المشركين فيقتله المؤمن ولا يدري ففيه عتق رقبة وليس فيه ~~دية". وهذا على أن يقتل قبل الهجرة إلى دار الإسلام. وروى مغيرة عن ~~إبراهيم: {فإن كان من قوم عدو لكم} قال: "هو المؤمن يقتل وقومه مشركون ليس ~~بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد, فعليه تحرير رقبة, وإن كان بينهم ~~وبين النبي عليه السلام عهد أدى ديته إلى قرابته الذين بينهم وبين النبي ~~عليه السلام عهد". قال أبو بكر: وهذا لا معنى له, من قبل أن أقرباءه لا ~~يرثونه لأنهم كفار وهو مسلم فكيف يأخذون ديته وإن كان قومه أهل حرب وهو من ~~أهل دار الإسلام فالدية واجبة لبيت المال كمسلم قتل في دار الإسلام ولا ~~وارث له. # وقد اختلف فقهاء الأمصار فيمن قتل في دار الحرب وهو مؤمن قبل أن يهاجر, ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في الرواية المشهورة ومحمد في الحربي يسلم. ~~فيقتله مسلم # PageV02P301 ### | مطلب: في حكم دم المسلم وماله إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا # وأما قول الشافعي في أن من أصاب مسلما في دار الحرب وهو لا يعلمه مسلما ~~فلا شيء عليه, وإن علم بإسلامه أقيد به; فإنه ms1572 متناقض من قبل أنه إذا ثبت أن ~~لدمه قيمة لم يختلف حكم العمد والخطإ في وجوب بدله في العمد وديته في ~~الخطإ, فإذا لم يجب في الخطإ شيء كذلك حكم العبد فيه. ولما ثبت بما قدمنا ~~أنه لا قيمة لدم المقيم في دار الحرب بعد إسلامه قبل الهجرة إلينا وكان ~~مبقى على حكم الحرب وإن كان محظور الدم أجروه أصحابنا مجرى الحربي في إسقاط ~~الضمان عن متلف ماله; لأن دمه أعظم حرمة من ماله, ولا ضمان على متلف نفسه. ~~فماله أحرى أن لا يجب فيه ضمان, وأن يكون كمال الحربي من هذا الوجه; ولذلك ~~أجاز أبو حنيفة مبايعته على سبيل ما يجوز مبايعة الحربي من بيع الدرهم ~~بالدرهمين في دار الحرب. وأما الأسير في دار الحرب فإن أبا حنيفة أجراه ~~مجرى الذي أسلم هناك قبل أن يهاجر وذلك لأن إقامته هناك لا على وجه الأمان ~~وهو مقهور مغلوب, فلما استويا من هذا الوجه استوى حكمهما في سقوط الضمان عن ~~قاتلهما; والله أعلم. # PageV02P305 ### | ذكر أقسام القتل وأحكامه # قال أبو بكر: القتل ينقسم إلى أربعة أنحاء: واجب, ومباح, ومحظور, وما ليس # PageV02P305 ### | باب القتل العمد هل فيه كفارة # قال الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} فنص على إيجاب ~~الكفارة في قتل الخطإ; وذكر قتل العمد في قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] , وقال: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] , وخصه ~~بالعمد; فلما كان كل واحد من القتيلين مذكورا بعينه ومنصوصا على حكمه لم ~~يجز لنا أن نتعدى ما نص الله تعالى علينا فيهما,; إذ غير جائز قياس ~~المنصوصات بعضها على بعض; وهذا قول أصحابنا جميعا. وقال الشافعي: "على قاتل ~~العمد الكفارة"; ومع ذلك ففي إثبات الكفارة في العمد زيادة في حكم النص, ~~وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ; وأيضا فغير جائز ~~إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق. وأيضا لما نص الله ~~على حكم كل واحد من القتيلين وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ms1573 أدخل في ~~أمرنا ما ليس منه فهو رد" فموجب الكفارة على العامد مدخل في أمره ما ليس ~~منه. # فإن قيل: لما وجبت الكفارة في الخطإ فهي في العمد أوجب; لأنه أغلظ. قيل ~~له: ليست هذه الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها; لأن المخطئ ~~غير آثم, فاعتبار المأثم فيه ساقط; وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سجود السهو على الساهي, ولا يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ. # فإن احتجوا بحديث ضمرة عن إبراهيم بن عبلة عن العريف بن الديلي عن واثلة ~~بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب ~~يعني النار بالقتل, فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من ~~النار". قيل له رواه ابن المبارك وهانئ بن عبد الرحمن بن أخي إبراهيم بن ~~أبي عبلة هذا الحديث عن أبي عبلة, فلم يذكر أنه أوجب بالقتل; وهؤلاء أثبت ~~من ضمرة بن ربيعة. ومع ذلك لو ثبت الحديث على ما رواه ضمرة لم يدل على قول ~~المخالف من وجوه: أحدها: أنه تأويل من الراوي في قوله: "أوجب النار بالقتل" ~~لأنه قال: يعني بالقتل. والثاني: أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة, ~~فلما لم يشرط لهم الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل; وأيضا ~~فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه, ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه; وأيضا فإن ~~عتق الغير عن القاتل لا يجزيه عن الكفارة. # قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} جعل الله من صفة رقبة القتل الإيمان, ~~ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة, وهذا يدل على أنه عتق الرقبة ~~المؤمنة أفضل من الكافرة; لأن هذه الصفة قد صارت شرطا في الفرض, وكذلك من ~~نذر أن يعتق رقبة # PageV02P307 ### | مطلب: في بيان المراد من قوله عليه السلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلله إلا الله" # قال أبو بكر: لم يجعل اليهودي مسلما بقوله: "أنا مسلم أو مؤمن"; لأنهم ~~كذلك يقولون, ويقولون الإيمان والإسلام هو ms1574 ما نحن عليه; فليس في هذا القول ~~دليل على إسلامه, وليس اليهودي والنصراني بمنزلة المشركين الذين كانوا في ~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم # PageV02P310 ### | مطلب: فيمن قال: "إن خرجت من داري إلا إلى الصلاة فعبدي حر" فخرج إليها ثم لم يصل وتوجه إلى حاجة اخرى لم يحنث # وفيه الدلالة على أن من قال: "إن خرجت من داري إلا إلى الصلاة أو إلى ~~الحج فعبدي حر" فخرج يريد الصلاة أو الحج ثم لم يصل ولم يحج وتوجه إلى حاجة ~~أخرى أنه لا يحنث في يمينه; لأن خروجه بديا كان للصلاة أوللحج لمقارنة ~~النية له, كما كان خروج من خرج مهاجرا قربة وهجرة لمقارنة النية واقتطاع ~~الموت له عن الوصول إلى دار الهجرة لم يبطل حكم الخروج على الوجه الذي وجد ~~بديا عليه, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ~~فأخبر أن أحكام الأفعال متعلقة بالنيات, فإذا كان خروجه على نية الهجرة كان ~~مهاجرا, وإذا كان على نية الغزو كان غازيا. # واستدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من ~~الغنيمة لورثته. وهذه الآية لا تدل على ما قالوا; لأن كونها غنيمة متعلق ~~بحيازتها; إذ لا تكون غنيمة إلا بعد الحيازة; وقال الله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] , فمن مات قبل أن يغنم فهو ~~لم يغنم شيئا فلا سهم له; وقوله تعالى {فقد وقع أجره على الله} لا دلالة ~~فيه على وجوب سهمه; لأنه لا خلاف أنه لو خرج غازيا من بيته فمات في دار ~~الإسلام قبل أن يدخل دار الحرب أنه لا سهم له, وقد وجب أجره على الله كما ~~وجب أجر الذي خرج مهاجرا ومات قبل بلوغه دار هجرته والله أعلم. # PageV02P315 ### | باب صلاة السفر # قال الله تعالى: {وإذا ضربتم ms1575 في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فأباح الله تعالى القصر المذكور في ~~هذه الآية بمعنيين: أحدهما: السفر وهو الضرب في الأرض, والآخر: الخوف. ~~واختلف السلف في معنى القصر المذكور فيها ما هو؟ فروي عن ابن عباس قال: فرض ~~الله تعالى صلاة الحضر أربعا وصلاة السفر ركعتين والخوف ركعة على لسان ~~نبيكم عليه السلام. وروى يزيد # PageV02P315 ### | فصل # قال أبو بكر: وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن صلاة سائر ~~المسافرين ركعتان في أي شيء كان سفرهم من تجارة أو غيرها وذلك; لأن الآثار ~~المروية فيه لم تفرق بين شيء من الأسفار. وقد روى الأعمش عن إبراهيم أن ~~رجلا كان يتجر إلى البحرين, فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: كم أصلي؟ فقال: ~~"ركعتين". وعن ابن عباس وابن عمر: "أنهما خرجا إلى الطائف فقصرا الصلاة". ~~وروي عن عبد الله بن مسعود قال: "لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد". وعن ~~عطاء قال: "لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله". # فإن قيل: لم يقصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حج أو جهاد. قيل له: ~~لأنه لم يسافر إلا في حج أو جهاد; وليس في ذلك دليل على أن القصر مخصوص ~~بالحج والجهاد, وقول عمر صلاة السفر ركعتان على لسان نبيكم عموم في سائر ~~الأسفار, وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته" عام أيضا في سائر الأسفار, وكذلك قوله لأهل مكة "أتموا فإنا ~~قوم سفر" ولم يقل" في حج" دليل على أن حكم القصر عام في جميع المسافرين. ~~ولما كان ذلك حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه كالمسح ~~على الخفين ثلاثا. ومن يتأول قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة} على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع الأسفار ~~إذا كان خائفا من العدو, ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف ms1576 إذا كان سفره في غير ~~جهة القربة وجب مثله في سائر الأسفار; لأن أحدا لم يفرق بينهما, وقد بينا ~~أن القصر ليس هو في عدد الركعات. # والذي ذكرناه في القصر في جميع الأسفار بعد أن يكون السفر ثلاثا هو قول ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي. وقال مالك: "إن خرج إلى الصيد وهو معاشه قصر, ~~وإن خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر". وقال الشافعي: "إذا سافر في معصية لم ~~يقصر ولم يمسح مسح السفر". قال أبو بكر: قد بينا أن ذلك في شأن المضطر في ~~سورة البقرة. # PageV02P320 ### | مطلب: الملاح يقصر في السفينة إذا كان مسافرا # وقد اختلف في الملاح هل يقصر في السفينة؟ فقال أصحابنا: "يقصر إذا كان في ~~سفر حتى يصير إلى قريته فيتم" وهو قول مالك والشافعي. وقال الأوزاعي: "إذا ~~كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ينتهي إلى حيث أكراها, فإذا ~~انتهى أتم الصلاة". وقال الحسن بن صالح: "إذا كانت السفينة بيته وليس له ~~منزل غيرها فهو فيها بمنزلة المقيم يتم". # قال أبو بكر: كون الملاح مالكا للسفينة لا يخرجه من حكم السفر, كالجمال ~~مالك للجمال التي ينتقل بها من موضع إلى موضع فلا يخرجه ذلك من حكم السفر. ~~وقد بينا الكلام في مدة السفر في سورة البقرة عند أحكام الصوم. وشرط ~~أصحابنا فيه ثلاثة أيام ولياليها, وهو قول الثوري والحسن بن صالح. وقال ~~مالك: "ثمانية وأربعون ميلا فإن لم تكن فيها أميال فمسيرة يوم وليلة للقفل" ~~وهو قول الليث, وقال الأوزاعي: "يوم تام". وقال الشافعي: "ستة وأربعون ميلا ~~بالهاشمي". وروي عن ابن عمر: "ثلاثة أيام", وروي عن ابن عباس: "يوم وليلة". # واختلفوا في المدة التي يتم فيها الصلاة, فقال أصحابنا والثوري: "إذا نوى ~~إقامة خمسة عشر يوما أتم, وإن كان أقل قصر". وقال مالك والليث والشافعي: ~~"إذا نوى إقامة أربع أتم". وقال الأوزاعي: "إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما ~~أتم وإن نوى أقل قصر". وقال الحسن بن صالح: "إن مر المسافر بمصره الذي فيه ~~أهله وهو منطلق ms1577 ماض في سفره قصر فيه الصلاة ما لم يقم به عشرا, وإن أقام به ~~عشرا أو بغيره أتم الصلاة". قال أبو بكر: وروي عن ابن عباس وجابر: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة الرابعة من ذي الحجة فكان مقامه إلى وقت ~~خروجه أكثر من أربع وكان يقصر الصلاة فدل على سقوط اعتبار الأربع. وأيضا ~~روى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن مجاهد عن ابن عباس وابن عمر قالا: "إذا قدمت ~~بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها, وإن ~~كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها "; ولم يرو عن أحد من السلف خلاف ذلك فثبتت ~~حجته. # فإن قيل: روى عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: "من أجمع على أربع ~~وهو مسافر أتم الصلاة". قيل له: روى هشيم عن داود بن أبي هند عن سعيد بن ~~المسيب قال: "إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما أو ليلة أتم الصلاة وما كان ~~من دون ذلك فليقصر", وإن جعلنا الروايتين متعارضتين سقطتا وصار كأنه لم يرو ~~عنه شيء, ولو ثبتت الرواية عنه من غير معارضة لما جاز أن يكون خلافا على ~~ابن عباس وابن عمر; وأيضا # PageV02P321 ### | باب صلاة الخوف # قال الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} ~~الآية. قال أبو بكر: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على ~~ضروب مختلفة; واختلف فقهاء الأمصار فيها, فقال أبو حنيفة ومحمد تقوم طائفة ~~مع الإمام وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين, ثم ينصرفون إلى مقام ~~أصحابهم, ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ~~ويسلم وينصرفون إلى مقام أصحابهم, ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو فيقضون ~~ركعة بغير قراءة ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو, ثم تأتي الطائفة ~~الأخرى فيقضون ركعة وسجدتين بقراءة". وقال ابن أبي ليلى: "إذا كان العدو ~~بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين, فيكبر ويكبرون ويركع ويركعون جميعا ~~معه, وسجد الإمام ms1578 والصف الأول, ويقوم الصف الآخر في وجوه العدو, فإذا قاموا ~~من السجود سجد الصف المؤخر, فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر ~~وتأخر الصف المقدم, فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك, وإن كان العدو في ~~دبر القبلة قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف الآخر مستقبل العدو, ~~فيكبر ويكبرون جميعا ويركع ويركعون جميعا, ثم يسجد الصف الذي مع الإمام ~~سجدتين, ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو, ثم يجيء الآخرون فيسجدون ويصلي ~~بهم الإمام جميعا الركعة الثانية, فيركعون جميعا ويسجد الصف الذي معه, ثم ~~ينقلبون إلى وجه العدو, ويجيء الآخرون فيسجدون معه ويفرغون, ثم يسلم الإمام ~~وهم جميعا". # قال أبو بكر: وروي عن أبي يوسف في صلاة الخوف ثلاث روايات, إحداها مثل ~~قول أبي حنيفة ومحمد, والأخرى مثل قول ابن أبي ليلى إذا كان العدو في ~~القبلة, وإذا كان في غير القبلة فمثل قول أبي حنيفة. والثالثة أنه لا تصلي ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد وإنما تصلى بإمامين ~~كسائر الصلوات. وروي عن سفيان الثوري مثل قول أبي حنيفة. وروي أيضا مثل قول ~~ابن أبي ليلى وقال: "إن فعلت كذلك جاز" وقال مالك: "يتقدم الإمام بطائفة ~~وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ويقوم قائما وتتم الطائفة التي ~~معه لأنفسها ركعة أخرى, ثم يتشهدون ويسلمون, ثم يذهبون إلى مكان # PageV02P322 ### | باب الاختلاف في صلاة المغرب # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي ~~والشافعي: "يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة" إلا أن ~~مالكا والشافعي يقولان: "يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم, ثم يصلي ~~بالطائفة الثانية ركعة أخرى, ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ~~ركعتين" وقال الشافعي: "إن شاء الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى ~~لأنفسهم, وإن شاء كان قائما, ويسلم الإمام بعد فراغ الطائفة الثانية". وقال ~~الثوري: "يقوم صف خلفه وصف موازي العدو, فيصلي بهم ركعة, ثم يذهبون إلى ~~مقام أولئك ويجيء هؤلاء, فيصلي بهم ركعة ويجلسون, فإذا قام ذهب هؤلاء ms1579 إلى ~~مصاف أولئك وجاء أولئك فركعوا وسجدوا والإمام قائم; لأن قراءة الإمام لهم ~~قراءة, وجلسوا, ثم قاموا يصلون مع الإمام الركعة الثالثة, فإذا جلسوا وسلم ~~الإمام ذهبوا إلى مصاف أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين", وذهب في ذلك إلى ~~أن عليه التعديل بين الطائفتين في الصلاة, فيصلي بكل واحدة ركعة; وقد ترك ~~هذا المعنى حين جعل للطائفة الأولى أن تصلي مع الإمام الركعة الأولى ~~والثالثة والطائفة الثانية إنما صلت الركعة الثانية معه. وقال الثوري: "إنه ~~إذا كان مقيما فصلى بهم الظهر, أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ~~ركعتين" فلم يقسم الصلاة بينهم على أن تصلي كل طائفة منهم معه ركعة على ~~حيالها; ومذهب الثوري هذا مخالف للأصول من وجه آخر, وذلك أنه أمر الإمام أن ~~يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة الأولى من الركعة الثانية, وذلك خلاف الأصول ~~على ما بينا فيما سلف من مذهب مالك والشافعي; والله أعلم بالصواب. # PageV02P329 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "لا يصلي في حال القتال, فإن قاتل ~~في الصلاة فسدت صلاته" وقال مالك والثوري: "يصلي إيماء إذا لم يقدر على ~~الركوع والسجود". وقال الحسن بن صالح: "إذا لم يقدر على الركوع من القتال ~~كبر بدل كل ركعة تكبيرة". وقال الشافعي: "لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ~~ويطعن الطعنة, فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته". # قال أبو بكر: الدليل على أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد صلى صلاة الخوف في مواضع على ما قدمنا ذكره, ولم يصل يوم الخندق ~~أربع صلوات حتى كان هوي1 من الليل, ثم قال: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ~~كما شغلونا عن الصلاة الوسطى" , ثم قضاهن على الترتيب. فأخبر أن القتال ~~شغله عن الصلاة, ولو كانت الصلاة جائزة في حال القتال لما تركها كما لم ~~يتركها في حال الخوف في غير قتال. وقد كانت الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل ~~الخندق; لأن النبي صلى ms1580 الله عليه وسلم صلى بذات الرقاع صلاة الخوف; وقد ذكر ~~محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق, فثبت بذلك أن ~~القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه. وأيضا فلما كان القتال فعلا ~~ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف, كان حكمه في الخوف كهو في غيره, مثل ~~الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر الأفعال المنافية للصلاة; وإنما أبيح له ~~المشي فيها; لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل حال على ما بيناه فيما سلف, ~~ولأنهم متفقون على أن المشي لا يفسدها, فسلمناه للإجماع, وما عداه من ~~الأفعال المنافية للصلاة فهو محمول على أصله. # وقوله تعالى: {فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} يحتمل أن يكون ~~المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع الإمام, ويحتمل أن تكون الطائفة ~~التي بإزاء العدو; لأن في الآية ضميرا للطائفة التي بإزاء العدو, وضميرها ~~ظاهر في نسق الآية في قوله: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} . ومن ~~وجه آخر يدل على ما ذكرنا, وهو أنه أمر الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ ~~السلاح, ولم يقل فليأخذوا حذرهم; لأن في وجه العدو طائفة غير مصلية حامية ~~لها قد كفت هذه أخذ الحذر, ثم قال تعالى: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} وفي ذلك دليل من وجهين على أن قوله: ~~{فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم} إنما أريد PageV02P330 ### | مطلب: الذكر على وجهين أفضلهما القلبي وهو الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله إلى آخره # فهذا الذكر المراد به نفس الصلاة; لأن الصلاة ذكر الله تعالى, وفيها أيضا ~~أذكار مسنونة ومفروضة. وأما الذكر الذي في قوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة} ~~فليس هو الصلاة, ولكنه على أحد وجهين: إما الذكر بالقلب, وهو الفكر في عظمة ~~الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل ~~صنعه. والذكر الثاني: الذكر باللسان بالتعظيم والتسبيح والتقديس; وروي عن ~~ابن عباس قال: "لم يعذر أحد في ترك الذكر إلا مغلوبا على عقله", والذكر ~~الأول ms1581 أشرفهما وأعلاهما منزلة. والدليل على أنه لم يرد بهذا الذكر الصلاة ~~أنه أمر به بعد الفراغ منها بقوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم} . # وقوله تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين} فإنه روي عن الحسن ومجاهد وقتادة: "فإذا رجعتم إلى الوطن في دار ~~الإقامة فأتموا الصلاة من غير قصر". وقال السدي وغيره: "فعليكم أن تتموا ~~ركوعها وسجودها غير مشاة ولا ركبان". قال أبو بكر: من تأول القصر المذكور ~~في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~على أعداد الركعات, جعل قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} على إتمام ~~الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها ~~بالإيماء أو على إباحة المشي فيها, جعل قوله تعالى: {فأقيموا الصلاة} أمرا ~~بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف, والله أعلم. # PageV02P332 ### | باب مواقيت الصلاة # قال الله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} . روي عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن للصلاة وقتا كوقت الحج". وعن ابن عباس ~~ومجاهد وعطية: "مفروضا". وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: "موقوتا منجما, ~~كلما مضى نجم جاء نجم آخر". وعن زيد بن أسلم مثل ذلك. # PageV02P332 ### | وقت الفجر # فأما أول وقت الفجر فلا خلاف فيه أنه من حين يطلع الفجر الثاني الذي ~~يعترض في الأفق; وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الفجر أن يقول1 هكذا ~~وجمع كفه حتى يقول هكذا ومد أصبعيه السبابتين". وروى قيس بن طلق عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع ~~المصعد, فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر". وروى سفيان عن عطاء عن ابن ~~عباس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الفجر فجران فجر يحل فيه ~~الطعام وتحرم فيه الصلاة, وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام". وروى ~~نافع بن ms1582 جبير في PageV02P335 ### | وقت الظهر # وأما أول وقت الظهر فهو من حين تزول الشمس; ولا خلاف بين أهل العلم فيه. ~~وقال الله تعالى: {وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 18] وقال: {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس} [الإسراء: 78] , وقد بينا أن دلوك الشمس تحتمل الزوال والغروب جميعا ~~وهو عليهما, فتنتظم الآية الأمر بصلاة الظهر والمغرب وبيان أول وقتيهما. ~~ومن جهة السنة حديث ابن عباس وأبي سعيد وجابر وعبد الله بن عمر وبريدة ~~الأسلمي وأبي هريرة وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر المواقيت ~~حين أمه جبريل, وأنه صلى الظهر حين زالت الشمس; وفي بعضها ابتداء اللفظ من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول وقت الظهر إذا زالت الشمس" وهي ~~أحاديث مشهورة كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها; فصار أول وقت ~~الظهر معلوما من جهة الكتاب والسنة واتفاق الأمة. # وأما آخر وقتها فقد اختلف فيه الفقهاء, فروي عن أبي حنيفة فيه ثلاث ~~روايات: إحداهن: أن يصير الظل أقل من قامتين. والأخرى, وهي رواية الحسن بن ~~زياد: أن يصير ظل كل شيء مثله. والثالثة: أن يصير الظل قامتين, وهي رواية ~~الأصل. وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح والثوري ~~والشافعي: "هو أن يصير ظل كل شيء مثله". وحكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر ~~إلى غروب الشمس. # PageV02P336 ### | مطلب: في بيان قوله عليه السلام: "يبعثت أنا والساعة" وأن ذلك مقدر بنصف السبع من مدة الدنيا # ودلالة هذا الخبر على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: قوله: "أجلكم في أجل من ~~مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" وإنما أراد بذلك الإخبار عن ~~قصر الوقت; وقال صلى الله عليه وسلم "بعثت أنا والساعة كهاتين" وجمع بين ~~السبابة والوسطى, وفي خبر آخر: كما بين هذه وهذه", فأخبر فيه أن الذي بقي ~~من مدة الدنيا كنقصان السبابة عن الوسطى, وقد قدر ذلك بنصف السبع, فثبت ~~بذلك حين شبه عليه السلام أجلنا في أجل من مضى قبلنا بوقت العصر في قصر ~~مدته أنه ms1583 لا ينبغي أن يكون من المثل; لأنه لو كان كذلك لكان أكثر من ذلك, ~~فدل ذلك على أن ### | وقت العصر # بعد المثلين. والوجه الآخر من دلالة الخبر: المثل الذي ضربه عليه السلام ~~لنا ولأهل الكتابين بالعمل في الأوقات المذكورة, وأنهم غضبوا فقالوا: كنا ~~أكثر عملا وأقل عطاء; فلو كان وقت العصر في المثل لما كانت النصارى أكثر ~~عملا من المسلمين, بل كان يكون المسلمون أكثر عملا; لأن ما بين المثل إلى ~~الغروب أكثر مما بين الزوال إلى المثل فثبت بذلك أن وقت العصر أقصر من وقت ~~الظهر # PageV02P337 ### | وقت العصر # قال أبو بكر: أما أول وقت العصر فهو على ما ذكرنا من خروج وقت الظهر على ~~اختلافهم فيه, والصحيح من قولهم أنه ليس بين وقت الظهر ووقت العصر واسطة ~~وقت من غيرهما; وما روي عن أبي حنيفة من أن آخر وقت الظهر أن يصير الظل أقل ~~من قامتين وأول وقت العصر إذا صار الظل قامتين, فهو رواية شاذة, وهي أيضا ~~مخالفة للآثار الواردة في أن وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر; وفي بعض ~~ألفاظ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وآخر وقت الظهر حين ~~يدخل وقت العصر" وفي حديث أبي قتادة: "التفريط في الصلاة أن يتركها حتى ~~يدخل وقت الأخرى". والصحيح من مذهب أبي حنيفة أحد قولين: إما المثلان وإما ~~المثل, وأن بخروج وقت الظهر يدخل وقت العصر. # واتفق فقهاء الأمصار أن آخر وقت العصر غروب الشمس, ومن الناس من يقول: إن ~~آخر وقتها حين تصفر الشمس, ويحتج فيه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة عند غروب الشمس. قال أبو بكر: والدليل على أن آخر وقتها الغروب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من فاته العصر حتى غابت الشمس فكأنما وتر أهله ~~وماله" , فجعل فواتها بالغروب وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك" , وهذا يدل ~~على أن وقتها إلى الغروب. ms1584 # فإن احتج محتج بحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "آخر وقت العصر حين تصفر الشمس" , فإن هذا عندنا على كراهة ~~التأخير وبيان الوقت المستحب, كما روي في حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "آخر وقت العشاء الآخرة نصف ~~الليل" ومراده الوقت المستحب; لأنه لا خلاف أن ما بعد نصف الليل إلى طلوع ~~الفجر من وقت العشاء الآخرة, وأن مدركه بالاحتلام أو الإسلام يلزمه فرضها. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولما ~~فاته من وقتها خير له من أهله وماله". فقد يكون وقت يلزم به مدركه الفرض ~~ويكره له تأخيرها إليه ألا ترى أنه يكره الإسفار بصلاة الفجر بمزدلفة ولم ~~تخرجه كراهة التأخير إليه من أن يكون وقتا لها؟ فكذلك الأخبار التي فيها ~~تقدير آخر الوقت باصفرار الشمس واردة على فوات فضيلة الوقت الذي جعلها ~~النبي صلى الله عليه وسلم خيرا له من أهله وماله. # PageV02P341 ### | وقت المغرب # أول وقت المغرب من حين تغرب الشمس لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك, وقال # PageV02P341 ### | فصل # وأما الدلالة على أن لوقت المغرب أولا وآخرا وأنه غير مقدر بفعل الصلاة ~~فحسب, قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] , ~~وقد ذكرنا من قال من السلف إنه الغروب واحتمال اللفظ له, فاقتضت الآية أن ~~يكون لوقت المغرب أول وآخر; لأن قوله تعالى: {إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] ~~غاية; وقد روي عن ابن عباس أن غسق الليل اجتماع الظلمة, فثبت بدلالة الآية ~~أن وقت المغرب من حين الغروب إلى اجتماع الظلمة, وفي ذلك ما يقضي ببطلان ~~قول من جعل لها وقتا واحدا مقدرا بفعل الصلاة. وروى الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أول وقت المغرب حين تسقط ~~الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق" وفي حديث أبي بكرة عن أبي موسى ms1585 عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن مواقيت الصلاة, فذكر ~~الحديث وقال فيه: وصلى المغرب في اليوم الأول حين وقعت الشمس وآخرها في ~~اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق, ثم قال: الوقت فيما بين هذين. وفي ~~حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال: صل معنا فأقام المغرب حين غابت ~~الشمس, ثم صلى المغرب في اليوم # PageV02P343 ### | ذكر القول في الشفق والاحتجاج له # قال أبو بكر: لما اختلف الناس في الشفق, فقال منهم قائلون: "هو الحمرة" ~~وقال آخرون: "البياض". علمنا أن الاسم يتناولهما ويقع عليهما في اللغة لولا ~~ذلك لما تأولوه عليهما; إذ كانوا عالمين بمعاني الأسماء اللغوية والشرعية ~~ألا ترى أنهم لما اختلفوا في معنى القرء فتأوله بعضهم على الحيض وبعضهم على ~~الطهر ثبت بذلك أن الاسم يقع عليهما؟ وإنما نحتاج بعد ذلك إلى أن نستدل على ~~المراد منهما بالآية. وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب قال: سئل ثعلب عن الشفق ما ~~هو؟ فقال: البياض; فقال له السائل: الشواهد على الحمرة أكثر, فقال ثعلب: ~~إنما يحتاج إلى الشاهد ما خفي فأما البياض فهو أشهر في اللغة من أن يحتاج ~~إلى الشاهد. # قال أبو بكر: ويقال إن أصل الشفق الرقة, ومنه يقال ثوب شفق, ومنه الشفقة ~~وهي رقة القلب. وإذا كان أصله كذلك فالبياض أخص به; لأنه عبارة عن الأجزاء ~~الرقيقة الباقية من ضياء الشمس, وهو في البياض أرق منه في الحمرة; ويشهد ~~لمن قال بالحمرة قول أبي النجم: # حتى إذا الشمس اجتلاها المجتلي ... بين سماطي شفق مهول1 # فهي على الأفق كعين الأحول # ومعلوم أنه أراد الحمرة; لأنه وصفها عند الغروب. # ومما يحتج به للبياض قوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} [الانشقاق:16] , قال ~~مجاهد: "هو النهار". ويدل عليه قوله: {والليل وما وسق} [الانشقاق:17] فأقسم ~~بالليل والنهار, فهذا يوجب أن يكون الشفق البياض; لأن أول النهار هو طلوع ~~بياض الفجر, وهذا يدل على ms1586 أن الباقي من البياض بعد غروب الشمس هو الشفق ~~ومما يستدل به على أن المراد البياض قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] , وقد بينا أن الدلوك اسم يقع على الغروب, ثم ~~جعل غسق الليل غايته. وروي عن ابن عباس في غسق الليل: "أنه اجتماع الظلمة" ~~وذلك لا يكون إلا مع غيبوبة البياض لأن البياض ما دام باقيا فالظلمة متفرقة ~~في الأفق فثبت بذلك أن وقت المغرب إلى غيبوبة البياض, فثبت أن المراد ~~البياض. PageV02P345 ### | مطلب: فيما ذكره الخليل بن أحمد من تردد الشفق الأبيض في الآفاق وعدم مغيبه # قال أبو بكر: وحكى1 ابن قتيبة عن الخليل بن أحمد قال: راعيت البياض ~~فرأيته لا يغيب ألبتة وإنما يستدير حتى يرجع إلى مطلع الفجر. قال أبو بكر: ~~وهذا غلط; والمحنة بيننا وبينهم; وقد راعيته في البوادي في ليالي الصيف ~~والجو نقي والسماء مصحية فإذا هو يغيب قبل أن يمضي من الليل ربعه بالتقريب, ~~ومن أراد أن يعرف ذلك فليجرب حتى يتبين له غلط هذا القول. # ومما يستدل به على أن المراد بالشفق البياض, أنا وجدنا قبل طلوع الشمس ~~حمرة وبياضا قبلها وكانا جميعا من وقت صلاة واحدة; إذ كانا جميعا من ضياء ~~الشمس دون ظهور جرمها; كذلك يجب أن تكون الحمرة والبياض جميعا بعد غروبها ~~من وقت صلاة واحدة, للعلة التي ذكرناها. PageV02P348 ### | وقت العشاء الآخرة # وأول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق على اختلافهم فيه إلى أن يذهب ~~نصف الليل في الوقت المختار, وفي رواية أخرى: حتى يذهب ثلث الليل; ويكره ~~تأخيرها إلى بعد نصف الليل, ولا تفوت إلا بطلوع الفجر الثاني. وقال الثوري ~~والحسن بن صالح: "وقت العشاء إذا سقط الشفق إلى ثلث الليل, والنصف أبعده". ~~قال أبو بكر: ويحتمل أن يكونا أرادا الوقت المستحب; لأنه لا خلاف بين ~~الفقهاء أنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر وأن من أدرك أو أسلم قبل طلوع الفجر ~~أنه تلزمه العشاء الآخرة, وكذلك المرأة إذا طهرت من الحيض. # قوله تعالى: {ولا ms1587 تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون} الآية هو حث ~~على # PageV02P348 ### | مطلب: في قصة اليهودي الذي اتهم بسرقة الدرع # قوله تعالى: {ولا تكن للخائنين خصيما} روي أنه نزل في رجل سرق درعا, فلما ~~خاف أن تظهر عليه رمى بها في دار يهودي, فلما وجدت الدرع أنكر اليهودي أن ~~يكون أخذها, وذكر السارق أن اليهودي أخذها, فأعان قوم من المسلمين هذا ~~الآخذ على اليهودي, فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قولهم, فأطلعه ~~الله على الآخذ وبرأ اليهودي منه ونهاه عن مخاصمة اليهودي وأمره بالاستغفار ~~مما كان منه من معاونته الذين كانوا يتكلمون عن السارق. وهذا يدل على أنه ~~غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة ~~أمره; لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره بالاستغفار منه. وهذه ~~الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة عن الخونة إلى آخر ما ذكر كله تأكيد ~~للنهي عن معونة من لا يعلمه محقا. وقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} ربما احتج به من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا ~~من طريق الاجتهاد, وإن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص, وإنه ~~كقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3, 4] وليس ~~في الآيتين دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول # PageV02P349 ### | مطلب: وأما الصدقة على الوجوه # وأما الصدقة فعلى وجوه: منها: الصدقة بالمال على الفقراء فرضا تارة ونفلا ~~أخرى ومنها: معونة المسلم بالجاه والقول, كما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "كل معروف صدقة" وقال صلى الله عليه وسلم: "على كل سلامى من ~~ابن آدم صدقة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ~~ضمضم؟ " قالوا: ومن أبو ضمضم؟ قال "رجل ممن كان قبلكم كان إذا خرج من بيته ~~قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على من شتمه, فجعل احتماله أذى الناس صدقة ms1588 ~~بعرضه عليهم". # قوله عز وجل: {أو إصلاح بين الناس} هو نظير قوله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [لحجرات: 9] وقوله: {فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [لحجرات: 9] وقال: {فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير} [النساء: 128] وقال تعالى: {إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: 35] . حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ " ~~قالوا: بلى يا رسول الله قال "إصلاح ذات البين, وفساد ذات البين الحالقة" ~~1. وإنما قيد الكلام بشرط فعله ابتغاء مرضاة الله لئلا يتوهم أن من فعله ~~للترؤس على الناس والتأمر عليهم يدخل في هذا الوعد. # قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} الآية. فإن ~~مشاقة PageV02P352 ### | باب مصالحة المرأة وزوجها # قال الله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} . قيل في معنى النشوز إنه الترفع عليها لبغضه ~~إياها, مأخوذ من نشز الأرض وهي المرتفعة. وقوله: {أو إعراضا} يعني لموجدة ~~أو أثرة, فأباح الله لهما الصلح, فروي عن علي وابن عباس أنه أجاز لهما أن ~~يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض أيامها بأن تجعله لغيرها. وقال عمر: "ما ~~اصطلحا عليه من شيء فهو جائز". وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خشيت ~~سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني ~~وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت هذه الآية: {وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا} الآية; فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز" وقال هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد طلاقها ~~ويتزوج غيرها فتقول: أمسكني ولا تطلقني, ثم تزوج وأنت في حل ms1589 من النفقة ~~والقسمة لي, فذلك قوله تعالى: {فلا جناح عليهما} إلى قوله تعالى: {والصلح # PageV02P354 ### | باب ما يجب على الحاكم من العدل بين الخصوم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم} الآية; روى قابوس عن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} قال: "هو الرجلان ~~يجلسان إلى القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه عن الآخر". وحدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران الدينوري قال: حدثنا أحمد بن ~~يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا عباد بن كثير بن أبي عبد الله عن عطاء بن ~~يسار عن أم سلمة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي بالقضاء ~~بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد ~~الخصمين ما لم يرفع على الآخر". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} قد أفاد الأمر بالقيام ~~بالحق والعدل, وذلك موجب على كل أحد إنصاف الناس من نفسه فيما يلزمه لهم ~~وإنصاف المظلوم من ظالمه ومنع الظالم من ظلمه; لأن جميع ذلك من القيام ~~بالقسط, ثم أكد ذلك بقوله: {شهداء لله} يعني والله أعلم: فيما إذا كان ~~الوصول إلى القسط من طريق الشهادة; فتضمن ذلك الأمر بإقامة الشهادة على ~~الظالم المانع من الحق للمظلوم صاحب # PageV02P356 ### | باب استتابة المرتد # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا} قال قتادة: "يعني به أهل الكتابين من اليهود والنصارى; آمن اليهود ~~بالتوراة, ثم كفروا بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا ~~بمخالفته, وآمن النصارى بالإنجيل, ثم كفروا بمخالفته وكذلك آمنوا بعيسى ~~عليه السلام ثم كفروا بمخالفته, ثم ازدادوا كفرا بمخالفة الفرقان ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقال مجاهد: "هي في المنافقين: آمنوا ثم ارتدوا, ثم آمنوا ~~ثم ارتدوا, ثم ماتوا على كفرهم". وقال آخرون هم طائفة من أهل الكتاب قصدت ~~تشكيك ms1590 أهل الإسلام, وكانوا يظهرون الإيمان به والكفر به, وقد بين الله ~~أمرهم في قوله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران:72] . # PageV02P358 ### | مطلب: في الخلاف في قبول نوبة الزنديق # قال أبو بكر: هذا يدل على أن المرتد الذي تاب تقبل توبته وأن توبة المرتد ~~مقبولة; إذ لم تفرق بين الزنديق وغيره من الكفار وقبول توبته بعد الكفر مرة ~~بعد أخرى والحكم بإيمانه متى أظهر الإيمان. واختلف الفقهاء في استتابة ~~المرتد والزنديق, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "في الأصل لا يقتل ~~المرتد حتى يستتاب, ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه". وذكر بشر ~~بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يظهر الإسلام قال أبو حنيفة: ~~"أستتيبه كالمرتد, فإن أسلم خليت سبيله وإن أبى قتلته", وقال أبو يوسف كذلك ~~زمانا, فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: "أرى # PageV02P358 ### | مطلب: ينبغي التباعد عن المنكر إذا لم يكن في ذلك ترك حق عليه # فإن قيل: فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير بحيث لا ~~يراه ولا يسمعه؟ قيل له: قد قيل في هذا أنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا لم ~~يكن في تباعده وترك سماعه ترك الحق عليه, من نحو ترك الصلاة في الجماعة ~~لأجل ما يسمع من صوت الغناء والملاهي, وترك حضور الجنازة لما معه من ~~النواح, وترك حضور الوليمة لما هناك من اللهو واللعب; فإذا لم يكن هناك شيء ~~من ذلك فالتباعد عنهم أولى, وإذا كان هناك حق يقوم به لم يلتفت إلى ما هناك ~~من المنكر وقام بما هو مندوب إليه من حق بعد إظهاره لإنكاره وكراهته وقال ~~قائلون: إنما نهى الله عن مجالسة هؤلاء المنافقين ومن يظهر الكفر ~~والاستهزاء بآيات الله; لأن في مجالستهم تأنيسا لهم ومشاركتهم فيما يجري في ~~مجلسهم. وقد قال أبو حنيفة في رجل يكون في الوليمة فيحضر هناك اللهو ~~واللعب: إنه لا ينبغي له أن ms1591 يخرج, وقال: لقد ابتليت به مرة. وروي عن الحسن ~~أنه حضر هو وابن سيرين جنازة وهناك نواح, فانصرف ابن سيرين, فذكر ذلك للحسن ~~فقال: إنا كنا متى رأينا باطلا وتركنا حقا أسرع ذلك في ديننا لم نرجع. ~~وإنما لم ينصرف لأن شهود الجنازة حق قد ندب إليه وأمر به فلا يتركه لأجل ~~معصية غيره, وكذلك حضور الوليمة قد ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يجز أن يترك لأجل المنكر الذي يفعله غيره إذا كان كارها له وقد حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الغداني قال: ~~حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن ~~نافع قال سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي: ~~يا نافع هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا, فرفع أصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. وهذا هو الاختيار لئلا ~~تساكنه نفسه ولا تعتاد سماعه فيهون عنده أمره, فأما أن يكون واجبا فلا. # قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} روي عن علي ~~وابن عباس قالا: "سبيلا في الآخرة". وعن السدي: "ولن يجعل الله لهم عليهم ~~حجة, يعني فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون ~~لا حجة لهم فيه". ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج; لأن ~~عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلا في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من ~~الخروج, وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد النكاح كما قال تعالى: {الرجال ~~قوامون على النساء} [النساء: 34] , فاقتضى قوله # PageV02P363 ### | سورة المائدة ### | مطلب: في عقود الجاهلية وعقود الاسلام # ... # سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # مطلب: في عقود الجاهلية وعقود الاسلام # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} روي عن ابن عباس ومجاهد ~~ومطرف والربيع والضحاك والسدي وابن جريج والثوري قالوا: "العقود في هذا ~~الموضع أراد بها العهود". وروى معمر ms1592 عن قتادة قال: "هي عقود الجاهلية ~~الحلف". وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا حلف ~~في الإسلام وأما حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة". وروى ابن عيينة ~~عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حالف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا; فقيل له: قد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم:"لا حلف في الإسلام وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا ~~شدة" فقال: حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في ~~دارنا. قال ابن عيينة: "إنما آخى بين المهاجرين والأنصار". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~[النساء: 33] فلم يختلف المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون ~~بالحلف دون النسب وهو معنى قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~[النساء: 33] إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أولى من الحليف بقوله: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} ~~[الأنفال:75] فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتا صحيحا. وأما ~~قوله: "لا حلف في الإسلام" فإنه جائز أن يريد به الحلف على الوجوه التي كان ~~عليها الحلف في الجاهلية, وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف. وقد ~~كان حلف الجاهلية على وجوه: منها الحلف في التناصر, فيقول أحدهما لصاحبه ~~إذا حالفه: "دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك" فيتعاقدان الحلف على أن ينصر ~~كل واحد منهما صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل; ومثله لا يجوز ~~في الإسلام; لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن ~~يزوي # PageV02P368 ### | مطلب: شرط انعقاد البر إمكان البر إمكانا عقليا # فإن قيل: قوله "إن دخلت الدار فأنت طالق" و "أنت طالق إذا جاء غد" هو عقد ~~ولا يلحقه الانتقاض والفسخ. قيل له جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود ~~الشرط فهو مما يوصف بضده. من الحل, ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال: "إن ms1593 لم ~~أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حر" وليس في الكوز ماء, إن يمينه لا ~~تنعقد ولم يكن ذلك عقدا; لأنه ليس له نقيض من الحل, ولو قال: "إن لم أصعد ~~السماء فعبدي حر حنث بعد انعقاد يمينه; لأن لهذا العقد نقيضا من الحل", وإن ~~كنا قد علمنا أنه لا يبر فيه; لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول, وإذا ~~كان صعود السماء معنى متوهما معقولا, وكذلك تركه معقول جائز, وشرب ما ليس ~~بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقدا. # وقد اشتمل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} على إلزام ~~الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم ~~من سائر الناس, وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان; وهو نظير قوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] ~~وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40] وعهد الله تعالى ~~أوامره ونواهيه. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} أي ~~بعقود الله فيما حرم وحلل; وعن الحسن قال: "يعني عقود الدين". واقتضى أيضا ~~الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات, وجميع # PageV02P371 ### | مطلب: النذر على ثلاثة أنحاء # فإن قيل: هل يجب على كل من عقد على نفسه يمينا أو نذرا أو شرطا لغيره ~~الوفاء بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه؟ قيل له: أما ~~النذور فهي على ثلاثة أنحاء: منها نذر قربة, فيصير واجبا بنذره بعد أن كان ~~فعله قربة غير واجب, لقوله تعالى: {أوفوا بالعقود} , وقوله تعالى: {وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] وقوله تعالى: {يوفون بالنذر} [الإنسان: ~~7] , وقوله تعالى: {"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:3] , وقوله تعالى: {"ومنهم من عاهد ~~الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله ~~بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: 75, 76] فذمهم على ترك الوفاء ~~بالمنذور نفسه; وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "أوف ms1594 بنذرك" ~~حين نذر أن يعتكف يوما في الجاهلية, وقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر ~~نذرا سماه فعليه أن يفي به, ومن نذر نذرا ولم يسمه1 فعليه كفارة يمين" ; ~~فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء به بعينه وقسم آخر: وهو ما ~~كان مباحا غير قربة, فمتى نذره لا يصير واجبا ولا يلزمه فعله, فإذا أراد به ~~يمينا فعليه كفارة يمين إذا لم يفعله, مثل قوله: "لله علي أن أكلم زيدا ~~وأدخل هذه الدار وأمشي إلى السوق" فهذه أمور مباحة لا تلزم بالنذر; لأن ما ~~ليس له أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب, كما أن ما ليس له أصل في ~~الوجوب لا يصير واجبا بالنذر; فإن أراد به اليمين كان يمينا وعليه الكفارة ~~إذا حنث. والقسم الثالث: نذر المعصية, نحو أن يقول: "لله علي أن أقتل فلانا ~~أو أشرب الخمر أو أغصب فلانا ماله" فهذه أمور هي معاص لله تعالى لا يجوز له ~~الإقدام عليها لأجل النذر وهي باقية على ما كانت عليه من الحظر, وهذا يدل ~~على ما ذكرنا في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات PageV02P372 ### | مطلب: كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لغيرهم من سائر المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل # ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء بالعقود المذكورة في ~~الآية; وليس كذلك; لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا أخرجه ~~مخرج المجازاة, ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} . ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على ~~المؤمنين دون غيرهم, بل الإباحة عامة لجميع المكلفين كفارا كانوا أو ~~مؤمنين, كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ~~وهو حكم عام في المؤمنين والكفار مع ورود اللفظ خاصا بخطاب المؤمنين. وكذلك ~~كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين, كما أن كل ما ~~أوجبه ms1595 وفرضه فهو فرض على جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل; وكذلك قلنا: ~~إن الكفار مستحقون للعقاب على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان. د # فإن قيل: إذا كان ذبح البهائم محظورا إلا بعد ورود السمع به, فمن لم ~~يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في ~~حظره عليه باق على الأصل, وقائل هذا القول يقول إن ذبح البهائم محظور على ~~الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في ذبحها, وإن كان أكل ما ذبحه أهل ~~الكتاب مباحا لنا. وزعم هذا القائل أن للملحد أن يأكل بعد الذبح وليس له أن ~~يذبح. وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك; لأنه لو كان أهل الكتاب عصاة ~~بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاة, مثل المجوسي لما كان ~~ممنوعا من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبحه ذكاة, وفي ذلك دليل على أن ~~الكتابي غير عاص في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا. وأما قوله: "إنه إذا ~~لم يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم ~~حظر الذبح قائم عليه" فليس كذلك; لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة ~~السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في إباحة ذبح البهائم. وأيضا فإن ذلك لا ~~يمنع صحة ذكاته; لأن رجلا لو ترك التسمية على الذبيحة عامدا لكان عندنا ~~عاصيا بذلك, وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها, ولم يكن كون ~~الذابح عاصيا مانعا صحة ذكاته. # PageV02P374 ### | مطلب: إذا اجتمع سبب الجظر والإباحو كان الحكم للحظر دون الإباحة # وأما قوله تعالى: {والنطيحة} فإنه روي عن الحسن والضحاك وقتادة والسدي ~~أنها المنطوحة حتى تموت. وقال بعضهم: هي الناطحة حتى تموت. قال أبو بكر: هو ~~عليهما جميعا, فلا فرق بين أن تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح ~~غيرها لها. وأما قوله: {وما أكل السبع} فإن معناه: ما أكل منه السبع حتى ~~يموت, فحذف; والعرب تسمي ما قتله السبع وأكل منه أكيلة السبع, ويسمون ms1596 ~~الباقي منه أيضا أكيلة السبع; قال أبو عبيدة: {وما أكل السبع} مما أكل ~~السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته. وجميع ما تقدم ذكره في الآية ~~بالنهي عنه قد أريد به الموت من ذلك. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون جميع ذلك ~~فحرمه الله تعالى, ودل بذلك على أن سائر الأسباب التي يحدث عنها الموت ~~للأنعام محظور أكلها بعد أن لا يكون من فعل آدمي على وجه التذكية. # وأما قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} فإنه معلوم أن الاستثناء راجع إلى بعض ~~المذكور دون جميعه; لأن قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به} لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه, وأن ذلك لا يجوز أن ~~تلحقه الذكاة, وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه, وقد ثبت أنه لم ~~يعد إلى ما قبل المنخنقة; فكان حكم العموم فيه قائما وكان الاستثناء عائدا ~~إلى المذكور من عند قوله: {والمنخنقة} , لما روي ذلك عن علي وابن عباس ~~والحسن وقتادة وقالوا كلهم: "ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب ~~يتحرك فأكله جائز". وحكي عن بعضهم أنه قال: الاستثناء عائد إلى قوله: {وما ~~أكل السبع} دون ما تقدم; لأنه يليه; وليس هذا بشيء, لاتفاق السلف على ~~خلافه; ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى ~~شاة من جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح ~~الأكل, وكذلك النطيحة وما ذكر معها, فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع ~~المذكور من عند قوله: {والمنخنقة} وإنما قوله: {وما أكل السبع} فإنه ~~استثناء منقطع بمنزلة قوله: "لكن ما ذكيتم" كقوله: {فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس} [يونس: # PageV02P384 ### | باب في شرط الذكاة # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} اسم شرعي يعتوره معان: منها ~~موضع الذكاة وما يقطع منه, ومنها الآلة, ومنها الدين, ومنها التسمية في حال ~~الذكر وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة عليه. ms1597 فأما السمك فإن ذكاته ~~بحدوث الموت فيه عن سبب من خارج, وما مات حتف أنفه فغير مذكى; وقد بينا ذلك ~~فيما تقدم من الكلام في # PageV02P385 ### | ### | فصل # # وأما الآلة فإن كل ما فرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس به والذكاة صحيحة, ~~غير أن أصحابنا كرهوا الظفر المنزوع والعظم والقرن والسن لما روي فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما غير ذلك فلا بأس به; ذكر ذلك في الجامع ~~الصغير. وقال أبو يوسف في الإملاء: "لو أن رجلا ذبح بليطة ففرى الأوداج ~~وأنهر الدم فلا بأس بذلك, وكذلك لو ذبح بعود, وكذلك لو نحر بوتد أو بشظاظ ~~أو بمروة لم يكن بذلك بأس; فأما العظم والسن والظفر فقد نهي أن يذكى بها, ~~وجاءت في ذلك أحاديث وآثار, وكذلك القرن عندنا والناب" قال: "ولو أن رجلا ~~ذبح بسنه أو بظفره فهي ميتة لا تؤكل" وقال في الأصل: "إذا ذبح بسن نفسه أو ~~بظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح". وقال مالك بن أنس: "كل ما بضع من عظم أو ~~غيره ففرى الأوداج فلا بأس به". وقال الثوري: "كل ما فرى الأوداج فهو ذكاة ~~إلا السن والظفر". وقال الأوزاعي: "لا يذبح بصدف البحر". وكان الحسن بن ~~صالح يكره الذبح بالقرن والسن والظفر والعظم. وقال الليث: "لا بأس بأن يذبح ~~بكل ما أنهر الدم إلا العظم والسن والظفر". واستثنى الشافعي الظفر والسن. # قال أبو بكر: الظفر والسن المنهي عن الذبيحة بهما, إذا كانتا قائمتين في ~~صاحبهما وذلك; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الظفر: "إنها مدى ~~الحبشة" وهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع. وقال ابن ~~عباس: "ذلك الخنق". وعن أبي بشر قال: سألت عكرمة عن الذبيحة بالمروة, قال: ~~"إذا كانت حديدة لا تثرد الأوداج فكل" فشرط في ذلك أن لا تثرد1 الأوداج, ~~وهو أن لا تفريها, ولكنه يقطعها قطعة قطعة, والذبح بالظفر والسن غير ~~المنزوع يثرد ولا يفري فلذلك لم تصح الذكاة بهما, وأما إذا كانا منزوعين ~~ففريا الأوداج ms1598 فلا بأس; وإنما كره أصحابنا منها ما كان بمنزلة السكين ~~الكالة, PageV02P387 ### | فصل # وهذا الذي ذكرناه فيما كان من الحيوان مقدورا على ذبحه, فيعتبر في ذكاته ~~ما وصفنا من موضع الذكاة ومن الآلة على النحو الذي بينا. وأما الذي لا نقدر ~~منه على ذبحه, فإن ذكاته إنما تكون بإصابته بما يجرح ويسيل الدم أو بإرسال ~~كلب أو طير فيجرحه دون ما يصدم أو يهشم مما لا حد له يجرحه; ولا يختلف في ~~ذلك عندنا حكم ما يكون أصله ممتنعا مثل الصيد وما ليس بممتنع في الأصل من ~~الأنعام ثم يتوحش ويمتنع أو يتردى في موضع لا نقدر فيه على ذكاته. وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين, أحدهما: في الصيد إذا أصيب بما لا يجرحه ~~من الآلة, فقال أصحابنا ومالك والثوري: "إذا أصابه بعرض المعراض لم يؤكل ~~إلا أن يدرك ذكاته". وقال الثوري: "وإن رميته بحجر أو بندقة كرهته إلا أن ~~تذكيه, ولا فرق عند أصحابنا بين المعراض والحجر والبندقة". وقال الأوزاعي ~~في صيد المعراض: "يؤكل خزق أو لم يخزق" قال: "وكان أبو الدرداء وفضالة بن ~~عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا". وقال # PageV02P388 ### | مطلب: في حكم الصيد إذا انقطع قطعتين # واختلف الفقهاء في الصيد يقطع بعضه, فقال أصحابنا والثوري وهو قول ~~إبراهيم ومجاهد: "إذا قطعه بنصفين أكلا جميعا, وإن قطع الثلث مما يلي الرأس ~~أكل, فإن قطع الثلث الذي يلحق العجز أكل الثلثان الذي يلي الرأس ولا يؤكل ~~الثلث الذي يلي العجز". وقال ابن أبي ليلى والليث: "إذا قطع منه قطعة فمات ~~الصيد مع الضربة أكلهما جميعا". وقال مالك: "إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل, ~~وإن قطع فخذه لم يأكل الفخذ وأكل الباقي". وقال الأوزاعي: "إذا أبان عجزه ~~لم يأكل ما انقطع منه ويأكل سائره, وإن قطعه بنصفين أكله كله". وقال ~~الشافعي: "إن قطعه قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى, وإن قطع ~~يدا أو رجلا أو شيئا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ms1599 ثم قتله بعد رميته أكل ~~ما لم يبن منه ولم يؤكل ما بان وفيه الحياة, ولو مات من القطع الأول أكلهما ~~جميعا". # قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا عبد الرحمن بن دينار عن زيد ~~بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" , وهذا إنما يتناول قطع القليل ~~منه من غير موضع الذكاة وذلك; لأنه لا خلاف أنه لو ضرب عنق الصيد فأبان ~~رأسه كان الجميع مذكى, فثبت بذلك أن المراد ما بان منها من غير موضع ~~الذكاة, وذلك إنما يتناول الأقل منه; لأنه إذا قطع النصف أو الثلث الذي يلي ~~الرأس فإنه يقطع العروق التي يحتاج إلى قطعها للذكاة, وهي الأوداج والحلقوم ~~والمريء فيكون الجميع مذكى, وإذا قطع الثلث مما يلي الذنب فإنه لا يصادف ~~قطع العروق التي يحتاج إليها في شرط الذكاة فيكون ما بان منه ميتة لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما بان من البهيمة وهي # PageV02P390 ### | فصل # وأما الدين فأن يكون الرامي أو المصطاد مسلما أو كتابيا, وسنذكر ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. وأما التسمية فهي أن يذكر اسم الله تعالى عند ~~الذبح أو عند الرمي أو إرسال الجوارح والكلب إذا كان ذاكرا, فإن كان ناسيا ~~لم يضره ترك التسمية; وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. # PageV02P391 ### | مطلب: في الفرق بين الصنم والنصب # وأما قوله تعالى: {وما ذبح على النصب} فإنه روي عن مجاهد وقتادة وابن ~~جريج أن النصب أحجار منصوبة كانوا يعبدونها ويقربون الذبائح لها فنهى الله ~~عن أكل ما ذبح على النصب; لأنه مما أهل به لغير الله. والفرق بين النصب ~~والصنم أن الصنم يصور وينقش, وليس كذلك النصب; لأن النصب حجارة منصوبة ~~والوثن كالنصب سواء. ويدل على أن الوثن اسم يقع على ما ليس بمصور أن ms1600 النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم حين جاءه وفي عنقه صليب: "ألق هذا ~~الوثن من عنقك" فسمى الصليب وثنا, فدل ذلك على أن النصب والوثن اسم لما نصب ~~للعبادة وإن لم يكن مصورا ولا منقوشا. وهذه ذبائح قد كان أهل الجاهلية ~~يأكلونها, فحرمها الله تعالى مع ما حرم من الميتة ولحم الخنزير وما ذكر في ~~الآية مما كان المشركون يستبيحونه. وقد قيل إنها المرادة بالاستثناء ~~المذكور في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} . # قوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} قيل في الاستقسام وجهان: أحدهما: ~~طلب علم ما قسم له بالأزلام, والثاني: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح ~~كقسم اليمين. والاستقسام بالأزلام أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم ~~سفرا أو غزوا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح وهي الأزلام, وهي ~~على ثلاثة أضرب: منها ما كتب عليه: أمرني ربي" ومنها ما كتب عليه: "نهاني ~~ربي" ومنها غفل لا كتابة عليه يسمى: "المنيح". فإذا خرج" أمرني ربي" مضى في ~~الحاجة, وإذا خرج: "نهاني ربي" قعد عنها, وإذا خرج الغفل أجالها ثانية. قال ~~الحسن: كانوا يعمدون إلى ثلاثة قداح; نحو ما وصفنا. وكذلك قال سائر أهل ~~العلم بالتأويل. وواحد الأزلام" زلم" وهي القداح فحظر الله تعالى ذلك, وكان ~~من فعل أهل الجاهلية, وجعله فسقا بقوله: {ذلكم فسق} وهذا # PageV02P391 ### | مطلب: اسم الطيبات يطلق على الجلال وعلى المستلذ # وقوله عز وجل {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} اسم الطيبات ~~يتناول معنيين: أحدهما: الطيب المستلذ, والآخر: الحلال وذلك لأن ضد الطيب ~~هو الخبيث, والخبيث حرام, فإذا الطيب حلال; والأصل فيه الاستلذاذ, فشبه ~~الحلال به في انتفاء المضرة منهما جميعا; وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات} [المؤمنون: 51] يعني الحلال, وقال: {ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] فجعل الطيبات في مقابلة الخبائث, والخبائث ~~هي المحرمات; وقال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وهو ~~يحتمل: ما حل لكم, ويحتمل: ما استطبتموه. # PageV02P393 ### | مطلب: ms1601 يحتج بظاهر هذه الآية في إباحة جميع المستلذات إلا ما خصه الدليل # فقوله: {قل أحل لكم الطيبات} جائز أن يريد به ما استطبتموه واستلذذتموه ~~مما لا ضرر عليكم في تناوله من طريق الدين, فيرجع ذلك إلى معنى الحلال الذي ~~لا تبعة على متناوله, وجائز أن يحتج بظاهره في إباحة جميع الأشياء المستلذة ~~إلا ما خصه الدليل. # PageV02P393 ### | مطلب: في أمره عليه السلام إبا رافع بقتل الكلاب # {وما علمتم من الجوارح} حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن ~~غيلان العماني قال: حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يحيى بن زكريا قال: ~~حدثنا إبراهيم بن عبيد قال: حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى ~~عن أبي رافع قال: {أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل الكلاب, ~~فقال الناس: يا رسول الله ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل ~~الله: {قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح} الآية. حدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل وابن عبدوس بن كامل قالا: حدثنا عبيد ~~الله بن عمر الجشمي قال: حدثنا أبو معشر النواء قال: حدثنا عمرو بن بشير ~~قال: حدثنا عامر الشعبي عن عدي بن حاتم قال: لما سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صيد الكلاب لم يدر ما يقول لي حتى نزلت: {وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين} . # PageV02P393 # قال أبو بكر: قد اقتضى ظاهر هذا الحديث الأول أن تكون الإباحة تناولت ما ~~علمنا من الجوارح, وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير, وذلك يوجب إباحة ~~سائر وجوه الانتفاع بها, فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها ~~بسائر وجوه الانتفاع إلا ما خصه الدليل وهو الأكل. ومن الناس من يجعل في ~~الكلام حذفا, فجعله بمنزلة: قل أحل لكم الطيبات من صيد ما علمتم من ~~الجوارح; ويستدل عليه بحديث عدي بن حاتم الذي ذكرناه حين سأل عن صيد الكلاب ~~فأنزل الله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} .وحديث أبي رافع فيه ms1602 أنه ~~سئل عما أحل من الكلاب التي أمروا بقتلها فأنزل الله تعالى الآية; وليس ~~يمتنع أن تكون الآية منتظمة لإباحة الانتفاع بالكلاب وبصيدها جميعا, وحقيقة ~~اللفظ تقتضي الكلاب أنفسها; لأن قوله: {وما علمتم} يوجب إباحة ما علمنا, ~~وإضمار الصيد فيه يحتاج إلى دلالة, وفي فحوى الآية دليل على إباحة صيدها ~~أيضا وهو قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} فحمل الآية على المعنيين ~~واستعمالها فيهما على الفائدتين أولى من الاقتصار على أحدهما. وقد دلت ~~الآية أيضا على أن شرط إباحة الجوارح أن تكون معلمة, لقوله: {وما علمتم من ~~الجوارح} وقوله: {تعلمونهن مما علمكم الله} . # وأما الجوارح فإنه قد قيل إنها الكواسب للصيد على أهلها, وهي الكلاب ~~وسباع الطير التي تصطاد وغيرها, واحدها" جارح" ومنه سميت الجارحة لأنه يكسب ~~بها, قال الله تعالى: {ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 60] يعني: ما كسبتم; ~~ومنه: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] ; وذلك يدل على جواز ~~الاصطياد بكل ما علم الاصطياد من سائر ذي الناب من السباع وذي المخلب من ~~الطير. وقيل في الجوارح إنها ما تجرح بناب أو مخلب, قال محمد في الزيادات: ~~إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يؤكل; لأنه لم يجرح بناب أو مخلب; ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} فإنما يحل صيد ما ~~يجرح بناب أو مخلب. وإذا كان الاسم يقع عليهما فليس يمتنع أن يكونا مرادين ~~باللفظ, فيريد بالكواسب ما يكسب بالاصطياد فيفيد الأصناف التي يصطاد بها من ~~الكلاب والفهود وسباع الطير وجميع ما يقبل التعليم, ويفيد مع ذلك في شرط ~~الذكاة وقوع الجراحة بالمقتول من الصيد وأن ذلك شرط ذكاته. ويدل أيضا على ~~أن الجراحة مرادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المعراض أنه: "إن خزق ~~بحده فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" ومتى وجدنا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حكما يواطئ معنى ما في القرآن, وجب حمل مراد القرآن عليه وأن ذلك مما أراد ~~الله تعالى به. # وقوله تعالى: {مكلبين} قد قيل فيه وجهان: ms1603 أحدهما: أن المكلب هو صاحب # PageV02P394 # الكلب الذي يعلمه الصيد ويؤدبه. وقيل معناه: مضرين على الصيد كما تضرى ~~الكلاب; والتكليب هو التضرية يقال: كلب كلب إذا ضرى بالناس. وليس في قوله: ~~{مكلبين} تخصيص للكلاب دون غيرها من الجوارح; إذ كانت التضرية عامة فيهن, ~~وكذلك إن أراد به تأديب الكلب وتعليمه كان ذلك عموما في سائر الجوارح. # وقد اختلف السلف فيما قتلته الجوارح غير الكلب, فروى مروان العمري عن ~~نافع عن علي بن الحسين قال: "الصقر والبازي من الجوارح مكلبين". وروى معمر ~~عن ليث قال: سئل مجاهد عن البازي والفهد وما يصاد به من السباع, فقال: "هذه ~~كلها جوارح". وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: {من الجوارح مكلبين} ~~قال: "الطير والكلاب". وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه: {وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين} قال: "الجوارح الكلاب وما تعلم من البزاة والفهود". وروى ~~أشعث عن الحسن: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} قال: "الصقر والبازي والفهد ~~بمنزلة الكلب". وروى صخر بن جويرية عن نافع قال: وجدت في كتاب لعلي بن أبي ~~طالب قال: "لا يصلح أكل ما قتلته البزاة". وروى ابن جريج عن نافع قال: قال ~~عبد الله: "فأما ما صاد من الطير البزاة وغيرها فما أدركت ذكاته فذكيته فهو ~~لك وإلا فلا تطعمه". وروى سلمة بن علقمة عن نافع أن عليا كره ما قتلت ~~الصقور. وروى أبو بشر عن مجاهد أنه كان يكره صيد الطير ويقول: {مكلبين} ~~إنما هي الكلاب. # قال أبو بكر: فتأول بعضهم قوله: {مكلبين} على الكلاب خاصة, وتأوله بعضهم ~~على الكلاب وغيرها; ومعلوم أن قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} شامل ~~للطير والكلاب, ثم قوله: {مكلبين} محتمل لأن يريد به الكلاب ويحتمل أن يريد ~~به جميع ما تقدم ذكره من الجوارح والكلاب منها, ويكون قوله: {مكلبين} بمعنى ~~مؤدبين أو مضرين, ولا يخصص ذلك بالكلاب دون غيرها; فوجب حمله على العموم ~~وأن لا يخصص بالاحتمال. ولا نعلم خلافا بين فقهاء الأمصار في إباحة صيد ~~الطير وإن قتل وأنه كصيد ms1604 الكلب; قال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي ~~والليث والشافعي: "ما علمت من كل ذي مخلب من الطير وذي ناب من السباع فإنه ~~لا يجوز صيده". وظاهر الآية يشهد لهذه المقالة; لأنه أباح صيد الجوارح, وهو ~~مشتمل على جميع ما يجرح بناب أو بمخلب وعلى ما يكسب على أهله بالاصطياد لم ~~يفرق فيه بين الكلب وبين غيره. وقوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} ~~يدل على أن شرط إباحة صيد هذه الجوارح أن تكون معلمة وأنها إذا لم تكن ~~معلمة فقتلت لم يكن مذكى وذلك; لأن الخطاب خرج على سؤال السائلين عما يحل ~~من الصيد, فأطلق لهم إباحة صيد الجوارح المعلمة, # PageV02P395 # وذلك شامل لجميع ما شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق; لأن السؤال وقع عن ~~جميع ما يحل لهم من الصيد فخص الجواب بالأوصاف المذكورة, فلا تجوز استباحة ~~شيء منه إلا على الوصف المذكور. ثم قال تعالى: {تعلمونهن مما علمكم الله} , ~~فروي عن سلمان وسعد أن تعليمه أن يضرى على الصيد ويعود إلى إلف صاحبه حتى ~~يرجع إليه ولا يهرب عنه. وكذلك قال ابن عمر وسعيد بن المسيب, ولم يشرطوا ~~فيه ترك الأكل. وروي عن غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب, وأن من شرط إباحة ~~صيده أن لا يأكل منه, فإن أكل منه لم يؤكل; وهو قول ابن عباس وعدي بن حاتم ~~وأبي هريرة; وقالوا جميعا في صيد البازي إنه يؤكل وإن أكل منه; وإنما ~~تعليمه أن تدعوه فيجيبك. # PageV02P396 # ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك # مطلب: لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن أكل ~~منه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير ~~معلم لا يؤكل صيده, ويؤكل صيد البازي وإن أكل" وهو قول الثوري. وقال مالك ~~والأوزاعي والليث: "يؤكل وإن أكل الكلب منه". وقال الشافعي: "لا يؤكل إذا ~~أكل الكلب منه والبازي مثله في القياس". قال أبو بكر: اتفق السلف المجيزون ~~لصيد الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه, منهم ms1605 سعد وابن ~~عباس وسلمان وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن المسيب; وإنما اختلفوا في صيد ~~الكلب, فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن ~~جبير وإبراهيم: "لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه". وقال سلمان وسعد وابن ~~عمر: "يؤكل صيده وإن لم يبق منه إلا ثلثه". وهو قول الحسن وعبيد بن عمير, ~~وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار وابن شهاب. قال أبو ~~بكر: معلوم من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل, فجائز أن يعلم تركه ~~ويكون تركه للأكل علما للتعليم ودلالة عليه, فيكون تركه للأكل من شرائط صحة ~~ذكاته ووجود الأكل مانع من صحة ذكاته. وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن ~~تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة, فإذا كان الله قد ~~أباح صيد جميع الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم ~~للبازي تركه الأكل; إذ لا سبيل إلى تعليمه ذلك, ولا يجوز أن يكلفه الله ~~تعليم ما لا يصح منه التعليم وقبول التأديب; فثبت أن ترك الأكل ليس من ~~شرائط تعلم البازي وجوارح الطير, وكان ذلك من شرائط تعلم الكلب; لأنه يقبله ~~ويمكن تأديبه به. ويشبه أن يكون ما روي عن علي بن أبي طالب وغيره في حظر ما ~~قتله البازي, من حيث كان عندهم أن من شرط التعليم ترك # PageV02P396 # الأكل, وذلك غير ممكن في الطير فلم يكن معلما فلا يكون ما قتله مذكى. إلا ~~أن ذلك يؤدي إلى أن لا تكون لذكر التعليم في الجوارح من الطير فائدة; إذ ~~كان صيدها غير مذكى, وأن يكون المعلم وغير المعلم فيه سواء, وذلك غير جائز; ~~لأن الله تعالى قد عمم الجوارح كلها وشرط تعليمها ولم يفرق بين الكلب وبين ~~الطير فوجب استعمال عموم اللفظ فيها كلها, فيكون من جوارح الطير ما يكون ~~معلما, وكذلك من الكلاب, وإن اختلفت وجوه تعليمها, فيكون من تعليم الكلاب ~~ونحوها ترك الأكل, ومن تعليم جوارح الطير أن ms1606 يجيبه إذا دعاه ويألفه ولا ~~ينفر عنه, حتى يكون التعليم عاما في جميع ما ذكر في الآية. # ومن الدليل على أن من شرائط ذكاة صيد الكلب ونحوه ترك الأكل قول الله ~~تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ولا يظهر الفرق بين إمساكه على نفسه وبين ~~إمساكه علينا إلا بترك الأكل, ولو لم يكن ترك الأكل مشروطا لزالت فائدة ~~قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} , فلما كان ترك الأكل علما لإمساكه علينا ~~وكان الله إنما أباح لنا أكل صيدها بهذه الشريطة, وجب أن يكون ما أمسكه على ~~نفسه محظورا. # فإن قيل فقد يأكل البازي منه ويكون مع الأكل ممسكا علينا. قيل له: ~~الإمساك علينا إنما هو مشروط في الكلب ونحوه, فأما الطير فلم يشرط فيه أن ~~يمسكه علينا لما قدمناه بديا. ويدل على أن إمساك الكلب علينا أن لا يأكل ~~منه وأنه متى أكل منه كان ممسكا على نفسه ما روي عن ابن عباس أنه قال: "إذا ~~أكل منه الكلب فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" , فأخبر أن الإمساك علينا ~~تركه للأكل; فإذا كان اسم الإمساك يتناول ما ذكره ولو لم يتناوله لم يتأوله ~~عليه, وجب حمل الآية عليه من حيث صار ذلك اسما له. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك أيضا, فثبتت حجته من وجهين: أحدهما: بيان معنى الآية ~~والمراد بها. والثاني: نص السنة في تحريم ذلك. حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا ~~مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~صيد الكلب المعلم, فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما ~~أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه". وحدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن عبد الله ~~بن أبي السفر عن الشعبي قال: قال عدي بن حاتم: سألت رسول الله صلى الله ms1607 ~~عليه وسلم عن المعراض, فقال: "إذا أصاب بحده فكل وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل ~~فإنه وقيذ". قلت: أرسل كلبي؟ قال: "إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل, وإن أكل ~~منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" ; وقال: أرسل كلبي فأجد عليه كلبا آخر؟ ~~قال: "لا # PageV02P397 # تأكل لأنك إنما سميت على كلبك". فثبت بهذا الخبر مراد الله تعالى بقوله: ~~{فكلوا مما أمسكن عليكم} ونص النبي صلى الله عليه وسلم على النهي عن أكل ما ~~أكل منه الكلب. # فإن قيل: قد روى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن ~~عمرو, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني: "فكل مما أمسك ~~عليك الكلب" قال: فإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه". قيل له: هذا اللفظ غلط ~~في حديث أبي ثعلبة; وذلك لأن حديث أبي ثعلبة قد رواه عنه أبو إدريس ~~الخولاني وأبو أسماء وغيرهما فلم يذكرا فيه هذا اللفظ; وعلى أنه لو ثبت ذلك ~~في حديث أبي ثعلبة كان حديث عدي بن حاتم أولى من وجهين: أحدهما: من موافقته ~~لظاهر الآية في قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} . والثاني: ما فيه من حظر ما ~~أكل منه الكلب; ومتى ورد خبران في أحدهما حظر شيء وفي الآخر إباحته فخبر ~~الحظر أولاهما بالاستعمال. # PageV02P398 # مطلب: متى ورد خبران في جظر شيء وفي إباحته فالحاظر أولى # فإن قيل: معنى قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} أن يحبسه علينا بعد قتله ~~له, فهذا هو إمساكه علينا. فيقال له: هذا غلط; لأنه قد صار محبوسا بالقتل ~~فلا يحتاج الكلب إلى أن يحبسه علينا بعد قتله, فهذا لا معنى له. فإن قيل: ~~قتله هو حبسه علينا. قيل له: هذا أيضا لا معنى له; لأنه يصير تقدير الآية ~~على هذا: فكلوا مما قتلن عليكم; وهذا يسقط فائدة الآية; لأن إباحة ما قتلته ~~قد تضمنته الآية قبل ذلك في قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} , وهو يعني ~~صيد ما علمنا من الجوارح جوابا لسؤال من سأل ms1608 عن المباح منه. وعلى أن ~~الإمساك ليس بعبارة عن القتل; لأنه قد يمسكه علينا وهو حي غير مقتول, فليس ~~إمساكه علينا إذا إلا أن يحبسه حتى يجيء صاحبه. ولا يخلو الإمساك علينا من ~~أن يكون حبسه إياه علينا من غير قتل, أو حبسه علينا بعد قتله, أو تركه ~~للأكل منه بعد قتله; ومعلوم أنه لم يرد به حبسه علينا وهو حي غير مقتول ~~لاتفاق الجميع على أن ذلك غير مراد, وأن حبسه علينا حيا ليس بشرط في إباحة ~~أكله; لأنه لو كان كذلك لكان لا يحل أكل ما قتله, ولا يجوز أيضا أن يكون ~~المراد حبسه علينا بعد قتله, وإن أكل منه; لأن ذلك لا معنى له; لأن الله ~~تعالى جعل إمساكه علينا شرطا في الإباحة, ولا خلاف أنه لو قتله ثم تركه ~~وانصرف عنه ولم يحبسه علينا أنه يجوز أكله; فعلمنا أن ذلك غير مراد, فثبت ~~أن المراد تركه الأكل. # فإن قيل: قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} يقتضي إباحة ما بقي من الصيد بعد ~~أكله; لأنه قد أمسكه علينا إذا لم يأكله, وإنما لم يمسك علينا المأكول منه ~~دون ما بقي # PageV02P398 # منه فقد اقتضى ظاهر الآية إباحة أكل الباقي مما هو ممسك علينا. قيل له: ~~هذا غلط من وجوه: أحدها: أن من روي عنه معنى الإمساك من السلف قالوا فيه ~~قولين: أحدهما: أن لا يأكل منه, وهو قول ابن عباس وقول من قال حبسه علينا ~~بعد القتل, ولم يقل أحد منهم إن ترك أكل الباقي منه بعد ما أكل هو إمساك, ~~فبطل هذا القول. والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل منه ~~فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه" فلم يجعله ممسكا علينا ما بقي منه إذا كان ~~قد أكل منه شيئا. والثالث: أنه يصير في معنى قوله: فكلوا مما قتله, من غير ~~ذكر إمساك;; إذ معلوم أن ما قد أكله لا يجوز أن يتناوله الحظر, فيؤدي ذلك ~~إلى إسقاط فائدة ذكر إمساكه علينا. وأيضا فإنه إذا ms1609 أكل منه فقد علمنا أنه ~~إنما اصطاد لنفسه وأمسكه عليها ولم يمسكه علينا باصطياده, وتركه أكل بعضه ~~بعد ما أكل منه ما أكل لا يكسبه في الباقي حكم الإمساك علينا; لأنه يجوز أن ~~يترك أكل الباقي; لأنه قد شبع ولم يحتج إليه لا; لأنه أمسكه علينا, وفي ~~أكله منه بديا دلالة على أنه لم يمسكه علينا باصطياده; وهذا الذي يجب علينا ~~اعتباره في صحة التعليم, وهو أن يعلم أنه ينبغي أن يصطاده لنا ويمسكه ~~علينا, فإذا أكل منه علمنا أنه لم يبلغ حد التعليم. # فإن قيل: الكلب إنما يصطاد ويمسك لنفسه لا لصاحبه, ألا ترى أنه لو كان ~~شبعان حين أرسل لم يصطد؟ وهو إنما يضرى على الصيد بأن يطعم منه, فليس إذا ~~في أكله منه نفي التعليم والإمساك علينا. ولو اعتبر ما ذكرتم فيه لاحتجنا ~~إلى اعتبار نية الكلب وضميره, وذلك مما لا نعلمه ولا نقف عليه بل لا نشك أن ~~نيته وقصده لنفسه. قيل له: أما قولك: "إنه يصطاد ويمسك لنفسه" فليس كذلك; ~~لأنه لو كان كذلك لما ضرب حتى يترك الأكل, ولما تعلم ذلك إذا علم, فلما كان ~~إذا علم ترك الأكل تعلم ذلك ولم يأكل منه علمنا أنه متى ترك الأكل فهو ممسك ~~له علينا معلم لما شرط الله تعالى من تعليمه فهو حينئذ مصطاد لصاحبه ممسك ~~عليه; وقوله: "إنه لو كان يصطاد لصاحبه لكان يصطاد في حال الشبع" فهو يصطاد ~~في حال الشبع لصاحبه ويمسكه عليه إذا أرسله صاحبه, وهو إذا كان معلما لم ~~يمتنع من الاصطياد إذا أرسله. وأما قولك: "إنه يضرى على الصيد بأنه يطعم ~~منه" فإنه إنما يطعم منه بعد إمساكه على صاحبه; وأما ضمير الكلب ونيته فإن ~~الكلب يعلم ما يراد منه بالتعليم فينتهي إليه, كما يعرف الفرس ما يراد منه ~~بالزجر ورفع السوط ونحوه, والذي يعلم به ذلك من الكلب تركه للأكل ومتى أكل ~~منه فقد علم منه أنه قصد بذلك إمساكه على نفسه دون صاحبه. ومما يدل على ما ms1610 ~~ذكرنا وأن تعليم الكلب إنما يكون بتركه الأكل أنه معلوم أنه ألوف غير ~~مستوحش, فلا يجوز أن يكون تعليمه ليتألف ولا يستوحش, فوجب أن يكون بتركه ~~الأكل. والبازي من جوارح الطير هو # PageV02P399 # مستوحش في الأصل, ولا يجوز أن يكون تعليمه بأن يضرب ليترك الأكل, فثبت أن ~~تعليمه بإلفه لصاحبه وزوال الوحشة منه بأن يدعوه فيجيبه, فيزول بذلك عن ~~طبعه الأول ويكون ذلك علما لتعليمه. # وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} قيل فيه: إن "من" دخلت للتبعيض, ~~ويكون معنى التبعيض فيه أن بعض ما يمسكه علينا مباح دون جميعه, وهو الذي ~~يجرحه فيقتله دون ما يقتله بصدمه من غير جراحة. وقال بعضهم: إن "من" ههنا ~~زائدة للتأكيد, كقوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] . وقال ~~بعض النحويين: هذا خطأ; لأنها لا تزاد في الموجب وإنما تزاد في النفي ~~والاستفهام, وقوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] ابتداء ~~الغاية, أي: يكفر عنكم أعمالكم التي تحبون سترها عليكم من سيئاتكم; قال: ~~ويجوز أن يكون بمعنى يكفر عنكم من السيئات ما يجوز تكفيره في الحكمة دون ما ~~لا يجوز; لأنه خطاب عام لسائر المكلفين. # PageV02P400 # مطلب: لا حظ للإجتهاد نع اليقين # وقال أبو حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد قبل ذلك صيدا كثيرا ~~ولم يأكل منه: "إن جميع ما تقدم حرام; لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن ~~معلما, وقد كان الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد وغالب ~~الظن, والحكم بنفي التعليم عند الأكل من طريق اليقين, ولا حظ للاجتهاد مع ~~اليقين, وقد يترك الأكل بديا وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها ~~عند الاصطياد ولا يأكلها ساعة الاصطياد, فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل ~~بحكم التعليم من جهة غالب الظن, فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفي ~~التعليم فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك". وقال أبو يوسف ومحمد: "إذا ترك الأكل ~~ثلاث مرات فهو معلم, فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من ms1611 صيده; لأنه جائز ~~أن يكون قد نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال". # وينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى ~~فيها, فإن تطاولت المدة في الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه وفي مثل تلك المدة ~~يجوز أن ينسى فإنه ينبغي أن لا يحرم ما تقدم, ويكون موضع الخلاف بينه وبين ~~أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات, وأبو ~~حنيفة لا يحده, وإنما يعتبر ما يغلب في الظن من حصول التعليم, فإذا غلب في ~~الظن أنه معلم بترك الأكل ثم أرسل مع قرب المدة فأكل منه, فهو محكوم بأنه ~~غير معلم فيما ترك أكله; مما تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن ~~في مثلها نسيان التعليم, لم يحرم ما # PageV02P400 # تقدم; وأبو يوسف ومحمد يقولان: إنه إذا ترك الأكل ثلاث مرات ثم اصطاد ~~فأكل في مدة قريبة أو بعيدة لم يحرم ما تقدم من صيده, فيظهر موضع الخلاف ~~بينهم ههنا. # قوله تعالى: {واذكروا اسم الله عليه} . قال ابن عباس والحسن والسدي: ~~"يعني على إرسال الجوارح". قال أبو بكر: قوله: {واذكروا اسم الله عليه} أمر ~~يقتضي الإيجاب, ويحتمل أن يرجع إلى الأكل المذكور في قوله: {فكلوا مما ~~أمسكن عليكم} , ويحتمل أن يعود إلى الإرسال; لأن قوله: {وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} قد تضمن إرسال الجوارح المعلمة ~~على الصيد, فجائز عود الأمر بالتسمية إليه, ولولا احتمال ذلك لما تأوله ~~السلف عليه. وإذا كان ذلك كذلك وقد تضمن الأمر بالذكر إيجابه واتفقوا أن ~~الذكر غير واجب على الأكل, فوجب استعمال حكمه على الإرسال; إذ كان مختلفا ~~فيه; وإذا كانت التسمية واجبة على الإرسال صارت من شرائط الذكاة, كتعليم ~~الجوارح وكون المرسل ممن تصح ذكاته وإسالة دم الصيد بما يجرح وله حد, فإذا ~~تركها لم تصح ذكاته كما لا تصح ذكاته مع ترك ما ذكرنا من شرائط الذكاة. ~~والذي تقتضيه الآية فساد الذكاة عند ترك التسمية عامدا ms1612 وذلك; لأن الأمر لا ~~يتناول الناسي; إذ لا يصح خطابه; فلذلك قال أصحابنا: إن ترك التسمية ناسيا ~~لا يمنع صحة الذكاة; إذ هو غير مكلف بها في حال النسيان. وسنذكر إيجاب ~~التسمية على الذبيحة عند قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121] إذا انتهينا إليه إن شاء الله. # وقد روي في التسمية على إرسال الكلب ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن ~~الشعبي قال: قال عدي بن حاتم: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~أرسل كلبي؟ قال: "إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل, وإن أكل منه فلا تأكل فإنما ~~أمسك على نفسه" وقال: أرسل كلبي فأجد عليه كلبا آخر؟ قال: "لا تأكل; لأنك ~~إنما سميت على كلبك" فنهاه عن أكل ما لم يسم عليه وما شاركه كلب آخر لم يسم ~~عليه, فدل على أن من شرائط ذكاة الصيد التسمية على الإرسال. وهذا يدل أيضا ~~على أن حال الإرسال بمنزلة حال الذبح في وجوب التسمية عليه. # وقد اختلف الفقهاء في أشياء من أمر الصيد, منها الاصطياد بكلب المجوسي, ~~فقال أصحابنا ومالك والأوزاعي والشافعي: "لا بأس بالاصطياد بكلب المجوسي ~~إذا كان معلما وإن كان الذي علمه مجوسيا بعد أن يكون الذي أرسله مسلما". ~~وقال الثوري: "أكره الاصطياد بكلب المجوسي إلا أن يأخذه من تعليم المسلم". ~~قال أبو بكر: ظاهر # PageV02P401 # قوله تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} يقتضي جواز صيده وإباحة أكله, ولم ~~يفرق بين أن يكون مالكه مسلما أو مجوسيا. وأيضا فإن الكلب آلة كالسكين يذبح ~~بها والقوس يرمى عنها, فواجب أن لا يختلف حكم الكلب لمن كان كسائر الآلات ~~التي يصطاد بها. وأيضا فلا اعتبار بالكلب وإنما الاعتبار بالمرسل, ألا ترى ~~أن مجوسيا لو اصطاد بكلب مسلم لم يجز أكله؟ وكذلك اصطياد المسلم بكلب ~~المجوسي ينبغي أن يحل أكله. # فإن قيل: قال الله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل ms1613 لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} ومعلوم أن ذلك خطاب ~~للمؤمنين, فواجب أن يكون تعليم المسلم شرطا في الإباحة. قيل له: لا يخلو ~~تعليم المجوسي من أن يكون مثل تعليم المسلم المشروط في إباحة الذكاة أو ~~مقصرا عنه, فإن كان مثله فلا اعتبار بالمعلم وإنما الاعتبار بحصول التعليم, ~~ألا ترى أنه لو ملكه مسلم وهو معلم كتعليم المسلم جاز أكل ما صاده؟ فإذا لا ~~اعتبار بالملك وإنما الاعتبار بالتعليم. وإن كان تعليم المجوسي مقصرا عن ~~تعليم المسلم حتى يخل عند الاصطياد ببعض شرائط الذكاة فهذا كلب غير معلم, ~~ولا يختلف حينئذ حكم ملك المجوسي والمسلم في حظر ما يصطاده. وأما قوله: ~~{تعلمونهن مما علمكم الله} فإنه, وإن كان خطابا للمسلمين فالمقصد فيه حصول ~~التعليم للكلب, فإذا علمه المجوسي كتعليم المسلم فقد وجد المعنى المشروط, ~~فلا اعتبار بعد ذلك بملك المجوسي. # واختلفوا في الصيد يدركه حيا, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن يدرك ~~صيد الكلب أو السهم فيحصل في يده حيا ثم يموت: "فإنه لا يؤكل, وإن لم يقدر ~~على ذبحه حتى مات". وقال مالك والشافعي: "إن لم يقدر على ذبحه حتى مات أكل, ~~وإن مات في يده, وإن قدر على ذبحه فلم يذبحه لم يؤكل, وإن لم يحصل في يده". ~~وقال الثوري: إن قدر أن يأخذه من الكلب فيذبحه فلم يفعله لم يؤكل". وقال ~~الأوزاعي: "إذا أمكنه أن يذكيه ولم يفعل لم يؤكل, وإن لم يمكنه حتى مات بعد ~~ما صار في يده أكل". وقال الليث: "إن أدركه في في الكلب فأخرج سكينه من خفه ~~أو منطقته ليذبحه فمات أكله, وإن ذهب ليخرج السكين من خرجه فمات قبل أن ~~يذبحه لم يأكله". # قال أبو بكر: إذا حصل في يده حيا فلا اعتبار بإمكان ذبحه أو تعذره في أن ~~شرط ذكاته الذبح وذلك; لأن الكلب إنما حل صيده لامتناع الصيد وتعذر الوصول ~~إليه إلا من هذه الجهة, فإذا حصل في يده حيا فقد زال المعنى ms1614 الذي من أجله ~~أبيح صيده وصار بمنزلة سائر البهائم التي يخاف عليها الموت, فلا تكون ذكاته ~~إلا بالذبح سواء مات في وقت لا يقدر على ذبحه أو قدر عليه, والمعني فيه ~~كونه في يده حيا. # PageV02P402 # فإن قيل: إنما لم تكن ذكاة سائر البهائم إلا بالذبح; لأن ذبحها قد كان ~~مقدورا عليه, ولو ماتت حتف أنفها لم يكن ذكاة; وجراحة الكلب والسهم قد كانت ~~تكون ذكاة للصيد لو لم يحصل في يده حتى مات, فإذا صار في يده ولم يبق من ~~حياته بمقدار ما يدرك ذكاته فهو مذكى بجراحة الكلب, وهو بمنزلة ما لو صار ~~في يده بعد الموت. قيل له: هذا على وجهين: أحدهما: أن يكون الكلب قد جرحه ~~جراحة لا يعاش من مثلها إلا مثل حياة المذبوح, وذلك بأن يكون قد قطع أوداجه ~~أو شق جوفه فأخرج حشوته, فإذا كان ذلك كذلك كانت جراحته ذكاة له سواء أمكن ~~بعد ذلك ذبحه أو لم يمكن, فهذا الذي تكون جراحة الكلب ذكاة له; وأما الوجه ~~الآخر: فهو أن يعيش من مثلها, إلا أنه اتفق موته بعد وقوعه في يده في وقت ~~لم يكن يقدر على ذبحه; فهذا لا يكون مذكى; لأن تلك الجراحة قد كانت مراعاة ~~على حدوث الموت قبل حصوله في يده وإمكان ذكاته, فإذا صار في يده حيا بطل ~~حكم الجراحة, وصار بمنزلة سائر البهائم التي يصيبها جراحات غير مذكية لها ~~مثل المتردية والنطيحة وغيرهما, فلا يكون ذكاته إلا بالذبح. # واختلفوا في الصيد يغيب عن صاحبه, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: ~~"إذا توارى عنه الصيد والكلب وهو في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله, وإن ترك ~~الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا ~~أكله" وكذلك قالوا في السهم إذا رماه به فغاب عنه. وقال مالك: "إذا أدركه ~~من يومه أكله في الكلب والسهم جميعا, وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جراحة, ~~وإن بات عنه لم يأكله". وقال الثوري: "إذا رماه ms1615 فغاب عنه يوما أو ليلة كرهت ~~أكله". وقال الأوزاعي: "إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا ~~فليأكله". وقال الشافعي القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه". قال أبو بكر: روي ~~عن ابن عباس أنه قال: "كل ما أصميت ودع ما أنميت" وفي خبر آخر عنه: "وما ~~غاب عنك ليلة فلا تأكله". والإصماء ما أدركه من ساعته والإنماء ما غاب عنه. ~~وروى الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصيد: "إذا غاب عنك مصرعه كرهه" وذكر هوام الأرض. وأبو ~~رزين هذا ليس بأبي رزين العقيلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو ~~أبو رزين مولى أبي وائل. # ويدل على أنه إذا تراخى عن طلبه لم يأكله أنه لا خلاف أنه لو لم يغب عنه ~~وأمكنه أن يدرك ذكاته فلم يفعل حتى مات أنه لا يؤكل, فإذا لم يترك الطلب ~~وأدركه ميتا فقد علمنا أنه لم يكن يدرك ذكاته فكان قتل الكلب أو السهم له ~~ذكاة له, وإذا تراخى عن الطلب فجائز أن يكون لو طلبه في فوره أدرك ذكاته ثم ~~لم يفعل حتى مات فإنه لا يؤكل, فإذا لم يترك الطلب وأدرك حياته تيقن أن قتل ~~الكلب ليس بذكاة له فلا يجوز أكله, ألا # PageV02P403 # ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: "وإن شاركه كلب آخر ~~فلا تأكله فلعله أن يكون الثاني قتله"؟ فحظر الشارع صلى الله عليه وسلم ~~أكله حين جوز أن يكون قتله كلب آخر, فكذلك إذا جاز أن يكون مما كان يدرك ~~ذكاته لو طلبه فلم يفعل وجب أن لا يؤكل, لتجويز هذا المعنى فيه. # فإن قيل: روى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن ~~أبيه عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ~~ثلاث: " يأكله إلا أن ينتن" وروي في بعض الألفاظ: "إذا أدركت بعد ثلاث ~~وسهمك ms1616 فيه فكله ما لم ينتن". قيل له: قد اتفق الجميع على رفض هذا الخبر, ~~وترك استعماله من وجوه: أحدها: أن أحدا من الفقهاء لا يقول إنه إذا وجده ~~بعد ثلاث يأكله. والثاني: أنه أباح له أكله ما لم ينتن, ولا اعتبار عند أحد ~~بتغير الرائحة. والثالث: أن تغير الرائحة لا حكم له في سائر الأشياء وإنما ~~الحكم يتعلق بالذكاة أو فقدها, فإن كان الصيد مذكى مع تراخي المدة فلا حكم ~~للرائحة, وإن كان غير مذكى فلا حكم أيضا لعدم تغيره. وقد روى محمد بن ~~إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن رجل من نهد: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "مر بالروحاء, فإذا هو بحمار وحش عقير فيه سهم قد ~~مات, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوه حتى يجيء صاحبه" فجاء ~~النهدي فقال: يا رسول الله هي رميتي فكلوه فأمر أبا بكر أن يقسم بين الرفاق ~~وهم محرمون". فمن الناس من يحتج بذلك في إباحة أكله إن تراخى عن طلبه لترك ~~النبي صلى الله عليه وسلم مسألته عن ذلك, ولو كان ذلك يختلف حكمه لسأله; ~~وليس في هذا دليل على ما ذكر, من قبل أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم شاهد هذا الحمار على حال استدل بها على قرب وقت الجراحة من سيلان الدم ~~وطراوته ومجيء الرامي عقبه, فعلم أنه لم يتراخ عن طلبه, فلذلك لم يسأله. # فإن قيل: روى هشيم عن أبي هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عدي بن ~~حاتم قال: قلت يا رسول الله إنا أهل صيد يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة ~~والليلتين ثم يتبع أثره بعدما يصبح فيجد سهمه فيه؟ قال: "إذا وجدت سهمك فيه ~~ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكله". قيل له: هذا يوجب أن يكون لو ~~أصابه بعد ليالي كثيرة أن يأكله إذا علم أن سهمه قتله, ولا نعلم ذلك قول ~~أحد من أهل العلم; لأنه ms1617 اعتبر العلم بأن سهمه قتله. وأيضا فإنه لا يحصل له ~~العلم بأن سهمه قتله بعدما تراخى عن طلبه, وقد شرط صلى الله عليه وسلم حصول ~~العلم بذلك, فإذا لم يعلم بذلك فواجب أن لا يأكله وهو لا يعلم إذا تراخى عن ~~طلبه وطالت المدة أن سهمه قتله. ويدل على صحة قول أصحابنا ما حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا محمد بن ~~عباد # PageV02P404 # قال: حدثنا محمد بن سليمان عن مشمول عن عمرو بن تميم عن أبيه عن جده قال: ~~قلت: يا رسول الله إنا أهل بدو ونصيد بالكلاب المعلمة ونرمي الصيد, فما يحل ~~لنا من ذلك وما يحرم علينا؟ قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فكل مما ~~أمسك عليك أكل أو لم يأكل قتل أو لم يقتل, وإذا رميت الصيد فكل مما أصميت ~~ولا تأكل مما أنميت" ; فحظر ما أنمى, وهو ما غاب عنه. وهو محمول على ما غاب ~~عنه وتراخى عن طلبه; لأنه لا خلاف أنه إذا كان في طلبه أكل. فإن قيل: فقد ~~أباح في هذا الحديث أكل ما أكل منه الكلب, وهو خلاف قولكم قيل له: قد عارضه ~~حديث عدي بن حاتم, وقد تقدم الكلام فيه. # قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات} فإنه جائز أن يريد به اليوم الذي ~~نزلت فيه الآية, ويجوز أن يريد به اليوم الذي تقدم ذكره في موضعين: أحدهما: ~~قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} والآخر قوله تعالى: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم} قيل: إنه يوم عرفة في عام حجة الوداع, وقيل: زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كله, على ما قدمنا من اختلاف السلف فيه. والطيبات ههنا يجوز ~~أن يريد بها ما استطبناه واستلذذناه ما عدا ما بين تحريمه في هذه الآيات ~~وفي غيرها, فيكون عموما في إباحة جميع المتلذذات إلا ما قام دليل حظره. ~~ويحتمل أن يريد بالطيبات ما أباحه لنا من سائر الأشياء التي ذكر إباحتها في ~~غير هذا الموضع. # وقوله ms1618 تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} . روي عن ابن عباس وأبي ~~الدرداء والحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي: أنه ذبائحهم. وظاهره يقتضي ~~ذلك; لأن ذبائحهم من طعامهم, ولو استعملنا اللفظ على عمومه لانتظم جميع ~~طعامهم من الذبائح وغيرها. والأظهر أن يكون المراد الذبائح خاصة; لأن سائر ~~طعامهم من الخبز والزيت وسائر الأدهان لا يختلف حكمها بمن يتولاه, ولا شبهة ~~في ذلك على أحد, سواء كان المتولي لصنعه واتخاذه مجوسيا أو كتابيا, ولا ~~خلاف فيه بين المسلمين. وما كان منه غير مذكى لا يختلف حكمه في إيجاب حظره ~~بمن تولى إماتته من مسلم أو كتابي أو مجوسي; فلما خص الله تعالى طعام أهل ~~الكتاب بالإباحة وجب أن يكون محمولا على الذبائح التي يختلف حكمها باختلاف ~~الأديان. # PageV02P405 # مطلب: في أكله عليه السلام مكن الشاة التي أهدها إليه اليهودية من دون أن ~~يسألها أهي ذبيحة مسلم أم يهودي وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من ~~الشاة المسمومة المشوية التي أهدتها إليه اليهودية ولم يسألها عن ذبيحتها ~~أهي من ذبيحة المسلم أم اليهودي. # PageV02P405 # واختلف الفقهاء فيمن انتحل دين أهل الكتاب من العرب, فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر: من كان يهوديا أو نصرانيا من العرب والعجم فذبيحته مذكاة ~~إذا سمى الله عليها. وإن سمى النصراني عليها باسم المسيح لم تؤكل, ولا فرق ~~بين العرب والعجم في ذلك". وقال مالك: "ما ذبحوه لكنائسهم أكره أكله, وما ~~سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل والعرب والعجم فيه سواء". وقال الثوري: "إذا ~~ذبح وأهل به لغير الله كرهته", وهو قول إبراهيم. وقال الثوري: وبلغني عن ~~عطاء1 أنه قال: "قد أحل الله ما أهل به لغير الله; لأنه قد علم أنهم ~~سيقولون هذا القول". وقال الأوزاعي: "إذا سمعته يرسل كلبه باسم المسيح ~~أكل". وقال فيما ذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم: كان مكحول لا يرى به ~~بأسا, ويقول: هذه كانت ذبائحهم قبل نزول القرآن ثم أحلها الله تعالى في ~~كتابه; وهو قول الليث بن سعد. وقال الربيع ms1619 عن الشافعي: "لا خير في ذبائح ~~نصارى العرب من بني تغلب" قال: "ومن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن ~~وخالف دين أهل الأوثان قبل نزول القرآن فهو خارج من أهل الأوثان وتقبل منه ~~الجزية عربيا كان أو عجميا, ومن دخل عليه الإسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب ~~فلا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف". قال أبو بكر: وقد روي عن جماعة من ~~السلف القول في أهل الكتاب من العرب, لم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك ~~قبل نزول القرآن أو بعده, ولا نعلم أحدا من السلف والخلف اعتبر فيهم ما ~~اعتبره الشافعي في ذلك, فهو منفرد بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل ~~العلم. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: ~~256] قال: "كانت المرأة من الأنصار لا يعيش لها ولد فتحلف لئن عاش لها ولد ~~لتهودنه, فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار فقالت ~~الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا فأنزل الله: {لا إكراه في الدين} ". قال ~~سعيد: فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل الإسلام فلم يفرق فيما ذكر بين من دان ~~باليهودية قبل نزول القرآن وبعده وروى عبادة بن نسي2 عن غضيف بن الحارث: أن ~~عاملا لعمر بن الخطاب كتب إليه أن ناسا من السامرة يقرءون التوراة ويسبتون ~~السبت ولا يؤمنون بالبعث, فما ترى؟ فكتب إليه عمر: "إنهم طائفة من أهل ~~الكتاب". وروى محمد بن سيرين عن عبيدة قال: سألت عليا عن ذبائح نصارى ~~العرب, فقال: "لا تحل ذبائحهم PageV02P406 # فإنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر". وروى عطاء بن السائب عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم, فإن ~~الله تعالى قال في كتابه: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] فلو ~~لم يكونوا منهم إلا بالولاية كانوا منهم ولم يفرق أحد من هؤلاء بين من دان ~~بذلك قبل نزول القرآن وبعده, فهو إجماع منهم. ويدل على بطلان هذه ms1620 المقالة ~~من التفرقة بين من دان بدين أهل الكتاب قبل نزول القرآن أو بعده قول الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم} [المائدة: 51] , وذلك إنما يقع على المستقبل, ~~فأخبر تعالى بعد نزول القرآن أن من يتولاهم من العرب فهو منهم, وذلك يقتضي ~~أن يكون كتابيا; لأنهم أهل الكتاب, وأن تحل ذبائحهم, لقوله تعالى: {وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم} . # ومن الناس من يزعم أن أهل الكتاب هم بنو إسرائيل الذين ينتحلون اليهودية ~~والنصرانية دون من سواهم من العرب والعجم الذين دانوا بدينهم, ولم يفرقوا ~~في ذلك بين من دان بذلك قبل نزول القرآن وبعده, ويحتجون في ذلك بقوله: ~~{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة} [الجاثية: 16] , فأخبر أن ~~الذين آتاهم الكتاب هم بنو إسرائيل; وبحديث عبيدة السلماني عن علي أنه قال: ~~"لا تحل ذبائح نصارى العرب لأنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر" ~~أما الآية فلا دلالة فيها على قولهم; لأنه إنما أخبر أنه آتى بني إسرائيل ~~الكتاب ولم ينف بذلك أن يكون من انتحل دينهم في حكمهم. وقد قال ابن عباس: ~~تحل ذبائحهم, لقوله تعالى: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] , فلو لم يكونوا منهم إلا ~~بالولاية لكانوا منهم وقول علي رضي الله عنه في ذلك وحظر ذبائح نصارى العرب ~~ليس من جهة أنهم من غير بني إسرائيل, لكن من قبل أنهم غير متمسكين بأحكام ~~تلك الشريعة; لأنه قال: إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر, ولم يقل: ~~لأنهم ليسوا من بني إسرائيل; فقول من قال إن أهل الكتاب لا يكونون إلا من ~~بني إسرائيل وإن دانوا بدينهم قول ساقط مردود. # وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن حذيفة عن عدي بن ~~حاتم قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا عدي بن حاتم أسلم ms1621 تسلم" فقلت له: إن لي دينا, فقال: "أنا أعلم ~~بدينك منك" قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم ألست ركوسيا؟ " قال: قلت ~~بلى قال: "ألست ترأس قومك؟ " قال: قلت: بلى قال: " ألست تأخذ المرباع"؟ ~~قال: قلت: بلى قال: "فإن ذلك لا يحل لك في دينك". # PageV02P407 # قال: فكأني رأيت أن علي بها غضاضة, وكأني تواضعت بها. وروى عبد السلام بن ~~حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب فقال: "ألق هذا الوثن عنك" ثم قرأ: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: من الآية31] قال: ~~قلت: يا رسول الله ما كنا نعبدهم قال: "أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله ~~عز وجل فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال: "فتلك عبادتهم" ~~وفي هذين الخبرين ضروب من الدلالة على ما ذكرنا, أحدها: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نسب إلى متخذي الأحبار والرهبان أربابا وهم اليهود ~~والنصارى, ولم ينف ذلك عنه من حيث كان عربيا, وقال في الحديث الأول: "ألست ~~ركوسيا" وهم صنف من النصارى, فلم يخرجه عنهم بأخذهم المرباع, وهو ربع ~~الغنيمة; وليس ذلك من دين النصارى; لأن في دينهم أن الغنائم لا تحل; فهذا ~~يدل على أن ترك التمسك بما ينتحله المنتحلون للأديان لا يخرجهم من أن ~~يكونوا من أهل تلك الشريعة وذلك الدين, ويدل على أن العرب وبني إسرائيل ~~سواء فيما ينتحلون من دين أهل الكتاب وأنهم غير مختلفي الأحكام; ولما لم ~~يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عما انتحله من دين النصارى أكان قبل نزول ~~القرآن أو بعده ونسبه إلى فرقة منهم من غير مسألة دل على أنه لا فرق بين من ~~انتحل ذلك قبل نزول القرآن أو بعده; والله أعلم. # PageV02P408 # باب تزوج الكتابيات # قال الله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . قال أبو ~~بكر: اختلف في المراد بالمحصنات ههنا, فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم ~~والسدي: أنهم ms1622 العفائف. وروي عن عمر ما يدل على أن المعنى عنده ذلك, وهو ما ~~حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن يزيد عن الصلت بن بهرام عن شقيق بن سلمة قال: ~~تزوج حذيفة بيهودية, فكتب إليه عمر أن خل سبيلها, فكتب إليه حذيفة: أحرام ~~هي؟ فكتب إليه عمر: لا, ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن; قال أبو ~~عبيد: يعني العواهر. فهذا يدل على أن معنى الإحصان عنده ههنا كان على ~~العفة. وقال مطرف عن الشعبي في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} قال" إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن ~~فرجها". وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} قال: "الحرائر". # قال أبو بكر: الاختلاف في نكاح الكتابية على أنحاء مختلفة, منها إباحة ~~نكاح الحرائر منهن إذا كن ذميات, فهذا لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار ~~فيه إلا شيئا # PageV02P408 # يروى عن ابن عمر أنه كرهه; حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن ~~نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب ويكره نكاح نسائهم. ~~قال جعفر: وحدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال: ~~حدثني نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال: ~~"إن الله حرم المشركات على المسلمين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من أن ~~تقول ربها عيسى ابن مريم وهو عبد من عبيد الله". قال أبو عبيد: وحدثني علي ~~بن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: إنا بأرض ~~يخالطنا فيها أهل الكتاب, أفننكح نساءهم ونأكل من طعامهم؟ قال: فقرأ علي ~~آية التحليل وآية التحريم, قال: قلت: إني أقرأ ما تقرأ أفننكح نساءهم ونأكل ~~طعامهم؟ قال: فأعاد علي آية التحليل وآية التحريم. ms1623 قال أبو بكر: يعني بآية ~~التحليل: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} , وبآية التحريم: ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] , فلما رأى ابن عمر الآيتين ~~في نظامهما تقتضي إحداهما التحليل والأخرى التحريم وقف فيه ولم يقطع ~~بإباحته. # ". # PageV02P409 # مطلب: واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات, مخالف في ~~ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنه # واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات سوى ابن عمر, ~~وجعلوا قوله: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] خاصا في غير أهل الكتاب. ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حماد قال: سألت سعيد بن جبير عن ~~نكاح اليهودية والنصرانية, قال: لا بأس, قال: قلت: فإن الله تعالى قال: ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: أهل الأوثان والمجوس. ~~وقد روي عن عمر ما قدمنا ذكره. وروي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت ~~الفرافصة1 الكلبية وهي نصرانية وتزوجها على نسائه; وروي عن طلحة بن عبيد ~~الله أنه تزوج يهودية من أهل الشام. وتروى إباحة ذلك عن عامة التابعين; ~~منهم الحسن وإبراهيم والشعبي في آخرين منهم. # ولا يخلو قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] من أحد ~~معنيين: PageV02P409 # إما أن يكون إطلاقه مقتضيا لدخول الكتابيات فيه, أو مقصورا على عبدة ~~الأوثان غير الكتابيات. فإن كان إطلاق اللفظ يتناول الجميع, فإن قوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يخصه, ويكون قوله تعالى: {ولا ~~تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] مرتبا عليه; لأنه متى أمكننا استعمال ~~الآيتين على معنى ترتيب العام على الخاص وجب استعمالهما ولم يجز لنا نسخ ~~الخاص بالعام إلا بيقين, وإن كان قوله: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: ~~221] إنما يتناول إطلاقه عبدة الأوثان على ما بيناه في غير هذا الموضع; ~~فقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ثابت الحكم; إذ ~~ليس في القرآن ما يوجب نسخه. # فإن قيل: قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ms1624 إنما ~~المراد به اللاتي كن كتابيات فأسلمن, كما قال تعالى في آية أخرى: {وإن من ~~أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم} [آل عمران: 199] ~~, وقوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر} [آل عمران:113] والمراد من ~~كان من أهل الكتاب فأسلم; كذلك قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} المراد به من كان من أهل الكتاب فأسلم. قيل له: هذا غلط من وجوه: ~~أحدها: أن إطلاق لفظ أهل الكتاب ينصرف إلى الطائفتين من اليهود والنصارى ~~دون المسلمين ودون سائر الكفار, ولا يطلق أحد على المسلمين أنهم أهل الكتاب ~~كما لا يطلق عليهم أنهم يهود أو نصارى, والله تعالى حين قال: {وإن من أهل ~~الكتاب لمن يؤمن بالله} [آل عمران: 199] فإنه لم يطلق الاسم عليهم إلا ~~مقيدا بذكر الإيمان عقيبه, وكذلك قال: {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] فذكر إيمانهم بعد وصفهم أنهم ~~أهل الكتاب; ولست واجدا في شيء من القرآن إطلاق أهل الكتاب من غير تقييد ~~إلا وهو يريد به اليهود والنصارى. والثاني: أنه قد ذكر المؤمنات في قوله: ~~{والمحصنات من المؤمنات} فانتظم ذلك سائر المؤمنات ممن كن مشركات أوكتابيات ~~فأسلمن وممن نشأ منهن على الإسلام, فغير جائز أن يعطف عليه مؤمنات كن ~~كتابيات, فوجب أن يكون قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~على الكتابيات اللاتي لم يسلمن. وأيضا فإن ساغ التأويل الذي ادعاه من خالف ~~في ذلك, فغير جائز لنا الانصراف عن الظاهر إلى غيره إلا بدلالة, وليس معنا ~~دلالة توجب صرفه عن الظاهر. وأيضا فلو حمل على ذلك لزالت فائدته; إذ كانت ~~مؤمنة وقد تقدم في الآية ذكر المومنات. وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد ~~بقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب # PageV02P410 # حل لكم} طعام المؤمنين الذين كانوا من أهل الكتاب, وأن المراد به اليهود ~~والنصارى, كذلك قوله: {والمحصنات من الذين ms1625 أوتوا الكتاب من قبلكم} هو على ~~الكتابيات دون المؤمنات. # ويحتج للقائلين بتحريمهن بقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10] قيل له: إنما ذلك في الحربية إذا خرج زوجها مسلما أو الحربي ~~تخرج امرأته مسلمة, ألا ترى إلى قوله تعالى: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ~~ما أنفقوا} [الممتحنة: 10] وأيضا فلو كان عموما لخصه قوله: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . # وقد اختلف في نكاح الكتابيات من وجه آخر, فقال ابن عباس: "لا تحل نساء ~~أهل الكتاب إذا كانوا حربا" وتلا هذه الآية: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله {وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال ~~الحكم: حدثت بذلك إبراهيم فأعجبه. ولم يفرق غيره ممن ذكرنا قوله من الصحابة ~~بين الحربيات والذميات, وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع لشمول الاسم ~~لهن. قال أبو بكر: ومما يحتج به لقول ابن عباس قوله تعالى: {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] ~~والنكاح يوجب المودة بقوله تعالى: {خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ~~وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] , فينبغي أن يكون نكاح الحربيات ~~محظورا; لأن قوله تعالى: {يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22] إنما ~~يقع على أهل الحرب; لأنهم في حد غير حدنا; وهذا عندنا إنما يدل على ~~الكراهة, وأصحابنا يكرهون مناكحات أهل الحرب من أهل الكتاب. # وقد اختلف السلف في نكاح المرأة من بني تغلب, فروي عن علي أنه لا يجوز; ~~لأنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر; وهو قول إبراهيم وجابر بن ~~زيد. وقال ابن عباس: "لا بأس بذلك; لأنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية ~~لكانوا منهم". واختلف أيضا في نكاح الأمة الكتابية, وقد ذكرنا اختلاف ~~الفقهاء فيه في سورة النساء. ومن تأول قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم} على الحرائر جعل الإباحة مقصورة على نكاح الحرائر من ~~الكتابيات, ومن تأوله على العفة أباح نكاح الإماء الكتابيات. # واختلف في المجوس فقال جل السلف وأكثر الفقهاء: "ليسوا أهل الكتاب". وقال ~~آخرون: ms1626 "هم أهل الكتاب". والقائلون بذلك شواذ; والدليل على أنهم ليسوا أهل ~~الكتاب قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ~~أن تقولوا # PageV02P411 # إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام:155] فأخبر تعالى أن ~~أهل الكتاب طائفتان, فلو كان المجوس أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف, ألا ترى ~~أن من قال: إنما لي على فلان جبتان, لم يكن له أن يدعي أكثر منه؟ وقول ~~القائل: إنما لقيت اليوم رجلين, ينفي أن يكون قد لقي أكثر منهما؟ فإن قيل: ~~إنما حكى الله ذلك عن المشركين, وجائز أن يكونوا قد غلطوا. قيل له: إن الله ~~لم يحك هذا القول عن المشركين, ولكنه قطع بذلك عذرهم لئلا يقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا وإنا كنا عن دراستهم لغافلين; فهذا إنما هو ~~قول الله واحتجاج منه على المشركين في قطع عذرهم بالقرآن. وأيضا فإن المجوس ~~لا ينتحلون شيئا من كتب الله المنزلة على أنبيائه, وإنما يقرءون كتاب ~~زرادشت وكان متنبيا كذابا, فليسوا إذا أهل كتاب. # ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب حديث يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه ~~قال: قال عمر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس وليسوا أهل كتاب فقال عبد الرحمن ~~بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب". فصرح عمر بأنهم ليسوا أهل كتاب, ولم يخالفه عبد الرحمن ولا غيره ~~من الصحابة. وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~"سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ; فلو كانوا أهل الكتاب لما قال: "سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب" ولقال هم من أهل الكتاب. وفي حديث آخر أنه أخذ الجزية من مجوس ~~هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". # فإن قيل: إن لم يكونوا أهل كتاب فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حكمهم ~~حكم أهل الكتاب بقوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". قيل له: إنما قال ذلك في ~~الجزية خاصة, وقد روي ذلك في غير هذا الخبر. ms1627 وروى سفيان عن قيس بن مسلم عن ~~الحسن بن محمد قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى ~~الإسلام, قال: "فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا, ومن أبى فعليه ~~الجزية غير أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم". وقد روي النهي عن صيد المجوس عن ~~علي وعبد الله وجابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب وأبي رافع وعكرمة, ~~وهذا يوجب أن لا يكونوا عندهم أهل كتاب. ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحب الروم: "يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم" , وكتب إلى كسرى ولم ينسبه إلى كتاب. وروي في قوله ~~تعالى: {الم غلبت الروم} [الروم:2] أن المسلمين أحبوا غلبة الروم لأنهم أهل ~~كتاب وأحبت قريش غلبة فارس لأنهم جميعا ليسوا بأهل كتاب, فخاطرهم أبو بكر ~~رضي الله عنه والقصة في ذلك مشهورة. وأما من قال: إنهم كانوا أهل كتاب ثم ~~ذهب منهم بعد ذلك ويجعلهم من أجل ذلك من أهل الكتاب, فإن هذا لا يصح ولا ~~يعلم ثبوته, وإن ثبت أوجب أن لا # PageV02P412 # يكونوا من أهل الكتاب لأن الكتاب قد ذهب منهم وهم الآن غير منتحلين لشيء ~~من كتب الله تعالى. # PageV02P413 # مطلب: في الكلام على الصائبة وبيان نحلتهم # وقد اختلف في الصابئين هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروي عن أبي حنيفة أنهم ~~أهل كتاب. وقال أبو يوسف ومحمد: ليسوا أهل كتاب. وكان أبو الحسن الكرخي ~~يقول: الصابئون الذين هم عندهم من أهل الكتاب قوم ينتحلون دين المسيح ~~ويقرءون الإنجيل, فأما الصابئون الذين يعبدون الكواكب وهم الذين بناحية ~~حران فإنهم ليسوا بأهل كتاب عندهم جميعا. قال أبو بكر: الصابئون الذين ~~يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل ~~واحد, أعني الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في سواد واسط; وأصل ~~اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها واتخاذها آلهة وهم عبدة الأوثان في ~~الأصل إلا أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم ms1628 العراق وأزالوا مملكة الصابئين ~~وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهرا لأنهم منعوهم من ذلك. وكذلك ~~الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين, فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف ~~على الدخول في النصرانية, فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت ودخلوا في غمار ~~النصارى في الظاهر وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان, ~~فلما ظهر الإسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين ~~النصارى; إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل الاعتقاد وهم أكتم ~~الناس لاعتقادهم, ولهم أمور وحيل في صبيانهم إذا عقلوا في كتمان دينهم, ~~وعنهم أخذت الإسماعيلية كتمان المذهب, وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم. وأصل ~~الجميع اتخاذ الكواكب السبعة آلهة وعبادتها واتخاذها أصناما على أسمائها لا ~~خلاف بينهم في ذلك, وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران وبين الذين بناحية ~~البطائح في شيء من شرائعهم; وليس فيهم أهل كتاب. فالذي يغلب في ظني في قول ~~أبي حنيفة في الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم من النصارى ~~وأنهم يقرءون الإنجيل ولا ينتحلون دين المسيح تقية; لأن كثيرا من الفقهاء ~~لا يرون إقرار معتقدي مقالهم بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف; ~~ومن كان اعتقاده من الصابئين ما وصفنا فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل ~~كتاب وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. # PageV02P413 # باب الطهارة للصلاة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} الآية. # PageV02P413 # قال أبو بكر ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة; لأنه ~~جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة, وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط, ألا ~~ترى أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع الطلاق بعد ~~الدخول, وإذا قيل: إذا لقيت زيدا فأكرمه أنه موجب للإكرام بعد اللقاء؟ وهذا ~~لا خلاف فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته; ولا خلاف بين السلف ~~والخلف أن القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة وأن وجوب الطهارة ~~متعلق بسبب آخر غير القيام, فليس إذا ms1629 هذا اللفظ عموما في إيجاب الطهارة بعد ~~القيام إلى الصلاة, إذ كان الحكم فيه متعلقا بضمير غير مذكور. وليس في ~~اللفظ أيضا ما يوجب تكرار وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة من وجهين: ~~أحدهما: ما ذكرنا من تعلق الحكم بضمير غير مذكور يحتاج فيه إلى طلب الدلالة ~~عليه من غيره والثاني: أن "إذا" لا توجب التكرار في لغة العرب; ألا ترى أن ~~من قال لرجل: إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فدخلها مرة أنه يستحق درهما, ~~فإن دخلها مرة أخرى لم يستحق شيئا؟ وكذلك من قال لامرأته: إذا دخلت الدار ~~فأنت طالق فدخلتها مرة طلقت, فإن دخلتها مرة أخرى لم تطلق; فثبت بذلك أنه ~~ليس في الآية دلالة على وجوب تكرار الطهارة لتكرار القيام إليها. # فإن قيل: فلم يتوضأ أحد بالآية إلا مرة واحدة. قيل له: قد بينا أن الآية ~~غير مكتفية بنفسها في إيجاب الطهارة دون بيان مراد الضمير بها, فقول ~~القائل: "إنه لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة" خطأ; لأن الآية في معنى ~~المجمل المفتقر إلى البيان, فمهما ورد به البيان فهو المراد الذي به تعلق ~~الحكم على وجه الإفراد أو التكرار على حسب ما اقتضاه بيان المراد, ولو كان ~~لفظ الآية عموما مقتضيا للحكم فيما ورد فيه غير مفتقر إلى البيان لم يكن ~~أيضا موجبا لتكرار الطهارة عند القيام إليها من جهة اللفظ, وإنما كان يوجب ~~التكرار من جهة المعنى الذي علق به وجوب الطهارة وهو الحدث دون القيام ~~إليها. # PageV02P414 # مطلب: كان عليه السلام مأمورا بالوضوء عند كل صلا ثم وضع عنه الوضوء إلا ~~من حدث # وقد حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا أبو مسلم الكرخي قال: حدثنا أبو عاصم عن ~~سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه, فقال له ~~عمر: يا رسول الله صنعت شيئا لم تكن تصنعه قال: "عمدا فعلته". وحدثنا من لا ms1630 ~~أتهم قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: ~~حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن ~~عمر قال: قلت له: # PageV02P414 # أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمن هو؟ قال ~~حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل ~~حدثها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا ~~كان أو غير طاهر, فلما شق ذلك على رسول الله أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع ~~عنه الوضوء إلا من حدث, فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى ~~مات. # فقد دل الحديث الأول على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للطهارة; إذ لم ~~يجدد النبي صلى الله عليه وسلم لكل صلاة طهارة, فثبت بذلك أن فيه ضميرا به ~~يتعلق بإيجاب الطهارة. وبين في الحديث الثاني أن الضمير هو الحدث لقوله: ~~ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. ويدل على أن الضمير فيه هو الحدث ما روى سفيان ~~الثوري عن جابر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله ~~بن علقمة عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراق ماء نكلمه ~~فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يكلمنا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة, ~~فقلنا له في ذلك حين نزلت آية الرخصة: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, فأخبر أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من ~~الحدث عند القيام إلى الصلاة. وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال: أخبرنا ~~محمد بن علي بن زيد أن سعيد بن منصور حدثهم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ~~قال: أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج من الخلاء, فقدم إليه الطعام, فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ ms1631 ~~قال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". قال أبو بكر: سألوه عن ~~الوضوء من الحدث عند الطعام فأخبر أنه أمر بالوضوء من الحدث عند القيام إلى ~~الصلاة. وروى أبو معشر المدني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرت في كل ~~صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك" ; وهذا يدل على أن الآية لم تقتض إيجاب ~~الوضوء لكل صلاة من وجهين: أحدهما: أن الآية لو أوجبت ذلك لما قال: "لأمرت ~~في كل صلاة بوضوء" والثاني: إخباره بأنه لو أمر به لكان واجبا بأمره دون ~~الآية. وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} قال: إذا قمتم من المضجع يعني النوم وقد كان رد السلام محظورا إلا ~~بطهارة. وروى قتادة عن الحسن عن حصين أبي ساسان عن المهاجر قال: أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ, فسلمت عليه, فلما فرغ من وضوئه قال: "ما ~~منعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت على غير وضوء". وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى بن منصور قال: أخبرني محمد ~~بن ثابت العبدي قال: حدثنا نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في # PageV02P415 # حاجة إلى ابن عباس, فلما قضى حاجته من ابن عباس كان من حديثه يومئذ قال: ~~بينما النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج من غائط أو ~~بول, فخرج عليه رجل فسلم عليه, فلم يرد عليه, ثم إن النبي ضرب بكفيه على ~~الحائط ثم مسح وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه إلى المرفقين, ثم رد على ~~الرجل السلام وقال: "لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على وضوء أو ~~قال: على طهارة". فهذا يدل على أن رد السلام كان مشروطا فيه الطهارة, وجائز ~~أن يكون ذلك كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم; لأنه لم يرو أنه ms1632 نهى عن رد ~~السلام إلا على طهارة. ويدل على أن ذلك كان على الوجوب أنه تيمم حين خاف ~~فوت الرد; لأن رد السلام إنما يكون على الحال, فإذا تراخى فات, فكان بمنزلة ~~من خاف فوت صلاة العيد أو صلاة الجنازة إن توضأ فيجوز له التيمم. وجائز أن ~~يكون قد نسخ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم, ويجوز أن يكون هذا الحكم قد ~~كان باقيا إلى أن قبضه الله تعالى. وقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة; وهذا محمول على أنهم فعلوه استحبابا وقال ~~سعد: إذا توضأت فصل بوضوئك ما لم تحدث. وقد روى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ~~ابن عباس أن عبيد بن عمير كان يتوضأ لكل صلاة ويتأول قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة} فأنكر ذلك عليه ابن عباس. # وقد روي نفي إيجاب الوضوء لكل صلاة من غير حدث عن ابن عمر وأبي موسى ~~وجابر بن عبد الله وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم ~~والحسن; ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في فضيلة تجديد الوضوء, منها ~~ما حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا محمد بن زيد قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا ~~سلام الطويل عن زيد العمي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال: دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ مرة مرة وقال: "هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا ~~يقبل الله له صلاة إلا به " ثم تحدث ساعة, ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين ~~فقال: " هذا وضوء من توضأ به ضاعف الله له الأجر مرتين" , ثم تحدث ساعة, ثم ~~دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال: "هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي". وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوضوء على الوضوء نور على نور". وقال ~~صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". ~~فهذا كله يدل على استحباب الوضوء عند ms1633 كل صلاة وإن لم يكن محدثا; وعلى هذا ~~يحمل ما روي عن السلف من تجديد الوضوء عند كل صلاة; وقد روي عن علي رضي ~~الله عنه أنه توضأ ومسح على نعليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث ورواه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فثبت بما قدمنا أن قوله تعالى: {إذا قمتم إلى ~~الصلاة} غير موجب للوضوء لكل صلاة, وثبت أنه غير مستعمل على # PageV02P416 # حقيقته وأن فيه ضميرا به تعلق إيجاب الطهارة وأنه بمنزلة المجمل المفتقر ~~إلى البيان لا يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قام دليل مراده. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة في إيجاب الوضوء من ~~النوم, وهذا يدل على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للوضوء لأنه إذا وجب من ~~النوم لم يكن القيام إلى الصلاة بعد ذلك موجبا, ألا ترى أنه إذا وجب من ~~النوم لم يجب عليه بعد ذلك من حدث آخر وضوء آخر إذا لم يكن توضأ من النوم؟ ~~فلو كان القيام إلى الصلاة موجبا للوضوء لما وجب من النوم عند إرادة القيام ~~إليها, كالسببين إذا كان كل واحد منهما موجبا للوضوء ثم وجب من الأول لم ~~يجب من الثاني; وهذا يدل على أن من النوم هو الضمير الذي في الآية, فكان ~~تقديره: إذا قمتم من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم. ويدل على أن النوم ~~الموجب للوضوء هو النوم المعتاد الذي يجوز أن يقال فيه إنه قام من النوم, ~~ومن نام قاعدا أو ساجدا أو راكعا لا يقال: إنه قام من النوم وإنما يطلق ذلك ~~في نوم المضطجع, ومن قال: إن النوم ليس بحدث وإنما وجب به الطهارة لغلبة ~~الحال في وجود الحدث فيه فإن الآية دالة على وجوب الطهارة من الريح, وإذا ~~كان المعنى على ما وصفنا فيكون حينئذ في مضمون الآية إيجاب الوضوء من النوم ~~ومن الريح, وقد أريد به أيضا إيجاب الوضوء من الغائط والبول وذلك من ضمير ~~الآية; لأنه مذكور في قوله: {أو جاء ms1634 أحد منكم من الغائط} والغائط هو ~~المطمئن من الأرض, وكانوا يأتونه لقضاء حوائجهم فيه, وذلك يشتمل على وجوب ~~الوضوء من الغائط والبول وسلس البول والمذي ودم الاستحاضة وسائر ما يستتر ~~الإنسان عند وجوده عن الناس; لأنهم كانوا يأتون الغائط للاستتار عن الناس ~~وإخفاء ما يكون منهم, وذلك لا يختلف باختلاف الأشياء الخارجة من البدن التي ~~في العادة يسترها عن الناس من سلس البول والمذي ودم الاستحاضة; فدل ذلك على ~~أن هذه الأشياء كلها أحداث يشتمل عليها ضمير الآية. # وقد اتفق السلف وسائر فقهاء الأمصار على نفي إيجاب الوضوء على من نام ~~قاعدا غير مستند إلى شيء; روى عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام الناس ثم استيقظوا, فجاءه عمر ~~فقال: الصلاة يا رسول الله فخرج وصلى; ولم يذكر أنهم توضئوا. وروي عن أنس ~~قال: كنا نجيء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ننتظر الصلاة فمنا من ~~نعس ومنا من نام ولا نعيد وضوءا. وروى نافع عن ابن عمر قال: لا يجب عليه ~~الوضوء حتى يضع جنبه وينام. وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في غير هذا الموضع. ~~وروى أبو يوسف عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يصلي ولا يتوضأ, فسئل عن ذلك فقال: "إني لست كأحدكم # PageV02P417 # إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي لو أحدثت لعلمته" وهذا الحديث يدل على أن ~~النوم في نفسه ليس بحدث, وأن إيجاب الوضوء فيه إنما هو لما عسى أن يكون فيه ~~من الحدث الذي لا يشعر به وهو الغالب من حال النائم. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "العين وكاء السه فإذا نامت العين استطلق الوكاء" ~~; فلما كان الأغلب في النوم الذي يستثقل فيه النائم وجود الحدث فيه, حكم له ~~بحكم الحدث, وهذا إنما هو في النوم المعتاد الذي يضع النائم جنبه على الأرض ~~ويكون في المضطجع ms1635 من غير علم منه بما يكون منه, فإذا كان جالسا أو على حال ~~من أحوال الصلاة لغير ضرورة مثل القيام والركوع والسجود لم تنتقض طهارته; ~~لأن هذه أحوال يكون الإنسان فيها متحفظا, وإن كان منه حدث علم به. وقد روى ~~يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع ~~استرخت مفاصله". # PageV02P418 # فصل # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} لما كان ضميره ما وصفنا ~~من القيام من النوم أو إرادة القيام إليها في حال الحدث, فأوجب ذلك تقديم ~~الطهارة من الإحداث للصلاة, وكانت الصلاة اسما للجنس يتناول سائرها من ~~المفروضات والنوافل, اقتضى ذلك أن تكون من شرائط صحة الصلاة الطهارة أي ~~صلاة كانت; إذ لم تفرق الآية بين شيء منها, وقد أكد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك بقوله: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور". # قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} يقتضي إيجاب الغسل والغسل اسم لإمرار الماء ~~على الموضع إذا لم تكن هناك نجاسة, وإذا كان هناك نجاسة فغسلها إزالتها ~~بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه فقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} إنما المقصد ~~فيه إمرار الماء على الموضع; إذ ليس هناك نجاسة مشروط إزالتها, فإذا ليس ~~عليه دلك الموضع بيده وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع. وقد ~~اختلف في ذلك على ثلاثة أوجه: فقال مالك بن أنس: عليه إمرار الماء ودلك ~~الموضع بيده وإلا لم يكن غسلا. وقال آخرون وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء: ~~عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه بيده. وروى هشام عن أبي يوسف: أنه إن ~~مسح الموضع بالماء كما يمسح بالدهن أجزأه. والدليل على بطلان قول موجب دلك ~~الموضع أن اسم الغسل يقع على إجراء الماء على الموضع من غير دلك, والدليل ~~على ذلك أنه لو كان على بدنه نجاسة فوالى بين صب الماء عليه حتى أزالها ~~بذلك غاسلا وإن لم يدلكه بيده, ms1636 فلما كان الاسم يقع عليه مع عدم الدلك لأجل ~~إمرار الماء عليه, وقال الله تعالى: {فاغسلوا} فهو متى أجرى الماء على ~~الموضع فقد فعل مقتضى الآية وموجبها; فمن شرط فيه دلك الموضع # PageV02P418 # بيده فقد زاد فيه ما ليس منه, وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما ~~يجوز به النسخ. وأيضا فإنه لما لم يكن هناك شيء يزال بالدلك لم يكن لدلك ~~الموضع وإمساسه بيده فائدة ولا حكم, فلم يختلف حكمه إذا دلكه بيده أو أمر ~~الماء عليه من غير دلك. وأيضا فليس لدلك الموضع بيده حكم في الطهارة في ~~سائر الأصول فوجب أن لا يتعلق به فيما اختلف فيه. # فإن قال قائل: إذا لم يكن الغسل مأمورا به لإزالة شيء هناك علمنا أنه ~~عبادة فمن حيث شرط فيه إمرار الماء وجب أن يكون دلكه بيده شرطا وإلا فلا ~~معنى لإمرار الماء وإجرائه عليه. قيل له: قد ثبت في الأصول لإمرار الماء ~~على الموضع حكم في غسل النجاسات ولم يثبت لدلك الموضع حكم بل حكمه ساقط في ~~إزالة الأنجاس; لأنه لو كان له حكم لكان اعتبار الدلك فيها أولى, فوجب أن ~~يكون كذلك حكمه في طهارة الحدث. # وأما من أجاز مسح هذه الأعضاء المأمور بغسلها فإن قوله مخالف لظاهر ~~الآية; لأن الله تعالى شرط في بعض الأعضاء الغسل وفي بعضها المسح, فما أمر ~~بغسله لا يجزي فيه المسح لأن الغسل يقتضي إمرار الماء على الموضع وإجراءه ~~عليه, ومتى لم يفعل ذلك لم يسم غاسلا, والمسح لا يقتضي ذلك وإنما يقتضي ~~مباشرته بالماء دون إمراره عليه, فغير جائز ترك الغسل إلى المسح. ولو كان ~~المراد بالغسل هو المسح لبطلت فائدة التفرقة بينهما في الآية, وفي وجوب ~~إثبات التفرقة بينهما ما يوجب أن يكون المسح غير الغسل, فمتى مسح ولم يغسل ~~فلا يجزيه لأنه لم يفعل المأمور به. ويدل على ذلك أنه ليس عليه في مسح ~~الرأس في الوضوء إبلاغ الماء إلى أصول الشعر وإنما عليه مسح الظاهر منه, ~~وعليه في غسل ms1637 الجنابة إبلاغ الماء أصول الشعر; فلو كان المسح والغسل واحدا ~~لأجزى في غسل الجنابة مسحه كما يجزي في الوضوء, وفي ذلك دليل على أن ما شرط ~~فيه الغسل لا ينوب عنه المسح. فإن قيل: إذا لم تكن هناك نجاسة تزال بالغسل ~~فالمقصد فيه مباشرة الموضع بالماء فلا فرق بين الغسل والمسح فيه. قيل له: ~~هذا يدل على صحة ما ذكرنا وذلك لأنه لما لم تكن هناك نجاسة من أجلها يجب ~~الغسل فكان وجوب الغسل عبادة, ثم فرق الله تعالى في الآية بين الغسل ~~والمسح, فعلينا اتباع الأمر على حسب مقتضاه وموجبه وغير جائز لنا ترك الغسل ~~إلى غيره, والعبادة علينا في الغسل في الأعضاء المأمور بها كهي علينا في ~~مسح العضو المأمور به, فلم يجز استعمال النظر في ترك حكم اللفظ إلى غيره. ~~فإن قيل: لو بقيت لمعة في ذراعه فمسحها جاز, وهذا يدل على جواز مسح الجميع ~~كما جاز مسح البعض. قيل له: هذا غلط; لأن اللمعة # PageV02P419 # إذا اتصلت صارت في حكم المغسول وأما إذا لم تتصل فلا يجوز بالإجماع, ففي ~~ذلك دلالة على أن المسح لا ينوب مناب الغسل. وقيل له: لو لزمنا هذا الوضوء ~~للزمك في غسل الجنابة مثله. والله أعلم. # PageV02P420 # باب الوضوء بغير نية # قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته ~~النية أو لم تقارنه وذلك لأن الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة, وهو ~~إمرار الماء على الموضع, وليس هو عبارة عن النية. فمن شرط فيه النية فهو ~~زائد في النص, وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه يوجب نسخ الآية; لأن الآية ~~قد أباحت فعل الصلاة بوجود الغسل للطهارة من غير شرط النية, فمن حظر الصلاة ~~ومنعها إلا مع وجود نية الغسل فقد أوجب نسخها, وذلك لا يجوز إلا بنص مثله. ~~والوجه الآخر: أن النص له حكمه ولا يجوز أن يلحق به ما ليس منه, كما لا ~~يجوز أن يسقط منه ما هو منه. فإن قيل: فقد شرطت في صحة الصلاة ms1638 النية مع عدم ~~ذكرها في اللفظ قيل له: إنما جاز ذلك فيها من وجهين: أحدهما: أن الصلاة اسم ~~مجمل مفتقر إلى البيان غير موجب للحكم بنفسه إلا ببيان يرد فيه, وقد ورد ~~فيه البيان بإيجاب النية فلذلك أوجبناها; وليس كذلك الوضوء لأنه اسم شرعي ~~ظاهر المعنى بين المراد, فمهما ألحقنا به ما ليس في اللفظ عبارة عنه فهو ~~زيادة في النص ولا يجوز ذلك إلا بنص مثله. والوجه الآخر: اتفاق الجميع على ~~إيجاب النية فيها, فلو كان اسم الصلاة عموما ليس بمجمل لجاز إلحاق النية ~~بها بالاتفاق, فهي إذا كانت مجملا أجري بإثبات النية فيها من جهة الإجماع. # PageV02P420 # ذكر اختلاف الفقهاء في فرض النية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "كل طهارة بماء تجوز بغير نية ولا يجزي ~~التيمم إلا بنية", وهو قول الثوري. وقال الأوزاعي: "يجزي الوضوء بغير نية" ~~ولم تحفظ عنه في التيمم. وقال مالك والليث والشافعي: "لا يجزي الوضوء ولا ~~الغسل إلا بالنية, وكذلك التيمم". وقال الحسن بن صالح: "يجزي الوضوء ~~والتيمم جميعا بغير نية", قال أبو جعفر الطحاوي: ولم نجد هذا القول في ~~التيمم عن غيره. قال أبو بكر: قد قدمنا ذكر دلالة الآية على جواز الوضوء ~~بغير نية, وقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: ~~43] دال على جواز الاغتسال من الجنابة بغير نية, كذلك قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} على النحو الذي بينا. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} # PageV02P420 # [الفرقان: 48] ومعناه: مطهرا; فحيثما وجد فواجب أن يكون مطهرا. ولو شرطنا ~~فيه النية كنا قد سلبناه الصفة التي وصفه الله بها من كونه طهورا; لأنه ~~حينئذ لا يكون طهورا إلا بغيره, والله تعالى جعله طهورا من غير شرط معنى ~~آخر فيه. # فإن قيل: إيجاب شرط النية فيه لا يخرجه من أن يكون طهورا كما وصفه الله ~~تعالى, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" , ~~وقال: "التراب طهور المسلم ما لم يجد ms1639 الماء" ولم يمنع ذلك إيجاب النية شرطا ~~فيه. قيل له: إنما سماه طهورا على وجه المجاز تشبيها له بالماء في باب ~~إباحة الصلاة, والدليل عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس, فعلمنا أنه ~~سماه طهورا استعارة ومجازا. ومن جهة أخرى أن إثبات النية شرط في التيمم ~~جائز مع قوله: "التراب طهور المسلم" ولا يجوز مثله في الوضوء وذلك لأن ~~قوله: "فتيمموا" يقتضي إيجاب النية; إذ كان التيمم هو القصد في اللغة; ~~وقوله: "التراب طهور المسلم" وارد من طريق الآحاد, فواجب أن يكون الخبر ~~مرتبا على الآية; إذ غير جائز ترك حكم الآية بالخبر وتجوز الزيادة في حكم ~~الخبر بالآية, وليس ذلك كقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: ~~48] لأنه غير جائز أن يزاد في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به نسخه. ويدل ~~على ذلك أيضا قوله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} ~~[الأنفال: 11] فأبان الله تعالى عن وقوع التطهير بالماء من غير شرط النية ~~فيه. # فإن قيل: لما كان قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الآية, مقتضيا لفرض ~~الطهارة, فمن حيث كان فرضا وجب أن تكون النية شرطا في صحته لاستحالة وقوع ~~الفعل موقع الفرض إلا بالنية, وذلك لأن الفرض يحتاج في صحة وقوعه إلى ~~نيتين: إحداهما نية التقرب به إلى الله تعالى والأخرى نية الفرض, فإذا لم ~~ينوه لم توجد صحة الفرض, فلم يجز عن الفرض; إذ هو غير فاعل للمأمور به. قيل ~~له: إنما يجب ما ذكرت في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا ~~لغيرها, فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر ~~إلا بدلالة تقارنه, فلما جعل الله الطهارة شرطا لصحة الصلاة ولم تكن مفروضة ~~لنفسها لأن من لا صلاة عليه فليس عليه فرض الطهارة كالمريض المغمى عليه ~~أياما وكالحائض والنفساء, وقال تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} وقال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فجعله ~~شرطا في غيره ولم يجعله مأمورا به لنفسه, ms1640 فاحتاج موجب النية شرطا فيه إلى ~~دلالة من غيره. ألا ترى أن كثيرا مما هو شرط في الفرض وليس بمفروض بعينه ~~فجائز أن يكون من فعل غيره نحو الوقت الذي هو شرط في صحة أداء الصلاة ولا ~~صنع # PageV02P421 # للمصلي فيه, ونحو البلوغ والعقل اللذين هما شرط في صحة التكليف وليسا ~~بفعل المكلف؟ فبان بما وصفنا أن ورود لفظ الأمر بما جعل شرطا في غيره لا ~~يقتضي وقوعه طاعة منه ولا إيجاب النية فيه. ألا ترى أن قوله تعالى: {وثيابك ~~فطهر} [المدثر:4] وإن كان أمرا بتطهير الثوب من النجاسة فإنه لم يوجب كون ~~النية شرطا في تطهيره؟ إذ لم تكن إزالة النجاسة مفروضة لنفسها وإنما هي شرط ~~في غيرها, وإنما تقديره: لا تصل إلا في ثوب طاهر ولا تصل إلا مستور العورة. ~~ويدل على ذلك أيضا أن الشافعي قد وافقنا على أن رجلا لو قعد في المطر ينوي ~~الطهارة فأصاب جميع أعضائه أنه يجزيه من غير فعل له فيه, ولو كان ذلك ~~مفروضا لنفسه لما أجزاه دون أن يفعله هو أو يأمر به غيره; لأن هذا حكم ~~المفروض. # فإن قيل: فالتيمم غير مفروض لنفسه ولا يصح مع ذلك إلا بالنية, فليس إيجاب ~~النية مقصورا على ما كان مفروضا لنفسه. قيل له: هذا غير لازم لأنا لم نخرج ~~هذا القول مخرج الاعتلال فتلزمنا عليه المناقضة, وإنما بينا أن لفظ الأمر ~~إذا ورد فيما كان وصفه ما ذكرنا فإنه لا يقتضي إيجاب النية شرطا فيه إلا ~~بدلالة أخرى من غيره, فإنما أسقطنا بذلك احتجاج من احتج بظاهر ورود الأمر ~~في إيجاب النية, وفي مضمون لفظ التيمم إيجاب النية; إذ كان التيمم في اللغة ~~اسما للقصد, قال الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] ~~يعني لا تقصدوا. وقال الشاعر: # ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # وقال آخر: # فإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا # وقال الأعشى: # تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ms1641 ذي شزن # يعني قصدته. فلما كان في لفظ الآية إيجاب القصد والقصد هو النية لفعل ما ~~أمر به, جعلنا النية شرطا ولم يكن في إيجاب النية فيه إلحاق زيادة بالآية ~~غير مذكورة فيها. وأما الغسل فلا تنطوي تحته النية, وفي إيجابها فيه إثبات ~~زيادة فيها ليست منها, وذلك غير جائز. ووجه آخر في الفصل بين التيمم ~~والوضوء: وهو أن التيمم قد يقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء, وهو على صفة ~~واحدة في الحالين, فاحتيج إلى النية للفصل بين حكميهما; لأن النية إنما ~~شرطت لتمييز أحكام الأفعال, فلما كان حكم التيمم قد يختلف فيقع تارة عن ~~الغسل وتارة عن الوضوء احتيج إلى النية فيه لتمييز ما يقع منه عن # PageV02P422 # الغسل عما يقع منه عن الوضوء; وأما الغسل فلا يختلف حكمه في نفسه ولا ~~فيما يقع له فاستغني عن النية فيه والتمييز; إذ كان المقصد منه إيقاع الفعل ~~كما قيل: لا تصل حتى تغسل النجاسة من بدنك أو ثوبك, ولا تصل إلا مستور ~~العورة, وليس يقتضي شيء من ذلك إيجاب النية فيه. # ويدل على ما ذكرنا من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع وأبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه الأعرابي الصلاة وقوله: "لا تتم صلاة ~~امرئ حتى يضع الطهور مواضعه, فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه" , ~~فقوله: "حتى يضع الطهور مواضعه" يقتضي جوازه بغير نية لأن مواضع الطهور ~~معلومة مذكورة في القرآن, فصار كقوله: حتى يغسل هذه الأعضاء, وقوله: "فيغسل ~~وجهه ويديه" يوجب ذلك أيضا, إذ لم يشرط فيه النية, فظاهره يقتضي جوازه على ~~أي وجه غسله. ويدل من جهة أخرى أنه معلوم أن الأعرابي كان جاهلا بأحكام ~~الصلاة والطهارة, فلو كانت النية شرطا فيها لما أخلاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من التوقيف عليها, وفي ذلك أوضح دليل على أنها ليست من فروضها. ويدل ~~عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة لأم سلمة: "إنما يكفيك ~~أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ms1642 وعلى سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت" ولم يشرط ~~فيه النية. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة ثم ~~قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" , فأشار إلى الفعل المشاهد دون ~~النية التي هي ضمير لا تصح الإشارة إليه وأخبر بقبول الصلاة به, وقال: "إذا ~~وجدت الماء فأمسسه جلدك" وقال: "إن تحت كل شعرة جنابة, فبلوا الشعر وأنقوا ~~البشرة". ومن جهة النظر أن الوضوء طهارة بالماء كغسل النجاسة, وأيضا هو سبب ~~يتوصل به إلى صحة أداء الصلاة لا على وجه البدل عن غيره, فأشبه غسل النجاسة ~~وستر العورة والوقوف على مكان طاهر, ولا يلزم عليه التيمم لأنه بدل عن ~~غيره. # فإن احتجوا بقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ~~[البينة: 5] وذلك يقتضي إيجاب النية له لأن ذلك أقل أحوال الإخلاص. قيل له: ~~ينبغي أن يثبت أن الوضوء عبادة أو أنه من الدين إذ جائز أن يقال: إن ~~العبادات هي ما كان مقصودا لعينه في التعبد, فأما ما أمر به لأجل غيره أو ~~جعل شرطا فيه أو سببا له فليس يتناوله هذا الاسم, ولو لزم أن يكون تارك ~~النية في الطهارة غير مخلص لله لوجب مثله في تارك النية في غسل النجاسة ~~وستر العورة, فلما لم يجز أن يكون تارك النية فيما وصفنا غير مخلص; إذ كان ~~مأمورا به لأجل الصلاة كان كذلك في الطهارة # PageV02P423 # مطلب: الإخلاص ضد الإشراك # وأيضا فإن كل من اعتقد الإسلام فهو مخلص لله تعالى فيما يفعله من ~~العبادات; إذ لم يشرك في النية بين الله وبين غيره; لأن ضد الإخلاص هو ~~الإشراك, فمتى لم يشرك فهو مخلص بنفس اعتقاد الإيمان في جميع ما يفعله من ~~العبادات ما لم يشرك غيره فيه. # واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات" وهذا لا يصح ~~الاحتجاج به في موضع الخلاف, من قبل أن حقيقة اللفظ تقتضي كون العمل موقوفا ~~على النية والعمل موجود مع فقد النية, فعلمنا ms1643 أنه لم يرد به حقيقة اللفظ ~~وإنما أراد معنى مضمرا فيه غير مذكور; فالمحتج بعموم الخبر في ذلك مغفل. ~~فإن قيل: مراده حكم العمل. قيل له: الحكم غير مذكور, فالاحتجاج بعمومه ~~ساقط. فإن ترك الاحتجاج بظاهر اللفظ وقال: لما لم يجز أن يخلو كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم من فائدة, وقد علمنا أنه لم يرد نفس العمل, وجب أن يكون ~~مراده حكم العمل. قيل له: يحتمل أن يريد به فضيلة العمل لا حكمه, وإذا ~~احتمل الأمرين احتيج إلى دلالة من غيره في إثبات المراد وسقط الاحتجاج به. ~~فإن قيل: هو على الأمرين. قيل له: هذا خطأ; لأن الضمير المحتمل للمعنيين ~~غير ملفوظ به فيقال هو عليهما, وإنما يقال ذلك فيما هو ملفوظ به وفيه ~~احتمال للمعاني فيقال عمومه شامل للجميع, فأما ما ليس بمذكور وهو ضمير ليس ~~اللفظ عبارة عنه فقول القائل أحمله على العموم خطأ. وأيضا فغير جائز إرادة ~~الأمرين; لأنه إن أريد به فضيلة العمل صار بمنزلة قوله لا فضيلة للعمل إلا ~~بالنية, وذلك يقتضي إثبات حكم العمل حتى يصح نفي فضيلته لأجل عدم النية, ~~ومتى أراد به حكم العمل لم يجز أن يريد به الفضيلة والأصل منتف, فغير جائز ~~أن يزادا جميعا بلفظ واحد; إذ غير جائز أن يكون لفظ واحد لنفي الأصل ونفي ~~الكمال; وأيضا غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الآحاد على ما بينا, ~~وهذا من أخبار الآحاد. # PageV02P424 # فصل # قوله عز وجل: {وجوهكم} قال أبو بكر: قد قيل فيه: إن حد الوجه من قصاص ~~الشعر إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن, حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد ~~البردعي; ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى. وكذلك يقتضي ظاهر ~~الاسم; إذ كان إنما سمي وجها لظهوره ولأنه يواجه الشيء ويقابل به; وهذا ~~الذي ذكرناه من تحديد الوجه هو الذي يواجه الإنسان ويقابله من غيره. فإن ~~قيل: فينبغي أن يكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى. قيل له: لا يجب ذلك; ~~لأن ms1644 الأذنين تستران بالعمامة والقلنسوة # PageV02P424 # ونحوهما كما يستر صدره, وإن كان متى ظهر كان مواجها لمن يقابله. وهذا ~~الذي ذكرنا من معنى الوجه يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين ~~بالآية; إذ ليس داخل الأنف والفم من الوجه; إذ هما غير مواجهين لمن ~~قابلهما. وإذا لم تقتض الآية إيجاب غسلهما وإنما اقتضت غسل ما واجهنا ~~وقابلنا منه فمن قال بإيجاب المضمضة والاستنشاق فهو زائد في حكم الفرض ما ~~ليس منه, وهذا غير جائز لأنه يوجب نسخه. # فإن قيل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا ~~أن تكون صائما" وقوله صلى الله عليه وسلم حين توضأ مرة مرة: "هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به" يوجب فرض المضمضة والاستنشاق. قيل له: أما الحديث ~~الذي فيه أنه توضأ مرة مرة ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به", ~~فإنه لم يذكر فيه أنه تمضمض فيه واستنشق, وإنما ذكر فيه الوضوء فحسب, ~~والوضوء هو غسل الأعضاء المذكورة في كتاب الله تعالى, وجائز أن لا يكون ~~تمضمض واستنشق في ذلك الوضوء لأنه قصد به توقيفهم على المفروض الذي لا يجزي ~~غيره; فإذا لا دلالة في هذا الخبر على ما قال هذا القائل, ولو ثبت أنه ~~تمضمض واستنشق لم يجز أن يزاد في حكم الآية. وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما" لا يجوز الاعتراض به ~~على الآية في إثبات الزيادة; لأنه غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر ~~الواحد. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن ~~بن العلاء قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء قال: ~~حدثنا ابن جريج عن عطاء قال: سئلت عائشة عن وضوء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ماء فتوضأ وكفأ ~~على يديه مرة وغسل وجهه مرة وغسل ذراعيه مرة ومسح برأسه مرة وغسل قدميه ms1645 ~~مرة, وقال: "هذا الوضوء الذي افترض الله علينا" , ثم أعاد ذلك فقال: "من ~~ضاعف ضاعف الله له" , ثم أعاد الثالثة فقال: " هذا وضوءنا معشر الأنبياء, ~~فمن زاد فقد أساء". فأخبرت بوضوئه من غير مضمضة ولا استنشاق; لأنه قصد بيان ~~المفروض منه, ولو كان فرضا فيه لفعله. # PageV02P425 # باب غسل اللحية وتخليلها # قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} وقد بينا أن الوجه ما واجهك من ~~الإنسان, فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة ~~في الأكثر كسائر الوجه; وقد يقال أيضا: خرج وجهه, إذا خرجت لحيته; فليس ~~يمتنع أن تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها; ويحتمل أن ~~يقال: ليست من الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه ~~بعدما كانت البشرة ظاهرة دونه. # PageV02P425 # ولمن قال بالقول الأول أن يقول: نبات الشعر عليه بعد ظهور البشرة لا ~~يخرجه من أن يكون من الوجه, كما أن شعر الرأس من الرأس, وقد قال الله ~~تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} فلو مسح على شعر رأسه من غير إبلاغ الماء بشرته ~~كان ماسحا على الرأس وفاعلا لمقتضى الآية عند جميع المسلمين, فكذلك نبات ~~الشعر على الوجه لا يخرجه من أن يكون منه. ولمن يأبى أن يكون من الوجه أن ~~يفرق بينه وبين شعر الرأس أن شعر الرأس يوجد مع الصبي حين يولد فهو بمنزلة ~~الحاجب في كون كل واحد منهما من العضو الذي هو فيه, وشعر اللحية غير موجود ~~معه في حال الولادة وإنما نبت بعدها; فلذلك لم يكن من الوجه. # وقد ذكر عن السلف اختلاف في غسل اللحية وتخليلها ومسحها, فروى إسرائيل عن ~~جابر قال: "رأيت القاسم ومجاهدا وعطاء والشعبي يمسحون لحاهم" وكذلك روي عن ~~طاوس. وروى حريز عن زيد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "رأيته توضأ ولم ~~أره خلل لحيته وقال هكذا رأيت عليا رضي الله عنه توضأ". وقال يونس: "رأيت ~~أبا جعفر لا يخلل لحيته". فلم ير أحد من هؤلاء غسل اللحية واجبا. وروى ابن ms1646 ~~جريج عن نافع: "أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته ويغلغل بيديه في أصول ~~شعرها حتى يكثر القطر منها", وكذلك روي عن عبيد بن عمير وابن سيرين وسعيد ~~بن جبير. فهؤلاء كلهم روي عنهم غسل اللحية, ولكنه لم يثبت عنهم أنهم رأوا ~~ذلك واجبا كغسل الوجه. وقد كان ابن عمر متقصيا في أمر الطهارة, كان يدخل ~~الماء عينيه ويتوضأ لكل صلاة, وكان ذلك منه استحبابا لا إيجابا. ولا خلاف ~~بين فقهاء الأمصار في أن تخليل اللحية ليس بواجب; وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أنه خلل لحيته, وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خلل لحيته وقال: "بهذا أمرني ربي" وروى عثمان وعمار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه خلل لحيته في الوضوء. وروى الحسن عن جابر قال: وضأت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثا, فرأيته يخلل لحيته بأصابعه ~~كأنها أسنان مشط. قال أبو بكر: وروي أخبار أخر في صفة وضوء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليس فيها ذكر تخليل اللحية; منها حديث عبد خير عن علي, ~~وحديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع بنت معوذ وغيرهم, كلهم ذكر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاثا ولم يذكروا تخليل اللحية فيه. وغير ~~جائز إيجاب تخليل اللحية ولا غسلها بالآية; وذلك لأن الآية إنما أوجبت غسل ~~الوجه, والوجه ما واجهك منه, وباطن اللحية ليس من الوجه كداخل الفم والأنف ~~لما لم يكونا من الوجه لم يلزم تطهيرهما في الوضوء على جهة الوجوب; فإن ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم تخليلها أو غسلها كان ذلك منه استحبابا لا ~~إيجابا كالمضمضة والاستنشاق وذلك لأنه لما لم تكن في الآية دلالة على # PageV02P426 # وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن نزيد في الآية بخبر الواحد, وجميع ~~ما روي من أخبار التخليل إنما هي أخبار آحاد لا يجوز إثبات الزيادة بها في ~~نص القرآن. وأيضا فإن التخليل ليس ms1647 بغسل فلا يجوز أن يكون موجبا بالآية, ~~ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التخليل ثبت أن غسلها غير واجب لأنه ~~لو كان واجبا لما تركه إلى التخليل. # وقد اختلف أصحابنا في تخليل اللحية ومسحها, فروى المعلى عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة قال: سألته عن تخليل اللحية في الوضوء فقال: "لا يخللها ويجزيه ~~أن يمر بيده على ظاهرها" قال: فإنما مواضع الوضوء منها الظاهر وليس تخليل ~~الشعر من مواضع الوضوء; وبه قال ابن أبي ليلى. قال أبو يوسف: "وأنا أخلل". ~~وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف في نوادره: "يمسح ما ظهر من اللحية وإن ~~كانت عريضة, فإن لم يفعل فعليه الإعادة إن صلى". وذكر ابن شجاع عن الحسن عن ~~زفر في الرجل يتوضأ: "أنه ينبغي له إذا غسل وجهه أن يمر الماء على لحيته, ~~فإن أصاب لحيته من الماء قدر ثلث أو ربع أجزأه ذلك, وإن كان أقل من ذلك لم ~~يجزه", وهو قول أبي حنيفة, وبه أخذ الحسن. وقال أبو يوسف: "يجزيه إذا غسل ~~وجهه أن لا يمس لحيته بشيء من الماء". وقال ابن شجاع: "لما لم يلزمه غسلها ~~صار الموضع الذي ينبت عليه الشعر من الوجه بمنزلة الرأس; إذ لم يجب غسله, ~~فكان الواجب مسحها كمسح الرأس فيجزي منه الربع كما قالوا في مسح الرأس". # قال أبو بكر: لا تخلو اللحية من أن تكون من الوجه فيلزمه غسلها كغسل بشرة ~~الوجه مما ليس عليه شعر, وأن لا تكون من الوجه فلا يلزمه غسلها ولا مسحها ~~بالآية; فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها دل ذلك على أنها ليست من الوجه; ~~لأنها لو كانت منه لوجب غسلها, ولما سقط غسلها لم يجز إيجاب مسحها; لأن فيه ~~إثبات زيادة في الآية, كما لم يجز إيجاب المضمضة والاستنشاق لما فيه من ~~الزيادة في نص الكتاب. وأيضا لو وجب مسحها كان فيه إثبات فرض المسح والغسل ~~في عضو واحد وهو الوجه من غير ضرورة, وذلك خلاف الأصول.. فإن قيل: قد ms1648 يجتمع ~~فرض المسح والغسل في عضو واحد بأن يكون على يده جبائر فيمسح عليها ويغسل ~~باقي العضو. قيل له: إنما يجب ذلك للضرورة والعذر, وليس في نبات اللحية ~~ضرورة في ترك الغسل, والوجه بمنزلة سائر الأعضاء التي أوجب الله تعالى ~~طهارتها, فلا يجوز اجتماع الغسل والمسح فيه من غير ضرورة, ويقتضي ما قال ~~أبو يوسف من سقوط فرض غسلها ومسحها جميعا وإن كان المستحب إمرار الماء ~~عليها. # قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} قال أبو بكر: اليد اسم يقع على هذا ~~العضو # PageV02P427 # إلى المنكب, والدليل على ذلك أن عمارا تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب وكان ذلك لعموم قوله: {فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه} , ولم ينكره عليه أحد من جهة اللغة بل هو كان من أهل ~~اللغة, فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب; فثبت بذلك أن الاسم يتناولها ~~إلى المنكب. وإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك ثم ذكر التحديد فجعل المرافق غاية, ~~كان ذكره لها لإسقاط ما وراءها من وجهين: أحدهما: أن عموم اللفظ ينتظم ~~المرافق فيجب استعماله فيها; إذ لم تقم الدلالة على سقوطها. والثاني: أن ~~الغاية لما كانت قد تدخل تارة ولا تدخل أخرى, والموضع الذي دخلت الغاية فيه ~~قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] ووجود الطهر شرط في ~~الإباحة, وقال: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ووجوده شرط فيه, و ~~"إلى" و "حتى" جميعا للغاية والموضع الذي لا تدخل فيه نحو قوله: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] والليل خارج منه; فلما كان هذا هكذا وكان ~~الحدث فيه يقينا لم يرتفع إلا بيقين مثله وهو وجود غسل المرفقين; إذ كانت ~~الغاية مشكوكا فيها. وأيضا روى جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا بلغ المرفقين في الوضوء أدار الماء عليهما وفعله ذلك عندنا ~~على الوجوب لوروده مورد البيان; لأن قوله تعالى: {إلى المرافق} لما احتمل ~~دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار مجملا مفتقرا إلى البيان, وفعل النبي ms1649 ~~صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب. والذي ذكرنا من ~~دخول المرافق في الوضوء هو قول أصحابنا جميعا, إلا زفر فإنه يقول: إن ~~المرافق غير داخلة في الوضوء; وكذلك الكعبان على هذا الخلاف. # وقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} , قال أبو بكر: اختلف الفقهاء في المفروض ~~من مسح الرأس, فروي عن أصحابنا فيه روايتان: إحداهما: ربع الرأس, والأخرى: ~~مقدار ثلاثة أصابع, ويبدأ بمقدم الرأس. وقال الحسن بن صالح: "يبدأ بمؤخر ~~الرأس". وقال الأوزاعي والليث: "يمسح مقدم الرأس". وقال مالك: "الفرض مسح ~~جميع الرأس وإن ترك القليل منه جاز". وقال الشافعي: "الفرض مسح بعض رأسه". ~~ولم يحد شيئا. وقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} يقتضي مسح بعضه وذلك لأنه ~~معلوم أن هذه الأدوات موضوعة لإفادة المعاني, فمتى أمكننا استعمالها على ~~فوائد مضمنة بها وجب استعمالها على ذلك, وإن كان قد يجوز دخولها في بعض ~~المواضع صلة للكلام وتكون ملغاة, نحو "من" هي مستعملة على معان منها ~~التبعيض, ثم قد تدخل في الكلام وتكون ملغاة وجودها وعدمها سواء. ومتى ~~أمكننا استعمالها على وجه الفائدة وما هي موضوعة له لم يجز لنا إلغاؤها, ~~فقلنا من أجل ذلك إن الباء للتبعيض وإن جاز وجودها في الكلام # PageV02P428 # على أنها ملغاة. ويدل على أنها للتبعيض أنك إذا قلت: "مسحت يدي بالحائط" ~~كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه, ولو قلت: "مسحت الحائط" كان المعقول ~~مسحه جميعه دون بعضه, فقد وضح الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها في العرف ~~واللغة; فوجب; إذ كان ذلك كذلك أن نحمل قوله: {وامسحوا برؤوسكم} على البعض ~~حتى نكون قد وفينا الحرف حظه من الفائدة وأن لا نسقطه فتكون ملغاة يستوي ~~دخولها وعدمها. والباء وإن كانت تدخل للإلصاق كقولك: "كتبت بالقلم" و "مررت ~~بزيد" فإن دخولها للإلصاق لا ينافي كونها مع ذلك للتبعيض فنستعمل الأمرين ~~فيكون مستعملا للإلصاق في البعض المفروض طهارته. ويدل على أنها للتبعيض ما ~~روى عمر بن علي بن مقدم عن إسماعيل بن حماد عن أبيه حماد عن إبراهيم ms1650 في ~~قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} قال: إذا مسح ببعض الرأس أجزأه, قال: ولو ~~كانت "امسحوا رءوسكم" كان مسح الرأس كله. فأخبر إبراهيم أن الباء للتبعيض ~~وقد كان من أهل اللغة مقبول القول فيها. ويدل على أنه قد أريد بها التبعيض ~~في الآية اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار ~~على البعض, وهذا هو استعمال اللفظ على التبعيض, وقول مخالفنا بإيجاب مسح ~~الأكثر لا يعصمه من أن يكون مستعملا للفظ على التبعيض, إلا أنه زعم أن ذلك ~~البعض ينبغي أن يكون المقدار الذي ادعاه, وإذا ثبت أن المراد البعض باتفاق ~~الجميع احتاج إلى دلالة في إثبات المقدار الذي حده. # فإن قيل: لو كانت الباء للتبعيض لما جاز أن تقول: "مسحت برأسي كله" كما ~~لا تقول: "مسحت ببعض رأسي كله". قيل له: قد بينا أن حقيقتها ومقتضاها إذا ~~أطلقت التبعيض مع احتمال كونها ملغاة, فإذا قال: "مسحت برأسي كله" علمنا ~~أنه أراد أن تكون الباء ملغاة, وإذا لم يقل ذلك فهي محمولة على حقيقتها, ~~كما أن "من" حقيقتها التبعيض وقد توجد صلة للكلام فتكون ملغاة في نحو قوله ~~تعالى: {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] و {يغفر لكم من ذنوبكم} ~~[الأحقاف: 31] ولا يجب من أجل ذلك أن نجعلها ملغاة في كل موضع إلا بدلالة. # وقد روي نحو قولنا في جواز مسح بعض الرأس عن جماعة من السلف, منهم ابن ~~عمر, روى عنه نافع أنه مسح مقدم رأسه; وعن عائشة مثل ذلك. وقال الشعبي: "أي ~~جانب رأسك مسحت أجزأك" وكذلك قال إبراهيم. ويدل على صحة قول القائلين بفرض ~~البعض ما حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي قال: حدثنا إبراهيم ~~الحربي قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يونس عن ابن ~~سيرين قال: أخبرني عمرو بن وهب قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: خصلتان لا ~~أسأل عنهما # PageV02P429 # أحدا بعدما شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا معه في سفر, ~~فنزل لحاجته ثم ms1651 جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته. وروى سليمان ~~التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن المغيرة عن أبيه: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ومسح على ناصيته ووضع يده على العمامة ~~أو مسح على العمامة. وحدثنا عبيد الله بن الحسين قال: حدثنا محمد بن سليمان ~~الحضرمي قال: حدثنا كردوس بن أبي عبد الله قال: حدثنا المعلى بن عبد الرحمن ~~قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عطاء عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه مسحة واحدة بين ناصيته وقرنه1 فثبت بما ذكرنا ~~من ظاهر الكتاب والسنة أن المفروض مسح بعض الرأس. # فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر على مسح ~~الناصية لضرورة, أو كان وضوء من لم يحدث. قيل له: إنه لو كان هناك ضرورة ~~لنقلت كما نقل غيره, وأما كونه وضوء من لم يحدث فإنه تأويل ساقط; لأن في ~~حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم توضأ ومسح ~~على ناصيته ولو ساغ هذا التأويل في مسح الناصية لساغ في المسح على الخفين ~~حتى يقال: إنه مسح لضرورة أو كان وضوء من لم يحدث. # واحتج من قال بمسح الجميع بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مسح ~~مقدم رأسه ومؤخره قال: فلو كان المفروض بعضه لما مسح النبي صلى الله عليه ~~وسلم جميعه, ولوجب أن يكون من مسح جميع رأسه متعديا; وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "من زاد فقد اعتدى وظلم". فيقال ~~له: لا يمتنع أن يكون المفروض البعض والمسنون الجميع, كما أن المفروض في ~~الأعضاء المغسولة مرة والمسنون ثلاث, فلا يكون الزائد على المفروض متعديا; ~~إذ أصاب السنة, وكما أن المفروض من المسح على الخفين هو بعض ظاهرهما ولو ~~مسح ظاهرهما وباطنهما لم يكن متعديا, وكما أن فرض القراءة على قولنا آية ~~وعلى قول مخالفينا ms1652 فاتحة الكتاب, والمسنون عند الجميع قراءة فاتحة الكتاب ~~وشيء معها. والمفروض من غسل الوجه ظاهره والمسنون غسل ذلك والمضمضة ~~والاستنشاق, والمفروض مسح الرأس والمسنون مسح الأذنين معه; وكما يقول ~~مخالفنا: إن المفروض من مسح الرأس هو الأكثر وإن ترك القليل جائز ولو مسح ~~الجميع لم يكن متعديا بل كان مصيبا, كذلك نقول: إن المفروض مسح البعض ~~والمسنون مسح الجميع. وإنما قال أصحابنا: إن المفروض مقدار ثلاثة أصابع في ~~إحدى الروايتين وهي رواية الأصل, وفي PageV02P430 # رواية الحسن بن زياد: الربع; فإن وجه تقدير ثلاث أصابع أنه لما ثبت أن ~~المفروض مسح البعض بما قدمنا وكان ذلك البعض غير مذكور المقدار في الآية ~~احتجنا فيه إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فلما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه مسح على ناصيته كان فعله ذلك واردا مورد البيان. وفعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب كفعله لأعداد ~~ركعات الصلاة وأفعالها, فقدروا الناصية بثلاث أصابع; وقد روي عن ابن عباس ~~أنه مسح بين ناصيته وقرنه. # فإن قيل: فقد روي أنه مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر فينبغي أن يكون ذلك ~~واجبا. قيل له: معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك المفروض. وجائز ~~أن يفعل غير المفروض على أنه مسنون, فلما روي عنه الاقتصار على مقدار ~~الناصية في حال وروي عنه استيعاب الرأس في أخرى استعملنا الخبرين وجعلنا ~~المفروض مقدار الناصية; إذ لم يرو عنه أنه مسح أقل منها وما زاد عليها فهو ~~مسنون. وأيضا لو كان المفروض أقل من مقدار الناصية لاقتصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حال بيانا للمقدار المفروض كما اقتصر على مسح الناصية في بعض ~~الأحوال, فلما لم يثبت عنه أقل من ذلك دل على أنه هو المفروض. # فإن قيل: لو كان فعله ذلك على وجه البيان لوجب أن يكون المفروض موضع ~~الناصية دون غيره من الرأس كما جعلتها بيانا للمقدار ولم تجز أقل منها, ~~فلما جاز عند ms1653 الجميع من القائلين بجواز مسح بعض الرأس ترك مسح الناصية إلى ~~غيرها من الرأس دل ذلك على أن فعله ذلك غير موجب للاقتصار على مقدار. قيل ~~له: قد كان ظاهر فعله يقتضي ذلك لولا قيام الدلالة على أن مسح غير الناصية ~~من الرأس يقوم مقام الناصية, فلم يوجب تعيين الفرض فيها وبقي حكم فعله في ~~المقدار على ما اقتضاه ظاهر بيانه بفعله. # PageV02P431 # مطلب: في أن فعله عليه السلام يبين المجمل من أحكام القرآن # فإن قيل: لما كان قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} مقتضيا مسح بعضه, فأي ~~بعض مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر. قيل له: إذا كان ذلك البعض مجهولا ~~صار مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الإجمال, ألا ترى أن قوله تعالى: {خذ ~~من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وقوله: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وقوله: ~~{يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] كلها مجملة ~~لجهالة مقاديرها في حال ورودها, وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما يقع عليه ~~الاسم منها؟ فكذلك قوله تعالى: {برؤوسكم} وإن اقتضى البعض فإن ذلك البعض ~~لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان. فما ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله # PageV02P431 # به. ودليل آخر: وهو أن سائر أعضاء الوضوء لما كان المفروض منها مقدرا وجب ~~أن يكون كذلك حكم مسح الرأس لأنه من أعضاء الوضوء; وهذا يحتج به على مالك ~~والشافعي جميعا; لأن مالكا يوجب مسح الأكثر ويجيز ترك القليل منه فيحصل ~~المفروض مجهول المقدار, والشافعي يقول: "كل ما وقع عليه اسم المسح جاز" ~~وذلك مجهول القدر, وما قلنا من مقدار ثلاثة أصابع فهو معلوم; وكذلك الربع ~~في الرواية الأخرى فهو موافق لحكم أعضاء الوضوء من كون المفروض منها معلوم ~~القدر. وقول مخالفينا على خلاف المفروض من أعضاء الوضوء; ويجوز أن نجعل ذلك ~~ابتداء دليل في المسألة من غير اعتبار له بمقدار الناصية, وذلك بأن نقول: ~~لما وجب أن يكون المفروض في مقدار المسح ms1654 مقدرا اعتبارا بسائر أعضاء الوضوء ~~ثم لم يقدره أحد بغير ما ذكرنا من مقدار ثلاثة أصابع أو مقدار ربع الرأس, ~~وجب أن يكون هذا هو المفروض من المقدار. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون مقدرا بثلاث شعرات؟ قيل له: هذا محال; لأن ~~مقدار ثلاث شعرات لا يمكن المسح عليه دون غيره, وغير جائز أن يكون المفروض ~~ما لا يمكن الاقتصار عليه; وأيضا فهو قياس على المسح على الخفين لما كان ~~مقدرا بالأصابع, وبه وردت السنة وهو مسح بالماء, وجب أن يكون مسح الرأس ~~مثله. وأما وجه رواية من روى الربع, فهو أنه لما ثبت أن المفروض البعض وأن ~~مسح شعرة لا يجزي وجب اعتبار المقدار الذي يتناوله الاسم عند الإطلاق إذا ~~أجري على الشخص وهو الربع; لأنك تقول: "رأيت فلانا" والذي يليك منه الربع, ~~فيطلق عليه الاسم; فلذلك اعتبروا الربع واعتبروا أيضا في حلق الرأس الربع ~~لا خلاف بينهم فيه أنه يحل به المحرم إذا حلقه, ولا يحل عند أصحابنا بأقل ~~منه; فلذلك يوجبون به دما إذا حلقه في الإحرام. # واختلف الفقهاء في مسح الرأس بأصبع واحدة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد: "لا يجوز مسحه بأقل من ثلاث أصابع, وإن مسحه بأصبع أو أصبعين ومدها ~~حتى يكون الممسوح مقدار ثلاثة أصابع لم يجز". وقال الثوري وزفر والشافعي: ~~"يجزيه" إلا أن زفر يعتبر الربع, والأصل في ذلك أنه لا يجزي في مفروض المسح ~~نقل الماء من موضع إلى موضع وذلك لأن المقصد فيه إمساس الماء الموضع لا ~~إجراؤه عليه, فإذا وضع أصبعا فقد حصل ذلك الماء ممسوحا به, فغير جائز مسح ~~موضع غيره به, وليس كذلك الأعضاء المغسولة لأنه لو مسحها بالماء ولم يجره ~~عليها لم يجزه, فلا يحصل معنى الغسل إلا بجريان الماء على العضو وانتقاله ~~من موضع إلى موضع, فلذلك لم يكن مستعملا بحصوله من موضع وانتقاله إلى غيره ~~من ذلك العضو. وأما المسح فلو # PageV02P432 # اقتصر فيه على إمساس الماء الموضع من غير جري لجاز, فلما استغنى عن ms1655 ~~إجرائه على العضو في صحة أداء الفرض لم يجز نقله إلى غيره. # فإن قيل: فلو صب على رأسه ماء وجرى عليه حتى استوفى منه مقدار ثلاثة ~~أصابع أجزى عن المسح مع انتقاله من موضع إلى غيره, فهلا أجزته أيضا إذا مسح ~~بأصبع واحدة ونقله إلى غيره قيل له: من قبل أن صب الماء غسل وليس بمسح, ~~والغسل يجوز نقل الماء فيه من موضع إلى غيره; وأما إذا وضع أصبعه عليه فهذا ~~مسح فلا يجوز أن يمسح بها موضعا غيره. وأيضا فإن الماء الذي يجرى عليه ~~بالصب والغسل يتسع للمقدار المفروض كله, وما على أصبع واحدة من الماء لا ~~يتسع للمقدار المفروض, وإنما يكفي لمقدار الأصبع, فإذا جره إلى غيره فإنما ~~نقل إليه ماء مستعملا في غيره, فلا يجوز له ذلك. # PageV02P433 # باب غسل الرجلين # قال الله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} قال أبو بكر: قرأ ~~ابن عباس والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير: "وأرجلكم" بالخفض, وتأولوها على ~~المسح. وقرأ علي وعبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية وإبراهيم والضحاك ~~ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب, وكانوا يرون غسلها واجبا. ~~والمحفوظ عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلها بالمسح, ولست أحفظ عن غيره ~~ممن أجاز المسح من السلف هو على الاستيعاب أو على البعض; وقال قوم: "يجوز ~~مسح البعض". ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن المراد الغسل. وهاتان ~~القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعا ونقلتهما الأمة تلقيا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح ~~بعطفها على الرأس ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الأعضاء ~~وذلك لأن قوله: {وأرجلكم} بالنصب يجوز أن يكون مراده: فاغسلوا أرجلكم, ~~ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس فيراد بها المسح وإن كانت منصوبة فيكون ~~معطوفا على المعنى لا على اللفظ; لأن الممسوح به مفعول به كقول الشاعر: # معاوية إننا بشر فأسجح # ... # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال ms1656 بالمعنى. ويحتمل قراءة الخفض أن تكون ~~معطوفة على الرأس فيراد به المسح, ويحتمل عطفه على الغسل ويكون مخفوضا ~~بالمجاورة كقوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} [الواقعة:17] ثم قال: # PageV02P433 # "وحور عين" فخفضهن1 بالمجاورة وهن معطوفات في المعنى على الولدان; لأنهن ~~يطفن ولا يطاف بهن; وكما قال الشاعر: # فهل أنت إن ماتت أتانك راكب ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب # فخفض "خاطبا" بالمجاورة, وهو معطوف على المرفوع من قوله: "راكب" والقوافي ~~مجرورة; ألا ترى إلى قوله: # فنل مثلها في مثلهم أو فلمهم ... على دار مي بين ليلى وغالب # فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين للمسح والغسل, فلا يخلو ~~حينئذ القول من أحد معان ثلاثة: إما أن يقال: إن المراد هما جميعا مجموعان, ~~فيكون عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما. أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير ~~يفعل المتوضئ أيهما شاء, ويكون ما يفعله هو المفروض. أو يكون المراد أحدهما ~~بعينه لا على وجه التخيير. وغير جائز أن يكونا هما جميعا على وجه الجمع ~~لاتفاق الجميع على خلافه; ولا جائز أيضا أن يكون المراد أحدهما على وجه ~~التخيير; إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه ولو جاز إثبات ~~التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع, ~~فبطل التخيير بما وصفنا. وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلا أن يكون ~~المراد أحدهما لا على وجه التخيير, فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد ~~منهما; فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا ~~غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح, فثبت أن ~~المراد الغسل. وأيضا فإن اللفظ لما وقف الموقف الذي ذكرنا من احتماله لكل ~~واحد من المعنيين مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما, صار في حكم المجمل ~~المفتقر إلى البيان, فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول من فعل أو قول ~~علمنا أنه مراد الله تعالى; وقد ورد البيان عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms1657 بالغسل قولا وفعلا, فأما وروده من جهة الفعل فهو ما ثبت بالنقل ~~المستفيض المتواتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في الوضوء. ولم ~~تختلف الأمة فيه, فصار فعله ذلك واردا مورد البيان, وفعله إذا ورد على وجه ~~البيان فهو على الوجوب, فثبت أن ذلك هو مراد الله تعالى بالآية. وأما من ~~جهة القول فما روى جابر وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وغيرهم: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء, فقال: ~~"ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء" وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة ~~مرة, فغسل رجليه وقال: "هذا وضوء من لا PageV02P434 # يقبل الله له صلاة إلا به". فقوله: "ويل للأعقاب من النار" وعيد لا يجوز ~~أن يستحق إلا بترك الفرض; فهذا يوجب استيعاب الرجل بالطهارة ويبطل قول من ~~يجيز الاقتصار على البعض. وقوله صلى الله عليه وسلم: "أسبغوا الوضوء" وقوله ~~بعد غسل الرجلين: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به" يوجب ~~استيعابها بالغسل; لأن الوضوء اسم للغسل يقتضي إجراء الماء على الموضع, ~~والمسح لا يقتضي ذلك; وفي الخبر الآخر إخبار أن الله تعالى لا يقبل الصلاة ~~إلا بغسلهما. وأيضا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم من بيانه; إذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل, فكان يجب أن يكون ~~مسحه في وزن غسله, فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل ثبت أن المسح ~~غير مراد. وأيضا فإن القراءتين كالآيتين في إحداهما الغسل وفي الأخرى المسح ~~لاحتمالهما للمعنيين, فلو وردت آيتان إحداهما توجب الغسل والأخرى المسح لما ~~جاز ترك الغسل إلى المسح; لأن في الغسل زيادة فعل, وقد اقتضاه الأمر ~~بالغسل, فكان يكون حينئذ يجب استعمالهما على أعمهما حكما وأكثرهما فائدة ~~وهو الغسل لأنه يأتي على المسح والمسح لا ينتظم الغسل. وأيضا لما حدد ~~الرجلين بقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} كما قال: {وأيديكم إلى ~~المرافق} دل على است يعاب الجميع, ms1658 كما دل ذكر الأيدي على المرافق على ~~استيعابهما بالغسل. # فإن قيل: قد روى علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه توضأ ~~ومسح على قدميه ونعليه. قيل له: لا يجوز قبول أخبار الآحاد فيه من وجهين: ~~أحدهما: لما فيه من الاعتراض به على موجب الآية من الغسل على ما قد دللنا ~~عليه. والثاني: أن أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله لعموم الحاجة إليه; وقد ~~روي عن علي أنه قرأ: {وأرجلكم} بالنصب وقال: "المراد الغسل" فلو كان عنده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز المسح والاقتصار عليه دون الغسل لما قال: ~~إن مراد الله الغسل. وأيضا فإن الحديث الذي روي عن علي في ذلك, قال فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا وضوء من لم يحدث" وهو حديث شعبة عن عبد ~~الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة: أن عليا صلى الظهر ثم قعد في الرحبة, ~~فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه وذراعيه ومسح برأسه ~~ورجليه, وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل وقال: "هذا وضوء ~~من لم يحدث" ولا خلاف في جواز مسح الرجلين في وضوء من لم يحدث. وأيضا لما ~~احتملت الآية الغسل والمسح, استعملناها على الوجوب في الحالين: الغسل في ~~حال ظهور الرجلين, والمسح في حال لبس الخفين. # فإن قيل: لما سقط فرض الرجل في حال التيمم كما سقط الرأس, دل على أنها # PageV02P435 # ممسوحة غير مغسولة. قيل له: فهذا يوجب أن لا يكون الغسل مرادا, ولا خلاف ~~أنه إذا غسل فقد فعل المفروض; ولم تختلف الأمة أيضا في نقل الغسل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإن غسل البدن كله يسقط في الجنابة إلى التيمم ~~عند عدم الماء, وقام التيمم في هذين العضوين مقام غسل سائر الأعضاء, كذلك ~~جائز أن يقوم مقام غسل الرجلين وإن لم يجب التيمم فيها. # PageV02P436 # فصل # وقد اختلف في الكعبين ما هما, فقال جمهور أصحابنا وسائر أهل العلم: "هما ~~الناتئان بين مفصل ms1659 القدم والساق". وحكى هشام عن محمد: "أنه مفصل القدم الذي ~~يقع عليه عقد الشراك على ظهر القدم". والصحيح هو الأول; لأن الله تعالى ~~قال: {وأرجلكم إلى الكعبين} فدل ذلك على أن في كل رجل كعبين, ولو كان في كل ~~رجل كعب واحد لقال: إلى الكعاب, كما قال تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما} [التحريم: 4] لما كان لكل واحد قلب واحد أضافهما إليهما بلفظ ~~الجمع, فلما أضافهما إلى الأرجل بلفظ التثنية دل على أن في كل رجل كعبين. # PageV02P436 # مطلب: فيما استدل به المصنف من الحديث على المراد بالكعبين # ويدل عليه أيضا ما حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا الفضل بن موسى عن يزيد بن ~~زياد بن أبي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول: ~~"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة ~~وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه, وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب, ~~فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب, قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه ~~بالحجارة؟ قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب". وهذا يدل على أن الكعب هو العظم ~~الناتئ في جانب القدم; لأن الرمية إذا كانت من وراء الماشي لا يضرب ظهر ~~القدم. قال: وحدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق قال: ~~أخبرنا وكيع قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن القاسم الجدلي قال: سمعت ~~النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتسون صفوفكم أو ~~ليخالفن الله بين قلوبكم أو وجوهكم" قال: فلقد رأيت الرجل منا يلزق كعبه ~~بكعب صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه. وهذا يدل على أن الكعب ما وصفنا; والله ~~أعلم. # PageV02P436 ### | مطلب: لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه ذكر اختلاف ms1660 الفقهاء في ذلك # ... # ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك # مطلب: لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن أكل ~~منه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير ~~معلم لا يؤكل صيده, ويؤكل صيد البازي وإن أكل" وهو قول الثوري. وقال مالك ~~والأوزاعي والليث: "يؤكل وإن أكل الكلب منه". وقال الشافعي: "لا يؤكل إذا ~~أكل الكلب منه والبازي مثله في القياس". قال أبو بكر: اتفق السلف المجيزون ~~لصيد الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه, منهم سعد وابن ~~عباس وسلمان وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن المسيب; وإنما اختلفوا في صيد ~~الكلب, فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن ~~جبير وإبراهيم: "لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه". وقال سلمان وسعد وابن ~~عمر: "يؤكل صيده وإن لم يبق منه إلا ثلثه". وهو قول الحسن وعبيد بن عمير, ~~وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار وابن شهاب. قال أبو ~~بكر: معلوم من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل, فجائز أن يعلم تركه ~~ويكون تركه للأكل علما للتعليم ودلالة عليه, فيكون تركه للأكل من شرائط صحة ~~ذكاته ووجود الأكل مانع من صحة ذكاته. وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن ~~تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة, فإذا كان الله قد ~~أباح صيد جميع الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم ~~للبازي تركه الأكل; إذ لا سبيل إلى تعليمه ذلك, ولا يجوز أن يكلفه الله ~~تعليم ما لا يصح منه التعليم وقبول التأديب; فثبت أن ترك الأكل ليس من ~~شرائط تعلم البازي وجوارح الطير, وكان ذلك من شرائط تعلم الكلب; لأنه يقبله ~~ويمكن تأديبه به. ويشبه أن يكون ما روي عن علي بن أبي طالب وغيره في حظر ما ~~قتله البازي, من حيث كان عندهم أن من شرط التعليم ترك # PageV02P396 ### | مطلب: متى ورد ms1661 خبران في جظر شيء وفي إباحته فالحاظر أولى # فإن قيل: معنى قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} أن يحبسه علينا بعد قتله ~~له, فهذا هو إمساكه علينا. فيقال له: هذا غلط; لأنه قد صار محبوسا بالقتل ~~فلا يحتاج الكلب إلى أن يحبسه علينا بعد قتله, فهذا لا معنى له. فإن قيل: ~~قتله هو حبسه علينا. قيل له: هذا أيضا لا معنى له; لأنه يصير تقدير الآية ~~على هذا: فكلوا مما قتلن عليكم; وهذا يسقط فائدة الآية; لأن إباحة ما قتلته ~~قد تضمنته الآية قبل ذلك في قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح} , وهو يعني ~~صيد ما علمنا من الجوارح جوابا لسؤال من سأل عن المباح منه. وعلى أن ~~الإمساك ليس بعبارة عن القتل; لأنه قد يمسكه علينا وهو حي غير مقتول, فليس ~~إمساكه علينا إذا إلا أن يحبسه حتى يجيء صاحبه. ولا يخلو الإمساك علينا من ~~أن يكون حبسه إياه علينا من غير قتل, أو حبسه علينا بعد قتله, أو تركه ~~للأكل منه بعد قتله; ومعلوم أنه لم يرد به حبسه علينا وهو حي غير مقتول ~~لاتفاق الجميع على أن ذلك غير مراد, وأن حبسه علينا حيا ليس بشرط في إباحة ~~أكله; لأنه لو كان كذلك لكان لا يحل أكل ما قتله, ولا يجوز أيضا أن يكون ~~المراد حبسه علينا بعد قتله, وإن أكل منه; لأن ذلك لا معنى له; لأن الله ~~تعالى جعل إمساكه علينا شرطا في الإباحة, ولا خلاف أنه لو قتله ثم تركه ~~وانصرف عنه ولم يحبسه علينا أنه يجوز أكله; فعلمنا أن ذلك غير مراد, فثبت ~~أن المراد تركه الأكل. # فإن قيل: قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} يقتضي إباحة ما بقي من الصيد بعد ~~أكله; لأنه قد أمسكه علينا إذا لم يأكله, وإنما لم يمسك علينا المأكول منه ~~دون ما بقي # PageV02P398 ### | مطلب: لا حظ للإجتهاد نع اليقين # وقال أبو حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد قبل ذلك صيدا كثيرا ~~ولم يأكل منه: "إن جميع ms1662 ما تقدم حرام; لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن ~~معلما, وقد كان الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد وغالب ~~الظن, والحكم بنفي التعليم عند الأكل من طريق اليقين, ولا حظ للاجتهاد مع ~~اليقين, وقد يترك الأكل بديا وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها ~~عند الاصطياد ولا يأكلها ساعة الاصطياد, فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل ~~بحكم التعليم من جهة غالب الظن, فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفي ~~التعليم فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك". وقال أبو يوسف ومحمد: "إذا ترك الأكل ~~ثلاث مرات فهو معلم, فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من صيده; لأنه جائز ~~أن يكون قد نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال". # وينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى ~~فيها, فإن تطاولت المدة في الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه وفي مثل تلك المدة ~~يجوز أن ينسى فإنه ينبغي أن لا يحرم ما تقدم, ويكون موضع الخلاف بينه وبين ~~أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات, وأبو ~~حنيفة لا يحده, وإنما يعتبر ما يغلب في الظن من حصول التعليم, فإذا غلب في ~~الظن أنه معلم بترك الأكل ثم أرسل مع قرب المدة فأكل منه, فهو محكوم بأنه ~~غير معلم فيما ترك أكله; مما تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن ~~في مثلها نسيان التعليم, لم يحرم ما # PageV02P400 ### | مطلب: في أكله عليه السلام مكن الشاة التي أهدها إليه اليهودية من دون أن يسألها أهي ذبيحة مسلم أم يهودي # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة المشوية التي ~~أهدتها إليه اليهودية ولم يسألها عن ذبيحتها أهي من ذبيحة المسلم أم ~~اليهودي. # PageV02P405 ### | باب تزوج الكتابيات # قال الله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} . قال أبو ~~بكر: اختلف في المراد بالمحصنات ههنا, فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم ~~والسدي: ms1663 أنهم العفائف. وروي عن عمر ما يدل على أن المعنى عنده ذلك, وهو ما ~~حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن يزيد عن الصلت بن بهرام عن شقيق بن سلمة قال: ~~تزوج حذيفة بيهودية, فكتب إليه عمر أن خل سبيلها, فكتب إليه حذيفة: أحرام ~~هي؟ فكتب إليه عمر: لا, ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن; قال أبو ~~عبيد: يعني العواهر. فهذا يدل على أن معنى الإحصان عنده ههنا كان على ~~العفة. وقال مطرف عن الشعبي في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} قال" إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن ~~فرجها". وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} قال: "الحرائر". # قال أبو بكر: الاختلاف في نكاح الكتابية على أنحاء مختلفة, منها إباحة ~~نكاح الحرائر منهن إذا كن ذميات, فهذا لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار ~~فيه إلا شيئا # PageV02P408 ### | مطلب: واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات, مخالف في ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنه # واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات سوى ابن عمر, ~~وجعلوا قوله: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] خاصا في غير أهل الكتاب. ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حماد قال: سألت سعيد بن جبير عن ~~نكاح اليهودية والنصرانية, قال: لا بأس, قال: قلت: فإن الله تعالى قال: ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: أهل الأوثان والمجوس. ~~وقد روي عن عمر ما قدمنا ذكره. وروي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت ~~الفرافصة1 الكلبية وهي نصرانية وتزوجها على نسائه; وروي عن طلحة بن عبيد ~~الله أنه تزوج يهودية من أهل الشام. وتروى إباحة ذلك عن عامة التابعين; ~~منهم الحسن وإبراهيم والشعبي في آخرين منهم. # ولا يخلو قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} ms1664 [البقرة: 221] من أحد ~~معنيين: PageV02P409 ### | مطلب: في الكلام على الصائبة وبيان نحلتهم # وقد اختلف في الصابئين هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروي عن أبي حنيفة أنهم ~~أهل كتاب. وقال أبو يوسف ومحمد: ليسوا أهل كتاب. وكان أبو الحسن الكرخي ~~يقول: الصابئون الذين هم عندهم من أهل الكتاب قوم ينتحلون دين المسيح ~~ويقرءون الإنجيل, فأما الصابئون الذين يعبدون الكواكب وهم الذين بناحية ~~حران فإنهم ليسوا بأهل كتاب عندهم جميعا. قال أبو بكر: الصابئون الذين ~~يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل ~~واحد, أعني الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في سواد واسط; وأصل ~~اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها واتخاذها آلهة وهم عبدة الأوثان في ~~الأصل إلا أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم العراق وأزالوا مملكة الصابئين ~~وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهرا لأنهم منعوهم من ذلك. وكذلك ~~الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين, فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف ~~على الدخول في النصرانية, فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت ودخلوا في غمار ~~النصارى في الظاهر وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة الأوثان, ~~فلما ظهر الإسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمون بينهم وبين ~~النصارى; إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل الاعتقاد وهم أكتم ~~الناس لاعتقادهم, ولهم أمور وحيل في صبيانهم إذا عقلوا في كتمان دينهم, ~~وعنهم أخذت الإسماعيلية كتمان المذهب, وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم. وأصل ~~الجميع اتخاذ الكواكب السبعة آلهة وعبادتها واتخاذها أصناما على أسمائها لا ~~خلاف بينهم في ذلك, وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران وبين الذين بناحية ~~البطائح في شيء من شرائعهم; وليس فيهم أهل كتاب. فالذي يغلب في ظني في قول ~~أبي حنيفة في الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم من النصارى ~~وأنهم يقرءون الإنجيل ولا ينتحلون دين المسيح تقية; لأن كثيرا من الفقهاء ~~لا يرون إقرار معتقدي مقالهم بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف; ~~ومن كان اعتقاده من الصابئين ما وصفنا فلا ms1665 خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل ~~كتاب وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. # PageV02P413 ### | باب الطهارة للصلاة # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} الآية. # PageV02P413 ### | مطلب: كان عليه السلام مأمورا بالوضوء عند كل صلا ثم وضع عنه الوضوء إلا من حدث # وقد حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا أبو مسلم الكرخي قال: حدثنا أبو عاصم عن ~~سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه, فقال له ~~عمر: يا رسول الله صنعت شيئا لم تكن تصنعه قال: "عمدا فعلته". وحدثنا من لا ~~أتهم قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: ~~حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن ~~عمر قال: قلت له: # PageV02P414 ### | فصل # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} لما كان ضميره ما وصفنا ~~من القيام من النوم أو إرادة القيام إليها في حال الحدث, فأوجب ذلك تقديم ~~الطهارة من الإحداث للصلاة, وكانت الصلاة اسما للجنس يتناول سائرها من ~~المفروضات والنوافل, اقتضى ذلك أن تكون من شرائط صحة الصلاة الطهارة أي ~~صلاة كانت; إذ لم تفرق الآية بين شيء منها, وقد أكد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك بقوله: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور". # قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} يقتضي إيجاب الغسل والغسل اسم لإمرار الماء ~~على الموضع إذا لم تكن هناك نجاسة, وإذا كان هناك نجاسة فغسلها إزالتها ~~بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه فقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} إنما المقصد ~~فيه إمرار الماء على الموضع; إذ ليس هناك نجاسة مشروط إزالتها, فإذا ليس ~~عليه دلك الموضع بيده وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع. وقد ~~اختلف في ذلك على ثلاثة أوجه: فقال مالك بن أنس: عليه إمرار الماء ودلك ~~الموضع بيده وإلا لم يكن ms1666 غسلا. وقال آخرون وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء: ~~عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه بيده. وروى هشام عن أبي يوسف: أنه إن ~~مسح الموضع بالماء كما يمسح بالدهن أجزأه. والدليل على بطلان قول موجب دلك ~~الموضع أن اسم الغسل يقع على إجراء الماء على الموضع من غير دلك, والدليل ~~على ذلك أنه لو كان على بدنه نجاسة فوالى بين صب الماء عليه حتى أزالها ~~بذلك غاسلا وإن لم يدلكه بيده, فلما كان الاسم يقع عليه مع عدم الدلك لأجل ~~إمرار الماء عليه, وقال الله تعالى: {فاغسلوا} فهو متى أجرى الماء على ~~الموضع فقد فعل مقتضى الآية وموجبها; فمن شرط فيه دلك الموضع # PageV02P418 ### | باب الوضوء بغير نية # قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته ~~النية أو لم تقارنه وذلك لأن الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة, وهو ~~إمرار الماء على الموضع, وليس هو عبارة عن النية. فمن شرط فيه النية فهو ~~زائد في النص, وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه يوجب نسخ الآية; لأن الآية ~~قد أباحت فعل الصلاة بوجود الغسل للطهارة من غير شرط النية, فمن حظر الصلاة ~~ومنعها إلا مع وجود نية الغسل فقد أوجب نسخها, وذلك لا يجوز إلا بنص مثله. ~~والوجه الآخر: أن النص له حكمه ولا يجوز أن يلحق به ما ليس منه, كما لا ~~يجوز أن يسقط منه ما هو منه. فإن قيل: فقد شرطت في صحة الصلاة النية مع عدم ~~ذكرها في اللفظ قيل له: إنما جاز ذلك فيها من وجهين: أحدهما: أن الصلاة اسم ~~مجمل مفتقر إلى البيان غير موجب للحكم بنفسه إلا ببيان يرد فيه, وقد ورد ~~فيه البيان بإيجاب النية فلذلك أوجبناها; وليس كذلك الوضوء لأنه اسم شرعي ~~ظاهر المعنى بين المراد, فمهما ألحقنا به ما ليس في اللفظ عبارة عنه فهو ~~زيادة في النص ولا يجوز ذلك إلا بنص مثله. والوجه الآخر: اتفاق الجميع على ~~إيجاب النية فيها, فلو كان اسم الصلاة عموما ليس ms1667 بمجمل لجاز إلحاق النية ~~بها بالاتفاق, فهي إذا كانت مجملا أجري بإثبات النية فيها من جهة الإجماع. # PageV02P420 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في فرض النية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "كل طهارة بماء تجوز بغير نية ولا يجزي ~~التيمم إلا بنية", وهو قول الثوري. وقال الأوزاعي: "يجزي الوضوء بغير نية" ~~ولم تحفظ عنه في التيمم. وقال مالك والليث والشافعي: "لا يجزي الوضوء ولا ~~الغسل إلا بالنية, وكذلك التيمم". وقال الحسن بن صالح: "يجزي الوضوء ~~والتيمم جميعا بغير نية", قال أبو جعفر الطحاوي: ولم نجد هذا القول في ~~التيمم عن غيره. قال أبو بكر: قد قدمنا ذكر دلالة الآية على جواز الوضوء ~~بغير نية, وقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: ~~43] دال على جواز الاغتسال من الجنابة بغير نية, كذلك قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} على النحو الذي بينا. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} # PageV02P420 ### | مطلب: الإخلاص ضد الإشراك # وأيضا فإن كل من اعتقد الإسلام فهو مخلص لله تعالى فيما يفعله من ~~العبادات; إذ لم يشرك في النية بين الله وبين غيره; لأن ضد الإخلاص هو ~~الإشراك, فمتى لم يشرك فهو مخلص بنفس اعتقاد الإيمان في جميع ما يفعله من ~~العبادات ما لم يشرك غيره فيه. # واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات" وهذا لا يصح ~~الاحتجاج به في موضع الخلاف, من قبل أن حقيقة اللفظ تقتضي كون العمل موقوفا ~~على النية والعمل موجود مع فقد النية, فعلمنا أنه لم يرد به حقيقة اللفظ ~~وإنما أراد معنى مضمرا فيه غير مذكور; فالمحتج بعموم الخبر في ذلك مغفل. ~~فإن قيل: مراده حكم العمل. قيل له: الحكم غير مذكور, فالاحتجاج بعمومه ~~ساقط. فإن ترك الاحتجاج بظاهر اللفظ وقال: لما لم يجز أن يخلو كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم من فائدة, وقد علمنا أنه لم يرد نفس العمل, وجب أن يكون ~~مراده حكم العمل. قيل له: يحتمل أن يريد به فضيلة العمل ms1668 لا حكمه, وإذا ~~احتمل الأمرين احتيج إلى دلالة من غيره في إثبات المراد وسقط الاحتجاج به. ~~فإن قيل: هو على الأمرين. قيل له: هذا خطأ; لأن الضمير المحتمل للمعنيين ~~غير ملفوظ به فيقال هو عليهما, وإنما يقال ذلك فيما هو ملفوظ به وفيه ~~احتمال للمعاني فيقال عمومه شامل للجميع, فأما ما ليس بمذكور وهو ضمير ليس ~~اللفظ عبارة عنه فقول القائل أحمله على العموم خطأ. وأيضا فغير جائز إرادة ~~الأمرين; لأنه إن أريد به فضيلة العمل صار بمنزلة قوله لا فضيلة للعمل إلا ~~بالنية, وذلك يقتضي إثبات حكم العمل حتى يصح نفي فضيلته لأجل عدم النية, ~~ومتى أراد به حكم العمل لم يجز أن يريد به الفضيلة والأصل منتف, فغير جائز ~~أن يزادا جميعا بلفظ واحد; إذ غير جائز أن يكون لفظ واحد لنفي الأصل ونفي ~~الكمال; وأيضا غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر الآحاد على ما بينا, ~~وهذا من أخبار الآحاد. # PageV02P424 ### | فصل # قوله عز وجل: {وجوهكم} قال أبو بكر: قد قيل فيه: إن حد الوجه من قصاص ~~الشعر إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن, حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد ~~البردعي; ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى. وكذلك يقتضي ظاهر ~~الاسم; إذ كان إنما سمي وجها لظهوره ولأنه يواجه الشيء ويقابل به; وهذا ~~الذي ذكرناه من تحديد الوجه هو الذي يواجه الإنسان ويقابله من غيره. فإن ~~قيل: فينبغي أن يكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى. قيل له: لا يجب ذلك; ~~لأن الأذنين تستران بالعمامة والقلنسوة # PageV02P424 ### | باب غسل اللحية وتخليلها # قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} وقد بينا أن الوجه ما واجهك من ~~الإنسان, فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة ~~في الأكثر كسائر الوجه; وقد يقال أيضا: خرج وجهه, إذا خرجت لحيته; فليس ~~يمتنع أن تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها; ويحتمل أن ~~يقال: ليست من الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت ms1669 عليه ~~بعدما كانت البشرة ظاهرة دونه. # PageV02P425 ### | مطلب: في أن فعله عليه السلام يبين المجمل من أحكام القرآن # فإن قيل: لما كان قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} مقتضيا مسح بعضه, فأي ~~بعض مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر. قيل له: إذا كان ذلك البعض مجهولا ~~صار مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الإجمال, ألا ترى أن قوله تعالى: {خذ ~~من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وقوله: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وقوله: ~~{يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] كلها مجملة ~~لجهالة مقاديرها في حال ورودها, وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما يقع عليه ~~الاسم منها؟ فكذلك قوله تعالى: {برؤوسكم} وإن اقتضى البعض فإن ذلك البعض ~~لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان. فما ورد ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله # PageV02P431 ### | باب غسل الرجلين # قال الله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} قال أبو بكر: قرأ ~~ابن عباس والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير: "وأرجلكم" بالخفض, وتأولوها على ~~المسح. وقرأ علي وعبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية وإبراهيم والضحاك ~~ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب, وكانوا يرون غسلها واجبا. ~~والمحفوظ عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلها بالمسح, ولست أحفظ عن غيره ~~ممن أجاز المسح من السلف هو على الاستيعاب أو على البعض; وقال قوم: "يجوز ~~مسح البعض". ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن المراد الغسل. وهاتان ~~القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعا ونقلتهما الأمة تلقيا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح ~~بعطفها على الرأس ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الأعضاء ~~وذلك لأن قوله: {وأرجلكم} بالنصب يجوز أن يكون مراده: فاغسلوا أرجلكم, ~~ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس فيراد بها المسح وإن كانت منصوبة فيكون ~~معطوفا على المعنى لا على اللفظ; لأن الممسوح به مفعول به كقول الشاعر: # معاوية إننا بشر ms1670 فأسجح # ... # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى. ويحتمل قراءة الخفض أن تكون ~~معطوفة على الرأس فيراد به المسح, ويحتمل عطفه على الغسل ويكون مخفوضا ~~بالمجاورة كقوله تعالى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون} [الواقعة:17] ثم قال: # PageV02P433 ### | فصل # وقد اختلف في الكعبين ما هما, فقال جمهور أصحابنا وسائر أهل العلم: "هما ~~الناتئان بين مفصل القدم والساق". وحكى هشام عن محمد: "أنه مفصل القدم الذي ~~يقع عليه عقد الشراك على ظهر القدم". والصحيح هو الأول; لأن الله تعالى ~~قال: {وأرجلكم إلى الكعبين} فدل ذلك على أن في كل رجل كعبين, ولو كان في كل ~~رجل كعب واحد لقال: إلى الكعاب, كما قال تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما} [التحريم: 4] لما كان لكل واحد قلب واحد أضافهما إليهما بلفظ ~~الجمع, فلما أضافهما إلى الأرجل بلفظ التثنية دل على أن في كل رجل كعبين. # PageV02P436 ### | مطلب: فيما استدل به المصنف من الحديث على المراد بالكعبين # ويدل عليه أيضا ما حدثنا من لا أتهم قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا الفضل بن موسى عن يزيد بن ~~زياد بن أبي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول: ~~"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة ~~وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه, وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب, ~~فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب, قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه ~~بالحجارة؟ قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب". وهذا يدل على أن الكعب هو العظم ~~الناتئ في جانب القدم; لأن الرمية إذا كانت من وراء الماشي لا يضرب ظهر ~~القدم. قال: وحدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق قال: ~~أخبرنا وكيع قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن القاسم الجدلي قال: سمعت ~~النعمان بن ms1671 بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتسون صفوفكم أو ~~ليخالفن الله بين قلوبكم أو وجوهكم" قال: فلقد رأيت الرجل منا يلزق كعبه ~~بكعب صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه. وهذا يدل على أن الكعب ما وصفنا; والله ~~أعلم. # PageV02P436 ### | ذكر الخلاف في المسح على الخفين # ذكر الخلاف في المسح على الخفين قال أصحابنا جميعا والثوري والحسن بن ~~صالح والأوزاعي والشافعي: "يمسح المقيم على الخفين يوما وليلة والمسافر ~~ثلاثة أيام ولياليها". وروي عن مالك والليث: "أنه لا وقت للمسح على الخفين, ~~إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان يمسح ما بدا له", قال مالك: "والمقيم والمسافر ~~في ذلك سواء", وأصحابه يقولون: هذا هو الصحيح من مذهبه; وروى عنه ابن ~~القاسم: "أن المسافر يمسح ولا يمسح المقيم", وروى ابن القاسم أيضا عن مالك ~~أنه ضعف المسح على الخفين. قال أبو بكر: قد ثبت المسح على الخفين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طريق التواتر والاستفاضة من حيث يوجب العلم; ولذلك ~~قال أبو يوسف: إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود المسح على ~~الخفين في الاستفاضة. وما دفع أحد من الصحابة من حيث نعلم المسح على ~~الخفين, ولم يشك أحد منهم في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مسح, وإنما ~~اختلف في وقت مسحه أكان قبل نزول المائدة أو بعدها؟ فروى المسح موقتا ~~للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم عمر وعلي وصفوان بن عسال وخزيمة بن ثابت وعوف بن مالك وابن عباس ~~وعائشة, ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير موقت سعد بن أبي وقاص وجرير ~~بن عبد الله البجلي وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وأبو أيوب الأنصاري ~~وسهل بن سعد وأنس بن مالك وثوبان وعمرو بن أمية عن أبيه وسليمان بن بريدة ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الأعمش عن إبراهيم عن همام عن ~~جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على ms1672 ~~خفيه. قال الأعمش: قال إبراهيم: كانوا معجبين بحديث جرير لأنه أسلم بعد ~~نزول المائدة. ولما كان ورود هذه الأخبار على الوجه الذي ذكرنا من ~~الاستفاضة مع كثرة عدد ناقليها وامتناع التواطؤ والسهو الغفلة عليهم فيها, ~~وجب استعمالها مع حكم الآية. وقد بينا أن في الآية احتمالا للمسح, ~~فاستعملناه في حال لبس الخفين واستعملنا الغسل في حال ظهور الرجلين, فلا ~~فرق بين أن يكون مسح النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول المائدة أو بعدها, ~~من قبل أنه إن كان مسح قبل نزول الآية فالآية مرتبة عليه غير ناسخة له ~~لاحتمالها ما يوجب موافقته من المسح في حال لبس الخفين ولأنه لو لم يكن ~~فيها احتمال لموافقة الخبر لجاز أن تكون مخصوصة به فيكون الأمر بالغسل خاصا ~~في حال ظهور الرجلين دون حال لبس الخفين, وإن كانت الآية متقدمة للمسح ~~فإنما جاز المسح لموافقة ما احتملته الآية, ولا يكون ذلك نسخا ولكنه بيان ~~للمراد بها, وإن كان جائزا نسخ الآية بمثله لتواتره وشيوعه. ومن حيث ثبت ~~المسح على الخفين ثبت التوقيت فيه للمقيم والمسافر على ما بينا; لأن بمثل ~~الأخبار الواردة في المسح مطلقا ثبت التوقيت أيضا, فإن بطل التوقيت بطل ~~المسح وإن ثبت المسح ثبت التوقيت. # PageV02P437 # فإن احتج المخالف في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعقبة بن عامر ~~حين قدم عليه وقد مسح على خفيه جمعة: "أصبت السنة", وبما روى حماد بن زيد ~~عن كثير بن شنظير عن الحسن, أنه سئل عن المسح على الخفين في السفر فقال: ~~كنا نسافر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوقتون. قيل له: قد ~~روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال لابنه عبد الله حين أنكر على سعد المسح ~~على الخفين: "يا بني عمك أفقه منك, للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم ~~يوم وليلة" سويد بن غفلة عن عمر أنه قال: "ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ~~ويوم وليلة للمقيم" وقد ثبت عن عمر التوقيت على الحد الذي بيناه, ms1673 فاحتمل أن ~~يكون قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة حين مسح على خفيه جمعة: "أصبت السنة" ~~يعني: أنك أصبت السنة في المسح, وقوله: "إنه مسح جمعة" إنما عنى به أنه مسح ~~جمعة على الوجه الذي يجوز عليه المسح, كما يقول القائل: "مسحت شهرا على ~~الخفين" وهو يعني على الوجه الذي يجوز فيه المسح; لأنه معلوم أنه لم يرد به ~~أنه مسح جمعة دائما لا يفتر, وإنما أراد به المسح في الوقت الذي يحتاج فيه ~~إلى المسح, كذلك إنما أراد الوقت الذي يجوز فيه المسح. وكما تقول: "صليت ~~الجمعة شهرا بمكة" والمعنى: في الأوقات التي يجوز فيها فعل الجمعة. وأما ~~قول الحسن: "أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين سافر معهم كانوا لا ~~يوقتون" فإنه إنما عنى به والله أعلم أنهم ربما خلعوا الخفاف فيما بين ~~يومين أو ثلاثة, وأنهم لم يكونوا يداومون على مسح الثلاث حسبما قد جرت به ~~العادة من الناس أنهم ليسوا يكادون يتركون خفافهم لا ينزعونها ثلاثا; فلا ~~دلالة فيه على أنهم كانوا يمسحون أكثر من ثلاث. # فإن قيل: في حديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة" ~~ولو استزدناه لزادنا. وفي حديث أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح ~~على الخفين؟ قال: "نعم" قال: يوما؟ قال: "ويومين" قال: وثلاثة؟ قال: "نعم, ~~وما شئت". وفي حديث آخر قال: حتى بلغ سبعا. قيل له: أما حديث خزيمة وما قيل ~~فيه "ولو استزدناه لزادنا" فإنما هو ظن من الراوي, والظن لا يغني من الحق ~~شيئا. وأما حديث أبي بن عمارة, فقد قيل: إنه ليس بالقوي, وقد اختلف في ~~سنده, ولو ثبت كان قوله: "وما شئت" على أنه يمسح بالثلاث ما شاء, وغير جائز ~~الاعتراض على أخبار التوقيت بمثل هذه الأخبار الشاذة المحتملة للمعاني مع ~~استفاضة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتوقيت. # PageV02P438 # مطلب: لا حظ للنظر مع الأثر # فإن قيل: ms1674 لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس. قيل له: لا # PageV02P438 # حظ للنظر مع الأثر, فإن كانت أخبار التوقيت ثابتة فالنظر معها ساقط, وإن ~~كانت غير ثابتة فالكلام حينئذ ينبغي أن يكون في إثباتها, وقد ثبت التوقيت ~~بالأخبار المستفيضة من حيث لا يمكن دفعها. وأيضا فإن الفرق بينهما ظاهر من ~~طريق النظر, وهو أن مسح الرأس هو المفروض في نفسه وليس ببدل عن غيره, ~~والمسح على الخفين بدل عن الغسل مع إمكانه من غير ضرورة, فلم يجز إثباته ~~بدلا إلا في المقدار الذي ورد به التوقيت. # PageV02P439 # مطلب: المسح على الجبيرة مستحب عند أبي حنيفة # فإن قيل: قد جاز المسح على الجبائر بغير توقيت وهو بدل عن الغسل. قيل له: ~~أما على مذهب أبي حنيفة فهذا السؤال ساقط; لأنه لا يوجب المسح على الجبائر, ~~وهو عنده مستحب تركه لا يضر. وعلى قول أبي يوسف ومحمد أيضا لا يلزم لأنه ~~إنما يفعله عند الضرورة كالتيمم والمسح على الخفين جائز بغير ضرورة; فلذلك ~~اختلفا. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون جواز المسح مقصورا على السفر لأن الأخبار وردت ~~فيه, وأن لا يجوز في الحضر لما روي أن عائشة سئلت عن ذلك فقالت: "سلوا عليا ~~فإنه كان معه في أسفاره"; وهذا يدل على أنه لم يمسح في الحضر; لأن مثله لا ~~يخفى على عائشة؟ قيل له: يحتمل أن تكون سئلت عن توقيت المسح للمسافر فأحالت ~~به على علي رضي الله عنه. وأيضا فإن عائشة أحد من روى توقيت المسح للمسافر ~~والمقيم جميعا. وأيضا فإن الأخبار التي فيها توقيت مسح المسافر فيها توقيته ~~للمقيم, فإن ثبت للمسافر ثبت للمقيم. # فإن قيل: قد تواترت الأخبار بغسله في الحضر وقوله: "ويل للعراقيب من ~~النار". قيل له: إنما ذلك في حال ظهور الرجلين. فإن قيل: جائز أن يختص حال ~~السفر بالتخفيف دون حال الحضر كالقصر والتيمم والإفطار. قيل له: لم نبح ~~المسح للمقيم ولا للمسافر قياسا, وإنما أبحناه بالآثار, وهي متساوية فيما ~~يقتضيه من المسح في ms1675 السفر والحضر, فلا معنى للمقايسة. # واختلف الفقهاء أيضا في المسح من وجه آخر, فقال أصحابنا: "إذا غسل رجليه ~~ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح إذا أحدث", وهو قول ~~الثوري; وروي عن مالك مثله. وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي: "أنه لا يجزيه ~~إلا أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة" ودليل أصحابنا عموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها" ولم ~~يفرق بين لبسه قبل إكمال الطهارة وبعدها. وروى # PageV02P439 # الشعبي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ, فأهويت إلى ~~خفيه لأنزعهما, فقال: "مه فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" فمسح ~~عليهما. وروي عن عمر بن الخطاب قال: "إذا أدخلت قدميك الخفين وهما طاهرتان ~~فامسح عليهما". ومن غسل رجليه فقد طهرتا قبل إكمال طهارة سائر الأعضاء, كما ~~يقال: غسل رجليه, وكما يقال: صلى ركعة; وإن لم يتم صلاته. وأيضا فإن من لا ~~يجيز ذلك فإنما يأمره بنزع الخفين ثم لبسهما كذلك بقاؤهما في رجليه لحين ~~المسح; لأن استدامة اللبس بمنزلة ابتدائه. # واختلف في المسح على الجوربين, فلم يجزه أبو حنيفة والشافعي إلا أن يكونا ~~مجلدين. وحكى الطحاوي عن مالك أنه لا يمسح وإن كانا مجلدين. وحكى بعض أصحاب ~~مالك عنه أنه لا يمسح إلا أن يكونا مجلدين كالخفين. وقال الثوري وأبو يوسف ~~ومحمد والحسن بن صالح: "يمسح إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مجلدين". والأصل ~~فيه أنه قد ثبت أن مراد الآية الغسل على ما قدمنا, فلو لم ترد الآثار ~~المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين لما أجزنا ~~المسح, فلما وردت الآثار الصحاح واحتجنا إلى استعمالها مع الآية استعملناها ~~معها على موافقة الآية في احتمالها للمسح وتركنا الباقي على مقتضى الآية ~~ومرادها; ولما لم ترد الآثار في جواز المسح على الجوربين في وزن ورودها في ~~المسح على الخفين بقينا حكم الغسل على مراد الآية ولم ننقله عنه. # فإن قيل: روى المغيرة بن شعبة وأبو ms1676 موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسح على جوربيه ونعليه. قيل له: يحتمل أنهما كانا مجلدين, فلا دلالة فيه ~~على موضع الخلاف; إذ ليس بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعل لا نعلم. وأيضا ~~يحتمل أن يكون وضوء من لم يحدث, كما مسح على رجليه وقال: "هذا وضوء من لم ~~يحدث". ومن جهة النظر اتفاق الجمع على امتناع جواز المسح على اللفافة; إذ ~~ليس في العادة المشي فيها, كذلك الجوربان. وأما إذا كانا مجلدين فهما ~~بمنزلة الخفين ويمشي فيهما وبمنزلة الجرموقين, ألا ترى أنهم قد اتفقوا على ~~أنه إذا كان كله مجلدا جاز المسح؟ ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلدا أو بعضه ~~بعد أن يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف. # واختلف في المسح على العمامة, فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح ~~والشافعي: "لا يجوز المسح على العمامة ولا على الخمار". وقال الثوري ~~والأوزاعي: "يمسح على العمامة". والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ~~{فامسحوا برؤوسكم} وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ومباشرته, وماسح العمامة غير ~~ماسح برأسه فلا تجزيه صلاته إذا صلى به. وأيضا فإن الآثار متواترة في مسح ~~الرأس, فلو كان المسح على العمامة جائزا لورد النقل به متواترا في وزن ~~وروده في المسح على الخفين; فلما لم # PageV02P440 # يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر لم يجز المسح عليها من وجهين: ~~أحدهما: أن الآية تقتضي مسح الرأس, فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب ~~العلم. والثاني: عموم الحاجة إليه, فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من ~~الأخبار. وأيضا حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة ~~وقال: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به" ومعلوم أنه مسح برأسه لأن ~~مسح العمامة لا يسمى وضوءا, ثم نفى جواز الصلاة إلا به. # وحديث عائشة الذي قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومسح ~~برأسه ثم قال: هذا الوضوء الذي افترض الله علينا, فأخبر أن مسح الرأس ~~بالماء هو المفروض علينا فلا ms1677 تجزي الصلاة إلا به. وإن احتجوا بما روى بلال ~~والمغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والعمامة ~~وما روى راشد بن سعد عن ثوبان قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ~~فأصابهم البرد, فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا ~~على العصائب والتساخين. قيل لهم: هذه أخبار مضطربة الأسانيد وفيها رجال ~~مجهولون, ولو استقامت أسانيدها لما جاز الاعتراض بمثلها على الآية; وقد ~~بينا في حديث المغيرة بن شعبة أنه مسح على ناصيته وعمامته, وفي بعضها: على ~~جانب عمامته, وفي بعضها: وضع يده على عمامته; فأخبر أنه فعل المفروض في مسح ~~الناصية ومسح على العمامة وذلك جائز عندنا ويحتمل ما رواه بلال ما بين في ~~حديث المغيرة. وأما حديث ثوبان فمحمول على معنى حديث المغيرة أيضا بأن ~~مسحوا على بعض الرأس وعلى العمامة. والله أعلم. # PageV02P441 # باب الوضوء مرة مرة # قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الآية. الذي يقتضيه ظاهر اللفظ غسلها ~~مرة واحدة; إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل, فمن غسل مرة فقد ~~أدى الفرض. وبه وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: "هذا الوضوء الذي افترض ~~الله علينا". وروى ابن عباس وجابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة ~~مرة, وقال أبو رافع: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ومرة مرة. ~~قال أبو بكر: فما نص الله تعالى عليه في هذه الآية هو فرض الوضوء على ما ~~بيناه; وفيه أشياء مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ما حدثنا ~~عبد الله بن الحسن قال: حدثنا أبو مسلم قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا ~~زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد الخير قال: دخل علي الرحبة بعدما ~~صلى الفجر, فجلس في الرحبة ثم قال لغلامه: ايتني بطهور فأتاه الغلام بإناء ~~وطست قال عبد الخير: ونحن جلوس ننظر ms1678 إليه فأخذ بيده اليمنى الإناء فأكفأه ~~على يده اليسرى ثم غسل كفيه, ثم أخذ بيده اليمنى الإناء # PageV02P441 # فأفرغ على يده اليسرى فغسل كفيه ثلاث مرات, ثم أدخل يده اليمنى الإناء ~~فلما ملأ كفه تمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فغسل ثلاث مرات, ثم غسل وجهه ~~ثلاث مرات, ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات, ثم غسل يده اليسرى إلى ~~المرفق ثلاث مرات, ثم أدخل يديه الإناء حتى غمرهما بالماء ثم رفعهما بما ~~حملتا, ثم مسح رأسه بيده كلتيهما, ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليمنى, ثم ~~غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات, ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى, ثم غسلها ~~بيده اليسرى ثلاث مرات, ثم أخذ غرفة بكفه فشرب منه ثم قال: من سره أن ينظر ~~إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره. وهذا الذي رواه علي في ~~صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم هو مذهب أصحابنا وذكر فيه أنه بدأ فأكفأ ~~الإناء على يديه فغسلهما ثلاثا; وهو عند أصحابنا وسائر الفقهاء مستحب غير ~~واجب, وإن أدخلهما الإناء قبل أن يغسلهما لم يفسد الماء إذا لم تكن فيهما ~~نجاسة. ويروى عن الحسن البصري أنه قال: "من غمس يده في إناء قبل الغسل ~~أهراق الماء", وتابعه على ذلك من لا يعتد به. ويحكى عن بعض أصحاب الحديث ~~أنه فصل بين نوم الليل ونوم النهار; لأنه ينكشف في نوم الليل فلا يأمن أن ~~تقع يده على موضع الاستنجاء, ولا ينكشف في نوم النهار. قال أبو بكر: والذي ~~في حديث علي من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقط هذا الاعتبار ~~ويقتضي أن يكون ذلك سنة الوضوء; لأن عليا كرم الله وجهه صلى الفجر ثم توضأ ~~ليعلمهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه قبل إدخالهما في ~~الإناء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا استيقظ أحدكم ~~من منامه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا, فإنه لا يدري أين باتت ms1679 ~~يده". قال محمد بن الحسن: كانوا يستنجون بالأحجار, فكان الواحد منهم لا ~~يأمن وقوع يده في حال النوم على موضع الاستنجاء وهناك بلة من عرق أو غيره ~~فتصيبها, فأمر بالاحتياط من تلك النجاسة التي عسى أن تكون قد أصابت يده من ~~موضع الاستنجاء. وقد اتفق الفقهاء على الندب, ومن ذكرنا قوله آنفا فهو شاذ, ~~وظاهر الآية ينفي إيجابه, وهو قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} فاقتضى الظاهر وجوب غسلهما بعد إدخالهما ~~الإناء; ومن أوجب غسلهما قبل ذلك فهو زائد في الآية ما ليس فيها, وذلك لا ~~يجوز إلا بنص مثله أو باتفاق, والآية على عمومها فيمن قام من النوم وغيره; ~~وعلى أنه قد روي أن الآية نزلت فيمن قام من النوم, وقد أطلقت جواز الغسل ~~على سائر الوجوه. وقد روى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قال لهم: أتحبون أن ~~أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء ~~فاغترف غرفة بيده اليمنى فتمضمض واستنشق, ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى, ~~ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى; وذكر الحديث. فأخبر في هذا الحديث أنه ~~أدخل يده # PageV02P442 # الإناء قبل أن يغسلها, وهذا يدل على أن غسل اليد قبل إدخالها الإناء ~~استحباب ليس بإيجاب وأن ما في حديث علي وحديث أبي هريرة في غسل اليد قبل ~~إدخالها الإناء ندب, وحديث أبي هريرة في ذلك ظاهر الدلالة على أنه لم يرد ~~به الإيجاب وأنه أراد الاحتياط مما عسى أن يكون قد أصابت يده موضع ~~الاستنجاء, وهو قوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده" فأخبر أن كون النجاسة ~~على يده ليس بيقين, ومعلوم أن يده قد كانت طاهرة قبل النوم, فهي على أصل ~~طهارتها, كمن كان على يقين من الطهارة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~الشك أن يبني على يقين من الطهارة ويلغي الشك; فدل ذلك على أن أمره إذا ~~استيقظ من نومه بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء استحباب ms1680 ليس بإيجاب. # وقد ذكر إبراهيم النخعي أن أصحاب عبد الله كانوا إذا ذكر لهم حديث أبي ~~هريرة في أمر المستيقظ من نومه بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء قالوا: إن ~~أبا هريرة كان مهذارا فما يصنع بالمهراس1 وقال الأشجعي لأبي هريرة: فما ~~تصنع بالمهراس؟ فقال: أعوذ بالله من شرك. والذي أنكره أصحاب عبد الله من ~~قول أبي هريرة اعتقاده الإيجاب فيه; لأنه كان معلوما أن المهراس الذي كان ~~بالمدينة قد كان يتوضأ منه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فلم ~~ينكره أحد, ولم يكن الوضوء منه إلا بإدخال اليد فيه, فاستنكر أصحاب عبد ~~الله اعتقاد الوجوب فيه مع ظهور الاغتراف منه باليد من غير نكير من أحد ~~منهم عليه, ولم يدفعوا عندنا روايته وإنما أنكروا اعتقاد الوجوب. # . واختلف الفقهاء في مسح الأذنين مع الرأس, فقال أصحابنا: "هما من الرأس ~~تمسحان معه", وهو قول مالك والثوري والأوزاعي; ورواه أشهب عن مالك, وكذلك ~~رواه ابن القاسم عنه وزاد: "وإنما تمسحهما بماء جديد". وقال الحسن بن صالح: ~~"يغسل باطن أذنيه مع وجهه ويمسح ظاهرهما مع رأسه". وقال الشافعي: "يمسحهما ~~بماء جديد وهما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس". والدليل على ~~أنهما من الرأس ويمسحان معه ما حدثنا عبيد الله بن الحسين قال: حدثنا أبو ~~مسلم قال: حدثنا أبو عمر عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب ~~عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل كفيه ثلاثا وطهر ~~وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه وقال: الأذنان من الرأس. ~~وأخبرنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال: حدثنا ~~عامر بن سنان قال: حدثنا زياد بن علاقة عن عبد الحكم عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما ~~أدبر". وروى ابن عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أيضا. ~~PageV02P443 # أما الحديث الأول ms1681 فإنه يدل على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: قوله إنه مسح ~~برأسه وأذنيه, وهذا يقتضي أن يكون مسح الجميع بماء واحد ولا يجوز إثبات ~~تجديد ماء لهما بغير رواية. والثاني: قوله: "الأذنان من الرأس" لأنه لا ~~يخلو من أن يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين من الرأس أو أنهما تابعتان له ~~ممسوحتان معه, وغير جائز أن يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين; لأن ذلك بين ~~معلوم بالمشاهدة, وكلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من الفائدة, فثبت ~~أن المراد الوجه الثاني. # فإن قيل: يجوز أن يكون مراده أنهما ممسوحتان كالرأس. قيل له: لا يجوز ~~ذلك; لأن اجتماعهما في الحكم لا يوجب إطلاق الحكم بأنهما منه, ألا ترى أنه ~~غير جائز أن يقال الرجلان من الوجه من حيث كانتا مغسولتين كالوجه؟ فثبت أن ~~قوله: "الأذنان من الرأس" إنما مراده أنهما كبعض الرأس وتابعتان له. ووجه ~~آخر, وهو أن "من" بابها التبعيض إلا أن تقوم الدلالة على غيره, فقوله: ~~"الأذنان من الرأس" حقيقته أنهما بعض الرأس, فواجب إذا كان كذلك أن تمسحا ~~معه بماء واحد كما يمسح سائر أبعاض الرأس; وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إذا مسح المتوضئ برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من تحت ~~أذنيه, وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من تحت أشفار عينيه" فأضاف الأذنين إلى ~~الرأس كما جعل العينين من الوجه. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عشر من الفطرة: خمس ~~في الرأس" فذكر منها المضمضة والاستنشاق, ولم يدل ذلك على دخولهما في حكم ~~الرأس, كذلك قوله: "الأذنان من الرأس". قيل له: لم يقل الفم والأنف من ~~الرأس, وإنما قال: "خمس في الرأس" فوصف ما يفعل من الخمس في الرأس; ونحن ~~نقول: إن هذه الجملة هو الرأس, ونقول: العينان في الرأس, وكذلك الفم ~~والأنف, قال الله تعالى: {لووا رؤوسهم} [المنافقون: 5] والمراد هذه الجملة. ~~على أن ما ذكرته هو لنا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمى ما ms1682 تشتمل ~~عليه هذه الجملة رأسا فوجب أن تكون الأذنان من الرأس لاشتمال هذه الجملة ~~عليهما وأن لا يخرج شيء منها إلا بدلالة, ولما قال تعالى: {وامسحوا ~~برؤوسكم} وكان معلوما أنه لم يرد به الوجه وإن كان في الرأس وإنما أراد ما ~~علا منه مما فوق الأذنين, ثم قال صلى الله عليه وسلم: "الأذنان من الرأس" ~~كان ذلك إخبارا منه بأنهما من الرأس الممسوح. # فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديدا, وروت ~~الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه ثم مسح ~~أذنيه وهذا يقتضي تجديد الماء لهما. قيل له: أما قولك "إنه أخذ لهما ماء ~~جديدا" فلا نعلمه روي من جهة يعتمد عليها, ولو صح لم # PageV02P444 # يدل على قولك; لأنهما إذا كانتا من الرأس فالماء الجديد الذي أخذه لهما ~~هو الذي أخذه لجميع الرأس, ولا فرق بين قول القائلين: "أخذ للأذنين ماء ~~جديدا" وبين قوله: "أخذ للرأس ماء جديدا" إذا كانتا من الرأس, والماء ~~المأخوذ للرأس هو للأذنين; وقول الربيع بنت معوذ: "مسح برأسه ثم مسح أذنيه" ~~لا دلالة فيه على تجديد الماء للأذنين; لأن ذكر المسح لا يقتضي تجديد الماء ~~لهما; لأن اسم المسح يقع على هذا الفعل مع عدم الماء; وهو مثل ما روي أنه ~~مسح رأسه مرتين بماء واحد أقبل بهما وأدبر وقد علمنا أنه أقبل بهما وأدبر ~~ولم يوجب ذلك تجديد الماء; كذلك الأذنان; إذ غير ممكن مسح الرأس مع الأذنين ~~في وقت واحد كما لا يمكن مسح مقدم الرأس ومؤخره في حال واحدة, فلا دلالة في ~~ذكر مسح الأذنين بعد مسح الرأس على تجديد الماء لهما دون الرأس. # PageV02P445 # مطلب: في معنى قوله عليه السلام: "سجد وخهي للذي خلقه" # فإن احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: "سجد وجهي ~~للذي خلقه وشق سمعه وبصره" فجعل السمع من الوجه. قيل له: لم يرد بالوجه في ~~هذا الموضع العضو المسمى بذلك, وإنما أراد به ms1683 أن جملة الإنسان هو الساجد ~~لله لا الوجه, وهو كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] يعني ~~به ذاته. وأيضا فإنه ذكر السمع, وليس الأذنان هما السمع, فلا دلالة فيه على ~~حكم الأذنين; وقد قال الشاعر: # إلى هامة قد وقر الضرب سمعها ... وليست كأخرى سمعها لم يوقر # فأضاف السمع إلى الهامة. ويدل على أنهما تمسحان مع الرأس على وجه التبع ~~أنه ليس في الأصول مسح مسنون إلا على وجه التبع للمفروض منه, ألا ترى أن من ~~سنة المسح على الخفين أن يمسح من أطراف الأصابع إلى أصل الساق والمفروض منه ~~بعضه أما على قولنا فمقدار ثلاثة أصابع وعلى قول المخالف مقدار ما يسمى ~~مسحا؟ وقد روي في حديث عبد خير عن علي أنه مسح رأسه مقدمه ومؤخره ثم قال: ~~هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم; وروي عبد الله بن زيد المازني ~~والمقدام بن معدي كرب: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه أقبل ~~بهما وأدبر, بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه1 ثم ردهما حتى رجع إلى ~~المكان الذي بدأ منه, ومعلوم أن القفا ليس بموضع مفروض المسح; لأن مسح ما ~~تحت الأذنين لا يجزي من المفروض, وإنما مسح ذلك الموضع على جهة التبع ~~للمفروض. PageV02P445 # فإن قيل: لما لم تكن الأذنان موضع فرض المسح أشبهتا داخل الفم والأنف, ~~فيجدد لهما ماء جديدا كالمضمضة والاستنشاق فيكون سنة على حيالها. قيل له: ~~هذا غلط; لأن القفا ليس بموضع لفرض المسح, والنبي صلى الله عليه وسلم قد ~~مسحه مع الرأس على وجه التبع, فكذلك الأذنان. وأما المضمضة والاستنشاق ~~فكانا سنة على حيالهما من قبل أن داخل الفم والأنف ليسا من الوجه بحال فلم ~~يكونا تابعين له فأخذ لهما ماء جديدا, والأذنان والقفا جميعا من الرأس وإن ~~لم يكونا موضع الفرض فصارا تابعين له. # فإن قيل: لو كانت الأذنان من الرأس لحل بحلقهما من الإحرام ولكان حلقهما ~~مسنونا مع الرأس إذا أراد الإحلال من إحرامه. قيل له: لم ms1684 يسن حلقهما ولا حل ~~بحلقهما; لأن في العادة أن لا شعر عليهما, وإنما الحلق مسنون في الرأس في ~~الموضع الذي يكون عليه الشعر في العادة, فلما كان وجود الشعر على الأذنين ~~شاذا نادرا أسقط حكمهما في الحلق ولم يسقط في المسح. وأيضا فإنا قلنا: إن ~~الأذنين تابعتان للرأس على ما بينا لا على أنهما الأصل, ألا ترى أنا لا ~~نجيز المسح عليهما دون الرأس؟ فكيف يلزمنا أن نجعلهما أصلا في الحلق وأما ~~قول الحسن بن صالح في غسل باطن الأذنين ومسح ظاهرهما فلا وجه له لأنه لو ~~كان باطنهما مغسولا لكانتا من الوجه فكان يجب غسلهما, ولما وافقنا على أن ~~ظاهرهما ممسوح من الرأس دل ذلك على أنهما من الرأس, ولأنا لم نجد عضوا بعضه ~~من الرأس وبعضه من الوجه. وقال أصحابنا: لو مسح ما تحت أذنيه من الرأس لم ~~يجزه من الفرض لأن ذلك من القفا وليس هو من مواضع فرض المسح فلا يجزيه, ألا ~~ترى أنه لو كان شعره قد بلغ منكبه فمسح ذلك الموضع من شعره لم يجزه عن مسح ~~رأسه؟ # واختلف الفقهاء في تفريق الوضوء, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والأوزاعي والشافعي: "هو جائز". وقال ابن أبي ليلى ومالك والليث: "إن تطاول ~~أو تشاغل بعمل غيره ابتدأ الوضوء من أوله". والدليل على صحة ما قلناه قوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} الآية فإذا أتى بالغسل على أي ~~وجه فعله فقد قضى عهدة الآية, ولو شرطنا فيه الموالاة وترك التفريق كان فيه ~~إثبات زيادة في النص, والزيادة في النص توجب نسخه ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} والحرج الضيق ~~فأخبر تعالى أن المقصد حصول الطهارة ونفي الحرج, وفي قول مخالفينا إثبات ~~الحرج مع وقوع الطهارة المذكورة في الآية. ويدل عليه قوله تعالى: {وينزل ~~عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] الآية, فأخبر بوقوع التطهير ~~بالماء من غير شرط الموالاة, فحيثما وجد كان مطهرا # PageV02P446 # بحكم الظاهر ms1685 ويدل عليه قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] ومعناه مطهرا, فحيثما وجد فواجب أن يكون هذا حكمه; ولو منعنا ~~الطهارة مع وجود الغسل لأجل التفريق كنا قد سلبناه الصفة التي وصفه الله ~~تعالى بها من كونه طهورا ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~علي بن محمد بن أبي الشوارب قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: ~~حدثنا محمد بن عبيد الله عن الحسين بن سعيد عن أبيه عن علي قال: جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني اغتسلت من ~~الجنابة وصليت الفجر فلما أصبحت رأيت بذراعي قدر موضع الظفر لم يصبه الماء؟ ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو مسحت عليه بيدك أجزأك" فأجاز له ~~أن يمسح عليه بعد تراخي الوقت ولم يأمره باستئناف الطهارة. وروى عبد الله ~~بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما وأعقابهم تلوح, فقال: ~~"ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء". ويدل عليه حديث رفاعة بن رافع عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء ~~مواضعه". والتفريق لا يخرجه من أن يكون وضعه مواضعه لأن مواضعه هذه الأعضاء ~~المذكورة في القرآن, ولم يشرط فيه الموالاة وترك التفريق. ويدل عليه من وجه ~~آخر قوله في لفظ آخر: "حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل ~~رجليه" ولم يذكر فيه التتابع, فهو على الأمرين من تفريق أو موالاة. # فإن قيل: لما كان قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} أمرا يقتضي الفور ~~وجب أن يكون مفعولا على الفور, فإذا لم يفعل استقبل; إذ لم يفعل المأمور ~~به. قيل له: الأمر على الفور لا يمنع صحة فعله على المهلة, ألا ترى أن تارك ~~الوضوء رأسا لا تفسد طهارته إذا فعله بعد ذلك على التراخي؟ وكذلك سائر ~~الأوامر التي ليست موقتة فإن تركها في وقت الأمر بها لا يفسدها إذا فعلها ~~ولا يمنع صحتها; وعلى ms1686 أن هذا المعنى لأن يكون دليلا على صحة قولنا أولى ~~وذلك لأن غسل العضو المفعول على الفور قد صح عندنا جميعا وتركه لغسل باقي ~~الأعضاء ينبغي أن لا يغير حكم الأول ولا تلزمه إعادته, لأن في إيجاب إعادته ~~إبطاله عن الفور وإيجاب فعله على التراخي, فواجب أن يكون مقرا على حكمه في ~~صحة فعله بديا على الفور. # واحتج أيضا القائلون بذلك بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توضأ مرة وقال: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به" قالوا: ومعلوم ~~أن فعله كان على وجه المتابعة. قيل له: هذا دعوى, ومن أين لك أنه فعله ~~متتابعا؟ وجائز أن يكون غسل وجهه في وقت ثم غسل يديه بعد ساعات وكذلك سائر ~~أعضائه ليفيد الحاضرين حكم جواز فعله متفرقا, وعلى أنه لو تابع لم يدل قوله ~~ذلك على وجوب التتابع; لأن قوله: "هذا وضوء" إنما إشارة إلى الغسل لا إلى ~~الزمان. # PageV02P447 # فإن قيل: لما كان بعضه منوطا ببعض حتى لا يصح لبعضه حكم إلا بجميعه أشبه ~~أفعال الصلاة. قيل له: هذا منتقض بالحج; لأن بعضه منوط ببعض, ألا ترى أنه ~~لو لم يقف بعرفة بطل إحرامه وطوافه الذي قدمه ولم يجب من أجل ذلك متابعة ~~أفعاله؟ وأيضا فإنه قد ثبت لغسل بعض الأعضاء حكم دون بعض, ألا ترى أنه لو ~~كان بذراعه عذر لسقط فرض طهارته عنه؟ وليس كذلك الصلاة لأن أفعالها كلها ~~منوطة بعضها ببعض, فإما أن يسقط جميعها أو يثبت جميعها على الحال التي يمكن ~~فعلها, فمن حيث جاز سقوط بعض أعضاء الطهارة وبقي البعض أشبه الصلاة والزكاة ~~وسائر العبادات إذا اجتمع وجوبها عليه فيجوز تفريقها عليه. وأيضا فإن ~~الصلاة إنما لزم فيها الموالاة من غير فصل لأنه يدخل فيها بتحريمة ولا يصح ~~بناء أفعالها إلا على التحريمة التي دخل بها في الصلاة, فمتى أبطل التحريمة ~~بكلام أو فعل لم يصح له بناء باقي أفعالها بغير تحريمة, والطهارة لا تحتاج ~~إلى تحريمة, ألا ترى أنه ms1687 يصح في أضعافها الكلام وسائر الأفعال ولا يبطلها ~~ذلك؟ وإنما شرط فيه من قال ذلك عدم جفاف العضو قبل إتمام الطهارة وجفاف ~~العضو لا تأثير له في حكم رفع الطهارة, ألا ترى أن جفاف جميع الأعضاء لا ~~يؤثر في رفعها؟ كذلك جفاف بعضها. وأيضا فلو كان هذا تشبيها صحيحا وقياسا ~~مستقيما لما صح في هذا الموضع; إذ غير جائز الزيادة في النص بالقياس فلا ~~مدخل للقياس ههنا. وأيضا فإنه لا خلاف أنه لو كان في الشمس ووالى بين ~~الوضوء إلا أنه كان يجف العضو منه قبل أن يغسل الآخر أنه لا يوجب ذلك بطلان ~~الطهارة, كذلك إذا جف بتركه إلى أن يغسل الآخر. # PageV02P448 # فصل مطلب: فيما تمسك به القائلون بفرض التسمية على الوضوء وجواب المصنف ~~عن ذلك # وقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل على أن ~~التسمية على الوضوء ليست بفرض لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء من غير ~~شرط التسمية, وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار. وحكي عن بعض أصحاب ~~الحديث أنه رآها فرضا في الوضوء, فإن تركها عامدا لم يجزه وإن تركها ناسيا ~~أجزأه. ويدل على جوازه قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] فعلق صحة الطهارة بالفعل من غير ذكر التسمية شرطا فيه, فمن ~~شرطها فهو زائد في حكم هذه الآيات ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز ~~الصلاة بوجود الغسل. ويدل عليه من جهة السنة # PageV02P448 # حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال: "هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به" ولم يذكر فيه التسمية; وقد علم ~~الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة بن رافع وقال: "لا تتم صلاة ~~أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه". إلى آخره, ولم يذكر التسمية; ~~وحديث علي وعثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم في صفة وضوء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه, وقالوا: هذا وضوء رسول الله ~~صلى الله ms1688 عليه وسلم فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ولورد النقل به ~~متواترا في وزن ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها, لعموم الحاجة ~~إليه. # فإن احتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ~~وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". قيل له: لا تجوز الزيادة في نص القرآن ~~إلا بمثل ما يجوز به النسخ, فهذا سؤال ساقط من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا, ~~والآخر أن أخبار الآحاد غير مقبولة فيما عمت البلوى به, وإن صح احتمل أنه ~~يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل, كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في ~~المسجد" و "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له" ونحو ذلك. # فإن قيل: لما كان الحدث يبطله صار كالصلاة في الحاجة إلى ذكر اسم الله ~~تعالى في ابتدائه. قيل له: قولك إن الحدث يبطل الصلاة غلط عندنا لأنه جائز ~~بقاء الصلاة مع الحدث إذا سبقه ويتوضأ ويبني; وأيضا فليست العلة في حاجة ~~الصلاة إلى الذكر أن الحدث يبطلها وإنما المعنى أن القراءة مفروضة فيها, ~~وأيضا نقيسه على غسل النجاسة بمعنى أنه طهارة, وأيضا فقد وافقونا على إن ~~تركها ناسيا لا يمنع صحة الطهارة; فبطل بذلك قولهم من وجهين: أحدهما: أن ~~الصلاة يستوي في بطلانها ترك ذكر التحريمة ناسيا أو عامدا, والثاني: أنها ~~لو كانت فرضا لما أسقطها النسيان; إذ كانت شرطا في صحة الطهارة كسائر ~~شرائطها المذكورة. # PageV02P449 # فصل مطلب: اختلف الفقهاء في فرضية الاستنجاء # قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل على أن ~~الاستنجاء ليس بفرض وأن الصلاة جائزة مع تركه إذا لم يتعد الموضع وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك, فأجاز أصحابنا صلاته وإن كان مسيئا في تركه. وقال الشافعي: ~~"لا يجزيه إذا تركه رأسا". وظاهر الآية يدل على صحة القول الأول. وروي في ~~التفسير أن معناه: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون; وقال في نسق الآية: ~~{أو جاء أحد منكم من # PageV02P449 # الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} فحوت ms1689 هذه الآية الدلالة ~~من وجهين على ما قلنا: أحدهما: إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء, وإباحة ~~الصلاة به; وموجب الاستنجاء فرضا مانع ما أباحته الآية وذلك يوجب النسخ, ~~وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر وذلك غير معلوم ~~في إيجاب الاستنجاء. ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة ~~وأنها ثابتة الحكم, وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا. ~~والوجه الآخر من دلالة الآية: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} إلى ~~آخرها; فأوجب التيمم على من جاء من الغائط, وذلك كناية عن قضاء الحاجة, ~~فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء, فدل ذلك على أنه غير فرض ويدل عليه من ~~جهة السنة حديث علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يغسل وجهه ويديه ويمسح ~~برأسه ويغسل رجليه" فأباح صلاته بعد غسل هذه الأعضاء مع ترك الاستنجاء. ~~ويدل عليه أيضا حديث الحصين الحراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا ~~فلا حرج, ومن اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" فنفى الحرج عن ~~تارك الاستجمار, فدل على أنه ليس بفرض. # فإن قيل: إنما نفى الحرج عن تاركه إلى الماء. قيل له: هذا خطأ من وجهين: ~~أحدهما: أنه أجاز تركه من غير استعمال الماء, ومن ادعى تركه إلى الاستنجاء ~~بالماء فإنما خصه بغير دلالة. والثاني: أنه تسقط فائدته; لأنه معلوم أن ~~الاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالأحجار, فغير جائز أن ينفي الحرج عن ~~فاعل الأفضل, هذا ممتنع مستحيل لا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم; إذ كان ~~وضعا للكلام في غير موضعه. # فإن قيل: في حديث سلمان: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتزئ ~~بدون ثلاثة أحجار, وروت عائشة عن النبي صلى الله ms1690 عليه وسلم: "فليستنج ~~بثلاثة أحجار" وأمره على الوجوب, فيحمل قوله: "فلا حرج" على ما لا يسقط ~~إيجاب الأمر, وهو أن يكون إنما نفى الحرج عمن لم يستجمر وترا ويفعله شفعا, ~~لا بأن يتركه أصلا, أو على أن يتركه إلى الماء ليسلم لنا مقتضى الأمر من ~~الإيجاب. قيل له: بل نجمع بينهما ونستعملهما ولا نسقط أحدهما بالآخر, فنجعل ~~أمره بالاستنجاء ونهيه عن تركه على الندب, ونستعمل معه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "ومن لا فلا حرج" في نفي الإيجاب; ولو استعمل على ما ذكرت كان فيه ~~إسقاط أحدهما أصلا, لا سيما إذا كان خبرنا موافقا لما تضمنه نص الآية من ~~دلالتها على جواز الصلاة مع تركه. ويدل على أنه غير فرض وعلى جواز # PageV02P450 # الصلاة مع تركه اتفاق الجميع على جواز صلاة المستنجي بالأحجار مع وجود ~~الماء وعدم الضرورة في العدول عنه إلى الأحجار, ولو كان الاستنجاء فرضا ~~لكان الواجب أن يكون بالماء دون الأحجار, كسائر البدن إذا أصابته نجاسة ~~كثيرة لا تجوز الصلاة بإزالتها بالأحجار دون غسلها بالماء إذا كان موجودا; ~~وفي ذلك دليل على أن هذا القدر من النجاسة معفو عنه. # فإن قيل: أنت تجيز فرك المني من الثوب إذا كان يابسا ولم يدل ذلك على ~~جواز الصلاة مع تركه إذا كان كثيرا, فكذلك موضع الاستنجاء مخصوص بجواز ~~الصلاة مع إزالته بالأحجار. قيل له: إنما أجزنا ذلك في المني وإن كان نجسا ~~لخفة حكمه في نفسه, ألا ترى أنه لا يختلف حكمه في أي موضع أصابه من ثوبه في ~~جواز فركه؟ فأما بدن الإنسان فلا يختلف حكم شيء منه في عدم جواز إزالة ~~النجاسة عنه بغير ما يزيله من الماء وسائر المائعات, وكذلك حكم النجاسة ~~التي على موضع الاستنجاء لا يختلف في تغليظ حكمها, فواجب أن لا يختلف حكمها ~~في ذلك الموضع وفي سائر البدن. وكذلك إن سألونا عن حكم النجاسة التي لها ~~جرم قائم في الخف أنه يطهر بالدلك بعد الجفاف ولو أصابت البدن لم يزلها إلا ~~الغسل. فيقال ms1691 لهم: إنما اختلفنا لاختلاف حال جرم الخف وبدن الإنسان في كون ~~جرم الخف مستخصفا غير ناشف لما يحصل فيه من الرطوبة إلى نفسه, وجرم النجاسة ~~سخيف متخلخل ينشف الرطوبة الحاصلة في الخف إلى نفسها, فإذا حكت لم يبق منها ~~إلا اليسير الذي لا حكم له, فصار اختلاف أحكامها في الحك والفرك والغسل ~~متعلقا إما بنفس النجاسة لخفتها وإما بما تحله النجاسة في إمكان إزالتها ~~عنه بغير الماء, كما نقول في السيف إذا أصابه دم فمسحه إنه يجزي لأن جرم ~~السيف لا يقبل النجاسة فينشفها إلى نفسه, فإذا أزيل ما على ظاهره لم يبق ~~هناك إلا ما لا حكم له. # PageV02P451 # فصل # ويستدل بقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الآية, على بطلان قول القائلين ~~بإيجاب الترتيب في الوضوء, وعلى أنه جائز تقديم بعضها على بعض على ما يرى ~~المتوضئ; وهو قول أصحابنا ومالك والثوري والليث والأوزاعي وقال الشافعي: ~~"لا يجزيه غسل الذراعين قبل الوجه ولا غسل الرجلين قبل الذراعين". وهذا ~~القول مما خرج به الشافعي عن إجماع السلف والفقهاء وذلك لأنه روي عن علي ~~وعبد الله وأبي هريرة: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت وضوئي", ولا ~~يروى عن أحد من السلف والخلف فيما نعلم مثل قول الشافعي. وقوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل من ثلاثة أوجه على سقوط فرض ~~الترتيب: أحدها مقتضى ظاهرها جواز الصلاة بحصول الغسل من غير شرط الترتيب; ~~إذ كانت "الواو" ههنا عند # PageV02P451 # أهل اللغة لا توجب الترتيب; قاله المبرد وثعلب جميعا, وقالوا: إن قول ~~القائل: "رأيت زيدا وعمرا" بمنزلة قوله: "رأيت الزيدين ورأيتهما" وكذلك هو ~~في عادة أهل اللفظ, ألا ترى أن من سمع قائلا يقول: "رأيت زيدا وعمرا" لم ~~يعتقد في خبره أنه رأى زيدا قبل عمرو, بل يجوز أن يكون رآهما معا, وجائز أن ~~يكون رأى عمرا قبل زيد؟ فثبت بذلك أن "الواو" لا توجب الترتيب. وقد أجمعوا ~~جميعا أيضا في رجل لو قال: "إذا دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر وعلي ~~صدقة" ms1692 أنه إذا دخل الدار لزمه ذلك كله في وقت واحد, لا يلزمه أحدها قبل ~~الآخر; كذلك هذا. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما ~~شاء الله وشئت ولكن قولوا ما شاء الله ثم شئت" فلو كانت "الواو" توجب ~~الترتيب لجرت مجرى "ثم" ولما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. وإذا ~~ثبت أنه ليس في الآية إيجاب الترتيب فموجبه في الطهارة مخالف لها وزائد ~~فيها ما ليس منها, وذلك يوجب نسخ الآية عندنا لحظره ما أباحته; ولم يختلفوا ~~أنه ليس في هذه الآية نسخ, فثبت جواز فعله غير مرتب. والوجه الثاني من ~~دلالة الآية: قوله تعالى: {فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ولا خلاف ~~بين فقهاء الأمصار أن الرجل مغسولة معطوفة في المعنى على الأيدي, وأن ~~تقديرها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برءوسكم; فثبت بذلك أن ~~ترتيب اللفظ على هذا النظام غير مراد به ترتيب المعنى. والوجه الثالث: قوله ~~في نسقها: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} وهذا الفصل ~~يدل من وجهين على سقوط الترتيب: أحدهما: نفيه الحرج, وهو الضيق فيما تعبدنا ~~به من الطهارة, وفي إيجاب الترتيب إثبات للحرج ونفي التوسعة. والثاني: ~~قوله: {ولكن يريد ليطهركم} فأخبر أن مراده حصول الطهارة بغسل هذه الأعضاء, ~~ووجود ذلك مع عدم الترتيب كهو مع وجوده; إذ كان مراد الله تعالى الغسل. # فإن قيل على الفصل الأول: نحن نسلم لك أن "الواو" لا توجب الترتيب, ولكن ~~الآية قد اقتضت إيجابه من حيث كانت الفاء للتعقيب, ولا خلاف بين أهل اللغة ~~فيه, فلما قال تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} لزم بحكم اللفظ ~~أن يكون الذي يلي حال القيام إليها غسل الوجه; لأنه معطوف عليه بالفاء, ~~فلزم به تقديم غسله على سائر الأعضاء, وإذا لزم الترتيب في غسل الوجه لزم ~~في سائر الأعضاء لأن أحدا لم يفرق بينهما. قيل له: هذا غير واجب من وجهين: ~~أحدهما: أن قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} متفق على أنه ليس ms1693 المراد به حقيقة ~~اللفظ لأن الحقيقة تقتضي إيجاب الوضوء بعد القيام إلى الصلاة; لأنه جعله ~~شرطا فيه فأطلق ذكر القيام وأراد به غيره, ففيه ضمير على ما بينا فيما ~~تقدم; وما كان هذا سبيله فغير جائز استعماله إلا بقيام الدلالة عليه; إذ ~~كان مجازا; فإذا لا يصح إيجاب غسل الوجه مرتبا على المذكور في الآية لأجل ~~إدخال الفاء عليه; إذ # PageV02P452 # كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل موقوفا على الدلالة; فهذا وجه يسقط به ~~سؤال هذا السائل. والوجه الآخر: أن نسلم لهم جواز اعتبار هذا اللفظ فيما ~~يقتضيه من الترتيب, فنقول لهم: إذا ثبت أن "الواو" لا توجب الترتيب صار ~~تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا هذه الأعضاء فيصير الجميع مرتبا ~~على القيام وليس يختص به الوجه دون سائرها; إذ كانت "الواو" للجميع, فيصير ~~كأنه عطف الأعضاء كلها مجموعة بالفاء على حال القيام, فلا دلالة فيه على ~~الترتيب, بل تقتضي إسقاط الترتيب. # ويدل على سقوط الترتيب قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] ومعناه: مطهرا; فحيثما وجد ينبغي أن يكون مطهرا مستوفيا لهذه ~~الصفة التي وصفه الله بها; وموجب الترتيب قد سلبه هذه الصفة إلا مع وجود ~~معنى آخر غيره, وهذا غير جائز. ويدل عليه من جهة السنة حديث رفاعة بن رافع ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي حين علمه الصلاة وقال له: ~~"إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله" ~~ذكر الحديث; فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وضع الوضوء مواضعه ~~أجزأه, ومواضع الوضوء الأعضاء المذكورة في الآية, فأجاز الصلاة بغسلها من ~~غير ذكر الترتيب, فدل على أن غسل هذه الأعضاء يوجب كمال طهارته لوضعه ~~الوضوء مواضعه. # فإن قيل: إذا لم يرتب فلم يضع الوضوء مواضعه. قيل له: هذا غلط; لأن مواضع ~~الوضوء معلومة مذكورة في الكتاب, فعلى أي وجه حصل الغسل فقد وضع الوضوء ~~مواضعه فيجزيه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال طهارته إذا ms1694 فعل ذلك. ~~ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز طهارته لو بدأ من المرفق إلى ~~الزند, وقال تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} فلما لم يجب الترتيب فيما هو ~~مرتب في مقتضى حقيقة اللفظ فما لم يقتض اللفظ ترتيبه أحرى أن يجوز, وهذه ~~دلالة ظاهرة لا يحتاج معها إلى ذكر علة يجمعها; لأنه قد ثبت بما وصفنا أن ~~المقصد فيه ليس الترتيب; إذ لو كان كذلك لكان ما اقتضى اللفظ ترتيبه أولى ~~أن يكون مرتبا. وأيضا يجوز أن يقاس عليهما بأنهما جميعا من أعضاء الطهارة, ~~فلما سقط الترتيب في أحدهما وجب سقوطه في الآخر. وأيضا لما لم يجب الترتيب ~~بين الصلاة والزكاة, إذ كل واحدة منهما يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى, ~~كان كذلك الترتيب في الوضوء لجواز سقوط فرض غسل الرجلين لعلة بهما مع لزوم ~~فرض غسل الوجه. وأيضا لما لم يستحل جمع هذه الأعضاء في الغسل وجب أن لا يجب ~~فيها الترتيب كالصلاة والزكاة, وقد روي عن عثمان أنه توضأ فغسل وجهه ثم ~~يديه ثم غسل رجليه ثم مسح ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~توضأ. # PageV02P453 # فإن احتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: "هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به". قيل له: ليس في هذا الخبر ذكر ~~الترتيب وإنما هو حديث زيد العمي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة ~~إلا به" ثم توضأ مرتين مرتين, وذكر الحديث, فلم يذكر فيه أنه فعله مرتبا; ~~وليس يمتنع أن يكون قد بدأ بالذراعين قبل الوجه أو بمسح الرأس قبله, ومن ~~ادعى أنه فعله مرتبا لم يمكنه إثباته إلا برواية. # فإن قيل: كيف يجوز أن يتأول عليه ترك الترتيب مع قولك إن المستحب فعله ~~مرتبا؟ قيل له جائز أن يترك المستحب إلى غيره مما هو مباح, ومع ذلك ms1695 فيجوز ~~أن يكون فعله غير مرتب على وجه التعليم, كما أنه أخر المغرب في حال على وجه ~~التعليم والمستحب تقديمها في سائر الأوقات. # فإن قيل: فإن لم يكن فعله مرتبا فواجب أن يكون فعله غير مرتب واجبا, ~~لقوله: "هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به". قيل له: لو قبلنا ذلك ~~وقلنا مع ذلك إن اللفظ يقتضي وجوب فعله على ما أشار به إليه من عدم ترتيب ~~الفعل لكنا أجزناه مرتبا بدلالة تسقط سؤالك, ولكنا نقول إن قوله: "هذا ~~وضوء" إنما هو إشارة إلى الغسل دون الترتيب, فلذلك لم يكن للترتيب فيه ~~مدخل. # فإن احتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا وقال: "نبدأ ~~بما بدأ الله به" وذلك عموم في ترتيب الحكم به واللفظ جميعا. قيل له: هذا ~~يدل على أن "الواو" لا توجب الترتيب; لأنها لو كانت توجبه لما احتاج إلى ~~تعريفه الحاضرين وهم أهل اللسان, ولا دلالة فيه مع ذلك على وجوب الترتيب في ~~الصفا والمروة فكيف به في غيره لأن أكثر ما فيه أنه إخبار عما يريد فعله من ~~التبدئة بالصفا, وإخباره عما يريد فعله لا يقتضي وجوبا, كما أن فعله لا ~~يقتضي الإيجاب; وعلى أنه لو اقتضى الإيجاب لكان حكمه مقصورا على ما أخبر به ~~وفعله دون غيره. # فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: "نبدأ بما بدأ الله به" إخبار بأن ما ~~بدأ الله به في اللفظ فهو مبدو به في المعنى, لولا ذلك لم يقل: "نبدأ بما ~~بدأ الله به" إنما أراد التبدئة به في الفعل, فتضمن ذلك إخبارا بأن الله قد ~~بدأ به في الحكم من حيث بدأ به في اللفظ. قيل له: ليس هذا كما ظننت, من قبل ~~أنه يجوز أن يقول: نبدأ بالفعل فيما بدأ الله به في اللفظ, فيكون كلاما ~~صحيحا مفيدا. وأيضا لا يمتنع عندنا أن يريد بترتيب اللفظ ترتيب الفعل, إلا ~~أنه لا يجوز إيجابه إلا بدلالة, ألا ترى أن "ثم" حقيقتها ms1696 التراخي, وقد ترد ~~وتكون في معنى "الواو" كقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 17] ~~ومعناه: وكان من الذين # PageV02P454 # آمنوا; وقوله تعالى: {ثم الله شهيد} [يونس:46] ومعناه: والله شهيد; وكما ~~تجيء "أو" بمعنى "الواو" كقوله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما} [النساء: 135] ومعناه: إن يكن غنيا وفقيرا; فكذلك لا يمتنع أن يريد ~~بالواو الترتيب فتكون مجازا ولا يجوز حملها عليه إلا بدلالة. # PageV02P455 # مطلب: في جواب ابن عباس السائل عن تقديم العمرة على الحج # فإن قيل: سئل ابن عباس وقيل له: كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله سبحانه ~~يقول: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] فقال: كيف تقرءون الدين قبل ~~الوصية أو الوصية قبل الدين؟ قالوا: الوصية, قال: فبأيهما تبدءون؟ قالوا: ~~بالدين, قال: فهو ذاك. فلولا أن في لسانهم الترتيب في الفعل على حسب وجوده ~~في اللفظ لما سألوه عن ذلك. قيل له: كيف يحتج بقول هذا السائل وهو قد جهل ~~ما فيه الترتيب بلا خلاف بين أهل اللغة فيه, وهو قوله {فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج} [البقرة: 196] وهذا اللفظ لا محالة يوجب ترتيب فعل الحج على ~~العمرة وتقديمها عليه, فمن جهل هذا لم ينكر منه الجهل بحكم اللفظ في قوله ~~تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] وما يدري هذا القائل أن ~~هذا السائل كان من أهل اللغة, وعسى أن يكون ممن أسلم من العجم ولم يكن من ~~أهل المعرفة باللسان; وأيهما أولى قول ابن عباس في أن ترتيب اللفظ لا يوجب ~~ترتيب الفعل, أو قول هذا السائل؟ فلو لم يكن في إسقاط قول القائلين ~~بالترتيب إلا قول ابن عباس لكان كافيا مغنيا. # فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ابدءوا بما بدأ ~~الله به" , وقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ~~[القيامة: 17, 18] فقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به" أمر يقتضي التبدئة بما ~~بدأ الله به في اللفظ والحكم, وقوله عز وجل: {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] ~~لزوم في عموم اتباعه مرتبا إذا ms1697 ورد اللفظ كذلك. قيل له: أما قوله: "ابدءوا ~~بما بدأ الله به" فإنما ورد في شأن الصفا والمروة, فذكر بعضهم القصة على ~~وجهها, وحفظ بعضهم ذكر السبب واقتصر على قوله صلى الله عليه وسلم: "ابدءوا ~~بما بدأ الله به" , وغير جائز لنا أن نجعلهما حديثين ونثبت من النبي صلى ~~الله عليه وسلم القول في حالين إلا بدلالة توجب ذلك. وأيضا فنحن نبدأ بما ~~بدأ الله به, وإنما الكلام بيننا وبين مخالفينا في مراد الله من التبدئة ~~بالفعل إذا بدأ به في اللفظ, فالواجب أن نثبت أن الله قد أراد ترتيب الحكم ~~حتى نبدأ به. وكذلك الجواب في قوله: {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] لأن اتباع ~~قرآنه أن نبدأ به على ترتيبه ونظامه, وواجب أن نبدأ بحكم القرآن على حسب ~~مراده من ترتيب أو # PageV02P455 # جمع وغيره; وأنت متى أوجبت الترتيب فيما لا يقتضي المراد ترتيبه فلم تتبع ~~قرآنه, وترتيب اللفظ لا يوجب ترتيب الفعل. # فإن قيل: إذا كان القرآن اسما للتأليف والحكم جميعا فواجب علينا اتباعه ~~في الأمرين. قيل له: القرآن اسم للمتلو حكما كان أو خبرا, فعلينا اتباعه في ~~تلاوته; فأما مراد ترتيب الفعل على ترتيب اللفظ فإن المرجع فيه إلى مقتضى ~~اللغة وليس في اللغة إيجاب ترتيب الفعل على ترتيب اللفظ في المأمور به, ألا ~~ترى أن كثيرا من القرآن قد نزل بأحكام ثم نزلت بعده أحكام أخر ولم يوجب ~~تقديم تلاوته تقديم فعله على ما نزل بعده؟ وقد علمنا أنه غير جائز تغيير ~~نظم القرآن والسور والآي عما هي عليه, وليس يوجب ذلك ترتيب الأحكام ~~المذكورة فيها حسب ترتيب التلاوة, فبان بذلك سقوط هذا السؤال. # فإن قيل: قد أثبت الترتيب بالواو في قول الرجل لامرأته: "أنت طالق وطالق ~~وطالق" قبل الدخول بها, فأثبتها بالأولى ولم توقع الثانية والثالثة, فجعلت" ~~الواو" مرتبة بحكم اللفظ, فكذلك قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} يلزمك إيجاب ~~الترتيب في غسل هذه الأعضاء حسب ما في نظام التلاوة من الترتيب. قيل له: لم ~~نوقع الأولى قبل الثانية في ms1698 مسألة الطلاق لما ذكرت من كون "الواو" مقتضية ~~للترتيب, وإنما أوقعنا الأولى قبل الثانية لأنه أوقعها غير معلقة بشرط ولا ~~مضافة إلى وقت, وحكم الطلاق إذا حصل هكذا أن يقع غير منتظر به حال أخرى, ~~فلما وقعت الأولى لأنه قد بدأ بها في اللفظ ثم أوقع الثانية صادفتها ~~الثانية وليست هي بزوجة فلم تلحقها; وأما قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} فلم ~~يقع به غسل الوجه قبل اليد ولا اليد قبل المسح; لأن غسل بعض هذه الأعضاء لا ~~يغني ولا يتعلق به حكم إلا بغسل الجميع, فصار غسل الجميع موجبا معا بحكم ~~اللفظ, فلم يقتض اللفظ الترتيب, ألا ترى أنه لو علق الطلاق الأول والثاني ~~والثالث بشرط فقال: "أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار" لم يقع منه شيء ~~إلا بالدخول؟ لأنه شرط في كل واحدة ما شرطه في الأخرى من الدخول, كما شرط ~~في غسل كل واحد من الأعضاء غسل الأعضاء الأخر; ولا يختلف أهل العلم في رجل ~~قال لامرأته: "إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق" فدخلت الثانية ثم ~~الأولى أنها تطلق, ولم يكن قوله: "هذه وهذه" موجبا لتقديم الأولى في الشرط ~~الذي علق به وقوع الطلاق. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه" و ~~"ثم" تقتضي الترتيب بلا خلاف. قيل له: لا يخلو قائل ذلك من أن يكون متكذبا ~~أو جاهلا, وأكثر ظني أن قائله # PageV02P456 # فيه متكذب وقد تعمد ذلك; لأن هذا إنما هو حديث علي بن يحيى بن خلاد عن ~~أبيه عن عمه رفاعة بن رافع, وقد روي من طرق كثيرة وليس في شيء منها ما ذكر ~~من الترتيب وعطف الأعضاء بعضها على بعض ب "ثم" وإنما أكثر ما فيه: "يغسل ~~وجهه ويديه ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين" وقال في بعضها: "حتى يضع ~~الطهور مواضعه" وذلك يقتضي جواز ترك الترتيب, وأما عطفه ب "ثم" فما ms1699 رواه ~~أحد ولا ذكره بإسناد ضعيف ولا قوي. وعلى أنه لو روي ذلك في الحديث لم يجز ~~الاعتراض به على القرآن في إثبات الزيادة فيه وإيجاب نسخه, فإذ قد ثبت أنه ~~ليس في القرآن إيجاب الترتيب فغير جائز إثباته بخبر الواحد لما وصفنا # PageV02P457 # باب الغسل من الجنابة # قال الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} قال أبو بكر: الجنابة اسم شرعي ~~يفيد لزوم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلا بعد ~~الاغتسال فمن كان مأمورا باجتناب ما ذكرنا من الأمور موقوف الحكم على ~~الاغتسال فهو جنب, وذلك إنما يكون بالإنزال على وجه الدفق والشهوة أو ~~الإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان, ويستوي فيه الفاعل والمفعول به. ~~وينفصل حكم الجنابة من حكم الحيض والنفاس وإن كان الحيض والنفاس يحظران ما ~~تحظره الجنابة مما قدمنا, بأن الحيض والنفاس يحظران الوطء أيضا, ووجود ~~الغسل لا يطهرهما أيضا ما دامت حائضا أو نفساء, والغسل يطهر الجنب ولا تحظر ~~عليه الجنابة الوطء. وإنما سمي جنبا لما لزم من اجتناب ما وصفنا إلى أن ~~يغتسل فيطهره الغسل. والجنب اسم يطلق على الواحد وعلى الجماعة, وذلك لأنه ~~مصدر, كما قالوا" رجل عدل وقوم عدل" و" رجل زور وقول زور" من الزيارة, ~~وتقول منه: "أجنب الرجل وتجنب واجتنب" والمصدر الجنابة والاجتناب; فالجنابة ~~المذكورة في هذا الموضع هي البعد والاجتناب لما وصفنا. وقال الله تعالى: ~~{والجار الجنب والصاحب بالجنب} [النساء: 36] يعني: البعيد منه نسبا; فصارت ~~الجنابة في الشرح اسما للزوم اجتناب ما وصفنا من الأمور, وأصله التباعد عن ~~الشيء, وهو مثل الصوم قد صار اسما في الشرع للإمساك عن أشياء معلومة وقد ~~كان أصله في اللغة الإمساك فقط واختص في الشرع بما قد علم وقوعه عليه, ~~ونظائره من الأسماء الشرعية المنقولة من اللغة إليها, فكان المعقول بها ما ~~استقرت عليه أحكامها في الشرع; فأوجب الله تعالى على من حصلت له هذه السمة ~~الطهارة بقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقوله في آية أخرى: {لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى ms1700 تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا} . وقال: {وينزل عليكم من # PageV02P457 # السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11] روي أنهم ~~أصابتهم جنابة, فأنزل الله مطرا فأزالوا به أثر الاحتلام. والمفروض من غسل ~~الجنابة إيصال الماء بالغسل إلى كل موضع يلحقه حكم التطهير من بدنه, لعموم ~~قوله: {فاطهروا} . # وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسنون الغسل, فيما حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنا محمد بن مسدد قال: ~~حدثنا عبد الله بن داود عن الأعمش عن سالم عن كريب قال: حدثنا ابن عباس عن ~~خالته ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا1 يغتسل من الجنابة, ~~فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا, ثم صب على فرجه ~~بشماله, ثم ضرب بيده الأرض فغسلها, ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه, ثم ~~صب على رأسه وجسده, ثم تنحى ناحية فغسل رجليه, فناولته المنديل فلم يأخذه ~~وجعل ينفض الماء عن جسده وكذلك الغسل من الجنابة عند أصحابنا. والوضوء ليس ~~بفرض في الجنابة, لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وإذا اغتسل فقد ~~تطهر وقضى عهدة الآية. وقال تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~[النساء: 43] إلى قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: ~~43] فأباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء; فمن شرط في صحته مع وجود الغسل ~~وضوءا فقد زاد في الآية ما ليس فيها, وذلك غير جائز لما بينا فيما سلف. # فإن قيل: قال الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, ~~وذلك عموم في سائر من قام إليها. قيل له: فالجنب حين غسل سائر جسده فهو ~~غاسل لهذه الأعضاء فقد قضى عهدة الآية لأنه متوضئ مغتسل, فهو إن لم يفرد ~~الوضوء قبل الاغتسال فقد أتى بالغسل على الوضوء لأنه أعم منه. # فإن قيل: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل الغسل. قيل له: هذا يدل على ~~أنه مستحب مندوب إليه; لأن ظاهر فعله لا يقتضي الإيجاب. ms1701 # واختلف الفقهاء في وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة, فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والثوري: "هما فرض فيه". وقال مالك ~~والشافعي: "ليسا بفرض فيه". وقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} عموم في ~~إيجاب تطهير سائر ما يلحقه حكم التطهير من البدن, فلا يجوز ترك شيء منه. ~~فإن قيل: من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى متطهرا فقد فعل ما أوجبته ~~الآية. قيل له: إنما يكون مطهرا لبعض جسده, وعموم الآية يقتضي تطهير ~~PageV02P458 # الجميع, فلا يكون بتطهير البعض فاعلا لموجب عموم اللفظ, ألا ترى أن قوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] عموم في سائرهم وإن كان الاسم قد ~~يتناول ثلاثة منهم؟ كذلك ما وصفنا ولما لم يجز لأحد أن يقتصر من حكم آية ~~قتال المشركين على ثلاثة منهم; لأن الاسم يتناولهم; إذ كان العموم شاملا ~~للجميع, فكذلك قوله تعالى: {فاطهروا} عموم في سائر البدن فلا يجوز الاقتصار ~~على بعضه. # PageV02P459 # مطلب: يجب استعمال الآيتين على أعمهما حكما وأكثرهما فائدة # فإن قيل: قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ~~يقتضي جوازه مع تركها لوقوع اسم المغتسل عليه. قيل له: إذا كان قوله: ~~{فاطهروا} يقتضي تطهير داخل الفم والأنف فالواجب علينا استعمال الآيتين على ~~أعمهما حكما وأكثرهما فائدة, وغير جائز الاقتصار بهما على أخصهما حكما; إذ ~~فيه تخصيص بغير دلالة; ألا ترى أن من تمضمض واستنشق يسمى مغتسلا أيضا؟ فليس ~~في ذكره الاغتسال نفي لمقتضى قوله عز وجل: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} . ويدل ~~عليه من جهة السنة حديث الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة ~~فبلوا الشعر وأنقوا البشرة". وروى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان ~~عن علي, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة ~~لم يغسلها فعل بها كذا وكذا من النار" قال علي: فمن ثم عاديت شعري. وحدثنا ~~عبد ms1702 الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر وأحمد بن عبد الله بن ~~سابور والعمري قالوا: حدثنا بركة بن محمد الحلبي قال: حدثنا يوسف بن أسباط ~~عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة. وأما قوله: "تحت ~~كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" ففيه الدلالة من وجهين على ما ~~ذكرنا, أحدهما: أن الأنف فيه شعر وبشرة والفم فيه بشرة فاقتضى الخبر وجوب ~~غسلهما, وحديث علي أيضا يوجب غسل داخل الأنف لأن فيه شعرا. # فإن قيل: إن العين قد يكون فيها شعر. قيل له: هو شاذ نادر, والأحكام إنما ~~تتعلق بالأعم الأكثر, ولا حكم للشاذ النادر فيها; وعلى أنا خصصناه ~~بالإجماع, ومع ذلك فإن الكلام في وجه دلالة التخصيص خروج عن المسألة, ~~والعموم سالم لنا فيما لم تقم دلالة خصوصه. # فإن قيل: إن ابن عمر كان يدخل الماء عينيه في الجنابة. قيل له: لم يكن ~~يفعله على وجه الوجوب, وقد كان مصعبا على نفسه في أمر الطهارة يفعل فيها ما ~~لا يراه # PageV02P459 # واجبا, قد كان يتوضأ لكل صلاة ويفعل أشياء على وجه الاحتياط لا على وجه ~~الوجوب; وحديث يوسف بن أسباط الذي ذكرنا فيه نص على إيجابها فرضا. # فإن قيل: ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث فرضا, وأنت لا ~~تقول به. قيل: ظاهره يقتضي كون الثلاث فرضا, وقد قامت الدلالة على سقوط فرض ~~الاثنين وبقي حكم اللفظ فيما وراءه; ويدل عليه من جهة النظر أن المفروض في ~~غسل الجنابة غسل الظاهر والباطن مما يلحقه حكم التطهير, بدلالة أن عليه ~~إبلاغ الماء أصول الشعر لأنها يلحقها حكم التطهير لو أصابتها نجاسة, فكذلك ~~يلزمه تطهير داخل الفم والأنف لهذه العلة فإن قيل فيجب على هذا غسل داخل ~~العينين لهذه العلة. # قيل له: لو أصاب داخل عينيه نجاسة لم يلزمه تطهيرها, هكذا كان يقول أبو ~~الحسن; وأيضا فليس في داخل العينين ms1703 بشرة, وإنما يلزم في الجنابة تطهير ~~البشرة. # فإن قيل: لما كان داخل العينين باطنا ولم يلزم تطهيره وجب أن يكون كذلك ~~حكم داخل الأنف والفم. قيل له: وكيف صار1 داخل العينين باطنا؟ فإن أردت به ~~أنه ينطبق عليهما الجفن, فذلك موجود في الإبطين لأنهما ينطبق عليهما العضد ~~ولا خلاف في لزوم تطهيرهما في الجنابة. ولا يلزمنا إيجاب المضمضة ~~والاستنشاق في الوضوء لأجل إيجابنا لهما في الجنابة وذلك لأن الآية في ~~إيجاب الوضوء إنما اقتضت غسل الوجه, والوجه هو ما واجهك, فلم يتناول داخل ~~الأنف والفم, والآية في غسل الجنابة قد أوجبت تطهير سائر البدن من غير ~~خصوص, فاستعملنا الآيتين على ما وردتا. والفرق أيضا بينهما من جهة النظر أن ~~الواجب في الوضوء غسل الظاهر دون الباطن, بدلالة أنه لا يلزمنا فيه إبلاغ ~~الماء أصول الشعر; فلذلك لم يلزم تطهير الفم وداخل الأنف, وفي الجنابة عليه ~~غسل الباطن من البشرة بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر; وبهذا نجيب ~~عن قوله صلى الله عليه وسلم "عشر من الفطرة خمس في الرأس, وخمس في البدن" ~~فذكر في الرأس المضمضة والاستنشاق, فنحمله على أنه مسنون في الطهارة الصغرى ~~ونفرق بينه وبين الجنابة بما ذكرنا; والله أعلم PageV02P460 # باب التيمم # قال الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو # PageV02P460 # لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فتضمنت الآية بيان حكم ~~المريض الذي يخاف ضرر استعمال الماء, وحكم المسافر الذي لا يجد الماء إذا ~~كان جنبا أو محدثا; لأن قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فيه بيان ~~حكم الحدث; لأن الغائط هو اسم للمنخفض من الأرض, وكانوا يقضون الحاجة هناك, ~~فجعل ذلك كناية عن الحدث. وقوله: {أو لامستم النساء} مفيد لحكم الجنابة في ~~حال عدم الماء لما يستدل عليه إن شاء الله تعالى. # وقد دل ظاهر قوله: {وإن كنتم مرضى} على إباحة التيمم لسائر المرضى بحق ~~العموم, لولا قيام الدلالة على أن المراد بعض المرضى; فروي ms1704 عن ابن عباس ~~وجماعة من التابعين: "أنه المجدور ومن يضره الماء" ولا خلاف مع ذلك أن ~~المريض الذي لا يضره استعمال الماء لا يباح له التيمم مع وجود الماء. ~~وإباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء على ~~ما بينا, وذلك لأنه تعالى قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} فأباح التيمم للمريض من ~~غير شرط عدم الماء, وعدم الماء إنما هو مشروط للمسافر دون المريض, من قبل ~~أنه لو جعل عدم الماء شرطا في إباحة التيمم للمريض لأدى ذلك إلى إسقاط ~~فائدة ذكر المريض; لأن العلة المبيحة للتيمم وجواز الصلاة به في المريض ~~والمسافر لو كانت عدم الماء لما كان لذكر المريض مع ذكر عدم الماء فائدة; ~~إذ لا تأثير للمرض في إباحة التيمم ولا منعه; إذ كان الحكم متعلقا بعدم ~~الماء.. # فإن قيل: إذا جاز أن يذكر حال السفر مع عدم الماء وإن كان جواز التيمم ~~متعلقا بعدم الماء دون السفر; إذ لو كان واجدا للماء لما أجزأه التيمم, لم ~~يمتنع أن تكون إباحة التيمم للمريض موقوفة على حال عدم الماء. قيل له: إنما ~~ذكر المسافر لأن الماء إنما يعدم في السفر في الأعم الأكثر, فإنما ذكر ~~السفر إبانة عن الحال التي يعدم الماء فيها في الأعم الأكثر, كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: "لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين" وليس المقصد فيه أن ~~يأويه الجرين فحسب لأنه لو آواه بيت أو دار كان ذلك كذلك, وإنما مراده بلوغ ~~حال الاستحكام وامتناع إسراع الفساد إليه وإيواء الحرز, لأن الجرين الذي ~~يأويه حرز وكما قال: "في خمس وعشرين بنت مخاض" ولم يرد به وجود المخاض ~~بأمها, وإنما أراد به أنه قد أتى عليها حول وصارت في الثاني; لأنها إذا ~~كانت كذلك كان بأمها مخاض في الأعم الأكثر, فكان فائدة ذكر المسافر مع شرط ~~عدم الماء ما وصفنا. وليس كذلك المريض ms1705 لأن المريض لا تعلق له بعدم الماء, ~~فعلمنا أن مراده ما يلحق من الضرر باستعمال الماء. وعموم اللفظ يقتضي جواز ~~التيمم للمريض في كل حال لولا ما روي عن السلف واتفاق الفقهاء عليه من أن ~~المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء لا يبيح له # PageV02P461 # التيمم, ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة ومحمد: "ومن خاف برد الماء إن اغتسل ~~جاز له التيمم لما يخاف من الضرر". وقد روي في حديث عمرو بن العاص أنه تيمم ~~مع وجود الماء لخوف البرد, فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره. وقد ~~اتفقوا على جوازه في السفر مع وجود الماء لخوف البرد, فوجب أن يكون الحضر ~~مثله لوجود العلة المبيحة له; وكما لم يختلف حكم المرض في السفر والحضر ~~كذلك حكم خوف ضرر الماء لأجل البرد. # وقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فإن "أو" ههنا بمعنى "الواو", ~~تقديره: وإن كنتم مرضى أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط وذلك راجع إلى ~~المريض والمسافر إذا كانا محدثين ولزمهما فرض الصلاة, وإنما قلنا إن قوله ~~{أو جاء أحد منكم من الغائط} بمعنى "الواو" لأنه لو لم يكن كذلك لكان ~~الجائي من الغائط ثالثا لهما غير المريض والمسافر, فلا يكون حينئذ وجوب ~~الطهارة على المريض والمسافر متعلقا بالحدث; ومعلوم أن المريض والمسافر لا ~~يلزمهما التيمم إلا أن يكونا محدثين, فوجب أن يكون قوله تعالى: {أو جاء أحد ~~منكم من الغائط} بمعنى: وجاء أحدكم, كقوله: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون} [الصافات:147] معناه: ويزيدون, وكقوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا ~~فالله أولى بهما} [النساء: 135] ومعناه: غنيا وفقيرا. # وأما قوله تعالى: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا} فإن ~~السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة المذكورة في هذه الآية, فقال علي وابن ~~عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: "هي كناية عن الجماع" وكانوا لا ~~يوجبون الوضوء لمن مس امرأته. وقال عمر وعبد الله بن مسعود: "المراد اللمس ~~باليد" وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا ms1706 يريان للجنب أن يتيمم. فمن ~~تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة, ومن حمله على ~~اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم يجز التيمم للجنب. واختلف ~~الفقهاء في ذلك أيضا, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري ~~والأوزاعي: "لا وضوء على من مس امرأة لشهوة مسها أو لغير شهوة". وقال مالك: ~~"إن مسها لشهوة تلذذا فعليه الوضوء وكذلك إن مسته تلذذا فعليها الوضوء", ~~وقال: "إن مس شعرها تلذذا فعليه الوضوء وإذا قال لها شعرك طالق طلقت". وقال ~~الحسن بن صالح: "إن قبل لشهوة فعليه الوضوء وإن كان لغير شهوة فلا وضوء ~~عليه". وقال الليث: "إن مسها فوق الثياب تلذذا فعليه الوضوء". وقال ~~الشافعي: "إذا مس جسدها فعليه الوضوء لشهوة أو لغير شهوة". # والدليل على أن لمسها ليس بحدث على أي وجه كان, ما روي عن عائشة من طرق ~~مختلفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا ~~يتوضأ, كما روي: أنه # PageV02P462 # كان يقبل بعض نسائه وهو صائم. وقد روي الأمران جميعا في حديث واحد. ولا ~~يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها لوجهين: أحدهما: أنه لا يجوز أن يحمل ~~اللفظ على المجاز بغير دلالة; إذ حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها, ~~وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها. والثاني: أنه لا فائدة في نقله. وأيضا ~~فإنه لم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم من الوحشة وبين أزواجه ما يوجب ~~أن يكن مستورات عنه لا يصيب منها إلا الخمار. ومن حديث عائشة أنها طلبت ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة, قالت: فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد ~~يقول: "أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك". فلو كان مس المرأة حدثا لما ~~مضى في سجوده لأن المحدث لا يجوز له أن يبقى على حال السجود. وحديث أبي ~~قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي ~~العاص, فإذا سجد وضعها, وإذا رفع رأسه ms1707 حملها; ومعلوم أن من فعل ذلك لا يخلو ~~من وقوع يده على شيء من بدنها, فثبت بذلك أن مس المرأة ليس بحدث. وهذه ~~الأخبار حجة على من يجعل اللمس حدثا لشهوة أو لغير شهوة, ولا يحتج بها على ~~من اعتبر اللمس لشهوة; لأنه حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لشهوة, ومسه أمامة قد علم يقينا أنه ~~لم يكن لشهوة. # والذي يحتج به على الفريقين أنه معلوم عموم البلوى بمس النساء لشهوة, ~~والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما, فلو كان حدثا لما أخلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من التوقيف عليه لعموم البلوى به وحاجتهم ~~إلى معرفة حكمه, ولا جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى بعضهم دون بعض; ~~فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة; فلما روي عن الجماعة الذين ذكرناهم ~~من الصحابة أنه لا وضوء فيه, دل على أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم ~~توقيف لهم عليه, وعلم أنه لا وضوء فيه. # فإن قيل: يلزمك مثله لخصمك لأنه يقول: لو لم يكن فيه وضوء لكان من النبي ~~صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه; لأنه لا وضوء فيه لعموم البلوى به. ~~قيل له: لا يجب ذلك في نفي الوضوء منه كما يجب في إثباته; وذلك لأنه معلوم ~~أن الوضوء منه لم يكن واجبا في الأصل, فجائز أن يتركهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ما كان معلوما عندهم من نفي وجوب الطهارة, ومتى شرع الله تعالى ~~فيه إيجاب الوضوء فغير جائز أن يتركهم بغير توقيف عليه مع علمه بما كانوا ~~عليه من نفي إيجابه; لأن ذلك يوجب إقرارهم على خلاف ما تعبدوا به, فلما ~~وجدنا قوما من جلة الصحابة لم يعرفوا الوضوء من مس المرأة علمنا أنه لم يكن ~~منه توقيف على ذلك. # فإن قيل جائز أن لا يكون منه توقيف في حال ذلك اكتفاء بما في ظاهر # PageV02P463 # الكتاب من قوله تعالى: {أو لامستم النساء} ms1708 وحقيقته هو اللمس باليد ~~وبغيرها من الجسد. قيل له: ليس في الآية نص على أحد المعنيين, بل فيهما ~~احتمال لكل واحد منهما; ولأجل ذلك اختلفوا في معناها وسوغوا الاجتهاد في ~~طلب المراد بها; فليس إذا فيها توقيف في إيجاب الوضوء مع عموم الحاجة إليه. ~~وأيضا اللمس يحتمل الجماع على ما تأوله علي وابن عباس وأبو موسى, ويحتمل ~~اللمس باليد على ما روي عن عمر وابن مسعود; فلما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ, أبان ذلك عن مراد الله ~~تعالى. ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع وهو أن اللمس وإن كان حقيقة ~~للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء, ~~كما أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير ~~الجماع, كذلك هذا; ونظيره قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} ~~[البقرة: 237] يعني: من قبل أن تجامعوهن. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة, ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنما صدر عن الكتاب, كما أنه ~~لما قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولا بالآية, وكسائر ~~الشرائع التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مما ينطوي عليه ظاهر الكتاب. ~~وإذا ثبت أن المراد باللمس الجماع انتفى منه مس اليد من وجوه: أحدها: اتفاق ~~السلف من الصدر الأول أن المراد أحدهما لأن عليا وابن عباس وأبا موسى لما ~~تأولوه على الجماع لم يوجبوا نقض الطهارة بلمس اليد, وعمر وابن مسعود لما ~~تأولاه على اللمس لم يجيزا للجنب التيمم, فاتفق الجميع منهم على أن المراد ~~أحدهما. ومن قال إن المراد هما جميعا فقد خرج عن اتفاقهم وخالف إجماعهم في ~~أن المراد أحدهما. وما روي عن ابن عمر أن قبلة الرجل لامرأته من الملامسة, ~~فلا دلالة فيه على أنه كان يرى المعنيين جميعا ms1709 مرادين بالآية, بل كان مذهبه ~~في ذلك مذهب عمر وابن مسعود; فبين في هذا الخبر بأن اللمس ليس بمقصور على ~~اليد وإنما يكون أيضا بالقبلة وبغيره من المعانقة والمضاجعة ونحوها. ووجه ~~آخر يدل على أنه لا يجوز أن يرادا جميعا بالآية, وهو أن اللمس باليد إنما ~~يوجب الوضوء عند مخالفينا, والجماع يوجب الغسل, وغير جائز أن يتعلق بعموم ~~واحد حكمان مختلفان فيما انتظمه; ألا ترى إلى قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] لما كان لفظ عموم لم يجز أن ينتظم السارقين لا ~~يقطع أحدهما إلا في عشرة ويقطع الآخر في خمسة؟ وإذا ثبت أن الجماع مراد بما ~~وصفنا وهو يوجب الغسل انتفى دخول اللمس باليد فيه. # فإن قيل: لم يختلف حكم موجب اللفظ في إرادته الجماع واللمس باليد لأن ~~الواجب فيهما التيمم المذكور في الآية. قيل له: التيمم بدل والأصل هو ~~الطهارة بالماء, # PageV02P464 # ومحال إيجاب التيمم إلا وقد وجب قبل ذلك الطهارة بالماء وهو بدل فيها, ~~فغير جائز أن يكون اللمس المذكور موجبا للوضوء في إحدى الحالتين وموجبا ~~للغسل في أخرى. وأيضا فإن التيمم وإن كان بصورة واحدة فإن حكمه مختلف; لأن ~~أحدهما ينوب عن غسل جميع الأعضاء والآخر عن غسل بعضها, فغير جائز أن ~~ينتظمهما لفظ واحد, فمتى وجب لأحد المعنيين فكأنه قد نص عليه وذكره بأن قال ~~هو الجماع فلا يدخل فيه اللمس باليد. ويدل على انتفاء إرادتهما أن اللمس ~~متى أريد به الجماع كان اللفظ كناية, وإذا أريد منه اللمس باليد كان صريحا; ~~وكذلك روي عن علي وابن عباس أنهما قالا: "اللمس هو الجماع ولكنه كني" وغير ~~جائز أن يكون لفظ واحد كناية صريحا في حال واحدة. # ومن جهة أخرى يمتنع ذلك, وهو أن الجماع مجاز والحقيقة هي اللمس باليد, ~~ولا يجوز أن يكون لفظ واحد حقيقة مجازا في حال واحدة. فإن قيل: لم لا يكون ~~عموما في اللمس من حيث كان الجماع أيضا مسا ويكون حقيقة فيهما جميعا؟ قيل ~~له: يمتنع ذلك من وجوه: أحدها: أنه قد ms1710 روي عن علي وابن عباس أنه كناية عن ~~الجماع, وهما أعلم باللغة من هذا القائل, فبطل قول القائل إن اللمس صريح ~~فيهما جميعا. والآخر: ما بينا من امتناع عموم واحد مقتضيا لحكمين مختلفين ~~فيما دخلا فيه ولأن اللمس إذا أريد به مماسة في الجسد فقد حصل نقض الطهارة ~~ووجب التيمم المذكور في الآية بمسه إياها قبل حصول الجماع لاستحالة أن يحصل ~~جماع إلا ويحصل قبله لمس لجسدها, فلا يكون الجماع حينئذ موجبا للتيمم ~~المذكور في الآية لوجوبه قبل ذلك بمس جسدها. ويدل على أن المراد الجماع دون ~~لمس اليد أن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى ~~قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} أبان به عن حكم الحدث في حال وجود الماء, ثم ~~عطف عليه قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} إلى قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا} ~~فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء, فوجب أن يكون قوله: {أو لامستم ~~النساء} على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما مبينة لحكمهما في حال وجود ~~الماء وعدمه, ولو كان المراد اللمس باليد لكان ذكر التيمم مقصورا على حال ~~الحدث دون الجنابة غير مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء, وحمل الآية على ~~فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة; وإذا ثبت أن المراد الجماع ~~انتفى اللمس باليد, لما بينا من امتناع إرادتهما بلفظ واحد. # فإن قيل: إذا حمل على اللمس باليد كان مفيدا لكون اللمس حدثا, وإذا جعل # PageV02P465 # مقصورا على الجماع لم يفد ذلك; فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين ~~حمله عليهما جميعا, ويفيد كون اللمس حدثا ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب فإن ~~لم يجز حمله على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ~~ولامتناع كون اللفظ مجازا حقيقة أو كناية وصريحا فقد ساويناك في إثبات ~~فائدة مجددة بحمله على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه, فما جعلك ~~إثبات فائدة من جهة إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون ~~اللمس باليد حدثا؟ ms1711 قيل له: لأن قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} مفيد ~~لحكم الأحداث في حال وجود الماء, ونص مع ذلك على حكم الجنابة فالأولى أن ~~يكون ما في نسق الآية من قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} إلى قوله: {أو ~~لامستم النساء} بيانا لحكم الحدث والجنابة في حال عدم الماء كما كان في أول ~~الآية بيانا لحكمهما في حال وجوده, وليس موضوع الآية في بيان تفصيل الأحداث ~~وإنما هي في بيان حكمها, وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد أزلتها عن ~~مقتضاها وظاهرها; فلذلك كان ما ذكرناه أولى. ووجه آخر: وهو أن حمله على ~~الجماع يفيد معنيين: أحدهما: إباحة التيمم للجنب في حال عوز الماء, والآخر: ~~أن التقاء الختانين دون الإنزال يوجب الغسل, فكان حمله على الجماع أولى من ~~الاقتصار به على فائدة واحدة وهو كون اللمس حدثا. # PageV02P466 # مطلب: المفاعلة لا تكون من اثنين إلا في أشياء نادرة # ودليل آخر على ما ذكرنا من معنى الآية: وهو أنها قد قرئت على وجهين: {أو ~~لامستم النساء} و "لمستم", فمن قرأ: "أو لامستم" فظاهره الجماع لا غيره لأن ~~المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة, كقولهم: "قاتله الله" ~~و" جازاه وعافاه الله" ونحو ذلك, وهي أحرف معدودة لا يقاس عليها أغيارها; ~~والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين, كقولهم: "قاتله وضاربه وسالمه وصالحه" ~~ونحو ذلك, وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب حمله على الجماع الذي يكون ~~منهما جميعا; ويدل على ذلك أنك لا تقول "لامست الرجل ولامست الثوب" إذا ~~مسسته بيدك لانفرادك بالفعل, فدل على أن قوله: {أو لامستم} بمعنى: أو ~~جامعتم النساء, فيكون حقيقته الجماع; وإذا صح ذلك وكانت قراءة من قرأ: "أو ~~لمستم" يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع, وجب أن يكون ذلك محمولا على ما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا; لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم, وما ~~يحتمل معنيين فهو المتشابه, وقد أمرنا الله تعالى بحمل المتشابه على المحكم ~~ورده إليه بقوله: {هو الذي ms1712 أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} ~~[آل عمران: 7] الآية, فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه, # PageV02P466 # وذم متبع المتشابه باقتصاره على حكمه بنفسه دون رده إلى غيره بقوله: ~~{فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7] , فثبت ~~بذلك أن قوله: "أو لمستم" لما كان محتملا للمعنيين كان متشابها, وقوله: {أو ~~لامستم} لما كان مقصورا في مفهوم اللسان على معنى واحد كان محكما, فوجب أن ~~يكون معنى المتشابه مبنيا عليه. # فإن قيل: لما قرئت الآية على الوجهين اللذين ذكرت وكان أحد الوجهين لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا وهو قراءة من قرأ: {أو لامستم النساء} والوجه الآخر ~~يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع, وجب أن نجعل القراءتين كالآيتين لو ~~وردتا, إحداهما كناية عن الجماع فنستعملها فيه, والأخرى صريحة في اللمس ~~باليد خاصة فنستعملها فيه دون الجماع, ويكون كل واحد من اللفظين مستعملا ~~على مقتضاه من كناية أو صريح; إذ لا يكون لفظ واحد حقيقة مجازا ولا كناية ~~صريحا في حال واحدة, ونكون مع ذلك قد استعملنا حكم القراءتين على فائدتين ~~دون الاقتصار بهما على فائدة واحدة. قيل له: لا يجوز ذلك; لأن السلف من ~~الصدر الأول المختلفين في مراد الآية قد عرفوا القراءتين جميعا; لأن ~~القراءتين لا تكونان إلا توقيفا من الرسول للصحابة عليهما, وإذا كانوا قد ~~عرفوا القراءتين ثم لم يعتبروا هذا الاعتبار ولم يحتج بهما موجبو الوضوء من ~~اللمس علمنا بذلك بطلان هذا القول. وعلى أنهم مع ذلك لم يحملوهما على ~~المعنيين بل اتفقوا على أن المراد أحدهما, وحمله كل واحد من المختلفين على ~~معنى غير ما تأوله عليه صاحبه من جماع أو لمس بيد دون الجماع; فثبت بذلك أن ~~القراءتين على أي وجه حصلتا لم تقتضيا بمجموعهما ولا بانفراد كل واحدة ~~منهما الأمرين جميعا, ولم يجعلوهما بمنزلة الآيتين إذا وردتا, فيجب استعمال ~~كل واحدة منهما على حيالها وحملها على مقتضاها وموجبها. وكان أبو الحسن ~~الكرخي يجيب على ذلك بجواب آخر, وهو أن ms1713 سبيل القراءتين غير سبيل الآيتين ~~وذلك لأن حكم القراءتين لا يلزم معا في حال واحدة بل بقيام إحداهما مقام ~~الأخرى, ولو جعلناهما كالآيتين لوجب الجمع بينهما في القراءة وفي المصحف ~~والتعليم; لأن القراءة الأخرى بعض القرآن ولا يجوز إسقاط شيء منه, ولكان من ~~اقتصر على إحدى القراءتين مقتصرا على بعض القرآن لا على كله, وللزم من ذلك ~~أن المصاحف لم يثبت فيها جميع القرآن, وهذا خلاف ما عليه جميع المسلمين; ~~فثبت بذلك أن القراءتين ليستا كالآيتين في الحكم بل تقرآن على أن تقام ~~إحداهما مقام الأخرى لا على أن يجمع بين أحكامهما كما لا يجمع بين قراءتيه ~~وإثباتهما في المصحف معا. # ويدل على أن اللمس ليس بحدث إنما كان حدثا لا يختلف فيه الرجال والنساء, # PageV02P467 # ولو مست امرأة امرأة لم يكن حدثا كذلك مس الرجل إياها وكذلك مس الرجل ~~الرجل ليس بحدث فكذلك مس المرأة. ودلالة ذلك على ما وصفنا من وجهين: ~~أحدهما: أنا وجدنا الأحداث لا تختلف فيها الرجال والنساء, فكل ما كان حدثا ~~من الرجل فهو من المرأة حدث, وكذلك ما كان حدثا من المرأة فهو حدث من ~~الرجل, فمن فرق بين الرجل والمرأة فقوله خارج عن الأصول. ومن جهة أخرى أن ~~العلة في مس المرأة المرأة والرجل الرجل أنه مباشرة من غير جماع فلم يكن ~~حدثا, كذلك الرجل والمرأة. فإن قيل: قد أوجب أبو حنيفة الوضوء على من باشر ~~امرأته وانتشرت آلته وليس بينهما ثوب, ولا فرق بين مسها بيده وبين مسها ~~ببدنه. قيل له: لم يوجب أبو حنيفة ههنا الوضوء بالمباشرة وإنما أوجبه إذا ~~التقى الفرجان من غير إيلاج, كذلك رواه محمد عنه وذلك لأن الإنسان لا يكاد ~~يبلغ هذه الحال إلا ويخرج منه شيء وإن لم يشعر به, فلما كان الغالب في هذه ~~الحال خروج شيء منه وإن لم يشعر به أوجب الوضوء له احتياطا فحكم له بحكم ~~الحدث, كما أنه لما كان الغالب من حال النوم وجود الحدث فيه حكم له بحكم ~~الحدث; فليس ms1714 إذا في ذلك إيجاب الوضوء من اللمس, والله أعلم بالصواب. # PageV02P468 # باب وجوب التيمم عند عدم الماء # قال الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} قال أبو بكر: شرط ~~الوجود مختلف فيه, والجملة التي اتفق أصحابنا عليها أن الوجود إمكان ~~استعمال الماء الذي يكفيه لطهارته من غير ضرر فلو كان معه ماء وهو يخاف ~~العطش أو لم يجده إلا بثمن كثير تيمم, وليس عليه أن يغالي فيه إلا أن يجده ~~بثمن كما يباع بغير ضرورة فيشتريه, وإن كان أكثر من ذلك فلا يشتريه. وجعل ~~أصحابنا جميعا شرط الوجود أن يكفيه لجميع طهارته, وأما العلم بكونه في رحله ~~فمختلف فيه أنه من شرط الوجود, وسنذكره إن شاء الله. واختلف أيضا في وجوب ~~الطلب وهل يكون غير واجد قبل الطلب; وإنما قلنا إنه إذا خاف العطش ~~باستعماله للطهارة فهو غير واجد للماء المفروض به الطهارة لأنه متى خاف ~~الضرر في استعماله كان معذورا في تركه إلى التيمم كالمريض, قال الله تعالى: ~~{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} فنفى الحرج عنا, وهو ~~الضيق, وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه العطش أعظم الضيق, وقد نفاه ~~الله تعالى نفيا مطلقا; وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} [البقرة: 185] ومن العسر استعمال الماء الذي يؤديه إلى الضرر وتلف ~~النفس, ألا ترى أنه لو اضطر إلى شرب الماء وحضرته الصلاة ولا ماء معه غيره ~~أنه مأمور بشربه وترك استعماله للطهارة, فكذلك إذا خاف العطش في المستأنف ~~باستعماله؟ وروي نحو هذا القول فيمن خاف # PageV02P468 # العطش عن علي وابن عباس والحسن وعطاء. وإنما شرطنا أن يجده بثمن مثل ~~قيمته في غير الضرورة من قبل أن المقدار الفاضل عن قيمته غير مستحق عليه ~~إتلافه لأجل الطهارة; إذ لا يحصل بإزائه بدل, فكان إضاعة للمال; لأن من ~~اشترى ما يساوي درهما بعشرة دراهم فهو مضيع للتسعة, وقد نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن إضاعة المال. وأيضا لو كان على ثوبه نجاسة ولم ms1715 يجد الماء لم ~~يكن عليه قطع موضع النجاسة لأجل الصلاة, بل عليه أن يصلي فيه لأجل ما يلحقه ~~من الضرر بقطعه, فكذلك شرى الماء بثمن غال, وأما إذا وجده بثمن مثله فعليه ~~أن يشتريه ويتوضأ ولا يجزيه التيمم, من قبل أنه ليس فيه تضييع المال; إذ ~~كان يملك بإزاء ما أخرج من ماله مثله وهو الماء الذي أخذه فكان عليه شراؤه ~~والوضوء به. # وقد اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته, فقال أصحابنا ~~جميعا: "يتيمم وليس عليه استعماله, وكذلك لو كان جنبا فوجد ما يكفيه لوضوئه ~~ولا يكفيه لغسله يتيمم". وقال مالك والأوزاعي: "لا يستعمل الجنب هذا الماء ~~في الابتداء ويتيمم, فإن أحدث بعد ذلك وعنده ما يكفيه لوضوئه يتيمم أيضا". ~~وقال أصحابنا في هذه المسألة الأخيرة: "يتوضأ بهذا الماء ما لم يجد ما ~~يكفيه لغسله". وقال الشافعي: "عليه غسل ما قدر على غسله ويتيمم, لا يجزيه ~~غير ذلك". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى ~~قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا} فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين: إما ~~الماء عند وجوده أو التراب عند عدمه; لأنه أوجبه بهذه الشريطة. ولا خلاف أن ~~من فرض هذا الرجل التيمم وأن صلاته غير مجزية إلا به, فعلمنا أن هذا الماء ~~ليس هو الماء المفروض به الطهارة; إذ لو كان الماء المفروض به الطهارة ~~موجودا لم تكن صحة صلاته موقوفة على فعل التيمم منه. فإن قيل: قال الله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء} فأباح التيمم عند عدم ماء منكور, وذلك يتناول كل ~~جزء منه سواء كان كافيا لطهارته أو غير كاف, فلا يجوز التيمم مع وجوده. قيل ~~له: الدليل على فساد هذا التأويل اتفاق الجميع على أن من فرضه التيمم وإن ~~استعمل الماء, فلو كان هذا القدر من الماء مأمورا باستعماله بالآية لما ~~لزمه التيمم معه, لأن الله تعالى إنما أوجب عليه التيمم عند عدم الماء الذي ~~تصح به صلاته. # فإن قيل: فنحن لا نجيز ms1716 تيممه إلا بعد عدم هذا الماء باستعماله إياه ~~فحينئذ يتيمم. قيل له: لو كان هذا على ما ذكرت لاستغنى عن التيمم باستعمال ~~الماء الذي معه, فلما اتفقوا على أن عليه التيمم بعد استعماله ثبت أن هذا ~~الماء ليس هو المفروض به الطهارة ولا ما أبيح التيمم بعدمه. وأيضا لما كان ~~وجود هذا الماء بمنزلة عدمه في باب استباحة الصلاة به صار بمنزلة ما ليس ~~بموجود, فجاز له التيمم. وأيضا لما لم يجز الجمع بين # PageV02P469 # غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل الأخرى, لكون المسح بدلا من ~~الغسل فلم يجز الجمع بينهما, وجب أن لا يلزمه الجمع بين غسل الأعضاء ~~والتيمم لهذه العلة. وأيضا فإن التيمم لا يرفع الحدث كالمسح لا يرفع الحدث ~~عن الرجل, فلم يجز الجمع بين ما يرفع الحدث وبين ما لا يرفعه في المسح; ~~كذلك لا يجوز الجمع بين التيمم والغسل في بعض الأعضاء على أن يكونا من ~~فرضه. وأيضا فإن التيمم بدل من غسل جميع الأعضاء وغير جائز وقوعه عن بعض ~~الأعضاء دون بعض, ألا ترى أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى على أنه ~~قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها؟ فلو أوجبنا عليه غسل ما ~~يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل بعض أعضائه أو ~~جميعه, فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض ~~الأعضاء, وذلك مستحيل لأنه لا يتبعض, فلما بطل ذلك لم يبق إلا أن يقوم مقام ~~جميعها فيصير حينئذ متوضئا متيمما في الأعضاء المغسولة, وذلك محال لأن ~~الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم; فثبت أنه لا يجوز ~~اجتماعهما في الوجوب. وعلى أن الشافعي يوجب عليه غسل الوجه والذراعين بذلك ~~الماء ويتيمم مع ذلك لهذين العضوين, فيكون تيممه في هذين العضوين قائما ~~مقامهما ومقام العضوين الآخرين, فيكون قد ألزمه طهارتين في هذين العضوين, ~~فكيف يجوز أن يكون طهارة في العضوين المغسولين وهو إذا حصل ms1717 طهارة لم يرفع ~~الحدث ويكون حكم الحدث باقيا مع وجوده؟ فكيف يجوز وقوعه مع عدم رفع الحدث ~~عما وقع فيه؟. # فإن قيل: يلزمك مثله إذا قلت مثله فيما إذا غسل بعض أعضائه لأنه يلزمه ~~التيمم ويكون ذلك طهارة لجميعه. قيل له: لا يلزمنا ذلك لأنا لا نوجب عليه ~~استعماله فسقط حكمه إن استعمله, وأنت توجب استعماله كما نوجبه لو وجد ما ~~يكفيه لجميع أعضائه فكان بمنزلة من توضأ وأكمل وضوءه, فلا يجوز أن يقوم ~~التيمم مقام شيء منه. فإن قال فقد يجوز عندكم الجمع بين التيمم والوضوء ولا ~~ينافي أحدهما الآخر, وهو الذي يجد سؤر الحمار ولا يجد غيره. قيل له: إن ~~طهارته أحد هذين لا جميعهما, ولذلك أجزنا له أن يبدأ بأيهما شاء لأنه مشكوك ~~فيه عندنا فلم يسقط عنه فرض الطهارة بالشك, فإذا جمع بينهما فالمفروض ~~أحدهما, كما قالوا جميعا فيمن نسي إحدى الصلوات الخمس ولا يدري أيها هي ~~يصلي خمس صلوات حتى يصلي على اليقين, وإنما الذي عليه واحدة لا جميعها, ~~كذلك ههنا, وأنت تزعم أن المفروض هما جميعا في مسألتنا. وأيضا لما كان ~~التيمم بدلا من الماء كالصوم بدلا من الرقبة ولم يجز اجتماع بعض الرقبة ~~والصوم, وجب مثله في التيمم والماء. # PageV02P470 # فإن قيل: الصغيرة قد تجب عدتها بالشهور فإن حاضت قبل انقضائها وجب الحيض, ~~وكذلك ذات الحيض لو اعتدت بحيضة ثم يئست وجبت الشهور مع الحيضة المتقدمة. ~~قيل له: إذا طرأ عليها ما ذكرت قبل انقضاء العدة خرج ما تقدم من أن يكون ~~عدة معتدا به, وأنت لا تخرج ما غسل من أن يكون طهارة, وكذلك التيمم ودليل ~~آخر في المسألة, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور المسلم ما لم ~~يجد الماء", والدلالة من هذا قوله: "ما لم يجد الماء" فأدخل عليها الألف ~~واللام, وذلك لأحد وجهين: إما أن تكون لاستغراق الجنس أو المعهود, فإن كان ~~أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال: التراب طهور ما لم يجد ~~مياه الدنيا, وإن ms1718 كان أراد به المعهود فهو قولنا أيضا; لأنه ليس ههنا ماء ~~معهود يجوز أن ينصرف الكلام إليه غير الماء الذي يقع به كمال الطهارة, وذلك ~~لم يوجد في مسألتنا, فجاز تيممه بظاهر الخبر. # PageV02P471 # مطلب: في حكم من صلى ونسي الماء في رحله # واختلفوا في العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في الوجود أم لا; فقال ~~أبو حنيفة ومحمد: "إذا نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم وصلى أجزأه ولا ~~يعيد في الوقت ولا بعده". وقال مالك: "يعيد في الوقت ولا يعيد بعده". وقال ~~أبو يوسف والشافعي: "يعيد في الأحوال كلها". والأصل فيه قوله تعالى: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} والناسي غير واجد لما هو ناس له; إذ لا سبيل له إلى ~~الوصول إلى استعماله, فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته; وقال الله: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فاقتضى ذلك سقوط حكم ~~المنسي. أيضا قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} ومعلوم أن هذا الخطاب لم ~~يتوجه إلى الناسي لأن تكليف الناسي لا يصح, وإذا لم يكن مأمورا مكلفا ~~بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع ~~الإمكان, فثبت جواز تيممه. وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب ~~الماء فلم يجده فتيمم وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه ~~الإعادة, ووجود الماء لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر, ~~فلما كان جهله بماء البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في ~~رحله. # فإن قيل: لو نسي الطهارة أو الصلاة لم يسقطهما النسيان, فكذلك نسيان ~~الماء. قيل له: ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان" يقتضي سقوطه, وكذلك نقول; والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر ~~غير الأول, وأما الأول فقد سقط, وإنما ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه ~~الطهارة المنسية بدلالة أخرى, وإلا فالنسيان يسقط عنه # PageV02P471 # القضاء لولا الدلالة. وأيضا فلا تأثير للنسيان بانفراده ms1719 في سقوط الفرض ~~إلا بانضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرا في سقوطه, نحو السفر الذي هو حال ~~عدم الماء فإذا انضم إليه النسيان صارا جميعا عذرا في سقوطه, وأما نسيان ~~الطهارة والقراءة والصلاة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر ~~حتى يصير عذرا في سقوط هذه الفروض. ومن جهة أخرى أنا جعلنا النسيان عذرا في ~~الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض, وفي المسائل التي ذكرتها فيها ~~إسقاط الفروض لا نقلها إلى أبدال, فلذلك اختلفا. فإن قيل: الناسي للماء في ~~رحله هو واجد له. قيل له: ليس الوجود هو كون الماء في رحله دون إمكان ~~الوصول إلى استعماله من غير ضرر يلحقه, ألا ترى أن من معه ماء وهو يخاف على ~~نفسه العطش يجوز له التيمم وهو واجد للماء؟ فالناسي أبعد من الوجود لتعذر ~~وصوله إلى استعماله ألا ترى أن من ليس في رحله ماء وهو قائم على شفير نهر ~~أنه واجد للماء وإن لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى استعماله؟ فعلمنا أن ~~الوجود هو إمكان التوصل إلى استعماله من غير ضرر ألا ترى أن الماء لو كان ~~في رحله ومنعه منه مانع جاز له التيمم؟ فعلمنا أن الوجود شرطه ما ذكرنا دون ~~الملك. فإن قيل: ما تقول لو كان على ثوبه نجاسة فنسي الماء في رحله ولم ~~يغسله وصلى فيه, هل يجزيه؟ قيل له: لا نعرفها محفوظة عن أصحابنا, وقياس قول ~~أبي حنيفة أنه يجزي, وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي فيمن نسي في رحله ~~ثوبا وصلى عريانا أنه يجزيه. # PageV02P472 # مطلب: في أن الوجود لا يقتضي سبق طلب # واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء, هل هو غير واجد؟ فقال ~~أصحابنا: "إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه ~~التيمم". وقال الشافعي: "عليه الطلب, وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه". وقال ~~أصحابنا: "إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر ~~فليس عليه ms1720 إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن ~~أهل رفقته, وإن كان أقل من ميل أتاه, وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من ~~لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه". وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما ~~قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب, من قبل أنه غير واجد للماء, وقال ~~الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهذا غير واجد. فإن قالوا: لا يكون ~~غير واجد إلا بعد الطلب قيل له: هذا خطأ; لأن الوجود لا يقتضي طلبا, قال ~~الله تعالى: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] فأطلق ~~اسم الوجود على ما لم يطلبوه; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من وجد لقطة ~~فليشهد ذوي # PageV02P472 # الذي في المفازة وليس بحضرته ماء ولم يطمع فيه من أن يكون واجدا أو غير ~~واجد, فإن كان واجدا فالطلب ساقط لأنه غير جائز تكليفه طلب ما هو واجده, ~~وإن كان غير واجد جاز تيممه بقوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وبقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء". # فإن قيل: إذا كان شرط جواز التيمم عدم الماء فواجب أن لا يجزي حتى يتيقن ~~وجود شرطه, كما أنه لما كان شرط جواز الصلاة حضور الوقت لم يجزه فعلها إلا ~~بعد حصول اليقين بدخول الوقت. قيل له: الفصل بينهما أن الأصل هو عدم الماء ~~في مثل ذلك الموضع, وذلك يقين عنده; وإنما لا يعلم هل هو موجود في غيره, ~~وهل يكون موجودا إن طلب أم لا, فليس عليه أن يزول عن اليقين الأول بما لا ~~يعلمه ويشك فيه. ووقت الصلاة أيضا كان غير موجود, فغير جائز له فعلها بالشك ~~حتى يتيقن وجوده فهما سواء في هذا الوجه في باب البناء على اليقين الذي كان ~~الأصل. # فإن قيل: قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} فالغسل أبدا واجب وعليه التوصل إليه كيف أمكن, فإذا كان قد يمكنه ~~التوصل إليه بالطلب فذلك ms1721 فرضه. قيل له: الذي قال: {فاغسلوا} هو الذي قال: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا} فوجوب الغسل مضمن بوجود الماء, وجواز التيمم مضمن ~~بعدمه, وهو عادم له في الحال لا محالة; وإنما يزعم المخالف أنه جائز أن ~~يكون واجدا عند الطلب, فغير جائز ترك ما حصل من شرط إباحة التيمم لما عسى ~~يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون. والذي قاله المخالف كان يلزم لو طمع في ~~الماء وغلب على ظنه وجوده وأخبره به مخبر, فأما مع فقد ذلك فقد حصل شرط ~~الآية على الوجه الذي يبيح التيمم, فغير جائز لأحد إسقاطه وإيجاب اعتبار ~~معنى غيره, وإنما قدر أصحابنا أقل من ميل من قبل لزوم استعماله إذا علم ~~بموضعه وغلب في ظنه, ولم يوجبوه ذلك في ميل فصاعدا اجتهادا ولأن الميل هو ~~الحد الذي تقدر به المسافات ولا تقدر بأقل منه في العادة, فاعتبروه في ذلك ~~دون ما هو أقل منه, كما قلنا في اعتبار أبي يوسف الكثير الفاحش أنه شبر في ~~شبر لأنه أقل المقادير التي تقدر بها المساحات ولا تقدر في العادة بأقل ~~منه. وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر من الماء على غلوتين أو ~~ثلاث فيتيمم ويصلي ولا يميل إليه. وعن سعيد بن المسيب في الراعي يكون بينه ~~وبين الماء ميلان أو ثلاثة وتحضره الصلاة, أنه يتيمم ويصلي. وقال الحسن ~~وابن سيرين: "لا يتيمم من رجا أن يقدر على الماء في الوقت". # PageV02P474 # مطلب: فيمن ووجد الماء في آخر الوقت يجب عليه الوضوء وإن خاف فوات الوقت ~~خلافا لمالك # واختلف فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم, فقال أصحابنا ~~والثوري والأوزاعي والشافعي: "من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر ~~وهو في آخر الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء". وقال ~~مالك: "يجزيه التيمم إذا خاف فوات الوقت". وقال الليث بن سعد: "إذا خاف ~~فوات الوقت إن توضأ يصلي بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت". والأصل فيه ~~قوله ms1722 تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} فأوجب استعمال الماء في حال وجوده ~~ونقله عنه إلى التراب عند عدمه, فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف ~~الآية; وحين أمره الله تعالى بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت ~~وإدراك فعل الصلاة فيه, فهو مطلق في الوقت وبعده, وقال الله تعالى: {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فمنعه من فعل الصلاة إذا كان جنبا إلا بعد تقديم ~~الغسل, ولم يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره. ويدل عليه من جهة السنة قوله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي ذر: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك" , فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو ~~لم يخف, لعموم قوله: {فاغسلوا} , ولقوله صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور ~~المسلم ما لم يجد الماء" فمتى كان واجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا ~~تجزيه صلاته. ومن جهة النظر أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت, بدلالة أنه ~~لا يجزي صلاة بغير طهارة وهي جائزة مع فوات الوقت. # فإن قيل: إذا خاف فوت الوقت صلى بتيمم ليدرك فضيلة الوقت. قيل له: كيف ~~يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلى بغير طهارة فإن قال: التيمم ~~طهور قيل له: إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله تعالى وكما شرطه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما مع وجوده فليس بطهور, فالواجب عليك أن تدل ~~أولا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر حتى تبني عليه ~~بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت. # فإن قال قائل: المسافر إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم ~~الماء. قيل له: لو كان كذلك لما جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم ~~الماء لأنه غير خائف فوت الوقت وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول ~~الوقت دلالة على أن شرط جواز التيمم ليس ms1723 هو لأجل فوات الوقت. # فإن قال: لو كان شرط التيمم عدم الماء لما جاز للمريض ولمن يخاف العطش أن # PageV02P475 # يتيمم مع وجود الماء. قيل له: إنما قلنا بجوازه لأن الوجود هو إمكان ~~استعماله بلا ضرر ولا مشقة, لأن الله قد ذكر المريض والمسافر, فعدم الماء ~~على الإطلاق شرط وخوف الضرر باستعماله أيضا شرط, وأنت فلم تلجأ في اعتبارك ~~الوقت لا إلى آية ولا إلى أثر, بل الكتاب والأثر يقضيان ببطلان قولك. # فإن قيل: لما جازت الصلاة في حال الخوف مع الاختلاف والمشي إلى غير ~~القبلة وراكبا لأجل إدراك الوقت, دل على وجوب اعتبار الوقت في جوازها ~~بالتيمم إذا خاف فوته. قيل له: إنما أبيحت صلاة الخائف على هذه الوجوه لأجل ~~الخوف لا للوقت ولا لغيره والخوف موجود والدليل على ذلك جواز صلاة الخوف في ~~أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج الوقت, فدل على أنها إنما ~~أبيحت للخوف لا ليدرك الوقت, والتيمم إنما أبيح له لعدم الماء. فنظير صلاة ~~الخوف من التيمم أن يكون الماء معدوما فيجوز له التيمم, فأما حال وجود ~~الماء فهو بمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة إلا على هيئتها في حال ~~الأمن. وإنما جعل صلاة الخوف بمنزلة الإفطار للمسافر وبمنزلة المسح على ~~الخفين في أنها رخصة مخصوصة بحال لا لخوف فوات الوقت. وأيضا فإنه إن فات ~~وقته باشتغاله بالوضوء فإنه يصير إلى وقت آخر لها; لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" ~~فأخبر أن وقت الذكر مع فواتها وقت لها كما كان الوقت الذي كان قبله وقتا ~~لها, فإذا كان وقت الصلاة باقيا مع فواتها عن الوقت الأول لم يجز لنا ترك ~~الطهارة بالماء لخوف فواتها من وقت إلى وقت. وقد وافقنا مالك على وجوب ~~الترتيب بين الفائتة وبين صلاة الوقت وأن الفائتة أخص بالوقت من التي هي في ~~وقتها, حتى إنه لو بدأ بصلاة لوقت قبلها لم تجزه, فلو ms1724 كان خوف فوت الوقت ~~مبيحا له التيمم لوجب أن يباح له التيمم بعد الفوات أيضا; لأن كل وقت يأتي ~~بعد الفوات هو وقت لها لا يسعه تأخيرها عنه, فيلزم مالكا أن يجيز لمن فاتته ~~صلاة أن يصليها بتيمم في أي وقت كان لأن اشتغاله بالوضوء يوجب تأخيرها عن ~~الوقت المأمور بفعلها فيه والمنهي عن تأخيرها عنه. ولما اتفق الجميع على ~~أنه غير جائز له فعلها بالتيمم مع خوف فوات وقتها الذي هو مأمور بفعلها فيه ~~إذا اشتغل باستعمال الماء, صح أن الوقت لا تأثير له في ترك الطهارة بالماء ~~إلى التيمم. وأما قول الليث بن سعد "إنه يتيمم ويصلي في الوقت ثم يتوضأ ~~ويعيد بعد الوقت" فلا معنى له لأنه معلوم أنه لا يعتد بتلك الصلاة, فلا ~~معنى لأمره بها وتأخير الفرض الذي عليه تقديمه. # PageV02P476 # مطلب: في حكم المجوس الفاقد للطهورين # واختلف فيمن حبس في موضع قذر لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف, فقال أبو # PageV02P476 # حنيفة ومحمد وزفر: "لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر" وهو ~~قول الثوري والأوزاعي. وقال أبو يوسف والشافعي: "يصلي ويعيد". والحجة لأبي ~~حنيفة ومن قال بقوله قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} إلى قوله: ~~{فلم تجدوا ماء فتيمموا} , وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور" ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور, فلا يكون ~~ذلك صلاة, فلا معنى لأمرنا إياه بأن يفعل ما ليس بصلاة لأجل أن عليه فرض ~~الصلاة. وقد قال أبو يوسف: "إنه يصلي بالإيماء ثم يعيد" فلم يعتد به وأمره ~~بالإعادة, فلو كانت هذه صلاة لما كان مأمورا بالإعادة, ألا ترى أنه من لم ~~يقدر على الركوع والسجود صلى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة؟ فإن قيل: قد ~~يأمره إذا كان محبوسا في بيت نظيف أن يتيمم ويعيد, ووجوب الإعادة لم يسقط ~~عنه فعلها بالتيمم. قيل له: قد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة "أنه لا ms1725 يتيمم ولا يصلي حتى يخرج" فهذا مستمر على هذا الأصل, وذكر في ~~الأصل أنه يتيمم ويصلي ويعيد, ولم يذكر خلافا. وجائز أن يكون هذا قول أبي ~~يوسف وحده, فإن كان قولهم جميعا فوجه هذه الرواية على قول أبي حنيفة أن ~~الصلاة بالتيمم قد تكون صلاة صحيحة بحال وهو حال عدم الماء أو خوف الضرر, ~~فلما كان عادما للماء في هذه الحال جاز له التيمم; وكان القياس أن يكون ~~كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا وخاف السبع أو اللصوص فيجوز له التيمم ~~ولا يعيد, فهذا هو القياس, إلا أنه ترك القياس وأمره بالإعادة وفرق بين حال ~~السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر, وإنما وقع المنع بفعل آدمي وفعل ~~الآدمي في مثله لا يسقط الفرض, ألا ترى أنه لو منعه رجل مكرها من فعل ~~الصلاة أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلى بالإيماء أنه يعيد؟ ولو كان ~~المنع من فعل الله تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه الفرض, ولو كان مريضا سقط ~~عنه فعل الركوع إلى الإيماء; فاختلف حكم المنع إذا كان بفعل الله أو بفعل ~~الآدمي. فكذلك حال الحضر, لما كانت حال وجود الماء لم يسقط فرض استعماله ~~بمنع الآدمي منه, فأمره بالتيمم وإعادتها بالماء; وعلى الرواية الأولى لم ~~يأمره بفعلها لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر بها. # فإن قيل: فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر ~~الموسى على رأسه متشبها بالحالقين وإن لم يحلق, فهلا أمرت المحبوس الذي لا ~~يقدر على الماء والتراب أن يصلي متشبها بالمصلين وإن لم يكن مصليا وكما ~~تأمر الأخرس بتحريك لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا قيل له: ~~الفصل بينهما أن أفعال المناسك قد ينوب # PageV02P477 # عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله كفعله, فجاز أن ينوب عن الحلق ~~إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه فيجزي, وكذلك تلبية الغير قد ~~تنوب عنه عند أبي حنيفة في حال الإغماء, فلذلك استحب له تحريك لسانه بها ~~وإن لم ms1726 يكن ملبيا إذا كان أخرس. وأما الصلاة فلا ينوب عنه فيها غيره, ولا ~~يجوز أن يفعل ما ليس بصلاة متشبها بالمصلين فيصير هذا الفعل وتركه سواء لا ~~معنى له, فلذلك لم يستحبه. # فإن احتجوا بما روي في قصة قلادة عائشة حين ضلت وأن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذين بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك ~~ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بغير وضوء ولا تيمم. قيل له: إن ~~آية التيمم لم تكن نزلت وقت ما صلوا ولم يكن التيمم واجبا, وأيضا فإنهم لم ~~يؤمروا بالإعادة, فينبغي أن يدل على أن لا إعادة على من صلى بغير وضوء ولا ~~تيمم إذا لم يجدهما; فلما قال مخالفونا "إنه يعيد" علمنا أن حكم من ذكر ~~مخالف لأولئك. وأيضا فإن أولئك كانوا واجدين للتراب غير واجدين للماء, وأنت ~~لا تقول ذلك فيمن كان في مثل حالهم. # واختلف في جواز التيمم قبل دخول الوقت, فقال أصحابنا" جائز قبل دخول وقت ~~الصلاة لمن لا يجد الماء, ويصلي به الفرض إذا دخل الوقت". وقال مالك بن أنس ~~والشافعي: "لا يجوز إلا بعد دخوله". ودليلنا قوله: {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فأمر بالتيمم ~~بعد الحدث إذا عدم الماء ولم يفرق فيه بين حاله قبل دخول الوقت أو بعده. ~~وأيضا قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} وقد دللنا في أول الكتاب ~~أن معناه: إذا أردتم القيام وأنتم محدثون, ثم عطف عليه التيمم وأباحه في ~~الحال التي أمر فيها بالوضوء لو كان واجدا للماء. وأيضا لما قال تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] وأمر بتقديم الطهارة لها في غير ~~هذه الآية وكانت الطهارة شيئين: الماء عند وجوده والتراب عند عدمه, اقتضى ~~ذلك جواز تقديم التيمم على الوقت ليصلي في أوله على شرط الآية; ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء" وقوله لأبي ~~ذر: "التراب كافيك ms1727 ولو إلى عشر حجج" ولم يفرق بينه قبل الوقت أو بعده, ~~وإنما علق جوازه بعدم الماء لا بالوقت. # فإن قيل على استدلالنا بقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} : إن ~~ذلك معطوف على قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} وهو مضمر فيه, فكان تقديره: إذا ~~قمتم إلى الصلاة وجاء أحد منكم من الغائط وذلك يكون بعد دخول الوقت. قيل ~~له: هذا غلط, من قبل أن قوله: {إذا قمتم} معناه: إذا أردتم القيام وأنتم ~~محدثون; فهذه جملة مكتفية بنفسها في إيجاب الوضوء للحدث, ثم استأنف حكم ~~عادم الماء فقال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} إلى قوله: {فتيمموا} وهذه ~~أيضا جملة مفيدة مستقلة بنفسها غير # PageV02P478 # مفتقرة إلى تضمينها بغيرها, وما كان هذا وصفه من الكلام ففي تضمينه بغيره ~~تخصيص له, وذلك غير جائز إلا بدلالة, فوجب أن يكون شرط المجيء من الغائط في ~~إباحة التيمم مقرا على بابه وأن لا يضمن بغيره. وأيضا فإن حكم كل جواب علق ~~بشرط أن يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة, والذي يلي ذلك ~~هو شرط المجيء من الغائط. وأيضا كما جاز الوضوء قبل الوقت وجب أن يجوز ~~التيمم كذلك لأنه طهارة لم يوجد بعدها حدث. # فإن قيل: المستحاضة لا تصلي بوضوء فعلته قبل الوقت. قيل له: يجوز ذلك ~~عندنا لأنها لو توضأت قبل الزوال كان لها أن تصلي به إلى خروج وقت الظهر, ~~وأما إذا توضأت في وقت الظهر فإنها لا تصلي به في وقت العصر للسيلان ~~الموجود بعد الطهارة والوقت كان رخصة لها في فعل الصلاة مع الحدث, فلما ~~ارتفعت الرخصة بخروجه وجب الوضوء للحدث المتقدم. # واختلف في فعل صلاتي فرض بتيمم واحد, فقيل: "يصلي بتيممه ما شاء من ~~الصلوات ما لم يحدث أو يجد الماء" وهو مذهب الثوري والحسن بن صالح والليث ~~بن سعد, وهو مذهب إبراهيم وحماد والحسن. وقال مالك: "لا يصلي صلاتي فرض ~~بتيمم واحد, ولا يصلي الفرض بتيمم النافلة, ويصلي النافلة بعد الفرض بتيمم ~~الفرض". ms1728 وقال شريك بن عبد الله: "يتيمم لكل صلاة". وقال الشافعي: "يتيمم ~~لكل صلاة فرض ويصلي الفرض والنفل وصلاة الجنازة بتيمم واحد". والدليل على ~~صحة قولنا قوله صلى الله عليه وسلم: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا ~~وجدت الماء فأمسسه جلدك" وقال: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء" فجعل ~~التراب طهورا ما لم يجد الماء ولم يوقته بفعل الصلاة. وقوله: "ولو إلى عشر ~~حجج" على وجه التأكيد, وليس المراد حقيقة الوقت, وهو كقوله تعالى: {إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] ليس المراد به توقيت ~~العدد المذكور, وإنما المراد تأكيد نفي الغفران. # فإن قيل: لم يذكر الحدث وهو ينقض التيمم, كذلك فعل الصلاة. قيل له: لأن ~~بطلانه بالحدث كان معلوما عند المخاطبين فلم يحتج إلى ذكره, وإنما ذكر ما ~~لم يكن معلوما عندهم وأكده ببقائه إلى وجود الماء. وأيضا فإن المعنى المبيح ~~للصلاة بالتيمم بديا كان عدم الماء وهو قائم بعد فعل الصلاة, فينبغي أن ~~يبقى تيممه, ولا فرق فيه بين الابتداء والبقاء, إذا كان المعنى فيهما واحدا ~~وهو عدم الماء. وأيضا لما كان المسح على الخفين بدلا من الغسل كما أن ~~التيمم بدل منه, ثم جاز عند الجميع فعل صلاتين بمسح واحد, جاز فعلهما أيضا ~~بتيمم واحد. وأيضا فلا يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن # PageV02P479 # تكون طهارته باقية أو زائلة, فإن كانت زائلة فالواجب أن لا يصلي بها نفلا ~~لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب الطهارة, وإن كانت باقية فجائز أن يصلي ~~به فرضا آخر. # فإن قيل: قد خفف أمر النفل عن الفرض حتى جاز على الراحلة وإلى غير القبلة ~~من غير ضرورة, ولا يجوز فعل الفرض على هذا الوجه إلا لضرورة. قيل له: إنهما ~~وإن اختلفا من هذا الوجه فلم يختلفا في أن شرط كل واحد منهما الطهارة, فمن ~~حيث جاز النفل بالتيمم الذي أدى به الفرض فواجب أن يجوز فعل فرض آخر به, ~~وإنما خفف أمر النفل في جواز فعله على ms1729 الراحلة وإلى غير القبلة لأن فعل ~~الفرض جائز على هذه الصفة في حال الضرورة, وأما الطهارة فلا يختلف فيها حكم ~~النفل والفرض في الأصول. # واستدل من خالف في ذلك بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وذلك يقتضي وجوب تجديد الطهارة ~~على كل قائم إليها, فوجب بحق العموم إيجاب تجديد التيمم لكل صلاة. قيل له: ~~هذا غلط; لأن قوله تعالى: {إذا قمتم} لا يقتضي التكرار في اللغة, وقد بيناه ~~فيما سلف, ألا ترى أنه لم يقتضه في استعمال الماء؟ فكذلك في التيمم. وعلى ~~أنه أوجب التيمم في الحال التي لو كان الماء موجودا لكان مأمورا باستعماله, ~~فجعل التيمم بدلا منه, فإنما يجب التيمم على الوجه الذي يجب فيه الأصل, ~~فأما حال أخرى غير هذه فليس في الآية ذكر إيجابه فيها, فإذا كان الماء لو ~~كان موجودا لم يلزمه تجديد الطهارة به للصلاة الثانية بعدما صلى بها الصلاة ~~الأولى كان كذلك حكم التيمم. # فإن قيل: التيمم لا يرفع الحدث, فليس هو بمنزلة الماء الذي يرفعه; فلما ~~كان الحدث باقيا مع التيمم وجب عليه تجديده. قيل له: ليس بقاء الحدث علة ~~لإيجاب تكرار التيمم, لأنه لو كان كذلك لوجب عليه تكراره أبدا قبل الدخول ~~في الصلاة لهذه العلة, فلما جاز أن يفعل الصلاة الأولى بالتيمم مع بقاء ~~الحدث كانت الثانية مثلها إذا كان التيمم مفعولا لأجل ذلك الحدث بعينه الذي ~~يريد إيجاب التيمم من أجله, وقد وقع له مرة فلا يجب ثانية. وأيضا فإن هذه ~~العلة منتقضة بالمسح على الخفين لبقاء الحدث في الرجل مع المسح ويجوز فعل ~~صلوات كثيرة به, وينتقض أيضا بتجويز مخالفينا صلاة نافلة بعد الفرض لوجود ~~الحدث. # فإن قيل: هلا جعلته كالمستحاضة عند خروج وقتها قيل له: قد ثبت عندنا أن ~~رخصة المستحاضة مقدرة بوقت الصلاة, ولا نعلم أحدا يجعل رخصة التيمم مقدرة ~~بالوقت, فهو قياس فاسد منتقض وعلى أن المستحاضة مخالفة للمتيمم من قبل أنه ~~قد وجد منها حدث بعد ms1730 وضوئها, والوقت رخصة في فعل الصلاة مع الحدث, فإذا خرج # PageV02P480 # الوقت توضأت لحدث وجد بعد طهارتها; ولم يوجد في التيمم حدث بعد تيممه, ~~فطهارته باقية. # واختلف في المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر: "إذا وجد الماء في الصلاة بطلت صلاته وتوضأ واستقبل". وقال ~~مالك والشافعي: "يمضي فيها وتجزيه". وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أنه ~~إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة لم يلزمه الوضوء وصلى بتيممه", وهو قول ~~شاذ مخالف للسنة والإجماع, والدليل على صحة قولنا قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا} فأوجب ~~غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء, ثم نقله إلى التراب عند عدمه, فمتى وجد ~~الماء فهو مخاطب باستعماله بظاهر الآية. وعلى أن حقيقة اللفظ تقتضي وجوب ~~الغسل بعد القيام إلى الصلاة, فغير جائز أن يكون دخوله فيها مانعا من لزوم ~~استعماله. وأيضا لا يختلفون أن حكم الآية في فرض الغسل عند وجود الماء قائم ~~عليه بعد دخوله في الصلاة; لأنه لو أفسد صلاته قبل إتمامها لزمه استعمال ~~الماء بالآية, فثبت بذلك أن دخوله في الصلاة لم يسقط عنه فرض الغسل, ~~والخطاب بحكم الآية, فوجب عليه بحكم الآية استعماله لبقاء فرض استعماله ~~عليه. وأيضا لا يخلو قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} من أن يكون المراد ~~به حال وجود الصلاة بعد فعل جزء منها أو إرادة القيام إليها في حال الحدث, ~~فإن كان المراد وجود جزء من الصلاة فقد اقتضى لزوم استعماله إذا وجده بعد ~~فعل جزء منها لاقتضاء الآية, وإن كان المراد إرادة القيام إليها محدثا وجعل ~~ذلك شرطا للزوم استعماله فقد وجد, فعليه استعماله, ولا يسقط عنه ذلك ~~بالتيمم والدخول فيها مع وجود سبب تكليفه; إذ كان المسقط لفرضه هو عدم ~~الماء فمتى وجد فقد عاد شرط لزومه فلزمته الطهارة به. ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا ms1731 ~~عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فإذا كان جنبا ودخل في الصلاة ~~بالتيمم ثم وجد الماء لزمه بقوله: {لا تقربوا الصلاة} إلى قوله: حتى ~~تغتسلوا} [النساء: 43] . # فإن قيل: في نسق الخطاب: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} إلى قوله: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} . قيل له: هما مستعملان جميعا كل واحد على شريطته, ~~فالتيمم عند عدم الماء والغسل عند وجوده; وغير جائز إسقاط الغسل عند وجوده; ~~إذ كان الظاهر يوجبه, ولم تفرق الآية بين حاله بعد الدخول في الصلاة أو ~~قبله; ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور المسلم ما لم ~~يجد الماء" فجعله طهورا بشريطة عدم الماء, فإذا # PageV02P481 # وجد الماء خرج من أن يكون طهارة; ولم يفرق بين أن يكون في الصلاة أو في ~~غيرها, فإذا بطلت طهارته برؤية الماء لم يجز له أن يمضي فيها. وأيضا فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور المسلم" وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~وجدت الماء فأمسسه جلدك" وفي بعض الألفاظ: "وأمسسه بشرتك" ودلالته على ما ~~وصفنا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من قوله: "التراب طهور المسلم ما لم يجد ~~الماء" فأخبر بالحال التي يكون التراب فيها طهورا, وهو أن لا يجد الماء, ~~ولم يفرق بين حاله قبل الدخول في الصلاة وبعده. فإذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم خص كونه طهورا بهذه الحال دون غيرها, فمتى صلى به والماء موجود ~~فهو مصل بغير طهور. والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك" ولم يفرق بينه قبل الدخول وبعده, فهو على الحالين يلزمه ~~استعماله متى وجده بظاهر قوله. ويدل عليه اتفاق الجميع على أن وجود الماء ~~بعد التيمم قبل الدخول يمنع الابتداء, فوجب أن يمنع البناء; كما أن الحدث ~~لما منع ابتداء الصلاة منع البناء عليها, إذ كان من شرط صحتهما جميعا ~~الطهارة. وأيضا فإن كونه في الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة; لأنه لو أحدث ~~فيها لزمته الطهارة, وكذلك لا يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شروط ms1732 ~~الصلاة مثل وجود الثوب للعريان, وعتق الأمة في لزومها تغطية الرأس, وخروج ~~وقت المسح; فوجب أن لا يمنع كونه في الصلاة من لزوم الطهارة بالماء عند ~~وجوده. وأيضا لما لم يجز التحريمة بالتيمم مع وجود الماء لأنه يكون فاعلا ~~لجزء من الصلاة بالتيمم مع وجود الماء وكان هذا المعنى موجودا بعد الدخول, ~~وجب أن يمنع المضي فيها. # فإن قيل: لو أحدث جاز البناء عندك إذا توضأ, ولا تجوز التحريمة بعد ~~الحدث. قيل له: لا فرق بينهما لأنه لو فعل جزءا من الصلاة بعد الحدث قبل ~~الطهارة بطلت صلاته, وإنما نجيز له البناء إذا توضأ, وأنت تجيزه قبل ~~الطهارة بالماء. فإن قيل: إنما اختلف حال الصلاة وقبلها في التيمم لسقوط ~~فرض الطلب عنه بدخوله في الصلاة; لأن كونه فيها ينافي فرض الطلب, وأما قبل ~~الدخول فيها ففرض الطلب قائم عليه, فلذلك لزمته الطهارة إذا وجده قبل ~~الدخول. قيل له: أما قولك في لزوم فرض الطلب قبل الدخول فيها, ففاسد على ما ~~قدمناه فيما سلف. ومع ذلك فلو سلمناه لك لانتقض على أصلك, وذلك أن بقاء فرض ~~الطلب ينافي صحة الدخول في الصلاة عندك, فلا يخلو إذا طلب ولم يجد فتيمم أن ~~يكون فرض الطلب قائما عليه أو ساقطا عنه, فإذا كان فرض الطلب قائما عليه ~~فواجب أن لا يصح دخوله; إذ كان بقاء فرض الطلب ينافي صحة الصلاة ويمنع صحة ~~التيمم أيضا على أصلك. وإن كان فرض الطلب ساقطا عنه, فالواجب على قضيتك أن ~~لا يلزمه استعمال الماء إذا وجده بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة, كما حكي ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فلما ألزمته استعمال الماء عند وجوده بعد التيمم ~~قبل الدخول في # PageV02P482 # الصلاة مع سقوط فرض الطلب, ثبت أن سقوط فرض الطلب ليس بعلة لجواز ترك ~~استعمال الماء عند وجوده. وأيضا قد اتفقوا جميعا أن الصغيرة لو اعتدت شهرا ~~ثم حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض لأن الشهور بدل من الحيض; وإنما تكون عدة ~~عند عدمه, كما أن التيمم ms1733 طهور عند عدم الماء; فلما اتفقوا على استواء ~~حالهما قبل وجوب العدة وبعده في كون الحيض عدة عند وجوده, وجب أن يستوي حكم ~~وجود الماء بعد الدخول في الصلاة وقبله. وأيضا لما كان التيمم بدلا من ~~الماء لم يجز أن يبقى حكمه مع وجود المبدل عنه, كسائر الأبدال لا يثبت ~~حكمها مع وجود الأصل. فإن قيل: فلو أن متمتعا وجد الهدي بعد صوم الثلاثة ~~الأيام وبعد الإحلال, جاز له أن يصوم السبعة مع وجود الأصل. # فإن قيل له: الثلاثة بدل من الهدي لأن بها يقع الإحلال, وليست السبعة ~~بدلا من الهدي لأن الإحلال يكون قبل السبعة. # فإن قيل: ليست حال الصلاة حالا للطهارة فلا يلزمه استعمال الماء. قيل له: ~~فينبغي أن لا يلزمه غسل الرجلين بخروج وقت المسح وهو في الصلاة, وأن لا ~~يلزم المستحاضة الوضوء بانقطاع الدم في الصلاة, وأن لا تلزمها الطهارة لو ~~أحدث فيها لهذه العلة. فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا ينصرف ~~حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" ; قيل له: لم يقل ذلك ابتداء بل بكلام متصل به, ~~وهو أنه قال: "إذا وجد أحدكم حركة في دبره فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا" , وقال: "إن الشيطان يخيل إلى أحدكم أنه قد أحدث, فلا ينصرف حتى يسمع ~~صوتا أو يجد ريحا" , وقال في بعض الألفاظ: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". ~~فأما ابتداء قول منه: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا" فإن ذلك لم ~~ينقل ولم يروه أحد. وإذا كان كذلك فإنما هو في الشاك في الحدث, فلم يصح أن ~~نجعله في غيره ممن لم يشك ووجد الماء. وعلى أن قوله: "لا وضوء إلا من صوت ~~أو ريح" يقتضي ظاهره إيجاب الوضوء بوجود الماء, لأن الحدث الذي عنه وجبت ~~الطهارة باق لم يرتفع بالتيمم. # PageV02P483 # مطلبء: المجمل لا يصح لإيجاب به # فإن قيل: ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد أو صلاة الجنازة ثم وجد ~~الماء؟ قيل له: ينتقض تيممه ms1734 ولا يجوز له المضي عليها, وتبطل صلاته إذا ~~أمكنه استعمال الماء والدخول في الصلاة, لا فرق بينهما وبين الصلاة ~~المكتوبة. وجواب آخر عما أورده من الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به لأنه ~~مفهوم أنه لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد # PageV02P483 # في دار الدنيا, وإنما أراد صوتا أو ريحا على صفة لا يدري ما هو بنفس ~~اللفظ, فسبيله أن يكون موقوفا على دلالة; فإن ادعوا فيه العموم كان دلالة ~~لنا; لأنه إذا سمع صوت الماء وجب عليه بظاهره; إذ لم يفرق فيه بين الأصوات. # PageV02P484 # فصل مطلب: في الوضوء بنبيذ # ويستدل بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, على ~~جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين: أحدهما قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} ~~وذلك عموم في جميع المائعات لأنه يسمى غاسلا بها, إلا ما قام الدليل فيه, ~~ونبيذ التمر مما قد شمله العموم. والثاني: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء; لأنه لفظ منكر يتناول ~~كل جزء منه سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه, ولا يمتنع أحد أن يقول ~~في نبيذ التمر ماء, فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر, ~~ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة قبل نزول آية ~~التيمم. وقيل إن نقل من الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء ~~الذي فيه, لا على وجه البدل عن الماء; إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة ~~مقصورة على الماء دون غيره; وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا. ~~وروى يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: "الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر ~~وضوء لمن لم يجد الماء". وقال عكرمة: "النبيذ وضوء إذا لم يجد غيره". وروى ~~أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: "ركبت مع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم البحر, ففني ماؤهم فتوضئوا بالنبيذ وكرهوا ماء ~~البحر". ms1735 وروى المبارك بن فضالة عن أنس: "أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء ~~بالنبيذ" فهؤلاء الصحابة والتابعون قد روي عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من غير ~~خلاف ظهر من أحد من نظائرهم عليهم. وروي عن أبي حنيفة في الوضوء بنبيذ ~~التمر ثلاث روايات: إحداها وهي المشهورة: "أنه يتوضأ به ولا يتيمم" وهو قول ~~زفر; وروي عنه: "أنه يتوضأ به ويتيمم" وهو قول محمد; وروى نوح أن أبا حنيفة ~~رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال: "يتيمم ولا يتوضأ به". وقال مالك والثوري وأبو ~~يوسف والشافعي: "يتيمم ولا يتوضأ به". وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: ~~"أنه يتوضأ به ويتيمم" وكذلك روى عنه المعلى. وقال حميد بن عبد الرحمن ~~الرؤاسي صاحب الحسن بن صالح: "يتوضأ بنبيذ التمر مع وجود الماء إن شاء". ~~وروى الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ~~وأبو أمامة, روي عن عبد الله من طرق عدة قد بيناها في مواضع. # PageV02P484 # باب صفة التيمم # قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~فاختلف الفقهاء في صفته, فقال أصحابنا: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة ~~لليدين إلى المرفقين" فقالوا: "يضرب بيديه على الصعيد ثم يحركهما فيقبل ~~بهما ويدبر على الصعيد ثم ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه, ثم يعيد إلى الصعيد ~~كفيه جميعا فيقبل بهما ويدبر ويرفعهما فينفضهما ثم يمسح بكل كف ظهر ذراعه ~~الأخرى وباطنها إلى المرفقين". واتفق مالك والثوري والليث والشافعي أنه ~~ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين; وروي مثله عن جابر وابن ~~عمر. وحكى بعض أصحاب مالك أنه إن تيمم بضربة واحدة أجزأه, وحكي عن مالك ~~أيضا أنه يتيمم إلى المرفقين فإن تيمم إلى الكوعين لم يعد. وقال الأوزاعي: ~~"تجزي ضربة واحدة للوجه والكوعين", وروي نحوه عن عطاء. وقال الزهري: "يمسح ~~يديه إلى الإبط". وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: "يتيمم بضربتين يمسح ~~بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه". # وقال أبو جعفر الطحاوي: "لم نجد عن غيرهما أنه يمسح بكل واحدة من ms1736 ~~الضربتين وجهه وذراعيه ومرفقيه". والحجة لقول أصحابنا ما روى ابن عمر وابن ~~عباس والأسلع عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم: "ضربتان ضربة ~~للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين". واختلفت الرواية عن عمار, فروى عنه عبد ~~الرحمن بن أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ضربة واحدة للوجه واليدين". ~~وروى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ضربتين" وهذا أولى; لأنه زائد وخبر الزائد أولى. وأيضا فكما أنه لا ~~يجوز في الوضوء الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو, ~~كذلك الحكم في التيمم لأنهما طهارتان وإن كانت إحداهما مسحا والأخرى غسلا, ~~ألا ترى أنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن ~~غسلا؟ وإنما قلنا إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحديث الأسلع, ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين. واختلف عن ~~عمار فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم, فروى الشعبي عن ~~عبد الرحمن بن أبزى عن عمار, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوفوا ~~التيمم إلى المرفقين" , وروى غيره عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار ~~قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني بضربة واحدة للوجه ~~والكفين. ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن زر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن ~~أبيه عن عمار, وقال فيهما: "ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه إلى ~~المرفقين". وروى سلمة عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار: أنه تمعك ~~في التراب في # PageV02P485 # الجنابة, فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "إنما كان يكفيك أن ~~تقول هكذا" وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف ~~الذراع. وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار: أنهم مسحوا ~~وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1737 بالصعيد ضربة واحدة للوجه وضربة ~~لليدين إلى المناكب والآباط. فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف واتفقوا ~~أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم, ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإنما حكى فعل نفسه, لم يثبت التيمم إلى المناكب; وإن كان ~~له وجه في الاحتمال وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة ~~في غسله ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه على وجه المبالغة فيه, لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء, فمن أراد أن يطول ~~غرته فليفعل" فقال أبو هريرة: إني أحب أن أطيل غرتي. ثم بقي من أخبار عمار ~~مما عزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوجه والكفان ونصف الذراع إلى ~~المرفقين, فكانت رواية من روى" إلى المرفقين" أولى لوجوه: أحدها أنه زائد ~~على روايات الآخرين, وخبر الزائد أولى. والثاني: أن الآية تقتضي اليدين إلى ~~المنكبين لدخولهما تحت الاسم, فلا يخرج شيء منه إلا بدليل, وقد قامت ~~الدلالة على خروج ما فوق المرفقين فبقي حكمه إلى المرفقين. والثالث: أن في ~~حديث ابن عمر والأسلع التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهما في روايته ~~ما, وقول الزهري: "يمسح يديه إلى الإبط" قول شاذ, ومع ذلك لم يروه أحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: "أنه ~~يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه ويديه" فخلاف ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في سائر الأخبار التي ذكر فيها صفة التيمم; لأن الذي روي في ~~بعضها: ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" فلم يجعل ما للوجه ~~لليدين وما لليدين للوجه, وفي بعضها: "ضربة واحدة لهما" فقولهما خارج عن ~~حكم الخبرين جميعا; وهو مع ذلك خلاف الأصول; لأن التيمم مسح, فليس تكراره ~~بمسنون كالمسح على الخفين ومسح الرأس, ولو كان التكرار مسنونا فيه لكان ~~ثلاثا كالأعضاء المغسولة. وإنما قال أصحابنا في صفة التيمم "إنه يضع يديه ~~على الصعيد يقبل بهما ms1738 ويدبر" ليتخلل أصابعه ويصيب جميعها, وإنما قالوا: ~~"ينفضهما" لما روى الأعمش عن سفيان عن أبي موسى أن عمارا قال, وذكر قصة ~~التيمم, فقال: إنه صلى الله عليه وسلم قال: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا" ~~وضرب بيده على الأرض; وفي حديث عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أنه ضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما, وفي حديث الأسلع: أنه ~~نفضهما في كل مرة والنفخ والنفض جميعا إنما هو لإزالة التراب عن يده, وهذا ~~يدل على أنه ليس المقصد فيه وصول التراب إلى وجهه ولا حصوله فيه لأنه لو ~~كان المقصد حصول التراب في العضو لما نفضه # PageV02P486 # باب ما يتيمم به # قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} اختلف الفقهاء فيما يجوز به ~~التيمم, فقال أبو حنيفة: "يجزي التيمم بكل ما كان من الأرض: التراب والرمل ~~والحجارة والزرنيخ والنورة والطين الأحمر والمرداسنج1 وما أشبهه", وهو قول ~~محمد وزفر, وكذلك يجزي بالكحل والآجر المدقوق في قوله ما رواه محمد; ورواه ~~أيضا الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. وإن تيمم ببورق2 أو رماد أو ملح أو نحوه ~~لم يجز عندهم, وكذلك الذهب والفضة في قولهم. وقال أبو يوسف: "لا يجزي إلا ~~أن يكون ترابا أو رملا". وإن ضرب يده على صخرة أو حائط لا صعيد عليه ما ~~أجزأه في قول أبي حنيفة, وقال أبو يوسف: "لا يجزيه". وروى المعلى عن أبي ~~يوسف أنه إن تيمم بأرض لا صعيد عليها لم يجزه وهو بمنزلة الحائط, وهو قوله ~~الآخر. وقال الثوري: "يجوز بالزرنيخ والنورة ونحوهما وكل ما كان من تراب ~~الأرض, ولا يتيمم بالآجر". وقال مالك: "يتيمم بالحصى والجبل" وكذلك حكى عنه ~~أصحابه في الزرنيخ والنورة ونحوهما, قال: "وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى ~~الأرض أجزأه, وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا". وروى أشهب عن مالك أنه لا يتيمم ~~بالثلج. وقال الشافعي: "يتيمم بالتراب مما تعلق باليد". # قال أبو بكر: لما قال الله: {فتيمموا صعيدا طيبا} وكان الصعيد اسما ~~للأرض, اقتضى ذلك ms1739 جواز التيمم بكل ما كان من الأرض; وأخبرنا أبو عمر غلام ~~ثعلب عنه عن ابن الأعرابي قال: الصعيد الأرض, والصعيد التراب, والصعيد ~~القبر, والصعيد الطريق. فكل ما كان من الأرض فهو صعيد فيجوز التيمم به ~~بظاهر الآية. فإن قيل: إنما أباح التيمم بالصعيد الطيب, والأرض الطيبة هي ~~التي تنبت, والجص والزرنيخ لا ينبت شيئا, فليس إذا بطيب, قال الله تعالى: ~~{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} [الأعراف: 58] . قيل له: إنما أراد ~~بالطيب الطاهر المباح, كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: ~~57] فأفاد بذلك إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس. وأما قوله: {والبلد ~~الطيب} فإنما يريد به ما ليس بسبخة لأنه قال: {والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} ~~[الأعراف: 58] ولا خلاف في جواز التيمم بالسبخة التي لا تخرج PageV02P487 # مثل ما يخرج غيرها, فعلمنا أنه لم يرد بالطيب ما ذكرت. وقد روى أبو ظبيان ~~عن ابن عباس قال: "الطيب الصعيد الجرز" أو قال: "الأرض الجرز". وقال ابن ~~جريج, قال: قلت لعطاء: {فتيمموا صعيدا طيبا} قال: أطيب ما حولك. ويدل عليه ~~أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" , وهو ~~يدل من وجهين على ما ذكرنا, أحدهما: إخباره أن الأرض طهور, فكل ما كان من ~~الأرض فهو طهور بمقتضى الخبر. والآخر: أن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي ~~جعله طهورا, وسائر ما ذكر هو من الأرض وهي مسجد, فيجوز التيمم به بحق ~~العموم. وروى عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن أعرابا ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نكون في هذه ~~الرمال لا نقدر على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وفينا النفساء والحائض ~~والجنب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بأرضكم" فأفاد بذلك جوازه بكل ما ~~كان من الأرض. ولما ذكرنا من عموم الآية والخبر أجزنا التيمم بالحجر ~~والحائط لأنه من الأرض; لأنها تشتمل على أنواع مختلفة ولا يخرجها اختلاف ~~أنواعها من كون جميعها صعيدا; وقال تعالى: ms1740 {فتصبح صعيدا زلقا} [الكهف: 40] ~~يعني الأرض الملساء التي لا شيء عليها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"يحشر الناس عراة حفاة في صعيد واحد" يعني الأرض المستوية التي ليس عليها ~~شيء, كقوله تعالى: {فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه: ~~106, 107] فلا فرق بين ما عليه منها تراب أو لا تراب عليه, لوقوع الاسم ~~عليه على الإطلاق. # فإن قيل: إن الآجر وإن كان أصله من الأرض فقد انتقل عن طبع الأرض بالطبخ ~~وحال عن حد التراب, فهو كالماء المنتقل عن حاله بما يدخل عليه من الرياحين ~~والأصباغ حتى يحول إلى جنس آخر ويزول عنه الاسم الأول, وكالزجاج; فلا يجوز ~~الوضوء به. قيل له: إنما لم يجز الوضوء بالماء الذي ذكرت لغلبة غيره عليه ~~حتى أزال عنه اسم الماء, وأما الآجر فلا يخالطه ما يخرجه عن حد الأرض, ~~وإنما حدثت فيه صلابة بالإحراق فهو كالحجر, فلا يمنع ذلك التيمم به; وقد ~~روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده على الحائط فتيمم به; ~~وروي: أنه نفض يديه حين وضعهما على التراب وأنه نفخهما فعلمنا أن المقصد ~~فيه وضع اليد على ما كان من الأرض لا على أن يحصل في يده أو وجهه شيء منه, ~~ولو كان المقصد أن يحصل في يده منه شيء لأمر بحمل التراب على يده ومسح ~~الوجه به كما أمر بأخذ الماء للغسل أو للمسح حتى يحصل في وجهه, فلما لم ~~يأمر بأخذ التراب ونفض النبي صلى الله عليه وسلم يديه ونفخهما علمنا أنه ~~ليس المقصد حصول التراب في وجهه. # PageV02P488 # فإن قيل: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~يقتضي حصول شيء منه في الأعضاء الممسوحة به. قيل له: إنما أفاد بذلك تأكيد ~~وجوب النية فيه; لأن "من" قد تكون لبدء الغاية كقولك: خرجت من الكوفة, وهذا ~~كتاب من فلان إلى فلان; فيكون معناه على هذا: ليكن ابتداء الأخذ من الأرض ~~حتى يتصل بالوجه واليد بلا فاصل يفصل بين الأخذ وبين ms1741 المسح فينقطع حكم ~~النية ويحتاج إلى تجديدها, وهو كقولك: توضأ من النهر; يعني أن ابتداء أخذه ~~من النهر إلى أن اتصل بأعضاء الوضوء من غير قطع, ألا ترى أنه لو أخذه من ~~النهر في إناء وتوضأ منه لم يقل إنه توضأ من النهر؟ ويحتمل أن يكون قوله: ~~{فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يعني من بعضه, وأفاد به أن أي بعض منه مسحتم ~~به على جهة الإطلاق والتوسعة. # وأما الذهب والفضة واللؤلؤ ونحوها فلا يجوز التيمم بها لأنها ليست من طبع ~~الأرض وإنما هي جواهر مودوعة فيها, قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل ~~عن الركاز: "هو الذهب والفضة اللذان خلقهما الله تعالى في الأرض يوم خلقت". ~~واللؤلؤ من الصدف, والصدف من حيوان الماء; وأما الرماد فهو من الخشب ونحوه, ~~ومع ذلك فليس هو من طبع الأرض ولا من جوهرها. وأما الثلج والحشيش فهما ~~كالدقيق والحبوب ونحوها, فلا يجوز التيمم بها لأنها ليست من الصعيد, ولا ~~يجوز نقل الأبدال إلى غيرها إلا بتوقيف, فلما جعل الله الصعيد بدلا من ~~الماء لم يجز لنا إثبات بدل منه إلا بتوقيف, ولو جاز ذلك لجاز أن يضرب يده ~~على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به, ولجاز التيمم بالقطن والحبوب; وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا قال: وترابها لنا طهور" ~~وقد اتفقوا على امتناع جوازه بالثلج والحشيش إذا وصل إلى الأرض, فلو كان ~~مما يجوز التيمم به لجاز مع وجود التراب; لأن التيمم بالصعيد بدل فلا ينتقل ~~إلى بدل غيره. # فإن قيل: إذا لم يصل إلى الأرض فهو كالزرنيخ والنورة والمغرة إذا كان ~~بينه وبين الأرض. قيل له: الزرنيخ ونحوه من الأرض, ويجوز التيمم به مع وجود ~~التراب وعدمه, وليس هو مع ذلك حائلا بيننا وبين الأرض وإنما الأرض في ~~الأغلب حائلة بيننا وبينه, فكيف يشبهه الثلج والحشيش وإن تيمم بغبار ثوب أو ~~لبد وقد نفضه جاز عند أبي حنيفة ولا يجوز عند أبي يوسف, وإنما جاز عند أبي ~~حنيفة ms1742 لأن الغبار الذي فيه من الأرض, ولا يختلف حكمه في كونه في الثياب أو ~~على الأرض, كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر ~~من ثوب مبلول. وذهب أبو يوسف في ذلك كله إلى أن هذا لا يسمى ترابا على ~~الإطلاق فلا يجوز التيمم به, ومن أجل ذلك لم يجز التيمم بأرض لا تراب ~~عليها, وجعلها بمنزلة الحجر على أصله. وروى قتادة عن نافع عن ابن # PageV02P489 # عمر, أن عمر صلى على مسح من ثلج أصابه وأرادوا أن يتيمموا فلم يجدوا ~~ترابا, فقال: "لينفض أحدكم ثوبه أو صفة سرجه1 فيتيمم به". وروى هشام بن ~~حسان عن الحسن قال: "إذا لم يجد الماء ولم يصل إلى الأرض ضرب بيده على لبده ~~وسرجه ثم يتيمم به". # قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} قال أبو بكر الذي يقتضيه ~~الظاهر مسح البعض على ما بينا في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} وأن الباء ~~تقتضي التبعيض, إلا أن الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز له الاقتصار على ~~القليل منه وأن عليه مسح الكثير. وذكر أبو الحسن الكرخي عن أصحابنا أنه إن ~~ترك المتيمم من مواضع التيمم شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزه. وروى الحسن بن ~~زياد عن أبي حنيفة أنه يجزيه إذا ترك اليسير منه; وهذا أولى بمذهبه; لأن من ~~أصله جواز التيمم بالحجارة التي لا غبار عليها وليس عليه تخليل أصابعه ~~بالحجارة, وهذا يدل على أن ترك اليسير منه لا يضره; وقال الله تعالى2: ~~{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ولا خلاف في وجوب استيعاب البيت كله, ~~وغير جائز له ترك شيء منه. # قوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} ~~[المائدة: 6] قال أبو بكر: لما كان الحرج الضيق ونفى الله عن نفسه إرادة ~~الحرج بنا, ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما ~~اختلف فيه من أحكام السمعيات, فيكون القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا ~~بظاهر هذه الآية, وهو نظير قوله تعالى: {يريد ms1743 الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} [البقرة: 185] . وقوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم} يحتمل معنيين: ~~الطهارة من الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ العبد فغسل ~~وجهه خرجت ذنوبه من وجهه, وإذا غسل يديه خرجت ذنوبه من يده" إلى آخره, كما ~~قال تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~[الأحزاب: 33] يحتمل التطهير من الذنوب ويحتمل التطهير من الأحداث والجنابة ~~والنجاسة, كقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقوله تعالى: {وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11] فانتظم ~~لطهارة الجنابة والطهارة من النجاسة, وقوله تعالى: {وثيابك فطهر} ~~[المدثر:4] فلما احتمل المعنيين فالواجب حمله عليهما, فيكون المراد التطهير ~~من الأحداث والتطهير به أيضا من الذنوب; وهذا PageV02P490 # يدل إذا كان المراد حصول الطهارة على سقوط اعتبار الترتيب وإيجاب النية ~~في الوضوء. فإن قيل: لما ذكر ذلك عقيب التيمم فينبغي أن يدل على سقوط ~~اعتبار النية في التيمم كما دل على سقوطها في الوضوء. قيل له: لما كان ~~التيمم يقتضي إحضار النية في فحواه ومقتضاه علمنا أنه لم يرد به إسقاط ما ~~انتظمه, وأما الوضوء والغسل فلا يقتضيان النية فوجب اعتبار عمومه فيهما. ~~وعلى أن قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} كلام ~~مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره, فصح اعتبار عمومه في جميع ما ~~انتظمه لفظه إلا ما قام دليل خصوصه. # PageV02P491 # فصل # قال أبو بكر: قد ذكرنا ما حضرنا من علم أحكام هذه الآية, وما في ضمنها من ~~الدلائل على المعاني, وما يشتمل عليه من وجوه الاحتمال على ما ذهب إليه ~~المختلفون فيها, وذكرناه عن قائليها من السلف وفقهاء الأمصار وإنزال الله ~~إياها بهذه الألفاظ المحتملة للمعاني, ووجوه الدلالات على الأحكام مع أمره ~~إيانا باعتبارها والاستدلال بها في قوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} [النساء: 83] وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] فحث على التفكر فيه, وحرضنا على ~~الاستنباط والتدبر, وأمرنا ms1744 بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه وننال درجة ~~المستنبطين والعلماء الناظرين. ودل بما أنزل من الآي المحتملة للوجوه من ~~الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها, وأن ~~كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره, وأن ~~مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره; إذ لم يكن ~~لنا سبيل إلى استدراكه إلا من طريق السمع وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من ~~طريق النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده, فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل ~~لفظ الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعا لكل واحد من المجتهدين ما دل عليه ~~عنده فحوى الآية وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال. فانظر على ~~كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثرة الفوائد وضروب ~~ما أدت إليه من وجوه الاستنباط وهذه إحدى دلائل إعجاز القرآن; إذ غير جائز ~~وجود مثله في كلام البشر. وأنا ذاكر مجملا ما تقدم ذكره مفصلا ليكون أقرب ~~إلى فهم قارئه إذا كان مجموعا محصورا, والله تعالى نسأل التوفيق. # فأول ما ذكرنا من حكم قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} ما احتمله اللفظ ~~من # PageV02P491 # إرادة القيام. والثاني: ما اقتضته حقيقة اللفظ من إيجاب الغسل بعد ~~القيام. والثالث: ما احتمله من القيام من النوم; لأن الآية على هذه الحال ~~نزلت. والرابع: اقتضاؤها إيجاب الوضوء من النوم المعتاد الذي يصح إطلاق ~~القول فيه بأنه قائم من النوم. والخامس: احتمالها لإيجاب الوضوء لكل صلاة, ~~واحتمالها لطهارة واحدة لصلوات كثيرة ما لم يحدث. والسادس: احتمالها إذا ~~أردتم القيام وأنتم محدثون وإيجاب الطهارة من الإحداث. والسابع: دلالتها ~~على جواز الوضوء بإمرار الماء على الموضع من غير دلك واحتمالها لقول من ~~أوجب الدلك. والثامن: إيجابها بظاهرها إجراء الماء على الأعضاء وأن مسحها ~~غير جائز على ما بينا, وبطلان قول من أجاز المسح في جميع الأعضاء. والتاسع: ~~دلالتها على جواز الوضوء بغير نية. والعاشر: دلالتها على وجوب الاقتصار ~~بالفرض ms1745 على ما واجهنا من المتوضئ بقوله تعالى: {وجوهكم} إذ كان الوجه ما ~~واجهك, وأن المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الوضوء. والحادي عشر: دلالتها ~~على أن تخليل اللحية غير واجب; إذ لم يكن باطنها من الوجه. والثاني عشر: ~~دلالتها على نفي إيجاب التسمية في الوضوء. والثالث عشر: دلالتها على دخول ~~المرافق في الغسل. والرابع عشر: احتمالها أن تكون المرافق غير داخلة فيه. ~~والخامس عشر: دلالتها على جواز مسح بعض الرأس. والسادس عشر: احتمالها لوجوب ~~مسح الجميع. والسابع عشر: احتمالها لجواز مسح البعض, أي بعض كان منه. ~~والثامن عشر: دلالتها على أنه غير جائز أن يكون المفروض ثلاث شعرات; إذ غير ~~جائز تكليفه ما لا يمكن الاقتصار عليه. والتاسع عشر: احتمالها لوجوب غسل ~~الرجلين. والعشرون: احتمالها لجواز المسح على قول موجبي استيعابها بالمسح. ~~والحادي والعشرون: دلالتها على بطلان قول مجيزي مسح البعض بقوله: {إلى ~~الكعبين} . والثاني والعشرون: دلالتها على عدم إيجاب الجمع بين الغسل ~~والمسح وأن الواجب إنما كان أحدهما باتفاق الفقهاء. والثالث والعشرون: ~~دلالتها على جواز المسح في حال لبس الخفين ووجوب الغسل في حال ظهور ~~الرجلين. والرابع والعشرون: دلالتها على جواز المسح على الخفين إذا أدخل ~~رجليه وهما طاهرتان ثم أكمل الطهارة قبل الحدث; لأنها من حيث دلت على المسح ~~دلت على جوازه في جميع الأحوال إلا ما قام دليله. والخامس والعشرون: ~~دلالتها على قول من أجاز المسح على الجرموقين من حيث دلت على المسح على ~~الخفين لأن الماسح على الخفين والجرموقين جائز أن يقال قد مسح على رجليه, ~~كما تقول: "قد ضربت رجليه" وإن كان عليهما خفان. والسادس والعشرون: دلالتها ~~على جواز المسح على الجوربين وأنه يحتاج إلى دليل في أن المسح على الجوربين ~~غير مراد. والسابع والعشرون: دلالتها على لزوم مباشرة الرأس بالمسح وامتناع # PageV02P492 # جوازه على العمامة والخمار. فإن قيل: فإن كان ذلك دليلا على بطلان المسح ~~على العمامة, فقوله: {وأرجلكم} يدل على بطلان المسح على الخفين. قيل له: ~~لما كان قوله: {وأرجلكم} محتملا للمسح والغسل وأمكننا استعمالهما ms1746 استعملناه ~~ما في حالين, وإن كان في أحدهما مجازا, لئلا نسقط واحدا منهما, ولم تكن بنا ~~حاجة إلى استعمال قوله: {وامسحوا برؤوسكم} على المجاز, فاستعملناه على ~~حقيقته. والثامن والعشرون: دلالتها على جواز الوضوء مرة مرة وأن ما زاد فهو ~~تطوع. والتاسع والعشرون: دلالتها على نفي فرض الاستنجاء, وعلى جواز الصلاة ~~مع تركه, وعلى بطلان قول من أوجب الاستنجاء من الريح. والثلاثون: دلالتها ~~على بطلان قول من أوجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء, وأنه إن أدخلهما ~~قبل أن يغسلهما لم يجزه الوضوء. والحادي والثلاثون: دلالتها على أن مسح ~~الأذنين ليس بفرض, وبطلان قول من أجاز المسح عليهما ما دون الرأس. والثاني ~~والثلاثون: دلالتها على جواز تفريق الوضوء بإباحة الصلاة بالغسل على أي وجه ~~حصل. والثالث والثلاثون: دلالتها على بطلان قول موجبي الترتيب في الوضوء. ~~والرابع والثلاثون: اقتضاؤها لإيجاب الغسل من الجنابة. والخامس والثلاثون: ~~دلالتها على اقتضاء هذا اللفظ لمن سمي به اجتناب أشياء, إذا كانت الجنابة ~~من مجانبة ما يقتضي ذلك اجتنابه, وهو ما قد بين حكمه في غيرها. والسادس ~~والثلاثون: دلالتها على استيعاب البدن كله بالغسل ووجوب المضمضة والاستنشاق ~~فيه بقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} . والسابع والثلاثون: دلالتها على أنه ~~متى طهر بدنه استباح الصلاة وأن الوضوء ليس بفرض فيه. والثامن والثلاثون ~~إيجاب التيمم للحدث عند عدم الماء والتاسع والثلاثون: جوازه للمريض إذا خاف ~~ضرر الماء. والأربعون جواز التيمم لغير المريض إذا خاف ضرر البرد; إذ كان ~~المعنى في المرض مفهوما وهو أنه خوف الضرر. والحادي والأربعون: دلالتها على ~~جواز التيمم للجنب; إذ كان قوله تعالى: {أو لامستم النساء} يحتمل الجماع. ~~والثاني والأربعون: احتمالها إيجاب الوضوء من مس المرأة; إذ كان قوله ~~تعالى: {أو لامستم} يحتمل الأمرين. والثالث والأربعون: دلالتها على أن من ~~خاف العطش جاز له التيمم; إذ كان في معنى الخائف لضرر الماء باستعماله, وهو ~~المريض والمجروح. والرابع والأربعون: دلالتها على أن الناسي للماء في رحله ~~يجوز له التيمم,; إذ هو غير واجد للماء, والله تعالى شرط استعمال ms1747 الماء عند ~~وجوده. والخامس والأربعون: دلالتها على أن من معه ماء لا يكفيه لوضوئه فليس ~~عليه استعماله, لأنه أمر بغسل أعضاء الوضوء, ثم قال تعالى: {فلم تجدوا ماء} ~~يعني ما يكفي لغسلها; ولأنه لا خلاف أن من فرضه التيمم, فدل على أن هذا ~~القدر من الماء غير مراد. والسادس والأربعون: احتمالها لاستدلال من استدل ~~بقوله تعالى: {فلم # PageV02P493 # تجدوا ماء فتيمموا} فذكر عدم كل جزء منه, إذ كان نكرة في جواز التيمم, ~~فإذا وجد قليلا لم يجز الاقتصار على التيمم. والسابع والأربعون: دلالتها ~~على سقوط فرض الطلب وبطلان قول موجبه,; إذ كان الوجود أو العدم لا يقتضيان ~~طلبا, فموجب الطلب زائد فيها ما ليس منها. والثامن والأربعون: دلالتها على ~~أن من خاف ذهاب الوقت إن توضأ لم يجز له التيمم,; إذ كان واجدا للماء, ~~لأمره تعالى إيانا بالغسل عند وجود الماء بقوله تعالى: {فاغسلوا} من غير ~~ذكر الوقت. والتاسع والأربعون: دلالتها على أن المحبوس الذي لا يجد الماء ~~ولا ترابا نظيفا أنه لا يصلي, لأن الله أمر بفعل الصلاة بأحد ما ذكره في ~~الآية من ماء أو تراب. والخمسون: احتمالها لجواز التيمم للمحبوس إذا وجد ~~ترابا نظيفا. والحادي والخمسون جواز التيمم قبل دخول الوقت,; إذ لم يحصره ~~بوقت وإنما علقه بعدم الماء بقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} . والثاني ~~والخمسون: دلالتها على جواز الصلوات المكتوبات بتيمم واحد ما لم يحدث أو ~~يجد الماء, بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ثم قوله في ~~سياقه: {فتيمموا} فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء, ~~فلما لم تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم. والثالث ~~والخمسون: دلالتها على أن على المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة الوضوء, ~~لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} على ما بينا من دلالتها على ~~ذلك فيما سلف. والرابع والخمسون مسح الوجه واليدين في التيمم واستيعابهما ~~به. والخامس والخمسون مسح اليدين إلى المرفقين لاقتضاء قوله تعالى: ~~{وأيديكم إلى المرافق} إياها, وأن ما فوق المرفقين ms1748 إنما خرج بدليل. والسادس ~~والخمسون: جوازه بكل ما كان من الأرض لقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} ~~والصعيد الأرض. والسابع والخمسون بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى ~~{طيبا} والنجس ليس بطيب. والثامن والخمسون: وجوب النية في التيمم من وجهين: ~~أحدهما: أن التيمم القصد والثاني: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} على ما بينا من دلالته على أن ابتداءه يكون من الأرض حتى يتصل بالوجه ~~من غير قطع, وأن استعماله لشيء آخر يقطع حكم النية ويوجب الاستئناف. ~~والتاسع والخمسون: احتمالها لإصابة بعض التراب وجهه ويديه, لقوله: {منه} ~~وهو للتبعيض. والستون: دلالتها على بطلان قول من أجاز التيمم بالثلج ~~والحشيش; إذ ليسا من الصعيد. والواحد والستون: دلالة قوله تعالى: {أو جاء ~~أحد منكم من الغائط} على إيجاب الطهارة من الخارج من السبيلين وأن دم ~~الاستحاضة وسلس البول والمذي ونحوها توجب الوضوء; إذ كان الغائط وهو ~~المطمئن من الأرض يؤتى لكل ذلك. والثاني والستون: دلالة قوله تعالى: ~~{فاغسلوا وجوهكم} على جواز الغسل بسائر المائعات إلا ما خصه الدليل, فيستدل ~~به على جواز # PageV02P494 # الوضوء بنبيذ التمر ويستدل به أيضا الحسن بن صالح على جوازه بالخل وما ~~جرى مجراه ويستدل به أيضا على جواز الطهارة بالماء الذي خالطه شيء من ~~الطاهرات ولم يغلب على الماء مثل ماء الورد واللبن والخل ونحو ذلك. والثالث ~~والستون: دلالة قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} على جوازه بالنبيذ; إذ ~~كان في النبيذ ماء, وإنما أطلق لنا التيمم عند عدم كل جزء من الماء لذكره ~~إياه بلفظ منكور, ويستدل به أيضا من يجيز الوضوء بالماء المضاف كالمرق وخل ~~التمر ونحوه; إذ كان فيه ماء. والرابع والستون: دلالتها لمن يمنع المستحاضة ~~صلاتي فرض بوضوء واحد على لزوم إعادة الوضوء لفرض ثان, لقوله: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة} فقد روي: "إذا قمتم وأنتم محدثون" وهي محدثة, لوجود الحدث بعد ~~الطهارة. والخامس والستون: دلالتها على امتناع جواز فرضين بتيمم واحد ~~كدلالتها في الاستحاضة; إذ كان التيمم غير رافع للحدث, فهو متى أراد القيام ~~إلى الصلاة ms1749 قام إليها وهو محدث. والسادس والستون: دلالتها على جواز التيمم ~~في أول الوقت عند عدم الماء لقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقوله: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة} إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} فأمر بالصلاة عند ~~دلوكها, وأمر بتقديم الطهارة لها بالماء إن كان موجودا أو التراب إذا كان ~~معدوما; فاقتضى ذلك جواز التيمم في أول الوقت وقبل الوقت, كما اقتضى جواز ~~الطهارة بالماء قبل الوقت وفي أوله. والسابع والستون: دلالتها على امتناع ~~جواز التيمم في الحضر للمحبوس وجواز الصلاة به, لقوله تعالى: {وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط} إلى قوله: {فتيمموا صعيدا} ~~فشرط في إباحة التيمم شيئين: أحدهما المرض, والآخر: السفر مع عدم الماء; ~~فإذا لم يكن مسافرا وكان مقيما إلا أنه ممنوع منه بحبس, فغير جائز صلاته ~~بالتيمم. فإن قيل: فهو غير واجد للماء وإن كان مقيما. قيل له: هو كذلك, إلا ~~أنه قد شرط في جوازه شيئين: أحدهما: السفر الذي الأغلب فيه عدم الماء, ~~والثاني: عدمه; وإنما أبيح له التيمم وجواز الصلاة بتعذر وجود الماء للحال ~~الموجبة لذلك وهو السفر لا في الحضر الذي الماء فيه موجود في الأغلب, وإنما ~~حصل المنع بفعل آدمي من غير حال العادة فيها, والغالب منها عدمه. والثامن ~~والستون: دلالة قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} على نفي كل ما ~~أوجب الحرج, والاحتجاج به عند وقوع الخلاف على منتحلي مذهب التضييق; فيدل ~~على جواز التيمم, وإن كان معه ما إذا خاف على نفسه من العطش فيحبسه لشربه; ~~إذ كان فيه نفي الضيق والحرج, وعلى نفي إيجاب الترتيب والموالاة في ~~الطهارة, وعلى نفي إيجاب النية فيها, وما جرى مجرى ذلك. والتاسع والستون: ~~دلالة قوله: {ولكن يريد ليطهركم} على أن المقصد حصول الطهارة على أي وجه ~~حصلت من ترتيب أو غيره, # PageV02P495 # ومن موالاة أو تفريق, ومن وجوب نية أو عدمها, وما جرى مجرى ذلك. # PageV02P496 # مطلب: اغتساله عليه السلام بالصاع غير موجب اعتباره # والسبعون: دلالة قوله: {فاطهروا} ms1750 على سقوط اعتبار تقدير الماء; إذ كان ~~المراد التطهير, وعلى أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم بالصاع غير موجب ~~اعتباره. والواحد والسبعون: أن قوله تعالى: {فامسحوا برؤوسكم} فيه دلالة ~~على أن المراد المسح بالماء; إذ المسح لا يقتضي ماء1, فلما قال: {فلم تجدوا ~~ماء} دل على أن المراد مسحه بالماء. # فهذه وجوه دلالات هذه الآية الواحدة على المعاني وضروب الأحكام, منها ~~نصوص ومنها احتمال في الطهارة التي يجب تقديمها أمام الصلاة وشروطها التي ~~تصح بها. وعسى أن يكون كثير من دلائلها وضروب احتمالها مما لم يبلغه علمنا ~~متى بحث عنها واستقصي النظر فيها أدركها من وفق لفهمها; والله الموفق. ~~PageV02P496 # باب القيام بالشهادة والعدل # القيام بالشهادة والعدل قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط} ومعناه: كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم ~~القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه, فهذا هو ~~القيام لله بالحق. وقوله: {شهداء بالقسط} يعني بالعدل; قد قيل في الشهادة ~~إنها الشهادات في حقوق الناس, روي ذلك عن الحسن; وهو مثل قوله: {كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] وقيل: إنه أراد ~~الشهادة على الناس بمعاصيهم, كقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} ~~[البقرة: 143] فكان معناه: أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأن ~~مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة. وقيل: أراد به الشهادة لأمر ~~الله بأنه الحق. وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها. # قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} [المائدة: 8] روي ~~أنها نزلت في شأن اليهود حين ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستعينهم ~~في دية, فهموا أن يقتلوه. وقال الحسن: "نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن ~~المسجد الحرام". قال أبو بكر: قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة ~~في قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ~~[المائدة: 2] فحمله الحسن على معنى الآية الأولى, والأولى أن تكون ms1751 نزلت في ~~غيرهم وأن لا تكون تكرارا. # PageV02P496 ### | مطلب: لا حظ للنظر مع الأثر # فإن قيل: لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس. قيل له: لا # PageV02P438 ### | مطلب: المسح على الجبيرة مستحب عند أبي حنيفة # فإن قيل: قد جاز المسح على الجبائر بغير توقيت وهو بدل عن الغسل. قيل له: ~~أما على مذهب أبي حنيفة فهذا السؤال ساقط; لأنه لا يوجب المسح على الجبائر, ~~وهو عنده مستحب تركه لا يضر. وعلى قول أبي يوسف ومحمد أيضا لا يلزم لأنه ~~إنما يفعله عند الضرورة كالتيمم والمسح على الخفين جائز بغير ضرورة; فلذلك ~~اختلفا. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون جواز المسح مقصورا على السفر لأن الأخبار وردت ~~فيه, وأن لا يجوز في الحضر لما روي أن عائشة سئلت عن ذلك فقالت: "سلوا عليا ~~فإنه كان معه في أسفاره"; وهذا يدل على أنه لم يمسح في الحضر; لأن مثله لا ~~يخفى على عائشة؟ قيل له: يحتمل أن تكون سئلت عن توقيت المسح للمسافر فأحالت ~~به على علي رضي الله عنه. وأيضا فإن عائشة أحد من روى توقيت المسح للمسافر ~~والمقيم جميعا. وأيضا فإن الأخبار التي فيها توقيت مسح المسافر فيها توقيته ~~للمقيم, فإن ثبت للمسافر ثبت للمقيم. # فإن قيل: قد تواترت الأخبار بغسله في الحضر وقوله: "ويل للعراقيب من ~~النار". قيل له: إنما ذلك في حال ظهور الرجلين. فإن قيل: جائز أن يختص حال ~~السفر بالتخفيف دون حال الحضر كالقصر والتيمم والإفطار. قيل له: لم نبح ~~المسح للمقيم ولا للمسافر قياسا, وإنما أبحناه بالآثار, وهي متساوية فيما ~~يقتضيه من المسح في السفر والحضر, فلا معنى للمقايسة. # واختلف الفقهاء أيضا في المسح من وجه آخر, فقال أصحابنا: "إذا غسل رجليه ~~ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح إذا أحدث", وهو قول ~~الثوري; وروي عن مالك مثله. وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي: "أنه لا يجزيه ~~إلا أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة" ودليل أصحابنا عموم قوله صلى الله ~~عليه وسلم: ms1752 "يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها" ولم ~~يفرق بين لبسه قبل إكمال الطهارة وبعدها. وروى # PageV02P439 ### | باب الوضوء مرة مرة # قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الآية. الذي يقتضيه ظاهر اللفظ غسلها ~~مرة واحدة; إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل, فمن غسل مرة فقد ~~أدى الفرض. وبه وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: "هذا الوضوء الذي افترض ~~الله علينا". وروى ابن عباس وجابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة ~~مرة, وقال أبو رافع: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ومرة مرة. ~~قال أبو بكر: فما نص الله تعالى عليه في هذه الآية هو فرض الوضوء على ما ~~بيناه; وفيه أشياء مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ما حدثنا ~~عبد الله بن الحسن قال: حدثنا أبو مسلم قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا ~~زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد الخير قال: دخل علي الرحبة بعدما ~~صلى الفجر, فجلس في الرحبة ثم قال لغلامه: ايتني بطهور فأتاه الغلام بإناء ~~وطست قال عبد الخير: ونحن جلوس ننظر إليه فأخذ بيده اليمنى الإناء فأكفأه ~~على يده اليسرى ثم غسل كفيه, ثم أخذ بيده اليمنى الإناء # PageV02P441 ### | مطلب: في معنى قوله عليه السلام: "سجد وخهي للذي خلقه" # فإن احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: "سجد وجهي ~~للذي خلقه وشق سمعه وبصره" فجعل السمع من الوجه. قيل له: لم يرد بالوجه في ~~هذا الموضع العضو المسمى بذلك, وإنما أراد به أن جملة الإنسان هو الساجد ~~لله لا الوجه, وهو كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] يعني ~~به ذاته. وأيضا فإنه ذكر السمع, وليس الأذنان هما السمع, فلا دلالة فيه على ~~حكم الأذنين; وقد قال الشاعر: # إلى هامة قد وقر الضرب سمعها ... وليست كأخرى سمعها لم يوقر # فأضاف السمع إلى الهامة. ويدل على ms1753 أنهما تمسحان مع الرأس على وجه التبع ~~أنه ليس في الأصول مسح مسنون إلا على وجه التبع للمفروض منه, ألا ترى أن من ~~سنة المسح على الخفين أن يمسح من أطراف الأصابع إلى أصل الساق والمفروض منه ~~بعضه أما على قولنا فمقدار ثلاثة أصابع وعلى قول المخالف مقدار ما يسمى ~~مسحا؟ وقد روي في حديث عبد خير عن علي أنه مسح رأسه مقدمه ومؤخره ثم قال: ~~هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم; وروي عبد الله بن زيد المازني ~~والمقدام بن معدي كرب: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه أقبل ~~بهما وأدبر, بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه1 ثم ردهما حتى رجع إلى ~~المكان الذي بدأ منه, ومعلوم أن القفا ليس بموضع مفروض المسح; لأن مسح ما ~~تحت الأذنين لا يجزي من المفروض, وإنما مسح ذلك الموضع على جهة التبع ~~للمفروض. PageV02P445 ### | فصل مطلب: فيما تمسك به القائلون بفرض التسمية على الوضوء وجواب المصنف عن ذلك # وقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل على أن ~~التسمية على الوضوء ليست بفرض لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء من غير ~~شرط التسمية, وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار. وحكي عن بعض أصحاب ~~الحديث أنه رآها فرضا في الوضوء, فإن تركها عامدا لم يجزه وإن تركها ناسيا ~~أجزأه. ويدل على جوازه قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] فعلق صحة الطهارة بالفعل من غير ذكر التسمية شرطا فيه, فمن ~~شرطها فهو زائد في حكم هذه الآيات ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز ~~الصلاة بوجود الغسل. ويدل عليه من جهة السنة # PageV02P448 ### | ### | فصل # مطلب: اختلف الفقهاء في فرضية الاستنجاء # قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل على أن ~~الاستنجاء ليس بفرض وأن الصلاة جائزة مع تركه إذا لم يتعد الموضع وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك, فأجاز أصحابنا صلاته وإن كان مسيئا في تركه. وقال الشافعي: ~~"لا يجزيه إذا تركه رأسا". وظاهر ms1754 الآية يدل على صحة القول الأول. وروي في ~~التفسير أن معناه: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون; وقال في نسق الآية: ~~{أو جاء أحد منكم من # PageV02P449 ### | فصل # ويستدل بقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} الآية, على بطلان قول القائلين ~~بإيجاب الترتيب في الوضوء, وعلى أنه جائز تقديم بعضها على بعض على ما يرى ~~المتوضئ; وهو قول أصحابنا ومالك والثوري والليث والأوزاعي وقال الشافعي: ~~"لا يجزيه غسل الذراعين قبل الوجه ولا غسل الرجلين قبل الذراعين". وهذا ~~القول مما خرج به الشافعي عن إجماع السلف والفقهاء وذلك لأنه روي عن علي ~~وعبد الله وأبي هريرة: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت وضوئي", ولا ~~يروى عن أحد من السلف والخلف فيما نعلم مثل قول الشافعي. وقوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, يدل من ثلاثة أوجه على سقوط فرض ~~الترتيب: أحدها مقتضى ظاهرها جواز الصلاة بحصول الغسل من غير شرط الترتيب; ~~إذ كانت "الواو" ههنا عند # PageV02P451 ### | مطلب: في جواب ابن عباس السائل عن تقديم العمرة على الحج # فإن قيل: سئل ابن عباس وقيل له: كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله سبحانه ~~يقول: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] فقال: كيف تقرءون الدين قبل ~~الوصية أو الوصية قبل الدين؟ قالوا: الوصية, قال: فبأيهما تبدءون؟ قالوا: ~~بالدين, قال: فهو ذاك. فلولا أن في لسانهم الترتيب في الفعل على حسب وجوده ~~في اللفظ لما سألوه عن ذلك. قيل له: كيف يحتج بقول هذا السائل وهو قد جهل ~~ما فيه الترتيب بلا خلاف بين أهل اللغة فيه, وهو قوله {فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج} [البقرة: 196] وهذا اللفظ لا محالة يوجب ترتيب فعل الحج على ~~العمرة وتقديمها عليه, فمن جهل هذا لم ينكر منه الجهل بحكم اللفظ في قوله ~~تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] وما يدري هذا القائل أن ~~هذا السائل كان من أهل اللغة, وعسى أن يكون ممن أسلم من العجم ولم يكن من ~~أهل المعرفة باللسان; وأيهما أولى قول ابن عباس في أن ترتيب اللفظ ms1755 لا يوجب ~~ترتيب الفعل, أو قول هذا السائل؟ فلو لم يكن في إسقاط قول القائلين ~~بالترتيب إلا قول ابن عباس لكان كافيا مغنيا. # فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ابدءوا بما بدأ ~~الله به" , وقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ~~[القيامة: 17, 18] فقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به" أمر يقتضي التبدئة بما ~~بدأ الله به في اللفظ والحكم, وقوله عز وجل: {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] ~~لزوم في عموم اتباعه مرتبا إذا ورد اللفظ كذلك. قيل له: أما قوله: "ابدءوا ~~بما بدأ الله به" فإنما ورد في شأن الصفا والمروة, فذكر بعضهم القصة على ~~وجهها, وحفظ بعضهم ذكر السبب واقتصر على قوله صلى الله عليه وسلم: "ابدءوا ~~بما بدأ الله به" , وغير جائز لنا أن نجعلهما حديثين ونثبت من النبي صلى ~~الله عليه وسلم القول في حالين إلا بدلالة توجب ذلك. وأيضا فنحن نبدأ بما ~~بدأ الله به, وإنما الكلام بيننا وبين مخالفينا في مراد الله من التبدئة ~~بالفعل إذا بدأ به في اللفظ, فالواجب أن نثبت أن الله قد أراد ترتيب الحكم ~~حتى نبدأ به. وكذلك الجواب في قوله: {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] لأن اتباع ~~قرآنه أن نبدأ به على ترتيبه ونظامه, وواجب أن نبدأ بحكم القرآن على حسب ~~مراده من ترتيب أو # PageV02P455 ### | باب الغسل من الجنابة # قال الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} قال أبو بكر: الجنابة اسم شرعي ~~يفيد لزوم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلا بعد ~~الاغتسال فمن كان مأمورا باجتناب ما ذكرنا من الأمور موقوف الحكم على ~~الاغتسال فهو جنب, وذلك إنما يكون بالإنزال على وجه الدفق والشهوة أو ~~الإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان, ويستوي فيه الفاعل والمفعول به. ~~وينفصل حكم الجنابة من حكم الحيض والنفاس وإن كان الحيض والنفاس يحظران ما ~~تحظره الجنابة مما قدمنا, بأن الحيض والنفاس يحظران الوطء أيضا, ووجود ~~الغسل لا يطهرهما أيضا ما دامت حائضا أو نفساء, والغسل يطهر الجنب ms1756 ولا تحظر ~~عليه الجنابة الوطء. وإنما سمي جنبا لما لزم من اجتناب ما وصفنا إلى أن ~~يغتسل فيطهره الغسل. والجنب اسم يطلق على الواحد وعلى الجماعة, وذلك لأنه ~~مصدر, كما قالوا" رجل عدل وقوم عدل" و" رجل زور وقول زور" من الزيارة, ~~وتقول منه: "أجنب الرجل وتجنب واجتنب" والمصدر الجنابة والاجتناب; فالجنابة ~~المذكورة في هذا الموضع هي البعد والاجتناب لما وصفنا. وقال الله تعالى: ~~{والجار الجنب والصاحب بالجنب} [النساء: 36] يعني: البعيد منه نسبا; فصارت ~~الجنابة في الشرح اسما للزوم اجتناب ما وصفنا من الأمور, وأصله التباعد عن ~~الشيء, وهو مثل الصوم قد صار اسما في الشرع للإمساك عن أشياء معلومة وقد ~~كان أصله في اللغة الإمساك فقط واختص في الشرع بما قد علم وقوعه عليه, ~~ونظائره من الأسماء الشرعية المنقولة من اللغة إليها, فكان المعقول بها ما ~~استقرت عليه أحكامها في الشرع; فأوجب الله تعالى على من حصلت له هذه السمة ~~الطهارة بقوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقوله في آية أخرى: {لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا} . وقال: {وينزل عليكم من # PageV02P457 ### | مطلب: يجب استعمال الآيتين على أعمهما حكما وأكثرهما فائدة # فإن قيل: قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ~~يقتضي جوازه مع تركها لوقوع اسم المغتسل عليه. قيل له: إذا كان قوله: ~~{فاطهروا} يقتضي تطهير داخل الفم والأنف فالواجب علينا استعمال الآيتين على ~~أعمهما حكما وأكثرهما فائدة, وغير جائز الاقتصار بهما على أخصهما حكما; إذ ~~فيه تخصيص بغير دلالة; ألا ترى أن من تمضمض واستنشق يسمى مغتسلا أيضا؟ فليس ~~في ذكره الاغتسال نفي لمقتضى قوله عز وجل: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} . ويدل ~~عليه من جهة السنة حديث الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحت كل شعرة جنابة ~~فبلوا الشعر وأنقوا البشرة". وروى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان ~~عن ms1757 علي, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من جنابة ~~لم يغسلها فعل بها كذا وكذا من النار" قال علي: فمن ثم عاديت شعري. وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر وأحمد بن عبد الله بن ~~سابور والعمري قالوا: حدثنا بركة بن محمد الحلبي قال: حدثنا يوسف بن أسباط ~~عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة. وأما قوله: "تحت ~~كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" ففيه الدلالة من وجهين على ما ~~ذكرنا, أحدهما: أن الأنف فيه شعر وبشرة والفم فيه بشرة فاقتضى الخبر وجوب ~~غسلهما, وحديث علي أيضا يوجب غسل داخل الأنف لأن فيه شعرا. # فإن قيل: إن العين قد يكون فيها شعر. قيل له: هو شاذ نادر, والأحكام إنما ~~تتعلق بالأعم الأكثر, ولا حكم للشاذ النادر فيها; وعلى أنا خصصناه ~~بالإجماع, ومع ذلك فإن الكلام في وجه دلالة التخصيص خروج عن المسألة, ~~والعموم سالم لنا فيما لم تقم دلالة خصوصه. # فإن قيل: إن ابن عمر كان يدخل الماء عينيه في الجنابة. قيل له: لم يكن ~~يفعله على وجه الوجوب, وقد كان مصعبا على نفسه في أمر الطهارة يفعل فيها ما ~~لا يراه # PageV02P459 ### | باب التيمم # قال الله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو # PageV02P460 ### | مطلب: المفاعلة لا تكون من اثنين إلا في أشياء نادرة # ودليل آخر على ما ذكرنا من معنى الآية: وهو أنها قد قرئت على وجهين: {أو ~~لامستم النساء} و "لمستم", فمن قرأ: "أو لامستم" فظاهره الجماع لا غيره لأن ~~المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة, كقولهم: "قاتله الله" ~~و" جازاه وعافاه الله" ونحو ذلك, وهي أحرف معدودة لا يقاس عليها أغيارها; ~~والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين, كقولهم: "قاتله وضاربه وسالمه وصالحه" ~~ونحو ذلك, وإذا كان ذلك حقيقة ms1758 اللفظ فالواجب حمله على الجماع الذي يكون ~~منهما جميعا; ويدل على ذلك أنك لا تقول "لامست الرجل ولامست الثوب" إذا ~~مسسته بيدك لانفرادك بالفعل, فدل على أن قوله: {أو لامستم} بمعنى: أو ~~جامعتم النساء, فيكون حقيقته الجماع; وإذا صح ذلك وكانت قراءة من قرأ: "أو ~~لمستم" يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع, وجب أن يكون ذلك محمولا على ما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا; لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم, وما ~~يحتمل معنيين فهو المتشابه, وقد أمرنا الله تعالى بحمل المتشابه على المحكم ~~ورده إليه بقوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} ~~[آل عمران: 7] الآية, فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه, # PageV02P466 ### | باب وجوب التيمم عند عدم الماء # قال الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} قال أبو بكر: شرط ~~الوجود مختلف فيه, والجملة التي اتفق أصحابنا عليها أن الوجود إمكان ~~استعمال الماء الذي يكفيه لطهارته من غير ضرر فلو كان معه ماء وهو يخاف ~~العطش أو لم يجده إلا بثمن كثير تيمم, وليس عليه أن يغالي فيه إلا أن يجده ~~بثمن كما يباع بغير ضرورة فيشتريه, وإن كان أكثر من ذلك فلا يشتريه. وجعل ~~أصحابنا جميعا شرط الوجود أن يكفيه لجميع طهارته, وأما العلم بكونه في رحله ~~فمختلف فيه أنه من شرط الوجود, وسنذكره إن شاء الله. واختلف أيضا في وجوب ~~الطلب وهل يكون غير واجد قبل الطلب; وإنما قلنا إنه إذا خاف العطش ~~باستعماله للطهارة فهو غير واجد للماء المفروض به الطهارة لأنه متى خاف ~~الضرر في استعماله كان معذورا في تركه إلى التيمم كالمريض, قال الله تعالى: ~~{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} فنفى الحرج عنا, وهو ~~الضيق, وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه العطش أعظم الضيق, وقد نفاه ~~الله تعالى نفيا مطلقا; وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر} [البقرة: 185] ومن العسر استعمال الماء الذي يؤديه إلى الضرر ms1759 وتلف ~~النفس, ألا ترى أنه لو اضطر إلى شرب الماء وحضرته الصلاة ولا ماء معه غيره ~~أنه مأمور بشربه وترك استعماله للطهارة, فكذلك إذا خاف العطش في المستأنف ~~باستعماله؟ وروي نحو هذا القول فيمن خاف # PageV02P468 ### | مطلب: في حكم من صلى ونسي الماء في رحله # واختلفوا في العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في الوجود أم لا; فقال ~~أبو حنيفة ومحمد: "إذا نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم وصلى أجزأه ولا ~~يعيد في الوقت ولا بعده". وقال مالك: "يعيد في الوقت ولا يعيد بعده". وقال ~~أبو يوسف والشافعي: "يعيد في الأحوال كلها". والأصل فيه قوله تعالى: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} والناسي غير واجد لما هو ناس له; إذ لا سبيل له إلى ~~الوصول إلى استعماله, فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته; وقال الله: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] فاقتضى ذلك سقوط حكم ~~المنسي. أيضا قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} ومعلوم أن هذا الخطاب لم ~~يتوجه إلى الناسي لأن تكليف الناسي لا يصح, وإذا لم يكن مأمورا مكلفا ~~بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع ~~الإمكان, فثبت جواز تيممه. وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب ~~الماء فلم يجده فتيمم وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه ~~الإعادة, ووجود الماء لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر, ~~فلما كان جهله بماء البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في ~~رحله. # فإن قيل: لو نسي الطهارة أو الصلاة لم يسقطهما النسيان, فكذلك نسيان ~~الماء. قيل له: ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان" يقتضي سقوطه, وكذلك نقول; والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر ~~غير الأول, وأما الأول فقد سقط, وإنما ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه ~~الطهارة المنسية بدلالة أخرى, وإلا فالنسيان يسقط عنه # PageV02P471 ### | مطلب: في أن الوجود لا يقتضي ms1760 سبق طلب # واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء, هل هو غير واجد؟ فقال ~~أصحابنا: "إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه ~~التيمم". وقال الشافعي: "عليه الطلب, وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه". وقال ~~أصحابنا: "إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر ~~فليس عليه إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن ~~أهل رفقته, وإن كان أقل من ميل أتاه, وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من ~~لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه". وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما ~~قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب, من قبل أنه غير واجد للماء, وقال ~~الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهذا غير واجد. فإن قالوا: لا يكون ~~غير واجد إلا بعد الطلب قيل له: هذا خطأ; لأن الوجود لا يقتضي طلبا, قال ~~الله تعالى: {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] فأطلق ~~اسم الوجود على ما لم يطلبوه; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من وجد لقطة ~~فليشهد ذوي # PageV02P472 ### | مطلب: فيمن ووجد الماء في آخر الوقت يجب عليه الوضوء وإن خاف فوات الوقت خلافا لمالك # واختلف فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم, فقال أصحابنا ~~والثوري والأوزاعي والشافعي: "من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر ~~وهو في آخر الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء". وقال ~~مالك: "يجزيه التيمم إذا خاف فوات الوقت". وقال الليث بن سعد: "إذا خاف ~~فوات الوقت إن توضأ يصلي بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت". والأصل فيه ~~قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} فأوجب استعمال الماء في حال وجوده ~~ونقله عنه إلى التراب عند عدمه, فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف ~~الآية; وحين أمره الله تعالى بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت ~~وإدراك فعل الصلاة فيه, فهو مطلق في الوقت ms1761 وبعده, وقال الله تعالى: {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فمنعه من فعل الصلاة إذا كان جنبا إلا بعد تقديم ~~الغسل, ولم يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره. ويدل عليه من جهة السنة قوله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي ذر: "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك" , فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو ~~لم يخف, لعموم قوله: {فاغسلوا} , ولقوله صلى الله عليه وسلم: "التراب طهور ~~المسلم ما لم يجد الماء" فمتى كان واجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا ~~تجزيه صلاته. ومن جهة النظر أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت, بدلالة أنه ~~لا يجزي صلاة بغير طهارة وهي جائزة مع فوات الوقت. # فإن قيل: إذا خاف فوت الوقت صلى بتيمم ليدرك فضيلة الوقت. قيل له: كيف ~~يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلى بغير طهارة فإن قال: التيمم ~~طهور قيل له: إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله تعالى وكما شرطه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما مع وجوده فليس بطهور, فالواجب عليك أن تدل ~~أولا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر حتى تبني عليه ~~بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت. # فإن قال قائل: المسافر إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم ~~الماء. قيل له: لو كان كذلك لما جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم ~~الماء لأنه غير خائف فوت الوقت وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول ~~الوقت دلالة على أن شرط جواز التيمم ليس هو لأجل فوات الوقت. # فإن قال: لو كان شرط التيمم عدم الماء لما جاز للمريض ولمن يخاف العطش أن # PageV02P475 ### | مطلب: في حكم المجوس الفاقد للطهورين # واختلف فيمن حبس في موضع قذر لا يقدر على ماء ولا تراب نظيف, فقال أبو # PageV02P476 ### | مطلبء: المجمل لا يصح لإيجاب به ms1762 # فإن قيل: ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد أو صلاة الجنازة ثم وجد ~~الماء؟ قيل له: ينتقض تيممه ولا يجوز له المضي عليها, وتبطل صلاته إذا ~~أمكنه استعمال الماء والدخول في الصلاة, لا فرق بينهما وبين الصلاة ~~المكتوبة. وجواب آخر عما أورده من الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به لأنه ~~مفهوم أنه لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد # PageV02P483 ### | فصل مطلب: في الوضوء بنبيذ # ويستدل بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية, على ~~جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين: أحدهما قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} ~~وذلك عموم في جميع المائعات لأنه يسمى غاسلا بها, إلا ما قام الدليل فيه, ~~ونبيذ التمر مما قد شمله العموم. والثاني: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء; لأنه لفظ منكر يتناول ~~كل جزء منه سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه, ولا يمتنع أحد أن يقول ~~في نبيذ التمر ماء, فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر, ~~ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة قبل نزول آية ~~التيمم. وقيل إن نقل من الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء ~~الذي فيه, لا على وجه البدل عن الماء; إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة ~~مقصورة على الماء دون غيره; وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا. ~~وروى يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: "الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر ~~وضوء لمن لم يجد الماء". وقال عكرمة: "النبيذ وضوء إذا لم يجد غيره". وروى ~~أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: "ركبت مع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم البحر, ففني ماؤهم فتوضئوا بالنبيذ وكرهوا ماء ~~البحر". وروى المبارك بن فضالة عن أنس: "أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء ~~بالنبيذ" فهؤلاء الصحابة والتابعون قد روي عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من ms1763 غير ~~خلاف ظهر من أحد من نظائرهم عليهم. وروي عن أبي حنيفة في الوضوء بنبيذ ~~التمر ثلاث روايات: إحداها وهي المشهورة: "أنه يتوضأ به ولا يتيمم" وهو قول ~~زفر; وروي عنه: "أنه يتوضأ به ويتيمم" وهو قول محمد; وروى نوح أن أبا حنيفة ~~رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال: "يتيمم ولا يتوضأ به". وقال مالك والثوري وأبو ~~يوسف والشافعي: "يتيمم ولا يتوضأ به". وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: ~~"أنه يتوضأ به ويتيمم" وكذلك روى عنه المعلى. وقال حميد بن عبد الرحمن ~~الرؤاسي صاحب الحسن بن صالح: "يتوضأ بنبيذ التمر مع وجود الماء إن شاء". ~~وروى الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ~~وأبو أمامة, روي عن عبد الله من طرق عدة قد بيناها في مواضع. # PageV02P484 ### | باب صفة التيمم # قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~فاختلف الفقهاء في صفته, فقال أصحابنا: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة ~~لليدين إلى المرفقين" فقالوا: "يضرب بيديه على الصعيد ثم يحركهما فيقبل ~~بهما ويدبر على الصعيد ثم ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه, ثم يعيد إلى الصعيد ~~كفيه جميعا فيقبل بهما ويدبر ويرفعهما فينفضهما ثم يمسح بكل كف ظهر ذراعه ~~الأخرى وباطنها إلى المرفقين". واتفق مالك والثوري والليث والشافعي أنه ~~ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين; وروي مثله عن جابر وابن ~~عمر. وحكى بعض أصحاب مالك أنه إن تيمم بضربة واحدة أجزأه, وحكي عن مالك ~~أيضا أنه يتيمم إلى المرفقين فإن تيمم إلى الكوعين لم يعد. وقال الأوزاعي: ~~"تجزي ضربة واحدة للوجه والكوعين", وروي نحوه عن عطاء. وقال الزهري: "يمسح ~~يديه إلى الإبط". وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح: "يتيمم بضربتين يمسح ~~بكل واحدة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه". # وقال أبو جعفر الطحاوي: "لم نجد عن غيرهما أنه يمسح بكل واحدة من ~~الضربتين وجهه وذراعيه ومرفقيه". والحجة لقول أصحابنا ما روى ابن عمر وابن ~~عباس والأسلع عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم: ms1764 "ضربتان ضربة ~~للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين". واختلفت الرواية عن عمار, فروى عنه عبد ~~الرحمن بن أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ضربة واحدة للوجه واليدين". ~~وروى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ضربتين" وهذا أولى; لأنه زائد وخبر الزائد أولى. وأيضا فكما أنه لا ~~يجوز في الوضوء الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو, ~~كذلك الحكم في التيمم لأنهما طهارتان وإن كانت إحداهما مسحا والأخرى غسلا, ~~ألا ترى أنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن ~~غسلا؟ وإنما قلنا إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحديث الأسلع, ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين. واختلف عن ~~عمار فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم, فروى الشعبي عن ~~عبد الرحمن بن أبزى عن عمار, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوفوا ~~التيمم إلى المرفقين" , وروى غيره عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار ~~قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني بضربة واحدة للوجه ~~والكفين. ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن زر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن ~~أبيه عن عمار, وقال فيهما: "ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه إلى ~~المرفقين". وروى سلمة عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار: أنه تمعك ~~في التراب في # PageV02P485 ### | باب ما يتيمم به # قال الله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} اختلف الفقهاء فيما يجوز به ~~التيمم, فقال أبو حنيفة: "يجزي التيمم بكل ما كان من الأرض: التراب والرمل ~~والحجارة والزرنيخ والنورة والطين الأحمر والمرداسنج1 وما أشبهه", وهو قول ~~محمد وزفر, وكذلك يجزي بالكحل والآجر المدقوق في قوله ما رواه محمد; ورواه ~~أيضا الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. وإن تيمم ببورق2 أو رماد أو ملح أو نحوه ~~لم يجز عندهم, وكذلك الذهب والفضة في ms1765 قولهم. وقال أبو يوسف: "لا يجزي إلا ~~أن يكون ترابا أو رملا". وإن ضرب يده على صخرة أو حائط لا صعيد عليه ما ~~أجزأه في قول أبي حنيفة, وقال أبو يوسف: "لا يجزيه". وروى المعلى عن أبي ~~يوسف أنه إن تيمم بأرض لا صعيد عليها لم يجزه وهو بمنزلة الحائط, وهو قوله ~~الآخر. وقال الثوري: "يجوز بالزرنيخ والنورة ونحوهما وكل ما كان من تراب ~~الأرض, ولا يتيمم بالآجر". وقال مالك: "يتيمم بالحصى والجبل" وكذلك حكى عنه ~~أصحابه في الزرنيخ والنورة ونحوهما, قال: "وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى ~~الأرض أجزأه, وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا". وروى أشهب عن مالك أنه لا يتيمم ~~بالثلج. وقال الشافعي: "يتيمم بالتراب مما تعلق باليد". # قال أبو بكر: لما قال الله: {فتيمموا صعيدا طيبا} وكان الصعيد اسما ~~للأرض, اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض; وأخبرنا أبو عمر غلام ~~ثعلب عنه عن ابن الأعرابي قال: الصعيد الأرض, والصعيد التراب, والصعيد ~~القبر, والصعيد الطريق. فكل ما كان من الأرض فهو صعيد فيجوز التيمم به ~~بظاهر الآية. فإن قيل: إنما أباح التيمم بالصعيد الطيب, والأرض الطيبة هي ~~التي تنبت, والجص والزرنيخ لا ينبت شيئا, فليس إذا بطيب, قال الله تعالى: ~~{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} [الأعراف: 58] . قيل له: إنما أراد ~~بالطيب الطاهر المباح, كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: ~~57] فأفاد بذلك إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس. وأما قوله: {والبلد ~~الطيب} فإنما يريد به ما ليس بسبخة لأنه قال: {والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} ~~[الأعراف: 58] ولا خلاف في جواز التيمم بالسبخة التي لا تخرج PageV02P487 ### | فصل # قال أبو بكر: قد ذكرنا ما حضرنا من علم أحكام هذه الآية, وما في ضمنها من ~~الدلائل على المعاني, وما يشتمل عليه من وجوه الاحتمال على ما ذهب إليه ~~المختلفون فيها, وذكرناه عن قائليها من السلف وفقهاء الأمصار وإنزال الله ~~إياها بهذه الألفاظ المحتملة للمعاني, ووجوه الدلالات على الأحكام مع أمره ~~إيانا باعتبارها والاستدلال بها في ms1766 قوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} [النساء: 83] وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] فحث على التفكر فيه, وحرضنا على ~~الاستنباط والتدبر, وأمرنا بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه وننال درجة ~~المستنبطين والعلماء الناظرين. ودل بما أنزل من الآي المحتملة للوجوه من ~~الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها, وأن ~~كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره, وأن ~~مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره; إذ لم يكن ~~لنا سبيل إلى استدراكه إلا من طريق السمع وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من ~~طريق النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده, فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل ~~لفظ الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعا لكل واحد من المجتهدين ما دل عليه ~~عنده فحوى الآية وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال. فانظر على ~~كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثرة الفوائد وضروب ~~ما أدت إليه من وجوه الاستنباط وهذه إحدى دلائل إعجاز القرآن; إذ غير جائز ~~وجود مثله في كلام البشر. وأنا ذاكر مجملا ما تقدم ذكره مفصلا ليكون أقرب ~~إلى فهم قارئه إذا كان مجموعا محصورا, والله تعالى نسأل التوفيق. # فأول ما ذكرنا من حكم قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} ما احتمله اللفظ ~~من # PageV02P491 ### | مطلب: اغتساله عليه السلام بالصاع غير موجب اعتباره # والسبعون: دلالة قوله: {فاطهروا} على سقوط اعتبار تقدير الماء; إذ كان ~~المراد التطهير, وعلى أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم بالصاع غير موجب ~~اعتباره. والواحد والسبعون: أن قوله تعالى: {فامسحوا برؤوسكم} فيه دلالة ~~على أن المراد المسح بالماء; إذ المسح لا يقتضي ماء1, فلما قال: {فلم تجدوا ~~ماء} دل على أن المراد مسحه بالماء. # فهذه وجوه دلالات هذه الآية الواحدة على المعاني وضروب الأحكام, منها ~~نصوص ومنها احتمال في الطهارة التي يجب تقديمها أمام الصلاة وشروطها التي ~~تصح بها. وعسى ms1767 أن يكون كثير من دلائلها وضروب احتمالها مما لم يبلغه علمنا ~~متى بحث عنها واستقصي النظر فيها أدركها من وفق لفهمها; والله الموفق. ~~PageV02P496 ### | باب القيام بالشهادة والعدل # القيام بالشهادة والعدل قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط} ومعناه: كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم ~~القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه, فهذا هو ~~القيام لله بالحق. وقوله: {شهداء بالقسط} يعني بالعدل; قد قيل في الشهادة ~~إنها الشهادات في حقوق الناس, روي ذلك عن الحسن; وهو مثل قوله: {كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] وقيل: إنه أراد ~~الشهادة على الناس بمعاصيهم, كقوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} ~~[البقرة: 143] فكان معناه: أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم الله بأن ~~مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة. وقيل: أراد به الشهادة لأمر ~~الله بأنه الحق. وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها. # قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} [المائدة: 8] روي ~~أنها نزلت في شأن اليهود حين ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستعينهم ~~في دية, فهموا أن يقتلوه. وقال الحسن: "نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن ~~المسجد الحرام". قال أبو بكر: قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة ~~في قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ~~[المائدة: 2] فحمله الحسن على معنى الآية الأولى, والأولى أن تكون نزلت في ~~غيرهم وأن لا تكون تكرارا. # PageV02P496 ### | مطلب: فيما تضمنته الآية من الأمر بالعدل مع المحق والمبطل # وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل, وحكم بأن كفر الكافرين ~~وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم, وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما ~~يستحقون, وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والأسر والاسترقاق دون ~~المثلة بهم وتعذيبهم وقتل أولادهم ونسائهم قصدا لإيصال الغم والألم إليهم. ~~وكذلك قال عبد الله بن رواحة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ms1768 إلى خيبر ~~خارصا, فجمعوا له شيئا من حليهم وأرادوا دفعه إليه ليخفف في الخرص: إن هذا ~~سحت وإنكم لأبغض إلي من عدتكم قردة وخنازير, وما يمنعني ذلك من أن أعدل ~~عليكم فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. # فإن قيل: لما قال: {هو أقرب للتقوى} ومعلوم أن العدل نفسه هو التقوى, ~~فكيف يكون الشيء هو أقرب إلى نفسه؟ قيل: معناه: هو أقرب إلى أن تكونوا ~~متقين باجتناب جميع السيئات, فيكون العدل فيما ذكر داعيا إلى العدل في جميع ~~الأشياء واجتناب جميع المعاصي; ويحتمل: هو أقرب لاتقاء النار. وقوله: {هو ~~أقرب للتقوى} فقوله: "هو" راجع إلى المصدر الذي دل عليه الفعل, كأنه قال: ~~العدل أقرب للتقوى, كقول القائل: من كذب كان شرا له; يعني كان الكذب شرا ~~له. # وقوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا} قد اختلف في المراد بالنقيب ههنا, فقال الحسن: "الضمين". وقال ~~الربيع بن أنس: "الأمين". وقال قتادة: "الشهيد على قومه". وقيل إن أصل ~~النقيب مأخوذ من النقب وهو الثقب الواسع, فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على ~~أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم, فسمي رئيس العرفاء نقيبا لهذا المعنى. ~~وأما قول الحسن إنه الضمين, فإنما أراد به أنه الضمين لتعرف أحوالهم ~~وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار اثني عشر نقيبا ~~على هذا المعنى. وقول الربيع بن أنس إنه الأمين, وقول قتادة إنه الشهيد, ~~يقارب ما قال الحسن أيضا; لأنه أمين عليهم وشهيد بما يعملون به ويجري عليهم ~~أمورهم. وإنما نقب النبي صلى الله عليه وسلم النقباء لشيئين: أحدهما: ~~لمراعاة أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى الله عليه وسلم ليدبر فيهم بما ~~يرى. والثاني: أنهم إذا علموا أن عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة; إذ ~~علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأن كل واحد منهم ~~يحتشم مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ينوبه ويعرض له من ms1769 الحوائج ~~قبله, فيقوم عنه النقيب فيه وليس يجوز أن يكون النقيب ضامنا عنهم الوفاء ~~بالعهد والميثاق; لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا ~~القيام به, فعلمنا أنه على المعنى الأول. # PageV02P497 # وفي هذه الآية دلالة على قبول خبر الواحد; لأن نقيب كل قوم إنما نصب ~~ليعرف أحوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام, فلولا أن خبره مقبول ~~لما كان لنصبه وجه. فإن قيل: إنما يدل ذلك على قبول خبر الاثني عشر دون ~~الواحد. قيل له: إن الاثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل ~~بجملتهم, وإنما كان كل واحد منهم نقيبا على قومه خاصة دون الآخرين. # قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} قال ابن ~~عباس: "هذا قول جماعة من اليهود حين حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم نقمات ~~الله, فقالوا: لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه". وقال السدي: "تزعم ~~اليهود أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد". وقال ~~الحسن: "إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد" وأما النصارى فقيل ~~إنهم تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح عليه السلام: "إني ذاهب إلى أبي ~~وأبيكم" وقيل: إنهم لما قالوا المسيح ابن الله وكان منهم, جرى ذلك على قول ~~العرب هذيل شعراء" أي منهم شعراء, وعلى قولهم في رهط مسيلمة; قالوا: نحن ~~أبناء الله, أي قال قائل منهم وتابعوه عليهم, فكان معنى قولهم على هذا ~~الوجه" نحن أبناء الله" أي منا ابن الله. # وقال تعالى: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} فيه إبطال دعواهم ذلك وتكذيبهم بها ~~على لسانهم, لأنهم كانوا مقرين بأنهم يعذبون بالذنوب, ومعلوم أن الأب ~~المشفق لا يعذب ولده. # PageV02P498 # مطلب: في معنى قوله تعالى: {وجعلكم ملوكا} # قوله تعالى: {وجعلكم ملوكا} قال عبد الله بن عمر وزيد بن أسلم والحسن: ~~"الملك من له دار وامرأة وخادم". وقال غيرهم: "هو الذي له ما يستغني به عن ~~تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش". وقال ابن عباس ومجاهد: جعلوا ملوكا ~~بالمن والسلوى ms1770 والحجر والغمام. وقال غيرهم: "بالأموال أيضا". وقال الحسن: ~~"إنما سماهم ملوكا لأنهم ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا ~~يستعبدونهم". وقال السدي: "ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله". وقال ~~قتادة: "كانوا أول من ملك الخدم". # PageV02P498 # مطلب: في معنى التحريف # قوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} تحريفهم إياه يكون بوجهين: أحدهما: بسوء ~~التأويل, والآخر: بالتغيير والتبديل. وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي ~~الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع التواطؤ على مثلهم, وما ~~لم يستفض في الكافة # PageV02P498 # وإنما كان علمه عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم التواطؤ, فإنه جائز ~~وقوع تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أخر سواها. وأما ~~المستفيض الشائع في أيدي الكافة فإنما تحريفهم على تأويلات فاسدة, كما ~~تأولت المشبهة والمجبرة كثيرا من الآي المتشابهة على ما تعتقده من مذهبها ~~وتدعي من معانيها ما يوافق اعتقادها دون حملها على معاني الآي المحكمة. ~~وإنما قلنا إنه غير جائز وقوع التحريف من جهة تغيير الألفاظ فيما استفاض ~~وانتشر عند الكافة, من قبل أن ذلك لا يقع إلا بالتواطؤ عليه, ومثله مع ~~اختلاف هممهم وتباعد أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله, كما لا ~~يجوز وقوع التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره; ~~ولو جاز ذلك لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها, ولو جاز ذلك لما صح ~~أن يعلم بالأخبار شيء; وقد علم بطلان هذا القول اضطرارا. # قوله تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} عن الحسن قال: ~~إنما قال: {قالوا إنا نصارى} ولم يقل: "من النصارى" ليدل على أنهم ابتدعوا ~~النصرانية وتسموا بها, وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه ~~من الحواريين وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة نسبوا إلى قرية بالشام ~~تسمى" ناصرة" فانتسب هؤلاء إليهم وإن لم يكونوا منهم; لأن أولئك كانوا ~~موحدة مؤمنين, وهؤلاء مثلثة مشركون. وقد أطلق الله تعالى في مواضع غيره اسم ~~النصارى, لا على وجه الحكاية عنهم, في قوله تعالى: {وقالت ms1771 النصارى المسيح ~~ابن الله} [التوبة: 30] وفي مواضع أخر; لأنهم قد عرفوا بذلك وصار ذلك سمة ~~لهم وعلامة. # قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} إنما لحقتهم سمة الكفر ~~لأنهم قالوا ذلك على جهة التدين به واعتقادهم إياه والإقرار بصحته; لأنهم ~~لو قالوا على جهة الحكاية عن غيرهم منكرين له لما كفروا; والكفر هو ~~التغطية, ويرجع معنى ما ذكر عنهم إلى التغطية من وجهين: أحدهما: كفران ~~النعمة بجحدها أن يكون المنعم بها هو الله تعالى وإضافتها إلى غيره ممن ~~ادعوا له الإلهية. والآخر كفر من جهة الجهل بالله تعالى, وكل جاهل بالله ~~كافر لتضييعه حق نعم الله تعالى, فكان بمنزلة مضيفها إلى غيره. وقوله ~~تعالى: {فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} معناه: من ~~يقدر على دفع أمر الله تعالى إن أراد هلاك المسيح وأمه. وهذا من أظهر ~~الاحتجاج وأوضحه; لأنه لو كان المسيح إلها لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا ~~أراد الله تعالى إهلاكه وإهلاك غيره, فلما كان المسيح وسائر المخلوقين سواء ~~في جواز ورود الموت والهلاك عليهم, صح أنه ليس # PageV02P499 # بإله; إذ لم يكن سائر الناس آلهة وهو مثلهم في جواز الفناء والموت ~~والهلاك عليهم. # قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} قال ابن ~~عباس والسدي: "أرض بيت المقدس". وقال مجاهد: "أرض الطور". وقال قتادة: "أرض ~~الشام". وقيل: "دمشق وفلسطين وبعض الأردن". والمقدسة هي المطهرة; لأن ~~التقديس التطهير, وإنما سماها الله المقدسة لأنها طهرت من كثير من الشرك ~~وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء والمؤمنين. فإن قيل: لم قال: {كتب الله لكم} ~~وقد قال: {فإنها محرمة} ؟ قيل له: روي عن ابن إسحاق أنها كانت هبة من الله ~~تعالى لهم ثم حرمهم إياها. قال أبو بكر: ينبغي أن يكون الله قد جعلها على ~~شريطة القيام بطاعته واتباع أمره, فلما عصوا حرمهم إياها. وقد قيل ms1772 إنها على ~~الخصوص وإن كان مخرجه مخرج العموم. # قوله تعالى: {إن فيها قوما جبارين} فإنه قد قيل إن الجبار هو من الإجبار ~~على الأمر وهو الإكراه عليه, وجبر العظم لأنه كالإكراه على الصلاح, والجبار ~~هدر الأرش لأن فيه معنى الكره, والجبار من النخل ما فات اليد طولا لأنه ~~كالجبار من الناس, والجبار من الناس الذي يجبرهم على ما يريد. والجبار صفة ~~مدح له تعالى وهو ذم في صفة غيره; لأن غيره يتعظم بما ليس له والعظمة لله ~~عز وجل وحده الجبار المتعظم بالاقتدار; ولم يزل الله جبارا, والمعنى أن ~~ذاته يدعو العارف به إلى تعظيمه. والفرق بين الجبار والقهار أن في القهار ~~معنى الغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ بعصيانه إياه. # قوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم ~~الباب} روي عن قتادة في قوله: {يخافون} أنهم يخافون الله تعالى. وقال غيره ~~من أهل العلم: "يخافون الجبارين" ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى ~~الله عليهما بذلك فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته; وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا ~~رآه وعلمه فإنه لا يبعد من رزق ولا يدني من أجل" وقال لأبي ذر رضوان الله ~~عليه: "وأن لا يأخذك في الله لومة لائم" وقال حين سئل عن أفضل الجهاد, ~~فقال: "كلمة حق عند سلطان جائر". # قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} . قوله: {فاذهب أنت وربك فقاتلا} يحتمل ~~معنيين: أحدهما: أنهم قالوه على وجه المجاز بمعنى" وربك معين لك". والثاني: ~~الذهاب الذي هو النقلة; وهذا تشبيه وكفر من قائله, وهو أولى بمعنى الكلام; ~~لأن الكلام خرج مخرج الإنكار # PageV02P500 # عليهم والتعجب من جهلهم, وقد يقال على المجاز" قاتله الله" بمعنى أن ~~عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلي عليهم بالاقتدار وعظم السلطان. # قوله تعالى: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} ms1773 هذا مجاز; لأن الإنسان ~~لا يملك نفسه ولا أخاه الحر على الحقيقة; وذلك لأن أصل الملك القدرة ومحال ~~أن يقدر الإنسان على نفسه أو على أخيه, ثم أطلق اسم الملك على التصرف فجعل ~~المملوك في حكم المقدور عليه; إذ كان له أن يصرفه تصرف المقدور عليه; وإنما ~~معناه ههنا أنه يملك تصريف نفسه في طاعة الله, وأطلقه على أخيه أيضا; إذ ~~كان يتصرف بأمره وينتهي إلى قوله; وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد ~~أمن علي بنفسه وذات يده من أبي بكر" فبكى أبو بكر" وقال: هل أنا ومالي إلا ~~لك يا رسول الله يعني إني متصرف حيث صرفتني وأمرك جائز في مالي. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لرجل: "أنت ومالك لأبيك" ولم يرد به حقيقة الملك. # قوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} قال ~~أكثر أهل العلم" هو تحريم منع لأنهم كانوا يصبحون بحيث أمسوا ومقدار الموضع ~~ستة فراسخ". وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يكون تحريم التعبد; لأن التحريم ~~أصله المنع قال الله تعالى: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص: 12] يعني ~~به المنع; قال الشاعر يصف فرسا: # حالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام # يعني: إني فارس لا يمكنك صرعي. فهذا هو أصل التحريم, ثم أجرى تحريم ~~التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع; ~~إذ كان من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه, وقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم ~~منع في الحقيقة ويستحيل اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد; لأن ~~الممنوع لا يجوز حظره ولا إباحته; إذ هو غير مقدور عليه, والحظر والإباحة ~~يتعلق بأفعالنا, ولا يكون فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا. # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا} . قال ابن ~~عباس وعبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة: "كانا ابني ms1774 آدم لصلبه هابيل وقابيل, ~~وكان هابيل مؤمنا وقابيل كافرا" وقيل بل كان رجل سوء. وقال الحسن: هما من ~~بني إسرائيل; لأن علامة تقبل القربان لم يكن قبل ذلك". والقربان ما يقصد به ~~القرب من رحمة الله تعالى من أعمال البر; وهو" فعلان" من القرب كالفرقان من ~~الفرق, والعدوان من العدو, والكفران # PageV02P501 # من الكفر وقيل: إنما لم يتقبل من أحدهما لأنه قرب شر ماله وقرب الآخر خير ~~ماله فتقبل منه. وقيل: بل رد قربانه لأنه كان فاجرا, وإنما يتقبل الله من ~~المتقين. وقيل: كانت علامة القبول أن تجيء نار فتأكل المتقبل ولا تأكل ~~المردود, ومنه قوله تعالى: {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} [آل عمران: ~~183] إلى قوله تعالى: {وبالذي قلتم} [آل عمران: 183] . # قوله تعالى: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} . ~~قال ابن عباس: "معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به" ولم يرد أني لا أدفعك ~~عن نفسي إذا قصدت قتلي; فروي أنه قتله غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم ~~فشدخه بها. وروي عن الحسن ومجاهد أنه كتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ~~ولا يدفعه عن نفسه. قال أبو بكر: وجائز في العقل ورود العبادة بمثله, فإن ~~كان التأويل هو الأول فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل من ~~أراد قتله, وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره; وإن كان التأويل هو الثاني ~~فهو منسوخ لا محالة, وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة, ~~وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم. # PageV02P502 # مطلب: يجب على من قصده إنسان بالقتل قتله إذا أمكنه # والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأن الواجب على من قصده إنسان بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ~~ترك قتله مع الإمكان, قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله} [الحجرات: ms1775 9] فأمر الله بقتال الفئة الباغية, ولا بغي أشد من قصد ~~إنسان بالقتل بغير استحقاق, فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حق; ~~وقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] فأخبر أن في إيجابه ~~القصاص حياة لنا, لأن القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن ~~قتله. وهذا المعنى موجود في حال قصده لقتل غيره; لأن في قتله إحياء لمن لا ~~يستحق القتل. وقال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] ~~فأمر بالقتال لنفي الفتنة, ومن الفتنة قصده قتل الناس بغير حق. وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا حسين بن حريث قال: ~~حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهر سيفه ثم وضعه1 فدمه هدر". ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة: "من قتل دون نفسه ~~PageV02P502 # فهو شهيد, ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد". وروى ~~عبد الله بن الحسين عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة, أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من أريد ماله فقاتل فقتل فهو شهيد" فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد, ولا يكون مقتولا دون ماله إلا ~~وقد قاتل دونه; ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد ~~الخدري: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم ~~يستطع فبقلبه, وذاك أضعف الإيمان" فأمر بتغيير المنكر باليد, وإذا لم يمكن ~~تغييره إلا بقتله فعليه أن يقتله بمقتضى ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن على ~~المسلمين قتله, فكذلك جائز للمقصود بالقتل قتله; وقد قتل علي بن أبي طالب ~~الخوارج حين قصدوا قتل الناس وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه موافقون ms1776 ~~له عليه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار في وجوب قتلهم, منها ~~حديث أبي سعيد الخدري وأنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في ~~أمتي اختلاف وفرقة فيهم قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين ~~كما يمرق السهم من الرمية طوبى لمن قتلهم أو قتلوه" في آثار كثيرة مشهورة, ~~وقد تلقتها السلف بالقبول واستعملتها في وجوب قتلهم وقتالهم. وروى أبو بكر ~~بن عياش قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس بن أبي المخارق عن أبيه ~~قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل يأتيني يريد مالي؟ قال: ذكره الله قال: ~~فإن لم يذكر؟ قال: استعن عليه من حولك من المسلمين" قال: فإن لم يكن حولي ~~منهم؟ قال: فاستعن عليه السلطان قال: فإن نأى عني السلطان؟ قال: "قاتل دون ~~مالك حتى تمنع مالك أو تكون شهيدا في الآخرة". # وذهب قوم من الحشوية إلى أن على من قصده إنسان بالقتل أن لا يقاتله ولا ~~يدفعه عن نفسه حتى يقتله, وتأولوا فيه هذه الآية. وقد بينا أنه ليس في ~~الآية دلالة على أنه كف يده عن قتله حين قصده بالقتل, وإنما الآية تدل على ~~أنه لا يبدأ بالقتل على ما روي عن ابن عباس, ولو ثبت حكم الآية على ما ~~ادعوه لكان منسوخا بما ذكرنا من القرآن والسنة واتفاق المسلمين على أن على ~~سائر الناس دفعهم عنه وإن أتى على نفسه. وتأولت هذه الطائفة التي ذكرنا ~~قولها أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث أبي موسى الأشعري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما ~~صاحبه فالقاتل والمقتول في النار" فقيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال ~~المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه". وروى علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن ~~سعد بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن استطعت أن تكون ~~عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من أهل القبلة". وروى ms1777 الحسن عن ~~الأحنف بن قيس قال: سمعت أبا بكر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # PageV02P503 # "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قلت: يا رسول ~~الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". ~~وروى معمر عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ابني آدم ~~ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما". وروى معمر عن أبي عمران الجوني ~~عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل؟ " قال: قلت: ألبس سلاحي, قال: ~~"شاركت القوم إذا" قال قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "إن خشيت أن ~~يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه". فاحتجوا ~~بهذه الآثار, ولا دلالة لهم فيها. فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فإنما أراد بذلك إذا ~~قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله أصحاب العصبية والفتنة. ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ~~ولا تقتل أحدا من أهل القبلة" فإنما عنى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد ~~عن الشبهة, فأما قتل من استحق القتل فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~ينفه بذلك. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "كن كخير ابني آدم" فإنما عنى به ~~أن لا يبدأ بالقتل, وأما دفع القاتل عن نفسه فلم يمنعه. # فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان, وزنا بعد إحصان, وقتل نفس بغير ~~نفس" فلا يجوز قتله قبل أن يقتل, بقضية نفي النبي صلى الله عليه وسلم قتل ~~المسلم إلا بإحدى ما ذكر, وهذا لم يقتل بعد فلا يستحق القتل. قيل له: هذا ~~القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا ms1778 الخبر لأنه أراد قتل غيره, فإنما قتلناه ~~بنفس من قصد لقتله لئلا يقتله فأحيينا نفس المقصود بقتلنا إياه, ولو كان ~~الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد قتل غيره ~~ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله, لوجب مثله في سائر المحظورات إذا ~~أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى يفعلها, فيكون ~~في ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق ~~والظلمة ومحو آثار الشريعة; وما أعلم مقالة أعظم ضررا على الإسلام ~~والمسلمين من هذه المقالة, ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على أمور ~~المسلمين واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم الله, ~~وقد جر ذلك ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ترك ~~قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على الولاة ~~والجوار والله المستعان. # ويدل على صحة قول الجمهور في ذلك وأن القاصد لقتل غيره ظلما يستحق القتل ~~وأن على الناس كلهم أن يقتلوه, قوله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه # PageV02P504 # من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" فكان في ~~مضمون الآية إباحة قتل المفسد في الأرض, ومن أعظم الفساد قصد قتل النفس ~~المحرمة, فثبت بذلك أن القاصد لقتل غيره ظلما مستحق للقتل مبيح لدمه. # PageV02P505 # مطلب: من أراد قلع سنك فلك قتله إلى آخره # قال أبو بكر ذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب ~~البيوت: يسعك قتله, لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد" ~~ولا يكون شهيدا إلا هو مأمور بالقتال إن أمكنه فقد تضمن ذلك إيجاب قتله إذا ~~قدر عليه. وقال أيضا في رجل يريد قلع سنك, قال فلك أن تقتله إذا كنت في ~~موضع لا يعينك الناس عليه". قال أبو بكر: وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ ~~المال, فإذا جاز قتله لحفظ ماله فهو ms1779 أولى بجواز القتل من أجلها. # قوله تعالى: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} فإنه روي عن ابن عباس وابن ~~مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل ~~قتلي". وقال غيرهم: "إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك". والمراد: إني ~~أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك; لأنه لا يجوز أن يكون مراده حقيقة الإثم; ~~إذ غير جائز لأحد إرادة معصية الله من نفسه ولا من غيره كما لا يجوز أن ~~يأمره بها. ومعنى" تبوء" ترجع, يقال: باء, إذا رجع إلى المباءة وهي المنزل, ~~وباءوا بغضب الله: رجعوا, والبواء: الرجوع بالقود وهم في هذه الأمر بواء أي ~~سواء; لأنهم يرجعون فيه إلى معنى واحد. # قوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} . قال مجاهد: "شجعته نفسه على قتل ~~أخيه". وقال قتادة: "زينت له نفسه قتل أخيه". وقيل: "ساعدته نفسه على قتل ~~أخيه". والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له, ويقال إن ~~العرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول الشجر, وطاع لفلان كذا, أي أتاه طوعا. ~~ويقال: انطاع بمعنى انقاد; ويقال: طوعت له نفسه, ولا يقال أطاعته نفسه, على ~~هذا المعنى; لأن قولهم: "أطاع" يقتضي قصدا منه لموافقة معنى الأمر, وذلك ~~غير موجود في نفسه; وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون ~~آمرا لنفسه ولا ناهيا لها; إذ كان موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن ~~دونه; وقد يجوز أن يكون أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقوله: ~~"حرك نفسه" و" قتل نفسه" كما يقال: "حرك غيره" و" قتل غيره". # قوله تعالى: {فأصبح من الخاسرين} يعني خسر نفسه بإهلاكه إياها, لقوله ~~تعالى: {إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15] ~~ولا # PageV02P505 # دلالة في قوله: {فأصبح من الخاسرين} على أن القتل كان ليلا, وإنما المراد ~~به وقت مبهم جائز أن يكون ليلا وجائز أن يكون نهارا, وهو كقول الشاعر: # أصبحت عاذلتي معتله # وليس المراد النهار دون الليل; وكقول الآخر: # بكرت ms1780 علي عواذلي ... يلحينني وألومهمنه # ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره. وهذا عادة العرب في إطلاق مثله ~~والمراد به الوقت المبهم. # PageV02P506 # باب دفن الموتى # قال الله تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه} . قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: "لم يدر ~~كيف يصنع به حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا" وفي هذا دليل على فساد ما ~~روي عن الحسن أنهما رجلان من بني إسرائيل; لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف ~~الدفن بجريان العادة فيه قبل ذلك, وهو الأصل في سنة دفن الموتى; وقال ~~تعالى: {ثم أماته فأقبره} [عبس:21] وقال تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا ~~أحياء وأمواتا} [المرسلات:26] . وقيل في معنى: {سوءة أخيه} وجهان: أحدهما: ~~جيفة أخيه; لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفته سوأة. والثاني عورة أخيه; ~~وجائز أن يريد الأمرين جميعا لاحتمالهما. وأصل السوأة التكره, ومنه: ساءه ~~يسوءه سوءا; إذا أتاه بما يتكرهه وقص الله علينا قصته لنعتبر بها ونتجنب ~~قبح ما فعله القاتل منهما. وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما". # وقال الله تعالى: {فأصبح من النادمين} قيل إنه ندم على القتل على غير جهة ~~القربة إلى الله تعالى منه وخوف عقابه, وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما ~~فعل وناله ضرر بسببه من قبل أبيه وأمه, ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل ~~الله توبته وغفر ذنبه. # قوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} الآية. فيه إبانة عن ~~المعنى الذي من أجله كتب على بني إسرائيل ما ذكر في الآية, وهو لئلا يقتل ~~بعضهم بعضا; فدل ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في ~~أغيارها في إثبات الأحكام. وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار ~~المعاني التي علق بها الأحكام وجعلت عللا وأعلاما لها # وقوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض} يدل على ms1781 أن من قتل # PageV02P506 # نفسا بنفس فلا لوم عليه, وعلى أن من قتل نفسا بغير نفس فهو مستحق للقتل. ~~ويدل أيضا على أن الفساد في الأرض معنى يستحق به القتل. # وقوله تعالى: {فكأنما قتل الناس جميعا} قد قيل فيه وجوه: أحدها تعظيم ~~الوزر. والثاني: أن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لأنه سن القتل وسهله ~~لغيره فكان كالمشارك له فيه; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"ما من قاتل ظلما إلا وعلى ابن آدم كفل من الإثم لأنه سن القتل" وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". ~~والثالث: أن على الناس كلهم معونة ولي المقتول حتى يقيدوه منه, فيكون كلهم ~~خصومه في ذلك حتى يقاد منه, كأنه قتل أولياءهم جميعا. وهذا يدل على وجوب ~~القود على الجماعة إذا قتلت واحدا; إذ كانوا بمنزلة من قتل الناس جميعا. # وقوله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} قال مجاهد: "من ~~أحياها نجاها من الهلاك". وقال الحسن: "إذا عفا عن دمها وقد وجب القود". ~~وقال غيرهم من أهل العلم: "زجر عن قتلها بما فيه حياتها". قال أبو بكر: ~~يحتمل أن يريد بإحيائها معونة الولي على قتل القاتل واستيفاء القصاص منه ~~لأن في القصاص حياة كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] ~~ويحتمل أن يريد بإحيائها أن يقتل القاصد لقتل غيره ظلما فيكون مجيبا لهذا ~~المقصود بالقتل ويكون كمن أحيا الناس جميعا; لأن ذلك يردع القاصدين إلى قتل ~~غيرهم عن مثله فيكون في ذلك حياة لسائر الناس من القاصدين للقتل والمقصودين ~~به. فتضمنت هذه الآية ضروبا من الدلائل على الأحكام, منها: دلالتها على ~~ورود الأحكام مضمنة بمعان يجب اعتبارها بوجودها, وهذا يدل على صحة القول ~~بالقياس. والثاني إباحة قتل النفس بالنفس. والثالث: أن من قتل نفسا فهو ~~مستحق للقتل. والرابع: من قصد قتل مسلم ظلما ms1782 فهو مستحق القتل; لأن قوله ~~تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس} كما دل على وجوب قتل النفس بالنفس فهو يدل ~~على وجوب قتله إذا قصد قتل غيره; إذ هو مقتول بنفس إرادة إتلافها. والخامس: ~~الفساد في الأرض يستحق به القتل. والسادس احتمال قوله تعالى: {فكأنما قتل ~~الناس جميعا} أن عليه مأثم كل قاتل بعده لأنه سن القتل وسهله لغيره. ~~والسابع: أن على الناس كلهم معونة ولي المقتول حتى يقيدوه منه. والثامن: ~~دلالتها على وجوب القود على الجماعة إذا قتلوا واحدا. والتاسع: دلالة قوله ~~تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} على معونة الولي على قتل ~~القاتل. والعاشر: دلالته أيضا على قتل من قصد قتل غيره ظلما; والله أعلم ~~بالصواب. # PageV02P507 # باب حد المحاربين # حد المحاربين قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا} الآية. قال أبو بكر: قوله تعالى: {يحاربون الله} هو ~~مجاز ليس بحقيقة; لأن الله يستحيل أن يحارب; وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ~~سمى الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما ~~كانوا بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه, فسموا محاربين تشبيها لهم ~~بالمحاربين من الناس, كما قال تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ~~[الأنفال: 13] وقوله: {إن الذين يحادون الله ورسوله} [المجادلة: 5و 20] ~~ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في شق يباين صاحبه ومعنى المحادة أن ~~يصير كل واحد منهما في حد على وجه المفارقة وذلك يستحيل على الله تعالى; إذ ~~ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو تجوز عليه المباينة والمفارقة, ولكنه تشبيه ~~بالمعاديين إذا صار كل واحد منهما في شق وناحية على وجه المباينة. وذلك منه ~~على وجه المبالغة في إظهار المخالفة والمباينة, فكذلك قوله تعالى: {يحاربون ~~الله} يحتمل أن يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم ~~إياهم من الناس. وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها ~~لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح, ولم يسم بذلك كل عاص ~~لله تعالى; إذ ليس بهذه ms1783 المنزلة في الامتناع وإظهار المغالبة في أخذ ~~الأموال وقطع الطريق. ويحتمل أن يريد الذين يحاربون أولياء الله ورسوله, ~~كما قال تعالى: {إن الذين يؤذون الله} [الأحزاب: 57] والمعنى: يؤذون أولياء ~~الله. ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مرتدين بإظهار محاربة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة ~~بالمعصية وإن كان من أهل الملة, والدليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه, ~~إن عمر بن الخطاب رأى معاذا يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " اليسير من الرياء شرك من عادى أولياء الله فقد بارز ~~الله بالمحاربة" فأطلق عليه اسم المحاربة, ولم يذكر الردة; ومن حارب مسلما ~~على أخذ ماله فهو معاد لأولياء الله تعالى محارب لله تعالى بذلك. وروى ~~أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم, أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: "أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم" فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ورسوله. وإن لم يكن مشركا, فثبت ~~بما ذكرنا أن قاطع الطريق يقع عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله. ويدل ~~عليه أيضا ما روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس: أن حارثة بن بدر حارب الله ~~ورسوله # PageV02P508 # وسعى في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه, فكتب علي رضي الله عنه ~~إلى عامله بالبصرة: "إن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر ~~عليه, فلا تعرضن له إلا بخير" فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد ~~وإنما قطع الطريق. # فهذه الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع ~~الطريق وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين, مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف ~~من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع الطريق ~~وإن كان من أهل الملة. وحكي عن بعض ms1784 المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص ~~بالمرتدين; وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف. ويدل على ~~أن المراد به قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} . ومعلوم أن المرتدين لا ~~يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل ~~القدرة, وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها. وأيضا فإن الإسلام ~~لا يسقط الحد عمن وجب عليه, فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة وأن ~~توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم. وأيضا فإن المرتد ~~يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة, والمذكور في الآية من استحق القتل ~~بالمحاربة, فعلمنا أنه لم يرد المرتد. وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل ~~القدرة عليه, والمرتد لا ينفى, فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة. ~~وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر, وإن الأسير ~~من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ولا ~~تقطع يده ولا رجله. وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب ~~معه شيئا آخر, ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل ~~يقتل إن لم يسلم, والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد ~~والرجل دون غيره. وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب, فعلمنا أن الآية في غير ~~أهل الردة. ويدل عليه قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف} [الأنفال: 38] وقال في المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} فشرط في زوال الحد عن المحاربين ~~وجود التوبة منهم قبل القدرة عليهم, وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة ~~وبعدها. فلما علم أنه لم يرد بالمحاربين أهل الردة, فهذه الوجوه التي ~~ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من ادعى خصوص الآية ms1785 في المرتدين. # فإن قال قائل: قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال: قدم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أناس من عرينة فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم # PageV02P509 # من ألبانها وأبوالها" ففعلوا, فلما صحوا قاموا إلى راعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل في طلبهم, فأتي بهم, فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في ~~الحرة حتى ماتوا. قيل له: إن خبر العرنيين مختلف فيه, فذكر بعضهم عن أنس ~~نحو ما ذكرنا, وزاد فيه: أنه كان سبب نزول الآية. وروى الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس أنها نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلمي وكان موادعا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الإسلام, فنزلت فيهم. ~~وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين, فلم يذكر مثل قصة العرنيين ~~وروي عن ابن عمر أنها نزلت في العرنيين ولم يذكر. # PageV02P510 # مطلب: الحكم لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب # ردة ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين, فإن ~~كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا, فإن نزولها في شأنهم لا يوجب ~~الاقتصار بها عليهم; لأنه لا حكم للسبب عندنا وإنما الحكم عندنا لعموم ~~اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب. وأيضا فإن من ذكر ~~نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول ~~الآية شيئا, وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا; ويستحيل نزول الآية في الأمر ~~بقطع من قد قطع وقتل من قتل لأن ذلك غير ممكن, فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم ~~الآية ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير متصور الحكم على ~~المرتدين وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال: "كان أمر العرنيين قبل ~~أن تنزل الحدود" فأخبر أنه كان قبل نزول ms1786 الآية. ويدل عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمل أعينهم, وذلك منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المثلة. وأيضا لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ~~ولم يذكر سمل الأعين, فصار سمل الأعين منسوخا بالآية لأنه لو كان حدا معه ~~لذكره; وهو مثل ما روي في خبر عبادة: "في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب ~~عام. والثيب بالثيب الجلد والرجم" ثم أنزل الله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فصار الحد هو ما في الآية دون ~~غيره, وصار النفي منسوخا بها. ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين ~~وأنها نزلت بعدهم أن فيها ذكر القتل والصلب وليس فيها ذكر سمل الأعين, وغير ~~جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن يكونوا مرادين بها; ~~لأنه لو كان كذلك لأجرى النبي صلى الله عليه وسلم حكمها عليهم, فلما لم ~~يصلبوا وسملهم دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ, فثبت بذلك أن حكم ~~الآية غير مقصور على المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين # PageV02P510 # ذكر الاختلاف في ذلك # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها, بعد ~~اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق; فروى الحجاج ~~بن أرطاة عن عطية العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية, قال: "إذا حارب الرجل ~~فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب, فإن قتل ولم يأخذ المال ~~قتل, وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف, وإذا لم يقتل ولم ~~يأخذ المال نفي". وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ~~ويأخذ المال ويقتل أن الإمام فيه بالخيار, إن شاء قطع يده ورجله من خلاف ~~وقتله وصلبه, وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله, وإن شاء قتله ولم يصلبه; ~~فإن أخذ مالا ولم ms1787 يقتل قطعت يده ورجله من خلاف, وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل ~~عزر ونفي من الأرض, ونفيه حبسه; وفي رواية أخرى: أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث ~~خيرا; وهو قول الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني. ~~فهذا قول السلف الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب. وقال آخرون: الإمام ~~مخير فيهم إذا خرجوا يجري عليهم أي هذه الأحكام شاء وإن لم يقتلوا ولم ~~يأخذوا مالا. وممن قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن ~~أبي رباح. وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا قتل المحاربون ولم ~~يعدوا ذلك قتلوا, وإن أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف, لا خلاف بين أصحابنا في ذلك, فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة ~~قال: "للإمام أربع خيارات: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم, وإن شاء قطع ~~أيديهم وأرجلهم وصلبهم, وإن شاء صلبهم, وإن شاء قتلهم وترك القطع". وقال ~~أبو يوسف ومحمد: "إذا قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا ~~يقطعون". وروي عن أبي يوسف في" الإملاء" أنه قال: "إن شاء قطع يده ورجله ~~وصلبه, فأما الصلب فلا أعفيه منه". وقال الشافعي في قطاع الطريق: "إذا ~~قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا, وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم ~~يصلبوا, وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف, وإذا ~~أخافوا السبيل نفوا, وإذا هربوا طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود, إلا ~~من تاب قبل أن نقدر عليه سقط عنه الحد, ولا يسقط حقوق الآدميين, ويحتمل أن ~~يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة; ويقطع من أخذ ربع دينار فصاعدا". وقال مالك: ~~"إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل فإن الإمام مخير في إقامة أي الحدود التي ~~أمر الله تعالى بها قتل المحارب أو لم يقتل, أخذ مالا أو لم يأخذ, الإمام ~~مخير في ذلك: إن شاء قتله, وإن شاء قطعه خلافا, وإن شاء # PageV02P511 # نفاه ونفيه حبسه حتى يظهر توبة, فإن لم يقدر على المحارب حتى يأتيه تائبا ~~وضع عنه ms1788 حد المحاربة القتل والقطع والنفي وأخذ بحقوق الناس". وقال الليث بن ~~سعد: "الذي يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة حتى يموت, والذي يقتل فإنه ~~يقتل بالسيف". وقال أبو الزناد في المحاربين: "ما يصنع الوالي فيهم فهو ~~صواب, من قتل أو صلب أو قطع أو نفي. # قال أبو بكر: الدليل على أن حكم الآية على الترتيب الذي ذكرنا, قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان, ~~وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس" فنفى صلى الله عليه وسلم قتل من خرج عن ~~هذه الوجوه الثلاثة ولم يخصص فيه قاطع الطريق, فانتفى بذلك قتل من لم يقتل ~~من قطاع الطريق وإذا انتفى قتل من لم يقطع وجب قطع يده ورجله, إذا أخذ ~~المال, وهذا لا خلاف فيه. # فإن قيل: روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ~~زنا بعد إحصان ورجل قتل رجلا فقتل به, ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل ~~أو يصلب أو ينفى من الأرض". قيل له: قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم ~~يذكر فيه قتل المحارب رواه عثمان وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يذكر فيه قتل المحارب. والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه لأن ~~المرتد لا محالة مستحق للقتل بالاتفاق, وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر ~~هؤلاء, فلم يبق من الثلاثة غيرهم, ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجا منهم. ~~وإن صح ذكر المحارب فيه, فالمعنى فيه: إذا قتل, حتى يكون موافقا للأخبار ~~الأخر وتكون فائدته جواز قتله على وجه الصلب. # فإن قيل فقد ذكر فيه: أو ينفى من الأرض. قيل له: لا يمتنع أن يكون مبتدأ ~~قد أضمر فيه: إن لم يقتل. # فإن قيل فقد يقتل الباغي وإن لم يقتل, وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في ~~الخبر. قيل له ظاهر ms1789 الخبر ينفي قتله, وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم ~~الخبر في نفي قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم. وأيضا فإن الخبر إنما ~~ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه, كالزاني المحصن ~~والمرتد والقاتل, والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه, وإنما يقتل على ~~وجه الدفع, ألا ترى أنه لو قعد في بيته ولم يقاتل لم يقتل وإن كان معتقدا ~~لمقالة أهل البغي؟ فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي ~~بينا لا على التخيير. ويدل على أن في الآية ضميرا ولا تخيير فيها اتفاق ~~الجميع على أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا لم يجز للإمام أن ينفيه ويترك ~~قطع # PageV02P512 # يده ورجله, وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال لم يجز للإمام أن يعفيه من القتل ~~أو الصلب. ولو كان الأمر على ما قال القائلون بالتخيير لكان التخير ثابتا ~~فيما إذا أخذوا المال وقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا, فلما كان ذلك على ~~ما وصفنا ثبت أن في الآية ضميرا وهو أن يقتلوا إن قتلوا, أو يصلبوا إن ~~قتلوا وأخذوا المال, أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال ولم ~~يقتلوا, أو ينفوا من الأرض إن خرجوا ولم يفعلوا شيئا من ذلك حتى ظفر بهم. # واحتج القائلون بالتخيير بظاهر الآية وبقوله تعالى: {من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} فدل على أن الفساد في الأرض ~~بمنزلة قتل النفس في باب وجوب قتله, والمحاربون مفسدون في الأرض بخروجهم ~~وامتناعهم وإخافتهم السبيل وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا. وليس ما ذكروه ~~بموجب للتخيير مع قيام الدلالة على ضمير الآية وتعلق الحكم به دون مقتضى ~~ظاهرها, وهو ما قدمنا من أنها لو كانت موجبة للتخيير ولم يكن فيها ضمير ~~لكان الخيار باقيا إذا قتلوا وأخذوا المال في العدول عن قتلهم وقطعهم إلى ~~نفيهم, فلما ثبت أنه غير جائز العدول عن القتل والقطع في هذه الحال صح أن ~~معناها أن يقتلوا إن قتلوا ms1790 أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال. # فإن قال قائل: إنما وجب قتلهم إذا قتلوا وقطعهم إذا أخذوا المال ولم يجز ~~العدول عنه إلى النفي; لأن القتل على الانفراد يستحق به القتل, وإن لم يكن ~~محاربا وأخذ المال يستحق به القطع إذا كان سارقا; فلذلك لم يجز في هذه ~~الحال العدول إلى النفي وترك القتل أو القطع. قيل له قتل المحارب في هذه ~~الحال وقطعه حد ليس على وجه القود, ألا ترى أن عفو الأولياء غير جائز فيه؟ ~~فثبت أنه إنما يستحق ذلك على وجه الحد; لأنه قتل على وجه المحاربة, ووجب ~~قطعه لأخذه المال على وجه المحاربة, فإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا لم يجز أن ~~يقتل ولا يقطع لأنه لو كان القتل واجبا حدا لما جاز العدول عنه إلى النفي ~~وكذلك القطع, كما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال لم يجز العدول عن القتل أو ~~القطع إلى النفي; إذ كان وجوب ذلك على وجه الحد; وفي ذلك دليل على أن ~~المحارب لا يستحق القتل إلا إذا قتل ولا القطع إلا إذا أخذ المال. ويصلح أن ~~يكون ذلك دليلا مبتدأ لأن القتل إذا وجب حدا لم يجز العدول عنه إلى غيره, ~~وكذلك القطع كالزاني والسارق; فلما جاز للإمام أن يعدل عن قتل المحارب الذي ~~لم يقتل إلى النفي علمنا أنه غير مستحق للقتل بنفس الخروج, وكما لو قتل لم ~~يجز أن يعفى عن قتله, فلو كان يستحق القتل بنفس المحاربة لما جاز أن يعدل ~~عنه كما لم يجز أن يعدل عنه إذا قتل. # PageV02P513 # وأما قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض} وتسويته بين ~~قتل النفس بغير النفس وبين الفساد في الأرض, فإنما المراد الفساد في الأرض ~~الذي يكون معه قتل أو قتله في حال إظهار الفساد, فيقتل على وجه الدفع; ونحن ~~قد نقتل المحارب الذي لم يقتل على وجه الدفع, وإنما الكلام فيمن صار في يد ~~الإمام قبل ms1791 أن يتوب هل يجوز أن يقتله إذا لم يقتل؟ فأما على وجه الدفع فلا ~~خلاف فيه; فجائز أن يكون المراد من قوله تعالى: {أو فساد في الأرض} على هذا ~~الوجه; لأن الفساد في الأرض لو كان يستحق به القتل لما جاز العدول عنه إلى ~~النفي, فلما جاز عند الجميع نفيه على أنه غير مستحق للقتل, فصح بما وصفنا ~~قول من قال بإيجاب ترتيب حكم الآية على الوجه الذي ذكرنا. وأيضا فإن الوصول ~~إلى القتل لا يستحق بأخذ المال ولا القصد له, ومعلوم أن المحاربين إنما ~~خرجوا لأخذ المال, فإن كان القتل غير مستحق لأخذ المال في الأصول فالقصد ~~لأخذه أولى أن لا يستحق به القتل على وجه الحد, فإذا خرج المحاربون وقتلوا ~~قتلوا حدا لأجل القتل. وليس قتلهم هذا قودا لأن القتل يستحق به القتل في ~~الأصول, إلا أنه لما قتله على جهة إظهار الفساد في الأرض تأكد حكمه بأن ~~أوجب قتله حدا على أنه حق لله تعالى لا يجوز فيه عفو الأولياء; فإن أخذوا ~~المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لما في الآية من ذكر ذلك. # وقطع اليد والرجل يستحق بأخذ المال في الأصول, ألا ترى أن السارق تقطع ~~يده فإن عاد فسرق قطعت رجله؟ إلا أنه غلظت عقوبته حين كان أخذه للمال على ~~وجه الفساد في الأرض, فإن قتل وأخذ فالإمام فيه بالخيار على ما ذكرنا من ~~اختلاف أصحابنا فيه, فكان عند أبي حنيفة: له أن يجمع عليه قطع اليد والرجل ~~والصلب والقتل, وكان جميع ذلك عنده حدا واحدا; وكذلك لما استحق القتل ~~والقطع بالقتل وأخذ المال على وجه المحاربة صار جميع ذلك حدا واحدا, ألا ~~ترى أن القتل في هذا الموضع مستحق على وجه الحد كالقطع وأن عفو الأولياء ~~فيه لا يجوز؟ فدل ذلك على أنهما جميعا حد واحد; فلذلك كان للإمام أن ~~يجمعهما جميعا وله أن يقتلهم, فيدخل فيه قطع اليد والرجل; وذلك لأنه لم ~~يؤخذ على الإمام الترتيب في التبدئة ببعض ذلك دون ms1792 بعض فله أن يبدأ بالقتل ~~أو بالقطع. # فإن قال قائل: هلا قتلته وأسقطت القطع كمن سرق وقتل أنه يقتل ولا يقطع. # قيل له: لما بينا من أن جميع ذلك حد واحد مستحق بسبب واحد وهو القتل وأخذ ~~المال على وجه المحاربة, وأما السرقة والقتل فكل واحد منهما مستحق بسبب غير ~~السبب الذي به استحق الآخر, وقد أمرنا بدرء الحدود ما استطعنا; فلذلك بدأنا ~~بالقتل لندرأ أحد الحدين, وليس في مسألتنا درء أحد الحدين وإنما هو حد ~~واحد, فلم يلزمنا إسقاط بعضه # PageV02P514 # وإيجاب بعض. وهو مخير أيضا بين أن يقتله صلبا وبين الاقتصار على القتل ~~دون الصلب, لقوله تعالى: {أن يقتلوا أو يصلبوا} . وذكر أبو جعفر الطحاوي أن ~~الصلب المذكور في آية المحارب هو الصلب بعد القتل في قول أبي حنيفة. وكان ~~أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه يصلب ثم يقتل يبعج بطنه برمح أو ~~غيره فيقتل. وقال أبو الحسن: هذا هو الصحيح, وصلبه بعد القتل لا معنى له; ~~لأن الصلب عقوبة وذلك يستحيل في الميت, فقيل له: لم لا يجوز أن يصلب بعد ~~القتل ردعا لغيره؟ فقال: لأن الصلب إذا كان موضوعه للتعذيب والعقوبة لم يجز ~~إيقاعه إلا على الوجه الموضوع في الشريعة. # فإن قال قائل: إذا كان الله تعالى إنما أوجب القتل أو الصلب على وجه ~~التخيير, فكيف يجوز جمعهما عليه؟. # قيل له: أراد قتلا على غير وجه الصلب إذا قتل ولم يأخذ المال, وأراد قتلا ~~على وجه الصلب إذا قتل وأخذ المال, فغلظت العقوبة عليه في صفة القتل لجمعه ~~بين القتل وأخذ المال. وروى مغيرة عن إبراهيم قال: "يترك المصلوب من ~~المحاربين على الخشبة يوما" وقال يحيى بن آدم: ثلاثة أيام". # واختلف في النفي, فقال أصحابنا: "هو حبسه حيث يرى الإمام" وروي مثله عن ~~إبراهيم; وروي عن إبراهيم رواية أخرى, وهو أن نفيه طلبه. وقال مالك: "ينفى ~~إلى بلد آخر غير البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك". وقال مجاهد ~~وغيره: "هو أن يطلب الإمام الحد ms1793 عليه حتى يخرج عن دار الإسلام". # قال أبو بكر: فأما من قال إنه ينفى عن كل بلد يدخله; فهو إنما ينفيه عن ~~البلد الذي هو فيه والإقامة فيه, وهو حينئذ غير منفي من التصرف في غيره, ~~فلا معنى لذلك ولا معنى أيضا لحبسه في بلد غير بلده; إذ الحبس يستوي في ~~البلد الذي أصاب فيه وفي غيره, فالصحيح إذا حبسه في بلده. وأيضا فلا يخلو ~~قوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} من أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض, ~~وذلك محال لأنه لا يمكن نفيه من جميع الأرض إلا بأن يقتل, ومعلوم أنه لم ~~يرد بالنفي القتل لأنه قد ذكر في الآية القتل مع النفي, أو يكون مراده نفيه ~~من الأرض التي خرج منها محاربا من غير حبسه; لأنه معلوم أن المراد بما ذكره ~~زجره عن إخافة السبيل وكف أذاه عن المسلمين, وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان ~~هناك مخلى كانت معرته قائمة على المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه في ~~غيره أو أن يكون المراد نفيه عن دار الإسلام, وذلك ممتنع أيضا; لأنه لا ~~يجوز نفي المسلم إلى دار الحرب لما فيه من تعريضه للردة ومصيره إلى أن يكون ~~حربيا. فثبت أن معنى النفي هو نفيه عن سائر الأرض إلا موضع حبسه الذي لا ~~يمكنه فيه العبث والفساد. # PageV02P515 # مطلب: إقامة الحد على قاطع الطريق لا تكون كفارة لذنوبه # وقوله تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} يدل على ~~أن إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه, لإخبار الله تعالى بوعيده في ~~الآخرة بعد إقامة الحد عليهم. # قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة ~~من أوجب الله عليه الحد; لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته ~~الجملة منها, كقوله تعالى: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته} ~~فأخرج آل لوط من جملة ms1794 المهلكين, وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين. ~~وكقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} فكان إبليس خارجا من ~~جملة الساجدين. فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا ~~قبل القدرة عليهم فقد نفى إيجاب الحد عليهم, وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ~~{فاعلموا أن الله غفور رحيم} كقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} عقل بذلك سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم. # فإن قال قائل: قد قال في السرقة: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم} ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه. # قيل له: لأنه لم يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد, وإنما أخبر أن الله ~~غفور رحيم لمن تاب منهم, وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من ~~الجملة. وأيضا فإن قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} يصح أن يكون ~~كلاما مبتدأ مستغنيا بنفسه عن تضمينه بغيره, وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله ~~مضمنا بغيره إلا بدلالة, وقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم} مفتقر في صحته إلى ما قبله, فمن أجل ذلك كان مضمنا به. # PageV02P516 # مطلب: إذا سقط الحد وجب ضمان المال # ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت حقوق الآدميين من القتل والجراحات ~~وضمان الأموال. وإذا وجب الحد سقط ضمان حقوق الآدميين في المال والنفس ~~والجراحات; وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل يسقط ما تعلق به من حق الآدمي, ~~كالسارق إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة, وكالزاني إذا وجب عليه الحد لم يلزمه ~~المهر, وكالقاتل إذا وجب عليه القود لم يلزمه ضمان المال; كذلك المحاربون ~~إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين, فإذا سقط الحد عن المحارب وجب ضمان ~~ما تناوله من مال أو نفس, كالسارق إذا درئ عنه الحد وجب عليه ضمان المال, ~~وكالزاني إذا سقط عنه الحد لزمه المهر. # PageV02P516 # واختلف في الموضع الذي يكون به محاربا, فقال أبو حنيفة: "من قطع الطريق ~~في المصر ms1795 ليلا أو نهارا أو بين الحيرة والكوفة ليلا أو نهارا فلا يكون ~~قاطعا للطريق, ولا يكون قاطعا للطريق إلا في الصحاري". وحكى أصحاب" ~~الإملاء" عن أبي يوسف: "أن الأمصار وغيرها سواء وهم المحاربون, يقام حدهم". ~~وروي عن أبي يوسف في اللصوص الذين يكبسون الناس ليلا في دورهم في المصر ~~أنهم بمنزلة قطاع الطريق يجرى عليهم أحكامهم. وحكي عن مالك أنه لا يكون ~~محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية; وذكر عنه أيضا قال: "المحاربة ~~أن يقاتلوا على طلب المال من غير نائرة" ولم يفرق ههنا بين المصر وغيره. ~~وقال الشافعي: "قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم المال, ~~والصحاري والمصر واحد". وقال الثوري: "لا يكون محاربا بالكوفة حتى يكون ~~خارجا منها". قال أبو بكر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ~~قطع على خائن ولا مختلس" فنفى عليه السلام القطع عن المختلس, والمختلس هو ~~الذي يختلس الشيء وهو غير ممتنع فوجب بذلك اعتبار المنعة من المحاربين ~~وأنهم متى كانوا في موضع لا يمكنهم أن يمتنعوا وقد يلحق من قصدوه الغوث من ~~قبل المسلمين أن لا يكونوا محاربين وأن يكونوا بمنزلة المختلس والمنتهب ~~كالرجل الواحد إذا فعل ذلك في المصر فيكون مختلسا غاصبا لا يجري عليه أحكام ~~قطاع الطريق, وإذا كانت جماعة ممتنعة في الصحراء فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال ~~السابلة قبل أن يلحقهم الغوث, فباينوا بذلك المختلس ومن ليس له امتناع في ~~أحكامهم. ولو وجب أن يستوي حكم المصر وغيره لوجب استواء حكم الرجل الواحد ~~والجماعة; ومعلوم أن الرجل الواحد لا يكون محاربا في المصر لعدم الامتناع ~~منه, فكذلك ينبغي أن يكون حكم الجماعة في المصر لفقد الامتناع منهم على أهل ~~المصر. وأما إذا كانوا في الصحراء فهم ممتنعون غير مقدور عليهم إلا بالطلب ~~والقتال, فلذلك اختلف حكمهم وحكم من في المصر. # فإن قال قائل: إن كان الاعتبار بما ذكرت فواجب أن يكون العشرة من اللصوص ~~إذا اعترضوا قافلة فيها ألف رجل غير محاربين; إذ قد ms1796 يمكنهم الامتناع عليهم. # قيل له: صاروا محاربين بالامتناع والخروج, سواء قصدوا القافلة أو لم ~~يقصدوها, فلا يزول عنهم هذا الحكم بعد ذلك بكون القافلة ممتنعة منهم كما لا ~~يزول بكون أهل الأمصار ممتنعين منهم. وأجرى أبو يوسف على اللصوص في المصر ~~حكم المحاربين لامتناعهم والخروج على وجه المحاربة لأخذ المال فلا يختلف ~~حكمهم بالمصر وغيره, كما أن سائر ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف ~~والقتل لا يختلف أحكام فاعليها بالمصر وغيره. # PageV02P517 # فصل # واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ, بأن يصيب كل ~~واحد منهم عشرة دراهم. واعتبر الشافعي ربع دينار كما اعتبره في قطع السارق, ~~ولم يعتبره مالك; لأنه يرى إجراء الحكم عليهم بالخروج قبل أخذ المال. # PageV02P518 # فصل # وقال أصحابنا: إذا كان الذي ولي القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم جميعهم ~~حكم المحاربين يجري الحكم عليهم وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا ~~باجتماعهم جميعا, فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة وهو المنعة حصل ~~باجتماعهم جميعا وجب أن لا يختلف حكم من ولي القتل منهم ومن كان عونا أو ~~ظهيرا; والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه حكم من ~~ولي القتال منهم ومن كان منهم ردءا وظهيرا, ولذلك لم يختلف حكم من قتل بعصا ~~أو بسيف; إذ كان من لم يل القتال يجري عليه الحكم. # PageV02P518 # باب قطع السارق # قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} . روى سفيان عن جابر ~~عن عامر قال قراءة عبد الله {فاقطعوا أيديهما} وروى ابن عوف عن إبراهيم: في ~~قراءتنا: "فاقطعوا أيمانهما". # قال أبو بكر: لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين, ~~فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله: {أيديهما} أيمانهما, فظاهر اللفظ في جمعه ~~الأيدي من الاثنين يدل على أن المراد اليد الواحدة من كل واحد منهما كقوله ~~تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} لما كان لكل واحد منهما قلب ~~واحد أضافه إليهما بلفظ الجمع, كذلك لما أضاف الأيدي ms1797 إليهما بلفظ الجمع دل ~~على أن المراد إحدى اليدين من كل واحد منهما وهي اليمنى. # وقد اختلف في قطع اليسرى في المرة الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في ~~الرابعة, وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ولم تختلف الأمة في خصوص هذه الآية; لأن اسم السارق يقع على سارق الصلاة, ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته" ~~قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها وسجودها". ويقع ~~على سارق اللسان; روى ليث بن سعد قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير ~~مرثد بن عبد الله عن أبي رهم, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسرق ~~السارق الذي يسرق لسان الأمير" فثبت بذلك أنه لم يرد كل سارق. # PageV02P518 # والسرقة اسم لغوي مفهوم المعنى عند أهل اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى ~~بيان وكذلك حكمه في الشرع وإنما علق بهذا الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح ~~والإجارة وسائر الأمور المعقولة معانيها من اللغة قد علقت بها أحكام يجب ~~اعتبار عمومها بوجوب الاسم إلا ما قام دليل خصوصه فلو خلينا وظاهر قوله: ~~{والسارق والسارقة} لوجب إجراء الحكم على الاسم إلا ما خصه الدليل إلا أنه ~~قد ثبت عندنا أن الحكم متعلق بمعنى غير الاسم يجب اعتباره في إيجابه وهو ~~الحرز والمقدار فهو مجمل من جهة المقدار يحتاج إلى بيان من غيره في إثباته ~~فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب القطع في كل مقدار والدليل على ~~إجماله وامتناع اعتبار عمومه ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثنا وهيب عن أبي واقد قال: ~~حدثني عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن" وروى ابن لهيعة عن أبي النصر عن عمرة عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقطع يد السارق إلا فيما بلغ ~~ثمن ms1798 المجن فما فوق". وروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن ~~المجن" فثبت بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطع موقوف على ثمن المجن ~~فصار ذلك كوروده مع الآية مضموما إليها وكان تقديرها: والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما إذا بلغت السرقة ثمن المجن وهذا لفظ مفتقر إلى البيان غير ~~مكتف بنفسه في إثبات الحكم وما كان هذا سبيله لم يصح الاحتجاج بعمومه ووجه ~~آخر يدل على إجمالها في هذا الوجه وهو ما روي عن السلف في تقويم المجن فروي ~~عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء ~~وإبراهيم في آخرين: "أن قيمته كانت عشرة دراهم" وقال ابن عمر: "قيمته ثلاثة ~~دراهم" وقال أنس وعروة والزهري وسليمان بن يسار: "قيمته خمسة دراهم" وقالت ~~عائشة ثمن المجن ربع دينار" ومعلوم أنه لم يكن ذلك تقويما منهم لسائر ~~المجان لأنها تختلف كاختلاف الثياب وسائر العروض فلا محالة أن ذلك كان ~~تقويما للمجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أيضا أنهم ~~لم يحتاجوا إلى تقويمه من حيث قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم; إذ ليس في ~~قطع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء بعينه دلالة على نفي القطع عما دونه ~~كما أن قطعه السارق في المجن غير دال على أن حكم القطع مقصور عليه دون غيره ~~إذا كان ما فعله بعض ما تناوله لفظ العموم على حسب حدوث الحادثة فإذا لا ~~محالة قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف لهم حين قطع السارق على ~~نفي القطع فيما دونه, فدل ذلك على إجمال حكم الآية في المقدار كدلالة ~~الأخبار التي قدمناها لفظا من نفي القطع عما دون قيمة المجن, فلم يجز من ~~أجل ذلك اعتبار عموم الآية في إثبات المقدار # PageV02P519 # ووجب طلب معرفة قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وليس ms1799 ~~إجمالها في المقدار بموجب إجمالها في سائر الوجوه من الحرز وجنس المقطوع ~~فيه وغير ذلك, بل جائز أن يكون عموما في هذه الوجوه مجملا في حكم المقدار ~~فحسب, كما أن قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] عموم في جهة ~~الأموال الموجب فيها الصدقة مجمل في المقدار الواجب منها. وكان شيخنا أبو ~~الحسن يذهب إلى أن الآية مجملة من حيث علق فيها الحكم بمعان لا يقتضيها ~~اللفظ من طريق اللغة, وهو الحرز والمقدار; والمعاني المعتبرة في إيجاب ~~القطع متى عدم منها شيء لم يجب القطع مع وجود الاسم; لأن اسم السرقة موضوع ~~في اللغة لأخذ الشيء على وجه الاستخفاء, ومنه قيل" سارق اللسان" و" سارق ~~الصلاة" تشبيها بأخذ الشيء على وجه الاستخفاء, والأصل فيه ما ذكرنا. وهذه ~~المعاني التي ذكرنا اعتبارها في إيجاب القطع لم يكن الاسم موضوعا لها في ~~اللغة, وإنما ثبت ذلك من جهة الشرع, فصارت السرقة في الشرع اسما شرعيا لا ~~يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قامت دلالته. # واختلف في مقدار ما يقطع فيه السارق, فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد والثوري: "لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو قيمتها من غيرها". ~~وروي عن أبي يوسف ومحمد: "أنه لا قطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم ~~مضروبة". وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: "أنه إذا سرق ما يساوي عشرة ~~دراهم مما يجوز بين الناس قطع". وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي: "لا ~~قطع إلا في ربع دينار فصاعدا" قال الشافعي: "فلو غلت الدراهم حتى يكون ~~الدرهمان بدينار قطع في ربع دينار, وإن كان ذلك نصف درهم, وإن رخصت ~~الدنانير حتى يكون الدينار بمائة درهم قطع في ربع دينار, وذلك خمسة وعشرون ~~درهما". وروي عن الحسن البصري أنه قال: "يقطع في درهم واحد", وهو قول شاذ ~~قد اتفق الفقهاء على خلافه. وقال أنس بن مالك وعروة والزهري وسليمان بن ~~يسار: "لا يقطع إلا في خمسة دراهم" وروي نحوه عن عمر وعلي أنهما قالا: "لا ~~يقطع إلا ms1800 في خمسة". وقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبو ~~جعفر وعطاء وإبراهيم:" لا قطع إلا في عشرة دراهم" قال ابن عمر: "يقطع في ~~ثلاثة دراهم" وروي عن عائشة القطع في ربع دينار وروي عن أبي سعيد الخدري ~~وأبي هريرة قالا: "لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم". # والأصل في ذلك أنه لما ثبت باتفاق الفقهاء من السلف ومن بعدهم أن القطع ~~لا يجب إلا في مقدار متى قصر عنه لم يجب وكان طريق إثبات هذا الضرب من ~~المقادير التوقيف أو الاتفاق ولم يثبت التوقيف فيما دون العشرة وثبت ~~الاتفاق في العشرة # PageV02P520 # أثبتناها ولم نثبت ما دونها لعدم التوقيف والاتفاق فيه ولا يصح الاحتجاج ~~بعموم قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} لما بينا أنه مجمل بما ~~اقترن إليه من توقيف الرسول عليه السلام على اعتبار ثمن المجن ومن اتفاق ~~السلف على ذلك أيضا فسقط الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع ~~في العشرة ونفيه عما دونها لما وصفنا وقد رويت أخبار توجب اعتبار العشرة في ~~إيجاب القطع منها ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع فيما دون ~~عشرة دراهم" وقد سمعنا أيضا في سنن ابن قانع حديثا رواه بإسناد له عن زحر ~~بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقطع ~~اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم". وقال عمرو بن شعيب: قلت لسعيد بن ~~المسيب: إن عروة والزهري وسليمان بن يسار يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة ~~دراهم فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشرة دراهم قاله ابن عباس وأيمن الحبشي وعبد الله بن عمر وقالوا: كان ثمن ~~المجن عشرة دراهم. # فإن احتجوا بما روي عن ms1801 ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في ~~مجن قيمته ثلاثة دراهم وبما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~"تقطع يد السارق في ربع دينار" قيل له: أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة ~~فيه على موضع الخلاف لأنهما قوماه ثلاثة دراهم وقد قومه غيرهما عشرة فكان ~~تقديم الزائد أولى وأما حديث عائشة فقد اختلف في رفعه وقد قيل إن الصحيح ~~منه أنه موقوف عليها غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإثبات ~~من الرواة رووه موقوفا وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن ثلث دينار أو ~~نصف دينار فصاعدا". وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "أن يد السارق لم ~~تكن تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن, وكان ~~المجن يومئذ له ثمن ولم تكن تقطع في الشيء التافه "; فهذا يدل على أن الذي ~~كان عند عائشة من ذلك القطع في ثمن المجن وأنه لم يكن عندها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم غير ذلك; إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شيء معلوم ~~المقدار من الذهب أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن; إذ كان ذلك ~~مدركا من جهة الاجتهاد ولا حظ للاجتهاد مع النص. وهذا يدل أيضا على أن ما ~~روي عنها مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن ثبت فإنما هو تقدير منها ~~لثمن المجن اجتهادا; وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم ~~عن عمرة عن عائشة قالت: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا" قال أيوب: ~~وحدث به يحيى عن عمرة عن عائشة # PageV02P521 # ورفعه, فقال له عبد الرحمن بن القاسم: إنها كانت لا ترفعه, فترك يحيى ~~رفعه. فهذا يدل. على أن من رواه مرفوعا فإنما سمعه من يحيى قبل تركه ms1802 الرفع. # PageV02P522 # مطلب: خبر الحظر أولى من خبر الإباحة # ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه مختلفة في نفي القطع عن سارق ما دون العشرة, وكان يكون ~~حينئذ خبرنا أولى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيح له, وخبر ~~الحظر أولى من خبر الإباحة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"لعن الله السارق يسرق الحبل فيقطع فيه, ويسرق البيضة فيقطع فيها" فربما ظن ~~بعض من لا روية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه لذكر البيضة ~~والحبل وهما في العادة أقل قيمة من عشرة دراهم, وليس ذلك على ما يظنه; لأن ~~المراد بيضة الحديد, وقد روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهما; ولأنه لا خلاف بين ~~الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قطع عليه, وأما الحبل فقد يكون مما يساوي ~~العشرة والعشرين وأكثر من ذلك. # PageV02P522 # فصل مطلب: في معنى قوله عليه السلام: "لا قطع على الخائن" # وأما اعتبار الحرز فالأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~قطع على خائن" رواه ابن عباس وجابر. وهو مشتمل على نفي القطع في جميع ما ~~ائتمن الإنسان فيه, فمنها أن الرجل إذا ائتمن غيره على دخول بيته ولم يحرز ~~منه ماله لم يجب عليه القطع إذا خانه لعموم لفظ الخبر ويصير حينئذ بمنزلة ~~المودع والمضارب وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا قطع على ~~خائن" وجوب القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات ويدل أيضا على ~~نفي القطع عن المستعير إذا جحد العارية. # PageV02P522 ### | مطلب: في معنى قوله تعالى: {وجعلكم ملوكا} # قوله تعالى: {وجعلكم ملوكا} قال عبد الله بن عمر وزيد بن أسلم والحسن: ~~"الملك من له دار وامرأة وخادم". وقال غيرهم: "هو الذي له ما يستغني به عن ~~تكلف الأعمال وتحمل المشاق للمعاش". وقال ابن ms1803 عباس ومجاهد: جعلوا ملوكا ~~بالمن والسلوى والحجر والغمام. وقال غيرهم: "بالأموال أيضا". وقال الحسن: ~~"إنما سماهم ملوكا لأنهم ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا ~~يستعبدونهم". وقال السدي: "ملك كل واحد منهم نفسه وأهله وماله". وقال ~~قتادة: "كانوا أول من ملك الخدم". # PageV02P498 ### | مطلب: في معنى التحريف # قوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} تحريفهم إياه يكون بوجهين: أحدهما: بسوء ~~التأويل, والآخر: بالتغيير والتبديل. وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي ~~الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع التواطؤ على مثلهم, وما ~~لم يستفض في الكافة # PageV02P498 ### | ### | مطلب: يجب على من قصده إنسان بالقتل قتله إذا أمكنه # # مطلب: يجب على من قصده إنسان بالقتل قتله إذا أمكنه # ... # مطلب: يجب على من قصده إنسان بالقتل قتله إذا أمكنه # والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأن الواجب على من قصده إنسان بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ~~ترك قتله مع الإمكان, قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله} [الحجرات: 9] فأمر الله بقتال الفئة الباغية, ولا بغي أشد من قصد ~~إنسان بالقتل بغير استحقاق, فاقتضت الآية قتل من قصد قتل غيره بغير حق; ~~وقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] فأخبر أن في إيجابه ~~القصاص حياة لنا, لأن القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن ~~قتله. وهذا المعنى موجود في حال قصده لقتل غيره; لأن في قتله إحياء لمن لا ~~يستحق القتل. وقال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] ~~فأمر بالقتال لنفي الفتنة, ومن الفتنة قصده قتل الناس بغير حق. وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا حسين بن حريث قال: ~~حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهر سيفه ms1804 ثم وضعه1 فدمه هدر". ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة: "من قتل دون نفسه ~~PageV02P502 ### | مطلب: من أراد قلع سنك فلك قتله إلى آخره # قال أبو بكر ذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب ~~البيوت: يسعك قتله, لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد" ~~ولا يكون شهيدا إلا هو مأمور بالقتال إن أمكنه فقد تضمن ذلك إيجاب قتله إذا ~~قدر عليه. وقال أيضا في رجل يريد قلع سنك, قال فلك أن تقتله إذا كنت في ~~موضع لا يعينك الناس عليه". قال أبو بكر: وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ ~~المال, فإذا جاز قتله لحفظ ماله فهو أولى بجواز القتل من أجلها. # قوله تعالى: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} فإنه روي عن ابن عباس وابن ~~مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل ~~قتلي". وقال غيرهم: "إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك". والمراد: إني ~~أريد أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك; لأنه لا يجوز أن يكون مراده حقيقة الإثم; ~~إذ غير جائز لأحد إرادة معصية الله من نفسه ولا من غيره كما لا يجوز أن ~~يأمره بها. ومعنى" تبوء" ترجع, يقال: باء, إذا رجع إلى المباءة وهي المنزل, ~~وباءوا بغضب الله: رجعوا, والبواء: الرجوع بالقود وهم في هذه الأمر بواء أي ~~سواء; لأنهم يرجعون فيه إلى معنى واحد. # قوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} . قال مجاهد: "شجعته نفسه على قتل ~~أخيه". وقال قتادة: "زينت له نفسه قتل أخيه". وقيل: "ساعدته نفسه على قتل ~~أخيه". والمعنى في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له, ويقال إن ~~العرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول الشجر, وطاع لفلان كذا, أي أتاه طوعا. ~~ويقال: انطاع بمعنى انقاد; ويقال: طوعت له نفسه, ولا يقال أطاعته نفسه, على ~~هذا المعنى; لأن قولهم: "أطاع" يقتضي قصدا منه لموافقة معنى الأمر, وذلك ~~غير موجود في نفسه; ms1805 وليس كذلك الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون ~~آمرا لنفسه ولا ناهيا لها; إذ كان موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن ~~دونه; وقد يجوز أن يكون أن يوصف بفعل يتناوله ولا يتعدى إلى غيره كقوله: ~~"حرك نفسه" و" قتل نفسه" كما يقال: "حرك غيره" و" قتل غيره". # قوله تعالى: {فأصبح من الخاسرين} يعني خسر نفسه بإهلاكه إياها, لقوله ~~تعالى: {إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15] ~~ولا # PageV02P505 ### | باب دفن الموتى # قال الله تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه} . قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: "لم يدر ~~كيف يصنع به حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا" وفي هذا دليل على فساد ما ~~روي عن الحسن أنهما رجلان من بني إسرائيل; لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف ~~الدفن بجريان العادة فيه قبل ذلك, وهو الأصل في سنة دفن الموتى; وقال ~~تعالى: {ثم أماته فأقبره} [عبس:21] وقال تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا ~~أحياء وأمواتا} [المرسلات:26] . وقيل في معنى: {سوءة أخيه} وجهان: أحدهما: ~~جيفة أخيه; لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفته سوأة. والثاني عورة أخيه; ~~وجائز أن يريد الأمرين جميعا لاحتمالهما. وأصل السوأة التكره, ومنه: ساءه ~~يسوءه سوءا; إذا أتاه بما يتكرهه وقص الله علينا قصته لنعتبر بها ونتجنب ~~قبح ما فعله القاتل منهما. وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله ضرب لكم ابني آدم مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما". # وقال الله تعالى: {فأصبح من النادمين} قيل إنه ندم على القتل على غير جهة ~~القربة إلى الله تعالى منه وخوف عقابه, وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما ~~فعل وناله ضرر بسببه من قبل أبيه وأمه, ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل ~~الله توبته وغفر ذنبه. # قوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} الآية. فيه إبانة عن ~~المعنى الذي من أجله كتب على بني إسرائيل ما ذكر ms1806 في الآية, وهو لئلا يقتل ~~بعضهم بعضا; فدل ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في ~~أغيارها في إثبات الأحكام. وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار ~~المعاني التي علق بها الأحكام وجعلت عللا وأعلاما لها # وقوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض} يدل على أن من قتل # PageV02P506 ### | باب حد المحاربين # حد المحاربين قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا} الآية. قال أبو بكر: قوله تعالى: {يحاربون الله} هو ~~مجاز ليس بحقيقة; لأن الله يستحيل أن يحارب; وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ~~سمى الذين يخرجون ممتنعين مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما ~~كانوا بمنزلة من حارب غيره من الناس ومانعه, فسموا محاربين تشبيها لهم ~~بالمحاربين من الناس, كما قال تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ~~[الأنفال: 13] وقوله: {إن الذين يحادون الله ورسوله} [المجادلة: 5و 20] ~~ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما في شق يباين صاحبه ومعنى المحادة أن ~~يصير كل واحد منهما في حد على وجه المفارقة وذلك يستحيل على الله تعالى; إذ ~~ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو تجوز عليه المباينة والمفارقة, ولكنه تشبيه ~~بالمعاديين إذا صار كل واحد منهما في شق وناحية على وجه المباينة. وذلك منه ~~على وجه المبالغة في إظهار المخالفة والمباينة, فكذلك قوله تعالى: {يحاربون ~~الله} يحتمل أن يكونوا سموا بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم ~~إياهم من الناس. وخصت هذه الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها ~~لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك الحريم وإظهار السلاح, ولم يسم بذلك كل عاص ~~لله تعالى; إذ ليس بهذه المنزلة في الامتناع وإظهار المغالبة في أخذ ~~الأموال وقطع الطريق. ويحتمل أن يريد الذين يحاربون أولياء الله ورسوله, ~~كما قال تعالى: {إن الذين يؤذون الله} [الأحزاب: 57] والمعنى: يؤذون أولياء ~~الله. ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا مرتدين بإظهار محاربة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد يصح إطلاق لفظ المحاربة لله ms1807 ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة ~~بالمعصية وإن كان من أهل الملة, والدليل عليه ما روى زيد بن أسلم عن أبيه, ~~إن عمر بن الخطاب رأى معاذا يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " اليسير من الرياء شرك من عادى أولياء الله فقد بارز ~~الله بالمحاربة" فأطلق عليه اسم المحاربة, ولم يذكر الردة; ومن حارب مسلما ~~على أخذ ماله فهو معاد لأولياء الله تعالى محارب لله تعالى بذلك. وروى ~~أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم, أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: "أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم" فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ورسوله. وإن لم يكن مشركا, فثبت ~~بما ذكرنا أن قاطع الطريق يقع عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله. ويدل ~~عليه أيضا ما روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس: أن حارثة بن بدر حارب الله ~~ورسوله # PageV02P508 ### | مطلب: الحكم لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب # ردة ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين, فإن ~~كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا, فإن نزولها في شأنهم لا يوجب ~~الاقتصار بها عليهم; لأنه لا حكم للسبب عندنا وإنما الحكم عندنا لعموم ~~اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب. وأيضا فإن من ذكر ~~نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول ~~الآية شيئا, وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا; ويستحيل نزول الآية في الأمر ~~بقطع من قد قطع وقتل من قتل لأن ذلك غير ممكن, فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم ~~الآية ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير متصور الحكم على ~~المرتدين وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال: "كان أمر العرنيين قبل ~~أن تنزل الحدود" فأخبر أنه كان قبل نزول الآية. ويدل عليه أن النبي صلى ~~الله ms1808 عليه وسلم سمل أعينهم, وذلك منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المثلة. وأيضا لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ~~ولم يذكر سمل الأعين, فصار سمل الأعين منسوخا بالآية لأنه لو كان حدا معه ~~لذكره; وهو مثل ما روي في خبر عبادة: "في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب ~~عام. والثيب بالثيب الجلد والرجم" ثم أنزل الله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فصار الحد هو ما في الآية دون ~~غيره, وصار النفي منسوخا بها. ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين ~~وأنها نزلت بعدهم أن فيها ذكر القتل والصلب وليس فيها ذكر سمل الأعين, وغير ~~جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن يكونوا مرادين بها; ~~لأنه لو كان كذلك لأجرى النبي صلى الله عليه وسلم حكمها عليهم, فلما لم ~~يصلبوا وسملهم دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ, فثبت بذلك أن حكم ~~الآية غير مقصور على المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين # PageV02P510 ### | ذكر الاختلاف في ذلك # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها, بعد ~~اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق; فروى الحجاج ~~بن أرطاة عن عطية العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية, قال: "إذا حارب الرجل ~~فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب, فإن قتل ولم يأخذ المال ~~قتل, وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف, وإذا لم يقتل ولم ~~يأخذ المال نفي". وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ~~ويأخذ المال ويقتل أن الإمام فيه بالخيار, إن شاء قطع يده ورجله من خلاف ~~وقتله وصلبه, وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله, وإن شاء قتله ولم يصلبه; ~~فإن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف, وإن ms1809 لم يأخذ مالا ولم يقتل ~~عزر ونفي من الأرض, ونفيه حبسه; وفي رواية أخرى: أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث ~~خيرا; وهو قول الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني. ~~فهذا قول السلف الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب. وقال آخرون: الإمام ~~مخير فيهم إذا خرجوا يجري عليهم أي هذه الأحكام شاء وإن لم يقتلوا ولم ~~يأخذوا مالا. وممن قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن ~~أبي رباح. وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا قتل المحاربون ولم ~~يعدوا ذلك قتلوا, وإن أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف, لا خلاف بين أصحابنا في ذلك, فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة ~~قال: "للإمام أربع خيارات: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم, وإن شاء قطع ~~أيديهم وأرجلهم وصلبهم, وإن شاء صلبهم, وإن شاء قتلهم وترك القطع". وقال ~~أبو يوسف ومحمد: "إذا قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا ~~يقطعون". وروي عن أبي يوسف في" الإملاء" أنه قال: "إن شاء قطع يده ورجله ~~وصلبه, فأما الصلب فلا أعفيه منه". وقال الشافعي في قطاع الطريق: "إذا ~~قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا, وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم ~~يصلبوا, وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف, وإذا ~~أخافوا السبيل نفوا, وإذا هربوا طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود, إلا ~~من تاب قبل أن نقدر عليه سقط عنه الحد, ولا يسقط حقوق الآدميين, ويحتمل أن ~~يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة; ويقطع من أخذ ربع دينار فصاعدا". وقال مالك: ~~"إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل فإن الإمام مخير في إقامة أي الحدود التي ~~أمر الله تعالى بها قتل المحارب أو لم يقتل, أخذ مالا أو لم يأخذ, الإمام ~~مخير في ذلك: إن شاء قتله, وإن شاء قطعه خلافا, وإن شاء # PageV02P511 ### | مطلب: إقامة الحد على قاطع الطريق لا تكون كفارة لذنوبه # وقوله تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} يدل ms1810 على ~~أن إقامة الحد عليه لا تكون كفارة لذنوبه, لإخبار الله تعالى بوعيده في ~~الآخرة بعد إقامة الحد عليهم. # قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة ~~من أوجب الله عليه الحد; لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته ~~الجملة منها, كقوله تعالى: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته} ~~فأخرج آل لوط من جملة المهلكين, وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين. ~~وكقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} فكان إبليس خارجا من ~~جملة الساجدين. فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا ~~قبل القدرة عليهم فقد نفى إيجاب الحد عليهم, وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ~~{فاعلموا أن الله غفور رحيم} كقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} عقل بذلك سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم. # فإن قال قائل: قد قال في السرقة: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم} ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه. # قيل له: لأنه لم يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد, وإنما أخبر أن الله ~~غفور رحيم لمن تاب منهم, وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من ~~الجملة. وأيضا فإن قوله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} يصح أن يكون ~~كلاما مبتدأ مستغنيا بنفسه عن تضمينه بغيره, وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله ~~مضمنا بغيره إلا بدلالة, وقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم} مفتقر في صحته إلى ما قبله, فمن أجل ذلك كان مضمنا به. # PageV02P516 ### | مطلب: إذا سقط الحد وجب ضمان المال # ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت حقوق الآدميين من القتل والجراحات ~~وضمان الأموال. وإذا وجب الحد سقط ضمان حقوق الآدميين في المال والنفس ~~والجراحات; وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل يسقط ما تعلق به من حق الآدمي, ~~كالسارق ms1811 إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة, وكالزاني إذا وجب عليه الحد لم يلزمه ~~المهر, وكالقاتل إذا وجب عليه القود لم يلزمه ضمان المال; كذلك المحاربون ~~إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين, فإذا سقط الحد عن المحارب وجب ضمان ~~ما تناوله من مال أو نفس, كالسارق إذا درئ عنه الحد وجب عليه ضمان المال, ~~وكالزاني إذا سقط عنه الحد لزمه المهر. # PageV02P516 ### | ### | فصل # # واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ, بأن يصيب كل ~~واحد منهم عشرة دراهم. واعتبر الشافعي ربع دينار كما اعتبره في قطع السارق, ~~ولم يعتبره مالك; لأنه يرى إجراء الحكم عليهم بالخروج قبل أخذ المال. # PageV02P518 ### | فصل # وقال أصحابنا: إذا كان الذي ولي القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم جميعهم ~~حكم المحاربين يجري الحكم عليهم وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا ~~باجتماعهم جميعا, فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة وهو المنعة حصل ~~باجتماعهم جميعا وجب أن لا يختلف حكم من ولي القتل منهم ومن كان عونا أو ~~ظهيرا; والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه حكم من ~~ولي القتال منهم ومن كان منهم ردءا وظهيرا, ولذلك لم يختلف حكم من قتل بعصا ~~أو بسيف; إذ كان من لم يل القتال يجري عليه الحكم. # PageV02P518 ### | باب قطع السارق # قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} . روى سفيان عن جابر ~~عن عامر قال قراءة عبد الله {فاقطعوا أيديهما} وروى ابن عوف عن إبراهيم: في ~~قراءتنا: "فاقطعوا أيمانهما". # قال أبو بكر: لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين, ~~فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله: {أيديهما} أيمانهما, فظاهر اللفظ في جمعه ~~الأيدي من الاثنين يدل على أن المراد اليد الواحدة من كل واحد منهما كقوله ~~تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} لما كان لكل واحد منهما قلب ~~واحد أضافه إليهما بلفظ الجمع, كذلك لما أضاف الأيدي إليهما بلفظ الجمع دل ~~على أن المراد إحدى اليدين من ms1812 كل واحد منهما وهي اليمنى. # وقد اختلف في قطع اليسرى في المرة الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في ~~الرابعة, وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ولم تختلف الأمة في خصوص هذه الآية; لأن اسم السارق يقع على سارق الصلاة, ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته" ~~قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها وسجودها". ويقع ~~على سارق اللسان; روى ليث بن سعد قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير ~~مرثد بن عبد الله عن أبي رهم, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسرق ~~السارق الذي يسرق لسان الأمير" فثبت بذلك أنه لم يرد كل سارق. # PageV02P518 ### | مطلب: خبر الحظر أولى من خبر الإباحة # ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجوه مختلفة في نفي القطع عن سارق ما دون العشرة, وكان يكون ~~حينئذ خبرنا أولى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيح له, وخبر ~~الحظر أولى من خبر الإباحة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"لعن الله السارق يسرق الحبل فيقطع فيه, ويسرق البيضة فيقطع فيها" فربما ظن ~~بعض من لا روية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه لذكر البيضة ~~والحبل وهما في العادة أقل قيمة من عشرة دراهم, وليس ذلك على ما يظنه; لأن ~~المراد بيضة الحديد, وقد روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهما; ولأنه لا خلاف بين ~~الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قطع عليه, وأما الحبل فقد يكون مما يساوي ~~العشرة والعشرين وأكثر من ذلك. # PageV02P522 ### | فصل مطلب: في معنى قوله عليه السلام: "لا قطع على الخائن" # وأما اعتبار الحرز فالأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~قطع على خائن" رواه ابن عباس وجابر. وهو ms1813 مشتمل على نفي القطع في جميع ما ~~ائتمن الإنسان فيه, فمنها أن الرجل إذا ائتمن غيره على دخول بيته ولم يحرز ~~منه ماله لم يجب عليه القطع إذا خانه لعموم لفظ الخبر ويصير حينئذ بمنزلة ~~المودع والمضارب وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا قطع على ~~خائن" وجوب القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات ويدل أيضا على ~~نفي القطع عن المستعير إذا جحد العارية. # PageV02P522 ### | مطلب: في تأويل ما ورد عنه عليه السلام من أنه فطع يد المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده # وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع المرأة التي كانت تستعير ~~المتاع وتجحده فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان; إذ ليس ~~فيه أنه قطعها لأجل جحودها للعارية وإنما ذكر جحود العارية تعريفا لها إذا ~~كان ذلك معتادا منها حتى عرفت به فذكر ذلك على وجه التعريف وهذا مثل ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجلين أحدهما # PageV02P522 # يحجم الآخر في رمضان: "أفطر الحاجم والمحجوم" فذكر الحجامة تعريفا لهما ~~والإفطار واقع بغيرها وقد روي في أخبار صحيحة أن قريشا أهمهم شأن المرأة ~~المخزومية التي سرقت وهي هذه المرأة التي ذكر في الخبر أنها كانت تستعير ~~المتاع وتجحده فبين في هذه الأخبار أنه قطعها لسرقتها. # ويدل على اعتبار الحرز أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه سئل عن ~~حريسة الجبل فقال: فيها غرامة مثلها وجلدات نكال فإذا أواها المراح وبلغ ~~ثمن المجن ففيه القطع. وقال: ليس في الثمر المعلق قطع حتى يأويه الجرين ~~فإذا أواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ودلالة هذا الخبر على وجوب ~~اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول وإن كان كل واحد منهما مكتفيا ~~بنفسه في وجوب اعتباره ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في ~~القطع وأصله في السنة ما وصفنا. # والحرز عند أصحابنا ما بني للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة وما في معناها ~~وكذلك ms1814 الفساطيط والمضارب والخيم التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها ~~كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب ~~أو لا باب له إلا أنه محجر بالبناء وما كان في غير بناء ولا خيمة ولا فسطاط ~~ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن يكون عنده من يحفظه وهو قريب منه بحيث ~~يكون حافظا له وسواء كان الحافظ نائما في ذلك الموضع أو مستيقظا والأصل في ~~كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو صحراء حديث صفوان بن أمية حين كان ~~نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه, فسرقه سارق, فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقطعه; ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز, فثبت أنه كان محرزا لكون صفوان ~~عنده. ولذلك قال أصحابنا: "لا فرق بين أن يكون الحافظ له نائما أو مستيقظا" ~~لأن صفوان كان نائما, وليس المسجد عندهم في ذلك كالحمام, فمن سرق من الحمام ~~لم يقطع, وكذلك الخان والحوانيت المأذون في دخولها وإن كان هناك حافظ, من ~~قبل أن الإذن موجود في الدخول من جهة مالك الحمام والدار فخرج الشيء من أن ~~يكون محرزا من المأذون له في الدخول, ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره ~~أن الدار لم تخرج من أن تكون حرزا في نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في ~~الدخول؟ لأنه حين أذن له في الدخول فقد ائتمنه ولم يحرز ماله عنه, كذلك كل ~~موضع يستباح دخوله بإذن المالك فهو غير حرز من المأذون له في الدخول وأما ~~المسجد فلم يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي فصار كالمفازة والصحراء, فإذا سرق ~~منه وهناك حافظ له قطع. وحكي عن مالك أن السارق من الحمام يقطع إن كان هناك ~~حافظ له. قال أبو بكر: لو وجب قطعه لوجب قطع السارق من الحانوت المأذون له ~~في الدخول # PageV02P523 # الدخول إليه لأن صاحب الحانوت حافظ له; ومعلوم أن إذنه له في دخوله قد ~~أخرجه من أن يكون ماله فيه ms1815 محرزا منه, فكان بمنزلة المؤتمن; ولا فرق بين ~~الحمام والحانوت المأذون في دخوله. # فإن قال قائل: يقطع السارق من الحانوت والخان المأذون له. قيل له: هو ~~كالخائن للودائع والعواري والمضاربات وغيرها; إذ لا فرق بين ما ذكرنا ~~وبينها, وقد ائتمنه صاحبه بأن لم يحرزه كما ائتمنه في إيداعه; وقال عثمان ~~البتي: "إذا سرق من الحمام قطع". # واختلف في قطع النباش, فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد والأوزاعي: "لا قطع ~~على النباش" وهو قول ابن عباس ومكحول. وقال الزهري: "اجتمع رأي أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في زمن كان مروان أميرا على المدينة أن النباش لا ~~يقطع ويعزر, وكان الصحابة متوافرين يومئذ". وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى ~~وأبو الزناد وربيعة: "يقطع" وروي مثله عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز ~~والشعبي والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء, وهو قول الشافعي. والدليل ~~على صحة القول الأول أن القبر ليس بحرز, والدليل عليه اتفاق الجميع على أنه ~~لو كان هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع لعدم الحرز, والكفن كذلك. # فإن قيل: إن الأحراز مختلفة, فمنها شريجة البقال حرز لما في الحانوت, ~~والإصطبل حرز للدواب, والدور للأموال, ويكون الرجل حرزا لما هو حافظ له, ~~وكل شيء من ذلك حرز لما يحفظ به ذلك الشيء في العادة ولا يكون حرزا لغيره, ~~فلو سرق دراهم من إصطبل لم يقطع, ولو سرق منه دابة قطع; كذلك القبر هو حرز ~~للكفن وإن لم يكن حرزا للدراهم. قيل له: هذا كلام فاسد من وجهين: أحدهما: ~~أن الأحراز على اختلافها في أنفسها ليست مختلفة في كونها حرزا لجميع ما ~~يجعل فيها لأن الإصطبل لما كان حرزا للدواب فهو حرز للدراهم والثياب ويقطع ~~فيما يسرقه منه, وكذلك حانوت البقال هو حرز لجميع ما فيه من ثياب ودراهم ~~وغيرها; فقول القائل" الإصطبل حرز للدواب ولا يقطع من سرق منه دراهم غلط. ~~والوجه الآخر: أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة لكانت مانعة من إيجاب قطع ~~النباش; لأن القبر لم يحفر ليكون حرزا ms1816 للكفن فيحفظ به, وإنما يحفر لدفن ~~الميت وستره عن عيون الناس; وأما الكفن فإنما هو للبلى والهلاك. ودليل آخر, ~~وهو أن الكفن لا مالك له, والدليل عليه أنه من جميع المال, فدل على أنه ليس ~~في ملك أحد ولا موقوف على أحد; فلما صح أنه من جميع المال وجب أن لا يملكه ~~الوارث كما لا يملكون ما صرف في الدين الذي هو من جميع المال. # PageV02P524 # ويدل عليه أيضا أن الكفن يبدأ به على الديون, فإذا لم يملك الوارث ما ~~يقضي به الديون فهو أن لا يملك الكفن أولى, وإذا لم يملكه الوارث واستحال ~~أن يكون الميت مالكا وجب أن لا يقطع سارقه كما لا يقطع سارق بيت المال وآخذ ~~الأشياء المباحة التي لا مالك لها. # فإن قال قائل جواز خصومة الوارث في المطالبة بالكفن دليل على أنه ملكه. ~~قيل له: الإمام يطالب بما يسرق من بيت المال ولا يملكه. ووجه آخر, وهو أن ~~الكفن يجعل هناك للبلى والتلف لا للقنية والتبقية, فصار بمنزلة الخبز ~~واللحم والماء الذي هو للإتلاف لا للتبقية. # فإن قال قائل: القبر حرز للكفن, لما روى عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت ~~فيه بالوصيف؟ " يعني القبر. قلت: الله ورسوله أعلم قال: "عليك بالصبر". ~~فسمى القبر بيتا. وقال حماد بن أبي سليمان: "يقطع النباش لأنه دخل على ~~الميت بيته". وروى مالك عن أبي الرجال عن أم عمرة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعن المختفي والمختفية. وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "من اختفى ميتا فكأنما قتله". وقال أهل اللغة: المختفي النباش. قيل ~~له: إنما سماه بيتا على وجه المجاز لأن البيت موضوع في لغة العرب لما كان ~~مبنيا ظاهرا على وجه الأرض, وإنما سمي القبر بيتا تشبيها بالبيت المبني, ~~ومع ذلك فإن قطع السارق ليس معلقا بكونه سارقا من بيت إلا أن يكون ذلك ~~البيت مبنيا ليحرز ms1817 به ما يجعل فيه, وقد بينا أن القبر ليس بحرز; ألا ترى أن ~~المسجد يسمى بيتا, قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه} [النور: 36] ولو سرق من المسجد لم يقطع إذا لم يكن له حافظ؟ وأيضا ~~فلا خلاف أنه لو كان في القبر دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع وإن كان بيتا, ~~فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق بكونه بيتا. وأما ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لعن الله المختفي" وما روي أنه قال: "من اختفى ميتا فكأنما ~~قتله" فإن هذا إنما هو لعن له, واستحقاق اللعن ليس بدليل على وجوب القطع; ~~لأن الغاصب والكاذب والظالم كل هؤلاء. يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم; وقوله: ~~"من اختفى ميتا فكأنما قتله" فإنه لم يوجب به قطعا وإنما جعله كالقاتل; وإن ~~كان معناه محمولا على حقيقة لفظه فواجب أن نقتله, وهذا لا خلاف فيه, ولا ~~تعلق لذلك بالقطع. # PageV02P525 # باب من أين يقطع السارق # قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} واسم اليد يقع على ~~هذا العضو إلى المنكب والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله تعالى: ~~{فامسحوا # PageV02P525 # بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ولم يخطئ من طريق اللغة; وإنما لم ~~يثبت ذلك لورود السنة بخلافه. ويقع على اليد إلى مفصل الكف أيضا, قال الله ~~تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40] وقد عقل به ما دون المرفق. ~~وقال تعالى لموسى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} [النمل: 12] ~~ويمتنع أن يدخل يده إلى المرفق. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] فلو لم يقع الاسم على ما دون المرفق لما ذكرها إلى ~~المرافق; وفي ذلك دليل على وقوع الاسم إلى الكوع, فلما كان الاسم يتناول ~~هذا العضو إلى المفصل وإلى المرفق تارة وإلى المنكب اقتضى عموم اللفظ القطع ~~من المنكب إلا أن تقوم الدلالة على أن المراد ما دونه. وجائز أن يقال إن ~~الاسم لما تناولها إلى الكوع ولم يجز أن يقال إن ms1818 ذلك بعض اليد بل يطلق عليه ~~اسم اليد من غير تقييد وإن كان قد يطلق أيضا على ما فوقه إلى المرفق تارة ~~وإلى المنكب أخرى ثم قال تعالى: {فاقطعوا أيديهما} وكانت اليد محظورة في ~~الأصل فمتى قطعناها من المفصل فقد قضينا عهدة الآية, لم يجز لنا قطع ما ~~فوقه إلا بدلالة, كما لو قال: "أعط هذا رجالا" فأعطاه ثلاثة منهم فقد فعل ~~المأمور به; إذ كان الاسم يتناولهم, وإن كان اسم الرجال يتناول ما فوقهم. # فإن قال قائل: يلزمكم في التيمم مثله بقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} [المائدة: 6] قلتم فيه أن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق ~~اقتضاه العموم ولم ينزل عنه إلا بدليل قيل له هما مختلفان من قبل أن اليد ~~لما كانت محظورة في الأصل ثم كان الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى ~~المرفق لم يجز لنا قطع الزيادة بالشك ولما كان الأصل الحدث واحتاج إلى ~~استباحة الصلاة لم يزل أيضا إلا بيقين وهو التيمم إلى المرفق ولا خلاف بين ~~السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل وإنما خالف فيه ~~الخوارج وقطعوا من المنكب لوقوع الاسم عليه وهم شذوذ لا يعدون خلافا وقد ~~روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قطع يد سارق من الكوع وعن عمر وعلي أنهما قطعا اليد من المفصل ويدل ~~على أن ما دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على الإطلاق قوله تعالى {فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ولم يقل أحد أنه يقتصر بالتيمم على ما ~~دون المفصل وإنما اختلفوا فيما فوقه. # واختلفوا في قطع الرجل من أي موضع هو فروي عن علي أنه قطع سارقا من خصر ~~القدم وروى صالح السمان قال رأيت الذي قطعه علي رضي الله عنه مقطوعا من ~~أطراف الأصابع فقيل له من قطعك فقال خير الناس قال أبو رزين سمعت ابن # PageV02P526 # عباس يقول أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا الأعرابي ms1819 يعني نحوه ~~فلقد قطع فما أخطأ يقطع الرجل ويذر عقبها, وروي مثله عن عطاء وأبي جعفر من ~~قولهما وعن عمر رضي الله عنه في آخرين يقطع الرجل من المفصل وهو قول فقهاء ~~الأمصار والنظر يدل على هذا القول لاتفاقهم على قطع اليد من المفصل الظاهر ~~وهو الذي يلي الزند. وكذلك الواجب قطع الرجل من المفصل الظاهر الذي يلي ~~الكعب الناتئ وأيضا لما اتفقوا على أنه لا يترك له من اليد ما ينتفع به ~~للبطش ولم يقطع من أصول الأصابع حتى يبقى له الكف كذلك ينبغي أن لا يترك له ~~من الرجل العقب فيمشي عليه لأن الله تعالى إنما أوجب قطع اليد ليمنعه الأخذ ~~والبطش بها وأمر بقطع الرجل ليمنعه المشي بها فغير جائز ترك العقب للمشي ~~عليه ومن قطع من المفصل الذي هو على ظهر القدم فإنه ذهب في ذلك أن هذا ~~المفصل من الرجل بمنزلة مفصل الزند من اليد لأنه ليس بين مفصل ظهر القدم ~~وبين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره كما أنه ليس بين مفصل الزند ومفصل أصابع ~~اليد مفصل غيره فلما وجب في اليد قطع أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع كذلك ~~وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع, والقول الأول أظهر ~~لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند من ~~اليد فلما وجب قطع مفصل اليد الظاهر منه كذلك يجب أن يكون في الرجل ولما ~~استوعبت اليد بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضا والرجل كلها إلى مفصل الكعب ~~بمنزلة الكف إلى مفصل الزند. وأما القطع من أصول أصابع الرجل فإنه لم يثبت ~~عن علي من جهة صحيحة وهو قول شاذ خارج عن الاتفاق والنظر جميعا. # واختلف في قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى فقال أبو بكر الصديق وعلي بن ~~أبي طالب وعمر بن الخطاب حين رجع إلى قول علي لما استشاره وابن عباس إذا ~~سرق قطعت يده اليمنى فإن سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى فإن سرق لم يقطع ~~وحبس ms1820 وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد وروي عن عمر أنه تقطع يده ~~اليسرى بعد الرجل اليمنى فإن سرق قطعت رجله اليمنى فإن سرق حبس حتى يحدث ~~توبة وعن أبي بكر مثل ذلك إلا أن عمر قد روي عنه الرجوع إلى قول علي كرم ~~الله وجهه. وقال مالك والشافعي تقطع اليد اليسرى بعد الرجل اليسرى والرجل ~~اليمنى بعد ذلك ولا يقتل إن سرق بعد ذلك وروي عن عثمان بن عفان وعبد الله ~~بن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهم قتلوا سارقا بعدما قطعت أطرافه وروى سفيان ~~عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد ~~والرجل فقال له # PageV02P527 # عمر السنة اليد. وروى عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول أن عمر قال لا ~~تقطعوا يده بعد اليد والرجل ولكن احبسوه عن المسلمين وقال الزهري انتهى أبو ~~بكر إلى اليد والرجل وروى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه ~~أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تقطع يده اليمنى فإن عاد فرجله ~~اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك وهذا يقتضي أن يكون ذلك إجماعا لا يسع خلافه ~~لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع وقد روى سفيان عن عبد ~~الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر الصديق قطع اليد بعد قطع اليد والرجل ~~في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ثم سرق حلي أسماء وهو مرسل وأصله حديث ابن ~~شهاب عن عروة عن عائشة أن رجلا خدم أبا بكر فبعثه مع مصدق وأوصاه به فلبث ~~قريبا من شهر ثم جاءه وقد قطعه المصدق فلما رآه أبو بكر قال له ما لك قال ~~وجدني خنت فريضة فقطع يدي فقال أبو بكر إني لأراه يخون أكثر من ثلاثين ~~فريضة والذي نفسي بيده لئن كنت صادقا لأقيدنك منه ثم سرق حلي أسماء بنت ~~عميس فقطعه أبو بكر فأخبرت عائشة أن أبا بكر قطعه بعد قطع المصدق يده ms1821 وذلك ~~لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى وهو حديث صحيح لا يعارض بحديث القاسم لو ~~تعارضا لسقطا جميعا ولم يثبت بهذا الحديث عن أبي بكر شيء ويبقى لنا الأخبار ~~الأخر التي ذكرناها عن أبي بكر والاقتصار على الرجل اليسرى. # فإن قيل روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدا بعد يد ورجل ~~قيل له لم يقل في السرقة ويجوز أن يكون في قصاص وقد روي عن عمر بن الخطاب ~~مثل ذلك وتأويله ما ذكرناه فحصل من اتفاق السلف وجوب الاقتصار على اليد ~~والرجل وما روي عنهم من مخالفة ذلك فإنما هو على وجهين إما أن يكون الحكاية ~~في قطع اليد بعد الرجل أو قطع الأربع من غير ذكر السرقة فلا دلالة فيه على ~~القطع في السرقة أو يكون مرجوعا عنه كما روي عن عمر ثم روي عنه الرجوع عنه. ~~وقد روي عن عثمان أنه ضرب عنق رجل بعدما قطع أربعته وليس فيه دلالة على قول ~~المخالف لأنه لم يذكر قطعه في السرقة ويجوز أن يكون قطعه من قصاص ويدل على ~~صحة قول أصحابنا قوله تعالى {فاقطعوا أيديهما} وقد بينا أن المراد أيمانهما ~~وكذلك هو في قراءة ابن مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم وإذا كان الذي ~~تتناوله الآية يدا واحدة لم تجز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو ~~الاتفاق وقد ثبت الاتفاق في الرجل اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى ~~فلم يجز قطعها مع عدم الاتفاق والتوقيف; إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من ~~أحد هذين الوجهين ودليل آخر وهو # PageV02P528 # اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد وفي ذلك دليل على أن اليد اليسرى غير ~~مقطوعة أصلا لأن العلة في العدول عن اليد اليسرى بعد اليمنى إلى الرجل في ~~قطعها على هذا الوجه إبطال منفعة الجنس وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل ~~اليسرى. ومن جهة أخرى أنه إنما لم تقطع رجله اليمنى بعد رجله اليسرى لما ~~فيه من بطلان منفعة المشي رأسا كذلك لا تقطع ms1822 اليد اليسرى بعد اليمنى لما ~~فيه من بطلان منفعة البطش وهو منافع اليد كالمشي من منافع الرجل ودليل آخر ~~وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في أخذ المال لا يزاد على ~~قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف كذلك السارق وإن كثر الفعل ~~منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل. # فإن قال قائل قوله عز وجل {فاقطعوا أيديهما} يقتضي قطع اليدين جميعا ~~ولولا الاتفاق لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل ~~اليسرى قيل له. أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى فليس كذلك عندنا ~~لأنها إنما اقتضت يدا واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الاثنين بلفظ الجمع دون ~~التثنية وإن ما كان هذا وصفه فإنه يقتضي يدا واحدة من كل واحد منهما ثم قد ~~اتفقوا أن اليد اليمنى مرادة فصار كقوله تعالى فاقطعوا أيمانهما فانتفى ~~بذلك أن تكون اليسرى مرادة باللفظ فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع ~~اليسرى وعلى أنه لو كان لفظ الآية محتملا لما وصفت لكان اتفاق الأمة على ~~قطع الرجل بعد اليمنى دلالة على أن اليسرى غير مرادة; إذ غير جائز ترك ~~المنصوص والعدول عنه إلى غيره. # واحتج موجبو قطع الأطراف بما رواه عبد الله بن رافع قال أخبرني حماد بن ~~أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~بسارق قد سرق فأمر به أن تقطع يده ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن ~~تقطع رجله ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع يده ثم سرق فأمر به ~~أن تقطع رجله حتى قطعت أطرافه كلها وحماد بن أبي حميد ممن يضعف وهو مختصر ~~وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله ~~بن عبيد بن عقيل الهلالي حدثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ~~عن محمد بن المنكدر عن ms1823 جابر بن عبد الله قال جيء بسارق إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه قال فقطع ~~ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ~~قال فقطع ثم جيء به الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال ~~اقطعوه ثم أتي به الرابعة فقال "اقتلوه " فقالوا # PageV02P529 # يا رسول الله إنما سرق قال "اقطعوه" ثم أتي به الخامسة فقال "اقتلوه" قال ~~جابر فانطلقنا به فقتلناه. ورواه أبو معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله ~~وزاد خرجنا به إلى مربد النعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجليه فنفرت ~~الإبل عنه فلقيناه بالحجارة حتى قتلناه ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن ~~عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسارق فقطع يده ثم أتي به قد سرق فقطع رجله ثم أتي به قد سرق فأمر بقتله. ~~ورواه حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب أن رجلا سرق على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه ~~فقال القوم إنما سرق فقال اقطعوه فقطعوه ثم سرق على عهد أبي بكر الصديق ~~فقطعه ثم سرق فقطعه حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم به حين أمر بقتله فأمر به فقتل. والذي ~~ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الذي رواه حماد بن أبي حميد ~~وفيه الأمر بقتله بديا ومعلوم أن السرقة لا يستحق بها القتل فثبت أن قطع ~~هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحد المستحق بالسرقة وإنما كان على جهة تغليظ ~~العقوبة والمثلة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العرنيين أنه ~~قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم وليس السمل حدا في قطاع الطريق فلما نسخت المثلة ~~نسخ بها هذا الضرب من العقوبة فوجب الاقتصار ms1824 على اليد والرجل لا غير ويدل ~~على أن قطع الأربع كان على وجه المثلة لا على جهة الحد أن في حديث جابر ~~أنهم حملوا عليه النعم ثم قتلوه بالحجارة وذلك لا يكون حدا في السرقة بوجه. # PageV02P530 # باب ما لا يقطع فيه # ما لا يقطع فيه قال أبو بكر عموم قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} يوجب قطع كل من تناول الاسم في سائر الأشياء لأنه عموم في هذا ~~الوجه وإن كان مجملا في المقدار إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقول السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم ~~وأن كثيرا مما يسمى آخذه سارقا لا قطع فيه واختلف الفقهاء في أشياء منه. # PageV02P530 # ذكر الاختلاف في ذلك # قال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد نحو الرطب والعنب ~~والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة ~~في سنبلها سواء كان لها حافظ أو لم يكن ولا قطع في شيء من الخشب إلا الساج ~~والقنا ولا قطع في الطين والنورة والجص والزرنيخ ونحوه ولا قطع في شيء من ~~الطير ويقطع في # PageV02P530 # الياقوت والزمرد ولا قطع في شيء من الخمر ولا في شيء من آلات الملاهي ~~وقال أبو يوسف يقطع في كل شيء سرق من حرز إلا في السرقين والتراب والطين. ~~وقال مالك لا يقطع في الثمر المعلق ولا في حريسة الجبل1 وإذا آواه الجرين ~~ففيه القطع وكذلك إذا سرق خشبة ملقاة فبلغ ثمنها ما يجب فيه القطع ففيه ~~القطع وقال الشافعي لا قطع في الثمر المعلق ولا في الجمار لأنه غير محرز ~~فإن أحرز ففيه القطع رطبا كان أو يابسا وقال عثمان البتي إذا سرق الثمر على ~~شجرة فهو سارق يقطع قال أبو بكر روى مالك وسفيان الثوري وحماد بن سلمة عن ~~يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن مروان أراد قطع يد عبد وقد سرق ~~وديا فقال رافع بن خديج سمعت رسول ms1825 الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا قطع في ~~ثمر ولا كثر". وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد بن محمد بن حبان عن عمه ~~واسع بن حبان بهذه القصة فأدخل ابن عيينة بين محمد بن حبان وبين رافع واسع ~~بن حبان ورواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمة له ~~بهذه القصة وأدخل الليث بينهما عمة له مجهولة ورواه الدراوردي عن يحيى بن ~~سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي ميمونة عن رافع بن خديج عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله فجعل الدراوردي بين محمد بن يحيى ورافع أبا ميمونة فإن ~~كان واسع بن حبان كنيته أبو ميمونة فقد وافق ابن عيينة وإن كان غيره فهو ~~مجهول لا يدرى من هو إلا أن الفقهاء قد تلقت هذا الحديث بالقبول وعملوا به ~~فثبتت حجته بقبولهم له كقوله "لا وصية لوارث" واختلاف المتبايعين لما تلقاه ~~العلماء بالقبول ثبتت حجته ولزم العمل به. # وقد تنازع أهل العلم معنى قوله "لا قطع في ثمر ولا كثر" فقال أبو حنيفة ~~ومحمد هو على كل ثمر يسرع إليه الفساد وعمومه يقتضي ما يبقى منه وما لا ~~يبقى إلا أن الكل متفقون على وجوب القطع فيما قد استحكم ولا يسرع إليه ~~الفساد فخص ما كان بهذا الوصف من العموم وصار ذلك أصلا في نفي القطع عن ~~جميع ما يسرع إليه الفساد. وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~"لا قطع في طعام" وذلك ينفي القطع عن جميع الطعام إلا أنه خص ما لا يسرع ~~إليه الفساد بدليل. وقال أبو يوسف ومن قدمنا قوله أن نفيه القطع عن الثمر ~~والكثر لأجل عدم الحرز فإذا أحرز فهو وغيره سواء وهذا تخصيص بغير دلالة ~~وقوله "ولا كثر" أصل في ذلك أيضا لأن الكثر قد قيل فيه وجهان أحدهما: ~~الجمار والآخر الصغار وهو عليهما جميعا فإذا أراد به PageV02P531 # الجمار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو ms1826 أصل في كل ما كان في معناه ~~وإن أراد به النخل فقد دل على نفي القطع في الخشب فنستعملهما على فائدتيهما ~~جميعا وكذلك قال أبو حنيفة لا قطع في خشب إلا الساج والقنا وكذلك يجيء على ~~قوله في الأبنوس. وذلك أن الساج والقنا والأبنوس لا يوجد في دار الإسلام ~~إلا مالا فهو كسائر الأموال. وإنما اعتبر ما يوجد في دار الإسلام مالا من ~~قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام وما كان في دار الحرب ~~فليس بملك صحيح لأنها دار إباحة وأملاك أهلها مباحة فلا يختلف فيها حكم ما ~~كان منه مالا مملوكا وما كان منه مباحا فلذلك سقط اعتبار كونها مباحة في ~~دار الحرب فاعتبر حكم وجودها في دار الإسلام فلما لم توجد في دار الإسلام ~~إلا مالا كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة الأصل. # فإن قال قائل النخل غير مباح الأصل قيل له هو مباح الأصل في كثير من ~~المواضع كسائر الجنس المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكا بالأخذ والنقل من ~~موضع إلى موضع. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال جاء ~~رجل من مزينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في ~~حريسة الجبل قال "هي عليه ومثلها والنكال وليس في شيء من الماشية قطع إلا ~~ما أواه المراح فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد وما لم يبلغ ~~ثمن المجن ففيه غرامة مثله وجلدات النكال" قال يا رسول الله كيف ترى في ~~الثمر المعلق قال "هي ومثله معه والنكال وليس في شيء من الثمر المعلق قطع ~~إلا ما أواه الجرين فما أخذه من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم ~~يبلغ ففيه غرامة مثله وجلدات النكال". فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن ~~الثمر رأسا ونفى في حديث عبد الله بن عمر القطع عن الثمر إلا ما أواه ~~الجرين وقوله "حتى يأويه الجرين" يحتمل معنيين: أحدهما: الحرز ms1827 والآخر ~~الإبانة عن حال استحكامه وامتناع إسراع الفساد إليه لأنه لا يأويه الجرين ~~إلا وهو مستحكم في الأغلب وهو كقوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: ~~141] ولم يرد به وقوع الحصاد. وإنما أراد به بلوغه وقت الحصاد وقوله عليه ~~السلام "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ولم يرد به وجود الحيض وإنما ~~أخبر عن حكمها بعد البلوغ وقوله "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة" ~~ولم يرد به السن وإنما أراد الإحصان وقوله "في خمس وعشرين بنت مخاض". أراد ~~دخولها في السنة الثانية وإن لم يكن بأمها مخاض لأن الأغلب إذا صارت كذلك ~~كان بأمها مخاض وكذلك قوله "حتى يأويه الجرين" يحتمل أن يريد به بلوغ حال ~~الاستحكام فلم يجز من أجل ذلك أن يخص # PageV02P532 # حديث رافع بن خديج في قوله "لا قطع في ثمر ولا كثر". # وإنما لم يقطع في النورة ونحوها لما روت عائشة قالت "لم يكن قطع السارق ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه يعني الحقير". فكل ~~ما كان تافها مباح الأصل فلا قطع فيه والزرنيخ والجص والنورة ونحوها تافه ~~مباح الأصل لأن أكثر الناس يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه وأما ~~الياقوت والجوهر فغير تافه وإن كان مباح الأصل بل هو ثمين رفيع ليس يكاد ~~يترك في موضعه مع إمكان أخذه فيقطع فيه وإن كان مباح الأصل كما يقطع في ~~سائر الأموال لأن شرط زوال القطع المعنيان جميعا من كونه تافها في نفسه ~~ومباح الأصل وأيضا فإن الجص والنورة ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل ~~الإتلاف فهي كالخبز واللحم ونحو ذلك والياقوت ونحوه مال يراد به القنية ~~والتبقية كالذهب والفضة وأما الطير فإنما لم يقطع فيه لما روي عن علي ~~وعثمان أنهما قالا لا يقطع في الطير من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما ~~وأيضا فإنه مباح الأصل فأشبه الحشيش والحطب. # واختلف في السارق من بيت المال فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد ~~والشافعي لا يقطع من ms1828 سرق من بيت المال وهو قول علي وإبراهيم النخعي والحسن ~~وروى ابن وهب عن مالك أنه يقطع وهو قول حماد بن أبي سليمان وروى سفيان عن ~~سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عليا أتي برجل سرق مغفرا من الخمس ~~فلم ير عليه قطعا وقال له فيه نصيب وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم أن ~~رجلا سرق من بيت المال فكتب فيه سعد إلى عمر فكتب إليه عمر ليس عليه قطع له ~~فيه نصيب ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وأيضا لما كان حقه وحق سائر ~~المسلمين فيه سواء فصار كسارق مال بينه وبين غيره فلا يقطع # واختلف فيمن سرق خمرا من ذمي أو مسلم فقال أصحابنا ومالك والشافعي لا قطع ~~عليه وهو قول الثوري وقال الأوزاعي في ذمي سرق من مسلم خمرا أو خنزيرا غرم ~~الذمي ويحد فيه المسلم قال أبو بكر الخمر ليست بمال لنا وإنما أمر هؤلاء أن ~~تترك مالا لهم بالعهد والذمة فلا يقطع سارقها لأن ما كان مالا من وجه وغير ~~مال من وجه فإن أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه كمن وطئ ~~جارية بينه وبين غيره وأيضا فإن المسلم معاقب على اقتناء الخمر وشربها ~~مأمور بتخليلها أو صبها فمن أخذها فإنما أزال يده عما كان عليه إزالتها عنه ~~فلا يقطع # واختلف فيمن أقر بالسرقة مرة واحدة فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعي ~~والثوري إذا أقر بالسرقة مرة واحدة قطع وقال أبو يوسف وابن شبرمة وابن أبي # PageV02P533 # ليلى لا يقطع حتى يقر مرتين والدليل على صحة القول الأول ما روى عبد ~~العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ~~عن أبي هريرة قال أتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله هذا سرق فقال "ما إخاله سرق" فقال السارق بلى قال فاذهبوا به "فاقطعوه ~~فقطع" ورواه غير عن يزيد عن الدراوردي محمد بن عبد الرحمن ms1829 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يذكر فيه أبا هريرة منهم الثوري وابن جريج ومحمد بن ~~إسحاق قال أبو بكر وعلى أي وجه حصلت الرواية من وصل أو قطع فحكمها ثابت لأن ~~إرسال من أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله ومع ذلك لو حصل مرسلا لكان حكمه ~~ثابتا لأن المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبان من الحكم فقد قطع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة. # فإن قال قائل إنما قطعه بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق قيل له لو كان ~~كذلك لاقتصر عليها ولم يلقنه الجحود فلما قال بعد قولهم سرق "وما إخاله ~~سرق" ولم يقطعه حتى أقر ثبت أنه قطع بإقراره دون الشهادة. # فإن احتجوا بما روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة عن ~~أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتي بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه المتاع فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "ما إخالك سرقت" قال بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا قال بلى فأمر به ~~فقطع ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة وهو أقوى إسنادا من ~~الأول قيل له ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف وذلك أنه لم يذكر فيه ~~إقرار السارق مرتين أو ثلاثا وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد ~~عليه القول مرتين أو ثلاثا قبل أن يقر ثم أقر. # فإن قيل فقد ذكر فيه أنه اعترف اعترافا فقال له النبي "ما إخالك سرقت" ~~وأعاده مرتين أو ثلاثا قيل له يحتمل أنه يريد اعترف بعدما قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثا ويحتمل أيضا أن يكون الاعتراف قد حصل ~~منه عند غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يوجب ذلك القطع عليه وأيضا لو ~~ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد ms1830 عليه ذلك بعد الإقرار الأول لما دل ~~على أن الإقرار الأول لم يوجب القطع; إذ ليس يمتنع أن يكون القطع قد وجب ~~وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه. # فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما ينبغي لوال آمر أن ~~يؤتى لحد إلا أقامه" فلو كان القطع واجبا بإقراره بديا لما اشتغل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بتلقينه الرجوع عن الإقرار ولسارع إلى إقامته قيل له ليس ~~وجوب القطع مانعا من استثبات الإمام إياه فيه ولا موجبا عليه قطعه في الحال ~~لأن ماعزا قد أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربع مرات فلم يرجمه ~~حتى استثبته # PageV02P534 # وقال "لعلك لمست لعلك قبلت". وسأل أهله عن صحة عقله وقال لهم "أبه جنة" ~~ولم يدل ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات فليس إذا في هذا ~~الخبر ما يعترض به على خبر أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين أقر ~~ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد ~~وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب مستثبتا لذلك ومتحريا بالاحتياط والثقة ~~فيه. ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ~~عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فأرسل إليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا فقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقطعت يده ففي هذا الخبر أيضا قطعه بإقراره مرة واحدة ومن جهة النظر ~~أيضا أن السرقة المقر بها لا تخلو من أن تكون عينا أو غير عين فإن كانت ~~عينا ولم يجب القطع بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة من قبل أن حق ~~الآدمي فيه يثبت بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ms1831 ثانيا وإذا ثبت ~~الملك للمقر له ولم يثبت القطع صار مضمونا عليه. وحصول الضمان ينفي القطع ~~وإن كانت السرقة ليست بعين قائمة فقد صارت دينا بالإقرار الأول وحصولها ~~دينا في ذمته ينفي القطع على ما وصفنا. # فإن قال قائل إذا جاز أن يكون حكم أخذه بديا على وجه السرقة موقوفا في ~~القطع على نفي الضمان وإثباته فهلا جعلت حكم إقراره موقوفا في تعلق الضمان ~~به على وجوب القطع أو سقوطه قيل له نفس الأخذ عندنا على وجه السرقة يوجب ~~القطع فلا يكون موقوفا وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب الضمان ألا ترى أنه ~~إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها فإن لم يكن الإقرار بديا ~~للقطع فينبغي أن يوجب الضمان ووجوب الضمان ينفي القطع; إذ كان إقراره ~~الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول. # فإن قيل ينتقض هذا الاعتلال بالإقرار بالزنا لأن إقراره الأول بالزنا إذا ~~لم يوجب حدا فلا بد من إيجاب المهر به لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من ~~إيجاب حد أو مهر ومتى انتفى الحد وجب المهر وإقراره الثاني والثالث والرابع ~~لا يسقط المهر الواجب بديا بالإقرار الأول وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد ~~الإقرار في الزنا فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنا مع وجود العلة ~~المانعة من اعتبار عدد الإقرار في السرقة بأن به فساد اعتلالك قيل له ليس ~~هذا مما ذكرناه في شيء وذلك أن سقوط الحد في الزنا على وجه الشبهة لا يجب ~~به مهر لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة عقد أو شبهة عقد ومتى عري من ذلك ~~لم يجب مهر ويدل عليه اتفاقهم جميعا على أنه لو # PageV02P535 # أقر بالزنا مرة واحدة ثم مات أو قامت عليه بينة بالزنا فمات قبل أن يحد ~~لم يجب عليه المهر في ماله ولو مات بعد إقراره بالسرقة مرة واحدة لكانت ~~السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعا فقد حصل من قولهم جميعا إيجاب الضمان ms1832 ~~بالإقرار مرة واحدة وسقوط المهر مع الإقرار بالزنا من غير حد. # واحتج الآخرون بما روى الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن علي أن ~~رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال قد شهدت على نفسك بشهادتين فأمر به فقطع ~~وعلقها في عنقه ولا دلالة في هذا الحديث على أن مذهب علي رضي الله عنه أنه ~~لا يقطع إلا بالإقرار مرتين إنما قال شهدت على نفسك بشهادتين ولم يقل لو ~~شهدت بشهادة واحدة لما قطعت وليس فيه أيضا أنه لم يقطعه حتى أقر مرتين. # ومما يحتج به لأبي يوسف من طريق النظر أن هذا لما كان حدا يسقط بالشبهة ~~وجب أن يعتبر عدد الإقرار فيه بالشهادة فلما كان أقل من يقبل فيه شهادة ~~شاهدين وجب أن يكون أقل ما يصح به إقراره مرتين كالزنا اعتبر عدد الإقرار ~~فيه بعدد الشهود وهذا يلزم أبا يوسف أن يعتبر عدد الإقرار في شرب الخمر ~~بعدد الشهود وقد سمعت أبا الحسن الكرخي يقول إنه وجد عند أبي يوسف في شرب ~~الخمر أنه لا يحد حتى يقر مرتين كعدد الشهود ولا يلزم عليه حد القذف لأن ~~المطالبة به حق لآدمي وليس كذلك سائر الحدود وهذا الضرب من القياس مدفوع ~~عندنا فإن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا صفته وإنما ~~طريقها التوقيف والاتفاق. # PageV02P536 # باب السرقة من ذوي الأرحام # قال أبو بكر قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} عموم في إيجاب قطع ~~كل سارق إلا ما خصه الدليل, على النحو الذي قدمنا, وعلى ما حكينا عن أبي ~~الحسن, ليس بعموم وهو مجمل محتاج فيه إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه. ومن ~~جهة أخرى على أصله أن ما ثبت خصوصه بالاتفاق لا يصح الاحتجاج بعمومه, وقد ~~بيناه في أصول الفقه; وهو مذهب محمد بن شجاع. إلا أنه وإن كان عموما عندنا ~~لو خلينا ومقتضاه فقد قامت دلالة خصوصه في ذي الرحم المحرم. وقد اختلف ~~الفقهاء فيه. # PageV02P536 # ذكر الاختلاف في ذلك # قال أصحابنا: "لا يقطع من ms1833 سرق من ذي الرحم" وهو الذي لو كان أحدهما رجلا ~~والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما. ولا تقطع ~~أيضا عندهم # PageV02P536 # المرأة إذا سرقت من زوجها, ولا الزوج إذا سرق من امرأته. وقال الثوري: ~~"إذا سرق من ذي رحم منه لم يقطع". وقال مالك: "يقطع الزوج فيما سرق من ~~امرأته والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه, وكذلك ~~في الأقارب". وقال عبيد الله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه: "إن كان يدخل ~~عليهم لا يقطع, وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع". وقال الشافعي: ~~"لا قطع على من سرق من أبويه أو أجداده, ولا على زوج سرق من امرأته أو ~~امرأة سرقت من زوجها". والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل: {ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} [النور: 61] إلى قوله: {أو ~~ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] فأباح تعالى الأكل من بيوت هؤلاء, وقد اقتضى ~~ذلك إباحة الدخول إليها بغير إذنهم; فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها ~~محرزا عنهم, ولا قطع إلا فيما سرق من حرز وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع ~~وجوب القطع فيها, لما لهم فيها من الحق كالشريك ونحوه. # فإن قيل فقد قال: {أو صديقكم} [النور: 61] ويقطع فيه مع ذلك إذا سرق من ~~صديقه. قيل له ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضا, وإنما خصصناه بدلالة ~~الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه; وعلى أنه لا يكون صديقا إذا قصد ~~السرقة. ودليل آخر, وهو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء عند الحاجة إليه ~~وجواز أخذها منه بغير بدل, فأشبه السارق من بيت المال, لثبوت حقه فيه بغير ~~بدل يلزمه عند الحاجة إليه. # فإن قيل: قد ثبت هذا الحق عند الضرورة في مال الأجنبي ولم يمنع من القطع ~~بالسرقة منه. قيل له: يعترضان من وجهين: أحدهما: أنه في مال الأجنبي يثبت ~~عند الضرورة وخوف التلف وفي مال هؤلاء يثبت بالفقر وتعذر الكسب, ms1834 والوجه ~~الآخر: أن الأجنبي يأخذه ببدل وهؤلاء يستحقونه بغير بدل كمال بيت المال. ~~وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه بالإنفاق عليه, ~~وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا المال في إحياء يده لسقوط القطع, صار في ~~هذه الحالة كالفقير الذي يستحق على ذي الرحم المحرم منه الإنفاق عليه ~~لإحياء نفسه أو بعض أعضائه. وأيضا فهو مقيس على الأب بالمعنى الذي قدمناه; ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P537 # باب فيمن سرق ما قد قطع فيه # قال أصحابنا فيمن سرق ثوبا فقطع فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه: "لم ~~يقطع فيه". والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس, وإنما ~~طريقها التوقيف أو الاتفاق, فلما عدمناهما فيما وصفنا لم يبق في إثباته إلا ~~القياس, ولا يجوز ذلك عندنا. # PageV02P537 # فإن قيل: هلا قطعته بعموم قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} قبل ~~السرقة قيل له: السرقة الثانية لم يتناولها العموم لأنها توجب قطع الرجل لو ~~وجب القطع, والذي في الآية قطع اليد. وأيضا فإن وجوب قطع السرقة متعلق ~~بالفعل والعين جميعا, والدليل عليه أنه متى سقط القطع وجب ضمان العين, كما ~~أن حد الزنا لما تعلق بالوطء كان سقوط الحد موجبا ضمان الوطء, ولما تعلق ~~وجوب القصاص بقتل النفس كان سقوط القود موجبا ضمان النفس; فكذلك وجوب ضمان ~~العين في السرقة عند سقوط القطع يوجب اعتبار العين في ذلك. فلما كان فعل ~~واحد في عينين لا يوجب إلا قطعا واحدا, كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ~~ينبغي أن لا يوجب إلا قطعا واحدا; إذ كان لكل واحد من العينين أعني الفعل ~~والعين تأثير في إيجاب القطع. # فإن قيل: فلو زنى بامرأة فحد ثم زنى بها مرة أخرى حد ثانيا مع وقوع ~~الفعلين في عين واحدة. قيل له: لأنه لا تأثير لعين المرأة في تعلق وجوب ~~الحد بها, وإنما يتعلق وجوب حد الزنا بالوطء لا غير; والدليل على ذلك أنه ~~متى سقط الحد ضمن الوطء ولم يضمن عين المرأة, وفي السرقة متى سقط ms1835 القطع ضمن ~~عين السرقة. وأيضا فلما صارت السرقة في يده بعد القطع في حكم المباح ~~التافه, بدلالة أن استهلاكها لا يوجب عليه ضمانها, وجب أن لا يقطع فيها بعد ~~ذلك كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل وإن حصلت ملكا للناس ~~كالطين والخشب والحشيش والماء; ومن أجل ذلك قالوا: إنه لو كان غزلا فنسجه ~~ثوبا بعدما قطع فيه ثم سرقه مرة أخرى قطع لأن حدوث هذا الفعل فيه يرفع حكم ~~الإباحة المانعة كانت من وجوب القطع, كما لو سرق خشبا لم يقطع فيه, ولو كان ~~بابا منجورا فسرق قطع لخروجه بالصنعة عن الحال الأولى. وأيضا لما كان وقوع ~~القطع فيه يوجب البراءة من استهلاكه قام القطع فيه مقام دفع قيمته, فصار ~~كأنه عوضه منه, وأشبه من هذا الوجه وقوع الملك له في المسروق, لأن استحقاق ~~البدل عليه يوجب له الملك, فلما أشبه ملكه من هذا الوجه سقط القطع لأنه ~~يسقط بالشبهة أن يشبه المباح من وجه ويشبه الملك من وجه. # PageV02P538 # باب السرق يوجد قبل إخراج السرقة # قال أبو بكر رحمه الله: اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن ~~يفرق بين المتاع وبين حرزه, والدار كلها حرز واحد, فكما لم يخرجه من الدار ~~لم يجب القطع; وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر, وهو قول إبراهيم. ~~وروى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: بلغ عائشة أنهم كانوا ~~يقولون: إذا لم # PageV02P538 # يخرج بالمتاع لم يقطع, فقالت عائشة: "لو لم أجد إلا سكينا لقطعته". وروى ~~سعيد عن قتادة عن الحسن قال: "إذا وجد في بيت فعليه القطع" قال أبو بكر: ~~دخوله البيت لا يستحق به اسم السارق, فلا يجوز إيجاب القطع به, وأخذه في ~~الحرز أيضا لا يوجب القطع لأنه باق في الحرز, ومتى لم يخرجه من الحرز فهو ~~بمنزلة من لم يأخذه فلا يجب عليه القطع; ولو جاز إيجاب القطع في مثله لما ~~كان لاعتبار الحرز معنى; والله أعلم. # PageV02P539 # باب غرم السارق ms1836 بعد القطع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة: "إذا قطع السارق ~~فإن كانت السرقة قائمة بعينها أخذها المسروق منه, وإن كانت مستهلكة فلا ~~ضمان عليه", وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم ~~النخعي. وقال مالك: "يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا". وقال ~~عثمان البتي والليث والشافعي: "يغرم السرقة وإن كانت هالكة" وهو قول الحسن ~~والزهري وحماد وأحد قولي إبراهيم. قال أبو بكر: أما إذا كانت قائمة بعينها ~~فلا خلاف أن صاحبها يأخذها; وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق ~~رداء صفوان ورد الرداء على صفوان. والذي يدل على نفي الضمان بعد القطع قوله ~~تعالى: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} والجزاء اسم لما ~~يستحق بالفعل; فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق بالفعل هو القطع, لم ~~يجز إيجاب الضمان معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص, ولا يجوز ذلك إلا ~~بمثل ما يجوز به النسخ, وكذلك قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} , فأخبر أن جميع الجزاء هو المذكور في الآية; لأن قوله تعالى: ~~{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} ينفي أن يكون هناك جزاء غيره. ومن ~~جهة السنة حديث عبد الله بن صالح قال: حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن ~~يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد ~~الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقمتم على ~~السارق الحد فلا غرم عليه". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~نصر بن صهيب قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شجاع الآدمي قال: حدثني خالد بن ~~خداش قال: حدثني إسحاق بن الفرات قال: حدثنا الفضل بن فضالة عن يونس عن ~~الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق, فأمر بقطعه وقال: "لا غرم عليه". ms1837 وقال ~~عبد الباقي: هذا هو الصحيح; وأخطأ فيه خالد بن خداش, فقال المسور بن مخرمة. # ويدل عليه من جهة النظر امتناع وجوب الحد والمال بفعل واحد, كما لا يجتمع # PageV02P539 # الحد والمهر والقود والمال, فوجب أن يكون وجوب القطع نافيا لضمان المال; ~~إذ كان المال في الحدود لا يجب إلا مع الشبهة, وحصول الشبهة ينفي وجوب ~~القطع. ووجه آخر: وهو أن من أصلنا أن الضمان سبب لإيجاب الملك فلو ضمناه ~~لملكه بالأخذ الموجب للضمان فيكون حينئذ مقطوعا في ملك نفسه وذلك ممتنع, ~~فلما لم يكن لنا سبيل إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان إسقاط القطع, ~~امتنع وجوب الضمان # PageV02P540 # باب الرشوة # قال الله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} قيل إن أصل السحت ~~الاستئصال, يقال: أسحته إسحاتا: إذا استأصله وأذهبه, قال الله عز وجل: ~~{فيسحتكم} [طه: 61] أي يستأصلكم به. ويقال: أسحت ماله, إذا أفسده وأذهبه. ~~فسمي الحرام سحتا لأنه لا بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال. ~~وروى ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: سألت ~~عبد الله بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم؟ فقال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه ~~فيهدي لك هدية فتقبلها. وروى شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق ~~قال: سألت عبد الله عن الجور في الحكم, فقال: "ذلك كفر "; وسألته عن السحت, ~~فقال: "الرشا". وروى عبد الأعلى بن حماد: حدثنا حماد عن أبان عن ابن أبي ~~عياش عن مسلم, أن مسروقا قال: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في ~~الحكم من السحت؟ قال: "لا, ولكن كفر, إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان ~~جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة, فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه". ~~وروي عن علي بن أبي طالب قال: "السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب ~~الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن ~~والاستجعال في ms1838 القضية". فكأنه جعل السحت اسما لأخذ ما لا يطيب أخذه. وقال ~~إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "السحت الرشا". وروى منصور عن الحكم ~~عن أبي وائل عن مسروق قال: "إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت, وإذا ~~أكل الرشوة بلغت به الكفر". وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال: "بابان من ~~السحت يأكلهما الناس: الرشا ومهر الزانية". وروى إسماعيل بن زكريا عن ~~إسماعيل بن مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هدايا ~~الأمراء من السحت". وروى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال: "لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما". وروى أبو ~~سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الراشي والمرتشي". وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي # PageV02P540 # هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي والمرتشي ~~في الحكم". # قال أبو بكر: اتفق جميع المتأولين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم, ~~واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى. # PageV02P541 # مطلب: في وجوه الرشوة # والرشوة تنقسم إلى وجوه: منها الرشوة في الحكم, وذلك محرم على الراشي ~~والمرتشي جميعا, وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله ~~الراشي والمرتشي" والرائش وهو الذي يمشي بينهما فذلك لا يخلو من أن يرشوه ~~ليقضي له بحقه أو بما ليس بحق له, فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم ~~بقبول الرشوة على أن يقضي له بما هو فرض عليه, واستحق الراشي الذم حين حاكم ~~إليه وليس بحاكم, ولا ينفذ حكمه; لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة, كمن ~~أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم. ولا خلاف في تحريم ~~الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه. وفي هذا دليل ~~على أن كل ما كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز ~~أخذ الأجرة عليه, ms1839 كالحج وتعليم القرآن والإسلام; ولو كان أخذ الأبدال على ~~هذه الأمور جائزا لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام, فلما حرم الله أخذ ~~الرشا على الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز ~~أخذ الأبدال على الفروض والقرب. وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد ~~فسق الحاكم من وجهين: أحدهما: أخذ الرشوة, والآخر: الحكم بغير حق; وكذلك ~~الراشي. وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى ~~السلطان, وقال: "إن أخذ الرشا على الأحكام كفر". وقال علي رضي الله عنه ~~وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله: "الرشا من السحت". وأما الرشوة في غير الحكم, ~~فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند ~~السلطان, وذلك منهي عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه, قال الله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يزال الله في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه". ووجه آخر من ~~الرشوة, وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه, فهذه الرشوة محرمة على آخذها ~~غير محظورة على معطيها. وروي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: "لا بأس بأن ~~يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم" وعن عطاء وإبراهيم مثله. وروى ~~هشام عن الحسن قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" ~~قال الحسن: "ليحق باطلا أو يبطل حقا, فأما أن تدفع عن مالك فلا بأس". وقال ~~يونس عن الحسن: "لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه". وروى ~~عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: "اجعل مالك جنة # PageV02P541 # دون دينك ولا تجعل دينك جنة دون مالك". وروى سفيان عن عمرو عن أبي ~~الشعثاء قال: "لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من الرشا". فهذا الذي رخص فيه ~~السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك ~~عرضه; وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ms1840 لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك ~~العطايا الجزيلة, أعطى العباس بن مرداس السلمي شيئا, فسخطه فقال شعرا, فقال ~~النبي: "اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضي". # وأما الهدايا للأمراء والقضاة, فإن محمد بن الحسن كرهها وإن لم يكن ~~للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى حديث أبي حميد الساعدي في ~~قصة ابن اللتبية1 حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة, فلما جاء ~~قال: هذا لكم وهذا أهدي لي, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام ~~نستعملهم على ما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي فهلا جلس في بيت ~~أبيه فنظر أيهدى له أم لا". وما روي عنه عليه السلام أنه قال: "هدايا ~~الأمراء غلول وهدايا الأمراء سحت". وكره عمر بن عبد العزيز قبول الهدية, ~~فقيل له: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها, فقال: ~~كانت حينئذ هدية وهي اليوم سحت. ولم يكره محمد للقاضي قبول الهدية ممن كان ~~يهاديه قبل القضاء; فكأنه إنما كره منها ما أهدي له لأجل أنه قاض ولولا ذلك ~~لم يهد له. وقد دل على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " هلا جلس ~~في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا" فأخبر أنه إنما أهدي له لأنه عامل, ~~ولولا أنه عامل لم يهد له, وأنه لا يحل له; وأما من كان يهاديه قبل القضاء ~~وقد علم أنه لم يهده إليه لأجل القضاء, فجائز له قبوله على حسب ما كان ~~يقبله قبل ذلك. وقد روي أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة ~~عمر, فردها عمر ومنع قبولها. PageV02P542 # باب الحكم بين أهل الكتاب # قال الله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ظاهر ذلك يقتضي ~~معنيين: أحدهما: تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم, والثاني: التخيير ~~بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا. وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم, ~~فقال قائلون منهم: "إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم ms1841 وإن شاء ~~أعرض عنهم وردهم إلى دينهم". وقال آخرون: "التخيير منسوخ, فمتى ارتفعوا ~~إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير". # PageV02P542 # فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسن والشعبي وإبراهيم رواية; وروي ~~عن الحسن: "خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم, وإذا ارتفعوا إليكم فأقيموا ~~عليهم ما في كتابكم". وروى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ~~قال: "آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد, وقوله تعالى: {فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم} فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إن شاء حكم ~~بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم, حتى نزلت: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ولا تتبع أهواءهم} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم ~~بما أنزل الله في كتابه". وروى عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في ~~قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: نسخها قوله: {وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله} وروى سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد: {فإن جاءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قال: نسختها: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ~~وروى سفيان عن السدي عن عكرمة مثله. # قال أبو بكر: فذكر هؤلاء أن قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ناسخ ~~للتخيير المذكور في قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ومعلوم أن ~~ذلك لا يقال من طريق الرأي لأن العلم بتواريخ نزول الآي لا يدرك من طريق ~~الرأي والاجتهاد, وإنما طريقه التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير إن آية ~~التخيير نزلت بعد قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} وإن التخيير نسخه. ~~وإنما حكي عنهم مذاهبهم في التخيير من غير ذكر النسخ, فثبت نسخ التخيير ~~بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} كرواية من ذكر نسخ التخيير. ويدل ~~على نسخ التخيير قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] الآيات, ومن أعرض عنهم فلم يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا ~~فيها بما أنزل الله. ولا نعلم أحدا قال إن في ms1842 هذه الآيات: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله} [المائدة: 44] منسوخا إلا ما يروى عن مجاهد رواه منصور عن الحكم ~~عن مجاهد أن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} [المائدة: 44] نسخها ما ~~قبلها: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} وقد روى سفيان بن حسين عن ~~الحكم عن مجاهد أن قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} منسوخ ~~بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {فإن ~~جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} قبل أن تعقد لهم الذمة يدخلوا تحت أحكام ~~الإسلام بالجزية فلما أمر الله بأخذ الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الإسلام ~~أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا: التخيير في ~~أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا ~~هادناهم وإيجاب الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة # PageV02P543 # الذين يجري عليهم أحكام المسلمين. وقد روي عن ابن عباس ما يدل على ذلك; ~~روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية التي ~~في المائدة قول الله تعالى: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} إنما نزلت في الدية ~~بين بني قريظة وبين بني النضير, وذلك أن بني النضير كان لهم شرف يدون دية ~~كاملة, وأن بني قريظة يودون نصف الدية; فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم, فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الحق في ذلك فجعل الدية سواء. ومعلوم أن بني قريظة والنضير لم تكن لهم ~~ذمة قط, وقد أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير وقتل بني قريظة, ولو ~~كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا قتلهم, وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة ~~فنقضوها. فأخبر ابن عباس أن آية التخيير نزلت فيهم, فجائز أن يكون حكمها ~~باقيا في أهل الحرب من أهل العهد, وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم ~~بما أنزل الله تعالى ثابتا في أهل الذمة فلا ms1843 يكون فيها نسخ. وهذا تأويل ~~سائغ لولا ما روي عن السلف من نسخ التخيير بالآية الأخرى. وروي عن ابن عباس ~~رواية أخرى وعن الحسن ومجاهد والزهري: أنها نزلت في شأن الرجم حين تحاكموا ~~إليه وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة, وإنما تحاكموا إليه طلبا للرخصة وزوال ~~الرجم, فصار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت مدراسهم ووقفهم على آية ~~الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله, ثم رجم اليهوديين وقال: "اللهم إني ~~أول من أحيا سنة أماتوها". # وقال أصحابنا أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على ~~أحكام الإسلام كالمسلمين, إلا في بيع الخمر والخنزير, فإن ذلك جائز فيما ~~بينهم لأنهم مقرون على أن تكون مالا لهم, ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها ~~والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ~~ضمان". ولا نعلم خلافا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرا أن عليه قيمتها. ~~وقد روي أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور, فكتب إليهم عمر" ~~أن ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما, ~~وما عدا ذلك فهو محمول على أحكامنا لقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم} وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل ~~نجران: "إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله" فجعلهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين, قال الله ~~تعالى: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} [النساء: ~~161] فأخبر أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل, كما قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} [النساء: 29] فسوى بينهم وبين المسلمين في المنع # PageV02P544 # من الربا والعقود الفاسدة المحظورة, وقال تعالى: {سماعون للكذب أكالون ~~للسحت} فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود المعاملات والتجارات والحدود ~~أهل الذمة والمسلمون فيها سواء, إلا أنهم لا يرجمون لأنهم غير محصنين. وقال ~~مالك: ms1844 "الحاكم مخير إذا اختصموا إليه بين أن يحكم بينهم بحكم الإسلام أو ~~يعرض عنهم فلا يحكم بينهم" وكذلك قوله في العقود والمواريث وغيرها. # واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم, فقال أبو حنيفة هم مقرون على ~~أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا بأحكامنا, فإن رضي بها الزوجان ~~حملا على أحكامنا, وإن أبى أحدهما لم يعترض عليهم, فإذا تراضيا جميعا ~~حملهما على أحكام الإسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه ~~لا يفرق بينهم, وكذلك إن أسلموا". وقال محمد: "إذا رضي أحدهما حملا جميعا ~~على أحكامنا وإن أبى الآخر, إلا في النكاح بغير شهود خاصة". وقال أبو يوسف: ~~"يحملون على أحكامنا وإن أبوا إلا في النكاح بغير شهود نجيزه إذا تراضوا ~~بها". فأما أبو حنيفة فإنه يذهب في إقرارهم على مناكحاتهم, إلى أنه قد ثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر مع علمه بأنهم يستحلون ~~نكاح ذوات المحرم ومع علمه بذلك لم يأمر بالتفرقة بينهما; وكذلك اليهود ~~والنصارى يستحلون كثيرا من عقود المناكحات المحرمة ولم يأمر بالتفرقة بينهم ~~حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادي القرى وسائر اليهود والنصارى الذين ~~دخلوا في الذمة ورضوا بإعطاء الجزية. وفي ذلك دليل على أنه أقرهم على ~~مناكحاتهم كما أقرهم على مذاهبهم الفاسدة واعتقاداتهم التي هي ضلال وباطل, ~~ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للربا كتب إلى أهل نجران: "إما أن تذروا ~~الربا, وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله". فلم يقرهم عليه حين علم ~~تبايعهم به. وأيضا قد علمنا أن عمر بن الخطاب لما فتح السواد أقر أهلها ~~عليها وكانوا مجوسا, ولم يثبت أنه أمر بالتفريق بين ذوي المحارم منهم مع ~~علمه بمناكحاتهم. وكذلك سائر الأمة بعده جروا على منهاجه في ترك الاعتراض ~~عليهم; وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا. # فإن قيل فقد روي عن عمر أنه كتب إلى سعد يأمره بالتفريق بين ذوي المحارم ~~منهم وأن يمنعهم من المذهب فيه. قيل له: لو ms1845 كان هذا ثابتا لورد النقل به ~~متواترا كوروده في سيرته فيهم في أخذ الجزية ووضع الخراج وسائر ما عاملهم ~~به, فلما لم يرد ذلك من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت. ويحتمل أن يكون ~~كتابه إلى سعد بذلك إنما كان فيمن رضي منهم بأحكامنا; وكذلك نقول إذا ~~تراضوا بأحكامنا. وأيضا قد بينا أن قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ~~ناسخ للتخيير المذكور في قوله: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو # PageV02P545 # أعرض عنهم} والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير, فأما شرط المجيء منهم فلم ~~تقم الدلالة على نسخه, فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيا والتخيير منسوخا, ~~فيكون تقديره مع الآية الأخرى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} وإنما ~~قال: "إنهم يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلا في النكاح بغير شهود ~~والنكاح في العدة" من قبل أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراض عليهم قبل ~~التراضي منهم بأحكامنا, فمتى تراضوا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب ~~إجراؤهم على أحكامنا في المستقبل, ومعلوم أن العدة لا تمنع بقاء النكاح في ~~المستقبل وإنما تمنع الابتداء لأن امرأة تحت زوج لو طرأت عليها عدة من وطء ~~بشبهة لم يمنع ما وجب من العدة بقاء الحكم, فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء ~~العقد ولا تمنع البقاء; فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما. ومن جهة أخرى أن العدة ~~حق الله تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى في أحكام الشريعة, فإذا لم ~~تكن عندهم عدة واجبة لم تكن عليها عدة, فجاز نكاحها الثاني. وليس كذلك نكاح ~~ذوات المحارم; إذ لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في باب بطلانه, وأما ~~النكاح بغير شهود فإن الذي هو شرط في صحة العقد وجود الشهود في حال العقد, ~~ولا يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود; لأن الشهود لو ارتدوا بعد ذلك أو ~~ماتوا لم يؤثر ذلك في العقد; فإذا كان إنما يحتاج إلى الشهود للابتداء لا ~~للبقاء لم يجز أن يمنع البقاء في المستقبل لأجل عدم الشهود. ومن جهة ms1846 أخرى ~~أن النكاح بغير شهود مختلف فيه بين الفقهاء, فمنهم من يجيزه, والاجتهاد ~~سائغ في جوازه, ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ما لم يختصموا فيه, فغير ~~جائز فسخه إذا عقدوه في حال الكفر; إذ كان ذلك سائغا جائزا في وقت وقوعه, ~~لو أمضاه حاكم ما بين المسلمين جاز ولم يجز بعد ذلك فسخه وإنما اعتبر أبو ~~حنيفة تراضيهما جميعا بأحكامنا من قبل قول الله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم ~~بينهم} فشرط مجيئهم, فلم يجز الحكم على أحدهما بمجيء الآخر. # فإن قال قائل: إذا رضي أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير ~~بمنزلته لو أسلم فيحمل الآخر معه على حكم الإسلام. قيل له: هذا غلط, لأن ~~رضاه بأحكامنا لا يلزمه ذلك إيجابا, ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم ~~عليه لم يلزمه إياه وبعد الإسلام يمكنه الرضا بأحكامنا؟ وأيضا إذا لم يجز ~~أن يعترض عليهم إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يرض به مبقى على حكمه لا يجوز ~~إلزامه حكما لأجل رضا غيره. وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم ~~الإسلام كما لو أسلم. وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى: {وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} . # قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} يعني: الله ~~أعلم # PageV02P546 # فيما تحاكموا إليك فيه; فقيل: إنهم تحاكموا إليه في حد الزانيين, وقيل: ~~في الدية بين بني قريظة وبني النضير; فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه ~~تصديقا منهم بنبوته, وإنما طلبوا الرخصة; ولذلك قال: {وما أولئك بالمؤمنين} ~~يعني هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدولهم عما ~~يعتقدونه حكما لله مما في التوراة. ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم ~~يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين. # وقوله تعالى: {وعندهم التوراة فيها حكم الله} يدل على أن حكم التوراة ~~فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا, وأنه صار بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~شريعة لنا لم ينسخ; لأنه لو نسخ لم يطلق ms1847 عليه بعد النسخ أنه حكم الله, كما ~~لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وهذا يدل على أن شرائع من ~~قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم تنسخ, وأنها حكم الله بعد مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن الحسن في قوله تعالى: {فيها حكم الله} ~~بالرجم; لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا. وقال قتادة: فيها حكم الله بالقود ~~لأنهم اختصموا في ذلك. وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم ~~والقود. قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا} روي عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي, أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مراد بقوله: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا} قال أبو بكر: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على ~~الزانيين منهم بالرجم وقال: "اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها" وكان ذلك ~~في حكم التوراة; وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضا حكم التوراة; وهذا ~~يدل على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة. # وقوله تعالى: {وكانوا عليه شهداء} قال ابن عباس: "شهداء على حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة". وقال غيره: "شهداء على ذلك الحكم أنه ~~من عند الله". # وقال عز وجل: {فلا تخشوا الناس واخشون} قال فيه السدي: لا تخشوهم في ~~كتمان ما أنزلت". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحارث بن أبي ~~أسامة: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد ~~بن سلمة عن حميد عن الحسن قال: "إن الله تعالى أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا ~~يتبعوا الهوى, وأن يخشوه ولا يخشوا الناس, وأن لا يشتروا بآياته ثمنا ~~قليلا". ثم قال: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى} [ص: 26] الآية, وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} إلى قوله: {فلا تخشوا الناس ~~واخشون ms1848 ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} فتضمنت هذه # PageV02P547 # الآية معاني: منها الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم على ~~اليهود بحكم التوراة. ومنها: أن حكم التوراة كان باقيا في زمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب نسخه; ودل ~~ذلك على أن ذلك الحكم كان ثابتا لم ينسخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ومنها إيجاب الحكم بما أنزل الله تعالى وأن لا يعدل عنه ولا يحابي فيه ~~مخافة الناس. ومنها: تحريم أخذ الرشا في الأحكام, وهو قوله تعالى: {ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} . # وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} قال ابن عباس: "هو في الجاحد ~~لحكم الله". وقيل: "هي في اليهود خاصة". وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: ~~"هي عامة" يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبرا أنه حكم الله ~~تعالى, ومن فعل هذا فقد كفر فمن جعلها في قوم خاصة وهم اليهود, لم يجعل" ~~من" بمعنى الشرط, وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله, والمراد قوم ~~بأعيانهم. وقال البراء بن عازب, وذكر قصة رجم اليهود فأنزل الله تعالى {يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} الآيات, إلى قوله: {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: "في اليهود خاصة" وقوله: ~~{فأولئك هم الظالمون} و {فأولئك هم الفاسقون} " في الكفار كلهم". وقال ~~الحسن: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} نزلت في اليهود وهي ~~علينا واجبة. وقال أبو مجلز: "نزلت في اليهود". وقال أبو جعفر: نزلت في ~~اليهود ثم جرت فينا". وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: ~~قيل لحذيفة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} نزلت في بني ~~إسرائيل؟ قال: "نعم, الإخوة لكم بنو إسرائيل, إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل ~~مرة, ولتسلكن طريقهم قد الشراك". قال إبراهيم النخعي: "نزلت في ms1849 بني إسرائيل ~~ورضي لكم بها". وروى الثوري عن زكريا عن الشعبي قال الأولى للمسلمين ~~والثانية لليهود والثالثة للنصارى". وقال طاوس: "ليس بكفر ينقل عن الملة" ~~وروى طاوس عن ابن عباس قال: "ليس الكفر الذي يذهبون إليه في قوله: {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} "وقال ابن جريج عن عطاء كفر دون ~~كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق". وقال علي بن حسين رضي الله عنهما: "ليس ~~بكفر شرك ولا ظلم شرك ولا فسق شرك". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من ~~غير جحود; فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه ~~حكم الله, فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما; وعلى ~~هذا تأوله من قال: "إنها نزلت في بني # PageV02P548 # إسرائيل وجرت فينا" يعنون أن من جحد منا حكم الله أو حكم بغير حكم الله ~~ثم قال إن هذا حكم الله, فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك, وإن ~~كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من ~~غير جحود, فلا يكون فاعله خارجا من الملة; والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه ~~اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله. وقد تأولت الخوارج هذه الآية على ~~تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها, وأكفروا بذلك كل من عصى ~~الله بكبيرة أو صغيرة, فأداهم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء ~~بصغائر ذنوبهم. # قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} الآية ~~فيه إخبار عما كتب الله على بني إسرائيل في التوراة لأن القصاص في النفس ~~وفي الأعضاء المذكورة. وقد استدل أبو يوسف بظاهر هذه الآية على إيجاب ~~القصاص بين الرجل والمرأة في النفس, لقوله تعالى: {أن النفس بالنفس} , وهذا ~~يدل على أنه كان من مذهبه أن شرائع ms1850 من كان قبلنا حكمها ثابت إلى أن يرد ~~نسخها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أو بنص القرآن. # وقوله في نسق الآية: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ~~دليل على ثبوت هذا الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه قد ~~ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين شيء من الأزمان, فهو ثابت في كل ~~الأزمان إلى أن يرد نسخه. والثاني: معلوم أنهم استحقوا سمة الظلم والفسق في ~~وقت نزول الآية لتركهم الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية, ~~إما جحودا له أو تركا لفعل ما أوجب الله من ذلك, وهذا يقتضي وجوب القصاص في ~~سائر النفوس ما لم تقم دلالة نسخه أو تخصيصه. # وقوله تعالى: {والعين بالعين} معناه عند أصحابنا في العين إذا ضربت فذهب ~~ضوءها, وليس هو على أن تقلع عينه; هذا عندهم لا قصاص فيه لتعذر استيفاء ~~القصاص في مثله, ألا ترى أنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه منها؟ فهو كمن ~~قطع قطعة لحم من فخذ رجل أو ذراعه أو قطع بعض فخذه, فلا يجب فيه القصاص; ~~وإنما القصاص عندهم فيما قد ذهب ضوءها وهي قائمة أن تشد عينه الأخرى وتحمى ~~له مرآة فتقدم إلى العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوءها. # وأما قوله تعالى: {والأنف بالأنف} فإن أصحابنا قالوا: إذا قطعه من أصله ~~فلا قصاص فيه; لأنه عظم لا يمكن استيفاء القصاص فيه, كما لو قطع يده من نصف ~~الساعد وكما لو قطع رجله من نصف الفخذ لا خلاف في سقوط القصاص فيه لتعذر ~~استيفاء # PageV02P549 # المثل; والقصاص هو أخذ المثل, فمتى لم يكن كذلك لم يكن قصاصا. وقالوا: ~~إنما يجب القصاص في الأنف إذا قطع المارن, وهو ما لان منه ونزل عن قصبة ~~الأنف. وروي عن أبي يوسف أن في الأنف إذا استوعب القصاص, وكذلك الذكر ~~واللسان. وقال محمد: "لا قصاص في الأنف واللسان والذكر إذا استوعب". # وقوله تعالى: {والأذن بالأذن} فإنه يقتضي ms1851 وجوب القصاص فيها إذا استوعبت ~~لإمكان استيفائه, وإذا قطع بعضها فإن أصحابنا قالوا: "فيه القصاص إذا كان ~~يستطاع ويعرف قدره". # وقوله عز وجل: {والسن بالسن} فإن أصحابنا قالوا: لا قصاص في عظم إلا ~~السن, فإن قلعت أو كسر بعضها ففيها القصاص, لإمكان استيفائه, إن كان الجميع ~~فبالقلع كما يقتص من اليد من المفصل, وإن كان البعض فإنه يبرد بمقداره ~~بالمبرد, فيمكن استيفاء القصاص فيه. وأما سائر العظام فغير ممكن استيفاء ~~القصاص فيها لأنه لا يوقف على حده; وقد اقتضى ما نص الله تعالى في هذه ~~الأعضاء أن يؤخذ الكبير من هذه الأعضاء بصغيرها, والصغير بالكبير, بعد أن ~~يكون المأخوذ منه مقابلا لما جني عليه لا غيره. # وقوله تعالى: {والجروح قصاص} يعني إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي ~~يمكن استيفاء المثل فيها. ودل به على نفي القصاص فيما لا يمكن استيفاء ~~المثل فيه لأن قوله: {والجروح قصاص} يقتضي أخذ المثل سواء, ومتى لم يكن ~~مثله فليس بقصاص. # وقد اختلف الفقهاء في أشياء من ذلك, منها القصاص بين الرجال والنساء فيما ~~دون النفس, وقد بيناه في سورة البقرة, وكذلك بين العبيد والأحرار # PageV02P550 # ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والشافعي: "لا تؤخذ اليمنى ~~باليسرى لا في العين ولا في اليد, ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني". ~~وقال ابن شبرمة" تفقأ العين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى وكذلك اليدان, ~~وتؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية". وقال الحسن بن صالح: "إذا قطع أصبعا ~~من كف فلم يكن للقاطع من تلك الكف أصبع مثلها قطع مما يلي تلك الأصبع, ولا ~~يقطع أصبع كف بأصبع كف أخرى, وكذلك تقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع ~~سن مثلها وإن بلغ ذلك الأضراس, وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له ~~يمنى, ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى". # PageV02P550 # قال أبو بكر: لا خلاف أنه إذا كان ذلك العضو من الجاني باقيا, لم يكن ~~للمجني عليه استيفاء القصاص من غيره ولا يعدو ms1852 ما قابله من عضو الجاني إلى ~~غيره مما بإزائه وإن تراضيا به, فدل ذلك على أن المراد بقوله تعالى: ~~{والعين بالعين} إلى آخر الآية استيفاء مثله مما يقابله من الجاني, فغير ~~جائز إذا كان كذلك أن يتعدى إلى غيره, سواء كان مثله موجودا من الجاني أو ~~معدوما, ألا ترى أنه إذا لم يكن له أن يعدو اليد إلى الرجل لم يختلف حكمه ~~أن تكون يد الجاني موجودة أو معدومة في امتناع تعديه إلى الرجل؟ وأيضا فإن ~~القصاص استيفاء المثل, وليست هذه الأعضاء مماثلة, فغير جائز أن يستوعبها ~~ولم يختلفوا أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء وأن الشلاء تؤخذ بالصحيحة, ~~وذلك لقوله تعالى: {والجروح قصاص} وفي أخذ الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر ~~مما قطع; وأما أخذ الشلاء بالصحيحة فهو جائز لأنه رضي بدون حقه. # واختلف في القصاص في العظم, فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: "لا ~~قصاص في عظم ما خلا السن". وقال الليث والشافعي مثل ذلك, ولم يستثنيا السن. ~~وقال ابن القاسم عن مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان منها ~~مجوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه, وليس في الهاشمة قود وكذلك ~~المنقلة, وفي الذراعين والعضد والساقين والقدمين والكعبين والأصابع إذا ~~كسرت ففيها القصاص". وقال الأوزاعي: "ليس في المأمومة قصاص". # قال أبو بكر: لما اتفقوا على نفي القصاص في عظم الرأس كذلك سائر العظام, ~~وقال الله تعالى: {والجروح قصاص} وذلك غير ممكن في العظام. وروى حماد بن ~~سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن الزبير: أنه اقتص من مأمومة, فأنكر ذلك عليه; ~~ومعلوم أن المنكرين كانوا الصحابة ولا خلاف أيضا أنه لو ضرب أذنه فيبست أنه ~~لا يضرب أذنه حتى تيبس; لأنه لا يوقف على مقدار جنايته; فكذلك العظام. وقد ~~بينا وجوب القصاص في السن فيما تقدم. # قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} روي عن عبد الله بن عمر والحسن ~~وقتادة وإبراهيم رواية والشعبي رواية: "أنها كفارة لولي القتيل وللمجروح ~~إذا عفوا". وقال ابن ms1853 عباس ومجاهد وإبراهيم رواية والشعبي رواية: "هو كفارة ~~للجاني" كأنهم جعلوه بمنزلة المستوفي لحقه, ويكون الجاني كأنه لم يجن. وهذا ~~محمول على أن الجاني تاب من جنايته لأنه لو كان مصرا عليه فعقوبته عند الله ~~فيما ارتكب من نهيه قائمة. والقول الأول هو الصحيح; لأن قوله تعالى راجع ~~إلى المذكور, وهو قوله: {فمن تصدق به فهو كفارة له} فالكفارة واقعة لمن ~~تصدق, ومعناه كفارة لذنوبه. # PageV02P551 # قوله تعالى: {وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه} قال أبو بكر: فيه ~~دلالة على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت, على معنى ~~أنه صار شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله: {وليحكم أهل الأنجيل بما ~~أنزل الله فيه} ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل ~~إلا على أنهم يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صار شريعة له; لأنهم لو ~~استعملوا ما في الإنجيل مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم غير متبعين له ~~لكانوا كفارا, فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى ~~أنها قد صارت شريعة للنبي عليه السلام. # قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "مهيمنا يعني أمينا" وقيل: ~~شاهدا, وقيل: حفيظا, وقيل: مؤتمنا والمعنى فيه أنه أمين عليه, ينقل إلينا ~~ما في الكتب المتقدمة على حقيقته من غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان; لأن ~~الأمين على الشيء مصدق عليه, وكذلك الشاهد. وفي ذلك دليل على أن كل من كان ~~مؤتمنا على شيء فهو مقبول القول فيه, من نحو الودائع والعواري والمضاربات ~~ونحوها; لأنه حين أنبأ عن وجوب التصديق بما أخبر به القرآن عن الكتب ~~المتقدمة سماه أمينا عليها, وقد بين الله تعالى في سورة البقرة أن الأمين ~~مقبول القول فيما اؤتمن فيه, وهو قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: 283] وقال: {ولا يبخس منه ~~شيئا} [البقرة: 282] فلما جعله أمينا فيه وعظه بترك ms1854 البخس. # وقد اختلف في المراد بقوله: {ومهيمنا} فقال ابن عباس: "هو الكتاب, وفيه ~~إخبار بأن القرآن مهيمن على الكتب المتقدمة شاهد عليها". وقال مجاهد: "أراد ~~به النبي" صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} يدل على نسخ التخيير على ما ~~تقدم من بيانه. # قوله تعالى: {ولا تتبع أهواءهم} يدل على بطلان قول من يردهم إلى الكنيسة ~~أو البيعة للاستحلاف, لما فيه من تعظيم الموضع وهم يهوون ذلك; وقد نهى الله ~~تعالى عن اتباع أهوائهم. ويدل على بطلان قول من يردهم إلى دينهم لما فيه من ~~اتباع أهوائهم والاعتداد بأحكامهم, ولأن ردهم إلى أهل دينهم إنما هو رد لهم ~~ليحكموا فيهم بما هو كفر بالله عز وجل; إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفرا ~~بالله وإن كان موافقا لما أنزل في التوراة والإنجيل لأنهم مأمورون بتركه ~~واتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} الشرعة والشريعة واحد, ~~ومعناها # PageV02P552 # الطريق إلى الماء الذي فيه الحياة, فسمى الأمور التي تعبد الله بها من ~~جهة السمع شريعة وشرعة لإيصالها العاملين بها إلى الحياة الدائمة في النعيم ~~الباقي. # قوله تعالى: {ومنهاجا} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: "سنة ~~وسبيلا". ويقال طريق نهج إذا كان واضحا. قال مجاهد: "وأراد بقوله: شرعة ~~القرآن, لأنه لجميع الناس" وقال قتادة وغيره شريعة التوراة وشريعة الإنجيل ~~وشريعة القرآن". وهذا يحتج به من نفى لزوم شرائع من قبلنا إيانا وإن لم ~~يثبت نسخها لإخباره بأنه جعل لكل نبي من الأنبياء شرعة ومنهاجا. وليس فيه ~~دليل على ما قالوا; لأن ما كان شريعة لموسى عليه السلام فلم ينسخ إلى أن ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد صارت شريعة للنبي عليه السلام وكان فيما ~~سلف شريعة لغيره; فلا دلالة في الآية على اختلاف أحكام الشرائع. وأيضا فلا ~~يختلف أحد في تجويز أن يتعبد الله رسوله بشريعة موافقة لشرائع من كان قبله ~~من الأنبياء, فلم ينف قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} أن ms1855 تكون شريعة ~~النبي عليه السلام موافقة لكثير من شرائع الأنبياء المتقدمين. وإذا كان ~~كذلك, فالمراد فيما نسخ من شرائع المتقدمين من الأنبياء وتعبد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغيرها, فكان لكل منكم شرعة غير شرعة الآخر. # قوله عز وجل: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} قال الحسن: "لجعلكم على ~~الحق", وهذه مشيئة القدرة على إجبارهم على القول بالحق, ولكنه لو فعل لم ~~يستحقوا ثوابا, وهو كقوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13] ~~وقال قائلون: "معناه: ولو شاء الله لجمعهم على شريعة واحدة في دعوة جميع ~~الأنبياء". # قوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} معناه الأمر بالمبادرة بالخيرات التي ~~تعبدنا بها قبل الفوات بالموت وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من ~~تأخيرها, نحو قضاء رمضان والحج والزكاة وسائر الواجبات لأنها من الخيرات. # PageV02P553 # مطلب: الصوم في السفر أفضل من الإفطار # فإن قيل: فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها, لأنها ~~من الواجبات في أول الوقت. قيل له: ليست من الواجبات في أول الوقت, والآية ~~مقتضية للوجوب, فهي فيما قد وجب وألزم; وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر ~~أفضل من الإفطار لأنه من الخيرات. # وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات. وقوله تعالى في هذا الموضع: {وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله} ليس بتكرار لما تقدم من مثله لأنهما نزلا في شيئين ~~مختلفين: أحدهما: في شأن الرجم, والآخر: في # PageV02P553 # التسوية بين الديات حين تحاكموا إليه في الأمرين. # قوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} قال ابن عباس: ~~"أراد أنهم يفتنونه بإضلالهم إياه عما أنزل الله إلى ما يهوون من الأحكام, ~~إطماعا منهم له في الدخول في الإسلام". وقال غيره: "إضلالهم بالكذب على ~~التوراة بما ليس فيها فقد بين الله تعالى حكمه". # قوله تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} ذكر ~~البعض والمراد الجميع, كما يذكر لفظ العموم والمراد الخصوص, وكما قال: {يا ~~أيها النبي} والمراد جميع المسلمين بقوله: {إذا طلقتم النساء} ms1856 وفيه أن ~~المراد الإخبار عن تغليظ العقاب في أن بعض ما يستحقونه به يهلكهم. وقيل: ~~"أراد تعجيل البعض بتمردهم وعتوهم". وقال الحسن: "أراد ما عجله من إجلاء ~~بني النضير وقتل بني قريظة". # قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب لليهود ~~لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه, وإذا وجب على ~~أغنيائهم لم يأخذوهم به; فقيل لهم: أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل ~~الكتاب وقيل: إنه أريد به كل من خرج عن حكم الله إلى حكم الجاهلية, وهو ما ~~يقدم عليه فاعله بجهالة من غير علم. # قوله تعالى: {ومن أحسن من الله حكما} إخبار عن حكمه بالعدل والحق من غير ~~محاباة; وجائز أن يقال إن حكما أحسن من حكم كما لو خير بين حكمين نصا وعرف ~~أن أحدهما أفضل من الآخر كان الأفضل أحسن. وكذلك قد يحكمه المجتهد بما غيره ~~أولى منه, لتقصير منه في النظر أو لتقليده من قصر فيه. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض} روي عن عكرمة أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر لما ~~تنصح إلى بني قريظة وأشار إليهم بأنه الذبح. وقال السدي: لما كان بعد أحد ~~خاف قوم من المشركين, حتى قال رجل: أو إلى اليهود, وقال آخر: أو إلى ~~النصارى; فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عطية بن سعد: "نزلت في عبادة بن ~~الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول, لما تبرأ عبادة من موالاة اليهود وتمسك ~~بها عبد الله بن أبي وقال أخاف الدوائر". والولي هو الناصر; لأنه يلي صاحبه ~~بالنصرة, وولي الصغير لأنه يتولى التصرف عليه بالحياطة, وولي المرأة عصبتها ~~لأنهم يتولون عليها عقد النكاح. # PageV02P554 # مطلب: الكافر لا يكون وليل للمسلم # وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا ~~في النصرة; ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم; لأن الولاية ضد ~~العداوة, فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من ms1857 الكفار ~~بمنزلتهم. ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة, لقوله تعالى: {بعضهم أولياء ~~بعض} على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان يستحقها ~~لو كان المولى عليه يهوديا, وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا وكذلك الولاية ~~بينهما في النكاح هو على هذا السبيل. ومن حيث دلت على كون بعضهم أولياء بعض ~~فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما, وعلى ما ذكرنا من كون الكفر كله ملة ~~واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه. وقد دل على جواز مناكحة بعضهم لبعض, ~~اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية. وهذا الذي ذكرنا إنما هو في أحكامهم ~~فيما بينهم, وأما فيما بينهم وبين المسلمين فيختلف حكم الكتابي وغير ~~الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة. # قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يدل على أن حكم نصارى بني تغلب ~~حكم نصارى بني إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروي ذلك عن ابن عباس ~~والحسن وقوله: {منكم} يجوز أن يريد به العرب لأنه لو أراد المسلمين لكانوا ~~إذا تولوا الكفار صاروا مرتدين, والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون ~~منهم في شيء من أحكامهم, ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته وإن كانت امرأة لم يجز ~~نكاحها ولا يرثهم ولا يرثونه ولا يثبت بينهما شيء من حقوق الولاية؟ وزعم ~~بعضهم أن قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يدل على أن المسلم لا يرث ~~المرتد لإخبار الله أنه ممن تولاه من اليهود والنصارى ومعلوم أن المسلم لا ~~يرث اليهودي ولا النصراني, فكذلك لا يرث المرتد قال أبو بكر: وليس فيه ~~دلالة على ما ذكرنا; لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا ~~والمرتد إلى النصرانية لا يكون نصرانيا, ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا ~~يجوز تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه؟ فكما لم يدل ذلك ~~على إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني, كذلك لا يدل على أن المسلم ~~لا يرثه, وإنما المراد أحد وجهين: إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على ~~أن عبدة ms1858 الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز ~~المناكحة وأكل الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية, وإن كان الخطاب ~~للمسلمين فهو إخبار بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم, فلا دلالة فيه على حكم ~~الميراث. # فإن قال قائل: لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين; لأنه قال: {يا أيها ~~الذين آمنوا # PageV02P555 # لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} لم يحتمل أن يريد بقوله: {ومن يتولهم ~~منكم} مشركي العرب. قيل له: لما كان المخاطبون بأول الآية في ذلك الوقت هم ~~العرب, جاز أن يريد بقوله: {ومن يتولهم منكم} العرب, فيفيد أن مشركي العرب ~~إذا تولوا اليهود أو النصارى بالديانة والانتساب إلى الملة يكونون في حكمهم ~~وإن لم يتمسكوا بجميع شرائع دينهم. ومن الناس من يقول فيمن اعتقد من أهل ~~ملتنا بعض المذاهب الموجبة لإكفار معتقديها: إن الحكم بإكفاره لا يمنع أكل ~~ذبيحته ومناكحة المرأة منهم إذا كانوا منتسبين إلى ملة الإسلام, وإن كفروا ~~باعتقادهم لما يعتقدونه من المقالة الفاسدة; إذ كانوا في الجملة متولين ~~لأهل الإسلام منتسبين إلى حكم القرآن, كما أن من انتحل النصرانية أو ~~اليهودية كان حكمه حكمهم وإن لم يكن متمسكا بجميع شرائعهم, ولقوله تعالى: ~~{ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وكان أبو الحسن الكرخي ممن يذهب إلى ذلك. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: "نزلت في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ومن قاتل معه أهل الردة". وقال السدي: "هي في ~~الأنصار". وقال مجاهد: "في أهل اليمن". وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عياض ~~الأشعري قال: "لما نزلت: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} أومأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء معه إلى أبي موسى, فقال هم قوم هذا". # PageV02P556 # مطلب: الدليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم # في الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ~~وذلك لأن الذين ms1859 ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة, وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم, ومعلوم أن من كانت هذه صفته ~~فهو ولي الله. ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء ~~المذكورين وأتباعهم; ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولا في غير هؤلاء الأئمة; لأن الله ~~تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين ~~قاتلوا مع أبي بكر. # PageV02P556 # مطلب: الدليل على صحة إمامة إبي بكر رضي الله عنه # ونظير ذلك أيضا في دلالته على صحة إمامة أبي بكر قوله تعالى: {قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} [الفتح: 16] لأنه كان الداعي لهم إلى قتال ~~أهل الردة, وأخبر تعالى # PageV02P556 # بوجوب طاعته عليهم بقوله: {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} [الفتح: 16] . # فإن قال قائل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي دعاهم. قيل ~~له: قال الله تعالى: {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} ~~[التوبة: 83] فأخبر أنهم لا يخرجون معه أبدا ولا يقاتلون معه عدوا. فإن قال ~~قائل جائز أن يكون عمر هو الذي دعاهم. قيل له: إن كان كذلك فإمامة عمر ~~ثابتة بدليل الآية, وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر لأنه هو المستخلف ~~له.. فإن قيل جائز أن يكون علي هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب. قيل له: ~~قال الله تعالى: {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] وعلي رضي الله عنه إنما ~~قاتل أهل البغي وحارب أهل الكتاب على أن يسلموا أو يعطوا الجزية, ولم يحارب ~~أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يسلموا غير أبي بكر, فكانت الآية ~~دالة على صحة إمامته. # PageV02P557 # باب العمل اليسير في ms1860 الصلاة # قال الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة بن ~~أبي حكيم: أنها نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع وروي عن ~~الحسن أنه قال: "هذه الآية صفة جميع المسلمين; لأن قوله تعالى: {الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} صفة للجماعة وليست للواحد". وقد ~~اختلف في معنى قوله {وهم راكعون} فقيل فيه: إنهم كانوا على هذه الصفة في ~~وقت نزول الآية, منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة. وقال ~~آخرون: "معنى {وهم راكعون} أن ذلك من شأنهم, وأفرد الركوع بالذكر تشريفا ~~له". وقال آخرون: "معناه أنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أي ~~يتنفل". فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنه يدل على إباحة العمل ~~اليسير في الصلاة, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في إباحة ~~العمل اليسير فيها, فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة, ومنها أنه مس لحيته ~~وأنه أشار بيده, ومنها حديث ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه, ومنها أنه كان يصلي وهو حامل أمامة ~~بنت أبي العاص بن الربيع, فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها. فدلالة ~~الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة لأنه إن كان المراد الركوع فكان ~~تقديره: "الذين يتصدقون في حال الركوع فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه ~~الحال, وإن كان المراد وهم يصلون فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال ~~الصلاة; فكيفما تصرفت الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة. # PageV02P557 # فإن قال قائل: فالمراد أنهم يتصدقون ويصلون, ولم يرد به فعل الصدقة في ~~الصلاة. قيل له: هذا تأويل ساقط, من قبل أن قوله تعالى {وهم راكعون} إخبار ~~عن الحال التي تقع فيها الصدقة, كقولك: تكلم فلان وهو قائم, وأعطى فلانا ~~وهو قاعد, إنما هو إخبار عن حال الفعل وأيضا لو كان ms1861 المراد ما ذكرت, كان ~~تكرارا لما تقدم ذكره في أول الخطاب. قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} ~~ويكون تقديره: "الذين يقيمون الصلاة ويصلون" وهذا لا يجوز في كلام الله ~~تعالى فثبت أن المعنى ما ذكرنا من مدح الصدقة في حال الركوع أو في حال ~~الصلاة وقوله تعالى: {ويؤتون الزكاة وهم راكعون} يدل على أن صدقة التطوع ~~تسمى زكاة لأن عليا تصدق بخاتمه تطوعا وهو نظير قوله تعالى: {وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] انتظم صدقة الفرض ~~والنفل فصار اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ~~ينتظم الأمرين. # PageV02P558 # باب الأذان # قال الله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا} قد دلت هذه ~~الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها; ونحوه قوله تعالى: {إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] . وقد روى ~~عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: كانوا يجتمعون للصلاة ~~لوقت يعرفونه ويؤذن بعضهم بعضا, حتى نقسوا1 أو كادوا أن ينقسوا, فجاء عبد ~~الله بن زيد الأنصاري وذكر الأذان, فقال عمر: قد طاف بي الذي طاف به ولكنه ~~سبقني. وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين على ما يجمعهم في الصلاة, فقالوا البوق; فكرهه من أجل اليهود وذكر ~~قصة عبد الله بن زيد وأن عمر رأى مثل ذلك. فلم يختلفوا أن الأذان لم يكن ~~مسنونا قبل الهجرة, وأنه إنما سن بعدها. وقد روى أبو يوسف عن محمد بن بشر ~~الهمداني قال: سألت محمد بن علي عن الأذان كيف كان أوله وما كان؟ فقال: شأن ~~الأذان أعظم من ذلك, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به جمع ~~النبيون ثم نزل ملك من السماء لم ينزل قبل ليلته فأذن كأذانكم وأقام ~~كإقامتكم ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبيين. قال أبو بكر ليلة ~~أسري به كان بمكة, وقد صلى بالمدينة بغير أذان ms1862 واستشار أصحابه فيما يجمعهم ~~به للصلاة, ولو كانت تبدئة الأذان قد تقدمت قبل الهجرة لما استشار فيه وقد ~~ذكر معاذ وابن عمر في قصة الأذان ما ذكرنا. PageV02P558 # والأذان مسنون لكل صلاة مفروضة منفردا كان المصلي أو في جماعة, إلا أن ~~أصحابنا قالوا جائز للمقيم المنفرد أن يصلي بغير أذان; لأن أذان الناس دعاء ~~له, فيكتفي به; والمسافر يؤذن ويقيم, وإن اقتصر على الإقامة دون الأذان ~~أجزأه, ويكره له أن يصلي بغير أذان ولا إقامة; لأنه لم يكن هناك أذان يكون ~~دعاء له. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من صلى في أرض بأذان ~~وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة لا يرى طرفاه" وهذا يدل على أن من سنة صلاة ~~المنفرد الأذان. وقال في خبر آخر: " إذا سافرتما فأذنا وأقيما" وقد ذكرنا ~~الأذان والإقامة والاختلاف فيهما في غير هذا الكتاب. # PageV02P559 # مطلب: في الاستعانة بالمشركين # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا} فيه نهي عن الاستنصار بالمشركين; لأن الأولياء هم الأنصار. وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من ~~اليهود وقالوا: نحن نخرج معك, فقال: "إنا لا نستعين بمشرك" , وقد كان كثير ~~من المنافقين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين. وقد حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو مسلم: حدثنا حجاج: حدثنا حماد عن محمد بن ~~إسحاق عن الزهري: أن ناسا من اليهود غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقسم ~~لهم كما قسم للمسلمين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا: ~~حدثنا يحيى عن مالك عن الفضل عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة قال ~~يحيى: إن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل معه فقال: ~~ارجع ثم اتفقا فقال: "إنا لا نستعين بمشرك". # وقال أصحابنا: لا ms1863 بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين ~~إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر, فأما إذا كانوا لو ظهروا ~~كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم. ومستفيض في ~~أخبار أهل السير ونقلة المغازي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يغزو ~~ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها قوم من المشركين. وأما وجه ~~الحديث الذي قال فيه: "إنا لا نستعين بمشرك" فيحتمل أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يثق بالرجل وظن أنه عين للمشركين, فرده وقال: "إنا لا نستعين ~~بمشرك" يعني به من كان في مثل حاله. # قوله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم} قيل فيه: ~~إن معناه" هلا" وهي تدخل للماضي والمستقبل, فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى ~~الأمر, كقوله: "لم لا تفعل" وهي ههنا للمستقبل, يقول: هلا ينهاهم ولم لا ~~ينهاهم وإذا كانت # PageV02P559 # للماضي فهو للتوبيخ, كقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} ~~[النور: 13] {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور: ~~12] . وقيل في الرباني: إنه العالم بدين الرب, فنسب إلى الرب, كقولهم: ~~"روحاني" في النسبة إلى الروح, "وبحراني" في النسبة إلى البحر. وقال الحسن: ~~"الربانيون علماء أهل الإنجيل, والأحبار علماء أهل التوراة". وقال غيره: ~~"هو كله في اليهود; لأنه متصل بذكرهم". وذكر لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب ~~قال: "الرباني العالم العامل". وقد اقتضت الآية وجوب إنكار المنكر بالنهي ~~عنه والاجتهاد في إزالته, لذمه من ترك ذلك. # قوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم} . روي عن ابن عباس ~~وقتادة والضحاك أنهم وصفوه بالبخل وقالوا: هو مقبوض العطاء, كقوله تعالى: ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] . وقال ~~الحسن: "قالوا هي مقبوضة عن عقابنا". # PageV02P560 # مطلب: في معاني اليد # واليد في اللغة تنصرف على وجوه: منها الجارحة وهي معروفة. ومنها النعمة, ~~تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها, أي نعمة ومنها القوة. فقوله أولي الأيدي ~~فسروه بأولي القوى; ms1864 ونحوه قول الشاعر: # تحملت من ذلفاء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان # ومنها الملك, ومنه قوله: {الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] يعني ~~يملكها. ومنها الاختصاص بالفعل, كقوله تعالى: {خلقت بيدي} [ص: 75] أي توليت ~~خلقه. ومنها التصرف, كقولك: "هذه الدار في يد فلان" يعني التصرف فيها ~~بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك. وقيل: إنه قال تعالى: {بل يداه} على وجه ~~التثنية; لأنه أراد نعمتين: إحداهما نعمة الدنيا, والأخرى نعمة الدين. ~~والثاني: قوتاه بالثواب والعقاب, على خلاف قول اليهود, لأنه لا يقدر على ~~عقابنا. وقيل: إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة, كقولك: "لبيك وسعديك". ~~وقيل في قوله تعالى: {غلت أيديهم} يعني في جهنم; روي عن الحسن. # قوله تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} فيه إخبار بغلبة ~~المسلمين لليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} ~~, وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر به عن الغيب ~~مع كثرة اليهود وشدة شوكتهم; وقد كان من # PageV02P560 # حول المدينة منهم تقاوم العرب في الحروب التي كانت تكون بينهم في ~~الجاهلية, فأخبر الله تعالى في هذه الآية بظهور المسلمين عليهم, فكان مخبره ~~على ما أخبر به, فأجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع وبني النضير ~~وقتل بني قريظة وفتح خيبر عنوة وانقادت له سائر اليهود صاغرين حتى لم تبق ~~منهم فئة تقاتل المسلمين. وإنما ذكر النار ههنا عبارة عن الاستعداد للحرب ~~والتأهب لها, على مذهب العرب في إطلاق اسم النار في هذا الموضع; ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" قيل: لم يا رسول ~~الله؟ قال: "لا ترايا ناراهما" ; وإنما عنى بها نار الحرب, يعني أن حرب ~~المشركين للشيطان وحرب المسلمين لله تعالى فلا يتفقان. وقيل: إن الأصل في ~~العبارة باسم النار عن الحرب, أن القبيلة الكبيرة من العرب كانت إذا أرادت ~~حرب أخرى منها أوقدت النيران على رءوس الجبال والمواضع المرتفعة التي تعم ~~القبيلة رؤيتها, فيعلمون أنهم قد ms1865 ندبوا إلى الاستعداد للحرب والتأهب لها ~~فاستعدوا وتأهبوا, فصار اسم النار في هذا الموضع مفيدا للتأهب للحرب. وقد ~~قيل فيه وجه آخر, وهو أن القبائل كانت إذا رأت التحالف على التناصر على ~~غيرهم والجد في حربهم وقتالهم, أوقدوا نارا عظيمة ثم قربوا منها وتحالفوا ~~بحرمان منافعها إن هم غدروا أو نكلوا عن الحرب; وقال الأعشى: # وأوقدت للحرب نارا. # قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} فيه أمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بتبليغ الناس جميعا ما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه, ~~وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له, وأخبر أنه إن ترك تبليغ ~~شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا, بقوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ~~فلا يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام. وأخبر ~~تعالى أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ولا أسره, بقوله ~~تعالى: {والله يعصمك من الناس} وفي ذلك إخبار أنه لم يكن تقية من إبلاغ ~~جميع ما أرسل به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة على بطلان قول ~~الرافضة في دعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم بعض المبعوثين إليهم ~~على سبيل الخوف والتقية; لأنه تعالى قد أمره بالتبليغ, وأخبر أنه ليس عليه ~~تقية بقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} . وفيه دلالة على أن كل ما كان ~~من الأحكام بالناس إليه حاجة عامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه ~~الكافة وأن وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر, نحو الوضوء من مس الذكر ~~ومن مس المرأة ومما مسته النار ونحوها, لعموم البلوى بها; فإذا لم نجد ما ~~كان منها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ثابت في ~~الأصل, أو تأويله ومعناه غير ما اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو غسل ~~اليد دون وضوء الحدث. # PageV02P561 # مطلب: في الدليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم # وقد دل قوله تعالى: {والله ms1866 يعصمك من الناس} على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم; إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به; لأنه ~~لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة ~~والقصد لاغتياله مخادعة, نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه; ~~ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية, فأعلمه الله ~~إياه, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن ~~أمية عليه وهما في الحجر من اغتياله, فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا ~~من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة, ولو لم يكن ذلك من عند الله لما ~~أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولا ادعى أنه معصوم من القتل ~~والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه ~~مع غناه عن الإخبار بمثله. وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما ~~اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به, إذ لا يتفق مثلها في أخبار ~~الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدس والتخمين وتعاطي علم النجوم ~~والرزق والفأل ونحوها, فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في ~~المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها, علمنا أنها من عند الله العالم ~~بما كان وما يكون قبل أن يكون. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والأنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم} فيه أمر لأهل الكتاب بالعمل بما في التوراة ~~والإنجيل; لأن إقامتهما هو العمل بهما وبما في القرآن أيضا; لأن قوله ~~تعالى: {وما أنزل إليكم من ربكم} حقيقته تقتضي أن يكون المراد ما أنزل الله ~~على رسوله, فكان خطابا لهم, وإن كان محتملا لأن يكون المراد ما أنزل الله ~~على آبائهم في زمان الأنبياء المتقدمين. وقوله تعالى: {لستم على شيء} ~~مقتضاه: لستم على شيء ms1867 من الدين الحق حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل ~~والقرآن. وفي هذا دلالة على أن شرائع الأنبياء المتقدمين ما لم ينسخ منها ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت الحكم مأمور به وأنه قد صار ~~شريعة لنبينا عليه السلام لولا ذلك لما أمروا بالثبات عليه والعمل به. # فإن قال قائل: معلوم نسخ كثير من شرائع الأنبياء المتقدمين على لسان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فجائز إذا كان هذا هكذا أن تكون هذه الآية نزلت ~~بعد نسخ كثير منها, ويكون معناها الأمر بالإيمان على ما في التوراة ~~والإنجيل من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه وبما في القرآن من ~~الدلالة المعجزة الموجبة لصدقه, وإذا احتملت الآية ذلك لم تدل على بقاء ~~شرائع الأنبياء المتقدمين. قيل له: لا تخلو هذه الآية من أن تكون نزلت قبل ~~نسخ شرائع الأنبياء # PageV02P562 # المتقدمين فيكون فيها أمر باستعمالها وإخبار ببقاء حكمها, أو أن تكون ~~نزلت بعد نسخ كثير منها; فإن كان كذلك فإن حكمها ثابت فيما لم ينسخ منها, ~~كاستعمال حكم العموم فيما لم تقم دلالة خصوصه واستعمالها فيما لا يجوز فيه ~~النسخ من وصف النبي صلى الله عليه وسلم وموجبات أحكام العقول فلم تخل الآية ~~من الدلالة على بقاء حكم ما لم ينسخ من شرائع من قبلنا وأنه قد صار شريعة ~~لنبينا عليه السلام. # PageV02P563 # مطلب: في الدليل على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله # قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام} فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى في أن ~~المسيح إله; لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة ~~إلى الصانع المدبر; إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما, ومن يحتاج إلى ~~غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء. وقد قيل في معنى قوله: {كانا يأكلان ~~الطعام} إنه كناية عن الحدث; لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا ~~محالة. وهذا وإن ms1868 كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما ~~يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما ~~وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه, وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما. # قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم} , قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة: "لعنوا على لسان داود فصاروا قردة ~~وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير". وقيل: إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء ~~إعلامهم الإياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي; لأن دعاء ~~الأنبياء عليهم السلام باللعن والعقوبة مستجاب. وقيل: إنما ظهر لعنهم على ~~لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من ~~عقاب المعاصي. # قوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} معناه لا ينهى بعضهم بعضا ~~عن المنكر; وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن ~~محمد النفيلي: حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد ~~الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل ~~النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما ~~تصنع فإنه لا يحل لك, ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه ~~وقعيده, فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ثم لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم" إلى قوله فاسقون ثم قال: "كلا ~~والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم # PageV02P563 # ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا". وقال أبو داود: وحدثنا ~~خلف بن هشام: حدثنا أبو شهاب الحناط, عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة, ~~عن سالم, عن أبي عبيدة, عن ابن مسعود, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ~~زاد: "وليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم". # قال أبو بكر: في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة ms1869 على ~~النهي عن مجالسة المظهرين للمنكر, وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران. # قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} , روي عن الحسن وغيره ~~أن الضمير في" منهم" راجع إلى اليهود; وقال آخرون: هو راجع إلى أهل الكتاب, ~~والذين كفروا هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على معاداة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومحاربته. # قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء} , روي عن الحسن ومجاهد أنه في المنافقين من اليهود, أخبر أنهم غير ~~مؤمنين بالله وبالنبي وإن كانوا يظهرون الإيمان. وقيل: إنه أراد بالنبي ~~موسى عليه السلام أنهم غير مؤمنين به; إذ كانوا يتولون المشركين. # قوله تعالى {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ~~الآية. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: "نزلت في النجاشي وأصحابه ~~لما أسلموا". وقال قتادة: "قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين ~~بشريعة عيسى عليه السلام فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به". ومن ~~الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحا للنصارى وإخبارا بأنهم خير من اليهود, ~~وليس كذلك; وذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله ~~وبالرسول يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان ~~بالله وبالرسول. ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين ~~الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادا من مقالة ~~اليهود; لأن اليهود تقر بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة تنقص ما ~~أعطته في الجملة من التوحيد بالتشبيه. # PageV02P564 # باب تحريم ما أحل الله عز وجل # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~. والطيبات اسم يقع على ما يستلذ ويشتهى ويميل إليه القلب, ويقع على الحلال ~~وجائز أن يكون مراد الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما, فيكون تحريم ~~الحلال على أحد وجهين: أحدهما: أن يقول: "قد حرمت هذا الطعام على نفسي" فلا ~~يحرم عليه ms1870 وعليه الكفارة إن # PageV02P564 # أكل منه. والثاني: أن يغصب طعام غيره فيخلطه بطعامه فيحرمه على نفسه حتى ~~يغرم لصاحبه مثله. روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي فأنزل ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية. ~~وروى سعيد عن قتادة قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هموا بترك اللحم والنساء والاختصاء, فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية, فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "ليس في ديني ترك النساء ولا اللحم ولا اتخاذ الصوامع". ~~وروى مسروق قال: كنا عند عبد الله, فأتي بضرع, فتنحى رجل, فقال عبد الله: ~~ادن فكل فقال: إني كنت حرمت الضرع; فتلا عبد الله: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} كل وكفر وقال الله تعالى: {يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم} [التحريم: 2] . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية; وروي ~~أنه حرم العسل على نفسه, فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمره بالكفارة. وكذلك ~~قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على نفسه أنه إن أكل من الطعام ~~حنث, وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين. # وفرق أصحابنا بين من قال: "والله لا آكل هذا الطعام" وبين قوله: "حرمته ~~على نفسي" فقالوا في التحريم: إن أكل الجزء منه حنث, وفي اليمين لا يحنث ~~إلا بأكل الجميع; وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله: "والله لا أكلت ~~منه شيئا "; إذ كان ذلك مقتضى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى, مثل ~~قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] اقتضى اللفظ ~~تحريم كل جزء منه, فكذلك تحريم الإنسان طعاما يقتضي إيجاب اليمين في أكل ~~الجزء منه. وأما ms1871 اليمين بالله في نفي أكل هذا الطعام فإنها محمولة على ~~الأيمان المنتظمة للشروط والجواب, كقول القائل: "إن أكلت هذا الطعام فعبدي ~~حر" فلا يحنث بأكل البعض منه حتى يستوفي أكل الجميع. فإن قال قائل: قال ~~الله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} ~~[آل عمران: 93] فروي أن إسرائيل أخذه عرق النسا, فحرم أحب الأشياء إليه وهو ~~لحوم الإبل إن عافاه الله, فكان ذلك تحريما صحيحا حاظرا لما حرم على نفسه. ~~قيل له: هو منسوخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. # PageV02P565 # مطلب: في الدليل على بطلان قول الممتنعين عن اكل اللحوم والأطعمة اللذيذة ~~تزهدا # وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة ~~اللذيذة # PageV02P565 # تزهدا; لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله: {وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا} , ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من أكلها. ~~وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم ~~الدجاج. وروي أنه كان يأكل الرطب والبطيخ. وروى غالب بن عبد الله عن نافع ~~عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل ~~الدجاجة حبسها ثلاثة أيام فعلفها ثم أكلها. وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس ~~قال: سمعت ابن عباس يقول: "كل ما شئت واكتس ما أخطأت اثنتين سرفا أو ~~مخيلة". وقد روي أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف والحسن بن علي وعبد الله بن ~~أبي أوفى وعمران بن حصين وأنس بن مالك وأبا هريرة وشريحا كانوا يلبسون ~~الخز. ويدل على نحو دلالة الآية التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله ~~تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~[الأعراف: 32] , وقوله عقيب ذكره لما خلق من الفواكه: {متاعا لكم} ~~[المائدة: 96] . # PageV02P566 # مطلب: في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث # ويحتج بقوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} في تحريم إيقاع الطلاق ~~الثلاث لما فيه من تحريم المباح من المرأة. ms1872 # PageV02P566 # باب الأيمان مطلب: في اليمين اللغو # قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} عقيب نهيه عن تحريم ~~ما أحل الله. قال ابن عباس: "لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح ~~والملابس حلفوا على ذلك, فأنزل الله تعالى هذه الآية" وأما اللغو فقد قيل ~~فيه إنه ما لا يعتد به, ومنه قول الشاعر: # أو مائة تجعل أولادها ... لغوا وعرض المائة الجلمد # يعني نوقا لا تعتد بأولادها. فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم ~~له. وروى إبراهيم الصائغ عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ما حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي وابن عبدوس قالا: حدثنا ~~محمد بن بكار: حدثنا حسان بن إبراهيم عن إبراهيم الصائغ عن عطاء, وسئل عن ~~اللغو في اليمين فقال: قالت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله". وروى إبراهيم عن الأسود ~~وهشام بن # PageV02P566 # عروة عن أبيه عن عائشة قالت لغو اليمين لا والله وبلى والله موقوفا ~~عليها. وروى عكرمة عن ابن عباس في لغو اليمين: "أن يحلف على الأمر يراه ~~كذلك وليس كذلك". وروي عن ابن عباس أيضا" أن لغو اليمين أن تحلف وأنت ~~غضبان". وروي عن الحسن والسدي وإبراهيم مثل قول عائشة وقال بعض أهل العلم: ~~"اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد على نحو قول القائل لا والله وبلى ~~والله على سبق اللسان". وقال بعضهم: "اللغو في اليمين أن تحلف على معصية أن ~~تفعلها فينبغي أن لا تفعلها ولا كفارة فيه "; وروي فيه حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها". # وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا, فقال أصحابنا: اللغو هو قوله: "لا ~~والله وبلى والله" فيما يظن أنه ms1873 صادق فيه على الماضي. وقال مالك والليث نحو ~~ذلك; وهو قول الأوزاعي. وقال الشافعي: "اللغو هو المعقود عليه". وقال ~~الربيع عنه: "من حلف على شيء يرى أنه كذلك ثم وجده على غير ذلك فعليه ~~كفارة". قال أبو بكر: لما قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} أبان بذلك أن لغو اليمين غير ~~معقود منها لأنه لو كان المعقود هو اللغو لما عطفه عليه ولما فرق بينهما في ~~الحكم في نفيه المؤاخذة بلغو اليمين وإثبات الكفارة في المعقودة. ويدل على ~~ذلك أيضا أن اللغو لما كان هو الذي لا حكم له, فغير جائز أن يكون هو اليمين ~~المعقودة; لأن المؤاخذة قائمة في المعقودة وحكمها ثابت, فبطل بذلك قول من ~~قال إن اللغو هو اليمين المعقودة وإن فيها الكفارة فثبت بذلك أن معناه ما ~~قال ابن عباس وعائشة وأنها اليمين على الماضي فيما يظن الحالف أنه كما قال. # PageV02P567 # مطلب: في أقسام اليمين # والأيمان على ضربين: ماض ومستقبل; والماضي ينقسم قسمين لغو وغموس, ولا ~~كفارة في واحد منهما. والمستقبل ضرب واحد, وهو اليمين المعقودة, وفيها ~~الكفارة إذا حنث. وقال مالك والليث مثل قولنا في الغموس أنه لا كفارة فيها. ~~وقال الحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي: "في الغموس الكفارة". وقد ذكر الله ~~تعالى هذه الأيمان الثلاث في الكتاب, فذكر في هذه الآية اليمين اللغو ~~والمعقودة جميعا بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان} , وقال في سورة البقرة: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} # PageV02P567 # [البقرة: 225] والمراد به والله أعلم الغموس لأنها هي التي تتعلق ~~المؤاخذة فيها بكسب القلب وهو المأثم وعقاب الآخرة دون الكفارة; إذ لم تكن ~~الكفارة متعلقة بكسب القلب, ألا ترى أن من حلف على معصية كان عليه أن يحنث ~~فيها وتلزمه الكفارة مع ذلك؟ فدل على أن قوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} [البقرة: 225] المراد به اليمين الغموس التي يقصد بها إلى الكذب, ~~وأن المؤاخذة ms1874 بها هي عقاب الآخرة وذكره للمؤاخذة بكسب القلب في هذه الآية ~~عقيب ذكره اللغو في اليمين, يدل على أن اللغو هو الذي لم يقصد فيه إلى ~~الكذب وأنه ينفصل من الغموس بهذا المعنى. # PageV02P568 # مطلب: لا كفارة في اليمين الغموس # ومما يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} [آل عمران: 77] ~~فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة, فلو أوجبنا فيها الكفارة كان زيادة في ~~النص وذلك غير جائز إلا بنص مثله. وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين وهو فيها آثم فاجر ليقطع بها ~~مالا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان" وروى جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة. تبوأ مقعده من النار". ~~فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المأثم ولم يذكر الكفارة, فدل على أن ~~الكفارة غير واجبة من وجهين: أحدهما: أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا ~~بمثله, والثاني: أنها لو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في اليمين المعقودة ~~في قوله عليه السلام: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير منها وليكفر عن يمينه" رواه عبد الرحمن بن سمرة وأبو هريرة وغيرهما. ~~ومما يدل على نفي الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في نسق التلاوة: ~~{واحفظوا أيمانكم} وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها, ومعلوم ~~امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها المراعاة ~~والحفظ. # فإن قال قائل: قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} يقتضي عمومه ~~إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل. قيل له: ليس كذلك; لأنه ~~معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل, فلا محالة أن فيه ~~ضميرا يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث; وإذا ثبت أن في الآية ضميرا سقط ~~الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن اليمين ms1875 المعقودة لا تجب بها كفارة قبل ~~الحنث, فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها; إذ كان حكمها متعلقا ~~بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} يقتضي أن يكون ~~جميع ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي # PageV02P568 # ألزمنا حفظها, وذلك إنما هو في اليمين المعقودة التي تمكن مراعاتها ~~وحفظها لأداء كفارتها, واليمين على الماضي لا يقع فيها حنث فينتظمها اللفظ, ~~ألا ترى أنه لا يصح دخول الاستثناء عليها فتقول: "كان أمس الجمعة إن شاء ~~الله" و" والله لقد كان أمس الجمعة" إذا كان الحنث وجود معنى بعد اليمين ~~بخلاف ما عقد عليه ويدل على أن الكفارة إنما تتعلق بالحنث في اليمين بعد ~~العقد أنه لو قال: "والله" كان ذلك قسما ولم تلزمه كفارة بوجود هذا القول ~~لأنه لم يتعلق به حنث. # وقد قرئ قوله تعالى: {بما عقدتم} على ثلاثة أوجه1: {عقدتم} بالتشديد قرأه ~~جماعة, و" عقدتم" خفيفة, و" عاقدتم" فقوله تعالى: {عقدتم} بالتشديد كان أبو ~~الحسن يقول: لا يحتمل إلا عقد قول, و" عقدتم" بالتخفيف يحتمل عقد القلب وهو ~~العزيمة والقصد إلى القول, ويحتمل عقد اليمين قولا; ومتى احتمل إحدى ~~القراءتين القول واعتقاد القلب ولم يحتمل الأخرى إلا عقد اليمين قولا, وجب ~~حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا, فيحصل المعنى من ~~القراءتين عقد اليمين قولا, ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب ~~من الأيمان وهو أن تكون معقودة ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير ~~معقودة وإنما هو خبر عن ماض والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو ~~كذبا. # فإن قال قائل: إذا كان قوله تعالى: "عقدتم" بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب ~~ويحتمل عقد اليمين, فهلا حملته على المعنيين; إذ ليسا متنافيين وكذلك قوله ~~تعالى: {بما عقدتم} بالتشديد محمول على عقد اليمين فلا ينفي ذلك استعمال ~~اللفظ في القصد إلى اليمين فيكون عموما في سائر الأيمان قيل له: لو سلم لك ~~ما ادعيت من الاحتمال لما جاز استعماله ms1876 فيما ذكرت ولكانت دلالة الإجماع ~~مانعة من حمله على ما وصفت وذلك أنه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق ~~به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي ~~يتعلق به وجوب الكفارة, فبطل بذلك تأويل من تأول اللفظ على قصد القلب في ~~حكم الكفارة. وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو اليمين ~~المعقودة على المستقبل # فإن قال قائل: قوله: {عقدتم} بالتشديد يقتضي التكرار, والمؤاخذة تلزم من ~~غير تكرار, فما وجه اللفظ المقتضي للتكرار مع وجوب الكفارة في وجودها على ~~غير وجه PageV02P569 # التكرار؟ قيل له: قد يكون تعقيد اليمين بأن يعقدها في قلبه ولفظه, ولو ~~عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا; إذ هو كالتعظيم الذي يكون ~~تارة بتكرير الفعل والتضعيف وتارة بعظم المنزلة; وأيضا فإن في قراءة ~~التشديد إفادة حكم ليس في غيره, وهو أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار ~~أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة, وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف على شيء ثم حلف ~~عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به التكرار: لا يلزمه إلا كفارة واحدة. ~~فإن قيل: قوله: "بما عقدتم" بالتخفيف يفيد أيضا إيجاب الكفارة باليمين ~~الواحدة. قيل له: القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على ما وصفنا, ولكل ~~واحدة منهما فائدة مجددة. # PageV02P570 # فصل # ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} فجعل ذلك كفارة عقيب عقد اليمين ~~من غير ذكر الحنث; لأن الفاء للتعقيب. والثاني: قوله تعالى: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} . فأما قوله: {بما عقدتم الأيمان فكفارته} فإنه لا خلاف ~~أن فيه ضميرا متى أراد إيجابها, وقد علمنا لا محالة أن الآية قد تضمنت ~~إيجاب الكفارة عند الحنث وأنها غير واجبة قبل الحنث, فثبت أن المراد: بما ~~عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته, وهو كقوله تعالى: {ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] والمعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر; ~~وقوله: {فمن كان ms1877 منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة} ~~[البقرة: 196] فمعناه: فحلق ففدية من صيام; كذلك قوله: {بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته} معناه: فحنثتم فكفارته; لاتفاق الجميع أنها غير واجبة قبل الحنث, ~~وقد اقتضت الآية لا محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد الحنث, فثبت ~~أن المراد ضمير الحنث فيه. وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد التكفير ~~بها في حال وجوبها; لأن ما ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا يسمى ~~بهذا الاسم, فعلمنا أن المراد: إذا حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين. وكذلك ~~قوله في نسق التلاوة: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} معناه: إذا حلفتم ~~وحنثتم; لما بيناه آنفا. # فإن قيل: يجوز أن تسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل ~~الحول زكاة لوجوب السبب الذي هو النصاب, وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة ~~كفارة قبل وجود القتل وإن لم تكن واجبة في هذه الحال, فكذلك يجوز أن يكون ~~ما يعجله الحالف كفارة قبل الحنث ولا يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في ~~جوازها قيل له: قد # PageV02P570 # بينا أن الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية, وإذا أريد بها الكفارة ~~الواجبة امتنع أن ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ~~ولما ليس بواجب, فمن حيث أريد بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب. وأيضا ~~فقد ثبت أن المتبرع بالطعام ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف, ~~فلما كان المكفر قبل الحنث متبرعا بما أعطى, ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ~~ومتى فعله لم يكن فاعلا للمأمور به, وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت بعد ~~الجراحة وتعجيل الزكاة قبل الحول, فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ~~ولا زكاة, وإنما أجزناه لما قامت الدلالة أن إخراج هذا التطوع يمنع لزوم ~~الفرض بوجود الموت وحئول الحول. # PageV02P571 # فصل # ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور, مثل قوله: ~~"إن دخلت الدار فلله علي حجة أو عتق رقبة" ms1878 أو نحو ذلك, فحنث بظاهر قوله ~~تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} وبقوله تعالى: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} قال: فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه ~~بالحنث كفارة اليمين دون المنذور بعينه. وليس هذا كما ظن هذا القائل; وذلك ~~لأن النذر يوجب الوفاء بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين, لقوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] , وقال تعالى: {يوفون بالنذر} ~~[الإنسان: 7] , وقال تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] , وقال تعالى: ~~{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة:76] , فذمهم تعالى على ~~ترك الوفاء بنفس المنذور. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من نذر نذرا لم ~~يسمه فعليه كفارة يمين ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به" وكان قوله ~~تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم} في اليمين المعقودة بالله عز وجل, وكانت النذور ~~محمولة على الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها. # قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} فقال قائلون: معناه احفظوا أنفسكم من ~~الحنث فيها واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية. وقال آخرون: أقلوا ~~من الأيمان, على نحو قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة: ~~224] , واستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الألية برت # وقال آخرون: معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها لأن حفظ ~~الشيء # PageV02P571 # هو مراعاته; وهذا هو الصحيح, فأما الأول فلا معنى له لأنه غير منهي عن ~~الحنث إذا لم يكن ذلك الفعل معصية, وقد قال عليه السلام: "من حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" فأمره بالحنث ~~فيها; وقد قال الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} [النور: 22] ~~الآية; روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه أن لا ينفق عليه لما كان منه من ms1879 الخوض في أمر عائشة, وقد كان ينفق ~~عليه وكان ذا قرابة منه, فأمره الله تعالى بالحنث في يمينه والرجوع إلى ~~الإنفاق عليه, ففعل ذلك أبو بكر. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله: {قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] بالكفارة والرجوع عما حرم على نفسه. فثبت ~~بذلك أنه غير منهي عن الحنث في اليمين إذا لم يكن الفعل معصية, فغير جائز ~~أن يكون معنى قوله: {واحفظوا أيمانكم} نهيا عن الحنث. وأما من قال: إن ~~معناه النهي عن الحلف واستشهد بالبيت; فقوله مرذول ساقط, لأنه غير جائز أن ~~يكون الأمر بحفظ اليمين نهيا عن اليمين, كما لا يجوز أن يقال: "احفظ مالك" ~~بمعنى أن لا تكسبه; ومعنى البيت هو على ما نقوله مراعاة الحنث لأداء ~~الكفارة; لأنه قال" قليل الألايا حافظ ليمينه" فأخبر بديا بقلة أيمانه, ثم ~~قال: "حافظ ليمينه" ومعناه أنه مراع لها ليؤدي كفارتها عند الحنث; ولو كان ~~على ما قال المخالف لكان تكرارا لما قد ذكر, فصح أن معناه الأمر بمراعاتها ~~لأداء كفارتها عند الحنث. # قوله تعالى: {إطعام عشرة مساكين} روي عن علي وعمر وعائشة وسعيد بن المسيب ~~وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن في كفارة اليمين: "كل مسكين نصف صاع ~~من بر"; وقال عمر وعائشة: "أو صاعا من تمر" وهو قول أصحابنا إذا أعطاهم ~~الطعام تمليكا. وقال ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء في آخرين: "مد ~~من بر لكل مسكين" وهو قول مالك والشافعي. # PageV02P572 # مطلب: في الإطعام من غير تمليك # في الإطعام من غير تمليك واختلف في الإطعام من غير تمليك, فروي عن علي ~~ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة: "يغديهم ويعشيهم" وهو ~~قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي. وقال الحسن البصري: وحبة ~~واحدة تجزي". وقال الحكم: "لا يجزي الإطعام حتى يعطيهم". وقال سعيد بن ~~جبير: "مدين من طعام ومد لإدامه, ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم". وروي عن ~~ابن ms1880 سيرين وجابر بن زيد ومكحول # PageV02P572 # وطاوس والشعبي: "يطعمهم أكلة واحدة", وروي عن أنس مثل ذلك. وقال الشافعي: ~~"لا يعطيهم جملة ولكن يعطي كل مسكين مدا". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم} فاقتضى ظاهره جواز الإطعام بالأكل من غير إعطاء ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا} [الإنسان: 8] قد عقل منه ~~إطعامهم بالإباحة لهم من غير تمليك؟ ويقال: فلان يطعم الطعام, وإنما مرادهم ~~دعاؤه إياهم إلى أكل طعامه, فلما كان الاسم يتناول الإباحة وجب جوازه, وإذا ~~جاز إطعامهم على وجه الإباحة من غير تمليك, فالتمليك أحرى بالجواز لأنه ~~أكثر من الإباحة; ولا خلاف في جواز التمليك, وإنما قالوا: "يغديهم ويعشيهم" ~~لقوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} وهو مرتان في اليوم غداء وعشاء ~~لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات والأقل واحدة والأوسط مرتان. وقد روى ليث ~~عن ابن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان خبزا يابسا ~~فهو غداؤه وعشاؤه". وإنما قال أصحابنا: إذا أعطاهم كان من البر نصف صاع ومن ~~الشعير والتمر صاعا, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن ~~عجرة في فدية الأذى: "أو أطعم ثلاثة آصع من طعام ستة مساكين" وفي حديث آخر: ~~"أطعم ستة آصع من تمر ستة مساكين" فجعل لكل مسكين صاعا من تمر أو نصف صاع ~~من بر, ولم يفرق بين تقدير الطعام في فدية الأذى وكفارة اليمين, فثبت أن ~~كفارة اليمين مثلها. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار: ~~"وسقا1 من تمر لستين مسكينا" والوسق ستون صاعا. ولما ثبت في كفارة الظهار ~~لكل مسكين صاع من تمر كانت كفارة اليمين مثلها لاتفاق الجميع على تساويهما ~~في مقدار ما يجب فيهما من الطعام, وإذا ثبت من التمر صاع وجب أن يكون من ~~البر نصف صاع; لأن كل من أوجب فيها صاعا من التمر أوجب من البر نصف صاع. # قوله تعالى: {من ms1881 أوسط ما تطعمون أهليكم} روي عن ابن عباس قال: "كان لأهل ~~المدينة قوت وكان للكبير أكثر مما للصغير وللحر أكثر مما للمملوك, فنزلت: ~~{من أوسط ما تطعمون أهليكم} ليس بأفضله ولا بأخسه" وروي عن سعيد بن جبير ~~مثله. قال أبو بكر: بين ابن عباس أن المراد الأوسط في المقدار, لا بأن يكون ~~مأدوما. وروي عن ابن عمر قال: "أوسطه الخبز والتمر والخبز والزيت, وخير ما ~~نطعم أهلنا الخبز واللحم" وعن عبيدة: "الخبز والسمن". وقال أبو رزين: ~~"الخبز والتمر والخل". PageV02P573 # وقال ابن سيرين: "أفضله اللحم وأوسطه السمن وأحسنه التمر مع الخبز" وروي ~~عن عبد الله بن مسعود مثله. # في الاحتجاج في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم ~~نصف صاع قال أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر أن يكفر عن ~~الظهار بإعطاء كل مسكين صاعا من تمر, ولم يأمره معه بشيء آخر غيره من ~~الإدام; وأمر كعب بن عجرة أن يتصدق بثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين, ولم ~~يأمره بالإدام ولا فرق عند أحد بين كفارة الظهار وكفارة اليمين في مقدار ~~الطعام فثبت بذلك أن الإدام غير واجب مع الطعام وأن الأوسط المراد بالآية ~~الأوسط في مقدار الطعام لا في ضم الإدام إليه. # PageV02P574 # مطلب: في الاحتجاج في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل ~~يوم نصف صاع # وقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} عموم في جميع من يقع عليه ~~الاسم منهم, فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في ~~عشرة أيام كل يوم نصف صاع; لأنا لو منعناه في اليوم الثاني كنا قد خصصنا ~~الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض, لا سيما فيمن قد دخل في حكم الآية ~~بالاتفاق, وهو قول أصحابنا. وقال مالك والشافعي: لا يجزي. # فإن قال قائل: لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم, كقوله ~~تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وقوله تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] وسائر ms1882 الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ما دونها, كذلك ~~غير جائز الاقتصار على الأقل من العدد المذكور. قيل له: لما كان القصد في ~~ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر عليهم ~~الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة, فكان ~~المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع والإطعام ~~في عدد الأيام. وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار الدفع; ~~إذ كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين, كما قال تعالى: {يسألونك ~~عن الأهلة} [البقرة: 189] وهو هلال واحد, فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار ~~الرؤية في الشهور. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار, ~~ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه. وكذلك أمر برمي الجمار بسبع حصيات, ~~ولو رمى بحصاة واحدة سبع مرات أجزأه; لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات, ~~والمقصد في الاستنجاء حصول المسحات دون عدد الأحجار. فكذلك لما كان المقصد ~~في إخراج الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك # PageV02P574 # عليه في الأيام وبين الجماعة. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {أو كسوتهم} ~~ومعلوم أن كسوتهم عشرة أثواب, فصار تقديره: "أو عشرة أثواب" ثم لم يخصصها ~~بمسكين واحد ولا بجماعة, فوجب أن يجزي إعطاؤها لواحد منهم, ألا ترى أنه ~~يجوز أن تقول أعطيت كسوة عشرة مساكين مسكينا واحدا؟ فقوله تعالى: {أو ~~كسوتهم} يدل من هذا الوجه على أنه غير مقصور على أعداد المساكين عشرة, ويدل ~~أيضا من الوجه الذي دل عليه ذكر الطعام على الوجه الذي ذكرنا, ولا تجزي ~~الكسوة عندهم إذا أعطاها مسكينا واحدا إلا أن يعطيه كل يوم ثوبا; لأنه لما ~~ثبت ما وصفنا في الطعام من تفريقه في الأيام, وجب مثله في الكسوة; إذ لم ~~يفرق واحد بينهما. # PageV02P575 # مطلب: أجاز اصحابنا غعطاء قيمة الطعام والكسوة # وأجاز أصحابنا إعطاء قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول ~~النفع للمساكين بهذا القدر من ms1883 المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله ~~بالطعام والكسوة. ولما صح إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر, ~~وجب مثله في الكفارة; لأن أحدا لم يفرق بينهما, ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق ~~الاسم على من أعطى غيره دراهم يشتري بها ما يأكله ويلبسه بأن يقال: قد ~~أطعمه وكساه; وإذا كان إطلاق ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية, ألا ترى أن حقيقة ~~الإطعام أن يطعمه إياه بأن يبيحه له فيأكله؟ ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم ~~يأكله المسكين وباعه أجزأه, وإن لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في ~~وصول هذا القدر من المال إليه, وإن لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل. ~~وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها, وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه; إذ ~~كان موصلا إليه هذا القدر من المال بإعطائه إياه فثبت بذلك أنه ليس المقصد ~~حصول المطعم والاكتساء, وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال, فلا ~~يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام, ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ثم قال: ~~"أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم"؟ فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن ~~المسألة لا مقدار الطعام بعينه; إذ كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة ~~كحصوله بالطعام. # فإن قال قائل: لو جازت القيمة وكان المقصد فيه حصول هذا القدر من المال ~~للمساكين لما كان لذكر الإطعام والكسوة فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر ~~الأحوال, وفي ذكره الطعام أو الكسوة دلالة على أنه غير جائز أن يتعداهما ~~إلى القيمة, وأنه ليس المقصد حصول النفع بهذا القدر من المال دون عين ~~الطعام والكسوة. قيل له: ليس الأمر على ما ظننت; وفي ذكره الطعام والكسوة ~~أعظم الفوائد, وذلك أنه ذكرهما ودللنا بما ذكر على # PageV02P575 # جواز إعطاء قيمتهما ليكون مخيرا بين أن يعطي حنطة أو يطعم أو يكسو أو ~~يعطي دراهم قيمة عن الحنطة أو عن الثياب, فيكون موسعا في ms1884 العدول عن الأرفع ~~إلى الأوكس إن تفاوتت القيمتان, أو عن الأوكس إلى الأرفع, أو يعطى أي ~~المذكورين بأعيانهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن وجبت في إبله ~~بنت لبون فلم توجد أخذ منه بنت مخاض وشاتان أو عشرون درهما" فخيره في ذلك, ~~وهو يقدر على أن يشتري بنت لبون وهي الفرض المذكور; وكما جعل الدية مائة من ~~الإبل واتفقت الأمة على أنها من الدراهم والدنانير أيضا قيمة للإبل على ~~اختلافهم فيها, وكمن تزوج امرأة على عبد وسط فإن جاء به بعينه قبل منه وإن ~~جاء بقيمته قبلت منه أيضا. ولم يبطل جواز أخذ القيمة في هذه المواضع حكم ~~التسمية لغيرها, فكذلك ما وصفنا. ألا ترى أنه خيره بين الكسوة والطعام ~~والعتق؟ فالقيمة مثل أحد هذه الأشياء وهو مخير بينها وبين المذكور وإن كانت ~~قد تختلف في الطعام والكسوة لأن في عدوله إلى الأرفع زيادة فضيلة وفي ~~اقتصاره على الأوكس رخصة وأيهما فعل فهو المفروض, وهذا مثل ما نقول في ~~القراءة في الصلاة إن المفروض منها مقدار آية, فإن أطال القراءة كان الجميع ~~هو المفروض والمفروض من الركوع هو الجزء الذي يسمى به راكعا, فإن أطال كان ~~الفرض جميع المفعول منه, ألا ترى أنه لو أطال الركوع كان مدركه في آخر ~~الركوع مدركا لركعته؟ وكذلك لا يمتنع أن يكون المفروض من الكفارة قيمة ~~الأوكس من الطعام أو الكسوة, فإن عدل إلى قيمة الأرفع كان هو المفروض أيضا. # PageV02P576 # مطلب: في مقدار الكسوة في الكفارة # وقد اختلف في مقدار الكسوة, فقال أصحابنا: "الكسوة في كفارة اليمين لكل ~~مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء". وروى ابن سماعة عن محمد ~~أن السراويل تجزي, وأنه لو حلف لا يشتري ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا كان ~~سراويل الرجال. وروى هشام عن محمد أنه لا يجزي السراويل ولا العمامة; وكذلك ~~روى بشر عن أبي يوسف. وقال مالك والليث: "إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ~~ثوبين درعا وخمارا, وذلك أدنى ما تجزي ms1885 فيه الصلاة, ولا يجزي ثوب واحد ~~للمرأة ولا تجزي العمامة". وقال الثوري: "تجزي العمامة". وقال الشافعي: ~~"تجزي العمامة والسراويل والمقنعة". قال أبو بكر: روي عن عمران بن حصين ~~وإبراهيم والحسن ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين". قال أبو بكر: ظاهره ~~يقتضي ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه, ولابس السراويل ليس عليه غيره ~~أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة, فالواجب أن لا ~~يجزي السراويل والعمامة ولا الخمار لأنه مع لبسه # PageV02P576 # لأحد هذه الأشياء يكون عريانا غير مكتس, وأما الإزار والقميص ونحوه فإن ~~كل واحد من ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم المكتسي, فلذلك أجزأه. # قوله تعالى: {أو تحرير رقبة} يعني عتق رقبة, وتحريرها إيقاع الحرية ~~عليها. وذكر الرقبة وأراد به جملة الشخص تشبيها له بالأسير الذي تفك رقبته ~~ويطلق, فصارت الرقبة عبارة عن الشخص; وكذلك قال أصحابنا إذا قال: "رقبتك ~~حرة" إنه يعتق, كقوله" أنت حر". واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات لأنه ~~اسم للشخص بكماله, إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن النقص اليسير لا يمنع ~~جوازها, فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة الجنس في جوازها وجعلوا فوات منفعة ~~الجنس من تلك الأعضاء مانعا لجوازها. # قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} روى مجاهد عن عبد الله بن ~~مسعود وأبو العالية عن أبي: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقال إبراهيم ~~النخعي: في قراءتنا: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقال ابن عباس ومجاهد ~~وإبراهيم وقتادة وطاوس: "هن متتابعات لا يجزي فيها التفريق". فثبت التتابع ~~بقول هؤلاء. ولم تثبت التلاوة لجواز كون التلاوة منسوخة والحكم ثابتا, وهو ~~قول أصحابنا. وقال مالك والشافعي: "يجزي فيه التفريق". وقد بينا ذلك في ~~أصول الفقه. # وقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} يقتضي إيجاب التكفير مع القدرة ~~مع بقاء الخطاب بالكفارة, وإنما يجوز الصوم مع عدم المذكور بديا لأنه قال: ~~{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} فنقله عن أحد الأشياء الثلاثة إلى الصوم عند ~~عدمها, فما دام الخطاب بالكفارة قائما عليه لم يجزه الصوم مع ms1886 وجود الأصل, ~~ودخوله في الصوم لم يسقط عنه الخطاب بأحد الأشياء الثلاثة. والدليل عليه ~~أنه لو دخل في صوم اليوم الأول ثم أفسده وهو واجد للرقبة لم يجز الصوم مع ~~وجودها, فثبت بذلك أن دخوله في الصوم لم يسقط عنه فرض الأصل, فلا فرق بين ~~وجود الرقبة قبل الدخول في الصوم وبعده; إذ كان الخطاب بالتكفير قائما عليه ~~في الحالين. # PageV02P577 # باب تحريم الخمر # قال الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه} اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{رجس} لأن الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء ~~المستقذر النجس, وهذا أيضا يلزم اجتنابه فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم ~~اجتنابها. والوجه # PageV02P577 # الآخر: قوله تعالى: {فاجتنبوه} وذلك أمر والأمر يقتضي الإيجاب, فانتظمت ~~الآية تحريم الخمر من هذين الوجهين. # والخمر هي عصير العنب الني المشتد, وذلك متفق عليه أنه خمر. وقد سمي بعض ~~الأشربة المحرمة باسم الخمر تشبيها بها مثل الفضيخ وهو نقيع البسر ونقيع ~~التمر وإن لم يتناولهما اسم الإطلاق. وقد روي في معنى الخمر آثار مختلفة, ~~منها ما روى مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال: "لقد حرمت الخمر وما ~~بالمدينة منها شيء" وقد علمنا أنه كان بالمدينة نقيع التمر والبسر وسائر ما ~~يتخذ منهما من الأشربة, ولم يكن ابن عمر ممن يخفى عليه الأسماء اللغوية, ~~فهذا يدل على أن أشربة النخل لم تكن عنده تسمى خمرا. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ", فأخبر ابن عباس أن الفضيخ خمر, ~~وجائز أن يكون سماه خمرا من حيث كان شرابا محرما. وروى حميد الطويل عن أنس ~~قال: "كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل ابن بيضاء في نفر في بيت أبي ~~طلحة, فمر بنا رجل فقال: إن الخمر قد حرمت, فوالله ما قالوا حتى نتبين حتى ~~قالوا: أهرق ما في إنائك يا أنس ثم ما عادوا فيها حتى لقوا الله عز وجل, ms1887 ~~وإنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ". فأخبر أنس أن الخمر يوم حرمت البسر ~~والتمر, وهذا جائز أن يكون لما كان محرما سماه خمرا, وأن يكون المراد أنهم ~~كانوا يجرونه مجرى الخمر ويقيمونه مقامها, لا أن ذلك اسم له على الحقيقة. ~~ويدل عليه أن قتادة روى عن أنس هذا الحديث, وقال: "إنما نعدها يومئذ خمرا" ~~فأخبر أنهم كانوا يعدونها خمرا على معنى أنهم يجرونها مجرى الخمر. وروى ~~ثابت عن أنس قال: "حرمت علينا الخمر يوم حرمت وما نجد خمور الأعناب إلا ~~القليل وعامة خمورنا البسر والتمر" ومع هذا أيضا معناه أنهم كانوا يجرونه ~~مجرى الخمر في الشرب وطلب الإسكار وطيبة النفس, وإنما كان شراب البسر ~~والتمر. وروى المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن الأشربة فقال: ~~"حرمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة, وما خمرت ~~من ذلك فهو خمر" فذكر في الحديث الأول أنه من البسر والتمر, وذكر في هذا ~~الحديث أنها من ستة أشياء; فكان عنده أن ما أسكر من هذه الأشربة فهو خمر, ~~ثم قال: "وما خمرت من ذلك فهو خمر" وهذا يدل على أنه إنما سمى ذلك خمرا في ~~حال الإسكار, وأن ما لا يسكر منه فليس بخمر. وقد روي عن عمر أنه قال: "إن ~~الخمر حرمت وهي من خمسة أشياء: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير, ~~والخمر ما خامر العقل" وهذا أيضا يدل على أنه إنما سماه خمرا في حال ما ~~أسكر إذا أكثر منه, لقوله: "والخمر ما خامر العقل". وقد روي عن السري بن ~~إسماعيل # PageV02P578 # عن الشعبي أنه حدثه أنه سمع النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن من الحنطة خمرا, وإن من الشعير خمرا وإن من الزبيب ~~خمرا وإن من التمر خمرا وإن من العسل خمرا" ولم يقل إن جميع ما يكون من هذه ~~الأصناف خمر, وإنما أخبر أن منها خمرا. ويحتمل أن يريد به ما يسكر منه ~~فيكون محرما في تلك الحال, لم يرد ms1888 بذلك أن ذلك اسم لهذه الأشربة المتخذة من ~~هذه الأصناف; لأنه قد روي عنه بأسانيد أصح من إسناد هذا الحديث ما ينفي أن ~~يكون الخمر من هذه الأصناف, وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان قال: حدثني يحيى بن أبي كثير ~~عن أبي كثير العنبري وهو يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة, أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب". وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبيد بن حاتم قال: حدثنا ابن عمار الموصلي ~~قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن عكرمة بن عمار عن أبي ~~كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخمر من هاتين ~~الشجرتين: النخل والعنب". وهذا الخبر يقضي على جميع ما تقدم ذكره في هذا ~~الكتاب بصحة سنده, وقد تضمن نفي اسم الخمر عن الخارج من غير هاتين ~~الشجرتين; لأن قوله: "الخمر" اسم للجنس, فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمرا, ~~فانتفى بذلك أن يكون الخارج من غيرهما مسمى باسم الخمر. واقتضى هذا الخبر ~~أيضا أن يكون المسمى بهذا الاسم من الخارج من هاتين الشجرتين, وهو على أول ~~الخارج منهما مما يسكر منه, وذلك هو العصير الني المشتد ونقيع التمر والبسر ~~قبل أن تغيره النار لأن قوله: "منهما" يقتضي أول خارج منهما مما يسكر. # والذي حصل عليه الاتفاق من الخمر هو ما قدمنا ذكره من عصير العنب الني ~~المشتد إذا غلا وقذف بالزبد, فيحتمل على هذا إذا كان الخمر ما وصفنا أن ~~يكون معنى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الخمر من هاتين ~~الشجرتين" أن مراده أنها من إحداهما, كما قال تعالى: {يا معشر الجن والأنس ~~ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] وإنما الرسل من الإنس, وقال تعالى: ~~{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن:22] وإنما يخرج من أحدهما. # ويدل على أن الخمر هو ما ذكرنا وأن ما عداها ms1889 ليس بخمر على الحقيقة اتفاق ~~المسلمين على تكفير مستحل الخمر في غير حال الضرورة واتفاقهم على أن مستحل ~~ما سواها من هذه الأشربة غير مستحق لسمة الكفر, فلو كانت خمرا لكان مستحلها ~~كافرا خارجا عن الملة كمستحل الني المشتد من عصير العنب, وفي ذلك دليل على ~~أن اسم الخمر في الحقيقة إنما يتناول ما وصفنا. وزعم بعض من ليس معه من ~~الورع إلا تشدده # PageV02P579 # في تحريم النبيذ دون التورع عن أموال الأيتام وأكل السحت أن كتاب الله عز ~~وجل والأحاديث الصحاح عن رسول الله وما جاء في الحديث من تفسير الخمر ما هي ~~واللغة القائمة المشهورة والنظر وما يعرفه ذوو الألباب بعقولهم يدل على أن ~~كل شيء أسكر فهو خمر فأما كتاب الله فقوله: {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] ~~فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخل. فادعى هذا القائل أن كتاب الله ~~يدل على أن ما أسكر فهو خمر, ثم تلا الآية, وليس في الآية أن السكر ما هو ~~ولا أن السكر خمر; فإن كان السكر خمرا على الحقيقة فإنما هو الخمر ~~المستحيلة من عصير العنب; لأنه قال: "ومن ثمرات النخيل والأعناب", ومع ذلك ~~فإن الآية مقتضية لإباحة السكر المذكور فيها لأنه تعالى اعتد علينا فيها ~~بمنافع النخيل والأعناب كما اعتد بمنافع الأنعام وما خلق فيها من اللبن, ~~فلا دلالة في الآية إذا على تحريم السكر ولا على أن السكر خمر, ولو دلت على ~~أن السكر خمر لما دلت على أن الخمر تكون من كل ما يسكر; إذ فيها ذكر ~~الأعناب التي منها تكون الخمر المستحيلة من عصيرها, فكانت دعواه على الكتاب ~~غير صحيحة. وذكر من الأحاديث في ذلك ما قدمنا ذكره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن السلف, وقد بينا وجهه, وذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "كل مسكر خمر" و "كل شراب أسكر فهو حرام" و "ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام" ونحوها من الأخبار. والمعنى في هذه الأخبار حال وجود الإسكار ms1890 دون ~~غيرها الموافق لما ذكرنا من الأخبار النافية لكونها خمرا وما ذكرنا من ~~دلالة الإجماع. وقد تواترت الآثار عن جماعة من السلف شرب النبيذ الشديد, ~~منهم عمر وعبد الله وأبو الدرداء وبريدة, في آخرين قد ذكرناهم في كتابنا في ~~الأشربة; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب من النبيذ الشديد, في ~~أخبار أخر, فينبغي على قول هذا القائل أن يكونوا قد شربوا خمرا. # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا مطين قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: ~~حدثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام" فقلنا: يا ابن عباس إن هذا النبيذ ~~الذي نشرب يسكرنا قال: ليس هكذا, إن شرب أحدكم تسعة أقداح لم يسكر فهو ~~حلال, فإن شرب العاشر فأسكره فهو حرام. حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا هوذة قال: حدثنا عوف بن سنان عن أبي الحكم عن ~~بعض الأشعريين عن الأشعري قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذا ~~إلى اليمن, فقلت: يا رسول الله إنك تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البتع من ~~العسل والمزر من الشعير والذرة يشتد حتى يسكر; قال: وأعطي رسول الله جوامع ~~الكلم فقال: "إنما حرم المسكر الذي يسكر عن الصلاة". فأخبر عليه # PageV02P580 # السلام في هذا الحديث أن المحرم منه ما يوجب السكر دون غيره. وحدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: حدثنا العباس بن بكار قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع, فقال "حرم ~~الخمر بعينها والسكر من كل شراب". وفي هذا الحديث أيضا بيان ما حرم من ~~الأشربة سوى الخمر وهو ما يوجب السكر. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا ms1891 ~~سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" , ~~فقوله: "اشربوا في الظروف" منصرف إلى ما كان حظره من الشرب في الأوعية, ~~فأباح الشرب منها بهذا الخبر. ومعلوم أن مراده ما يسكر كثيره, ألا ترى أنه ~~لا يجوز أن يقال: "اشربوا الماء ولا تسكروا"; إذ كان الماء لا يسكر بوجه ~~ما؟ فثبت أن مراده إباحة شرب قليل ما يسكر كثيره. # وأما ما روي عن الصحابة من شرب النبيذ الشديد فقد ذكرنا منه طرفا في كتاب ~~الأشربة, ونذكر ههنا بعض ما روي فيه, حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~حسين بن جعفر القتات قال: حدثنا يزيد بن مهران الخباز قال: حدثنا أبو بكر ~~بن عياش عن أبي حصين والأعمش عن إبراهيم عن علقمة والأسود قال: "كنا ندخل ~~على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيسقينا النبيذ الشديد". وحدثنا عبد ~~الله بن الحسين الكرخي قال: حدثنا أبو عون الفرضي قال: حدثنا أحمد بن منصور ~~الرمادي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: كنا عند يحيى بن سعيد القطان بالكوفة ~~وهو يحدثنا في تحريم النبيذ, فجاء أبو بكر بن عياش حتى وقف عليه, فقال أبو ~~بكر: اسكت يا صبي حدثنا الأعمش بن إبراهيم عن علقمة قال: شربنا عند عبد ~~الله بن مسعود نبيذا صلبا آخره يسكر; وحدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون ~~قال: شهدت عمر بن الخطاب حين طعن وقد أتي بالنبيذ فشربه, قال: عجبنا من قول ~~أبي بكر ليحيى: "اسكت يا صبي". وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الشعبي عن ~~سعيد وعلقمة أن أعرابيا شرب من شراب عمر, فجلده عمر الحد, فقال الأعرابي: ~~إنما شربت من شرابك فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ثم شرب منه وقال: "من رابه ~~من شرابه شيء فليكسره بالماء", ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه, وقال ~~فيه: إنه شرب منه بعدما ضرب الأعرابي وحدثنا عبد الباقي ms1892 بن قانع قال: حدثنا ~~المعمري قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدثنا معمر قال: ~~حدثني عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك عن أم سليم وأبي طلحة: أنهما كانا # PageV02P581 # يشربان نبيذ الزبيب والتمر يخلطانه, فقيل له: يا أبا طلحة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا فقال: "إنما نهى عنه للعوز في ذلك الزمان ~~كما نهى عن الإقران". وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ~~كثير, وقد ذكرنا منه طرفا في كتابنا "الأشربة" وكرهت التطويل بإعادته هنا. ~~وما روي عن أحد من الصحابة والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا ~~فيما نعلمه, وإنما روي عنهم تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يرد من العصير ~~إلى الثلث; إلى أن نشأ قوم من الحشو تصنعوا عند العامة بالتشديد في تحريمه ~~ولو كان النبيذ محرما لورد النقل به مستفيضا لعموم البلوى كانت به; إذ كانت ~~عامة أشربتهم نبيذ التمر والبسر, كما ورد تحريم الخمر وقد كانت بلواهم بشرب ~~النبيذ أعم منها بشرب الخمر لقلتها كانت عندهم, وفي ذلك دليل على بطلان قول ~~موجبي تحريمه. وقد استقصينا الكلام في ذلك من سائر وجوهه في "الأشربة". # وأما الميسر فقد روي عن علي أنه قال: "الشطرنج من الميسر" وقال عثمان ~~وجماعة من الصحابة والتابعين: "النرد". وقال قوم من أهل العلم: "القمار كله ~~من الميسر". وأصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه, وهو ~~السهام التي يجيلونها, فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم, فربما ~~أخفق بعضهم حتى لا يحظى بشيء وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر; وحقيقته ~~تمليك المال على المخاطرة. وهو أصل في بطلان عقود التمليكات الواقعة على ~~الأخطار, كالهبات والصدقات وعقود البياعات ونحوها, إذا علقت على الأخطار, ~~بأن يقول: "قد بعتك إذا قدم زيد" و "وهبته لك إذا خرج عمرو" لأن معنى إيسار ~~الجزور أن يقول: من خرج سهمه استحق من الجزور كذا, فكان استحقاقه لذلك ~~السهم منه معلقا على الخطر. ms1893 # والقرعة في الحقوق تنقسم إلى معنيين: أحدهما: تطييب النفوس من غير إحقاق ~~واحد من المقترعين ولا بخس حظ مما اقترعوا عليه, مثل القرعة في القسمة وفي ~~قسم النساء وفي تقديم الخصوم إلى القاضي. والثاني: مما ادعاه مخالفونا في ~~القرعة بين عبيد أعتقهم المريض ولا مال له غيرهم, فقول مخالفينا هنا من جنس ~~الميسر المحظور بنص الكتاب لما فيه من نقل الحرية عمن وقعت عليه إلى غيره ~~بالقرعة, ولما فيه أيضا من إحقاق بعضهم وبخس حقه حتى لا يحظى منه بشيء ~~واستيفاء بعضهم حقه وحق غيره, ولا فرق بينه وبين الميسر في المعنى. # وأما الأنصاب فهي ما نصب للعبادة من صنم أو حجر غير مصور, أو غير ذلك من ~~سائر ما ينصب للعبادة. # وأما الأزلام فهي القداح, وهي سهام كانوا يجعلون عليها علامات "افعل" و ~~"لا # PageV02P582 # تفعل" ونحو ذلك, فيعملون في سائر ما يهتمون به من أعمالهم على ما تخرجه ~~تلك السهام من أمر أو نهي أو إثبات أو نفي, ويستعملونها في الأنساب أيضا ~~إذا شكوا فيها, فإن خرج "لا" نفوه, وإن خرج "نعم" أثبتوه; وهي سهام الميسر ~~أيضا. # وأما قوله {رجس من عمل الشيطان} فإن الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما ~~لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به من عبادة أو تعظيم; لأنه يقال "رجس نجس" ~~فيراد بالرجس النجس, ويتبع أحدهما الآخر, كقولهم: "حسن بسن" و "عطشان ~~نطشان" وما جرى مجرى ذلك. والرجز قد قيل فيه إنه العذاب في قوله تعالى: ~~{لئن كشفت عنا الرجز} [الأعراف: 134] أي العذاب. وقد يكون في معنى الرجس ~~كما في قوله: {والرجز فاهجر} [المدثر:5] وقوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} ~~[الأنفال: 11] وإنما قال تعالى: {من عمل الشيطان} لأنه يدعو إليه ويأمر به, ~~فأكد بذلك أيضا حكم تحريمها; إذ كان الشيطان لا يأمر إلا بالمعاصي والقبائح ~~والمحرمات, وجازت نسبته إلى الشيطان على وجه المجاز; إذ كان هو الداعي إليه ~~والمزين له, ألا ترى أن رجلا لو أغرى غيره بضرب غيره أو بسبه وزينه له جاز ~~أن يقال له ms1894 هذا من عملك؟ # قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر} الآية; فإنما يريد به ما يدعو الشيطان إليه ويزينه من شرب الخمر ~~حتى يسكر منها شاربها فيقدم على القبائح ويعربد على جلسائه فيؤدي ذلك إلى ~~العداوة والبغضاء; وكذلك القمار يؤدي إلى ذلك, قال قتادة: "كان الرجل يقامر ~~في ماله وأهله فيقمر ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء". ومن ~~الناس من يستدل به على تحريم النبيذ إذ كان السكر منه يوجب من العداوة ~~والبغضاء مثل ما يوجبه السكر في الخمر; وهذا المعنى لعمري موجود فيما يوجب ~~السكر منه غير موجود فيما لا يوجبه, ولا خلاف في تحريم ما يوجب السكر منه, ~~وأما قليل الخمر فليست هذه العلة موجودة فيه فهو محرم لعينه, وليس فيه علة ~~تقتضي تحريم قليل النبيذ. # قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} قال ~~ابن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: "لما حرم الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم, فقالت الصحابة: كيف بمن مات منا وهم ~~يشربونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية". وروي عن عطاء بن السائب عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي عن علي: أن قوما شربوا بالشام وقالوا هي لنا حلال وتأولوا ~~هذه الآية, فأجمع عمر وعلي على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا # PageV02P583 # قتلوا. وروى الزهري1 قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة, أن الجارود ~~سيد بني عبد القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد ~~عمر أن يجلده, فقال قدامة: ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول: {ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح} الآية فقال عمر: إنك قد أخطأت التأويل يا ~~قدامة, إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك فلم يحكموا على قدامة ~~بحكمهم على الذين شربوها بالشام, ولم يكن حكمه حكمهم لأن أولئك شربوها ~~مستحلين لها, ومستحل ما ms1895 حرم الله كافر, فلذلك استتابوهم. وأما قدامة بن ~~مظعون فلم يشربها مستحلا لشربها, وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو ~~عليها ووجود الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه, وهو ~~قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين} فكان عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها ~~مع اعتقاده لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته. وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ~~ثلاث مرات والمراد بكل واحد منها غير المراد بالأخرى, فأما الأول: فمن اتقى ~~فيما سلف, والثاني: الاتقاء منهم في مستقبل الأوقات, والثالث: اتقاء ظلم ~~العباد والإحسان إليهم. PageV02P584 # باب الصيد للمحرم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} قيل ~~في موضع "من" ههنا إنها للتبعيض, بأن يكون المراد صيد البر دون صيد البحر ~~وصيد الإحرام دون صيد الإحلال. وقيل إنها للتمييز, كقوله تعالى: {فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان} [الحج: 30] وقولك" باب من حديد" و" ثوب من قطن". وجائز ~~أن يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا, كالبيض والفرخ; لأن البيض ~~من الصيد, وكذلك الفرخ والريش وسائر أجزائه; فتكون الآية شاملة لجميع هذه ~~المعاني, ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال ~~الإحرام, ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ ~~والوبر وغيره. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {تناله أيديكم} قال: ~~"فراخ الطير وصغار الوحش". وقال مجاهد: "الفراخ والبيض". وقد روي عن علي ~~رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس بيضات ~~فقال: "إننا محرمون وإنا لا نأكل; فلم يقبلها". وروى عكرمة عن ابن عباس عن # PageV02P584 # كعب بن عجرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه ~~المحرم بقيمته. وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي موسى في ms1896 بيض ~~النعامة يصيبه المحرم: "أن عليه قيمته". ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ~~ذلك. # وقوله تعالى: {ورماحكم} قال ابن عباس: "كبار الصيد". # قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} , قيل فيه ثلاثة أوجه كلها ~~محتمل: أحدها: محرمون بحج أو عمرة. والثاني دخول الحرم, يقال أحرم الرجل ~~إذا دخل الحرم, كما يقال أنجد إذا أتى نجدا, وأعرق إذا أتى العراق, وأتهم ~~إذا أتى تهامة. والثالث: الدخول في الشهر الحرام, كما قال الشاعر: # قتل الخليفة محرما # يعني في الشهر الحرام, وهو يريد عثمان بن عفان رضي الله عنه. ولا خلاف أن ~~الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية, وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد, ~~والوجهان الأولان مرادان. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد ~~الحرم للحلال والمحرم, فدل أنه مراد بالآية; لأنه متى ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب ~~غير مبتدأ. # وقوله عز وجل: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} يقتضي عمومه صيد البر والبحر ~~لولا ما خصه بقوله: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} فثبت أن المراد بقوله: {لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم} صيد البر خاصة دون صيد البحر. وقد دل قوله: {لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أن كل ما يقتله المحرم من الصيد فهو غير ذكي لأن ~~الله تعالى سماه قتلا, والمقتول لا يجوز أكله وإنما يجوز أكل المذبوح على ~~شرائط الذكاة, وما ذكي من الحيوان لا يسمى مقتولا لأن كونه مقتولا يفيد أنه ~~غير مذكى. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "خمس يقتلهن المحرم في الحل ~~والحرم" قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل لأنه مقتول غير مذكى, ولو ~~كان مذكى كانت إفاتة روحه لا تكون قتلا ولم يكن يسمى بذلك. وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن قال: "لله علي ذبح شاة" إن عليه أن يذبح, ولو قال: "لله علي ~~قتل شاة" لم يلزمه شيء. وكذلك قال أصحابنا فيمن قال: "لله علي ذبح ولدي أو ms1897 ~~نحره" فعليه شاة, ولو قال: "لله علي قتل ولدي" لم يلزمه شيء لأن اسم الذبح ~~متعلق بحكم الشرع في الإباحة والقربة, وليس كذلك القتل. وروي عن سعيد بن ~~المسيب في قوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} قال: "قتله حرام في هذه الآية ~~وأكله حرام في هذه الآية" يعني أكل ما قتله المحرم منه. وروى أشعث عن الحسن ~~قال: "كل # PageV02P585 # صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ميتة لا يحل أكله"; وروى عنه يونس أيضا ~~أنه لا يؤكل. وروى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم ~~قال: "يأكله الحلال". وعن عطاء: "إذا أصاب المحرم الصيد لا يأكله الحلال". ~~وقال الحكم وعمرو بن دينار: "يأكله الحلال". وهو قول سفيان. وقد ذكرنا ~~دلالة الآية على تحريم ما أصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى; ويدل ~~على أن تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي ~~والوثني وما ترك فيه التسمية أو شيء من شرائط الذكاة, وليس بمنزلة الذبح ~~بسكين مغصوب أو ذبح شاة مغصوبة; لأن تحريمه تعلق بحق آدمي, ألا ترى أنه لو ~~أباحه جاز فلم يمنع صحة الذكاة؟ إذ كانت الذكاة حقا لله تعالى, فشروطها ما ~~كان حقا لله تعالى. # PageV02P586 # باب ما يقتله المحرم # قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} لما كان خاصا في صيد البر دون ~~صيد البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص, اقتضى عمومه تحريم سائر صيد ~~البر إلا ما خصه الدليل. وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم: الحية ~~والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور" على اختلاف منهم في بعضها, وفي ~~بعضها: "هن فواسق". وروي عن أبي هريرة قال: "الكلب العقور الأسد". وروى ~~حجاج بن أرطاة عن وبرة قال: سمعت ابن عمر يقول أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الذئب والفأرة والغراب والحدأة. فذكر في هذا الحديث الذئب. وذكر ~~القعنبي عن مالك ms1898 قال: "الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس ~~وعدا عليهم, مثل الأسد والنمر والذئب وهو الكلب العقور, وأما ما كان من ~~السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهرة وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن ~~المحرم, فإن قتل منهن شيئا فداه". قال أبو بكر: قد تلقى الفقهاء هذا الخبر ~~بالقبول واستعملوه في إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم. وقد اختلف في الكلب ~~العقور, فقال أبو هريرة على ما قدمنا الرواية فيه: "إنه الأسد" ويشهد لهذا ~~التأويل أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: "أكلك ~~كلب الله" فأكله الأسد. قيل له: إن الكلب العقور هو الذئب. وروي في بعض ~~أخبار ابن عمر في موضع "الكلب" "الذئب", ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك ~~كلبا من شأنه العدو على الناس وعقرهم, وهذه صفة الذئب, فأولى الأشياء ~~بالكلب ههنا الذئب. وقد دل على أن كل ما عدا على المحرم وابتدأه بالأذى ~~فجائز له قتله من غير فدية لأن فحوى ذكره الكلب العقور يدل عليه, وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن # PageV02P586 # ابتدأه السبع فقتله فلا شيء عليه, وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه ~~الجزاء, لعموم قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} . واسم الصيد واقع ~~على كل ممتنع الأصل متوحش, ولا يختص بالمأكول منه دون غيره, ويدل عليه قوله ~~تعالى: {ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] ~~فعلق الحكم منه بما تناله أيدينا ورماحنا, ولم يخصص المباح منه دون المحظور ~~الأكل. ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء المذكورة في الخبر وذكر ~~معها الكلب العقور, فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب العقور دليلا على ~~أن كل ما ابتدأ الإنسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله; لأن الأشياء ~~المذكورة من شأنها أن تبتدئ بالأذى, فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب وإن ~~كانت قد لا تبتدئ في حال; لأن الأحكام إنما تتعلق في الأشياء بالأعم ~~الأكثر, ولا حكم للشاذ النادر. ثم لما ذكر الكلب العقور وقيل هو الأسد ~~فإنما ms1899 أباح قتله إذا قصد بالعقر والأذى, وإن كان الذئب فذلك من شأنه في ~~الأغلب; فما خصه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بالخبر وقامت دلالته فهو ~~مخصوص من عموم الآية, وما لم يخصه ولم تقم دلالة تخصيصه فهو محمول على ~~عمومها. ويدل عليه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الضبع صيد ~~وفيه كبش إذا قتله المحرم". وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ~~كل ذي ناب من السباع, والضبع من ذي الناب من السباع وجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيها كبشا. # فإن قيل: هلا قست على الخمس ما كان في معناها وهو ما لا يؤكل لحمه قيل ~~له: إنما خص هذه الأشياء الخمسة من عموم الآية, وغير جائز عندنا القياس على ~~المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص, فلما لم تكن ~~للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل. وقد بينا ~~وجه دلالته على ما يبتدئ الإنسان بالأذى من السباع, وكونه غير مأكول اللحم ~~لم تقم عليه دلالة من فحوى الخبر ولا علته مذكورة فيه, فلم يجز اعتباره. ~~وأيضا فإنه لا خلاف فيما ابتدأ المحرم في سقوط الجزاء, فجاز تخصيصه ~~بالإجماع وبقي حكم عموم الآية فيما لم يخصه الخبر ولا الإجماع. ومن أصحابنا ~~من يأبى القياس في مثله لأنه حصره بعدد فقال "خمس يقتلهن المحرم" وفي ذلك ~~دليل على أن ما عداه محظور, فغير جائز استعمال القياس في إسقاط دلالة ~~اللفظ. ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه غير مأكول; لأن ذلك نفي والنفي لا ~~يكون علة, وإنما العلل أوصاف ثابتة في الأصل المعلول, وأما نفي الصفة فليس ~~يجوز أن يكون علة. فإن غير الحكم بإثبات وصف وجعل العلة أنه محرم الأكل لم ~~يصح ذلك أيضا; لأن التحريم هو الحكم بنفي الأكل, # PageV02P587 # فلم يخل من أن يكون نافيا للصفة, فلم يصح الاعتلال بها. وزعم الشافعي أن ~~ما لا يؤكل من الصيد فلا جزاء على ms1900 المحرم فيه. # قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} قال أبو بكر: اختلف الناس في ذلك على ~~ثلاثة أوجه: فقال قائلون وهم الجمهور: "سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه ~~الجزاء" وجعلوا فائدة تخصيصه العمد بالذكر في نسق التلاوة من قوله تعالى: ~~{ومن عاد فينتقم الله منه} , وذلك يختص بالعمد دون الخطإ; لأن المخطئ لا ~~يجوز أن يلحقه الوعيد, فخص العمد بالذكر وإن كان الخطأ والنسيان مثله ليصح ~~رجوع الوعيد إليه; وهو قول عمر وعثمان والحسن رواية وإبراهيم وفقهاء ~~الأمصار. والقول الثاني: ما روى منصور عن قتادة عن رجل قد سماه عن ابن ~~عباس: "أنه كان لا يرى في الخطإ شيئا" وهو قول طاوس وعطاء وسالم والقاسم ~~وأحد قولي مجاهد في رواية الجعفي عنه. والقول الثالث: ما روى سفيان عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد: {ومن قتله منكم متعمدا} قال: "إذا كان عامدا لقتله ~~ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء, وإن كان ذاكرا لإحرامه عامدا لقتله فلا جزاء ~~عليه" وفي بعض الروايات: "قد فسد حجه وعليه الهدي". وقد روي عن الحسن نحو ~~قول مجاهد في أن الجزاء إنما يجب إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه. ~~والقول الأول هو الصحيح; لأنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا يختلف فيها ~~المعذور وغير المعذور في باب وجوب الفدية, ألا ترى أن الله تعالى قد عذر ~~المريض ومن به أذى من رأسه ولم يخلهما من إيجاب الكفارة؟ وكذلك لا خلاف في ~~فوات الحج لعذر أو غيره أنه غير مختلف الحكم; ولما ثبت ذلك في جنايات ~~الإحرام وكان الخطأ عذرا; لم يكن مسقطا للجزاء. # فإن قال قائل: لا يجوز عندكم إثبات الكفارات قياسا, وليس في المخطئ نص في ~~إيجاب الجزاء. قيل له: ليس هذا عندنا قياسا; لأن النص قد ورد بالنهي عن قتل ~~الصيد في قوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} وذلك عندنا يقتضي إيجاب البدل ~~على متلفه, كالنهي عن قتل صيد الآدمي أو إتلاف ماله يقتضي إيجاب البدل على ~~متلفه; فلما جرى الجزاء في هذا الوجه مجرى البدل ms1901 وجعله الله مثلا للصيد; ~~اقتضى النهي عن قتله إيجاب بدله على متلفه, ثم ذلك البدل يكون الجزاء ~~بالاتفاق. وأيضا فإنه لما ثبت استواء حال المعذور وغير المعذور في سائر ~~جنايات الإحرام كان مفهوما من ظاهر النهي تساوي حال العامد والمخطئ; وليس ~~ذلك عندنا قياسا, كما أن حكمنا في غير بريرة بما حكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بريرة ليس بقياس, وكذلك حكمنا في العصفور بحكم الفأرة وحكمنا في ~~الزيت بحكم السمن إذا مات فيه ليس هو قياسا على الفأرة وعلى السمن; لأنه قد ~~ثبت # PageV02P588 # تساوي ذلك قبل ورود الحكم بما وصفنا, فإذا ورد في شيء منه كان حكما في ~~جميعه, ولذلك قال أصحابنا: إن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء صوم ~~الآكل ناسيا هو حكم فيه ببقاء صوم المجامع ناسيا لأنهما غير مختلفين فيما ~~يتعلق بهما من الأحكام في حال الصوم وكذلك قالوا فيمن سبقه الحدث في الصلاة ~~من بول أو غائط إنه بمنزلة الرعاف والقيء اللذين جاء فيهما الأثر في جواز ~~البناء عليهما; لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة ~~والصلاة, فلما ورد الأثر في بعض ذلك كان ذلك حكما في جميعه وليس ذلك بقياس. ~~كذلك حكم قاتل الصيد خطأ. وأما مجاهد فإنه تارك لظاهر الآية لأن الله تعالى ~~قال: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} فمن كان ذاكرا ~~لإحرامه عامدا لقتل الصيد فقد شمله الاسم, فواجب عليه الجزاء, ولا معنى ~~لاعتبار كونه ناسيا لإحرامه عامدا لقتله. # فإن قال قائل نص الله تعالى على كفارة قاتل الخطإ فلم تردوا عليه قاتل ~~العمد, كذلك لما نص الله تعالى على قاتل العمد بإيجاب الجزاء لم يجز ~~إيجابها على قاتل الخطإ. قيل له: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن الله ~~تعالى لما نص على حكم كل واحد من القتلين وجب استعمالهما ولم يجز قياس ~~أحدهما على الآخر; لأنه غير جائز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض. ومن ~~جهة أخرى أن قتل العمد ms1902 لم يخل من إيجاب القود الذي هو أعظم من الكفارة ~~والدية, ومتى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء لم يجب عليه شيء آخر ~~فيكون لغوا عاريا من حكم, وذلك غير جائز. وأيضا فإن أحكام القتل في الأصول ~~مختلفة في العمد والخطإ والمباح والمحظور, ولم يختلف ذلك في الصيد, فلذلك ~~استوى حكم العمد والخطإ فيه واختلف في قتل الآدمي. # قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل} اختلف في المراد بالمثل, فروي عن ابن ~~عباس: "أن المثل نظيره; في الأروى بقرة وفي الظبية شاة وفي النعامة بعير" ~~وهو قول سعيد بن جبير وقتادة في آخرين من التابعين, وهو قول مالك ومحمد بن ~~الحسن والشافعي وذلك فيما له نظير من النعم, فأما ما لا نظير له منه ~~كالعصفور ونحوه ففيه القيمة. وروى الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل ~~أنه القيمة دراهم, وروي عن مجاهد رواية أخرى أنه الهدي. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف: "المثل هو القيمة, ويشتري بالقيمة هديا إن شاء, وإن شاء اشترى ~~طعاما وأعطى كل مسكين نصف صاع, وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوما". # قال أبو بكر: المثل اسم يقع على القيمة وعلى النظير من جنسه وعلى نظيره ~~من النعم, ووجدنا المثل الذي يجب في الأصول على أحد وجهين: إما من جنسه كمن # PageV02P589 # استهلك لرجل حنطة فيلزمه مثلها, وإما من قيمته كمن استهلك ثوبا أو عبدا; ~~والمثل من غير جنسه ولا قيمته خارج عن الأصول. واتفقوا أن المثل من جنسه ~~غير واجب, فوجب أن يكون المثل المراد بالآية هو القيمة. وأيضا لما كان ذلك ~~متشابها محتملا للمعاني وجب حمله على ما اتفقوا على معناه من المثل المذكور ~~في القرآن, وهو قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] فلما كان المثل في هذا الموضع فيما لا مثل له من جنسه ~~هو القيمة, وجب أن يكون المثل المذكور للصيد محمولا عليه من وجهين: أحدهما: ~~أن المثل في آية الاعتداء محكم متفق على معناه منه. والوجه ms1903 الثاني: أنه قد ~~ثبت أن المثل اسم للقيمة في الشرع ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم, فوجب ~~حمله على ما قد ثبت اسما له ولم يجز حمله على ما لم يثبت أنه اسم له. وأيضا ~~قد اتفقوا أن القيمة مرادة بهذا المثل فيما لا نظير له من النعم, فوجب أن ~~تكون هي المرادة من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت أن القيمة مرادة فهو بمنزلته ~~لو نص عليها فلا ينتظم النظير من النعم. والثاني: أنه لما ثبت أن القيمة ~~مرادة انتفى النظير من النعم لاستحالة إرادتهما جميعا في لفظ واحد; لأنهم ~~متفقون على أن المراد أحدهما من قيمة أو نظير من النعم, ومتى ثبت أن القيمة ~~مرادة انتفى غيرها. ومن جهة أخرى أن قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم} لما كان عاما فيما له نظير وفيما لا نظير له, ثم عطف عليه قوله: {ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل} وجب أن يكون ذلك المثل عاما في جميع ~~المذكور والقيمة بذلك أولى; لأنه إذا حمل على القيمة كان المثل عاما في ~~جميع المذكور, وإذا حمل على النظير كان خاصا في بعضه دون بعض; وحكم اللفظ ~~استعماله على عمومه ما أمكن ذلك, فلذلك وجب أن يكون اعتبار القيمة أولى, ~~ومن اعتبر النظير جعل اللفظ خاصا في بعض المذكور دون البعض. # فإن قيل: إذا كان اسم المثل يقع على القيمة تارة وعلى النظير أخرى, فمن ~~استعملهما فيما له نظير على النظير وفيما لا نظير له من النعم على القيمة, ~~فلم يخل من استعمال لفظ المثل على عمومه إما في القيمة أو المثل. قيل له: ~~ليس كذلك, بل هو مستعمل في القيمة على الخصوص وفي النظير على الخصوص أيضا ~~واستعماله على العموم في جميع ما انتظمه الاسم باعتبار القيمة أولى من ~~استعماله على الخصوص في كل واحد من المعنيين. # فإن قال قائل: المثل اسم للنظير وليس باسم للقيمة, وإنما أوجبت القيمة ~~فيما لا نظير له من الصيد بالإجماع لا بالآية. قيل ms1904 له: هذا غلط من وجوه: ~~أحدها أن الله تعالى قد سمى القيمة مثلا في قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى # PageV02P590 # عليكم} [البقرة: 194] واتفق فقهاء الأمصار فيمن استهلك عبدا أن عليه ~~قيمته, وحكم النبي صلى الله عليه وسلم على معتق عبد بينه وبين غيره بنصف ~~قيمته إذا كان موسرا, فبان بذلك غلط هذا القائل في نفيه اسم المثل عن ~~القيمة. ووجه آخر: وهو أن قولك "إن الآية لم تقتض إيجاب الجزاء فيما لا ~~نظير له" تخصيص لها بغير دليل, مع دخول ذلك في عموم قوله: {لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم} وقوله: {ومن قتله منكم متعمدا} والهاء في: {قتله} كناية عن جميع ~~المذكور من الصيد, فإذا أخرجت منه بعضه فقد خصصته بغير دليل, وذلك غير ~~سائغ. ويدل على أن المثل القيمة دون النظير أن جماعة من الصحابة قد روي ~~عنهم: "في الحمامة شاة" ولا تشابه بين الحمامة والشاة في المنظر, فعلمنا ~~أنهم أوجبوها على وجه القيمة. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في الضبع كبشا. قيل ~~له: لأن تلك كانت قيمته, ولا دلالة فيه على أنه أوجبه من حيث كان نظيرا له. ~~فإن قال قائل: إنما كان يسوغ هذا التأويل وحمل الآية على القيمة لو لم يكن ~~في الآية بيان المراد بالمثل, وقد فسر في نسق الآية معنى المثل في قوله: ~~{فجزاء مثل ما قتل من النعم} فأخبر أن المثل من النعم ولا مساغ للتأويل مع ~~النص. قيل له: إنما كان يكون على ما ادعيت لو اقتصر على ذلك ولم يصله بما ~~أسقط دعواك, وهو قوله: {من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو ~~كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} فلما وصله بما ذكر وأدخل عليه حرف ~~التخيير ثبت بذلك أن ذكر النعم ليس على وجه التفسير للمثل, ألا ترى أنه قد ~~ذكر الطعام والصيام جميعا وليسا مثلا وأدخل "أو" بينهما وبين النعم؟ ولا ~~فرق; إذ كان ذلك ترتيب ms1905 الآية بين أن يقول فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما ~~أو من النعم هديا; لأن تقديم ذكر النعم في التلاوة لا يوجب تقديمه في ~~المعنى, بل الجميع كأنه مذكور معا. ألا ترى أن قوله تعالى: {فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} لم يقتض ~~كون الطعام مقدما على الكسوة ولا الكسوة مقدمة على العتق في المعنى, بل ~~الكل كأنه مذكور بلفظ واحد معا؟ فكذلك قوله: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ~~موصولا بقوله: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام ~~مساكين} لم يكن ذكر النعم تفسيرا للمثل. وأيضا فإن قوله تعالى: {فجزاء مثل ~~ما قتل} كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى تضمينه بغيره, وقوله: {من النعم ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين} يمكن ~~استعماله على غير وجه التفسير للمثل, فلم يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم ~~مع استغناء الكلام عنه لأن كل كلام فله حكم غير جائز تضمينه بغيره إلا ~~بدلالة تقوم عليه سواه. وأيضا قوله: {من # PageV02P591 # النعم} معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم, فمعناه: "من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم هديا" إن أراد الهدي, والطعام إن أراد الطعام, فليس هو إذا تفسيرا ~~للمثل, كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور. # فإن قيل: روي عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا في النعامة ببدنة, ومعلوم ~~أن القيم تختلف, وقد أطلقوا القول في ذلك من غير اعتبار الصيد في زيادة ~~القيمة ونقصانها. قيل له: فما تقول أنت, هل توجب في كل نعامة بدنة من غير ~~اعتبار الصيد في ارتفاع قيمته وانخفاضها فتوجب في أدنى النعام بدنة رفيعة ~~وتوجب في أرفع النعام بدنة وضيعة؟ فإن قيل: لا, وإنما أوجب بدنة على قدر ~~النعامة, فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة وإن كانت وضيعة فبدنة على قدرها; قيل ~~له فقد خالفت الصحابة لأنهم لم يسألوا عن حال الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة ~~منها والدنية فاعتبرت خلاف ms1906 ما اعتبروا. فإن قيل: هذا محمول على أنهم حكموا ~~بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله الراوي. قيل له: ~~فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا بالبدنة لأن ذلك كان قيمتها في ~~ذلك الوقت, وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة ~~النعامة. ويقال لهم: هل يدل حكمهم في النعامة ببدنة عليه أنه لا يجوز غيرها ~~من الطعام والصيام؟ فإن قالوا: لا, قيل لهم: فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير ~~دال على نفي جواز القيمة. # PageV02P592 # فصل # وقرئ قوله تعالى: {فجزاء مثل} برفع المثل, وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء ~~إليه. والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازي, ~~فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو ~~النظير من النعم على اختلافهم فيه; ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل, ~~فكان ما يخرجه من الواجب مضافا إلى المثل المذكور. ويحتمل أن يكون الجزاء ~~الذي هو الواجب مضافا إلى المثل, والمثل يكون مثلا للصيد, فيفيد أن الصيد ~~ميتة محرم لا قيمة له, وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة, ~~فالإضافة صحيحة المعنى في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا; والنعم ~~من الإبل والبقر والغنم. وقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} يحتمل ~~القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم لأن القيم تختلف على حسب ~~اختلاف أحوال الصيد, فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى استئناف حكم الحكمين ~~في تقويمه. ومن قال بالنظير فرجع إلى قول الحكمين, لاختلاف # PageV02P592 # الصيد في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع منه الرفيع من ~~النظير وفي الوسط الوسط وفي الدني الدني, وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد ~~الحكمين. # وروي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس وابن عمر, قالا في محرم قتل قطاة: ~~"فيه ثلثا مد وثلثا مد خير من قطاة في بطن مسكين". وروى معمر عن صدقة بن ~~يسار قال: سألت القاسم وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ms1907 ناسيا, فقال أحدهما ~~لصاحبه: أحجلة في بطن رجل خير أو ثلثا مد؟ فقال: بل ثلثا مد, فقال: هي خير ~~أو نصف مد؟ قال: بل نصف مد, قال: هي خير أو ثلث مد؟ قال: قلت: أتجزي عني ~~شاة؟ قالا: أوتفعل ذلك؟ قلت: نعم, قالا: فاذهب. وروي أن عمر وضع رداءه على ~~عود في دار الندوة, فأطار حماما فقتله وهو محرم, فقال لعثمان ونافع بن عبد ~~الحارث: احكما علي فحكما بعناق بنية عفراء, فأمر بها عمر. وروى عبد الملك ~~بن عمير عن قبيصة بن جابر: "أن محرما قتل ظبيا, فسأل عمر رجلا إلى جنبه, ثم ~~أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها; قال قبيصة: فلما قمنا من عنده قلت له: ~~أيها المستفتي ابن الخطاب إن فتيا ابن الخطاب لم تغن عنك من الله شيئا, ~~فانحر ناقتك وعظم شعائر الله فوالله ما علم ابن الخطاب ما يقول حتى سأل ~~الرجل الذي إلى جنبه, فقمت إلى عمر وإذا عمر قد أقبل ومعه الدرة على صاحبي ~~صفعا وهو يقول: قاتلك الله أتقتل الحرام وتعدي الفتيا وتقول ما علم عمر حتى ~~سأل من إلى جنبه أما تقرأ: {يحكم به ذوا عدل منكم} فهذا يدل على أن حكم ~~الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد, ألا ترى أن عمر وابن عباس وابن عمر ~~والقاسم وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في المقدار الواجب, فلما ~~اتفق رأيهما على شيء حكما به؟ وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ~~لإباحة الله تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما يجب فيه. ويدل أيضا على أن ~~تقويم المستهلكات موكول إلى اجتهاد عدلين يحكمان به على المستهلك, كما أوجب ~~الرجوع إلى قول الحكمين في تقويم الصيد. والحكمان عند أبي حنيفة يحكمان ~~عليه بالقيمة ثم يختار المحرم ما شاء من هدي أو طعام أو صيام. وقال محمد: ~~"الحكمان يحكمان بما يريان من هدي أو طعام أو صيام, فإن حكما بالهدي كان ~~عليه أن يهدي". # وأما قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} فإن الهدي من ms1908 الإبل والبقر والغنم, ~~وقال الله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ولا خلاف ~~أن له أن يهدي من أحد هذه الأصناف أيها شاء منها. هذا في الإحصار, فأما في ~~جزاء الصيد فإن من يجعل الواجب عليه قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك, فإن ~~اختار الهدي وبلغت قيمته بدنة نحرها, وإن لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها, ~~فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها, وإن اشترى # PageV02P593 # بالقيمة جماعة شاء أجزأه. ومن يوجب النظير من النعم, فإنه إن حكم عليه ~~بالهدي أهدى بما حكم به من بدنة أو بقرة أو شاة. # وقد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد, فقال أبو حنيفة: "لا يجوز أن ~~يهدي إلا ما يجزي في الأضحية وفي الإحصار والقران". وقال أبو يوسف ومحمد: ~~"يجزي الجفرة والعناق على قدر الصيد". والدليل على صحة القول الأول أن ذلك ~~هدي تعلق وجوبه بالإحرام, وقد اتفقوا في سائر الهدايا التي تعلق وجوبها ~~بالإحرام أنها لا يجزي منها إلا ما يجزي في الأضاحي, وهو الجذع من الضأن أو ~~الثني من المعز والإبل والبقر فصاعدا, فكذلك هدي جزاء الصيد. وأيضا لما ~~سماه الله تعالى هديا على الإطلاق كان بمنزلة سائر الهدايا المطلقة في ~~القرآن, فلا يجزي دون السن الذي ذكرنا. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ما روي عن ~~جماعة من الصحابة أن في اليربوع جفرة وفي الأرنب عناق, وعلى أنه لو أهدى ~~شاة فولدت ذبح ولدها معها. فأما ما روي عن الصحابة فجائز أن يكون على وجه ~~القيمة, وأما ولد الهدي فإنه تبع لها, فيسري الحق الذي في الأم من جهة ~~التبع, وليس يجوز اعتبار ما كان أصلا في نفسه بالاتباع; ألا ترى أنه يصح أن ~~يكون ابن أم الولد بمنزلة أمه في كونه غير مال وعتقه بموت المولى من غير ~~سعاية ولا يصح ابتداء إيجاب هذا الحكم له على غير وجه التبع والدخول في حكم ~~الأم؟ وكذلك ولد المكاتبة هو مكاتب وهو علوق ولو ابتدأ كتابة العلوق لم ~~يصح; ونظائر ms1909 ذلك كثيرة. # وقوله تعالى: {بالغ الكعبة} صفة للهدي, وبلوغه الكعبة ذبحه في الحرم لا ~~خلاف في ذلك. وهذا يدل على أن الحرم كله بمنزلة الكعبة في الحرمة وأنه لا ~~يجوز بيع رباعها لأنه عبر بالكعبة عن الحرم, وهو كما روي عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرم كله مسجد ; وكذلك قوله تعالى: {فلا ~~يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] المراد به الحرم كله ومعالم الحج لأنهم ~~منعوا بهذه الآية من الحج. # وقد اختلف في مواضع تقويم الصيد, فقال إبراهيم: "يقوم في المكان الذي ~~أصابه, فإن كان في فلاة ففي أقرب الأماكن من العمران إليها", وهو قول ~~أصحابنا. وقال الشعبي: "يقوم بمكة أو بمنى". والأول هو الصحيح; لأنه كتقويم ~~المستهلكات, فيعتبر الموضع الذي وقع فيه الاستهلاك لا في الموضع الذي يؤدى ~~فيه القيمة; ولأن تخصيص مكة ومنى من بين سائر البقاع تخصيص الآية بغير ~~دليل, فلا يجوز. # فإن قال قائل: روي عن عمر وعبد الرحمن بن عوف أنهما حكما في الظبي بشاة ~~ولم يسألا السائل عن الموضع الذي قتله فيه. قيل له: يجوز أن يكون السائل ~~سأل عن قتله في موضع علم أن قيمته فيه شاة. # PageV02P594 # وأما قوله تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} فإنه قرئ" كفارة" بالإضافة, ~~وقرئ بالتنوين بلا إضافة. وقد اختلف في تقدير الطعام, فقال ابن عباس رواية ~~وإبراهيم وعطاء ومجاهد ومقسم: "يقوم الصيد دراهم ثم يشتري بالدراهم طعاما, ~~فيطعم كل مسكين نصف صاع". وروي عن ابن عباس رواية: "يقوم الهدي ثم يشتري ~~بقيمة الهدي طعاما", وروي مثله عن مجاهد أيضا. والأول قول أصحابنا, والثاني ~~قول الشافعي; والأول أصح وذلك لأن جميع ذلك جزاء الصيد, فلما كان الهدي من ~~حيث كان جزاء معتبرا بالصيد إما في قيمته أو في نظيره; وجب أن يكون الطعام ~~مثله; لأنه قال: {فجزاء مثل ما قتل} إلى قوله: {أو كفارة طعام مساكين} فجعل ~~الطعام جزاء وكفارة كالقيمة; فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدي, ~~إذ هو بدل من الصيد وجزاء عنه لا ms1910 من الهدي. وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير ~~له من النعم أن اعتبار الطعام إنما هو بقيمة الصيد, فكذلك فيما له نظير; ~~لأن الآية منتظمة للأمرين, فلما اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار الطعام ~~بقيمة الصيد كان الآخر مثله. وقال أصحابنا: إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة ~~الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك, ككفارة ~~اليمين وفدية الأذى; وقد بيناه فيما سلف. # وقوله تعالى: {أو عدل ذلك صياما} , فإنه روي عن ابن عباس وإبراهيم وعطاء ~~ومجاهد ومقسم وقتادة أنهم قالوا: "لكل نصف صاع يوما", وهو قول أصحابنا. ~~وروي عن عطاء أيضا أنه قال: "لكل مد يوما". وما ذكره الله تعالى في هذه ~~الآية من الهدي والإطعام والصيام فهو على التخيير لأن "أو" يقتضي ذلك, ~~كقوله تعالى في كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} , وكقوله تعالى: {ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} [البقرة: 196] . وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن ~~وإبراهيم رواية; وهو قول أصحابنا. وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها على ~~الترتيب. وروي عن مجاهد والشعبي والسدي مثله; وعن إبراهيم رواية أخرى أنها ~~على الترتيب. والصحيح هو الأول لأنه حقيقة اللفظ, ومن حمله على الترتيب زاد ~~فيه ما ليس منه, ولا يجوز إلا بدلالة. # قوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} . روي عن ابن عباس والحسن وشريح: ~~"إن عاد عمدا لم يحكم عليه والله تعالى ينتقم منه". وقال إبراهيم: "كانوا ~~يسألون هل أصبت شيئا قبله؟ فإن قال نعم لم يحكموا عليه, وإن قال لا حكم ~~عليه". وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: "يحكم عليه أبدا". وسأل عمر قبيصة ~~بن جابر عن صيد أصابه وهو محرم, فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف ثم حكم عليه ~~ولم يسأل هل أصبت قبله # PageV02P595 # شيئا. وهو قول فقهاء الأمصار, وهو الصحيح لأن قوله تعالى: {ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء} يوجب الجزاء في كل مرة, كقوله تعالى: ms1911 {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] . وذكره الوعيد ~~للعائد لا ينافي وجوب الجزاء, ألا ترى أن الله تعالى قد جعل حد المحارب ~~جزاء له بقوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] , ثم ~~عقبه بذكر الوعيد بقوله: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ~~[المائدة: 33] ؟ فليس إذا في ذكر الانتقام من العائد نفي لإيجاب الجزاء. ~~وعلى أن قوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} لا دلالة فيه على أن المراد ~~العائد إلى قتل الصيد بعد قتله لصيد آخر قبله لأن قوله: {عفا الله عما سلف} ~~يحتمل أن يريد به: "عفا الله عما قبل التحريم ومن عاد يعني بعد التحريم" ~~وإن كان أول صيد بعد نزول الآية; وإذا كان فيه احتمال ذلك لم يدل على أن ~~العائد في قتل الصيد بعد قتله مرة أخرى ليس عليه إلا الانتقام. # PageV02P596 # فصل # قوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} يحتج به لأبي حنيفة في المحرم إذا أكل من ~~الصيد الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به; لأن الله تعالى أخبر ~~أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله, فإذا أكل ~~منه فقد رجع من الغرم في مقدار ما أكل منه, فهو غير ذائق بذلك وبال أمره; ~~لأن من غرم شيئا وأخذ مثله لا يكون ذائقا وبال أمره; فدل ذلك على صحة قوله. ~~وقال أصحابنا: "إن شاء المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام يوما, وإن شاء ~~صام عن بعض وأطعم بعضا" فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام, وفرقوا بينه ~~وبين الصيام في كفارة اليمين مع الإطعام فلم يجيزوا الجمع بينهما, وفرقوا ~~أيضا بينه وبين العتق والطعام في كفارة اليمين بأن يعتق نصف عبد ويطعم خمسة ~~مساكين. فأما الصوم في جزاء الصيد فإنما أجازوا الجمع بينه وبين الطعام من ~~قبل أن الله تعالى جعل الصيام عدلا للطعام ومثلا له بقوله: {أو عدل ذلك ~~صياما} , ومعلوم أنه لم يرد بقوله {عدل ذلك} ms1912 يكون مثلا له في حقيقة معناه; ~~إذ لا تشابه بين الصيام وبين الطعام, فعلمنا أن المراد المماثلة بينهما في ~~قيامه مقام الطعام ونيابته عنه لمن صام بعضا, فكأنه قد أطعم بقدر ذلك فجاز ~~ضمه إلى الطعام فكان الجميع طعاما. وأما الصيام في كفارة اليمين فإنما يجوز ~~عند عدم الطعام وهو بدل منه, فغير جائز الجمع بينهما; إذ لا يخلو من أن ~~يكون واجدا أو غير واجد, فإن كان واجدا للطعام لم يجزه الصيام, وإن كان غير ~~واجد فالصوم فرضه بدلا منه, وغير جائز الجمع بين البدل والمبدل منه, كالمسح ~~على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى # PageV02P596 # وكالتيمم والوضوء وما جرى مجرى ذلك. ولا نعلم خلافا في. امتناع جواز ~~الجمع بين الصيام والطعام في كفارة اليمين, وأما العتق والطعام فإنما لم ~~يجز الجمع لأن الله تعالى جعل كفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة فإذا أعتق ~~النصف وأطعم النصف فهو غير فاعل لأحدهما فلم يجزه, والعتق لا يتقوم فيجزي ~~عن الجميع بالقيمة, وليس هو مثل أن يكسو خمسة ويطعم خمسة فيجزي بالقيمة; ~~لأن كل واحد من هذين متقوم فيجزي عن أحدهما بالقيمة. # PageV02P597 # فصل # قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل} ينتظم الواحد ~~والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد; لأن "من" يتناول كل ~~واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه; والدليل عليه قوله تعالى: {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قد اقتضى إيجاب الرقبة على ~~كل واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة; وقال تعالى: {ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا} [الفرقان: 19] وعيد لكل واحد على حياله. وقوله عز وجل: ~~{ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] وعيد لكل واحد من القاتلين; وهذا ~~معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه, وإنما يجهله من لا حظ له فيها. # فإن قال قائل: فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية واحدة, والدية ~~إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة. قيل له: الذي يقتضيه حقيقة اللفظ ~~وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين, ms1913 وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع, ~~وإلا فالظاهر يقتضيه. ألا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه ~~قاتل له على حياله ويقتلان جميعا به؟ ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا ~~يرث وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه ~~غيره؟ فلما اتفق الجميع على أنهما جميعا لا يرثان وأن كل واحد منهما كأنه ~~قاتل له وحده, كذلك في إيجاب الكفارة; إذ كانت النفس لا تتبعض, وكذلك قاتلو ~~الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله; فتجب على كل واحد كفارة تامة. ~~ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله: {أو كفارة طعام مساكين} وجعل ~~فيها صوما, فأشبهت كفارة القتل. # فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل} دل على أن الجزاء ~~إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا, وأنت تقول يجب ~~عليهم جزاءان # PageV02P597 # وثلاثة وأكثر من ذلك. قيل له: هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد منهم, ونحن ~~لا نقول إنه يجب على كل واحد منهم جزاءان وثلاثة وإنما يجب عليه جزاء واحد; ~~والذي يدل على أنه منصرف إلى كل واحد قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل} ولم ~~يقل: "قتلوا" فدل على أنه أراد واحدا; وقد بينا ذلك في كتاب "شرح المناسك". # والخصم يحتج علينا بهذه الآية في القارن, فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد ~~بظاهر الكتاب. والجواب عن هذا أنه محرم عندنا بإحرامين على ما سنذكره في ~~موضعه, وإذا صح لنا ذلك ثم أدخل النقص عليهما وجب أن يجبرهما بدمين. # قال أبو بكر: ولا خلاف بين الفقهاء أن الهدي لا يجزي إلا بمكة, وأن بلوغه ~~الكعبة أن يذبحه هناك في الحرم, وأنه لو هلك بعد دخوله الحرم قبل أن يذبحه ~~أن عليه هديا آخر غيره. وقال أصحابنا: إذا ذبحه في الحرم بعد بلوغ الكعبة ~~فإن سرق بعد ذلك لم يكن عليه شيء لأن الصدقة تعينت فيه بالذبح, ms1914 فصار كمن ~~قال لله علي أن أتصدق بهذا اللحم, فسرق فلا يلزمه شيء. واتفق الفقهاء أيضا ~~على جواز الصوم في غير مكة, واختلفوا في الطعام, فقال أصحابنا: "يجوز أن ~~يتصدق به حيث شاء"; وقال الشافعي: "لا يجزي إلا أن يعطي مساكين مكة". ~~والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} وذلك عموم ~~في سائرهم, وغير جائز تخصيصه بمكان إلا بدلالة, ومن قصره على مساكين مكة ~~فقد خص الآية بغير دليل. وأيضا ليس في الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز ~~أداؤها في غيره, فلما كان ذلك صدقة وجب جوازها في سائر المواضع قياسا على ~~نظائرها من الصدقات; ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول, وما خرج عن الأصول ~~وظاهر الكتاب من الأقاويل فهو ساقط مرذول. # فإن قال قائل: فالهدي سبيله الصدقة وهو مخصوص بالحرم قيل له: ذبحه مخصوص ~~بالحرم, فأما الصدقة فحيث شاء; وكذلك قال أصحابنا أنه لو ذبحه في الحرم ثم ~~أخرجه فتصدق به في غيره أجزأه وأيضا لما اتفقوا على جواز الصيام في غير مكة ~~وهو جزاء للصيد وليس بذبح, وجب مثله في الطعام لهذه العلة. # PageV02P598 # باب صيد البحر # قال الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} . روي عن ابن عباس وزيد بن ~~ثابت وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة والسدي ومجاهد قالوا: "صيده ما ~~صيد طريا بالشباك ونحوها". فأما قوله: {وطعامه} . فقد روي عن أبي بكر وعمر ~~وابن عباس # PageV02P598 # وقتادة قالوا: "ما قذفه ميتا". روي عن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير وسعيد ~~بن المسيب وقتادة ومجاهد قالوا: "المملوح منه". والقول الأول أظهر; لأنه ~~ينتظم إباحة الصنفين مما صيد منه وما لم يصد, وأما المملوح فقد تناوله قوله ~~{صيد البحر} , ويكون قوله: {وطعامه} على هذا التأويل تكرارا لما انتظمه ~~اللفظ الأول. # فإن قال قائل: هذا يدل على إباحة الطافي لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم ~~يصد والطافي لم يصد. قيل له: إنما تأول السلف قوله: {وطعامه} على ما قذفه ~~البحر, وعندنا أن ما ms1915 قذفه البحر ميتا فليس بطاف وإنما الطافي ما يموت في ~~البحر حتف أنفه. فإن قيل: قالوا ما قذفه البحر ميتا, وهذا يوجب أن يكون قد ~~مات فيه ثم قذفه, وهذا يدل على أنهم قد أرادوا به الطافي. قيل له: وليس كل ~~ما قذفه البحر ميتا يكون طافيا; إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه ~~فقتله من برد أو حر أو غيره فلا يكون طافيا; وقد بينا الكلام في الطافي ~~فيما تقدم من هذا الكتاب. وقد روي عن الحسن في قوله: {وطعامه} قال: ما وراء ~~بحركم هذا كله البحر وطعامه البر والشعير والحبوب رواه أشعث بن عبد الملك ~~عن الحسن; فلم يجعل البحر في هذا الموضع بحور المياه وجعله على ما اتسع من ~~الأرض; لأن العرب تسمي ما اتسع بحرا, ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للفرس الذي ركبه لأبي طلحة: "وجدناه بحرا" أي واسع الخطو. وقد روى حبيب بن ~~الزبير عن عكرمة في قوله تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر} [الروم: 41] ~~أنه أراد بالبحر الأمصار, لأن العرب تسمي الأمصار البحر. وروى سفيان عن ~~بعضهم عن عكرمة {ظهر الفساد في البر والبحر} [الروم: 41] قال: "البر ~~الفيافي التي ليس فيها شيء, والبحر القرى". والتأويل الذي روي عن الحسن غير ~~صحيح; لأنه قد علم بقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} أن المراد به بحر ~~الماء وأنه لم يرد به البر ولا الأمصار; لأنه عطف عليه قوله تعالى: {وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما} . # وقوله تعالى: {متاعا لكم وللسيارة} روي عن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا ~~منفعة للمقيم والمسافر. فإن قال قائل: هل اقتضى قوله: {أحل لكم صيد البحر} ~~إباحة صيد الأنهار؟ قيل له: نعم; لأن العرب تسمي النهر بحرا, ومنه قوله ~~تعالى {ظهر الفساد في البر والبحر} [الروم: 41] , وقد قيل إن الأغلب على ~~البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا, إلا أنه إذا جرى ذكره على طريق الجملة انتظم ~~الأنهار أيضا. وأيضا فالمقصد فيه صيد الماء, فسائر حيوان الماء يجوز ms1916 للمحرم ~~اصطياده, ولا نعلم خلافا في ذلك بين الفقهاء. وقوله تعالى: {أحل لكم صيد ~~البحر} يحتج به من يبيح أكل جميع حيوان البحر; وقد اختلف أهل العلم فيه, ~~والله أعلم # PageV02P599 # ذكر الخلاف في ذلك: # قال أصحابنا: "لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك", وهو قول الثوري رواه ~~عنه أبو إسحاق الفزاري. وقال ابن أبي ليلى: "لا بأس بأكل كل شيء يكون في ~~البحر من الضفدع وحية الماء وغير ذلك", وهو قول مالك بن أنس; وروي مثله عن ~~الثوري, قال الثوري: "ويذبح". وقال الأوزاعي "صيد البحر كله حلال", ورواه ~~عن مجاهد. وقال الليث بن سعد: "ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال ~~له فرس الماء, ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء". وقال الشافعي: "ما ~~يعيش في الماء حل كله وأخذه ذكاته, ولا بأس بخنزير الماء". # واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} وهو على ~~جميعه; إذ لم يخصص شيئا منه. ولا دلالة فيه على ما ذكروا; لأن قوله تعالى: ~~{أحل لكم صيد البحر} إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه للمحرم, ولا دلالة ~~فيه على أكله. والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: {وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما} فخرج الكلام مخرج بيان اختلاف حكم صيد البر والبحر على المحرم. ~~وأيضا فإن الصيد اسم مصدر, وهو اسم للاصطياد وإن كان قد يقع على المصيد, ~~ألا ترى أنك تقول: "صدت صيدا"؟ وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما للاصطياد الذي ~~هو فعل الصائد, ولا دلالة فيه إذا أريد به ذلك على إباحة الأكل وإن كان قد ~~يعبر به عن المصيد, إلا أن ذلك مجاز; لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل, ~~وتسمية الشيء باسم غيره إنما هو استعارة. ويدل على بطلان قول من أباح جميع ~~حيوان الماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك ~~والجراد" , فخص من الميتات هذين, وفي ذلك دليل على أن المخصوص من جملة ~~الميتات المحرمة بقوله: {حرمت عليكم الميتة} هو ms1917 هذان دون غيرهما لأن ما ~~عداهما قد شمله عموم التحريم بقوله: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ~~وقوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة} وذلك عموم في ميتة البر والبحر. ومن ~~أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور دلالة على حظره ما عداه. وأيضا ~~لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من الميتات دل تفرقه على اختلاف ~~حالهما; ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولحم الخنزير} [المائدة: 3, البقرة: ~~173, النحل:115] وذلك عموم في خنزير الماء كهو في خنزير البر. فإن قيل: إن ~~خنزير الماء إنما يسمى حمار الماء. قيل له: إن سماه إنسان حمارا لم يسلبه ~~ذلك اسم الخنزير المعهود له في اللغة, فينتظمه عموم التحريم. ويدل عليه ~~حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن ~~عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند النبي صلى الله عليه وسلم وذكر # PageV02P600 # الضفدع يكون في الدواء, فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله والضفدع ~~من حيوان الماء, ولو كان أكله جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن قتله, ولما ثبت تحريم الضفدع بالأثر, كان سائر حيوان ~~الماء سوى السمك بمثابته, لأنا لا نعلم أحدا فرق بينهما. # واحتج الذين أباحوه بما روى مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن سعيد بن ~~سلمة الزرقي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وسعيد بن سلمة مجهول ~~لا يقطع بروايته, وقد خولف في هذا الإسناد, فروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ~~المغيرة بن عبد الله وهو ابن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم; ورواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن ~~سوادة عن أبي معاوية العلوي عن مسلم بن مخشي المدلجي عن الفراسي, أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". ~~وحدثنا عبد ms1918 الباقي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبدوس ~~قالا: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال: حدثنا ~~إسحاق يعني ابن حازم عن ابن مقسم يعني عبيد الله عن جابر بن عبد الله, أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ~~وهذه الأخبار لا يحتج بها من له معرفة بالحديث, ولو ثبت كان محمولا على ما ~~بينه في قوله: "أحلت لنا ميتتان". ويدل على ذلك أنه لم يخصص بذلك حيوان ~~الماء دون غيره, وإنما ذكر ما يموت فيه, وذلك يعم ظاهره حيوان الماء والبر ~~جميعا إذا ماتا فيه, وقد علم أنه لم يرد ذلك, فثبت أنه أراد السمك خاصة ما ~~سواه; إذ قد علم أنه لم يرد به العموم ولا يصح اعتقاده فيه. # واحتج المبيحون له بحديث جابر في جيش الخبط وأن البحر ألقى لهم دابة يقال ~~لها العنبر, فأكلوا منها ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل ~~معكم منه شيء تطعمونيه"؟ وهذا لا دليل فيه على ما قالوا; لأن جماعة قد رووا ~~هذا الحديث وذكروا فيه أن البحر ألقى حوتا يقال له العنبر, فأخبروا أنها ~~كانت حوتا وهو السمك, وهذا لا خلاف فيه ولا دلالة على إباحة ما سواه. # PageV02P601 # باب أكل المحرم لحم صيد الحلال # قال الله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} . فروي عن علي وابن ~~عباس "أنهما كرها للمحرم أكل صيد اصطاده حلال" إلا أن إسناد حديث علي ليس ~~بقوي, يرويه علي بن زيد, وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقفه ~~بعضهم. وروي عن عثمان وطلحة بن عبيد الله وأبي قتادة وجابر وغيرهم إباحته. ~~وروى عبد الله بن أبي قتادة # PageV02P601 # وعطاء بن يسار عن أبي قتادة قال: أصبت حمار وحش, فقلت لرسول الله: إني ~~أصبت حمار وحش وعندي منه فضلة, فقال لقوم: "كلوا وهم محرمون". وروى أبو ~~الزبير عن جابر قال عقر أبو قتادة حمار ms1919 وحش ونحن محرمون وهو حلال, فأكلنا ~~منه ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي المطلب بن عبد الله بن حنطب ~~عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لحم صيد البر ~~حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم". وقد روي في إباحته أخبار ~~أخر غير ذلك كرهت الإطالة بذكرها لاتفاق فقهاء الأمصار عليه. # واحتج من حظره بقوله: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} وعمومه يتناول ~~الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما, ومن أباحه ذهب إلى قوله: {وحرم ~~عليكم صيد البر} إذ كان يتناول الاصطياد وتحريم المصيد نفسه, فإن هذا ~~الحيوان إنما يسمى صيدا ما دام حيا وأما اللحم فغير مسمى بهذا الاسم بعد ~~الذبح, فإن سمي بذلك فإنما يسمى به على أنه كان صيدا, فأما اسم الصيد فليس ~~يجوز أن يقع على اللحم حقيقة. ويدل على أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم أنه ~~غير محظور عليه التصرف في اللحم بالإتلاف والشرى والبيع وسائر وجوه التصرف ~~سوى الأكل عند القائلين بتحريم أكله, ولو كان عموم الآية قد اشتمل عليه لما ~~جاز له التصرف فيه بغير الأكل كهو إذا كان حيا ولو كان على متلفه إذا كان ~~محرما ضمانه كما يلزم ضمان إتلاف الصيد الحي; لأن قوله تعالى: {وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما} يتناول تحريم سائر أفعالنا في الصيد في حال ~~الإحرام. فإن قال قائل بيض الصيد محرم على المحرم وإن لم يكن ممتنعا ولا ~~مسمى صيدا, فكذلك لحمه. قيل له: ليس كذلك لأن المحرم غير منهي عن إتلاف لحم ~~الصيد ولو أتلفه لم يضمنه, وهو منهي عن إتلاف البيض والفرخ ويلزمه ضمانه. ~~وأيضا فإن البيض والفرخ قد يصيران صيدا ممتنعا فحكم لهما بحكم الصيد, ولحم ~~الصيد لا يصير صيدا بحال فكان بمنزلة لحوم سائر الحيوانات; إذ ليس بصيد في ~~الحال ولا يجيء منه صيد. وأيضا فإنا لم نحرم الفرخ والبيض بعموم الآية ~~وإنما حرمناهما بالاتفاق. # وقد اختلف في حديث ms1920 الصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو بالأبواء أو غيرها لحم حمار وحش وهو محرم فرده, فرأى في وجهه الكراهة, ~~فقال: "ليس بنا رد عليك ولكنا حرم" , وخالفه مالك, فرواه عن الزهري عن عبيد ~~الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة, أنه أهدى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو بالأبواء أو بودان حمار وحش, فرده عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". قال ابن # PageV02P602 # إدريس: فقيل لمالك: إن سفيان يقول رجل حمار وحش؟ فقال: ذاك غلام ذاك ~~غلام. ورواه ابن جريج عن الزهري بإسناد كرواية مالك, وقال فيه: إنه أهدى له ~~حمار وحش. وروى الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, أن الصعب بن ~~جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو محرم, فرده وقال: ~~"لولا أنا حرم لقبلناه منك" , فهذا يدل على وهاء حديث سفيان, وأن الصحيح ما ~~رواه مالك لاتفاق هؤلاء الرواة عليه. وقد روي فيه وجه آخر, وهو ما روى أبو ~~معاومة عن ابن جريج عن جابر بن زيد أبي الشعثاء عن أبيه قال: سئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن محرم أتي بلحم صيد يأكل منه, فقال: "احسبوا له" قال أبو ~~معاوية: يعني إن كان صيد قبل أن يحرم فيأكل وإلا فلا. وهذا يحتمل أن يريد ~~به إذا صيد من أجله أو أمر به أو أعانه أو دل عليه ونحو ذلك من الأسباب ~~المحظورة. # قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} الآية. قيل إنه ~~أراد أنه جعل ذلك قواما لمعايشهم وعمادا لهم, من قولهم: "هو قوام الأمر ~~وملاكه" وهو ما يستقيم به أمره, فهو قوام دينهم ودنياهم. وروي عن سعيد بن ~~جبير قوله: "قواما للناس صلاحا لهم" وقيل: "قياما للناس" أي تقوم به ~~أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم, فهو قوام دينهم لما في المناسك من ~~الزجر عن القبيح والدعاء ms1921 إلى الحسن, ولما في الحرم والأشهر الحرم من الأمن, ~~ولما في الحج والمواسم واجتماع الناس من الآفاق فيها من صلاح المعاش, وفي ~~الهدي والقلائد أن الرجل إذا كان معه الهدي مقلدا كانوا لا يعرضون له; ~~وقيل: إن من أراد الإحرام منهم كان يتقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن. وقال ~~الحسن: "القلائد من تقليد الإبل والبقر بالنعال والخفاف" فهذا على صلاح ~~التعبد به في الدين, وهذا يدل على أن تقليد البدن قربة وكذلك سوق الهدي. # والكعبة اسم للبيت الحرام قال مجاهد وعكرمة: "إنما سميت كعبة لتربيعها", ~~وقال أهل اللغة: إنما قيل كعبة البيت فأضيفت لأن كعبته تربع أعلاه. وأصل ~~ذلك من الكعوبة وهو النتو, فقيل للتربيع كعبة لنتو زوايا المربع, ومنه كعب ~~ثدي الجارية إذا نتأ, ومنه كعب الإنسان لنتوه. وهذا يدل على أن الكعبين ~~اللذين ينتهي إليهما الغسل في الوضوء هما الناتئان عن جنبي أصل الساق. وسمى ~~الله تعالى البيت حراما لأنه أراد الحرم كله لتحريم صيده وخلاه وتحريم قتل ~~من لجأ إليه, وهو مثل قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} والمراد الحرم. # وأما قوله تعالى {والشهر الحرام} فإنه روي عن الحسن أنه قال: "هو الأشهر ~~الحرم" فأخرجه مخرج الواحد; لأنه أراد الجنس, وهو أربعة أشهر: ثلاثة سرد ~~وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم, وواحد فرد وهو رجب; فأخبر تعالى أنه جعل ~~الشهر الحرام # PageV02P603 # قياما للناس لأنهم كانوا يأمنون فيها ويتصرفون فيها في معايشهم, فكان فيه ~~قوامهم. وهذا الذي ذكره الله تعالى من قوام الناس بمناسك الحج والحرم ~~والأشهر الحرم والهدي والقلائد معلوم مشاهد من ابتداء وقت الحج في زمن ~~إبراهيم عليه السلام إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وإلى آخر الدهر, ~~فلا ترى شيئا من أمر الدين والدنيا تعلق به من صلاح المعاش والمعاد بعد ~~الإيمان ما تعلق بالحج, ألا ترى إلى كثرة منافع الحاج في المواسم التي ~~يردون عليها من سائر البلدان التي يجتازون بمنى وبمكة إلى أن يرجعوا إلى ~~أهاليهم وانتفاع الناس بهم وكثرة معايشهم وتجاراتهم معهم, ms1922 ثم ما فيه من ~~منافع الدين من التأهب للخروج إلى الحج وإحداث التوبة والتحري لأن تكون ~~نفقته من أحل ماله, ثم احتمال المشاق في السفر إليه وقطع المخاوف ومقاساة ~~اللصوص والمحتالين في مسيرهم إلى أن يبلغوا مكة, ثم الإحرام والتجرد لله ~~تعالى والتشبه بالخارجين يوم النشور من قبورهم إلى عرصة القيامة, ثم كثرة ~~ذكر الله تعالى بالتلبية واللجأ إلى الله تعالى وإخلاص النية له عند ذلك ~~البيت والتعلق بأستاره موقنا بأنه لا ملجأ له غيره, كالغريق المتعلق بما ~~يرجو به النجاة وأنه لا خلاص له إلا بالتمسك به, ثم إظهار التمسك بحبل الله ~~الذي من تمسك به نجا ومن حاد عنه هلك, ثم حضور الموقف والقيام على الأقدام ~~داعين راجين لله تعالى متخلفين عن كل شيء من أمور الدنيا تاركين لأموالهم ~~وأولادهم وأهاليهم على نحو وقوفهم في عرصة القيامة, وما في سائر مناسك الحج ~~من الذكر والخشوع والانقياد لله تعالى, ثم ما يشتمل عليه الحج من سائر ~~القرب التي هي معروفة في غيره من الصلاة والصيام والصدقة والقربات والذكر ~~بالقلب واللسان والطواف بالبيت, وما لو استقصينا ذكره لطال به القول; فهذه ~~كلها من منافع الدين والدنيا. # قوله تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} ~~إخبار عن علمه بما يؤدي إليه شريعة الحج من منافع الدين والدنيا, فدبره هذا ~~التدبير العجيب وانتظم به صلاح الخلق من أول الأمة وآخرها إلى يوم القيامة. ~~فلولا أن الله تعالى كان عالما بالغيب وبالأشياء كل قبل كونها لما كان ~~تدبيره لهذه الأمور مؤديا إلى ما ذكر من صلاح عباده في دينهم ودنياهم لأن ~~من لا يعلم الشيء قبل كونه لا يتأتى منه فعل المحكم المتقن على نظام وترتيب ~~يعم جميع الأمة نفعه في الدين والدنيا. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~. روى قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غضبان قد احمر ms1923 وجهه, فجلس على المنبر فقال: "لا تسألوني عن شيء ~~إلا أجبتكم" فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار فقام إليه آخر ~~فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة" فقام عمر # PageV02P604 # فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا يا ~~رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله تعالى يعلم من آباؤنا; فسكن ~~غضبه ونزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم} . روى إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة, أنها نزلت حين سئل ~~عن الحج أفي كل عام؟ وعن أبي أمامة نحو ذلك. وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل ~~الذي قال من أبي. وقال سعيد بن جبير: في الذين سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن البحيرة والسائبة. وقال مقسم: فيما سألت الأمم أنبياءهم من ~~الآيات. # قال أبو بكر: ليس يمتنع تصحيح هذه الروايات كلها في سبب نزول الآية, ~~فيكون النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم" ~~سأله عبد الله بن حذافة عن أبيه من هو, لأنه قد كان يتكلم في نسبه, وسأله ~~كل واحد من الذين ذكر عنهم هذه المسائل على اختلافها, فأنزل الله تعالى: ~~{لا تسألوا عن أشياء} يعني عن مثلها; لأنه لم يكن بهم حاجة إليها; فأما عبد ~~الله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتا بالفراش, فلم يحتج إلى معرفة ~~حقيقة كونه من ماء من هو منه, ولأنه كان لا يأمن أن يكون من ماء غيره فيكشف ~~عن أمر قد ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له ~~فيه, لأن نسبه حينئذ مع كونه من ماء غيره ثابت من حذافة لأنه صاحب الفراش, ~~فلذلك قالت له: لقد عققتني بسؤالك, فقال: لم تسكن نفسي إلا بإخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك. فهذا من الأسئلة التي كان ضرر الجواب عنها عليه ~~كان كثيرا لو صادف غير الظاهر, فكان منهيا عنه. ألا ترى أن النبي ms1924 صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله, فإن من ~~أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله" قال لهزال1 وكان أشار على ماعز ~~بالإقرار بالزنا: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك" وكذلك الرجل الذي قال: يا ~~رسول الله أين أنا؟ قد كان غنيا عن هذه المسألة والستر على نفسه في الدنيا ~~فهتك ستره وقد كان الستر أولى به. وكذلك المسألة عن الآيات مع ظهور ما ظهر ~~من المعجزات منهي غير سائغ لأحد; لأن معجزات الأنبياء لا يجوز أن تكون تبعا ~~لأهواء الكفار وشهواتهم. فهذا النحو من المسائل مستقبحة مكروهة, وأما سؤال ~~الحج في كل عام فقد كان على سامع آية الحج الاكتفاء بموجب حكمها من إيجابها ~~حجة واحدة, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنها حجة واحدة ولو قلت ~~نعم لوجبت" فأخبر أنه لو قال نعم لوجبت بقوله دون الآية, فلم يكن به حاجة ~~إلى المسألة مع إمكان الاجتزاء بحكم الآية. وأبعد هذه التأويلات قول من ذكر ~~أنه PageV02P605 # سئل عن البحيرة والسائبة والوصيلة; لأنه لا يخلو من أن يكون سؤاله عن ~~معنى البحيرة ما هو أو عن جوازها. وقد كانت البحيرة وما ذكر معها أسماء ~~لأشياء معلومة عندهم في الجاهلية ولم يكونوا يحتاجون إلى المسألة عنها; ولا ~~يجوز أيضا أن يكون السؤال وقع عن إباحتها وجوازها, لأن ذلك كان كفرا ~~يتقربون به إلى أوثانهم, فمن اعتقد الإسلام فقد علم بطلانه. # وقد احتج بهذه الآية قوم في حظر المسألة عن أحكام الحوادث, واحتجوا أيضا ~~بما رواه الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم ~~من أجل مسألته". قال أبو بكر: ليس في الآية دلالة على حظر المسألة عن أحكام ~~الحوادث, لأنه إنما قصد بها إلى النهي عن المسألة عن أشياء أخفاها الله ~~تعالى عنهم واستأثر بعلمها وهم غير محتاجين إليها بل عليهم فيها ms1925 ضرر إن ~~أبديت لهم, كحقائق الأنساب; لأنه قال: "الولد للفراش" فلما سأله عبد الله ~~بن حذافة عن حقيقة خلقه من ماء من هو دون ما حكم الله تعالى به من نسبته ~~إلى الفراش, نهاه الله عن ذلك, وكذلك الرجل الذي قال: أين أنا؟ لم يكن به ~~حاجة إلى كشف عيبه في كونه من أهل النار, وكسؤال آيات الأنبياء. وفي فحوى ~~الآية دلالة على أن الحظر تعلق بما وصفنا. # قوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} يعني الآيات ~~التي سألوها الأنبياء عليهم السلام فأعطاهم الله إياها. وهذا تصديق تأويل ~~مقسم. فأما السؤال عن أحكام غير منصوصة فلم يدخل في حظر الآية, والدليل ~~عليه أن ناجية بن جندب لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معه البدن لينحرها ~~بمكة قال: كيف أصنع بما عطب منها؟ فقال: "انحرها واصبغ نعلها بدمها واضرب ~~بها صفحتها وخل بينها وبين الناس ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك شيئا" ~~ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله. وفي حديث رافع بن خديج أنهم ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى, فلم ~~ينكره عليه. وحديث يعلى بن أمية في الرجل الذي سأله عما يصنع في عمرته, فلم ~~ينكره عليه. وأحاديث كثيرة في سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ~~ليس بمنصوص عليه غير محظور على أحد. وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم ~~عن معاذ بن جبل قال قلت: يا رسول الله إني أريد أن أسألك عن أمر ويمنعني ~~مكان هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} , فقال: ما هو؟ ~~قلت: العمل الذي يدخلني الجنة؟ قال: "قد سألت عظيما وإنه ليسير شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم ~~رمضان" فلم يمنعه السؤال ولم ينكره. وذكر محمد بن سيرين عن الأحنف # PageV02P606 # عن عمر قال: "تفقهوا قبل أن تسودوا", وكان أصحاب رسول الله ms1926 صلى الله عليه ~~وسلم يجتمعون في المسجد يتذاكرون حوادث المسائل في الأحكام, وعلى هذا ~~المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا. وإنما أنكر ~~هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها ~~فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وهذه الطائفة ~~المنكرة لذلك كمن قال الله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] . # وقوله تعالى: {إن تبد لكم تسؤكم} معناه: إن تظهر لكم, وهذا يدل على أن ~~مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة والرجل الذي قال أين أنا; لأن ~~إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين; لأنهم إنما يسألون عنها ليعلموا ~~أحكام الله تعالى فيها. ثم قال الله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم} يعني: في حال نزول الملك وتلاوته القرآن على النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يظهرها لكم وذلك مما يسوءكم ويضركم. # وقوله تعالى: {عفا الله عنها} يعني هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم الله ~~بها بالبحث عنها والكشف عن حقائقها. والعفو في هذا الموضع التسهيل والتوسعة ~~في إباحة ترك السؤال عنها, كما قال تعالى: {فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة: ~~187] ومعناه: سهل عليكم. وقال ابن عباس: "الحلال ما أحل الله, والحرام ما ~~حرم الله, وما سكت عنه فهو عفو" يعني تسهيل وتوسعة; ومثله قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق". # قوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} قال ابن عباس: ~~"قوم عيسى عليه السلام سألوا المائدة ثم كفروا بها". وقال غيره: "قوم صالح ~~سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها". وقال السدي: "هذا حين سألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا". وقيل إن قوما سألوا نبيهم عن مثل ~~هذه الأشياء التي سأل عبد الله بن حذافة ms1927 ومن قال أين أنا فلما أخبرهم به ~~نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا. # قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} روى ~~الزهري عن سعيد بن المسيب قال: "البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيت, ~~والسائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم, والوصيلة كانت الناقة تبكر ~~بالأنثى ثم تثني بالأنثى فيسمونها الوصيلة يقولون وصلت أنثيين ليس بينهما ~~ذكر, فكانوا يذبحونها لطواغيتهم, والحامي الفحل من الإبل كان يضرب الضراب ~~المعدود فإذا بلغ ذلك يقال حمى ظهره فيترك # PageV02P607 # فيسمونه الحامي". وقال أهل اللغة: البحيرة الناقة التي تشق أذنها, يقال: ~~بحرت أذن الناقة أبحرها بحرا, والناقة مبحورة وبحيرة, إذا شققتها واسعا; ~~ومنه البحر لسعته; قال: وكان أهل الجاهلية يحرمون البحيرة, وهي أن تنتج ~~خمسة أبطن يكون آخرها ذكرا بحروا أذنها وحرموها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ~~ولم تطرد عن ماء ولم تمنع عن مرعى, وإذا لقيها المعيي لم يركبها; قال: ~~والسائبة المخلاة وهي المسيبة, وكانوا في الجاهلية إذا نذر الرجل لقدوم من ~~سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: "ناقتي سائبة" فكانت كالبحيرة في ~~التحريم والتخلية, وكان الرجل إذا أعتق عبدا فقال: "هو سائبة" لم يكن ~~بينهما عقل ولا ولاء ولا ميراث. فأما الوصيلة فإن بعض أهل اللغة ذكر أنها ~~الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر قالوا: "وصلت أخاها" فلم يذبحوه. وقال ~~بعضهم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم, وإذا ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم في ~~زعمهم, وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: "وصلت أخاها" فلم يذبحوه لآلهتهم; ~~وقالوا: الحامي الفحل من الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن قالوا: "حمى ~~ظهره" فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. # وإخبار الله تعالى بأن ما اعتقده أهل الجاهلية في البحيرة والسائبة وما ~~ذكر في الآية يدل على بطلان عتق السائبة على ما يذهب إليه القائلون بأن من ~~أعتق عبده سائبة فلا ولاء له منه وولاؤه لجماعة المسلمين; لأن أهل الجاهلية ~~قد كانوا يعتقدون ذلك فأبطله الله تعالى بقوله: ms1928 {ولا سائبة} وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق" يؤكد ذلك أيضا ويبينه. # PageV02P608 # باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال أبو بكر: أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~مواضع من كتابه, وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه ~~فيه, وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه, وإن كان قد تعرض أحوال من ~~التقية يسع معها السكوت. فمما ذكره الله تعالى حاكيا عن لقمان: {يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور} [لقمان:17] يعني والله أعلم: واصبر على ما ساءك من المكروه عند ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنما حكى الله تعالى لنا ذلك عن عبده ~~لنقتدي به وننتهي إليه. وقال تعالى فيما مدح به سالف الصالحين من الصحابة: ~~{التائبون العابدون} [التوبة: 112] إلى قوله: {الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر والحافظون لحدود الله} [التوبة: 112] , وقال تعالى: {كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة:79] . وحدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: # PageV02P608 # حدثنا محمد بن العلاء وهناد بن السري قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ~~عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد, وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب ~~عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى ~~منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا أبو إسحاق عن ابن جرير ~~عن جرير قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم ~~بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من ~~قبل أن يموتوا". فأحكم الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~كتابه وعلى لسان رسوله. # وربما ظن من لا فقه له أن ms1929 ذلك منسوخ أو مقصور الحكم على حال دون حال, ~~وتأول فيه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} وليس التأويل على ما يظن هذا الظان لو تجردت هذه الآية عن ~~قرينة, وذلك لأنه قال: {عليكم أنفسكم} يعني: احفظوها لا يضر كم من ضل إذا ~~اهتديتم; ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا, فلا دلالة فيها ~~إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وقد روي عن السلف في تأويل الآية أحاديث مختلفة الظاهر وهي متفقة في ~~المعنى, فمنها ما حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن إسماعيل بن ~~أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر على المنبر يقول: يا أيها ~~الناس إني أراكم تتأولون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"إن الناس إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعقابه" ; ~~فأخبر أبو بكر أن هذه الآية لا رخصة فيها في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى هو بالقيام بفرض الله من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ~~في هذه الآية: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: "يعني من أهل الكتاب", ~~وقال أبو عبيد: وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال: {من ~~اليهود والنصارى ومن ضل من غيرهم} . فكأنهما ذهبا إلى أن هؤلاء قد أقروا ~~ولا يجوز لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام, فهذا لا يضرنا الإمساك عنه. ~~وأما ما لا يجوز الإقرار عليه من # PageV02P609 # المعاصي والفسوق والظلم والجور, فهذا على كل المسلمين ms1930 تغييره والإنكار ~~على فاعله على ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الذي ~~قدمنا. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو الربيع ~~سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال: ~~حدثنا عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثنا أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ~~ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية {عليكم أنفسكم} ؟ ~~فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا, سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام ~~فإن من ورائكم أيام الصبر, الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيها مثل أجر ~~خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال: وزادني غيره قال: يا رسول الله أجر خمسين ~~منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم" وهذا لا دلالة فيه على سقوط فرض الأمر ~~بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر; لأن ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير ~~المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد وغلبته على العامة, وفرض النهي عن ~~المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب كما قال عليه السلام: "فليغيره بيده ~~فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ~~ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره. ~~وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب ~~بالإيمان, قال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} [النحل: ~~106] فهذه منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد روي فيه وجه آخر, ~~وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد قال: حدثنا أبو مسهر عن عباد الخواص قال: حدثني يحيى بن أبي عمرو ~~الشيباني, أن أبا الدرداء وكعبا كانا جالسين بالجابية, فأتاهما آت فقال: ~~لقد رأيت اليوم أمرا كان حقا على من ms1931 يراه أن يغيره فقال رجل: إن الله تعالى ~~يقول: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} , ~~فقال كعب: إن هذا لا يقول شيئا, ذب عن محارم الله تعالى كما تذب عن عائلتك ~~حتى يأتي تأويلها. فانتبه لها أبو الدرداء فقال: متى يأتي تأويلها؟ فقال: ~~إذا هدمت كنيسة دمشق وبني مكانها مسجد فذلك من تأويلها, وإذا رأيت الكاسيات ~~العاريات فذلك من تأويلها; وذكر خصلة ثالثة لا أحفظها, فذلك من تأويلها. ~~قال أبو مسهر: وكان هدم الكنيسة بعهد الوليد بن عبد الملك; أدخلها في مسجد ~~دمشق وزاد في سعته بها. وهذا أيضا على معنى الحديث الأول في الاقتصار على ~~إنكار المنكر بالقلب دون اليد واللسان للتقية والخوف على النفس. # PageV02P610 # مطلب: في ذم الحججاج الظالم # ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي ~~سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس. وقد ~~حكي أن الحجاج لما مات قال الحسن: "اللهم أنت أمته فاقطع سنته فإنه أتانا ~~أخيفش أعيمش1 يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز ~~وجل, يرجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة, لا من ~~الله يتقي ولا من الناس يستحي, فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول ~~له قائل الصلاة أيها الرجل" ثم قال الحسن: "هيهات والله حال دون ذلك السيف ~~والسوط" وقال عبد الملك بن عمير: "خرج الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال ~~يعبر مرة عن أهل الشام يمدحهم ومرة عن أهل العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس ~~إلا حمرة على شرف المسجد, ثم أمر المؤذن فأذن فصلى بنا الجمعة, ثم أذن فصلى ~~بنا العصر, ثم أذن فصلى بنا المغرب, فجمع بين الصلوات يومئذ". فهؤلاء السلف ~~كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد واللسان. وقد كان فقهاء ~~التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره, ~~فجرت بينهم تلك الحروب ms1932 المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم ~~يبق أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه. وقد روى ابن مسعود في ذلك ما ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن ~~عبد الله بن مسعود, أنه ذكر عنده هذه الآية: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم} فقال: لم يجئ تأويلها بعد, إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي ~~قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن, وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير, ~~ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم, ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة, ومنه آي ~~يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار, قال: فما دامت قلوبكم واحدة ~~وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف ~~PageV02P611 # وانهوا عن المنكر, فإذا اختلفت القلوب والأهواء ولبستم شيعا وذاق بعضكم ~~بأس بعض فامرؤ ونفسه عند ذلك جاء تأويل هذه الآية. قال أبو بكر: يعني عبد ~~الله بقوله: "لم يجئ تأويلها بعد" أن الناس في عصره كانوا ممكنين من تغيير ~~المنكر لصلاح السلطان والعامة وغلبة الأبرار للفجار, فلم يكن أحد منهم ~~معذورا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان, ثم إذا جاء ~~حال التقية وترك القبول وغلبت الفجار سوغ السكوت في تلك الحال مع الإنكار ~~بالقلب; وقد يسع السكوت أيضا في الحال التي قد علم فاعل المنكر أنه يفعل ~~محظورا ولا يمكن الإنكار باليد ويغلب في الظن بأنه لا يقبل إذا قتل, فحينئذ ~~يسع السكوت. وقد روي نحوه عن ابن مسعود في تأويل الآية. وحدثنا جعفر بن ~~محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال: ~~أخبرنا يونس عن الحسن عن ابن مسعود في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} قال: ~~قولوها ما قبلت ms1933 منكم, فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم. فأخبر ابن مسعود أنه ~~في سعة من السكوت إذا ردت ولم تقبل, وذلك إذا لم يمكنه تغييره بيده; لأنه ~~لا يجوز أن يتوهم عن ابن مسعود إباحته ترك النهي عن المنكر مع إمكان ~~تغييره. حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن ~~عبد الرحمن الأشهلي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمكم الله ~~بعقاب من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم". قال أبو عبيد: وحدثنا حجاج عن ~~حمزة الزيات عن أبي سفيان عن أبي نضرة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ~~فقال: إني أعمل بأعمال الخير كلها إلا خصلتين, قال: وما هما؟ قال: لا آمر ~~بالمعروف ولا أنهى عن المنكر, قال: لقد طمست سهمين من سهام الإسلام, إن شاء ~~الله غفر لك وإن شاء عذبك. قال أبو عبيد: وحدثنا محمد بن يزيد عن جويبر عن ~~الضحاك قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان من فرائض الله تعالى ~~كتبهما الله عز وجل. قال أبو عبيد: أخبروني عن سفيان بن عيينة قال: حدثت ~~ابن شبرمة بحديث ابن عباس: "من فر من اثنين فقد مر, ومن فر من ثلاثة لم ~~يفر" فقال: أما أنا فأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا, لا يعجز ~~الرجل عن اثنين أن يأمرهما أو ينهاهما. وذهب ابن عباس في ذلك إلى قوله ~~تعالى: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} [الأنفال: 66] وجائز أن يكون ذلك أصلا ~~فيما يلزم من تغيير المنكر. وقال مكحول في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم} : ~~إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت, ~~والله الموفق. # PageV02P612 # باب الشهادة على الوصية في السفر # قال الله تعالى: ms1934 {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} قد اختلف في معنى ~~الشهادة ههنا, فقال قائلون: "هي الشهادة على الوصية في السفر" وأجازوا بها ~~شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر. وروى الشعبي عن أبي موسى أن ~~رجلا مسلما توفي بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب, فأحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ~~ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا, وإنها لوصية الرجل وتركته; فأمضى أبو موسى ~~شهادتهما وقال: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال آخرون: "معنى: {شهادة بينكم} حضور الوصيين, من قولك شهدته ~~إذا حضرته". وقال آخرون: "إنما الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب ~~الورثة بهما", وهو قول مجاهد. فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية ~~التي تثبت بها عند الحكام, وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ; وروي مثله عن شريح, ~~وهو قول الثوري وابن أبي ليلى والأوزاعي وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ~~وسعيد بن جبير وابن سيرين وعبيدة وشريح والشعبي: {أو آخران من غيركم} : "من ~~غير ملتكم". وروي عن الحسن والزهري: "من غير قبيلتكم". # فأما تأويل من تأولها على اليمين دون الشهادة التي تقام عند الحكام, فقول ~~مرغوب عنه, وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة في نحو قوله تعالى: {فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] لأن الشهادة إذا أطلقت فهي الشهادة ~~المتعارفة, كقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] كل ذلك قد عقل به الشهادات على الحقوق لا ~~الأيمان; وكذلك قوله تعالى: {شهادة بينكم} المفهوم فيه الشهادة المتعارفة. ~~ويدل عليه قوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} ويبعد أن يكون المراد أيمان ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت لأن حال الموت ليس حالا للأيمان. ثم زاد بذلك ~~بيانا بقوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} يعني والله أعلم: إن ~~لم ms1935 يوجد ذوا عدل منكم; ولا يختلف في حكم اليمين وجود ذوي العدل وعدمهم. ~~وقوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} يدل على ذلك أيضا; لأن اليمين موجودة ~~ظاهرة غير مكتومة, ثم ذكر يمين الورثة بعد اختلاف الوصيين على مال الميت, ~~وإنما الشهادة التي هي اليمين هي المذكورة في قوله: {لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما} ثم قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني به ~~الشهادة # PageV02P613 # على الوصية; إذ غير جائز أن يقول: "أن تأتوا باليمين على وجهها". وقوله ~~تعالى: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} يدل أيضا على أن الأول شهادة; ~~لأنه ذكر الشهادة واليمين كل واحدة بحقيقة لفظها. # فأما تأويل من تأول قوله: {أو آخران من غيركم} : من غير قبيلتكم; فلا ~~معنى له والآية تدل على خلافه; لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان من غير ~~ذكر للقبيلة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} قال: {أو ~~آخران من غيركم} يعني من غير المؤمنين, ولم يجر للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه ~~الكناية; ومعلوم أن الكناية إنما ترجع إما إلى مظهر مذكور في الخطاب أو ~~معلوم بدلالة الحال, فلما لم تكن هنا دلالة على الحال ترجع الكناية إليها ~~يثبت أنها راجعة إلى من تقدم ذكره في الخطاب من المؤمنين وصح أن المراد من ~~غير المؤمنين, فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في ~~السفر. # وقد روي في تأويل الآية عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى وشريح وعكرمة ~~وقتادة وجوه مختلفة, وأشبهها بمعنى الآية ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي, قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن ~~أبي زائدة عن محمد بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ~~ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء, فمات ~~السهمي بأرض ليس بها مسلم, فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب, ~~فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه ms1936 وسلم; ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ~~اشتريناه من تميم وعدي, فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما وأن الجام لصاحبهم, قال: فنزلت فيهم: {يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم} . فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بديا, لأن الورثة اتهموهما ~~بأخذه, ثم لما ادعيا أنهما اشتريا الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول ~~قولهم في أنه لم يبع وأخذوا الجام. ويشبه أن يكون ما قال أبو موسى في قبول ~~شهادة الذميين على وصية المسلم في السفر وأن ذلك لم يكن منذ عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الآن, هو هذه القصة التي في حديث ابن عباس; وقد روى ~~عكرمة في قصة تميم الداري نحو رواية ابن عباس. # واختلف في بقاء حكم جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر, فقال ~~أبو موسى وشريح: "هي ثابتة" وقول ابن عباس ومن قال: {أو آخران من غيركم} : ~~إنه من غير المسلمين, يدل على أنهم تأولوا الآية على جواز شهادة أهل الذمة ~~على وصية المسلم في السفر, ولا يحفظ عنهم بقاء هذا الحكم أو نسخه وروي عن ~~زيد بن أسلم # PageV02P614 # في قوله تعالى: {شهادة بينكم} قال: "كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد ~~من أهل الإسلام, وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار, إلا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة; فكان الناس يتوارثون بالمدينة بالوصية ~~ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها". وروي عن إبراهيم النخعي ~~قال: هي منسوخة, نسختها: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وروى ضمرة بن ~~جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المائدة من آخر ~~القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها". قال جبير بن نفير عن عائشة, ~~قالت: "المائدة من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما ~~وجدتم من حرام فاستحرموه". وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة قال: "في المائدة ~~ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ". وقال الحسن: "لم ينسخ من المائدة ms1937 شيء". ~~فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ليس في الآية شيء منسوخ. والذي يقتضيه ظاهر الآية ~~جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر, سواء كان في الوصية بيع أو ~~إقرار بدين أو وصية بشيء أو هبة أو صدقة, هذا كله يشتمل عليه اسم الوصية ~~إذا عقده في مرضه; وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما عليه حين الوصية لم ~~يخصص بها الوصية دون غيرها, وحين الوصية قد يكون إقرار بدين أو بمال عين ~~وغيره لم تفرق الآية بين شيء منه. ثم قد روي أن آية الدين من آخر ما نزل من ~~القرآن وإن كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل, وليس يمتنع أن ~~يريدوا بقولهم: "من آخر ما نزل": من آخر سورة نزلت في الجملة, لا على أن كل ~~آية منها من آخر ما نزل. وإن كان كذلك فآية الدين لا محالة ناسخة لجواز ~~شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر, لقوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى} [البقرة: 282] إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة:282] ~~وهم المسلمون لا محالة, لأن الخطاب توجه إليهم باسم الإيمان, ولم يخصص بها ~~حال الوصية دون غيرها, فهي عامة في الجميع; ثم قال: {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] وليس الكفار بمرضيين في الشهادة على المسلمين, فتضمنت آية ~~الدين نسخ شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر وفي الحضر وفي الوصية ~~وغيرها; فانتظمت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم, ومن حيث دلت ~~على جوازها على وصية المسلم في السفر فهي دالة أيضا على وصية الذمي, ثم نسخ ~~فيها جوازها على وصية المسلم بآية الدين وبقي حكمها على الذمي في السفر ~~وغيره; إذ كانت حالة السفر والحضر سواء في حكم الشهادات وعلى جواز شهادة ~~الوصيين على وصية الميت لأن في التفسير أن الميت أوصى إليهما وأنهما شهدا ~~على وصيته; ودلت على أن القول قول الوصي فيما في يده للميت مع يمينه لأنهما ~~على ذلك # PageV02P615 # استحلفا; ودلت على أن دعواهما شرى شيء من ms1938 الميت غير مقبولة إلا ببينة وأن ~~القول قول الورثة أن الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم. # قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني والله أعلم: ~~أقرب أن لا يكتموا ولا يبدلوا, {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} يعني: ~~إذا حلفا ما غيرا ولا كتما ثم عثر على شيء من مال الميت عندهما, أن تجعل ~~أيمان الورثة أولى من أيمانهم بديا أنهما ما غيرا ولا كتما, على ما روي عن ~~ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن بداء. # PageV02P616 # مطلب: في موضع الاستحلاف # وقوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} فإنه روي عن ابن سيرين وقتادة: ~~استحلفا بعد العصر; وإنما استحلفا بعد العصر تغليظا لليمين في الوقت المعظم ~~كما قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] قيل ~~صلاة العصر; وقد روي عن أبي موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه القصة. وقد ~~روي تغليظ اليمين بالاستحلاف في البقعة المعظمة. وروى جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة فليتبوأ مقعده ~~من النار ولو على سواك أخضر" ; فأخبر أن اليمين الفاجرة عند المنبر أعظم ~~مأثما, وكذلك سائر المواضع الموسومة للعبادات ولتعظيم الله تعالى وذكره ~~فيها تكون المعاصي فيها أعظم إثما, ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في المسجد ~~الحرام وفي الكعبة أعظم مأثما منه في غيره؟ وليست اليمين عند المنبر وفي ~~المسجد في الدعاوى بواجبة, وإنما ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب. وحكي ~~عن الشافعي أنه يستحلف بالمدينة عند المنبر; واحتج له بعض أصحابه بحديث ~~جابر الذي ذكرنا, وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للحضرمي: "لك يمينه" قال: إنه رجل فاجر لا يبالي, قال: "ليس لك منه إلا ~~ذلك" فانطلق ليحلف, فلما أدبر ليحلف قال: "من حلف على مال ليأكله ظلما لقي ~~الله وهو عنه معرض" وبحديث الأشعث بن قيس, وفيه: فانطلق ليحلف. فقالوا: ~~قوله: "من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة" يدل ms1939 على أن الأيمان قد كانت ~~تكون عنده. قال أبو بكر: وليس فيه دلالة على أن ذلك مسنون. وإنما قال ذلك ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجلس هناك, فلذلك كان يقع الاستحلاف ~~عند المنبر, واليمين عند المنبر أعظم مأثما إذا كانت كاذبة لحرمة الموضع, ~~فلا دلالة فيه على أنه ينبغي أن تكون عند المنبر; والشافعي لا يستحلف في ~~الشيء التافه عند المنبر, وقد ذكر في الحديث: "ولو على سواك أخضر" فقد خالف ~~الخبر على أصله. وأما قوله: "انطلق ليحلف" وأنه لما أدبر قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما قال, فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب إلى # PageV02P616 # الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه, قال تعالى: {ثم أدبر ~~واستكبر} [المدثر:23] لم يرد به الذهاب إلى الموضع, وإنما أراد التولي عن ~~الحق والإصرار عليه. وما روي عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن ~~والمقام فإنما كان ذلك لأنه كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين ~~هناك أغلظ, ولكنه ليس بواجب لقوله عليه السلام: "اليمين على المدعى عليه" ~~ولم يخصصها بمكان; ولكن الحاكم إن رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر ~~إن كان بالمدينة, وفي المسجد الحرام إن كان بمكة, جاز له ذلك كما أمر الله ~~تعالى باستحلاف هذين الوصيين بعد صلاة العصر لأن كثيرا من الكفار يعظمونه, ~~ووقت غروب الشمس. # PageV02P617 # فصل # قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وذلك ~~لأنها قد اقتضت جواز شهادتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة أجوز فقد دلت ~~الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر; ولما نسخ منها ~~جوازها على المسلمين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} [البقرة: 282] نفى بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم, ونسخ بذلك ~~قوله: {أو آخران من غيركم} وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في ~~الوصية في السفر. وإذا كان حكمها ms1940 باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية ~~في السفر اقتضى ذلك جوازها عليهم في سائر الحقوق لأن كل من يجيزها على أهل ~~الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على المسلمين في ذلك أجازها على أهل ~~الذمة في سائر الحقوق. # فإن قال قائل: فإن ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل ~~الذمة على وصية المسلم في السفر على ما روي عن أبي موسى وشريح, ولا ~~يجيزونها على الذمي في سائر الحقوق. قيل له: قد بينا أنها منسوخة على ~~المسلمين باقية على أهل الذمة في سائر الحقوق. وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم ~~على بعض وإن اختلفت مللهم قول أصحابنا وعثمان البتي والثوري; وقال ابن أبي ~~ليلى والأوزاعي والحسن وصالح والليث: "تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ~~ولا تجوز على ملة غيرها". وقال مالك والشافعي: "لا تجوز شهادة أهل الكفر ~~بعضهم على بعض". وما ذكرنا من دلالة الآية يقتضي تساوي شهادات أهل الملل ~~بقوله تعالى: {أو آخران من غيركم} يعني غير المؤمنين المبدوء بذكرهم, ولم ~~تفرق بين الملل. ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل # PageV02P617 # الملل على وصية المسلم في السفر, وهي دالة أيضا على جواز شهادتهم على ~~الكفار في ذلك مع اختلاف مللهم. # ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض من جهة السنة, ما روى مالك ~~عن نافع عن ابن عمر: أن "اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكروا أن رجلا وامرأة منهم زنيا, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما". ~~وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يهودي محمم, فقال: ما شأن هذا؟ فقالوا: زنى, فرجمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وروي جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ائتوني ~~بأربعة منكم يشهدون فشهد أربعة منهم" , فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن الشعبي قال: ms1941 "يجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض", وعن شريح وعمر بن ~~عبد العزيز والزهري مثله. وقال ابن وهب: خالف مالك معلميه في رد شهادة ~~النصارى بعضهم على بعض, وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها. وقال ~~ابن أبي عمران من أصحابنا: سمعت يحيى بن أكثم يقول: جمعت هذا الباب فما ~~وجدت عن أحد من المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة, ~~فإني وجدت عنه ردها ووجدت عنه إجازتها. # قال أبو بكر: قد ذكرنا حكم الآية على الوجوه التي رويت فيها عن السلف وما ~~نسخ منها وما هو منها ثابت الحكم, فلنذكر الآية على سياقها مع بيان حكمها ~~على ما اقتضاه ترتيبها على السبب الذي نزلت فيه, فنقول وبالله التوفيق: إن ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} يعتوره معنيان: أحدهما: ~~شهادة بينكم شهادة اثنين ذوي عدل منكم; فحذف ذكر الشهادة. الثانية لعلم ~~المخاطبين بالمراد; ويحتمل: عليكم شهادة بينكم; فهو أمر بإشهاد اثنين ذوي ~~عدل, كقوله تعالى في الدين: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ~~فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين على ~~وصية المسلم في السفر. وكان نزولها على السبب الذي تقدم ذكره من رواية ابن ~~عباس في قصة تميم الداري وعدي بن بداء, فذكر بعض السبب في الآية ثم قال: ~~{إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} فجعل شرط قبول شهادة ~~الذميين على الوصية أن تكون في حال السفر. وقوله: {حين الوصية} قد تضمن أن ~~يكون الشاهدان هما الوصيين لأن الموصي أوصى إلى ذميين, ثم جاءا فشهدا ~~بوصية, فضمن ذلك جواز شهادة الوصيين على وصية الميت. ثم قال: {فأصابتكم ~~مصيبة الموت} يعني قصة الميت الموصي. قال: {تحبسونهما من بعد الصلاة} يعني ~~لما اتهمهما الورثة في حبس شيء من مال الميت وأخذه; على ما رواه عكرمة في ~~قصة # PageV02P618 # تميم الداري, وعلى ما قاله أبو موسى في استحلافه الذميين ما خانا ولا ~~كذبا. فصارا مدعى عليهما, فلذلك استحلفا لا من حيث ms1942 كانا شاهدين, ويدل عليه ~~قوله تعالى: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ~~ولا نكتم شهادة الله} يعني فيما أوصى به الميت وأشهدهما عليه. ثم قال ~~تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} يعني ظهور شيء من مال الميت في ~~أيديهما بعد ذلك, وهو جام الفضة الذي ظهر في أيديهما من مال الميت فزعما ~~أنهما كانا اشترياه من مال الميت. ثم قال تعالى: {فآخران يقومان مقامهما} ~~يعني في اليمين لأنهما صارا في هذه الحال مدعيين للشرى, فصارت اليمين على ~~الورثة, وعلى أنه لم يكن للميت إلا وارثان فكانا مدعى عليهما, فلذلك ~~استحلفا, ألا ترى أنه قال: {من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما} يعني أن هذه اليمين أولى من اليمين التي حلف بها ~~الوصيان أنهما ما خانا ولا بدلا لأن الوصيين صارا في هذه الحال مدعيين وصار ~~الوارثان مدعى عليهما, وقد كانا بريئين في الظاهر بديا بيمينهما فمضت ~~شهادتهما على الوصية, فلما ظهر في أيديهما شيء من مال الميت صارت أيمان ~~الوارثين أولى. # وقد اختلف في تأويل قوله تعالى: {الأوليان} , فروي عن سعيد بن جبير قال: ~~معنى الأوليان بالميت يعني الورثة, وقيل: الأوليان بالشهادة وهي الأيمان في ~~هذا الموضع; وليس في الآية دلالة على إيجاب اليمين على الشاهدين فيما شهدا ~~به, وإنما أوجبت اليمين عليهما لما ادعى الورثة عليهما الخيانة وأخذ شيء من ~~تركة الميت, فصار بعض ما ذكر في هذه الآيات من الشهادات أيمانا. وقال ~~بعضهم: الشهادة على الوصية كالشهادة على الحقوق, لقوله تعالى: {شهادة ~~بينكم} لا محالة أريد بها شهادات الحقوق, لقوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو ~~آخران من غيركم} وقوله بعد ذلك: {فيقسمان بالله} لا يحتمل غير اليمين, ثم ~~قال: {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~لشهادتنا} يعني بها اليمين; لأن هذه أيمان الوارثين, وقوله: {أحق من ~~شهادتهما} يحتمل من يمينهما ويحتمل من شهادتهما لأن الوصيين قد كان منهما ~~شهادة وحين صارت يمين الوارث ms1943 أحق من شهادة الوصيين ويمينهما لأن شهادتهما ~~لأنفسهما غير جائزة ويميناهما لم توجب تصحيح دعواهما في شراء ما ادعيا شراه ~~من الميت. # ثم قال تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني والله أعلم: ~~بالشهادة على الوصية وأن لا يخونوا ولا يغيروا, يعني أن ما حكم الله تعالى ~~به من ذلك من الأيمان وإيجابها تارة على الشهود فيما ادعي عليهما من ~~الخيانة وتارة على الورثة فيما # PageV02P619 # ادعى الشهود من شرى شيء من مال الميت, وأنهم متى علموا ذلك أتوا بالشهادة ~~على وصية الميت على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يقتصروا ~~على أيمانهم ولا يبرئهما ذلك من أن يستحق عليهم ما كتموه وادعوا شراه إذا ~~حلف الورثة على ذلك; والله أعلم. # PageV02P620 ### | باب من أين يقطع السارق # قال الله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} واسم اليد يقع على ~~هذا العضو إلى المنكب والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله تعالى: ~~{فامسحوا # PageV02P525 ### | باب ما لا يقطع فيه # ما لا يقطع فيه قال أبو بكر عموم قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} يوجب قطع كل من تناول الاسم في سائر الأشياء لأنه عموم في هذا ~~الوجه وإن كان مجملا في المقدار إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقول السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم ~~وأن كثيرا مما يسمى آخذه سارقا لا قطع فيه واختلف الفقهاء في أشياء منه. # PageV02P530 ### | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد نحو الرطب والعنب ~~والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة ~~في سنبلها سواء كان لها حافظ أو لم يكن ولا قطع في شيء من الخشب إلا الساج ~~والقنا ولا قطع في الطين والنورة والجص والزرنيخ ونحوه ولا قطع في شيء من ~~الطير ويقطع في # PageV02P530 ### | باب السرقة من ذوي الأرحام # قال أبو بكر قوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} عموم في إيجاب ms1944 قطع ~~كل سارق إلا ما خصه الدليل, على النحو الذي قدمنا, وعلى ما حكينا عن أبي ~~الحسن, ليس بعموم وهو مجمل محتاج فيه إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه. ومن ~~جهة أخرى على أصله أن ما ثبت خصوصه بالاتفاق لا يصح الاحتجاج بعمومه, وقد ~~بيناه في أصول الفقه; وهو مذهب محمد بن شجاع. إلا أنه وإن كان عموما عندنا ~~لو خلينا ومقتضاه فقد قامت دلالة خصوصه في ذي الرحم المحرم. وقد اختلف ~~الفقهاء فيه. # PageV02P536 ### | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أصحابنا: "لا يقطع من سرق من ذي الرحم" وهو الذي لو كان أحدهما رجلا ~~والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما. ولا تقطع ~~أيضا عندهم # PageV02P536 ### | باب فيمن سرق ما قد قطع فيه # قال أصحابنا فيمن سرق ثوبا فقطع فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه: "لم ~~يقطع فيه". والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس, وإنما ~~طريقها التوقيف أو الاتفاق, فلما عدمناهما فيما وصفنا لم يبق في إثباته إلا ~~القياس, ولا يجوز ذلك عندنا. # PageV02P537 ### | باب السرق يوجد قبل إخراج السرقة # قال أبو بكر رحمه الله: اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن ~~يفرق بين المتاع وبين حرزه, والدار كلها حرز واحد, فكما لم يخرجه من الدار ~~لم يجب القطع; وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر, وهو قول إبراهيم. ~~وروى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: بلغ عائشة أنهم كانوا ~~يقولون: إذا لم # PageV02P538 ### | باب غرم السارق بعد القطع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة: "إذا قطع السارق ~~فإن كانت السرقة قائمة بعينها أخذها المسروق منه, وإن كانت مستهلكة فلا ~~ضمان عليه", وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم ~~النخعي. وقال مالك: "يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا". وقال ~~عثمان البتي والليث والشافعي: "يغرم السرقة وإن كانت هالكة" وهو قول الحسن ~~والزهري وحماد وأحد قولي ms1945 إبراهيم. قال أبو بكر: أما إذا كانت قائمة بعينها ~~فلا خلاف أن صاحبها يأخذها; وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق ~~رداء صفوان ورد الرداء على صفوان. والذي يدل على نفي الضمان بعد القطع قوله ~~تعالى: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} والجزاء اسم لما ~~يستحق بالفعل; فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق بالفعل هو القطع, لم ~~يجز إيجاب الضمان معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص, ولا يجوز ذلك إلا ~~بمثل ما يجوز به النسخ, وكذلك قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} , فأخبر أن جميع الجزاء هو المذكور في الآية; لأن قوله تعالى: ~~{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} ينفي أن يكون هناك جزاء غيره. ومن ~~جهة السنة حديث عبد الله بن صالح قال: حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن ~~يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد ~~الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقمتم على ~~السارق الحد فلا غرم عليه". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~نصر بن صهيب قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شجاع الآدمي قال: حدثني خالد بن ~~خداش قال: حدثني إسحاق بن الفرات قال: حدثنا الفضل بن فضالة عن يونس عن ~~الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق, فأمر بقطعه وقال: "لا غرم عليه". وقال ~~عبد الباقي: هذا هو الصحيح; وأخطأ فيه خالد بن خداش, فقال المسور بن مخرمة. # ويدل عليه من جهة النظر امتناع وجوب الحد والمال بفعل واحد, كما لا يجتمع # PageV02P539 ### | باب الرشوة # قال الله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} قيل إن أصل السحت ~~الاستئصال, يقال: أسحته إسحاتا: إذا استأصله وأذهبه, قال الله عز وجل: ~~{فيسحتكم} [طه: 61] أي يستأصلكم به. ويقال: أسحت ماله, إذا أفسده وأذهبه. ~~فسمي الحرام سحتا لأنه لا ms1946 بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستئصال. ~~وروى ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: سألت ~~عبد الله بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم؟ فقال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه ~~فيهدي لك هدية فتقبلها. وروى شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق ~~قال: سألت عبد الله عن الجور في الحكم, فقال: "ذلك كفر "; وسألته عن السحت, ~~فقال: "الرشا". وروى عبد الأعلى بن حماد: حدثنا حماد عن أبان عن ابن أبي ~~عياش عن مسلم, أن مسروقا قال: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في ~~الحكم من السحت؟ قال: "لا, ولكن كفر, إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان ~~جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة, فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه". ~~وروي عن علي بن أبي طالب قال: "السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب ~~الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن ~~والاستجعال في القضية". فكأنه جعل السحت اسما لأخذ ما لا يطيب أخذه. وقال ~~إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "السحت الرشا". وروى منصور عن الحكم ~~عن أبي وائل عن مسروق قال: "إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت, وإذا ~~أكل الرشوة بلغت به الكفر". وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال: "بابان من ~~السحت يأكلهما الناس: الرشا ومهر الزانية". وروى إسماعيل بن زكريا عن ~~إسماعيل بن مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هدايا ~~الأمراء من السحت". وروى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال: "لعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما". وروى أبو ~~سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الراشي والمرتشي". وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي # PageV02P540 ### | مطلب: في وجوه الرشوة # والرشوة تنقسم إلى وجوه: ms1947 منها الرشوة في الحكم, وذلك محرم على الراشي ~~والمرتشي جميعا, وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله ~~الراشي والمرتشي" والرائش وهو الذي يمشي بينهما فذلك لا يخلو من أن يرشوه ~~ليقضي له بحقه أو بما ليس بحق له, فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم ~~بقبول الرشوة على أن يقضي له بما هو فرض عليه, واستحق الراشي الذم حين حاكم ~~إليه وليس بحاكم, ولا ينفذ حكمه; لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة, كمن ~~أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم. ولا خلاف في تحريم ~~الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه. وفي هذا دليل ~~على أن كل ما كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز ~~أخذ الأجرة عليه, كالحج وتعليم القرآن والإسلام; ولو كان أخذ الأبدال على ~~هذه الأمور جائزا لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام, فلما حرم الله أخذ ~~الرشا على الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز ~~أخذ الأبدال على الفروض والقرب. وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد ~~فسق الحاكم من وجهين: أحدهما: أخذ الرشوة, والآخر: الحكم بغير حق; وكذلك ~~الراشي. وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى ~~السلطان, وقال: "إن أخذ الرشا على الأحكام كفر". وقال علي رضي الله عنه ~~وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله: "الرشا من السحت". وأما الرشوة في غير الحكم, ~~فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند ~~السلطان, وذلك منهي عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه, قال الله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يزال الله في عون المرء ما دام المرء في عون أخيه". ووجه آخر من ~~الرشوة, وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه, فهذه الرشوة محرمة على آخذها ~~غير محظورة على معطيها. وروي عن جابر بن ms1948 زيد والشعبي قالا: "لا بأس بأن ~~يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم" وعن عطاء وإبراهيم مثله. وروى ~~هشام عن الحسن قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي" ~~قال الحسن: "ليحق باطلا أو يبطل حقا, فأما أن تدفع عن مالك فلا بأس". وقال ~~يونس عن الحسن: "لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه". وروى ~~عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: "اجعل مالك جنة # PageV02P541 ### | باب الحكم بين أهل الكتاب # قال الله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} ظاهر ذلك يقتضي ~~معنيين: أحدهما: تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم, والثاني: التخيير ~~بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا. وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم, ~~فقال قائلون منهم: "إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء ~~أعرض عنهم وردهم إلى دينهم". وقال آخرون: "التخيير منسوخ, فمتى ارتفعوا ~~إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير". # PageV02P542 ### | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والشافعي: "لا تؤخذ اليمنى ~~باليسرى لا في العين ولا في اليد, ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني". ~~وقال ابن شبرمة" تفقأ العين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى وكذلك اليدان, ~~وتؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية". وقال الحسن بن صالح: "إذا قطع أصبعا ~~من كف فلم يكن للقاطع من تلك الكف أصبع مثلها قطع مما يلي تلك الأصبع, ولا ~~يقطع أصبع كف بأصبع كف أخرى, وكذلك تقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع ~~سن مثلها وإن بلغ ذلك الأضراس, وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له ~~يمنى, ولا تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى". # PageV02P550 ### | مطلب: الصوم في السفر أفضل من الإفطار # فإن قيل: فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها, لأنها ~~من الواجبات في أول الوقت. قيل له: ليست من الواجبات في أول الوقت, والآية ~~مقتضية للوجوب, فهي فيما قد وجب وألزم; وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر ms1949 ~~أفضل من الإفطار لأنه من الخيرات. # وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات. وقوله تعالى في هذا الموضع: {وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله} ليس بتكرار لما تقدم من مثله لأنهما نزلا في شيئين ~~مختلفين: أحدهما: في شأن الرجم, والآخر: في # PageV02P553 ### | مطلب: الكافر لا يكون وليل للمسلم # وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا ~~في النصرة; ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم; لأن الولاية ضد ~~العداوة, فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار ~~بمنزلتهم. ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة, لقوله تعالى: {بعضهم أولياء ~~بعض} على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان يستحقها ~~لو كان المولى عليه يهوديا, وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا وكذلك الولاية ~~بينهما في النكاح هو على هذا السبيل. ومن حيث دلت على كون بعضهم أولياء بعض ~~فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما, وعلى ما ذكرنا من كون الكفر كله ملة ~~واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه. وقد دل على جواز مناكحة بعضهم لبعض, ~~اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية. وهذا الذي ذكرنا إنما هو في أحكامهم ~~فيما بينهم, وأما فيما بينهم وبين المسلمين فيختلف حكم الكتابي وغير ~~الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة. # قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يدل على أن حكم نصارى بني تغلب ~~حكم نصارى بني إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروي ذلك عن ابن عباس ~~والحسن وقوله: {منكم} يجوز أن يريد به العرب لأنه لو أراد المسلمين لكانوا ~~إذا تولوا الكفار صاروا مرتدين, والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون ~~منهم في شيء من أحكامهم, ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته وإن كانت امرأة لم يجز ~~نكاحها ولا يرثهم ولا يرثونه ولا يثبت بينهما شيء من حقوق الولاية؟ وزعم ~~بعضهم أن قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} يدل على أن المسلم لا يرث ~~المرتد لإخبار الله أنه ممن تولاه من اليهود والنصارى ومعلوم أن المسلم لا ~~يرث اليهودي ms1950 ولا النصراني, فكذلك لا يرث المرتد قال أبو بكر: وليس فيه ~~دلالة على ما ذكرنا; لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا ~~والمرتد إلى النصرانية لا يكون نصرانيا, ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا ~~يجوز تزويجها إن كانت امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه؟ فكما لم يدل ذلك ~~على إيجاب التوارث بينه وبين اليهودي والنصراني, كذلك لا يدل على أن المسلم ~~لا يرثه, وإنما المراد أحد وجهين: إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على ~~أن عبدة الأوثان من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز ~~المناكحة وأكل الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية, وإن كان الخطاب ~~للمسلمين فهو إخبار بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم, فلا دلالة فيه على حكم ~~الميراث. # فإن قال قائل: لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين; لأنه قال: {يا أيها ~~الذين آمنوا # PageV02P555 ### | مطلب: الدليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم # في الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ~~وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة, وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم, ومعلوم أن من كانت هذه صفته ~~فهو ولي الله. ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء ~~المذكورين وأتباعهم; ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولا في غير هؤلاء الأئمة; لأن الله ~~تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين ~~قاتلوا مع أبي بكر. # PageV02P556 ### | مطلب: الدليل على صحة إمامة إبي بكر رضي الله عنه # ونظير ذلك أيضا في دلالته على صحة إمامة أبي بكر قوله تعالى: {قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} [الفتح: 16] لأنه كان ms1951 الداعي لهم إلى قتال ~~أهل الردة, وأخبر تعالى # PageV02P556 ### | باب العمل اليسير في الصلاة # قال الله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة بن ~~أبي حكيم: أنها نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع وروي عن ~~الحسن أنه قال: "هذه الآية صفة جميع المسلمين; لأن قوله تعالى: {الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} صفة للجماعة وليست للواحد". وقد ~~اختلف في معنى قوله {وهم راكعون} فقيل فيه: إنهم كانوا على هذه الصفة في ~~وقت نزول الآية, منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة. وقال ~~آخرون: "معنى {وهم راكعون} أن ذلك من شأنهم, وأفرد الركوع بالذكر تشريفا ~~له". وقال آخرون: "معناه أنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أي ~~يتنفل". فإن كان المراد فعل الصدقة في حال الركوع فإنه يدل على إباحة العمل ~~اليسير في الصلاة, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في إباحة ~~العمل اليسير فيها, فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة, ومنها أنه مس لحيته ~~وأنه أشار بيده, ومنها حديث ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه, ومنها أنه كان يصلي وهو حامل أمامة ~~بنت أبي العاص بن الربيع, فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها. فدلالة ~~الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة لأنه إن كان المراد الركوع فكان ~~تقديره: "الذين يتصدقون في حال الركوع فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه ~~الحال, وإن كان المراد وهم يصلون فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال ~~الصلاة; فكيفما تصرفت الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة. # PageV02P557 ### | باب الأذان # قال الله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا} قد دلت هذه ~~الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها; ونحوه قوله تعالى: {إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] . وقد ms1952 روى ~~عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: كانوا يجتمعون للصلاة ~~لوقت يعرفونه ويؤذن بعضهم بعضا, حتى نقسوا1 أو كادوا أن ينقسوا, فجاء عبد ~~الله بن زيد الأنصاري وذكر الأذان, فقال عمر: قد طاف بي الذي طاف به ولكنه ~~سبقني. وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين على ما يجمعهم في الصلاة, فقالوا البوق; فكرهه من أجل اليهود وذكر ~~قصة عبد الله بن زيد وأن عمر رأى مثل ذلك. فلم يختلفوا أن الأذان لم يكن ~~مسنونا قبل الهجرة, وأنه إنما سن بعدها. وقد روى أبو يوسف عن محمد بن بشر ~~الهمداني قال: سألت محمد بن علي عن الأذان كيف كان أوله وما كان؟ فقال: شأن ~~الأذان أعظم من ذلك, ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به جمع ~~النبيون ثم نزل ملك من السماء لم ينزل قبل ليلته فأذن كأذانكم وأقام ~~كإقامتكم ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبيين. قال أبو بكر ليلة ~~أسري به كان بمكة, وقد صلى بالمدينة بغير أذان واستشار أصحابه فيما يجمعهم ~~به للصلاة, ولو كانت تبدئة الأذان قد تقدمت قبل الهجرة لما استشار فيه وقد ~~ذكر معاذ وابن عمر في قصة الأذان ما ذكرنا. PageV02P558 ### | مطلب: في الاستعانة بالمشركين # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا} فيه نهي عن الاستنصار بالمشركين; لأن الأولياء هم الأنصار. وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من ~~اليهود وقالوا: نحن نخرج معك, فقال: "إنا لا نستعين بمشرك" , وقد كان كثير ~~من المنافقين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين. وقد حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو مسلم: حدثنا حجاج: حدثنا حماد عن محمد بن ~~إسحاق عن الزهري: أن ناسا من اليهود غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقسم ~~لهم كما قسم للمسلمين. وقد روي عن ms1953 النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا: ~~حدثنا يحيى عن مالك عن الفضل عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة قال ~~يحيى: إن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل معه فقال: ~~ارجع ثم اتفقا فقال: "إنا لا نستعين بمشرك". # وقال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين ~~إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر, فأما إذا كانوا لو ظهروا ~~كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم. ومستفيض في ~~أخبار أهل السير ونقلة المغازي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يغزو ~~ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها قوم من المشركين. وأما وجه ~~الحديث الذي قال فيه: "إنا لا نستعين بمشرك" فيحتمل أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يثق بالرجل وظن أنه عين للمشركين, فرده وقال: "إنا لا نستعين ~~بمشرك" يعني به من كان في مثل حاله. # قوله تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم} قيل فيه: ~~إن معناه" هلا" وهي تدخل للماضي والمستقبل, فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى ~~الأمر, كقوله: "لم لا تفعل" وهي ههنا للمستقبل, يقول: هلا ينهاهم ولم لا ~~ينهاهم وإذا كانت # PageV02P559 ### | مطلب: في معاني اليد # واليد في اللغة تنصرف على وجوه: منها الجارحة وهي معروفة. ومنها النعمة, ~~تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها, أي نعمة ومنها القوة. فقوله أولي الأيدي ~~فسروه بأولي القوى; ونحوه قول الشاعر: # تحملت من ذلفاء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان # ومنها الملك, ومنه قوله: {الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] يعني ~~يملكها. ومنها الاختصاص بالفعل, كقوله تعالى: {خلقت بيدي} [ص: 75] أي توليت ~~خلقه. ومنها التصرف, كقولك: "هذه الدار في يد فلان" يعني التصرف فيها ~~بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك. وقيل: إنه قال تعالى: {بل يداه} على وجه ~~التثنية; لأنه أراد نعمتين: إحداهما نعمة ms1954 الدنيا, والأخرى نعمة الدين. ~~والثاني: قوتاه بالثواب والعقاب, على خلاف قول اليهود, لأنه لا يقدر على ~~عقابنا. وقيل: إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة, كقولك: "لبيك وسعديك". ~~وقيل في قوله تعالى: {غلت أيديهم} يعني في جهنم; روي عن الحسن. # قوله تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} فيه إخبار بغلبة ~~المسلمين لليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} ~~, وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر به عن الغيب ~~مع كثرة اليهود وشدة شوكتهم; وقد كان من # PageV02P560 ### | مطلب: في الدليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم # وقد دل قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم; إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به; لأنه ~~لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة ~~والقصد لاغتياله مخادعة, نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه; ~~ونحو ما قصده به عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية, فأعلمه الله ~~إياه, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن ~~أمية عليه وهما في الحجر من اغتياله, فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا ~~من عند الله تعالى عالم الغيب والشهادة, ولو لم يكن ذلك من عند الله لما ~~أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولا ادعى أنه معصوم من القتل ~~والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه ~~مع غناه عن الإخبار بمثله. وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما ~~اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به, إذ لا يتفق مثلها في أخبار ~~الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدس والتخمين وتعاطي علم النجوم ~~والرزق والفأل ونحوها, فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في ~~المستأنف على ms1955 ما أخبر به ولا تخلف شيء منها, علمنا أنها من عند الله العالم ~~بما كان وما يكون قبل أن يكون. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والأنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم} فيه أمر لأهل الكتاب بالعمل بما في التوراة ~~والإنجيل; لأن إقامتهما هو العمل بهما وبما في القرآن أيضا; لأن قوله ~~تعالى: {وما أنزل إليكم من ربكم} حقيقته تقتضي أن يكون المراد ما أنزل الله ~~على رسوله, فكان خطابا لهم, وإن كان محتملا لأن يكون المراد ما أنزل الله ~~على آبائهم في زمان الأنبياء المتقدمين. وقوله تعالى: {لستم على شيء} ~~مقتضاه: لستم على شيء من الدين الحق حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل ~~والقرآن. وفي هذا دلالة على أن شرائع الأنبياء المتقدمين ما لم ينسخ منها ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت الحكم مأمور به وأنه قد صار ~~شريعة لنبينا عليه السلام لولا ذلك لما أمروا بالثبات عليه والعمل به. # فإن قال قائل: معلوم نسخ كثير من شرائع الأنبياء المتقدمين على لسان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فجائز إذا كان هذا هكذا أن تكون هذه الآية نزلت ~~بعد نسخ كثير منها, ويكون معناها الأمر بالإيمان على ما في التوراة ~~والإنجيل من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه وبما في القرآن من ~~الدلالة المعجزة الموجبة لصدقه, وإذا احتملت الآية ذلك لم تدل على بقاء ~~شرائع الأنبياء المتقدمين. قيل له: لا تخلو هذه الآية من أن تكون نزلت قبل ~~نسخ شرائع الأنبياء # PageV02P562 ### | مطلب: في الدليل على بطلان قول النصارى في أن المسيح إله # قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام} فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى في أن ~~المسيح إله; لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في الحاجة ~~إلى الصانع المدبر; إذ كان من فيه سمة الحدث لا يكون قديما, ومن يحتاج إلى ~~غيره لا يكون ms1956 قادرا لا يعجزه شيء. وقد قيل في معنى قوله: {كانا يأكلان ~~الطعام} إنه كناية عن الحدث; لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا ~~محالة. وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما ~~يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما ~~وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه, وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما. # قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم} , قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة: "لعنوا على لسان داود فصاروا قردة ~~وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير". وقيل: إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء ~~إعلامهم الإياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي; لأن دعاء ~~الأنبياء عليهم السلام باللعن والعقوبة مستجاب. وقيل: إنما ظهر لعنهم على ~~لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من ~~عقاب المعاصي. # قوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} معناه لا ينهى بعضهم بعضا ~~عن المنكر; وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن ~~محمد النفيلي: حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد ~~الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل ~~النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما ~~تصنع فإنه لا يحل لك, ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه ~~وقعيده, فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ثم لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم" إلى قوله فاسقون ثم قال: "كلا ~~والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم # PageV02P563 ### | باب تحريم ما أحل الله عز وجل # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~. والطيبات اسم يقع على ما يستلذ ويشتهى ويميل إليه القلب, ويقع على الحلال ~~وجائز أن يكون مراد ms1957 الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما, فيكون تحريم ~~الحلال على أحد وجهين: أحدهما: أن يقول: "قد حرمت هذا الطعام على نفسي" فلا ~~يحرم عليه وعليه الكفارة إن # PageV02P564 ### | مطلب: في الدليل على بطلان قول الممتنعين عن اكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهدا # وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة ~~اللذيذة # PageV02P565 ### | مطلب: في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث # ويحتج بقوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} في تحريم إيقاع الطلاق ~~الثلاث لما فيه من تحريم المباح من المرأة. # PageV02P566 ### | باب الأيمان مطلب: في اليمين اللغو # قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} عقيب نهيه عن تحريم ~~ما أحل الله. قال ابن عباس: "لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح ~~والملابس حلفوا على ذلك, فأنزل الله تعالى هذه الآية" وأما اللغو فقد قيل ~~فيه إنه ما لا يعتد به, ومنه قول الشاعر: # أو مائة تجعل أولادها ... لغوا وعرض المائة الجلمد # يعني نوقا لا تعتد بأولادها. فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم ~~له. وروى إبراهيم الصائغ عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ما حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي وابن عبدوس قالا: حدثنا ~~محمد بن بكار: حدثنا حسان بن إبراهيم عن إبراهيم الصائغ عن عطاء, وسئل عن ~~اللغو في اليمين فقال: قالت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله". وروى إبراهيم عن الأسود ~~وهشام بن # PageV02P566 ### | مطلب: في أقسام اليمين # والأيمان على ضربين: ماض ومستقبل; والماضي ينقسم قسمين لغو وغموس, ولا ~~كفارة في واحد منهما. والمستقبل ضرب واحد, وهو اليمين المعقودة, وفيها ~~الكفارة إذا حنث. وقال مالك والليث مثل قولنا في الغموس أنه لا كفارة فيها. ~~وقال الحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي: "في الغموس الكفارة". وقد ذكر الله ~~تعالى هذه الأيمان الثلاث في الكتاب, فذكر ms1958 في هذه الآية اليمين اللغو ~~والمعقودة جميعا بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان} , وقال في سورة البقرة: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} # PageV02P567 ### | مطلب: لا كفارة في اليمين الغموس # ومما يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} [آل عمران: 77] ~~فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة, فلو أوجبنا فيها الكفارة كان زيادة في ~~النص وذلك غير جائز إلا بنص مثله. وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين وهو فيها آثم فاجر ليقطع بها ~~مالا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان" وروى جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "من حلف على منبري هذا بيمين آثمة. تبوأ مقعده من النار". ~~فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المأثم ولم يذكر الكفارة, فدل على أن ~~الكفارة غير واجبة من وجهين: أحدهما: أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا ~~بمثله, والثاني: أنها لو كانت واجبة لذكرها كما ذكرها في اليمين المعقودة ~~في قوله عليه السلام: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير منها وليكفر عن يمينه" رواه عبد الرحمن بن سمرة وأبو هريرة وغيرهما. ~~ومما يدل على نفي الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في نسق التلاوة: ~~{واحفظوا أيمانكم} وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها, ومعلوم ~~امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها المراعاة ~~والحفظ. # فإن قال قائل: قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} يقتضي عمومه ~~إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل. قيل له: ليس كذلك; لأنه ~~معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل, فلا محالة أن فيه ~~ضميرا يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث; وإذا ثبت أن في الآية ضميرا سقط ~~الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن ms1959 اليمين المعقودة لا تجب بها كفارة قبل ~~الحنث, فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها; إذ كان حكمها متعلقا ~~بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} يقتضي أن يكون ~~جميع ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي # PageV02P568 ### | ### | فصل # # ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} فجعل ذلك كفارة عقيب عقد اليمين ~~من غير ذكر الحنث; لأن الفاء للتعقيب. والثاني: قوله تعالى: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} . فأما قوله: {بما عقدتم الأيمان فكفارته} فإنه لا خلاف ~~أن فيه ضميرا متى أراد إيجابها, وقد علمنا لا محالة أن الآية قد تضمنت ~~إيجاب الكفارة عند الحنث وأنها غير واجبة قبل الحنث, فثبت أن المراد: بما ~~عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته, وهو كقوله تعالى: {ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] والمعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر; ~~وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة} ~~[البقرة: 196] فمعناه: فحلق ففدية من صيام; كذلك قوله: {بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته} معناه: فحنثتم فكفارته; لاتفاق الجميع أنها غير واجبة قبل الحنث, ~~وقد اقتضت الآية لا محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد الحنث, فثبت ~~أن المراد ضمير الحنث فيه. وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد التكفير ~~بها في حال وجوبها; لأن ما ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا يسمى ~~بهذا الاسم, فعلمنا أن المراد: إذا حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين. وكذلك ~~قوله في نسق التلاوة: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} معناه: إذا حلفتم ~~وحنثتم; لما بيناه آنفا. # فإن قيل: يجوز أن تسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل ~~الحول زكاة لوجوب السبب الذي هو النصاب, وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة ~~كفارة قبل وجود القتل وإن لم تكن واجبة في هذه الحال, فكذلك يجوز أن يكون ~~ما يعجله الحالف كفارة قبل الحنث ولا ms1960 يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في ~~جوازها قيل له: قد # PageV02P570 ### | فصل # ويحتج من يوجب على من عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور, مثل قوله: ~~"إن دخلت الدار فلله علي حجة أو عتق رقبة" أو نحو ذلك, فحنث بظاهر قوله ~~تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} وبقوله تعالى: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} قال: فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه ~~بالحنث كفارة اليمين دون المنذور بعينه. وليس هذا كما ظن هذا القائل; وذلك ~~لأن النذر يوجب الوفاء بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين, لقوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] , وقال تعالى: {يوفون بالنذر} ~~[الإنسان: 7] , وقال تعالى: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] , وقال تعالى: ~~{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة:76] , فذمهم تعالى على ~~ترك الوفاء بنفس المنذور. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من نذر نذرا لم ~~يسمه فعليه كفارة يمين ومن نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به" وكان قوله ~~تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم} في اليمين المعقودة بالله عز وجل, وكانت النذور ~~محمولة على الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها. # قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} فقال قائلون: معناه احفظوا أنفسكم من ~~الحنث فيها واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية. وقال آخرون: أقلوا ~~من الأيمان, على نحو قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة: ~~224] , واستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الألية برت # وقال آخرون: معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها لأن حفظ ~~الشيء # PageV02P571 ### | مطلب: في الإطعام من غير تمليك # في الإطعام من غير تمليك واختلف في الإطعام من غير تمليك, فروي عن علي ~~ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة: "يغديهم ويعشيهم" وهو ~~قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي. وقال الحسن البصري: وحبة ~~واحدة تجزي". وقال الحكم: "لا يجزي الإطعام حتى يعطيهم". وقال سعيد بن ~~جبير: "مدين ms1961 من طعام ومد لإدامه, ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم". وروي عن ~~ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول # PageV02P572 ### | مطلب: في الاحتجاج في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة أيام كل يوم نصف صاع # وقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} عموم في جميع من يقع عليه ~~الاسم منهم, فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في ~~عشرة أيام كل يوم نصف صاع; لأنا لو منعناه في اليوم الثاني كنا قد خصصنا ~~الحكم في بعض ما انتظمه الاسم دون بعض, لا سيما فيمن قد دخل في حكم الآية ~~بالاتفاق, وهو قول أصحابنا. وقال مالك والشافعي: لا يجزي. # فإن قال قائل: لما ذكر عشرة مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم, كقوله ~~تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وقوله تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] وسائر الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ما دونها, كذلك ~~غير جائز الاقتصار على الأقل من العدد المذكور. قيل له: لما كان القصد في ~~ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر عليهم ~~الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة, فكان ~~المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع والإطعام ~~في عدد الأيام. وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار الدفع; ~~إذ كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين, كما قال تعالى: {يسألونك ~~عن الأهلة} [البقرة: 189] وهو هلال واحد, فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار ~~الرؤية في الشهور. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار, ~~ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه. وكذلك أمر برمي الجمار بسبع حصيات, ~~ولو رمى بحصاة واحدة سبع مرات أجزأه; لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات, ~~والمقصد في الاستنجاء حصول المسحات دون عدد الأحجار. فكذلك لما كان المقصد ~~في إخراج الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك # PageV02P574 ### | مطلب: أجاز اصحابنا غعطاء قيمة الطعام والكسوة # وأجاز أصحابنا إعطاء ms1962 قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول ~~النفع للمساكين بهذا القدر من المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله ~~بالطعام والكسوة. ولما صح إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر, ~~وجب مثله في الكفارة; لأن أحدا لم يفرق بينهما, ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق ~~الاسم على من أعطى غيره دراهم يشتري بها ما يأكله ويلبسه بأن يقال: قد ~~أطعمه وكساه; وإذا كان إطلاق ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية, ألا ترى أن حقيقة ~~الإطعام أن يطعمه إياه بأن يبيحه له فيأكله؟ ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم ~~يأكله المسكين وباعه أجزأه, وإن لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في ~~وصول هذا القدر من المال إليه, وإن لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل. ~~وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها, وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه; إذ ~~كان موصلا إليه هذا القدر من المال بإعطائه إياه فثبت بذلك أنه ليس المقصد ~~حصول المطعم والاكتساء, وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال, فلا ~~يختلف حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام, ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير ثم قال: ~~"أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم"؟ فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن ~~المسألة لا مقدار الطعام بعينه; إذ كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة ~~كحصوله بالطعام. # فإن قال قائل: لو جازت القيمة وكان المقصد فيه حصول هذا القدر من المال ~~للمساكين لما كان لذكر الإطعام والكسوة فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر ~~الأحوال, وفي ذكره الطعام أو الكسوة دلالة على أنه غير جائز أن يتعداهما ~~إلى القيمة, وأنه ليس المقصد حصول النفع بهذا القدر من المال دون عين ~~الطعام والكسوة. قيل له: ليس الأمر على ما ظننت; وفي ذكره الطعام والكسوة ~~أعظم الفوائد, وذلك أنه ذكرهما ودللنا بما ذكر على # PageV02P575 ### | مطلب: في مقدار الكسوة في الكفارة # وقد اختلف في مقدار الكسوة, ms1963 فقال أصحابنا: "الكسوة في كفارة اليمين لكل ~~مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء". وروى ابن سماعة عن محمد ~~أن السراويل تجزي, وأنه لو حلف لا يشتري ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا كان ~~سراويل الرجال. وروى هشام عن محمد أنه لا يجزي السراويل ولا العمامة; وكذلك ~~روى بشر عن أبي يوسف. وقال مالك والليث: "إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ~~ثوبين درعا وخمارا, وذلك أدنى ما تجزي فيه الصلاة, ولا يجزي ثوب واحد ~~للمرأة ولا تجزي العمامة". وقال الثوري: "تجزي العمامة". وقال الشافعي: ~~"تجزي العمامة والسراويل والمقنعة". قال أبو بكر: روي عن عمران بن حصين ~~وإبراهيم والحسن ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين". قال أبو بكر: ظاهره ~~يقتضي ما يسمى به الإنسان مكتسيا إذا لبسه, ولابس السراويل ليس عليه غيره ~~أو العمامة ليس عليه غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة, فالواجب أن لا ~~يجزي السراويل والعمامة ولا الخمار لأنه مع لبسه # PageV02P576 ### | باب تحريم الخمر # قال الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه} اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين: أحدهما: قوله: ~~{رجس} لأن الرجس اسم في الشرع لما يلزم اجتنابه; ويقع اسم الرجس على الشيء ~~المستقذر النجس, وهذا أيضا يلزم اجتنابه فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم ~~اجتنابها. والوجه # PageV02P577 ### | باب الصيد للمحرم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} قيل ~~في موضع "من" ههنا إنها للتبعيض, بأن يكون المراد صيد البر دون صيد البحر ~~وصيد الإحرام دون صيد الإحلال. وقيل إنها للتمييز, كقوله تعالى: {فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان} [الحج: 30] وقولك" باب من حديد" و" ثوب من قطن". وجائز ~~أن يريد ما يكون من أجزاء الصيد وإن لم يكن صيدا, كالبيض والفرخ; لأن البيض ~~من الصيد, وكذلك الفرخ والريش وسائر أجزائه; فتكون الآية شاملة لجميع هذه ~~المعاني, ويكون المحرم بعض الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال ~~الإحرام, ويفيد أيضا تحريم ما كان من أجزاء ms1964 الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ ~~والوبر وغيره. وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {تناله أيديكم} قال: ~~"فراخ الطير وصغار الوحش". وقال مجاهد: "الفراخ والبيض". وقد روي عن علي ~~رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه أعرابي بخمس بيضات ~~فقال: "إننا محرمون وإنا لا نأكل; فلم يقبلها". وروى عكرمة عن ابن عباس عن # PageV02P584 ### | باب ما يقتله المحرم # قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} لما كان خاصا في صيد البر دون ~~صيد البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص, اقتضى عمومه تحريم سائر صيد ~~البر إلا ما خصه الدليل. وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال " خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم: الحية ~~والعقرب والغراب والفأرة والكلب العقور" على اختلاف منهم في بعضها, وفي ~~بعضها: "هن فواسق". وروي عن أبي هريرة قال: "الكلب العقور الأسد". وروى ~~حجاج بن أرطاة عن وبرة قال: سمعت ابن عمر يقول أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الذئب والفأرة والغراب والحدأة. فذكر في هذا الحديث الذئب. وذكر ~~القعنبي عن مالك قال: "الكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله ما قتل الناس ~~وعدا عليهم, مثل الأسد والنمر والذئب وهو الكلب العقور, وأما ما كان من ~~السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهرة وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن ~~المحرم, فإن قتل منهن شيئا فداه". قال أبو بكر: قد تلقى الفقهاء هذا الخبر ~~بالقبول واستعملوه في إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم. وقد اختلف في الكلب ~~العقور, فقال أبو هريرة على ما قدمنا الرواية فيه: "إنه الأسد" ويشهد لهذا ~~التأويل أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: "أكلك ~~كلب الله" فأكله الأسد. قيل له: إن الكلب العقور هو الذئب. وروي في بعض ~~أخبار ابن عمر في موضع "الكلب" "الذئب", ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك ~~كلبا من شأنه العدو على الناس وعقرهم, وهذه صفة الذئب, فأولى الأشياء ms1965 ~~بالكلب ههنا الذئب. وقد دل على أن كل ما عدا على المحرم وابتدأه بالأذى ~~فجائز له قتله من غير فدية لأن فحوى ذكره الكلب العقور يدل عليه, وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن # PageV02P586 ### | ### | فصل # # وقرئ قوله تعالى: {فجزاء مثل} برفع المثل, وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء ~~إليه. والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازي, ~~فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو ~~النظير من النعم على اختلافهم فيه; ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل, ~~فكان ما يخرجه من الواجب مضافا إلى المثل المذكور. ويحتمل أن يكون الجزاء ~~الذي هو الواجب مضافا إلى المثل, والمثل يكون مثلا للصيد, فيفيد أن الصيد ~~ميتة محرم لا قيمة له, وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة, ~~فالإضافة صحيحة المعنى في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا; والنعم ~~من الإبل والبقر والغنم. وقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} يحتمل ~~القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم لأن القيم تختلف على حسب ~~اختلاف أحوال الصيد, فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى استئناف حكم الحكمين ~~في تقويمه. ومن قال بالنظير فرجع إلى قول الحكمين, لاختلاف # PageV02P592 ### | ### | فصل # # قوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} يحتج به لأبي حنيفة في المحرم إذا أكل من ~~الصيد الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به; لأن الله تعالى أخبر ~~أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله, فإذا أكل ~~منه فقد رجع من الغرم في مقدار ما أكل منه, فهو غير ذائق بذلك وبال أمره; ~~لأن من غرم شيئا وأخذ مثله لا يكون ذائقا وبال أمره; فدل ذلك على صحة قوله. ~~وقال أصحابنا: "إن شاء المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام يوما, وإن شاء ~~صام عن بعض وأطعم بعضا" فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام, وفرقوا بينه ~~وبين الصيام في كفارة اليمين مع الإطعام فلم يجيزوا الجمع بينهما, وفرقوا ~~أيضا بينه ms1966 وبين العتق والطعام في كفارة اليمين بأن يعتق نصف عبد ويطعم خمسة ~~مساكين. فأما الصوم في جزاء الصيد فإنما أجازوا الجمع بينه وبين الطعام من ~~قبل أن الله تعالى جعل الصيام عدلا للطعام ومثلا له بقوله: {أو عدل ذلك ~~صياما} , ومعلوم أنه لم يرد بقوله {عدل ذلك} يكون مثلا له في حقيقة معناه; ~~إذ لا تشابه بين الصيام وبين الطعام, فعلمنا أن المراد المماثلة بينهما في ~~قيامه مقام الطعام ونيابته عنه لمن صام بعضا, فكأنه قد أطعم بقدر ذلك فجاز ~~ضمه إلى الطعام فكان الجميع طعاما. وأما الصيام في كفارة اليمين فإنما يجوز ~~عند عدم الطعام وهو بدل منه, فغير جائز الجمع بينهما; إذ لا يخلو من أن ~~يكون واجدا أو غير واجد, فإن كان واجدا للطعام لم يجزه الصيام, وإن كان غير ~~واجد فالصوم فرضه بدلا منه, وغير جائز الجمع بين البدل والمبدل منه, كالمسح ~~على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى # PageV02P596 ### | فصل # قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل} ينتظم الواحد ~~والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد; لأن "من" يتناول كل ~~واحد على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه; والدليل عليه قوله تعالى: {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] قد اقتضى إيجاب الرقبة على ~~كل واحد من القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة; وقال تعالى: {ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا} [الفرقان: 19] وعيد لكل واحد على حياله. وقوله عز وجل: ~~{ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] وعيد لكل واحد من القاتلين; وهذا ~~معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه, وإنما يجهله من لا حظ له فيها. # فإن قال قائل: فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية واحدة, والدية ~~إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة. قيل له: الذي يقتضيه حقيقة اللفظ ~~وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين, وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع, ~~وإلا فالظاهر يقتضيه. ألا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل واحد منهما كأنه ~~قاتل له على حياله ويقتلان ms1967 جميعا به؟ ألا ترى أن كل واحد من القاتلين لا ~~يرث وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث مما قتله منه ~~غيره؟ فلما اتفق الجميع على أنهما جميعا لا يرثان وأن كل واحد منهما كأنه ~~قاتل له وحده, كذلك في إيجاب الكفارة; إذ كانت النفس لا تتبعض, وكذلك قاتلو ~~الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله; فتجب على كل واحد كفارة تامة. ~~ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله: {أو كفارة طعام مساكين} وجعل ~~فيها صوما, فأشبهت كفارة القتل. # فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل} دل على أن الجزاء ~~إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن يكونوا جماعة أو واحدا, وأنت تقول يجب ~~عليهم جزاءان # PageV02P597 ### | باب صيد البحر # قال الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} . روي عن ابن عباس وزيد بن ~~ثابت وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة والسدي ومجاهد قالوا: "صيده ما ~~صيد طريا بالشباك ونحوها". فأما قوله: {وطعامه} . فقد روي عن أبي بكر وعمر ~~وابن عباس # PageV02P598 ### | ذكر الخلاف في ذلك: # قال أصحابنا: "لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك", وهو قول الثوري رواه ~~عنه أبو إسحاق الفزاري. وقال ابن أبي ليلى: "لا بأس بأكل كل شيء يكون في ~~البحر من الضفدع وحية الماء وغير ذلك", وهو قول مالك بن أنس; وروي مثله عن ~~الثوري, قال الثوري: "ويذبح". وقال الأوزاعي "صيد البحر كله حلال", ورواه ~~عن مجاهد. وقال الليث بن سعد: "ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال ~~له فرس الماء, ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء". وقال الشافعي: "ما ~~يعيش في الماء حل كله وأخذه ذكاته, ولا بأس بخنزير الماء". # واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} وهو على ~~جميعه; إذ لم يخصص شيئا منه. ولا دلالة فيه على ما ذكروا; لأن قوله تعالى: ~~{أحل لكم صيد البحر} إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه ms1968 للمحرم, ولا دلالة ~~فيه على أكله. والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: {وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما} فخرج الكلام مخرج بيان اختلاف حكم صيد البر والبحر على المحرم. ~~وأيضا فإن الصيد اسم مصدر, وهو اسم للاصطياد وإن كان قد يقع على المصيد, ~~ألا ترى أنك تقول: "صدت صيدا"؟ وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما للاصطياد الذي ~~هو فعل الصائد, ولا دلالة فيه إذا أريد به ذلك على إباحة الأكل وإن كان قد ~~يعبر به عن المصيد, إلا أن ذلك مجاز; لأنه تسمية للمفعول باسم الفعل, ~~وتسمية الشيء باسم غيره إنما هو استعارة. ويدل على بطلان قول من أباح جميع ~~حيوان الماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك ~~والجراد" , فخص من الميتات هذين, وفي ذلك دليل على أن المخصوص من جملة ~~الميتات المحرمة بقوله: {حرمت عليكم الميتة} هو هذان دون غيرهما لأن ما ~~عداهما قد شمله عموم التحريم بقوله: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ~~وقوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة} وذلك عموم في ميتة البر والبحر. ومن ~~أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور دلالة على حظره ما عداه. وأيضا ~~لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من الميتات دل تفرقه على اختلاف ~~حالهما; ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولحم الخنزير} [المائدة: 3, البقرة: ~~173, النحل:115] وذلك عموم في خنزير الماء كهو في خنزير البر. فإن قيل: إن ~~خنزير الماء إنما يسمى حمار الماء. قيل له: إن سماه إنسان حمارا لم يسلبه ~~ذلك اسم الخنزير المعهود له في اللغة, فينتظمه عموم التحريم. ويدل عليه ~~حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن ~~عثمان قال: ذكر طبيب الدواء عند النبي صلى الله عليه وسلم وذكر # PageV02P600 ### | باب أكل المحرم لحم صيد الحلال # قال الله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} . فروي عن علي وابن ~~عباس "أنهما كرها للمحرم أكل صيد اصطاده حلال" إلا أن إسناد حديث علي ليس ~~بقوي, ms1969 يرويه علي بن زيد, وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقفه ~~بعضهم. وروي عن عثمان وطلحة بن عبيد الله وأبي قتادة وجابر وغيرهم إباحته. ~~وروى عبد الله بن أبي قتادة # PageV02P601 ### | باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال أبو بكر: أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~مواضع من كتابه, وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه ~~فيه, وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه, وإن كان قد تعرض أحوال من ~~التقية يسع معها السكوت. فمما ذكره الله تعالى حاكيا عن لقمان: {يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور} [لقمان:17] يعني والله أعلم: واصبر على ما ساءك من المكروه عند ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنما حكى الله تعالى لنا ذلك عن عبده ~~لنقتدي به وننتهي إليه. وقال تعالى فيما مدح به سالف الصالحين من الصحابة: ~~{التائبون العابدون} [التوبة: 112] إلى قوله: {الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر والحافظون لحدود الله} [التوبة: 112] , وقال تعالى: {كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة:79] . وحدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: # PageV02P608 ### | مطلب: في ذم الحججاج الظالم # ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي ~~سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس. وقد ~~حكي أن الحجاج لما مات قال الحسن: "اللهم أنت أمته فاقطع سنته فإنه أتانا ~~أخيفش أعيمش1 يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز ~~وجل, يرجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة, لا من ~~الله يتقي ولا من الناس يستحي, فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول ~~له قائل الصلاة أيها الرجل" ثم قال الحسن: "هيهات والله حال دون ذلك السيف ~~والسوط" وقال عبد الملك بن عمير: "خرج الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال ~~يعبر مرة عن أهل الشام ms1970 يمدحهم ومرة عن أهل العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس ~~إلا حمرة على شرف المسجد, ثم أمر المؤذن فأذن فصلى بنا الجمعة, ثم أذن فصلى ~~بنا العصر, ثم أذن فصلى بنا المغرب, فجمع بين الصلوات يومئذ". فهؤلاء السلف ~~كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد واللسان. وقد كان فقهاء ~~التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره, ~~فجرت بينهم تلك الحروب المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم ~~يبق أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه. وقد روى ابن مسعود في ذلك ما ~~حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد ~~قال: حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن ~~عبد الله بن مسعود, أنه ذكر عنده هذه الآية: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم} فقال: لم يجئ تأويلها بعد, إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي ~~قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن, وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومنه آي وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير, ~~ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم, ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة, ومنه آي ~~يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار, قال: فما دامت قلوبكم واحدة ~~وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف ~~PageV02P611 ### | باب الشهادة على الوصية في السفر # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} قد اختلف في معنى ~~الشهادة ههنا, فقال قائلون: "هي الشهادة على الوصية في السفر" وأجازوا بها ~~شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر. وروى الشعبي عن أبي موسى أن ~~رجلا مسلما توفي بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته, فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب, فأحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ~~ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا, وإنها لوصية الرجل ms1971 وتركته; فأمضى أبو موسى ~~شهادتهما وقال: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال آخرون: "معنى: {شهادة بينكم} حضور الوصيين, من قولك شهدته ~~إذا حضرته". وقال آخرون: "إنما الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب ~~الورثة بهما", وهو قول مجاهد. فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية ~~التي تثبت بها عند الحكام, وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ; وروي مثله عن شريح, ~~وهو قول الثوري وابن أبي ليلى والأوزاعي وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ~~وسعيد بن جبير وابن سيرين وعبيدة وشريح والشعبي: {أو آخران من غيركم} : "من ~~غير ملتكم". وروي عن الحسن والزهري: "من غير قبيلتكم". # فأما تأويل من تأولها على اليمين دون الشهادة التي تقام عند الحكام, فقول ~~مرغوب عنه, وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة في نحو قوله تعالى: {فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] لأن الشهادة إذا أطلقت فهي الشهادة ~~المتعارفة, كقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] كل ذلك قد عقل به الشهادات على الحقوق لا ~~الأيمان; وكذلك قوله تعالى: {شهادة بينكم} المفهوم فيه الشهادة المتعارفة. ~~ويدل عليه قوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} ويبعد أن يكون المراد أيمان ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت لأن حال الموت ليس حالا للأيمان. ثم زاد بذلك ~~بيانا بقوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} يعني والله أعلم: إن ~~لم يوجد ذوا عدل منكم; ولا يختلف في حكم اليمين وجود ذوي العدل وعدمهم. ~~وقوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} يدل على ذلك أيضا; لأن اليمين موجودة ~~ظاهرة غير مكتومة, ثم ذكر يمين الورثة بعد اختلاف الوصيين على مال الميت, ~~وإنما الشهادة التي هي اليمين هي المذكورة في قوله: {لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما} ثم قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني به ~~الشهادة # PageV02P613 ### | مطلب: في موضع الاستحلاف # وقوله تعالى: {تحبسونهما من ms1972 بعد الصلاة} فإنه روي عن ابن سيرين وقتادة: ~~استحلفا بعد العصر; وإنما استحلفا بعد العصر تغليظا لليمين في الوقت المعظم ~~كما قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] قيل ~~صلاة العصر; وقد روي عن أبي موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه القصة. وقد ~~روي تغليظ اليمين بالاستحلاف في البقعة المعظمة. وروى جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة فليتبوأ مقعده ~~من النار ولو على سواك أخضر" ; فأخبر أن اليمين الفاجرة عند المنبر أعظم ~~مأثما, وكذلك سائر المواضع الموسومة للعبادات ولتعظيم الله تعالى وذكره ~~فيها تكون المعاصي فيها أعظم إثما, ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في المسجد ~~الحرام وفي الكعبة أعظم مأثما منه في غيره؟ وليست اليمين عند المنبر وفي ~~المسجد في الدعاوى بواجبة, وإنما ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب. وحكي ~~عن الشافعي أنه يستحلف بالمدينة عند المنبر; واحتج له بعض أصحابه بحديث ~~جابر الذي ذكرنا, وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للحضرمي: "لك يمينه" قال: إنه رجل فاجر لا يبالي, قال: "ليس لك منه إلا ~~ذلك" فانطلق ليحلف, فلما أدبر ليحلف قال: "من حلف على مال ليأكله ظلما لقي ~~الله وهو عنه معرض" وبحديث الأشعث بن قيس, وفيه: فانطلق ليحلف. فقالوا: ~~قوله: "من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة" يدل على أن الأيمان قد كانت ~~تكون عنده. قال أبو بكر: وليس فيه دلالة على أن ذلك مسنون. وإنما قال ذلك ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجلس هناك, فلذلك كان يقع الاستحلاف ~~عند المنبر, واليمين عند المنبر أعظم مأثما إذا كانت كاذبة لحرمة الموضع, ~~فلا دلالة فيه على أنه ينبغي أن تكون عند المنبر; والشافعي لا يستحلف في ~~الشيء التافه عند المنبر, وقد ذكر في الحديث: "ولو على سواك أخضر" فقد خالف ~~الخبر على أصله. وأما قوله: "انطلق ليحلف" وأنه لما أدبر قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما ms1973 قال, فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب إلى # PageV02P616 ### | فصل # قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وذلك ~~لأنها قد اقتضت جواز شهادتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة أجوز فقد دلت ~~الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر; ولما نسخ منها ~~جوازها على المسلمين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم} [البقرة: 282] نفى بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم, ونسخ بذلك ~~قوله: {أو آخران من غيركم} وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في ~~الوصية في السفر. وإذا كان حكمها باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية ~~في السفر اقتضى ذلك جوازها عليهم في سائر الحقوق لأن كل من يجيزها على أهل ~~الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على المسلمين في ذلك أجازها على أهل ~~الذمة في سائر الحقوق. # فإن قال قائل: فإن ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل ~~الذمة على وصية المسلم في السفر على ما روي عن أبي موسى وشريح, ولا ~~يجيزونها على الذمي في سائر الحقوق. قيل له: قد بينا أنها منسوخة على ~~المسلمين باقية على أهل الذمة في سائر الحقوق. وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم ~~على بعض وإن اختلفت مللهم قول أصحابنا وعثمان البتي والثوري; وقال ابن أبي ~~ليلى والأوزاعي والحسن وصالح والليث: "تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ~~ولا تجوز على ملة غيرها". وقال مالك والشافعي: "لا تجوز شهادة أهل الكفر ~~بعضهم على بعض". وما ذكرنا من دلالة الآية يقتضي تساوي شهادات أهل الملل ~~بقوله تعالى: {أو آخران من غيركم} يعني غير المؤمنين المبدوء بذكرهم, ولم ~~تفرق بين الملل. ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل # PageV02P617 ### | المجلد الثالث # سورة الأنعام ### | باب النهي عن مجالسة الظالمين # ... ### | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # باب النهي عن مجالسة الظالمين # قال الله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ms1974 فأعرض عنهم} الآية، ~~فأمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله، وهي القرآن، ~~بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضي الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما ~~يكون منهم إلا أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره. وهذا يدل على أن علينا ~~ترك مجالسة الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز ~~على الله تعالى إذا لم يمكنا إنكاره وكنا في تقية من تغييره باليد أو ~~اللسان; لأن علينا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله به إلا ~~أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه # قوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان} المراد: إن أنساك الشيطان ببعض الشغل ~~فقعدت معهم وأنت ناس للنهي فلا شيء عليك في تلك الحال. ثم قال تعالى: {فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} يعني: بعدما تذكر نهي الله تعالى لا ~~تقعد مع الظالمين. وذلك عموم في النهي عن مجالسة سائر الظالمين من أهل ~~الشرك وأهل الملة لوقوع الاسم عليهم جميعا، وذلك إذا كان في ثقة من تغييره ~~بيده أو بلسانه بعد قيام الحجة على الظالمين بقبح ما هم عليه، فغير جائز ~~لأحد مجالستهم مع ترك النكير سواء كانوا مظهرين في تلك الحال للظلم ~~والقبائح أوغير مظهرين له; لأن النهي عام عن مجالسة الظالمين; لأن في ~~مجالستهم مختارا مع ترك النكير دلالة على الرضا بفعلهم ونظيره قوله تعالى: ~~{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} [المائدة:78] الآيات، وقد تقدم ذكر ما ~~روي فيه، وقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} ~~[هود:113] . # قوله تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ~~وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت} قال قتادة: هي منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين} # PageV03P003 # [التوبة:5] وقال مجاهد: ليست بمنسوخة، لكنه على جهة التهدد كقوله تعالى: ~~{ذرني ومن خلقت وحيدا} وقوله {تبسل} قال الفراء: "ترتهن" وقال الحسن ومجاهد ~~والسدي: "تسلم". وقال قتادة: "تحبس". وقال ابن عباس: "تفضح". وقيل: أصله ~~الارتهان، وقيل: التحريم، ويقال أسد باسل لأن فريسته مرتهنة به لا تفلت ms1975 ~~منه، وهذا بسل عليك أي حرام عليك لأنه مما يرتهن به، ويقال: أعطي الراقي ~~بسلته أي أجرته لأن العمل مرتهن بالأجرة، والمستبسل المستسلم لأنه بمنزلة ~~المرتهن بما أسلم فيه # قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي} قيل فيه ثلاثة ~~أوجه: أحدها: أنه قال ذلك في أول حال نظره واستدلاله على ما سبق إلى وهمه ~~وغلب في ظنه; لأن قومه قد كانوا يعبدون الأوثان على أسماء الكواكب فيقولون ~~هذا صنم زحل وصنم الشمس وصنم المشتري، ونحو ذلك. والثاني: أنه قال قبل ~~بلوغه وقبل، إكمال الله تعالى عقله الذي به يصح التكليف، فقال ذلك وقد خطرت ~~بقلبه الأمور وحركته الخواطر والدواعي على الفكر فيما شاهده من الحوادث ~~الدالة على توحيد الله تعالى وروي في الخبر أن أمه كانت ولدته في مغار خوفا ~~من نمرود لأنه كان يقتل الأطفال المولودين في ذلك الزمان، فلما خرج من ~~المغار قال هذا القول حين شاهد الكواكب. والثالث: أنه قال ذلك على وجه ~~الإنكار على قومه، وحذف الألف وأراد: أهذا ربي قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # ومعناه: أكذبتك. وقال آخر: # رقوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # معناه: أهم هم ومعنى قوله: {لا أحب الآفلين} إخبار بأنه ليس برب ولو كان ~~ربا لأحببته وعظمته تعظيم الرب وهذا الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من ~~أصح ما يكون من الاستدلال وأوضحه، وذلك أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه ~~قرر نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا، فلما ~~رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ~~ليس برب; لأنه علم أن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل ~~فيه كما استحال ذلك منه إذ كان محدثا، فحكم بمساواته له في جهة الحدوث ~~وامتناع كونه خالقا ربا ثم لما طلع القمر فوجده من العظم والإشراق وانبساط ~~النور على خلاف الكوكب قرر أيضا نفسه ms1976 على حكمه فقال: هذا ربي، فلما راعاه ~~وتأمل وجده في معناه في باب مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال ~~والزوال حكم له بحكمه وإن كان أكبر وأضوأ منه، ولم يمنعه ما شاهد من ~~اختلافهما من العظم والضياء من أن يقضي به بالحدوث لوجود # PageV03P004 # دلالات الحدث فيه ثم لما أصبح رأى الشمس طالعة في عظمها وإشراقها وتكامل ~~ضيائها قال: هذا ربي; لأنها بخلاف الكوكب والقمر في هذه الأوصاف، ثم لما ~~رآها آفلة منتقلة حكم لها بالحدوث أيضا وأنها في حكم الكوكب والقمر لشمول ~~دلالة الحدث للجميع. # وفيما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام وقوله عقيب ذلك: {وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} أوضح دلالة على وجوب الاستدلال على ~~التوحيد وعلى بطلان قول الحشو القائلين بالتقليد; لأنه لو جاز لأحد أن ~~يكتفي بالتقليد لكان أولاهم به إبراهيم عليه السلام فلما استدل إبراهيم على ~~توحيد الله واحتج به على قومه ثبت بذلك أن علينا مثله; وقد قال في نسق ~~التلاوة عند ذكره إياه مع سائر الأنبياء: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} فأمرنا الله تعالى بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد والاحتجاج ~~به على الكفار. # ومن حيث دلت أحوال هذه الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب ~~فهي دالة أيضا على أن من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء ~~والذهاب لا يجوز أن يكون ربا خالقا وأنه يكون مربوبا، فدل على أن الله ~~تعالى لا يجوز عليه الانتقال ولا الزوال ولا المجيء ولا الذهاب، لقضية ~~استدلال إبراهيم عليه السلام بأن من كان بهذه الصفة فهو محدث، وثبت بذلك أن ~~من عبد ما هذه صفته فهو غير عالم بالله تعالى وأنه بمنزلة من عبد كوكبا أو ~~بعض الأشياء المخلوقة وفيه الدلالة على أن معرفة الله تعالى تجب بكمال ~~العقل قبل إرسال الرسل; لأن إبراهيم عليه السلام استدل عليها قبل أن يسمع ~~بحجج الأنبياء عليهم السلام. # قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} . يعني والله أعلم ما ~~ذكر ms1977 من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وأن من كان في مثل حالها ~~من مقارنة الحوادث له لا يكون إلها. ولما قرر ذلك عندهم قال: {فأي الفريقين ~~أحق بالأمن} أمن يعبد إلها واحدا أحق أم من يعبد آلهة شتى؟ قالوا: من يعبد ~~إلها واحدا، فأقروا على أنفسهم فصاروا محجوجين. وقيل إنهم لما قالوا له أما ~~تخاف أن يخبلك آلهتنا؟ قال لهم: أما تخافون أن تخبلكم بجمعكم الصغير مع ~~الكبير في العبادة؟ فأبطل ذلك حجاجهم عليه من حيث رجع عليهم ما أرادوا ~~إلزامه إياه فألزمهم مثله على أصلهم وأبطل قولهم بقوله. # قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} أمر لنا بالاقتداء بمن ~~ذكر من الأنبياء في الاستدلال على توحيد الله تعالى على نحو ما ذكرنا من ~~استدلال إبراهيم عليه السلام ويحتج بعمومه في لزوم شرائع من كان قبلنا من ~~الأنبياء بأنه لم يخصص بذلك # PageV03P005 # الاستدلال على التوحيد من الشرائع السمعية وهو على الجميع، وقد بينا ذلك ~~في أصول الفقه. # قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} يقال إن الإدراك أصله ~~اللحوق، نحو قولك: أدرك زمان المنصور، وأدرك أبا حنيفة، وأدرك الطعام أي ~~لحق حال النضج، وأدرك الزرع والثمرة، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال ~~وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه; لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن ~~قول القائل: أدركت ببصري شخصا معناه رأيته ببصري، ولا يجوز أن يكون الإدراك ~~الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له، فقوله تعالى: {لا تدركه ~~الأبصار} معناه: لا تراه الأبصار، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار كقوله ~~تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن إثبات ضده ~~ذم ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصفة ب {لا ~~تأخذه سنة ولا نوم} لم يبطل إلا إلى صفة نقص، فلما تمدح بنفي رؤية البصر ~~عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال; إذ كان فيه إثبات صفة نقص ولا يجوز أن ~~يكون مخصوصا بقوله تعالى ms1978 {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} لأن النظر ~~محتمل لمعان، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف، فلما كان ذلك ~~محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه. والأخبار ~~المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت، وهو علم الضرورة الذي لا ~~تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك; لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة. # قوله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} معناه: لو شاء الله أن يكونوا على ~~ضد الشرك من الإيمان قسرا ما أشركوا; لأن المشيئة إنما تتعلق بالفعل أن ~~يكون لا بأن لا يكون، فمتعلق المشيئة محذوف; وإنما المراد بهذه المشيئة ~~الحال التي تنافي الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا ومنعا وإلجاء، فهذه ~~الحال لا يشاؤها الله تعالى لأن المنع من المعصية بهذه الوجوه منع من ~~الطاعة وإبطال للثواب والعقاب في الآخرة. # قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم} قال السدي: لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها. ~~وقيل: "لا تسبوا الأصنام فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما ~~سببتم من يعبدون". وفي ذلك دليل على أن المحق عليه أن يكف عن سب السفهاء ~~الذين يتسرعون إلى سبه على وجه المقابلة له لأنه بمنزلة البعث على المعصية. # قوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين} ظاهره ~~أمر ومعناه الإباحة، كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة:2] {فإذا ~~قضيت # PageV03P006 # الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة:10] هذا إذا أراد بأكله التلذذ فهو ~~إباحة ويحتمل الترغيب في اعتقاد صحة الإذن في أكله للاستعانة به على طاعة ~~الله تعالى، فيكون آكله في هذه الحال مأجورا ومن الناس من يقول: {إن كنتم ~~بآياته مؤمنين} يدل على حظر أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لاقتضائه مخالفة ~~المشركين في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وقوله {مما ذكر اسم الله عليه} ~~عموم في سائر الأذكار، ويحتج به على جواز أكل ذبح ms1979 الغاصب للشاة المغصوبة ~~وفي الذبح بسكين مغصوبة أن المالك للشاة له أكلها لقوله تعالى: {فكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه} إذ كان ذلك مما قد ذكر اسم الله عليه. # قوله تعالى: {وذروا ظاهر الأثم وباطنه} قال الضحاك: كان أهل الجاهلية ~~يرون إعلان الزنا إثما والاستسرار به غير إثم، فقال الله تعالى: {وذروا ~~ظاهر الأثم وباطنه} وهو عموم في سائر ما يسمى بهذا الاسم أن عليه تركه سرا ~~وعلانية، فهو يوجب تحريم الخمر أيضا لقوله تعالى: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة:219] ويجوز أن يكون ظاهر الإثم ما ~~يفعله بالجوارح، وباطنه ما يفعله بقلبه من الاعتقادات والفصول ونحوها مما ~~حظر عليه فعله منها. # مطلب: الأقوال في ترك التسمية على الذبيحة # قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} فيه نهي ~~عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. وقد اختلف في ذلك، فقال أصحابنا ومالك ~~والحسن بن صالح: إن ترك المسلم التسمية عمدا لم يؤكل وإن تركها ناسيا أكل. ~~وقال الشافعي: "يؤكل في الوجهين"، وذكر مثله عن الأوزاعي وقد اختلف أيضا في ~~تارك التسمية ناسيا، فروي عن علي وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد ~~بن المسيب وابن شهاب وطاوس قالوا: لا بأس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه. ~~وقال علي: "إنما هي على الملة". وقال ابن عباس: المسلم ذكر الله في قلبه ~~وقال: كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الملة. وقال عطاء: ~~المسلم تسمية اسم الله تعالى; المسلم هو اسم من أسماء الله تعالى، والمؤمن ~~هو اسم من أسمائه، والمؤمن تسمية للذابح. وروى أبو خالد الأصم عن ابن عجلان ~~عن نافع: "أن غلاما لابن عمر قال له: يا عبد الله قل بسم الله قال: قد قلت، ~~قال: قل بسم الله قال: قد قلت، قال: قل بسم الله قال: قد قلت، قال: فذبح ~~فلم يأكل منه" وقال ابن سيرين: إذا ترك التسمية ناسيا لم يؤكل. وروى يونس ~~بن عبيد ms1980 عن مولى لقريش عن أبيه: "أنه أتى على غلام لابن عمر قائما عند # PageV03P007 # قصاب ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها، فأمره ابن عمر أن يقوم عنده ~~فإذا جاء إنسان يشتري قال: ابن عمر يقول إن هذه لم يذكها فلا تشتر". وروى ~~شعبة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يذبح فينسى أن يسمي قال: "أحب إلي أن لا ~~يأكل". # وظاهر الآية موجب لتحريم ما ترك اسم الله عليه ناسيا كان ذلك أو عامدا، ~~إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على أن النسيان غير مراد به; فأما من أباح ~~أكله مع ترك التسمية عمدا فقوله مخالف للآية غير مستعمل لحكمها بحال، هذا ~~مع مخالفته للآثار المروية في إيجاب التسمية على الصيد والذبيحة. # فإن قيل: إن المراد بالنهي الذبائح التي ذبحها المشركون، ويدل عليه ما ~~روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال المشركون: أما ما ~~قتل ربكم فمات فلا تأكلونه وأما ما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلونه فأوحى الله ~~تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه} قال: "الميتة". ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة: {ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم} فإذا كانت الآية في الميتة وفي ذبائح المشركين فهي ~~مقصورة الحكم ولم يدخل فيها ذبائح المسلمين. قيل له: نزول الآية على سبب لا ~~يوجب الاقتصار بحكمها عليه بل الحكم للعموم إذا كان أعم من السبب، فلو كان ~~المراد ذبائح المشركين لذكرها ولم يقتصر على ذكر ترك التسمية، وقد علمنا أن ~~المشركين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح ~~المشركين; إذ كانت ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا، وقد نص ~~الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين في غير هذه الآية وهو قوله تعالى: ~~{وما ذبح على النصب} [المائدة:3] وأيضا فلو أراد ذبائح المشركين أو الميتة ~~لكانت دلالة الآية قائمة على فساد التذكية بترك التسمية; إذ جعل ترك ~~التسمية علما لكونه ms1981 ميتة، فدل ذلك على أن كل ما تركت التسمية عليه فهو ~~ميتة. وعلى أنه قد روي عن ابن عباس ما يدل على أن المراد التسمية دون ذبيحة ~~الكافر. وهو ما رواه إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم} قال: كانوا يقولون: ما ذكر اسم الله عليه فلا تأكلوه ~~وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه، فقال الله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه} ، فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن المجادلة منهم كانت ~~في ترك التسمية وأن الآية نزلت في إيجابها لا من طريق ذبائح المشركين ولا ~~الميتة. # ويدل على أن ترك التسمية عامدا يفسد الزكاة قوله تعالى: {يسألونك ماذا ~~أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة:4] إلى ~~قوله: {واذكروا اسم الله عليه} [المائدة:4] ومعلوم أن ذلك أمر يقتضي ~~الإيجاب وأنه غير # PageV03P008 # واجب على الآكل، فدل على أنه أراد به حال الاصطياد، والسائلون قد كانوا ~~مسلمين فلم يبح لهم الأكل إلا بشريطة التسمية; ويدل عليه قوله تعالى: ~~{فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج:36] يعني في حال النحر; لأنه قال الله ~~تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج:36] والفاء للتعقيب. ويدل عليه من جهة ~~السنة حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب، ~~فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل إذا أمسك عليك، وإن ~~وجدت معه كلبا آخر وقد قتله فلا تأكله" فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم ~~تذكره على غيره وقد كان عدي بن حاتم مسلما، فأمره بالتسمية على إرسال الكلب ~~ومنعه الأكل عند عدم التسمية بقوله: "فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على ~~كلبك". وقد اقتضت الآية النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه والنهي عن ~~ترك التسمية أيضا. ويدل على تأكيد النهي عن ذلك قوله تعالى: {وإنه لفسق} ~~وهو راجع إلى الأمرين من ترك التسمية ومن الأكل ويدل أيضا على أن المراد ~~حال تركها ms1982 عامدا; إذ كان الناسي لا يجوز أن تلحقه سمة الفسق ويدل عليه ما ~~روى عبد العزيز الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الناس ~~قالوا: يا رسول الله إن الأعراب يأتون باللحم فبتنا عندهم وهم حديثو عهد ~~بكفر لا ندري ذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا عليه الله وكلوا"، ~~فلو لم تكن التسمية من شرط الذكاة لقال: وما عليكم من ترك التسمية، ولكنه ~~قال: "كلوا" لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الجواز والصحة فلا تحمل ~~على الفساد وما لا يجوز إلا بدلالة # فإن قيل: لو كان المراد ترك المسلم التسمية لوجب أن يكون من استباح أكله ~~فاسقا لقوله تعالى: {وإنه لفسق} فلما اتفق الجميع على أن المسلم التارك ~~للتسمية عامدا غير مستحق بسمة الفسق دل على أن المراد الميتة أو ذبائح ~~المشركين قيل له: ظاهر قوله: {وإنه لفسق} عائد على الجميع من المسلمين ~~وغيرهم وقيام الدلالة على خصوص بعضهم غير مانع بقاء حكم الآية في إيجاب ~~التسمية على المسلم في الذبيحة. وأيضا فإنا نقول: من ترك التسمية عامدا مع ~~اعتقاده لوجوبها هو فاسق. وكذلك من أكل ما هذا سبيله مع الاعتقاد; لأن ذلك ~~من شرطها فقد لحقته سمة الفسق، وأما من اعتقد أن ذلك في الميتة أو ذبائح ~~أهل الشرك دون المسلمين فإنه لا يكون فاسقا لزواله عند حكم الآية بالتأويل. # فإن قال قائل: لما كانت التسمية ذكرا ليس بواجب في استدامته ولا في ~~انتهائه وجب أن لا يكون واجبا في ابتدائه، ولو كان واجبا لاستوى فيه العامد ~~والناسي. قيل له: # PageV03P009 # أما القياس الذي ذكره فهو دعوى محض لم يرده على أصل فلا يستحق الجواب، ~~على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين وكذلك في التلبية والاستئذان وما شاكل ~~هذا لأن هذه إذا كانت ليست بواجبة في استدامتها وانتهائها ومع ذلك فهي ~~واجبة في الابتداء. # وإنما قلنا إن ترك التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة، من قبل أن قوله ~~تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ms1983 عليه} خطاب للعامد دون الناسي; ~~ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: {وإنه لفسق} وليس ذلك صفة للناسي; ~~ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف للتسمية، وروى الأوزاعي عن عطاء بن أبي ~~رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وإذا لم ~~يكن مكلفا للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك ~~التسمية، وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه، وليس ذلك مثل نسيان ~~تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض ~~آخر، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها. # فإن قيل: لو كانت التسمية من شرائط الذكاة لما أسقطها النسيان، كترك قطع ~~الأوداج. وهذا السؤال للفريقين: من أسقط التسمية رأسا، ومن أوجبها في حال ~~النسيان; فأما من أسقطها فإنه يستدل علينا باتفاقنا على سقوطها في حال ~~النسيان، وشرائط الذكاة لا يسقطها النسيان كترك قطع الأوداج، فدل على أن ~~التسمية ليست بشرط فيها، ومن أوجبها في حال النسيان يشبهها بترك قطع ~~الحلقوم والأوداج ناسيا أو عامدا أنه يمنع صحة الذكاة. فأما من أسقط فرض ~~التسمية رأسا فإن هذا السؤال لا يصح له; لأنه يزعم أن ترك الكلام من فروض ~~الصلاة وكذلك فعل الطهارة وهما جميعا من شروطها، ثم فرق بين تارك الطهارة ~~ناسيا وبين المتكلم في الصلاة ناسيا; وكذلك النية شرط في صحة الصوم وترك ~~الأكل أيضا شرط في صحته، ولو ترك النية ناسيا لم يصح صومه ولو أكل ناسيا لم ~~يفسد صومه، فهذا سؤال ينتقض على أصل هذا السائل. وأما من أوجبها في حال ~~النسيان واستدل بقطع الأوداج فإنه لا يصح له ذلك أيضا لأن قطع الأوداج هو ~~نفس الذبح الذي ينافي موته حتف أنفه وينفصل به من الميتة، والتسمية مشروطة ~~لذلك لا على أنها نفس الذبح بل هي مأمور بها عنده في حال الذكر دون حال ~~النسيان، ms1984 فلم يخرجه عدم التسمية على وجه السهو من وجود الذبح، فلذلك ~~اختلفا. # قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} الآية الحرث ~~الزرع، والحرث الأرض التي تثار للزرع; قال ابن عباس وقتادة عمد أناس من أهل ~~الضلالة فجزءوا من حروثهم ومواشيهم جزءا لله تعالى وجزءا لشركائهم، فكانوا ~~إذا خالط # PageV03P010 # شيء مما جزءوا لشركائهم ما جزءوا لله تعالى ردوه على شركائهم، وكانوا إذا ~~أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله تعالى ووفروا ما جزءوا لشركائهم. ~~وقيل: إنهم كانوا إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله تعالى ولا ~~يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى، قال ذلك الحسن والسدي. وقيل: "إنهم كانوا ~~يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ذلك فيما ~~جعلوه للأوثان". وإنما جعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من ~~أموالهم ينفقونها عليها فشاركوها في نعمهم. # قوله تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} . قال الضحاك: الحرث الزرع الذي ~~جعلوه لأوثانهم، وأما الأنعام التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لأوثانهم كما ~~جعلوا الحرث للنفقة عليها في سدنتها وما ينوب من أمرها. وقيل: "ما جعل منها ~~قربانا للأوثان"، وأما الأنعام التي ذكرت ثانيا فإن الحسن ومجاهدا قالا: هي ~~السائبة والوصيلة والحامي، وأما التي ذكرت ثالثا فإن السدي وغيره قالوا: ~~"هي التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها"، وقال ~~أبو وائل: "هي التي لا يحجون عليها". وقوله تعالى: {حجر} قال قتادة: يعني ~~حرام، وأصله المنع، قال الله تعالى: {ويقولون حجرا محجورا} [الفرقان:22] أي ~~حراما محرما. قوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} ~~قال ابن عباس: "يعنون اللبن". وقال سعيد عن قتادة: "ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا": البحائر كانت للذكور دون النساء، وإن كانت ميتة اشترك فيها ~~ذكورهم وإناثهم} . قوله تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~وحرموا ما رزقهم الله} قال قتادة: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ~~تحريما من الشيطان في أموالهم. وقال مجاهد والسدي: ms1985 ما في بطون هذه الأنعام ~~يعني بها الأجنة وقال غيرهم: "أراد بها الألبان والأجنة جميعا" والخالص هو ~~الذي يكون على معنى واحد لا يشوبه شيء من غيره كالذهب الخالص، ومنه إخلاص ~~التوحيد وإخلاص العمل لله تعالى وإنما أنث خالصة على المبالغة في الصفة، ~~كالعلامة والراوية، وقيل: على تأنيث المصدر، نحو العاقبة والعافية، ومنه: ~~{بخالصة ذكرى الدار} ### | [ص:46] # وقيل: لتأنيث ما في بطونها من الأنعام، ويقال: فلان خالصة فلان وخلصانه. # وقوله تعالى: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} يعني أجنة الأنعام إذا كانت ~~ميتة استوى ذكرهم وأنثاهم فيها فأكلوها جميعا قال أبو بكر: وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: إذا أردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ~~والمائة من سورة الأنعام # PageV03P011 # إلى قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم ~~الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} . # قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} إلى قوله: {وآتوا ~~حقه يوم حصاده} قال ابن عباس والسدي: {معروشات} ما عرش الناس من الكروم ~~ونحوها، وهو رفع بعض أغصانها على بعض. وقيل إن تعريشه أن يحظر عليه بحائط، ~~وأصله الرفع، ومنه: {خاوية على عروشها} [البقرة:259] [الكهف:42] [الحج:45] ~~أي على أعاليها وما ارتفع منها، والعرش السرير لارتفاعه ذكر الله تعالى ~~الزرع والنخل والزيتون والرمان ثم قال: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه ~~يوم حصاده} وهو عطف على جميع المذكور، فاقتضى ذلك إيجاب الحق في سائر ~~الزروع والثمار المذكورة في الآية. # وقد اختلف في المراد بقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فروي عن ابن ~~عباس وجابر بن زيد ومحمد ابن الحنفية والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وزيد بن ~~أسلم وقتادة والضحاك: أنه العشر ونصف العشر. وروي عن ابن عباس رواية أخرى ~~ومحمد ابن الحنفية والسدي وإبراهيم: نسخها العشر ونصف العشر. وعن الحسن ~~قال: نسختها الزكاة. وقال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن وروي عن ~~ابن عمر ومجاهد: أنها محكمة وأنه حق واجب عند ms1986 الصرام غير الزكاة. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن جداد الليل وعن صرام الليل" قال ~~سفيان بن عيينة: هذا لأجل المساكين كي يحضروا قال مجاهد: إذا حصدت طرحت ~~للمساكين منه، وكذلك إذا نقيت وإذا كدست، ويتركون يتبعون آثار الحصادين، ~~وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وإذا أخذت في ~~جداد النخل طرحت لهم منه، وكذلك إذا أخذت في كيله، وإذا علمت كيله عزلت ~~زكاته وما روي عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم أن قوله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} منسوخ بالعشر ونصف العشر، يبين أن مذهبهم تجويز نسخ ~~القرآن بالسنة. وقد اختلف الفقهاء فيما يجب فيه العشر من وجهين: أحدهما: في ~~الصنف الموجب فيه، والآخر في مقداره. # ذكر الخلاف في الموجب فيه # قال أبو حنيفة وزفر: "في جميع ما تخرجه الأرض العشر إلا الحطب والقصب ~~والحشيش". وقال أبو يوسف ومحمد: "لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ~~ثمرة باقية". وقال مالك: "الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير ~~والسلت والذرة # PageV03P012 # والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبياء وما أشبه ذلك من الحبوب ~~وفي الزيتون". وقال ابن أبي ليلى والثوري: "ليس في شيء من الزرع زكاة إلا ~~التمر والزبيب والحنطة والشعير"، وهو قول الحسن بن صالح، وقال الشافعي: ~~"إنما تجب فيما ييبس ويقتات ويدخر مأكولا، ولا شيء في الزيتون لأنه إدام". ~~وقد روي عن علي بن أبي طالب وعمر ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار: أنه ليس في ~~الخضر صدقة. وروي عن ابن عباس أنه كان يأخذ من دساتج الكراث العشر بالبصرة. # قال أبو بكر: قد تقدم ذكر اختلاف السلف في معنى قوله تعالى: {وآتوا حقه ~~يوم حصاده} وفي بقاء حكمه أو نسخه، والكلام بين السلف في ذلك من ثلاثة ~~أوجه: أحدها: هل المراد زكاة الزرع والثمار وهو العشر ونصف العشر أو حق آخر ~~غيره؟ وهل هو منسوخ أو غير منسوخ؟ فالدليل على أنه غير منسوخ اتفاق الأمة ~~على وجوب الحق ms1987 في كثير من الحبوب والثمار وهو العشر ونصف العشر، ومتى وجدنا ~~حكما قد استعملته الأمة ولفظ الكتاب ينتظمه ويصح أن يكون عبارة عنه، فواجب ~~أن يحكم أن الاتفاق إنما صدر عن الكتاب وأن ما اتفقوا عليه هو الحكم المراد ~~بالآية، وغير جائز إثباته حقا غيره ثم إثبات نسخه بقوله عليه السلام: "فيما ~~سقت السماء العشر" ; إذ جائز أن يكون ذلك الحق هو العشر الذي بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيكون قوله: "فيما سقت السماء العشر" بيانا للمراد ~~بقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} كما أن قوله: "في مائتي درهم خمسة ~~دراهم" بيان لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة:43] وقوله: {أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267] وغير جائز أن يكون ~~قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} منسوخا بالعشر ونصف العشر; لأن النسخ إنما يقع ~~بما لا يصح اجتماعهما، فأما ما يصح اجتماعهما معا فغير جائز وقوع النسخ به، ~~ألا ترى أنه يصح أن يقول: وآتوا حقه يوم حصاده وهو العشر؟ فلما كان ذلك ~~كذلك لم يجز أن يكون منسوخا به وأما من جعل هذا الحق ثابت الحكم غير منسوخ ~~وزعم أنه حق آخر غير العشر يجب عند الحصاد وعند الدياس وعند الكيل، فإنه لا ~~يخلو قوله هذا من أحد معنيين: إما أن يكون مراده عنده الوجوب، أو الندب; ~~فإن كان ندبا عنده لم يسغ له ذلك إلا بإقامة الدلالة عليه، إذ غير جائز صرف ~~الأمر عن الإيجاب إلى الندب إلا بدلالة، وإن رآه واجبا، فلو كان كما زعم ~~لوجب أن يرد النقل به متواترا لعموم الحاجة إليه، ولكان لا أقل من أن يكون ~~نقله في نقل وجوب العشر ونصف العشر، فلما لم يعرف ذلك عامة السلف والفقهاء ~~علمنا أنه غير مراد، فثبت أن هذا الحق هو العشر ونصف العشر الذي بينه عليه ~~السلام. # فإن قيل: الزكاة لا تخرج يوم الحصاد وإنما تخرج بعد التنقية، فدل على أنه ~~لم يرد # PageV03P013 # به الزكاة قيل له: الحصاد اسم للقطع، فمتى ms1988 قطعه فعليه إخراج عشر ما صار ~~في يده، ومع ذلك فالخضر كلها إنما يخرج الحق منها يوم الحصاد غير منتظر به ~~شيء غيره وقيل: إن قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} لم يجعل "اليوم" ظرفا ~~للإيتاء المأمور به وإنما هو ظرف لحقه، كأنه قال: وآتوا الحق الذي وجب يوم ~~حصاده بعد التنقية. # قال أبو بكر: ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~هو العشر، دل على وجوب العشر في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما خصه الدليل; ~~لأن الله تعالى قد ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم لسائر أصنافه، وذكر النخل ~~والزيتون والرمان ثم عقبه بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} وهو عائد إلى جميع ~~المذكور، فمن ادعى خصوص شيء منه لم يسلم له ذلك إلا بدليل، فوجب بذلك إيجاب ~~الحق في الخضر وغيرها وفي الزيتون والرمان. # فإن قيل: إنما أوجب الله تعالى هذا الحق فيما ذكر يوم حصاده، وذلك لا ~~يكون إلا بعد استحكامه ومصيره إلى حال تبقى ثمرته، فأما ما أخذ منه قبل ~~بلوغ وقت الحصاد من الفواكه الرطبة فلم يتناوله اللفظ، ومع ذلك فإن الزيتون ~~والرمان لا يحصدان فلم يدخلا في عموم اللفظ قيل له: الحصاد اسم للقطع ~~والاستيصال، قال الله تعالى: {حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء:15] ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "ترون أوباش قريش احصدوهم ~~حصدا"، فيوم حصاده هو يوم قطعه، فذلك قد يكون في الخضر وفي كل ما يقطع من ~~الثمار عن شجرة سواء كان بالغا أو أخضر رطبا وأيضا قد أوجب الآية العشر في ~~ثمر النخل عند جميع الفقهاء بقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فدل على أن ~~المراد يوم قطعه لشمول اسم الحصاد لقطع ثمر النخل، وفائدة ذكر الحصاد ههنا ~~أن الحق غير واجب إخراجه بنفس خروجه وبلوغه حتى يحصل في يد صاحبه فحينئذ ~~يلزمه إخراجه، وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق قد لزمه بخروجه قبل قطعه ~~وأخذه، فأفاد بذلك أن عليه زكاة ما حصل في ms1989 يده دون ما تلف منه ولم يحصل منه ~~في يده ويدل على وجوب العشر في جميع الخارج قوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة:267] وذلك عموم في جميع ~~الخارج. # فإن قيل: النفقة لا تعقل منها الصدقة قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها أن ~~النفقة لا يعقل منها غير الصدقة، وبهذا ورد الكتاب، قال الله تعالى: {ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:267] وقال تعالى: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة:34] وقال ~~تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} [البقرة:274] ~~الآية، وغير ذلك من الآي # PageV03P014 # الموجبة لما ذكرنا. وأيضا فإن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم} [البقرة:267] أمر، وهو يقتضي الوجوب، وليس ههنا نفقة ~~واجبة غير الزكاة والعشر; إذ النفقة على عياله واجبة وأيضا فإن النفقة على ~~نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر، فلا معنى لحمل الآية عليه. # فإن قيل: المراد صدقة التطوع. قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أن ~~الأمر على الوجوب فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل، والثاني: قوله تعالى: ~~{ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة:267] قد دل على الوجوب; لأن ~~الإغماض إنما يكون في اقتضاء الدين الواجب، فأما ما ليس بواجب فكل ما أخذه ~~منه فهو فضل وربح فلا إغماض فيه; ومن جهة السنة حديث معاذ وابن عمر وجابر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي ~~بالسانية فنصف العشر"، وهذا خبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه، فهو في ~~حيز التواتر وعمومه يوجب الحق في جميع أصناف الخارج. # فإن احتجوا بحديث يعقوب بن شيبة قال: حدثنا أبو كامل الجحدري قال: حدثنا ~~الحارث بن شهاب عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الخضراوات صدقة" قيل له: قد قال يعقوب بن ~~شيبة إن هذا حديث منكر، وكان يحيى بن ms1990 معين يقول: حديث الحارث بن شهاب ضعيف، ~~قال يحيى: وقد روى عبد السلام بن حرب هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن موسى ~~بن طلحة مرسلا، وعبد السلام ثقة; وإنما أصل حديث موسى بن طلحة ما رواه ~~يعقوب بن شيبة قال: حدثنا جعفر بن عون قال: حدثنا عمرو بن عثمان بن موهب عن ~~موسى بن طلحة أن بعض الأمراء بعث إليه في صدقة أرضه فقال: ليس عليها صدقة ~~وإنما هي أرض خضر ورطاب، إن معاذا إنما أمر أن يأخذ من النخل والحنطة ~~والشعير والعنب. فهذا أصل حديث موسى بن طلحة، وهو تأويل لحديث معاذ أنه أمر ~~بالأخذ من الأصناف التي ذكر، وليس في ذلك لو ثبت دلالة على نفي الحق عما ~~سواها; لأنه يجوز أن يكون معاذ إنما استعمل على هذه الأصناف دون غيرها ~~وأيضا فلو استقام سند موسى بن طلحة وصحت طريقته لم يجز الاعتراض به على خبر ~~معاذ في العشر ونصف العشر; لأنه خبر تلقاه الناس بالقبول واستعملوه وهم ~~مختلفون في استعمال حديث موسى بن طلحة، ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خبران فاتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر ~~كان المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه منهما خاصا كان ذلك أو ~~عاما، فوجب أن يكون قوله: "فيما سقت السماء العشر" قاضيا على خبر موسى بن ~~طلحة: # PageV03P015 # "ليس في الخضراوات صدقة" وأيضا يمكن استعمال هذا الخبر فيما يمر به على ~~العاشر على ما يقول أبو حنيفة; لأنه لا يأخذ منه العشر، ويكون خبر معاذ: ~~"فيما سقت السماء العشر" مستعملا في الجميع ومن جهة النظر أن الأرض يقصد ~~طلب نمائها بزراعتها الخضراوات كما يطلب نماؤها بزراعتها الحب، فوجب أن ~~يكون فيها العشر كالحبوب، ولا يلزم عليه الحطب والقصب والحشيش; لأن ذلك ~~ينبت في العادة إذا صادفه الماء من غير زراعة وليس يكاد يقصد بها الأرض، ~~فلذلك لم يجب فيها شيء، ولا خلاف في نفي وجوب الحق عن هذه الأشياء. # وقد اختلف فيما يأكله رب ms1991 النخل من التمر، فقال أبو حنيفة وزفر ومالك ~~والثوري: "يحسب عليه ما أكله صاحب الأرض". وقال أبو يوسف: "إذا أكل صاحب ~~الأرض وأطعم جاره وصديقه أخذ منه عشر ما بقي من ثلاثمائة الصاع التي تجب ~~فيها الزكاة ولا يؤخذ منه مما أكل أو أطعم، ولو أكل الثلاثمائة صاع وأطعمها ~~لم يكن عليه عشر، فإن بقي منها قليل أو كثير فعليه عشر ما بقي أو نصف ~~العشر". وقال الليث في زكاة الحبوب: "يبدأ بها قبل النفقة، وما أكل من فريك ~~هو وأهله فإنه لا يحتسب عليه، بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط ما يأكله ~~هو وأهله لا يخرص عليه". وقال الشافعي: "يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله ~~هو وأهله لا يخرصه عليه، ومن أكل من نخله وهو رطب لم يحتسب عليه". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} يقتضي وجوب الحق في جميع ~~المأخوذ، ولم يخصص الله تعالى ما أكله هو وأهله، فهو على الجميع. # فإن قيل: إنما أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد، فلا يجب الحق فيما أخذ منه ~~قبل الحصاد. # قيل له: الحصاد اسم للقطع، فكلما قطع منه شيئا لزمه إخراج عشره; وأيضا ~~فليس في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} دليل على نفي الوجوب عما أخذ ~~قبل الحصاد; لأنه جائز أن يريد: وآتوا حق الجميع يوم حصاده المأكول منه ~~والباقي # واحتج من لم يحتسب بالمأكول بما روى شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن قال: ~~سمعت عبد الرحمن بن مسعود يقول: جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا، فحدث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا ~~الثلث فالربع"، وهذا يحتمل أن يكون معناه ما روى سهل بن أبي حثمة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا, # PageV03P016 # فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد علي فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه" فقال: يا رسول ms1992 الله ~~لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح، فقال: "قد ~~زادك ابن عمك وأنصفك"، والعرايا هي الصدقة; فإنما أمر بذلك الثلث صدقة ويدل ~~عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية" فجمع ~~بين العرية والوصية، فدل على أنه أراد الصدقة. وروى أبو سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في العرايا صدقة"، فلم يوجب فيها ~~صدقة لأن العرية نفسها صدقة، وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر ~~يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ولا يضمنها. # ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق # فقال أبو حنيفة وزفر: يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما ~~قدمنا ذكره. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وابن أبي ليلى والليث والشافعي: "لا ~~يجب حتى يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق" وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق ~~مكيلا، فإن لم يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق من أدنى ~~الأشياء التي تدخل في الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل، فإنه روي عنه ~~أنه اعتبر عشرة أرطال، وروي أنه اعتبر عشر قرب، وروي أنه اعتبر قيمة خمسة ~~أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق. وأما محمد فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ~~ذلك الشيء فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثال، وذلك نحو الزعفران، فإن أعلى ~~مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء; لأن ما زاد على المن فإنه يضاعف أو ~~ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من، ويعتبر في القطن خمسة أحمال ~~لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له، وفي العسل خمسة أفراق لأن الفرق ~~أعلى ما يقدر به ويحتج لأبي حنيفة في ذلك بقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} وذلك عائد إلى جميع المذكور، فهو عموم فيه وإن كان مجملا في ms1993 المقدار ~~الواجب; لأن قوله: {حقه} مجمل مفتقر إلى البيان، وقد ورد البيان في مقدار ~~الواجب وهو العشر أو نصف العشر ويحتج فيه بقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وذلك عام في جميع الخارج; ~~ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" ولم يفصل ~~بين القليل والكثير ومن جهة النظر اتفاق الجميع على سقوط اعتبار الحول فيه، ~~فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم # PageV03P017 # واحتج معتبرو المقدار بما روى محمد بن مسلم الطائفي قال: أخبرنا عمرو بن ~~دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~صدقة في شيء من الزرع أو الكرم أو النخل حتى يبلغ خمسة أوسق". وروى ليث بن ~~أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة" ورواه أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر موقوفا ~~عليه وروى ابن المبارك عن معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. # والجواب عن هذا لأبي حنيفة من وجوه: أحدها: أنه إذا روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خبران أحدهما عام والآخر خاص واتفق الفقهاء على استعمال ~~أحدهما واختلف في استعمال الآخر، فالمتفق على استعماله قاض على المختلف ~~فيه، فلما كان خبر العشر متفقا على استعماله واختلفوا في خبر المقدار كان ~~استعمال خبر العشر على عمومه أولى وكان قاضيا على المختلف فيه، فإما أن ~~يكون الآخر منسوخا أو يكون تأويله محمولا على معنى لا ينافي شيئا من خبر ~~العشر وأيضا فإن قوله: "فيما سقت السماء العشر" عام في إيجابه في الموسوق ~~وغيره، وخبر الخمسة أوسق خاص في الموسوق دون غيره، فغير جائز أن يكون بيانا ~~لمقدار ما يجب فيه العشر; لأن حكم البيان أن يكون شاملا لجميع ما اقتضى ~~البيان، فلما كان خبر الأوساق مقصورا على ذكر مقدار الوسق ms1994 دون غيره وكان ~~خبر العشر عموما في الموسوق وغيره علمنا أنه لم يرد مورد البيان لمقدار ما ~~يجب فيه العشر وأيضا فإن ذلك يقتضي أن يكون ما يوسق يعتبر في إيجاب الحق ~~بلوغ مقداره خمسة أوسق، وما ليس بموسوق يجب في قليله وكثيره لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" وفقد ما يوجب تخصيص مقدار ما لا يدخل ~~في الأوساق، وهذا قول مطروح والقائل به ساقط مرذول لاتفاق السلف والخلف على ~~خلافه، وليس ذلك كقوله عليه السلام: "في الرقة ربع العشر" وقوله: "ليس فيما ~~دون خمس أواق زكاة" وذلك لأنه لا شيء من الرقة إلا وهو داخل في الوزن، ~~والأواقي مذكورة للوزن، فجاز أن يكون بيانا لمقدار جميع الرقة المذكورة في ~~الخبر الآخر وأيضا فقد ذكرنا أن لله حقوقا واجبة في المال غير الزكاة ثم ~~نسخت بالزكاة، كما روي عن أبي جعفر محمد بن علي والضحاك قالا: "نسخت الزكاة ~~كل صدقة في القرآن"، فجائز أن يكون هذا التقدير معتبرا في الحقوق التي كانت ~~واجبة فنسخت، نحو قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه} [النساء:8] ونحو ما روي عن مجاهد: إذا حصدت طرحت ~~للمساكين وإذا كدست وإذا نقيت، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وهذه الحقوق غير ~~واجبة اليوم، فجائز أن يكون ما روي من تقدير الخمسة الأوسق كان # PageV03P018 # معتبرا في تلك الحقوق، وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص الآية والأثر المتفق ~~على نقله به وأيضا فقد روي: "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة"، فجائز أن يريد ~~به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر ~~للتجارة، فأخبر أن لا زكاة فيه لقصور قيمته عن النصاب في ذلك الوقت، فنقل ~~الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب كما يوجد ذلك في كثير ~~من الأخبار. # ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج # فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: "لا يجتمعان". وقال مالك والثوري ~~والحسن بن صالح وشريك والشافعي: ms1995 "إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج ~~والخراج في الأرض". والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح ~~السواد وضع على الأرض الخراج ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة ~~الصحابة وموافقتهم إياه عليه، فصار ذلك إجماعا من السلف وعليه مضى الخلف، ~~ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويدل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالناضح نصف العشر" ~~وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما، فلو وجب الخراج معه لكان ذلك ~~بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع وقد يكون قفيزا ودرهما وأيضا ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رد العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي لزمت ~~صاحبها، فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة ~~الخراج، ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخف فيه كما خالف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح لأجل ~~المؤنة، ويدل عليه حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها" ومعناه: ستمنع; ولو ~~كان العشر واجبا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعا منه والعشر غير ممنوع; لأن ~~من منع الخراج كان للعشر أمنع، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في ~~أرض الخراج وروي أن دهقانة نهر الملك أسلمت، فكتب عمر أن يؤخذ منها الخراج ~~إن اختارت أرضها وروي أيضا أن رفيلا أسلم، فقال له علي: "إن أقمت على أرضك ~~أخذنا منك الخراج"; ولو كان العشر واجبا مع ذلك لأخبر بوجوبه ولم يخالفهما ~~في ذلك أحد من الصحابة وأيضا لما كان العشر والخراج حقين لله تعالى لم يجز ~~اجتماعهما عليه في وقت واحد، والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع وجوب ~~زكاة السائمة وزكاة التجارة. # فإن قيل: إن الخراج بمنزلة الأجرة، والعشر صدقة، فكما جاز اجتماع أجر ~~الأرض ms1996 # PageV03P019 # والعشر في الخارج كذلك يجوز اجتماع الخراج والعشر; وذلك لأن أرض الخراج ~~مبقاة على حكم الفيء، وإنما أبيح لزارعها الانتفاع بها بالخراج وهو أجرة ~~الأرض، فلا يمنع ذلك وجوب العشر مع الخراج. قيل له: هذا غلط من وجوه: ~~أحدها: أن عند أبي حنيفة لا يجتمع العشر والأجرة على المستأجر، ومتى لزمته ~~الأجرة سقط عنه العشر فكان العشر على رب الأرض الآخذ للأجرة; فهذا الإلزام ~~ساقط عنه وقول القائل إن أرض الخراج غير مملوكة لأهلها وإنها مبقاة على حكم ~~الفيء خطأ; لأنها عندنا مملوكة لأهلها، والكلام فيها في غير هذا الموضع ~~وقوله: "إن الخراج أجرة" خطأ أيضا من وجوه: أحدها: أنه لا خلاف أنه لا يجوز ~~استئجار النخل والشجر، ومعلوم أن الخراج يؤدى عنهما، فثبت أنه ليس بأجرة ~~وأيضا فإن الإجارة لا تصح إلا على مدة معلومة، ولم يعتقد أحد من الأئمة على ~~أرباب أراضي الخراج مدة معلومة وأيضا فإن كانت أرض الخراج وأهلها مقرون على ~~حكم الفيء فغير جائز أن يؤخذ منهم جزية رءوسهم لأن العبد لا جزية عليه. ~~ومما يدل على انتفاء اجتماع الخراج والعشر تنافي سببيهما وذلك لأن الخراج ~~سببه الكفر لأنه يوضع موضع الجزية، وسائر أموال الفيء والعشر سببه الإسلام، ~~فلما تنافى سببهما تنافى مسبباهما. # قوله تعالى: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} روي عن ابن عباس رواية والحسن ~~وابن مسعود رواية أخرى ومجاهد قالوا: الحمولة كبار الإبل، والفرش الصغار. ~~وقال قتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدي والحسن رواية: الحمولة ما حمل من ~~الإبل، والفرش الغنم. وروي عن ابن عباس رواية أخرى قال: الحمولة كل ما حمل ~~من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، فأدخل في الأنعام ~~الحافر على الاتباع لأن اسم الأنعام لا يقع على الحافر، وكان قول السلف في ~~الفرش أحد معنيين: إما صغار الإبل وإما الغنم وقال بعض أهل العلم: أراد ~~بالفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها التي يفترشونها ويجلسون عليها ولولا ~~قول السلف على ما ذكرنا لكان هذا الظاهر يستدل به على جواز ms1997 الانتفاع بأصواف ~~الأنعام وأوبارها في سائر الأحوال سواء أخذت منها بعد الموت أو في حال ~~الحياة; ويستدل به أيضا على جواز الانتفاع بجلودها بعد الموت لاقتضاء ~~العموم له، إلا أنهم قد اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل الدباغ، فهو مخصوص ~~وحكم الآية ثابت في الانتفاع بها بعد الدباغ # وقوله تعالى: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} فيه إضمار: وهو الذي أنشأ لكم من ~~الأنعام حمولة وفرشا. قوله تعالى: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين} إلى {الظالمين} . # PageV03P020 # قوله {ثمانية أزواج} بدل من قوله: {حمولة وفرشا} لدخوله في الإنشاء، كأنه ~~قال: أنشأ ثمانية أزواج، فكل واحد من الأصناف الأربعة من ذكورها وإناثها ~~يسمى زوجا، ويقال للاثنين زوج أيضا كما يقال للواحد خصم وللاثنين خصم، ~~فأخبر الله تعالى أنه أحل لعباده هذه الأزواج الثمانية وأن المشركين حرموا ~~منها ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما جعلوه لشركائهم ~~على ما بينه قبل ذلك بغير حجة ولا برهان ليضلوا الناس بغير علم، فقال: ~~{نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} ثم قال: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} ~~لأن طريق العلم إما المشاهدة أو الدليل الذي يشترك العقلاء في إدراك الحق ~~به، فبان بعجزهم عن إقامة الدلالة من أحد هذين الوجهين بطلان قولهم في ~~تحريم ما حرموا من ذلك. # قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية روي ~~عن طاوس أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون أشياء ويحرمون أشياء، فقال الله ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} مما تستحلون {إلا أن يكون ميتة} ~~الآية وسياقة المخاطبة تدل على ما قال طاوس وذلك لأن الله قد قدم ذكر ما ~~كانوا يحرمون من الأنعام وذمهم على تحريم ما أحله وعنفهم وأبان به عن جهلهم ~~لأنهم حرموا بغير حجة، ثم عطف قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما} يعني تحرمونه إلا ما ذكر وإذا كان ذلك تقدير الآية لم يجز الاستدلال ~~بها على إباحة ما خرج عن ms1998 الآية. # فإن قيل: قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة وما ذكر معهما، ~~وهي خارجة عن هذه الآية قيل له: في ذلك جوابان: أحدهما: أن المنخنقة وما ~~ذكر معها قد دخلت في الميتة، وإنما ذكر الله تعالى تحريم الميتة في قوله: ~~{حرمت عليكم الميتة} [المائدة:3] ثم فسر وجوهها والأسباب الموجبة لكونها ~~ميتة فقد اشتمل اسم الميتة على المنخنقة ونظائرها. والثاني: أن سورة ~~الأنعام مكية، وجائز أن لا يكون قد حرم في ذلك الوقت إلا ما قد ذكر في هذه ~~الآية، والمائدة مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن، وفي هذه الآية دليل ~~على أن "أو" إذا دخلت على النفي ثبت كل واحد مما دخلت عليه على حياله وأنها ~~لا تقتضي تخييرا; لأن قوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير} قد أوجب تحريم كل واحد من ذلك على حياله. # مطلب: في لحوم الحمر الأهلية # وقد احتج كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكورة في هذه الآية بها، ~~فمنها لحوم الحمر الأهلية وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قلت ~~لجابر بن # PageV03P021 # زيد: إنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ~~قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكن أبى ذلك البحر يعني عبد الله بن عباس وقرأ: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية روى حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن ~~القاسم عن عائشة: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم الذي يكون في أعلى ~~العروق بأسا، وقرأت هذه الآية: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} الآية فأما لحوم الحمر الأهلية فإن أصحابنا ومالكا والثوري والشافعي ~~ينهون عنه. وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من إباحته، وتابعه على ذلك قوم, # وقد وردت أخبار مستفيضة في النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، منها حديث ~~الزهري عن ms1999 الحسن وعبد الله ابني محمد ابن الحنفية عن أبيهما أنه سمع علي بن ~~أبي طالب يقول لابن عباس: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم ~~الحمر الإنسية وعن متعة النساء يوم خيبر". وقد روى ابن وهب عن يحيى بن عبد ~~الله بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن مجاهد عن ابن عباس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية"، وهذا يدل ~~على أنه لما سمع عليا يروي النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم رجع عما كان ~~يذهب إليه من الإباحة. وروى أبو حنيفة وعبد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ~~"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية". وروى ~~ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر: "أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية" , ورواه حماد بن زيد عن عمرو بن ~~دينار عن محمد بن علي عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم ~~الحمر الأهلية. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب سمعه منه قال: ~~"أصبنا حمرا يوم خيبر فطبخناها، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن أكفئوا القدور". وروى النهي عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ~~أبي أوفى وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة وأبو ثعلبة الخشني في آخرين, في بعضها ~~ابتداء نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها ذكر قصة خيبر # والسبب الذي من أجله نهى عنها، فقال قائلون: "إنما نهى عنها لأنها كانت ~~نهبة انتهبوها". وقال آخرون: "لأنه قيل له إن الحمر قد قلت". وقال آخرون: ~~"لأنها كانت جلالة". فتأول من أباحها نهي النبي صلى الله عليه وسلم على أحد ~~هذه الوجوه، ومن حظرها أبطل هذه التأويلات بأشياء: أحدها ما رواه جماعة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل الحمار الأهلي" منهم المقداد بن ~~معدي كرب وأبو ms2000 ثعلبة الخشني وغيرهما; والثاني ما رواه سفيان بن عيينة عن ~~أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: لما فتح النبي صلى الله ~~عليه وسلم خيبر # PageV03P022 # أصابوا حمرا فطبخوا منها، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ألا إن الله ورسوله ينهاكم عنها، فإنها نجس فاكفئوا القدور" وروى عبد ~~الوهاب الثقفي عن أيوب بإسناده مثله، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مناديا فنادى: إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها ~~رجس، قال: فأكفئت القدور وإنها لتفور". وهذا يبطل تأويل من تأول النهي على ~~النهبة وتأويل من تأوله على خوف فناء الحمر الأهلية بالذبح; لأنه أخبر أنها ~~نجس، وذلك يقتضي تحريم عينها لا لسبب غيرها ويدل عليه أنه أمر بالقدور ~~فأكفئت، ولو كان النهي لأجل ما ذكروا لأمر بأن يطعم المساكين كما أمر بذلك ~~في الشاة المذبوحة بغير أمر أصحابها بأن يطعم الأسرى. وفي حديث أبي ثعلبة ~~الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحرم عليه، فقال: "لا ~~تأكل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع"، فبهذا أيضا يبطل سائر ~~التأويلات التي ذكرناها عن مبيحها وقد روي عن سعيد بن جبير أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر لأنها كانت تأكل ~~العذرة, فإن صح هذا التأويل للنهي الذي كان منه يوم خيبر فإن خبر أبي ثعلبة ~~وغيره في سؤالهم عنها في غير يوم خيبر يوجب إيهام تحريمها لا لعلة غير ~~أعيانها وقد روي في حديث يروى عن عبد الرحمن بن مغفل عن رجل من مزينة فقال ~~بعضهم: غالب بن الأبجر، وقال بعضهم: الحر بن غالب أنه قال: يا رسول الله ~~إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم فيه أهلي غير حمرات لي، قال: "فأطعم ~~أهلك من سمين مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية" ; فاحتج من أباح الحمر ~~الأهلية بهذا الخبر وهذا الخبر يدل على النهي عنها; لأنه قال: "كرهت لكم ~~جوال القرية" ms2001 والحمر الأهلية كلها جوال القرى، والإباحة عندنا في هذا ~~الحديث إنما انصرفت إلى الحمر الوحشية. # مطلب: الكلام في الحمار الوحشي إذا ألف # وقد اختلف في الحمار الوحشي إذا دجن فقال أصحابنا والحسن بن صالح ~~والشافعي في الحمار الوحشي إذا دجن وألف: "إنه جائز أكله"، وقال ابن القاسم ~~عن مالك: "إذا دجن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي فإنه لا يؤكل". وقد ~~اتفقوا على أن الوحش الأهلي لا يخرجه عن حكم جنسه في تحريم الأكل كذلك ما ~~أنس من الوحش. # مطلب: الكلام في ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير # قال أبو بكر: وقد اختلف في ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير، فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: "لا يحل أكل ذي الناب من السباع وذي ~~المخلب # PageV03P023 # من الطير". وقال مالك: "لا يؤكل سباع الوحش ولا الهر الوحشي ولا الأهلي ~~ولا الثعلب ولا الضبع ولا شيء من السباع، ولا بأس بأكل سباع الطير الرخم ~~والعقبان والنسور وغيرها ما أكل الجيف منها وما لا يأكل". وقال الأوزاعي: ~~"الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم". وقال الليث: "لا بأس بأكل الهر ~~وأكره الضبع". وقال الشافعي: "لا يؤكل ذو الناب من السباع التي تعدو على ~~الناس الأسد والنمر والذئب، ويؤكل الضبع والثعلب، ولا يؤكل النسر والبازي ~~ونحوه لأنها تعدو على طيور الناس". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد قال: حدثنا عمران بن ~~جبير أن عكرمة سئل عن الغراب قال: دجاجة سمينة، وسئل عن الضبع فقال: نعجة ~~سمينة. قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني: ~~"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع". وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن ~~أبي بشر عن ms2002 ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير"، ورواه علي بن ~~أبي طالب والمقداد بن معدي كرب وأبو هريرة وغيرهما. فهذه آثار مستفيضة في ~~تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير، والثعلب والهر والنسر ~~والرخم داخلة في ذلك، فلا معنى لاستثناء شيء منها إلا بدليل يوجب تخصيصه، ~~وليس في قبولها ما يوجب نسخ قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه} لأنه إنما فيه إخبار بأنه لم يكن المحرم غير المذكور وأن ~~ما عداه كان باقيا على أصل الإباحة، وكذلك الأخبار الواردة في لحوم الحمر ~~الأهلية هذا حكمها، ومع ذلك فإن هذه الآية خاصة باتفاق أهل العلم على تحريم ~~أشياء كثيرة غير مذكورة في الآية فجاز قبول الأخبار الآحاد في تخصيصها # وكره أصحابنا الغراب الأبقع لأنه يأكل الجيف، ولم يكرهوا الغراب الزرعي ~~لما روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~"خمس فواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم" وذكر أحدها الغراب الأبقع، فخص ~~الأبقع بذلك لأنه يأكل الجيف، فصار أصلا في كراهة أشباهه مما يأكل الجيف ~~وقوله صلى الله عليه وسلم "خمس يقتلهن المحرم" يدل على تحريم أكل هذه الخمس ~~وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة، ولو كانت مما يؤكل لأمر بذبحها ~~وذكاتها لئلا تحرم بالقتل. # فإن قيل بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: ~~حدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا يحيى بن مسلم قال: حدثني إسماعيل بن أمية عن ~~أبي الزبير # PageV03P024 # قال: سألت جابرا: هل يؤكل الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: ~~أسمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قيل له: ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير قاض ms2003 على ذلك لاتفاق الفقهاء على استعماله واختلافهم في استعمال ذلك. # مطلب في الكلام على الضب # واختلف في أكل الضب، فكرهه أصحابنا، وقال مالك والشافعي: "لا بأس به". ~~والدليل على صحة قولنا ما روى الأعمش عن زيد بن وهب الجهني عن عبد الرحمن ~~بن حسنة قال: "نزلنا أرضا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها، فإن ~~القدور لتغلي بها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذا؟ " ~~فقلنا ضباب أصبناها، فقال: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب الأرض وإني ~~أخشى أن تكون هذه فأكفئوها! " وهذا يقتضي حظره; لأنه لو كان مباح الأكل لما ~~أمر بإكفاء القدور، لأنه عليه السلام نهى عن إضاعة المال وحدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عون الطائي أن الحكم بن نافع ~~حدثهم قال: حدثنا ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد ~~الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~أكل لحم الضب وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أهدي لها ضب، ~~فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن أكله فنهاها عنه، فجاء ~~سائل فقامت لتناوله إياه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أتطعمينه ما لا تأكلين! " فهذه الأخبار توجب النهي عن أكل الضب وقد روى ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل من الضب وأكل على مائدة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراما ما أكل على مائدته، وأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنما ترك أكله تقذرا. وفي بعض الأخبار أنه قال: "لم يكن ~~بأرض قومي فأجدني أعافه"، وأن خالد بن الوليد أكله بحضرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم ينهه. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن ~~موسى قال: حدثنا عمر بن سهل قال: حدثنا إسحاق بن الربيع عن الحسن قال: قال ~~عمر: إن هذه الضباب ms2004 طعام عامة هذه الرعاء وإن الله ليمنع غير واحد ولو كان ~~عندي منها شيء لأكلته، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرمه ولكنه ~~قذره. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا عمر بن ~~سهل قال: حدثنا بحر عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال: "إن كان أحدنا ~~لتهدى إليه الضبة المكنونة أحب إليه من الدجاجة السمينة" فاحتج مبيحوه بهذه ~~الأخبار، وفيها دلالة على حظره; لأن فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه ~~تقذرا وأنه قذره، وما قذره النبي صلى الله عليه وسلم فهو نجس ولا يكون نجسا ~~إلا وهو محرم الأكل. ولو ثبتت الإباحة بهذه الأخبار لعارضتها أخبار ومتى ~~ورد الخبران في شيء وأحدهما مبيح # PageV03P025 # والآخر حاظر فخبر الحظر أولى; وذلك لأن الحظر وارد لا محالة بعد الإباحة; ~~لأن الأصل كان الإباحة والحظر طارئ عليها ولم يثبت ورود الإباحة على الحظر ~~فحكم الحظر ثابت لا محالة. # مطلب: في الكلام على هوام الأرض # واختلف في هوام الأرض، فكره أصحابنا أكل هوام الأرض اليربوع والقنفذ ~~والفأر والعقارب وجميع هوام الأرض. وقال ابن أبي ليلى: لا بأس بأكل الحية ~~إذا ذكيت، وهو قول مالك والأوزاعي إلا أنه لم يشترط منه الذكاة وقال الليث: ~~لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه. وقال ابن القاسم ~~عن مالك: "لا بأس بأكل الضفدع"، قال ابن القاسم: وقياس قول مالك أنه لا بأس ~~بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها; لأنه قال: موته في الماء لا يفسده وقال ~~الشافعي: "كل ما كانت العرب تستقذره فهو من الخبائث، كالذئب والأسد والغراب ~~والحية والحدأة والعقرب والفأرة لأنها تقصد بالأذى فهي محرمة من الخبائث، ~~وكانت تأكل الضبع والثعلب لأنهما لا يعدوان على الناس بأنيابهما فهما ~~حلال". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [لأعراف:157] قال: ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ثور ~~قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد العزيز ms2005 بن محمد عن عيسى بن نميلة ~~عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ، فتلا: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة ~~يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خبيثة من الخبائث" فقال ابن ~~عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال فسماه النبي ~~صلى الله عليه وسلم خبيثة من الخبائث فشمله حكم التحريم بقوله تعالى: ~~{ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] والقنفذ من حشرات الأرض، فكل ما كان ~~من حشراتها فهو محرم قياسا على القنفذ. وروى عبد الله بن وهب قال: أخبرني ~~ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن قال: ذكر ~~طبيب الدواء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء، ~~فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، وهذا يدل على تحريمه لأنه نهاه أن ~~يقتله فيجعله في الدواء، ولو جاز الانتفاع به لما كان منهيا عن قتله ~~للانتفاع به. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار مستفيضة رواها ابن ~~عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة وغيرهم أنه قال: "يقتل المحرم في الحل ~~والحرام الحدأة والغراب والفأرة والعقرب" وفي بعض الأخبار: "والحية"، ففي ~~أمره بقتلهن دلالة على تحريم أكلهن # PageV03P026 # لأنها لو كانت مما تؤكل لأمر بالتوصل إلى ذكاتها فيما تتأتى فيه الذكاة ~~منها، فلما أمر بقتلها والقتل إنما يكون لا على وجه الذكاة ثبت أنها غير ~~مأكولة، ولما ثبت ذلك في الغراب والحدأة كان سائر ما يأكل الجيف مثلها، ودل ~~على أن ما كان من حشرات الأرض فهو محرم كالعقرب والحية، وكذلك اليربوع لأنه ~~جنس من الفأر. وأما قول الشافعي في اعتباره ما كانت العرب تستقذره وأن ما ~~كان كذلك فهو من الخبائث، فلا معنى له من وجوه: أحدها: أن نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب ms2006 من الطير قاض بتحريم ~~جميعه، وغير جائز أن يزيد فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما قد تناوله ~~العموم، ولم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره الشافعي وإنما جعل ~~كونه ذا ناب من السباع وذا مخلب من الطير علما للتحريم، فلا يجوز الاعتراض ~~عليه بما لم تثبت به الدلالة. ومن جهة أخرى أن خطاب الله تعالى للناس ~~بتحريم الخبائث عليهم لم يختص بالعرب دون العجم، بل الناس كلهم من كان منهم ~~من أهل التكليف داخلون في الخطاب، فاعتبار ما يستقذره العرب دون غيرهم قول ~~لا دليل عليه خارج عن مقتضى الآية. ومع ذلك فليس يخلو من أن يعتبر ما كانت ~~العرب يستقذرونه جميعهم أو بعضهم، فإن كان اعتبر الجميع فإن جميع العرب لم ~~يكن يستقذر الحيات والعقارب ولا الأسد والذئاب والفأر وسائر ما ذكر، بل ~~عامة الأعراب تستطيب أكل هذه الأشياء، فلا يجوز أن يكون المراد ما كان جميع ~~العرب يستقذرونه. وإن أراد ما كان بعض العرب يستقذره فهو فاسد من وجهين: ~~أحدهما: أن الخطاب إذا كان لجميع العرب فكيف يجوز اعتبار بعضهم دون بعض؟ ~~والثاني: أنه لما صار البعض المستقذر كذلك كان أولى بالاعتبار من البعض ~~الذي يستطيبه. فهذا قول منتقض من جميع وجوهه. وزعم أنه أباح الضبع والثعلب ~~لأن العرب كانت تأكله، وقد كانت العرب تأكل الغراب والحدأة والأسد لم يكن ~~منهم من يمتنع من أكل ذلك. وأما اعتباره ما يعدو على الناس، فإن أراد به ~~يعدو على الناس في سائر الأحوال فإن ذلك لا يوجد في الحدأة والحية والغراب ~~وقد حرمها، وإن أراد به العدو عليهم في بعض الأحوال فإن الضبع قد يعدو على ~~الإنسان في بعض الأحوال وقد يترك الأسد العدو عليهم في حال إذا لم يكن ~~جائعا، والجمل الهائج قد يعدو على الإنسان وكذلك الثور في بعض الأحوال، ولم ~~يعتبر ذلك هو ولا غيره في هذه الأشياء في تحريم الأكل وإباحته، والكلب ~~والسنور لا يعدوان على الناس وهما محرمان. # مطلب: في لحوم ms2007 الإبل الجلالة # وقد اختلف في لحوم الإبل الجلالة، فكرهها أصحابنا والشافعي إذا لم يكن ~~يأكل غير العذرة. وقال مالك والليث: "لا بأس بلحوم الجلالة كالدجاج"; حدثنا ~~محمد بن # PageV03P027 # بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبدة ~~عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها". وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا هشام ~~عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبن ~~الجلالة قال أبو بكر: فكل من خالف في هذه المسائل التي ذكرنا من ابتدائنا ~~بأحكام قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} وأباح أكل ما ذهب ~~أصحابنا فيه إلى حظره، فإنهم يحتجون فيه بقوله تعالى: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما} الآية. وقد بينا أن ذلك خرج على سبب فيما كان يحرمه أهل ~~الجاهلية مما حكاه الله عنهم قبل هذه الآية مما كانوا يحرمونه من الأنعام، ~~ولو لم يكن نزوله على السبب الذي ذكرنا وكان خبرا مبتدأ لم يمتنع بذلك قبول ~~أخبار الآحاد في تحريم أشياء لم تنتظمها الآية ولا استعمال القياس في حظر ~~كثير منه; لأن أكثر ما فيه الإخبار بأنه لم يكن المحرم من طريق الشرع إلا ~~المذكور في الآية، وقد علمنا أن هذه الأشياء قد كانت مباحة قبل ورود السمع، ~~وقد كان قبول أخبار الآحاد جائزا واستعمال القياس سائغا في تحريم ما هذا ~~وصفه، وكذلك إخبار الله بأنه لم يحرم بالشرع إلا المذكور في الآية غير مانع ~~تحريم غيره من طريق خبر الواحد والقياس. # وقوله تعالى: {على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] يدل على أن المحرم من ~~الميتة ما يتأتى فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ ولا القرن ~~والعظم والظلف والريش ونحوها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ms2008 ~~ميمونة: "إنما حرم أكلها" وفي بعض الألفاظ: "إنما حرم لحمها". # وقوله تعالى: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] يدل على أن المحرم من الدم ~~ما كان مسفوحا وأن ما يبقى في العروق من أجزاء الدم غير محرم، وكذلك روي عن ~~عائشة وغيرها في الدم الذي في المذبح أو في أعلى القدر أنه ليس بمحرم; لأنه ~~ليس بمسفوح. وهذا يدل على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس; إذ ليس ~~بمسفوح. # فإن قيل: قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} ~~وإن كان إخبارا بأنه ليس المحرم في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المأكولات غير المذكور في الآية، فإنه قد نسخ به كثيرا من المحظورات على ~~ألسنة الأنبياء المتقدمين، فلا يكون سبيله سبيل بقاء الشيء على حكم الإباحة ~~الأصلية بل يكون في حكم ما قد نص على إباحته شرعا، فلا يجوز الاعتراض عليه ~~بخبر الواحد ولا بالقياس. والدليل على أنه قد نسخ بذلك كثيرا # PageV03P028 # من المحظورات على لسان غيره من الأنبياء، قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما} وشحومهما مباحة لنا، وكذلك كثير من الحيوانات ذوات الأظفار. قيل ~~له: ما ذكرت لا يخرج ما عدا المذكور في الآية من أن يكون في حكم المباح على ~~الأصل وذلك لأن ما حرم على أولئك من ذلك وأبيح لنا لم يصر شريعة لنبينا ~~عليه السلام وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم ذلك التحريم، إنما كان ~~موقتا إلى هذا الوقت وأن مضي الوقت أعاده إلى ما كان عليه من حكم الإباحة، ~~فلا فرق بينه في هذا الوجه وبين ما لم يحظر قط. وأيضا فلو سلمنا لك ما ~~ادعيت كان ما ذكرنا من قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيما وصفنا سائغا ~~لأن ذلك مخصوص بالاتفاق، أعني قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه} لاتفاق الجميع من الفقهاء على تحريم أشياء غير ms2009 مذكورة في ~~الآية كالخمر ولحم القردة والنجاسات وغيرها، فلما ثبت خصوصه بالاتفاق ساغ ~~قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيه. # قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} الآية. قال ابن عباس ~~وسعيد بن جبير وقتادة والسدي ومجاهد: هو كل ما ليس بمفتوح الأصابع كالإبل ~~والنعام والإوز والبط. وقال بعض أهل العلم: "يدخل في ذلك جميع أنواع السباع ~~والكلاب والسنانير وسائر ما يصطاد بظفره من الطير". قال أبو بكر: قد ثبت ~~تحريم الله تعالى ذلك عليهم على لسان بعض الأنبياء، فحكم ذلك التحريم عندنا ~~ثابت بأن يكون شريعة لنبينا عليه السلام إلا أن يثبت نسخه، ولم يثبت نسخ ~~تحريم الكلاب والسباع ونحوها فوجب أن تكون محرمة بتحريم الله بديا وكونه ~~شريعة لنبينا عليه السلام # وقوله تعالى: {حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} يستدل به من ~~أحنث الحالف أن لا يأكل شحما فأكل من شحم الطير لاستثناء الله ما على ~~ظهورهما من جملة التحريم، وهو قول أبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة ما على ~~الظهر إنما يسمى لحما سمينا في العادة ولا يتناوله اسم الشحم على الإطلاق; ~~وتسمية الله إياه شحما لا توجب دخوله في اليمين; إذ لم يكن الاسم له ~~متعارفا ألا ترى أن الله تعالى قد سمى السمك لحما والشمس سراجا ولا يدخل في ~~اليمين؟ والحوايا، روي عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد ~~والسدي أنها المباعر، وقال غيرهم: هي بنات اللبن، ويقال: إنها الأمعاء التي ~~عليها الشحم. # وأما قوله تعالى: {أو ما اختلط بعظم} فإنه روي عن السدي وابن جريج أنه ~~شحم الجنب والألية لأنهما على عظم وهذا أيضا يدل على ما ذكرنا من أن دخول ~~"أو" على # PageV03P029 # النفي يقتضي نفي كل واحد مما دخل عليه على حياله; لأن قوله تعالى: {إلا ~~ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} تحريم للجميع, ونظيره قوله ~~تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان:24] نهي عن طاعة كل واحد ~~منهما، وكذلك قال أصحابنا فيمن قال والله ms2010 لا أكلم فلانا أو فلانا أنه أيهما ~~كلم حنث لأنه نفى كلام كل واحد منهما على حدة. # قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} إلى ~~قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} فيه إكذاب للمشركين بقولهم: {لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا} لأنه قال تعالى: {كذلك كذب الذين من قبلهم} ومن كذب ~~بالحق فهو كاذب في تكذيبه، فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم: {لو شاء الله ~~ما أشركنا} ولو كان الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم: {لو شاء ~~الله ما أشركنا} وفيه بيان أن الله تعالى لا يشاء الشرك وقد أكد ذلك أيضا ~~بقوله: {إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} يعني: تكذبون; فثبت أن ~~الله تعالى غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم الإيمان اختيارا، ولو شاء الله ~~الإيمان منهم قسرا لكان عليه قادرا، ولكنهم كانوا لا يستحقون به الثواب ~~والمدح. وقد دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن أن مريد الشرك ~~والقبائح سفيه كما أن الآمر به سفيه وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء إليه ~~كما أن الأمر به استدعاء إليه، فكل ما شاءه الله من العباد فقد دعاهم إليه ~~ورغبهم فيه ولذلك كان طاعة، كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ويكون ~~طاعة منهم إذا فعلوه، وليس كذلك العلم بالشرك; لأن العلم بالشيء لا يوجب أن ~~يكون العالم به مستدعيا إليه ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة إذا لم ~~يرده. # فإن قيل: إنما أنكر الله على المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله تعالى ~~قد شاءه وليس ذلك بحجة، ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال: كذلك كذب ~~الذين من قبلهم، بالتخفيف. قيل له: لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان ~~احتجاجهم صحيحا ولكان فعلهم طاعة لله، فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم ~~أنه إنما كان كذلك لأن الله تعالى لم يشأ. وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في ~~هذا القول من وجهين: ms2011 أحدهما: أنه أخبر بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا ~~يكون إلا كاذبا. والثاني: قول: {وإن أنتم إلا تخرصون} يعني: تكذبون. # قوله تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} الآية. يعني ~~أبطل لعجزهم إقامة الدلالة, إلا أن الله حرم هذا; إذ لم يمكنهم إثبات ما ~~ادعوه من جهة عقل ولا سمع, وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس ~~مشاهد فطريق # PageV03P030 # العلم به منسد والحكم ببطلانه واجب. # فإن قيل: فلم دعوا للشهادة حتى إذا شهدوا لم تقبل منهم؟ قيل: لأنهم لم ~~يشهدوا على هذا الوجه الذي يرجع من قولهم فيه إلى ثقة، وقيل إنهم كلفوا ~~شهداء من غيرهم ممن تثبت بشهادته حجة. # ونهى عن اتباع الأهواء المضلة. واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه: ~~أحدها: هوى من سيق إليه، وقد يكون لشبهة حلت في نفسه مع زواجر عقله عنها، ~~ومنها هوى ترك الاستقصاء للمشقة، ومنها هوى ما جرت به عادة لألفة له; وكل ~~ذلك متميز مما استحسنه بعقله. # قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} كانت العرب تدفن أولادها ~~أحياء البنات منهن خوف الإملاق، وهو الإفلاس; ومنه حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم "أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن ~~تأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك" وهي الموءودة التي ذكرها الله تعالى في ~~قوله: {وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير:9] فنهاهم الله عن ذلك ~~مع ذكر السبب الذي كانوا من أجله يقتلونهم، وأخبر أنه رازقهم ورازق أولادهم # قوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} قال ابن عباس: ما ~~ظهر منها نكاح حلائل الأبناء والجمع بين الأختين ونحو ذلك، وما بطن الزنا # وقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} قال أبو بكر: ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله". ولما أراد أبو بكر قتال ms2012 مانعي الزكاة قالوا له: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر: هذا من حقها، ~~لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وهذا عندنا ~~ممن يستحق القتل ويتقرر عليه حكمه وقد يجب قتل غير هؤلاء على وجه الدفع، ~~مثل قتل الخوارج ومن قصد قتل رجل وأخذ ماله فيجوز قتله على جهة المنع من ~~ذلك; لأنه لو كف عن ذلك لم يستحق القتل. # قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} . إنما خص اليتيم ~~بالذكر فيما أمرنا به من ذلك لعجزه عن الانتصار لنفسه ومنع غيره عن ماله، ~~ولما كانت الأطماع # PageV03P031 # تقوى في أخذ ماله أكد النهي عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر. وقوله تعالى: ~~{إلا بالتي هي أحسن} يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال ~~اليتيم مضاربة، وأن يعمل به هو مضاربة فيستحق ربحه; إذ رأى ذلك أحسن، وأن ~~يبضع ويستأجر من يتصرف ويتجر في ماله، وأن يشتري ماله من نفسه إذا كان خيرا ~~لليتيم، وهو أن يكون ما يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه وأجاز أبو ~~حنيفة شراه مال اليتيم لنفسه إذا كان خيرا لليتيم بهذه الآية; وقال تعالى: ~~{حتى يبلغ أشده} ولم يشرط البلوغ، فدل على أن بعد البلوغ يجوز أن يحفظ عليه ~~ماله إذا لم يكن مأنوس الرشد ولا يدفعه إليه، ويدل على أنه إذا بلغ أشده لا ~~يجوز له أن يفوت مال سواء آنس منه الرشد أو لم يؤنس رشده بعد أن يكون ~~عاقلا; لأنه جعل بلوغ الأشد نهاية لإباحة قرب ماله. ويدل على أن الوصي لا ~~يجوز له أن يأكل من مال اليتيم فقيرا كان أو ms2013 غنيا ولا يستقرض منه; لأن ذلك ~~ليس بأحسن ولا خيرا لليتيم. وجعل أبو حنيفة بلوغ الأشد خمسا وعشرين سنة ~~فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن معتوها; وذلك لأن طريق ذلك اجتهاد ~~الرأي وغالب الظن، فكان عنده أن هذه السن متى بلغها كان بالغا أشده. # وقد اختلف في بلوغ الأشد، فقال عامر بن ربيعة وزيد بن أسلم: "هو بلوغ ~~الحلم". وقال السدي: "هو ثلاثون سنة". وقيل: "ثماني عشرة سنة". وجعله أبو ~~حنيفة خمسا وعشرين سنة على النحو الذي ذكرنا. وقيل: إن الأشد واحدها شد وهو ~~قوة الشباب عند ارتفاعه، وأصله من شد النهار وهو قوة الضياء عند ارتفاعه; ~~قال الشاعر: # تطيف به شد النهار ظعينة ... طويلة أنقاء اليدين سحوق # قوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} فيه ~~أمر بإيفاء الحقوق على الكمال; ولما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد ~~بأقل القليل علمنا أنه لم يكلفنا ذلك وإنما كلفنا الاجتهاد في التحري دون ~~حقيقة الكيل والوزن، وهذا أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام وأن كل مجتهد ~~مصيب وإن كانت الحقيقة المطلوبة بالاجتهاد واحدة; لأنا قد علمنا أن للمقدار ~~المطلوب من الكيل حقيقة معلومة عند الله تعالى قد أمرنا بتحريها والاجتهاد ~~فيها ولم يكلفنا إصابتها; إذ لم يجعل لنا دليلا عليها، فكان كل ما أدانا ~~إليه اجتهادنا من ذلك فهو الحكم الذي تعبدنا به. وقد يجوز أن يكون ذلك ~~قاصرا عن تلك الحقيقة أو زائدا عليها، ولكنه لما لم يجعل لنا سبيلا إليها ~~أسقط حكمها عنا. ويدلك على أن تلك الحقيقة المطلوبة غير مدركة يقينا أنه قد ~~يكال أو يوزن ثم يعاد عليه الكيل أو الوزن فيزيد أو ينقص لا سيما فيما كثر ~~مقداره; ولذلك قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة:286] ~~في هذا الموضع، يعني أنه ليس # PageV03P032 # عليه أكثر مما يتحراه باجتهاده. وقد استدل عيسى بن أبان بأمر الكيل ~~والوزن على حكم المجتهدين في الأحكام وشبهه به. # قوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو ms2014 كان ذا قربى} قد انتظم ذلك تحري ~~الصدق وعدل القول في الشهادات والأخبار والحكم بين الناس والتسوية بين ~~القريب والبعيد فيه، وهو نظير قوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء:135] وقد ~~بينا حكم ذلك فيما تقدم في موضعه. وقد انتظم قوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} ~~مصالح الدنيا والآخرة; لأن من تحرى صدق القول في العدل فهو أن يتحرى العدل ~~في الفعل أحرى، ومن كان بهذه الصفة فقد حاز خير الدنيا والآخرة; نسأل الله ~~حسن التوفيق لذلك. # قوله تعالى: {وبعهد الله أوفوا} عهد الله يشتمل على أوامره وزواجره، ~~كقوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} [يس:60] وقد يتناول المنذور وما ~~يوجبه العبد على نفسه من القرب, ألا ترى إلى قوله: {وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} . # وقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} الآية; فإن المراد بالصراط ~~الشريعة التي تعبد الله بها عباده; والصراط هو الطريق، وإنما قيل للشرع ~~الطريق لأنه يؤدي إلى الثواب في الجنة فهو طريق إليها وإلى النعيم، وأما ~~سبيل الشيطان فطريق إلى النار أعاذنا الله منها. وإنما جاز الأمر باتباع ~~الشرع بما يشتمل عليه من الوجوب والنفل والمباح كما جاز الأمر باتباعه مع ~~ما فيه من التحليل والتحريم وذلك لأن اتباعه إنما هو اعتقاد صحته على ~~ترتيبه من قبح المحظور ووجوب الفرض والرغبة في النفل واستباحة المباح ~~والعمل بكل شيء من ذلك على حسب مقتضى الشرع له من إيجاب أو نفل أو إباحة. # قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن} . قيل في قوله: ~~{ثم} إن معناه: ثم قل آتينا موسى الكتاب تماما; لأنه عطف على قوله: {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} وقيل معناه: وآتينا موسى الكتاب، كقوله: {ثم ~~الله شهيد} ومعناه: والله شهيد، وكقوله: {ثم كان من الذين آمنوا} ~~[البلد:17] ومعناه: وكان من الذين ms2015 آمنوا. ويحتمل أن يكون صلة للكلام ويكون ~~معناه: ثم بعد ما ذكرت لكم أخبرتكم أنا آتينا موسى الكتاب، ونحوه من ~~الكلام. # قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا} . هو أمر باتباع ~~الكتاب # PageV03P033 # على حسب ما تضمنه من فرض أو نفل أو إباحة واعتقاد كل منه على مقتضاه. ~~والبركة ثبوت الخير ونموه، وتبارك الله صفة ثبات لا أول له ولا آخر، هذا ~~تعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى وحده لا شريك له. # قوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} . قال ~~ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وابن جريج: "أراد بهما اليهود ~~والنصارى"، وفي ذلك دليل على أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأن المجوس ~~ليسوا أهل كتاب; لأنهم لو كانوا أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف، وقد أخبر الله ~~تعالى أنهم طائفتان. # فإن قيل: إنما حكى الله ذلك عن المشركين، قيل له: هذا احتجاج عليهم بأنه ~~أنزل الكتاب عليكم لئلا تقولوا {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ~~فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن وأبطل أن يحتجوا بأن الكتاب إنما أنزل على ~~طائفتين من قبلنا ولم ينزل علينا. # قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} قيل في قوله ~~تعالى: {أو يأتي ربك} : أو يأتي أمر ربك بالعذاب، ذكر ذلك عن الحسن. وحذف ~~كما حذف في قوله: {إن الذين يؤذون الله} [الأحزاب:57] ومعناه أولياء الله ~~وقيل: أو يأتي ربك بجلائل آياته وقيل: تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو ~~يأتي ربك: أمر ربك يوم القيامة، أو يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من ~~مغربها; وروي ذلك عن مجاهد وقتادة والسدي. # قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} . قال مجاهد هم اليهود ~~لأنهم كانوا يمالئون عبدة الأوثان على المسلمين وقال قتادة: اليهود ~~والنصارى لأن بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود. وقال أبو هريرة: "أهل ~~الضلال من هذه الأمة، فهو تحذير من تفرق الكلمة ودعاء إلى الاجتماع والألفة ~~على الدين وقال الحسن هم جميع المشركين لأنهم كلهم بهذه ms2016 الصفة". وأما دينهم ~~فقد قيل: الذي أمرهم الله به وجعله دينا لهم، وقيل: الدين الذي هم عليه ~~لإكفار بعضهم لبعض لجهالة فيه. والشيع الفرق الذين يمالئ بعضهم بعضا على ~~أمر واحد مع اختلافهم في غيره. وقيل: أصله الظهور، من قولهم: شاع الخبر، ~~إذا ظهر، وقيل: أصله الاتباع، من قولك: شايعه على المراد، إذا اتبعه. # وقوله: {لست منهم في شيء} . المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من ~~مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض لأنهم يجتمعون في معنى من الباطل # PageV03P034 # وإن افترقوا في غيره فليس منهم في شيء لأنه بريء من جميعه. # قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} الحسنة اسم للأعلى في ~~الحسن; لأن "الهاء" دخلت للمبالغة فتدخل فيها الفروض والنوافل، ولا يدخل ~~المباح وإن كان حسنا; لأن المباح لا يستحق عليه حمد ولا ثواب، ولذلك رغب ~~الله في الحسنة وكانت طاعة، وكذلك الإحسان يستحق عليه الحمد. فأما الحسن ~~فإنه يدخل فيه المباح; لأن كل مباح حسن، ولكنه لا ثواب فيه، فإذا دخلت عليه ~~الهاء صارت اسما لا على الحسن وهي الطاعات. # قوله تعالى: {فله عشر أمثالها} معناه: في النعيم واللذة، ولم يرد به ~~أمثالها في عظم المنزلة; وذلك لأن منزلة التعظيم لا يجوز أن يبلغها إلا ~~بالطاعة، وهذه المضاعفة إنما هي بفضل الله غير مستحق عليها كما قال تعالى: ~~{ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} [فاطر:30] وغير جائز أن تساوي منزلة ~~التفضيل منزلة الثواب في التعظيم; لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئهم بها في ~~الجنة من غير عمل، ولجاز أن يساوي بين المنعم بأعظم النعم وبين من لم ينعم. # قوله تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا} قوله: {دينا قيما} يعني مستقيما; ووصفه بأنه ملة إبراهيم، والحنيف ~~المخلص لعبادة الله تعالى، يروى ذلك عن الحسن. وقيل: أصله الميل، من قولهم ~~رجل أحنف إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الأخرى خلقة لا من ~~عارض، فسمي المائل إلى الإسلام ms2017 حنيفا لأنه لا رجوع معه. وقيل: أصله ~~الاستقامة، وإنما جاء أحنف للمائل القدم على التفاؤل كما قيل للديغ سليم; ~~وفي ذلك دليل على أن ما لم ينسخ من ملة إبراهيم عليه السلام فقد صارت شريعة ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم لإخباره بأن دينه ملة إبراهيم. # قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} قال سعيد ~~بن جبير وقتادة والضحاك والسدي: نسكي: ديني في الحج والعمرة وقال الحسن: ~~نسكي: ديني. وقال غيرهم: "عبادتي". إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يتقرب ~~به إلى الله تعالى، وقولهم: فلان ناسك، معناه عابد لله. وقد روى عبد الله ~~بن أبي رافع عن علي قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح ~~الصلاة قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" إلى قوله: "من ~~المسلمين" وروى أبو سعيد الخدري وعائشة النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~افتتح الصلاة رفع يديه وقال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ~~ولا إله غيرك" والأول كان يقوله عندنا قبل أن ينزل: {وسبح بحمد ربك حين # PageV03P035 # تقوم} [الطور:48] فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة ترك ~~الأول; وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: "يجمع بينهما لأنهما قد ~~رويا جميعا". قوله تعالى: {إن صلاتي} يجوز أن يريد بها صلاة العبد {ونسكي} ~~الأضحية; لأنها تسمى نسكا، وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى ~~فهي نسك، قال الله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196] ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "النسك شاة"، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في يوم النحر: " إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح" فسمى ~~الصلاة والذبح جميعا نسكا، ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن المراد ~~صلاة العيد والأضحية، وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى: {وبذلك أمرت} ~~والأمر يقتضي الوجوب. وقوله تعالى: {وأنا أول ms2018 المسلمين} [الأنعام: 163] قال ~~الحسن وقتادة: {أول المسلمين من هذه الأمة} . # قوله عز وجل: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} يحتج به في امتناع جواز تصرف ~~أحد على غيره إلا ما قامت دلالته، لإخبار الله تعالى أن أحكام أفعال كل نفس ~~متعلقة بها دون غيرها; فيحتج بعمومه في امتناع جواز تزويج البكر الكبيرة ~~بغير إذنها وفي بطلان الحجر على امتناع جواز بيع أملاكه عليه وفي جواز تصرف ~~البالغ العاقل على نفسه وإن كان سفيها، لإخبار الله تعالى باكتساب كل نفس ~~على نفسه وفي نظائر ذلك من المسائل. # وقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} إخبار بأن الله تعالى لا يؤاخذ ~~أحدا بذنب غيره وأنه لا يعذب الأبناء بذنب الآباء. وقد احتجت عائشة في رد ~~قول من تأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الميت ليعذب ببكاء ~~أهله عليه" فقالت: قال الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وإنما مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي يبكى عليه فقال: "إنه ليعذب وهم يبكون ~~عليه" وقد بينا وجه ذلك في غير هذا الموضع. وقيل: إن أصله الوزر والملجأ، ~~من قوله: {كلا لا وزر} [القيامة:11] ولكنه جرى في الأغلب على الإثم وشبه ~~بمن التجأ إلى غير ملجأ، ويقال: "وزر يزر ووزر يوزر ووزر يوزر فهو موزور", ~~وكله بمعنى الإثم; والوزير بمعنى الملجأ; لأن الملك يلجأ إليه في الأمور. ~~والله أعلم بالصواب. # PageV03P036 # سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} مخرجه مخرج النهي ومعناه نهي ~~المخاطب عن التعرض للحرج. وروي عن الحسن في الحرج أنه الضيق، وذلك أصله، ~~ومعناه: فلا يضق صدرك خوفا أن لا تقوم بحقه، فإنما عليك الإنذار به. وقال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "الحرج هنا الشك، يعني لا تشك في لزوم ~~الإنذار به". وقيل: معناه لا يضق صدرك بتكذيبهم إياك، كقوله تعالى: {فلعلك ~~باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف:6] . # قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ms2019 هو أن يكون تصرفه مقصورا على ~~مراد أمره; وهو نظير الائتمام، وهو أن يأتم به في اتباع مراده وفي فعله غير ~~خارج عن تدبيره. # فإن قيل: هل يكون فاعل المباح متبعا لأمر الله عز وجل؟ قيل له: قد يكون ~~متبعا إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا ~~منه، وأما فاعل الواجب فإنه قد يكون الاتباع في وجهين: أحدهما: اعتقاد ~~وجوبه، والثاني: إيقاع فعله على الوجه المأمور به، فلما ضارع المباح الواجب ~~في الاعتقاد; إذ كان على كل واحد منهما وجوب الاعتقاد بحكم الشيء على ~~ترتيبه ونظامه في إباحة أو إيجاب جاز أن يشتمل قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم ~~من ربكم} على المباح والواجب # PageV03P037 # مطلب: لا يجوز الإعتراض على حكم القرآن بأخبار الأحاد # وقوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} دليل على وجوب اتباع القرآن في كل ~~حال وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد; لأن الأمر باتباعه قد ~~ثبت بنص التنزيل، وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل، فغير جائز تركه; ~~لأن لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم وخبر الواحد يوجب العمل ~~فلا يجوز تركه # PageV03P037 # ولا الاعتراض به عليه. وهذا يدل على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف ~~القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول; وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "ما جاءكم مني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني ~~وما خالف كتاب الله فليس عني" فهذا عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد، ~~فأما ما ثبت من طريق التواتر فجائز تخصيص القرآن به وكذلك نسخه قوله: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7] عنه فانتهوا فما ~~تيقنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فإنه في إيجاب الحكم بمنزلة ~~القرآن، فجائز تخصيص بعضه ببعض وكذلك نسخه. # قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} . ~~روي عن الحسن: {خلقناكم ثم صورناكم} يعني به آدم; لأنه ms2020 قال: {ثم قلنا ~~للملائكة} وإنما قال ذلك بعد خلق آدم وتصويره, وذلك كقوله تعالى: {وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة:63] أي ميثاق آبائكم ورفعنا ~~فوقهم الطور، نحو قوله تعالى: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة:91] ~~والمخاطبون بذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء ~~وقيل: {ثم} راجع إلى صلة المخاطبة، كأنه قال: ثم إنا نخبركم أنا قلنا ~~للملائكة. وحكي عن الأخفش: {ثم} ههنا بمعنى الواو. وذكر الزجاج أن ذلك خطأ ~~عند النحويين. قال أبو بكر: ونظيره قوله تعالى: {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} [يونس:46] ومعناه: والله شهيد. # قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب ~~بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجابه; لأنه علق الذم بتركه الأمر ~~المطلق. وقيل في قوله تعالى {ألا تسجد} إن " {لا} " ههنا صلة مؤكدة. وقيل ~~إن معناه: ما دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك؟ وقيل في السجود لآدم وجهان: ~~أحدهما: التكرمة لأن الله قد امتن به على عباده وذكره بالنعمة فيه، ~~والثاني: أنه كان قبلة لهم كالكعبة. # قوله تعالى: {فبما أغويتني} . قيل فيه: خيبتني، كقول الشاعر: # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # يعني: من يخب. وحكى لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: ~~يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه قوله ~~تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه:121] أي فسد عليه عيشه في الجنة; قال: ~~ويقال غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه. وقيل في {أغويتني} : أي حكمت ~~بغوايتي، كقولك أضللتني أي حكمت بضلالتي. وقيل: {أغويتني} أي أهلكتني. فهذه ~~الوجوه الثلاثة محتملة في إبليس. وقوله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} يحتمل ~~فساد أمره في الجنة، # PageV03P038 # وهو يرجع إلى معنى الخيبة، ولا يحتمل الهلاك ولا الحكم بالغواية التي هي ~~ضلال; لأن أنبياء الله لا يجوز ذلك عليهم. # قوله تعالى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ms2021 ~~شمائلهم} روي عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة والحكم والسدي: {من بين أيديهم ~~ومن خلفهم} من قبل دنياهم وآخرتهم، من جهة حسناتهم وسيئاتهم. وقال مجاهد: ~~من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون. وقيل: "من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم". ~~ولم يقل من فوقهم، قال ابن عباس: لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم ~~يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه ممتنع إذا أريد به الحقيقة. # قوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} قرن قربهما ~~الشجرة، إلا أنه معلوم شرط الذكر فيه وتعمد الأكل مع العلم به; لأنه لا ~~يؤاخذ بالنسيان والخطإ فيما لم يقم عليه دليل قاطع. ولم يكن أكلهما للشجرة ~~معصية كبيرة بل كانت صغيرة من وجهين: أحدهما: أنهما نسيا الوعيد وظنا أنه ~~نهي استحباب لا إيجاب، ولهذا قال: {فنسي ولم نجد له عزما} [طه:115] . ~~والثاني: أنه أشير لهما إلى شجرة بعينها وظنا المراد العين وكان المراد ~~الجنس، كقوله صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال: "هذان مهلكا ~~أمتي" وإنما أراد الجنس لا العين دون غيرها. # قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى} هذا خطاب عام لسائر المكلفين من الآدميين كما كان قوله تعالى: {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء:1} خطابا لمن كان في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن جاء بعده من المكلفين من أهل سائر الأعصار، إلا أنه لمن كان ~~غير موجود على شرط الوجود وبلوغ كمال العقل. # قوله تعالى: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} وقوله تعالى: {وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة} يدل على فرض ستر العورة، لإخباره أنه أنزل ~~علينا لباسا لنواري سوآتنا به. وإنما قال: {أنزلنا} لأن اللباس إنما يكون ~~من نبات الأرض أو من جلود الحيوان وأصوافها، وقوام جميعها بالمطر النازل من ~~السماء. وقيل إنه وصفه بالإنزال لأن البركات تنسب إلى أنها تأتي من السماء، ~~كما قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد:25] . ~~وقوله: {ريشا} قيل إنه ms2022 الأثاث من متاع البيت نحو الفرش والدثار. وقيل: ~~الريش ما فيه الجمال، ومنه ريش الطائر. وقوله: {ولباس التقوى} قيل فيه إنه ~~العمل الصالح، عن ابن عباس; وسماه لباسا لأنه يقي العقاب كما يقي اللباس من ~~الثياب الحر والبرد. وقال قتادة والسدي: "هو الإيمان". # PageV03P039 # وقال الحسن: هو الحياء الذي يكسبهم التقوى. وقال بعض أهل العلم: "هو لباس ~~الصوف والخشن من الثياب التي تلبس للتواضع والنسك في العبادة" # وقد اتفقت الأمة على معنى ما دلت عليه الآية من لزوم فرض ستر العورة، ~~ووردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده قال: قلت: "يا رسول الله عورتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: ~~احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قلت: يا رسول الله فإذا كان ~~أحدنا خاليا؟ قال: فإن الله أحق أن يستحيا منه" وروى أبو سعيد الخدري عنه ~~عليه السلام أنه قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة ~~المرأة" وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ملعون من نظر إلى سوأة ~~أخيه" قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور:30] {وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور:31] يعني عن العورات; إذ لا خلاف في ~~جواز النظر إلى غير العورة. # قال الله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة} قيل في الفتنة إنها المحنة بالدعاء إلى المعصية من جهة الشهوة أو ~~الشبهة، والخطاب توجه إلى الإنسان بالنهي عن فتنة الشيطان وإنما معناه ~~التحذير من فتنة الشيطان وإلزام التحرز منه. وقوله تعالى: {كما أخرج أبويكم ~~من الجنة} فأضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فإنه أغواهما حتى فعلا ما ~~استحقا به الإخراج منها، كقوله تعالى حاكيا عن فرعون: {يذبح أبناءهم} ~~[القصص:4] وإنما أمر به ولم يتوله بنفسه. وعلى هذا المعنى أضاف نزع لباسهما ~~إليه بقوله: {ينزع عنهما لباسهما} وهذا يحتج به فيمن حلف لا يخيط قميصه أو ~~لا يضرب عبده وهو ms2023 ممن لا يتولى الضرب بنفسه أنه إن أمر به غيره ففعله حنث، ~~وكذلك إذا حلف لا يبني داره فأمر غيره فبناها. وقيل في اللباس الذي كان ~~عليهما إنه كان ثيابا من ثياب الجنة; وقال ابن عباس: كان لباسهما الظفر، ~~وقال وهب بن منبه: كان لباسهما نورا. # قوله تعالى: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} روي عن مجاهد والسدي: توجهوا ~~إلى قبلة كل مسجد في الصلاة على استقامة. وقال الربيع بن أنس: توجهوا ~~بالإخلاص لله تعالى لا لوثن ولا غيره. # PageV03P040 # مطلب: في وجوب فعل المكتوبات في جماعة # قال أبو بكر: قد حوى ذلك معنيين: أحدهما: التوجه إلى القبلة المأمور بها ~~على استقامة غير عادل عنها، والثاني: فعل الصلاة في المسجد، وذلك يدل على ~~وجوب فعل # PageV03P040 # المكتوبات في جماعة لأن المساجد مبنية للجماعات. وقد روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخبار في وعيد تارك الصلاة في جماعة وأخبار أخر في ~~الترغيب فيها، فمما روي ما يقتضي النهي عن تركها قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له"، "وقوله لابن أم مكتوم حين قال له إن ~~منزلي شاسع فقال: هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، فقال: لا أجد لك عذرا" وقوله: ~~"لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم آمر بحطب فيحرق على المتخلفين عن ~~الجماعة بيوتهم" في أخبار نحوها. ومما روي من الترغيب أن صلاة الجماعة تفضل ~~على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، وأن الملائكة ليصلون على الذين يصلون في ~~الصف المقدم، وقوله: "بشر المشائين في ظلام الليل إلى المساجد بالنور التام ~~يوم القيامة" وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول: هو عندي فرض على الكفاية ~~كغسل الموتى ودفنهم والصلاة عليهم، متى قام بها بعضهم سقط عن الباقين. # PageV03P041 # مطلب: في ستر العورة في الصلاة # قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أبو بكر: هذه ~~الآية تدل على فرض ستر العورة في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال ~~أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد ms2024 بن الحسن والحسن بن زياد: "هي فرض في ~~الصلاة إن تركه مع الإمكان فسدت صلاته"، وهو قول الشافعي. وقال مالك ~~والليث" "الصلاة مجزية مع كشف العورة ويوجبان الإعادة في الوقت والإعادة في ~~الوقت عندهما استحباب. ودلالة هذه الآية على فرض ستر العورة في الصلاة من ~~وجوه: أحدها: أنه لما قال: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} فعلق الأمر بالمسجد، ~~علمنا أن المراد الستر للصلاة لولا ذلك لم يكن لذكر المسجد فائدة، فصار ~~تقديرها: خذوا زينتكم في الصلاة، ولو كان المراد سترها عن الناس لما خص ~~المسجد بالذكر; إذ كان الناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد، فأفاد بذكر ~~المسجد وجوبه في الصلاة إذ كانت المساجد مخصوصة بالصلاة. وأيضا لما أوجبه ~~في المسجد وجب بظاهر الآية فرض الستر في الصلاة إذا فعلها في المسجد، وإذا ~~وجب في الصلاة المفعولة في المسجد وجب في غيرها من الصلوات حيث فعلت; لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما. وأيضا فإن المسجد يجوز أن يكون عبارة عن السجود نفسه ~~كما قال الله تعالى: {وأن المساجد لله} [الجن:18] والمراد السجود، وإذا كان ~~كذلك اقتضت الآية لزوم الستر عند السجود، وإذا لزم ذلك في السجود لزم في ~~سائر أفعال الصلاة; إذ لم يفرق أحد بينهما; روي عن ابن عباس وإبراهيم ~~ومجاهد وطاوس والزهري: أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله ~~تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أبو بكر: وقيل إنهم إنما كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة لأن # PageV03P041 # الثياب قد دنستها المعاصي في زعمهم فيتجردون منها. وقيل إنهم كانوا ~~يفعلون ذلك تفاؤلا بالتعري من الذنوب. # وقال بعض من يحتج لمالك بن أنس: إن هؤلاء السلف لما ذكروا سبب نزول الآية ~~وهو طواف العريان وجب أن يكون حكمها مقصورا عليه. وليس هذا عندنا كذلك; لأن ~~نزول الآية عندنا على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه لأن الحكم عندنا ~~لعموم اللفظ لا للسبب. وعلى أنه لو كان كما ذكر لا يمنع ذلك وجوبه في ~~الصلاة; لأنه إذا وجب الستر في الطواف فهو ms2025 في الصلاة أوجب; إذ لم يفرق أحد ~~بينهما. # فإن قال قائل: فينبغي أن لا يمنع ترك الستر صحة الصلاة كما لم يمنع صحة ~~الطواف الذي فيه نزلت الآية وإن وقع ناقصا. قيل له: ظاهره يقتضي بطلان ~~الجميع عند عدم الستر، ولكن الدلالة قد قامت على جواز الطواف مع النهي كما ~~يجوز الإحرام مع الستر وإن كان منهيا عنه، ولم تقم الدلالة على جواز الصلاة ~~عريانا; ولأن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها مثل الطهارة واستقبال القبلة، ~~وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده; لأنه لو ترك الإحرام في الوقت ثم أحرم صح ~~إحرامه، وكذلك لو أحرم وهو مجامع لامرأته وقع إحرامه، فصار الإحرام آكدا في ~~بقائه من الصلاة والطواف من موجبات الإحرام فوجب أن لا يفسده ترك الستر ولا ~~يمنع وقوعه. # ويدل على أن حكم الآية غير مقصور على الطواف وأن المراد بها الصلاة قوله ~~تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} والطواف مخصوص بمسجد واحد ولا يفعل في ~~غيره، فدل على أن مراده الصلاة التي تصح في كل مسجد. ويدل عليه من جهة ~~السنة حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يصل أحدكم في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء" وروى محمد بن ~~سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" فنفى قبولها لمن بلغت الحيض فصلتها ~~مكشوفة الرأس، كما نفى قبولها مع عدم الطهارة بقوله عليه السلام: "لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور" فثبت بذلك أن ستر العورة من فروضها. وأيضا قد اتفق ~~الجميع على أنه مأمور بستر العورة في الصلاة; ولذلك يأمره مخالفنا بإعادتها ~~في الوقت، فإذا كان مأمورا بالستر ومنهيا عن تركه وجب أن يكون من فروض ~~الصلاة من وجهين: أحدهما: أن ذلك يدل على أن هذا الحكم مأخوذ عن الآية وأن ~~الآية قد أريد بها الستر في الصلاة، والثاني: أن النهي يقتضي فساد ms2026 الفعل ~~إلا أن تقوم الدلالة على الجواز. # فإن قال قائل: لو كان الستر من فروض الصلاة لما جازت الصلاة مع عدمه عند # PageV03P042 # الضرورة إلا ببدل يقوم مقامه مثل الطهارة، فلما جازت صلاة العريان إذا لم ~~يجد ثوبا من غير بدل على الستر دل على أنه ليس من فرضه. قيل له: هذا سؤال ~~ساقط لاتفاق الجميع على جواز صلاة الأمي والأخرس مع عدم القراءة من غير بدل ~~عنها، ولم يخرجها ذلك من أن يكون فرضا. # وزعم بعض من يحتج لمالك أنه لو كان الثوب من عمل الصلاة ومن فرضها لوجب ~~على الإنسان أن ينوي بلبس الثوب أنه للصلاة كما ينوي بالافتتاح أنه لتلك ~~الصلاة. وهذا كلام واه جدا فاسد العبارة مع ضعف المعنى وذلك لأن الثوب لا ~~يكون من عمل الصلاة ولا من فروضها ولكن ستر العورة من شروطها التي لا تصح ~~إلا به كالطهارة، كما أن استقبال القبلة من شروطها، ولا يحتاج الاستقبال ~~إلى نية، والطهارة من شروطها ولا تحتاج عندنا إلى نية، والقيام في حال ~~الافتتاح من فروضها لمن قدر عليه ولا يحتاج إلى نية، والقيام والقراءة ~~والركوع والسجود بعد الافتتاح من فروضها ولا يحتاج لشيء من ذلك إلى نية. # فإن قيل: لأن نية الصلاة قد أغنت عن تجديد النية لهذه الأفعال. قيل له: ~~وكذلك نية الصلاة قد أغنت عن تجديد نية للستر. # وقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} يدل على أنه مندوب في حضور ~~المسجد إلى أخذ ثوب نظيف مما يتزين به; وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال "ندب إلى ذلك في الجمع والأعياد"، كما أمر بالاغتسال للعيدين ~~والجمعة وأن يمس من طيب أهله. # قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} الآية ظاهره يوجب الأكل والشرب ~~من غير إسراف; وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال والإيجاب في بعضها، ~~فالحال التي يجب فيها الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر يكون ~~ترك الأكل والشرب يتلف نفسه أو بعض أعضائه أو يضعفه عن ms2027 أداء الواجبات، ~~فواجب عليه في هذه الحال أن يأكل ما يزول معه خوف الضرر; والحال التي هما ~~مباحان فيها هي الحال التي لا يخاف فيها ضررا بتركها. وظاهره يقتضي جواز ~~أكل سائر المأكولات وشرب سائر الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون ~~مسرفا فيما يأتيه من ذلك; لأنه أطلق الأكل والشرب على شريطة أن لا يكون ~~مسرفا فيهما. والإسراف هو مجاوزة حد الاستواء، فتارة يكون بمجاوزة الحلال ~~إلى الحرام وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى: ~~{إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء:27] والإسراف وضده من الإقتار ~~مذمومان، والاستواء هو التوسط; ولذلك قيل دين الله بين المقصور والغالي، # PageV03P043 # قال الله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما} [الفرقان:67] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء:29] وقد يكون ~~الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر، فذلك محرم أيضا. # قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~روي عن الحسن وقتادة: "أن العرب كانت تحرم السوائب والبحائر، فأنزل الله ~~تعالى ذلك".وقال السدي: "كانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن والأدهان، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا لقولهم"، وفيه تأكيد لما قدم إباحته في ~~قوله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} الآية والطيبات من الرزق قيل فيه وجهان: ~~أحدهما: ما استطابه الإنسان واستلذه من المأكول والمشروب، وهو يقتضي إباحة ~~سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة تحريمه والثاني: الحلال من الرزق. # قوله تعالى: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} ~~يعني أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة لهم من شوائب التنغيص ~~والتكدير وقيل: هي خالصة لهم دون المشركين. # وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم ~~والبغي بغير الحق} قال مجاهد: "الفواحش والزنا وهو الذي بطن، والتعري في ~~الطواف وهو الذي ظهر". وقيل: ms2028 القبائح كلها فواحش، أجمل ذكرها بديا ثم فصل ~~وجوهها فذكر أن منها الإثم والبغي والإشراك بالله، والبغي هو طلب الترؤس ~~على الناس بالقهر والاستطالة عليهم بغير حق وقوله: {والأثم} مع وصفه الخمر ~~والميسر بأن فيهما إثم، وقوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير} [البقرة:219] يقتضي تحريم الخمر والميسر أيضا. # قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} فيه الأمر بالإخفاء للدعاء. قال ~~الحسن في هذه الآية: علمكم كيف تدعون ربكم، وقال لعبد صالح رضي دعاءه: {إذ ~~نادى ربه نداء خفيا} [مريم:3] وروى مبارك عن الحسن قال: "كانوا يجتهدون في ~~الدعاء ولا يسمع إلا همسا" وروى أبو موسى الأشعري قال: كنا عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال: "يا أيها الناس إنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا" وروى سعد بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير ~~الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمل البر كله نصف العبادة والدعاء نصف ~~العبادة" وروى سالم عن أبيه عن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا رفع # PageV03P044 # يديه في الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه". # ال أبو بكر: في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء ~~أفضل من إظهاره; لأن الخفية هي السر، روي ذلك عن ابن عباس والحسن "وفي ذلك ~~دليل على أن إخفاء آمين" بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره ~~لأنه دعاء، والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى {قد أجيبت دعوتكما} ~~[يونس:89] قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله داعيين. وقال بعض ~~أهل العلم: إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء، # وأما التضرع فإنه قد قيل إنه الميل في الجهات، يقال يضرع الرجل ضرعا إذا ~~مال بأصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا، قال: ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل ~~إليه، والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبهه ms2029 نحو المقاربة وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه "كان يدعو ويشير بالسبابة" وقال ابن عباس: ~~"لقد رئي النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة رافعا يديه يدعو حتى إنه ليرى ~~ما تحت إبطيه" وقال أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فمد ~~يديه حتى رأيت بياض إبطيه". وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رفع ~~اليدين في الدعاء والإشارة بالسبابة دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على ~~تحويل الأصبع يمينا وشمالا. # قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة} قال أبو بكر: إنما قال تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ~~لأنه لما قال: {ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} جاز أن يسبق إلى وهم بعض ~~السامعين أنه كان عشرين ليلة ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ليلة، فأزال هذا ~~التوهم والتجوز وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر غيرها زيادة عليها. # قوله تعالى: {قال رب أرني أنظر إليك} قيل إنه سأل الرؤية على جهة استخراج ~~الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ويدل عليه قوله ~~تعالى: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وقيل: إنه سأله الرؤية التي هي علم ~~الضرورة، فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا. # فإن قيل: فلم جاز أن يسأل الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى؟ وهل يجوز ~~على هذا أن يسأله ما لا يجوز على الله تعالى من الظلم؟ قيل له: لأنه لا ~~شبهة في فعل الظلم أنه صفة نقص وذم فلا يجوز سؤال مثله، وليس كذلك ما فيه ~~شبهة ولا يظهر حكمه إلا بالدلالة، وهذا إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ~~ما روي عن الحسن والربيع بن أنس والسدي وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي ~~علم الضرورة أو استخراج الجواب لقومه، # PageV03P045 # فهذا السؤال ساقط وقيل إن توبة موسى إنما كانت من التقدم بالمسألة قبل ~~الإذن فيها، ويحتمل أن يكون ذكر التوبة على وجه التسبيح على ما جرت ms2030 عادة ~~المسلمين بمثله عند ظهور دلائل الآيات الداعية إلى التعظيم. # قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل} فإن التجلي على وجهين: ظهور بالرؤية ~~أو الدلالة; والرؤية مستحيلة في الله تعالى فهو ظهور آياته التي أحدثها ~~لحاضري الجبل. وقيل: إنه أبرز من ملكوته للجبل ما يدكدك به; لأن في حكمه ~~تعالى أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السماء، كما روي أنه ~~أبرز قدر الخنصر من العرش. # وقوله تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قيل: بأحسن ما كتب فيه، وهو ~~الفرائض والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب، وكذلك قوله: {فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر:18] وقال بعض أهل العلم: ~~أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه. وقد قيل إن هذا لا يجوز; لأن فعل ~~المنسوخ المنهي عنه قبيح، فلا يقال الحسن أحسن من القبيح. # قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض} قيل إن معناه: عن ~~آياتي من العز والكرامة بالدلالة التي تكسب الرفعة في الدنيا والآخرة; ~~ويحتمل: صرفهم عن الاعتراض على آياتي بالإبطال أو بالمنع من الإظهار للناس. ~~ولا يجوز أن يكون معناه: سأصرف عن الإيمان بآياتي; لأنه لا يجوز أن يأمر ~~بالإيمان ثم يمنع منه; إذ كان ذلك سفها وعبثا. # قوله تعالى: {أعجلتم أمر ربكم} قد قيل إن العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، ~~والسرعة عمله في أول أوقاته; ولذلك صارت العجلة مذمومة وقد يكون تعجيل ~~الشيء في وقته، كما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل الظهر في ~~الشتاء ويبرد بها في الصيف. # وقوله تعالى: {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} كان على وجه المعاتبة لا على ~~وجه الإهانة; ولأن مثل هذه الأفعال تختلف أحكامها بالعادة، فلم تكن للعادة ~~حينئذ فعله على وجه الإهانة. وقيل: إنه بمنزلة قبض الرجل منا عند غضبه على ~~لحيته وعضه على شفته بإبهامه. # قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف} قيل إن الأغلب في "خلف" بتسكين العين ~~أنه للذم; وقال لبيد: # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # PageV03P046 # وقد جاء ms2031 بالتسكين في المدح أيضا، قال حسان: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # قوله تعالى: {يأخذون عرض هذا الأدنى} قيل إن العرض ما يقل لبثه، يقال عرض ~~هذا الأمر فهو عارض خلاف اللازم، قال تعالى: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: ~~24] يعني السحاب لقلة لبثه وروي في قوله {عرض هذا الأدنى} أن معناه الرشوة ~~على الحكم. # قوله تعالى: {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} . قال مجاهد وقتادة والسدي "أهل ~~إصرار على الذنوب". وقال الحسن: "معناه أنه لا يشبعهم شيء". # قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم} قيل إنه أخرج الذرية قرنا بعد قرن وأشهدهم على أنفسهم بما جعل في ~~عقولهم وفطرهم من المنازعة لكي تقتضي الإقرار بالربوبية، حتى صاروا بمنزلة ~~من قيل لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وقيل: إنه قال لهم ألست بربكم على ~~لسان بعض أنبيائه. # قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس} هذه لام العاقبة، ~~كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص:8] ولم يكن ~~غرضهم ذلك في التقاطه، ولكنه لما كان ذلك عاقبة أمره أطلق ذلك فيهم; ومنه ~~قول الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # وقال أيضا: # وأم سماك فلا تجزعي ... فللموت ما غذت الوالدة # قوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء} ~~فيه حث على النظر والاستدلال والتفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره، فإنه يدل ~~عليه وعلى حكمته وجوده وعدله، وأخبر أن في جميع ما خلقه دليلا عليه وداع ~~إليه، وحذرهم التفريط بترك النظر إلى وقت حلول الموت وفوات ما كان يمكنه ~~الاستدلال به على معرفة الله تعالى وتوحيده، وذلك قوله تعالى: {وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} . # قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} الآية. قوله: {أيان مرساها} ~~قال قتادة والسدي: "قيامها". وأيان بمعنى متى; وهو سؤال عن الزمان على جهة ~~الظرف # PageV03P047 # للفعل، فلم يخبرهم الله تعالى عن وقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ms2032 ~~ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية. والمرسى مستقر الشيء الثقيل، ومنه ~~الجبال الراسيات يعني الثابتات، ورسيت السفينة إذا ثبتت في مستقرها، ~~وأرساها غيرها أثبتها. قال ابن عباس: كان السائلون عن الساعة قوم من ~~اليهود. وقال الحسن وقتادة: "سألت عنها قريش". # قوله تعالى: {لا تأتيكم إلا بغتة} قال قتادة غفلة، وذلك أشدها. # وقوله تعالى: {ثقلت في السماوات والأرض} قال السدي وغيره: "ثقل علمها على ~~أهل السموات والأرض فلم يطيقوه إدراكا له"، وقال الحسن "عظم وصفها على أهل ~~السموات والأرض من انتثار النجوم وتكوير السموات وتسيير الجبال". وقال ~~قتادة: "ثقلت على السموات فلا تطيقها لعظمها". وقوله تعالى: {يسألونك كأنك ~~حفي عنها} قال مجاهد والضحاك ومعمر: "كأنك عالم بها" وعن ابن عباس والحسن ~~وقتادة والسدي: يسألونك عنها كأنك حفي بهم على التقدير والتأخير، أي كأنك ~~لطيف ببرك إياهم، من قوله: {إنه كان بي حفيا} [مريم:47] ويقال إن أصل الحفا ~~الإلحاح في الأمر، يقال: أحفى فلان فلانا إذا ألح في الطلب منه، وأحفى ~~السؤال إذا ألح فيه، ومنه أحفى الشارب إذا استأصله واستقصى في أخذه. ومنه ~~الحفا وهو أن يتسحج قدمه لإلحاح المشي بغير نعل، والحفي اللطيف ببرك ~~لإلحاحه بالبر لك، و {حفي عنها} بمعنى عالم بها لإلحاحه بطلب علمها. # PageV03P048 # مطلب: في بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا # وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا، ~~ويستدل بما روي أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن الباقي منها من وقت مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة; لأنه لو كان كذلك لكان وقت قيام ~~الساعة معلوما، وقد أخبر الله تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها لوقتها ~~إلا هو، وأنها تأتي بغتة لم يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك معنى ~~البغتة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا وليس ~~فيها تحديد للوقت، مثل قوله: "بعثت والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة ~~والوسطى، ونحو قوله فيما رواه شعبة وغيره عن علي ms2033 بن زيد عن أبي نضرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعد العصر إلى ~~مغيب الشمس قال: "ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه ~~الشمس إلى أن تغيب". وما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" ونحوها من ~~الأخبار ليس # PageV03P048 # فيها تحديد وقت قيام الساعة وإنما فيه تقريب الوقت وقد روي في تأويل قوله ~~تعالى {فقد جاء أشراطها} [محمد:18] أن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أشراطها. وقال الله تعالى: {قل إنما علمها عند ربي} ثم قال: {قل إنما علمها ~~عند ربي} فإنه قيل إنه بالأول علم وقتها وبالآخر علم كنهها. # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} قيل فيه: جعل ~~من كل نفس زوجها، كأنه قال: جعل من النفس زوجها ويريد به الجنس وأضمر ذلك، ~~وقيل: من آدم وحواء. # قوله تعالى: {لئن آتيتنا صالحا} قال الحسن: غلاما سويا. وقال ابن عباس: ~~بشرا سويا لأنهما يشفقان أن يكون بهيمة. # وقوله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} قال الحسن ~~وقتادة: الضمير في جعلا عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم لا إلى آدم وحواء. ~~وقال غيرهما: راجع إلى الولد الصالح، بمعنى أنه كان معافى في بدنه وذلك ~~صلاح في خلقه لا في دينه ورد الضمير إلى اثنين لأن حواء كانت تلد في بطن ~~واحد ذكرا وأنثى. # قوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم} عنى ~~بالدعاء الأول تسميتهم الأصنام آلهة، والدعاء الثاني طلب المنافع وكشف ~~المضار من جهتهم، وذلك ميئوس منهم. وقوله: {عباد أمثالكم} قيل: إنما سماها ~~عبادا لأنها مملوكة لله تعالى، وقيل: لأنهم توهموا أنها تضر وتنفع، فأخبر ~~أنه ليس يخرج بذلك عن حكم العباد المخلوقين. وقال الحسن: "إن الذين يدعون ~~هذه الأوثان مخلوقة أمثالكم". # قوله تعالى: {ألهم أرجل ms2034 يمشون بها} تقريع لهم على عبادتهم من هذه صفته; ~~إذ لا شبهة على أحد في الناس أن من تبع من هذه صفته فهو ألوم ممن عبد من له ~~جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر وقيل: إنه قدرهم أنهم أفضل منها; لأن لهم ~~جوارح يتصرفون بها والأصنام لا تصرف لها، فكيف يعبدون من هم أفضل منه ~~والعجب من أنفتهم من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أيده الله به من ~~الآيات المعجزة والدلائل الباهرة لأنه بشر مثلهم، ولم يأنفوا من عبادة حجر ~~لا قدرة له ولا تصرف وهم أفضل منه في القدرة على النفع والضر والحياة ~~والعلم. # PageV03P049 # مطلب: في العفو والأمر بالمعروف. # قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف} روى هشام بن عروة عن أبيه عن # PageV03P049 # عبد الله بن الزبير في قوله عز وجل: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} قال: والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم ~~القيامة الخلق الحسن". وروى عطاء عن ابن عمر أنه قال: "سأل رجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا" وحدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد الأعرابي قالا: حدثنا ~~محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إنكم لا ~~تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". وروي عن ~~الحسن ومجاهد قالا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقبل العفو من أخلاق ~~الناس. والعفو هو التسهيل والتيسير، فالمعنى استعمال العفو وقبول ما سهل من ~~أخلاق الناس وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات وقبول العذر ونحوه. وروي عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: {خذ العفو} قال: "هو العفو من الأموال قبل أن ينزل ~~فرض الزكاة"، وكذلك روي عن الضحاك والسدي ms2035 وقيل: إن أصل العفو الترك، ومنه ~~قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة:178] يعني: ترك له; والعفو ~~عن الذنب ترك العقوبة عليه وقوله تعالى: {وأمر بالعرف} قال قتادة وعروة: ~~"العرف المعروف". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد ~~الله قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا عبد السلام بن الخليل عن عبيدة ~~الهجيمي قال: قال أبو جري جابر بن سليم "ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة ~~فطلبته، فأنخت قعودي بباب المسجد، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق ~~حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، قال: "وعليك السلام" قلت: إنا معشر ~~أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال: ادن ثلاثا. ~~فدنوت، فقال: أعد علي فأعدت، قال: "اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا، ~~وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من فضل دلوك في إناء المستسقي، وإن ~~امرؤ سبك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه ~~وزرا، ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى"، قال أبو جري: فوالذي ذهب بنفسه ~~ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا. والمعروف هو ما حسن في العقل فعله ولم ~~يكن منكرا عند ذوي العقول الصحيحة. # قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} أمر بترك مقابلة الجهال والسفهاء على ~~سفههم وصيانة النفس عنهم وهذا والله أعلم يشبه أن يكون قبل الأمر بالقتال; ~~لأن الفرض كان حينئذ على الرسول إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم، وهو مثل قوله: ~~{فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} [لنجم:29] وأما بعد ~~الأمر بالقتال فقد # PageV03P050 # تقرر أمر المبطلين والمفسدين على وجوه معلومة من إنكار فعلهم تارة بالسيف ~~وتارة بالسوط وتارة بالإهانة والحبس. # قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} ~~قيل في نزغ الشيطان إنه الإغواء بالوسوسة، وأكثر ما يكون عند الغضب وقيل إن ~~أصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، ويقال: هذه نزغة من الشيطان، للخصلة ~~الداعية إليه. ms2036 فلما علم الله تعالى نزغ الشيطان إيانا إلى الشر علمنا كيف ~~الخلاص من كيده وشره بالفزع إليه والاستعاذة به من نزغ الشيطان وكيده، وبين ~~بالآية التي بعدها أنه متى لجأ العبد إلى الله واستعاذ من نزغ الشيطان حرسه ~~منه وقوى بصيرته بقوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~فإذا هم مبصرون} قال ابن عباس: الطيف هو النزغ. وقال غيره: "الوسوسة". وهما ~~متقاربان وذلك يقتضي أنه متى استعاذ بالله من شر الشيطان أعاذه منه وازداد ~~بصيرة في رد وسواسه والتباعد مما دعاه إليه، ورآه في أخس منزلة وأقبح صورة ~~لما يعلم من سوء عاقبته إن وافقه وهون عنده دواعي شهوته. # قوله تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} قال الحسن وقتادة ~~والسدي: إخوان الشياطين في الضلال يمدهم الشيطان. وقال مجاهد: إخوان ~~المشركين من الشيطان. وسماهم إخوانا لاجتماعهم على الضلالة، كالإخوة من ~~النسب في التعاطف به وحنين بعضهم إلى بعض لأجله، كما سمى المؤمنين إخوانا ~~بقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10] لتعاطفهم وتواصلهم بالدين; ~~فأخبر عن حال من استعاذ بالله من نزغ الشيطان ووساوسه في بصيرته ومعرفته ~~بقبح ما يدعوه إليه وتباعده منه ومن دواعي شهواته برجوعه إلى الله وإلى ~~ذكره. وهذه الاستعاذة تجوز أن تكون بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~وجائز أن تكون بالفكر في نعم الله تعالى عليه وفي أوامره ونواهيه وما يئول ~~به إليه الحال من دوام النعيم فيهون عنده دواعي هواه وحوادث شهواته ونزغات ~~الشيطان بها. ثم أخبر تعالى عن حال من أعرض عن ذكر الله والاستعاذة به ~~فقال: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} فكلما تباعدوا عن الذكر ~~مضوا مع وساوس الشيطان وغيه غير مقصرين عنه، وهو نظير قوله تعالى: {ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه:124] وقوله تعالى: {ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [الأنعام:125] وبالله التوفيق. # PageV03P051 # باب القراءة خلف الإمام # قال الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ms2037 قال ~~أبو # PageV03P051 # بكر: روي عن ابن عباس أنه قال: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~الصلاة وقرأ معه أصحابه فخلطوا عليه، فنزل القرآن: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا} وروى ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: "المؤمن في سعة من ~~الاستماع إليه إلا في صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى". وروى ~~المهاجر أبو مخلد عن أبي العالية قال: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} فسكت القوم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم". وروي الشعبي ~~وعطاء قالا: "في الصلاة". وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد مثله. وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة فتى من الأنصار ~~وهو في الصلاة يقرأ فنزلت هذه الآية". وروي عن سعيد بن المسيب أنه قرأ في ~~الصلاة. وروي عن مجاهد: أنه في الصلاة والخطبة. والخطبة لا معنى لها في هذا ~~الموضع; لأن موضع القرآن في الخطبة كغيره في وجوب الاستماع والإنصات. وروي ~~عن أبي هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية. وهذا أيضا ~~تأويل بعيد لا يلائم معنى الآية; لأن الذي في الآية إنما هو أمر بالاستماع ~~والإنصات لقراءة غيره، لاستحالة أن يكون مأمورا بالاستماع والإنصات لقراءة ~~نفسه، إلا أن يكون معنى الحديث أنهم كانوا يتكلمون خلف النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصلاة فنزلت الآية، فإن كان كذلك فهو في معنى تأويل الآخرين له ~~على ترك القراءة خلف الإمام فقد حصل من اتفاق الجميع أنه قد أريد ترك ~~القراءة خلف الإمام والاستماع والإنصات لقراءته. ولو لم يثبت عن السلف ~~اتفاقهم على نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام لكانت الآية كافية في ~~ظهور معناها وعموم لفظها ووضوح دلالتها على وجوب الاستماع والإنصات لقراءة ~~الإمام وذلك لأن قوله تعالى: ms2038 {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} يقتضي ~~وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها، فإن قامت ~~دلالة على جواز ترك الاستماع والإنصات في غيرها لم يبطل حكم دلالته في ~~إيجابه ذلك فيها. وكما دلت الآية على النهي عن القراءة خلف الإمام فيما ~~يجهر به فهي دالة على النهي فيما يخفي; لأنه أوجب الاستماع والإنصات عند ~~قراءة القرآن لم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء، فإذا جهر فعلينا الاستماع ~~والإنصات وإذا أخفى فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا بأنه قارئ للقرآن. # وقد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام، فقال أصحابنا وابن سيرين وابن ~~أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح: "لا يقرأ فيما جهر". وقال الشافعي: "يقرأ ~~فيما جهر وفيما أسر". وقال مالك: "يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر". وقال ~~الشافعي: "يقرأ فيما # PageV03P052 # جهر وفيما أسر" في رواية المزني، وفي البويطي: "أنه يقرأ فيما أسر بأم ~~القرآن وسورة في الأوليين وأم القرآن في الأخريين وفيما جهر فيه الإمام لا ~~يقرأ من خلفه إلا بأم القرآن"، قال البويطي: وكذلك يقول الليث والأوزاعي. ~~قال أبو بكر: قد بينا دلالة الآية على وجوب الإنصات عند قراءة الإمام في ~~حال الجهر والإخفاء، وقال أهل اللغة: الإنصات الإمساك عن الكلام والسكوت ~~لاستماع القراءة، ولا يكون القارئ منصتا ولا ساكتا بحال وذلك لأن السكوت ضد ~~الكلام، وهو تسكين الآلة عن التحريك بالكلام الذي هو حروف مقطعة منظومة ~~ضربا من النظام، فهما يتضادان على المتكلم بآلة اللسان وتحريك الشفة، ألا ~~ترى أنه لا يقال ساكت متكلم كما لا يقال ساكن متحرك؟ فمن سكت فهو غير متكلم ~~ومن تكلم فهو غير ساكت. # فإن قال قائل: قد يسمى مخفي القراءة ساكتا إذا لم تكن قراءته مسموعة; كما ~~روى عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة فقلت له: بأبي أنت وأمي أرأيت سكتاتك بين ~~التكبير والقراءة أخبرني ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين ms2039 خطاياي ~~كما باعدت بين المشرق والمغرب" وذكر الحديث، فسماه ساكتا وهو يدعو خفيا، ~~فدل ذلك على أن السكوت إنما هو إخفاء القول وليس يتركه رأسا. قيل له: إنما ~~سميناه ساكتا مجازا; لأن من لا يسمعه يظنه ساكتا، فلما أشبه الساكت في هذا ~~الوجه سماه باسمه لقرب حاله من حال الساكت، كما قال تعالى: {صم بكم عمي} ~~[البقرة:18] تشبيها بمن هذه حاله، وكما قال في الأصنام: {وتراهم ينظرون ~~إليك} [الأعراف:198] تشبيها لهم بمن ينظر وليس هو بناظر في الحقيقة. فإن ~~قيل: لا يقرأ المأموم في حال قراءة الإمام وإنما يقرأ في حال سكوته، وذلك ~~لما روى الحسن عن سمرة بن جندب قال: "كان للنبي صلى الله عليه وسلم سكتتان ~~في صلاته إحداهما قبل القراءة والأخرى بعدها"، فينبغي للإمام أن تكون له ~~سكتة قبل القراءة ليقرأ الذين أدركوا أول الصلاة فاتحة الكتاب ثم ينصت ~~لقراءة الإمام، فإذا فرغ سكت سكتة أخرى ليقرأ من لم يدرك أول الصلاة فاتحة ~~الكتاب. قيل له: أما حديث السكتتين فهو غير ثابت ولو ثبت لم يدرك على ما ~~ذكرت; لأن السكتة الأولى إنما هي لذكر الاستفتاح، والثانية إن ثبتت فلا ~~دلالة فيها على أنها بمقدار ما يقرأ فاتحة الكتاب وإنما هي فصل بين القراءة ~~وبين تكبير الركوع لئلا يظن من لا يعلم أن التكبير من القراءة إذا كان ~~موصولا بها، ولو كانت السكتتان كل واحدة منهما بمقدار قراءة فاتحة الكتاب ~~لكان ذلك مستفيضا ونقله شائعا ظاهرا، فلما لم ينقل ذلك من طريق الاستفاضة ~~مع عموم الحاجة إليه; إذ كانت مفعولة لأداء فرض القراءة من المأموم ثبت ~~أنهما غير ثابتتين. وأيضا # PageV03P053 # فإن سبيل المأموم أن يتبع الإمام، ولا يجوز أن يكون الإمام تابعا ~~للمأموم، فعلى قول هذا القائل يسكت الإمام بعد القراءة حتى يقرأ المأموم، ~~وهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ثم مع ذلك ~~يكون الأمر على عكس ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: "وإذا قرأ ~~فأنصتوا" فأمر ms2040 المأموم بالإنصات للإمام، وهو يأمر الإمام بالإنصات للمأموم ~~ويجعله تابعا له، وذلك خلف من القول; ألا ترى أن الإمام لو قام في الثنتين ~~من الظهر ساهيا لكان على المأموم اتباعه، ولو قام المأموم ساهيا لم يكن على ~~الإمام اتباعه، ولو سها المأموم لم يسجد هو ولا إمامه للسهو، ولو سها ~~الإمام ولم يسه المأموم لكان على المأموم اتباعه؟ فكيف يجوز أن يكون الإمام ~~مأمورا بالقيام ساكتا ليقرأ المأموم. # وقد روي في النهي عن القراءة خلف الإمام آثار مستفيضة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أنحاء مختلفة، فمنها حديث قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن ~~حطان بن عبد الله عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~قرأ الإمام فأنصتوا" وحديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ~~فإذا قرأ فأنصتوا" فهذان الخبران يوجبان الإنصات عند قراءة الإمام. وقوله: ~~"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا" إخبار منه أن من الائتمام ~~بالإمام الإنصات لقراءته، وهذا يدل على أنه غير جائز أن ينصت الإمام لقراءة ~~المأموم; لأنه لو كان مأمورا بالإنصات له لكان مأمورا بالائتمام به، فيصير ~~الإمام مأموما والمأموم إماما في حالة واحدة، وهذا فاسد. # ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له إمام ~~فقراءة الإمام له قراءة" رواه جماعة عن جابر، وفي بعض الألفاظ: "إذا كان لك ~~إمام فقراءته لك قراءة". ومنها حديث عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "نهى عن القراءة خلف الإمام" رواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة ~~بن أوفى عن عمران بن أرطاة. وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في شرح مختصر ~~الطحاوي. # ومنها حديث مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها ms2041 بأم ~~القرآن فهي خداج وفي بعضها: لم يصل إلا وراء الإمام" فأخبر أن ترك قراءة ~~فاتحة الكتاب خلف الإمام لا يوجب نقصانا في الصلاة، ولو جاز أن يقرأ لكان ~~تركها يوجب نقصا فيها كالمنفرد. وروى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي ~~عن أبي هريرة، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها ~~بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، ~~قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن" قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر ~~فيه رسول الله لما # PageV03P054 # قال صلى الله عليه وسلم: "هل قرأ معي أحد منكم" دل ذلك على أن القارئ ~~خلفه أخفى قراءته ولم يجهر بها; لأنه لو كان جهر بها لما قال: "هل قرأ معي ~~أحد منكم" ثم قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن"، وفي ذلك دليل على استواء ~~حكم الصلاة التي يجهر فيها والتي تخافت لإخباره أن قراءة المأموم هي ~~الموجبة لمنازعة القرآن. وأما قوله: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه ~~رسول الله" فلا حجة فيه لمن أجاز القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه، من قبل ~~أن ذلك قول الراوي وتأويل منه، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق ~~بين حال الجهر والإخفاء. # ومنها حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ~~قال: كنا نقرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خلطتم علي القرآن" ~~وهذا أيضا يدل على التسوية بين حال الجهر والإخفاء; إذ لم يذكر فرقا ~~بينهما. وروى الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز عن ابن بحينة وكان من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل قرأ معي ~~أحد آنفا في الصلاة؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني أقول ما لي أنازع القرآن"، ~~قال: فانتهى الناس عن القراءة معه منذ قال ذلك، فأخبر في هذا الحديث عن ~~تركهم القراءة خلفه ولم يفرق بين الجهر والإخفاء; فهذه ms2042 الأخبار كلها توجب ~~النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه أو يسر. ومما يدل على ذلك ما ~~روي عن جلة الصحابة من النهي عن القراءة خلف الإمام وإظهار النكير على ~~فاعله، ولو كان ذلك شائعا لما خفي أمره على الصحابة لعموم الحاجة إليه، ~~ولكان من الشارع توقيف للجماعة عليه ولعرفوه كما عرفوا القراءة في الصلاة، ~~إذ كانت الحاجة إلى معرفة القراءة خلف الإمام كهي إلى القراءة في الصلاة ~~للمنفرد والإمام، فلما روي عن جلة الصحابة إنكار القراءة خلف الإمام ثبت ~~أنها غير جائزة. # فممن نهى عن القراءة خلف الإمام علي وابن مسعود وسعد وجابر وابن عباس ~~وأبو الدرداء وأبو سعيد وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس. روى عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى عن علي قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. وروى أبو إسحاق عن ~~علقمة عن عبد الله عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا". ~~وروى وكيع عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف ~~الإمام فلا صلاة له". وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: أقرأ خلف الإمام؟ قال: ~~لا. وقال أبو سعيد: يكفيك قراءة الإمام. قال أنس: القراءة خلف الإمام ~~التسبيح يعني والله أعلم: التسبيح في الركوع وذكر الاستفتاح. وقال منصور عن ~~إبراهيم: ما سمعنا بالقراءة خلف الإمام حتى كان المختار الكذاب فاتهموه ~~فقرءوا خلفه. وقال سعد: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة. # PageV03P055 # واحتج موجبو القراءة خلف الإمام بحديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ~~بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الفجر فتعامى عليه القراءة، فلما سلم قال: "أتقرءون خلفي؟ " قالوا: نعم يا ~~رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بها" وهذا حديث مضطرب السند مختلف في رفعه، وذلك أنه رواه صدقة بن خالد عن ~~زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن ms2043 محمود بن ربيعة عن عبادة، ونافع بن محمود ~~هذا مجهول لا يعرف. وقد روى هذا الحديث ابن عون عن رجاء بن حيوة عن محمود ~~بن الربيع موقوفا على عبادة لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي ~~أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل ~~بوجهه فقال: "أتقرءون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم ثلاثا فقالوا: إنا ~~لنفعل، فقال: لا تفعلوا" فلم يذكر فيه استثناء فاتحة الكتاب. وإنما أصل ~~حديث عبادة ما رواه يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع عن عبادة ~~بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ ~~القرآن". فلما اضطرب حديث عبادة هذا الاضطراب في السند والرفع والمعارضة لم ~~يجز الاعتراض به على ظاهر القرآن والآثار الصحاح النافية للقراءة خلف ~~الإمام. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بأم القرآن" فليس فيه إيجاب ~~قراءتها خلف الإمام; لأن هذه صلاة بأم القرآن; إذ كانت قراءة الإمام له ~~قراءة، وكذلك حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج غير تمام فقلت: يا أبا هريرة إني أكون أحيانا خلف الإمام؟ ~~فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك". فلا حجة لهم فيه; لأن أكثر ~~ما فيه أنها خداج والخداج إنما هو النقصان، وتدل على الجواز لوقوع اسم ~~الصلاة عليها، وأيضا فإنه في المنفرد ليجمع بينه وبين الآية، والأخبار التي ~~قدمناها في نفي القراءة خلف الإمام. وأما قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك ~~فإنه لم يعز ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقوله لا تثبت به حجة. # ومما يدل على أن أخبارنا أولى اتفاق الجميع على استعمالها في النهي عن ~~القراءة خلف الإمام في حال جهر الإمام، وخبرهم مختلف فيه، فكان ما اتفقوا ~~على استعماله في ms2044 حال أولى مما اختلف فيه. # فإن قيل: تستعمل الأخبار كلها، فيكون أخبار النهي فيما عدا فاتحة الكتاب ~~وأخبار الأمر بالقراءة في فاتحة الكتاب. قيل له: هذا يبطل بما ذكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قوله: "علمت أن بعضكم خالجنيها" وقوله: "ما لي أنازع ~~القرآن" والقرآن لا يختص بفاتحة الكتاب دون # PageV03P056 # غيرها، فعلمنا أنه أراد الجميع. وقال في حديث وهب بن كيسان عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ~~إلا وراء الإمام" فنص على تركها خلف الإمام، وذلك يبطل تأويلك وقولك ~~باستعمال الأخبار بل أنت رادها غير مستعمل لها. # فإن قيل: ما استدللت به من قول الصحابة لا دليل فيه; لأنهم قد خالفهم ~~نظراؤهم، فمن ذلك ما رواه عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا سليمان الشيباني ~~عن جواب عن يزيد بن شريك قال: قلت لعمر بن الخطاب أوسمعت رجلا قال له اقرأ ~~خلف الإمام؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن قرأ؟ قال: وإن قرأ. وروى شعبة عن أبي ~~الفيض عن أبي شيبة، قال معاذ: إذا كنت تسمع قراءة الإمام فاقرأ بقل هو الله ~~أحد ونحوها، وإذا لم تسمع قراءته ففي نفسك. وروى أشعث عن الحكم وحماد: أن ~~عليا كان يأمر بالقراءة خلف الإمام. وروى ليث عن عطاء عن ابن عباس: لا تدع ~~أن تقرأ بفاتحة الكتاب جهر الإمام أو لم يجهر. فإذا كان هؤلاء الصحابة قد ~~روي عنهم القراءة خلف الإمام وروي عنهم تركها فكيف تثبت به حجة؟ قيل له: ~~أما حديث عمر ومعاذ فمجهول السند لا تثبت بمثله حجة، وحديث علي إنما هو عن ~~الحكم وحماد ومخالفنا لا يقبل مثله لإرساله، وحديث ابن عباس هذا رواه ليث ~~بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد روى عنه أبو حمزة النهي. ومع ذلك فلم يكن ~~احتجاجنا من جهة قول الصحابة فحسب وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله من ~~الفروض التي عمت الحاجة إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخليهم من ms2045 ~~توقيف لهم على إيجابه، فلما وجدناهم قائلين بالنهي علمنا أنه لم يكن منه ~~توقيف للكافة عليه، فثبت أنها غير واجبة. ولا يصير قول من قال منهم بإيجابه ~~قادحا فيما ذكرنا، من قبل أن أكثر ما فيه لم يكن من النبي توقيف عليه ~~للكافة، فذهب منهم ذاهبون إلى إيجاب قراءتها بتأويل أو قياس، ومثل ذلك ~~طريقة توقيف الكافة ونقل الأمة. ويدل على نفي وجوبها اتفاق الجميع على أن ~~مدرك الإمام في الركوع يتابعه مع ترك القراءة، فلو كانت فرضا لما جاز تركها ~~بحال، كالطهارة وسائر أفعال الصلاة. # فإن قيل: إنما جاز ذلك للضرورة وهو خوف فوات الركعة. قيل له خوف فوات ~~الركعة ليس بضرورة من وجوه: أحدها: أن فعل الصلاة خلف الإمام ليس بفرض; ~~لأنه لو صلاها منفردا أجزأه، وإنما هو فضيلة، فإذا خوف فواتها ليس بضرورة ~~في تركها. وأيضا فإنه لو كان محدثا لم يكن خوف فوات الجماعة مبيحا لترك ~~الطهارة، وكذلك لو أدركه في السجود لم تكن له ضرورة في جواز سقوط الركوع، ~~فلما جاز ترك القراءة في هذه الحال دون سائر الفروض دل على أنها ليست بفرض. ~~ويدل على أنها ليست بفرض اتفاق الجميع على أن من كان خلف الإمام في الصلاة ~~التي يجهر فيها لا يقرأ السورة مع # PageV03P057 # الفاتحة، فلو كانت القراءة فرضا لكان من سننها قراءة السورة مع فاتحة ~~الكتاب; لأن سائر الصلوات التي القراءة فيها مفروضة فإن من سننها قراءة ~~السورة. ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المأموم لا يجهر بها في ~~الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، ولو كانت فرضا لجهر بها كالإمام; وفي ذلك ~~دليل على أنها ليست بفرض; إذ كانت صلاة جماعة من الصلوات التي يجهر فيها ~~بالقراءة، وكان ينبغي أن لا يختلف حكم الإمام والمأموم في الجهر والإخفاء ~~لو كانت فرضا عليه كهي على الإمام # قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} . قال أبو بكر: الذكر على ~~وجهين: أحدهما: الفكر في عظمة الله وجلاله ودلائل قدرته وآياته، وهذا أفضل ~~الأذكار; ms2046 إذ به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه، وبه يتوصل إليه. ~~والذكر الآخر: القول، وقد يكون ذلك الذكر دعاء وقد يكون ثناء على الله ~~تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى الله; وجائز أن يكون المراد ~~الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك} هو ~~الفكر في دلائل الله وآياته. # وقوله تعالى: {ودون الجهر من القول} فيه نص على الذكر باللسان، وهذا ~~الذكر يجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء، فيكون الأفضل في ~~الدعاء الإخفاء، على نحو قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وإن أراد به ~~قراءة القرآن كان في معنى قوله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا} [الإسراء:110] وقيل: إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه أبعد من ~~الرياء وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة; إذ كانت هذه صفته. وقيل: إن ذلك ~~خطاب للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} . وقيل: إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى عام لسائر ~~المكلفين كقوله عز وعلا: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق:1] . ~~وقال قتادة: "الآصال العشيات". آخر سورة الأعراف # PageV03P058 # سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر رحمة الله عليه: قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ~~وعطاء: الأنفال الغنائم. وروي عن ابن عباس رواية أخرى عن عطاء أن الأنفال ~~ما يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع، فذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يضمه حيث يشاء. وروي عن مجاهد: أن الأنفال الخمس ~~الذي جعله الله لأهل الخمس. وقال الحسن: كانت الأنفال من السرايا التي ~~تتقدم أمام الجيش الأعظم. والنفل في اللغة الزيادة على المستحق، ومنه ~~النافلة وهي التطوع; وهو عندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة فأما بعده فلا ~~يجوز إلا من الخمس، وذلك بأن يقول للسرية: لكم الربع بعد الخمس أو الربع ~~حيز من الجميع قبل الخمس، أو يقول: من أصاب شيئا فهو له، على وجه ms2047 التحريض ~~على القتال والتضرية على العدو; أو يقول: من قتل قتيلا فله سلبه وأما بعد ~~إحراز الغنيمة فغير جائز أن ينفل من نصيب الجيش، ويجوز له أن ينفل من ~~الخمس. # وقد اختلف في سبب نزول الآية، فروي عن سعد قال: أصبت يوم بدر سيفا، فأتيت ~~به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلنيه فقال: "ضعه من حيث أخذت" فنزلت: ~~{يسألونك عن الأنفال} . قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~"اذهب وخذ سيفك" وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~{يسألونك عن الأنفال} قال: "الأنفال الغنائم التي كانت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل الله تعالى: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [لأنفال:41] الآية; قال ابن جريج: ~~أخبرني بذلك سليمان عن مجاهد. وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفل يوم بدر أنفالا مختلفة وقال: "من أخذ شيئا ~~فهو له" فاختلف الصحابة فقال بعضهم نحو ما قلنا، وقال آخرون: نحن حمينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا ردءا لكم، قال: فلما اختلفنا وساءت ~~أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه عن الخمس، # PageV03P059 # وكان في ذلك تقوى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين ~~لقوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} قال عبادة بن ~~الصامت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليرد قوي المسلمين على ~~ضعيفهم". وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لم تحل الغنيمة لقوم سود الرءوس قبلكم، كانت تنزل نار من ~~السماء فتأكلها" فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله ~~تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا} [الأنفال:69] قد ذكر في حديث عبادة وابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يوم بدر قبل القتال: ms2048 "من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا ~~فله كذا" ويقال إن هذا غلط، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: ~~"من قتل قتيلا فله سلبه" وذلك لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم" وأن قوله تعالى: {يسألونك عن ~~الأنفال} نزلت بعد حيازة غنائم بدر، فعلمنا أن رواية من روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نفلهم ما أصابوا قبل القتال غلط; إذ كانت إباحتها إنما كانت ~~بعد القتال. ومما يدل على غلطه أنه قال: "من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا ~~فله كذا ثم قسمها بينهم بالسواء" وذلك لأنه غير جائز على النبي صلى الله ~~عليه وسلم خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله لإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره; ~~والصحيح أنه لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم قول في الغنائم قبل ~~القتال، فلما فرغوا من القتال تنازعوا في الغنائم فأنزل الله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال} فجعل أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن ~~يجعلها لمن شاء، فيقسمها بينهم بالسواء، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال:41] على ما روي عن ابن عباس ~~ومجاهد، فجعل الخمس لأهله المسلمين في الكتاب، والأربعة الأخماس للغانمين، ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل، وبقي حكم النفل قبل ~~إحراز الغنيمة بأن يقول: "من قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له" ومن ~~الخمس وما شذ من المشركين من غير قتال فكل ذلك كان نفلا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يجعله لمن يشاء; وإنما وقع النسخ في النفل بعد إحراز الغنيمة من ~~غير الخمس. ويدل على أن قسمة غنائم بدر إنما كانت على الوجه الذي جعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم قسمتها لا على قسمتها الآن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قسمها بينهم بالسواء ولم يخرج منها الخمس، ولو كانت مقسومة قسمة ~~الغنائم التي استقر عليها الحكم ms2049 لعزل الخمس لأهله ولفضل الفارس على الراجل; ~~وقد كان في الجيش فرسان أحدهما للنبي صلى الله عليه وسلم والآخر للمقداد ~~قسما الجميع بينهم بالسوية علمنا أن قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} ~~قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيها من يرى، ثم نسخ النفل بعد إحراز الغنيمة ~~وبقي حكمه قبل إحرازها على جهة تحريض الجيش والتضرية على العدو وما لم يوجف ~~عليه المسلمون وما لا يحتمل القسم ومن الخمس على ما شاء # PageV03P060 # ويدل على أن غلط الرواية في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: ~~"من أصاب شيئا فهو له" وأنه نفل القاتل وغيره ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري عن أبي بكر عن عاصم عن مصعب بن ~~سعد عن أبيه قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف فقلت: يا ~~رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف فقال: "إن ~~هذا السيف ليس لي ولا لك"، فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلائي; ~~فبينا أنا; إذ جاءني الرسول فقال: أجب فظننت أنه نزل في شيء بكلامي، فجئت ~~فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا ~~لك وإن الله قد جعله لي فهو لك" ثم قرأ: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول} . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن له ولا لسعد قبل ~~نزول سورة الأنفال، وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به} وفي ذلك دليل على ~~فساد رواية من روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم قبل القتال وقال من ~~أخذ شيئا فهو له. # قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} في هذه القصة ضروب ~~من دلائل النبوة، أحدها: إخباره إياهم بأن إحدى الطائفتين لهم، وهي عير ~~قريش التي كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا لحمايتها، فكان وعده على ~~ما وعده. # وقوله تعالى: {وتودون أن ms2050 غير ذات الشوكة تكون لكم} يعني أن المؤمنين ~~كانوا يودون الظفر لما فيها من الأموال وقلة المقاتلة وذلك لأنهم خرجوا ~~مستخفين غير مستعدين للحرب; لأنهم لم يظنوا أن قريشا تخرج لقتالهم. # وقوله تعالى: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} وهو ~~إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم. # وقوله تعالى: {فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله ~~الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} [الأنفال:9] فوجد مخبر هذه الأخبار على ~~ما أخبر به، فكان من طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به. # وقال تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} فألقى عليهم النعاس في الوقت ~~الذي يطير فيه النعاس بإظلال العدو عليهم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم. ثم ~~قال: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} يعني من الجنابة; لأن فيهم من ~~كان احتلم وهو رجز الشيطان لأنه من وسوسته في المنام {وليربط على قلوبكم} ~~بما صار في قلوبهم من الأمنة والثقة بموعود الله {ويثبت به الأقدام} يحتمل ~~من وجهين: أحدهما: صحة البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام، ~~والثاني: أن موضعهم كان رملا دهسا # PageV03P061 # لا تثبت فيه الأقدام فأنزل الله تعالى من المطر ما لبد الرمل وثبت عليه ~~الأقدام; وقد روي ذلك في التفسير. # قوله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} أي أنصركم {فثبتوا ~~الذين آمنوا} وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: إلقاؤهم إلى المؤمنين بالخاطر ~~والتنبيه أن الله سينصرهم على الكافرين فيكون ذلك سببا لثباتهم وتحزبهم على ~~الكفار، ويحتمل أن يكون التثبيت إخبار النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ~~سينصره والمؤمنين فيخبر النبي عليه السلام بذلك المؤمنين فيدعوهم ذلك إلى ~~الثبات # ثم قال: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ كفا من تراب ورمى به وجوههم فانهزموا ولم يبق منهم أحد إلا دخل من ~~ذلك التراب في عينيه. وعنى بذلك أن الله بلغ بذلك التراب وجوههم وعيونهم; ~~إذ لم يكن في وسع أحد من المخلوقين أن يبلغ ذلك ms2051 التراب عيونهم من الموضع ~~الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه كلها من دلائل النبوة ومنها ~~وجود مخبرات هذه الأخبار على ما أخبر به، فلا يجوز أن يتفق مثلها تخرصا ~~وتخمينا. ومنها ما أنزل من المطر الذي لبد الرمل حتى ثبتت أقدامهم عليه ~~وصاروا وبالا على عدوهم; لأن في الخبر أن أرضهم صارت وحلا حتى منعهم من ~~المسير. ومنها الطمأنينة التي صارت في قلوبهم بعد كراهتهم للقاء الجيش. ~~ومنها النعاس الذي وقع عليهم في الحال التي يطير فيها النعاس. ومنها رميه ~~للتراب وهزيمة الكفار به. # PageV03P062 # الكلام في الفرار من الزحف # قال الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة} روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر، قال أبو نضرة: ~~"لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم". ~~وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد; لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من ~~الأنصار ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج ولم يكونوا يرون أنه يكون ~~قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف ~~معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا انحازوا ~~إلى المشركين غلط لما وصفنا. وقد قيل إنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ ~~لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم ~~عنه، قال الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة:120] فلم يكن ~~يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن ~~كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى: {والله يعصمك ~~من # PageV03P062 # الناس} [المائدة:67] وكان ذلك فرضا عليهم قلت أعداؤهم أو كثروا. وأيضا ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فئة المسلمين يومئذ، ومن كان بمنحاز عن ~~القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على ms2052 شرط أن يكون انحيازه إلى فئة، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فئتهم يومئذ ولم تكن لهم فئة غيره. {قال ابن عمر: ~~كنت في جيش فحاص الناس حيصة واحدة، ورجعنا إلى المدينة فقلنا: نحن ~~الفرارون، فقال النبي عليه السلام: "أنا فئتكم" فمن كان بالبعد من النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى ~~فئة وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة ~~غيره ينحازون إليه فلم يكن يجوز لهم الفرار. # وقال الحسن في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: {شددت على أهل ~~بدر} ، وقال الله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران:155] وذلك لأنهم فروا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعاقبهم الله على ذلك في قوله تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة:25] فهذا ~~كان حكمهم; إذ كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قل عدد العدو أو كثر; إذ ~~لم يحد الله فيه شيئا، وقال الله تعالى في آية أخرى: {يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} [الأنفال:65] هذا والله أعلم في الحال ~~التي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا معهم، فكان على العشرين أن ~~يقاتلوا المائتين ولا يهربوا عنهم، فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح ~~لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال. ثم نسخ ذلك ~~بقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} ~~[الأنفال:66] فروي عن ابن عباس أنه قال: كتب عليكم أن لا يفر واحد من عشرة، ~~ثم قال: {الآن ms2053 خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} [الأنفال:66] الآية، فكتب ~~عليكم أن لا يفر مائة من مائتين وقال ابن عباس: إن فر رجل من رجلين فقد فر ~~وإن فر من ثلاثة فلم يفر قال الشيخ: يعني بقوله فقد فر الفرار من الزحف ~~المراد بالآية، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من ~~الكفار، فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة ~~من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا ~~نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ولذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم "أنا فئة كل مسلم" وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا ~~عبيد بن مسعود استقتل يوم # PageV03P063 # الجيش حتى قتل ولم ينهزم رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلي لكنت له فئة ~~فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيد قال: "أنا فئة لكم"، ولم يعنفهم. وهذا الحكم ~~عندنا ثابت ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز لهم أن ~~ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال، وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره ~~مكايدين لعدوهم من نحو خروج من مضيق إلى فسحة أو من سعة إلى مضيق أو يكمنوا ~~لعدوهم ونحو ذلك مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب، أو متحيزين إلى فئة من ~~المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر ~~أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم، ولم ~~يذكر خلافا بين أصحابنا فيه، واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ~~أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأصحاب أربعة ~~وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من ~~قلة ولن يغلب" وفي بعضها: "ما غلب قوم يبلغون اثني عشر ألفا ms2054 إذا اجتمعت ~~كلمتهم". وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج ~~عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك ~~لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف; وكان السائل له عبد الله بن ~~عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر. وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن ~~الحسن. والذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا فهو أصل في ~~هذا الباب وإن كثر عدد المشركين، فغير جائز لهم أن يفروا منهم وإن كانوا ~~أضعافهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتمعت كلمتهم" وقد أوجب عليهم ~~بذلك جمع كلمتهم. # قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قيل في الفتنة ~~وجوه: فروي عن عبد الله أنه من قوله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~[التغابن:15] . وقال الحسن: "الفتنة البلية". وقيل: هي العذاب. وقيل: هي ~~الفرح الذي يركب الناس فيه بالظلم. وروي عن ابن عباس أنه قال أمر الله ~~المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. ونحوه ما روي ~~أنه قيل: يا رسول الله "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ~~وهم أكثر ممن يعمل فلم ينكروا إلا عمهم الله بعذاب". فحذرنا الله من عذاب ~~يعم الجميع من العاصين ومن لم يعص إذا لم ينكره. وقيل إنما يعم من قبل أن ~~الفرح والفتنة إذا وقعا دخل ضررهما على كل واحد منهم. # قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون} يعني ما كان ليعذبهم عذاب الاستيصال وأنت فيهم; لأنه صلى الله ~~عليه وسلم بعث رحمة للعالمين ولا يعذبون وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة ~~فيعمهم بالعذاب بعد خروج # PageV03P064 # النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم، ألا ترى أن الأمم السالفة لما ~~استحقوا الاستيصال أمر الله أنبياءه بالخروج من ms2055 بينهم نحو لوط وصالح وشعيب ~~صلوات الله عليهم؟ وقوله تعالى: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال ~~ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة بقيت فيها بقية من ~~المؤمنين وقال مجاهد وقتادة والسدي: "أن لو استغفروا لم يعذبهم". # قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} ~~[الأنفال:34] وهذا العذاب غير العذاب المذكور في الآية الأولى; لأن هذا ~~عذاب الآخرة والأول عذاب الاستيصال في الدنيا. # وقوله تعالى: {وما كانوا أولياءه} قيل فيه وجهان: أحدهما: ما قال الحسن ~~إنهم قالوا نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله ذلك عليهم; والوجه الآخر: ما ~~كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون فإذا أريد به أولياء المسجد ~~ففيه دلالة على أنهم ممنوعون من دخول المسجد الحرام والقيام بعمارته، وهو ~~مثل قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} [التوبة:17] . # وقوله عز وجل: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قيل: المكاء ~~الصفير والتصدية التصفيق، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد ~~وعطية وقتادة والسدي وروي عن سعيد بن جبير أن التصدية صدهم عن البيت ~~الحرام. وسمي المكاء والتصدية صلاة لأنهم كانوا يقيمون الصفير والتصفيق ~~مقام الدعاء والتسبيح. وقيل: إنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاتهم. # قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} قال ابن ~~عباس والحسن: "حتى لا يكون شرك". وقال محمد بن إسحاق: "حتى لا يفتتن مؤمن ~~عن دينه". والفتنة ههنا جائز أن يريد بها الكفر وجائز أن يريد بها البغي ~~والفساد; لأن الكفر إنما سمي فتنة لما فيه من الفساد، فتنتظم الآية قتال ~~الكفار وأهل البغي وأهل العبث والفساد، وهي تدل على وجوب قتال الفئة ~~الباغية. وقوله تعالى: {ويكون الدين كله لله} يدل على وجوب قتال سائر أصناف ~~أهل الكفر إلا ما خصه الدليل من الكتاب والسنة وهم أهل الكتاب والمجوس، ~~فإنهم يقرون بالجزية. ويحتج به من يقول لا يقر سائر الكفار على دينهم ~~بالذمة إلا هؤلاء الأصناف ms2056 الثلاثة، لقيام الدلالة على جواز إقرارها ~~بالجزية. # PageV03P065 # الكلام في قسمة الغنائم # قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} وقال في آية # PageV03P065 # أخرى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} فروي عن ابن عباس ومجاهد أن هذه ~~الآية ناسخة لقوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} وذلك لأنه قد كان جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ينفل ما أحرزوه بالقتال لمن شاء من الناس لا حق ~~لأحد فيه إلا من جعله النبي صلى الله عليه وسلم له، وأن ذلك كان يوم بدر; ~~وقد ذكرنا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا السيف ليس لي ولا لك"، ثم لما ~~نزل: {قل الأنفال لله والرسول} دعاه وقال "إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ~~ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك"، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: ~~حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة قال: كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم، كان ~~النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من السماء نار فتأكلها"، ~~فأنزل الله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ~~فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وقال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبو نوح قال: أخبرنا عكرمة بن عمار ~~قال: حدثنا سماك الحنفي قال: حدثني ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء فأنزل ~~الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} إلى قوله: {لمسكم فيما أخذتم} ~~من الفداء، ثم أحل ms2057 لهم الغنائم} . فأخبر في هذين الخبرين أن الغنائم إنما ~~أحلت بعد وقعة بدر، وهذا مرتب على قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} ~~وأنها كانت موكولة إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم. # فهذه الآية أول آية أبيحت بها الغنائم على جهة تخيير النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إعطائها من رأى، ثم نزل قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه} وقوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وأن فداء الأسارى ~~كان بعد نزول قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} وإنما كان النكير عليهم ~~في أخذ الفداء من الأسرى بديا، ولا دلالة فيه على أن الغنائم لم تكن قد ~~أحلت قبل ذلك على الوجه الذي جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم; لأنه جائز أن ~~تكون الغنائم مباحة وفداء الأسرى محظورا، وكذلك يقول أبو حنيفة إنه لا تجوز ~~مفاداة أسرى المشركين. ويدل على أن الجيش لم يكونوا استحقوا قسمة الغنيمة ~~بينهم يوم بدر إلا بجعل النبي ذلك لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس ~~غنائم بدر ولم يبين سهام الفارس والراجل إلى أن نزل قوله تعالى: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ، فجعل بهذه الآية أربعة أخماس الغنيمة ~~للغانمين والخمس للوجوه المذكورة ونسخ به ما كان # PageV03P066 # للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنفال إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة، ~~نحو أن يقول: من أصاب شيئا فهو له، ومن قتل قتيلا فله سلبه; لأن ذلك لم ~~ينتظمه قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير ~~آخذه أو قاتله. # وقد اختلف في النفل بعد إحراز الغنيمة. # PageV03P067 # ذكر الخلاف فيه # قال أصحابنا والثوري: "لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول: من ~~قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له". وقال الأوزاعي: في رسول الله ~~أسوة حسنة، كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث} . وقال مالك ~~والشافعي: "يجوز أن ينفل بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد". قال الشيخ: ~~ولا ms2058 خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة، نحو أن يقول: من أخذ شيئا فهو ~~له ومن قتل قتيلا فله سلبه، وقد روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس. فأما التنفيل في ~~البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه، وأما قوله: في الرجعة الثلث، فإنه ~~يحتمل وجهين: أحدهما: ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم: ما أصبتم من ~~شيء فلكم الثلث بعد الخمس; ومعلوم أن ذلك ليس بلفظ عموم في سائر الغنائم ~~وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء بعينه لم يبين كيفيته، ~~وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة وجعل لهم في ~~الرجعة أكثر مما جعله في البدأة; لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم ~~وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال لانتشار الخبر ~~بوقوع الجيش إلى أرضهم. والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز ~~الغنيمة، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعلها لمن شاء منهم، وذلك منسوخ بما ذكرنا. # فإن قيل: ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس، فهذا يدل على أن ~~ذلك كان بعد قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} قيل له: لا ~~دلالة فيه على ما ذكرت; لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة ~~الغنيمة بقوله تعالى: {فأن لله خمسه} وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة ~~لا فرق بينه وبين الثلث والنصف ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم ~~يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاءه إيجاب ~~الخمس لأهله المذكورين، فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر ~~الآية، فغير جائز أن يجعل شيء منها # PageV03P067 # لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية. ms2059 وحدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله ~~قال: حدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سرية فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعيرا بعيرا"، فبين في هذا الحديث سهمان الجيش وأخبر أن النفل لم يكن ~~من جملة الغنيمة وإنما كان بعد السهمان وذلك من الخمس. # ويدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز إلا من الخمس ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الوليد بن عتبة قال: حدثنا الوليد ~~قال: حدثنا عبد الله بن العلاء أنه سمع أبا سلام بن الأسود يقول، قال: سمعت ~~عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ ~~وبرة من جنب البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس ~~والخمس مردود فيكم"، فأخبر عليه السلام أنه لم يكن جائز التصرف إلا في ~~الخمس من الغنائم وأن الأربعة الأخماس للغانمين، وفي ذلك دليل على أن ما ~~أحرز من الغنيمة فهو لأهلها ولا يجوز التنفيل منه. وفي هذا الحديث دليل على ~~أن ما لا قيمة له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخرق التي ~~يرمى بها يجوز للإنسان أن يأخذه وينفله; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ~~وبرة من جنب بعير من المغنم وقال: "لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا" يعني في ~~أن يأخذه لنفسه وينتفع به أو يجعله لغيره دون جماعتهم; إذ لم تكن لتلك ~~الوبرة قيمة. # فإن قيل فقد قال "لا يحل لي مثل هذا" قيل له: إنما أراد: مثل هذا فيما ~~يتمانعه الناس لا ذاك بعينه; لأنه قد أخذه. ويدل على ما ذكرنا ما رواه ابن ~~المبارك قال: حدثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين ذكر ~~قصة قال: قلنا: يا رسول الله ما تقول في هذا ms2060 المال؟ قال: "خمسه لله وأربعة ~~أخماسه للجيش" قال: قلت: هل أحق أحد به من أحد؟ قال: "لو انتزعت سهمك من ~~جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم" وروى أبو عاصم النبيل عن وهب أبي خالد ~~الحمصي قال: حدثتني أم حبيبة عن أبيها العرباض بن سارية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخذ وبرة فقال: "ما لي فيكم هذه ما لي فيه إلا الخمس، فأدوا ~~الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة" وحدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن ~~إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ذكر غنائم هوازن وقال: ثم دنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: "يا أيها الناس إنه ~~ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا" ورفع أصبعيه: "إلا الخمس والخمس مردود ~~عليكم، فأدوا الخيط والمخيط"، فقام رجل في يده كبة من شعر فقال: أخذت هذه ~~لأصلح بها بردة، فقال # PageV03P068 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" ~~فقال: أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها، ونبذها فهذه الأخبار موافقة ~~لظاهر الكتاب، فهو أولى مما يخالفه من حديث حبيب بن مسلمة مع احتمال حديثه ~~للتأويل الذي وصفناه، وجمعنا يمنع أن يكون في الأربعة الأخماس حق لغير ~~الغانمين ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه لا حق له فيها. # وروى محمد بن سيرين: أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في ~~غزاة فأصابوا سبيا، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسا من السبي قبل أن يقسم، ~~فقال أنس: لا، ولكن اقسم ثم أعطني من الخمس فقال عبيد الله: لا، إلا من ~~جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس. وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله: حدثنا حجاج: حدثنا ~~حماد عن محمد ms2061 بن عمرو عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا نفل بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم" قال الشيخ أيده الله: يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة; ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة وهذا ~~مما يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضي أن لا يكون لأحد نفل بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في عموم الأحوال، إلا أنه قد قامت الدلالة في أن الإمام ~~إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه أنه يصير ذلك له بالاتفاق، فخصصناه وبقي ~~الباقي على مقتضاه في أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شيء له، وقد روي عن ~~سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس. # فإن قيل: قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين صناديد العرب ~~عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبي سفيان بن ~~حرب وصفوان بن أمية، ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه من الغنيمة وسهمه من ~~الخمس; إذ لم يكن يتسع لهذه العطايا لأنه أعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم ~~مائة من الإبل، ولم يكن ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه لأنها للفقراء ~~ولم يكونوا هؤلاء فقراء، فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة، ولما لم ~~يستأذنهم فيه، دل على أنه أعطاهم على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل قيل ~~له: إن هؤلاء القوم كانوا من المؤلفة قلوبهم، وقد جعل الله تعالى للمؤلفة ~~قلوبهم سهما من الصدقات، وسبيل الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء ~~كالصدقات المصروفة إليهم، فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم ~~من جملة الخمس كما يعطيهم من الصدقات. # PageV03P069 # مطلب: في سلب القتيل # وقد اختلف في سلب القتيل فقال أصحابنا ومالك والثوري: "السلب من غنيمة ~~الجيش إلا أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه". وقال الأوزاعي ~~والليث # PageV03P069 # والشافعي: "السلب للقاتل وإن لم يقل الأمير" قال الشيخ أيده الله: قوله ~~عز وجل: {واعلموا ms2062 أنما غنمتم من شيء} يقتضي وجوب الغنيمة لجماعة الغانمين، ~~فغير جائز لأحد منهم الاختصاص بشيء منها دون غيره. فإن قيل: ينبغي أن يدل ~~على أن السلب غنيمة قيل له: {غنمتم} هي التي حازوها باجتماعهم وتوازرهم على ~~القتال وأخذ الغنيمة، فلما كان قتله لهذا القتيل وأخذه سلبه بتضافر الجماعة ~~وجب أن يكون غنيمة، ويدل عليه أنه لو أخذ سلبه من غير قتل لكان غنيمة; إذ ~~لم يصل إلى أخذه إلا بقوتهم، وكذلك من لم يقاتل وكان قائما في الصف ردءا ~~لهم مستحق الغنيمة ويصير غانما لأن بظهره ومعاضدته حصلت وأخذت، وإذا كان ~~كذلك وجب أن يكون السلب غنيمة فيكون كسائر الغنائم ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} والسلب مما غنمه الجماعة فهو لهم # ويدل على ذلك من جهة السنة ما حدثنا أحمد بن خالد الجزوري: حدثنا محمد بن ~~يحيى: حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمار قالا: حدثنا عمرو بن واقد عن ~~موسى بن يسار عن مكحول عن قتادة بن أبي أمية قال: نزلنا دابق وعلينا أبو ~~عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيب بن مسلم أن صاحب قبرص خرج يريد طريق أذربيجان ~~معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج، فخرج في جبل حتى قتله في الدرب وجاء بما ~~كان معه إلى عبيدة، فأراد أن يخمسه فقال حبيب: يا أبا عبيدة لا تحرمني رزقا ~~رزقنيه الله فإن رسول صلى الله عليه وسلم الله جعل السلب للقاتل، فقال معاذ ~~بن جبل: مهلا يا حبيب إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما للمرء ~~ما طابت به نفس إمامه" فقوله عليه السلام: "إنما للمرء ما طابت به نفس ~~إمامه" يقتضي حظر ما لم تطب نفس إمامه، فمن لم تطب نفس إمامه لم يحل له ~~السلب، لا سيما وقد أخبر معاذ أن ذلك في شأن السلب. # فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو قتادة وطلحة ~~وسمرة بن جندب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ms2063 قتل قتيلا فله ~~سلبه". وروى سلمة بن الأكوع وابن عباس وعوف بن مالك وخالد بن الوليد: أن ~~النبي عليه السلام جعل السلب للقاتل" وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنه ~~يقتضي أن يستحق القاتل السلب، والثاني: أنه فسر أن معنى قوله في حديث معاذ: ~~"إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه" أن نفسه قد طابت للقاتل بذلك وهو إمام ~~الأئمة. قيل له: صلى الله عليه وسلم: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه" ~~المفهوم منه أميره الذي يلزمه طاعته، وكذلك عقل معاذ وهو راوي ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولو أراد بذلك نفسه لقال إنما للمرء ما طابت به نفسي، ~~فهذا الذي ذكره هذا # PageV03P070 # السائل تأويل ساقط لا معنى له. وأما الأخبار المروية في أن السلب للقاتل ~~فإنما ذلك كلام خرج على الحال التي حض فيها للقتال، وكان يقول ذلك تحريضا ~~لهم وتضرية على العدو، كما روي أنه قال: "من أصاب شيئا فهو له"، وكما حدثنا ~~أحمد بن خالد الجزوري: حدثنا محمد بن يحيى الدهاني: حدثنا موسى بن إسماعيل: ~~حدثنا غالب بن حجرة قال: حدثتني أم عبد الله وهي ابنة الملقام بن التلب عن ~~أبيها عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى بمول فله سلبه" ~~ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال في تلك الحرب خاصة; إذ لا خلاف أنه لا ~~يستحق السلب بأخذه موليا، وهو كقوله يوم فتح مكة "من دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن". # ويدل على أن السلب غير مستحق للقاتل إلا أن يكون قد قال الأمير من قتل ~~قتيلا فله سلبه، ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم: حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن ~~جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في ms2064 ~~غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من ~~المسلمين جزورا، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة ~~الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب ~~وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به ~~الرومي فعرقب فرسه وخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله عز وجل ~~للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب; قال عوف: فأتيته فقلت: ~~يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ ~~فقال: بلى ولكن استكثرته، فقلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرد عليه; قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يا خالد ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله ~~استكثرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خالد رد عليه ما أخذت ~~منه! " قال عوف: فقلت: "دونك يا خالد ألم أف لك"؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "وما ذاك؟ " فأخبرته، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركو أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم ~~كدره". حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل ~~قال: حدثنا الوليد قال: سألت ثورا عن هذا الحديث، فحدثني عن خالد بن معدان ~~عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه. فلما قال النبي: "يا خالد لا ~~ترد عليه" دل ذلك على أن السلب غير مستحق للقاتل; لأنه لو استحقه لما جاز ~~أن # PageV03P071 # يمنعه، ودل ذلك على أن قوله بديا ادفعه إليه لم يكن على جهة الإيجاب ~~وإنما كان على وجه النفل، وجائز أن يكون ذلك من الخمس # ويدل عليه ما روى يوسف الماجشون قال: حدثني صالح بن إبراهيم ms2065 عن أبيه عن ~~عبد الرحمن بن عوف أن معاذ ابن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلا أبا ~~جهل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن ~~عمرو. فلما قضى به لأحدهما مع إخباره أنهما قتلاه دل على أنهما لم يستحقاه ~~بالقتل، ألا ترى أنه لو قال من قتل قتيلا فله سلبه ثم قتله رجلان استحقا ~~السلب نصفين؟ فلو كان القاتل مستحقا للسلب لوجب أن يكون لو وجد قتيل لا ~~يعرف قاتله أن لا يكون سلبه من جملة الغنيمة بل يكون لقطة لأن له مستحقا ~~بعينه، فلما اتفق الجميع على أن سلب من لم يعرف قاتله في المعركة من جملة ~~الغنيمة دل على أن القاتل لا يستحقه. # وقد قال الشافعي: "إن القاتل لا يستحق السلب في الإدبار وإنما يستحقه في ~~الإقبال"، فالأثر الوارد في السلب لم يفرق بين حال الإقبال والإدبار. فإن ~~احتج بالخبر فقد خالفه، وإن احتج بالنظر فالنظر يوجب أن يكون غنيمة للجميع ~~لاتفاقهم على أنه إذا قتله في حال الإدبار لم يستحقه وكان غنيمة، والمعنى ~~الجامع بينهما أنه قتله بمعاونة الجميع ولم يتقدم من الأمير قول في ~~استحقاقه. ويدل على أن القاتل إنما يستحقه إذا تقدم من الأمير قول قبل ~~إحراز الغنيمة أنه لو قال: من قتل قتيلا فله سلبه، ثم قتله مقبلا أو مدبرا ~~استحق سلبه ولم يختلف حال الإقبال والإدبار، فلو كان السلب مستحقا بنفس ~~القتل لما اختلف حكمه في حال الإقبال والإدبار. وقد روي عن عمر في قتيل ~~البراء بن مالك أنا كنا لا نخمس السلب وأن سلب البراء قد بلغ مالا ولا ~~أرانا إلا خامسيه. # PageV03P072 # مطلب: إذا قال الأمير من أصاب شيئا فهو له # واختلف في الأمير إذا قال: من أصاب شيئا فهو له، فقال أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي: "هو كما قال ولا خمس فيه"، وكره مالك أن يقول من أصاب شيئا فهو ~~له لأنه قتال بجعل وقال الشافعي: "يخمس ما أصابه إلا سلب المقتول". قال أبو ~~بكر: لما اتفقوا ms2066 على جواز أن يقول: من أصاب شيئا فهو له، وأنه يستحق وجب أن ~~لا خمس فيه وأن يجوز قطع حقوق أهل الخمس عنه كما جاز قطع حقوق سائر ~~الغانمين عنه. وأيضا فإن قوله: من أصاب شيئا فهو له بمنزلة من قتل قتيلا ~~فله سلبه، فلما لم يجب في السلب الخمس إذا قال الأمير ذلك كذلك سائر ~~الغنيمة. وأيضا فإن الله تعالى إنما أوجب # PageV03P072 # الخمس فيما صار غنيمة لهم بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه} وهذا لم يصر غنيمة لهم لأن قول الأمير في ذلك جائز على الجيش، ~~فلما لم يصر غنيمة لهم وجب أن لا خمس فيه. # PageV03P073 # مطلب: فيمن دخل دار الحرب مغيرا بغير إذن الإمام # واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن الإمام فقال ~~أصحابنا: "ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة". ولم يحد ~~محمد في المنعة شيئا. وقال أبو يوسف: "إذا كانوا تسعة ففيه الخمس". وقال ~~الثوري والشافعي: "يخمس ما أخذه والباقي له". وقال الأوزاعي: "إن شاء ~~الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ما أصاب والباقي له" # قال أبو بكر: قوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} يقتضي ~~أن يكون الغانمون جماعة; لأن حصول الغنيمة منهم شرط في الاستحقاق، وليس ذلك ~~بمنزلة قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة:5] و {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة:29] في لزوم قتل الواحد على حياله ~~وإن لم يكن معه جماعة إذا كان مشتركا; لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر ~~بقتل الجماعة لا يوجب اعتبار الجميع; إذ ليس فيه شرط، وقوله تعالى: ~~{واعلموا أنما غنمتم} فيه معنى الشرط، وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم، فهو ~~كقول القائل: إن كلمت هؤلاء الجماعة فعبدي حر، أن شرط الحنث وجود الكلام ~~للجماعة ولا يحنث بكلام بعضها. وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا ~~غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ~~ولم تكن منهم حيازة ms2067 الغنيمة وجب أن يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه، ~~وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن ~~يكونوا فئة للغانمين، ومن دخل دار الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة ~~الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب أن لا يستحق منه الخمس; ولذلك قال ~~أصحابنا في الركاز الموجود في دار الإسلام: لما كان الموضع مظهورا عليه ~~بالإسلام وجب فيه الخمس ولو وجده في دار الحرب لم يجب فيه الخمس. وإذا دخل ~~الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم; لأنه لما أذن له في الدخول ضمن نصرته ~~وحياطته، والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ذلك فاستحق لهم الخمس. وأما ~~إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} فهم في هذه الحال بمنزلة ~~السرية والجيش، لحصول المنعة لهم ولتوجه الخطاب إليهم بإخراج الخمس من ~~غنائمهم. # PageV03P073 # مطلب: في المدد يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة # واختلف في المدد يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة، فقال ~~أصحابنا: "إذا غنموا في دار الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار ~~الإسلام فهم شركاء فيها". وقال مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي: ~~"لا يشاركونهم". قال أبو بكر: الأصل في ذلك عند أصحابنا أن الغنيمة إنما ~~يثبت فيها الحق بالإحراز في دار الإسلام ولا يملك إلا بالقسمة، وحصولها في ~~أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا; والدليل عليه أن الموضع الذي ~~حصل فيه الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما إذا لم يفتتحوها ألا ترى أنهم ~~لو خرجوا ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر الموضع الذي صار فيه الأولون ملكا ~~لهم وكان حكمه حكم غيره من بقاع أرض الحرب؟ وللمعنى فيه أنهم لم يحرزوه في ~~دار الإسلام، فكذلك سائر ما يحصل في أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام لم ~~يثبت لهم فيه حق إلا بالحيازة في دارنا، فإذا ms2068 لحقهم جيش آخر قبل الإحراز في ~~دار الإسلام كان حكم ما أخذوه حكم ما في أيدي أهل الحرب فيشترك الجميع فيه. ~~وأيضا قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} يقتضي أن يكون غنيمة ~~لجميعهم; إذ بهم صار محرزا في دار الإسلام ألا ترى أنهم ما داموا في دار ~~الحرب فإنهم يحتاجون إلى معونة هؤلاء في إحرازها كما لو لحقوهم قبل أخذها ~~شاركوهم؟ ولو كان حصولها في أيديهم يثبت لهم فيها حقا قبل إحرازها في دار ~~الإسلام لوجب أن يصير الموضع الذي وطئه الجيش من دار الإسلام، كما لو ~~افتتحوها لصارت دارا للإسلام، وفي اتفاق الجميع على أن وطء الجيش لموضع في ~~دار الحرب لا يجعله من دار الإسلام دليل على أن الحق لا يثبت فيه إلا ~~بالحيازة. # واحتج من لم يقسم للمدد بما روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية قبل نجد، فقدم أبان ~~وأصحابه بخيبر بعدما فتحت وإن حزم خيلهم الليف، قال أبان: اقسم لنا يا رسول ~~الله قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم شيئا يا نبي الله قال: قال أبان: ~~أنت بهذا يا وتر نجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا أبان" فلم ~~يقسم لهم. وهذا لا حجة فيه; لأن خيبر صارت دار الإسلام بظهور النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليها، وهذا لا خلاف فيه. وقد قيل فيه وجه آخر، وهو ما روى ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال: "ما ~~شهدت لرسول الله مغنما إلا قسم لي إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية ~~خاصة". فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة # PageV03P074 # شهدوها أو لم يشهدوها دون من سواهم; لأن الله تعالى كان وعدهم إياها ~~بقوله: {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} [الفتح:21] بعد قوله: ~~{وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} [الفتح:20] وقد روى أبو ms2069 ~~بردة عن أبي موسى قال: "قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح ~~خيبر بثلاث، فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا". فذكر في هذا ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم لأبي موسى وأصحابه من غنائم خيبر ~~ولم يشهدوا الوقعة ولم يقسم فيها لأحد لم يشهد الوقعة وهذا يحتمل أن يكون ~~لأنهم كانوا من أهل الحديبية، ويحتمل أن يكون بطيبة أنفس أهل الغنيمة، كما ~~روى خثيم بن عراك عن أبيه عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر ~~من قومه، قال: فقدمنا وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجنا من ~~المدينة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد افتتح خيبر، فكلم ~~الناس فأشركونا في سهامهم فليس في شيء من هذه الأخبار دلالة على أن المدد ~~إذا لحق بالجيش وهم في دار الحرب أنهم لا يشركونهم في الغنيمة. وقد روى قيس ~~بن مسلم عن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة ~~وظهروا، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة، وكان عمار على أهل ~~الكوفة، فقال رجل من بني عطارد: أيها الأجدع تريد أن تشاركنا في غنائمنا ~~فقال: جير إذ بي سبيت; فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر في ذلك: إن الغنيمة ~~لمن شهد الوقعة وهذا أيضا لا دلالة فيه على خلاف قولنا; لأن المسلمين ظهروا ~~على نهاوند وصارت دار الإسلام; إذ لم يبق للكفار هناك فئة، فإنما قال: إن ~~الغنيمة لمن شهد الوقعة منهم لأنهم لحقوهم بعد ما صارت دار الإسلام، ومع ~~ذلك فقد رأى عمار ومن معه أن يشركوهم، ورأى عمر أن لا يشركوهم لأنهم لحقوه ~~بعد حيازة الغنيمة في دار الإسلام لأن الأرض صارت من دار الإسلام # PageV03P075 # باب سهمان الخيل # قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} قال أبو بكر: ~~ظاهره يقتضي المساواة بين الفارس والراجل، وهو خطاب لجميع الغانمين وقد ~~شملهم هذا الاسم، ألا ms2070 ترى إن قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك} [النساء:11] قد عقل من ظاهره استحقاقهن للثلثين على المساواة؟ ~~وكذلك من قال: هذا العبد لهؤلاء أنه لهم بالمساواة ما لم يذكر التفضيل، ~~كذلك مقتضى قوله تعالى: {غنمتم} # PageV03P075 # يقتضي أن يكونوا متساوين; لأن قوله: {غنمتم} عبارة عن ملكهم له. # وقد اختلف في سهم الفارس # PageV03P076 # ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة: "للفارس سهمان وللراجل سهم". وقال أبو يوسف ومحمد وابن ~~أبي ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي: "للفارس ثلاثة أسهم ~~وللراجل سهم". وروي مثل قول أبي حنيفة عن المنذر بن أبي حمصة عامل عمر أنه ~~جعل للفارس سهمين وللراجل سهما فرضيه عمر ومثله عن الحسن البصري. وروى شريك ~~عن أبي إسحاق قال: قدم قثم بن العباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا، ~~فقال: جعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم، فقال: اضرب لي بسهم ولفرسي بسهم. ~~قال أبو بكر: قد بينا أن ظاهر الآية يقتضي المساواة بين الفارس والراجل، ~~فلما اتفق الجميع على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا به للظاهر وبقي حكم ~~اللفظ فيما عداه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن غيلان ~~العماني قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء ~~عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما قال عبد الباقي: لم يجئ به ~~عن الثوري غير محمد بن الصباح. # قال أبو بكر: وقد حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ~~الحميدي قال: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه" ~~واختلف حديث عبيد الله بن عمر في ذلك، وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون ~~أعطاه بديا سهمين وهو المستحق ثم أعطاه في غنيمة أخرى ثلاثة أسهم وكان ~~السهم الزائد على ms2071 وجه النفل، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع ~~المستحق، وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل كما ذكر ابن عمر في ~~حديث قد قدمنا ذكر سنده أنه كان في سرية قال: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا ~~ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي قال: حدثنا صبيح بن دينار قال: ~~حدثنا عفيف بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهما وهذا إن ثبت ~~فلا حجة فيه لأبي حنيفة; لأن قسمة يوم بدر لم تكن مستحقة للجيش; لأن الله ~~تعالى جعل الأنفال للرسول صلى الله عليه وسلم وخيره في إعطائه من رأى، ولو ~~لم يعطهم شيئا لكان جائزا فلم تكن قسمة الغنيمة مستحقة يومئذ وإنما وجبت ~~بعد # PageV03P076 # ذلك بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ونسخ بهذا ~~الأنفال التي جعلها للرسول في جملة الغنيمة وقد روى مجمع بن جارية: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر فجعل للفارس سهمين وللراجل سهما، ~~وروى ابن الفضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم خيبر "للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما" وهذا خلاف رواية ~~مجمع بن جارية، وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو ~~المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على وجه النفل، كما روى ~~سلمة بن الأكوع: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في غزوة ذي قرد سهمين ~~سهم الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ وكما روي أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة ~~أسهم. وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن ~~الزبير أن الزبير كان يضرب له في المغنم بأربعة أسهم، وهذه الزيادة كانت ~~على وجه النفل تحريضا لهم على ms2072 إيجاف الخيل، كما كان ينفل سلب القتيل ويقول: ~~"من أصاب شيئا فهو له" تحريضا على القتال. # فإن قيل: لما اختلفت الأخبار كان خبر الزائد أولى: قيل له: هذا إذا ثبتت ~~الزيادة كانت على وجه الاستحقاق، فأما إذا احتمل أن تكون على وجه النفل فلم ~~تثبت هذه الزيادة مستحقة. وأيضا فإن في خبرنا إثبات زيادة لسهم الراجل لأنه ~~كلما نقص نصيب الفارس زاد نصيب الراجل، ويدل على ما ذكرنا من طريق النظر أن ~~الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا يسهم له كسائر الآلات، فتركنا القياس ~~في السهم الواحد والباقي محمول على القياس; وعلى هذا لو حضر الفرس دون ~~الرجل لم يستحق شيئا ولو حضر الرجل دون الفرس استحق، فلما لم يجاوز بالرجل ~~سهما واحدا كان الفرس به أولى. وأيضا الرجل آكد أمرا في استحقاق السهم من ~~الفرس، بدلالة أن الرجال وإن كثروا استحقوا سهامهم، ولو حضرت جماعة أفراس ~~لرجل واحد لم يستحق إلا لفرس واحد، فلما كان الرجل آكد أمرا من الفرس ولم ~~يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك. # واختلف في البراذين، فقال أصحابنا ومالك والثوري والشافعي: "البرذون ~~والفرس سواء". وقال الأوزاعي: "كانت أئمة المسلمين فيما سلف لا يسهمون ~~للبراذين حتى هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد". وقال الليث: "للهجين ~~والبرذون سهم واحد ولا يلحقان بالعراب". قال أبو بكر: قال الله تعالى: {ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} وقال: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب} [الحشر:6] وقال: {والخيل والبغال والحمير} [النحل:8] فعقل باسم الخيل ~~في هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب، فلما شملها اسم الخيل وجب أن ~~يستويا في السهمان. # PageV03P077 # ويدل عليه أن راكب البرذون يسمى فارسا كما يسمى به راكب الفرس العربي، ~~فلما أجري عليهما اسم الفارس وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "للفارس سهمان ~~وللراجل سهم" عم ذلك فارس البرذون كما عم فارس العراب وأيضا إن كان من ~~الخيل فواجب أن لا يختلف سهمه وسهم العربي، وإن لم يكن من ms2073 الخيل فواجب أن ~~لا يستحق شيئا، فلما وافقنا الليث ومن قال بقوله إنه يسهم له دل على أنه من ~~الخيل وأنه لا فرق بينه وبين العربي. وأيضا لا يختلف الفقهاء في أنه بمنزلة ~~الفرس العربي في جواز أكله وحظره على اختلافهم فيه، فدل على أنهما جنس ~~واحد، فصار فرق ما بينهما كفرق ما بين الذكر والأنثى والهزيل والسمين ~~والجواد وما دونه، وأن اختلافهما في هذه الوجوه لم يوجب اختلاف سهامهما. ~~وأيضا فإن الفرس العربي وإن كان أجرى من البرذون فإن البرذون أقوى منه على ~~حمل السلاح. وأيضا فإن الرجل العربي والعجمي لا يختلفان في حكم السهام كذلك ~~الخيل العربي والعجمي. وقال عبد الله بن دينار: سألت سعيد بن المسيب عن ~~صدقة البراذين فقال سعيد: وهل في الخيل من صدقة؟ وعن الحسن أنه قال: ~~البراذين بمنزلة الخيل. وقال مكحول: أول من قسم للبراذين خالد بن الوليد ~~يوم دمشق، قسم للبراذين نصف سهمان الخيل لما رأى من جريها وقوتها، فكان ~~يعطي البراذين سهما سهما، وهذا حديث مقطوع وقد أخبر فيه أنه فعله من طريق ~~الرأي والاجتهاد لما رأى من قوتها، فإذا ليس بتوقيف وقد روى إبراهيم بن ~~محمد بن المنتشر عن أبيه قال: أغارت الخيل بالشام وعلى الناس رجل من همدان ~~يقال له المنذر بن أبي حمصة الوادعي، فأدركت الخيل العراب من يومها وأدركت ~~الكوادن من الغد، فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، فكتب إلى عمر فيه، ~~فكتب عمر: هبلت الوادعي أمه لقد اذكرت به، أمضوها على ما قال فاحتج من لم ~~يسهم للبراذين بذلك. ولا دلالة في هذا الحديث على أن ذلك كان رأي عمر، ~~وإنما أجازه لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، وقد حكم به أمير الجيش فأنفذه. # واختلف فيمن يغزو بأفراس، فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي: "لا يسهم ~~إلا لفرس واحد". وقال أبو يوسف والثوري والأوزاعي والليث: "يسهم لفرسين". ~~والذي يدل على صحة القول الأول أنه معلوم أن الجيش قد كانوا يغزون مع رسول ~~الله صلى الله ms2074 عليه وسلم بعدما ظهر الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين وغيرها من ~~المغازي، ولم يكن يخلو الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر، ولم ~~ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لأكثر من فرس واحد. وأيضا فإن الفرس ~~آلة وكان القياس أن لا يضرب له بسهم كسائر الآلات، فلما ثبت بالسنة ~~والاتفاق سهم الفرس الواحد أثبتناه ولم نثبت الزيادة إلا بتوقيف; إذ كان ~~القياس يمنعه. # PageV03P078 # باب قسمة الخمس # قال الله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل} . واختلف السلف في كيفية قسمة الخمس في الأصل، فروى معاوية بن ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "كانت الغنيمة تقسم على خمسة ~~أخماس; فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة، فربع لله ~~وللرسول ولذي القربى يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فما كان لله ~~ولرسوله فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، ~~والربع الرابع لابن السبيل وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين". وروى ~~قتادة عن عكرمة مثله. وقال قتادة في قوله تعالى: {فأن لله خمسه} قال: "يقسم ~~الخمس على خمسة أسهم: لله وللرسول خمس، ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ~~خمس، ولليتامى خمس، وللمساكين خمس، ولابن السبيل خمس". وقال عطاء والشعبي ~~خمس الله وخمس الرسول واحد، قال الشعبي: هو مفتاح الكلام. وروى سفيان عن ~~قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد بن الحنفية عن قوله عز وجل: {فأن لله ~~خمسه} قال: "هذا مفتاح كلام، ليس لله نصيب، لله الدنيا والآخرة". وقال يحيى ~~بن الجزار: {فأن لله خمسه} قال: "لله كل شيء وإنما النبي صلى الله عليه ~~وسلم خمس الخمس". وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع ~~فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم بيت ms2075 الله; ثم يقسم ما بقي على خمسة، فيكون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ~~ولابن السبيل سهم، والذي جعله للكعبة هو السهم الذي لله تعالى". وروى أبو ~~يوسف عن أشعث بن سوار عن ابن الزبير عن جابر قال: كان يحمل الخمس في سبيل ~~الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم، فلما كثر المال جعله في غير ذلك". وروى ~~أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أن الخمس الذي كان يقسم على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولذوي ~~القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم: لليتامى والمساكين وابن السبيل". # قال أبو بكر: فاختلف السلف في قسمة الخمس على هذه الوجوه، قال ابن عباس ~~في رواية علي بن أبي طلحة: "إن القسمة كانت على أربعة سهم الله وسهم الرسول ~~وسهم ذي القربى كان واحدا، وإنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من ~~الخمس شيئا". وقال آخرون: # PageV03P079 # قوله {لله} افتتاح كلام وهو مقسوم على خمسة، وهو قول عطاء والشعبي ~~وقتادة. وقال أبو العالية: كان مقسوما على ستة أسهم لله سهم يجعل للكعبة ~~ولكل واحد من المسمين في الآية سهم. وأخبر ابن عباس في حديث الكلبي أن ~~الخلفاء الأربعة قسموه على ثلاثة. وقال جابر بن عبد الله: كان يحمل من ~~الخمس في سبيل الله ويعطي منه نائبة القوم ثم جعل في غير ذلك. وقال محمد بن ~~مسلمة وهو من المتأخرين من أهل المدينة: جعل الله الرأي في الخمس إلى نبيه ~~كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قسمة الغنيمة، فنسخت الأنفال في الأربعة ~~الأخماس وترك الخمس على ما كان عليه موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكما قال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ms2076 ~~[الحشر:7] ثم قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر:7] فذكر هذه الوجوه ثم ~~قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر:7] فبين في آخره أنه موكول إلى رأي ~~النبي. وكذلك الخمس قال فيه إنه لله وللرسول يعني قسمته موكولة إليه، ثم ~~بين الوجوه التي يقسم عليها على ما يرى ويختار. ويدل على ذلك حديث عبد ~~الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر أنه سئل: ~~"كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع بالخمس؟ قال: كان يحمل منه في سبيل ~~الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل". والمعنى في ذلك أنه كان يعطي منه المستحقين ~~ولم يكن يقسمه أخماسا وأما قول من قال: "إن القسمة كانت في الأصل على ستة ~~وإن سهم الله كان مصروفا إلى الكعبة" فلا معنى له; لأنه لو كان ذلك ثابتا ~~لورد النقل به متواترا ولكانت الخلفاء بعد النبي أولى الناس باستعمال ذلك، ~~فلما لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت. وأيضا فإن سهم الكعبة ليس بأولى ~~بأن يكون منسوبا إلى الله تعالى من سائر السهام المذكورة في الآية إذ كلها ~~مصروف في وجوه القرب إلى الله عز وجل، فدل ذلك على أن قوله: {فأن لله خمسه} ~~غير مخصوص بسهم الكعبة، فلما بطل ذلك لم يخل المراد بذلك من أحد وجهين: إما ~~أن يكون مفتاحا للكلام على ما حكيناه عن جماعة من السلف وعلى وجه تعليمنا ~~التبرك بذكر الله وافتتاح الأمور باسمه، أو أن يكون معناه أن الخمس مصروف ~~في وجوه القرب إلى الله تعالى; ثم بين تلك الوجوه فقال: {وللرسول ولذي ~~القربى} الآية، فأجمل بديا حكم الخمس ثم فسر الوجوه التي أجملها. # فإن قيل: لو أراد ما قلت لقال: فأن لله خمسه للرسول ولذي القربى، ولم يكن ~~يدخل الواو بين اسم الله تعالى واسم رسول الله. قيل له: لا يجب ذلك، من قبل ~~أنه جائز في اللغة إدخال الواو والمراد إلغاؤها كما قال تعالى: {ولقد آتينا ~~موسى وهارون الفرقان # PageV03P080 # وضياء} [الأنبياء:48] والواو ملغاة ms2077 والفرقان ضياء، وقال تعالى: {فلما ~~أسلما وتله للجبين} [الصافات:103] معناه: لما أسلما تله للجبين; لأن قوله: ~~{فلما أسلما} يقتضي جوابا وجوابه تله للجبين; وكما قال الشاعر: # بلى شيء يوافق بعض شيء ... وأحيانا وباطله كثير # ومعناه: يوافق بعض شيء أحيانا، والواو ملغاة; وكما قال الآخر: # فإن رشيدا وابن مروان لم يكن ... ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا # ومعناه: فإن رشيد بن مروان; وقال الآخر: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # والواو في هذه المواضع دخولها وخروجها سواء. # فثبت بما ذكرنا أن قوله: {فأن لله خمسه} على أحد المعنيين اللذين ذكرنا; ~~وجائز أن يكونا جميعا مرادين لاحتمال الآية لهما، فينتظم تعليمنا افتتاح ~~الأمور بذكر الله تعالى وأن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، ~~فكان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس وكان له الصفي وسهم من الغنيمة ~~كسهم رجل من الجند إذا شهد القتال. وروى أبو حمزة عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه "قال لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع شهادة أن لا إله إلا ~~الله وتقيموا الصلاة وتعطوا سهم الله من الغنائم والصفي". # واختلف السلف في سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فروى سفيان عن ~~قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: "اختلف الناس بعد وفاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سهم الرسول وسهم ذي القربى، فقالت طائفة سهم ~~الرسول للخليفة من بعده، وقالت طائفة سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، ~~وأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله" قال أبو ~~بكر سهم النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان له ما دام حيا، فلما توفي سقط ~~سهمه كما سقط الصفي بموته، فرجع سهمه إلى جملة الغنيمة كما رجع إليها ولم ~~يعد للنوائب. # واختلف في سهم ذوي القربى، فقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: "يقسم الخمس ~~على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وابن السبيل". وروى بشر بن الوليد عن ~~أبي يوسف عن أبي حنيفة ms2078 قال "خمس الله والرسول واحد، وخمس ذوي القربى لكل ~~صنف سماه الله تعالى في هذه الآية خمس الخمس". وقال الثوري "سهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الخمس هو خمس الخمس وما بقي فللطبقات التي سمى الله ~~تعالى". وقال مالك: "يعطي من # PageV03P081 # الخمس أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى ويجتهد". وقال ~~"الأوزاعي خمس الغنيمة لمن سمي في الآية". وقال الشافعي: "يقسم سهم ذوي ~~القربى بين غنيهم وفقيرهم". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {ولذي القربى} لفظ مجمل مفتقر إلى البيان وليس ~~بعموم; وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم دون ~~غيره من الناس، ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس، فصار اللفظ مجملا ~~مفتقرا إلى البيان. وقد اتفق السلف على أنه قد أريد أقرباء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فمنهم من قال: إن المستحقين لسهم الخمس من الأقرباء هم الذين ~~كان لهم نصرة وإن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة والنصرة وإن من ليس ~~له نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء; ~~ويستدلون على ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: ~~"لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني ~~المطلب أتيته أنا وعثمان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم ~~بمكانك الذي وضعك الله فيهم، أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وإنما هم ~~ونحن منك بمنزلة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ~~ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" وشبك بين أصابعه." فهذا ~~يدل من وجهين على أنه غير مستحق بالقرابة فحسب: أحدهما: أن بني المطلب وبني ~~عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وسلم سواء، فأعطى بني المطلب ولم ~~يعط بني عبد شمس، ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم. والثاني: أن فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خرج مخرج البيان لما أجمل في ms2079 الكتاب من ذكر ~~ذي القربى، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على ~~الوجوب، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النصرة مع القرابة دل على أن ~~ذلك مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر. وأيضا ~~فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه لا يستحق إلا بالفقر وقال محمد بن ~~إسحاق: سألت محمد بن علي فقلت: ما فعل علي رضي الله عنه الله عنه بسهم ذوي ~~القربى حين ولي؟ فقال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر وكره أن يدعى عليه ~~خلافهما. قال أبو بكر: لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به; لأنه قد خالفهما في ~~أشياء مثل الجد والتسوية في العطايا وأشياء أخر، فثبت أن رأيه ورأيهما كان ~~سواء في أن سهم ذوي القربى إنما يستحقه الفقراء منهم. ولما أجمع الخلفاء ~~الأربعة عليه ثبتت حجته بإجماعهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وفي حديث يزيد بن هرمز عن ابن عباس فيما ~~كتب به إلى نجدة الحروري حين سأله عن سهم ذي القربى فقال: كنا نرى أنه لنا ~~فدعانا عمر إلى أن نزوج منه أيمنا ونقضي منه عن مغرمنا فأبينا أن لا يسلمه ~~لنا وأبى ذلك علينا قومنا " وفي بعض الألفاظ" "فأبى ذلك علينا بنو عمنا". ~~فأخبر أن قومه وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوه # PageV03P082 # لفقرائهم دون أغنيائهم، وقول ابن عباس" "كنا نرى أنه لنا إخبار أنه قاله ~~من طريق الرأي ولا حظ للرأي مع السنة واتفاق جل الصحابة من الخلفاء ~~الأربعة. ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه حديث الزهري عن عبد ~~الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه والفضل بن عباس ~~قالا: يا رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي ~~إليك ما يؤدي العمال ونصيب ما يصيبون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الصدقة لا تنبغي لآل محمد ms2080 إنما هي أوساخ الناس" ثم أمر محمية أن يصدقهما من ~~الخمس; وهذا يدل على أن ذلك مستحق بالفقر، إذ كان إنما اقتضى لهما على ~~مقدار الصداق الذي احتاجا إليه للتزوج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة ~~ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأي الإمام ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود ~~إليكم" ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم، دل ذلك على أنهم فيه كسائر ~~الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة ويدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "يذهب كسرى فلا كسرى بعده أبدا ويذهب قيصر فلا قيصر بعده أبدا والذي ~~نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله! " فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم ~~يخصص به قوما من قوم ويدل على أنه كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخمس، فدل على ما ~~ذكرنا. ويدل عليه أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم ~~اليتامى وابن السبيل، فكذلك ذو القربى; لأنه سهم من الخمس. ويدل عليه أنه ~~لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ما حرم عليهم منها، فوجب أن لا ~~يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا ~~فقير. # فإن قيل: موالي بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولم يدخلوا في استحقاق السهم ~~من الخمس. قيل له: هذا غلط; لأن موالي بني هاشم لهم سهم من الخمس إذا كانوا ~~فقراء على حسب ما هو لبني هاشم. # فإن قيل: إذا كانت قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحقون سهمهم ~~بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصه إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين؟ ~~قيل له: كما خص اليتامى وابن السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر، وأيضا ~~لما سمى الله الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل كما قال: {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين} [التوبة:60] الآية، ثم ms2081 قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إن الصدقة لا تحل لآل محمد" فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا ~~يجوز إعطاؤهم منه كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقات، فسماهم إعلاما منه لنا ~~أن سبيلهم فيه بخلاف سبيلهم في الصدقات. # PageV03P083 # فإن قيل: قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العباس من الخمس وكان ذا ~~يسار، فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم. قيل له: الجواب عن هذا من ~~وجهين: أحدهما: أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام" فاستوى فيه الفقير والغني ~~لتساويهم في النصرة والقرابة. والثاني: إنه جائز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما أعطى العباس ليفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه لنفسه # وقد اختلف في ذوي القربى من هم، فقال أصحابنا قرابة النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة هم ذوو قراباته وآله وهم آل جعفر وآل عقيل ~~وولد الحارث بن عبد المطلب، وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم. وقال آخرون: "بنو ~~المطلب داخلون فيهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من الخمس". وقال ~~بعضهم "قريش كلها من أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم الذين لهم سهم من ~~الخمس إلا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من رأى منهم". # قال أبو بكر: أما من ذكرناهم فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ذوو قراباته، ~~وأما بنو المطلب فهم وبنو عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~سواء، فإن وجب أن يدخلوا في القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة فواجب أن يكون ~~بنو عبد شمس مثلهم لمساواتهم إياهم في الدرجة، وأما إعطاء سهم الخمس فإنما ~~خص هؤلاء به دون بني عبد شمس بالنصرة لأنه قال: "لم يفارقوني في جاهلية ولا ~~إسلام" وأما الصدقة فلم يتعلق تحريمها بالنصرة عند جميع الفقهاء، فثبت أن ~~بني المطلب ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم الذين تحرم الصدقة عليهم ~~كبني ms2082 عبد شمس، وموالي بني هاشم تحرم عليهم الصدقة ولا قرابة لهم ولا ~~يستحقون من الخمس شيئا بالقرابة "وقد سألته فاطمة رضي الله عنها خادما من ~~الخمس فوكلها إلى التكبير والتحميد ولم يعطها" # فإن قيل: إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوي قرباه لأنها أقرب إليه من ذوي ~~قرباه. قيل له فقد خاطب عليا بمثل ذلك وهو من ذوي القربى، وقال لبعض بنات ~~عمه حين ذهبت مع فاطمة إليه تستخدمه: "سبقكن يتامى بدر" وفي يتامى بدر من ~~لم يكن من بني هاشم لأن أكثرهم من الأنصار، ولو استحقتا بالقرابة شيئا لا ~~يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى غيرهما; وفي هذا دليل ~~على معنيين: أحدهما: أن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أن يعطيه من شاء منهم، والثاني: أن إعطاءهم من الخمس أو ~~منعه لا تعلق له بتحريم الصدقة. # وأما من قال إن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم قريش كلها فإنه يحتج لذلك ~~بأنه نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء:214] قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "يا بني فهر يا بني عدي يا بني فلان" لبطون قريش "إني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد". وروي عنه أنه قال: "يا بني # PageV03P084 # كعب بن لؤي" وأنه قال: "يا بني هاشم يا بني عبد مناف". وروي عنه أنه قال ~~لعلي "اجمع لي بني هاشم" وهم أربعون رجلا. قالوا: فلما ثبت أن قريشا كلها ~~من أقربائه وكان إعطاء السهم من الخمس موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعطاه من كان له منهم نصرة دون غيرهم. قال أبو بكر: اسم القرابة واقع ~~على هؤلاء كلهم لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عند نزول قوله تعالى: ~~{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء:214] فثبت بذلك أن الاسم يتناول الجميع ~~فقد تعلق بذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم أحكام ثلاثة: أحدها: استحقاق ~~سهم من الخمس بقوله تعالى: {وللرسول ولذي القربى} وهم الفقراء منهم على ~~الشرائط التي ms2083 قدمنا ذكرها عن المختلفين فيها، والثاني: تحريم الصدقة عليهم ~~وهم آل علي وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر وولد الحارث بن عبد المطلب، ~~وهؤلاء هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حظ لبني المطلب في هذا ~~الحكم لأنهم ليسوا أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانوا من أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم لكانت بنو أمية من أهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن آله، ولا خلاف أنهم ليسوا كذلك فكذلك بنو المطلب لمساواتهم إياه ~~في نسبهم من النبي صلى الله عليه وسلم; والثالث: تخصيص الله تعالى لنبيه ~~بإنذار عشيرته الأقربين; فانتظم ذلك بطون قريش كلها على ما ورد به الأثر في ~~إنذاره إياهم عند نزول الآية، وإنما خص عشيرته الأقربين بالإنذار لأنه أبلغ ~~عند نزول الآية في الدعاء إلى الدين وأقرب إلى نفي المحاباة والمداهنة في ~~الدعاء إلى الله عز وجل; لأن سائر الناس إذا علموا أنه لم يحتمل عشيرته على ~~عبادة غير الله وأنذرهم ونهاهم أنه أولى بذلك منهم; إذ لو جازت المحاباة في ~~ذلك لأحد لكانت أقرباؤه أولى الناس بها. # وقوله تعالى: {واليتامى} فإن حقيقة اليتم هو الانفراد، ومنه الرابية ~~المنفردة تسمى يتيمة والمرأة المنفردة عن الأزواج تسمى يتيمة، إلا أنه قد ~~اختص في الناس بالصغير الذي قد مات أبوه، وهو يفيد الفقر مع ذلك أيضا عند ~~الإطلاق; ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أن ~~الوصية جائزة لأنها للفقراء منهم. ولا خلاف أنه قد أريد مع اليتم الفقر في ~~هذه الآية، وأن الأغنياء من الأيتام لا حظ لهم فيه ويدل على أن اليتيم اسم ~~يقع على الصغير الذي قد مات أبوه دون الكبير قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يتم بعد حلم"، وقد قيل: إن كل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإن يتمه من ~~قبل أبيه. # وقوله تعالى: {وابن السبيل} فإنه المسافر المنقطع به المحتاج إلى ما ~~يتحمل به إلى بلده وإن كان له ms2084 مال في بلده، فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال ~~له; لأن المعنى في وجوب إعطائه حاجته إليه، فلا فرق بين من له مال لا يصل ~~إليه وبين من لا مال له # PageV03P085 # وأما المسكين فقد اختلف فيه، وسنذكره في موضعه من آية الصدقات وفي اتفاق ~~الجميع على أن ابن السبيل واليتيم إنما يستحقان حقهما من الخمس بالحاجة دون ~~الاسم دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه إلى المساكين. # فإن قيل: إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر ذوي القربى قيل له: ~~فيه أعظم الفوائد، وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم لما حرمت عليهم ~~الصدقة كان جائزا أن يظن ظان أن الخمس محرم عليهم كتحريمها; إذ كان سبيله ~~صرفه إلى الفقراء، فأبان الله تعالى بتسميتهم في الآية عن جواز إعطائهم من ~~الخمس بالفقر، ويلزم هذا السائل أن يعطي اليتامى وابن السبيل بالاسم دون ~~الحاجة عن قضيته بأن لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن السبيل ~~واليتيم معنى وهما إنما يستحقانه بالفقر. # قوله تعالى: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} قيل إن الفئة هي ~~الجماعة المنقطعة عن غيرها، وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، والمراد ~~بالفئة ههنا جماعة من الكفار، فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم، وهو في معنى ~~قوله تعالى: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} الآية، ~~ومعناه مرتب على ما ذكر في هذه من جواز التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة ~~من المسلمين ليقاتل معهم، ومرتب أيضا على ما ذكر بعد هذا من قوله تعالى: ~~{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} فإنما هم مأمورون بالثبات ~~لهم إذا كان العدو مثليهم، فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى ~~فئة من المسلمين يقاتلون معهم. # وقوله تعالى: {واذكروا الله كثيرا} يحتمل وجهين: أحدهما: ذكر الله تعالى ~~باللسان والآخر: الذكر بالقلب، وذلك على وجهين: أحدهما: ذكر ثواب الصبر على ~~الثبات لجهاد ms2085 أعداء الله المشركين وذكر عقاب الفرار والثاني: ذكر دلائله ~~ونعمه على عباده وما يستحقه عليهم من القيام بفرضه في جهاد أعدائه، وضروب ~~هذه الأذكار كلها تعين على الصبر والثبات ويستدعى بها النصر من الله ~~والجرأة على العدو والاستهانة بهم. وجائز أن يكون المراد بالآية جميع ~~الأذكار لشمول الاسم لجميعها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يوافق معنى الآية، ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى ~~قال: حدثنا خلاد بن يحيى قال: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن ~~عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا وإن أجلبوا أو ضجوا فعليكم بالصمت". # PageV03P086 # قوله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} أمر ~~الله تعالى في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله ونهى بها عن الاختلاف والتنازع ~~وأخبر أن الاختلاف والتنازع يؤدي إلى الفشل وهو ضعف القلب من فزع يلحقه، ~~وأمر في آية أخرى بطاعة ولاة الأمر لنفي الاختلاف والتنازع المؤديين إلى ~~الفشل في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59] وقال في آية أخرى: {ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر} فأخبر تعالى أنه أراهم في منامهم قليلا ~~لئلا يتنازعوا إذا رأوهم كثيرا فيفشلوا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم" فتضمنت هذه ~~الآيات كلها النهي عن الاختلاف والتنازع، وأخبر أن ذلك يؤدي إلى الفشل وإلى ~~ذهاب الدولة بقوله: {وتذهب ريحكم} . وقيل إن المعنى ريح النصر التي يبعثها ~~الله مع من ينصره على من يخذله. وروي ذلك عن قتادة. وقال أبو عبيدة: "تذهب ~~دولتكم، من قولهم: ذهبت ريحه أي ذهبت دولته". # قوله تعالى: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} تثقفنهم: معناه ~~تصادفهم. وقال الحسن وقتادة ms2086 وسعيد بن جبير: {فشرد بهم من خلفهم} : "إذا ~~أسرتهم فنكل بهم تنكيلا تشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفا منك". وقال غيرهم: ~~"افعل بهم من القتل ما تفرق به من خلفهم عن التعاون على قتالك". ويشبه أن ~~يكون ما أمر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه من التنكيل بأهل الردة ~~وإحراقهم بالنيران ورميهم من رءوس الجبال وطرحهم في الآبار ذهب فيه إلى أن ~~تأويل الآية في تشريد سائر المرتدين عن التعاون والاجتماع على قتال ~~المسلمين. # قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} الآية. يعني ~~والله أعلم: إذا خفت غدرهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين وفعلوا ذلك خفيا ولم ~~يظهروا نقض العهد فانبذ إليهم على سواء، يعني ألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم ~~من العهد والهدنة حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك، وهو معنى قوله: {على ~~سواء} لئلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب. وقيل: {على سواء} على عدل، ~~من قول الراجز: # فاضرب وجوه الغدر للأعداء ... حتى يجيبوك إلى السواء # ومنه قيل للوسط سواء لاعتداله، كما قال حسان: # يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد # أي في وسطه. وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة بعد الهدنة من غير ~~أن ينبذ إليهم; لأنهم # PageV03P087 # قد كانوا نقضوا العهد بمعاونتهم بني كنانة على قتل خزاعة وكانت حلفاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم تجديد العهد بينه وبين قريش فلم يجبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى ذلك، فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم; إذ كانوا قد أظهروا ~~نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي نحو معنى الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا حفص بن عمر النمري قال: حدثنا شعبة عن أبي الفيض ~~عن سليم وقال غيره سليم بن عامر رجل من حمير قال: كان بين معاوية وبين ~~الروم ms2087 عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على ~~فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا عمرو ~~بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها ~~أو ينبذ إليهم على سواء" فرجع معاوية. # قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} أمر الله ~~تعالى المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال إرهابا ~~للعدو والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا لقتال المشركين. وقد روي في القوة ~~أنها الرمي، حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن ~~منصور قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي علي ~~ثمامة بن شفي1 الهمداني أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي". وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا فضل بن سحتب قال: ~~حدثنا ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن عمرو عن أبيه عن جده قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن ~~تركبوا، وكل لهو المؤمن باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته ~~امرأته فإنهن من الحق". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثني عبد الرحمن بن ~~يزيد بن جابر قال: حدثني أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ~~ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله; وارموا ~~واركبوا وأن ms2088 ترموا أحب إلي من أن PageV03P088 # تركبوا، ليس من اللهو ثلاثة: تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ~~ونبله، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها" أو قال: ~~"كفرها" وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا المغيرة بن ~~عبد الرحمن قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن قال: حدثنا الجراح بن منهال عن ~~ابن شهاب عن أبي سليمان مولى أبي رافع عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من حق الولد على الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة ~~والرمي". ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن القوة الرمي" أنه من معظم ~~ما يجب إعداده من القوة على قتال العدو، ولم ينف به أن يكون غيره من القوة، ~~بل عموم اللفظ شامل لجميع ما يستعان به على العدو من سائر أنواع السلاح ~~وآلات الحرب. وقد حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا جعفر بن أبي القتيل قال: ~~حدثنا يحيى بن جعفر قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم ~~الثمالي عن الحكم بن عمير قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~نحفي الأظفار في الجهاد وقال: "إن القوة في الأظفار" وهذا يدل على أن جميع ~~ما يقوي على العدو فهو مأمور باستعداده. وقال الله تعالى: {ولو أرادوا ~~الخروج لأعدوا له عدة} [التوبة:46] فذمهم على ترك الاستعداد والتقدم قبل ~~لقاء العدو. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ارتباط الخيل ما يواطئ معنى ~~الآية، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق ~~التستري قال: حدثنا أحمد بن عمر قال: حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عبيد ~~بن أبي حكيم الأزدي عن الحصين بن حرملة المهري عن أبي المصبح قال: سمعت ~~جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في ~~نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة وأصحابها معانون، قلدوها ولا تقلدوها ~~الأوتار" قال أبو بكر: بين في الخبر ms2089 الأول أن الخير هو الأجر والغنيمة، وفي ~~ذلك ما يوجب أن ارتباطها قربة إلى الله تعالى، فإذا أريد به الجهاد; وهو ~~يدل أيضا على بقاء الجهاد إلى يوم القيامة; إذ كان الأجر مستحقا بارتباطها ~~للجهاد في سبيل الله عز وجل وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تقلدوها ~~الأوتار" قيل فيه معنيان: أحدهما: خشية اختناقها بالوتر، والثاني: أن أهل ~~الجاهلية كانوا إذا طلبوا بالأوتار الدخول قلدوا خيلهم الأوتار يدلون بها ~~على أنهم طالبون بالأوتار مجتهدون في قتل من يطلبونهم بها، فأبطل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الطلب بذحول الجاهلية; ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم فتح مكة: "ألا إن كل دم ومأثرة فهو موضوع تحت قدمي هاتين وأول دم أضعه ~~دم ربيعة بن الحارث". # PageV03P089 # باب الهدنة والموادعة # قال الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} والجنوح الميل، ومنه يقال: # PageV03P089 # جنحت السفينة إذا مالت، والسلم المسالمة. ومعنى الآية أنهم إن مالوا إلى ~~المسالمة، وهي طلب السلامة من الحرب، فسالمهم واقبل ذلك منهم. وإنما قال: ~~{فاجنح لها} لأنه كناية عن المسالمة. # وقد اختلف في بقاء هذا الحكم، فروى سعيد ومعمر عن قتادة أنها منسوخة ~~بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة:5] ، وروي عن الحسن ~~مثله. وروى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: {وإن ~~جنحوا للسلم فاجنح لها} قال: نسختها {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر} إلى قوله {وهم صاغرون} [التوبة:29] وقال آخرون: "لا نسخ فيها ~~لأنها في موادعة أهل الكتاب، وقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة:5] ~~في عبدة الأوثان. # قال أبو بكر: "قد كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد حين قدم المدينة ~~أصنافا من المشركين، منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة، وعاهد قبائل من ~~المشركين، ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك ~~العهد بقتالها خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم" ولم يختلف نقلة السير ~~والمغازي في ذلك، وذلك قبل أن يكثر أهل الإسلام ويقوى أهله، فلما كثر ~~المسلمون وقوي ms2090 الدين أمر بقتل مشركي العرب ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف بقوله عز وجل: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة:5] وأمر ~~بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: {قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله {وهم صاغرون} [التوبة:29] ولم ~~يختلفوا أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن، وكان نزولها حين بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج في السنة التاسعة من الهجرة، ~~وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر بين فيها حكم الأنفال والغنائم والعهود ~~والموادعات، فحكم سورة براءة مستعمل على ما ورد وما ذكر من الأمر بالمسالمة ~~إذا مال المشركون إليها حكم ثابت أيضا. وإنما اختلف حكم الآيتين لاختلاف ~~الحالين، فالحال التي أمر فيها بالمسالمة هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة ~~عدوهم، والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم، وقد قال تعالى: {فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد:35] فنهى عن المسالمة ~~عند القوة على قهر العدو وقتلهم; وكذلك قال أصحابنا: إذا قدر بعض أهل ~~الثغور على قتال العدو ومقاومتهم لم تجز لهم مسالمتهم ولا يجوز لهم إقرارهم ~~على الكفر إلا بالجزية، وإن ضعفوا عن قتالهم جاز لهم مسالمتهم كما سالم ~~النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من أصناف الكفار وهادنهم على وضع الحرب ~~بينهم من غير جزية أخذها منهم; قالوا: فإن قووا بعد ذلك على قتالهم نبذوا # PageV03P090 # إليهم على سواء ثم قاتلوهم; قالوا: وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم ~~إلا بمال يبذلونه لهم جاز لهم ذلك; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان ~~صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة، حتى لما شاور ~~الأنصار قالوا: يا رسول الله أهو أمر أمرك الله به أم الرأي والمكيدة؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بل هو رأي لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس ~~واحدة فأردت أن أدفعهم ms2091 عنكم إلى يوم ما" فقال السعدان سعد بن عبادة وسعد بن ~~معاذ: والله يا رسول الله إنهم لم يكونوا يطمعون فيها منا إلا قرى وشرى ~~ونحن كفار، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ لا نعطيهم إلا السيف وشقاء ~~الصحيفة فهذا يدل على أنهم إذا خافوا المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن ~~أنفسهم بالمال. فهذه أحكام بعضها ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة، وهي مستعملة ~~في الأحوال التي أمر الله تعالى بها، واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها، وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث الحليف أنه حكم ثابت بقوله تعالى: ~~{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء:33] في حال عدم ذوي الأنساب ~~وولاء العتاق، فإذا كان هناك ذو نسب أو ولاء عتاقة فهم أولى من الحليف كما ~~أن الابن أولى من الأخ ولم يخرج من أن يكون من أهل الميراث. # قوله تعالى: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم} الآية، روي أنه أراد به الأوس والخزرج، وكانوا على غاية العداوة ~~والبغضاء قبل الإسلام، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام; روي ذلك عن بشير بن ~~ثابت الأنصاري وابن إسحاق والسدي. وقال مجاهد: هو في كل متحابين في الله. # قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} إلى آخر القصة. ~~حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو ~~عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال أمر ~~الله تعالى الرجل من المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك عليهم ~~فرحمهم فقال: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين} وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو ~~عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: ~~"أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من ms2092 اثنين فقد فر. وإنما عنى ابن عباس ~~ما ذكر في هذه الآية، وكان الفرض في أول الإسلام على الواحد قتال العشرة من ~~الكفار لصحة بصائر المؤمنين في ذلك الوقت وصدق يقينهم، ثم لما أسلم قوم ~~آخرون خالطهم من لم يكن لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن الجميع وأجراهم مجرى ~~واحدا ففرض على الواحد مقاومة الاثنين. # PageV03P091 # قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} لم يرد به ضعف القوى ~~والأبدان وإنما المراد ضعف النية لمحاربة المشركين، فجعل فرض الجميع فرض ~~ضعفائهم. وقال عبد الله بن مسعود: ما ظننت أن أحدا من المسلمين يريد بقتاله ~~غير الله حتى أنزل الله تعالى: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} ~~[آل عمران:152] فكان الأولون على مثل هذه النيات فلما خالطهم من يريد ~~الدنيا بقتاله سوى بين الجميع في الفرض وفي هذه الآية دلالة على بطلان من ~~أبى وجود النسخ في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قائله معتدا ~~بقوله لأنه قال تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين} والتخفيف لا يكون إلا بزوال بعض الفرض الأول أو ~~النقل عنه إلى ما هو أخف منه فثبت بذلك أن الآية الثانية ناسخة للفرض الأول ~~وزعم القائل بما ذكرنا من إنكار النسخ لأنه ليس في الآية أمر وإنما فيه ~~الوعد بشريطة فمتى وفى بالشرط أنجز الوعد وإنما كلف كل قوم من الصبر على ~~قدر استطاعتهم فكان على الأولين ما ذكر من مقاومة العشرين للمائتين ~~والآخرون لم يكن لهم من نفاذ البصيرة مثل ما للأولين فكلفوا مقاومة الواحد ~~للاثنين والمائة للمائتين قال ومقاومة العشرين للمائتين غير مفروضة وكذلك ~~المائة للمائتين وإنما الصبر مفروض على قدر الإمكان والناس مختلفون في ذلك ~~على مقادير استطاعاتهم فليس في الآية نسخ زعم. # قال أبو بكر هذا كلام شديد الاختلال والتناقض خارج عن قول الأمة سلفها ~~وخلفها وذلك لأنه لا يختلف أهل النقل والمفسرون في أن الفرض كان في ms2093 أول ~~الإسلام مقاومة الواحد للعشرة ومعلوم أيضا أن قوله تعالى: {إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين} وإن كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر كقوله ~~تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة:233] وقوله تعالى {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن} [البقرة:228] وليس هو إخبارا بوقوع ذلك وإنما هو أمر بأن ~~لا يفر الواحد من العشرة ولو كان هذا خبرا لما كان لقوله {الآن خفف الله ~~عنكم} معنى لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به لا في المخبر عنه ومعلوم ~~أيضا أن القوم الذين كانوا مأمورين بأن يقاوم الواحد منهم العشرة من ~~المشركين داخلون في قوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ~~محالة قد وقع النسخ عنهم فيما كانوا تعبدوا به من ذلك ولم يكن أولئك القوم ~~قد نقصت بصائرهم ولا قل صبرهم وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ~~ونياتهم وهم المعنيون بقوله تعالى {وعلم أن فيكم ضعفا} فبطل بذلك قول هذا ~~القائل بما # PageV03P092 # وصفنا وقد أقر هذا القائل أن بعض التكليف قد زال منهم بالآية الثانية ~~وهذا هو معنى النسخ والله أعلم بالصواب. # PageV03P093 # باب الأسارى # قال الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو نوح ~~قال أخبرنا عكرمة بن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن عباس قال ~~حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~الفداء فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} إلى قوله: {لمسكم ~~فيما أخذتم} من الفداء ثم أحل الله الغنائم. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال ~~حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين ~~فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم ~~لقوم سود الرءوس قبلكم ms2094 كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل ~~من السماء نار فتأكلها" فأنزل الله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} . وروي فيه وجه آخر وهو ~~ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال شاور النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالاستبقاء وأشار ~~عمر بالقتل وأشار عبد الله بن رواحة بالإحراق فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} ومثل عيسى; إذ قال {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية ~~ومثلك يا عمر مثل نوح; إذ قال: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ومثل ~~موسى; إذ قال: {ربنا اطمس على أموالهم} الآية، أنتم عالة فلا ينفلتن منهم ~~أحد إلا بفداء أو ضربة عنق". فقال ابن مسعود إلا سهيل ابن بيضاء فإنه ذكر ~~الإسلام فسكت ثم قال "إلا سهيل ابن بيضاء" فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى آخر الآيتين وروي عن ابن عباس أن ~~النبي استشار أبا بكر وعمر وعليا في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار ~~عمر بالقتل فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما ~~قال عمر فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله فإذا هو وأبو بكر قاعدان ~~يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فقال: "أبكي ~~للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه ~~الشجرة" شجرة قريبة # PageV03P093 # من النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى} إلى آخر القصة فذكر في حديث ابن عباس المتقدم في الباب وحديث أبي ~~هريرة أن قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} إنما ~~نزل في أخذهم ms2095 الغنائم. وذكر في حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس الآخر أن ~~الوعيد إنما كان في عرضهم الفداء على رسول الله وإشارتهم عليه به والأول ~~أولى بمعنى الآية لقوله تعالى: {لمسكم فيما أخذتم} ولم يقل فيما عرضتم ~~وأشرتم ومع ذلك فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قول قاله رسول الله; لأنه لا ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومن الناس من يجيز ذلك على النبي من طريق ~~اجتهاد الرأي ويجوز أيضا أن يكون النبي أباح لهم أخذ الفداء وكان ذلك معصية ~~صغيرة فعاتبه الله والمسلمين عليها وقد ذكر في الحديث الذي في صدر الباب أن ~~الغنائم لم تحل قبل نبينا لأحد وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ~~{ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} فكان في شرائع الأنبياء ~~المتقدمين تحريم الغنائم عليهم وفي شريعة نبينا تحريمها حتى يثخن في الأرض ~~واقتضى ظاهره إباحة الغنائم والأسرى بعد الإثخان وقد كانوا يوم بدر مأمورين ~~بقتل المشركين بقوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} ~~وقال تعالى في آية أخرى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق} وكان الفرض في ذلك الوقت القتل حتى إذا أثخن ~~المشركون فحينئذ إباحة الفداء وكان أخذ الفداء قبل الإثخان محظورا وقد كان ~~أصحاب النبي حازوا الغنائم يوم بدر وأخذوا الأسرى وطلبوا منهم الفداء وكان ~~ذلك من فعلهم غير موافق لحكم الله تعالى فيهم في ذلك ولذلك عاتبهم عليه ولم ~~يختلف نقلة السير ورواة المغازي أن النبي أخذ منهم الفداء بعد ذلك وأنه قال ~~"لا ينفلت منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق" وذلك يوجب أن يكون حظر أخذ ~~الأسرى ومفاداتهم المذكورة في هذه الآية وهو قوله تعالى: {ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى} منسوخا بقوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم} فأخذ النبي منهم الفداء. # فإن قيل كيف يجوز أن يكون ذلك منسوخا وهو بعينه الذي كانت المعاتبة ms2096 من ~~الله للمسلمين وممتنع وقوع الإباحة والحظر في شيء واحد قيل له إن أخذ ~~الغنائم والأسرى وقع بديا على وجه الحظر فلم يملكوا ما أخذوا ثم إن الله ~~تعالى أباحها لهم، وملكهم إياها فالأخذ المباح ثانيا هو غير المحظور أولا. # وقد اختلف في معنى قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم} فروى أبو زميل عن ابن عباس قال سبقت لهم الرحمة قبل أن يعملوا # PageV03P094 # المعصية. وروي مثله عن الحسن رواية، وهذا يدل على أنهما رأيا ذلك معصية ~~صغيرة، وقد وعد الله غفرانها باجتنابهم الكبائر، وكتب لهم ذلك قبل عملهم ~~للمعصية الصغيرة. وروي عن الحسن أيضا ومجاهد "أن الله تعالى كان مطعما لهذه ~~الأمة الغنيمة ففعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل لهم الغنيمة قال أبو بكر حكم ~~الله تعالى بأنه ستحل لهم الغنيمة في المستقبل لا يزيل عنهم حكم الحظر قبل ~~إحلالها، ولا يخفف من عقابه فلا يجوز أن يكون التأويل أن إزالة العقاب لأجل ~~أنه كان في معلومه إباحة الغنائم لهم بعده. وروي عن الحسن أيضا، وعن مجاهد ~~قالا "سبق من الله أن لا يعذب قوما إلا بعد تقدمه، ولم يكن تقدم إليهم ~~فيها"، وهذا وجه صحيح، وذلك لأنهم لم يعلموا بتحريم الغنائم على أمم ~~الأنبياء المتقدمين، وبقاء هذا الحكم عليهم من شريعة نبينا فاستباحوها على ~~ظن منهم أنها مباحة، ولم يكن قد تقدم لهم من النبي قول في تحريمها عليهم، ~~ولا إخبار منه إياهم بتحريمها على الأمم السالفة فلم يكن خطؤهم في ذلك ~~معصية يستحق عليها العقاب. # قوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} فيه إباحة الغنائم، وقد كانت ~~محظورة قبل ذلك، وقد ذكرنا حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ~~قال: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم". وروى الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وأرسلت إلى الأحمر ~~والأبيض، ms2097 وأعطيت الشفاعة" فأخبر في هذين الخبرين أن الغنائم لم تحل لأحد من ~~الأنبياء، وأممها قبله وقوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم} قد اقتضى وقوع ملك ~~الغنائم لهم إذا أخذوا، وإن كان المذكور في لفظ الآية هو الأكل، وإنما خص ~~الأكل بذلك لأنه معظم منافع الأملاك; إذ به قوام الأبدان، وبقاء الحياة، ~~وأراد بذلك تمليك سائر وجوه منافعها، وهو كما قال تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة:3] فخص اللحم بذلك، والمراد جميع ~~أجزائه; لأنه مبتغى منافعه، ومعظمها في لحومه، وكما قال تعالى: {إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة:9] فخص ~~البيع بالحظر في تلك الحال. والمراد سائر ما يشغل عن الصلاة، وكان وجه ~~تخصيصه أنه معظم منافع التصرف في ذلك الوقت فإذا كان معظمه محظورا فما دونه ~~أولى بذلك، وذلك في مفهوم اللفظ، ومثله قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما} [النساء:10] فخص الأكل بالذكر، ودل به على حظر الأخذ ~~والإتلاف من غير جهة # PageV03P095 # الأكل فهذا حكم اللفظ إذا ورد في مثله، ولولا قيام الدلالة، وكون المعنى ~~معقولا من اللفظ على الوجه الذي ذكرنا لما كانت إباحة الأكل موجبة للتمليك، ~~ولذلك قال أصحابنا فيمن أباح لرجل أكل طعامه إنه ليس له أن يتملكه ولا ~~يأخذه، وإنما له الأكل فحسب، ولكنه لما كان في مفهوم خطاب الآية التمليك ~~على الوجه الذي ذكرنا أوجب التمليك. وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ~~{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} فجعل الأربعة الأخماس غنيمة لهم، ~~وذلك يقتضي التمليك، وكذلك ظاهر قوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم} لما أضاف ~~الغنيمة إليهم فقد أفاد تمليكها إياهم بإطلاقه لفظ الغنيمة فيه ثم عطفه ~~الأكل عليها لم ينف ما تضمنه من التمليك كما لو قال كلوا مما ملكتم لم يكن ~~إطلاق لفظ الأكل مانعا من صحة الملك، ويدل على ذلك دخول الفاء عليه كأنه ~~قال قد ملكتكم ذلك فكلوا. # والغنيمة اسم لما أخذ من أموال المشركين بقتال فيكون خمسه لله ms2098 تعالى، ~~وأربعة أخماسه للغانمين بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} وأما الفيء فهو كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال. ~~روي هذا الفرق بينهما عن عطاء بن السائب، وعن سفيان الثوري أيضا # قال أبو بكر: الفيء كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بقتال أو ~~بغير قتال; إذ كان سبب أخذه الكفر قال أصحابنا الجزية فيء والخراج وما ~~يأخذه الإمام من العدو على وجه الهدنة والموادعة فهو فيء أيضا. وقال الله ~~عز وجل: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} [الحشر:7] ~~الآية فقيل: إن هذا فيما لم يوجف عليه المسلمون مثل فدك، وما أخذ من أهل ~~نجران فكان للنبي صرفه في هذه الوجوه، وقيل: إن هذه كانت في الغنائم فنسخت ~~بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} . وجائز عندنا أن ~~لا تكون منسوخة، وأن تكون آية الغنيمة فيما أوجف عليه المسلمون بخيل أو ~~ركاب، وظهر عليهم بالقتال، وآية الفيء التي في الحشر فيما لم يوجف عليه ~~المسلمون، وأخذ منهم على وجه الموادعة، والهدنة كما فعل النبي بأهل نجران، ~~وفدك، وسائر ما أخذه منهم بغير قتال، والله أعلم بالصواب. # PageV03P096 # باب التوارث بالهجرة # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} الآية حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا # PageV03P096 # جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج، ~~وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: {إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} الآية قال كان ~~المهاجر لا يتولى الأعرابي، ولا يرثه وهو مؤمن، ولا يرث الأعرابي المهاجر ~~فنسختها {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} . وروى عبد الرحمن ~~بن عبد الله المسعودي عن القاسم قال: "آخى رسول الله بين ms2099 الصحابة، وآخى بين ~~عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها لأنهم هاجروا ~~وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله آية المواريث". # قال أبو بكر اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة ~~التي آخى بها رسول الله بينهم دون الأرحام، وأن ذلك مراد هذه الآية، وأن ~~قوله تعالى: {أولئك بعضهم أولياء بعض} قد أريد به إيجاب التوارث بينهم، وأن ~~قوله: {ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} قد نفى إثبات التوارث بينهم ~~بنفيه الموالاة بينهم. وفي هذا دلالة على أن إطلاق لفظ الموالاة يوجب ~~التوارث، وإن كان قد يختص به بعضهم دون جميعهم على حسب وجود الأسباب ~~المؤكدة له كما أن النسب سبب يستحق به الميراث، وإن كان بعض ذوي الأنساب ~~أولى به في بعض الأحوال لتأكد سببه، وفي هذا دليل على أن قوله تعالى: {ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء:33] موجب لإثبات القود لسائر ~~ورثته، وأن النساء والرجال في ذلك سواء لتساويهم في كونهم من مستحقي ~~ميراثه، ويدل أيضا على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث، وأن قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" مثبت للولاية لجميع من كان من أهل ~~الميراث على حسب القرب، وتأكيد السبب، وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصغار ~~إذا لم يكن لهم أب على ما يذهب إليه أبو حنيفة; إذ كانت من أهل الولاية في ~~الميراث، وقد كانت الهجرة فرضا حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~فتح النبي مكة فقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" فنسخ التوارث ~~بالهجرة بسقوط فرض الهجرة، وأثبت التوارث بالأنساب بقوله تعالى: {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} قال الحسن "كان المسلمون يتوارثون ~~بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض} فتوارثوا بالأرحام"، وروى الأوزاعي عن عبدة عن مجاهد عن ابن عمر قال: ~~"انقطعت الهجرة بعد الفتح". وروى الأوزاعي أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن ~~عائشة مثله، وزاد فيه: "ولكن ms2100 جهاد ونية"، وإنما كانت الهجرة إلى الله ~~ورسوله، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه، وقد أذاع الله الإسلام ~~وأفشاه فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث بالهجرة، والمؤاخاة دون الأنساب، ~~وقطع # PageV03P097 # الميراث بين المهاجر وبين من لم يهاجر، واقتضى أيضا إيجاب نصرة المؤمن ~~الذي لم يهاجر إذا استنصر المهاجر على من لم يكن بينهم وبينه عهد بقوله ~~تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق} وقد روي في قوله تعالى: {ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} ما ~~قد بينا ذكره في نفي الميراث عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين. ~~وقيل: إنه أراد نفي إيجاب النصرة فلم تكن حينئذ على المهاجر نصرة من لم ~~يهاجر إلا أن يستنصر فتكون عليه نصرته إلا على من كان بينه وبينه عهد فلا ~~ينقض عهده، وليس يمتنع أن يكون نفي الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفي ~~التوارث والنصرة ثم نسخ نفي الميراث بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو ~~غير مهاجر، وإسقاطه بالهجرة فحسب، ونسخ نفي إيجاب النصرة بقوله تعالى: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71] . # قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} قال ابن عباس والسدي يعني ~~في الميراث، وقال قتادة في النصرة والمعاونة، وهو قول ابن إسحاق. # قال أبو بكر لما كان قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا} إلى ~~قوله: {أولئك بعضهم أولياء بعض} موجبا لإثبات التوارث بالهجرة، وكان قوله: ~~{والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} نافيا ~~للميراث، وجب أن يكون قوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} موجبا ~~لإثبات التوارث بينهم; لأن الولاية قد صارت عبارة عن إثبات التوارث بينهم ~~فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم; ~~لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم. ولم تفرق الآية بين أهل الملل بعد أن يكونوا ~~كفارا، ويدل أيضا على إثبات ولاية الكفار على أولادهم الصغار لاقتضاء اللفظ ~~له في جواز النكاح والتصرف في المال في حال ms2101 الصغر والجنون. # وقوله تعالى: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} يعني والله ~~أعلم: إن لا تفعلوا ما أمرتم به في هاتين الآيتين من إيجاب الموالاة ~~والتناصر والتوارث بالأخوة والهجرة ومن قطعها بترك الهجرة تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير، وهذا مخرجه مخرج الخبر، ومعناه الأمر، وذلك لأنه إذا لم ~~يتول المؤمن الفاضل على ظاهر حاله من الإيمان والفضل بما يدعو إلى مثل ~~حاله، ولم يبرأ من الفاجر والضال بما يصرفه عن ضلاله وفجوره أدى ذلك إلى ~~الفساد والفتنة. # قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} نسخ به إيجاب # PageV03P098 # التوارث بالهجرة والحلف والموالاة، ولم يفرق فيه بين العصبات وغيرهم، فهو ~~حجة في إثبات ميراث ذوي الأرحام الذين لا تسمية لهم ولا تعصيب، وقد ذكرنا ~~فيما سلف في سورة النساء، وذهب عبد الله بن مسعود إلى أن ذوي الأرحام أولى ~~من مولى العتاقة، واحتج فيه بظاهر الآية; وليس هو كذلك عند سائر الصحابة. ~~وقد روي أن ابنة حمزة أعتقت عبدا، ومات وترك بنتا، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم نصف ميراثه لابنته، ونصفه لابنة حمزة بالولاية فجعلها عصبة، ~~والعصبة أولى بالميراث من ذوي الأرحام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". # وقوله تعالى: {في كتاب الله} قيل: فيه وجهان: أحدهما: في اللوح المحفوظ، ~~كما قال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها} [الحديد:22] والثاني: في حكم الله تعالى. آخر سورة الأنفال. # PageV03P099 # سورة براءة # قال الله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ~~قال أبو بكر: البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة، وزوال الأمان. وقيل: ~~إن معناه: هذه براءة من الله ورسوله; ولذلك ارتفع. وقيل: هو ابتداء، وخبره ~~الظرف في "إلى" فاقتضى قوله عز وجل: {براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين} نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم، ورفع الأمان، وإعلام نصب ms2102 الحرب والقتال بينه وبينهم، وهو على نحو ~~قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [لأنفال:58] ~~فكان ما ذكر في هذه الآية من البراءة نبذا إليهم ورفعا للعهد. وقيل: إن ذلك ~~كان خاصا فيمن أضمروا الخيانة وهموا بالغدر، وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع ~~العهد في حال ذكر ذلك لهم إلا أنه لما عقبه بقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر} بين به أن هذه البراءة وهذا النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة ~~أشهر، وأن عهد ذوي العهد من هذا القبيل منهم باق إلى آخر هذه المدة; قال ~~الحسن: فمن كان منهم عهده أكثر من أربعة أشهر حط إليها. ومن كان منهم عهده ~~أقل رفع إليها. وقيل: إن هذه الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد أولها من ~~عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام من شهر ربيع الأول; ~~لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو بكر، وقرأ فيها علي بن أبي طالب ~~سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذي ~~القعدة، ثم صار الحج في السنة الثانية، وهي السنة التي حج فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذي الحجة، وهو الوقت الذي وقته الله تعالى للحج; لأن ~~المشركين كانوا ينسئون الشهور، فاتفق عود الحج في السنة التي حج فيها النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه بديا على إبراهيم ~~وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا} ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات: "ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" فثبت الحج في اليوم التاسع من ~~ذي الحجة، وهو يوم عرفة، والنحر اليوم العاشر منه; فهذا قول من يقول إن ~~الأربعة الأشهر التي جعلها للسياحة، وقطع بمضيها عصمة المشركين وعهدهم. # PageV03P100 # وقد قيل: في جواز نقض العهد قبل مضي مدته على جهة النبذ إليهم، وإعلامهم ~~نصب الحرب وزوال الأمان ms2103 وجوه: أحدها: أن يخاف غدرهم وخيانتهم، والآخر: أن ~~يثبت غدرهم سرا فينبذ إليهم ظاهرا، والآخر: أن يكون في شرط العهد أن يقرهم ~~على الأمان ما يشاء وينقضه متى يشاء كما قال النبي لأهل خيبر: "أقركم ما ~~أقركم الله" الآخر: أن العهد المشروط إلى مدة معلومة فيه ثبوت الأمان من ~~حربهم وقتالهم من غير علمهم، وأن لا يقصدوا وهم غارون، وأنه متى أعلمهم رفع ~~الأمان من حربهم فذلك جائز لهم، وذلك معلوم في مضمون العهد، وسواء خاف ~~غدرهم أو لم يخف أو كان في شرط العهد أن لنا نقضه متى شئنا أو لم يكن فإن ~~لنا متى رأينا ذلك حظا للإسلام أن ننبذ إليهم، وليس ذلك بغدر منا ولا خيانة ~~ولا خفر للعهد; لأن خفر الأمان والعهد أن يأتيهم بعد الأمان، وهم غارون ~~بأماننا، فأما متى نبذنا إليهم فقد زال الأمان، وعادوا حربا، ولا يحتاج إلى ~~رضاهم في نبذ الأمان إليهم; ولذلك قال أصحابنا إن للإمام أن يهادن العدو ~~إذا لم تكن بالمسلمين قوة على قتالهم، فإن قوي المسلمون وأطاقوا قتالهم كان ~~له أن ينبذ إليهم ويقاتلهم، وكذلك كل ما كان فيه صلاح للمسلمين فللإمام أن ~~يفعله. وليس جواز رفع الأمان موقوفا على خوف الغدر والخيانة من قبلهم. # وقد روي عن ابن عباس أن هذه الأربعة الأشهر الحرم هي رجب، وذو القعدة، ~~وذو الحجة إلى آخر المحرم. وقد كانت سورة براءة نزلت حين بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر على الحج، وكان الحج في تلك السنة في ذي القعدة; ~~فكأنهم على هذا القول إنما بقي عهدهم إلى آخر الأربعة الأشهر التي هي أشهر ~~الحرم. وقد روى جرير عن مغيرة عن الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه ~~قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة إلى ~~المشركين، فكنت أنادي حتى صحل صوتي، وكان أمرنا أن نقول: "لا يحجن بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه ms2104 ~~وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن ~~الله بريء من المشركين ورسوله". وجائز أن تكون هذه الأربعة الأشهر من وقت ~~ندائه، وإعلامهم إياه، وجائز أن يريد بها تمام أربعة أشهر من الأشهر الحرم، ~~وقد روى سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن على: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعثه يوم الحج الأكبر أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا، ولا يدخل الجنة ~~إلا نفس مسلمة، ولا يحج مشرك بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي عهد ~~فأجله إلى مدته; فجعل في حديث علي من له عهد عهده إلى أجله، ولم يخصص أربعة ~~أشهر من غيره، وقال في حديث أبي هريرة: فعهده إلى أربعة أشهر، وجائز أن ~~يكون المعنيان صحيحين، وأن يكون جعل أجل بعضهم أربعة أشهر أو تمام # PageV03P101 # أربعة أشهر التي هي أشهر الحرم، وجعل أجل بعضهم إلى مدته طالت المدة أو ~~قصرت. وذكر الأربعة الأشهر في حديث أبي هريرة موافق لقوله تعالى: {فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر} وذكر إثبات المدة التي أجلها في حديث علي موافق لقوله ~~تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} فكان أجل بعضهم وهم الذي خيف ~~غدرهم وخيانتهم أربعة أشهر، وأجل من لم يخش غدرهم إلى مدته. # وقد روى يونس عن أبي إسحاق قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~أميرا على الحج في سنة تسع، فخرج أبو بكر، ونزلت براءة في نقض ما بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمشركين من العهد، والذي كانوا عليه فيما بينه ~~وبينهم أن لا يصد عن البيت أحد، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، وكان ذلك ~~عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك} وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة، فنزلت: {براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} أهل العهد العام من ms2105 أهل الشرك من ~~العرب، {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} إن الله بريء من المشركين بعد هذه ~~الحجة، وقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} يعني: العهد الخاص إلى الأجل ~~المسمى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني الأربعة التي ضربه لهم أجلا. وقوله: ~~{إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} من قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا ~~في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين قريش; فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش، وبنو الدئل، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد لمن لم يكن نقضه من بني بكر إلى ~~مدته، {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} . # وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر} قال: "جعل الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا، وأجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر ~~الحرم خمسين ليلة، وأمره إذا انسلخ الأشهر الحرم أن يضع السيف فيمن عاهدوا، ~~ولم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق". # قال أبو بكر: جعل ابن عباس في هذا الحديث الأربعة الأشهر التي هي أشهر ~~العهد لمن كان له منهم عهد، ومن لم يكن له منهم عهد جعل أجله انسلاخ ~~المحرم، وهو تمام خمسين ليلة من وقت الحج، وهو العشر من ذي الحجة، وذلك آخر ~~وقت أشهر الحرم. # وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم # PageV03P102 # من المشركين} : إلى أهل العهد من خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد من غيرهم، ~~قال: ثم بعث رسول الله أبا بكر، وعليا فأذنوا أصحاب العهود أن يأمنوا أربعة ~~أشهر، وهي الأشهر الحرم المتواليات من عشر من ذي الحجة إلى عشر تخلو من شهر ~~ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم; قال: وهي الحرم من أجل أنهم آمنوا فيها. # قال أبو بكر: فجعل مجاهد الأشهر الحرم في أشهر العهد، وذهب ms2106 إلى أنها إنما ~~سميت بذلك لتحريم القتال فيها، وليست هي الأشهر التي قال الله فيها: {أربعة ~~حرم} وقال: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة:217] لأنه لا خلاف ~~أن هذه الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم والذي قاله مجاهد في ذلك محتمل، # وقال السدي: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: عشرون يبقى من ذي الحجة ~~إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلا الإسلام أو السيف. ~~وحدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي: حدثنا الحسن بن أبي ربيع الجرجاني: ~~أخبرنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر} قال: نزلت في شوال وهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم. قال قتادة: عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ~~ربيع الآخر، كان ذلك في العهد الذي بينهم. # قال أبو بكر: قول قتادة موافق لقول مجاهد الذي حكيناه، وأما قول الزهري ~~فأظنه وهما; لأن الرواة لم يختلفوا أن سورة براءة نزلت في ذي الحجة في ~~الوقت الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج، ثم نزلت بعد ~~خروجه سورة براءة فبعث بها مع علي ليقرأها على الناس بمنى; فثبت بما ذكرنا ~~من هذه الأخبار أنه قد كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد ~~عام، وهو أن لا يصد أحدا منهم عن البيت، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، ~~فجعل الله تعالى عهدهم أربعة أشهر بقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر} وكان بينه وبين خواص منهم عهود إلى آجال مسماة، وأمر بالوفاء لهم ~~وإتمام عهودهم إلى مدتهم إذا لم يخش غدرهم وخيانتهم، وهو قوله تعالى: {إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} وهذا يدل على أن مدتهم إما أن تكون إلى آخر ~~الأشهر الحرم التي قد كان الله تعالى حرم القتال فيها، وجائز ms2107 أن تكون مدتهم ~~إلى آخر الأربعة الأشهر من وقت النبذ إليهم، وهو يوم النحر، وآخره عشر مضين ~~من شهر ربيع الآخر، فسماها الأشهر الحرم # PageV03P103 # على ما ذكره مجاهد لتحريم القتال فيها، فلم يكن لأحد منهم بعد ذلك عهد. ~~وأوجب بمضي هذه المدة دفع العهود كلها سواء من كان له منهم عهد خاص، وسائر ~~المشركين الذين عمهم عهده في ترك منعهم من البيت، وحظر قتلهم في أشهر ~~الحرم. وجائز أن يكون مراده انسلاخ المحرم الذي هو آخر الأشهر الحرم التي ~~كان الله تعالى حظر القتال فيها، وقد رويناه عن ابن عباس # قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} يعني ~~إعلام من الله ورسوله، يقال: آذنني بكذا أي أعلمني فعلمت، # واختلف في يوم الحج الأكبر، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الأخبار أنه يوم عرفة، وعن علي وعمر وابن عباس وعطاء ومجاهد نحو ذلك، على ~~اختلاف من الرواية فيه. وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم ~~النحر، وعن علي وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي أوفى ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير على اختلاف فيه من الرواة، وعن مجاهد وسفيان ~~الثوري: أيام الحج كلها، وهذا شائع، كما يقال: يوم صفين، وقد كان القتال في ~~أيام كثيرة، وروى حماد عن مجاهد أيضا قال: الحج الأكبر القران، والحج ~~الأصغر الإفراد. وقد ضعف هذا التأويل، من قبل أنه يوجب أن يكون للإفراد يوم ~~بعينه، وللقران يوم بعينه، وقد علم أن يوم القران هو يوم الإفراد للحج، ~~فتبطل فائدة تفضيل اليوم للحج الأكبر، فكان يجب أن يكون النداء بذلك في يوم ~~القران. وقوله تعالى: {يوم الحج الأكبر} لما كان يوم عرفة أو يوم النحر، ~~وكان الحج الأصغر العمرة وجب أن يكون أيام الحج غير أيام العمرة فلا تفعل ~~العمرة في أيام الحج، وقد روي عن ابن سيرين أنه قال: إنما قال: {يوم الحج ~~الأكبر} لأن أعياد الملل اجتمعت فيه، وهو العام الذي حج فيه ms2108 النبي صلى الله ~~عليه وسلم" فقيل: هذا غلط; لأن الأذان بذلك كانت في السنة التي حج فيها أبو ~~بكر، ولأنه في السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج فيها ~~المشركون لتقدم النهي عن ذلك في السنة الأولى، وقال عبد الله بن شداد: الحج ~~الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة وعن ابن عباس: العمرة هي الحجة ~~الصغرى وعن عبد الله بن مسعود مثله. # قال أبو بكر: قوله: {الحج الأكبر} قد اقتضى أن يكون هناك حج أصغر، وهو ~~العمرة، على ما روي عن عبد الله بن شداد وابن عباس، وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "العمرة الحجة الصغرى"، وإذا ثبت أن اسم الحج يقع ~~على العمرة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس حين سأله ~~فقال: "الحج في كل عام أو حجة واحدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا، ~~بل حجة واحدة"، وهذا يدل على نفي وجوب العمرة لنفي النبي الوجوب إلا في حجة ~~واحدة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة"، وهذا يدل على أن يوم ~~الحج الأكبر هو يوم # PageV03P104 # عرفة، ويحتمل أن يكون يوم النحر لأن فيه تمام قضاء المناسك والتفث، ~~ويحتمل أيام منى على ما روي عن مجاهد، وخصه بالأكبر لأنه مخصوص بفعل الحج ~~فيه دون العمرة، وقد قيل: إن يوم النحر أولى بأن يكون يوم الحج الأكبر من ~~يوم عرفة، لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الحج لقضاء المناسك، وعرفة قد يأتيها ~~بعضهم ليلا، وبعضهم نهارا، وأما النداء بسورة براءة فجائز أن يكون كان يوم ~~عرفة، وجائز يوم النحر. # قال الله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ~~{لست عليهم بمصيطر} [الغاشية:22] وقوله: {وما أنت عليهم بجبار} [ق:45] ~~وقوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة:13] وقوله: {قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام} [الجاثية:14] قال: نسخ هذا كله قوله تعالى: ms2109 ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} الآية"، وقال موسى بن عقبة: قد كان النبي قبل ذلك ~~يكف عمن لم يقاتله بقوله تعالى: {وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا} [النساء:90] ثم نسخ ذلك بقوله: {براءة من الله ورسوله} ثم ~~قال: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} قال أبو بكر: عمومه يقتضي ~~قتل سائر المشركين من أهل الكتاب، وغيرهم، وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف، إلا أنه تعالى خص أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية بقوله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} الآية، وأخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر، وقال في حديث علقمة بن مرثد عن ابن ~~بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال: "إذا ~~لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية فإن ~~فعلوا فخذوا منهم وكفوا عنهم"، وذلك عموم في سائر المشركين، فخصصنا منه من ~~لم يكن من مشركي العرب بالآية، وصار قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} خاصا في مشركي العرب دون غيرهم. وقوله تعالى: {وخذوهم واحصروهم} ~~يدل على حبسهم بعد الأخذ والاستيناء بقتلهم انتظارا لإسلامهم; لأن الحصر هو ~~الحبس. ويدل أيضا على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم إن كان فيهم من لا ~~يجوز قتله من النساء والصبيان، وأن يلقوا بالحصار. وقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين} يقتضي عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل، إلا أن السنة قد ~~وردت بالنهي عن المثلة، وعن قتل الصبر بالنبل، ونحوه، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أعف الناس قتلة أهل الإيمان" وقال: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" ~~وجائز أن يكون أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق ~~والحجارة والرمي من رءوس الجبال # PageV03P105 # والتنكيس في الآبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر الآية، وكذلك علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن يكون اعتبر عموم الآية. ms2110 # قوله عز وجل: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} لا ~~يخلو قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} من أن يكون وجود ~~هذه الأفعال منهم شرطا في زوال القتل عنهم، ويكون قبول ذلك، والانقياد لأمر ~~الله تعالى فيه هو الشرط دون وجود الفعل; ومعلوم أن وجود التوبة من الشرك ~~شرط لا محالة في زوال القتل، ولا خلاف أنهم لو قبلوا أمر الله في فعل ~~الصلاة والزكاة، ولم يكن الوقت وقت صلاة أنهم مسلمون وأن دماءهم محظورة، ~~فعلمنا أن شرط زوال القتل عنهم هو قبول أوامر الله، والاعتراف بلزومها دون ~~فعل الصلاة والزكاة، ولأن إخراج الزكاة لا يلزم بنفس الإسلام إلا بعد حول، ~~فغير جائز أن يكون إخراج الزكاة شرطا في زوال القتل، وكذلك فعل الصلاة ليس ~~بشرط فيه، وإنما شرطه قبول هذه الفرائض والتزامها والاعتراف بوجوبها. # فإن قيل: لما قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~فشرط مع التوبة فعل الصلاة والزكاة، ومعلوم أن التوبة إنما هي الإقلاع عن ~~الكفر والرجوع إلى الإيمان فقد عقل بذكره التوبة التزام هذه الفرائض، ~~والاعتراف بها; إذ لا تصح التوبة إلا به، ثم لما شرط مع التوبة الصلاة ~~والزكاة دل على أن المعنى المزيل للقتل هو اعتقاد الإيمان بشرائطه وفعل ~~الصلاة والزكاة، فأوجب ذلك قتل تارك الصلاة والزكاة في وقت وجوبهما، وإن ~~كان معتقدا للإيمان معترفا بلزوم شرائعه. قيل له: لو كان فعل الصلاة ~~والزكاة من شرائط زوال القتل لما زال القتل عمن أسلم في غير وقت الصلاة، ~~وعمن لم يؤد زكاته مع إسلامه، فلما اتفق الجميع على زوال القتل عمن وصفنا ~~أمره بعد اعتقاده للإيمان للزوم شرائعه ثبت بذلك أن فعل الصلاة والزكاة ليس ~~من شرائط زوال القتل، وأن شرطه إظهار الإيمان، وقبول شرائعه، ألا ترى أن ~~قبول الإيمان، والتزام شرائعه لما كان شرطا في ذلك لم يزل عنه القتل عند ~~إخلاله ببعض ذلك. # PageV03P106 # مطلب: فيما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالذين امتنعوا من أداء ~~الزكاة ms2111 # وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة، وقتلت مقاتلتهم، وسموهم أهل ~~الردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها فكانوا مرتدين بذلك; ~~لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله، وعلى ذلك أجرى حكمهم أبو بكر ~~الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم. ويدل على أنهم مرتدون بامتناعهم من ~~قبول فرض الزكاة ما روى معمر عن # PageV03P106 # الزهري عن أنس قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب ~~كافة فقال عمر: يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة فقال أبو بكر: إنما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة منعوني دماءهم وأموالهم". ~~والله لو منعوني عقالا مما كانوا يعطون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقاتلتهم عليه. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ارتدت العرب عن الإسلام إلا أهل المدينة، فنصب أبو بكر لهم ~~الحرب فقالوا: فإذا نشهد أن لا إله إلا الله ونصلي ولا نزكي، فمشى عمر، ~~والبدريون إلى أبي بكر، وقالوا: دعهم فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم ~~وثبت أدوا فقال: والله لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقاتلتهم عليه، وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث: شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله تعالى: {فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} والله لا أسأل فوقهن، ولا ~~أقصر دونهن فقالوا له: يا أبا بكر نحن نزكي، ولا ندفعها إليك، فقال: لا ~~والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضعها مواضعها، ~~وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله، وروى الزهري عن عبيد الله ~~بن عبد الله عن أبي هريرة قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستخلف أبو بكر، وارتد من ارتد من العرب، بعث أبو بكر ms2112 لقتال من ارتد عن ~~الإسلام، فقال له عمر: يا أبا بكر ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله؟ " فقال: "لو ~~منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ~~عليه". # فأخبر جميع هؤلاء الرواة أن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ردتهم من جهة ~~امتناعهم من أداء الزكاة، وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء الزكاة على ~~جهة الرد لها وترك قبولها، فسموا مرتدين من أجل ذلك، وقد أخبر أبو بكر ~~الصديق أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك الأداء إليه، وإن كانوا ~~معترفين بوجوبها; لأنهم قالوا بعد ذلك نزكي، ولا نؤديها إليك، فقال: لا ~~والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك ضربان من ~~الدلالة: أحدهما: أن مانع الزكاة على وجه ترك التزامها والاعتراف بوجوبها ~~مرتد، وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال، فثبت أن من أدى ~~صدقة مواشيه إلى الفقراء أن الإمام لا يحتسب له بها، وأنه متى امتنع من ~~دفعها إلى الإمام قاتله عليها، وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي. وأما ~~زكاة الأموال فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا ~~يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي، فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال: ~~هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل الأداء # PageV03P107 # إلى أرباب الأموال، وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها. وهذا الذي ~~فعله أبو بكر في مانعي الزكاة بموافقة الصحابة إياه كان من غير خلاف منهم ~~بعدما تبينوا صحة رأيه واجتهاده في ذلك. # ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة، ومانع الزكاة عامدا بهذه الآية، وزعم ~~أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. وقد بينا ~~المعنى في قوله تعالى: {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} وأن المراد قبول ~~لزومهما، والتزام فرضهما ms2113 دون فعلهما. وأيضا فليس في الآية ما ادعوا من ~~الدلالة على ما ذهبوا إليه، من قبل أنها إنما أوجبت قتل المشركين، ومن تاب ~~من الشرك، ودخل في الإسلام والتزم فروضه، وأقر بها فهو غير مشرك باتفاق، ~~فلم تقتض الآية قتله; إذ كان حكمها مقصورا في إيجاب القتل على من كان مشركا ~~وتارك الصلاة، ومانع الزكاة ليس بمشرك # فإن قالوا: إنما أزال القتل عنه بشرطين، أحدهما: التوبة، وهي الإيمان، ~~وقبول شرائعه، والوجه الثاني: فعل الصلاة، وأداء الزكاة. قيل: له: إنما ~~أوجب بديا قتل المشركين بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} فمتى زالت عنهم ~~سمة الشرك فقد وجب زوال القتل، ويحتاج في إيجابه إلى دلالة أخرى من غيره. # فإن قال: هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر الشرطين في الآية. قيل: له: ليس ~~الأمر على ما ظننت وذلك لأن الله تعالى إنما جعل هذين القربين من فعل ~~الصلاة وإيتاء الزكاة شرطا في وجوب تخلية سبيلهم; لأنه قال: {فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وذلك بعد ذكره القتل للمشركين ~~بالحصر، فإذا زال القتل بزوال سمة الشرك فالحصر والحبس باق لترك الصلاة، ~~ومنع الزكاة لأن من ترك الصلاة عامدا، وأصر عليه، ومنع الزكاة جاز للإمام ~~حبسه، فحينئذ لا يجب تخليته إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة، فانتظمت ~~الآية حكم إيجاب قتل المشرك، وحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام ~~حتى يفعلهما. # PageV03P108 # مطلب: يجب علينا بيان دلائل التوحيد والرسالة وتعليم أمور الدين # قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} قد ~~اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة ~~الإسلام; لأن قوله: {استجارك} معناه: استأمنك، وقوله تعالى: {فأجره} معناه: ~~فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد، وعلى صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة ~~عليه، وبيان دلائل التوحيد والرسالة حتى يعتقدهما # PageV03P108 # لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة، وبيان توحيد الله وصحة نبوة النبي ms2114 ~~صلى الله عليه وسلم وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ذلك منا إلا بعد بيان ~~الدلالة، وإقامة الحجة; لأن الله قد أمرنا بإعطائه الأمان حتى يسمع كلام ~~الله. وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من التمس منا تعريفه شيئا ~~من أمور الدين; لأن الكافر الذي استجارنا ليسمع كلام الله إنما قصد التماس ~~معرفة صحة الدين. # PageV03P109 # مطلب: يجب على الإمام حفظ أهل الذمة # وقوله تعالى: {ثم أبلغه مأمنه} يدل على أن على الإمام حفظ هذا الحربي ~~المستجير، وحياطته ومنع الناس من تناوله بشر، لقوله: {فأجره} وقوله: {ثم ~~أبلغه مأمنه} وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة، والمنع ~~من أذيتهم، والتخطي إلى ظلمهم. # وفيه الدلالة على أنه لا يجوز إقرار الحربي في دار الإسلام مدة طويلة، ~~وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار قضاء حاجته، لقوله تعالى: {حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه} فأمر برده إلى دار الحرب بعد سماعه كلام الله; وكذلك ~~قال أصحابنا: لا ينبغي للإمام أن يترك الحربي في دار الإسلام مقيما بغير ~~عذر، ولا سبب يوجب إقامته، وأن عليه أن يتقدم إليه بالخروج إلى داره، فإن ~~أقام بعد التقدم إليه سنة في دار الإسلام صار ذميا، ووضع عليه الخراج. # قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام} قال أبو بكر ابتداء السورة يذكر قطع العهد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين بقوله: {براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين} وقد قيل: إن هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد ~~فغدروا وأسروا وهموا به فأمر الله نبيه بالنبذ إليهم ظاهرا، وفسخ لهم في ~~مدة أربعة أشهر بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} وقيل: إنه أراد العهد ~~الذي كان بينه وبين المشركين عامة في أن لا يمنع أحد من المشركين من دخوله ~~مكة للحج، وأن لا يقاتلوا، ولا يقتلوا في الشهر الحرام، فكان قوله: {براءة ~~من الله ورسوله} في أحد هذين ms2115 الفريقين، ثم استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم ~~وبين رسول الله عهد خاص، ولم يغدروا، ولم يهموا به فقال: {إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم} ففرق بين حكم هؤلاء الذين ثبتوا على عهدهم، ولم ينقصوهم، ولم ~~يعاونوا أعداءهم عليهم، وأمر بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وأمر بالنبذ إلى ~~الأولين، وهم أحد # PageV03P109 # فريقين من غادر قاصدا إليه أو لم يكن بينه وبين النبي عهد خاص في سائر ~~أحواله بل في دخول مكة للحج والأمان في الأشهر الحرم الذي كان يأمن فيه ~~جميع الناس. وقوله تعالى: {ولم يظاهروا عليكم أحدا} يدل على أن المعاهد متى ~~عاون علينا عدوا لنا فقد نقض عهده. ثم قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين} فرفع بعد انقضاء أشهر الحرم عهد كل ذي عهد من خاص ومن ~~عام، ثم قال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} لأنهم ~~غدروا، ولم يستقيموا; ثم استثنى منهم الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام، قال ~~أبو إسحاق "هم قوم من بني كنانة"، وقال ابن عباس هم من قريش، وقال مجاهد هم ~~خزاعة، فأمر المسلمين بالوفاء بعهدهم ما استقاموا لهم في الوفاء به. وجائز ~~أن تكون مدة هؤلاء في العهد دون مضي أشهر الحرم; لأنه قال: {فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وعمومه يقتضي رفع سائر العهود ~~التي كانت بين المسلمين والكفار. وجائز أن تكون مدة عهدهم بعد انقضاء ~~الأشهر الحرم، وكانوا مخصوصين ممن أمروا بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، ~~وأن ذلك إنما كان خاصا في قوم منهم كانوا أهل غدر وخيانة لأنه قال: {فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ولم يحصره بمدة # قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ~~يدل على أن من أظهر لنا الإيمان وأقام الصلاة وآتى الزكاة فعلينا موالاته ~~في الدين على ظاهر أمره مع وجود أن يكون اعتقاده في المغيب خلافه # قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ms2116 وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر} فيه دلالة على أن أهل العهد متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه، ~~وطعنوا في ديننا فقد نقضوا العهد وذلك لأن نكث الأيمان يكون بمخالفة بعض ~~المحلوف عليه إذا كانت اليمين فيه على وجه النفي، كقوله: "والله لا كلمت ~~زيدا ولا عمرا ولا دخلت هذه الدار ولا هذه" أيهما فعل حنث ونكث يمينه; ثم ~~لما ضم إلى ذلك الطعن في الدين دل على أن أهل العهد من شروط بقاء عهدهم ~~تركهم للطعن في ديننا، وأن أهل الذمة ممنوعون من إظهار الطعن في دين ~~المسلمين، وهو يشهد لقول من يقول من الفقهاء إن من أظهر شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الذمة فقد نقض عهده ووجب قتله # PageV03P110 # مطلب: في حكم من شتم النبي صلى الله عليه وسلم # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا: "يعزر ولا يقتل"، وهو قول ~~الثوري وروى ابن القاسم عن مالك فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود، والنصارى "قتل إلا أن # PageV03P110 # يسلم". وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ومالك فيمن سب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالا: هي ردة يستتاب فإن تاب نكل وإن لم يتب قتل قال: يضرب ~~مائة ثم يترك حتى إذا هو برئ ضرب مائة ولم يذكر فرقا بين المسلم والذمي، ~~وقال الليث في المسلم يسب النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يناظر ولا ~~يستتاب ويقتل مكانه، وكذلك اليهودي والنصراني. وقال الشافعي: "ويشترط على ~~المصالحين من الكفار أن من ذكر كتاب الله أو محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما لا ينبغي أو زنى بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه ~~أو قطع عليه طريقا أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم ~~فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله". وظاهر الآية يدل ~~على أن من أظهر سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل العهد فقد نقض عهده; ~~لأنه قال ms2117 تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر} فجعل الطعن في ديننا بمنزلة نكث الأيمان إذ معلوم أنه لم يرد ~~أن يجعل نكث الأيمان والطعن في الدين بمجموعهما شرطا في نقض العهد; لأنهم ~~لو نكثوا الأيمان بقتال المسلمين، ولم يظهروا الطعن في الدين لكانوا ناقضين ~~للعهد. وقد جعل رسول الله معاونة قريش بني بكر على خزاعة، وهم حلفاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم نقضا للعهد، وكانوا يفعلون ذلك سرا، ولم يكن منهم إظهار ~~طعن في الدين; فثبت بذلك أن معنى الآية: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ~~وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر. فإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أهل العهد ناقضا للعهد، إذ سب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أكثر الطعن في الدين، فهذا وجه يحتج به القائلون بما وصفنا. # ومما يحتج به لذلك ما روى أبو يوسف عن حصين بن عبد الرحمن عن رجل عن أبي ~~عمران أن رجلا قال له: إني سمعت راهبا سب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: ~~لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم العهد على هذا. وهو إسناد ضعيف. وجائز أن ~~يكون قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روي سعيد ~~عن قتادة عن أنس أن يهوديا مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السام ~~عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما قال؟ " قالوا: نعم، ~~ثم رجع فقال مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم ~~أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك" وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل ~~رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، قالت: ~~ففهمتها فقلت:، وعليكم السام واللعنة فقال النبي: "مهلا يا عائشة فإن الله ~~يحب الرفق في الأمر كله" فقلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "قلت عليكم" ms2118 ومعلوم أن مثله لو كان من مسلم لصار به ~~مرتدا مستحقا للقتل، ولم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وروى شعبة ~~عن هشام بن يزيد عن أنس بن مالك: أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقالوا: ألا تقتلها؟ # PageV03P111 # قال: "لا"، قال: فما زلت أعرفها في سهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا خلاف بين المسلمين أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو ممن ~~ينتحل الإسلام أنه مرتد يستحق القتل، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~مبيحة لدمها بما فعلت فكذلك إظهار سب النبي صلى الله عليه وسلم من الذمي ~~مخالف لإظهار المسلم له. # وقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} روى ابن عباس ومجاهد أنهم رؤساء قريش، وقال ~~قتادة: أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، وهم الذين ~~هموا بإخراجه قال أبو بكر: ولم يختلف في أن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها مع علي بن أبي طالب ليقرأها على ~~الناس في سنة تسع، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر، وقد كان أبو جهل، وأمية ~~بن خلف، وعتبة بن ربيعة قد كانوا قتلوا يوم بدر، ولم يكن بقي من رؤساء قريش ~~أحد يظهر الكفر في وقت نزول براءة، وهذا يدل على أن رواية من روى ذلك في ~~رؤساء قريش، وهم اللهم إلا أن يكون المراد قوما من قريش قد كانوا أظهروا ~~الإسلام، وهم الطلقاء، من نحو أبي سفيان، وأحزابه ممن لم ينق قلبه من ~~الكفر، فيكون مراد الآية هؤلاء دون أهل العهد من المشركين الذين لم يظهروا ~~الإسلام، وهم الذين كانوا هموا بإخراج الرسول من مكة، وبدرهم بالقتال ~~والحرب بعد الهجرة. وجائز أن يكون مراده هؤلاء الذين ذكرنا، وسائر رؤساء ~~العرب الذين كانوا معاضدين لقريش على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وقتال ~~المسلمين، فأمر الله تعالى بقتالهم وقتلهم إن هم نكثوا أيمانهم، وطعنوا في ms2119 ~~دين المسلمين. # وقوله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم} معناه: لا أيمان لهم وافية موثوقا بها. ~~ولم ينف به وجود الأيمان منهم لأنه قد قال بديا: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم} وعطف على ذلك أيضا قوله: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} أنه لم ~~يرد بقوله: {لا أيمان لهم} نفي الأيمان أصلا، وإنما أراد به نفي الوفاء ~~بها. وهذا يدل على جواز إطلاق {لا} والمراد نفي الفضل دون نفي الأصل، ولذلك ~~نظائر موجودة في السنن، وفي كلام الناس، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" و "ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" و ~~"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله"، ونحو ذلك، فأطلق الإمامة في الكفر لأن ~~الإمام هو المقتدى به المتبع في الخير والشر، قال الله تعالى: {وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار} [القصص:41] وقال في الخير: {وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا} [الأنبياء:73] فالإمام في الخير هاد مهتد، والإمام في الشر ضال ~~مضل. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا غدروا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان على أن لا ~~يعينوا عليه أعداءه من المشركين، وهموا بمعاونة المنافقين # PageV03P112 # والكفار على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وأخبر أنهم ~~بدءوا بالغدر، ونكث العهد، وأمر بقتالهم بقوله: {قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم} وجائز أن يكون جميع ذلك مرتبا على قوله: {وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم} وجائز أن يكون قد كانوا نقضوا العهد بقوله: {ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم} . # قوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} فإن معناه: أم حسبتم أن ~~تتركوا ولم تجاهدوا; لأنهم إذا جاهدوا علم الله ذلك منهم، فأطلق اسم العلم، ~~وأراد به قيامهم بفرض الجهاد حتى يعلم الله وجود ذلك منهم. # PageV03P113 # مطلب: في حجة الإجماع # وقوله: {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} يقتضي ~~لزوم ms2120 اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم كما يلزم اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع، وهو كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} [النساء:115] ، ~~والوليجة المدخل، يقال: ولج إذا دخل، كأنه قال: لا يجوز أن يكون له مدخل ~~غير مدخل المؤمنين. ويقال إن الوليجة بمعنى الدخيلة والبطانة، وهي من ~~المداخلة والمخالطة والمؤانسة، فإن كان المعنى هذا فقد دل على النهي عن ~~مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم وترك الاستعانة بهم في أمور الدين كما قال: ~~{لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران:118] . # قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} عمارة المسجد تكون ~~بمعنيين: أحدهما: زيارته، والكون فيه، والآخر: ببنائه وتجديد ما استرم منه، ~~وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من ~~عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها، وفلان يعمر مجلس فلان ~~إذا أكثر غشيانه له. فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها ~~وتولي مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الأيمان} فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم ~~والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم ~~وإكرامهم، وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك، إلا أنه قد أمر مع ذلك ~~بالإحسان إلى الأب الكافر، وصحبته بالمعروف # PageV03P113 # بقوله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه} إلى قوله: {وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ~~[لقمان:15] ، وإنما أمر المؤمنين بذلك ليتميزوا من المنافقين، إذ كان ~~المنافقون يتولون الكفار، ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم، ويظهرون لهم ~~الولاية والحياطة، فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الآية علما ~~يتميز به المؤمن من المنافق، وأخبر أن من لم يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه مستحق ~~للعقوبة من ربه. # قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ms2121 عامهم هذا} ~~إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما ~~يجب اجتناب النجاسات والأقذار; فلذلك سماهم نجسا. والنجاسة في الشرع تنصرف ~~على وجهين: أحدهما: نجاسة الأعيان، والآخر نجاسة الذنوب; وكذلك الرجس، ~~والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع; قال الله تعالى: {إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} [المائدة:90] وقال في وصف ~~المنافقين: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم إنهم رجس} فسماهم رجسا كما سمى المشركين نجسا. وقد أفاد قوله: {إنما ~~المشركون نجس} منعهم عن دخول المسجد إلا لعذر، إذ كان علينا تطهير المساجد ~~من الأنجاس # PageV03P114 # مطلب: هل يجوز دخول المشرك المسجد # وقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} قد تنازع معناه ~~أهل العلم، فقال مالك والشافعي: "لا يدخل المشرك المسجد الحرام" قال مالك: ~~"ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد ~~للخصومة". وقال الشافعي: "يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة". وقال ~~أصحابنا: "يجوز للذمي دخول سائر المساجد"، وإنما معنى الآية على أحد وجهين: ~~إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة، ~~وسائر المساجد لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج; ولذلك ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو ~~بكر فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه ~~فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، فأنزل الله تعالى في ~~العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: {يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس} الآية، وفي حديث # PageV03P114 # علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى: ~~ولا يحج بعد العام مشرك، وفي ذلك دليل على المراد بقوله: {فلا يقربوا ~~المسجد الحرام} ويدل ms2122 عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: {وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء} وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم ~~بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم ~~الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج. ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع ~~المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة، وسائر أفعال الحج، وإن لم يكن ~~في المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع، ثبت أن مراد الآية ~~هو الحج دون قرب المسجد لغير الحج; لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر ~~المشركين، وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا في ذلك دون قرب المسجد، والذي ~~في الآية النهي عن قرب المسجد، فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه. ~~وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص "أن وفد ثقيف ~~لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة في المسجد، ~~فقالوا: يا رسول الله قوم أنجاس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ~~ليس على الأرض من أنجاس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم" وروى يونس عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب: أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله تعالى: {فلا ~~يقربوا المسجد الحرام} . # قال أبو بكر: فأما وفد ثقيف فإنهم جاءوا بعد فتح مكة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر، وهي سنة تسع، ~~فأنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وأخبر أن كونهم أنجاسا لا ~~يمنع دخولهم المسجد، وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا يمنع الكافر من ~~دخول المسجد. وأما أبو سفيان فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتجديد ~~الهدنة، وذلك قبل الفتح، وكان أبو سفيان مشركا حينئذ، والآية وإن كان ~~نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي ms2123 عن قرب المسجد الحرام، ولم تقتض المنع من ~~دخول الكفار سائر المساجد. # فإن قيل: لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ~~ذلك، لقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام} ولما روى زيد بن يثيع عن علي ~~رضي الله عنه أنه نادى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الحرم ~~مشرك" قيل: له: إن صح هذا اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج. وقد روي في ~~أخبار عن علي أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك، وكذلك في حديث أبي هريرة، ~~فثبت أن المراد دخول الحرم للحج. وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقرب المشركون المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة يدخله لحاجة" فأباح دخول ~~العبد والأمة # PageV03P115 # للحاجة لا للحج، وهذا يدل على أن الحر الذمي له دخوله لحاجة، إذ لم يفرق ~~أحد بين العبد والحر، وإنما خص العبد والأمة، والله أعلم بالذكر لأنهما لا ~~يدخلانه في الأغلب الأعم للحج. وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ~~المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق: ~~أخبرنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله ~~تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} : إلا أن يكون عبدا ~~أو واحدا من أهل الذمة فوقفه أبو الزبير على جابر، وجائز أن يكونا صحيحين ~~فيكون جابر قد رفعه تارة، وأفتى بها أخرى. وروى ابن جريج عن عطاء قال: لا ~~يدخل المسجد مشرك وتلا قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا} ; قال عطاء: المسجد الحرام الحرم كله. قال ابن جريج:. وقال لي عمرو بن ~~دينار مثل ذلك. # قال أبو بكر: والحرم كله يعبر عنه بالمسجد، إذ كانت حرمته متعلقة ~~بالمسجد، وقال الله تعالى: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد} [الحج:25] والحرم كله مراد به، وكذلك ms2124 قوله تعالى: {ثم محلها ~~إلى البيت العتيق} [الحج:33] قد أريد به الحرم كله لأنه في أي الحرم نحر ~~البدن أجزأه، فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى: {فلا يقربوا ~~المسجد الحرام} الحرم كله للحج، إذ كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم، ~~والحرم كله في حكم المسجد لما وصفنا، فعبر عن الحرم بالمسجد، وعبر عن الحج ~~بالحرم. ويدل على أن المراد بالمسجد ههنا الحرم قوله تعالى: {إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ومعلوم أن ذلك ~~كان بالحديبية، وهي على شفير الحرم; وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ~~أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم. فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد ~~الحرام، وإنما هي عند الحرم، وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضي ~~اجتنابهم، وترك مخالطتهم، إذ كنا مأمورين باجتناب الأنجاس. وقوله تعالى: ~~{بعد عامهم هذا} فإن قتادة ذكر أن المراد العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق ~~فتلا علي سورة براءة، وهو لتسع مضين من الهجرة، وكان بعده حجة الوداع سنة ~~عشر. # قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} فإن العيلة ~~الفقر، يقال: عال يعيل إذا افتقر; قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل # وقال مجاهد وقتادة: "كانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين، فأخبر ~~الله تعالى # PageV03P116 # أنه يغنيهم من فضله فقيل: إنه أراد الجزية المأخوذة من المشركين، وقيل: ~~أراد الإخبار بإبقاء المتاجر من جهة المسلمين; لأنه كان عالما أن العرب، ~~وأهل بلدان العجم سيسلمون، ويحجون فيستغنون بما ينالون من منافع متاجرهم عن ~~حضور المشركين، وهو نظير قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة:97] الآية، فأخبر تعالى عما ~~في حج البيت والهدي والقلائد من منافع الناس ومصالحهم في دنياهم ودينهم، ~~وأخبر في قوله: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} عما ينالون من ~~الغنى بحج المسلمين، وإن كانوا قليلين في وقت نزول الآية. وإنما علق الغنى ms2125 ~~بالمشيئة لمعنيين كل واحد منهما جائز أن يكون مرادا: أحدهما: أنه لما كان ~~منهم من يموت، ولا يبلغ. هذا الغنى الموعود به علقه بشرط المشيئة، والثاني: ~~لينقطع الآمال إلى الله في إصلاح أمور الدنيا والدين، كما قال الله تعالى: ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح:27] # PageV03P117 # باب أخذ الجزية من أهل الكتاب # قال الله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر مع إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث، وذلك يحتمل ~~وجوها: أحدها: أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي يجري ~~حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب في النار، وتخليد المؤمنين في الجنة، ~~فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ~~ومراده حكم يوم الآخر، وقضاؤه فيه، كما تقول أهل الكتاب غير مؤمنين بالنبي، ~~والمراد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: فيه إنه أطلق ذلك فيهم على ~~طريق الذم لأنهم بمنزلة من لا يقر به في عظم الجرم، كما إنهم بمنزلة ~~المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه. وقيل: أيضا: لما كان ~~إقرارهم عن غير معرفة لم يكن ذلك إيمانا، وأكثرهم بهذه الصفة. وقوله تعالى: ~~{ولا يدينون دين الحق} فإن دين الحق هو الإسلام، وقال الله تعالى: {إن ~~الدين عند الله الأسلام} [آل عمران:19] وهو التسليم لأمر الله، وما جاءت به ~~رسله، والانقياد له، والعمل به، والدين ينصرف على وجوه: منها الطاعة، ومنها ~~القهر، ومنها الجزاء; قال الأعشى: # هو دان الرباب اذ كرهوا الدين ... دراكا بغزوة وصيال # PageV03P117 # يعني: قهر الرباب إذ كرهوا طاعته وأبوا الانقياد له. وقوله تعالى: {مالك ~~يوم الدين} [الفاتحة:4] قيل: إنه يوم الجزاء، ومنه: كما تدين تدان. # PageV03P118 # مطلب: في تفسير دين الحق # ودين اليهود والنصارى غير دين الحق; لأنهم غير منقادين لأمر ms2126 الله ولا ~~طائعين له لجحودهم نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: فهم يدينون ~~بدين التوراة والإنجيل، ويعترفون به منقادين له. قيل: له: في التوراة ~~والإنجيل ذكر نبينا، وأمرنا بالإيمان واتباع شرائعه، وهم غير عاملين بذلك ~~بل تاركون له، فهم غير متبعين دين الحق، وأيضا فإن شريعة التوراة والإنجيل ~~قد نسخت، والعمل بها بعد النسخ ضلال فليس هو إذا دين الحق. وأيضا فهم قد ~~غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها، وأزالوها إلى ما تهواه أنفسهم دون ما ~~أوجبه عليهم كتب الله تعالى، فهم غير دائنين دين الحق. # PageV03P118 # مطلب: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى # قوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب} فإن أهل الكتاب من الكفار هم اليهود ~~والنصارى لقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ~~[الأنعام:156] فلو كان المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب لكانوا ~~ثلاث طوائف، وقد اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان; وقد بيناه فيما سلف. # PageV03P118 ### | سورة الأعراف ### | مدخل # ... # سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} مخرجه مخرج النهي ومعناه نهي ~~المخاطب عن التعرض للحرج. وروي عن الحسن في الحرج أنه الضيق، وذلك أصله، ~~ومعناه: فلا يضق صدرك خوفا أن لا تقوم بحقه، فإنما عليك الإنذار به. وقال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "الحرج هنا الشك، يعني لا تشك في لزوم ~~الإنذار به". وقيل: معناه لا يضق صدرك بتكذيبهم إياك، كقوله تعالى: {فلعلك ~~باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} [الكهف:6] . # قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} هو أن يكون تصرفه مقصورا على ~~مراد أمره; وهو نظير الائتمام، وهو أن يأتم به في اتباع مراده وفي فعله غير ~~خارج عن تدبيره. # فإن قيل: هل يكون فاعل المباح متبعا لأمر الله عز وجل؟ قيل له: قد يكون ~~متبعا إذا قصد به اتباع أمره في اعتقاد إباحته وإن لم يكن وقوع الفعل مرادا ~~منه، وأما فاعل الواجب فإنه قد يكون الاتباع في ms2127 وجهين: أحدهما: اعتقاد ~~وجوبه، والثاني: إيقاع فعله على الوجه المأمور به، فلما ضارع المباح الواجب ~~في الاعتقاد; إذ كان على كل واحد منهما وجوب الاعتقاد بحكم الشيء على ~~ترتيبه ونظامه في إباحة أو إيجاب جاز أن يشتمل قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم ~~من ربكم} على المباح والواجب # PageV03P037 ### | مطلب: لا يجوز الإعتراض على حكم القرآن بأخبار الأحاد # وقوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} دليل على وجوب اتباع القرآن في كل ~~حال وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد; لأن الأمر باتباعه قد ~~ثبت بنص التنزيل، وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل، فغير جائز تركه; ~~لأن لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم وخبر الواحد يوجب العمل ~~فلا يجوز تركه # PageV03P037 ### | مطلب: في وجوب فعل المكتوبات في جماعة # قال أبو بكر: قد حوى ذلك معنيين: أحدهما: التوجه إلى القبلة المأمور بها ~~على استقامة غير عادل عنها، والثاني: فعل الصلاة في المسجد، وذلك يدل على ~~وجوب فعل # PageV03P040 ### | مطلب: في ستر العورة في الصلاة # قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أبو بكر: هذه ~~الآية تدل على فرض ستر العورة في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال ~~أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد: "هي فرض في ~~الصلاة إن تركه مع الإمكان فسدت صلاته"، وهو قول الشافعي. وقال مالك ~~والليث" "الصلاة مجزية مع كشف العورة ويوجبان الإعادة في الوقت والإعادة في ~~الوقت عندهما استحباب. ودلالة هذه الآية على فرض ستر العورة في الصلاة من ~~وجوه: أحدها: أنه لما قال: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} فعلق الأمر بالمسجد، ~~علمنا أن المراد الستر للصلاة لولا ذلك لم يكن لذكر المسجد فائدة، فصار ~~تقديرها: خذوا زينتكم في الصلاة، ولو كان المراد سترها عن الناس لما خص ~~المسجد بالذكر; إذ كان الناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد، فأفاد بذكر ~~المسجد وجوبه في الصلاة إذ كانت المساجد مخصوصة بالصلاة. وأيضا لما أوجبه ~~في المسجد وجب ms2128 بظاهر الآية فرض الستر في الصلاة إذا فعلها في المسجد، وإذا ~~وجب في الصلاة المفعولة في المسجد وجب في غيرها من الصلوات حيث فعلت; لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما. وأيضا فإن المسجد يجوز أن يكون عبارة عن السجود نفسه ~~كما قال الله تعالى: {وأن المساجد لله} [الجن:18] والمراد السجود، وإذا كان ~~كذلك اقتضت الآية لزوم الستر عند السجود، وإذا لزم ذلك في السجود لزم في ~~سائر أفعال الصلاة; إذ لم يفرق أحد بينهما; روي عن ابن عباس وإبراهيم ~~ومجاهد وطاوس والزهري: أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله ~~تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أبو بكر: وقيل إنهم إنما كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة لأن # PageV03P041 ### | مطلب: في بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا # وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا، ~~ويستدل بما روي أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن الباقي منها من وقت مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة; لأنه لو كان كذلك لكان وقت قيام ~~الساعة معلوما، وقد أخبر الله تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها لوقتها ~~إلا هو، وأنها تأتي بغتة لم يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك معنى ~~البغتة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا وليس ~~فيها تحديد للوقت، مثل قوله: "بعثت والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة ~~والوسطى، ونحو قوله فيما رواه شعبة وغيره عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي ~~سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعد العصر إلى ~~مغيب الشمس قال: "ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه ~~الشمس إلى أن تغيب". وما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" ونحوها من ~~الأخبار ليس # PageV03P048 ### | مطلب: في العفو والأمر بالمعروف. # قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف} ms2129 روى هشام بن عروة عن أبيه عن # PageV03P049 ### | باب القراءة خلف الإمام # قال الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} قال ~~أبو # PageV03P051 ### | سورة الأنفال ### | مدخل # ... # سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر رحمة الله عليه: قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ~~وعطاء: الأنفال الغنائم. وروي عن ابن عباس رواية أخرى عن عطاء أن الأنفال ~~ما يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع، فذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يضمه حيث يشاء. وروي عن مجاهد: أن الأنفال الخمس ~~الذي جعله الله لأهل الخمس. وقال الحسن: كانت الأنفال من السرايا التي ~~تتقدم أمام الجيش الأعظم. والنفل في اللغة الزيادة على المستحق، ومنه ~~النافلة وهي التطوع; وهو عندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة فأما بعده فلا ~~يجوز إلا من الخمس، وذلك بأن يقول للسرية: لكم الربع بعد الخمس أو الربع ~~حيز من الجميع قبل الخمس، أو يقول: من أصاب شيئا فهو له، على وجه التحريض ~~على القتال والتضرية على العدو; أو يقول: من قتل قتيلا فله سلبه وأما بعد ~~إحراز الغنيمة فغير جائز أن ينفل من نصيب الجيش، ويجوز له أن ينفل من ~~الخمس. # وقد اختلف في سبب نزول الآية، فروي عن سعد قال: أصبت يوم بدر سيفا، فأتيت ~~به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلنيه فقال: "ضعه من حيث أخذت" فنزلت: ~~{يسألونك عن الأنفال} . قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~"اذهب وخذ سيفك" وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~{يسألونك عن الأنفال} قال: "الأنفال الغنائم التي كانت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل الله تعالى: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [لأنفال:41] الآية; قال ابن جريج: ~~أخبرني بذلك سليمان عن مجاهد. وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفل يوم بدر أنفالا مختلفة وقال: "من ms2130 أخذ شيئا ~~فهو له" فاختلف الصحابة فقال بعضهم نحو ما قلنا، وقال آخرون: نحن حمينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا ردءا لكم، قال: فلما اختلفنا وساءت ~~أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه عن الخمس، # PageV03P059 ### | الكلام في الفرار من الزحف # قال الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة} روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر، قال أبو نضرة: ~~"لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم". ~~وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد; لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من ~~الأنصار ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج ولم يكونوا يرون أنه يكون ~~قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف ~~معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا انحازوا ~~إلى المشركين غلط لما وصفنا. وقد قيل إنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ ~~لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزا لهم ~~عنه، قال الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة:120] فلم يكن ~~يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن ~~كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى: {والله يعصمك ~~من # PageV03P062 ### | الكلام في قسمة الغنائم # قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} وقال في آية # PageV03P065 ### | ذكر الخلاف فيه # قال أصحابنا والثوري: "لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول: من ~~قتل قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له". وقال الأوزاعي: في رسول الله ~~أسوة حسنة، كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث} . وقال مالك ~~والشافعي: "يجوز أن ينفل بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد". قال الشيخ: ~~ولا خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة، ms2131 نحو أن يقول: من أخذ شيئا فهو ~~له ومن قتل قتيلا فله سلبه، وقد روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس. فأما التنفيل في ~~البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه، وأما قوله: في الرجعة الثلث، فإنه ~~يحتمل وجهين: أحدهما: ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم: ما أصبتم من ~~شيء فلكم الثلث بعد الخمس; ومعلوم أن ذلك ليس بلفظ عموم في سائر الغنائم ~~وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء بعينه لم يبين كيفيته، ~~وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة وجعل لهم في ~~الرجعة أكثر مما جعله في البدأة; لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم ~~وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال لانتشار الخبر ~~بوقوع الجيش إلى أرضهم. والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز ~~الغنيمة، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعلها لمن شاء منهم، وذلك منسوخ بما ذكرنا. # فإن قيل: ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس، فهذا يدل على أن ~~ذلك كان بعد قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} قيل له: لا ~~دلالة فيه على ما ذكرت; لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة ~~الغنيمة بقوله تعالى: {فأن لله خمسه} وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة ~~لا فرق بينه وبين الثلث والنصف ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم ~~يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاءه إيجاب ~~الخمس لأهله المذكورين، فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر ~~الآية، فغير جائز أن يجعل شيء منها # PageV03P067 ### | مطلب: في سلب القتيل # وقد اختلف في سلب القتيل فقال أصحابنا ومالك والثوري: "السلب من غنيمة ~~الجيش إلا ms2132 أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه". وقال الأوزاعي ~~والليث # PageV03P069 ### | مطلب: إذا قال الأمير من أصاب شيئا فهو له # واختلف في الأمير إذا قال: من أصاب شيئا فهو له، فقال أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي: "هو كما قال ولا خمس فيه"، وكره مالك أن يقول من أصاب شيئا فهو ~~له لأنه قتال بجعل وقال الشافعي: "يخمس ما أصابه إلا سلب المقتول". قال أبو ~~بكر: لما اتفقوا على جواز أن يقول: من أصاب شيئا فهو له، وأنه يستحق وجب أن ~~لا خمس فيه وأن يجوز قطع حقوق أهل الخمس عنه كما جاز قطع حقوق سائر ~~الغانمين عنه. وأيضا فإن قوله: من أصاب شيئا فهو له بمنزلة من قتل قتيلا ~~فله سلبه، فلما لم يجب في السلب الخمس إذا قال الأمير ذلك كذلك سائر ~~الغنيمة. وأيضا فإن الله تعالى إنما أوجب # PageV03P072 ### | مطلب: فيمن دخل دار الحرب مغيرا بغير إذن الإمام # واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن الإمام فقال ~~أصحابنا: "ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة". ولم يحد ~~محمد في المنعة شيئا. وقال أبو يوسف: "إذا كانوا تسعة ففيه الخمس". وقال ~~الثوري والشافعي: "يخمس ما أخذه والباقي له". وقال الأوزاعي: "إن شاء ~~الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ما أصاب والباقي له" # قال أبو بكر: قوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} يقتضي ~~أن يكون الغانمون جماعة; لأن حصول الغنيمة منهم شرط في الاستحقاق، وليس ذلك ~~بمنزلة قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة:5] و {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة:29] في لزوم قتل الواحد على حياله ~~وإن لم يكن معه جماعة إذا كان مشتركا; لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر ~~بقتل الجماعة لا يوجب اعتبار الجميع; إذ ليس فيه شرط، وقوله تعالى: ~~{واعلموا أنما غنمتم} فيه معنى الشرط، وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم، فهو ~~كقول القائل: إن كلمت هؤلاء الجماعة فعبدي حر، أن شرط الحنث وجود الكلام ~~للجماعة ms2133 ولا يحنث بكلام بعضها. وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا ~~غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ~~ولم تكن منهم حيازة الغنيمة وجب أن يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه، ~~وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن ~~يكونوا فئة للغانمين، ومن دخل دار الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة ~~الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب أن لا يستحق منه الخمس; ولذلك قال ~~أصحابنا في الركاز الموجود في دار الإسلام: لما كان الموضع مظهورا عليه ~~بالإسلام وجب فيه الخمس ولو وجده في دار الحرب لم يجب فيه الخمس. وإذا دخل ~~الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم; لأنه لما أذن له في الدخول ضمن نصرته ~~وحياطته، والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ذلك فاستحق لهم الخمس. وأما ~~إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} فهم في هذه الحال بمنزلة ~~السرية والجيش، لحصول المنعة لهم ولتوجه الخطاب إليهم بإخراج الخمس من ~~غنائمهم. # PageV03P073 ### | مطلب: في المدد يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة # واختلف في المدد يلحق الجيش في دار الحرب قبل إحراز الغنيمة، فقال ~~أصحابنا: "إذا غنموا في دار الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى دار ~~الإسلام فهم شركاء فيها". وقال مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي: ~~"لا يشاركونهم". قال أبو بكر: الأصل في ذلك عند أصحابنا أن الغنيمة إنما ~~يثبت فيها الحق بالإحراز في دار الإسلام ولا يملك إلا بالقسمة، وحصولها في ~~أيديهم في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا; والدليل عليه أن الموضع الذي ~~حصل فيه الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما إذا لم يفتتحوها ألا ترى أنهم ~~لو خرجوا ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر الموضع الذي صار فيه الأولون ملكا ~~لهم وكان حكمه حكم غيره من بقاع أرض الحرب؟ وللمعنى ms2134 فيه أنهم لم يحرزوه في ~~دار الإسلام، فكذلك سائر ما يحصل في أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام لم ~~يثبت لهم فيه حق إلا بالحيازة في دارنا، فإذا لحقهم جيش آخر قبل الإحراز في ~~دار الإسلام كان حكم ما أخذوه حكم ما في أيدي أهل الحرب فيشترك الجميع فيه. ~~وأيضا قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} يقتضي أن يكون غنيمة ~~لجميعهم; إذ بهم صار محرزا في دار الإسلام ألا ترى أنهم ما داموا في دار ~~الحرب فإنهم يحتاجون إلى معونة هؤلاء في إحرازها كما لو لحقوهم قبل أخذها ~~شاركوهم؟ ولو كان حصولها في أيديهم يثبت لهم فيها حقا قبل إحرازها في دار ~~الإسلام لوجب أن يصير الموضع الذي وطئه الجيش من دار الإسلام، كما لو ~~افتتحوها لصارت دارا للإسلام، وفي اتفاق الجميع على أن وطء الجيش لموضع في ~~دار الحرب لا يجعله من دار الإسلام دليل على أن الحق لا يثبت فيه إلا ~~بالحيازة. # واحتج من لم يقسم للمدد بما روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية قبل نجد، فقدم أبان ~~وأصحابه بخيبر بعدما فتحت وإن حزم خيلهم الليف، قال أبان: اقسم لنا يا رسول ~~الله قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم شيئا يا نبي الله قال: قال أبان: ~~أنت بهذا يا وتر نجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا أبان" فلم ~~يقسم لهم. وهذا لا حجة فيه; لأن خيبر صارت دار الإسلام بظهور النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليها، وهذا لا خلاف فيه. وقد قيل فيه وجه آخر، وهو ما روى ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال: "ما ~~شهدت لرسول الله مغنما إلا قسم لي إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية ~~خاصة". فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة # PageV03P074 ### | باب سهمان الخيل # قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم ms2135 من شيء فأن لله خمسه} قال أبو بكر: ~~ظاهره يقتضي المساواة بين الفارس والراجل، وهو خطاب لجميع الغانمين وقد ~~شملهم هذا الاسم، ألا ترى إن قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك} [النساء:11] قد عقل من ظاهره استحقاقهن للثلثين على المساواة؟ ~~وكذلك من قال: هذا العبد لهؤلاء أنه لهم بالمساواة ما لم يذكر التفضيل، ~~كذلك مقتضى قوله تعالى: {غنمتم} # PageV03P075 ### | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة: "للفارس سهمان وللراجل سهم". وقال أبو يوسف ومحمد وابن ~~أبي ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي: "للفارس ثلاثة أسهم ~~وللراجل سهم". وروي مثل قول أبي حنيفة عن المنذر بن أبي حمصة عامل عمر أنه ~~جعل للفارس سهمين وللراجل سهما فرضيه عمر ومثله عن الحسن البصري. وروى شريك ~~عن أبي إسحاق قال: قدم قثم بن العباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا، ~~فقال: جعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم، فقال: اضرب لي بسهم ولفرسي بسهم. ~~قال أبو بكر: قد بينا أن ظاهر الآية يقتضي المساواة بين الفارس والراجل، ~~فلما اتفق الجميع على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا به للظاهر وبقي حكم ~~اللفظ فيما عداه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن غيلان ~~العماني قال: حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء ~~عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما قال عبد الباقي: لم يجئ به ~~عن الثوري غير محمد بن الصباح. # قال أبو بكر: وقد حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ~~الحميدي قال: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه" ~~واختلف حديث عبيد الله بن عمر في ذلك، وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون ~~أعطاه بديا سهمين وهو المستحق ثم أعطاه في غنيمة ms2136 أخرى ثلاثة أسهم وكان ~~السهم الزائد على وجه النفل، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع ~~المستحق، وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل كما ذكر ابن عمر في ~~حديث قد قدمنا ذكر سنده أنه كان في سرية قال: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا ~~ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي قال: حدثنا صبيح بن دينار قال: ~~حدثنا عفيف بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهما وهذا إن ثبت ~~فلا حجة فيه لأبي حنيفة; لأن قسمة يوم بدر لم تكن مستحقة للجيش; لأن الله ~~تعالى جعل الأنفال للرسول صلى الله عليه وسلم وخيره في إعطائه من رأى، ولو ~~لم يعطهم شيئا لكان جائزا فلم تكن قسمة الغنيمة مستحقة يومئذ وإنما وجبت ~~بعد # PageV03P076 ### | باب قسمة الخمس # قال الله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل} . واختلف السلف في كيفية قسمة الخمس في الأصل، فروى معاوية بن ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "كانت الغنيمة تقسم على خمسة ~~أخماس; فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة، فربع لله ~~وللرسول ولذي القربى يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فما كان لله ~~ولرسوله فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، ~~والربع الرابع لابن السبيل وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين". وروى ~~قتادة عن عكرمة مثله. وقال قتادة في قوله تعالى: {فأن لله خمسه} قال: "يقسم ~~الخمس على خمسة أسهم: لله وللرسول خمس، ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ~~خمس، ولليتامى خمس، وللمساكين خمس، ولابن السبيل خمس". وقال عطاء والشعبي ~~خمس الله وخمس الرسول واحد، قال الشعبي: هو مفتاح الكلام. وروى ms2137 سفيان عن ~~قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد بن الحنفية عن قوله عز وجل: {فأن لله ~~خمسه} قال: "هذا مفتاح كلام، ليس لله نصيب، لله الدنيا والآخرة". وقال يحيى ~~بن الجزار: {فأن لله خمسه} قال: "لله كل شيء وإنما النبي صلى الله عليه ~~وسلم خمس الخمس". وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع ~~فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم بيت الله; ثم يقسم ما بقي على خمسة، فيكون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ~~ولابن السبيل سهم، والذي جعله للكعبة هو السهم الذي لله تعالى". وروى أبو ~~يوسف عن أشعث بن سوار عن ابن الزبير عن جابر قال: كان يحمل الخمس في سبيل ~~الله تعالى ويعطي منه نائبة القوم، فلما كثر المال جعله في غير ذلك". وروى ~~أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أن الخمس الذي كان يقسم على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولذوي ~~القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم: لليتامى والمساكين وابن السبيل". # قال أبو بكر: فاختلف السلف في قسمة الخمس على هذه الوجوه، قال ابن عباس ~~في رواية علي بن أبي طلحة: "إن القسمة كانت على أربعة سهم الله وسهم الرسول ~~وسهم ذي القربى كان واحدا، وإنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من ~~الخمس شيئا". وقال آخرون: # PageV03P079 ### | باب الهدنة والموادعة # قال الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} والجنوح الميل، ومنه يقال: # PageV03P089 ### | باب الأسارى # قال الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو نوح ~~قال أخبرنا عكرمة بن عمار قال ms2138 حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن عباس قال ~~حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~الفداء فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} إلى قوله: {لمسكم ~~فيما أخذتم} من الفداء ثم أحل الله الغنائم. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال ~~حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين ~~فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم تحل الغنائم ~~لقوم سود الرءوس قبلكم كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل ~~من السماء نار فتأكلها" فأنزل الله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} . وروي فيه وجه آخر وهو ~~ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال شاور النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالاستبقاء وأشار ~~عمر بالقتل وأشار عبد الله بن رواحة بالإحراق فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} ومثل عيسى; إذ قال {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية ~~ومثلك يا عمر مثل نوح; إذ قال: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} ومثل ~~موسى; إذ قال: {ربنا اطمس على أموالهم} الآية، أنتم عالة فلا ينفلتن منهم ~~أحد إلا بفداء أو ضربة عنق". فقال ابن مسعود إلا سهيل ابن بيضاء فإنه ذكر ~~الإسلام فسكت ثم قال "إلا سهيل ابن بيضاء" فأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى آخر الآيتين وروي عن ابن عباس أن ~~النبي استشار أبا بكر وعمر وعليا في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار ~~عمر بالقتل فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ms2139 قال أبو بكر ولم يهو ما ~~قال عمر فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله فإذا هو وأبو بكر قاعدان ~~يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فقال: "أبكي ~~للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه ~~الشجرة" شجرة قريبة # PageV03P093 ### | باب التوارث بالهجرة # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} الآية حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا # PageV03P096 ### | سورة براءة ### | مدخل # ... # سورة براءة # قال الله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} ~~قال أبو بكر: البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة، وزوال الأمان. وقيل: ~~إن معناه: هذه براءة من الله ورسوله; ولذلك ارتفع. وقيل: هو ابتداء، وخبره ~~الظرف في "إلى" فاقتضى قوله عز وجل: {براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين} نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم، ورفع الأمان، وإعلام نصب الحرب والقتال بينه وبينهم، وهو على نحو ~~قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [لأنفال:58] ~~فكان ما ذكر في هذه الآية من البراءة نبذا إليهم ورفعا للعهد. وقيل: إن ذلك ~~كان خاصا فيمن أضمروا الخيانة وهموا بالغدر، وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع ~~العهد في حال ذكر ذلك لهم إلا أنه لما عقبه بقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر} بين به أن هذه البراءة وهذا النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة ~~أشهر، وأن عهد ذوي العهد من هذا القبيل منهم باق إلى آخر هذه المدة; قال ~~الحسن: فمن كان منهم عهده أكثر من أربعة أشهر حط إليها. ومن كان منهم عهده ~~أقل رفع إليها. وقيل: إن هذه الأربعة الأشهر التي هي أشهر العهد أولها من ~~عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام من شهر ms2140 ربيع الأول; ~~لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو بكر، وقرأ فيها علي بن أبي طالب ~~سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذي ~~القعدة، ثم صار الحج في السنة الثانية، وهي السنة التي حج فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذي الحجة، وهو الوقت الذي وقته الله تعالى للحج; لأن ~~المشركين كانوا ينسئون الشهور، فاتفق عود الحج في السنة التي حج فيها النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه بديا على إبراهيم ~~وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا} ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات: "ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" فثبت الحج في اليوم التاسع من ~~ذي الحجة، وهو يوم عرفة، والنحر اليوم العاشر منه; فهذا قول من يقول إن ~~الأربعة الأشهر التي جعلها للسياحة، وقطع بمضيها عصمة المشركين وعهدهم. # PageV03P100 ### | مطلب: فيما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالذين امتنعوا من أداء الزكاة # وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة، وقتلت مقاتلتهم، وسموهم أهل ~~الردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها فكانوا مرتدين بذلك; ~~لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله، وعلى ذلك أجرى حكمهم أبو بكر ~~الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم. ويدل على أنهم مرتدون بامتناعهم من ~~قبول فرض الزكاة ما روى معمر عن # PageV03P106 ### | مطلب: يجب علينا بيان دلائل التوحيد والرسالة وتعليم أمور الدين # قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} قد ~~اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة ~~الإسلام; لأن قوله: {استجارك} معناه: استأمنك، وقوله تعالى: {فأجره} معناه: ~~فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد، وعلى صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة ~~عليه، وبيان دلائل التوحيد ms2141 والرسالة حتى يعتقدهما # PageV03P108 ### | مطلب: يجب على الإمام حفظ أهل الذمة # وقوله تعالى: {ثم أبلغه مأمنه} يدل على أن على الإمام حفظ هذا الحربي ~~المستجير، وحياطته ومنع الناس من تناوله بشر، لقوله: {فأجره} وقوله: {ثم ~~أبلغه مأمنه} وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة، والمنع ~~من أذيتهم، والتخطي إلى ظلمهم. # وفيه الدلالة على أنه لا يجوز إقرار الحربي في دار الإسلام مدة طويلة، ~~وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار قضاء حاجته، لقوله تعالى: {حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه} فأمر برده إلى دار الحرب بعد سماعه كلام الله; وكذلك ~~قال أصحابنا: لا ينبغي للإمام أن يترك الحربي في دار الإسلام مقيما بغير ~~عذر، ولا سبب يوجب إقامته، وأن عليه أن يتقدم إليه بالخروج إلى داره، فإن ~~أقام بعد التقدم إليه سنة في دار الإسلام صار ذميا، ووضع عليه الخراج. # قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام} قال أبو بكر ابتداء السورة يذكر قطع العهد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين بقوله: {براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين} وقد قيل: إن هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد ~~فغدروا وأسروا وهموا به فأمر الله نبيه بالنبذ إليهم ظاهرا، وفسخ لهم في ~~مدة أربعة أشهر بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} وقيل: إنه أراد العهد ~~الذي كان بينه وبين المشركين عامة في أن لا يمنع أحد من المشركين من دخوله ~~مكة للحج، وأن لا يقاتلوا، ولا يقتلوا في الشهر الحرام، فكان قوله: {براءة ~~من الله ورسوله} في أحد هذين الفريقين، ثم استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم ~~وبين رسول الله عهد خاص، ولم يغدروا، ولم يهموا به فقال: {إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم} ففرق بين حكم هؤلاء الذين ثبتوا على عهدهم، ولم ينقصوهم، ولم ~~يعاونوا أعداءهم عليهم، وأمر بإتمام عهدهم إلى ms2142 مدتهم، وأمر بالنبذ إلى ~~الأولين، وهم أحد # PageV03P109 ### | مطلب: في حكم من شتم النبي صلى الله عليه وسلم # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا: "يعزر ولا يقتل"، وهو قول ~~الثوري وروى ابن القاسم عن مالك فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود، والنصارى "قتل إلا أن # PageV03P110 ### | مطلب: في حجة الإجماع # وقوله: {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} يقتضي ~~لزوم اتباع المؤمنين وترك العدول عنهم كما يلزم اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع، وهو كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} [النساء:115] ، ~~والوليجة المدخل، يقال: ولج إذا دخل، كأنه قال: لا يجوز أن يكون له مدخل ~~غير مدخل المؤمنين. ويقال إن الوليجة بمعنى الدخيلة والبطانة، وهي من ~~المداخلة والمخالطة والمؤانسة، فإن كان المعنى هذا فقد دل على النهي عن ~~مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم وترك الاستعانة بهم في أمور الدين كما قال: ~~{لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل عمران:118] . # قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} عمارة المسجد تكون ~~بمعنيين: أحدهما: زيارته، والكون فيه، والآخر: ببنائه وتجديد ما استرم منه، ~~وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من ~~عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها، وفلان يعمر مجلس فلان ~~إذا أكثر غشيانه له. فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها ~~وتولي مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الأيمان} فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم ~~والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم ~~وإكرامهم، وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك، إلا أنه قد أمر مع ذلك ~~بالإحسان إلى الأب الكافر، وصحبته بالمعروف # PageV03P113 ### | مطلب: هل يجوز دخول المشرك المسجد # وقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} قد تنازع معناه ~~أهل العلم، ms2143 فقال مالك والشافعي: "لا يدخل المشرك المسجد الحرام" قال مالك: ~~"ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد ~~للخصومة". وقال الشافعي: "يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة". وقال ~~أصحابنا: "يجوز للذمي دخول سائر المساجد"، وإنما معنى الآية على أحد وجهين: ~~إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة، ~~وسائر المساجد لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو ~~السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج; ولذلك ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو ~~بكر فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه ~~فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، فأنزل الله تعالى في ~~العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: {يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس} الآية، وفي حديث # PageV03P114 ### | باب أخذ الجزية من أهل الكتاب # قال الله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر مع إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث، وذلك يحتمل ~~وجوها: أحدها: أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي يجري ~~حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب في النار، وتخليد المؤمنين في الجنة، ~~فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ~~ومراده حكم يوم الآخر، وقضاؤه فيه، كما تقول أهل الكتاب غير مؤمنين بالنبي، ~~والمراد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: فيه إنه أطلق ذلك فيهم على ~~طريق الذم لأنهم بمنزلة من لا يقر به في عظم الجرم، كما إنهم بمنزلة ~~المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه. وقيل: أيضا: ms2144 لما كان ~~إقرارهم عن غير معرفة لم يكن ذلك إيمانا، وأكثرهم بهذه الصفة. وقوله تعالى: ~~{ولا يدينون دين الحق} فإن دين الحق هو الإسلام، وقال الله تعالى: {إن ~~الدين عند الله الأسلام} [آل عمران:19] وهو التسليم لأمر الله، وما جاءت به ~~رسله، والانقياد له، والعمل به، والدين ينصرف على وجوه: منها الطاعة، ومنها ~~القهر، ومنها الجزاء; قال الأعشى: # هو دان الرباب اذ كرهوا الدين ... دراكا بغزوة وصيال # PageV03P117 ### | مطلب: في تفسير دين الحق # ودين اليهود والنصارى غير دين الحق; لأنهم غير منقادين لأمر الله ولا ~~طائعين له لجحودهم نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: فهم يدينون ~~بدين التوراة والإنجيل، ويعترفون به منقادين له. قيل: له: في التوراة ~~والإنجيل ذكر نبينا، وأمرنا بالإيمان واتباع شرائعه، وهم غير عاملين بذلك ~~بل تاركون له، فهم غير متبعين دين الحق، وأيضا فإن شريعة التوراة والإنجيل ~~قد نسخت، والعمل بها بعد النسخ ضلال فليس هو إذا دين الحق. وأيضا فهم قد ~~غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها، وأزالوها إلى ما تهواه أنفسهم دون ما ~~أوجبه عليهم كتب الله تعالى، فهم غير دائنين دين الحق. # PageV03P118 ### | مطلب: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى # قوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب} فإن أهل الكتاب من الكفار هم اليهود ~~والنصارى لقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} ~~[الأنعام:156] فلو كان المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب لكانوا ~~ثلاث طوائف، وقد اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان; وقد بيناه فيما سلف. # PageV03P118 ### | مطلب: في الصابئين وفي بعض فرق النصارى # وتقدم الكلام أيضا في حكم الصابئين، وهل هم أهل الكتاب أم لا، وهم ~~فريقان: أحدهما: بنواحي كسكر والبطائح، وهم فيما بلغنا صنف من النصارى، وإن ~~كانوا مخالفين لهم في كثير من دياناتهم; لأن النصارى فرق كثيرة منهم ~~المرقونية والآريوسية، والمارونية، والفرق الثلاث من النسطورية والملكية، ~~واليعقوبية يبرءون منهم، ويحرمونهم، وهم ينتمون إلى يحيى بن زكريا، وشيث، ~~وينتحلون كتبا يزعمون أنها كتب الله التي أنزلها على شيث بن ms2145 آدم، ويحيى بن ~~زكريا،, والنصارى تسميهم يوحناسية; فهذه الفرقة يجعلها أبو حنيفة رحمه الله ~~من أهل الكتاب، ويبيح أكل ذبائحهم، ومناكحة نسائهم. وفرقة أخرى قد تسمت ~~بالصابئين، وهم الحرانيون الذين بناحية حران، وهم عبدة الأوثان، ولا ينتمون ~~إلى أحد من الأنبياء، ولا ينتحلون شيئا من كتب الله، فهؤلاء ليسوا أهل ~~الكتاب. ولا خلاف أن هذه النحلة لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، فمذهب ~~أبي حنيفة في جعله الصابئين من أهل الكتاب محمول على مراده الفرقة الأولى. ~~وأما أبو يوسف # PageV03P118 # ومحمد فقالا: "إن الصابئين ليسوا أهل الكتاب" ولم يفصلوا بين الفريقين. ~~وقد روي في ذلك اختلاف بين التابعين. وروى هشيم أخبرنا مطرف قال: كنا عند ~~الحكم بن عيينة فحدثه رجل عن الحسن البصري أنه كان يقول في الصابئين هم ~~بمنزلة المجوس، فقال الحسن: أليس قد كنت أخبرتكم بذلك؟ وروى عباد بن العوام ~~عن الحجاج عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد قال: الصابئون قوم من المشركين ~~بين اليهود والنصارى ليس لهم كتاب، وكذلك قول الأوزاعي ومالك بن أنس. وروى ~~يزيد بن هارون عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أنه سئل ~~عن الصابئين أمن أهل الكتاب هم وطعامهم ونساؤهم حل للمسلمين؟ فقال: نعم. ~~وأما المجوس فليسوا أهل كتاب بدلالة الآية ولما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا ~~أهل كتاب. # وقد اختلف أهل العلم فيمن تؤخذ منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على ~~جواز إقرار اليهود والنصارى بالجزية، فقال أصحابنا: "لا يقبل من مشركي ~~العرب إلا الإسلام أو السيف، وتقبل من أهل الكتاب من العرب، ومن سائر كفار ~~العجم الجزية". وذكر ابن القاسم عن مالك: "أنه تقبل من الجميع الجزية إلا ~~من مشركي العرب" وقال مالك في الزنج، ونحوهم: "إذا سبوا يجبرون على ~~الإسلام". وروي عن مجاهد أنه قال: يقاتل أهل الكتاب على الجزية، وأهل ~~الأوثان على الصلاة،, ويحتمل أن يريد به ms2146 أهل الأوثان من العرب، وقال ~~الثوري: العرب لا يسبون، وهوازن سبوا ثم تركهم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الشافعي: "لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} يقتضي قتل ~~سائر المشركين، فمن الناس من يقول: إن عمومه مقصور على عبدة الأوثان دون ~~أهل الكتاب والمجوس; لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين المشركين وبين أهل ~~الكتاب والمجوس بقوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا} [لحج:17] فعطف بالمشركين على هذه الأصناف، ~~فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان، وإن كان الجميع من ~~النصارى، والمجوس، والصابئين مشركين; وذلك لأن النصارى قد أشركت بعبادة ~~الله عبادة المسيح، والمجوس مشركون من حيث جعلوا لله ندا مغالبا، والصابئون ~~فريقان: أحدهما: عبدة الأوثان، والآخر لا يعبدون الأوثان، ولكنهم مشركون في ~~وجوه أخر، إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان، فلم يوجب قوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين} إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم، وقال آخرون: ~~لما كان معنى الشرك موجودا في مقالات هذه الفرق من النصارى # PageV03P119 # والمجوس والصابئين فقد انتظمهم اللفظ، ولولا ورود آية التخصيص في أهل ~~الكتاب خصوا من الجملة، ومن عداهم محمولون على حكم الآية عربا كانوا أو ~~عجما. # ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس بالجزية، وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك أخبار، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع مجالدا يقول: ~~لم يكن عمر بن الخطاب يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر وروى مالك عن جعفر بن ~~محمد عن أبيه أن عمر ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد ~~الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب". وروى يحيى بن آدم عن المسعودي عن قتادة عن أبي مجلز ms2147 قال: ~~كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر "أنه من استقبل قبلتنا وصلى ~~صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ومن أحب ذلك ~~من المجوس فهو آمن ومن أبى فعليه الجزية" وروى قيس بن مسلم عن الحسن بن ~~محمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى ~~الإسلام، فمن أسلم منهم قبل منه، ومن أبى ضربت عليه الجزية، ولا تؤكل لهم ~~ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة وروى الطحاوي عن بكار بن قتيبة قال: حدثنا عبد ~~الرحمن بن عمران: حدثنا عوف قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: ~~أما بعد فاسأل الحسن ما منع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين المجوس وبين ~~ما يجمعون من النساء اللاتي لا يجمعهن أحد غيرهم؟ فسأله فأخبره أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل من مجوس البحرين الجزية، وأقرهم على مجوسيتهم، ~~وعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي، ~~وفعله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان. وروى معمر عن ~~الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من ~~كان منهم من العرب وروى الزهري عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس ~~السواد، وأن عثمان أخذها من بربر. # وفي هذه الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس، وفي ~~بعضها أنه أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب، ولا نعلم خلافا بين الفقهاء ~~في جواز أخذ الجزية من المجوس. وقد نقلت الأمة أخذ عمر بن الخطاب الجزية من ~~مجوس السواد، فمن الناس من يقول إنما أخذها لأن المجوس أهل كتاب، ويحتج في ~~ذلك بما روى سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن نصر بن عاصم عن على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان أخذوا ms2148 الجزية من المجوس، وقال ~~علي: أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرءونه وأهل علم يدرسونه فنزع ذلك ~~من صدورهم. وقد ذكرنا فيما تقدم من الدلالة على أنهم ليسوا # PageV03P120 # أهل كتاب من جهة الكتاب والسنة. وأما ما روي عن علي في ذلك أنهم كانوا ~~أهل كتاب، فإنه إن صحت الرواية فإن المراد أن أسلافهم كانوا أهل كتاب ~~لإخباره بأن ذلك نزع من صدورهم، فإذا ليسوا أهل كتاب في هذا الكتاب. ويدل ~~على أنهم ليسوا أهل كتاب ما روي في حديث الحسن بن محمد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في مجوس البحرين: "إن من أبى منهم الإسلام ضربت عليه الجزية، ~~ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم امرأة"، ولو كانوا أهل كتاب لجاز أكل ~~ذبائحهم، ومناكحة نسائهم; لأن الله تعالى قد أباح ذلك من أهل الكتاب. ولما ~~ثبت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس، وليسوا أهل كتاب ثبت ~~جواز أخذها من سائر الكفار أهل كتاب كانوا أو غير أهل كتاب إلا عبدة ~~الأوثان من العرب; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منهم إلا الإسلام ~~أو السيف، وبقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وهذا في عبدة ~~الأوثان من العرب، ويدل على جواز أخذ الجزية من سائر المشركين سوى مشركي ~~العرب حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا بعث سرية قال: "إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن أبوا فادعوهم إلى إعطاء ~~الجزية". وذلك عام في سائر المشركين، وخصصنا منهم مشركي العرب بالآية وسيرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم. # PageV03P121 # باب حكم نصارى بني تغلب # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى ~~قوله: {من الذين أوتوا الكتاب} ونصارى بني تغلب منهم لأنهم ينتحلون نحلتهم، ~~وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم، وقال الله تعالى: {ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم} [المائدة:51] فجعل ms2149 الله تعالى من يتولى قوما منهم في حكمهم; ~~ولذلك قال ابن عباس في نصارى بني تغلب: إنهم لو لم يكونوا منهم إلا ~~بالولاية لكانوا منهم لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~[المائدة:51] وذلك حين قال علي رضي الله عنه: إنهم لم يتعلقوا من النصرانية ~~إلا بشرب الخمر، قال ابن عباس ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن ~~حاتم حين جاءه فقال له: "أما تقول إلا أن يقال لا إله إلا الله؟ " فقال: إن ~~لي دينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أعلم به منك ألست ركوسيا؟ " ~~قال: نعم، قال: "ألست تأخذ المرباع؟ " قال: نعم، قال: "فإن ذلك لا يحل لك ~~في دينك" فنسبه إلى صنف من النصارى مع إخباره بأنه غير متمسك به بأخذه ~~المرباع، وهو ربع الغنيمة، والغنيمة غير مباحة في دين النصارى، فثبت بذلك ~~أن انتحال بني تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكمهم، وأن يكونوا أهل ~~كتاب، وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم. # PageV03P121 # والجزية والجزاء واحد، وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على ~~الكفر ولم يذكر في الآية لها مقدارا معلوما، ومهما أخذ منهم على هذا الوجه ~~فإن اسم الجزية يتناوله. وقد وردت أخبار متواترة عن أئمة السلف في تضعيف ~~الصدقة في أموالهم على ما يؤخذ من المسلمين، وهو قول أهل العراق وأبي حنيفة ~~وأصحابه والثوري، وهو قول الشافعي، وقال مالك في النصراني إذا أعتقه ~~المسلم: "فلا جزية عليه ولو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ~~ينفعه شيئا"، ولا يحفظ عن مالك في بني تغلب شيئا. وروى يحيى بن آدم قال: ~~حدثنا عبد السلام عن أبي إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس عن ~~عمارة بن النعمان أنه قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قد ~~علمت شوكتهم، وأنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم; فإن ~~رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل فصالحهم على أن لا يغمسوا أولادهم في ms2150 النصرانية، ~~وتضاعف عليهم الصدقة; قال: وكان عمارة يقول: قد فعلوا فلا عهد لهم. وهذا ~~خبر مستفيض عند أهل الكوفة قد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا، وهو مثل ~~أخذ الجزية من أهل السواد على الطبقات الثلاث، ووضع الخراج على الأرضين، ~~ونحوها من العقود التي عقدها على كافة الأمة فلم يختلفوا في نفاذها ~~وجوازها. وقد روي عن علي أنه قال: لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن ~~المقاتلة، ولأسبين الذرية وذلك أني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن لا ينصروا أولادهم ولم يخالف عليا في ذلك أحد من ~~الصحابة، فانعقد به إجماعهم، وثبت به اتفاقهم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، ويعتقد عليهم أولهم"، ومعناه والله أعلم جواز عقود أئمة ~~العدل على الأمة. # فإن قيل: أمر الله بأخذ الجزية منهم فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ ~~الصدقة منهم، وإعفاؤهم من الجزية. قيل له: الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما ~~يقتضيه ظاهر لفظها، وإنما هي جزاء وعقوبة على إقامتهم على الكفر والجزاء لا ~~يختص بمقدار دون غيره، ولا بنوع من المال دون ما سواه، والمأخوذ من بني ~~تغلب هو عندنا جزية ليست بصدقة، وتوضع مواضع الفيء; لأنه لا صدقة لهم، إذ ~~كان سبيل الصدقة وقوعها على وجه القربة ولا قربة لهم، وقد قال بنو تغلب: ~~نؤدي الصدقة مضاعفة، ولا نقبل أداء الجزية، فقال عمر: هو عندنا جزية، ~~وسموها أنتم ما شئتم. فأخبر عمر أنها جزية. وإن كانت حقا مأخوذا من مواشيهم ~~وزرعهم. # فإن قيل: لو كانت جزية لما أخذت من نسائهم لأن النساء لا جزية عليهن. ~~قيل: له: يجوز أخذ الجزية من النساء على وجه الصلح، كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه أمر بعض # PageV03P122 # أمرائه على بعض بلدان اليمن أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا أو عدله ~~من المعافر. وقال أصحابنا: تؤخذ من موالي بني تغلب إذ ms2151 كانوا كفارا الجزية، ~~ولا تضاعف عليهم الحقوق، وفي أموالهم; لأن عمر إنما صالح بني تغلب على ذلك، ~~ولم يذكر فيه الموالي، فمواليهم باقون على حكم سائر أهل الذمة في أخذ جزية ~~الرءوس منهم على الطبقات المعلومة، وليس بواجب أن يكونوا في حكم مواليهم ~~كما أن المسلم إذا أعتق عبدا نصرانيا لا يكون في حكم مولاه في باب سقوط ~~الجزية عنه. # فإن قيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موالي القوم من أنفسهم" ~~قيل: له: مراده أنه منهم في الانتساب إليهم، نحو مولى بني هاشم يسمى ~~هاشميا، ومولى بني تميم يسمى تميميا، وفي النصرة والعقل كما يعقل عنه ذوو ~~الأنساب، فهذا معنى قوله: "موالي القوم منهم" ولا دلالة فيه على أن حكمه ~~حكمهم في إيجاب الجزية وسقوطها. وأما شرط عمر عليهم أن لا يغمسوا أولادهم ~~في النصرانية فإنه قد روي في بعض الأخبار أنه شرط أن لا يصبغوا أولادهم في ~~النصرانية إذا أرادوا الإسلام، فإنما شرط عليهم بذلك أنه ليس لهم أن يمنعوا ~~أولادهم الإسلام إذا أرادوه. # PageV03P123 # مطلب: في محاورة الرشد مع محمد بن الحسن # وقد حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم قال: حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال: ~~سمعت أبا عبيد يقول: كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد، فقام الناس كلهم ~~إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد معتل القلب على محمد بن ~~الحسن فقام ودخل، ودخل الناس من أصحاب الخليفة، فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج ~~الإذن، فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس ~~مسرورا، قال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قال: كرهت أن أخرج عن الطبقة ~~التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي ~~خارجة منه، وإن ابن عمك صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يميل له الرجال ~~قياما فليتبوأ مقعده من النار"، وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق ~~الخدمة، وإعزاز الملك فهو ms2152 هيبة للعدو، ومن قعد اتباعا للسنة التي عنكم أخذت ~~فهو زين لكم، قال: صدقت يا محمد ثم شاورني فقال: إن عمر بن الخطاب صالح بني ~~تغلب على أن لا ينصروا أولادهم، وقد نصروا أبناءهم، وحلت بذلك دماؤهم، فما ~~ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصروا أولادهم بعد عمر، واحتمل ذلك ~~عثمان وابن عمك. وكان من العلم بما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا ~~صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم # PageV03P123 # ورأيك أعلى، قال: لا، ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله جل ~~اسمه أمر نبيه بالمشورة تمام المايه1 التي جعلها الله له، فكان يشاور في ~~أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك، ومر ~~أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك. قال: فخرج له مال كثير ~~ففرقه. # قال أبو بكر: فهذا الذي ذكره محمد في إقرار الخلفاء بني تغلب على ما هم ~~عليه من صبغهم أولادهم في النصرانية حجة في تركهم على ما هم عليه، وأنهم ~~بمنزلة سائر النصارى، فلا تخلو مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا أولادهم في ~~النصرانية من أحد معنيين: إما أن يكون مراده أن لا يكرهوهم على الكفر إذا ~~أرادوا الإسلام، أو أن لا ينشئوهم على الكفر من صغرهم، فإن أراد الأول فإنه ~~لم يثبت أنهم منعوا أحدا من أولادهم التابعين من الإسلام، وأكرهوهم على ~~الكفر فيصيروا به ناقضين للعهد، وخالعين للذمة، وإن كان المراد الوجه ~~الثاني فإن عليا وعثمان لم يعترضوا عليهم، ولم يقتلوهم. وأما قول مالك في ~~العبد النصراني إذا أعتقه المسلم أنه لا جزية عليه، فترك لظاهر الآية بغير ~~دلالة، إذ لا فرق بين من أعتقه مسلم، وبين سائر الكفار الذين لم يعتقوا. ~~وأما قوله: "لو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ينفعه شيئا" ~~فليس كذلك; لأنه في حال الرق إنما لم تلزمه الجزية لأن ماله لمولاه، ~~والمولى المسلم لا يجوز ms2153 أخذ الجزية منه، والجزية إنما تؤخذ من مال الكفار ~~عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر، والعبد لا مال له فتؤخذ منه، فإذا عتق ~~وملك المال وجبت الجزية، وأخذنا الجزية منه لم يسلبه منافع العتق في جواز ~~التصرف على نفسه وزوال ملك المولى، وأمره عنه وتمليكه سائر أمواله. وإنما ~~الجزية جزء يسير من ماله قد حقن بها دمه فمنفعة العتق حاصلة له. ~~PageV03P124 # باب من تؤخذ منه الجزية # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~فكان معقولا من فحوى الآية، ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل ~~القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال، إذ القتال لا ~~يكون إلا بين اثنين، ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه، وإذا كان كذلك ثبت ~~أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال، ومن يمكنه أداؤه من المحترفين; ~~ولذلك قال أصحابنا: إن من لم يكن من أهل # PageV03P124 # القتال فلا جزية عليه، فقالوا: من كان أعمى أو زمنا أو مفلوجا أو شيخا ~~كبيرا فانيا، وهو موسر فلا جزية عليه; وهو قولهم جميعا في الرواية ~~المشهورة. وروي عن أبي يوسف في الأعمى والزمن والشيخ الكبير أن عليهم ~~الجزية إذا كانوا موسرين، وروي عنه مثل قول أبي حنيفة. وروى ابن رستم عن ~~محمد في نوادره قال: قلت: أرأيت أهل الذمة من بني تغلب، وغيرهم ليس لهم ~~حرفة، ولا مال، ولا يقدرون على شيء؟ قال: لا شيء عليهم، قال محمد: وإنما ~~يوضع الخراج على الغني والمعتمل منهم. وقال محمد في النصراني يكتسب، ولا ~~يفضل له شيء عن عياله: "إنه لا يؤخذ بخراج رأسه". وقالوا في أصحاب الصوامع، ~~والسياحين إذا كانوا لا يخالطون الناس: فلا جزية عليهم، وإن كانوا يخالطون ~~الناس فعليهم الجزية، وكذلك النساء والصبيان لا جزية عليهم إذ ليسوا من أهل ~~القتال. وروى أيوب وغيره عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر إلى أمراء الجيوش ms2154 أن ~~لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء والصبيان، ولا يقتلوا إلا من ~~جرت عليه المواسي، وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها ~~على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي. وروى عاصم ~~عن أبي، وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر" # PageV03P125 # مطلب في مقدار الجزية # وأما مقدار الجزية قال الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~فلم تكن في ظاهر الآية دلالة على مقدار منها بعينه. وقد اختلف الفقهاء في ~~مقدارها، فقال أصحابنا: "على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما، وعلى الوسط ~~أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما"، وهو قول الحسن ~~بن صالح. وقال مالك: "أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل ~~الورق الغني والفقير سواء لا يزاد ولا ينقص". وقال الشافعي: "دينار على ~~الغني والفقير". وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: بعث عمر بن الخطاب ~~عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما وأربعة ~~وعشرين درهما واثني عشر درهما. وروى الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ~~ميمون قال: بعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان ~~بن حنيف على ما دون دجلة، فأتياه فسألهما: كيف وضعتما على أهل الأرض؟ قالا: ~~وضعنا على كل رجل أربعة دراهم في كل شهر، قال: ومن يطيق هذا؟ قالا: إن لهم ~~فصولا فذكر عمرو بن ميمون ثمانية، وأربعين درهما، ولم يفصل الطبقات، وذكر ~~حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات الثلاث، فالواجب أن يحمل ما # PageV03P125 # في حديث عمرو بن ميمون على أن مراده أكثر ما وضع من الجزية، وهو ما على ~~الطبقة العليا دون الوسطى والسفلى. وروى مالك عن نافع عن أسلم: أن عمر ضرب ~~الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما مع أرزاق ~~المسلمين وضيافة ms2155 ثلاثة أيام وهذا نحو رواية عمرو بن ميمون لأن أرزاق ~~المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية وأربعين درهما، فكان ~~الخبر الذي فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال لما فيه من الزيادة، ~~وبيان حكم كل طبقة; ولأن من وضعها على الطبقات فهو قائل بخبر الثمانية ~~والأربعين، ومن اقتصر على الثمانية والأربعين فهو تارك للخبر الذي فيه ذكر ~~تمييز الطبقات، وتخصيص كل واحد بمقدار منها. # واحتج من قال بدينار على الغني والفقير بما روي عن معاذ: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو ~~عدله من المعافر، وهذا عندنا فيما كان منه على وجه الصلح أو يكون ذلك جزية ~~الفقراء منهم، وذلك عندنا جائز، والدليل عليه ما روي في بعض أخبار معاذ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا، ولا ~~خلاف أن المرأة لا تؤخذ منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه. وروى أبو عبيد ~~عن جرير عن منصور عن الحكم قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~معاذ، وهو باليمن: "إن في الحالم والحالمة دينارا أو عدله من المعافر". قال ~~أبو عبيد: وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن ~~عروة بن الزبير قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: "إنه ~~من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا ينقل عنها وعليه الجزية وعلى كل حالم ~~ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار أو قيمته من المعافر"، ويدل على أن الجزية ~~على الطبقات الثلاث أن خراج الأرضين جعل على مقدار الطاقة، واختلف بحسب ~~اختلافها في الأرض وغلتها، فجعل على بعضها قفيزا ودرهما وعلى بعضها خمسة ~~دراهم وعلى بعضها عشرة دراهم فوجب على ذلك أن يكون كذلك حكم خراج الرءوس ~~على قدر الإمكان والطاقة، ويدل على ذلك قول عمر لحذيفة وعثمان بن حنيف: ~~لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون؟ ms2156 فقالا: بل تركنا لهم فضلا. وهذا يدل ~~على أن الاعتبار بمقدار الطاقة، وذلك يوجب اعتبار حالي الإعسار، واليسار. ~~وذكر يحيى بن آدم أن الجزية على مقدار الاحتمال بغير توقيت، وهو خلاف ~~الإجماع. وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا تجوز الزيادة في الجزية على وظيفة ~~عمر، ويجوز النقصان، وقال غيره: يجوز الزيادة، والنقصان على حسب الطاقة. ~~وقد روى الحكم عن عمرو بن ميمون أنه شهد عمر يقول لعثمان بن حنيف: والله ~~لئن وضعت عن كل جريب من الأرض قفيزا ودرهما، وعلى كل رأس درهمين لا يشق ذلك ~~عليهم، ولا يجهدهم قال: # PageV03P126 # وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين. واحتج من قال بجواز الزيادة بهذا ~~الحديث، وهذا ليس بمشهور، ولم تثبت به رواية، واحتجوا أيضا بما روى أبو ~~اليمان عن صفوان بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز: أنه فرض على رهبان الديارات ~~على كل راهب دينارين، وهذا عندنا على أنه ذاهب من الطبقة الوسطى، فأوجب ذلك ~~عليهم ما رأى من احتمالهم له، كما روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: ~~سألت مجاهدا: لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما، وضع على أهل ~~اليمن؟ قال: لليسار # PageV03P127 # في تمييز الطبقات # قال أبو يوسف في كتاب الخراج: "تؤخذ منهم على الطبقات على ما وصفت ثمانية ~~وأربعين على الموسر مثل الصيرفي والبزاز وصاحب الصنعة، والتاجر والمعالج ~~والطبيب وكل من كان في يده منهم صنعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة ~~وتجارة على قدر صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون على الموسر وأربعة وعشرون ~~من المتوسط، من احتملت صناعته ثمانية وأربعين أخذ منه ذلك، ومن احتملت ~~أربعة وعشرين أخذ ذلك منه، واثنا عشر على العامل بيده مثل الخياط والصباغ ~~والجزار والإسكاف ومن أشبههم". فلم يعتبر الملك، واعتبر الصناعات، ~~والتجارات على ما جرت به عادة الناس في الموسر والمعسر منهم. وذكر علي بن ~~موسى القمي من غير أن عزى ذلك إلى أحد من أصحابنا أن الطبقة الأولى من ~~يحترف، وليس له ما يجب ms2157 في مثله الزكاة على المسلمين، وهم الفقراء ~~المحترفون، فمن كان له أقل من مائتي درهم فهم من أهل هذه الطبقة، قال: ~~والطبقة الثانية أن يبلغ مال الرجع مائتي درهم فما زاد إلى أربعة آلاف ~~درهم; لأن من له مائتا درهم غني تجب عليه الزكاة لو كان مسلما فهو خارج عن ~~طبقة الفقراء، قال: وإنما أخذنا اعتبار الأربعة الآلاف من قول علي رضي الله ~~عنه وابن عمر: "أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوق ذلك فهو كثير" قال: وقد ~~يجوز أن تجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، وما ~~زاد على ذلك فهو من الطبقة الثالثة لما روى حماد بن سلمة عن طلحة بن عبد ~~الله بن كريز عن أبي الضيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة" وهذا الذي ذكره ~~علي بن موسى القمي هو اجتهاد يسوغ القول به لمن غلب في ظنه صوابه. # وقوله تعالى: {عن يد} قال قتادة: "عن قهر" كأنه ذهب في اليد إلى القوة ~~والقدرة والاستعلاء فكأنه قال: على استعلاء منكم عليهم، وقهرهم. وقيل: {عن ~~يد} يعني عن يد الكافر. وإنما ذكر اليد ليفارق حال الغصب; لأنه يعطيها بيده ~~راضيا بها # PageV03P127 # حاقنا بها دمه، فكأنه قال: حتى يعطيها، وهو راض بها. ويحتمل: {عن يد} عن ~~نعمة، فيكون تقديره: حتى يعطوا الجزية عن اعتراف منهم بالنعمة فيها عليهم ~~بقبولها منهم. وقال بعضهم: {عن يد} يعني عن نقد من قولهم: يدا بيد. وقال ~~أبو عبيدة معمر بن المثنى: كل من أطاع القاهر بشيء أعطاه عن طيب نفس، وقهر ~~له من يد في يده فقد أعطاه عن يد. قال: والصاغر الذليل الحقير. وقوله {وهم ~~صاغرون} قال ابن عباس: يمشون بها ملببين، وقال سلمان1: مذمومين غير محمودين ~~وقيل: إنما كان صغارا لأنها مستحقة عليهم يؤخذون بها، ولا يثابون عليها، ~~وقال عكرمة: الصغار إعطاء الجزية قائما والأخذ جالسا. وقيل: "الصغار الذل". ~~ويجوز أن ms2158 يكون المراد به الذلة التي ضربها الله عليهم بقوله: {ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} [آل عمران:112] والحبل ~~الذمة التي عهدها الله لهم، وأمر المسلمين بها فيهم. وروى عبد الكريم ~~الجزري عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب أن يتعب الأنباط في الجزية إذا ~~أخذت منهم. قال أبو بكر: ولم يرد بذلك تعذيبهم، ولا تكليفهم فوق طاقتهم، ~~وإنما أراد الاستخفاف بهم، وإذلالهم. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~إسحاق بن الحسن: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لقيتم المشركين في ~~الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى ضيقه" وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا مطير قال: حدثنا يوسف الصفار قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن سهيل عن ~~أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصافحوا ~~اليهود والنصارى" فهذا كله من الصغار الذي ألبس الله الكفار بكفرهم; ونحوه ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} [آل ~~عمران:118] الآية، وقال: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة:51] فنهى في هذه الآيات عن موالاة ~~الكفار وإكرامهم وأمر بإهانتهم وإذلالهم ونهى عن الاستعانة بهم في أمور ~~المسلمين لما فيه من العز، وعلو اليد. وكذلك كتب عمر إلى أبي موسى ينهاه أن ~~يستعين بأحد من أهل الشرك في كتابته، وتلا قوله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا} [آل عمران:118] وقال: لا تردوهم إلى العز بعد ~~إذلالهم من الله. وقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغر} قد اقتضى ~~وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة، فغير جائز على ~~هذه القضية أن تكون PageV03P128 # لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولايات ونفاذ الأمر والنهي، إذ كان ~~الله إنما جعل لهم الذمة وحقن دماءهم بإعطاء الجزية وكونهم صاغرين. فواجب ~~على ms2159 هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغصوب، وأخذ الضرائب، والظلم سواء كان ~~السلطان ولاه ذلك أو فعله بغير أمر السلطان وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى ~~الذين يتولون أعمال السلطان وظهر منهم ظلم واستعلاء على المسلمين، وأخذ ~~الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة، وإن كان آخذو الضرائب ممن ينتحل ~~الإسلام والقعود على المراصد لأخذ أموال الناس يوجب إباحة دمائهم إذ كانوا ~~بمنزلة قطاع الطريق، ومن قصد إنسانا لأخذ ماله، فلا خلاف بين الفقهاء أن له ~~قتله. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من طلب ماله فقاتل فقتل فهو ~~شهيد" وفي خبر آخر: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ~~ومن قتل دون دمه فهو شهيد" فإذا كان هذا حكم من طلب أخذ مال غيره غصبا وهو ~~ممن ينتحل الإسلام فالذمي إذا فعل ذلك استحق القتل من وجهين: أحدهما: ما ~~اقتضاه ظاهر الآية من وجوب قتله، والآخر: قصده المسلم بأخذ ماله ظلما. # PageV03P129 # باب وقت وجوب الجزية # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} ; فأوجب قتالهم، وجعل إعطاء الجزية غاية لرفعه ~~عنهم; لأن {حتى} غاية، هذا حقيقة اللفظ، والمفهوم من ظاهره، ألا ترى أن ~~قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222] قد حظر إباحة قربهن إلا بعد ~~وجود طهرهن. وكذلك المفهوم من قول القائل: "لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل ~~الدار" منع الإعطاء إلا بعد دخوله، فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل ~~الكتاب مزيلة ذلك عنهم بإعطاء الجزية، وهذا يدل على أن الجزية قد وجبت بعقد ~~الذمة، وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي; وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف قال: ~~"لا تؤخذ من الذمي الجزية حتى تدخل السنة، ويمضي شهران منها بعض ما عليه ~~بشهرين، ونحو ذلك يعامل في الجزية، بمنزلة الضريبة كلما كان يمضي شهران أو ~~نحو ذلك أخذت منه". قال أبو بكر: يعني بالضريبة الأجرة في الإجارات; قال ~~أبو يوسف: "ولا يؤخذ ذلك ms2160 منه حين تدخل السنة، ولا يؤخذ ذلك منه حتى تتم ~~السنة، ولكن يعامل ذلك في سنته". قال أبو بكر: ذكره للشهرين إنما هو توفية، ~~وهي واجبة بإقرارنا إياه على الذمة، لما تضمنه ظاهر الآية. وذكر ابن سماعة ~~عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في الذمي: "يؤخذ منه خراج رأسه في سنته ~~ما دام فيها، فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه". وهذا يدل من قول أبي حنيفة ~~على أنه رآها واجبة بعقد الذمة لهم، وأن تأخيرنا بعض السنة إنما هو توفية ~~للواجب وتوسعة. ألا ترى أنه قال: # PageV03P129 # "فإذا انقضت السنة لم تؤخذ منه"؟ لأن دخول السنة الثانية يوجب جزية أخرى، ~~فإذا اجتمعتا سقطت إحداهما. وعن أبي يوسف ومحمد: "اجتماعهما لا يسقط ~~إحداهما". # وجه قول أبي حنيفة أن الجزية واجبة على وجه العقوبة لإقامتهم على الكفر ~~مع كونهم من أهل القتال، وحق الأخذ فيها إلى الإمام، فأشبهت الحدود، إذ ~~كانت مستحقة في الأصل على وجه العقوبة، وحق الأخذ إلى الإمام، فلما كان ~~اجتماع الحدود من جنس، واحد يوجب الاقتصار على واحد منهما مثل أن يزني ~~مرارا أو يسرق مرارا ثم يرفع إلى الإمام فلا يجب إلا حد واحد بجميع ~~الأفعال، كذلك حكم الجزية إذ كانت مستحقة على وجه العقوبة بل هي أخف أمرا، ~~وأضعف حالا من الحدود; لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن إسلامه يسقطها، ولا ~~تسقط الحدود بالإسلام. # فإن قيل: لما كان ذلك دينا، وحقا في مال المسلمين لم يسقطه اجتماعه، ~~كالديون وخراج الأرضين. قيل: له: خراج الأرضين ليس بصغار ولا عقوبة، ~~والدليل عليه أنه يؤخذ من المسلمين، والجزية لا تؤخذ من مسلم. وقد روي نحو ~~قول أبي حنيفة عن طاوس، وروى ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس قال: "إذا ~~تداركت صدقات فلا تؤخذ الأولى كالجزية". # وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم، وقد وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها؟ ~~فقال أصحابنا: "لا يؤخذ"، وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن. وقال ابن ~~شبرمة والشافعي: "إذا أسلم في ms2161 بعض السنة أخذ منه بحساب ذلك". والدليل على ~~أن الإسلام يسقط ما وجب من الجزية قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فانتظمت هذه الآية ~~الدلالة من وجهين على صحة ما قلنا أحدهما: الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله ~~لإقامته على الكفر إن لم يؤدها، ومتى أسلم لم يجب قتاله فلا جزية عليه. ~~والوجه الثاني: قوله تعالى: {عن يد وهم صاغرون} فأمر بأخذها منهم على وجه ~~الصغار والذلة، وهذا المعنى معدوم بعد الإسلام إذ غير ممكن أخذها على هذا ~~الوجه، ومتى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية لأن الجزية هي ما أخذ ~~على وجه الصغار. وقد روى الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على مسلم جزية" فنفى صلى الله ~~عليه وسلم أخذها من المسلم، ولم يفرق بين ما وجب عليه في حال الكفر، وبين ~~ما لم يجب بعد الإسلام، فوجب بظاهر ذلك إسقاط الجزية عنه بالإسلام. ويدل ~~على سقوطها أن الجزية، والجزاء واحد، ومعناه جزاء الإقامة على الكفر ممن ~~كان من أهل القتال، فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على الكفر، إذ غير ~~جائز عقاب التائب في حال المهلة، وبقاء التكليف; # PageV03P130 # ولهذا الاعتبار أسقطها أصحابنا بالموت لفوات أخذها منه على وجه الصغار ~~بعد موته فلا يكون ما يأخذه جزية، وعلى هذا قالوا فيمن وجبت عليه زكاة ~~ماله، ومواشيه فمات: إنها تسقط ولا يأخذها الإمام منه; لأن سبيل أخذها، ~~وموضوعها في الأصل سبيل العبادات يسقطها الموت، وقالوا فيمن وجبت عليه نفقة ~~امرأته بفرض القاضي فمات أو ماتت إنها تسقط; لأن موضوعها عندهم موضوع الصلة ~~إذ ليست بدلا عن شيء، ومعنى الصلة لا يتأتى بعد الموت، فأسقطوها لهذه ~~العلة. # فإن قيل: الحدود واجبة على وجه العقوبة، والتوبة لا تسقطها، وكذلك لو أن ~~ذميا أسلم، وقد زنى أو سرق في حال كفره لم يكن إسلامه، وتوبته مسقطين لحده، ms2162 ~~وإن كان وجوب الحد في الأصل على وجه العقوبة، والتائب لا يستحق العقاب على ~~فعل قد صحت منه توبته. قيل له: أما الحد الذي كان واجبا على وجه العقوبة ~~فقد سقط بالتوبة، وما نوجبه بعدها ليس هو الحد المستحق على وجه العقوبة بل ~~هو حد واجب على وجه المحنة بدلالة قامت لنا على وجوبه غير الدلالة الموجبة ~~للحد الأول على وجه العقوبة، فإن قامت دلالة على وجوب أخذ المال منه بعد ~~إسلامه لا على وجه الجزية والعقوبة لم نأب إيجابه إلا أنه لا يكون جزية لأن ~~اسم الجزية يتضمن كونها عقوبة، وأنت فإنما تزعم أنه تؤخذ منه الجزية بعد ~~إسلامه، فإن اعترفت بأن المأخوذ منه غير جزية، وأن الجزية التي كانت واجبة ~~قد سقطت، وإنما يجب مال آخر غير الجزية فإنما أنت رجل سمتنا إيجاب مال على ~~مسلم من غير سبب يقتضي إيجابه، وهذا لا نسلم لك إلا بدلالة. وقد روى ~~المسعودي عن محمد بن عبد الله الثقفي: أن دهقانا أسلم فقام إلى علي رضي ~~الله عنه فقال له علي: أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا، وفي لفظ ~~آخر: إن تحولت عنها فنحن أحق بها. وروى معمر عن أيوب عن محمد قال أسلم رجل ~~فأخذ بالخراج، وقيل له: إنك متعوذ بالإسلام، فقال: إن في الإسلام لمعاذا إن ~~فعلت، فقال عمر أجل والله إن في الإسلام معاذا إن فعل فرفع عنه الجزية. ~~وروى حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من شهد شهادتنا ~~واستقبل قبلتنا، واختتن فلا تأخذوا منه الجزية. فلم يفرق هؤلاء السلف بين ~~الجزية الواجبة قبل الإسلام، وبين حاله بعد الإسلام في نفيها عن كل مسلم. # PageV03P131 # مطلب: كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة # وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة، ويذهبون إلى أن ~~الجزية بمنزلة ضريبة العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته، وهذا خلل في جنب ~~ما ارتكبوه # PageV03P131 # من المسلمين، ونقض الإسلام عروة عروة إلى ms2163 أن ولي عمر بن عبد العزيز فكتب ~~إلى عامله بالعراق عبد الحميد بن عبد الرحمن: أما بعد فإن الله بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم داعيا، ولم يبعثه جابيا، فإذا أتاك كتابي هذا فارفع ~~الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فلما ولي هشام بن عبد الملك أعادها على ~~المسلمين، وكان أحد الأسباب التي لها استجاز القراء والفقهاء قتال عبد ~~الملك بن مروان والحجاج لعنهما الله أخذهم الجزية من المسلمين، ثم صار ذلك ~~أيضا أحد أسباب زوال دولتهم، وسلب نعمتهم. وروى عبد الله بن صالح قال: ~~حدثنا حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال:"أعظم ما أتت هذه الأمة بعد ~~نبيها ثلاث خصال: قتلهم عثمان، وإحراقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من ~~المسلمين". وأما قولهم: "إن الجزية بمنزلة ضريبة العبد" فليس ببدع، هذا من ~~جهلهم، إذ قد جهلوا من أمور الإسلام ما هو أعظم منه وذلك لأن أهل الذمة ~~ليسوا عبيدا، ولو كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بإسلامهم لأن إسلام العبد ~~لا يزيل رقه، وإنما الجزية عقوبة عوقبوا بها لإقامتهم على الكفر، فمتى ~~أسلموا لم يجز أن يعاقبوا بأخذها منهم، ألا ترى أن العبد النصراني لا تؤخذ ~~منه الجزية؟ فلو كان أهل الذمة عبيدا لما أخذ منهم الجزية # PageV03P132 # في خراج الأرض هل هو جزية # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في خراج الأرضين هل هو صغار، وهل يكره ~~للمسلم أن يملك أرض الخراج، فروي عن ابن عباس وابن عمر، وجماعة من التابعين ~~كراهته، ورأوه داخلا في آية الجزية، وهو قول الحسن بن حي وشريك. وقال ~~آخرون: "الجزية إنما هي خراج الرءوس، ولا يكره للمسلم أن يشتري أرض خراج، ~~وليس ذلك بصغار"، وهو قول أصحابنا وابن أبي ليلى. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود ما يدل على أنه لم يكرهه، وهو ما روى شعبة عن الأعمش عن شمر بن عطية ~~عن رجل من طي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تتخذوا الضيعة ms2164 فترغبوا في الدنيا" قال عبد الله: براذان ما ~~براذان، وبالمدينة ما بالمدينة يعني أن له ضيعة براذان، وضيعة بالمدينة; ~~ومعلوم أن راذان من أرض الخراج، فلم يكره عبد الله ملك أرض الخراج. وروي عن ~~عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك حين أسلمت: إن أقامت على أرضها أخذنا ~~منها الخراج. وروي أن ابن الرفيل أسلم فقال مثل ذلك، وعن علي في رجل من أهل ~~الأرض أسلم فقال: إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج، وإلا فنحن أولى بها. ~~وروي عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد مثل ذلك. وروى سهيل بن أبي صالح عن ~~أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "منعت العراق قفيزها ~~ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها، وعدتم كما بدأتم" ~~ثلاث مرات، يشهد على ذلك لحم أبي # PageV03P132 # هريرة ودمه. وهذا يدل على أن خراج الأرض ليس بصغار من وجهين: أحدهما: أنه ~~لم يكره لهم ملك أرض الخراج التي عليها قفيز ودرهم، ولو كان ذلك مكروها ~~لذكره. والثاني: أنه أخبر عن منعهم لحق الله المفترض عليهم بالإسلام، وهو ~~معنى قوله: "عدتم كما بدأتم" يعني في منع حق الله، فدل على أنه كسائر ~~الحقوق اللازمة لله تعالى مثل الزكوات والكفارات لا على وجه الصغار والذلة. ~~وأيضا لم يختلفوا أن الإسلام يسقط جزية الرءوس، ولا يسقط على الأرض، فلو ~~كان صغارا لأسقطه الإسلام. # فإن قيل: لما كان خراج الأرضين فيئا، وكذلك جزية الرءوس دل على أنه صغار ~~قيل له: ليس كذلك; لأن من الفيء ما يصرف إلى الغانمين، ومنه ما يصرف إلى ~~الفقراء والمساكين، وهو الخمس، وهذا كلام في الوجه الذي يصرف فيه، وليس ~~يوجب ذلك أن يكون صغارا; لأن الصغار في الفيء هو ما يبتدأ به الذي يجب عليه ~~فأما ما قد وجب في الأرض من الحق ثم ملكها مسلم فإن ملك المسلم له لا يزيله ~~إذ كان وجوبه فيها متقدما لملكه، وهو حق لكافة المسلمين، ولم تكن الجزية ~~صغارا من حيث ms2165 كانت فيئا، وإنما كانت صغارا من حيث كانت عقوبة، وليس خراج ~~الأرضين على وجه العقوبة، ألا ترى أن أرض الصبي والمعتوه يجب فيهما الخراج، ~~ولا تؤخذ منهما الجزية؟ لأن الجزية عقوبة، وخراج الأرضين ليس كذلك. # PageV03P133 # فصل # إن قال قائل من الملحدين: كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية ~~بدلا من الإسلام؟ قيل له: ليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم، ولا إباحة ~~لبقائهم على شركهم، وإنما الجزية عقوبة لهم لإقامتهم على الكفر، وتبقيتهم ~~على كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم، إذ ليس في العقل ~~إيجاب قتلهم لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يبقي الله كافرا طرفة عين، فإذا ~~بقاهم لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم، ~~واستمالة لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم إذ كان في علم الله ~~أن منهم من يؤمن، ومنهم من يكون من نسله من يؤمن بالله، فكان في ذلك أعظم ~~المصلحة مع ما للمسلمين فيها من الرفق والمنفعة; فليس إذا في إقرارهم على ~~الكفر، وترك قتلهم بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم، ولا الإباحة لاعتقادهم، ~~وشركهم، فكذلك إمهالهم بالجزية جائز في العقل إذ ليس فيه أكثر من تعجيل بعض ~~عقابهم المستحق بكفرهم، وهو ما يلحقهم من الذل والصغار بأدائها. # قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} ~~قيل: إنه # PageV03P133 # أراد فرقة من اليهود قالت ذلك; والدليل على ذلك أن اليهود قد سمعت ذلك في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره، وهو كقول القائل: الخوارج ترى ~~الاستعراض وقتل الأطفال، والمراد فرقة منهم لا جميعهم; وكقولك: جاءني بنو ~~تميم، والمراد بعضهم. قال ابن عباس: "قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى ~~النبي; صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك، وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، ~~وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فأنزل الله تعالى هذه الآية"، وليس في اليهود ~~من يقول ذلك الآن فيما نعلم، وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت. ms2166 # قوله تعالى: {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} يعني يشابهونهم، ومنه ~~امرأة ضهياء للتي لا تحيض; لأنها أشبهت الرجال من هذا الوجه فساوى المشركين ~~الذين جعلوا الأصنام شركاء لله سبحانه وتعالى لأن هؤلاء جعلوا المسيح ~~وعزيرا اللذين هما خلقان لله ولدين له وشريكين، كما جعل أولئك الأصنام ~~المخلوقة شركاء لله تعالى. قال ابن عباس: {الذين كفروا من قبل} يعني به ~~عبدة الأوثان الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. وقيل: إنهم ~~يضاهئونهم لأن أولئك قالوا: الملائكة بنات الله، وقال هؤلاء: عزير ومسيح ~~ابنا الله. وقيل: يضاهئونهم في تقليد أسلافهم. وقوله تعالى: {ذلك قولهم ~~بأفواههم} يعني أنه لا يرجع إلى معنى صحيح، ولا حقيقة له، ولا محصول أكثر ~~من وجوده في أفواههم. وقوله: {قاتلهم الله} [التوبة: 30] قال ابن عباس: ~~لعنهم الله، وقيل: إن معناه قتلهم الله، كقولهم عافاه الله أي أعفاه الله ~~من السوء. وقيل: إنه جعل كالقاتل لغيره في عداوة الله عز وجل # قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم} ؛ قيل: إن الحبر العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها، ~~يقال فيه حبر وحبير; والراهب الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية، يقال راهب ~~ورهبان، وقد صار مستعملا في متنسكي النصارى. وقوله: {أربابا من دون الله} ~~قيل: فيه وجهان: أحدهما: أنهم كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه، وإذا ~~أحلوا لهم شيئا استحلوه، وروي في حديث عدي بن حاتم لما أتى النبي قال: فتلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ~~قال: قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال: "أليس كانوا إذا حرموا ~~عليهم شيئا حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه"؟ قال: قلت: نعم، قال: "فتلك ~~عبادتهم إياهم" ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم # PageV03P134 # بالمصالح ثم قلدوا هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم، وقبلوه ~~منهم، وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل، صاروا متخذين لهم أربابا، إذ ~~نزلوهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب. وقيل: ms2167 إن معناه أنهم عظموهم كتعظيم ~~الرب لأنهم يسجدون لهم إذا رأوهم، وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه غير ~~الله تعالى، فلما فعلوا ذلك فهم كانوا متخذين لهم أربابا. # قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~فيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين بنصرهم وإظهار دينهم على ~~سائر الأديان، وهو إعلاؤه بالحجة والغلبة وقهر أمته لسائر الأمم; وقد وجد ~~مخبره على ما أخبر به بظهور أمته وعلوها على سائر الأمم المخالفة لدين ~~الإسلام. وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن ~~القرآن كلام الله، ومن عنده وذلك لأن مثله لا يتفق للمتخرصين والكذابين مع ~~كثرة ما في القرآن من الأخبار عن الغيوب، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، فهو ~~إذا كلامه وخبره، ولا ينزل الله كلامه إلا على رسوله. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل} أكل المال بالباطل هو تملكه من الجهة المحظورة; وروي ~~عن الحسن أنهم كانوا يأخذون الرشا في الحكم وذكر الأكل، والمراد سائر وجوه ~~المنافع والتصرف، إذ كان أعظم منافعه الأكل والشرب، وهو كقوله تعالى: {لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء:29] والمراد سائر وجوه المنافع، ~~وكقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم} [النساء:2] و {إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى} [النساء:10] . # مطلب: في زكاة الذهب والفضة # قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~الآية; يقتضي ظاهره إيجاب إنفاق جميع المال; لأن الوعيد لاحق بترك إنفاق ~~الجميع لقوله: {ولا ينفقونها} ولم يقل ولا ينفقون منها. فإن قيل: لو كان ~~المراد الجميع لقال: ولا ينفقونهما قيل له: لأن الكلام رجع إلى مدلول عليه، ~~كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز، والآخران يكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز ~~كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة:11] قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # والمعنى: راضون. والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه لو رجع إلى ~~أحدهما دون ms2168 الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا لا معنى ~~له; إذ كان قوله: # PageV03P135 # مطلب: في زكاة الذهب والفضة # قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~الآية; يقتضي ظاهره إيجاب إنفاق جميع المال; لأن الوعيد لاحق بترك إنفاق ~~الجميع لقوله: {ولا ينفقونها} ولم يقل ولا ينفقون منها. فإن قيل: لو كان ~~المراد الجميع لقال: ولا ينفقونهما قيل له: لأن الكلام رجع إلى مدلول عليه، ~~كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز، والآخران يكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز ~~كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة:11] قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # والمعنى: راضون. والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه لو رجع إلى ~~أحدهما دون الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا لا معنى ~~له; إذ كان قوله: # PageV03P135 # {والذين يكنزون الذهب والفضة} مفتقرا إلى خبر، ألا ترى أنه لا يجوز ~~الاقتصار عليه؟ وقد روي في معنى ظاهر الآية أخبار; روى موسى بن عبيدة قال: ~~حدثني عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "في الإبل صدقتها من جمع دينارا أو درهما ~~أو تبرا أو فضة لا يعده لغريم، ولا ينفقه في سبيل الله فهي كي يكوى بها يوم ~~القيامة"، قال: قلت: انظر ما يجيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذه ~~الأموال قد فشت في الناس" فقال: أما تقرأ القرآن: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة} الآية. فاقتضى ظاهره أن في الإبل صدقتها لا جميعها، وهي الصدقة ~~المفروضة، وفي الذهب والفضة إخراج جميعهما; وكذلك كان مذهب أبي ذر رحمة ~~الله عليه أنه لا يجوز ادخار الذهب والفضة. وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحب أن لي مثل أحد ~~ذهبا يمر علي ثلاثة وعندي منه شيء إلا أن لا أجد أحدا يقبله مني ms2169 صدقة إلا ~~أن أرصده لدين علي" فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحب ~~ذلك لنفسه، واختار إنفاقه، ولم يذكر وعيد تارك إنفاقه، وروى قتادة عن شهر ~~بن حوشب عن أبي أمامة قال: توفي رجل من أهل الصفة فوجد معه دينار، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: كية، وجائز أن يكون النبي علم أنه أخذ الدينار ~~من غير حله أو منعه من حقه أو سأله غيره بإظهار الفاقة مع غناه عنه، كما ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم: "من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ~~فقلنا: وما غناه يا رسول الله؟ قال: أن يكون عند أهله ما يغديهم ويعشيهم" ~~وكان ذلك في وقت شدة الحاجة وضيق العيش ووجوب المواساة من بعضهم لبعض. وقد ~~روي عن عمر بن عبد العزيز أنها منسوخة بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم} [التوبة:103] . # قال أبو بكر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض إيجابه ~~في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارا نصف دينار، كما أوجب فرائض ~~المواشي، ولم يوجب الكل، فلو كان إخراج الكل واجبا من الذهب والفضة لما كان ~~للتقدير وجه. وأيضا فقد كان في الصحابة قوم ذوو يسار ظاهر وأموال جمة مثل ~~عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم فلم ~~يأمرهم بإخراج الجميع، فثبت أن إخراج جميع الذهب والفضة غير واجب، وأن ~~المفروض إخراجه هو الزكاة إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو ~~الجائع المضطر والعاري المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه. وقد روى ~~شريك عن أبي حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "في المال حق سوى الزكاة، وتلا قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة:177] الآية. # PageV03P136 # وقوله تعالى: {ولا ينفقونها في سبيل الله} يحتمل أن يريد به: ولا ينفقون ~~منها، فحذف "من" وهو يريدها، وقد بينه بقوله: ms2170 {خذ من أموالهم صدقة} ~~[التوبة:103] فأمر بأخذ بعض المال لا جميعه، وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول ~~إذ جائز أن يكون مراده: ولا ينفقون منها. # وأما الكنز فهو في اللغة كبس الشيء بعضه على بعض، قال الهذلي: # لا در دري إن أطعمت نازلكم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز # ويقال: كنزت التمر إذا كبسته في القوصرة، وهو في الشرع لما لم يؤد زكاته. ~~وروي عن عمر وابن عباس وابن عمر والحسن وعامر والسدي قالوا: "ما لم يؤد ~~زكاته فهو كنز" فمنهم من قال: وإن كان ظاهرا وما أدي زكاته فليس بكنز، وإن ~~كان مدفونا، ومعلوم أن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا، فثبت أن الكنز اسم ~~لما لم يؤد زكاته المفروضة وإذا كان كذلك كان تقدير قوله: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة} : الذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة {ولا ينفقونها} يعني ~~الزكاة في سبيل الله، فلم تقتض الآية إلا وجوب الزكاة فحسب. # وقد حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة: حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي: حدثنا أبي: حدثنا غيلان عن جعفر بن ~~إياس عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة} كبر ذلك على المسلمين فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا ~~نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم إنما فرض المواريث لتكون ~~لمن بعدكم"، قال: فكبر عمر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا ~~أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها ~~أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته" فأخبر في هذا الحديث أن المراد إنفاق بعض ~~المال لا جميعه، وأن قوله: {والذين يكنزون} المراد به منع الزكاة، وروى ابن ~~لهيعة قال: حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا أديت زكاة مالك فقد ms2171 قضيت الحق الذي يجب عليك" فأخبر ~~في هذا الحديث أيضا أن الحق الواجب في المال هو الزكاة، وروى سهيل بن أبي ~~صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ~~صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى بها جنبه ~~وجبينه حتى يحكم الله بين عباده"، فأخبر في هذا الحديث أن الحق الواجب في ~~الكنز هو الزكاة دون غيره، وأنه لا يجب جميعه. وقوله: "فيحمى بها جنبه ~~وجبهته" يدل على أنه أراد معنى قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} إلى ~~قوله: # PageV03P137 # {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم} يعني: لم تؤدوا ~~زكاته وحدثنا عبد الباقي: حدثنا بشر بن موسى: حدثنا عبد الله بن صالح: ~~حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي لا يؤدي زكاته يمثل له ~~شجاع أقرع له زبيبتان يلزمه أو يطوقه فيقول أنا كنزك أنا كنزك" فأخبر أن ~~المال الذي لا تؤدى زكاته هو الكنز. ولما ثبت بما وصفنا أن قوله: {والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} مراده منع الزكاة، أوجب ~~عمومه إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة، إذ كان الله إنما علق الحكم ~~فيهما بالاسم فاقتضى إيجاب الزكاة فيهما بوجود الاسم دون الصنعة، فمن كان ~~عنده ذهب مصوغ أو مضروب أو تبر أو فضة كذلك فعليه زكاته بعموم اللفظ، ويدل ~~أيضا على وجوب ضم الذهب إلى الفضة لإيجابه الحق فيهما مجموعين في قوله: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} . # PageV03P138 # مطلب: في زكاة الحلي # وقد اختلف الفقهاء في زكاة الحلي، فأوجب أصحابنا فيه الزكاة، وروي مثله ~~عن عمر وابن مسعود رواه سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن ~~مسعود. وروي عن جابر وابن عمر وعائشة: لا زكاة في الحلي، وهو قول مالك ~~والشافعي. وروي عن أنس بن مالك: ms2172 أن الحلي تزكى مرة واحدة ولا تزكى بعد ~~ذلك.، وقد ذكرنا وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له، وقد ~~روي عن النبي آثار في إيجاب زكاة الحلي، منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين في أيديهما سواران من ذهب ~~فقال: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم ~~القيامة سوارين من نار" فأوجب الزكاة في السوار، وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عتاب بن ثابت بن عجلان ~~عن عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز ~~هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز". وقد حوى هذا الخبر ~~معنيين: أحدهما: وجوب زكاة الحلي، والآخر: أن الكنز ما لم تؤد زكاته. ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي: ~~حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق: حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي ~~جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال ~~دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " ~~فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " # PageV03P138 # قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: "هو حسبك من النار" فانتظم هذا الخبر ~~معنيين: أحدهما: وجوب زكاة الحلي، والآخر: أن المصوغ يسمى ورقا لأنها قالت: ~~"فتخات من ورق" فاقتضى ظاهر قوله: "في الرقة ربع العشر" إيجاب الزكاة في ~~الحلي; لأن الرقة والورق واحد، ويدل عليه من جهة النظر أن الذهب والفضة ~~يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأعيانهما في ملك من كان من أهل الزكاة لا بمعنى ~~ينضم إليهما، والدليل عليه أن النقر والسبائك تجب فيهما الزكاة، وإن لم تكن ~~مرصدة ms2173 للنماء، وفارقا بهذا غيرهما من الأموال لأن غيرهما لا تجب الزكاة ~~فيهما بوجود الملك إلا أن تكون مرصدة للنماء، فوجب أن لا يختلف حكم المصوغ ~~والمضروب. وأيضا لم يختلفوا أن الحلي إذا كان في ملك الرجل تجب فيه الزكاة ~~فكذلك إذا كان في ملك المرأة كالدراهم والدنانير. وأيضا لا يختلف حكم الرجل ~~والمرأة فيما يلزمهما من الزكاة فوجب أن لا يختلفا في الحلي. # فإن قيل: الحلي كالنقر العوامل وثياب البذلة. قيل له: قد بينا أن ما ~~عداهما يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأن يكون مرصدا للنماء، فما لم يوجد هذا ~~المعنى لم تجب، والذهب والفضة لأعيانهما بدلالة الدراهم والدنانير، والنقر ~~والسبائك إذا أراد بهما القنية والتبقية لا طلب النماء. وأيضا لما لم يكن ~~للصنعة تأثير فيهما، ولم يغير حكمهما في حال وجب أن لا يختلف الحكم بوجود ~~الصنعة وعدمها. # فإن قيل زكاة الحلي عاريته. قيل له: هذا غلط; لأن العارية غير واجبة، ~~والزكاة واجبة، فبطل أن تكون العارية زكاة. وأما قول أنس بن مالك: إن ~~الزكاة تجب في الحلي مرة واحدة فلا وجه له; لأنه إذا كان من جنس ما تجب فيه ~~الزكاة وجبت في كل حول. # PageV03P139 # فصل # وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما، فاقتضى ذلك ~~وجوب ضم بعضها إلى بعض. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا: يضم ~~أحدهما إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكي". واختلف أصحابنا في كيفيته، ~~فقال أبو حنيفة: يضم بالقيمة كالعروض. وقال أبو يوسف ومحمد: "يضم ~~بالأجزاء". وقال ابن أبي ليلى والشافعي: "لا يضمان". وروي الضم عن الحسن ~~وبكير بن عبد الله بن الأشج وقتادة، والدليل على وجوب الزكاة فيهما مجموعين ~~قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فأوجب ~~الله تعالى فيهما الزكاة مجموعين; لأن قوله: {ولا ينفقونها} قد أراد به ~~إنفاقهما جميعا. ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان # PageV03P139 # في وجوب الحق فيهما، وهو ربع العشر، فكانا بمنزلة العروض المختلفة إذا ~~كانت للتجارة لما كان الواجب فيها ms2174 ربع العشر ضم بعضها إلى بعض مع اختلاف ~~أجناسها. وقد قال الشافعي فيمن له مائة درهم، وعرض للتجارة يساوي مائة ~~درهم: "إن الزكاة واجبة عليه" فضم العرض إلى المائة مع اختلاف الجنسين ~~لاتفاقهما في وجوب ربع العشر. # وليس الذهب والفضة كالجنسين من الإبل والغنم لأن زكاتهما مختلفة. فإن ~~قيل: زكاة خمس من الإبل مثل زكاة أربعين شاة، ولم يكن اتفاقهما في الحق ~~الواجب موجبا لضم أحدهما إلى الآخر. قيل له: لم نقل إن اتفاقهما في المقدار ~~الواجب يوجب ضم أحدهما إلى الآخر، وإنما قلنا إن اتفاقهما في وجوب ربع ~~العشر فيهما هو المعنى الموجب للضم، كعروض التجارة عند اتفاقها في وجوب ربع ~~العشر وقت الضم، والإبل والغنم ليس الواجب فيهما ربع العشر لأن الشاة ليست ~~ربع العشر من خمس من الإبل، ولا ربع العشر من أربعين شاة أيضا; لأنه جائز ~~أن يكون الغنم خيارا ويكون الواجب فيها شاة وسطا فيكون أقل من ربع عشرها، ~~فهذا إلزام ساقط. # فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ~~وذلك يوجب الزكاة فيها. سواء كان معها ذهب أو لم يكن. قيل له: كما لم يمنع ~~قوله: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" وجوب ضم المائة إلى العروض، وكان معناه ~~عندك: إذا لم يكن معه غيره من العروض، كذلك نقول نحن في ضمه إلى الذهب. # قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} إلى قوله: {حرم} . ~~لما قال تعالى في مواضع أخر: {الحج أشهر معلومات} [البقرة:197] وقال: ~~{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة:189] فعلق بالشهور ~~كثيرا من مصالح الدنيا والدين، وبين في هذه الآية هذه الشهور، وإنما تجرى ~~على منهاج واحد لا يقدم المؤخر منها، ولا يؤخر المقدم، وقال: {إن عدة ~~الشهور عند الله} وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله وضع هذه الشهور، ~~وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل ذلك على ~~أنبيائه في كتبه المنزلة، وهو معنى قوله: {إن عدة ms2175 الشهور عند الله} وحكمها ~~باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها وتقديم ~~المؤخر وتأخير المقدم في الأسماء منها، وذكر ذلك لنا لنتبع أمر الله فيها، ~~ونرفض ما كان عليه أمر الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها وتعليق ~~الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع ما رواه ابن عمر وأبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في خطبته بالعقبة: "يا أيها الناس إن الزمان قد استدار قال ابن عمر: ~~فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" وقال أبو بكرة: "قد استدار # PageV03P140 # كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر ~~الذي بين جمادى وشعبان، وإن النسيء زيادة في الكفر" الآية. قال ابن عمر: ~~وذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا، ويجعلون المحرم عاما ~~حلالا وعاما حراما، وكان النسيء من الشيطان، فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن الزمان يعني زمان الشهور قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات ~~والأرض، وأن كل شهر قد عاد إلى الموضع الذي وضعه الله به على ترتيبه ~~ونظامه. # PageV03P141 # مطلب: قد اجتهد محمد بن موسى المنجم في كشف حقيقة قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم "أن الزمان قد استدار كهيئته" ثماني سنين. # وقد ذكر لي بعض أولاد بني المنجم أن جده وهو أحسب محمد بن موسى المنجم ~~الذي ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتداء خلق الله السموات والأرض ~~فوجدها قد عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع; لأن خطبته هذه كانت ~~بمنى يوم النحر عند العقبة; وأنه حسب ذلك في ثماني سنين فكان ذلك اليوم ~~العاشر من ذي الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور، والشمس والقمر في ~~ذلك اليوم في الموضع الذي ms2176 ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد عاد الزمان ~~إليه مع النسيء بالذي قد كان أهل الجاهلية ينسئون، وتغيير أسماء الشهور، ~~ولذلك لم تكن السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج ~~فيه. # وإنما قال "رجب مضر بين جمادى وشعبان" دون رمضان الذي يسميه ربيعة رجب. # وأما الوجه الآخر في معنى قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله} فهو أن الله قسم الزمان اثني عشر قسما، فجعل نزول الشمس في ~~كل برج من البروج الاثني عشر قسما منها، فيكون قطعها للفلك في ثلاثمائة ~~وخمسة وستين يوما وربع يوم، فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما ~~وكسر، وقسم الأزمنة أيضا على مسير القمر، فصار القمر يقطع الفلك في تسعة ~~وعشرين يوما ونصف يوم. وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ~~وربع يوم، فكان قطع الشمس للبرج مقاربا لقطع القمر للفلك كله، وهذا معنى ~~قوله تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن:5] وقال تعالى: {وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} [الإسراء:12] ; فلما كانت السنة # PageV03P141 # مقسومة على نزول الشمس في البروج الاثني عشر وكان شهورها اثني عشر، ~~واختلفت السنة الشمسية والقمرية في البروج الاثني عشر وكانت شهورها اثني ~~عشر، واختلفت السنة الشمسية والقمرية في الكسر الذي بينهما، وهو أحد عشر ~~يوما بالتقريب، وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين فيما يتعلق بها من ~~أحكام الشرع، ولم يكن لنصف اليوم الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم، ~~فكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى عليها السنة في ابتداء وضع الخلق. ~~ثم غيرت الأمم العادلة عن كثير من شرائع الأنبياء هذا الترتيب، فكانت شهور ~~الروم بعضها ثمانية وعشرين، وبعضها ثمانية وعشرين ونصفا، وبعضها واحدا ~~وثلاثين. وذلك على خلاف ما أمر الله تعالى من اعتبار الشهور في الأحكام ~~التي تتعلق بها. ثم كانت الفرس شهورها ثلاثين إلا شهرا واحدا، وهو "بادماه" ~~فإنه خمسة ms2177 وثلاثون، ثم كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا فتصير ~~السنة ثلاثة عشر أخبر الله تعالى أن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة ~~فيها ولا نقصان، وهي الشهور القمرية التي إما أن تكون تسعة وعشرين، وإما أن ~~تكون ثلاثين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون، ~~والشهر ثلاثون"، وقال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ~~ثلاثين"، فجعل الشهر برؤية الهلال، فإن اشتبه لغمام أو قترة فثلاثون; ~~فأعلمنا الله بقوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ~~يوم خلق السماوات والأرض} يعني أن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة ~~عليها، وأبطل به الكبيسة التي كانت تكبسها الفرس فتجعلها ثلاثة عشر شهرا في ~~بعض السنة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن انقضاء الشهور برؤية الهلال، ~~فتارة تسعة وعشرون، وتارة ثلاثون; فأعلمنا الله في هذه الآية أنه كذلك وضع ~~الشهور والسنين في ابتداء الخلق. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عود ~~الزمان إلى ما كان عليه، وأبطل ما غيره المشركون من ترتيب الشهور ونظامها، ~~وما زاد به في السنين والشهور، وأن الأمر قد استقر على ما وضعه الله تعالى ~~في الأصل لما علم تبارك وتعالى من تعلق مصالح الناس في عباداتهم وشرائعهم ~~بكون الشهر والسنين على هذا الوجه، فيكون الصوم تارة في الربيع، وتارة في ~~الصيف، وأخرى في الخريف وأخرى في الشتاء، وكذلك الحج; لعلمه بالمصلحة في ~~ذلك. وقد روي في الخبر أن صوم النصارى كان كذلك، فلما رأوه يدور في بعض ~~السنين إلى الصيف اجتمعوا إلى أن نقلوه إلى زمان الربيع، وزادوا في العدد ~~وتركوا ما تعبدوا به من اعتبار شهور القمر مطلقة على ما يتفق من وقوعها في ~~الأزمان، وهذا ونحوه مما ذمهم الله تعالى به، وأخبر أنهم اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله في اتباعهم أوامرهم واعتقادهم وجوبها دون ~~أوامر الله تعالى فضلوا وأضلوا. # PageV03P142 # وقوله تعالى: {منها أربعة حرم} وهي التي بينها النبي ms2178 صلى الله عليه وسلم ~~بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب،, والعرب تقول: ثلاثة سرد وواحد ~~فرد، وإنما سماها حرما لمعنيين: أحدهما: تحريم القتال فيها، وقد كان أهل ~~الجاهلية أيضا يعتقدون تحريم القتال فيها، وقال الله تعالى: {يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} . والثاني: تعظيم انتهاك المحارم ~~فيها بأشد من تعظيمه في غيرها، وتعظيم الطاعات فيها أيضا. وإنما فعل الله ~~تعالى ذلك لما فيه من المصلحة في ترك الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم الله ~~والمبادرة إلى الطاعات من الاعتماد والصلاة والصوم وغيرها، كما فرض صلاة ~~الجمعة في يوم بعينه، وصوم رمضان في وقت معين، وجعل بعض الأماكن في حكم ~~الطاعات، ومواقعة المحظورات أعظم من حرمة غيره نحو بيت الله الحرام ومسجد ~~المدينة، فيكون ترك الظلم والقبائح في هذه الشهور والمواضع داعيا إلى تركها ~~في غيره، ومصير فعل الطاعات والمواظبة عليها في هذه الشهور وهذه المواضع ~~الشريفة داعيا إلى فعل أمثالها في غيرها للمرور والاعتياد، وما يصحب الله ~~العبد من توفيقه عند إقباله إلى طاعته، وما يلحق العبد من الخذلان عند ~~إكبابه على المعاصي واشتهاره وأنسه بها، فكان في تعظيم بعض الشهور وبعض ~~الأماكن أعظم المصالح في الاستدعاء إلى الطاعات وترك القبائح، ولأن الأشياء ~~تجر إلى أشكالها، وتباعد من أضدادها، فالاستكثار من الطاعة يدعو إلى ~~أمثالها، والاستكثار من المعصية يدعو إلى أمثالها. # قوله تعالى: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} . الضمير في قوله: {فيهن} عند ابن ~~عباس راجع إلى الشهور. وقال قتادة: هو عائد إلى الأربعة الحرم. # وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} يحتمل وجهين: أحدهما: الأمر بقتال سائر ~~أصناف أهل الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة، وأداء الجزية على ما بينه في ~~غير هذه الآية، والآخر: الأمر بأن نقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين. ~~ولما احتمل الوجهين كان عليهما إذ ليسا متنافيين، فتضمن ذلك الأمر بالقتال ~~لجميع المشركين، وأن يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال. وقوله: {كما ~~يقاتلونكم كافة} يعني أن جماعتهم يرون ذلك فيكم، ويعتقدونه. ويحتمل: كما ~~يقاتلونكم مجتمعين. وهذه ms2179 الآية في معنى قوله: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} متضمنة لرفع العهود والذمم التي كانت بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين المشركين، وفيها زيادة معنى، وهو الأمر بأن نكون مجتمعين في حال ~~قتالنا إياهم # قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} : فالنسيء التأخير، ومنه البيع ~~بنسيئة، وأنسأت البيع أخرته و {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة:106] أي ~~نؤخرها، # PageV03P143 # ونسئت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها، ونسئت الناقة إذا دفعتها في السير ~~لأنك زجرتها عن التأخر والمنسأة العصا التي ينسأ بها الأذى ويزجر ويساق بها ~~فيمنع من التأخر. ومراد الله تعالى ذكره النسيء في هذا الموضع ما كانت ~~العرب تفعله من تأخير الشهور، فكان يقع الحج في غير وقته واعتقاد حرمة ~~الشهور في غير زمانه، فقال ابن عباس: كانوا يجعلون المحرم صفرا، وقال ابن ~~أبي نجيح، وغيره: "كانت قريش تدخل في كل ستة أشهر أياما يوافقون ذا الحجة ~~في كل ثلاث عشرة سنة، فوفق الله تعالى رسوله في حجته استدارة زمانهم كهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض، فاستقام الإسلام على عدد الشهور ووقف الحج ~~على ذي الحجة". وقال ابن إسحاق: "كان ملك من العرب يقال له القلمس، واسمه ~~حذيفة أول من أنسأ النسيء، أنسأ المحرم فكان يحله عاما، ويحرمه عاما، فكان ~~إذا حرمه كانت ثلاث حرمات متواليات، وهي العدة التي حرم الله في عهد ~~إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ العدة، ~~يقول: قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهرا إلا قد حرمت مكانه شهرا، ~~فحج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عاد المحرم إلى ما كان عليه في الأصل، ~~فأنزل الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} فأخبر الله أن ~~النسيء الذي كانوا يفعلونه كفرا; لأن الزيادة في الكفر لا تكون إلا كفرا، ~~لاستحلالهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله، فكان القوم كفارا باعتقادهم ~~الشرك ثم ازدادوا كفرا بالنسيء". # PageV03P144 # باب فرض النفير والجهاد # قال الله تعالى: {يا أيها الذين ms2180 آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض} إلى قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم} . اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من لم يستنفر، وقال في آية ~~بعدها: {انفروا خفافا وثقالا} . فأوجب النفير مطلقا غير مقيد بشرط ~~الاستنفار، فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له. # وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: ~~حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو اليمان وحجاج كلاهما عن جرير بن عثمان عن ~~عبد الرحمن بن ميسرة، وابن أبي بلال عن أبي راشد الحبراني أنه وافى المقداد ~~بن الأسود، وهو يجهز، قال: فقلت: يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك، أو قال: ~~قد عذرك الله، يعني في القعود عن الغزو; فقال: أتت علينا سورة براءة: ~~{انفروا خفافا وثقالا} . قال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب ~~عن ابن سيرين: أن أبا أيوب شهد بدرا # PageV03P144 # مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاما ~~واحدا، فإنه استعمل على الجيش رجل شاب، ثم قال بعد ذلك: وما علي من استعمل ~~علي فكان يقول: قال الله: {انفروا خفافا وثقالا} فلا أجدني إلا خفيفا أو ~~ثقيلا. وبإسناده قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد ~~عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة قرأ هذه الآية: {انفروا خفافا وثقالا} قال: ما ~~أرى الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخا، جهزوني فجهزناه، فركب البحر، ومات في ~~غزاته تلك فما وجدنا له جزيرة ندفنه فيها أو قال: يدفنونه فيها إلا بعد ~~سابعه1. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال: ~~قالوا فينا الثقيل وذو الحاجة والصنعة والمنتشر عليه أمره قال الله تعالى: ~~{انفروا خفافا وثقالا} . # فتأول هؤلاء هذه الآية على فرض النفير ابتداء، وإن لم يستنفروا، والآية ~~الأولى يقتضي ظاهرها وجوب فرض النفير إذا استنفروا، وقد ذكر في تأويله ~~وجوه: أحدها: أن ذلك ms2181 كان في غزوة تبوك لما ندب إليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم الناس إليها فكان النفير مع رسول الله فرضا على من استنفر، وهو مثل ~~قوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة:120] قالوا: وليس كذلك حكم النفير مع ~~غيره. # وقيل: إن هذه الآية منسوخة. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال: حدثنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد ~~النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم} و {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله} [التوبة:120] . نسختها الآية التي تليها: {وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة} [التوبة:122] . وقال آخرون: ليس في واحدة منهما نسخ، وحكمهما ~~ثابت في حالين، فمتى لم يقاوم أهل الثغور العدو، واستنفروا ففرض على الناس ~~النفير إليهم حتى يستحيوا الثغور، وإن استغني عنهم باكتفائهم بمن هناك سواء ~~استنفروا أو لم يستنفروا، ومتى قام الذين في وجه العدو بفرض الجهاد، ~~واستغنوا بأنفسهم عمن وراءهم فليس على من وراءهم فرض الجهاد إلا أن يشاء من ~~شاء منهم الخروج للقتال فيكون فاعلا للفرض، وإن كان معذورا في القعود بديا ~~لأن الجهاد فرض على الكفاية، ومتى قام به بعضهم سقط عن الباقين. وقد حدثنا ~~PageV03P145 # محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ~~حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية وإن استنفرتم ~~فانفروا"، فأمر بالنفير عند الاستنفار، وهو موافق لظاهر قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض} وهو محمول على ما ذكرنا من الاستنفار للحاجة إليهم لأن أهل الثغور ~~متى اكتفوا بأنفسهم، ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون، ms2182 ~~ولكن لو استنفرهم الإمام مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش ~~المسلمين لأنه يريد أن يغزو أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من ~~المسلمين أن ينفروا. وهذا هو موضع الخلاف بين الفقهاء في فرض الجهاد، فحكي ~~عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن الجهاد تطوع وليس بفرض، وقالوا: {كتب ~~عليكم القتال} [البقرة:216] ليس على الوجوب بل على الندب، كقوله تعالى: ~~{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} ~~[البقرة:180] . وقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك، وإن كان مختلفا في صحة ~~الرواية عنه، وهو ما حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا علي بن معبد عن أبي المليح الرقي ~~عن ميمون بن مهران قال: كنت عند ابن عمر، فجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص فسأله عن الفرائض، وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه، فقال: الفرائض ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وحج البيت وصيام رمضان والجهاد في سبيل الله، قال: فكأن ابن عمر غضب من ~~ذلك، ثم قال: الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان قال: وترك الجهاد. وروي عن ~~عطاء وعمرو بن دينار نحوه، حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن "محمد ~~بن" اليمان قال: حدثنا أبو عبيد: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ~~أواجب الغزو على الناس؟ فقال هو وعمرو بن دينار ما علمناه. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد ومالك، وسائر فقهاء الأمصار: "إن الجهاد فرض إلى يوم ~~القيامة، إلا أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم كان الباقون في سعة من ~~تركه".، وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري كان يقول: ليس بفرض، ولكن لا يسع ~~الناس أن يجمعوا على تركه، ويجزي فيه بعضهم على بعض، فإن كان ms2183 هذا قول سفيان ~~فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية، وهو موافق لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه. ~~ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن ~~فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم # PageV03P146 # أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين. وهذا ~~لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم ~~حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى ~~كان بإزاء العدو مقاومين له، ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ~~ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو ~~بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم، وأن يقعدوا ~~عنهم، وقال آخرون: "على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى يسلموا أو ~~يؤدوا الجزية} ، وهو مذهب أصحابنا، ومن ذكرنا من السلف المقداد بن الأسود ~~وأبو طلحة في آخرين من الصحابة، والتابعين. وقال حذيفة بن اليمان:"الإسلام ~~ثمانية أسهم"، وذكر سهما منها الجهاد. وحدثنا جعفر بن محمد: حدثنا جعفر ~~بن"محمد بن" اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: ~~قال معمر: كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب، ثم ~~يقول: إن شئتم زدتكم. وحدثنا جعفر قال: حدثنا جعفر: حدثنا أبو عبيد: حدثنا ~~عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن ~~شهاب قال: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا، فمن قعد فهو عدة إن ~~استعين به أعان، وإن استنفر نفر، وإن استغنى عنه قعد، وهذا مثل قول من يراه ~~فرضا على الكفاية. وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن ~~الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم، ~~وأنه فرض على الكفاية. # والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة، فمنها قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا ~~تكون فتنة ويكون الدين ms2184 لله} [البقرة:193] فاقتضى ذلك وجوب قتالهم حتى ~~يجيبوا إلى الإسلام، وقال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم} الآية، ~~وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} الآية، وقال: {فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد:35] وقال: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} و {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم ~~كافة} . وقال: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله} وقال: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم} وقال: ~~{فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء:71] وقال: {يا أيها الذين آمنوا هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم} [الصف:11] فأخبر أن النجاة من عذابه إنما هي ~~بالإيمان بالله ورسوله وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال; فتضمنت الآية ~~الدلالة على فرض الجهاد من وجهين: أحدهما: أنه قرنه إلى فرض الإيمان، ~~والآخر: الإخبار بأن # PageV03P147 # النجاة من عذاب الله به وبالإيمان، والعذاب لا يستحق إلا بترك الواجبات، ~~وقال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة:216] ومعناه: فرض، كقوله: ~~{كتب عليكم الصيام} [البقرة:183] . فإن قيل هو كقوله: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة:180] وإنما هي ~~ندب ليست بفرض. قيل له: قد كانت الوصية واجبة بهذه الآية، وذلك قبل فرض ~~الله المواريث، ثم نسخت بعد الميراث، ومع ذلك فإن في حكم اللفظ الإيجاب إلا ~~أن تقوم دلالة للندب، ولم تقم الدلالة في الجهاد أنه ندب. # قال أبو بكر: فأكد الله تعالى فرض الجهاد على سائر المكلفين بهذه الآية، ~~وبغيرها على حسب الإمكان، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} [النساء:84] فأوجب عليه فرض الجهاد ~~من وجهين: أحدهما: بنفسه، ومباشرة القتال وحضوره، والآخر: بالتحريض والحث ~~والبيان لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له مال فلم يذكر فيما فرضه عليه ~~إنفاق المال، وقال لغيره: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} ~~فألزم من كان من أهل القتال وله مال فرض الجهاد بنفسه ms2185 وماله، ثم قال في آية ~~أخرى: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} فلم يخل من أسقط عنه ~~فرض الجهاد بنفسه وماله للعجز والعدم من إيجاب فرضه بالنصح لله ورسوله، ~~فليس أحد من المكلفين إلا وعليه فرض الجهاد على مراتبه التي وصفنا. # وقد روي في تأكيد فرضه أخبار كثيرة، فمنها ما حدثنا عن عمرو بن حفص ~~السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا قيس بن الربيع عن جبلة بن سحيم ~~عن مؤثر بن عفازة عن بشير ابن الخصاصية قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبايعه فقلت له: علام تبايعني يا رسول الله؟ فمد رسول الله يده فقال: "على ~~أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وتصلي الصلوات الخمس ~~المكتوبات لوقتهن وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحج البيت وتجاهد في ~~سبيل الله"، فقلت: يا رسول الله كلا لا أطيق إلا اثنتين إيتاء الزكاة فما ~~لي إلا حمولة أهلي، وما يقومون به، وأما الجهاد فإني رجل جبان فأخاف أن ~~تخشع نفسي فأفر فأبوء بغضب من الله; فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يده، وقال: "يا بشير لا جهاد ولا صدقة فبما تدخل الجنة؟ " فقلت: يا رسول ~~الله ابسط يدك فبسط يده فبايعته عليهن. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا حجاج # PageV03P148 # قال: حدثنا حماد: أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" فأوجب الجهاد بكل ~~ما أمكن الجهاد به. وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى ~~بالإيجاب من الجهاد، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام وأداء الفرائض، ~~وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين، وذهاب الإسلام، إلا أن فرضه على ~~الكفاية على ما بينا. # فإن احتج محتج بما ms2186 روى عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن واقد ~~بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني ~~الإسلام على خمس"، فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان، فذكر ~~هذه الخمس، ولم يذكر فيه الجهاد، وهذا يدل على أنه ليس بفرض. قال أبو بكر: ~~وهذا حديث في الأصل موقوف على ابن عمر رواه وهب عن عمر بن محمد عن زيد عن ~~أبيه عن ابن عمر أنه قال: وجدت الإسلام بني على خمس، وقوله: "وجدت" دليل ~~على أنه قال من رأيه، وجائز أن يجد غيره ما هو أكثر منه; وقول حذيفة: بني ~~الإسلام على ثمانية أسهم أحدها الجهاد يعارض قول ابن عمر. # فإن قيل فقد روى عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان قال: ~~سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد ~~الرحمن ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بني ~~الإسلام على خمسة"، فهذا حديث مستقيم السند مرفوع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قيل له: جائز أن يكون إنما اقتصر على خمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم ~~الإنسان في نفسه دون ما يكون منه فرضا على الكفاية، ألا ترى أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وتعلم علوم الدين، وغسل الموتى ~~وتكفينهم ودفنهم كلها فروض، ولم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فيما بني ~~عليه الإسلام؟ ولم يخرجه ترك ذكره من أن يكون فرضا; لأنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما قصد إلى بيان ذكر الفروض اللازمة للإنسان في خاصة نفسه في أوقات ~~مرتبة، ولا ينوب غيره عنها فيه، والجهاد فرض على الكفاية على الحد الذي ~~بينا، فلذلك لم يذكره. # وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوبه، وهو ما ~~حدثنا عن عبد الله بن شيرويه قال: حدثني إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا جرير ~~عن ms2187 ليث بن أبي سليم عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان، وما نرى ~~أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، حتى إن الدينار والدرهم ~~اليوم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم،, وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا ~~أذناب البقر، وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يراجعوا ~~دينهم". # PageV03P149 # وحدثنا عن خلف بن عمرو العكبري قال: حدثنا المعلى بن مهدي: حدثنا عبد ~~الوارث: حدثنا ليث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحوه فقد اقتضى هذا اللفظ وجوب الجهاد لإخباره بإدخال ~~الله الذل عليهم بذكر عقوبة على الجهاد، والعقوبات لا تستحق إلا على ترك ~~الواجبات، وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية، وأن ~~الرواية التي رويت عنه في نفي فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من ~~أنه غير متعين على كل حال في كل زمان. # ويدل على أنه فرض على الكفاية قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة} وقوله: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء:71] وقوله: {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد ~~الله الحسنى} [النساء:95] فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما كان ~~القاعدون موعودين بالحسنى بل كانوا يكونون مذمومين مستحقين للعقاب بتركه. ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان: حدثنا أبو عبيد: ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في ~~قوله عز وجل: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء:71] وفي قوله: ~~{انفروا خفافا وثقالا} قال: نسختها {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون} قال: تنفر طائفة وتمكث ms2188 طائفة مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فالماكثون هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا ~~إليهم من الغزو بما نزل من قضاء الله وكتابه وحدوده. وحدثنا جعفر بن محمد ~~قال: أخبرنا جعفر بن "محمد بن" اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد ~~الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه ~~الآية قال: "يعني من السرايا كانت ترجع، وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون ~~من النبي صلى الله عليه وسلم فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعدهم، ويبعث سرايا أخر" قال: فذلك قوله: {ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} . فثبت بما قدمنا لزوم فرض الجهاد، ~~وأنه فرض على الكفاية، وليس بلازم لكل أحد في خاصة نفسه وماله إذا كفاه ذلك ~~غيره. # قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم} الآية روي عن الحسن ~~ومجاهد والضحاك: شبانا وشيوخا. وعن أبي صالح: "أغنياء وفقراء". وعن الحسن: ~~مشاغيل، وغير مشاغيل. وعن ابن عباس قتادة: نشاطا وغير نشاط. وعن ابن عمر: ~~ركبانا ومشاة. وقيل:"ذا صنعة وغير ذي صنعة". قال أبو بكر: كل هذه الوجوه # PageV03P150 # يحتمله اللفظ، فالواجب أن يعمها، إذ لم تقم دلالة التخصيص. # وقوله: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} فأوجب فرض الجهاد بالمال ~~والنفس جميعا، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال ~~فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما أن من له قوة وجلد، ~~وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه، وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد ~~أن يجد ما يبلغه، ومن قوي على القتال، وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال، ~~ومن كان عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله: {ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله} . # وقوله تعالى: {ذلكم خير لكم} مع أنه لا خير في ترك الجهاد قيل فيه ms2189 وجهان: ~~أحدهما: خير من تركه إلى المباح في الحال التي لا يتعين عليه فرض الجهاد، ~~والآخر: أن الخير فيه لا في تركه. # وقوله: {إن كنتم تعلمون} قيل فيه: إن كنتم تعلمون الخير في الجملة ~~فاعلموا أن هذا خير، وقيل: إن كنتم تعلمون صدق الله فيما وعد به من ثوابه ~~وجنته. # قوله تعالى: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} الآية. لما أكذبهم ~~الله في قوله: {لو استطعنا لخرجنا معكم} دل على أنهم كانوا مستطيعين، ولم ~~يخرجوا، وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر في أن المكلفين غير مستطيعين لما ~~كلفوا في حال التكليف قبل وقوع الفعل منهم; لأن الله تعالى قد أكذبهم في ~~نفيهم الاستطاعة عن أنفسهم قبل الخروج. وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم; لأنه أخبر أنهم سيحلفون، فجاءوا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون ~~منهم. # قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا} . ~~العفو ينصرف على وجوه: أحدها: التسهيل والتوسعة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والعفو الترك، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى" والعفو الكثرة، كقوله تعالى: {حتى ~~عفوا} [الأعراف:95] يعني: كثروا، وأعفيت فلانا من كذا وكذا إذا سهلت له ~~تركه، والعفو الصفح عن الذنب، وهو إعفاؤه من تبعته وترك العقاب عليه، وهو ~~مثل الغفران في هذا الموضع، وجائز أن يكون أصله التسهيل، فإذا عفا عن ذنبه ~~فلم يستقص عليه، وسهل عليه الأمر، وكذلك سائر الوجوه التي تنصرف عليها هذه ~~الكلمة يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة. ومن الناس من يقول: إنه قد كان ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ذنب صغير في إذنه لهم، ولهذا قال تعالى: {عفا ~~الله عنك لم أذنت # PageV03P151 # لهم} إذ لا يجوز أن تقول لم فعلت ما جعلت لك فعله؟ كما لا يجوز أن تقول ~~لم فعلت ما أمرتك بفعله؟ قالوا: فغير جائز إطلاق العفو عما قد جعل له فعله، ~~كما لا يجوز أن يعفو عنه ما ms2190 أمره به. وقيل: إنه جائز أن لا تكون منه معصية ~~في الإذن لهم لا صغيرة ولا كبيرة، وإنما عاتبه بأن قال: لم فعلت ما جعلت لك ~~فعله مما غيره أولى منه؟ إذ جائز أن يكون مخيرا بين فعلين، وأحدهما أولى من ~~الآخر، قال الله تعالى: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ~~وأن يستعففن خير لهن} [النور:60] فأباح الأمرين وجعل أحدهما أولى، وقد روى ~~شعبة عن قتادة في قوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} : كانت كما تسمعون ثم ~~أنزل الله في سورة النور: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه} إلى قوله: {فأذن لمن شئت منهم} [النور:62] فجعله الله تعالى رخصة ~~في ذلك. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله} إلى قوله: {يترددون} : هذا بعينه للمنافقين حين استأذنوه ~~للقعود عن الجهاد من غير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال: {وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} . وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس ~~قوله: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله} قال: "نسخها قوله: {وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} إلى قوله: {فأذن لمن شئت منهم} ~~[النور:62] فجعل الله تعالى رسوله بأعلى النظرين. # قال أبو بكر جائز أن يكون قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} في قوم ~~من المنافقين لحقتهم تهمة، فكان يمكن النبي استبراء أمرهم بترك الإذن لهم، ~~فيظهر نفاقهم إذا لم يخرجوا بعد الأمر بالخروج، ويكون ذلك حكما ثابتا في ~~أولئك. ويدل عليه قوله: {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} ويكون ~~قوله: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور:62] ~~وقوله: {فأذن لمن شئت منهم} [النور:62] في المؤمنين الذين لو لم يأذن لهم ~~لم يذهبوا، فلا تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى. # قوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} إلى قوله: ~~{بأموالهم} الآية. يعني: لا يستأذنك المؤمنون في التخلف عن الجهاد لأن ms2191 لا ~~يجاهدوا وأضمر "لا" في قوله: {أن يجاهدوا} لدلالة الكلام عليه، وهذا يدل ~~على أن الاستئذان في التخلف كان محظورا عليهم، ويدل على صحة تأويل قوله: ~~{عفا الله عنك} على أنه عفو عن ذنب، وإن كان صغيرا، وروي عن الحسن في قوله: ~~{أن يجاهدوا} أنه على تقدير كراهة أن يجاهدوا، وهو يؤول إلى المعنى الأول ~~لأن إضمار "لا" فيه وإضمار الكراهة سواء. # PageV03P152 # وهذه الآية أيضا تدل على وجوب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا; لأنه قال ~~تعالى: {أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} فذمهم على الاستئذان في ترك الجهاد ~~بهما. # PageV03P153 # مطلب: في الجهاد بالمال # والجهاد بالمال يكون على وجهين: أحدهما إنفاق المال في إعداد الكراع ~~والسلاح والآلة والراحلة والزاد، وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه. ~~والثاني إنفاق المال على غيره مما يجاهد، ومعونته بالزاد والعدة ونحوها. # PageV03P153 # مطلب: في الجهاد بالنفس # والجهاد بالنفس على ضروب: منها الخروج بنفسه، ومباشرة القتال، ومنها بيان ~~ما افترض الله من الجهاد، وذكر الثواب الجزيل لمن قام به، والعقاب لمن قعد ~~عنه، ومنها التحريض والأمر، ومنها الإخبار بعورات العدو، وما يعلمه من ~~مكايد الحرب وسداد الرأي وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر ~~الحروب، كما قال الخباب بن المنذر حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم ببدر ~~فقال: يا رسول الله أهذا رأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي رأيته" قال: فإني ~~أرى أن تنزل على الماء، وتجعله خلف ظهرك، وتغور الآبار التي في ناحية ~~العدو، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ونحو ذلك من كل قول يقوي أمر ~~المسلمين، ويوهن أمر العدو. # PageV03P153 ### | باب حكم نصارى بني تغلب # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى ~~قوله: {من الذين أوتوا الكتاب} ونصارى بني تغلب منهم لأنهم ينتحلون نحلتهم، ~~وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم، وقال الله تعالى: {ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم} [المائدة:51] فجعل الله تعالى من يتولى قوما منهم في حكمهم; ~~ولذلك قال ابن عباس في نصارى بني تغلب: إنهم لو لم ms2192 يكونوا منهم إلا ~~بالولاية لكانوا منهم لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~[المائدة:51] وذلك حين قال علي رضي الله عنه: إنهم لم يتعلقوا من النصرانية ~~إلا بشرب الخمر، قال ابن عباس ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن ~~حاتم حين جاءه فقال له: "أما تقول إلا أن يقال لا إله إلا الله؟ " فقال: إن ~~لي دينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أعلم به منك ألست ركوسيا؟ " ~~قال: نعم، قال: "ألست تأخذ المرباع؟ " قال: نعم، قال: "فإن ذلك لا يحل لك ~~في دينك" فنسبه إلى صنف من النصارى مع إخباره بأنه غير متمسك به بأخذه ~~المرباع، وهو ربع الغنيمة، والغنيمة غير مباحة في دين النصارى، فثبت بذلك ~~أن انتحال بني تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكمهم، وأن يكونوا أهل ~~كتاب، وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم. # PageV03P121 ### | مطلب: في محاورة الرشد مع محمد بن الحسن # وقد حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم قال: حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال: ~~سمعت أبا عبيد يقول: كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد، فقام الناس كلهم ~~إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد معتل القلب على محمد بن ~~الحسن فقام ودخل، ودخل الناس من أصحاب الخليفة، فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج ~~الإذن، فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس ~~مسرورا، قال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قال: كرهت أن أخرج عن الطبقة ~~التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي ~~خارجة منه، وإن ابن عمك صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يميل له الرجال ~~قياما فليتبوأ مقعده من النار"، وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق ~~الخدمة، وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتباعا للسنة التي عنكم أخذت ~~فهو زين لكم، قال: صدقت يا محمد ثم شاورني فقال: إن عمر بن ms2193 الخطاب صالح بني ~~تغلب على أن لا ينصروا أولادهم، وقد نصروا أبناءهم، وحلت بذلك دماؤهم، فما ~~ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصروا أولادهم بعد عمر، واحتمل ذلك ~~عثمان وابن عمك. وكان من العلم بما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا ~~صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم # PageV03P123 ### | باب من تؤخذ منه الجزية # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~فكان معقولا من فحوى الآية، ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل ~~القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال، إذ القتال لا ~~يكون إلا بين اثنين، ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه، وإذا كان كذلك ثبت ~~أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال، ومن يمكنه أداؤه من المحترفين; ~~ولذلك قال أصحابنا: إن من لم يكن من أهل # PageV03P124 ### | مطلب في مقدار الجزية # وأما مقدار الجزية قال الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~فلم تكن في ظاهر الآية دلالة على مقدار منها بعينه. وقد اختلف الفقهاء في ~~مقدارها، فقال أصحابنا: "على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما، وعلى الوسط ~~أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما"، وهو قول الحسن ~~بن صالح. وقال مالك: "أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل ~~الورق الغني والفقير سواء لا يزاد ولا ينقص". وقال الشافعي: "دينار على ~~الغني والفقير". وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: بعث عمر بن الخطاب ~~عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما وأربعة ~~وعشرين درهما واثني عشر درهما. وروى الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ~~ميمون قال: بعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان ~~بن حنيف على ما دون دجلة، فأتياه فسألهما: كيف وضعتما على أهل الأرض؟ قالا: ms2194 ~~وضعنا على كل رجل أربعة دراهم في كل شهر، قال: ومن يطيق هذا؟ قالا: إن لهم ~~فصولا فذكر عمرو بن ميمون ثمانية، وأربعين درهما، ولم يفصل الطبقات، وذكر ~~حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات الثلاث، فالواجب أن يحمل ما # PageV03P125 ### | في تمييز الطبقات # قال أبو يوسف في كتاب الخراج: "تؤخذ منهم على الطبقات على ما وصفت ثمانية ~~وأربعين على الموسر مثل الصيرفي والبزاز وصاحب الصنعة، والتاجر والمعالج ~~والطبيب وكل من كان في يده منهم صنعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة ~~وتجارة على قدر صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون على الموسر وأربعة وعشرون ~~من المتوسط، من احتملت صناعته ثمانية وأربعين أخذ منه ذلك، ومن احتملت ~~أربعة وعشرين أخذ ذلك منه، واثنا عشر على العامل بيده مثل الخياط والصباغ ~~والجزار والإسكاف ومن أشبههم". فلم يعتبر الملك، واعتبر الصناعات، ~~والتجارات على ما جرت به عادة الناس في الموسر والمعسر منهم. وذكر علي بن ~~موسى القمي من غير أن عزى ذلك إلى أحد من أصحابنا أن الطبقة الأولى من ~~يحترف، وليس له ما يجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهم الفقراء ~~المحترفون، فمن كان له أقل من مائتي درهم فهم من أهل هذه الطبقة، قال: ~~والطبقة الثانية أن يبلغ مال الرجع مائتي درهم فما زاد إلى أربعة آلاف ~~درهم; لأن من له مائتا درهم غني تجب عليه الزكاة لو كان مسلما فهو خارج عن ~~طبقة الفقراء، قال: وإنما أخذنا اعتبار الأربعة الآلاف من قول علي رضي الله ~~عنه وابن عمر: "أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوق ذلك فهو كثير" قال: وقد ~~يجوز أن تجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، وما ~~زاد على ذلك فهو من الطبقة الثالثة لما روى حماد بن سلمة عن طلحة بن عبد ~~الله بن كريز عن أبي الضيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب بها يوم القيامة" وهذا الذي ذكره ~~علي بن ms2195 موسى القمي هو اجتهاد يسوغ القول به لمن غلب في ظنه صوابه. # وقوله تعالى: {عن يد} قال قتادة: "عن قهر" كأنه ذهب في اليد إلى القوة ~~والقدرة والاستعلاء فكأنه قال: على استعلاء منكم عليهم، وقهرهم. وقيل: {عن ~~يد} يعني عن يد الكافر. وإنما ذكر اليد ليفارق حال الغصب; لأنه يعطيها بيده ~~راضيا بها # PageV03P127 ### | باب وقت وجوب الجزية # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} ; فأوجب قتالهم، وجعل إعطاء الجزية غاية لرفعه ~~عنهم; لأن {حتى} غاية، هذا حقيقة اللفظ، والمفهوم من ظاهره، ألا ترى أن ~~قوله: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222] قد حظر إباحة قربهن إلا بعد ~~وجود طهرهن. وكذلك المفهوم من قول القائل: "لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل ~~الدار" منع الإعطاء إلا بعد دخوله، فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل ~~الكتاب مزيلة ذلك عنهم بإعطاء الجزية، وهذا يدل على أن الجزية قد وجبت بعقد ~~الذمة، وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي; وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف قال: ~~"لا تؤخذ من الذمي الجزية حتى تدخل السنة، ويمضي شهران منها بعض ما عليه ~~بشهرين، ونحو ذلك يعامل في الجزية، بمنزلة الضريبة كلما كان يمضي شهران أو ~~نحو ذلك أخذت منه". قال أبو بكر: يعني بالضريبة الأجرة في الإجارات; قال ~~أبو يوسف: "ولا يؤخذ ذلك منه حين تدخل السنة، ولا يؤخذ ذلك منه حتى تتم ~~السنة، ولكن يعامل ذلك في سنته". قال أبو بكر: ذكره للشهرين إنما هو توفية، ~~وهي واجبة بإقرارنا إياه على الذمة، لما تضمنه ظاهر الآية. وذكر ابن سماعة ~~عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في الذمي: "يؤخذ منه خراج رأسه في سنته ~~ما دام فيها، فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه". وهذا يدل من قول أبي حنيفة ~~على أنه رآها واجبة بعقد الذمة لهم، وأن تأخيرنا بعض السنة إنما هو توفية ~~للواجب وتوسعة. ألا ترى أنه قال: # PageV03P129 ### | مطلب: كان آل مروان يأخذون الجزية ممن ms2196 أسلم من أهل الذمة # وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة، ويذهبون إلى أن ~~الجزية بمنزلة ضريبة العبد فلا يسقط إسلام العبد ضريبته، وهذا خلل في جنب ~~ما ارتكبوه # PageV03P131 ### | في خراج الأرض هل هو جزية # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في خراج الأرضين هل هو صغار، وهل يكره ~~للمسلم أن يملك أرض الخراج، فروي عن ابن عباس وابن عمر، وجماعة من التابعين ~~كراهته، ورأوه داخلا في آية الجزية، وهو قول الحسن بن حي وشريك. وقال ~~آخرون: "الجزية إنما هي خراج الرءوس، ولا يكره للمسلم أن يشتري أرض خراج، ~~وليس ذلك بصغار"، وهو قول أصحابنا وابن أبي ليلى. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود ما يدل على أنه لم يكرهه، وهو ما روى شعبة عن الأعمش عن شمر بن عطية ~~عن رجل من طي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا" قال عبد الله: براذان ما ~~براذان، وبالمدينة ما بالمدينة يعني أن له ضيعة براذان، وضيعة بالمدينة; ~~ومعلوم أن راذان من أرض الخراج، فلم يكره عبد الله ملك أرض الخراج. وروي عن ~~عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك حين أسلمت: إن أقامت على أرضها أخذنا ~~منها الخراج. وروي أن ابن الرفيل أسلم فقال مثل ذلك، وعن علي في رجل من أهل ~~الأرض أسلم فقال: إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج، وإلا فنحن أولى بها. ~~وروي عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد مثل ذلك. وروى سهيل بن أبي صالح عن ~~أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "منعت العراق قفيزها ~~ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها، وعدتم كما بدأتم" ~~ثلاث مرات، يشهد على ذلك لحم أبي # PageV03P132 ### | فصل # إن قال قائل من الملحدين: كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية ~~بدلا من الإسلام؟ قيل له: ليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم، ولا إباحة ms2197 ~~لبقائهم على شركهم، وإنما الجزية عقوبة لهم لإقامتهم على الكفر، وتبقيتهم ~~على كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم، إذ ليس في العقل ~~إيجاب قتلهم لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يبقي الله كافرا طرفة عين، فإذا ~~بقاهم لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم، ~~واستمالة لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم إذ كان في علم الله ~~أن منهم من يؤمن، ومنهم من يكون من نسله من يؤمن بالله، فكان في ذلك أعظم ~~المصلحة مع ما للمسلمين فيها من الرفق والمنفعة; فليس إذا في إقرارهم على ~~الكفر، وترك قتلهم بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم، ولا الإباحة لاعتقادهم، ~~وشركهم، فكذلك إمهالهم بالجزية جائز في العقل إذ ليس فيه أكثر من تعجيل بعض ~~عقابهم المستحق بكفرهم، وهو ما يلحقهم من الذل والصغار بأدائها. # قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} ~~قيل: إنه # PageV03P133 ### | مطلب: في زكاة الذهب والفضة # قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~الآية; يقتضي ظاهره إيجاب إنفاق جميع المال; لأن الوعيد لاحق بترك إنفاق ~~الجميع لقوله: {ولا ينفقونها} ولم يقل ولا ينفقون منها. فإن قيل: لو كان ~~المراد الجميع لقال: ولا ينفقونهما قيل له: لأن الكلام رجع إلى مدلول عليه، ~~كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز، والآخران يكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز ~~كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة:11] قال ~~الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # والمعنى: راضون. والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه لو رجع إلى ~~أحدهما دون الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا لا معنى ~~له; إذ كان قوله: # PageV03P135 ### | مطلب: في زكاة الحلي # وقد اختلف الفقهاء في زكاة الحلي، فأوجب أصحابنا فيه الزكاة، وروي مثله ~~عن عمر وابن مسعود رواه سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن ~~مسعود. وروي عن جابر وابن عمر وعائشة: لا زكاة ms2198 في الحلي، وهو قول مالك ~~والشافعي. وروي عن أنس بن مالك: أن الحلي تزكى مرة واحدة ولا تزكى بعد ~~ذلك.، وقد ذكرنا وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له، وقد ~~روي عن النبي آثار في إيجاب زكاة الحلي، منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين في أيديهما سواران من ذهب ~~فقال: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم ~~القيامة سوارين من نار" فأوجب الزكاة في السوار، وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عتاب بن ثابت بن عجلان ~~عن عطاء عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز ~~هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز". وقد حوى هذا الخبر ~~معنيين: أحدهما: وجوب زكاة الحلي، والآخر: أن الكنز ما لم تؤد زكاته. ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي: ~~حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق: حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي ~~جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال ~~دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " ~~فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال: "أتؤدين زكاتهن؟ " # PageV03P138 ### | فصل # وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما، فاقتضى ذلك ~~وجوب ضم بعضها إلى بعض. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا: يضم ~~أحدهما إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكي". واختلف أصحابنا في كيفيته، ~~فقال أبو حنيفة: يضم بالقيمة كالعروض. وقال أبو يوسف ومحمد: "يضم ~~بالأجزاء". وقال ابن أبي ليلى والشافعي: "لا يضمان". وروي الضم عن الحسن ~~وبكير بن عبد الله بن الأشج وقتادة، والدليل ms2199 على وجوب الزكاة فيهما مجموعين ~~قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} فأوجب ~~الله تعالى فيهما الزكاة مجموعين; لأن قوله: {ولا ينفقونها} قد أراد به ~~إنفاقهما جميعا. ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان # PageV03P139 ### | مطلب: قد اجتهد محمد بن موسى المنجم في كشف حقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم "أن الزمان قد استدار كهيئته" ثماني سنين. # وقد ذكر لي بعض أولاد بني المنجم أن جده وهو أحسب محمد بن موسى المنجم ~~الذي ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتداء خلق الله السموات والأرض ~~فوجدها قد عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع; لأن خطبته هذه كانت ~~بمنى يوم النحر عند العقبة; وأنه حسب ذلك في ثماني سنين فكان ذلك اليوم ~~العاشر من ذي الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور، والشمس والقمر في ~~ذلك اليوم في الموضع الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد عاد الزمان ~~إليه مع النسيء بالذي قد كان أهل الجاهلية ينسئون، وتغيير أسماء الشهور، ~~ولذلك لم تكن السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج ~~فيه. # وإنما قال "رجب مضر بين جمادى وشعبان" دون رمضان الذي يسميه ربيعة رجب. # وأما الوجه الآخر في معنى قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله} فهو أن الله قسم الزمان اثني عشر قسما، فجعل نزول الشمس في ~~كل برج من البروج الاثني عشر قسما منها، فيكون قطعها للفلك في ثلاثمائة ~~وخمسة وستين يوما وربع يوم، فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما ~~وكسر، وقسم الأزمنة أيضا على مسير القمر، فصار القمر يقطع الفلك في تسعة ~~وعشرين يوما ونصف يوم. وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ~~وربع يوم، فكان قطع الشمس للبرج مقاربا لقطع القمر للفلك كله، وهذا معنى ~~قوله تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن:5] وقال تعالى: ms2200 {وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} [الاسراء:12] ; فلما كانت السنة # PageV03P141 ### | باب فرض النفير والجهاد # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض} إلى قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم} . اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من لم يستنفر، وقال في آية ~~بعدها: {انفروا خفافا وثقالا} . فأوجب النفير مطلقا غير مقيد بشرط ~~الاستنفار، فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له. # وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: ~~حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو اليمان وحجاج كلاهما عن جرير بن عثمان عن ~~عبد الرحمن بن ميسرة، وابن أبي بلال عن أبي راشد الحبراني أنه وافى المقداد ~~بن الأسود، وهو يجهز، قال: فقلت: يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك، أو قال: ~~قد عذرك الله، يعني في القعود عن الغزو; فقال: أتت علينا سورة براءة: ~~{انفروا خفافا وثقالا} . قال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب ~~عن ابن سيرين: أن أبا أيوب شهد بدرا # PageV03P144 ### | مطلب: في الجهاد بالمال # والجهاد بالمال يكون على وجهين: أحدهما إنفاق المال في إعداد الكراع ~~والسلاح والآلة والراحلة والزاد، وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه. ~~والثاني إنفاق المال على غيره مما يجاهد، ومعونته بالزاد والعدة ونحوها. # PageV03P153 ### | مطلب: في الجهاد بالنفس # والجهاد بالنفس على ضروب: منها الخروج بنفسه، ومباشرة القتال، ومنها بيان ~~ما افترض الله من الجهاد، وذكر الثواب الجزيل لمن قام به، والعقاب لمن قعد ~~عنه، ومنها التحريض والأمر، ومنها الإخبار بعورات العدو، وما يعلمه من ~~مكايد الحرب وسداد الرأي وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر ~~الحروب، كما قال الخباب بن المنذر حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم ببدر ~~فقال: يا رسول الله أهذا رأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي رأيته" قال: فإني ~~أرى أن تنزل على الماء، وتجعله خلف ms2201 ظهرك، وتغور الآبار التي في ناحية ~~العدو، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ونحو ذلك من كل قول يقوي أمر ~~المسلمين، ويوهن أمر العدو. # PageV03P153 ### | مطلب: في جهاد العلم # فإن قيل: فأي الجهادين أفضل أجهاد النفس والمال أم جهاد العلم؟ قيل له: ~~الجهاد بالسيف مبني على جهاد العلم وفرع عليه; لأنه غير جائز أن يعدوا في ~~جهاد السيف ما يوجبه العلم، فجهاد العلم أصل وجهاد النفس فرع، والأصل أولى ~~بالتفضيل من الفرع. # PageV03P153 ### | مطلب: في أن تعلم العلم أفضل أم الجهاد # ... # مطلب: في أن تعلم العلم أفضل من الجهاد # فإن قيل: تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين؟ قيل له: إذا خيف معرة العدو ~~وإقدامهم على المسلمين، ولم يكن بإزائه من يدفعه فقد تعين فرض الجهاد على ~~كل أحد، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم، لأن ضرر العدو ~~إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن ~~تعلم العلم فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه، ومتى لم يكن بإزاء ~~العدو من يدفعه عن المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد، وما كان فرضا ~~معينا على الإنسان غير # PageV03P153 # موسع عليه في التأخير فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره، وسقط عنه ~~بعينه، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها هو أولى من تعلم علم ~~الدين في تلك الحال إذ كان الفرض قد تعين عليه في هذا الوقت، فإن قام بفرض ~~الجهاد من فيه كفاية وغنى فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية كتعلم العلم، ~~إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى، وأفضل من الجهاد لما قدمنا من ~~علو مرتبة العلم، على مرتبة الجهاد، فإن ثبات الجهاد بثبات العلم وإنه فرع ~~له ومبني عليه. # PageV03P154 # مطلب: يجوز الجهاد وإن كان أمير الجيش فاسقا # فإن قيل: هل يجوز الجهاد مع الفساق؟ قيل له: إن كل أحد من المجاهدين ~~فإنما يقوم بفرض نفسه، فجائز له أن يجاهد الكفار، وإن كان أمير الجيش ms2202 ~~وجنوده فاسقا، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يغزون بعد الخلفاء ~~الأربعة مع الأمراء الفساق،, وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد اللعين، وقد ~~ذكرنن حديث أبي أيوب أنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا فإنه ~~استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك: وما علي من استعمل علي؟ فكان ~~يقول: قال الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا ~~فدل على أن الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول، وسائر الآي الموجبة ~~لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين، وأيضا فإن ~~الفساق إذا جاهدوا فهم مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام ~~وغير ذلك من شرائع الإسلام، وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته ~~على ذلك، فكذلك الجهاد، فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق، ~~فإذا كان الفرض عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول، ومع الفساق # PageV03P154 # مطلب: في وجوب الاستعداد للجهاد # قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} العدة ما يعده الإنسان ~~ويهيئه لما يفعله في المستقبل، وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب ~~الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل} [الأنفال:60] . # وقوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} يعني خروجهم; لأن خروجهم كان يقع ~~على وجه الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم، والخروج # PageV03P154 # على هذا الوجه معصية وكفر، فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية، ~~والله لا يحب الفساد. وقوله تعالى: {وقيل اقعدوا مع القاعدين} أي مع النساء ~~والصبيان. وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: اقعدوا مع ~~القاعدين وجائز أن يكون قاله بعضهم لبعض. # قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} الآية. فيه بيان وجه ~~خروجهم لو خرجوا، وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم، وهذا يدل على ms2203 ~~أن معاتبة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: {لم أذنت لهم} أن الله ~~علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ونفاقهم، وقد ~~أخبر الله تعالى أن خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون معصية وفسادا ~~على المؤمنين. وقوله: {ما زادوكم إلا خبالا} ، والخبال الاضطراب في الرأي، ~~فأخبر الله تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب وإفساد ~~القلوب والتخذيل عن العدو، فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم. # فإن قال قائل: لم قال: {ما زادوكم إلا خبالا} ولم يكونوا على خبال يزاد ~~فيه؟ قيل له: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه استثناء منقطع، تقديره: ما زادوكم ~~قوة لكن طلبوا لكم الخبال. والآخر: أنه يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا ~~على خبال في الرأي لما يعرض في النفوس من التلون إلى أن استقر على الصواب، ~~فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا معدولا به عن صواب الرأي. # قوله تعالى: {ولأوضعوا خلالكم} . قال الحسن: "ولأوضعوا خلالكم بالنميمة ~~لإفساد ذات بينكم". وقوله تعالى: {يبغونكم الفتنة} فإن الفتنة ههنا المحنة ~~باختلاف الكلمة والفرقة، ويجوز أن يريد به الكفر; لأنه يسمى بهذا الاسم ~~لقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة:193] وقوله: {والفتنة ~~أشد من القتل} [البقرة:191] . # وقوله: {وفيكم سماعون لهم} قال الحسن ومجاهد: "عيون منهم ينقلون إليهم ما ~~يسمعون منكم". وقال قتادة وابن إسحاق:"قابلون منهم عند سماع قولهم". # قوله تعالى: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} يعني طلبوا الفتنة، وهي ههنا ~~الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة. # وقوله تعالى: {وقلبوا لك الأمور} يعني به تصريف الأمور، وتقليبها ظهرا ~~لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره وإبطال أمره، فأبى الله ~~تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم وحيلهم. # PageV03P155 # قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} قال ابن عباس ومجاهد: ~~"نزلت في الجد بن قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مستهتر ~~بالنساء، وكان ذلك حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة تبوك، وقال ms2204 ~~الحسن وقتادة وأبو عبيدة: لا تؤثمني بالعصيان في المخالفة التي توجب ~~الفرقة. # قوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا} . روي عن ~~الحسن: كل ما يصيبنا من خير وشر فهو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ فليس ~~على ما يتوهمه الكفار من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا. ~~وقيل:"لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا". # قوله تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم} صيغته صيغة الأمر، ~~والمراد البيان عن التمكين من الطاعة والمعصية، كقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر} [الكهف:29] . وقيل: معناه الخبر الذي يدخل فيه "إن" للجزاء، ~~كما قال كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت # ومعناه: إن أحسنت أو أسأت لم تلامي. # قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الحياة الدنيا} . قيل فيه ثلاثة أوجه: قال ابن عباس وقتادة: فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة فكان ذلك عندهما على تقديم الكلام وتأخيره. وقال الحسن: "ليعذبهم في ~~الزكاة بالإنفاق في سبيل الله". وقال آخرون: "يعذبهم بها بالمصائب". وقيل: ~~"قد يكون صفة الكفار بالسبي وغنيمة الأموال". وهذه "اللام" التي في قوله: ~~{ليعذبهم} هي لام العاقبة، كقوله تعالى: {ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص:8] ~~. # قوله تعالى: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} الحلف تأكيد الخبر بذكر المعظم ~~على منهاج والله، وبالله والحروف الموضوعة للقسم، وكذلك القسم واليمين، إلا ~~أن الحلف من إضافة الخبر إلى المعظم وقوله: {ويحلفون بالله} إخبار عنهم ~~باليمين بالله، وجائز أن يكون أراد الخبر عن المستقبل في أنهم سيحلفون ~~بالله. وقول القائل: أحلف بالله، هو يمين بمنزلته لو حذف ذكر الحلف، وقال ~~بالله; لأنه بمنزلة قوله: "أنا حالف بالله" إلا أن يريد به العدة فلا يكون ~~يمينا، فهو ينصرف على المعنى، والظاهر منه إيقاع الحلف بهذا القول كقولك ~~"أنا أعتقد الإسلام"، ويحتمل العدة. وأما ms2205 قوله "بالله" فهو إيقاع لليمين، ~~وإن كان فيه إضمار "أحلف بالله" أو "قد حلفت بالله". وقيل: إنما حذف ذكر ~~الحلف ليدل # PageV03P156 # على وقوع الحلف، ويزول احتمال العدة كما حذف في "والله لأفعلن" ليدل أن ~~القائل حالف لا واعد. # وقوله تعالى: {إنهم لمنكم} معناه في الإيمان والطاعة والدين والملة، ~~فأكذبهم الله تعالى. والإضافة منهم جائزة إذا كان على دينهم كما قال: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} و {المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض} فنسب بعضهم إلى بعض لاتفاقهم في الدين والملة. # قوله تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} قال الحسن: يعيبك. وقيل: اللمز ~~العيب سرا، والهمز العيب بكسر العين، وقال قتادة: "يطعن عليك". ويقال: إن ~~هؤلاء كانوا قوما منافقين أرادوا أن يعطيهم رسول الله من الصدقات، ولم يكن ~~جائزا أن يعطيهم منها لأنهم ليسوا من أهلها، فطعنوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قسمة الصدقات، وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته، ويدل عليه ~~قوله تعالى: {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} وأخبر ~~أنه لا حظ لهؤلاء في الصدقات، وإنما هي للفقراء والمساكين ومن ذكر. # قوله تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله} فيه ضمير جواب "لو" تقديره: ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله لكان خيرا لهم أو أعود عليهم، وحذف الجواب في مثله أبلغ ~~لأنه لتأكيد الخبر به استغنى عن ذكره مع أن النفس تذهب إلى كل نوع منه، ~~والذكر يقصره على المذكور منه دون غيره. وفيه إخبار على أن الرضا بفعل الله ~~يوجب المزيد من الخير جزاء للراضي على فعله. # PageV03P157 # مطلب: في بيان معنى الفقير والمسكين # قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية قال الزهري: الفقير ~~الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ~~في حد الفقير والمسكين مثل هذا; وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا ~~وأبلغ في جهد الفقر والعدم من الفقير وروي عن ms2206 ابن عباس والحسن وجابر بن زيد ~~والزهري ومجاهد قالوا: الفقير: المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل; ~~فكان قول أبي حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف، ويدل على هذا قوله تعالى: ~~{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} ~~[البقرة:273] فسماهم فقراء، ووصفهم بالتعفف وترك المسألة، وروي عن قتادة ~~قال: الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة # PageV03P157 # والمسكين الصحيح منهم". وقيل: إن الفقير هو المسكين إلا أنه ذكر بالصفتين ~~لتأكيد أمره في استحقاق الصدقة. وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله ~~يقول: "المسكين هو الذي لا شيء له، والفقير هو الذي له أدنى بلغة" ويحكي ~~ذلك عن أبي العباس ثعلب، قال: وقال أبو العباس: حكي عن بعضهم أنه قال: قلت ~~لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا بل مسكين وأنشد عن ابن الأعرابي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة. قال: وحكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس ~~النحوي أنه قال:"الفقير يكون له بعض ما يغنيه، والمسكين الذي لا شيء له". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} [البقرة:273] ~~يدل على أن الفقير قد يملك بعض ما يغنيه لأنه لا يحسه الجاهل بحاله غنيا ~~إلا وله ظاهر جميل، وبزة حسنة، فدل على أن ملكه لبعض ما يغنيه لا يسلبه صفة ~~الفقر. وكان أبو الحسن يستدل على ما قال في صفة المسكين بحديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده التمرة ~~والتمرتان والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه" قال: ~~فلما نفى المبالغة في المسكنة عمن ترده التمرة والتمرتان، وأثبتها لمن لا ~~يجد ذلك وسماه مسكينا، دل ذلك على أن المسكين أضعف حالا من الفقير. قال: ~~ويدل عليه قوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} [البلد:16] روي في التفسير أنه ~~الذي قد لزق بالتراب وهو جائع عار لا يواريه عن ms2207 التراب شيء، فدل ذلك على أن ~~المسكين في غاية الحاجة والعدم. # فإن قيل: قال الله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} ~~[الكهف:79] فأثبت لهم ملك السفينة، وسماهم مساكين. قيل له: قد روي أنهم ~~كانوا أجراء فيها، وأنهم لم يكونوا ملاكا لها، وإنما نسبها إليهم بالتصرف ~~والكون فيها، كما قال الله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب:53] ~~وقال في موضع آخر: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب:33] فأضاف البيوت تارة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتارة إلى أزواجه، ومعلوم أنها لم تخل من أن تكون ~~ملكا له أو لهن; لأنه لا يجوز أن تكون لهن، وله في حال واحدة، لاستحالة ~~كونها ملكا لكل واحد منهم على حدة فثبت أن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف ~~والسكنى، كما يقال: "هذا منزل فلان" وإن كان ساكنا فيه غير مالك له و "هذا ~~مسجد فلان"، ولا يراد به الملك، وكذلك قوله: {أما السفينة فكانت لمساكين} ~~[الكهف:79] هو على هذا المعنى. # PageV03P158 # ويقال إن الفقير إنما سمي بذلك لأنه من ذوي الحاجة بمنزلة من قد كسرت ~~فقاره، يقال منه فقر الرجل فقرا، وأفقره الله إفقارا، وتفاقر تفاقرا، ~~والمسكين الذي قد أسكنته الحاجة، وروي عن إبراهيم النخعي والضحاك في الفرق ~~بين الفقير والمسكين. أن الفقراء المهاجرون والمساكين من غير المهاجرين، ~~كأنهما ذهبا إلى قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم} ~~[الحشر:8] ، وروى سعيد عن قتادة قال: الفقير الذي به زمانة وهو فقير إلى ~~بعض جسده، وبه حاجة، والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به. وروى معمر عن أيوب ~~عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال: "ليس المسكين بالذي لا مال له، ولكن ~~المسكين الذي لا يصيب المكسب". وهذا الذي قدمنا يدل على أن الفقير أحسن ~~حالا من المسكين، وأن المسكين أضعف حالا منه. وقد روى أبو يوسف عن أبي ~~حنيفة فيمن قال ثلث مالي للفقراء والمساكين ولفلان; أن لفلان الثلث ~~والثلثان للفقراء والمساكين; فهذا موافق لما روي عنه في الفرق بين الفقير ~~والمسكين وأنهما صنفان. وروي ms2208 عن أبي يوسف في هذه المسألة: أن نصف الثلث ~~لفلان، ونصفه للفقراء والمساكين; فهذا يدل على أنه جعل الفقراء والمساكين ~~صنفا واحدا. # وقوله تعالى: {والعاملين عليها} فإنهم السعاة لجباية الصدقة; روي عن عبد ~~الله بن عمر أنهم يعطون بقدر عمالتهم، وعن عمر بن عبد العزيز مثله. ولا ~~نعلم خلافا بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن، وأنهم يستحقون منها بقدر ~~عملهم. وهذا يدل على بطلان قول من أوجب قسمة الصدقات على ثمانية، ويدل أيضا ~~على أن أخذ الصدقات إلى الإمام، وأنه لا يجزي أن يعطى رب الماشية صدقتها ~~الفقراء فإن فعل أخذها الإمام ثانيا، ولم يحتسب له بما أدى، وذلك لأنه لو ~~جاز لأرباب الأموال أداؤها إلى الفقراء لما احتيج إلى عامل لجبايتها فيضر ~~بالفقراء والمساكين، فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام، وأنه لا يجوز له ~~إعطاؤها الفقراء. # PageV03P159 # مطلب: في المؤلفة القلوب # قوله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} فإنهم كانوا قوما يتألفون على الإسلام بما ~~يعطون من الصدقات، وكانوا يتألفون بجهات ثلاث: إحداها للكفار لدفع معرتهم، ~~وكف أذيتهم عن المسلمين، والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين، والثانية: ~~لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام، ولئلا ~~يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام، ونحو ذلك من الأمور، ~~والثالثة إعطاء قوم من المسلمين حديثي العهد بالكفر لئلا يرجعوا إلى الكفر. ~~وقد روى الثوري عن أبيه عن أبي نعيم عن # PageV03P159 # أبي سعيد الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب بذهبة في أديم مقروظ، فقسمها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زيد الخير، والأقرع بن حابس وعيينة بن ~~حصن، وعلقمة بن علاثة، فغضبت قريش، والأنصار، وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ~~قال: "إنما أتألفهم". روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي الرجل العطاء، وغيره ~~أحب إلي منه، وما أفعل ذلك إلا مخافة أن يكبه الله في نار جهنم على وجهه". ~~وروى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ms2209 الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أن ناسا ~~من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن وطفق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعطى رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم، ~~فذكر حديثا فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي رجالا حديثي ~~عهد بكفر أتألفهم أصانعهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون ~~برسول الله إلى رحالكم؟ " وهذا يدل على أنه قد كان يتألف بما يعطي قوما من ~~المسلمين حديثي عهد بالإسلام لئلا يرجعوا كفارا. وروى الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ~~لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي" وروى محمود بن ~~لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الغنائم بحنين، وقسم للمتألفين من قريش، وفي سائر العرب ما قسم، وجد هذا ~~الحي من الأنصار في أنفسهم، وذكر الحديث، وقال فيه: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم: "أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا ~~تألفت بها أقواما ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام! " ففي ~~هذا الحديث أنه تألفهم ليسلموا، وفي الأول: "إني لأعطي رجالا حديثي عهد ~~بكفر"، فدل على أنه قد كان يتألف بذلك المسلمين والكفار جميعا. # وقد اختلف في المؤلفة قلوبهم، فقال أصحابنا: "إنما كانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين، وكثرة ~~عدوهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تألف الكفار، فإن ~~احتاجوا إلى ذلك فإنما ذلك لتركهم الجهاد، ومتى اجتمعوا وتعاضدوا لم ~~يحتاجوا إلى تألف غيرهم بمال يعطونه من أموال المسلمين". وقد روي نحو قول ~~أصحابنا عن جماعة من السلف; روى عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن حجاج بن ~~دينار عن ابن سيرين عن عبيدة قال: "جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى ~~أبي بكر ms2210 فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا ~~منفعة فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما، وكتب لهما عليها كتابا وأشهد، ~~وليس في القوم عمر، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما، فلما سمع عمر ما في الكتاب ~~تناوله من أيديهما ثم تفل فيه فمحاه فتذمرا، وقالا مقالة سيئة، فقال: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان # PageV03P160 # يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا ~~جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما. قال أبو بكر رحمه الله: فترك أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه النكير على عمر فيما فعله بعد إمضائه الحكم يدل ~~على أنه عرف مذهب عمر فيه حين نبهه عليه، وأن سهم المؤلفة قلوبهم كان ~~مقصورا على الحال التي كان عليها أهل الإسلام من قلة العدد وكثرة عدد ~~الكفار، وأنه لم ير الاجتهاد سائغا في ذلك لأنه لو سوغ الاجتهاد فيه لما ~~أجاز فسخ الحكم الذي أمضاه، فلما أجاز له ذلك دل على أنه عرف بتنبيه عمر ~~إياه على ذلك امتناع جواز الاجتهاد في مثله. # وروى إسرائيل عن جابر عن أبي جعفر قال: "ليس اليوم مؤلفة قلوبهم". وروى ~~إسرائيل أيضا عن جابر بن عامر في المؤلفة قلوبهم قال:"كانوا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا". وروى ابن أبي ~~زائدة عن مبارك عن الحسن قال: ليس مؤلفة قلوبهم كانوا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروى معقل بن عبيد الله قال: سألت الزهري عن المؤلفة ~~قلوبهم، قال: من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: وإن كان غنيا؟ قال: وإن كان ~~غنيا. # قوله تعالى: {وفي الرقاب} فإن أهل العلم مختلفون فيه فقال إبراهيم النخعي ~~والشعبي وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين: "لا يجزي أن تعتق من الزكاة رقبة"، ~~وهو قول أصحابنا والشافعي. وقال ابن عباس: "أعتق من زكاتك". وكان سعيد بن ~~جبير لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء. وقال مالك في الرقاب: "إنها رقاب ms2211 ~~يبتاعون من الزكاة، ويعتقون فيكون ولاؤهم لجماعة المسلمين دون المعتقين". ~~قال مالك والأوزاعي: لا يعطى المكاتب من الزكاة شيئا، ولا عبدا موسرا كان ~~مولاه أو معسرا، ولا يعطون من الكفارات أيضا، قال مالك:"لا يعتق من الزكاة ~~إلا رقبة مؤمنة". # قال أبو بكر: لا نعلم خلافا بين السلف في جواز إعطاء المكاتب من الزكاة، ~~فثبت أن إعطاءه مراد بالآية، والدفع إليه صدقة صحيحة، وقال الله تعالى: ~~{إنما الصدقات للفقراء} إلى قوله: {وفي الرقاب} وعتق الرقبة لا يسمى صدقة، ~~وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده فلم تحصل ~~بعتق الرقبة صدقة، والله تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب فما ليس بصدقة ~~فهو غير مجزئ. وأيضا فإن الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك شيئا بالعتق، ~~وإنما سقط عن رقبته، وهو ملك للمولى، ولم يحصل ذلك الرق للعبد لأنه لو حصل ~~له لوجب أن يقوم فيه مقام المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف المولى، فثبت ~~أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى، وأنه لم يملك بذلك شيئا، فلا ~~يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع # PageV03P161 # الملك للمتصدق عليه. وأيضا فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى ~~الغير، ولذلك ثبت ولاؤه منه فغير جائز وقوعه عن الصدقة. ولما قامت الحجة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعتق وجب أن لا يكون الولاء ~~لغيره، فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق ثبت أن المراد به ~~المكاتبون. وأيضا روى عبد الرحمن بن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا ~~في سبيل الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، فثبت بذلك أن الصدقة ~~على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا، وذلك موافق لقوله تعالى: ~~{وفي الرقاب} . # وروى طلحة اليماني عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: ms2212 "قال ~~أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني عملا يدخلني الجنة قال: "لئن كنت ~~أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة! " قال: أوليسا ~~سواء؟ قال: "لا عتق النسمة أن تفوز بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، ~~والمنحة الركوب، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، ~~واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا ~~من خير" فجعل عتق النسمة غير فك الرقبة، فلما قال: {في الرقاب} كان الأولى ~~أن يكون في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق. وليس هو ~~ابتياعها وعتقها; لأن الثمن حينئذ يأخذه البائع، وليس في ذلك قربة، وإنما ~~القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته، وذلك لا يكون إلا بعد ~~الكتابة لأنه قبلها يحصل للمولى، وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه ~~المولى، وإنما يحصل للمكاتب فيجزي من الزكاة. وأيضا فإن عتق الرقبة يسقط حق ~~المولى عن رقبته من غير تمليك، ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى، فيكون بمنزلة ~~من قضى دين رجل بغير أمره فلا يجزي من زكاته، وإن دفعه إلى الغارم فقضى به ~~دين نفسه جاز; كذلك إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزأه عن الزكاة، وإذا ~~أعتقه لم يجزه لأنه لم يملكه، وحصل العتق بغير قبوله ولا إذنه. # قوله تعالى: {والغارمين} ; قال أبو بكر: لم يختلفوا أنهم المدينون، وفي ~~هذا دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له ~~الصدقة; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم وأردها في فقرائكم". فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم ~~فقير، إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا الفقراء بقضية قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"وأردها في فقرائكم" وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله، ~~وله مال كثير أنه لا زكاة عليه، إذ كان فقيرا يجوز له أخذ الصدقة. # PageV03P162 # والآية خاصة في بعض الغارمين ms2213 دون بعض، وذلك لأنه لو كان له ألف درهم، ~~وعليه دين مائة درهم لم تحل له الزكاة، ولم يجز معطيه إياها وإن كان غارما، ~~فثبت أن المراد الغريم الذي لا يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه مقدار ~~مائتي درهم أو ما يساويها، فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده كأنه ~~في غير ملكه، وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه. # وفي جعله الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا ~~فإن الصدقة تحل له، إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه. # وزعم الشافعي أن من تحمل حمالة عشرة آلاف درهم، وله مائة ألف درهم أن ~~الصدقة تحل له، وإن كان عليه دين من غير الحمالة لم تحل له، واحتج فيه ~~بحديث قبيصة بن المخارق أنه تحمل حمالة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها فقال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى ~~يؤديها، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش، ورجل ~~أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن فلانا أصابته ~~فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش ثم يمسك وما سوى ذلك فهو سحت". ~~ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء; لأن الحمالة هي الكفالة والحميل هو ~~الكفيل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز له المسألة لأجل ما عليه ~~من دين الكفالة، وقد علم مساواة دين الكفالة لسائر الديون، فلا فرق بين شيء ~~منها، فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل الحمالة محمولة على أنه لم يقدر ~~على أدائها، وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما في يده من ماله كما نقول في ~~سائر الديون. # وروى إسرائيل عن جابر بن أبي جعفر في قوله تعالى: {والغارمين} قال: ~~"المستدين في غير سرف حق على الإمام أن يقضي عنه". وقال سعيد في قوله: ~~{والغارمين} قال: "ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ولا تبذير فجعل ~~الله ms2214 لهم فيها سهما". وإنما ذكر هؤلاء في الدين أنه من غير سرف ولا إفساد ~~لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله فيصرفه في ~~الفساد، فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد، ولا ~~خلاف في جواز قضاء دين مثله ودفع الزكاة إليه. وإنما ذكر هؤلاء عدم الفساد ~~والتبذير فيما استدان على وجه الكراهة لا على جهة الإيجاب، وروى عبيد الله ~~بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد في قوله: {والغارمين} قال: "الغارم من ~~ذهب السيل بماله، أو أصابه حريق فأذهب ماله، أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق ~~عليهم فيستدين". # قال أبو بكر: أما من ذهب ماله، وليس عليه دين فلا يسمى غريما; لأن الغرم ~~هو # PageV03P163 # اللزوم، والمطالبة، فمن لزمه الدين يسمى غريما، ومن له الدين أيضا يسمى ~~غريما لأن له اللزوم والمطالبة، فأما من ذهب ماله فليس بغريم، وإنما يسمى ~~فقيرا أو مسكينا، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من ~~المأثم والمغرم، فقيل له في ذلك، فقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد ~~فأخلف"، وإنما أراد إذا لزمه الدين، ويجوز أن يكون مجاهد أراد من ذهب ماله، ~~وعليه دين; لأنه إذا كان له مال، وعليه دين أقل من ماله بمقدار مائتي درهم ~~فليس هو من الغارمين المرادين بالآية. وروى أبو يوسف عن عبد الله بن سميط ~~عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن المسألة لا تحل، ولا تصلح إلا لأحد ثلاثة: لذي فقر مدقع أو لذي غرم ~~مفظع أو لذي دم موجع"، ومعلوم أن مراده بالغرم الدين. # قوله تعالى: {وفي سبيل الله} . روى ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا في ~~سبيل الله أو ابن السبيل أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له". # واختلف الفقهاء في ms2215 ذلك، فقال قائلون: "هي للمجاهدين الأغنياء منهم ~~والفقراء"، وهو قول الشافعي، وقال الشافعي: "لا يعطى منها إلا الفقراء ~~منهم، ولا يعطى الأغنياء من المجاهدين، فإن أعطوا ملكوها، وأجزأ المعطي، ~~وإن لم يصرفه في سبيل الله; لأن شرطها تمليكه، وقد حصل لمن هذه صفته ~~فأجزأ". وقد روي أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك، فأراد ~~أن يشتريه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعد في صدقتك! " فلم ~~يمنع النبي صلى الله عليه وسلم المحمول على الفرس في سبيل الله من بيعها، ~~وإن أعطى حاجا منقطعا به أجزأ أيضا، وقد روي عن ابن عمر أن رجلا أوصى بماله ~~في سبيل الله، فقال ابن عمر: إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه. وقال محمد ~~بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله:"إنه يجوز أن ~~يجعل في الحاج المنقطع به" وهذا يدل على أن قوله تعالى: {وفي سبيل الله} قد ~~أريد به عند محمد الحاج المنقطع به. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "الحج والعمرة من سبيل الله". وروي عن أبي يوسف فيمن أوصى بثلث ~~ماله في سبيل الله إنه لفقراء الغزاة. # فإن قيل فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لأغنياء الغزاة أخذ الصدقة ~~بقوله: "لا تحل لغني إلا في سبيل الله". قيل له: قد يكون الرجل غنيا في ~~أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأثث به في بيته وخادم يخدمه، وفرس يركبه، ~~وله فضل مائتي درهم أو قيمتها، فلا تحل له الصدقة، فإذا عزم على الخروج في ~~سفر غزو احتاج من آلات السفر والسلاح والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في ~~حال إقامته فينفق الفضل عن أثاثه، وما يحتاج إليه في مصره على # PageV03P164 # السلاح والآلة والعدة، فتجوز له الصدقة. وجائز أن يكون الفضل عما يحتاج ~~إليه دابة أو سلاحا أو شيئا من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر، فيمنع ~~ذلك جواز إعطائه الصدقة إذا كان ms2216 ذلك يساوي مائتي درهم، وإن هو خرج للغزو ~~فاحتاج إلى ذلك جاز أن يعطى من الصدقة، وهو غني في هذا الوجه; فهذا معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم: الصدقة تحل للغازي الغني # قوله تعالى: {وابن السبيل} هو المسافر المنقطع به، يأخذ من الصدقة، وإن ~~كان له مال في بلده; وكذلك روي عن مجاهد وقتادة وأبي جعفر. وقال بعض ~~المتأخرين: "هو من يعزم على السفر، وليس له ما يتحمل به" وهذا خطأ; لأن ~~السبيل هو الطريق، فمن لم يحصل في الطريق لا يكون ابن السبيل، ولا يصير ~~كذلك بالعزيمة كما لا يكون مسافرا بالعزيمة، وقال تعالى: {ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل} [النساء:43] قال ابن عباس: هو المسافر لا يجد الماء فيتيمم ~~فكذلك ابن السبيل هو المسافر. وجميع من يأخذ الصدقة من هذه الأصناف فإنما ~~يأخذها صدقة بالفقر، والمؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة، ~~وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ثم يعطي الإمام المؤلفة منها لدفع ~~أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين، ويعطيها العاملين عوضا من أعمالهم لا ~~على أنها صدقة عليهم. وإنما قلنا ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت ~~أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" فتبين أن الصدقة مصروفة إلى ~~الفقراء، فدل ذلك على أن أحدا لا يأخذها صدقة إلا بالفقر، وأن الأصناف ~~المذكورين إنما ذكروا بيانا لأسباب الفقر. # PageV03P165 # باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة # مطلب: في بيان حد الغنى # قال أبو بكر رحمه الله: اختلف أهل العلم في المقدار الذي إذا ملكه الرجل ~~دخل به في حد الغني، وخرج به من حد الفقير، وحرمت عليه الصدقة، فقال قوم: ~~"إذا كان عند أهله ما يغديهم ويعشيهم حرمت عليه الصدقة بذلك، ومن كان عنده ~~دون ذلك حلت له الصدقة"، واحتجوا بما رواه عبد الرحمن عن يزيد بن جابر قال: ~~حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي كبشة السلولي قال: حدثني سهل بن الحنظلية قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل الناس عن ms2217 ظهر غنى فإنما ~~يستكثر من جمر جهنم"، قلت: يا رسول الله ما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند ~~أهله ما يغديهم ويعشيهم" وقال آخرون: "حتى يملك أربعين درهما أو عدلها من ~~الذهب"، واحتجوا بما # PageV03P165 # روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال: أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول لرجل: "من سأل منكم، وعنده أوقية أو ~~عدلها فقد سأل إلحافا"، والأوقية يومئذ أربعون درهما. # وقالت طائفة: "حتى يملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب"، واحتجوا في ذلك ~~بما روى الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسأل عبد مسألة، وله ~~ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة، قيل: يا ~~رسول الله، وما غناه؟ قال: خمسون درهما أو حسابها من الذهب" وروى الحجاج عن ~~الحسن بن سعد عن أبيه عن علي وعبد الله قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون ~~درهما أو عوضها من الذهب. وعن الشعبي قال: لا يأخذ الصدقة من له خمسون ~~درهما، ولا نعطي منها خمسين درهما. وقال آخرون: "حتى يملك مائتي درهم أو ~~عدلها من غرض أو غيره فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وفرس" وهو ~~قول أصحابنا. والدليل على ذلك ما روى أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عبد الله ~~بن جعفر قال: حدثني أبي عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "من سأل وله عدل خمس أواق سأل إلحافا" ويدل عليه ما روى الليث بن سعد ~~قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه ~~سمع أنس بن مالك يقول: "إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم الله أمرك أن ~~تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال: "اللهم نعم". وروى ~~يحيى بن عبد الله ms2218 بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال له: "أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم" وروى الأشعث عن ابن أبي جحيفة عن ~~أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ساعيا على الصدقة، فأمره أن يأخذ ~~الصدقة من أغنيائنا فيقسمها في فقرائنا". # فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس صنفين فقراء وأغنياء، وأوجب أخذ ~~الصدقة من صنف الأغنياء، وردها في الفقراء، لم تبق ههنا واسطة بينهما، ولما ~~كان الغني هو الذي ملك مائتي درهم، وما دونها لم يكن مالكها غنيا وجب أن ~~يكون داخلا في الفقراء فيجوز له أخذها، ولما اتفق الجميع على أن من كان له ~~دون الغداء والعشاء تحل له الصدقة علمنا أنها ليست إباحتها موقوفة على ~~الضرورة التي تحل معها الميتة، فوجب اعتبار ما يدخل به في حد الغنى، وهو أن ~~يملك فضلا عما يحتاج إليه مما وصفنا مائتي درهم أو مثلها من عرض أو غيره، ~~وأما ملك الأربعين درهما، والخمسين الدرهم على ما روي في الأخبار التي ~~قدمنا فإن هذه الأخبار واردة في كراهة المسألة لا في تحريمها، وقد تكره ~~المسألة # PageV03P166 # لمن عنده ما يغنيه في الوقت لا سيما في أول ما هاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة مع كثرة فقراء المسلمين، وقلة ذات أيديهم، فاستحب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمن عنده ما يكفيه ترك المسألة ليأخذها من هو أولى منه ~~ممن لا يجد شيئا، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "من استغنى أغناه الله، ~~ومن استعف أعفه الله، ومن لا يسألنا أحب إلينا ممن يسألنا". وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو ~~منعوه". وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "للسائل حق، وإن جاء على فرس" فأمر النبي صلى ms2219 الله ~~عليه وسلم بإعطاء السائل مع ملكه للفرس والفرس في أكثر الحال تساوي أكثر من ~~أربعين درهما أو خمسين درهما، وقد روى يحيى بن آدم قال: حدثنا علي بن هاشم ~~عن إبراهيم بن يزيد المكي عن الوليد بن عبيد الله عن ابن عباس قال:"سأل رجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لي أربعين درهما أفمسكين أنا؟ قال: نعم". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حدثنا ~~أبو موسى الهروي قال: حدثنا المعافى قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد الجزري ~~قال: حدثنا الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن ابن عباس قال:"قال رجل: يا ~~رسول الله عندي أربعون درهما أمسكين أنا؟ قال: "نعم"، فأباح له الصدقة مع ~~ملكه لأربعين درهما حين سماه مسكينا، إذ كان الله قد جعل الصدقة للمساكين، ~~وروى أبو يوسف عن غالب بن عبيد الله عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقبل أحدهم الصدقة وله من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة ~~آلاف درهم. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا لا يمنعون الزكاة من له ~~البيت والخادم. وروى شعبة عن قتادة عن الحسن قال: من له مسكن وخادم أعطي من ~~الزكاة. وروى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال:"يعطى من له دار ~~وخادم وفرس وسلاح يعطى من إذا لم يكن له ذلك الشيء احتاج إليه". # وقد اختلف في ذلك من وجه آخر، فقال قائلون:"من كان قويا مكتسبا لم تحل له ~~الصدقة وإن لم يملك شيئا"، واحتجوا بما روى أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن ~~سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي"، ورواه أبو بكر بن عياش أيضا عن أبي ~~جعفر عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وروى سعد ~~بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ms2220 صلى الله عليه ~~وسلم قال:"لا تحل الصدقة لغني، ولا لقوي مكتسب"، وهذا عندنا على وجه ~~الكراهة لا على جهة التحريم، على النحو الذي ذكرنا في كراهة المسألة. # فإن قيل: قوله: "لا تحل الصدقة لغني" على وجه التحريم وامتناع جواز ~~إعطائه الزكاة، كذلك القوي المكتسب. قيل له: يجوز أن يريد الغنى الذي ~~يستغني به عن # PageV03P167 # المسألة، وهو أن يكون له أقل من مائتي درهم، لا الغنى الذي يجعله في حيز ~~من يملك ما تجب في مثله الزكاة، إذ قد يجوز أن يسمى غنيا لاستغنائه بما ~~يملكه عن المسألة، ولم يرد به الغنى الذي يتعلق بملك مثله وجوب الغنى، فكان ~~قوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" على وجه الكراهة للمسألة لمن ~~كان في مثل حاله. وعلى أن حديث أبي هريرة هذا في قوله: "لا تحل الصدقة ~~لغني، ولا لذي مرة سوي" مختلف في رفعه، فرواه أبو بكر بن عياش مرفوعا على ~~ما قدمنا، ورواه أبو يوسف عن حصين عن أبي حازم عن أبي هريرة من قوله غير ~~مرفوع، وحديث عبد الله بن عمرو رواه شعبة، والحسن بن صالح عن سعد بن ~~إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا عليه من قوله، وقال: ~~"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" ورواه سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ~~ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب"، فاختلفوا في رفعه, وظاهر قوله تعالى: ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} عام في سائرهم من قدر منهم على الكسب، ~~ومن لم يقدر، وكذلك قوله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم} [المعارج: الذريات:19] يقتضي وجوب الحق للسائل القوي المكتسب، إذ ~~لم تفرق الآية بينه وبين غيره، ويدل أيضا قوله تعالى: {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف} [البقرة:273] ولم يفرق بين القوي المكتسب وبين من لا يكتسب ms2221 من ~~الضعفاء. فهذه الآيات كلها قاضية ببطلان قول القائل بأن الزكاة لا تعطى ~~الفقير إذا كان قويا مكتسبا، ولا يجوز تخصيصها بخبر أبي هريرة، وعبد الله ~~بن عمرو اللذين ذكرنا لاختلافهم في رفعه، واضطراب متنه; لأن بعضهم يقول: ~~"قوي مكتسب" وبعضهم: "لذي مرة سوي". # وقد رويت أخبار هي أشد استفاضة، وأصح طرقا من هذين الحديثين معارضة لهما، ~~منها حديث أنس وقبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فذكر إحداهن فقر مدقع، وقال: أو رجل أصابته ~~فاقة أو رجل أصابته جائحة"، ولم يشرط في شيء منها عدم القوة والعجز عن ~~الاكتساب، ومنها حديث سليمان أنه حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا ولم يأكل"، ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانوا أقوياء مكتسبين، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بها من كان ~~منهم زمنا أو عاجزا عن الاكتساب. ومنها حديث عروة بن الزبير عن عبيد الله ~~بن عدي بن الخيار أن رجلين من العرب حدثاه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسألاه من الصدقة، فصعد فيهما البصر وصوبه فرآهما جلدين فقال: "إن ~~شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" # PageV03P168 # فلما قال لهما: "إن شئتما أعطيتكما"، ولو كان محرما ما أعطاهما مع ما ظهر ~~له من جلدهما وقوتهما وأخبر. مع ذلك أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، ~~فدل على أنه أراد بذلك كراهة المسألة، ومحبة النزاهة لمن كان معه ما يغنيه ~~أو قدر على الكسب فيستغني به عنها. # وقد يطلق مثل هذا على وجه التغليظ لا على وجه تحقيق المعنى، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس بمؤمن من يبيت شبعانا وجاره جائع"، قال: ~~"لا دين لمن لا أمانة له"، وقال: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة ~~واللقمتان"، ولم يرد به نفي المسكنة عنه رأسا حتى تحرم عليه الصدقة، وإنما ~~أراد ليس حكمه كحكم الذي لا يسأل، ms2222 وكذلك قوله: "ولا حق فيها لغني، ولا لقوي ~~مكتسب" على معنى أنه ليس حقه فيها كحق الزمن العاجز عن الكسب، ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم" فعم سائر الفقراء الزمنى منهم والأصحاء. وأيضا قد كانت الصدقات ~~والزكوات تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعطيها فقراء الصحابة من ~~المهاجرين والأنصار وأهل الصفة، وكانوا أقوياء مكتسبين، ولم يكن يخص بها ~~الزمنى دون الأصحاء، وعلى هذا أمر الناس من لدن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى يومنا يخرجون صدقاتهم إلى الفقراء الأقوياء والضعفاء منهم لا يعتبرون ~~منها ذوي العاهات والزمانة دون الأقوياء الأصحاء، ولو كانت الصدقة محرمة ~~وغير جائزة على الأقوياء المكتسبين الفروض منها أو النوافل لكان من النبي ~~صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه لعموم الحاجة إليه، فلما لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة على حظر دفع الزكوات إلى الأقوياء ~~من الفقراء والمتكسبين من أهل الحاجة لأنه لو كان منه توقيف للكافة لورد ~~النقل به مستفيضا، دل ذلك على جواز إعطائها الأقوياء المتكسبين من الفقراء ~~كجواز إعطائها الزمنى والعاجزين عن الاكتساب. # PageV03P169 # باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة # قال أصحابنا: من تحرم عليهم الصدقة منهم آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، ~~وآل عقيل، وولد الحارث بن عبد المطلب جميعا. وحكى الطحاوي عنهم: وولد عبد ~~المطلب، ولم أجد ذلك عنهم رواية. والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات ~~المفروضة، وأما التطوع فلا بأس به. وذكر الطحاوي أنه روي عن أبي حنيفة وليس ~~بالمشهور أن فقراء بني هاشم يدخلون في آية الصدقات، ذكره في أحكام القرآن، ~~قال: وقال أبو يوسف ومحمد لا يدخلون. # قال أبو بكر: المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ذكره من آل العباس وآل ~~علي # PageV03P169 # وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب، وأن تحريم الصدقة عليهم ~~خاص في المفروض منه دون التطوع. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الزكاة من ~~بني هاشم ms2223 تحل لبني هاشم، ولا يحل ذلك من غيرهم لهم. وقال مالك: "لا تحل ~~الزكاة لآل محمد والتطوع يحل" وقال الثوري: لا تحل الصدقة لبني هاشم ولم ~~يذكر فرقا بين النفل والفرض، وقال الشافعي: "تحرم صدقة الفرض على بني هاشم ~~وبني عبد المطلب، ويجوز صدقة التطوع على كل أحد إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان لا يأخذها". # والدليل على أن الصدقة المفروضة محرمة على بني هاشم حديث ابن عباس قال: ~~ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاث إسباغ ~~الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمير على الخيل. وروي أن الحسن ~~بن علي أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه، فأخرجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا نصر بن علي قال: ~~حدثنا أبي عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد ~~تمرة فقال: "لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها" وروى بهز بن حكيم عن أبيه ~~عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في الإبل السائمة من كل أربعين ابنة ~~لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، لا يحل ~~لآل محمد منها شيء". وروي من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس". فثبت بهذه الأخبار تحريم ~~الصدقات المفروضات عليهم. # فإن قيل: روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم عير ~~المدينة، فاشترى منها النبي صلى الله عليه وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة، ~~فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب ثم قال: "لا أعود أن أشتري بعدها شيئا، ~~وليس ثمنه عندي" فقد تصدق على هؤلاء، وهن هاشميات. قيل له: ليس في الخبر ~~أنهن كن هاشميات، وجائز أن لا يكن هاشميات بل زوجات بني عبد ms2224 المطلب من غير ~~بني عبد المطلب، بل عربيات من غيرهم، وكن أزواجا لبني عبد المطلب فماتوا ~~عنهن. وأيضا فإن ذلك كان صدقة تطوع، وجائز أن يتصدق عليهم بصدقة التطوع. ~~وأيضا فإن حديث عكرمة الذي ذكرناه أولى; لأن حديث ابن عباس أخبر فيه بحكمه ~~فيهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحظر متأخر للإباحة، فهذا أولى، ~~وأما بنو المطلب فليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لأن قرابتهم ~~منه كقرابة بني أمية، ولا خلاف أن بني أمية ليسوا من أهل بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك بنو المطلب. # فإن قيل: لما أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس سهم ذوي القربى ~~كما أعطى بني هاشم، ولم يعط بني أمية دل ذلك على أنهم بمنزلة بني هاشم في ~~تحريم الصدقة. قيل له: إن # PageV03P170 # النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطهم للقرابة فحسب; لأنه لما قال عثمان بن ~~عفان، وجبير بن مطعم: يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لقربهم ~~منك، وأما بنو المطلب فنحن، وهم في النسب شيء واحد فأعطيتهم، ولم تعطنا ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "إن بني المطلب لم تفارقني في جاهلية، ولا ~~إسلام"، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة فحسب بل ~~بالنصرة والقرابة، ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية والإسلام ~~أصلا لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبي لهب، وبعض آل الحارث بن عبد ~~المطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه، وينبغي أن لا تحرم على من ولد في ~~الإسلام من بني أمية لأنهم لم يخالفوه، وهذا ساقط، وأيضا فإن سهم الخمس ~~إنما يستحقه خاص منهم، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه، ولم يثبت خصوص ~~تحريم الصدقة في بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا فليس استحقاق سهم ~~من الخمس أصلا لتحريم الصدقة; لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون ~~سهما من الخمس، ولم تحرم عليهم الصدقة، فدل على أن استحقاق سهم من الخمس ~~ليس ms2225 بأصل في تحريم الصدقة. # واختلف في الصدقة على موالي بني هاشم وهل أريدوا بآية الصدقة، فقال ~~أصحابنا والثوري:"مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات المفروضات عليهم" وقال ~~مالك بن أنس: "لا بأس بأن يعطى مواليهم". والذي يدل على القول الأول حديث ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أرقم بن أرقم الزهري على ~~الصدقة، فاستتبع أبا رافع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدقة ~~حرام على محمد، وآل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم". وروي عن عطاء بن ~~السائب عن أم كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له هرمز أو كيسان أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا فلان إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة، ~~وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة". وأيضا لما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم:"الولاء لحمة كلحمة النسب"، وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم، ~~إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعله لحمة كالنسب. # واختلف في جواز أخذ بني هاشم للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها، فقال ~~أبو يوسف ومحمد من غير خلاف ذكراه عن أبي حنيفة: "لا يجوز أن يعمل على ~~الصدقة أحد من بني هاشم ولا يأخذ عمالته منها"، قال محمد: "وإنما يصنع ما ~~كان يأخذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خروجه إلى اليمن على أنه كان ~~يأخذ من غير الصدقة". قال أبو بكر: يعني بقوله: "لا يعمل على الصدقة" على ~~معنى أنه يعملها ليأخذ عمالتها، فأما إذا عمل عليها متبرعا على أن لا يأخذ ~~شيئا فهذا لا خلاف بين أهل العلم في جوازه. وقال آخرون: "لا بأس بالعمالة ~~لهم من الصدقة". والدليل على صحة القول الأول ما # PageV03P171 # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: ~~حدثنا معمر قال: سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال: ms2226 بعث نوفل ~~بن الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقا إلى عمكما ~~لعله يستعملكما على الصدقة، فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~بحاجتهما، فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لكم أهل البيت ~~من الصدقات شيء لأنها غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو ~~يكفيكما" وروي عن علي أنه قال للعباس سل النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يستعملك على الصدقة، فسأله فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس" ~~وروى الفضل بن العباس، وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال: "إن الصدقة لا تحل ~~لآل محمد" فمنعهما أخذ العمالة، ومنع أبا رافع ذلك أيضا، وقال: "مولى القوم ~~منهم". # واحتج المبيحون لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن ~~على الصدقة رواه جابر وأبو سعيد جميعا. ومعلوم أنه قد كانت ولايته على ~~الصدقات وغيرها، ولا حجة في هذا لهم; لأنه لم يذكر أن عليا أخذ عمالته ~~منها، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ من أموالهم صدقة} ~~ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ من الصدقة عمالة، وقد كان علي ~~بن أبي طالب حين خرج إلى اليمن فولي القضاء والحرب بها، فجائز أن يكون أخذ ~~رزقه من مال الفيء لا من جهة الصدقة. # فإن قيل فقد يجوز أن يأخذ الغني عمالته منها، وإن لم تحل له الصدقة فكذلك ~~بنو هاشم. قيل له: لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها، ~~والهاشمي لا يأخذ منها بحال فإن قيل: إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة، وإنما ~~يأخذ أجرة لعمله كما روي أن بريرة كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم مما ~~يتصدق به عليها، ويقول صلى الله عليه وسلم: "هي لها صدقة ولنا هدية" قيل ~~له: الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي ms2227 صلى ~~الله عليه وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي صلى الله عليه وسلم ~~واسطة ملك آخر، وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ملك العامل واسطة لأنها لا ~~تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل. # PageV03P172 # باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء # قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} فاقتضى ظاهره جواز ~~إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لولا قيام الدلالة على منع ~~إعطاء بعض الأقرباء، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا جميعا: "لا ~~يعطى منها والدا وإن علا # PageV03P172 # ولا ولدا، وإن سفل ولا امرأة". وقال مالك والثوري والحسن بن صالح: لا ~~يعطى من تلزمه نفقته. وقال ابن شبرمة: لا يعطى من الزكاة قرابته الذين ~~يرثونه، وإنما يعطى من لا يرثه، وليس في عياله. وقال الأوزاعي: لا يتخطى ~~بزكاة ماله فقراء أقاربه إذا لم يكونوا من عياله، ويتصدق على مواليه من غير ~~زكاة لماله. وقال الليث: لا يعطى الصدقة الواجبة من يعول. وقال المزني عن ~~الشافعي في مختصره:"ويعطى الرجل من الزكاة من لا تلزمه نفقته من قرابته، ~~وهم من عدا الولد والوالد والزوجة إذا كانوا أهل حاجة فهم أحق بها من ~~غيرهم، وإن كان ينفق عليهم تطوعا". # قال أبو بكر: فحصل من اتفاقهم أن الولد والوالد والزوجة لا يعطون من ~~الزكاة، ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"، وقال: ~~"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" فإذا كان مال الرجل ~~مضافا إلى أبيه وموصوفا بأنه من كسبه فهو متى أعطى ابنه فكأنه باق في ملكه ~~لأن ملك ابنه منسوب إليه فلم تحصل صدقة صحيحة، وإذا صح ذلك في الابن فالأب ~~مثله إذ كل واحد منهما منسوب إلى الآخر من طريق الولادة، وأيضا قد ثبت ~~عندنا بطلان شهادة كل واحد منهما لصاحبه، فلما جعل كل واحد منهما فيما ~~يحصله بشهادته لصاحبه كأنه يحصله لنفسه وجب أن يكون إعطاؤه إياه الزكاة ~~كتبقيته في ملكه، وقد أخذ ms2228 عليه في الزكاة إخراجها إلى ملك الفقير إخراجا ~~صحيحا، ومتى أخرجها إلى من لا تجوز له شهادته فلم ينقطع حقه عنه، وهو ~~بمنزلة ما هو باق في ملكه فلذلك لم يجزه ولهذه العلة لم يجز أن يعطي زوجته ~~منها، وأما اعتبار النفقة فلا معنى له; لأن النفقة حق يلزمه، وليست بآكد من ~~الديون التي ثبتت لبعضهم على بعض، فلا يمنع ثبوتها من جواز دفع الزكاة ~~إليه. وعموم الآية يقتضي جواز دفعها إليه باسم الفقر، ولم تقم الدلالة على ~~تخصيصه، فلم يجز إخراجها لأجل النفقة من عمومها وأيضا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول"، وذلك عموم في ~~جواز دفع سائر الصدقات إلى من يعول، وخرج الولد والوالد والزوجان بدلالة. # فإن قيل: إنما لم يجز إعطاء الوالد والولد لأنه تلزمه نفقته. قيل له: هذا ~~غلط; لأنه لو كان الولد والوالد مستغنيين بقدر الكفاف، ولم تكن على صاحب ~~المال نفقتهما لما جاز أن يعطيهما من الزكاة; لأنهما ممنوعان منها مع لزوم ~~النفقة وسقوطها، فدل على أن المانع من دفعها إليهما أن كل واحد منهما منسوب ~~إلى الآخر بالولادة، وأن واحدا منهما لا تجوز شهادته للآخر، وكل واحد من ~~المعنيين علة في منع دفع الزكاة. # واختلفوا في إعطاء المرأة زوجها من زكاة المال، قال أبو حنيفة ومالك: # PageV03P173 # "لا تعطيه" وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والشافعي: "تعطيه". والحجة للقول ~~الأول أنه قد ثبت أن شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه غير جائزة، فوجب أن ~~لا يعطي واحد منهما صاحبه من زكاته لوجود العلة المانعة من دفعها في كل ~~واحد منهما. # واحتج المجيزون لدفع زكاتها إليه بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود حين ~~سألت النبي عن الصدقة على زوجها عبد الله، وعلى أيتام لأخيها في حجرها، ~~فقال: "لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة". قيل له: كانت صدقة تطوع، وألفاظ ~~الحديث تدل عليه، وذلك لأنه ذكر فيه أنها قالت لما حث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2229 النساء على الصدقة، وقال: "تصدقن ولو بحليكن": جمعت حليا لي وأردت أن ~~أتصدق، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أنها كانت صدقة تطوع # فإن احتجوا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ابن ناجية قال: ~~حدثنا أحمد بن حاتم قال: حدثنا علي بن ثابت قال: حدثني يحيى بن أبي أنيسة ~~الجزري عن حماد بن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، أن زينب الثقفية امرأة ~~عبد الله سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "إن لي طوقا فيه عشرون ~~مثقالا أفأؤدي زكاته؟ قال: نعم نصف مثقال، قالت: فإن في حجري بنتي أخ لي ~~أيتاما أفأجعله أو أضعه فيهم؟ قال: نعم" فبين في هذا الحديث أنها كانت من ~~زكاتها. قيل له: ليس في هذا الحديث ذكر إعطاء الزوج، وإنما ذكر فيه إعطاء ~~بني أخيها، ونحن نجيز ذلك، وجائز أن تكون سألته عن صدقة التطوع على زوجها ~~وبني أخيها فأجازها، وسألته في وقت آخر عن زكاة الحلي، ودفعها إلى بني ~~أخيها فأجازها، ونحن نجيز دفع الزكاة إلى بني الأخ. # واختلف في إعطاء الذمي من الزكاة فقال أصحابنا ومالك والثوري وابن شبرمة ~~والشافعي: لا يعطى الذمي من الزكاة وقال عبيد الله بن الحسن: "إذا لم يجد ~~مسلما أعطى الذمي" فقيل له: فإنه ليس بالمكان الذي هو به مسلم، وفي موضع ~~آخر مسلم; فكأنه ذهب إلى إعطائها للذمي الذي هو بين ظهرانيهم. والحجة للقول ~~الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم" فاقتضى ذلك أن يكون كل صدقة أخذها إلى الإمام مقصورة ~~على فقراء المسلمين، ولا يجوز إعطاؤها الكفار، ولما اتفقوا على أنه إذا كان ~~هناك مسلمون لم يعط الكفار ثبت أن الكفار لا حظ لهم في الزكاة، إذ لو جاز ~~إعطاؤها إياهم بحال لجاز في كل حال لوجود الفقر كسائر فقراء المسلمين. # واختلفوا في دفع الزكاة إلى رجل واحد فقال أصحابنا: "يجوز أن يعطي جميع ~~زكاته مسكينا واحدا". وقال مالك: "لا ms2230 بأس أن يعطي الرجل زكاة الفطر عن نفسه ~~وعياله # PageV03P174 # مسكينا واحدا". وقال المزني عن الشافعي: "وأقل ما يعطى أهل السهم من سهام ~~الزكاة ثلاثة فإن أعطى اثنين، وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم". قال أبو بكر: ~~قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم، ~~وأسماء الأجناس إذا أطلقت فإنها تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد ~~معنيين: إما الكل، وإما أدناه، ولا تختص بعدد دون عدد إلا بدلالة، إذ ليس ~~فيها ذكر العدد، ألا ترى إلى قوله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة:38] ~~وقوله: {الزانية والزاني} [النور:2] وقوله: {وخلق الإنسان ضعيفا} ~~[النساء:28] ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول كل واحد من آحادها على ~~حياله لا على طريق الجمع؟ ولذلك قال أصحابنا فيمن قال: إن تزوجت النساء أو ~~اشتريت العبيد، أنه على الواحد منهم، ولو قال: إن شربت الماء أو أكلت ~~الطعام، كان على الجزء منها لا على استيعاب جميع ما تحته، وقالوا: لو أراد ~~بيمينه استيعاب الجنس كان مصدقا، ولم يحنث أبدا إذ كان مقتضى اللفظ أحد ~~معنيين إما استيعاب الجميع أو أدنى ما يقع عليه الاسم منه، وليس للجميع حظ ~~في ذلك، فلا معنى لاعتبار العدد فيه. وإذا ثبت ما وصفنا، واتفق الجميع على ~~أنه لم يرد بآية الصدقات استيعاب الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم سقط ~~اعتبار العدد فيه، فبطل قول من اعتبر ثلاثة منهم. وأيضا لما لم يكن ذلك حقا ~~لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف ~~حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء، ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن ~~بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض، إذ لا يختص الاسم بعدد دون عدد. وأيضا ~~لما وجب اعتبار العدد، وقد علمنا تعذر استيفائه لأنهم لا يحصون دل على سقوط ~~اعتباره، إذ كان في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه وقد اختلف أبو يوسف ومحمد ~~فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء، فقال أبو يوسف: "يجزيه وضعه في فقير واحد"، ~~وقال محمد:"لا ms2231 يجزي إلا في اثنين فصاعدا" شبهه أبو يوسف بالصدقات، وهو ~~أقيس. # واختلف في موضع أداء الزكاة فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد:"تقسم صدقة كل بلد في فقرائه، ولا يخرجها إلى غيره، وإن أخرجها إلى ~~غيره فأعطاها الفقراء جاز، ويكره". وروى علي الرازي عن أبي سليمان عن ابن ~~المبارك عن أبي حنيفة قال: "لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ~~ذي قرابته" قال أبو سليمان: فحدثت به محمد بن الحسن فقال: هذا حسن، وليس ~~لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة; قال أبو سليمان: فكتبه محمد بن الحسن عن ابن ~~المبارك عن أبي حنيفة وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران قال: أخبرنا أصحابنا ~~عن محمد بن الحسن عن أبي سليمان عن # PageV03P175 # عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة قال: "لا يخرج الرجل زكاته من مدينة ~~إلى مدينة إلا لذي قرابته". وقال أبو حنيفة في زكاة الفطر: "يؤديها حيث هو، ~~وعن أولاده الصغار حيث هم، وزكاة المال حيث المال". وقال مالك: "لا تنقل ~~صدقة المال من بلد إلى بلد إلا أن تفضل فتنقل إلى أقرب البلدان إليهم" قال: ~~"ولو أن رجلا من أهل مصر حلت زكاته عليه وماله بمصر، وهو بالمدينة فإنه ~~يقسم زكاته بالمدينة، ويؤدي صدقة الفطر حيث هو". وقال الثوري: لا تنقل من ~~بلد إلى بلد إلا أن لا يجد من يعطيه. وكره الحسن بن صالح نقلها من بلد إلى ~~بلد، وقال الليث فيمن وجبت عليه زكاة ماله، وهو ببلد غير بلده: إنه إن كانت ~~رجعته إلى بلده قريبة فإنه يؤخر ذلك حتى يقدم بلده فيخرجها، ولو أداها حيث ~~هو رجوت أن تجزي، وإن كانت غيبته طويلة، وأراد المقام بها فإنه يؤدي زكاته ~~حيث هو. وقال الشافعي: "إن أخرجها إلى غير بلده لم يبن لي أن عليه ~~الإعادة". # قال أبو بكر: ظاهر قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} يقتضي ~~جواز إعطائها في غير البلد الذي فيه المال، وفي أي موضع شاء، ولذلك قال ~~أصحابنا: "أي ms2232 موضع أدى فيه أجزأه"، ويدل عليه أنا لم نر في الأصول صدقة ~~مخصوصة بموضع حتى لا يجوز أداؤها في غيره، ألا ترى أن كفارات الأيمان ~~والنذور وسائر الصدقات لا يختص جوازها بأدائها في مكان دون غيره؟ وروي عن ~~طاوس أن معاذا قال لأهل اليمن: ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة ~~مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم، وخير لمن بالمدينة من المهاجرين ~~والأنصار، فهذا يدل على أنه كان ينقلها من اليمن إلى المدينة، وذلك لأن أهل ~~المدينة كانوا أحوج إليها من أهل اليمن، وروى عدي بن حاتم أنه نقل صدقة طيئ ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلادهم بالبعد من المدينة، ونقل أيضا ~~عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق من بلاد طيئ ~~وبلاد بني تميم فاستعان بها على قتال أهل الردة، وإنما كرهوا نقلها إلى بلد ~~غيره إذا تساوى أهل البلدين في الحاجة، لما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله قد فرض عليهم حقا في ~~أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم"، وذلك يقتضي ردها في فقراء ~~المأخوذين منهم. # وإنما قال أبو حنيفة إنه يجوز له نقلها إلى ذي قرابته في بلد آخر لما ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو سلمة قال: ~~حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن سلمان بن عامر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صدقة الرجل على قرابته صدقة وصلة". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا أحمد بن ~~منصور قال: حدثنا عثمان بن صالح: حدثنا ابن # PageV03P176 # لهيعة عن عطاء عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدقة على ذي ~~القرابة تضاعف مرتين". وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب ms2233 امرأة ~~عبد الله حين سألته عن صدقتها على عبد الله وأيتام بني أخ لها في حجرها. ~~فقال: "لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا علي بن الحسين بن يزيد الصدائي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن نمير ~~عن حجاج عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله ~~"أي الصدقة أفضل؟ قال: "على ذي الرحم الكاشح". فثبت بهذه الأخبار أن الصدقة ~~على ذي الرحم والمحرم وإن بعدت داره أفضل منها على الأجنبي; فلذلك ~~قال:"يجوز نقلها إلى بلد آخر إذا أعطاها ذا قرابته". وإنما قال أصحابنا في ~~صدقة الفطر:"إنه يؤديها عن نفسه حيث هو وعن رفيقه وولده حيث هم" لأنها ~~مؤداة عنهم، فكما تؤدى زكاة المال حيث المال كذلك تؤدى صدقة الفطر حيث ~~المؤدى عنه. # PageV03P177 # فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة # كان أبو حنيفة يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته ~~أجزاك ولا بأس بأن تعطيه أقل من مائتي درهم، قال:"وأن يغني بها إنسانا أحب ~~إلي". وروى هشام عن أبي يوسف في رجل له مائة وتسعة وتسعون درهما فتصدق عليه ~~بدرهمين:"أنه يقبل واحدا ويرد واحدا" فقد أجاز له أن يقبل تمام المائتين، ~~وكره أن يقبل ما فوقها، وأما مالك بن أنس فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد ~~من غير توقيف، وقول ابن شبرمة فيه كقول أبي حنيفة، وقال الثوري: لا يعطى من ~~الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما وهو قول الحسن بن صالح، وقال ~~الليث: يعطى مقدار ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال، والزكاة كثيرة. ولم ~~يحد الشافعي شيئا، واعتبر ما يرفع الحاجة. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} ليس فيه ~~تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم، وقد علمنا أنه لم يرد به تفريقها على ~~الفقراء على عدد الرءوس لامتناع ذلك وتعذره، فثبت أن المراد دفعها إلى بعض ~~أي بعض كان، وأقلهم واحد، ومعلوم أن كل واحد ms2234 من أرباب الأموال مخاطب بذلك ~~فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد قل المدفوع أو ~~كثر، فوجب بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير من الزكاة إلى واحد من ~~الفقراء من غير تحديد لمقداره. وأيضا فإن الدفع والتمليك يصادفانه، وهو ~~فقير، فلا فرق بين دفع القليل والكثير لحصول التمليك في الحالتين للفقير، ~~وإنما كره أبو حنيفة أن يعطى إنسان مائتي درهم لأن المائتين هي # PageV03P177 # النصاب الكامل فيكون غنيا مع تمام ملك الصدقة، ومعلوم أن الله تعالى إنما ~~أمر بدفع الزكوات إلى الفقراء لينتفعوا بها، ويتملكوها، فلا يحصل له ~~التمكين من الانتفاع إلا، وهو غني; فكره من أجل ذلك دفع نصاب كامل، ومتى ~~دفع إليه أقل من النصاب فإنه يملكه، ويحصل له الانتفاع بها، وهو فقير فلم ~~يكرهه، إذ القليل والكثير سواء في هذا الوجه إذا لم يصر غنيا، فالنصاب عند ~~وقوع التمليك والتمكين من الانتفاع. وأما قول أبي حنيفة: "وأن يغني بها ~~إنسانا أحب إلي" فإنه لم يرد به الغنى الذي تجب عليه به الزكاة، وإنما أراد ~~أن يعطيه ما يستغني به عن المسألة ويكف به وجهه ويتصرف به في ضرب من ~~المعاش. # واختلف فيمن أعطى زكاته رجلا ظاهره الفقر فأعطاه على ذلك ثم تبين أنه غني ~~فقال أبو حنيفة ومحمد: "يجزيه، وكذلك إن دفعها إلى ابنه أو إلى ذمي، وهو لا ~~يعلم ثم علم أنه يجزيه". وقال أبو يوسف: "لا يجزيه" ذهب أبو حنيفة في ذلك ~~إلى ما روي في حديث معن بن يزيد أن أباه أخرج صدقة فدفعها إليه ليلا، وهو ~~لا يعرفه فلما أصبح وقف عليه فقال: ما إياك أردت، واختصما إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له: "لك ما نويت يا يزيد"، وقال لمعن: "لك ما أخذت"، ~~ولم يسأله أنويتها من الزكاة أو غيرها بل قال: "لك ما نويت"، فدل على ~~جوازها إن نواها زكاة، وأيضا فإن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة من ~~وجه في غير حال الضرورة، وهو ms2235 أن يتصدق عليهم صدقة التطوع، فأشبهت من هذا ~~الوجه الصلاة إلى الكعبة إذا أداها باجتهاد صحيح ثم تبين أنه أخطأها كانت ~~صلاته ماضية، إذ كانت الصلاة إلى غير جهة الكعبة قد تكون صلاة صحيحة من غير ~~ضرورة، وهو المصلي تطوعا على الراحلة، فكان إعطاء الزكاة باجتهاد مشبها ~~لأداء الصلاة باجتهاد على النحو الذي ذكرنا. # فإن قيل: إنما يشبه مسألة الزكاة من توضأ بماء يظنه طاهرا ثم علم أنه كان ~~نجسا فلا تجزيه صلاته لأنه صار من اجتهاد إلى يقين، كذلك مؤدي الزكاة إلى ~~غني أو ابنه أو ذمي إذا علم فقد صار من اجتهاد إلى يقين، فبطل حكم اجتهاده ~~ووجبت عليه الإعادة. قيل له: ليس كذلك; لأن الوضوء بالماء النجس لا يكون ~~طهارة بحال فلم يكن للاجتهاد تأثير في جوازه، وترك القبلة جائز في أحوال، ~~فمسألتنا بما ذكرناه أشبه. # فإن قيل: الصلاة قد تجوز في الثوب النجس في حال، ومع ذلك فلو أداها ~~باجتهاد منه في طهارة الثوب ثم تبين النجاسة بطلت صلاته، ووجبت عليه ~~الإعادة، ولم يكن جواز الصلاة في الثوب النجس بحال موجبا لجواز أدائها ~~بالاجتهاد متى صار إلى يقين النجاسة. قيل له: أغفلت معنى اعتلالنا; لأنا ~~قلنا إن ترك القبلة جائز من غير ضرورة كجواز إعطاء هؤلاء من صدقة التطوع من ~~غير ضرورة فكانا متساويين من هذا الوجه، ألا # PageV03P178 # ترى أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة ~~بالمتصدق صدقة التطوع على ما ذكرنا؟ فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في ~~الحكم، وأما الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة، ويستوي ~~فيه حكم مصلي الفرض أو متنفل، فلذلك اختلفا. # PageV03P179 # باب دفع الصدقات إلى صنف واحد # قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية. فروى أبو داود ~~الطيالسي قال: حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن ~~عباس قالا: إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه، ~~وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب ms2236 وحذيفة، وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن ~~عبد العزيز، وأبي العالية،, ولا يروى عن الصحابة خلافه، فصار إجماعا من ~~السلف لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من ~~نظرائهم عليهم. وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل: ~~أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس، ~~وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس. وقال الشافعي: ~~"تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره" ~~وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر ~~الكتاب، قال الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم} [البقرة:271] وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم ~~للجنس لدخول الألف واللام عليه، فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف ~~واحد من المذكورين، وهم الفقراء، فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر ~~الأصناف إنما هو بيان أسباب الفقر لا قسمتها على ثمانية، ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:25] ~~وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما، وذلك ينفي وجوب قسمتها على ~~ثمانية، وأيضا فإن قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} عموم في سائر ~~الصدقات، وما يحصل منها في كل زمان، وقوله تعالى: {للفقراء} إلى آخره عموم ~~أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث منهم. ومعلوم أنه لم يرد ~~قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين، ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك ~~إلى أن تقوم الساعة فوجب أن يجزي إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد، وإعطاء ~~صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى ~~الإمام قسمته، فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ~~ثمانية. وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها # PageV03P179 # بالشركة، وأنه جائز أن يحرم البعض منهم، ويعطى ms2237 البعض فثبت أن المقصد ~~صرفها في بعض المذكورين فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها ~~بعض الفقراء; لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء ~~البعض. قال أبو بكر: ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من ~~امرأته، ولم يجد ما يطعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى ~~صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقاتهم; فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ~~دفع صدقاتهم إلى سلمة، وإنما هو من صنف واحد. وفي حديث عبيد الله بن عدي بن ~~الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، فرآهما ~~جلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما"، ولم يسألهما من أي الأصناف هما ليحسبهما ~~من الصنف، ويدل على أنها مستحقة بالفقر قوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم، وأردها في فقرائكم، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن ~~الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم"، ~~فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر; لأنه عم جميع ~~الصدقة، وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء، وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة ~~يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر، وأن عمومه يقتضي جواز دفع ~~جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم، بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ~~ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت". # فإن قيل: العامل يستحقه لا بالفقر. قيل له: لم يكونوا يأخذونها صدقة، ~~وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة، كفقير ~~تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له، وكما كان يتصدق على بريرة فتهديه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم هدية للنبي، وصدقة لبريرة. # فإن قيل: فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر قيل له: ~~لم يكونوا يأخذونها صدقة، وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى ~~المؤلفة قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم، ~~فلم يكونوا يأخذونها ms2238 صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين، إذ ~~كان مال الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم، ~~ويتصرف في مصالحهم. فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ~~ما بينا، والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل، والغازي لا يستحقونها إلا ~~بالحاجة والفقر دون غيرهما، فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر. # فإن قيل: روى عبد الرحمن بن زياد بن العم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد ~~بن الحارث الصدائي يقول: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم، ~~فقلت: أعطني من صدقاتهم # PageV03P180 # ففعل، وكتب لي بذلك كتابا، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل لم يرض بحكم نبي، ولا غيره حتى ~~حكم فيها من السماء فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ~~منها" قيل له: هذا يدل على صحة ما قلنا لأنه قال: "إن كنت من تلك الأجزاء ~~أعطيتك" فبان أنها مستحقة لمن كان من أهل هذه الأجزاء، وذكر فيه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتب للصدائي بشيء من صدقة قومه، ولم يسأل من أي الأصناف ~~هو، فدل ذلك على أن قوله: "إن الله تعالى جزأها ثمانية أجزاء" معناه ليوضع ~~في كل جزء منها جميعا إن رأى ذلك الإمام، ولا يخرجها عن جميعهم. وأيضا فليس ~~تخلو الصدقة من أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما جميعا، وفاسد أن ~~يقال هي مستحقة بمجرد الاسم لوجهين: أحدهما: أنه يوجب أن يستحقها كل غارم، ~~وكل ابن سبيل، وإن كان غنيا، وهذا باطل. والوجه الثاني: أنه كان يجب أن ~~يكون لو اجتمع له الفقر، وابن السبيل أن يستحق سهمين، فلما بطل هذان ~~الوجهان صح أنها مستحقة بالحاجة. # فإن قيل: قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية، يقتضي ~~إيجاب الشركة، فلا يجوز إخراج صنف منها، كما لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو ~~وخالد لم يحرم واحد منهم. قيل له: ms2239 هذا مقتضى اللفظ في جميع الصدقات، وكذلك ~~نقول، فيعطي صدقة العام صنفا واحدا، ويعطي صدقة عام آخر صنفا آخر على قدر ~~اجتهاد الإمام ومجرى المصلحة فيه، وإنما الخلاف بيننا وبينكم في صدقة واحدة ~~هل يستحقها الأصناف كلها، وليس في الآية بيان حكم صدقة واحدة، وإنما فيها ~~حكم الصدقات كلها، فنقسم الصدقات كلها على ما ذكرنا فنكون قد وفينا الآية ~~حقها من مقتضاها، واستعملنا سائر الآي التي قدمنا ذكرها، والآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقول السلف، فذلك أولى من إيجاب قسمة صدقة واحدة على ~~ثمانية، ورد أحكام سائر الآي والسنن التي قدمنا. وبهذا المعنى الذي ذكرنا ~~انفصلت الصدقات من الوصية بالثلث لأعيان لأن المسمين لهم محصورون، وكذلك ~~الثلث في مال معين فلا بد من أن يستحقوه بالشركة. وأيضا فلا خلاف أن ~~الصدقات غير مستحقة على وجه الشركة للمسمين لاتفاقهم على جواز إعطاء بعض ~~الفقراء دون بعض، ولا جائز إخراج بعض الموصى لهم. وأيضا لما جاز التفضيل في ~~الصدقات لبعض على بعض، ولم يجز ذلك في الوصايا المطلقة، كذلك جاز حرمان بعض ~~الأصناف كما جاز حرمان بعض الفقراء، ففارق الوصايا من هذا الوجه، وأيضا لما ~~كانت الصدقة حقا لله تعالى لا لآدمي بدلالة أنه لا مطالبة لآدمي يستحقها ~~لنفسه، فأي صنف أعطي فقد وضعها موضعها، والوصية لأعيان حق لآدمي لا مطالبة ~~لغيرهم بها، # PageV03P181 # فاستحقوها كلهم كسائر الحقوق التي للآدمي. ويدل على ذلك أن الله أوجب في ~~الكفارة إطعام مساكين، ولو أعطى الفقراء جاز، فكذلك جائز أن يعطي ما سمى ~~للمساكين في آية الصدقات للفقراء، والوصية مخالفة لذلك لأنه لو أوصى لزيد ~~لم يعط عمرو. # قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: "يقولون ~~هو صاحب أذن يصغي إلى كل أحد". وقيل: إن أصله من أذن يأذن إذا سمع، قال ~~الشاعر: # في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار # ومعناه أذن صلاح لكم لا أذن ms2240 شر وقوله: {ويؤمن للمؤمنين} قال ابن عباس: ~~"يصدق المؤمنين"، ودخول "اللام" ههنا كدخوله في قوله: {قل عسى أن يكون ردف ~~لكم} [النمل:72] ومعناه: ردفكم. وقيل: إنما أدخلت "اللام" للفرق بين إيمان ~~التصديق وإيمان الأمان فإذا قيل: {ويؤمن للمؤمنين} لم يعقل به غير التصديق، ~~وهو كقوله تعالى: {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} [التوبة:94] أي لن نصدقكم، ~~وكقوله: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف:17] ومن الناس من يحتج بذلك في قبول خبر ~~الواحد لإخبار الله تعالى عن نبيه أنه يصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، وهذا ~~لعمري يدل على قبوله في أخبار المعاملات فأما أخبار الديانات وأحكام الشرع ~~فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إلى أن يسمعها من أحد إذ كان ~~الجميع عنه يأخذون وبه يقتدون فيها. # قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} قيل: إنه إنما رد ضمير الواحد ~~في قوله: يرضوه لأن رضا الله ينتظم رضا الرسول إذ كل ما رضي الله فقد رضيه ~~الرسول، فترك ذكر ضمير الرسول لدلالة الحال عليه. وقيل: إن اسم الله تعالى ~~لا يجمع مع اسم غيره في الكناية تعظيما بإفراد الذكر، وقد روي أن رجلا خطب ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ~~ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قم فبئس الخطيب أنت" ~~فأنكر الجمع بين اسم الله وبين اسمه في الكناية. وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم النهي عن جمع اسم غير الله إلى اسمه بحرف الجمع، فقال:"لا ~~تقولوا: إن شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا: إن شاء الله ثم شاء فلان". # قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم} قال الحسن ومجاهد: "كانوا ~~يحذرون"، فحملاه على معنى الإخبار عنهم بأنهم يحذرون وقال غيرهما: "صورته ~~صورة الخبر ومعناه الأمر تقديره: ليحذر المنافقون". # وقوله تعالى: {إن الله مخرج ما تحذرون} إخبار من الله بإخراج إضمار السوء # PageV03P182 # وإظهاره وهتك صاحبه بما يخذله الله به ويفضحه، وذلك إخبار عن المنافقين ~~وتحذير لغيرهم ms2241 من سائر مضمري السوء وكاتميه، وهو في معنى قوله: {والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون} [البقرة:72] . # قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} إلى قوله: {إن ~~نعف} فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير ~~وجه الإكراه; لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعبا، فأخبر ~~الله عن كفرهم باللعب بذلك. وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك: ~~أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات فأطلع الله نبيه ~~على ذلك، فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جد أو هزل، فدل ~~ذلك على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر، ودل أيضا على أن ~~الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر من فاعله. # قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أضاف بعضهم إلى بعض ~~باجتماعهم على النفاق، فهم متشاكلون متشابهون في تعاضدهم على النفاق والأمر ~~بالمنكر والنهي عن المعروف كما يضاف بعض الشيء إليه لمشاكلته للجملة. # قوله تعالى: {ويقبضون أيديهم} فإنه روي عن الحسن ومجاهد: عن الإنفاق في ~~سبيل الله". وقال قتادة: "عن كل خير". وقال غيره: "عن الجهاد في سبيل ~~الله". وجائز أن يكونوا قبضوا أيديهم عن جميع ذلك، فيكون المراد جميع ما ~~احتمله اللفظ منه. # وقوله: {نسوا الله فنسيهم} فإن معناه أنهم تركوا أمره والقيام بطاعته حتى ~~صار ذلك عندهم بمنزلة المنسي، إذ لم يستعملوا منه شيئا كما لا يعمل ~~بالمنسي. وقوله: {فنسيهم} معناه أنه تركهم من رحمته، وسماه باسم الذنب ~~لمقابلته; لأنه عقوبة وجزاء على الفعل، وهو مجاز كقولهم: الجزاء بالجزاء، ~~وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40] ونحو ذلك. # قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} روى عبد ~~الله بن مسعود قال: "جاهدهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك وقلبك فإن لم تستطع ~~فاكفهر في وجوههم". وقال ابن عباس: "جاهد الكفار بالسيف والمنافقين ~~باللسان". وقال الحسن وقتادة: "جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة ~~الحدود، وكانوا أكثر من يصيب ms2242 الحدود". # PageV03P183 # قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم} فيه إخبار عن كفار المنافقين، وكلمة الكفر كل كلمة فيها جحد لنعمة ~~الله أو بلغت منزلتها في العظم، وكانوا يطعنون في النبوة والإسلام. ويقال ~~إن القائل لكلمة الكفر الجلاس بن سويد بن الصامت قال: إن كان ما جاء به ~~محمد حقا لنحن شر من الحمير ثم حلف بالله ما قال روي ذلك عن مجاهد وعروة ~~وابن إسحاق. وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول حين قال: {لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون:8] وقال الحسن: ~~"كان جماعة من المنافقين قالوا ذلك". وفيما قص الله علينا من شأن المنافقين ~~وإخباره عنهم باعتقاد الكفر وقوله ثم تبقيته إياهم، واستحياؤهم لما كانوا ~~يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الإسلام دلالة على قبول توبة ~~الزنديق المسر للكفر والمظهر للإيمان. # قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى آخر ~~الآيتين فيه الدلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة لزمه الوفاء; لأن العهد ~~هو النذر والإيجاب نحو قوله: إن رزقني الله ألف درهم فعلي أن أتصدق منها ~~بخمسمائة، ونحو ذلك. فانتظمت هذه الآية أحكاما، منها: أن من نذر نذرا لزمه ~~الوفاء بنفس المنذور لقوله تعالى: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} فعنفهم ~~على ترك الوفاء بالمنذور بعينه، وهذا يدل على بطلان قول من أوجب في شيء ~~بعينه كفارة يمين وأبطل إيجاب إخراج المنذور بعينه، ويدل أيضا على جواز ~~تعليق النذر بشرط مثل أن يقول: إن قدم فلان فلله علي صدقة أو صيام ويدل ~~أيضا على أن النذر المضاف إلى الملك إيجاب في الملك، وإن لم يكن الملك ~~موجودا في الحال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نذر فيما لا يملك ~~ابن آدم"، وجعله الله تعالى نذرا في الملك وألزمه الوفاء به، فثبت بذلك أن ~~النذر في غير ملك أن يقول: لله علي أن أتصدق بثوب زيد، أو نحوه ms2243 وهو يدل على ~~أن من قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أنه مطلق في نكاح لا قبل النكاح، ~~كما كان المضيف للنذر إلى الملك ناذرا في الملك. ونظير ذلك في إيجاب نفس ~~المنذور على موجبه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف:3] فاقتضى ذلك فعل ~~المقول بعينه، وإخراج كفارة يمين ليس هو المقول بعينه، ونحوه قوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل:91] والوفاء بالعهد إنما هو فعل ~~المعهود بعينه لا غير، وقوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة:40] وقوله ~~{يوفون بالنذر} [الإنسان:7] فمدحهم على فعل المنذور بعينه. ومن نظائره قوله ~~تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها # PageV03P184 # عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد:27] ~~والابتداع قد يكون بالقول وبالفعل، فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الإنسان ~~من قربة قولا أو فعلا لذم الله تعالى تارك ما ابتدع من القربة. وقد روي نحو ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في النذر، وهو قوله: "من نذر نذرا وسماه ~~فعليه الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين". # قوله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} قال الحسن: "بخلهم بما نذروه ~~أعقبهم النفاق". وقال مجاهد: أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم ~~إبليس". ومعناه نصب الدلالة على أنه لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده. # وقوله: {إلى يوم يلقونه} قيل فيه: "يلقون جزاء بخلهم" ومن ذهب إلى أن ~~الله أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله تعالى. # قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم} فيه إخبار بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا ~~يوجب لهم المغفرة، ثم قال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} ~~ذكر السبعين على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة. وقد روي في بعض الأخبار ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2244 لما نزلت هذه الآية قال: "لأزيدن على ~~السبعين"، وهذا خطأ من راويه; لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ~~ورسوله، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل الله مغفرة الكفار مع علمه ~~بأنه لا يغفر لهم، وإنما الرواية الصحيحة فيه ما روي أنه قال: "لو علمت أني ~~لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم، فكانوا إذا مات ~~الميت منهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستغفار له فكان ~~يستغفر لهم على أنهم مسلمون، فأعلمه الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر ~~مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا ينفعهم. # قوله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فيه ~~الدلالة على معان: أحدها: فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على موتى ~~الكفار. ويدل أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن، وعلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد كان يفعله وقد روى وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد: ~~"أن عليا قام على قبر حتى دفن". وروى سفيان الثوري عن أبي قيس قال: "شهدت ~~علقمة قام على قبر حتى دفن". وروى جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن ~~عمير: "أن ابن الزبير كان إذا مات له ميت لم يزل قائما حتى ندفنه". فهذا ~~يدل على أن السنة لمن حضر عند القبر أن يقوم عليه حتى يدفن. ومن الناس من ~~يستدل بذلك على جواز الصلاة على القبر، وجعل قوله: {ولا تقم على قبره} قيام ~~الصلاة على القبر، وهذا خطأ من التأويل; لأنه تعالى قال: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فنهى عن القيام على القبر كنهيه عن الصلاة ~~على # PageV03P185 # الميت عطفا عليه، فغير جائز أن يكون المعطوف هو المعطوف عليه بعينه. ~~وأيضا فإن القيام ليس هو عبارة عن الصلاة، وإنما يريد ms2245 هذا القائل أن يجعله ~~كناية عنها، وغير جائز أن تذكر الصلاة بصريح اسمها ثم يعطف عليها القيام ~~فيجعله كناية عنها، فثبت بذلك أن القيام على القبر غير الصلاة. وأيضا روى ~~الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب ~~يقول: "لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: هذا أبي يا رسول الله قد وضعناه على شفير قبره فقم فصل عليه ~~فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثبت معه، فلما قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقام الناس خلفه تحولت وقمت في صدره وقلت: يا رسول الله على عبد ~~الله بن أبي عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا أعد أيامه الخبيثة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتدعني يا عمر إن الله خيرني فاخترت، فقال: ~~{استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم} الآية، فوالله لو أعلم يا عمر أني لو زدت ~~على سبعين مرة أن يغفر له لزدت"، ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ~~وقام على قبره حتى دفن، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أنزبل الله: {ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} فوالله ما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أحد من المنافقين ولا قام على قبره بعده} فذكر عمر في هذا ~~الحديث الصلاة، والقيام على القبر جميعا، فدل على ما وصفنا وروي عن أنس: ~~"أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ ~~جبريل بثوبه فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ". # قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} هذا عطف على ما تقدم من ذكر الجهاد في ~~قوله: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} ثم عطف عليه ~~قوله: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} ms2246 فذمهم على الاستئذان في التخلف ~~عن الجهاد من غير عذر. ثم ذكر المعذورين من المؤمنين، فذكر الضعفاء وهم ~~الذين يضعفون عن الجهاد بأنفسهم لزمانة، أو عمى، أو سن، أو ضعف في الجسم، ~~وذكر المرضى وهم الذين بهم أعلال مانعة من النهوض، والخروج للقتال، وعذر ~~الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، وكان عذر هؤلاء ومدحهم بشريطة النصح لله ~~ورسوله; لأن من تخلف منهم وهو غير ناصح لله ورسوله بل يريد التضريب والسعي ~~في إفساد قلوب من بالمدينة لكان مذموما مستحقا للعقاب. ومن النصح لله تعالى ~~حث المسلمين على الجهاد وترغيبهم فيه والسعي في إصلاح ذات بينهم ونحوه مما ~~يعود بالنفع على الدين، ويكون مع ذلك مخلصا لعمله من الغش; لأن ذلك هو ~~النصح، ومنه التوبة النصوح. # قوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} عموم في أن كل من كان محسنا في # PageV03P186 # شيء فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في مسائل مما قد اختلف فيه، نحو من ~~استعار ثوبا ليصلي فيه، أو دابة ليحج عليها فتهلك، فلا سبيل عليه في ~~تضمينه; لأنه محسن، وقد نفى الله تعالى السبيل عليه نفيا عاما، ونظائر ذلك ~~مما يختلف في وجوب الضمان عليه بعد حصول صفة الإحسان له، فيحتج به نافو ~~الضمان. ويحتج مخالفنا في إسقاط ضمان الجمل الصئول إذا قتله من خشي أن ~~يقتله بأنه محسن في قتله للجمل، وقال الله تعالى: {ما على المحسنين من ~~سبيل} ونظائره كثيرة. # قوله تعالى: {فأعرضوا عنهم إنهم رجس} هو كقوله: {إنما المشركون نجس} ; ~~لأن الرجس يعبر به عن النجس، ويقال رجس نجس على الإتباع، وهذا يدل على وجوب ~~مجانبة الكفار وترك موالاتهم ومخالطتهم وإيناسهم وتقويتهم. # وقوله تعالى: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين} يدل على أن الحلف على الاعتذار ممن كان متهما لا يوجب ~~الرضا عنه وقبول عذره; لأن الآية قد اقتضت النهي عن الرضا عن هؤلاء مع ~~أيمانهم، وقال في هذه الآية: {يحلفون} ولم يقل "بالله" وقال في الآية ms2247 ~~الأولى: {سيحلفون بالله} فذكر اسم الله في الحلف في الأولى واقتصر في الآية ~~الثانية على ذكر الحلف، فدل على أنهما سواء. وقال في موضع آخر: {ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون} [المجادلة:14] وكذلك قال الله تعالى في القسم، فقال ~~في موضع: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] وقال في موضع آخر: ~~{إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} [القلم:17] فاكتفى بذكر الحلف عن ذكر اسم الله ~~تعالى، وفي هذا دليل على أنه لا فرق بين قول القائل "أحلف" وبين قوله "أحلف ~~بالله" وكذلك قوله: "أقسم" و "أقسم بالله". # قوله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله} أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعم الأكثر منهم، وهم ~~الذين كانوا يواطنون المنافقين على الكفر والنفاق، وأخبر أنهم أجدر أن لا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، وذلك لقلة سماعهم للقرآن ومجالستهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فهم أجهل من المنافقين الذين كانوا بحضرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم; لأنهم قد كانوا يسمعون القرآن، والأحكام، فكان الأعراب ~~أجهل بحدود الشرائع من أولئك، وكذلك هم الآن في الجهل بالأحكام والسنن وفي ~~سائر الأعصار وإن كانوا مسلمين; لأن من بعد من الأمصار وناء عن حضرة ~~العلماء كان أجهل بالأحكام والسنن ممن جالسهم وسمع منهم; ولذلك كره أصحابنا ~~إمامة الأعرابي في الصلاة. ويدل على أن إطلاق اسم الكفر والنفاق على ~~الأعراب خاص في بعضهم دون بعض قوله تعالى في نسق التلاوة: {ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما # PageV03P187 # ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} الآية قال ابن عباس والحسن: "صلوات ~~الرسول استغفاره لهم"، وقال قتادة: دعاؤه لهم بالخير، والبركة. # وقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان} فيه الدلالة على تفضيل السابق إلى الخير على التالي; لأنه داع إليه ~~يسبقه والتالي تابع له فهو إمام له وله مثل أجره، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ms2248 ~~ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وكذلك ~~السابق إلى الشر أسوأ حالا من التابع له; لأنه في معنى من سنه، وقال الله ~~تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت:13] يعني أثقال من ~~اقتدى بهم في الشر، وقال الله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} ~~[المائدة:32] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من قتيل ظلما إلا وعلى ~~ابن آدم القاتل كفل من دمه; لأنه أول من سن القتل". # وقد اختلف فيمن نزلت الآية، فروي عن أبي موسى وسعيد بن المسيب وابن سيرين ~~وقتادة: أنها نزلت في الذين صلوا إلى القبلتين. وقال الشعبي: "فيمن بايع ~~بيعة الرضوان". وقال غيرهم: "فيمن أسلم قبل الهجرة " # وقوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} . الآية، إلى قوله: ~~{سنعذبهم مرتين} قال الحسن وقتادة: "في الدنيا وفي القبر {ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم} وهو عذاب جهنم" وقال ابن عباس: "في الدنيا بالفضيحة; لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذكر رجالا منهم بأعيانهم، والأخرى في القبر". وقال ~~مجاهد: "بالقتل والسبي، والجوع". # وقوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى ~~الله أن يتوب عليهم} والاعتراف الإقرار بالشيء عن معرفة; لأن الإقرار من قر ~~الشيء إذا ثبت، والاعتراف من المعرفة وإنما ذكر الاعتراف بالخطيئة عند ~~التوبة; لأن تذكر قبح الذنب أدعى إلى إخلاص التوبة منه وأبعد من حال من ~~يدعى إلى التوبة ممن لا يدري ما هو ولا يعرف موقعه من الضرر، فأصح ما يكون ~~من التوبة أن تقع مع الاعتراف بالذنب ولذلك حكى الله تعالى عن آدم وحواء ~~عند توبتهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} [لأعراف:23] # وإنما قال: {عسى الله أن يتوب عليهم} ليكونوا بين الطمع، والإشفاق ~~فيكونوا أبعد من الاتكال، والإهمال وقال الحسن: "عسى" من الله واجب. وفي ~~هذه الآية دلالة على أن المذنب لا يجوز ms2249 له اليأس من التوبة، وإنما يعرض ما ~~دام يعمل مع الشر خيرا لقوله # PageV03P188 # تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} وأنه متى كان للمذنب رجوع إلى الله ~~في فعل الخير، وإن كان مقيما على الذنب أنه مرجو الصلاح مأمون خير العاقبة، ~~وقال الله تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون} [يوسف:87] فالعبد، وإن عظمت ذنوبه فغير جائز له الانصراف ~~عن الخير يائسا من قبول توبته; لأن التوبة مقبولة ما بقي في حال التكليف، ~~فأما من عظمت ذنوبه وكثرت مظالمه وموبقاته فأعرض عن فعل الخير والرجوع إلى ~~الله تعالى يائسا من قبول توبته فإنه يوشك أن يكون ممن قال الله عز وجل: ~~{كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] . # PageV03P189 # مطلب: في محاورة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع حبيب بن مسلمة الفهري من ~~أصحاب ومعاوية # روي أن الحسن بن علي قال لحبيب بن مسلمة الفهري وكان من أصحاب معاوية: رب ~~مسير لك في غير طاعة الله فقال: أما مسيري إلى أبيك فلا فقال الحسن: بلى، ~~ولكنك اتبعت معاوية على عرض من الدنيا يسير والله لئن قام بك معاوية في ~~دنياك قد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت ممن قال الله: ~~{خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} ولكنك أنت ممن قال ~~الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] وهذه الآية ~~نزلت في نفر تخلفوا عن تبوك، قال ابن عباس: كانوا عشرة فيهم أبو لبابة بن ~~عبد المنذر، فربط سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد إلى أن نزلت توبتهم. ~~وقيل: كانوا سبعة فيهم أبو لبابة. # قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ظاهره رجوع الكناية ~~إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم; لأن الكناية لا تستغني عن ~~مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب، فهذا هو ظاهر الكلام ومقتضى اللفظ. ~~وجائز أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية عنهم ms2250 جميعا لدلالة الحال ~~عليه، كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر:1] يعني القرآن، ~~وقوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر:45] وهو يعني الأرض، وقوله: {حتى ~~توارت بالحجاب} ### | [ص:32] # يعني الشمس، فكنى عن هذه الأمور من غير ذكرها مظهرة في الخطاب لدلالة ~~الحال عليها كذلك قوله: {خذ من أموالهم صدقة} يحتمل أن يريد به أموال ~~المؤمنين، وقوله: {تطهرهم وتزكيهم بها} يدل على ذلك، فإن كانت الكناية عن ~~المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم، فإن دلالته ظاهرة على وجوب ~~الأخذ من سائر المسلمين; لاستواء # PageV03P189 # الجميع في أحكام الدين إلا ما خصه الدليل وذلك لأن كل حكم حكم الله ~~ورسوله به في شخص، أو على شخص من عباده، أو غيرها فذلك الحكم لازم في سائر ~~الأشخاص إلا ما قام دليل التخصيص فيه وقوله تعالى: {تطهرهم} يعني إزالة نجس ~~الذنوب بما يعطي من الصدقة وذلك لأنه لما أطلق اسم النجس على الكفر تشبيها ~~له بنجاسة الأعيان، أطلق في مقابلته وإزالته اسم التطهير كتطهير نجاسة ~~الأعيان بإزالتها، وكذلك حكم الذنوب في إطلاق اسم النجس عليها، وأطلق اسم ~~التطهير على إزالتها بفعل ما يوجب تكفيرها، فأطلق اسم التطهير عليهم بما ~~يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم من صدقاتهم، ومعناه أنهم يستحقون ذلك ~~بأدائها إلى النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه لو لم يكن إلا فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأخذ لما استحقوا التطهير; لأن ذلك ثواب لهم على طاعتهم ~~وإعطائهم الصدقة، وهم لا يستحقون التطهير ولا يصيرون أزكياء بفعل غيرهم، ~~فعلمنا أن في مضمونه إعطاء هؤلاء الصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلذلك صاروا بها أزكياء متطهرين. # وقد اختلف في مراد الآية هل هي الزكاة المفروضة، أو هي كفارة من الذنوب ~~التي أصابوها، فروي عن الحسن أنها ليست بالزكاة المفروضة، وإنما هي كفارة ~~الذنوب التي أصابوها، وقال غيره: "هي الزكاة المفروضة". والصحيح أنها ~~الزكوات المفروضات إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم، أوجب الله عليهم صدقة دون ~~سائر الناس سوى زكوات الأموال، ms2251 وإذا لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر ~~الناس سواء في الأحكام، والعبادات وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من ~~الناس ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوي ~~الناس في الأحكام إلا من خصه دليل فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة على ~~جميع الناس غير مخصوص بها قوم دون قوم، وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة ~~المفروضة إذ ليس في أموال سائر الناس حق سوى الصدقات المفروضة، وقوله: ~~{تطهرهم وتزكيهم بها} لا دلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب غير الزكاة ~~المفروضة; لأن الزكاة المفروضة أيضا تطهر وتزكي مؤديها، وسائر الناس من ~~المكلفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم. # وقوله: {خذ من أموالهم} عموم في سائر أصناف الأموال ومقتض لأخذ البعض ~~منها، إذ كانت من مقتضى التبعيض، وقد دخلت على عموم الأموال فاقتضت إيجاب ~~الأخذ من سائر أصناف الأموال بعضها. ومن الناس من يقول: إنه متى أخذ من صنف ~~واحد فقد قضى عهدة الآية، والصحيح عندنا هو الأول، وكذلك كان يقول شيخنا ~~أبو الحسن الكرخي. # قال أبو بكر: وقد ذكر الله تعالى إيجاب فرض الزكاة في مواضع من كتابه ~~بلفظ # PageV03P190 # مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ، والمأخوذ منه ومقادير الواجب، والموجب ~~فيه ووقته وما يستحقه وما ينصرف فيه، فكان لفظ الزكاة مجملا في هذه الوجوه ~~كلها وقال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} فكان الإجمال في لفظ الصدقة دون لفظ ~~الأموال; لأن الأموال اسم عموم في مسمياته، إلا أنه قد ثبت أن المراد خاص ~~في بعض الأموال دون جميعها، والوجوب في وقت من الزمان دون سائره، ونظيره ~~قوله تعالى: {في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:25] وكان مراد ~~الله تعالى في جميع ذلك موكولا إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7] حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثني محمد ~~بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا صرد بن أبي ms2252 المنازل قال: سمعت حبيبا ~~المالكي قال: قال رجل لعمران بن حصين: يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث ~~ما نجد لها أصلا في القرآن فغضب عمران وقال للرجل: أوجدتم في كل أربعين ~~درهما درهما ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا وكذا بعيرا كذا وكذا أوجدتم ~~هذا في القرآن؟ قال: لا قال: فعمن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم وذكر أشياء نحو هذا فمما نص الله تعالى عليه من ~~أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب، والفضة بقوله: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} فنص على وجوب ~~الحق فيهما بأخص أسمائهما تأكيدا وتبيينا ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار ~~في قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} [الأنعام:141] إلى قوله: {كلوا من ~~ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام:141] فالأموال التي تجب فيها ~~الزكاة الذهب، والفضة وعروض التجارة، والإبل، والبقر، والغنم السائمة، ~~والزرع والثمر على اختلاف من الفقهاء في بعض ذلك، وقد ذكر بعض صدقة الزرع، ~~والثمر في سورة الأنعام. # وأما المقدار، فإن نصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذهب عشرون دينارا، وقد ~~روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما الإبل، فإن نصابها خمس منها، ~~ونصاب الغنم أربعون شاة، ونصاب البقر ثلاثون. وأما المقدار الواجب ففي ~~الذهب، والفضة وعروض التجارة ربع العشر إذا بلغ النصاب وفي خمس من الإبل ~~شاة وفي أربعين شاة شاة وفي ثلاثين بقرة تبيع، وقد اختلف في صدقة الخيل ~~وسنذكره بعد هذا إن شاء الله، وأما الوقت فهو حول الحول على المال مع كمال ~~النصاب في ابتداء الحول وآخره، وأما من تجب عليه فهو أن يكون المالك حرا ~~بالغا عاقلا مسلما صحيح الملك لا دين عليه يحيط بماله، أو بما لا يفضل عنه ~~مائتا درهم حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي # PageV03P191 # قال: قرأت على مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: سمعت ~~أبا سعيد ms2253 الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون ~~خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن داود المهري ~~قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ~~ضمرة، والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك ~~شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال ~~عليها الحول ففيها نصف دينار، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول". # وهذا الخبر في الحول، وإن كان من أخبار الآحاد، فإن الفقهاء قد تلقته ~~بالقبول واستعملوه فصار في حيز المتواتر الموجب للعلم، وقد روي عن ابن عباس ~~في رجل ملك نصابا: "أنه يزكيه حين يستفيده" وقال أبو بكر وعلي وعمر وابن ~~عمر وعائشة: "لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول". ولما اتفقوا على أنه لا ~~زكاة عليه بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن وجوب الزكاة لم يتعلق ~~بالمال دون الحول وأنه بهما جميعا يجب، وقد استعمل ابن عباس خبر الحول بعد ~~الأداء ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينه قبل الأداء وبعده بل نفى ~~إيجاب الزكاة في سائر الأموال نفيا عاما إلا بعد حول الحول فوجب استعماله ~~في كل نصاب قبل الأداء وبعده ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ابن عباس أراد إيجاب ~~الأداء بوجود ملك النصاب وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة; لأنه ليس في الخبر ~~ذكر الوجوب. # واختلف فيما زاد على المائتين من الورق فروي عن علي وابن عمر فيما زاد ~~على المائتين بحسابه وهو قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي. وروي عن عمر ~~أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما وهو قول أبي حنيفة ويحتج من ~~اعتبر الزيادة أربعين بما روى عبد الرحمن ms2254 بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "وليس فيما زاد على المائتي الدرهم شيء حتى يبلغ ~~أربعين درهما" وحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هاتوا زكاة الرقة ~~من كل أربعين درهما درهما، وليس فيما دون خمس أواق صدقة" فوجب استعمال قوله ~~"في كل أربعين درهما درهم" على أنه جعله مقدار الواجب فيه كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "وإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة". ويدل عليه من جهة النظر ~~أن هذا مال له نصاب في الأصل فوجب أن يكون له عفو بعد النصاب كالسوائم، ولا ~~يلزم أبا حنيفة ذلك في زكاة الثمار; لأنه لا نصاب له في الأصل عنده وأبو ~~يوسف ومحمد لما # PageV03P192 # كان عندهما أن لزكاة الثمار نصابا في الأصل ثم لم يجب اعتبار مقدار بعده ~~بل الواجب في القليل، والكثير، كذلك الدراهم والدنانير ولو سلم لهما ذلك ~~كان قياسه على السوائم، أولى منه على الثمار; لأن السوائم يتكرر وجوب الحق ~~فيها بتكرر السنين وما تخرج الأرض لا يجب فيه الحق إلا مرة واحدة ومرور ~~الأحوال لا يوجب تكرار وجوب الحق فيه فإن قيل: فواجب أن يكون ما يتكرر وجوب ~~الحق فيه، أولى بوجوبه في قليل ما زاد على النصاب وكثيره مما لا يتكرر وجوب ~~الحق فيه. # فإن قيل له: هذا منتقض بالسوائم; لأن الحق يتكرر وجوبه فيها ولم يمنع ذلك ~~اعتبار العفو بعد النصاب، ومما يدل على أن قياسه على السوائم، أولى من ~~قياسه على ما تخرجه الأرض أن الدين لا يسقط العشر، وكذلك موت رب الأرض ~~ويسقط زكاة الدراهم والسوائم، فكان قياسها عليها، أولى منه على ما تخرجه ~~الأرض. # واختلف فيما زاد من البقر على أربعين، فقال أبو حنيفة: "فيما زاد بحسابه" ~~وقال أبو يوسف ومحمد: "لا شيء فيه حتى يبلغ ستين" وروى أسد بن عمر عن أبي ~~حنيفة مثل قولهما. وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي والليث ~~والشافعي كقول أبي يوسف ومحمد. ويحتج لأبي حنيفة بقوله تعالى: ms2255 {خذ من ~~أموالهم صدقة} وذلك عموم في سائر الأموال، لا سيما، وقد اتفق الجميع على أن ~~هذا المال داخل في حكم الآية مراد بها، فوجب في القليل، والكثير بحق ~~العموم، وقد روى عنه الحسن بن زياد أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين ~~فتكون فيها مسنة وربع مسنة، ويحتج لقوله المشهور أنه لا يخلو من إثبات ~~الوقص تسعا فينتقل إليه بالكسر، وليس ذلك في فروض الصدقات، أو بجعل الوقص ~~تسعة عشر فيكون خلاف، أوقاص البقر، فلما بطل هذا، وهذا ثبت القول الثالث ~~وهو إيجابه في القليل، والكثير من الزيادة وروي عن سعيد بن المسيب وأبي ~~قلابة والزهري وقتادة أنهم كانوا يقولون: "في خمس من البقر شاة"، وهو قول ~~شاذ لاتفاق أهل العلم على خلافه وورود الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ببطلانه. وروى عاصم بن ضمرة عن علي: في خمس وعشرين من الإبل خمس ~~شياه"، وقد أنكره سفيان الثوري وقال: علي أعلم من أن يقول هذا، هذا من غلط ~~الرجال. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالآثار المتواترة أن فيها ~~ابنة مخاض، ويجوز أن يكون علي بن أبي طالب أخذ خمس شياه عن قيمة بنت مخاض ~~فظن الراوي أن ذلك فرضها عنده. # واختلف في الزيادة على العشرين ومائة من الإبل، فقال أصحابنا جميعا: ~~"تستقبل الفريضة" وهو قول الثوري. وقال ابن القاسم عن مالك: "إذا زادت على ~~عشرين ومائة # PageV03P193 # واحدة فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، وإن شاء حقتين". وقال ~~ابن شهاب: إذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة ~~فتكون فيها حقة وابنتا لبون"، يتفق قول ابن شهاب ومالك في هذا ويختلفان ~~فيما بين واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة. وقال الأوزاعي والشافعي: ~~"ما زاد على العشرين، والمائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". # قال أبو بكر: قد ثبت عن علي رضي الله عنه من مذهبه استئناف الفريضة بعد ~~المائة، والعشرين بحيث لا يختلف فيه، ms2256 وقد ثبت عنه أيضا أنه أخذ أسنان الإبل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل فقيل له: هل عندكم شيء من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عندنا إلا ما عند الناس، وهذه الصحيفة، فقيل ~~له: وما فيها؟ فقال: فيها أسنان الإبل أخذتها عن النبي. صلى الله عليه وسلم ~~ولما ثبت قول علي باستئناف الفريضة وثبت أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صار ذلك توقيفا لازما لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأيضا قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن ~~حزم استئناف الفريضة بعد المائة، والعشرين. وأيضا غير جائز إثبات هذا الضرب ~~من المقادير إلا من طريق التوقيف، أو الاتفاق، فلما اتفقوا على وجوب ~~الحقتين في المائة، والعشرين واختلفوا عند الزيادة لم يجز لنا إسقاط ~~الحقتين; لأنهما فرض قد ثبت بالنقل المتواتر واتفاق الأمة إلا بتوقيف، أو ~~اتفاق. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار كثيرة: "وإذا زادت ~~الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون". قيل له: ~~قد اختلفت ألفاظه، فقال في بعضها: "وإذا كثرت الإبل" ومعلوم أن الإبل لا ~~تكثر بزيادة الواحدة، فعلم أنه لم يرد بقوله: "وإذا زادت الإبل" إلا زيادة ~~كثيرة يطلق على مثلها أن الإبل قد كثرت بها، ونحن قد نوجب ذلك عند ضرب من ~~الزيادة الكثيرة وهو أن تكون الإبل مائة وتسعين فتكون فيها ثلاث حقاق وبنت ~~لبون. وأيضا فموجب تغيير الفرض بزيادة الواحد لا يخلو من أن يغيره بالواحدة ~~الزائدة فيوجب فيها وفي الأصل، أو يغيره فيوجب في المائة، والعشرين ولا ~~يوجب في الواحدة الزائدة شيئا، فإن، أوجب في الزيادة مع الأصل ثلاث بنات ~~لبون فهو لم يوجب في الأربعين ابنة لبون، وإنما أوجبها في أربعين وفي ~~الواحدة، وذلك خلاف قوله صلى الله عليه وسلم. وإن كان إنما يوجب تغيير ~~الفرض بالواحدة فيجعل ثلاث بنات لبون في المائة، والعشرين، ms2257 والواحدة عفو ~~فقد خالف الأصول، إذ كان العفو لا يغير الفرض. # واختلف في فرائض الغنم، فقال أصحابنا ومالك والثوري والأوزاعي والليث ~~والشافعي: "في مائتين وشاة ثلاث شياه إلى أربعمائة فتكون فيها أربع شياه". ~~وقال الحسن بن صالح: "إذا كانت الغنم ثلاث مائة شاة وشاة ففيها أربع شياه، ~~وإذا كانت أربعمائة # PageV03P194 # شاة وشاة ففيها خمس شياه"، وروى إبراهيم نحو ذلك، وقد ثبتت آثار مستفيضة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بالقول الأول دون قول الحسن بن صالح. # واختلف في صدقة العوامل من الإبل، والبقر، فقال أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي والحسن بن صالح والشافعي: "ليس فيها شيء". وقال مالك والليث: ~~"فيها صدقة". والحجة للقول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~حسن بن إسحاق التستري قال: حدثنا حمويه قال: حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن ~~طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في البقر ~~العوامل صدقة". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد ~~الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ~~ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه قال زهير: أحسبه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة، ~~وليس على العوامل شيء" وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"ليس في النخة ولا في الكسعة ولا في الجبهة صدقة". وقال أهل اللغة: النخة ~~البقر العوامل، والكسعة الحمير، والجبهة الخيل. وأيضا فإن وجوب الصدقة فيما ~~عدا الذهب، والفضة متعلق بكونه مرصدا للنماء من نسلها، أو من أنفسها، ~~والسائمة يطلب نماؤها إما من نسلها، أو من أنفسها، والعاملة غير مرصدة ~~للنماء، وهي بمنزلة دور الغلة وثياب البذلة ونحوها. وأيضا الحاجة إلى علم ~~وجوب الصدقة في العوامل كهي إلى السائمة، فلو كان من النبي صلى الله عليه ~~وسلم توقيف في إيجابها في العاملة لورد النقل به متواترا في وزن وروده في ~~السائمة، فلما ms2258 لم يرد بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة نقل ~~مستفيض علمنا أنه لم يكن من النبي توقيف في إيجابها، بل قد وردت آثار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نفي الصدقة عنها، منها ما قدمناه ومنها ما روى ~~يحيى بن أيوب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في ثور المثيرة صدقة". وروي عن علي وجابر بن ~~عبد الله وإبراهيم ومجاهد وعمر بن عبد العزيز والزهري نفي صدقة البقر ~~العوامل، ويدل عليه حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأبي بكر ~~الصديق كتابا في الصدقات: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المسلمين، فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها ومن سئل ~~فوقها فلا يعطه صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة"، فنفى ~~بذلك الصدقة عن غير السائمة; لأنه ذكر السائمة ونفى الصدقة عما عداها. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الإبل شاة" وذلك ~~عموم يوجب في السائمة وغيرها. قيل له: يخصه ما ذكرنا، ولم يقل بقول مالك في ~~إيجابه الصدقة في البقر العوامل أحد قبله. # PageV03P195 # فصل: # قال أصحابنا وعامة أهل العلم: "في أربعين شاة مسان وصغار مسنة" وقال ~~الشافعي: "لا شيء فيها حتى تكون المسان أربعين ثم يعتد بعد ذلك بالصغار" ~~ولم يسبقه إلى هذا القول أحد. وقد روى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: صدقات المواشي، فقال فيه: "ويعد صغيرها وكبيرها" ولم يفرق ~~بين النصاب وما زاد وأيضا الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"في أربعين شاة شاة"، ومتى اجتمع الصغار، والكبار أطلق على الجميع الاسم ~~فيقال: عنده أربعون شاة، فاقتضى ذلك وجوبها في الصغار، والكبار إذا اجتمعت ~~وأيضا لم يختلفوا في الاعتداد بالصغار بعد النصاب لوجود الكبار معها، فكذلك ~~حكم النصاب. # واختلف في الخيل السائمة، فأوجب أبو حنيفة ms2259 فيها إذا كانت إناثا، أو ذكورا ~~وإناثا في كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة ~~دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعي: "لا صدقة فيها". وروى ~~عروة السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"في الخيل السائمة في كل فرس دينار"، وحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبي ~~صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخيل وقال: "هي ~~ثلاثة: لرجل أجر، ولآخر ستر، وعلى رجل وزر فأما الذي هي له ستر فالرجل ~~يتخذها تكرما وتجملا، ولا ينسى حق الله في رقابها ولا في ظهورها" فأثبت في ~~الخيل حقا، وقد اتفقوا على سقوط سائر الحقوق سوى صدقة السوائم، فوجب أن ~~تكون هي المرادة. # فإن قيل: يجوز أن يريد زكاة التجارة. قيل له: قد سئل عن الحمير بعد ذكره ~~الخيل فقال: "ما أنزل الله علي فيها إلا الآية الجامعة: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} " [الزلزلة:7] فلم يوجب فيها ~~شيئا، ولو أراد زكاة التجارة لأوجبها في الحمير. # فإن قيل: في المال حقوق سوى الزكاة، فيجوز أن يكون أراد حقا غيرها، ~~والدليل عليه حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "في المال حق سوى الزكاة" وتلا قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم} [البقرة:177] روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أنه ذكر الإبل فقال: إن فيها حقا فسئل عن ذلك، فقال: "إطراق ~~فحلها وإعارة دلوها ومنيحة سمينها"، فجائز أن يكون الحق المذكور في الخيل ~~مثل ذلك. قيل له: لو كان كذلك لما اختلف حكم الحمير، والخيل; # PageV03P196 # لأن هذا الحق لا يختلفان فيه، فلما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ~~دل على أنه لم يرد به ذلك وأنه إنما أراد الزكاة. وعلى أنه قد روي أن ~~الزكاة نسخت كل حق كان واجبا حدثنا ms2260 عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسن بن ~~إسحاق التستري قال: حدثنا علي بن سعيد قال: حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد ~~المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال: نسخت الزكاة كل صدقة" وأيضا قد روي أن ~~أهل الشام سألوا عمر أن يأخذ الصدقة من خيلهم، فشاور أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال له علي: "لا بأس ما لم تكن جزية عليهم" فأخذها منهم، وهذا ~~يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها; لأنه شاور الصحابة، ومعلوم أنه لم ~~يشاورهم في صدقة التطوع، فدل على أنه أخذها واجبة بمشاورة الصحابة، وإنما ~~قال علي: "لا بأس ما لم تكن جزية عليهم"; لأنه لا يؤخذ على وجه الصغار بل ~~على وجه الصدقة # واحتج من لم يوجبها بحديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق"، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة"، وهذا عند أبي حنيفة على ~~خيل الركوب، ألا ترى أنه لم ينف صدقتها إذا كانت للتجارة بهذا الخبر؟. # واختلف في زكاة العسل، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي: "إذا ~~كان في أرض العشر ففيه العشر". وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي: ~~"لا شيء فيه" وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله، وروي عنه الرجوع عن ذلك، ~~وأنه أخذ منه العشر حين كشف عن ذلك وثبت عنده ما روي فيه وروى ابن وهب عن ~~يونس عن ابن شهاب أنه قال: "بلغني أن في العسل العشر" قال ابن وهب: وأخبرني ~~عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك. وقال يحيى: إنه سمع من يقول ~~فيه العشر في كل عام بذلك مضت السنة. # قال أبو بكر: ظاهر قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} يوجب الصدقة في ~~العسل، إذ هو من ماله، والصدقة إن كانت مجملة، فإن الآية قد اقتضت إيجاب ~~صدقة ما، وإذا وجبت الصدقة كانت العشر إذ لا يوجب أحد ms2261 غيره. ويدل عليه من ~~جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن ~~أبي شعيب الحراني قال: حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث المصري عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعشور نحل له، وسأله أن يحمي واديا له يقال له سلبة ~~فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب ~~كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر إن أدى إليك ما # PageV03P197 # كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة ~~وإلا، فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا وكيع عن سعيد بن عبد ~~العزيز عن سليمان بن موسى عن أبي سيارة المتعي قال: قلت: يا رسول الله إن ~~لي نحلا، قال: "أد العشر" قال: فقلت: يا رسول الله احمها لي فحماها لي" ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: أخبرني ~~عبد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب قال: "كتب إلينا عمر بن ~~عبد العزيز يأمرنا أن نعطي زكاة العسل ونحن بالطواف العشر، يسند ذلك إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن ~~يعقوب إمام مسجد الأهواز قال: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني قال: حدثنا ~~أبو حفص العبدي قال: حدثنا صدقة عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كل عشرة أزقاق من العسل زق". ولما ~~أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في العسل العشر دل ذلك على أنه أجراه مجرى ~~الثمر وما تخرجه الأرض مما يجب فيه العشر، فقال أصحابنا: إذا كان في أرض ~~العشر ففيه العشر، ms2262 وإذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه; لأن الثمرة في أرض ~~الخراج لا يجب فيها شيء، وإذا كان في أرض العشر يجب فيها العشر، فكذلك ~~العسل. وقد استقصينا القول في هذه المسائل ونظائرها من مسائل الزكاة في شرح ~~مختصر أبي جعفر الطحاوي، وإنما ذكرنا هنا جملا منها بما يتعلق الحكم فيه ~~بظاهر الآية. # وقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} يدل على أن أخذ الصدقات إلى الإمام، ~~وأنه متى أداها من وجبت عليه إلى المساكين لم يجزه; لأن حق الإمام قائم في ~~أخذها فلا سبيل له إلى إسقاطه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه ~~العمال على صدقات المواشي ويأمرهم بأن يأخذوها على المياه في مواضعها"، ~~وهذا معنى ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لوفد ثقيف بأن لا يحشروا ولا ~~يعشروا، يعني لا يكلفون إحضار المواشي إلى المصدق ولكن المصدق يدور عليهم ~~في مياههم ومظان مواشيهم فيأخذها منهم، وكذلك صدقة الثمار. وأما زكوات ~~الأموال فقد كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان، ثم خطب عثمان فقال: هذا شهر زكواتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ~~ليزك بقية ماله" فجعل لهم أداءها إلى المساكين، وسقط من أجل ذلك حق الإمام ~~في أخذها; لأنه عقد عقده إمام من أئمة العدل، فهو نافذ على الأمة لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "ويعقد عليهم أولهم"، ولم يبلغنا أنه بعث سعاة على زكوات ~~الأموال كما بعثهم على صدقات المواشي والثمار في ذلك; لأن سائر الأموال غير ~~ظاهرة للإمام، وإنما تكون مخبوة في الدور، والحوانيت، والمواضع الحريزة، ~~ولم يكن جائزا للسعاة دخول أحرازهم ولم يجز أن يكلفوهم إحضارها كما لم ~~يكلفوا # PageV03P198 # إحضار المواشي إلى العامل، بل كان على العامل حضور موضع المال في مواضعه ~~وأخذ صدقته هناك، فلذلك لم يبعث على زكوات الأموال السعاة، فكانوا يحملونها ~~إلى الإمام، وكان قولهم مقبولا فيها، ولما ظهرت هذه الأموال عند التصرف بها ~~في البلدان أشبهت المواشي فنصب عليها عمال يأخذون منها ما ms2263 وجب من الزكاة، ~~ولذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن يأخذوا مما يمر به المسلم من ~~التجارات من كل عشرين دينارا نصف دينار ومما يمر به الذمي يؤخذ منه من كل ~~عشرين دينارا دينار، ثم لا يؤخذ منه شيء إلا بعد حول، أخبرني بذلك من سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكتب عمر بن الخطاب إلى عماله أن يأخذوا من ~~المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وما يؤخذ من المسلم ~~من ذلك فهو الزكاة الواجبة تعتبر فيها شرائط وجوبها من حول ونصاب وصحة ملك، ~~فإن لم تكن الزكاة قد وجبت عليه لم تؤخذ منه، فاحتذى عمر بن الخطاب في ذلك ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صدقات المواشي وعشور الثمار والزروع، إذ ~~قد صارت أموالا ظاهرة يختلف بها في دار الإسلام كظهور المواشي السائمة ~~والزروع والثمار، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه، فصار إجماعا مع ~~ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبد العزيز الذي ~~ذكرناه. # فإن قيل: روى عطاء بن السائب عن جرير بن عبد الله عن جده أبي أمه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على ~~أهل الذمة"، وروى حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لوفد ثقيف: "لا تحشروا ولا تعشروا"، وروى إسرائيل عن إبراهيم ~~بن المهاجر عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا معشر العرب احمدوا الله إذ دفع عنكم العشور". وروي أن مسلم ~~بن يسار قال لابن عمر: أكان عمر يعشر المسلمين؟ قال: لا قيل له: ليس المراد ~~بذكر هذه العشور الزكاة، وإنما هو ما كان يأخذه أهل الجاهلية من المكس، وهو ~~الذي أريد في حديث محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ~~شماسة عن عقبة بن عامر قال: قال ms2264 رسول الله: صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل ~~الجنة صاحب مكس" يعني عاشرا، وإياه عنى الشاعر بقوله: # وفي كل أموال العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # فالذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من العشر هو المكس الذي كان يأخذه ~~أهل الجاهلية فأما الزكاة فليست بمكس، وإنما هو حق وجب في ماله يأخذه ~~الإمام فيضعه في أهله كما يأخذ صدقات المواشي وعشور الأرضين، والخراج. ~~وأيضا يجوز أن يكون الذي نفى أخذه من # PageV03P199 # المسلمين ما يكون مأخوذا على وجه الصغار، والجزية; ولذلك قال: "إنما ~~العشور على أهل الذمة" يعني ما يؤخذ على وجه الجزية. # ومن الناس من يحتج للفرق بين صدقات المواشي والزروع، وبين زكوات الأموال ~~أنه قال في الزكاة: {وآتوا الزكاة} [البقرة:43] ولم يشرط فيها أخذ الإمام ~~لها، وقال في الصدقات: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} وقال: {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين} إلى قوله: {والعاملين عليها} ونصب العامل عليها يدل على ~~أنه غير جائز له إسقاط حق الإمام في أخذها. وقال صلى الله عليه وسلم: "أمرت ~~أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم"، فإنما شرط أخذه في الصدقات ~~ولم يذكر مثله في الزكوات، ومن يقول هذا يذهب إلى أن الزكاة، وإن كانت ~~صدقة، فإن اسم الزكاة أخص بها، والصدقة اسم يختص بالمواشي ونحوها، فلما خص ~~الزكاة بالأمر بالإيتاء دون أخذ الإمام وأمر في الصدقة بأن يأخذها الإمام ~~وجب أن يكون أداء الزكوات موكولا إلى أرباب الأموال إلا ما يمر به على ~~العاشر، فإنه يأخذها باتفاق السلف ويكون أخذ الصدقات إلى الأئمة. # قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} روى شعبة عن عمرو بن مرة عن ~~ابن أبي، أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه رجل بصدقة ماله ~~صلى عليه، قال: فأتيته بصدقة مال أبي فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". ~~وروى ثابت بن قيس عن خارجة بن إسحاق عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه ms2265 وسلم: "يأتيكم ركب مبغضون، فإن جاءوكم فرحبوا ~~بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليهم، ~~وأرضوهم، فإن تمام زكاتهم رضاهم وليدعوا لكم". وروى سلمة بن بشير قال: ~~حدثنا البختري قال: أخبرني أبي أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها قالوا: وما ثوابها؟ ~~قال: يقول اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما". وهذه الأخبار تدل على أن ~~المراد بقوله تعالى: {وصل عليهم} هو الدعاء # وقوله: {سكن لهم} يعني والله أعلم: مما تسكن قلوبهم إليه وتطيب به ~~نفوسهم، فيسارعون إلى أداء الصدقات الواجبة رغبة في ثواب الله وفيما ~~ينالونه من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكذلك ينبغي لعامل ~~الصدقة إذا قبضها أن يدعو لصاحبها اقتداء بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا} الآية روي عن جماعة من ~~السلف أنهم كانوا اثني عشر رجلا من الأوس، والخزرج قد سموا استأذنوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في # PageV03P200 # بناء مسجد لليلة الشاتية، والمطر، والحر، ولم يكن ذلك قصدهم، وإنما كان ~~مرادهم التفريق بين المؤمنين وأن يتحزبوا فيصلي حزب في مسجد وحزب في مسجد ~~آخر لتختلف الكلمة وتبطل الألفة، والحال الجامعة، وأرادوا به أيضا ليكفروا ~~فيه بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، فيتفاوضون فيما بينهم ~~من غير خوف من المسلمين; لأنهم كانوا يخلون فيه فلا يخالطهم فيه غيرهم. # قوله تعالى: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} قال ابن عباس ومجاهد: ~~أراد به أبا عامر الفاسق، وكان يقال له أبو عامر الراهب قبل; وكان شديد ~~العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم عنادا وحسدا لذهاب رياسته التي كانت في ~~الأوس قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقال للمنافقين: ~~سيأتي قيصر وآتيكم بجند فأخرج به محمدا وأصحابه فبنوا المسجد إرصادا له، ~~يعني مترقبين له، وقد دلت هذه الآية على ترتيب الفعل في الحسن، أو القبح ~~بالإرادة، وأن الإرادة ms2266 هي التي تعلق الفعل بالمعاني التي تدعو الحكمة إلى ~~تعليقه به، أو تزجر عنها; لأنهم لو أرادوا ببنائه إقامة الصلوات فيه لكان ~~طاعة لله عز وجل، ولما أرادوا به ما أخبر الله تعالى به عنهم من قصدهم ~~وإرادتهم كانوا مذمومين كفارا. # قوله تعالى: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن ~~تقوم فيه} فيه الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين، والمعاصي لا ~~يجوز القيام فيه وأنه يجب هدمه; لأن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~القيام في هذا المسجد المبني على الضرار، والفساد وحرم على أهله قيام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه إهانة لهم واستخفافا بهم، على خلاف المسجد الذي أسس ~~على التقوى، وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون، أولى بفعل الصلاة فيه من ~~بعض وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها ويدل على فضيلة الصلاة في ~~المسجد بحسب ما بني عليه في الأصل، ويدل على فضيلتها في المسجد السابق ~~لغيره لقوله: {أسس على التقوى من أول يوم} ؟ وهو معنى قوله تعالى: {أحق أن ~~تقوم فيه} ; لأن معناه أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز ~~لكان هذا المسجد الذي أسس على التقوى أحق بالقيام فيه من غيره، وذلك أن ~~مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهي الله تعالى نبيه عن ذلك، فلو ~~لم يكن المعنى ما ذكرنا لكان تقديره: لمسجد أسس على التقوى أحق أن تقوم فيه ~~من مسجد لا يجوز القيام فيه، ويكون بمنزلة قوله فعل الفرض أصلح من تركه، ~~وهذا قد يسوغ، إلا أن المعنى الأول هو وجه الكلام. # وقد اختلف في المسجد الذي أسس على التقوى ما هو، فروي عن ابن عمر وسعيد ~~بن المسيب أنه مسجد المدينة. وروي عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري عن # PageV03P201 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هو مسجدي هذا". وروي عن ابن عباس، ~~والحسن وعطية أنه مسجد قباء. # قوله تعالى: {فيه ms2267 رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فيه دلالة ~~على أن فضيلة أهل المسجد فضيلة للمسجد وللصلاة فيه وقوله: {يحبون أن ~~يتطهروا} روي عن الحسن قال: "يتطهرون من الذنوب" وقيل فيه: التطهر بالماء ~~حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: ~~حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزلت هذه الآية في ~~أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت ~~فيهم هذه الآية". وقد حوى هذا الخبر معنيين: أحدهما: أن المسجد الذي أسس ~~على التقوى هو مسجد قباء، والثاني: أن الاستنجاء بالماء أفضل منه بالأحجار، ~~وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بالأحجار قولا ~~وفعلا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بالماء. # قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} . أطلق الشرى ~~فيها على طريق المجاز; لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشتري ما لا يملك ~~والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا، ولكنه كقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا} [البقرة:245] فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضا لضمان الثواب ~~فيها به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه المعامل فيه استدعاء إليه وترغيبا ~~فيه. # قوله تعالى: {السائحون} قيل: إنهم الصائمون روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "سياحة أمتي الصوم" وروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس ~~وسعيد بن جبير ومجاهد أنه الصوم. # وقوله تعالى: {والحافظون لحدود الله} هو أتم ما يكون من المبالغة في ~~الوصف بطاعة الله، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره، وذلك; لأن لله ~~تعالى حدودا في أوامره وزواجره وما ندب إليه ورغب فيه، أو أباحه وما خير ~~فيه وما هو الأولى في تحري موافقة أمر الله، وكل هذه حدود الله، فوصف تعالى ~~هؤلاء القوم بهذا الوصف، من كان كذلك فقد أدى جميع فرائضه وقام بسائر ما ~~أراده ms2268 منه، وقد بين في الآية التي قبلها المرادين بها، وهم الصحابة الذين ~~بايعوه تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان، بقوله تعالى: {فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به} ثم عطف عليه: {التائبون} فقد بينت هذه الآية منزلة هؤلاء رضي ~~الله عنهم من الدين، والإسلام ومحلهم عند الله تعالى. ولا يجوز أن # PageV03P202 # يكون في وصف العبيد بالقيام بطاعة الله كلام أبلغ ولا أفخم من قوله ~~تعالى: {والحافظون لحدود الله} . # قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة} والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته، وكان ذلك في غزوة ~~تبوك; لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في شدة الحر وقلة من الماء والزاد ~~والظهر، فحض الذين اتبعوه في ساعة العسرة بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع ~~في مثلها وجزيل الثواب الذي يستحق بها لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها ~~وحسن البصيرة، واليقين منهم في تلك الحال، إذ لم تغيرهم عنها صعوبة الأمر ~~وشدة الزمان. وأخبر تعالى عن فريق منهم بمقاربة ميل القلب عن الحق بقوله: ~~{من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} ، والزيغ هو ميل القلب عن الحق، فقارب ~~ذلك فريق منهم ولما فعلوا ولم يؤاخذهم الله به وقبل توبتهم. وبمثل الحال ~~التي فضل بها متبعيه في حال العسرة على غيرهم فضل بها المهاجرين على ~~الأنصار، وبمثلها فضل السابقين على الناس لما لحقهم من المشقة ولما ظهر ~~منهم من شدة البصيرة وصحة اليقين بالاتباع في حال قلة عدد المؤمنين ~~واستعلاء أمر الكفار وما كان يلحقه من قبلهم من الأذى والتعذيب. # قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال ابن عباس وجابر ومجاهد ~~وقتادة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع" قال مجاهد: "خلفوا ~~عن التوبة وقال قتادة: خلفوا عن غزوة تبوك" وقد كان هؤلاء الثلاثة تخلفوا ~~عن غزوة تبوك فيمن تخلف وكانوا صحيحي الإسلام، فلما رجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تبوك جاء المنافقون فاعتذروا وحلفوا بالباطل، وهم الذين أخبر ~~الله عنهم {سيحلفون بالله لكم ms2269 إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم} وقال: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين} فأمر تعالى بالإعراض عنهم ونهى عن الرضا عنهم، إذ كانوا ~~كاذبين في اعتذارهم مظهرين لغير ما يبطنون، وأما الثلاثة، فإنهم كانوا ~~مسلمين صدقوا عن أنفسهم وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا تخلفنا من ~~غير عذر، وأظهروا التوبة والندم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنكم قد صدقتم عن أنفسكم فامضوا حتى أنظر ما ينزل الله تعالى فيكم"، فأنزل ~~الله في أمرهم التشديد عليهم وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يكلمهم ~~وأن يأمر المسلمين أن لا يكلموهم، فأقاموا على ذلك نحو خمسين ليلة، ولم يكن ~~ذلك على معنى رد توبتهم; لأنهم قد كانوا مأمورين بالتوبة، وغير جائز في ~~الحكمة أن لا تقبل توبة من يتوب في وقت التوبة إذا فعلها على الوجه المأمور ~~به ولكنه تعالى أراد تشديد المحنة عليهم في تأخير إنزال توبتهم ونهي الناس ~~عن كلامهم، وأراد به استصلاحهم واستصلاح # PageV03P203 # غيرهم من المسلمين لئلا يعودوا ولا غيرهم من المسلمين إلى مثله لعلم الله ~~فيهم بموضع الاستصلاح، وأما المنافقون الذين اعتذروا فلم يكن فيهم موضع ~~استصلاح بذلك فلذلك أمر بالإعراض عنهم، فثبت بذلك أن أمر الناس بترك ~~كلامهم، وتأخير إنزال توبتهم لم يكن عقوبة، وإنما كان محنة وتشديدا في أمر ~~التكليف والتعبد، وهو مثل ما تقوله في إيجاب الحد الواجب على التائب مما ~~قارب أنه ليس بعقوبة، وإنما هو محنة وتعبد، وإن كان الحد الواجب بالفعل ~~بديا كأن يكون عقوبة لو أقيم عليه قبل التوبة. # قوله تعالى: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} يعني مع سعتها {وضاقت ~~عليهم أنفسهم} يعني ضاقت صدورهم بالهم الذي حصل فيها من تأخير نزول توبتهم ~~ومن ترك النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كلامهم ومعاملتهم وأمر أزواجهم ~~باعتزالهم. قوله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} يعني أنهم ~~أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا معتصم ms2270 في طلب الفرج مما هم فيه إلا إلى الله، ~~وأنه لا يملك ذلك غيره ولا يجوز لهم أن يطلبوا ذلك إلا من قبل العبادة له ~~والرغبة إليه، فحينئذ أنزل الله تعالى على نبيه قبول توبتهم، وكذلك عادة ~~الله تعالى فيمن انقطع إليه وعلم أنه لا كاشف لهمه غيره أنه سينجيه ويكشف ~~عنه غمه، وكذلك حكى جل وعلا عن لوط عليه السلام في قوله: {ولما جاءت رسلنا ~~لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب} [هود:77] إلى أن قال: {لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} فتبرأ من الحول، والقوة من قبل نفسه ~~ومن قبل المخلوقين وعلم أنه لا يقدر على كشف ما هو فيه إلا الله تعالى، ~~حينئذ جاءه الفرج فقالوا: {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} [هود:81] وقال ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق:2] ومن ينو الانقطاع إليه ~~وقطع العلائق دونه فمتى صار العبد بهذه المنزلة فقد جعل الله له مخرجا ~~لعلمه بأنه لا ينفك من إحدى منزلتين: إما أن يخلصه مما هو فيه وينجيه كما ~~حكي عن الأنبياء عند بلواهم مثل قول أيوب: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} ### | [ص:41] # فالتجأ إلى الله في الخلاص مما كان يوسوس إليه الشيطان بأنه لو كان له ~~عند الله منزلة لما ابتلاه بما ابتلاه به، ولم يكن صلوات الله عليه قابلا ~~لوساوسه إلا أنه كان يشغل خاطره وفكره عن التفكر فيما هو أولى به، فقال ~~الله له عند ذلك: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} ### | [ص:42] # فكذلك كل من اتقى الله بأن التجأ إليه وعلم أنه القادر على كشف ضره دون ~~المخلوقين كان على إحدى الحسنيين من فرج عاجل، أو سكون قلب إلى وعد الله ~~وثوابه الذي هو خير له من الدنيا وما فيها. # قوله تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} يعني والله أعلم تاب على هؤلاء ~~الثلاثة وأنزل # PageV03P204 # توبتهم على نبيه صلى الله عليه وسلم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن ~~الله قابل توبتهم. # قوله ms2271 تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} روى ~~ابن مسعود قال: يعني لازم الصدق، ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة". قال ~~نافع والضحاك: "مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا" وقال تعالى ~~في سورة البقرة: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة:177] إلى قوله: {أولئك الذين صدقوا} ~~[البقرة:177] وهذه صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين، والأنصار ~~ثم قال في هذه الآية: {وكونوا مع الصادقين} فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء ~~بهم لإخباره بأن من فعل ما ذكر في الآية فهم الذين صدقوا، وقال في هذه ~~الآية: {وكونوا مع الصادقين} فدل على قيام الحجة علينا بإجماعهم وأنه غير ~~جائز لنا مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم. # وقوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة} فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه ~~من المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم; لأن الله تعالى ~~لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا، وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم، وهذا نص في رد ~~قول الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ~~ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر رضي الله عنهم. # قوله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله} قد بينت هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في ~~غزواته إلا المعذورين ومن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود ~~ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القعود في الآيات المتقدمة. # وقوله: {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} أي يطلبون المنفعة بتوقية أنفسهم ~~دون نفسه، بل كان الفرض عليهم أن يقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأنفسهم، وقد كان من المهاجرين، والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقي ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: ms2272 {ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا} فيه ~~الدلالة على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم، وهو قتلهم، أو أخذ أموالهم، ~~أو إخراجهم عن ديارهم، هذا كله نيل منهم، وقد سوى بين وطء موضع يغيظ الكفار ~~وبين النيل منهم، فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل ~~عليهم هو بمنزلة نيل الغنيمة، والقتل، والأسر، وفي ذلك دليل على أن ~~الاعتبار فيما يستحقه الفارس والراجل من # PageV03P205 # سهامهما بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة، والقتال; إذ كان الدخول ~~بمنزلة حيازة الغنائم وقتلهم وأسرهم، ونظيره في الدلالة على ما ذكرنا قوله ~~تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~[الحشر:6] فاقتضى ذلك اعتبار إيجاف الخيل والركاب في دار الحرب; ولذلك قال ~~علي رضي الله عنه: "ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا". # قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين} روي عن ابن عباس أنه نسخ قوله: {فانفروا ثبات أو ~~انفروا جميعا} [النساء:71] وقوله: {انفروا خفافا وثقالا} فقال تعالى: ما ~~كان لهم أن ينفروا في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~وحده، ولكن تبقى بقية لتتفقه ثم تنذر النافرة إذا رجعوا إليهم وقال الحسن: ~~"لتتفقه الطائفة النافرة ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة" وهذا ~~التأويل أشبه بظاهر الآية; لأنه قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين} ، فظاهر الكلام يقتضي أن تكون الطائفة النافرة هي ~~التي تتفقه وتنذر قومها إذا رجعت إليهم. وعلى التأويل الأول الفرقة التي ~~نفرت منها الطائفة هي التي تتفقه وتنذر الطائفة إذا رجعت إليها وهو بعيد من ~~وجهين: أحدهما: أن حكم العطف أن يتعلق بما يليه دون ما يتقدمه، فوجب على ~~هذا أن يكون قوله: {منهم طائفة ليتفقهوا} أن تكون الطائفة هي التي تتفقه ~~وتنذر، ولا يكون معناه من كل فرقة تتفقه في الدين تنفر منهم طائفة; لأنه ~~يقتضي إزالة ترتيب ms2273 الكلام عن ظاهره وإثبات التقديم والتأخير فيه. والوجه ~~الثاني أن قوله: {ليتفقهوا في الدين} الطائفة أولى منه بالفرقة النافرة ~~منها الطائفة، وذلك لأن نفر الطائفة للتفقه معنى مفهوم يقع النفر من أجله، ~~والفرقة التي منها الطائفة ليس تفقهها لأجل خروج الطائفة منها; لأنها إنما ~~تتفقه بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم حضرته لا لأن الطائفة نفرت ~~منها، فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدة قوله تعالى: {ليتفقهوا في الدين} ، ~~فثبت أن التي تتفقه هي الطائفة النافرة من الفرقة المقيمة في بلدها وتنذر ~~قومها إذا رجعت إليها. # وفي هذه الآية دلالة على وجوب طلب العلم وأنه مع ذلك فرض على الكفاية، ~~لما تضمنت من الأمر بنفر الطائفة من الفرقة للتفقه، وأمر الباقين بالقعود ~~لقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} . وقد روى زياد بن ميمون عن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل ~~مسلم"، وهذا عندنا ينصرف على معنيين: أحدهما: طلب العلم فيما يبتلى به ~~الإنسان من أمور دينه فعليه أن يتعلمه، مثل من لا يعرف حدود الصلاة وفروضها ~~وحضور وقتها فعليه أن يتعلمها، ومثل من ملك مائتي # PageV03P206 # درهم فعليه أن يتعلم ما يجب عليه فيها، وكذلك الصوم، والحج وسائر الفروض. ~~والمعنى الآخر: أنه فرض على كل مسلم، إلا أنه على الكفاية إذا قام به بعضهم ~~سقط عن الباقين. وفيه دلالة على لزوم خبر الواحد في أمور الديانات التي لا ~~تلزم الكافة ولا تعم الحاجة إليها، وذلك; لأن الطائفة لما كانت مأمورة ~~بالإنذار انتظم فحواه الدلالة عليه من وجهين: أحدهما: أن الإنذار يقتضي فعل ~~المأمور به وإلا لم يكن إنذارا والثاني: أمره إيانا بالحذر عند إنذار ~~الطائفة; لأن قوله تعالى: {لعلهم يحذرون} معناه: ليحذروا، وذلك يتضمن لزوم ~~العمل بخبر الواحد; لأن الطائفة اسم يقع على الواحد. وقد روي في تأويل قوله ~~تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور:2] أنه أراد واحدا، وقال ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات:9] ولا خلاف أن الاثنين ms2274 ~~إذا اقتتلا كانا مرادين بحكم الآية ولأن الطائفة في اللغة كقولك البعض، ~~والقطعة من الشيء، وذلك موجود في الواحد، فكان قوله: {من كل فرقة منهم ~~طائفة} بمنزلته لو قال بعضها، أو شيء منها، فدلالة الآية ظاهرة في وجوب ~~قبول الخبر المقصر عن إيجاب العلم، وإن كان التأويل ما روي عن ابن عباس أن ~~الطائفة النافرة إنما تنفر من المدينة والتي تتفقه إنما هي القاعدة بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدلالتها أيضا قائمة في لزوم قبول خبر الواحد; ~~لأن النافرة إذا رجعت أنذرتها التي لم تنفر وأخبرته بما نزل من الأحكام وهي ~~تدل أيضا على لزوم قبول خبر الواحد بالمدينة مع كون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها، لإيجابها الحذر على السامعين بنذارة القاعدين. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة} خص الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار، وقال في أول السورة: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال في موضع آخر: {وقاتلوا المشركين ~~كافة} فأوجب قتال جميع الكفار، ولكنه خص بالذكر الذين يلوننا من الكفار; إذ ~~كان معلوما أنه لا يمكننا قتال جميع الكفار في وقت واحد وأن الممكن منه هو ~~قتال طائفة فكان من قرب منهم، أولى بالقتال ممن بعد; لأن الاشتغال بقتال من ~~بعد منهم مع ترك قتال من قرب لا يؤمن معه هجم من قرب على ذراري المسلمين ~~ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال من ~~بعد، وأيضا لا يصح تكليف قتال الأبعد; إذ لا حد للأبعد يبتدأ منه القتال ~~كما للأقرب. وأيضا فغير ممكن الوصول إلى قتال الأبعد إلا بعد قتال من قرب ~~وقهرهم وإذلالهم فهذه الوجوه كلها تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب. # وقوله تعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} فيه أمر بالغلظة على الكفار الذين أمر ~~بقتالهم # PageV03P207 # في القول، والمناظرة والرسالة; إذ كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم ~~والرعب في قلوبهم ويستشعرون منا به شدة الاستبصار في الدين، والجد في قتال ~~المشركين، ومتى أظهروا ms2275 لهم اللين في القول، والمحاورة استجرءوا عليهم ~~وطمعوا فيهم، فهذا حد ما أمر الله به المؤمنين من السيرة في عدوهم آخر سورة ~~التوبة. # PageV03P208 # سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ~~ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} قيل في قوله ~~تعالى: {لا يرجون لقاءنا} وجهان: أحدهما: لا يخافون عقابنا; لأن الرجاء ~~يقام مقام الخوف، ومثله قوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح:13] قيل: ~~معناه لا تخافون لله عظمة. والوجه الآخر: لا تطمعون في ثوابنا كقولهم: تاب ~~رجاء لثواب الله، وخوفا من عقابه. والفرق بين الإتيان بغيره وبين تبديله أن ~~الإتيان بغيره لا يقتضي رفعه بل يجوز بقاؤه معه، وتبديله لا يكون إلا برفعه ~~ووضع آخر مكانه، أو شيء منه. وكان سؤالهم لذلك على وجه التعنت والتحكم; إذ ~~لم يجدوا سببا آخر يتعلقون به، ولم يجز أن يكون الأمر موقوفا على اختيارهم ~~وتحكمهم; لأنهم غير عالمين بالمصالح، ولو جاز أن يأتي بغيره، أو يبدله ~~بقولهم لقالوا في الثاني مثله في الأول وفي الثالث مثله في الثاني فكان ~~يصير دلائل الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء، وقد قامت الحجة عليهم بهذا ~~القرآن، فإن لم يكن يقنعهم ذلك مع عجزهم فالثاني والثالث مثله. # وربما احتج بهذه الآية بعض من يأبى جواز نسخ القرآن بالسنة; لأنه قال: ~~{قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} ومجيز نسخ القرآن بالسنة مجيز ~~لتبديله من تلقاء نفسه. وليس هذا كما ظنوا، وذلك لأنه ليس في وسع النبي صلى ~~الله عليه وسلم تبديل القرآن بقرآن مثله ولا الإتيان بقرآن غيره، وهذا الذي ~~سأله المشركون ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ، والمستدل بمثله في هذا ~~الباب مغفل. وأيضا، فإن نسخ القرآن لا يجوز عندنا إلا بسنة هي وحي من قبل ~~الله تعالى، قال الله عز وجل: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ~~[لنجم:4] فنسخ ms2276 حكم القرآن بالسنة إنما هو نسخ بوحي الله لا من قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل آلله # PageV03P209 # أذن لكم} الآية. ربما احتج بعض الأغبياء من نفاة القياس بهذه الآية في ~~إبطاله; لأنه زعم أن القائس يحرم بقياسه ويحل. وهذا جهل من قائله; لأن ~~القياس دليل الله تعالى كما أن حجة العقل دليل الله تعالى وكالنصوص والسنن ~~كل هذه دلائل الله تعالى، فالقائس إنما يتبع موضع الدلالة على الحكم فيكون ~~الله هو المحلل، والمحرم بنصبه الدليل عليه، فإن خالف في أن القياس دليل ~~الله عز وجل فليكن كلامه معنا في إثباته، فإذا ثبت ذلك سقط سؤاله، وإن لم ~~يقم الدليل على إثباته فقد اكتفى في إيجاب بطلانه بعدم دلالة صحته، فلا ~~يعتقد أحد صحة القياس إلا وهو يرى أنه دليل الله تعالى، وقد قامت بصحته ~~ضروب من الشواهد ولا تعلق للآية في نفي القياس ولا إثباته. وربما احتجوا ~~أيضا في نفيه بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~[الحشر:7] وهذا شبيه بما قبله; لأن القائسين يقولون: القول بالقياس مما ~~آتانا الرسول به وأقام الله الحجة عليه من دلائل الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة، فليس لهذه الآية تعلق بنفي القياس. # قوله تعالى: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} قيل فيه وجهان: أحدهما: أنها لام ~~العاقبة، كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص:8] ~~، والآخر: لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذفت "لا" كقوله تعالى: {ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما} [البقرة:282] أي لئلا تضل، وقوله: {أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [لأعراف:172] أي لئلا تقولوا، وقوله: {يبين ~~الله لكم أن تضلوا} [النساء:176] معناه أن لا تضلوا. # قوله تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} أضاف الدعاء إليهما، قال أبو العالية ~~وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن موسى: "كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما ~~الله داعيين". وهذا يدل على أن آمين دعاء، وإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه ms2277 أفضل ~~من الجهر به لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف:55] آخر سورة ~~يونس عليه السلام. # PageV03P210 # ومن سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} فيه إخبار أن ~~من عمل عملا للدنيا لم يكن له به في الآخرة نصيب، وهو مثل قوله: {من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له ~~في الآخرة من نصيب} [الشورى:20] ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "بشر أمتي بالسناء والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عملا للدنيا لم ~~يكن له في الآخرة نصيب"، وهذا يدل على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه ~~القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه; لأن الأجرة من حظوظ الدنيا، فمتى أخذ عليه ~~الأجرة فقد خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة. # وقيل في قوله: {نوف إليهم أعمالهم} فيها وجهان: أحدهما: أن يصل الكافر ~~رحما، أو يعطي سائلا، أو يرحم مضطرا، أو نحو ذلك من أعمال البر فيجعل الله ~~له جزاء عمله في الدنيا بتوسعة الرزق وقرة العين فيما خول ودفع مكاره ~~الدنيا، روي ذلك عن مجاهد والضحاك. والوجه الثاني: من كان يريد الحياة ~~الدنيا بالغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم للغنيمة دون ثواب الآخرة، فإنه ~~يستحق نصيبه وسهمه من المغنم، وهذا من صفة المنافقين. فإن كان التأويل هو ~~الثاني، فإنه يدل على أن الكافر إذا شهد القتال مع المسلمين استحق من ~~الغنيمة نصيبا. وهذا يدل أيضا على أنه جائز الاستعانة بالكفار في قتال ~~غيرهم من الكفار وكذلك قال أصحابنا. إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الإسلام ~~هو الجاري عليهم دون حكم الكفر ومتى حضروا رضخ لهم وليس في الآية دلالة على ~~أن الذي يستحقه الكافر بحضور القتال هو السهم، أو الرضخ. # قوله تعالى: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت ms2278 أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} يحتج به في أن الشرط المعترض حكمه أن يكون مقدما على ما قبله في ~~المعنى، وهو قول القائل: "إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فعبدي حر" أنه لا ~~يحنث حتى # PageV03P211 # يكلم ثم يدخل; لأن قوله: "إن كلمت" شرط معترض على الشرط الأول قبل ~~استتمام جوابه، كقوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} شرط اعترض على قوله: ~~{إن أردت أن أنصح لكم} قبل استتمام الجواب، فصار تقديره: ولا ينفعكم نصحي ~~إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم، وهذا المعنى فيه خلاف بين ~~أبي يوسف ومحمد، والفراء في مسائل قد ذكرناها في شرح الجامع الكبير. # وقوله: {يريد أن يغويكم} أي يخيبكم من رحمته، يقال: غوى يغوي غيا، ومنه: ~~{فسوف يلقون غيا} [مريم:59] وقال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال غوى الرجل ~~يغوي غيا إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه، قال: ومنه قوله تعالى في ~~قصة آدم: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه:121] أي فسد عليه عيشه في الجنة. قال أبو ~~بكر: وهذا يؤول إلى المعنى الأول، وذلك أن الخيبة فيها فساد العيش، فقوله: ~~{يغويكم} يفسد عليكم عيشكم وأمركم بأن يخيبكم من رحمته. # قوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} يعني بحيث نراها فكأنها ترى ~~بأعين على طريق البلاغة، والمعنى: بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء ~~عنك وقيل: بأعين، أوليائنا من الملائكة الموكلين بك. وقوله: {ووحينا} يعني: ~~على ما، أوحينا إليك من صفتها وحالها، ويجوز: بوحينا إليك أن اصنعها. # وقوله تعالى: {فإنا نسخر منكم كما تسخرون} مجاز، وإنما أطلق ذلك; لأن ~~جزاء الذم على السخرية بالمقدار المستحق كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى:40] وقوله تعالى: {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله ~~يستهزئ بهم} [البقرة:15] وقال بعضهم معناه، فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. # قوله تعالى: {ونادى نوح ms2279 ربه فقال رب إن ابني من أهلي} سمى ابنه من أهله، ~~وهذا يدل على أن من، أوصى لأهله بثلث ماله أنه على من هو في عياله ابنا ~~كان، أو زوجة، أو أخا، أو أجنبيا وكذلك قال أصحابنا، والقياس أن يكون ~~للزوجة خاصة ولكن استحسن فجعله لجميع من تضمنه منزله وهو في عياله وقول نوح ~~عليه السلام يدل على ذلك وقال الله تعالى في آية أخرى: {ولقد نادانا نوح ~~فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الصافات:76] فسمى جميع من ~~ضمه منزله وسفينته من أهله وقول نوح عليه السلام إن ابني من أهلي يعني من ~~أهلي الذين وعدتني أن تنجيهم، # PageV03P212 # فأخبر الله تعالى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم. # قوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} قيل فيه: معناه ذو عمل غير صالح فجاء على ~~المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # تعني: ذات إقبال وإدبار، أو مقبلة ومدبرة وروي عن ابن عباس ومجاهد ~~وإبراهيم قال: "سؤالك هذا عمل غير صالح وقرأ الكسائي "إنه عمل غير صالح" ~~على الفعل ونصب غير وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أنه كان ابنه ~~لصلبه; لأنه قال تعالى: {ونادى نوح ابن} وقال: {إنه ليس من أهلك} يعني ليس ~~من أهل دينك وروي عن الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه لصلبه وكان لغير رشدة ~~وقال الحسن: وكان منافقا يظهر الإيمان ويسر الكفر وقيل: إنه كان ابن ~~امرأته. وإنما كان نوح يدعوه إلى الركوب مع نهي الله عز وجل إياه أن يركب ~~فيها كافر; لأنه كان ينافق بإظهار الإيمان، وقيل: إنه دعاه على شريطة ~~الإيمان كأنه قال آمن واركب معنا. # قوله تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} نسبهم إلى الأرض لأن ~~أصلهم وهو آدم خلق من تراب الأرض والناس كلهم من آدم عليه السلام وقيل: إن ~~معناه أنه خلقكم في الأرض. # PageV03P213 # مطلب: تجب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية # وقوله: {واستعمركم فيها} يعني: أمركم من ms2280 عمارتها بما تحتاجون إليه. وفيه ~~الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة، والغراس، والأبنية. # وروي عن مجاهد: "معناه: أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم"، وهذا كقول ~~القائل: "أعمرتك داري هذه" يعني ملكتك طول عمرك. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده"، والعمرى هي العطية إلا أن ~~معناها راجع إلى تمليكه طول عمره، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العمرى، ~~والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره; لأنهم كانوا يعقدون ذلك على أنه بعد ~~موته يرجع إلى الواهب. # قوله تعالى: {قالوا سلاما قال سلام} معنى الأول: سلمت سلاما ولذلك نصبه، ~~والثاني جوابه: عليكم سلام، ولذلك رفعه. ومعناهما واحد، إلا أنه خولف ~~بينهما لئلا يتوهم متوهم الحكاية. وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية ~~أهل الإسلام وأنه تحية الملائكة. # PageV03P213 # وقوله تعالى: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء ~~عجيب} ، فإنها مع علمها بأن ذلك في مقدور الله تعجب بطبع البشرية قبل الفكر ~~والروية، كما ولى موسى عليه السلام مدبرا حين صارت عصاه حية حتى قيل له: ~~{أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} [القصص:31] ، وإنما تعجبت; لأن إبراهيم عليه ~~السلام يقال: إنه كان له في ذلك الوقت مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة. # قوله تعالى: {أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم} يدل على أن ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته; لأن الملائكة قد سمت امرأة ~~إبراهيم من أهل بيته، وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا} [الأحزاب:31] ~~إلى قوله: {وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ~~[الأحزاب:33] قد دخل فيه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم; لأن ابتداء ~~الخطاب لهن. # وقوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم ~~لوط} يعني: لما ذهب عنه الفزع جادل الملائكة حتى قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط لنهلكهم، فقال: ms2281 إن فيها لوطا قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله ~~يروى ذلك عن الحسن وقيل: إنه سألهم فقال: أتهلكونهم إن كان فيها خمسون من ~~المؤمنين؟ قالوا: لا، ثم نزلهم إلى عشرة، فقالوا: لا، يروى ذلك عن قتادة. ~~ويقال: جادلهم ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا ~~محالة أم على سبيل الإخافة ليقبلوا إلى الطاعة. ومن الناس من يحتج بذلك في ~~جواز تأخير البيان; لأن الملائكة أخبرت أنها تهلك قوم لوط ولم تبين المنجين ~~منهم، ومع ذلك، فإن إبراهيم عليه السلام جادلهم وقال لهم: أتهلكونهم وفيهم ~~كذا رجلا فيستدلون بذلك على جواز تأخير البيان، وهذا ليس بشيء; لأن إبراهيم ~~سألهم عن الوجه الذي به استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة، ~~أو على سبيل التخويف ليرجعوا إلى الطاعة. # قوله تعالى: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء} ، وإنما قيل: أصلاتك تأمرك; لأنها بمنزلة الآمر بالخير والناهي عن ~~الشر، كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت:45] ~~وجائز أن يكون أخبرهم بذلك في حال الصلاة فقال: أصلاتك تأمرك بما ذكرت؟ وعن ~~الحسن: أدينك يأمرك؟ أي فيه الأمر بهذا. # قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} والركون إلى ~~الشيء هو السكون إليه بالأنس، والمحبة فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ~~ومؤانستهم، # PageV03P214 # والإنصات إليهم، وهو مثل قوله تعالى: {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين} [الأنعام:68] . # وقوله تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} قيل فيه: لا ~~يهلكهم بظلم صغير يكون منهم. وقيل: بظلم كبير يكون من قليل منهم، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يهلك العامة بذنوب الخاصة" وقيل: لا ~~يهلكهم وهو ظالم لهم، كقوله: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} [يونس:44] فيه ~~إخبار بأنه لا يهلك القرى وأهلها مصلحون وقال تعالى في آية أخرى: {وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} [الإسراء:58] فدل ذلك على أن الناس ms2282 ~~يصيرون إلى غاية الفساد عند اقتراب الساعة ولذلك يهلكهم الله، وهو مصداق ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق". # قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} قال قتادة: يجعلهم ~~مسلمين، وذلك بالإلجاء إلى الإيمان، وإنما يكون الإلجاء بالمنع; لأنهم لو ~~راموا خلافه منعوا منه مع الاضطرار إلى حسنه وعظم المنفعة به قوله تعالى: ~~{ولا يزالون مختلفين} قال مجاهد وعطاء وقتادة، والأعمش أي مختلفين في ~~الأديان يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك من اختلاف المذاهب الفاسدة". وروي ~~عن الحسن: "في الأرزاق، والأحوال من تسخير بعضهم لبعض". قوله تعالى: {إلا ~~من رحم ربك} إنما هو استثناء من المختلفين بالباطل بالإطلاق في الإيمان ~~المؤدي إلى الثواب، فإنه ناج من الاختلاف بالباطل. # قوله تعالى: {ولذلك خلقهم} روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ~~"خلقهم للرحمة". وروي عن ابن عباس أيضا، والحسن وعطاء: "خلقهم على علم منه ~~باختلافهم" وهي "لام العاقبة، قالوا: وقد تكون" اللام" بمعنى "على" كقولك: ~~أكرمتك على برك ولبرك بي. آخر سورة هود عليه السلام. # PageV03P215 # ومن سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين} فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء; لأن يوسف ~~عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا، وكان تأويل الكواكب ~~إخوته، والشمس والقمر أبويه، وروي ذلك عن الحسن. # قوله تعالى: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} علم أنه إن قصها ~~عليهم حسدوه وطلبوا كيده. وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من ~~يخشى حسده وكيده، وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى: {وأما بنعمة ~~ربك فحدث} [الضحى:11] . # قوله تعالى: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} ، فإن التأويل ما يؤول إليه ~~المعنى ويرجع إليه، وتأويل الشيء هو مرجعه وقال مجاهد وقتادة تأويل ~~الأحاديث عبارة الرؤيا". وقيل تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على ~~توحيده وغير ذلك من أمور دينه". ms2283 # قوله تعالى: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} الآية. تفاوضوا ~~فيما بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم، ~~وقالوا: {إن أبانا لفي ضلال مبين} يعنون عن صواب الرأي; لأنه كان أصغر ~~منهم، وكان عندهم أن الأكبر، أولى بتقديم المنزلة من الأصغر ومع ذلك، فإن ~~الجماعة من البنين، أولى بالمحبة من الواحد، وهو معنى قوله: {ونحن عصبة} ، ~~ومع أنهم كانوا أنفع له في تدبير أمر الدنيا; لأنهم كانوا يقومون بأمواله ~~ومواشيه، فذهبوا إلى أن اصطفاءه إياه بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن ~~طريق الصواب. # قوله تعالى: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم} الآية، ~~فإنهم تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل، أو تبعيد له عن أبيه. وكان ~~الذي استجازوا ذلك # PageV03P216 # واستجرءوا من أجله عليه قولهم: {وتكونوا من بعده قوما صالحين} فرجوا ~~التوبة بعد هذا الفعل، وهو نحو قوله تعالى: {بل يريد الأنسان ليفجر أمامه} ~~[القيامة:5] قيل في التفسير: إنه يعزم على المعصية رجاء للتوبة بعدها ~~فيقول: أفعل ثم أتوب، وفي ذلك دليل على أن توبة القاتل مقبولة; لأنهم ~~قالوا: {وتكونوا من بعده قوما صالحين} وحكاه الله عنهم ولم ينكره عليهم. # قوله تعالى: {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب} لما ~~تآمروا على أحد شيئين من قتل، أو إبعاد عن أبيه أشار عليهم هذا القائل حين ~~قالوا لا بد من أحد هذين بأنقص الشرين وهو الطرح في جب قليل الماء ليأخذه ~~بعض السيارة، وهم المسافرون، فلما أبرموا التدبير وعزموا عليه ثابوا للتلطف ~~في الوصول إلى ما أرادوا فقالوا: {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف} ~~إلى آخر الآيتين. # وقوله تعالى: {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب} قيل في يرتع: "يرعى" وقيل: إن ~~الرتع الاتساع في البلاد، ويقال: يرتع في المال أي هو يتسع به في البلاد، ~~واللعب هو الفعل المقصود به التفرج والراحة من غير عاقبة له محمودة، ولا ~~قصد فيه لفاعله إلا حصول اللهو، والفرح، فمنه ما ms2284 يكون مباحا وهو ما لا إثم ~~فيه كنحو ملاعبة الرجل أهله وركوبه فرسه للتطرب والتفرج ونحو ذلك، ومنه ما ~~يكون محظورا. وفي الآية دلالة على أن اللعب الذي ذكروه كان مباحا لولا ذلك ~~لأنكره يعقوب عليه السلام عليهم، فلما سألوه إرساله معهم قال: {قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} فذكر لهم ~~حزنه لذهابهم به لبعده عن مشاهدته وأنه خائف مع ذلك أن يأكله الذئب، فاجتمع ~~عليه في هذه الحال الحزن، والخوف، فأجابوه بأنه يمتنع أن يأكله الذئب، وهم ~~جماعة وأن ذلك لو وقع لكانوا خاسرين. # قوله تعالى: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} قال ابن ~~عباس: "لا يشعرون بأنه يوسف في وقت ينبئهم" وكذلك قال الحسن: "أوحى الله ~~إليه وهو في الجب فأعطاه النبوة وأخبره أنه ينبئهم بأمرهم هذا". # قوله تعالى: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} روي أن الشعبي كان جالسا للقضاء ~~فجاءه رجل يبكي ويدعي أن رجلا ظلمه، فقال رجل بحضرته: يوشك أن يكون هذا ~~مظلوما، فقال الشعبي: إخوة يوسف خانوا وظلموا وكذبوا وجاءوا أباهم عشاء ~~يبكون فأظهروا البكاء لفقد يوسف ليبرئوا أنفسهم من الخيانة وأوهموه أنهم ~~مشاركون له في المصيبة ويلقنوا ما كان أظهره يعقوب عليه السلام لهم من خوفه ~~على يوسف أن يأكله # PageV03P217 # الذئب، فقالوا: {إنا ذهبنا نستبق} ، يقال: ننتضل من السباق في الرمي، ~~وقيل: نستبق بالعدو على الرجل {وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت ~~بمؤمن لنا} يعني: بمصدق وجاءوا بقميص عليه دم فزعموا أنه دم يوسف. # قوله تعالى: {بدم كذب} يعني مكذوب فيه، قال ابن عباس ومجاهد، قال: "لو ~~كان أكله الذئب لخرقه فكانت علامة الكذب ظاهرة فيه وهو صحة القميص من غير ~~تخريق". وقال الشعبي: "كان في قميص يوسف ثلاث آيات: الدم والشق وإلقاؤه على ~~وجه أبيه فارتد بصيرا". وقال الحسن: "لما رأى القميص صحيحا قال: يا بني ~~والله ما عهدت الذئب حليما". # قوله تعالى: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا} أمرا يدل على أن ms2285 يعقوب عليه ~~السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن يوسف لم يأكله الذئب لما استدل عليه من صحة ~~القميص من غير تخريق، وهذا يدل على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله ~~في التكذيب، أو التصديق جائز; لأنه عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله ~~بظهور علامة كذبهم. # قوله تعالى: {فصبر جميل} يقال: إنه صبر لا شكوى فيه وفيه البيان عما ~~تقتضيه المصيبة من الصبر الجميل والاستعانة بالله عند ما يعرض من الأمور ~~القطعية المجزية، فحكى لنا حال نبيه يعقوب عليه السلام عندما ابتلي بفقد ~~ولده العزيز عنده وحسن عزائه ورجوعه إلى الله تعالى والاستعانة به، وهو مثل ~~قوله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة:157] الآية، ليقتدى به عند نزول ~~المصائب. # قوله تعالى: {قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة} قال قتادة والسدي: لما ~~أرسل دلوه تعلق بها يوسف فقال المدلي: يا بشراي هذا غلام قال قتادة: بشر ~~أصحابه بأنه وجد عبدا وقال السدي: كان اسم الرجل الذي ناداه بشرى. وقوله: ~~{وأسروه بضاعة} قال مجاهد والسدي: "أسره المدلي ومن معه من باقي التجار ~~لئلا يسألوهم الشركة فيه برخص ثمنه". وقال ابن عباس: "أسره إخوته وكتموا ~~أنه أخوهم وتابعهم على ذلك لئلا يقتلوه". والبضاعة القطعة من المال تجعل ~~للتجارة. وقيل في معنى: {وأسروه بضاعة} إنهم اعتقدوا فيه التجارة. وروى ~~شعبة عن يونس عن عبيد عن الحسن عن علي: أنه قضى باللقيط أنه حر، وقرأ: ~~{وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} وروى الزهري عن سنين ~~أبي جميلة قال: وجدت منبوذا على عهد عمر، فقال عمر: عسى الغوير أبؤسا فقيل: ~~إنه لا يتهم، فقال: هو حر ولك ولاؤه وعلينا رضاعه. فمعنى قوله: "عسى الغوير ~~أبؤسا" الغوير تصير غار، وهو مثل معناه: عسى أن # PageV03P218 # يكون جاء البأس من قبل الغار فاتهم عمر الرجل وقال: عسى أن يكون الأمر ~~جاء من قبلك في هذا الصبي اللقيط بأن يكون من مائك، فلما ms2286 شهدوا له بالستر ~~أمره بإمساكه وقال: ولاؤه لك. وجائز أن يريد بالولاء ههنا إمساكه، والولاية ~~عليه وإثبات هذا الحق له كما لو كان عبدا له فأعتقه; لأنه تبرع بأخذه ~~وإحيائه، والإحسان إليه، وقد أخبر عمر أنه حر فلا يخلو من أن يكون ذلك على ~~وجه الإخبار بأنه حر الأصل ولا رق عليه، أو إيقاع حرية عليه من قبله، ~~ومعلوم أن عمر لم يملكه ولم يكن عبدا له فيعتقه، فعلمنا أنه أراد الإخبار ~~بأنه حر لا يجري عليه رق، وإذا كان حر الأصل لم يجز أن يثبت ولاؤه لإنسان. ~~فعلمنا أنه أراد بقوله: "لك ولاؤه" أي لك ولايته في الإمساك، والحفظ. وما ~~روي عن عمر وعائشة أنهما قالا في، أولاد الزنا: "أعتقوهم وأحسنوا إليهم"، ~~فإنما معناه: احكموا بأنهم أحرار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ~~ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه"، وذلك إخبار منه بوقوع ~~العتاق بالملك لا يحتاج إلى استئنافه، وقد روى المغيرة عن إبراهيم في ~~اللقيط يجده الرجل قال: "إن نوى أن يسترقه كان رقيقا وإن نوى الحسبة عليه ~~كان عتيقا"، وهذا لا معنى له; لأنه إن كان حرا لم يصر رقيقا بنية الملتقط، ~~وإن كان عبدا لم يصر عتيقا بنيته أيضا. وأيضا أن الأصل في الناس الحرية وهو ~~الظاهر. ألا ترى أن من وجدناه يتصرف في دار الإسلام أنا نحكم بحريته ولا ~~نجعله عبدا إلا ببينة تشهد بذلك، أو بإقراره؟ وأيضا، فإن اللقيط لا يخلو من ~~أن يكون ولد حرة، أو أمة، فإن كان ولد حرة فهو حر وغير جائز استرقاقه، وإن ~~كان ولد أمة فهو عبد لغير الملتقط، فلا يجوز لنا أن نتملكه ففي الوجوه كلها ~~لا يجوز أن يكون اللقيط عبدا للملتقط. وأيضا، فإن الرق طارئ، والأصل ~~الحرية، كشيء علمناه ملكا لإنسان وادعى غيره زواله إليه فلا نصدقه; لأنه ~~يدعي معنى طارئا، كذلك حكم الملتقط فيما يثبت له من رق اللقيط. وأيضا لما ~~كان لقطة المال لا توجب للملتقط ملكا فيها مع ms2287 العلم بأنه ملك في الأصل، كان ~~التقاط اللقيط الذي لا يعلم رقه أحرى أن يوجب للملتقط ملكا. وقد روى حماد ~~بن سلمة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب "أن رجلا تزوج امرأة فولدت ~~لأربعة أشهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لها صداقها بما استحل من ~~فرجها وولدها مملوك له"، وهو حديث شاذ غير معمول عليه; لأن أكثر ما فيه أنه ~~ولد زنا إذا كان من حرة فهو حر، ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنا ~~واللقيط حران. # قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} قال الفراء: الثمن ما يثبت في ~~الذمة بدلا من البياعات من الدراهم والدنانير. قال أبو بكر: ظاهر الكلام ~~يدل عليه; لأنه سمى الدراهم ثمنا بقوله: {وشروه بثمن} وقول الفراء مقبول من ~~طريق اللغة، فإذا # PageV03P219 # أخبر أن الثمن اسم لما يثبت في الذمة من الوجه الذي ذكرنا ثم سمى الله ~~تعالى الدراهم ثمنا اقتضى ذلك ثبوتها في الذمة متى جعلت بدلا في عقود ~~البياعات سواء عينها، أو أطلقها ولم يعينها; لأنها لو تعينت بالتعيين لخرجت ~~من أن تكون ثمنا; إذ كانت الأعيان لا تكون أثمانا في الحقيقة إلا أن يجريها ~~الإنسان مجرى الأبدال فيسميها ثمنا على معنى البدل تشبيها بالثمن، وإذا ثبت ~~ذلك وجب أن لا تتعين الدراهم والدنانير; لأن في تعيينها سلب الصفة التي ~~وصفها الله بها من كونها ثمنا; إذ الأعيان لا تكون أثمانا. والبخس النقص، ~~يقال: بخسه حقه إذا نقصه. وقوله: {دراهم معدودة} روي عن ابن مسعود وابن ~~عباس وقتادة قالوا: "كانت عشرين درهما" وعن مجاهد: "اثنان وعشرون درهما". ~~وقيل: إنما سماها معدودة لقلتها. وقيل: عدوها ولم يزنوها. وقيل: كانوا لا ~~يزنون الدراهم حتى تبلغ أوقية وأوقيتهم أربعون درهما. وقال ابن عباس ~~ومجاهد: وإخوته كانوا حضورا فقالوا هذا عبد لنا أبق فاشتروه منهم " وقال ~~قتادة: "باعه السيارة". # قوله تعالى: {وكانوا فيه من الزاهدين} قيل إن إخوته كانوا في الثمن من ~~الزاهدين، وإنما كان غرضهم أن يغيبوه عن وجه أبيهم. # وقوله ms2288 تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنا} روي عن عبد الله قال: "أحسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال ~~لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب حين قالت في موسى يا أبت ~~استأجره، وأبو بكر الصديق حين ولى عمر". # قوله تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما} قيل في معنى الأشد إنها ~~القوة من ثماني عشرة إلى ستين سنة. وقال ابن عباس: الأشد ابن عشرين سنة " ~~وقال مجاهد: "ابن ثلاث وثلاثين سنة". # قوله تعالى: {ولقد همت به وهم بها} روي عن الحسن: "همت به بالعزيمة وهم ~~بها من جهة الشهوة ولم يعزم". وقيل: هما جميعا بالشهوة; لأن الهم بالشيء ~~مقاربته من غير مواقعة. والدليل على أن هم يوسف بها لم يكن من جهة العزيمة، ~~وإنما كان من جهة دواعي الشهوة قوله: {قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} ~~وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فكان ذلك ~~إخبارا ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية. وقيل: إن ذلك على التقديم ~~والتأخير، ومعناه: لولا أن رأى برهان ربه هم بها، وذلك لأن جواب "لولا" لا ~~يجوز أن يتقدمه; لأنهم لا يجيزون أن نقول: "قد أتيتك لولا زيد" وجائز أن ~~يكون على تقدير تقديم "لولا". # PageV03P220 # قوله تعالى: {لولا أن رأى برهان ربه} قال ابن عباس، والحسن وسعيد بن جبير ~~ومجاهد: "رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله" وقال قتادة: "نودي يا يوسف أنت ~~مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء" وروي عن ابن عباس: "أنه رأى الملك". ~~وقال محمد بن كعب: "هو ما علمه من الدلالة على عقاب الزنا". # قوله تعالى: {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل} الآية روي عن ~~ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يسار: "أنه صبي في المهد" وروي ~~عن ابن عباس أيضا، والحسن بن أبي مليكة وعكرمة قالوا: "هو رجل" وقال عكرمة: ~~"إن الملك لما رأى يوسف مشقوق القميص على الباب قال ذلك لابن عم ms2289 له، فقال: ~~إن كان قميصه قد من قبل، فإنه طلبها فامتنعت منه، وإن كان من دبر، فإنه فر ~~منها وطلبته". ومن الناس من يحتج بهذه الآية في الحكم بالعلامة في اللقطة ~~إذا ادعاها مدع ووصفها. # وقد اختلف الفقهاء في مدعي اللقطة إذا وصف علامات فيها، فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي: "لا يستحقها بالعلامة حتى يقيم البينة، ولا ~~يجبر الملتقط على دفعها إليه بالعلامة، ويسعه أن يدفعها، وإن لم يجبر عليه ~~في القضاء". وقال ابن القاسم: "في قياس قول مالك يستحقها بالعلامة ويجبر ~~على دفعها إليه، فإن جاء مستحق فاستحقها ببينة لم يضمن الملتقط شيئا". وقال ~~مالك: "وكذلك اللصوص إذا وجد معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليس لهم بينة أن ~~السلطان يتلوم في ذلك، فإن لم يأت غيرهم دفعه إليهم، وكذلك الآبق". وقال ~~الحسن بن حي: "يدفعها إليه بالعلامة" وقال أصحابنا في اللقيط إذا ادعاه ~~رجلان ووصف أحدهما علامة في جسده: "إنه أولى من الآخر". وقال أبو حنيفة ~~ومحمد في متاع البيت إذا اختلف فيه الرجل، والمرأة: "إن ما يكون للرجل فهو ~~للرجل وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل، والمرأة فهو للرجل" فحكموا ~~فيه بظاهر هيئة المتاع. وقالوا في المستأجر، والمؤاجر إذا اختلفا في مصراع ~~باب موضوع في الدار: "إنه إن كان وفقا لمصراع معلق في البناء فالقول قول رب ~~الدار، وإن لم يكن وفقا له فالقول قول المستأجر، وكذلك إن كان جذع مطروح في ~~دار وعليه نقوش وتصاوير موافقة لنقوش جذوع السقف ووفقا لها فالقول قول رب ~~الدار، وإن كانت مخالفة لها فالقول قول المستأجر". وهذه مسائل قد حكموا في ~~بعضها بالعلامة ولم يحكموا بها في بعض. ولا خلاف بين أصحابنا أن رجلين لو ~~تنازعا على قربة وهما متعلقان بها وأحدهما سقاء، والآخر عطار أنه بينهما ~~نصفين ولا يقضى للسقاء بذلك على العطار، فأما قولهم في اللقطة، فإن الملتقط ~~له يد صحيحة، والمدعي لها يريد إزالة يده وقال النبي: صلى الله عليه وسلم: ~~"البينة على ms2290 المدعي، واليمين على المدعى عليه" وكون الذي # PageV03P221 # في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على دعواه إلا ~~ببينة; إذ ليست له يد، والعلامة ليست ببينة; لأن رجلا لو ادعى مالا في يد ~~رجل وأعطى علامته والذي في يده غير ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة يستحق ~~بها شيئا. وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ابنه ~~ووصف أحدهما علامة في جسده، فإنما جعلوه، أولى استحسانا، من قبل أن مدعي ~~اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو ~~في يده، فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما; لأنهما قد استحقا أن يقضى ~~بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده، فلما زالت يد من هو في يده ~~صار بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد ~~هذا، فيجوز حينئذ اعتبار العلامة. ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع ~~البيت، لما كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا، ~~وكذلك المستأجر له يد في الدار، والمؤاجر أيضا له يد في جميع الدار فلما ~~استويا في اليد في الجميع كان الذي تشهد له العلامة الموافقة لصحة دعواه ~~أولى، وكان ذلك ترجيحا لحكم يده لا أنه يستحق به الحكم له بالملك كما يستحق ~~بالبينات. فهذه المواضع التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت ~~اليد لكل واحد من المدعيين في الجميع، فصارت العلامة من حجة اليد دون ~~استحقاق الملك بالعلامة، وأما المدعيان إذا كان في أيديهما شيء من المتاع ~~وأحدهما ممن يعالج مثله وهو من آلته التي يستعملها في صناعته، فإنه معلوم ~~أن في يد كل واحد منهما النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر منه شيء، ~~فلو حكمنا لأحدهما بظاهر صناعته، أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا عليه يدا ~~هي له دونه، فهما فيه بمنزلة رجل إسكاف ادعى قالب خف في يد صيرفي فلا يستحق ms2291 ~~يد الصيرفي لأجل أن ذلك من صناعته، ومسألة اللقطة هي هذه بعينها; لأن ~~المدعي لا يد له، وإنما يريد استحقاق يد الملتقط بالعلامة، ومعلوم أنه لا ~~يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه علامة، فكذلك العلامة لا يجوز أن يستحق بها ~~يد الغير، وأما ما روي في حديث زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم "عن اللقطة فقال: "اعرف عقاصها ووعاءها ووكاءها ثم عرفها سنة، ~~فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها"، فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها يستحقها ~~بالعلامة; لأنه يحتمل أن يكون إنما أمره بمعرفة العقاص، والوعاء، والوكاء ~~لئلا يختلط بماله وليعلم أنها لقطة، وقد يكون يستدل به على صدق المدعي ~~فيسعه دفعها إليه، وإن لم يلزم في الحكم، وقد يكون لذكر العلامة ولما يظهر ~~من الحال تأثير في القلب يغلب في الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في الحكم. # وقد استدل يعقوب عليه السلام على كذب إخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب لخرق # PageV03P222 # قميصه، وقد روي عن شريح وإياس بن معاوية أشياء نحو هذا روى ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد قال: "اختصم إلى شريح امرأتان في ولد هرة، فقالت إحداهما: هذه ولد ~~هرتي، وقالت الأخرى: هذه ولد هرتي، فقال: ألقوها مع هذه، فإن درت وقرت ~~واسبطرت فهي لها، وإن هرت وفرت وازبأرت فليس لها". وروى حماد بن سلمة قال: ~~أخبرني مخبر عن إياس بن معاوية: أن امرأتين ادعتا كبة غزل، فخلا بإحداهما، ~~وقال: علام كببت غزلك؟ فقالت: على جوزة، وخلا بالأخرى فقالت: على كسرة خبز، ~~فنقضوا الغزل فدفعوه إلى التي أصابت" وهذا الذي كان يفعله شريح وإياس من ~~نحو هذا لم يكن على وجه إمضاء الحكم به وإلزام الخصم إياه، وإنما كان على ~~جهة الاستدلال بما يغلب في. الظن منه فيقرر بعد ذلك المبطل منهما، وقد ~~يستحي الإنسان إذا ظهر مثل هذا من الإقامة على الدعوى فيقر فيحكم عليه ~~بالإقرار. # قوله تعالى: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} قيل: فيه إضمار عصير العنب ~~للخمر ms2292 وذلك لأن الخمر المائعة لا يتأتى فيها العصر. وقيل: معناه أعصر ما ~~يئول إلى الخمر، فسماه باسم الخمر، وإن لم يكن خمرا على وجه المجاز. وجائز ~~أن يعصر من العنب خمرا بأن يطرح العنب في الخابية ويترك حتى ينش ويغلي ~~فيكون ما في العنب خمرا فيكون العصر للخمر على وجه الحقيقة. وقال الضحاك: ~~في لغة تسمي العنب خمرا. # قوله تعالى: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} قال قتادة: "كان يداوي ~~مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد في عبادة ربه". وقيل: "كان يعين المظلوم وينصر ~~الضعيف ويعول المريض" وقيل: "من المحسنين في عبارة الرؤيا; لأنه كان يعبر ~~لغيرهما". # قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} الآية ~~قال ابن جريج عدل عن تأويل الرؤيا إلى الإخبار بهذا لما رأى على أحدهما فيه ~~من المكروه، فلم يدعاه حتى أخبرهما به". وقيل: "إنما قدم هذا ليعلما ما خصه ~~الله تعالى به من النبوة وليقبلا إلى طاعة الله" وقد كان يوسف عليه السلام ~~فيما بينهم قبل ذلك زمانا فلم يحك الله عنه أنه ذكر لهم شيئا من الدعاء إلى ~~الله وكانوا قوما يعبدون الأوثان وذلك لأنه لم يطمع منهم في الاستماع، ~~والقبول، فلما رآهم مقبلين إليه عارفين بإحسانه أمل منهم القبول والاستماع ~~فقال: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} الآية ~~وهو من قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ~~[النمل:125] # PageV03P223 # وترقب وقت الاستماع، والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة، وإنما حكى ~~الله ذلك لنا لنقتدي به فيه. # قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه} الظن ههنا بمعنى اليقين; لأنه علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا ~~وهو كقوله تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة:20] ومعناه أيقنت ~~وقوله: {فأنساه الشيطان} هذه الهاء تعود على يوسف على ما روي عن ابن عباس ~~وقال الحسن وابن إسحاق "على الساقي" وفيه بيان أن لبثه في السجن بضع سنين ~~إنما كان; لأنه سأل ms2293 الذي نجا منهما أن يذكره عند الملك وكان ذلك منه على ~~جهة الغفلة، فإن كان التأويل على ما قال ابن عباس أن الشيطان أنسى يوسف ~~عليه السلام ذكر ربه يعني ذكر الله تعالى وأن الأولى كان في تلك الحال أن ~~يذكر الله ولا يشتغل بمسألة الناجي منهما أن يذكره عند صاحبه فصار اشتغاله ~~عن الله تعالى في ذلك الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين، وإن كان ~~التأويل أن الشيطان أنسى الساقي فلأن يوسف لما سأل الساقي ذلك لم يكن من ~~الله توفيق للساقي وخلاه ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر ~~يوسف، وأما البضع فقال ابن عباس "هو من الثلاثة إلى العشر" وقال مجاهد ~~وقتادة "إلى التسع" وقال وهب لبث سبع سنين. # قوله تعالى: {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} ، فإنا ~~قد علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم تكن أضغاث أحلام; لأن يوسف عليه السلام ~~عبرها على سني الخصب، والجدب وهو يبطل قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما ~~تعبر; لأن القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم تقع كذلك ويدل على فساد الرؤيا ~~بأن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت. # قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك} ~~الآية يقال: إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك حتى ~~رد الرسول إليه بأن يسأل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ساحته ~~فيكون أجل في صدره عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من التوحيد ~~وقبول ما يشير به عليه. # قوله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال الحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: هذا من قول يوسف، يقول: إني إنما رددت الرسول إليه في سؤال النسوة ~~ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب. وإن كان ابتداء الحكاية عن المرأة، فإنه ~~رد الكلام إلى الحكاية عن قول يوسف لظهور الدلالة على المعنى، وذلك نحو ~~قوله: {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] وقبله حكاية عن المرأة: {وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة} [النمل:34] ms2294 ، # PageV03P224 # وكقوله: {فماذا تأمرون} [الشعراء:35] وقبله حكاية قول الملإ: {يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره} [الشعراء:35] . # قوله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} يعني أن النفس كثيرة النزاع إلى ~~السوء، فلا يبرئ نفسه، وإن كان لا يطاوعها، وقد اختلف الناس في قائل هذا ~~القول، فقال قائلون: هو من قول يوسف" وقال آخرون:"هو من قول المرأة". ~~الأمارة: الكثيرة الأمر بالشيء، والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع ~~إليه مما يقع الفعل من أجله، وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازا ~~في أول استعماله ثم كثر حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة، فيقال: نفسي ~~تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له، وإنما لم يصح أن يأمر ~~الإنسان نفسه في الحقيقة; لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك ما لا يملك، ~~ومحال أن يملك الإنسان نفسه ما لا يملكه; لأن من ملك شيئا، فإنما يملك ما ~~هو مالكه. # قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين} هذا الملك لما كان من أهل العقل والدراية لم يرعه ~~من يوسف منظره الرائع البهج كما راع النساء لقلة عقولهن وضعف أحلامهن، ~~وأنهن إنما نظرن إلى ظاهر حسنه وجماله دون علمه وعقله وأن الملك لم يعبأ ~~بذلك، ولكنه لما كلمه ووقف على كماله ببيانه وعلمه قال: {إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين} فقال يوسف: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} فوصف ~~نفسه بالعلم، والحفظ. # PageV03P225 # مطلب: يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه # وفي هذا دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، ~~وأنه ليس من المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} ~~[لنجم:32] . # قوله تعالى: {ائتوني بأخ لكم من أبيكم} إلى قوله: {فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي} يقال إن الذي اقتضى طلبه للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال ~~عن أخبارهم، فلما ذكروا إيثار أبيهم له عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر ~~أنه يحب ms2295 أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم السبب في ذلك، وكان غرضه في ذل ~~التوصل إلى حصوله عنده وكان قد خاف أن يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه ~~يوسف وأن يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين الاجتماع معه ومع أخيه، فأجرى ~~تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد اضطرابهم معه. # PageV03P225 # مطلب: العين حق # قوله تعالى: {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة} قال ابن عباس، والحسن وقتادة والضحاك والسدي: "كانوا ذوي صورة ~~وجمال فخاف عليهم العين". وقال غيرهم: "خاف عليهم حسد الناس لهم وأن يبلغ ~~الملك قوتهم وبطشهم فيقتلهم خوفا على ملكه". وما قالته الجماعة يدل على أن ~~العين حق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العين حق". # قوله تعالى: {جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون} قيل: أمر يوسف بعض أصحابه بأن يجعل الصاع في رحل أخيه، ثم قال ~~قائل من الموكلين بالصيعان، وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه: {أيتها العير ~~إنكم لسارقون} ، على ظن منهم أنهم كذلك، ولم يأمرهم يوسف بذلك، فلم يكن قول ~~هذا القائل كذبا; إذ كان مرجعه إلى غالب ظنه وما هو عنده. # PageV03P226 # مطلب: يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه بما يمكنه الوصول إليه # وفيما توصل يوسف عليه السلام به إلى أخذ أخيه دلالة على أنه جائز للإنسان ~~التوصل إلى أخذ حقه من غيره بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق ~~قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} روي عن يحيى بن يمان عن ~~يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني: {وأنا به زعيم} قال: "كفيل". قال أبو بكر ~~ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك; لأن قائل ذلك جعل حمل بعير ~~أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله أنا به زعيم يعني ضامن، قال الشاعر: # وإني زعيم إن رجعت مسلما ... بسير يرى منه الفرانق أزورا # أي ضامن لذلك. فهذا القائل لم يضمن ms2296 عن إنسان شيئا، وإنما ألزم نفسه ضمان ~~الأجرة لرد الصاع. وهذا أصل في جواز قول القائل: "من حمل هذا المتاع إلى ~~موضع كذا فله درهم" وأن هذه إجارة جائزة وإن لم يكن يشارط على ذلك رجلا ~~بعينه وكذلك قال محمد بن الحسن في السير الكبير إذا قال أمير الجيش: "من ~~ساق هذه الدواب إلى موضع كذا" أو قال: "من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله ~~كذا" أن هذا جائز ومن حمله استحق الأجر وهذا معنى ما ذكر في هذه الآية. وقد ~~ذكر هشام عن محمد أيضا فيمن كانت في يده دار لرجل يسكنها فقال: "إن أقمت ~~فيها بعد يومك هذا فأجرة كل يوم عشرة دراهم عليك" أن هذا جائز، وإن أقام ~~فيها بعد هذا القول لزمه لكل يوم ما سمى، # PageV03P226 # فجعل سكناه بعد ذلك رضا، وكان ذلك إجارة وإن لم يقاوله باللسان. وفي ~~الآية دلالة على ذلك لأنه قد أخبر أن من رد الصاع استحق الأجر وإن لم يكن ~~بينهما عقد إجارة، بل فعله لذلك بمنزلة قبول الإجارة. وعلى هذا قالوا فيمن ~~قال لآخر: "قد استأجرتك على حمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم " أنه إن ~~حمله استحق الدرهم وإن لم يتكلم بقبولها. # فإن قيل: إن هذا لم يكن إجارة لأن الإجارة لا تصح على حمل بعير، وإن كانت ~~إجارة فهي منسوخة لأن الإجارة لا تجوز في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~إلا بأجر معلوم. قيل له: هو أجر معلوم لأن حمل بعير اسم لمقدار ما من الكيل ~~والوزن، كقولهم كارة ووقر ووسق ونحو ذلك، ولما لم ينكر يوسف عليه السلام ~~ذلك دل على صحته، وشرائع من قبلنا من الأنبياء حكمها ثابت عندنا ما لم ~~تنسخ. # قوله تعالى: {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} قال، الحسن وأبو ~~إسحاق ومعمر والسدي: كان من عادتهم أن يسترقوا السارق، فكان تقديره: جزاؤه ~~أخذ من وجد في رحله رقيقا فهو جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، فلما وجد في رحل ~~أخيه أخذه ms2297 على ما شرط أنه جزاء سرقته، فقالوا: خذ أحدنا مكانه عبدا روي ذلك ~~عن الحسن. وهذا يدل على أنه قد كان يجوز في ذلك الوقت استرقاق الحر ~~بالسرقة، وكان يجوز للإنسان أن يرق نفسه لغيره لأن إخوة يوسف عليه السلام ~~بذلوا واحدا منهم ليكون عبدا بدل أخي يوسف. وقد روي عن عبد سرق أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم باعه في دين عليه وكان حرا"، فجائز أن يكون هذا الحكم ~~قد كان ثابتا إلى أن نسخ على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم. # PageV03P227 # مطلب: يجب على الإمام أن يفعل مثل ما فعله يوسف عليه السلام إذا خاف هلاك ~~الناس من القحط. # وفيما قص الله تعالى علينا من قصة يوسف وحفظه للأطعمة في سني الجدب ~~وقسمته على الناس بقدر الحاجة دلالة على أن على الأئمة في كل عصر أن يفعلوا ~~مثل ذلك إذا خافوا هلاك الناس من القحط. # قوله تعالى: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا ~~إلا بما علمنا} إنما أخبروا عن ظاهر الحال لا عن باطنها; إذ لم يكونوا ~~عالمين بباطنها ولذلك قالوا: {وما كنا للغيب حافظين} فكان في الظاهر لما ~~وجد الصاع في رحله أنه هو الآخذ له فقالوا: {وما شهدنا إلا بما علمنا} يعني ~~من الأمر الظاهر لا من الحقيقة. وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق ~~الظاهر وإن لم يعلم حقيقة، وهو # PageV03P227 # كقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة:10] ~~ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن. # وقد قيل في قوله: {وما كنا للغيب حافظين} معنيان: أحدهما: ما روي عن ~~الحسن ومجاهد وقتادة: "ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق"، والآخر: ما قدمنا، وهو ~~أنا لا ندري باطن الأمر في السرقة. فإن قيل: لم جاز له استخراج الصاع من ~~رحل أخيه على حال يوجب تهمته عند الناس مع براءة ساحته وعم أبيه وإخوته به؟ ~~قيل له: لأنه كان في ذلك ضروب من الصلاح، وقد ms2298 كان ذلك عن مواطأة من أخيه له ~~على ذلك وتلطف في إعلام أبيه بسلامتهما، ولم يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع ~~إمكان أن يكون غيره جعله في رحله، ولأن الله تعالى أمره بذلك تعظيما ليعقوب ~~عليه السلام للبلوى بفقده أيضا ليصبر فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب ~~الجزيل بصبره على فقدهما. # PageV03P228 # مطلب: يجوز الاحتيال في التوصل إلى المباح # وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله: {فلما ~~جهزهم بجهازهم} إلى قوله: {كذلك كدنا ليوسف} دلالة على إجازة الحيلة في ~~التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ~~ولم ينكره، وقال في آخر القصة: {كذلك كدنا ليوسف} ومن نحو ذلك قوله تعالى: ~~{وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} ### | [ص:44] # وكان حلف أن يضربها عددا، فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وضربها به ليبر في ~~يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها. ومن نحوه النهي عن التصريح بالخطبة ~~وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض. ومن جهة السنة حديث أبي سعيد ~~الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل رجلا على خيبر ~~فأتاه بتمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ ~~فقال: لا والله، إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: "فلا ~~تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا"، كذا روى ذلك مالك بن أنس ~~عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة فحظر عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال في التوصل ~~إلى أخذ هذا التمر" ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خذي من مال ~~أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف". فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ~~ولدها. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره. ~~وروى يونس ومعمر عن الزهري قال: أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان بن حرب أن ~~ائتونا فإنا سنغير على ms2299 بيضة المسلمين من ورائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود ~~وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك # PageV03P228 # بنو قريظة إلى الأحزاب أبي سفيان وأصحابه، فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره خبرها وما أرسلت بنو قريظة إلى الأحزاب، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لعلنا أمرنا بذلك" فقام نعيم يكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان نعيم ~~رجلا لا يكتم الحديث، فلما ولى من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهبا ~~إلى غطفان قال عمر: يا رسول الله ما هذا الذي قلت إن كان أمرا من أمر الله ~~فأمضه وإن كان هذا رأيا رأيته من قبل نفسك فإن شأن بني قريظة أهون من أن ~~تقول شيئا يؤثر عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هذا رأي إن ~~الحرب خدعة". وروى أبو عثمان النهدي عن عمر قال: "إن في معاريض الكلام ~~لمندوحة عن الكذب". وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس ~~قال: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال إبراهيم صلوات الله عليه ~~للملك حين سأله عن سارة فقال: من هي منك؟ قال: هي أختي لئلا يأخذها، وإنما ~~أراد أختي في الدين وقال للكفار: إني سقيم، حين تخلف ليكسر آلهتهم، وكان ~~معناه: إني سأسقم يعني أموت، كما قال الله تعالى: {إنك ميت} [الزمر:30] ~~فعارض بكلامه عما سألوه عنه إلى غيره على وجه لا يلحق فيه الكذب. فهذه وجوه ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالاحتيال في التوصل إلى المباح، وقد ~~كان لولا وجه الحيلة فيه محظورا وقد حرم الله الوطء بالزنا وأمرنا بالتوصل ~~إليه بعقد النكاح وحظر علينا أكل المال بالباطل وأباحه بالشرى والهبة ~~ونحوها، فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما كان محظورا من الجهة التي أباحته ~~الشريعة فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت به الشريعة. # فإن قيل: حظر الله تعالى على ms2300 اليهود صيد السمك يوم السبت حبسوا السمك يوم ~~السبت وأخذوه يوم الأحد فعاقبهم الله عليه. قيل له: قد أخبر الله تعالى ~~أنهم اعتدوا في السبت، وهذا يوجب أن يكون حبسها في السبت قد كان محظورا ~~عليهم، ولو لم يكن حبسهم لها في السبت محرما لما قال: {اعتدوا منكم في ~~السبت} [البقرة:65] . # PageV03P229 # مطلب: يجوز للإنسان إظهار ضر مسه عند الحاجة إليه # قوله تعالى: {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} إلى قوله: {وتصدق علينا} ~~لما ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله: {مسنا وأهلنا الضر} دل ذلك ~~على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله ~~تعالى. # وقوله: {فأوف لنا الكيل} يدل على أن أجرة الكيال على البائع لأن عليه ~~تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل، وقد قالوا له: {فأوف لنا ~~الكيل} فدل على أن الكيل قد كان عليه. # PageV03P229 # فإن قيل: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه ~~الصاعان صاع البائع وصاع المشتري، وهذا يدل على أن الكيل على المشتري لأن ~~مراده الصاع الذي اكتال به البائع من بائعه وصاع المشتري هو ما اكتاله ~~المشتري الثاني من البائع. قيل له: قوله صاع البائع" لا دلالة فيه على أن ~~البائع هو الذي اكتال، وجائز أن يريد به الصاع الذي كال البائع به بائعه ~~وصاع المشتري الذي كاله له بائعه، فلا دلالة فيه على الاكتيال على المشتري ~~وإذا صح ذلك فيما وصفنا من الكيل فواجب أن يكون أجرة وزان الثمن على ~~المشتري لأن عليه تعيين الثمن للبائع، ولا يتعين إلا بوزنه فعليه أجرة ~~الوزان. وأما أجرة الناقد فإن محمد بن سماعة روى عن محمد: "أنه قبل أن ~~يستوفيه البائع فهو على المشتري لأن عليه تسليم الثمن إليه صحيحا، إن كان ~~قد قبضه البائع فأجرة الناقد على البائع لأنه قد قبضه وملكه، فعليه أن يبين ~~أن شيئا منه معيب يجب رده". # قوله تعالى: {وتصدق علينا} قال سعيد بن جبير: إنما سألوا التفضل ms2301 بالنقصان ~~في السعر ولم يسألوا الصدقة". وقال سفيان بن عيينة: "سألوا الصدقة وهم ~~أنبياء وكانت حلالا، وإنما حرمت على النبي صلى الله عليه وسلم". وكره مجاهد ~~أن يقول في دعائه: اللهم تصدق علي لأن الصدقة إنما هي ممن يبتغي الثواب. # قوله تعالى: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} فيه ~~إخبار أنهم كانوا جاهلين عند وقوع الفعل منهم وأنهم لم يكونوا جاهلين في ~~هذا الوقت، فمن الناس من يستدل بذلك على أنهم فعلوا ذلك قبل البلوغ لأنهم ~~لو فعلوه بعد البلوغ مع أنهم لم تظهر منهم توبة لكانوا جاهلين في الحال، ~~وإنما أراد جهالة الصبا لا جهالة المعاصي. وقول يوسف: {لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم} يدل على أنهم فعلوه بعد البلوغ وأن ذلك كان ذنبا منهم ~~يجب عليهم الاستغفار منه وظاهر الكلام يدل على أنهم تابوا بقولهم: {لقد ~~آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} ويدل عليه قولهم: {يا أبانا استغفر لنا ~~ذنوبنا إنا كنا خاطئين} ولا يقول مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن ~~يجري عليه القلم. وقوله: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا} إنما جاز لهم مسألة ~~الاستغفار مع حصول التوبة لأجل المظلمة المعلقة بعفو المظلوم وسؤال ربه أن ~~لا يأخذه بما عامله، ويجوز أن يكون إنما سأله أن يبلغه بدعائه منزلة من لم ~~يكن في جناية. قوله تعالى: {سوف أستغفر لكم ربي} روي عن ابن مسعود وإبراهيم ~~والتيمي وابن جريج وعمرو بن قيس: "أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر لأنه ~~أقرب إلى إجابة الدعاء". وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة. وقيل: إنما سألوه أن يستغفر لهم دائما في ~~دعائه. # PageV03P230 # قوله تعالى: {وخروا له سجدا} يقال: إن التحية للملوك كانت السجود وقيل: ~~إنهم سجدوا لله شكرا له على ما أنعم به عليهم من الاجتماع مع يوسف على ~~الحال السارة، وأرادوا بذلك التعظيم ليوسف، فأضاف السجود إلى يوسف مجازا ~~كما يقال: "صلى للقبلة " و ms2302 "صلى إلى غير القبلة " يعني إلى تلك الجهة. وقول ~~يوسف: {هذا تأويل رؤياي من قبل} يعني سجود الشمس والقمر والكواكب فكان ~~السجود في الرؤيا هو السجود في اليقظة، وكان الشمس والقمر والكواكب أبويه ~~وإخوته ويقال في قوله: {ورفع أبويه على العرش} إن أمه كانت ماتت وتزوج ~~خالته، روي ذلك عن السدي وقال الحسن وابن إسحاق: "كانت أمه باقية" وروي عن ~~سليمان بن عبيد الله بن شداد: كانت المدة بين الرؤيا وبين تأويلها أربعين ~~سنة"، وعن الحسن: كانت ثمانين سنة، وقال ابن إسحاق: "ثماني عشرة سنة " فإن ~~قيل: إذا كانت رؤيا الأنبياء صادقة فهلا تسلى يعقوب بعلمه بوقوع تأويل رؤيا ~~يوسف قيل له: لأنه رآها وهو صبي، وقيل لأن طول الغيبة عن الحبيب يوجب الحزن ~~كما يوجبه مع الثقة بالالتقاء في الآخرة. # قوله تعالى: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون} يعني: وكم من آية فيهما لا يفكرون فيها ولا يستدلون بها على توحيد ~~الله. وفيه حث على الاستدلال على الله تعالى بآياته ودلائله والفكر فيما ~~يقتضيه من تدبير مدبرها العالم بها القادر عليها وأنه لا يشبهها، وذلك في ~~تدبير الشمس والقمر والنجوم والرياح والأشجار والنبات والنتاج والحيوان ~~وغير ذلك مما هو ظاهر للحواس ومدرك بالعيان. # قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} روي عن ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة:"وما يؤمن أكثرهم بالله في إقراره بأن الله خلقه وخلق ~~السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن". وقال الحسن هم أهل الكتاب معهم ~~شرك وإيمان". وقيل: "ما يصدقون بعبادة الله إلا وهم يشركون الأوثان في ~~العبادة". # وقد دلت الآية على أن مع اليهودي إيمانا بموسى وكفرا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنها قد دلت على أن الكفر والإيمان لا يتنافيان من وجهين مختلفين، ~~فيكون فيه كفر من وجه وإيمان من وجه إلا أنه لا يحصل اجتماعهما على جهة ~~إطلاق اسم المؤمن واستحقاق ثواب الإيمان لأن ذلك ينافيه الكفر، وكذلك قوله: ~~{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة:85] قد ms2303 أثبت لهم الإيمان ببعض ~~الكتاب والكفر ببعض آخر فثبت بذلك جواز أن يكون معه كفر من وجه وإيمان من ~~وجه آخر، وغير جائز أن يجتمع له # PageV03P231 # صفة مؤمن وكافر لأن صفة مؤمن على الإطلاق صفة مدح وصفة كافر صفة ذم ~~ويتنافى استحقاق الصفتين معا على الإطلاق في حال واحدة. # قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} فيه ~~بيان أنه مبعوث بدعاء الناس إلى الله عز وجل على بصيرة من أمره، كأنه يبصره ~~بعينه وأن من اتبعه فذلك سبيله في الدعاء إلى الله عز وجل. وفيه الدلالة ~~على أن على المسلمين دعاء الناس إلى الله تعالى كما كان على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك. # قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ~~قيل: من أهل الأمصار دون البوادي لأن أهل لأمصار أعلم وأحكم وأحرى بقبول ~~الناس منهم. وقال الحسن: "لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من الجن ~~ولا من النساء". # قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} ~~اليأس انقطاع الطمع وقوله: {كذبوا} قرئ بالتخفيف وبالتثقيل، فإذا قرئ ~~بالتخفيف كان معناه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد ~~والضحاك قالوا: ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله ~~تعالى لهم وهلاك أعدائهم". وروي عن حماد بن زيد عن سعيد بن الحبحاب قال: ~~حدثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري قال: صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا ~~فيهم سعيد بن جبير، وأرسلت إلى الضحاك بن مزاحم فأبى أن يجيء، فأتيته فلم ~~أدعه حتى جاء، قال: فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له: يا أبا عبد ~~الله كيف تقرأ هذا الحرف فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة: ~~{حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} قال: نعم، حتى إذا استيئس ~~الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا مخففة ms2304 فقال ~~الضحاك: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت في هذا إلى ~~اليمن كان قليلا. وفي رواية أخرى أن مسلم بن يسار سأل سعيدا عنه فأجابه ~~بذلك، فقام إليه مسلم فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني. ومن قرأ: ~~"كذبوا " بالتشديد كان معناه: أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم فكذبنا عمهم حتى ~~لا يفلح أحد منهم روي ذلك عن عائشة والحسن وقتادة. آخر سورة يوسف. # PageV03P232 # ومن سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: ~~"الأرض السبخة والأرض العذبة " {ونخيل صنوان} قال ابن عباس والبراء بن عازب ~~ومجاهد وقتادة: "النخلات أصلها واحد". # قوله تعالى: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} فيه أوضح ~~دلالة على بطلان مذهب أصحاب الطبائع لأنه لو كان حدوث ما يحدث من الثمار ~~بطبع الأرض والهواء والماء لوجب أن يتفق ما يحدث من ذلك لاتفاق ما يوجب ~~حدوثه; إذ كانت الطبيعة الواحدة توجب عندهم اتفاق ما يحدث منها ولا يجوز أن ~~توجب فعلين مختلفين متضادين، فلو كان حدوث هذه الأشياء المختلفة الألوان ~~والطعوم والأراييح والأشكال من إيجاب الطبيعة لاستحال اختلافها وتضادها مع ~~اتفاق الموجب لها، فثبت أن المحدث لها قادر مختار حكيم قد أحدثها على ~~اختلافها على علم منه بها وهو الله تعالى. # قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} روي عن ابن عباس وسعيد ومجاهد ~~والضحاك: "الهادي هو الله تعالى " وروي عن مجاهد أيضا وقتادة: "الهادي نبي ~~كل أمة". وعن ابن عباس أيضا: الهادي الداعي إلى الحق". وعن الحسن وقتادة ~~وأبي الضحى وعكرمة: "الهادي محمد صلى الله عليه وسلم". وهذا هو الصحيح لأن ~~تقديره: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، والمنذر هو الهادي والهادي أيضا هو ~~المنذر. # قوله تعالى: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال ابن عباس والضحاك: "وما ~~تنقص من الأشهر التسعة وما تزداد، فإن الولد يولد لستة أشهر فيعيش ويولد ~~لسنتين فيعيش". وقال الحسن: "وما تنقص بالسقط وما ms2305 تزداد بالتمام". وقال ~~الفراء: "الغيض النقصان، ألا تراهم يقولون غاضت المياه إذا نقصت؟ ". وقال ~~عكرمة: "إذا غاضت " وقال: "ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل". ~~وقال مجاهد: "الغيض ما رأت # PageV03P233 # الحامل من الدم في حملها وهو نقصان من الولد، والزيادة ما زاد على تسعة ~~أشهر وهو تمام النقصان وهو الزيادة". وزعم إسماعيل بن إسحاق: أن التفسير إن ~~كان على ما روي عن مجاهد وعكرمة فهو حجة منه في أن الحامل تحيض، قال: "لأن ~~كل دم تخرج من الرحم فليس يخلو من أن يكون حيضا أو نفاسا وأما دم الاستحاضة ~~فهو من عرض". وهذا الذي ذكره ليس بشيء لأن الدم الخارج من الرحم قد يكون ~~حيضا ونفاسا وقد يكون غيرهما، وقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة: ~~"إنه دم عرق" غير مانع أن يكون بعض ما يخرج من الرحم من الدم قد يكون دم ~~استحاضة لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "إنما هو عرق انقطع أو داء عرض" ~~فأخبر أن دم الاستحاضة قد يكون من داء عرض وإن لم يكن من عرق وأيضا فما ~~الذي يحيل أن يكون دم العرق خارجا من الرحم بأن ينقطع العرق فيسيل الدم ~~إليها ثم يخرج فلا يكون حيضا ولا نفاسا؟ ثم قال: "فلا يقال إن الحامل لا ~~تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب". ونسي أن قضيته توجب ~~أن لا يقال: إنها تحيض إلا بخبر عن الله وعن الرسول لأنه حكاية عن غيب على ~~حسب موضوعه وقاعدته، بل قد يسوغ لمن نفى الحيض عن الحامل ما لا يسوغ لمن ~~أثبته لأنا قد علمنا أنها كانت غير حائض فإذا رأت الدم واختلفوا أنه حيض أو ~~غير حيض وفي إثبات الحيض إثبات أحكام، فغير جائز إثباته حيضا إلا بتوقيف. ~~وواجب أن تكون باقية على ما كانت عليه من عدم الحيض حتى يثبت الحيض بتوقيف ~~أو اتفاق; إذ كان في إثبات الدم حيضا إثبات حكم لا سبيل إلى علمه إلا ms2306 من ~~طريق التوقيف. وأيضا فإن قولنا حيض " هو حكم لدم خارج من الرحم، وقد يوجد ~~الدم خارجا من الرحم على هيئة واحدة فيحكم لما رأته في أيامها بحكم الحيض ~~ولما رأته في غير أيامها بحكم الاستحاضة وكذلك النفاس. فإذا كان الحيض ليس ~~بأكثر من إثبات أحكام لدم يوجد في أوقات ولم يكن الحيض عبارة عن الدم فحسب ~~دون ما يتعلق به من الحكم وإثبات الحكم بخروج دم لا يعلم إلا من طريق ~~التوقيف، فلم يجز أن يجعل هذا الحكم ثابتا لدم الحامل; إذ لم يرد به توقيف ~~ولا حصل عليه اتفاق. ثم قال إسماعيل عطفا على قوله لا يقال إن الحامل لا ~~تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية عن غيب: "ولا يلزم ذلك من ~~قال: إنها تحيض لأن الله تعالى قد قال: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222] فلما قيل: "النساء" لزم في ذلك ~~العموم لأن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به حتى يعلم غيره". قال أبو ~~بكر: قوله: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة:222] ليس فيه بيان صفة الحيض ~~بمعنى يتميز به عن غيره، وقوله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة:222] إنما هو ~~إخبار عما يتعلق بالمحيض من ترك الصلاة والصوم واجتناب الرجل جماعها وإخبار ~~عن نجاسة دم الحيض ولزوم اجتنابه، ولا دلالة فيه على # PageV03P234 # وجوده في حال الحمل وعدمه وقوله: "لما قيل النساء لزم في ذلك العموم" لا ~~معنى له لأنه قال: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222] وقوله: {في ~~المحيض} ليس فيه بيان أن الحيض ما هو، ومتى ثبت المحيض وجب الاعتزال، وإنما ~~اختلفا في أن الدم الخارج في وقت الحمل هل هو حيض أم لا، وقول الخصم لا ~~يكون حجة لنفسه وقوله: "إن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به " دعوى ~~مجردة من البرهان، ولخصمه أن يقول: إن الدم إذا خرج من فرجها فغير الحيض ~~أولى به حتى يقوم الدليل على أنه حيض لوجودنا دما خارجا من الرحم ms2307 غير حيض، ~~فلم يحصل من جميع هذا الكلام إلا دعاوى مبنية بعضها على بعض وجميعها مفتقر ~~إلى دليل يعضدها. # وقد روى مطر الوراق عن عطاء عن عائشة أنها قالت في الحامل ترى الدم: ~~"إنها لا تدع الصلاة". وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: لا يختلف فيه ~~عندنا عن عائشة أنها كانت تقول في الحامل ترى الدم أنها تمسك عن الصلاة حتى ~~تطهر، وهذا يحتمل أن تريد به الحامل التي في بطنها ولدان فولدت أحدهما أن ~~النفاس من الأول وأنها تدع الصلاة حتى تطهر، على ما يقول أبو حنيفة وأبو ~~يوسف في ذلك، حتى يصحح الخبرين جميعا عنها. وعند أصحابنا أن الحامل لا ~~تحيض، وأن ما رأته من دم فهو استحاضة، وعند مالك والشافعي تحيض. فالحجة ~~لقولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل ~~حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة"، والاستبراء هو معرفة براءة الرحم فلما ~~جعل الشارع وجود الحيض علما لبراءة الرحم لم يجز وجوده مع الحبل لأنه لو ~~جاز وجوده معه لم يكن وجود الحيض علما لبراءة الرحم ويدل عليه أيضا قوله ~~صلى الله عليه وسلم في طلاق السنة: "فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا ~~قد استبان حملها"، فلو كانت الحامل تحيض لفصل بين جماعها وطلاقها بحيضة ~~كغير الحامل، وفي إباحته صلى الله عليه وسلم إيقاع الطلاق على الحامل بعد ~~الجماع من غير فصل بينه وبين الطلاق بحيضة دلالة على أنها لا تحيض. آخر ~~سورة الرعد. # PageV03P235 # ومن سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} روى أبو ظبيان عن ابن عباس ~~قال: "غدوة وعشية". وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "هي النخلة تطعم في ~~كل ستة أشهر"، وكذلك روي عن مجاهد وعامر وعكرمة. وروى الليث بن سعد وسليمان ~~بن أبي كثير عن علي قال: "أرى الحين سنة"، وكذلك روي عن الحكم وحماد من ~~قولهما، وكذلك روي عن عكرمة ms2308 في رواية من قوله وقال سعيد بن المسيب: "الحين ~~شهران، من حين تصرم النخل إلى أن تطلع"، وروي عنه أن النخلة لا تكون فيها ~~أكلها إلا شهرين، وروي عنه أن الحين ستة أشهر. وروى القاسم بن عبد الله عن ~~أبي حازم عن ابن عباس أنه سئل عن الحين فقال: {تؤتي أكلها كل حين} : ستة ~~أشهر، {ليسجننه حتى حين} [يوسف:35] : ثلاث عشرة سنة، {ولتعلمن نبأه بعد ~~حين} ### | [ص:88] # : يوم القيامة. وروى هشام بن حسان عن عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا ~~وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله، فسألني عنها فقلت: ~~إن من الحين حين لا يدرك قوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} ~~[الأنبياء:111] فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها فكأنه أعجبه. ~~وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: {تؤتي أكلها كل حين} قال: "ما بين ستة ~~الأشهر أو السبعة". # قال أبو بكر: الحين اسم يقع على وقت مبهم، وجائز أن يراد به وقت مقدر، ~~قال الله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم:17] ثم قال: ~~{وحين تظهرون} [الروم:18] فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظهر ووقت المغرب ~~على اختلاف فيه لأنه قد أريد به فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات، فصار ~~"حين " في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصلوات. ويشبه أن يكون ابن عباس في ~~الرواية التي رويت عنه في الحين أنه غدوة وعشية ذهب إلى معنى قوله تعالى: ~~{حين تمسون وحين تصبحون} [الروم:17] ويطلق ويراد به أقصر الأوقات، كقوله ~~تعالى: {وسوف # PageV03P236 # يعلمون حين يرون العذاب} [الفرقان:42] وهذا على وقت الرؤية وهو وقت قصير ~~غير ممتد. ويطلق ويراد به أربعون سنة لأنه روي في تأويل قوله تعالى: {هل ~~أتى على الأنسان حين من الدهر} [الإنسان:1] أنه أراد أربعين سنة، والسنة ~~والستة الأشهر والثلاث عشرة سنة والشهران على ما ذكرنا من تأويل السلف ~~للآية كله محتمل فلما كان ذلك كذلك ثبت أن الحين اسم يقع على وقت مبهم وعلى ms2309 ~~أقصر الأوقات وعلى مدد معلومة بحسب قصد المتكلم. ثم قال أصحابنا فيمن حلف ~~أن لا يكلم فلانا حينا أنه على ستة أشهر وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به ~~أقصر الأوقات، إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة، ومعلوم ~~أنه لم يرد به أربعين سنة لأن من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على ~~التأبيد من غير توقيت. ثم كان قوله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} ~~لما اختلف السلف فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر لأن من ~~حين الصرام إلى وقت أوان الطلع ستة أشهر، وهو أولى من اعتبار السنة لأن وقت ~~الثمرة لا يمتد سنة بل ينقطع حتى لا يكون فيه شيء، وإذا اعتبرنا ستة أشهر ~~كان موافقا لظاهر اللفظ في أنها تطعم ستة أشهر وتنقطع ستة أشهر. وأما ~~الشهران فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما لأنه معلوم أن من وقت الصرام إلى وقت ~~خروج الطلع أكثر من شهرين، فإن اعتبر بقاء الثمرة شهرين فإنا قد علمنا أن ~~من وقت خروج الطلع إلى وقت الصرام أكثر من شهرين أيضا، فلما بطل اعتبار ~~السنة واعتبار الشهرين بما وصفنا ثبت أن اعتبار الستة الأشهر أولى آخر سورة ~~إبراهيم عليه السلام. # PageV03P237 # ومن سورة النحل # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} روي عن ابن عباس ~~قال: "الدفء اللباس " وقال الحسن: الدفء ما استدفئ به من أوبارها وأصوافها ~~وأشعارها". قال أبو بكر: وذلك يقتضي جواز الانتفاع بأصوافها وأوبارها في ~~سائر الأحوال من حياة أو موت. # قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} روى هشام الدستوائي عن ~~يحيى بن أبي كثير عن نافع عن علقمة أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل ~~والبغال والحمير، وكان يقول في {والأنعام خلقها لكم} : إن هذه للأكل وهذه ~~للركوب {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن ~~عكرمة عن ابن عباس أنه كره لحوم الخيل وتأول: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة} قال ms2310 أبو بكر: فهذا دليل ظاهر على حظر لحومها وذلك لأن الله ~~تعالى ذكر الأنعام وعظم منافعها، فذكر منها الأكل بقوله تعالى: {والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ثم ذكر الخيل والبغال والحمير ~~وذكر منافعها الركوب والزينة، فلو كان الأكل من منافعها وهو من أعظم ~~المنافع لذكره كما ذكره من منافع الأنعام. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه أخبار متضادة في الإباحة والحظر، فروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، ~~فذبحوها، "فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الإنسية ولحوم ~~الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة ~~والنهبة" وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: ~~أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر، ولم ~~يسمع عمرو بن دينار هذا الحديث من جابر وذلك لأن ابن جريج رواه عن عمرو بن ~~دينار عن رجل عن جابر، وجابر لم يشهد خيبر لأن محمد بن إسحاق روى عن سلام ~~بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر، ولم يشهد جابر خيبر وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV03P238 # نهى عن لحوم الحمر وأذن لهم في لحوم الخيل فوردت أخبار جابر في ذلك ~~متعارضة، فجائز حينئذ أن يقال فيها وجهان: أحدهما: أنه إذا ورد خبران ~~أحدهما حاظر والآخر مبيح فالحظر أولى، فجائز أن يكون الشارع أباحه في وقت ~~ثم حظره وذلك لأن الأصل كان الإباحة والحظر طارئ عليها لا محالة، ولا نعلم ~~إباحة بعد الحظر، فحكم الحظر ثابت لا محالة; إذ لم تثبت إباحة بعد الحظر. ~~وقد روي عن جماعة من السلف هذا المعنى وذلك لأن ابن وهب روى عن الليث بن ~~سعد قال: خسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة سنة ثلاث عشرة ومائة، وبها يومئذ ~~رجال من أهل العلم كثير منهم ابن شهاب ms2311 وأبو بكر بن حزم وقتادة وعمرو بن ~~شعيب، قال: فقمنا قياما بعد العصر ندعو الله، فقلت لأيوب بن موسى القرشي: ~~ما لهم لا يصلون وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: النهي قد جاء في ~~الصلاة بعد العصر أن لا تصلي، فلذلك لا يصلون، وإن النهي يقطع الأمر فهذا ~~أحد الوجهين في حديث جابر. والوجه الآخر: أن يتعارض خبرا جابر فيسقطا ~~كأنهما لم يردا، وقد روى إسرائيل بن يونس عن عبد الكريم الجزري عن عطاء بن ~~أبي رباح عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل، قال عطاء: فقلت له: فالبغال؟ ~~قال: أما البغال فلا. وروى هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ابنة ~~أبي بكر قالت: "نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه". ~~وهذا لا حجة فيه للمخالف لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به ~~وأقرهم عليه، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم عليه كان ~~محمولا على أنه كان قبل الحظر. وقد روى بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن ~~صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الخيل. وقال الزهري: ما علمنا الخيل أكلت ~~إلا في حصار. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا بأس بلحوم الخيل " وروي ~~نحوه عن الأسود بن يزيد والحسن البصري وشريح. وأبو حنيفة لا يطلق فيه ~~التحريم وليس هو عنده كلحم الحمار الأهلي وإنما يكرهه لتعارض الأخبار ~~الحاظرة والمبيحة فيه، ويحتج له من طريق النظر أنه ذو حافر أهلي فأشبه ~~الحمار والبغل. ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن لحم البغل لا يؤكل، وهو ~~من الفرس فلو كانت أمه حلالا لكان حكمه حكم أمه; لأن حكم الولد حكم الأم; ~~إذ هو كبعضها، ألا ترى أن حمارة أهلية لو ولدت من حمار وحشي لم يؤكل ولدها، ~~ولو ولدت حمارة وحشية من حمار أهلي أكل ms2312 ولدها؟ فكان الولد تابعا لأمه دون ~~أبيه، فلما كان لحم البغل غير مأكول وإن كانت أمه فرسا دل ذلك على أن الخيل ~~غير مأكولة. # قوله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} يحتج به أبو يوسف ومحمد فيمن ~~حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا أنه يحنث، لتسمية الله إياه حليا وأبو حنيفة ~~يقول: # PageV03P239 # لا يحنث لأن الأيمان محمولة على التعارف، وليس في العرف تسمية اللؤلؤ ~~وحده حليا، ألا ترى أن بائعه لا يسمى بائع حلي؟ وأما الآية فإن فيها أيضا ~~{لتأكلوا منه لحما طريا} ، ولا خلاف بينهم أنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل ~~سمكا أنه لا يحنث مع تسمية الله تعالى إياه لحما طريا. # PageV03P240 # باب السكر # قال الله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} ~~اختلف السلف في تأويل السكر، فروي عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما قالا: ~~"السكر ما حرم منه والرزق الحسن ما حل منه". وروي عن إبراهيم والشعبي وأبي ~~رزين قالوا: "السكر خمر". وروى جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبد الله قال: ~~"السكر خمر". وروى ابن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: "السكر خمر ~~إلا أنه من التمر". وقال هؤلاء: إنه منسوخ بتحريم الخمر. وحدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان عن ابن عباس ~~قال: "هو ما حرم من ثمرتيهما وما أحل من ثمرتيهما". قال أبو بكر: هذا نحو ~~قول الأولين وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: ~~حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ~~ابن عباس: {تتخذون منه سكرا} قال: "السكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب". # قال أبو بكر: لما تأوله السلف على الخمر وعلى النبيذ وعلى الحرام منه، ~~ثبت أن الاسم يقع على الجميع وقولهم إنه منسوخ بتحريم الخمر يدل على أن ~~الآية اقتضت إباحة ms2313 السكر وهو الخمر والنبيذ، والذي ثبت نسخه من ذلك إنما هو ~~الخمر، ولم يثبت تحريم النبيذ، فوجب تحليله بظاهر الآية; إذ لم يثبت نسخه. ~~ومن ادعى أنه منسوخ بتحريم الخمر لم يصح له ذلك إلا بدلالة; إذ كان اسم ~~الخمر لا يتناول النبيذ. وروى سعيد عن قتادة قال: "السكر خمور الأعاجم ~~والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون، أنزلت هذه الآية ولم تحرم الخمر ~~وإنما جاء تحريمها في سورة المائدة". وقد روى أبو يوسف قال: حدثنا أيوب بن ~~جابر الحنفي عن أشعث بن سليمان عن أبيه عن معاذ بن جبل قال: "لما بعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أمره أن ينهاهم عن السكر". قال أبو بكر: ~~وهذا السكر المحرم عندنا هو نقيع التمر. # قوله تعالى: {نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا # PageV03P240 # للشاربين} فيه الدلالة على طهارة اللبن المحلوب من الشاة الميتة من ~~وجهين: أحدهما: عموم اللفظ في إباحة اللبن من غير فرق بين ما يؤخذ منه حيا ~~أو ميتا. والثاني: إخباره تعالى أنه خارج من بين فرث ودم وحكمه بطهارته مع ~~ذلك; إذ كان ذلك موضع الخلقة فثبت أن اللبن لا ينجس بنجاسة موضع الخلقة وهو ~~ضرع الميتة كما لم ينجس بمجاورته للفرث والدم. # قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} فيه بيان ~~طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه، وحكم الله ~~تعالى مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس، فدل ذلك على أن ما لا ~~دم له لا يفسد ما يموت فيه. # قوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم} روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "أنهم لا ~~يشركون عبيدهم في أموالهم حتى يكونوا فيه سواء وهم لا يرضون بذلك لأنفسهم ~~وهم يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني". وقيل: "معناه أنهم سواء في أني رزقت ~~الجميع وأنه لا يمكن أحد أن يرزق عبده ms2314 إلا برزقي إياه". قال أبو بكر: قد ~~تضمنت الآية انتفاء المساواة بين المولى وبين عبده في الملك وفي ذلك دليل ~~على أن العبد لا يملك من وجهين: أحدهما: أنه لو جاز أن يملك العبد ما يملكه ~~المولى إياه لجاز أن يملكه ماله فيملكه حتى يكون مساويا له ويكون ملك ~~العبيد مثل ملك المولى، بل كان يجوز أن يكون العبد أفضل في باب الملك وأكثر ~~ملكا، وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك وإن ملكه المولى إياه لأن الآية ~~قد اقتضت نفي المساواة له في الملك. وأيضا لما جعله مثلا للمشركين في ~~عبادتهم الأوثان، وكان معلوما أن الأوثان لا تملك شيئا، دل على أن العبد لا ~~يملك لنفيه الشركة بينه وبين الحر كما نفى الشركة بين الله وبين الأوثان. # قوله تعالى: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} روي عن ابن عباس: "أن ~~الحفدة الخدم والأعوان " وقال الحسن: "من أعانك فقد حفدك". وقال مجاهد ~~وقتادة وطاوس: "الحفدة الخدم". وروي عن عبد الله وأبي الضحى وإبراهيم وسعيد ~~بن جبير قالوا: "الحفدة الأختان". ويقال: إن أصل الحفد الإسراع في العمل، ~~ومنه: وإليك نسعى ونحفد، والحفدة جمع حافد كقولك: كامل وكملة. قال أبو بكر: ~~لما تأوله السلف على هذين المعنيين من الخدم والأعوان ومن الأختان وجب أن ~~يكون عليهما، وفيه دلالة على أن الأب يستحق على ابنه الخدمة والمعونة لقوله ~~تعالى: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} ولذلك قال أصحابنا: إن الأب إذا ~~استأجر ابنه لخدمته أنه # PageV03P241 # لا يستحق الأجر إن خدمه لأنها مستحقة عليه بغير الإجارة. # قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} روي عن ابن ~~عباس وقتادة: "أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده والمؤمن الذي يكتسب ~~الخير " وقال الحسن ومجاهد: "هو مثل ضرب لعبادتهم الأوثان التي لا تملك ~~شيئا والعدول عن عبادة الله الذي يملك كل شيء". # قال أبو بكر: قد حوت هذه الآية ضروبا من الدلالة على أن العبد لا يملك: ~~أحدها: قوله: {عبدا مملوكا} ms2315 نكرة، فهو شائع في جنس العبيد، كقول القائل: لا ~~تكلم عبدا وأعط هذا عبدا، أن ذلك ينتظم كل من يسمى بهذا الاسم، وكذلك قوله: ~~{يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة} [البلد:16] فكل من لحقه هذا الاسم قد ~~انتظمه الحكم; إذ كان لفظا منكورا، كذلك قوله: {عبدا مملوكا} قد انتظم سائر ~~العبيد. ثم قال: {لا يقدر على شيء} لا يخلو من أن يكون المراد نفي القدرة ~~أو نفي الملك أو نفيهما، ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة; إذ كان العبد ~~والحر لا يختلفان في القدرة من حيث اختلفا في الرق والحرية; لأن العبد قد ~~يكون أقدر من الحر، فعلمنا أنه لم يرد به نفي القدرة، فثبت أنه أراد نفي ~~الملك، فدل على أن العبد لا يملك. ووجه آخر: وهو أنه تعالى جعله مثلا ~~للأصنام فشبهها بالعبيد المملوكين في نفي الملك، ومعلوم أن الأصنام لا تملك ~~شيئا، فوجب أن يكون من ضرب المثل به لا يملك شيئا وإلا زالت فائدة ضرب ~~المثل به، وكان يكون حينئذ ضرب المثل بالعبد والحر سواء وأيضا لو أراد عبدا ~~بعينه لا يملك شيئا وجاز أن يكون من العبيد من يملك لقال ضرب الله مثلا ~~رجلا لا يقدر على شيء، فلما خص العبد بذلك دل على أن وجه تخصيصه أنه ليس ~~ممن يملك. # فإن قيل: روى إبراهيم عن عكرمة عن يعلى بن منية عن ابن عباس في هذه ~~الآية: أنها نزلت في رجل من قريش وعبده ثم أسلما، فنزلت الأخرى في رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شيء إلى قوله {صراط مستقيم} قال: كان مولى لعثمان ~~كان عثمان يكفله وينفق عليه، فعثمان الذي ينفق بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~والآخر أبكم وهذا يوجب أن يكون في عبد بعينه، وقد يجوز أن يكون في العبيد ~~من لا يملك شيئا كما يكون في الأحرار من لا يملك. قيل له: هذه الرواية ~~ضعيفة عن ابن عباس، وظاهر اللفظ ينفيها لأنه لو أراد عبدا بعينه لعرفه ~~بالألف واللام ولم ms2316 يذكره بلفظ منكور. وأيضا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة ~~الأوثان والاحتجاج عليهم، ألا ترى إلى قوله: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله ~~الأمثال} ثم قال: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} فأخبر أن ~~مثل ما # PageV03P242 # يعبدون مثل العبيد المماليك الذين لا يملكون شيئا ولا يستطيعون أن يملكوا ~~تأكيدا لنفي أملاكهم، ولو كان المراد عبدا بعينه وكان ذلك العبد ممن يجوز ~~أن يملك، ما كان بينه وبين الحر فرق وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوا فثبت أن ~~المعنى فيه نفي ملك العبيد رأسا. # فإن قيل: فقد قال: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه} ولم يدل على أن الأبكم لا يملك شيئا. قيل له: إنما أراد ~~به عبدا أبكم، ألا ترى إلى قوله: {وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير} فذكر المولى وتوجيهه يدل على أن المراد العبد، كأنه ذكر أولا عبدا ~~غير أبكم وجعله مثلا للصنم في نفي الملك، ثم زاده نقصا بقوله: {أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير} فدل على أنه أراد ~~عبدا أبكم مبالغة في وصف الأصنام بالنقص وقلة الخير وأنه مملوك متصرف فيه. # فإن قيل: أراد بقوله: {وهو كل على مولاه} ابن عمه لأن ابن العم يسمى ~~مولى. قيل له: هذا خطأ، لأن ابن العم لا تلزمه نفقة ابن عمه ولا أن يكون ~~كلا عليه وليس له توجيهه في أموره، فلما ذكر الله تعالى هذين المعنيين ~~للأبكم علمنا أنه لم يرد به الحر الذي له ابن عم وأنه أراد عبدا مملوكا ~~أبكم وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ههنا لأن الأب والأخ والعم أقرب إليه ~~من ابن العم وأولى به، فحمله على ابن العم يزيل فائدته. وأيضا فإن المولى ~~إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى النعمة ولا يصرف إلى ابن العم إلا ~~بدلالة. ms2317 # فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد الأصنام لأنه قال: عبدا مملوكا ولا يقال ~~ذلك للصنم. قيل له: قد أغفلت موضع الدلالة لأنه إنما ذكر عبدا مملوكا لنا ~~وجعله مثلا للأصنام التي كانوا يعبدونها وأخبر أنها بمنزلة مماليكنا الذين ~~لا يملكون شيئا، فكما أن الصنم لا يملك بحال كذلك العبد، وعلى أن الله ~~تعالى قد سمى الأصنام عبادا بقوله: {إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم} [الأعراف:194] . # وقد اختلف الفقهاء في ملك العبد، فقال أصحابنا والشافعي: "العبد لا يملك ~~ولا يتسرى". وقال مالك: "يملك ويتسرى". وقد روى أبو حنيفة قال: حدثنا ~~إسماعيل بن أمية المكي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ابن عمر قال: "لا ~~يحل فرج المملوك إلا لمن إن باع أو وهب أو تصدق أو أعتق جاز " يعني بذلك ~~المملوك وكذلك روى يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وروي عن ~~إبراهيم وابن سيرين والحكم: "أن العبد لا يتسرى". وروي عن ابن عباس: "أن ~~العبد يتسرى"، وروى يعمر # PageV03P243 # عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يرى بعض رقيقه يتخذ السرية فلا ينكر عليه" ~~وقال الحسن والشعبي: "يتسرى العبد بإذن سيده". وروى أبو يوسف عن العلاء بن ~~كثير عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العبد لا يتسرى" وهذا يدل ~~على أنه لا يملك لأنه لو ملك لجاز له التسري بقوله: {والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون:6-5] ويدل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه ~~المبتاع" وذلك لأنه لما أن جعله للبائع أو للمشتري أخرج العبد منه صفرا بلا ~~شيء. ويدل عليه أن للمولى أخذ ما في يده وهو أولى به منه لأجل ملكه لرقبته، ~~فلو كان العبد ممن يملك لما كان له أخذ ما في يده لأن ما بان به العبد عن ~~مولاه فلا سبيل للمولى عليه فيه، ألا ترى أن العبد لما ملك طلاق ms2318 امرأته ~~ووطء زوجته فهي أمة للمولى لم يملكه المولى؟ وكذلك سائر ما يملكه العبد من ~~نفسه لم يملكه المولى منه، فلو ملك العبد المال لما كان للمولى أخذه منه ~~لأجل ملكه له كما لم يملك طلاق امرأته لأجل ملكه. # فإن قيل جواز أخذ المولى ماله لا يدل على أنه غير مالك لأن للغريم أن ~~يأخذ ما في يد المدين بدينه ولم يدل على أن المدين غير مالك. قيل له: لأنه ~~يأخذه لا لأنه مالك للمدين بل لأجل دينه الذي عليه، والمولى يستحقه لأجل ~~ملكه لرقبته، فلو كان العبد مالكا لم يستحق المولى لأجل ملكه لرقبته كما لم ~~يملك طلاق امرأته لأجل ملكه لرقبته، وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك. ~~ودليل آخر: وهو أنه لا خلاف أن من كاتب عبده على مال فأداه أنه يعتق ويكون ~~الولاء للمولى وأنه معتق على ملك مولاه، فلو كان ممن يملك لملك رقبته ~~بالمال الذي أداه ولا ينتقل إليه كما ينتقل إلى غيره لو أمره بأن يعتقه عنه ~~على مال ولو ملك رقبته لعتق على نفسه لكان لا يكون الولاء للمولى بل كان ~~يكون ولاؤه لنفسه، فلما لم يصح انتقال ملك رقبته إليه بالمال وعتق على ملك ~~المولى دل ذلك على أنه لا يملك لأنه لو كان ممن يملك لكان بملك رقبته أولى ~~إذ كانت رقبته مما يجوز فيه التمليك. # فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: "من باع عبدا وله مال فماله للبائع" ~~يدل على أن العبد يملك لإضافته المال إليه. قيل له: قد أثبت النبي صلى الله ~~عليه وسلم المال للبائع في حال البيع، ومعلوم أنه لا يجوز أن يكون ملكا ~~للمولى وملكا للعبد لاستحالة أن يملك، وإلا لكان لكل واحد جميع المال ففي ~~هذا الخبر بعينه إثبات ما أضاف إلى العبد ملكا للبائع، فثبت أن إضافته إلى ~~العبد على وجه اليد كما تقول: "هذه دار فلان" وهو ساكن فيها وليس بمالك، ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" ولم ms2319 يرد إثبات ملك الأب. # PageV03P244 # فإن قيل: قد روى عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ~~نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق عبدا فماله له ~~إلا أن يشترط السيد ماله فيكون له". وهذا يدل على أن العبد يملك لأنه لو لم ~~يملكه قبل العتق لم يملكه بعده. قيل له: لا دلالة في هذا على أن العبد يملك ~~لأنه جائز أن يكون جريان العادة بأن ما على العبد من الثياب ونحو ذلك لا ~~يؤخذ منه عند العتق، جعله كالمنطوق به وجعل ترك المولى لأخذه منه دلالة على ~~أنه قد رضي منه بتمليكه إياه بعد العتق وأيضا فقد روي عن جماعة من أهل ~~النقل تضعيفه، وقد قيل: إن عبيد الله بن أبي جعفر غلط في رفع هذا الحديث ~~وفي متنه، وإن أصله ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا ~~لم يعرض لماله، فهذا هو أصل الحديث، فأخطأ عبيد الله في رفعه وفي لفظه. # وقد روي خلاف ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما رواه أبو مسلم ~~الكجي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي ~~المساور عن عمران بن عمير عن أبيه قال: وكان مملوكا لعبد الله بن مسعود قال ~~له عبد الله: يا عمير بين لي مالك فإني أريد أن أعتقك، إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق عبدا فماله للذي أعتق" وكذلك رواه يونس ~~بن إسحاق عن عمران بن عمير عن ابن مسعود مرفوعا. وقد بلغنا أن المسعودي ~~رواه موقوفا على ابن مسعود، وذلك لا يفسده عندنا. # فإن احتج محتج بقوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور:32] وذلك عائد على ~~جميع المذكورين من الأيامى والعبيد والإماء، فأثبت للعبد الغنى والفقر، فدل ~~على أنه يملك; إذ لو لم يملك لكان أبدا فقيرا. ms2320 قيل له: لا يخلو قوله: {إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور:32] من أن يكون المراد به الغنى ~~بالوطء الحلال عن الحرام أو الغنى بالمال فلما وجدنا كثيرا من المتزوجين لا ~~يستغنون بالمال، ومعلوم أن مخبر أخبار الله لا محالة كائن على ما أخبر به، ~~علمنا أنه لم يرد به الغنى بالمال وإنما أراد الغنى بالوطء الحلال عن ~~الحرام. وأيضا فإنه إن أراد الغنى بالمال فإنه مقصور على الأيامى والأحرار ~~المذكورين في الآية دون العبيد الذين لا يملكون بما ذكرنا من الدليل. وأيضا ~~فإن العبد لا يستغني بالمال عند مخالفنا لأن المولى أولى بجميع ماله منه، ~~فأي غنى في مال يحصل له وغيره أولى به منه، فالغنى في هذا الموضع إنما يحصل ~~للمولى دون العبد. والدليل على أن العبد لا يكون غنيا بالمال قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم"، وعند ~~مخالفنا أنه لا يؤخذ من مال العبد، فلو كان غنيا لوجب في ماله الزكاة; إذ ~~هو مسلم غني من أهل التكليف. # PageV03P245 # فإن قيل: لما كان العبد يملك الطلاق وجب أن يملك المال كالحر. قيل له: ~~إنما ملك العبد الطلاق لأن المولى لا يملكه منه، فلو ملك العبد المال وجب ~~أن لا يملك المولى منه وأن لا يجوز له أخذه منه لأن كل ما يملكه المولى من ~~عبده فإن العبد لا يملكه منه، ألا ترى أن العبد المحجور عليه لو أقر بدين ~~لم يلزمه في الرق ولو أقر المولى عليه به لزمه؟ وكذلك للمولى أن يزوج عبده ~~وليس للعبد أن يزوج نفسه لما كان ذلك معنى يملكه المولى منه، ولو أقر ~~المولى عليه بقصاص أو حد لم يلزمه لأن العبد يملك ذلك من نفسه، وفي ذلك ~~دليل على أن العبد لا يملك; إذ لو ملكه لما جاز للمولى أن يتصرف عليه في ~~ماله كما لا يتصرف عليه في الطلاق حين كان العبد يملكه. # قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا ms2321 إلى حين} فيه ~~الدلالة على جواز الانتفاع بما يؤخذ منها من ذلك بعد الموت; إذ لم يفرق بين ~~أخذها بعد الموت وقبله. # PageV03P246 # مطلب: ما من حكم من أحكام الدين إلا وفي الكتاب تبيانه # قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} يعني به والله أعلم: ~~تبيان كل شيء من أمور الدين بالنص والدلالة، فما من حادثة جليلة ولا دقيقة ~~إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب نصا أو دليلا، فما بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنما صدر عن الكتاب بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7] وقوله تعالى: {وإنك وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} [الشورى:52] وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء:80] فما ~~بينه الرسول فهو عن الله عز وجل وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا ~~بطاعته واتباع أمره، وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضا عن الكتاب لأن ~~الكتاب قد دل على صحة حجة الإجماع وأنهم لا يجتمعون على ضلال، وما أوجبه ~~القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد ~~جميع ذلك من تبيان الكتاب لأنه قد دل على ذلك أجمع، فما من حكم من أحكام ~~الدين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا. # PageV03P246 # مطلب: هذه الآية دالة على صحة القول بالقياس # وهذه الآية دالة على صحة القول بالقياس وذلك لأنا إذا لم نجد للحادثة ~~حكما منصوصا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، وقد أخبر الله تعالى ~~أن في الكتاب تبيان كل شيء من أمور الدين، ثبت أن طريقه النظر والاستدلال ~~بالقياس على حكمه; إذ لم يبق هناك وجه يوصل إلى حكمها من غير هذه الجهة ومن ~~قال بنص خفي أو # PageV03P246 # بالاستدلال فإنما خالف في العبارة وهو موافق في المعنى ولا ينفك من ~~استعمال اجتهاد الرأي والنظر والقياس من حيث لا يشعر. # قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي} أما العدل فهو الإنصاف، وهو واجب في نظر ms2322 العقول ~~قبل ورود السمع، وإنما ورد السمع بتأكيد وجوبه. والإحسان في هذا الموضع ~~التفضل، وهو ندب والأول فرض وإيتاء ذي القربى فيه الأمر بصلة الرحم. # له تعالى: {يأمر بالعدل} قد انتظم العدل في الفعل والقول، قال الله ~~تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} [الأنعام:152] فأمر بالعدل في القول، وهذه ~~الآية تنتظم الأمرين. وأما قوله تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ~~فإنه قد انتظم سائر القبائح والأفعال والأقوال والضمائر المنهي عنها. ~~والفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان في نفسه مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم ~~قبحه، وقد تكون مما يظهر من الفواحش، وقد تكون لسوء العقيدة والنحل لأن ~~العرب تسمي البخيل فاحشا. والمنكر ما يظهر للناس مما يجب إنكاره، ويكون ~~أيضا في الاعتقادات والضمائر وهو ما تستنكره العقول وتأباه والبغي ما ~~يتطاول به من الظلم لغيره. فكل واحد من هذه الأمور الثلاثة له في نفسه معان ~~خاصة تنفصل بها من غيره. # PageV03P247 # في الوفاء بالعهد # قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها} قال أبو بكر: العهد ينصرف على وجوه: فمنها الأمر، قال الله تعالى: ~~{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} [طه:115] وقال: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} ~~[يس:60] والمراد الأمر. وقد يكون العهد يمينا، ودلالة الآية على أن المراد ~~في هذا الموضع اليمين ظاهرة. لأنه قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ~~ولذلك قال أصحابنا: إن من قال: "علي عهد الله إن فعلت كذا" أنه حالف. وقد ~~روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن لا ~~يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم". وروي عن عطاء ~~والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد: "إذا قال: علي عهد الله ~~إن فعلت كذا فهو يمين". # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} شبه الله ~~تعالى من عقد على نفسه شيئا لله تعالى فيه ms2323 قربة ثم فسخه ولم يتمه بالمرأة ~~التي تغزل شعرا أو ما # PageV03P247 # أشبهه ثم نقضت ذلك بعد أن فتلته فتلا شديدا، وهو معنى قوله: {من بعد قوة} ~~[النحل: 92] لأن العرب تسمي الفتل قوة، فمن عقد على نفسه عقدا أو أوجب قربة ~~أو دخل فيها أن لا يتمها فيكون بمنزلة التي نقضت غزلها بعد قوة، وهذا يوجب ~~أن كل من دخل في صلاة تطوع أو صوم نفل أو غير ذلك من القرب أن لا يجوز له ~~الخروج منه قبل إتمامه، فيكون بمنزلة من نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا # PageV03P248 # باب الاستعاذة # قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} روى ~~عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: "اللهم أعوذ بك من الشيطان ~~من همزه ونفخه ونفثه". وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وروي عن عمر وابن عمر: "الاستعاذة قبل ~~القراءة في الصلاة" وروى ابن جريج عن عطاء قال: "الاستعاذة واجبة لكل قراءة ~~في الصلاة وغيرها". وقال محمد بن سيرين: "إذا تعوذت مرة أو قرأت مرة بسم ~~الله الرحمن الرحيم أجزأ عنك"، وكذلك روي عن إبراهيم النخعي وكان الحسن ~~يستعيذ في الصلاة حين يستفتح قبل أن يقرأ أم القرآن. وروي عن ابن سيرين ~~رواية أخرى قال: "كلما قرأت فاتحة الكتاب حين تقول آمين فاستعذ". وقال ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي: "يتعوذ قبل القراءة" وقال مالك: "لا ~~يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ". # قال أبو بكر: قوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} يقتضي ظاهره أن تكون ~~الاستعاذة بعد القراءة، كقوله: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا} [النساء:103] ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ~~الذين ذكرناهم الاستعاذة قبل القراءة. وقد جرت العادة بإطلاق مثله. والمراد ~~إذا أردت ذلك كقوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} ms2324 [الأنعام:152] وقوله: {وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب:53] وليس المراد أن تسألها ~~من وراء حجاب بعد سؤال متقدم، وكقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة} [المجادلة:12] وكذلك قوله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله} معناه: إذا قرأت فقدم الاستعاذة قبل القراءة، وحقيقة معناه: إذا ~~أردت القراءة فاستعذ، وكقول القائل: إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني ~~قبل الإحرام، والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك كذلك قوله: {فإذا قرأت ~~القرآن} معناه: إذا أردت قراءته. وقول من قال: "الاستعاذة بعد الفراغ من ~~القراءة # PageV03P248 # شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال ~~الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [الحج:52] فإنما أمر الله ~~بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة. والاستعاذة ليست بفرض لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، ولو كانت فرضا لم ~~يخله من تعليمها. # قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالأيمان} روى معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: ~~{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان} قال: أخذ المشركون عمارا وجماعة معه ~~فعذبوهم حتى قاربوهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "كيف كان قلبك؟ " قال: مطمئن بالإيمان، قال: "فإن عادوا ~~فعد". قال أبو بكر: هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه، ~~والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ~~ما أمره به، فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ويعارض بها غيره إذا ~~خطر ذلك بباله، فإن لم يفعل ذلك مع خطوره بباله كان كافرا قال محمد بن ~~الحسن: "إذا أكرهه الكفار على أن يشتم محمدا صلى الله عليه وسلم فخطر بباله ~~أن يشتم محمدا آخر غير فلم يفعل وقد شتم ms2325 النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~كافرا، وكذلك لو قيل له لتسجدن لهذا الصليب فخطر بباله أن يجعل السجود لله ~~فلم يفعل وسجد للصليب كان كافرا، فإن أعجلوه عن الروية ولم يخطر بباله شيء، ~~وقال ما أكره عليه أو فعل لم يكن كافرا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان". قال ~~أبو بكر: وذلك لأنه إذا خطر بباله ما ذكرنا فقد أمكنه أن يفعل الشتيمة لغير ~~النبي صلى الله عليه وسلم; إذ لم يكن مكرها على الضمير وإنما كان مكرها على ~~القول وقد أمكنه صرف الضمير إلى غيره فمتى لم يفعله فقد اختار إظهار الكفر ~~من غير إكراه فلزمه حكم الكفر. وقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: "إن عادوا ~~فعد" إنما هو على وجه الإباحة لا على جهة الإيجاب ولا على الندب، وقال ~~أصحابنا: الأفضل أن لا يعطي التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل وإن كان غير ~~ذلك مباحا له وذلك لأن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه لم يعطهم ~~التقية حتى قتل فكان عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين أفضل من ~~عمار في إعطائه التقية ولأن في ترك إعطاء التقية إعزازا للدين وغيظا ~~للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل العدو حتى قتل، فحظ الإكراه في هذا الموضع ~~إسقاط المأثم عن قائل هذا القول حتى يكون بمنزلة من لم يقل. وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه"، فجعل المكره كالناسي والمخطئ في إسقاط المأثم عنه، فلو أن ~~رجلا نسي أو أخطأ فسبق لسانه بكلمة الكفر لم يكن عليه فيها مأثم ولا تعلق ~~بها حكم. # PageV03P249 # وقد اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه، فقال أصحابنا: ~~"ذلك كله لازم". وقال مالك والشافعي: "لا يلزمه شيء من ذلك". والذي يدل على ~~لزوم حكم هذه الأشياء ظاهر قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة:230] ولم يفرق بين طلاق المكره والطائع وقال ~~تعالى: {وأوفوا ms2326 بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ~~[النحل:91] ولم يفرق بين عهد المكره وغيره، وقال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم} [المائدة:89] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل طلاق جائز إلا ~~طلاق المعتوه". ويدل عليه أيضا ما روى. يونس بن بكير عن الوليد بن جميع ~~الزهري عن أبي الطفيل عن حذيفة قال:"أقبلت أنا وأبي ونحن نريد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد توجه إلى بدر، فأخذنا كفار قريش، فقال: إنكم ~~لتريدون محمدا؟ فقلنا: لا نريده إنما نريد المدينة، قال: فأعطونا عهد الله ~~وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة ولا تقاتلون معه فأعطيناهم عهد الله، فمررنا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد بدرا فأخبرناه بما كان منا وقلنا: ~~ما تأمر يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تفي لهم بعهدهم ~~وتستعين الله عليهم"، فانصرفنا إلى المدينة فذلك منعنا من الحضور معهم. ~~فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم إحلاف المشركين إياهم على وجه الإكراه ~~وجعلها كيمين الطوع، فإذا ثبت ذلك في اليمين فالطلاق والعتاق والنكاح مثلها ~~لأن أحدا لم يفرق بينهما. ويدل عليه حديث عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن ~~أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة". فلما سوى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيهن بين الجاد والهازل ولأن الفرق بين الجد والهزل أن ~~الجاد قاصد إلى اللفظ وإلى إيقاع حكمه والهازل قاصد إلى اللفظ غير مريد ~~لإيقاع حكمه، علمنا أنه لا حظ للإرادة في نفي الطلاق وأنهما جميعا من حيث ~~كانا قاصدين للقول أن يثبت حكمه عليهما، وكذلك المكره قاصد للقول غير مريد ~~لإيقاع حكمه فهو كالهازل سواء. # فإن قيل: لما كان المكره على الكفر لا تبين منه امرأته واختلف حكم الطوع ~~والإكراه فيه وكان الكفر يوجب الفرقة كالطلاق، وجب أن يختلف حكم طلاق ~~المكره والطائع. قيل له: ليس لفظ الكفر من ألفاظ الفرقة لا كناية ولا ~~تصريحا، ms2327 وإنما تقع به الفرقة إذا حصل كافرا، والمكره على الكفر لا يكون ~~كافرا، فلما لم يصر كافرا بإظهاره كلمة الكفر على وجه الإكراه لم تقع ~~الفرقة، وأما الطلاق فهو من ألفاظ الفرقة والبينونة وقد وجد إيقاعه في لفظ ~~مكلف فوجب أن لا يختلف حكمه في حال الإكراه والطوع. # فإن قال قائل تساوي حال الجد والهزل في الطلاق لا يوجب تساوي حال الإكراه ~~والطوع فيه لأن الكفر يستوي حكم جده وهزله ولم يستو حال الإكراه والطوع ~~فيه. قيل # PageV03P250 # له: نحن لم نقل إن كل ما يستوي جده وهزله يستوي حال الإكراه والطوع فيه، ~~وإنما قلنا: إنه لما سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين الجاد والهازل في ~~الطلاق علمنا أنه لا اعتبار فيه بالقصد للإيقاع بعد وجود القصد منه إلى ~~القول فاستدللنا بذلك على أنه لا اعتبار فيه للقصد للإيقاع بعد وجود لفظ ~~الإيقاع من مكلف، وأما الكفر فإنما يتعلق حكمه بالقصد لا بالقول، ألا ترى ~~أن من قصد إلى الجد بالكفر أو الهزل أنه يكفر بذلك قبل أن يلفظ به وأن ~~القاصد إلى إيقاع الطلاق لا يقع طلاقه إلا باللفظ؟ ويبين لك الفرق بينهما ~~أن الناسي إذا تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ولا يصير كافرا بلفظ الكفر على وجه ~~النسيان، وكذلك من غلط بسبق لسانه بالكفر لم يكفر ولو سبق لسانه بالطلاق ~~طلقت امرأته، فهذا يبين الفرق بين الأمرين. وقد روي عن علي وعمر وسعيد بن ~~المسيب وشريح وإبراهيم والنخعي والزهري وقتادة قالوا: "طلاق المكره جائز". ~~وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وطاوس وجابر بن ~~زيد قالوا: "طلاق المكره لا يجوز". وروى سفيان عن حصين عن الشعبي قال: "إذا ~~أكرهه السلطان على الطلاق فهو جائز وإن أكرهه غيره لم يجز".وقال أصحابنا ~~فيمن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة لم يسعه أن ~~لا يأكل ولا يشرب وإن لم يفعل حتى قتل كان آثما لأن الله تعالى قد أباح ذلك ~~في حال الضرورة ms2328 عند الخوف على النفس فقال: {إلا ما اضطررتم إليه} ~~[الأنعام:119] ومن لم يأكل الميتة عند الضرورة حتى مات جوعا كان آثما ~~بمنزلة تارك أكل الخبز حتى يموت، وليس ذلك بمنزلة الإكراه على الكفر في أن ~~ترك إعطاء التقية فيه أفضل لأن أكل الميتة وشرب الخمر تحريمه من طريق السمع ~~فمتى أباحه السمع فقد زال الحظر وعاد إلى حكم سائر المباحات، وإظهار الكفر ~~محظور من طريق العقل لا يجوز استباحته للضرورات، وإنما يجوز له إظهار اللفظ ~~على معنى المعاريض والتورية باللفظ إلى غير معنى الكفر من غير اعتقاد لمعنى ~~ما أكره عليه فيصير اللفظ بمنزلة لفظ الناسي والذي يسبقه لسانه بالكفر، ~~فكان ترك إظهاره أولى وأفضل وإن كان موسعا عليه إظهاره عند الخوف. وقالوا ~~فيمن أكره على قتل رجل أو على الزنا بامرأة: لا يسعه الإقدام عليه لأن ذلك ~~من حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق، فلا يجوز إحياء نفسه بقتل غيره ~~بغير استحقاق، وكذلك الزنا بالمرأة فيه انتهاك حرمتها بمعنى لا تبيحه ~~الضرورة وإلحاقها بالشين والعار. وليس كذلك عندهم الإكراه على القذف، فيجوز ~~له أن يفعل من قبل أن القذف الواقع على وجه الإكراه لا يؤثر في المقذوف ولا ~~يلحقه به شيء. # فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ذكرنا، منها ما هو واجب فيه إعطاء ~~التقية وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك مما طريق حظره ~~السمع، ومنها ما لا يجوز فيه إعطاء التقية وهو الإكراه على قتل من لا يستحق ~~القتل # PageV03P251 # ونحو الزنا ونحو ذلك مما فيه مظلمة لآدمي ولا يمكن استدراكه، ومنها ما هو ~~جائز له فعل ما أكره عليه والأفضل تركه كالإكراه على الكفر وشبهه. # قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين} روي عن الشعبي وقتادة وعطاء بن يسار: "أن المشركين لما مثلوا ~~بقتلى أحد قال المسلمون: لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم أعظم مما مثلوا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية "وقال ومجاهد وابن سيرين: هو في كل ms2329 من ظلم بغضب ~~أو نحوه فإنما يجازى بمثل ما عمل" قال أبو بكر: نزول الآية على سبب لا يمنع ~~عندنا اعتبار عمومها في جميع ما انتظمه الاسم، فوجب استعمالها في جميع ما ~~انطوى تحتها بمقتضى ذلك أن من قتل رجلا قتل به ومن جرح جراحة جرح به جراحة ~~مثلها، وإن قطع يد رجل ثم قتله أن للولي قطع يده ثم قتله واقتضى أيضا أن من ~~قتل رجلا برضخ رأسه بالحجر أو نصبه غرضا فرماه حتى قتله أنه يقتل بالسيف; ~~إذ لا يمكن المعاقبة بمثل ما فعله لأنا لا نحيط علما بمقدار الضرب وعدده ~~ومقدار ألمه، وقد يمكننا المعاقبة بمثله في باب إتلاف نفسه قتلا بالسيف، ~~فوجب استعمال حكم الآية فيه من هذا الوجه دون الوجه الأول. وقد دلت أيضا ~~على أن من استهلك لرجل مالا فعليه مثله، وإذا غصبه ساجة فأدخلها في بنائه ~~أو غصبه حنطة فطحنها أن عليه المثل فيهما جميعا لأن المثل في الحنطة بمقدار ~~كيلها من جنسها وفي الساجة قيمتها لدلالة قد دلت عليه، وقد دلت على أن ~~العفو عن القاتل والجاني أفضل من استيفاء القصاص بقوله تعالى: {ولئن صبرتم ~~لهو خير للصابرين} آخر سورة النحل. # PageV03P252 # سورة بني إسرائيل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} روي عن أم ~~هانئ {أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من بيتها تلك الليلة فقال ~~تعالى: {من المسجد الحرام} لأن الحرم كله مسجد، وقد تقدم ذكر ذلك فيما سلف ~~وقال: الحسن وقتادة: معناه كان في المسجد نفسه فأسري به. # قوله عز وجل: {وإن أسأتم فلها} قيل: معناه فإليها، كما يقال: أحسن إلى ~~نفسه وأساء إلى نفسه وحروف الإضافة يقع بعضها موضع بعض إذا تقاربت، وقال ~~تعالى: {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة:5] والمعنى: أوحى إليها. # قوله تعالى: {فمحونا آية الليل} يعني جعلناها لا يبصر بها كما لا يبصر ~~بما يمحى من الكتاب وهو في نهاية البلاغة. وقال ابن عباس: "محونا آية ~~الليل: ms2330 السواد الذي في القمر". # قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قيل: إنما أراد به عمله ~~من خير أو شر على عادة العرب في الطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به ~~والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به، فجعل الطائر اسما للخير والشر ~~جميعا فاقتصر على ذكره دون ذكر كل واحد منهما على حياله لدلالته على ~~المعنيين، وأخبر أنه في عنقه كالطوق الذي يحيط به ويلازمه مبالغة في الوعظ ~~والتحذير واستدعاء إلى الصلاح وزجرا عن الفساد. # قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} قيل: فيه وجهان: أحدهما: ~~أنه لا يعذب فيما كان طريقه السمع دون العقل إلا بقيام حجة السمع فيه من ~~جهة الرسول وهذا يدل على أن من أسلم من أهل الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ~~ونحوها من # PageV03P253 # الشرائع السمعية أنه لا يلزمه قضاء شيء منها إذا علم لأنه لم يكن لازما ~~له إلا بعد قيام حجة السمع عليه، وبذلك وردت السنة في قصة أهل قبا حين ~~أتاهم آت أن القبلة قد حولت وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة ولم ~~يستأنفوا لفقد قيام الحجة عليهم بنسخ القبلة وكذلك قال أصحابنا فيمن أسلم ~~في دار الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة عليه أنه لا قضاء عليه فيما ترك، ~~قالوا: ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة عليه فعليه القضاء ~~استحسانا والقياس أن يكون مثل الأول لعدم قيام حجة السمع عليه، وحجة ~~الاستحسان أنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها ~~فكان ذلك بمنزلة قيام الحجة عليه ومخاطبة المسلمين إياه بلزوم فرضها، فلا ~~يسقطها عنه تضييعه إياها والوجه الثاني: أنه لا يعذب عذاب الاستئصال إلا ~~بعد قيام حجة السمع بالرسول، وأن مخالفة موجبات أحكام العقول قبل ورود ~~السمع من جهة الرسول لا توجب في حكم الله عذاب الاستئصال. # قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} قال سعيد: "أمروا ~~بالطاعة فعصوا". وعن عبد الله قال: "كنا نقول للحي إذا كثروا في ms2331 الجاهلية ~~قد أمر بنو فلان". وعن الحسن وابن سيرين وأبي العالية وعكرمة ومجاهد: ~~{أمرنا} "أكثرنا". ومعناه على هذا أنا إذا كان في معلومنا إهلاك قرية ~~أكثرنا مترفيها، وليس المعنى وجود الإرادة منه لإهلاكهم قبل المعصية لأن ~~الإهلاك عقوبة والله تعالى لا يجوز أن يعاقب من لم يعص، وهو كقوله تعالى: ~~{جدارا يريد أن ينقض} [الكهف:77] ليس المعنى وجود الإرادة منه وإنما هو أنه ~~في المعلوم أنه سينقض. وخص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع ~~لهم، وكما أمر فرعون وقومه تبع لهم، وكما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~قيصر "أسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين" وكتب إلى كسرى: "فإن لم تسلم فعليك ~~إثم الأكارين". # قوله تعالى: {من القرون} روي عن عبد الله بن أبي أوفى: أن القرن مائة ~~وعشرون سنة. وقال محمد بن القاسم المازني: مائة سنة. وقيل: القرن أربعون ~~سنة. # قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} ~~العاجلة: الدنيا، كقوله: {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} ~~[القيامة:21] أخبر الله تعالى أن من كان همه مقصورا على طلب الدنيا دون ~~الآخرة عجل له منها ما يريد، فعلق ما يؤتيه منها بمعنيين: أحدهما: قوله: ~~{عجلنا له فيها ما نشاء} فلذلك استثنى في المعطى، وذلك يتضمن مقداره وجنسه ~~وإدامته أو قطعه، ثم أدخل عليه استثناء آخر فقال: {لمن نريد} فلذلك استثنى ~~في المعطين وأنه لا يعطى الجميع ممن يسعى للدنيا بل يعطي من شاء منهم ويحرم ~~من شاء، فأدخل على إرادة العاجلة في إعطاء المريد منها # PageV03P254 # استثنائين لئلا يثق الطالبون للدنيا بأنهم لا محالة سينالون بسعيهم ما ~~يريدون. ثم قال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا} فلم يستثن شيئا بعد وقوع السعي منهم على الوجه المأمور ~~به، وشرط في السعي للآخرة أن يكون مؤمنا ومريدا لثوابها. قال محمد بن ~~عجلان: من لم يكن فيه ثلاث خلال لم يدخل الجنة: نية صحيحة وإيمان صادق وعمل ~~مصيب، قال: فقلت: عمن ms2332 هذا؟ فقال: عن كتاب الله، قال الله تعالى: {ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن} فعلق سعي الآخرة في استحقاق الثواب له ~~بأوصاف ولم يستثن في المقصود شيئا ولم يخصص إرادة العاجلة بوصف بل أطلقها ~~واستثنى في العطية والمعطى ما قدمنا. # قوله تعالى: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} قد تقدم ذكر مريد ~~العاجلة والساعي للآخرة وحكم مايناله كل واحد منهما بقصده وإرادته، ثم أخبر ~~أن نعمه جل وتعالى مبسوط على البر والفاجر في الدنيا وإنها خاصة للمتقين في ~~الآخرة، ألى ترى أن سائر نعم الله تعالى من الشمس والقمر والسماء والأرض ~~بما فيها من المنافع والهواء والماء والنبات والحيوانات المأكولة والأغذية ~~والأدوية وصحة الجسم والعافية إلى ما لا يحصى من النعم شاملة للبر والفاجر؟ ~~والله الموفق. # PageV03P255 # باب بر الوالدين # قال الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} {وقضى ~~ربك} معناه: أمر ربك، وأمر بالوالدين إحسانا وقيل: معناه وأوصى بالوالدين ~~إحسانا والمعنى واحد لأن الوصية أمر. وقد أوصى الله تعالى ببر الوالدين ~~والإحسان إليهما في غير موضع من كتابه وقال: {ووصينا الأنسان بوالديه ~~إحسانا} [الأحقاف:15] وقال: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ~~[لقمان:15] فأمر بمصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع النهي عن طاعتهما ~~في الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن من الكبائر عقوق الوالدين. قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما} قيل فيه: إن بلغت حال الكبر وهو حال التكليف وقد بقي معك ~~أبواك أو أحدهما فلا تقل لهما أف. وذكر ليث عن مجاهد قال: "لا تقل لهما أف ~~إذا بلغا من الكبر ما كانا يليان منك في الصغر فلا تقل لهما أف". قال أبو ~~بكر: اللفظ محتمل للمعنيين فهو عليهما، ولا محالة أن بلوغ الولد شرط في ~~الأمر; إذ لا يصح تكليف غير البالغ، فإذا بلغ ms2333 حال التكليف وقد بلغاهما حال # PageV03P255 # الكبر والضعف أو لم يبلغا فعليه الإحسان إليهما وهو مزجور أن يقول لهما ~~أف، وهي كلمة تدل على الضجر والتبرم بمن يخاطب بها. # قوله تعالى: {ولا تنهرهما} معناه: لا تزجرهما على وجه الاستخفاف بهما ~~والإغلاظ لهما قال قتادة في قوله: {وقل لهما قولا كريما} قال: "لينا سهلا". ~~وقال هشام بن عروة عن أبيه: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: "لا ~~تمنعهما شيئا يريدانه". وروى هشام عن الحسن أنه سئل: ما بر الوالدين؟ قال: ~~"أن تبذل لهما ما ملكت وأطعهما في أمرك ما لم يكن معصية". وروى عمرو بن ~~عثمان عن واصل بن السائب: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: "لا تنفض ~~يدك عليهما" وقال عروة بن الزبير: "ما بر والده من أحد النظر إليه وعن أبي ~~الهياج قال: سألت سعيد بن المسيب عن قوله: {قولا كريما} قال: "قول العبد ~~الذليل للسيد الفظ الغليظ". وعن عبد الله الرصافي قال: حدثني عطاء في قوله ~~تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} قال: "يداك لا ترفعهما على أبويك ~~ولا تحد بصرك إليهما إجلالا وتعظيما # "قال أبو بكر: قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} هو مجاز لأن ~~الذل ليس له جناح ولا يوصف بذلك، ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع ~~لهما، وهو كقول امرئ القيس في وصف الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وليس لليل صلب ولا أعجاز ولا كلكل، وهو مجاز، وإنما أراد به تكامله ~~واستواءه. # قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} فيه الأمر بالدعاء لهما ~~بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين لأنه قال في موضع آخر: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة:113] ~~فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين. وبين الله تعالى بهذه ~~الآية تأكيد حق الأبوين، فقرن الأمر بالإحسان إليهما إلى الأمر بالتوحيد ~~فقال: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} ثم بين صفة ~~الإحسان إليهما بالقول والفعل ms2334 والمخاطبة الجميلة على وجه التذلل والخضوع ~~ونهى عن التبرم والتضجر بهما بقوله: {فلا تقل لهما أف} ونهى عن الإغلاظ ~~والزجر لهما بقوله {ولا تنهرهما} فأمر بلين القول والاستجابة لهما إلى ما ~~يأمرانه به ما لم يكن معصية، ثم عقبه بالأمر بالدعاء لهما في الحياة وبعد ~~الوفاة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عظم حق الأم على الأب ~~وروى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله من أحق الناس بحسن # PageV03P256 # صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: ثم "أمك" قال: ثم من؟ قال: ثم ~~"أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". # قوله تعالى: {فإنه كان للأوابين غفورا} قال سعيد بن المسيب: "الأواب الذي ~~يتوب مرة بعد مرة كلما أذنب بادر بالتوبة" وقال سعيد بن جبير ومجاهد: "هو ~~الراجع عن ذنبه بالتوبة منه". وروى منصور عن مجاهد قال: "الأواب الذي يذكر ~~ذنوبه في الخلاء ويستغفر الله منها". وروى قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني ~~عن زيد بن أرقم قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون ~~الضحى فقال: "إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى". # قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} قال أبو بكر: الحق المذكور في هذه الآية ~~مجمل مفتقر إلى البيان، وهو مثل قوله تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل ~~والمحروم} [الذريات:19] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها" فهذا الحق غير ظاهر المعنى في الآية بل هو موقوف على البيان، ~~فجائز أن يكون هذا الحق هو حقهم من الخمس إن كان المراد قرابة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وجائز أن يكون ما لهم من الحق في صلة رحمهم. # وقد اختلف في ذوي القربى المذكورين في هذه الآية، فقال ابن عباس والحسن: ~~هو قرابة الإنسان". وروي عن علي بن الحسين: ms2335 "أنه قرابة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم" وقد قيل: إن التأويل هو الأول لأنه متصل بذكر الوالدين، ومعلوم ~~أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين عام في جميع الناس، فكذلك ما عطف عليه من ~~إيتاء ذي القربى حقه. # قوله تعالى: {والمسكين وابن السبيل} يجوز أن يكون مراده الصدقات الواجبة ~~في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة:60] الآية، وجائز ~~أن يكون الحق الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إليه. وقد روى ابن حمزة عن ~~الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في المال ~~حق سوى الزكاة" وتلا: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} [البقرة:177] الآية. وروى ~~سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ذكر الإبل ~~فقال: إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال: "إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحة ~~سمينها". # قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا} روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس ~~وقتادة قالوا: "التبذير إنفاق المال في غير حقه". وقال مجاهد: "لو أنفق مدا ~~في باطل كان تبذيرا". قال أبو بكر: من يرى الحجر للتبذير يحتج بهذه الآية; ~~إذ كان التبذير منهيا عنه، # PageV03P257 # فالواجب على الإمام منعه منه بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله إلا بمقدار ~~نفقة مثله وأبو حنيفة لا يرى الحجر وإن كان من أهل التبذير لأنه من أهل ~~التكليف، فهو جائز التصرف على نفسه فيجوز إقراره وبياعاته كما يجوز إقراره ~~بما يوجب الحد والقصاص، وذلك مما تسقطه الشبهة، فإقراره وعقوده بالجواز ~~أولى إذ كانت مما لا تسقطه الشبهة، وقد بينا ذلك في سورة البقرة عند قوله ~~تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة:282] . # قوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} قيل فيه وجهان: أحدهما: ~~أنهم أخوانهم باتباعهم آثارهم وجريهم على سننهم، والثاني: أنهم يقرنون ~~بالشياطين في النار. # قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} الآية قيل فيه ~~وجهان: أحدهما: أنه علمنا ما يفعله عند مسألة السائلين لنا من المسلمين ~~وابن السبيل وذي ms2336 القربى مع عوز ما يعطي وقلة ذات أيدينا، فقال: إن أعرضت ~~عنهم لأنك لا تجد ما تعطيهم وكنت منتظر الرزق ورحمة ترجوها من الله لتعطيهم ~~منه فقل لهم عند ذلك قولا حسنا لينا سهلا فتقول لهم يرزق الله وقد روي ذلك ~~عن الحسن ومجاهد وإبراهيم وغيرهم. # قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} يعني ~~والله أعلم: لا تبخل بالمنع من حقوقهم الواجبة لهم. وهذا مجاز، ومراده ترك ~~الإنفاق، فيكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه فلا يعطي من ماله شيئا وذلك ~~لأن العرب تصف البخيل بضيق اليد فتقول: فلان جعد الكفين، إذا كان بخيلا، ~~وقصير الباع ويقولون في ضده: فلان رحب الذراع وطويل اليدين وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لنسائه: "أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا". وإنما أراد كثرة ~~الصدقة، فكانت زينب بنت جحش لأنها كانت أكثرهن صدقة وقال الشاعر: # وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا # قوله تعالى: {ولا تبسطها كل البسط} يعني: ولا تخرج جميع ما في يدك مع ~~حاجتك وحاجة عيالك إليه {فتقعد ملوما محسورا} يعني: ذا حسرة على ما خرج من ~~يدك. وهذا الخطاب لغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه، وقد كان كثير ~~من فضلاء الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم فلم يعنفهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم، وإنما نهى الله تعالى عن الإفراط ~~في الإنفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما # PageV03P258 # خرج عن يده فأما من وثق بموعود الله وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد ~~بالآية وقد روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب ~~فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن والله ما أملك غيرها فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعاد ثانيا فأعرض عنه، فعاد ثالثا فأخذها النبي صلى ms2337 ~~الله عليه وسلم فرمى بها فلو أصابته لعقرته، فقال: "يأتيني أحدهم بجميع ما ~~يملك ثم يقعد يتكفف الناس". وروي أن رجلا دخل المسجد وعليه هيئة رثة والنبي ~~صلى الله عليه وسلم على المنبر، فأمر الرجل بأن يقوم فقام، فطرح الناس ~~ثيابا للصدقة فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم منها ثوبين، ثم حث النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس على الصدقة، فطرح أحد ثوبيه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "انظروا إلى هذا أمرته أن يقوم ليفطن له فيتصدق عليه فأعطيته ثوبين ~~ثم قد طرح أحدهما ثم قال له: خذ ثوبك" فإنما منع أمثال هؤلاء من إخراج جميع ~~أموالهم. فأما أهل البصائر فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمنعهم من ~~ذلك، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذا مال كثير فأنفق جميع ماله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله حتى بقي في عباءة فلم يعنفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك عليه. # والدليل على أن ذلك ليس بمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما خوطب به ~~غيره قوله تعالى: {فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] ولم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ممن يتحسر على إنفاق ما حوته يده في سبيل الله، فثبت أن ~~المراد غير النبي صلى الله عليه وسلم وهو نحو قوله تعالى: {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} [الزمر: 65] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، ~~وقوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} [يونس: 94] لم يرد به النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه لم يشك قط. فاقتضت هذه الآيات من قوله: {وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] الأمر بتوحيد الله والإحسان إلى ~~الوالدين والتذلل لهما وطاعتهما وإعطاء ذي القربى والمساكين وابن السبيل ~~حقوقهم والنهي عن تبذير المال وإنفاقه في معصية الله والأمر بالاقتصاد في ~~الإنفاق والنهي عن الإفراط والتقصير في الإعطاء والمنع وتعليم ما يجيب به ~~السائل والمسكين عند تعذر ما يعطي. # قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: ms2338 31] هو كلام ~~يتضمن ذكر السبب الخارج عليه وذلك لأن من العرب من كان يقتل بناته خشية ~~الفقر لئلا يحتاج إلى النفقة عليهن وليتوفر ما يريد إنفاقه عليهن على نفسه ~~وعلى بيته، وكان ذلك مستفيضا شائعا فيهم، وهي الموءودة التي ذكرها الله في ~~قوله: {وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير:9] والموءودة هي ~~المدفونة حيا، وكانوا يدفنون بناتهم أحياء. وقال عبد الله بن مسعود: سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ما أعظم الذنوب؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك". # PageV03P259 # قوله تعالى: {نحن نرزقهم وإياكم} فيه إخبار بأن رزق الجميع على الله ~~تعالى والله سيسبب لهم ما ينفقون على الأولاد وعلى أنفسهم، وفيه بيان أن ~~الله تعالى سيرزق كل حيوان خلقه ما دامت حياته باقية وأنه إنما يقطع رزقه ~~بالموت، وبين الله تعالى ذلك لئلا يتعدى بعضهم على بعض ولا يتناول مال ~~غيره; إذ كان الله قد سبب له من الرزق ما يغنيه عن مال غيره. # PageV03P260 # مطلب: الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع # قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} فيه الإخبار ~~بتحريم الزنا وأنه قبيح لأن الفاحشة هي التي قد تفاحش قبحه وعظم، وفيه دليل ~~على أن الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع لأن الله سماه فاحشة ولم يخصص ~~به قبل ورود السمع أو بعده ومن الدليل على أن الزنا قبيح في العقل أن ~~الزانية لا نسب لولدها من قبل الأب; إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من ~~بعض، ففيه قطع الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث ~~والمناكحات وصلة الأرحام وإبطال حق الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من ~~الحقوق التي تبطل مع الزنا، وذلك قبيح في العقول مستنكر في العادات ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" لأنه لو لم ~~يكن النسب مقصورا على الفراش وما هو في حكم الفراش لما كان ms2339 صاحب الفراش ~~بأولى بالنسب من الزاني وكان ذلك يؤدي إلى إبطال الأنساب وإسقاط ما يتعلق ~~بها من الحقوق والحرمات. # قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} إنما قال تعالى: ~~{إلا بالحق} لأن قتل النفس قد يصير حقا بعد أن لم يكن حقا، وذلك قتله على ~~وجه القود وبالردة والرجم للمحصن والمحاربة ونحو ذلك. # قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} روي عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير ومجاهد في قوله: {سلطانا} قالوا: حجة، كقوله: {أو ليأتيني ~~بسلطان مبين} [النمل: 21] وقال الضحاك: السلطان أنه مخير بين القتل وبين ~~أخذ الدية وعلى السلطان أن يطلب القاتل حتى يدفعه إليه. قال أبو بكر: ~~السلطان لفظ مجمل غير مكتف بنفسه في الإبانة عن المراد لأنه لفظ مشترك يقع ~~على معان مختلفة، فمنها الحجة ومنها السلطان الذي يلي الأمر والنهي وغير ~~ذلك، إلا أن الجميع مجمعون أنه قد أريد به القود فصار القود كالمنطوق به في ~~الآية، وتقديره فقد جعلنا لوليه سلطانا أي قودا، ولم يثبت أن الدية مرادة ~~فلم نثبتها ولما ثبت أن المراد القود دل ظاهره على أنه إذا كانت الورثة ~~صغارا وكبارا أن للكبار أن يقتصوا قبل بلوغ الصغار لأن كل واحد منهم ولي ~~والصغير # PageV03P260 # ليس بولي، ألا ترى أنه لا يجوز عفوه؟ وهذا قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد لا يقتص الكبار حتى يبلغ الصغار فيقتصوا معهم أو يعفوا وروي عن محمد ~~الرجوع إلى قول أبي حنيفة. # قوله تعالى: {فلا يسرف في القتل} روي عن عطاء والحسن ومجاهد وسعيد بن ~~جبير والضحاك وطلق بن حبيب: "لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به" وذلك لأن ~~العرب كانت تتعدى إلى غير القاتل من الحميم والقريب، فلما جعل الله له ~~سلطانا نهاه أن يتعدى وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة:178] لأنه كان ~~لبعض القبائل طول على الأخرى فكان إذا قتل منهم العبد لا يرضون إلا أن ~~يقتلوا ms2340 الحر منهم وقال في هذه الآية: لا يسرف في القتل بأن يتعدى إلى غير ~~القاتل وقال أبو عبيدة: لا يسرف في القتل، جزمه بعضهم على النهي ورفعه ~~بعضهم على مجاز الخبر، يقول: ليس في قتله سرف لأن قتله مستحق. # قوله تعالى: {إنه كان منصورا} قال قتادة: "هو عائد على الولي" وقال ~~مجاهد: "على المقتول". وقيل: "هو منصور إما في الدنيا وإما في الآخرة، ~~ونصره هو حكم الله له بذلك أعني للولي". وقيل: "نصره أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين أن يعينوه". وقوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} قد ~~اقتضى إثبات القصاص للنساء لأن الولي هنا هو الوارث كما قال: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة:71] وقال: {إن الذين آمنوا} إلى قوله: ~~{بعضهم أولياء بعض} وقال: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا} [لأنفال:72] فنفى بذلك إثبات التوارث بينهم إلا بعد ~~الهجرة، ثم قال: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين} فأثبت الميراث بأن جعل بعضهم أولياء بعض، وقال: {والذين كفروا ~~بعضهم أولياء بعض} [الأنفال:73] فأثبت التوارث بينهم بذكر الولاية. فلما ~~قال {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء:33] اقتضى ذلك إثبات القود لسائر ~~الورثة ويدل على أن الدم موروث عن المقتول أن الدية التي هي بدل من القصاص ~~موروثة عنه للرجال والنساء، ولو لم تكن النساء قد ورثن القصاص لما ورثن ~~بدله الذي هو المال، وكيف يجوز أن يرث بعض الورثة من بعض ميراث الميت ولا ~~يرث من البعض الآخر هذا القول مع مخالفته لظاهر الكتاب مخالف للأصول. وقول ~~مالك: "إن النساء ليس إليهن من القصاص شيء وإنما القصاص للرجال فإذا تحول ~~مالا ورثت النساء مع الرجال" وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وقتادة والحكم: ~~"ليس إلى # PageV03P261 # النساء شيء من العفو والدم"، ومن قول أصحابنا: "إن القصاص واجب لكل وارث ~~من الرجال والنساء والصبيان بقدر مواريثهم". # قوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} ~~قال مجاهد: "التي ms2341 هي أحسن التجارة". وقال الضحاك: يبتغي به من فضل الله ولا ~~يكون للذي يبتغي فيه شيء". قال أبو بكر: إنما خص اليتيم بالذكر وإن كان ذلك ~~واجبا في أموال سائر الناس لأن اليتيم إلى ذلك أحوج والطمع في مثله أكثر، ~~وقد انتظم قوله: {إلا بالتي هي أحسن} جواز التصرف في مال اليتيم للوالي ~~عليه من جد أو وصي أب لسائر ما يعود نفعه عليه لأن الأحسن ما كان فيه حفظ ~~ماله وتثميره، فجائز على ذلك أن يبيع ويشتري لليتيم بما لا ضرر على اليتيم ~~فيه وبمثل القيمة وأقل منها مما يتغابن الناس فيه لأن الناس قد يرون ذلك ~~حطا لما يرجون فيه من الربح والزيادة ولأن هذا القدر من النقصان مما يختلف ~~المقومون فيه، فلم تثبت هناك حطيطة في الحقيقة، ولا يجوز أن يشتري بأكثر من ~~القيمة بما لا يتغابن الناس فيه لأن فيه ضررا على اليتيم وذلك ظاهر متيقن، ~~وقد نهى الله أن يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. وقد دلت الآية على ~~جواز إجارة مال اليتيم والعمل به مضاربة لأن الربح الذي يستحقه اليتيم إنما ~~يحصل له بعمل المضارب، فذلك أحسن من تركه وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ابتغوا بأموال الأيتام خيرا لا ~~تأكلها الصدقة"، قيل: معناه النفقة لأن النفقة تسمى صدقة. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "ما أنفق الرجل على نفسه وعياله فهو له صدقة". وقد روي ~~عن عمر وابن عمر وعائشة وجماعة من التابعين أن للوصي أن يتجر بمال اليتيم ~~وأن يدفعه مضاربة ويدل على أن للأب أن يشتري مال الصغير لنفسه ويبيع منه ~~وعلى أن للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه إذا كان ذلك خيرا لليتيم، وهو قول ~~أبي حنيفة قال: "وإن اشترى بمثل القيمة لم يجز حتى يكون ما يأخذه اليتيم ~~أكثر قيمة لقوله تعالى: {إلا بالتي هي أحسن} . وقال أبو يوسف ومحمد: "لا ~~يجوز ذلك بحال". وقوله: ms2342 {حتى يبلغ أشده} قال زيد بن أسلم وربيعة: "الحلم". ~~قال أبو بكر: وقال في موضع آخر: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ~~[النساء: 6] فذكر الكبر ههنا وذكر الأشد في هذه الآية، وقال: {وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ~~[النساء: 6] فذكر في إحدى الآيات الكبر مطلقا وفي الأخرى الأشد وفي الأخرى ~~بلوغ النكاح مع إيناس الرشد. وروى عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ~~ابن عباس: {حتى إذا بلغ أشده} [الأحقاف: 15] ثلاث وثلاثون سنة، {واستوى} ~~[القصص: 14] : أربعون سنة، {أولم نعمركم} [فاطر: 37] قال: العمر # PageV03P262 # الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. وقال تعالى: {حتى إذا بلغ أشده ~~وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني} [الأحقاف: 15] فذكر في قصة موسى بلوغ الأشد ~~والاستواء. وذكر في هذه الآية بلوغ الأشد، وفي الأخرى بلوغ الأشد وبلوغ ~~أربعين سنة، وجائز أن يكون المراد ببلوغ الأشد قيل أربعين سنة وقيل ~~الاستواء، وإذا كان كذلك فالأشد ليس له مقدار معلوم في العادة لا يزيد عليه ~~ولا ينقص منه، وقد يختلف أحوال الناس فيه فيبلغ بعضهم الأشد في مدة لا ~~يبلغه غيره في مثلها لأنه إن كان بلوغ الأشد هو اجتماع الرأي واللب بعد ~~الحلم فذلك مختلف في العادة وإن كان بلوغه اجتماع القوى وكمال الجسم فهو ~~مختلف أيضا، وكل ما كان حكمه مبنيا على العادات فغير ممكن القطع به على وقت ~~لا يتجاوزه ولا يقصر عنه إلا بتوقيف أو إجماع، فلما قال في آية: {ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} اقتضى ذلك دفع المال ~~إليه عند بلوغ الأشد من غير شرط إيناس الرشد، ولما قال في آية أخرى: {حتى ~~إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] ~~شرط فيها بعد بلوغ النكاح إيناس الرشد ولم يشرط ذلك في بلوغ الأشد ولا بلوغ ~~حد الكبر في قوله: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} [النساء: 6] فقال ~~أبو حنيفة: "لا يدفع إليه ماله ms2343 بعد البلوغ حتى يؤنس منه رشدا ويكبر ويبلغ ~~الأشد وهو خمس وعشرون سنة ثم يدفع إليه ماله بعد أن يكون عاقلا" فجائز أن ~~تكون هذه مدة بلوغ الأشد عنده. # قوله تعالى: {وأوفوا بالعهد} يعني والله أعلم إيجاب الوفاء بما عاهد الله ~~على نفسه من النذور والدخول في القرب، فألزمه الله تعالى إتمامها، وهو ~~كقوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم} [التوبة: 75, 77] وقيل: أوفوا بالعهد في حفظ مال اليتيم مع قيام ~~الحجة عليكم بوجوب حفظه وكل ما قامت به الحجة من أوامر الله وزواجره فهو ~~عهد. # وقوله {إن العهد كان مسؤولا} معناه مسئولا عنه للجزاء فحذ1ف اكتفاء ~~بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد وقيل إن العهد يسأل فيقال لم نقضضت؟ كما ~~تسأل الموءودة بأي ذنب قتلت وذلك يرجع إلى معنى الأول لأنه توقيف وتقرير ~~لناقص العهد كما أن سؤال الموءودة توقيف وتقرير لقاتلها بغير ذنب. # قوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم} فيه دلالة ~~على أن من اشترى شيئا من المكيلات مكايلة أو من الموزونات موازنة واجب عليه ~~أن لا يأخذ المشترى كيلا إلا بكيل ولا المشترى وزنا إلا بوزن، وأنه غير ~~جائز له أن يأخذه مجازفة، # PageV03P263 # وفي ذلك دليل على أن الاعتبار في تحريم التفاضل هو بالكيل والوزن; إذ لم ~~يخصص إيجاب الكيل في المكيل وإيجاب الوزن في الموزون بالمأكول منه دون ~~غيره، فوجب أن يكون سائر المكيلات والموزونات إذا اشترى بعضها ببعض من جنس ~~واحد أنه غير جائز أخذه مجازفة إلا بكيل سواء كان مأكولا أو غير مأكول نحو ~~الجص والنورة وفي الموزون نحو الحديد والرصاص وسائر الموزونات. وفيه ~~الدلالة على جواز الاجتهاد وأن كل مجتهد مصيب لأن إيفاء الكيل والوزن لا ~~سبيل لنا إليه إلا من طريق الاجتهاد وغلبة الظن، ألا ترى أنه لا يمكن أحدا ~~أن يدعي إذا كان لغيره القطع بأنه لا يزيد حبة ولا ms2344 ينقص وإنما مرجعه في ~~إيفاء حقه إلى غلبة ظنه؟ ولما كان الكائل والوازن مصيبا لحكم الله تعالى ~~إذا فعل ذلك ولم يكلف إصابة حقيقة المقدار عند الله تعالى كان كذلك حكم ~~مسائل الاجتهاد. وقيل في القسطاس إنه الميزان صغر أو كبر. وقال الحسن: هو ~~القبان. ولما ذكرنا من المعنى في المكيل والموزون قال أصحابنا فيمن له على ~~آخر شيء من المكيل أو الموزون: إنه غير جائز له أن يقبضه مجازفة إن تراضيا ~~وظاهر الأمر بالكيل والوزن يوجب أن لا يجوز تركهما بتراضيهما، وكذلك لا ~~تجوز قسمتهما إذا كان بين شريكين مجازفة للعلة التي ذكرنا، ولو كانت ثيابا ~~أو عروضا من غير المكيل والموزون جاز أن يقبضه مجازفة بتراضيهما وجاز أن ~~يقتسما مجازفة; إذ لم يوجد علينا فيه إيفاء الكيل والوزن. # قوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلا} معناه أن ذلك خير لكم وأحسن عاقبة في ~~الدنيا والآخرة والتأويل هو الذي إليه مرجع الشيء وتفسيره، من قولهم: آل ~~يؤول أولا إذا رجع. قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} القفو اتباع ~~الأثر من غير بصيرة ولا علم بما يصير إليه، ومنه القافة وكانت العرب فيها ~~من يقتاف الأثر وفيها من يقتاف النسب، وقد كان هذا الاسم موضوعا عندهم لما ~~يخبر به الإنسان من غير حقيقة، يقولون: تقوف الرجل إذا قال الباطل قال ~~جرير: # وطال حذاري خيفة البين والنوى ... وأحدوثة من كاشح متقوف # قال أهل اللغة: أراد بقوله الباطل. وقال آخر: # ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا # أي التقاذف. وإنما سمي التقاذف بهذا الاسم لأن أكثره يكون عن غير حقيقة ~~وقد حكم الله بكذب القاذف إذا لم يأت بالشهود بقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون # PageV03P264 # والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور:12] قال قتادة في ~~قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} : "لا تقل سمعت ولم تسمع ولا رأيت ~~ولم تره ولا علمت ولم تعلم". وقد اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن يقول في ms2345 ~~أحكام الله ما لا علم له به على جهة الظن والحسبان وأن لا يقول في الناس من ~~السوء ما لا يعلم صحته، ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في خبره ~~كذبا كان خبره أو صدقا لأنه قائل بغير علم وقد نهاه الله عن ذلك. # قوله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} فيه بيان ~~أن لله علينا حقا في السمع والبصر والفؤاد والمرء مسئول عما يفعله بهذه ~~الجوارح من الاستماع بما لا يحل والنظر إلى ما لا يجوز والإرادة لما يقبح. ~~ومن الناس من يحتج بقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} في نفي القياس في ~~فروع الشريعة وإبطال خبر الواحد لأنهما لا يفضيان بنا إلى العلم والقائل ~~بهما قائل بغير علم. وهذا غلط من قائله وذلك لأن ما قامت دلالة القول به ~~فليس قولا بغير علم والقياس وأخبار الآحاد قد قامت دلائل موجبة للعلم ~~بصحتهما وإن كنا غير عالمين بصدق المخبر، وعدم العلم بصدق المخبر غير مانع ~~جواز قبوله ووجوب العمل به، كما أن شهادة الشاهدين يجب قبولها إذا كان ~~ظاهرهما العدالة وإن لم يقع لنا العلم بصحة مخبرهما، وكذلك أخبار المعاملات ~~مقبولة عند جميع أهل العلم مع فقد العلم بصحة الخبر. وقوله تعالى: {ولا تقف ~~ما ليس لك به علم} غير موجب لرد أخبار الآحاد كما لم يوجب رد الشهادات، ~~وأما القياس الشرعي فإن ما كان منه من خبر الاجتهاد فكل قائل بشيء من ~~الأقاويل التي يسوغ فيها الاجتهاد فهو قائل بعلم; إذ كان حكم الله عليه ما ~~أداه اجتهاده إليه. ووجه آخر وهو أن العلم على ضربين: علم حقيقي وعلم ظاهر، ~~والذي تعبدنا به من ذلك هو العلم الظاهر، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] وإنما هو العلم ~~الظاهر لا معرفة مغيب ضمائرهن وقال إخوة يوسف: {وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 81] فأخبروا أنهم شهدوا بالعلم الظاهر. # قوله ms2346 تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا} قيل: إنه على معنى التشبيه لهم بمن بينه وبين ما يأتي به من ~~الحكمة في القرآن، فكان بينه وبينهم حجابا عن أن يدركوه فينتفعوا به. وروي ~~نحوه عن قتادة، وقال غيره: "نزل في قوم كانوا يؤذونه بالليل إذا تلا القرآن ~~فحال الله تعالى بينهم وبينه حتى لا يؤذوه". وقال الحسن: "منزلتهم فيما ~~أعرضوا عنه منزلة من بينك وبينه حجاب". # PageV03P265 # قوله تعالى: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} قيل فيه: إنه منعهم من ~~ذلك ليلا في وقت مخصوص لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: جعلناها ~~بالحكم أنهم بهذه المنزلة، ذما لهم على الامتناع من تفهم الحق والاستماع ~~إليه مع إعراضهم ونفورهم عنه. # قوله تعالى: {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} قال الحسن: "إن لبثتم إلا قليلا ~~في الدنيا لطول لبثكم في الآخرة، كما قيل كأنك بالدنيا لم تكن وكأنك ~~بالآخرة لم تزل". وقال قتادة: "أراد به احتقار أمر الدنيا حين عاينوا يوم ~~القيامة". # قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} روي عن ابن ~~عباس رواية وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك قالوا: ~~رؤيا غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا ~~به". وروي عن ابن عباس أيضا أنه أراد برؤياه أنه سيدخل مكة. # قوله تعالى: {والشجرة الملعونة في القرآن} روي عن ابن عباس والحسن والسدي ~~وإبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك: أنه أراد شجرة الزقوم التي ~~ذكرها في قوله: {إن شجرت الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 43, 44] فأراد ~~بقوله: "ملعونة" أنه ملعون أكلها. وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل لعنه الله: ~~ودونه النار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها؟. # قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} هذا تهدد واستهانة بفعل ~~المقول له ذلك وأنه لا يفوته الجزاء عليه والانتقام منه، وهو مثل قول ~~القائل: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. ومعنى استفزز استزل يقال استفزه ~~واستزله بمعنى. وقوله: {بصوتك} روي ms2347 عن مجاهد أنه الغناء واللهو وهما ~~محظوران وأنهما من صوت الشيطان. وقال ابن عباس: هو الصوت الذي يدعو به إلى ~~معصية الله، وكل صوت دعي به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان. # قوله تعالى: {وأجلب عليهم} فإن الإجلاب هو السوق بجلبة من السائق، ~~والجلبة الصوت الشديد. # وقوله تعالى: {بخيلك ورجلك} روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "كل راجل أو ~~ماش إلى معصية الله من الإنس والجن فهو من رجل الشيطان وخيله". والرجل جمع ~~راجل كالتجر جمع تاجر والركب جمع راكب. # قوله تعالى: {وشاركهم في الأموال والأولاد} قيل: معناه كن شريكا في ذلك ~~فإن منه ما يطلبونه بشهوتهم ومنه ما يطلبونه لإغرائك بهم. وقال مجاهد ~~والضحاك: # PageV03P266 # "وشاركهم في الأولاد يعني الزنا". وقال ابن عباس: "الموءودة" وقال الحسن ~~وقتادة: "من هودوا ونصروا". وقال ابن عباس رواية: "تسميتهم عبد الحارث وعبد ~~شمس". قال أبو بكر: لما احتمل هذه الوجوه كان محمولا عليها وكان جميعها ~~مرادا; إذ كان ذلك مما للشيطان نصيب في الإغراء به والدعاء إليه. # قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} أطلق ذلك على الجنس وفيهم الكافر ~~المهان على وجهين: أحدهما: أنه كرمهم بالإنعام عليهم وعاملهم معاملة المكرم ~~بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة، والوجه الآخر: أنه لما كان فيهم من على ~~هذا المعنى أجرى الصفة على جماعتهم كقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل ~~عمران: 110] لما كان فيهم من هو كذلك أجرى الصفة على الجماعة. # قوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} قيل: إنه يقال هاتوا متبعي ~~إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم الذين ~~اتبعوا الأنبياء واحدا واحدا فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يدعو بمتبعي أئمة ~~الضلال على هذا المنهاج. قال مجاهد وقتادة: "إمامه نبيه". وقال ابن عباس ~~والحسن والضحاك: "إمامه كتاب عمله". وقال أبو عبيدة: "بمن كانوا يأتمون به ~~في الدنيا". وقيل: "بإمامهم بكتابهم الذي أنزل الله عليهم في الحلال ~~والحرام والفرائض". # قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى} روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: ms2348 "من ~~كان في أمر هذه الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها وتقليب النعم فيها ~~أعمى عن اعتقاد الحق الذي هو مقتضاها، وهو في الآخرة التي هي غائبة عنه ~~أعمى وأضل سبيلا". # قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} روي عن ابن مسعود ~~وأبي عبد الرحمن السلمي قالا: "دلوكها غروبها". وعن ابن عباس وأبي برزة ~~الأسلمي وجابر وابن عمر: "دلوك الشمس ميلها" وكذلك روي عن جماعة من ~~التابعين. قال أبو بكر: هؤلاء الصحابة قالوا: إن الدلوك الميل، وقولهم ~~مقبول فيه لأنهم من أهل اللغة وإذا كان كذلك جاز أن يراد به الميل للزوال ~~والميل للغروب، فإن كان المراد الزوال فقد انتظم صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء الآخرة; إذ كانت هذه أوقاتا متصلة بهذه الفروض، فجاز أن يكون غسق ~~الليل غاية لفعل هذه الصلوات في مواقيتها. وقد روي عن أبي جعفر أن غسق ~~الليل انتصافه، فيدل ذلك على أنه آخر الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة ~~وأن تأخيرها إلى ما بعده مكروه. ويحتمل أن يريد به غروب الشمس، فيكون ~~المراد بيان وقت المغرب أنه من غروب الشمس إلى غسق الليل. # PageV03P267 # وقد اختلف في غسق الليل، فروى مالك عن داود بن الحصين قال: أخبرني مخبر ~~عن ابن عباس أنه كان يقول: "غسق الليل اجتماع الليل وظلمته". وروى ليث عن ~~مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول: "دلوك الشمس حين تزول الشمس إلى غسق الليل ~~حين تجب الشمس". قال: وقال ابن مسعود: "دلوك الشمس حين تجب الشمس إلى غسق ~~الليل حين يغيب الشفق". وعن عبد الله أيضا أنه لما غربت الشمس قال: "هذا ~~غسق الليل". وعن أبي هريرة: "غسق الليل غيبوبة الشمس". وعن الحسن: "غسق ~~الليل صلاة المغرب والعشاء". وعن إبراهيم: "غسق الليل العشاء الآخرة". وقال ~~أبو جعفر: "غسق الليل انتصافه". # قال أبو بكر: من تأول دلوك الشمس على غروبها فغير جائز أن يكون تأويل غسق ~~الليل عنده غروبها أيضا لأنه جعل الابتداء الدلوك وغسق الليل غاية له، وغير ~~جائز أن يكون ms2349 الشيء غاية لنفسه فيكون هو الابتداء وهو الغاية، فإن كان ~~المراد بالدلوك غروبها فغسق الليل هو إما الشفق الذي هو آخر وقت المغرب أو ~~اجتماع الظلمة وهو أيضا غيبوبة الشفق لأنه لا يجتمع إلا بغيبوبة البياض، ~~وإما أن يكون آخر وقت العشاء الآخرة المستحب وهو انتصاف الليل، فينتظم ~~اللفظ حينئذ المغرب والعشاء الآخرة. # قوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} قال أبو بكر: هو ~~معطوف على قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وتقديره: أقم قرآن الفجر وفيه ~~الدلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن الأمر على الوجوب ولا قراءة في ~~ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة. # فإن قيل: معناه صلاة الفجر. قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أنه غير ~~جائز أن تجعل القراءة عبارة عن الصلاة لأنه صرف للكلام عن حقيقته إلى ~~المجاز بغير دليل. والثاني: قوله في نسق التلاوة: {ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك} ويستحيل التهجد بصلاة الفجر ليلا، و"الهاء" في قوله "به" كناية ~~عن قرآن الفجر المذكور قبله، فثبت أن المراد حقيقة القراءة لا مكان التهجد ~~بالقرآن المقروء في صلاة الفجر واستحالة التهجد بصلاة الفجر. وعلى أنه لو ~~صح أن المراد ما ذكرت لكانت دلالته قائمة على وجوب القراءة في الصلاة، وذلك ~~لأنه لم يجعل القراءة عبارة عن الصلاة إلا وهي من أركانها وفروضها. # قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} روي عن حجاج بن عمرو الأنصاري ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يحسب أحدكم إذا قام أول الليل إلى ~~آخره أنه قد تهجد، لا، ولكن التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم ~~الصلاة بعد رقدة، # PageV03P268 # وكذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعن الأسود وعلقمة قالا: ~~"التهجد بعد النوم". والتهجد في اللغة السهر للصلاة أو لذكر الله، والهجود ~~النوم، وقيل: التهجد التيقظ بما ينفي النوم. وقوله: {نافلة لك} قال مجاهد: ~~"وإنما كانت نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما تقدم من ~~ذنبه ms2350 وما تأخر، فكانت طاعاته نافلة أي زيادة في الثواب ولغيره كفارة ~~لذنوبه". وقال قتادة: "نافلة: تطوعا وفضيلة". وروى سليمان بن حيان قال: ~~حدثنا أبو غالب قال: حدثنا أبو أمامة قال: "إذا وضعت الطهور مواضعه قعدت ~~مغفورا، وإن قمت تصلي كانت لك فضيلة وأجرا، فقال له رجل: يا أبا أمامة ~~أرأيت إن قام يصلي يكون له نافلة؟ قال: لا إنما النافلة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كيف يكون ذلك نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا يكون لك فضيلة ~~وأجرا" فمنع أبو أمامة أن تكون النافلة لغير النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~روي عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة؟ قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صل ~~الصلاة لوقتها فإن أدركتهم فصلها معهم لك نافلة". وروى قتادة عن شهر بن ~~حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الوضوء يكفر ما ~~قبله ثم تصير الصلاة نافلة قيل له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: نعم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس". فأثبت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذين الخبرين النافلة لغيره، النافلة هي الزيادة ~~بعد الواجب وهي التطوع والفضيلة، ومنه النفل في الغنيمة وهو ما يجعله ~~الإمام لبعض الجيش زيادة على ما يستحقه من سهامها، بأن يقول: من قتل قتيلا ~~فله سلبه ومن أخذ شيئا فهو له. # قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} قال مجاهد: "على طبيعته". وقيل: ~~"على عادته التي ألفها". وفيه تحذير من إلف الفساد والمساكنة إليه فيستمر ~~عليه. وقيل: "على أخلاقه". قال أبو بكر: شاكلته ما يشاكله ويليق به ويشبهه، ~~فالذي يشاكل الخير من الناس الخير والصلاح والذي يشاكل الشرير الشر ~~والفساد، وهو كقوله: {الخبيثات للخبيثين} [النور: 26] يعني: الخبيثات من ~~الكلام للخبيثين من الناس {والطيبات للطيبين} [النور: 26] يعني: الطيبات من ~~الكلام للطيبين من الناس. ويروى أن عيسى عليه السلام ms2351 مر بقوم فكلموه بكلام ~~قبيح ورد عليهم ردا حسنا، فقيل له في ذلك، فقال: "إنما ينفق كل إنسان ما ~~عنده". # قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} اختلف في الروح ~~الذي سألوا عنه، فروي عن ابن عباس: "أنه جبريل". وروي عن علي: "أنه ملك من ~~الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميع ذلك". ~~وقيل: "إنما أراد روح الحيوان" وهو ظاهر الكلام. قال قتادة: "الذي سأله عن ~~ذلك قوم من # PageV03P269 # اليهود". وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية في كل جزء. منه حياة، ~~وفيه خلاف بين أهل العلم، وكل حيوان فهو روح، إلا أن منهم من الأغلب عليه ~~الروح ومنهم من الأغلب عليه البدن. وقيل: أنه لم يجبهم لأن المصلحة في أن ~~يوكلوا إلى ما في عقولهم من الدلالة عليها للارتياض باستخراج الفائدة. وروي ~~في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبي، فلم يجبهم الله عز وجل مصداقا ~~لما في كتابهم. # والروح قد يسمى به أشياء، منها القرآن، قال الله تعالى: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] سماه روحا تشبيها بروح الحيوان الذي به ~~يحيى. والروح الأمين جبريل، وعيسى ابن مريم سمي روحا على نحو ما سمي به من ~~القرآن. # وقوله: {قل الروح من أمر ربي} أي من الأمر الذي يعلمه ربي. # وقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} يعني: ما أعطيتم من العلم ~~المنصوص عليه إلا قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه، فالروح من المتروك الذي ~~لا يصلح النص عليه للمصلحة. # وقد دلت هذه الآية على جواز ترك جواب السائل عن بعض ما يسأل عنه لما فيه ~~من المصلحة في استعمال الفكر والتدبر والاستخراج، وهذا في السائل الذي يكون ~~من أهل النظر واستخراج المعاني، فأما إن كان مستفتيا قد بلي بحادثة احتاج ~~إلى معرفة حكمها وليس من أهل النظر فعلى العالم بحكمها أن يجيبه عنها بما ~~هو حكم الله عنده. # قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على ms2352 أن يأتوا بمثل هذا القرآن} ~~الآية فيه الدلالة على إعجاز القرآن، فمن الناس من يقول: "إعجازه في النظم ~~على حياله وفي المعاني وترتيبها على حياله" ويستدل على ذلك بتحديه في هذه ~~الآية العرب والعجم والجن والإنس، ومعلوم أن العجم لا يتحدون به من طريق ~~النظم فوجب أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون ~~نظم الألفاظ. ومنهم من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ ~~والبلاغة في العبارة، فإنه يقول: إن إعجاز القرآن من وجوه كثيرة، منها حسن ~~النظم وجودة البلاغة في اللفظ والاختصار وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ ~~اليسيرة مع تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط أو معنى مدخول ولا تناقض ولا ~~اختلاف تضاد، وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد، وكلام العباد لا ~~يخلو إذا طال من أن يكون فيه الألفاظ الساقطة والمعاني الفاسدة والتناقض في ~~المعاني. وهذه المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام الناس من ~~أهل سائر اللغات لا يختص باللغة العربية دون غيرها، فجائز أن يكون التحدي # PageV03P270 # واقعا للعجم بمثل هذه المعاني في الإتيان بها عارية مما يعيبها ويهجنها ~~من الوجوه التي ذكرناها، ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون ~~سائر اللغات وإن كانت لغة العرب أفصحها، وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات ~~البلاغة فجائز أن يكون التحدي للعجم واقعا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات ~~البلاغة بلغتهم التي يتكلمون بها. # قوله تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} قوله: {فرقناه} ~~يعني فرقناه بالبيان عن الحق من الباطل. وقوله: {لتقرأه على الناس على مكث} ~~يعني على تثبت وتوقف ليفهموه بالتأمل ويعلموا ما فيه بالتفكر ويتفقهوا ~~باستخراج ما تضمن من الحكم والعلوم الشريفة. وقد قيل: إنه كان ينزل منه شيء ~~فيمكثون ما شاء الله ثم ينزل شيء آخر، وهو في معنى قوله: {ورتل القرآن ~~ترتيلا} [المزمل: 4] وروى سفيان عن عبيد المكتب قال: سئل مجاهد عن رجلين ~~قرأ أحدهما البقرة وآل عمران ms2353 ورجل قرأ البقرة جلوسهما وسجودهما وركوعهما ~~سواء أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على ~~الناس على مكث} وروى معاوية بن قرة عن عبيد الله بن المغفل قال: رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح أو من ~~سورة الفتح قراءة بينة. وروى حماد بن سلمة عن أبي حمزة الضبعي قال: قال ابن ~~عباس: "لأن أقرأ القرآن فأرتلها وأتدبرها أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذا". ~~وروى الأعمش عن عمارة عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: "لا تقرءوا القرآن في ~~أقل من ثلاث واقرأه في سبع". وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد ~~أنه كان يقرأه في سبع والأسود في ست وعلقمة في خمس. وروي عن عثمان بن عفان ~~أنه قرأ القرآن في ليلة. روى ابن أبي ليلة عن صدقة عن ابن عمر قال: بني ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم سقف في المسجد واعتكف فيه في آخر رمضان وكان ~~يصلي فيه، فأخرج رأسه فرأى الناس يصلون فقال: "إن المصلي إذا صلى يناجي ربه ~~فليعلم أحدكم بما يناجيه"، وفي ذلك دليل على أن المستحب الترتيل; لأنه به ~~يعلم ما يناجي ربه به ويفهم عن نفسه ما يقرأه. # PageV03P271 # باب السجود على الوجه # قال الله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا} روي عن ابن عباس قال: "للوجوه". وروى معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى: {يخرون للأذقان سجدا} قال: "للوجوه". وقال معمر: وقال الحسن: ~~"اللحى". وسئل ابن سيرين عن السجود على الأنف فقال: {يخرون للأذقان سجدا} ~~وروى طاوس عن # PageV03P271 # ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ~~ولا أكف شعرا ولا ثوبا"، قال طاوس: وأشار إلى الجبهة والأنف هما عظم واحد. ~~وروى عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: ms2354 وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه". ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سجدت فمكن جبهتك وأنفك من ~~الأرض". وروى وائل بن حجر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ~~جبهته وأنفه على الأرض. وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري: ~~أنه رأى الطين في أنف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته من أثر السجود ~~وكانوا مطروا من الليل. وروى عاصم الأحول عن عكرمة قال: رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلا ساجدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة إلا ~~بمس الأنف منها ما يمس الجبين". وهذه الأخبار تدل على أن موضع السجود هو ~~الأنف والجبهة جميعا وروى عبد العزيز بن عبد الله قال: قلت لوهب بن كيسان: ~~يا أبا نعيم ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك من الأرض؟ قال: ذاك لأني سمعت جابر ~~بن عبد الله يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته على ~~قصاص الشعر. وروى أبو الشعثاء قال: رأيت ابن عمر سجد فلم يضع أنفه على ~~الأرض، فقيل له في ذلك، فقال: "إن أنفي من حر وجهي وأنا أكره أن أشين ~~وجهي". وروي عن القاسم وسالم أنهما كانا يسجدان على جباههما ولا تمس ~~أنوفهما الأرض. وأما حديث جابر فجائز أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسجد على قصاص شعره لعذر كان بأنفه تعذر معه السجود عليه، وتأويل من تأوله ~~على الوجوه على اللحى يدل على جواز الاقتصار بالسجود على الأنف دون الجبهة ~~وإن كان المستحب فعل السجود عليهما; لأنه معلوم أنه لم يرد به السجود على ~~الذقن; لأن أحدا من أهل العلم لا يقول ذلك، فثبت أن المراد الأنف لقربه من ~~الذقن، ومن مذهب أبي حنيفة أنه إن سجد على الأنف دون الجبهة أجزأه، وقال ~~أبو يوسف ومحمد: "لا يجزئه" وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه عندهم ~~جميعا. وروى العطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر قال: "إذا ms2355 وقع أنفك على ~~الأرض فقد سجدت". وروى سفيان عن حنظلة عن طاوس قال: "الجبهة والأنف من ~~السبعة في الصلاة واحد". وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: "إن الأنف من ~~الجبين" وقال: هو خيره. # PageV03P272 # باب ما يقال في السجود # قال الله عز وجل: {ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} فمدحهم ~~بهذا القول عند السجود، فدل على أن المسنون في السجود من الذكر هو التسبيح. ~~وروى موسى بن أيوب عن عمه عن عقبة بن عامر قال: لما نزل: {فسبح باسم ربك ~~العظيم} # PageV03P272 # [الواقعة:96] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم" ~~فلما نزل: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى:1] قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "اجعلوها في سجودكم". وروى ابن أبي ليلى عن الشعبي عن صلة بن زفر عن ~~حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم ~~وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا". وروى قتادة عن مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: ~~"سبوح قدوس رب الملائكة والروح". وروى ابن أبي ذئب عن إسحاق بن يزيد عن عون ~~بن عبد الله عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ركع أحدكم ~~فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا، فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه وذكر في ~~سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا". وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه ~~الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم". وروي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: "اللهم لك سجدت وبك آمنت" في كلام كثير. ~~وجائز أن يكون ما رواه علي وابن عباس إنما كان يقوله قبل نزول: {سبح اسم ~~ربك الأعلى} [الأعلى:1] ثم لما نزل ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجعل في السجود، كما ms2356 رواه عقبة بن عامر. وقال أصحابنا والثوري والشافعي: ~~"يقول في الركوع سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود سبحان ربي الأعلى ~~ثلاثا". وقال الثوري: "يستحب للإمام أن يقولها خمسا في الركوع وفي السجود ~~حتى يدرك الذين خلفه ثلاث تسبيحات". وقال ابن القاسم عن مالك في الركوع ~~والسجود إذا أمكن ولم يسبح فهو يجزئ عنه، وكان لا يوقت تسبيحا. وقال مالك ~~في السجود والركوع: "قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود ~~سبحان ربي الأعلى لا أعرفه" فأنكره ولم يحد فيه دعاء موقتا، قال: "ولكن ~~يمكن يديه من ركبتيه في الركوع ويمكن جبهته من الأرض في السجود" وليس فيه ~~عنده حد. # PageV03P273 # باب البكاء في الصلاة # قال الله تعالى: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} ومثله قوله تعالى: ~~{خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] وفيه الدلالة على أن البكاء في الصلاة من خوف ~~الله لا يقطع الصلاة; لأن الله تعالى قد مدحهم بالبكاء في السجود ولم يفرق ~~بين سجود الصلاة وسجود التلاوة وسجدة الشكر. وروى سفيان بن عيينة قال: ~~حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد قال: سمعت عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج ~~عمر رضي الله عنه وإني لفي آخر الصفوف، وقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف حتى ~~إذا بلغ {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] نشج ولم ينكر عليه ~~أحد من الصحابة وقد كانوا خلفه، # PageV03P273 # فصار إجماعا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يصلي ولصدره ~~أزيز كأزيز المرجل من البكاء". وقوله تعالى: {ويزيدهم خشوعا} يعني به أن ~~بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا إلى خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم ~~لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء داعية إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ~~ما يجب من القيام بحقوق نعمه. والله الموفق. # PageV03P274 # باب الجهر بالقراءة في الصلاة والدعاء # قال الله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} ~~روي عن ابن عباس رواية وعائشة ومجاهد وعطاء: "لا تجهر بدعائك ولا تخافت ~~به". وروي عن ابن عباس ms2357 أيضا وقتادة: أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جهر ولا يسمع من خلفه إذا خافت، وذلك بمكة، فأنزل الله ~~تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} وأراد به القراءة في الصلاة. وقال الحسن: "لا ~~تجهر بالصلاة بإشاعتها عند من يؤذيك ولا تخافت بها عند من يلتمسها" فكان ~~عند الحسن أنه أريد ترك الجهر في حال وترك المخافتة في أخرى. وقيل: "ولا ~~تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة ~~الليل وتخافت بصلاة النهار على ما أمرناك به". وروي عن عبادة بن نسي عن ~~غضيف بن الحارث قال: سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ~~بالقرآن أو يخافت؟ قالت: ربما جهر وربما خافت. وروى أبو خالد الوالبي عن ~~أبي هريرة: أنه كان إذا قام من الليل يخفض طورا ويرفع طورا وقال: "هكذا ~~كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم". وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى الناس يصلون في آخر رمضان فقال: "إن المصلي إذا صلى يناجي ~~ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض". وروى أبو إسحاق عن ~~الحارث عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع الرجل صوته ~~بالقرآن قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه في الصلاة. ورويت أخبار في الجهر ~~بالقراءة في صلاة الليل، روى كريب عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من كان خارجا. وروى إبراهيم عن ~~علقمة قال: "صليت مع عبد الله ليلة فكان يرفع صوته بالقراءة فيسمع أهل ~~الدار". وروي لأبي بكر: "كان إذا صلى خفض صوته وأن عمر كان إذا صلى رفع ~~صوته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لم تفعل هذا قال: أناجي ربي ~~وقد علم حاجتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت وقال لعمر: لم تفعل ~~هذا؟ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال: أحسنت فلما نزل: {ولا تجهر ~~بصلاتك} الآية، ms2358 قال لأبي بكر: "ارفع شيئا" وقال لعمر: "اخفض شيئا". وروى ~~الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى ~~فقال: "لقد أوتي أبو موسى # PageV03P274 # من مزامير آل داود"، فهذا يدل على أن رفع الصوت لم ينكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وروى عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم". وروى حماد عن إبراهيم عن عمر بن ~~الخطاب أنه كان يقول: "حسنوا أصواتكم بالقرآن". وروى ابن جريج عن طاوس قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحسن الناس قراءة؟ قال: "الذي إذا ~~سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله". آخر سورة بني إسرائيل. # PageV03P275 # ومن سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} فيه بيان أن ما جعله زينة لها من ~~النبات والحيوان وغير ذلك سيجعله صعيدا جرزا، والصعيد: الأرض، والصعيد: ~~التراب. وما ذكره الله تعالى من إحالته ما عليها مما هو زينة لها صعيدا هو ~~مشاهد معلوم من طبع الأرض; إذ كل ما يحصل فيها من نبات أو حيوان أو حديد أو ~~رصاص أو نحوه من الجواهر يستحيل ترابا، فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ~~ما عليها يصيره صعيدا جرزا وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد وجب بعموم ذلك جواز ~~التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك ~~لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد. وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في ~~النجاسات إذا استحالت أرضا أنها طاهرة; لأنها في هذه الحال أرض ليست ~~بنجاسة، وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنها طاهر; لأن الرماد في ~~نفسه طاهر وليس بنجاسة، ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر; ~~إذ النجاسة هي التي توجد على ضرب من الاستحالة وقد زال ذلك عنها بالإحراق ~~وصارت إلى ضرب الاستحالة التي لا ms2359 توجب التنجيس، وكذلك الخمر إذا استحالت ~~خلا فهو طاهر; لأنه في الحال ليس بخمر لزوال الاستحالة الموجبة لكونها ~~خمرا. # قوله تعالى: {إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيئ لنا من أمرنا رشدا} فيه الدلالة على أن على الإنسان أن يهرب بدينه إذا ~~خاف الفتنة فيه، وأن عليه أن لا يتعرض لإظهار كلمة الكفر وإن كان على وجه ~~التقية، ويدل على أنه إذا أراد الهرب بدينه خوف الفتنة أن يدعو بالدعاء ~~الذي حكاه الله عنهم; لأن الله قد رضي ذلك من فعلهم وأجاب دعاءهم وحكاه لنا ~~على جهة الاستحسان لما كان منهم. # قوله تعالى: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} معناه: ~~ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما في ذلك من العبرة. # PageV03P276 # قوله تعالى: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا} قيل فيه ~~وجوه: أحدها: ما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ ~~الكتاب أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم، وذلك وصفهم في حال نومهم لا بعد ~~اليقظة. والثاني: أنهم كانوا في مكان موحش من الكهف أعينهم مفتوحة يتنفسون ~~ولا يتكلمون. والثالث: أن أظفارهم وشعورهم طالت فلذلك يأخذ الرعب منهم. # قوله تعالى: {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} لما حكى الله ذلك عنهم غير ~~منكر لقولهم علمنا أنهم كانوا مصيبين في إطلاق ذلك; لأن مصدره إلى ما كان ~~عندهم من مقدار اللبث وفي اعتقادهم لا عن حقيقة اللبث في المغيب، وكذلك هذا ~~في قوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض} ~~[البقرة: 259] ولم ينكر الله ذلك; لأنه أخبر عما عنده وفي اعتقاده لا عن ~~مغيب أمره. وكذلك قول موسى عليه السلام للخضر: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا} [الكهف: 74] و {لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71] يعني: ~~عندي كذلك. ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" حين قال ~~ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم ms2360 نسيت؟ # قوله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة} الآية يدل على جواز ~~خلط دراهم الجماعة والشرى بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان ~~بعضهم قد يأكل أكثر مما يأكل غيره، وهذا الذي يسميه الناس المناهدة ~~ويفعلونه في الأسفار، وذلك لأنهم قالوا: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة، فأضاف الورق إلى الجماعة، ونحوه قوله تعالى: {وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم} [البقرة: 220] فأباح لهم بذلك خلط طعام اليتيم بطعامهم وأن تكون ~~يده مع أيديهم مع جواز أن يكون بعضهم أكثر أكلا من غيره. وفي هذه الآية ~~دلالة على جواز الوكالة بالشرى; لأن الذي بعثوا به كان وكيلا لهم. # PageV03P277 # باب الاستثناء في اليمين # الاستثناء في اليمين قال الله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله} قال أبو بكر: هذا الضرب من الاستثناء يدخل لرفع حكم ~~الكلام حتى يكون وجوده وعدمه سواء، وذلك لأن الله تعالى ندبه إلى الاستثناء ~~بمشيئة الله تعالى لئلا يصير كاذبا بالحلف، فدل على أن حكمه ما وصفنا. ويدل ~~عليه أيضا قوله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام: {ستجدني إن شاء الله ~~صابرا} [الكهف: 69] فلم يصبر ولم يك كاذبا لوجود الاستثناء في كلامه، فدل ~~على أن معناه ما وصفنا من دخوله في الكلام لرفع حكمه فوجب أن لا يختلف حكمه ~~في دخوله على اليمين أو على إيقاع الطلاق أو على العتاق. وقد روى # PageV03P277 # أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف ~~على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه" وفي بعض الألفاظ "فقد استثنى". ~~قال أبو بكر: ولم يفرق بين شيء من الأيمان، فهو على جميعها. وعن عبد الله ~~بن مسعود من قوله مثله. وعن عطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم قالوا: الاستثناء ~~في كل شيء". وقد روى إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن ~~معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لعبده أنت ~~حر إن ms2361 شاء الله فهو حر، وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فليست ~~بطالق". وهذا حديث شاذ واهي السند غير معمول عليه عند أهل العلم. # وقد اختلف أهل العلم بعد اتفاقهم على صحة الاستثناء في الوقت الذي يصح ~~فيه الاستثناء على ثلاثة أنحاء، فقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو ~~العالية: "إذا استثنى بعد سنة صح استثناؤه". وقال الحسن وطاوس: "يجوز ~~الاستثناء ما دام في المجلس". وقال إبراهيم وعطاء والشعبي: "لا يصح ~~الاستثناء إلا موصولا بالكلام". وروي عن إبراهيم في الرجل يحلف ويستثني في ~~نفسه قال: "لا حتى يجهر بالاستثناء كما جهر بيمينه"، وهذا محمول عندنا على ~~أنه لا يصدق في القضاء إذا ادعى أنه كان استثنى ولم يسمع منه وقد سمع منه ~~اليمين. وقال أصحابنا وسائر الفقهاء: "لا يصح الاستثناء إلا موصولا ~~بالكلام" وذلك لأن الاستثناء بمنزلة الشرط والشرط لا يصح ولا يثبت حكمه إلا ~~موصولا بالكلام من غير فصل، مثل قوله: "أنت طالق إن دخلت الدار" فلو قال: ~~"أنت طالق" ثم قال: "إن دخلت الدار" بعد ما سكت، لم يوجب ذلك تعلق الطلاق ~~بالدخول، ولو جاز هذا لجاز أن يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثا، ثم يقول بعد ~~سنة: إن شاء الله، فيبطل الطلاق ولا تحتاج إلى زوج ثان في إباحتها للأول، ~~وفي تحريم الله تعالى إياها عليه بالطلاق الثلاث إلا بعد زوج دلالة على ~~بطلان الاستثناء بعد السكوت، ولما صح ذلك في الإيقاع في أنه لا يصح ~~الاستثناء إلا موصولا بالكلام كان كذلك حكم اليمين. وأيضا قال الله تعالى ~~في شأن أيوب حين حلف على امرأته أنه إن برأ ضربها، فأمره الله تعالى أن ~~يأخذ بيده ضغثا ويضرب به ولا يحنث، ولو صح الاستثناء متراخيا عن اليمين ~~لأمره بالاستثناء فيستغني به عن ضربها بالضغث وغيره. ويدل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير وليكفر عن يمينه"، ولو جاز الاستثناء متراخيا عن اليمين لأمره ~~بالاستثناء واستغنى ms2362 عن الكفارة. وقال صلى الله عليه وسلم: "إني إن شاء الله ~~لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن ~~يميني"، ولم يقل إلا قلت إن شاء الله. # فإن قيل: روى قيس عن سماك عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"والله لأغزون قريشا! # PageV03P278 # والله لأغزون قريشا! " ثم سكت ساعة فقال: "إن شاء الله" فقد استثنى بعد ~~السكوت. قيل له رواه شريك عن سماك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"والله لأغزون قريشا! " ثلاثا، ثم قال في آخرهن: "إن شاء الله" فأخبر أنه ~~استثنى في آخرهن، وذلك يقتضي اتصاله باليمين، وهو أولى لما ذكرنا. وفي هذا ~~الخبر دلالة أيضا على أنه إذا حلف بأيمان كثيرة ثم استثنى في آخرهن كان ~~الاستثناء راجعا إلى الجميع. # واحتج ابن عباس ومن تابعه في إجازة الاستثناء متراخيا عن اليمين بقوله ~~تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت} فتأولوا قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} على الاستثناء، وهذا غير واجب; ~~لأن قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} يصح أن يكون كلاما مبتدأ مستقلا ~~بنفسه من غير تضمين له بما قبله، وغير جائز فيما كان هذا سبيله تضمينه ~~بغيره. وقد روى ثابت عن عكرمة في قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} قال: ~~"إذا غضبت" فثبت بذلك أنه إنما أراد الأمر بذكر الله تعالى وأن يفزع إليه ~~عند السهو والغفلة، وقد روي في التفسير أن قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} : إنما نزل فيما سألت قريش عن قصة أصحاب ~~الكهف وذي القرنين، فقال: "سأخبركم" فأبطأ عنه جبريل عليهما السلام أياما، ~~ثم أتاه يخبرهم، وأمره الله تعالى بعد ذلك بأن لا يطلق القول على فعل يفعله ~~في المستقبل إلا مقرونا بذكر مشيئة الله تعالى. وفي نحو ذلك ما روى هشام بن ~~حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ms2363 الله عليه وسلم: ~~"قال سليمان بن داود: والله لأطوفن الليلة على مائة امرأة فتلد كل امرأة ~~منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلم تلد منهن ~~إلا واحدة ولدت نصف إنسان". # قوله تعالى: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} روي عن ~~قتادة أن هذا حكاية عن قول اليهود; لأنه قال: {قل الله أعلم بما لبثوا} ~~وقال مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير: "إنه إخبار من الله تعالى بأن هذا كانت ~~مدة لبثهم، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل إن حاجك أهل الكتاب الله ~~أعلم بما لبثوا". وقيل فيه: "الله أعلم بما لبثوا إلى الوقت الذي نزل فيه ~~القرآن بهذا". وقيل: "قل الله أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا". فأما قول ~~قتادة فليس بظاهر; لأنه لا يجوز صرف أخبار الله إلى أنه حكاية عن غيره إلا ~~بدليل، ولأنه يوجب أن يكون بيان مدة لبثهم غير مذكور في الكتاب، مع العلم ~~بأن الله قد أراد منا الاعتبار والاستدلال به على عجيب قدرة الله تعالى ~~ونفاذ مشيئته. # قوله تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} قيل ~~في ما شاء الله وجهان: أحدهما: "ما شاء الله كان" فحذف، كقوله تعالى: {فإن ~~استطعت أن # PageV03P279 # تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] فحذف منه "فافعل". ~~والثاني: "هو ما شاء الله". وقد أفاد أن قول القائل منا "ما شاء الله" ~~ينتظم رد العين وارتباط النعمة وترك الكبر; لأن فيه إخبارا أنه لو قال ذلك ~~لم يصبها ما أصاب. # قوله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن} فيه بيان أنه ليس من الملائكة; لأنه ~~أخبر أنه من الجن، وقال الله تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} ~~[الحجر:27] فهو جنس غير جنس الملائكة كما أن الإنس جنس غير جنس الجن. وروي ~~أن الملائكة أصلهم من الريح كما أن أصل بني آدم من الأرض وأصل الجن من ~~النار. # قوله تعالى: {نسيا حوتهما} والناسي ms2364 له كان يوشع بن نون، فأضاف النسيان ~~إليهما كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم، وكما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولابن عم له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما ~~وليؤمكما أحدكما"، وإنما يؤذن ويقيم أحدهما، وقال: {يا معشر الجن والأنس ~~ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] وإنما هم من الإنس. # قوله تعالى: {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يدل على إباحة إظهار مثل هذا ~~القول عندما يلحق الإنسان نصب أو تعب في سعي في قربة، وأن ذلك ليس بشكاية ~~مكروهة. # PageV03P280 # مطلب فعل الحكيم للضرورة لا يجوز أن يستنكرر # وما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع الخضر فيه بيان أن فعل ~~الحكيم للضرر لا يجوز أن يستنكر إذا كان فيه تجويز فعله على وجه الحكمة ~~المؤدية إلى المصلحة، وأن ما يقع من الحكيم من ذلك بخلاف ما يقع من السفيه، ~~وهو مثل الصبي الذي إذا حجم أو سقي الدواء استنكر ظاهره وهو غير عالم ~~بحقيقة معنى النفع والحكمة فيه، فكذلك ما يفعل الله من الضرر أو ما يأمر به ~~غير جائز استنكاره بعد قيام الدلالة أنه لا يفعل إلا ما هو صواب وحكمة، ~~وهذا أصل كبير في هذا الباب. والخضر لم يحتمل موسى أكثر من ثلاث مرات، فدل ~~على أنه جائز للعالم احتمال من يتعلم منه المرتين والثلاث على مخالفة أمره، ~~وأنه جائز له بعد الثلاث ترك احتماله. # PageV03P280 # في الكنز ما هو # قال الله تعالى: {وكان تحته كنز لهما} قال سعيد بن جبير: "علم". وقال ~~عكرمة: "مال". وقال ابن عباس: "ما كان بذهب ولا فضة وإنما كان علما صحفا". # PageV03P280 # وقال مجاهد: "صحف من علم". وقد روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: {وكان تحته كنز لهما} قال: "ذهب وفضة" ولما تأولوه على ~~الصحف وعلى العلم وعلى الذهب وعلى الفضة دل على أن اسم الكنز يقع على ~~الجميع، لولاه لم يتأولوه عليه. وقال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها ms2365 في سبيل الله} [التوبة: 34] فخص الذهب والفضة بالذكر; ~~لأن سائر الأشياء إذا كثرت لا تجب فيها الزكاة وإنما تجب فيها الزكاة إذا ~~كانت مرصدة للنماء والذهب والفضة تجب فيهما وإن كانا مكسورين غير مرصدين ~~للنماء. # قوله تعالى: {وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما} الآية، فيه دلالة على أن الله يحفظ الأولاد لصلاح الآباء، وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليحفظ المؤمن في أهله وولده ~~وفي الدويرات حوله"، ونحوه قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء ~~لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25] فأخبر بدفع ~~العذاب عن الكفار لكون المؤمنين فيهم، ونحوه قوله تعالى: {وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم} [لأنفال: 33] آخر سورة الكهف. # PageV03P281 # ومن سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إذ نادى ربه نداء خفيا} فمدحه بإخفاء الدعاء، وفيه ~~الدليل على أن إخفاءه أفضل من الجهر به، ونظيره قوله تعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي". وعن الحسن أنه كان يرى أن ~~يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه، وكان لا يعجبه رفع الأصوات. وروى أبو ~~موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى قوما قد رفعوا ~~أصواتهم بالدعاء فقال: "إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي تدعونه أقرب ~~إليكم من حبل الوريد". # قوله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي} روي عن مجاهد وقتادة وأبي صالح ~~والسدي: أن الموالي العصبة وهم بنو أعمامه، خافهم على الدين; لأنهم كانوا ~~شرار بني إسرائيل. # قوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} سأل الله عز ~~وجل أن يرزقه ولدا ذكرا يلي أمور الدين والقيام به بعد موته لخوفه من بني ~~أعمامه على تبديل دينه بعد ms2366 وفاته. وروي عن قتادة عن الحسن في قوله تعالى: ~~{يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: "نبوته وعلمه". وروى خصيف عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "كان عقيما لا يولد له ولد فسأل ربه الولد فقال يرثني ويرث من آل ~~يعقوب النبوة"، وعن أبي صالح مثله. فذكر ابن عباس أنه يرث المال ويرث من آل ~~يعقوب النبوة فقد أجاز إطلاق اسم الميراث على النبوة فكذلك يجوز أن يعني ~~بقوله: {يرثني} يرث علمي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة ~~الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم"، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كونوا على مشاعركم" يعني بعرفات "فإنكم ~~على إرث من إرث إبراهيم". وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا بكر الصديق ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة". وروى ~~الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر ينشد نفرا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم عثمان وعبد الرحمن بن # PageV03P282 # عوف والزبير وطلحة: أنشدكم بالله الذي به تقوم السموات والأرض أتعلمون أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة؟ " قالوا: نعم فقد ~~ثبت برواية هذه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لا يورثون ~~المال، ويدل على أن زكريا لم يرد بقوله: "يرثني" المال أن نبي الله لا يجوز ~~أن يأسف على مصير ماله بعد موته إلى مستحقه، وأنه إنما خاف أن يستولي بنو ~~أعمامه على علومه وكتابه فيحرفونها ويستأكلون بها فيفسدون دينه ويصدون ~~الناس عنه. # قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} فيه الدلالة ~~على أن ترك الكلام واستعمال الصمت قد كان قربة، لولا ذلك لما نذرته مريم ~~ولما فعلته بعد النذر. وقد روى معمر عن قتادة في قوله: {إني نذرت للرحمن ~~صوما} قال: في بعض الحروف: "صمتا" ويدل على أن مرادها الصمت. قولها: {فلن ~~أكلم اليوم إنسيا} وهذا منسوخ بما روي عن النبي صلى ms2367 الله عليه وسلم: "أنه ~~نهى عن صمت يوم إلى الليل". وقال السدي: كان من صام في ذلك الزمان لا يكلم ~~الناس فأذن لها في هذا المقدار من الكلام، وقد كان الله تعالى حبس زكريا عن ~~الكلام ثلاثا وجعل ذلك آية له على الوقت الذي يخلق له فيه الولد، فكان ~~ممنوعا من الكلام من غير آفة ولا خرس. # قوله تعالى: {فخرج على قومه من المحراب} قال أبو عبيدة: المحراب صدر ~~المجلس، ومنه محراب المسجد. وقيل: إن المحراب الغرفة، ومنه قوله تعالى: {إذ ~~تسوروا المحراب} [ص: 21] وقيل: المحراب المصلى. # وقوله تعالى: {فأوحى إليهم} قيل فيه: إنه أشار إليهم وأومأ بيده، فقامت ~~الإشارة في هذا الموضع مقام القول; لأنها أفادت ما يفيده القول، وهذا يدل ~~على أن إشارة الأخرس معول عليها قائمة فيما يلزمه مقام القول. ولم يختلف ~~الفقهاء أن إشارة الصحيح لا تقوم مقام قوله، وإنما كان في الأخرس كذلك; ~~لأنه بالعادة والمران والضرورة الداعية إليها قد علم بها ما يعلم بالقول، ~~وليس للصحيح في ذلك عادة معروفة فيعمل عليها، ولذلك قال أصحابنا فيمن اعتقل ~~لسانه فأومأ وأشار بوصية أو غيرها أنه لا يعمل على ذلك; لأنه ليس له عادة ~~جارية بذلك حتى يكون في معنى الأخرس. # قوله تعالى: {قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} قال قائلون: ~~إنما تمنت الموت للحال التي دفعت إليها من الولادة من غير ذكر. وهذا خطأ; ~~لأن هذه حال كان الله تعالى قد ابتلاها بها وصيرها إليها وقد كانت هي راضية ~~بقضاء الله تعالى لها بذلك مطيعة لله، وتسخط فعل الله وقضائه معصية; لأن ~~الله تعالى لا يفعل إلا ما هو صواب # PageV03P283 # وحكمة، فعلمنا أنها لم تتمن الموت لهذا المعنى وإنما تمنته لعلمها بأن ~~الناس سيرمونها بالفاحشة فيأثمون بسببها، فتمنت أن تكون قد ماتت قبل أن ~~يعصي الناس الله بسببها. # قوله تعالى: {فناداها من تحتها} قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: ~~"جبريل" عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ووهب بن منبه: "الذي ms2368 ~~ناداها عيسى" عليه السلام وقوله تعالى: {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال ~~مجاهد: "معلما للخير". وقال غيره: "جعلني نفاعا". وقوله تعالى: {وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} قيل: إنه عنى زكاة المال، وقيل: أراد التطهير ~~من الذنوب. قوله تعالى: {وبرا بوالدتي} إلى قوله: {والسلام علي يوم ولدت ~~ويوم أموت ويوم أبعث حيا} يدل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بصفات ~~الحمد والخير إذا أراد تعريفها إلى غيره لا على جهة الافتخار، وهو أيضا مثل ~~قول يوسف عليه السلام: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55] ~~فوصف نفسه بذلك تعريفا للملك بحاله. # قوله تعالى: {واهجرني مليا} روي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي ~~قالوا: "دهرا طويلا". وعن ابن عباس وقتادة والضحاك: "مليا: سويا سليما من ~~عقوبتي". قال أبو بكر: هذا من قولهم فلان ملي بهذا الأمر إذا كان كامل ~~الأمر فيه مضطلعا به. # قوله تعالى: {أضاعوا الصلاة} قال عمر بن عبد العزيز: "أضاعوها بتأخيرها ~~عن مواقيتها" ويدل على هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ~~التفريط في النوم إنما التفريط أن يدعها حتى يدخل وقت الأخرى". وقال محمد ~~بن كعب: "أضاعوها بتركها". # قوله تعالى: {هل تعلم له سميا} قال ابن عباس ومجاهد وابن جريج: "مثلا ~~وشبيها" وقوله تعالى: {لم نجعل له من قبل سميا} قال ابن عباس: "لم تلد مثله ~~العواقر". وقال مجاهد: "لم نجعل له من قبل مثلا". وقال قتادة وغيره: "لم ~~يسم أحد قبله باسمه". وقيل في معنى قوله: {هل تعلم له سميا} أن أحدا لا ~~يستحق أن يسمى إلها غيره. # وقوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} فيه الدلالة ~~على أن سامع السجدة وتاليها سواء في حكمها وأنهم جميعا يسجدون; لأنه مدح ~~السامعين لها إذا سجدوا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تلا سجدة ~~يوم الجمعة على المنبر فنزل وسجدها وسجد المسلمون معه. وروى عطية عن ابن ~~عمر وسعيد بن جبير وسعيد بن # PageV03P284 # المسيب قالوا: "السجدة على ms2369 من سمعها". وروى أبو إسحاق عن سليمان بن حنظلة ~~الشيباني قال: قرأت عند ابن مسعود سجدة فقال: "إنما السجدة على من جلس ~~لها"، وروى سعيد بن المسيب عن عثمان مثله. قال أبو بكر: قد أوجبا السجدة ~~على من جلس لها، ولا فرق بين أن يجلس للسجدة بعد أن يكون قد سمعها; إذ كان ~~السبب الموجب لها هو السماع، ثم لا يختلف حكمها في الوجوب بالنية، وفي هذه ~~الآية دلالة أيضا على أن البكاء في الصلاة من خوف الله لا يفسدها. # قوله تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا} فيه الدلالة على أن ملك الوالد لا يبقى على ولده ~~فيكون عبدا له يتصرف فيه كيف شاء وأنه يعتق عليه إذا ملكه، وذلك لأنه تعالى ~~فرق بين الولد والعبد، فنفى بإثباته العبودية النبوة. وقد روى أبو هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه بالشرى"، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: "الناس غاديان ~~فبائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها"، ولم يرد بذلك أن يبتدئ لنفسه عتقا ~~بعد الشرى، وإنما معناه: معتقها بالشرى، فكذلك قوله: "فيشتريه فيعتقه"، وهو ~~كقوله: "فيشتريه فيملكه" وليس المراد منه استئناف ملك آخر بعد الشرى بل ~~يملكه بالشرى. ويدل على أنه يعتق عليه بنفس الشرى أن ولد الحر من أمته حر ~~الأصل ولا يحتاج إلى استئناف عتق، وكذلك المشتري لابنه; لأنه لو احتاج ~~المشتري لابنه إلى استئناف عتق لاحتاج إليه أيضا الابن المولود من أمته; إذ ~~كانت الأمة مملوكة. # فإن قيل: إن ولد أمته منه حر الأصل فلم يحتج من أجل ذلك إلى استئناف عتق، ~~والولد المشترى مملوك فلا يعتق بالشرى حتى يستأنف له عتقا. قيل له: ~~اختلافهما من هذا الوجه لا يمنع وجه الاستدلال منه على ما وصفنا في أن ~~الإنسان لا يبقى له ملك على ولده وأنه واجب أن يعتق عليه إذا ملكه، وذلك ~~لأنه لو جاز ms2370 له أن يبقى له ملك على ولده لوجب أن يكون ولده من أمته رقيقا ~~إلى أن يعتقه. وإنما اختلف الولد المولود من أمته والولد المشترى في كون ~~الأول حر الأصل وكون الآخر معتقا عليه ثابت الولاء منه، من قبل أن الولد ~~المشترى قد كان ملكا لغيره فلا بد إذا اشتراه من وقوع العتاق عليه حتى ~~يستقر ملكه; إذ غير جائز إيقاع العتق في ملك بائعه; لأنه لو وقع العتاق في ~~ملكه لبطل البيع; لأنه بعد العتق، ولا يصح أيضا وقوعه في حال البيع; لأن ~~حصول العتق ينفي صحة البيع في الحال التي يقع فيها فوجب أن يعتق في الثاني ~~من ملكه، ولا يصح أيضا وقوع العتاق في حال الملك; لأنه يكون إيقاع عتق لا ~~في ملك فلذلك وجب أن يعتق في الثاني من ملكه، وأما الولد المولود في ملكه ~~من جاريته فإنا لو أثبتنا له ملكا فيه كان هو # PageV03P285 # المستحق للعتق في حال الملك، فلا جائز أن يثبت ملكه مع وجود ما ينافيه ~~وهو استحقاق العتاق في تلك الحال فكان حر الأصل ولم يثبت له ملك فيه، ولو ~~ثبت ملكه ابتداء فيه لكان مستحقا بالعتق في حال ما يريد إثباته لوجود سببه ~~الموجب له وهو ملكه للأم، وغير جائز إثبات ملك ينتفي في حال وجوده، ~~واختلافهما من هذا الوجه لا ينفي أن يكون ملكه لولده في الحالين موجبا ~~لعتقه وحريته. # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} قيل ~~فيه وجهان: أحدهما: في الآخرة يحب بعضهم بعضا كمحبة الوالد للولد، وقال ابن ~~عباس ومجاهد: "ودا في الدنيا" آخر سورة مريم. # PageV03P286 # ومن سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} قال الحسن: "استوى بلطفه وتدبيره". ~~وقيل: استولى. وقوله تعالى: {فإنه يعلم السر وأخفى} قال ابن عباس: "السر ما ~~حدث به العبد غيره في خفى، وأخفى منه ما أضمره في نفسه مما لم يحدث به ~~غيره". وقال سعيد بن جبير وقتادة: "السر ما أضمره العبد ms2371 في نفسه، وأخفى منه ~~ما لم يكن ولا أضمره أحد". # قوله تعالى: {فاخلع نعليك} قال الحسن وابن جريج: أمره بخلع نعليه ليباشر ~~بقدمه بركة الوادي المقدس. قال أبو بكر: يدل عليه قوله عقيب ذلك: {إنك ~~بالواد المقدس طوى} فتقديره: اخلع نعليك; لأنك بالوادي المقدس. وقال كعب ~~وعكرمة: "كانت من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعها". قال أبو بكر: ليس في ~~الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل، وذلك لأن التأويل إن كان ~~هو الأول فالمعني فيه مباشرة الوادي بقدمه تبركا به كاستلام الحجر وتقبيله ~~تبركا به، فيكون الأمر بخلع النعل مقصورا على تلك الحال في ذلك الوادي ~~المقدس بعينه، وإن كان التأويل هو الثاني فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس ~~جلد الحمار الميت وإن كان مدبوغا، فإن كان كذلك فهو منسوخ; لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، وقد صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: "ما ~~لكم خلعتم نعالكم"؟ قالوا: خلعت فخلعنا، قال: "فإن جبريل أخبرني أن فيها ~~قذرا"، فلم يكره صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل، وأنكر على الخالعين ~~خلعها، وأخبرهم أنه إنما خلعها; لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا وهذا عندنا. ~~محمول على أنها كانت نجاسة يسيرة; لأنها لو كانت كثيرة لاستأنف الصلاة. # قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} قال الحسن ومجاهد: "لتذكرني فيها ~~بالتسبيح والتعظيم". وقيل فيه: "لأن أذكرك بالثناء والمدح". وروى الزهري عن # PageV03P287 # سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح حتى طلعت ~~الشمس فصلاها بعد طلوع الشمس وقال: "إن الله تعالى يقول: {وأقم الصلاة ~~لذكري} ". وروى همام بن يحيى عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وتلا: {وأقم ~~الصلاة لذكري} " وهذا يدل على أن قوله: {وأقم الصلاة لذكري} قد أريد به فعل ~~الصلاة المتروكة، وكون ذلك ms2372 مرادا بالآية لا ينفي أن تكون المعاني التي ~~تأولها عليها الآخرون مرادة أيضا; إذ هي غير متنافية، فكأنه قال: أقم ~~الصلاة إذا ذكرت الصلاة المنسية لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم لأن أذكرك ~~بالثناء والمدح، فيكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية. وهذا الذي ورد به ~~الأثر من إيجاب قضاء الصلاة المنسية عند الذكر لا خلاف بين الفقهاء فيه، ~~وقد روي عن بعض السلف فيه قول شاذ ليس العمل عليه، فروى إسرائيل عن جابر عن ~~أبي بكر بن أبي موسى عن سعد قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها وليصل ~~مثلها من الغد" وروى الجريري1 عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب قال: إذا فاتت ~~الرجل الصلاة صلاها من الغد لوقتها، فذكرت ذلك لأبي سعيد فقال: صلها إذا ~~ذكرتها. وهذان القولان شاذان، وهما مع ذلك خلاف ما ورد به الأثر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أمره بقضاء الفائتة عند الذكر من غير فعل صلاة أخرى ~~غيرها. وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} ~~عقيب ذكر الفائتة وبعد قوله: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" يوجب أن يكون ~~مراد الآية قضاء الفائتة عند الذكر، وذلك يقتضي الترتيب في الفوائت; لأنه ~~إذا كان مأمورا بفعل الفائتة عند الذكر وكان ذلك في وقت صلاة فهو منهي لا ~~محالة عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال، فأوجب ذلك فساد صلاة الوقت إن قدمها ~~على الفائتة; لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على غيره. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا: "الترتيب بين الفوائت وبين صلاة ~~الوقت واجب في اليوم والليلة وما دونهما إذا كان في الوقت سعة للفائتة ~~ولصلاة الوقت، فإن زاد على اليوم والليلة لم يجب الترتيب" والنسيان يسقط ~~الترتيب عندهم، أعني نسيان الصلاة الفائتة. وقال مالك بن أنس بوجوب الترتيب ~~وإن نسي الفائتة، إلا أنه يقول: "إن كانت الفوائت كثيرة بدأ بصلاة الوقت ثم ~~صلى ما كان نسي، وإن كانت الفوائت خمسا ثم ذكرهن قبل صلاة الصبح صلاهن ms2373 قبل ~~الصبح وإن فات وقت الصبح، وإن صلى الصبح ثم ذكر صلوات صلى ما نسي، فإذا فرغ ~~أعاد الصبح ما دام في الوقت PageV03P288 # فإذا فات الوقت لم يعد". وقال الثوري بوجوب الترتيب، إلا أنه لم يرو عنه ~~الفرق بين القليل والكثير; لأنه سئل عمن صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه صلى ~~الظهر على غير وضوء أنه يشفع بركعة ثم يسلم فيستقبل الظهر ثم العصر. وروي ~~عن الأوزاعي روايتان في إحداهما إسقاط الترتيب وفي الأخرى إيجابه. وقال ~~الليث: "إذا ذكرها وهو في صلاة وقد صلى ركعة فإن كان مع إمام فليصل معه حتى ~~إذا سلم صلى التي نسي ثم أعاد الصلاة التي صلاها معه". وقال الحسن بن صالح: ~~"إذا صلى صلوات بغير وضوء أو نام عنهن قضى الأولى فالأولى، فإن جاء وقت ~~صلاة تركها وصلى ما قبلها وإن فاته وقتها حتى يبلغها". وقال الشافعي: ~~"الاختيار أن يبدأ بالفائتة، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه ولا فرق ~~بين القليل والكثير". قال أبو بكر: وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: "من ~~نسي صلاة وذكرها وهو خلف إمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ صلى التي نسي ثم ~~يصلي الأخرى". وروى عباد بن العوام عن همام عن محمد بن سيرين عن كثير بن ~~أفلح قال: "أقبلنا حتى دنونا من المدينة وقد غابت الشمس، وكان أهل المدينة ~~يؤخرون المغرب، فرجوت أن أدرك معهم الصلاة، فأتيتهم وهم في صلاة العشاء ~~فدخلت معهم وأنا أحسبها المغرب، فلما صلى الإمام قمت فصليت المغرب ثم صليت ~~العشاء، فلما أصبحت سألت عن الذي فعلت، فكلهم أخبروني بالذي صنعت، وكان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بها يومئذ متوافرين". قال سعيد بن المسيب ~~والحسن وعطاء بوجوب الترتيب. فهؤلاء السلف قد روي عنهم إيجاب الترتيب ولم ~~يرو عن أحد من نظرائهم خلاف فصار ذلك إجماعا من السلف. # ويدل على وجوب الترتيب في الفوائت ما روى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ~~عن جابر قال: جاء عمر يوم الخندق ms2374 فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله ~~ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"وأنا والله ما صليت بعد فنزل وتوضأ ثم صلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى ~~المغرب بعدما صلى العصر". وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه فاتته أربع ~~صلوات حتى كان هوي من الليل، فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء. ~~وهذا الخبر يدل من وجهين على وجوب الترتيب: أحدهما: قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فلما صلاهن على الترتيب اقتضى ذلك إيجابه. ~~والوجه الآخر: أن فرض الصلاة مجمل في الكتاب، والترتيب وصف من أوصاف ~~الصلاة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على ~~الوجوب، فلما قضى الفوائت على الترتيب كان فعله ذلك بيانا للفرض المجمل، ~~فوجب أن يكون على الوجوب. ويدل على وجوبه أيضا أنهما صلاتان فرضان قد ~~جمعهما وقت واحد في اليوم # PageV03P289 # والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة، فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما ~~وجب أن يكون ذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وقال عمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إني ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، فلم ينكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالإعادة، فيه الدلالة على أن من صلى ~~العصر عند غروب الشمس فلا إعادة عليه. # قوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} يعني أني جعلت من رآك أحبك حتى أحبك ~~فرعون فسلمت من شره وأحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك. # قوله تعالى: {ولتصنع على عيني} قال قتادة: "لتغذى على محبتي وإرادتي". ~~وقوله تعالى: {وفتناك فتونا} قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله ~~تعالى: {وفتناك فتونا} فقال: "استأنف لها نهارا يا ابن جبير" ثم ذكر في ~~معناه وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أنها حملته في السنة ~~التي كان فرعون يذبح الأطفال، ثم إلقاؤه في اليم، ثم منعه الرضاع إلا من ~~ثدي أمه، ثم جره لحية ms2375 فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة فدرأ ~~ذلك عنه قتل فرعون، ثم مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره عما عزموا عليه من ~~قتله. وقال مجاهد في قوله تعالى: {وفتناك فتونا} معناه: خلصناك خلاصا. # وقوله تعالى: {واصطنعتك لنفسي} فإن الاصطناع الإخلاص بالألطاف. ومعنى: ~~{لنفسي} لتصرف على إرادتي ومحبتي. # قوله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها} قيل في ~~وجه سؤال موسى عليه السلام عما في يده أنه على وجه التقرير له على أن الذي ~~في يده عصا ليقع المعجز لها بعد التثبت فيها والتأمل لها، فإذا أجاب موسى ~~بأنها عصا يتوكأ عليها عند الإعياء وينفض بها الورق لغنمه وأن له فيها ~~منافع أخرى فيها، ومعلوم أنه لم يرد بذلك إعلام الله تعالى ذلك; لأن الله ~~تعالى كان أعلم بذلك منه، ولكنه لما اقتضى السؤال منه جوابا لم يكن له بد ~~من الإجابة بذكر منافع العصا إقرارا منه بالنعمة فيها واعتدادا بمنافعها ~~والتزاما لما يجب عليه من الشكر له. ومن أهل الجهل من يسأل عن ذلك فيقول: ~~إنما قال الله له: {وما تلك بيمينك يا موسى} فإنما وقعت المسألة عن ماهيتها ~~ولم تقع عن منافعها وما تصلح له، فلم أجاب عما لم يسأل منه؟ ووجه ذلك ما ~~قدمنا وهو أنه أجاب عن المسألة بديا بقوله: هي عصاي، ثم أخبر عما جعل الله ~~تعالى له من المنافع فيها على وجه الاعتراف بالنعمة وإظهار الشكر على ما ~~منحه الله منها، وكذلك سبيل أنبياء الله تعالى والمؤمنين عند مثله في ~~الاعتداد بالنعمة ونشرها وإظهار الشكر عليها، وقال الله تعالى: {وأما بنعمة ~~ربك فحدث} [الضحى:11] . # PageV03P290 # ومن سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} حدثنا ~~عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {نفشت ms2376 فيه غنم القوم} ~~قال: "في حرث قوم". وقال معمر: قال الزهري: "النفش لا يكون إلا بالليل ~~والهمل بالنهار". وقال قتادة: "فقضى أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان، ~~فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من ~~رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول". وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق: ~~{وداود وسليمان} قال: كان الحرث كرما فنفشت فيه ليلا فاجتمعوا إلى داود ~~فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال: أولا تدفع ~~الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ~~ردوا عليهم، فنزلت: {ففهمناها سليمان} . وروي عن علي بن زيد عن الحسن عن ~~الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان. # قال أبو بكر: فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته أن على ~~صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهارا لم يضمن شيئا، وأصحابنا لا يرون ~~في ذلك ضمانا لا ليلا ولا نهارا إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها ~~فيها. واحتج الأولون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على ~~إيجاب الضمان، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ~~معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت ~~حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال ~~حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد قال: حدثنا الفريابي عن الأوزاعي ~~عن الزهري عن # PageV03P291 # حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال: كانت له ناقة ضارية فدخلت ~~حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقضى أن حفظ ~~الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل ~~الماشية ما ms2377 أصابت ماشيتهم بالليل". # قال أبو بكر: ذكر في الحديث الأول حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء، ~~وذكر في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب، ولم يذكر في الحديث ~~الأول ضمان ما أصابت الماشية ليلا وإنما ذكر الحفظ فقط، وهذا يدل على ~~اضطراب الحديث بمتنه وسنده. وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة ~~فقال: ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئا، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} ، ولا خلاف بين ~~أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ، وذلك لأن داود ~~عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث وحكم سليمان له بأولادها ~~وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب ~~عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن ~~الحكمين جميعا منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: قد تضمنت القصة معان، منها: وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها ~~كيفية الضمان، وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه ~~منسوخ. قيل له: قد ثبت نسخ ذلك أيضا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بخبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه، روى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العجماء جبار" وفي بعض الألفاظ "جرح ~~العجماء جبار"، ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة ~~المنفلتة إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها ~~هو عليه، فلما كان هذا الخبر مستعملا عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما ~~تصيبه ليلا أو نهارا ثبت بذلك نسخ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما ~~السلام ونسخ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلا. وأيضا سائر ~~الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب ~~الضمان أو نفيه، فلما اتفق الجميع ms2378 على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهارا وجب ~~أن يكون ذلك حكمها ليلا، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب ~~الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة ~~الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نفش ~~بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن حكمها إذا أصابت زرعا، ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسوقه وإرساله في ~~الزروع وإن لم يعلم بذلك، وبين تساوي حكم العلم والجهل فيه. وجائز أيضا أن ~~تكون قضية داود وسليمان كانت # PageV03P292 # على هذا الوجه، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلا وساقها وهو غير عالم بنفشها ~~في حرث القوم، فأوجبا عليه الضمان، وإذا كان ذلك محتملا لم تثبت فيه دلالة ~~على موضع الخلاف. # وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون ~~منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فاستدل ~~كل منهم بالآية على قوله، وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه ~~لما قال تعالى: {ففهمناها سليمان} فخص سليمان بالفهم دل ذلك على أنه كان ~~المصيب للحق عند الله دون داود،; إذ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص ~~سليمان بالفهم دون داود معنى. وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب: لما لم ~~يعنف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعا كانا مصيبين، ~~وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدل على أن داود كان مخطئا، وذلك لأنه جائز أن ~~يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خص بالتفهيم ولم يصب داود عين ~~المطلوب، وإن كان مصيبا لما كلف. # ومن الناس من يقول: إن حكم داود وسليمان جميعا كان من طريق النص لا من ~~جهة الاجتهاد، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمضى القضية بما قال، أو ~~أن يكون قوله ذلك على وجه الفتيا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به، أو ~~كانت قضية معلقة ms2379 بشريطة لم تفصل بعد، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم ~~الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن ينفذه، قالوا: ولا دلالة ~~في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي، قالوا: وقوله: {ففهمناها ~~سليمان} يعني به تفهيمه الحكم الناسخ. وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يكون من طريق ~~النص. آخر سورة الأنبياء. # PageV03P293 # ومن سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر: لم يختلف السلف وفقهاء الأمصار في السجدة الأولى من الحج ~~أنها موضع سجود واختلفوا في الثانية منها وفي المفصل، فقال أصحابنا: "سجود ~~القرآن أربع عشرة سجدة، منها الأولى من الحج وسجود المفصل في ثلاثة مواضع" ~~وهو قول الثوري. وقال مالك: "أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى ~~عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء". وقال الليث: "أستحب أن يسجد في سجود ~~القرآن كله وسجود المفصل وموضع السجود من حم: {إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: ~~37] وقال الشافعي: "سجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة ص فإنها سجدة ~~شكر". قال أبو بكر: فاعتد بآخر الحج سجودا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سجد في ص وقال ابن عباس في سجدة حم: السجدة بآخر الآيتين، كما قال ~~أصحابنا. وروى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في النجم. ~~وقال عبد الله بن مسعود: سجد النبي صلى الله عليه وسلم في النجم. قال أبو ~~بكر: ليس فيما روى زيد بن ثابت من ترك النبي صلى الله عليه وسلم في النجم ~~دلالة على أنه غير واجب فيه، وذلك لأنه جائز أن لا يكون سجد; لأنه صادف عند ~~تلاوته بعض الأوقات المنهي عن السجود فيها فأخره إلى وقت يجوز فعله فيه، ~~وجائز أيضا أن يكون عند التلاوة على غير طهارة فأخره ليسجد وهو طاهر. وروى ~~أبو هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في: {إذا السماء ~~انشقت} ms2380 [الانشقاق:1] و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1] . # واختلف السلف في الثانية من الحج، فروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وأبي ~~الدرداء وعمار وأبي موسى أنهم قالوا: "في الحج سجدتان" وقالوا: "إن هذه ~~السورة فضلت على غيرها من السور بسجدتين". وروى خارجة بن مصعب عن أبي حمزة ~~عن ابن عباس قال: "في الحج سجدة". وروى سفيان بن عيينة عن عبد الأعلى عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "الأولى عزمة والآخرة تعليم". وروى منصور عن ~~الحسن عن ابن عباس قال: "في الحج سجدة واحدة". وروي عن الحسن وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير # PageV03P294 # وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد: "أن في الحج سجدة واحدة". وقد روينا عن ~~ابن عباس فيما تقدم أن في الحج سجدتين، وبين في حديث سعيد بن جبير أن ~~الأولى عزمة والثانية تعليم، والمعنى فيه والله أعلم أن الأولى هي السجدة ~~التي يجب فعلها عند التلاوة وأن الثانية وإن كان فيها ذكر السجود فإنما هو ~~تعليم الصلاة التي فيها الركوع والسجود، وهو مثل ما روى سفيان عن عبد ~~الكريم عن مجاهد قال: السجدة التي في آخر الحج إنما هي موعظة وليست بسجدة، ~~قال الله تعالى: {اركعوا واسجدوا} فنحن نركع ونسجد. فقول ابن عباس هو على ~~معنى قول مجاهد، ويشبه أن يكون من روي عنه من السلف أن في الحج سجدتين إنما ~~أرادوا أن فيه ذكر السجود في موضعين وأن الواجبة هي الأولى دون الثانية على ~~معنى قول ابن عباس. ويدل على أنه ليس بموضع سجود أنه ذكر معه الركوع، ~~والجمع بين الركوع والسجود مخصوص به الصلاة، فهو إذا أمر بالصلاة والأمر ~~بالصلاة مع انتظامها للسجود ليس بموضع سجود، ألا ترى أن قوله: {وأقيموا ~~الصلاة} ليس بموضع للسجود؟ وقال تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي ~~مع الراكعين} [آل عمران:43] وليس ذلك سجدة؟ وقال: {فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين} [الحجر:98] وليس بموضع سجود; لأنه أمر بالصلاة؟ كقوله تعالى: ~~{واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] . # قوله تعالى: {من مضغة مخلقة} ms2381 قال قتادة: "تامة الخلق وغير تامة الخلق". ~~وقال مجاهد: "مصورة وغير مصورة". وقال ابن مسعود: "إذا وقعت النطفة في ~~الرحم أخذها ملك بكفه فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن كانت غير مخلقة ~~قذفتها الأرحام دما وإن كانت مخلقة كتب رزقه وأجله ذكر أو أنثى شقي أو ~~سعيد". وقال أبو العالية: "غير مخلقة السقط". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {من مضغة مخلقة} ظاهره يقتضي أن لا تكون المضغة ~~إنسانا كما اقتضى ذلك في العلقة والنطفة والتراب، وإنما نبهنا بذلك على ~~تمام قدرته ونفاذ مشيئته حين خلق إنسانا سويا معدلا بأحسن التعديل من غير ~~إنسان، وهي المضغة والعلقة والنطفة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب ولا تعديل ~~الأعضاء، فاقتضى أن لا تكون المضغة إنسانا كما أن النطفة والعلقة ليستا ~~بإنسان، وإذا لم تكن إنسانا لم تكن حملا فلا تنقضي بها العدة; إذ لم تظهر ~~فيها الصورة الإنسانية وتكون حينئذ بمنزلة النطفة والعلقة; إذ هما ليستا ~~بحمل ولا تنقضي بهما العدة بخروجهما من الرحم. وقول ابن مسعود الذي قدمنا ~~يدل على ذلك; لأنه قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: يا ~~رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما"، فأخبر أن ~~الدم # PageV03P295 # الذي تقذفه الرحم ليس بحمل، ولم يفرق منه بين ما كان مجتمعا علقة أو ~~سائلا، وفي ذلك دليل على أن ما لم يظهر فيه شيء من خلق الإنسان فليس بحمل ~~وأن العدة لا تنقضي به; إذ ليس هو بولد، كما أن العلقة والنطفة لما لم ~~تكونا ولدا لم تنقض بهما العدة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان عن الأعمش قال: حدثنا زيد بن وهب ~~قال: حدثنا عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون ~~علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ms2382 يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات ~~فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح". فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم أنه يكون أربعين يوما نطفة وأربعين يوما علقة وأربعين يوما ~~مضغة، ومعلوم أنها لو ألقته علقة لم يعتد به ولم تنقض به العدة وإن كانت ~~العلقة مستحيلة من النطفة; إذ لم تكن له صورة الإنسانية، وكذلك المضغة إذا ~~لم تكن لها صورة الإنسانية فلا اعتبار بها وهي بمنزلة العلقة والنطفة. ويدل ~~على ذلك أيضا أن المعنى الذي به يتبين الإنسان من الحمار وسائر الحيوان ~~وجوده على هذا الضرب من البنية والشكل والتصوير، فمتى لم يكن للسقط شيء من ~~صورة الإنسان فليس ذلك بولد وهو بمنزلة العلقة والنطفة سواء فلا تنقضي به ~~العدة لعدم كونه ولدا. وأيضا فجائز أن يكون ما أسقطته مما لا تتبين له صورة ~~الإنسان دما مجتمعا أو داء أو مدة. فغير جائز أن نجعله ولدا تنقضي به ~~العدة، وأكثر أحواله احتماله لأن يكون مما كان يجوز أن يكون ولدا ويجوز أن ~~لا يكون ولدا. فلا نجعلها منقضية العدة به بالشك، وعلى أن اعتبار ما يجوز ~~أن يكون منه ولدا أو لا يكون منه ولدا ساقط لا معنى له; إذ لم يكن ولدا ~~بنفسه في الحال; لأن العلقة قد يجوز أن يكون منها ولد وكذلك النطفة وقد ~~تشتمل الرحم عليهما وتضمهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن: "النطفة ~~تمكث أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة"، ومع ذلك لم يعتبر أحد العلقة ~~في انقضاء العدة. # وزعم إسماعيل بن إسحاق أن قوما ذهبوا إلى أن السقط لا تنقضي به العدة ولا ~~تعتق به أم الولد حتى يتبين شيء من خلقه يدا أو رجلا أو غير ذلك، وزعم أن ~~هذا غلط; لأن الله أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخلت فيما ذكر من ~~خلق الناس كما ذكر المخلقة، فدل ذلك على أن كل شيء يكون من ذلك إلى أن يخرج ~~الولد من ms2383 بطن أمه فهو حمل، وقال تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] . # والذي ذكره إسماعيل إغفال منه لمقتضى الآية، وذلك لأن الله لم يخبر أن ~~العلقة # PageV03P296 # والمضغة ولد ولا حمل وإنما ذكر أنه خلقنا من المضغة والعلقة كما أخبر أنه ~~خلقنا من النطفة ومن التراب. ومعلوم أنه حين أخبرنا أنه خلقنا من المضغة ~~والعلقة فقد اقتضى ذلك أن لا يكون الولد نطفة ولا علقة ولا مضغة; لأنه لو ~~كانت العلقة والمضغة والنطفة ولدا لما كان الولد مخلوقا منها; إذ ما قد حصل ~~ولدا لا يجوز أن يقال قد خلق منه ولد وهو نفسه ذلك الولد، فثبت بذلك أن ~~المضغة التي لم يستبن فيها خلق الإنسان ليس بولد. # وقوله: "إن الله أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخلت فيما ذكر من ~~خلق الإنسان كما ذكر المخلقة" فإنه إن كان هذا استدلالا صحيحا فإنه يلزمه ~~أن يقول مثله في النطفة; لأن الله قد ذكرها فيما ذكر من خلق الناس كما ذكر ~~المضغة، فينبغي أن تكون النطفة حملا وولدا لذكر الله لها فيما خلق الناس ~~منه. # فإن قيل: قد ذكر الله أنه خلقنا من مضغة مخلقة وغير مخلقة والمخلقة هي ~~المصورة وغير المخلقة غير المصورة، فإذا جاز أن يقول خلقكم من مضغة مصورة ~~مع كون المصورة ولدا لم يمتنع أن يكون غير المصورة ولدا مع قوله: "خلقكم من ~~مضغة غير مخلقة". قيل له جائز أن يكون معنى المخلقة ما ظهر فيه بعض صورة ~~الإنسان فأراد بقوله: "خلقكم منها" تمام الخلق وتكميله، فأما ما ليس بمخلقة ~~فلا فرق بينه وبين النطفة لعدم الصورة فيها، فيكون معنى قوله: "خلقكم منها" ~~أنه أنشأ الولد منها وإن لم يكن ولدا قبل ذلك. هذا هو حقيقة اللفظ وظاهره. ~~وأما قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] فإنه معلوم ~~أن مراده وضع الولد، فما ليس بولد فليس بمراد، وهذا لا يشكل على أحد له ~~أدنى تأمل. # وقال إسماعيل أيضا: لا تخلو هذه المضغة وما قبلها ms2384 من العلقة من أن تكون ~~ولدا أو غير ولد، فإن كانت ولدا قبل أن يخلق فحكمها قبل أن يخلق وبعدها ~~واحد وإن كانت ليست بولد إلى أن يخلق فلا ينبغي أن يرث الولد أباه إذا مات ~~حين تحمل به أمه قبل أن يخلق. # قال أبو بكر: وهذا إغفال ثان وكلام منتقض بإجماع الفقهاء، وذلك لأنه ~~معلوم أنه إذا مات عن امرأته وجاءت بولد لسنتين على قول من يجعل أكثر مدة ~~الحمل سنتين أو لأربع سنين على قول من يجعل أكثر الحمل أربع سنين أن الولد ~~يرثه، ومعلوم أنه إنما كان نطفة وقت وفاة الأب وقد ورثه. ومع ذلك فلا خلاف ~~أن النطفة ليست بحمل ولا ولد وأنه لا تنقضي بها العدة ولا تعتق بها أم ~~الولد، فبان بذلك فساد اعتلال وانتقاض قوله، وليست علة الميراث كونه ولدا; ~~لأن الولد الميت هو ولد تنقضي به العدة ويثبت به # PageV03P297 # الاستيلاد في الأم، وقد لا يكون من مائه فيرثه إذا كان منسوبا إليه ~~بالفراش، ألا ترى أنها لو جاءت بولد من الزنا لم يلحق نسبه بالزاني وكان ~~ابنا لصاحب الفراش؟ فالميراث إنما يتعلق حكمه بثبوت النسب منه لا بأنه من ~~مائه، ألا ترى أن ولد الزنا لا يرث الزاني لعدم ثبوت النسب وإن كان من ~~مائه؟ فعلمنا بذلك أن ثبوت الميراث ليس بمتعلق بكونه ولدا من مائه دون حصول ~~النسبة إليه من الوجه الذي ذكرنا. # قال إسماعيل: فإن قيل إنما ورث أباه; لأنه من ذلك الأصل حين صار حيا يرث ~~ويورث. قيل له: فلا ينبغي أن تنقضي به العدة وإن تم خلقه حتى يخرج حيا. # قال أبو بكر: وهذا تخليط وكلام في المسألة من غير وجهه، وذلك لأن خصمه لم ~~يجعل وجوب الميراث علة لانقضاء العدة وكون الأم به أم ولد، وهذا لا خلاف ~~فيه بين المسلمين; لأن الولد الميت عندهم جميعا تنقضي به العدة ولا يرث، ~~وقد يرث الولد ولا تنقضي به العدة: إذا كان في بطنها ولدان فوضعت أحدهما ~~ورث هذا ms2385 الولد من أبيه ولا تنقضي به العدة حتى تضع الولد الآخر. فإن وضعته ~~ميتا لم يرثه وانقضت العدة به، فلما كان الميراث قد يثبت للولد ولا تنقضي ~~العدة بوضعه وقد تنقضي به العدة ولا يرث علمنا أن أحدهما ليس بأصل للآخر ~~ولا يصح اعتباره به. # ثم قال إسماعيل: فإن قيل إنه حمل ولكنا لا نعلم ذلك، قيل له لا يجوز أن ~~يتعبد الله بحكم لا سبيل إلى علمه، والنساء يعرفن ذلك ويفرقن بين لحم أو دم ~~سقط من بدنها أو رحمها وبين العلقة التي يكون منها الولد، ولا يلتبس على ~~جميع النساء لحم المرأة ودمها من العلقة بل لا بد من أن يكون فيهن من يعرف، ~~فإذا شهدت امرأتان أنها علقة قبلت شهادتهما، وقد قال الشافعي أيضا إنها إذا ~~أسقطت علقة أو مضغة لم يستبن شيء من خلقه فإنه يرى النساء، فإن قلن كان ~~يجيء منها الولد لو بقيت انقضت به العدة ويثبت بها الاستيلاد، وإن قلن لا ~~يجيء من مثلها ولد لم تنقض به العدة ولم يثبت به الاستيلاد. # وعسى أن يكون إسماعيل إنما أخذ ما قال من ذلك عن الشافعي، وهو من أظهر ~~الكلام استحالة وفسادا، وذلك لأنه لا يعلم أحد الفرق بين العلقة التي يكون ~~منها الولد وبين ما لا يكون منها الولد إلا أن يكون قد شاهد علقا كان منه ~~الولد وعلقا لم يكن منه الولد فيعرف بالعادة الفرق بين ما كان منه ولد وما ~~لم يكن منه ولد بعلامة توجد في أحدهما دون الآخر في مجرى العادة وأكثر ~~الظن، كما يعرف كثير من الأعراب السحابة التي يكون منها المطر والسحابة ~~التي لا يكون منها المطر وذلك بما قد عرفوه من العلامات التي لا تكاد تخلف ~~في الأعم الأكثر، فأما العلقة التي كان منها الولد فمستحيل أن يشاهدها ~~إنسان قبل كون الولد منها متميزة من العلقة التي لم يكن منها ولد، وذلك # PageV03P298 # شيء قد استأثر الله بعلمه إلا من أطلع عليه من ملائكته حين يأمره بكتب ms2386 ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، قال الله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] . وقال: {ويعلم ما في ~~الأرحام} [لقمان: 34] وهو عالم بكل شيء جل وتعالى، ولكنه خص نفسه بالعلم ~~بالأرحام في هذا الموضع إعلاما لنا أن أحدا غيره لا يعلم ذلك وأنه من علم ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى من رسول، قال الله تعالى: {عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27] والله أعلم # PageV03P299 # باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها # قال الله تعالى: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والباد} روى إسماعيل بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها". ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء ~~العاكف فيه والبادي". وروى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط: {سواء ~~العاكف فيه والباد} قال: "من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل ~~ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من بيته ساكنه" قال: وقال ابن عباس في ~~قوله: {سواء العاكف فيه والباد} قال: {سواء العاكف فيه} : أهله، {والباد} : ~~من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء، وليس ينبغي لهم أن يأخذوا من ~~البادي إجارة المنزل. وروى جعفر بن عون عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "مكة حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة ~~بيوتها". وروى أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله. وروى عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي ~~سليمان عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رباع مكة في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب من احتاج سكن ومن استغنى ~~سكن". وروى الثوري عن منصور عن مجاهد ms2387 قال: قال عمر: "يا أهل مكة لا تتخذوا ~~لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء". وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ~~"أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج". وروى ابن أبي نجيح ~~عن عبد الله بن عمر قال: "من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه". ~~وروى عثمان بن الأسود عن عطاء قال: "يكره بيع بيوت مكة وكراؤها". وروى ليث ~~عن القاسم قال: "من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا". وروى معمر عن ليث ~~عن عطاء وطاوس ومجاهد: "كانوا يكرهون أن يبيعوا شيئا من رباع مكة". # قال أبو بكر: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما ذكرنا، وروي ~~عن الصحابة # PageV03P299 # والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأن الناس كلهم فيها سواء، ~~وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى: {والمسجد الحرام} للحرم كله. وقد روي ~~عن قوم إباحة بيع بيوت مكة وكراؤها، وروى ابن جريج عن هشام بن حجير قال: ~~كان لي بيت بمكة فكنت أكريه، فسألت طاوسا فأمرني بأكله. وروى ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد وعطاء: {سواء العاكف فيه والباد} قالا: "سواء في تعظيم البلد ~~وتحريمه" وروى عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ قال: "اشترى نافع بن ~~عبد الحارث دار السجن لعمر بن الخطاب من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم ~~فإن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة درهم"زاد عبد ~~الرحمن عن معمر: "فأخذها عمر". وقال أبو حنيفة: "لا بأس ببيع بناء بيوت مكة ~~وأكره بيع أراضيها" وروى سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قال: "أكره إجارة ~~بيوت مكة في الموسم وفي الرجل يقيم ثم يرجع، فأما المقيم والمجاور فلا نرى ~~بأخذ ذلك منهم بأسا". وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن بيع دور مكة ~~جائز. # قال أبو بكر: لم يتأول هؤلاء السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا ~~والاسم شامل له من طريق الشرع، إذ غير جائز أن ms2388 يتأول الآية على معنى لا ~~يحتمله اللفظ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم ~~من طريق التوقيف، ويدل عليه قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام} [التوبة:7] والمراد فيما روي: الحديبية، وهي بعيدة من المسجد قريبة ~~من الحرم، وروي أنها على شفير الحرم. وروى المسور بن مخرمة ومروان بن ~~الحكم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم" ~~وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ههنا الحرم كله، ويدل عليه قوله ~~تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] ~~والمراد إخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة، فجعل المسجد الحرام ~~عبارة عن الحرم. ويدل على أن المراد جميع الحرم كله قوله تعالى: {ومن يرد ~~فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} والمراد به من انتهك حرمة الحرم بالظلم ~~فيه. وإذا ثبت ذلك اقتضى قوله: {سواء العاكف فيه والباد} تساوي الناس كلهم ~~في سكناه والمقام به. # فإن قيل: يحتمل أن يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته. ~~قيل له: هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته ومن تساويهم في ~~سكناه والمقام به. وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه; لأن لغير المشتري ~~سكناه كما للمشتري فلا يصح للمشتري تسلمه والانتفاع به حسب الانتفاع ~~بالأملاك، وهذا يدل على أنه غير # PageV03P300 # مملوك، وأما إجارة البيوت فإنما أجازها أبو حنيفة إذا كان البناء ملكا ~~للمؤاجر فيأخذ أجرة ملكه، فأما أجرة الأرض فلا تجوز، وهو مثل بناء الرجل في ~~أرض لآخر يكون لصاحب البناء إجارة البناء. # وقوله: {العاكف فيه والباد} روي عن جماعة من السلف أن العاكف أهله ~~والبادي من غير أهله. # قوله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} فإن الإلحاد هو الميل عن الحق إلى ~~الباطل، وإنما سمي اللحد في القبر; لأنه مائل إلى شق القبر قال الله تعالى: ~~{وذروا ms2389 الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] وقال: {لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي} [النحل: 103] أي لسان الذي يومئون إليه. و "الباء" في قوله: ~~{بإلحاد} زائدة، كقوله: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] أي تنبت الدهن، وقوله ~~تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] . وروي عن ابن عمر أنه ~~قال "ظلم الخادم فما فوقه بمكة إلحاد". وقال عمر "احتكار الطعام بمكة ~~إلحاد". وقال غيره: "الإلحاد بمكة الذنوب". وقال الحسن: "أراد بالإلحاد ~~الإشراك بالله". # قال أبو بكر: الإلحاد مذموم; لأنه اسم للميل عن الحق ولا يطلق في الميل ~~عن الباطل إلى الحق، فالإلحاد اسم مذموم، وخص الله تعالى الحرم بالوعيد في ~~الملحد فيه تعظيما لحرمته. ولم يختلف المتأولون للآية أن الوعيد في الإلحاد ~~مراد به من ألحد في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد، وفي ذلك دليل على ~~أن قوله: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} قد ~~أريد به الحرم; لأن قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد} هذه الهاء كناية عن الحرم ~~وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله: {والمسجد الحرام} فثبت أن المراد بالمسجد ~~ههنا الحرم كله. وقد روى عمارة بن ثوبان قال: أخبرني موسى بن زياد قال: ~~سمعت يعلى بن أمية قال: قال رسول الله "احتكار الطعام بمكة إلحاد". وروى ~~عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: "بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب ~~كالمقيم". وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مرادا بقوله: {بإلحاد بظلم} ~~فيكون الاحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك، وهذا يدل على أن الذنب في الحرم ~~أعظم منه في غيره. ويشبه أن يكون من كره الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت ~~الذنوب بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في ترك الجوار بها مخافة مواقعة ~~الذنوب التي تتضاعف عقوبتها. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"يلحد بمكة رجل عليه مثل نصف عذاب أهل الأرض". وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله ~~ورجل قتل بذحول ms2390 الجاهلية". # PageV03P301 # قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} روى معتمر عن ليث عن مجاهد في قوله ~~تعالى: {وأذن في الناس بالحج} قال إبراهيم عليه السلام: وكيف أؤذنهم؟ قال: ~~تقول: يا أيها الناس أجيبوا يا أيها الناس أجيبوا قال: فقال: يا أيها الناس ~~أجيبوا فصارت التلبية لبيك اللهم لبيك. وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس: "لما ابتنى إبراهيم عليه السلام البيت قال: أوحى الله ~~إليه أن أذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم عليه السلام: "إن ربكم قد اتخذ ~~بيتا وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من صخر أو شجر أو أكمة أو تراب ~~أو شيء لبيك اللهم لبيك". # وهذه الآية تدل على أن فرض الحج كان في ذلك الوقت; لأن الله تعالى أمر ~~إبراهيم بدعاء الناس إلى الحج وأمره كان على الوجوب، وجائز أن يكون وجوب ~~الحج باقيا إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون نسخ على ~~لسان بعض الأنبياء، إلا أنه قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل ~~الهجرة حجتين وحج بعد الهجرة حجة الوداع. وقد كان أهل الجاهلية يحجون على ~~تخاليط وأشياء قد أدخلوها في الحج ويلبون تلبية الشرك، فإن كان فرض الحج ~~الذي أمر الله به إبراهيم في زمن إبراهيم عليه السلام باقيا حتى بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجتين بعدما بعثه قبل ~~الهجرة والأولى فيهما هي الفرض، وإن كان فرض الحج منسوخا على لسان بعض ~~الأنبياء فإن الله تعالى قد فرضه في التنزيل بقوله: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] وقيل إنها نزلت في سنة تسع، ~~وروي أنها نزلت في سنة عشر، وهي السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهذا أشبه بالصحة; لأنا لا نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم تأخير الحج ~~المفروض عن وقته المأمور فيه; إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم من أشد ~~الناس مسارعة إلى ms2391 أمر الله وأسبقهم إلى أداء فروضه، ووصف الله تعالى ~~الأنبياء السالفين فأثنى عليهم بمسابقتهم إلى الخيرات بقوله تعالى: {كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [الأنبياء: 90] ~~فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليتخلف عن منزلة الأنبياء المتقدمين في ~~المسابقة إلى الخيرات بل كان حظه منها أوفى من حظ كل أحد لفضله عليهم وعلو ~~منزلته في درجات النبوة، فغير جائز أن يظن به تأخير الحج عن وقت وجوبه، لا ~~سيما وقد أمر غيره بتعجيله فيما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل"، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأمر ~~غيره بتعجيل الحج ويؤخره عن وقت وجوبه، فثبت بذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يؤخر الحج عن وقت وجوبه. فإن كان فرض الحج لزم بقوله تعالى: {ولله ~~على الناس حج البيت} لأنه لم يخل تاريخ نزوله من أن يكون في سنة تسع أو سنة ~~عشر، فإن كان نزوله في سنة تسع فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخره ~~لعذر وهو أن وقت الحج اتفق على ما كانت العرب تحجه من # PageV03P302 # إدخال النسيء فيه فلم يكن واقعا في وقت الحج الذي فرضه الله تعالى فيه، ~~فلذلك أخر الحج عن تلك السنة ليكون حجه في الوقت الذي فرض الله فيه الحج ~~ليحضر الناس فيقتدوا به. وإن كان نزوله في سنة عشر فهو الوقت الذي حج فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان فرض الحج باقيا منذ زمن إبراهيم عليه ~~السلام إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الحج الذي فعله قبل الهجرة ~~كان هو الفرض وما عداه نفل، فلم يثبت في الوجهين جميعا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخر الحج بعد وجوبه عن أول أحوال الإمكان. # PageV03P303 # باب الحج ماشيا # روى موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: "ما آسى على شيء إلا ~~أني وددت أني كنت حججت ماشيا; لأن الله تعالى ms2392 يقول: {يأتوك رجالا} وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد: "أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين". وروى ~~القاسم بن الحكم العرني عن عبيد الله الرصافي عن عبد الله بن عتبة بن عمير ~~قال: قال ابن عباس: "ما ندمت على شيء فاتني في شيبتي إلا أن لم أحج راجلا، ~~ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة وإن ~~النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله عز وجل ماله ثلاث مرات إنه ليعطي النعل ~~ويمسك النعل ويعطي الخف ويمسك الخف". وروى عبد الرزاق عن عمرو بن زر عن ~~مجاهد قال: "كانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله تعالى: {رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق} . وروى ابن جريج قال: أخبرني العلاء قال: سمعت ~~محمد بن علي يقول: "كان الحسن بن علي يمشي وتقاد دوابه". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} يقتضي إباحة الحج ~~ماشيا وراكبا ولا دلالة فيه على الأفضل منهما، وما رويناه عن السلف في ~~اختيارهم الحج ماشيا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا أفضل، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفصح عن ذلك وهو أن أم عقبة بن عامر ~~نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب ~~وتهدي، وهذا يدل على أن المشي قربة قد لزمت بالنذر، لولا ذلك لما أوجب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليها هديا عند تركها المشي. # قوله تعالى: {يأتين من كل فج عميق} روى جويبر عن الضحاك: {من كل فج عميق} ~~قال: "بلد بعيد". وقال قتادة: "مكان بعيد". قال أبو بكر: الفج الطريق، ~~فكأنه قال: من طريق بعيد. وقال بعض أهل اللغة: "العمق الذاهب على وجه الأرض ~~والعمق الذاهب في الأرض". قال رؤبة: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # PageV03P303 # فأراد بالعمق هذا الذاهب على وجه الأرض، فالعميق البعيد لذهابه على وجه ~~الأرض، قال الشاعر: # يقطعن نور النازح1 العميق # يعني البعيد. وقد روت أم حكيم بنت أمية ms2393 عن أم سلمة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالت: سمعت النبي يقول: "من أهل بالمسجد الأقصى بعمرة أو بحجة ~~غفر له ما تقدم من ذنبه". وروى أبو إسحاق عن الأسود أن ابن مسعود أحرم من ~~الكوفة بعمرة. وعن ابن عباس أنه أحرم من الشام في الشتاء، وأحرم ابن عمر من ~~بيت المقدس، وعمران بن حصين أحرم من البصرة. وروى عمرو بن مرة عن عبد الله ~~بن سلمة قال: سئل علي عن قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: ~~196] قال: "أن تحرم بهما من دويرة أهلك". وقال علي وعمر: "ما أرى أن يعتمر ~~إلا من حيث ابتدأ" وروي عن مكحول قال: قيل لابن عمر: الرجل يحرم من سمرقند ~~أو من خراسان أو البصرة أو الكوفة؟ فقال: "يا ليتنا نسلم من وقتنا الذي وقت ~~لنا"، فكأنه كرهه في هذا الحديث لما يخاف من مواقعة ما يحظره الإحرام لا ~~لبعد المسافة. PageV03P304 # باب التجارة في الحج # قال الله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~"التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة". وروى عاصم بن أبي النجود ~~عن أبي رزين عن ابن عباس قال: "أسواق كانت، ما ذكر المنافع إلا للدنيا". ~~وعن أبي جعفر: "المغفرة". قال أبو بكر: ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به ~~منافع الدين وإن كانت التجارة جائزة أن تراد، وذلك لأنه قال: {وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع ~~لهم} فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون ~~المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعا ~~لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر ~~الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة ~~فيها دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: {ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج، ~~وقد ms2394 ذكرنا ما روي فيه في سورة البقرة. # PageV03P304 # باب الأيام المعلومات # قال الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} فروي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده ~~واذبح في أيها شئت، قال ابن عمر: "المعلومات أيام النحر والمعدودات أيام ~~التشريق". وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد الكندي ~~القاضي قال: كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام ~~المعلومات، فأملى علي أبو يوسف جواب كتابه: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيها، فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر، وإلى ذلك أذهب; ~~لأنه قال: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وذلك في أيام النحر، وعن ابن ~~عباس والحسن وإبراهيم أن المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق، ~~وروى معمر عن قتادة مثل ذلك، وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} يوم النحر وثلاثة أيام ~~بعده، وذكر أبو الحسن الكرخي أن أحمد القاري روى عن أبي حنيفة أن المعلومات ~~العشر، وعن محمد أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده، وذكر ~~الطحاوي أن من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن المعلومات العشر ~~والمعدودات أيام التشريق، والذي رواه أبو الحسن عنهم أصح. وقد قيل إنه إنما ~~قيل لأيام التشريق معدودات; لأنها قليلة، كما قال تعالى: {وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة} [يوسف: 20] وأنه سماها معدودة لقلتها. وقيل لأيام العشر ~~معلومات حثا على علمها وحسابها من أجل أن وقت الحج في آخرها، فكأنه أمرنا ~~بمعرفة أول الشهر وطلب الهلال فيه حتى نعد عشرة ويكون آخرهن يوم النحر. ~~ويحتج لأبي حنيفة بذلك في أن تكبير التشريق مقصور على أيام العشر مفعول في ~~يوم عرفة ويوم النحر وهما من أيام العشر. # فإن قيل: لما قال: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} دل على أن المراد ~~أيام النحر كما روي عن علي. قيل له: يحتمل ms2395 أن يريد لما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، كما قال: {لتكبروا الله على ما هداكم} ومعناه: لما هداكم، وكما ~~تقول: اشكر الله على نعمه، ومعناه: لنعمه. وأيضا فيحتمل أن يريد به يوم ~~النحر ويكون قوله تعالى: {على ما رزقهم} يريد به يوم النحر وبتكرار السنين ~~عليه تصير أياما. وهذه الآية تدل على أن ذبح سائر الهدايا في أيام النحر ~~أفضل منه في غيرها وإن كانت من تطوع أو جزاء صيد أو غيره. # واختلف أهل العلم في أيام النحر، فقال أصحابنا والثوري: "هو يوم النحر ~~ويومان # PageV03P305 # بعده". وقال الشافعي: "ثلاثة أيام بعده وهي أيام التشريق". قال أبو بكر: ~~وروي نحو قولنا عن علي وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة وسعيد ~~بن جبير وسعيد بن المسيب. وروي مثل قول الشافعي عن الحسن وعطاء. وروي عن ~~إبراهيم النخعي أن النحر يومان. وقال ابن سيرين: "النحر يوم واحد". وروى ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وسليمان بن يسار قالا: "الأضحى إلى هلال ~~المحرم". # قال أبو بكر: قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ثلاثة واستفاض ذلك عنهم، ~~وغير جائز لمن بعدهم خلافهم; إذ لم يرو عن أحد من نظرائهم خلافه فثبتت ~~حجته. وأيضا فإن سبيل تقدير أيام النحر التوقيف أو الاتفاق; إذ لا سبيل ~~إليها من طريق المقاييس، فلما قال من ذكرنا قوله من الصحابة بالثلاثة صار ~~ذلك توقيفا، كما قلنا في مقدار مدة الحيض وتقدير المهر ومقدار التشهد في ~~إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق إثباتها التوقيف أو ~~الاتفاق إذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته وكان ذلك توقيفا. وأيضا قد ~~ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق; لأنه لو كانت أيام النحر أيام ~~التشريق لما كان بينهما فرق وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر، فلما ~~وجدنا الرمي في يوم النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر في يوم النحر، وقال ~~قائلون: إلى آخر أيام التشريق، وقلنا نحن: يومان بعده، وجب أن نوجب فرقا ~~بينهما، لإثبات ms2396 فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ~~ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها. # واحتج من جعل النحر إلى آخر أيام التشريق بما روى سليمان بن موسى عن ابن ~~أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عرفات موقف ~~وارتفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر ~~وكل أيام التشريق ذبح"، وهذا حديث قد ذكر عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن هذا ~~الحديث فقال: لم يسمعه ابن أبي حسين من جبير بن مطعم وأكثر روايته عن سهو. ~~وقد قيل إن أصله ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال: ~~سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء بن أبي ~~رباح وعطاء يسمع قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر"، فهذا أصل ~~الحديث، ولم يذكر فيه: "وكل أيام التشريق ذبح"، ويشبه أن يكون الحديث الذي ~~ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه; لأنه لم ~~يذكره. وأيضا لما ثبت أن النحر فيما يقع عليه اسم الأيام وكان أقل ما ~~يتناوله اسم الأيام ثلاثة وجب أن يثبت الثلاثة، وما زاد لم تقم عليه ~~الدلالة فلم يثبت. # PageV03P306 # في التسمية على الذبيحة # قال الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} فإن كان المراد بهذا الذكر التسمية على الذبيحة فقد دل ذلك ~~على أن ذلك من شرائط الذكاة; لأن الآية تقتضي وجوبها، وذلك لأنه قال: {وأذن ~~في الناس بالحج} إلى قوله: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات} فكانت المنافع هي أفعال المناسك التي يقتضي الإحرام إيجابها، فوجب ~~أن تكون التسمية واجبة; إذ كان الدعاء إلى الحج وقع لها كوقوعها لسائر ~~مناسك الحج، وإن ms2397 كان المراد بالتسمية هي الذكر المفعول عند رمي الجمار أو ~~تكبير التشريق فقد دلت الآية على وجوب هذا الذكر، وليس يمتنع أن يكون ~~المراد جميع ذلك وهو التسمية على الهدايا الموجبة بالإحرام للقران أو ~~التمتع وما تعلق وجوبها بالإحرام ويراد بها تكبير التشريق والذكر المفعول ~~عند رمي الجمار; إذ لم تكن إرادة جميع ذلك ممتنعة بالآية. وروى معمر عن ~~أيوب عن نافع قال: "كان ابن عمر يقول حين ينحر: لا إله إلا الله والله ~~أكبر". وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: "قلت: كيف تقول إذا ~~نحرت؟ قال: أقول الله أكبر لا إله إلا الله". وروى سفيان عن أبي بكر ~~الزبيدي عن عاصم بن شريف: "أن عليا ضحى يوم النحر بكبش فقال: بسم الله ~~والله أكبر اللهم منك ولك ومن علي لك. # PageV03P307 # باب في أكل لحوم الهدايا # قال الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها} قال أبو بكر: ظاهره يقتضي إيجاب الأكل، إلا أن ~~السلف متفقون على أن الأكل منها ليس على الوجوب، وذلك لأن قوله: {على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} لا يخلو من أن يكون المراد به الأضاحي وهدي المتعة ~~والقران والتطوع أو الهدايا التي تجب من جنايات تقع من المحرم في الإحرام ~~نحو جزاء الصيد وما يجب على اللابس والمتطيب وفدية الأذى وهدي الإحصار ~~ونحوها، فأما دماء الجنايات فمحظور عليه الأكل منها، وأما دم القران ~~والمتعة والتطوع فلا خلاف أيضا أن الأكل منها ليس بواجب; لأن الناس في دم ~~القران والمتعة على قولين منهم من لا يجيز الأكل منه ومنهم من يبيح الأكل ~~منه ولا يوجبه، ولا خلاف بين السلف ومن بعدهم من الفقهاء أن قوله: {فكلوا ~~منها} ليس على الوجوب، وقد روي عن عطاء والحسن وإبراهيم ومجاهد قالوا: "إن ~~شاء أكل وإن شاء لم يأكل" قال مجاهد: إنما هو بمنزلة قوله تعالى: {وإذا # PageV03P307 # حللتم فاصطادوا} وقال إبراهيم: كان المشركون لا يأكلون من البدن حتى ms2398 ~~نزلت: {فكلوا منها} فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وروى يونس بن بكير عن أبي ~~بكر الهذلي عن الحسن قال: "كان الناس في الجاهلية إذا ذبحوا لطخوا بالدم ~~وجه الكعبة وشرحوا اللحم ووضعوه على الحجارة وقالوا لا يحل لنا أن نأكل ~~شيئا جعلناه لله حتى تأكله السباع والطير، فلما جاء الإسلام جاء الناس إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: شيئا كنا نصنعه في الجاهلية ألا ~~نصنعه الآن فإنما هو لله؟ فأنزل الله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا} فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعلوا فإن ذلك ليس لله". وقال الحسن: ~~فلم يعزم عليهم الأكل فإن شئت فكل وإن شئت فدع، وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أكل من لحم الأضحية. # قال أبو بكر: وظاهر الآية يقتضي أن يكون المذكور في هذه الآية من بهيمة ~~الأنعام التي أمرنا بالتسمية عليها هي دم القران والمتعة، وأقل أحوالها أن ~~تكون شاملة لدم القران والمتعة وسائر الدماء وإن كان الذي يقتضيه ظاهره دم ~~المتعة والقران، والدليل على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة: {فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران; إذ كان سائر ~~الدماء جائزا له فعلها قبل هذه الأفعال وبعدها، فثبت أن المراد بها دم ~~القران والمتعة. وزعم الشافعي أن دم المتعة والقران لا يؤكل منهما، وظاهر ~~الآية يقتضي بطلان قوله. وقد روى جابر وأنس وغيرهما: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم "كان قارنا في حجة الوداع". وروى جابر أيضا وابن عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم "أهدى في حجة الوداع مائة بدنة نحر بيده منها ستين وأمر ~~ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر وطبخت وأكل منها وتحسى من ~~المرقة فأكل صلى الله عليه وسلم من دم القران". وأيضا لما ثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان قارنا وأنه لم يكن ليختار من الأعمال ms2399 إلا أفضلها فثبت ~~أن القران أفضل من الإفراد وأن الدم الواجب به إنما هو نسك وليس بجبران ~~لنقص أدخله في الإحرام، ولما كان نسكا جاز الأكل منه كما يأكل من الأضاحي ~~والتطوع. ويدل على أنه كان قارنا أن حفصة قالت: يا رسول الله ما بال الناس ~~حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني سقت الهدي فلا أحل إلا يوم النحر، ~~ولو استقبلت من أمري ما استدبرته ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، فلو كان ~~هديه تطوعا لما منعه الإحلال; لأن هدي التطوع لا يمنع الإحلال. # فإن قيل: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قارنا فقد كان إحرام الحج ~~يمنعه الإحلال، فلا تأثير للهدي في ذلك. قيل له: لم يكن إحرام الحج مانعا ~~في ذلك الوقت من الإحلال قبل يوم النحر; لأن فسخ الحج كان جائزا، وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين أحرموا بالحج أن يتحللوا بعمل ~~عمرة، فكانوا في ذلك الوقت بمنزلة المتمتع الذي يحرم بالعمرة مفردا # PageV03P308 # بها، فلم يكن يمتنع الإحلال فيما بينها وبين إحرام الحج إلا أن يسوق ~~الهدي فيمنعه ذلك من الإحلال، وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قرانه وكان المانع له من الإحلال سوق الهدي دون إحرام الحج، وفي ذلك دليل ~~على صحة ما ذكرنا من أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي القران لا ~~التطوع; إذ لا تأثير لهدي التطوع في المنع من الإحلال بحال. ويدل على أنه ~~كان قارنا قوله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من ربي في هذا الوادي ~~المبارك وقال قل حجة وعمرة"، ويمتنع أن يخالف ما أمره به ربه. ورواية ابن ~~عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج لا يعارض رواية من روى القران، ~~وذلك لأن راوي القران قد علم زيادة إحرام لم يعلمه الآخر فهو أولى، وجائز ~~أن يكون راوي الإفراد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك اللهم ~~لبيك" ولم يسمعه يذكر العمرة، أو سمعه ms2400 ذكر الحج دون العمرة وظن أنه مفرد، ~~إذ جائز للقارن أن يقول لبيك بحجة دون العمرة وجائز أن يقول لبيك بعمرة ~~وجائز أن يلبي بهما معا، فلما كان ذلك سائغا وسمعه بعضهم يلبي بالحج وبعضهم ~~سمعه يلبي بحج وعمرة كانت رواية من روى الزيادة أولى. وأيضا فإنه يحتمل أن ~~يريد بقوله أفرد الحج أفعال الحج، وأفاد أنه أفرد أفعال الحج وأفرد أفعال ~~العمرة ولم يقتصر للإحرامين على فعل الحج دون العمرة، وأبطل بذلك قول من ~~يجيز لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا. # وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين الأكل من هدي القران والمتعة. ~~وروى عطاء عن ابن عباس قال: "من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء ~~أو نذر". وروى عبيد الله بن عمر قال: "لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل ~~مما سوى ذلك". وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا: "لا يؤكل من الهدي كله إلا ~~الجزاء". فهؤلاء الصحابة والتابعون قد أجازوا الأكل من دم القران والتمتع، ~~ولا نعلم أحدا من السلف حظره. # قوله تعالى: {وأطعموا البائس الفقير} روى طلحة بن عمرو عن عطاء: {وأطعموا ~~البائس الفقير} قال: "من سألك". وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: البائس ~~الذي يسأل بيده إذا سأل". وإنما سمي من كانت هذه حاله بائسا لظهور أثر ~~البؤس عليه بأن يمد يده للمسألة، وهذا على جهة المبالغة في الوصف له ~~بالفقر، وهو في معنى المسكين; لأن المسكين من هو في نهاية الحاجة والفقر، ~~وهو الذي قد ظهر عليه السكون للحاجة وسوء الحال، وهو الذي لا يجد شيئا، ~~وقيل: هو الذي يسأل. وهذه الآية قد انتظمت سائر الهدايا والأضاحي وهي ~~مقتضية لإباحة الأكل منها والندب إلى الصدقة ببعضها. وقدر أصحابنا فيه ~~الصدقة بالثلث، وذلك لقوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي: "فكلوا وادخروا" فجعلوا # PageV03P309 # الثلث للأكل والثلث للادخار والثلث للبائس الفقير. وفي قوله تعالى: ~~{فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} دلالة على حظر بيعها، ms2401 ويدل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "فكلوا وادخروا" وفي ذلك منع البيع. ويدل عليه ما روى ~~سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ~~قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وقال: "اقسم جلودها ~~وجلالها ولا تعط الجازر منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا"، فمنع النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يعطى منها أجرة الجازر، وفي ذلك منع من البيع; لأن إعطاء ~~الجازر ذلك من أجرته هو على وجه البيع. ولما جاز الأكل منها دل على جواز ~~الانتفاع بجلودها من. غير جهة البيع، ولذلك قال أصحابنا: "يجوز الانتفاع ~~بجلد الأضحية" وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة. وقال الشعبي: كان مسروق ~~يتخذ مسك أضحيته مصلى فيصلي عليه. وعن إبراهيم وعطاء وطاوس والشعبي: أنه ~~ينتفع به. # قال أبو بكر: ولما منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى الجازر من الهدي ~~شيئا في جزارتها وقال: "إنا نعطيه من عندنا" دل ذلك على معنيين: أحدهما: أن ~~المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه الأجرة; لأن في بعض ألفاظ حديث علي: ~~"وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها" وفي بعضها: "أن لا أعطيه في جزارتها ~~منها شيئا" فدل على أنه جائز أن يعطي الجزار من غير أجرته كما يعطي سائر ~~الناس. وفيه دليل على جواز الإجارة على نحر البدن; لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "نحن نعطيه من عندنا" وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل معلوم. ~~وأجاز أصحابنا الإجارة على ذبح شاة، ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل رجل ~~بقصاص، والفرق بينها أن الذبح عمل معلوم والقتل مبهم غير معلوم ولا يدري ~~أيقتله بضربة أو بضربتين أو أكثر. # قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} روى عبد الملك عن عطاء عن ~~ابن عباس قال: "التفث الذبح والحلق والتقصير وقص الأظفار والشارب ونتف ~~الإبط". وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد مثله، وكذلك عن الحسن وأبي عبيدة. ~~وقال ابن ms2402 عمر وسعيد بن جبير في قوله: {تفثهم} قال: "المناسك". وروى أشعث عن ~~الحسن قال: "نسكهم". وروى حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء: {ثم ليقضوا تفثهم} ~~قال: "الشعر والأظفار". وقيل: "التفث قشف الإحرام وقضاؤه بحلق الرأس ~~والاغتسال ونحوه". # قال أبو بكر: لما تأول السلف قضاء التفث على ما ذكرنا دل ذلك على أن من ~~قضائه حلق الرأس; لأنهم تأولوه عليه، ولولا أن ذلك اسم له لما تأولوه عليه; ~~إذ لا يسوغ التأويل على ما ليس اللفظ عبارة عنه، وذلك دليل على وجوب الحلق; ~~لأن الأمر على الوجوب، فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام. ومن ~~الناس من # PageV03P310 # يزعم أنه إطلاق من حظر; إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال لقوله ~~تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] والأول أصح; لأن أمره بقضاء التفث قد ~~انتظم سائر المناسك على ما روي عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله من السلف. ومعلوم ~~أن فعل سائر المناسك ليس على وجه الإباحة بل على وجه الإيجاب، فكذلك الحلق; ~~لأنه قد ثبت أنه قد أريد بالأمر بقضاء التفث الإيجاب في غير الحلق، فكذلك ~~الحلق. # وقوله: {وليوفوا نذورهم} قال ابن عباس نحر ما نذروا من البدن". وقال ~~مجاهد: "كل ما نذر في الحج". قال أبو بكر: إن كان التأويل نحر البدن ~~المنذورة فإن قوله تعالى: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها} لم ~~يرد به ما نذر نحره من البدن والهدايا; لأنه لو كان مرادا لما ذكره بعد ~~ذكره الذبح بهيمة الأنعام وأمره إيانا بالأكل منها، فيكون قوله: {على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها} في غير المنذور به وهو دم التطوع ~~والتمتع والقران. ويدل على أنه لم يرد الهدي المنذور أن دم النذر لا يؤكل ~~منه وقد أمر الله تعالى بالأكل من بهيمة الأنعام المذكور في الآية، فدل على ~~أنه لم يرد النذر، واستأنف ذكر النذر وأفاد به معان: أحدها: أنه لا يؤكل ~~منه، والثاني: ms2403 أن ذبح النذر في هذه الأيام أفضل منه في غيرها، والثالث ~~إيجاب الوفاء بنفس المنذور دون كفارة يمين. وجائز أن يكون المراد سائر ~~النذور في الحج من صدقة أو طواف ونحوه، وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال: ~~"هو كل نذر إلى أجل". # قال أبو بكر: وفيه الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر لقوله تعالى: {وليوفوا ~~نذورهم} والأمر على الوجوب، وهو يدل على بطلان قول الشافعي فيمن نذر حجا أو ~~عمرة أو بدنة أو نحوها أن عليه كفارة يمين; لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس ~~المنذور. # PageV03P311 # باب طواف الزيارة # قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فروي عن الحسن أنه قال: " ~~{وليطوفوا} طواف الزيارة" وقال مجاهد: "الطواف الواجب". قال أبو بكر: ظاهره ~~يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أمر به معطوفا ~~على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد ~~الذبح إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة. # فإن قيل: يحتمل أن يريد به طواف القدوم الذي فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه حين قدموا مكة وحلوا به من إحرام الحج وجعلوه عمرة إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد كان ساق # PageV03P311 # الهدي فمنعه ذلك من الإحلال ومضى على حجته. قيل له: لا يجوز أن يكون ~~المراد به طواف القدوم من وجوه: أحدها: أنه مأمور به عقيب الذبح، وذبح ~~الهدي إنما يكون يوم النحر; لأنه قال: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} وحقيقة "ثم" للترتيب ~~والتراخي، وطواف القدوم مفعول قبل يوم النحر، فثبت أنه لم يرد به طواف ~~القدوم. والوجه الثاني: أن قوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} هو أمر والأمر ~~على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب، وطواف القدوم غير واجب، وفي صرف المعنى ~~إليه صرف للكلام عن حقيقته. والثالث: أنه لو كان المراد الطواف الذي أمر به ~~أصحاب رسول ms2404 الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا مكة لكان منسوخا; لأن ذلك ~~الطواف إنما أمروا به لفسخ الحج وذلك منسوخ بقوله تعالى: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} [البقرة: 196] وبما روى ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث ~~المزني عن أبيه قال: " قلت: يا رسول الله "أرأيت فسخ حجتنا لنا خاصة أم ~~للناس عامة؟ قال: بل لكم خاصة". وروي عن عمر وعثمان وأبي ذر وغيرهم مثل ~~ذلك. وقال ابن عباس: "لا يطوف الحاج للقدوم وإنه إن طاف قبل عرفة صارت حجته ~~عمرة" وكان يحتج بقوله: {ثم محلها إلى البيت العتيق} فذهب إلى أنه يحل ~~بالطواف قبله قبل عرفة أو بعده، فكان ابن عباس يذهب إلى أن هذا الحكم باق ~~لم ينسخ وأن فسخ الحج قبل تمامه جائز بأن يطوف قبل الوقوف بعرفة فيصير حجه ~~عمرة. وقد ثبت بظاهر قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} نسخه، وهذا ~~معنى ما أراده عمر بن الخطاب بقوله: "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج"، ~~وذهب فيه إلى ظاهر هذه الآية وإلى ما علمه من توقيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إياهم على أن فسخ الحج كان لهم خاصة، وإذا ثبت أن ذلك منسوخ لم ~~يجز تأويل قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} عليه، فثبت بما وصفنا أن ~~المراد طواف الزيارة. # وفيه الدلالة على وجوب تقديمه قبل مضي أيام النحر; إذ كان الأمر على ~~الفور حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير، ولا خلاف في إباحة تأخيره إلى ~~آخر أيام النحر، وقد روى سفيان الثوري وغيره عن أفلح بن حميد عن أبيه: "أنه ~~حج مع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو أيوب، فلما كان ~~يوم النحر لم يزر أحد منهم البيت إلى يوم النفر إلا رجالا كانت معهم نساء ~~فتعجلوا"، وإنما أراد بذلك عندنا النفر الأول، وهو اليوم الثالث من يوم ~~النحر، فلو خلينا وظاهر الآية لما جاز تأخير الطواف عن ms2405 يوم النحر، إلا أنه ~~لما اتفق السلف وفقهاء الأمصار على إباحة تأخيره إلى اليوم الثالث من أيام ~~النحر # PageV03P312 # أخرناه ولم يجز تأخيره إلى آخر أيام التشريق، ولذلك قال أبو حنيفة: "من ~~أخره إلى أيام التشريق فعليه دم" وقال أبو يوسف ومحمد: "لا شيء عليه". # فإن قيل: لما كانت "ثم" تقتضي التراخي وجب جواز تأخيره إلى أي وقت شاء ~~الطائف. قيل له: لا خلاف أنه ليس بواجب عليه التأخير، وظاهر اللفظ يقتضي ~~إيجاب تأخيره إذا حمل على حقيقته، فلما لم يكن التأخير واجبا وكان فعله ~~واجبا لا محالة اقتضى ذلك لزوم فعله يوم النحر من غير تأخير وهو الوقت الذي ~~أمر فيه بقضاء التفث، فاستدلالك بظاهر اللفظ على جواز تأخيره أبدا غير صحيح ~~مع كون "ثم" في هذا الموضع غير مراد بها حقيقة معناها من وجوب فعله على ~~التراخي، ولهذا قال أبو حنيفة فيمن أخر الحلق إلى آخر أيام التشريق إن عليه ~~دما; لأن قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} قد اقتضى فعل الحلق على الفور في ~~يوم النحر، وأباح تأخيره إلى آخر أيام النحر بالاتفاق ولم يبحه أكثر من ~~ذلك. ومما يحتج به لأبي حنيفة في ذلك أن الله تعالى قد أباح النفر في اليوم ~~الثاني من أيام التشريق وهو الثالث من النحر بقوله تعالى: {واذكروا الله في ~~أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ويمتنع إباحة ~~النفر قبل تقديم طواف الزيارة، فثبت أنه مأمور به قبل النفر الأول وهو ~~اليوم الثالث من النحر، فإذا تضمن ذلك فقد تم الطواف فهو لا محالة منهي عن ~~تأخيره، فإذا أخره لزمه جبرانه بدم. # وقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} لما كان لفظا ظاهر المعنى بين ~~المراد اقتضى جواز الطواف على أي وجه أوقعه من حدث أو جنابة أو عريان أو ~~منكوسا أو زحفا; إذ ليس فيه دلالة على كون الطهارة وما ذكرنا شرطا فيه، ولو ~~شرطنا فيه الطهارة وما ذكرنا كنا زائدين في النص ما ليس فيه، والزيادة في ~~النص غير ms2406 جائزة إلا بمثل ما يجوز به النسخ فقد دلت الآية على وقوع الطواف ~~موقع الجواز وإن فعله. على هذه الوجوه المنهي عنها. وقوله: {ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} يقتضي جواز أي ذلك فعله من ~~غير ترتيب; إذ ليس في اللفظ دلالة على الترتيب، فإن فعل الطواف قبل قضاء ~~التفث أو قضى التفث ثم طاف فإن مقتضى الآية أن يجزئ جميع ذلك; إذ "الواو" ~~لا توجب الترتيب. # ولم يختلف الفقهاء في إباحة الحلق واللبس قبل طواف الزيارة، ولم يختلفوا ~~أيضا في حظر الجماع قبله، واختلفوا في الطيب والصيد، فقال قائلون: "هما ~~مباحان قبل الطواف" وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء، وهو قول عائشة في آخرين ~~من السلف. وقال عمر بن الخطاب وابن عمر: "لا تحل له النساء والطيب والصيد ~~حتى يطوف للزيارة". وقال قوم: "لا تحل له النساء والطيب والصيد حتى يطوف" ~~وروى سفيان بن عيينة عن # PageV03P313 # عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله لحرمه حين ~~أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على ~~إباحة اللبس والحلق قبل الطواف وليس لهما تأثير في إفساد الإحرام، فوجب أن ~~يكون الطيب والصيد مثلهما. # وقوله تعالى: {بالبيت العتيق} قال معمر عن الزهري قال: قال ابن الزبير: ~~"إنما سمي البيت العتيق; لأن الله أعتقه من الجبابرة". وقال مجاهد: "أعتق ~~من أن يملكه الجبابرة". وقيل: "إنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم عليه ~~السلام ثم ولده إبراهيم عليه السلام فهو أقدم بيت، فسمي لذلك عتيقا". # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم حرمات الله} يعني به والله أعلم اجتناب ما حرم ~~الله عليه في وقت الإحرام تعظيما لله عز وجل واستعظاما لمواقعة ما نهى الله ~~عنه في إحرامه صيانة لحجه وإحرامه، فهو خير له عند ربه من ترك استعظامه ~~والتهاون به. # قوله تعالى: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} قيل فيه وجهان: ~~أحدهما: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله من الميتة والدم ولحم ms2407 الخنزير ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب. والثاني: ~~وأحلت لكم بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم في حال إحرامكم إلا ما ~~يتلى عليكم من الصيد فإنه يحرم على المحرم. # قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} يعني: اجتنبوا تعظيم الأوثان ~~فلا تعظموها واجتنبوا الذبائح لها على ما كان يفعله المشركون، وسماها رجسا ~~استقذارا لها واستخفافا بها، وإنما أمرهم باستقذارها; لأن المشركين كانوا ~~ينحرون عليها هداياهم ويصبون عليها الدماء وكانوا مع هذه النجاسات ~~يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن تعظيمها وعبادتها وسماها رجسا لقذارتها ~~ونجاستها من الوجوه التي ذكرنا، ويحتمل أن يكون سماها رجسا للزوم اجتنابها ~~كاجتناب الأقذار والأنجاس. # PageV03P314 # باب شهادة الزور # قال الله عز وجل: {واجتنبوا قول الزور} والزور الكذب وذلك عام في سائر ~~وجوه الكذب، وأعظمها الكفر بالله والكذب على الله عز وجل. وقد دخل فيه ~~شهادة الزور، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد ويعلى ابنا عبيد عن ~~سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك قال: صلى بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم قال: # PageV03P314 # "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله" ثم تلا هذه الآية: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} " وروى وائل بن ربيعة ~~عن عبد الله بن مسعود قال: "عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ثم قرأ: ~~{فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا محمد بن ~~الفرات التميمي قال: سمعت محارب بن دثار يقول: أخبرني عبد الله بن عمر أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى ~~توجب له النار". # وقد اختلف في حكم شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: "لا يعزر" وهذا عندنا على ~~أنه إن جاء تائبا، فأما إن كان مصرا فإنه ms2408 لا خلاف عندي بينهم في أنه يعزر. ~~وقال أبو يوسف ومحمد: "يضرب ويسخم وجهه ويشهر ويحبس". وقد روى عبد الله بن ~~عامر عن أبيه قال: "أتي عمر بن الخطاب بشاهد زور، فجرده وأوقفه للناس يوما ~~وقال: هذا فلان بن فلان فاعرفوه ثم حبسه". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا العباس بن الوليد البزاز قال: حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا حماد بن ~~زيد عن الحجاج عن مكحول، أن عمر بن الخطاب قال في الشاهد الزور: "يضرب ظهره ~~ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطال حبسه". # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} قال أهل ~~اللغة: الشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة التي تشعر بما جعلت له، وإشعار ~~البدن هو أن نعلمها بما يشعر أنها هدي، فقيل على هذا: إن الشعائر علامات ~~مناسك الحج كلها، منها رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة وروى حبيب ~~المعلم عن عطاء أنه سئل عن شعائر الله فقال: "حرمات الله اتباع طاعته ~~واجتناب معصيته فذلك شعائر الله". وروى شريك عن جابر عن عطاء: {ومن يعظم ~~شعائر الله} قال: "استسمانها واستعظامها". وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ~~ابن عباس: {ومن يعظم شعائر الله} قال: "في الاستحسان والاستسمان ~~والاستعظام" وعن عكرمة مثله، وكذلك قول مجاهد. وقال الحسن "شعائر الله دين ~~الله". قال أبو بكر: يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بالآية لاحتمالها ~~لها. # PageV03P315 # باب في ركوب البدنة # قال الله عز وجل: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} قال ابن عباس وابن عمر ~~ومجاهد وقتادة: "لكم فيها منافع في ألبانها وظهورها وأصوافها إلى أن تسمى ~~بدنا ثم # PageV03P315 # محلها إلى البيت العتيق"، وعن محمد بن كعب القرظي مثله. وقال عطاء: "إنه ~~ينتفع بها إلى أن تنحر" وهو قول عروة بن الزبير. قال أبو بكر: فاتفق ابن ~~عباس ومن تابعه على أن قوله: {إلى أجل مسمى} أريد به إلى أن تصير بدنا، ~~فذلك هو الأجل المسمى، وكرهوا بعد ذلك أن تركب، وقال عطاء ومن وافقه: ~~"يركبها بعد ms2409 أن تصير بدنة" وقال عروة بن الزبير: "ويركبها غير فادح لها ~~ويحلبها عن فضل ولدها". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار ~~يحتج بها من أباح ركوبها، فروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: "ويحك اركبها فقال: إنها بدنة فقال: ويحك ~~اركبها". وروى شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك. ~~وهذا عندنا إنما أباحه لضرورة علمه من حاجة الرجل إليها، وقد بين ذلك في ~~أخبار أخر، منها ما روى إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس قال: "مر النبي صلى ~~الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة وهو يمشي وقد بلغ منه فقال: "اركبها" قال: ~~إنها بدنة قال: "اركبها". وسئل جابر عن ركوب الهدي فقال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا". ~~وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ركوب الهدي قال: "اركب بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظهرا". ~~فبين في هذه الأخبار أن إباحة ركوبها معقودة بشريطة الضرورة إليها، ويدل ~~على أنه لا يملك منافعها أنه لا يجوز له أن يؤاجرها للركوب، فلو كان مالكا ~~لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات. # PageV03P316 ### | مطلب: يجوز الجهاد وإن كان أمير الجيش فاسقا # فإن قيل: هل يجوز الجهاد مع الفساق؟ قيل له: إن كل أحد من المجاهدين ~~فإنما يقوم بفرض نفسه، فجائز له أن يجاهد الكفار، وإن كان أمير الجيش ~~وجنوده فاسقا، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يغزون بعد الخلفاء ~~الأربعة مع الأمراء الفساق،, وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد اللعين، وقد ~~ذكرنن حديث أبي أيوب أنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا فإنه ~~استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك: وما علي من استعمل علي؟ فكان ~~يقول: قال الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} فلا أجدني ms2410 إلا خفيفا أو ثقيلا ~~فدل على أن الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول، وسائر الآي الموجبة ~~لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين، وأيضا فإن ~~الفساق إذا جاهدوا فهم مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام ~~وغير ذلك من شرائع الإسلام، وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته ~~على ذلك، فكذلك الجهاد، فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق، ~~فإذا كان الفرض عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول، ومع الفساق # PageV03P154 ### | مطلب: في وجوب الاستعداد للجهاد # قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} العدة ما يعده الإنسان ~~ويهيئه لما يفعله في المستقبل، وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب ~~الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل} [الأنفال:60] . # وقوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} يعني خروجهم; لأن خروجهم كان يقع ~~على وجه الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم، والخروج # PageV03P154 ### | مطلب: في بيان معنى الفقير والمسكين # قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية قال الزهري: الفقير ~~الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ~~في حد الفقير والمسكين مثل هذا; وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا ~~وأبلغ في جهد الفقر والعدم من الفقير وروي عن ابن عباس والحسن وجابر بن زيد ~~والزهري ومجاهد قالوا: الفقير: المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل; ~~فكان قول أبي حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف، ويدل على هذا قوله تعالى: ~~{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} ~~[البقرة:273] فسماهم فقراء، ووصفهم بالتعفف وترك المسألة، وروي عن قتادة ~~قال: الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة # PageV03P157 ### | مطلب: في المؤلفة القلوب # قوله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} فإنهم كانوا قوما يتألفون ms2411 على الإسلام بما ~~يعطون من الصدقات، وكانوا يتألفون بجهات ثلاث: إحداها للكفار لدفع معرتهم، ~~وكف أذيتهم عن المسلمين، والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين، والثانية: ~~لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام، ولئلا ~~يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام، ونحو ذلك من الأمور، ~~والثالثة إعطاء قوم من المسلمين حديثي العهد بالكفر لئلا يرجعوا إلى الكفر. ~~وقد روى الثوري عن أبيه عن أبي نعيم عن # PageV03P159 ### | باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة # مطلب: في بيان حد الغنى # قال أبو بكر رحمه الله: اختلف أهل العلم في المقدار الذي إذا ملكه الرجل ~~دخل به في حد الغني، وخرج به من حد الفقير، وحرمت عليه الصدقة، فقال قوم: ~~"إذا كان عند أهله ما يغديهم ويعشيهم حرمت عليه الصدقة بذلك، ومن كان عنده ~~دون ذلك حلت له الصدقة"، واحتجوا بما رواه عبد الرحمن عن يزيد بن جابر قال: ~~حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي كبشة السلولي قال: حدثني سهل بن الحنظلية قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما ~~يستكثر من جمر جهنم"، قلت: يا رسول الله ما ظهر غنى؟ قال: "أن يعلم أن عند ~~أهله ما يغديهم ويعشيهم" وقال آخرون: "حتى يملك أربعين درهما أو عدلها من ~~الذهب"، واحتجوا بما # PageV03P165 ### | باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة # قال أصحابنا: من تحرم عليهم الصدقة منهم آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، ~~وآل عقيل، وولد الحارث بن عبد المطلب جميعا. وحكى الطحاوي عنهم: وولد عبد ~~المطلب، ولم أجد ذلك عنهم رواية. والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات ~~المفروضة، وأما التطوع فلا بأس به. وذكر الطحاوي أنه روي عن أبي حنيفة وليس ~~بالمشهور أن فقراء بني هاشم يدخلون في آية الصدقات، ذكره في أحكام القرآن، ~~قال: وقال أبو يوسف ومحمد لا يدخلون. # قال أبو بكر: المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ذكره من آل العباس وآل ~~علي # PageV03P169 ### | باب من لا يجوز ms2412 أن يعطى من الزكاة من الفقراء # قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} فاقتضى ظاهره جواز ~~إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لولا قيام الدلالة على منع ~~إعطاء بعض الأقرباء، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا جميعا: "لا ~~يعطى منها والدا وإن علا # PageV03P172 ### | فيما يعطى مسكين واحد من الزكاة # كان أبو حنيفة يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته ~~أجزاك ولا بأس بأن تعطيه أقل من مائتي درهم، قال:"وأن يغني بها إنسانا أحب ~~إلي". وروى هشام عن أبي يوسف في رجل له مائة وتسعة وتسعون درهما فتصدق عليه ~~بدرهمين:"أنه يقبل واحدا ويرد واحدا" فقد أجاز له أن يقبل تمام المائتين، ~~وكره أن يقبل ما فوقها، وأما مالك بن أنس فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد ~~من غير توقيف، وقول ابن شبرمة فيه كقول أبي حنيفة، وقال الثوري: لا يعطى من ~~الزكاة أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما وهو قول الحسن بن صالح، وقال ~~الليث: يعطى مقدار ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال، والزكاة كثيرة. ولم ~~يحد الشافعي شيئا، واعتبر ما يرفع الحاجة. # قال أبو بكر: قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} ليس فيه ~~تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم، وقد علمنا أنه لم يرد به تفريقها على ~~الفقراء على عدد الرءوس لامتناع ذلك وتعذره، فثبت أن المراد دفعها إلى بعض ~~أي بعض كان، وأقلهم واحد، ومعلوم أن كل واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك ~~فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد قل المدفوع أو ~~كثر، فوجب بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير من الزكاة إلى واحد من ~~الفقراء من غير تحديد لمقداره. وأيضا فإن الدفع والتمليك يصادفانه، وهو ~~فقير، فلا فرق بين دفع القليل والكثير لحصول التمليك في الحالتين للفقير، ~~وإنما كره أبو حنيفة أن يعطى إنسان مائتي درهم لأن المائتين هي # PageV03P177 ### | باب دفع الصدقات إلى صنف واحد # قال الله تعالى: {إنما الصدقات ms2413 للفقراء والمساكين} الآية. فروى أبو داود ~~الطيالسي قال: حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن ~~عباس قالا: إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه، ~~وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة، وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن ~~عبد العزيز، وأبي العالية،, ولا يروى عن الصحابة خلافه، فصار إجماعا من ~~السلف لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من ~~نظرائهم عليهم. وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل: ~~أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس، ~~وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس. وقال الشافعي: ~~"تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره" ~~وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر ~~الكتاب، قال الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم} [البقرة:271] وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم ~~للجنس لدخول الألف واللام عليه، فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف ~~واحد من المذكورين، وهم الفقراء، فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر ~~الأصناف إنما هو بيان أسباب الفقر لا قسمتها على ثمانية، ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:25] ~~وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما، وذلك ينفي وجوب قسمتها على ~~ثمانية، وأيضا فإن قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} عموم في سائر ~~الصدقات، وما يحصل منها في كل زمان، وقوله تعالى: {للفقراء} إلى آخره عموم ~~أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث منهم. ومعلوم أنه لم يرد ~~قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين، ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك ~~إلى أن تقوم الساعة فوجب أن يجزي إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد، وإعطاء ~~صدقة عام ثان لصنف آخر ثم ms2414 كذلك صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى ~~الإمام قسمته، فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ~~ثمانية. وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها # PageV03P179 ### | مطلب: في محاورة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع حبيب بن مسلمة الفهري من أصحاب ومعاوية # روي أن الحسن بن علي قال لحبيب بن مسلمة الفهري وكان من أصحاب معاوية: رب ~~مسير لك في غير طاعة الله فقال: أما مسيري إلى أبيك فلا فقال الحسن: بلى، ~~ولكنك اتبعت معاوية على عرض من الدنيا يسير والله لئن قام بك معاوية في ~~دنياك قد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت ممن قال الله: ~~{خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} ولكنك أنت ممن قال ~~الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] وهذه الآية ~~نزلت في نفر تخلفوا عن تبوك، قال ابن عباس: كانوا عشرة فيهم أبو لبابة بن ~~عبد المنذر، فربط سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد إلى أن نزلت توبتهم. ~~وقيل: كانوا سبعة فيهم أبو لبابة. # قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ظاهره رجوع الكناية ~~إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم; لأن الكناية لا تستغني عن ~~مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب، فهذا هو ظاهر الكلام ومقتضى اللفظ. ~~وجائز أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية عنهم جميعا لدلالة الحال ~~عليه، كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر:1] يعني القرآن، ~~وقوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر:45] وهو يعني الأرض، وقوله: {حتى ~~توارت بالحجاب} ### | [ص:32] # يعني الشمس، فكنى عن هذه الأمور من غير ذكرها مظهرة في الخطاب لدلالة ~~الحال عليها كذلك قوله: {خذ من أموالهم صدقة} يحتمل أن يريد به أموال ~~المؤمنين، وقوله: {تطهرهم وتزكيهم بها} يدل على ذلك، فإن كانت الكناية عن ~~المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم، فإن دلالته ظاهرة على وجوب ~~الأخذ من سائر المسلمين; لاستواء # PageV03P189 ### | فصل: ms2415 # قال أصحابنا وعامة أهل العلم: "في أربعين شاة مسان وصغار مسنة" وقال ~~الشافعي: "لا شيء فيها حتى تكون المسان أربعين ثم يعتد بعد ذلك بالصغار" ~~ولم يسبقه إلى هذا القول أحد. وقد روى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: صدقات المواشي، فقال فيه: "ويعد صغيرها وكبيرها" ولم يفرق ~~بين النصاب وما زاد وأيضا الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"في أربعين شاة شاة"، ومتى اجتمع الصغار، والكبار أطلق على الجميع الاسم ~~فيقال: عنده أربعون شاة، فاقتضى ذلك وجوبها في الصغار، والكبار إذا اجتمعت ~~وأيضا لم يختلفوا في الاعتداد بالصغار بعد النصاب لوجود الكبار معها، فكذلك ~~حكم النصاب. # واختلف في الخيل السائمة، فأوجب أبو حنيفة فيها إذا كانت إناثا، أو ذكورا ~~وإناثا في كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة ~~دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعي: "لا صدقة فيها". وروى ~~عروة السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"في الخيل السائمة في كل فرس دينار"، وحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبي ~~صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخيل وقال: "هي ~~ثلاثة: لرجل أجر، ولآخر ستر، وعلى رجل وزر فأما الذي هي له ستر فالرجل ~~يتخذها تكرما وتجملا، ولا ينسى حق الله في رقابها ولا في ظهورها" فأثبت في ~~الخيل حقا، وقد اتفقوا على سقوط سائر الحقوق سوى صدقة السوائم، فوجب أن ~~تكون هي المرادة. # فإن قيل: يجوز أن يريد زكاة التجارة. قيل له: قد سئل عن الحمير بعد ذكره ~~الخيل فقال: "ما أنزل الله علي فيها إلا الآية الجامعة: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} " [الزلزلة:7] فلم يوجب فيها ~~شيئا، ولو أراد زكاة التجارة لأوجبها في الحمير. # فإن قيل: في المال حقوق سوى الزكاة، فيجوز أن يكون أراد حقا غيرها، ~~والدليل عليه حديث الشعبي عن ms2416 فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "في المال حق سوى الزكاة" وتلا قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم} [البقرة:177] روى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أنه ذكر الإبل فقال: إن فيها حقا فسئل عن ذلك، فقال: "إطراق ~~فحلها وإعارة دلوها ومنيحة سمينها"، فجائز أن يكون الحق المذكور في الخيل ~~مثل ذلك. قيل له: لو كان كذلك لما اختلف حكم الحمير، والخيل; # PageV03P196 ### | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ~~ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} قيل في قوله ~~تعالى: {لا يرجون لقاءنا} وجهان: أحدهما: لا يخافون عقابنا; لأن الرجاء ~~يقام مقام الخوف، ومثله قوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح:13] قيل: ~~معناه لا تخافون لله عظمة. والوجه الآخر: لا تطمعون في ثوابنا كقولهم: تاب ~~رجاء لثواب الله، وخوفا من عقابه. والفرق بين الإتيان بغيره وبين تبديله أن ~~الإتيان بغيره لا يقتضي رفعه بل يجوز بقاؤه معه، وتبديله لا يكون إلا برفعه ~~ووضع آخر مكانه، أو شيء منه. وكان سؤالهم لذلك على وجه التعنت والتحكم; إذ ~~لم يجدوا سببا آخر يتعلقون به، ولم يجز أن يكون الأمر موقوفا على اختيارهم ~~وتحكمهم; لأنهم غير عالمين بالمصالح، ولو جاز أن يأتي بغيره، أو يبدله ~~بقولهم لقالوا في الثاني مثله في الأول وفي الثالث مثله في الثاني فكان ~~يصير دلائل الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء، وقد قامت الحجة عليهم بهذا ~~القرآن، فإن لم يكن يقنعهم ذلك مع عجزهم فالثاني والثالث مثله. # وربما احتج بهذه الآية بعض من يأبى جواز نسخ القرآن بالسنة; لأنه قال: ~~{قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} ومجيز نسخ القرآن بالسنة مجيز ~~لتبديله من تلقاء نفسه. وليس هذا كما ظنوا، وذلك لأنه ليس في وسع النبي صلى ~~الله عليه وسلم تبديل القرآن بقرآن ms2417 مثله ولا الإتيان بقرآن غيره، وهذا الذي ~~سأله المشركون ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ، والمستدل بمثله في هذا ~~الباب مغفل. وأيضا، فإن نسخ القرآن لا يجوز عندنا إلا بسنة هي وحي من قبل ~~الله تعالى، قال الله عز وجل: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ~~[لنجم:4] فنسخ حكم القرآن بالسنة إنما هو نسخ بوحي الله لا من قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل آلله # PageV03P209 ### | ومن سورة هود ### | مدخل # ... # ومن سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} فيه إخبار أن ~~من عمل عملا للدنيا لم يكن له به في الآخرة نصيب، وهو مثل قوله: {من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له ~~في الآخرة من نصيب} [الشورى:20] ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "بشر أمتي بالسناء والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عملا للدنيا لم ~~يكن له في الآخرة نصيب"، وهذا يدل على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه ~~القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه; لأن الأجرة من حظوظ الدنيا، فمتى أخذ عليه ~~الأجرة فقد خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة. # وقيل في قوله: {نوف إليهم أعمالهم} فيها وجهان: أحدهما: أن يصل الكافر ~~رحما، أو يعطي سائلا، أو يرحم مضطرا، أو نحو ذلك من أعمال البر فيجعل الله ~~له جزاء عمله في الدنيا بتوسعة الرزق وقرة العين فيما خول ودفع مكاره ~~الدنيا، روي ذلك عن مجاهد والضحاك. والوجه الثاني: من كان يريد الحياة ~~الدنيا بالغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم للغنيمة دون ثواب الآخرة، فإنه ~~يستحق نصيبه وسهمه من المغنم، وهذا من صفة المنافقين. فإن كان التأويل ms2418 هو ~~الثاني، فإنه يدل على أن الكافر إذا شهد القتال مع المسلمين استحق من ~~الغنيمة نصيبا. وهذا يدل أيضا على أنه جائز الاستعانة بالكفار في قتال ~~غيرهم من الكفار وكذلك قال أصحابنا. إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الإسلام ~~هو الجاري عليهم دون حكم الكفر ومتى حضروا رضخ لهم وليس في الآية دلالة على ~~أن الذي يستحقه الكافر بحضور القتال هو السهم، أو الرضخ. # قوله تعالى: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} يحتج به في أن الشرط المعترض حكمه أن يكون مقدما على ما قبله في ~~المعنى، وهو قول القائل: "إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فعبدي حر" أنه لا ~~يحنث حتى # PageV03P211 ### | مطلب: تجب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية # وقوله: {واستعمركم فيها} يعني: أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه. وفيه ~~الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة، والغراس، والأبنية. # وروي عن مجاهد: "معناه: أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم"، وهذا كقول ~~القائل: "أعمرتك داري هذه" يعني ملكتك طول عمرك. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده"، والعمرى هي العطية إلا أن ~~معناها راجع إلى تمليكه طول عمره، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العمرى، ~~والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره; لأنهم كانوا يعقدون ذلك على أنه بعد ~~موته يرجع إلى الواهب. # قوله تعالى: {قالوا سلاما قال سلام} معنى الأول: سلمت سلاما ولذلك نصبه، ~~والثاني جوابه: عليكم سلام، ولذلك رفعه. ومعناهما واحد، إلا أنه خولف ~~بينهما لئلا يتوهم متوهم الحكاية. وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية ~~أهل الإسلام وأنه تحية الملائكة. # PageV03P213 ### | ومن سورة يوسف ### | مدخل # ... # ومن سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين} فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء; لأن يوسف ~~عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا، وكان تأويل الكواكب ~~إخوته، ms2419 والشمس والقمر أبويه، وروي ذلك عن الحسن. # قوله تعالى: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} علم أنه إن قصها ~~عليهم حسدوه وطلبوا كيده. وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من ~~يخشى حسده وكيده، وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى: {وأما بنعمة ~~ربك فحدث} [الضحى:11] . # قوله تعالى: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} ، فإن التأويل ما يؤول إليه ~~المعنى ويرجع إليه، وتأويل الشيء هو مرجعه وقال مجاهد وقتادة تأويل ~~الأحاديث عبارة الرؤيا". وقيل تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على ~~توحيده وغير ذلك من أمور دينه". # قوله تعالى: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} الآية. تفاوضوا ~~فيما بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم، ~~وقالوا: {إن أبانا لفي ضلال مبين} يعنون عن صواب الرأي; لأنه كان أصغر ~~منهم، وكان عندهم أن الأكبر، أولى بتقديم المنزلة من الأصغر ومع ذلك، فإن ~~الجماعة من البنين، أولى بالمحبة من الواحد، وهو معنى قوله: {ونحن عصبة} ، ~~ومع أنهم كانوا أنفع له في تدبير أمر الدنيا; لأنهم كانوا يقومون بأمواله ~~ومواشيه، فذهبوا إلى أن اصطفاءه إياه بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن ~~طريق الصواب. # قوله تعالى: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم} الآية، ~~فإنهم تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل، أو تبعيد له عن أبيه. وكان ~~الذي استجازوا ذلك # PageV03P216 ### | مطلب: يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه # وفي هذا دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، ~~وأنه ليس من المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} ~~[لنجم:32] . # قوله تعالى: {ائتوني بأخ لكم من أبيكم} إلى قوله: {فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي} يقال إن الذي اقتضى طلبه للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال ~~عن أخبارهم، فلما ذكروا إيثار أبيهم له عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر ~~أنه يحب أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم السبب ms2420 في ذلك، وكان غرضه في ذل ~~التوصل إلى حصوله عنده وكان قد خاف أن يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه ~~يوسف وأن يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين الاجتماع معه ومع أخيه، فأجرى ~~تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد اضطرابهم معه. # PageV03P225 ### | مطلب: العين حق # قوله تعالى: {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة} قال ابن عباس، والحسن وقتادة والضحاك والسدي: "كانوا ذوي صورة ~~وجمال فخاف عليهم العين". وقال غيرهم: "خاف عليهم حسد الناس لهم وأن يبلغ ~~الملك قوتهم وبطشهم فيقتلهم خوفا على ملكه". وما قالته الجماعة يدل على أن ~~العين حق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العين حق". # قوله تعالى: {جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون} قيل: أمر يوسف بعض أصحابه بأن يجعل الصاع في رحل أخيه، ثم قال ~~قائل من الموكلين بالصيعان، وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه: {أيتها العير ~~إنكم لسارقون} ، على ظن منهم أنهم كذلك، ولم يأمرهم يوسف بذلك، فلم يكن قول ~~هذا القائل كذبا; إذ كان مرجعه إلى غالب ظنه وما هو عنده. # PageV03P226 ### | مطلب: يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه بما يمكنه الوصول إليه # وفيما توصل يوسف عليه السلام به إلى أخذ أخيه دلالة على أنه جائز للإنسان ~~التوصل إلى أخذ حقه من غيره بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق ~~قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} روي عن يحيى بن يمان عن ~~يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني: {وأنا به زعيم} قال: "كفيل". قال أبو بكر ~~ظن بعض الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس كذلك; لأن قائل ذلك جعل حمل بعير ~~أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله أنا به زعيم يعني ضامن، قال الشاعر: # وإني زعيم إن رجعت مسلما ... بسير يرى منه الفرانق أزورا # أي ضامن لذلك. فهذا القائل لم يضمن عن إنسان شيئا، وإنما ألزم نفسه ضمان ~~الأجرة ms2421 لرد الصاع. وهذا أصل في جواز قول القائل: "من حمل هذا المتاع إلى ~~موضع كذا فله درهم" وأن هذه إجارة جائزة وإن لم يكن يشارط على ذلك رجلا ~~بعينه وكذلك قال محمد بن الحسن في السير الكبير إذا قال أمير الجيش: "من ~~ساق هذه الدواب إلى موضع كذا" أو قال: "من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله ~~كذا" أن هذا جائز ومن حمله استحق الأجر وهذا معنى ما ذكر في هذه الآية. وقد ~~ذكر هشام عن محمد أيضا فيمن كانت في يده دار لرجل يسكنها فقال: "إن أقمت ~~فيها بعد يومك هذا فأجرة كل يوم عشرة دراهم عليك" أن هذا جائز، وإن أقام ~~فيها بعد هذا القول لزمه لكل يوم ما سمى، # PageV03P226 ### | مطلب: يجب على الإمام أن يفعل مثل ما فعله يوسف عليه السلام إذا خاف هلاك الناس من القحط. # وفيما قص الله تعالى علينا من قصة يوسف وحفظه للأطعمة في سني الجدب ~~وقسمته على الناس بقدر الحاجة دلالة على أن على الأئمة في كل عصر أن يفعلوا ~~مثل ذلك إذا خافوا هلاك الناس من القحط. # قوله تعالى: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا ~~إلا بما علمنا} إنما أخبروا عن ظاهر الحال لا عن باطنها; إذ لم يكونوا ~~عالمين بباطنها ولذلك قالوا: {وما كنا للغيب حافظين} فكان في الظاهر لما ~~وجد الصاع في رحله أنه هو الآخذ له فقالوا: {وما شهدنا إلا بما علمنا} يعني ~~من الأمر الظاهر لا من الحقيقة. وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق ~~الظاهر وإن لم يعلم حقيقة، وهو # PageV03P227 ### | مطلب: يجوز الاحتيال في التوصل إلى المباح # وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله: {فلما ~~جهزهم بجهازهم} إلى قوله: {كذلك كدنا ليوسف} دلالة على إجازة الحيلة في ~~التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ~~ولم ينكره، وقال في آخر القصة: {كذلك كدنا ليوسف} ومن نحو ذلك ms2422 قوله تعالى: ~~{وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} ### | [ص:44] # وكان حلف أن يضربها عددا، فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وضربها به ليبر في ~~يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها. ومن نحوه النهي عن التصريح بالخطبة ~~وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض. ومن جهة السنة حديث أبي سعيد ~~الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل رجلا على خيبر ~~فأتاه بتمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ ~~فقال: لا والله، إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: "فلا ~~تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا"، كذا روى ذلك مالك بن أنس ~~عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة فحظر عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف يحتال في التوصل ~~إلى أخذ هذا التمر" ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خذي من مال ~~أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف". فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ~~ولدها. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره. ~~وروى يونس ومعمر عن الزهري قال: أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان بن حرب أن ~~ائتونا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود ~~وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك # PageV03P228 ### | مطلب: يجوز للإنسان إظهار ضر مسه عند الحاجة إليه # قوله تعالى: {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} إلى قوله: {وتصدق علينا} ~~لما ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله: {مسنا وأهلنا الضر} دل ذلك ~~على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله ~~تعالى. # وقوله: {فأوف لنا الكيل} يدل على أن أجرة الكيال على البائع لأن عليه ~~تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل، وقد قالوا له: {فأوف لنا ~~الكيل} فدل على أن الكيل قد كان عليه. # PageV03P229 ### | ومن سورة ms2423 الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: ~~"الأرض السبخة والأرض العذبة " {ونخيل صنوان} قال ابن عباس والبراء بن عازب ~~ومجاهد وقتادة: "النخلات أصلها واحد". # قوله تعالى: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} فيه أوضح ~~دلالة على بطلان مذهب أصحاب الطبائع لأنه لو كان حدوث ما يحدث من الثمار ~~بطبع الأرض والهواء والماء لوجب أن يتفق ما يحدث من ذلك لاتفاق ما يوجب ~~حدوثه; إذ كانت الطبيعة الواحدة توجب عندهم اتفاق ما يحدث منها ولا يجوز أن ~~توجب فعلين مختلفين متضادين، فلو كان حدوث هذه الأشياء المختلفة الألوان ~~والطعوم والأراييح والأشكال من إيجاب الطبيعة لاستحال اختلافها وتضادها مع ~~اتفاق الموجب لها، فثبت أن المحدث لها قادر مختار حكيم قد أحدثها على ~~اختلافها على علم منه بها وهو الله تعالى. # قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} روي عن ابن عباس وسعيد ومجاهد ~~والضحاك: "الهادي هو الله تعالى " وروي عن مجاهد أيضا وقتادة: "الهادي نبي ~~كل أمة". وعن ابن عباس أيضا: الهادي الداعي إلى الحق". وعن الحسن وقتادة ~~وأبي الضحى وعكرمة: "الهادي محمد صلى الله عليه وسلم". وهذا هو الصحيح لأن ~~تقديره: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، والمنذر هو الهادي والهادي أيضا هو ~~المنذر. # قوله تعالى: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قال ابن عباس والضحاك: "وما ~~تنقص من الأشهر التسعة وما تزداد، فإن الولد يولد لستة أشهر فيعيش ويولد ~~لسنتين فيعيش". وقال الحسن: "وما تنقص بالسقط وما تزداد بالتمام". وقال ~~الفراء: "الغيض النقصان، ألا تراهم يقولون غاضت المياه إذا نقصت؟ ". وقال ~~عكرمة: "إذا غاضت " وقال: "ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل". ~~وقال مجاهد: "الغيض ما رأت # PageV03P233 ### | ومن سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} روى أبو ظبيان عن ابن عباس ~~قال: "غدوة وعشية". وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "هي النخلة تطعم في ~~كل ستة ms2424 أشهر"، وكذلك روي عن مجاهد وعامر وعكرمة. وروى الليث بن سعد وسليمان ~~بن أبي كثير عن علي قال: "أرى الحين سنة"، وكذلك روي عن الحكم وحماد من ~~قولهما، وكذلك روي عن عكرمة في رواية من قوله وقال سعيد بن المسيب: "الحين ~~شهران، من حين تصرم النخل إلى أن تطلع"، وروي عنه أن النخلة لا تكون فيها ~~أكلها إلا شهرين، وروي عنه أن الحين ستة أشهر. وروى القاسم بن عبد الله عن ~~أبي حازم عن ابن عباس أنه سئل عن الحين فقال: {تؤتي أكلها كل حين} : ستة ~~أشهر، {ليسجننه حتى حين} [يوسف:35] : ثلاث عشرة سنة، {ولتعلمن نبأه بعد ~~حين} ### | [ص:88] # : يوم القيامة. وروى هشام بن حسان عن عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا ~~وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله، فسألني عنها فقلت: ~~إن من الحين حين لا يدرك قوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} ~~[الأنبياء:111] فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها فكأنه أعجبه. ~~وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: {تؤتي أكلها كل حين} قال: "ما بين ستة ~~الأشهر أو السبعة". # قال أبو بكر: الحين اسم يقع على وقت مبهم، وجائز أن يراد به وقت مقدر، ~~قال الله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم:17] ثم قال: ~~{وحين تظهرون} [الروم:18] فهذا على وقت صلاة الفجر ووقت الظهر ووقت المغرب ~~على اختلاف فيه لأنه قد أريد به فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات، فصار ~~"حين " في هذا الموضع اسما لأوقات هذه الصلوات. ويشبه أن يكون ابن عباس في ~~الرواية التي رويت عنه في الحين أنه غدوة وعشية ذهب إلى معنى قوله تعالى: ~~{حين تمسون وحين تصبحون} [الروم:17] ويطلق ويراد به أقصر الأوقات، كقوله ~~تعالى: {وسوف # PageV03P236 ### | ومن سورة النحل ### | مدخل # ... # ومن سورة النحل # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع} روي عن ابن عباس ~~قال: "الدفء اللباس " وقال الحسن: الدفء ما استدفئ به من ms2425 أوبارها وأصوافها ~~وأشعارها". قال أبو بكر: وذلك يقتضي جواز الانتفاع بأصوافها وأوبارها في ~~سائر الأحوال من حياة أو موت. # قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} روى هشام الدستوائي عن ~~يحيى بن أبي كثير عن نافع عن علقمة أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل ~~والبغال والحمير، وكان يقول في {والأنعام خلقها لكم} : إن هذه للأكل وهذه ~~للركوب {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن ~~عكرمة عن ابن عباس أنه كره لحوم الخيل وتأول: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة} قال أبو بكر: فهذا دليل ظاهر على حظر لحومها وذلك لأن الله ~~تعالى ذكر الأنعام وعظم منافعها، فذكر منها الأكل بقوله تعالى: {والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ثم ذكر الخيل والبغال والحمير ~~وذكر منافعها الركوب والزينة، فلو كان الأكل من منافعها وهو من أعظم ~~المنافع لذكره كما ذكره من منافع الأنعام. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه أخبار متضادة في الإباحة والحظر، فروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، ~~فذبحوها، "فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الإنسية ولحوم ~~الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة ~~والنهبة" وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: ~~أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر، ولم ~~يسمع عمرو بن دينار هذا الحديث من جابر وذلك لأن ابن جريج رواه عن عمرو بن ~~دينار عن رجل عن جابر، وجابر لم يشهد خيبر لأن محمد بن إسحاق روى عن سلام ~~بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر، ولم يشهد جابر خيبر وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV03P238 ### | باب السكر # قال الله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} ~~اختلف السلف في تأويل السكر، فروي عن الحسن وسعيد ms2426 بن جبير أنهما قالا: ~~"السكر ما حرم منه والرزق الحسن ما حل منه". وروي عن إبراهيم والشعبي وأبي ~~رزين قالوا: "السكر خمر". وروى جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبد الله قال: ~~"السكر خمر". وروى ابن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: "السكر خمر ~~إلا أنه من التمر". وقال هؤلاء: إنه منسوخ بتحريم الخمر. وحدثنا جعفر بن ~~محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان عن ابن عباس ~~قال: "هو ما حرم من ثمرتيهما وما أحل من ثمرتيهما". قال أبو بكر: هذا نحو ~~قول الأولين وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: ~~حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ~~ابن عباس: {تتخذون منه سكرا} قال: "السكر النبيذ، والرزق الحسن الزبيب". # قال أبو بكر: لما تأوله السلف على الخمر وعلى النبيذ وعلى الحرام منه، ~~ثبت أن الاسم يقع على الجميع وقولهم إنه منسوخ بتحريم الخمر يدل على أن ~~الآية اقتضت إباحة السكر وهو الخمر والنبيذ، والذي ثبت نسخه من ذلك إنما هو ~~الخمر، ولم يثبت تحريم النبيذ، فوجب تحليله بظاهر الآية; إذ لم يثبت نسخه. ~~ومن ادعى أنه منسوخ بتحريم الخمر لم يصح له ذلك إلا بدلالة; إذ كان اسم ~~الخمر لا يتناول النبيذ. وروى سعيد عن قتادة قال: "السكر خمور الأعاجم ~~والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون، أنزلت هذه الآية ولم تحرم الخمر ~~وإنما جاء تحريمها في سورة المائدة". وقد روى أبو يوسف قال: حدثنا أيوب بن ~~جابر الحنفي عن أشعث بن سليمان عن أبيه عن معاذ بن جبل قال: "لما بعثه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن أمره أن ينهاهم عن السكر". قال أبو بكر: ~~وهذا السكر المحرم عندنا هو نقيع التمر. # قوله تعالى: {نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ms2427 خالصا سائغا # PageV03P240 ### | مطلب: ما من حكم من أحكام الدين إلا وفي الكتاب تبيانه # قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} يعني به والله أعلم: ~~تبيان كل شيء من أمور الدين بالنص والدلالة، فما من حادثة جليلة ولا دقيقة ~~إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب نصا أو دليلا، فما بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنما صدر عن الكتاب بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7] وقوله تعالى: {وإنك وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} [الشورى:52] وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء:80] فما ~~بينه الرسول فهو عن الله عز وجل وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا ~~بطاعته واتباع أمره، وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضا عن الكتاب لأن ~~الكتاب قد دل على صحة حجة الإجماع وأنهم لا يجتمعون على ضلال، وما أوجبه ~~القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد ~~جميع ذلك من تبيان الكتاب لأنه قد دل على ذلك أجمع، فما من حكم من أحكام ~~الدين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا. # PageV03P246 ### | مطلب: هذه الآية دالة على صحة القول بالقياس # وهذه الآية دالة على صحة القول بالقياس وذلك لأنا إذا لم نجد للحادثة ~~حكما منصوصا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، وقد أخبر الله تعالى ~~أن في الكتاب تبيان كل شيء من أمور الدين، ثبت أن طريقه النظر والاستدلال ~~بالقياس على حكمه; إذ لم يبق هناك وجه يوصل إلى حكمها من غير هذه الجهة ومن ~~قال بنص خفي أو # PageV03P246 ### | في الوفاء بالعهد # قال الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها} قال أبو بكر: العهد ينصرف على وجوه: فمنها الأمر، قال الله تعالى: ~~{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} [طه:115] وقال: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} ~~[يس:60] والمراد الأمر. وقد يكون العهد يمينا، ودلالة الآية على أن المراد ~~في هذا الموضع اليمين ظاهرة. لأنه قال: {ولا تنقضوا الأيمان ms2428 بعد توكيدها} ~~ولذلك قال أصحابنا: إن من قال: "علي عهد الله إن فعلت كذا" أنه حالف. وقد ~~روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن لا ~~يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم". وروي عن عطاء ~~والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد: "إذا قال: علي عهد الله ~~إن فعلت كذا فهو يمين". # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} شبه الله ~~تعالى من عقد على نفسه شيئا لله تعالى فيه قربة ثم فسخه ولم يتمه بالمرأة ~~التي تغزل شعرا أو ما # PageV03P247 ### | باب الاستعاذة # قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} روى ~~عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: "اللهم أعوذ بك من الشيطان ~~من همزه ونفخه ونفثه". وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وروي عن عمر وابن عمر: "الاستعاذة قبل ~~القراءة في الصلاة" وروى ابن جريج عن عطاء قال: "الاستعاذة واجبة لكل قراءة ~~في الصلاة وغيرها". وقال محمد بن سيرين: "إذا تعوذت مرة أو قرأت مرة بسم ~~الله الرحمن الرحيم أجزأ عنك"، وكذلك روي عن إبراهيم النخعي وكان الحسن ~~يستعيذ في الصلاة حين يستفتح قبل أن يقرأ أم القرآن. وروي عن ابن سيرين ~~رواية أخرى قال: "كلما قرأت فاتحة الكتاب حين تقول آمين فاستعذ". وقال ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي: "يتعوذ قبل القراءة" وقال مالك: "لا ~~يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ". # قال أبو بكر: قوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} يقتضي ظاهره أن تكون ~~الاستعاذة بعد القراءة، كقوله: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا} [النساء:103] ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2429 وعن السلف ~~الذين ذكرناهم الاستعاذة قبل القراءة. وقد جرت العادة بإطلاق مثله. والمراد ~~إذا أردت ذلك كقوله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا} [الأنعام:152] وقوله: {وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب:53] وليس المراد أن تسألها ~~من وراء حجاب بعد سؤال متقدم، وكقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة} [المجادلة:12] وكذلك قوله {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله} معناه: إذا قرأت فقدم الاستعاذة قبل القراءة، وحقيقة معناه: إذا ~~أردت القراءة فاستعذ، وكقول القائل: إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني ~~قبل الإحرام، والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك كذلك قوله: {فإذا قرأت ~~القرآن} معناه: إذا أردت قراءته. وقول من قال: "الاستعاذة بعد الفراغ من ~~القراءة # PageV03P248 ### | سورة بني إسرائيل ### | مدخل # ... # سورة بني إسرائيل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} روي عن أم ~~هانئ {أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من بيتها تلك الليلة فقال ~~تعالى: {من المسجد الحرام} لأن الحرم كله مسجد، وقد تقدم ذكر ذلك فيما سلف ~~وقال: الحسن وقتادة: معناه كان في المسجد نفسه فأسري به. # قوله عز وجل: {وإن أسأتم فلها} قيل: معناه فإليها، كما يقال: أحسن إلى ~~نفسه وأساء إلى نفسه وحروف الإضافة يقع بعضها موضع بعض إذا تقاربت، وقال ~~تعالى: {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة:5] والمعنى: أوحى إليها. # قوله تعالى: {فمحونا آية الليل} يعني جعلناها لا يبصر بها كما لا يبصر ~~بما يمحى من الكتاب وهو في نهاية البلاغة. وقال ابن عباس: "محونا آية ~~الليل: السواد الذي في القمر". # قوله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قيل: إنما أراد به عمله ~~من خير أو شر على عادة العرب في الطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به ~~والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به، فجعل الطائر اسما للخير والشر ~~جميعا فاقتصر على ذكره دون ذكر كل واحد منهما على حياله لدلالته على ~~المعنيين، وأخبر أنه في عنقه كالطوق الذي يحيط به ms2430 ويلازمه مبالغة في الوعظ ~~والتحذير واستدعاء إلى الصلاح وزجرا عن الفساد. # قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} قيل: فيه وجهان: أحدهما: ~~أنه لا يعذب فيما كان طريقه السمع دون العقل إلا بقيام حجة السمع فيه من ~~جهة الرسول وهذا يدل على أن من أسلم من أهل الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ~~ونحوها من # PageV03P253 ### | باب بر الوالدين # قال الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} {وقضى ~~ربك} معناه: أمر ربك، وأمر بالوالدين إحسانا وقيل: معناه وأوصى بالوالدين ~~إحسانا والمعنى واحد لأن الوصية أمر. وقد أوصى الله تعالى ببر الوالدين ~~والإحسان إليهما في غير موضع من كتابه وقال: {ووصينا الأنسان بوالديه ~~إحسانا} [الأحقاف:15] وقال: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ~~[لقمان:15] فأمر بمصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع النهي عن طاعتهما ~~في الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن من الكبائر عقوق الوالدين. قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما} قيل فيه: إن بلغت حال الكبر وهو حال التكليف وقد بقي معك ~~أبواك أو أحدهما فلا تقل لهما أف. وذكر ليث عن مجاهد قال: "لا تقل لهما أف ~~إذا بلغا من الكبر ما كانا يليان منك في الصغر فلا تقل لهما أف". قال أبو ~~بكر: اللفظ محتمل للمعنيين فهو عليهما، ولا محالة أن بلوغ الولد شرط في ~~الأمر; إذ لا يصح تكليف غير البالغ، فإذا بلغ حال التكليف وقد بلغاهما حال # PageV03P255 ### | مطلب: الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع # قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} فيه الإخبار ~~بتحريم الزنا وأنه قبيح لأن الفاحشة هي التي قد تفاحش قبحه وعظم، وفيه دليل ~~على أن الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع لأن الله سماه فاحشة ولم يخصص ~~به قبل ورود السمع أو بعده ومن الدليل على أن ms2431 الزنا قبيح في العقل أن ~~الزانية لا نسب لولدها من قبل الأب; إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من ~~بعض، ففيه قطع الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث ~~والمناكحات وصلة الأرحام وإبطال حق الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من ~~الحقوق التي تبطل مع الزنا، وذلك قبيح في العقول مستنكر في العادات ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" لأنه لو لم ~~يكن النسب مقصورا على الفراش وما هو في حكم الفراش لما كان صاحب الفراش ~~بأولى بالنسب من الزاني وكان ذلك يؤدي إلى إبطال الأنساب وإسقاط ما يتعلق ~~بها من الحقوق والحرمات. # قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} إنما قال تعالى: ~~{إلا بالحق} لأن قتل النفس قد يصير حقا بعد أن لم يكن حقا، وذلك قتله على ~~وجه القود وبالردة والرجم للمحصن والمحاربة ونحو ذلك. # قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} روي عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير ومجاهد في قوله: {سلطانا} قالوا: حجة، كقوله: {أو ليأتيني ~~بسلطان مبين} [النمل: 21] وقال الضحاك: السلطان أنه مخير بين القتل وبين ~~أخذ الدية وعلى السلطان أن يطلب القاتل حتى يدفعه إليه. قال أبو بكر: ~~السلطان لفظ مجمل غير مكتف بنفسه في الإبانة عن المراد لأنه لفظ مشترك يقع ~~على معان مختلفة، فمنها الحجة ومنها السلطان الذي يلي الأمر والنهي وغير ~~ذلك، إلا أن الجميع مجمعون أنه قد أريد به القود فصار القود كالمنطوق به في ~~الآية، وتقديره فقد جعلنا لوليه سلطانا أي قودا، ولم يثبت أن الدية مرادة ~~فلم نثبتها ولما ثبت أن المراد القود دل ظاهره على أنه إذا كانت الورثة ~~صغارا وكبارا أن للكبار أن يقتصوا قبل بلوغ الصغار لأن كل واحد منهم ولي ~~والصغير # PageV03P260 ### | باب السجود على الوجه # قال الله تعالى: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا} روي عن ابن عباس قال: "للوجوه". وروى معمر عن ms2432 قتادة في قوله ~~تعالى: {يخرون للأذقان سجدا} قال: "للوجوه". وقال معمر: وقال الحسن: ~~"اللحى". وسئل ابن سيرين عن السجود على الأنف فقال: {يخرون للأذقان سجدا} ~~وروى طاوس عن # PageV03P271 ### | باب ما يقال في السجود # قال الله عز وجل: {ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} فمدحهم ~~بهذا القول عند السجود، فدل على أن المسنون في السجود من الذكر هو التسبيح. ~~وروى موسى بن أيوب عن عمه عن عقبة بن عامر قال: لما نزل: {فسبح باسم ربك ~~العظيم} # PageV03P272 ### | باب البكاء في الصلاة # قال الله تعالى: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا} ومثله قوله تعالى: ~~{خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] وفيه الدلالة على أن البكاء في الصلاة من خوف ~~الله لا يقطع الصلاة; لأن الله تعالى قد مدحهم بالبكاء في السجود ولم يفرق ~~بين سجود الصلاة وسجود التلاوة وسجدة الشكر. وروى سفيان بن عيينة قال: ~~حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد قال: سمعت عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج ~~عمر رضي الله عنه وإني لفي آخر الصفوف، وقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف حتى ~~إذا بلغ {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] نشج ولم ينكر عليه ~~أحد من الصحابة وقد كانوا خلفه، # PageV03P273 ### | باب الجهر بالقراءة في الصلاة والدعاء # قال الله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} ~~روي عن ابن عباس رواية وعائشة ومجاهد وعطاء: "لا تجهر بدعائك ولا تخافت ~~به". وروي عن ابن عباس أيضا وقتادة: أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جهر ولا يسمع من خلفه إذا خافت، وذلك بمكة، فأنزل الله ~~تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} وأراد به القراءة في الصلاة. وقال الحسن: "لا ~~تجهر بالصلاة بإشاعتها عند من يؤذيك ولا تخافت بها عند من يلتمسها" فكان ~~عند الحسن أنه أريد ترك الجهر في حال وترك المخافتة في أخرى. وقيل: "ولا ~~تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة ~~الليل وتخافت بصلاة النهار على ما ms2433 أمرناك به". وروي عن عبادة بن نسي عن ~~غضيف بن الحارث قال: سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ~~بالقرآن أو يخافت؟ قالت: ربما جهر وربما خافت. وروى أبو خالد الوالبي عن ~~أبي هريرة: أنه كان إذا قام من الليل يخفض طورا ويرفع طورا وقال: "هكذا ~~كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم". وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى الناس يصلون في آخر رمضان فقال: "إن المصلي إذا صلى يناجي ~~ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض". وروى أبو إسحاق عن ~~الحارث عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع الرجل صوته ~~بالقرآن قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه في الصلاة. ورويت أخبار في الجهر ~~بالقراءة في صلاة الليل، روى كريب عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في بعض حجره فيسمع قراءته من كان خارجا. وروى إبراهيم عن ~~علقمة قال: "صليت مع عبد الله ليلة فكان يرفع صوته بالقراءة فيسمع أهل ~~الدار". وروي لأبي بكر: "كان إذا صلى خفض صوته وأن عمر كان إذا صلى رفع ~~صوته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لم تفعل هذا قال: أناجي ربي ~~وقد علم حاجتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت وقال لعمر: لم تفعل ~~هذا؟ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال: أحسنت فلما نزل: {ولا تجهر ~~بصلاتك} الآية، قال لأبي بكر: "ارفع شيئا" وقال لعمر: "اخفض شيئا". وروى ~~الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى ~~فقال: "لقد أوتي أبو موسى # PageV03P274 ### | ومن سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} فيه بيان أن ما جعله زينة لها من ~~النبات والحيوان وغير ذلك سيجعله صعيدا جرزا، والصعيد: الأرض، والصعيد: ~~التراب. وما ذكره الله تعالى من إحالته ms2434 ما عليها مما هو زينة لها صعيدا هو ~~مشاهد معلوم من طبع الأرض; إذ كل ما يحصل فيها من نبات أو حيوان أو حديد أو ~~رصاص أو نحوه من الجواهر يستحيل ترابا، فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ~~ما عليها يصيره صعيدا جرزا وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد وجب بعموم ذلك جواز ~~التيمم بالصعيد الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك ~~لإطلاقه تعالى الأمر بالتيمم بالصعيد. وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في ~~النجاسات إذا استحالت أرضا أنها طاهرة; لأنها في هذه الحال أرض ليست ~~بنجاسة، وكذلك قالوا في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنها طاهر; لأن الرماد في ~~نفسه طاهر وليس بنجاسة، ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رماد الخشب الطاهر; ~~إذ النجاسة هي التي توجد على ضرب من الاستحالة وقد زال ذلك عنها بالإحراق ~~وصارت إلى ضرب الاستحالة التي لا توجب التنجيس، وكذلك الخمر إذا استحالت ~~خلا فهو طاهر; لأنه في الحال ليس بخمر لزوال الاستحالة الموجبة لكونها ~~خمرا. # قوله تعالى: {إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ~~وهيئ لنا من أمرنا رشدا} فيه الدلالة على أن على الإنسان أن يهرب بدينه إذا ~~خاف الفتنة فيه، وأن عليه أن لا يتعرض لإظهار كلمة الكفر وإن كان على وجه ~~التقية، ويدل على أنه إذا أراد الهرب بدينه خوف الفتنة أن يدعو بالدعاء ~~الذي حكاه الله عنهم; لأن الله قد رضي ذلك من فعلهم وأجاب دعاءهم وحكاه لنا ~~على جهة الاستحسان لما كان منهم. # قوله تعالى: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} معناه: ~~ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما في ذلك من العبرة. # PageV03P276 ### | باب الاستثناء في اليمين # الاستثناء في اليمين قال الله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله} قال أبو بكر: هذا الضرب من الاستثناء يدخل لرفع حكم ~~الكلام حتى يكون وجوده وعدمه سواء، وذلك لأن الله ms2435 تعالى ندبه إلى الاستثناء ~~بمشيئة الله تعالى لئلا يصير كاذبا بالحلف، فدل على أن حكمه ما وصفنا. ويدل ~~عليه أيضا قوله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام: {ستجدني إن شاء الله ~~صابرا} [الكهف: 69] فلم يصبر ولم يك كاذبا لوجود الاستثناء في كلامه، فدل ~~على أن معناه ما وصفنا من دخوله في الكلام لرفع حكمه فوجب أن لا يختلف حكمه ~~في دخوله على اليمين أو على إيقاع الطلاق أو على العتاق. وقد روى # PageV03P277 ### | مطلب فعل الحكيم للضرورة لا يجوز أن يستنكرر # وما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع الخضر فيه بيان أن فعل ~~الحكيم للضرر لا يجوز أن يستنكر إذا كان فيه تجويز فعله على وجه الحكمة ~~المؤدية إلى المصلحة، وأن ما يقع من الحكيم من ذلك بخلاف ما يقع من السفيه، ~~وهو مثل الصبي الذي إذا حجم أو سقي الدواء استنكر ظاهره وهو غير عالم ~~بحقيقة معنى النفع والحكمة فيه، فكذلك ما يفعل الله من الضرر أو ما يأمر به ~~غير جائز استنكاره بعد قيام الدلالة أنه لا يفعل إلا ما هو صواب وحكمة، ~~وهذا أصل كبير في هذا الباب. والخضر لم يحتمل موسى أكثر من ثلاث مرات، فدل ~~على أنه جائز للعالم احتمال من يتعلم منه المرتين والثلاث على مخالفة أمره، ~~وأنه جائز له بعد الثلاث ترك احتماله. # PageV03P280 ### | في الكنز ما هو # قال الله تعالى: {وكان تحته كنز لهما} قال سعيد بن جبير: "علم". وقال ~~عكرمة: "مال". وقال ابن عباس: "ما كان بذهب ولا فضة وإنما كان علما صحفا". # PageV03P280 ### | ومن سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إذ نادى ربه نداء خفيا} فمدحه بإخفاء الدعاء، وفيه ~~الدليل على أن إخفاءه أفضل من الجهر به، ونظيره قوله تعالى: {ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي". وعن الحسن أنه كان يرى أن ~~يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه، ms2436 وكان لا يعجبه رفع الأصوات. وروى أبو ~~موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى قوما قد رفعوا ~~أصواتهم بالدعاء فقال: "إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي تدعونه أقرب ~~إليكم من حبل الوريد". # قوله تعالى: {وإني خفت الموالي من ورائي} روي عن مجاهد وقتادة وأبي صالح ~~والسدي: أن الموالي العصبة وهم بنو أعمامه، خافهم على الدين; لأنهم كانوا ~~شرار بني إسرائيل. # قوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} سأل الله عز ~~وجل أن يرزقه ولدا ذكرا يلي أمور الدين والقيام به بعد موته لخوفه من بني ~~أعمامه على تبديل دينه بعد وفاته. وروي عن قتادة عن الحسن في قوله تعالى: ~~{يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: "نبوته وعلمه". وروى خصيف عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال: "كان عقيما لا يولد له ولد فسأل ربه الولد فقال يرثني ويرث من آل ~~يعقوب النبوة"، وعن أبي صالح مثله. فذكر ابن عباس أنه يرث المال ويرث من آل ~~يعقوب النبوة فقد أجاز إطلاق اسم الميراث على النبوة فكذلك يجوز أن يعني ~~بقوله: {يرثني} يرث علمي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة ~~الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم"، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كونوا على مشاعركم" يعني بعرفات "فإنكم ~~على إرث من إرث إبراهيم". وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا بكر الصديق ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة". وروى ~~الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر ينشد نفرا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم عثمان وعبد الرحمن بن # PageV03P282 ### | ومن سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} قال الحسن: "استوى بلطفه وتدبيره". ~~وقيل: استولى. وقوله تعالى: {فإنه يعلم السر وأخفى} قال ابن عباس: "السر ما ~~حدث به العبد غيره في خفى، وأخفى منه ما أضمره في نفسه ms2437 مما لم يحدث به ~~غيره". وقال سعيد بن جبير وقتادة: "السر ما أضمره العبد في نفسه، وأخفى منه ~~ما لم يكن ولا أضمره أحد". # قوله تعالى: {فاخلع نعليك} قال الحسن وابن جريج: أمره بخلع نعليه ليباشر ~~بقدمه بركة الوادي المقدس. قال أبو بكر: يدل عليه قوله عقيب ذلك: {إنك ~~بالواد المقدس طوى} فتقديره: اخلع نعليك; لأنك بالوادي المقدس. وقال كعب ~~وعكرمة: "كانت من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعها". قال أبو بكر: ليس في ~~الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل، وذلك لأن التأويل إن كان ~~هو الأول فالمعني فيه مباشرة الوادي بقدمه تبركا به كاستلام الحجر وتقبيله ~~تبركا به، فيكون الأمر بخلع النعل مقصورا على تلك الحال في ذلك الوادي ~~المقدس بعينه، وإن كان التأويل هو الثاني فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس ~~جلد الحمار الميت وإن كان مدبوغا، فإن كان كذلك فهو منسوخ; لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، وقد صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال: "ما ~~لكم خلعتم نعالكم"؟ قالوا: خلعت فخلعنا، قال: "فإن جبريل أخبرني أن فيها ~~قذرا"، فلم يكره صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل، وأنكر على الخالعين ~~خلعها، وأخبرهم أنه إنما خلعها; لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا وهذا عندنا. ~~محمول على أنها كانت نجاسة يسيرة; لأنها لو كانت كثيرة لاستأنف الصلاة. # قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} قال الحسن ومجاهد: "لتذكرني فيها ~~بالتسبيح والتعظيم". وقيل فيه: "لأن أذكرك بالثناء والمدح". وروى الزهري عن # PageV03P287 ### | ومن سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} حدثنا ~~عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {نفشت فيه غنم القوم} ~~قال: "في حرث ms2438 قوم". وقال معمر: قال الزهري: "النفش لا يكون إلا بالليل ~~والهمل بالنهار". وقال قتادة: "فقضى أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان، ~~فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من ~~رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول". وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق: ~~{وداود وسليمان} قال: كان الحرث كرما فنفشت فيه ليلا فاجتمعوا إلى داود ~~فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال: أولا تدفع ~~الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ~~ردوا عليهم، فنزلت: {ففهمناها سليمان} . وروي عن علي بن زيد عن الحسن عن ~~الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان. # قال أبو بكر: فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته أن على ~~صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهارا لم يضمن شيئا، وأصحابنا لا يرون ~~في ذلك ضمانا لا ليلا ولا نهارا إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها ~~فيها. واحتج الأولون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على ~~إيجاب الضمان، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ~~معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت ~~حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال ~~حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد قال: حدثنا الفريابي عن الأوزاعي ~~عن الزهري عن # PageV03P291 ### | ومن سورة الحج ### | مدخل # ... # ومن سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر: لم يختلف السلف وفقهاء الأمصار في السجدة الأولى من الحج ~~أنها موضع سجود واختلفوا في الثانية منها وفي المفصل، فقال أصحابنا: "سجود ~~القرآن أربع عشرة سجدة، منها الأولى من الحج وسجود المفصل في ثلاثة مواضع" ms2439 ~~وهو قول الثوري. وقال مالك: "أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى ~~عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء". وقال الليث: "أستحب أن يسجد في سجود ~~القرآن كله وسجود المفصل وموضع السجود من حم: {إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: ~~37] وقال الشافعي: "سجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة ص فإنها سجدة ~~شكر". قال أبو بكر: فاعتد بآخر الحج سجودا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سجد في ص وقال ابن عباس في سجدة حم: السجدة بآخر الآيتين، كما قال ~~أصحابنا. وروى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في النجم. ~~وقال عبد الله بن مسعود: سجد النبي صلى الله عليه وسلم في النجم. قال أبو ~~بكر: ليس فيما روى زيد بن ثابت من ترك النبي صلى الله عليه وسلم في النجم ~~دلالة على أنه غير واجب فيه، وذلك لأنه جائز أن لا يكون سجد; لأنه صادف عند ~~تلاوته بعض الأوقات المنهي عن السجود فيها فأخره إلى وقت يجوز فعله فيه، ~~وجائز أيضا أن يكون عند التلاوة على غير طهارة فأخره ليسجد وهو طاهر. وروى ~~أبو هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في: {إذا السماء ~~انشقت} [الانشقاق:1] و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1] . # واختلف السلف في الثانية من الحج، فروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وأبي ~~الدرداء وعمار وأبي موسى أنهم قالوا: "في الحج سجدتان" وقالوا: "إن هذه ~~السورة فضلت على غيرها من السور بسجدتين". وروى خارجة بن مصعب عن أبي حمزة ~~عن ابن عباس قال: "في الحج سجدة". وروى سفيان بن عيينة عن عبد الأعلى عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال "الأولى عزمة والآخرة تعليم". وروى منصور عن ~~الحسن عن ابن عباس قال: "في الحج سجدة واحدة". وروي عن الحسن وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير # PageV03P294 ### | باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها # قال الله تعالى: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والباد} روى إسماعيل ms2440 بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها". ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء ~~العاكف فيه والبادي". وروى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط: {سواء ~~العاكف فيه والباد} قال: "من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل ~~ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من بيته ساكنه" قال: وقال ابن عباس في ~~قوله: {سواء العاكف فيه والباد} قال: {سواء العاكف فيه} : أهله، {والباد} : ~~من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء، وليس ينبغي لهم أن يأخذوا من ~~البادي إجارة المنزل. وروى جعفر بن عون عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "مكة حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة ~~بيوتها". وروى أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله. وروى عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي ~~سليمان عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رباع مكة في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب من احتاج سكن ومن استغنى ~~سكن". وروى الثوري عن منصور عن مجاهد قال: قال عمر: "يا أهل مكة لا تتخذوا ~~لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء". وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ~~"أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج". وروى ابن أبي نجيح ~~عن عبد الله بن عمر قال: "من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه". ~~وروى عثمان بن الأسود عن عطاء قال: "يكره بيع بيوت مكة وكراؤها". وروى ليث ~~عن القاسم قال: "من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا". وروى معمر عن ليث ~~عن عطاء وطاوس ومجاهد: "كانوا يكرهون أن يبيعوا شيئا من رباع مكة". # قال أبو بكر: قد روي عن ms2441 النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما ذكرنا، وروي ~~عن الصحابة # PageV03P299 ### | باب الحج ماشيا # روى موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: "ما آسى على شيء إلا ~~أني وددت أني كنت حججت ماشيا; لأن الله تعالى يقول: {يأتوك رجالا} وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد: "أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين". وروى ~~القاسم بن الحكم العرني عن عبيد الله الرصافي عن عبد الله بن عتبة بن عمير ~~قال: قال ابن عباس: "ما ندمت على شيء فاتني في شيبتي إلا أن لم أحج راجلا، ~~ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة وإن ~~النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله عز وجل ماله ثلاث مرات إنه ليعطي النعل ~~ويمسك النعل ويعطي الخف ويمسك الخف". وروى عبد الرزاق عن عمرو بن زر عن ~~مجاهد قال: "كانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله تعالى: {رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق} . وروى ابن جريج قال: أخبرني العلاء قال: سمعت ~~محمد بن علي يقول: "كان الحسن بن علي يمشي وتقاد دوابه". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} يقتضي إباحة الحج ~~ماشيا وراكبا ولا دلالة فيه على الأفضل منهما، وما رويناه عن السلف في ~~اختيارهم الحج ماشيا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا أفضل، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفصح عن ذلك وهو أن أم عقبة بن عامر ~~نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تركب ~~وتهدي، وهذا يدل على أن المشي قربة قد لزمت بالنذر، لولا ذلك لما أوجب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليها هديا عند تركها المشي. # قوله تعالى: {يأتين من كل فج عميق} روى جويبر عن الضحاك: {من كل فج عميق} ~~قال: "بلد بعيد". وقال قتادة: "مكان بعيد". قال أبو بكر: الفج الطريق، ~~فكأنه قال: من طريق بعيد. وقال بعض أهل اللغة: "العمق ms2442 الذاهب على وجه الأرض ~~والعمق الذاهب في الأرض". قال رؤبة: # وقاتم الأعماق خاوي المخترق # PageV03P303 ### | باب التجارة في الحج # قال الله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~"التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة". وروى عاصم بن أبي النجود ~~عن أبي رزين عن ابن عباس قال: "أسواق كانت، ما ذكر المنافع إلا للدنيا". ~~وعن أبي جعفر: "المغفرة". قال أبو بكر: ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به ~~منافع الدين وإن كانت التجارة جائزة أن تراد، وذلك لأنه قال: {وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع ~~لهم} فاقتضى ذلك أنهم دعوا وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم، ومحال أن يكون ~~المراد منافع الدنيا خاصة; لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعا ~~لمنافع الدنيا، وإنما الحج الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر ~~الهدي وسائر مناسك الحج، ويدخل فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة ~~فيها دون أن تكون هي المقصودة بالحج، وقد قال الله تعالى: {ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] فجعل ذلك رخصة في التجارة في الحج، ~~وقد ذكرنا ما روي فيه في سورة البقرة. # PageV03P304 ### | باب الأيام المعلومات # قال الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} فروي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده ~~واذبح في أيها شئت، قال ابن عمر: "المعلومات أيام النحر والمعدودات أيام ~~التشريق". وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد الكندي ~~القاضي قال: كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام ~~المعلومات، فأملى علي أبو يوسف جواب كتابه: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيها، فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر، وإلى ذلك أذهب; ~~لأنه قال: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وذلك في أيام النحر، وعن ابن ~~عباس والحسن وإبراهيم أن المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام ms2443 التشريق، ~~وروى معمر عن قتادة مثل ذلك، وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن ~~عباس في قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} يوم النحر وثلاثة أيام ~~بعده، وذكر أبو الحسن الكرخي أن أحمد القاري روى عن أبي حنيفة أن المعلومات ~~العشر، وعن محمد أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده، وذكر ~~الطحاوي أن من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن المعلومات العشر ~~والمعدودات أيام التشريق، والذي رواه أبو الحسن عنهم أصح. وقد قيل إنه إنما ~~قيل لأيام التشريق معدودات; لأنها قليلة، كما قال تعالى: {وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة} [يوسف: 20] وأنه سماها معدودة لقلتها. وقيل لأيام العشر ~~معلومات حثا على علمها وحسابها من أجل أن وقت الحج في آخرها، فكأنه أمرنا ~~بمعرفة أول الشهر وطلب الهلال فيه حتى نعد عشرة ويكون آخرهن يوم النحر. ~~ويحتج لأبي حنيفة بذلك في أن تكبير التشريق مقصور على أيام العشر مفعول في ~~يوم عرفة ويوم النحر وهما من أيام العشر. # فإن قيل: لما قال: {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} دل على أن المراد ~~أيام النحر كما روي عن علي. قيل له: يحتمل أن يريد لما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، كما قال: {لتكبروا الله على ما هداكم} ومعناه: لما هداكم، وكما ~~تقول: اشكر الله على نعمه، ومعناه: لنعمه. وأيضا فيحتمل أن يريد به يوم ~~النحر ويكون قوله تعالى: {على ما رزقهم} يريد به يوم النحر وبتكرار السنين ~~عليه تصير أياما. وهذه الآية تدل على أن ذبح سائر الهدايا في أيام النحر ~~أفضل منه في غيرها وإن كانت من تطوع أو جزاء صيد أو غيره. # واختلف أهل العلم في أيام النحر، فقال أصحابنا والثوري: "هو يوم النحر ~~ويومان # PageV03P305 ### | في التسمية على الذبيحة # قال الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام} فإن كان المراد بهذا الذكر التسمية على الذبيحة فقد دل ذلك ~~على أن ذلك من شرائط الذكاة; لأن الآية تقتضي وجوبها، وذلك ms2444 لأنه قال: {وأذن ~~في الناس بالحج} إلى قوله: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات} فكانت المنافع هي أفعال المناسك التي يقتضي الإحرام إيجابها، فوجب ~~أن تكون التسمية واجبة; إذ كان الدعاء إلى الحج وقع لها كوقوعها لسائر ~~مناسك الحج، وإن كان المراد بالتسمية هي الذكر المفعول عند رمي الجمار أو ~~تكبير التشريق فقد دلت الآية على وجوب هذا الذكر، وليس يمتنع أن يكون ~~المراد جميع ذلك وهو التسمية على الهدايا الموجبة بالإحرام للقران أو ~~التمتع وما تعلق وجوبها بالإحرام ويراد بها تكبير التشريق والذكر المفعول ~~عند رمي الجمار; إذ لم تكن إرادة جميع ذلك ممتنعة بالآية. وروى معمر عن ~~أيوب عن نافع قال: "كان ابن عمر يقول حين ينحر: لا إله إلا الله والله ~~أكبر". وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: "قلت: كيف تقول إذا ~~نحرت؟ قال: أقول الله أكبر لا إله إلا الله". وروى سفيان عن أبي بكر ~~الزبيدي عن عاصم بن شريف: "أن عليا ضحى يوم النحر بكبش فقال: بسم الله ~~والله أكبر اللهم منك ولك ومن علي لك. # PageV03P307 ### | باب في أكل الهدايا # ... # باب في أكل لحوم الهدايا # قال الله عز وجل: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها} قال أبو بكر: ظاهره يقتضي إيجاب الأكل، إلا أن ~~السلف متفقون على أن الأكل منها ليس على الوجوب، وذلك لأن قوله: {على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} لا يخلو من أن يكون المراد به الأضاحي وهدي المتعة ~~والقران والتطوع أو الهدايا التي تجب من جنايات تقع من المحرم في الإحرام ~~نحو جزاء الصيد وما يجب على اللابس والمتطيب وفدية الأذى وهدي الإحصار ~~ونحوها، فأما دماء الجنايات فمحظور عليه الأكل منها، وأما دم القران ~~والمتعة والتطوع فلا خلاف أيضا أن الأكل منها ليس بواجب; لأن الناس في دم ~~القران والمتعة على قولين منهم من لا يجيز الأكل منه ومنهم من يبيح الأكل ~~منه ولا يوجبه، ولا خلاف ms2445 بين السلف ومن بعدهم من الفقهاء أن قوله: {فكلوا ~~منها} ليس على الوجوب، وقد روي عن عطاء والحسن وإبراهيم ومجاهد قالوا: "إن ~~شاء أكل وإن شاء لم يأكل" قال مجاهد: إنما هو بمنزلة قوله تعالى: {وإذا # PageV03P307 ### | باب طواف الزيارة # قال الله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فروي عن الحسن أنه قال: " ~~{وليطوفوا} طواف الزيارة" وقال مجاهد: "الطواف الواجب". قال أبو بكر: ظاهره ~~يقتضي الوجوب; لأنه أمر والأوامر على الوجوب. ويدل عليه أنه أمر به معطوفا ~~على الأمر بقضاء التفث، ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد ~~الذبح إلا طواف الزيارة، فدل على أنه أراد طواف الزيارة. # فإن قيل: يحتمل أن يريد به طواف القدوم الذي فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه حين قدموا مكة وحلوا به من إحرام الحج وجعلوه عمرة إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد كان ساق # PageV03P311 ### | باب شهادة الزور # قال الله عز وجل: {واجتنبوا قول الزور} والزور الكذب وذلك عام في سائر ~~وجوه الكذب، وأعظمها الكفر بالله والكذب على الله عز وجل. وقد دخل فيه ~~شهادة الزور، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد ويعلى ابنا عبيد عن ~~سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك قال: صلى بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم قال: # PageV03P314 ### | باب في ركوب البدنة # قال الله عز وجل: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} قال ابن عباس وابن عمر ~~ومجاهد وقتادة: "لكم فيها منافع في ألبانها وظهورها وأصوافها إلى أن تسمى ~~بدنا ثم # PageV03P315 ### | باب محل الهدي # محل الهدي قال الله تعالى: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} إلى ~~قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق} ومعلوم أن ~~مراده تعالى فيما جعل هديا أو بدنة أو فيما وجب أن تجعل هديا من واجب في ~~ذمته، فأخبر ms2446 تعالى أن محل ما كان هذا وصفه إلى البيت العتيق، والمراد ~~بالبيت ههنا الحرم كله; إذ معلوم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد، ~~فدل على أنه الحرم كله، فعبر عنه بذكر البيت; إذ كانت حرمة الحرم كله ~~متعلقة بالبيت، وهو كقوله تعالى في جزاء الصيد: {هديا بالغ الكعبة} ~~[المائدة: 95] ولا خلاف أن المراد الحرم كله. وقد روى أسامة بن زيد عن عطاء ~~عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرفة كلها ~~موقف ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر"، وعموم الآية يقتضي أن يكون ~~محل سائر الهدايا الحرم ولا يجزئ في غيره; إذ لم تفرق بين شيء منها. # وقد اختلف في هدي الإحصار، فقال أصحابنا: "محله ذبحه في الحرم" وذلك # PageV03P316 # لأنه قال: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] وكان ~~المحل مجملا في هذه الآية، فلما قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} بين فيه ~~ما أجمل ذكره في الآية الأولى، فوجب أن يكون محل هدي الإحصار الحرم. ولم ~~يختلفوا في سائر الهدايا التي يتعلق وجوبها بالإحرام مثل جزاء الصيد وفدية ~~الأذى ودم التمتع أن محلها الحرم، فكذلك هدي الإحصار لما تعلق وجوبه ~~بالإحرام وجب أن يكون في الحرم. # قوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير} قيل: إن ~~البدن الإبل المبدنة بالسمن، يقال بدنت الناقة إذا سمنتها، ويقال بدن الرجل ~~إذا سمن. وإنما قيل لها بدنة من هذه الجهة، ثم سميت الإبل بدنا مهزولة كانت ~~أو سمينة، فالبدنة اسم يختص بالبعير في اللغة، إلا أن البقرة لما صارت في ~~حكم البدنة قامت مقامها، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن ~~سبعة والبقرة عن سبعة فصار البقر في حكم البدن، ولذلك كان تقليد البقرة ~~كتقليد البدنة في باب وقوع الإحرام بها لسائقها ولا يقلد غيرهما، فهذان ~~المعنيان اللذان يختص بهما البدن دون سائر الهدايا، وروي عن جابر بن عبد ~~الله قال: "البقرة من البدن". # واختلف ms2447 أصحابنا فيمن قال "لله علي بدنة" هل يجوز له نحرها بغير مكة؟ فقال ~~أبو حنيفة ومحمد: "يجوز له ذلك" وقال أبو يوسف: "لا يجوز له نحره إلا ~~بمكة". ولم يختلفوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة وأن من قال: "لله علي ~~جزور" أنه يذبحه حيث شاء. وروي عن ابن عمر أنه قال: "من نذر جزورا نحرها ~~حيث شاء، وإذا نذر بدنة نحرها بمكة"، وكذا روي عن الحسن وعطاء، وكذا روي عن ~~عبد الله بن محمد بن علي وسالم وسعيد بن المسيب. وروي عن الحسن أيضا وسعيد ~~بن المسيب قالا: "إذا جعل على نفسه هديا فبمكة وإذا قال بدنة فحيث نوى". ~~وقال مجاهد: "ليست البدن إلا بمكة". وذهب أبو حنيفة إلى أن البدنة بمنزلة ~~الجزور ولا يقتضي إهداءها إلى موضع فكان بمنزلة ناذر الجزور والشاة ونحوها، ~~وأما الهدي فإنه يقتضي إهداءه إلى موضع، وقال الله تعالى: {هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي. ويحتج لأبي يوسف ~~بقوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير} فكان اسم ~~البدنة مفيدا لكونها قربة كالهدي; إذ كان اسم الهدي يقتضي كونه قربة مجعولا ~~لله، فلما لم يجز الهدي إلا بمكة كان كذلك حكم البدنة. قال أبو بكر: وهذا ~~لا يلزم من قبل أنه ليس كل ما كان ذبحه قربة فهو مختص بالحرم; لأن الأضحية ~~قربة، وهي جائزة في سائر الأماكن، فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله لا يوجب ~~تخصيصها بالحرم. # قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} روى يونس عن زياد قال: رأيت # PageV03P317 # ابن عمر أتى على رجل قد أناخ راحلته فنحرها وهي باركة، فقال: "انحرها ~~قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم". وروى أيمن بن نابل عن ~~طاوس قال في قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} "قياما". وروى ~~سفيان عن منصور عن مجاهد قال: من قرأ: "صواف" فهي قائمة مضمومة يداها، ومن ~~قرأ: "صوافن" قيام معقولة. وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ms2448 قال: ~~قرأها "صوافن". قال" "معقولة، يقول: بسم الله والله أكبر". وروى الأعمش عن ~~أبي الضحى قال: سمعت ابن عباس وسئل عن هذه الآية صواف قال: "قياما معقولة". ~~وروى جويبر عن الضحاك قال: كان ابن مسعود يقرؤها: "صوافن" وصوافن أن يعقل ~~إحدى يديها فتقوم على ثلاث. وروى قتادة عن الحسن أنه قرأها: "صوافي" قال: ~~"خالصة من الشرك". وعن ابن عمر وعروة بن الزبير: "أنها تنحر مستقبلة ~~القبلة". # قال أبو بكر: خلصت قراءة السلف لذلك على ثلاثة أنحاء: أحدها: "صواف" ~~بمعنى مصطفة قياما، و "صوافي" بمعنى خالصة لله تعالى، و "صوافن" بمعنى ~~معقلة في قيامها. # قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم: ~~"إذا سقطت" وقال أهل اللغة: الوجوب هو السقوط، ومنه: وجبت الشمس إذا سقطت ~~للمغيب، قال قيس بن الخطيم: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب # يعني: أول مقتول سقط على الأرض. وكذلك البدن إذا نحرت قياما سقطت ~~لجنوبها، وهذا يدل على أنه قد أراد بقوله: "صواف" قياما; لأنها إذا كانت ~~باركة لا يقال إنها تسقط إلا بالإضافة فيقال سقطت لجنوبها، وإذا كانت قائمة ~~ثم نحرت فلا محالة يطلق عليها اسم السقوط، وقد يقال للباركة إذا ماتت ~~فانقلبت على الجنب إنها سقطت لجنبها، فاللفظ محتمل للأمرين، إلا أن أظهرهما ~~أن تكون قائمة فتسقط لجنبها عند النحر. وقوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها} يدل على أنه قد أريد بوجوبها لجنوبها موتها، فهذا يدل على أنه ~~ليس المراد سقوطها فحسب، وأنه إنما أراد سقوطها للموت فجعل وجوبها عبارة عن ~~الموت، وهذا يدل على أنه لا يجوز الأكل منها إلا بعد موتها، ويدل عليه قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة". # وقوله تعالى: {فكلوا منها} يقتضي إيجاب الأكل منها، إلا أن أهل العلم ~~متفقون على أن الأكل منها غير واجب، وجائز أن يكون مستحبا مندوبا إليه، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من البدن ms2449 التي ساقها في حجة ~~الوداع، وكان لا يأكل يوم الأضحى حتى # PageV03P318 # يصلي صلاة العيد ثم يأكل من لحم أضحيته، وقال صلى الله عليه وسلم: "كنت ~~نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا". وروى أبو بكر بن عياش عن ~~أبي إسحاق عن علقمة قال: بعث معي عبد الله بهديه فقلت له: ماذا تأمرني أن ~~أصنع به؟ قال: "إذا كان يوم عرفة فعرف به وإذا كان يوم النحر فانحره صواف ~~فإذا وجب لجنبه فكل ثلثا وتصدق بثلث وابعث إلى أهل أخي ثلثا". وروى نافع عن ~~ابن عمر، كان يفتي في النسك والأضحية ثلث لك ولأهلك وثلث في جيرانك وثلث ~~للمساكين". وقال عبد الملك عن عطاء مثله، قال: "وكل شيء من البدن واجبا كان ~~أو تطوعا فهو بهذه المنزلة إلا ما كان من جزاء صيد أو فدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك أو نذر مسمى للمساكين". وقد روى طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن مسعود ~~قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق بثلثها ونأكل ثلثها ~~ونعطي الجازر ثلثها، والجازر غلط; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: ~~"لا تعط الجازر منها شيئا"، وجائز أن يكون الجازر صحيحا، وإنما أمرنا ~~بإعطائه من غير أجرة الجزارة، وإنما نهى أن يعطى الجازر منها من أجرته. ~~ولما ثبت جواز الأكل منها، دل ذلك على جواز إعطائه الأغنياء; لأن كل ما ~~يجوز له أكله يجوز أن يعطي منه الغني كسائر أمواله. وإنما قدروا الثلث ~~للصدقة على وجه الاستحباب; لأنه لما جاز له أن يأكل بعضه ويتصدق ببعضه، ~~ويهدي بعضه على غير وجه الصدقة كان الذي حصل للصدقة الثلث، وقد قدمنا قبل ~~ذلك أنه لما قال صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي: "فكلوا وادخروا" وقال ~~الله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} حصل الثلث للصدقة. وقوله ~~تعالى: {فكلوا منها} عطفا على البدن يقتضي عمومه جواز الأكل من بدن القران ~~والتمتع لشمول اللفظ لها. # قوله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر} قال أبو بكر: ms2450 القانع قد يكون ~~الراضي بما رزق، والقانع السائل، أخبرنا أبو عمر غلام ثعلب قال: أخبرنا ~~ثعلب عن ابن الأعرابي قال: القناعة الرضا بما رزقه الله تعالى، ويقال من ~~القناعة رجل قانع وقنع "ومن القنوع رجل قانع" لا غير قال أبو بكر: وقال ~~الشماخ في القنوع: # لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع # واختلف السلف في المراد بالآية، فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: ~~"القانع الذي لا يسأل والمعتر الذي يسأل". وروي عن الحسن وسعيد بن جبير ~~قالا: "القانع الذي يسأل". وروي عن الحسن قال: "المعتر يتعرض ولا يسأل". ~~وقال مجاهد: "القانع جارك والغني والمعتر الذي يعتريك من الناس". قال أبو ~~بكر: إن كان القانع هو الغني فقد اقتضت الآية أن يكون المستحب الصدقة ~~بالثلث; لأن فيها الأمر بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير الذي يسأل. # PageV03P319 # قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} ~~قيل في معناه: لن يتقبل الله اللحوم ولا الدماء ولكن يتقبل التقوى منها. ~~وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولكن يبلغه التقوى منكم. وإنما ~~قال ذلك بيانا أنهم إنما يستحقون الثواب بأعمالهم; إذ كانت اللحوم والدماء ~~فعل الله فلا يجوز أن يستحقوا بها الثواب وإنما يستحقونه بفعلهم الذي هو ~~التقوى ومجرى موافقة أمر الله تعالى بذبحها. # قوله تعالى: {كذلك سخرها لكم} يعني: ذللها لتصريف العباد فيما يريدون ~~منها خلاف السباع الممتنعة بما أعطيت من القوة والآلة. # قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد} قال مجاهد: "صوامع الرهبان، والبيع كنائس اليهود". وقال الضحاك: ~~"صلوات كنائس اليهود يسمونها صلوتا". وقيل: "إن الصلوات مواضع صلوات ~~المسلمين مما في منازلهم". وقال بعضهم: "لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع في أيام شريعة عيسى عليه السلام وبيع في أيام شريعة موسى عليه ~~السلام ومساجد في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم". وقال الحسن: "يدفع ~~عن هدم مصليات أهل الذمة بالمؤمنين". # قال أبو بكر: في الآية دليل على ms2451 أن هذه المواضع المذكورة لا يجوز أن تهدم ~~على من كان له ذمة أو عهد من الكفار، وأما في دار الحرب فجائز لهم أن ~~يهدموها كما يهدمون سائر دورهم. وقال محمد بن الحسن في أرض الصلح إذا صارت ~~مصرا للمسلمين: "لم يهدم ما كان فيها من بيعة أو كنيسة أو بيت نار، وأما ما ~~فتح عنوة وأقر أهلها عليها بالجزية فإنه ما صار منها مصرا للمسلمين فإنهم ~~يمنعون فيها من الصلاة في بيعهم وكنائسهم ولا تهدم عليهم ويؤمرون بأن ~~يجعلوها إن شاءوا بيوتا مسكونة". # PageV03P320 # مطلب: في صحة إمامة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم # قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال ~~أبو بكر: هذه صفة الذين أذن لهم في القتال بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا} إلى قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} إلى قوله: {الذين ~~إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر} وهذه صفة المهاجرين; لأنهم الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، فأخبر ~~تعالى أنه إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر، وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم الله في الأرض وهم ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله # PageV03P320 # عنهم وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا ~~مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله عليهم، وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا ~~أئمة قائمين بأوامر الله منتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية في ~~هؤلاء; لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، وليس ~~معاوية من المهاجرين بل هو من الطلقاء. # قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته} الآية. # PageV03P321 # مطلب: في [تلك الغرانيق العلى] إلى آخره # روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس: أن ~~السبب في نزول هذه الآية أنه لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {أفرأيتم ~~اللات ms2452 والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19, 20] ألقى الشيطان في ~~تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وقد اختلف في معنى ألقى ~~الشيطان، فقال قائلون: لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة وذكر ~~فيها الأصنام علم الكفار أنه يذكرها بالذم والعيب، فقال قائل منهم حين بلغ ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} : "تلك ~~الغرانيق العلى" وذلك بحضرة الجمع الكثير من قريش في المسجد الحرام، فقال ~~سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه: إن محمدا قد مدح آلهتنا، وظنوا أن ذلك ~~كان في تلاوته، فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين، وسمى الذي ألقى ذلك في حال تلاوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم شيطانا; لأنه كان من شياطين الإنس كما قال تعالى: ~~{شياطين الأنس والجن} [الأنعام: 112] والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن ~~والإنس. وقيل: إنه جائز أن يكون شيطانا من شياطين الجن، وقال ذلك عند تلاوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء عليهم السلام ~~كما حكى الله تعالى عنه بقوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} [الأنفال: 48] وإنما قال ذلك إبليس حين ~~تصور في صورة سراقة بن مالك لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر، وكما تصور في ~~صورة الشيخ النجدي حين تشاورت قريش في دار الندوة في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان مثل ذلك جائزا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لضرب من ~~التدبير، فجائز أن يكون الذي قال ذلك شيطانا فظن القوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاله. وقال بعضهم جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم ~~بذلك على سبيل السهو الذي لا يعرى منه # PageV03P321 # بشر فلا يلبث أن ينبهه الله عليه. وأنكر بعض العلماء ذلك، وذهب إلى ms2453 أن ~~المعنى أن الشيطان كان يلقي وساوسه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يشغله عن بعض ما يقول، فيقرأ غلطا في القصص المتشابهة نحو قصة موسى عليه ~~السلام وفرعون في مواضع من القرآن مختلفة الألفاظ، فكان المنافقون ~~والمشركون ربما قالوا قد رجع عن بعض ما قرأ وكان ذلك يكون منه على طريق ~~السهو فنبهه الله تعالى عليه. فأما الغلط في قراءة "تلك الغرانيق" فإنه غير ~~جائز وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يجوز وقوع الغلط على بعض ~~القرآن بإنشاد شعر في أضعاف التلاوة على أنه من القرآن. وروي عن الحسن أنه ~~لما تلا ما فيه ذكر الأصنام قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هي ~~عندكم كالغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى في قولكم" على جهة النكير عليهم. # قوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر} قيل: ~~إن المنسك الموضع المعتاد لعمل خير أو شر وهو المألف لذلك، ومناسك الحج ~~مواضع العبادات فيه، فهي متعبدات الحج. وقال ابن عباس: "منسكا عيدا" وقال ~~مجاهد وقتادة: "متعبدا في إراقة الدم بمنى وغيره". وقال عطاء ومجاهد أيضا ~~وعكرمة ذبائح هم ذابحوه. وقيل إن المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها. ~~قال أبو بكر: قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أول ~~نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح" فجعل الصلاة والذبح جميعا نسكا"، وهذا ~~يدل على أن اسم النسك يقع على جميع العبادات، إلا أن الأظهر الأغلب في ~~العادة عند الإطلاق الذبح على وجه القربة، قال الله تعالى: {ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] وليس يمتنع أن يكون المراد جميع العبادات ~~ويكون الذبح أحد ما أريد بالآية، فيوجب ذلك أن يكونوا مأمورين بالذبح لقوله ~~تعالى: {فلا ينازعنك في الأمر} وإذ كنا مأمورين بالذبح ساغ الاحتجاج به في ~~إيجاب الأضحية لوقوعها عامة في الموسرين ms2454 كالزكاة، ولو جعلناه على الذبح ~~الواجب في الحج كان خاصا في دم القران والمتعة; إذ كانا نسكين في الحج دون ~~غيرهما من الدماء; إذ كانت سائر الدماء في الحج إنما يجب على جهة جبران نقص ~~وجناية فلا يكون إيجابه على وجه ابتداء العبادة به، وقوله تعالى: {جعلنا ~~منسكا هم ناسكوه} يقتضي ظاهره ابتداء إيجاب العبادة به. # PageV03P322 # مطلب: في الأضحية # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب الأضحية، فروى الشعبي عن أبي سريحة ~~قال: "رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان". وقال عكرمة: "كان ابن عباس يبعثني ~~يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ويقول: من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس". # PageV03P322 # وقال ابن عمر: "ليست بحتم ولكن سنة ومعروف". وقال أبو مسعود الأنصاري: ~~"إني لأدع الأضحى وأنا موسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي". وقال ~~إبراهيم النخعي: "الأضحية واجبة إلا على مسافر" وروي عنه أنه قال: "كانوا ~~إذا شهدوا ضحوا وإذا سافروا لم يضحوا". وروى يحيى بن يمان عن سعيد بن عبد ~~العزيز عن مكحول قال: "الأضحية واجبة". وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: ~~"الأضحية واجبة على أهل اليسار من أهل الأمصار والقرى المقيمين دون ~~المسافرين، ولا أضحية على المسافر وإن كان موسرا، وحد اليسار في ذلك ما تجب ~~فيه صدقة الفطر" وروي عن أبي يوسف مثل ذلك، وروي عنه أنه ليست بواجبة وهي ~~سنة. وقال مالك بن أنس: "على الناس كلهم أضحية المسافر والمقيم، ومن تركها ~~من غير عذر فبئس ما صنع". وقال الثوري والشافعي: "ليست بواجبة". وقال ~~الثوري: "لا بأس بتركها". وقال عبد الله بن الحسن: "يؤثر بها أباه أحب إلي ~~من أن يضحي". # قال أبو بكر: ومن يوجبها يحتج بهذه الآية، ويحتج له بقوله: {قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت} [الأنعام: ~~162, 163] قد اقتضى الأمر بالأضحية; لأن النسك في هذا الموضع المراد به ~~الأضحية، ويدل عليه ما روى سعيد بن جبير عن عمران بن حصين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "يا ms2455 فاطمة اشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من ~~دمها كل ذنب عملتيه وقولي: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين} ". وروي أن عليا رضي الله عنه كان يقول عند ذبح الأضحية: {قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله} الآية. وقال أبو بردة بن نيار يوم الأضحى: ~~يا رسول الله إني عجلت بنسكي. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أول نسكنا في ~~يومنا هذا الصلاة ثم الذبح" فدل ذلك على أن هذا النسك قد أريد به الأضحية، ~~وأخبر أنه مأمور به بقوله: {وبذلك أمرت} [الأنعام: 163] والأمر يقتضي ~~الوجوب. ويحتج فيه بقوله: {فصل لربك وانحر} [الكوثر:2] قد روي أنه أراد ~~صلاة العيد وبالنحر الأضحية، والأمر يقتضي الإيجاب، وإذا وجب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهو واجب علينا لقوله تعالى: {واتبعوه} وقوله: {لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] # ويحتج للقائلين بإيجابها من جهة الأثر بما رواه زيد بن الحباب عن عبد ~~الله بن عياش قال: حدثني الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من كان له يسار فلم يضح فلا يقربن مصلانا". وقد رواه غير زيد ~~بن الحباب مرفوعا جماعة منهم يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا عباس بن الوليد بن المبارك قال: حدثنا # PageV03P323 # الهيثم بن خارجة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عياش عن الأعرج ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قدر على سعة فلم ~~يضح فلا يقربن مصلانا". ورواه يحيى بن يعلى أيضا مرفوعا، حدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا أحمد بن النعمان الفراء قال: حدثنا ~~يحيى بن يعلى عن عبد الله بن عياش أو عباس عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مسجدنا". ~~ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال: "من وجد سعة ms2456 فلم ~~يضح فلا يقربن مصلانا". ويقال إن عبيد الله بن أبي جعفر فوق ابن عياش في ~~الضبط والجلالة، فوقفه على أبي هريرة ولم يرفعه، ويقال إن الصحيح أنه موقوف ~~عليه غير مرفوع. # ويحتج لإيجابها أيضا بحديث أبي رملة الحنفي عن مخنف بن سليم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "على كل أهل بيت في عام أضحية وعتيرة". قال أبو ~~بكر: والعتيرة منسوخة بالاتفاق، وهي أنهم كانوا يصومون رجب ثم يعترون، وهي ~~الرجبية، وقد كان ابن سيرين وابن عون يفعلانه، ولم تقم الدلالة على نسخ ~~الأضحية فهي واجبة بمقتضى الخبر، إلا أنه ذكر في هذا الحديث: "على كل أهل ~~بيت أضحية" ومعلوم أن الواجب من الأضحية لا يجزئ عن أهل البيت وإنما يجزئ ~~عن واحد، فيدل ذلك على أنه لم يرد الإيجاب. # ومما يحتج لموجبها ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا أحمد بن أبي عون ~~البزوري قال: حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا أبو إسماعيل ~~المؤدب عن مجالد عن الشعبي عن جابر والبراء بن عازب قالا: قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم على منبره يوم الأضحى فقال: "من صلى معنا هذه الصلاة فليذبح ~~بعد الصلاة" فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني ذبحت ليأكل معنا ~~أصحابنا إذا رجعنا، قال: ليس بنسك قال: عندي جذعة من المعز، قال: "تجزي عنك ~~ولا تجزي عن غيرك"، فيستدل من هذا الخبر بوجوه على الوجوب، أحدها: قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "من صلى معنا هذه الصلاة وشهد معنا فليذبح بعد الصلاة" وهو ~~أمر بالذبح يقتضي ظاهره الوجوب. والوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"تجزي عنك ولا تجزي عن غيرك". ومعناه: تقضي عنك; لأنه يقال جزى عني كذا ~~بمعنى قضى عني، والقضاء لا يكون إلا عن واجب فقد اقتضى ذلك الوجوب. ومن جهة ~~أخرى أن في بعض ألفاظ هذا الحديث: "فمن ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته" وفي ~~بعضها أنه قال لأبي بردة: "أعد أضحيتك"، ومن يأبى ذلك يقول: إن ms2457 قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "من صلى معنا هذه الصلاة وشهد معنا فليذبح" يدل على أنه لم ~~يرد الإيجاب; لأن وجوبها لا يتعلق بشهود الصلاة عند الجميع، ولما عم الجميع ~~ولم يخصص به الأغنياء دل على أنه أراد الندب، # PageV03P324 # وأما قوله: "تجزي عنك" فإنما أراد به جواز قربة، والجواز والقضاء على ~~ضربين: أحدهما جواز قربة، والآخر جواز فرض، فليس في ظاهر إطلاق لفظ الجواز ~~والقضاء دلالة على الوجوب. وأيضا يحتمل أن يكون أبو بردة قد كان أوجب ~~الأضحية نذرا، فأمره بالإعادة، فإذا ليس فيما خاطب به أبا بردة دلالة على ~~الوجوب; لأنه حكم في شخص معين ليس بعموم لفظ في إيجابها على كل أحد. # فإن قيل: لو أراد القضاء عن واجب لسأله عن قيمته ليوجب عليه مثله. قيل ~~له: قد قال أبو بردة: "إن عندي جذعة خير من شاتي لحم" فكانت الجذعة خيرا من ~~الأولى. # ومما يحتج به على الوجوب من طريق النظر اتفاق الجميع على لزومها بالنذر، ~~فلولا أن لها أصلا في الوجوب لما لزمت بالنذر، كسائر الأشياء التي ليس لها ~~أصل في الوجوب فلا تلزم بالنذر. ومما يحتج به للوجوب ما روى جابر الجعفي عن ~~أبي جعفر قال: "نسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها، ونسخت الزكاة كل زكاة كانت ~~قبلها، ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان ~~قبله"، قالوا: فهذا يدل على وجوب الأضحى; لأنه نسخ به ما كان قبله، ولا ~~يكون المنسوخ به إلا واجبا، ألا ترى أن كل ما ذكره أنه ناسخ لما قبله فهو ~~فرض أو واجب؟ قال أبو بكر: وهذا عندي لا يدل على الوجوب; لأن نسخ الواجب هو ~~بيان مدة الوجوب، فإذا بين بالنسخ أن مدة الإيجاب كانت إلى هذا الوقت لم ~~يكن في ذلك ما يقتضي إيجاب شيء آخر، ألا ترى أنه لو قال قد نسخت عنكم ~~العتيرة والعقيقة وسائر الذبائح التي كانت تفعل لم تكن فيه دلالة على وجوب ~~ذبيحة أخرى؟ فليس إذا في قوله: ms2458 "نسخت الأضحية كل ذبيحة كانت قبلها" دلالة ~~على وجوب الأضحية، وإنما فائدة ذكر النسخ في هذا الموضع بالأضحية أنه بعدما ~~ندبنا إلى الأضحية لم تكن هناك ذبيحة أخرى واجبة. # ومما يحتج به من نفى وجوبها ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال: حدثنا مندل بن ~~علي عن أبي حباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الأضحى علي فريضة وهو عليكم سنة". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا ~~سعيد بن محمد أبو عثمان الأنجذاني قال: حدثنا الحسن بن حماد قال: حدثنا عبد ~~الرحيم بن سليم عن عبد الله بن محرز عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالأضحى والوتر ولم تعزم علي". وحدثنا عبد ~~الباقي قال: حدثنا محمد بن علي بن العباس الفقيه قال: حدثنا عبد الله بن ~~عمر قال: حدثنا محمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبان عن عكرمة عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث هن علي فريضة ولكم تطوع: الأضحى ~~والوتر والضحى" ففي هذه الأخبار # PageV03P325 # أنها ليست بواجبة علينا، إلا أن الأخبار لو تعارضت لكانت الأخبار ~~المقتضية للإيجاب أولى بالاستعمال من وجهين: أحدهما: أن الإيجاب طارئ على ~~إباحة الترك، والثاني: أن فيه حظر الترك وفي نفيه إباحة الترك، والحظر أولى ~~من الإباحة. # ومما يحتج به في نفي الوجوب ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثني سعيد ~~بن أيوب قال: حدثني عياش القتباني عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت بيوم الأضحى عيدا ~~جعله الله لهذه الأمة فقال رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي ~~بها؟ قال: لا، ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فتلك ms2459 تمام ~~أضحيتك عند الله عز وجل" فلما جعل هذه الأشياء بمنزلة الأضحية دل على أن ~~الأضحية غير واجبة; إذ كان فعل هذه الأشياء غير واجب. وحدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثني إبراهيم بن موسى الرازي قال: حدثنا عيسى ~~قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر بن عبد ~~الله قال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر كبشين أقرنين أملحين ~~موجئين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة ~~إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد ~~وأمته، باسم الله والله أكبر". ثم ذبح. قالوا: ففي ذبحه عن الأمة دلالة على ~~أنها غير واجبة; لأنها لو كانت واجبة لم تجز شاة عن جميع الأمة. قال أبو ~~بكر: وهذا لا ينفي الوجوب; لأنه تطوع بذلك، وجائز أن يتطوع عمن قد وجب عليه ~~كما يتطوع الرجل عن نفسه ولا يسقط ذلك عنه وجوب ما يلزمه. # ومما يحتج من نفى الوجوب ما قدمنا روايته عن السلف من نفي إيجابه، وفيه ~~الدلالة من وجهين على ذلك: أحدهما: أنه لم يظهر من أحد من نظرائهم من السلف ~~خلافه، وقد استفاض عمن ذكرنا قولهم من السلف نفي إيجابه والثاني: أنه لو ~~كان واجبا مع عموم الحاجة إليه لوجب أن يكون من النبي عليه السلام توقيف ~~لأصحابه على وجوبه، ولو كان كذلك لورد النقل به مستفيضا متواترا وكان لا ~~أقل من أن يكون وروده في وزن ورود إيجاب صدقة الفطر لعموم الحاجة إليه، وفي ~~عدم النقل المستفيض فيه دلالة على نفي الوجوب. ويحتج فيه بأنه لو كان واجبا ~~وهو حق في مال لما اختلف حكم المقيم والمسافر فيه كصدقة الفطر، فلما لم ~~يوجبه أبو حنيفة على المسافر دل على أنه غير واجب. ويحتج فيه أيضا بأنه لو ~~كان واجبا وهو حق في ms2460 مال لما أسقطه مضي الوقت، # PageV03P326 # فلما اتفق الجميع على أنه يسقط بمضي أيام النحر دل على أنه غير واجب; إذ ~~كانت سائر الحقوق الواجبة في الأموال نحو الزكاة وصدقة الفطر والعشر ونحوها ~~لا يسقطها مضي الأوقات. # قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده} إلى قوله {ملة أبيكم إبراهيم} ~~قيل: معناه جاهدوا في الله حق جهاده واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، ولذلك نصب. ~~قال بعضهم: نصب; لأنه أراد كملة أبيكم، إلا أنه لما حذف الجار اتصل الاسم ~~بالفعل فنصب. قال أبو بكر: وفي هذه الآية دلالة على أن علينا اتباع شريعة ~~إبراهيم إلا ما ثبت نسخه على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه إنما ~~قال ملة أبيكم إبراهيم; لأنها داخلة في ملة نبينا صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان المعنى أنه كملة أبيكم إبراهيم، فإنه يعني أن الجهاد في الله حق جهاده ~~كملة أبيكم إبراهيم عليه السلام; لأنه جاهد في الله حق جهاده. قال ابن ~~عباس: {وجاهدوا في الله حق جهاده} : "جاهدوا المشركين". وروي عن ابن عباس ~~أيضا: "لا تخافوا في الله لومة لائم، وهو الجهاد في الله حق جهاده". وقال ~~الضحاك: "يعني اعملوا بالحق لله عز وجل". # قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} قال ابن عباس: "من ضيق". ~~وكذلك قال مجاهد. ويحتج به في كل ما اختلف فيه من الحوادث أن ما أدى إلى ~~الضيق فهو منفي وما أوجب التوسعة فهو أولى، وقد قيل: {وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج} أنه من ضيق لا مخرج منه، وذلك لأن منه ما يتخلص منه بالتوبة ~~ومنه ما ترد به المظلمة، فليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من ~~عقوبته. # وقوله {ملة أبيكم إبراهيم} الخطاب لجميع المسلمين، وليس كلهم راجعا بنسبه ~~إلى أولاد إبراهيم، فروي عن الحسن أنه أراد أن حرمة إبراهيم على المسلمين ~~كحرمة الوالد على الولد كما قال تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] وفي ~~بعض القراءات: "وهو أب لهم". # قوله تعالى: {هو سماكم المسلمين من ms2461 قبل} قال ابن عباس ومجاهد: "يعني أن ~~الله سماكم المسلمين". وقيل: إن إبراهيم سماكم المسلمين لقوله تعالى حاكيا ~~عن إبراهيم: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] . # وقوله تعالى: {من قبل وفي هذا} قال مجاهد: "من قبل القرآن وفي القرآن". # وقوله تعالى: {هو اجتباكم} يدل على أنهم عدول مرضيون، وفي ذلك بطلان طعن ~~الطاعنين عليهم; إذ كان الله لا يجتبي إلا أهل طاعته واتباع مرضاته، وفي ~~ذلك مدح للصحابة المخاطبين بذلك ودليل على طهارتهم. # PageV03P327 # قوله تعالى: {ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} فيه ~~الدلالة على صحة إجماعهم; لأن معناه: ليكون الرسول شهيدا عليكم بطاعة من ~~أطاع في تبليغه وعصيان من عصى وتكونوا شهداء على الناس بأعمالهم فيما ~~بلغتموهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ~~[البقرة: 143] فبدأ بمدحهم ووصفهم بالعدالة ثم أخبر أنهم شهداء وحجة على من ~~بعدهم، كما قال هنا: {هو اجتباكم} إلى قوله: {وتكونوا شهداء على الناس} . # قوله تعالى: {وافعلوا الخير} ربما يحتج به المحتج في إيجاب قربة مختلف في ~~وجوبها، وهذا عندنا لا يصح الاحتجاج به في إيجاب شيء ولا يصح اعتقاد العموم ~~فيه. آخر سورة الحج. # PageV03P328 # ومن سورة المؤمنين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} روى ابن ~~عون عن محمد بن سيرين قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع رأسه ~~إلى السماء، فلما نزلت: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} نكس رأسه. وروى هشام ~~عن محمد قال: "لما نزلت: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم فكان ~~الرجل يحب أن لا يجاوز بصره موضع سجوده". وروي عن جماعة: "الخشوع في الصلاة ~~أن لا يجاوز بصره موضع سجوده". وروي عن إبراهيم ومجاهد والزهري: "الخشوع ~~السكون". وروى المسعودي عن أبي سنان عن رجل منهم قال: سئل علي عن قوله: ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال: "الخشوع في القلب وأن تلين كنفك ms2462 للمرء ~~المسلم ولا تلتفت في صلاتك "وقال الحسن: "خاشعون خائفون". # قال أبو بكر: الخشوع ينتظم هذه المعاني كلها من السكون في الصلاة والتذلل ~~وترك الالتفات والحركة والخوف من الله تعالى وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "اسكنوا في الصلاة وكفوا أيديكم في الصلاة" وقال: "أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا"، وأنه نهى عن مس الحصى ~~في الصلاة وقال: "إذا قام الرجل يصلي فإن الرحمة تواجهه فإذا التفت انصرفت ~~عنه". وروى الزهري عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يلمح في الصلاة ولا يلتفت. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا أبو توبة قال: حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام ~~قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم حنين، وذكر الحديث إلى قوله: "من يحرسنا الليلة؟ " قال ~~أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: "فاركب! " فركب فرسا له، ~~فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يغرن من قبلك الليلة" فلما ~~أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: ~~"هل أحسستم # PageV03P329 # فارسكم؟ " قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال: ~~"أبشروا فقد جاءكم فارسكم". فأخبر في هذا الحديث أنه كان يلتفت إلى الشعب ~~وهو في الصلاة، وهذا عندنا كان عذرا من وجهين: أحدهما: أنه لم يأمن من مجيء ~~العدو من تلك الناحية، والثاني: اشتغال قلبه بالفارس إلى أن طلع. روي عن ~~إبراهيم النخعي أنه كان يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا. وروى حماد بن سلمة عن ~~حميد عن معاوية بن قرة قال: قيل لابن عمر: ms2463 إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل ~~هكذا ولا هكذا قال: لكنا نقول هكذا وهكذا ونكون مثل الناس. روي عن ابن عمر ~~أنه كان لا يلتفت في الصلاة، فعلمنا أن الالتفات المنهي عنه أن يولي وجهه ~~يمنة ويسرة، فأما أن يلحظ يمنة ويسرة فإنه غير منهي عنه. روى سفيان عن ~~الأعمش قال: "كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة كأنه ثوب ملقى". وروى أبو ~~مجلز عن أبي عبيدة قال: "كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة خفض فيها صوته ~~وبدنه وبصره". وروى علي بن صالح عن زبير اليامي قال: "كان إذا أراد أن يصلي ~~كأنه خشبة". # قوله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} واللغو هو الفعل الذي لا فائدة ~~فيه، وما كان هذا وصفه من القول والفعل فهو محظور. وقال ابن عباس: "اللغو ~~الباطل"، والقول الذي لا فائدة فيه هو الباطل، وإن كان الباطل قد يبتغى به ~~فوائد عاجلة. # قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} يجوز أن يكون المراد عاما في ~~الرجال والنساء; لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر كقوله: {قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} قد أريد به الرجال والنساء. من الناس ~~من يقول إن قوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} خاص في الرجال بدلالة قوله ~~تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} وذلك لا محالة أريد به ~~الرجال. قال أبو بكر: وليس يمتنع أن يكون اللفظ الأول عاما في الجميع ~~والاستثناء خاص في الرجال، كقوله: {ووصينا الأنسان بوالديه حسنا} ~~[العنكبوت: 8] ثم قال: {وإن جاهداك لتشرك بي} [العنكبوت: 8] فالأول عموم في ~~الجميع والعطف في بعض ما انتظمه اللفظ، وقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~عام لدلالة الحال عليه، وهو حفظها من مواقعة المحظور بها. # قوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} يقتضي تحريم نكاح ~~المتعة; إذ ليست بزوجة ولا مملوكة يمين، وقد بينا ذلك في سورة النساء. في ~~قوله: {وراء ذلك} معناه: غير ذلك. قوله: {العادون} يعني من يتعدى الحلال ~~إلى الحرام، فأما قوله: {إلا ms2464 على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} استثناء من # PageV03P330 # الجملة المذكورة لحفظ الفروج وإخبار عن إباحة وطء الزوجة وملك اليمين، ~~فاقتضت الآية حظر ما عدا هذين الصنفين في الزوجات وملك الأيمان، ودل بذلك ~~على إباحة وطء الزوجات وملك اليمين لعموم اللفظ فيهن. # إن قيل: لو كان ذلك عموما في إباحة وطئهن لوجب أن يجوز وطؤهن في حال ~~الحيض ووطء الأمة ذات الزوجة والمعتدة من وطء بشبهة ونحو ذلك. قيل له: قد ~~اقتضى عموم اللفظ إباحة وطئهن في سائر الأحوال، إلا أن الدلالة قد قامت على ~~تخصيص من ذكرت كسائر العموم إذا خص منه شيء لم يمنع ذلك بقاء حكم العموم ~~فيما لم يخص، وملك اليمين متى أطلق عقل به الأمة والعبد المملوكان، ولا ~~يكاد يطلق ملك اليمين في غير بني آدم، لا يقال للدار والدابة ملك اليمين، ~~وذلك; لأن ملك العبد والأمة أخص من ملك غيرهما، ألا ترى أنه يملك التصرف في ~~الدار بالنقض والبناء ولا يملك ذلك في بني آدم ويجوز عارية الدار وغيرها من ~~العروض ولا يجوز عارية الفروج؟. قوله تعالى: {والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون} روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى: {يحافظون} قالوا: "فعلها في ~~الوقت". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس التفريط في النوم ~~إنما التفريط أن يترك الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى". وقال مسروق: "الحفاظ ~~على الصلاة فعلها لوقتها". وقال إبراهيم النخعي "يحافظون دائمون". وقال ~~قتادة: "يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها". قال أبو بكر: ~~المحافظة عليها مراعاتها للتأدية في وقتها على استكمال شرائطها، وجميع ~~المعاني التي تأول عليها السلف المحافظة هي مرادة بالآية، وأعاد ذكر ~~الصلاة; لأنه مأمور بالمحافظة عليها كما هو مأمور بالخشوع فيها. # قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} الآية. روى وكيع عن ~~مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة قالت: قلت يا رسول ~~الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهو الرجل يشرب الخمر ويسرق؟ ~~قال: "لا يا عائشة ms2465 ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه". ~~وروى جرير عن ليث عمن حدثه عن عائشة وعن ابن عمر: {يؤتون ما آتوا} قال: ~~"الزكاة". ويروى عن الحسن قال: لقد أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد ~~عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. # قوله تعالى: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} الخيرات هنا ~~الطاعات يسارع إليها أهل الإيمان بالله ويجتهدون في السبق إليها رغبة فيها ~~وعلما بما لهم بها من حسن الجزاء، وقوله {وهم لها سابقون} قال ابن عباس: ~~"سبقت لهم # PageV03P331 # السعادة". وقال غيره وهم من أهل الخيرات سابقون إلى الجنة". وقال آخرون ~~وهم إلى الخيرات سابقون". # قوله تعالى: {ولهم أعمال من دون ذلك} قال قتادة وأبو العالية: "خطايا من ~~دون الحق". وعن الحسن ومجاهد: "أعمال لهم من دون ما هم عليه لا بد من أن ~~يعملوها". # وقوله تعالى: {مستكبرين به سامرا تهجرون} قرئ بفتح التاء وضم الجيم، وقرئ ~~بضم التاء وكسر الجيم، فقيل في "تهجرون" قولان: أحدهما: قول ابن عباس ~~"تهجرون الحق بالإعراض عنه" وقال مجاهد وسعيد بن جبير: "تقولون الهجر وهو ~~السيئ من القول". ومن قرأ: "تهجرون" فليس إلا من الهجر، عن ابن عباس وغيره: ~~"يقال أهجر المريض إذا هذى". ووحد "سامرا" وإن كان المراد السمار; لأنه في ~~موضع المصدر، كما يقال: قوموا قياما، وقيل: إنما وحد; لأنه في موضع الوقت ~~بتقدير: ليلا تهجرون، وكانوا يسمرون بالليل حول الكعبة. # PageV03P332 # مطلب: في السمر # وقد اختلف في السمر، فروى شعبة عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وروى ~~شعبة عن منصور عن خيثمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~سمر إلا لرجلين: مصل أو مسافر". وعن ابن عمر أنه كان ينهى عن السمر بعد ~~العشاء. وأما الرخصة فيه فما روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال عمر: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر الليلة ms2466 عند أبي بكر في الأمر من ~~أمور المسلمين، وكان ابن عباس يسمر بعد العشاء، وكذلك عمرو بن دينار وأيوب ~~السختياني إلى نصف الليل. آخر سورة المؤمنين. # PageV03P332 # ومن سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} قال ~~أبو بكر: لم يختلف السلف في أن حد الزانيين في أول الإسلام ما قال الله ~~تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} إلى ~~قوله: {والذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16] فكان حد المرأة الحبس ~~والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل التعيير، ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله ~~تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ونسخ عن المحصن ~~بالرجم، وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب الجلد والرجم"، فكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله: ~~{واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} إلى قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~[النساء: 15] وذلك لتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم إيانا على أن ما ذكره ~~من ذلك هو السبيل المراد بالآية، ومعلوم أنه لم تكن بينهما واسطة حكم آخر; ~~لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدما لقوله صلى الله عليه وسلم ~~بحديث عبادة أن المراد بالسبيل هو ما ذكره دون غيره، وإذا كان كذلك كان ~~الأذى والحبس منسوخين عن غير المحصن بالآية وعن المحصن بالسنة وهو الرجم. # واختلف أهل العلم في حد المحصن وغير المحصن في الزنا، فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد: "يرجم المحصن ولا يجلد ويجلد غير المحصن، وليس نفيه ~~بحد وإنما هو موكول إلى رأي الإمام إن رأى نفيه للدعارة فعل كما يجوز حبسه ~~حتى يحدث توبة". وقال ابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن ~~صالح: "لا يجتمع الجلد والرجم" مثل قول أصحابنا، واختلفوا في النفي بعد ~~الجلد، فقال ابن أبي ليلى: ينفى البكر بعد الجلد" وقال مالك: ms2467 "ينفى الرجل ~~ولا تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه" وقال ~~الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح # PageV03P333 # والشافعي: "ينفى الزاني" وقال الأوزاعي: "ولا تنفى المرأة" وقال الشافعي: ~~"ينفى العبد نصف سنة". # والدليل على أن نفي البكر الزاني ليس بحد أن قوله تعالى: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} يوجب أن يكون هذا هو الحد ~~المستحق بالزنا وأنه كمال الحد، فلو جعلنا النفي حدا معه لكان الجلد بعض ~~الحد وفي ذلك إيجاب نسخ الآية، فثبت أن النفي إنما هو تعزير وليس بحد ومن ~~جهة أخرى أن الزيادة في النص غير جائزة إلا بمثل ما يجوز به النسخ، وأيضا ~~لو كان النفي حدا مع الجلد لكان من النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوته ~~توقيف للصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع حده، ~~ولو كان كذلك لكان وروده في وزن ورود نقل الآية فلما لم يكن خبر النفي بهذه ~~المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد. وقد روي عن عمر أنه ~~غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل، فقال عمر: "لا ~~أغرب بعدها أحدا" ولم يستثن الزنا. وروي عن علي أنه قال في البكرين إذا ~~زنيا: "يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما من الفتنة" وروى عبيد الله عن نافع عن ~~ابن عمر: "أن أمة له زنت، فجلدها ولم ينفها". وقال إبراهيم النخعي: "كفى ~~بالنفي فتنة". فلو كان النفي ثابتا مع الجلد على أنهما حد الزاني لما خفي ~~على كبراء الصحابة، ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة وشبل وزيد بن خالد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأمة: "إذا زنت فليجلدها، فإن زنت ~~فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". وقد حوى هذا الخبر ~~الدلالة من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: أنه لو كان النفي ثابتا لذكره مع ~~الجلد، والثاني: أن الله تعالى قال: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ms2468 ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] فإذا كان جلد الأمة نصف حد الحرة وأخبر ~~صلى الله عليه وسلم في حدها بالجلد دون النفي دل ذلك على أن حد الحرة هو ~~الجلد ولا نفي فيه. # فإن قيل: إنما أراد بذلك التأديب دون الحد، وقد روي عن ابن عباس أن الأمة ~~إذا زنت قبل أن تحصن أنه لا حد عليها لقوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] قيل له: قد روى ~~سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها قال ذلك ثلاث مرات، ثم ~~قال في الثالثة أو الرابعة: ثم ليبعها ولو بضفير، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: بعها ولو بضفير" يدل على أنها لا تنفى; لأنه لو وجب نفيها لما جاز ~~بيعها; إذ لا يمكن المشتري تسلمها; لأن حكمها أن تنفى. # فإن قيل: في حديث شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة ~~بن # PageV03P334 # الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد جعل الله ~~لهن سبيلا: البكر بالبكر والثيب بالثيب، البكر يجلد وينفى والثيب يجلد ~~ويرجم". وروى الحسن عن قبيصة بن ذؤيب عن سلمة بن المحبق عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثله، وحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد ~~بن خالد: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن ~~ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديته منه بوليدة ومائة شاة، ثم ~~أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا ~~الرجم، فاقض بيننا بكتاب الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي ~~نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك وأما ابنك ~~فإن عليه جلد مائة وتغريب عام ثم قال لرجل من أسلم: اغد يا أنيس على ms2469 امرأة ~~هذا فإن اعترفت فارجمها". قيل له: غير جائز أن نزيد في حكم الآية بأخبار ~~الآحاد; لأنه يوجب النسخ، لا سيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب ~~النسخ، فالواجب إذا كان هذا هكذا حمله على وجه التعزير لا أنه حد مع الجلد، ~~فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت نفي البكر; لأنهم كانوا حديثي ~~عهد بالجاهلية فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد كما أمر بشق روايا الخمر وكسر ~~الأواني; لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة وأيضا فإن حديث عبادة وارد ~~لا محالة قبل آية الجلد، وذلك لأنه قال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" ~~فلو كانت الآية قد نزلت قبل ذلك لكان السبيل مجعولا قبل ذلك ولما كان الحكم ~~مأخوذا عنه بل عن الآية، فثبت بذلك أن آية الجلد إنما نزلت بعد ذلك وليس ~~فيها ذكر النفي، فوجب أن يكون ناسخا لما في حديث عبادة من النفي إن كان ~~النفي حدا. # ومما يدل على أن النفي على وجه التعزير وليس بحد أن الحدود معلومة ~~المقادير والنهايات ولذلك سميت حدودا لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان ~~منها فلما لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للنفي مكانا معلوما ولا مقدارا ~~من المسافة والبعد علمنا أنه ليس بحد وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام، ~~كالتعزير لما لم يكن له مقدار معلوم كان تقديره موكولا إلى رأي الإمام. ولو ~~كان ذلك حدا لذكر النبي صلى الله عليه وسلم مسافة الموضع الذي ينفى إليه ~~كما ذكر توقيت السنة لمدة النفي. # وأما الجمع بين الجلد والرجم للمحصن فإن فقهاء الأمصار متفقون على أن ~~المحصن يرجم ولا يجلد، والدليل على صحة ذلك حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في ~~قصة العسيف وأن أبا الزاني قال: سألت رجلا من أهل العلم فقالوا على امرأة ~~هذا الرجم، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بل عليها الرجم والجلد، وقال ~~لأنيس: "اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر جلدا، ولو وجب ~~الجلد مع الرجم ms2470 لذكره له كما ذكر الرجم. وقد وردت قصة ماعز من جهات مختلفة ~~ولم يذكر في شيء منها مع الرجم # PageV03P335 # جلد، ولو كان الجلد حدا مع الرجم لجلده النبي صلى الله عليه وسلم ولو ~~جلده لنقل كما نقل الرجم; إذ ليس أحدهما بأولى بالنقل من الآخر. وكذلك في ~~قصة الغامدية حين أقرت بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~وضعت ولم يذكر جلدا، ولو كانت جلدت لنقل. وفي حديث الزهري عن عبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: قال عمر: "قد خشيت أن يطول بالناس زمان ~~حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ~~وقد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، ورجم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورجمنا بعده"، فأخبر أن الذي فرضه الله هو الرجم وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجم، ولو كان الجلد واجبا مع الرجم لذكره. # واحتج من جمع بينهما بحديث عبادة الذي قدمناه وقوله: "الثيب بالثيب الجلد ~~والرجم"، وبما روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر: أن رجلا زنى بامرأة ~~فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد، ثم أخبر أنه قد كان أحصن فأمر به ~~فرجم، وبما روي: "أن عليا جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال: جلدتها بكتاب ~~الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". # فأما حديث عبادة فإنا قد علمنا أنه وارد عقيب كون حد الزانيين الحبس ~~والأذى ناسخا له لا واسطة بينهما بقوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني قد ~~جعل الله لهن سبيلا". ثم كان رجم ماعز والغامدية وقوله: "واغد يا أنيس على ~~امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" بعد حديث عبادة، فلو كان ما ذكر في حديث ~~عبادة من الجمع بين الجلد والرجم ثابتا لاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الوجوه. وأما حديث جابر فجائز أن يكون جلده بعض الحد; لأنه لم يعلم ~~بإحصانه، ثم لما ثبت إحصانه رجمه، وكذلك قول أصحابنا. ms2471 ويحتمل حديث علي في ~~جلده شراحة ثم رجمها أن يكون على هذا الوجه. # واختلف الفقهاء في الذميين هل يحدان إذا زنيا؟ فقال أصحابنا والشافعي: ~~"يحدان" إلا أنهما لا يرجمان عندنا وعند الشافعي يرجمان إذا كانا محصنين، ~~وقد بينا ذلك فيما سلف، وقال مالك: "لا يحد الذميان إذا زنيا". قال أبو ~~بكر: وظاهر قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~يوجب الحد على الذميين، ويدل عليه حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"، ولم يفرق بين الذمي والمسلم. ~~وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين، فلا يخلو ذلك من أن ~~يكون بحكم التوراة أو حكما مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان ~~رجمهما بحكم التوراة فقد صار شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم; لأن ما كان ~~من شرائع الأنبياء المتقدمين مبقى إلى وقت النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ما لم ينسخ، وإن كان رجمهما على أنه حكم ~~مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت; إذ لم يرد ما # PageV03P336 # يوجب نسخه. والصحيح عندنا أنه رجمهما على أنه شريعة مبتدأة من النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا على تبقية حكم التوراة، والدليل عليه أن حد الزانيين في ~~أول الإسلام كان الحبس والأذى المحصن وغير المحصن فيه سواء، فدل ذلك على أن ~~الرجم الذي أوجبه الله في التوراة قد كان منسوخا. # فإن قيل: فإن النبي رجم اليهوديين وأنت لا ترجمهما فقد خالفت الخبر الذي ~~احتججت به في إثبات حد الزنا على الذميين قيل له: استدلالنا من خبر رجم ~~اليهوديين على ما ذكرنا صحيح، وذلك; لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما في ~~حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما، وإنما رجمهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم; لأنه لم يكن من شرط الرجم الإحصان، فلما شرط الإحصان فيه وقال ms2472 النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من أشرك بالله فليس بمحصن" صار حدهما الجلد. # فإن قيل: إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين من قبل أنه لم تكن ~~لليهوديين ذمة وتحاكموا إليه. قيل له: لو لم يكن الحد واجبا عليهم لما ~~أقامه النبي صلى الله عليه وسلم عليهما، ومع ذلك فدلالته قائمة على ما ~~ذكرنا; لأنه إذا كان من لا ذمة له قد حده النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الزنا فمن له ذمة وتجري عليه أحكام المسلمين أحرى بذلك. ويدل عليه أنهم لا ~~يختلفون أن الذمي يقطع في السرقة، فكذلك في الزنا; إذ كان فعلا لا يقر ~~عليه، فوجب أن يزجر عنه بالحد كما وجب زجر المسلم به، وليس هو كالمسلم في ~~شرب الخمر; لأنهم مقرون على التخلية بينهم وبين شربها، وليسوا مقرين على ~~السرقة ولا على الزنا. # واختلف فيمن أكره على الزنا، فقال أبو حنيفة: "إن أكرهه غير سلطان حد، ~~وإن أكرهه سلطان لم يحد". وقال أبو يوسف ومحمد: "لا يحد في الوجهين جميعا" ~~وهو قول الحسن بن صالح والشافعي. وقال زفر: "إن أكرهه سلطان حد أيضا". وأما ~~المكرهة فلا تحد في قولهم جميعا. فأما إيجاب الحد عليه في حال الإكراه فإن ~~أبا حنيفة قال القياس أن يحد سواء أكرهه سلطان أو غيره، ولكنه ترك القياس ~~في إكراه السلطان". ويحتمل قوله: "في إكراه السلطان" معنيين: أحدهما: أن ~~يريد به الخليفة، فإن كان قد أراد هذا فإنما أسقط الحد; لأنه قد فسق وانعزل ~~عن الخلافة بإكراهه إياه على الزنا فلم يبق هناك من يقيم الحد عليه، والحد ~~إنما يقيمه السلطان فإذا لم يكن هناك سلطان لم يقم الحد، كمن زنى في دار ~~الحرب ويحتمل أن يريد به من دون الخليفة، فإن كان أراد ذلك فوجهه أن ~~السلطان مأمور بالتوصل إلى درء الحد، فإذا أكرهه على الزنا فإنما أراد ~~التوصل إلى إيجابه، فلا تجوز له إقامته إذا; لأنه بإكراهه أراد التوصل إلى ~~إيجابه فلا يجوز له ذلك ويسقط الحد. وأما ms2473 إذا أكرهه غير سلطان فإن الحد ~~واجب، # PageV03P337 # وذلك; لأنه معلوم أن الإكراه ينافي الرضا، وما وقع عن طوع ورضا فغير مكره ~~عليه، فلما كانت الحال شاهدة بوجود الرضا منه بالفعل دل ذلك على أنه لم ~~يفعله مكرها ودلالة الحال على ما وصفنا أنه معلوم أن حال الإكراه هي حال ~~خوف وتلف النفس والانتشار والشهوة ينافيهما الخوف والوجل، فلما وجد منه ~~الانتشار والشهوة في هذه الحال علم أنه فعله غير مكره; لأنه لو كان مكرها ~~خائفا لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة، وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك ~~لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد. # فإن قيل: إن وجود الانتشار لا ينافي ترك الفعل، فعلمنا حين فعل مع ظهور ~~الإكراه أنه فعله مكرها كشرب الخمر والقذف ونحوه. قيل له: هذا لعمري هكذا ~~ولكنه لما كان في العادة أن الخوف على النفس ينافي الانتشار دل ذلك على أنه ~~فعله طائعا، ألا ترى أن من أكره على الكفر فأقر أنه فعله طائعا كان كافرا ~~مع وجود الإكراه في الظاهر؟ كذلك الحال الشاهدة بالطوع هي بمنزلة الإقرار ~~منه بذلك فيحد. # PageV03P338 # باب صفة الضرب في الزنا # قال الله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} روي عن الحسن وعطاء ~~ومجاهد وأبي مجلز قالوا: "في تعطيل الحدود لا في شدة الضرب". وروى ابن أبي ~~مليكة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب ~~رجليها، وأحسبه قال: وظهرها، قال: فقلت لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها ~~ولا أن أجعل جلدها في رأسها وقد أوجعت حيث ضربت. وروي عن سعيد بن جبير ~~وإبراهيم والشعبي قالوا: "في الضرب". # واختلف الفقهاء في شدة الضرب في الحدود، فقال أصحابنا وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر: "التعزير أشد الضرب، وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب، ويضرب ~~الشارب أشد من ضرب القاذف". وقال مالك والليث: "الضرب في الحدود كلها ms2474 سواء ~~غير مبرح بين الضربين". وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف، وضرب ~~القذف أشد من ضرب الشرب". وقال الحسن بن صالح ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب ~~والقذف". وروي عن عطاء قال: "حد الزنية أشد من حد الفرية وحد الفرية والخمر ~~واحد". وعن الحسن قال ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب وضرب ~~الشرب أشد من ضرب التعزير". وروي عن علي أنه ضرب رجلا قاعدا وعليه كساء ~~قسطلاني. # PageV03P338 # قال أبو بكر: قوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} لما كان ~~محتملا لما تأوله السلف عليه من تعطيل الحد ومن تخفيف الضرب، اقتضى ظاهره ~~أن يكون عليهما جميعا في أن لا يعطل الحد وفي تشديد الضرب، وذلك يقتضي أن ~~يكون أشد من ضرب القاذف والشارب، وإنما قالوا إن التعزير أشد الضرب وأرادوا ~~بذلك أنه جائز للإمام أن يزيد في شدة الضرب للإيلام على جهة الزجر والردع; ~~إذ لا يمكنه فيه بلوغ الحد، ولم يعنوا بذلك أنه لا محالة أشد الضرب; لأنه ~~موكول إلى رأي الإمام واجتهاده، ولو رأى أن يقتصر من الضرب في التعزير على ~~الحبس إذا كان ذا مروءة وكان ذلك الفعل منه زلة جاز له أن يتجافى عنه ولا ~~يعزره، فعلمت أن مرادهم بقولهم: "التعزير أشد الضرب" إنما هو إذا رأى ~~الإمام ذلك للزجر والردع فعل، وقد روى شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي ~~وائل قال: "كان لرجل على ابن أخ لأم سلمة رضي الله عنها دين فمات فقضت عنه، ~~فكتب إليها يحرج عليها فيه، فرفعت ذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عامله: اضربه ~~ثلاثين ضربة كلها تبضع اللحم وتحدر الدم". فهذا من ضرب التعزير. وروى شعبة ~~عن واصل عن المعرور بن سويد قال: "أتي عمر بن الخطاب بامرأة زنت فقال: ~~أفسدت حسبها، اضربوها ولا تحرقوا عليها جلدها" فهذا يدل على أنه كان يرى ~~ضرب الزاني أخف من التعزير. # قال أبو بكر: قد دل قوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ms2475 الله} على شدة ~~ضرب الزاني على ما بينا وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف، لدلالة الآية على ~~شدة الضرب فيه; ولأن ضرب الشارب كان من النبي صلى الله عليه وسلم بالجريد ~~والنعال، وضرب الزاني إنما يكون بالسوط، وهذا يوجب أن يكون ضرب الزاني أشد ~~من ضرب الشارب، وإنما جعلوا ضرب القاذف أخف الضرب; لأن القاذف جائز أن يكون ~~صادقا في قذفه، وأن له شهودا على ذلك والشهود مندوبون إلى الستر على ~~الزاني، فإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة، وذلك يوجب تخفيف ~~الضرب. ومن جهة أخرى أن القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته، فغير ~~جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب. # فإن قيل: روى سفيان بن عيينة قال: سمعت سعد بن إبراهيم يقول للزهري: إن ~~أهل العراق يقولون إن القاذف لا يضرب ضربا شديدا، ولقد حدثني أبي أن أمه أم ~~كلثوم أمرت بشاة فسلخت حين جلد أبو بكرة فألبسته مسكها، فهل كان ذلك إلا من ~~ضرب شديد. قيل له: هذا لا يدل على شدة الضرب; لأنه جائز أن يؤثر في البدن ~~الضرب الخفيف على حسب ما يصادف من رقة البشرة ففعلت ذلك إشفاقا عليه. # PageV03P339 # باب ما يضرب من أعضاء المحدود # ما يضرب من أعضاء المحدود قال الله سبحانه وتعالى: {فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} ولم يذكر ما يضرب منه، وظاهره يقتضي جواز ضرب جميع ~~الأعضاء. وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار فيه، فروى ابن أبي ليلى عن عدي بن ~~ثابت عن المهاجر بن عميرة عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سكران أو في ~~حد، فقال: "اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير". وروى سفيان بن ~~عيينة عن أبي عامر عن عدي بن ثابت عن مهاجر بن عميرة عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: "اجتنب رأسه ومذاكيره وأعط كل عضو حقه"، فذكر في هذا الحديث الرأس ~~وفي الحديث الأول الوجه، وجائز أن يكون قد استثناهما جميعا. وروي عن عمر ~~أنه أمر بالضرب في حد ms2476 فقال: "أعط كل عضو حقه" ولم يستثن شيئا. وروى ~~المسعودي عن القاسم قال: أتي أبو بكر برجل انتفى من ابنه، فقال أبو بكر: ~~"اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس". وقد روي عن عمر: "أنه ضرب صبيغ بن عسيل ~~على رأسه حين سأل عن الذاريات ذروا على وجه التعنت". وروي عن ابن عمر أنه ~~لا يصيب الرأس. وقال أبو حنيفة ومحمد: "يضرب في الحدود الأعضاء كلها إلا ~~الفرج والرأس والوجه". وقال أبو يوسف: "يضرب الرأس أيضا". وذكر الطحاوي عن ~~أحمد بن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف: "أن الذي يضرب به الرأس من الحد سوط ~~واحد". وقال مالك: "لا يضرب إلا في الظهر". وذكر ابن سماعة عن محمد في ~~التعزير: أنه يضرب الظهر بغير خلاف وفي الحدود يضرب الأعضاء إلا ما ذكرنا. ~~وقال الحسن بن صالح: "يضرب في الحد والتعزير الأعضاء كلها ولا يضرب الوجه ~~ولا المذاكير". وقال الشافعي: "يتقى الوجه والفرج". قال أبو بكر: اتفق ~~الجميع على ترك ضرب الوجه والفرج. # وروي عن علي استثناء الرأس أيضا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه". وإذا لم يضرب الوجه فالرأس مثله; ~~لأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه، وإنما أمر ~~باجتناب الوجه لهذه العلة ولئلا يلحقه أثر يشينه أكثر مما هو مستحق بالفعل ~~الموجب للحد. والدليل على أن ما يلحق الرأس من ذلك هو كما يلحق الوجه أن ~~الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه سواء وفارقا سائر البدن من هذا ~~الوجه; لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما تجب فيه حكومة ولا يجب فيها ~~أرش الموضحة الواقعة في الرأس والوجه، فوجب من أجل ذلك استواء حكم الرأس ~~والوجه في اجتناب ضربهما. ووجه آخر، وهو أنه ممنوع من ضرب الوجه لما يخاف ~~فيه # PageV03P340 # من الجناية على البصر، وذلك موجود في الرأس; لأن ضرب الرأس يظلم منه ~~البصر وربما حدث منه الماء في العين وربما حدث منه أيضا اختلاط في العقل، ms2477 ~~فهذه الوجوه كلها تمنع ضرب الرأس. وأما اجتناب الفرج فمتفق عليه، وهو أيضا ~~مقتل فلا يؤمن أن يحدث أكثر مما هو مستحق بالفعل. وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والليث والشافعي: "الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا قائما غير ~~ممدود، إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه وينزع عنه الحشو والفرو" وقال ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: "يضرب التعزير في إزار ولا يفرق ~~في التعزير خاصة في الأعضاء". وقال أبو يوسف ضرب ابن أبي ليلى المرأة ~~القاذفة قائمة فخطأه أبو حنيفة. وقال الثوري: "لا يجرد الرجل ولا يمد، ~~وتضرب المرأة قاعدة والرجل قائما". # قال أبو بكر: في حديث رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين قال: "رأيت ~~الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة" وهذا يدل على أن الرجل كان قائما، ~~والمرأة قاعدة. وروى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: أتي عمر بسوط ~~فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد أشد من هذا، ~~فأتي بسوط بين السوطين فقال: اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه وعن ابن ~~مسعود أنه ضرب رجلا حدا، فدعا بسوط فأمر فدق بين حجرين حتى لان ثم قال: ~~اضرب ولا تخرج إبطك وأعط كل عضو حقه وعن علي أنه قال للجلاد: أعط كل عضو ~~حقه وروى حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك قال: "كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ~~ثم يدق بين حجرين ثم يضرب به، وذلك في زمن عمر بن الخطاب". وروي عن أبي ~~هريرة أنه جلد رجلا قائما في القذف. # قال أبو بكر: هذه الأخبار تدل على معان: منها اتفاقهم على أن ضرب الحدود ~~بالسوط، ومنها أنه يضرب قائما; إذ لا يمكن إعطاء كل عضو حقه إلا وهو قائم، ~~ومنها أنه يضرب بسوط بين سوطين. وإنما قالوا: "إنه يضرب مجردا" ليصل الألم ~~إليه، ويضرب القاذف وعليه ثيابه; لأن ضربه أخف. وإنما قالوا: "لا يمد"; لأن ~~فيه زيادة في الإيلام غير مستحق بالفعل ولا هو من ms2478 الحد. وروى يزيد بن هارون ~~عن الحجاج عن الوليد بن أبي مالك: "أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد، ~~فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ما ينبغي لجسدي هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص ~~فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه فضربه عليه". وروى ليث عن مجاهد ~~ومغيرة عن إبراهيم قالا: "يجلد القاذف وعليه ثيابه". وعن الحسن قال: "إذا ~~قذف الرجل في الشتاء لم يلبس ثياب الصيف ولكن يضرب في ثيابه التي قذف فيها، ~~إلا أن يكون عليه فرو وحشو يمنعه من أن يجد وجع الضرب فينزع ذلك عنه" وقال ~~مطرف عن الشعبي مثل ذلك. وروى شعبة عن عدي بن # PageV03P341 # ثابت عمن شهد عليا رضي الله عنه: "أنه أقام على رجل الحد فضربه على قباء ~~أو قرطق". ومذهب أصحابنا موافق لما روي عن السلف في هذه الأخبار، ويدل على ~~صحته أن من عليه حشو أو فرو فلم يصل الألم أن الفاعل لذلك غير ضارب في ~~العادة، ألا ترى أنه لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل ~~إليه الألم أنه لا يكون ضاربا ولم يبر في يمينه ولو وصل إليه الألم كان ~~ضاربا؟ # PageV03P342 # في إقامة الحدود في المسجد # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا تقام الحدود في المساجد" ~~وهو قول الحسن بن صالح. قال أبو يوسف: وأقام ابن أبي ليلى حدا في المسجد ~~فخطأه أبو حنيفة وقال مالك: لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط ونحوها، ~~وأما الضرب الموجع والحد فلا يقام في المسجد". # قال أبو بكر: روى إسماعيل بن مسلم المكي عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقام الحدود في المساجد ولا ~~يقتل بالولد الوالد". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنبوا ~~مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وشراكم وبيعكم وإقامة حدودكم ~~وجمروها في جمعكم وضعوا على أبوابها المطاهر". ومن جهة النظر أنه لا يؤمن ~~أن يكون من ms2479 المحدود بالمسجد من خروج النجاسة ما سبيله أن ينزه المسجد عنه. # PageV03P342 # في الذي يعمل عمل قوم لوط # قال أبو حنيفة: "يعزر ولا يحد". وقال مالك والليث: يرجمان أحصنا أو لم ~~يحصنا" وقال عثمان البتي والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "هو ~~بمنزلة الزنا" وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء قال أبو بكر: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر ~~بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس"، فحصر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث، ~~وفاعل ذلك خارج عن ذلك; لأنه لا يسمى زنا. # فإن احتجوا بما روى عاصم بن عمرو عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا ~~الأعلى والأسفل وارجموهما جميعا"، وبما روى الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو ~~عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول # PageV03P342 # به" قيل له: عاصم بن عمرو وعمرو بن أبي عمرو ضعيفان لا تقوم بروايتهما ~~حجة ولا يجوز بهما إثبات حد، وجائز أن يكون لو ثبت إذا فعلاه مستحلين له، ~~وكذلك تقول فيمن استحل ذلك أنه يستحق القتل، وقوله: "فاقتلوا الفاعل ~~والمفعول به" يدل على أنه ليس بحد وأنه بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"من بدل دينه فاقتلوه" ; لأن حد فاعل ذلك ليس هو قتلا على الإطلاق وإنما هو ~~الرجم عند من جعله كالزنا إذا كان محصنا وعند من لا يجعله بمنزلة الزنا ممن ~~يوجب قتله فإنما يقتله رجما، فقتله على الإطلاق ليس هو قولا لأحد، ولو كان ~~بمنزلة الزنا لفرق فيه بين المحصن وغير المحصن، وفي تركه صلى الله عليه ~~وسلم الفرق بينهما دليل على أنه لم يوجبه على وجه الحد. # PageV03P343 # في الذي يأتي البهيمة # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي: "لا حد عليه ~~ويعزر". وروي مثله عن ابن ms2480 عمر. وقال الأوزاعي: "عليه الحد". قال أبو بكر: ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد ~~إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" ينفي قتل فاعل ذلك; إذ ليس ذلك ~~بزنا في اللغة، ولا يجوز إثبات الحدود إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، ~~وذلك معدوم في مسألتنا، ولا يجوز إثباته من طريق المقاييس. وقد روى عمرو بن ~~أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة"، وعمرو هذا ضعيف لا تثبت به ~~حجة. ومع ذلك فقد روى شعبة وسفيان وأبو عوانة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن ~~عباس فيمن أتى بهيمة: "أنه لا حد عليه"، وكذلك رواه إسرائيل وأبو بكر بن ~~عياش وأبو الأحوص وشريك كلهم عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس مثله، ولو ~~كان حديث عمرو بن أبي عمرو ثابتا لما خالفه ابن عباس وهو راويه إلى غيره، ~~وإن صح الخبر كان محمولا على من استحله. # PageV03P343 # فصل # قال أبو بكر: قد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافا الرجم وهم الخوارج، وقد ~~ثبت الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبنقل الكافة والخبر الشائع المستفيض الذي لا مساغ للشك فيه وأجمعت الأمة ~~عليه، فروى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري ~~وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة، وخطب عمر ~~فقال: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف". وبعض ~~هؤلاء الرواة يروي خبر رجم ماعز وبعضهم خبر الجهينية والغامدية. وخبر ماعز # PageV03P343 # يشتمل على أحكام: منها أنه ردده ثلاث مرات ثم لما أقر عنده الرابعة سأل ~~عن صحة عقله فقال صلى الله عليه وسلم: "هل به جنة؟ " فقالوا: لا، وأنه ~~استنكهه ثم قال له: "لعلك لمست لعلك قبلت؟ " فلما أبى إلا التصميم على ~~الإقرار بصريح الزنا سأل ms2481 عن إحصانه، ثم لما هرب حين أدركته الحجارة قال: ~~"هلا تركتموه" وفي ترديده ثلاث مرات ثم المسألة عن عقله بعد الرابعة دلالة ~~على أن الحد لا يجب إلا بعد إقراره أربعا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب"، فلو كان الحد ~~واجبا بإقراره مرة واحدة لسأل عنه في أول إقراره، ومسألته جيرانه وأهله عن ~~عقله يدل على أن على الإمام الاستثبات والاحتياط في الحد ومسألته عن الزنا ~~كيف هو وما هو. وقوله: "لعلك لمست لعلك قبلت" يفيد حكمين: أحدهما: أنه لا ~~يقتصر على إقراره بالزنا دون استثباته في معنى الزنا حتى يبينه بصفة لا ~~يختلف فيه أنه زنا، وقوله: "لعلك لمست لعلك قبلت" تلقين له الرجوع عن الزنا ~~وأنه إنما أراد اللمس، كما روي أنه قال للسارق: "ما إخاله سرق"، ونظيره ما ~~روي عن عمر أنه جيء بامرأة حبلى بالموسم وهي تبكي، فقالوا: زنت، فقال عمر: ~~ما يبكيك؟ فإن المرأة ربما استكرهت على نفسها يلقنها ذلك، فأخبرت أن رجلا ~~ركبها وهي نائمة، فقال عمر: لو قتلت هذه لخشيت أن تدخل ما بين هذين ~~الأخشبين النار، فخلى سبيلها. وروي أن عليا قال لشراحة حين أقرت عنده ~~بالزنا: لعلك عصيت نفسك؟ قالت: أتيت طائعة غير مكرهة، فرجمها. وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "هلا تركتموه" يدل على جواز رجوعه عن إقراره; لأنه لما ~~امتنع مما بذل نفسه له بديا قال: "هلا تركتموه"، ولما لم يجلده دل على أن ~~الرجم والجلد لا يجتمعان. # قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال: "الطائفة الرجل إلى الألف" وقرأ: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} [الحجرات: 9] وقال عطاء: "رجلان فصاعدا". وقال الحسن وأبو بردة: ~~"الطائفة عشرة". وقال محمد بن كعب القرظي في قوله: {إن نعف عن طائفة منكم} ~~[التوبة: 66] قال: كان رجلا. وقال الزهري: {وليشهد عذابهما طائفة} "ثلاثة ~~فصاعدا". وقال قتادة: "ليكون عظة وعبرة لهم". وحكي عن مالك والليث: "أربعة; ~~لأن الشهود ms2482 أربعة". # قال أبو بكر: يشبه أن المعنى في حضور الطائفة ما قاله قتادة أنه عظة ~~وعبرة لهم، فيكون زجرا له عن العود إلى مثله وردعا لغيره عن إتيان مثله، ~~والأولى أن تكون الطائفة جماعة يستفيض الخبر بها ويشيع فيرتدع الناس عن ~~مثله; لأن الحدود موضوعة للزجر والردع، وبالله التوفيق. # PageV03P344 # باب تزويج الزانية # قال الله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} . قال أبو بكر: روى عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان يحمل الأسرى من ~~مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له، ~~وكان وعد رجلا أن يحمله من أسرى مكة، وإن عناق رأته فقالت له: أقم الليلة ~~عندي قال: يا عناق قد حرم الله الزنا فقالت: يا أهل الخباء هذا الذي يحمل ~~أسراكم فلما قدمت المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله أتزوج عناق؟ فلم يرد حتى نزلت هذه الآية: {الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحها! ". فبين عمرو بن ~~شعيب في هذا الحديث أن الآية نزلت في الزانية المشركة أنها لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك، وإن تزوج المسلم المشركة زنا; إذ كانت لا تحل له. # وقد اختلف السلف في تأويل الآية وحكمها، فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن ~~سعيد ويزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب في قوله ~~تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} : قد نسختها الآية التي بعدها: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} قال: كان يقال هي من أيامى المسلمين، فأخبر سعيد بن ~~المسيب أن الآية منسوخة. قال أبو عبيد: وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ~~في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو ms2483 مشركة} قال: "كان رجال يريدون الزنا ~~بنساء زواني بغايا معلنات كن كذلك في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا ~~نكاحهن" فذكر مجاهد أن ذلك كان في نساء مخصوصات على الوصف الذي ذكرنا وروي ~~عن عبد الله بن عمر في قوليه: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} أنه نزل ~~في رجل تزوج امرأة بغية على أن تنفق عليه "فأخبر عبد الله بن عمر أن النهي ~~خرج على هذا الوجه وهو أن يزوجها على أن يخليها والزنا. وروى حبيب بن أبي ~~عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "يعني بالنكاح جماعها". وروى ابن ~~شبرمة عن عكرمة: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: "لا يزني حين ~~يزني إلا بزانية مثله". # وقال شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس: "بغايا كن في الجاهلية يجعلن على ~~أبوابهن رايات كرايات البياطرة يأتيهن ناس، يعرفن بذلك". وروى مغيرة عن ~~إبراهيم النخعي: {الزاني لا ينكح إلا زانية} : "يعني به الجماع حين يزني" ~~وعن عروة بن الزبير مثله. # PageV03P345 # قال أبو بكر: فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا ~~وأن المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيا فالمرأة مثله إذا طاوعته، ~~وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، فحكم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا، ~~ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد وعقاب الآخرة وقطع الموالاة وما جرى ~~مجرى ذلك. وروي فيه قول آخر، وهو ما روى عاصم الأحول عن الحسن في هذه الآية ~~قال: "المحدود لا يتزوج إلا محدودة". # واختلف السلف في تزويج الزانية، فروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن ~~مسعود وابن عمر ومجاهد وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير في آخرين من ~~التابعين: "أن من زنى بامرأة أو زنى بها غيره فجائز له أن يتزوجها". وروي ~~عن علي وعائشة والبراء وإحدى الروايتين عن ابن مسعود: "أنهما لا يزالان ~~زانيين ما اجتمعا". وعن علي: "إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته، وكذلك ~~هي إذا زنت". # قال أبو بكر: فمن حظر نكاح ms2484 الزانية تأول فيه هذه الآية، وفقهاء الأمصار ~~متفقون على جواز النكاح، وأن الزنا لا يوجب تحريمها على الزوج ولا يوجب ~~الفرقة بينهما. ولا يخلو قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية} من أحد ~~وجهين: إما أن يكون خبرا وذلك حقيقته أو نهيا وتحريما، ثم لا يخلو من أن ~~يكون المراد بذكر النكاح هنا الوطء أو العقد، وممتنع أن يحمل على معنى ~~الخبر، وإن كان ذلك حقيقة اللفظ; لأنا وجدنا زانيا يتزوج غير زانية وزانية ~~تتزوج غير الزاني، فعلمنا أنه لم يرد مورد الخبر، فثبت أنه أراد الحكم ~~والنهي. فإذا كان كذلك فليس يخلو من أن يكون المراد الوطء أو العقد، وحقيقة ~~النكاح هو الوطء في اللغة لما قد بيناه في مواضع، فوجب أن يكون محمولا عليه ~~على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه في أن المراد الجماع، ولا يصرف إلى العقد ~~إلا بدلالة; لأنه مجاز; ولأنه إذا ثبت أنه قد أريد به الحقيقة انتفى دخول ~~المجاز فيه. وأيضا فلو كان المراد العقد لم يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا ~~للفرقة; إذ كانا جميعا موصوفين بأنهما زانيان; لأن الآية قد اقتضت إباحة ~~نكاح الزاني للزانية، فكان يجب أن يجوز للمرأة أن تتزوج الذي زنى بها قبل ~~أن يتوبا وأن لا يكون زناهما في حال الزوجية يوجب الفرقة، ولا نعلم أحدا ~~يقول ذلك، وكان يجب أن يجوز للزاني أن يتزوج مشركة وللمرأة الزانية أن ~~تتزوج مشركا، ولا خلاف في أن ذلك غير جائز وأن نكاح المشركات وتزويج ~~المشركين محرم منسوخ، فدل ذلك على أحد معنيين: إما أن يكون المراد الجماع ~~على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه، أو أن يكون حكم الآية منسوخا على ما روي ~~عن سعيد بن المسيب. # PageV03P346 # ومن الناس من يحتج في أن الزنا لا يبطل النكاح بما روى هارون بن رئاب عن ~~عبيد الله بن عبيد ويرويه عبد الكريم الجزري عن أبي الزبير، وكلاهما يرسله ~~أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي لا ms2485 تمنع يد لامس، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستمتاع منها، فيحمل ذلك على أنها لا تمنع ~~أحدا ممن يريدها على الزنا. وقد أنكر أهل العلم هذا التأويل، قالوا: لو صح ~~هذا الحديث كان معناه أن الرجل وصف امرأته بالخرق وضعف الرأي وتضييع ماله ~~فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق، قالوا: وهذا أولى; لأنه حقيقة ~~اللفظ، وحمله على الوطء كناية ومجاز، وحمله على ما ذكرنا أولى وأشبه بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم كما قال علي وعبد الله: إذا جاءكم الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنأ والذي هو أتقى. # فإن قيل: قال الله تعالى: {أو لامستم1 النساء} [النساء: 43] فجعل الجماع ~~لمسا. قيل له: إن الرجل لم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم إنها لا تمنع ~~لامسا، وإنما قال يد لامس، ولم يقل فرج لامس، وقال الله تعالى: {ولو نزلنا ~~عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} [الأنعام: 7] ومعلوم أن المراد حقيقة ~~اللمس باليد، وقال جرير الخطفي يعاتب قوما: # ألستم لئاما إذ ترومون جارهم ... ولولا همو لم تمنعوا2 كف لامس # ومعلوم أنه لم يرد به الوطء وإنما أراد أنكم لا تدفعون عن أنفسكم الضيم ~~ومنع أموالكم هؤلاء القوم، فكيف ترومون جارهم بالظلم. # ومن الناس من يقول إن تزويج الزانية وإمساكها على النكاح محظور منهي عنه ~~ما دامت مقيمة على الزنا وإن لم يؤثر ذلك في إفساد النكاح; لأن الله تعالى ~~إنما أباح نكاح المحصنات من المؤمنات ومن أهل الكتاب بقوله: {والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] يعني ~~العفائف منهن; ولأنها إذا كانت كذلك لا يؤمن أن تأتي بولد من الزنا فتلحقه ~~به وتورثه ماله، وإنما يحمل قول من رخص في ذلك على أنها تائبة غير مقيمة ~~على الزنا، ومن الدليل على أن زناها لا يوجب الفرقة أن الله تعالى حكم في ~~القاذف لزوجته باللعان ثم بالتفريق بينهما، فلو كان وجود الزنا منها يوجب ~~الفرقة لوجب ms2486 إيقاف الفرقة بقذفه إياها لاعترافه بما يوجب الفرقة، ألا ترى ~~أنه لو أقر أنها أخته من الرضاعة أو أن أباه قد كان وطئها لوقعت الفرقة ~~بهذا القول. PageV03P347 # فإن قيل: لما حكم الله تعالى بإيقاع الفرقة بعد اللعان دل ذلك على أن ~~الزنا يوجب التحريم، لولا ذلك لما وجبت الفرقة باللعان. قيل له: لو كان كما ~~ذكرت لوجبت الفرقة بنفس القذف دون اللعان، فلما لم تقع بالقذف دل على فساد ~~ما ذكرت. # فإن قيل: إنما وقعت الفرقة باللعان; لأنه صار بمنزلة الشهادة عليها ~~بالزنا، فلما حكم عليها بذلك حكم بوقوع الفرقة لأجل الزنا. قيل له: وهذا ~~غلط أيضا; لأن شهادة الزوج وحده عليها بالزنا لا توجب كونها زانية كما أن ~~شهادتها عليه بالإكذاب لا توجب عليه الحكم بالكذب في قذفه إياها; إذ ليست ~~إحدى الشهادتين بأولى من الأخرى، ولو كان الزوج محكوما له بقبول شهادته ~~عليها بالزنا لوجب أن تحد حد الزنا، فلما لم تحد بذلك دل على أنه غير محكوم ~~عليها بالزنا بقول الزوج، والله أعلم بالصواب. # PageV03P348 # باب حد القذف # قال الله عز وجل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} قال أبو بكر: الإحصان على ضربين، أحدهما: ما يتعلق ~~به وجوب الرجم على الزاني، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما قد تزوج ~~امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك، والآخر: الإحصان الذي يوجب الحد على ~~قاذفه، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا. ولا نعلم خلافا بين ~~الفقهاء في هذا المعنى. # قال أبو بكر: قد خص الله تعالى المحصنات بالذكر، ولا خلاف بين المسلمين ~~أن المحصنين مرادون بالآية، وأن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن كوجوبه ~~على قاذف المحصنة. واتفق الفقهاء على أن قوله: {والذين يرمون المحصنات} قد ~~أريد به الرمي بالزنا، وإن كان في فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص، وذلك ~~لأنه لما ذكر المحصنات وهن العفائف دل على أن المراد بالرمي رميها بضد ~~العفاف وهو الزنا. ووجه آخر من دلالة ms2487 فحوى اللفظ، وهو قوله تعالى: {ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء} يعني: على صحة ما رموه به، ومعلوم أن هذا العدد من ~~الشهود إنما هو مشروط في الزنا، فدل على أن قوله: {والذين يرمون المحصنات} ~~معناه: يرمونهن بالزنا. ويدل ذلك على معنى آخر، وهو أن القذف الذي يجب به ~~الحد إنما هو القذف بصريح الزنا، وهو الذي إذا جاء بالشهود عليه حد المشهود ~~عليه، ولولا ما في فحوى اللفظ من الدلالة عليه لم يكن ذكر الرمي مخصوصا ~~بالزنا دون غيره من الأمور التي يقع الرمي بها; إذ قد يرميها بسرقة وشرب ~~خمر وكفر وسائر الأفعال المحظورة، ولم يكن اللفظ حينئذ مكتفيا بنفسه في ~~إيجاب حكمه بل كان يكون مجملا موقوف الحكم على البيان، إلا أنه كيفما تصرفت # PageV03P348 # الحال فقد حصل الاتفاق على أن الرمي بالزنا مراد، ولما كان كذلك صار ~~بمنزلة قوله: والذين يرمون المحصنات بالزنا; إذ حصول الإجماع على أن الزنا ~~مراد بمنزلة ذكره في اللفظ، فوجب بذلك أن يكون وجوب حد القذف مقصورا على ~~القذف بالزنا دون غيره. # وقد اختلف السلف والفقهاء في التعريض بالزنا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وزفر ومحمد وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح والشافعي: "لا حد في التعريض ~~بالقذف". وقال مالك: "عليه فيه الحد". وروى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ~~ابن عمر قال: كان عمر يضرب الحد في التعريض". وروى ابن وهب عن مالك عن أبي ~~الرجال عن أمه عمرة: "أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~فقال. أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر ~~الناس، فقال قائل مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير ~~هذا، نرى أن يجلد الحد، فجلده عمر الحد ثمانين"، ومعلوم أن عمر لم يشاور في ~~ذلك إلا الصحابة الذين إذا خالفوا قبل خلافهم، فثبت بذلك حصول الخلاف بين ~~السلف. ثم لما ثبت أن المراد بقوله: {والذين يرمون المحصنات} هو الرمي ~~بالزنا لم يجز لنا ms2488 إيجاب الحد على غيره; إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من ~~طريق المقاييس وإنما طريقها الاتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض، وفي ~~مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف، ~~وأنه قاله اجتهادا ورأيا. وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة ~~للمعاني، وغير جائز إيجاب الحد بالاحتمال لوجهين: أحدهما: أن الأصل أن ~~القائل بريء الظهر من الجلد فلا نجلده بالشك والمحتمل مشكوك فيه، ألا ترى ~~أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته ألبتة استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالله ما أردت إلا واحدة فلم يلزمه الثلاث بالاحتمال؟ ولذلك قال الفقهاء في ~~كنايات الطلاق إنها لا تجعل طلاقا إلا بدلالة. والوجه الآخر: ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وأقل أحوال ~~التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون شبهة في سقوطه. وأيضا قد فرق ~~الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبين التصريح فقال: {ولا جناح ~~عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ~~ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] يعني نكاحا، فجعل التعريض ~~بمنزلة الإضمار في النفس، فوجب أن يكون كذلك حكم التعريض بالقذف، والمعنى ~~الجامع بينهما أن التعريض لما كان فيه احتمال كان في حكم الضمير لوجود ~~الاحتمال فيه. # واختلف الفقهاء في حد العبد في القذف، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد ومالك وعثمان البتي والثوري والشافعي: "إذا قذف العبد حرا فعليه ~~أربعون # PageV03P349 # جلدة". وقال الأوزاعي: "يجلد ثمانين". وروى الثوري عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه أن عليا قال: "يجلد العبد في الفرية أربعين". وروى الثوري عن ابن ~~ذكوان عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن ~~بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين". قال أبو ~~بكر: وهو مذهب ابن عباس وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء. وروى ليث بن أبي سليم ~~عن القاسم بن عبد الرحمن أن عبد ms2489 الله بن مسعود قال في عبد قذف حرا: "إنه ~~يجلد ثمانين". وقال أبو الزناد جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في الفرية ~~ثمانين". ولم يختلفوا في أن حد العبد في الزنا خمسون على النصف من حد الحر ~~لأجل الرق، وقال الله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] فنص على حد الأمة وأنه نصف حد الحرة، ~~واتفق الجميع على أن العبد بمنزلتها لوجود الرق فيه، كذلك يجب أن يكون حده ~~في القذف على النصف من حد الحر لوجود الرق فيه. # واختلفوا في قاذف المجنون والصبي، فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح ~~والشافعي: "لا حد على قاذف المجنون والصبي". وقال مالك: "لا يحد قاذف الصبي ~~وإن كان مثله يجامع إذا لم يبلغ، ويحد قاذف الصبية إذا كان مثلها تجامع وإن ~~لم تحصن، ويحد قاذف المجنون". # وقال الليث "يحد قاذف المجنون". قال أبو بكر: المجنون والصبي والصبية لا ~~يقع من واحد منهم زنا; لأن الوطء منهم لا يكون زنا; إذ كان الزنا فعلا ~~مذموما يستحق عليه العقاب وهؤلاء لا يستحقون العقاب على أفعالهم، فقاذفهم ~~بمنزلة قاذف المجنون لوقوع العلم بكذب القاذف; ولأنهم لا يلحقهم شين بذلك ~~الفعل لو وقع منهم، فكذلك لا يشينهم قذف القاذف لهم بذلك. ومن جهة أخرى أن ~~المطالبة بالحد إلى المقذوف ولا يجوز أن يقوم غيره مقامه فيه، ألا ترى أن ~~الوكالة غير مقبولة فيه؟ وإذا كان كذلك لم تجب المطالبة لأحد وقت القذف، ~~فلم يجب الحد; لأن الحد إذا وجب فإنما يجب بالقذف لا غير. # فإن قيل: فللرجل أن يأخذ بحد أبيه إذا قذف وهو ميت فقد جاز أن يطالب عن ~~الغير بحد القذف. قيل له: إنما يطالب عن نفسه لما حصل به من القدح في نسبه ~~ولا يطالب عن الأب. وأيضا لما اتفقوا على أن قاذف الصبي لا يحد كان كذلك ~~قاذف الصبية; لأنهما جميعا من غير أهل التكليف ولا يصح وقوع الزنا منهما، ~~فكذلك المجنون لهذه العلة. ms2490 # واختلفوا فيمن قذف جماعة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك ~~والثوري والليث: "إذا قذفهم بقول واحد فعليه حد واحد". وقال ابن أبي ليلى: ~~"إذا قال # PageV03P350 # لهم يا زناة فعليه حد واحد، وإن قال لكل إنسان يا زاني فلكل إنسان حد" ~~وهو قول الشعبي. وقال عثمان البتي: "إذا قذف جماعة فعليه لكل واحد حد، وإن ~~قال لرجل زنيت بفلانة فعليه حد واحد; لأن عمر ضرب أبا بكرة وأصحابه حدا ~~واحدا ولم يحدهم للمرأة". وقال الأوزاعي: "إذا قال يا زاني ابن زان فعليه ~~حدان، وإن قال لجماعة إنكم زناة فحد واحد". وقال الحسن بن صالح: "إذا قال ~~من كان داخل هذه الدار فهو زان ضرب لمن كان داخلها إذا عرفوا". وقال ~~الشافعي فيما حكاه المزني عنه: "إذا قذف جماعة بكلمة واحدة فلكل واحد حد، ~~وإن قال لرجل واحد يا ابن الزانيين فعليه حدان" وقال في أحكام القرآن: "إذا ~~قذف امرأته برجل لاعن ولم يحد للرجل". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ومعلوم أن مراده جلد كل واحد من القاذفين ~~ثمانين جلدة، فكان تقدير الآية: ومن رمى محصنا فعليه ثمانون جلدة، وهذا ~~يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين، ومن أوجب على ~~قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فهو مخالف لحكم الآية. ويدل عليه من ~~جهة السنة ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن ~~بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا هشام بن حسان قال: حدثني عكرمة عن ~~ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ~~ابن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك! " فقال: ~~يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته يلتمس البينة؟، فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "البينة وإلا فحد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك ~~بالحق إني لصادق ولينزلن ms2491 الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت: {والذين ~~يرمون أزواجهم} "، وذكر الحديث. روى محمد بن كثير قال: حدثنا مخلد بن ~~الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس: أن هلال بن أمية قذف شريك بن سحماء ~~بامرأته، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ائت بأربعة شهداء ~~وإلا فحد في ظهرك! ". قال ذلك مرارا، فنزلت آية اللعان". قال أبو بكر: قد ~~ثبت بهذا الخبر أن قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} الآية، كان حكما ~~عاما في الزوجات كهو في الأجنبيات، لقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن ~~أمية: "ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك" ولأن عموم الآية قد اقتضى ذلك، ~~ثم لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا حدا مع قذفه لامرأته ~~ولشريك ابن سحماء، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام ~~الحد في الأجنبيات، ولم ينسخ موجب الخبر من وجوب الاقتصار على حد واحد إذا ~~قذف جماعة، فثبت بذلك أنه لا يجب على قاذف الجماعة إلا حد واحد. ويدل عليه ~~من جهة النظر أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مرارا لا يوجب إلا حدا # PageV03P351 # واحدا، كمن زنى مرارا أو سرق مرارا أو شرب مرارا لم يحد إلا حدا واحدا، ~~فكان اجتماع هذه الحدود التي هي من جنس واحد موجبا لسقوط بعضها والاقتصار ~~على واحد منها، والمعنى الجامع بينهما أنها حد، وإن شئت قلت إنه مما يسقط ~~بالشبهة. # فإن قيل حد القذف حق لآدمي، فإذا قذف جماعة وجب أن يكون لكل واحد منهم ~~استيفاء حده على حياله، والدليل على أنه حق لآدمي أنه لا يحد إلا بمطالبة ~~المقذوف، قيل له: الحد هو حق لله تعالى كسائر الحدود في الزنا والسرقة وشرب ~~الخمر، وإنما المطالبة به حق لآدمي لا الحد نفسه، وليس كونه موقوفا على ~~مطالبة الآدمي مما يوجب أن يكون الحد نفسه حقا لآدمي، ألا ترى أن حد السرقة ~~لا يثبت إلا بمطالبة الآدمي ولم يوجب ذلك أن ms2492 يكون القطع حقا للآدمي؟ فكذلك ~~حد القذف، ولذلك لا يجيز أصحابنا العفو عنه، ولا يورث ويدل على أنه حق لله ~~تعالى اتفاق الجميع على أن العبد يجلد في القذف أربعين، ولو كان حقا لآدمي ~~لما اختلف الحر والعبد فيه; إذ كان الجلد مما يتنصف، ألا ترى أن العبد ~~والحر يستويان فيما يثبت عليهما من الجنايات على الآدميين فإذا قتل العبد ~~ثبت الدم في عنقه فإذا كان عمدا قتل وإن كان خطأ كانت الدية في رقبته كما ~~لو قتله حر وجبت الدية؟ فلو كان حد القذف حقا لآدمي لما اختلف مع إمكان ~~تنصيفه الحر والعبد، وكذلك العبد والحر لا يختلفان في استهلاك الأموال; إذ ~~ما يثبت على الحر فمثله يثبت على العبد. # وقد اختلف في إقامة حد القذف من غير مطالبة المقذوف، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد والأوزاعي والشافعي: "لا يحد إلا بمطالبة المقذوف". وقال ~~ابن أبي ليلى: "يحده الإمام، وإن لم يطالب المقذوف" وقال مالك: "لا يحده ~~الإمام حتى يطالب المقذوف إلا أن يكون الإمام سمعه يقذف فيحده إذا كان مع ~~الإمام شهود عدول". قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج ~~يحدث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد ~~وجب"، فثبت بذلك أن ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من حد لم يكن يهمله ~~ولا يقيمه، فلما قال لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك ابن سحماء: "ائتني ~~بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك" ولم يحضر شهودا ولم يحده حين لم يطالب ~~المقذوف بالحد، دل ذلك على أن حد القذف لا يقام إلا بمطالبة المقذوف. ويدل ~~عليه أيضا ما روي في حديث زيد بن خالد وأبي هريرة في قصة العسيف، وأن أبا ~~الزاني قال: إن ابني ms2493 زنى بامرأة هذا، فلم يحده النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقذفها وقال: "اغد يا أنيس على امرأة هذا # PageV03P352 # فإن اعترفت فارجمها". ولما كان حد القذف واجبا لما انتهك من عرضه بقذفه ~~مع إحصانه وجب أن تكون المطالبة به حقا له دون الإمام، كما أن حد السرقة ~~لما كان واجبا لما انتهك من حرز المسروق وأخذ ماله لم يثبت إلا بمطالبة ~~المسروق منه، وأما فرق مالك بين أن يسمعه الإمام أو يشهد به الشهود فلا ~~معنى له; لأن هذا إن كان مما للإمام إقامته من غير مطالبة المقذوف فواجب أن ~~لا يختلف فيه حكم سماع الإمام وشهادة الشهود من غير سماعه. # PageV03P353 # باب شهادة القاذف # قال الله عز وجل: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} قال ~~أبو بكر: حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه به ~~بثلاثة أحكام: أحدها جلد ثمانين، والثاني بطلان الشهادة، والثالث: الحكم ~~بتفسيقه إلى أن يتوب. واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها ~~عليه بالقذف بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة ~~البينة على الزنا، فقال قائلون: "قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل ~~إقامة الحد عليه" وهو قول الليث بن سعد والشافعي. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وزفر ومحمد ومالك: "شهادته مقبولة ما لم يحد" وهذا يقتضي من قولهم أنه غير ~~موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد; لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت ~~شهادته; إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق ~~الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد، والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا} فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة على ~~صحة قذفه، وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز شهادته وبقاء حكم عدالته ما ~~لم يقع الحد به: أحدهما قوله: {ثم لم يأتوا بأربعة ms2494 شهداء} وثم للتراخي في ~~حقيقة اللغة فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف ~~ان يكونوا غير فساق بالقذف لأنه قال: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} الآية، ~~فكان تقديره: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم الفاسقون فإنما حكم ~~بفسقهم متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن إقامة الشهود فمن حكم بفسقهم ~~بنفس القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن تكون شهادة القاذف غير مردودة ~~لأجل القذف، فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل شهادته. وأيضا فلو كانت ~~الشهادة تبطل بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا المقذوف مبطلا ~~لشهادته وهي قد بطلت قبل ذلك والوجه الآخر: أن المعقول من هذا # PageV03P353 # اللفظ أنه لا تبطل شهادته ما دامت إقامة البينة على زناه ممكنة، ألا ترى ~~أنه لو قال رجل لامرأته "أنت طالق إن كلمت فلانا ثم لم تدخلي الدار" أنها ~~إن كلمت فلانا لم تطلق حتى تترك دخول الدار إلى أن تموت فتطلق حينئذ قبل ~~موتها بلا فصل؟ وكذلك لو قال: "أنت طالق إن كلمت فلانا ولم تدخلي الدار" ~~كان بهذه المنزلة وكان الكلام وترك الدخول إلى أن تموت شرطا لوقوع الطلاق ~~ولا فرق بين قوله "وأنت طالق إن كلمت فلانا ثم دخلت الدار" وبين قوله: "إن ~~كلمت فلانا ثم لم تدخليها" وإن افترقا من جهة أن شرط اليمين في أحدهما وجود ~~الدخول وفي الآخر نفيه ولما كان ذلك كذلك. وكان قوله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} مقتضيا لشرطين في بطلان شهادة القاذف ~~أحدهما: الرمي والآخر عدم الشهود على زنا المقذوف متراخيا عن القذف وفوات ~~الشهادة عليه به، فما دامت إقامة الشهادة عليه بالزنا ممكنة بخصومة القاذف ~~فقد اقتضى لفظ الآية بقاءه على ما كان عليه غير محكوم ببطلان شهادته وأيضا ~~لا يخلو القاذف من أن يكون محكوما بكذبه وبطلان شهادته بنفس القذف أو أن ~~يكون محكوما بكذبه بإقامة الحد عليه، فلو كان محكوما بكذبه بنفس القذف ~~ولذلك بطلت ms2495 شهادته فواجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا; إذ قد وقع ~~الحكم بكذبه والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون ~~المقذوف زانيا فلما لم يختلفوا في حكم قبول بينته على المقذوف بالزنا، وأن ~~ذلك يسقط عنه الحد ثبت أن قذفه لم يوجب أن يكون كاذبا فواجب أن لا تبطل ~~شهادته; إذ لم يحكم بكذبه; لأن من سمعناه يخبر بخبر لا نعلم فيه صدقه من ~~كذبه لم تبطل به شهادته، ألا ترى أن قاذف امرأته بالزنا تبطل شهادته بنفس ~~القذف ولا يكون محكوما بكذبه بنفس قذفه؟ ولو كان كذلك لما جاز إيجاب اللعان ~~بينه وبين امرأته ولما أمر أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها ~~به من الزنا مع الحكم بكذبه ولما وعظ في ترك اللعان الكاذب منهما، ولما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعدما لاعن بين الزوجين: "الله يعلم أن أحدكما ~~كاذب فهل منكما تائب؟ " فأخبر أن أحدهما بغير عينه هو الكاذب ولم يحكم بكذب ~~القاذف دون الزوجة، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب تفسيقه ولا ~~الحكم بتكذيبه. ويدل عليه قوله عز وجل: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ ~~لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فلم يحكم بكذبهم بنفس ~~القذف فقط بل إذا لم يأتوا بالشهداء، ومعلوم أن المراد إذا لم يأتوا ~~بالشهداء عند الخصومة في القذف، فغير جائز إبطال شهادته قبل وجود هذه ~~الشريطة وهو عجزه عن إقامة البينة بعد الخصومة في حد القذف عند الإمام; إذ ~~كان الشهداء إنما يقيمون الشهادة عند الإمام فمن حكم بتفسيقه وأبطل شهادته ~~بنفس القذف فقد خالف الآية. # PageV03P354 # فإن قيل: لما قال تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا وقالوا هذا إفك مبين} دل ذلك على أن على الناس إذا سمعوا من يقذف آخر ~~أن يحكموا بكذبه ورد شهادته إلى أن يأتي بالشهداء. قيل له: معلوم أن الآية ~~نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها وقذفتها; ms2496 لأنه قال تعالى: {إن الذين جاءوا ~~بالأفك عصبة منكم} إلى قوله: {لولا إذ سمعتموه} وقد كانت بريئة الساحة غير ~~متهمة بذلك، وقاذفوها أيضا لم يقذفوها برؤية منهم لذلك وإنما قذفوها ظنا ~~منهم وحسبانا حين تخلفت. ولم يدع أحد أنهم أنه رأى ذلك، ومن أخبر عن ظن في ~~مثله فعلينا إكذابه والنكير عليه. وأيضا لما قال في نسق التلاوة: {فإذ لم ~~يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فحكم بكذبهم عند عجزهم عن ~~إقامة البينة، علمنا أنه لم يرد بقوله: {وقالوا هذا إفك مبين} إيجاب الحكم ~~بكذبهم بنفس القذف، وأن معناه: وقالوا هذا إفك مبين; إذ سمعوه ولم يأت ~~القاذف بالشهود. والشافعي يزعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت ~~شهادتهم، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فوجب أن لا يقبلها بعد ذلك وإن شهد ~~معه ثلاثة; لأنه قد فسق بقذفه فوجب الحكم بتكذيبه، وفي قبول شهادتهم إذا ~~جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف. ويدل على صحة قولنا ~~من جهة السنة ما روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ~~محدودا في قذف"، فأخبر صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد. ~~ويدل عليه أيضا حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن ~~أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" فأخبر أن بطلان ~~شهادته معلق بوقوع الجلد به، ودل بذلك أن القذف لم يبطل شهادته. # واختلف الفقهاء في شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فقال أبو حنيفة ~~وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري والحسن بن صالح: "لا تقبل شهادته إذا تاب ~~وتقبل شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب". وقال مالك وعثمان البتي والليث ~~والشافعي تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب". وقال الأوزاعي: "لا تقبل ms2497 ~~شهادة محدود في الإسلام". # قال أبو بكر: روى الحجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ~~ثم استثنى فقال: {إلا الذين تابوا} فتاب عليهم من الفسق، وأما الشهادة فلا ~~تجوز. حدثنا # PageV03P355 # جعفر بن محمد الواسطي قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ~~حجاج، وقد ورد عن ابن عباس أيضا ما حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا ابن ~~اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح ~~عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~وأولئك هم الفاسقون} قال: ثم قال: {إلا الذين تابوا} قال: "فمن تاب وأصلح ~~فشهادته في كتاب الله مقبولة". قال أبو بكر: ويحتمل أن لا يكون ذلك مخالفا ~~لما روي عنه في الحديث الأول، بأن يكون أراد بأن شهادته مقبولة إذا لم يجلد ~~وتاب، والأول على أنه جلد فلا تقبل شهادته وإن تاب. وروي عن شريح وسعيد بن ~~المسيب والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير قالوا: "لا تجوز شهادته وإن تاب إنما ~~توبته فيما بينه وبين الله". وقال إبراهيم: "رفع عنهم بالتوبة اسم الفسق ~~فأما الشهادة فلا تجوز أبدا". وروي عن عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والقاسم ~~بن محمد وسالم والزهري: "أن شهادته تقبل إذا تاب". وروي عن عمر بن الخطاب ~~من وجه مطعون فيه أنه قال لأبي بكرة: "إن تبت قبلت شهادتك"، وذلك أنه رواه ~~ابن عيينة عن الزهري قال سفيان: عن سعيد بن المسيب، ثم شك وقال: هو عمر بن ~~قيس، أن عمر قال لأبي بكرة: "إن تبت قبلت شهادتك فأبى أن يتوب"، فشك سفيان ~~بن عيينة في سعيد بن المسيب وعمر بن قيس ويقال إن عمر بن قيس مطعون فيه، ~~فلم يثبت عن عمر بهذا الإسناد هذا القول. ورواه الليث عن ابن شهاب ms2498 أنه بلغه ~~أن عمر قال ذلك لأبي بكرة، وهذا بلاغ لا يعمل عليه على مذهب المخالف. وقد ~~روي عن سعيد بن المسيب أن شهادته غير مقبولة بعد التوبة، فإن صح عنه حديث ~~عمر فلم يخالفه إلا إلى ما هو أقوى منه، ومع ذلك فليس في حديث عمر أنه قال ~~ذلك لأبي بكرة بعدما جلده، وجائز أن يكون قال قبل الجلد. # قال أبو بكر: وما ذكرنا من اختلاف السلف وفقهاء الأمصار في حكم القاذف ~~إذا تاب فإنما صدر عن اختلافهم في رجوع الاستثناء إلى الفسق أو إلى إبطال ~~الشهادة وسمة الفسق جميعا فيرفعهما، والدليل على أن الاستثناء مقصور الحكم ~~على ما يليه من زوال سمة الفسق به دون جواز الشهادة أن حكم الاستثناء في ~~اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة، والدليل عليه ~~قوله تعالى: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته} [الحجر:59] فكانت ~~المرأة مستثناة من المنجين; لأنها تليهم، ولو قال رجل لفلان: "علي عشرة ~~دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهم" كان عليه ثمانية دراهم وكان الدرهم مستثنى ~~من الثلاثة، وإذا كان ذلك حكم الاستثناء وجب الاقتصار به على ما يليه ويدل ~~عليه أيضا أن قوله: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن} [النساء: 23] في معنى # PageV03P356 # الاستثناء وهو راجع إلى الربائب دون أمهات النساء; لأنه يليهن، فثبت بما ~~وصفنا صحة ما ذكرنا من الاقتصار بحكم الاستثناء على ما يليه دون ما تقدمه ~~وأيضا فإن الاستثناء إذا كان في معنى التخصيص وكانت الجملة الداخل عليها ~~الاستثناء عموما، وجب أن يكون حكم العموم ثابتا وأن لا نرفعه باستثناء قد ~~ثبت حكمه فيما يليه إلا أن تقوم الدلالة على رجوعه إليها. # فإن قيل: قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا} [المائدة: 33] إلى قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم} [المائدة: 34] فكان الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور لكونه ~~معطوفا بعضه على بعض، وقال تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما ms2499 تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ثم ~~قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] فكان التيمم لمن لزمه الاغتسال ~~كلزومه لمن لزمه الوضوء بالحدث، فكذلك حكم الاستثناء الداخل على كلام معطوف ~~بعضه على بعض يجب أن ينتظم الجميع ويرجع إليه. قيل له: قد بينا أن حكم ~~الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة، ~~وقد قامت الدلالة فيما ذكر على رجوعه إلى جميع المذكور ولم تقم الدلالة ~~فيما اختلفنا فيه على رجوعه إلى الجميع المذكور. # فإن قيل: إذا كنا قد وجدنا الاستثناء تارة يرجع إلى بعض المذكور وتارة ~~إلى جميعه وكان ذلك متعالما مشهورا في اللغة، فما الدلالة على وجوب ~~الاقتصار به على بعض الجملة وهو الذي يليه دون رجوعه إلى الجميع؟ قيل له: ~~لو سلمنا لك ما ادعيت من جواز رجوعه إلى الجميع لكان سبيله أن يقف موقف ~~الاحتمال في رجوعه إلى ما يليه أو إلى جميع المذكور، وإذا كان كذلك، وكان ~~اللفظ الأول عموما مقتضيا للحكم في سائر الأحوال لم يجز رد الاستثناء إليه ~~بالاحتمال; إذ غير جائز تخصيص العموم بالاحتمال، ووجب استعمال حكمه في ~~المتيقن وهو ما يليه دون ما تقدمه. # فإن قيل: ما أنكرت أن لا يكون اللفظ الأول عموما مع دخول الاستثناء على ~~آخر الكلام بل يصير في حيز الاحتمال ويبطل اعتبار العموم فيه؟ إذ ليس ~~اعتبار عمومه بأولى من اعتبار عموم الاستثناء في عوده إلى الجميع، وإذا بطل ~~فيه اعتبار العموم وقف موقف الاحتمال في إيجاب حكمه فسقط اعتبار عموم اللفظ ~~فيه. قيل له: هذا غلط من قبل أن صيغة اللفظ الأول صيغة العموم لا تدافع ~~بيننا فيه، وليس للاستثناء صيغة عموم يقتضي رفع الجميع، فوجب أن يكون حكم ~~الصيغة الموجبة للعموم مستعملا فيه وأن لا نزيلها # PageV03P357 # عنه إلا بلفظ يقتضي صيغته رفع العموم، وليس ذلك بموجود في لفظ الاستثناء. # فإن ms2500 قيل: لو قال رجل: عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، رجع الاستثناء ~~إلى الجميع، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لأغزون قريشا ~~والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا إن شاء الله"، فكان استثناؤه راجعا ~~إلى جميع الأيمان،; إذ كانت معطوفة بعضها على بعض. قيل له: ليس هذا مما نحن ~~في شيء; لأن هذا الضرب من الاستثناء مخالف للاستثناء الداخل على الجملة ~~بحروف الاستثناء التي هي "إلا" و "غير" و "سوى" ونحو ذلك; لأن قوله: "إن ~~شاء الله" يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت منه شيء، والاستثناء المذكور ~~بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله إلا لرفع حكم الكلام رأسا، ألا ترى أنه يجوز ~~أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء ولو قال: أنت طالق إلا طالق كان ~~الطلاق واقعا والاستثناء باطلا لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام؟ ولذلك جاز ~~أن يكون قوله "إن شاء الله" راجعا إلى جميع المذكور المعطوف بعضه على بعض، ~~ولم يجب مثله فيما وصفنا. # فإن قيل: فلو كان قال: "أنت طالق وعبدي حر إلا أن يقدم فلان" كان ~~الاستثناء راجعا إلى الجميع، فإن لم يقدم فلان حتى مات طلقت امرأته وعتق ~~عبده وكان ذلك بمنزلة قوله: إن شاء الله. قيل له: ليس ذلك على ما ظننت، من ~~قبل أن قوله: "إلا أن يقدم فلان" وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء فإنه في ~~معنى الشرط كقوله: "إن لم يقدم فلان"، وحكم الشرط أن يتعلق به جميع المذكور ~~إذا كان بعضه معطوفا على بعض، وذلك لأن الشرط يشبه الاستثناء الذي هو مشيئة ~~الله عز وجل من حيث كان وجوده عاملا في رفع الكلام حتى لا يثبت منه شيء، ~~ألا ترى أنه ما لم يوجد الشرط لم يقع شيء؟ وجائز أن لا يوجد الشرط أبدا ~~فيبطل حكم الكلام رأسا ولا يثبت من الجزاء شيء، فلذلك جاز رجوع الشرط إلى ~~جميع المذكور كما جاز رجوع الاستثناء بمشيئة الله تعالى. قال أبو بكر: ~~وقوله: "إلا أن يقدم فلان" ms2501 هو شرط، وإن دخل عليه حرف الاستثناء، وأما ~~الاستثناء المحض الذي هو قوله: {إلا الذين تابوا} [البقرة: 160] و {إلا آل ~~لوط} [الحجر: 59] وما جرى مجراه، فإنه لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأسا ~~حتى لا يثبت منه شيء، ألا ترى أن قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} لا بد ~~من أن يكون حكمه ثابتا في وقت ما وأن من رد الاستثناء إليه فإنما يرفع حكمه ~~في بعض الأوقات بعد ثبات حكمه في بعضها؟ وكذلك قوله: {إلا آل لوط} [الحجر: ~~59] غير جائز أن يكون رافعا لحكم النجاة عن الأولين، وإنما عمل في بعض ما ~~انتظمه لفظ العموم. # ويستدل بما ذكرنا على أن حقيقة هذا الضرب من الاستثناء رجوعه إلى ما يليه ~~دون # PageV03P358 # ما تقدمه وأن لا يرد إلى ما تقدمه إلا بدلالة وذلك; لأنه لما استحال دخول ~~هذا الاستثناء لرفع حكم الكلام رأسا حتى لا يثبت منه شيء وجب أن يكون ~~مستعملا في البعض دون الكل، فإذا وجب ذلك كان ذلك البعض الذي عمل فيه هو ~~المتيقن دون غيره، بمنزلة لفظ لا يصح اعتقاد العموم فيه فيكون حكمه مقصورا ~~على الأقل المتيقن دون اعتبار لفظ العموم، كذلك الاستثناء. ولما جاز دخول ~~شرط مشيئة الله تعالى وسائر شروط الأيمان لرفع حكم اللفظ رأسا وجب استعماله ~~في جميع المذكور وأن لا يخرج منه شيء إلا بدلالة. # ويدل على أن الاستثناء في قوله: {إلا الذين تابوا} مقصور على ما يليه دون ~~ما تقدمه، أن قوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} كل ~~واحد منهما أمر، وقوله: {وأولئك هم الفاسقون} خبر، والاستثناء داخل عليه، ~~فوجب أن يكون موقوفا عليه دون رجوعه إلى الأمر وذلك; لأن "الواو" في قوله: ~~{وأولئك هم الفاسقون} للاستقبال; إذ غير جائز أن يكون للجميع; لأنه غير ~~جائز أن ينتظم لفظ واحد الأمر والخبر، ألا ترى أنه لا يصح جمعهما في كناية ~~ولا في لفظ واحد؟ ويدل عليه أنه لم يرجع إلى الحد إذا كان أمرا، ونظيره قول ~~القائل: "أعط ms2502 زيدا درهما، ولا تدخل الدار وفلان خارج إن شاء الله" إن مفهوم ~~هذا الكلام رجوع الاستثناء إلى الخروج دون ما تقدم من ذكر الأمر، كذلك يجب ~~أن يكون حكم الاستثناء في الآية لا فرق بينهما. # فإن قيل: قال الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: 33] إلى قوله: {ذلك لهم خزي ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] ثم قال: {إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] ومعلوم أن ما تقدم في أول ~~الآية أمر، وقوله: {ذلك لهم خزي في الدنيا} [المائدة: 33] خبر، فرجع ~~الاستثناء إلى الجميع ولم يختلف حكم الخبر والأمر. قيل له: إنما جاز ذلك; ~~لأن قوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] وإن كان ~~أمرا في الحقيقة فإن صورته صورة الخبر، فلما كان الجميع في صورة الخبر جاز ~~رجوع الاستثناء إلى الجميع، ولما كان قوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} أمرا على الحقيقة ثم عطف عليه الخبر، وجب أن لا ~~يرجع إلى الجميع; ومع ذلك فإنا نقول متى اختلفت صيغ المعطوف بعضه على بعض ~~لم يرجع إلا إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم مما ليس في مثل صيغته إلا ~~بدلالة، فإن قامت الدلالة جاز رده إليه، وقد قامت الدلالة في آية المحاربين ~~ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه فهو مبقى على حكمه في الأصل. # PageV03P359 # فإن قيل: لما كانت "الواو" للجمع، ثم قال: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} صار الجميع كأنه مذكور معا لا ~~تقدم لواحد منهما على الآخر، فلما أدخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع ~~الاستثناء إلى شيء من المذكور بأولى من رجوعه إلى الآخر; إذ لم يكن لتقديم ~~بعضها على بعض حكم في الترتيب، فكان الجميع في المعنى بمنزلة المذكور معا، ~~فليس رجوع الاستثناء إلى سمة الفسق بأولى من رجوعه إلى بطلان الشهادة ~~والحد، ولولا قيام الدلالة على أنه لم يرجع ms2503 إلى الحد لاقتضى ذلك رجوعه أيضا ~~وزواله عنه بالتوبة. قيل له: إن "الواو" قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد ~~تكون للاستئناف، وهي في قوله: {وأولئك هم الفاسقون} للاستئناف; لأنها إنما ~~تكون للجمع فيما لا يختلف معناه وينتظمه جملة واحدة فيصير الكل كالمذكور ~~معا، وذلك في نحو قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~[المائدة: 6] إلى آخر الآية; لأن الجميع أمر، كأنه قال: فاغسلوا هذه ~~الأعضاء; لأن الجميع قد تضمنه لفظ الأمر فصارت كالجملة الواحدة المنتظمة ~~لهذه الأوامر. وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر، ولا يجوز أن ~~ينتظمهما جملة واحدة; فلذلك كانت "الواو" للاستئناف; إذ غير جائز دخول معنى ~~الخبر في لفظ الأمر، وقوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} ~~[المائدة: 33] الاستثناء فيه عائد إلى الأمر بالقتل وما ذكر معه وغير عائد ~~إلى الخبر الذي يليه; لأن قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ~~[المائدة: 34] لا يجوز أن يكون عائدا إلى قوله: {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ~~[المائدة: 33] لأن التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة عليهم وبعدها، ~~فعلمنا أن هذه التوبة مشروطة للحد دون عذاب الآخرة. ودليل آخر، وهو أن قوله ~~تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} لا يخلو من أن يكون بطلان هذه الشهادة ~~متعلقا بالفسق أو يكون حكما على حياله تقتضي الآية تأبيده، فلما كان حمله ~~على بطلانها بلزوم سمة الفسق يبطل فائدة ذكره; إذ كان ذكر التفسيق مقتضيا ~~لبطلانها إلا بزواله والتوبة منه، وجب حمله على أنه حكم برأسه غير متعلق ~~بسمة الفسق ولا بترك التوبة. وأيضا فإن كل كلام فحكمه قائم بنفسه وغير جائز ~~تضمينه بغيره إلا بدلالة، وفي حمله على ما ادعاه المخالف تضمينه بغيره ~~وإبطال حكمه بنفسه، وذلك خلاف مقتضى اللفظ. وأيضا فإن حمله على ما ادعى ~~يوجب أن يكون الفسق المذكور في الآية علة لما ذكر من إبطال الشهادة، فيكون ~~تقديره: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا; لأنهم فاسقون; وفي ذلك إزالة اللفظ عن ~~حقيقته وصرفه إلى مجاز لا ms2504 دلالة عليه; لأن حكم اللفظ أن يكون قائما بنفسه ~~في إيجاب حكمه وأن لا يجعل علة لغيره مما هو مذكور معه ومعطوف عليه، فثبت ~~بذلك أن # PageV03P360 # بطلان الشهادة بعد الجلد حكم قائم بنفسه على وجه التأبيد المذكور في ~~الآية غير موقوف على التوبة. # فإن قيل رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى منه إلى الفسق; لأنه معلوم أن ~~التوبة تزيل الفسق بغير هذه الآية فلا يكون رده إلى الفسق مفيدا ورده إلى ~~الشهادة يفيد جوازها بالتوبة; إذ كان جائزا أن تكون الشهادة مردودة مع وجود ~~التوبة، فأما بقاء سمة الفسق مع وجود التوبة فغير جائز في عقل ولا سمع; إذ ~~كانت سمة الفسق ذما وعقوبة، وغير جائز أن يستحق التائب الذم، وليس كذلك ~~بطلان الشهادة، ألا ترى أن العبد والأعمى غير جائزي الشهادة لا على وجه ~~الذم والتعنيف لكن عبادة؟ فكان رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى بإثبات ~~فائدة الآية منه إلى الفسق. قيل له: إن التوبة المذكورة في هذه الآية إنما ~~هي التوبة من القذف وإكذاب نفسه فيه; لأنه به استحق سمة الفسق، وقد كان ~~جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب، ولم يكذب نفسه، ~~فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق عنه إذا أكذب نفسه. ووجه آخر، وهو أن سمة ~~الفسق إنما لزمته بوقوع الجلد به ولم يكن يمتنع عند إظهار التوبة أن لا ~~تكون مقبولة في ظاهر الحال وإن كانت مقبولة عند الله; لأنا لا نقف على ~~حقيقة توبته، فكان جائزا أن يتعبدنا بأن لا نصدقه على توبته وأن نتركه على ~~الجملة ولا نتولاه على حسب ما نتولى سائر أهل التوبة، فلما كان ذلك جائزا ~~ورود العبادة به أفادتنا الآية قبول توبته ووجوب موالاته وتصديقه على ما ~~ظهر من توبته. # فإن قيل: لما اتفقنا على أن الذمي المحدود في القذف تقبل شهادته إذا أسلم ~~وتاب، دل ذلك من وجهين على قبول شهادة المسلم المحدود في القذف: أحدهما: ~~أنه قد ثبت أن الاستثناء راجع إلى بطلان الشهادة; إذ ms2505 كان الذمي مرادا ~~بالآية، وقد أريد به كون بطلان الشهادة موقوفا على التوبة. والثاني: أنه ~~لما رفعت التوبة الحكم ببطلان شهادته كان المسلم في حكمه لوجود التوبة منه. ~~قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت وذلك; لأن الذمي لم يدخل في الآية، وذلك ~~لأن الآية إنما اقتضت بطلان شهادة من جلد وحكم بفسقه من جهة القذف، والذمي ~~قد تقدمت له سمة الفسق، فلما لم يستحق هذه السمة بالجلد لم يدخل في الآية ~~وإنما جلدناه بالاتفاق، ولم يحصل الاتفاق على بطلان شهادته بعد إسلامه ~~بالجلد الواقع في حال كفره فأجزناها كما نجيز شهادة سائر الكفار إذا ~~أسلموا. # فإن قيل: فيجب على هذا أن لا يكون الفاسق من أهل الملة مرادا بالآية; إذ ~~لم يستحدث سمة الفسق بوقوع الحد به. قيل له: هو كذلك، وإنما دخل في حكمها ~~بالمعنى لا باللفظ، وإنما أجاز أصحابنا شهادة الذمي المحدود في القذف بعد ~~إسلامه # PageV03P361 # وتوبته من قبل أن الحد في القذف يبطل العدالة من وجهين: أحدهما: عدالة ~~الإسلام، والآخر عدالة الفعل; والذمي لم يكن مسلما حين حد فيكون وقوع الحد ~~به مبطلا لعدالة إسلامه، وإنما بطلت عدالته من جهة الفعل، فإذا أسلم فأحدث ~~توبة فقد حصلت له عدالة من جهة الإسلام ومن طريق الفعل أيضا بالتوبة; فلذلك ~~قبلت شهادته. وأما المسلم فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق الدين ولم ~~يستحدث بالتوبة عدالة أخرى من جهة الدين; إذ لم يستحدث دينا بتوبته، وإنما ~~استحدث عدالة من طريق الفعل; فلذلك لم تقبل شهادته; إذ كان شرط قبول ~~الشهادة وجود العدالة من جهة الدين والفعل جميعا. # فإن قيل: لما اتفقنا على قبول شهادته إذا تاب قبل وقوع الحد به دل ذلك ~~على أن الاستثناء راجع إلى الشهادة كرجوعه إلى التفسيق، فوجب على هذا أن ~~يكون مقتضيا لقبولها بعد الحد كهو قبله. قيل له: إن شهادته لم تبطل بالقذف ~~قبل وقوع الحد به ولا وجب الحكم بتفسيقه لما بيناه في المسألة المتقدمة، ~~ولو لم يتب وأقام على ms2506 قذفه كانت شهادته مقبولة، وإنما بطلان الشهادة ولزومه ~~سمة الفسق مرتب على وقوع الحد به، فالاستثناء إنما رفع عنه سمة الفسق التي ~~لزمته بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك فغير محتاج إلى الاستثناء في الشهادة ولا ~~في الحكم بالتفسيق. # ودليل آخر على صحة قولنا، وهو أنا قد اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد، ~~ولم يرجع الاستثناء إليه، فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا ~~أمران قد تعلقا بالقذف، فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع ~~إلى الشهادة، وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم على ما وصفنا. ومن ~~جهة أخرى أن المطالبة بالحد حق لآدمي فكذلك بطلان الشهادة حق لآدمي; ألا ~~ترى أن الشهادات إنما هي حق للمشهود له وبمطالبته يصح أداؤها وإقامتها كما ~~تصح إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف؟ فوجب أن يكونا سواء في أن التوبة لا ~~ترفعهما، وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه لأحد فكان الاستثناء راجعا إليه ~~ومقصورا عليه. # فإن قيل: إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى ~~قيل له: التائب من الكفر يزول عنه القتل ولا يزول عن التائب من القذف حد ~~القذف، فكما جاز أن تزيل التوبة من الكفر القتل عن الكافر جاز أن تقبل ~~توبته ولا يلزم عليه التائب من القذف لأن توبته لا تزيل الجلد عنه. وأيضا ~~فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، ألا ترى أن القاذف ~~بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا يجب عليه الحد؟ فغلظ أمر القذف من ~~هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في أحكام الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر ~~في الآخرة أعظم. # PageV03P362 # فإن قيل: فإذا تاب وأصلح فهو عدل ولي لله تعالى، وقد كان بطلان شهادته ~~بديا على وجه العقوبة والتوبة تزيل العقوبة وتوجب العدالة والولاية، فغير ~~جائز بطلان شهادته بعد توبته. قيل له: لا يكون بطلان شهادته بعد توبته على ~~وجه العقوبة بل على جهة المحنة، كما لا تكون إقامة الحد ms2507 عليه بعد التوبة ~~على جهة العقوبة بل على جهة المحنة، ولله أن يمتحن عباده بما شاء على وجه ~~المصلحة. ألا ترى أن العبد قد يكون عدلا مرضيا عند الله وليا لله تعالى وهو ~~غير مقبول الشهادة وكذلك الأعمى وشهادة الوالد لولده ومن جرى مجراه؟ فليس ~~بطلان الشهادة في الأصول موقوفا على الفسق وعلى وجه العقوبة حتى يعارض فيه ~~بما ذكرت. # ومما يدل على أن توبة القاذف لا توجب جواز شهادته أن شهادته إنما بطلت ~~بحكم الحاكم عليه بالجلد وجلده إياه ولم تبطل بقذفه لما قد بينا فيما سلف، ~~فلما تعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم لم يجر إجازتها إلا بحكم الحاكم ~~بجوازها; لأن في الأصول أن كل ما تعلق ثبوته بحكم الحاكم لم يزل ذلك الحكم ~~عنه إلا بما يجوز ثبوته من طريق الحكم كالإملاك والعتاق والطلاق وسائر ~~الحقوق، فلما لم تكن توبته مما تصح الخصومة فيه ولا يحكم بها الحاكم لم يجز ~~لنا إبطال ما قد ثبت بحكم الحاكم. # فإن قيل: فرقة اللعان والعنين وما جرى مجراها متعلقة بحكم الحاكم وقد ~~يجوز أن يتزوجها فيعود النكاح، فكذلك بطلان شهادة القاذف وإن كان متعلقا ~~بحكم الحاكم فإن ذلك لا يمنع إطلاق شهادته عند توبته ويكون حكم الحاكم بديا ~~ببطلانها مقصورا على الحال التي لم تحدث فيها توبة، كما أن الفرقة الواقعة ~~بحكم الحاكم إنما هي مقصورة على الحال التي لم يكن منهما فيها عقد مستقبل. ~~قيل له: لأن النكاح الثاني مما يجوز وقوع الحكم به فجاز أن تبطل به الفرقة ~~الواقعة بحكم الحاكم، والتوبة ليست مما يحكم به الحاكم فلا تثبت فيه ~~الخصومات فلم يجز أن يبطل به حكم الحاكم ببطلان شهادته، ولكنه لو شهد ~~القاذف بشهادة عند حاكم يرى قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة فحكم ~~بجواز شهادته بعد حكمه جازت شهادته. # فإن قيل: فلو أن رجلا زنى فحده الحاكم ثم تاب جازت شهادته بعد التوبة ولم ~~يكن حكم الحاكم مانعا من قبولها بعد التوبة قيل له: الزاني لم ms2508 يتعلق بطلان ~~شهادته بحكم الحاكم وإنما بطلت بزناه قبل أن يحده الحاكم لظهور فسقه، فلما ~~لم يتعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم بل بفعله جازت عند ظهور توبته وشهادة ~~القاذف لم تبطل بقذفه لما بينا فيما سلف لأنه جائز أن يكون صادقا، وإنما ~~يحكم بكذبه وفسقه عند جلد الحاكم إياه فأما قبل ذلك فهو في حكم من لم يقذف. ~~ويدل على ذلك من جهة السنة حديث # PageV03P363 # عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته ~~بشريك ابن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيجلد هلال وتبطل ~~شهادته في المسلمين". وذكر الحديث، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها. وقد روى الحجاج بن ~~أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف" قال أبو بكر: ولم ~~يستثن فيه وجود التوبة منه. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن ~~محمد قال: حدثنا شريح قال: حدثنا مروان عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز في ~~الإسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور ولا خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ~~ذي غمر لأخيه ولا الصانع لأهل البيت ولا ظنين ولا قرابة" ; فأبطل عليه ~~الصلاة والسلام القول بإبطال شهادة المحدود، فظاهره يقتضي بطلان شهادة سائر ~~المحدودين في حد قذف أو غيره; إلا أن الدلالة قد قامت على جواز قبول شهادة ~~المحدود في غير القذف إذا تاب مما حد فيه، ولم تقم الدلالة في المحدود في ~~القذف، فهو على عموم لفظه تاب أو لم يتب; وإنما قبلنا شهادة المحدود في غير ~~القذف إذا تاب لأن بطلان شهادته متعلق بالفسق فمتى زالت عنه سمة الفسق كانت ~~شهادته مقبولة، والدليل على ذلك أن الفعل الذي ms2509 استحق به الحد من زنا أو ~~سرقة أو شرب خمر قد أوجب تفسيقه قبل وقوع الحد به، فلما لم يتعلق بطلان ~~شهادته بالحد كان بمنزلة سائر الفساق إذا تابوا فتقبل شهاداتهم، وأما ~~المحدود في القذف فلم يوجب القذف بطلان شهادته قبل وقوع الحد به لأنه جائز ~~أن يكون صادقا في قذفه، وإنما بطلت شهادته بوقوع الحد به فلم تزل ذلك عنه ~~بتوبته. # قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} . قال أبو ~~بكر: قد اقتضت هذه الآية أن يكون شهود الزنا أربعة، كما أوجب قوله: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] قبول شهادة العدد المذكور فيه وامتناع جواز الاقتصار على أقل ~~منه. وقال تعالى في سياق التلاوة عند ذكر أصحاب الإفك: {لولا جاءوا عليه ~~بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} فجعل عدد ~~الشهود المبرئ للقاذف من الحد أربعة وحكم بكذبه عند عجزه عن إقامة أربعة ~~شهداء، وقد بين تعالى عدد شهود الزنا في قوله تعالى: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] الآية، وأعاد ~~ذكر الشهود الأربعة عند القذف إعلاما لنا أن القاذف لا تبرئه من الجلد إلا ~~شهادة أربعة. # PageV03P364 # واختلف الفقهاء في القاذف إذا جاء بأربعة شهداء فساق فشهدوا على المقذوف ~~بالزنا، فقال أصحابنا وعثمان البتي والليث بن سعد: "لا حد على الشهود وإن ~~كانوا فساقا". وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف في رجل قذف رجلا بالزنا ثم ~~جاء بأربعة فساق يشهدون أنه زان: "إنه يحد القاذف ويدرأ عن الشهود". وقال ~~زفر: "يدرأ عن القاذف وعن الشهود". # وقال مالك وعبيد الله بن الحسن: "يحد الشهود". قال أبو بكر: ولم يختلف ~~أصحابنا لو جاء بأربعة كفار أو محدودين في قذف أو عبيد أو عميان أن القاذف ~~والشهود جميعا يحدون للقذف، فأما إذا كانوا فساقا فإن ظاهر قوله: {ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء} قد تناولهم; إذ لم يشرط في سقوط الحد عن القاذف العدول ~~دون ms2510 الفساق، فوجب بمقتضى الآية زوال الحد عن القاذف; إذ جعل شرط وجوب الحد ~~أن لا يأتي بأربعة شهداء وهو قد أتى بأربعة شهداء; إذ كان الشهداء اسما لمن ~~أقام الشهادة. # فإن قيل: يلزمك مثله في الكفار والمحدودين في القذف ونحوهم. قيل له: قد ~~اقتضى، الظاهر ذلك، وإنما خصصناه بدلالة. وأيضا فإن الفساق إنما ردت ~~شهادتهم للتهمة وكان ذلك شبهة في ردها، فغير جائز إيجاب الحد عليهم بالشبهة ~~التي ردت من أجلها شهادتهم، ووجب سقوط الحد عن القاذف أيضا بهذه الشهادة ~~كما أسقطناها عنهم; إذ كان سبيل الشبهة أن يسقط بها الحد ولا يجب بها الحد، ~~وأما المحدود في القذف والكافر والعبد والأعمى فلم نرد شهادتهم للتهمة ولا ~~لشبهة فيها وإنما رددناها لمعان متيقنة فيهم تبطل الشهادة، وهي الحد والكفر ~~والرق والعمى فلذلك حددناهم ولم يكن لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عنهم وعن ~~القاذف، ووجه آخر، وهو أن الفساق من أهل الشهادة، وإنما رددناها اجتهادا، ~~وقد يسوغ الاجتهاد لغيرنا في قبول شهادتهم إذا كان ما نحكم نحن بأنه فسق ~~يوجب رد الشهادة قد يجوز أن يراه غيرنا غير مانع من قبول الشهادة، فلما كان ~~كذلك لم يكن لنا إيجاب الحد على الشهود ولا على القاذف بالاجتهاد، وأما ~~الحد في القذف والكفر ونظائرهما فليس طريق إثباتها الاجتهاد بل الحقيقة; ~~فلذلك جاز أن يحدوا ولم يكن لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عن القاذف. وأيضا ~~فإن الفاسق غير محكوم ببطلان شهادته إذ الفسق ليس بمعنى يحكم به الحاكم ولا ~~يسمع عليه البينات، فلما لم يحكم ببطلان شهادتهم ولا كان الفسق مما تقوم به ~~البينات ويحكم به الحاكم لم يجز الحكم ببطلان شهادتهم في إيجاب الحد عليهم، ~~ولما كان حد القذف والكفر والرق والعمى مما يقع الحكم به وتقوم عليه ~~البينات كان محكوما ببطلان شهادتهم وخرجوا بذلك من أن يكونوا من أهل ~~الشهادة فوجب أن يحدوا لوقوع # PageV03P365 # الحكم بالسبب الموجب لخروجهم من أن يكونوا من أهل الشهادة. وأيضا فإن ~~الفسق من الشاهد غير متيقن في ms2511 حال الشهادة، إذ جائز أن يكون عدلا بتوبته في ~~الحال فيما بينه وبين الله، وأما الكفر والحد والعمى والرق فقد علمنا أنه ~~غير زائل وهو المانع له من كونه شاهدا، فلذلك اختلفا. # فإن قيل جائز أن يكون الكافر قد أسلم أيضا فيما بينه وبين الله قيل له: ~~لا يكون مسلما باعتقاده الإسلام دون إظهاره في الموضع الذي يمكنه إظهاره، ~~فإذا لم يظهره فهو باق على كفره، فقول زفر في هذه المسألة أظهر لأنه إن جاز ~~أن يكون فسق الشهود غير مخرج لهم من أن يكونوا من أهل الشهادة في باب سقوط ~~الحد عنهم فكذلك حكمهم في سقوطه عن القاذف. # قال أبو بكر اختلف الفقهاء في شهود الزنا إذا جاءوا متفرقين، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح: "يحدون" وقال ~~عثمان البتي والشافعي: "لا يحدون وتقبل شهادتهم"، ثم قال الشافعي: "إذا كان ~~الزنا واحدا" قال أبو بكر: لما شهد الأول وحده كان قاذفا بظاهر قوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} فاقتضى أن يكون الأربعة ~~غيره; إذ غير جائز أن يكون المعقول منه دخوله في الأربعة; لأنه لا يقال ائت ~~بنفسك بعد الشهادة أو القذف كما لا يجوز أن يقال ائت بأربعة سواك; ولأنهم ~~لم يختلفوا أنه إذا قال لها أنت زانية أنه مكلف لأن يأتي بأربعة غيره ~~يشهدون بالزنا وليس هو منهم، فكذلك قوله أشهد أنك زانية. وإذا كان كذلك فقد ~~اقتضى ظاهر الآية إيجاب الحد على كل قاذف سواء كان قذفه بلفظ الشهادة أو ~~بغير لفظ الشهادة، فلما كان ذلك حكم الأول كان كذلك حكم الثاني والثالث ~~والرابع; إذ كان كل واحد منهم قاذف محصنة قد أوجب الله عليه الحد ولم يبرئه ~~منه إلا بشهادة أربعة غيره. # فإن قيل: إنما أوجب الله عليه الحد إذا كان قاذفا ولم يجئ مجيء الشهادة، ~~فأما إذا جاء مجيء الشهادة بأن يقول: "أشهد أن فلانا زنى" فليس هذا بقاذف ~~قيل له: قذفه إياها بلفظ الشهادة ms2512 لا يخرجه من حكم القاذفين. ألا ترى أنه لو ~~لم يشهد معه غيره لكان قاذفا وكان الحد له لازما؟ فلما كان كذلك علمنا أن ~~إيراده القذف بلفظ الشهادة لا يخرجه من أن يكون قاذفا بعد أن يكون وحده ~~وأيضا فقد تناوله عموم قوله: {والذين يرمون المحصنات} إذ كان راميا، وإنما ~~ينفصل حكم الرامي من حكم الشاهد إذا جاء أربعة مجتمعين وهم العدد المشروط ~~في قبول الشهادة، فلا يكونون مكلفين لأن يأتوا بغيرهم، فأما من دون الأربعة ~~إذا جاءوا قاذفين بلفظ الشهادة أو بغير لفظها فإنهم قذفة; إذ هم # PageV03P366 # مكلفون للإتيان بغيرهم في صحة قذفهم. # فإن قيل: قد روي أن نافع بن الحارث كتب إلى عمر رضي الله عنه: أن أربعة ~~جاءوا يشهدون على رجل وامرأة بالزنا، فشهد ثلاثة أنهم رأوا كالميل في ~~المكحلة ولم يشهد الرابع بمثل ذلك، فكتب إليه عمر: إن شهد الرابع على مثل ~~ما شهد عليه الثلاثة فاجلدهما وإن كانا محصنين فارجمهما، وإن لم يشهد إلا ~~بما كتبت به إلي فاجلد الثلاثة وخل سبيل الرجل والمرأة، وهذا يدل على أنه ~~لو شهد مع الثلاثة آخر أنهم لا يحدون وقبلت شهادتهم مع كون الثلاثة بديا ~~منفردين. قيل له: ليس في ذلك دلالة على ما ذكرت; وذلك لأن الرجل الذي لم ~~يشهد بما شهد به الآخرون لم ينفرد عنهم بل جاءوا مجتمعين مجيء الشهادة ~~وجائز أن يكون الجميع شهدوا بالزنا فلما استثبتوا بالرجل أن يصرح بما صرح ~~به الثلاثة فأمر عمر بأن يوقف الرجل، فإن أتى بالتفسير على ما أتى به القوم ~~حد المشهود عليهما، وإن هو لم يأت بالتفسير أبطل شهادته وجعل الثلاثة ~~منفردين فحدهم، ولم يقل عمر إن جاء رابع فشهد معهم فاقبل شهادتهم فيكون ~~قابلا لشهادة الثلاثة المنفردين مع واحد جاء بعدهم; وقد جلد أبا بكرة ~~وأصحابه لما نكل زياد عن الشهادة ولم يقل لهم ائتوا بشاهد آخر يشهد بمثل ~~شهادتكم، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكره عليه أحد منهم، ولو كان قبول ~~شهادة شاهد واحد ms2513 منهم لو شهد معهم جائزا لوقف الأمر واستثبتهم وقال هل يشهد ~~بمثل شهادتكم شاهد آخر؟ وإذ لم يقل ذلك ولم يوقف أمرهم بما عزم عليه من ~~حدهم دل على أنهم قد صاروا قذفة قد لزمهم الحد وأنه لم يكن يبرئهم من الحد ~~إلا شهادة أربعة آخرين. # فإن قيل: فهو لم يقل لهم هل معكم أربعة يشهدون بمثل شهادتكم ولم يوقف أمر ~~الحد عليهم لجواز ذلك، فكذلك في الشاهد الواحد لو شهد بمثل شهادتهم. قيل ~~له: لأنه لم يكن يخفى عليهم أنهم لو جاءوا بأربعة آخرين يشهدون لهم بذلك ~~لكانت شهادتهم مقبولة وكان الحد عنهم زائلا، فلو كانوا قد علموا أن هناك ~~شهودا أربعة يشهدون بذلك لسألوه التوقيف، فلذلك لم يحتج أن يعلمهم ذلك; ~~وأما الشاهد الواحد لو شهد معهم فإنه جائز أن يخفى حكمه عليهم في جواز ~~شهادته معهم أو بطلانها، فلو كان ذلك مقبولا لوقفهم عليه وأعلمهم إياه حتى ~~يأتوا به إن كان. # PageV03P367 # فيمن يقيم الحد على المملوك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: "يقيمه الإمام دون المولى وذلك في ~~سائر الحدود"، وهو قول الحسن بن صالح. وقال مالك: "يحده المولى في الزنا ~~وشرب # PageV03P367 # الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود، ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه ~~الإمام"، وهو قول الليث بن سعد. وقال الشافعي: "يحده المولى ويقطعه". وقال ~~الثوري: "يحده المولى في الزنا" رواية الأشجعي، وذكر عنه الفريابي: "أن ~~المولى إذا حد عبده ثم أعتقه جازت شهادته". وقال الأوزاعي: "يحده المولى". ~~وروي عن الحسن قال: "ضمن هؤلاء أربعا: الصلاة والصدقة والحدود والحكم" رواه ~~عنه ابن عون، وروي عنه بدل الصلاة الجمعة. وقال عبد الله بن محيريز: ~~"الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان". وقد روى حماد بن سلمة عن ~~يحيى البكاء عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه وهو عالم فخذوا عنه فسمعته ~~يقول: "الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان"; وقد قيل إن ms2514 أبا عبد ~~الله هذا يظن أنه أخو أبي بكرة واسمه نافع. فهؤلاء السلف قد روي عنهم ذلك، ~~ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه. وقد روي عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبد ~~الله بن مسعود حدا بالشام، وقال الأعمش هم أمراء حيث كانوا. وجائز أن يكون ~~عبد الله بن مسعود قد كان ولي ذلك لأنه لم يذكر أن المحدود كان عبده. # فإن قيل: روي عن ابن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون ~~الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم. قيل له: يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك ~~على وجه التعزير لا على وجه إقامة الحد; لأنهم لم يكونوا مأمورين برفعها ~~إلى الإمام بل كانوا مأمورين بالستر عليها وترك رفعها إلى الإمام. والدليل ~~على أن إقامة الحد على المملوك إلى الإمام دون المولى قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} [المائدة: 38] وقال: {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وقال في آية أخرى: {فإذا أحصن ~~فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] وقد ~~علم من قرع سمعه هذا الخطاب من أهل العلم أن المخاطبين بذلك هم الأئمة دون ~~عامة الناس، فكان تقديره: فليقطع الأئمة والحكام أيديهما وليجلدهما الأئمة ~~والحكام. ولما ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على ~~الأحرار هم الأئمة ولم تفرق هذه الآيات بين المحدودين من الأحرار والعبيد، ~~وجب أن يكون فيهم جميعا وأن يكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على ~~الأحرار والعبيد دون الموالي. ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع ~~شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون ~~له تضمين الشهود، ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة; لأنه ~~لو لم يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئا، فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان ~~عليهم، ومعلوم أن أحدا من الناس # PageV03P368 # لا يجوز له أن يحكم لنفسه، فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على ~~عبده بذلك ولا قطعه. وأيضا فإن المولى ms2515 والأجنبي سواء في حد العبد والأمة، ~~بدلالة أن إقراره به عليه غير مقبول وأن إقرار العبد على نفسه بذلك مقبول ~~وإن جحده المولى، فلما كانا في ذلك في حكم الأجنبيين وجب أن يكون المولى ~~بمنزلة الأجنبي في إقامة الحد عليه، وإنما جاز للحاكم أن يسمع البينة ويقيم ~~الحد لأن قوله مقبول في ثبوت ما يوجب الحد عنده فلذلك سمع البينة وحكم ~~بالحد. # فإن قيل: يجوز إقرار الإنسان على نفسه بما يوجب الحد ولا يملك مع ذلك ~~إقامة الحد على نفسه. قيل له: إذا كان من يجوز إقراره على نفسه ولا يقيم ~~الحد على نفسه فمن لا يجوز إقراره على عبده أحرى بأن لا يقيم الحد عليه. # فإن قيل: فلا نجعل قول الحاكم عليه علة جواز إقامة الحد عليه. قيل له: إن ~~قول الحاكم: "قد ثبت عندي" لا يوجب عليه الحد وليس بإقرار منه، وإنما هو ~~حكم; وكذلك البينة إذا قامت عنده فإنه يقيم الحد من طريق الحكم، فمن لا ~~يقبل قوله في الحكم فهو لا يملك سماع البينة ولا إقامة الحد. # فإن قيل: إن أبا حنيفة وأبا يوسف لا يقبلان قول الحاكم بما يوجب الحد ~~لأنهما يقولان: "لا يحكم بعلمه في الحدود". قيل له: ليس معنى ذلك أن قول ~~الحاكم غير مقبول إذا قال: "ثبت ذلك عندي ببينة أو بإقرار" لأن من قولهما ~~أن ذلك مقبول، وإنما معنى قولهما: "إنه لا يحكم بعلمه في الحدود" أنه لو ~~شاهد رجلا على زنا أو سرقة أو شرب خمر لم يقم عليه الحد بعلمه، فأما إذا ~~قال: "قد شهد عندي شهود بذلك" أو قال: "أقر عندي بذلك" فإن قوله مقبول منه ~~في ذلك ويسع من أمره الحاكم بالرجم والقطع أن يرجم ويقطع. # واحتج المخالف لنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقيموا ~~الحدود على ما ملكت أيمانكم"، وقوله: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وإن عادت ~~فليجلدها وإن عادت فليجلدها ولا يثرب عليها فإن عادت فليبعها ولو بضفير" ~~وقد روي ms2516 في بعض ألفاظ هذا الحديث: "فليقم عليها الحد" قال أبو بكر: لا ~~دلالة في هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه، وذلك لأن قوله: "أقيموا الحدود ~~على ما ملكت أيمانكم" هو كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] وقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة الحد، فالمخاطبون بإقامة الحد هم ~~الأئمة وسائر الناس مخاطبون برفعهم إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود; فكذلك # PageV03P369 # قوله عليه السلام: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" هو على هذا ~~المعنى. وأما قوله عليه السلام: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" فإنه ليس كل ~~جلد حدا; لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير فإذا عزرناها فقد قضينا عهدة ~~الخبر ولا يجوز أن نجلدها بعد ذلك; ويدل على أنه أراد التعزير قوله: "لا ~~يثرب عليها" يعني: ولا يعيرها. ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ~~ليكون أبلغ في الزجر والتنكيل، فلما قال: "ولا يثرب عليها" دل ذلك على أنه ~~أراد التعزير لا الحد. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة: ~~"فليبعها ولو بضفير" ولم يأمر بجلدها، ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما ~~أمر به في الأول والثاني والثالث; لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها ~~عند من يقيمها، وقد يجوز ترك التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من ~~المصلحة. # فإن قيل: لو أراد التعزير لوجب أن يكون لو عزرها المولى ثم رفع إلى ~~الإمام بعد التعزير أن يقيم عليها الحد; لأن التعزير لا يسقط الحد، فيكون ~~قد اجتمع عليها الحد والتعزير. قيل له: لا ينبغي لمولاها أن يرفعها إلى ~~الإمام بعد ذلك، بل هو مأمور بالستر عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهزال حين أشار على ماعز بالإقرار بالزنا: "لو سترته بثوبك كان خيرا لك"، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ~~فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله". وأيضا فليس يمتنع اجتماع ~~الحد والتعزير، ms2517 وقد يجب النفي عندنا مع الجلد على وجه التعزير. وروي أن ~~النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان فضربه علي كرم الله وجهه ثمانين وقال: ~~"هذا لشربك الخمر" ثم جلده عشرين وقال: "هذا لإفطارك في رمضان" فجمع عليه ~~الحد والتعزير; فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو رفعت هذه الأمة بعد تعزير ~~المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا. # PageV03P370 # باب اللعان # قال الله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم} إلى آخر القصة. قال أبو بكر: كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات ~~الجلد، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته ~~بشريك ابن سحماء: "ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك"، وقال الأنصار: ~~أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فثبت بذلك أن حد قاذف الزوجات ~~كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان; لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان: "ائتني بصاحبتك فقد ~~أنزل الله فيك وفيها قرآنا" ولاعن بينهما، وروي نحو ذلك في حديث عبد الله ~~بن مسعود في الرجل الذي قال: أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن # PageV03P370 # تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ فدلت هذه الأخبار على ~~أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله تعالى نسخه باللعان، ومن أجل ذلك قال ~~أصحابنا: إن الزوج إذا كان عبدا أو محدودا في قذف فلم يجب اللعان بينهما أن ~~عليه الحد، كما أنه إذا أكذب نفسه فسقط اللعان من قبله كان عليه الحد، ~~وقالوا: لو كانت المرأة هي المحدودة في القذف أو كانت أمة أو ذمية أنه لا ~~حد على الزوج; لأنه قد سقط اللعان من قبلها فكان بمنزلة تصديقها الزوج ~~بالقذف لما سقط اللعان من جهتها لم يجب على الزوج الحد. # واختلف الفقهاء فيمن يجب بينهما اللعان من الزوجين، فقال أصحابنا جميعا ~~أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: "يسقط اللعان بأحد معنيين ms2518 أيهما وجد لم ~~يجب معه اللعان، وهو أن يكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان ~~أجنبيا نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية أو قد وطئت وطئا حراما في غير ~~ملك، والثاني أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدودا في قذف أو ~~كافرا أو عبدا، فأما إذا كان أحدهما أعمى أو فاسقا فإنه يجب اللعان". وقال ~~ابن شبرمة: "يلاعن المسلم زوجته اليهودية إذا قذفها". وقال ابن وهب عن ~~مالك: "الأمة المسلمة والحرة والنصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم، ~~وكذلك العبد يلاعن زوجته اليهودية". وقال ابن القاسم عن مالك: "ليس بين ~~المسلم والكافر لعان إذا قذفها إلا أن يقول رأيتها تزني فتلاعن سواء ظهر ~~الحمل أو لم يظهر لأنه يقول أخاف أن أموت فيلحق نسب ولدها بي، وإنما يلاعن ~~المسلم الكافر في دفع الحمل ولا يلاعنها فيما سوى ذلك، وكذلك لا يلاعن ~~زوجته الأمة إلا في نفي الحمل" قال: "والمحدود في القذف يلاعن، وإن كان ~~الزوجان جميعا كافرين فلا لعان بينهما، والمملوكان المسلمان بينهما لعان ~~إذا أراد أن ينفي الولد". وقال الثوري والحسن بن صالح: "لا يجب اللعان إذا ~~كان أحد الزوجين مملوكا أو كافرا ويجب إذا كان محدودا في قذف". وقال ~~الأوزاعي: "لا لعان بين أهل الكتاب ولا بين المحدود في القذف وامرأته". ~~وقال الليث في العبد إذا قذف امرأته الحرة وادعى أنه رأى عليها رجلا: ~~"يلاعنها; لأنه يحد لها إذا كان أجنبيا; فإن كانت أمة أو نصرانية لاعنها في ~~نفي الولد إذا ظهر بها حمل ولا يلاعنها في الرؤية لأنه لا يحد لها، ~~والمحدود في القذف يلاعن امرأته". وقال الشافعي: "كل زوج جاز طلاقه ولزمه ~~الفرض يلاعن إذا كانت ممن يلزمها الفرض". # قال أبو بكر: فأما الوجه الأول من الوجهين اللذين يسقطان اللعان فإنما ~~وجب ذلك به من قبل أن اللعان في الأزواج أقيم مقام الحد في الأجنبيات، وقد ~~كان الواجب # PageV03P371 # على قاذف الزوجة والأجنبية جميعا الجلد بقوله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم ms2519 يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ثم نسخ ذلك عن ~~الأزواج وأقيم اللعان مقامه، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال ~~بن أمية حين قذف امرأته بشريك ابن سحماء: "ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ~~ظهرك" وقول الرجل الذي قال: أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم ~~جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت عن غيظ فأنزلت آية اللعان، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا ~~فأتني بها"، فلما كان اللعان في الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم ~~يجب اللعان على قاذف من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي. وأيضا فقد سمى ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللعان حدا; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا ~~محمد بن أحمد بن نصر الخراساني قال: حدثنا عبد الرحمن بن موسى قال: حدثنا ~~روح بن دراج عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المرأة وزوجها فرق بينهما وقال: ~~"إن جاءت به أرح القدمين يشبه فلانا فهو منه" قال: فجاءت به يشبهه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا ما مضى من الحد لرجمتها"، فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن اللعان حد، ولما كان حدا لم يجز إيجابه على الزوج ~~إذا كانت المرأة مملوكة; إذ كان حدا مثل حد الجلد، ولما كان حدا لم يجب على ~~قاذف المملوك. # فإن قيل: لو كان حدا لما وجب على الزوج إذا قذف امرأته الحرة الجلد إذا ~~أكذب نفسه بعد اللعان; إذ غير جائز أن يجتمع حدان بقذف واحد، وفي إيجاب حد ~~القذف عليه عند إكذابه نفسه دليل على أن اللعان ليس بحد. قيل له: قد سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم حدا، وغير جائز استعمال النظر في دفع الأثر، ومع ~~ذلك فإنما يمتنع اجتماع الحدين عليه إذا كان جلدا فأما إذا كان أحدهما جلدا ~~والآخر ms2520 لعانا فإنا لم نجد في الأصول خلافه; وأيضا فإن اللعان إنما هو حد من ~~طريق الحكم، فمتى أكذب نفسه وجلد الحد خرج اللعان من أن يكون حدا; إذ كان ~~ما يصير حدا من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة حدا وتارة ليس بحد، فكذلك كل ~~ما تعلق بالشيء من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة على وصف وأخرى على وصف ~~آخر. وإنما قلنا إن من شرط اللعان أن يكون الزوجان جميعا من أهل الشهادة ~~لقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} إلى آخر القصة; فلما سمى الله لعانهما شهادة ثم ~~قال في المحدود في القذف: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} وجب بمضمون الآيتين ~~انتفاء اللعان عن المحدود في القذف، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في سائر ~~من خرج من أن يكون من أهل الشهادة مثل العبد والكافر ونحوهما، ومن جهة أخرى ~~أنه إذا ثبت أن # PageV03P372 # المحدود في القذف لا يلاعن وجب مثله في سائر من ليس هو من أهل الشهادة; ~~إذ لم يفرق أحد بينهما لأن كل من لا يوجب اللعان على المحدود لا يوجبه على ~~من ذكرنا. ووجه آخر من دلالة الآية، وهو قوله تعالى: {ولم يكن لهم شهداء ~~إلا أنفسهم} فلا يخلو المراد به من أن يكون الأيمان فحسب من غير اعتبار ~~معنى الشهادة فيه أو أن يكون أيمانا ليعتبر فيها معنى الشهادة على ما ~~نقوله، فلما قال تعالى: {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} علمنا أنه أراد أن ~~يكون الملاعن من أهل الشهادة; إذ غير جائز أن يكون المراد ولم يكن لهم ~~حالفون إلا أنفسهم; إذ كل أحد لا يحلف إلا عن نفسه ولا يجوز إحلاف الإنسان ~~عن غيره، ولو كان المعنى ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم لاستحال وزالت ~~فائدته، فثبت أن المراد أن يكون الشاهد في ذلك من أهل الشهادة وإن كان ذلك ~~يمينا. ويدل على ذلك قوله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} فلم ms2521 يخل ~~المراد من أن يكون الإتيان بلفظ الشهادة في هذه الأيمان أو الحلف من كل ~~واحد منهما سواء كان بلفظ الشهادة أو بغيرها بعد أن يكون حلفا، فلما كان ~~قول القائل بجواز قبول اليمين منهما على أي وجه كانت كان مخالفا للآية ~~وللسنة لأن الله تعالى قال: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} كما قال ~~تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقال: {فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم} [النساء: 15] ولم يجز الاقتصار على الإخبار دون إيراده بلفظ ~~الشهادة، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين لاعن بين الزوجين أمرهما ~~باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين دونها، ولما كان ذلك كذلك ~~علمنا أن شرط هذه الأيمان أن يكون الحالف بها من أهل الشهادة ويلاعنان. # فإن قيل: الفاسق والأعمى ليسا من أهل الشهادة ويلاعنان قيل له: الفاسق من ~~أهل الشهادة من وجوه: أحدها: أن الفسق الموجب لرد الشهادة قد يكون طريقه ~~الاجتهاد في الرد والقبول. والثاني: أنه غير محكوم ببطلان شهادته; إذ الفسق ~~لا يجوز أن يحكم به الحاكم، فلما لم تبطل شهادته من طريق الحكم لم يخرج من ~~أن يكون من أهل الشهادة. والثالث: أن فسقه في حال لعانه غير متيقن; إذ جائز ~~أن يكون تائبا فيما بينه وبين الله تعالى فيكون عدلا مرضيا عند الله، وليس ~~هذه الشهادة يستحق بها على الغير فترد من أجل ما علم من ظهور فسقه بديا، ~~فلم يمنع فسقه من قبول لعانه وإن كان من شرطه كونه من أهل الشهادة، وليس ~~كذلك الكفر لأن الكافر لو اعتقد الإسلام لم يكن مسلما إلا بإظهاره إذا ~~أمكنه ذلك فكان حكم كفره باقيا مع اعتقاده لغيره ما لم يظهر الإسلام; وأيضا ~~فإن العدالة إنما تعتبر في الشهادة التي يستحق بها على الغير فلا يحكم بها ~~للتهمة. والفاسق إنما ردت شهادته في الحقوق للتهمة، واللعان لا تبطله ~~التهمة، فلم يجب اعتبار # PageV03P373 # الفسق في سقوطه; وأما الأعمى فإنه من أهل الشهادة كالبصير لا فرق بينهما، ~~إلا أن شهادته غير مقبولة ms2522 في الحقوق لأن بينه وبين المشهود عليه حائلا، ~~وليس شرط شهادة اللعان أن يقول: "رأيتها تزني"; إذ لو قال: "هي زانية ولم ~~أر ذلك" لاعن، فلما لم يحتج إلى الإخبار عن معاينة المشهود به لم يبطل ~~لعانه لأجل عماه. وقد روي في معنى مذهب أصحابنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبار، منها ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود ~~السراج قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا عتاب بن إبراهيم عن عثمان بن ~~عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة: اليهودية والنصرانية ~~تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر"، وحدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا أحمد بن حمويه بن سيار قال: حدثنا أبو سيار التستري قال: حدثنا ~~الحسن بن إسماعيل عن مجالد المصيصي قال: أخبرنا حماد بن خالد عن معاوية بن ~~صالح عن صدقة أبي توبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أربع ليس بينهن ملاعنة: اليهودية والنصرانية تحت المسلم ~~والمملوكة تحت الحر والحرة تحت المملوك". فإن قيل: اللعان إنما يجب في نفي ~~الولد لئلا يلحق به نسب ليس منه وذلك موجود في الأمة وفي الحرة قيل له: لما ~~دخل في نكاح الأمة لزمه حكمه، ومن حكمه أن لا ينتفي منه نسب ولدها كما لزمه ~~حكمه في رق ولده # PageV03P374 # باب القذف الذي يوجب اللعان # قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} الآية. ولا خلاف بين الفقهاء أن المراد به قذف ~~الأجنبيات المحصنات بالزنا سواء قال: "زنيت" أو قال: "رأيتك تزنين"، ثم قال ~~تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} ولا خلاف أيضا أنه قد أريد به رميها بالزنا. ~~ثم اختلف الفقهاء في صفة القذف الموجب للعان، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والشافعي: "إذا قال لها يا زانية وجب اللعان". وقال مالك بن ms2523 ~~أنس: "لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزنين أو ينفي حملا بها أو ولدا منها، ~~والأعمى يلاعن إذا قذف امرأته". وقال الليث: "لا تكون ملاعنة إلا أن يقول ~~رأيت عليها رجلا أو يقول قد كنت استبرأت رحمها وليس هذا الحمل مني ويحلف ~~بالله على ما قال" وقال عثمان البتي: "إذا قال رأيتها تزني لاعنها وإن ~~قذفها وهي بخراسان وإنما تزوجها قبل ذلك بيوم لم يلاعن ولا كرامة". # قال أبو بكر ظاهر الآية يقتضي إيجاب اللعان بالقذف سواء قال رأيتك تزنين ~~أو # PageV03P374 # لم يقل; لأنه إذا قذفها بالزنا فهو رام لها سواء ادعى معاينة ذلك أو ~~أطلقه ولم يذكر العيان وأيضا لم يختلفوا أن قاذف الأجنبية لا يختلف حكمه في ~~وجوب الحد عليه بين أن يدعي المعاينة أو يطلقه، كذلك يجب أن يكون حكم الزوج ~~في قذفه إياها، إذ كان اللعان متعلقا بالقذف كالجلد ولأن اللعان في قذف ~~الزوجات أقيم مقام الجلد في قذف الأجنبيات فوجب أن يستويا فيما يتعلقان به ~~من لفظ القذف. وأيضا فقد قال مالك: "إن الأعمى يلاعن" وهو لا يقول رأيت، ~~فعلمنا أنه ليس شرط اللعان رميها برؤيا الزنا منها وأيضا قد أوجب مالك ~~اللعان في نفي الحمل من غير ذكر رؤية، فكذلك نفي غير الحمل يلزمه أن لا ~~يشرط فيه الرؤية. # PageV03P375 # باب كيفية اللعان # قال الله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين} . واختلف أهل العلم في صفة ~~اللعان إذا لم يكن ولد، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري: "يشهد ~~الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا والخامسة ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، وتشهد هي ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا، فإن كان هناك ~~ولد نفاه يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق ms2524 فيما رماها به من نفي هذا ~~الولد". وذكر أبو الحسن الكرخي أن الحاكم يأمر الزوج أن يقول: "أشهد بالله ~~أني لمن الصادقين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا" فيقول ذلك أربع مرات، ثم ~~يقول في الخامسة: "لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتك به من نفي ~~ولدك هذا" ثم يأمرها القاضي فتقول: "أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما ~~رميتني به من نفي ولدي هذا" فتقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: ~~"وغضب الله علي إن كنت من الصادقين فيما رميتني به من نفي ولدي هذا". وروى ~~حيان بن بشر عن أبي يوسف قال: "إذا كان اللعان بولد فرق بينهما فقال قد ~~ألزمته أمه وأخرجته من نسب الأب". قال أبو الحسن: ولم أجد ذكر نفي الحاكم ~~الولد بالقول فيما قرأته إلا في رواية حيان بن بشر، قال أبو الحسن: وهو ~~الوجه عندي. وروى الحسن بن زياد في سياق روايته عن أبي حنيفة قال: "لا يضره ~~أن يلاعن بينهما وهما قائمان أو جالسان، فيقول الرجل: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين فيما رميتك به من الزنا، يقبل بوجهه عليها فيواجهها في ذلك كله ~~وتواجهه أيضا هي". وروي عن زفر مثل ذلك في المواجهة. وقال مالك فيما ذكره ~~ابن القاسم عنه: "أنه يحلف أربع شهادات بالله # PageV03P375 # يقول: أشهد بالله أني رأيتها تزني، والخامسة: لعنة الله علي إن كنت من ~~الكاذبين; وتقول هي: أشهد بالله ما رآني أزني، فتقول ذلك أربع مرات ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين". وقال الليث: "يشهد الرجل ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين، وتشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين"، وقال الشافعي: "يقول أشهد بالله إني ~~لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان، ويشير إليها إن كانت ~~حاضرة، يقول ذلك أربع مرات، ثم يقعده الإمام يذكره الله ويقول إني أخاف إن ~~لم ms2525 تكن صدقت أن تبوء بلعنة الله، فإن رآه يريد أن يمضي أمره يضع يده على ~~فيه ويقول: إن قولك علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجبة إن كنت كاذبا، ~~فإن أبى تركه فيقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي ~~فلانة من الزنا، فإن قذفها بأحد يسميه بعينه واحدا كان أو اثنين، وقال مع ~~كل شهادة: إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان وفلان; وإن نفى ~~ولدها قال مع كل شهادة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من ~~الزنا وإن هذا الولد ولد زنا ما هو مني، فإذا قال هذا فقد فرغ من ~~الالتعان". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الصادقين} يقتضي ظاهره جواز الاقتصار عليه من شهادات اللعان; إلا أنه لما ~~كان معلوما من دلالة الحال أن التلاعن واقع على قذفه إياها بالزنا علمنا أن ~~المراد: فشهادة أحدهما بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ~~وكذلك شهادة المرأة واقعة في نفي ما رماها به، وكذلك اللعن والغضب والصدق ~~والكذب راجع إلى إخبار الزوج عنها بالزنا، فدل على أن المراد بالآية وقوع ~~الالتعان والشهادات على ما وقع به رمي الزوج، فاكتفى بدلالة الحال على ~~المراد عن قوله فيما رميتها به من الزنا واقتصر على قوله: "إني لمن ~~الصادقين" وهذا نحو قوله تعالى: {والحافظات والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات} [الأحزاب: 35] والمراد: والحافظات فروجهن والذاكرات الله; ولكنه ~~حذف لدلالة الحال عليه. وفي حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس في قصة ~~المتلاعنين عند النبي صلى الله عليه وسلم: فشهد الرجل أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الصادقين، ولم يذكرا فيما رماها به من الزنا. وأما قول مالك: "إنه ~~يشهد أربع شهادات بالله أنه رآها تزني" فمخالف لظاهر لفظ الكتاب والسنة; ~~لأن في الكتاب: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} وكذلك ~~لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بين الزوجين. وأما قول الشافعي: "إنه يذكرها ~~باسمها ونسبها ms2526 ويشير إليها بعينها" فلا معنى له; لأن الإشارة تغني عن ذكر ~~الاسم # PageV03P376 # والنسب، فذكر الاسم والنسب لغو في هذا الموضع، ألا ترى أن الشهود لو ~~شهدوا على رجل بحق وهو حاضر كانت شهادتهم أنا نشهد أن لهذا الرجل على هذا ~~الرجل ألف درهم ولا يحتاجون إلى اسمه ونسبه؟ # PageV03P377 # في نفي الولد # قال أبو حنيفة: "إذا ولدت المرأة فنفى ولدها حين يولد أو بعده بيوم أو ~~يومين لاعن وانتفى الولد، وإن لم ينفه حين يولد حتى مضت سنة أو سنتان ثم ~~نفاه لاعن ولزمه الولد"، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتا، ووقت أبو يوسف ~~ومحمد مقدار النفاس أربعين ليلة; وقال أبو يوسف: "إن كان غائبا فقدم فله أن ~~ينفيه فيما بينه وبين مقدار النفاس منذ قدم ما كان في الحولين، فإن قدم بعد ~~خروجه من الحولين لم ينتف أبدا". وقال هشام: سألت محمدا عن أم ولد لرجل ~~جاءت بولد والمولى شاهد فلم يدعه ولم ينكره، فقال: "إذا مضى أربعون يوما من ~~يوم ولدته فإنه يلزمه وهي بمنزلة الحرة"، قال: قلت: فإن كان المولى غائبا ~~فقدم وقد أتت له سنون؟ فقال محمد: "إن كان الابن نسب إليه حتى عرف به فإنه ~~يلزمه" وقال محمد: "وإن لم ينسب إليه وقال هذا لم أعلم بولادته فإن سكت ~~أربعين يوما من يوم قدم لزمه الولد". وقال مالك: "إذا رأى الحمل فلم ينفه ~~حين وضعته لم ينتف بعد ذلك وإن نفاه حرة كانت أو أمة، فإن انتفى منه حين ~~ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف منه فإنه يجلد الحد لأنها حرة مسلمة فصار ~~قاذفا لها، وإن كان غائبا عن الحمل وقدم ثم ولدته فله أن ينفيه". وقال ~~الليث فيمن أقر بحمل امرأته ثم قال بعد ذلك رأيتها تزني: "لاعن في الرؤية ~~ويلزمه الحمل". وقال الشافعي: "إذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم إمكانا ~~بينا فترك اللعان لم يكن له أن ينفيه كالشفعة"، وقال في القديم: "إن لم ~~ينفه في يوم أو يومين لم يكن له أن ينفيه". ms2527 # قال أبو بكر: ليس في كتاب الله عز وجل ذكر نفي الولد، إلا أنه قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفي الولد باللعان إذا قذفها بنفي الولد; حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وألحق الولد بالمرأة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~الحسن بن علي قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة ~~عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا، فوجد عند أهله رجلا، وذكر ~~الحديث إلى آخر ذكر اللعان، قال: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وقضى أن لا يدعى ولدها لأب. قال أبو بكر: # PageV03P377 # وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا نفى ولدها أنه يلاعن ويلزم الولد أمه ~~وينتفي نسبه من أبيه، إلا أنهم اختلوا في وقت نفي الولد على ما ذكرنا، وفي ~~خبر ابن عمر الذي ذكرنا في أن رجلا انتفى من ولدها فلاعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم دليل على أن نفي ولد زوجته من قذف ~~لها لولا ذلك لما لاعن بينهما; إذ كان اللعان لا يجب إلا بالقذف، وأما ~~توقيت نفي الولد فإن طريقه الاجتهاد وغالب الظن فإذا مضت مدة قد كان يمكنه ~~فيها نفي الولد وكان منه قبول للتهنئة أو ظهر منه ما يدل على أنه غير ناف ~~له لم يكن له بعد ذلك أن ينفيه عند أبي حنيفة، وتحديد الوقت ليس عليه دلالة ~~فلم يثبت، واعتبر ما ذكرنا من ظهور الرضا بالولد ونحوه. # فإن قيل: لما لم يكن سكوته في سائر الحقوق رضا بإسقاطها كان كذلك نفي ~~الولد. قيل له: قد اتفق الجميع على أن السكوت في ذلك إذا مضت مدة من الزمان ~~بمنزلة ms2528 الرضا بالقول، إلا أنهم اختلفوا فيها، وأكثر من وقت فيها أربعين ~~يوما، وذلك لا دليل عليه، وليس اعتبار هذه المدة بأولى من اعتبار ما هو أقل ~~منها. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الأربعين هي مدة أكثر النفاس، وحال ~~النفاس هي حال الولادة، فما دامت على حال الولادة قبل نفيه. وهذا ليس بشيء; ~~لأن نفي الولد لا تعلق له بالنفاس. وأما قول مالك: "إنه إذا رآها حاملا فلم ~~ينتف منه ثم نفاه بعد الولادة فإنه يجلد الحد" فإنه قول واه لا وجه له من ~~وجوه: أحدها: أن الحمل غير متيقن فيعتبر نفيه، والثاني: أنه ليس بآكد ممن ~~ولدت امرأته ولم يعلم بالحمل فعلم به وسكت زمانا يلزمه الولد، وإن نفاه بعد ~~ذلك لاعن ولم ينتف نسب الولد منه; إذ لم تكن صحة اللعان متعلقة بنفي الولد ~~ولم يكن منه إكذاب لنفسه بعد النفي، فكيف يجوز أن يجلد وأيضا قوله تعالى: ~~{والذين يرمون أزواجهم} الآية، فأوجب اللعان بعموم الآية على سائر الأزواج ~~فلا يخص منه شيء إلا بدليل، ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه من ذلك على ~~وجوب الحد وسقوط اللعان. # PageV03P378 # باب الرجل يطلق امرأته طلاقا بائنا ثم يقذفها # قال أصحابنا فيمن طلق امرأته ثلاثا ثم قذفها: "فعليه الحد" وكذلك إن ولدت ~~ولدا قبل انقضاء عدتها فنفى ولدها فعليه الحد والولد ولده. وقال ابن وهب عن ~~مالك: "إذا بانت منه ثم أنكر حملها لاعنها إن كان حملها يشبه أن يكون منه، ~~وإن قذفها بعد الطلاق الثلاث وهي حامل مقر بحملها ثم زعم أنه رآها تزني قبل ~~أن يقاذفها حد ولم يلاعن، وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثا لاعنها". ~~وقال الليث: "إذا أنكر حملها بعد البينونة # PageV03P378 # لاعن، ولو قذفها بالزنا بعد أن بانت منه وذكر أنه رأى عليها رجلا قبل ~~فراقه إياها جلد الحد ولم يلاعن". وقال ابن شبرمة: "إذا ادعت المرأة حملا ~~في عدتها وأنكر الذي يعتد منه لاعنها، وإن كانت في غير عدة جلد وألحق به ~~الولد". وقال الشافعي: ms2529 "وإن كانت امرأة مغلوبة على عقلها فنفى زوجها ولدها ~~التعن ووقعت الفرقة وانتفى الولد، وإن ماتت المرأة قبل اللعان فطالب أبوها ~~وأمها زوجها كان عليه أن يلتعن، وإن ماتت ثم قذفها حد ولا لعان إلا أن ينفي ~~به ولدا أو حملا فيلتعن". وروى قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الرجل ~~يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم يقذفها قال: "يحد". وقال ابن عمر: ~~"يلاعن". وروى الشيباني عن الشعبي قال: "إن طلقها طلاقا بائنا فادعت حملا ~~فانتفى منه يلاعنها، إنما فر من اللعان". وروى أشعث عن الحسن مثله ولم يذكر ~~الفرار، وإن لم تكن حاملا جلد. وقال إبراهيم النخعي وعطاء والزهري: "إذا ~~قذفها بعدما بانت منه جلد الحد" قال عطاء: "والولد ولده". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} . وكان ذلك حكما عاما في قاذف الزوجات ~~والأجنبيات على ما بينا فيما سلف، ثم نسخ منه قاذف الزوجات بقوله تعالى: ~~{والذين يرمون أزواجهم} والبائنة ليست بزوجة، فعلى الذي كان زوجها الحد إذا ~~قذفها بظاهر قوله: {والذين يرمون المحصنات} ومن أوجب اللعان بعد البينونة ~~وارتفاع الزوجية فقد نسخ من هذه الآية ما لم يرد توقيف بنسخه، وغير جائز ~~نسخ القرآن إلا بتوقيف يوجب العلم. ومن جهة أخرى أنه لا مدخل للقياس في ~~إثبات اللعان; إذ كان اللعان حدا على ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها التوقيف أو ~~الاتفاق. وأيضا لم يختلفوا أنه لو قذفها بغير ولد أن عليه الحد ولا لعان، ~~فثبت أنه غير داخل في الآية ولا مراد،; إذ ليس في الآية نفي الولد وإنما ~~فيها ذكر القذف، ونفي الولد مأخوذ من السنة ولم ترد السنة بإيجاب اللعان ~~لنفي الولد بعد البينونة. # فإن قيل: إنما يلاعن بينهما لنفي الولد لأن ذلك حق للزوج ولا ينتفي منه ~~إلا باللعان قياسا على حال بقاء الزوجية. قيل له: هذا استعمال القياس ms2530 في ~~نسخ حكم الآية، وهو قوله: {والذين يرمون المحصنات} فلا يجوز نسخ الآية ~~بالقياس; وأيضا لو جاز إيجاب اللعان لنفي الولد مع ارتفاع الزوجية لجاز ~~إيجابه لزوال الحد عن الزوج بعد ارتفاع الزوجية، فلما كان لو قذفها بغير ~~ولد حد ولم يجب اللعان ليزول الحد لعدم الزوجية كذلك لا يجب اللعان لنفي ~~الولد مع ارتفاع الزوجية. # فإن قيل: قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] ~~وقال: # PageV03P379 # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} [البقرة: 231] فحكم تعالى بطلاق النساء ~~ولم يمنع ذلك عندك من طلاقها بعد البينونة ما دامت في العدة، فما أنكرت ~~مثله في اللعان؟ قيل له: هذا سؤال ساقط من وجوه: أحدها: أن الله تعالى حين ~~حكم بوقوع الطلاق على نساء المطلق لم ينف بذلك وقوعه على من ليست من نسائه ~~بل ما عدا نسائه، فحكمه موقوف على الدليل في وقوع طلاقه أو نفيه وقد قامت ~~الدلالة على وقوعه في العدة، وأما اللعان فإنه مخصوص بالزوجات ولأن من عدا ~~الزوجات فالواجب فيهن الحد بقوله: {والذين يرمون المحصنات} فكان موجب هذه ~~الآية نافيا للعان، ومن أوجبه وأسقط حكم الآية فقد نسخها بغير توقيف وذلك ~~باطل; ولذلك نفيناه إلا مع بقاء الزوجية. وأيضا فإن الله تعالى من حيث حكم ~~بطلاق النساء فقد حكم بطلاقهن بعد البينونة بقوله: {فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} [البقرة: 229] ثم عطف عليه قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] فحكم بوقوع الطلاق بعد الفدية لأن ~~"الفاء" للتعقيب، وليس معك آية ولا سنة في إيجاب اللعان بعد البينونة. ~~وأيضا فجائز إثبات الطلاق من طريق المقاييس بعد البينونة، ولا يجوز إثبات ~~اللعان بعد البينونة من طريق القياس; لأنه حد لا مدخل للقياس في إثباته. ~~وأيضا فإن اللعان يوجب البينونة ولا يصح إثباتها بعد وقوع البينونة، فلا ~~معنى لإيجاب لعان لا يتعلق به بينونة; إذ كان موضوع اللعان لقطع الفراش ~~وإيجاب البينونة، فإذا لم يتعلق به ذلك فلا حكم له فجرى اللعان ms2531 عندنا في ~~هذا الوجه مجرى الكنايات الموضوعة للبينونة فلا يقع بها طلاق بعد ارتفاع ~~الزوجية، مثل قوله: أنت خلية وبائن وبتة ونحوها، فلما لم يجز أن يلحقها حكم ~~هذه الكنايات بعد البينونة وجب أن يكون ذلك حكم اللعان في انتفاء حكمه بعد ~~وقوع الفرقة وارتفاع الزوجية، وليس كذلك حكم صريح الطلاق; إذ ليس شرطه ~~ارتفاع البينونة، ألا ترى أن الطلاق تثبت معه الرجعة في العدة ولو طلق ~~الثانية بعد الأولى في العدة لم يكن في الثانية تأثير في بينونة ولا تحريم؟ ~~وإنما أوجب نقصان العدد فلذلك جاز أن يلحقها الطلاق في العدة بعد البينونة ~~لنقصان العدد لا لإيجاب تحريم ولا لبينونة. وأيضا فليس يجوز أن يكون وقوع ~~الطلاق أصلا لوجوب اللعان; لأن الصغيرة والمجنونة يلحقهما الطلاق ولا لعان ~~بينهما وبين أزواجهما. # واختلف أهل العلم فيمن قذف امرأته ثم طلقها ثلاثا، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد: "إذا بانت منه بعد القذف بطلاق أو غيره فلا حد عليه ولا ~~لعان"، وهو قول الثوري. وقال الأوزاعي والليث والشافعي: "يلاعن". وقال ~~الحسن بن صالح: "إذا قذفها وهي حامل ثم ولدت ولدا قبل أن يلاعنها فماتت ~~لزمه الولد وضرب الحد، وإن # PageV03P380 # لاعن الزوج ولم يلتعن المرأة حتى تموت ضرب الحد وتوارثا، وإن طلقها وهي ~~حامل وقد قذفها فوضعت حملها قبل أن يلاعنها لم يلاعن وضرب الحد". # قال أبو بكر: قد بينا امتناع وجوب اللعان بعد البينونة، ثم لا يخلو إذا ~~لم يجب اللعان من أن لا يجب الحد على ما قال أصحابنا أو أن يجب الحد على ما ~~قال الحسن بن صالح، وغير جائز إيجاب الحد إن لم يكن من الزوج إكذاب لنفسه، ~~وإنما سقط اللعان عنه من طريق الحكم وصار بمنزلتها لو صدقته على القذف لما ~~سقط اللعان من جهة الحكم لا بإكذاب من الزوج لنفسه لم يجب الحد. # فإن قيل: لو قذفها وهي أجنبية ثم تزوجها لم تنتقل إلى اللعان، كذلك إذا ~~قذفها وهي زوجته ثم بانت لم يبطل اللعان قيل ms2532 له: حال النكاح قد يجب فيها ~~اللعان وقد يجب فيه الحد، ألا ترى أنه لو أكذب نفسه وجب الحد في حال النكاح ~~وغير حال النكاح لا يجب فيه اللعان بحال؟. # واختلف أهل العلم في الرجل ينفي حمل امرأته، فقال أبو حنيفة: "إذا قال ~~ليس هذا الحمل مني لم يكن قاذفا لها، فإن ولدت بعد يوم لم يلاعن حتى ينفيه ~~بعد الولادة"، وهو قول زفر. وقال أبو يوسف ومحمد: "إن جاءت به بعد هذا ~~القول لأقل من ستة أشهر لاعن". وقد روي عن أبي يوسف: "أنه يلاعنها قبل ~~الولادة". وقال مالك والشافعي: "يلاعن بالحمل"، وذكر عنه الربيع: "أنه لا ~~يلاعن حتى تلد". وإنما يوجب أبو حنيفة اللعان بنفي الحمل لأن الحمل غير ~~متيقن، وجائز أن يكون ريحا أو داء، وإذا كان كذلك لم يجز أن نجعله قذفا لأن ~~القذف لا يثبت بالاحتمال، ألا ترى أن التعريض المحتمل للقذف ولغيره لا يجوز ~~إيجاب اللعان ولا الحد به؟ فلما كان محتملا أن يكون ما نفاه ولدا واحتمل ~~غيره لم يجز أن يوجب اللعان به قبل الوضع، ثم إذا وضعت لأقل من ستة أشهر ~~تيقنا أنه كان حملا في وقت النفي لم يجب اللعان أيضا لأنه يوجب أن يكون ~~القذف معلقا على شرط والقذف لا يجوز أن يعلق على شرط، ألا ترى أنه لو قال: ~~"إذا ولدت فأنت زانية" لم يكن قاذفا لها بالولادة؟. # واحتج من لاعن بالحمل بما روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بالحمل; وإنما أصل هذا الحديث ما رواه ~~عيسى بن يونس وجرير جميعا عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: أن ~~رجلا قال: أرأيتم إن وجد رجل مع امرأته رجلا فإن هو قتله قتلتموه وإن تكلم ~~جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ فأنزلت آية اللعان فابتلي به، فجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته; فلم يذكر في هذا الحديث الحمل ولا أنه ~~لاعن بالحمل. وروى ابن ms2533 جريج عن يحيى بن سعيد عن # PageV03P381 # القاسم بن محمد عن ابن عباس: أن رجلا جاء وقال: وجدت مع امرأتي رجلا، ثم ~~لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: "إن جاءت به كذا". وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن ~~أبي عدي قال: أنبأنا هشام بن حسان قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن ~~أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك" وذكر الحديث إلى قوله: ~~"أبصروها فإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء"، وكذلك رواه عباد بن منصور ~~عن عكرمة عن ابن عباس. فذكر في هذه الأخبار أنه قذفها، وأبو حنيفة يوجب ~~اللعان بالقذف وإن كانت حاملا، وإنما لا يوجبه إذا نفى الحمل من غير قذف. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 6] وقد ترد الجارية بعيب الحمل إذا قال النساء هي حبلى; ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دية شبه العمد: "منها أربعون خلفة في ~~بطونها أولادها" قيل له: أما نفقة الحامل فلا تجب لأجل الحمل وإنما وجبت ~~للعدة، فما لم تنقض عدتها فنفقتها واجبة، ألا ترى أن غير الحامل نفقتها ~~واجبة؟ وإنما ذكر الحمل لأن وضعه تنقضي به العدة وتنقطع به النفقة، وأما ~~الرد بالعيب فإنه جائز كونه مع الشبهة كسائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة ~~والحد لا يجوز إثباته بالشبهة، فلذلك اختلفا. وكذلك من يوجب في الدية ~~أربعين خلفة في بطونها أولادها فإنه يوجبها على غالب الظن، ومثله لا يجوز ~~إيجاب الحد به، وهذا كما يحكم بظاهر وجود الدم أنه حيضة ولا يجوز القطع به ~~حتى يتم ثلاثة أيام، وكذلك من كان ظاهر أمرها الحبل لا تكون رؤيتها الدم ~~حيضا، فإن تبين بعد أنها لم تكن حاملا كان ذلك الدم حيضا; وقوله صلى الله ~~عليه وسلم في قصة هلال ms2534 بن أمية: "إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لشريك ~~ابن سحماء" فإنه فيما أضافه إلى هلال محمول على حقيقة إثبات النسب منه، ~~وهذا يدل على أنه لم ينف الولد منه بلعانه إياها في حال حملها، وقوله: "فهو ~~لشريك ابن سحماء" لا يجوز أن يكون مراده إلحاق النسب به وإنما أراد أنه من ~~مائه في غالب الرأي; لأن الزاني لا يلحق به النسب لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". # فإن قيل: في حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ~~امرأة هلال بن أمية حين لاعن بينهما أن لا يدعى ولدها لأب. قيل له: هذا ~~إنما ذكره عباد بن منصور عن عكرمة، وهو ضعيف واه لا يشك أهل العلم بالحديث ~~أن في حديث عباد بن منصور هذا أشياء ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~مدرجة فيه، ولم يذكر ذلك غير عباد بن منصور. ويدل على أنه غير جائز نفي ~~النسب ولا إثبات القذف بالشبهة حديث أبي هريرة قال: إن # PageV03P382 # أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن امرأتي ولدت غلاما ~~أسود وإني أنكرته، فقال له: "هل لك من إبل"؟ قال: نعم، قال: "ما ألوانها"؟ ~~قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق"؟ قال: نعم، قال: "فأنى ترى ذلك جاءها"؟ ~~قال عرق نزعها، قال: "فلعل هذا عرق نزعه"، فلم يرخص له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفيه عنه لبعد شبهه منه. ويدل أيضا على أنه لا يجوز نفي النسب ~~بالشبهة. # PageV03P383 # فصل # وقال أصحابنا: "إذا نفى نسب ولد زوجته فعليه اللعان". وقال الشافعي: "لا ~~يجب اللعان حتى يقول إنها جاءت به من الزنا". قال أبو بكر: حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: ~~أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ~~ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد ms2535 بالمرأة فأخبر أنه ~~لاعن بينهما لنفيه الولد، فثبت أن نفي ولدها قذف يوجب اللعان. # PageV03P383 # أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها # قال أصحابنا: "شهادتهم جائزة ويقام الحد على المرأة". وقال مالك ~~والشافعي: "يلاعن الزوج ويحد الثلاثة"، وروي نحو قولهما عن الحسن والشعبي. ~~وروي عن ابن عباس: "أن الزوج يلاعن ويحد الثلاثة". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] ولم يفرق بين كون الزوج فيهم ~~وبين أن يكونوا جميعا أجنبيين، وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} فإذا قذف الأجنبي امرأة وجاء بأربعة ~~أحدهم الزوج اقتضى الظاهر جواز شهادتهم وسقوط الحد عن القاذف وإيجابه ~~عليها. وأيضا لا خلاف أن شهادة الزوج جائزة على امرأته في سائر الحقوق وفي ~~القصاص وفي سائر الحدود من السرقة والقذف والشرب، فكذلك يجب أن تكون في ~~الزنا. # فإن قيل: الزوج يجب عليه اللعان إذا قذف امرأته فلا يجوز أن يكون شاهدا. ~~قيل له: إذا جاء مجيء الشهود مع ثلاثة غيره فليس بقاذف ولا لعان عليه، ~~وإنما يجب اللعان عليه إذا قذفها ثم لم يأت بأربعة شهداء، كالأجنبي إذا قذف ~~وجب عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا، ولو جاء مع ثلاثة ~~فشهدوا بالزنا لم يكن قاذفا وكان شاهدا، فكذلك الزوج. # PageV03P383 ### | مطلب: في صحة إمامة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم # قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال ~~أبو بكر: هذه صفة الذين أذن لهم في القتال بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا} إلى قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} إلى قوله: {الذين ~~إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر} وهذه صفة المهاجرين; لأنهم الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، فأخبر ~~تعالى أنه إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر، وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم الله في الأرض وهم ~~أبو بكر وعمر ms2536 وعثمان وعلي رضي الله # PageV03P320 ### | مطلب: في [تلك الغرانيق العلى] إلى آخره # روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس: أن ~~السبب في نزول هذه الآية أنه لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم: {أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19, 20] ألقى الشيطان في ~~تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وقد اختلف في معنى ألقى ~~الشيطان، فقال قائلون: لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة وذكر ~~فيها الأصنام علم الكفار أنه يذكرها بالذم والعيب، فقال قائل منهم حين بلغ ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} : "تلك ~~الغرانيق العلى" وذلك بحضرة الجمع الكثير من قريش في المسجد الحرام، فقال ~~سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه: إن محمدا قد مدح آلهتنا، وظنوا أن ذلك ~~كان في تلاوته، فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين، وسمى الذي ألقى ذلك في حال تلاوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم شيطانا; لأنه كان من شياطين الإنس كما قال تعالى: ~~{شياطين الأنس والجن} [الأنعام: 112] والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن ~~والإنس. وقيل: إنه جائز أن يكون شيطانا من شياطين الجن، وقال ذلك عند تلاوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء عليهم السلام ~~كما حكى الله تعالى عنه بقوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} [الأنفال: 48] وإنما قال ذلك إبليس حين ~~تصور في صورة سراقة بن مالك لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر، وكما تصور في ~~صورة الشيخ النجدي حين تشاورت قريش في دار الندوة في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان مثل ذلك جائزا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لضرب من ~~التدبير، فجائز أن يكون الذي قال ذلك شيطانا فظن ms2537 القوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاله. وقال بعضهم جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم ~~بذلك على سبيل السهو الذي لا يعرى منه # PageV03P321 ### | مطلب: في الأضحية # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب الأضحية، فروى الشعبي عن أبي سريحة ~~قال: "رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان". وقال عكرمة: "كان ابن عباس يبعثني ~~يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحما ويقول: من لقيت فقل هذه أضحية ابن عباس". # PageV03P322 ### | ومن سورة المؤمنين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} روى ابن ~~عون عن محمد بن سيرين قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع رأسه ~~إلى السماء، فلما نزلت: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} نكس رأسه. وروى هشام ~~عن محمد قال: "لما نزلت: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} خفضوا أبصارهم فكان ~~الرجل يحب أن لا يجاوز بصره موضع سجوده". وروي عن جماعة: "الخشوع في الصلاة ~~أن لا يجاوز بصره موضع سجوده". وروي عن إبراهيم ومجاهد والزهري: "الخشوع ~~السكون". وروى المسعودي عن أبي سنان عن رجل منهم قال: سئل علي عن قوله: ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال: "الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء ~~المسلم ولا تلتفت في صلاتك "وقال الحسن: "خاشعون خائفون". # قال أبو بكر: الخشوع ينتظم هذه المعاني كلها من السكون في الصلاة والتذلل ~~وترك الالتفات والحركة والخوف من الله تعالى وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "اسكنوا في الصلاة وكفوا أيديكم في الصلاة" وقال: "أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا"، وأنه نهى عن مس الحصى ~~في الصلاة وقال: "إذا قام الرجل يصلي فإن الرحمة تواجهه فإذا التفت انصرفت ~~عنه". وروى الزهري عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يلمح في الصلاة ولا يلتفت. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا أبو توبة قال: حدثنا معاوية بن سلام عن ms2538 زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام ~~قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم حنين، وذكر الحديث إلى قوله: "من يحرسنا الليلة؟ " قال ~~أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: "فاركب! " فركب فرسا له، ~~فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يغرن من قبلك الليلة" فلما ~~أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: ~~"هل أحسستم # PageV03P329 ### | مطلب: في السمر # وقد اختلف في السمر، فروى شعبة عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وروى ~~شعبة عن منصور عن خيثمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~سمر إلا لرجلين: مصل أو مسافر". وعن ابن عمر أنه كان ينهى عن السمر بعد ~~العشاء. وأما الرخصة فيه فما روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال عمر: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر الليلة عند أبي بكر في الأمر من ~~أمور المسلمين، وكان ابن عباس يسمر بعد العشاء، وكذلك عمرو بن دينار وأيوب ~~السختياني إلى نصف الليل. آخر سورة المؤمنين. # PageV03P332 ### | ومن سورة النور ### | مدخل # ... # ومن سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} قال ~~أبو بكر: لم يختلف السلف في أن حد الزانيين في أول الإسلام ما قال الله ~~تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} إلى ~~قوله: {والذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16] فكان حد المرأة الحبس ~~والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل التعيير، ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله ~~تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ونسخ عن المحصن ~~بالرجم، وذلك لأن في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله ms2539 عليه وسلم: ~~"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب الجلد والرجم"، فكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله: ~~{واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} إلى قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~[النساء: 15] وذلك لتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم إيانا على أن ما ذكره ~~من ذلك هو السبيل المراد بالآية، ومعلوم أنه لم تكن بينهما واسطة حكم آخر; ~~لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدما لقوله صلى الله عليه وسلم ~~بحديث عبادة أن المراد بالسبيل هو ما ذكره دون غيره، وإذا كان كذلك كان ~~الأذى والحبس منسوخين عن غير المحصن بالآية وعن المحصن بالسنة وهو الرجم. # واختلف أهل العلم في حد المحصن وغير المحصن في الزنا، فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد: "يرجم المحصن ولا يجلد ويجلد غير المحصن، وليس نفيه ~~بحد وإنما هو موكول إلى رأي الإمام إن رأى نفيه للدعارة فعل كما يجوز حبسه ~~حتى يحدث توبة". وقال ابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن ~~صالح: "لا يجتمع الجلد والرجم" مثل قول أصحابنا، واختلفوا في النفي بعد ~~الجلد، فقال ابن أبي ليلى: ينفى البكر بعد الجلد" وقال مالك: "ينفى الرجل ~~ولا تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه" وقال ~~الثوري والأوزاعي والحسن بن صالح # PageV03P333 ### | باب صفة الضرب في الزنا # قال الله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} روي عن الحسن وعطاء ~~ومجاهد وأبي مجلز قالوا: "في تعطيل الحدود لا في شدة الضرب". وروى ابن أبي ~~مليكة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب ~~رجليها، وأحسبه قال: وظهرها، قال: فقلت لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها ~~ولا أن أجعل جلدها في رأسها وقد أوجعت حيث ضربت. وروي عن سعيد بن جبير ~~وإبراهيم والشعبي قالوا: "في الضرب". # واختلف الفقهاء ms2540 في شدة الضرب في الحدود، فقال أصحابنا وأبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر: "التعزير أشد الضرب، وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب، ويضرب ~~الشارب أشد من ضرب القاذف". وقال مالك والليث: "الضرب في الحدود كلها سواء ~~غير مبرح بين الضربين". وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف، وضرب ~~القذف أشد من ضرب الشرب". وقال الحسن بن صالح ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب ~~والقذف". وروي عن عطاء قال: "حد الزنية أشد من حد الفرية وحد الفرية والخمر ~~واحد". وعن الحسن قال ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب وضرب ~~الشرب أشد من ضرب التعزير". وروي عن علي أنه ضرب رجلا قاعدا وعليه كساء ~~قسطلاني. # PageV03P338 ### | باب ما يضرب من أعضاء المحدود # ما يضرب من أعضاء المحدود قال الله سبحانه وتعالى: {فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} ولم يذكر ما يضرب منه، وظاهره يقتضي جواز ضرب جميع ~~الأعضاء. وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار فيه، فروى ابن أبي ليلى عن عدي بن ~~ثابت عن المهاجر بن عميرة عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سكران أو في ~~حد، فقال: "اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير". وروى سفيان بن ~~عيينة عن أبي عامر عن عدي بن ثابت عن مهاجر بن عميرة عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: "اجتنب رأسه ومذاكيره وأعط كل عضو حقه"، فذكر في هذا الحديث الرأس ~~وفي الحديث الأول الوجه، وجائز أن يكون قد استثناهما جميعا. وروي عن عمر ~~أنه أمر بالضرب في حد فقال: "أعط كل عضو حقه" ولم يستثن شيئا. وروى ~~المسعودي عن القاسم قال: أتي أبو بكر برجل انتفى من ابنه، فقال أبو بكر: ~~"اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس". وقد روي عن عمر: "أنه ضرب صبيغ بن عسيل ~~على رأسه حين سأل عن الذاريات ذروا على وجه التعنت". وروي عن ابن عمر أنه ~~لا يصيب الرأس. وقال أبو حنيفة ومحمد: "يضرب في الحدود الأعضاء كلها إلا ~~الفرج والرأس والوجه". وقال ms2541 أبو يوسف: "يضرب الرأس أيضا". وذكر الطحاوي عن ~~أحمد بن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف: "أن الذي يضرب به الرأس من الحد سوط ~~واحد". وقال مالك: "لا يضرب إلا في الظهر". وذكر ابن سماعة عن محمد في ~~التعزير: أنه يضرب الظهر بغير خلاف وفي الحدود يضرب الأعضاء إلا ما ذكرنا. ~~وقال الحسن بن صالح: "يضرب في الحد والتعزير الأعضاء كلها ولا يضرب الوجه ~~ولا المذاكير". وقال الشافعي: "يتقى الوجه والفرج". قال أبو بكر: اتفق ~~الجميع على ترك ضرب الوجه والفرج. # وروي عن علي استثناء الرأس أيضا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه". وإذا لم يضرب الوجه فالرأس مثله; ~~لأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه، وإنما أمر ~~باجتناب الوجه لهذه العلة ولئلا يلحقه أثر يشينه أكثر مما هو مستحق بالفعل ~~الموجب للحد. والدليل على أن ما يلحق الرأس من ذلك هو كما يلحق الوجه أن ~~الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه سواء وفارقا سائر البدن من هذا ~~الوجه; لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما تجب فيه حكومة ولا يجب فيها ~~أرش الموضحة الواقعة في الرأس والوجه، فوجب من أجل ذلك استواء حكم الرأس ~~والوجه في اجتناب ضربهما. ووجه آخر، وهو أنه ممنوع من ضرب الوجه لما يخاف ~~فيه # PageV03P340 ### | في إقامة الحدود في المسجد # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا تقام الحدود في المساجد" ~~وهو قول الحسن بن صالح. قال أبو يوسف: وأقام ابن أبي ليلى حدا في المسجد ~~فخطأه أبو حنيفة وقال مالك: لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط ونحوها، ~~وأما الضرب الموجع والحد فلا يقام في المسجد". # قال أبو بكر: روى إسماعيل بن مسلم المكي عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقام الحدود في المساجد ولا ~~يقتل بالولد الوالد". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنبوا ms2542 ~~مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وشراكم وبيعكم وإقامة حدودكم ~~وجمروها في جمعكم وضعوا على أبوابها المطاهر". ومن جهة النظر أنه لا يؤمن ~~أن يكون من المحدود بالمسجد من خروج النجاسة ما سبيله أن ينزه المسجد عنه. # PageV03P342 ### | في الذي يعمل عمل قوم لوط # قال أبو حنيفة: "يعزر ولا يحد". وقال مالك والليث: يرجمان أحصنا أو لم ~~يحصنا" وقال عثمان البتي والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "هو ~~بمنزلة الزنا" وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء قال أبو بكر: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر ~~بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس"، فحصر قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث، ~~وفاعل ذلك خارج عن ذلك; لأنه لا يسمى زنا. # فإن احتجوا بما روى عاصم بن عمرو عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا ~~الأعلى والأسفل وارجموهما جميعا"، وبما روى الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو ~~عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول # PageV03P342 ### | في الذي يأتي البهيمة # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي: "لا حد عليه ~~ويعزر". وروي مثله عن ابن عمر. وقال الأوزاعي: "عليه الحد". قال أبو بكر: ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد ~~إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" ينفي قتل فاعل ذلك; إذ ليس ذلك ~~بزنا في اللغة، ولا يجوز إثبات الحدود إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، ~~وذلك معدوم في مسألتنا، ولا يجوز إثباته من طريق المقاييس. وقد روى عمرو بن ~~أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة"، وعمرو هذا ضعيف لا تثبت به ~~حجة. ومع ذلك فقد ms2543 روى شعبة وسفيان وأبو عوانة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن ~~عباس فيمن أتى بهيمة: "أنه لا حد عليه"، وكذلك رواه إسرائيل وأبو بكر بن ~~عياش وأبو الأحوص وشريك كلهم عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس مثله، ولو ~~كان حديث عمرو بن أبي عمرو ثابتا لما خالفه ابن عباس وهو راويه إلى غيره، ~~وإن صح الخبر كان محمولا على من استحله. # PageV03P343 ### | فصل # قال أبو بكر: قد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافا الرجم وهم الخوارج، وقد ~~ثبت الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبنقل الكافة والخبر الشائع المستفيض الذي لا مساغ للشك فيه وأجمعت الأمة ~~عليه، فروى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري ~~وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة، وخطب عمر ~~فقال: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف". وبعض ~~هؤلاء الرواة يروي خبر رجم ماعز وبعضهم خبر الجهينية والغامدية. وخبر ماعز # PageV03P343 ### | باب تزويج الزانية # قال الله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} . قال أبو بكر: روى عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان يحمل الأسرى من ~~مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له، ~~وكان وعد رجلا أن يحمله من أسرى مكة، وإن عناق رأته فقالت له: أقم الليلة ~~عندي قال: يا عناق قد حرم الله الزنا فقالت: يا أهل الخباء هذا الذي يحمل ~~أسراكم فلما قدمت المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله أتزوج عناق؟ فلم يرد حتى نزلت هذه الآية: {الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكحها! ". فبين عمرو بن ~~شعيب في هذا الحديث أن الآية نزلت في ms2544 الزانية المشركة أنها لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك، وإن تزوج المسلم المشركة زنا; إذ كانت لا تحل له. # وقد اختلف السلف في تأويل الآية وحكمها، فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن ~~سعيد ويزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب في قوله ~~تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} : قد نسختها الآية التي بعدها: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} قال: كان يقال هي من أيامى المسلمين، فأخبر سعيد بن ~~المسيب أن الآية منسوخة. قال أبو عبيد: وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ~~في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: "كان رجال يريدون الزنا ~~بنساء زواني بغايا معلنات كن كذلك في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا ~~نكاحهن" فذكر مجاهد أن ذلك كان في نساء مخصوصات على الوصف الذي ذكرنا وروي ~~عن عبد الله بن عمر في قوليه: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} أنه نزل ~~في رجل تزوج امرأة بغية على أن تنفق عليه "فأخبر عبد الله بن عمر أن النهي ~~خرج على هذا الوجه وهو أن يزوجها على أن يخليها والزنا. وروى حبيب بن أبي ~~عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "يعني بالنكاح جماعها". وروى ابن ~~شبرمة عن عكرمة: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} قال: "لا يزني حين ~~يزني إلا بزانية مثله". # وقال شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس: "بغايا كن في الجاهلية يجعلن على ~~أبوابهن رايات كرايات البياطرة يأتيهن ناس، يعرفن بذلك". وروى مغيرة عن ~~إبراهيم النخعي: {الزاني لا ينكح إلا زانية} : "يعني به الجماع حين يزني" ~~وعن عروة بن الزبير مثله. # PageV03P345 ### | باب حد القذف # قال الله عز وجل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} قال أبو بكر: الإحصان على ضربين، أحدهما: ما يتعلق ~~به وجوب الرجم على الزاني، وهو أن يكون حرا بالغا ms2545 عاقلا مسلما قد تزوج ~~امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما كذلك، والآخر: الإحصان الذي يوجب الحد على ~~قاذفه، وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا. ولا نعلم خلافا بين ~~الفقهاء في هذا المعنى. # قال أبو بكر: قد خص الله تعالى المحصنات بالذكر، ولا خلاف بين المسلمين ~~أن المحصنين مرادون بالآية، وأن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن كوجوبه ~~على قاذف المحصنة. واتفق الفقهاء على أن قوله: {والذين يرمون المحصنات} قد ~~أريد به الرمي بالزنا، وإن كان في فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص، وذلك ~~لأنه لما ذكر المحصنات وهن العفائف دل على أن المراد بالرمي رميها بضد ~~العفاف وهو الزنا. ووجه آخر من دلالة فحوى اللفظ، وهو قوله تعالى: {ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء} يعني: على صحة ما رموه به، ومعلوم أن هذا العدد من ~~الشهود إنما هو مشروط في الزنا، فدل على أن قوله: {والذين يرمون المحصنات} ~~معناه: يرمونهن بالزنا. ويدل ذلك على معنى آخر، وهو أن القذف الذي يجب به ~~الحد إنما هو القذف بصريح الزنا، وهو الذي إذا جاء بالشهود عليه حد المشهود ~~عليه، ولولا ما في فحوى اللفظ من الدلالة عليه لم يكن ذكر الرمي مخصوصا ~~بالزنا دون غيره من الأمور التي يقع الرمي بها; إذ قد يرميها بسرقة وشرب ~~خمر وكفر وسائر الأفعال المحظورة، ولم يكن اللفظ حينئذ مكتفيا بنفسه في ~~إيجاب حكمه بل كان يكون مجملا موقوف الحكم على البيان، إلا أنه كيفما تصرفت # PageV03P348 ### | باب شهادة القاذف # قال الله عز وجل: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} قال ~~أبو بكر: حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه به ~~بثلاثة أحكام: أحدها جلد ثمانين، والثاني بطلان الشهادة، والثالث: الحكم ~~بتفسيقه إلى أن يتوب. واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها ~~عليه بالقذف بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة ~~البينة على الزنا، فقال قائلون: "قد بطلت شهادته ولزمته ms2546 سمة الفسق قبل ~~إقامة الحد عليه" وهو قول الليث بن سعد والشافعي. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وزفر ومحمد ومالك: "شهادته مقبولة ما لم يحد" وهذا يقتضي من قولهم أنه غير ~~موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد; لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت ~~شهادته; إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق ~~الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد، والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا} فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة على ~~صحة قذفه، وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز شهادته وبقاء حكم عدالته ما ~~لم يقع الحد به: أحدهما قوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وثم للتراخي في ~~حقيقة اللغة فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف ~~ان يكونوا غير فساق بالقذف لأنه قال: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} الآية، ~~فكان تقديره: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم الفاسقون فإنما حكم ~~بفسقهم متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن إقامة الشهود فمن حكم بفسقهم ~~بنفس القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن تكون شهادة القاذف غير مردودة ~~لأجل القذف، فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل شهادته. وأيضا فلو كانت ~~الشهادة تبطل بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا المقذوف مبطلا ~~لشهادته وهي قد بطلت قبل ذلك والوجه الآخر: أن المعقول من هذا # PageV03P353 ### | فيمن يقيم الحد على المملوك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: "يقيمه الإمام دون المولى وذلك في ~~سائر الحدود"، وهو قول الحسن بن صالح. وقال مالك: "يحده المولى في الزنا ~~وشرب # PageV03P367 ### | باب اللعان # قال الله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم} إلى آخر القصة. قال أبو بكر: كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات ~~الجلد، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن ms2547 أمية حين قذف امرأته ~~بشريك ابن سحماء: "ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك"، وقال الأنصار: ~~أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فثبت بذلك أن حد قاذف الزوجات ~~كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان; لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان: "ائتني بصاحبتك فقد ~~أنزل الله فيك وفيها قرآنا" ولاعن بينهما، وروي نحو ذلك في حديث عبد الله ~~بن مسعود في الرجل الذي قال: أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن # PageV03P370 ### | باب القذف الذي يوجب اللعان # قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} الآية. ولا خلاف بين الفقهاء أن المراد به قذف ~~الأجنبيات المحصنات بالزنا سواء قال: "زنيت" أو قال: "رأيتك تزنين"، ثم قال ~~تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} ولا خلاف أيضا أنه قد أريد به رميها بالزنا. ~~ثم اختلف الفقهاء في صفة القذف الموجب للعان، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والشافعي: "إذا قال لها يا زانية وجب اللعان". وقال مالك بن ~~أنس: "لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزنين أو ينفي حملا بها أو ولدا منها، ~~والأعمى يلاعن إذا قذف امرأته". وقال الليث: "لا تكون ملاعنة إلا أن يقول ~~رأيت عليها رجلا أو يقول قد كنت استبرأت رحمها وليس هذا الحمل مني ويحلف ~~بالله على ما قال" وقال عثمان البتي: "إذا قال رأيتها تزني لاعنها وإن ~~قذفها وهي بخراسان وإنما تزوجها قبل ذلك بيوم لم يلاعن ولا كرامة". # قال أبو بكر ظاهر الآية يقتضي إيجاب اللعان بالقذف سواء قال رأيتك تزنين ~~أو # PageV03P374 ### | باب كيفية اللعان # قال الله تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين} . واختلف أهل العلم في صفة ~~اللعان إذا لم يكن ولد، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري: "يشهد ~~الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا والخامسة ms2548 ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، وتشهد هي ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا، فإن كان هناك ~~ولد نفاه يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من نفي هذا ~~الولد". وذكر أبو الحسن الكرخي أن الحاكم يأمر الزوج أن يقول: "أشهد بالله ~~أني لمن الصادقين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا" فيقول ذلك أربع مرات، ثم ~~يقول في الخامسة: "لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتك به من نفي ~~ولدك هذا" ثم يأمرها القاضي فتقول: "أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما ~~رميتني به من نفي ولدي هذا" فتقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: ~~"وغضب الله علي إن كنت من الصادقين فيما رميتني به من نفي ولدي هذا". وروى ~~حيان بن بشر عن أبي يوسف قال: "إذا كان اللعان بولد فرق بينهما فقال قد ~~ألزمته أمه وأخرجته من نسب الأب". قال أبو الحسن: ولم أجد ذكر نفي الحاكم ~~الولد بالقول فيما قرأته إلا في رواية حيان بن بشر، قال أبو الحسن: وهو ~~الوجه عندي. وروى الحسن بن زياد في سياق روايته عن أبي حنيفة قال: "لا يضره ~~أن يلاعن بينهما وهما قائمان أو جالسان، فيقول الرجل: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين فيما رميتك به من الزنا، يقبل بوجهه عليها فيواجهها في ذلك كله ~~وتواجهه أيضا هي". وروي عن زفر مثل ذلك في المواجهة. وقال مالك فيما ذكره ~~ابن القاسم عنه: "أنه يحلف أربع شهادات بالله # PageV03P375 ### | في نفي الولد # قال أبو حنيفة: "إذا ولدت المرأة فنفى ولدها حين يولد أو بعده بيوم أو ~~يومين لاعن وانتفى الولد، وإن لم ينفه حين يولد حتى مضت سنة أو سنتان ثم ~~نفاه لاعن ولزمه الولد"، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتا، ووقت أبو يوسف ~~ومحمد مقدار النفاس أربعين ليلة; وقال أبو يوسف: ms2549 "إن كان غائبا فقدم فله أن ~~ينفيه فيما بينه وبين مقدار النفاس منذ قدم ما كان في الحولين، فإن قدم بعد ~~خروجه من الحولين لم ينتف أبدا". وقال هشام: سألت محمدا عن أم ولد لرجل ~~جاءت بولد والمولى شاهد فلم يدعه ولم ينكره، فقال: "إذا مضى أربعون يوما من ~~يوم ولدته فإنه يلزمه وهي بمنزلة الحرة"، قال: قلت: فإن كان المولى غائبا ~~فقدم وقد أتت له سنون؟ فقال محمد: "إن كان الابن نسب إليه حتى عرف به فإنه ~~يلزمه" وقال محمد: "وإن لم ينسب إليه وقال هذا لم أعلم بولادته فإن سكت ~~أربعين يوما من يوم قدم لزمه الولد". وقال مالك: "إذا رأى الحمل فلم ينفه ~~حين وضعته لم ينتف بعد ذلك وإن نفاه حرة كانت أو أمة، فإن انتفى منه حين ~~ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف منه فإنه يجلد الحد لأنها حرة مسلمة فصار ~~قاذفا لها، وإن كان غائبا عن الحمل وقدم ثم ولدته فله أن ينفيه". وقال ~~الليث فيمن أقر بحمل امرأته ثم قال بعد ذلك رأيتها تزني: "لاعن في الرؤية ~~ويلزمه الحمل". وقال الشافعي: "إذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم إمكانا ~~بينا فترك اللعان لم يكن له أن ينفيه كالشفعة"، وقال في القديم: "إن لم ~~ينفه في يوم أو يومين لم يكن له أن ينفيه". # قال أبو بكر: ليس في كتاب الله عز وجل ذكر نفي الولد، إلا أنه قد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفي الولد باللعان إذا قذفها بنفي الولد; حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وألحق الولد بالمرأة. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~الحسن بن علي قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عباد بن منصور عن ms2550 عكرمة ~~عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا، فوجد عند أهله رجلا، وذكر ~~الحديث إلى آخر ذكر اللعان، قال: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وقضى أن لا يدعى ولدها لأب. قال أبو بكر: # PageV03P377 ### | باب الرجل يطلق امرأته طلاقا بائنا ثم يقذفها # قال أصحابنا فيمن طلق امرأته ثلاثا ثم قذفها: "فعليه الحد" وكذلك إن ولدت ~~ولدا قبل انقضاء عدتها فنفى ولدها فعليه الحد والولد ولده. وقال ابن وهب عن ~~مالك: "إذا بانت منه ثم أنكر حملها لاعنها إن كان حملها يشبه أن يكون منه، ~~وإن قذفها بعد الطلاق الثلاث وهي حامل مقر بحملها ثم زعم أنه رآها تزني قبل ~~أن يقاذفها حد ولم يلاعن، وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثا لاعنها". ~~وقال الليث: "إذا أنكر حملها بعد البينونة # PageV03P378 ### | فصل # وقال أصحابنا: "إذا نفى نسب ولد زوجته فعليه اللعان". وقال الشافعي: "لا ~~يجب اللعان حتى يقول إنها جاءت به من الزنا". قال أبو بكر: حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر: ~~أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ~~ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة فأخبر أنه ~~لاعن بينهما لنفيه الولد، فثبت أن نفي ولدها قذف يوجب اللعان. # PageV03P383 ### | أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها # قال أصحابنا: "شهادتهم جائزة ويقام الحد على المرأة". وقال مالك ~~والشافعي: "يلاعن الزوج ويحد الثلاثة"، وروي نحو قولهما عن الحسن والشعبي. ~~وروي عن ابن عباس: "أن الزوج يلاعن ويحد الثلاثة". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] ولم يفرق بين كون الزوج فيهم ~~وبين أن يكونوا جميعا أجنبيين، وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} فإذا قذف الأجنبي امرأة وجاء بأربعة ~~أحدهم الزوج اقتضى الظاهر جواز شهادتهم وسقوط الحد عن القاذف وإيجابه ms2551 ~~عليها. وأيضا لا خلاف أن شهادة الزوج جائزة على امرأته في سائر الحقوق وفي ~~القصاص وفي سائر الحدود من السرقة والقذف والشرب، فكذلك يجب أن تكون في ~~الزنا. # فإن قيل: الزوج يجب عليه اللعان إذا قذف امرأته فلا يجوز أن يكون شاهدا. ~~قيل له: إذا جاء مجيء الشهود مع ثلاثة غيره فليس بقاذف ولا لعان عليه، ~~وإنما يجب اللعان عليه إذا قذفها ثم لم يأت بأربعة شهداء، كالأجنبي إذا قذف ~~وجب عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا، ولو جاء مع ثلاثة ~~فشهدوا بالزنا لم يكن قاذفا وكان شاهدا، فكذلك الزوج. # PageV03P383 ### | في إباء أحد الزوجين اللعان # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: "أيهما نكل عن اللعان حبس حتى ~~يلاعن". وقال مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي: "أيهما نكل حد، إن نكل ~~الرجل حد للقذف وإن نكلت هي حدت للزنا". وروى معاذ بن معاذ عن أشعث عن ~~الحسن في الرجل يلاعن وتأبى المرأة قال: "تحبس". وعن مكحول والضحاك ~~والشعبي: "إذا لاعن وأبت أن تلاعن رجمت". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] وقال: {ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك ~~ابن سحماء: "ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك" ورد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ماعزا والغامدية كل واحد منهما حتى أقر أربع مرات بالزنا ثم رجمهما; ~~فثبت أنه لا يجوز إيجاب الحد عليها بترك اللعان لأنه ليس ببينة ولا إقرار; ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا ~~بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس"، فنفى وجوب القتل إلا بما ~~ذكر، والنكول عن اللعان خارج عن ذلك فلا يجب رجمها، وإذا لم يجب الرجم إذا ~~كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأن أحدا لم يفرق بينهما. # فإن قيل: قوله: "امرئ مسلم" إنما يتناول الرجل دون المرأة ms2552 قيل له: ليس ~~كذلك; لأنه لا خلاف أن المرأة مرادة بذلك وأن هذا الحكم عام فيهما جميعا، ~~وأيضا فإن ذلك للجنس كقوله: {إن امرؤ هلك ليس له ولد} [النساء: 176] وقوله: ~~{يوم يفر المرء من أخيه} [عبس:34] . وأيضا لا خلاف أن الدم لا يستحق ~~بالنكول في سائر الدعاوى، وكذلك سائر الحدود، فكان في اللعان أولى أن لا ~~يستحق. # فإن قيل: لما قال تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ، وهو يعني ~~حد الزنا، ثم قال: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} فعرفه ~~بالألف واللام، علمنا أن المراد هو العذاب المذكور في قوله: {وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين} . قيل له: ليست هذه قصة واحدة ولا حكما واحدا ~~حتى يلزم فيه ما قلت; لأن أول السورة إنما هي في بيان حكم الزانيين ثم حكم ~~القاذف، وقد كان ذلك حكما ثابتا في قاذف الزوجات والأجنبيات جاريا على ~~عمومه إلى أن نسخ عن قاذف الزوجات باللعان، وليس في ذكره العذاب وهو يريد ~~به حد الزنا في موضع ثم ذكر العذاب بالألف واللام في غيره ما يوجبه أن ~~العذاب المذكور في لعان الزوجين هو المذكور في الزانيين; إذ ليس يختص # PageV03P384 # العذاب بالحد دون غيره. وقد قال الله تعالى: {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} ~~[يوسف: 25] ولم يرد به الحد، وقال: {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه} ~~[النمل: 21] ولم يرد الحد، وقال: {ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} ~~[الفرقان: 19] ولم يرد به الحد، وقال عبيد بن الأبرص: # والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "السفر قطعة من العذاب". فإذا كان اسم ~~العذاب لا يختص بنوع من الإيلام دون غيره، ومعلوم أنه لم يرد به جميع سائر ~~ضروب العذاب عليه، لم يخل اللفظ من أحد معنيين: إما أن يريد به الجنس فيكون ~~على أدنى ما يسمى عذابا، أي ضرب منه كان، أو مجملا مفتقرا إلى البيان; إذ ~~غير جائز أن يكون المراد معهودا لأن المعهود هو ما تقدم ذكره في ms2553 الخطاب ~~فيرجع الكلام إليه; إذ كان معناه متقررا عند المخاطبين وأن المراد عوده ~~إليه، فلما لم يكن في ذكر قذف الزوج وإيجاب اللعان ما يوجب استحقاق الحد ~~على المرأة لم يجز أن يكون هو المراد بالعذاب، وإذا كان ذلك كذلك وكانت ~~الأيمان قد تكون حقا للمدعي حتى يحبس من أجل النكول عنها وهي القسامة متى ~~نكلوا عن الأيمان فيها حبسوا، كذلك حبس الناكل عن اللعان أولى من إيجاب ~~الحد عليه; لأنه ليس في الأصول إيجاب الحد بالنكول وفيها إيجاب الحبس به. ~~وأيضا فإن النكول ينقسم إلى أحد معنيين: إما بدل لما استحلف عليه، وإما ~~قائم مقام الإقرار; وبدل الحدود لا يصح وما قام مقام الغير لا يجوز إيجاب ~~الحد به، كالشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء مع ~~الرجال وأيضا فإن النكول لما لم يكن صريح الإقرار لم يجز إثبات الحد به، ~~كالتعريض وكاللفظ المحتمل للزنا ولغيره فلا يجب به الحد على المقر ولا على ~~القاذف. # فإن قيل: في حديث ابن عباس وغيره في قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما لاعن بينهما وعظ المرأة وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون ~~من عذاب الآخرة وكذلك الرجل، ومعلوم أنه أراد بعذاب الدنيا حد الزنا أو ~~القذف قيل له: هذا غلط; لأنه لا يخلو من أن يكون مراده بعذاب الدنيا الحبس ~~أو الحد إذا أقر، فإن كان المراد الحبس فهو عند النكول، وإن أراد الحد فهو ~~عند إقرارها بما يوجب الحد وإكذاب الزوج لنفسه، فلا دلالة له فيه على أن ~~النكول يوجب الحد دون الحبس. # فإن قيل: إنما يجب عليها الحد بالنكول وأيمان الزوج، وكذلك يجب عليه ~~بنكوله وأيمان المرأة. قيل له: النكول والأيمان لا يجوز أن يستحق به الحد، ~~ألا ترى أن من ادعى على رجل قذفا أنه لا يستحلف ولا يستحق المدعي الحد ~~بنكول المدعى عليه # PageV03P385 # ولا بيمينه؟ وكذلك سائر الحدود، ولا يستحلف فيها ولا يحكم فيها بالنكول ~~ولا برد اليمين. # PageV03P386 # باب تصادق الزوجين ms2554 أن الولد ليس منه # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا ينفى الولد منه إلا ~~باللعان". وقال أصحابنا: "تصديقها إياه بأن ولدها من الزنا يبطل اللعان فلا ~~ينتفي النسب منه أبدا" وقال مالك والليث: "إذا تصادق الزوجان على أنها ~~ولدته وأنه ليس منه لم يلزمه الولد وتحد المرأة" وذكر ابن القاسم عن مالك ~~قال: "لو شهد أربعة على امرأة أنها زنت منذ أربعة أشهر وهي حامل وقد غاب ~~زوجها منذ أربعة أشهر فأخرها الإمام حتى وضعت ثم رجمها فقدم زوجها بعدما ~~رجمت فانتفى من ولده وقال قد كنت استبرأتها فإنه يلتعن وينتفي به الولد عن ~~نفسه ولا ينفيه ههنا إلا اللعان". # قال أبو بكر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر" وظاهره يقتضي أن لا ينتفي أبدا عن صاحب الفراش، غير أنه لما وردت ~~السنة في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب باللعان واستعمل ذلك فقهاء ~~الأمصار سلمنا ذلك، وما عدا ذلك مما لم ترد به سنة فهو لازم للزوج بظاهر ~~قوله: "الولد للفراش". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~موسى بن إسماعيل قال: حدثنا مهدي بن ميمون أبو يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب عن رباح ~~قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها فولدت لي غلاما أسود مثلي ~~فسميته عبد الله ثم طبن لها غلام من أهلي رومي يقال له يوحنا، فراطنها ~~بلسانه، فولدت غلاما كان وزغة من الوزغات فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ~~ليوحنه، فرفعنا إلى عثمان، قال: فسألهما فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن ~~أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى أن الولد للفراش، فجلدها وجلده وكانا مملوكين. # PageV03P386 # باب الفرقة باللعان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان ~~حتى يفرق الحاكم". وقال مالك وزفر بن ms2555 الهذيل والليث: "إذا فرغا من اللعان ~~وقعت الفرقة وإن لم يفرق بينهما الحاكم". وعن الثوري والأوزاعي: "لا تقع ~~الفرقة بلعان الزوج وحده". وقال عثمان البتي: "لا أرى ملاعنة الزوج امرأته ~~تنقص شيئا، وأحب إلي أن # PageV03P386 # يطلق". وقال الشافعي: "إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش ~~امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن". # قال أبو بكر: أما قول عثمان البتي في أنه لا يفرق بينهما فإنه قول تفرد ~~به ولا نعلم أحدا قال به غيره، وكذلك قول الشافعي في إيقاعه الفرقة بلعان ~~الزوج خارج عن أقاويل سائر الفقهاء وليس له فيه سلف. # والدليل على أن فرقة اللعان لا تقع إلا بتفريق الحاكم ما حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن ~~سعد الساعدي أخبره: أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه أم كيف ~~يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك ~~قرآنا فاذهب فأت بها! " قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما فرغنا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ~~فهي طالق ثلاثا; فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم} ; قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. وفي هذا الخبر دلالة على أن ~~اللعان لم يوجب الفرقة لقوله: "كذبت عليها إن أمسكتها" وذلك لأن فيه إخبارا ~~منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح; إذ لو كانت ~~الفرقة قد وقعت قبل ذلك لاستحال قوله: "كذبت عليها إن أمسكتها" وهو غير ~~ممسك لها، فلما أخبر بعد اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممسك ~~لها ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن الفرقة لم تقع بنفس ~~اللعان; إذ غير جائز أن يقار النبي صلى الله عليه ms2556 وسلم أحدا على الكذب ولا ~~على استباحة نكاح قد بطل، فثبت أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان. ويدل عليه ~~أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ~~قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ~~أن ابن شهاب كتب يذكر عن سهل بن سعد أنه أخبره أن عويمرا قال: يا رسول الله ~~أرأيت إن وجدت عند أهلي رجلا أأقتله؟ قال: "ائت بامرأتك فإنه قد نزل فيكما ~~فجاء بها فلاعنها، ثم قال: إني قد افتريت عليها إن لم أفارقها". فأخبر في ~~هذا الحديث أنه لم يكن فارقها باللعان وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ولما ~~طلقها ثلاثا بعد اللعان ولم ينكره صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن الطلاق ~~قد وقع موقعه; وعلى قول الشافعي أنها قد بانت منه بلعان الزوج ولا يلحقها ~~طلاقه بعد البينونة فقد خالف الخبر من هذا الوجه أيضا. وحدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب ~~عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذا الخبر ~~أعني قصة عويمر قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV03P387 # قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في ~~المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا} . فأخبر في هذا الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق العجلاني بعد اللعان. ويدل عليه أيضا ~~قول ابن شهاب: "فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما" ولو كانت ~~الفرقة واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها. ويدل عليه أيضا ما حدثنا محمد ~~بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد ووهب بن بيان وغيرهما قالوا: ~~حدثنا سفيان عن الزهري عن سهل بن ms2557 سعد قال: مسدد قال: شهدت المتلاعنين على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهما حين تلاعنا، فقال الرجل: كذبت عليها يا رسول ~~الله إن أمسكتها فأخبر في هذا الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق ~~بينهما بعد اللعان. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~أحمد بن حنبل قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال: قلت ~~لابن عمر رجل قذف امرأته؟ قال: فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي ~~بني العجلان فقال: "والله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ " يرددها ~~ثلاث مرات، فأبيا ففرق بينهما. فنص في هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما ~~بعد اللعان. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا القعنبي عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وألحق الولد بالمرأة. وهذا أيضا فيه نص على أن التفريق كان بفعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأيضا لو كانت الفرقة واقعة بلعان الزوج لبينها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما وقع بها من التحريم وتعلق بها من الأحكام، ~~فلما لم يخبر عليه السلام بوقوع الفرقة بلعان الزوج ثبت أنها لم تقع. وأيضا ~~قول الشافعي خلاف الآية; لأن الله تعالى قال: {والذين يرمون أزواجهم} ثم ~~قال: {فشهادة أحدهم} ثم قال: {ويدرأ عنها العذاب} وهو يعني الزوجة، فلو ~~وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت وهي أجنبية، وذلك خلاف ظاهر الآية لأن الله ~~تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين. وأيضا لا خلاف أن الزوج إذا قذف ~~امرأته بغير ولد بعد البينونة أو قذفها ثم أبانها أنه لا يلاعن، فلما لم ~~يجز أن يلاعن وهو أجنبي كذلك لا يجوز أن يلاعن وهي أجنبية; لأن اللعان في ~~هذه الحال إنما هو ms2558 لقطع الفراش ولا فرش بعد البينونة، فامتنع لعانها وهي ~~غير زوجة. # فإن قيل: في الأخبار التي فيها ذكر تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~المتلاعنين إنما معناه أن الفرقة وقعت باللعان، فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنها لا تحل له بقوله: "لا سبيل لك عليها" قيل له: هذا صرف للكلام عن ~~حقيقته ومعناه; لأن قوله: "لا تحل لك لا سبيل لك عليها" إن # PageV03P388 # لم تقع به فرقة فليس بتفريق من النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وإنما ~~هو إخبار بالحكم، والمخبر بالحكم لا يكون مفرقا بينهما. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المتلاعنان لا ~~يجتمعان أبدا"، وذلك إخبار منه بوقوع الفرقة; لأن النكاح لو كان باقيا إلى ~~أن يفرق لكانا مجتمعين. قيل له: هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنما روي عن عمرو وعلي قال: "يفرق بينهما ولا يجتمعان" فإنما مراده أنهما ~~إذا فرق بينهما لا يجتمعان ما داما على حال التلاعن، فينبغي أن تثبت الفرقة ~~حتى يحكم بأنهما لا يجتمعان، ولو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه ~~ما وصفنا. وأيضا يضم إليه ما قدمنا من الأخبار الدالة على بقاء النكاح بعد ~~اللعان وأن الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم، فإذا جمعنا بينهما وبين الخبر ~~تضمن أن يكون معناه: المتلاعنان لا يجتمعان بعد التفريق. ويدل على ما ذكرنا ~~أن اللعان شهادة لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم، فأشبه الشهادة التي لا يثبت ~~حكمها إلا عند الحاكم، فواجب على هذا أن لا تقع موجبة للفرقة إلا بحكم ~~الحاكم. # فإن قيل: الأيمان على الدعاوى لا يثبت بها حكم إلا عند الحاكم، ومتى ~~استحلف الحاكم رجلا برئ من الخصومة ولا يحتاج إلى استئناف حكم آخر في ~~براءته منها، وهذا يوجب انتقاض اعتلالك بما ذكرت قيل له: هذا لا يلزم على ~~ما ذكرنا وذلك لأنا قلنا إن اللعان شهادة تتعلق صحتها بالحاكم كالشهادات ~~على الحقوق، وليست الأيمان على الحقوق شهادات بذلك على ms2559 هذا أن اللعان لا ~~يصح إلا بلفظ الشهادة كالشهادات على الحقوق، وليس كذلك الاستحلاف على ~~الدعاوى. وأيضا فإن اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ببينته، ~~فلما لم يجز أن يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم الحاكم وجب حكمه في استحقاق ~~المرأة نفسها باللعان. وأما الاستحلاف على الحقوق فإنه لا يستحق به شيء ~~وإنما تقطع الخصومة في الحال ويبقى المدعى عليه على ما كان عليه من براءة ~~الذمة، فكانت فرقة اللعان بالشهادات على الحقوق أشبه منها بالاستحلاف ~~عليها. وأيضا لما كان اللعان سببا للفرقة متعلقا بحكم الحاكم أشبه تأجيل ~~العنين في كونه سببا للفرقة في تعلقه بحكم الحاكم، فلما لم تقع الفرقة بعد ~~التأجيل بمضي المدة دون تفريق الحاكم وجب مثله في فرقة اللعان لما وصفنا. ~~وأيضا لما لم يكن اللعان كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها وجب أن لا تقع به ~~الفرقة، كسائر الألفاظ التي ليست كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها. # فإن قيل: الإيلاء ليس بكناية عن الطلاق ولا صريح، وقد أوقعت به الفرقة ~~عند مضي المدة قيل له: إن الإيلاء يصلح أن يكون كناية عن الطلاق، إلا أنه ~~أضعف من # PageV03P389 # سائر الكنايات فلا تقع الفرقة فيه بنفس الإيلاء إلا بانضمام معنى آخر ~~إليه وهو ترك الجماع في المدة، ألا ترى أن قوله: "والله لا أقربك" قد يدل ~~على التحريم; إذ كان التحريم يمنع القرب؟ وأما اللعان فليس يصلح أن يكون ~~دالا على التحريم بحال لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه فلا ~~يوجب ذلك تحريما; ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها بالزنا لم يوجب ذلك ~~تحريما، وإن كان كاذبا والمرأة صادقة فذلك أبعد؟ فثبت بذلك أنه لا دلالة ~~فيه على التحريم; قال: فلذلك لم يجز وقوع الفرقة دون إحداث تفريق إما من ~~قبل الزوج أو من قبل الحاكم. وأيضا أنه لما لم يصح ابتداء اللعان إلا بحكم ~~الحاكم كان كذلك ما تعلق به من الفرقة، ولما صح ابتداء الإيلاء من غير حاكم ms2560 ~~لم يحتج في وقوع الفرقة إلى حكم الحاكم. # فإن قيل: لما اتفقنا على أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا ~~وذلك وفرق بينهما، دل ذلك على أن اللعان قد أوجب الفرقة، فواجب أن تقع ~~الفرقة فيه بنفس اللعان دون سبب آخر غيره. قيل له: هذا منتقض على أصل ~~الشافعي; لأنه يزعم أن ارتداد المرأة لا يوجب الفرقة إلا بحدوث سبب آخر وهو ~~مضي ثلاث حيض، فإذا مضت ثلاث حيض وقعت الفرقة، ولو تراضيا على البقاء على ~~النكاح لم يخليا وذلك ولم توجب الردة بنفسها الفرقة دون حدوث معنى آخر، ~~وعندنا لو تزوجت امرأة زوجا غير كفء وطالب الأولياء بالفرقة لم يعمل تراضي ~~الزوجين في تبقية النكاح ولم يوجب ذلك وقوع الفرقة بخصومة الأولياء حتى ~~يفرق الحاكم; فهذا الاستدلال فاسد على أصل الجميع. وأيضا فإنك لم ترده إلى ~~أصل، وإنما حصلت على دعوى عارية من البرهان. وأيضا جائز عندنا البقاء على ~~النكاح بعد اللعان; لأنه لو أكذب نفسه قبل الفرقة لجلد الحد ولم يفرق ~~بينهما. # فإن قيل: هو مثل الطلاق الثلاث والرضاع ونحوهما من الأسباب الموجبة ~~للفرقة بأنفسها لا يحتاج في صحة وقوعها إلى حكم الحاكم، واللعان ليس بسبب ~~موجب للفرقة بنفسه لأنه لو كان كذلك وجب أن تقع به الفرقة إذا تلاعنا عند ~~غير الحاكم، وأيضا ليس كل سبب يتعلق به فسخ يوجبه بنفسه، ومن الأسباب ما ~~يوجب ذلك بنفسه ومنها ما لا يوجبه إلا بحدوث معنى آخر، ألا ترى أن بيع نصيب ~~من الدار يوجب الشفعة للشريك ولا ينتقل إليه بنفس الطلب والخصومة دون أن ~~يحكم بها الحاكم؟ وكذلك الرد بالعيب بعد القبض وخيار الصغير إذا بلغ ونحو ~~ذلك هذه كلها أسباب يتعلق بها فسخ العقود ثم لا يقع الفسخ بوجودها حسب دون ~~حكم الحاكم به، فهو على من يوجب الفرقة باللعان دون تفريق الحاكم. وأما ~~عثمان البتي فإنه ذهب في قوله إن اللعان لا يوجب الفرقة # PageV03P390 # بحال; لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة، ولو ms2561 تلاعنا في بيتهما ~~لم يوجب فرقة، فكذلك عند الحاكم; ولأن اللعان في الأزواج قائم مقام الحد ~~على قاذف الأجنبيات، ولو حد الزوج في قذفه إياها بأن أكذب نفسه أو كان عبدا ~~لم يوجب ذلك فرقة، وكذلك إذا لاعن. وذهب في تفريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين المتلاعنين أن ذلك إنما كان في قصة العجلاني وكان طلقها ثلاثا بعد ~~اللعان، فلذلك فرق بينهما. وروى ابن شهاب أن سهل بن سعد قال: "فطلقها ~~العجلاني ثلاث تطليقات بعد فراغهما من اللعان فأنفذه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم"، وحديث ابن عمر أيضا إنما هو في قصة العجلاني. قال أبو بكر: في ~~حديث سهل بن سعد إنه قال: "فحضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعني قصة العجلاني فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان ~~أبدا"، فأخبر سهل وهو راوي هذه القصة أن السنة مضت بالتفريق وإن لم يطلق ~~الزوج; وفي حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرق بينهما. قال أبو بكر: وهلال لم يطلق امرأته، فثبت أن التفريق ~~بينهما بعد اللعان واجب. وأيضا في حديث ابن عمر وغيره في قصة العجلاني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرق بينهما ثم طلقها هو ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفيه أنه قال: "لا سبيل لك عليها". # PageV03P391 # باب نكاح الملاعن للملاعنة # قال أبو حنيفة ومحمد: "إذا أكذب الملاعن نفسه وجلد الحد أو جلد حد القذف ~~في غير ذلك وصارت المرأة بحال لا يجب بينها وبين زوجها إذا قذفها لعان، فله ~~أن يتزوجها"; وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي وسعيد بن ~~جبير. وقال أبو يوسف والشافعي: "لا يجتمعان أبدا"; وروي عن علي وعمر وابن ~~مسعود مثل ذلك. وهذا محمول عندنا على أنهما لا يجتمعان ما داما على حال ~~التلاعن. وروي عن سعيد بن جبير: "أن فرقة ms2562 اللعان لا تبينها منه، وأنه إذا ~~أكذب نفسه في العدة ردت إليه امرأته"; وهو قول شاذ لم يقل به أحد غيره، وقد ~~مضت السنة ببطلانه حين فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين، ~~والفرقة لا تكون إلا مع البينونة. ويحتج للقول الأول بعموم الآي المبيحة ~~لعقود المناكحات، نحو قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وقوله: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~[النور: 32] . ومن جهة النظر أنا قد بينا أن هذه الفرقة متعلقة بحكم ~~الحاكم، وكل فرقة تعلقت بحكم الحاكم فإنها لا توجب تحريما مؤبدا، والدليل ~~على ذلك أن سائر الفرق التي تتعلق بحكم الحاكم لا يوجب تحريما مؤبدا مثل ~~فرقة العنين وخيار الصغيرين # PageV03P391 # وفرقة الإيلاء عند مخالفنا، وكذلك سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم في ~~الأصول هذه سبيلها. # فإن قيل: سائر الفرق التي ذكرت لا يمنع التزويج في الحال وإن تعلقت بحكم ~~الحاكم، وهذه الفرقة تحظر تزويجها في الحال عند الجميع، فكما جاز أن يفارق ~~سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم من هذا الوجه جاز أن يخالفها في إيجابها ~~التحريم مؤبدا. قيل له: من الفرق المتعلقة بحكم الحاكم ما يمنع التزويج في ~~الحال ولا توجب مع ذلك تحريما مؤبدا، مثل فرقة العنين إذا لم تكن نفي من ~~طلاقها إلا واحدة قد أوجبت تحريما حاظرا لعقد النكاح في الحال، ولم توجب. ~~مع ذلك تحريما مؤبدا; وكذلك الزوج الذمي إذا أبى الإسلام وقد أسلمت امرأته ~~ففرق الحاكم بينهما منع ذلك من نكاحها بعد الفرقة ولا توجب تحريما مؤبدا، ~~فلم يجب من حيث حظرنا تزويجها بعد الفرقة أن توجب به تحريما مؤبدا. وأيضا ~~لو كان اللعان يوجب تحريما مؤبدا لوجب أن يوجبه إذا تلاعنا عند غير الحاكم; ~~لأنا وجدنا سائر الأسباب الموجبة للتحريم المؤبد فإنها توجبه بوجودها غير ~~مفتقرة فيه إلى حاكم، مثل عقد النكاح الموجب لتحريم الأم والوطء الموجب ~~للتحريم والرضاع والنسب، كل هذه الأسباب لما تعلق بها تحريم مؤبد لم تفتقر ~~إلى كونها عند الحاكم، ms2563 فلما لم يتعلق تحريم اللعان إلا بحكم الحاكم وهو أن ~~يتلاعنا بأمره بحضرته ثبت أنه لا يوجب تحريما مؤبدا. وأيضا لو أكذب نفسه ~~قبل الفرقة بعد اللعان لجلد الحد ولم يفرق بينهما، وأبو يوسف لا يخالفنا في ~~ذلك لزوال حال التلاعن وبطلان حكمه بالحد الواقع به وجب مثله بعد الفرقة ~~لزوال المعنى الذي من أجله وجبت الفرقة وهو حكم اللعان. # فإن قيل: لو كان كذلك لوجب أنه إذا أكذب نفسه بعد الفرقة وجلد الحد أن ~~يعود النكاح وتبطل الفرقة لزوال المعنى الموجب لها، كما لا يفرق بينهما إذا ~~أكذب نفسه بعد اللعان قبل الفرقة. قيل له: لا يجب ذلك; لأنا إنما جعلنا ~~زوال حكم اللعان علة لارتفاع التحريم الذي تعلق به لا لبقاء النكاح ولا ~~لعود النكاح، فعلى أي وجه بطل لم يعد إلا بعقد مستقبل; إلا أن الفرقة قد ~~تعلق بها تحريم غير البينونة، وذلك التحريم إنما يرتفع بارتفاع حكم اللعان، ~~كما أن الطلاق الثلاث توجب البينونة وتوجب أيضا مع ذلك تحريما لا يزول إلا ~~بزوج ثان يدخل بها، فإذا دخل بها الزوج الثاني ارتفع التحريم الذي أوجبه ~~الطلاق الثلاث ولم يعد نكاح الزوج الأول إلا بعد فراق الزوج الثاني وانقضاء ~~العدة وإيقاع عقد مستقبل. ودليل آخر، وهو أن التحريم الواقع بالفرقة لما ~~كان متعلقا بحكم اللعان وجب أن يرتفع بزوال حكمه، والدليل على ارتفاع حكم ~~اللعان إذا أكذب نفسه # PageV03P392 # وجلد الحد أنه معلوم أن اللعان حد على ما بينا فيما سلف وبمنزلة الجلد في ~~قاذف الأجنبيات، وممتنع أن يجتمع عليه حدان في قذف واحد، فإيقاع الجلد لذلك ~~القذف مخرج للعان من أن يكون حدا ومزيل لحكمه في إيجاب التحريم لزوال السبب ~~الموجب له. # فإن قيل: فهذا الذي ذكرت يبطل حكم اللعان لامتناع اجتماع الحدين عليه ~~بقذف واحد، فواجب إذا جلد الزوج حدا في قذفه لغيرها أن لا يبطل حكم اللعان ~~فيما بينهما فلا يتزوج بها قيل له: إذا صار محدودا في قذف فقد خرج من أن ~~يكون من ms2564 أهل اللعان، ألا ترى أنه لو قذف امرأة له أخرى لم يلاعن وكان عليه ~~الحد عندنا؟ فالعلة التي ذكرنا في إكذابه نفسه فيما لاعن عليه امرأته وإن ~~كانت غير موجودة في هذه فجائز قياسها عليها بمعنى آخر وهو خروجه من أن يكون ~~من أهل اللعان. # فإن احتجوا بما روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد في قصة ~~المتلاعنين، قال الزهري: "فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا ~~يجتمعان أبدا"، وبما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري ~~وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذه القصة قال: "فطلقها ثلاث تطليقات ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم" ~~وكان ما صنع عند النبي صلى الله عليه وسلم وقال سهل: "حضرت هذا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم ~~لا يجتمعان أبدا" وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~سبيل لك عليها"، فإنها لو كانت تحل له بحال لبين كما بين الله تعالى حكم ~~المطلقة ثلاثا في إباحتها بعد زوج غيره قيل له: أما حديث الزهري الأول فإنه ~~قول الزهري، وقوله: "مضت السنة" ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سنها ~~ولا أنه حكم بها، وأما قول سهل بن سعد: "فمضت السنة من بعد في المتلاعنين ~~أنهما لا يجتمعان أبدا" ليس فيه أيضا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت ~~بذلك; والسنة قد تكون من النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكون من غيره، فلا ~~حجة في هذا. وأيضا فإنه قال في المتلاعنين، وهذا يصفه حكم يتعلق به وهو ~~بقاؤهما على حكم التلاعن وكونهما من أهل اللعان، فمتى زالت الصفة بخروجهما ~~من أن يكونا من أهل اللعان زال الحكم، كقوله تعالى {ما على المحسنين من ms2565 ~~سبيل} [التوبة: 91] وقوله {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] ونحو ذلك ~~من الأحكام المعلقة بالصفات، ومتى زالت الصفة زال الحكم. # فإن قيل: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المتلاعنان لا ~~يجتمعان أبدا" قيل له: ما نعلم أحدا روى ذلك بهذا اللفظ، وإنما روي ما ~~ذكرنا في حديث سهل بن سعد وهو أصل # PageV03P393 # الحديث. فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوي من حديث سهل وظن أن هذه ~~العبارة مبينة عما في حديث سهل، ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يفد نفي النكاح بعد زوال حكم اللعان على النحو الذي بينا، وأما قوله "لا ~~سبيل لك عليها" فإنه لا يفيد تحريم النكاح وإنما هو إخبار بوقوع الفرقة ~~لأنه لا يصح إطلاق القول بأنه لا سبيل لأحد على الأجنبيات ولا يفيد ذلك ~~تحريم العقد. # فإن قيل: قوله "لا سبيل لك عليها" ينفي جواز العقد; إذ كان جوازه يوجب أن ~~يكون له عليها سبيل. قيل له: ليس كذلك لأنا قد نقول لا سبيل لك على ~~الأجنبية ولا نريد به أنه لا يجوز له تزويجها فيصير لك عليها سبيل ~~بالتزويج. وإنما نريد أنه لا يملك بضعها في الحال، فإذا تزوجها فإنما صار ~~له عليها سبيل برضاها وعقدها، ألا ترى أن قوله: {ما على المحسنين من سبيل} ~~[التوبة: 91] لم يمنع أن يصير عليهم سبيل في العقود المقتضية لإثبات الحقوق ~~والسبيل عليه برضاه؟ فكذلك قوله "لا سبيل لك عليها" إنما أفاد أنه "لا سبيل ~~لك عليها" إلا برضاها. # PageV03P394 # فصل # قال أبو بكر: واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان، وقد ~~ذكرنا حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب ~~باللعان نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكي عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ~~ينتفي نسبه باللعان، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" والذي ~~قال: "الولد للفراش" هو الذي حكم بقطع النسب من الزوج باللعان، وليست ~~الأخبار المروية في ms2566 ذلك بدون ما روي أن الولد للفراش، فثبت أن معنى قوله: ~~"الولد للفراش" أنه لم ينتف باللعان. وأيضا فلما بطل ما كان أهل الجاهلية ~~عليه من استلحاق النسب بالزنا، كما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عنبسة بن خالد قال: حدثني يونس بن يزيد ~~قال: قال محمد بن مسلم بن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله ~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على ~~أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته ~~فيصدقها ثم ينكحها; ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته: "إذا طهرت من طمثها ~~أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه" ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين ~~حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، ~~وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع; ~~ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم # PageV03P394 # يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم ~~يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: "قد عرفتم الذي كان ~~من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان" فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ~~ولدها ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من ~~جاءها، وهن البغايا كن ينصبن رايات على أبوابهن يكن علما، فمن أرادهن دخل ~~عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها ~~بالذي يرون فالتاطه ودعا ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله النبي محمدا ~~صلى الله عليه وسلم هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم. ~~فمعنى قوله عليه السلام: "الولد للفراش" أن الأنساب قد كانت تلحق بالنطف في ~~الجاهلية بغير فراش، فألحقها النبي صلى الله عليه وسلم بالفراش; وكذلك ما ~~روي في قصة زمعة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms2567 "الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر" فلم يلحقه بالزاني، وقال: هو للفراش، إخبارا منه أنه لا ولد للزاني ~~ورده إلى عبد; إذ كان ابن أمة أبيه، ثم قال لسودة: "احتجبي منه" إذ كان ~~سببها بالمدعى له; لأنه في ظاهره من ماء أخي سعد وهذا يدل على أنه لم يقض ~~في نسبه بشيء، ولو كان قضى بالنسب لما أمرها بالاحتجاب بل كان أمرها بصلته ~~ونهاها عن الاحتجاب عنه كما نهى عائشة عن الاحتجاب عن عمها من الرضاعة وهو ~~أفلح أخو أبي القعيس. ويدل على أنه لم يقض في نسبه بشيء ما رواه سفيان ~~الثوري وجرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير ~~قال: كانت لزمعة جارية تبطنها وكانت تظن برجل آخر، فمات زمعة وهي حبلى، ~~فولدت غلاما كان يشبه الرجل الذي يظن بها، فذكرته سودة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "أما الميراث له وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ" ~~فصرح في هذا الخبر بنفي نسبه من زمعة وأعطاه الميراث بإقرار عبد أنه أخوه. ~~وقد روي هذا الحديث على غير هذا الوجه، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن منصور ومسدد بن مسرهد قالا: حدثنا سفيان عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة ~~إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابنه، وقال عبد بن ~~زمعة: أخي ابن أمة أبي ولد على فراش أبي; فرأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شبها بينا بعتبة فقال: "الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة" زاد مسدد: ~~فقال: "هو أخوك يا عبد". قال أبو بكر الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، ~~والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحدا وافقه عليها، وقد روي في بعض ~~الألفاظ أنه قال: "هو لك يا عبد"، ولا يدل ذلك على ms2568 أنه أثبت النسب; لأنه ~~جائز أن يريد به إثبات اليد له; إذ كان من يستحق يدا في شيء جاز أن يضاف ~~إليه فيقال هو له، وقد قال عبد الله بن رواحة لليهود حين خرص عليهم تمر ~~خيبر: "إن شئتم فلكم وإن # PageV03P395 # شئتم فلي" ولم يرد به الملك; ومعلوم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يرد بقوله: "هو لك يا عبد" إثبات الملك. فادعى خصمنا أنه أراد إثبات النسب، ~~وذلك لا يوجب إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه; لأن قوله: "هو لك" ~~إضافة الملك والأخ ليس بملك، فإذ لم يرد به الحقيقة فليس حمله على إثبات ~~النسب بأولى من حمله على إثبات اليد ويحتمل لو صحت الرواية أنه قال: "هو ~~أخوك" يريد به أخوة الدين وأنه ليس بعبد لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون ~~أصل الحديث ما ذكر بعض الرواة أنه قال: "هو لك" وظن الراوي أن معناه أنه ~~أخوه في النسب، فحمله على المعنى عنده في خبر سفيان وجرير الذي يرويه عبد ~~الله بن الزبير أنه قال: "ليس لك بأخ" وهذا لا احتمال فيه، فوجب حمل خبر ~~الزهري الذي روينا على الوجوه التي ذكرنا. # قال أبو بكر: وقوله: "الولد للفراش" قد اقتضى معنيين: أحدهما: إثبات ~~النسب لصاحب الفراش، والثاني: أن من لا فراش له فلا نسب له; لأن قوله: ~~"الولد" اسم للجنس، وكذلك قوله: "الفراش" للجنس، لدخول الألف واللام عليه، ~~فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر، فكأنه قال: لا ولد إلا للفراش. # وفيما حكم الله تعالى به من آية اللعان دلالة على أن الزنا والقذف ليسا ~~بكفر من فاعلهما; لأنهما لو كانا كفرا لوجب أن يكون أحد الزوجين مرتدا; ~~لأنه إن كان الزوج كاذبا في قذفها فواجب أن يكون كافرا، وإن كان صادقا ~~فواجب أن تكون المرأة كافرة بزناها، وكان يجب أن تبين منه امرأته قبل ~~اللعان، فلما حكم الله تعالى فيهما باللعان ولم يحكم ببينونتها منه قبل ~~اللعان ثبت أن الزنا والقذف ليسا بكفر ms2569 ودل على بطلان مذهب الخوارج في قولهم ~~إن ذلك كفر. وتدل الآية أيضا على أن القاذف مستحق للعن من الله تعالى إذا ~~كان في قذفه كاذبا، وأن الزنا يستحق به الغضب من الله لولا ذلك لما جاز أن ~~يأمرهما الله بذلك; إذ غير جائز أن يؤمرا بأن يدعوا على أنفسهما بما لا ~~يستحقانه، ألا ترى أنه لا يجوز أن يدعو على نفسه بأن يظلمه الله ويعاقبه ~~بما لا يستحقه؟. # وقوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم} نزلت في الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها فأخبر الله أن ذلك كذب، ~~والإفك هو الكذب ونال النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وجماعة من ~~المسلمين غم شديد وأذى وحزن، فصبروا على ذلك فكان ذلك خيرا لهم، ولم يكن ~~صبرهم واغتمامهم بذلك شرا لهم بل كان خيرا لهم لما نالوا به من الثواب ولما ~~لحقهم أيضا من السرور ببيان الله براءة عائشة وطهارتها ولما عرفوا من الحكم ~~في القاذف. # PageV03P396 # وقوله تعالى: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الأثم} يعني والله أعلم عقاب ما ~~اكتسب من الإثم على قدر ما اكتسبه. # وقوله تعالى: {والذي تولى كبره} ، روي أنه عبد الله بن أبي ابن السلول ~~وكان منافقا، وكبره هو عظمه وإن عظم ما كان فيه; لأنهم كانوا يجتمعون عنده ~~وبرأيه وأمره كانوا يشيعون ذلك ويظهرونه، وكان هو يقصد بذلك أذى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأذى أبي بكر والطعن عليهما. # قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا ~~هذا إفك مبين} هو أمر للمؤمنين بأن يظنوا خيرا بمن كان ظاهره العدالة ~~وبراءة الساحة وأن لا يقضوا عليهم بالظن وذلك لأن الذين قذفوا عائشة لم ~~يخبروا عن معاينة وإنما قذفوها. تظننا وحسبانا لما رأوها متخلفة عن الجيش ~~قد ركبت جمل صفوان بن المعطل يقوده. وهذا يدل على أن الواجب لمن كان ظاهره ~~العدالة أن يظن به خيرا ولا يظن به شرا، وهو يوجب ms2570 أن يكون أمور المسلمين في ~~عقودهم وأفعالهم وسائر تصرفهم محمولة على الصحة والجواز وأنه غير جائز ~~حملها على الفساد وعلى ما لا يجوز فعله بالظن والحسبان; ولذلك قال أصحابنا ~~فيمن وجد مع امرأة أجنبية رجلا فاعترفا بالتزويج: إنه لا يجوز تكذيبهما بل ~~يجب تصديقهما; وزعم مالك بن أنس أنه يحدهما إن لم يقيما بينة على النكاح. ~~ومن ذلك أيضا ما قال أصحابنا فيمن باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين: إنا ~~نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز ~~فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما، وكذلك إذا باعه سيفا محلى فيه ~~مائة درهم بمائتي درهم أنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف، فنحمل ~~أمرهما على أنهما تعاقدا عقدا جائزا ولا نحمله على الفساد وما لا يجوز. ~~وهذا يدل أيضا على صحة قول أبي حنيفة في أن المسلمين عدول ما لم تظهر منهم ~~ريبة; لأنا إذا كنا مأمورين بحسن الظن بالمسلمين وتكذيب من قذفهم على جهة ~~الظن والتخمين بما يسقط العدالة فقد أمرنا بموالاتهم والحكم لهم بالعدالة ~~بظاهر حالهم، وذلك يوجب الروية وقبول الشهادة ما لم تظهر منهم ريبة توجب ~~التوقف عنها أو ردها; وقال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: ~~36] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث". # وقوله: {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} فإنه يحتمل معنيين: أحدهما: ~~أن يظن بعضهم ببعض خيرا، كقوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} ~~[النور: 61] والمعنى: فليسلم بعضكم على بعض، وكقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} ~~[النساء: 29] يعني: لا يقتل بعضكم بعضا. والثاني: أنه جعل المؤمنين كلهم ~~كالنفس الواحدة فيما # PageV03P397 # يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه قد جرى على ~~جميعهم، كما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن ~~دوست قال: حدثنا جعفر بن حميد قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور قال: حدثنا عبد ~~الملك بن عمير عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2571 قال: ~~"مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم كمثل الجسد إذا ~~وجع بعضه وجع كله بالسهر والحمى". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبد الله ~~بن محمد بن ناجية قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال: حدثنا عبد ~~الله بن ناصح قال: حدثنا أبو مسلم عبد الله بن سعيد عن مالك بن مغول عن أبي ~~بردة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون للمؤمنين كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا". # وقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون} . قد أبانت هذه الآية عن معنيين: أحدهما: أن ~~الحد واجب على القاذف ما لم يأت بأربعة شهداء، والثاني: أنه لا يقبل في ~~إثبات الزنا أقل من أربعة شهداء. قوله: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون} قال أبو بكر: قد حوى ذلك معنيين، أحدهما: أنهم متى لم ~~يقيموا أربعة من الشهداء فهم محكومون بكذبهم عند الله في إيجاب الحد عليهم، ~~فيكون معناه: فأولئك في حكم الله هم الكاذبون; فيقتضي ذلك الأمر بالحكم ~~بكذبهم، فإن كان جائزا أن يكونوا صادقين في المغيب عند الله، وذلك جائز ~~سائغ، كما قد تعبدنا بأن نحكم لمن ظهر منه عمل الخيرات وتجنب السيئات ~~بالعدالة وإن كان جائزا أن يكون فاسقا في المغيب عند الله تعالى. والوجه ~~الثاني: أن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها وفي قذفتها، فأخبر ~~بقوله: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} بمغيب خبرهم وأنه كذب في الحقيقة لم ~~يرجعوا فيه إلى صحة، فمن جوز صدق هؤلاء فهو راد لخبر الله. # قوله تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} . ~~قرئ: "تلقونه" بالتشديد. قال مجاهد: "يرويه بعضهم عن بعض ليشيعه". وعن ~~عائشة: "تلقونه" من ولق الكذب، وهو الاستمرار عليه; ومنه: ولق فلان في ~~السير إذا استمر عليه. فذمهم تعالى على الإقدام على القول بما لا علم لهم ~~به، وذلك قوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} ms2572 وهو نحو قوله: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} ~~[الإسراء:36] فأخبر أن ذلك وإن كان يقينا في ظنهم وحسبانهم فهو عظيم الإثم ~~عنده ليرتدعوا عن مثله عند علمهم بموقع المأثم فيه، ثم قال: {ولولا إذ ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا # PageV03P398 # بهتان عظيم} تعليما لنا بما نقوله عند سماع مثله فيمن كان ظاهر حاله ~~العدالة وبراءة الساحة. # قوله تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} أي: تنزيها لك من أن نغضبك بسماع ~~مثل هذا القول في تصديق قائله، وهو كذب وبهتان في ظاهر الحكم. # وقوله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} ; فإنه تعالى يعظنا ~~ويزجرنا بهذه الزواجر وعقاب الدنيا بالحد مع ما نستحق من عقاب الآخرة لئلا ~~نعود إلى مثل هذا الفعل أبدا {إن كنتم مؤمنين} بالله مصدقين لرسوله. # قوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا} . أبان ~~الله بهذه الآية وجوب حسن الاعتقاد في المؤمنين ومحبة الخير والصلاح لهم، ~~فأخبر فيها بوعيد من أحب إظهار الفاحشة والقذف والقول القبيح للمؤمنين وجعل ~~ذلك من الكبائر التي يستحق عليها العقاب، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب ~~للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضر بهم. وروى عبد الله بن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤمن من سلم المسلمون من لسانه ويده ~~والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، وقال: "ليس بمؤمن من لا يأمن جاره ~~بوائقه". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال: حدثنا ~~سهل بن عثمان قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد ~~الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن يزحزح عن النار ~~ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~ويحب أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتوا إليه". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا إبراهيم بن ms2573 هاشم قال: حدثنا هدبة قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة ~~عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ~~ما يحب لنفسه من الخير". # قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى} . ~~روي عن ابن عباس وعائشة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويتيمين ~~كانا في حجره ينفق عليهما، أحدهما مسطح بن أثاثة، وكانا ممن خاضا في أمر ~~عائشة، فلما نزلت براءتها حلف أبو بكر أن لا ينفعهما بنفع أبدا، فلما نزلت ~~هذه الآية عاد له وقال: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، والله لا ~~أنزعها عنهما أبدا وكان مسطح بن خالة أبي بكر مسكينا ومهاجرا من مكة إلى ~~المدينة من البدريين. وفي هذا دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير; وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر ~~عن يمينه". ومن الناس من يقول إنه يأتي الذي هو خير وذلك كفارته، وقد روي ~~أيضا في # PageV03P399 # حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتج من يقول ذلك بظاهر هذه الآية ~~وأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. وليس فيما ذكروا ~~دلالة على سقوط الكفارة; لأن الله قد بين إيجاب الكفارة في قوله: {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} [المائدة: 89] وقوله: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] وذلك عموم فيمن حنث فيما هو خير وفي ~~غيره. وقال الله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها: {وخذ ~~بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] وقد علمنا أن الحنث كان خيرا من تركه ~~وأمره الله تعالى بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر ~~بضربها بل كان يحنث بلا كفارة. وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ms2574 "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وذلك ~~كفارته". فإن معناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة في الكتاب وذلك لأنه ~~منهي عن أن يحلف على ترك طاعة الله، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث ~~والتوبة وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي اقترفه بالحلف. # قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} . روي عن ابن عباس ~~والحسن ومجاهد والضحاك قالوا: "الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال". ~~وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: "الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال"، ~~وهو قريب من الأول، وهو نحو قوله: {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] . ~~وقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، على نحو قوله: {الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على ~~المؤمنين} وأن ذلك منسوخ بما ثبت في موضعه. # PageV03P400 # باب الاستئذان # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة ~~قالوا: "الاستئناس الاستئذان" فيكون معناه: حتى تستأنسوا بالإذن. وروى شعبة ~~عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف: {حتى ~~تستأنسوا} وقال "غلط الكاتب". وروى القاسم بن نافع عن مجاهد: {حتى ~~تستأنسوا} قال: "هو التنحنح والتنخع". وفي نسق التلاوة ما دل على أنه أراد ~~الاستئذان، وهو قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم} . والاستئناس قد يكون للحديث كقوله تعالى: {ولا مستأنسين ~~لحديث} [الأحزاب: 53] وكما روي عن عمر في حديثه الذي ذكر فيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انفرد في مشربة له حين هجر نساءه، فاستأذنت عليه # PageV03P400 # فقال الآذن: قد سمع كلامك، ثم أذن له; فذكر أشياء وفيه قال: فقلت: أستأنس ~~يا رسول الله؟ قال: "نعم". وإنما أراد به الاستئناس للحديث، وذلك كان بعد ~~الدخول. والاستئناس المذكور في قوله: {حتى تستأنسوا} لا يجوز أن يكون ~~المراد به الحديث; لأنه لا يصل إلى ms2575 الحديث إلا بعد الإذن، وإنما المراد ~~الاستئذان للدخول، وإنما سمي الاستئذان استئناسا لأنهم إذا استأذنوا أو ~~سلموا أنس أهل البيوت بذلك، ولو دخلوا عليهم بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم. ~~وأمر مع الاستئذان بالسلام; إذ هو من سنة المسلمين التي أمروا بها، ولأن ~~السلام أمان منه لهم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد ~~والضغينة; حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يوسف بن يعقوب قال: حدثنا ~~محمد بن أبي بكر قال: حدثنا صفوان بن عيسى قال: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن ~~بن أبي رئاب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لما خلق الله آدم فنفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله، فحمد الله بإذن ~~الله، فقال له ربه: رحمك ربك آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ملأ منهم جلوس ~~فقل السلام عليكم فقال سلام عليكم ورحمة الله; ثم رجع إلى ربه فقال: هذه ~~تحيتك وتحية ذريتك بينهم". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا علي بن ~~إسحاق بن رائطة قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن نصر بن حاجب ~~قال: حدثنا هلال بن حماد عن زاذان عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "حق المسلم على المسلم ست: يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه وينصح ~~له بالغيب ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات". وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: حدثنا أبو غسان النهدي ~~قال: حدثنا زهير قال: حدثنا الأعمش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون ~~حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا محمد بن حميد ~~قال: حدثنا محمد بن معلى قال: حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى القتات عن ~~مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى ms2576 الله عليه وسلم قال: "إن سركم أن يخرج الغل ~~من صدوركم فأفشوا السلام بينكم". # PageV03P401 # في عدد الاستئذان وكيفيته # روى دهيم بن قران عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن عثمان عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث: فالأولى ~~يستنصتون، والثانية يستصلحون، والثالثة يأذنون أو يردون". وروى يونس بن ~~عبيد عن الوليد بن مسلم عن جندب قال: # PageV03P401 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم ~~يؤذن له فليرجع". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن عبدة قال أخبرنا سفيان عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد ~~الخدري قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، ~~فقلنا له: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم ~~يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم ~~يؤذن لي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم ~~يؤذن له فليرجع" قال: لتأتين على هذا بالبينة قال: فقال أبو سعيد: لا يقوم ~~معك إلا أصغر القوم، قال: فقام أبو سعيد معه فشهد له. وفي بعض الأخبار أن ~~عمر قال لأبي موسى: "إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شديد"، وفي بعضها: "ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم". # قال أبو بكر: إنما لم يقبل عمر خبره حتى استفاض عنده لأن أمر الاستئذان ~~مما بالناس إليه حاجة عامة، فاستنكر أن تكون سنة الاستئذان ثلاثا مع عموم ~~الحاجة إليها ثم لا ينقلها إلا الأفراد; وهذا أصل في أن ما بالناس إليه ~~حاجة عامة لا يقبل فيه إلا خبر الاستفاضة. # وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هارون بن عبد الله ~~قال: حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن ~~سعد ms2577 قال وقف رجل على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام مستقبل ~~الباب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هكذا عنك أو هكذا فإنما جعل ~~الاستئذان من النظر". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~ابن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن ~~أبي سفيان أن عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره عن كلدة: أن صفوان بن أمية ~~بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى ~~الله عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم، فقال: "ارجع فقل السلام عليكم" ~~وذاك بعدما أسلم صفوان. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال: حدثنا ~~رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: ~~ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان ~~فقل له: قل السلام عليكم أأدخل فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل"؟ ~~فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا مؤمل بن فضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية قال: ~~حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أتى باب قوم لا يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه # PageV03P402 # الأيمن أو الأيسر فيقول: "السلام عليكم" وذلك أن الدور لم تكن يومئذ ~~عليها ستور. # قال أبو بكر: ظاهر قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} ~~يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال ~~مجاهد: "الاستئناس التنحنح والتنخع" فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله; ~~وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن، إلا أنه معلوم أنه قد ~~أريد به الإذن في الدخول فحذفه لعلم المخاطبين بالمراد. وقد حدثنا محمد ms2578 بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن ~~حبيب وهشام عن محمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رسول ~~الرجل إلى الرجل إذنه". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~حسين بن معاذ قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي رافع ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى ~~طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن". فدل هذا الخبر على معنيين: أحدهما: ~~أن الإذن محذوف من قوله: {حتى تستأنسوا} وهو مراد به، والثاني: أن الدعاء ~~إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذان ثان. وهو يدل أيضا على أن ~~من قد جرت العادة له بإباحة الدخول أنه غير محتاج إلى الاستئذان. # فإن قيل: قد روى أبو نعيم عن عمر بن زر عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: ~~والله إني كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، إني كنت لأشد الحجر على ~~بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر ~~فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل، فمر بي عمر ~~ففعلت مثل ذلك فمر ولم يفعل، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم حين ~~رآني وعرف ما في نفسي ثم قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله قال: ~~"الحق! " ومضى واتبعته، فدخل واستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجدت لبنا في قدح ~~فقال: "من أين هذا؟ " قالوا: أهدى لك فلان أو فلانة، قال: "يا أبا هر" قلت: ~~لبيك يا رسول الله قال: "الحق أهل الصفة فادعهم لي" قال: وأهل الصفة أضياف ~~أهل الإسلام لا يلوون على أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم لم ~~يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم فأصاب منها وأشركهم فيها; ~~فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أرجو ms2579 أن أصيب من هذا ~~شربة أتقوى بها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءوا فأمرني فكنت ~~أنا أعطيهم، فما عسى أن يبلغ من هذا اللبن؟ فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا حتى ~~استأذنوا، فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت فقال: "يا أبا هر" قلت: لبيك ~~يا رسول الله قال: "خذ فأعطهم! " فأخذت القدح فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى ~~يروى ثم # PageV03P403 # يرد علي القدح فأعطيه آخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه ~~على يده ونظر إلي فتبسم وقال: "يا أبا هر! " قلت: لبيك يا رسول الله قال: ~~"بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "فاقعد واشرب! " فشربت، فما ~~زال يقول اشرب فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال: ~~"فأرني! " فأعطيته القدح، فحمد الله وشرب الفضل. فقال فقد استأذن أهل الصفة ~~وقد جاءوا مع الرسول ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~مخالف لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن "رسول الرجل إلى ~~الرجل إذنه". قيل له: ليسا مختلفين; لأن قوله إباحة للدخول مع الرسول وليس ~~فيه كراهية الاستئذان بل هو مخير حينئذ، وإذا لم يكن مع الرسول وجب حينئذ ~~الاستئذان; والذي يدل على أن الإذن مشروط في قوله: "حتى تستأنسوا" قوله في ~~نسق التلاوة: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} فحظر ~~الدخول إلا بالإذن، فدل على أن الإذن مشروط في إباحة الدخول في الآية ~~الأولى. وأيضا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي قدمناها: ~~"إنما جعل الاستئذان من أجل النظر"، فدل على أنه لا يجوز النظر في دار أحد ~~إلا بإذنه. وقد روي في ذلك ضروب من التغليظ، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا حماد عن عبيد الله بن ~~أبي بكر عن أنس بن ms2580 مالك: أن رجلا اطلع من بعض حجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو بمشاقص، قال: فكأني ~~أنظر إلى رسول الله يختله ليطعنه. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال ~~عن كثير عن الوليد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل ~~البصر فلا إذن". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى ~~بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن سهيل عن أبيه قال: حدثنا أبو هريرة أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقئوا ~~عينه فقد هدرت عينه". # قال أبو بكر: والفقهاء على خلاف ظاهره; لأنهم يقولون إنه ضامن إذا فعل ~~ذلك، وهذا من أحاديث أبي هريرة التي ترد لمخالفتها الأصول، مثل ما روي أن ~~ولد الزنا شر الثلاثة، وأن ولد الزنا لا يدخل الجنة، ولا وضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه، ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ; هذه كلها أخبار ~~شاذة قد اتفق الفقهاء على خلاف ظواهرها. وزعم الشافعي أن من اطلع في دار ~~غيره ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش إن كان ~~مخطئا، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع # PageV03P404 # الدخول; وظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صح الحديث فمعناه ~~عندنا فيمن اطلع في دار قوم ناظرا إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت ~~عينه في حال الممانعة، فهذا هدر; وكذلك من دخل دار قوم أو أراد دخولها ~~فمانعوه فذهبت عينه أو شيء من أعضائه فهو هدر، ولا يختلف فيه حكم الداخل ~~والمطلع فيها من غير دخول. فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم تقع فيه ممانعة ~~ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته بظاهر قوله ~~تعالى: {والعين بالعين} إلى قوله: {والجروح قصاص} ms2581 [المائدة: 45] . # قوله تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} قد تضمن ~~ذلك معنيين: أحدهما: أنه لا ندخل بيوت غيرنا إلا بإذنه، والثاني: أنه إذا ~~أذن لنا جاز لنا الدخول، واقتضى ذلك جواز قبول الإذن ممن أذن صبيا كان أو ~~امرأة أو عبدا أو ذميا; إذ لم تفرق الآية بين شيء من ذلك; وهذا أصل في قبول ~~أخبار المعاملات من هؤلاء وأنه لا تعتبر فيها العدالة ولا تستوفى فيها صفات ~~الشهادة، ولذلك قبلوا أخبار هؤلاء في الهدايا والوكالات ونحوها. # PageV03P405 # باب في الاستئذان على المحارم # روى شعبة عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد قال: "سأل رجل حذيفة: أأستأذن على ~~أختي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك". وروي عن ابن عيينة عن عمرو ~~عن عطاء قال: "سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قال قلت: إنها ~~معي في البيت وأنا أنفق عليها، قال: استأذن عليها". وروى سفيان عن مخارق عن ~~طارق قال: "قال رجل لابن مسعود أأستأذن على أمي؟ قال: نعم". وروى سفيان عن ~~زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أأستأذن على أمي؟ قال: "نعم، أتحب أن تراها عريانة؟ ". وقال عمرو عن عطاء: ~~"سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي وأنا أنفق عليها؟ قال: نعم أتحب أن تراها ~~عريانة؟ إن الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ~~". فلم يؤمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث. ثم قال: {وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} ولم يفرق بين من ~~كان منهم أجنبيا أو ذا رحم محرم، إلا أن أمر ذوي المحارم أيسر لجواز النظر ~~إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء. # وقوله تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} بعد قوله: {فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم} يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره ~~عن # PageV03P405 # الوقوف على باب داره أو القعود عليه، لقوله تعالى: ms2582 {وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم} ويمتنع أن يكون المراد بذلك حظر الدخول إلا بعد ~~الإذن; لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره مصرحا به في الآية، فواجب أن يكون ~~لقوله: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} فائدة مجددة، وهو أنه متى أمره ~~بالرجوع عن باب داره فواجب عليه التنحي عنه لئلا يتأذى به صاحب الدار في ~~دخول حرمه وخروجهم وفيما ينصرف عليه أموره في داره مما لا يحب أن يطلع عليه ~~غيره. # قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} ~~. قال محمد ابن الحنفية: "هي بيوت الخانات التي تكون في الطرق وبيوت ~~الأسواق"، وعن الضحاك مثله. وقال الحسن وإبراهيم النخعي: "كانوا يأتون ~~حوانيت السوق لا يستأذنون". وقال مجاهد: "كانت بيوتا يضعون فيها أمتعتهم ~~فأمروا أن يدخلوها بغير إذن"، وروي عنه أيضا أنه قال: "هي البيوت التي ~~تنزلها السفر". وروي عن أبي عبيد المحاربي قال: "رأيت عليا أصابته السماء ~~وهو في السوق، فاستظل بخيمة فارسي فجعل الفارسي يدفعه عن خيمته وعلي يقول: ~~إنما أستظل من المطر، فجعل الفارسي يدفعه، ثم أخبر الفارسي أنه علي فضرب ~~بصدره". وقال عكرمة: {بيوتا غير مسكونة} "هي البيوت الخربة لكم فيها حاجة" ~~وقال ابن جريج عن عطاء: {فيها متاع لكم} "الخلاء والبول". وجائز أن يكون ~~المراد جميع ذلك; إذ كان الاستئذان في البيوت المسكونة لئلا يهجم على ما لا ~~يحب من العورة، ولأن العادة قد جرت في مثله بإطلاق الدخول، فصار المعتاد ~~المتعارف كالمنطوق به. والدليل على أن معنى إطلاق ذلك لجريان العادة في ~~الإذن أن أصحابنا لو منعوا الناس من دخول هذه البيوت كان لهم ذلك ولم يكن ~~لأحد أن يدخلها بغير إذن، ونظير ذلك فيما جرت العادة بإباحته وقام ذلك مقام ~~الإذن فيه ما يطرحه الناس من النوى وقمامات البيوت والخرق في الطرق أن لكل ~~أحد أن يأخذ ذلك وينتفع به. وهو أيضا يدل على صحة اعتبار أصحابنا هذا ~~المعنى في سائر ما يكون في معناه مما قد ms2583 جرت العادة به وتعارفوا أنه بمنزلة ~~النطق، كنحو قولهم فيما يلحقونه برأس المال من طعام الرقيق وكسوتهم وفي ~~حمولة المتاع أنه يلحقه برأس المال ويبيعه مرابحة، فيقول: قام علي بكذا; ~~وما لم تجر العادة به لا يلحقه برأس المال، فقامت العادة في ذلك مقام ~~النطق; وفي نحوه قول محمد فيمن أسلم إلى خياط أو قصار ثوبا ليخيطه أو يقصره ~~ولم يشرط له أجرا: "إن الأجر قد وجب له إذا كان قد نصب نفسه لذلك وقامت ~~العادة في مثله مقام النطق في أنه فعله على وجه الإجارة". وقد روى سفيان عن ~~عبد الله بن دينار قال: "كان ابن عمر يستأذن في حوانيت السوق، فذكر ذلك ~~لعكرمة # PageV03P406 # فقال: ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق؟ " وليس في; فعله ذلك دلالة على أنه ~~رأى دخولها بغير إذن محظورا، ولكنه احتاط لنفسه، وذلك مباح لكل أحد. # PageV03P407 # باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات # قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} . قال ~~أبو بكر: معقول من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه، فحذف ~~ذكر ذلك اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد; وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن ~~إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو وفر منها فلا تتبع النظرة ~~النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية". وروى الربيع بن صبيح عن الحسن عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابن آدم لك أول نظرة وإياك ~~والثانية". وروى أبو زرعة عن جرير: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. قال أبو بكر: إنما أراد صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "لك النظرة الأولى" إذا لم تكن عن قصد، فأما إذا كانت عن ~~قصد فهي والثانية سواء، وهو على ما سأل عنه جرير من نظرة الفجاءة، وهو مثل ~~قوله: {إن السمع ms2584 والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36] . # وقوله: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} هو على معنى ما نهي الرجل عنه من ~~النظر إلى ما حرم عليه النظر إليه. # وقوله تعالى: {ويحفظوا فروجهم} وقوله: {ويحفظن فروجهن} فإنه روي عن أبي ~~العالية أنه قال: كل آية في القرآن: "يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن" من ~~الزنا، إلا التي في النور: {ويحفظوا فروجهم} {ويحفظن فروجهن} أن لا ينظر ~~إليها أحد. قال أبو بكر: هذا تخصيص بلا دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون ~~المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر، وكذلك سائر الآي ~~المذكورة في غير هذا الموضع في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم ~~الدلالة على أن المراد بعض ذلك دون بعض; وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في ~~إيجاب التخصيص في النظر لما تقدم من الأمر بغض البصر، وما ذكره لا يوجب ~~ذلك; لأنه لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن ~~الزنا وغيره من الأمور المحظورة; وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا ~~محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية; إذ هما أغلظ من النظر، فلو نص الله ~~على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء واللمس كما أن قوله: ~~{فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من ~~السب والضرب. # PageV03P407 # قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} . روي عن ابن عباس ~~ومجاهد وعطاء في قوله: {إلا ما ظهر منها} قال: "ما كان في الوجه والكف، ~~الخضاب والكحل" وعن ابن عمر مثله، وكذلك عن أنس. وروي عن ابن عباس أيضا: ~~"أنها الكف والوجه والخاتم" وقالت عائشة: "الزينة الظاهرة: القلب والفتخة" ~~وقال أبو عبيدة: "الفتخة، الخاتم". وقال الحسن: "وجهها وما ظهر من ثيابها". ~~وقال سعيد بن المسيب: "وجهها مما ظهر منها". وروى أبو الأحوص عن عبد الله ~~قال: "الزينة زينتان: زينة باطنة لا يراها إلا الزوج الإكليل والسوار ~~والخاتم، وأما الظاهرة فالثياب" وقال ms2585 إبراهيم: "الزينة الظاهرة الثياب". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} إنما أراد ~~به الأجنبيين دون الزوج وذوي المحارم; لأنه قد بين في نسق التلاوة حكم ذوي ~~المحارم في ذلك. وقال أصحابنا: المراد الوجه والكفان; لأن الكحل زينة الوجه ~~والخضاب والخاتم زينة الكف، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد ~~اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين. ويدل على أن الوجه ~~والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين، فلو ~~كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة; وإذا كان كذلك جاز ~~للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة، فإن كان يشتهيها ~~إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر مثل أن يريد تزويجها أو الشهادة عليها أو ~~حاكم يريد أن يسمع إقرارها. ويدل على أنه لا يجوز له النظر إلى الوجه لشهوة ~~قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس ~~لك الآخرة"، وسأل جرير رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال: ~~"اصرف بصرك" ولم يفرق بين الوجه وغيره، فدل على أنه أراد النظرة بشهوة; ~~وإنما قال: "لك الأولى "; لأنها ضرورة: "وليس لك الآخرة" ; لأنها اختيار. ~~وإنما أباحوا النظر إلى الوجه والكفين وإن خاف أن يشتهي لما ذكرنا من ~~الأعذار للآثار الواردة في ذلك، منها: ما روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن ~~يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر ~~إليها فإن في أعين الأنصار شيئا" يعني الصغر. # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب أحدكم فقدر على أن يرى ~~منها ما يعجبه ويدعوه إليها فليفعل". وروى موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبي ~~حميد وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ~~ينظر ms2586 إليها للخطبة". وروى سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن سلمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله. وروى عاصم الأحول عن بكير بن عبد الله عن المغيرة بن ~~شعبة قال: خطبنا امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نظرت إليها؟ " ~~فقلت: لا، فقال: "انظر فإنه لأجدر أن يؤدم بينكما". فهذا # PageV03P408 # كله يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفها بشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل ~~عليه أيضا قوله: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن} [الأحزاب: 52] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن. ويدل على ~~أن النظر إلى وجهها بشهوة محظور قوله صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان ~~واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه". وقول ابن ~~مسعود في أن ما ظهر منها هو الثياب لا معنى له; لأنه معلوم أنه ذكر الزينة ~~والمراد العضو الذي عليه الزينة، ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي ~~والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها؟ ~~فعلمنا أن المراد موضع الزينة كما قال في نسق التلاوة بعد هذا: {ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن} والمراد موضع الزينة، فتأويلها على الثياب لا معنى ~~له; إذ كان ما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن ~~لابستها. # قوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} . روت صفية بنت شيبة عن عائشة ~~أنها قالت: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في ~~الدين وأن يسألن عنه; لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز مناطقهن فشققنه ~~فاختمرن به". قال أبو بكر: قد قيل: إنه أراد جيب الدروع; لأن النساء كن ~~يلبسن الدروع ولها جيب مثل جيب الدراعة فتكون المرأة مكشوفة الصدر والنحر ~~إذا لبستها، فأمرهن الله بستر ذلك الموضع بقوله: {وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن} وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز للأجنبي النظر ~~إليها منها. # قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} ms2587 الآية. قال أبو بكر: ظاهره ~~يقتضي إباحة إبداء الزينة للزوج ولمن ذكر معه من الآباء وغيرهم، ومعلوم أن ~~المراد موضع الزينة وهو الوجه واليد والذراع; لأن فيها السوار والقلب، ~~والعضد وهو موضع الدملج، والنحر والصدر موضع القلادة، والساق موضع الخلخال، ~~فاقتضى ذلك إباحة النظر للمذكورين في الآية إلى هذه المواضع وهي مواضع ~~الزينة الباطنة; لأنه خص في أول الآية إباحة الزينة الظاهرة للأجنبيين ~~وأباح للزوج وذوي المحارم النظر إلى الزينة الباطنة. وروي عن ابن مسعود ~~والزبير: "القرط والقلادة والسوار والخلخال". وروى سفيان عن منصور عن ~~إبراهيم {أو آبناء بعولتهن} قال: "ينظر إلى ما فوق الذراع من الأذن ~~والرأس". قال أبو بكر لا معنى لتخصيص الأذن والرأس بذلك; إذ لم يخصص الله ~~شيئا من مواضع الزينة دون شيء، وقد سوى في ذلك بين الزوج وبين من ذكر معه، ~~فاقتضى عمومه إباحة النظر إلى مواضع الزينة لهؤلاء المذكورين كما اقتضى ~~إباحتها للزوج. ولما ذكر الله تعالى مع الآباء ذوي المحارم الذين يحرم ~~عليهم نكاحهن تحريما مؤبدا دل ذلك # PageV03P409 # على أن من كان في التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم، مثل زوج الابنة وأم ~~المرأة والمحرمات من الرضاع ونحوهن. وروي عن سعيد بن جبير أنه سئل عن الرجل ~~ينظر إلى شعر أجنبية، فكرهه وقال: ليس في الآية. قال أبو بكر: إنه وإن لم ~~يكن في الآية فهو في معنى ما ذكر فيها من الوجه الذي ذكرنا، وهذا الذي ذكر ~~من تحريم النظر في هذه الآية إلا ما خص منه إنما هو مقصور على الحرائر دون ~~الإماء وذلك لأن الإماء لسائر الأجنبيين بمنزلة الحرائر لذوي محارمهن فيما ~~يحل النظر إليه، فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها ~~وثديها كما يجوز لذوي المحرم النظر إلى ذات محرمه; لأنه لا خلاف أن للأجنبي ~~النظر إلى شعر الأمة. وروي أن عمر كان يضرب الإماء ويقول: "اكشفن رءوسكن ~~ولا تتشبهن بالحرائر" فدل على أنهن بمنزلة ذوات المحارم. ولا خلاف أيضا أنه ~~يجوز للأمة أن تسافر بغير محرم فكان ms2588 سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر ~~حين جاز لهم السفر بهن، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو ~~زوج" فلما جاز للأمة أن تسافر بغير محرم علمنا أنها بمنزلة الحرة لذوي ~~محرمها فيما يستباح النظر إليه منها. وقوله: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج" دال على ~~اختصاص ذي المحرم باستباحة النظر منها إلى كل ما لا يحل للأجنبي، وهو ما ~~وصفنا بديا وروى منذر الثوري أن محمد بن الحنفية كان يمشط أمه، وروى أبو ~~البختري أن الحسن والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمتشط، وعن ~~ابن الزبير مثله في ذات محرم منه. وروي عن إبراهيم: أنه لا بأس أن ينظر ~~الرجل إلى شعر أمه وأخته وخالته وعمته، وكره الساقين. قال أبو بكر: لا فرق ~~بينهما في مقتضى الآية. وروى هشام عن الحسن في المرأة تضع خمارها عند أخيها ~~قال: "والله ما لها ذلك". وروى سفيان عن ليث عن طاوس: أنه كره أن ينظر إلى ~~شعر ابنته وأخته وروى جرير عن مغيرة عن الشعبي: أنه كره أن يسدد الرجل ~~النظر إلى شعر ابنته وأخته. قال أبو بكر: وهذا عندنا محمول على الحال التي ~~يخاف فيها أن تشتهى; لأنه لو حمل على الحال التي يأمن فيها الشهوة لكان ~~خلاف الآية والسنة ولكان ذو محرمها والأجنبيون سواء. والآية أيضا مخصوصة في ~~نظر الرجال دون النساء; لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة إلى ما يجز ~~للرجل أن ينظر من الرجل وهو السرة فما فوقها وما تحت الركبة، والمحظور ~~عليهن من بعضهن لبعض ما تحت السرة إلى الركبة. # وقوله تعالى: {أو نسائهن} . روي أنه أراد نساء المؤمنات. # وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} تأوله ابن عباس وأم سلمة وعائشة أن للعبد أن # PageV03P410 # ينظر إلى شعر مولاته، قالت عائشة: وإلى شعر غير مولاته; ms2589 روي أنها كانت ~~تمتشط والعبد ينظر إليها. وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن ~~المسيب: "إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته"، وهو مذهب أصحابنا، إلا أن يكون ~~ذا محرم، وتأولوا قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} على الإماء; لأن العبد والحر ~~في التحريم سواء، فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها فإن ذلك تحريم ~~عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه ولا يبيح له ذلك النظر إلى شعر ~~أختها، وكمن عنده أربع نسوة سائر النساء محرمات عليه في الحال ولا يجوز له ~~أن يستبيح النظر إلى شعورهن; فلما لم يكن تحريمها على عبدها في الحال ~~تحريما مؤبدا كان العبد بمنزلة سائر الأجنبيين وأيضا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث ~~إلا مع ذي محرم" والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم ~~يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي. # فإن قيل: هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر ملك اليمين في هذا الموضع قيل له: ~~ليس كذلك; لأنه قد ذكر النساء في الآية بقوله: {أو نسائهن} وأراد بهن ~~الحرائر المسلمات، فجاز أن يظن ظان أن الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر ~~مولاتهن وإلى ما يجوز للحرة النظر إليه منها، فأبان تعالى أن الأمة والحرة ~~في ذلك سواء، وإنما خص نساءهن بالذكر في هذا الموضع; لأن جميع من ذكر قبلهن ~~هم الرجال بقوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} إلى آخر ما ذكر، فكان ~~جائزا أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذا كانوا ذوي محارم، فأبان تعالى ~~إباحة النظر إلى هذه المواضع من نسائهن سواء كن ذوات محارم أو غير ذوات ~~محارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} لئلا يظن ظان أن ~~الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء; إذ كان ظاهر قوله: {أو نسائهن} ~~يقتضي الحرائر دون الإماء، كما كان قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} ms2590 على ~~الحرائر دون المماليك، وقوله: {شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] الأحرار ~~لإضافتهم إلينا; كذلك قوله: {أو نسائهن} على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء ~~فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر. # وقوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال} . روي عن ابن عباس ~~وقتادة ومجاهد قالوا: "الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء". ~~وقال عكرمة: "هو العنين". وقال مجاهد وطاوس وعطاء والحسن: "هو الأبله". ~~وقال بعضهم: "هو الأحمق الذي لا أرب له في النساء". وروى الزهري عن عروة عن ~~عائشة قالت: كان يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا ~~يعدونه من غير أولي الإربة، # PageV03P411 # قالت: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال: ~~"لا أرى هذا يعلم ما ههنا، لا يدخلن عليكن"، فحجبوه. وروى هشام بن عروة عن ~~أبيه عن زينب بنت أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها ~~مخنث، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: "يا عبد الله لو فتح الله لكم غدا ~~الطائف دللتك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان"، فقال: "لا أرى ~~هذا يعرف ما ههنا لا يدخل عليكم". فأباح النبي دخول المخنث عليهن حين ظن ~~أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه ~~من أولي الإربة فحجبه. # وقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} قال "مجاهد هم ~~الذين لا يدرون ما هن من الصغر". وقال قتادة: "الذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم". قال أبو بكر: قول مجاهد أظهر; لأن معنى أنهم لم يظهروا على عورات ~~النساء أنهم لا يميزون بين عورات النساء والرجال لصغرهم وقلة معرفتهم بذلك، ~~وقد أمر الله تعالى الطفل الذي قد عرف عورات النساء بالاستئذان في الأوقات ~~الثلاثة بقوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم} وأراد به الذي عرف ذلك واطلع على عورات النساء، والذي لا يؤمر ~~بالاستئذان أصغر من ذلك. وقد روي عن النبي صلى ms2591 الله عليه وسلم أنه قال: ~~"مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع"، فلم ~~يأمر بالتفرقة قبل العشر وأمر بها في العشر; لأنه قد عرف ذلك في الأكثر ~~الأعم ولا يعرفه قبل ذلك في الأغلب. # وقوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} روى أبو ~~الأحوص عن عبد الله قال: "هو الخلخال"، وكذلك قال مجاهد: "إنما نهيت أن ~~تضرب برجليها ليسمع صوت الخلخال" وذلك قوله: {ليعلم ما يخفين من زينتهن} . ~~قال أبو بكر: قد عقل من معنى اللفظ النهي عن إبداء الزينة وإظهارها لورود ~~النص في النهي عن إسماع صوتها; إذ كان إظهار الزينة أولى بالنهي مما يعلم ~~به الزينة، فإذا لم يجز بأخفى الوجهين لم يجز بأظهرهما; وهذا يدل على صحة ~~القول بالقياس على المعاني التي قد علق الأحكام بها، وقد تكون تلك المعاني ~~تارة جلية بدلالة فحوى الخطاب عليها وتارة خفية يحتاج إلى الاستدلال عليها ~~بأصول أخر سواها. وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام ~~بحيث يسمع ذلك الأجانب; إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها; ~~ولذلك كره أصحابنا أذان النساء; لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة ~~منهية عن ذلك، وهو يدل أيضا على حظر النظر إلى وجهها للشهوة; إذ كان ذلك ~~أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة. # PageV03P412 # باب الترغيب في النكاح # قال الله عز وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} ~~الآية. قال أبو بكر: ظاهره يقتضي الإيجاب، إلا أنه قد قامت الدلالة من ~~إجماع السلف وفقهاء الأمصار على أنه لم يرد بها الإيجاب وإنما هو استحباب، ~~ولو كان ذلك واجبا لورود النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~السلف مستفيضا شائعا لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان الناس أيامى من الرجال والنساء فلم ~~ينكر واترك تزويجهم ثبت أنه لم يرد الإيجاب. ويدل على أنه لم يرد الإيجاب ~~أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم ms2592 يكن للولي إجبارها عليه ولا تزويجها بغير ~~أمرها. وأيضا مما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه لا يجبر على ~~تزويج عبده وأمته، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه مندوب في الجميع; ~~ولكن دلالة الآية واضحة في وقوع العقد الموقوف; إذ لم يخصص بذلك الأولياء ~~دون غيرهم وكل أحد من الناس مندوب إلى تزويج الأيامى المحتاجين إلى النكاح، ~~فإن تقدم من المعقود عليهم أمر فهو نافذ، وكذلك إن كانوا ممن يجوز عقدهم ~~عليهم مثل المجنون والصغير فهو نافذ أيضا وإن لم يكن لهم ولاية ولا أمر ~~فعقدهم موقوف على إجازة من يملك ذلك العقد فقد اقتضت الآية جواز النكاح على ~~إجازة من يملكها. # فإن قيل: هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء وأن ~~عقودهن على أنفسهن غير جائزة. قيل له: ليس كذلك; لأن الآية لم تخص الأولياء ~~بهذا الأمر دون غيرهم، وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على ~~الأيامى، ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء؟ وهو في الرجال لم ~~يرد به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة في الترغيب في النكاح، ~~منها ما رواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله والمكاتب ~~الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف". وروى إبراهيم عن علقمة عن عبد ~~الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من ~~استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". ~~وقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير". وعن شداد بن أوس أنه قال لأهله: زوجوني فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله أعزب. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر ~~بن موسى قال: حدثنا خلاد عن سفيان عن عبد الرحمن ms2593 بن # PageV03P413 # زياد عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". وحدثنا عبد الباقي قال: ~~حدثنا بشر قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة ~~عن عبيد بن سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب فطرتي ~~فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح". قال إبراهيم بن ميسرة: ولا أقول لك إلا ما ~~قال عمر لأبي الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. # فإن قيل: قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} عمومه يقتضي تزويج الأب ~~ابنته البكر الكبيرة، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج البنت الكبيرة ~~بغير رضاها لكان جائزا له تزويجها بغير رضاها بعموم الآية قيل له: معلوم أن ~~قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} لا يختص بالنساء دون الرجال; لأن الرجل يقال ~~له أيم والمرأة يقال لها أيمة، وهو اسم للمرأة التي لا زوج لها والرجل الذي ~~لا امرأة له قال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # وقال آخر: # ذريني على أيم منكم وناكح # وقال عمر بن الخطاب: "ما رأيت مثل من يجلس أيما بعد هذه الآية: {وأنكحوا ~~الأيامى منكم} التمسوا الغنى في الباه". فلما كان هذا الاسم شاملا للرجال ~~والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في ~~النساء أيضا، وأيضا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئمار البكر ~~بقوله: "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها"، وذلك أمر وإن كان في صورة ~~الخبر، وذلك على الوجوب فلا يجوز تزويجها إلا بإذنها. وأيضا فإن حديث محمد ~~بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها"، ~~وإنما أراد به البكر; لأن البكر هي التي يكون سكوتها رضا. وحديث ابن عباس ~~في فتاة بكر زوجها أبوها بغير أمرها، فاختصموا إلى النبي صلى ms2594 الله عليه ~~وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيزي ما صنع أبوك" ; وقد بينا هذه ~~المسألة فيما سلف. # قوله تعالى: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} فيه دلالة على أن للمولى أن ~~يزوج عبده وأمتة بغير رضاهما; وأيضا لا خلاف أنه غير جائز للعبد والأمة أن ~~يتزوجا بغير إذن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" فثبت أن العبد والأمة لا يملكان ذلك، فوجب ~~أن يملك المولى منهما ذلك كسائر العقود التي لا يملكانها ويملكها المولى ~~عليهما. # PageV03P414 # وقوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} خبر، ومخبر الله ~~تعالى لا محالة على ما يخبر به، فلا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون ~~خاصا في بعض المذكورين دون بعض; إذ قد وجدنا من يتزوج ولا يستغني بالمال. ~~وإما أن يكون المراد الغنى بالعفاف. فإن كان المراد خاصا فهو في الأيامى ~~الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون، أو يكون عاما فيكون المعنى وقوع ~~الغنى بملك البضع والاستغناء به عن تعديه إلى المحظور، فلا دلالة فيه إذا ~~على أن العبد يملك; وقد بينا مسألة ملك العبد في سورة النحل. # PageV03P415 # باب المكاتبة # قال الله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} . روي عن عطاء قال: "ما أراه إلا واجبا"، وهو قول عمرو بن ~~دينار وروي عن عمر: "أنه أمر أنسا بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ~~فرفع عليه الدرة وضربه وقال: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، وحلف عليه ~~ليكاتبنه". وقال الضحاك: "إن كان للمملوك مال فعزيمة على مولاه أن يكاتبه". ~~وروى الحجاج عن عطاء قال: "إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب إنما هو تعليم"، ~~وكذلك قول الشعبي. # قال أبو بكر: هذا ترغيب عند عامة أهل العلم وليس بإيجاب، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"، وما روي عن عمر ~~في قصة سيرين دل على ذلك أيضا; ms2595 لأنها لو كانت واجبة لحكم بها عمر عليه ولم ~~يكن يحتاج أن يحلف على أنس لمكاتبته ولم يكن أنس أيضا يمتنع من شيء واجب ~~عليه. # فإن قيل: لو لم يكن يراها واجبة لما رفع عليه الدرة ولم يضربه. قيل: لأن ~~عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق للرعية، فكان يأمرهم بما لهم فيه الحظ ~~في الدين وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة. ويدل على أنها ليست ~~على الوجوب أنه موكول إلى غالب ظن المولى أن فيهم خيرا، فلما كان المرجع ~~فيه للمولى لم يلزمه الإجبار عليه. # وقوله: {إن علمتم فيهم خيرا} روى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} "إن علمتم لهم ~~حرفة ولا تدعوهم كلا على الناس". وذكر ابن جريج عن عطاء: {إن علمتم فيهم ~~خيرا} قال: "ما نراه إلا المال" ثم تلا قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا} [البقرة: 180] قال: "الخير المال فيما نرى"، قال: ~~وبلغني عن ابن عباس: يعني بالخير المال. وروى # PageV03P415 # ابن سيرين عن عبيدة {إن علمتم فيهم خيرا} قال: "إذا صلى". وعن إبراهيم ~~"وفاء وصدقا". وقال مجاهد "مالا". وقال الحسن: "صلاحا في الدين". # قال أبو بكر: الأظهر أنه أراد الصلاح، فينتظم ذلك الوفاء والصدق وأداء ~~الأمانة; لأن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا: فلان فيه خير، إنما يريدون ~~به الصلاح في الدين، ولو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرا; لأنه إنما ~~يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال; وأيضا فإن العبد لا مال له، فلا يجوز أن ~~يتأول عليه. وما روي عن عبيدة "إذا صلى" فلا معنى له; لأنه جائز مكاتبة ~~اليهودي والنصراني بالآية وإن لم تكن لهم صلاة. # وقوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} اختلف أهل العلم في ~~المكاتب هل يستحق على مولاه أن يضع عنه شيئا من كتابته؟ فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري: "إن وضع عنه شيئا ms2596 فهو حسن مندوب إليه ~~وإن لم يفعل لم يجبر عليه". وقال الشافعي: "هو على الوجوب". وروي عن ابن ~~سيرين في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} قال: "كان يعجبهم أن يدعوا ~~له طائفة من مكاتبته". قال أبو بكر: ظاهر قوله: "كان يعجبهم" أنه أراد به ~~الصحابة، وكذلك قول إبراهيم: "كانوا يكرهون"، وكانوا يقولون: الظاهر من قول ~~التابعي إذا قال ذلك أنه أراد به الصحابة; فقول ابن سيرين يدل على أن ذلك ~~كان عند الصحابة على الندب لا على الإيجاب; لأنه لا يجوز أن يقال في ~~الإيجاب: "كان يعجبهم". وروى يونس عن الحسن وإبراهيم: {وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم} قال: "حث عليه مولاه وغيره". وروى مسلم بن أبي مريم عن غلام ~~عثمان بن عفان قال: "كاتبني عثمان ولم يحط عني شيئا". # قال أبو بكر: ويحتمل أن يريد بقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} ما ~~ذكره في آية الصدقات من قوله: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] . وقد روي أن رجلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني عملا يدخلني الجنة قال: "أعتق النسمة ~~وفك الرقبة" قال: أليسا واحدا؟ قال: "عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك ~~الرقبة أن تعين في ثمنها"، وهذا يدل على أن قوله: {وفي الرقاب} قد اقتضى ~~إعطاء المكاتب، فاحتمل أن يكون قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} دفع ~~الصدقات الواجبات، وأفاد بذلك جواز دفع الصدقة إلى المكاتب وإن كان مولاه ~~غنيا. ويدل عليه أنه أمر بإعطائه من مال الله، وما أطلق عليه هذه الإضافة ~~فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب، وهذا يدل على أنه أراد مالا ~~هو ملك لمن أمر بإيتائه وأن سبيله الصدقة وذلك الصدقات الواجبة في الأموال، ~~ويدل عليه قوله: {من مال الله الذي آتاكم} وهو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر ~~بإخراج بعضه، ومال الكتابة ليس بدين صحيح; لأنه على عبده والمولى # PageV03P416 # لا يثبت له على عبده دين صحيح. وعلى قول من يوجب حط بعض الكتابة ينبغي أن ~~يسقط بعد عقد ms2597 الكتابة، وذلك خلاف موجب الآية من وجوه: أحدها: أنه إذا سقط ~~لم يحصل مالا لله قد آتاه المولى. والثاني: أن ما آتاه فهو الذي يحصل في ~~يده ويمكنه التصرف فيه، وما سقط عقيب العقد لا يمكنه التصرف فيه ولم يحصل ~~له عليه بل لا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه إياه. وأيضا لو كان ~~الإيتاء واجبا لكان وجوبه متعلقا بالعقد فيكون العقد هو الموجب له وهو ~~المسقط، وذلك مستحيل; لأنه إذا كان العقد يوجبه وهو بعينه مسقط استحال ~~وجوبه لتنافي الإيجاب والإسقاط. # فإن قيل: ليس يمتنع ذلك في الأصول; لأن الرجل إذا زوج أمته من عبده يجب ~~عليه المهر بالعقد ثم يسقط في الثاني. قيل له: ليس كذلك; لأنه ليس الموجب ~~له هو المسقط له; إذ كان الذي يوجبه هو العقد والذي يسقطه هو حصول ملكه ~~للمولى في الثاني فالموجب له غير المسقط، وكذلك من اشترى أباه فعتق عليه ~~فالموجب للملك هو الشرى والموجب للعتاق حصول الملك مع النسب ولم يكن الموجب ~~له هو المسقط. وقد حكي عن الشافعي أن الكتابة ليست بواجبة وأن يضع عنه بعد ~~الكتاب واجب أقل ما يقع عليه اسم شيء، ولو مات المولى قبل أن يضع عنه وضع ~~الحاكم عنه أقل ما يقع عليه اسم شيء. قال أبو بكر: فلو كان الحط واجبا لما ~~احتاج أن يضع عنه بل يسقط القدر المستحق، كمن له على إنسان دين ثم صار ~~للمدين عليه مثله أنه يصير قصاصا، ولو كان كذلك لحصلت الكتابة مجهولة; لأن ~~الباقي بعد الحط مجهول، فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء ~~وذلك غير جائز. وجملة ذلك أن الإيتاء لو كان فرضا لسقط; ثم لا يخلو من أن ~~يكون ذلك القدر معلوما أو مجهولا، فإن كان معلوما فالواجب أن تكون الكتابة ~~بما بقي فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف درهم والكتابة أربعة آلاف درهم; وذلك ~~فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لا يصح الإشهاد على الكتابة بأربعة آلاف درهم، ~~ومع ذلك ms2598 فلا معنى لذكر شيء لا يثبت. وأيضا فإنه يعتق بأقل مما شرط، وهذا ~~فاسد; لأن أداء جميعها مشروط، فلا يعتق بأداء بعضها. وأيضا فإن الشافعي ~~قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" فالواجب إذا أن لا يسقط شيء، ولو كان ~~الإيتاء مستحقا لسقط، وإن كان الإيتاء مجهولا فالواجب أن يسقط ذلك القدر ~~فتبقى الكتابة على مال مجهول. # فإن قيل: روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاما له فترك ~~له ربع مكاتبته وقال: إن عليا كان يأمرنا بذلك، ويقول: هو قول الله: ~~{وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} . وروي عن مجاهد أنه قال: "تعطيه ربعا من ~~جميع مكاتبته تعجله من # PageV03P417 # مالك". قيل له: هذا يدل على أنهم لم يروا ذلك واجبا وأنه على وجه الندب; ~~لأنه لو كان واجبا عندهم لسقط بعد عقد الكتابة هذا القدر; إذ كان المكاتب ~~مستحقا له ولم يكن المولى يحتاج إلى أن يعطيه شيئا. # فإن قيل: قد يجوز أن يجب عليه مال الكتابة مؤجلا ويستحق هو على المولى أن ~~يعطيه من ماله مقدار الربع فلا يصير قصاصا بل يستحق على المولى تعجيله ~~فيكون مال الكتابة إلى أجله، كمن له على رجل دين مؤجل فيصير للمدين على ~~الطالب دين حال فلا يصير قصاصا له. قيل له: إن الله تعالى لم يفرق بين ~~الكتابة الحالة والمؤجلة، وكذلك من روي عنه من السلف الحط لم يفرقوا بين ~~الحالة والمؤجلة، ولم يفرق أيضا بين أن يحل مال الكتابة المؤجل وبين أن لا ~~يحل فيما ذكروا من الحط والإيتاء; فعلمنا أنه لم يرد به الإيجاب; إذ لم ~~يجعله قصاصا إذا كانت حالة وكانت مؤجلة فحلت، وأوجب الإيتاء في الحالين، ~~والإيتاء هو الإعطاء، وما يصير قصاصا لا يطلق فيه الإعطاء. # ومما يدل من جهة السنة على ما وصفنا ما روى يونس والليث عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على ~~تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني ولم تكن ms2599 قضت من كتابتها شيئا، فقالت ~~لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي ~~فعلت. فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا; فذكرت ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لا يمنعك منها ابتاعي وأعتقي ~~فإنما الولاء لمن أعتق"، وذكر الحديث. وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ~~عن عائشة بنحوه; فلما لم تكن قضت من كتابتها شيئا وأرادت عائشة أن تؤدي ~~عنها كتابتها كلها وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم النكير عليها ولم يقل: إنها يستحق أن يحط عنها بعض ~~كتابتها أو أن يعطيها المولى شيئا من ماله، ثبت أن الحط من الكتابة على ~~الندب لا على الإيجاب; لأنه لو كان واجبا لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولقال لها: ولم تدفعي إليهم ما لا يجب لهم عليها. ويدل عليه أيضا ما روى ~~محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة: أن جويرية جاءت ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، ~~أو لابن عم له، فكاتبته فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على ~~كتابتي، فقال: "فهل لك في خير من ذلك؟ " فقالت: وما هو يا رسول الله؟ فقال: ~~"أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم; قال: "قد فعلت". ففي هذا الحديث أنه ~~بذل لجويرية أداء جميع كتابتها عنها إلى مولاها، ولو كان الحط واجبا لكان ~~الذي يقصد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأداء عنها باقي كتابتها. ~~وقد روي عن عمر وعثمان والزبير ومن قدمنا قولهم من السلف أنهم لم # PageV03P418 # يكونوا يرون الحط واجبا، ولا يروى عن نظرائهم خلافه; وما روي عن علي فيه ~~فقد بينا أنه يدل على أنه رآه ندبا لا إيجابا. ويدل عليه ما حدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني عبد ms2600 الصمد ~~قال: حدثنا همام قال: حدثنا عباس الجريري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها ~~إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة ~~دنانير فهو عبد"، فلو كان الحط واجبا لأسقط عنه بقدره، وفي ذلك دلالة على ~~أنه غير مستحق; والله أعلم. # PageV03P419 # باب الكتابة الحالة # قال الله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} فاقتضى ذلك جوازها حالة ~~ومؤجلة لإطلاقه ذلك من غير شرط الأجل، والاسم يتناولها في حال التعجيل ~~والتأجيل كالبيع والإجارة وسائر العقود، فواجب جوازها حالة لعموم اللفظ. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: "تجوز ~~الكتابة الحالة فإن أداها حين طلبها المولى منه وإلا رد في الرق". وقال ابن ~~القاسم عن مالك في رجل قال: كاتبوا عبدي على ألف ولم يضرب لها أجلا: "إنها ~~تنجم على المكاتب على قدر ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته" قال: "فالكتابة ~~عند الناس منجمة ولا تكون حالة إن أبى ذلك السيد". وقال الليث: "إنما جعل ~~التنجيم على المكاتب رفقا بالمكاتب ولم يجعل ذلك رفقا بالسيد". وقال المزني ~~عن الشافعي: "لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين". # قال أبو بكر: قد ذكرنا دلالة الآية على جوازها حالة، وأيضا لما كان مال ~~الكتابة بدلا عن الرقبة كان بمنزلة أثمان الأعيان المبيعة فتجوز عاجلة ~~وآجلة. وأيضا لا يختلفون في جواز العتق على مال حال فوجب أن تكون الكتابة ~~مثله; لأنه بدل عن العتق في الحالين، إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط ~~الأداء وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما في جوازهما على بدل عاجل. # فإن قيل: العبد لا يملك فيحتاج بعد الكتابة إلى مدة يمكنه الكسب فيها، ~~فوجب أن لا تجوز إلا مؤجلة; إذ كانت تقتضي الأداء ومتى امتنع الأداء لم تصح ~~الكتابة. قيل له: هذا غلط; لأن عقد الكتابة يوجب ثبوت المال في ذمته ms2601 للمولى ~~ويصير بها المكاتب في يد نفسه ويملك أكسابه وتصرفه، وهو بمنزلة سائر الديون ~~الثابتة في الذمم التي يجوز العقد عليها، ولو كانت هذه علة صحيحة لوجب أن ~~لا يجوز العتق على مال حال; لأنه لم # PageV03P419 # يكن مالكا لشيء قبل العقد وإن جاز ذلك; لأنه يملك في المستقبل بعد العتق، ~~فكذلك المكاتب يملك أكسابه بعقد الكتابة; ولوجب أيضا أن لا يجوز شرى الفقير ~~لابنه بثمن حال; لأنه لا يملك شيئا، وأن يعتق عليه إذا ملكه فلا يقدر على ~~الأداء. فإن قلت إنه يملك أن يستقرض، قلنا في المكاتب مثله. # PageV03P420 # باب الكتابة من غير ذكر الحرية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك بن أنس: "إذا كاتبه على ألف ~~درهم ولم يقل: إن أديت فأنت حر فهو جائز ومعتق بالأداء" وقال المزني عن ~~الشافعي: "إذا كاتبه على مائة دينار إلى عشر سنين كذا كذا نجما فهو جائز ~~ولا يعتق حتى يقول في الكتابة إذا أديت هذا فأنت حر، ويقول بعد ذلك: إن ~~قولي قد كاتبتك كان معقودا على أنك إذا أديت فأنت حر". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} يقتضي جوازها من ~~غير شرط الحرية ويتضمن الحرية; لأن الله تعالى لم يقل فكاتبوهم على شرط ~~الحرية، فدل على أن اللفظ يتضمنها كلفظ الخلع في تضمنه للطلاق ولفظ البيع ~~فيما يتضمن من التمليك والإجارة فيما يقتضيه من تمليك المنافع والنكاح في ~~اقتضائه تمليك منافع البضع; ويدل عليه أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما عبد كاتب على مائة أوقية ~~فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق"، فأجاز الكتابة مطلقة على هذا الوجه من غير ~~شرط حرية فيها، وإذا صحت الكتابة مطلقة من غير شرط حرية وجب أن يعتق ~~بالأداء; لأن صحة الكتابة تقتضي وقوع العتق بالأداء. # PageV03P420 # باب المكاتب متى يعتق # قال أبو بكر: حكى أبو جعفر الطحاوي عن بعض أهل العلم أنه حكي عن ابن ~~عباس: "أن ms2602 المكاتب يعتق بعقد الكتابة وتكون الكتابة دينا عليه"; قال أبو ~~جعفر: لم نجد لذلك إسنادا ولم يقل به أحد نعلمه. قال: وقد روى أيوب عن ~~عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يؤدي المكاتب ~~بحصة ما أدى دية حر وما بقي عليه دية عبد"، ورواه أيضا يحيى بن أبي كثير عن ~~عكرمة عن ابن عباس. وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة وإحدى ~~الروايتين عن عمر: "إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". وروي عن عمر: "أنه ~~إذا أدى النصف فهو غريم ولا رق عليه". وقال ابن مسعود: "إذا أدى ثلثا أو ~~ربعا فهو غريم" وهو قول شريح. وروى إبراهيم عن عبد الله: "أنه إذا أدى قيمة ~~رقبته فهو غريم". # PageV03P420 # قال أبو بكر: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا هارون بن ~~عبد الله قال: حدثنا أبو بدر قال: حدثنا سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من ~~مكاتبته درهم". ومن جهة النظر أن الأداء لما كان مشروطا في العتق وجب أن لا ~~يعتق إلا بأداء الجميع، كالعتق المعلق على شرط لا يقع إلا بوجود كمال ~~الشرط، ألا ترى أنه إذا قال: "إذا كلمت فلانا وفلانا فأنت حر" أن العتق لا ~~يقع إلا بكلامهما؟ ويدل عليه أنه لما كان مال الكتابة بدلا من العتق لم يخل ~~ذلك من أحد وجهين: إما أن يوقع العتق بنفس العقد، وذلك خلاف السنة والنظر ~~على ما بينا، أو أن يوقعه بعد الأداء فيكون بمنزلة البياعات التي لا يستحق ~~تسليمها إلا بأداء جميع الثمن; فثبت حين لم يقع بالعقد أنه لا يقع إلا ~~بأداء الجميع. # واختلفوا في المكاتب إذا مات وترك وفاء، فقال علي بن أبي طالب وزيد بن ~~ثابت وابن الزبير: "تؤدى كتابته بعد موته ويعتق"، وهو قول أبي حنيفة وزفر ~~وأبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى وابن ms2603 شبرمة وعثمان البتي والثوري والحسن بن ~~صالح; وقالوا: "إن فضل شيء فهو ميراث لورثته فإن لم يترك وفاء وترك ولدا ~~ولدوا في كتابته سعوا فيما على أبيهم من النجوم". وقال مالك والليث: "إن ~~ترك ولدا قد دخلوا في كتابته سعوا فيها على النجوم وعتق المكاتب وولده، وإن ~~لم يترك من دخل في كتابته فقد مات عبدا لا تؤدى كتابته من ماله وجميع ماله ~~للمولى". وقال الشافعي: "إذا مات وقد بقي عليه درهم فقد مات عبدا لا يلحقه ~~عتق بعد ذلك". وروي عن ابن عمر: "أن جميع ماله لسيده ولا تؤدى منه كتابته". # قال أبو بكر: لا تخلو الكتابة من أن تكون في معنى الأيمان المعقودة على ~~شروط يبطلها موت المولى أو العبد أيهما كان، مثل أن يقول: "إن دخلت الدار ~~فأنت حر" ثم يموت المولى أو العبد فيبطل اليمين ولا يعتق بالشرط، أو أن ~~تكون في معنى عقود البياعات التي لا تبطلها الشروط; فلما كان موت المولى لا ~~يبطل الكتابة ويعتق بالأداء إلى الورثة وجب أن لا يبطله موت العبد أيضا ما ~~دام الأداء ممكنا، وهو أن يترك وفاء فتؤدى كتابته من ماله ويحكم بعتقه قبل ~~الموت بلا فصل. # فإن قيل: لا يصح عتق الميت وقد علمنا أنه مات عبدا; لأن المكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم، قيل له: إذا مات وترك وفاء فحكمه موقوف مراعى، فإن أديت ~~كتابته حكمنا بأنه كان حرا قبل الموت بلا فصل، كما أن الميت لا يصح منه ~~إيقاع عتق بعد الموت ثم إذا مات المولى فأدى المكاتب الكتابة حكمنا بعتق ~~موقع من جهة الميت ويكون الولاء له، وليس يمتنع في الأصول نظائر ذلك من كون ~~الشيء مراعى على معنى # PageV03P421 # متى وجد حكم بوقوعه بحال متقدمة مثل من جرح رجلا فيكون حكم جراحته مراعى، ~~فلو مات الجارح ثم مات المجروح من الجراحة حكمنا بأنه كان قاتلا يوم ~~الجراحة مع استحالة وقوع القتل منه بعد موته، وكما أأن رجلا لو حفر بئرا في ~~طريق المسلمين ثم ms2604 مات فوقعت فيها دابة لإنسان لحقه ضمانها وصار بمنزلة ~~جنايته قبل الموت من بعض الوجوه; فلو كان ترك عبدا فأعتقه الوارث ثم وقعت ~~فيها دابة ضمن الوارث قيمة العبد وحكمنا في باب الضمان بأن الجناية كانت ~~موجودة يوم الموت. ولو أن رجلا مات وترك حملا فوضعته لأقل من سنتين بيوم ~~ورثه، وإن كان معلوما أنه كان نطفة وقت موته ولم يكن ولدا ثم قد حكمنا له ~~بحكم الولد حين وضعته. ولو أن رجلا مات وترك ابنين وألف درهم وعليه دين ألف ~~درهم أنهما لا يرثانه، فإن مات أحد الابنين عن ابن ثم أبرأ الغريم من الدين ~~أخذ ابن الميت منها حصته ميراثا عن أبيه; ومعلوم أن الابن لم يكن مالكا له ~~يوم الموت ولكنه جعل في حكم المالك لتقدم سببه، كذلك المكاتب يحكم بعتقه ~~عند الأداء قبل الموت بلا فصل، ألا ترى أن المقتول خطأ لا تجب ديته إلا بعد ~~الموت وهو لا يملك بعد الموت شيئا؟ فجعلت الدية في حكم ما هو مالكه في باب ~~كونها ميراثا لورثته وأنه يقضى منها ديته وتنفذ منها وصاياه. # قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} . روى الأعمش ~~عن أبي سفيان عن جابر قال: "كان عبد الله بن أبي يقول لجاريته: اذهبي ~~فابغينا شيئا، فأنزل الله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الآية". ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: {ومن يكرههن} الآية، قال: "لهن غفور رحيم". ~~قال أبو بكر: أخبر تعالى أن المكرهة على الزنا مغفور لها ما فعلته على وجه ~~الإكراه، كما بين تعالى في آية أخرى أن الإكراه على الكفر يزيل حكمه إذا ~~أظهره المكره عليه بلسانه; وإنما قال: {إن أردن تحصنا} لأنها لو أرادت ~~الزنا ولم ترد التحصن ثم فعلته على ما ظهر من الإكراه وهي مريدة له، كانت ~~آثمة بهذه الإرادة وكان حكم الإكراه زائلا عنها في الباطن وإن كان ثابتا في ~~الظاهر; وكذلك من أكره على الكفر وهو يأباه في الظاهر إلا أنه فعله ms2605 مريدا ~~له لا على وجه الإكراه كان كافرا، وكذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أن ~~يقول: "الله ثالث ثلاثة" أو على أن يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فخطر ~~بباله أن يقول على وجه الحكاية عن الكفار أو أن يعتقد شتم محمد آخر غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصرف قصده ونيته إلى ذلك واعتقد أن يقوله على ~~الوجه الذي أكره عليه، كان كافرا. # قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} . روي عن ابن عباس في إحدى ~~الروايتين وعن أنس: "هادي أهل السموات والأرض"، وعن ابن عباس أيضا وأبي ~~العالية # PageV03P422 # والحسن: "منور السموات والأرض بنجومها وشمسها وقمرها". # وقوله تعالى: {مثل نوره} قال أبي بن كعب والضحاك: "الضمير عائد على ~~المؤمن في قوله: {نوره} بمعنى: مثل النور الذي في قلبه بهداية الله تعالى". ~~وقال ابن عباس: "عائد على اسم الله، بمعنى: مثل نور الله الذي هدى به ~~المؤمن"; وعن ابن عباس أيضا: "مثل نوره وهو طاعته". وقال ابن عباس وابن ~~جريج: "المشكاة الكوة التي لا منفذ لها"، وقيل: إن المشكاة عمود القنديل ~~الذي فيه الفتيلة وهو مثل الكوة. وعن أبي بن كعب قال: "هو مثل ضربه الله ~~تعالى لقلب المؤمن، فالمشكاة صدره والمصباح القرآن والزجاجة قلبه" قال: ~~"فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم عدل وإن قال صدق". ~~وقال: {نور على نور} "فهو ينقلب على خمسة أنوار: فكلامه نور وعمله نور ~~ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة". وقيل: ~~{نور على نور} أي نور الهدى إلى توحيده على نور الهدى بالقرآن الذي أتى به ~~من عنده. وقال زيد بن أسلم {نور على نور} "يضيء بعضه بعضا". # قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها} ~~الآية. قيل إن معناه أن المصابيح المقدم ذكرها في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو. وقيل: "توقد في بيوت أذن الله أن ~~ترفع". وقال ابن عباس: ms2606 "هذه البيوت هي المساجد"، وكذلك قال الحسن ومجاهد. ~~وقال مجاهد: "أن ترفع معناه ترفع بالبناء، كما قال: {وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت} [البقرة: 127] " وقال: "أن ترفع أن تعظم بذكره; لأنها ~~مواضع الصلوات والذكر". وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن صلاة ~~الضحى فقال: "إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص" ثم قرأ: {في ~~بيوت أذن الله أن ترفع} . # قال أبو بكر: يجوز أن يكون المراد الأمرين جميعا من رفعها بالبناء ومن ~~تعظيمها جميعا; لأنها مبنية لذكر الله والصلاة، وهذا يدل على أنه يجب ~~تنزيهها من القعود فيها لأمور الدنيا مثل البيع والشراء وعمل الصناعات ولغو ~~الحديث الذي لا فائدة فيه والسفه وما جرى مجرى ذلك. وقد ورد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم ~~وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم وضعوا على أبوابها المطاهر". # وقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} ، قال ابن عباس والضحاك: ~~"يصلى له فيها بالغداة والعشي". وقال ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن صلاة". # وقوله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . روي عن الحسن ~~في # PageV03P423 # هذه الآية: "والله كانوا يتبايعون في الأسواق، فإذا حضر حق من حقوق الله ~~بدءوا بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم". وعن عطاء قال: "شهود ~~الصلاة المكتوبة". وقال مجاهد: {عن ذكر الله} قال: "عن مواقيت الصلاة". ~~ورأى ابن مسعود أقواما يتجرون، فلما حضرت الصلاة قاموا إليها، قال: "هذا من ~~الذين قال الله تعالى فيهم: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} . # وقوله تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض} فإن ~~التسبيح هو التنزيه لله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، فجميع ما خلقه ~~الله منزه له من جهة الدلالة عليه، والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة ~~الاعتقاد والوصف له بما يليق به وتنزيهه عما لا يجوز عليه. # وقوله تعالى: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} يعني: صلاة من ms2607 يصلي منهم فالله ~~يعلمها. وقال مجاهد: "الصلاة للإنسان والتسبيح لكل شيء". # وقوله تعالى: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء} . قيل: إن "من" الأولى لابتداء الغاية; لأن ابتداء ~~الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض; لأن البرد بعض الجبال التي في ~~السماء، والثالثة لتبيين الجنس; إذ كان جنس تلك الجبال جنس البرد. # وقوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} قيل: إن أصل الخلق من ماء، ثم ~~قلب إلى النار فخلق منه الجن، ثم إلى الريح فخلقت الملائكة منها، ثم إلى ~~الطين فخلق آدم منه، وذكر الذي يمشي على رجلين والذي يمشي على أربع ولم ~~يذكر ما يمشي على أكثر من أربع; لأنه كالذي يمشي على أربع في رأي العين، ~~فترك ذكره; لأن العبرة تكفي بذكر الأربع. # PageV03P424 # باب لزوم الإجابة لمن دعي إلى الحاكم # قال الله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون} . وهذا يدل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم فعليه ~~إجابته والمصير معه إليه; لأن قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله} معناه: إلى ~~حكم الله. ويدل على أن من أتى الحاكم فادعى على غيره حقا أن على الحاكم أن ~~يعديه ويحضره ويحول بينه وبين تصرفه وأشغاله. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا أبو بكر ~~بن شيبة قال: حدثنا فليح قال: حدثني محمد بن # PageV03P424 # جعفر عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أن الأغر ~~الجهني قال: جئت أستعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل لي عليه شطر ~~تمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "اذهب معه فخذ له حقه". ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال: حدثنا رجاء ~~الحافظ قال: حدثنا شاهين قال: حدثنا روح بن عطاء عن أبيه عن الحسن عن سمرة ~~قال: قال رسول الله ms2608 صلى الله عليه وسلم: "من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ~~ظالم لا حق له". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال: ~~حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا يحيى عن أبي الأشهب عن الحسن قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب ~~فهو ظالم لا حق له". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن بشر أخو خطاب ~~قال: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا حاتم عن عبد الله بن محمد بن سجل عن ~~أبيه عن أبي حدرد قال: كان ليهودي علي أربعة دراهم، فاستعدى على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، ~~فقال: "أعطه حقه" قلت: والذي بعثك بالحق نبيا ما أصبحت أقدر عليها قال: ~~"أعطه حقه" فأعدت عليه، فقال: "أعطه حقه" فخرجت معه إلى السوق فكانت على ~~رأسي عمامة وعلي بردة متزر بها، فاتزرت بالعمامة وقلت: اشتر البرد فاشتراه ~~بأربعة دراهم. فهذه الأخبار مواطئة لما دلت عليه الآية. # وقوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} تأكيد لما تقدم ذكره من وجوب الإجابة إلى ~~الحكم إذا دعوا إليه، وجعل ذلك من صفات المؤمنين، ودل على أن من دعي إلى ~~ذلك فعليه الإجابة بالقول بديا بأن يقول سمعنا وأطعنا، ثم يصير معه إلى ~~الحاكم. # وقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة} . روي عن مجاهد قال: "هذه طاعة معروفة منكم بالقول لا ~~بالاعتقاد، يخبر عن كذبهم فيما أقسموا عليه". وقيل: "إن المعنى طاعة وقول ~~معروف أمثل من هذا القسم". # وقوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض} فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه قصر ذلك ~~على قوم بأعيانهم بقوله: {الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض} ، فوجد مخبره على ما أخبر به ms2609 فيهم. وفيه الدلالة على صحة إمامة ~~الخلفاء الأربعة أيضا; لأن الله استخلفهم في الأرض ومكن لهم كما جاء الوعد، ~~ولا يدخل فيهم معاوية; لأنه لم يكن مؤمنا في ذلك الوقت. # PageV03P425 # باب استئذان المماليك والصبيان # استئذان المماليك والصبيان قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} الآية. روى ليث ~~بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن: ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} قالا: "هو في النساء خاصة والرجال يستأذنون ~~على كل حال بالليل والنهار". قال أبو بكر: أنكر بعضهم هذا التأويل، قال: ~~لأن النساء لا يطلق فيهن "الذين" إذا انفردن، وإنما يقال: "اللائي" كما قال ~~تعالى: {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] . # قال أبو بكر: هذا يجوز إذا عبر بلفظ المماليك، كما أن النساء إذا عبر ~~عنهن بالأشخاص; وكذلك جائز أن تذكر الإناث إذا عبر عنهن بلفظ المماليك دون ~~النساء ودون الإماء; لأن التذكير والتأنيث يتبعان اللفظ كما تقول: "ثلاث ~~ملاحف" فإذا عبرت بالأزر ذكرت فقلت: "ثلاثة أزر" فالظاهر أن المراد الذكور ~~والإناث من المماليك وليس العبيد; لأن العبيد مأمورون بالاستئذان في كل وقت ~~ما يوجب الاقتصار بالأمر في العورات الثلاث على الإماء دونهم; إذ كانوا ~~مأمورين في سائر الأوقات، ففي هذه الأوقات الثلاثة أولى أن يكونوا مأمورين ~~به. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن السرح والصباح ~~بن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه قال: أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد ~~عن ابن عباس قال: سمعته يقول: "لم يؤمر بها أكثر الناس آية الإذن، وإني ~~لآمر جاريتي هذه تستأذن علي". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة ~~أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى هذه الآية التي أمرنا ~~فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد، قول الله تعالى: {يا أيها ms2610 الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} ~~الآية، إلى قوله: {عليم حكيم} ؟ قال ابن عباس: "إن الله حليم رحيم ~~بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب فربما دخل ~~الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان ~~في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد". ~~قال أبو بكر: وفي بعض ألفاظ حديث عباس هذا، وهو حديث سليمان بن بلال عن ~~عمرو بن أبي عمرو: "فلما أتى الله بالخير واتخذوا الستور والحجاب رأى الناس ~~أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به" فأخبر ابن عباس أن الأمر ~~بالاستئذان في هذه الآية كان متعلقا بسبب، فلما زال السبب زال الحكم. وهذا ~~يدل على أنه لم ير الآية # PageV03P426 # منسوخة، وأن مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وقال الشعبي أيضا إنها ليست ~~بمنسوخة. وهذا نحو ما فرض الله تعالى من الميراث بالموالاة بقوله تعالى: ~~{والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] فكانوا يتوارثون بذلك، ~~فلما أوجب التوارث بالنسب جعل ذوي الأنساب أولى من مولى الموالاة، ومتى فقد ~~النسب عاد ميراث المعاقدة والولاء. وقال جابر بن زيد في قوله: {ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} : "أبناؤهم الذين عقلوا ~~ولم يبلغوا الحلم من الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل صلاة الفجر ~~وحين يقيلون ويخلون وبعد صلاة العشاء وهي العتمة فإذا بلغوا الحلم استأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم، إخوانهم إذا كانوا رجالا ونساء لا يدخلون على ~~آبائهم إلا بإذن ساعة يدخلون أي ساعة كانت". وروى ابن جريج عن مجاهد: ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} قال: "عبيدكم" {والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم ثلاث مرات} قال: "من أحراركم"; وروي عن عطاء مثله. وأنكر بعضهم هذا ~~التأويل; لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته، ~~فكيف يجمع إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين قال: فالأظهر أن يكون المراد ~~العبيد الصغار والإماء وصغارنا الذين لم يبلغوا الحلم. ms2611 وقد روي عن ابن عباس ~~أنه كان يقرأ: "ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم". وقال ~~سعيد بن جبير والشعبي: "هذا مما تهاون به الناس وما نسخت". وقال أبو قلابة" ~~"ليس بواجب وهو كقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] ". وقال ~~القاسم بن محمد: "يستأذن عند كل عورة، ثم هو طواف بعدها"; يعني أنه يستأذن ~~عند أوقات الخلوة والتفضل في الثياب وطرحها وهو طواف بعدها; لأنها أوقات ~~الستر، ولا يستطيع الخادم والغلام والصبي الامتناع من الدخول كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" يعني أنه لا ~~يستطاع الامتناع منها. وروي أن رجلا قال لعمر: أستأذن على أمي؟ قال: نعم; ~~وكذلك قال ابن عباس وابن مسعود. # PageV03P427 # فصل # قوله تعالى: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} يدل على بطلان قول من جعل حد ~~البلوغ خمس عشرة سنة; إذ لم يحتلم قبل ذلك; لأن الله تعالى لم يفرق بين من ~~بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من جهات كثيرة: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ~~وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم". ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة ~~سنة وبين من لم يبلغها. وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجز وعرض عليه # PageV03P427 # يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه، فإنه مضطرب; لأن الخندق كان في سنة ~~خمس، وأحد في سنة ثلاث، فكيف يكون بينهما سنة ثم مع ذلك فإن الإجازة في ~~القتال لا تعلق لها بالبلوغ; لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويجاز غير البالغ ~~لقوته على القتال وطاقته لحمل السلاح، كما أجاز رافع بن خديج ورد سمرة بن ~~جندب، فلما قيل له: إنه يصرعه أمرهما فتصارعا، فصرعه سمرة فأجازه ولم يسأله ~~عن سنه. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل ابن عمر عن مبلغ سنه ms2612 ~~في الأول ولا في الثاني وإنما اعتبر في قوته وضعفه; فاعتبار السن; لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أجازه في وقت ورده في وقت ساقط. # وقد اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ، واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ~~ولم يحتلم فقال أبو حنيفة "لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ~~ويستكملها، وفي الجارية سبع عشرة سنة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي في ~~الغلام والجارية خمس عشرة سنة" وذهبوا فيها إلى حديث ابن عمر، وقد بينا أن ~~لا دلالة فيه على أنها حد البلوغ; ويدل عليه أنه لم يسأله عن الاحتلام ولا ~~عن السن. ولما ثبت بما وصفنا أن الخمس عشرة ليست ببلوغ وظاهر قوله {والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم} ينفي أيضا أن تكون الخمس عشرة بلوغا على الحد الذي ~~بينا، صار طريق إثبات حد البلوغ بعد ذلك الاجتهاد; لأنه حد بين الصغر ~~والكبر الذين قد عرفنا طريقهما وهو واسطة بينهما، فكان طريقه الاجتهاد. ~~وليس يتوجه على القائل بما وصفنا سؤال، كالمجتهد في تقويم المستهلكات وأروش ~~الجنايات التي لا توقيف في مقاديرها ومهور الأمثال ونحوها. # فإن قيل: فلا بد من أن يكون اعتباره لهذا المقدار دون غيره لضرب من ~~الترجيح على غيره يوجب تغليب ذلك في رأيه دون ما عداه من المقادير. قيل له: ~~قد علمنا أن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان طريقه العادات فقد ~~تجوز الزيادة فيه والنقصان منه، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة، وقد ~~بينا أن الزيادة على المعتاد من الخمس عشرة جائزة كالنقصان عنه فجعل أبو ~~حنيفة الزيادة على المعتاد كالنقصان عنه وهي ثلاث سنين; كما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما جعل المعتاد من حيض النساء ستا أو سبعا بقوله لحمنة بنت ~~جحش: "تحيضين في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر" اقتضى ~~ذلك أن يكون العادة ستا ونصفا; لأنه جعل السابع مشكوكا فيه بقوله: "ستا أو ~~سبعا". ثم قد ثبت عندنا أن ms2613 النقصان عن المعتاد ثلاث ونصف; لأن أقل الحيض ~~عندنا ثلاث وأكثره عشرة، فكانت الزيادة على المعتاد بإزاء النقصان منه، وجب ~~أن يكون كذلك اعتبار الزيادة على المعتاد فيما وصفنا. وقد حكي عن أبي حنيفة ~~تسع عشرة سنة للغلام; وهو محمول على استكمال ثماني عشرة والدخول في التاسع ~~عشرة. # PageV03P428 # واختلف في الإثبات هل يكون بلوغا، فلم يجعله أصحابنا بلوغا، والشافعي ~~يجعله بلوغا، وظاهر قوله: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} ينفي أن يكون ~~الإثبات بلوغا إذا لم يحتلم، كما نفى كون خمس عشرة بلوغا. وكذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "وعن الصبي حتى يحتلم" وهذا خبر منقول من طريق الاستفاضة ~~قد استعمله السلف والخلف في رفع حكم القلم عن المجنون والنائم والصبي. ~~واحتج من جعله بلوغا بحديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من بني قريظة واستحيا من لم ينبت، قال: ~~"فنظروا إلي فلم أكن أنبت فاستبقاني". وهذا حديث لا يجوز إثبات الشرع ~~بمثله; إذ كان عطية هذا مجهولا لا يعرف إلا من هذا الخبر، لا سيما مع ~~اعتراضه على الآية والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام; ومع ذلك فهو مختلف ~~الألفاظ، ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه المواسي، وفي بعضها من اخضر ~~إزاره; ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم في بلوغه، ولا يكون قد ~~جرت عليه المواسي إلا وهو رجل كبير; فجعل الإثبات وجري المواسي عليه كناية ~~عن بلوغ القدر الذي ذكرنا في السن وهي ثماني عشرة وأكثر. وروي عن عقبة بن ~~عامر وأبي بصرة الغفاري أنهما قسما في الغنيمة لمن أنبت. وهذا لا دلالة فيه ~~على أنهما رأيا الإنبات بلوغا; لأن القسمة جائزة للصبيان على وجه الرضخ. ~~وقد روي عن قوم من السلف شيء في اعتبار طول الإنسان لم يأخذ به أحد من ~~الفقهاء. وروى محمد بن سيرين عن أنس قال: "أتى أبو بكر بغلام قد سرق، فأمره ~~فشبر فنقص أنملة فخلى عنه". وروى ms2614 قتادة عن خلاس عن علي قال: "إذا بلغ ~~الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه، وإذا استعانه ~~رجل بغير إذن أهله لم يبلغ خمسة أشبار فهو ضامن". وروى ابن جريج عن ابن أبي ~~مليكة: "أن ابن الزبير أتى بوصيف لعمر بن أبي ربيعة قد سرق فقطعه، ثم حدث ~~أن عمر كتب إليه في غلام من أهل العراق، فكتب إليه أن اشبره فشبره فنقص ~~أنملة فسمي نميلة". # قال أبو بكر: وهذه أقاويل شاذة بأسانيد ضعيفة تبعد أن تكون من أقاويل ~~السلف،; إذ الطول والقصر لا يدلان على بلوغ ولا نفيه; لأنه قد يكون قصيرا ~~وله عشرون سنة وقد يكون طويلا ولا يبلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم; وقوله ~~{والذين لم يبلغوا الحلم منكم} يدل على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل ~~الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح وإن لم يكن من أهل التكليف، على جهة ~~التعليم; كما أمرهم الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات. وقد روي عن عبد ~~الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا بلغ الغلام سبع سنين فمروه بالصلاة، وإذا بلغ عشرا ~~فاضربوه عليها". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # PageV03P429 # "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا ~~وفرقوا بينهم في المضاجع". وعن ابن مسعود قال: "حافظوا على أبنائكم في ~~الصلاة". وروى نافع عن ابن عمر قال: "يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من ~~شماله". وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: "كان علي بن ~~الحسين يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا، ~~فيقال له: يصلون الصلاة لغير وقتها فيقول: هذا خير من أن يتناهوا عنها". ~~وروى هشام بن عروة: "أنه كان يأمر بنيه بالصلاة إذا عقلوها وبالصوم إذا ~~أطاقوه". وروى أبو إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال: "إذا ms2615 بلغ ~~الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم". # قال أبو بكر: إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون ~~أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه، وكذلك يجنب شرب الخمر وأكل لحم ~~الخنزير وينهى عن سائر المحظورات; لأنه لو لم يؤمر بذلك في الصغر وخلي ~~وسائر شهواته وما يؤثره ويختاره يصعب عليه بعد البلوغ الإقلاع عنه; وقال ~~الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} روي في التفسير: أدبوهم وعلموهم. ~~وكما ينهى عن اعتقاد الكفر والشرك وإظهاره وإن لم يكن مكلفا، كذلك حكم ~~الشرائع. # وقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} الآية. يعني أن الأطفال إذا ~~بلغوا الحلم فعليهم الاستئذان في سائر الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم ~~وهم المذكورون في قوله تعالى: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها} وفيه دلالة على أن الاحتلام بلوغ. وقوله: {ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} يعني بعد هذه العورات ~~الثلاث جائز للإماء والذين لم يبلغوا الحلم أن يدخلوا بغير استئذان; إذ ~~كانت الأوقات الثلاث هو حال التكشف والخلوة وما بعدها حال الستر والتأهب ~~لدخول هؤلاء الذين يشق عليهم الاستئذان في كل وقت لكثرة دخولهم وخروجهم وهو ~~معنى {طوافون عليكم بعضكم على بعض} . # PageV03P430 # في اسم صلاة العشاء # قوله تعالى: {ومن بعد صلاة العشاء} روى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الله ~~تعالى قال: {ومن بعد صلاة العشاء} وإن الأعراب يسمونها العتمة، وإنما ~~العتمة عتمة الإبل للحلاب". # وقوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} الآية. قال ابن # PageV03P430 # مسعود ومجاهد: "والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هن اللاتي لا يردنه، ~~وثيابهن جلابيبهن". وقال إبراهيم وابن جبير: "الرداء". وقال الحسن: ~~"الجلباب والمنطق". وعن جابر بن زيد: "يضعن الخمار والرداء". # قال أبو بكر: لا خلاف في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه ~~كشعر الشابة، وأنها إن صلت ms2616 مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها، فغير ~~جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة الأجنبي. # فإن قيل: إنما أباح الله تعالى لها بهذه الآية أن تضع خمارها في الخلوة ~~بحيث لا يراها أحد. قيل له: فإذا لا معنى لتخصيص القواعد بذلك; إذ كان ~~للشابة أن تفعل ذلك في خلوة، وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ~~ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس، وأباح لها بذلك كشف وجهها ~~ويدها; لأنها لا تشتهى; وقال تعالى: {وأن يستعففن خير لهن} فأباح لها وضع ~~الجلباب، وأخبر أن الاستعفاف بأن لا تضع ثيابها أيضا بين يدي الرجال خير ~~لها. # وقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} الآية. قال أبو بكر: قد اختلف السلف ~~في تأويله وسبب نزوله، فحدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن ~~محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ~~بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوم: {ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} قال: "لما نزلت: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل} [البقرة: 188] قال المسلمون: إن الله تعالى قد نهانا أن ~~نأكل أموالنا بيننا بالباطل وإن الطعام من أفضل أموالنا ولا يحل لأحد أن ~~يأكل عند أحد; فكف الناس عن ذلك فأنزل الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج} ~~الآية". فهذا أحد التأويلات. وحدثنا جعفر بن محمد "بن الحكم" قال: حدثنا ~~جعفر بن محمد "بن اليمان" قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~عن مجاهد في هذه الآية قال: "كان رجال زمنى وعميان وعرجان وأولو حاجة ~~يستتبعهم رجال إلى بيوتهم فإن لم يجدوا لهم طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت ~~آبائهم ومن معهم، فكره المستتبعون ذلك، فنزلت: {ولا جناح عليكم} [النساء: ~~24] الآية، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه من ذلك". فهذا تأويل ثاني. وحدثنا ~~جعفر بن محمد "بن الحكم" قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا ms2617 أبو ~~عبيد قال: حدثنا ابن مهدي عن ابن المبارك عن معمر قال: قلت للزهري: ما بال ~~الأعمى والأعرج والمريض ذكروا ههنا؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة: "أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم # PageV03P431 # في بيوتهم وسلموا إليهم المفاتيح وقالوا: قد أحللنا لكم أن تأكلوا منها، ~~فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فنزلت هذه الآية رخصة ~~لهم". فهذا تأويل ثالث. وروي فيه تأويل رابع، وهو ما روى سفيان عن قيس بن ~~مسلم عن مقسم قال: "كانوا يمتنعون أن يأكلوا مع الأعمى والمريض والأعرج; ~~لأنه لا ينال ما ينال الصحيح، فنزلت هذه الآية" وقد أنكر بعض أهل العلم هذا ~~التأويل; لأنه لم يقل: ليس عليكم حرج في مؤاكلة الأعمى وإنما أزال الحرج عن ~~الأعمى ومن ذكر معه في الأكل، فهذا في الأعمى إذا أكل من مال غيره على أحد ~~الوجوه المذكورة عن السلف، وإن كان تأويل مقسم محتملا على بعد في الكلام، ~~وتأويل ابن عباس ظاهر; لأن قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ولم يكن هذا تجارة وامتنعوا ~~من الأكل، فأنزل الله إباحة ذلك. وأما تأويل مجاهد فهو سائغ من وجهين: ~~أحدهما: أنه قد كانت العادة عندهم بذل الطعام لأقربائهم ومن معهم، فكان ~~جريان العادة به كالنطق به، فأباح الله للأعمى ومن ذكر معه إذا استتبعوا أن ~~يأكلوا من بيوت من اتبعوهم وبيوت آبائهم. والثاني: أن ذلك فيمن كان به ~~ضرورة إلى الطعام، وقد كانت الضيافة واجبة في ذلك الزمان لأمثالهم، فكان ~~ذلك القدر مستحقا من مالهم لهؤلاء; فلذلك أبيح لهم أن يأكلوا منه مقدار ~~الحاجة بغير إذن. وقال قتادة: "إن أكلت من بيت صديقك بغير إذنه فلا بأس"، ~~لقوله: {أو صديقكم} . وروي أن أعرابيا دخل على الحسن، فرأى سفرة معلقة ~~فأخذها وجعل يأكل منها، فبكى الحسن، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت بما صنع ~~هذا إخوانا لي مضوا; يعني أنهم كانوا ينبسطون في مثل ذلك ms2618 ولا يستأذنون. ~~وهذا أيضا على ما كانت العادة قد جرت به منهم في مثله. # وقوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} يعني والله أعلم: من ~~البيوت التي هم سكانها وهم عيال غيرهم فيها، مثل أهل الرجل وولده وخادمه ~~ومن يشتمل عليه منزله فيأكل من بيته; ونسبها إليهم; لأنهم سكانها وإن كانوا ~~في عيال غيرهم وهو صاحب المنزل; لأنه لا يجوز أن يكون المراد الإباحة للرجل ~~أن يأكل من مال نفسه; إذ كان ظاهر الخطاب وابتداؤه في إباحة الأكل للإنسان ~~من مال غيره; وقال الله: {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم ~~أو بيوت أخواتكم} فأباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقرباء ذوي المحارم بجريان ~~العادة ببذل الطعام لأمثالهم وفقد التمانع في أمثاله، ولم يذكر الأكل في ~~بيوت الأولاد; لأن قوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} قد ~~أفاده; لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ~~ومالك لأبيك" وقال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا ~~من كسب # PageV03P432 # أولادكم"، فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد; إذ كانت منسوبة ~~إلى الآباء. # وقوله تعالى: {أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم} روي عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس: {أو ما ملكتم مفاتحه} قال: "هو الرجل يؤاكل الرجل بصنعته، يرخص ~~له أن يأكل من ذلك الطعام والثمر ويشرب من ذلك اللبن". وعن عكرمة في قوله: ~~{أو ما ملكتم مفاتحه} قال: "إذا ملك المفتاح فهو جائز ولا بأس أن يطعم ~~الشيء اليسير". وروى سعيد عن قتادة في قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج} قال: وكان الرجل لا يضيف أحدا ولا يأكل من بيت غيره تأثما من ~~ذلك، وكان أول من رخص الله له في ذلك ثم رخص للناس عامة، فقال: {ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} إلى قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} مما عندك يا ~~ابن آدم، أو صديقكم، ولو دخلت على ms2619 صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك ~~حلالا. قال أبو بكر: وهذا أيضا مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه فيكون ~~المعتاد من ذلك كالمنطوق به، وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها ~~بالكسرة ونحوها من غير استئذانها إياه; لأنه متعارف أنهم لا يمنعون من ~~مثله، كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان إلى طعامهما ويتصدقان باليسير مما في ~~أيديهما فيجوز بغير إذن المولى. # وقوله: {أو صديقكم} روى الأعمش عن نافع عن ابن عمر قال: "لقد رأيتني وما ~~الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم". وروى عبد الله الرصافي ~~عن محمد بن علي قال" "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى أحدهم ~~أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه" وروى إسحاق بن كثير قال: حدثنا الرصافي ~~قال: "كنا عند أبي جعفر يوما فقال: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه فيأخذ ~~ماله؟ قلنا: لا، قال: ما أنتم بإخوان". # قال أبو بكر: قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ~~لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها من غير إذنهم فلا يكون ~~ماله محرزا منهم. # فإن قيل: فينبغي أن لا يقطع إذا سرق من صديقه; لأن ففي الآية إباحة الأكل ~~من طعامه قيل له: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له. # وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا} وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه". قال أبو بكر: ليس في ذلك ما يوجب نسخه; لأن هذه الآية فيمن ذكر ~~فيها، وقوله: {لا تدخلوا بيوتا # PageV03P433 # غير بيوتكم} في سائر الناس غيرهم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل ~~مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". # وقوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} . روى سعيد عن ~~قتادة قال: "كان هذا الحي من كنانة بني خزيمة يرى أحدهم أنه محرم عليه أن ~~يأكل، ms2620 وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد ~~من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا} . وروى الوليد بن مسلم قال: حدثنا وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي ~~أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا نأكل ولا نشبع، قال: ~~"فلعلكم تفترقون"؟ قالوا: نعم، قال: "فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله ~~عليه يبارك لكم فيه". وقال ابن عباس: {جميعا أو أشتاتا} "المعنى: يأكل مع ~~الفقير في بيته". وقال أبو صالح: "كان إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا ~~إلا معه". وقيل: "إن الرجل كان يخاف إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل ~~صاحبه، فامتنعوا لأجل ذلك من الاجتماع على الطعام". قال أبو بكر: هذا تأويل ~~محتمل، وقد دل على هذا المعنى قوله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] فأباح لهم أن يخلطوا طعام اليتيم ~~بطعامهم فيأكلوه جميعا، ونحوه قوله: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} [الكهف: 19] ، فكان الورق لهم ~~جميعا والطعام بينهم فاستجازوا أكله، فكذلك قوله: {ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا} يجوز أن يكون مراده أن يأكلوا جميعا طعاما بينهم وهي ~~المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار. # وقوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية} روى معمر عن ~~الحسن: "فسلموا على أنفسكم، يسلم بعضكم على بعض، كقوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} ". وروى معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: "هو المسجد إذا ~~دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". وقال نافع عن ابن عمر: ~~"أنه كان إذا دخل بيتا ليس فيه أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، وإذا كان فيه أحد قال: السلام عليكم، وإذا دخل المسجد قال: بسم ~~الله السلام على رسول الله". وقال الزهري: {فسلموا على أنفسكم} "إذا دخلت ~~بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا لا أحد ms2621 فيه فقل ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك حدثنا أن ~~الملائكة ترد عليه". # قال أبو بكر: لما كان اللفظ محتملا لسائر الوجوه التي تأوله السلف عليها ~~وجب أن يكون الجميع مرادا بعموم اللفظ. # PageV03P434 # وقوله تعالى: {تحية من عند الله مباركة طيبة} يعني أن السلام تحية من ~~الله; لأن الله أمر به، وهي مباركة طيبة; لأنه دعاء بالسلامة فيبقى أثره ~~ومنفعته. وفيه الدلالة على أن قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها} [النساء: 86] قد أريد به السلام. # وقوله تعالى: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} قال ~~الحسن وسعيد بن جبير: "في الجهاد". وقال عطاء: "في كل أمر جامع". وقال ~~مكحول: "في الجمعة والقتال". وقال الزهري: "الجمعة"، وقال قتادة: "كل أمر ~~هو طاعة لله". قال أبو بكر: هو في جميع ذلك لعموم اللفظ. وقال سعيد عن ~~قتادة: {وإذا كانوا معه على أمر جامع} الآية، قال: "كان الله أنزل قبل ذلك ~~في سورة براءة: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] فرخص له في هذه ~~السورة: {فأذن لمن شئت منهم} فنسخت هذه الآية التي في سورة براءة". وقد ~~قيل: إنه لا معنى للاستئذان للمحدث في الجمعة; لأنه لا وجه لمقامه ولا يجوز ~~للإمام منعه، فلا معنى للاستئذان فيه; وإنما هو فيما يحتاج الإمام فيه إلى ~~معونتهم في القتال أو الرأي. # وقوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} روي عن ابن ~~عباس قال: "يعني احذروا إذا أسخطتموه دعاءه عليكم فإن دعاءه مجاب ليس كدعاء ~~غيره". وقال مجاهد وقتادة: "ادعوه بالخضوع والتعظيم نحو يا رسول الله يا ~~نبي الله، ولا تقولوا: يا محمد كما يقول بعضكم لبعض" قال أبو بكر: هو على ~~الأمرين جميعا لاحتمال اللفظ لهما. # وقوله تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} يعني به المنافقين ~~الذين كانوا ينصرفون عن أمر جامع من غير استئذان يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به ~~لئلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا. # قوله ms2622 تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم} معناه: فليحذر الذين يخالفون أمره. ودخل عليه حرف الجر لجواز ~~ذلك في اللغة، كقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] معناه: فبنقضهم ~~ميثاقهم. و "الهاء" في "أمره" يحتمل أن يكون ضميرا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويحتمل أن يكون ضميرا لله تعالى; والأظهر أنها لله; لأنه يليه، وحكم ~~الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها. وفيه دلالة على أن أوامر الله ~~على الوجوب; لأنه ألزم اللوم والعقاب لمخالفة الأمر، وذلك يكون على وجهين: ~~أحدهما: أن لا يقبله فيخالفه بالرد له. والثاني: أن لا يفعل المأمور به وإن ~~كان مقرا بوجوبه عليه ومعتقدا للزومه; فهو على الأمرين جميعا ومن # PageV03P435 # قصره على أحد الوجهين دون الآخر خصه بغير دلالة. ومن الناس من يحتج به في ~~أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب، وذلك أنه جعل الضمير في ~~"أمره" للنبي صلى الله عليه وسلم وفعله يسمى أمره، كما قال تعالى: {وما أمر ~~فرعون برشيد} [هود: 97] يعني أفعاله وأقواله. وهذا ليس كذلك عندنا; لأن اسم ~~الله تعالى فيه بعد اسم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا} وهو الذي تليه الكناية، فينبغي أن يكون راجعا ~~إليه دون غيره. آخر سورة النور. # PageV03P436 # ومن سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} الطهور على وجه المبالغة في ~~الوصف له بالطهارة وتطهير غيره، فهو طاهر مطهر، كما يقال: رجل ضروب وقتول ~~أي يضرب ويقتل وهو مبالغة في الوصف له بذلك. والوضوء يسمى طهورا; لأنه يطهر ~~من الحدث المانع من الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور" أي بما يطهر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا" فسماه طهورا من حيث استباح به الصلاة وقام مقام الماء ~~فيه. # وقد اختلف في حكم الماء على ثلاثة أنحاء: أحدها: إذا خالط الماء غيره ms2623 من ~~الأشياء، الطاهرة. والثاني: إذا خالطه نجاسة. والثالث: الماء المستعمل; ~~فقال أصحابنا: "إذا لم تخالطه نجاسة ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم ~~الماء لأجل الغلبة ولم يستعمل لطهارة البدن فالوضوء به جائز فإن غلب عليه ~~غيره حتى يزيل عنه اسم الماء مثل المرق وماء الباقلاء والخل ونحوه، فإن ~~الوضوء به غير جائز، وما طبخ بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون ~~فالوضوء به جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي، وكذلك إن وقع ~~فيه زعفران أو شيء مما يصبغ بصبغه وغير لونه فالوضوء به جائز لأجل غلبة ~~الماء". وقال مالك، "لا يتوضأ بالماء الذي يبل فيه الخبز". وقال الحسن بن ~~صالح: "إذا توضأ بزردج أو نشاسبتج أو بخل أجزأه، وكذلك كل شيء غير لونه". ~~وقال الشافعي: "إذا بل فيه خبزا وغير ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى ~~يضاف إلى ما خالطه وخرج منه فلا يجوز التطهر به وكذلك الماء الذي غلب عليه ~~الزعفران أو الأشنان"; وكثير من أصحابه يشرط فيه أن يكون بعض الغسل بغير ~~الماء. # قال أبو بكر: الأصل فيه قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] إلى قوله: {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] فيه الدلالة ~~من وجهين على قولنا: أحدهما: أن قوله: {فاغسلوا} عموم في سائر المائعات ~~بجواز إطلاق اسم # PageV03P437 # الغسل فيها. والثاني: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} ولا يمتنع أحد من ~~إطلاق القول بأن هذا فيه ماء وإن خالطه غيره، وإنما أباح الله تعالى التيمم ~~عند عدم كل جزء من ماء; لأن قوله "ماء" اسم منكور يتناول كل جزء منه; وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وظاهره ~~يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فيه، وأباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من لعابهما ~~وأيضا لا خلاف في جواز الوضوء بماء المد والسيل مع تغير لونه بمخالطة الطين ~~له وما يكون في الصحارى من ms2624 الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى ~~متغيرا إلى السواد تارة وإلى الحمرة والصفرة أخرى، فصار ذلك أصلا في جميع ~~ما خالطه الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء. # فإن قيل: إذا كان الماء المنفرد عن غيره لو استعمله للطهارة ولم يكفه ثم ~~اختلط به غيره فكفاه بالذي خالطه نحو ماء الورد والزعفران فقد حصل بعض ~~وضوئه بما لا تجوز الطهارة به مما لو أفرده لم يطهر، فلا فرق بين اختلاطه ~~بالماء وبين إفراده بالغسل. قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن ما خالطه ~~من هذه الأشياء الطاهرة التي يجوز استعمالها لغير الطهارة إذا كان قليلا ~~سقط حكمه وكان الحكم لما غلب، ألا ترى أن اللبن الذي خالطه ماء يسير لا ~~يزول عنه اسم اللبن وأن من شرب من جب قد وقعت فيه قطرة من خمر لا يقال له: ~~شارب خمر، ولم يجب عليه الحد; لأن ذلك الجزء قد صار مستهلكا فيه فسقط حكمه؟ ~~كذلك الماء إذا كان هو الغالب والجزء الذي خالطه إذا كان يسيرا سقط حكمه. ~~ومن جهة أخرى أنه إن كانت العلة ما ذكرت فينبغي أن يجوز إذا كان الماء الذي ~~استعمله لو انفرد عما خالطه كان كافيا لطهارته; إذ لا فرق بين انفراد الماء ~~في الاستعمال وبين اختلاطه بما لا يوجب تنجيسه، فإذا كان لو استعمل الماء ~~منفردا عما خالطه من اللبن وماء الولد ونحوه وكان طهورا، وجب أن يكون ذلك ~~حكمه إذا خالطه غيره; لأن مخالطة غيره له لا تخرجه من أن يكون مستعملا ~~للماء المفروض به الطهارة; فهذا الذي ذكرته يدل على بطلان قولك وهدم أصلك. ~~وأيضا فينبغي أن تجيزه; إذ أكثر غسل أعضائه بذلك الماء; لأنه قد استعمل من ~~الماء في أعضاء الوضوء ما لو انفرد بنفسه كان كافيا. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} فجعل الماء ~~المنزل من السماء طهورا. فإذا خالطه غيره فليس هو المنزل من السماء بعينه ~~فلا يكون طهورا، قيل له: مخالطة ms2625 غيره له لا تخرجه من أن يكون الماء هو ~~المنزل من السماء ألا ترى أن اختلاط الطين بماء السيل لم يخرجه من أن يكون ~~الماء الذي فيه هو المنزل بعينه وإن لم # PageV03P438 # يكن وقت نزوله من السماء مخالطا للطين؟ وكذلك ماء البحر لم ينزل من ~~السماء على هذه الهيئة والوضوء به جائز; لأن الغالب عليه هو الماء المنزل ~~من السماء، فهو إذا مع اختلاط غيره به متطهر بالماء الذي أنزله الله من ~~السماء وسماه طهورا. # فإن قيل: فيجب على هذا جواز الوضوء بالماء الذي خالطته نجاسة يسيرة; لأنه ~~لم يخرج بمخالطته النجاسة إياه من أن يكون هذا الماء هو المنزل من السماء. ~~قيل له: الماء المخالط للنجاسة هو باق بحاله لم يصر نجس العين، فلو لم يكن ~~هناك إلا مخالطة غيره له لما منعنا الوضوء به ولكنا منعنا الطهارة به مع ~~كونه ماء منزلا من السماء من قبل أنه لا نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء ~~من النجاسة، واستعمال النجاسة محظور، فإنما منعنا استعمال النجاسة وليس ~~بمحظور علينا استعمال الأشياء الطاهرة وإن خالطت الماء، فإذا حصل معه ~~استعمال الماء للطهارة جاز، كمن توضأ بماء القراح ثم مسح وجهه بماء الورد ~~أو بماء الزعفران فلا يبطل ذلك طهارته. وقد أجاز الشافعي الوضوء بما ألقي ~~فيه كافور أو عنبر وهو يوجد منه ريحه وبما خالطه ورد يسير، وإن وقع مثله من ~~النجاسة في أقل من قلتين لم يجز استعماله فليس قياس النجاسة قياس الأشياء ~~الطاهرة إذا خالطت الماء. # فإن قيل: يلزمك أن تجيز الوضوء بالماء الذي يخالطه ما يغلب عليه شيء من ~~الأشياء الطاهرة إذا كان الماء لو انفرد كفاء لوضوئه; لأنه لو انفرد جاز ~~ولأنه هو المنزل من السماء في حال المخالطة وإن غلب عليه غيره حتى سلبه ~~إطلاق اسم الماء. قيل له: لا يجب ذلك من قبل أن غلبة غيره عليه ينقله إلى ~~حكمه ويسقط حكم القليل معه، بدلالة أن قطرة من خمر لو وقعت في جب ماء فشرب ~~منه ms2626 إنسان لم يقل: إنه شارب خمر ولا يجب عليه الحد، ولو أن خمرا صب فيه ماء ~~فمزجت به فكان الخمر هو الغالب لأطلق الناس عليه أنه شارب خمر وكان حكمه في ~~وجوب الحد عليه حكم شاربها صرفا غير ممزوجة. وأما ماء الورد وماء الزعفران ~~وعصارة الريحان والشجر فلم يمنع الوضوء به من أجل مخالطة غيره ولكن; لأنه ~~ليس بالماء المفروض به الطهارة ولا يتناوله الاسم إلا بتقييد، كما سمى الله ~~تعالى المني ماء بقوله: {ألم نخلقكم من ماء مهين} [المرسلات:20] وقال: ~~{والله خلق كل دابة من ماء} [النور: 45] وليس هو من الماء المفروض به ~~الطهارة في شيء. وأما مذهب الحسن بن صالح في إجازته الوضوء بالخل ونحوه، ~~فإنه يلزمه إجازته بالمرق وبعصير العنب لو خالطه شيء يسير من ماء، ولو جاز ~~ذلك لجاز الوضوء بسائر المائعات من الأدهان وغيرها، وهذا خلاف الإجماع، ولو ~~جاز ذلك لجاز التيمم بالدقيق والأشنان قياسا على التراب. # PageV03P439 # فصل # وأما الماء الذي خالطته نجاسة فإن مذهب أصحابنا فيه أن كل ما تيقنا فيه ~~جزءا من النجاسة أو غلب في الظن ذلك لم يجز استعماله، ولا يختلف على هذا ~~الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والماء الراكد والجاري; لأن ماء البحر ~~لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة، وكذلك الماء ~~الجاري. وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف ~~الآخر، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد ~~طرفيه إلى الطرف الآخر، وليس هذا كلاما في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة ~~قد يجوز استعماله وبعضها لا يجوز استعماله; ولذلك قالوا: لا يجوز استعمال ~~الماء الذي في الناحية التي فيها النجاسة. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في الماء الذي حلته نجاسة، فروي عن حذيفة ~~أنه سئل عن غدير يطرح فيه الميتة والحيض فقال: "توضئوا فإن الماء لا يخبث". ~~وقال ابن عباس في الجنب يدخل الحمام: "إن الماء لا يجنب". وقال أبو هريرة ~~رواية في ms2627 الماء ترده السباع والكلاب فقال: "الماء لا يتنجس". وقال ابن ~~المسيب: "أنزل الله الماء طهورا لا ينجسه شيء". وقال الحسن والزهري في ~~البول في الماء: "لا ينجس ما لم يغيره بريح أو لون أو طعم". وقال عطاء ~~وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى: "الماء لا ينجسه شيء"، وكذلك روي عن القاسم ~~وسالم وأبي العالية، وهو قول ربيعة. وقال أبو هريرة رواية: "لا يخبث أربعين ~~دلوا شيء"، وهو قول سعيد بن جبير في رواية. وقال عبد الله بن عمر: "إذا كان ~~الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء". وروي عن ابن عباس أنه قال: "الحوض لا ~~يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غربا"، وهو قول محمد بن كعب القرظي. ~~وقال مسروق والنخعي وابن سيرين: "إذا كان الماء كرا لم ينجسه شيء". وقال ~~سعيد بن جبير: "الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال". وقال ~~مجاهد: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء". وقال عبيد بن عمير: "لو أن ~~قطرة من مسكر قطرت في قربة من الماء لحرم ذلك الماء على أهله". وقال مالك ~~والأوزاعي: "لا يفسد الماء بالنجاسة إلا أن يتغير طعمه أو ريحه" وقد ذكر عن ~~مالك مسائل في موت الدجاجة في البئر: "أنها تنزف إلا أن تغلبهم، ويعيد ~~الصلاة من توضأ به ما دام في الوقت" وهذا عنده استحباب، وكذلك يقول أصحابه: ~~إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب. وقال ~~في الحوض إذا اغتسل فيه جنب: "أفسده"، وهذا أيضا عنده استحباب لترك ~~استعماله، وإن توضأ به أجزأه. وكره الليث للجنب أن يغتسل في البئر. وقال ~~الحسن بن صالح: "لا بأس أن يغتسل الجنب في الماء # PageV03P440 # الراكد الكثير القائم في النهر والسبخة" وكره الوضوء بالماء بالفلاة إذا ~~كان أقل من قدر الكر; وروي نحوه عن علقمة وابن سيرين; والكر عندهم ثلاثة ~~آلاف رطل ومائتا رطل. وقال الشافعي: "إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ~~ينجسه إلا ما غير طعمه أو ms2628 لونه، وإن كان أقل يتنجس بوقوع النجاسة اليسيرة". # والذي يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: ~~157] والنجاسات لا محالة من الخبائث، وقال: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} ~~[البقرة: 173] وقال في الخمر {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] ~~ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في ~~كبير، أما أحدهما كان لا يستبرئ من البول والآخر كان يمشي بالنميمة"، فحرم ~~الله هذه الأشياء تحريما مبهما ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها ~~بالماء، فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا فيه جزءا من النجاسة، ويكون جهة ~~الحظر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة من طريق الماء المباح في الأصل; ~~لأنه متى اجتمع في شيء جهة الحظر وجهة الإباحة فجهة الحظر أولى، ألا ترى أن ~~الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مائة جزء وللآخر جزء واحد أن جهة ~~الحظر فيها أولى من جهة الإباحة وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها؟. # فإن قيل: لم غلبت جهة الحظر في النجاسة على جهة الإيجاب في استعمال الماء ~~الذي قد حلته نجاسة إذا لم تجد ماء غيره؟ ومعلوم أن استعماله في هذه الحال ~~واجب إذا لزمه فرض أداء الصلاة، وإنما اجتمع ههنا جهة الحظر وجهة الإيجاب. ~~قيل له: قولك: إنه قد اجتمع فيه جهة الحظر وجهة الإيجاب خطأ; لأنه إنما يجب ~~استعمال الماء الذي لا نجاسة فيه، فأما ما فيه نجاسة فلم يلزمه استعماله. # فإن قيل: إنما يلزمه اجتناب النجاسة إذا كانت متجردة بنفسها، فأما إذا ~~كانت مخالطة للماء فليس عليه اجتنابها. قيل له: عموم ما ذكرنا من الآي ~~والسنن قاض بلزوم اجتنابها في حالة الانفراد والاختلاط، ومن ادعى تخصيص شيء ~~منه لم يجز له ذلك إلا بدلالة. وأيضا فإذا كان واجدا لماء غيره لم تخالطه ~~نجاسة فليس بواجب عليه استعمال الماء الذي فيه النجاسة، وأكثر ما فيه عند ~~مخالفنا جواز استعماله على وجه الإباحة، وما ذكرناه من لزوم اجتناب النجاسة ~~يوجب الحظر، والإباحة والحظر متى اجتمعا فالحكم للحظر ms2629 على ما بينا، وإذا صح ~~ذلك وكان واجدا لماء غيره وجب أن يكون ذلك حكمه إذا لم يجد غيره لوجهين: ~~أحدهما: لزوم استعمال الآي الحاظرة لاستعمال النجاسات، فثبت بذلك أن الحظر ~~قد تناولها في حال اختلاطها به كهو في حال انفرادها. والثاني: أن أحدا لم ~~يفرق بين حال وجود ماء غيره وبينه إذا لم يجد غيره، فإذا صح لنا ذلك في حال # PageV03P441 # وجود ماء غيره كانت الحال الأخرى مثله لاتفاق الجميع على امتناع الفصل ~~بينهما ووجه آخر يوجب أن يكون لزوم اجتناب النجاسة أولى من وجوب استعمال ~~الماء الذي هي فيه، لعموم قوله: {فاغسلوا} [المائدة: 6] إذا لم يجد ماء ~~غيره; وهو أن تحريم استعمال النجاسة متعلق بعينها، ألا ترى أنه ما من نجاسة ~~إلا وعلينا اجتنابها وترك استعمالها إذا كانت منفردة، والماء الذي لا نجد ~~غيره لم يتعين فيه لزوم الاستعمال؟ ألا ترى أنه لو أعطاه إنسان ماء غيره أو ~~غصبه فتوضأ به كانت طهارته صحيحة؟ فلما لم يتعين فرض طهارته بذلك وتعين ~~عليه حظر استعمال النجاسة صار للزوم اجتناب النجاسة مزية على وجوب استعمال ~~الماء الذي لا يجد غيره إذا كانت فيه نجاسة، فوجب أن يكون العموم الموجب ~~لاجتنابها أولى. وأيضا لا نعلم خلافا بين الفقهاء في سائر المائعات إذا ~~خالطه اليسير من النجاسات، كاللبن والأدهان والخل ونحوه، وإن حكم اليسير في ~~ذلك كحكم الكثير وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه، والدلالة من هذا الأصل على ~~ما ذكرناه من وجهين: أحدهما: لزوم اجتناب النجاسات بالعموم الذي قدمنا في ~~حالي المخالطة والانفراد. والآخر: أن حكم الحظر وهو النجاسة كان أغلب في ~~حكم الإباحة وهو الذي خالطه من الأشياء الطاهرة، ولا فرق في ذلك بين أن ~~يكون الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره،; إذ كان عموم الآي والسنن شاملة له، ~~وإذا كان المعنى وجود النجاسة فيه حظر استعماله. ويدل على صحة قولنا من جهة ~~السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل ~~فيه من ms2630 جنابة". وفي لفظ آخر: "ولا يغتسل فيه من جنابة". ومعلوم أن البول ~~القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته، ومنع النبي صلى ~~الله عليه وسلم منه. # فإن قيل: إنما منع البول القليل; لأنه لو أبيح لكل أحد لكثر حتى يتغير ~~طعمه أو لونه أو رائحته فيفسد. قيل له: ظاهر نهيه يقتضي أن يكون القليل ~~منهيا عنه لنفسه لا لغيره، وفي حمله على أنه ليس بمنهي عنه لنفسه وأنه إنما ~~منع لئلا يفسد لغيره إثبات معنى غير مذكور في اللفظ ولا دلالة عليه وإسقاط ~~حكم المذكور في نفسه. وعلى أنه متى حمل على ذلك زالت فائدته وسقط حكمه ~~لعلمنا بأن ما غير من النجاسات طعم الماء أو لونه أو رائحته محظور استعماله ~~بغير هذا الخبر من النصوص والإجماع، فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكمه رأسا; وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من ~~جنابة" فمنع البائل الاغتسال فيه بعد البول قبل أن يصير إلى حال التغير. ~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل ~~يديه ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل ~~اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء، ومعلوم أن مثلها إذا حلت ~~الماء لم يغيره، ولولا أنها تفسده لما كان للأمر بالاحتياط منها # PageV03P442 # معنى، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب بقوله: "طهور ~~إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا"، وهو لا يغيره. # فإن قيل: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] إلى قوله تعالى: ~~{فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] وقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا} [النساء: 43] يدل من وجهين على جواز استعماله وإن كانت فيه نجاسة: ~~أحدهما: عموم قوله تعالى: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43] أن ذلك يقتضي جوازه ~~بماء حلته النجاسة وبما لم تحله والوجه الآخر: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} ~~[المائدة: 6] ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا ماء إذا ms2631 كانت فيه نجاسة ~~يسيرة لم تغيره; وهذا يعارض ما استدللتم به من عموم الآي والأخبار في حظر ~~استعماله ماء خالطته نجاسة قيل له: لو تعارض العمومان لكان ما ذكرنا أولى ~~من تضمنه من الحظر، والإباحة والحظر متى اجتمعا كان الحكم للحظر. وعلى أن ~~ما ذكرنا من حظر استعمال النجاسة قاض على ما ذكرت من العموم، فوجب أن يكون ~~الغسل مأمورا بماء لا نجاسة فيه. ألا ترى أنه إذا غيرته كان محظورا وعموم ~~إيجاب الحظر مستعمل فيه دون عموم الأمر بالغسل؟ وكما قضى حظره لاستعمال ~~النجاسات على قوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] فإن كان ما ~~حله منها يسيرا كذلك واجب أن يقضى على قوله تعالى: {فاغسلوا} [المائدة: 6] ~~وقوله: {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] . # واحتج من أباح ذلك بقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} وقوله: ~~{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" وصفه إياه بالتطهير يقتضي تطهير ما ~~لاقاه. فيقال له: معنى قوله: "طهورا" يعتوره معنيان: أحدهما: رفع الحدث ~~وإباحة الصلاة به. والآخر إزالة الإنجاس. فأما نجاسة موجودة فيه لم تزلها ~~عن نفسه فكيف يكون مطهرا لها وعلى هذا القول ينبغي أن يكون معنى قوله: ~~"طهورا" أنه يجعل النجاسة غير نجاسة، وهذا محال; لأن ما حله من أجزاء الدم ~~والخمر وسائر الخبائث لا يخرج من أن يكون إنجاسا، كما أنها إذا ظهرت فيه لم ~~يخرج من أن يكون أعيانها نجسة ولم يكن لمجاورة الماء إياها حكم في تطهيرها. # فإن قيل: إذا كان الماء غالبا فلم يظهر فيه فالحكم للماء، كما لو وقعت ~~فيه قطرة من لبن أو غيره من المائعات لم يزل عنه حكم الماء لوجود الغلبة، ~~ولأن تلك الأجزاء مغمورة مستهلكة، فحكم النجاسة إذا حلت الماء حكم سائر ~~المائعات إذا خالطته. قيل له: هذا خطأ; لأن المائعات كلها لا يختلف حكمها ~~فيما تخالطها من الأشياء الطاهرة # PageV03P443 # وأن الحكم للغالب منها دون المستهلكات المغمورة مما خالطها، وقد اتفقنا ~~على أن ms2632 مخالطة النجاسة اليسيرة لسائر المائعات غير الماء تفسدها ولم يكن ~~للغلبة معها حكم بل كان الحكم لها دون الغالب عليها من غيرها، فكذلك الماء، ~~فإن كان الماء إنما يكون مطهرا للنجاسة لمجاورته لها فواجب أن يطهرها ~~بالمجاورة وإن لم يكن غامرا لها، وإن كان إنما يصير مطهرا لها من أجل غموره ~~لها وغلبته عليها فقد يكون سائر المائعات إذا خالطتها نجاسة غامرة لها ~~وغالبة عليها وكان الحكم مع ذلك للنجاسة دون ما غمرها. ويدل على صحة قولنا ~~ما اتفقوا عليه من تحريم استعماله عند ظهور النجاسة فيه، فالمعنى أنه لا ~~نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة وأيضا العلم بوجود النجاسة ~~فيه كمشاهدتنا لها، كما أن علمنا بوجودها في سائر المائعات كمشاهدتنا لها ~~بظهورها وكالنجاسة في الثوب والبدن العلم بوجودها كمشاهدتها. # واحتج من خالف في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيه عذرة الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب، ~~فقال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء"، وبحديث أبي بصرة عن جابر وأبي سعيد ~~الخدري قالا: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانتهينا إلى ~~غدير فيه جيفة، فكففنا وكف الناس حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرناه فقال: "استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء" فاستقينا وارتوينا; وبما ~~روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الماء طهور لا ينجسه ~~شيء". والجواب عن ذلك أنه قد حكي عن الواقدي أن بئر بضاعة كانت طريقا للماء ~~إلى البساتين; فهذا يدل على أنه كان جاريا حاملا لما يقع فيه من الأنجاس ~~وينقله; وجائز أن يكون سئل عنها بعدما نظفت من الأخباث، فأخبر بطهارتها بعد ~~النزح. وأما قصة الغدير فجائز أن تكون الجيفة كانت في جانب منه، فأباح صلى ~~الله عليه وسلم الوضوء من الجانب الآخر، وهذا يدل على صحة قول أصحابنا في ~~اعتبار الغدير وأما حديث ابن عباس فإن أصله ما رواه سماك عن ms2633 عكرمة عن ابن ~~عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: إني كنت جنبا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا يجنب" والمراد أن إدخال الجنب ~~يده فيه لا ينجسه، فجائز أن يكون الراوي سمع ذلك فنقل المعنى عنده دون ~~اللفظ. ويدل على أن معناه ما وصفنا أن من مذهب ابن عباس الحكم بتنجيس الماء ~~بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره. وقد روى عطاء وابن سيرين أن زنجيا مات في ~~بئر زمزم، فأمر ابن عباس بنزحها. وروى حماد عن إبراهيم عن ابن عباس قال: ~~"إنما ينجس الحوض أن تقع فيه فتغتسل وأنت جنب، فأما إذا أخذت بيدك تغتسل ~~فلا بأس". ولو صح أيضا هذا اللفظ احتمل أن يكون في قصة بئر بضاعة، فحذف ذكر ~~السبب ونقل لفظ # PageV03P444 # النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإن قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" لا ~~دلالة فيه على جواز استعماله، وإنما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول ~~النجاسة فيه، فليس يجوز الاعتراض به على موضع الخلاف; لأنا نقول: إن الماء ~~طهور لا ينجسه شيء، ومع ذلك لا يجوز استعماله إذا حلته نجاسة، ولم يقل ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فاستعملوه حتى تحتج ~~به لقولك. # فإن قيل: هذا الذي ذكرت يؤدي إلى إبطال فائدته. قيل له: قد سقط استدلالك ~~بالظاهر إذا وصرت إلى أن تستدل بغيره، وهو أن حمله على غير مذهبك تخلية من ~~الفائدة، ونحن نبين أن فيه ضروبا من الفوائد غير ما ادعيت من جواز استعماله ~~بعد حلول النجاسة فيه، فنقول: إنه أفاد أن الماء لا ينجس بمجاورته للنجاسة ~~ولا يصير في حكم أعيان النجاسات، واستفدنا به أن الثوب والبدن إذا أصابتهما ~~نجاسة فأزيلت بموالاة صب الماء عليها أن الباقي من الماء الذي في الثوب ليس ~~هو في حكم الماء الذي جاوره عين النجاسة فيلحقه حكمها; لأنه إنما ms2634 جاور ما ~~ليس ينجس في نفسه، وإنما يلحقه حكم النجاسة بمجاورته لها; ولولا قوله صلى ~~الله عليه وسلم لكان جائزا أن يظن ظان أن الماء المجاور للنجاسة قد صار في ~~حكم عين النجاسة فينجس ما جاوره، فلا يختلف حينئذ حكم الماء الثاني والثالث ~~إلى العاشر وأكثر من ذلك في كون جميعه نجسا، فأبطل النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الظن وأفاد أن الماء الذي لحقه حكم النجاسة من جهة المجاورة لا ~~يكون في معنى أعيان النجاسات، وأفادنا أيضا أن البئر إذا ماتت فيه فأرة ~~فأخرجت أن حكم النجاسة إنما لحق ما جاور الفأرة دون ما جاور هذا الماء وأن ~~الفأرة لم تجعله بمنزلة أعيان النجاسات; فلذلك حكمنا بتطهير بعض ما بها. # فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه" معنى; لأن الماء ~~المجاور للنجاسة ليس بنجس في نفسه مع ظهور النجاسة فيه. قيل له: هذا أيضا ~~معنى صحيح غير ما ادعيت واستفدنا به فائدة أخرى غير ما استفدناه بالخبر ~~الذي اقتصر فيه على قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" عاريا من ذكر ~~الاستثناء وذلك لأنه إخبار عن حال غلبة النجاسة وسقوط حكم الماء معها فيصير ~~الجميع في حكم أعيان النجاسات، وأفاد بذلك أن الحكم للغالب، كما تقول في ~~الماء إذا مازجه اللبن أو الخل: إن الحكم للأغلب; وقد تكلمنا في هذه ~~المسألة وفي مسألة القلتين في مواضع فأغنى عن إعادته ههنا. # فصل # وأما الماء المستعمل فإن أصحابنا والشافعي لا يجيزون الوضوء به على ~~اختلاف # PageV03P445 # منهم في الماء المستعمل ما هو. وقال مالك والثوري: "يجوز الوضوء به" على ~~كراهة من مالك له. والدليل على صحة القول الأول ما روى أبو عوانة عن داود ~~بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل ms2635 ~~وضوء المرأة وتغتسل المرأة بفضل وضوء الرجل وليفترقا. وفضل الطهور يتناول ~~شيئين: ما يسيل من أعضاء المغتسل، والآخر ما يبقى في الإناء بعد الغسل; ~~وعمومه ينتظمها فاقتضى ذلك النهي عن الوضوء بالماء المستعمل; لأنه فضل ~~طهور; وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا ~~يغتسل فيه من جنابة". وروى بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي السائب مولى ~~هشام بن زهرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغتسل ~~أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس". وعن ~~عمر أنه قال لأسلم حين أكل من تمر الصدقة "أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت ~~شاربه؟ " فدل تشبيه الصدقة حين حرمها عليهم بغسالة أيدي الناس أن غسالة ~~أيدي الناس لا يجوز استعمالها. ومن جهة النظر أن الماء إذا أزيل به الحدث ~~مشبه للماء الذي أزيل به النجاسة من حيث استباح الصلاة بهما فلما لم تجز ~~الطهارة بالماء الذي أزيل به النجاسة كذلك ما أزيل به الحدث. ومن جهة أخرى ~~وهي أن الاستعمال قد أكسبه إضافة سلبه بها إطلاق الاسم، فصار بمنزلة الماء ~~الذي امتنع فيه إطلاق اسم الماء بمخالطة غيره له، والمستعمل أولى بذلك من ~~جهة ما تعلق به من الحكم في زوال الحدث أو حصول قربة. # فإن قيل: فلو استعمله للتبرد لم يمنع ذلك جواز استعماله للطهارة، كذلك ~~إذا استعمله للطهارة. قيل له: استعماله للتبرد لم يمنع إطلاق الاسم فيه; إذ ~~لم يتعلق به حكم، فهو كاستعماله في غسل ثوب طاهر. # واحتج من أجاز ذلك بقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} وقوله: ~~{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [لأنفال: 11] قال: فذلك يقتضي جواز ~~الوضوء به من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يكن نجسا ولم تجاوره نجاسة وجب ~~بقاؤه على الحال الأولى. والثاني: أن قوله: {طهورا} يقتضي جواز التطهير ms2636 به ~~مرة بعد أخرى. فيقال له: إن بقاءه على الحالة الأولى بعد الطهارة هو موضع ~~الخلاف، وما ذكرت من العموم فإنما هو فيما لم يستعمل فيبقى على إطلاقه، ~~فأما ما يتناوله الاسم مقيدا فلم يتناوله العموم. وأما قولك: "إن كونه ~~طهورا يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد أخرى" فليس كذلك; لأن ذلك إنما يذكر ~~على جهة المبالغة في الوصف له بالطهارة أو التطهير ولا دلالة فيه على ~~التكرار، كما يقال: "رجل ضروب بالسيف" ويراد المبالغة في الوصف # PageV03P446 # بالضرب وليس المقتضى فيه تكرار الفعل، ويقال: "رجل أكول" إذا كان يأكل ~~كثيرا وإن كان كله في مجلس واحد ولا يراد به تكرار الأكل; وقد بينا ذلك في ~~مواضع أيضا. # وقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} يجوز أن ~~يريد به الماء الذي خلق منه أصل الحيوان في قوله: {وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي} [الأنبياء: 30] وقوله: {والله خلق كل دابة من ماء} [النور: 45] ويجوز ~~أن يريد به النطفة التي خلق منها ولد آدم. وقوله: {فجعله نسبا وصهرا} قال ~~طاوس: "الرضاعة من الصهر" وقال الضحاك رواية: "النسب الرضاع والصهر ~~الختونة" وقال الفراء: "النسب الذي لا يحل نكاحه والصهر النسب الذي يحل ~~نكاحه كبنات العم". وقيل: "إن النسب ما رجع إلى ولادة قريبة والصهر خلطة ~~تشبه القرابة". وقال الضحاك: "النسب سبعة أصناف" ذكروا في قوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] إلى قوله: {وبنات الأخت} [النساء: 23] والصهر ~~خمسة أصناف ذكروا في قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] إلى ~~قوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] . # قال أبو بكر: والمتعارف في الأصهار أنهم كل ذي رحم محرم من نساء من أضيف ~~إليه ذلك; ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى لأصهار فلان أنه لكل ذي رحم محرم ~~لنساء فلان، وهو المتعارف من مفهوم كلام الناس، قال: والأختان أزواج البنات ~~وكل ذات محرم من المضاف إليه الختن، وكل ذي رحم محرم من الأزواج أيضا; وقد ~~يستعمل الصهر في موضع الختن فيسمون الختن صهرا، قال الشاعر: # سميتها إذ ms2637 ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن زميت # فأقام الصهر مقام الختن، وهو محمول على المتعارف من ذلك. # قوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} الآية. روى شمر بن عطية ~~عن ابن سلمة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين فاتتني ~~الصلاة؟ فقال: "أبدل ما فاتك من ليلك في نهارك فإن الله جعل الليل والنهار ~~خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا". وروى يونس عن ابن شهاب عن السائب بن ~~يزيد وعبد الله بن عتبة أنهما أخبرا عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت ~~عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن جزئه أو ~~عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من ~~الليل". وقال الحسن: {جعل الليل والنهار خلفة} "جعل أحدهما خلفة للآخر إن ~~فات من النهار شيء أدركه بالليل وكذلك لو فات من الليل". # PageV03P447 # قال أبو بكر: هذا في نحو قوله: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "من نام على صلاة أو نسيها ليصلها إذا ذكرها فإن ذلك ~~وقتها". وقد روي عن مجاهد في قوله: {خلفة} أحدهما أسود والآخر أبيض. وقيل: ~~يذهب أحدهما ويجيء الآخر. # وقوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} روى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد: {هونا} قال: "بالوقار والسكينة" {وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما} قال: "سدادا". وعن الحسن أيضا: {يمشون على الأرض هونا} "حلماء ~~لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم، حلموا قد براهم الخوف كأنهم القداح، هذا ~~نهارهم ينتشرون به في الناس" {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} قال: "هذا ~~ليلهم إذا دخل يراوحون بين أطرافهم فهم بينهم وبين ربهم". وعن ابن عباس: ~~{يمشون على الأرض هونا} قال: "بالتواضع لا يتكبرون". # وقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} روى ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} قال: "من أنفق درهما ~~في معصية الله فهو مسرف" ms2638 {ولم يقتروا} "البخل، منع حق الله" {زوكان بين ذلك ~~قواما} قال: "القصد والإنفاق في طاعة الله عز وجل". وقال ابن سيرين: "السرف ~~إنفاقه في غير حق". # وقوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية. روى الأعمش عن ~~أبي وائل عن عبد الله قال: جاء رجل فقال: "يا رسول الله أي الذنب أكبر؟ ~~قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن ~~يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك"; قال: فأنزل الله تصديق ~~ذلك في كتابه: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله: {أثاما} . # قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور} . عن أبي حنيفة: "الزور الغناء". ~~وعن ابن عباس في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] ~~قال: "يشتري المغنية". وعن عبد الله بن مسعود مثله. وعن مجاهد قال: {ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] قال: "الغناء وكل لعب ولهو". وروى ~~ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان. ~~وصوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان" وروى عبيد الله بن زحر عن بكر بن ~~سوادة عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله حرم علي الخمر والكوبة والغناء". قال محمد بن الحنفية أيضا في قوله: ~~{لا يشهدون الزور} "أن لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا". # PageV03P448 # قال أبو بكر: يحتمل أن يريد به الغناء على ما تأولوه عليه، ويحتمل أيضا ~~القول بما لا علم للقائل به; وهو على الأمرين لعموم اللفظ. قوله تعالى: ~~{وإذا مروا باللغو مروا كراما} قال سعيد بن جبير ومجاهد: "إذا أوذوا مروا ~~كراما صفحوا". وروى أبو مخزوم عن سنان: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} قال: ~~"إذا مروا بالرفث كنوا". وقال الحسن: "اللغو كل ms2639 المعاصي". قال السدي: هي ~~مكية. قال أبو بكر: يعني أنه قبل الأمر بقتال المشركين. # وقوله تعالى: {إن عذابها كان غراما} قيل: "لازما ملحا دائما"، ومنه ~~الغريم لملازمته وإلحاحه، وإنه لمغرم بالنساء أي ملازم لهن لا يصبر عنهن; ~~وقال الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # وقال بشر بن أبي خازم: # يوم النسار ويوم الجفا ... ر كانا عذابا وكانا غراما # قال لنا أبو عمر غلام ثعلب: أصل الغرم اللزوم في اللغة; وذكر نحوا مما ~~قدمنا. ويسمى الدين غرما ومغرما; لأنه يقتضي اللزوم والمطالبة، فيقال ~~للطالب الغريم; لأن له اللزوم وللمطلوب غريم; لأنه يثبت عليه اللزوم; وعلى ~~هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه" يعني ~~دينه الذي هو مرهون به. وزعم الشافعي أن الغرم الهلاك; قال أبو عمر: وهذا ~~خطأ في اللغة. وروي عن الحسن أنه قال: "ليس غريم إلا مفارقا غريمه غير جهنم ~~فإنها لا تفارق غريمها". # قوله تعالى: {قرة أعين} قال الحسن: "قرة الأعين في الدنيا وهو أن يرى ~~العبد من زوجته ومن أخيه طاعة الله تعالى" وقال: "والله ما شيء أقر لعين ~~المسلم من أن يرى ولده أو والده أو ولد ولده أو أخاه أو حميما مطيعا لله ~~تعالى". وعن سلمة بن كهيل: "أقر بهم عينا أن يطيعوك". وروى أبو أسامة عن ~~الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من رزق إيمانا وحسن خلق فذاك إمام المتقين". وقال مجاهد والحسن: ~~{واجعلنا للمتقين إماما} "نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا". وقوله ~~تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} قال مجاهد: ما يصنع بكم ربي وهو ~~لا يحتاج إليكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته لتنتفعوا أنتم بذلك. آخر سورة ~~الفرقان. # PageV03P449 # ومن سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} قال: "الثناء الحسن" فاليهود ~~تقر بنبوته وكذلك النصارى وأكثر الأمم. وقيل: اجعل ms2640 من ولدي من يقوم بالحق ~~ويدعو إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به. # وقوله تعالى: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قيل: إنما سأل سلامة القلب; ~~لأنه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد، إذ الفساد بالجوارح لا ~~يكون إلا عن قصد فاسد بالقلب فإن اجتمع مع ذاك جهل فقد عدم السلامة من ~~وجهين. وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأعلم ~~مضغة إذا صلحت صلح البدن كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". # وقوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} إلى قوله: {وإنه لفي زبر ~~الأولين} أخبر عن القرآن بأنه تنزيل رب العالمين، ثم أخبر أنه في زبر ~~الأولين; ومعلوم أنه لم يكن في زبر الأولين بهذه اللغة فهذا مما يحتج به في ~~أن نقله إلى لغة أخرى لا يخرجه من أن يكون قرآنا لإطلاق الله اللفظ بأنه في ~~زبر الأولين مع كونه فيها بغير اللغة العربية. # وقوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} روى سفيان عن سلمة بن كهيل عن ~~مجاهد في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال: "عصاة الجن". وروى خصيف عن ~~مجاهد: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال: "الشاعران يتهاجيان فيكون لهذا ~~أتباع ولهذا أتباع من الغواة، فذم الله الشعراء الذين صفتهم ما ذكر وهم ~~الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون، وشبهه بالهائم على وجهه في ~~كل واد يعن له لما يغلب عليه من الهوى غير مفكر في صحة ما يقول ولا فساده ~~ولا في عاقبة أمره". وقال ابن عباس وقتادة: {في كل واد يهيمون} "في كل لغو ~~يخوضون، يمدحون ويذمون، يعنون الأباطيل". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا. حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" ~~ومعناه الشعر المذموم الذي ذم الله قائله في هذه الآية; لأنه قد # PageV03P450 # استثنى المؤمنين منهم بقوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا} وروي عن النبي صلى الله ms2641 عليه وسلم ~~أنه قال لحسان: "اهجهم ومعك روح القدس"، وذلك موافق لقوله: {وانتصروا من ~~بعد ما ظلموا} كقوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ~~[الشورى:41] وقوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} ~~[النساء: 148] وروى أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن من الشعر لحكمة" آخر سورة الشعراء. # PageV03P451 # ومن سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج} . من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر; وليس فيه ~~دلالة على ما ذكروا; لأنه شرط منافعه لشعيب عليه السلام ولم يشرط لها مهرا، ~~فهو بمنزلة من تزوج امرأة بغير مهر مسمى وشرط لوليها منافع الزوج مدة ~~معلومة، فهذا إنما يدل على جواز عقد النكاح من غير تسمية مهر، وشرطه للمولى ~~ذلك يدل على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. وجائز أن ~~يكون قد كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة، فإن كان ~~كذلك فهذا منسوخ بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على أنه قد كان ~~جائزا في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة. ويحتج به في جواز الزيادة في ~~العقود لقوله تعالى: {فإن أتممت عشرا فمن عندك} قال ابن عباس: "قضى موسى ~~أتم الأجلين وأوفاهما". # قوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} الآية. قال مجاهد: "كان ناس ~~من أهل الكتاب أسلموا، فآذاهم المشركون فصفحوا عنهم، يقولون: سلام عليكم لا ~~نبتغي الجاهلين". قال أبو بكر: هذا سلام متاركة وليس بتحية، وهو نحو قوله: ~~{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] وقوله: {واهجرني مليا} ~~[مريم: 46] وقال: إبراهيم {سلام عليك سأستغفر لك ربي} [مريم: 47] . ومن ~~الناس من يظن أن هذا يجوز على جواز ابتداء الكافر بالسلام. وليس كذلك، لما ~~وصفنا من أن السلام ينصرف على معنيين: أحدهما: المسالمة التي هي المتاركة، ~~والثاني: التحية التي هي دعاء بالسلامة ms2642 والأمن، نحو تسليم المسلمين بعضهم ~~على بعض، وقوله صلى الله عليه وسلم: "للمؤمن على المؤمن ست أحدها أن يسلم ~~عليه إذا لقيه"، وقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها} [النساء: 86] وقوله: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الكفار: "لا تبدءوهم بالسلام وإنه إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم". # PageV03P452 # قوله تعالى: {فوكزه موسى فقضى عليه} وقال تعالى: {قتلت نفسا} فأخبر أنه ~~قتله بوكزه; ثم قال: {رب إني ظلمت نفسي} فقال بعضهم: إنه يدل على أن القتل ~~باللطمة عمد، لولا ذلك لم يقل: إني ظلمت نفسي على الإطلاق. وهذا خطأ; لأنه ~~يجوز أن يقول: ظلمت نفسي بإقدامي على الوكز من غير توقيف، ولا دلالة فيه ~~على أن القتل عمد; إذ الظلم لا يختص بالقتل دون الظلم، وكان صغيرة. # وقوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله} يستدل به بعضهم على أن ~~للزوج أن يسافر بامرأته وينقلها إلى بلد آخر ويفرق بينها وبين أبويها; ولا ~~دلالة فيه عندي على ذلك; لأنه جائز أن يكون فعل برضاها. آخر سورة القصص. # PageV03P453 # ومن سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حسنا} روى أبو عبيدة عن عبد الله ~~قال: قلت: "يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلوات لوقتهن". قلت: ثم ~~مه؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قلت: ثم مه؟ قال: "بر الوالدين". وروى أبو ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن ~~خمر". والآية والخبر يدلان معا على أنه لا يجوز للرجل أن يقتل أباه وإن كان ~~مشركا ونهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر عن قتل أبيه وكان ~~مشركا ويدل على أنه لا يقتص للولد من الوالد. # قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} روى ابن مسعود وابن ~~عباس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا ~~من أطاعها. قال أبو بكر يعني القيام بموجبات ms2643 الصلاة من الإقبال عليها ~~بالقلب والجوارح وإنما قيل: تنهى عن الفحشاء والمنكر; لأنها تشتمل على ~~أفعال وأذكار لا يتخللها غيرها من أمور الدنيا وليس شيء من الفروض بهذه ~~المنزلة فهي تنهى عن المنكر وتدعو إلى المعروف بمعنى أن ذلك مقتضاها ~~وموجبها لمن قام بحقها. وعن الحسن قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قيل ~~له: إن فلانا يصلي بالليل ويسرق بالنهار; فقال: "لعل صلاته تنهاه". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي من دنياكم الثلاث النساء ~~والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة". وروي عن بعض السلف قال: لم تكن الصلاة ~~قرة عينه ولكنه كان إذا دخل الصلاة يرى فيها ما تقر عينه # قوله تعالى: {ولذكر الله أكبر} قال ابن عباس وابن مسعود وسلمان ومجاهد: ~~ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته وروي عن سلمان أيضا وأم ~~الدرداء وقتادة ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله وقال السدي: ذكر الله في ~~الصلاة أكبر من الصلاة. # PageV03P454 # وقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قال قتادة: هي ~~منسوخة بقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] ولا مجادلة أشد من ~~السيف. قال أبو بكر: يعني أن ذلك كان قبل الأمر بالقتال. # وقوله تعالى: {إلا الذين ظلموا منهم} يعني والله أعلم إلا الذين ظلموكم ~~في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم وهو نحو قوله: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] وقال ~~مجاهد إلا الذين ظلموا منهم بمنع الجزية وقيل: إلا الذين ظلموا منهم ~~بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم. آخر سورة العنكبوت. # PageV03P455 # ومن سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} ~~روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} ~~هو الرجل يهب الشيء يريد أن يثاب أفضل ms2644 منه فذلك الذي لا يربو عند الله ولا ~~يؤجر صاحبه فيه ولا إثم عليه: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله} وعن ~~سعيد بن جبير قال: هو الرجل يعطي ليثاب عليه وروى عبد الوهاب عن خالد عن ~~عكرمة {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال: الربا ربوان فربا حلال ~~وربا حرام فأما الربا الحلال فهو الذي يهدى يلتمس به ما هو أفضل منه وروى ~~زكريا عن الشعبي: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال كان الرجل ~~يسافر مع الرجل فيخف له ويخدمه فيجعل له من ربح ماله ليجزيه بذلك. وروى عبد ~~العزيز بن أبي رواد عن الضحاك {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال ~~هو الربا الحلال الرجل يهدي ليثاب أفضل منه فذلك لا له ولا عليه ليس فيه ~~أجر وليس عليه فيه إثم وروى منصور عن إبراهيم {ولا تمنن تستكثر} [المدثر:6] ~~قال لا تعط لتزداد. قال أبو بكر: يجوز أن يكون ذلك خاصا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم; لأنه كان في أعلى مراتب مكارم الأخلاق كما حرم عليه الصدقة، وقد ~~روي عن الحسن في قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر:6] لا تستكثر عملك ~~فتمن به على ربك. # وقوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة} يعني أنه خلقكم ضعفاء حملا في بطون الأمهات ثم أطفالا ~~لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا ثم جعلكم أقوياء ثم أعطاكم من الاستطاعة ~~والعقل والدراية للتصرف في اختلاف المنافع ودفع المضار ثم جعلكم ضعفاء في ~~حال الشيخوخة، كقوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} [يس: 68] وقوله: ~~{ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا} [النحل: 70] فيبقى ~~مسلوب القوى # PageV03P456 # والفهم كالصبي بل حاله دون حال الصبي; لأن الصبي في زيادة من القوى ~~والفهم من حين البلوغ وكمال حال الإنسانية وهذا يزداد على البقاء ضعفا ~~وجهلا ولذلك سماه الله تعالى أرذل العمر وجعل الشيب ms2645 قرينا للضعف بقوله {ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} . وهو كقوله تعالى حاكيا عن نبيه زكريا عليه ~~السلام: {رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] . آخر سورة ~~الروم. # PageV03P457 # ومن سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {حملته أمه وهنا على وهن} قال الضحاك: ضعفا على ضعف، يعني ~~ضعف الولد على ضعف الأم وقيل: بل المعنى فيه شدة الجهد {وفصاله في عامين} ~~يعني في انقضاء عامين، وفي آية أخرى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: ~~15] فحصل بمجموع الآيتين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وبه استدل ابن عباس على ~~مدة أقل الحمل واتفق أهل العلم عليه. # وقوله تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك} يعني والله أعلم اصبر على ما أصابك من الناس في الأمر بالمعروف ~~وظاهره يقتضي وجوب الصبر وإن خاف على النفس إلا أن الله تعالى قد أباح ~~إعطاء التقية في حال الخوف في آي غيرها قد بيناها، وقد اقتضت الآية وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} قال ابن عباس ومجاهد: معناه لا تعرض ~~بوجهك عن الناس تكبرا وقال إبراهيم هو التشدق ومعناه يرجع إلى الأول; لأن ~~المتشادق في الكلام متكبر، وقيل: إن أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ~~ورءوسها حتى يلوي وجوهها وأعناقها فيشبه بها الرجل الذي يلوي عنقه عن ~~الناس، قال الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما # قوله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه} إلى قوله: {وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ~~أبان تعالى بذلك أن أمره بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين ~~والكفار، لقوله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} وأكده ~~بقوله: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} وفي ذلك دليل على أنه لا يستحق القود ~~على أبيه وأنه لا يحد له إذا قذفه ولا يحبس له بدين ms2646 عليه وأن عليه نفقتهما ~~إذا احتاجا إليه; إذ كان جميع ذلك من الصحبة # PageV03P458 # بالمعروف، وفعل ضده ينافي مصاحبتهما بالمعروف; ولذلك قال أصحابنا: إن ~~الأب لا يحبس بدين ابنه، وروي عن أبي يوسف أنه يحبسه إذا كان متمردا. # وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} يدل على صحة إجماع المسلمين لأمر ~~الله تعالى إيانا باتباعهم، وهو مثل قوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~[النساء: 115] . # وقوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا} المرح البطر وإعجاب المرء بنفسه ~~وازدراء الناس والاستهانة بهم، فنهى الله عنه; إذ لا يفعل ذلك إلا جاهل ~~بنفسه وأحواله وابتداء أمره ومنتهاه; قال الحسن: أنى لابن آدم الكبر وقد ~~خرج من سبيل البول مرتين. وقوله تعالى: {إن الله لا يحب كل مختال فخور} قال ~~مجاهد: هو المتكبر والفخور الذي يفتخر بنعم الله تعالى على الناس استصغارا ~~لهم، وذلك مذموم; لأنه إنما يستحق عليه الشكر لله على نعمه لا التوصل بها ~~إلى معاصيه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر نعم الله "أنه سيد ولد ~~آدم ولا فخر"، فأخبر أنه إنما ذكرها شكرا لا افتخارا، على نحو قوله تعالى: ~~{وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى:11] . # قوله تعالى: {واقصد في مشيك} قال يزيد بن أبي حبيب: "هو السرعة". قال أبو ~~بكر: يجوز أن يكون تأوله على ذلك; لأن المختال في مشيته لا يسرع فيها فسرعة ~~المشي تنافي الخيلاء والتكبر. # وقوله تعالى: {واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فيه أمر بخفض ~~الصوت; لأنه أقرب إلى التواضع، كقوله تعالى: {إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله} [الحجرات: 3] ورفع الصوت على وجه ابتهار الناس وإظهار الاستخفاف ~~بهم مذموم، فأبان عن قبح هذا الفعل وأنه لا فضيلة فيه; لأن الحمير ترفع ~~أصواتها وهو أنكر الأصوات; قال مجاهد في قوله: {أنكر الأصوات} : أقبحها، ~~كما يقال: هذا وجه منكر; فذكر الله تعالى ذلك وأدب العباد تزهيدا لهم في ~~رفع الصوت. # وقوله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام} ~~مفهوم هذا الخطاب ms2647 الإخبار بما يعلمه هو دون خلقه وأن أحدا لا يعلمه إلا ~~بإعلامه إياه; وفي ذلك دليل على أن حقيقة وجود الحمل غير معلومة عندنا وإن ~~كانت قد يغلب على الظن وجوده، وهذا يوجب أن يكون نافي حمل امرأته من نفسه ~~غير قاذف لها، وقد بينا ذلك فيما سلف. # قوله تعالى: {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا} يدل على أن أحدا لا يستحق عند الله فضيلة بشرف أبيه ولا بنسبه; ~~لأنه لم يخصص # PageV03P459 # أحدا بذلك دون أحد، وبذلك ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" وقال: " يا بني عبد المطلب لا ~~يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم فأقول إني لا أغني عنكم من الله ~~شيئا". وقوله: {لا يجزي والد عن ولده} معناه لا يغني، يقال: جزيت عنك إذا ~~أغنيت عنك. آخر سورة لقمان. # PageV03P460 # ومن سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل في ~~قوله: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل ~~يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من ~~يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب من الخير؟ الصوم جنة ~~والصدقة تطفئ الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم قرأ: {تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع} حتى بلغ: {جزاء بما كانوا يعملون} ثم قال: "ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: رأسه الإسلام ~~وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل ms2648 الله، ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ~~ذلك كله"؟ قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه فقال: "اكفف عليك هذا" قلت: ~~يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب ~~الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ ". وحدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق عن ~~معمر قال: تلا قتادة: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} قال: "قال ~~الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر". وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: "للذين تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، ثم ~~تلا: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . وروي عن مجاهد وعطاء: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قالا: "العشاء الآخرة". وقال الحسن: {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} "كانوا ينتفلون بين # PageV03P461 # المغرب والعشاء". وقال الضحاك في قوله: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} : "إنهم ~~يذكرون الله بالدعاء والتعظيم". وقال قتادة: "خوفا من عذاب الله وطمعا في ~~رحمة الله" {ومما رزقناهم ينفقون} "في طاعة الله". آخر سورة السجدة. # PageV03P462 # ومن سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . روي عن ابن عباس ~~رواية: "أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه"; وعن مجاهد وقتادة ~~مثله. وعن ابن عباس أيضا: "كان المنافقون يقولون: لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قلبان، فأكذبهم الله تعالى". وقال الحسن: "كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ~~ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذا". وروي عن مجاهد أيضا: "أن رجلا من بني ~~فهر قال: في جوفي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله ~~عز وجل". وذكر أبو جعفر الطحاوي أنه لم يرو في تفسيرها غير ما ذكرنا، قال: ~~وحكى الشافعي عن بعض أهل التفسير ممن لم يسمه في ms2649 احتجاجه على محمد في نفي ~~أن يكون الولد من رجلين أنه أريد بها: ما جعل الله لرجل من أبوين في ~~الإسلام. قال أبو بكر: اللفظ غير محتمل لما ذكر; لأن القلب لا يعبر به عن ~~الأب لا مجازا ولا حقيقة، ولا ذلك اسم له في الشريعة، فتأويل الآية على هذا ~~المعنى خطأ من وجوه. وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أنه رأى جارية مجحا فقال: لمن هذه الجارية؟ فقالوا: لفلان، فقال: ~~"أيطؤها"؟ قالوا: نعم، قال: "لقد هممت أن ألعنه لعنة رجل يدخل معه في قبره، ~~كيف يورثه وهو لا يحل له أم كيف يسترقه وقد غذاه في سمعه وبصره" فقوله: "قد ~~غذاه في سمعه وبصره" يدل على أن الولد يكون من ماء رجلين. وقد روي عن علي ~~وعمر إثبات نسب الولد من رجلين، ولا يعرف عن غيرهما من الصحابة خلافه. # وقوله تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} . قال أبو ~~بكر: كانوا يظاهرون من نسائهم فيقولون: أنت علي كظهر أمي، فأخبر الله تعالى ~~أنها لا تصير بمنزلة أمه في التحريم، وجعل هذا القول منكرا من القول وزورا ~~بقوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] وألزمه ~~بذلك تحريما ترفعه الكفارة وأبطل ما أوجبه المظاهر من جعله إياها كالأم; ~~لأن تحريمها تحريم مؤبد. # PageV03P463 # وقوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} قيل: إنه نزل في زيد بن حارثة ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد; وروي ~~ذلك عن مجاهد وقتادة وغيرهما قال أبو بكر: هذا يوجب نسخ السنة بالقرآن; لأن ~~الحكم الأول كان ثابتا بغير القرآن ونسخه بالقرآن. # وقوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني أنه لا حكم له وإنما هو قول لا ~~معنى له ولا حقيقة. # وقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم} فيه إباحة إطلاق اسم الأخوة وحظر إطلاق اسم ~~الأبوة من غير جهة النسب; ولذلك قال أصحابنا فيمن ms2650 قال لعبده: هو أخي: لم ~~يعتق إذا قال: لم أرد به الأخوة من النسب; لأن ذلك يطلق في الدين، ولو قال: ~~هو ابني عتق; لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة ~~عليه حرام". # وقوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} قال: "قيل: هذا النهي في هذا أو ~~في غيره" {ولكن ما تعمدت قلوبكم} "والعمد ما آثرته بعد البيان في النهي في ~~هذا أو في غيره" وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} قال قتادة: "لو دعوت رجلا لغير ~~أبيه وأنت ترى أنه أبوه ليس عليك بأس" وسمع عمر بن الخطاب رجلا وهو يقول: ~~اللهم اغفر لي خطاياي، فقال: "استغفر الله في العمد فأما الخطأ فقد تجوز ~~عنك"; قال: وكان يقول: "ما أخاف عليكم الخطأ ولكني أخاف عليكم العمد، وما ~~أخاف عليكم المقاتلة ولكني أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف عليكم أن تزدروا ~~أعمالكم ولكني أخاف عليكم أن تستكثروها" # وقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} . حدثنا عبد الله بن محمد ~~بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} قال: ~~أخبرني أبو سلمة عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا فإلي وإن ترك مالا فهو ~~لورثته". وقيل في معنى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} إنه أحق بأن ~~يختار ما دعا إليه من غيره ومما تدعوه إليه أنفسهم. وقيل: إن # PageV03P464 # النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يحكم في الإنسان بما لا ms2651 يحكم به في نفسه ~~لوجوب طاعته; لأنها مقرونة بطاعة الله تعالى. # قال أبو بكر: الخبر الذي قدمنا لا ينافي ما عقبناه به من المعنى ولا يوجب ~~الاقتصار بمعناه على قضاء الدين المذكور فيه وذلك لأنه جائز أن يكون مراده ~~أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أن يختاروا ما أدعوهم إليه دون ما تدعوهم ~~أنفسهم إليه وأولى بهم في الحكم عليهم ولزومهم اتباعه وطاعته، ثم أخبر بعد ~~ذلك بقضاء ديونهم. # وقوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} قيل فيه وجهان: أحدهما: أنهن كأمهاتهم في ~~وجوب الإجلال والتعظيم. والثاني: تحريم نكاحهن. وليس المراد أنهن كالأمهات ~~في كل شيء; لأنه لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن يتزوج بناتهن; لأنهن ~~يكن أخوات للناس، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم بناته، ولو كن أمهات في ~~الحقيقة ورثن المؤمنين، وقد روي في حرف عبد الله: "وهو أب لهم" ولو صح ذلك ~~كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم، كما قال تعالى: ~~{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف ~~رحيم} [التوبة:128] . # وقوله تعالى: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} . روي عن محمد بن ~~الحنفية أنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني. وعن الحسن: "أن ~~تصلوا أرحامكم". وقال عطاء: "هو المؤمن والكافر بينهما قرابة إعطاؤه له ~~أيام حياته ووصيته له". وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ~~{إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} قال: "إلا أن يكون لك ذو قرابة ليس ~~على دينك فتوصي له بشيء هو وليك في النسب وليس وليك في الدين". # وقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} من الناس من يحتج به ~~في وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم التأسي به فيها، ومخالفو هذه ~~الفرقة يحتجون به أيضا في نفي إيجاب أفعاله. فأما الأولون فإنهم ذهبوا إلى ~~أن التأسي به هو الاقتداء ms2652 به، وذلك عموم في القول والفعل جميعا، فلما قال ~~تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} دل على أنه واجب; إذ جعله شرطا ~~للإيمان كقوله تعالى: {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 57] ونحوه من ~~الألفاظ المقرونة إلى الإيمان، فيدل على الوجوب، واحتج الآخرون بأن قوله: ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} يقتضي ظاهره الندب دون الإيجاب، ~~لقوله تعالى: {لكم} مثل قول القائل: "لك أن تصلي ولك أن تتصدق" لا دلالة ~~فيه على الوجوب بل يدل ظاهره على أن له فعله وتركه، وإنما كان يدل على # PageV03P465 # الإيجاب لو قال: عليكم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر: ~~والصحيح أنه لا دلالة فيه على الوجوب، بل دلالته على الندب أظهر منها على ~~الإيجاب لما ذكرنا، ومع ذلك لو ورد بصيغة الأمر لما دل على الوجوب في ~~أفعاله صلى الله عليه وسلم; لأن التأسي به هو أن نفعل مثل ما فعل، ومتى ~~خالفناه في اعتقاد الفعل أو في معناه لم يكن ذلك تأسيا به، ألا ترى أنه إذا ~~فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به، وإذا فعل صلى الله ~~عليه وسلم فعلا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم أنه ~~فعله على ذلك؟ فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه لا ~~من جهة هذه الآية إذ ليس فيها دلالة على الوجوب لكن من جهة ما أمرنا الله ~~تعالى باتباعه في غير هذه الآية. # وقوله تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله} قيل إنه وعدهم أنهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم، ~~كقوله تعالى: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] . وقال قتادة: الذي ~~وعدهم في قوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم} [البقرة: 214] الآية. # وقوله تعالى: {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} إخبار عن صفتهم في حال ~~المحنة وأنهم ازدادوا عندها يقينا وبصيرة، وذلك صفة أهل البصائر في الإيمان ~~بالله. ms2653 # وقوله تعالى: {فمنهم من قضى نحبه} قيل: إن النحب النذر، أي قضى نذره الذي ~~نذره فيما عاهد الله عليه. وقال الحسن: "قضى نحبه: مات على ما عاهد عليه". ~~ويقال: إن النحب الموت، والنحب المد في السير يوما وليلة. وقال مجاهد: "قضى ~~نحبه: عهده". قال أبو بكر: لما كان النحب قد يجوز أن يكون المراد به العهد ~~والنذر وقد مدحهم الله على الوفاء به بعينه، دل ذلك على أن من نذر قربة ~~فعليه الوفاء به بعينه دون كفارة اليمين. # وقوله تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} قيل في ~~الصياصي: إنها الحصون التي كانوا يمتنعون بها. وأصل الصيصة قرن البقرة وبها ~~تمتنع، وتسمى بها شوكة الديك; لأنه بها يمتنع; فسميت الحصون صياصي على هذا ~~المعنى. وروي أن المراد بها بنو قريظة، كانوا نقضوا العهد وعاونوا الأحزاب; ~~وقال الحسن: هم بنو النضير. وسائر الرواة على أنهم بنو قريظة، وظاهر الآية ~~يدل عليه; لأنه قال تعالى: {فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} ولم يقتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بني النضير ولا أسرهم وإنما أجلاهم عن بلادهم. # وقوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها} يعني به ~~أرض بني قريظة. وعلى تأويل من تأوله على بني النضير فالمراد أرض بني ~~النضير. # PageV03P466 # وقوله تعالى: {وأرضا لم تطأوها} قال الحسن: "أرض فارس والروم". وقال ~~قتادة: "مكة". وقال يزيد بن رومان: "خيبر". قال أبو بكر: من الناس من يحتج ~~به في أن الأرضين العنوية التي يظهر عليها الإمام يملكها الغانمون ولا يجوز ~~للإمام أن يقر أهلها عليها على أنها ملك لهم، لقوله: {وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها} وظاهره يقتضي إيجاب الملك لهم. ولا ~~دلالة فيه على ما ذكروا; لأن ظاهر قوله: {وأورثكم} لا يختص بإيجاب الملك ~~دون الظهور والغلبة وثبوت اليد ومتى وجد أحد هذه الأشياء فقد صح معنى ~~اللفظ، قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: ~~32] ولم يرد بذلك الملك. وأيضا فلو صح أن المراد الملك كان ذلك ms2654 في أرض بني ~~قريظة في قوله: {وأورثكم أرضهم} وأما قوله: {وأرضا لم تطأوها} فإنه يقتضي ~~أرضا واحدة لا جميع الأرضين; فإن كان المراد خيبر فقد ملكها المسلمون، وإن ~~كان المراد أرض فارس والروم لقد ملك المسلمون بعض أرض فارس والروم فقد وجد ~~مقتضى الآية ولا دلالة فيه على أن سبيلهم أن يملكوا جميعها; إذ كان قوله: ~~{وأرضا لم تطأوها} لم يتناول إلا أرضا واحدة، فلا دلالة فيه على قول ~~المخالف. # وقوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها} الآية. حدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما ~~نزلت: {وإن كنتن تردن الله ورسوله} دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ ~~بي فقال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري ~~أبويك قالت قد علم الله تعالى أن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه، قالت: ~~فقرأ علي: {يا أيها النبي قل لأزواجك} الآية، فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ ~~فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وروى غير الجرجاني عن عبد الرزاق، ~~قال معمر: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني ~~أختارك قال: "إنما بعثت معلما ولم أبعث متعنتا". # قال أبو بكر: اختلف الناس في معنى تخيير الآية، فقال قائلون وهم الحسن ~~وقتادة: "إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة; لأنه قال: {إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها} إلى قوله: {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة} ". ~~وقال آخرون: "بل كان تخييرا للطلاق على شريطة أنهن إذا اخترن الدنيا ~~وزينتها كن مختارات للطلاق; لأنه تعالى قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} فجعل ~~اختيارهن للدنيا اختيارا للطلاق". ويستدلون عليه أيضا بما روى مسروق # PageV03P467 # عن عائشة أنها سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت: قد خيرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفكان طلاقا؟ وفي ms2655 بعض الأخبار: فاخترناه فلم يعده طلاقا. ~~قالوا: ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهن إلا الخيار المأمور به ~~في الآية، ويدل عليه ما قدمناه من حديث عروة عن عائشة أنها لما نزلت الآية ~~قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا ~~تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك" قالت: قد علم الله أن أبوي لم يكونا يأمرانني ~~بفراقه، ثم تلا عليها الآية، قالت: إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ~~فقالوا: هذا الخبر أيضا قد حوى الدلالة من وجوه على أنه خيرهن بين الدنيا ~~والآخرة وبين اختيارهن الطلاق أو البقاء على النكاح; لأنه قال لها: "لا ~~عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" ومعلوم أن الاستئمار لا يقع في اختيار ~~الدنيا على الآخرة، فثبت أن الاستئمار إنما أريد به في الفرقة أو الطلاق أو ~~النكاح. # وقولها: "إن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه" وقولها: "إني أريد الله ~~ورسوله" فهذه الوجوه كلها تدل على أن الآية قد اقتضت التخيير بين الطلاق ~~والنكاح. واحتج من قال: لم يكن تخيير طلاق بقوله تعالى: {إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} فإنما أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن إذا اخترن الدنيا ولم يوجب ذلك وقوع ~~طلاق باختيارهن، كما يقول القائل لامرأته: "إن اخترت كذا طلقتك" يريد به ~~استئناف إيقاع بعد اختيارها لما ذكره. # قال أبو بكر: قد اقتضت الآية لا محالة تخييرهن بين الفراق وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم; لأن قوله: {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة} قد ~~دل على إضمار اختيارهن فراق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها} إذ كان النسق الآخر من الاختيار هو اختيار ~~النبي صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة; فثبت أن الاختيار الآخر إنما هو ~~اختيار فراقه، ويدل عليه قوله: {فتعالين أمتعكن} والمتعة إنما هي بعد ~~اختيارهن للطلاق. وقوله: {وأسرحكن} إنما المراد إخراجهن من بيوتهن بعد ~~الطلاق، ms2656 كما قال تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} إلى قوله: {سراحا ~~جميلا} فذكر المتعة بعد الطلاق، وأراد بالتسريح إخراجها من بيته. # وقد اختلف السلف فيمن خير امرأته، فقال علي رضي الله عنه: "إن اختارت ~~زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة" وذلك في رواية زاذان ~~عنه، وروى أبو جعفر عن علي: "أنها إذا اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت ~~نفسها فواحدة بائنة". وقال عمر وعبد الله رضي الله عنهما في الخيار وأمرك ~~بيدك: "إن اختارت نفسها فواحدة رجعية وإن اختارت زوجها فلا شيء". وقال زيد ~~بن ثابت في الخيار: "إن # PageV03P468 # اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فثلاث"، وقال في أمرك بيدك: "إن ~~اختارت نفسها فواحدة رجعية". # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: ~~"إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة إذا أراد الزوج ~~الطلاق، ولا يكون ثلاثا وإن نوى" وقالوا في أمرك بيدك مثل ذلك إلا أن ينوي ~~ثلاثا فيكون ثلاثا. وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي في الخيار: "إن ~~اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة يملك بها الرجعة". وقال مالك ~~في الخيار: "إنه ثلاث إذا اختارت نفسها وإن طلقت نفسها واحدة لم يقع شيء"، ~~وقال في أمرك بيدك: "إذا قالت: أردت واحدة فهي واحدة يملك الرجعة ولا يصدق ~~في الخيار أنه أراد واحدة، ولو قال اختاري تطليقة فطلقت نفسها فهي واحدة ~~رجعية". وقال الليث في الخيار: "إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها ~~فهي بائنة". وقال الشافعي في اختاري وأمرك بيدك: "ليس بطلاق إلا أن يريد ~~الزوج، ولو أراد طلاقها فقالت: قد اخترت نفسي فإن أرادت طلاقا فهو طلاق وإن ~~لم ترده فليس بطلاق". # قال أبو بكر: التخيير في نفسه ليس بطلاق لا صريح ولا كناية; ولذلك قال ~~أصحابنا: إنه لا يكون ثلاثا وإن أرادهن، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خير نساءه فاخترنه فلم يكن ذلك طلاقا ولأن الخيار لا يختص بالطلاق ms2657 دون ~~غيره، فلا دلالة فيه عليه، وليس هو عندكم كقوله: "اعتدي" أنه يكون طلاقا ~~إذا نوى; لأن العدة من موجب الطلاق، فالطلاق مدلول عليه باللفظ; وإنما ~~جعلوا الخيار طلاقا إذا اختارت نفسها بالاتفاق وبأنه معلوم أن تخيير النبي ~~صلى الله عليه وسلم نساءه لما كان بين الفراق والبقاء على النكاح أنهن لو ~~اخترن أنفسهن لوقعت الفرقة لولا ذلك لم يكن للتخير معنى، وتشبيها له أيضا ~~بسائر الخيارات التي تحدث في النكاح كخيار امرأة العنين والمجبوب فيقع به ~~الطلاق إذا اختارت الفرقة، ومن أجل ذلك لم يجعلوه ثلاثا; لأن الخيارات ~~الحادثة في الأصول لا تقع بها ثلاث. # PageV03P469 # فصل # قال أبو بكر: ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب الخيار وفي التفريق ~~لامرأة العاجز عن النفقة; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير بين الدنيا ~~والآخرة فاختار الفقر والآخرة أمره الله بتخيير نسائه، فقال تعالى: {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} . الآية. قال ~~أبو بكر: لا دلالة فيها على ما ذكروا وذلك; لأن الله علق اختيار النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفراقهن بإرادتهن الحياة الدنيا وزينتها، ومعلوم أن من أراد ~~من نسائنا الحياة # PageV03P469 # الدنيا وزينتها لم يوجب ذلك تفريقا بينها وبين زوجها، فلما كان السبب ~~الذي من أجله أوجب الله التخيير المذكور في الآية غير موجب للتخيير في نساء ~~غيره فلا دلالة فيه على التفريق بين امرأة العاجز عن النفقة وبينه. وأيضا ~~فإن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للآخرة دون الدنيا وإيثاره للفقر دون ~~الغنى لم يوجب أن يكون عاجزا عن نفقة نسائه; لأن الفقير قد يقدر على نفقة ~~نسائه مع كونه فقيرا، ولم يدع أحد من الناس ولا روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان عاجزا عن نفقة نسائه بل كان يدخر لنسائه قوت سنة، فالمستدل بهذه ~~الآية على ما ذكر مغفل لحكمها. # قوله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين} . قيل في تضعيف عذابهن وجهان: ms2658 أحدهما: أنه لما كانت نعم الله عليهن ~~أكثر منها على غيرهن بكونهن أزواجا للنبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي ~~في بيوتهن وتشريفهن بذلك، كان كفرانها منهن أعظم وأجدر بعظم العقاب; لأن ~~النعمة كلما عظمت كان كفرانها أعظم فيما يستحق به من العقاب; إذ كان ~~استحقاق العقاب على حسب كفران النعمة، ألا ترى أن من لطم أباه استحق من ~~العقوبة أكثر مما يستحقه من لطم أجنبيا لعظم نعمة أبيه عليه وكفرانه لها ~~بلطمته؟ ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في نسق التلاوة: {واذكرن ما يتلى ~~في بيوتكن من آيات الله والحكمة} فدل على أن تضعيف العذاب عليهن بالمعصية ~~لأجل عظم النعمة عليهن بتلاوة آيات الله في بيوتهن، ومن أجل ذلك عظمت ~~طاعاتهن أيضا بقوله: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين} لأن الطاعة في استحقاق الثواب بها بإزاء المعصية في استحقاق العقاب ~~بها. والوجه الآخر: أن في إتيانهن المعاصي أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما يلحق من العار والغم، ومعلوم أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~أعظم جرما ممن آذى غيره، وقال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة} ثم قال: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} . ولما عظم الله تعالى طاعات ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب بها الأجر مرتين دل بذلك على أن أجر ~~العامل العالم أفضل وثوابه أعظم من العامل غير العالم، وقوله تعالى: ~~{واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} قد دل على ذلك. # قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} . قيل فيه أن لا ~~تلين القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن من أهل الريبة. وفيه الدلالة ~~على أن ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب ~~الطمع فيهن ويستدل به على رغبتهن فيهم، والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن ~~لا ترفع صوتها بحيث # PageV03P470 # يسمعها الرجال. وفيه ms2659 الدلالة على أن المرأة منهية عن الأذان، وكذلك قال ~~أصحابنا وقال الله تعالى في آية أخرى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين ~~من زينتهن} [النور: 31] فإذا كانت منهية عن إسماع صوت خلخالها فكلامها إذا ~~كانت شابة تخشى من قبلها الفتنة أولى بالنهي عنه. # وقوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} روى هشام عن محمد بن سيرين قال: قيل لسودة ~~بنت زمعة: ألا تخرجين كما تخرج أخواتك؟ قالت: والله لقد حججت واعتمرت ثم ~~أمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها ~~وقيل إن معنى: {وقرن في بيوتكن} كن أهل وقار وهدوء وسكينة، يقال: وقر فلان ~~في منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن به وفيه الدلالة على أن النساء ~~مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج. # وقوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال: "كانت المرأة تتمشى بين أيدي ~~القوم فذلك تبرج الجاهلية" وقال سعيد عن قتادة: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى} "يعني إذا خرجتن من بيوتكن" قال: "كانت لهن مشية وتكسر وتغنج ~~فنهاهن الله عن ذلك" وقيل: "هو إظهار المحاسن للرجال" وقيل: "في الجاهلية ~~الأولى ما قبل الإسلام، والجاهلية الثانية حال من عمل في الإسلام بعمل ~~أولئك" فهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم صيانة لهن، وسائر نساء المؤمنين مرادات بها. # وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} روي عن أبي ~~سعيد الخدري أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين. وقال عكرمة: "في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة" ومن قال بذلك يحتج بأن ابتداء الآية ~~ونسقها في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله: {واذكرن ~~ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} ؟ وقال بعضهم: "في أهل بيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفي أزواجه لاحتمال اللفظ للجميع" # وقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ms2660 أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} فيه الدلالة على أن أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ~~على الوجوب; لأنه قد نفى بالآية أن تكون لنا الخيرة في ترك أوامر الله ~~وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن على الوجوب لكنا مخيرين بين ~~الترك والفعل، وقد نفت الآية التخيير. وقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله} ~~في نسق ذكر الأوامر يدل على ذلك أيضا وأن تارك الأمر عاص لله تعالى ولرسوله ~~فقد انتظمت الآية الدالة على وجوب أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # PageV03P471 # من وجهين: أحدهما: أنها نفت التخيير معهما. والثاني: أن تارك الأمر عاص ~~لله ورسوله. # قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} الآية. روى ~~سفيان بن عيينة عن علي بن زيد قال: قال لي علي بن الحسين: ما كان الحسين ~~يقول في قوله تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} ؟ قال: قلت: كان يقول: ~~إنها كانت تعجبه، وإنه قال لزيد: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال: لا، ولكن ~~الله أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما جاءه زيد يشكو منها قال له: ~~اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} . وقيل: ~~إن زيدا قد كان يخاصم امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودام الشر ~~بينهما حتى ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها، ~~فأضمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إن طلقها زيد تزوجها، وهي زينب بنت جحش ~~وكانت بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يضمها إليه صلة لرحمها ~~وإشفاقا عليها، فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه وقوله لزيد: "اتق الله ~~وأمسك عليك زوجك وأراد أن يكون باطنه وظاهره عند الناس سواء" كما قال في ~~قصة عبد الله بن سعد حين قيل له: هلا أومأت إلينا بقتله فقال: "ما ينبغي ~~لنبي بأن تكون له خائنة الأعين". وأيضا فإن ذلك لم يكن مما يجب إخفاؤه; ~~لأنه مباح جائز، والله تعالى عالم ms2661 به وهو أحق بأن يخشى من الناس، وقد أباحه ~~الله تعالى فالناس أولى بأن لا يخشوا في إظهاره وإعلانه. وهذه القصة نزلت ~~في زيد بن حارثة، وكان ممن أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليه بالعتق، ولذلك قيل للمعتق مولى نعمة. # وقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج في أزواج أدعيائهم} الآية. قد حوت هذه الآية أحكاما: أحدها: الإبانة عن ~~علة الحكم في إباحة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك قد اقتضى إباحته ~~للمؤمنين، فدل على إثبات القياس في الأحكام واعتبار المعاني في إيجابها. ~~والثاني: أن البنوة من جهة التبني لا تمنع جواز النكاح. والثالث: أن الأمة ~~مساوية للنبي صلى الله عليه وسلم في الحكم إلا ما خصه الله تعالى به; لأنه ~~أخبر أنه أحل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون المؤمنون مساوين له. # قوله عز وجل: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} فإن الصلاة من الله هي ~~الرحمة ومن العباد الدعاء، قال الأعشى: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي1 ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا PageV03P472 # وروى معمر عن الحسن في قوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} قال: "إن بني ~~إسرائيل سألوا موسى عليه السلام هل يصلي ربك؟ فكأن ذلك كبر في صدره، فسأله ~~فأوحى الله عليه أن أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي: رحمتي سبقت غضبي". # فإن قيل: من أصلكم أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان، ~~وقد جاء في القرآن اشتمال لفظ الصلاة على معنى الرحمة والدعاء جميعا. قيل ~~له: هذا يجوز عندنا في الألفاظ المجملة، والصلاة اسم مجمل مفتقر إلى ~~البيان، فلا يمتنع إرادة المعاني المختلفة فيما كان هذا سبيله، قال قتادة ~~في قوله: {وسبحوه بكرة وأصيلا} صلاة الضحى وصلاة العصر. # وقوله تعالى: {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} سمي النبي صلى الله ~~عليه وسلم سراجا منيرا تشبيها له بالسراج الذي به يستنار الأشياء في ~~الظلمة; لأنه بعث صلى الله عليه وسلم وقد طبقت الأرض ms2662 ظلمة الشرك. فكان ~~كالسراج الذي يظهر في الظلمة، وكما سمي القرآن نورا وهدى وروحا وسمي جبريل ~~عليه السلام روحا; لأن الروح بها يحيى الحيوان، وذلك كله مجاز واستعارة ~~وتشبيه. # وقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} قال قتادة "تحية أهل الجنة ~~السلام" قال أبو بكر: هو مثل قوله: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام} [يونس: 10] . # PageV03P473 # باب الطلاق قبل النكاح # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ~~قال أبو بكر: قد تنازع أهل العلم في دلالة هذه الآية في صحة إيقاع طلاق ~~المرأة بشرط التزويج وهو أن يقول: "إن تزوجت امرأة فهي طالق"، فقال قائلون: ~~"قد اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه; إذ كانت موجبة لصحة الطلاق ~~بعد النكاح، وهذا القائل مطلق قبل النكاح". وقال آخرون: "دلالتها ظاهرة في ~~صحة هذا القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح; لأنها حكمت بصحة وقوع ~~الطلاق بعد النكاح، ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق، فهو مطلق بعد ~~النكاح; فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه". وهذا القول هو ~~الصحيح وذلك لأنه لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد ~~أو حال الإضافة ووجود الشرط، فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته: "إذا ~~بنت مني وصرت أجنبية فأنت طالق" أنه موقع للطلاق في حال # PageV03P473 # الإضافة لا في حال القول، وأنه بمنزلة من أبان امرأته ثم قال لها: "أنت ~~طالق" فسقط حكم لفظه ولم يعتبر حال العقد مع وجود النكاح فيها، صح أن ~~الاعتبار بحال الإضافة دون حال العقد، فإن القائل للأجنبية "إذا تزوجتك ~~فأنت طالق" موقع للطلاق بعد الملك، وقد اقتضت الآية إيقاع الطلاق لمن طلق ~~بعد الملك. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ضروب من الأقاويل، فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد: "إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو قال كل مملوك ~~أملكه فهو ms2663 حر، أن من تزوج تطلق ومن ملك من المماليك يعتق"، ولم يفرقوا بين ~~من عم أو خص. وقال ابن أبي ليلى: "إذا عم لم يقع وإن سمى شيئا بعينه أو ~~جماعة إلى أجل وقع"، وكذلك قول مالك; وذكر عن مالك أيضا: "أنه إذا ضرب لذلك ~~أجلا يعلم أنه لا يبلغه فقال: إن تزوجت امرأة إلى كذا وكذا سنة، لم يلزمه ~~شيء". ثم قال مالك: "ولو قال كل عبد أشتريه فهو حر، فلا شيء عليه". وقال ~~الثوري: "إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه ما قال"، وهو قول عثمان ~~البتي. وقال الأوزاعي فيمن قال لامرأته: كل جارية أتسرى بها عليك فهي حرة ~~فتسرى عليها جارية فإنها تعتق. وقال الحسن بن صالح: "إذا قال كل مملوك ~~أملكه فهو حر فليس بشيء، ولو قال أشتريه أو أرثه أو نحو ذلك عتق إذا ملك ~~بذلك الوجه; لأنه خص، ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فليس بشيء، ولو ~~قال: من بني فلان أو من أهل الكوفة أو آل كذا لزمه". قال الحسن: لا نعلم ~~أحدا منذ وضعت الكوفة أفتى بغير هذا. وقال الليث فيما خص: "إنه يلزمه في ~~الطلاق والعتق". وقال الشافعي: "لا يلزمه من ذلك شيء لا إذا خص ولا إذا ~~عم". # وقد اختلف السلف أيضا في ذلك، روي عن ياسين الزيات عن عطاء الخراساني عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها ~~فهي طالق، قال: "هو كما قال". وروى مالك عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي ~~أنه سأل القاسم بن محمد عن رجل طلق امرأته قبل أن يتزوجها، فقال القاسم: ~~"إن رجلا خطب امرأة فقال هي علي كظهر أمي إن تزوجتها، فأمره عمر بن الخطاب ~~أن يتزوجها ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار". وروى الثوري عن محمد بن قيس ~~عن إبراهيم: "عن الأسود أنه قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها ناسيا، ~~فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له فألزمه الطلاق"، وهو ms2664 قول النخعي والشعبي ومجاهد ~~وعمر بن عبد العزيز; وقال الشعبي: "إذا سمى امرأة بعينها أو قال: إن تزوجت ~~من بني فلان فهو كما قال، وإذا قال: كل امرأة أتزوجها فليس بشيء". وقال ~~سعيد بن المسيب: "إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فليس بشيء". وقال القاسم ~~وسالم وعمر بن عبد العزيز: "هو جائز عليه". وروي # PageV03P474 # عن ابن عباس في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أنه ليس بشيء. وروي عن ~~عائشة وجابر في آخرين من التابعين قالوا: "لا طلاق قبل نكاح". ولا دلالة في ~~هذا اللفظ على مخالفة قول أصحابنا; لأن عندنا أن من قال: "إن تزوجت امرأة ~~فهي طالق" أنه مطلق بعد النكاح، وما قدمنا من دلالة الآية على صحة قولنا ~~كاف في الاحتجاج على المخالف وتصحيح المقالة. ويدل عليه قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] اقتضى ظاهره إلزام كل عاقد ~~موجب عقده ومقتضاه، فلما كان هذا القائل عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد ~~النكاح وجب أن يلزمه حكمه; ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون ~~عند شروطهم"، أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه عند وجود ~~شرطه. ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن النذر لا يصح إلا في ~~ملك، وأن من قال: "إن رزقني الله ألف درهم فلله علي أن أتصدق بمائة منها". ~~أنه ناذر في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن مالكا في الحال، فكذلك ~~الطلاق والعتق إذا أضافهما إلى الملك كان مطلقا ومعتقا في الملك. ويدل عليه ~~أن من قال لجاريته: "إن ولدت ولدا فهو حر" فحملت بعد ذلك وولدت أنه يعتق ~~وإن لم يكن مالكا في حال القول; لأن الولد مضاف إلى الأم التي هو مالكها، ~~كذلك إذا أضاف العتق إلى الملك فهو معتق في الملك وإن لم يكن له ملك موجود ~~في الحال. وأيضا قد اتفق الجميع على أنه إذا قال لامرأته: "إن دخلت الدار ~~فأنت طالق" فدخلتها مع بقاء ms2665 النكاح أنها تطلق، ويكون بمنزلة ما لو قال لها ~~في تلك الحال: "أنت طالق"، ولو أبانها ثم دخلها كان بمنزلة ما لو قال لها ~~في تلك الحال: "أنت طالق" فلا تطلق، فدل ذلك على أن الحالف يصير كالمتكلم ~~بالجواب في ذلك الوقت، فوجب أن يكون القائل: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق" ~~فتزوج، بمنزلة من تزوج ثم قال لها: "أنت طالق". # فإن قيل: لو كان هذا صحيحا لوجب أنه لو حلف ثم جن فوجد شرط اليمين أن لا ~~يحنث; لأنه بمنزلة المتكلم بالجواب في ذلك الوقت. قيل له: لا يجب ذلك; لأن ~~المجنون لا قول له وقوله وسكوته بمنزلة، فلما لم يصح قوله لم يصح إيقاعه ~~ابتداء، ولما كان قوله قبل الجنون صحيحا لزمه حكمه في حال الجنون; ومع ذلك ~~فإن المجنون قد يصح طلاق امرأته وعتق عبده; لأنه لو كان مجنونا أو عنينا ~~لفرق بينه وبينها وكان طلاقا، ولو ورث أباه عتق عليه، كالنائم لا يصح منه ~~ابتداء الإيقاع ويلزمه حكمه بسبب يوجبه، مثل أن يكون قد وكل بعتق عبده أو ~~طلاق امرأته فطلق وهو نائم. # فإن قيل: قد روي عن علي ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لا طلاق قبل نكاح". قيل له: أسانيدها مضطربة لا يصح ~~من جهة النقل، ولو صح من # PageV03P475 # جهة النقل لم يدل على موضع الخلاف; لأن من ذكرنا مطلق بعد النكاح. وأيضا ~~فإنه نفى بذلك إيقاع طلاق قبل النكاح ولم ينف العقد، فلما كان قوله: "لا ~~طلاق قبل نكاح" حقيقته نفي الإيقاع، والعقد على الطلاق ليس بطلاق، لم ~~يتناول اللفظ من وجهين: أحدهما: أن إطلاق ذلك في العقد مجاز لا حقيقة; لأن ~~من عقد يمينا على طلاق لا يقال: إنه قد طلق ما لم يقع، وحكم اللفظ حمله على ~~الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز. والثاني: أنهم لم يختلفوا أنه مستعمل في ~~الحقيقة، فغير جائز أن يراد به المجاز; لأن لفظا واحدا لا يجوز أن يراد به ms2666 ~~الحقيقة والمجاز. # وقد روي عن الزهري في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق قبل نكاح" إنما ~~هو أن يذكر للرجل المرأة فيقال له: تزوجها، فيقول: هي طالق ألبتة، فهذا ليس ~~بشيء; فأما من قال: "إن تزوجت فلانة فهي طالق ألبتة" فإنما طلقها حين ~~تزوجها، وكذلك في الحرية. وقد قيل فيه: إنه إن أراد العقد فهو الرجل يقول ~~لأجنبية: "إن دخلت الدار فأنت طالق" ثم يتزوجها فتدخل الدار فلا تطلق وإن ~~كان الدخول في حال النكاح. قال أبو بكر: لا فرق بين من خص أو عم; لأنه إن ~~كان إذا خص فهو مطلق في الملك وكذلك حكمه إذا عم، وإن كان إذا عم غير مطلق ~~في ملك فكذلك في حال الخصوص. # فإن قيل: إذا عم فقد حرم جميع النساء على نفسه، كالمظاهر لما حرم امرأته ~~تحريما مبهما لم يثبت حكمه. قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن المظاهر ~~إنما قصد تحريم امرأة بعينها، ومن أصل المخالف أنه إذا عين وخص وقع طلاقه، ~~وإنما لا يوقعه إذا عم فواجب على أصله أن لا يقع طلاقه وإن خص كما لم تحرم ~~المظاهر منها تحريما مبهما وأيضا فإن الله تعالى لم يبطل حكم ظهاره وتحريمه ~~بل حرمها عليه بهذا القول وأثبت حكم ظهاره. وأيضا إن الحالف بطلاق من يتزوج ~~من النساء غير محرم للنساء على نفسه; لأنه لم يوجب بذلك تحريم النكاح وإنما ~~أوجب طلاقا بعد صحة النكاح ووقوع استباحة البضع. وأيضا فإنه إذا قال: "كل ~~امرأة أتزوجها فهي طالق" متى ألزمناه ما عقد عليه من الطلاق لم يكن تحريم ~~المرأة مبهما بل إنما تطلق واحدة ويجوز له أن يتزوجها ثانيا ولا يقع شيء. ~~فهذه الوجوه كلها تنبئ عن إغفال هذا السائل في سؤاله ذلك وأنه لا تعلق له ~~بالمسألة. # قال أبو بكر: ومن الناس من يقول: إذا قال: "إن تزوجتها فهي طالق وإن ~~اشتريته فهو حر" أنه لا يقع إلا أن يقول: "إذا صح نكاحي لك فأنت طالق بعد ~~ذلك وإذا ms2667 ملكتك بالشرى فأنت حر"; وذهب إلى أنه إذا جعل النكاح والشرى شرطا ~~للطلاق والعتاق فسبيل ذلك البضع وملك الرقبة أن يقعا بعد العقد، وهذه هي ~~حال إيقاع الطلاق والعتق، فيرد # PageV03P476 # الملك والطلاق والعتاق معا فلا يقعان; لأن الطلاق والعتاق لا يقعان إلا ~~في ملك مستقر قبل ذلك. قال أبو بكر: وهذا لا معنى له; لأن القائل: "إذا ~~تزوجتك فأنت طالق وإذا اشتريتك فأنت حر" معلوم من فحوى كلامه أنه أراد به ~~إيقاع الطلاق بعد صحة النكاح وإيقاع العتاق بعد صحة الملك، فيكون بمنزلة ~~القائل: "إذا ملكتك بالنكاح أو ملكتك بالشرى" فلما كان الملك بالنكاح ~~والشرى في مضمون اللفظ صار ذلك كالنطق به. # فإن قيل: لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون القائل: "إن اشتريت عبدا فامرأتي ~~طالق" فاشترى عبدا لغيره أن لا تطلق امرأته; لأن في مضمون لفظه الملك، كأنه ~~قال: "إن ملكت بالشرى". قيل له: لا يجب ذلك; لأن اللفظ إنما يتضمن الملك ~~فيما يوقع طلاقه أو عتقه، فأما في غيرهما فهو محمول على حكم اللفظ من غير ~~تضمين له بوقوع ملك ولا غيره. # وقوله تعالى: {من قبل أن تمسوهن} قد بينا في سورة البقرة أن الخلوة مرادة ~~بالمسيس وأن نفي العدة متعلق بنفي الخلوة والجماع جميعا، وفيما قدمنا ما ~~يغني عن الإعادة. # وقوله تعالى: {فمتعوهن} إن كان المراد من لم يسم لها مهرا فهو على ~~الوجوب، كقوله تعالى: {أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] وإن كان ~~المراد المدخول بها فهو ندب غير واجب. وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ~~قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ~~في قوله تعالى: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} الآية، قال: "التي نكحت ~~ولم يبين لها ولم يفرض لها فليس لها صداق وليس عليها عدة". وقال قتادة عن ~~سعيد: "هي منسوخة بقوله في البقرة: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] ". وقوله ~~تعالى: {وسرحوهن} بعد ذكر الطلاق قبل الدخول، يشبه أن يكون المراد به ~~إخراجها من ms2668 بيته أو من حباله; لأنه مذكور بعد الطلاق، فالأظهر أن هذا ~~التسريح ليس بطلاق ولكنه بيان أنه لا سبيل له عليها وأن عليه تخليتها من ~~يده وحباله. وبالله التوفيق. # PageV03P477 # باب ما أحل الله تعالى لرسوله من النساء # قال الله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن} . الآية. قال أبو بكر: قد انتظمت الآية ضروب النكاح الذي أباحه ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فمنها قوله: {اللاتي آتيت أجورهن} ~~يعني: من تزوج منهن بمهر مسمى وأعطاهن. ومنها: ما ملكت اليمين بقوله: {وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} . مثل ريحانة وصفية # PageV03P477 # وجويرية ثم أعتقهما وتزوجهما، وذلك مما أفاء الله عليه من الغنيمة. وذكر ~~تعالى بعد ذلك ما أحل له من أقاربه فقال: {وبنات عمك وبنات عماتك} ثم ذكر ~~ما أحل له من النساء بغير مهر فقال: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ~~وأخبر أنه مخصوص بذلك دون أمته وأنه وأمته سواء فيمن تقدم ذكرهن. # وقوله تعالى: {اللاتي هاجرن معك} قال أبو يوسف: لا دلالة فيه على أن ~~اللاتي لم يهاجرن كن محرمات عليه، وهذا يدل على أنه لم يكن يرى أن المخصوص ~~بالذكر يدل على أن ما عداه بخلافه. وروى داود بن أبي هند عن محمد بن أبي ~~موسى عن زياد عن أبي بن كعب قال: قلت له: أرأيت لو هلك نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكان له أن ينكح؟ قال: "وما يمنعه؟ أحل الله له ضروبا من ~~النساء فكان يتزوج منهن ما شاء" ثم تلا: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك ~~أزواجك} الآية. وهذا يدل على أن تخصيص الله تعالى للمذكورات بالإباحة لم ~~يوجب عليه حظر من سواهن عند أبي بن كعب; لأنه أخبر أنهن لو هلكن لكان له أن ~~يتزوج غيرهن. وقد روي عن أم هانئ خلاف ذلك، روى إسرائيل عن السدي عن أبي ~~صالح عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه ~~بعذر، فأنزل الله: {إنا ms2669 أحللنا لك أزواجك} إلى قوله: {اللاتي هاجرن معك} ~~قالت: فلم أكن أحل له; لأني لم أهاجر معه، كنت مع الطلقاء. فإن صح هذا ~~الحديث فإن مذهب أم هانئ أن تخصيصه للمهاجرات منهن قد أوجب حظر من لم ~~تهاجر، ويحتمل أن تكون قد علمت حظرهن بغير دلالة الآية وأن الآية إنما فيها ~~إباحة من هاجرت منهن ولم تعرض لمن لم تهاجر بحظر ولا إباحة إلا أنها قد ~~علمت من جهة أخرى حظرهن # قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} الآية; فيها نص على ~~إباحة عقد النكاح بلفظ الهبة للنبي صلى الله عليه وسلم. واختلف أهل العلم ~~في عقد النكاح بلفظ الهبة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح: "يصح النكاح بلفظ الهبة ولها ~~ما سمى لها، وإن لم يسم شيئا فلها مهر مثلها". وذكر ابن القاسم عن مالك ~~قال: "الهبة لا تحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هبته إياها ~~ليست على نكاح، وإنما وهبها له ليحصنها أو ليكفيها، فلا أرى بذلك بأسا". ~~وقال الشافعي: "لا يصح النكاح بلفظ الهبة". # وقد تنازع أهل العلم حكم هذه الآية، فقال قائلون: "كان عقد النكاح بلفظ ~~الهبة مخصوصا به النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى في نسق التلاوة: ~~{خالصة لك من دون المؤمنين} "وقال آخرون: "بل كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمته في عقد النكاح بلفظ الهبة سواء، وإنما خصوصية النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت في جواز استباحة البضع بغير بدل"; وقد روي نحو ذلك عن مجاهد # PageV03P478 # وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، وهذا هو الصحيح لدلالة الآية والأصول ~~عليه. فأما دلالة الآية على ذلك فمن وجوه: أحدها: قوله: {وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} ~~فلما أخبر في هذه الآية أن ذلك كان خالصا له دون المؤمنين مع إضافة لفظ ~~الهبة إلى المرأة، دل ذلك على ms2670 أن ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ~~إنما هو استباحة البضع بغير بدل; لأنه لو كان المراد اللفظ لما شاركه فيه ~~غيره; لأن ما كان مخصوصا به وخالصا له فغير جائز أن تقع بينه وبين غيره فيه ~~شركة حتى يساويه فيه; إذ كانت مساواتهما في الشركة تزيل معنى الخلوص ~~والتخصيص، فلما أضاف لفظ الهبة إلى المرأة فقال: {وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي} فأجاز العقد منها بلفظ الهبة علمنا أن التخصيص لم يقع في ~~اللفظ وإنما كان في المهر. فإن قيل: قد شاركه في جواز تمليك البضع بغير بدل ~~ولم يمنع ذلك خلوصها له، فكذلك في لفظ العقد. قيل له: هذا غلط; لأن الله ~~أخبر أنها خالصة له، وإنما جعل الخلوص فيما هو له، وإسقاط المرأة المهر في ~~العقد ليس هو لها ولكنه عليها، فلم يخرجه ذلك من أن يكون ما جعل له خالصا ~~لم تشركه فيه المرأة ولا غيره. # والوجه الثاني من دلالة الآية قوله تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها} ~~فسمى العقد بلفظ الهبة نكاحا، فوجب أن يجوز لكل أحد، لقوله تعالى: {فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] . وأيضا لما جاز هذا العقد للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به، وجب أن يجوز لنا فعل مثله ~~إلا أن تقوم الدلالة على أنه كان مخصوصا باللفظ دون أمته، وقد حصل له معنى ~~الخلوص المذكور في الآية من جهة إسقاط المهر فوجب أن يكون ذلك مقصورا عليه ~~وما عداه فغير محمول على حكمه إلا أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص به. # ومما يدل على أن خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في الصداق ما ~~حدثنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن بشر ~~قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "أنها كانت تعير النساء اللاتي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألا تستحيي أن تعرض نفسها ~~بغير صداق فأنزل ms2671 الله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} إلى ~~قوله: {فلا جناح عليك} ; قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إني أرى ربك يسارع في هواك. " ويدل على جوازه بلفظ الهبة ~~ما حدثنا عن محمد بن علي بن زيد الصائغ قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: ~~حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد أن امرأة ~~جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله جئت لأهب نفسي ~~لك فنظر إليها فصعد البصر وصوبه ثم طأطأ # PageV03P479 # رأسه، فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله إن لم تك لك بها حاجة ~~فزوجنيها وذكر الحديث، إلى قوله: فقال: معي سورة كذا وسورة كذا، فقال: ~~"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن". ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح ~~بلفظ التمليك، والهبة من ألفاظ التمليك، فوجب أن يجوز بها عقد النكاح; ~~ولأنه إذا ثبت بلفظ التمليك بالسنة ثبت بلفظ الهبة; إذ لم يفرق أحد بينهما. # فإن قيل: قد روي أنه قال: "قد زوجتك بما معك من القرآن". قيل له: يجوز أن ~~يكون ذكر مرة التزويج ثم ذكر لفظ التمليك ليبين أنهما سواء في جواز عقد ~~النكاح بهما. وأيضا لما أشبه عقد النكاح عقود التمليكات في إطلاقه من غير ~~ذكر الوقت وكان التوقيت يفسده، وجب أن يجوز بلفظ التمليك والهبة كجواز سائر ~~الأشياء المملوكة; وهذا أصل في جواز سائر ألفاظ التمليك. ولا يجوز بلفظ ~~الإباحة; لأن لذلك أصلا آخر يمنع جوازه وهو المتعة التي حرمها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعنى المتعة إباحة التمتع بها، فكل ما كان من ألفاظ ~~الإباحة لم ينعقد به عقد النكاح قياسا على المتعة، وكل ما كان من ألفاظ ~~التمليك ينعقد به النكاح قياسا على سائر عقود التمليكات لشبهه بها من ~~الوجوه التي ذكرنا. # وقد اختلف في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فروي عن ~~ابن عباس رواية وعكرمة: "أنها ms2672 ميمونة بنت الحارث". وقال علي بن الحسن: "هي ~~أم شريك الدوسية". وعن الشعبي: "أنها امرأة من الأنصار". وقيل: "إنها زينب ~~بنت خزيمة الأنصارية". # قوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} قال قتادة: "فرض أن لا ~~ينكح امرأة إلا بولي وشاهدين وصداق، ولا ينكح الرجل إلا أربعا. " وقال ~~مجاهد وسعيد بن جبير: "أربع". قال أبو بكر: وقوله: {وما ملكت أيمانهم} يعني ~~ما أباح لهم بملك اليمين كما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله: {لكيلا ~~يكون عليك حرج} يرجع والله أعلم إلى قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} وما ذكره ~~بعده فيما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يضيق عليه; لأن الحرج ~~الضيق، فأخبر تعالى بتوسعته على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أباحه له ~~وعلى المؤمنين فيما أطلقه لهم. # قوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} . حدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن منصور عن أبي رزين في قوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن} المرجات ~~ميمونة وسودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب ~~سواء في القسم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بينهن. وحدثنا عبد ~~الله بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا # PageV03P480 # الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله ~~تعالى: {ترجي من تشاء منهن} قال: "كان ذلك حين أنزل الله أن يخيرهن"، قال ~~الزهري: "وما علمنا رسول الله أرجى منهن أحدا، ولقد آواهن كلهن حتى مات صلى ~~الله عليه وسلم". قال معمر: وقال قتادة: "جعله الله في حل أن يدع من شاء ~~منهن ويؤوي إليه من شاء، يعني قسما; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قسم"، قال معمر: وأخبرنا من سمع الحسن يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو يدعها، ففي ذلك نزلت: ms2673 {ترجي من تشاء منهن} ". قال أبو بكر: وروى ~~زكريا عن الشعبي: {ترجي من تشاء منهن} قال "نساء كن وهبن أنفسهن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأرجى بعضهن ودخل ببعض منهن أم شريك لم يتزوج بعده". ~~وقال مجاهد: {ترجي من تشاء منهن} قال: "ترجيهن من غير طلاق ولا تأتيهن". ~~وروى عاصم الأحول عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يستأذننا في يوم إحدانا بعدما أنزل: {ترجي من تشاء منهن} فقالت ~~لها معاذة: فما كنت تقولين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن؟ ~~قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إلي لم أوثر على نفسي أحدا. # قال أبو بكر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين ~~نسائه ولم يذكر فيه تخصيص واحدة منهن بإخراجها من القسم; حدثنا محمد بن بكر ~~قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن أيوب ~~عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني ~~فيما تملك ولا أملك" ; قال أبو داود: يعني القلب. وحدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا عبد الرحمن يعني ابن ~~أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت عائشة: يا ابن أختي كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندها، ~~وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى ~~يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها; ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت ~~وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة ~~فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها} قالت: نقول في ذلك أنزل الله ~~تعالى وفي أشباهها، أراه قال: {وإن امرأة خافت من ms2674 بعلها نشوزا} [النساء: ~~128] . وروي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن نساءه في مرضه ~~أن يكون عند عائشة، فأذن له. وهذا يدل على أنه قد كان يقسم لجميعهن، وهو ~~أصح من حديث أبي رزين الذي ذكر فيه أنه أرجى جماعة من نسائه ثم لم يقسم لهن ~~وظاهر الآية يقتضي تخيير النبي صلى الله عليه وسلم في إرجاء من شاء منهن ~~وإيواء من شاء، فليس يمتنع أن يختار إيواء الجميع إلا سودة فإنها رضيت بأن ~~تجعل يومها لعائشة. # PageV03P481 # قوله تعالى: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} يعني والله أعلم: في ~~إيواء من أرجى منهن، أباح له بذلك أن يعتزل من شاء منهن ويؤوي من شاء، وأن ~~يؤوي منهن من شاء بعد الاعتزال. # وقوله تعالى: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن} يعني والله أعلم: إذا علمن بعد ~~الإرجاء أن لك أن تؤوي وترد إلى القسم. وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن ~~لم يكن واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان مخيرا في القسم لمن ~~شاء منهن وترك من شاء منهن. # قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} روى ليث ~~عن مجاهد قال: "يعني من بعد ما سمي لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا ~~كافرة". وعن مجاهد أيضا في قوله: {إلا ما ملكت يمينك} قال: "لا بأس أن ~~تتسرى اليهودية والنصرانية". وروى سعيد عن قتادة: {لا يحل لك النساء من بعد ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج} قال: "لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن، ~~وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة"; وهو قول الحسن. وروي ~~غير ذلك، وهو ما روى إسرائيل عن السدي عن عبد الله بن شداد: {لا يحل لك ~~النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} قال: "ذلك لو طلقهن لم يحل له أن ~~يستبدل" قال: "وكان ينكح ما شاء بعد ما نزلت هذه الآية". قال: "فنزلت هذه ~~الآية وعنده تسع نسوة، ثم ms2675 تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية بنت ~~الحارث". # قال أبو بكر ظاهر الآية يفيد تحريم سائر النساء على النبي صلى الله عليه ~~وسلم سوى من كن تحته وقت نزولها; وقد روى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير ~~عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حل له النساء. قال ~~أبو بكر: وهذا يوجب أن تكون الآية منسوخة، وليس في القرآن ما يوجب نسخها، ~~فهي إذا منسوخة بالسنة; ويحتج به في جواز نسخ القرآن بالسنة. # فإن قيل: قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} خبر والخبر لا يجوز النسخ في ~~مخبره. قيل له: إنه وإن كان في صورة الخبر فهو نهي يجوز ورود النسخ عليه، ~~وهو بمنزلة ما لو قال: لا تتزوج بعدهن النساء، فيجوز نسخه. # قوله تعالى: {ولو أعجبك حسنهن} يدل على جواز النظر إلى وجه المرأة ~~الأجنبية، إذ لا يعجبه حسنها إلا وقد نظر إليها. # PageV03P482 # باب ذكر حجاب النساء # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم إلى طعام # PageV03P482 # غير ناظرين إناه} . حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أبي عثمان واسمه الجعد ~~بن دينار عن أنس قال: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب أهدت إليه أم ~~سليم حيسا في تور من حجارة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فادع من ~~لقيت من المسلمين، فدعوت له من لقيت، فجعلوا يدخلون فيأكلون ويخرجون، فوضع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال فيه ما شاء الله أن ~~يقول، ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وبقي طائفة ~~منهم فأطالوا عليه الحديث، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} إلى قوله: ~~{وقلوبهن} . وروى بشر بن المفضل عن حميد الطويل عن أنس، ذكر حديث ms2676 بناء ~~النبي صلى الله عليه وسلم بزينب ووليمته: فلما طعمه القوم، وكان مما يفعل ~~إذا أصبح ليلة بنائه دنا من حجر أمهات المؤمنين فسلم عليهن وسلمن عليه ودعا ~~لهن ودعون له، فلما انصرف وأنا معه إلى بيته بصر برجلين قد جرى بينهما ~~الحديث من ناحية البيت، فانصرف عن بيته، فلما رأى الرجلان انصراف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن بيته وثبا خارجين، فأخبر أنهما قد خرجا، فرجع حتى ~~دخل بينه فأرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب. وروى حماد بن زيد عن ~~أسلم العلوي عن أنس قال: لما نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت أدخل، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وراءك يا أنس". # قال أبو بكر: فانتظمت الآية أحكاما، منها النهي عن دخول بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا بإذن وأنهم إذا أذن لهم لا يقعدون انتظارا لبلوغ ~~الطعام ونضجه، وإذا أكلوا لا يقعدون للحديث. وروي عن مجاهد: {غير ناظرين ~~إناه} قال: "متحينين حين نضجه ولا مستأنسين لحديث بعد أن يأكلوا". وقال ~~الضحاك: {غير ناظرين إناه} قال: "نضجه". # قوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} قد تضمن حظر ~~رؤية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن; ~~لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة، فقطع الله بالحجاب الذي ~~أوجبه هذا السبب. # قوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} يعني بما بين في هذه الآية ~~من إيجاب الاستئذان وترك الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم وبين نسائه. ~~وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه فالمعنى عام ~~فيه وفي غيره; إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون ~~أمته. وقد روى معمر عن قتادة أن رجلا قال: لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم ~~لتزوجت عائشة; فأنزل الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} . قال ~~أبو بكر: ما ذكره قتادة هو أحد ما انتظمته ms2677 الآية; وروى عيسى بن يونس عن أبي # PageV03P483 # إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن سرك أن تكوني زوجتي في ~~الجنة إن جمع الله بيننا فيها فلا تزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها; ~~ولذلك حرم الله على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن بعده. وروى ~~حميد الطويل عن أنس قال: سألت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ~~المرأة منا يكون لها زوجان فتموت فتدخل الجنة هي وزوجها لأيهما تكون؟ قال: ~~"يا أم حبيبة لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا فتكون زوجته في الجنة. يا ~~أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة". # قوله تعالى: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن} الآية. قال قتادة ~~"رخص لهؤلاء أن لا يجتنبن منهم". قال أبو بكر: ذكر ذوي المحارم منهن وذكر ~~نساءهن، والمعنى والله أعلم: الحرائر، {ولا ما ملكت أيمانهن} يعني الإماء; ~~لأن العبد والحر لا يختلفان فيما يباح لهم من النظر إلى النساء. # قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما} . الصلاة من الله هي الرحمة ومن العباد الدعاء، وقد ~~تقدم ذكره. وروي عن أبي العالية: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} قال: ~~"صلاة الله عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة عليه بالدعاء". قال أبو بكر: ~~يعني والله أعلم إخبار الله الملائكة برحمته لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتمام نعمه عليه، فهو معنى قوله صلاته عند الملائكة. وروي عن الحسن: هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته، إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: هل يصلي ~~ربك؟ فكأن ذلك كبر في صدره، فأوحى الله إليه أن أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي ~~أن رحمتي سبقت غضبي. # وقوله: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، وهو فرض عندنا فمتى فعلها الإنسان ~~مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد ~~والتصديق بالنبي صلى الله عليه ms2678 وسلم متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره ~~فقد أدى فرضه. وزعم الشافعي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض في ~~الصلاة; وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل العلم فيما نعلمه، وهو خلاف ~~الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لفرضها في الصلاة، منها حديث ~~ابن مسعود حين علمه التشهد فقال: "إذا فعلت هذا أو قلت هذا فقد تمت صلاتك ~~فإن شئت أن تقوم فقم" وقوله: "ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت" وحديث ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رفع الرجل رأسه من آخر سجدة وقعد ~~فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" ; وحديث معاوية بن الحكم السلمي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما ~~هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن"، ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وقد استقصينا الكلام # PageV03P484 # في هذه المسألة في شرح مختصر الطحاوي. # وقوله: {وسلموا تسليما} يحتج به أصحاب الشافعي في إيجاب فرض السلام في ~~آخر الصلاة. ولا دلالة فيه على ما ذكروا; لأنه لم يذكر الصلاة، فهو على نحو ~~ما ذكرنا في الصلاة عليه. ويحتجون به أيضا في فرض التشهد; لأن فيه السلام ~~على النبي صلى الله عليه وسلم. ولا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه،; إذ لم ~~يذكر السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يريد به تأكيد الفرض ~~في الصلاة عليه بتسليمهم لأمر الله إياهم بها كقوله: {ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . قال أبو بكر: قد ذكر ~~الله تعالى في كتابه اسمه وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم فأفرد نفسه بالذكر ~~ولم يجمع الاسمين تحت كناية واحدة، نحو قوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} ~~[التوبة: 62] . ولم يقل يرضوهما; لأن اسم الله واسم غيره لا يجتمعان في ~~كناية. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب بين يديه رجل فقال: من ~~يطع الله ورسوله ms2679 فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "قم فبئس خطيب القوم أنت" لقوله: ومن يعصهما. # فإن قيل فقد قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~[الأحزاب: 56] . فجمع اسمه واسم ملائكته في الضمير. قيل له: إنما أنكرنا ~~جمعهما في كناية يكون اسما لهما نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم، فأما ~~الفعل الذي ليس باسم ولا كناية عنه وإنما فيه الضمير فلا يمتنع ذلك فيه; ~~وقد قيل أيضا في هذا الموضع إن قوله: {يصلون} [الأحزاب: 56] ضمير الملائكة ~~دون اسم الله تعالى، وصلاة الله على النبي مفهومة من الآية من جهة المعنى ~~كقوله: {انفضوا إليها} [الجمعة: 11] رد الكناية إلى التجارة دون اللهو; ~~لأنه مفهوم من جهة المعنى، وكذلك قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] المذكور في ضمير النفقة هو الفضة ~~والذهب مفهوم من جهة المعنى. # قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} يعني: يؤذون أولياء الله ~~ورسوله وذلك لأن الله لا يجوز أن يلحقه الأذى، فأطلق ذلك مجازا; لأن المعنى ~~مفهوم عند المخاطبين كما قال: {واسأل القرية} [يوسف: 82] والمعنى: أهل ~~القرية. # وقوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} قد قيل: ~~إنه أراد من أضمر ذكره في الآية الأولى من أولياء الله، فأظهر ذكرهم بعد ~~الضمير وبين أنهم المرادون بالضمير وأخبر عن احتمالهم البهتان والإثم ~~اللذين بهما يستحقون ما ذكر في الآية الأولى من اللعن والعذاب. # قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من # PageV03P485 # جلابيبهن} . روي عن عبد الله قال: "الجلباب الرداء". وقال ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد "يتجلببن ليعلم أنهن حرائر ولا يعرض لهن فاسق". وروى محمد بن ~~سيرين عن عبيدة {يدنين عليهن من جلابيبهن} قال: تقنع عبيدة وأخرج إحدى ~~عينيه، وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الحسن قال: "كن إماء بالمدينة يقال ~~لهن: كذا وكذا يخرجن فيتعرض لهن السفهاء ms2680 فيؤذوهن، وكانت المرأة الحرة تخرج ~~فيحسبون أنها أمة فيتعرضون لها فيؤذونها، فأمر الله المؤمنات أن يدنين ~~عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين" وقال ابن عباس ~~ومجاهد: "تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء" وحدثنا عبد ~~الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ~~أبي خيثم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت: "لما نزلت هذه الآية: {يدنين ~~عليهن من جلابيبهن} خرج نساء من الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من أكسية ~~سود يلبسنها". # قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها ~~عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. ~~وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها; لأن قوله تعالى: ~~{ونساء المؤمنين} ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا روي في التفسير، لئلا يكن ~~مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف ~~به الحرائر من الإماء وقد روي عن عمر أنه كان يضرب الإماء ويقول: اكشفن ~~رءوسكن ولا تشبهن بالحرائر. # قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة} الآية. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن قتادة: "أن ناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا نفاقهم، ~~فنزلت: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم} أي لنحرشنك" وقال ابن عباس: "لنغرينك بهم: لنسلطنك عليهم، ثم ~~لا يجاورنك فيها إلا قليلا، بالنفي عنها". قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة ~~على أن الإرجاف بالمؤمنين والإشاعة بما يغمهم ويؤذيهم يستحق به التعزير ~~والنفي إذا أصر عليه ولم ينته عنه، وكان قوم من المنافقين وآخرون ممن لا ~~بصيرة له في الدين وهم الذين في قلوبهم مرض وهو ضعف اليقين يرجفون باجتماع ~~الكفار والمشركين وتعاضدهم ومسيرهم إلى المؤمنين فيعظمون شأن الكفار بذلك ~~عندهم ويخوفونهم، فأنزل الله تعالى ذلك فيهم، ms2681 وأخبر تعالى باستحقاقهم # PageV03P486 # النفي والقتل إذا لم ينتهوا عن ذلك، فأخبر تعالى أن ذلك سنة الله وهو ~~الطريقة المأمور بلزومها واتباعها. # وقوله تعالى: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} يعني والله أعلم أن أحدا لا ~~يقدر على تغيير سنة الله وإبطالها. آخر سورة الأحزاب. # PageV03P487 # ومن سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} . روي عن عطاء بن يسار قال: تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي ~~الشكور} ثم قال: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود: العدل في ~~الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية. # قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} يدل على أن عمل ~~التصاوير كان مباحا، وهو محظور في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لما روي ~~عنه أنه قال: "لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة" وقال: "من صور صورة كلف يوم ~~القيامة أن يحييها وإلا فالنار" وقال: "لعن الله المصورين". وقد قيل فيه إن ~~المراد من شبه الله تعالى بخلقه. آخر سورة سبأ. # PageV03P488 # ومن سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عكرمة قال: "ذكر عند ابن عباس يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقرأ: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فما الذي يقطع هذا. "وروى ~~سالم عن سعيد بن جبير: "الكلم الطيب يرفعه العمل الصالح". # قوله تعالى: {ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها} الحلية ~~ههنا اللؤلؤ وما يتحلى به مما يخرج من البحر. واختلف الفقهاء في المرأة ~~تحلف أن لا تلبس حليا، فقال أبو حنيفة: "اللؤلؤ وحده ليس بحلي إلا أن يكون ~~معه ذهب، لقوله تعالى: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع} ~~[الرعد: 17] وهذا في الذهب دون اللؤلؤ; إذ لا توقد عليه". وقوله {حلية ~~تلبسونها} إنما سماه حلية في حال اللبس، وهو لا يلبس وحده في العادة إنما ~~يلبس مع الذهب، ومع ذلك فإن إطلاق لفظ الحلية عليه في القرآن لا ms2682 يوجب حمل ~~اليمين عليه، والدليل عليه قوله: {تأكلون لحما طريا} وأراد به السمك; ولو ~~حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث، وكذلك قوله: {وجعل الشمس سراجا} ~~[نوح: 16] ومن حلف لا يقعد في سراج وقعد في الشمس لا يحنث. # قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فيه الإبانة عن فضيلة ~~العلم وأن به يتوصل إلى خشية الله وتقواه; لأن من عرف توحيد الله وعدله ~~بدلائله أوصله ذلك إلى خشية الله وتقواه; إذ كان من لا يعرف الله ولا يعرف ~~عدله وما قصد له بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقيه; وقوله في آية أخرى: {يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] وقال ~~تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} إلى قوله: ~~{ذلك لمن خشي ربه} [البينة: 8] فأخبر أن خير البرية من خشي ربه، وأخبر في ~~الآية أن العلماء بالله هم الذين يخشونه، فحصل بمجموع الآيتين أن أهل العلم ~~بالله هم خير البرية وإن كانوا على طبقات في ذلك. ثم وصف أهل العلم بالله ~~الموصوفين بالخشية منه فقال: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما # PageV03P489 # رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} فكان ذلك في صفة الخاشعين لله ~~العاملين بعلمهم; وقد ذكر في آية أخرى المعرض عن موجب علمه فقال: {واتل ~~عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ~~ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} [الأعراف: 175, ~~176] إلى آخر القصة; فهذه صفة العالم غير العامل، والأول صفة العالم المتقي ~~لله. وأخبر عن الأولين بأنهم واثقون بوعد الله وثوابه على أعمالهم بقوله ~~تعالى: {يرجون تجارة لن تبور} . # قوله تعالى: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} . روى بعض السلف قال: من ~~شأن المؤمن الحزن في الدنيا ألا تراهم حين يدخلون الجنة يقولون الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن؟ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الدنيا ~~سجن المؤمن" ; قيل لبعض النساك: ما بال أكثر النساك ms2683 محتاجين إلى ما في يد ~~غيرهم؟ قال: لأن الدنيا سجن المؤمن، وهل يأكل المسجون إلا من يد المطلق. # قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} روي عن ~~الحسن والضحاك قالا: "ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر معمر آخر". وقال ~~الشعبي: "لا ينقص من عمره" لا ينقضي ما ينقص منه وقتا بعد وقت وساعة بعد ~~ساعة"، والعمر هو مدة الأجل التي كتبها الله لخلقه فهو عالم بما ينقص منها ~~بمضي الأوقات والأزمان. # قوله تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} . روي عن ~~ابن عباس ومسروق أن العمر الذي ذكر الله به أربعون سنة. وعن ابن عباس رواية ~~وعن علي: "ستون سنة". وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني رجل من غفار عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد أعذر الله ~~عبدا أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه لقد أعذر الله ~~إليه". وحدثنا عبد الله قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن أبي خيثم عن مجاهد عن ابن عباس قال: "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن ~~آدم ستون سنة". وبإسناده عن مجاهد مثله من قوله. # قوله تعالى: {وجاءكم النذير} روي عن بعض أهل التفسير أن النذير محمد صلى ~~الله عليه وسلم وروي أنه الشيب. قال أبو بكر: ويجوز أن يكون المراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسائر ما أقام الله من الدلائل على توحيده وتصديق رسله ~~ووعده ووعيده وما يحدث في الإنسان من حين بلوغه إلى آخر عمره من التغير ~~والانتقال من حال إلى حال من غير صنع له فيه ولا اختيار منه له، فيكون حدثا ~~شابا ثم كهلا ثم شيخا، وما ينقلب فيه فيما بين ذلك من # PageV03P490 # مرض وصحة وفقر وغناء وفرح وحزن، ثم ما يراه في غيره وفي سائر الأشياء ms2684 من ~~حوادث الدهر التي لا صنع للمخلوقين فيها; وكل ذلك داع له إلى الله ونذير له ~~إليه كما قال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء} ~~[لأعراف: 185] فأخبر أن في جميع ما خلق دلالة عليه ورادا للعباد إليه. آخر ~~سورة فاطر. # PageV03P491 # ومن سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} . حدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر ~~عن عبد الله بن عمر في قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} قال: "الشمس تطلع ~~فيراها بنو آدم حتى إذا كان يوم غربت فتحبس ما شاء الله ثم يقال: اطلعي من ~~حيث غربت، فهو يوم لا ينفع نفسا إيمانها. الآية". قال معمر: وبلغني عن أبي ~~موسى الأشعري أنه قال: "إذا كانت الليلة التي تطلع فيها الشمس من حيث تغرب ~~قام المتهجدون لصلاتهم فصلوا حتى يملوا ثم يعودون إلى مضاجعهم، يفعلون ذلك ~~ثلاث مرات، والليل كما هو والنجوم واقفة لا تسري حتى يخرج الرجل إلى أخيه ~~ويخرج الناس بعضهم إلى بعض". قال أبو بكر: فكان معنى قوله: {لمستقر لها} ~~على هذا التأويل وقوفها عن السير في تلك الليلة إلى أن تطلع من مغربها. قال ~~معمر: وبلغني أن بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، قيل له: وما الآيات؟ قال: ~~زعم قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع ~~الشمس من مغربها والدجال والدخان ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة" ; ~~قيل له: هل بلغك أي الآيات أول؟ قال: طلوع الشمس من مغربها، وقد بلغني أن ~~رجالا يقولون: الدجال. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله ~~إلا الله". وروى قتادة: {لمستقر لها} قال: "لوقت واحد لها لا تعدوه". قال ~~أبو بكر: يعني ms2685 أنها استقرت على سير واحد وعلى مقدار واحد لا تختلف. وقيل: ~~{لمستقر لها} لأبعد منازلها في الغروب. # قوله تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} . حدثنا عبد الله بن ~~محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر عن الحسن في قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} قال: "ذاك ليلة ~~الهلال". قال أبو بكر: يعني والله أعلم أنها لا تدركه فتستره بشعاعها حتى ~~تمنع من رؤيته; لأنهما مسخران # PageV03P492 # مقسوران على ما رتبهما الله عليه لا يمكن واحدا منهما أن يتغير عن ذلك. ~~وقال أبو صالح: "لا يدرك أحدهما ضوء الآخر" وقيل: {لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر} حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه وقيل: "لا تدركه في سرعة السير". ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر قال: وبلغني أن عكرمة قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال: وبلغني أن عكرمة قال: "لكل واحد منهما ~~سلطان، للقمر سلطان الليل وللشمس النهار، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل" ~~{ولا الليل سابق النهار} يقول: "لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر ~~حتى يكون نهارا". # فإن قيل: هذا يدل على أن ابتداء الشهر نهار لا ليل; لأنه قال: {ولا الليل ~~سابق النهار} فإذا لم يسبق الليل النهار واستحال اجتماعهما معا وجب أن يكون ~~النهار سابقا لليل فيكون ابتداء الشهور من النهار لا من الليل. قيل له: ليس ~~تأويل الآية ما ذهبت إليه، وإنما معناها أحد الوجوه التي تقدم ذكرها عن ~~السلف، ولم يقل أحد منهم: إن معناها أن ابتداء الشهور من النهار; فهذا ~~تأويل ساقط بالإجماع. وأيضا فلما كانت الشهور التي تتعلق بها أحكام الشرع ~~هي شهور الأهلة والهلال أول ما يظهر فإنما يظهر ليلا ولا يظهر ابتداء ~~النهار، وجب أن يكون ابتداؤها من الليل; ولا خلاف بين أهل العلم أن أول ~~ليلة من شهر رمضان هي من ms2686 رمضان وأن أول ليلة من شوال هي من شوال، فثبت بذلك ~~أن ابتداء الشهور من الليل ألا ترى أنهم يبتدءون بصلاة التراويح في أول ~~ليلة منه؟ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا كان أول ليلة ~~من رمضان صفدت فيه الشياطين"، وجميع ذلك يدل على أن ابتداء الشهور من أول ~~الليل. وقد قال أصحابنا فيمن قال: لله علي اعتكاف شهر أنه يبتدئ به من ~~الليل; لأن ابتداء الشهور من الليل. # قوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} . روي عن ~~الضحاك وقتادة أنه أراد سفينة نوح. قال أبو بكر: فنسب الذرية إلى ~~المخاطبين; لأنهم من جنسهم كأنه قال: ذرية الناس. # وقوله تعالى: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} . قال ابن عباس: "السفن بعد ~~سفينة نوح" وروي عن ابن عباس رواية أخرى وعن مجاهد: "أن الإبل سفن البر". # قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} . قال قتادة: "نصيره إلى حال ~~الهرم التي تشبه حال الصبي في غروب العلم وضعف القوى". وقال غيره: "نصيره ~~بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الحدة والطراوة إلى ~~البلى". قال أبو بكر: ومثله قوله تعالى: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} ~~[النحل: 70] وسماه أرذل العمر; لأنه لا يرجى له بعده عود من النقصان إلى ~~الزيادة ومن الجهل إلى العلم كما يرجى # PageV03P493 # مصير الصبي من الضعف إلى القوة ومن الجهل إلى العلم، ونظيره قوله تعالى: ~~{ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54] . # قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} . حدثنا عبد الله بن محمد ~~بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~في قوله: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} قال: بلغني أن عائشة سئلت: هل ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا، إلا ~~ببيت أخي بني قيس بن طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # قال: فجعل النبي ms2687 صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتيك من لم تزود بالأخبار". ~~فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله، قال: "إني لست بشاعر ولا ينبغي لي". ~~قال أبو بكر: لم يعط الله نبيه صلى الله عليه وسلم العلم بإنشاء الشعر، لم ~~يكن قد علمه الشعر; لأنه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده، وإنما لم ~~يعط ذلك لئلا تدخل به الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن أنه قوي على ~~ذلك بما في طبعه من الفطنة للشعر; وإذا كان التأويل أنه لم يعطه الفطنة ~~لقول الشعر لم يمتنع على ذلك أن ينشد شعرا لغيره، إلا أنه لم يثبت من وجه ~~صحيح أنه تمثل بشعر لغيره، وإن كان قد روي أنه قال: # هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # وقد روي أن القائل لذلك بعض الصحابة. وأيضا فإن من أنشد شعرا لغيره أو ~~قال بيتا أو بيتين لم يسم شاعرا ولا يطلق عليه أنه قد علم الشعر أو قد ~~تعلمه، ألا ترى أن من لا يحسن الرمي قد يصيب في بعض الأوقات برميته ولا ~~يستحق بذلك أن يسمى راميا ولا أنه تعلم الرمي؟ فكذلك من أنشد شعرا لغيره ~~وأنشأ بيتا ونحوه لم يسم شاعرا. # قوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة} فيه من أوضح الدليل على أن من قدر على الابتداء كان أقدر على الإعادة; ~~إذ كان في ظاهر الأمر أن إعادة الشيء أيسر من ابتدائه، فمن قدر على الإنشاء ~~ابتداء فهو على الإعادة أقدر فيما يجوز عليه البقاء وفيه الدلالة على وجوب ~~القياس والاعتبار; لأنه ألزمهم قياس النشأة الثانية على الأولى. # وربما احتج بعضهم بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} على أن ~~العظم فيه حياة فيجعله حكم الموت بموت الأصل ويكون ميتة. وليس كذلك; لأنه ~~إنما سماه حيا مجازا; إذ كان عضوا يحيى كما قال تعالى: {يحيي الأرض بعد ~~موتها} [الروم: 50] ومعلوم أنه لا حياة فيها. آخر ms2688 سورة يس. # PageV03P494 # ومن سورة والصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر} إلى قوله: {وفديناه بذبح عظيم} قال أبو بكر: ظاهره يدل على ~~أنه كان مأمورا بذبحه، فجائز أن يكون الأمر إنما تضمن معالجة الذبح لا ذبحا ~~يوجب الموت وجائز أن يكون الأمر حصل على شريطة التخلية والتمكين منه وعلى ~~أن لا يفديه بشيء وأنه إن فدى منه بشيء قائما مقامه. والدليل على أن ظاهره ~~قد اقتضى الأمر قوله: {افعل ما تؤمر} وقوله: {وفديناه بذبح عظيم} فلو لم ~~يكن ظاهره قد اقتضى الأمر بالذبح لما قال: {افعل ما تؤمر} ولم يكن الذبح ~~فداء عن ذبح متوقع. وروي أن إبراهيم عليه السلام كان نذر إن رزقه الله ولدا ~~ذكرا أن يجعله ذبيحا لله، فأمر بالوفاء به. وروي أن الله تعالى ابتدأ ~~بالأمر بالذبح على نحو ما قدمنا وجائز أن يكون الأمر ورد بذبح ابنه وذبحه ~~فوصل الله أوداجه قبل خروج الروح وكانت الفدية لبقاء حياته. # قال أبو بكر: وعلى أي وجه تصرف تأويل الآية قد تضمن الأمر بذبح الولد ~~إيجاب شاة في العاقبة، فلما صار موجب هذا اللفظ إيجاب شاة في المتعقب في ~~شريعة إبراهيم عليه السلام وقد أمر الله باتباعه بقوله تعالى: {ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] وقال: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وجب على من نذر ذبح ولده شاة. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في ذلك فروى عكرمة عن ابن عباس في ~~الرجل يقول: هو نحر ابنه، قال: "كبش كما فدى إبراهيم إسحاق". وروى سفيان عن ~~منصور عن الحكم عن علي في رجل نذر أن ينحر ابنه قال: "يهدي بدنة أو ديته شك ~~الراوي. وعن مسروق مثل قول ابن عباس. وروى شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: ~~"يحج ويهدي بدنة". وروى داود بن أبي هند عن عامر في رجل حلف أن ينحر ابنه ~~قال: "قال بعضهم مائة من ms2689 الإبل، وقال بعضهم: كبش كما فدي إسحاق". # PageV03P495 # قال أبو بكر: قال أبو حنيفة ومحمد: "عليه ذبح شاة" وقال أبو يوسف: "لا ~~شيء عليه" وقال أبو حنيفة: "لو نذر ذبح عبده لم يكن عليه شيء" وقال محمد: ~~"عليه ذبح شاة". وظاهر الآية يدل على قول أبي حنيفة في ذبح الولد; لأن هذا ~~اللفظ قد صار عبارة عن إيجاب شاة في شريعة إبراهيم عليه السلام فوجب بقاء ~~حكمه ما لم يثبت نسخه. وذهب أبو يوسف إلى حديث أبي قلابة عن أبي المهلب عن ~~عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا وفاء لنذر في معصية ~~الله ولا فيما لا يملك ابن آدم". وروى الحسن عن عمران بن حصين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". # قال أبو بكر: لا يلزم القائلين بالقول الأول وذلك لأن قوله: "علي ذبح ~~ولدي" لما صار عبارة عن إيجاب ذبح شاة صار بمنزلة ما لو قال: "علي ذبح شاة" ~~ولم يكن ذلك معصية، وإنما لم يوجب أبو حنيفة على الناذر ذبح عبده شيئا; لأن ~~هذا اللفظ ظاهره معصية ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة فكان نذر معصية. ~~وقد قالوا جميعا فيمن قال: لله علي أن أقتل ولدي: إنه لا شيء عليه; لأن هذا ~~اللفظ ظاهره معصية، ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة وقد روى يزيد بن ~~هارون عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: كنت عند ابن عباس فجاءته ~~امرأة فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني قال: لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك" ~~فقال رجل عند ابن عباس: إنه لا وفاء لنذر في معصية، فقال ابن عباس: "مه قال ~~الله تعالى في الظهار ما سمعت وأوجب فيه ما ذكره". قال أبو بكر: وليس ذلك ~~بمخالف لما قدمنا من قول ابن عباس في إيجابه كبشا; لأنه جائز أن يكون من ~~مذهبه إيجابهما جميعا إذا أراد بالنذر اليمين، كما قال أبو حنيفة ومحمد ms2690 ~~فيمن قال" "لله علي أن أصوم غدا" فلم يفعل وأراد اليمين أن عليه كفارة ~~اليمين والقضاء جميعا. وقد اختلف في الذبيح من ولدي إبراهيم عليه السلام، ~~فروي عن علي وابن مسعود وكعب والحسن وقتادة أنه إسحاق، وعن ابن عباس وابن ~~عمر وسعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم القولان جميعا. # ومن قال: هو إسماعيل يحتج بقوله عقيب ذكر الذبح: {وبشرناه بإسحاق نبيا} ~~فلما كانت البشارة بعد الذبح دل على أنه إسماعيل واحتج الآخرون بأنه ليس ~~ببشارة بولادته وإنما هي بشارة بنبوته; لأنه قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا} . # قوله تعالى: {فساهم فكان من المدحضين} احتج به بعض الأغمار في إيجاب ~~القرعة في العبيد يعتقهم المريض. وذلك إغفال منه وذلك لأنه عليه السلام ~~ساهم في طرحه في البحر، وذلك لا يجوز عند أحد من الفقهاء كما لا تجوز ~~القرعة في قتل من # PageV03P496 # خرجت عليه وفي أخذ ماله، فدل على أنه خاص فيه عليه السلام دون غيره. # قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} قال ابن عباس: بل يزيدون. ~~قيل: إن معنى "أو" ههنا الإبهام، كأنه قال: أرسلناه إلى أحد العددين، وقيل: ~~هو على شك المخاطبين; إذ كان الله تعالى لا يجوز عليك الشك. آخر سورة ~~الصافات. # PageV03P497 # ومن سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يسبحن بالعشي والأشراق} روى معمر عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس قال: "لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت: {إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والأشراق} وروى القاسم عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أهل قبا وهم يصلون الضحى، فقال: "إن صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى". وروى شريك عن زيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي ~~هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاث ونهاني عن ثلاث أوصاني بصلاة الضحى والوتر ~~قبل النوم وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقر كنقر الديك والتفات ~~كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء ms2691 الكلب. وروى عطية عن أبي سعيد الخدري قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى ~~نقول: لا يصليها. وروي عن عائشة وأم هانئ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~الضحى. وعن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها وقال ابن عمر: ~~"هي من أحب ما أحدث الناس إلي". وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن ~~صلاة الضحى فقال: "إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص" ثم قرأ: ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} ~~[النور:36] . # قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه} قيل: إنه سخرها معه فكانت تسير معه، ~~وجعل ذلك تسبيحا منها لله تعالى; لأن التسبيح لله هو تنزيهه عما لا يليق به ~~فلما كان سيرها دلالة على تنزيه الله جعل ذلك تسبيحا منها له. # قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} حدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب} قال: "جزأ داود الدهر أربعة أيام: يوما لنسائه، ويوما ~~لقضائه، ويوما يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لبني إسرائيل يسألونه" وذكر ~~الحديث. قال أبو بكر: وهذا يدل # PageV03P498 # على أن القاضي لا يلزمه الجلوس للقضاء في كل يوم وأنه جائز له الاقتصار ~~على يوم من أربعة أيام، ويدل على أنه لا يجب على الزوج الكون عند امرأته في ~~كل يوم وأنه جائز له أن يقسم لها يوما من أربعة أيام. وقال أبو عبيدة: ~~المحراب صدر المجلس، ومنه محراب المسجد، وقيل: إن المحراب الغرفة وقوله ~~تعالى: {إذ تسوروا المحراب} يدل على ذلك. والخصم اسم يقع على الواحد وعلى ~~الجماعة وإنما فزع منهم داود; لأنهم دخلوا عليه في موضع صلاته على صورة ~~الآدميين بغير إذن، فقالوا: {لا تخف خصمان بغى بعضنا على ms2692 بعض} ومعناه: ~~أرأيت إن جاءك خصمان فقالا: بغى بعضنا على بعض؟ وإنما كان فيه هذا الضمير; ~~لأنه معلوم أنهما كانا من الملائكة ولم يكن من بعضهم بغي على بعض والملائكة ~~لا يجوز عليهم الكذب، فعلمنا أنهما كلماه بالمعاريض التي تخرجهما من الكذب ~~مع تقريب المعنى بالمثل الذي ضرباه. وقولهما: {إن هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة} هو على معنى ما قدمنا من ضمير: أرأيت إن كان له تسع وتسعون نعجة؟ ~~وأراد بالنعاج النساء. # وقد قيل: إن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وأن أوريا بن حنان لم تكن له ~~امرأة، وقد خطب امرأة، فخطبها داود مع علمه بأن أوريا خطبها، وتزوجها. وكان ~~فيه شيئان مما سبيل الأنبياء التنزه عنه: أحدهما: خطبته على خطبة غيره، ~~والثاني: إظهار الحرص على التزويج مع كثرة من عنده من النساء، ولم يكن عنده ~~أن ذلك معصية، فعاتبه الله تعالى عليها وكانت صغيرة، وفطن حين خاطبه ~~الملكان بأن الأولى كان به أن لا يخطب المرأة التي خطبها غيره، وقوله {ولي ~~نعجة واحدة} يعني: خطبت امرأة واحدة قد كان التراضي منا وقع بتزويجها. # وما روي في أخبار القصاص من أنه نظر إلى المرأة فرآها متجردة فهويها وقدم ~~زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء; لأن الأنبياء لا يأتون ~~المعاصي مع العلم بأنها معاص; إذ لا يدرون لعلها كبيرة تقطعهم عن ولاية ~~الله تعالى وتدل على صحة التأويل الأول أنه قال: {وعزني في الخطاب} فدل ذلك ~~على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزويج الآخر. # وقوله تعالى: {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} يدل على أن للخصم أن يخاطب ~~الحاكم بمثله. # وقوله تعالى: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} من غير أن يسأل الخصم عن ~~ذلك يدل على أنه أخرج الكلام مخرج الحكاية والمثل على ما بينا، وأن داود قد ~~كان # PageV03P499 # عرف ذلك من فحوى كلامه، لولا ذلك لما حكم بظلمه قبل أن يسأل فيقر عنده أو ~~تقوم عليه البينة به. # وقوله تعالى: ms2693 {وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض} وهو يعني ~~الشركاء يدل على أن العادة في أكثر الشركاء الظلم والبغي. ويدل عليه أيضا ~~قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} قوله تعالى: {وظن ~~داود أنما فتناه} يدل على أنه عليه السلام لم يقصد المعصية بديا وأن كلام ~~الملكين أوقع له الظن بأنه قد أتى معصية وأن الله تعالى قد شدد عليه المحنة ~~بها; لأن الفتنة في هذا الموضع تشديد التعبد والمحنة، فحينئذ علم أن ما ~~أتاه كان معصية واستغفر منها. # وقوله تعالى: {وخر راكعا وأناب} روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قالرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ص وليست من العزائم. وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجدة ص: "سجدها داود ~~توبة ونحن نسجدها شكرا". وروى الزهري عن السائب بن يزيد أنه رأى عمر سجد في ~~"ص". وروى عثمان وابن عمر مثله. وقال مجاهد: قلت لابن عباس: من أين أخذت ~~سجدة "ص "؟ قال: فتلا علي: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: ~~90] فكان داود سجد فيها فلذلك سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وروى ~~مسروق عن ابن مسعود أنه كان لا يسجد فيها ويقول: "هي توبة نبي". وقول ابن ~~عباس في رواية سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها اقتداء ~~بداود لقوله: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] يدل على أنه رأى فعلها واجبا; ~~لأن الأمر على الوجوب، وهو خلاف رواية عكرمة عنه أنها ليست من عزائم ~~السجود. ولما سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما سجد في غيرها من مواضع ~~السجود دل على أنه لا فرق بينها وبين سائر مواضع السجود. وأما قول عبد الله ~~"إنها ليست بسجدة; لأنها توبة نبي" فإن كثيرا من مواضع السجود إنما هو ~~حكايات عن قوم مدحوا بالسجود نحو قوله تعالى: {إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} [الأعراف:206] وهو موضع السجود ~~للناس ms2694 بالاتفاق وقوله تعالى {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا} [لاسراء: 107] ونحوها من الآي التي فيها حكاية سجود ~~قوم فكانت مواضع السجود، وقوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ~~[الانشقاق:21] يقتضي لزوم فعله عند سماع القرآن فلو خلينا والظاهر أوجبناه ~~في سائر القرآن فمتى اختلفنا في موضع منه فإن الظاهر يقتضي وجوب فعله إلا ~~أن تقوم الدلالة على غيره وأجاز أصحابنا الركوع عن سجود التلاوة وذكر محمد ~~بن الحسن، أنه قد روي في تأويل قوله تعالى: {وخر راكعا} أن معناه خر ساجدا ~~فعبر بالركوع عن # PageV03P500 # السجود فجاز أن ينوب عنه; إذ صار عبارة عنه. # قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} روى أشعث عن الحسن قال "العلم ~~بالقضاء" وعن شريح قال "الشهود والإيمان" وعن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي قال: "فصل الخطاب" قال الخصوم. قال أبو بكر الفصل بين الخصوم بالحق ~~وهذا يدل على أن فصل القضاء واجب على الحاكم إذا خوصم إليه وأنه غير جائز ~~له إهمال الحكم وهو يبطل قول من يقول: إن الناكل عن اليمين يحبس حتى يقر أو ~~يحلف; لأن فيه إهمال الحكم وترك الفصل، وروى الشعبي عن زياد أن فصل الخطاب" ~~أما بعد" وليس زياد ممن يعتد به في الأقاويل ولكنه قد روي وعسى أن يكون ذهب ~~إلى أنه فصل بين الدعاء في صدر الكتاب وبين الخطاب المقصود به الكتاب. # قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ~~ولا تتبع الهوى} حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة ~~قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد ~~بن سلمة عن حميد عن الحسن قال "إن الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا ~~الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا" ثم ~~قرأ: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى} الآية، وقرأ: {إنا ms2695 أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا} إلى قوله: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] . وروى ~~سليمان بن حرب عن حماد بن أبي سلمة عن حميد قال: لما استقضي إياس بن معاوية ~~أتاه الحسن، فبكى إياس فقال له الحسن: ما يبكيك يا أبا وائلة؟ قال: بلغني ~~أن القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل اجتهد فأخطأ فهو في ~~النار ورجل مال به الهوى فهو في النار ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. قال ~~الحسن: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان: {إذ يحكمان في الحرث} ~~[الأنبياء: 78] إلى قوله: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] فأثنى ~~على سليمان ولم يذم داود ثم قال الحسن: إن الله أخذ على الحكام ثلاثا، وذكر ~~نحو الحديث الأول. # قال أبو بكر: قد بين في حديث أبي بريدة معنى ما ذكر في الحديث الذي رواه ~~إياس بن معاوية أن القاضي إذا أخطأ فهو في النار، وهو ما حدثنا محمد بن بكر ~~البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن حسان السمني قال ~~حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار فأما الذي ~~في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل # PageV03P501 # عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في ~~النار" فأخبر أن الذي في النار من المخطئين هو الذي تقدم على القضاء بجهل. # قوله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} إلى قوله: {بالسوق ~~والأعناق} . قال مجاهد: صفون الفرس رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ~~وذاك من عادة الخيل والجياد السراع من الخيل، يقال فرس جواد، إذا جاد ~~بالركض. # قوله تعالى: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} يحتمل وجهين. أحدهما: إني ~~أحببت حب الخير الذي ينال بهذا الخيل فشغلت به عن ذكر ربي، وهو الصلاة التي ~~كان يفعلها في ذلك الوقت، ويحتمل: ms2696 إني أحببت حب الخير، وهو يريد به الخيل ~~نفسها فسماها خيرا لما ينال بها من الخير بالجهاد في سبيل الله وقتال ~~أعدائه. ويكون قوله {عن ذكر ربي} معناه أن ذلك من ذكري لربي وقيامي بحقه في ~~اتخاذ هذا الخيل. # قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} روي عن ابن مسعود "حتى توارت الشمس ~~بالحجاب" قال أبو بكر وهو كقول لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها # وكقول حاتم: # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فأضمر النفس في قوله: "حشرجت" وقال غير ابن مسعود: "حتى توارث الخيل ~~بالحجاب". وقوله تعالى: {ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق} روي عن ابن ~~عباس أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها وهذا كما حدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا هشام بن ~~سعيد الطالقاني قال أخبرنا محمد بن المهاجر قال حدثني عقيل بن شبيب عن أبي ~~وهب الجشمي وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارتبطوا ~~الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها" أو قال "أكفالها وقلدوها ولا تقلدوها ~~الأوتار". فجائز أن يكون سليمان إنما مسح أعرافها وعراقيبها على نحو ما ندب ~~إليه نبينا صلى الله عليه وسلم وقد روي عن الحسن أنه كشف عراقيبها وضرب ~~أعناقها وقال "لا تشغليني عن عبادة ربي مرة أخرى". والتأويل الأول أصح ~~والثاني جائز ومن تأوله على الوجه الثاني يستدل به على إباحة لحوم الخيل; ~~إذ لم يكن ليتلفها بلا نفع، وليس كذلك; لأنه جائز أن يكون محرم الأكل وتعبد ~~الله بإتلافه، ويكون المنفعة في تنفيذ الأمر دون غيره. ألا ترى أنه كان ~~جائزا أن يميته الله تعالى ويمنع الناس # PageV03P502 # من الانتفاع بأكله فكان جائزا أن يتعبد بإتلافه ويحظر الانتفاع بأكله ~~بعده. # وقوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} روي عن ابن عباس أن ~~امرأة أيوب قال لها إبليس إن شفيته تقولين لي أنت شفيته فأخبرت بذلك أيوب ms2697 ~~فقال "إن شفاني الله ضربتك مائة سوط فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة ~~واحدة. قال عطاء وهي للناس عامة. وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة ~~في قوله: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} فأخذ عودا فيه تسعة وتسعون ~~عودا والأصل تمام المائة فضرب به امرأته وذلك أن امرأته أرادها الشيطان على ~~بعض الأمر فقال لها: قولي لزوجك يقول كذا وكذا فقالت له قل كذا وكذا فحلف ~~حينئذ أن يضربها فضربها تحلة ليمينه وتخفيفا على امرأته. # قال أبو بكر وفي هذه الآية دلالة على أن من حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط ~~فجمعها كلها وضربه ضربة واحدة أنه يبر في يمينه إذا أصاب جميعها; لقوله ~~تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} والضغث هو ملء الكف من الخشب أو ~~السياط أو الشماريخ ونحو ذلك فأخبر الله تعالى أنه إذا فعل ذلك فقد بر في ~~يمينه; لقوله {ولا تحنث} . # وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد "إذا ضربه ~~ضربة واحدة بعد أن يصيبه كل واحدة منه فقد بر في يمينه" وقال مالك والليث ~~لا يبر وهذا القول خلاف الكتاب لأن الله تعالى قد أخبر أن فاعل ذلك لا ~~يحنث، وقد روي عن مجاهد أنه قال هي لأيوب خاصة وقال عطاء للناس عامة. قال ~~أبو بكر دلالة الآية ظاهرة على صحة القول الأول من وجهين أحدهما: أن فاعل ~~ذلك يسمى ضاربا لما شرط من العدد، وذلك يقتضي البر في يمينه. والثاني أنه ~~لا يحنث; لقوله: {ولا تحنث} وزعم بعض من يحتج لمذهب مالك أن ذلك لأيوب ~~خاصة; لأنه قال: {فاضرب به ولا تحنث} فلما أسقط عنه الحنث كان بمنزلة من ~~جعلت عليه الكفارة فأداها أو بمنزلة من لم يحلف على شيء وهذا حجاج ظاهر ~~السقوط لا يحتج بمثله من يعقل ذلك; لتناقضه واستحالته ومخالفته لظاهر ~~الكتاب. وذلك لأن الله تعالى ms2698 أخبر أنه إذا فعل ذلك لم يحنث واليمين تتضمن ~~شيئين حنثا أو برا فإذا أخبر الله أنه لا يحنث فقد أخبر بوجود البر; إذ ليس ~~بينهما واسطة فتناقضه واستحالته من جهة أن قوله هذا يوجب أن كل من بر في ~~يمينه بأن يفعل المحلوف عليه كان بمنزلة من جعلت عليه الكفارة على قضيته ~~لسقوط الحنث، ولو كان لأيوب خاصة وكان عبادة تعبد بها دون # PageV03P503 # غيره كان لله أن يسقط عنه الحنث ولا يلزمه شيئا، وإن لم يضربها بالضغث ~~فلا معنى على قوله لضربها بالضغث; إذ لم يحصل به بر في اليمين. وزعم هذا ~~القائل أن لله تعالى أن يتعبد بما شاء في الأوقات وفيما تعبدنا به ضرب ~~الزاني قال: ولو ضربه ضربة واحدة بشماريخ لم يكن حدا قال أبو بكر: أما ضرب ~~الزاني بشماريخ فلا يجوز إذا كان صحيحا سليما، وقد يجوز إذا كان عليلا يخاف ~~عليه; لأنه لو أفرد كل ضربة لم يجز إذا كان صحيحا، ولو جمع أسواطا فضربه ~~بها وأصابه كل واحد منها أعيد عليه ما وقع عليه من الأسواط، وإن كانت ~~مجتمعة فلا فرق بين حال الجمع والتفريق. وأما في المرض فجائز أن يقتصر من ~~الضرب على شماريخ أو درة أو نحو ذلك، فيجوز أن يجمعه أيضا فيضربه به ضربة. ~~وقد روي في ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد ~~بن سعيد الهمداني قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: ~~أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدة على عظم، ~~فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه ~~يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي النبي صلى الله عليه وسلم فإني قد ~~وقعت على جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~ما رأينا أحدا به من الضر مثل ms2699 الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما ~~هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له ~~شماريخ مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. ورواه بكير بن عبد الله بن ~~الأشج عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد، وقال فيه: "فخذوا عثكالا فيه ~~مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة"، ففعلوا وهو سعيد بن سعد بن عبادة، وقد ~~أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أمامة بن سهل بن حنيف هذا ولد في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فصل # وفي هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا، لولا ذلك لم ~~يكن أيوب ليحلف عليه ويضربها، ولما أمره الله تعالى بضربها بعد حلفه. والذي ~~ذكره الله في القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزا بقوله: {واللاتي ~~تخافون نشوزهن} إلى قوله: {واضربوهن} [النساء: 34] وقد دلت قصة أيوب على أن ~~له ضربها تأديبا لغير نشوز. وقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} ~~[النساء: 34] فما روي من القصة فيه يدل على مثل دلالة قصة أيوب; لأنه روي ~~أن رجلا لطم امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أهلها ~~القصاص، فأنزل الله: {الرجال قوامون على النساء بما فضل # PageV03P504 # الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] . وفي الآية ~~دليل على أن للرجل أن يحلف ولا يستثني; لأن أيوب حلف ولم يستثن. ونظيره من ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم قوله في قصة الأشعريين حين استحملوه فقال: ~~"والله لا أحملكم" ولم يستثن، ثم حملهم وقال: "من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". وفيها دليل على أن من حلف ~~على يمين فرأى غيرها خيرا منها ثم فعل المحلوف عليه أن عليه الكفارة; لأنه ~~لو لم تجب كفارة لترك أيوب ما حلف عليه، ولم يحتج إلى أن يضربها بالضغث وهو ~~خلاف قول من قال: "لا كفارة عليه إذا فعل ما هو خير". وقد ms2700 روي فيه حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وذلك كفارته". وفيها دليل على أن التعزير يجاوز به الحد; لأن ~~في الخبر أنه حلف أن يضربها مائة فأمره الله تعالى بالوفاء به. إلا أنه روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بلغ حدا في غير حد فهو من ~~المعتدين". وفيها دليل على أن اليمين إذا كانت مطلقة فهي على المهلة وليست ~~على الفور; لأنه معلوم أن أيوب لم يضرب امرأته في فور صحته، ويدل على أن من ~~حلف على ضرب عبده أنه لا يبر إلا أن يضربه بيده، لقوله: {وخذ بيدك ضغثا} ~~إلا أن أصحابنا قالوا فيمن لا يتولى الضرب بيده: "إن أمر غيره بضربه لا ~~يحنث للعرف". وفيها دليل على أن الاستثناء لا يصح إلا أن يكون متصلا ~~باليمين; لأنه لو صح الاستثناء متراخيا عنها لأمر بالاستثناء ولم يؤمر ~~بالضرب. وفيها دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله ودفع ~~المكروه بها عن نفسه وعن غيره; لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث; ليخرج ~~به من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر. آخر سورة ص. # PageV03P505 # ومن سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها} "ثم" راجعة إلى صلة ~~الكلام، كأنه قال: خلقكم من نفس واحدة ثم أخبركم أنه جعل منها زوجها; لأنه ~~لا يصح رجوعها إلى المخلوقين من الأولاد على معنى الترتيب; لأن الوالدين ~~قبل الولد. وهو مثل قوله: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] وقوله: ~~{ثم آتينا موسى الكتاب تماما} [الأنعام: 154] ونحو ذلك آخر سورة الزمر. # PageV03P506 # ومن سورة المؤمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يا هامان ابن لي صرحا} روى سفيان عن منصور عن إبراهيم في ~~قوله: {يا هامان ابن لي صرحا} قال: بني بالآجر، وكانوا يكرهون أن يبنوا ~~بالآجر ويجعلونه في قبورهم". # وقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} روى الثوري ms2701 عن الأعمش ومنصور ~~عن سبيع الكندي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم} الآية". # وقوله تعالى: {النار يعرضون عليها} هذه الآية تدل على عذاب القبر; لقوله ~~تعالى: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} فدل على أن المراد ~~بقوله: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} قبل القيامة. آخر سورة المؤمنون. # PageV03P507 # ومن سورة حم السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} . فيه بيان أن ~~ذلك أحسن قول ودل بذلك على لزوم فرض الدعاء إلى الله; إذ لا جائز أن يكون ~~النفل أحسن من الفرض، فلو لم يكن الدعاء إلى الله فرضا، وقد جعله من أحسن ~~قول اقتضى ذلك أن يكون النفل أحسن من الفرض، وذلك ممتنع. # وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} الآية. قيل: إن ~~الملائكة تتنزل عليهم عند الموت فيقولون لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب ~~الله خوفه، ولا تحزن على الدنيا، ولا على أهلها فيذهب الله خوفه، وأبشر ~~بالجنة وروي ذلك عن زيد بن أسلم. وقال غيره: إنما يقولون له ذلك في القيام ~~عند الخروج من القبر فيرى تلك الأهوال، فيقول له الملائكة: لا تخف ولا تحزن ~~فإنما يراد بهذا غيرك، ويقولون له: نحن أولياؤك في الحياة الدنيا، فلا ~~يفارقونه تأنيسا له إلى أن يدخل الجنة. وقال أبو العالية: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا} قال: "أخلصوا له الدين والعمل والدعوة". # قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} قال بعض أهل العلم: ذكر الله العدو فأخبر بالحيلة فيه حتى تزول ~~عداوته ويصير كأنه ولي، فقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} الآية. قال: وأنت ~~ربما لقيت بعض من ينطوي لك على عداوة وضغن فتبدأه بالسلام أو تبسم في وجهه ~~فيلين لك قلبه ويسلم لك صدره. قال: ثم ذكر الله الحاسد فعلم أن لا حيلة ~~عندنا ms2702 فيه ولا في استملاك سخيمته واستخراج ضغينته، فقال تعالى: {قل أعوذ ~~برب الفلق} [الفلق:1] إلى قوله: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق:5] فأمر ~~بالتعوذ منه حين علم أن لا حيلة عندنا في رضاه. # قوله تعالى: {واسجدوا لله الذي خلقهن} الآية. قال أبو بكر: اختلف في موضع ~~السجود من هذه السورة، فروي عن ابن عباس ومسروق وقتادة أنه عند قوله {وهم # PageV03P508 # لا يسأمون} وروي عن أصحاب عبد الله والحسن وأبي عبد الرحمن أنه عند قوله: ~~{إن كنتم إياه تعبدون} قال أبو بكر الأولى أنها عند آخر الآيتين; لأنه تمام ~~الكلام، ومن جهة أخرى أن السلف لما اختلفوا كان فعله بالآخر منهما أولى; ~~لاتفاق الجميع على جواز فعلها بأخراهما واختلافهم في جوازها بأولاهما. # قوله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} الآية. يدل على أنه لو جعله ~~أعجميا كان أعجميا فكان يكون قرآنا أعجميا، وأنه إنما كان عربيا; لأن الله ~~أنزله بلغة العرب، وهذا يدل على أن نقله إلى لغة العجم لا يخرجه ذلك من أن ~~يكون قرآنا. آخر سورة حم السجدة. # PageV03P509 # ومن سورة حم عسق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب} فيه الدلالة على بطلان الاستئجار على ما سبيله أن لا يفعل إلا على ~~وجه القربة; لإخباره تعالى بأن من يريد حرث الدنيا فلا حظ له في الآخرة، ~~فيخرج ذلك من أن يكون قربة، فلا يقع موقع الجواز. # وقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي: "معناه إلا أن تودوني لقرابتي منكم" ~~قالوا: "كل قريش كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة". وقال ~~علي بن الحسين وسعيد بن جبير: "إلا أن تودوا قرابتي". وقال الحسن: {إلا ~~المودة في القربى} أي إلا التقرب إلى الله والتودد بالعمل الصالح. # وقوله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم} ~~يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان، وإقامة ms2703 الصلاة، ويدل على ~~أنا مأمورون بها. # قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} روي عن إبراهيم النخعي ~~في معنى الآية قال: "كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم ~~الفساق". وقال السدي {هم ينتصرون} معناه: ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا ~~عليهم. قال أبو بكر: قد ندبنا الله في مواضع من كتابه إلى العفو عن حقوقنا ~~قبل الناس، فمنه قوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] وقوله تعالى ~~في شأن القصاص: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] وقوله: {وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] . وأحكام هذه الآي ثابتة ~~غير منسوخة. # وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} يدل ظاهره على أن الانتصار ~~في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة ~~الصلاة؟ وهو # PageV03P510 # محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا ~~أنفسهم فيجترئ الفساق عليهم، فهذا فيمن تعدى وبغى وأصر على ذلك، والموضع ~~المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا. وقد قال عقيب هذه الآية: ~~{ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} ومقتضى ذلك إباحة الانتصار ~~لا الأمر به، وقد عقبه بقوله: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} فهو ~~محمول على الغفران عن غير المصر. فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل ~~الانتصار منه، بدلالة الآية التي قبلها. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قوله تعالى: {ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} قال: هذا فيما يكون بين الناس من ~~القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحل لك أن تظلمه. آخر سورة حم عسق. # PageV03P511 # ومن سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # في التسمية عند الركوب # قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} ~~حدثنا عبد الله بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علي بن ms2704 ربيعة: أنه شهد عليا - كرم الله ~~وجهه - حين ركب، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله فلما استوى قال: ~~الحمد لله ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، قال: ثم حمد ~~الله ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقيل له: مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل الذي فعلت وقال مثل الذي قلت، ثم ~~ضحك فقيل له: مم تضحك يا نبي الله؟ قال: العبد، أو قال "عجب للعبد إذا قال ~~لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا ~~يغفر الذنوب إلا هو". وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا ~~عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان إذا ركب قال: بسم الله ثم ~~قال: هذا منك وفضلك علينا الحمد لله ربنا ثم يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر ~~عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على ذروة سنام كل بعير ~~شيطان فإذا ركبتموها فقولوا كما أمركم الله: سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين". وروي عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر أن ابن مسعود ~~قال: "إذا ركب الدابة فلم يذكر اسم الله عليه ردفه الشيطان فقال له: تغن ~~فإن لم يحسن قال له: تمن". # PageV03P512 # فصل في إباحة لبس الحلي للنساء # قال أبو العالية ومجاهد "رخص للنساء في الذهب"، ثم قرأ: {أومن ينشأ في # PageV03P512 # الحلية} وروى نافع عن سعيد عن أبي هند عن أبي موسى قال: قال رسول الله: ~~"لبس الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها". وروى شريك عن العباس ~~بن رزيح عن البهي عن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو ms2705 ~~يمص الدم عن شجة بوجه أسامة ويمجه: "لو كان أسامة جارية لحليناه، لو كان ~~أسامة جارية لكسوناه لتنفقه". وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأتين عليهما أسورة من ذهب، فقال: "أتحبان ~~أن يسوركما الله بأسورة من نار؟ " قالتا: لا قال: "فأديا حق هذا! ". وقالت ~~عائشة: "لا بأس بلبس الحلي إذا أعطى زكاته". وكتب عمر إلى أبي موسى أن مر ~~من قبلك من نساء المؤمنين أن يصدقن من الحلي. وروى أبو حنيفة عن عمرو بن ~~دينار أن عائشة حلت أخواتها الذهب، وأن ابن عمر حلى بناته الذهب.، وقد روى ~~خصيف عن مجاهد عن عائشة قالت: لما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~لبس الذهب قلنا: يا رسول الله أو نربط المسك بشيء من الذهب؟ قال: "أفلا ~~تربطونه بالفضة ثم تلطخونه بشيء من زعفران فيكون مثل الذهب". وروى جرير عن ~~مطرف عن أبي هريرة قال: كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتته ~~امرأة فقالت: "يا رسول الله سواران من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"سواران من نار" فقالت: قرطان من ذهب، قال: "قرطان من نار"، قالت: طوق من ~~ذهب، قال: "طوق من نار"، قالت: يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها ~~صلفت عنده، فقال: "ما يمنعكن أن تجعلن قرطين من فضة تصفرينه بعنبر أو ~~زعفران فإذا هو كالذهب". # قال أبو بكر: الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية أيضا ظاهرة في ~~إباحته للنساء، وقد استفاض لبس الحلي للنساء منذ لدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن، ومثل ذلك لا يعترض ~~عليه بإخبار الآحاد. # قوله تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون} يعني أن الكفار قالوا: لو شاء الله ما عبدنا الأصنام ولا ~~الملائكة، وإنا ms2706 إنما عبدناهم; لأن الله قد شاء منا ذلك فأكذبهم الله في ~~قيلهم هذا وأخبر أنهم يخرصون ويكذبون بهذا القول في أن الله - تعالى - لم ~~يشأ كفرهم. ونظيره قوله: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] أخبر فيه ~~أنهم مكذبون لله ولرسوله بقولهم لو شاء الله ما أشركنا، وأبان به أن الله ~~قد شاء أن لا يشركوا. وهذا كله يبطل مذهب الجبر والجهمية. # قوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} إلى قوله: {قال أولو ~~جئتكم # PageV03P513 # بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} فيه الدلالة على إبطال التقليد لذمه إياهم ~~على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ينتظم معنيين. أحدهما: أن ~~الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم ~~بصحة المقالة. والثاني: أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون ~~الشاهد عالما بها. ونحوه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت ~~مثل الشمس فاشهد وإلا فدع". # وقوله تعالى: {وإنه لعلم للساعة} حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ~~الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وإنه لعلم ~~للساعة} قال: "نزول عيسى ابن مريم عليه السلام علم للساعة"، وناس يقولون: ~~"القرآن علم للساعة". آخر سورة الزخرف. # PageV03P514 # ومن سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله} قال: نسخها قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] . # قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} حدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه} قال: "لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله" قال أبو بكر: ms2707 وقد ~~روي في بعض الأخبار أن الهوى إله يعبد، وتلا قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه} يعني يطيعه كطاعة الإله. وعن سعيد بن جبير قال: "كانوا يعبدون ~~العزى وهو حجر أبيض حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول ~~وعبدوا الآخر" وقال الحسن: "اتخذ إلهه هواه يعني لا يعرف إلهه بحجة عقله، ~~وإنما يعرفه بهواه". # قوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر} قيل هو على التقديم والتأخير، أي: نحيا ونموت من غير رجوع، وقيل: ~~نموت ويحيا أولادنا، كما يقال: ما مات من خلف ابنا مثل فلان. # وقوله: {وما يهلكنا إلا الدهر} فإنه حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ~~الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وما ~~يهلكنا إلا الدهر} قال: "قال ذلك مشركو قريش، قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر، ~~يقولون: إلا العمر" قال أبو بكر: هذا قول زنادقة قريش الذين كانوا ينكرون ~~الصانع الحكيم، وأن الزمان ومضي الأوقات هو الذي يحدث هذه الحوادث. والدهر ~~اسم يقع على زمان العمر كما قال قتادة، يقال: فلان يصوم الدهر، يعنون عمره ~~كله ولذلك قال أصحابنا: إن من حلف لا يكلم فلانا الدهر أنه على عمره كله ~~وكان ذلك عندهم بمنزلة قوله: "والله لا أكلمك الأبد" وأما قوله: "لا أكلمك ~~دهرا" فإن ذلك عند أبي يوسف ومحمد على ستة أشهر، # PageV03P515 # ولم يعرف أبو حنيفة معنى دهرا فلم يجب فيه بشيء. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حديث في بعض ألفاظه: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر"، ~~فتأوله أهل العلم على أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة ~~والبلايا النازلة والمصائب المتلفة إلى الدهر، فيقولون فعل الدهر بنا وصنع ~~بنا، ويسبون الدهر كما قد جرت عادة كثير من الناس بأن يقولوا: أساء بنا ~~الدهر، ونحو ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا فاعل هذه الأمور ~~فإن الله هو فاعلها ومحدثها. وأصل هذا الحديث ms2708 ما حدثنا محمد بن بكر قال: ~~حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن ~~سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى ~~يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" قال ~~ابن السرح: عن ابن المسيب مكان سعيد فقوله: "وأنا الدهر" منصوب بأنه ظرف ~~للفعل، كقوله - تعالى -: أنا أبدا بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وكقول ~~القائل: أنا اليوم بيدي الأمر أفعل كذا وكذا ولو كان مرفوعا كان الدهر اسما ~~لله - تعالى - وليس كذلك; لأن أحدا من المسلمين لا يسمي الله بهذا الاسم. ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقول: ~~"لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت ~~قبضتهما" فهذان هما أصل الحديث في ذلك، والمعنى ما ذكرنا، وإنما غلط بعض ~~الرواة فنقل المعنى عنده فقال: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" وأما ~~قوله في الحديث الأول: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" فإن الله - تعالى - لا ~~يلحقه الأذى ولا المنافع والمضار، وإنما هو مجاز معناه: يؤذي أوليائي; ~~لأنهم يعلمون أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي ينسبها الجهال إلى الدهر، ~~فيتأذون بذلك كما يتأذون بسماع سائر ضروب الجهل والكفر، وهو كقوله: {إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله} ومعناه: يؤذون أولياء الله. آخر سورة حم الجاثية. # PageV03P516 # ومن سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} روي أن عثمان أمر برجم امرأة قد ~~ولدت لستة أشهر، فقال له علي: قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~وقال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] وروي أن عثمان سأل الناس عن ذلك، فقال ~~له ابن عباس مثل ذلك، وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس. وروي عن ابن ~~عباس أن كل ما زاد في الحمل نقص من الرضاع، ms2709 فإذا كان الحمل تسعة أشهر ~~فالرضاع واحد وعشرون شهرا، وعلى هذا القياس جميع ذلك. وروي عن ابن عباس أن ~~الرضاع حولان في جميع الناس، ولم يفرقوا بين من زاد حمله أو نقص وهو مخالف ~~للقول الأول وقال مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] ~~: ما نقص عن تسعة أشهر أو زاد عليها. # قوله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده} روي عن ابن عباس وقتادة: "أشده ثلاث ~~وثلاثون سنة" وقال الشعبي: "هو بلوغ الحلم" وقال الحسن: "أشده قيام الحجة ~~عليه". # وقوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} روى ~~الزهري عن ابن عباس قال: قال عمر: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يوسع على ~~أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال: "أفي ~~شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر في قوله: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} . قال: إن عمر بن الخطاب ~~قال: "لو شئت أن أذهب طيباتي في حياتي لأمرت بجدي سمين يطبخ باللبن" وقال ~~معمر: قال قتادة: قال عمر: "لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما وألينكم ثيابا ~~لفعلت، ولكني أستبقي طيباتي" وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قدم على عمر ~~بن الخطاب ناس من أهل العراق، فقرب إليهم طعامه، # PageV03P517 # فرآهم كأنهم يتعذرون في الأكل، فقال: "يا أهل العراق لو شئت أن يدهمق لي ~~كما يدهمق لكم لفعلت، ولكن نستبقي من دنيانا لآخرتنا، أما سمعتم الله يقول: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} " قال أبو بكر: هذا محمول على أنه رأى ~~ذلك أفضل لا على أنه لا يجوز غيره; لأن الله قد أباح ذلك، فلا يكون آكله ~~فاعلا محظورا، قال الله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} [لأعراف: 32] . آخر سورة الأحقاف. # PageV03P518 # ومن سورة محمد صلى الله عليه وسلم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {فإذا ms2710 لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} قال أبو بكر: قد ~~اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان، وهو نظير قوله تعالى: {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] حدثنا جعفر بن ~~محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: ~~67] قال: "ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم ~~أنزل الله - تعالى - بعد هذا في الأسارى: {فإما منا بعد وإما فداء} فجعل ~~الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا ~~استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم شك أبو عبيد في "، وإن شاءوا استعبدوهم". ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا أبو مهدي وحجاج كلاهما عن سفيان قال: سمعت السدي يقول في قوله: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} قال: هي منسوخة نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] . # قال أبو بكر: أما قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} وقوله: {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] وقوله: {فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] فإنه جائز أن يكون حكما ~~ثابتا غير منسوخ وذلك; لأن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالإثخان بالقتل وحظر عليه الأسر إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم، وكان ذلك ~~في وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين، فمتى أثخن المشركون ~~وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء. فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا ~~وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام وأما قوله: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} ظاهره يقتضي أحد شيئين من من أو فداء، وذلك ينفي جواز ~~القتل. # PageV03P519 # وقد اختلف السلف في ذلك، حدثنا جعفر بن محمد قال: ms2711 حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن ~~أنه كره قتل الأسير وقال: "من عليه أو فاده". وحدثنا جعفر قال: حدثنا جعفر ~~قال: حدثنا أبو عبيد قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا أشعث قال: سألت عطاء عن ~~قتل الأسير، فقال: "من عليه أو فاده" قال: وسألت الحسن، قال: "يصنع به ما ~~صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى بدر، يمن عليه أو يفادى به" وروي ~~عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء إصطخر ليقتله، فأبى أن يقتله وتلا ~~قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} . وروي أيضا عن مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة ~~قتل الأسير، وقد روينا عن السدي أن قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} منسوخ ~~بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وروي مثله عن ابن ~~جريج، حدثنا جعفر قال: حدثنا جعفر قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج قال: "هي منسوخة" وقال: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن ~~أبي معيط يوم بدر صبرا. # قال أبو بكر: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم ~~خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله ~~الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر، ~~وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر، وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم ~~سعد بن معاذ. فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية ومن على الزبير بن باطا من ~~بينهم، وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق أن لا ~~يكتم شيئا فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله، وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن ~~خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وآخرين وقال: "اقتلوهم، ~~وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" ومن على أهل مكة ولم يغنم أموالهم. ~~وروي عن صالح بن كيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن ms2712 بن عوف ~~أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: "وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته ~~وكنت قتلته صريحا أو أطلقته نجيحا" وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعدما ~~أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله فهذه ~~آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في جواز قتل الأسير ~~وفي استبقائه واتفق فقهاء الأمصار على ذلك، وإنما اختلفوا في فدائه، فقال ~~أصحابنا جميعا: "يفادى الأسير بالمال ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا ~~حربا" وقال أبو حنيفة: لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا ولا يردون حربا أبدا" ~~وقال أبو يوسف ومحمد: "لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين"، وهو ~~قول الثوري والأوزاعي وقال الأوزاعي: "لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب # PageV03P520 # ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون" وقال المزني عن الشافعي: ~~"للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم". # فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} ، وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين، وبأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدى أسارى بدر بالمال, ويحتجون للفداء بالمسلمين بما ~~روى ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن ~~حصين قال: أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمر به على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو موثق، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~علام أحبس؟ " قال: "بجريرة حلفائك" فقال الأسير: إني مسلم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح" ثم مضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا، فأقبل فقال: إني جائع فأطعمني فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه حاجتك"، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما. وروى ابن علية عن أيوب عن ms2713 أبي ~~قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى ~~رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل ولم يذكر إسلام الأسير، ~~وذكره في الحديث الأول ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا الوجه; لأن ~~المسلم لا يرد إلى أهل الحرب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط في صلح ~~الحديبية لقريش أن من جاء منهم مسلما رده عليهم، ثم نسخ ذلك ونهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال: "أنا بريء من كل مسلم ~~مع مشرك" وقال: "من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة". وأما ما ~~في الآية من ذكر المن أو الفداء وما روي في أسارى بدر، فإن ذلك منسوخ ~~بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] . ~~وقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو ~~يؤدوا الجزية، والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك ولم يختلف أهل التفسير ~~ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكون ~~الحكم المذكور فيها ناسخا للفداء المذكور في غيرها. # قوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} قال الحسن" "حتى يعبد الله ولا يشرك ~~به غيره" وقال سعيد بن جبير: "خروج عيسى ابن مريم عليه السلام فيكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويلقى الذئب الشاة فلا يعرض لها ولا تكون عداوة بين اثنين" ~~وقال الفراء: "آثامها وشركها حتى لا يكون إلا مسلم أو مسالم" قال أبو بكر: ~~فكأن # PageV03P521 # معنى الآية على هذا التأويل إيجاب القتال إلى أن لا يبقى من يقاتل. # وقوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} روي ~~عن مجاهد: "لا تضعفوا عن القتال وتدعوا إلى الصلح" وحدثنا عبد الله ms2714 بن محمد ~~قال: حدثنا الحسن الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في ~~قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} قال: "لا تكونوا أول الطائفتين ~~ضرعت إلى صاحبتها" {وأنتم الأعلون} قال: "أنتم أولى بالله منهم" قال أبو ~~بكر: فيه الدلالة على امتناع جواز طلب الصلح من المشركين. وهو بيان لما أكد ~~فرضه من قتال مشركي العرب حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب ومشركي العجم حتى ~~يسلموا أو يعطوا الجزية، والصلح على غير إعطاء الجزية خارج عن مقتضى الآيات ~~الموجبة لما وصفنا، فأكد النهي عن الصلح بالنص عليه في هذه الآية، وفيه ~~الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا، وإنما فتحها ~~عنوة; لأن الله قد نهاه عن الصلح في هذه الآية وأخبر أن المسلمين هم ~~الأعلون الغالبون، ومتى دخلها صلحا برضاهم فهم متساوون; إذ كان حكم ما يقع ~~بتراضي الفريقين فهما متساويان فيه ليس أحدهما بأولى بأن يكون غالبا على ~~صاحبه من الآخر. # وقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} يحتج به في أن كل من دخل في قربة لا ~~يجوز له الخروج منها قبل إتمامها لما فيه من إبطال عمله نحو الصلاة والصوم ~~والحج وغيره. آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم. # PageV03P522 # ومن سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل -: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} روي أنه أراد فتح مكة، وقال ~~قتادة: "قضينا لك قضاء مبينا" والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر; لأن ~~القضاء لا يتناوله الإطلاق، وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه ~~فتحها عنوة; إذ كان الصلح لا يطلق عليه اسم الفتح، وإن كان قد يعبر مقيدا; ~~لأن من قال: "فتح بلد كذا عقل به الغلبة والقهر دون الصلح ويدل عليه قوله ~~في نسق التلاوة: {وينصرك الله نصرا عزيزا} . وفيه الدلالة على أن المراد ~~فتح مكة وأنه دخلها عنوة، ويدل عليه قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~[النصر:1] لم يختلفوا أن المراد فتح مكة ويدل عليه قوله تعالى: {إنا ms2715 فتحنا ~~لك} وقوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} وذكره ذلك في ~~سياق القصة يدل على ذلك; لأن المعنى: سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي ~~بها قاتلوا عن دين الله حتى فتحوا مكة. # وقوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} روي ~~أن المراد فارس والروم، وروي أنهم بنو حنيفة فهو دليل على صحة إمامة أبي ~~بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم; لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني ~~حنيفة ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم، وقد ألزمهم الله اتباع طاعة من ~~يدعوهم إليه بقوله: {تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ~~وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} فأوعدهم الله على التخلف ~~عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء، فدل على صحة إمامتهما، إذ كان المتولي عن ~~طاعتهما مستحقا للعقاب. # فإن قيل: قد روى قتادة أنهم هوازن وثقيف يوم حنين قيل له: لا يجوز أن ~~يكون الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه قال: {فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] ويدل على أن المراد بالدعاء لهم ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر. رضي الله عنهما. # PageV03P523 # وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} فيه ~~الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ~~بالحديبية وصدق بصائرهم، فهم قوم بأعيانهم قال ابن عباس: "كانوا ألفين ~~وخمسمائة"، وقال جابر: "ألفا وخمسمائة"، فدل على أنهم كانوا مؤمنين على ~~الحقيقة أولياء لله; إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا ~~وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان، وقد أكد ذلك بقوله: {فعلم ما ~~في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} أخبر أنه علم من قلوبهم صحة البصيرة وصدق ~~النية، وأن ما أبطنوه مثل ما أظهروه. # وقوله تعالى: {فأنزل السكينة عليهم} يعني الصبر بصدق نياتهم، وهذا ms2716 يدل ~~على أن التوفيق يصحب صدق النية، وهو مثل قوله: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما} [النساء: 35] . # وقوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} الآية. روي عن ابن ~~عباس أنها نزلت في قصة الحديبية، وذلك أن المشركين قد كانوا بعثوا أربعين ~~رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى ~~فخلى سبيلهم وروي أنها نزلت في فتح مكة حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنوة فإن كانت نزلت في فتح مكة فدلالتها ظاهرة على أنها فتحت عنوة; لقوله ~~تعالى: {من بعد أن أظفركم عليهم} ، ومصالحتهم لا ظفر فيها للمسلمين، فاقتضى ~~ذلك أن يكون فتحها عنوة. # وقوله تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} يحتج به من يجيز ذبح هدي ~~الإحصار في غير الحرم، لإخباره بكونه محبوسا عن بلوغ محله، ولو كان قد بلغ ~~الحرم وذبح فيه لما كان محبوسا عن بلوغ المحل. وليس هذا كما ظنوا; لأنه قد ~~كان ممنوعا بديا عن بلوغ المحل ثم لما وقع الصلح زال المنع فبلغ محله وذبح ~~في الحرم; وذلك لأنه إذا حصل المنع في أدنى وقت فجائز أن يقال قد منع كما ~~قال تعالى -: {قالوا يا أبانا منع منا الكيل} [يوسف: 63] وإنما منع في وقت ~~وأطلق في وقت آخر وفي الآية دلالة على أن المحل هو الحرم; لأنه قال: ~~{والهدي معكوفا أن يبلغ محله} فلو كان محله غير الحرم لما كان معكوفا عن ~~بلوغه، فوجب أن يكون المحل في قوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] هو الحرم. # PageV03P524 # باب رمي المشركين مع العلم بأن فيهم أطفال المسلمين وأسراهم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري: "لا بأس برمي حصون ~~المشركين، وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين، ولا بأس بأن يحرقوا ~~الحصون # PageV03P524 # ويقصدوا به المشركين، وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي ~~المشركون، وإن أصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة" وقال ~~الثوري: "فيه الكفارة ولا دية فيه" وقال مالك: "لا ms2717 تحرق سفينة الكفار إذا ~~كان فيها أسارى من المسلمين لقوله تعالى: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما} إنما صرف النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لما كان فيهم من ~~المسلمين، ولو تزيل الكفار عن المسلمين لعذب الكفار". وقال الأوزاعي: "إذا ~~تترس الكفار بأطفال المسلمين لم يرموا; لقوله: {ولولا رجال مؤمنون} الآية" ~~قال: "ولا يحرق المركب فيه أسارى المسلمين، ويرمى الحصن بالمنجنيق، وإن كان ~~فيه أسارى مسلمون، فإن أصاب أحدا من المسلمين فهو خطأ، وإن جاءوا يتترسون ~~بهم رمي وقصد العدو"، وهو قول الليث بن سعد وقال الشافعي: "لا بأس بأن يرمى ~~الحصن، وفيه أسارى أو أطفال، ومن أصيب فلا شيء فيه، ولو تترسوا ففيه قولان: ~~أحدهما: يرمون. والآخر: لا يرمون إلا أن يكونوا ملتحمين، فيضرب المشرك ~~ويتوقى المسلم جهده، فإن أصاب في هذه الحال مسلما فإن علمه مسلما فالدية مع ~~الرقبة، وإن لم يعلمه مسلما فالرقبة وحدها". # قال أبو بكر: نقل أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف ~~ورماهم بالمنجنيق مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان، وقد ~~علم صلى الله عليه وسلم أنه قد يصيبهم وهو لا يجوز تعمدهم بالقتل، فدل على ~~أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم; إذ كان القصد فيه ~~المشركين دونهم وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب ~~بن جثامة قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الديار من المشركين ~~يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال "هم منهم". وبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم أسامة بن زيد فقال: "أغر على أبنى1 صباحا وحرق"، وكان يأمر ~~السرايا بأن ينتظروا بمن يغزو بهم، فإن أذنوا للصلاة أمسكوا عنهم، وإن لم ~~يسمعوا أذانا أغاروا" وعلى ذلك مضى الخلفاء الراشدون. ومعلوم أن من أغار ~~على هؤلاء لا يخلو من أن يصيب من ذراريهم ونسائهم المحظور قتلهم، فكذلك إذا ~~كان فيهم مسلمون وجب أن لا يمنع ذلك من شن الغارة ms2718 عليهم ورميهم بالنشاب ~~وغيره، وإن خيف عليه إصابة المسلم. # فإن قيل: إنما جاء ذلك; لأن ذراري المشركين منهم، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الصعب بن جثامة قيل له: لا يجوز أن يكون مراده صلى الله ~~عليه وسلم في ذراريهم أنهم منهم في PageV03P525 # الكفر; لأن الصغار لا يجوز أن يكونوا كفارا في الحقيقة ولا يستحقون القتل ~~ولا العقوبة لفعل آبائهم في باب سقوط الدية والكفارة. وأما احتجاج من يحتج ~~بقوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} الآية، في منع رمي الكفار; لأجل ~~من فيهم من المسلمين، فإن الآية لا دلالة فيها على موضع الخلاف وذلك; لأن ~~أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم; لأنه كان فيهم قوم مسلمون لم يأمن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة بالسيف أن يصيبوهم وذلك إنما ~~يدل على إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم، فلا دلالة على حظر الإقدام عليهم ~~مع العلم بأن فيهم مسلمين; لأنه جائز أن يبيح الكف عنهم; لأجل المسلمين ~~وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه التخيير، فإذا لا دلالة فيها على حظر ~~الإقدام. # فإن قيل: في فحوى الآية ما يدل على الحظر، وهو قوله: {لم تعلموهم أن ~~تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم ~~بإصابتهم إياهم قيل له: قد اختلف أهل التأويل في معنى المعرة ههنا. فروي عن ~~ابن إسحاق أنه غرم الدية، وقال غيره: الكفارة، وقال غيرهما: الغم باتفاق ~~قتل المسلم على يده; لأن المؤمن يغتم لذلك، وإن لم يقصده وقال آخرون: العيب ~~وحكي عن بعضهم أنه قال: "المعرة الإثم"، وهذا باطل; لأنه - تعالى - قد أخبر ~~أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا; لقوله تعالى: {لم تعلموهم أن تطأوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم} ، ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه، ولم يضع الله ~~عليه دليلا، قال الله تعالى-: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] فعلمنا أنه لم يرد المأثم. ويحتمل أن يكون ذلك ms2719 ~~كان خاصا في أهل مكة لحرمة الحرم، ألا ترى أن المستحق للقتل إذا لجأ إليها ~~لم يقتل عندنا؟ وكذلك الكافر الحربي إذا لجأ إلى الحرم لم يقتل، وإنما يقتل ~~من انتهك حرمة الحرم بالجناية فيه فمنع المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية ~~لحرمة الحرم. ويحتمل أن يريد: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات قد علم أنهم ~~سيكونون من أولاد هؤلاء الكفار إذا لم يقتلوا فمنعنا قتلهم لما في معلومه ~~من حدوث أولادهم مسلمين. وإذا كان في علم الله أنه إذا أبقاهم كان لهم ~~أولاد مسلمون أبقاهم ولم يأمر بقتلهم وقوله: {لو تزيلوا} على هذا التأويل، ~~لو كان هؤلاء المؤمنون الذين في أصلابهم قد ولدوهم وزايلوهم لقد كان أمر ~~بقتلهم، وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون ~~المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين; لأن القصد في ~~الحالين رمي المشركين دونهم ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة، كما أن ~~من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم تكن فيه دية # PageV03P526 # ولا كفارة ولأنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة، ~~فصاروا في الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب به شيء، وليست المعرة ~~المذكورة دية ولا كفارة; إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره. والأظهر ~~منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن على يده على ما جرت به ~~العادة ممن يتفق على يده ذلك وقول من تأوله على العيب محتمل أيضا; لأن ~~الإنسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطإ على يده، وإن لم يكن ذلك على ~~وجه العقوبة. # قوله تعالى: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية} قيل إنه لما أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب صلح الحديبية أمر علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فكتبه، وأملى عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه ~~محمد رسول الله وسهيل بن عمرو"، فأبت قريش أن يكتبوا بسم الله الرحمن ms2720 ~~الرحيم ومحمد رسول الله وقالوا: نكتب باسمك اللهم ومحمد بن عبد الله، ~~ومنعوه دخوله مكة فكانت أنفتهم من الإقرار بذلك من حمية الجاهلية. # وقوله تعالى: {وألزمهم كلمة التقوى} روي عن ابن عباس قال: "لا إله إلا ~~الله"، وعن قتادة مثله وقال مجاهد: "كلمة الإخلاص" وحدثنا عبد الله بن محمد ~~قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله: ~~{وألزمهم كلمة التقوى} قال: "بسم الله الرحمن الرحيم". # قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ~~ومقصرين} قال أبو بكر: المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين ~~متقربين بالإحرام، فلما ذكر معه الحلق والتقصير دل على أنهما قربة في ~~الإحرام، وأن الإحلال بهما يقع، لولا ذلك ما كان للذكر ههنا وجه. وروى جابر ~~وأبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين ~~مرة، وهذا أيضا يدل على أنهما قربة ونسك عند الإحلال من الإحرام. آخر سورة ~~الفتح. # PageV03P527 # ومن سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل-: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} . حدثنا عبد الله بن محمد ~~قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} أن ناسا كانوا يقولون ~~لولا أنزل في كذا قال معمر: وكان الحسن يقول هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح" قال أبو بكر: وروي عن ~~مسروق أنه دخل على عائشة فأمرت الجارية أن تسقيه فقال: إني صائم، وهو اليوم ~~الذي يشك فيه، فقالت: "قد نهي عن هذا" وتلت: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله} في صيام ولا غيره قال أبو بكر: اعتبرت عموم ~~الآية في النهي عن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل. وقال ~~أبو عبيدة معمر بن المثنى: "لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه". # قال أبو بكر: يحتج بهذه الآية في امتناع جواز مخالفة ms2721 النبي صلى الله عليه ~~وسلم في تقديم الفروض على أوقاتها وتأخيرها عنها وفي تركها، وقد يحتج بها ~~من يوجب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم; لأن في ترك ما فعله تقدما بين ~~يديه، كما أن في ترك أمره تقدما بين يديه، وليس ذلك كما ظنوا; لأن التقدم ~~بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ففعلنا غيره، فأما ما لم يثبت أنه ~~مراد منه فليس في تركه تقديم بين يديه ويحتج به نفاة القياس أيضا ويدل ذلك ~~على جهل المحتج به; لأن ما قامت دلالته فليس في فعله تقدم بين يديه، وقد ~~قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، ~~فليس فيه إذا تقدم بين يديه. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فيه ~~أمر بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وهو نظير قوله تعالى: ~~{لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] . وروي أنها نزلت في ~~قوم كانوا إذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قالوا فيه قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأيضا لما كان في رفع الصوت على الإنسان في كلامه ضرب ~~من ترك # PageV03P528 # المهابة والجرأة، نهى الله عنه; إذ كنا مأمورين بتعظيمه وتوقيره وتهييبه. # وقوله تعالى: {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} زيادة على رفع ~~الصوت، وذلك أنه نهى عن أن تكون مخاطبتنا له كمخاطبة بعضنا لبعض، بل على ~~ضرب من التعظيم تخالف به مخاطبات الناس فيما بينهم، وهو كقوله: {لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] # وقوله: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} وروي أنها ~~نزلت في قوم من بني تميم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه من خارج ~~الحجرة وقالوا: اخرج إلينا يا محمد فذمهم الله تعالى بذلك. # وهذه الآيات، وإن كانت نازلة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب ~~الفرق بينه وبين الأمة فيه، فإنه تأديب لنا فيمن يلزمنا تعظيمه من والد ~~وعالم وناسك وقائم ms2722 بأمر الدين وذي سن وصلاح ونحو ذلك; إذ تعظيمه بهذا الضرب ~~من التعظيم في ترك رفع الصوت عليه وترك الجهر عليه والتمييز بينه وبين غيره ~~ممن ليس في مثل حاله. وفي النهي عن ندائه من وراء الباب والمخاطبة له بلفظ ~~الأمر; لأن الله قد ذم هؤلاء القوم بندائهم إياه من وراء الحجرة وبمخاطبته ~~بلفظ الأمر في قولهم اخرج إلينا. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن ~~الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، أن ثابت بن قيس قال: ~~يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، لما نزلت هذه الآية: {لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ ~~جهير الصوت، ونهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ~~ونهانا الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ " فعاش ~~حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب. # PageV03P529 # باب حكم خبر الفاسق # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة} الآية. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} قال: بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، فأتاهم الوليد فخرجوا يتلقونه ~~ففرق ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارتدوا فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد، فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا فإذا هم يؤذنون ~~ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيرا فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره قال: وقال معمر: فتلا قتادة: {لو يطيعكم في كثير # PageV03P529 # من الأمر لعنتم} قال: فأنتم أسخف رأيا وأطيش أحلاما، فاتهم رجل رأيه ~~وانتصح كتاب الله وروي عن الحسن قال: "والله لئن ms2723 كانت نزلت في رجل يعني ~~قوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها ~~شيء". # قال أبو بكر مقتضى الآية إيجاب التثبت في خبر الفاسق والنهي عن الإقدام ~~على قبوله، والعمل به إلا بعد التبين والعلم بصحة مخبره; وذلك لأن قراءة ~~هذه الآية على وجهين: "فتثبتوا" من التثبت و، {فتبينوا} ، كلتاهما يقتضي ~~النهي عن قبول خبره إلا بعد العلم بصحته; لأن قوله: "فتثبتوا" فيه أمر ~~بالتثبت لئلا يصيب قوما بجهالة، فاقتضى ذلك النهي عن الإقدام إلا بعد العلم ~~لئلا يصيب قوما بجهالة. وأما قوله: {فتبينوا} فإن التبين هو العلم، فاقتضى ~~أن لا يقدم بخبره إلا بعد العلم، فاقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة الفاسق ~~مطلقا; إذ كان كل شهادة خبرا، وكذلك سائر أخباره فلذلك قلنا شهادة الفاسق ~~غير مقبولة في شيء من الحقوق، وكذلك إخباره في الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكل ما كان من أمر الدين يتعلق به من إثبات شرع أو حكم أو إثبات ~~حق على إنسان. # واتفق أهل العلم على جواز قبول خبر الفاسق في أشياء. فمنها: أمور ~~المعاملات يقبل فيها خبر الفاسق، وذلك نحو الهدية إذا قال: "إن فلانا أهدى ~~إليك هذا" يجوز له قبوله وقبضه، ونحو قوله: "وكلني فلان ببيع عبده هذا" ~~فيجوز شراؤه منه، ونحو الإذن في الدخول إذا قال له قائل: "ادخل" لا تعتبر ~~فيه العدالة، وكذلك جميع أخبار المعاملات ويقبل في جميع ذلك خبر الصبي ~~والعبد والذمي، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر بريرة فيما أهدت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتصدق عليها، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "هي لها صدقة ولنا هدية" , فقبل قولها في أنه تصدق به عليها وأن ملك ~~المتصدق قد زال إليها. ويقبل قول الفاسق وشهادته من وجه آخر، وهو من كان ~~فسقه من جهة الدين باعتقاد مذهب، وهم أهل الأهواء فساق وشهادتهم مقبولة، ~~وعلى ذلك جرى أمر السلف في قبول أخبار أهل الأهواء في رواية الأحاديث ~~وشهادتهم، ms2724 ولم يكن فسقهم من جهة التدين مانعا من قبول شهادتهم، وتقبل أيضا ~~شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض،, وقد بيناه فيما سلف من هذا الكتاب فهذه ~~الوجوه الثلاثة يقبل فيها خبر الفاسق، وهو مستثنى من جملة قوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} لدلائل قد قامت عليه، فثبت أن مراد الآية في ~~الشهادات، وإلزام الحقوق أو إثبات أحكام الدين والفسق التي ليست من جهة ~~الدين والاعتقاد. # وفي هذه الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم; إذ لو كان يوجب ~~العلم بحال لما احتيج فيه إلى التثبت، ومن الناس من يحتج به في جواز قبول ~~خبر الواحد العدل ويجعل تخصيصه الفاسق بالتثبت في خبره دليلا على أن التثبت ~~في خبر العدل غير # PageV03P530 # جائز وهذا غلط; لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه فحكمه ~~بخلافه. # PageV03P531 # باب قتال أهل البغي # قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} حدثنا ~~عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~عن معمر عن الحسن: أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا ~~بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما} ، قال معمر: قال قتادة: وكان رجلان بينهما حق تدارآ فيه، ~~فقال أحدهما: لآخذنه عنوة; لكثرة عشيرته. وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي وروي عن ~~سعيد بن جبير والشعبي قالا: كان قتالهم بالعصي والنعال وقال مجاهد هم الأوس ~~والخزرج كان بينهم قتال بالعصي. # قال أبو بكر: قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع ~~إلى أمر الله وهو عموم في سائر ضروب القتال، فإن فاءت إلى الحق بالقتال ~~بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره، وإن لم تفئ بذلك قوتلت بالسيف على ~~ما تضمنه ظاهر الآية وغير جائز; لأحد الاقتصار على القتال بالعصي دون ~~السلاح مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق، وذلك أحد ضروب ms2725 الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك ~~أضعف الإيمان"، فأمر بإزالة المنكر باليد ولم يفرق بين السلاح وما دونه، ~~فظاهره يقتضي وجوب إزالته بأي شيء أمكن. # وذهب قوم من الحشو إلى أن قتال أهل البغي إنما يكون بالعصي والنعال وما ~~دون السلاح وأنهم لا يقاتلون بالسيف، واحتجوا بما روينا من سبب نزول الآية ~~وقتال القوم الذين تقاتلوا بالعصي والنعال، وهذا لا دلالة فيه على ما ~~ذكروا; لأن القوم تقاتلوا بما دون السلاح، فأمر الله - تعالى - بقتال ~~الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح وكذلك نقول متى ظهر لنا ~~قتال من فئة على وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى الحق، ~~وليس في نزول الآية على حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن يكون ~~الأمر بقتالنا إياهم مقصورا على ما دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ للقتال ~~بسلاح وغيره. ألا ترى أنه لو قال: "من قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح" لم ~~يتناقض القول به؟ فكذلك أمره إيانا بقتالهم; إذ كان عمومه يقتضي القتال ~~بسلاح وغيره، وجب أن يجرى على عمومه وأيضا قاتل علي بن أبي طالب الفئة ~~الباغية بالسيف # PageV03P531 # ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم، وكان محقا في قتاله ~~لهم لم يخالف فيه أحد إلا الفئة الباغية التي قابلته وأتباعها وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" وهذا خبر مقبول من طريق ~~التواتر. حتى إن معاوية لم يقدر على جحده" لما قال له عبد الله بن عمر، ~~فقال: إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا رواه أهل الكوفة وأهل البصرة ~~وأهل الحجاز وأهل الشام، وهو علم من أعلام النبوة; لأنه خبر عن غيب لا يعلم ~~إلا من جهة علام الغيوب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب ~~قتال الخوارج وقتلهم أخبار كثيرة متواترة، منها حديث ms2726 أنس وأبي سعيد أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون ~~القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يرجعون ~~حتى يرتد على فوقه هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم أو قتلوه يدعون إلى ~~كتاب الله وليسوا منه في شيء من قتلهم كان أولى بالله منهم قالوا: يا رسول ~~الله ما سيماهم؟ قال التحليق". وروى الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال: ~~سمعت عليا يقول: إذا حدثتكم بشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر ~~من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيننا ~~فإن الحرب خدعة، وإني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم في آخر ~~الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز ~~إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإن لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". ولم يختلف أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وجوب قتال الفئة الباغية بالسيف إذا لم يردعها غيره. ~~ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنهم ~~لقتلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم واصطلموهم؟. # فإن قيل: قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم ~~سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر قيل له: لم يقعدوا عنه; لأنهم ~~لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائز أن يكون قعودهم عنه; لأنهم رأوا الإمام ~~مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه، فاستجازوا القعود عنه لذلك ألا ترى ~~أنهم قد قعدوا عن قتال الخوارج لا على أنهم لم يروا قتالهم واجبا لكنه لما ~~وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم؟. # فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون فتنة القائم ~~فيها خير من الماشي والقاعد فيها خير من القائم". قيل له: إنما أراد به ~~الفتنة التي يقتتل الناس فيها ms2727 على طلب الدنيا وعلى جهة العصبية والحمية من ~~غير قتال مع إمام تجب طاعته، فأما إذا ثبت أن إحدى الفئتين باغية والأخرى ~~عادلة مع الإمام فإن قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسبا في ~~قتالهم. # PageV03P532 # فإن قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: "قتلته وهو قد ~~قال لا إله إلا الله" إنما يردد ذلك مرارا، فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله ~~إلا الله ولا يقتل قيل له; لأنهم كانوا يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا: لا ~~إله إلا الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها". فكانوا إذا أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع ~~الأصنام واعتقاد التوحيد. ونظير ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم ~~القتال; لأنهم إنما يقاتلون على إقامتهم على قتال أهل العدل، فمتى كفوا عن ~~القتال ترك قتالهم، كما يقاتل المشركون على إظهار الإسلام فمتى أظهروه زال ~~عنهم، ألا ترى أن قطاع الطريق والمحاربين يقاتلون ويقتلون مع قولهم لا إله ~~إلا الله. # PageV03P533 # باب ما يبدأ به أهل البغي # ما يبدأ به أهل البغي قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما} قال أبو بكر أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح ~~بينهما، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن ~~البغي، وقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى} يعني والله أعلم -: إن ~~رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت الأخرى على بغيها وامتنعت من ~~الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر تعالى بالدعاء إلى ~~الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت. وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا القبول ~~قاتلهم. # وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم ~~يقاتلوا; لأنه ms2728 قال: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله} ، فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال، وكذلك ~~فعل علي بن أبي طالب مع الخوارج; وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم ~~عبد الله بن عباس فدعاهم، فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم ~~طائفة وأقامت طائفة على أمرها، فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من ~~نواحي المسجد وقالت: لا حكم إلا لله فقال علي: "كلمة حق يراد بها باطل، أما ~~إن لهم ثلاثا: أن لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، وأن لا نمنعهم ~~حقهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا. # PageV03P533 # باب الأمر فيما يؤخذ من أموال البغاة # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في ذلك، فقال محمد في الأصل: "لا يكون ~~غنيمة ويستعان بكراعهم وسلاحهم على حربهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها رد ~~المال عليهم ويرد الكراع أيضا عليهم إذا لم يبق من البغاة أحد، وما استهلك ~~فلا شيء فيه" وذكر إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف قال: "ما وجد في أيدي أهل ~~البغي من كراع أو سلاح فهو فيء يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا ~~مال استهلكوه". وقال مالك: "ما استهلكه الخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم ~~يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه رد"، وهو قول الأوزاعي والشافعي. وقال ~~الحسن بن صالح: "إذا قوتل اللصوص المحاربون فقتلوا وأخذ ما معهم فهو غنيمة ~~لمن قاتلهم بعد إخراج الخمس إلا أن يكون شيء يعلم أنهم سرقوه من الناس". # قال أبو بكر: واختلفت الرواية عن علي - كرم الله وجهه - في ذلك، فروى فطر ~~بن خليفة عن منذر بن يعلى عن محمد ابن الحنفية قال قسم أمير المؤمنين علي ~~رضي الله عنه يوم الجمل فيأهم بين أصحابه ما قوتل به من الكراع والسلاح" ~~فاحتج من جعله غنيمة بهذا الحديث، وهذا ليس فيه دلالة على أنه غنيمة; لأنه ~~جائز أن يكون قسم ما حصل في يده ms2729 من كراع أو سلاح ليقاتلوا به قبل أن تضع ~~الحرب أوزارها ولم يملكهم ذلك على ما قال محمد في الأصل. وقد روى عكرمة بن ~~عمار عن أبي زميل عن عبد الله بن الدولي عن ابن عباس أن الخوارج نقموا على ~~علي رضي الله عنه أنه لم يسب ولم يغنم، فحاجهم بأن قال لهم: "أفتسبون أمكم ~~عائشة ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم. " وروى ~~أبو معاوية عن الصلت بن بهرام عن أبي وائل قال: سألته أخمس علي رضي الله ~~عنه أموال أهل الجمل؟ قال: لا وقال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم متوافرون، وأجمعوا أن كل دم أريق على وجه التأويل أو مال ~~استهلك على وجه التأويل فلا ضمان فيه". ويدل على أنه لا تغنم أموالهم التي ~~ليست معهم مما تركوه في ديارهم لا تغنم، وإن قتلوا، كذلك ما معهم منها، ألا ~~ترى أن أهل الحرب لا يختلف فيما يغنم من أموالهم ما معهم، وما تركوه منها ~~في ديارهم أن ما حصل في أيدينا منها مغنوم؟ وأنه لا خلاف أنه لا تسبى ~~ذراريهم ونساؤهم ولا تملك رقابهم؟ فكذلك لا تغنم أموالهم. فإن قيل: مشركو ~~العرب لا تملك رقابهم وتغنم أموالهم قيل له: لأنهم يقتلون إذا أسروا، وإن ~~لم يسلموا وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فلذلك غنمت أموالهم والخوارج إذا لم تبق ~~لهم منعة لا يقتل أسراهم ولا تسبى ذراريهم بحال، فكذلك لا تغنم أموالهم. # PageV03P534 # باب الحكم في أسرى أهل البغي وجرحاهم # روى كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ " قال: الله ~~ورسوله أعلم، قال: "لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها". ~~وروى عطاء بن السائب عن أبي البختري وعامر قالا: لما ظهر علي رضي الله عنه ~~على أهل الجمل قال: "لا تتبعوا مدبرا ولا تذففوا على جريح"، وروى شريك عن ~~السدي ms2730 عن عبد خير قال: قال علي رضي الله عنه يوم الجمل: "لا تقتلوا أسيرا ~~ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن". قال أبو بكر: هذا حكم علي ~~في البغاة، ولا نعلم له مخالفا من السلف. وقال أصحابنا: "إذا لم تبق لأهل ~~البغي فئة فإنه لا يجهز على جريح ولا يقتل أسير ولا يتبع مدبر، فإذا كانت ~~لهم فئة فإنه يقتل الأسير إن رأى ذلك الإمام ويجهز على الجريح ويتبع ~~المدبر" وقول علي - رضي الله عنه - محمول على أنه لم تبق لهم فئة; لأن هذا ~~القول إنما كان منه في أهل الجمل، ولم تبق لهم فئة بعد الهزيمة، والدليل ~~عليه أنه أسر ابن بثري والحرب قائمة فقتله يوم الجمل، فدل ذلك على أن مراده ~~في الأخبار الأول إذا لم تبق لهم فئة. # PageV03P535 # باب في قضايا البغاة # قال أبو يوسف في البرمكي: "لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل ~~البغي ولا شهادته ولا حكمه" قال أبو بكر: وكذلك قال محمد، وقال: "لو أن ~~الخوارج ولوا قاضيا منهم فحكم ثم رفع إلى حاكم أهل العدل لم يمضه إلا أن ~~يوافق رأيه فيستأنف القضاء فيه" قال: "ولو ولوا قاضيا من أهل العدل فقضى ~~بقضية أنفذها من رفعت إليه كما يمضي قضاء أهل العدل". وقال مالك فيما حكم ~~به أهل البغي: "تكشف أحكامهم فما كان منها مستقيما أمضي" وقال الشافعي: ~~"إذا غلب الخوارج على مدينة فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم ~~تعد عليهم ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم، وإن كان ~~غير مأمون برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه". # قال أبو بكر: إذا قاتلوا وظهر بغيهم على أهل العدل فقد وجب قتلهم ~~وقتالهم، فغير جائز قبول شهادة من هذه سبيله; لأن إظهار البغي وقتالهم لأهل ~~العدل هو فسق من جهة الفعل وظهور الفسق من جهة الفعل يمنع قبول الشهادة ~~كشارب الخمر والزاني # PageV03P535 # والسارق فإن قيل: فأنت تقبل شهادتهم ms2731 فهلا أمضيت أحكامهم؟ قيل له: قد قال ~~محمد بن الحسن إنهم إنما تقبل شهادتهم ما لم يقاتلوا، ولم يخرجوا على أهل ~~العدل فأما إذا قاتلوا فإني لا أقبل شهادتهم فقد سوى بين القضاء وبين ~~الشهادة ولم يذكر في ذلك خلافا بين أصحابنا، وهذا سديد، والعلة فيه ما ~~ذكرنا. # فإن قيل فقد قالوا إن الخوارج إذا ظهروا وأخذوا صدقات المواشي والثمار ~~أنه لا يعاد على أربابها، فجعلوا أخذهم بمنزلة أخذ أهل العدل قيل له: إن ~~الزكاة لا تسقط عنهم بأخذ هؤلاء; لأنهم قالوا: إن على أرباب الأموال ~~إعادتها فيما بينهم وبين الله - تعالى - وإنما أسقطوا به حق الإمام في ~~الأخذ; لأن حق الإمام إنما يثبت في الأخذ; لأجل حمايته أهل العدل، فإذا لم ~~يحمهم من البغاة لم يثبت حقه في الأخذ، وكان ما أخذه البغاة بمنزلة أخذه في ~~باب سقوط حقه في الأخذ. ألا ترى أن أصحابنا قالوا لو مر رجل من أهل العدل ~~على عاشر أهل البغي بمال فعشره أنه لا يحتسب له الإمام بذلك، ويأخذ منه ~~العشر إذا مر به على عاشر أهل العدل؟ فعلمت أن المعنى في سقوط حق الإمام في ~~الأخذ لا على معنى أنهم جعلوا حكمهم كأحكام أهل العدل. وإنما أجازوا قضاء ~~قاضي البغاة إذا كان القاضي من أهل العدل من قبل أن الذي يحتاج إليه في صحة ~~نفاذ القضاء هو أن يكون القاضي عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ قضائه، وحمل ~~الناس عليه بيد قوية سواء كان المولي له عدلا أو باغيا. ألا ترى أنه لو لم ~~يكن ببلد سلطان فاتفق أهله على أن ولوا رجلا منهم القضاء كان جائزا وكانت ~~أحكامه نافذة عليهم؟ فكذلك الذي ولاه البغاة القضاء إذا كان هو في نفسه ~~عدلا نفذت أحكامه". # ويحتج من يجيز مجاوزة الحد بالتعزير بقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} فأمر بقتالهم إلى أن ~~يرجعوا إلى الحق، فدل على أن التعزير يجب إلى أن يعلم إقلاعه عنه وتوبته; ms2732 ~~إذ كان التعزير للزجر والردع وليس له مقدار معلوم في العادة. كما أن قتال ~~البغاة لما كان للردع وجب فعله أن يرتدعوا وينزجروا. # قال أبو بكر: إنما اقتصر من لم يبلغ بالتعزير الحد على ذلك بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من بلغ حدا في غير حد فهو من المتعدين". # وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} يعني أنهم إخوة في ~~الدين، كقوله تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} ~~[الأحزاب: 5] وفي ذلك دليل على جواز إطلاق لفظ الأخوة بين المؤمنين من جهة ~~الدين. وقوله # PageV03P536 # تعالى: {فأصلحوا بين أخويكم} يدل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من ~~المومنين أن عليه الإصلاح بينهما. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} نهى الله بهذه ~~الآية عن عيب من لا يستحق أن يعاب على وجه الاحتقار له; لأن ذلك هو معنى ~~السخرية وأخبر أنه وإن كان أرفع حالا منه في الدنيا فعسى أن يكون المسخور ~~منه خيرا عند الله. # وقوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} روي عن ابن عباس وقتادة: "لا يطعن ~~بعضكم على بعض" قال أبو بكر: هو كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ; ~~لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه بقتله أخاه قاتل نفسه. وكقوله {فسلموا على ~~أنفسكم} [النور: 61] يعني يسلم بعضكم على بعض واللمز العيب يقال: لمزه إذا ~~عابه وطعن عليه قال الله تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة: 58] ~~قال زياد الأعجم: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه # ما كنت أخشى وإن كان الزمان به ... حيف على الناس أن يغتابني عنزه # وإنما نهى بذلك عن عيب من لا يستحق، وليس بمعيب فإن من كان معيبا فاجرا ~~فعيبه بما فيه جائز. وروي أنه لما مات الحجاج قال الحسن: "اللهم أنت أمته ~~فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق ~~فيها عنان في سبيل الله يرجل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر ms2733 فيهذر حتى ~~تفوته الصلاة لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي فوقه الله وتحته مائة ~~ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل "ثم قال الحسن" هيهات ~~والله حال دون ذلك السيف والسوط". # وقوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب} روى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن: ~~أن أبا ذر كان عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان بينه وبين رجل منازعة ~~فقال له أبو ذر: يا ابن اليهودية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما ترى ~~ما ههنا من شيء أحمر ولا أسود وما أنت أفضل منه إلا بالتقوى" قال: ونزلت ~~هذه الآية {ولا تنابزوا بالألقاب} . وقال قتادة في قوله تعالى: {ولا ~~تنابزوا بالألقاب} قال "لا تقل; لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق" حدثنا عبد ~~الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن ~~قال: "كان اليهودي والنصراني يسلم فيقال له يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ~~ذلك". حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل ~~قال: حدثنا وهيب عن داود عن عامر قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: فينا ~~نزلت هذه الآية في بني # PageV03P537 # سلمة: {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الأيمان} قال: قدم ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يا فلان" فيقولون: مه يا رسول ~~الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية: {ولا تنابزوا بالألقاب} . ~~وهذا يدل على أن اللقب المكروه هو ما يكرهه صاحبه ويفيد ذما للموصوف به; ~~لأنه بمنزلة السباب والشتيمة فأما الأسماء والأوصاف الجارية غير هذا المجرى ~~فغير مكروهة لم يتناولها النهي; لأنها بمنزلة أسماء الأشخاص والأسماء ~~المشتقة من أفعال. وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن يزيد بن خثيم عن محمد ~~بن كعب قال: حدثني محمد بن خثيم المحاربي عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا ~~وعلي بن أبي طالب ms2734 رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزل بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا وصالح فيها بني مدلج وحلفاءهم من ~~بني ضمرة ووادعهم، فقال لي علي رضي الله عنه: هل لك أن تأتي هؤلاء من بني ~~مدلج يعملون في عير لهم ننظر كيف يعملون فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم ~~غشينا النوم، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا، فما أنبهنا ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه، فجلسنا، وقد تتربنا من تلك ~~الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "يا أبا تراب" لما ~~عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: "ألا أخبركم بأشقى رجلين؟ ~~" قلنا: من هما يا رسول الله؟ قال: "أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي ~~يضربك يا علي على هذا" ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه ~~"حتى تبل منه هذه" ووضع يده على لحيته. وقال سهل بن سعد: "ما كان اسم أحب ~~إلى علي رضي الله عنه أن يدعى به من أبي تراب" فمثل هذا لا يكره،; إذ ليس ~~فيه ذم ولا يكرهه صاحبه. وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا إبراهيم بن مهدي قال: حدثنا شريك عن عاصم عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "يا ذا الأذنين"، وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~أسماء قوم، فسمى العاص عبد الله وسمى شهابا هشاما وسمى حربا سلما وفي جميع ~~ذلك دليل على أن المنهي من الألقاب ما ذكرنا دون غيره، وقد روي أن رجلا ~~أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها ~~فإن في أعين الأنصار شيئا" يعني الصغر قال أبو بكر: فلم يكن ذلك غيبة; لأنه ~~لم يرد به ذم المذكور ولا غيبته. # PageV03P538 # مطلب: الظن على أربعة أضرب # وقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} اقتضت الآية النهي ~~عن بعض الظن لا عن ms2735 جميعه; لأن قوله: {كثيرا من الظن} يقتضي البعض وعقبه ~~بقوله: {إن بعض الظن إثم} فدل أنه لم ينه عن جمعيه وقال في آية أخرى: {وإن ~~الظن # PageV03P538 # لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] وقال: {وظننتم ظن السوء وكنتم قوما ~~بورا} [الفتح: 12] فالظن على أربعة أضرب: محظور ومأمور به ومندوب إليه ~~ومباح فأما الظن المحظور فهو سوء الظن بالله - تعالى - حدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى ومحمد بن محمد بن حيان التمار قالا: حدثنا ~~محمد بن كثير: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو ~~يحسن الظن بالله عز وجل". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو سعيد ~~يحيى بن منصور الهروي قال حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا ابن المبارك عن ~~هشام بن الغازي عن حبان بن أبي النصر قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما ~~شاء". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل ~~قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن واسع عن شتير يعني ابن نهار عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حسن الظن من العبادة"، وهو مرفوع ~~في حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث موسى بن إسماعيل. فحسن الظن بالله ~~فرض وسوء الظن به محظور منهي وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم ~~العدالة محظور مزجور عنه، وهو من الظن المحظور المنهي عنه. وحدثنا محمد بن ~~بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته وقمت فانقلبت ~~فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر ms2736 رجلان من الأنصار ~~فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"على رسلكما إنها صفية بنت حيي" قالا: سبحان الله يا رسول الله قال: "إن ~~الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال ~~سوءا". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا ~~عبد الرحمن قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث". ~~فهذا من الظن المحظور، وهو ظنه بالمسلم سوءا من غير سبب يوجبه، وكل ظن فيما ~~له سبيل إلى معرفته مما تعبد بعلمه فهو محظور; لأنه لما كان متعبدا تعبد ~~بعلمه ونصب له الدليل عليه فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا ~~للمأمور به; وأما ما لم ينصب له عليه دليل يوصله إلى العلم به، وقد تعبد ~~بتنفيذ الحكم فيه فالاقتصار على غالب الظن، وإجراء الحكم عليه واجب. وذلك ~~نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات ~~وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف، فهذه وما كان من نظائرها # PageV03P539 # قد تعبدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن وأما الظن المباح فالشكاك في ~~الصلاة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، ~~فلو غلب ظنه كان مباحا، وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا، ~~ونحوه ما روي عن أبي بكر الصديق أنه قال لعائشة: إني كنت نحلتك جداد عشرين ~~وسقا بالعالية، وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث، ~~وإنما هما أخواك وأختاك، قال: فقلت: إنما هي أسماء فقال: ألقي في روعي أن ~~ذا بطن خارجة جارية فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه. وحدثنا عبد الباقي ~~بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا هشام بن عمار عن عبد ~~الرحمن بن سعد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي ms2737 هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ظننتم فلا تحققوا" فهذا من الظن الذي يعرض ~~بقلب الإنسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي أن يحققه، وأما الظن ~~المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم، هو مندوب إليه مثاب عليه. فإن ~~قيل: إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا قيل له: لا يجب ~~ذلك; لأن بينهما واسطة، وهو أن لا يظن به شيئا فإذا أحسن الظن به فقد فعل ~~مندوبا إليه. # قوله تعالى: {ولا تجسسوا} حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود عن ~~القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا ~~تجسسوا". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أتي ابن ~~مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله: "إنا قد نهينا عن ~~التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به". وعن مجاهد: "لا تجسسوا خذوا بما ~~ظهر لكم ودعوا ما ستر الله". فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم ~~الذي ظاهره العدالة والستر، ودل به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن; وقال ~~تعالى -: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا ~~إفك مبين} [النور:12] ; فإذا وجب تكذيب القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ~~ذلك النهي عن تحقيق المظنون، وعن إظهاره. ونهى عن التجسس بل أمر بالستر على ~~أهل المعاصي ما لم يظهر منهم إصرار. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن ~~الوليد: قال أبو داود: ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل ~~في هذا الحديث قال الوليد بن أبي هشام عن زيد بن زائد عن ابن مسعود ms2738 قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، فإني أحب ~~أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر لكم" وحدثنا محمد بن # PageV03P540 # بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الله ~~بن المبارك عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن عقبة بن ~~عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأي عورة فسترها كان كمن أحيا ~~موءودة" وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ~~قال: حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه ~~فإن الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم ~~القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" وجميع ما أمرنا الله به من ~~ذلك يؤدي إلى صلاح ذات البين، وفي صلاح ذات البين صلاح أمر الدنيا والدين، ~~قال الله تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1] . وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام ~~والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين، وفساد ذات ~~البين الحالقة". # وقوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا} ; حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه ~~عن أبي هريرة، أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما ~~يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". وحدثنا محمد بن بكر قال: ms2739 حدثنا ~~أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة ~~عن عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا قال: ~~غير مسدد تعني قصيرة فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: ~~وحكيت له إنسانا آخر فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا". ~~وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: ~~حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أن عبد الرحمن بن ~~الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء الأسلمي إلى ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أربع مرات أنه أصاب امرأة ~~حراما; وذكر الحديث إلى قوله: "فما تريد بهذا القول؟ " قال: أريد أن تطهرني ~~فأمر به فرجم; فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول ~~أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تردعه نفسه حتى رجم ~~رجم الكلب فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال: ~~"أين فلان وفلان؟ " فقالا: نحن ذان يا رسول الله قال: "انزلا فكلا من جيفة ~~هذا الحمار" فقالا: # PageV03P541 # يا نبي الله من يأكل من هذا؟ قال: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من ~~الأكل منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها! ". ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا يزيد ~~بن مرة سنة ثلاث عشرة ومائتين قال: حدثنا ابن عون أن ناسا أتوا ابن سيرين ~~فقالوا: إنا ننال منك فاجعلنا في حل فقال: لا أحل لكم ما حرم الله عليكم. ~~وروى الربيع بن صبيح أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد إني أرى أمرا أكرهه ~~قال: وما ذاك يا ابن أخي؟ قال: أرى أقواما يحضرون مجلسك يحفظون عليك سقط ~~كلامك ثم يحكونك ويعيبونك، فقال: يا ابن أخي لا يكبرن هذا عليك، ms2740 أخبرك بما ~~هو أعجب؟ قال: وما ذاك يا عم؟ قال: "أطمعت نفسي في جوار الرحمن وحلول ~~الجنان والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء ولم أطمع نفسي في السلامة من ~~الناس، إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم الذي خلقهم، فإذا لم يسلم ~~خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: أخبرنا ~~الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا داود بن المجبر قال: حدثنا عنبسة بن عبد ~~الرحمن قال: حدثني خالد بن يزيد اليمامي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته". # وقوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} تأكيد لتقبيح ~~الغيبة. والزجر عنه من وجوه. أحدها: أن لحم الإنسان محرم الأكل، فكذلك ~~الغيبة. والثاني: أن النفوس تعاف أكل لحم الإنسان من جهة الطبع، فلتكن ~~الغيبة عنكم بمنزلته في الكراهة ولزوم اجتنابه من جهة موجب العقل; إذ كانت ~~دواعي العقل أحق بالاتباع من دواعي الطبع، ولم يقتصر على ذكر الإنسان الميت ~~حتى جعله أخاه، وهذا أبلغ ما يكون في التقبيح والزجر، فهذا كله إنما هو في ~~المسلم الذي ظاهره العدالة، ولم يظهر منه ما يوجب تفسيقه كما يجب علينا ~~تكذيب قاذفه بذلك، فإن كان المقذوف بذلك مهتوكا فاسقا فإن ذكر ما فيه من ~~الأفعال القبيحة غير محظور، كما لا يجب على سامعه النكير على قائله. ووصفه ~~بما يكرهه على ضربين. أحدهما: ذكر أفعاله القبيحة. والآخر: وصف خلقته، وإن ~~كان مشينا على جهة الاحتقار له وتصغيره لا على جهة ذمه بها ولا عيب صانعها ~~على نحو ما روينا عن الحسن في وصفه الحجاج بقبح الخلقة، وقد يجوز وصف قوم ~~في الجملة ببعض ما إذا وصف به إنسان بعينه كان غيبة محظورة، ثم لا يكون ~~غيبة إذا وصف به الجملة على وجه التعريف. كما روى أبو حازم عن أبي هريرة ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني تزوجت ~~امرأة ms2741 قال: "هل نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شيئا"، فإنه لم يكن غيبة; ~~وجعل وصف عائشة الرجل بالقصر # PageV03P542 # في الحديث الذي قدمنا غيبة; لأن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم على ~~وجه التعريف لا على جهة العيب، وهو كما روي عنه أنه قال: "لا تقوم الساعة ~~حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه صغار العيون فطس الأنوف كأن وجوههم المجان ~~المطرقة" فلم يكن ذلك غيبة، وإنما كان تعريفا لهم صفة القوم. # قوله تعالى: {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} ~~روي عن مجاهد وقتادة: "الشعوب: النسب الأبعد، والقبائل الأقرب، فيقال بنو ~~فلان وفلان". وقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} بدأ بذكر الخلق من ~~ذكر وأنثى وهما آدم وحواء، ثم جعلهم شعوبا يعني متشعبين متفرقين في الأنساب ~~كالأمم المتفرقة نحو العرب وفارس والروم والهند ونحوهم. ثم جعلهم قبائل وهم ~~أخص من الشعوب نحو قبائل العرب وبيوتات العجم ليتعارفوا بالنسبة، كما خالف ~~بين خلقهم وصورهم; ليعرف بعضهم بعضا ودل بذلك على أنه لا فضل لبعضهم على ~~بعض من جهة النسب; إذ كانوا جميعا من أب وأم واحدة; ولأن الفضل لا يستحق ~~بعمل غيره، فبين الله تعالى ذلك لنا لئلا يفخر بعضنا على بعض بالنسب، وأكد ~~ذلك بقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، فأبان أن الفضيلة والرفعة ~~إنما تستحق بتقوى الله وطاعته، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته ~~أنه قال: "إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم ~~وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على عجمي إلا ~~بالتقوى". وقال ابن عباس وعطاء "إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أعظمكم ~~بيتا". آخر سورة الحجرات. # PageV03P543 # ومن سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} حدثنا عبد الله ~~بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~عن معمر عن قتادة في قوله: {فهم في أمر مريج} قال: "من ms2742 ترك الحق مرج عليه ~~رأيه والتبس عليه دينه. " # وقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} . روى جرير بن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} . وروي عن ابن عباس وقتادة أن المراد صلاة الفجر وصلاة ~~العصر. # وقوله تعالى: {ومن الليل فسبحه} قال مجاهد: "صلاة الليل" قال أبو بكر: ~~يجوز أن يريد صلاة المغرب والعتمة. # وقوله تعالى: {وأدبار السجود} ، قال علي وعمر والحسن بن علي وابن عباس ~~والحسن البصري ومجاهد والنخعي والشعبي: {وأدبار السجود} ركعتان بعد المغرب ~~{وأدبار السجود} ركعتان قبل الفجر وعن ابن عباس مثله وعن مجاهد عن ابن ~~عباس: {وأدبار السجود} : "إذا وضعت جبهتك على الأرض أن تسبح ثلاثا". قال ~~أبو بكر: اتفق من ذكرنا قوله بديا أن قوله: {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب} أراد به الصلاة. وكذلك: {ومن الليل فسبحه} هو صلاة الليل وهي ~~العتمة والمغرب، فوجب أن يكون قوله: {وأدبار السجود} هو الصلاة; لأن فيه ~~ضمير "فسبحه"، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح في دبر كل ~~صلاة، ولم يذكر أنه تفسير الآية. وروى محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح عن ~~زيد بن ثابت قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسبح في دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين، فأتى رجل من ~~الأنصار في المنام فقال: أمركم محمد صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا في دبر ~~كل صلاة ثلاثا # PageV03P544 # وثلاثين وتحمدوا ثلاثا وثلاثين وتكبروا أربعا وثلاثين فلو جعلتموها خمسا ~~وعشرين خمسا وعشرين فاجعلوا فيها التهليل، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: افعلوا. وروى سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول ~~الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم قال: كيف ذاك؟ قالوا: صلوا ~~كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول ms2743 أموالهم وليست لنا أموال، ~~فقال: "أنا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون به من بعدكم، لا ~~يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله، تسبحون الله في دبر كل صلاة ~~عشرا وتحمدون الله عشرا وتكبرون عشرا". وروي نحوه عن أبي ذر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ألا أنه قال: "تسبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمد ~~ثلاثا وثلاثين وتكبر أربعا وثلاثين". وروى كعب بن عجرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوه، وقال: "وتكبر أربعا وثلاثين" وروى أبو هارون العبدي عن أبي ~~سعيد الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في آخر صلاته عند ~~انصرافه: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين". # قال أبو بكر: فإن حمل معنى الآية على الوجوب كان قوله: {وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس} على صلاة الفجر، {وقبل الغروب} على صلاة الظهر والعصر. ~~وكذلك روي عن الحسن: {ومن الليل فسبحه} "صلاة العتمة والمغرب". فتكون الآية ~~منتظمة للصلوات الخمس، وعبر عن الصلاة بالتسبيح; لأن التسبيح تنزيه لله عما ~~لا يليق به، والصلاة تشتمل على قراءة القرآن وأذكار هي تنزيه لله تعالى. ~~آخر سورة ق. # PageV03P545 # ومن سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال ابن عباس، وإبراهيم ~~والضحاك: "الهجوع النوم". وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا أقل ~~ليلة تمر عليهم إلا صلوا فيها". وقال قتادة عن الحسن: "لا ينامون فيها إلا ~~قليلا" وقال مطرف بن عبد الله: "قل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها إما من ~~أولها، وإما من أوسطها". وقال مجاهد: "كانوا لا ينامون كل الليل"، وروى ~~قتادة عن أنس قال: "كانوا يتنفلون بين المغرب" والعشاء " وروى أبو حيوة عن ~~الحسن قال: "كانوا يطيلون الصلاة بالليل، وإذا سجدوا استغفروا". وروي عن ~~قتادة قال: "كانوا لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها"، كأنه جعل هجوعهم ~~قليلا في جنب يقظتهم لصلاة العتمة. # قال أبو بكر: ms2744 قد كانت صلاة الليل فرضا فنسخ فرضها بما نزل في سورة المزمل ~~ورغب فيها في هذه السورة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ~~فضلها والترغيب فيها. وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله فيها ~~بخير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه وذلك في كل ليلة". وقال أبو مسلم: ~~قلت; لأبي ذر: أي صلاة الليل أفضل؟ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "نصف الليل وقليل فاعله". وروى عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد ~~الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصلاة إلى الله تعالى ~~صلاة داود كان ينام نصف الليل ويصلي ثلث الليل وينام سدس الليل". وروي عن ~~الحسن: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال: "ما يرقدون" {وبالأسحار هم ~~يستغفرون} قال: "مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة ~~والاستغفار". # وقوله تعالى: {وفي أموالهم حق} قال أبو بكر: اختلف السلف في تأويله، فقال ~~ابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: "هو حق سوى الزكاة واجب في المال" وقال ابن ~~عباس: "من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق". وقال ابن سيرين: {وفي # PageV03P546 # أموالهم حق معلوم} قال: "الصدقة حق معلوم". وروى حجاج عن الحكم عن ابن ~~عباس قال: "نسخت الزكاة كل صدقة". والحجاج عن أبي جعفر مثله. # واختلف الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فروي عنه ما يحتج به ~~كل واحد من الفريقين، فروى طلحة بن عبيد الله قصة الرجل الذي سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عما عليه، فذكر الصلاة والزكاة والصيام، فقال: هل علي شيء ~~غير هذا؟ قال: لا. وروى عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك فيه". وروى دراج ~~عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ms2745 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك". فهذه الأخبار يحتج بها ~~من تأول "حقا معلوما" على الزكاة، وأنه لا حق على صاحب المال غيرها. واحتج ~~ابن سيرين بأن الزكاة حق معلوم وسائر الحقوق التي يوجبها مخالفوه ليست ~~بمعلومة. واحتج من أوجب فيه حقا سوى الزكاة بما روى الشعبي عن فاطمة بنت ~~قيس قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي المال حق سوى الزكاة؟ ~~فتلا: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة: 177] الآية. ~~فذكر الزكاة في نسق التلاوة بعد قوله: {وآتى المال على حبه} ويحتجون أيضا ~~بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من صاحب إبل لا يؤدي ~~حقها في عسرها ويسرها إلا برز لها بقاع قرقر تطأه بأخفافها"، وذكر البقر ~~والغنم، فقال أعرابي: يا أبا هريرة وما حقها؟ قال: "تمنح الغزيرة وتعطي ~~الكريمة وتحمل على الظهر وتسقي اللبن". وفي حديث أبي الزبير عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها، ~~وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله". وروى ~~الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني مقبلا قال "هم الأخسرون ورب الكعبة" ~~فقلت: يا رسول الله من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا ~~حثا عن يمينه وعن شماله وبين يديه ما من رجل يموت ويترك إبلا لم يؤد زكاتها ~~إلا جاءته يوم القيامة تنطحه بقرونها وتطأه بأخفافها كلما بعدت أخراها ~~أعيدت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس". # قال أبو بكر: هذه الأخبار كلها مستعملة، وفي المال حق سوى الزكاة باتفاق ~~المسلمين، منه ما يلزم من النفقة على والديه إذا كانا فقيرين وعلى ذوي ~~أرحامه، وما يلزم من طعام المضطر، وحمل المنقطع به وما جرى مجرى ذلك من ~~الحقوق اللازمة ms2746 عندما يعرض من هذه الأحوال. # وقوله تعالى: {للسائل والمحروم} ، قال ابن عباس رواية وعائشة وابن المسيب # PageV03P547 # ومجاهد رواية وعطاء وأبو العالية والنخعي وعكرمة "المحروم المحارف". وقال ~~الحسن "المحروم الذي يطلب فلا يرزق". وقال ابن عباس رواية ومجاهد: "المحروم ~~الذي ليس له في الإسلام سهم"، وفي لفظ آخر: "الذي ليس له في الغنيمة شيء". ~~وقال عكرمة "الذي لا ينمو له مال"، وقال الزهري وقتادة: "المحروم المسكين ~~المتعفف"، وقال عمر بن عبد العزيز: "المحروم الكلب" قال أبو بكر: من تأوله ~~على الكلب فإنه لا يجوز أن يكون المراد عنده بحق معلوم الزكاة; لأن إطعام ~~الكلب لا يجزي من الزكاة. فينبغي أن يكون المراد عنده حقا غير الزكاة فيكون ~~في إطعام الكلب قربة، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في كل ذي ~~كبد حرى أجرا، وإن رجلا سقى كلبا فغفر الله له". والأظهر في قوله: {حق ~~معلوم} أنه الزكاة; لأن الزكاة واجبة لا محالة، وهي حق معلوم، فوجب أن يكون ~~مرادا بالآية; إذ جائز أن ينطوي تحتها ويكون اللفظ عبارة عنها; ثم جائز أن ~~يكون جميع ما تأول السلف عليه المحروم مرادا بالآية في جواز إعطائه الزكاة، ~~وهو يدل على أن الزكاة إذا وضعت في صنف واحد أجزأ; لأنه اقتصر على السائل ~~والمحروم دون الأصناف المذكورة في آية الصدقات. وفرق الله - تعالى - في ~~الآية بين السائل والمحروم; لأن الفقير قد يحرم نفسه بتركه المسألة، وقد ~~يحرمه الناس بترك إعطائه، فإذا لم يسأل فقد حرم نفسه بترك المسألة، فسمي ~~محروما من هذا الوجه; لأنه يصير محروما من وجهين: من قبل نفسه ومن قبل ~~الناس، وقد روي عن الشعبي أنه قال: أعياني أن أعلم ما المحروم. آخر سورة ~~الذاريات. # PageV03P548 # ومن سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال ابن مسعود وأبو الأحوص ومجاهد: ~~"حين تقوم من كل مكان سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". ~~وروى علي بن هاشم قال: سئل الأعمش أكان إبراهيم ms2747 يستحب إذا قام من مجلسه أن ~~يقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك؟ قال: "ما كان ~~يستحب أن يجعل ذلك سنة". وقال الضحاك عن عمر: "يعني به افتتاح الصلاة" قال ~~أبو بكر: يعني به قوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، إلى آخره وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك بعد التكبير وقال أبو ~~الجوزاء: "حين تقوم من منامك" قال أبو بكر: يجوز أن يكون عموما في جميع ما ~~روي من هذه التأويلات. # قوله تعالى: {وإدبار النجوم} روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنه ~~ركعتا الفجر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ركعتي الفجر، ~~منها حديث سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وروى عبيد بن عمير عن عائشة قالت: ما ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ~~ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة. وروى أيوب عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "الركعتان قبل صلاة الفجر واجبتان على كل مسلم". وروي عنه أنه قال: ~~"لا تدعوهما فإن فيهما الرغائب" وقال: "لا تدعوهما وإن طرقتكم الخيل". آخر ~~سورة الطور. # PageV03P549 # ومن سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} يحتج به من لا يجيز أن يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحوادث من جهة اجتهاد الرأي، بقوله: {إن هو إلا وحي ~~يوحى} وليس كما ظنوا; لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي جاز أن ينسب موجبه ~~وما أدى إليه أنه عن وحي. # وقوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} . روي عن ابن مسعود ~~وعائشة ومجاهد والربيع قالوا: رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها ~~مرتين وروي عن ابن عباس: "أنه رأى ربه بقلبه"; وهذا يرجع إلى معنى العلم ~~وعن ابن مسعود والضحاك: "سدرة المنتهى في السماء السادسة وإليها ينتهي ما ms2748 ~~يعرج إلى السماء" وقيل: "سميت سدرة المنتهى; لأنه ينتهي إليها أرواح ~~الشهداء "وقال الحسن: "جنة المأوى هي التي يصير إليها أهل الجنة". وفي هذه ~~الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد إلى السماء وإلى الجنة ~~بقوله تعالى: رآه عند سدرة المنتهى وإن عندها جنة المأوى. # وقوله تعالى: {إلا اللمم} قال ابن عباس رواية: لم أر أشبه باللمم مما قال ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر وزنا اللسان المنطق، ~~والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". وروي عن ابن مسعود وأبي ~~هريرة: "أنه النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فهو ~~الزنا ووجب الغسل"، وعن أبي هريرة أيضا: "إن اللمم النكاح"، وعنه أيضا: "إن ~~اللمة من الزنا ثم يتوب فلا يعود". وقال ابن عباس رواية: "اللمم ما بين ~~الحدين حد الدنيا وحد الآخرة". وقال ابن عباس أيضا رواية "هو الذي يلم ~~بالمرأة" وقال عطاء: "اللمم ما دون الجماع" وقال مجاهد: "أن تصيب الذنب ثم ~~تتوب". وروى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "اللهم إن تغفر تغفر جما وأي عبد لك لا ألما" ويقال: إن اللمم ~~هو الهم بالخطيئة من جهة حديث النفس بها # PageV03P550 # من غير عزم عليها وقيل: إن اللمم مقاربة الشيء من غير دخول فيه، يقال: ~~ألم بالشيء إلماما إذا قاربه وقيل: إن اللمم الصغير من الذنوب; لقوله ~~تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] . # وقوله تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} هو كقوله: {ومن يكسب إثما فإنما ~~يكسبه على نفسه} [النساء: 111] ، وكقوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ~~[الأنعام: 164] وقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} في معنى ذلك ~~ويحتج به في امتناع جواز تصرف الإنسان على غيره في إبطال الحجر على الحر ~~العاقل البالغ. # وقوله تعالى: {وأنه خلق ms2749 الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى} . قال ~~أبو بكر: لما كان قوله: {الذكر والأنثى} اسما للجنسين استوعب الجميع، وهذا ~~يدل على أنه لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى، وأن الخنثى وإن اشتبه علينا ~~أمره لا يخلو من أحدهما; وقد قال محمد بن الحسن: إن الخنثى المشكل إنما ~~يكون ما دام صغيرا فإذا بلغ فلا بد من أن تظهر فيه علامة ذكر أو أنثى. وهذه ~~الآية تدل على صحة قوله. آخر سورة النجم. # PageV03P551 # ومن سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} دلالة على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأن الله لا يقلب العادات بمثله إلا ليجعله دلالة على صحة ~~نبوة النبي. صلى الله عليه وسلم وروى انشقاق القمر عشرة من الصحابة، منهم ~~عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم في آخرين ~~كرهت ذكر أسانيدها للإطالة. # فإن قيل: معناه سينشق في المستقبل عند قيام الساعة; لأنه لو كان قد انشق ~~في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لما خفي على أهل الآفاق قيل له: هذا فاسد ~~من وجهين: أحدهما: أنه خلاف ظاهر اللفظ وحقيقته، والآخر: أنه قد تواتر ~~الخبر به عن الصحابة ولم يدفعه منهم أحد وأما قوله: "إنه لو كان ذلك قد وقع ~~لما خفي على أهل الآفاق" فإنه جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن ~~رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق ~~لنفسه، فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ~~واحتجاجه عليهم. # وقوله تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} الآية، يدل على جواز المهايأة ~~على الماء; لأنهم جعلوا شرب الماء يوما للناقة ويوما لهم ويدل أيضا على أن ~~المهايأة قسمة المنافع; لأن الله - تعالى - قد سمى ذلك قسمة وإنما هي ~~مهايأة على الماء لا قسمة الأصل. واحتج محمد بن الحسن بذلك في جواز ~~المهايأة على الماء على هذا الوجه، وهذا يدل من قوله ms2750 على أنه كان يرى شرائع ~~من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة ما لم يثبت نسخها. آخر سورة القمر. # PageV03P552 # ومن سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك ~~أن العصف التبن. وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك: "الريحان الورق"، وعن ابن ~~عباس أيضا أن الريحان الحب وقال الحسن: "هو الريحان الذي يشم". قال أبو ~~بكر: لا يمتنع أن يكون جميع ذلك مرادا; لوقوع الاسم عليه، والظاهر من ~~الريحان أنه المشموم، ولما عطف الريحان على الحب ذي العصف والعصف هو ساقه ~~دل على أن الريحان ما يخرج من الأرض وله رائحة مستلذة قبل أن يصير له ساق، ~~وذلك نحو الضيمران والنمام والآس الذي يخرج ورقه ريحانا قبل أن يصير ذا ~~ساق; لأن العطف يقتضي ظاهره أن المعطوف غير المعطوف عليه. # وقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} مراده من أحدهما; لأنه إنما ~~يخرج من الملح دون العذب، وهو كقوله: {يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل ~~منكم} [الأنعام: 130] ، وإنما أرسل من الإنس وقال ابن عباس والحسن وقتادة ~~والضحاك: "المرجان صغار اللؤلؤ" وقيل: "المرجان المختلط من الجواهر، من ~~مرجت أي خلطت" وقيل: "إنه ضرب من الجواهر كالقضبان يخرج من البحر". وقيل: ~~إنما قال: {يخرج منهما} لأن العذب والملح يلتقيان فيكون العذب لقاحا للملح، ~~كما يقال يخرج الولد من الذكر والأنثى وإنما تلده الأنثى، وقال ابن عباس: ~~إذا جاء القطر من السماء تفتحت الأصداف فكان من ذلك اللؤلؤ". # وقوله تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} ، روي أنها تحمر ~~وتذوب كالدهن، روي أن سماء الدنيا من حديد فإذا كان يوم القيامة صارت من ~~الخضرة إلى الاحمرار من حر نار جهنم كالحديد إذا أحمي بالنار. # وقوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ; قيل فيه: لا يسأل ~~سؤال استفهام لكن سؤال تقرير وتوقيف وقيل فيه: لا يسأل في أول أحوال حضورهم ~~يوم # PageV03P553 # القيامة لما يلحقهم من الدهش والذهول ثم يسألون في وقت آخر. # وقوله تعالى: ms2751 {فيهما فاكهة ونخل ورمان} يحتج به لأبي حنيفة في أن الرطب ~~والرمان ليسا من الفاكهة; لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره ~~هذا هو ظاهر الكلام. ومفهومه إلا أن تقوم الدلالة على أنه انفرد بالذكر، ~~وإن كان من جنسه لضرب من التعظيم وغيره، كقوله تعالى: {من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98] . آخر سورة الرحمن. # PageV03P554 # ومن سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} . روي ~~عن سلمان أنه قال: "لا يمس القرآن إلا المطهرون" فقرأ القرآن، ولم يمس ~~المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال: فقال ~~لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرءون فقالت: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا ~~المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه; وذكر الحديث. وعن ~~سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف وعن ابن عمر مثله وكره الحسن والنخعي ~~مس المصحف على غير وضوء وروي عن حماد أن المراد القرآن الذي في اللوح ~~المحفوظ {لا يمسه إلا المطهرون} يعني الملائكة، وقال أبو العالية في قوله: ~~{لا يمسه إلا المطهرون} قال: "هو في كتاب مكنون ليس أنتم من أصحاب الذنوب"، ~~وقال سعيد بن جبير وابن عباس "المطهرون الملائكة" وقال قتادة: "لا يمسه عند ~~الله إلا المطهرون فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق". # قال أبو بكر: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد ~~القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي، وإن كان في ~~صورة الخبر كان عموما فينا; وهذا أولى; لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: "ولا يمس القرآن إلا ~~طاهر" فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية; إذ فيها احتمال له. آخر سورة الواقعة. # PageV03P555 # ومن سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} الآية. ms2752 روي عن الشعبي ~~قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وفيه أنزلت هذه الآية، قالوا: يا ~~رسول الله فتح هو؟ قال: "نعم عظيم". وقال سعيد عن قتادة: "هو فتح مكة" قال ~~أبو بكر: أبان عن فضيلة الإنفاق قبل الفتح على ما بعده لعظم عناء النفقة ~~فيه وكثرة الانتفاع به; ولأن الإنفاق في ذلك الوقت كان أشد على النفس لقلة ~~المسلمين وكثرة الكفار مع شدة المحنة والبلاء وللسبق إلى الطاعة. ألا ترى ~~إلى قوله: {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] وقوله: {والسابقون ~~الأولون} [التوبة: 100] ؟ فهذه الوجوه كلها تقتضي تفضيلها. # وقوله تعالى: {فطال عليهم الأمد} الآية. يدل على أن كثرة المعاصي ~~ومساكنتها وألفها تقسي القلب وتبعد من التوبة، وهو نحو قوله: {كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] . # وقوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم} روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كل مؤمن شهيد" ~~لهذه الآية وجعل قوله: {والشهداء} صفة لمن تقدم ذكره من المؤمنين; وهو قول ~~عبد الله ومجاهد وقال ابن عباس ومسروق وأبو الضحى والضحاك: "هو ابتداء كلام ~~وخبره: {لهم أجرهم ونورهم} . # وقوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها} قال أبو بكر: أخبر عما ابتدعوه من القرب والرهبانية، ثم ذمهم على ~~ترك رعايتها بقوله: {فما رعوها حق رعايتها} . والابتداع قد يكون بالقول وهو ~~ما ينذره ويوجبه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه، وعمومه يتضمن ~~الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها، ~~وإتمامها، فوجب على ذلك أن من دخل في # PageV03P556 # صلاة أو صوم أو حج أو غيرها من القرب فعليه إتمامها، ولا يلزمه إتمامها ~~إلا وهي واجبة عليه فيجب عليه القضاء إذا أفسدها وروي عن أبي أمامة الباهلي ~~قال: "كان ناس من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا ~~بها رضوان الله فلم يرعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ~~ابتدعوها} الآية". آخر سورة الحديد. ms2753 # PageV03P557 # من سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} إلى قوله: {وإن ~~الله لعفو غفور} روى سفيان عن خالد عن أبي قلابة قال: "كان طلاقهم في ~~الجاهلية الإيلاء والظهار، فلما جاء الإسلام جعل الله في الظهار ما جعل ~~فيه، وجعل في الإيلاء ما جعل فيه. " وقال عكرمة: "كانت النساء تحرم بالظهار ~~حتى أنزل الله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية". وأما ~~المجادلة التي كانت في المرأة، فإن عبد الله بن محمد حدثنا قال: حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق ~~في قوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} : "في امرأة يقال لها ~~خويلة" وقال عكرمة: بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، قالت إن زوجها جعلها ~~عليه كظهر أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أراك إلا قد حرمت عليه" ~~وهو يومئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبي الله قال: "ما ~~أراك إلا قد حرمت عليه" فأعادت ذلك مرارا، فأنزل الله: {قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها} إلى قوله: {ثم يعودون لما قالوا} قال قتادة: "حرمها ~~ثم يريد أن يعود لها فيطأها فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا". # قال أبو بكر: قوله عليه السلام: "ما أراك إلا قد حرمت عليه" يحتمل أن ~~يريد به تحريم الطلاق على ما كان عليه حكم الظهار، ومحتمل أن يريد به تحريم ~~الظهار; والأولى أن يكون المراد تحريم الطلاق لأن حكم الظهار مأخوذ من ~~الآية والآية نزلت بعد هذا القول، فثبت أن مراده تحريم الطلاق ورفع النكاح; ~~وهذا يوجب أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا في الشريعة قبل نزول آية الظهار، ~~وإن كان قبل ذلك من حكم أهل الجاهلية. فإن قيل: إن كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد حكم فيها بالطلاق بقوله: "ما أراك إلا قد حرمت" فكيف حكم فيها ~~بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك ms2754 القول بعينه في شخص بعينه؟ وإنما ~~النسخ يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي قيل له: لم # PageV03P558 # يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق، وإنما علق القول فيه فقال: "ما ~~أراك إلا قد حرمت" فلم يقطع بالتحريم، وجائز أن يكون الله - تعالى - قد ~~أعلمه قبل ذلك أنه سينسخ هذا الحكم وينقله من الطلاق إلى تحريم الظهار ~~الآن، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله الآية فلم يثبت الحكم ~~فيه، فلما نزلت الآية حكم فيها بموجبها. # وقوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ، يعني والله أعلم في ~~تشبيهها بظهر الأم، لأن الاستمتاع بالأم محرم تحريما مؤبدا، وهي لا تحرم ~~عليه بهذا القول تحريما مؤبدا، فكان ذلك منكرا من القول وزورا. # وقوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} وذلك خطاب للمؤمنين يدل على ~~أن الظهار مخصوص به المؤمنون دون أهل الذمة فإن قيل فقد قال الله: {والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} ولم يخصص المذكورين في الثانية قيل ~~له: المذكورون في الآية الثانية هم المذكورون في الآية الأولى، فوجب أن ~~يكون خاصا في المسلمين دون غيرهم. # وأما قوله: {ثم يعودون لما قالوا} فقد اختلف الناس فيه، فروى معمر عن ~~طاوس عن أبيه: {ثم يعودون لما قالوا} قال: "الوطء، فإذا حنث فعليه الكفارة" ~~وهذا تأويل مخالف للآية; لأنه قال: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} وقد روى ~~سفيان عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: "إذا تكلم بالظهار لزمه" وروي عن ابن ~~عباس: "أنه إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر" وروي عن ابن شهاب ~~وقتادة: "إذا أراد جماعها لم يقربها حتى يكفر". # وقد اختلف فقهاء الأمصار في معنى العود، فقال أصحابنا والليث بن سعد: ~~"الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة" ومعنى العود عندهم استباحة ~~وطئها فلا يفعله إلا بكفارة يقدمها. وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف: "لو ~~وطئها ثم ماتت لم يكن عليه كفارة" وقال الثوري: "إذا ظاهر منها لم ms2755 تحل له ~~إلا بعد الكفارة، وإن طلقها ثم تزوجها لم يطأها حتى يكفر"، وهذا موافق لقول ~~أصحابنا، وقال ابن وهب عن مالك: "إذا أجمع بعد الظهار على إمساكها، ~~وإصابتها فقد وجبت عليه الكفارة، فإن طلقها بعد الظهار ولم يجمع على ~~إمساكها، وإصابتها فلا كفارة عليه، وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر ~~كفارة الظهار". وذكر ابن القاسم عنه أنه إذا ظاهر منها ثم وطئها ثم ماتت ~~فلا بد من الكفارة; لأنه وطئ بعد الظهار وقال أشهب عن مالك: "إذا أجمع بعد ~~الظهار على إمساكها، وإصابتها وطلب الكفارة فماتت امرأته فعليه الكفارة" ~~وقال الحسن: "إذا أجمع رأي المظاهر على أن يجامع امرأته فقد لزمته الكفارة، ~~وإن أراد تركها بعد ذلك; لأن العود # PageV03P559 # هو الإجماع على مجامعتها". وقال عثمان البتي فيمن ظاهر من امرأته ثم ~~طلقها قبل أن يطأها قال: "أرى عليه الكفارة راجعها أو لم يراجعها، وإن ماتت ~~لم يصل إلى ميراثها حتى يكفر". وقال الشافعي: "إن أمكنه أن يطلقها بعد ~~الظهار فلم يطلق فقد وجبت الكفارة ماتت أو عاشت". وحكي عن بعض من لا يعد ~~خلافا أن العود أن يعيد القول مرتين. # قال أبو بكر: روت عائشة وأبو العالية أن آية الظهار نزلت في شأن خولة حين ~~ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة ~~فقال: لا أجد، فقال: "صم شهرين متتابعين" قال: لو لم آكل في اليوم ثلاث ~~مرات كاد أن يغشى على بصري، فأمره بالإطعام وهذا يدل على بطلان قول من ~~اعتبر العزم على إمساكها ووطئها; لأنه لم يسأله عن ذلك، وبطلان قول من ~~اعتبر إرادة الجماع; لأنه لم يسأله، وبطلان قول من اعتبر الطلاق; لأنه لم ~~يقل هل طلقتها، وبطلان قول من اعتبر إعادة القول; لأنه لم يسأله هل أعدت ~~القول مرتين; فثبت قول أصحابنا وهو أن لفظ الظهار يوجب تحريما ترفعه ~~الكفارة. # ومعنى قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} يحتمل وجهين. أحدهما: ذكر الحال ~~الذي خرج عليه الخطاب، وهو ms2756 أنه قد كان من عادتهم في الجاهلية الظهار فقال: ~~{الذين يظاهرون من نسائهم} قبل هذه الحال {ثم يعودون لما قالوا} والمعنى: ~~ويعودون بعد الإسلام إلى ذلك، كما قال تعالى: {فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد} ~~[يونس: 46] ومعناه: والله شهيد، فيكون نفس القول عودا إلى العادة التي كانت ~~لهم في ذلك، كما قال: {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] . والمعنى: حتى ~~صار كذلك، وكما قال أمية بن أبي الصلت: # هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # معناه: صارا كذلك; لأنهما في الثدي لم يكونا كذلك وكما قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # ويحور يرجع، وإنما معناه ههنا يصير رمادا. كذلك: {ثم يعودون لما قالوا} ~~أنهم يصيرون إلى حال الظهار الذي كان يكون مثله منهم في الجاهلية. والوجه ~~الآخر: أنه معلوم أن حكم الله في الظهار إيجاب تحريم الوطء موقتا بالكفارة، ~~فإذا كان الظهار مخصوصا بتحريم الوطء دون غيره ولا تأثير له في رفع النكاح ~~وجب أن يكون العود هو العود إلى استباحة ما حرمه بالظهار، فيكون معناه: ~~يعودون للمقول فيه، كقوله عليه # PageV03P560 # السلام: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"، وإنما هو عائد في ~~الموهوب، وكقولنا: اللهم أنت رجاؤنا، أي من رجونا; وقال تعالى: {واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين} [الحجر:99] يعني: الموقن به وقال الشاعر: # أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المنبئون أساءوا # وإني لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # يعني مرجوا وكذلك قوله: {ثم يعودون لما قالوا} معناه: لما حرموا، ~~فيستبيحونه فعليهم الكفارة قبل الاستباحة ويبطل قول من اعتبر البقاء على ~~النكاح من وجهين: أحدهما: أن الظهار لا يوجب تحريم العقد والإمساك فيكون ~~العود إمساكها على النكاح; لأن العود لا محالة قد اقتضى عودا إلى حكم معنى ~~قد تقدم إيجابه، فلا يجوز أن يكون للإمساك على النكاح فيه تأثير. والثاني: ~~أنه قال: {ثم يعودون} و "ثم" يقتضي التراخي، ومن جعل العود البقاء على ~~النكاح فقد ms2757 جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك خلاف مقتضى الآية. وأما ~~من جعل العود العزيمة على الوطء فلا معنى لقوله أيضا; لأن موجب القول هو ~~تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، والعزيمة على المحظور، وإن كانت محظورة ~~فإنما تعلق حكمها بالوطء، فالعزيمة على الانفراد لا حكم لها، وأيضا لا حظ ~~للعزيمة في سائر الأصول ولا تتعلق بها الأحكام، ألا ترى أن سائر العقود، ~~والتحريم لا يتعلق بالعزيمة فلا اعتبار بها؟ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا ~~به". # فإن قيل: هلا كان العود إعادة القول مرتين; لأن اللفظ يصلح أن يكون عبارة ~~عنه كما قال الله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] ~~ومعناه لفعلوا مثل ما نهوا عنه. قيل له: هذا خطأ من وجهين. أحدهما: أن ~~إجماع السلف والخلف جميعا قد انعقد بأن هذا ليس بمراد، فقائله خارج عن نطاق ~~الإجماع. والثاني: أنه يجعل قوله: {ثم يعودون لما قالوا} تكرارا للقول ~~واللفظ مرتين، والله تعالى لم يقل ثم يكررون القول مرتين، ففيه إثبات معنى ~~لا يقتضيه اللفظ ولا يجوز أن يكون عبارة عنه. وإن حملته على أنه عائد لمثل ~~القول ففيه إضمار لمثل ذلك القول وذلك لا يجوز إلا بدلالة، فالقائل بذلك ~~خارج عن الإجماع ومخالف لحكم الآية ومقتضاها. # فإن قيل: وأنت إذا حملته على تحريم الوطء وأن تقديم الكفارة لاستباحة ~~الوطء فقد زلت عن الظاهر قيل له: إذا كان الظهار قد أوجب تحريم الوطء فالذي ~~يستبيحه منه هو الذي حرمه بالقول، فجاز أن يكون ذلك عودا لما قال; إذ هو ~~مستبيح لذلك الوطء الذي حرمه بعينه وكان عودا لما قال من إيجاب التحريم. ~~ومن جهة أخرى أن الوطء إذا # PageV03P561 # كان مستحقا بعقد النكاح، وحكم الوطء الثاني كالأول في أنه مستحق بسبب ~~واحد ثم حرمه بالظهار، جاز أن يكون الإقدام على استباحته عودا لما حرم فكان ~~هذا المعنى مطابقا للفظ. # فإن قيل: إن كانت الاستباحة هي ms2758 الموجبة للكفارة فليس يخلو ذلك من أن يكون ~~العزيمة على الاستباحة وعلى الإقدام على الوطء أو إيقاع الوطء، فإن كان ~~المراد الأول فهذا يلزمك إيجاب الكفارة بنفس العزيمة قبل الوطء كما قال ~~مالك والحسن بن صالح. وإن كان المراد إيقاع الوطء فواجب أن لا تلزمه ~~الكفارة إلا بعد الوطء، وهذا خلاف الآية، وليس هو قولك أيضا. قيل له: ~~المعنى في ذلك هو ما قد بينا من الإقدام على استباحة الوطء، فقيل له: إذا ~~أردت الوطء وعدت لاستباحة ما حرمته فلا تطأ حتى تكفر، لا أن الكفارة واجبة ~~ولكنها شرط في رفع التحريم، كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم} [لنحل:98] يعني فقدم الاستعاذة قبل القراءة، وقوله: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] والمعنى: إذا أردتم القيام ~~وأنتم محدثون فقدموا الغسل. وقوله: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] . وكقوله: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] ، والمعنى: إذا أردتم ذلك. # قال أبو بكر: قد ثبت بما قدمنا أن الظهار لا يوجب كفارة، وإنما يوجب ~~تحريم الوطء، ولا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه، ~~وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه; إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط موقتا ~~بأداء الكفارة، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه فإن وطئ سقط الظهار ~~والكفارة وذلك لأنه علق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل ~~الوطء لقوله: {من قبل أن يتماسا} ، فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب ~~الكفارة بالآية; لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط فإنه متى فات الوقت ~~وعدم الشرط لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في ~~الوقت الثاني. فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير، إلا أنه قد ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفر" ~~فصار التحريم ms2759 الذي بعد الوطء واجبا بالسنة. # وقد اختلف السلف فيمن وطئ ما الذي يجب عليه من الكفارة بعده، فقال الحسن ~~وجابر بن زيد وإبراهيم وابن المسيب: "ليس عليه إلا كفارة واحدة"، وكذلك قول ~~مجاهد وطاوس وابن سيرين في آخرين وقد روي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب # PageV03P562 # والزهري وقتادة "عليه كفارتان". قال: وروي عن ابن عباس أن رجلا قال: يا ~~رسول الله ظاهرت من امرأتي فجامعتها قبل أن أكفر؟ فقال: "استغفر الله ولا ~~تعد حتى تكفر" فلم يوجب عليه كفارتين بعد الوطء. # واختلف الفقهاء في توقيت الظهار، فقال أصحابنا والثوري والشافعي: "إذا ~~قال أنت علي كظهر أمي اليوم بطل الظهار بمضي اليوم"، وقال ابن أبي ليلى ~~ومالك والحسن بن صالح: "هو مظاهر أبدا" قال أبو بكر: تحريم الظهار لا يقع ~~إلا موقتا بأداء الكفارة، فإذا وقته المظاهر وجب توقيته; لأنه لو كان مما ~~لا يتوقت لما انحل ذلك التحريم بالتكفير كالطلاق، فأشبه الظهار اليمين التي ~~يحلها الحنث، فوجب توقيته كما يتوقت اليمين وليس كالطلاق; لأنه لا يحله ~~شيء. # فإن قيل: تحريم الطلاق الثلاث يقع موقتا بالزوج الثاني ولا يتوقت بتوقيت ~~الزوج إذا قال أنت طالق اليوم قيل له: إن الطلاق لا يتوقت بالزوج الثاني، ~~وإنما يستفيد الزوج الأول بالزوج الثاني إذا تزوجها بعد ثلاث تطليقات ~~مستقبلات والثلاث الأول واقعة على ما كانت. وإنما استفاد طلاقا غيرها، فليس ~~في الطلاق توقيت بحال، والظهار موقت لا محالة بالتكفير فجاز توقيته بالشرط. # واختلفوا في الظهار هل يدخل عليه إيلاء؟ فقال أصحابنا والحسن بن صالح ~~والثوري في إحدى الروايتين والأوزاعي "لا يدخل الإيلاء على المظاهر، وإن ~~طال تركه إياها" وروى ابن وهب عن مالك "لا يدخل على حر إيلاء في ظهار إلا ~~أن يكون مضارا لا يريد أن يفيء من ظهاره. وأما العبد فلا يدخل على ظهاره ~~إيلاء". وقال ابن القاسم عنه" يدخل الإيلاء على الظهار إذا كان مضارا لا ~~يريد أن يفيء من ظهاره. "وأما العبد فلا يدخل على ظهاره إيلاء. وقال ابن ms2760 ~~القاسم عنه" يدخل الإيلاء على الظهار إذا كان مضارا ومما يعلم به ضراره أن ~~يقدر على الكفارة فلا يكفر فإنه إذا علم ذلك وقف مثل المولي فإما كفر، وإما ~~طلقت عليه امرأته". وروي عن الثوري أن الإيلاء يدخل على الظهار قال أبو بكر ~~ليس الظهار كناية عن الطلاق ولا صريحا فلا يجوز إثبات الطلاق به إلا بتوقيف ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد" ومن ~~أدخل الإيلاء على المظاهر فقد أدخل عليه ما ليس منه وأيضا نص الله على حكم ~~المولي بالفيء أو عزيمة الطلاق. ونص على حكم المظاهر بإيجاب كفارة قبل ~~المسيس فحكم كل واحد منهما منصوص عليه فغير جائز حمل أحدهما على الآخر; إذ ~~من حكم المنصوصات أن لا يقاس بعضها على بعض وأن كل واحد منها مجرى على ~~بابه، ومحمول على معناه دون غيره، وأيضا فإن معنى الإيلاء وقوع الحنث ووجوب ~~الكفارة بالوطء في المدة ولا تتعلق كفارة الظهار بالوطء فليس هو إذا في ~~معنى الإيلاء ولا في حكمه، وأيضا فإن المولى سواء قصد الضرار أو لم يقصد # PageV03P563 # لا يختلف حكمه وقد اتفقنا أنه متى لم يقصد الضرار بالظهار لم يلزمه حكم ~~الإيلاء بمضي المدة فوجب أن لا يلزمه، وإن قصد الضرار فإن قيل لم يعتبر ذلك ~~في الإيلاء; لأن نفس الإيلاء ينبئ عن قصد الضرار. # فإذ هو حلف على الامتناع من الوطء في المدة. قيل له: الظهار قصد إلى ~~الضرار من حيث حرم وطأها إلا بكفارة يقدمها عليه فلا فرق بينهما فيما ~~يقتضيانه من المضارة. # واختلف السلف ومن بعدهم وفقهاء الأمصار في الظهار من الأمة فروى عبد ~~الكريم عن مجاهد عن ابن عباس قال "من شاء باهلته أنه ليس من أمة ظهار" وهذا ~~قول إبراهيم والشعبي وابن المسيب وهو قول أصحابنا والشافعي. وروي عن ابن ~~جبير والنخعي وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار قالوا: "هو ظهار". وهو قول مالك ~~والثوري والأوزاعي والليث والحسن بن صالح، وقالوا: "يكون مظاهرا من ms2761 أمته ~~كما هو من زوجته". وقال الحسن: "إن كان يطأها فهو مظاهر، وإن كان لا يطأها ~~فليس بظهار". # قال أبو بكر: قال الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} وهذا اللفظ ~~ينصرف من الظهار إلى الحرائر دون الإماء، والدليل عليه قوله تعالى: {أو ~~نسائهن أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] فكان المفهوم من قوله: {أو نسائهن} ~~[النور: 31] الحرائر، لولا ذلك لما صح عطف قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} ~~عليه; لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وقال تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء: ~~23] ، فكان على الزوجات دون ملك اليمين فلما كان حكم الظهار مأخوذا من ~~الآية، وكان مقتضاها مقصورا على الزوجات دون ملك اليمين، لم يجز إيجابه في ~~ملك اليمين، إذ لا مدخل للقياس في إثبات ظهار في غير ما ورد فيه ووجه آخر، ~~وهو ما بينا فيما سلف أنهم قد كانوا يطلقون بلفظ الظهار، فأبدل الله تعالى ~~به تحريما ترفعه الكفارة، فلما لم يصح طلاق الأمة لم يصح الظهار منها. ووجه ~~آخر، وهو: أن الظهار يوجب تحريما من جهة القول يوجب الكفارة، والأمة لا يصح ~~تحريمها من جهة القول، فأشبه سائر المملوكات من الطعام والشراب متى حرمها ~~بالقول لم تحرم، ألا ترى أنه لو حرم على نفسه طعاما أو شرابا لم يحرم ذلك ~~عليه، وإنما يلزمه إذا أكل أو شرب كفارة يمين؟ فكذلك ملك اليمين وجب أن لا ~~يصح الظهار منها; إذ لا يصح تحريمها من جهة القول. # PageV03P564 # في الظهار بغير الأم # واختلفوا فيمن قال لامرأته أنت علي كظهر أختي أو ذات محرم منه، فقال ~~أصحابنا" "هو مظاهر، وإن قال كظهر فلانة وليست بمحرم منه لم يكن مظاهرا"، ~~وهو # PageV03P564 # قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعي وقال مالك وعثمان البتي: "يصح ~~الظهار بالمحرم والأجنبية" وللشافعي قولان. أحدهما: أن الظهار لا يصح إلا ~~بالأم. والآخر: أنه يصح بذوات المحارم. # قال أبو بكر: لما صح الظهار بالأم وكانت ذوات المحارم كالأم في التحريم ~~وجب أن يصح الظهار بهن إذ لا فرق بينهن في جهة التحريم. ألا ترى ms2762 أن الظهار ~~بالأم من الرضاعة صحيح مع عدم النسب لوجود التحريم فكذلك سائر ذوات ~~المحارم. وروي نحو قول أصحابنا عن جابر بن زيد والحسن وإبراهيم وعطاء وقال ~~الشعبي "إن الله - تعالى - لم ينس أن يذكر البنات والأخوات والعمات إنما ~~الظهار من الأم" وأيضا لما قال تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} اقتضى ~~ظاهره الظهار بكل ذات محرم; إذ لم يخصص الأم دون غيرها ومن قصره على الأم ~~فقد خص بلا دليل. # فإن قيل لما قال تعالى: {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} دل ~~على أنه أراد الظهار بالأم قيل له إنما ذكر الأمهات; لأنهن مما اشتمل عليهن ~~حد الآية وذلك لا ينفي أن يكون قوله: {والذين يظاهرون من نسائهم} عموما في ~~سائر من أوقع التشبيه بظهرها من سائر ذوات المحارم وأيضا فإن ذلك يدل على ~~صحة الظهار من سائر ذوات المحارم; لأنه قد نبه على المعنى الذي من أجله ~~ألزمه حكم الظهار، وهو قوله: {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} فأخبر أنه ألزمهم هذا الحكم; لأنهن ~~لسن بأمهاتهم، وأن قولهم هذا منكر من القول وزور فاقتضى ذلك إيجاب هذا ~~الحكم في الظهار بسائر ذوات المحارم; لأنه إذ ظاهر بأجنبية فليست هي أخته ~~ولا ذات محرم منه، وهذا القول منكر من القول وزور; لأنه يملك بضع امرأته ~~وهي مباحة له وذوات المحارم محرمات عليه تحريما مؤبدا. # فإن قيل يلزمك على هذا إيجاب الظهار بالأجنبية; لعموم الآية ولدلالة ~~فحواها على جواز الظهار بسائر ذوات المحارم، إذ لم تفرق الآية بين شيء ~~منهن; ولأن تشبيهها بالأجنبية منكر من القول وزور قيل له لا يجب ذلك; لأن ~~الأجنبية لما كانت قد تحل له بحال لم يكن قوله أنت علي كظهر الأجنبية مفيدا ~~للتحريم في سائر الأوقات; لجواز أن يملك بضع الأجنبية فتكون مثلها وفي ~~حكمها. وأيضا لا خلاف أن التحريم بالأمتعة وسائر الأموال لا يصح بأن يقول ~~أنت علي كمتاع فلان أو كمال فلان; لأن ms2763 ذلك قد يملكه بحال فيستبيحه. # واختلفوا في الظهار بغير الظهر فقال أصحابنا" إذا قال أنت علي كيد أمي أو ~~كرأسها أو ذكر شيئا يحل له النظر إليه منها لم يكن مظاهرا، وإن قال كبطنها ~~أو كفخذها # PageV03P565 # ونحو ذلك كان مظاهرا; لأنه لا يحل له النظر إليه كالظهر". وقال ابن ~~القاسم "قياس قول مالك أن يكون مظاهرا بكل شيء من الأم" وقال الثوري ~~والشافعي" إذا قال أنت علي كرأس أمي أو كيدها فهو مظاهر; لأن التلذذ بذلك ~~منها محرم. # قال أبو بكر نص الله - تعالى - على حكم الظهار، وهو أن يقول: "أنت علي ~~كظهر أمي" والظهر مما لا يستبيح النظر إليه، فوجب أن يكون سائر ما لا ~~يستبيح النظر إليه في حكمه، وما يجوز له أن يستبيح النظر إليه فليس فيه ~~دلالة على تحريم الزوجة بتشبيهها به; إذ ليس تحريمها من الأم مطلقا، فوجب ~~أن لا يصح الظهار به; إذ كان الظهار يوجب تحريما، وأيضا لما جاز له استباحة ~~النظر إلى هذه الأعضاء أشبه سائر الأشياء التي يجوز أن يستبيح النظر إليها ~~مثل الأموال والأملاك. # واختلفوا فيما يحرمه الظهار، فقال الحسن: "للمظاهر أن يجامع فيما دون ~~الفرج" وقال عطاء: "يجوز أن يقبل أو يباشر; لأنه قال: {من قبل أن يتماسا} " ~~وقال الزهري وقتادة: {من قبل أن يتماسا} الوقوع نفسه" وقال أصحابنا: "لا ~~يقرب المظاهر ولا يلمس ولا يقبل ولا ينظر إلى فرجها لشهوة حتى يكفر". وقال ~~مالك مثل ذلك، وقال: "لا ينظر إلى شعرها ولا صدرها حتى يكفر; لأن ذلك لا ~~يدعوه إلى خير". وقال الثوري: "يأتيها فيما دون الفرج، وإنما نهي عن ~~الجماع". وقال الأوزاعي: "يحل له فوق الإزار كالحائض" وقال الشافعي: "يمنع ~~القبلة والتلذذ احتياطا". # قال أبو بكر: لما قال تعالى: {من قبل أن يتماسا} كان ذلك عموما في حظر ~~جميع ضروب المسيس من لمس بيد أو غيرها، وأيضا لما قال: {والذين يظاهرون من ~~نسائهم} فألزمه حكم التحريم لتشبيهه بظهرها، وجب أن يكون ذلك التحريم عاما ~~في المباشرة والجماع ms2764 كما أن مباشرة ظهر الأم ومسه محرم عليه. وأيضا حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا ~~إسماعيل قال: حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة: أن رجلا ظاهر من امرأته ثم ~~واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: "فاعتزلها ~~حتى تكفر" ; ورواه معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال: "لا تقربها حتى تكفر"، وذلك يمنع المسيس ~~والقبلة. # PageV03P566 # في ظهار المرأة من زوجها # قال أصحابنا: "لا يصح ظهار المرأة من زوجها"، وهو قول مالك والثوري ~~والليث والشافعي وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن علي بن صالح عن الحسن بن ~~زياد أنها # PageV03P566 # إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أمي أو كظهر أخي كانت مظاهرة من زوجها، قال ~~علي: فسألت محمد بن الحسن فقال: ليس عليها شيء، فأتيت أبا يوسف فذكرت له ~~قوليهما فقال: هذان شيخا الفقه أخطئا، هو تحريم، عليها كفارة يمين كقولها ~~أنت علي حرام. وقال الأوزاعي "هي يمين تكفرها" وقال الحسن بن صالح: "تعتق ~~رقبة وتكفر بكفارة الظهار، فإن لم تفعل وكفرت يمينا رجونا أن يجزيها". وروى ~~مغيرة عن إبراهيم قال: خطب مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فقالت: هو عليها ~~كظهر أبيها إن تزوجته، فلما ولي الإمارة أرسل إليها، فأرسلت تسأل والفقهاء ~~يومئذ بالمدينة كثير، فأفتوها أن تعتق رقبة وتزوجها; وقال إبراهيم: لو كانت ~~عنده يعني عند زوجها يوم قالت ذلك ما كان عليها عتق رقبة، ولكنها كانت تملك ~~نفسها حين قالت ما قالت وروي عن الأوزاعي أنها إذا قالت: "إن تزوجته فهو ~~علي كظهر أبي" كانت مظاهرة، ولو قالت وهي تحت زوج كان عليها كفارة يمين. ~~قال أبو بكر: لا يجوز أن تكون عليها كفارة يمين; لأن الرجل لا تلزمه بذلك ~~كفارة يمين، وهو الأصل، فكيف يلزمها ذلك كما أن قول الرجل: "أنت طالق" لا ~~يكون غير طالق، كذلك ظهارها لا يلزمها به شيء. ms2765 ولا يصح منها ظهار بهذا ~~القول; لأن الظهار يوجب تحريما بالقول وهي لا تملك ذلك كما لا تملك الطلاق; ~~إذ كان موضوعا لتحريم يقع بالقول. # واختلفوا فيمن قال أنت علي كظهر أبي، فقال أصحابنا والأوزاعي والشافعي: ~~"ليس بشيء"، وقال مالك: "هو مظاهر" قال أبو بكر: إنما حكم الله - تعالى - ~~بالظهار فيمن شبهها بظهر الأم ومن جرى مجراها من ذوات المحارم التي لا يجوز ~~له أن يستبيح النظر إلى ظهرها بحال، وهو يجوز له النظر إلى ظهر أبيه والأب ~~والأجنبي في ذلك سواء، ولو قال: "أنت علي كظهر الأجنبي" لم يكن شيئا، فكذلك ~~ظهر الأب. # واختلفوا فيمن ظاهر مرارا، فقال أصحابنا والشافعي: "عليه لكل ظهار كفارة ~~إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار فتكون عليه كفارة واحدة" وقال ~~مالك: "من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة، وإن ~~ظاهر ثم كفر ثم ظاهر فعليه الكفارة أيضا". وقال الأوزاعي: "عليه كفارة ~~واحدة، وإن كان في مقاعد شتى". # قال أبو بكر: الأصل أن الظهار لما كان سببا لتحريم ترفعه الكفارة أن تجب ~~بكل ظهار كفارة، إلا أنهم قالوا إذا أراد التكرار في مجلس واحد فعليه كفارة ~~واحدة; لاحتمال اللفظ لما أراد من التكرار فإن قيل: قوله: {والذين يظاهرون ~~من نسائهم} يقتضي إيجاب كفارة واحدة، وإن ظاهر مرارا; لأن اللفظ لا يختص ~~بالمرة الواحدة دون المرار # PageV03P567 # الكثيرة قيل له: لما كانت الكفارة في رفع التحريم متعلقة بحرمة اللفظ ~~أشبه اليمين، فمتى حلف مرارا لزمته لكل يمين كفارة إذا حنث، ولم يكن قوله: ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] موجبا للاقتصار بالأيمان ~~الكثيرة على كفارة واحدة. # واختلفوا في المظاهر هل يجبر على التكفير؟ فقال أصحابنا: "لا ينبغي ~~للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر" وذكر الطحاوي عن عباد بن العوام عن سفيان ~~بن حسين قال: سألت الحسن وابن سيرين عن رجل ظاهر من امرأته فلم يكفر ~~تهاونا، قال: تستعدي عليه; قال: وسألت أبا حنيفة، فقال: تستعدي عليه وقال ~~مالك: "عليها أن تمنعه ms2766 نفسها ويحول الإمام بينه وبينها" وقول الشافعي يدل ~~على أنه يحكم عليه بالتكفير. قال أبو بكر: قال أصحابنا: "يجبر على جماع ~~المرأة فإن أبى ضربته رواه هشام; وهذا يدل على أنه يجبر على التكفير ~~ليوفيها حقها من الجماع. # واختلفوا في الرقبة الكافرة عن الظهار، فقال عطاء ومجاهد وإبراهيم، وإحدى ~~الروايتين عن الحسن: "يجزي الكافر"، وهو قول أصحابنا والثوري والحسن بن ~~صالح، وروي عن الحسن: "أنه لا يجزي في شيء من الكفارات إلا الرقبة ~~المؤمنة"، وهو قول مالك والشافعي. # قال أبو بكر: ظاهر قوله: {فتحرير رقبة} يقتضي جواز الكافرة، وكذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم للمظاهر: "أعتق رقبة" ولم يشترط الإيمان، ولا يجوز ~~قياسها على كفارة القتل لامتناع جواز قياس المنصوص بعضه على بعض; ولأن فيه ~~إيجاب زيادة في النص وذلك عندنا يوجب النسخ. # واختلفوا في جواز الصوم مع وجود رقبة للخدمة، فقال أصحابنا: "إذا كانت ~~عنده رقبة للخدمة ولا شيء له غيرها أو كان عنده دراهم ثمن رقبة ليس له ~~غيرها لم يجزه الصوم"، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وقال الليث ~~والشافعي: "من له خادم لا يملك غيره فله أن يصوم"، قال الله: {فتحرير رقبة} ~~{فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} . فأوجب الرقبة بديا على واجدها ونقله ~~إلى الصوم عند عدمها، فلما كان هذا واجدا لها لم يجزه غيره. # فإن قيل: هو بمنزلة من معه ماء يخاف على نفسه العطش فيجوز له التيمم قيل ~~له: لأنه مأمور في هذه الحال باستبقاء الماء وهو محظور عليه استعماله، وليس ~~بمحظور عليه عند الجميع عتق هذه الرقبة، فعلمنا أنه واجد. # واختلفوا في عتق أم الولد والمدبر والمكاتب ونحوهم في الكفارة، فقال ~~أصحابنا: # PageV03P568 # "لا يجوز عتق أم الولد والمدبر والمكاتب إذا كان قد أدى شيئا عن الكتابة، ~~ولا المدبر، فإن لم يكن أدى شيئا أجزأه، وإن اشترى أباه ينوي به عن كفارته ~~جاز، وكذلك كل ذي رحم محرم، ولو قال: كل عبد أشتريه فهو حر، ثم اشترى عبدا ~~ينويه عن كفارته ولم يجزه" وقال ms2767 زفر: "لا يجزي المكاتب، وإن لم يكن أدى ~~شيئا". وقال مالك: "لا يجزي المكاتب ولا المدبر ولا أم الولد ولا معتق إلى ~~سنين عن الكفارة ولا الولد والوالد". وقال الأوزاعي: "لا يجزي المكاتب ولا ~~المدبر ولا أم الولد" وقال عثمان البتي: "يجزي المدبر وأم الولد في كفارة ~~الظهار واليمين". وقال الليث: "يجزي أن يشتري أباه فيعتقه بالكفارة التي ~~عليه" وقال الشافعي: "لا يجزي من إذا اشتراه عتق عليه،" يجزي المدبر ولا ~~يجزي المكاتب، وإن لم يؤد شيئا، ويجزي المعتق إلى سنين ولا تجزي أم الولد". # قال أبو بكر: أما أم الولد والمدبر فإنهما لا يجزيان من قبل أنهما قد ~~استحقا العتق من غير جهة الكفارة. ألا ترى أن ما ثبت لهما من حق العتاق ~~يمنع بيعهما ولا يصح فسخ ذلك عنهما؟ فمتى أعتقهما فإنما عجل عتقا مستحقا، ~~وليس كذلك من قال له المولى: "أنت حر بعد شهر أو سنة"; لأنه لم يثبت له حق ~~بهذا القول يمنع بيعه. ألا ترى أنه يجوز له أن يبيعه؟ وأما المكاتب فإنه، ~~وإن لم يجز بيعه فإن الكتابة يلحقها الفسخ، وإنما لا يجوز بيعه كما لا يجوز ~~بيع الآبق والعبد المرهون والمستأجر فلا يمنع ذلك جواز عتقه عن الكفارة، ~~فإذا أعتق المكاتب قبل أن يؤدي شيئا فقد أسقط المال فصار كمن أعتق عبدا غير ~~مكاتب، وإن كان قد أدى شيئا لم يجز من قبل أن الأداء لا ينفسخ بعتقه فقد ~~حصل له عن عتقه بدل فلا يجزي عن الكفارة، وأما إذا اشترى أباه فإنه يجزي ~~إذا نوى; لأن قبوله للشرى بمنزلة قوله أنت حر; والدليل عليه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه". ~~ومعلوم أن معناه: يعتقه بشرائه إياه، فجعل شراءه بمنزلة قوله: "أنت حر" ~~فأجزأ، بمنزلة من قال لعبده: أنت حر. # واختلفوا في مقدار الطعام، فقال أصحابنا والثوري: "لكل مسكين نصف صاع بر ~~أو صاع تمر أو شعير" وقال مالك مد بمد هشام، وهو ms2768 مدان إلا ثلثا بمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وذلك من الحنطة، وأما الشعير فإن كان طعام أهل بلده فهو ~~مثل الحنطة وكذلك التمر، وإن لم يكونا طعام أهل البلد أطعمهم من كل واحد ~~منهما وسطا من شبع الشعير والتمر". وقال الشافعي: "لكل مسكين مد من طعام ~~بلده الذي يقتات حنطة أوشعير أو أرز أو تمر أو أقط، وذلك بمد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا يعتبر مد أحدث بعده". حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو ~~داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: حدثنا # PageV03P569 # ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار ~~عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ أصيب من النساء، وذكر قصة ظهاره من امرأته ~~وأنه جامع امرأته وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حرر رقبة"، فقلت: ~~والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي، قال: "فصم شهرين ~~متتابعين"، قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال "فأطعم وسقا من تمر ~~بين ستين مسكينا"، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشين وما لنا طعام ~~قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا ~~من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها". # فإن قيل: روى إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار: أن ~~خولة بنت مالك بن ثعلبة ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "مريه فليذهب إلى فلان فإن عنده شطر وسق فليأخذه صدقة عليه ~~ثم يتصدق به على ستين مسكينا". وروى عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن ~~معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة: أن زوجها ~~ظاهر منها فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتصدق بخمسة عشر صاعا ~~على ستين مسكينا. قيل له: قد روينا حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو ms2769 بن ~~عطاء وأنه أمره بأن يطعم وسقا من تمر ستين مسكينا، وهذا أولى; لأنه زائد ~~على خبرك وأيضا فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بهذا القدر، ~~ولا دلالة فيه على أن ذلك جميع الكفارة، وقد بين ذلك في حديث إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن يزيد بن زيدان زوج خولة ظاهر منها وذكر الحديث، فأعانه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا; وهذا يدل على أنه أعانه ببعض ~~الكفارة. وقد روي ذلك أيضا في حديث يوسف بن عبد الله بن سلام رواه يحيى بن ~~زكريا عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام ~~قال: حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعان ~~زوجها حين ظاهر منها بعذق من تمر وأعانته هي بعذق آخر، وذلك ستون صاعا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدق به". # اختلفوا في المظاهر يجامع قبل أن يطعم؟ فقال أصحابنا ومالك والشافعي: لا ~~يجامع حتى يطعم إذا كان فرضه الطعام" وروى زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري: ~~"أنه إذا أراد أن يطأها قبل أن يطعم لم يكن آثما". وروى المعافى والأشجعي ~~عن الثوري: "أنه لا يقربها حتى يطعم"، قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمظاهر بعدما ذكر عجزه عن الصيام: "ثم لا يقربها حتى يكفر" وأيضا لما اتفق ~~الجميع على أن الجماع محظور عليه قبل عتق الرقبة وجب بقاء حظره إذا عجز; إذ ~~جائز أن يجد الرقبة قبل الإطعام فيكون الوطء واقعا قبل العتق. # PageV03P570 # باب كيف يحيي أهل الكتاب # قال الله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} . روى سعيد عن ~~قتادة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه; ~~إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم فردوا عليه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "هل تدرون ما قال"؟ قالوا سلم يا نبي الله قال: "قال سام عليكم أي ~~تسأمون ms2770 دينكم". وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أحد من ~~أهل الكتاب فقولوا عليك أي عليك ما قلت". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا إسحاق بن الحسين قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن سهيل عن ~~أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لقيتم ~~المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه". قال أبو بكر: ~~قد روي في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون بقولهم السام ~~أنكم تسأمون دينكم، وروي أنهم يريدون به الموت; لأن السام اسم من أسماء ~~الموت. # قال أبو بكر: ذكر هشام عن محمد عن أبي حنيفة قال: "نرى أن نرد على المشرك ~~السلام ولا نرى أن نبدأ". وقال محمد: "وهو قول العامة من فقهائنا" وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا ~~شعبة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: صحبنا عبد الله في سفر ومعنا أناس ~~من الدهاقين، قال: فأخذوا طريقا غير طريقنا، فسلم عليهم، فقلت لعبد الله: ~~أليس هذا تكره؟ قال: إنه حق الصحبة قال أبو بكر: ظاهره يدل على أن عبد الله ~~بدأهم بالسلام; لأن الرد لا يكره عند أحد، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم" قال أبو بكر: وإنما كره الابتداء; ~~لأن السلام من تحية أهل الجنة، فكره أن نبدأ به الكافر; إذ ليس من أهلها، ~~ولا يكره الرد على وجه المكافأة. قال الله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] . وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن ~~بن المثنى قال: حدثنا عثمان قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا سليمان ~~الأعمش قال: قلت لإبراهيم: أختلف إلى طبيب نصراني أسلم عليه؟ قال: نعم، إذا ~~كانت لك إليه حاجة فسلم عليه. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا} قال قتادة: "كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله ms2771 عليه وسلم ~~فقيل لهم تفسحوا" وقال ابن عباس: "هو مجلس القتال". قال قتادة: {وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا} قال: "إذا دعيتم إلى خير" وقيل: انشزوا أي ارتفعوا في ~~المجلس; ولهذا ذكر أهل العلم; لأنهم أحق بالرفعة، وهذا يدل # PageV03P571 # على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يرفع مجلس أهل العلم على غيرهم ~~ليبين للناس فضلهم ومنزلتهم عنده، وكذلك يجب أن يفعل بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليليني منكم أولوا الأحلام ~~والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فرتب أولي الأحلام والنهى في أعلى ~~المراتب; إذ جعلهم في المرتبة التي تلي النبوة. # وقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} روى ليث عن ~~مجاهد قال: قال علي: "إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل ~~بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تصدقت بدرهم، ثم نسخت". وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~"إن المسلمين أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل حتى شقوا ~~عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة} كف كثير من المسلمين عن المسألة، فأنزل الله: ~~{أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} الآية. فوسع لهم". # قال أبو بكر: قد دلت الآية على أحكام ثلاثة. أحدها: تقديم الصدقة أمام ~~مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لمن يجد. والثاني: الرخصة في المناجاة ~~لمن لا يجد الصدقة بقوله: {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم} ، فهذا يدل ~~على أن المسألة كانت مباحة لمن لم يجد الصدقة. والثالث: وجوب الصدقة أمام ~~المسألة بقوله: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم} . حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ms2772 عن أيوب عن مجاهد في قوله: {إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} الآية، قال علي: "ما عمل بها أحد غيري ~~حتى نسخت وما كانت إلا ساعة". # قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله} قال أبو بكر: المحادة أن يكون كل واحد منهما في حد وحيز غير حد ~~صاحبه وحيزه، فظاهره يقتضي أن يكون المراد أهل الحرب; لأنهم في حد غير ~~حدنا، فهو يدل على كراهة مناكحة أهل الحرب، وإن كانوا من أهل الكتاب; لأن ~~المناكحة توجب المودة، قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] آخر سورة ~~المجادلة. # PageV03P572 # ومن سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر} قال مجاهد وقتادة: "أول الحشر جلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من ~~خرج إلى خيبر ومنهم من خرج إلى الشام" وقال الزهري: قاتلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وعلى أن لهم ما ~~أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة السلاح. # قال أبو بكر: قد انتظم ذلك معنيين: أحدهما مصالحة أهل الحرب على الجلاء ~~عن ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ولا دخول في الذمة ولا أخذ جزية، وهذا ~~الحكم منسوخ عندنا إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم على الإسلام; أو أداء ~~الجزية وذلك لأن الله قد أمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، قال ~~الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] ; فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم، وإدخالهم في ~~الذمة أو في الإسلام أن يجلوهم، ولكنه لو عجز المسلمون عن مقاومتهم في ~~إدخالهم في الإسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم على الجلاء عن بلادهم ~~والمعنى الثاني: جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من المال; لأن ms2773 النبي صلى ~~الله عليه وسلم صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة وترك لهم ما أقلت الإبل، ~~وذلك مجهول. # وقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} فيه أمر بالاعتبار والقياس في ~~أحكام الحوادث ضرب من الاعتبار، فوجب استعماله بظاهر الآية. # وقوله تعالى: {ما قطعتم من لينة} قال ابن عباس وقتادة: "كل نخلة لينة سوى ~~العجوة" وقال مجاهد وعمرو بن ميمون: "كل نخلة لينة"، وقيل: "اللينة كرام ~~النخل" وروى ابن جريج عن مجاهد: ما قطعتم من لينة النخلة، نهى بعض ~~المهاجرين عن قطع النخل وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق ~~من نهى وبتحليل من قطعها # PageV03P573 # من الإثم. قال أبو بكر: صوب الله الذين قطعوا والذين أبوا وكانوا فعلوا ~~ذلك من طريق الاجتهاد، وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب. وقد روي عن الزهري ~~عن عروة عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: "أغر ~~على أبنى صباحا وحرق". وروى قتادة عن أنس قال: "لما قاتل أبو بكر أهل الردة ~~قتل وسبى وحرق" وروى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: لما تحصن بنو ~~النضير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخله وتحريقه، فقالوا: يا ~~أبا القاسم ما كنت ترضى بالفساد فأنزل الله: {ما قطعتم من لينة} الآية. ~~وروى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: "لما وجه أبو بكر الجيش إلى الشام كان ~~فيما أوصاهم به ولا تقطع شجرة مثمرة". # قال أبو بكر: تأوله محمد بن الحسن على أنهم قد علموا أن الله سيغنمهم ~~إياها وتصير للمسلمين إذا غزوا أرض الحرب، وأرادوا الخروج فإن الأولى أن ~~يحرقوا شجرهم وزروعهم وديارهم. وكذلك قال أصحابنا في مواشيهم: "إذا لم ~~يمكنهم إخراجها ذبحت ثم أحرقت". وأما ما رجوا أن يصير فيئا للمسلمين فإنهم ~~إن تركوه ليصير للمسلمين جاز، وإن أحرقوه غيظا للمشركين جاز، استدلالا ~~بالآية وبما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أموال بني النضير. # وقوله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم ms2774 عليه من خيل} . ~~الآية الفيء الرجوع، ومنه الفيء في الإيلاء في قوله: {فإن فاءوا} ، وأفاءه ~~عليه إذا رده عليه والفيء في مثل هذا الموضع ما صار للمسلمين من أموال أهل ~~الشرك، فالغنيمة فيء والجزية فيء والخراج فيء; لأن جميع ذلك مما ملكه الله ~~المسلمين من أموال أهل الشرك. والغنيمة، وإن كانت فيئا فإنها تختص بمعنى لا ~~يشاركها فيه سائر وجوه الفيء; لأنها ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة ~~بالقتال، فمنها ما يجري فيه سهام الغانمين بعد إخراج الخمس لله - عز وجل -. ~~وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال ~~بني النضير فيئا مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ~~ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وكان ينفق منها على ~~أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. قال أبو ~~بكر: فهذا من الفيء الذي جعل الأمر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يكن لأحد فيه حق إلا من جعله له النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله ويجعل الباقي في الكراع والسلاح; ~~وذلك لما بينه الله في كتابه، وهو أن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل ولا ~~ركاب، ولم يأخذوه عنوة، وإنما أخذوه صلحا، وكذلك كان حكم فدك وقرى عرينة ~~فيما ذكره # PageV03P574 # الزهري وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة الصفي وهو ما كان ~~يصطفيه من جملة الغنيمة قبل أن يقسم المال. وكان له أيضا سهم من الخمس، ~~فكان للنبي صلى الله عليه وسلم من الفيء هذه الحقوق يصرفها في نفقة عياله ~~والباقي في نوائب المسلمين، ولم يكن لأحد فيها حق إلا من يختار هو صلى الله ~~عليه وسلم أن يعطيه وفي هذه الآية دلالة على أن كل مال من أموال أهل الشرك ~~لم يغلب عليه المسلمون عنوة، وإنما أخذ صلحا أنه لا يوضع في بيت مال ms2775 ~~المسلمين ويصرف على الوجوه التي يصرف فيها الخراج والجزية; لأنه بمنزلة ما ~~صار للنبي صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير حين لم يوجف المسلمون ~~عليه. # وقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} الآية. ~~قال أبو بكر: بين الله حكم ما لم يوجف عليه المسلمون من الفيء فجعله للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على ما قدمنا من بيانه، ثم ذكر حكم الفيء الذي أوجف ~~المسلمون عليه فجعله لهؤلاء الأصناف، وهم الأصناف الخمس المذكورون في ~~غيرها، وظاهره يقتضي أن لا يكون للغانمين شيء منه إلا من كان منهم من هذه ~~الأصناف، وقال قتادة: "كانت الغنائم في صدر الإسلام لهؤلاء الأصناف ثم نسخ ~~بقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] " قال أبو ~~بكر: لما فتح عمر رضي الله عنه العراق سأله قوم من الصحابة قسمته بين ~~الغانمين، منهم الزبير وبلال وغيرهما، فقال: إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس ~~لا شيء لهم; واحتج عليهم بهذه الآية إلى قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} ، ~~وشاور عليا وجماعة من الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بترك القسمة، وأن يقر ~~أهلها عليها ويضع عليها الخراج، ففعل ذلك، ووافقته الجماعة عند احتجاجه ~~بالآية، وهذا يدل على أن هذه الآية غير منسوخة وأنها مضمومة إلى آية ~~الغنيمة في الأرضين المفتتحة، فإن رأى قسمتها أصلح للمسلمين وأرد عليهم ~~قسم، وإن رأى إقرار أهلها عليها، وأخذ الخراج منهم فيها فعل; لأنه لو لم ~~تكن هذه الآية ثابتة الحكم في جواز أخذ الخراج منها حتى يستوي الآخر والأول ~~فيها لذكروه له وأخبروه بنسخها، فلما لم يحاجوه بالنسخ دل على ثبوت حكمها ~~عندهم وصحة دلالتها لديهم على ما استدل به عليه، فيكون تقدير الآيتين ~~بمجموعهما: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه في الأموال سوى ~~الأرضين وفي الأرضين إذا اختار الإمام ذلك، وما أفاء الله على رسوله من ~~الأرضين فلله وللرسول إن اختار تركها على ملك أهلها، ويكون ذكر الرسول ههنا ~~لتفويض الأمر ms2776 عليه في صرفه إلى من رأى; فاستدل عمر رضي الله عنه من الآية ~~بقوله: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وقوله: {والذين جاءوا من ~~بعدهم} وقال: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن ~~جاء بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل لهم فيها الحق # PageV03P575 # بقوله: {والذين جاءوا من بعدهم} فلما استقر عنده حكم دلالة الآية وموافقة ~~كل الصحابة على إقرار أهلها عليها ووضع الخراج بعث عثمان بن حنيف وحذيفة بن ~~اليمان فمسحا الأرضين ووضعا الخراج على الأوضاع المعلومة ووضعا الجزية على ~~الرقاب وجعلاهم ثلاث طبقات: اثني عشر وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين، ثم لم ~~يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة بالفسخ فصار ذلك اتفاقا. # واختلف أهل العلم في أحكام الأرضين المفتتحة عنوة، فقال أصحابنا والثوري: ~~"إذا افتتحها الإمام عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها وأهلها وأموالهم بين ~~الغانمين بعد إخراج الخمس، وإن شاء أقر أهلها عليها وجعل عليها وعليهم ~~الخراج ويكون ملكا لهم ويجوز بيعهم وشراؤهم لها" وقال مالك: "ما باع أهل ~~الصلح من أرضهم فهو جائز وما افتتح عنوة فإنه لا يشتري منهم أحد; لأن أهل ~~الصلح من أسلم منهم كان أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة ~~فمن أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه وأرضه للمسلمين; لأن بلادهم قد صارت ~~فيئا للمسلمين" وقال الشافعي: "ما كان عنوة فخمسها لأهله وأربعة أخماسها ~~للغانمين، فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعلها وقفا عليهم، ومن لم يطب ~~نفسا فهو أحق بماله". # قال أبو بكر: لا تخلو الأرض المفتتحة عنوة من أن تكون للغانمين لا يجوز ~~للإمام صرفها عنهم بحال إلا بطيبة من أنفسهم، أو أن يكون الإمام مخيرا بين ~~إقرار أهلها على أملاكهم فيها ووضع الخراج عليها وعلى رقاب أهلها على ما ~~فعله عمر في أرض السواد، فلما اتفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر فيما ~~فعله في أرض السواد بعد خلاف من بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين عن ~~رقابها دل ms2777 ذلك على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين، ولا رقاب أهلها إلا ~~بأن يختار الإمام ذلك لهم; لأن ذلك لو كان ملكا لهم لما عدل عنهم بها إلى ~~غيرهم ولنازعوه في احتجاجه بالآية في قوله: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم} وقوله: {والذين جاءوا من بعدهم} ، فلما سلم له الجميع رأيه عند ~~احتجاجه بالآية دل على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار ~~الإمام ذلك لهم. وأيضا لا يختلفون أن للإمام أن يقتل الأسرى من المشركين ~~ولا يستبقيهم، ولو كان ملك الغانمين قد ثبت فيهم لما كان له إتلافه عليهم ~~كما لا يتلف عليهم سائر أموالهم، فلما كان له أن يقتل الأسرى وله أن ~~يستبقيهم فيقسمهم بينهم ثبت أن الملك لا يحصل للغانمين بإحراز الغنيمة في ~~الرقاب والأرضين إلا أن يجعلها الإمام لهم ويدل على ذلك أيضا ما روى الثوري ~~عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال: قسم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفا لنوائبه وحاجته ونصفا # PageV03P576 # بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما; فلو كان الجميع ملكا ~~للغانمين لما جعل نصفه لنوائبه وحاجته وقد فتحها عنوة; ويدل عليه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة ومن على أهلها فأقرهم على أملاكهم فقد حصل ~~بدلالة الآية، وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين أو تركها ~~ملكا لأهلها، ووضع الخراج عليها. ويدل عليه حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ~~ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم". ~~شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه فأخبر - عليه السلام - عن منع الناس لهذه ~~الحقوق الواجبة لله - تعالى - في الأرضين وأنهم يعودون إلى حال أهل ~~الجاهلية في منعها، وذلك يدل على صحة قول عمر في السواد وأن ما وضعه هو من ~~حقوق الله تعالى التي يجب أداؤها. # فإن قيل: ليس فيما ms2778 ذكرت من فعل عمر في السواد إجماع; لأن حبيب بن أبي ~~ثابت وغيره قد رووا عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: دخلنا على علي بالرحبة ~~فقال: لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم قيل له الصحيح عن ~~علي أنه أشار على عمر بترك قسمة السواد، وإقرار أهله عليه، ومع ذلك فإنه لا ~~يجوز أن يصح عن علي ما ذكرت; لأنه لا يخلو من خاطبهم علي بذلك من أن يكونوا ~~هم الذين فتحوا السواد فاستحقوا ملكه وقسمته بينهم من غير خيار للإمام فيه، ~~أو أن يكون المخاطبون به غير الذين فتحوه، أو خاطب به الجيش وهم أخلاط منهم ~~من شهد فتح السواد ومنهم من لم يشهده; وغير جائز أن يكون الخطاب لمن لم ~~يشهد فتحه; لأن أحدا لا يقول إن الغنيمة تصرف إلى غير الغانمين ويخرج منها ~~الغانمون، وأن يكونوا أخلاطا فيهم من شهد الفتح واستحق الغنيمة وفيهم من لم ~~يشهده، وهذا مثل الأول; لأن من لم يشهد الفتح لا يجوز أن يسهم له وتقسم ~~الغنيمة بينه وبين الذين شهدوه أو أن يكون خاطب به من شهد الفتح دون غيره، ~~فإن كان كذلك وكانوا هم المستحقين له دون غيرهم من غير خيار للإمام فيه ~~فغير جائز أن يجعل حقهم لغيرهم; لأن بعضهم يضرب وجوه بعض.; إذ كان أتقى لله ~~من أن يترك حقا يجب عليه القيام به إلى غيره; لما وصفت وعلى أنه لم يخصص ~~بهذا الخطاب الذين فتحوه دون غيرهم، وفي ذلك دليل على فساد هذه الرواية. # وقد اختلف الناس بعد ثبوت هذا الأصل الذي ذكرنا وصحة الرواية عن عمر في ~~كافة الصحابة على ترك قسمة السواد، وإقرار أهله عليه، فقال قائلون: "أقرهم ~~على أملاكهم وترك أموالهم في أيديهم ولم يسترقهم"، وهو الذي ذكرناه من مذهب ~~أصحابنا. # PageV03P577 # وقال آخرون: "إنما أقرهم على أرضهم على أنهم وأرضهم فيء للمسلمين وأنهم ~~غير ملاك لها" وقال آخرون: "أقرهم على أنهم أحرار والأرضون موقوفة على ~~مصالح المسلمين". # قال أبو بكر: ولم يختلفوا ms2779 أن من أسلم من أهل السواد كان حرا وأنه ليس ~~لأحد أن يسترقه، وقد روي عن علي أن دهقانا أسلم على عهده فقال له: "إن أقمت ~~في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك، وإن تحولت عنها فنحن أحق ~~بها"،. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه في دهقانة نهر الملك حين أسلمت; فلو ~~كانوا عبيدا لما زال عنهم الرق بالإسلام. # فإن قيل فقد قالا: إن تحولت عنها فنحن أحق بها قيل له: إنما أرادا بذلك ~~أنك إن عجزت عن عمارتها عمرناها نحن وزرعناها لئلا تبطل الحقوق التي قد ~~وجبت للمسلمين في رقابها وهو الخراج; وكذلك يفعل الإمام عندنا بأراضي ~~العاجزين عن عمارتها ولما ثبت بما وصفنا أن من أسلم من أهل السواد فهو حر، ~~ثبت أن أراضيهم على أملاكهم كما كانت رقابهم مبقاة على أصل الحرية، ومن حيث ~~جاز للإمام عند مخالفينا أن يقطع حق الغانمين عن رقابها ويجعلها موقوفة على ~~المسلمين بصرف خراجها إليهم جاز إقرارها على أملاك أهلها ويصرف خراجها إلى ~~المسلمين; إذ لا حق للمسلمين في نفي ملك ملاكها عنها بعد أن لا يحصل ~~للمسلمين ملكها، وإنما حقهم في الحالين في خراجها لا في رقابها بأن ~~يتملكوها. # وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال: سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه ~~المسلمون حتى يأخذوه عنوة بالقتال وأن الفيء ما صولحوا عليه"; قال الحسن: ~~"فأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط، فظهر عليهم أهل فارس، ~~فكانوا يؤدون إليهم الخراج، فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد، ~~ومن لم يقاتلهم من الدهاقين على حالهم ووضعوا الجزية على رءوس الرجال ~~ومسحوا ما كان في أيديهم من الأرضين، ووضعوا عليهم الخراج، وقبضوا على كل ~~أرض ليست في يد أحد فكانت صوافي للإمام". قال أبو بكر: كأنه ذهب إلى أن ~~النبط لما كانوا أحرارا في مملكة أهل فارس فكانت أملاكهم ثابتة في أراضيهم، ~~ثم ظهر المسلمون على أهل فارس وهم الذين قاتلوا المسلمين ولم يقاتلهم ms2780 النبط ~~كانت أراضيهم ورقابهم على ما كانت عليه في أيام الفرس; لأنهم لم يقاتلوا ~~المسلمين، فكانت أرضوهم ورقابهم في معنى ما صولح عليه وأنهم إنما كانوا ~~يملكون أراضيهم ورقابهم لو قاتلوهم. وهذا وجه كان يحتمله الحال لولا أن ~~محاجة عمر لأصحابه الذين سألوه قسمة السواد كانت من غير هذا الوجه، وإنما ~~احتج بدلالة الكتاب دون ما ذكره الحسن. # PageV03P578 # فإن قيل: إنما دفع عمر السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه ~~الإجارة، والأجرة تسمى خراجا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الخراج ~~بالضمان" ومراده أجرة العبد المشترى إذا رد بالعيب قال أبو بكر: هذا غلط من ~~وجوه. أحدها: أن عمر لم يستطب نفوس القوم في وضع الخراج وترك القسمة، وإنما ~~شاور الصحابة وحاج من طلب القسمة بما أوضح به قوله، ولو كان قد استطاب ~~نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة. # فإن قيل: قد نقل ذلك، وذكر ما رواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي ~~حازم قال: كنا ربع الناس فأعطانا عمر ربع السواد فأخذناه ثلث سنين. ثم وفد ~~جرير إلى عمر بعد ذلك فقال عمر: والله لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما ~~قسم لكم، فأرى أن تردوه على المسلمين ففعل، فأجازه عمر بثمانين دينارا، ~~فأتته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين إن قومي صالحوك على أمر ولست أرضى حتى ~~تملأ كفي ذهبا وتحملني على جمل ذلول وتعطيني قطيفة حمراء، قال: ففعل قال ~~أبو بكر: ليس فيه دليل على أنه كان ملكهم رقاب الأرضين، وجائز أن يكون ~~أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر بهم على أعطياتهم دون الخراج; ~~ليكونوا أسوة لسائر الناس. وكيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر ~~عمر أنه رأى رده على المسلمين وأظهر أنه لا يسعه غيره لما كان عنده أنه ~~الأصلح للمسلمين. وأما أمر المرأة فإنه أعطاها من بيت المال; لأنه قد كان ~~جائزا له أن يفعله من غير أخذ ما كان في أيديهم من ms2781 السواد، وأما قوله: "إن ~~الخراج أجرة" ففاسد من وجوه: أحدها: أنه لا خلاف أن الإجارات لا تجوز إلا ~~على مدة معلومة إذا وقعت على المدة، وأيضا فإن أهلها لم يخلوا من أن يكونوا ~~عبيدا أو أحرارا، فإن كانوا عبيدا فإن إجارة المولى من عبده لا تجوز، وإن ~~كانوا أحرارا فكيف جاز أن تترك رقابهم على أصل الحرية ولا تترك أراضيهم على ~~أملاكهم، وأيضا لو كانوا عبيدا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم; لأنه لا خلاف ~~أن العبيد لا جزية عليهم، وأيضا لا خلاف أن إجارة النخل والشجر غير جائزة، ~~وقد أخذ عمر الخراج من النخل والشجر فدل على أنه ليس بأجرة. # وقد اختلف الفقهاء في شرى أرض الخراج واستئجارها، فقال أصحابنا: "لا بأس ~~بذلك"، وهو قول الأوزاعي وقال مالك: "أكره استئجار أرض الخراج" وكره شريك ~~شرى أرض الخراج وقال: لا تجعل في عنقك صغارا وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران ~~عن سليمان بن بكار قال: سأل رجل المعافى بن عمران عن الزرع في أرض الخراج، ~~فنهاه عن ذلك، فقال له قائل: فإنك تزرع أنت فيها فقال: يا ابن أخي ليس في ~~الشر قدوة، وقال الشافعي: "لا بأس بأن يكتري المسلم أرض خراج كما يكتري ~~دوابهم" # PageV03P579 # قال: والحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لمسلم ~~أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام" إنما هو خراج الجزية. قال ~~أبو بكر: روي عن عبد الله بن مسعود أنه اشترى أرض خراج، وروي عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا" قال عبد ~~الله: وبراذان ما براذان وبالمدينة ما بالمدينة وذلك أنه كانت له ضيعة ~~براذان وراذان من أرض الخراج. وروي أن الحسن والحسين ابني علي رضي الله ~~عنهم اشتروا من أرض السواد; فهذا يدل على معنيين. أحدهما: أنها أملاك ~~لأهلها. والثاني: أنه غير مكروه للمسلم شراها. وروي عن علي وعمر فيمن أسلم ~~من أهل الخراج: "أنه إن أقام على ms2782 أرضه أخذ منه الخراج". وروي عن ابن عباس ~~أنه كره شرى أرض أهل الذمة، وقال: "لا تجعل ما جعل الله في عنق هذا الكافر ~~في عنقك"; وقال ابن عمر مثل ذلك، وقال: "لا تجعل في عنقك الصغار" قال أبو ~~بكر: وخراج الأرض ليس بصغار; لأنه لا نعلم خلافا بين السلف أن الذمي إذا ~~كانت له أرض خراج فأسلم أنه يؤخذ الخراج من أرضه ويسقط عن رأسه، فلو كان ~~صغارا لسقط بالإسلام. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "منعت العراق قفيزها ~~ودرهمها" يدل على أنه واجب على المؤمنين; لأنه أخبر عما يمنع المسلمون من ~~حق الله في المستقبل، ألا ترى أنه قال:"وعدتم كما بدأتم؟ " والصغار لا يجب ~~على المسلمين، وإنما يجب على الكفار للمسلمين. # وقوله تعالى: {والذين تبوأوا الدار والأيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم} ، يعني والله أعلم: أن ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول وللذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، يعني الأنصار، وقد كان ~~إسلام المهاجرين قبل إسلام الأنصار، ولكنه أراد الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبل هجرة المهاجرين. # وقوله تعالى: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} . قال الحسن: يعني ~~أنهم لا يحسدون المهاجرين على فضل آتاهم الله - تعالى - وقيل: لا يجدون في ~~أنفسهم ضيقا لما ينفقونه عليهم. # وقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ، الخصاصة الحاجة; ~~فأثنى الله عليهم بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ينفقونه عليهم، وإن ~~كانوا هم محتاجين إليه. # فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: معي دينار ~~فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: معي دينار آخر فقال: "أنفقه على عيالك" فقال: ~~معي دينار آخر قال: تصدق به"، وأن رجلا جاء ببيضة من ذهب فقال: يا رسول ~~الله تصدق بهذه فإني ما # PageV03P580 # أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه من الشق الآخر ~~فأعرض عنه، إلى أن أعاد القول، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورماه ~~بها فلو أصابته لعقرته، ms2783 ثم قال: "يأتيني أحدكم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم ~~يقعد يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى"، وأن رجلا دخل المسجد والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب والرجل بحال بذاذة، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الصدقة، فطرح قوم ثيابا أو دراهم، فأعطاه ثوبين، ثم حثهم على الصدقة، فطرح ~~الرجل أحد ثوبيه، فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم. ففي هذه الأخبار كراهة ~~الإيثار على النفس والأمر بالإنفاق على النفس ثم الصدقة بالفضل قيل له: ~~إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك; لأنه لم يثق منه بالصبر على الفقر ~~وخشي أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. ألا ترى أنه قال: "يأتيني أحدهم ~~بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس؟ " فإنما كره الإيثار لمن ~~كانت هذه حاله، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على النفس فلم ~~يكونوا بهذه الصفة بل كانوا كما قال الله تعالى: {والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس} [البقرة: 177] ، فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك، ~~والإمساك ممن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. # وقد روى محارب بن دثار عن ابن عمر قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: إن فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به ~~إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها تسعة أهل أبيات حتى رجعت ~~إلى الأول، فنزلت: {ومن يوق شح نفسه} الآية. وروى الأعمش عن جامع بن شداد ~~عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن قد ~~خفت أن تصيبني هذه الآية: {ومن يوق شح نفسه} ، فو الله ما أقدر على أن أعطي ~~شيئا أطيق منعه فقال عبد الله: هذا البخل وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن ~~تأخذ مال أخيك بغير حق وروي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى -: {ومن يوق شح ~~نفسه} قال ادخار الحرام ومنع الزكاة". آخر سورة الحشر. # PageV03P581 # ومن سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم ms2784 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة} ; روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى كفار ~~قريش ينتصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال:"أنت كتبت هذا الكتاب"؟ قال: نعم، قال: "وما حملك على ذلك؟ " ~~قال: أما والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكني كنت امرأ غريبا في قريش ~~وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدافع بذلك عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا ~~رسول الله فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا ابن الخطاب ~~إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما ~~شئتم فإني غافر لكم". حدثنا بذلك عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} عن عروة بن الزبير بمعنى ~~ما قدمنا. # قال أبو بكر: ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز ~~له; ليدفع به عن ولده وماله كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية ويستبيح ~~إظهار كلمة الكفر، ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا ~~يوجب الإكفار، ولو كان ذلك يوجب الإكفار لاستتابه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما لم يستتبه وصدقه على ما قال علم أنه ما كان مرتدا. وإنما قال عمر ائذن ~~لي فأضرب عنقه; لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل. # فإن قيل: قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما منع عمر من قتله; ~~لأنه شهد بدرا، وقال: "ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم" فجعل العلة المانعة من قتله كونه من أهل بدر قيل له: ~~ليس كما ظننت; لأن كونه من أهل بدر لا يمنع أن يكون كافرا مستحقا للنار إذا ms2785 ~~كفر، وإنما معناه: ما يدريك لعل الله قد علم أن أهل بدر، وإن أذنبوا لا ~~يموتون إلا على التوبة; ومن علم الله منه وجود التوبة إذا أمهله فغير جائز ~~أن يأمر بقتله أو يفعل ما يقتطعه به عن التوبة، فيجوز أن يكون مراده أن في # PageV03P582 # معلوم الله أن أهل بدر، وإن أذنبوا فإن مصيرهم إلى التوبة والإنابة. # وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في ~~إظهار الكفر، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه; لأن الله نهى المؤمنين ~~عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله، وكذلك قال أصحابنا أنه لو قال ~~لرجل: "لأقتلن ولدك أو لتكفرن" أنه لا يسعه إظهار الكفر. ومن الناس من يقول ~~فيمن له على رجل مال فقال: "لا أقر لك حتى تحط عني بعضه" فحط عنه بعضه أنه ~~لا يصح الحط عنه وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة الإكراه على الحط، وهو ~~فيما أظن مذهب ابن أبي ليلى وما ذكرناه يدل على صحة قولنا، ويدل على أن ~~الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية أن الله فرض الهجرة على المؤمنين، ~~ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم، فقال: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} [التوبة: 24] الآية. وقال: {قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ~~[النساء: 97] . # وقوله تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} الآية; ~~وقوله: {والذين معه} قيل فيه: الأنبياء، وقيل: الذين آمنوا معه; فأمر الله ~~الناس بالتأسي بهم في إظهار معاداة الكفار وقطع الموالاة بيننا وبينهم ~~بقوله: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا} . فهذا حكم قد تعبد المؤمنون به وقوله: {إلا ~~قول إبراهيم لأبيه} يعني في أن لا يتأسوا به في الدعاء للأب الكافر، وإنما ~~فعل إبراهيم ذلك; لأنه أظهر له الإيمان ووعده إظهاره، فأخبر الله تعالى أنه ~~منافق، فلما تبين له أنه عدو لله ms2786 تبرأ منه; فأمر الله - تعالى - بالتأسي ~~بإبراهيم في كل أموره إلا في استغفار للأب الكافر. وقوله تعالى: {ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا} ; قال قتادة: يعني بإظهارهم علينا فيروا أنهم على ~~حق، وقال ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا. # PageV03P583 # باب صلة الرحم المشرك # قال الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} الآية. ~~روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أم لها مشركة جاءتني أأصلها؟ قال: "نعم صليها" قال أبو بكر: وقوله: ~~{أن تبروهم وتقسطوا إليهم} عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة إذ ليس ~~هم من أهل قتالنا، وفيه النهي عن الصدقة على أهل الحرب; لقوله: {إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} . وقد # PageV03P583 # روي فيه غير ذلك; حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا ~~عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} قال: نسخها قوله: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية. ~~روى الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالوا: كان مما شرط سهيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~صلح الحديبية لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته علينا فرد أبا ~~جندل على أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، ~~وإن كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ~~ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها ~~يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها، فأنزل الله فيهن: {إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات} الآية. قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: {يا أيها النبي إذا ms2787 جاءك المؤمنات ~~يبايعنك} ، قالت: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قد بايعتك كلاما يكلمها به والله ما مست يده يد امرأة من أهل ~~المبايعة وروى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عمر بن الخطاب قال: لقد صالح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة يوم الحديبية وجعل لهم أن من لحق ~~بالكفار من المسلمين لم يردوه، ومن لحق بالمسلمين من الكفار يردونه. وروى ~~الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: "كان في الصلح يوم الحديبية أن من أسلم من ~~أهل مكة فهو رد إليهم، ونزلت سورة الممتحنة بعد الصلح فكان من أسلم من ~~نسائهم تسأل ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت هربا من زوجها ورغبة عنه ردت، وإن ~~كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت ورد على زوجها ما أنفق". # قال أبو بكر: لا يخلو الصلح من أن يكون كان خاصا في الرجال دون النساء ~~على الوجه الذي ذكر من رد من جاء منهم مسلما إليهم، أو أن يكون وقع بديا ~~عاما ثم نسخ عن النساء، وهذا أظهر الوجهين وذلك جائز عندنا، وإن لم يرد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من النساء عليهم; لأن النسخ جائز بعد ~~التمكين من الفعل، وإن لم يقع الفعل. وقوله: {يا أيها الذين آمنوا} خطاب ~~للمؤمنين والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجرن إليه; لأنه هو ~~الذي يتولى امتحانهن دون المؤمنين، وقد أريد به سائر المؤمنين عند غيبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن حضرتهم. # وقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} المراد به العلم الظاهر لا حقيقة ~~اليقين; لأن ذلك لا سبيل لنا إليه، وهو مثل قول إخوة يوسف: {إن ابنك سرق ~~وما شهدنا إلا # PageV03P584 # بما علمنا} [يوسف: 81] يعنون العلم الظاهر; لأنه لم يكن سرق في الحقيقة، ~~ألا ترى إلى قوله: {وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 81] ؟، وإنما حكموا عليه ~~بالسرقة من جهة الظاهر لما وجدوا الصواع في رحله; وهو مثل شهادة الشهود ~~الذين ظاهرهم العدالة قد ms2788 تعبدنا الله بالحكم بها من طريق الظاهر وحمل ~~شهادتهما على الصحة، وكذلك قبول أخبار الآحاد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من هذا الطريق وقد ألزمنا الله بهذه الآية قبول قول من أظهر لنا الإيمان ~~والحكم بصحة ما أخبر به عن نفسه فيما بيننا وبينه. وهذا أصل في تصديق كل من ~~أخبر عما لا يطلع عليه غيره من حاله، مثل المرأة إذا أخبرت عن حيضها وطهرها ~~وحبلها، ومثل الرجل يقول لامرأته: "أنت طالق إذا حضت" أو قال: "إذا طهرت" ~~فيكون قولها مقبولا فيه، وقال عطاء بن أبي رباح، وتلا هذه الآية: {إذا ~~جاءكم المؤمنات} فقال عطاء: ما علمنا إيمانهن إلا بما ظهر من قولهن; وقال ~~قتادة: امتحانهن ما خرجن إلا للدين والرغبة في الإسلام وحب الله تعالى ~~ورسوله. # PageV03P585 # باب وقوع الفرقة باختلاف الدارين # قال الله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن} الآية. قال أبو بكر: في هذه الآية ضروب من الدلالة ~~على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين. واختلاف الدارين أن يكون أحد ~~الزوجين من أهل دار الحرب والآخر من أهل دار الإسلام وذلك; لأن المهاجرة ~~إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام وزوجها باق على كفره من أهل ~~دار الحرب فقد اختلفت بهما الداران، وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما بقوله: ~~{فلا ترجعوهن إلى الكفار} . ولو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها ~~بأن تكون معه حيث أراد، ويدل عليه أيضا قوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن} ; وقوله: {وآتوهم ما أنفقوا} يدل عليه أيضا; لأنه أمر برد مهرها على ~~الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر; لأنه لا يجوز أن ~~يستحق البضع وبدله، ويدل عليه قوله: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن} ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج ويدل ~~عليه قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، والعصمة المنع، فنهانا أن نمتنع من ~~تزويجها لأجل زوجها الحربي. # واختلف ms2789 أهل العلم في الحربية تخرج إلينا مسلمة، فقال أبو حنيفة في ~~الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب: "قد وقعت الفرقة ~~فيما بينهم ولا عدة عليها" وقال أبو يوسف ومحمد: "عليها العدة، وإن أسلم ~~الزوج لم تحل له إلا بنكاح # PageV03P585 # مستقبل"، وهو قول الثوري وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي: "إن أسلم ~~الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض فقد وقعت الفرقة". # ولا فرق عند الشافعي بين دار الحرب وبين دار الإسلام، لا حكم للدار عنده. ~~قال أبو بكر: روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن علي قال: "إذا أسلمت اليهودية ~~والنصرانية قبل زوجها فهو أحق بها ما داموا في دار الهجرة". وروى الشيباني ~~عن السفاح بن مطر عن داود بن كردوس قال: "كان رجل من بني تغلب نصراني عنده ~~امرأة من بني تميم نصرانية فأسلمت المرأة وأبى الزوج أن يسلم، ففرق عمر ~~بينهما" وروى ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد في النصراني تسلم امرأته قالوا: "إن ~~أسلم معها فهي امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما". وروى قتادة عن مجاهد قال: ~~"إذا أسلم وهي في عدتها فهي امرأته، وإن لم تسلم فرق بينهما"، وروى حجاج عن ~~عطاء مثله، وعن الحسن وابن المسيب مثله وقال إبراهيم: "إن أبى أن يسلم فرق ~~بينهما" وروى عباد بن العوام عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت ~~النصرانية قبل زوجها فهي أملك لنفسها". # قال أبو بكر: حصل اختلاف السلف في ذلك على ثلاثة أنحاء; فقال علي رضي ~~الله عنه: "هو أحق بها ما داموا في دار الهجرة"، وهذا معناه عندنا إذا كانا ~~في دار واحدة، ومتى اختلفت بهما الدار فصار أحدهما في دار الحرب والآخر في ~~دار الإسلام بانت، وقال عمر رضي الله عنه: "إذا أسلمت وأبى الزوج الإسلام ~~فرق بينهما". وهذا أيضا على أنهما في دار الإسلام وقال آخرون ممن ذكرنا ~~قوله: "هي امرأته ما دامت في العدة فإذا انقضت العدة وقعت الفرقة"، وقال ~~ابن عباس: "تقع الفرقة بإسلامها" واتفق فقهاء ms2790 الأمصار على أنها لا تبين منه ~~بإسلامها إذا كانا في دار واحدة. # واختلفوا في وقت وقوع الفرقة إذا أسلمت ولم يسلم الزوج، فقال أصحابنا: ~~"إن كانا ذميين لم تقع الفرقة حتى يعرض الإسلام عليه، فإن أسلم، وإلا فرق ~~بينهما"، وهو معنى ما روي عن علي وعمر، وقالوا: "إن كانا حربيين في دار ~~الحرب فأسلمت فهي امرأته ما لم تحض ثلاث حيض، فإذا حاضت ثلاث حيض قبل أن ~~يسلم فرق بينهما" ويجوز أن يكون من روي عنه من السلف اعتبار الحيض إنما ~~أرادوا به الحربيين في دار الحرب وقال أصحابنا: "إذا أسلم أحد الحربيين، ~~وخرج إلينا أيهما كان وبقي الآخر في دار الحرب فقد وقعت الفرقة باختلاف ~~الدارين" وقد ذكرنا وجوه دلائل الآية على صحة هذا القول ومن الدليل على ذلك ~~قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ، قال أبو ~~سعيد الخدري: "نزلت في سبايا أوطاس كان لهن # PageV03P586 # أزواج في الشرك وأباحهن لهم بالسبي" وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في ~~قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] قال: "كل ~~ذات زوج فإتيانها زنا إلا ما سبيت" وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~السبايا: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة". واتفق الفقهاء ~~على جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج في دار الحرب إذا لم ~~يسب زوجها معها، فلا يخلو وقوع الفرقة من أن يتعلق بإسلامها أو باختلاف ~~الدارين على الحد الذي بينا أو بحدوث الملك عليها، وقد اتفق الجميع على أن ~~إسلامها لا يوجب الفرقة في الحال; وثبت أيضا أن حدوث الملك لا يرفع النكاح ~~بدلالة أن الأمة التي لها زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة. وكذلك إذا مات رجل ~~عن أمة لها زوج لم يكن انتقال الملك إلى الوارث رافعا للنكاح، فلم يبق وجه ~~لإيقاع الفرقة إلا اختلاف الدارين. # فإن قيل: اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة; لأن المسلم إذا دخل دار الحرب ~~بأمان لم يبطل نكاح ms2791 امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة ~~بينه وبين زوجته، وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى ~~دار الإسلام لم تقع الفرقة، فسلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب ~~الفرقة قيل له: ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه، وإنما معناه أن يكون ~~أحدهما من أهل دار الإسلام إما بالإسلام أو بالذمة والآخر من أهل دار الحرب ~~فيكون حربيا كافرا، فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة، وإن كان ~~أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام. # فإن احتج المخالف لنا بما روى يونس عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين ~~عن عكرمة عن ابن عباس قال: رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي ~~العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد ست سنين، وقد كانت زينب هاجرت إلى ~~المدينة وبقي زوجها بمكة مشركا ثم ردها عليه بالنكاح الأول، وهذا يدل على ~~أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيقاع الفرقة فيقال: لا يصح الاحتجاج به ~~للمخالف من وجوه. أحدها: أنه قال: "ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول"; لأنه ~~لا خلاف بين الفقهاء أنها لا ترد إليه بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض، ~~ومعلوم أنه ليس في العادة أنها لا تحيض ثلاث حيض في ست سنين، فسقط احتجاج ~~المخالف به من هذا الوجه. ووجه آخر: وهو ما روى خالد عن عكرمة عن ابن عباس ~~في اليهودية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها; فكان من مذهبه أن الفرقة قد ~~وقعت بإسلامها، وغير جائز أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما قد رواه ~~عنه. والوجه الثالث: أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بنكاح ثان فهذا يعارض حديث ~~داود بن الحصين، وهو مع ذلك أولى; لأن حديث # PageV03P587 # ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم، ولم يعلم ~~حدوث عقد ثان، ms2792 وفي حديث عمرو بن شعيب الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه، ~~فهو أولى; لأن الأول إخبار عن ظاهر الحال، والثاني إخبار عن معنى حادث قد ~~علمه، وهذا مثل ما تقوله في رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تزوج ميمونة وهو محرم، وحديث يزيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حال. فقلنا: ~~حديث ابن عباس أولى; لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر ~~الأول، وكحديث زوج بريرة أنه كان حرا حين أعتقت ورواية من روى أنه كان ~~عبدا، فكان الأول أولى لإخباره عن حال حادثة علمها، وأخبر الآخر عن ظاهر ~~الأمر الأول ولم يعلم حدوث حال أخرى. # PageV03P588 # فصل # وإنما قال أبو حنيفة في المهاجرة أنه لا عدة عليها من الزوج الحربي; ~~لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} ، فأباح نكاحها من غير ذكر عدة، ~~وقال في نسق التلاوة: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، والعصمة المنع، فحظر ~~الامتناع من نكاحها; لأجل زوجها الحربي. والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، ~~وظاهره في هذا الموضع الرجال; لأنه في ذكر المهاجرات. وأيضا أباح النبي صلى ~~الله عليه وسلم وطء المسبية بعد الاستبراء بحيضة، والاستبراء ليس بعدة; لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عدة الأمة حيضتان" والمعنى فيها وقوع ~~الفرقة باختلاف الدارين. # وقوله تعالى: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} ; قال معمر عن ~~الزهري: يعني رد الصداق، واسألوا أهل الحرب مهر المرأة المسلمة إذا صارت ~~إليهم، وليسألوا هم أيضا مهر من صارت إلينا مسلمة منهم"; وقال الزهري: ~~"فأما المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقروا، فأنزل ~~الله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا} فأمر المسلمون أن يردوا الصداق إذا ذهبت امرأة من ~~المسلمين ولها زوج مسلم أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته إن كان في أيديهم ~~مما يردون، وأن يردوا إلى المشركين". وروى خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: ~~{واسألوا ما أنفقتم} : "من الغنيمة أن يعوض منها". وروى زكريا بن ms2793 أبي زائدة ~~عن الشعبي قال: "كانت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ممن ذكر الله في ~~القرآن: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} خرجت إلى المؤمنين" وروى ~~الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} قال: ~~"ليس بينكم وبينهم عهد" {فعاقبتم} "وأصبتم غنيمة" {فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا} قال: "عوضوا # PageV03P588 # زوجها مثل الذي ذهب منه". وروى سعيد عن قتادة مثله، وزاد: "يعطى من جميع ~~الغنيمة ثم يقسمون غنيمتهم" وقال ابن إسحاق عن الزهري، قال: "إن فات أحدكم ~~أهله إلى الكفار ولم يأت من الكفار من تأخذون منه مثل ما أخذ منكم فعوضوهم ~~من فيء إن أصبتموه" وجائز أن تكون هذه الرواية عن الزهري غير مخالفة لما ~~قدمنا من أنهم يعوضون من صداق إن وجب عليهم رده إلى الكفار، وأنه إنما يجب ~~رده من صداق وجب للكفار إذا كان هناك صداق قد وجب رده عليهم، وإذا لم يكن ~~صداق رد عليهم من الغنيمة وهذه الأحكام في رد المهر وأخذه من الكفار وتعويض ~~الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب منسوخ عند جماعة أهل ~~العلم غير ثابت الحكم إلا شيئا روي عن عطاء. "فإن عبد الرزاق روى عن ابن ~~جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت لو أن امرأة من أهل الشرك جاءت المسلمين فأسلمت ~~أيعوض زوجها منها شيئا لقوله تعالى في الممتحنة: {وآتوهم ما أنفقوا} ؟ قال: ~~إنما كان ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل عهده، قلت: فجاءت ~~امرأة الآن من أهل عهد؟ قال: نعم، يعاض فهذا مذهب عطاء في ذلك" وهو خلاف ~~الإجماع. # فإن قيل: ليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخ هذه الأحكام، فمن أين ~~وجب نسخها؟ قيل له: يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] وبقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه". # وقوله تعالى: ms2794 {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} قال ابن ~~عباس: "لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهن" وقيل: إنه قد دخل فيه قذف أهل ~~الإحصان، والكذب على الناس، وقذفهم بالباطل وما ليس فيهم وسائر ضروب الكذب، ~~وظاهر الآية يقتضي جميع ذلك. # وقوله تعالى: {ولا يعصينك في معروف} ، روى معمر عن ثابت عن أنس قال: أخذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن: يا رسول ~~الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية فنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا إسعاد في الإسلام ولا شغار في الإسلام ولا جلب في الإسلام ~~ولا جنب في الإسلام ومن انتهب فليس منا". وروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ولا يعصينك في معروف} قال: النوح. وروى هشام ~~عن حفصة عن أم عطية قالت: أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح، وهو قوله تعالى: ~~{ولا يعصينك في معروف} . وروى عطاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "نهيت عن صوتين أحمقين صوت لعب ولهو ومزامير شيطان عند نغمة، وصوت عند ~~مصيبة خمش # PageV03P589 # وجوه وشق جيوب ورنة شيطان". قال أبو بكر: هو عموم في جميع طاعة الله; ~~لأنها كلها معروف، وتركك النوح أحد ما أريد بالآية، وقد علم الله أن نبيه ~~لا يأمر إلا بمعروف إلا أنه شرط في النهي عن عصيانه إذا أمرهن بالمعروف ~~لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين إذا لم تكن طاعة لله تعالى; إذ كان الله - ~~تعالى - قد شرط في طاعة أفضل البشر فعل المعروف، وهو في معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من أطاع مخلوقا في معصية الخالق سلط الله عليه ذلك المخلوق" وفي لفظ ~~آخر: "عاد حامده من الناس ذاما"، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمخاطبة في قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} ; لأن ~~بيعة من أسلم كان مخصوصا ms2795 بها النبي صلى الله عليه وسلم وعم المؤمنين بذكر ~~المحنة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} ; ~~لأنه لم يكن يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، ألا ترى أنا ~~نمتحن المهاجرة الآن؟ والله أعلم بالصواب. آخر سورة الممتحنة. # PageV03P590 # ومن سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} قال أبو بكر: يحتج به في أن كل من ألزم ~~نفسه عبادة أو قربة وأوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به; إذ ترك الوفاء به ~~يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل، وقد ذم الله فاعل ذلك، وهذا فيما لم يكن ~~معصية، فأما المعصية فإن إيجابها في القول لا يلزمه الوفاء بها. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، وإنما يلزم ذلك ~~فيما عقده على نفسه مما يتقرب به إلى الله - عز وجل - مثل النذور وفي حقوق ~~الآدميين العقود التي يتعاقدونها، وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل، وهو ~~مباح، فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان فأما قول القائل: "إني سأفعل كذا" ~~فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله تعالى وأن يكون في عقد ضميره ~~الوفاء به، ولا جائز له أن يعد وفي ضميره أن لا يفي به; لأن ذلك هو المحظور ~~الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه، وإن كان في عقد ضميره الوفاء به ولم ~~يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه; لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا. ~~فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف الوعد فيه وهو يدل على أن ~~من قال: "إن فعلت كذا فأنا أحج أو أهدي أو أصوم" فإن ذلك بمنزلة الإيجاب ~~بالنذر; لأن ترك فعله يؤديه إلى أن يكون قائلا ما لم يفعل. # وروي عن ابن عباس ومجاهد: "أنها نزلت في قوم قالوا: لو علمنا أحب الأعمال ~~إلى ms2796 الله - تعالى - لسارعنا إليه، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه" وقال ~~قتادة: "نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا وأبلينا، ولم يفعلوا" وقال ~~الحسن: "نزلت في المنافقين وسماهم بالإيمان لإظهارهم له". # وقوله تعالى: {ليظهره على الدين كله} من دلائل النبوة لأنه أخبر بذلك ~~والمسلمون في ضعف وقلة وحال خوف مستذلون مقهورون فكان مخبره على ما أخبر # PageV03P591 # به; لأن الأديان التي كانت في تلك الزمان اليهودية والنصرانية والمجوسية ~~والصابئة وعباد الأصنام من السند وغيرهم فلم تبق من أهل هذه الأديان أمة ~~إلا وقد ظهر عليهم المسلمون فقهروهم وغلبوهم على جميع بلادهم أو بعضها ~~وشردوهم إلى أقاصي بلادهم فهذا هو مصداق هذه الآية التي وعد الله تعالى ~~رسوله فيها إظهاره على جميع الأديان وقد علمنا أن الغيب لا يعلمه إلا الله ~~عز وجل ولا يوحي به إلا إلى رسله فهذه دلالة واضحة على صحة نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # فإن قيل كيف يكون ذلك إظهارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع ~~الأديان، وإنما حدث بعد موته؟ قيل له إنما وعد الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يظهر دينه على سائر الأديان; لأنه قال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله} يعني دين الحق وعلى أنه لو أراد رسوله ~~لكان مستقيما; لأنه إذا أظهر دينه ومن آمن به على سائر الأديان فجائز أن ~~يقال قد أظهر نبيه صلى الله عليه وسلم. كما أن جيشا لو فتحوا بلدا عنوة جاز ~~أن يقال إن الخليفة فتحه، وإن لم يشهد القتال إذ كان بأمره وتجهيزه للجيش ~~فعلوا. # وقوله تعالى: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} إلى قوله: {وفتح ~~قريب} وهذا أيضا من دلائل النبوة لوعده من أمر بالنصر والفتح وقد وجد ذلك ~~لمن آمن منهم، والله الموفق. آخر سورة الصف. # PageV03P592 # ومن سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} قيل: إنما سموا ~~أميين; لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون ms2797 الكتابة، وأراد الأكثر الأعم، وإن ~~كان فيهم القليل ممن يكتب ويقرأ; وقال النبي: "الشهر هكذا وهكذا وأشار ~~بأصابعه، وقال: إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب". وقال تعالى: {رسولا ~~منهم} ; لأنه كان أميا، وقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} ~~[اعراف: 157] وقيل إنما سمي من لا يكتب أميا; لأنه نسب إلى حال ولادته من ~~الأم; لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم دون الحال التي يجري عليها ~~المولود. وأما وجه الحكمة في جعل النبوة في أمي فإنه ليوافق ما تقدمت به ~~بالبشارة في كتب الأنبياء السالفة; ولأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما ~~أتى به من الحكمة بالكتابة; فهذان وجهان من الدلالة في كونه أميا على صحة ~~النبوة ومع أن مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم وذلك أقرب إلى مساواته لو ~~كان ذلك ممكنا فيه، فدل عجزهم عما أتى به على مساواته لهم في هذا الوجه على ~~أنه من قبل الله عز وجل. # وقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} الآية. روي أنه ~~أراد اليهود الذين أمروا بتعلم التوراة والعمل بها فتعلموها ثم لم يعملوا ~~بها، فشبههم الله بالحمار الذي يحمل الكتب وهي الأسفار; إذ لم ينتفعوا بما ~~حملوه كما لا ينتفع الحمار بالكتب التي حملها; وهو نحو قوله: {إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] وقوله: {واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175] إلى قوله: {كمثل الكلب} ~~[الأعراف: 176] # وقوله تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس} إلى قوله: {والله عليم بالظالمين} روي أن اليهود زعموا أنهم أولياء ~~لله من دون الناس فأنزل الله هذه الآية وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم إن تمنوه ماتوا فقامت الحجة عليهم بها # PageV03P593 # من وجهين. أحدهما: أنهم لو كانوا صادقين فيما ادعوا من المنزلة عند الله ~~لتمنوا الموت; لأن دخول الجنة مع الموت خير من البقاء في الدنيا. والثاني: ~~أنه أخبر أنهم لا يتمنونه فوجد مخبره على ما أخبر به ms2798 فهذا واضح من دلائل ~~النبوة. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله} الآية. قال أبو بكر يفعل في يوم الجمعة جماعة صلوات كما يفعل ~~في سائر الأفعال ولم يبين في الآية أنها هي واتفق المسلمون على أن المراد ~~الصلاة التي إذا فعلها مع الإمام جمعة لم يلزمه فعل الظهر معها وهي ركعتان ~~بعد الزوال على شرائط الجمعة واتفق الجميع أيضا على أن المراد بهذا النداء ~~هو الأذان، ولم يبين في الآية كيفيته وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حديث عبد الله بن زيد الذي رأى في المنام الأذان ورآه عمر أيضا كما رآه ابن ~~زيد وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة وذكر فيه الترجيع وقد ذكرنا ~~ذلك عند قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} [المائدة: 58] . وروي عن ابن ~~عمر والحسن في قوله {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} قال "إذا خرج الإمام ~~وأذن المؤذن فقد نودي للصلاة". وروى الزهري عن السائب بن يزيد قال" ما كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد يؤذن إذا قعد على المنبر ثم ~~يقيم إذا نزل ثم أبو بكر كذلك ثم عمر كذلك فلما كان عثمان وفشا الناس ~~وكثروا زاد النداء الثالث". # وقد روي عن جماعة من السلف إنكار الأذان الأول قبل خروج الإمام. روى وكيع ~~قال حدثنا هشام بن الغاز قال سألت نافعا عن الأذان الأول يوم الجمعة قال ~~قال ابن عمر بدعة وكل بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسنا". وروى منصور عن ~~الحسن قال "النداء يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي قبل محدث". ~~وروى عبد الرزاق عن ابن جريح عن عطاء قال "إنما كان الأذان يوم الجمعة فيما ~~مضى واحدا ثم الإقامة وأما الأذان الأول الذي يؤذن به الآن قبل خروج الإمام ~~وجلوسه على المنبر فهو باطل أول من أحدثه الحجاج". وأما أصحابنا فإنهم إنما ~~ذكروا أذانا واحدا إذا قعد الإمام على المنبر فإذا نزل أقام ms2799 على ما كان في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. رضي الله عنهما # وأما وقت الجمعة فإنه بعد الزوال، وروى أنس وجابر وسهل بن سعد وسلمة بن ~~الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس. وروى ~~شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود ~~وأصحابه الجمعة ضحى ثم قال: إنما فعلت ذلك مخافة الحر عليكم" وروي عن عمر ~~وعلي أنهما رضي الله عنهما صلياها بعد الزوال ولما قال عبد الله: إني قدمت ~~مخافة الحر عليكم" علمنا أنه فعلها على غير الوجه المعتاد المتعارف بينهم. ~~ومعلوم أن فعل الفروض قبل أوقاتها لا يجوز # PageV03P594 # لحر ولا لبرد إذا لم يوجد أسبابها، ويحتمل أن يكون فعلها في أول وقت ~~الظهر الذي هو أقرب أوقات الظهر إلى الضحى، فسماه الراوي ضحى; لقربه منه، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر: "تعال إلى الغداء المبارك" ~~فسماه غداء لقربه من الغداء، وكما قال حذيفة: تسحرنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان نهارا والمعنى قريب من النهار ولما اختلف الفقهاء في الذي ~~يلزم من الفرض بدخول الوقت، فقال قائلون: "فرض الوقت الجمعة والظهر بدل ~~منها" وقال آخرون: "فرض الوقت الظهر والجمعة بدل منه"، استحال أن يفعل ~~البدل إلا في وقت يصح فيه فعل المبدل عنه وهو الظهر، ولما ثبت أن وقتها بعد ~~الزوال ثبت أن وقت النداء لها بعد الزوال كسائر الصلوات. # وقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} قرأ عمر وابن مسعود وأبي وابن ~~الزبير: "فامضوا إلى ذكر الله"; قال عبد الله: لو قرأت: "فاسعوا" لسعيت حتى ~~يسقط ردائي قال أبو بكر: يجوز أن يكون أراد التفسير لا نص القراءة، كما قال ~~ابن مسعود للأعجمي الذي كان يلقنه: {إن شجرت الزقوم الدخان طعام الأثيم} ~~[الدخان: 44,43] فكان يقول طعام اليتيم"، فلما أعياه قال له طعام الفاجر "، ~~وإنما أراد إفهامه المعنى وقال الحسن: "ليس يريد به ms2800 العدو، وإنما السعي ~~بقلبك ونيتك". وقال عطاء: "السعي الذهاب" وقال عكرمة: "السعي العمل". قال ~~أبو عبيدة: فاسعوا أجيبوا، وليس من العدو. # قال أبو بكر الأولى أن يكون المراد بالسعي ههنا إخلاص النية والعمل، وقد ~~ذكر الله السعي في مواضع من كتابه ولم يكن مراده سرعة المشي، منها قوله: ~~{ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} [الإسراء: 19] {وإذا تولى سعى في الأرض} ~~[البقرة: 205] {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم:39] ، وإنما أراد العمل ~~وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها ~~وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ولم يفرق بين ~~الجمعة وغيرها واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته. # PageV03P595 # فصل # واتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره; ~~لأنهم مجمعون على أن الجمعة لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، فقال ~~أصحابنا: "هي مخصوصة بالأمصار ولا تصح في السواد"، وهو قول الثوري وعبيد ~~الله بن الحسن. # PageV03P595 # وقال مالك: "تصح الجمعة في كل قرية فيها بيوت متصلة وأسواق متصلة، يقدمون ~~رجلا يخطب ويصلي بهم الجمعة إن لم يكن لهم إمام". وقال الأوزاعي: "لا جمعة ~~إلا في مسجد جماعة مع الإمام" وقال الشافعي: "إذا كانت قرية مجتمعة البناء ~~والمنازل وكان أهلها لا يظعنون عنها إلا ظعن حاجة وهم أربعون رجلا حرا ~~بالغا غير مغلوب على عقله وجبت عليهم الجمعة". # قال أبو بكر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جمعة ولا ~~تشريق إلا في مصر جامع"، وروي عن علي مثله وأيضا لو كانت الجمعة جائزة في ~~القرى لورد النقل به متواترا كوروده في فعلها في الأمصار; لعموم الحاجة ~~إليه. وأيضا لما اتفقوا على امتناع جوازها في البوادي; لأنها ليست بمصر وجب ~~مثله في السواد وروي أنه قيل للحسن: إن الحجاج أقام الجمعة بالأهواز فقال: ~~لعن الله الحجاج يترك الجمعة في الأمصار ويقيمها ms2801 في حلاقيم البلاد. # فإن قيل: روي عن ابن عمر أن الجمعة تجب على من آواه الليل، وأن أنس بن ~~مالك كان بالطف فربما جمع وربما لم يجمع; وقيل من الطف إلى البصرة أقل من ~~أربع فراسخ وأقل من مسيرة نصف يوم. قيل له: إنما هذا كلام فيما حكمه حكم ~~المصر، فرأى ابن عمر أن ما قرب من المصر فحكمه حكمه وتجب على أهله الجمعة، ~~وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يرون الجمعة إلا في الأمصار أو ما حكمه حكم ~~الأمصار. # والجمعة ركعتان نقلتها الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا; ~~وقال عمر: صلاة السفر ركعتان وصلاة الفجر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام ~~غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم; وإنما قصرت الجمعة لأجل ~~الخطبة. # PageV03P596 # باب وجوب خطبة الجمعة # قال الله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فاقتضى ذلك وجوب ~~السعي إلى الذكر، ودل على أن هناك ذكرا واجبا يجب السعي إليه وقال ابن ~~المسيب: {فاسعوا إلى ذكر الله} موعظة الإمام" وقال عمر في الحديث الذي ~~قدمنا: "إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة" وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على ~~كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول فإذا خرج الإمام ~~طويت الصحف واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ثم الذي ~~يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم ~~الذي يليه كالمهدي بيضة" ويدل على أن المراد بالذكر ههنا هو الخطبة; لأن # PageV03P596 # الخطبة هي التي تلي النداء، وقد أمر بالسعي إليه، فدل على أن المراد ~~الخطبة وقد روي عن جماعة من السلف أنه إذا لم يخطب صلى أربعا، منهم الحسن ~~وابن سيرين وطاوس وابن جبير وغيرهم، وهو قول فقهاء الأمصار. # واختلف أهل العلم فيمن لم يدرك الخطبة وأدرك الصلاة أو بعضها، فروي عن ~~عطاء بن أبي رباح في الرجل تفوته الخطبة يوم ms2802 الجمعة: أنه يصلي الظهر أربعا" ~~وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء وطاوس قالوا: من لم يدرك الخطبة ~~يوم الجمعة صلى أربعا" وقال ابن عون: ذكر لمحمد بن سيرين قول أهل مكة إذا ~~لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا، قال: ليس هذا بشيء. # قال أبو بكر: ولا خلاف بين فقهاء الأمصار والسلف ما خلا عطاء ومن ذكرنا ~~قوله أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى، ولم يخالفهم عطاء وغيره ~~أنه لو شهد الخطبة فذهب يتوضأ ثم جاء فأدرك مع الإمام ركعة أنه يصلي ~~ركعتين، فلما لم يمنعه فوات الركعة من فعل الجمعة كانت الخطبة أولى وأحرى ~~بذلك. وروى الأوزاعي عن عطاء أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها ثلاثا، ~~وهذا يدل على أنه فاتته الخطبة وركعة منها وروي عن عبد الله بن مسعود وابن ~~عمر وأنس والحسن وابن المسيب والنخعي والشعبي: "إذا أدرك ركعة من الجمعة ~~أضاف إليها أخرى" وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى، ومن فاتته ~~الركعتان يصلي أربعا" واختلف السلف وفقهاء الأمصار فيمن أدرك الإمام في ~~التشهد، فروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: "من أدرك التشهد فقد أدرك ~~الصلاة" وروى ابن جريج عن عبد الكريم عن معاذ بن جبل قال: "إذا دخل في صلاة ~~الجمعة قبل التسليم وهو جالس فقد أدرك الجمعة" وروي عن الحسن وإبراهيم ~~والشعبي قالوا: "من لم يدرك الركوع يوم الجمعة صلى أربعا" وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف: "إذا أدركهم في التشهد صلى ركعتين" وقال زفر ومحمد: "يصلي ~~أربعا" وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن محمد بن سماعة عن محمد أنه قال: ~~"يصلي أربعا، يقعد في الثنتين الأوليين قدر التشهد فإن لم يقعد قدر التشهد ~~أمرته أن يصلي الظهر أربعا". وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي: ~~"يصلي أربعا"، إلا أن مالكا قال: "إذا قام يكبر تكبيرة ms2803 أخرى" وقال الثوري: ~~"إذا أدرك الإمام جالسا لم يسلم صلى أربعا ينوي الظهر، وأحب إلي أن يستفتح ~~الصلاة" وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: "إذا أدرك الإمام يوم الجمعة في ~~التشهد قعد بغير تكبير، فإذا سلم الإمام قام فكبر ودخل في صلاة نفسه، وإن ~~قعد مع الإمام بتكبير سلم إذا فرغ الإمام ثم قام فكبر للظهر" وقال # PageV03P597 # الليث: "إذا أدرك ركعة مع الإمام يوم الجمعة وعنده أن الإمام قد خطب ~~فإنما يصلي إليها ركعة أخرى ثم يسلم، فإن أخبره الناس أن الإمام لم يخطب ~~وأنه صلى أربعا صلى ركعتين وسجد سجدتي السهو". # قال أبو بكر: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتم فصلوا وما ~~فاتكم فاقضوا" وجب على مدرك الإمام في تشهد الجمعة اتباعه فيه والقعود معه، ~~ولما كان مدركا لهذا الجزء من الصلاة وجب عليه قضاء الفائت منها بظاهر قوله ~~عليه السلام وما فاتكم فاقضوا"، والفائت منها هي الجمعة، فوجب أن يقضي ~~ركعتين وأيضا لما كان مدرك المقيم في التشهد لزمه الإتمام إذا كان مسافرا ~~وكان بمنزلة مدركه في التحريمة وجب مثله في الجمعة; إذ الدخول في كل واحدة ~~من الصلاتين بغير الفرض. فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى" وفي بعض الأخبار: "وإن ~~أدركهم جلوسا صلى أربعا" قيل له: أصل الحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد ~~أدرك"، فقال الزهري وهو راوي الحديث: ما أرى الجمعة إلا من الصلاة; فذكر ~~الجمعة إنما هو من كلام الزهري; والحديث إنما يدور على الزهري، مرة يرويه ~~عن سعيد بن المسيب ومرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقد قال حين روى الحديث ~~في صلاة مطلقة: أرى الجمعة من الصلاة; فلو كان عنده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص في الجمعة لما قال: ما أرى الجمعة إلا من الصلاة وعلى أن قوله: "من ~~أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك" لا دلالة فيه أنه إذا لم يدرك ركعة ms2804 صلى ~~أربعا، كذلك قوله: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى" وأما ما ~~روي: "وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا" فإنه لم يثبت أنه من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وجائز أن يكون من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث، ولو صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: وإن أدركهم جلوسا وقد سلم الإمام. # ولم يختلف الفقهاء أن وجوب الجمعة مخصوص بالأحرار البالغين المقيمين دون ~~النساء والعبيد والمسافرين والعاجزين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "أربعة لا جمعة عليهم: العبد والمرأة والمريض والمسافر" وأما ~~الأعمى فإن أبا حنيفة قال: "لا جمعة عليه" وجعله بمنزلة المقعد; لأنه لا ~~يقدر على الحضور بنفسه إلا بغيره، وقال أبو يوسف ومحمد: "عليه الجمعة" ~~وفرقا بينه وبين المقعد; لأن الأعمى بمنزلة من لا يهتدي الطريق فإذا هدي ~~سعى بنفسه، والمقعد لا يمكنه السعي بنفسه ويحتاج إلى من يحمله وفرق أبو ~~حنيفة بين الأعمى وبين من لا يعرف الطريق; لأن الذي لا يعرف وهو بصير إذا ~~أرشد اهتدى بنفسه والأعمى لا يهتدي بنفسه ولا يعرفه بالإرشاد والدلالة، ~~ويحتج لأبي يوسف ومحمد بحديث أبي رزين عن أبي هريرة أن ابن أم مكتوم جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني # PageV03P598 # ضرير شاسع الدار وليس لي قائد يلازمني أفلي رخصة أن لا آتي المسجد؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" وفي خبر حصين بن عبد الرحمن عن عبد ~~الله بن شداد عن ابن أم مكتوم نحوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتسمع ~~الإقامة" قال: نعم، قال: "فأتها". # واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من المأمومين، فقال أبو حنيفة وزفر ~~ومحمد والليث: "ثلاثة سوى الإمام" وروي عن أبي يوسف: "اثنان سوى الإمام" ~~وبه قال الثوري وقال الحسن بن صالح: "إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب ~~عليه وصلى به أجزأهما" وأما مالك فلم يحد فيه شيئا، واعتبر الشافعي أربعين ~~رجلا. # قال أبو بكر: روى جابر أن ms2805 النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة، ~~فقدم عير فنفر الناس إليه وبقي معه اثنا عشر رجلا، فأنزل الله تعالى: {وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} , ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم يذكر رجوع القوم، فوجب أن يكون قد صلى ~~باثني عشر رجلا، ونقل أهل السير أن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن ~~عمير بأمر النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر رجلا وذلك قبل الهجرة، فبطل ~~بذلك اعتبار الأربعين وأيضا الثلاثة جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في ~~كونهما جمعا صحيحا. وما دون الثلاثة مختلف في كونه جمعا صحيحا، فوجب ~~الاقتصار على الثلاثة وإسقاط اعتبار ما زاد. # وقوله تعالى: {وذروا البيع} قال أبو بكر: اختلف السلف في وقت النهي عن ~~البيع، فروي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار: "أن البيع يحرم بزوال الشمس" ~~وقال مجاهد والزهري: "يحرم بالنداء" وقد قيل: إن اعتبار الوقت في ذلك ~~أولى،; إذ كان عليهم الحضور عند دخول الوقت، فلا يسقط ذلك عنهم تأخير ~~النداء ولما لم يكن للنداء قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء الذي بعد ~~الزوال إنما هو بعدما قد وجب إتيان الصلاة. # واختلفوا في جواز البيع عند نداء الصلاة، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد والشافعي: "البيع يقع مع النهي"، وقال مالك: "البيع باطل". قال أبو ~~بكر: قال الله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم} [النساء: 29] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" وظاهره يقتضي وقوع الملك للمشتري في سائر ~~الأوقات لوقوعه عن تراض. فإن قيل: قال الله تعالى: {وذروا البيع} قيل له: ~~نستعملهما فنقول: يقع محظورا عليه عقد البيع في ذلك الوقت لقوله: {وذروا ~~البيع} ويقع الملك بحكم الآية الأخرى والخبر الذي رويناه; وأيضا لما لم ~~يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو الاشتغال # PageV03P599 # عن الصلاة وجب ms2806 أن لا يمنع وقوعه وصحته، كالبيع في آخر وقت صلاة يخاف ~~فوتها إن اشتغل به وهو منهي عنه، ولا يمنع ذلك صحته; لأن النهي تعلق ~~باشتغاله عن الصلاة وأيضا هو مثل تلقي الجلب وبيع حاضر لباد والبيع في ~~الأرض المغصوبة ونحوها كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه. وقد روى عبد العزيز ~~الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم من يبيع في المسجد ~~فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: ~~لا رد الله عليك" وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع في المسجد وأن يشترى فيه وأن ~~تنشد فيه ضالة أو تنشد فيه الأشعار، ونهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ~~وروى عبد الرزاق قال: حدثنا محمد بن مسلم عن عبد ربه بن عبيد الله عن مكحول ~~عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم ~~مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم ~~وخصومتكم وجمروها يوم جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها"، فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن البيع في المسجد، ولو باع فيه جاز; لأن النهي تعلق بمعنى ~~في غير العقد. # PageV03P600 # باب السفر يوم الجمعة # قال أصحابنا: "لا بأس به قبل الزوال وبعده إذا كان يخرج من مصره قبل خروج ~~وقت الظهر" حكاه محمد في السير بلا خلاف، وقال مالك: "لا أحب له أن يخرج ~~بعد طلوع الفجر وليس بحرام، وبعد الزوال لا ينبغي أن يسافر حتى يصلي ~~الجمعة" وكان الأوزاعي والليث والشافعي يكرهون السفر يوم الجمعة حتى يصلي. ~~وروى حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن ~~عباس أن رسول الله وجه ابن رواحة وجعفرا وزيد بن حارثة، فتخلف ابن رواحة، ~~فقال رسول الله صلى ms2807 الله عليه وسلم: "ما خلفك؟ " قال: الجمعة يا رسول الله ~~أجمع ثم أروح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لغدوة في سبيل الله أو ~~روحة خير من الدنيا وما فيها"، قال: فراح منطلقا وروى سفيان الثوري عن ~~الأسود بن قيس عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: "لا تحبس الجمعة عن سفر"، ولا ~~نعرف أحدا من الصحابة خالفه، وروى يحيى بن سعيد عن نافع أن ابنا لعبد الله ~~بن عمر كان بالعقيق على رأس أميال من المدينة، فأتى ابن عمر غداة الجمعة ~~فأخبر بشكواه، فانطلق إليه وترك الجمعة وقال عبيد الله بن عمر: خرج سالم من ~~مكة يوم الجمعة وروي عن عطاء والقاسم بن محمد أنهما كرها أن يخرج يوم ~~الجمعة في صدر النهار وعن الحسن وابن سيرين قالا: "لا بأس بالسفر يوم # PageV03P600 # الجمعة ما لم تحضر الجمعة" وروى إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن النخعي ~~قال: "إذا أراد الرجل السفر يوم الخميس فليسافر غدوة إلى أن يرتفع النهار ~~فإن أقام إلى العشي فلا يخرج حتى يصلي الجمعة" وروي عن عطاء عن عائشة قالت: ~~"إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تجمع" فهذا مذهب عائشة وإبراهيم، قال ~~الله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها} [الملك: 15] ~~فأباح السفر في سائر الأوقات ولم يخصصه بوقت دون وقت. # فإن قيل: هذا واضح في ليلة الجمعة، ويوم الجمعة قبل الزوال وإباحة السفر ~~فيهما، والواجب أن يكون منهيا عنه بعد الزوال; لأنه قد صار من أهل الخطاب ~~بحضورها لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع} قيل له: لا خلاف أن الخطاب بذلك لم يتوجه إلى المسافرين، وفرض ~~الصلاة عندنا يتعلق بآخر الوقت، فإذا خرج وصار مسافرا في آخر الوقت علمنا ~~أنه لم يكن من أهل الخطاب بفعل الجمعة. # وقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ~~; قال الحسن والضحاك: هو إذن ورخصة. قال أبو بكر: لما ذكر بعد الحظر ms2808 كان ~~الظاهر أنه إباحة وإطلاق من حظر، كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2] وقيل: وابتغوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء لله، وقيل: ~~وابتغوا من فضل الله بالتصرف في التجارة ونحوها; وهو إباحة أيضا وهو أظهر ~~الوجهين لأنه قد حظر البيع في صدر الآية كما أمر بالسعي إلى الجمعة. # قال أبو بكر: ظاهر قوله: {وابتغوا من فضل الله} إباحة للبيع الذي حظر ~~بديا، وقال الله تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] فكان المعنى: يبتغون من فضل الله ~~بالتجارة والتصرف ويدل على أنه إنما أراد ذلك أنه قد عقبه بذكر الله، فقال: ~~{واذكروا الله كثيرا} ، وفي هذه الآية دلالة على إباحة السفر بعد صلاة ~~الجمعة; لأنه قال: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} . # وقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} ، روي عن جابر بن ~~عبد الله والحسن قالا: "رأوا عير طعام قدمت المدينة وقد أصابتهم مجاعة"، ~~وقال جابر: "اللهو المزامير" وقال مجاهد: "الطبل" {قل ما عند الله} "من ~~الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة" {خير من اللهو ومن التجارة} . # PageV03P601 # قوله تعالى: {وتركوك قائما} يدل على أن الخطبة قائمة; روى الأعمش عن ~~إبراهيم أن رجلا سأل علقمة أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو ~~قاعدا؟ فقال: ألست تقرأ القرآن {وتركوك قائما} ؟. وروى حصين عن سالم عن ~~جابر قال: قدمت عير من الشام يوم الجمعة ورسول الله يخطب، فانصرف الناس ~~ينظرون وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلا فنزلت هذه ~~الآية: {وتركوك قائما} وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يخطب، فجاءت عير فخرج الناس إليها حتى بقي اثنا عشر ~~رجلا فنزلت الآية قال أبو بكر: اختلف ابن فضيل وابن إدريس في الحديث الأول ~~عن حصين، فذكر ابن فضيل أنه قال: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم" ~~وذكر ابن إدريس أنه قال: "كان النبي يخطب"، ms2809 ويحتمل أن يريد بقوله: "نصلي" ~~أنهم قد حضروا للصلاة منتظرين لها; لأن من ينتظر الصلاة فهو في الصلاة ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن الحسن في قوله تعالى: {انفضوا إليها وتركوك قائما} قال: إن ~~أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر، فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها فخرجوا إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قائم ~~كما هو، قال الله تعالى: {وتركوك قائما} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو ~~اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم نارا" آخر سورة الجمعة. # PageV03P602 # ومن سورة المنافقين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} إلى ~~قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} قال أبو بكر: هذا يدل على ~~أن قوله: "أشهد" يمين; لأن القوم قالوا: "نشهد" فجعله الله يمينا بقوله: ~~{اتخذوا أيمانهم جنة} وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي: "أشهد وأقسم وأعزم وأحلف كلها أيمان" وقال زفر: "إذا قال: أقسم ~~لأفعلن، فهو يمين، ولو قال: أشهد لأفعلن لم يكن يمينا" وقال مالك: "إن أراد ~~بقوله أقسم أي أقسم بالله فهو يمين وإلا فلا شيء وكذلك أحلف" قال: "ولو ~~قال: أعزم لم يكن يمينا إلا أن يقول: أعزم بالله، ولو قال: علي نذر أو قال: ~~نذر لله، فهو على ما نوى، وإن لم تكن له فكفارته كفارة يمين" وقال الشافعي: ~~"أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين إن أرادها، وإن أراد الموعد فليست بيمين، ~~وأشهد بالله إن نوى اليمين فيمين، وإن لم ينو يمينا فليست بيمين، وأعزم ~~بالله إن أراد يمينا فهو يمين" وذكر الربيع عن الشافعي: "إذا قال: أقسم أو ~~أشهد أو أعزم ولم يقل: بالله فهو كقوله: والله، وإن قال: أحلف بالله فلا ~~شيء عليه إلا أن ينوي اليمين". # قال أبو بكر: لا يختلفون أن "أشهد بالله" يمين فكذلك "أشهد" من وجهين: ~~أحدهما: أن الله حكى عن المنافقين ms2810 أنهم قالوا: "نشهد إنك لرسول الله" ثم ~~جعل هذا الإطلاق يمينا من غير أن يقرنه باسم الله، وقال تعالى: {فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] فعبر عن اليمين بالشهادة على الإطلاق. ~~والثاني: أنه لما أخرج ذلك مخرج القسم وجب أن لا يختلف حكمه في حذف اسم ~~الله تعالى وفي إظهاره، وقد ذكر الله تعالى القسم في كتابه فأظهر تارة ~~الاسم وحذفه أخرى والمفهوم باللفظ في الحالين واحد بقوله: {وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] وقال في موضع آخر: {إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين} [القلم: 17] فحذفه تارة اكتفاء بعلم المخاطبين بإضماره وأظهره ~~أخرى، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن أبا ~~بكر # PageV03P603 # عبر عند النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أصبت بعضا وأخطأت بعضا" فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقسم" وروي أنه قال: "والله ~~لتخبرني" فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "أقسمت عليك" يمينا; فمن ~~الناس من يكره القسم لقوله: "لا تقسم" ومنهم من لا يرى به بأسا وأنه إنما ~~قال: " لا تقسم" ; لأن عبارة الرؤيا ظن قد يقع فيها الخطأ، وهذا يدل أيضا ~~على أنه ليس على من أقسم عليه غيره أن يبر قسمه; لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يخبره لما أقسم عليه ليخبره، ويدل أيضا على أن من علم تأويل رؤيا فليس ~~عليه الإخبار بها; لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخبر بتأويل هذه الرؤيا وروى ~~هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكر قد استعمل عمر على ~~الشام، فلقد رأيتني وأنا أشد الإبل بأقتابها، فلما أراد أن يرتحل قال له ~~الناس: تدع عمر ينطلق إلى الشام؟ والله إن عمر ليكفيك الشام وهو ههنا قال: ~~أقسمت عليك لما أقمت وروي عن ابن عباس أنه قال للعباس فيما خاصم فيه عليا ~~من أشياء تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2811 بإيثاره: أقسمت عليك لما ~~سلمته لعلي. وقد روى البراء قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإبرار القسم، وهذا يدل على إباحة القسم وأنه يمين، وهذا على وجه الندب; ~~لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر لما قال: "أقسمت عليك " وعن ~~ابن مسعود وابن عباس وعلقمة وإبراهيم وأبي العالية والحسن: القسم يمين وقال ~~الحسن وأبو العالية: أقسمت وأقسمت بالله سواء. # PageV03P604 # باب من فرط في زكاة ماله # قال الله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} ~~الآية روى عبد الرزاق قال: حدثنا سفيان عن أبي حباب عن أبي الضحى عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له مال تجب فيه الزكاة ومال ~~يبلغه بيت الله ثم لم يحج ولم يزك سأل الرجعة"، وتلا قوله تعالى: {وأنفقوا ~~من ما رزقناكم} الآية; وقد روي ذلك موقوفا على ابن عباس إلا أن دلالة الآية ~~ظاهرة على حصول التفريط بالموت; لأنه لو لم يكن مفرطا ووجب أداؤها من ماله ~~بعد موته لكانت قد تحولت إلى المال فلزم الورثة إخراجها، فلما سأل الرجعة ~~علمنا أن الأداء فائت وأنه لا يتحول إلى المال ولا يؤخذ من تركته بعد موته ~~إلا أن يتبرع به الورثة. آخر سورة المنافقين. # PageV03P604 # ومن سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} قال ~~أبو بكر: يحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوها: أحدها: اكتفاء بعلم المخاطبين ~~بأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لهم، إذ كانوا مأمورين ~~بالاقتداء به إلا ما خص به دونهم، فخصه بالذكر ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة; ~~إذ كان خطابه خطابا للجماعة. والثاني: أن تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك ~~إذا طلقتم النساء. والثالث: على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه ~~الأتباع، كقوله تعالى: {إلى فرعون وملأه} [الأعراف: 103] . # وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ; قال أبو بكر: روي عن ابن عمر رضي الله ~~عنه أنه طلق امرأته ms2812 في الحيض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر من حيضتها ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت ~~فليفارقها قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق ~~لها النساء" رواه نافع عن ابن عمر وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع ابن ~~عمر يقول: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: "فطلقوهن في قبل عدتهن قال: طاهرا ~~من غير جماع". وروى وكيع عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن ~~سالم عن ابن عمر: أنه طلق امرأته في الحيض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم يطلقها وهي حامل أو غير حامل وفي ~~لفظ آخر: فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها". قال أبو ~~بكر: بين النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله في قوله تعالى: {فطلقوهن ~~لعدتهن} وأن وقت الطلاق المأمور به أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا ~~قد استبان حملها، وبين أيضا أن السنة في الإيقاع من وجه آخر وهو أن يفصل ~~بين التطليقتين بحيضة بقوله: "يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى ~~ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء" فدل ذلك على أن الجمع بين التطليقتين في طهر ~~واحد ليس من السنة، وما نعلم أحدا أباح طلاقها في الطهر بعد الجماع إلا ~~شيئا رواه وكيع عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال: "إذا طلقها # PageV03P605 # وهي طاهر فقد طلقها للسنة وإن كان قد جامعها"، وهذا القول خلاف السنة ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف إجماع الأمة; إلا أنه قد روي ~~عنه ما يدل على أنه أراد الحامل، وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح ~~عن بيان عن الشعبي قال: "إذا طلقها حاملا فقد طلقها للسنة وإن كان قد ~~جامعها"، فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل. # وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} منتظم للواحدة ms2813 وللثلاث مفرقة في الأطهار; ~~لأن إدخال "اللام" يقتضي ذلك، كقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق الليل} [الإسراء: 78] قد انتظم فعلها مكررا عند الدلوك، فدل ذلك على ~~معنيين: أحدهما إباحة الثلاث مفرقة في الأطهار، وإبطال قول من قال: "إيقاع ~~الثلاث في الأطهار المتفرقة ليس من السنة" وهو مذهب مالك والأوزاعي والحسن ~~بن صالح والليث والثاني: تفريقها في الأطهار وحظر جمعها في طهر واحد; لأن ~~قوله: {لعدتهن} يقتضي ذلك لا فعل الجميع في طهر واحد، كقوله تعالى: {لدلوك ~~الشمس} لم يقتض فعل صلاتين في وقت واحد وإنما اقتضى فعل الصلاة مكررة في ~~الأوقات وقول أصحابنا: إن طلاق السنة من وجهين: أحدهما: في الوقت، وهو أن ~~يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها. والآخر: من جهة العدد، ~~وهو أن لا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة والوقت مشروط لمن يطلق في ~~العدة; لأن من لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها مباح في ~~الحيض لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة} [البقرة: 236] فأباح طلاقها في كل حال من طهر أو حيض، وقد بينا ~~بطلان قول من قال: إن جمع الثلاث في طهر واحد من السنة ومن منع إيقاع ~~الثلاث في الأطهار المتفرقة في سورة البقرة. # فإن قيل: لما جاز طلاق الحامل بعد الجماع كذلك الحائل يجوز طلاقها في ~~الطهر بعد الجماع، قيل له: لا حظ للنظر مع الأثر واتفاق السلف، ومع ذلك فإن ~~الفرق بينهما واضح وهو أنه إذا طهرت من حيضتها ثم جامعها لا ندري لعلها قد ~~حملت من الوطء وعسى أن لا يريد طلاقها إن كانت حاملا فيلحقه الندم، وإذا لم ~~يجامعها بعد الطهر فإن وجود الحيض علم لبراءة الرحم فيطلقها وهو على بصيرة ~~من طلاقها. # قوله تعالى: {وأحصوا العدة} يعني والله أعلم العدة التي أوجبها الله ~~بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وبقوله: ~~{واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] إلى قوله: {واللائي لم ms2814 يحضن وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ; لأن جميع ذلك عدد للمطلقات على ~~حسب اختلاف # PageV03P606 # الأحوال المذكورة لهن; فيكون إحصاؤها لمعان، أحدها: لما يريد من رجعة ~~وإمساك أو تسريح وفراق. والثاني: مراعاة حالها في بقائها على الحال التي ~~طلقت عليها من غير حدوث حال يوجب انتقال عدتها إليها. والثالث: لكي إذا ~~بانت يشهد على فراقها ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن يجوز له جمعها ~~إليها ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضائها وذكر بعض من صنف في أحكام القرآن ~~أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون: "إن طلاق السنة واحدة، وأن من طلاق السنة ~~أيضا إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة; فذكروا أن الأول ~~هو السنة والثاني أيضا سنة; فكيف يكون شيء وخلافه سنة ولو جاز ذلك لجاز أن ~~يكون حراما حلالا، ولو قال: إن الثاني رخصة كان أشبه" قال أبو بكر: وهذا ~~كلام من لا تعلق له بمعرفة أصول العبادات وما يجوز وروده منها مما لا يجوز، ~~ولا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادة بمثله; إذ جائز أن يكون السنة ~~في الطلاق أن يخير بين إيقاع الواحدة في طهر والاقتصاد عليها وبين أن يطلق ~~بعدها في الطهر الثاني والثالث، وجميع ذلك مندوب إليه، ويكون مع ذلك أحد ~~الوجهين أحسن من الآخر كما قال تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور:60] ثم قال: {وأن يستعففن ~~خير لهن} [النور:60] وخير الله الحانث في يمينه بين أحد أشياء ثلاثة وأيها ~~فعل كان فرضه وقوله: "ولو جاز ذلك لجاز أن يكون حلالا حراما" يوجب نفي ~~التخيير في شيء من السنن والفروض كما امتنع أن يكون شيء واحد حراما حلالا; ~~وعوار هذا القول وفساده أظهر من أن يحتاج إلى الإطناب في الرد على قائله ~~وروي نحو قولنا بعينه عن ابن مسعود وجماعة من التابعين. # وقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} فيه نهي للزوج عن إخراجها ~~ونهي لها عن الخروج، ms2815 وفيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة; لأن ~~بيوتهن التي نهى الله عن إخراجها منها هي البيوت التي كانت تسكنها قبل ~~الطلاق، فأمر بتبقيتها في بيتها ونسبها إليها بالسكنى كما قال: {وقرن في ~~بيوتكن} [الأحزاب: 33] ، وإنما البيوت كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ولهذه ~~الآية قال أصحابنا: "لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها" ومنعوها ~~من السفر في العدة. قال أبو بكر: ولا خلاف نعلمه بين أهل العلم في أن على ~~الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعي وأنه غير جائز له إخراجها من ~~بيتها. # وقوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} روي عن ابن عمر قال: "خروجها ~~قبل انقضاء العدة فاحشة"، وقال ابن عباس: "إلا أن تبذو على أهله فإذا فعلت ~~ذلك حل لهم أن يخرجوها" وقال الضحاك: "الفاحشة المبينة عصيان الزوج" وقال ~~الحسن وزيد بن # PageV03P607 # أسلم: "أن تزني فتخرج للحد" وقال قتادة: "إلا أن تنشز فإذا فعلت حل ~~إخراجها" قال أبو بكر: هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ وجائز أن يكون ~~جميعها مرادا فيكون خروجها فاحشة وإذا زنت أخرجت للحد وإذا بذت على أهله ~~أخرجت أيضا; وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس بالانتقال حين ~~بذت على أحمائها، فأما عصيان الزوج والنشوز فإن كان في البذاء وسوء الخلق ~~اللذين يتعذر المقام معها فيه فجائز أن يكون مرادا، وإن كانت إنما عصت ~~زوجها في شيء غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها وما ذكرنا من التأويل ~~المراد يدل على جواز انتقالها للعذر; لأنه تعالى قد أباح لها الخروج ~~للأعذار التي وصفنا. # قوله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} يدل على أنه إذا طلق لغير ~~السنة وقع طلاقه وكان ظالما لنفسه بتعديه حدود الله; لأنه ذكر ذلك عقيب ~~طلاق العدة فأبان أن من طلق لغير العدة فطلاقه واقع; لأنه لو لم يقع طلاقه ~~لم يكن ظالما لنفسه ويدل على أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه لنفسه، قوله ~~تعالى عقيبه: {لا ms2816 تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} يعني أن يحدث له ندم ~~فلا ينفعه; لأنه قد طلق ثلاثا وهو يدل أيضا على بطلان قول الشافعي في أن ~~إيقاع الثلاث في كلمة واحدة من السنة; لأن الله جعله ظالما لنفسه حين طلق ~~ثلاثا وترك اعتبار ما عسى أن يلحقه من الندم بإبانتها; وحكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على ابن عمر بطلاقه إياها في الحيض وأمره بمراجعتها; لأن الطلاق ~~الأول كان خطأ فأمره بالرجعة ليقطع أسباب الخطإ ويبتدئه على السنة. # وزعم قوم أن الطلاق في حال الحيض لا يقع. وقد بينا بطلان هذا القول في ~~سورة البقرة من جهة الكتاب والسنة، وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق ~~في الحيض وذكره لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه بالمراجعة قال: قلت: ~~فيعتد بها؟ قال: "فمه؟ أرأيت إن عجز واستحمق؟ " فإن احتج محتج بما حدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد ~~الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن ~~أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال: كيف ترى في رجل طلق ~~امرأته حائضا؟ قال طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عبد ~~الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض; فقال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا ~~وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك" قال ابن عمر: فقرأ النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن". # فقال المحتج: فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا، وذلك يدل على أن الطلاق ~~لم يقع فيقل له: ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم يحكم بالطلاق، بل دلالته ~~ظاهرة على # PageV03P608 # وقوعه; لأنه قال: "وردها علي" وهو يعني الرجعة. وقوله: "ولم يرها شيئا" ~~يعني أنه لم يبنها منه وقد روي حديث ابن ms2817 عمر عنه عن أنس بن سيرين وابن جبير ~~وزيد بن أسلم ومنصور عن أبي وائل عنه، كلهم يقول فيه: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر. # وقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} يعني ~~به مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقته; لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو ~~انقضاء العدة ولم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونا بذكر ~~الرجعة بقوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ، يعني أن يبدو له ~~فيراجعها; وقوله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} قال في سورة البقرة: ~~{فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] . # PageV03P609 # باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة # قال الله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم} فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار ~~الزوج; وقد روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبو قلابة أنه إذا رجع ~~ولم يشهد فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك. قال أبو بكر: لما جعل له الإمساك أو ~~الفراق ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد ~~بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة ولم يختلف الفقهاء في أن المراد ~~بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح ~~وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم ~~لم يكن شرطا في صحتها، كذلك الرجعة وأيضا لما كانت الفرقة حقا له وجازت ~~بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له، وجب ~~أن تجوز بغير إشهاد وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة ~~احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم ~~يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط ~~فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا، ~~وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد ms2818 الرجعة بساعة أو ~~ساعتين; ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا ~~شيئا يروى عن عطاء، فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال: "الطلاق ~~والنكاح والرجعة بالبينة"، وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك ~~احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود، ألا ترى أنه ذكر ~~الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة؟ وقد روى شعبة عن # PageV03P609 # مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا: "إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة". # وقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} فيه أمر بإقامة الشهادات عند الحكام ~~على الحقوق كلها; لأن الشهادة هنا اسم للحبس وإن كان مذكورا بعد الأمر ~~بإشهاد ذوي عدل على الرجعة; لأن ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على ~~عمومه، فانتظم ذلك معنيين: أحدهما: الأمر بإقامة الشهادة، والآخر: أن إقامة ~~الشهادة حق لله تعالى، وأفاد بذلك تأكيده والقيام به. # PageV03P610 # باب عدة الآيسة والصغيرة # قال الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} قال أبو بكر: قد اقتضت الآية إثبات الإياس لمن ~~ذكرت في الآية من النساء بلا ارتياب، وقوله تعالى: {إن ارتبتم} غير جائز أن ~~يكون المراد به الارتياب في الإياس; لأنه قد أثبت حكم من ثبت إياسها في أول ~~الآية، فوجب أن يكون المراد به الارتياب في غير الإياس واختلف أهل العلم في ~~الريبة المذكورة في الآية، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال "قال أبي بن كعب: ~~يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار ~~وأولات الأحمال فأنزل الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في عدد من ذكر ~~من الصغار والكبار وأولات الأحمال، وأن ذكر الارتياب في الآية إنما هو على ~~وجه ذكر السبب الذي نزل عليه ms2819 الحكم فكان بمعنى: واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر. # واختلف السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار في التي يرتفع حيضها، فروى ابن ~~المسيب عن عمر قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها ~~فإنه ينتظر بها تسعة أشهر فإن استبان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة ~~الأشهر بثلاثة أشهر ثم حلت. وعن ابن عباس في التي ارتفع حيضها سنة قال: تلك ~~الريبة وروى معمر عن قتادة عن عكرمة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ~~ريبة عدتها ثلاثة أشهر وروى سفيان عن عمرو وعن طاوس مثله وروي عن علي ~~وعثمان وزيد بن ثابت أن عدتها ثلاث حيض وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد ~~بن يحيى بن حبان أنه قال: وكان عند جده حبان امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق ~~الأنصارية وهي ترضع فمرت به سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ولم أحض، # PageV03P610 # فاختصما إلى عثمان فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان، فقال هذا عمل ~~ابن عمك هو أشار علينا بذلك، يعني علي بن أبي طالب. وروى ابن وهب قال: ~~أخبرني يونس عن ابن شهاب بهذه القصة قال: وبقيت تسعة أشهر لا تحيض، وذكر ~~القصة فشاور عثمان عليا وزيدا فقالا: ترثه; لأنها ليست من القواعد اللائي ~~قد يئسن من المحيض ولا من الأبكار اللائي لم يحضن، وهي عنده على حيضتها ما ~~كانت من قليل أو كثير وهذا يدل على قولهما: إن قوله تعالى: {إن ارتبتم} ليس ~~على ارتياب المرأة ولكنه على ارتياب الشاكين في حكم عددهن، وأنها لا تكون ~~آيسة حتى تكون من القواعد اللاتي لا يرجى حيضهن وروي عن ابن مسعود مثل ذلك. # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا، فقال أصحابنا في التي يرتفع حيضها لا ~~لإياس منه في المستأنف: "إن عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض ~~أهلها من النساء فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر" وهو قول الثوري والليث ~~والشافعي وقال مالك: "تنتظر تسعة ms2820 أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر، ~~فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر استقبلت الحيض، فإن مضت بها تسعة أشهر ~~قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر" وقال ابن القاسم عن مالك: "إذا حاضت المطلقة ~~ثم ارتابت فإنما تعتد بالتسعة الأشهر من يوم رفعت حيضتها لا من يوم طلقت"، ~~قال مالك في قوله تعالى: {إن ارتبتم} "معناه إن لم تدروا ما تصنعون في ~~أمرها" وقال الأوزاعي في رجل طلق امرأته وهي شابة فارتفعت حيضتها فلم تر ~~شيئا ثلاثة أشهر: "فإنها تعتد سنة". # قال أبو بكر: أوجب الله بهذه الآية عدة الآيسة ثلاثة أشهر، واقتضى ظاهر ~~اللفظ أن تكون هذه العدة لمن قد ثبت إياسها من الحيض من غير ارتياب، كما ~~كان قوله: {واللائي لم يحضن} لمن ثبت أنها لم تحض، وكقوله: {وأولات الأحمال ~~أجلهن} [الطلاق: 4] لمن قد ثبت حملها، فكذلك قوله: {واللائي يئسن} لمن قد ~~ثبت إياسها وتيقن ذلك منها دون من يشك في إياسها ثم لا يخلو قوله: {إن ~~ارتبتم} من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة ~~وليست بآيسة، أو الارتياب في أنها حامل أو غير حامل، أو ارتياب المخاطبين ~~في عدة الآيسة والصغيرة; وغير جائز أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة ~~أو غير آيسة; لأنه تعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها أنها آيسة، والمشكوك ~~فيها لا تكون آيسة لاستحالة مجامعة اليأس للرجاء; إذ هما ضدان لا يجوز ~~اجتماعهما حتى تكون آيسة من المحيض مرجوا ذلك منها، فبطل أن يكون المعنى ~~الارتياب في اليأس ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن المسنة التي قد تيقن ~~إياسها من الحيض مرادة بالآية، والارتياب المذكور راجع إلى جميع المخاطبين # PageV03P611 # وهو في التي قد تيقن إياسها ارتياب المخاطبين في العدة فوجب أن يكون في ~~المشكوك في إياسها مثله لعموم اللفظ في الجميع. وأيضا فإذا كانت عادتها وهي ~~شابة أنها تحيض في كل سنة مرة فهذه غير مرتاب في إياسها بل قد تيقن أنها من ~~ذوات ms2821 الحيض، فكيف يجوز أن تكون عدتها سنة مع العلم بأنها غير آيسة، وأنها ~~من ذوات الحيض وتراخي ما بين الحيضتين من المدة لا يخرجها من أن تكون من ~~ذوات الحيض فالموجب عليها عدة الشهور مخالف للكتاب; لأن الله تعالى جعل عدة ~~ذوات الأقراء الحيض بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] ولم يفرق بين من طالت مدة حيضتها أو قصرت ولا يجوز أن يكون ~~أيضا المراد الارتياب في الإياس من الحمل; لأن اليأس من الحيض هو الإياس من ~~الحبل، وقد دللنا على بطلان قول من رد الارتياب إلى الحيض، فلم يبق إلا ~~الوجه الثالث، وهو ارتياب المخاطبين، وعلى ما روي عن أبي بن كعب حين سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين شك في عدة الآيسة والصغيرة. وأيضا لو كان ~~المراد الارتياب في الإياس لكان توجيه الخطاب إليهن أولى من توجيهه إلى ~~الرجال; لأن الحيض إنما يتوصل إلى معرفته من جهتها ولذلك كانت مصدقة فيه ~~فكان يقول: إن ارتبتن أو ارتبن فلما خاطب الرجال بذلك دونهن علم أنه أراد ~~ارتياب المخاطبين في العدة. # وقوله تعالى: {واللائي لم يحضن} يعني: واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر; ~~لأنه كلام لا يستقل بنفسه فلا بد له من ضمير، وضميره ما تقدم ذكره مظهرا ~~وهو العدة بالشهور. # PageV03P612 # باب عدة الحامل # قال الله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} قال أبو بكر: لم ~~يختلف السلف والخلف بعدهم أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها، واختلف ~~السلف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عباس: تعتد الحامل ~~المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين وقال عمرو وابن مسعود وابن عمر وأبو مسعود ~~البدري وأبو هريرة: عدتها الحمل فإذا وضعت حلت للأزواج وهو قول فقهاء ~~الأمصار. قال أبو بكر: روى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: من شاء ~~لاعنته ما نزلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} إلا بعد آية المتوفى ~~عنها زوجها". قال أبو بكر: قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين: أحدهما: ms2822 ~~إثبات تاريخ نزول الآية وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها، ~~والثاني: أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة بما ~~قبلها من ذكر المطلقة، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المطلقات # PageV03P612 # والمتوفى عنهن أزواجهن وأن لا يجعل الحكم مقصورا على المطلقات; لأنه ~~تخصيص عموم بلا دلالة. # ويدل على أن المتوفى عنها زوجها داخلة في الآية مرادة بها اتفاق الجميع ~~على أن مضي شهور المتوفى عنها زوجها لا يوجب انقضاء عدتها دون وضع الحمل، ~~فدل على أنها مرادة بها، فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره، ولو جاز اعتبار ~~الشهور; لأنها مذكورة في آية أخرى لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المطلقة; ~~لأنها مذكورة في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] وفي سقوط اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور ~~مع الحمل. وقد روى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك: أن ~~سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، فتشوقت للنكاح، فذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن تفعل فقد خلا أجلها". وروى يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اختلف ابن عباس وأبو هريرة في ~~ذلك، فأرسل ابن عباس كريبا إلى أم سلمة فقالت: إن سبيعة وضعت بعد وفاة ~~زوجها بأيام، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج وروى محمد بن ~~إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن سبيعة أنها وضعت بعد موت ~~زوجها بشهرين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تزوجي! " وجعل ~~أصحابنا عدة امرأة الصغير من الوفاة الحمل إذا توفي عنها زوجها وهي حامل، ~~لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ولم يفرق بين امرأة ~~الصغير والكبير ولا بين من يلحقه بالنسب أو لا يلحقه. # PageV03P613 # باب السكنى للمطلقة # قال الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} الآية. قال أبو بكر: ~~اتفق الجميع من فقهاء الأمصار وأهل العراق ومالك والشافعي على ms2823 وجوب السكنى ~~للمبتوتة وقال ابن أبي ليلى: "لا سكنى للمبتوتة إنما هي للرجعية". قال أبو ~~بكر: قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} قد انتظم الرجعية والمبتوتة، والدليل ~~على ذلك أن من بقي من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد طلاقها ~~بالآية، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يطلقها طاهرا من غير جماع ~~أو حاملا قد استبان حملها"، ولم يفرق بين التطليقة الأولى وبين الثالثة ~~فإذا كان قوله: {فطلقوهن لعدتهن} قد تضمن البائن، ثم قال: {أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم} وجب ذلك للجميع من البائن والرجعي. # فإن قيل: لما قال تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وقال: ~~{فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} دل ذلك على أنه أراد ~~الرجعي # PageV03P613 # قيل له: هذا أحد ما انتظمته الآية، ولا دلالة فيه على أن أول الخطاب في ~~الرجعي دون البائن، وهو مثل قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] وهو عموم في البائن والرجعي. ثم قوله: {وبعولتهن أحق بردهن} ~~[البقرة: 228] إنما هو حكم خاص في الرجعي، ولم يمنع أن يكون قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] عاما في الجميع. ~~واحتج ابن أبي ليلى بحديث فاطمة بنت قيس، وسنتكلم فيه عند ذكر نفقة ~~المبتوتة إن شاء الله تعالى. # واختلف فقهاء الأمصار في نفقة المبتوتة، فقال أصحابنا والثوري والحسن بن ~~صالح: "لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة حاملا كانت أو غير حامل" ~~وروي مثله عن عمر وابن مسعود وقال ابن أبي ليلى: "لا سكنى للمبتوتة ولا ~~نفقة"، وروي عنه أن لها السكنى ولا نفقة لها وقال عثمان البتي: "لكل مطلقة ~~السكنى والنفقة وإن كانت غير حامل" وكان يرى أنها تنتقل إن شاءت، وقال ~~مالك: "للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا"، وروي عنه أن عليه ~~نفقة الحامل المبتوتة إن كان موسرا وإن كان معسرا فلا نفقة لها عليه. وقال ~~الأوزاعي والليث والشافعي: "للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون ~~حاملا" قال الله ms2824 تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن ~~لتضيقوا عليهن} ; وقد تضمنت هذه الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ~~ثلاثة أوجه: أحدها: أن السكنى لما كانت حقا في مال وقد أوجبها الله لها بنص ~~الكتاب; إذ كانت الآية قد تناولت المبتوتة والرجعية فقد اقتضى ذلك وجوب ~~النفقة; إذ كانت السكنى حقا في مال وهي بعض النفقة. والثاني: قوله: {ولا ~~تضاروهن} والمضارة تقع في النفقة كهي في السكنى والثالث: قوله: {لتضيقوا ~~عليهن} والتضييق قد يكون في النفقة أيضا، فعليه أن ينفق عليها ولا يضيق ~~عليها فيها. # وقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} قد انتظم المبتوتة ~~والرجعية; ثم لا تخلو هذه النفقة من أن يكون وجوبها لأجل الحمل أو; لأنها ~~محبوسة عليه في بيتها، فلما اتفق الجميع على أن النفقة واجبة للرجعية ~~بالآية لا للحمل بل; لأنها محبوسة عليه في بيته وجب أن تستحق المبتوتة ~~النفقة لهذه العلة; إذ قد علم ضمير الآية في علية استحقاق النفقة للرجعية، ~~فصار كقوله: {فأنفقوا عليهن} لعلة أنها محبوسة عليه في بيته; لأن الضمير ~~الذي تقوم الدلالة عليه بمنزلة المنطوق به ومن جهة أخرى وهي أن نفقة الحامل ~~لا تخلو من أن تكون مستحقة للحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته، فلو كانت ~~مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال أن ينفق عليها من ماله كما أن ~~نفقة الصغير في مال نفسه، فلما اتفق الجميع على أن الحمل إذا كان له مال ~~كانت نفقة أمه # PageV03P614 # على الزوج لا في مال الحمل دل على أن وجوب النفقة متعلق بكونها محبوسة في ~~بيته. وأيضا كان يجب أن تكون في الطلاق الرجعي نفقة الحامل في مال الحمل ~~إذا كان له مال، كما أن نفقته بعد الولادة من مال، فلما اتفق الجميع على أن ~~نفقتها في الطلاق الرجعي لم تجب في مال الحمل وجب مثله في البائن، وكان يجب ~~أن تكون نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها في نصيب الحمل من الميراث. # فإن قيل: فما ms2825 فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة؟ قيل له: قد ~~دخلت فيه المطلقة الرجعية ولم يمنع نفي النفقة لغير الحامل، فكذلك في ~~المبتوتة; وإنما ذكر الحمل; لأن مدته قد تطول وتقصر، فأراد إعلامنا وجوب ~~النفقة مع طول مدة الحمل التي هي في العدة أطول من مدة الحيض ومن جهة النظر ~~أن الناشزة إذا خرجت من بيت زوجها لا تستحق النفقة مع بقاء الزوجية، لعدم ~~تسليم نفسها في بيت الزوج، ومتى عادت إلى بيته استحقت النفقة، فثبت أن ~~المعنى الذي تستحق به النفقة هو تسليم نفسها في بيت الزوج، فلما اتفقنا ومن ~~أوجب السكنى على وجوب السكنى وصارت بها مسلمة لنفسها في بيت زوجها وجب أن ~~تستحق النفقة وأيضا لما اتفق الجميع على أن المطلقة الرجعية تستحق النفقة ~~في العدة وجب أن تستحقها المبتوتة، والمعنى فيها أنها معتدة من طلاق، وإن ~~شئت قلت: إنها محبوسة عليه بحكم عقد صحيح، وإن شئت قلت: إنها مستحقة ~~للسكنى، فأي هذه المعاني اعتللت به صح القياس عليها. ومن جهة السنة ما روى ~~حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن الشعبي: أن فاطمة بنت قيس طلقها ~~زوجها طلاقا بائنا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا نفقة لك ولا ~~سكنى"، قال: فأخبرت بذلك النخعي فقال: قال عمر بن الخطاب، وأخبر بذلك فقال: ~~لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول ~~امرأة لعلها أوهمت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لها السكنى ~~والنفقة" وروى سفيان عن سلمة عن الشعبي عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه لم يجعل لها حين طلقها زوجها ثلاثا سكنى ولا نفقة، فذكرت ذلك ~~لإبراهيم فقال: قد رفع ذلك إلى عمر فقال: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ~~لقول امرأة: لها السكنى والنفقة فقد نص هذان الخبران على إيجاب النفقة ~~والسكنى، وفي الأول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لها السكنى ~~والنفقة" ولو لم يقل ذلك كان ms2826 قوله: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا" يقتضي أن ~~يكون ذلك نصا من النبي صلى الله عليه وسلم في إيجابهما. # واحتج المبطلون للسكنى والنفقة ومن نفى النفقة دون السكنى بحديث فاطمة ~~بنت قيس هذا، وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه، ومن شرط قبول ~~أخبار الآحاد تعريها من نكير السلف أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس ~~في الحديث # PageV03P615 # الأول الذي قدمناه. وروى القاسم بن محمد أن مروان ذكر لعائشة حديث فاطمة ~~بنت قيس فقالت: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة بنت قيس وقالت في بعضه: ما ~~لفاطمة خير في أن تذكر هذا الحديث يعني قولها: "لا سكنى لك ولا نفقة" وقال ~~ابن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس، استطالت على أحمائها بلسانها، فأمرت ~~بالانتقال. وقال أبو سلمة: أنكر الناس عليها ما كانت تحدث به. وروى الأعرج ~~عن أبي سلمة أن فاطمة كانت تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لها: "اعتدي في بيت ابن أم مكتوم" ; قال: وكان محمد بن أسامة يقول: كان ~~أسامة إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئا رماها بما كان في يده; فلم يكن ينكر ~~عليها هذا النكير إلا وقد علم بطلان ما روته وروى عمار بن رزيق عن أبي ~~إسحاق قال: كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد فقال الشعبي: حدثتني فاطمة ~~بنت قيس أن النبي قال لها: "لا سكنى لك ولا نفقة" قال: فرماه الأسود بحصى ~~ثم قال: ويلك أتحدث بمثل هذا؟ قد رفع ذلك إلى عمر فقال: لسنا بتاركي كتاب ~~ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا تدري لعلها كذبت; قال الله تعالى: {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن} وروى الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة: "أن فاطمة بنت قيس أفتت بنت أخيها وقد طلقها زوجها بالانتقال من بيت ~~زوجها، فأنكر ذلك مروان، فأرسل إلى فاطمة يسألها على ذلك، فذكرت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أفتاها بذلك، فأنكر ذلك مروان وقال: قال الله ~~تعالى: ms2827 {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} قالت فاطمة: إنما هذا في الرجعي ~~لقوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف} فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث من أحد قبلك وسآخذ ~~بالعصمة التي وجدت الناس عليها، فقد ظهر من هؤلاء السلف النكير على فاطمة ~~في روايتها لهذا الحديث، ومعلوم أنهم كانوا لا ينكرون روايات الأفراد ~~بالنظر والمقايسة، فلولا أنهم قد علموا خلافه من السنة ومن ظاهر الكتاب لما ~~أنكروه عليها وقد استفاض خبر فاطمة في الصحابة فلم يعمل به منهم أحد إلا ~~شيئا روي عن ابن عباس رواه الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس أنه كان ~~يقول في المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها: "لا نفقة لهما وتعتدان حيث ~~شاءتا". فهذا الذي ذكرنا في رد خبر فاطمة بنت قيس من جهة ظهور النكير من ~~السلف عليها وفي روايتها ومعارضة حديث عمر إياه يلزم الفريقين من نفاة ~~السكنى والنفقة وممن نفى النفقة وأثبت السكنى، وهو لمن نفى النفقة دون ~~السكنى ألزم; لأنهم قد تركوا حديثها في نفي السكنى لعلة أوجبت ذلك، فتلك ~~العلة بعينها هي الموجبة لترك حديثها في نفي النفقة. # فإن قيل: إنما لم يقبل حديثها في نفي السكنى لمخالفته لظاهر الكتاب، وهو ~~قوله # PageV03P616 # تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} قيل له: قد احتجت هي في أن ذلك في المطلقة ~~الرجعية، ومع ذلك فإن جاز عليها الوهم والغلط في روايتها حديثا مخالفا ~~للكتاب فكذلك سبيلها في النفقة. # وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى ~~والنفقة وذلك لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها فأمروها ~~بالانتقال وكانت سبب النقلة، وقال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} . وقد روي عن ابن عباس في تأويله: "أن ~~تستطيل على أهله فيخرجوها" فلما كان سبب النقلة من جهتها كانت بمنزلة ~~الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة ~~هي الموجبة لإسقاط السكنى; وهذا يدل ms2828 على صحة أصلنا الذي قدمنا في أن ~~استحقاق النفقة متعلق باستحقاق السكنى. # فإن قيل: ليست النفقة كالسكنى; لأن السكنى حق لله تعالى لا يجوز تراضيهما ~~على إسقاطها، والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها لسقطت قيل له: لا فرق بينهما ~~من الوجه الذي وجب قياسها عليها; وذلك لأن السكنى فيها معنيان: أحدهما: حق ~~لله تعالى وهو كونها في بيت الزوج. والآخر: حق لها وهو ما يلزم في المال من ~~أجرة البيت إن لم يكن له، ولو رضيت بأن تعطى هي الأجرة وتسقطها عن الزوج ~~جاز، فمن حيث هي حق في المال قد استويا. # واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس وابن مسعود ~~وابن عمر وشريح وأبو العالية والشعبي وإبراهيم: "نفقتها من جميع المال" ~~وقال ابن عباس وجابر وابن الزبير والحسن وابن المسيب وعطاء "لا نفقة لها في ~~مال الزوج بل هي على نفسها" واختلف فقهاء الأمصار أيضا في ذلك، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: "لا سكنى لها ولا نفقة في مال الميت حاملا ~~كانت أو غير حامل" وقال ابن أبي ليلى: "نفقتها في مال الزوج بمنزلة الدين ~~على الميت إذا كانت حاملا" وقال مالك: "نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ~~ولها السكنى إن كانت الدار للزوج، وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها ~~حتى تنقضي عدتها، وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال ~~الزوج"، هذه رواية ابن وهب. وقال ابن القاسم عن مالك: "لا نفقة لها في مال ~~الزوج الميت ولها السكنى إن كان الدار للميت، وإن كان عليه دين فهي أحق ~~بالسكنى من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى على المشتري" وقال الأشجعي ~~عن الثوري: "إذا كانت حاملا أنفق عليها من جميع المال حتى تضع، فإذا وضعت ~~أنفق على الصبي من نصيبه". وروى المعافى عنه أن نفقتها من حصتها وقال # PageV03P617 # الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل: "فلا نفقة لها، وإن كانت أم ولد ~~فلها النفقة من جميع المال حتى تضع" ms2829 وقال الليث في أم الولد إذا كانت حاملا ~~منه: "فإنه ينفق عليها من جميع المال، فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها، وإن ~~لم تلد كان ذلك دينا يتبع به" وقال الحسن بن صالح: "للمتوفى عنها زوجها ~~النفقة من جميع المال" وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين: أحدهما: ~~"لها السكنى والنفقة". والآخر: "لا سكنى لها ولا نفقة". # قال أبو بكر: قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير ~~الحامل ولا سكنى، فوجب أن تكون الحامل مثلها لاتفاق الجميع على أن هذه ~~النفقة غير مستحقة للحمل، ألا ترى أن أحدا منهم لم يوجبها في نصيب الحمل من ~~الميراث وإنما قالوا فيه قولين، قائل يجعل نفقتها من نصيبها، وقائل يجعل ~~النفقة من جميع مال الميت، ولم يوجبها أحد في حصة الحمل؟ فلما لم تجب ~~النفقة لأجل الحمل ولم يجز أن تكون مستحقة لأجل كونها في العدة; لأنها لو ~~وجبت للعدة لوجبت لغير الحامل، فلم يبق وجه تستحق به النفقة وأيضا لما لم ~~تستحق السكنى في مال الزوج بدلائل قد قامت عليه لم تستحق النفقة وأيضا فإن ~~النفقة إذا وجبت فإنما تجب حالا فحالا، فلما مات الزوج انتقل ميراثه إلى ~~الورثة، وليس للزوج مال في هذه الحال وإنما هو مال الوارث، فلا يجوز ~~إيجابها عليهم. # فإن قيل: تصير بمنزلة الدين، قيل له: الدين الذي يثبت في ميراث المتوفى ~~إنما يثبت بأحد وجهين: إما أن يكون ثابتا على الميت في حياته، أو يتعلق ~~وجوبه بسبب كان من الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البئر إذا وقع فيها ~~إنسان بعد موته; والنفقة خارجة عن الوجهين، فلا يجوز إيجابها في ماله لعدم ~~السبب الذي به تعلق وجوب النفقة وعدم ماله بزواله إلى الورثة، ألا ترى أن ~~النكاح قد بطل بالموت وأن ملك الميت قد زال إلى الورثة؟ فلم يبق لإيجاب ~~النفقة وجه; ألا ترى أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه العلة؟. # فإن قيل: قال الله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ms2830 عليهن} وهو عموم في ~~المتوفى عنها زوجها والمطلقة، كما كان قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} عموما في الصنفين; قيل له: هذا غلط، من قبل أن قوله تعالى: {أسكنوهن ~~من حيث سكنتم من وجدكم} خطاب للأزواج، وكذلك قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن} خطاب لهم، وقد زال عنهم الخطاب بالموت، ولا جائز أن يكون ~~ذلك خطابا لغير الأزواج، فلم تقتض الآية إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها ~~بحال. # PageV03P618 # وقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} قد انتظم الدلالة على أحكام: ~~منها أنه إذا رضيت بأن ترضعه بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها، لأمر ~~الله إياه بإعطاء الأجر إذا أرضعت، ويدل على أن الأم أولى بحضانة الولد من ~~كل أحد ويدل على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد; ~~لأنه أوجبها بعد الرضاع بقوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} وقد دل على ~~أن لبن المرأة وإن كان عينا فقد أجري مجرى المنافع التي تستحق بعقود ~~الإجارات، ولذلك لم يجز أصحابنا بيع لبن المرأة كما لا يجوز عقد البيع على ~~المنافع، وفارق لبن المرأة بذلك لبن سائر الحيوان; ألا ترى أنه لا يجوز ~~استئجار شاة لرضاع صبي; لأن الأعيان لا تستحق بعقود الإجارات كاستئجار ~~النخل والشجر؟. # وقوله تعالى: {وأتمروا بينكم بمعروف} يعني والله أعلم: لا تشتط المرأة ~~على الزوج فيما تطلبه من الأجرة ولا يقصر الزوج لها عن المقدار المستحق. # وقوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} ، قيل: إنه إذا طلبت المرأة ~~أكثر من أجر مثلها ورضيت غيرها بأن تأخذه بأجر مثلها فللزوج أن يسترضع ~~الأجنبية ويكون ذلك في بيت الأم; لأنها أحق بإمساكه والكون عنده. # وقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} يدل على أن النفقة تفرض عليه على ~~قدر إمكانه وسعته، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر. # وقوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} ، قيل معناه: من ~~ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، يعني والله أعلم أنه لا ms2831 يكلف نفقة ~~الموسر في هذه الحال بل على قدر إمكانه ينفق. # وقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ، فيه بيان أن الله لا ~~يكلف أحدا ما لا يطيق; وهذا وإن كان قد علم بالعقل; إذ كان تكليف ما لا ~~يطاق قبيحا وسفها فإن الله ذكره في الكتاب تأكيدا لحكمه في العقل، وقد تضمن ~~معنى آخر من جهة الحكم وهو الإخبار بأنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه ~~الله الإنفاق في هذه الحال، وإذا لم يكلف الإنفاق في هذه الحال لم يجز ~~التفريق بينه وبين امرأته لعجزه عن نفقتها; وفي ذلك دليل على بطلان قول من ~~فرق بين العاجز عن نفقة امرأته وبينها. فإن قيل فقد آتاه الطلاق فعليه أن ~~يطلق قيل له: قد بين به أنه لم يكلفه النفقة في هذه الحال فلا يجوز إجباره ~~على الطلاق من أجلها; لأن فيه إيجاب التفريق بشيء لم يجب وأيضا فإنه أخبر ~~أنه لم يكلفه من الإنفاق إلا ما آتاه، والطلاق ليس من الإنفاق، فلم يدخل في ~~اللفظ وأيضا # PageV03P619 # إنما أراد أنه لا يكلفه ما لا يطيق ولم يرد أنه يكلفه كل ما يطيق; لأن ~~ذلك مفهوم من خطاب الآية. # وقوله تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} يدل على أنه لا يفرق بينهما من ~~أجل عجزه عن النفقة; لأن العسر يرجى له اليسر. آخر سورة الطلاق. # PageV03P620 # ومن سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} روي في سبب نزول ~~الآية وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب ويأكل عند زينب، ~~فتواطأت عائشة وحفصة على أن تقولا له: نجد منك ريح المغافير، قال: "بل شربت ~~عندها عسلا ولن أعود له"، فنزلت: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} . ~~وقيل: إنه شرب عند حفصة، وقيل: عند سودة، وأنه حرم العسل; وفي بعض ~~الروايات: "والله لا أذوقه" وقيل: إنه أصاب مارية القبطية في بيت حفصة، ~~فعلمت به فجزعت ms2832 منه، فقال لها: "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ " قالت: ~~بلى; فحرمها وقال: "لا تذكري ذلك لأحد"، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه ~~وأنزل عليه: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية رواه محمد بن ~~إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ~~بذلك. # قال أبو بكر: وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا من تحريم مارية وتحريم ~~العسل، إلا أن الأظهر أنه حرم مارية وأن الآية فيها نزلت; لأنه قال: {تبتغي ~~مرضات أزواجك} ، وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية ~~رضاهن فروي في العسل أنه حرمه، وروي أنه حلف أن لا يشربه وأما مارية فكان ~~الحسن يقول: حرمها; وروى الشعبي عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~آلى وحرم، فقيل له: الحرام حلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم، وقال مجاهد وعطاء: "حرم جاريته"، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من ~~الصحابة وأما قول من قال: إنه حرم وحلف أيضا، فإن ظاهر الآية لا يدل عليه ~~وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن ~~يكون التحريم يمينا لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم. # ومن الناس من يقول: لا فرق بين التحريم واليمين; لأن اليمين تحريم ~~للمحلوف # PageV03P621 # عليه والتحريم أيضا يمين; وهذا عند أصحابنا يختلف في وجه ويتفق في وجه ~~آخر، فالوجه الذي يوافق اليمين فيه التحريم أن الحنث فيهما يوجب كفارة ~~اليمين، والوجه الذي يختلفان فيه أنه لو حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف فأكل ~~بعضه لم يحنث، ولو قال: "قد حرمت هذا الرغيف على نفسي" فأكل منه اليسير حنث ~~ولزمته الكفارة; لأنهم شبهوا تحريمه الرغيف على نفسه بمنزلة قوله والله لا ~~أكلت من هذا الرغيف شيئا، تشبيها له بسائر ما حرمه الله من الميتة والدم ~~أنه اقتضى تحريم القليل منه والكثير. # واختلف السلف في الرجل يحرم امرأته، فروي عن أبي بكر ms2833 وعمر وابن مسعود ~~وزيد بن ثابت وابن عمر: "أن الحرام يمين"، وهو قول الحسن وابن المسيب وجابر ~~بن زيد وعطاء وطاوس وروي عن ابن عباس رواية مثله، وروي عنه غير ذلك وعن علي ~~بن أبي طالب وزيد بن ثابت رواية وابن عمر رواية وأبي هريرة وجماعة من ~~التابعين قالوا: "هي ثلاث" وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان ~~يقول في الحرام بمنزلة الظهار وروى منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~"النذر والحرام إذا لم يسم مغلظة، فتكون عليه رقبة أو صيام شهرين متتابعين ~~أو إطعام ستين مسكينا". وروى ابن جبير عن ابن عباس أيضا: "إذا حرم الرجل ~~امرأته فهي يمين يكفرها، أما لكم في رسول الله أسوة حسنة" وهذا محمول على ~~أنه إذا لم تكن له نية فهو بمنزلة يمين، وأنه إن أراد الظهار كان ظهارا. ~~وقال مسروق "ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد" وعن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن: "ما أبالي حرمت امرأتي أو ماء فراتا". قال أبو بكر: وليس فيه دلالة ~~على أنهم لم يروه يمينا; لأنه لا جائز أن يكون قولهما في تحريم الثريد ~~والماء أنه يمين، فكأنهما لم يريا ذلك طلاقا; وكذلك نقول: إنه ليس بطلاق ~~إلا أن ينويه، فلم تظهر مخالفة هذين لمن ذكرنا قولهم من الصحابة واتفاقهم ~~على أن هذا القول ليس بلغو وأنه إما أن يكون يمينا أو طلاقا أو ظهارا. # واختلف فقهاء الأمصار في الحرام، فقال أصحابنا: "إن نوى الطلاق فواحدة ~~بائنة إلا أن ينوي ثلاثا، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين وهو مول" وذكر ابن ~~سماعة عن محمد: "أنه إن نوى ظهارا لم يكن ظهارا; لأن الظهار أصله بحرف ~~التشبيه" وروى ابن شجاع عن أبي يوسف في اختلاف زفر وأبي يوسف: "أنه إن نوى ~~ظهارا كان ظهارا" وقال ابن أبي ليلى: "هي ثلاث ولا أسأله عن نيته" وقال ~~مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم: "الحرام لا يكون يمينا في شيء إلا أن ms2834 يحرم ~~امرأته فيلزمه الطلاق، وهو ثلاث، إلا أن ينوي واحدة أو ثنتين فيكون على ما ~~نوى" وقال الثوري: "إن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن ~~نوى يمينا فهي يمين يكفرها، وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فليس # PageV03P622 # بشيء هي كذبة". وقال الأوزاعي: "هو على ما نوى، وإن لم ينو شيئا فهو ~~يمين" وقال عثمان البتي "هو بمنزلة الظهار" وقال الشافعي: "ليس بطلاق حتى ~~ينوي فإذا نوى فهو طلاق على ما أراد من عدده، وإن أراد تحريمها بلا طلاق ~~فعليه كفارة يمين وليس بمول". # قال أبو بكر: قد جعل أصحابنا التحريم يمينا إذا لم تقارنه نية الطلاق إذا ~~حرم امرأته، فيكون بمنزلة قوله لها: "والله لا أقربك" فيكون موليا، وأما ~~إذا حرم غير امرأته من المأكول والمشروب وغيرهما فإنه بمنزلة قوله: "والله ~~لا آكل منه والله لا أشرب منه" ونحو ذلك، لقوله تعالى: {لم تحرم ما أحل ~~الله لك} ثم قال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ، فجعل التحريم يمينا، ~~فصارت اليمين في مضمون لفظ التحريم ومقتضاه في حكم الشرع، فإذا أطلق كان ~~محمولا على اليمين إلا أن ينوي غيرها فيكون ما نوى، فإذا حرم امرأته وأراد ~~الطلاق كان طلاقا لاحتمال اللفظ له; وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل غيره فإنه ~~متى أراد به الطلاق كان طلاقا، والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لركانة حين طلق امرأته ألبتة: "بالله ما أردت إلا واحدة" فتضمن ذلك معنيين: ~~أحدهما: أن كل لفظ يحتمل الثلاث ويحتمل غيرها فإنه متى أراد الثلاث كان ~~ثلاثا، لولا ذلك لم يستحلفه عليها. والثاني: أنه لم يلزمه الثلاث بوجود ~~اللفظ وجعل القول قوله للاحتمال فيه، فصار ذلك أصلا في أن كل لفظ يحتمل ~~الطلاق وغيره أنا لا نجعله طلاقا إلا بمقارنة الدلالة لإرادة الطلاق ومما ~~يدل على أن اللفظ المحتمل للطلاق يجوز إيقاع الطلاق به وإن لم يكن طلاقا في ~~نفسه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسودة: "اعتدي" ثم راجعها فأوقع ~~الطلاق بقوله: ms2835 "اعتدي" لاحتماله له، ولا نعلم أحدا من السلف منع إيقاع ~~الطلاق بلفظ التحريم، ومن قال منهم: هو يمين فإنما أراد به عندنا إذا لم ~~تكن له نية الطلاق ولم تقارنه دلالة الحال. وزعم مالك أن من حرم على نفسه ~~شيئا غير امرأته أنه لا يلزمه بذلك شيء وأن ذلك ليس بيمين، وقد اقتضى قوله ~~تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} من كونه يمينا، لقوله ~~تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وأنه لا يجوز إسقاط موجب هذا اللفظ ~~من كون الحرام يمينا برواية من روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا ~~يشرب العسل، إذ غير جائز الاعتراض على حكم القرآن بخبر الواحد; ولأن من روى ~~اليمين يجوز أن يكون إنما عنى به التحريم وحده; إذ كان التحريم يمينا ويدل ~~من جهة النظر على أن التحريم يمين أن المحرم للشيء على نفسه قد اقتضى لفظه ~~إيجاب الامتناع منه كالأشياء المحرمة، وذلك في معنى النذر وقول القائل: ~~"لله علي أن لا أفعل ذلك"، فلما كان النذر يمينا بالسنة واتفاق الفقهاء وجب ~~أن يكون تحريم الشيء بمنزلة النذر فتجب فيه كفارة يمين إذا حنث كما تجب في ~~النذر. # PageV03P623 # مطلب: يجب علينا تعليم أولادنا وأهلينا # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} روي عن علي ~~في قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم} قال: "علموا أنفسكم وأهليكم الخير" وقال ~~الحسن: "تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم". قال أبو بكر: وهذا يدل على أن علينا ~~تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل ~~قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه: 132] ونحو قوله تعالى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء:214] ويدل على ~~أن للأقرب فالأقرب منا مزية به في لزومنا تعليمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى، ~~ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ~~ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه فكذلك ~~عليه تأديبه ms2836 وتعليمه; وقال عليه السلام: "فالرجل راع على أهله وهو مسئول ~~عنهم والأمير راع على رعيته وهو مسئول عنهم". وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص ~~قال: حدثنا محمد بن موسى السعدي عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نحل والد ولدا خيرا من أدب ~~حسن". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحضرمي قال: حدثنا جبارة قال: حدثنا ~~محمد بن الفضل عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن أدبه". وحدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال: حدثنا يحيى بن معين قال: ~~حدثنا محمد بن ربيعة قال: حدثنا محمد بن الحسن من عطية قال: حدثنا محمد بن ~~عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ ~~أولادكم سبع سنين فعلموهم الصلاة، وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها، ~~وفرقوا بينهم في المضاجع". # وقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم} قال الحسن: "أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون، فأمر ~~أن يغلظ عليهم في إقامة الحد" وقيل: جهاد المنافقين بالقول وجهاد الكفار ~~بالحرب". وقال أبو بكر: فيه الدلالة على وجوب الغلظة على الفريقين من ~~الكفار والمنافقين ونهي عن مقارنتهم ومعاشرتهم، وروي عن ابن مسعود قال: ~~"إذا لم تقدروا أن تنكروا على الفاجر فالقوه بوجه مكفهر". # وقوله تعالى: {فخانتاهما} ، قال ابن عباس: "كانتا منافقتين ما زنت امرأة ~~نبي قط"; وكانت خيانتهما أن امرأة نوح عليه السلام كانت تقول للناس: إنه ~~مجنون، وكانت امرأة لوط عليه السلام تدل على الضيف. آخر سورة التحريم. # PageV03P624 # ومن سورة نون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين} قيل: "من يحلف بالله كاذبا"، وسماه ~~مهينا لاستجازته الكذب والحلف عليه، ms2837 والحلاف اسم لمن أكثر الحلف بحق أو ~~باطل، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} . # وقوله تعالى: {هماز مشاء بنميم} ، يعني: وقاعا في الناس عائبا لهم بما ~~ليس فيهم وقوله: {مشاء بنميم} يعني ينقل الكلام من بعض إلى بعض على وجه ~~التضريب بينهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" يعني ~~النمام. # وقوله تعالى: {عتل بعد ذلك زنيم} قيل في العتل: إنه الفظ الغليظ، والزنيم ~~الدعي وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال: ~~حدثنا الوليد بن عتبة قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو شيبة ~~إبراهيم بن عثمان عن عثمان بن عمير البجلي عن شهر بن حوشب عن شداد بن أوس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا ~~عتل زنيم"، قلت: وما الجواظ؟ قال: "كل جماع"، قلت: وما الجعظري؟ قال: "الفظ ~~الغليظ"، قلت: وما العتل الزنيم؟ قال: "رحب الجوف". آخر سورة نون. # PageV03P625 # ومن سورة سأل سائل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الذين هم على صلاتهم دائمون} روى أبو سلمة عن عائشة قالت: ~~كان أحب الصلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ديم عليه وقرأت: ~~{الذين هم على صلاتهم دائمون} وعن ابن مسعود قال: "دائمون على مواقيتها" ~~وعن عمران بن حصين في الآية قال: "الذي لا يلتفت في صلاته". # وقوله تعالى: {للسائل والمحروم} ، روي عن ابن عباس: "الذي يسأل، والمحروم ~~الذي لا يستقيم له تجارة" وقال أبو قلابة: "المحروم من ذهب ماله" وقال ~~الحسن بن محمد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فغنمت، فجاء آخرون بعد ~~ذلك، فنزلت: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} وعن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إن المحروم من حرم وصيته". # قال أبو بكر: قد ذكرنا فيما تقدم معنى المحروم واختلافهم فيه آخر سورة ~~سأل سائل. # PageV03P626 # ومن سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # مطلب: في قيام الليل # قوله تعالى: {يا أيها ms2838 المزمل قم الليل إلا قليلا} روى زرارة بن أوفى عن ~~سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم!، قالت: أما تقرأ هذه السورة: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} ؟ ~~قلت: بلى قالت: "فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني ~~عشر شهرا ثم أنزل التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة" ~~وقال ابن عباس: "لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحو قيامهم في شهر رمضان ~~حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو سنة". # وقوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} ، قال ابن عباس: "بينه تبيينا" وقال ~~طاوس: "بينه حتى تفهمه" وقال مجاهد: {ورتل القرآن ترتيلا} قال: "وال بعضه ~~على إثر بعض على تؤدة". # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين في نسخ فرض قيام الليل وأنه مندوب ~~إليه مرغب فيه; وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في الحث ~~عليه والترغيب فيه، روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب ~~الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب ~~الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما". وروي عن على: "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثماني ركعات، حتى إذا انفجر عمود ~~الصبح أوتر بثلاث ركعات ثم سبح وكبر، حتى إذا انفجر الفجر صلى ركعتي الفجر ~~وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة. # وقوله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا} قال ابن عباس وابن الزبير: ~~"إذا نشأت قائما فهي ناشئة الليل كله" وقال مجاهد: "الليل كله إذا قام يصلي ~~فهو ناشئة وما # PageV03P627 # كان بعد العشاء فهو ناشئة"; وعن الحسن مثله، وقال في قوله تعالى: {أشد ~~وطئا وأقوم قيلا} قال: "أجهد للبدن وأثبت في الخير" وقال مجاهد: {وأقوم ~~قيلا} قال: ms2839 "أثبت قراءة". # وقوله تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} قال مجاهد: "أخلص إليه ~~إخلاصا" وقال قتادة: "أخلص إليه الدعاء والعبادة" وقيل: "الانقطاع إلى الله ~~وتأميل الخير منه دون غيره" ومن الناس من يحتج به في تكبيرة الافتتاح; لأنه ~~ذكر في بيان الصلاة، فيدل على جواز الافتتاح بسائر أسماء الله تعالى. وقوله ~~تعالى: {سبحا طويلا} ، قال قتادة: "فراغا طويلا". # وقوله تعالى: "هي أشد وطاء" قال مجاهد: واطأ اللسان القلب مواطأة ووطاء" ~~ومن قرأ "وطئا" قال: معناه هي أشد من عمل النهار. # وقوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه} إلى ~~قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} . قال أبو بكر: قد انتظمت هذه ~~الآية معاني: أحدها: أنه نسخ به قيام الليل المفروض كان بديا. والثاني: ~~دلالتها على لزوم فرض القراءة في الصلاة بقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من ~~القرآن} . والثالث: دلالتها على جواز الصلاة بقليل القراءة. والرابع أنه من ~~ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها أجزأه; وقد بينا ذلك فيما سلف. # فإن قيل: إنما نزل ذلك في صلاة الليل وهي منسوخة; قيل له: إنما نسخ فرضها ~~ولم ينسخ شرائطها وسائر أحكامها وأيضا فقد أمرنا بالقراءة بعد ذكر التسبيح ~~بقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر منه} . # فإن قيل: فإنما أمر بذلك في التطوع فلا يجوز الاستدلال به على وجوبها في ~~الصلاة المكتوبة; قيل له: إذا ثبت وجوبها في التطوع فالفرض مثله; لأن أحدا ~~لم يفرق بينهما وأيضا فإن قوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} يقتضي ~~الوجوب; لأنه أمر والأمر على الوجوب، ولا موضع يلزم قراءة القرآن إلا في ~~الصلاة، فوجب أن يكون المراد القراءة في الصلاة. # فإن قيل: إذا كان المراد به القراءة في صلاة التطوع والصلاة نفسها ليست ~~بفرض فكيف يدل على فرض القراءة؟ قيل له: إن صلاة التطوع وإن لم تكن فرضا ~~فإن عليه إذا صلاها أن لا يصليها إلا بقراءة، ومتى دخل فيها صارت القراءة ~~فرضا، كما أن عليه استيفاء شرائطها من الطهارة ms2840 وستر العورة، وكما أن ~~الإنسان ليس عليه عقد السلم وسائر # PageV03P628 # عقود البياعات ومتى ما قصد إلى عقدها فعليه أن لا يعقدها إلا على ما ~~أباحته الشريعة; ألا ترى إلى قوله عليه السلام: "من أسلم فليسلم في كيل ~~معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" وليس عليه عقد السلم؟ ولكنه متى قصد إلى ~~عقده فعليه أن يعقده بهذه الشرائط. # فإن قيل: إنما المراد بقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} الصلاة ~~نفسها، فلا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها; قيل له: هذا غلط; لأن فيه صرف ~~الكلام عن حقيقة معناه إلى المجاز، وهذا لا يجوز إلا بدلالة; وعلى أنه لو ~~سلم لك ما ادعيت كانت دلالته قائمة على فرض القراءة; لأنه لم يعبر عن ~~الصلاة بالقراءة إلا وهي من أركانها، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا ~~لا يركعون} [المرسلات:48] قال مجاهد: أراد به الصلاة; وقال: {واركعوا مع ~~الراكعين} [البقرة: 43] والمراد به الصلاة، فعبر عن الصلاة بالركوع; لأنه ~~من أركانها. آخر سورة المزمل. # PageV03P629 # ومن سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} قال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: "لا تعط عطية لتعطى أكثر منها". وقال الحسن والربيع بن أنس: "لا ~~تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله". وقال آخرون: "لا ~~تمنن بما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا به الأجر من الناس". وعن ~~مجاهد أيضا: "لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك". قال أبو بكر: هذه المعاني ~~كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جميعها مرادا به، فالوجه حمله على ~~العموم في سائر وجوه الاحتمال. # وقوله تعالى: {وثيابك فطهر} يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات ~~للصلاة، وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس; لأن تطهيرها لا يجب إلا ~~للصلاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى عمارا يغسل ثوبه، فقال: ~~"مم تغسل ثوبك"؟ فقال: من نخامة فقال: "إنما يغسل الثوب من الدم والبول ~~والمني". وقالت عائشة: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل ms2841 المني من ~~الثوب إذا كان رطبا. وزعم بعضهم أن المراد بذلك ما روي عن أبي رزين قال: ~~"عملك أصلحه". وقال إبراهيم: {وثيابك فطهر} من الإثم. وقال عكرمة: أمره أن ~~لا يلبس ثيابه على عذرة، وهذا كله مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا ~~بدلالة; واحتج هذا الرجل بأنه لا يجوز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من البول وما أشبهه. قال أبو بكر: وهذا ~~كلام شديد الاختلال والفساد والتناقض; لأن في الآية أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهجر الأوثان بقوله تعالى: {والرجز فاهجر} ، ومعلوم أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان هاجرا للأوثان قبل النبوة وبعدها وكان مجتنبا للآثام ~~والعذرات في الحالين، فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء وإن كان النبي قبل ~~ذلك تاركا لها فتطهير الثياب لأجل الصلاة مثله; وقال الله تعالى مخاطبا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تدع مع الله إلها آخر} والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يدع مع الله إلها قط; فهذا يدل على تناقض قول هذا الرجل ~~وفساده. وزعم أنه من أول ما نزل من القرآن قبل كل شيء من الشرائع من وضوء # PageV03P630 # أو صلاة أو غيرها، وإنما يدل على أنها الطهارة من أوثان الجاهلية وشركها ~~والأعمال الخبيثة، وقد نقض بهذا ما ذكره بديا من أنه لم يكن يحتاج إلى أن ~~يؤمر بتطهير الثياب من النجاسة، أفتراه ظن أنه كان يحتاج إلى أن يوصى بترك ~~الأوثان فإذا لم يكن يحتاج إلى ذلك; لأنه كان تاركا لها وقد أجاز أن يخاطب ~~بتركها، فكذلك طهارة الثوب. وأما قوله: إن ذلك من أول ما نزل، فما في ذلك ~~مما يمنع أمره بتطهير الثياب لصلاة يفرضها عليه وقد روي عن عائشة ومجاهد ~~وعطاء أن أول ما نزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق:1] . آخر ~~سورة المدثر. # PageV03P631 # ومن سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {بل الأنسان على نفسه بصيرة} ; روي عن ابن عباس أنه قال: ms2842 ~~"شاهد على نفسه"، وقيل: "معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة جوارحه ~~شاهدة عليه يوم القيامة". # قوله تعالى: {ولو ألقى معاذيره} ، قال ابن عباس: "لو اعتذر وقبل شهادة ~~نفسه عليه أولى من اعتذاره". قال أبو بكر: لما احتمل اللفظ هذه المعاني وجب ~~حمله عليها; إذ لا تنافي في هذا، ويدل على أن قوله مقبول على نفسه; إذ جعله ~~الله حجة على نفسه وشاهدا عليها، ولما عبر عن كونه شاهدا على نفسه بأنه على ~~نفسه بصيرة دل ذلك على تأكيد أمر شهادته على نفسه وثبوتها، فيوجب ذلك جواز ~~عقوده وإقراره وجميع ما اعترف بلزوم نفسه. آخر سورة القيامة. # PageV03P632 # ومن سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} إلى قوله تعالى: {وأسيرا} عن أبي ~~وائل: "أنه أمر بأسرى من المشركين فأمر من يطعمهم، ثم قرأ: {ويطعمون الطعام ~~على حبه} الآية وقال قتادة: "كان أسيرهم يومئذ المشرك، فأخوك المسلم أحق أن ~~تطعمه". وعن الحسن: {وأسيرا} قال: "كانوا مشركين" وقال مجاهد: "الأسير ~~المسجون" وقال ابن جبير وعطاء: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا} قالا: هم أهل القبلة وغيرهم". # قال أبو بكر: الأظهر الأسير المشرك; لأن المسلم المسجون لا يسمى أسيرا ~~على الإطلاق وهذه الآية تدل على أن في إطعام الأسير قربة، ويقتضي ظاهره ~~جواز إعطائه من سائر الصدقات; إلا أن أصحابنا لا يجيزون إعطاءه من الزكوات ~~وصدقات المواشي وما كان أخذه منها إلى الإمام، ويجيز أبو حنيفة ومحمد جواز ~~إعطائه من الكفارات ونحوها، وأبو يوسف لا يجيز دفع الصدقة الواجبة إلا إلى ~~المسلم، وقد بيناه فيما سلف. آخر سورة الإنسان. # PageV03P633 # ومن سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} ، قال الشعبي: ~~يعني أنه جعل ظهرها للأحياء وبطنها للأموات، والكفات الضمام، فأراد أنها ~~تضمهم في الحالين. وروى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد: {ألم نجعل الأرض ~~كفاتا} قال: "تكفت الميت فلا يرى منه شيء"; وأحياء قال: "الرجل في بيته لا ~~يرى من ms2843 عمله شيء". قال أبو بكر: وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن ~~شعره وسائر ما يزايله، وهذا يدل على أن شعره وشيئا من بدنه لا يجوز بيعه ~~ولا التصرف فيه; لأن الله قد أوجب دفنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لعن الله الواصلة" وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، فمنع الانتفاع به، وهو ~~معنى ما دلت عليه الآية. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {ثم أماته} فأقبره ~~[عبس:21] يعني أنه جعل له قبرا". وروي في تأويل الآية غير ذلك وعن ابن ~~مسعود: "أنه أخذ قملة فدفنها في المسجد في الحصى، ثم قال: قال الله تعالى: ~~{ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} . وعن أبي أمامة مثله. وأخذ عبيد بن ~~عمير قملة عن ابن عمر فطرحها في المسجد. # قال أبو بكر: هذا التأويل لا ينفي الأول وعمومه يقتضي الجميع. آخر سورة ~~المرسلات. # PageV03P634 # ومن سورة إذا السماء انشقت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} ، قال مجاهد: الشفق النهار، ألا تراه قال ~~الله تعالى: {والليل وما وسق} ، وقال عمر بن عبد العزيز: "الشفق البياض" ~~وقال أبو جعفر محمد بن علي: "الشفق السواد الذي يكون إذا ذهب البياض". # قال أبو بكر: الشفق في الأصل الرقة، ومنه ثوب شفق إذا كان رقيقا، ومنه ~~الشفقة وهو رقة القلب. وإذا كان هذا أصله فهو بالبياض أولى منه بالحمرة; ~~لأن أجزاء الضياء رقيقة في هذه الحال وفي وقت الحمرة أكثف. # وقوله تعالى: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ، يستدل به على وجوب ~~سجدة التلاوة لذمه لتارك السجود عند سماع التلاوة; وظاهره يقتضي إيجاب ~~السجود عند سماع سائر القرآن، إلا أنا خصصنا منه ما عدا مواضع السجود ~~واستعملناه في مواضع السجود بعموم اللفظ ولأنا لو لم نستعمله على ذلك كنا ~~قد ألغينا حكمه رأسا. # فإن قيل: إنما أراد به الخضوع; لأن اسم السجود يقع على الخضوع; قيل له: ~~هو كذلك، إلا أنه خضوع على وصف، وهو وضع الجبهة على الأرض، كما أن الركوع ~~والقيام والصيام والحج ms2844 وسائر العبادات خضوع ولا يسمى سجودا; لأنه خضوع على ~~صفة إذا خرج عنها لم يسم به. آخر سورة إذا السماء انشقت. # PageV03P635 # ومن سورة سبح اسم ربك الأعلى # يسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} ; روي عن عمر بن عبد ~~العزيز وأبي العالية قالا: "أدى زكاة الفطر ثم خرج إلى الصلاة". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بإخراج صدقة الفطر قبل الخروج إلى ~~المصلى وقال ابن عباس" "السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة". # قال أبو بكر: ويستدل بقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} على جواز افتتاح ~~الصلاة بسائر الأذكار; لأنه لما ذكر عقيب ذكر اسم الله الصلاة متصلا به; إذ ~~كانت الفاء للتعقيب بلا تراخ دل على أن المراد افتتاح الصلاة. آخر سورة ~~سبح. # PageV03P636 # ومن سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فك رقبة} روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: ~~علمني عملا يدخلني الجنة; قال: "أعتق النسمة وفك الرقبة" قال: أليسا سواء ~~يا رسول الله؟ فقال: "لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين ~~في ثمنها". # قال أبو بكر: قد اقتضى ذلك جواز إعطاء المكاتب من الصدقات; لأنه معونة في ~~ثمنه، وهو نحو قوله في شأن الصدقات: {وفي الرقاب} [البقرة: 177] . وقوله ~~تعالى: {ذي مسغبة} ذي مجاعة. # وقوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} قال ابن عباس: "المتربة بقعة التراب، ~~أي هو مطروح في التراب لا يواريه عن الأرض شيء"، وعن ابن عباس أيضا رواية: ~~"المتربة شدة الحاجة، من قولهم ترب الرجل إذا افتقر". # وقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} معناه: وكان من الذين آمنوا، ~~فصارت" ثم" ههنا بمعنى "الواو". آخر السورة. # PageV03P637 # ومن سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} قيل: لا تقهره بظلمه وأخذ ماله. وخص ~~اليتيم; لأنه لا ناصر له غير الله، فغلظ في أمره لتغليظ العقوبة على ظالمه. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2845 أنه قال: "اتقوا ظلم من لا ناصر له ~~غير الله". # وقوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} فيه نهي عن إغلاظ القول له; لأن ~~الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول; وقد أمر في آية أخرى بحسن القول له، وهو ~~قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ~~ميسورا} [الإسراء:28] وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ~~أريد به جميع المكلفين. آخر السورة. # PageV03P638 # ومن سورة ألم نشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} . حدثنا عبد الله بن ~~محمد المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن الحسن في قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا} قال: خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوما وهو مسرور يضحك وهو يقول: "لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر ~~يسرين إن مع العسر يسرا". قال أبو بكر: يعني أن العسر المذكور بديا هو ~~المثنى به آخرا; لأنه معرف بالألف واللام فيرجع إلى العهد المذكور، واليسر ~~الثاني غير الأول; لأنه منكور، ولو أراد الأول لعرفه بالألف واللام. # وقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} قال ابن عباس: "إذا فرغت من فرضك فانصب ~~إلى ما رغبك تعالى فيه من العمل" وقال الحسن: "فإذا فرغت من جهاد أعدائك ~~فانصب إلى ربك في العبادة" وقال قتادة: "فإذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك ~~في الدعاء". وقال مجاهد: "فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب إلى عبادة ربك". ~~وهذه المعاني كلها محتملة، والوجه حمل اللفظ عليها كلها فيكون جميعها ~~مرادا، وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإن المراد به جميع ~~المكلفين. آخر السورة. # PageV03P639 # ومن سورة ليلة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} إلى قوله: {ليلة القدر خير من ~~ألف شهر} . قيل: إنما هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذلك لما ~~يقسم فيها من الخير الكثير الذي لا يكون مثله في ألف شهر، ms2846 فكانت أفضل من ~~ألف شهر لهذا المعنى. وإنما وجه تفضيل الأوقات والأماكن بعضها على بعض لما ~~يكون فيها من الخير الجزيل والنفع الكثير. # واختلفت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر متى تكون، ~~واختلفت الصحابة فيها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليلة ثلاث ~~وعشرين رواه ابن عباس. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "التمسوها في العشر الأواخر واطلبوها في كل وتر". وعن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليلة تسع عشرة من رمضان وليلة إحدى ~~وعشرين وليلة ثلاث وعشرين". وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر". وروي أنه قال: "في سبع وعشرين". ~~حدثنا محمد بن بكر البصري قال: أخبرنا أبو داود قال: حدثنا حميد بن زنجويه ~~النسائي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ~~قال: أخبرنا موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: "هي في كل ~~رمضان". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن حرب ~~ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر قال: "قلت لأبي بن كعب: ~~أخبرني عن ليلة القدر يا أبا المنذر فإن صاحبنا - يعني عبد الله بن مسعود - ~~سئل عنها فقال: من يقم الحول يصبها; فقال رحم الله أبا عبد الرحمن، والله ~~لقد علم أنها في رمضان ولكن كره أن يتكلوا، والله إنها في رمضان ليلة سبع ~~وعشرين! ". # قال أبو بكر: هذه الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة، فتكون في سنة في بعض ~~الليالي وفي سنة أخرى في غيرها وفي سنة أخرى في العشر الأواخر من رمضان وفي ~~سنة # PageV03P640 # في العشر الأوسط وفي سنة في العشر الأول وفي سنة في غير رمضان، ولم يقل ~~ابن مسعود: "من يقم ms2847 الحول يصبها" إلا من طريق التوقيف; إذ لا يعلم ذلك إلا ~~بوحي من الله تعالى إلى نبيه، فثبت بذلك أن ليلة القدر غير مخصوصة بشهر من ~~السنة وأنها قد تكون في سائر السنة، ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته: ~~أنت طالق في ليلة القدر: إنها لا تطلق حتى يمضي حول; لأنه لا يجوز إيقاع ~~الطلاق بالشك، ولم يثبت أنها مخصوصة بوقت فلا يحصل اليقين بوقوع الطلاق ~~بمضي حول. آخر السورة. # PageV03P641 # ومن سورة لم يكن الذين كفروا # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} ، فيه ~~أمر بإخلاص العبادة له، وهو أن لا يشرك فيها غيره; لأن الإخلاص ضد الإشراك ~~وليس له تعلق بالنية لا في وجودها ولا في فقدها فلا يصح الاستدلال به في ~~إيجاب النية; لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة ونفي ~~الإشراك فيها. آخر السورة. # PageV03P642 # ومن سورة أرأيت الذي يكذب بالدين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} ; قال ابن عباس: "يؤخرونها عن ~~وقتها"، وكذلك قال مصعب بن سعد عن سعد وروى مالك بن دينار عن الحسن قال: ~~"يسهون عن ميقاتها حتى يفوت". وروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: هم ~~المنافقون يؤخرونها عن وقتها يراءون بصلاتهم إذا صلوا". وقال أبو العالية: ~~"هو الذي لا يدري أعلى شفع انصرف أو على وتر". قال أبو بكر: يشهد لهذا ~~التأويل ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا غرار في الصلاة ولا ~~تسليم"، ومعناه أنه لا ينصرف منها على غرار وهو شاك فيها. ونظيره ما روى ~~أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا ~~صلى أم أربعا فليصل ركعة أخرى، وإن كان قد تمت صلاته ms2848 فالركعة والسجدتان له ~~نافلة". وروي عن مجاهد: {ساهون} قال: "لاهون". قال أبو بكر: كأنه أراد أنهم ~~يسهون للهوهم عنها، فإنما استحقوا اللوم لتعرضهم للسهو لقلة فكرهم فيها; إذ ~~كانوا مرائين في صلاتهم; لأن السهو الذي ليس من فعله لا يستحق العقاب عليه. # وقوله تعالى: {يدع اليتيم} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يدفعه عن حقه". # وقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} قال علي وابن عباس رواية وابن عمر وابن ~~المسيب: "الماعون الزكاة". وروى الحارث عن علي: "الماعون منع الفأس والقدر ~~والدلو"، وكذلك قال ابن مسعود. وعن ابن عباس رواية أخرى: "العارية". وقال ~~ابن المسيب: "الماعون المال". وقال أبو عبيدة: "كل ما فيه منفعة فهو ~~الماعون". # قال أبو بكر: يجوز أن يكون جميع ما روي فيه مرادا; لأن عارية هذه الآلات ~~قد تكون واجبة في حال الضرورة إليها ومانعها مذموم مستحق للذم، وقد يمنعها ~~المانع لغير ضرورة فينبئ ذلك عن لؤم ومجانبة أخلاق المسلمين; وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". آخر السورة. # PageV03P643 # ومن سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} ; قال الحسن: "صلاة يوم النحر ونحر البدن" ~~وقال عطاء ومجاهد: "صل الصبح بجمع وانحر البدن بمنى". قال أبو بكر: وهذا ~~التأويل يتضمن معنيين: أحدهما: إيجاب صلاة الأضحى، والثاني: وجوب الأضحية، ~~وقد ذكرناه فيما سلف. وروى حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن أبيه عن علي ~~{فصل لربك وانحر} قال: وضع اليد اليمنى على الساعد الأيسر ثم وضعه على ~~صدره". وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: {فصل لربك وانحر} قال: "وضع اليمين ~~على الشمال عند النحر في الصلاة". وروي عن عطاء أنه رفع اليدين في الصلاة. ~~وقال الفراء: "يقال: استقبل القبلة بنحرك". # فإن قيل: يبطل التأويل الأول حديث البراء بن عازب قال: خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى إلى البقيع، فبدأ فصلى ركعتين، ثم أقبل ~~علينا بوجهه وقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع ~~فننحر، فمن فعل ذلك ms2849 فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله ~~لأهله ليس من النسك في شيء"، فسمى صلاة العيد والنحر سنة، فدل على أنه لم ~~يؤمر بهما في الكتاب. قيل له: ليس كما ظننت; لأن ما سنه الله وفرضه فجائز ~~أن نقول: هذا سنتنا وهذا فرضنا كما نقول: هذا ديننا، وإن كان الله فرضه ~~علينا، وتأويل من تأوله على حقيقة نحر البدن أولى; لأنه حقيقة اللفظ ولأنه ~~لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره; لأن من قال: نحر فلان اليوم; عقل منه نحر البدن ~~ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار; ويدل على أن المراد الأول اتفاق ~~الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر. وقد روي عن علي وأبي هريرة وضع ~~اليمين على اليسار أسفل السرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يضع يمينه على شماله في الصلاة من وجوه كثيرة. آخر السورة. # PageV03P644 # ومن سورة الكافرين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} . قال أبو بكر: هذه الآية وإن كانت خاصة ~~في بعض الكفار دون بعض; لأن كثيرا منهم قد أسلموا، وقد قال: {ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد} ، فإنها قد دلت على أن الكفر كله ملة واحدة; لأن من لم ~~يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم دينا واحدا ودين ~~الإسلام دينا واحدا فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة. آخر ~~السورة. # PageV03P645 # ومن سورة إذا جاء نصر الله # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ; روي أنه فتح مكة. وهذا يدل على ~~أنها فتحت عنوة; لأن إطلاق اللفظ يقتضيه ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد. # وقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} ; روى أبو الضحى عن مسروق عن ~~عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~"سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن". وروى الأعمش عن مسلم عن ~~مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ms2850 وسلم يكثر أن يقول قبل ~~أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" قالت: قلت: يا رسول ~~الله ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثتها؟ قال: "جعلت لي علامة في أمتي ~~إذا رأيتها قلتها إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخرها". آخر السورة. # PageV03P646 # ومن سورة تبت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} ; روي عن ابن عباس: "وما كسب ~~يعني ولده" وسماهم ابن عباس الكسب الخبيث. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه". قال أبو بكر: هو ~~كقوله: "أنت ومالك لأبيك" وهو يدل على صحة استيلاد الأب لجارية ابنه وأنه ~~مصدق عليه وتصير أم ولده. ويدل على أن الوالد لا يقتل بولده; لأنه سماه ~~كسبا له كما لا يقاد لعبده الذي هو كسبه. # وقوله تعالى: {سيصلى نارا ذات لهب} . إحدى الدلالات على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم; لأنه أخبر بأنه وامرأته سيموتان على الكفر ولا يسلمان، ~~فوجد مخبره على ما أخبر به، وقد كان هو وامرأته سمعا بهذه السورة ولذلك ~~قالت امرأته: إن محمدا هجانا، فلو أنهما قالا: قد أسلمنا وأظهرا ذلك وإن لم ~~يعتقداه لكانا قد ردا هذا القول ولكان المشركون يجدون متعلقا، ولكن الله ~~علم أنهما لا يسلمان لا بإظهاره ولا باعتقاده فأخبر بذلك وكان مخبره على ما ~~أخبر به. وهذا نظير قوله لو قال: إنكما لا تتكلمان اليوم، فلم يتكلما مع ~~ارتفاع الموانع وصحة الآلة، فيكون ذلك من أظهر الدلالات على صحة نبوته. ~~وإنما ذكر الله أبا لهب بكنيته وذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، وكذلك ~~زيد وكل من ذكره في الكتاب فإنما ذكرهم بالاسم دون الكنية; لأن أبا لهب كان ~~اسمه عبد العزى، وغير جائز تسميته بهذا الاسم، فلذلك عدل عن اسمه إلى ~~كنيته. آخر السورة. # PageV03P647 # ومن سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ms2851 ~~النفيلي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الجحفة والأبواء; إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول: "يا عقبة ~~تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما"، قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة. ~~وروي عن جعفر بن محمد قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرقاه ~~بالمعوذتين. وقالت عائشة: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من ~~العين وروى الشعبي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~رقية إلا من عين أو حمى" وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو ~~معاوية قال: حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي ~~زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة عبد الله عن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قالت: قلت: ~~لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني ~~فإذا رقاني سكنت؟ فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده ~~فإذا رقاهما كف عنهما، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ~~شفاء لا يغادر سقما". # وقوله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} ; قال أبو صالح: النفاثات في ~~العقد "السواحر". وروى معمر عن قتادة أنه تلا: {ومن شر النفاثات في العقد} ~~قال: "إياكم وما يخالط من السحر من هذه الرقى". قال أبو بكر: النفاثات في ~~العقد السواحر ينفثن على العليل ويرقونه بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم للكواكب ~~ويطعمن العليل الأدوية الضارة ms2852 والسموم القاتلة ويحتالون في التوصل إلى ذلك ~~ثم يزعمن أن ذلك من رقاهن، # PageV03P648 # هذا لمن أردن ضرره وتلفه وأما من يزعمن أنهن يردن نفعه فينفثن عليه ~~ويوهمن أنهن ينفعن بذلك، وربما يسقينه بعض الأدوية النافعة فيتفق للعليل ~~خفة الوجع; فالرقية المنهي عنها هي رقية الجاهلية لما تضمنته من الشرك ~~والكفر، وأما الرقية بالقرآن وبذكر الله تعالى فإنها جائزة وقد أمر بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وندب إليها، وكذلك قال أصحابنا في التبرك بالرقية ~~بذكر الله. وإنما أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد; لأن ~~من صدق بأنهن ينفعن بذلك كان ذلك ضررا عليه في الدين من حيث يعتقد جواز ~~نفعها وضررها بتلك الرقية; ومن جهة أخرى شرهن فيما يحتلن من سقي السموم ~~والأدوية الضارة. # وقوله تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} قال: يقول من شر عينيه ونفسه. # قال أبو بكر: قد روت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي ~~من العين، وروى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"العين حق"، والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحة العين متظاهرة; ~~حدثنا ابن قانع قال: حدثنا القاسم بن زكريا قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: ~~حدثنا أبو إبراهيم السقاء عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "العين حق فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين فإذا ~~استغسلتم فاغسلوا". # قال أبو بكر: زعم بعض الناس أن ضرر العين إنما هو من جهة شيء ينفصل من ~~العائن فيتصل بالمعين; وهذا هو شر وجهل، وإنما العين في الشيء المستحسن عند ~~العائن، فيتفق في كثير من الأوقات ضرر يقع بالمعين، ويشبه أن يكون الله ~~تعالى إنما يفعل ذلك عند إعجاب الإنسان بما يراه تذكيرا له لئلا يركن إلى ~~الدنيا ms2853 ولا يعجب بشيء منها، وهو نحو ما روي أن العضباء ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم تكن تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها، فشق ~~ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حق على الله أن لا يرفع ~~شيئا من الدنيا إلا وضعه" وكذلك أمر العائن عند إعجابه بما يراه أن يذكر ~~الله وقدرته فيرجع إليه ويتوكل عليه، قال الله تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: 39] فأخبر بهلاك جنته عند ~~إعجابه بها بقوله، فقال: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا} [الكهف:35] إلى قوله تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ~~قوة إلا بالله} [الكهف: 39] أي لتبقى عليك نعم الله تعالى إلى وقت وفاتك. ~~وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن # PageV03P649 # الفضل قال: حدثنا العباس بن أبي طالب قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا أبو بكر ~~الهذلي عن ثمامة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى شيئا ~~أعجبه فقال الله الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره شيء". والله ~~الموفق. # هذا آخر كتاب أحكام القرآن، والله سبحانه هو الموفق المستعان. # PageV03P650 ### | باب تصادق الزوجين أن الولد ليس منه # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي: "لا ينفى الولد منه إلا ~~باللعان". وقال أصحابنا: "تصديقها إياه بأن ولدها من الزنا يبطل اللعان فلا ~~ينتفي النسب منه أبدا" وقال مالك والليث: "إذا تصادق الزوجان على أنها ~~ولدته وأنه ليس منه لم يلزمه الولد وتحد المرأة" وذكر ابن القاسم عن مالك ~~قال: "لو شهد أربعة على امرأة أنها زنت منذ أربعة أشهر وهي حامل وقد غاب ~~زوجها منذ أربعة أشهر فأخرها الإمام حتى وضعت ثم رجمها فقدم زوجها بعدما ~~رجمت فانتفى من ولده وقال قد كنت استبرأتها فإنه يلتعن وينتفي به الولد عن ~~نفسه ولا ينفيه ههنا إلا اللعان". # قال أبو بكر: قال النبي صلى ms2854 الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر" وظاهره يقتضي أن لا ينتفي أبدا عن صاحب الفراش، غير أنه لما وردت ~~السنة في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب باللعان واستعمل ذلك فقهاء ~~الأمصار سلمنا ذلك، وما عدا ذلك مما لم ترد به سنة فهو لازم للزوج بظاهر ~~قوله: "الولد للفراش". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ~~موسى بن إسماعيل قال: حدثنا مهدي بن ميمون أبو يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب عن رباح ~~قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية، فوقعت عليها فولدت لي غلاما أسود مثلي ~~فسميته عبد الله ثم طبن لها غلام من أهلي رومي يقال له يوحنا، فراطنها ~~بلسانه، فولدت غلاما كان وزغة من الوزغات فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ~~ليوحنه، فرفعنا إلى عثمان، قال: فسألهما فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن ~~أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى أن الولد للفراش، فجلدها وجلده وكانا مملوكين. # PageV03P386 ### | باب الفرقة باللعان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان ~~حتى يفرق الحاكم". وقال مالك وزفر بن الهذيل والليث: "إذا فرغا من اللعان ~~وقعت الفرقة وإن لم يفرق بينهما الحاكم". وعن الثوري والأوزاعي: "لا تقع ~~الفرقة بلعان الزوج وحده". وقال عثمان البتي: "لا أرى ملاعنة الزوج امرأته ~~تنقص شيئا، وأحب إلي أن # PageV03P386 ### | باب نكاح الملاعن للملاعنة # قال أبو حنيفة ومحمد: "إذا أكذب الملاعن نفسه وجلد الحد أو جلد حد القذف ~~في غير ذلك وصارت المرأة بحال لا يجب بينها وبين زوجها إذا قذفها لعان، فله ~~أن يتزوجها"; وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي وسعيد بن ~~جبير. وقال أبو يوسف والشافعي: "لا يجتمعان أبدا"; وروي عن علي وعمر وابن ~~مسعود مثل ذلك. وهذا محمول عندنا على أنهما لا يجتمعان ما داما على حال ~~التلاعن. ms2855 وروي عن سعيد بن جبير: "أن فرقة اللعان لا تبينها منه، وأنه إذا ~~أكذب نفسه في العدة ردت إليه امرأته"; وهو قول شاذ لم يقل به أحد غيره، وقد ~~مضت السنة ببطلانه حين فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين، ~~والفرقة لا تكون إلا مع البينونة. ويحتج للقول الأول بعموم الآي المبيحة ~~لعقود المناكحات، نحو قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وقوله: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~[النور: 32] . ومن جهة النظر أنا قد بينا أن هذه الفرقة متعلقة بحكم ~~الحاكم، وكل فرقة تعلقت بحكم الحاكم فإنها لا توجب تحريما مؤبدا، والدليل ~~على ذلك أن سائر الفرق التي تتعلق بحكم الحاكم لا يوجب تحريما مؤبدا مثل ~~فرقة العنين وخيار الصغيرين # PageV03P391 ### | فصل # قال أبو بكر: واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان، وقد ~~ذكرنا حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب ~~باللعان نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكي عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ~~ينتفي نسبه باللعان، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" والذي ~~قال: "الولد للفراش" هو الذي حكم بقطع النسب من الزوج باللعان، وليست ~~الأخبار المروية في ذلك بدون ما روي أن الولد للفراش، فثبت أن معنى قوله: ~~"الولد للفراش" أنه لم ينتف باللعان. وأيضا فلما بطل ما كان أهل الجاهلية ~~عليه من استلحاق النسب بالزنا، كما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عنبسة بن خالد قال: حدثني يونس بن يزيد ~~قال: قال محمد بن مسلم بن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله ~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على ~~أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته ~~فيصدقها ثم ينكحها; ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته: "إذا طهرت من طمثها ~~أرسلي إلى فلان ms2856 فاستبضعي منه" ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين ~~حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، ~~وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع; ~~ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم # PageV03P394 ### | باب الاستئذان # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة ~~قالوا: "الاستئناس الاستئذان" فيكون معناه: حتى تستأنسوا بالإذن. وروى شعبة ~~عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف: {حتى ~~تستأنسوا} وقال "غلط الكاتب". وروى القاسم بن نافع عن مجاهد: {حتى ~~تستأنسوا} قال: "هو التنحنح والتنخع". وفي نسق التلاوة ما دل على أنه أراد ~~الاستئذان، وهو قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم} . والاستئناس قد يكون للحديث كقوله تعالى: {ولا مستأنسين ~~لحديث} [الأحزاب: 53] وكما روي عن عمر في حديثه الذي ذكر فيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انفرد في مشربة له حين هجر نساءه، فاستأذنت عليه # PageV03P400 ### | في عدد الاستئذان وكيفيته # روى دهيم بن قران عن يحيى بن أبي كثير عن عمرو بن عثمان عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث: فالأولى ~~يستنصتون، والثانية يستصلحون، والثالثة يأذنون أو يردون". وروى يونس بن ~~عبيد عن الوليد بن مسلم عن جندب قال: # PageV03P401 ### | باب في الاستئذان على المحارم # روى شعبة عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد قال: "سأل رجل حذيفة: أأستأذن على ~~أختي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك". وروي عن ابن عيينة عن عمرو ~~عن عطاء قال: "سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قال قلت: إنها ~~معي في البيت وأنا أنفق عليها، قال: استأذن عليها". وروى سفيان عن مخارق عن ~~طارق قال: "قال رجل لابن مسعود أأستأذن على أمي؟ قال: نعم". وروى سفيان عن ~~زيد بن أسلم ms2857 عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أأستأذن على أمي؟ قال: "نعم، أتحب أن تراها عريانة؟ ". وقال عمرو عن عطاء: ~~"سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي وأنا أنفق عليها؟ قال: نعم أتحب أن تراها ~~عريانة؟ إن الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ~~". فلم يؤمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث. ثم قال: {وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} ولم يفرق بين من ~~كان منهم أجنبيا أو ذا رحم محرم، إلا أن أمر ذوي المحارم أيسر لجواز النظر ~~إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء. # وقوله تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} بعد قوله: {فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم} يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره ~~عن # PageV03P405 ### | باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات # قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} . قال ~~أبو بكر: معقول من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه، فحذف ~~ذكر ذلك اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد; وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن ~~إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو وفر منها فلا تتبع النظرة ~~النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية". وروى الربيع بن صبيح عن الحسن عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابن آدم لك أول نظرة وإياك ~~والثانية". وروى أبو زرعة عن جرير: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. قال أبو بكر: إنما أراد صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "لك النظرة الأولى" إذا لم تكن عن قصد، فأما إذا كانت عن ~~قصد فهي والثانية سواء، وهو على ما سأل عنه جرير من نظرة الفجاءة، وهو مثل ~~قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد كل ms2858 أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36] . # وقوله: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} هو على معنى ما نهي الرجل عنه من ~~النظر إلى ما حرم عليه النظر إليه. # وقوله تعالى: {ويحفظوا فروجهم} وقوله: {ويحفظن فروجهن} فإنه روي عن أبي ~~العالية أنه قال: كل آية في القرآن: "يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن" من ~~الزنا، إلا التي في النور: {ويحفظوا فروجهم} {ويحفظن فروجهن} أن لا ينظر ~~إليها أحد. قال أبو بكر: هذا تخصيص بلا دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون ~~المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر، وكذلك سائر الآي ~~المذكورة في غير هذا الموضع في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم ~~الدلالة على أن المراد بعض ذلك دون بعض; وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في ~~إيجاب التخصيص في النظر لما تقدم من الأمر بغض البصر، وما ذكره لا يوجب ~~ذلك; لأنه لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض البصر وحفظ الفرج من النظر ومن ~~الزنا وغيره من الأمور المحظورة; وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فلا ~~محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية; إذ هما أغلظ من النظر، فلو نص الله ~~على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء واللمس كما أن قوله: ~~{فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] قد اقتضى حظر ما فوق ذلك من ~~السب والضرب. # PageV03P407 ### | باب الترغيب في النكاح # قال الله عز وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} ~~الآية. قال أبو بكر: ظاهره يقتضي الإيجاب، إلا أنه قد قامت الدلالة من ~~إجماع السلف وفقهاء الأمصار على أنه لم يرد بها الإيجاب وإنما هو استحباب، ~~ولو كان ذلك واجبا لورود النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~السلف مستفيضا شائعا لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسائر الأعصار بعده قد كان الناس أيامى من الرجال والنساء فلم ~~ينكر واترك تزويجهم ثبت أنه لم يرد الإيجاب. ويدل على أنه لم يرد الإيجاب ~~أن الأيم ms2859 الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه ولا تزويجها بغير ~~أمرها. وأيضا مما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه لا يجبر على ~~تزويج عبده وأمته، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه مندوب في الجميع; ~~ولكن دلالة الآية واضحة في وقوع العقد الموقوف; إذ لم يخصص بذلك الأولياء ~~دون غيرهم وكل أحد من الناس مندوب إلى تزويج الأيامى المحتاجين إلى النكاح، ~~فإن تقدم من المعقود عليهم أمر فهو نافذ، وكذلك إن كانوا ممن يجوز عقدهم ~~عليهم مثل المجنون والصغير فهو نافذ أيضا وإن لم يكن لهم ولاية ولا أمر ~~فعقدهم موقوف على إجازة من يملك ذلك العقد فقد اقتضت الآية جواز النكاح على ~~إجازة من يملكها. # فإن قيل: هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء وأن ~~عقودهن على أنفسهن غير جائزة. قيل له: ليس كذلك; لأن الآية لم تخص الأولياء ~~بهذا الأمر دون غيرهم، وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على ~~الأيامى، ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء؟ وهو في الرجال لم ~~يرد به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة في الترغيب في النكاح، ~~منها ما رواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله والمكاتب ~~الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف". وروى إبراهيم عن علقمة عن عبد ~~الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من ~~استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". ~~وقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير". وعن شداد بن أوس أنه قال لأهله: زوجوني فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله أعزب. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر ~~بن موسى قال: حدثنا خلاد ms2860 عن سفيان عن عبد الرحمن بن # PageV03P413 ### | باب المكاتبة # قال الله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} . روي عن عطاء قال: "ما أراه إلا واجبا"، وهو قول عمرو بن ~~دينار وروي عن عمر: "أنه أمر أنسا بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ~~فرفع عليه الدرة وضربه وقال: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا، وحلف عليه ~~ليكاتبنه". وقال الضحاك: "إن كان للمملوك مال فعزيمة على مولاه أن يكاتبه". ~~وروى الحجاج عن عطاء قال: "إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب إنما هو تعليم"، ~~وكذلك قول الشعبي. # قال أبو بكر: هذا ترغيب عند عامة أهل العلم وليس بإيجاب، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"، وما روي عن عمر ~~في قصة سيرين دل على ذلك أيضا; لأنها لو كانت واجبة لحكم بها عمر عليه ولم ~~يكن يحتاج أن يحلف على أنس لمكاتبته ولم يكن أنس أيضا يمتنع من شيء واجب ~~عليه. # فإن قيل: لو لم يكن يراها واجبة لما رفع عليه الدرة ولم يضربه. قيل: لأن ~~عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق للرعية، فكان يأمرهم بما لهم فيه الحظ ~~في الدين وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة. ويدل على أنها ليست ~~على الوجوب أنه موكول إلى غالب ظن المولى أن فيهم خيرا، فلما كان المرجع ~~فيه للمولى لم يلزمه الإجبار عليه. # وقوله: {إن علمتم فيهم خيرا} روى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} "إن علمتم لهم ~~حرفة ولا تدعوهم كلا على الناس". وذكر ابن جريج عن عطاء: {إن علمتم فيهم ~~خيرا} قال: "ما نراه إلا المال" ثم تلا قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا} [البقرة: 180] قال: "الخير المال فيما نرى"، قال: ~~وبلغني عن ابن عباس: يعني بالخير المال. وروى # PageV03P415 ### | باب الكتابة الحالة # قال الله تعالى: {فكاتبوهم إن ms2861 علمتم فيهم خيرا} فاقتضى ذلك جوازها حالة ~~ومؤجلة لإطلاقه ذلك من غير شرط الأجل، والاسم يتناولها في حال التعجيل ~~والتأجيل كالبيع والإجارة وسائر العقود، فواجب جوازها حالة لعموم اللفظ. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: "تجوز ~~الكتابة الحالة فإن أداها حين طلبها المولى منه وإلا رد في الرق". وقال ابن ~~القاسم عن مالك في رجل قال: كاتبوا عبدي على ألف ولم يضرب لها أجلا: "إنها ~~تنجم على المكاتب على قدر ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته" قال: "فالكتابة ~~عند الناس منجمة ولا تكون حالة إن أبى ذلك السيد". وقال الليث: "إنما جعل ~~التنجيم على المكاتب رفقا بالمكاتب ولم يجعل ذلك رفقا بالسيد". وقال المزني ~~عن الشافعي: "لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين". # قال أبو بكر: قد ذكرنا دلالة الآية على جوازها حالة، وأيضا لما كان مال ~~الكتابة بدلا عن الرقبة كان بمنزلة أثمان الأعيان المبيعة فتجوز عاجلة ~~وآجلة. وأيضا لا يختلفون في جواز العتق على مال حال فوجب أن تكون الكتابة ~~مثله; لأنه بدل عن العتق في الحالين، إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط ~~الأداء وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما في جوازهما على بدل عاجل. # فإن قيل: العبد لا يملك فيحتاج بعد الكتابة إلى مدة يمكنه الكسب فيها، ~~فوجب أن لا تجوز إلا مؤجلة; إذ كانت تقتضي الأداء ومتى امتنع الأداء لم تصح ~~الكتابة. قيل له: هذا غلط; لأن عقد الكتابة يوجب ثبوت المال في ذمته للمولى ~~ويصير بها المكاتب في يد نفسه ويملك أكسابه وتصرفه، وهو بمنزلة سائر الديون ~~الثابتة في الذمم التي يجوز العقد عليها، ولو كانت هذه علة صحيحة لوجب أن ~~لا يجوز العتق على مال حال; لأنه لم # PageV03P419 ### | باب الكتابة من غير ذكر الحرية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك بن أنس: "إذا كاتبه على ألف ~~درهم ولم يقل: إن أديت فأنت حر فهو جائز ومعتق بالأداء" وقال المزني عن ~~الشافعي: ms2862 "إذا كاتبه على مائة دينار إلى عشر سنين كذا كذا نجما فهو جائز ~~ولا يعتق حتى يقول في الكتابة إذا أديت هذا فأنت حر، ويقول بعد ذلك: إن ~~قولي قد كاتبتك كان معقودا على أنك إذا أديت فأنت حر". # قال أبو بكر: قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} يقتضي جوازها من ~~غير شرط الحرية ويتضمن الحرية; لأن الله تعالى لم يقل فكاتبوهم على شرط ~~الحرية، فدل على أن اللفظ يتضمنها كلفظ الخلع في تضمنه للطلاق ولفظ البيع ~~فيما يتضمن من التمليك والإجارة فيما يقتضيه من تمليك المنافع والنكاح في ~~اقتضائه تمليك منافع البضع; ويدل عليه أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما عبد كاتب على مائة أوقية ~~فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق"، فأجاز الكتابة مطلقة على هذا الوجه من غير ~~شرط حرية فيها، وإذا صحت الكتابة مطلقة من غير شرط حرية وجب أن يعتق ~~بالأداء; لأن صحة الكتابة تقتضي وقوع العتق بالأداء. # PageV03P420 ### | باب المكاتب متى يعتق # قال أبو بكر: حكى أبو جعفر الطحاوي عن بعض أهل العلم أنه حكي عن ابن ~~عباس: "أن المكاتب يعتق بعقد الكتابة وتكون الكتابة دينا عليه"; قال أبو ~~جعفر: لم نجد لذلك إسنادا ولم يقل به أحد نعلمه. قال: وقد روى أيوب عن ~~عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يؤدي المكاتب ~~بحصة ما أدى دية حر وما بقي عليه دية عبد"، ورواه أيضا يحيى بن أبي كثير عن ~~عكرمة عن ابن عباس. وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة وإحدى ~~الروايتين عن عمر: "إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". وروي عن عمر: "أنه ~~إذا أدى النصف فهو غريم ولا رق عليه". وقال ابن مسعود: "إذا أدى ثلثا أو ~~ربعا فهو غريم" وهو قول شريح. وروى إبراهيم عن عبد الله: "أنه إذا أدى قيمة ~~رقبته فهو غريم". # PageV03P420 ### | باب لزوم الإجابة لمن دعي إلى الحاكم ms2863 # قال الله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون} . وهذا يدل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم فعليه ~~إجابته والمصير معه إليه; لأن قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله} معناه: إلى ~~حكم الله. ويدل على أن من أتى الحاكم فادعى على غيره حقا أن على الحاكم أن ~~يعديه ويحضره ويحول بينه وبين تصرفه وأشغاله. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا أبو بكر ~~بن شيبة قال: حدثنا فليح قال: حدثني محمد بن # PageV03P424 ### | باب استئذان المماليك والصبيان # استئذان المماليك والصبيان قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} الآية. روى ليث ~~بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن: ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} قالا: "هو في النساء خاصة والرجال يستأذنون ~~على كل حال بالليل والنهار". قال أبو بكر: أنكر بعضهم هذا التأويل، قال: ~~لأن النساء لا يطلق فيهن "الذين" إذا انفردن، وإنما يقال: "اللائي" كما قال ~~تعالى: {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] . # قال أبو بكر: هذا يجوز إذا عبر بلفظ المماليك، كما أن النساء إذا عبر ~~عنهن بالأشخاص; وكذلك جائز أن تذكر الإناث إذا عبر عنهن بلفظ المماليك دون ~~النساء ودون الإماء; لأن التذكير والتأنيث يتبعان اللفظ كما تقول: "ثلاث ~~ملاحف" فإذا عبرت بالأزر ذكرت فقلت: "ثلاثة أزر" فالظاهر أن المراد الذكور ~~والإناث من المماليك وليس العبيد; لأن العبيد مأمورون بالاستئذان في كل وقت ~~ما يوجب الاقتصار بالأمر في العورات الثلاث على الإماء دونهم; إذ كانوا ~~مأمورين في سائر الأوقات، ففي هذه الأوقات الثلاثة أولى أن يكونوا مأمورين ~~به. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا ابن السرح والصباح ~~بن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه قال: أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد ~~عن ابن عباس قال: سمعته يقول: "لم يؤمر ms2864 بها أكثر الناس آية الإذن، وإني ~~لآمر جاريتي هذه تستأذن علي". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: ~~حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة ~~أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى هذه الآية التي أمرنا ~~فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد، قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} ~~الآية، إلى قوله: {عليم حكيم} ؟ قال ابن عباس: "إن الله حليم رحيم ~~بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب فربما دخل ~~الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان ~~في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد". ~~قال أبو بكر: وفي بعض ألفاظ حديث عباس هذا، وهو حديث سليمان بن بلال عن ~~عمرو بن أبي عمرو: "فلما أتى الله بالخير واتخذوا الستور والحجاب رأى الناس ~~أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به" فأخبر ابن عباس أن الأمر ~~بالاستئذان في هذه الآية كان متعلقا بسبب، فلما زال السبب زال الحكم. وهذا ~~يدل على أنه لم ير الآية # PageV03P426 ### | فصل # قوله تعالى: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} يدل على بطلان قول من جعل حد ~~البلوغ خمس عشرة سنة; إذ لم يحتلم قبل ذلك; لأن الله تعالى لم يفرق بين من ~~بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم. وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من جهات كثيرة: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ~~وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم". ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة ~~سنة وبين من لم يبلغها. وأما حديث ابن عمر: أنه عرض على النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجز وعرض عليه # PageV03P427 ### | في اسم صلاة العشاء # قوله تعالى: {ومن بعد صلاة العشاء} روى ms2865 عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الله ~~تعالى قال: {ومن بعد صلاة العشاء} وإن الأعراب يسمونها العتمة، وإنما ~~العتمة عتمة الإبل للحلاب". # وقوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} الآية. قال ابن # PageV03P430 ### | ومن سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} الطهور على وجه المبالغة في ~~الوصف له بالطهارة وتطهير غيره، فهو طاهر مطهر، كما يقال: رجل ضروب وقتول ~~أي يضرب ويقتل وهو مبالغة في الوصف له بذلك. والوضوء يسمى طهورا; لأنه يطهر ~~من الحدث المانع من الصلاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور" أي بما يطهر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا" فسماه طهورا من حيث استباح به الصلاة وقام مقام الماء ~~فيه. # وقد اختلف في حكم الماء على ثلاثة أنحاء: أحدها: إذا خالط الماء غيره من ~~الأشياء، الطاهرة. والثاني: إذا خالطه نجاسة. والثالث: الماء المستعمل; ~~فقال أصحابنا: "إذا لم تخالطه نجاسة ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم ~~الماء لأجل الغلبة ولم يستعمل لطهارة البدن فالوضوء به جائز فإن غلب عليه ~~غيره حتى يزيل عنه اسم الماء مثل المرق وماء الباقلاء والخل ونحوه، فإن ~~الوضوء به غير جائز، وما طبخ بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون ~~فالوضوء به جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي، وكذلك إن وقع ~~فيه زعفران أو شيء مما يصبغ بصبغه وغير لونه فالوضوء به جائز لأجل غلبة ~~الماء". وقال مالك، "لا يتوضأ بالماء الذي يبل فيه الخبز". وقال الحسن بن ~~صالح: "إذا توضأ بزردج أو نشاسبتج أو بخل أجزأه، وكذلك كل شيء غير لونه". ~~وقال الشافعي: "إذا بل فيه خبزا وغير ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى ~~يضاف إلى ما خالطه وخرج منه فلا يجوز التطهر به وكذلك الماء الذي غلب عليه ~~الزعفران أو ms2866 الأشنان"; وكثير من أصحابه يشرط فيه أن يكون بعض الغسل بغير ~~الماء. # قال أبو بكر: الأصل فيه قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] إلى قوله: {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] فيه الدلالة ~~من وجهين على قولنا: أحدهما: أن قوله: {فاغسلوا} عموم في سائر المائعات ~~بجواز إطلاق اسم # PageV03P437 ### | ومن سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} قال: "الثناء الحسن" فاليهود ~~تقر بنبوته وكذلك النصارى وأكثر الأمم. وقيل: اجعل من ولدي من يقوم بالحق ~~ويدعو إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به. # وقوله تعالى: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قيل: إنما سأل سلامة القلب; ~~لأنه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد، إذ الفساد بالجوارح لا ~~يكون إلا عن قصد فاسد بالقلب فإن اجتمع مع ذاك جهل فقد عدم السلامة من ~~وجهين. وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأعلم ~~مضغة إذا صلحت صلح البدن كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". # وقوله تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين} إلى قوله: {وإنه لفي زبر ~~الأولين} أخبر عن القرآن بأنه تنزيل رب العالمين، ثم أخبر أنه في زبر ~~الأولين; ومعلوم أنه لم يكن في زبر الأولين بهذه اللغة فهذا مما يحتج به في ~~أن نقله إلى لغة أخرى لا يخرجه من أن يكون قرآنا لإطلاق الله اللفظ بأنه في ~~زبر الأولين مع كونه فيها بغير اللغة العربية. # وقوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} روى سفيان عن سلمة بن كهيل عن ~~مجاهد في قوله: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال: "عصاة الجن". وروى خصيف عن ~~مجاهد: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال: "الشاعران يتهاجيان فيكون لهذا ~~أتباع ولهذا أتباع من الغواة، فذم الله الشعراء الذين صفتهم ما ذكر وهم ~~الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون، وشبهه بالهائم على وجهه في ~~كل واد يعن له لما يغلب عليه من الهوى غير مفكر في صحة ما يقول ولا فساده ~~ولا ms2867 في عاقبة أمره". وقال ابن عباس وقتادة: {في كل واد يهيمون} "في كل لغو ~~يخوضون، يمدحون ويذمون، يعنون الأباطيل". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا. حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" ~~ومعناه الشعر المذموم الذي ذم الله قائله في هذه الآية; لأنه قد # PageV03P450 ### | ومن سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج} . من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر; وليس فيه ~~دلالة على ما ذكروا; لأنه شرط منافعه لشعيب عليه السلام ولم يشرط لها مهرا، ~~فهو بمنزلة من تزوج امرأة بغير مهر مسمى وشرط لوليها منافع الزوج مدة ~~معلومة، فهذا إنما يدل على جواز عقد النكاح من غير تسمية مهر، وشرطه للمولى ~~ذلك يدل على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. وجائز أن ~~يكون قد كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة، فإن كان ~~كذلك فهذا منسوخ بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على أنه قد كان ~~جائزا في تلك الشريعة أن يشرط للولي منفعة. ويحتج به في جواز الزيادة في ~~العقود لقوله تعالى: {فإن أتممت عشرا فمن عندك} قال ابن عباس: "قضى موسى ~~أتم الأجلين وأوفاهما". # قوله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} الآية. قال مجاهد: "كان ناس ~~من أهل الكتاب أسلموا، فآذاهم المشركون فصفحوا عنهم، يقولون: سلام عليكم لا ~~نبتغي الجاهلين". قال أبو بكر: هذا سلام متاركة وليس بتحية، وهو نحو قوله: ~~{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] وقوله: {واهجرني مليا} ~~[مريم: 46] وقال: إبراهيم {سلام عليك سأستغفر لك ربي} [مريم: 47] . ومن ~~الناس من يظن أن هذا يجوز على جواز ابتداء الكافر بالسلام. وليس كذلك، لما ~~وصفنا من أن السلام ينصرف على معنيين: أحدهما: المسالمة التي هي المتاركة، ~~والثاني: التحية التي هي دعاء بالسلامة والأمن، نحو تسليم المسلمين بعضهم ~~على بعض، وقوله صلى الله ms2868 عليه وسلم: "للمؤمن على المؤمن ست أحدها أن يسلم ~~عليه إذا لقيه"، وقوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها} [النساء: 86] وقوله: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الكفار: "لا تبدءوهم بالسلام وإنه إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم". # PageV03P452 ### | ومن سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حسنا} روى أبو عبيدة عن عبد الله ~~قال: قلت: "يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلوات لوقتهن". قلت: ثم ~~مه؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قلت: ثم مه؟ قال: "بر الوالدين". وروى أبو ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن ~~خمر". والآية والخبر يدلان معا على أنه لا يجوز للرجل أن يقتل أباه وإن كان ~~مشركا ونهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر عن قتل أبيه وكان ~~مشركا ويدل على أنه لا يقتص للولد من الوالد. # قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} روى ابن مسعود وابن ~~عباس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا ~~من أطاعها. قال أبو بكر يعني القيام بموجبات الصلاة من الإقبال عليها ~~بالقلب والجوارح وإنما قيل: تنهى عن الفحشاء والمنكر; لأنها تشتمل على ~~أفعال وأذكار لا يتخللها غيرها من أمور الدنيا وليس شيء من الفروض بهذه ~~المنزلة فهي تنهى عن المنكر وتدعو إلى المعروف بمعنى أن ذلك مقتضاها ~~وموجبها لمن قام بحقها. وعن الحسن قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قيل ~~له: إن فلانا يصلي بالليل ويسرق بالنهار; فقال: "لعل صلاته تنهاه". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حبب إلي من دنياكم الثلاث النساء ~~والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة". وروي عن بعض السلف قال: لم تكن الصلاة ~~قرة عينه ولكنه كان إذا دخل الصلاة يرى فيها ما ms2869 تقر عينه # قوله تعالى: {ولذكر الله أكبر} قال ابن عباس وابن مسعود وسلمان ومجاهد: ~~ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته وروي عن سلمان أيضا وأم ~~الدرداء وقتادة ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله وقال السدي: ذكر الله في ~~الصلاة أكبر من الصلاة. # PageV03P454 ### | ومن سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} ~~روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} ~~هو الرجل يهب الشيء يريد أن يثاب أفضل منه فذلك الذي لا يربو عند الله ولا ~~يؤجر صاحبه فيه ولا إثم عليه: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله} وعن ~~سعيد بن جبير قال: هو الرجل يعطي ليثاب عليه وروى عبد الوهاب عن خالد عن ~~عكرمة {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال: الربا ربوان فربا حلال ~~وربا حرام فأما الربا الحلال فهو الذي يهدى يلتمس به ما هو أفضل منه وروى ~~زكريا عن الشعبي: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال كان الرجل ~~يسافر مع الرجل فيخف له ويخدمه فيجعل له من ربح ماله ليجزيه بذلك. وروى عبد ~~العزيز بن أبي رواد عن الضحاك {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس} قال ~~هو الربا الحلال الرجل يهدي ليثاب أفضل منه فذلك لا له ولا عليه ليس فيه ~~أجر وليس عليه فيه إثم وروى منصور عن إبراهيم {ولا تمنن تستكثر} [المدثر:6] ~~قال لا تعط لتزداد. قال أبو بكر: يجوز أن يكون ذلك خاصا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم; لأنه كان في أعلى مراتب مكارم الأخلاق كما حرم عليه الصدقة، وقد ~~روي عن الحسن في قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر:6] لا تستكثر عملك ~~فتمن به على ربك. # وقوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ~~بعد قوة ضعفا وشيبة} يعني أنه خلقكم ضعفاء حملا في ms2870 بطون الأمهات ثم أطفالا ~~لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا ثم جعلكم أقوياء ثم أعطاكم من الاستطاعة ~~والعقل والدراية للتصرف في اختلاف المنافع ودفع المضار ثم جعلكم ضعفاء في ~~حال الشيخوخة، كقوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} [يس: 68] وقوله: ~~{ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا} [النحل: 70] فيبقى ~~مسلوب القوى # PageV03P456 ### | ومن سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {حملته أمه وهنا على وهن} قال الضحاك: ضعفا على ضعف، يعني ~~ضعف الولد على ضعف الأم وقيل: بل المعنى فيه شدة الجهد {وفصاله في عامين} ~~يعني في انقضاء عامين، وفي آية أخرى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: ~~15] فحصل بمجموع الآيتين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وبه استدل ابن عباس على ~~مدة أقل الحمل واتفق أهل العلم عليه. # وقوله تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك} يعني والله أعلم اصبر على ما أصابك من الناس في الأمر بالمعروف ~~وظاهره يقتضي وجوب الصبر وإن خاف على النفس إلا أن الله تعالى قد أباح ~~إعطاء التقية في حال الخوف في آي غيرها قد بيناها، وقد اقتضت الآية وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} قال ابن عباس ومجاهد: معناه لا تعرض ~~بوجهك عن الناس تكبرا وقال إبراهيم هو التشدق ومعناه يرجع إلى الأول; لأن ~~المتشادق في الكلام متكبر، وقيل: إن أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ~~ورءوسها حتى يلوي وجوهها وأعناقها فيشبه بها الرجل الذي يلوي عنقه عن ~~الناس، قال الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما # قوله تعالى: {ووصينا الأنسان بوالديه حملته أمه} إلى قوله: {وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ~~أبان تعالى بذلك أن أمره بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين ~~والكفار، لقوله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم} وأكده ms2871 ~~بقوله: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} وفي ذلك دليل على أنه لا يستحق القود ~~على أبيه وأنه لا يحد له إذا قذفه ولا يحبس له بدين عليه وأن عليه نفقتهما ~~إذا احتاجا إليه; إذ كان جميع ذلك من الصحبة # PageV03P458 ### | ومن سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} . حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل في ~~قوله: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل ~~يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من ~~يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ~~وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب من الخير؟ الصوم جنة ~~والصدقة تطفئ الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم قرأ: {تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع} حتى بلغ: {جزاء بما كانوا يعملون} ثم قال: "ألا أخبرك برأس ~~الأمر وعموده وذروة سنامه"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: رأسه الإسلام ~~وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ~~ذلك كله"؟ قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه فقال: "اكفف عليك هذا" قلت: ~~يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب ~~الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ ". وحدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: حدثنا عبد الرزاق عن ~~معمر قال: تلا قتادة: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} قال: "قال ~~الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر". وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ms2872 قال: "للذين تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، ثم ~~تلا: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} . وروي عن مجاهد وعطاء: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قالا: "العشاء الآخرة". وقال الحسن: {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} "كانوا ينتفلون بين # PageV03P461 ### | ومن سورة الأحزاب ### | مدخل # ... # ومن سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . روي عن ابن عباس ~~رواية: "أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه"; وعن مجاهد وقتادة ~~مثله. وعن ابن عباس أيضا: "كان المنافقون يقولون: لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قلبان، فأكذبهم الله تعالى". وقال الحسن: "كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ~~ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذا". وروي عن مجاهد أيضا: "أن رجلا من بني ~~فهر قال: في جوفي قلبان أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فكذبه الله ~~عز وجل". وذكر أبو جعفر الطحاوي أنه لم يرو في تفسيرها غير ما ذكرنا، قال: ~~وحكى الشافعي عن بعض أهل التفسير ممن لم يسمه في احتجاجه على محمد في نفي ~~أن يكون الولد من رجلين أنه أريد بها: ما جعل الله لرجل من أبوين في ~~الإسلام. قال أبو بكر: اللفظ غير محتمل لما ذكر; لأن القلب لا يعبر به عن ~~الأب لا مجازا ولا حقيقة، ولا ذلك اسم له في الشريعة، فتأويل الآية على هذا ~~المعنى خطأ من وجوه. وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أنه رأى جارية مجحا فقال: لمن هذه الجارية؟ فقالوا: لفلان، فقال: ~~"أيطؤها"؟ قالوا: نعم، قال: "لقد هممت أن ألعنه لعنة رجل يدخل معه في قبره، ~~كيف يورثه وهو لا يحل له أم كيف يسترقه وقد غذاه في سمعه وبصره" فقوله: "قد ~~غذاه في سمعه وبصره" يدل على أن الولد يكون من ماء رجلين. وقد روي عن علي ~~وعمر إثبات نسب الولد من رجلين، ولا يعرف عن غيرهما من ms2873 الصحابة خلافه. # وقوله تعالى: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} . قال أبو ~~بكر: كانوا يظاهرون من نسائهم فيقولون: أنت علي كظهر أمي، فأخبر الله تعالى ~~أنها لا تصير بمنزلة أمه في التحريم، وجعل هذا القول منكرا من القول وزورا ~~بقوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] وألزمه ~~بذلك تحريما ترفعه الكفارة وأبطل ما أوجبه المظاهر من جعله إياها كالأم; ~~لأن تحريمها تحريم مؤبد. # PageV03P463 ### | فصل # قال أبو بكر: ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب الخيار وفي التفريق ~~لامرأة العاجز عن النفقة; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير بين الدنيا ~~والآخرة فاختار الفقر والآخرة أمره الله بتخيير نسائه، فقال تعالى: {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} . الآية. قال ~~أبو بكر: لا دلالة فيها على ما ذكروا وذلك; لأن الله علق اختيار النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفراقهن بإرادتهن الحياة الدنيا وزينتها، ومعلوم أن من أراد ~~من نسائنا الحياة # PageV03P469 ### | باب الطلاق قبل النكاح # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ~~قال أبو بكر: قد تنازع أهل العلم في دلالة هذه الآية في صحة إيقاع طلاق ~~المرأة بشرط التزويج وهو أن يقول: "إن تزوجت امرأة فهي طالق"، فقال قائلون: ~~"قد اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه; إذ كانت موجبة لصحة الطلاق ~~بعد النكاح، وهذا القائل مطلق قبل النكاح". وقال آخرون: "دلالتها ظاهرة في ~~صحة هذا القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح; لأنها حكمت بصحة وقوع ~~الطلاق بعد النكاح، ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق، فهو مطلق بعد ~~النكاح; فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه". وهذا القول هو ~~الصحيح وذلك لأنه لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد ~~أو حال الإضافة ووجود الشرط، فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته: "إذا ~~بنت ms2874 مني وصرت أجنبية فأنت طالق" أنه موقع للطلاق في حال # PageV03P473 ### | باب ما أحل الله تعالى لرسوله من النساء # قال الله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن} . الآية. قال أبو بكر: قد انتظمت الآية ضروب النكاح الذي أباحه ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فمنها قوله: {اللاتي آتيت أجورهن} ~~يعني: من تزوج منهن بمهر مسمى وأعطاهن. ومنها: ما ملكت اليمين بقوله: {وما ~~ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} . مثل ريحانة وصفية # PageV03P477 ### | باب ذكر حجاب النساء # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم إلى طعام # PageV03P482 ### | ومن سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} . روي عن عطاء بن يسار قال: تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي ~~الشكور} ثم قال: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود: العدل في ~~الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية. # قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} يدل على أن عمل ~~التصاوير كان مباحا، وهو محظور في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لما روي ~~عنه أنه قال: "لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة" وقال: "من صور صورة كلف يوم ~~القيامة أن يحييها وإلا فالنار" وقال: "لعن الله المصورين". وقد قيل فيه إن ~~المراد من شبه الله تعالى بخلقه. آخر سورة سبأ. # PageV03P488 ### | ومن سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عكرمة قال: "ذكر عند ابن عباس يقطع الصلاة الكلب والحمار، فقرأ: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فما الذي يقطع هذا. "وروى ~~سالم عن سعيد بن جبير: "الكلم الطيب يرفعه العمل الصالح". # قوله تعالى: {ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها} الحلية ~~ههنا اللؤلؤ وما يتحلى به مما يخرج من البحر. واختلف الفقهاء في المرأة ~~تحلف أن لا تلبس حليا، فقال أبو حنيفة: "اللؤلؤ وحده ليس بحلي إلا ms2875 أن يكون ~~معه ذهب، لقوله تعالى: {ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع} ~~[الرعد: 17] وهذا في الذهب دون اللؤلؤ; إذ لا توقد عليه". وقوله {حلية ~~تلبسونها} إنما سماه حلية في حال اللبس، وهو لا يلبس وحده في العادة إنما ~~يلبس مع الذهب، ومع ذلك فإن إطلاق لفظ الحلية عليه في القرآن لا يوجب حمل ~~اليمين عليه، والدليل عليه قوله: {تأكلون لحما طريا} وأراد به السمك; ولو ~~حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث، وكذلك قوله: {وجعل الشمس سراجا} ~~[نوح: 16] ومن حلف لا يقعد في سراج وقعد في الشمس لا يحنث. # قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فيه الإبانة عن فضيلة ~~العلم وأن به يتوصل إلى خشية الله وتقواه; لأن من عرف توحيد الله وعدله ~~بدلائله أوصله ذلك إلى خشية الله وتقواه; إذ كان من لا يعرف الله ولا يعرف ~~عدله وما قصد له بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقيه; وقوله في آية أخرى: {يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] وقال ~~تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} إلى قوله: ~~{ذلك لمن خشي ربه} [البينة: 8] فأخبر أن خير البرية من خشي ربه، وأخبر في ~~الآية أن العلماء بالله هم الذين يخشونه، فحصل بمجموع الآيتين أن أهل العلم ~~بالله هم خير البرية وإن كانوا على طبقات في ذلك. ثم وصف أهل العلم بالله ~~الموصوفين بالخشية منه فقال: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما # PageV03P489 ### | ومن سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} . حدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر ~~عن عبد الله بن عمر في قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} قال: "الشمس تطلع ~~فيراها بنو آدم حتى إذا كان يوم غربت فتحبس ما شاء الله ثم يقال: اطلعي من ~~حيث غربت، فهو يوم لا ينفع نفسا إيمانها. الآية". ms2876 قال معمر: وبلغني عن أبي ~~موسى الأشعري أنه قال: "إذا كانت الليلة التي تطلع فيها الشمس من حيث تغرب ~~قام المتهجدون لصلاتهم فصلوا حتى يملوا ثم يعودون إلى مضاجعهم، يفعلون ذلك ~~ثلاث مرات، والليل كما هو والنجوم واقفة لا تسري حتى يخرج الرجل إلى أخيه ~~ويخرج الناس بعضهم إلى بعض". قال أبو بكر: فكان معنى قوله: {لمستقر لها} ~~على هذا التأويل وقوفها عن السير في تلك الليلة إلى أن تطلع من مغربها. قال ~~معمر: وبلغني أن بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر، قيل له: وما الآيات؟ قال: ~~زعم قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع ~~الشمس من مغربها والدجال والدخان ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة" ; ~~قيل له: هل بلغك أي الآيات أول؟ قال: طلوع الشمس من مغربها، وقد بلغني أن ~~رجالا يقولون: الدجال. وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله ~~إلا الله". وروى قتادة: {لمستقر لها} قال: "لوقت واحد لها لا تعدوه". قال ~~أبو بكر: يعني أنها استقرت على سير واحد وعلى مقدار واحد لا تختلف. وقيل: ~~{لمستقر لها} لأبعد منازلها في الغروب. # قوله تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} . حدثنا عبد الله بن ~~محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ~~معمر عن الحسن في قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} قال: "ذاك ليلة ~~الهلال". قال أبو بكر: يعني والله أعلم أنها لا تدركه فتستره بشعاعها حتى ~~تمنع من رؤيته; لأنهما مسخران # PageV03P492 ### | ومن سورة والصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر} إلى قوله: {وفديناه بذبح عظيم} قال أبو بكر: ظاهره يدل على ~~أنه كان مأمورا بذبحه، فجائز أن يكون ms2877 الأمر إنما تضمن معالجة الذبح لا ذبحا ~~يوجب الموت وجائز أن يكون الأمر حصل على شريطة التخلية والتمكين منه وعلى ~~أن لا يفديه بشيء وأنه إن فدى منه بشيء قائما مقامه. والدليل على أن ظاهره ~~قد اقتضى الأمر قوله: {افعل ما تؤمر} وقوله: {وفديناه بذبح عظيم} فلو لم ~~يكن ظاهره قد اقتضى الأمر بالذبح لما قال: {افعل ما تؤمر} ولم يكن الذبح ~~فداء عن ذبح متوقع. وروي أن إبراهيم عليه السلام كان نذر إن رزقه الله ولدا ~~ذكرا أن يجعله ذبيحا لله، فأمر بالوفاء به. وروي أن الله تعالى ابتدأ ~~بالأمر بالذبح على نحو ما قدمنا وجائز أن يكون الأمر ورد بذبح ابنه وذبحه ~~فوصل الله أوداجه قبل خروج الروح وكانت الفدية لبقاء حياته. # قال أبو بكر: وعلى أي وجه تصرف تأويل الآية قد تضمن الأمر بذبح الولد ~~إيجاب شاة في العاقبة، فلما صار موجب هذا اللفظ إيجاب شاة في المتعقب في ~~شريعة إبراهيم عليه السلام وقد أمر الله باتباعه بقوله تعالى: {ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] وقال: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وجب على من نذر ذبح ولده شاة. # وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في ذلك فروى عكرمة عن ابن عباس في ~~الرجل يقول: هو نحر ابنه، قال: "كبش كما فدى إبراهيم إسحاق". وروى سفيان عن ~~منصور عن الحكم عن علي في رجل نذر أن ينحر ابنه قال: "يهدي بدنة أو ديته شك ~~الراوي. وعن مسروق مثل قول ابن عباس. وروى شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: ~~"يحج ويهدي بدنة". وروى داود بن أبي هند عن عامر في رجل حلف أن ينحر ابنه ~~قال: "قال بعضهم مائة من الإبل، وقال بعضهم: كبش كما فدي إسحاق". # PageV03P495 ### | ومن سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يسبحن بالعشي والأشراق} روى معمر عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس قال: "لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت: {إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والأشراق} ms2878 وروى القاسم عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أهل قبا وهم يصلون الضحى، فقال: "إن صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى". وروى شريك عن زيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي ~~هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاث ونهاني عن ثلاث أوصاني بصلاة الضحى والوتر ~~قبل النوم وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقر كنقر الديك والتفات ~~كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب. وروى عطية عن أبي سعيد الخدري قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى ~~نقول: لا يصليها. وروي عن عائشة وأم هانئ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~الضحى. وعن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها وقال ابن عمر: ~~"هي من أحب ما أحدث الناس إلي". وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن ~~صلاة الضحى فقال: "إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص" ثم قرأ: ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} ~~[النور:36] . # قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه} قيل: إنه سخرها معه فكانت تسير معه، ~~وجعل ذلك تسبيحا منها لله تعالى; لأن التسبيح لله هو تنزيهه عما لا يليق به ~~فلما كان سيرها دلالة على تنزيه الله جعل ذلك تسبيحا منها له. # قوله تعالى: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} حدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب} قال: "جزأ داود الدهر أربعة أيام: يوما لنسائه، ويوما ~~لقضائه، ويوما يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لبني إسرائيل يسألونه" وذكر ~~الحديث. قال أبو بكر: وهذا يدل # PageV03P498 ### | ومن سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها} "ثم" راجعة إلى صلة ~~الكلام، ms2879 كأنه قال: خلقكم من نفس واحدة ثم أخبركم أنه جعل منها زوجها; لأنه ~~لا يصح رجوعها إلى المخلوقين من الأولاد على معنى الترتيب; لأن الوالدين ~~قبل الولد. وهو مثل قوله: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] وقوله: ~~{ثم آتينا موسى الكتاب تماما} [الأنعام: 154] ونحو ذلك آخر سورة الزمر. # PageV03P506 ### | ومن سورة المؤمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يا هامان ابن لي صرحا} روى سفيان عن منصور عن إبراهيم في ~~قوله: {يا هامان ابن لي صرحا} قال: بني بالآجر، وكانوا يكرهون أن يبنوا ~~بالآجر ويجعلونه في قبورهم". # وقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} روى الثوري عن الأعمش ومنصور ~~عن سبيع الكندي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم} الآية". # وقوله تعالى: {النار يعرضون عليها} هذه الآية تدل على عذاب القبر; لقوله ~~تعالى: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} فدل على أن المراد ~~بقوله: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} قبل القيامة. آخر سورة المؤمنون. # PageV03P507 ### | ومن سورة حم السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} . فيه بيان أن ~~ذلك أحسن قول ودل بذلك على لزوم فرض الدعاء إلى الله; إذ لا جائز أن يكون ~~النفل أحسن من الفرض، فلو لم يكن الدعاء إلى الله فرضا، وقد جعله من أحسن ~~قول اقتضى ذلك أن يكون النفل أحسن من الفرض، وذلك ممتنع. # وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} الآية. قيل: إن ~~الملائكة تتنزل عليهم عند الموت فيقولون لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب ~~الله خوفه، ولا تحزن على الدنيا، ولا على أهلها فيذهب الله خوفه، وأبشر ~~بالجنة وروي ذلك عن زيد بن أسلم. وقال غيره: إنما يقولون له ذلك في القيام ~~عند الخروج من القبر فيرى تلك الأهوال، فيقول له الملائكة: لا تخف ولا تحزن ~~فإنما يراد بهذا غيرك، ويقولون له: نحن أولياؤك في ms2880 الحياة الدنيا، فلا ~~يفارقونه تأنيسا له إلى أن يدخل الجنة. وقال أبو العالية: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا} قال: "أخلصوا له الدين والعمل والدعوة". # قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم} قال بعض أهل العلم: ذكر الله العدو فأخبر بالحيلة فيه حتى تزول ~~عداوته ويصير كأنه ولي، فقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن} الآية. قال: وأنت ~~ربما لقيت بعض من ينطوي لك على عداوة وضغن فتبدأه بالسلام أو تبسم في وجهه ~~فيلين لك قلبه ويسلم لك صدره. قال: ثم ذكر الله الحاسد فعلم أن لا حيلة ~~عندنا فيه ولا في استملاك سخيمته واستخراج ضغينته، فقال تعالى: {قل أعوذ ~~برب الفلق} [الفلق:1] إلى قوله: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق:5] فأمر ~~بالتعوذ منه حين علم أن لا حيلة عندنا في رضاه. # قوله تعالى: {واسجدوا لله الذي خلقهن} الآية. قال أبو بكر: اختلف في موضع ~~السجود من هذه السورة، فروي عن ابن عباس ومسروق وقتادة أنه عند قوله {وهم # PageV03P508 ### | ومن سورة حم عسق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب} فيه الدلالة على بطلان الاستئجار على ما سبيله أن لا يفعل إلا على ~~وجه القربة; لإخباره تعالى بأن من يريد حرث الدنيا فلا حظ له في الآخرة، ~~فيخرج ذلك من أن يكون قربة، فلا يقع موقع الجواز. # وقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي: "معناه إلا أن تودوني لقرابتي منكم" ~~قالوا: "كل قريش كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة". وقال ~~علي بن الحسين وسعيد بن جبير: "إلا أن تودوا قرابتي". وقال الحسن: {إلا ~~المودة في القربى} أي إلا التقرب إلى الله والتودد بالعمل الصالح. # وقوله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم} ~~يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان، وإقامة الصلاة، ويدل ms2881 على ~~أنا مأمورون بها. # قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} روي عن إبراهيم النخعي ~~في معنى الآية قال: "كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم ~~الفساق". وقال السدي {هم ينتصرون} معناه: ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا ~~عليهم. قال أبو بكر: قد ندبنا الله في مواضع من كتابه إلى العفو عن حقوقنا ~~قبل الناس، فمنه قوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] وقوله تعالى ~~في شأن القصاص: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] وقوله: {وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] . وأحكام هذه الآي ثابتة ~~غير منسوخة. # وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} يدل ظاهره على أن الانتصار ~~في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة ~~الصلاة؟ وهو # PageV03P510 # ومن سورة الزخرف ### | في التسمية عند الركوب # ... ### | ومن سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # في التسمية عند الركوب # قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} ~~حدثنا عبد الله بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة: أنه شهد عليا - كرم الله ~~وجهه - حين ركب، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله فلما استوى قال: ~~الحمد لله ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، قال: ثم حمد ~~الله ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقيل له: مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل الذي فعلت وقال مثل الذي قلت، ثم ~~ضحك فقيل له: مم تضحك يا نبي الله؟ قال: العبد، أو قال "عجب للعبد إذا قال ~~لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا ~~يغفر الذنوب إلا هو". وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن ms2882 قال: حدثنا ~~عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان إذا ركب قال: بسم الله ثم ~~قال: هذا منك وفضلك علينا الحمد لله ربنا ثم يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر ~~عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على ذروة سنام كل بعير ~~شيطان فإذا ركبتموها فقولوا كما أمركم الله: سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين". وروي عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر أن ابن مسعود ~~قال: "إذا ركب الدابة فلم يذكر اسم الله عليه ردفه الشيطان فقال له: تغن ~~فإن لم يحسن قال له: تمن". # PageV03P512 ### | فصل في إباحة لبس الحلي للنساء # قال أبو العالية ومجاهد "رخص للنساء في الذهب"، ثم قرأ: {أومن ينشأ في # PageV03P512 ### | ومن سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله} قال: نسخها قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] . # قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} حدثنا عبد الله بن محمد قال: ~~أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه} قال: "لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله" قال أبو بكر: وقد ~~روي في بعض الأخبار أن الهوى إله يعبد، وتلا قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه} يعني يطيعه كطاعة الإله. وعن سعيد بن جبير قال: "كانوا يعبدون ~~العزى وهو حجر أبيض حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول ~~وعبدوا الآخر" وقال الحسن: "اتخذ إلهه هواه يعني لا يعرف إلهه بحجة عقله، ~~وإنما يعرفه بهواه". # قوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر} قيل هو على التقديم والتأخير، أي: نحيا ونموت من غير رجوع، ms2883 وقيل: ~~نموت ويحيا أولادنا، كما يقال: ما مات من خلف ابنا مثل فلان. # وقوله: {وما يهلكنا إلا الدهر} فإنه حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ~~الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وما ~~يهلكنا إلا الدهر} قال: "قال ذلك مشركو قريش، قالوا: ما يهلكنا إلا الدهر، ~~يقولون: إلا العمر" قال أبو بكر: هذا قول زنادقة قريش الذين كانوا ينكرون ~~الصانع الحكيم، وأن الزمان ومضي الأوقات هو الذي يحدث هذه الحوادث. والدهر ~~اسم يقع على زمان العمر كما قال قتادة، يقال: فلان يصوم الدهر، يعنون عمره ~~كله ولذلك قال أصحابنا: إن من حلف لا يكلم فلانا الدهر أنه على عمره كله ~~وكان ذلك عندهم بمنزلة قوله: "والله لا أكلمك الأبد" وأما قوله: "لا أكلمك ~~دهرا" فإن ذلك عند أبي يوسف ومحمد على ستة أشهر، # PageV03P515 ### | ومن سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} روي أن عثمان أمر برجم امرأة قد ~~ولدت لستة أشهر، فقال له علي: قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~وقال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] وروي أن عثمان سأل الناس عن ذلك، فقال ~~له ابن عباس مثل ذلك، وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس. وروي عن ابن ~~عباس أن كل ما زاد في الحمل نقص من الرضاع، فإذا كان الحمل تسعة أشهر ~~فالرضاع واحد وعشرون شهرا، وعلى هذا القياس جميع ذلك. وروي عن ابن عباس أن ~~الرضاع حولان في جميع الناس، ولم يفرقوا بين من زاد حمله أو نقص وهو مخالف ~~للقول الأول وقال مجاهد في قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] ~~: ما نقص عن تسعة أشهر أو زاد عليها. # قوله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده} روي عن ابن عباس وقتادة: "أشده ثلاث ~~وثلاثون سنة" وقال الشعبي: "هو بلوغ الحلم" وقال الحسن: "أشده قيام الحجة ~~عليه". # وقوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} روى ~~الزهري عن ابن عباس قال: قال عمر: فقلت يا ms2884 رسول الله ادع الله أن يوسع على ~~أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال: "أفي ~~شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر في قوله: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} . قال: إن عمر بن الخطاب ~~قال: "لو شئت أن أذهب طيباتي في حياتي لأمرت بجدي سمين يطبخ باللبن" وقال ~~معمر: قال قتادة: قال عمر: "لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما وألينكم ثيابا ~~لفعلت، ولكني أستبقي طيباتي" وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قدم على عمر ~~بن الخطاب ناس من أهل العراق، فقرب إليهم طعامه، # PageV03P517 ### | ومن سورة محمد صلى الله عليه وسلم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} قال أبو بكر: قد ~~اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان، وهو نظير قوله تعالى: {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] حدثنا جعفر بن ~~محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: ~~67] قال: "ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم ~~أنزل الله - تعالى - بعد هذا في الأسارى: {فإما منا بعد وإما فداء} فجعل ~~الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا ~~استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم شك أبو عبيد في "، وإن شاءوا استعبدوهم". ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد قال: ~~حدثنا أبو مهدي وحجاج كلاهما عن سفيان قال: سمعت السدي يقول في قوله: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} قال: هي منسوخة نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] . # قال أبو بكر: ms2885 أما قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} وقوله: {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] وقوله: {فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] فإنه جائز أن يكون حكما ~~ثابتا غير منسوخ وذلك; لأن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالإثخان بالقتل وحظر عليه الأسر إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم، وكان ذلك ~~في وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين، فمتى أثخن المشركون ~~وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء. فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا ~~وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام وأما قوله: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} ظاهره يقتضي أحد شيئين من من أو فداء، وذلك ينفي جواز ~~القتل. # PageV03P519 ### | ومن سورة الفتح ### | مدخل # ... # ومن سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل -: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} روي أنه أراد فتح مكة، وقال ~~قتادة: "قضينا لك قضاء مبينا" والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر; لأن ~~القضاء لا يتناوله الإطلاق، وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه ~~فتحها عنوة; إذ كان الصلح لا يطلق عليه اسم الفتح، وإن كان قد يعبر مقيدا; ~~لأن من قال: "فتح بلد كذا عقل به الغلبة والقهر دون الصلح ويدل عليه قوله ~~في نسق التلاوة: {وينصرك الله نصرا عزيزا} . وفيه الدلالة على أن المراد ~~فتح مكة وأنه دخلها عنوة، ويدل عليه قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~[النصر:1] لم يختلفوا أن المراد فتح مكة ويدل عليه قوله تعالى: {إنا فتحنا ~~لك} وقوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} وذكره ذلك في ~~سياق القصة يدل على ذلك; لأن المعنى: سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي ~~بها قاتلوا عن دين الله حتى فتحوا مكة. # وقوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} روي ~~أن المراد فارس والروم، وروي أنهم بنو حنيفة فهو دليل على صحة إمامة أبي ~~بكر وعمر وعثمان رضي الله ms2886 عنهم; لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني ~~حنيفة ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم، وقد ألزمهم الله اتباع طاعة من ~~يدعوهم إليه بقوله: {تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ~~وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} فأوعدهم الله على التخلف ~~عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء، فدل على صحة إمامتهما، إذ كان المتولي عن ~~طاعتهما مستحقا للعقاب. # فإن قيل: قد روى قتادة أنهم هوازن وثقيف يوم حنين قيل له: لا يجوز أن ~~يكون الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم; لأنه قال: {فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] ويدل على أن المراد بالدعاء لهم ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر. رضي الله عنهما. # PageV03P523 ### | باب رمي المشركين مع العلم بأن فيهم أطفال المسلمين وأسراهم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري: "لا بأس برمي حصون ~~المشركين، وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين، ولا بأس بأن يحرقوا ~~الحصون # PageV03P524 ### | ومن سورة الحجرات ### | مدخل # ... # ومن سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل-: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} . حدثنا عبد الله بن محمد ~~قال: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} أن ناسا كانوا يقولون ~~لولا أنزل في كذا قال معمر: وكان الحسن يقول هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح" قال أبو بكر: وروي عن ~~مسروق أنه دخل على عائشة فأمرت الجارية أن تسقيه فقال: إني صائم، وهو اليوم ~~الذي يشك فيه، فقالت: "قد نهي عن هذا" وتلت: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله} في صيام ولا غيره قال أبو بكر: اعتبرت عموم ~~الآية في النهي عن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في قول ms2887 أو فعل. وقال ~~أبو عبيدة معمر بن المثنى: "لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه". # قال أبو بكر: يحتج بهذه الآية في امتناع جواز مخالفة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في تقديم الفروض على أوقاتها وتأخيرها عنها وفي تركها، وقد يحتج بها ~~من يوجب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم; لأن في ترك ما فعله تقدما بين ~~يديه، كما أن في ترك أمره تقدما بين يديه، وليس ذلك كما ظنوا; لأن التقدم ~~بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ففعلنا غيره، فأما ما لم يثبت أنه ~~مراد منه فليس في تركه تقديم بين يديه ويحتج به نفاة القياس أيضا ويدل ذلك ~~على جهل المحتج به; لأن ما قامت دلالته فليس في فعله تقدم بين يديه، وقد ~~قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، ~~فليس فيه إذا تقدم بين يديه. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} فيه ~~أمر بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وهو نظير قوله تعالى: ~~{لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] . وروي أنها نزلت في ~~قوم كانوا إذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قالوا فيه قبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأيضا لما كان في رفع الصوت على الإنسان في كلامه ضرب ~~من ترك # PageV03P528 ### | باب حكم خبر الفاسق # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة} الآية. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} قال: بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق، فأتاهم الوليد فخرجوا يتلقونه ~~ففرق ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارتدوا فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم خالد بن الوليد، فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا فإذا هم يؤذنون ~~ويصلون، فأتاهم خالد ms2888 فلم ير منهم إلا طاعة وخيرا فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره قال: وقال معمر: فتلا قتادة: {لو يطيعكم في كثير # PageV03P529 ### | باب قتال أهل البغي # قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} حدثنا ~~عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~عن معمر عن الحسن: أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا ~~بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما} ، قال معمر: قال قتادة: وكان رجلان بينهما حق تدارآ فيه، ~~فقال أحدهما: لآخذنه عنوة; لكثرة عشيرته. وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي وروي عن ~~سعيد بن جبير والشعبي قالا: كان قتالهم بالعصي والنعال وقال مجاهد هم الأوس ~~والخزرج كان بينهم قتال بالعصي. # قال أبو بكر: قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع ~~إلى أمر الله وهو عموم في سائر ضروب القتال، فإن فاءت إلى الحق بالقتال ~~بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره، وإن لم تفئ بذلك قوتلت بالسيف على ~~ما تضمنه ظاهر الآية وغير جائز; لأحد الاقتصار على القتال بالعصي دون ~~السلاح مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق، وذلك أحد ضروب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك ~~أضعف الإيمان"، فأمر بإزالة المنكر باليد ولم يفرق بين السلاح وما دونه، ~~فظاهره يقتضي وجوب إزالته بأي شيء أمكن. # وذهب قوم من الحشو إلى أن قتال أهل البغي إنما يكون بالعصي والنعال وما ~~دون السلاح وأنهم لا يقاتلون بالسيف، واحتجوا بما روينا من سبب نزول الآية ~~وقتال القوم الذين تقاتلوا بالعصي والنعال، وهذا لا دلالة فيه على ما ~~ذكروا; لأن القوم تقاتلوا بما دون السلاح، فأمر الله - تعالى - بقتال ~~الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح ms2889 وكذلك نقول متى ظهر لنا ~~قتال من فئة على وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى الحق، ~~وليس في نزول الآية على حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن يكون ~~الأمر بقتالنا إياهم مقصورا على ما دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ للقتال ~~بسلاح وغيره. ألا ترى أنه لو قال: "من قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح" لم ~~يتناقض القول به؟ فكذلك أمره إيانا بقتالهم; إذ كان عمومه يقتضي القتال ~~بسلاح وغيره، وجب أن يجرى على عمومه وأيضا قاتل علي بن أبي طالب الفئة ~~الباغية بالسيف # PageV03P531 ### | باب ما يبدأ به أهل البغي # ما يبدأ به أهل البغي قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما} قال أبو بكر أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح ~~بينهما، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن ~~البغي، وقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى} يعني والله أعلم -: إن ~~رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت الأخرى على بغيها وامتنعت من ~~الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر تعالى بالدعاء إلى ~~الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت. وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا القبول ~~قاتلهم. # وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم ~~يقاتلوا; لأنه قال: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله} ، فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال، وكذلك ~~فعل علي بن أبي طالب مع الخوارج; وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم ~~عبد الله بن عباس فدعاهم، فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم ~~طائفة وأقامت طائفة على أمرها، فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من ~~نواحي المسجد وقالت: لا حكم إلا لله فقال علي: "كلمة حق يراد بها باطل، أما ~~إن لهم ثلاثا: أن لا نمنعهم مساجد الله ms2890 أن يذكروا فيها اسمه، وأن لا نمنعهم ~~حقهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا. # PageV03P533 ### | باب الأمر فيما يؤخذ من أموال البغاة # قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في ذلك، فقال محمد في الأصل: "لا يكون ~~غنيمة ويستعان بكراعهم وسلاحهم على حربهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها رد ~~المال عليهم ويرد الكراع أيضا عليهم إذا لم يبق من البغاة أحد، وما استهلك ~~فلا شيء فيه" وذكر إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف قال: "ما وجد في أيدي أهل ~~البغي من كراع أو سلاح فهو فيء يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا ~~مال استهلكوه". وقال مالك: "ما استهلكه الخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم ~~يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه رد"، وهو قول الأوزاعي والشافعي. وقال ~~الحسن بن صالح: "إذا قوتل اللصوص المحاربون فقتلوا وأخذ ما معهم فهو غنيمة ~~لمن قاتلهم بعد إخراج الخمس إلا أن يكون شيء يعلم أنهم سرقوه من الناس". # قال أبو بكر: واختلفت الرواية عن علي - كرم الله وجهه - في ذلك، فروى فطر ~~بن خليفة عن منذر بن يعلى عن محمد ابن الحنفية قال قسم أمير المؤمنين علي ~~رضي الله عنه يوم الجمل فيأهم بين أصحابه ما قوتل به من الكراع والسلاح" ~~فاحتج من جعله غنيمة بهذا الحديث، وهذا ليس فيه دلالة على أنه غنيمة; لأنه ~~جائز أن يكون قسم ما حصل في يده من كراع أو سلاح ليقاتلوا به قبل أن تضع ~~الحرب أوزارها ولم يملكهم ذلك على ما قال محمد في الأصل. وقد روى عكرمة بن ~~عمار عن أبي زميل عن عبد الله بن الدولي عن ابن عباس أن الخوارج نقموا على ~~علي رضي الله عنه أنه لم يسب ولم يغنم، فحاجهم بأن قال لهم: "أفتسبون أمكم ~~عائشة ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم. " وروى ~~أبو معاوية عن الصلت بن بهرام عن أبي وائل قال: سألته أخمس علي رضي الله ~~عنه أموال ms2891 أهل الجمل؟ قال: لا وقال الزهري: "وقعت الفتنة وأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم متوافرون، وأجمعوا أن كل دم أريق على وجه التأويل أو مال ~~استهلك على وجه التأويل فلا ضمان فيه". ويدل على أنه لا تغنم أموالهم التي ~~ليست معهم مما تركوه في ديارهم لا تغنم، وإن قتلوا، كذلك ما معهم منها، ألا ~~ترى أن أهل الحرب لا يختلف فيما يغنم من أموالهم ما معهم، وما تركوه منها ~~في ديارهم أن ما حصل في أيدينا منها مغنوم؟ وأنه لا خلاف أنه لا تسبى ~~ذراريهم ونساؤهم ولا تملك رقابهم؟ فكذلك لا تغنم أموالهم. فإن قيل: مشركو ~~العرب لا تملك رقابهم وتغنم أموالهم قيل له: لأنهم يقتلون إذا أسروا، وإن ~~لم يسلموا وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فلذلك غنمت أموالهم والخوارج إذا لم تبق ~~لهم منعة لا يقتل أسراهم ولا تسبى ذراريهم بحال، فكذلك لا تغنم أموالهم. # PageV03P534 ### | باب الحكم في أسرى أهل البغي وجرحاهم # روى كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ " قال: الله ~~ورسوله أعلم، قال: "لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها". ~~وروى عطاء بن السائب عن أبي البختري وعامر قالا: لما ظهر علي رضي الله عنه ~~على أهل الجمل قال: "لا تتبعوا مدبرا ولا تذففوا على جريح"، وروى شريك عن ~~السدي عن عبد خير قال: قال علي رضي الله عنه يوم الجمل: "لا تقتلوا أسيرا ~~ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن". قال أبو بكر: هذا حكم علي ~~في البغاة، ولا نعلم له مخالفا من السلف. وقال أصحابنا: "إذا لم تبق لأهل ~~البغي فئة فإنه لا يجهز على جريح ولا يقتل أسير ولا يتبع مدبر، فإذا كانت ~~لهم فئة فإنه يقتل الأسير إن رأى ذلك الإمام ويجهز على الجريح ويتبع ~~المدبر" وقول علي - رضي الله عنه - محمول على أنه لم تبق لهم فئة; لأن ms2892 هذا ~~القول إنما كان منه في أهل الجمل، ولم تبق لهم فئة بعد الهزيمة، والدليل ~~عليه أنه أسر ابن بثري والحرب قائمة فقتله يوم الجمل، فدل ذلك على أن مراده ~~في الأخبار الأول إذا لم تبق لهم فئة. # PageV03P535 ### | باب في قضايا البغاة # قال أبو يوسف في البرمكي: "لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل ~~البغي ولا شهادته ولا حكمه" قال أبو بكر: وكذلك قال محمد، وقال: "لو أن ~~الخوارج ولوا قاضيا منهم فحكم ثم رفع إلى حاكم أهل العدل لم يمضه إلا أن ~~يوافق رأيه فيستأنف القضاء فيه" قال: "ولو ولوا قاضيا من أهل العدل فقضى ~~بقضية أنفذها من رفعت إليه كما يمضي قضاء أهل العدل". وقال مالك فيما حكم ~~به أهل البغي: "تكشف أحكامهم فما كان منها مستقيما أمضي" وقال الشافعي: ~~"إذا غلب الخوارج على مدينة فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم ~~تعد عليهم ولا يرد من قضاء قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم، وإن كان ~~غير مأمون برأيه على استحلال دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه". # قال أبو بكر: إذا قاتلوا وظهر بغيهم على أهل العدل فقد وجب قتلهم ~~وقتالهم، فغير جائز قبول شهادة من هذه سبيله; لأن إظهار البغي وقتالهم لأهل ~~العدل هو فسق من جهة الفعل وظهور الفسق من جهة الفعل يمنع قبول الشهادة ~~كشارب الخمر والزاني # PageV03P535 ### | مطلب: الظن على أربعة أضرب # وقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} اقتضت الآية النهي ~~عن بعض الظن لا عن جميعه; لأن قوله: {كثيرا من الظن} يقتضي البعض وعقبه ~~بقوله: {إن بعض الظن إثم} فدل أنه لم ينه عن جمعيه وقال في آية أخرى: {وإن ~~الظن # PageV03P538 ### | ومن سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} حدثنا عبد الله ~~بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أخبرنا عبد الرزاق ~~عن معمر عن قتادة في قوله: {فهم في ms2893 أمر مريج} قال: "من ترك الحق مرج عليه ~~رأيه والتبس عليه دينه. " # وقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} . روى جرير بن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} . وروي عن ابن عباس وقتادة أن المراد صلاة الفجر وصلاة ~~العصر. # وقوله تعالى: {ومن الليل فسبحه} قال مجاهد: "صلاة الليل" قال أبو بكر: ~~يجوز أن يريد صلاة المغرب والعتمة. # وقوله تعالى: {وأدبار السجود} ، قال علي وعمر والحسن بن علي وابن عباس ~~والحسن البصري ومجاهد والنخعي والشعبي: {وأدبار السجود} ركعتان بعد المغرب ~~{وأدبار السجود} ركعتان قبل الفجر وعن ابن عباس مثله وعن مجاهد عن ابن ~~عباس: {وأدبار السجود} : "إذا وضعت جبهتك على الأرض أن تسبح ثلاثا". قال ~~أبو بكر: اتفق من ذكرنا قوله بديا أن قوله: {فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب} أراد به الصلاة. وكذلك: {ومن الليل فسبحه} هو صلاة الليل وهي ~~العتمة والمغرب، فوجب أن يكون قوله: {وأدبار السجود} هو الصلاة; لأن فيه ~~ضمير "فسبحه"، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح في دبر كل ~~صلاة، ولم يذكر أنه تفسير الآية. وروى محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح عن ~~زيد بن ثابت قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسبح في دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين، فأتى رجل من ~~الأنصار في المنام فقال: أمركم محمد صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا في دبر ~~كل صلاة ثلاثا # PageV03P544 ### | ومن سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال ابن عباس، وإبراهيم ~~والضحاك: "الهجوع النوم". وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا أقل ~~ليلة تمر عليهم إلا صلوا فيها". وقال قتادة عن الحسن: "لا ينامون فيها إلا ~~قليلا" وقال مطرف بن عبد الله: "قل ms2894 ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها إما من ~~أولها، وإما من أوسطها". وقال مجاهد: "كانوا لا ينامون كل الليل"، وروى ~~قتادة عن أنس قال: "كانوا يتنفلون بين المغرب" والعشاء " وروى أبو حيوة عن ~~الحسن قال: "كانوا يطيلون الصلاة بالليل، وإذا سجدوا استغفروا". وروي عن ~~قتادة قال: "كانوا لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها"، كأنه جعل هجوعهم ~~قليلا في جنب يقظتهم لصلاة العتمة. # قال أبو بكر: قد كانت صلاة الليل فرضا فنسخ فرضها بما نزل في سورة المزمل ~~ورغب فيها في هذه السورة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ~~فضلها والترغيب فيها. وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله فيها ~~بخير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه وذلك في كل ليلة". وقال أبو مسلم: ~~قلت; لأبي ذر: أي صلاة الليل أفضل؟ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "نصف الليل وقليل فاعله". وروى عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد ~~الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصلاة إلى الله تعالى ~~صلاة داود كان ينام نصف الليل ويصلي ثلث الليل وينام سدس الليل". وروي عن ~~الحسن: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال: "ما يرقدون" {وبالأسحار هم ~~يستغفرون} قال: "مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة ~~والاستغفار". # وقوله تعالى: {وفي أموالهم حق} قال أبو بكر: اختلف السلف في تأويله، فقال ~~ابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: "هو حق سوى الزكاة واجب في المال" وقال ابن ~~عباس: "من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق". وقال ابن سيرين: {وفي # PageV03P546 ### | ومن سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال ابن مسعود وأبو الأحوص ومجاهد: ~~"حين تقوم من كل مكان سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". ~~وروى علي بن هاشم قال: سئل ms2895 الأعمش أكان إبراهيم يستحب إذا قام من مجلسه أن ~~يقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك؟ قال: "ما كان ~~يستحب أن يجعل ذلك سنة". وقال الضحاك عن عمر: "يعني به افتتاح الصلاة" قال ~~أبو بكر: يعني به قوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، إلى آخره وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك بعد التكبير وقال أبو ~~الجوزاء: "حين تقوم من منامك" قال أبو بكر: يجوز أن يكون عموما في جميع ما ~~روي من هذه التأويلات. # قوله تعالى: {وإدبار النجوم} روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنه ~~ركعتا الفجر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ركعتي الفجر، ~~منها حديث سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وروى عبيد بن عمير عن عائشة قالت: ما ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ~~ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة. وروى أيوب عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "الركعتان قبل صلاة الفجر واجبتان على كل مسلم". وروي عنه أنه قال: ~~"لا تدعوهما فإن فيهما الرغائب" وقال: "لا تدعوهما وإن طرقتكم الخيل". آخر ~~سورة الطور. # PageV03P549 ### | ومن سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} يحتج به من لا يجيز أن يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحوادث من جهة اجتهاد الرأي، بقوله: {إن هو إلا وحي ~~يوحى} وليس كما ظنوا; لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي جاز أن ينسب موجبه ~~وما أدى إليه أنه عن وحي. # وقوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} . روي عن ابن مسعود ~~وعائشة ومجاهد والربيع قالوا: رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها ~~مرتين وروي عن ابن عباس: "أنه رأى ربه بقلبه"; وهذا يرجع إلى معنى العلم ~~وعن ابن مسعود والضحاك: "سدرة المنتهى في السماء السادسة ms2896 وإليها ينتهي ما ~~يعرج إلى السماء" وقيل: "سميت سدرة المنتهى; لأنه ينتهي إليها أرواح ~~الشهداء "وقال الحسن: "جنة المأوى هي التي يصير إليها أهل الجنة". وفي هذه ~~الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد إلى السماء وإلى الجنة ~~بقوله تعالى: رآه عند سدرة المنتهى وإن عندها جنة المأوى. # وقوله تعالى: {إلا اللمم} قال ابن عباس رواية: لم أر أشبه باللمم مما قال ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى كتب على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر وزنا اللسان المنطق، ~~والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه". وروي عن ابن مسعود وأبي ~~هريرة: "أنه النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فهو ~~الزنا ووجب الغسل"، وعن أبي هريرة أيضا: "إن اللمم النكاح"، وعنه أيضا: "إن ~~اللمة من الزنا ثم يتوب فلا يعود". وقال ابن عباس رواية: "اللمم ما بين ~~الحدين حد الدنيا وحد الآخرة". وقال ابن عباس أيضا رواية "هو الذي يلم ~~بالمرأة" وقال عطاء: "اللمم ما دون الجماع" وقال مجاهد: "أن تصيب الذنب ثم ~~تتوب". وروى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "اللهم إن تغفر تغفر جما وأي عبد لك لا ألما" ويقال: إن اللمم ~~هو الهم بالخطيئة من جهة حديث النفس بها # PageV03P550 ### | ومن سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} دلالة على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأن الله لا يقلب العادات بمثله إلا ليجعله دلالة على صحة ~~نبوة النبي. صلى الله عليه وسلم وروى انشقاق القمر عشرة من الصحابة، منهم ~~عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم في آخرين ~~كرهت ذكر أسانيدها للإطالة. # فإن قيل: معناه سينشق في المستقبل عند قيام الساعة; لأنه لو كان قد انشق ~~في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لما خفي على أهل ms2897 الآفاق قيل له: هذا فاسد ~~من وجهين: أحدهما: أنه خلاف ظاهر اللفظ وحقيقته، والآخر: أنه قد تواتر ~~الخبر به عن الصحابة ولم يدفعه منهم أحد وأما قوله: "إنه لو كان ذلك قد وقع ~~لما خفي على أهل الآفاق" فإنه جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن ~~رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق ~~لنفسه، فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ~~واحتجاجه عليهم. # وقوله تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} الآية، يدل على جواز المهايأة ~~على الماء; لأنهم جعلوا شرب الماء يوما للناقة ويوما لهم ويدل أيضا على أن ~~المهايأة قسمة المنافع; لأن الله - تعالى - قد سمى ذلك قسمة وإنما هي ~~مهايأة على الماء لا قسمة الأصل. واحتج محمد بن الحسن بذلك في جواز ~~المهايأة على الماء على هذا الوجه، وهذا يدل من قوله على أنه كان يرى شرائع ~~من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة ما لم يثبت نسخها. آخر سورة القمر. # PageV03P552 ### | ومن سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك ~~أن العصف التبن. وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك: "الريحان الورق"، وعن ابن ~~عباس أيضا أن الريحان الحب وقال الحسن: "هو الريحان الذي يشم". قال أبو ~~بكر: لا يمتنع أن يكون جميع ذلك مرادا; لوقوع الاسم عليه، والظاهر من ~~الريحان أنه المشموم، ولما عطف الريحان على الحب ذي العصف والعصف هو ساقه ~~دل على أن الريحان ما يخرج من الأرض وله رائحة مستلذة قبل أن يصير له ساق، ~~وذلك نحو الضيمران والنمام والآس الذي يخرج ورقه ريحانا قبل أن يصير ذا ~~ساق; لأن العطف يقتضي ظاهره أن المعطوف غير المعطوف عليه. # وقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} مراده من أحدهما; لأنه إنما ~~يخرج من الملح دون العذب، وهو كقوله: {يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل ~~منكم} [الأنعام: 130] ، وإنما أرسل من الإنس وقال ابن عباس والحسن وقتادة ~~والضحاك: "المرجان ms2898 صغار اللؤلؤ" وقيل: "المرجان المختلط من الجواهر، من ~~مرجت أي خلطت" وقيل: "إنه ضرب من الجواهر كالقضبان يخرج من البحر". وقيل: ~~إنما قال: {يخرج منهما} لأن العذب والملح يلتقيان فيكون العذب لقاحا للملح، ~~كما يقال يخرج الولد من الذكر والأنثى وإنما تلده الأنثى، وقال ابن عباس: ~~إذا جاء القطر من السماء تفتحت الأصداف فكان من ذلك اللؤلؤ". # وقوله تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان} ، روي أنها تحمر ~~وتذوب كالدهن، روي أن سماء الدنيا من حديد فإذا كان يوم القيامة صارت من ~~الخضرة إلى الاحمرار من حر نار جهنم كالحديد إذا أحمي بالنار. # وقوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ; قيل فيه: لا يسأل ~~سؤال استفهام لكن سؤال تقرير وتوقيف وقيل فيه: لا يسأل في أول أحوال حضورهم ~~يوم # PageV03P553 ### | ومن سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} . روي ~~عن سلمان أنه قال: "لا يمس القرآن إلا المطهرون" فقرأ القرآن، ولم يمس ~~المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال: فقال ~~لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرءون فقالت: إنك رجس، وإنه لا يمسه إلا ~~المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه; وذكر الحديث. وعن ~~سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف وعن ابن عمر مثله وكره الحسن والنخعي ~~مس المصحف على غير وضوء وروي عن حماد أن المراد القرآن الذي في اللوح ~~المحفوظ {لا يمسه إلا المطهرون} يعني الملائكة، وقال أبو العالية في قوله: ~~{لا يمسه إلا المطهرون} قال: "هو في كتاب مكنون ليس أنتم من أصحاب الذنوب"، ~~وقال سعيد بن جبير وابن عباس "المطهرون الملائكة" وقال قتادة: "لا يمسه عند ~~الله إلا المطهرون فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق". # قال أبو بكر: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد ~~القرآن الذي عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي، وإن كان ms2899 في ~~صورة الخبر كان عموما فينا; وهذا أولى; لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: "ولا يمس القرآن إلا ~~طاهر" فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية; إذ فيها احتمال له. آخر سورة الواقعة. # PageV03P555 ### | ومن سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} الآية. روي عن الشعبي ~~قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وفيه أنزلت هذه الآية، قالوا: يا ~~رسول الله فتح هو؟ قال: "نعم عظيم". وقال سعيد عن قتادة: "هو فتح مكة" قال ~~أبو بكر: أبان عن فضيلة الإنفاق قبل الفتح على ما بعده لعظم عناء النفقة ~~فيه وكثرة الانتفاع به; ولأن الإنفاق في ذلك الوقت كان أشد على النفس لقلة ~~المسلمين وكثرة الكفار مع شدة المحنة والبلاء وللسبق إلى الطاعة. ألا ترى ~~إلى قوله: {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] وقوله: {والسابقون ~~الأولون} [التوبة: 100] ؟ فهذه الوجوه كلها تقتضي تفضيلها. # وقوله تعالى: {فطال عليهم الأمد} الآية. يدل على أن كثرة المعاصي ~~ومساكنتها وألفها تقسي القلب وتبعد من التوبة، وهو نحو قوله: {كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين:14] . # وقوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم} روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كل مؤمن شهيد" ~~لهذه الآية وجعل قوله: {والشهداء} صفة لمن تقدم ذكره من المؤمنين; وهو قول ~~عبد الله ومجاهد وقال ابن عباس ومسروق وأبو الضحى والضحاك: "هو ابتداء كلام ~~وخبره: {لهم أجرهم ونورهم} . # وقوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها} قال أبو بكر: أخبر عما ابتدعوه من القرب والرهبانية، ثم ذمهم على ~~ترك رعايتها بقوله: {فما رعوها حق رعايتها} . والابتداع قد يكون بالقول وهو ~~ما ينذره ويوجبه على نفسه، وقد يكون بالفعل بالدخول فيه، وعمومه يتضمن ~~الأمرين، فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها، ~~وإتمامها، فوجب على ذلك ms2900 أن من دخل في # PageV03P556 ### | من سورة المجادلة ### | مدخل # ... # من سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} إلى قوله: {وإن ~~الله لعفو غفور} روى سفيان عن خالد عن أبي قلابة قال: "كان طلاقهم في ~~الجاهلية الإيلاء والظهار، فلما جاء الإسلام جعل الله في الظهار ما جعل ~~فيه، وجعل في الإيلاء ما جعل فيه. " وقال عكرمة: "كانت النساء تحرم بالظهار ~~حتى أنزل الله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية". وأما ~~المجادلة التي كانت في المرأة، فإن عبد الله بن محمد حدثنا قال: حدثنا ~~الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق ~~في قوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} : "في امرأة يقال لها ~~خويلة" وقال عكرمة: بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، قالت إن زوجها جعلها ~~عليه كظهر أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أراك إلا قد حرمت عليه" ~~وهو يومئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبي الله قال: "ما ~~أراك إلا قد حرمت عليه" فأعادت ذلك مرارا، فأنزل الله: {قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها} إلى قوله: {ثم يعودون لما قالوا} قال قتادة: "حرمها ~~ثم يريد أن يعود لها فيطأها فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا". # قال أبو بكر: قوله عليه السلام: "ما أراك إلا قد حرمت عليه" يحتمل أن ~~يريد به تحريم الطلاق على ما كان عليه حكم الظهار، ومحتمل أن يريد به تحريم ~~الظهار; والأولى أن يكون المراد تحريم الطلاق لأن حكم الظهار مأخوذ من ~~الآية والآية نزلت بعد هذا القول، فثبت أن مراده تحريم الطلاق ورفع النكاح; ~~وهذا يوجب أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا في الشريعة قبل نزول آية الظهار، ~~وإن كان قبل ذلك من حكم أهل الجاهلية. فإن قيل: إن كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد حكم فيها بالطلاق بقوله: "ما أراك إلا قد حرمت" فكيف ms2901 حكم فيها ~~بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه؟ وإنما ~~النسخ يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي قيل له: لم # PageV03P558 ### | في الظهار بغير الأم # واختلفوا فيمن قال لامرأته أنت علي كظهر أختي أو ذات محرم منه، فقال ~~أصحابنا" "هو مظاهر، وإن قال كظهر فلانة وليست بمحرم منه لم يكن مظاهرا"، ~~وهو # PageV03P564 ### | في ظهار المرأة من زوجها # قال أصحابنا: "لا يصح ظهار المرأة من زوجها"، وهو قول مالك والثوري ~~والليث والشافعي وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن علي بن صالح عن الحسن بن ~~زياد أنها # PageV03P566 ### | باب كيف يحيي أهل الكتاب # قال الله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} . روى سعيد عن ~~قتادة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه; ~~إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم فردوا عليه، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "هل تدرون ما قال"؟ قالوا سلم يا نبي الله قال: "قال سام عليكم أي ~~تسأمون دينكم". وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أحد من ~~أهل الكتاب فقولوا عليك أي عليك ما قلت". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: ~~حدثنا إسحاق بن الحسين قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن سهيل عن ~~أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا لقيتم ~~المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه". قال أبو بكر: ~~قد روي في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون بقولهم السام ~~أنكم تسأمون دينكم، وروي أنهم يريدون به الموت; لأن السام اسم من أسماء ~~الموت. # قال أبو بكر: ذكر هشام عن محمد عن أبي حنيفة قال: "نرى أن نرد على المشرك ~~السلام ولا نرى أن نبدأ". وقال محمد: "وهو قول العامة من فقهائنا" وحدثنا ~~عبد الباقي قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا ~~شعبة عن منصور عن إبراهيم عن ms2902 علقمة قال: صحبنا عبد الله في سفر ومعنا أناس ~~من الدهاقين، قال: فأخذوا طريقا غير طريقنا، فسلم عليهم، فقلت لعبد الله: ~~أليس هذا تكره؟ قال: إنه حق الصحبة قال أبو بكر: ظاهره يدل على أن عبد الله ~~بدأهم بالسلام; لأن الرد لا يكره عند أحد، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم" قال أبو بكر: وإنما كره الابتداء; ~~لأن السلام من تحية أهل الجنة، فكره أن نبدأ به الكافر; إذ ليس من أهلها، ~~ولا يكره الرد على وجه المكافأة. قال الله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] . وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن ~~بن المثنى قال: حدثنا عثمان قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا سليمان ~~الأعمش قال: قلت لإبراهيم: أختلف إلى طبيب نصراني أسلم عليه؟ قال: نعم، إذا ~~كانت لك إليه حاجة فسلم عليه. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا} قال قتادة: "كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقيل لهم تفسحوا" وقال ابن عباس: "هو مجلس القتال". قال قتادة: {وإذا قيل ~~انشزوا فانشزوا} قال: "إذا دعيتم إلى خير" وقيل: انشزوا أي ارتفعوا في ~~المجلس; ولهذا ذكر أهل العلم; لأنهم أحق بالرفعة، وهذا يدل # PageV03P571 ### | ومن سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول ~~الحشر} قال مجاهد وقتادة: "أول الحشر جلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من ~~خرج إلى خيبر ومنهم من خرج إلى الشام" وقال الزهري: قاتلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وعلى أن لهم ما ~~أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة السلاح. # قال أبو بكر: قد انتظم ذلك معنيين: أحدهما مصالحة أهل الحرب على الجلاء ~~عن ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ولا دخول في الذمة ولا أخذ جزية، وهذا ~~الحكم منسوخ عندنا إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم على الإسلام; ms2903 أو أداء ~~الجزية وذلك لأن الله قد أمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، قال ~~الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] ; فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم، وإدخالهم في ~~الذمة أو في الإسلام أن يجلوهم، ولكنه لو عجز المسلمون عن مقاومتهم في ~~إدخالهم في الإسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم على الجلاء عن بلادهم ~~والمعنى الثاني: جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من المال; لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة وترك لهم ما أقلت الإبل، ~~وذلك مجهول. # وقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} فيه أمر بالاعتبار والقياس في ~~أحكام الحوادث ضرب من الاعتبار، فوجب استعماله بظاهر الآية. # وقوله تعالى: {ما قطعتم من لينة} قال ابن عباس وقتادة: "كل نخلة لينة سوى ~~العجوة" وقال مجاهد وعمرو بن ميمون: "كل نخلة لينة"، وقيل: "اللينة كرام ~~النخل" وروى ابن جريج عن مجاهد: ما قطعتم من لينة النخلة، نهى بعض ~~المهاجرين عن قطع النخل وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق ~~من نهى وبتحليل من قطعها # PageV03P573 ### | ومن سورة الممتحنة ### | مدخل # ... # ومن سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة} ; روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى كفار ~~قريش ينتصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فدعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال:"أنت كتبت هذا الكتاب"؟ قال: نعم، قال: "وما حملك على ذلك؟ " ~~قال: أما والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكني كنت امرأ غريبا في قريش ~~وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدافع بذلك عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا ~~رسول الله فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا ابن الخطاب ~~إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ms2904 ما ~~شئتم فإني غافر لكم". حدثنا بذلك عبد الله بن محمد قال: حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري في قوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} عن عروة بن الزبير بمعنى ~~ما قدمنا. # قال أبو بكر: ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز ~~له; ليدفع به عن ولده وماله كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية ويستبيح ~~إظهار كلمة الكفر، ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا ~~يوجب الإكفار، ولو كان ذلك يوجب الإكفار لاستتابه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما لم يستتبه وصدقه على ما قال علم أنه ما كان مرتدا. وإنما قال عمر ائذن ~~لي فأضرب عنقه; لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل. # فإن قيل: قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما منع عمر من قتله; ~~لأنه شهد بدرا، وقال: "ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم" فجعل العلة المانعة من قتله كونه من أهل بدر قيل له: ~~ليس كما ظننت; لأن كونه من أهل بدر لا يمنع أن يكون كافرا مستحقا للنار إذا ~~كفر، وإنما معناه: ما يدريك لعل الله قد علم أن أهل بدر، وإن أذنبوا لا ~~يموتون إلا على التوبة; ومن علم الله منه وجود التوبة إذا أمهله فغير جائز ~~أن يأمر بقتله أو يفعل ما يقتطعه به عن التوبة، فيجوز أن يكون مراده أن في # PageV03P582 ### | باب صلة الرحم المشرك # قال الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} الآية. ~~روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أم لها مشركة جاءتني أأصلها؟ قال: "نعم صليها" قال أبو بكر: وقوله: ~~{أن تبروهم وتقسطوا إليهم} عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة إذ ليس ~~هم من أهل قتالنا، وفيه النهي ms2905 عن الصدقة على أهل الحرب; لقوله: {إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} . وقد # PageV03P583 ### | باب وقوع الفرقة باختلاف الدارين # قال الله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن} الآية. قال أبو بكر: في هذه الآية ضروب من الدلالة ~~على وقوع الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين. واختلاف الدارين أن يكون أحد ~~الزوجين من أهل دار الحرب والآخر من أهل دار الإسلام وذلك; لأن المهاجرة ~~إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام وزوجها باق على كفره من أهل ~~دار الحرب فقد اختلفت بهما الداران، وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما بقوله: ~~{فلا ترجعوهن إلى الكفار} . ولو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها ~~بأن تكون معه حيث أراد، ويدل عليه أيضا قوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن} ; وقوله: {وآتوهم ما أنفقوا} يدل عليه أيضا; لأنه أمر برد مهرها على ~~الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج رد المهر; لأنه لا يجوز أن ~~يستحق البضع وبدله، ويدل عليه قوله: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن} ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز لها أن تتزوج ويدل ~~عليه قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، والعصمة المنع، فنهانا أن نمتنع من ~~تزويجها لأجل زوجها الحربي. # واختلف أهل العلم في الحربية تخرج إلينا مسلمة، فقال أبو حنيفة في ~~الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب: "قد وقعت الفرقة ~~فيما بينهم ولا عدة عليها" وقال أبو يوسف ومحمد: "عليها العدة، وإن أسلم ~~الزوج لم تحل له إلا بنكاح # PageV03P585 ### | فصل # وإنما قال أبو حنيفة في المهاجرة أنه لا عدة عليها من الزوج الحربي; ~~لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} ، فأباح نكاحها من غير ذكر عدة، ~~وقال في نسق التلاوة: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، والعصمة المنع، فحظر ~~الامتناع من نكاحها; لأجل زوجها الحربي. والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، ~~وظاهره في هذا الموضع الرجال; لأنه في ذكر المهاجرات. وأيضا أباح ms2906 النبي صلى ~~الله عليه وسلم وطء المسبية بعد الاستبراء بحيضة، والاستبراء ليس بعدة; لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عدة الأمة حيضتان" والمعنى فيها وقوع ~~الفرقة باختلاف الدارين. # وقوله تعالى: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} ; قال معمر عن ~~الزهري: يعني رد الصداق، واسألوا أهل الحرب مهر المرأة المسلمة إذا صارت ~~إليهم، وليسألوا هم أيضا مهر من صارت إلينا مسلمة منهم"; وقال الزهري: ~~"فأما المؤمنون فأقروا بحكم الله، وأما المشركون فأبوا أن يقروا، فأنزل ~~الله: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا} فأمر المسلمون أن يردوا الصداق إذا ذهبت امرأة من ~~المسلمين ولها زوج مسلم أن يرد إليه المسلمون صداق امرأته إن كان في أيديهم ~~مما يردون، وأن يردوا إلى المشركين". وروى خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: ~~{واسألوا ما أنفقتم} : "من الغنيمة أن يعوض منها". وروى زكريا بن أبي زائدة ~~عن الشعبي قال: "كانت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ممن ذكر الله في ~~القرآن: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} خرجت إلى المؤمنين" وروى ~~الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار} قال: ~~"ليس بينكم وبينهم عهد" {فعاقبتم} "وأصبتم غنيمة" {فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا} قال: "عوضوا # PageV03P588 ### | ومن سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} قال أبو بكر: يحتج به في أن كل من ألزم ~~نفسه عبادة أو قربة وأوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به; إذ ترك الوفاء به ~~يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل، وقد ذم الله فاعل ذلك، وهذا فيما لم يكن ~~معصية، فأما المعصية فإن إيجابها في القول لا يلزمه الوفاء بها. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، وإنما يلزم ذلك ~~فيما عقده على نفسه مما يتقرب به إلى الله ms2907 - عز وجل - مثل النذور وفي حقوق ~~الآدميين العقود التي يتعاقدونها، وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل، وهو ~~مباح، فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان فأما قول القائل: "إني سأفعل كذا" ~~فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله تعالى وأن يكون في عقد ضميره ~~الوفاء به، ولا جائز له أن يعد وفي ضميره أن لا يفي به; لأن ذلك هو المحظور ~~الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه، وإن كان في عقد ضميره الوفاء به ولم ~~يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه; لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا. ~~فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف الوعد فيه وهو يدل على أن ~~من قال: "إن فعلت كذا فأنا أحج أو أهدي أو أصوم" فإن ذلك بمنزلة الإيجاب ~~بالنذر; لأن ترك فعله يؤديه إلى أن يكون قائلا ما لم يفعل. # وروي عن ابن عباس ومجاهد: "أنها نزلت في قوم قالوا: لو علمنا أحب الأعمال ~~إلى الله - تعالى - لسارعنا إليه، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه" وقال ~~قتادة: "نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا وأبلينا، ولم يفعلوا" وقال ~~الحسن: "نزلت في المنافقين وسماهم بالإيمان لإظهارهم له". # وقوله تعالى: {ليظهره على الدين كله} من دلائل النبوة لأنه أخبر بذلك ~~والمسلمون في ضعف وقلة وحال خوف مستذلون مقهورون فكان مخبره على ما أخبر # PageV03P591 ### | ومن سورة الجمعة ### | مدخل # ... # ومن سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} قيل: إنما سموا ~~أميين; لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة، وأراد الأكثر الأعم، وإن ~~كان فيهم القليل ممن يكتب ويقرأ; وقال النبي: "الشهر هكذا وهكذا وأشار ~~بأصابعه، وقال: إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب". وقال تعالى: {رسولا ~~منهم} ; لأنه كان أميا، وقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} ~~[اعراف: 157] وقيل إنما سمي من لا يكتب أميا; لأنه نسب إلى حال ولادته من ~~الأم; لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم دون الحال ms2908 التي يجري عليها ~~المولود. وأما وجه الحكمة في جعل النبوة في أمي فإنه ليوافق ما تقدمت به ~~بالبشارة في كتب الأنبياء السالفة; ولأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما ~~أتى به من الحكمة بالكتابة; فهذان وجهان من الدلالة في كونه أميا على صحة ~~النبوة ومع أن مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم وذلك أقرب إلى مساواته لو ~~كان ذلك ممكنا فيه، فدل عجزهم عما أتى به على مساواته لهم في هذا الوجه على ~~أنه من قبل الله عز وجل. # وقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها} الآية. روي أنه ~~أراد اليهود الذين أمروا بتعلم التوراة والعمل بها فتعلموها ثم لم يعملوا ~~بها، فشبههم الله بالحمار الذي يحمل الكتب وهي الأسفار; إذ لم ينتفعوا بما ~~حملوه كما لا ينتفع الحمار بالكتب التي حملها; وهو نحو قوله: {إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] وقوله: {واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175] إلى قوله: {كمثل الكلب} ~~[الأعراف: 176] # وقوله تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس} إلى قوله: {والله عليم بالظالمين} روي أن اليهود زعموا أنهم أولياء ~~لله من دون الناس فأنزل الله هذه الآية وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم إن تمنوه ماتوا فقامت الحجة عليهم بها # PageV03P593 ### | فصل # واتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره; ~~لأنهم مجمعون على أن الجمعة لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، فقال ~~أصحابنا: "هي مخصوصة بالأمصار ولا تصح في السواد"، وهو قول الثوري وعبيد ~~الله بن الحسن. # PageV03P595 ### | باب وجوب خطبة الجمعة # قال الله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} فاقتضى ذلك وجوب ~~السعي إلى الذكر، ودل على أن هناك ذكرا واجبا يجب السعي إليه وقال ابن ~~المسيب: {فاسعوا إلى ذكر الله} موعظة الإمام" وقال عمر في الحديث الذي ~~قدمنا: "إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة" وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله ms2909 صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على ~~كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول فإذا خرج الإمام ~~طويت الصحف واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ثم الذي ~~يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم ~~الذي يليه كالمهدي بيضة" ويدل على أن المراد بالذكر ههنا هو الخطبة; لأن # PageV03P596 ### | باب السفر يوم الجمعة # قال أصحابنا: "لا بأس به قبل الزوال وبعده إذا كان يخرج من مصره قبل خروج ~~وقت الظهر" حكاه محمد في السير بلا خلاف، وقال مالك: "لا أحب له أن يخرج ~~بعد طلوع الفجر وليس بحرام، وبعد الزوال لا ينبغي أن يسافر حتى يصلي ~~الجمعة" وكان الأوزاعي والليث والشافعي يكرهون السفر يوم الجمعة حتى يصلي. ~~وروى حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن ~~عباس أن رسول الله وجه ابن رواحة وجعفرا وزيد بن حارثة، فتخلف ابن رواحة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خلفك؟ " قال: الجمعة يا رسول الله ~~أجمع ثم أروح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لغدوة في سبيل الله أو ~~روحة خير من الدنيا وما فيها"، قال: فراح منطلقا وروى سفيان الثوري عن ~~الأسود بن قيس عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: "لا تحبس الجمعة عن سفر"، ولا ~~نعرف أحدا من الصحابة خالفه، وروى يحيى بن سعيد عن نافع أن ابنا لعبد الله ~~بن عمر كان بالعقيق على رأس أميال من المدينة، فأتى ابن عمر غداة الجمعة ~~فأخبر بشكواه، فانطلق إليه وترك الجمعة وقال عبيد الله بن عمر: خرج سالم من ~~مكة يوم الجمعة وروي عن عطاء والقاسم بن محمد أنهما كرها أن يخرج يوم ~~الجمعة في صدر النهار وعن الحسن وابن سيرين قالا: "لا بأس بالسفر يوم # PageV03P600 ### | ومن سورة المنافقين ### | مدخل # ... # ومن سورة المنافقين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} ms2910 إلى ~~قوله: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} قال أبو بكر: هذا يدل على ~~أن قوله: "أشهد" يمين; لأن القوم قالوا: "نشهد" فجعله الله يمينا بقوله: ~~{اتخذوا أيمانهم جنة} وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أصحابنا والثوري ~~والأوزاعي: "أشهد وأقسم وأعزم وأحلف كلها أيمان" وقال زفر: "إذا قال: أقسم ~~لأفعلن، فهو يمين، ولو قال: أشهد لأفعلن لم يكن يمينا" وقال مالك: "إن أراد ~~بقوله أقسم أي أقسم بالله فهو يمين وإلا فلا شيء وكذلك أحلف" قال: "ولو ~~قال: أعزم لم يكن يمينا إلا أن يقول: أعزم بالله، ولو قال: علي نذر أو قال: ~~نذر لله، فهو على ما نوى، وإن لم تكن له فكفارته كفارة يمين" وقال الشافعي: ~~"أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين إن أرادها، وإن أراد الموعد فليست بيمين، ~~وأشهد بالله إن نوى اليمين فيمين، وإن لم ينو يمينا فليست بيمين، وأعزم ~~بالله إن أراد يمينا فهو يمين" وذكر الربيع عن الشافعي: "إذا قال: أقسم أو ~~أشهد أو أعزم ولم يقل: بالله فهو كقوله: والله، وإن قال: أحلف بالله فلا ~~شيء عليه إلا أن ينوي اليمين". # قال أبو بكر: لا يختلفون أن "أشهد بالله" يمين فكذلك "أشهد" من وجهين: ~~أحدهما: أن الله حكى عن المنافقين أنهم قالوا: "نشهد إنك لرسول الله" ثم ~~جعل هذا الإطلاق يمينا من غير أن يقرنه باسم الله، وقال تعالى: {فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] فعبر عن اليمين بالشهادة على الإطلاق. ~~والثاني: أنه لما أخرج ذلك مخرج القسم وجب أن لا يختلف حكمه في حذف اسم ~~الله تعالى وفي إظهاره، وقد ذكر الله تعالى القسم في كتابه فأظهر تارة ~~الاسم وحذفه أخرى والمفهوم باللفظ في الحالين واحد بقوله: {وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] وقال في موضع آخر: {إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين} [القلم: 17] فحذفه تارة اكتفاء بعلم المخاطبين بإضماره وأظهره ~~أخرى، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن أبا ~~بكر # PageV03P603 ### | باب من فرط في زكاة ماله ms2911 # قال الله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} ~~الآية روى عبد الرزاق قال: حدثنا سفيان عن أبي حباب عن أبي الضحى عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان له مال تجب فيه الزكاة ومال ~~يبلغه بيت الله ثم لم يحج ولم يزك سأل الرجعة"، وتلا قوله تعالى: {وأنفقوا ~~من ما رزقناكم} الآية; وقد روي ذلك موقوفا على ابن عباس إلا أن دلالة الآية ~~ظاهرة على حصول التفريط بالموت; لأنه لو لم يكن مفرطا ووجب أداؤها من ماله ~~بعد موته لكانت قد تحولت إلى المال فلزم الورثة إخراجها، فلما سأل الرجعة ~~علمنا أن الأداء فائت وأنه لا يتحول إلى المال ولا يؤخذ من تركته بعد موته ~~إلا أن يتبرع به الورثة. آخر سورة المنافقين. # PageV03P604 ### | ومن سورة الطلاق ### | مدخل # ... # ومن سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} قال ~~أبو بكر: يحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوها: أحدها: اكتفاء بعلم المخاطبين ~~بأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لهم، إذ كانوا مأمورين ~~بالاقتداء به إلا ما خص به دونهم، فخصه بالذكر ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة; ~~إذ كان خطابه خطابا للجماعة. والثاني: أن تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك ~~إذا طلقتم النساء. والثالث: على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه ~~الأتباع، كقوله تعالى: {إلى فرعون وملأه} [الأعراف: 103] . # وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ; قال أبو بكر: روي عن ابن عمر رضي الله ~~عنه أنه طلق امرأته في الحيض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر من حيضتها ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت ~~فليفارقها قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق ~~لها النساء" رواه نافع عن ابن عمر وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع ابن ~~عمر يقول: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: "فطلقوهن في قبل عدتهن قال: ms2912 طاهرا ~~من غير جماع". وروى وكيع عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن ~~سالم عن ابن عمر: أنه طلق امرأته في الحيض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "مره فليراجعها ثم يطلقها وهي حامل أو غير حامل وفي ~~لفظ آخر: فليطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها". قال أبو ~~بكر: بين النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله في قوله تعالى: {فطلقوهن ~~لعدتهن} وأن وقت الطلاق المأمور به أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا ~~قد استبان حملها، وبين أيضا أن السنة في الإيقاع من وجه آخر وهو أن يفصل ~~بين التطليقتين بحيضة بقوله: "يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى ~~ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء" فدل ذلك على أن الجمع بين التطليقتين في طهر ~~واحد ليس من السنة، وما نعلم أحدا أباح طلاقها في الطهر بعد الجماع إلا ~~شيئا رواه وكيع عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال: "إذا طلقها # PageV03P605 ### | باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة # قال الله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم} فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار ~~الزوج; وقد روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبو قلابة أنه إذا رجع ~~ولم يشهد فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك. قال أبو بكر: لما جعل له الإمساك أو ~~الفراق ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد ~~بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة ولم يختلف الفقهاء في أن المراد ~~بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح ~~وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم ~~لم يكن شرطا في صحتها، كذلك الرجعة وأيضا لما كانت الفرقة حقا له وجازت ~~بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له، وجب ~~أن تجوز ms2913 بغير إشهاد وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة ~~احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم ~~يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط ~~فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا، ~~وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ~~ساعتين; ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا ~~شيئا يروى عن عطاء، فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال: "الطلاق ~~والنكاح والرجعة بالبينة"، وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك ~~احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود، ألا ترى أنه ذكر ~~الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة؟ وقد روى شعبة عن # PageV03P609 ### | باب عدة الآيسة والصغيرة # قال الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} قال أبو بكر: قد اقتضت الآية إثبات الإياس لمن ~~ذكرت في الآية من النساء بلا ارتياب، وقوله تعالى: {إن ارتبتم} غير جائز أن ~~يكون المراد به الارتياب في الإياس; لأنه قد أثبت حكم من ثبت إياسها في أول ~~الآية، فوجب أن يكون المراد به الارتياب في غير الإياس واختلف أهل العلم في ~~الريبة المذكورة في الآية، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال "قال أبي بن كعب: ~~يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار ~~وأولات الأحمال فأنزل الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في عدد من ذكر ~~من الصغار والكبار وأولات الأحمال، وأن ذكر الارتياب في الآية إنما هو على ~~وجه ذكر السبب الذي نزل عليه الحكم فكان بمعنى: واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ms2914 ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر. # واختلف السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار في التي يرتفع حيضها، فروى ابن ~~المسيب عن عمر قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها ~~فإنه ينتظر بها تسعة أشهر فإن استبان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة ~~الأشهر بثلاثة أشهر ثم حلت. وعن ابن عباس في التي ارتفع حيضها سنة قال: تلك ~~الريبة وروى معمر عن قتادة عن عكرمة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ~~ريبة عدتها ثلاثة أشهر وروى سفيان عن عمرو وعن طاوس مثله وروي عن علي ~~وعثمان وزيد بن ثابت أن عدتها ثلاث حيض وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد ~~بن يحيى بن حبان أنه قال: وكان عند جده حبان امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق ~~الأنصارية وهي ترضع فمرت به سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ولم أحض، # PageV03P610 ### | باب عدة الحامل # قال الله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} قال أبو بكر: لم ~~يختلف السلف والخلف بعدهم أن عدة المطلقة الحامل أن تضع حملها، واختلف ~~السلف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عباس: تعتد الحامل ~~المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين وقال عمرو وابن مسعود وابن عمر وأبو مسعود ~~البدري وأبو هريرة: عدتها الحمل فإذا وضعت حلت للأزواج وهو قول فقهاء ~~الأمصار. قال أبو بكر: روى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: من شاء ~~لاعنته ما نزلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} إلا بعد آية المتوفى ~~عنها زوجها". قال أبو بكر: قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين: أحدهما: ~~إثبات تاريخ نزول الآية وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها، ~~والثاني: أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة بما ~~قبلها من ذكر المطلقة، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المطلقات # PageV03P612 ### | باب السكنى للمطلقة # قال الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} الآية. قال أبو بكر: ~~اتفق الجميع من فقهاء الأمصار وأهل العراق ms2915 ومالك والشافعي على وجوب السكنى ~~للمبتوتة وقال ابن أبي ليلى: "لا سكنى للمبتوتة إنما هي للرجعية". قال أبو ~~بكر: قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} قد انتظم الرجعية والمبتوتة، والدليل ~~على ذلك أن من بقي من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد طلاقها ~~بالآية، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يطلقها طاهرا من غير جماع ~~أو حاملا قد استبان حملها"، ولم يفرق بين التطليقة الأولى وبين الثالثة ~~فإذا كان قوله: {فطلقوهن لعدتهن} قد تضمن البائن، ثم قال: {أسكنوهن من حيث ~~سكنتم من وجدكم} وجب ذلك للجميع من البائن والرجعي. # فإن قيل: لما قال تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وقال: ~~{فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} دل ذلك على أنه أراد ~~الرجعي # PageV03P613 ### | ومن سورة التحريم ### | مدخل # ... # ومن سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} روي في سبب نزول ~~الآية وجوه: أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب ويأكل عند زينب، ~~فتواطأت عائشة وحفصة على أن تقولا له: نجد منك ريح المغافير، قال: "بل شربت ~~عندها عسلا ولن أعود له"، فنزلت: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} . ~~وقيل: إنه شرب عند حفصة، وقيل: عند سودة، وأنه حرم العسل; وفي بعض ~~الروايات: "والله لا أذوقه" وقيل: إنه أصاب مارية القبطية في بيت حفصة، ~~فعلمت به فجزعت منه، فقال لها: "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ " قالت: ~~بلى; فحرمها وقال: "لا تذكري ذلك لأحد"، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه ~~وأنزل عليه: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} الآية رواه محمد بن ~~إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ~~بذلك. # قال أبو بكر: وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا من تحريم مارية وتحريم ~~العسل، إلا أن الأظهر أنه حرم مارية وأن الآية فيها نزلت; لأنه قال: {تبتغي ~~مرضات أزواجك} ms2916 ، وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه، وفي ترك قرب مارية ~~رضاهن فروي في العسل أنه حرمه، وروي أنه حلف أن لا يشربه وأما مارية فكان ~~الحسن يقول: حرمها; وروى الشعبي عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~آلى وحرم، فقيل له: الحرام حلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم، وقال مجاهد وعطاء: "حرم جاريته"، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من ~~الصحابة وأما قول من قال: إنه حرم وحلف أيضا، فإن ظاهر الآية لا يدل عليه ~~وإنما فيها التحريم فقط، فغير جائز أن يلحق بالآية ما ليس فيها، فوجب أن ~~يكون التحريم يمينا لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم. # ومن الناس من يقول: لا فرق بين التحريم واليمين; لأن اليمين تحريم ~~للمحلوف # PageV03P621 ### | مطلب: يجب علينا تعليم أولادنا وأهلينا # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} روي عن علي ~~في قوله: {قوا أنفسكم وأهليكم} قال: "علموا أنفسكم وأهليكم الخير" وقال ~~الحسن: "تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم". قال أبو بكر: وهذا يدل على أن علينا ~~تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب، وهو مثل ~~قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه: 132] ونحو قوله تعالى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء:214] ويدل على ~~أن للأقرب فالأقرب منا مزية به في لزومنا تعليمهم وأمرهم بطاعة الله تعالى، ~~ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ~~ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته والتماس مصالحه فكذلك ~~عليه تأديبه وتعليمه; وقال عليه السلام: "فالرجل راع على أهله وهو مسئول ~~عنهم والأمير راع على رعيته وهو مسئول عنهم". وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص ~~قال: حدثنا محمد بن موسى السعدي عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms2917 "ما نحل والد ولدا خيرا من أدب ~~حسن". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحضرمي قال: حدثنا جبارة قال: حدثنا ~~محمد بن الفضل عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن أدبه". وحدثنا عبد الباقي ~~قال: حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال: حدثنا يحيى بن معين قال: ~~حدثنا محمد بن ربيعة قال: حدثنا محمد بن الحسن من عطية قال: حدثنا محمد بن ~~عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ ~~أولادكم سبع سنين فعلموهم الصلاة، وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها، ~~وفرقوا بينهم في المضاجع". # وقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم} قال الحسن: "أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون، فأمر ~~أن يغلظ عليهم في إقامة الحد" وقيل: جهاد المنافقين بالقول وجهاد الكفار ~~بالحرب". وقال أبو بكر: فيه الدلالة على وجوب الغلظة على الفريقين من ~~الكفار والمنافقين ونهي عن مقارنتهم ومعاشرتهم، وروي عن ابن مسعود قال: ~~"إذا لم تقدروا أن تنكروا على الفاجر فالقوه بوجه مكفهر". # وقوله تعالى: {فخانتاهما} ، قال ابن عباس: "كانتا منافقتين ما زنت امرأة ~~نبي قط"; وكانت خيانتهما أن امرأة نوح عليه السلام كانت تقول للناس: إنه ~~مجنون، وكانت امرأة لوط عليه السلام تدل على الضيف. آخر سورة التحريم. # PageV03P624 ### | ومن سورة نون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين} قيل: "من يحلف بالله كاذبا"، وسماه ~~مهينا لاستجازته الكذب والحلف عليه، والحلاف اسم لمن أكثر الحلف بحق أو ~~باطل، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} . # وقوله تعالى: {هماز مشاء بنميم} ، يعني: وقاعا في الناس عائبا لهم بما ~~ليس فيهم وقوله: {مشاء بنميم} يعني ينقل الكلام من بعض إلى بعض على وجه ~~التضريب بينهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" يعني ~~النمام. # وقوله تعالى: {عتل ms2918 بعد ذلك زنيم} قيل في العتل: إنه الفظ الغليظ، والزنيم ~~الدعي وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال: ~~حدثنا الوليد بن عتبة قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو شيبة ~~إبراهيم بن عثمان عن عثمان بن عمير البجلي عن شهر بن حوشب عن شداد بن أوس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا ~~عتل زنيم"، قلت: وما الجواظ؟ قال: "كل جماع"، قلت: وما الجعظري؟ قال: "الفظ ~~الغليظ"، قلت: وما العتل الزنيم؟ قال: "رحب الجوف". آخر سورة نون. # PageV03P625 ### | ومن سورة سأل سائل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الذين هم على صلاتهم دائمون} روى أبو سلمة عن عائشة قالت: ~~كان أحب الصلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ديم عليه وقرأت: ~~{الذين هم على صلاتهم دائمون} وعن ابن مسعود قال: "دائمون على مواقيتها" ~~وعن عمران بن حصين في الآية قال: "الذي لا يلتفت في صلاته". # وقوله تعالى: {للسائل والمحروم} ، روي عن ابن عباس: "الذي يسأل، والمحروم ~~الذي لا يستقيم له تجارة" وقال أبو قلابة: "المحروم من ذهب ماله" وقال ~~الحسن بن محمد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فغنمت، فجاء آخرون بعد ~~ذلك، فنزلت: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} وعن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إن المحروم من حرم وصيته". # قال أبو بكر: قد ذكرنا فيما تقدم معنى المحروم واختلافهم فيه آخر سورة ~~سأل سائل. # PageV03P626 ### | ومن سورة المزمل ### | مطلب: في قيام الليل # ... # ومن سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # مطلب: في قيام الليل # قوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} روى زرارة بن أوفى عن ~~سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم!، قالت: أما تقرأ هذه السورة: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} ؟ ~~قلت: بلى قالت: "فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ms2919 حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني ~~عشر شهرا ثم أنزل التخفيف في آخر السورة، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة" ~~وقال ابن عباس: "لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحو قيامهم في شهر رمضان ~~حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو سنة". # وقوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} ، قال ابن عباس: "بينه تبيينا" وقال ~~طاوس: "بينه حتى تفهمه" وقال مجاهد: {ورتل القرآن ترتيلا} قال: "وال بعضه ~~على إثر بعض على تؤدة". # قال أبو بكر: لا خلاف بين المسلمين في نسخ فرض قيام الليل وأنه مندوب ~~إليه مرغب فيه; وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في الحث ~~عليه والترغيب فيه، روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب ~~الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب ~~الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما". وروي عن على: "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثماني ركعات، حتى إذا انفجر عمود ~~الصبح أوتر بثلاث ركعات ثم سبح وكبر، حتى إذا انفجر الفجر صلى ركعتي الفجر ~~وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة. # وقوله تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا} قال ابن عباس وابن الزبير: ~~"إذا نشأت قائما فهي ناشئة الليل كله" وقال مجاهد: "الليل كله إذا قام يصلي ~~فهو ناشئة وما # PageV03P627 ### | ومن سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} قال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: "لا تعط عطية لتعطى أكثر منها". وقال الحسن والربيع بن أنس: "لا ~~تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله". وقال آخرون: "لا ~~تمنن بما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا به الأجر من الناس". وعن ~~مجاهد أيضا: "لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك". قال أبو بكر: هذه المعاني ~~كلها يحتملها اللفظ، وجائز أن يكون جميعها مرادا به، فالوجه حمله على ms2920 ~~العموم في سائر وجوه الاحتمال. # وقوله تعالى: {وثيابك فطهر} يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات ~~للصلاة، وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس; لأن تطهيرها لا يجب إلا ~~للصلاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى عمارا يغسل ثوبه، فقال: ~~"مم تغسل ثوبك"؟ فقال: من نخامة فقال: "إنما يغسل الثوب من الدم والبول ~~والمني". وقالت عائشة: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل المني من ~~الثوب إذا كان رطبا. وزعم بعضهم أن المراد بذلك ما روي عن أبي رزين قال: ~~"عملك أصلحه". وقال إبراهيم: {وثيابك فطهر} من الإثم. وقال عكرمة: أمره أن ~~لا يلبس ثيابه على عذرة، وهذا كله مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا ~~بدلالة; واحتج هذا الرجل بأنه لا يجوز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من البول وما أشبهه. قال أبو بكر: وهذا ~~كلام شديد الاختلال والفساد والتناقض; لأن في الآية أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهجر الأوثان بقوله تعالى: {والرجز فاهجر} ، ومعلوم أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان هاجرا للأوثان قبل النبوة وبعدها وكان مجتنبا للآثام ~~والعذرات في الحالين، فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء وإن كان النبي قبل ~~ذلك تاركا لها فتطهير الثياب لأجل الصلاة مثله; وقال الله تعالى مخاطبا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تدع مع الله إلها آخر} والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يدع مع الله إلها قط; فهذا يدل على تناقض قول هذا الرجل ~~وفساده. وزعم أنه من أول ما نزل من القرآن قبل كل شيء من الشرائع من وضوء # PageV03P630 ### | ومن سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {بل الأنسان على نفسه بصيرة} ; روي عن ابن عباس أنه قال: ~~"شاهد على نفسه"، وقيل: "معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة جوارحه ~~شاهدة عليه يوم القيامة". # قوله تعالى: {ولو ألقى معاذيره} ، قال ابن عباس: "لو اعتذر وقبل شهادة ~~نفسه عليه أولى من اعتذاره". ms2921 قال أبو بكر: لما احتمل اللفظ هذه المعاني وجب ~~حمله عليها; إذ لا تنافي في هذا، ويدل على أن قوله مقبول على نفسه; إذ جعله ~~الله حجة على نفسه وشاهدا عليها، ولما عبر عن كونه شاهدا على نفسه بأنه على ~~نفسه بصيرة دل ذلك على تأكيد أمر شهادته على نفسه وثبوتها، فيوجب ذلك جواز ~~عقوده وإقراره وجميع ما اعترف بلزوم نفسه. آخر سورة القيامة. # PageV03P632 ### | ومن سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه} إلى قوله تعالى: {وأسيرا} عن أبي ~~وائل: "أنه أمر بأسرى من المشركين فأمر من يطعمهم، ثم قرأ: {ويطعمون الطعام ~~على حبه} الآية وقال قتادة: "كان أسيرهم يومئذ المشرك، فأخوك المسلم أحق أن ~~تطعمه". وعن الحسن: {وأسيرا} قال: "كانوا مشركين" وقال مجاهد: "الأسير ~~المسجون" وقال ابن جبير وعطاء: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا} قالا: هم أهل القبلة وغيرهم". # قال أبو بكر: الأظهر الأسير المشرك; لأن المسلم المسجون لا يسمى أسيرا ~~على الإطلاق وهذه الآية تدل على أن في إطعام الأسير قربة، ويقتضي ظاهره ~~جواز إعطائه من سائر الصدقات; إلا أن أصحابنا لا يجيزون إعطاءه من الزكوات ~~وصدقات المواشي وما كان أخذه منها إلى الإمام، ويجيز أبو حنيفة ومحمد جواز ~~إعطائه من الكفارات ونحوها، وأبو يوسف لا يجيز دفع الصدقة الواجبة إلا إلى ~~المسلم، وقد بيناه فيما سلف. آخر سورة الإنسان. # PageV03P633 ### | ومن سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} ، قال الشعبي: ~~يعني أنه جعل ظهرها للأحياء وبطنها للأموات، والكفات الضمام، فأراد أنها ~~تضمهم في الحالين. وروى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد: {ألم نجعل الأرض ~~كفاتا} قال: "تكفت الميت فلا يرى منه شيء"; وأحياء قال: "الرجل في بيته لا ~~يرى من عمله شيء". قال أبو بكر: وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن ~~شعره وسائر ما يزايله، وهذا يدل على أن شعره وشيئا من بدنه لا يجوز بيعه ~~ولا التصرف فيه; لأن الله قد ms2922 أوجب دفنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لعن الله الواصلة" وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، فمنع الانتفاع به، وهو ~~معنى ما دلت عليه الآية. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {ثم أماته} فأقبره ~~[عبس:21] يعني أنه جعل له قبرا". وروي في تأويل الآية غير ذلك وعن ابن ~~مسعود: "أنه أخذ قملة فدفنها في المسجد في الحصى، ثم قال: قال الله تعالى: ~~{ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا} . وعن أبي أمامة مثله. وأخذ عبيد بن ~~عمير قملة عن ابن عمر فطرحها في المسجد. # قال أبو بكر: هذا التأويل لا ينفي الأول وعمومه يقتضي الجميع. آخر سورة ~~المرسلات. # PageV03P634 ### | ومن سورة إذا السماء انشقت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} ، قال مجاهد: الشفق النهار، ألا تراه قال ~~الله تعالى: {والليل وما وسق} ، وقال عمر بن عبد العزيز: "الشفق البياض" ~~وقال أبو جعفر محمد بن علي: "الشفق السواد الذي يكون إذا ذهب البياض". # قال أبو بكر: الشفق في الأصل الرقة، ومنه ثوب شفق إذا كان رقيقا، ومنه ~~الشفقة وهو رقة القلب. وإذا كان هذا أصله فهو بالبياض أولى منه بالحمرة; ~~لأن أجزاء الضياء رقيقة في هذه الحال وفي وقت الحمرة أكثف. # وقوله تعالى: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} ، يستدل به على وجوب ~~سجدة التلاوة لذمه لتارك السجود عند سماع التلاوة; وظاهره يقتضي إيجاب ~~السجود عند سماع سائر القرآن، إلا أنا خصصنا منه ما عدا مواضع السجود ~~واستعملناه في مواضع السجود بعموم اللفظ ولأنا لو لم نستعمله على ذلك كنا ~~قد ألغينا حكمه رأسا. # فإن قيل: إنما أراد به الخضوع; لأن اسم السجود يقع على الخضوع; قيل له: ~~هو كذلك، إلا أنه خضوع على وصف، وهو وضع الجبهة على الأرض، كما أن الركوع ~~والقيام والصيام والحج وسائر العبادات خضوع ولا يسمى سجودا; لأنه خضوع على ~~صفة إذا خرج عنها لم يسم به. آخر سورة إذا السماء انشقت. # PageV03P635 ### | ومن سورة سبح اسم ربك الأعلى # يسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {قد ms2923 أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} ; روي عن عمر بن عبد ~~العزيز وأبي العالية قالا: "أدى زكاة الفطر ثم خرج إلى الصلاة". وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بإخراج صدقة الفطر قبل الخروج إلى ~~المصلى وقال ابن عباس" "السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة". # قال أبو بكر: ويستدل بقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} على جواز افتتاح ~~الصلاة بسائر الأذكار; لأنه لما ذكر عقيب ذكر اسم الله الصلاة متصلا به; إذ ~~كانت الفاء للتعقيب بلا تراخ دل على أن المراد افتتاح الصلاة. آخر سورة ~~سبح. # PageV03P636 ### | ومن سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فك رقبة} روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: ~~علمني عملا يدخلني الجنة; قال: "أعتق النسمة وفك الرقبة" قال: أليسا سواء ~~يا رسول الله؟ فقال: "لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين ~~في ثمنها". # قال أبو بكر: قد اقتضى ذلك جواز إعطاء المكاتب من الصدقات; لأنه معونة في ~~ثمنه، وهو نحو قوله في شأن الصدقات: {وفي الرقاب} [البقرة: 177] . وقوله ~~تعالى: {ذي مسغبة} ذي مجاعة. # وقوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} قال ابن عباس: "المتربة بقعة التراب، ~~أي هو مطروح في التراب لا يواريه عن الأرض شيء"، وعن ابن عباس أيضا رواية: ~~"المتربة شدة الحاجة، من قولهم ترب الرجل إذا افتقر". # وقوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} معناه: وكان من الذين آمنوا، ~~فصارت" ثم" ههنا بمعنى "الواو". آخر السورة. # PageV03P637 ### | ومن سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} قيل: لا تقهره بظلمه وأخذ ماله. وخص ~~اليتيم; لأنه لا ناصر له غير الله، فغلظ في أمره لتغليظ العقوبة على ظالمه. ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا ظلم من لا ناصر له ~~غير الله". # وقوله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} فيه نهي عن إغلاظ القول له; لأن ~~الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول; وقد أمر في آية أخرى بحسن ms2924 القول له، وهو ~~قوله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ~~ميسورا} [الإسراء:28] وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ~~أريد به جميع المكلفين. آخر السورة. # PageV03P638 ### | ومن سورة ألم نشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} . حدثنا عبد الله بن ~~محمد المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن الحسن في قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا} قال: خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوما وهو مسرور يضحك وهو يقول: "لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر ~~يسرين إن مع العسر يسرا". قال أبو بكر: يعني أن العسر المذكور بديا هو ~~المثنى به آخرا; لأنه معرف بالألف واللام فيرجع إلى العهد المذكور، واليسر ~~الثاني غير الأول; لأنه منكور، ولو أراد الأول لعرفه بالألف واللام. # وقوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} قال ابن عباس: "إذا فرغت من فرضك فانصب ~~إلى ما رغبك تعالى فيه من العمل" وقال الحسن: "فإذا فرغت من جهاد أعدائك ~~فانصب إلى ربك في العبادة" وقال قتادة: "فإذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك ~~في الدعاء". وقال مجاهد: "فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب إلى عبادة ربك". ~~وهذه المعاني كلها محتملة، والوجه حمل اللفظ عليها كلها فيكون جميعها ~~مرادا، وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإن المراد به جميع ~~المكلفين. آخر السورة. # PageV03P639 ### | ومن سورة ليلة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} إلى قوله: {ليلة القدر خير من ~~ألف شهر} . قيل: إنما هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وذلك لما ~~يقسم فيها من الخير الكثير الذي لا يكون مثله في ألف شهر، فكانت أفضل من ~~ألف شهر لهذا المعنى. وإنما وجه تفضيل الأوقات والأماكن بعضها على بعض لما ~~يكون فيها من الخير الجزيل والنفع الكثير. # واختلفت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر ms2925 متى تكون، ~~واختلفت الصحابة فيها، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليلة ثلاث ~~وعشرين رواه ابن عباس. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "التمسوها في العشر الأواخر واطلبوها في كل وتر". وعن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليلة تسع عشرة من رمضان وليلة إحدى ~~وعشرين وليلة ثلاث وعشرين". وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر". وروي أنه قال: "في سبع وعشرين". ~~حدثنا محمد بن بكر البصري قال: أخبرنا أبو داود قال: حدثنا حميد بن زنجويه ~~النسائي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ~~قال: أخبرنا موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: "هي في كل ~~رمضان". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سليمان بن حرب ~~ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر قال: "قلت لأبي بن كعب: ~~أخبرني عن ليلة القدر يا أبا المنذر فإن صاحبنا - يعني عبد الله بن مسعود - ~~سئل عنها فقال: من يقم الحول يصبها; فقال رحم الله أبا عبد الرحمن، والله ~~لقد علم أنها في رمضان ولكن كره أن يتكلوا، والله إنها في رمضان ليلة سبع ~~وعشرين! ". # قال أبو بكر: هذه الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة، فتكون في سنة في بعض ~~الليالي وفي سنة أخرى في غيرها وفي سنة أخرى في العشر الأواخر من رمضان وفي ~~سنة # PageV03P640 ### | ومن سورة لم يكن الذين كفروا # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} ، فيه ~~أمر بإخلاص العبادة له، وهو أن لا يشرك فيها غيره; لأن الإخلاص ضد الإشراك ~~وليس له تعلق بالنية لا في وجودها ولا في فقدها فلا يصح الاستدلال به في ~~إيجاب النية; ms2926 لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة ونفي ~~الإشراك فيها. آخر السورة. # PageV03P642 ### | ومن سورة أرأيت الذي يكذب بالدين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} ; قال ابن عباس: "يؤخرونها عن ~~وقتها"، وكذلك قال مصعب بن سعد عن سعد وروى مالك بن دينار عن الحسن قال: ~~"يسهون عن ميقاتها حتى يفوت". وروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: هم ~~المنافقون يؤخرونها عن وقتها يراءون بصلاتهم إذا صلوا". وقال أبو العالية: ~~"هو الذي لا يدري أعلى شفع انصرف أو على وتر". قال أبو بكر: يشهد لهذا ~~التأويل ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا غرار في الصلاة ولا ~~تسليم"، ومعناه أنه لا ينصرف منها على غرار وهو شاك فيها. ونظيره ما روى ~~أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا ~~صلى أم أربعا فليصل ركعة أخرى، وإن كان قد تمت صلاته فالركعة والسجدتان له ~~نافلة". وروي عن مجاهد: {ساهون} قال: "لاهون". قال أبو بكر: كأنه أراد أنهم ~~يسهون للهوهم عنها، فإنما استحقوا اللوم لتعرضهم للسهو لقلة فكرهم فيها; إذ ~~كانوا مرائين في صلاتهم; لأن السهو الذي ليس من فعله لا يستحق العقاب عليه. # وقوله تعالى: {يدع اليتيم} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يدفعه عن حقه". # وقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} قال علي وابن عباس رواية وابن عمر وابن ~~المسيب: "الماعون الزكاة". وروى الحارث عن علي: "الماعون منع الفأس والقدر ~~والدلو"، وكذلك قال ابن مسعود. وعن ابن عباس رواية أخرى: "العارية". وقال ~~ابن المسيب: "الماعون المال". وقال أبو عبيدة: "كل ما فيه منفعة فهو ~~الماعون". # قال أبو بكر: يجوز أن يكون جميع ما روي فيه مرادا; لأن عارية هذه الآلات ~~قد تكون واجبة في حال الضرورة ms2927 إليها ومانعها مذموم مستحق للذم، وقد يمنعها ~~المانع لغير ضرورة فينبئ ذلك عن لؤم ومجانبة أخلاق المسلمين; وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". آخر السورة. # PageV03P643 ### | ومن سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} ; قال الحسن: "صلاة يوم النحر ونحر البدن" ~~وقال عطاء ومجاهد: "صل الصبح بجمع وانحر البدن بمنى". قال أبو بكر: وهذا ~~التأويل يتضمن معنيين: أحدهما: إيجاب صلاة الأضحى، والثاني: وجوب الأضحية، ~~وقد ذكرناه فيما سلف. وروى حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن أبيه عن علي ~~{فصل لربك وانحر} قال: وضع اليد اليمنى على الساعد الأيسر ثم وضعه على ~~صدره". وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس: {فصل لربك وانحر} قال: "وضع اليمين ~~على الشمال عند النحر في الصلاة". وروي عن عطاء أنه رفع اليدين في الصلاة. ~~وقال الفراء: "يقال: استقبل القبلة بنحرك". # فإن قيل: يبطل التأويل الأول حديث البراء بن عازب قال: خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى إلى البقيع، فبدأ فصلى ركعتين، ثم أقبل ~~علينا بوجهه وقال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع ~~فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله ~~لأهله ليس من النسك في شيء"، فسمى صلاة العيد والنحر سنة، فدل على أنه لم ~~يؤمر بهما في الكتاب. قيل له: ليس كما ظننت; لأن ما سنه الله وفرضه فجائز ~~أن نقول: هذا سنتنا وهذا فرضنا كما نقول: هذا ديننا، وإن كان الله فرضه ~~علينا، وتأويل من تأوله على حقيقة نحر البدن أولى; لأنه حقيقة اللفظ ولأنه ~~لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره; لأن من قال: نحر فلان اليوم; عقل منه نحر البدن ~~ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار; ويدل على أن المراد الأول اتفاق ~~الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر. وقد روي عن علي وأبي هريرة وضع ~~اليمين على اليسار أسفل السرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه ms2928 وسلم أنه ~~كان يضع يمينه على شماله في الصلاة من وجوه كثيرة. آخر السورة. # PageV03P644 ### | ومن سورة الكافرين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} . قال أبو بكر: هذه الآية وإن كانت خاصة ~~في بعض الكفار دون بعض; لأن كثيرا منهم قد أسلموا، وقد قال: {ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد} ، فإنها قد دلت على أن الكفر كله ملة واحدة; لأن من لم ~~يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم دينا واحدا ودين ~~الإسلام دينا واحدا فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة. آخر ~~السورة. # PageV03P645 ### | ومن سورة إذا جاء نصر الله # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} ; روي أنه فتح مكة. وهذا يدل على ~~أنها فتحت عنوة; لأن إطلاق اللفظ يقتضيه ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد. # وقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} ; روى أبو الضحى عن مسروق عن ~~عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~"سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن". وروى الأعمش عن مسلم عن ~~مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل ~~أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" قالت: قلت: يا رسول ~~الله ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثتها؟ قال: "جعلت لي علامة في أمتي ~~إذا رأيتها قلتها إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخرها". آخر السورة. # PageV03P646 ### | ومن سورة تبت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} ; روي عن ابن عباس: "وما كسب ~~يعني ولده" وسماهم ابن عباس الكسب الخبيث. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه". قال أبو بكر: هو ~~كقوله: "أنت ومالك لأبيك" وهو يدل على صحة استيلاد الأب لجارية ابنه وأنه ~~مصدق عليه وتصير أم ولده. ويدل على أن الوالد لا يقتل بولده; لأنه سماه ~~كسبا له كما ms2929 لا يقاد لعبده الذي هو كسبه. # وقوله تعالى: {سيصلى نارا ذات لهب} . إحدى الدلالات على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم; لأنه أخبر بأنه وامرأته سيموتان على الكفر ولا يسلمان، ~~فوجد مخبره على ما أخبر به، وقد كان هو وامرأته سمعا بهذه السورة ولذلك ~~قالت امرأته: إن محمدا هجانا، فلو أنهما قالا: قد أسلمنا وأظهرا ذلك وإن لم ~~يعتقداه لكانا قد ردا هذا القول ولكان المشركون يجدون متعلقا، ولكن الله ~~علم أنهما لا يسلمان لا بإظهاره ولا باعتقاده فأخبر بذلك وكان مخبره على ما ~~أخبر به. وهذا نظير قوله لو قال: إنكما لا تتكلمان اليوم، فلم يتكلما مع ~~ارتفاع الموانع وصحة الآلة، فيكون ذلك من أظهر الدلالات على صحة نبوته. ~~وإنما ذكر الله أبا لهب بكنيته وذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، وكذلك ~~زيد وكل من ذكره في الكتاب فإنما ذكرهم بالاسم دون الكنية; لأن أبا لهب كان ~~اسمه عبد العزى، وغير جائز تسميته بهذا الاسم، فلذلك عدل عن اسمه إلى ~~كنيته. آخر السورة. # PageV03P647 ### | ومن سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الجحفة والأبواء; إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول: "يا عقبة ~~تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما"، قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة. ~~وروي عن جعفر بن محمد قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرقاه ~~بالمعوذتين. وقالت عائشة: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من ~~العين وروى الشعبي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~رقية إلا من عين أو حمى" وعن أنس عن النبي صلى ms2930 الله عليه وسلم مثله. وحدثنا ~~محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو ~~معاوية قال: حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي ~~زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة عبد الله عن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قالت: قلت: ~~لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني ~~فإذا رقاني سكنت؟ فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده ~~فإذا رقاهما كف عنهما، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ~~شفاء لا يغادر سقما". # وقوله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} ; قال أبو صالح: النفاثات في ~~العقد "السواحر". وروى معمر عن قتادة أنه تلا: {ومن شر النفاثات في العقد} ~~قال: "إياكم وما يخالط من السحر من هذه الرقى". قال أبو بكر: النفاثات في ~~العقد السواحر ينفثن على العليل ويرقونه بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم للكواكب ~~ويطعمن العليل الأدوية الضارة والسموم القاتلة ويحتالون في التوصل إلى ذلك ~~ثم يزعمن أن ذلك من رقاهن، PageV03P648 ms2931